{"ً":{"ٌ":685,"ٍ":"أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى والقضاء","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/atwrmtb/atwrmtb.pdf"]},"ّ":"الكتاب: أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى والقضاء\nأصل الكتاب: أطروحة دكتوراة في الفقه المقارن\nالمؤلف: د حاتم الحاج\nإشراف: د صلاح الصاوي\nالناشر: دار بلال بن رباح (القاهرة) - دار ابن حزم (القاهرة)\nالطبعة: الثانية، ١٤٤٠ - ٢٠١٩ م\nعدد الصفحات: ٨٤٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3144,"ٕ":19,"ٖ":1780758707,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقديم الدكتور صلاح الصاوي","level":1,"page":1},{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"أهمية البحث والدراسة في الموضوع في زمننا","level":2,"page":4},{"title":"سبب اختياري للموضوع","level":2,"page":5},{"title":"بعض ما كتب مما له تعلق بالفقه والطب معا","level":2,"page":6},{"title":"منهجي وأسلوبي في البحث","level":2,"page":9},{"title":"خطة الرسالة","level":2,"page":13},{"title":"التمهيد","level":1,"page":17},{"title":"التداخل بين الفقه والطب","level":2,"page":18},{"title":"تعريف الفقه","level":2,"page":18},{"title":"تعريف الطب","level":2,"page":20},{"title":"حاجة الطب إلى الفقه","level":2,"page":24},{"title":"حاجة الفقه إلى الطب","level":2,"page":26},{"title":"مسألة تغير الفتوى","level":2,"page":28},{"title":"تعريف الفتوى والقضاء","level":2,"page":28},{"title":"المقصود الفتوى لا الحكم الشرعي","level":2,"page":29},{"title":"تغير الفتوى ليس أمرا محدثا","level":2,"page":36},{"title":"أقوال لأهل العلم عن تغير الفتوى","level":2,"page":38},{"title":"ضوابط تغير الفتوى","level":2,"page":44},{"title":"أهل السنة لا يهملون دليل الحس","level":2,"page":47},{"title":"كيف تتغير الفتوى بتغير المعارف والصناعة الطبية؟","level":2,"page":50},{"title":"أي المعلومات الطبية نقبل؟","level":2,"page":52},{"title":"من الذي يتصدى لتغيير الفتوى؟","level":2,"page":56},{"title":"الباب الأول: مسائل من أبواب العبادات","level":1,"page":57},{"title":"الفصل الأول: الطهارة","level":2,"page":58},{"title":"المبحث الأول: ختان البنات","level":3,"page":60},{"title":"تعريف الختان","level":4,"page":60},{"title":"المطلب الأول: حكم الختان","level":4,"page":62},{"title":"الآثار الواردة في الختان","level":5,"page":62},{"title":"عرض أقوال الفقهاء في حكم الختان","level":5,"page":66},{"title":"الترجيح","level":5,"page":70},{"title":"المطلب الثاني: ختان البنات ورأي الطب","level":4,"page":78},{"title":"مقدمة طبية عن تكوين ووظيفة البظر وقلفته","level":5,"page":78},{"title":"أنواع ختان البنات","level":5,"page":82},{"title":"هل من مضار طبية لختان البنات أو فوائد؟","level":5,"page":84},{"title":"الدراسات العلمية عن ختان البنات","level":5,"page":85},{"title":"الفوائد الطبية لختان البنات","level":5,"page":94},{"title":"المطلب الثالث: حد الختان","level":4,"page":99},{"title":"أقوال أهل العلم ومناقشتها","level":5,"page":100},{"title":"المطلب الرابع: حكم العدوان على فرج المرأة","level":4,"page":108},{"title":"المطلب الخامس: هل تضمن الخاتنة","level":4,"page":112},{"title":"المطلب السادس: هل يقطع من كل النساء؟","level":4,"page":114},{"title":"المطلب السابع: من الذي سيتولى ختن الأولاد والبنات؟","level":4,"page":115},{"title":"المطلب الثامن: متى يكون القطع؟","level":4,"page":117},{"title":"المطلب التاسع: موانع ختان الإناث ومضاعفاته","level":4,"page":120},{"title":"المطلب العاشر: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى بشأن الختان","level":4,"page":121},{"title":"المبحث الثاني: الماء المشمس","level":3,"page":123},{"title":"المناقشة والترجيح","level":4,"page":125},{"title":"المبحث الثالث: الحيض","level":3,"page":129},{"title":"المطلب الأول: الدورة الحيضية","level":4,"page":130},{"title":"مقدمة طبية","level":5,"page":131},{"title":"المطلب الثاني: أقل سن الحيض","level":4,"page":138},{"title":"عرض الأقوال","level":5,"page":139},{"title":"المناقشة والترجيح","level":5,"page":142},{"title":"رأي الطب وأثره على الترجيح","level":5,"page":144},{"title":"المطلب الثالث: أكثر سن الحيض","level":4,"page":146},{"title":"عرض الأقوال","level":5,"page":147},{"title":"المناقشة والترجيح","level":5,"page":149},{"title":"المطلب الرابع: مدة الدورة الحيضية","level":4,"page":151},{"title":"المطلب الخامس: أقل الحيض","level":4,"page":153},{"title":"عرض الأقوال","level":5,"page":153},{"title":"المناقشة والترجيح","level":5,"page":155},{"title":"رأي الطب وأثره على الترجيح","level":5,"page":160},{"title":"المطلب السادس: أكثر الحيض","level":4,"page":162},{"title":"عرض الأقوال","level":5,"page":163},{"title":"المناقشة والترجيح","level":5,"page":164},{"title":"رأي الطب وأثره على الترجيح","level":5,"page":168},{"title":"الترجيح","level":5,"page":169},{"title":"المطلب السابع: أقل الطهر","level":4,"page":171},{"title":"عرض الأقوال","level":5,"page":172},{"title":"المناقشة والترجيح","level":5,"page":176},{"title":"رأي الطب وأثره على الترجيح","level":5,"page":178},{"title":"المطلب الثامن: أكثر الطهر","level":4,"page":180},{"title":"المطلب التاسع: المبتدأة والمتحيرة","level":4,"page":181},{"title":"المطلب العاشر: الصفرة والكدرة","level":4,"page":184},{"title":"عرض الأقوال","level":5,"page":185},{"title":"المناقشة والترجيح","level":5,"page":187},{"title":"رأي الطب وأثره على الترجيح","level":5,"page":192},{"title":"المطلب الحادي عشر: حيض الحامل والدم يكون قبيل الولادة","level":4,"page":194},{"title":"عرض الأقوال","level":5,"page":194},{"title":"أدلة القائلين بأن الحامل تحيض","level":5,"page":200},{"title":"أدلة القائلين بأن الحامل لا تحيض","level":5,"page":201},{"title":"موقف الطب من حيض الحامل","level":5,"page":202},{"title":"مناقشة الأدلة والترجيح","level":5,"page":203},{"title":"الخلاف بين الفقهاء لن يرتفع بالكلية بتطور الطب","level":5,"page":205},{"title":"المبحث الرابع: النفاس","level":3,"page":206},{"title":"المطلب الأول: بم يثبت النفاس","level":4,"page":207},{"title":"المطلب الثاني: أكثر النفاس","level":4,"page":210},{"title":"عرض الأقوال","level":5,"page":213},{"title":"المناقشة والترجيح","level":5,"page":215},{"title":"رأي الطب وأثره على الترجيح","level":5,"page":218},{"title":"المطلب الثالث: نفاس المرأة تلد التوأمين","level":4,"page":219},{"title":"عرض الأقوال","level":5,"page":219},{"title":"المناقشة والترجيح","level":5,"page":223},{"title":"رأي الطب الحديث وأثره على الترجيح","level":5,"page":223},{"title":"الترجيح","level":5,"page":224},{"title":"الفصل الثاني: الجنائز","level":2,"page":225},{"title":"المبحث الأول: علامات الموت","level":3,"page":227},{"title":"الحياة والموت بين الفقه والطب","level":4,"page":230},{"title":"أولا: في الفقه","level":5,"page":230},{"title":"ثانيا: في الطب","level":5,"page":237},{"title":"موت الدماغ في الطب الحديث","level":4,"page":239},{"title":"مقدمة","level":5,"page":239},{"title":"ما هو موت الدماغ وتاريخه ومعايير تشخيصه؟","level":5,"page":240},{"title":"تاريخ موت الدماغ","level":5,"page":240},{"title":"أسباب موت الدماغ","level":5,"page":241},{"title":"معايير تشخيص موت الدماغ","level":5,"page":242},{"title":"أقوال المعاصرين في موت الدماغ","level":5,"page":250},{"title":"قرارات المجامع الفقهية بشأن موت الدماغ","level":5,"page":253},{"title":"أولا: قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي","level":6,"page":253},{"title":"ثانيا: قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي","level":6,"page":254},{"title":"ثالثا: توصيات ندوة الحياة الإنسانية: بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي","level":6,"page":255},{"title":"مناقشة الأدلة والترجيح","level":5,"page":258},{"title":"أولا: أدلة من اعتبر موت الدماغ موتا للإنسان","level":6,"page":258},{"title":"ثانيا: أدلة القائلين بأن موت الدماغ ليس موتا للإنسان ولا يأخذ حكمه","level":6,"page":263},{"title":"الترجيح والتوصيات","level":5,"page":267},{"title":"المبحث الثاني: انتهاك حرمة الميت والتشريح","level":3,"page":271},{"title":"أقوال المعاصرين في حكم التشريح","level":4,"page":273},{"title":"أدلة المانعين","level":5,"page":274},{"title":"أدلة المبيحين","level":5,"page":277},{"title":"الترجيح","level":5,"page":280},{"title":"الفصل الثالث: الصيام","level":2,"page":282},{"title":"مبحث: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى بشأن مفطرات الصيام","level":3,"page":284},{"title":"المطلب الأول: المقدمة الطبية","level":4,"page":286},{"title":"أولا: الجوف في الطب الحديث","level":5,"page":287},{"title":"التجويف الدماغي","level":5,"page":289},{"title":"تجاويف عظام الوجه والجمجمة","level":5,"page":290},{"title":"الأذن","level":5,"page":291},{"title":"العين","level":5,"page":292},{"title":"الأنف","level":5,"page":293},{"title":"التجويف الصدري","level":5,"page":294},{"title":"التجويف البطني","level":5,"page":294},{"title":"تجويف المثانة","level":5,"page":295},{"title":"تجويف الرحم والجهاز التناسلي الأنثوي","level":5,"page":296},{"title":"السبيل الهضمي","level":5,"page":297},{"title":"المطلب الثاني: الخلاف الفقهي على الجوف","level":4,"page":300},{"title":"الترجيح","level":5,"page":307},{"title":"المطلب الثالث: الخلاف الفقهي على المنافذ","level":4,"page":309},{"title":"الأنف","level":5,"page":310},{"title":"العين","level":5,"page":312},{"title":"الترجيح","level":5,"page":314},{"title":"الأذن","level":5,"page":316},{"title":"الإحليل وفرج المرأة","level":5,"page":319},{"title":"قبل المرأة","level":5,"page":321},{"title":"الدبر","level":5,"page":323},{"title":"مسائل أخرى تستحق البحث في باب العبادات","level":4,"page":326},{"title":"الباب الثاني: مسائل من أبواب العادات","level":1,"page":327},{"title":"الفصل الأول: الأطعمة","level":2,"page":328},{"title":"المبحث الأول: الجلالة","level":3,"page":330},{"title":"المطلب الأول: التعريف بالجلالة","level":4,"page":331},{"title":"المطلب الثاني: حكم الجلالة","level":4,"page":333},{"title":"عرض الأقوال","level":5,"page":335},{"title":"أدلة التحريم","level":5,"page":338},{"title":"المناقشة والترجيح","level":5,"page":340},{"title":"المطلب الثالث: حكم تقديم العلف النجس أو المتنجس للحيوان","level":4,"page":343},{"title":"الترجيح","level":5,"page":348},{"title":"المطلب الرابع: حكم إطعام الدواب الميتات","level":4,"page":350},{"title":"فرع: هل للاستحالة أثر على تغير الحكم بشأن إطعام الأعلاف النجسة للحيوان","level":5,"page":351},{"title":"عرض الأقوال","level":5,"page":353},{"title":"المناقشة والترجيح","level":5,"page":356},{"title":"الترجيح","level":5,"page":358},{"title":"المطلب الخامس: تطور المعارف الطبية بشأن إطعام النجاسات والميتات للحيوان","level":4,"page":359},{"title":"المطلب السادس: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى في هذا الباب","level":4,"page":360},{"title":"المبحث الثاني: حكم التدخين","level":3,"page":362},{"title":"المطلب الأول: تعريف الدخان وتاريخه","level":4,"page":363},{"title":"المطلب الثاني: اختلاف العلماء في حكم التبغ","level":4,"page":364},{"title":"المناقشة والترجيح","level":5,"page":368},{"title":"المطلب الثالث: رأي الطب في التدخين","level":4,"page":372},{"title":"المطلب الرابع: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى بشأن التدخين","level":4,"page":373},{"title":"الفصل الثاني: الاستمناء","level":2,"page":376},{"title":"تعريف الاستمناء","level":3,"page":376},{"title":"حكم الاستمناء","level":3,"page":376},{"title":"عرض الخلاف حول الاستمناء","level":3,"page":377},{"title":"مناقشة الآراء والترجيح","level":3,"page":382},{"title":"فرع: وحكم المرأة كحكم الرجل فإنما النساء شقائق الرجال","level":4,"page":386},{"title":"فرع: تدابير تغني أصحاب النفوس الكبيرة عن الاستمناء","level":4,"page":387},{"title":"الفصل الثالث: حكم التداوي","level":2,"page":388},{"title":"المبحث الأول: حكم التداوي عموما","level":3,"page":390},{"title":"المطلب الأول: أقوال الفقهاء في التداوي ومناقشتها","level":4,"page":391},{"title":"أدلة عدم الوجوب","level":5,"page":392},{"title":"أدلة الوجوب","level":5,"page":396},{"title":"الترجيح","level":5,"page":400},{"title":"ليس التداوي بواجب في كل حال","level":5,"page":401},{"title":"اتفاق أكثر المعاصرين على وجوب التداوي في بعض الأحوال","level":5,"page":402},{"title":"المطلب الثاني: أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى بشأن التداوي","level":4,"page":404},{"title":"المبحث الثاني: مداواة حالة الحياة النباتية المستمرة","level":3,"page":410},{"title":"التعريف بالحالة النباتية المستمرة","level":4,"page":410},{"title":"مداواة المريض بالحالة النباتية المستمرة","level":4,"page":412},{"title":"مسائل أخرى تستحق البحث في باب العادات","level":4,"page":418},{"title":"الباب الثالث: مسائل من أبواب المعاملات","level":1,"page":419},{"title":"الفصل الأول: أحكام متعلقة بالنكاح والعدد","level":2,"page":420},{"title":"المبحث الأول: أقل الحمل","level":3,"page":422},{"title":"المطلب الأول: أقوال السادة الفقهاء","level":4,"page":423},{"title":"المطلب الثاني: رأي الطب","level":4,"page":427},{"title":"المطلب الثالث: التوفيق بين أقوال الفقهاء ورأي الطب الحديث وأثر تطور الصناعة الطبية على الفتوى في هذا الباب","level":4,"page":431},{"title":"المبحث الثاني: أكثر الحمل","level":3,"page":436},{"title":"المطلب الأول: آراء السادة الفقهاء في أقصى مدة الحمل","level":4,"page":438},{"title":"أدلة من تمسك بتسعة الأشهر","level":5,"page":439},{"title":"دليل من قال بالسنة","level":5,"page":441},{"title":"دليل من قال بالسنتين","level":5,"page":441},{"title":"دليل من قال بالأربع","level":5,"page":443},{"title":"دليل من ترك التحديد","level":5,"page":445},{"title":"المطلب الثاني: رأي الطب في أكثر مدة الحمل","level":4,"page":446},{"title":"المطلب الثالث: التوفيق بين آراء الفقهاء والمعارف الطبية الحديثة وأثر تطورها على الفتوى في هذا الباب","level":4,"page":450},{"title":"المبحث الثالث: الإشراك في النسب والحمل من ماءين","level":3,"page":454},{"title":"المطلب الأول: اختلاف الفقهاء في الاشتراك في النسب والحمل من ماءين","level":4,"page":455},{"title":"عرض أقوال الفقهاء","level":5,"page":456},{"title":"أدلة من قال بالاشتراك وإمكان حصول الحمل من ماءين","level":5,"page":457},{"title":"أدلة القائلين بعدم الاشتراك في النسب وأن الحمل لا يكون من ماءين","level":5,"page":460},{"title":"مناقشة الأدلة والترجيح","level":5,"page":461},{"title":"المطلب الثاني: رأي الطب في حصول الحمل من ماءين وأثره على الفتوى","level":4,"page":465},{"title":"المبحث الرابع: العدد","level":3,"page":468},{"title":"عدة من انقطع حيضها أو تباعد","level":4,"page":469},{"title":"المطلب الأول: انقطاع الحيض وتباعده من وجهة نظر الطب","level":4,"page":470},{"title":"المطلب الثاني: آراء الفقهاء في عدة من انقطع أو تباعد حيضها","level":4,"page":472},{"title":"النوع الأول: من انقطع أو تباعد حيضها برضاع أو علة تعرف كمرض يرجى برؤه","level":5,"page":472},{"title":"النوع الثاني: من انقطع أو تباعد حيضها لعلة لا تعرف دون سن الإياس","level":5,"page":475},{"title":"مناقشة الأدلة","level":5,"page":477},{"title":"الترجيح","level":5,"page":483},{"title":"المطلب الثالث: أثر تطور المعارف والصناعة الطبية على الفتوى في هذا الباب","level":4,"page":484},{"title":"الترجيح","level":5,"page":486},{"title":"فرع: فائدة في عدة المستحاضة","level":5,"page":487},{"title":"الفصل الثاني: أحكام متعلقة بالحجر والمواريث","level":2,"page":488},{"title":"المبحث الأول: تحديد البلوغ","level":3,"page":490},{"title":"تمهيد عن مراحل العمر","level":4,"page":491},{"title":"علامات البلوغ","level":4,"page":496},{"title":"اعتبار السن في تحديد البلوغ","level":4,"page":499},{"title":"الحد الأعلى لسن البلوغ","level":4,"page":500},{"title":"المعرفة الطبية","level":4,"page":500},{"title":"أقوال الفقهاء","level":4,"page":500},{"title":"التوفيق بين أقوال الفقهاء والمعرفة الطبية","level":4,"page":501},{"title":"المبحث الثاني: تحديد جنس الخنثى","level":3,"page":503},{"title":"المطلب الأول: التعريف بالخنثى","level":4,"page":504},{"title":"الحقيقة الطبية للخنثى","level":5,"page":504},{"title":"المطلب الثاني: أهمية تحديد جنس الخنثى","level":4,"page":509},{"title":"المطلب الثالث: اجتهادات الفقهاء في تمييز جنس المولود أو الطفل","level":4,"page":511},{"title":"المطلب الرابع: التوفيق بين أقوال الفقهاء والمعارف الطبية","level":4,"page":522},{"title":"عند وجود الأطباء الأكفاء","level":5,"page":524},{"title":"عند عدم وجود الأطباء الأكفاء","level":5,"page":526},{"title":"مسائل أخرى تستحق البحث في باب المعاملات","level":5,"page":528},{"title":"الباب الرابع: مسائل من أبواب القضاء والحدود","level":1,"page":529},{"title":"الفصل الأول: القضاء","level":2,"page":530},{"title":"المبحث الأول: حجية الدليل المادي في الإثبات","level":3,"page":532},{"title":"المطلب الأول: اختلاف الفقهاء في أدلة الإثبات والحكم بالقرائن","level":4,"page":533},{"title":"الفرع الأول: التعريف","level":5,"page":534},{"title":"الفرع الثاني: الإثبات في القضاء الوضعي","level":5,"page":537},{"title":"الفرع الثالث: اختلاف الفقهاء في حصر أدلة الإثبات والعمل بالقرائن","level":5,"page":539},{"title":"القصاص","level":6,"page":542},{"title":"الفرع الرابع: أدلة القائلين بعدم اعتبار القرائن","level":5,"page":547},{"title":"الفرع الخامس: أدلة القائلين باعتبار القرائن","level":5,"page":554},{"title":"الفرع السادس: الترجيح","level":5,"page":564},{"title":"المطلب الثاني: تطور الطب الشرعي","level":4,"page":567},{"title":"المطلب الثالث: أثر تطور الطب الشرعي على أدلة الإثبات والعمل بالقرائن في القضاء الإسلامي","level":4,"page":570},{"title":"فرع: فائدة فيما يستطيع الطب الشرعي أن يقدمه في جرائم الاغتصاب","level":5,"page":572},{"title":"المبحث الثاني: تطبيقات استعمال الدليل المادي","level":3,"page":579},{"title":"تحديد النسب عن طريق الحمض الأميني (البصمة الوراثية)","level":4,"page":580},{"title":"المطلب الأول: تعريف النسب وأدلة ثبوته","level":4,"page":581},{"title":"أدلة ثبوت النسب في الإسلام","level":5,"page":582},{"title":"المطلب الثاني: مسائل مهمة في أحكام النسب","level":4,"page":584},{"title":"المطلب الثالث: التعريف بالبصمة الوراثية","level":4,"page":595},{"title":"المطلب الرابع: حكم اعتماد البصمة الوراثية كدليل على ثبوت الأبوة أو نفيها","level":4,"page":599},{"title":"مجالات استعمال البصمة","level":5,"page":603},{"title":"أما المواطن التي يمكن استخدام البصمة الوراثية فيها دون القيافة فهي فيما يظهر لي","level":5,"page":610},{"title":"الفصل الثاني: الحدود والجنايات","level":2,"page":618},{"title":"المبحث الأول: استيفاء القصاص في العظام والجروح والشجاج وإذهاب المنافع","level":3,"page":620},{"title":"المطلب الأول: أقوال الفقهاء في تحديد ضابط الأمن من الحيف في استيفاء القصاص فيما دون النفس","level":4,"page":623},{"title":"واتفقوا على وجوب القصاص","level":5,"page":624},{"title":"واتفقوا على عدم القصاص","level":5,"page":624},{"title":"واختلفوا - ﵏ - في إمكانية المماثلة والأمن من الحيف","level":5,"page":625},{"title":"القطع من غير مفصل","level":5,"page":625},{"title":"الترجيح","level":5,"page":627},{"title":"ما دون الموضحة من الشجاج، والجروح التي لا تنتهي إلى عظم","level":5,"page":628},{"title":"ولا خلاف بين الفقهاء سوى ابن حزم في عدم القصاص","level":5,"page":629},{"title":"ما فوق الموضحة في البدن","level":5,"page":630},{"title":"كسر العظام","level":5,"page":631},{"title":"المطلب الثاني: في الرجوع إلى أهل الرأي والخبرة","level":4,"page":634},{"title":"المطلب الثالث: رأي الطب الحديث في إمكانية استيفاء القصاص من غير حيف أو سراية","level":4,"page":636},{"title":"المطلب الرابع: أثر تطور الصناعة الطبية على الفتوى بشأن استيفاء القصاص","level":4,"page":641},{"title":"المبحث الثاني: حكم الإجهاض","level":3,"page":644},{"title":"المطلب الأول: مراحل تخليق ونمو الجنين كما يراها الطب الحديث","level":4,"page":648},{"title":"المطلب الثاني: حكم الإجهاض في الفقه الإسلامي","level":4,"page":656},{"title":"عرض أقوال أهل العلم","level":5,"page":657},{"title":"أقوال المعاصرين","level":5,"page":660},{"title":"مجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي","level":5,"page":660},{"title":"مجمع الفقه التابع للمنظمة","level":5,"page":661},{"title":"هيئة كبار العلماء في السعودية","level":5,"page":662},{"title":"لجنة الفتوى بالكويت","level":5,"page":663},{"title":"المطلب الثالث: متى تبدأ الحياة الإنسانية؟","level":4,"page":666},{"title":"١ - تبدأ الحياة الإنسانية عند الإخصاب","level":5,"page":666},{"title":"٢ - تبدأ الحياة الإنسانية بنفخ الروح عند اليوم الأربعين أو حواليه","level":5,"page":669},{"title":"٣ - تبدأ الحياة الإنسانية عند تمام أربعة الأشهر","level":5,"page":678},{"title":"الترجيح","level":5,"page":681},{"title":"فرع: هل يجب القصاص في الجناية على الجنين بعد نفخ الروح؟","level":5,"page":687},{"title":"مسائل أخرى تستحق البحث في باب القضاء والحدود","level":5,"page":689},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":692},{"title":"فهرس المراجع","level":1,"page":704},{"title":"أ- المراجع العربية","level":2,"page":704},{"title":"ب- المراجع الأجنبية","level":2,"page":736}],"ٛ":{"1,3":1,"1,7":2,"1,8":3,"1,9":4,"1,10":5,"1,11":6,"1,12":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,23":17,"1,25":18,"1,26":19,"1,27":20,"1,28":21,"1,29":22,"1,30":23,"1,31":24,"1,32":25,"1,33":26,"1,34":27,"1,35":28,"1,36":29,"1,37":30,"1,38":31,"1,39":32,"1,40":33,"1,41":34,"1,42":35,"1,43":36,"1,44":37,"1,45":38,"1,46":39,"1,47":40,"1,48":41,"1,49":42,"1,50":43,"1,51":44,"1,52":45,"1,53":46,"1,54":47,"1,55":48,"1,56":49,"1,57":50,"1,58":51,"1,59":52,"1,60":53,"1,61":54,"1,62":55,"1,63":56,"1,65":57,"1,67":58,"1,69":59,"1,71":60,"1,72":61,"1,73":62,"1,74":63,"1,75":64,"1,76":65,"1,77":66,"1,78":67,"1,79":68,"1,80":69,"1,81":70,"1,82":71,"1,83":72,"1,84":73,"1,85":74,"1,86":75,"1,87":76,"1,88":77,"1,89":78,"1,90":79,"1,91":80,"1,92":81,"1,93":82,"1,94":83,"1,95":84,"1,96":85,"1,97":86,"1,98":87,"1,99":88,"1,100":89,"1,101":90,"1,102":91,"1,103":92,"1,104":93,"1,105":94,"1,106":95,"1,107":96,"1,108":97,"1,109":98,"1,110":99,"1,111":100,"1,112":101,"1,113":102,"1,114":103,"1,115":104,"1,116":105,"1,117":106,"1,118":107,"1,119":108,"1,120":109,"1,121":110,"1,122":111,"1,123":112,"1,124":113,"1,125":114,"1,126":115,"1,127":116,"1,128":117,"1,129":118,"1,130":119,"1,131":120,"1,132":121,"1,133":122,"1,135":123,"1,136":124,"1,137":125,"1,138":126,"1,139":127,"1,140":128,"1,141":129,"1,143":130,"1,144":131,"1,145":132,"1,146":133,"1,147":134,"1,148":135,"1,149":136,"1,150":137,"1,151":138,"1,152":139,"1,153":140,"1,154":141,"1,155":142,"1,156":143,"1,157":144,"1,158":145,"1,159":146,"1,160":147,"1,161":148,"1,162":149,"1,163":150,"1,164":151,"1,165":152,"1,166":153,"1,167":154,"1,168":155,"1,169":156,"1,170":157,"1,171":158,"1,172":159,"1,173":160,"1,174":161,"1,175":162,"1,176":163,"1,177":164,"1,178":165,"1,179":166,"1,180":167,"1,181":168,"1,182":169,"1,183":170,"1,184":171,"1,185":172,"1,186":173,"1,187":174,"1,188":175,"1,189":176,"1,190":177,"1,191":178,"1,192":179,"1,193":180,"1,194":181,"1,195":182,"1,196":183,"1,197":184,"1,198":185,"1,199":186,"1,200":187,"1,201":188,"1,202":189,"1,203":190,"1,204":191,"1,205":192,"1,206":193,"1,207":194,"1,208":195,"1,209":196,"1,210":197,"1,211":198,"1,212":199,"1,213":200,"1,214":201,"1,215":202,"1,216":203,"1,217":204,"1,218":205,"1,219":206,"1,221":207,"1,222":208,"1,223":209,"1,224":210,"1,225":211,"1,226":212,"1,227":213,"1,228":214,"1,229":215,"1,230":216,"1,231":217,"1,232":218,"1,233":219,"1,234":220,"1,235":221,"1,236":222,"1,237":223,"1,238":224,"1,239":225,"1,241":226,"1,243":227,"1,244":228,"1,245":229,"1,246":230,"1,247":231,"1,248":232,"1,249":233,"1,250":234,"1,251":235,"1,252":236,"1,253":237,"1,254":238,"1,255":239,"1,256":240,"1,257":241,"1,258":242,"1,259":243,"1,260":244,"1,261":245,"1,262":246,"1,263":247,"1,264":248,"1,265":249,"1,266":250,"1,267":251,"1,268":252,"1,269":253,"1,270":254,"1,271":255,"1,272":256,"1,273":257,"1,274":258,"1,275":259,"1,276":260,"1,277":261,"1,278":262,"1,279":263,"1,280":264,"1,281":265,"1,282":266,"1,283":267,"1,284":268,"1,285":269,"1,287":270,"1,289":271,"1,290":272,"1,291":273,"1,292":274,"1,293":275,"1,294":276,"1,295":277,"1,296":278,"1,297":279,"1,298":280,"1,299":281,"1,301":282,"1,303":283,"1,305":284,"1,306":285,"1,307":286,"1,308":287,"1,309":288,"1,310":289,"1,311":290,"1,312":291,"1,313":292,"1,314":293,"1,315":294,"1,316":295,"1,317":296,"1,318":297,"1,319":298,"1,320":299,"1,321":300,"1,322":301,"1,323":302,"1,324":303,"1,325":304,"1,326":305,"1,327":306,"1,328":307,"1,329":308,"1,330":309,"1,331":310,"1,332":311,"1,333":312,"1,334":313,"1,335":314,"1,336":315,"1,337":316,"1,338":317,"1,339":318,"1,340":319,"1,341":320,"1,342":321,"1,343":322,"1,344":323,"1,345":324,"1,346":325,"1,347":326,"1,349":327,"1,351":328,"1,353":329,"1,355":330,"1,356":331,"1,357":332,"1,358":333,"1,359":334,"1,360":335,"1,361":336,"1,362":337,"1,363":338,"1,364":339,"1,365":340,"1,366":341,"1,367":342,"1,368":343,"1,369":344,"1,370":345,"1,371":346,"1,372":347,"1,373":348,"1,374":349,"1,375":350,"1,376":351,"1,377":352,"1,378":353,"1,379":354,"1,380":355,"1,381":356,"1,382":357,"1,383":358,"1,384":359,"1,385":360,"1,387":361,"1,389":362,"1,390":363,"1,391":364,"1,392":365,"1,393":366,"1,394":367,"1,395":368,"1,396":369,"1,397":370,"1,398":371,"1,399":372,"1,400":373,"1,401":374,"1,403":375,"1,405":376,"1,406":377,"1,407":378,"1,408":379,"1,409":380,"1,410":381,"1,411":382,"1,412":383,"1,413":384,"1,414":385,"1,415":386,"1,416":387,"1,417":388,"1,419":389,"1,421":390,"1,422":391,"1,423":392,"1,424":393,"1,425":394,"1,426":395,"1,427":396,"1,428":397,"1,429":398,"1,430":399,"1,431":400,"1,432":401,"1,433":402,"1,434":403,"1,435":404,"1,436":405,"1,437":406,"1,438":407,"1,439":408,"1,441":409,"1,443":410,"1,444":411,"1,445":412,"1,446":413,"1,447":414,"1,448":415,"1,449":416,"1,450":417,"1,451":418,"1,453":419,"1,455":420,"1,457":421,"1,459":422,"1,460":423,"1,461":424,"1,462":425,"1,463":426,"1,464":427,"1,465":428,"1,466":429,"1,467":430,"1,468":431,"1,469":432,"1,470":433,"1,471":434,"1,473":435,"1,475":436,"1,476":437,"1,477":438,"1,478":439,"1,479":440,"1,480":441,"1,481":442,"1,482":443,"1,483":444,"1,484":445,"1,485":446,"1,486":447,"1,487":448,"1,488":449,"1,489":450,"1,490":451,"1,491":452,"1,493":453,"1,495":454,"1,496":455,"1,497":456,"1,498":457,"1,499":458,"1,500":459,"1,501":460,"1,502":461,"1,503":462,"1,504":463,"1,505":464,"1,506":465,"1,507":466,"1,509":467,"1,511":468,"1,512":469,"1,513":470,"1,514":471,"1,515":472,"1,516":473,"1,517":474,"1,518":475,"1,519":476,"1,520":477,"1,521":478,"1,522":479,"1,523":480,"1,524":481,"1,525":482,"1,526":483,"1,527":484,"1,528":485,"1,529":486,"1,530":487,"1,531":488,"1,533":489,"1,535":490,"1,536":491,"1,537":492,"1,538":493,"1,539":494,"1,540":495,"1,541":496,"1,542":497,"1,543":498,"1,544":499,"1,545":500,"1,546":501,"1,547":502,"1,549":503,"1,551":504,"1,552":505,"1,553":506,"1,554":507,"1,555":508,"1,556":509,"1,557":510,"1,558":511,"1,559":512,"1,560":513,"1,561":514,"1,562":515,"1,563":516,"1,564":517,"1,565":518,"1,566":519,"1,567":520,"1,568":521,"1,569":522,"1,570":523,"1,571":524,"1,572":525,"1,573":526,"1,574":527,"1,575":528,"1,577":529,"1,579":530,"1,581":531,"1,583":532,"1,584":533,"1,585":534,"1,586":535,"1,587":536,"1,588":537,"1,589":538,"1,590":539,"1,591":540,"1,592":541,"1,593":542,"1,594":543,"1,595":544,"1,596":545,"1,597":546,"1,598":547,"1,599":548,"1,600":549,"1,601":550,"1,602":551,"1,603":552,"1,604":553,"1,605":554,"1,606":555,"1,607":556,"1,608":557,"1,609":558,"1,610":559,"1,611":560,"1,612":561,"1,613":562,"1,614":563,"1,615":564,"1,616":565,"1,617":566,"1,618":567,"1,619":568,"1,620":569,"1,621":570,"1,622":571,"1,623":572,"1,624":573,"1,625":574,"1,626":575,"1,627":576,"1,628":577,"1,629":578,"1,631":579,"1,632":580,"1,633":581,"1,634":582,"1,635":583,"1,636":584,"1,637":585,"1,638":586,"1,639":587,"1,640":588,"1,641":589,"1,642":590,"1,643":591,"1,644":592,"1,645":593,"1,646":594,"1,647":595,"1,648":596,"1,649":597,"1,650":598,"1,651":599,"1,652":600,"1,653":601,"1,654":602,"1,655":603,"1,656":604,"1,657":605,"1,658":606,"1,659":607,"1,660":608,"1,661":609,"1,662":610,"1,663":611,"1,664":612,"1,665":613,"1,666":614,"1,667":615,"1,668":616,"1,669":617,"1,671":618,"1,673":619,"1,675":620,"1,676":621,"1,677":622,"1,678":623,"1,679":624,"1,680":625,"1,681":626,"1,682":627,"1,683":628,"1,684":629,"1,685":630,"1,686":631,"1,687":632,"1,688":633,"1,689":634,"1,690":635,"1,691":636,"1,692":637,"1,693":638,"1,694":639,"1,695":640,"1,696":641,"1,697":642,"1,699":643,"1,701":644,"1,702":645,"1,703":646,"1,704":647,"1,705":648,"1,706":649,"1,707":650,"1,708":651,"1,709":652,"1,710":653,"1,711":654,"1,712":655,"1,713":656,"1,714":657,"1,715":658,"1,716":659,"1,717":660,"1,718":661,"1,719":662,"1,720":663,"1,721":664,"1,722":665,"1,723":666,"1,724":667,"1,725":668,"1,726":669,"1,727":670,"1,728":671,"1,729":672,"1,730":673,"1,731":674,"1,732":675,"1,733":676,"1,734":677,"1,735":678,"1,736":679,"1,737":680,"1,738":681,"1,739":682,"1,740":683,"1,741":684,"1,742":685,"1,743":686,"1,744":687,"1,745":688,"1,746":689,"1,747":690,"1,749":691,"1,751":692,"1,752":693,"1,753":694,"1,754":695,"1,755":696,"1,756":697,"1,757":698,"1,758":699,"1,759":700,"1,760":701,"1,761":702,"1,762":703,"1,814":704,"1,815":705,"1,816":706,"1,817":707,"1,818":708,"1,819":709,"1,820":710,"1,821":711,"1,822":712,"1,823":713,"1,824":714,"1,825":715,"1,826":716,"1,827":717,"1,828":718,"1,829":719,"1,830":720,"1,831":721,"1,832":722,"1,833":723,"1,834":724,"1,835":725,"1,836":726,"1,837":727,"1,838":728,"1,839":729,"1,840":730,"1,841":731,"1,842":732,"1,843":733,"1,844":734,"1,845":735,"1,846":736,"1,847":737,"1,848":738,"1,849":739},"ٜ":{"1":[3,849]},"ٝ":["1,3","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,23","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,65","1,67","1,69","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,241","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,287","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,301","1,303","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,349","1,351","1,353","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,387","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,403","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,419","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,441","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,453","1,455","1,457","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,473","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,493","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,509","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,533","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,549","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,577","1,579","1,581","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,671","1,673","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,699","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","1,742","1,743","1,744","1,745","1,746","1,747","1,749","1,751","1,752","1,753","1,754","1,755","1,756","1,757","1,758","1,759","1,760","1,761","1,762","1,814","1,815","1,816","1,817","1,818","1,819","1,820","1,821","1,822","1,823","1,824","1,825","1,826","1,827","1,828","1,829","1,830","1,831","1,832","1,833","1,834","1,835","1,836","1,837","1,838","1,839","1,840","1,841","1,842","1,843","1,844","1,845","1,846","1,847","1,848","1,849"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"4":[3],"5":[4],"6":[5],"9":[6],"13":[7],"17":[8],"18":[9,10],"20":[11],"24":[12],"26":[13],"28":[14,15],"29":[16],"36":[17],"38":[18],"44":[19],"47":[20],"50":[21],"52":[22],"56":[23],"57":[24],"58":[25],"60":[26,27],"62":[28,29],"66":[30],"70":[31],"78":[32,33],"82":[34],"84":[35],"85":[36],"94":[37],"99":[38],"100":[39],"108":[40],"112":[41],"114":[42],"115":[43],"117":[44],"120":[45],"121":[46],"123":[47],"125":[48],"129":[49],"130":[50],"131":[51],"138":[52],"139":[53],"142":[54],"144":[55],"146":[56],"147":[57],"149":[58],"151":[59],"153":[60,61],"155":[62],"160":[63],"162":[64],"163":[65],"164":[66],"168":[67],"169":[68],"171":[69],"172":[70],"176":[71],"178":[72],"180":[73],"181":[74],"184":[75],"185":[76],"187":[77],"192":[78],"194":[79,80],"200":[81],"201":[82],"202":[83],"203":[84],"205":[85],"206":[86],"207":[87],"210":[88],"213":[89],"215":[90],"218":[91],"219":[92,93],"223":[94,95],"224":[96],"225":[97],"227":[98],"230":[99,100],"237":[101],"239":[102,103],"240":[104,105],"241":[106],"242":[107],"250":[108],"253":[109,110],"254":[111],"255":[112],"258":[113,114],"263":[115],"267":[116],"271":[117],"273":[118],"274":[119],"277":[120],"280":[121],"282":[122],"284":[123],"286":[124],"287":[125],"289":[126],"290":[127],"291":[128],"292":[129],"293":[130],"294":[131,132],"295":[133],"296":[134],"297":[135],"300":[136],"307":[137],"309":[138],"310":[139],"312":[140],"314":[141],"316":[142],"319":[143],"321":[144],"323":[145],"326":[146],"327":[147],"328":[148],"330":[149],"331":[150],"333":[151],"335":[152],"338":[153],"340":[154],"343":[155],"348":[156],"350":[157],"351":[158],"353":[159],"356":[160],"358":[161],"359":[162],"360":[163],"362":[164],"363":[165],"364":[166],"368":[167],"372":[168],"373":[169],"376":[170,171,172],"377":[173],"382":[174],"386":[175],"387":[176],"388":[177],"390":[178],"391":[179],"392":[180],"396":[181],"400":[182],"401":[183],"402":[184],"404":[185],"410":[186,187],"412":[188],"418":[189],"419":[190],"420":[191],"422":[192],"423":[193],"427":[194],"431":[195],"436":[196],"438":[197],"439":[198],"441":[199,200],"443":[201],"445":[202],"446":[203],"450":[204],"454":[205],"455":[206],"456":[207],"457":[208],"460":[209],"461":[210],"465":[211],"468":[212],"469":[213],"470":[214],"472":[215,216],"475":[217],"477":[218],"483":[219],"484":[220],"486":[221],"487":[222],"488":[223],"490":[224],"491":[225],"496":[226],"499":[227],"500":[228,229,230],"501":[231],"503":[232],"504":[233,234],"509":[235],"511":[236],"522":[237],"524":[238],"526":[239],"528":[240],"529":[241],"530":[242],"532":[243],"533":[244],"534":[245],"537":[246],"539":[247],"542":[248],"547":[249],"554":[250],"564":[251],"567":[252],"570":[253],"572":[254],"579":[255],"580":[256],"581":[257],"582":[258],"584":[259],"595":[260],"599":[261],"603":[262],"610":[263],"618":[264],"620":[265],"623":[266],"624":[267,268],"625":[269,270],"627":[271],"628":[272],"629":[273],"630":[274],"631":[275],"634":[276],"636":[277],"641":[278],"644":[279],"648":[280],"656":[281],"657":[282],"660":[283,284],"661":[285],"662":[286],"663":[287],"666":[288,289],"669":[290],"678":[291],"681":[292],"687":[293],"689":[294],"692":[295],"704":[296,297],"736":[298]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>تقديم\nالدكتور صلاح الصاوي</span>\nهذا الكتاب\nأطروحة علمية قدمت لنيل درجة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية، خطها يراع فقيه شاب، آتاه الله تخصصا في العلوم الكونية ونبوغا في العلوم الشرعية، وقد أكرمني الله بالإشراف على هذه الرسالة، فأفدت منه أكثر مما أفاد مني! وكنت أقول لنفسي: نحن أمام مشروع فقيه متميز، وإن امتد به العمر وانقطع لمواصلة الطلب ليملأن أكناف الأرض عليها، ولتعلمن نبأه بعد حين!\nوموضوع هذا الكتاب أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى والقضاء، وهو موضوع جدير بأن يكون موضع عناية مثله، وهو من جمع بين الفقه والطب، والتطور المعارف الطبية أثرها المحتوم على تغير كثير من أحكام القضاة وفتاوى المفتين، فإن الحكم على الشي ء فرع عن تصوره، وعلى قدر دقة تصور النازلة تكون دقة الفتوى فيها والحكم عليها، وقد طوف في هذا البحث في آفاق شتى منها ما ظهر فيه أثر هذا التطور بصورة جلية ومنها ما كان دون ذلك، وقد أفاد في ذلك كله وأجاد، فأسأل الله أن يهيء له من أمره رشدا، وأن يحملنا وإياه في أحمد الأمور عنده وأجملها عاقبة، وأن ينفع بقلمه العباد والبلاد، اللهم آمين\nالأستاذ الدكتور صلاح الصاوي الأمين العام لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا ورئيس الجامعة الإسلامية بأمريكا الشمالية (مشكاة)","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المقدمة</span>\nبسم الله والحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا؛ من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بلغ عن ربه فأتم البلاغ، وبين لنا شرائع ديننا في شتى مناحي الحياة، حتى غبطنا على بيانه أهل الكتاب. فاللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع ملته إلى يوم الدين. أما بعد،\nفإن التَّداخُل بين علمَي الفقه والطب أمر يتفق عليه العارفون بهما؛ وذلك لأن موضوع علم الطب هو بدن الإنسان ونفسه، والبدن والنفس مَحَلٌّ للتكاليف الشرعية؛ ولذلك كثر ذكرُ الفقهاء لمسائلَ من علم الطب وإحالتُهم على الأطباء، بل وسؤالُهم إياهم لتحقيق مَناط الأحكام الشرعية.\nولما كان علم الطب متغيرًا، لزم أن تتغير الفتاوى والآراء الفقهية المبنية على المعارف الطبية. ولعل تغير الآراء الفقهيه بتغير المعارف الطبية هو أوضح مثال على تغير تلك الآراء الفقهية - وليس الأحكام الشرعية - بتغير الزمان والمكان والحال.\nمن أجل ذلك، يُحتاج إلى الكثير من البحوث الفقهية المتخصصة في هذا الباب. وفي هذا البحث محاولة لمراجعة أهم الفتاوى الفقهية المبنية على المعارف الطبية أو المتأثرة بها.\nوليس هناك مسألة مما تعرض له الفقهاء قد أطبقَت الأمة على الخطأ فيها، أو تَعارَضَ بشأنها نصُّ الوحي مع قطعيِّ العلم، ولذا فإننا عند مراجعة الآراء الفقهية في ضوء المعارف الطبية الحديثة، لا نَزيد على أن نختار من آراء الفقهاء ما هو الأرجح، حَسَب تلك المعارف الحديثة، وإن كان خلاف الأشهرِ أو قولِ الجمهور.","vol":"1","page":7},{"text":"وكذلك فإن هناك مادة علمية ثرية للعديد من البحوث في المسائل المستجدة التي لم يتعرض لها فقهاؤنا بالتفصيل لكونها من النوازل التي أدى إليها تطور الطب، ولكن هذا البحث لن يتناول من هذه النوازل إلا ما كان منها ذا تأثير على تَغيُّر الفتوى في بعض مسائل الفقه.\n* * *","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>أهمية البحث والدراسة في الموضوع في زمننا</span>\nإن التغير في العلوم الطبية كان بطيئًا حتى بدايات القرن العشرين الميلادي، حيث بدأ تطور العلوم والمعارف الطبية تتسارع خطاه، إلى أن وصلت تلك العلوم إلى مرحلة الازدهار الحالية. وإن فقهاءنا المتقدمين - ﵏ - لم يكن تحت تصرفهم من العلوم الطبية ما هو عندنا، لذلك فقد اختلفت فتاواهم بشأن العديد من الأحكام الفقهية المتعلقة بالطب ومعارفه، كتحديد أدنى الحمل وأقصاه ونوع الخنثى والمنافذ للجَوْف وغير ذلك من المسائل. وكان من أهم أسباب اختلافهم اضطراب أطباء أزمنتهم بشأن هذه الأمور.\nأما الآن، فإن الكثير من المعارف والممارسات الطبية صار مبناها على التجربة واليقين، لا الظن والتخمين، ومن ثَمَّ فقد صارت مراجعة هذه الأقوال الفقهية المبثوثةِ في كتب الفقهِ، والتي تتعلقُ بالطب وعلومه، مما تدعو إليه الحاجة.\nإن مراجعة وتصحيح الآراء الفقهية المنبنية على معارف طبية قديمة منقوصة أمر مهم لنا في تعبدنا لربنا، وتحاكمنا لشريعتنا؛ وكذلك فهو مهم للتأكيد على عصمة الوحي وبيان أن ما كان من خطأ في بعض هذه الآراء لم يكن أبدًا ناتجًا عن خطأ في أحد مصدريه، كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-.\n* * *","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>سبب اختياري للموضوع</span>\nلما كنت قد درست الفقه والطب، رأيت أنه يحسن أن أجعل رسالتي في مرحلة الدكتوراه للمساعدة في سد ثغرة في هذا الباب العظيم من أبواب الفقه، وقررت أن أتتبع فيها مسائل الفقه التي قد يؤثر تطور العلوم الطبية على الترجيح فيها. ولست أزعُم الاستيعاب لكل تلك المسائل، فإن هذا ما لا تتسع له رسالة واحدة، ولكنني حاولت أن أتناول بعض القضايا الأهم في أبواب الفقه كافة، من عبادات وعادات ومعاملات وقضاء.\nولقد رأيت أن أضع لرسالتي هذه عنوان: «أَثَرُ تَطَوُّرِ الْمَعَارِفِ الطِّبِّيَّةِ عَلَى تَغَيُّرِ الْفَتْوَى والْقَضَاءِ»\n* * *","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>بعض ما كتب مما له تعلق بالفقه والطب معًا</span>\nلم يتم بحث المسائل الفقهية التي يؤثر تطور الطب عليها بما فيه الكفاية، ولم تُولَ هذه القضيةُ، بعد، العنايةَ التي تستحقها، وإن كان قد كتب العديد من الكتب التي تناولت المسائل الفقهية ذات التعلق بالطب وعلومه؛ أذكر منها:\n١ - «أبحاث فقهية في قضايا طبية معاصرة» للدكتور محمد نعيم ياسين.\n٢ - «بحوث في الفقه الطبي والصحة النفسية من منظور إسلامي» للدكتور عبد الستار أبي غدة.\n٣ - «دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة» للدكاترة عمر سليمان الأشْقَر ومحمد عثمان شبير وعبد الناصر أبو البصل وعارف علي عارف وعباس أحمد محمد الباز.\n٤ - «أخلاقيات الطبيب المسلم» للدكتور سعد بن ناصر الشثرى.\n٥ - «الطبيب المسلم وأخلاقيات المهنة» للدكتور هشام الخطيب وزملائه.\n٦ - «الطبيب: أدبه وفقهه» للدكتورين السباعي والبار.\n٧ - «الأحكام الشرعية للأعمال الطبية» للدكتور أحمد شرف الدين.\n٨ - «الموسوعة الطبية الفقهية» للدكتور أحمد محمد كنعان.\n٩ - «الوجيز في الطب الإسلامي» للدكتور هشام إبراهيم الخطيب.\n١٠ - «أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها» للدكتور محمد بن محمد مختار الشنقيطي.\n١١ - «الأحكام الطبية المتعلقة بالنساء» للدكتور محمد خالد منصور.","vol":"1","page":11},{"text":"١٢ - «المسائل الطبية المستجدة» للدكتور محمد بن عبد الجواد النتشة.\n١٣ - «مستجدات طبية معاصرة من منظور فقهي» للدكتورين مصلح بن عبد الحي النجار وإياد أحمد إبراهيم.\n١٤ - «بحوث فقهية في مسائل طبية معاصرة» للدكتور علي محمد يوسف المحمدي.\n١٥ - «فقه القضايا الطبية المعاصرة» للدكتورين علي القره داغي وعلي يوسف المحمدي.\n١٦ - «المسؤولية الطبية وأخلاقيات الطبيب» و«التداوي بالمحرمات» و«مداواة الرجل للمرأة ومداواة الكافر للمسلم» و«الختان» و«الموقف الفقهي والأخلاقي من قضية زرع الأعضاء» و«حكم التداوي» و«الإيدز ومشاكله الاجتماعية والفقهية» و«خلق الإنسان بين الطب والقرآن» وكلها للدكتور محمد علي البار.\n١٧ - «الأحكام والفتاوى الشرعية لكثير من المسائل الطبية» للدكتور علي بن سليمان الرميخان.\n١٨ - «الجناية العمد للطبيب» للدكتور محمد يسري إبراهيم.\n١٩ - «مدى مشروعية الانتفاع بأعضاء الآدمي حيا أو ميتا في الفقه الإسلامي» للدكتور عبد المطلب عبد الرزاق حمدان.\n٢٠ - «موت الدِّمَاغ بين الطب والإسلام» لندى محمد نعيم الدقر.\n٢١ - «أحكام الجنين» لعمر بن محمد غانم.","vol":"1","page":12},{"text":"٢٢ - «أحكام المرأة الحامل» ليحيى عبد الرحمن الخطيب.\n٢٣ - «حكم تشريح الإنسان بين الشريعة والقانون» للدكتور عبد العزيز القصار.\n٢٤ - «أحكام المرأة الحامل وحملها» للدكتور عبد الرشيد قاسم.\n٢٥ - «التلقيح الصناعي بين أقوال الأطباء وآراء الفقهاء» للدكتور أحمد لطفي أحمد.\n٢٦ - «موسوعة الفقه والقضاء في الطب الشرعي» للأستاذ شريف الطباخ والدكتور أحمد جلال.\n٢٧ - «أثر التقنية الحديثة على الخلاف الفقهي» رسالة دكتوراه للدكتور هشام آل الشيخ. وفيها جملة من المسائل الفقهية المتعلقة بالطب.\n٢٨ - «أثر المستجدات الطبية في باب الطهارة» لزايد نواف الدويري.\nإن هذه البحوث والكتب، سوى الأخيرين، كان جل ما فيها إما متعلقًا بفقه العمل الطبي أو ببعض النوازل في مجال الطب التي تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي. أما عملي فسيكون في المسائل الفقهية التي تعرض لها المتقدمون بالبحث ولكن أخطأ بعضهم فيها بسبب قصور المعارف الطبية في أزمنتهم، أو تلك المسائل التي لم يخطئ فيها أحد، وإنما وجبت مراجعتها لتغير الواقع بسبب تطور الطب، وذلك كتوسيع دائرة الاستيفاء في القِصاص واستيعاب الطب الشرعي في أنظمة القضاء الإسلامي؛ وهو من باب تحقيق المناط.\n* * *","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>منهجي وأسلوبي في البحث</span>\n• لقد انتهجت في رسالتي مَنهَج الوصف عند عرض المعلومات الطبية، مع التوثيق، وفي بعض المواضع الخلافية في الطب، نَهَجت طريقة التحليل.\n• وعند عرض الآراء الفقهية، سرت على منهج التحليل بمراحله المختلفة من التفسير والنقد والاستنباط، وذلك ببيان الآراء المختلفة والعرض التفسيري لما يتعلق بها من النصوص ووجوه الاستدلال الأخرى، مع النقد والاستنباط ثم الترجيح.\n• ولكون الرسالة مقارنة، فقد اعتمدت منهج الاستقراء الجزئي في حصر الآراء المختلفة، ثم سرت على المنهج الحواري الجدلي بعرض ومقابلة الآراء الفقهية المختلفة ثم ترجيح الأقوى دليلا من حيث الخبر ثم النظر.\n• ولقد أوردت الخلاف بين المذاهب الأربعة المتفق على شرف مكانتها عند أهل السنة، وذكرت قول السادة الظاهرية عند الحاجة، وكذلك أقوالًا من خارج المذاهب لمجتهدين من غير أتباعها؛ ولكن أكثر الاعتماد كان على أقوال السادة الأئمة من المذاهب الأربعة.\nورَغم كوني على مذهب الإمام أحمد، فقد حرَصت، كباحثٍ، على التجرد والإنْصَاف، وألا يكون التعصب إلا للوحي ومُبلِّغه -ﷺ-. وليس شيءٌ إلا أخضعته للنقد والأخذ والرد إلا نصٌ محكمٌ صحيحٌ أو إجماعٌ ثابتٌ صريحٌ أو أوائلُ العقلِ والحسِّ التي لا يختلف عليها ذوو الحِجا.\n• من حيث مراعاةُ التوثيق، فقد التزمت بالرجوع إلى المصادر الأصلية المعتمدة في نقل الأقوال عند أصحاب المذاهب الأربعة وغيرها: كـ «المَبسُوط» و«بَدَائع الصَّنَائع» و«تَبْيين الحَقَائق» و«فَتْح القَدِير» و«رَدّ المُحتار» في الفقه الحنفي؛ و«المُدَوَّنَة» و«شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» و«حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ» و«مَوَاهِب الجَلِيل» و«مِنَح الجَلِيل» في الفقه","vol":"1","page":14},{"text":"المالكي؛ و«الأم» و«المَجْمُوع» و«أسْنَى المَطَالِب» و«نهاية المُحْتاج» و«تُحْفَة المُحْتاج» و«مغني المُحْتاج» و«حَاشِيَة البُجَيرَمِيّ» وحاشيتان لقَلْيُوبِيّ وعَمِيرَة» في الفقه الشافعي؛ و«مُخْتَصَر الخِرَقِيّ» و«المُقنِع» و«المُغْنِي» و«الفُرُوع» (لابن مُفْلِح) و«الإنْصَاف» و«كشَّاف القِنَاع» و«مُنْتَهَى الإرَادَات» في الفقه الحنبلي؛ و«المُحَلَّى» في الفقه الظاهري، على أنني لم أتقيد بالنقل من كتب الفتوى دون غيرها؛ لأن المطلوب في بحث كهذا تحرير نسبة الآراء إلى أصحابها، وهذا متحصل من كتب الفتوى وغيرها من المصادر المعتمدة.\n• واعتنيت بعزو الأحاديث والآثار إلى مصادرها الأصلية، بما في ذلك العزو إلى الكتاب والباب تسهيلًا على القارئ. وذلك مع العناية ببيان درجتها إن كانت خارج الصحيحين. وهذا وإن كان مهمًّا في كل دراسة، فأهميته أظهر في دراسة تناقش أثر التطور العلمي على الفتوى والقضاء في الإسلام، حتى لا تُحَمَّل الشريعةُ أخطاءَ غيرِ المعصومين أو الأخبارَ الواهية وتلك التي لا أصل لها.\n• واعتمدت في نقل المعارف الطبية على المصادر الموثوقة عند الأطباء، وإن كان أكثرها من المراجع الأجنبية؛ لأن الغربيين هم رواد هذا العلم وتلك الصنعة في زماننا، بعد أن تأخر المسلمون ورضُوا باستهلاك العلوم والتقنية دون صناعتها؛ وإلى الله المُشتَكى.\n• ومن حيث الأسلوب، فقد اجتهدت في مراعاة الإيجاز مع الوضوح والسلامة من الأخطاء وحسن البيان بقدر الإمكان، وذلك من غير أن يطغى الشكل على المضمون.\n• وأوردت نصوص الوحي مَشكولة حماية لجنابها الشريف من اللَّحْنِ. أما غيرها، فشَكَلت ما يحتاج إلى ضبط في النطق، أو ما كان في شكله تسهيلًا للقراءة، فإن كان هناك وجوهٌ، جعلت العلامة الأصح - وإن لم تكن الأشهر في استعمال المتأخرين - هي الأقرب إلى الحرف، متى تيسر ذلك من غير تكرار الكلمة؛ مثال: تُهَمَة. فتح الهاء هو الأشهر في استعمال الأولين، والسكون وجه صحيح.","vol":"1","page":15},{"text":"• اجتهدت في العمل بالراجح والأقوى من قواعد الإملاء، فحيث كان هناك وجهان اخترت أرجحهما، كما في كتابة الهمزة المضمومة المسبوقة بغير الكسر في مثل (مسؤول)، فالراجح كتابتها على الواو، وإن جاز أن تكتب على النبرة (مسئول) إن كان ما قبلها متصلًا بها. أما عندما يكون الرجحان غير ظاهر، كما في ترك الفراغ بين واو العطف وما بعدها أو علامات الترقيم وما قبلها، فربما عملت بما يترجح لدي من عدم ترك الفراغ بين واو العطف وما بعدها، ولكن، بالنسبة لعلامات الترقيم، قد يلاحظ القارئ، عدم اضطراد العمل بقواعد ثابتة في العلامات غير المتفق عليها. والمرجو أن يحصل توافق بين أصحاب اللسان العربي على حد أدنى من توحيد المعايير، سيما فيما يخص علامات الترقيم. بقي أنني لم أغير في النقول إلا بزيادةِ حركات الضبط وعلامات الترقيم لفائدة القارئ.\n• إنه وإن كانت سنة العلماء أحب إلينا، فإن العرف المعاصر في الكتابة، والأيسر عند الكتابة على الحاسوب، هو وضع الخط تحت ما يحتاج إلى التنبيه لا فوقه، وعلى هذا العرف سرت في الرسالة. ووضعت الخط في التراجم تحت الكنية أو الاسم أو اللقب الذي عُرِف به صاحب الترجمة.\n• استعملت ألفاظ العلماء مثل (لنا وقلت) تشبهًا بهم من باب قول الشاعر:\nفتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاح\nوكذلك، فإن توحيد الأسلوب بين الأول والآخر من هذه الأمة يحافظ على قدرة أجيالها على التواصل.\nأما استعمال ضمائر الجمع، فإن العلماء قد استعملوها تواضعًا، لا تعاظمًا؛ فبدل نسبة القول إلى أنفسهم، نسبوه إلى أصحاب مذهبهم، أو القائلين بقولهم.","vol":"1","page":16},{"text":"• عمِلت مَسرَدًا للألفاظ والعبارات المهمة: واخترت ألا يكون آليًّا، وألا يشمل كل مواضع ذكر اللفظ المعني، بل تلك المواضع التي كان ذكر اللفظ فيها أصالةً لا تبعًا؛ وفي هذا المسرد ذكر بعض العبارات ذات الأهمية كذلك.\n• إن الضابط التعبدي في الدراسة لم يغب عني، فبخلاف البحوث الأخرى في العلوم الإنسانية، فإن هذا البحث في الفقه المقارن. والفقه المقارن أحد فروع العلوم الإنسانية من جهة كون الشريعة إنسانية في مقاصدها، ولكنه يختلف عنها من جهة كونها ربانية في مصدرها.\nإن الباحث في هذا العلم الشريف ينبغي له مراعاة المنهجية العلمية في البحث من غير إغفال الجانب العقدي التعبدي، والذي يتجلى في أن المقصود الأعظم من هذه العلوم وتلك البحوث هو نيل رضا الله، ثم يأتي مقصود الإسهام في إسعاد البشرية مع بقية المقاصد الأخرى.\nومن تجليات ذلك أيضًا، أن النقد لا يرد على نصوص الوحي متى عرفت صحة نسبتها إلى مشكاته، ولكن المنهج التحليلي بمعنى التفسير والاستنباط هو الذي يتعامل به مع النصوص. أما آراء العلماء، فتجري عليها المرحلتان السابقتان مع مرحلة النقد ما لم يكن رأيهم إجماعًا صحيحًا، فلا يرد عليه إذًا النقد أو الطعن.\n• وفي الجملة، فقد جمعت المسائل ذات التعلق بموضوع الرسالة، ثم عرضت آراء الفقهاء فيها وناقشتها ورجحت أسعدها حظًّا بالدليل، ثم بينت تغير المعارف الطبية بشأنها وأثر ذلك على قَبول أو رد بعض الاجتهادات الفقهية أو الترجيح بينها.\n* * *","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>خطة الرسالة</span>\nلقد كسرتُ الرسالةَ على مقدمةٍ وتمهيدٍ وأربعةِ أبوابٍ وخاتمةٍ لخصت فيها أهم نتائجِ البحثِ.\nأما المقدمة، ففيها بيان موضوع البحث وسبب اختياري له وطريقة عملي فيه وتقسيمه وكذلك ذكر ما كتب من قبله مما له تعلق بذات الموضوع.\nوفي التمهيد، بينت التداخل بين علمي الفقه والطب، ثم ناقشت المسألة التي يرتكز عليها البحث، وهي مشروعيةُ بل وجوبُ تغيرِ الفتوى بتغير الواقع الذي يحكم فيه الفقيه أو المُعطَياتِ التي يعتمدُ عليها.\n* وفي الباب الأول ذكر بعض المسائل الفقهية التي تغيرت الفتوى فيها بتطور الطب في أبواب العبادات. وجعلت هذا الباب مقسمًا إلى ثلاثةِ فصول:\n١ - الأولُ في الطهارة: وفيه مسائلُ.\n١ - الختان للجنسين.\n٢ - الماء المشمس.\n٣ - الحيض وصفته وأقله وأكثره وبدايته ونهايته وهل تحيض الحامل، والطهر وأقله وأكثره.\n٤ - النفاس وصفته وبدايته وأكثره ومتى يسمى الدم مع السقط نفاسًا والمرأة تلد التؤام بينهما فترة طويلة هل تنفس بعدهما كليهما.\n٢ - الثاني في الجنائز: وفيه مسائل:\n١ - علامات الموت وموت الدِّمَاغ.","vol":"1","page":18},{"text":"٢ - المنع من انتهاك حرمة الميت وأثرُ ذلك على ما قد يُفعل بالمسلم عند موته أحيانًا من التشريح أو شقِّ البطن لدواعي نقل الجثة أو لمعرفة سبب الوفاة أو غير ذلك.\n٣ - الثالث في الصيام. وفيه مسائل مبطلات الصيام.\n* أما الباب الثاني ففيه ذكر بعض المسائل التي تغيرت الفتوى فيها بتطور الطب في أبواب العادات وقسمته إلى ثلاثة فصول:\n١ - الأول في الأطعمة والأشربة. وفيه مسائل:\n١ - حكم الجَلالة وإطعامِ الميتةِ والنجاساتِ للحيوانات.\n٢ - حكم التدخين.\n٢ - الثاني في الاستمناء.\n٣ - الثالث في التداوي. وفيه مسائل:\n١ - حكم التداوي.\n٢ - حكم مداواة المصاب بالحياة النباتية المستمرة.\n* وفي الباب الثالث ذكر بعض المسائل التي تغيرت الفتوى فيها بتطور الطب في أبواب المعاملات، وقسمته على فصلين:\n١ - الأول في النكاح والعدد. وفيه مسائل في الحمل والعدد:\n١ - أقل الحمل.\n٢ - أكثر الحمل.\n٣ - الحمل من ماءين.","vol":"1","page":19},{"text":"٤ - مسائل في عدَّةِ من انقَطَع حيضُها قبل سنِّ الإياس أو تَباعَدَ؛ وعدة المُستحاضة.\n٢ - الثاني في الحجر والفرائض. وفيه مسائل:\n١ - البلوغ وأماراته.\n٢ - الخنثى وأنواعه.\n* وفي الباب الرابع أتعرض إلى القضاء ودور الطب الشرعي فيه. وفيه فصلان:\n١ - الأول في القضاء.\nوفيه مناقشة أدلة الإثبات في القضاء الإسلامي ودور الطب الشرعي في الإثبات مع الإقرار والشهادة واليمين وغيرها من البينات والقرائن القاطعة؛ وفيه مثال تطبيقي على حجية الدليل المادي، واخترت لذلك مسألة تحديد النسب عن طريق الأحماض الأمينية.\n٢ - الثاني في الجراح والقِصاص والحدود. وفيه مسائل:\n١ - استيفاء القِصاص عن طريق الأطباء الجراحين، وأثر ذلك على الاستيفاء.\n٢ - أثر تطور علم الأجنة على خلاف الفقهاء في وقت نفخ الروح وما يترتب عليه من أحكام الإجهاض.\n* ثم ختمت بخاتمة ذكرت فيها أهم نتائج البحث.\n* وجعلت الفهارس سبعة:\n١ - أولها للآيات القرآنية.","vol":"1","page":20},{"text":"٢ - وثانيها لأطراف الأحاديث النبوية.\n٣ - وثالثها للأعلام.\n٤ - ورابعها للألفاظ والعبارات.\n٥ - والخامس للمراجع.\n٦ - والسادس للصور والجداول.\n٧ - والسابع للموضوعات.\nوالحَمدُ للهِ على مَنِّه وفَضلِه. وصلى اللهُ وسلَّم على سيِّدِنا محمَّدٍ وآلِه وصّحبِه\n* * *","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>التمهيد</span>","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>التداخل بين الفقه والطب</span>\nللوقوف على حقيقة وحجم التداخل بين الفقه والطب، أبدأ بتعريفهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>تعريف الفقه:</span>\nالفقه: هو في اللغة: الفهم، ثم خُصَّ به علمُ الشريعة لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم، كما غلب اسم النجم على الثريا (^١). وفي معجم «مقاييس اللغة»: «الفاء والقاف والهاء أصل واحد صحيح يدل على إدراك الشيء والعلم به» (^٢).\nوفي الاصطلاح: عرفه الإمام أبو حنيفة (^٣) بأنه «معرفة النفس ما لها وما عليها» (^٤). وهو بذلك يشمل: العقائد والأخلاق والعبادات والمعاملات. وعرفه المُناوِيّ (^٥): بأنه «العلم\n_________\n(^١) «لِسَان العَرَب» لابن مَنْظُور (١٣/ ٥٢٢)، «مختار الصِّحَاح» للرَازِيّ (١/ ٢١٣)، «القَامُوس المُحِيط» للفَيْرُوزْآبَادِي (ص ١٦١٤).\n(^٢) مُعْجَم «مَقَاييس اللُّغَة» لابن فَارِس (ص ٧٩٤).\n(^٣) هو: النُّعْمَان بن ثابت بن زُوطي، أبو حَنِيفَةَ، التَّيمِيُّ بالولاء، الكُوفِيُّ، إمام الحنفية، الفقيه النظار المجتهد، العالم العامل العلم، أحد أئمة المذاهب الأربعة المتبوعة عند أهل السنة، ولد سنة ٨٠ هـ بالكوفة، وأدرك أربعة من الصحابة، ولم يرو عن أحد منهم، أخذ الفقه عن كبار التابعين، منهم حَمَّاد بن أبي سليمان وعَطَاء ونافع؛ وتعلم عليه القاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشَّيبانِيّ وزُفَر وغيرهم. توفي: سنة ١٥٠ هـ. راجع ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» للذَّهَبِيّ (٦/ ٣٩٠)، «الجَوَاهِر المُضِيَّة في طَبَقَات الحَنَفِيَّة» (١/ ٢٦).\n(^٤) «قَوَاعِد الفِقْه» لعَمِيم الإحْسان (١/ ٤١٤)، «شَرْح التَّلْوِيح على التَّوْضِيح» للتَّفْتَازانِيّ (١/ ٢١)، وزاد على تعريف الإمام «عمَلًا» لإخراج العقائد، ونبه أن الإمام لم يزد «عمَلًا» لأنه أراد الشمول.\n(^٥) هو: زين الدين محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين الحَدَّادِيّ ثم المُناوِيّ القاهري، من كبار العلماء بالدين والفنون، ولد سنة ٩٥٢ هـ. له نحو ثمانين مصنفًا، منها الكبير والصغير والتام والناقص. منها: «كنوز الحقائق من حديث خير الخلائق» «التيسير في شرح الجامع الصغير» اختصره من «فَيْض القَدِير» له، «شرح الشمائل» للتِّرْمِذِيّ. عاش في القاهرة وتوفي -﵀- بها سنة ١٠٣١ هـ. راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (٦/ ٢٠٤)، «مُعْجَم المؤلفين» لكحَالة (١٠/ ١٦٦).","vol":"1","page":25},{"text":"بالأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد» (^١). وعرفه الأكثرون بأنه «العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية» (^٢).\nوإذا كنا بصدد تعريف هذا العلم المخصوص، فلعل تعريف الجمهور هو الأقوى، ولقد ذكروا العمليَّة للتفريق بين أحكام الفقه والعقيدة؛ غير أن الأدلة فيها التفصيلية وغير ذلك، كالاستدلال بكليات الشريعة ومقاصدها والقواعد الفقهية الكلية والضوابط المختصة بأبواب بعينها، فإن المطالع لكتب الفقه يدرك كثرة تعويل العلماء على كل ذلك. وإن كانت هذه بدورها مستنبَطةً من الأدلة التفصيلية.\nوالمقصود بالعلم الذي يمتاز به الفقيه - كما أشار إليه تعريف المُناوِيّ - هو ما يستفاد عن طريق الاستنباط، الذي يتأتى له لوقوفه على تلك المعاني الخفية التي لا يدركها أكثر الناس (^٣). وفي «المنثور»: «وقال ابن سراقة في كتابه في الأصول: حقيقة الفقه عندي الاستنباط، قال الله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]؛ وكذلك قال ابن السَّمْعَانِيِّ في القواطع: هو استنباط حكم المُشكِل من الواضح. قال رسول الله -ﷺ-: «رُبَّ حامِلِ فِقهٍ غَيرِ فَقيهٍ» أي غير مستنبِط، ومعناه أنه يحمل الرواية من غير أن يكون له استدلالٌ واستنباطٌ منها. قال وما أشبه الفقيهَ بغواصٍ في بحر\n_________\n(^١) «التَّعَارِيف» للمُناوِيّ (١/ ٥٦٣).\n(^٢) انظر «شَرْح التَّلْوِيح على التَّوْضِيح» للتَّفْتَازانِيّ (١/ ٢١)، «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (٧/ ١٩)، «نهاية المُحْتاج» للرَّمْلِيّ (١/ ٣١)، «أنِيس الفُقَهَاء في تَعْرِيفَات الألفَاظِ المُتَدَاوَلَة بين الفُقَهَاء» للقُونَوِيّ (١/ ٣٠٨)، «معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية» لمحمود عبد الرحمن (٣/ ٤٩).\n(^٣) انظر «أنِيس الفُقَهَاء في تَعْرِيفَات الألفَاظِ المُتَدَاوَلَة بين الفُقَهَاء» للقُونَوِيّ (١/ ٣٠٩).","vol":"1","page":26},{"text":"دُرٍّ كلما غاص في بحر فِطنته استخرج دُرًّا وغيره يستخرج آجُرًّا» (^١). وهذا الذي ذكرنا لا ينافي أن العلم بوجوب الصلاة من الفقه في الاصطلاح الخاص على الصحيح.\nلكن الفقه أوسع من ذلك في التعريف العام ونصوص الوحي وفهم السلف، فهو يشمل المعارف الإسلامية جملة، بل ويشمل الممارسة العملية (^٢) بالقلب والجوارح، فهي المقصودة، ولذا جاء في حديث رسول الله -ﷺ-: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (^٣). ومعلومٌ أنه لا يحوز الخير حتى يعمل بما علِم مخلصًا لله تعالى.\nأما المقصود من حديثنا عن التداخل بين الفقه والطب فهو الفقه حسَب التعريف الخاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>تعريف الطب:</span>\nالطِّب، هو كما قال ابن طرخان (^٤) في تعريفه: «الطِّب: بكسر الطَّاء، في لغة العرب يقال على معانٍ: منها الإِصلاح، يقال: طبَّبته إذا أَصلحته. ويقال: لفلان طِب بالأمور، أي: لطف وسياسة ... قال الشاعر:\nوَإِذَا تَغَيَّرَ مِنْ تَمِيمٍ أَمْرُهَا كُنتَ الطَّبِيبَ لَهَا بِرَأْيٍ ثاقِبِ\n_________\n(^١) «المَنْثُور في القواعد» للزَّرْكَشِيّ (١/ ٦٧).\n(^٢) انظر «أصول البَزْدَوِيّ» (١/ ٤)؛ وفيه تقسيم الفقه إلى ثلاث مراحل: معرفة الأحكام، ثم إتقان ذلك بمعرفة الدليل وطريق الاستنباط، ثم العمل بذلك العلم.\n(^٣) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١/ ٣٩)، «صَحِيح مُسْلِم» كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة (٢/ ٧١٨).\n(^٤) هو: أبو الحسن علي بن مُهَذَّب الدين أبو المكارم عبد الكريم بن طَرْخَان بن تقي الدين الحَمَوِيّ الصَّفَدِيّ، الطبيب، المتوفى سنة ٧٥٩ تسع وخمسين وسبعمائة. صنف: «الطب النبوي»، «مطلع النجوم في شرف العلماء والعلوم». راجع ترجمته في «هَدِيَّة العَارِفِين» (١/ ٣٨٤).","vol":"1","page":27},{"text":"ومنها (الحِذْق) لاحتياجه إلى حذقٍ قويٍّ ... قال الجَوْهَريّ -﵀- (^١): وكلُّ حاذقٍ طَبِيبٌ عند العرب. قال أبو عبيدة (^٢): أصل الطب: الحِذق بالأشياء والمهارة بها. يقال للرجل طبٌّ وطبيب إذا كان كذلك، وإن كان في غير علاج المريض. قال غيره: ورجل طبيب أي: حاذقٌ، وسُمِّيَ طبيبًا لحِذقه وفِطنته. وأما في اصطلاح علماء الطب فهو: علمٌ يعرف منه أحوالُ بدن الإنسان من جهة ما يصح، ويزول عن الصحة، لتُحفَظ الصحة حاصلة، وتُستَردَّ زائلةً» (^٣).\nومن أجمل ما وصف به الطب ما ذكره العز بن عبد السلام (^٤) -﵀- حيث قال: «فإن\n_________\n(^١) هو: أبو نصر إسماعيل بن حَمَّاد الجَوْهَرِيّ، لغوي من الأئمة، أصله من فاراب ودخل العراق صغيرا، وسافر إلى الحجاز فطاف البادية، وعاد إلى خُراسان، ثم أقام في نَيْسابُور. أشهر كتبه الصِّحَاح، وله كتاب في العَروض، ومقدمة في النحو. توفي: سنة ٣٩٣ هـ. راجع ترجمته في: «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٧/ ٨٠)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة» لابن قاضي شُهْبَة (١/ ٢٦٢ - ٢٦٥)، «شَذَرَات الذَّهَب» لابن العِمَاد (٣/ ١٤٢، ١٤٣).\n(^٢) هو: أبو عبيدة مَعْمَر بن المُثَنَّى، التَّيْمِيّ، مولاهم، البَصْرِيّ النَّحْوِيّ اللُّغَوِيّ، يقال: مولى بنى عبيد الله ابن مَعْمَر التَّيْمِيّ من كبار أتباع التابعين. توفي: سنة ٢٠٨ هـ، روى له البخاري تعليقا وأبو داود. قال المبرد: كان هو والأصمعي متقاربين في النحو، ولكن قال ابن قتيبة: كان الغريب وأيام الغريب أغلب عليه، قال فيه ابن حَجَر: صدوق أخباري، وقد رمي برأي الخوارج. وقال الذَّهَبِيّ: ثقة. راجع ترجمته في: «تَهْذِيب الكَمَال» (٢٨/ ٣١٦)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٩/ ٤٤٥)، «تَذْكِرَة الحُفَّاظ» (١/ ٣٧١).\n(^٣) «الأحكام النبوية في الصناعة الطبية» لعلاء الدين الكَحَّال (ص ٢٥).\n(^٤) هو: عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السُّلَمِيّ الدِّمَشْقِيّ، الفقيه الشافعي الأصولي الفذ، الملقب بسلطان العلماء، ولد سنة ٥٧٧ هـ في دمشق ونشأ بها، تولى الخطابة والتدريس بزاوية الغَزاليّ، ثم الخطابة بالجامع الأُمَوِيّ. توفي: بالقاهرة سنة ٦٦٠ هـ. من كتبه: «التفسير الكبير» «الإلمام في أدلة الأحكام» «قواعد الشريعة» «الفوائد» «قَوَاعِد الأحْكَام»، «ترغيب أهل الإسلام في سكن الشام»، «بداية السول في تفضيل الرسول». راجع ترجمته في: «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الكُبْرَى» للسُّبْكِيّ (٨/ ٢٠٩)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة» لابن قاضي شُهْبَة (٢/ ١٠٩).","vol":"1","page":28},{"text":"الطب كالشرع وضع لجلب مصالح السلامة والعافية، ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام، ولدرء ما أمكن درؤه من ذلك، وجلب ما أمكن جلبه من ذلك. فإن تعذر درء الجميع أو جلب الجميع، فإن تساوت الرتب تخيَّر وإن تفاوتت استعمل الترجيح» (^١).\nوقال الدكتور محمد علي البار (^٢) في تعريف الطب في الاصطلاح: «الطب هو علاج الجسم والنفس. يقال طَبَّه طِبَّا إذا داواه. وقال ابن سينا (^٣) في «أُرجُوزَتِه»: «الطِبُّ حفظ صحة، بُرء مرض». وقال في «القانون»: «الطِبُّ علم يتعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصح، ويزول عن الصحة، ليَحفَظَ الصحة حاصلةً، ويسترِدَّها زائلةً». وقال ابن رُشْد (^٤) الفقيه الطبيب صاحب «بِدَايَة المُجْتَهِد ونهاية المقتصد» في الفقه\n_________\n(^١) «قَوَاعِد الأحْكَام في مصالح الأنام» للعز بن عبد السلام (١/ ٤).\n(^٢) هو: محمد علي البار، مستشار قسم الطب الإسلامي، مركز الملك فهد للبحوث الطبية بجامعة الملك عبد العزيز بجُدَّة. ولد سنة ١٩٣٩ م، وحصل على بكالوريوس الطب والجراحة (درجة الشرف) من جامعة القاهرة في عام ١٩٦٤ م وزمالة الكلية الملكية للأطباء بلندن في عام ١٩٩٤ م. شارك في مؤتمرات المجامع الفقهية التابعة لرابطة العالم الإسلامي ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وشارك كذلك في ندوات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية. له العديد من الكتب، منها: «خلق الإنسان بين الطب والقرآن» «الخمر بين الطب والفقه» «العدوى بين الطب وحديث المصطفى» «عمل المرأة في الميزان» «الوجيز في علم الأجنة القرآني» «المسيح المنتظر وتعاليم التلمود» «تيه العرب وتيه بني إسرائيل».\n(^٣) هو: شرف الملك أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، الفيلسوف الرئيس، صاحب التصانيف في الطب والمنطق والطبيعيات، وكذلك في الإلهيات، ولم يكن كلامه فيها مرضيًّا عند العلماء. أصله من بلخ، ولد في إحدى قرى بخارى سنة ٣٧٠ هـ، وتوفي في همذان سنة ٤٢٨ هـ. أشهر كتبه: «القانون» في الطب بقي معوَّلًا عليه في علم الطب وعمله ستة قرون، وترجمه الفرنج إلى لغاتهم، وكانوا يتعلمونه في مدارسهم. ومن تصانيفه أيضًا: «المعاد»، «الشفاء» في الحكمة. راجع ترجمته في: «تَذْكِرَة الحُفَّاظ» للذَّهَبِيّ (٣/ ١٠٨٦)، «لِسَان المِيزان» لابن حَجَر (٢/ ٢٩١).\n(^٤) هو: أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رُشْد الأندَلُسِيّ، من أهل قُرْطُبة، ولد سنة ٥٢٠ هـ، فقيه نظار محقق مجتهد متبحر في الفنون، وكان قد اشتغل بالفلسفة واعتنى بكلام أرسطو وترجمه إلى العربية، وزاد عليه زيادات كثيرة. توفي: سنة ٥٩٥ هـ. من مصنفاته: «منهاج الأدلة» في الأصول، «المسائل» في الحكمة، «تهافت التهافت» في الرد على الغَزاليّ، «بِدَايَة المُجْتَهِد ونهاية المقتصد» في الفقه، «جوامع كتب أرسطاطاليس» في الطبيعيات والإلهيات، «تلخيص كتب أرسطو» «الكليات». راجع ترجمته في: «العبر في أخبار من غبر» للذَّهَبِيّ (٤/ ٤٧)، «النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي (٦/ ١٥٤)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٢/ ٦٢).","vol":"1","page":29},{"text":"و«الكليات» (^١) في الطب: «الطِبُّ علم يعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يعرض له من صحة وفساد». ونسب إلى جالينوس أنه قال: «الطب علم بأحوال بدن الإنسان يُحْفَظ به حاصلُ الصحة ويُستَرَدُّ زائلُها» (^٢).\nقلت: الطب هو التصرف بما فيه عافية الإنسان في بدنه وعقله ونفسه، بتعاطي أسبابها الطبيعية؛ والعلم بذلك هو علم الطب.\nولعله يظهر من هذه التعريفات السابقة لزوم التداخل بين علمي الفقه والطب، فإن موضوع (^٣) علم الطب هو بدن الإنسان ونفسه، وهذا البدن وتلك النفس مَحَلٌّ للتكاليف الشرعية وأحكامُ الأخيرةِ هي موضوعُ علم الفقه. لذلك، ولكون الفقه والطب معنيين بصلاح وعافية ذلك الكائن البشري - كما أشارت إليه عبارة العز بن عبد السلام -، حصل بينهما من التداخل ما يعرفه المشتغلون بأيهما.\nوأنا أضرب بعض الأمثلة لذلك التداخل وحاجة كل منهما للآخر:\n_________\n(^١) ترجم إلى عدة لغات كاللاتينية (تحت اسم  COLLEGET)،  الإسبانية والعبرية، وظل يدرس في أوروبا القرون الوسطى زمنًا طويلا إلى نهايات القرن السادس عشر، بجوار «القانون» لابن سينا. طبعه مركز دراسات الوحدة العربية في مجلد واحد سنة ١٩٩٩.\n(^٢) «المسؤولية الطبية وأخلاقيات الطبيب» للبار (ص ٥٤ - ٥٥).\n(^٣) موضوع العلم هو ما يبحث العلم في عوارضه الذاتية.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>حاجة الطب إلى الفقه</span>\nالطب يحتاج إلى الفقه لكونه من جملة حركة الإنسان في الكون التي جاء الإسلام ليحكمها ويهديها إلى سبيل الرشاد. فالعَلاقة بين الطبيب والمريض أو أوليائه وكذلك بين الطبيب وبقية فريقِ العملِ الطبيِّ، وآدابُ المهنة وضوابطها، وما يجوز التداوي به وما يحرم، وما يجوز من الجراحات وما لا يجوز ... إلخ، كلُّ ذلك محكوم بالفقه. فالفقه إذًا حاكم على جميع أطراف المعاملات الطبية، وكذلك العمل الطبي نفسه.\nوليس ذلك يعني أن صناعة المعرفة الطبية مقيدةٌ بالفقه، أو أنها لا تُستمَدُّ إلا من الوحي. كلا فإن هذا وإن جاز في بعض الأزمنة وفي بعض الأديان اعتقاده، فإنه لم يكن يومًا من دين الإسلام في شيء، ولقد وضح ذلك رسول الله -ﷺ- أبلغ توضيح وأجلاه حيث قال: «أنتُم أعْلَمُ بأمُورِ دُنْيَاكُم» (^١).\nإن البحث العلمي ونتائجه هما العمدة في المعارف والصناعة الطبية لدى المسلمين. والفقه حاكم على وسائل البحث العلمي لا على نتائجه (^٢)، فإن الفقه يمنع قتل الأجنة لاستعمالها في بحوث الخلايا الجذعية، ولكنه لا يعارض نتائج البحث أو فكرته بل يحض عليه حتى يعُده من الواجبات الشرعية؛ قال الإمام النَّوَوِيّ -﵀- (^٣): «وأما العلوم\n_________\n(^١) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره -ﷺ- من معايش الدنيا على سبيل الرأي (٤/ ١٨٣٥).\n(^٢) يعتقد المسلم أن اليقيني من أخبار الوحي لا يمكن أن يتعارض مع اليقيني من قواطع العلم، لأن الخلق خلق الله والوحي من عند الله. فإذا ظهر ثم تعارض، تأكدنا من الحقيقة العلمية وأنها يقينية، فإن كانت كذلك، أعدنا تقليب النظر في فهم الخبر. وليس من خبر قطعي الثبوت أجمعت الأمة على فهمه على نحو يخالف حقيقة علمية يقينية.\n(^٣) هو: محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مُرِّيّ بن حسن الحِزامِيّ الحَوْرانِيّ النَّوَوِيّ الشافعي، الإمام الحصور، العلامة الفقيه، المحدث المؤرخ، العالم العامل، العابد الزاهد، أحد الشيخين في المذهب الشافعي، ولد سنة ٦٣١ هـ في نوا من قرى حَوْرَان بسوريا، وإليها ينسب. من كتبه: «المَجْمُوع شرح المُهَذَّب» «مِنْهَاج الطَّالِبِين» «شرح صَحِيح مُسْلِم» «التقريب والتيسير» «الإيضاح» «تهذيب الأسماء واللغات» «رَوْضَة الطَّالِبِين» «رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين». توفي: سنة ٦٧٦ هـ. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الكُبْرَى» (٨/ ٣٩٥)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة» لابن قاضي شُهْبَة (٢/ ١٥٣) «شَذَرَات الذَّهَب» (٣/ ٣٥٤).","vol":"1","page":31},{"text":"العقلية فمنها ما هو فرض كفاية كالطب والحساب المُحْتاج إليه» (^١).\nبل إنك تجد إمامًا جليلا كالشافعي -﵀- (^٢) يقول: «لم أعلم علمًا بعد الحلال والحرام أنبل من الطب» (^٣).\nوبعد انتهاء البحث العلمي يكون الفقه حاكمًا على تطبيقاته حتى يكون استعماله فيما هو نافع وفيه صلاح الإنسان.\nوإنه لم يثبت بحمد الله أن شيئًا من قطعيات الوحي يعارض أيًّا من حقائق البحث العلمي. ونحن نجزم أن ذلك لن يكون، فآيات الله لا تتعارض.\n_________\n(^١) «رَوْضَة الطَّالِبِين» للنَّوَوِيّ (١/ ٢٢٣).\n(^٢) هو: أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع القُرشِيّ المُطَّلِبِيّ الشافعي المكي، نزيل مصر، إمام عصره وفريد دهره، أحد الأئمة الأربعة، إليه ينسب المذهب الشافعي، ولد سنة ١٥٠ هـ، وتتلمذ على سفيان بن عُيَيْنة ومسلم بن خالد الزِّنجِي ومالك بن أنس ومحمد ابن الحسن الشَّيبانِيّ وغيرهم من فقهاء عصره، نبغ في العربية والفقه والحديث وغيرها من علوم الإسلام، وهو أول من صنف في أصول الفقه، وعنه أخذ الإمام أحمد، وأبو ثور، وداود الظَّاهِرِيّ بواسطة، والربيع المُرادِيّ، والربيع الجِيزِيّ، والبُوَيْطِيّ، والمُزَنِيّ وخلق سواهم. توفي: سنة ٢٠٤ هـ وله أربع وخمسون؛ من مؤلفاته: «الرسالة» في الأصول، «الأُمّ» في الفقه، «أحْكَام القُرآن» وغيرها. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الكُبْرَى» (٢/ ٧١)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٤/ ١٦٣)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٠/ ٥).\n(^٣) «الطب من الكتاب والسنة» للبَغْدادِيّ (ص ١٨٧).","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>حاجة الفقه إلى الطب</span>\nالفقه محتاج إلى الطب، ومن أمثلة ذلك:\n• الحكم على حِل الأشياء وحرمتها قد يتوقف على معرفة نفعها أو ضررها، فالإسلامُ مبنيةٌ شريعتُه على جلب المصالح وتكميلها ودفع المفاسد وتقليلها. ومن أمثلة ذلك قولُ الشافعي: عن الماء المُشَمَّس: «ولا أكره الماءَ المشَمَّس إلا مِن جهة الطب» (^١).\n• الحكم في مسائل الحيض والنفاس والحمل وغيرها يحتاج إلى الرجوع لأهل الخبرة والاختصاص، فمن المتقرر أن ما لا ضابط له في الشرع أو اللغة يرجع فيه إلى العرف والوجود (^٢). والوجود يضبطه الخبير به، وهذا هو الطبيب متى تعلق الأمر ببدن الإنسان.\n• ويحتاج الفقيه إلى الاطلاع على المعارف والصناعة الطبية لإمكانية الحكم على شتى الممارسات الطبية، فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.\n• وكذلك يحتاج الفقه والفقيه إلى الطب لمعرفة حال الإنسان من الصحة والمرض، وهل هو مرض موت أم غيره، واختلال العقل، ونوع الخنثى، وبلوغ الطفل، ووجود العيوب التي يفسخ بها النكاح. فمن ذلك قولهم عن انتفاع العلوم الشرعية بالطبية: «أما منفعة الطب فيها [أي العلوم الشرعية] فإنه يُرجَع للطبيب في الأمراض؛ إذا أخبر المريضَ بأن الماء يضره تيمَّم» (^٣).\n_________\n(^١) «الأُمّ» للشافعي (١/ ١٧). ونبين في البحث الخاص بهذه المسألة عدم ثبوت ضرره.\n(^٢) انظر «المنثور في القواعد» للزركشي (٢/ ٣٩١)، و«الأشباه والنظائر» للسيوطي (١/ ٩٨).\n(^٣) «حَاشِيَة البُجَيرَمِيّ» (١/ ١٨٥).","vol":"1","page":33},{"text":"• وفي قضايا الجروح والشجاج يُحتاج إلى الأطباء والجرائحيين في الاستيفاء ومعرفة مدى احتمال السِّراية والحَيف وغير ذلك.\n• كما يحتاج القضاء إلى الطب الشرعي في إثبات الجرائم وتحديد هُوِيَّة الجناة وكذلك تحديد النسب ... إلخ.\nوالحق أنه من سعادة البشر أن يتقن الفقهاء والأطباء عملهم ويتعاونوا، فيصلح الله بهم جميعًا أديان الناس وأبدانهم.\n* * *","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>مسألة تغير الفتوى</span>\nبين يدي هذه الرسالة كان لابد أن أتعرض إلى الأصل الذي بُنِيت عليه، وهو مسألة جواز بل وجوب تغير الفتوى بتغير الواقع، ومن ذلك واقع المعارف والصناعة الطبية.\nإن هذه المسألة لهي من أكثر المسائل تعقيدًا، وقد وقع فيها - كما في غيرها - كثير من الإفراط والتفريط، فجماعة جاوزوا بها الحد وطاروا بها كل مَطِير، يريدون أن يَدلِفوا منها إلى تغيير الدين، أو قل تحريفه؛ بينما فريق آخر نظر إليها مرتابًا، لاسيما مع التجاوزات التي ترتكب باسمها، فأنكرها وردها.\nوأنا في الصفحات القادمة أبدأ ببيان مشروعية بل وجوب أصل المسألة، ثم أتعرض للضوابط التي تمنع من الانحراف بها واتخاذها مَطِيَّة لتحريف الدين، وبعدها أبين المقصود من تغير الفتوى بتغير المعارف والصناعة الطبية على وجه الخصوص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>تعريف الفتوى والقضاء:</span>\nالفَتْوَى: هي الإخبار عن حكم الله، على وجه الإعلام، في الوقائع وغيرها. أما القَضَاء: فهو الإخبار عن حكم الله، على وجه الإلزام، في الحكم بين المتخاصمين (^١).\nفالفتوى ليست ملزمة بعكس القضاء، فكان القضاء أوسع من هذه الجهة لكونه إخبارًا يتبعه إلزام. والفتوى أوسع من أكثر من جهة، فهي متعدية يخاطب بها الخلق الكثير، وتكون في أبواب المعاملات والعبادات بل والعقائد.\nوبالنسبة إلى موضوع رسالتنا، فالفتوى والقضاء قريبان، ولا أثر للفرق بينهما على العَلاقة بينهما وبين المعارف والصناعة الطبية.\n_________\n(^١) انظر «الفُرُوق مع هوامشه» للقَرافِيِّ (٤/ ١١٧)، «فتاوى السُّبكِيّ» (٢/ ٥٤٤)، «حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ» (٤/ ١٥٧) «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (٣٢/ ٢١).","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المقصود الفتوى لا الحكم الشرعي</span>\nإن من علمائنا من قال - كما سيأتي - بثبات الحكم واستحالة تغيره، ومنهم من قال بتغير الأحكام، وفي الصفحات الآتية نبين أن الخلاف بينهم في الألفاظ لا في المفاهيم، وكذلك نؤكد على أن ما نقصِده من التغير هو تغير الفتوى دون الحكم الشرعي كما يُعرِّفه الأصوليون.\nوذلك لأن الحكم الشرعي -كما يعرفه الأصوليون- هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا أو وضعًا (^١). ويُعرِّفه الفقهاء بأنه أثر خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا أو وضعًا (^٢).\nوهذا - على تعريف الأصوليين - لا يمكن أن يتصور تغيره بعد انقطاع الوحي، وكذلك فالصواب أنه لا يتغير على تعريف الفقهاء، فلكل خطاب أثر ثابت في الواقعة المعينة، أدركه الفقيه أم لا. أما الفتوى، فإنها إخبار المفتي عما اعتقد أنه حكم الله في المسألة المعينة أو الواقع المعين (^٣).\n_________\n(^١) انظر «المَحْصُول» للرَّازِيّ (١/ ١٠٧)، «شَرْح التَّلْوِيح على التَّوْضِيح» للتَّفْتَازانِيّ (١/ ٢٥)، «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (١٨/ ٦٦).\n(^٢) انظر «شَرْح التَّلْوِيح على التَّوْضِيح» للتَّفْتَازانِيّ (١/ ٢٥)، «التَّحْبِير شَرْح التَّحْرِير» للمِرداوِيِّ (٢/ ٧٩٠)، «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (١٨/ ٦٦).\n(^٣) انظر «الفُرُوق» للقَرَافِيِّ (٤/ ١١٧).","vol":"1","page":36},{"text":"إن عمل المفتي يتضمن تخريج وتنقيح وتحقيق المناط (^١)، والأخير هو تنزيل الحكم المعين على الواقع الذي يناسبه، فإن عمر -﵁- قد علم أن من حكم الله إعطاء المؤلفة قلوبهم، ولكنه منع أقوامًا كانوا يُعطَوْن من سهم المؤلفة قلوبهم من قبل؛ وذلك لأنه رأى أن المسلمين لا يحتاجون إلى تأليف قلوب هؤلاء الناس لما أعز الله دينه وأظهره.\nهو إذًا لم يغير الحكم وإنما قرر أن مناطه لا يتحقق في الواقع الجديد، فغير الفتوى، فصار هذا الذي يُعطَى بالأمس لا يعطى اليوم. فإن احتاج المسلمون لتأليف قلوبهم بعد ذلك فحكم الله باقٍ ليس يتغير.\nأما القول بتغيير الأحكام الشرعية، بمعناها الاصطلاحي عند الأصوليين، فلا أصل له ولا دليل عليه، وإن كان البعض استخدمه يريد به الفتوى كما ذكرت مجَلَّة الأحكام العَدْلِيَّة حيث جاء فيها «لا يُنْكَر تَغَيُّر الأحكامِ بتغيُّر الزَّمان» (^٢). وعندما يتضح أن مقصود من قال بتغير الأحكام هو تغير الفتوى، أو الحكم في اصطلاح بعض الفُرُوعيين - مع شيء من التجوز - والذي يعرف عند الأصوليين بأثر الحكم، أو الحكم بمعناه\n_________\n(^١) تخريج المناط هو استخراج علة الحكم، كأن يقترن وصفٌ مناسبٌ بحكمٍ معينٍ في نصوص الشرع فيقال إن هذا الوصف، وليكن الإسكار، علة في التحريم.\nوتنقيحه هو إلغاء ما لا يصلح للعلِّيَّة وإضافة ما يصلح، كما في حديث الأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان، فليس كونه أعرابيًّا بمؤثر في الحكم، فيُلغى اعتبار هذا الوصف وغيرِه من أوصافِه، ويُثبَت وصف الوِقاع في نهار رمضان، وهل يضاف إليه الأكل والشرب؟ خلاف.\nوتحقيقه هو تنزيله على أفراد الواقع، كأن تكون السرقة هي مناط القطع، فيجتهد الفقيه في تحقيق وجودها في النبَّاش؛ أو يجتهد في تحقيق القاعدة الكلية في الفرع، فيحكم بقدر نفقة الولد أو الزوجة. والمثال الأول أولى بتحقيق المناط والثاني أقرب إلى تطبيق النصوص في أفرادها، وإن عده البعض من تحقيق المناط.\nانظر «مُذَكِّرَة في أُصُول الفِقْه على رَوْضَة النَّاظِر» لمحمد الأمين الشِّنْقِيطِيّ (ص ٢٩٢ - ٢٩٣).\n(^٢) انظر «دُرَر الحُكَّام شَرْحُ مَجَلَّة الأحْكَام» لعلي حَيْدَر (١/ ٤٧) المادة رقم (٣٩).","vol":"1","page":37},{"text":"اللغوي، والذي يشمل حكم الفقيه - وهو فتواه - أو تلك الأحكام التي مردها إلى العرف والعادة والمصلحة، أو حكم الوقائع عند اختلاف الملابسات المحيطة بها. أقول: عند ظهور ذلك، فساعتها يمكن أن يقال لا مُشاحَّة في الاصطلاح، سيما أن هذا الاصطلاح قد استعمله جهابذة العلماء كالشاطبي (^١) (^٢) وغيره. ويكون توجيه ذلك إذًا ما ذكرنا من قصدِهم بالحكمِ الشرعيِّ مجموعَ الخطابِ والمتعَلَّقَاتِ به.\nإننا على يقين أن الحكم بمعناه الأصولي لا يتغير، إذ كيف يتغير خطاب الله (^٣) ومن يملك هذا؟ أو لا يكون هذا هو النسخ؟ وهل لأحد أن ينسخ شيئًا مما جاء به محمد -ﷺ-؟ أو\n_________\n(^١) هو: إبراهيم بن موسى بن محمد اللَّخْمِيّ الغُرْناطِيّ الشهير بالشَّاطِبِيّ، من أهل غُرْناطة: العلامة الفذ، الفقيه الأصولي، الحافظ النظَّار، أول من أفرد علم المقاصد بالتأليف. كان من أئمة المالكية. من كتبه: «المُوَافَقَات في أصول الفقه» «المجالس» شرح به كتاب البيوع من صَحِيح البُخَارِيّ، «الاتفاق في علم الاشتقاق» «الاعتصام»، وشرح الألفية سماه «المقاصد الشافية في شرح خلاصة الكَافِية» توفي: سنة ٧٩٠ هـ. راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (١/ ٧٥)، «مُعْجَم المؤلفين» لرضا كحَالة (١/ ١١٨).\n(^٢) قال -﵀-: «... مثل كشف الرأس فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد المشرقية وغير قبيح فى البلاد المغربية. فالحكم الشرعي يختلف لاختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحا في العدالة وعند أهل المغرب غير قادح ... واعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد، فليس في الحقيقة باختلاف في أصل الخطاب لأن الشرع موضوع على أنه دائم أبدي لو فرض بقاء الدنيا من غير نهاية، والتكليف كذلك لم يحتج في الشرع إلى مزيد، وإنما معنى الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يُحْكم به عليها». «المُوَافَقَات» (٢/ ٢٨٤ - ٢٨٦).\n(^٣) قال العَطَّار -﵀-: «وتغير الحكم محال، لأنه خطاب الله أي كلامه النفسي القديم» «حَاشِيَة العَطَّار على شرح جلال الدين المَحَلِّي» (١/ ١٦١). وهو متين دون قوله: «أي كلامه النفسي القديم»، لأن خطاب الله في القرآن كلامه لفظًا ومعنىً، والحكم يغيره الله بالنسخ.","vol":"1","page":38},{"text":"لا يكون ذلك تحريفًا كتحريف أهل الكتاب لكتبهم، حيث زعموا أن أحبارهم ورهبانهم قد يغيرون من أحكام دينهم ما يرون، وهم في ذلك مؤيدون بروح القدس!؟\nألم يعِبِ الله -﷿- عليهم هذا حيث قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] ولقد بيَّن رسول الله -ﷺ- لعَدِيِّ بن حاتم -﵁- أن ذلك كان باتباعهم إياهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال (^١).\nثم ألا يكون ذلك عين ما نهى عنه رسول الله -ﷺ- حيث قال: «من أحْدَثَ في أَمْرِنا هذا ما ليس مِنْه فَهُو رَدٌّ» (^٢).\nعلمنا إذًا أن الأحكام الشرعية لا تتغير ولا تتبدل، ولكن فتوى المفتي التي تتضمن اختيار الحكم الأمثل للواقعة قد تتغير، فإن تحقيق المناط هو من الاجتهاد الذي لا يتوقف إلى أن تفنى الدنيا كما صرح بذلك الشاطبي -﵀- حيث قال: «الاجتهاد على ضربين: أحدهما لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع التكليف وذلك عند قيام الساعة، والثاني يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا. فأما الأول فهو الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط، وهذا الذي لا خلاف فيه بين الأمة في قبوله، ومعناه أن يثبت الحكم بمدرَكه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محَله» (^٣).\nوإن الواقع المعين قد تناسبه أحكامٌ مختلفةٌ مِن وجوهٍ، فيختار المجتهد أنسبها له. وقد يتنازعه أصلان أو حكمان فيُلحِقه الحاكم بأقربهما إليه في المعنى والمبنى، وإن كان اعتبار المعنى مقدمًا عند التعارض استحسانًا.\n_________\n(^١) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب آداب القاضي، باب ما يقضي به القاضي (١٠/ ١١٦).\n(^٢) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جَوْر فالصلح مردود (٢/ ٩٥٩)، «صَحِيح مُسْلِم» كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد المحدثات (٣/ ١٣٤٣).\n(^٣) «المُوَافَقَات» للشَّاطِبِيّ (٤/ ٦٤ - ٦٥).","vol":"1","page":39},{"text":"وللتمثيل على ذلك، فإن بعض أهل العلم قد فهم من حديث ابن عباس عن إمضاء عمر -﵁- ثلاث الطلقات بثلاث، أنه -﵁- قد نظر فوجد الناس قد تَتَايعوا في طلاق الثلاث، وهو عمل محرم، فأراد - كونه وليَّ الأمر - أن يعاقبهم على ذلك، فأمضاه عليهم الثلاثَ بثلاثٍ. ولم يذكر لنا التاريخ أن ضررًا عظيمًا حصَل جرَّاء ذلك في زمنه -﵁-. ولكنْ، تطاول الزمان وتغير الناس وانتشرت مشكلة التحليل، لطيش الناس وسفههم وإسراعهم إلى التلفظ بالطلاق، فنظر الإمامان ابن تَيمِيَّة (^١) وابن القَيِّم (^٢) - رحمهما الله - إلى هذا الحال ورأيا أن الأصلح لواقع الناس هو الرجوع إلى الأصل وإيقاع الثلاث بواحدة. يقول ابن القَيِّم -﵀- عن ذلك الواقع:\n«فَصْلٌ [وجه تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأحوال] إذا عُرِف هذا، فهذه المسألة\n_________\n(^١) هو: تقي الدين أبو العباس أحمد بن المفتي عبد الحليم بن المجد أبي البركات عبد السلام، الحَرَّانِيّ الدِّمَشْقِيّ، الحنبلي، ابن تَيمِيَّة: الإمام المجدد، الحافظ المحقق، الفقيه المدقق، العالم العامل، المجاهد الفاضل، شيخ الإسلام. ولد في حران سنة ٦٦١ هـ، وتحول به أبوه إلى دمشق فنبغ واشتهر. كان كثير البحث في فنون الحكمة، داعية إصلاح في الدين، آية في التفسير والفقه والأصول، فصيح اللسان، قلمه ولسانه متقاربان. أما تصانيفه، فهي كثيرة مباركة منها: «السياسة الشرعية» «الفَتَاوَى» «منهاج السنة»، وتوفي: سنة ٧٢٨ هـ. راجع ترجمته في: «المَقْصد الأرْشَد» (١/ ١٣٢)، «البِدَايَة والنِّهَايَة» (١٣/ ٣٠٣)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٣/ ٨٠).\n(^٢) هو: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزُّرْعِيّ الدِّمَشْقِيّ الحنبلي، المعروف بابن القَيِّم، الفقيه المحدث، والمفسر المؤرخ، من أركان الإصلاح الإسلامي الربانيين، وأحد كبار العلماء العاملين، والنساك المحققين. مولده في دمشق سنة ٦٩١ هـ. تتلمذ للإمام ابن تَيمِيَّة، وهو أولى تلاميذه به. ووفاته: بدمشق سنة ٧٥١ هـ؛ ألف تصانيف كثيرة منها: «إعْلام المُوَقِّعِين» «الطُّرُق الحُكمِيَّة في السياسة الشرعية» «مفتاح دار السعادة» «زاد المعاد» «مدارج السالكين» «الفروسية» «طب القلوب» «الوابل الصيب من الكلم الطيب». راجع ترجمته في: «شَذَرَات الذَّهَب» (٣/ ١٦٨)، «المَقْصد الأرْشَد» (٢/ ٣٨٤)، «البِدَايَة والنِّهَايَة» (١٤/ ٢٣٤).","vol":"1","page":40},{"text":"[وقوع الطلقات الثلاث بثلاث] مما تغيرت الفتوى بها بحسَب الأزمنة كما عَرَفْت، لما رأته الصحابة من المصلحة، لأنهم رأوا مفسدة تتايُعِ الناس في إيقاع الثلاث لا تندفع إلا بإمضائها عليهم، فرأوا مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الوقوع. ولم يكن باب التحليل الذي لعن رسول -ﷺ- فاعله مفتوحا بوجهٍ ما، بل كانوا أشد خلق الله في المنع منه، وتوعَّد عمر فاعله بالرجم، وكانوا عالمين بالطلاق المأذون فيه وغيره. وأما في هذه الأزمان التي قد شكت الفروج فيها إلى ربها من مفسدة التحليل، وقُبْح ما يرتكبه المحللون مما هو رَمَدٌ بل عمىً في عين الدين وشجىً في حلوق المؤمنين، من قبائح تُشمِت أعداء الدين به، وتمنع كثيرا ممن يريد الدخول فيه بسببه، بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطاب، ولا يحصرها كتاب، يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح، ويعدونها من أعظم الفضائح، قد قلبت من الدين رَسمَه، وغيرت منه اسمه، وضَمَّخ التَّيس المستعار فيها المطلقة بنجاسة التحليل» (^١).\nوليس المراد من إيرادنا هذا النص قضية وقوع الثلاث بواحدة أو ثلاث، فهذه مسألةٌ دون تحريرِ الراجح فيها تسويدُ المجلدات (^٢)، ولا مرادنا أن عين هذه المسألة أصلح مثالٍ على ما نحن فيه، فهي نفسُها محَلُّ نزاع، ولكنَّ الناظرَ بإنصافٍ في كلام الإمام ابن القَيِّم -﵀- يرى نظرة الفقيه المدرك أن شرع الله مبناه على المصلحة، ثم هو يراعي نظرة غير المسلمين إلى الإسلام، وانصدادَ بعضهم عن الدخول في الدين من أجل تفشي مشكلة التحليل بين المسلمين.\n_________\n(^١) «إعْلام المُوَقِّعِين» لابن القَيِّم (٣/ ٤٠).\n(^٢) للمزيد، انظر كلام العلامة ابن القَيِّم في «زاد المعاد» فصل في حكمه -ﷺ- فيمن طلق ثلاثا بكلمة واحدة (٥/ ٢٤١). ولمطالعة رأي مخالفيه، انظر كلام العلامة محمد الأمين الشِّنْقِيطِيّ في «أضواء البيان» عند تفسير قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ ...﴾ [البقرة: ٢٢٩] (١/ ١٠٤).","vol":"1","page":41},{"text":"وإن من جنس ذلك في أيامنا ما يأخذه غير المسلمين أو العلمانيون على النظام القضائي الإسلامي المعاصر لإهماله - في بعض التطبيقات - الطِّبَّ الشرعي مهما قويَت دِلالته. والأخذ به ليس تحريفًا لطرق الإثبات في القضاء، بل ردُّ العادة والعرف والحال الجديد إلى الأصل الشرعي الذي يناسب ذلك كله، والذي يقضي بألا نطرح اليقين من أجل الظن، وأن الإعمال أولى من الإهمال، سيما عندما يكون المقصودُ إقامةَ العدل وتحري الحقيقة.\nونختِم هذه الفِقْرة بقول الإمام الشاطبي -﵀- في «الموافقات»: «إن اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد ليس في الحقيقة باختلافٍ في أصل الخطاب، لأن الشرع موضوعٌ على أنه دائمٌ أبديٌّ لو فُرِض بقاءُ الدنيا إلى ما لانهاية، والتكليف كذلك، لم يُحتَج في الشرع إلى مزيد. ومعنى الاختلافِ أن العوائدَ إذا اختلفت رجَعَت كل عادةٍ إلى أصل شرعي يحكم بها ... فالأحكام ثابتة تتبع أسبابها حيث كانت بإطلاق» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) «المُوَافَقَات» للشَّاطِبِيّ (٢/ ٢١٧)","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>تغير الفتوى ليس أمرًا محدثًا</span>\nإن تغير الفتوى ليس أمرًا محدثًا، بل إن رسول الله -ﷺ- الذي علمنا القياس وغيره من الأصول هو الذي دلَّنا على هذه المسألة بقوله وعمله -ﷺ- فعن عبد الله بن واقد، قال: «نهى رسول الله -ﷺ- عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لِعَمْرَةَ، فقالت: صدق سمعت عائشة تقول: دَفَّ أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى زمن رسول الله -ﷺ- فقال رسول الله -ﷺ-: ادَّخِرُوا ثَلاثًا ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ. فلما كان بعد ذلك قالوا يا رسول الله: إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويَجْمُلُون منها الْوَدَكَ فقال رسول الله -ﷺ-: وما ذاك؟ قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. فقال: إنما نَهَيْتُكُمْ من أَجْلِ الدَّافَّةِ التي دَفَّتْ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا» (^١).\nبأبي هو وأمي، ما ترك خيرًا إلا دلنا عليه بقوله أو فعله أو بهما معًا. ولقد سار على دربه -ﷺ- الخلفاء والسلف، فمن أمثلة تغير الفتوى عند المتقدمين:\n• منْعُ أميرِ المؤمنين عمرَ -﵁- المؤلفةَ قلوبُهم من سهمهم، لما رأى عزة الدين وتمكين الله -﷿- للمسلمين زمنَ خلافته المباركة؛ وإلغاؤه للنفي في حد الزاني خوفًا من لحوقه بدار الكفر.\n• وأمر أميرِ المؤمنين عثمانَ -﵁- بالتقاط ضالَّة الإبل وبيعها وحفظ ثمنها لصاحبها، وكان الأصلُ النهيَ عن التقاطِها، وذلك لما رأى فساد الذمم وتغيُّر الناس.\n_________\n(^١) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء (٣/ ١٥٦١).","vol":"1","page":43},{"text":"• وتضمين أميرِ المؤمنين علي -﵁- للصانع بعدما كانت يده يد أمانة، وذلك لحماية المستصنِع من تعدِّي بعض الصنَّاع ولأن أمور الناس لم تَصلُح إلا بذلك.\n• وقد كان العمل مستقرًّا عند أكثر السلف على تحريم تعاطي الأجر على تعليم القرآن، ثم أذِن فيه مَن بعدَهم، خوفًا من ضياع القرآن لما قلَّ المتطوعون.\nإن الأمثلة على هذه المسألة كثيرة يضيق المقام عن استيعابها.\n* * *","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>أقوالٌ لأهل العلم عن تغير الفتوى</span>\nإليك الآن، بعضَ النقولِ عن أهل العلم التي تبين اتفاقهم - على تنوع مذاهبهم - على مبدأ تغير الفتوى:\n• قال الشيخ علاء الدين الحَصْكَفِيّ -﵀- (^١) في صدر شرحه على «التنوير»: «وأما نحن [أي متأخرة الحنفية] فعلينا اتباعُ ما رجَّحوه وما صحَّحوه كما لو أفتَوا في حياتهم. فإن قلتَ قد يحكون أقوالًا بلا ترجيح، وقد يختلفون في التصحيح! قلتُ: يُعمَل بمثل ما عملوا من اعتبار تغير العرف وأحوال الناس وما هو الأرفق، وما ظهر عليه التعامل وما قوي وجهه. ولا يخلو الوجود ممن يميز هذا حقيقة لا ظنًّا. وعلى من لا يميز أن يرجع لمن يميز لبراءة ذمته» (^٢).\n• وجاء في «دُرَر الحُكَّام»: «وقد جوز المتأخرون من الفقهاء الاستئجار فيها [القُرُبات كتعليم القرآن] بخلاف المتقدمين فقد قالوا بعدم جوازه، لأن المتعلمين كانوا يكافئون المعلمين في الزمن القديم من دون شرط، ولا قيد عملا بالآية الكريمة ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وأما اليوم فذهب ذلك واشتغل الحفاظ بمعاشهم وقل من يُعلِّم حِسبةً، ولا يتفرغون له أيضا فإنَّ حاجتهم تمنعهم\n_________\n(^١) هو: محمد بن علي بن محمد الحِصْنِيّ، المعروف بعلاء الدين الحَصْكَفِيّ، نحتًا من موطنه حِصْنَ كَيْفَا، مفتي الحنفية في دمشق. فقيه، أصولي، محدث، مفسر، نحوي، مولده ١٠٢٥ هـ بدمشق ووفاته: ١٠٨٨ هـ بها. أخذ عن خير الدين بن أحمد الخطيب، وفخر الدين بن زكريا، من كتبه: «الدُّر المُخْتار في شَرْح تَنْوِير الأبْصَار» في فقه الحنفية، «إفاضَة الأنْوَار على أصُول المَنَار». راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (٦/ ٢٩٤)، «مُعْجَم المؤلفين» (١١/ ٥٦).\n(^٢) «البَحْر الرَّائق» لابن نُجَيم (٦/ ٢٩٣).","vol":"1","page":45},{"text":"من ذلك، فلو لم يُفتَح لهم بابُ التعليم بالأجر لذهب القرآن؛ فأفتوا بجواز ذلك ورأوه حسنًا وقالوا: الأحكام قد تختلف باختلاف الأزمان (الزَّيْلَعِيّ): اتفقت النقول عن أئمتنا الثلاثة أبي حنيفة وأبي يوسف (^١) ومحمد (^٢) أن الاستئجار على الطاعات باطل، لكن جاء مَن بعدَهم من المجتهدين من أهل التخريج والترجيح فأفتَوا بصحته على تعليم القرآن للضرورة، فإنه كان للمعلمين عطايا من بيت المال وانقطعت، فلو لم يصحَّ الاستئجار وأخذ الأجرة لضاع القرآن، وفيه ضياعُ الدين لاحتياجِ المعلمين إلى الاكتساب، وأفتى من بعدهم أيضًا من أمثالهم بصحته على الأذان والإمامة، لأنها من شعائر الدين فجوَّزوا الاستئجار عليهما للضرورة أيضا. فهذا ما أفتى به المتأخرون عن أبي حنيفة وأصحابه لعلمهم بأن أبا حنيفة وأصحابه لو كانوا في عصرهم لقالوا بذلك ورجَعوا عن قولهم الأول» (^٣).\n_________\n(^١) هو: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصَارِيّ الكُوفِيّ البَغْدَادِيّ، الجهبذ، قاضي القضاة، صاحب الإمام أبي حنيفة، وتلميذه، وأول من نشر مذهبه. كان فقيهًا علامة، من حفاظ الحديث. ولد بالكوفة سنة ١١٣ هـ. وتفقه بالحديث والرواية، وولي القضاء ببغداد أيام المهدي والهادي والرشيد. ومات: في خلافته ببغداد، وهو على القضاء سنة ١٨٢ هـ من كتبه: «الخراج» «النوادر» «اختلاف الأمصار» «الفرائض». راجع ترجمته في: «الجَوَاهِر المُضِيَّة» في طَبَقَات الحَنَفِيَّة» (١/ ٢٢٠)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٦/ ٣٧٨)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٨/ ٥٣٥).\n(^٢) هو: أبو عبدالله، محمد بن الحسن بن فَرْقَد الشَّيبانِيّ، من موالي بني شيبان، ثالث ثلاثة الأركان في مذهب أبي حنيفة النُّعْمَان، إمام حبر في الفقه والأصول، أحد أئمة الإسلام «الأعلام»، وهو الذي نشر علم أبي حنيفة. ولد بواسط سنة ١٣١ هـ. ونشأ بالكوفة، فسمع من أبي حنيفة وغلب عليه مذهبه وعرف به، مات: في الرَّيّ سنة ١٨٩ هـ. له كتب كثيرة في الفقه والأصول، منها: «المَبسُوط»، «الزيادات»، «الجامع الكبير»، «المخارج» في الحيل. راجع ترجمته في: «تاريخ بغداد» (٢/ ١٧٢)، «الجَوَاهِر المُضِيَّة» في طَبَقَات الحَنَفِيَّة» (١/ ٤٢)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٤/ ١٨٤).\n(^٣) «درر الحكام في شرح مجلة الأحكام» لعلي حَيْدَر (١/ ٤٦٣).","vol":"1","page":46},{"text":"• وقال الزَّرقا -﵀- (^١): «ومن تغير الفتوى بتغير الزمان قول الحنفية: الأصل في المرأة إذا قبضت مُعجَّل صداقها أن تُلزَم بمتابعة زوجها حيث شاء. ولكن المتأخرين من أهل المذهب لاحظوا فساد الأخلاق وغَلَبة الجَوْر على النساء، فأفتوا بأن المرأة لا تُجبَر على السفر مع زوجها إلى مكان إذا لم يكن وطنا لها، وذلك لفساد الزمان والأخلاق. وعلى هذا استقرت الفتوى والقضاء في المذهب» (^٢).\n• ولقد ألَّفَ ابن عَابِدِين -﵀- (^٣) كتابه «نَشْرُ العَرْف في بِنَاء بعضِ الأحْكَام على العُرْف» لبيان ما خالف فيه المتأخرون المتقدمين لتغير الحال والزمان.\n• وقال ابن فَرْحُون -﵀- (^٤): «إن جري هذه الأحكام التى مدرَكها العوائد، مع تغير\n_________\n(^١) هو: مصطفى بن الشيخ أحمد بن الشيخ محمد بن السيد عثمان بن الحاج محمد بن عبد القادر الزَّرْقا، العلامة الفقيه الأصولي، وأستاذ الشريعة بكليتي الشريعة والحقوق بالجامعة السورية، وأحد كبار فقهاء هذا العصر. ولد سنة ١٣٢٢ هـ، وتوفي: سنة ١٤١٩ هـ. من مؤلفاته: «نظام التأمين والرأي الشرعي فيه»، «أحكام الوقف»، «الفعل الضار والضمان الشرعي فيه»، «المدخل الفقهي العام».\n(^٢) «المدخل الفقهي العام» لمصطفى أحمد الزَّرْقا (ص ٩٢٨).\n(^٣) هو: محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابِدِين الدِّمَشْقِيّ، المعروف بابن عابِدِين، الإمام العلامة، فقيه الديار الشامية وإمام الحنفية في عصره، مولده في دمشق سنة ١١٨٩ هـ ووفاته بها سنة ١٢٥٢ هـ، من مصنفاته: «رَدّ المُحتار على الدُّر المُخْتار» ويعرف بحَاشِيَة ابن عابِدِين، «رَفعُ الأنْظَارِ عَمَّا أوْرَدَهُ الحَلَبِيّ على الدُّر المُخْتار» «العُقُود الدُّرِّيَّة في تَنقِيح الفَتَاوَى الحامِديَّة» «حَاشِيَة على المُطَوَّل». راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (٦/ ٤٢).\n(^٤) هو: برهان الدين إبراهيم بن علي بن محمد، ابن فَرْحُون، اليَعْمُرِيّ: فقيه نظَّار، وعالم بحَّاث، ولد ونشأ ومات في المدينة. وهو مغربي الأصل، نسبته إلى يعمر بن مالك، من عدنان، أصيب بالفالج في شقه الأيسر، فمات: بعِلَّته ٧٩٩ هـ عن نحو ٧٠ عامًا، وهو من شيوخ المالكية، له: «الدِّيباجُ المُذْهَب» في تراجم أعيان المذهب المالكي «دُرَّة الغوّاص في محاضرة الخوّاص» «تَسْهِيل المُهِمَّات شَرْحُ جَامِع الأُمَّهَات». راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (١/ ٥٢)، «مُعْجَم المؤلفين» (١/ ٦٨).","vol":"1","page":47},{"text":"تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة، وليس ذلك تجديدا للاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد، بل هي قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد» (^١).\n• وقال القَرَافِيّ -﵀- (^٢): «فإن الأحكام المُرَتَّبة على العوائد تتبع العوائد وتتغير عند تغيرها فتأمل ذلك» (^٣).\n• وحكي عن الإمام ابن أبي زيد القَيْرَوانِيّ -﵀- (^٤) صاحب «الرسالة» المشهورة في فقه المالكية، أن حائطًا انهدم من داره، وكان يخاف على نفسه من بعض الفئات، فاتخذ كلبًا للحراسة، وربطه في الدار، فلما قيل له: إن مالكًا يكره ذلك، قال لمن كلَّمَه: لو أدرك مالكٌ زمانك لاتخذ أسدًا ضاريًا!\n_________\n(^١) «تَبْصِرَة الحُكَّام» لابن فَرْحُون (٢/ ٧٥).\n(^٢) هو: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصِّنْهاجِيّ القَرَافِيّ من علماء المالكية، أحد الأعلام المشهورين، والفقهاء الأصوليين المدققين، انتهت إليه رئاسة الفقه على مذهب مالك، والقرافى نسب إلى القرافة محلة مجاورة لقبر الإمام الشافعي بالقاهرة وهو مِصْرِيّ المولد والمنشأ والوفاة، توفي: سنة ٦٨٤ هـ، له مصنفات جليلة فى الفقة والأصول منها: «أنوار البروق في أنواء الفروق»، «الإحكام في تمييز الفَتَاوَى عن الأحكام وتصرف القاضي والإمام» «الذخيرة». راجع ترجمته في: «الدِّيبَاج المُذْهَب» (١/ ٦٢).\n(^٣) «الفروق» للقَرافِيِّ (٣/ ٢٧).\n(^٤) هو: أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن النَّفْراوِىّ القَيْرَوَانِىّ، المعروف بابن أبى زيد، الإمام العلامة القدوة الفقيه، عالم أهل المغرب، من أعيان القيروان، مولده ومنشؤه بها، وكذلك وفاته: سنة ٣٨٦ هـ. كان إمام المالكية فى عصره، يلقب بقطب المذهب وبمالك الأصغر؛ له عدة كتب جليلة، منها: «النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات» «مختصر المُدَوَّنَة» «رسالته المشهورة في فروع المالكية». راجع ترجمته في: «تَذْكِرَة الحُفَّاظ» (٣/ ١٠٢١)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٧/ ١٠)، «الدِّيبَاج المُذْهَب» (١/ ٤٩٢).","vol":"1","page":48},{"text":"• والمتأخرون من علماء الشافعية اعتبروا المقْصِد العرفي في الأيمان والمعاملات بخلاف اعتماد المتقدمين لمقتضى اللغة، واختلفت عندهم فتاوى الخُرَاسَانِيين عن غيرهم لاختلاف العُرف، واختلفت فتاوى المتقدمين عن المتأخرين. كما أنه يمكن القول بأن اختلاف العوائد والأحوال بين الأمصار الإسلامية كان من أسباب تجديد الشافعي -﵀- لمذهبه.\n• وقال ابن القَيِّم -﵀-: «قلت: وكذلك الفاسق إلا أن يكون معلنًا بفسقه داعيًا إلى بدعته، فحكم استفتائه حكم إمامته وشهادته، وهذا يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة والقدرة والعجز؛ فالواجب شيء والواقع شيء. والفقيه من يطبق بين الواقع والواجب وينفذ الواجب بحسَب استطاعته، لا من يلقي العداوة بين الواجب والواقع، فلكل زمان حكم، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم. وإذا عم الفسوق وغلب على أهل الأرض فلو مُنِعت إمامة الفساق وشهاداتهم وأحكامهم وفتاويهم وولاياتهم لعُطِّلت الأحكام، وفسد نظام الخلق، وبَطَلت أكثر الحقوق، ومع هذا فالواجب اعتبار الأصلح فالأصلح، وهذا عند القدرة والاختيار، وأما عند الضرورة والغلبة بالباطل فليس إلا الاصطبار، والقيام بأضعف مراتب الإنكار» (^١).\nقلت: إن مسألة الشهادة هي من وسائل تحقيق العدالة التي هي مقصود القضاء الأعظم والتي من أجلها أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ...﴾ [الحديد: ٢٥] وإنَّ هذا المقصود الأعظم يُبتغَى في سبيلِ تحقيقِه كلُّ وسيلة لا تخالف الشرع، وإن لم ينطق بها، ولا عمل بها السلف.\n_________\n(^١) «إعْلام المُوَقِّعِين» لابن القَيِّم (٤/ ١٧٠).","vol":"1","page":49},{"text":"وقبل أن أختِم الكلام عن إثبات أصل تغير الفتوى، أسوق كلام العلامة ابن القَيِّم -﵀- في هذا الشأن، فإنه - في تقديري- أبدع ما في هذا الباب، قال:\n«فَصْلٌ في تغير الفتوى واختلافها بحسَب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد؛ والشريعة مبنية على مصالح العباد.\nهذا فَصْلٌ عظيم النفع جدًّا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يُعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به. فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجَوْر، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أُدخِلت فيها بالتأويل، فالشريعة: عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله -ﷺ- أتم دَِلالة وأصدقَها» (^١).\nأسأل الله أن يكون الحق قد اتضح في هذه المسألة، والآن نعرض إلى ضوابطها.\n* * *\n_________\n(^١) «إعْلام المُوَقِّعِين» لابن القَيِّم (٣/ ١١).","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>ضوابط تغير الفتوى</span>\n١ - الضابط الأول: هو ما قدَّمنا بذكره قبل إثبات المسألة من أن المقصود هو تغير الفتوى الشرعية لا حكم الله.\n٢ - الضابط الثاني: ليس كل شيء قابلًا للتغير.\nيقول في هذا الشأن ابن القَيِّم -﵀-: «الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها لا بحسَب الأزمنة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأئمة كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه. النوع الثاني: ما يتغير بحسَب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالا كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسَب المصلحة» (^١).\n٣ - الضابط الثالث: أن تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان ليس لمجرد تغير الزمان والمكان، وإلا كان ذلك طعنًا في شمولية الشريعة الخاتِمة لكل مكان وزمان إلى قيام الساعة، بل المقصود أن الزمان والمكان أوعِيَة لما فيهما من الحوادث والوقائع والأحوال والعادات والأعراف، والتي يؤَثِّر تغيرها على الفتوى في مرحلة تحقيق المناط.\n٤ - الضابط الرابع: تتغير الفتوى عند وجود المقتضي وانتفاء المانع وليس بالتشهي أو للترخص. من أمثلة ذلك:\n_________\n(^١) «إغَاثَة اللَّهْفَان من مَصَائد الشَّيطَان» لابن القَيِّم (١/ ٣٣٠).","vol":"1","page":51},{"text":"أ- وجود سببٍ حادثٍ يؤثر على الفتوى:\nفلقد ترك رسول الله -ﷺ- جمع القرآن في مصحف واحد، فلما مات الكثير من القُرَّاء على عهد أبي بكر -﵁- في حروب الردة، خاف عمرُ -﵁- ومِن بعدِه بقيةُ الأصحاب من ضياع القرآن فعَمَدوا إلى جمعه، فكان موت القراء سببًا للجمع الذي تركه رسول الله -ﷺ-.\nوإذا أردنا أن نقترب أكثر من موضوع رسالتنا، نقول: إن تقدم الطب الشرعي قد مكَّن القضاء من إثبات الحقوق لأصحابها وإقامة العدل في كثير من القضايا، وإن الطب الشرعي لم يكن بشكله المعاصر موجودًا أيام رسول الله -ﷺ-، فلم يعتبِرْه من أدوات الإثبات في القضاء، ولم ينطق الوحي تصريحًا بجعله من أدلة الإثبات. ولكنَّ القضاء الإسلامي في زماننا ينبغي أن يضع هذه الوسيلة لإقامة العدل موضع الانتفاع، لاسيما إن كانت دقتها تصل في بعض الأحوال إلى مِائة بالمِائة، وهو ما لا يتحقق حتى مع شَهادة العدول. وهذه الوسائل، وإن قَصُرت عن إثبات الحدود التي تُدرأ بالشبهات - في غير ما جرى عليه عمل الصحابة - فلا أقل من أن تستعمل في التعزير الرادع ورفع المظالم وإقامة العدل بين الناس.\nب- وجود العارض أو زواله:\nكما امتنع رسول الله -ﷺ- عن هدم الكعبة وإدخال الحِجر فيها لحَداثة عهد قريشٍ بجاهلية، ثم فعل ذلك عبد الله بن الزبير -﵁- زمنَ خلافته لتمكُّن الإسلام.\nج- تغير الآلات والوسائل:\nفإن الشريعة في أبواب المعاملات جاءت بقواعدَ عامةٍ - في الأكثر- ولم تُسهِب في تحديد الوسائل حتى تبقى مرنةً صالحةً لكل زمانٍ ومكانٍ.\nوإن الوسائل في الحياة المعاصرة قد تغيرت كثيرًا، لذا وجب أن نُعِد الدبابة والطائرة","vol":"1","page":52},{"text":"لإرهاب العدو بدل السيف والرمح؛ وأن نستخدم البصمة الوراثية - عند القدرة - في إثبات الأبوة بدل القيافة أو على الأقل نقدمها عليها؛ ويجب أن نعيد تحديد مفهوم القبض والحيازة في البيع والشراء، مع الثورة في مجالات الاتصالات، وانتشار المعاملات المالية التي تتم عن طريق الاتصالات الحديثة، ومنها الشبكة المعلوماتية.\nد- تزاحم المأمورات والمنهيات على المحَل الواحد أو الواقعة الواحدة:\nفإن متقدمي الحنفية كانوا يحرمون أخذ الأجرة على تعليم القرآن حيث وجد المتطوعون وأرادوا أن يكون هذا العملُ خالصًا لوجه الله تكريمًا وإعزازًا لكتاب الله. ثم قل المتطوعون وانقطعت أرزاقهم من بيت المال، فخاف خلَفُهم على القرآن، فأجازوا ما قد منعوا منه سابقًا، وما كان منعهم الأول ولا إجازتهم الثانية إلا حمايةً لكتاب الله.\nهـ- اختلاف العوائد والأعراف:\nوهذا بشأن الأحكام المترتبة على هذه العوائد كما تقدم بذلك النقل عن ابن فَرْحُون والقَرَافِيّ وغيرهما.\nوهذا يُحتاج إليه أكثر ما يكون في أبواب الأيمان والنذور والمعاملات لفهم كلام الناس وعقودهم، فمن نذر أن يطعم عشرة مساكين لحمًا، ثم أطعمهم سمكًا، يقال: إن كان العرف في بلده تسمية السمك لحمًا جاز وإلا فلا.\nو- ظهور الخطأ في الفتوى السابقة:\nوهنا نرجح فتوى أخرى لأئمة متبوعين وافقوا في فتواهم الصواب، وذلك كظهور خطأ استمرار الحمل لأربع أو ست سنوات أو وصول المائع إلى الجَوْف عن طريق الأذن أو الدِّمَاغ.\nوإنه من فضل الله على هذه الأمة أنها لم تجتمع على ضلالة، بل لا تجد فتوى خالفت الصواب لبعض الأئمة المتبوعين إلا وجدت غيرها لإمام آخر قد وافقته.","vol":"1","page":53},{"text":"والواجب ألا يدفعنا التعصب لإمام أو مذهب إلى رد الحق، سيما إذا شهد له دليل الحس، فإن أهل السنة لا يُهمِلون الحس أو الدليل الحسي. ولعل التوقف عند هذه الكُلِّيَّة وبيانَها مما يُفيد قبل الشروع في تفاصيل بحثنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>أهل السنة لا يهملون دليل الحس:</span>\nوفي ذلك يقول الإمام ابن تَيمِيَّة -﵀- في «درء التعارض»: «والأصل في مذاهب الناس كلهم ثلاث مقالات: القول بالحس بحسْب، وهو مذهب الدهرية فإنهم قالوا بما يدركه الحس ولم يقولوا بمعقول ولا خبر؛ وقال قوم بالحس والمعقول بحسب ولم يقولوا بالخبر وهو مذهب الفلاسفة لأنهم لا يثبتون النبوة؛ وقال أهل المقالة الثالثة بالحس والنظر والأثر وهم جماعة المسلمين وهو قول علمائنا وبه نقول» (^١).\nويقول الإمام ابن حَزْم -﵀- (^٢): «قد ذكرنا فيما خلا من هذا الكتاب وفي غيره من كتبنا أنه لا طريق إلى العلم أصلا إلا من وجهين أحدهما ما أوجبته بديهة العقل وأوائل الحس والثاني مقدمات راجعة إلى بديهة العقل وأوائل الحس» (^٣).\nبل إن أهل السنة يؤولون ظواهر النصوص التي تخالف أدلة الحس، قال الإمام ابن\n_________\n(^١) «دَرْء التَّعَارُض» لابن تَيمِيَّة (٧/ ٣٣٢ - ٣٣٣).\n(^٢) هو: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حَزْم الظَّاهِرِيّ، عالم الأندلس في عصره، من أذكياء العالم، وأحد فحول أئمة الإسلام. ولد بقرطبة سنة ٣٨٤ هـ، وتوفي بها سنة ٤٥٦ هـ، كان من صدور الباحثين، فقيهًا حافظًا، يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة، وخالف الجمهور فأنكر القياس؛ وكان بعيدًا عن المصانعة، وانتقَد كثيرًا من العلماء والفقهاء، وكانت فيه حِدَّة -﵀-، فتمالؤوا على بغضه، وأجمعوا على تضليله، وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهَوا عوامهم عن الدنو منه، فأقصته الملوك وطاردته، أشهر مصنفاته: «الفِصَل في المِلَل والنِّحَل» و«المُحَلى» و«الناسخ والمنسوخ». راجع ترجمته في: «وَفَيَات الأعْيَان» (٣/ ٣٢٥)، «نفح الطيب» (٢/ ٧٨)، «البِدَايَة والنِّهَايَة» (١٢/ ٩١).\n(^٣) «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حَزْم (١/ ٦٤).","vol":"1","page":54},{"text":"قُدامة -﵀- (^١) بشأن التخصيص بدليل الحس: «الأول دليل الحس وبه خصص قوله ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] خرج منه السماء والأرض وأمور كثيرة بالحس» (^٢).\nوقال الإمام الغَزالِيّ -﵀- (^٣): «والأدلة التي يخص بها العموم أنواع عشرة: الأول دليل الحس وبه خُصِّص قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فإن ما كان في يد سليمان لم يكن في يدها وهو شيء» (^٤).\nبل إن أهل السنة يأخذون بدليل الحس في الحكم على صحة الأخبار، وفي ذلك يقول\n_________\n(^١) هو: موفق الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن قُدامة الجَمَّاعيلِيّ المَقْدِسِيّ الدِّمَشْقِيّ الحنبلي، علامة الشام في زمانه، الفقيه الأصولي النظار، شيخ الإسلام، من أكابر الحنابلة، له تصانيف، منها: «المُغْنِي» في الفقه، أحد أجل الكتب في الإسلام وأفضل ما كتب في الفقه المقارن، و«روضة الناظر» في أصول الفقه، و«المُقْنِع» و«الكَافِي» في الفقه وغير ذلك، ولد في جَمَّاعِيل سنة ٥٤١ هـ وتوفي -﵀- في دمشق سنة ٦٢٠ هـ. راجع ترجمته في: «المَقْصد الأرْشَد» (٢/ ١٥ - ٢٠)، و«الأعلام» للزرِكلِيّ (٤/ ٦٧).\n(^٢) «رَوْضَة النَّاظِر» لابن قُدامة (١/ ٢٤٣).\n(^٣) هو: أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغَزاليّ الطُّوسِيّ، العالم العامل، العلامة العلم، الداعية إلى الإخلاص وطالبه، اشتغل بالفلسفة ثم تركها وصنف «تهافت الفلاسفة»، ثم اشتغل بالكلام وتركه في آخر عمره وألف «إلجام العوام عن علم الكلام»، متصوف، له نحو مائتي مصنف، أحاط بمذهب الإمام الشافعي، وهو من أصحاب الوجوه فيه، كان آية في الذكاء، مدققًا في الفقه والأصول، لكن لم تكن له عناية بتحقيق الآثار ولم يكن -﵀- من أهل هذا الفن، مولده سنة ٤٥٠ هـ، ووفاته -﵀- سنة ٥٠٥ هـ، من كتبه: «إحْيَاء عُلُوم الدِّين» و«المُنقِذ مِن الضَّلال والمُوصِل إلى ذي العِزَّة والجَلال» في التصوف و«البسيط» و«الوسيط» و«الوجيز» في الفقه و«شِفَاء الغَلِيل» و«المُسْتَصْفَى من عِلْم الأصُول» في أصول الفقه. راجع ترجمته في: «وَفَيَات الأعْيَان» (٤/ ٢٥٧)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٩/ ٣٢٣)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الكُبْرَى» (٦/ ١٩١)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٢/ ١٠).\n(^٤) «المُسْتَصْفَى» للغَزالِيّ (١/ ٢٤٥).","vol":"1","page":55},{"text":"الإمام ابن القَيِّم -﵀- في المَنَار المُنِيف: «ومنها تكذيب الحس له [أي للخبر] كحديث «الباذنجان لما أكل له» و«الباذنجان شفاءٌ من كل داء» قبَّح الله واضعهما فإن هذا لو قاله يوحنس أمهر الأطباء لسخر الناس منه. ولو أُكِل الباذنجان للحُمَّى والسَّوداء الغالبة وكثير من الأمراض لم يزدها إلا شدة، ولو أكله فقير ليستغني لم يفده الغنى، أو جاهل ليتعلم لم يفده العلم. وكذلك حديث «إذا عَطَس الرجل عند الحديث فهو دليل صدقه» وهذا وإن صحح بعض الناس سنده فالحس يشهد بوضعه لأنا نشاهد العُطاسَ والكذبُ يعمل عمله ولو عَطَس مائة ألفِ رجلٍ عند حديث يروى عن النبي -ﷺ- لم يحكم بصحته بالعُطاس ولو عَطَسوا عند شهادة زور لم تصدق» (^١).\n_________\n(^١) «المَنَار المُنِيف» لابن القَيِّم (١/ ٥١).","vol":"1","page":56},{"text":"* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>كيف تتغير الفتوى بتغير المعارف والصناعة الطبية</span>؟\nكما ذكرنا، إن لتغير الفتوى ضوابطَ تجب مراعاتها. وهنا نبين المقصود من تغير الفتوى بتغير المعارف الطبية.\nولنبدأ ببيان أن تطور المعارف والصناعة الطبية لا ينقض، ولا يتصور أن ينقض، نصّا صريحًا صحيحًا أو إجماعًا منعقدًا معتبرًا؛ وذلك أن آيات الله الكونية والشرعية لا تتعارض ولا تتناقض، بل تتعاضد وتتوافق، والأدلة على ذلك لا تحصى، وليس المقام يتسع لسردها (^١).\nوكذلك، فإن الإجماع المنعقد المعتبر لا يمكن أن يظهر خطؤه، فإنه لا تزال طائفة من أمة محمد على الحق ظاهرة. ولكن نقل الإجماع لا يعني الإجماع إذا ثبت وجود المخالف، وقد يشتهر القول حتى يظنه البعض إجماعًا وهو ليس كذلك، كما هو معروف عند أهل الفقه والأصول.\nإذًا فماذا نعني بتغير الفتوى بتغير المعارف الطبية؟\nقد يختلف أهل العلم في المسألة الواحدة على أقوال فنرجح منها ما ظهر عليه الدليل من الواقع، وليس هذا بعيب فإنهم كانوا ينتصرون لأقوالهم بالتدليل والتعليل، والأخير قد يكون من الواقع والمُشاهَد.\nمثال ذلك اختلافهم حول أقل وأكثر الحمل والنفاس والحيض والطهر وهل تحيض الحامل وهل يكون الولد من ماءين، فنرجح ما ثبت طبيًّا صوابه على ما ثبت خطؤه، فإن تطور العلوم الطبية أثبت بعض الخطأ في تقديرات بعض فقهائنا - رحمهم الله تعالى -\n_________\n(^١) فلتراجع في مظانها ككتب الإعجاز العلمي في القرآن والسنة النبوية.","vol":"1","page":57},{"text":"فلقد بذلوا وسعهم في تحقيق مناط الأحكام الشرعية وتنزيلها على واقع الناس ومعالجة قضاياهم في ضوء الكتاب والسنة، فجزاهم الله عن أمة الإسلام خير الجزاء، إلا أن الكتاب والسنة معصومان، وتقديرات الفقهاء - وهم بشر - غير معصومة، فلا عيب إذًا أن يخطئوا تبعًا لخطأ أطباء عصرهم، لأنهم سألوا «أهل الذكر» في الطب بأزمنتهم كما كان ينبغي عليهم؛ ولكن يكون عيبًا أن يُثبَت الخطأ ونَسْتكبرَ عن تصحيحه، فإن القول مثلًا بأن أكثر الحمل عامان كما هو مذهب الحنفية (^١) أو أربعةٌ كما هو مذهب الشافعية (^٢) أمر قد تحقق خطؤه مع تقدم العلوم الطبية (^٣).\nمثل هذه الأقوال وغيرها ينبغي - في تقديري - الرجوع عنها، لأنها لم تكن بتوقيف من الشارع، وإن حاول البعض الانتصار لما رجحه بما فهمه من أدلة الوحي. لقد كانت آراؤهم في أغلب هذه الأمور مبنيةً على استقراءٍ وملاحظةٍ منهم للواقع ثبَت من غير شك خطؤها.\nكذلك، فإن تغير المعارف والصناعة الطبية قد يحدثان تغيرًا في أبواب الوسائل. فكما قدمنا، عمل الأولون بالقِيافة في إثبات النسب، بل وبالقُرعة أحيانًا، لتشوف الإسلام إلى إثباته، فالواجب علينا أن نعمل الآن بالبصمة الوراثية، وهي أدق بلا نزاع من القيافة والقرعة.\nوليس هذا عدوانًا على الشريعة ولا عيبًا فيها بل عين مقتضاها وجري على قواعدها وعلى عمل الأولين الذين اجتهدوا لإثبات الحقوق بكل ما لديهم من وسائل.\n_________\n(^١) «الهِدَايَة شَرْحُ البِدَايَة» للمَرْغِينانِيّ (٢/ ٣٥).\n(^٢) «أسْنَى المَطَالِب» للأنصَارِيّ (٣/ ٣٩٣).\n(^٣) انظر «دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة» (١/ ١٧٦)، وفيه تقرير أن أكثر مدة للحمل مع الاحتياط ٣٣٠ يوما.","vol":"1","page":58},{"text":"وكذلك، فإن بعض ما كان متعذرًا في الأزمنة السابقة سار ميسورًا، ومن ذلك استيفاء القِصاص عن طريق الجراحين، فإنه يوسع دائرة الممكن في الاستيفاء.\nوربما يؤدي تطور الطب إلى بعض النوازل التي تحتاج إعادة النظر في بعض ما استقر في كتب الفقه كعلامات الموت مثلًا، فمع وجود أجهزة الإنعاش الحديثة ظهرت قضية موت الدِّمَاغ، فهل ينضاف الموت الدِّمَاغي إلى علامات الموت المبثوثة في كتب الفقه؟\nوفي بحثنا أيضًا نبين تلك المسائل التي قد يُظَن أو يُشاع أن الفتوى تغيرت فيها بسبب تقدم العلوم الطبية وليس الأمر كذلك، وكذلك نبين ما إذا كان تقدم العلوم الطبية عديم الأثر على المسألة محَل الخلاف أو لا يحسِم مادته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>أي المعلومات الطبية نقبل</span>؟\nبقِي أن الأطباء يختلفون في تقديراتهم، وأن الفقهاء ينبغي أن يستوثقوا لفتواهم سيما في الأمور العامة، وإن كان ذلك لازمًا في وقائع الأعيان كذلك. ومن العجيب أن تجد بعض الفقهاء يتساهلون في قبول قول هذا الطبيب أو ذاك، والطب الآن يجعل رأي الخبير من الأدلة الضعيفة.\nإن الفقه قد سبق الطب بقرون في ترتيب درجات قوة الدليل، فالقرآن والسنة مقدمان على غيرهما، والنص المجمع عليه مقدم على المختلف فيه، وعبارة النص مقدمة على دَِلالته (مفهوم الموافقة)، وتلك مقدمة على إشارته - عند غير الحنفية (^١) - ثم تأتي دَِلالة الاقتضاء. ومفهوم المخالفة - عند من يعمل به - أنواع بعضها فوق بعض (^٢).\n_________\n(^١) فهم يقدمون إشارة النص على دلالته، لأن الإشارة مأخوذة من النظم فكانت من المنطوق المقدم على المفهوم. والجمهور على تقديم دلالة النص لأنها تفهم لغة منه، أما الإشارة فلا يدركها كل أحد لأنها تفهم من اللوازم البعيدة. انظر «أصول البَزْدَوِيّ» (١/ ١٢٠).\n(^٢) انظر «أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء» لمصطفى الخِنّ (ص ١٢٧).","vol":"1","page":59},{"text":"إن هذا التفصيل من جانب فقهائنا في درجات قوة الدليل قابله غياب شبه كامل لمثله عند الأطباء حتى زماننا هذا الذي بدأ الأطباء فيه يميزون بين أنواع الأدلة، ويرتبونها حسَب قوتها، فتراهم يقسمونها - على اختلاف في التقسيم - إلى أربع درجات، يجعلون رأي الخبير (^١) في الدرجة الرابعة والأدنى منها. وهذا هو الرأي المبني على مُسلَّمات تشريحية أو وظيفية. أما الرأي غير المدعوم بشيءٍ، فليس دليلًا أصلًا.\nثم في الدرجة الثالثة تأتي الأدلة المبنية على دراسات الحالة الاستعادية المقارَنة (^٢)، والتي تؤخذ فيها عينة من المرضى وتقابل بعينة من الأصحاء مساوية في العوامل الأخرى سوى عين المرض المزمع دراسته. وفي هذه الدرجة أيضًا دراسات مجموعات الحالات المتشابهة (^٣) التي يتم فيها جمع بيانات عينة واسعة من المرضى بذات المرض والتأمُّل فيها وتحليلها من غير مقابلة مع عينة ضبط.\nوفي الدرجة الثانية، الأدلة المبنية على دراسات كتائبية متابَعة (^٤)، والتي تتم فيها متابعة عينة من الناس، والتربص بحصول مرضٍ أو تغيرِ حالٍ فيها، ثم مقارنةُ الفريق الأول الذي مرِض بالثاني الذي لم يمرَض.\nوفي الدرجة الأولى من القوة، تلك الأدلة المنبنية على دراسات التجارب العشوائية المقارنة (^٥) الجيدة (^٦).\n_________\n(^١)  Expert Opinion\n(^٢) Retrospective Case Control Studies\n(^٣) Case Series Studies\n(^٤) Cohort Studies\n(^٥) Randomized Controlled Trials\n(^٦)  فإن كانت دون المستوى المطلوب، انخفضت دلالتها لتحل في المرتبة الثانية.","vol":"1","page":60},{"text":"أو التحليل البَعدِيِّ (^١) لمجموعة من تلك الدراسات الجيدة (^٢).\nومن المهم للفقيه أن يعلمه، أن الدليل في الطب كالفقه لا يؤخذ بمَعزِل عن بقية الأمور التي تشكل مجتمعة الدافع وراء التوصية (الحُكم) بفعل شيء أو تركه. ومن هذه الأمور، ثمن العلاج وآثاره الجانبية وقَبول المنظومة القيمية للمجتمع أو المجموعة المستهدَفة بهذا النوع من التدخل الطبي أو ذاك أو بهذه التوصيات أو تلك (^٣).\nإن هذا العرضَ السريعَ لما عليه الطب الحديث الآن رجوت منه إيقافَ القارئ على أن الطب كالفقه في العديد من الجوانب، وإن كان الفقيه لا يقنع بدَِلالة ضعيفة في بناء الحكم، أو أخرى مُعارَضة بما هو أقوى منها، فليسْع إلى الاستيثاق لحكمه بطلب المعلومة الطبية الصحيحة المستنِدة إلى الدليل القوي، لا مجرد قول فُلانٍ من الأطباء.\nولكنْ، كيف يمكن ذلك للفقيه؟ وهل تشترط له الدراية بالطب؟ ألا يكفيه الفقه على تشعبه وسعته؟ إن الجواب هو أن الفقيه ينبغي أن يدرك واقع المسألة بعينها التي يفتي فيها ويستفرغ الوُسْع في الإحاطة بها. وهو إذ يسأل الأطباء، ينبغي أن يكون عنده\n_________\n(^١)  Mata-analysis\n(^٢)  انظر هذه التفصيلات وغيرها (بالإنجليزية) في:\nEvidence Based Medicine overview of the main steps for developing and grading guideline recommendations [Journal] /auth.P.Abrams S Khoury، A.Grant//Prog Urol. - Paris: Prog Urol، ٢٠٠٧. - ١٧: Vol. ٢٠٠٧. - pp. ٦٨١ - ٦٨٤.\n(^٣)  للمزيد، انظر (بالإنجليزية):\nGrading Strength of Recommendations and Quality of Evidence in Clinical Guidelines Report From an American College of Chest Physicians Task Force [Journal] /auth.American College of Chest Physicians Task Force//American College of Chest Physicians. - ٢٠٠٦. - ١: Vol. ١٢٩.","vol":"1","page":61},{"text":"بعض الإدراك للقضية محَل البحث. وربما سأل الطبيب عن مدى الاتفاق والاختلاف حول ما يقرره كرأيٍ للطب، وكيف ثبَت للأطباء ما يدَّعونه. وربما يتخصص بعض الفقهاء في هذا النوع من الفقه المتعلق بالممارسات الطبية، فيكونوا حلقة وصل بين أهل الفقه وأهل الطب. إن هذا الأمر يكون مهمًا جدًا عند دراسة النوازل والحكم عليها.\n* * *","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>من الذي يتصدى لتغيير الفتوى</span>؟\nهنا ينبغي أن نؤكد على أن تغيير الفتوى لا يقوم به إلا الراسخون من أهل العلم، فهم أهل الفهم والإدراك، وليست الفتوى كلأ مباحًا للمختص وغيره؛ فإن بعض أصحاب الأقلام قد يتجرؤون على هذا الحِمى فيلغون فيه، فتسمع من بعضهم أن المرأة لا تحتاج أن تعتد من زوجها، وذلك لأن استبراء رحمها بالتحاليل الطبية صار ممكنًا. وهذا قول من لا أثارة له في العلم ولا نصيب، فإن هؤلاء قد ظنوا أن كل الغرض من الاعتداد هو استبراء الرحم، وغابت عنهم أشياء أخرى. ولو كان الأمر كذلك لما فُرِّق بين عدة الأمة والحرة والمطلقة والمتوفى عنها زوجها.\nأو لم يقل الله تعالى في صدر سورة الطلاق: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] أوليس في العدة فرصة ليراجع الزوجان قرارهما ويثوبا إلى رشدهما إن كان القرار قد اتخذ عن طيش وتسرع؟\nإن مقام الفتوى لمقام شريف، وإن الحكم بتغيرها بتغير الحال لهو من أرفع منازل هذا المقام. وإنني، إذ أَختار وأُرجِّح في بحثي هذا، لست أزعم أني من أصحاب هذا الشرف، ولكن لا بد للباحث من رأي، وليس رأيي فتوىً مني لنفسي أو غيري، حتى يكون الأخذ عن الراسخين في العلم، أو المجامع الفقهية في كبريات المسائل التي تحتاج إلى الاجتهاد الجماعي.\nوإني لأرجو أن يتبين للقارئ مقصودي من تغير الفتاوى من خلال مطالعته لبقية البحث.\n* * *","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>الباب الأول: مسائل من أبواب العبادات</span>\nوفيه ثلاثة فصول:\nالأول: الطهارة\nالثاني: الجنائز\nالثالث: الصيام","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>الفصل الأول: الطهارة</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالأول: الختان\nالثاني: الماء المشمس\nالثالث: الحيض\nالرابع: النفاس","vol":"1","page":67},{"text":"المبحث الأول: ختان البنات\nوفيه عدة مطالب:\nالمطلب الأول: حكم الختان.\nالمطلب الثاني: ختان البنات ورأي الطب.\nالمطلب الثالث: حد الختان.\nالمطلب الرابع: حكم العدوان على فرج المرأة.\nالمطلب الخامس: هل تضمن الخاتنة.\nالمطلب السادس: هل يقطع من كل النساء؟\nالمطلب السابع: من الذي سيتولى ختن الأولاد والبنات؟\nالمطلب الثامن: متى يكون القطع؟\nالمطلب التاسع: موانع ختان الإناث ومضاعفاته.\nالمطلب العاشر: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى بشأن الختان","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث الأول: ختان البنات</span>\nجرت عادة كثير من الشعوب الإسلامية على ختان الإناث، ولكن هذه السنة ليست بذلك الشيوع بين المسلمين كختان الذكور. ولقد وردت أحاديثُ وآثارٌ وآراءٌ لأهل العلم تدل على مشروعية ختان الإناث بل وفضله أو سنيته، حتى ذهب بعض أهل العلم إلى وجوبه.\nثم إنه في الآونة الأخيرة ظهر الكثير من الخلاف حول هذه الممارسة لما ذكره البعض من ضررها الذي أثبته الطب فيما يزعمون.\nونحن نناقش هذه المزاعم ونحلل نتائج الدراسات الطبية المعنية بإثباتها ونبين أقوال أهل العلم في حكم ختان الإناث وحَدِّه، ونُعنى بتوضيح حد الختان الشرعي والتفريق بينه وبين الختان البدعي الذي ندعو المخلصين أن يكونوا أول من يحاربه، كما نبين ضرورة تنظيم هذه الممارسة.\nثم نختم بخلاصة عن أثر المعارف الطبية الحديثة على الترجيح بين أقوال أهل العلم في حكم الختان وحَدِّه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>تعريف الختان:</span>\nيراد به (^١) موضع الخَتْن في الرجل والمرأة. وهو في حق الرجل: قطع جلدة القُلْفَة وهي جلدة فوق الحَشَفة. وخَتَنَه: أي قطع الجلدة الزائدة على الحَشَفة. وفي حق المرأة: قطع جلدة في الفرج فوق مدخل الذكر ومخرج البول على أصل كالنواة، ويؤخذ منه\n_________\n(^١) يأتي تفصيل المقصود من ختان المرأة: في «الممارسة» (ص ٩١)؛ وفي «الشرع» (ص ١٠٨).","vol":"1","page":71},{"text":"الجلدة المستعلية دون أصلها (^١).\nتاريخ الختان (البنات خاصة): هو عادة قديمة مارسها البشر من قبل الإسلام وبعده، ولعلها من بقايا سنن الأنبياء التي فرط بعض الناس فيها وأفرط آخرون. جاء في الموسوعة البريطانية (^٢) أن شعوب أستراليا القديمة وبعض شعوب أفريقيا وأمريكا الجنوبية، بالإضافة إلى المسلمين قد مارسوا تلك العادة، والتي عرفتها الموسوعة بأنها قطع البظر أو شيء منه (^٣)، ومن أسوأ ممارساتها الختان الفرعوني (^٤). وسنبين أن هذا كله ليس الختان الذي حض عليه الإسلام، بل إن منه ما يعده الإسلام جريمة توجب القِصاص أو الدِّيَة.\nويمارس الأنواع البدعية من الختان مسلمون ونصارى وغيرهم، سيما من شعوب أفريقيا، كما هو واضح من خريطة توزيع الممارسة على موقع منظمة الصحة العالمية (^٥).\n_________\n(^١) «تُحْفَة المَوْدُود» لابن القَيِّم (ص ١٩١ - ١٩٢)، «معجم المصطلحات ومعجم الألفاظ الفقهية» (٢/ ١٥). برجاء مراجعة الصورة التوضيحية في المقدمة الطبية لتكوين تصور أدق عن الموضوع. (ص ٨٧).\n(^٢)  Female Genital Cutting. (٢٠٠٧).In Encyclopaedia Britannica.Retrieved December ٢٧، ٢٠٠٧، from Encyclopaedia Britannica Online.\n(^٣)  البحث يبين خطأ هذا التعريف، وأن الختان في الإسلام ليس فيه قطع للبظر أو شيء منه.\n(^٤) الختان الفرعوني تتعدد أنواعه، ومنه قطع كل البظر والشفرين الصغيرين، وقد يشمل خياطة الشَّفرَين الكبيرين بعد قطعهما بحيث تترك فتحة واحدة تناسلية بولية. انظر ٩٢.\n(^٥)  Female Genital Mutilation: Prevalence [Online] /auth.WHO team//World Health Organization. -٢٨١٢، ٢٠٠٧.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المطلب الأول: حكم الختان</span>\nاختلف الفقهاء في حكم الختان، فقد اتفقوا على مشروعيته للجنسين، ثم اختلفوا فيما فوق ذلك، فذهب البعض، كالشافعية في المشهور، إلى وجوبه على الجنسين، والبعض إلى وجوبه على الرجال دون النساء، والبعض إلى استحبابه في حقهما، وأقل ما قيل فيه للنساء أنه مكرمة، وللرجال أنه سنة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-29> الآثار الواردة في الختان:</span>\nوفي الختان أحاديث كثيرة، بعضها لا يخلو من مقال، وهذا عرض لها مع أقوال بعض أهل العلم فيها:\n١ - عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب» (^١).\n٢ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم» (^٢). وقد قال الله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣].\n_________\n(^١) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب اللباس ...، باب قَصِّ الشارب وكان ابن عمر يُحفي شاربه ... (٥/ ٢٢٠٨)، «صَحِيح مُسْلِم» (١/ ٢٢١) كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة.\n(^٢) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] (٣/ ١٢٢٤)، «صَحِيح مُسْلِم» كتاب الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل -ﷺ- (٤/ ١٨٣٩).","vol":"1","page":73},{"text":"٣ - وورد في الحديث قوله -ﷺ- لرجل أسلم: «ألقِ عنك شعر الكُفْر واخْتَتِنْ» (^١).\n٤ - وجاء في الختان أيضًا قوله -ﷺ-: «إذا التقى الخِتانان وجَبَ الغُسْلُ» (^٢) وفيه دليل على أن النساء كن يختتن (^٣)، ولا يَرِد على هذا الاستدلال أن استعمال لفظ الختانين هو من قبيل قولهم القمرين للشمس والقمر والعمرين لأبي بكر وعمر، وأن لفظة الختانين ذكرت تغليبًا، وذلك لأن في روايات الصحيح «إذا جَلَسَ بين شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» (^٤).\nوعليه، فإن ما جاء في أي من الأحاديث عن الختان من غير تفصيل يشمل الرجل والمرأة جميعًا.\n٥ - وعن سعيد بن جُبَيْر -﵀- قال: «سئل ابن عباس -﵁-: مثل من أنت حين قبض النبي -ﷺ-؟ قال: أنا يومئذ مختون، قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يُدْرِك (^٥)» (^٦).\n_________\n(^١) «سُنَن أبي دَاوُد» في الطهارة، باب في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل (١/ ٩٨). وقال الحافظ ابن حَجَر في «تَلْخِيص الحَبِير» (٤/ ١٥٣): وفيه انقطاع، وعُثيم وأبوه مجهولان. وحسنه الألبَانِيّ بشواهده؛ وانظر «الإرواء» (١/ ١٢٠)، «سُنَن أبي دَاوُد بتحقيق مشهور» (رقم ٣٥٦). وللحديث من الشواهد ومن عمل أهل العلم والأمة ما يجعل النفس تطمئن إلى ثبوته.\n(^٢) «صَحِيح ابن حِبَّان» كتاب الطهارة، ذكر إيجاب الاغتسال من الإكسال (٣/ ٤٥٦). وصححه الألبَانِيّ في «صَحِيح الجَامِع» (رقم ٣٨٥). وأخرجه مسلم بلفظ: «إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل» «صَحِيح مُسْلِم» كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء (١/ ٢٧١).\n(^٣) قال الإمام أحمد -﵀-: «حديث النبي -ﷺ- إذا التقى الختانان وجب الغسل فيه بيان أن النساء كن يختتن.» «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٦٣).\n(^٤) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب الطهارة، باب نسخ الماء من الماء (١/ ٢٧١).\n(^٥) أي حتى يبلغ الحلم، «فَتْح البَارِي» (١١/ ٩٠).\n(^٦) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الاستئذان، باب الختان بعد الكبر ونتف الإبط (٥/ ٢٣٢٠).","vol":"1","page":74},{"text":"٦ - وجاء في حديث أم عطية -﵂-، وكانت تختن البنات، فقال لها رسول الله -ﷺ-: «اخفِضي ولا تُنْهِكي (^١)؛ فإنه أنْضَر للوَجْه وأَحظَى عند الزوج» (^٢). وفي بعض روايات الحديث لفظ: «أشمِّي» بدل: «اخفضي» (^٣). وهذا أصرح الأحاديث الدالة على مشروعية، بل واستحباب الختان للنساء.\n٧ - وعن ابن عباس -﵁- مرفوعًا: «الخِتان سُنَّة للرجال مَكْرُمَةٌ للنِّسَاء» رواه البَيْهَقِيّ (^٤)، وضَعَّفَ المرفوع (^٥).\n_________\n(^١) أو تَنهَكي بفتح التاء والهاء.\n(^٢) «الحاكم» كتاب المناقب، باب ذكر الضَّحَّاك بن قيس الأكبر (٣/ ٦٠٣)، «سُنَن أبي دَاوُد» في الأدب، باب ما جاء في الختان (٤/ ٣٦٨). وحسنه ابن حَجَر في «هِدَايَة الرُّواة» (٤/ ٢٤٥) كما ذكر في المقدمة؛ والهَيْثَمِيّ في «مَجْمَع الزَّوَائد» (٥/ ١٧٢)؛ وصححه الألبَانِيّ بطرقه في «صَحِيح الجَامِع» برقم ٢٣٦؛ وضعفه أبو داود في «سننه» (٤/ ٣٦٨)؛ والعِرَاقِيّ في «تخريج الإحياء» (١/ ٩١)؛ وقال ابن المُلَقِّن في «البَدْر المُنِير» (٨/ ٧٤٩): يروى من طرق، ولكنه ضعفه. ولعل الصواب أنه حسن بمجموع طرقه وشواهده.\n(^٣) انظر «عَوْن المَعْبُود» للعَظِيم آبادِي (١٤/ ١٢٣).\n(^٤) هو: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البَيْهَقِيّ الحافظ العلامة، الثبت، الفقيه، شيخ الإسلام، ولد في خُسرُوجِرد سنة ٣٨٤ هـ، قال الذَّهَبِيّ: لو شاء البَيْهَقِيّ أن يعمل لنفسه مذهبًا يجتهد فيه لكان قادرًا على ذلك؛ لسعة علومه ومعرفته بالاختلاف، وتوفي -﵀- بنَيْسابُور سنة ٤٥٨ هـ، صنف زهاء ألف جزء، منها: «السُّنَن الكُبْرَى» و«الصغرى» و«دلائل النبوة» و«مَعْرِفَة السُّنَن والآثَار». راجع ترجمته في: «وَفَيَات الأعْيَان» (١/ ٧٥)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٨/ ١٦٣)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة» لابن قاضي شُهْبَة (٢/ ٢٢٠).\n(^٥) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب الأشربة، باب السلطان يكره على الاختتان (٨/ ٣٢٤). وضعفه الحافظ في «تَلْخِيص الحَبِير» (٤/ ١٥٣) فقال: «رواه أحمد والبَيْهَقِيّ من حديث الحجاج بن أرطاة، عن أبي المليح بن أسامة، عن أبيه به، والحجاج مدلس وقد اضطرب فيه ... وقال البَيْهَقِيّ هو ضعيف منقطع».","vol":"1","page":75},{"text":"٨ - وعن أم علقمة مولاة عائشة -﵂-: «أن بنات أخي عائشة -﵂- خُفِضْن فألِمْنَ ذلك، فقيل لعائشة: يا أم المؤمنين ألا ندعو لهن من يُلَهِّيهِن؟ قالت: بَلى» (^١).\n٩ - روى ابن المُنذِر (^٢) -﵀- عن أبي بَرْزَة -﵁- قال: «سألنا رسول الله -ﷺ- عن رجل أقْلَف يحج بَيْت الله، قال: لا، حتى يَخْتَتِن» (^٣). وضعفه ابن المُنذِر -﵀- وغيره.\nوهناك آثارٌ أخرى تركنا ذكرها لضعفها. ولا شك أن من الأحاديث ما هو في الصحيح، وإن كان غير صريح في الأمر بالختان للنساء أو الحض عليه، ومنها ما وقع الخلاف بين أهل العلم فيه، وهذا القسم أصرح في إثبات مشروعية الختان للنساء. إلا أن أحاديث سنن الفطرة التي ذكرت الختان - وهي في الصحيح - لا معنى لحملها على الرجال دون النساء، وقد ثبَت أن الختان يشمل الرجال والنساء كما هو واضح من حديث مسِّ الختانِ الختانَ. والذي لا يُشَكُّ فيه من مطالعة الآثار أن الختان كان شائعًا على عهده -ﷺ-.\n_________\n(^١) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب الشهادات، باب الرجل يغني فيتخذ الغناء صناعة (١٠/ ٢٢٣)؛ ورواه البخاري في «الأدب المفرد» باب اللهو في الختان (ص ٤٥٨/رقم ١٢٤٧). وقال الذَّهَبِيّ: «أم علقمة لا تعرف؛ خرج لها البخاري في أدبه.» «ميزان الاعتدال في نقد الرجال» (٧/ ٤٧٨). وقال الألبَانِيّ -﵀-: «وإسناده محتمل للتحسين، رجاله ثقات، غير أم علقمة هذه واسمها مُرجانة، وثقها العِجْلِيّ وابن حِبَّان، وروى عنها ثقات.» «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢/ ٣٤٩). والعِجْلِيّ وابن حِبَّان - رحمهما الله - يوثقان من لم يُجْرَح، فالحديث أقرب للضعف.\n(^٢) هو: أبو بكر، محمد بن إبراهيم بن المُنذِر النَّيْسابُورِيّ الفقيه، الإمام الحافظ العلامة، شيخ الإسلام صاحب التصانيف. له: الإشراف في اختلاف العلماء، والإجماع، والمَبسُوط. ولد في حدود سنة ٢٤٢ هـ، وتوفي -﵀- سنة ٣١٩ هـ. راجع ترجمته في: «وَفَيَات الأعْيَان» (٤/ ٢٠٧)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة» لابن قاضي شُهْبَة (٢/ ٩٨)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٤/ ٤٩٠).\n(^٣) انظر «تَلْخِيص الحَبِير» (٤/ ١٥٣). والحديث ضعيف، ولكن كان عليه العمل إلى عهد قريب. انظر «الختان» للبار (ص ٥٠). هذا، وإن كان الإجماع على صحة حج الأغلف. انظر «موسوعة الإجماع» لسعدي (١/ ٢٩٩).","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>عرض أقوال الفقهاء في حكم الختان:</span>\n١ - السادة الحنفية: قال الزَّيْلَعِيّ (^١) -﵀-: «والأصل أن الختان سنة كما جاء في الخبر، وهو من شعائر الإسلام وخصائصه، حتى لو اجتمع أهل مصر أو قرية على تركه يحاربهم الإمام فلا يترك إلا لضرورة ... وختان المرأة ليس بسنة، وإنما هو مكرمة للرجال لأنه ألذ في الجماع، وقيل سنة» (^٢).\n٢ - السادة المالكية: جاء في «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيّ (^٣) رحمهما الله (المتن): «وحكمه [أي الختان] السنية في الذكور وهو قطع الجلدة الساترة والاستحباب (^٤) في النساء ويُسمَّى الخفاض» (^٥).\n_________\n(^١) هو: عثمان بن علي بن يحيى بن يونس، فخر الدين الزيلعي، العلامة، الفقيه الحنفي، قدم القاهرة فى سنة ٧٠٥ هـ ودرس فيها وأفتى، وصنَّف وانتفع الناس به، ولي مشيخة الخانقاه، وكان خيِّرًا صالحًا، مشهورًا بمعرفة النحو والفقه والفرائض. من كتبه: «تبيين الحقائق في شرح كنز الدقائق»، و«شرح الجامع الكبير»، و«تركة الكلام على أحاديث الاحكام». توفي سنة ٧٤٣ هـ. راجع ترجمته في: «الجواهر المضية»، و«الدرر الكامنة» (٣/ ٢٥٨)، و«معجم المؤلفين» لعمر كحالة (٦/ ٢٦٣).\n(^٢) «تَبْيين الحَقَائق شرح كَنْز الدَّقَائق» للزَّيْلَعِيّ (٦/ ٢٢٦).\n(^٣) هو: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخَرَشِيّ المالكي فقيه، أصولي، متكلم، محدث، نحوي، من أكبر أعيان المالكية المتأخرين، أول من تولى مشيخة الأزهر. نسبته إلى قرية يقال لها أبوخراش من البُحَيرة ولد بها سنة ١٠١٠ هـ كان فقيهًا فاضلًا ورعًا، أقام بالقاهرة وتوفي -﵀- بها سنة ١١٠١ هـ، من كتبه: «الشَّرْح الكَبِير على متن خليل»، و«منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة» لابن حَجَر، و«الشَّرح الصَّغِير على متن خليل» أيضًا. راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (٦/ ٢٤٠)، «مُعْجَم المؤلفين» (١٠/ ٢١٠).\n(^٤) هو عندهم دون السنة.\n(^٥) «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (٣/ ٤٨).","vol":"1","page":77},{"text":"٣ - السادة الشافعية: جاء في «أسْنَى المَطَالِب»: «والختان واجب (^١) (وإنما يجب بالبلوغ)، والعقل واحتمال الختان لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وكان من ملته الختان، ففي «الصحيحين»: (أنه اختتن وعمره ثمانون سنة)، وفي «صَحِيح ابن حِبَّان»، والحاكم: (مائة وعشرون سنة وقيل سبعون سنة) ولأنه -ﷺ- أمر بالختان رجلا أسلم رواه أبو داود. قالوا ولأنه قطع عضوٍ لا يُخلف فلا يكون إلا واجبا كقطع اليد، والرجل ولأنه جرح يخاف منه، فلو لم يجب لم يَجُز، بخلاف ختان الصبي والمجنون ومن لا يحتمِله (^٢)، لأن الأوَّلَيْن ليسا من أهل الوجوب، والثالث يتضرر به» (^٣). وقال النَّوَوِيّ -﵀- في «المَجْمُوع»: «الختان واجب على الرجال والنساء عندنا وبه قال كثيرون من السلف، كذا حكاه الخَطّابي (^٤)، وممن أوجبه أحمد (^٥).\n_________\n(^١) الكلام قبله على ختان الرجال والنساء جميعًا.\n(^٢) راعى فقهاؤنا الاحتمال، وهذا من سماحة الإسلام التي أشربوها.\n(^٣) «أسْنَى المَطَالِب» للأنصَارِيّ (٤/ ١٦٤)، ما بين الأقواس من كلام صاحب رَوْض الطَّالِب، شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر اليمني.\n(^٤) هو: أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطَّابِيّ البُسْتِيّ، العلامة المحقق، فقيه ومحدث، ولد سنة ٣١٩ هـ، له: «معالم السُّنَن» في شرح سُنَن أبي دَاوُد، و«بيان إعجاز القرآن» و«إصلاح غلط المحدثين» و«غريب الحديث»، و«شرح البخاري باسم تفسير أحاديث الجامع الصحيح للبخاري»، توفي -﵀- سنة ٣٨٨ هـ. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الكُبْرَى» (٣/ ٢٨٢)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٧/ ٢٣)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٢/ ٢١٤).\n(^٥) هو: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشَّيبانِيّ، إمام أهل السنة والجماعة، وصاحب المحنة، وإمام المذهب الحنبلي، ورابع الأربعة، جُمِع له الحديث والفقه، وكان إمامًا في الورع والزهد، وفي النسك والعبادة، ولا يبارى في قوته في الحق مع حكمة وحلم وأناة؛ أصله من مَرْو، وكان أبوه والي سَرَخْس، ولد ببغداد سنة ١٦٤ هـ؛ صنف «المُسنَد»، وله كتب في التاريخ والناسخ والمنسوخ والعلل والرجال، توفي -﵀- سنة ٢٤١ هـ. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الحَنَابِلَة» (١/ ٤)، «وَفَيَات الأعْيَان» (١/ ٦٣)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١١/ ١٧٧)، «المَقْصد الأرْشَد» (١/ ٦٤).","vol":"1","page":78},{"text":"وقال مالك (^١) وأبو حنيفة: سنة في حق الجميع، وحكاه الرَّافِعِيّ (^٢) وجْهًا لنا، وحكى وجها ثالثًا أنه يجب على الرجل وسنة في المرأة، وهذان الوجهان شاذان، والمذهب الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي وقطع به الجمهور: أنه واجب على الرجال والنساء» (^٣).\n_________\n(^١) هو: أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الأَصْبَحِيّ الحِمْيَرِيّ، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه تنسب المالكية، الفقيه الأثري والعالم الرباني، كان من وجهاء الدنيا وهو كذلك في الآخرة إن شاء الله، مولده في المدينة سنة ٩٣ هـ، ووفاته -﵀- بها سنة ١٧٩ هـ صنف: «المُوَطَّأ»، وله كذلك «رسالة في الوعظ»، و«كتاب في المسائل»، و«رسالة في الرد على القدرية». راجع ترجمته في: «وَفَيَات الأعْيَان» (٤/ ١٣٥)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٨/ ٤٨)، «الدِّيبَاج المُذْهَب» (١/ ١٧).\n(^٢) هو: أبو القاسم الرَّافِعِيّ عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القزويني، ولد سنة ٥٥٧ هـ فقيه من كبار الشافعية، كان له مجلس بقزوين للتفسير والحديث، وتوفي -﵀- في قزوين سنة ٦٢٣ هـ، له: «التدوين في ذكر أخبار قزوين» و«الإيجاز في أخطار الحجاز والمحرر» و«فتح العزيز في شرح الوجيز» للغَزالِيّ. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الكُبْرَى» (٨/ ٢٨١)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة» لابن قاضي شُهْبَة (٢/ ٧٥)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٣/ ١٠٨).\n(^٣) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (١/ ٣٦٦).","vol":"1","page":79},{"text":"٤ - السادة الحنابلة: جاء في «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (^١) -﵀- «ويجب الختان وعنه [أي أحمد] على غير امرأة، وعنه يستحب، قال شيخنا [ابن تَيمِيَّة]: يجب إذا وجبت الطهارة والصلاة» (^٢). وقال ابن قُدامة -﵀-: «فأما الختان فواجب على الرجال، ومَكرُمة في حق النساء، وليس بواجب عليهن. هذا قول كثير من أهل العلم. قال أحمد: الرجل أشد، وذلك أن الرجل إذا لم يختتن، فتلك الجلدة مُدَلاة على الكَمَرَة [الكمرة: الحشفة وزنًا ومعنىً]، ولا ينقى ما ثمَّ، والمرأةُ أهون» (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) هو: أبو عبد الله، شمس الدين، محمد بن مُفْلِح بن محمد بن مفرج المَقْدِسِيّ الرامينى الصالحي، الحبر البحر، المُفْلِح الموفق، أعلم أهل عصره بمذهب الإمام أحمد، ولد في بيت المقدس سنة ٧٠٨ هـ، وتوفي -﵀- بصالحية دمشق سنة ٧٦٣ هـ. من تصانيفه: كتاب «الفُرُوع»، و«النكت»، و«الفوائد السنية على مشكل المحرر لابن تَيمِيَّة»، و«الآداب الشرعية الكُبْرَى». راجع ترجمته في: «المَقْصد الأرْشَد» (٢/ ٥١٧)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٣/ ١٩٩).\n(^٢) «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (١/ ١٠٥).\n(^٣) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٦٣).","vol":"1","page":80},{"text":"•\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الترجيح:</span>\nالذي يظهر، في حق الرجال، أن الراجح هو وجوب الختان، وذلك لقوله -ﷺ- للرجل الذي أسلم: «ألقِ عنك شَعر الكُفْرِ واخْتَتِن» (^١) أمر يقتضي الوجوب، ولم يوجد صارف.\nوأما في حق المرأة، فلعل الراجح هو استحبابه. أما المشروعية فمتفق عليها، وقد أقره -ﷺ- كما جاء في حديث أم عطية، وكانت تختن البنات فقال لها -ﷺ-: «اخفِضي ولا تُنْهِكي؛ فإنه أنْضَر للوجه وأحظَى عند الزوج» (^٢) وفي مثل قوله -ﷺ-: «إذا الْتَقَى الخِتَانان فقد وَجَبَ الغُسْل» (^٣). بيان كون ختان النساء معروفًا شائعًا على عهده -ﷺ- ولم ينكره (^٤) ولم يصح عنه -ﷺ- في ختان النساء خاصة شيء آخر.\n_________\n(^١) «سُنَن أبي دَاوُد» في الطهارة باب في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل (١/ ٩٨). وقال الحافظ ابن حَجَر -﵀- في «تَلْخِيص الحَبِير» (٤/ ١٥٣): وفيه انقطاع، وعُثيم وأبوه مجهولان. وحسنه الألبَانِيّ -﵀- بشواهده؛ وانظر «الإرواء» (١/ ١٢٠)، «سُنَن أبي دَاوُد بتحقيق مشهور» (رقم ٣٥٦). وللحديث من الشواهد ومن عمل أهل العلم والأمة ما يجعل النفس تطمئن إلى ثبوته.\n(^٢) «الحاكم» كتاب المناقب، باب ذكر الضَّحَّاك بن قيس الأكبر (٣/ ٦٠٣)؛ و«سُنَن أبي دَاوُد» في الأدب، باب ما جاء في الختان (٤/ ٣٦٨). وحسنه ابن حَجَر في «هِدَايَة الرُّواة» (٤/ ٢٤٥) كما ذكر في المقدمة؛ والهَيْثَمِيّ في «مَجْمَع الزَّوَائد» (٥/ ١٧٢)؛ وصححه الألبَانِيّ بطرقه في «صَحِيح الجَامِع» برقم ٢٣٦؛ وضعفه أبو داود في «سننه» (٤/ ٣٦٨)؛ والعِرَاقِيّ في «تخريج الإحياء» (١/ ٩١)؛ وقال ابن المُلَقِّن في «البَدْر المُنِير» (٨/ ٧٤٩): يروى من طرق، ولكنه ضعفه. ولعل الصواب أنه حسن بمجموع طرقه وشواهده.\n(^٣) «صَحِيح ابن حِبَّان» كتاب الطهارة، ذكر إيجاب الاغتسال من الإكسال، (٣/ ٤٥٦ برقم ١١٨١). وصححه الألبَانِيّ في «صَحِيح الجَامِع» رقم ٣٨٥.\n(^٤) قال الإمام أحمد -﵀-: «حديث النبي -ﷺ- إذا التقى الختانان وجب الغسل فيه بيان أن النساء كن يختتن.» «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٦٣).","vol":"1","page":81},{"text":"ولعل القول بأنه مستحب يترجح لدخول المرأة في الندب إلى خصال الفطرة ومنها الختان كما جاء في الصحيح. وكما ذكرنا، فإنه لا دليل على قصر ذلك على الرجل، وقد كان لفظ الختان مشتركًا بين الرجال والنساء على عهده -ﷺ-. وكذلك يترجح جانب الفعل على الترك لكون الختان فيه ما فيه من الألم وكشف العورة، فلو لم تكن فيه فائدة راجحة لما أقره رسول الله -ﷺ-.\nولكن ليس هناك ما يستدل به على الوجوب، فإن كون الختان فيه من الألم وكشف العورة ما فيه مع إقرار رسول الله -ﷺ- له ليس دليلًا على الوجوب، وإنما يصلُح دليلًا على تقديم جانب الفعل على الترك - كما قدمت -، فيكون مستحبًّا أو واجبًا والاستحباب هو المتيقَّن.\nولا يقال إن العورة المغلظة لا ينبغي أن تكشف إلا لواجب، فإن التداوي عند الأكثرين ليس واجبًا ويؤذَن فيه بكشف العورة، بما فيها المغلظة للمصلحة. أما قول الإمام النَّوَوِيّ -﵀-: «وقاله [أي الاستدلال بكشف العورة] قبلهم أبو العباس بن سُرَيج (^١) -﵀- وأورد عليه كشفها للمداواة التي لا تجب. والجواب أن كشفها لا يجوز لكل مداواة وإنما يجوز في موضع يقول أهل العرف إن المصلحة في المداواة راجحة على المصلحة في المحافظة على المروءة وصيانة العورة» (^٢). فالجواب على هذا الجواب أن في الختان من المصلحة ما يترجح على المصلحة في المحافظة على المروءة وصيانة العورة.\n_________\n(^١) هو: أبو العباس أحمد بن عمر بن سُرَيج البَغْدَادِيّ، شيخ الإسلام، فقيه العِرَاقِيين، وفقيه الشافعية في عصره حتى سمي الشافعي الصغير. مولده في بغداد سنة ٢٤٩ هـ ووفاته -﵀- بها سنة ٣٠٦ هـ. من مؤلفاته: «الأقسام والخصال»، و«الودائع لمنصوص الشرائع»، وكان يلقب بالباز الأشهب، ولي القضاء بشيراز، وقام بنصرة المذهب الشافعي فنشره في أكثر الآفاق، كان حاضر الجواب، له مناظرات ومساجلات مع محمد بن داود الظَّاهِرِيّ رحمهما الله، وكان على طريقة السلف. انظر ترجمته في: «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الكُبْرَى» (٣/ ٢١)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة» لابن قاضي شُهْبَة (٢/ ٨٩)، وراجع أيضًا: «وَفَيَات الأعْيَان» (١/ ٦٦)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٤/ ٢٠١).\n(^٢) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (١/ ٣٦٦).","vol":"1","page":82},{"text":"وأمره -ﷺ- لأم عطية بالخفض ليس أمرًا للنساء بطلبه، كما هو متقرر في الأصول. وكذلك فإنه لم ينقلها من الترك إلى الفعل، بل من المبالغة في الفعل إلى الاعتدال فيه.\nوكذلك فإن أمره للرجل الذي أسلم لا يدخل النساء فيه وذلك لأنه وإن كان الأصل أن «النِّساء شقائقُ الرجال» وأن المرأة تدخل في خطاب الرجل والعكس، إلا أن هذا عندما لا يكون هناك سببٌ للتفريق، وهنا يختلف الأمر بين الرجل والمرأة، ومن ذلك أن قُلْفَة الرجل قد يجتمع في آخرها بول يؤثر في طهارته وليس الأمر كذلك عند المرأة، لذا ناسب أن يكون التأكيد أكثر على ختان الذكور (^١) وهو ملاحظ في الآثار وأقوال أهل العلم وكذلك عمل الأمة.\nبقي التنبيه على أنه لم يقل عالمٌ واحد من علماء المسلمين المتقدمين بالمنع من الختان أو عدم مشروعيته، ولكنْ ظهر هذا القول بين بعض المعاصرين، ومنهم شيخ الجامع الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي (^٢) ومفتي الديار المصرية الدكتور علي جمعة (^٣) وغيرهما واحتجوا بالآتي:\n• أن الختان لم يثبت فيه شيء في الكتاب أو السنة.\nوالجواب على ذلك بما تقدم من الآثار التي تفيد إقراره -ﷺ- للختان. وكذلك\n_________\n(^١) قال ابن القَيِّم -﵀-: «والحكمة التي ذكرناها في الختان تعم الذكر والأنثى وإن كانت في الذكر أبين والله أعلم». «تُحْفَة المَوْدُود» لابن القَيِّم (ص ١٩٣).\n(^٢) هو: محمد سيد طنطاوي، أستاذ التفسير بجامعة الأزهر، ومفتي الديار المِصْرِيّة السابق، وشيخ الجامع الأزهر. له مؤلفات، منها: «بنو إسرائيل في القرآن».\n(^٣) هو: علي جمعة محمد عبد الوهاب، أستاذ أصول الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، ومفتى الديار المِصْرِيّة، وعضو مجمع البحوث الإسلامية، من مؤلفاته: «الحكم الشرعي عند الأصوليين»، و«مدى حجية الرؤيا»، و«القياس عند الأصوليين»، و«المدخل لدراسة المذاهب الفقهية»، و«البيان لما يدور في الأذهان»، و«قول الصحابي عند الأصوليين»، وغيرها كثير.","vol":"1","page":83},{"text":"يجاب بدخول ختان الإناث في أحاديث سنن الفطرة التي ذكرت الختان ولم تقصره على الذكور. أما ما ذكروه من قول ابن المُنذِر: «ليس في الختان خبر يرجع إليه، ولا سند يتبع» (^١) فإنه لا يُتخيَّل أن يكون ابن المُنذِر يريد بذلك أصل الختان للذكور والإناث - كما هو واضح من كلام له آخر (^٢) - مع ما جاء فيه من الأحاديث الصحيحة الصريحة في الصحيحين وغيرهما، وإنما أراد طريقته ووقته.\n• أن النبي لم يختن بناته.\nوهذا قول من غير دليل، فمن أين لهم بهذا العلم؟ والأصل أن العرب كانت تختن الإناث ويعدون ذلك مكرمة وإذا بالغ أحدهم في سب آخر قال له يا ابن القَلْفاء (^٣). فكيف يُزعم أن رسول الله -ﷺ- لم يحرص على تلك المكرمة لبناته. فلو كان جاءه وحي من السماء بضرره، فكيف لا يحرص على بيان ذلك لأمته ويختص بناته بنصحه دون باقي المسلمات وهو أب (^٤) لهن جميعًا.\n• أن الفقهاء جعلوه مكرمة أي أنهم لا يرونه واجبًا أو سنة.\n_________\n(^١) «تَلْخِيص الحَبِير» لابن حَجَر (٤/ ١٥٦)، «تُحْفَة المَوْدُود» لابن القَيِّم (ص ١٨٤)، «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (١/ ٣٧٠).\n(^٢) انظر «تُحْفَة المَوْدُود» لابن القَيِّم (ص ١٨٤). حيث ذكر كلام ابن المُنذِر -﵀- عند ذكر الخلاف حول وقت الختان. وفي المَجْمُوع: «قال ابن المُنذِر بعد حكايته هذا كله [اختلافهم في وقت الختان] ليس في باب الختان نهي يثبت ولا لوقته حد يرجع إليه ولا سنة تتبع والأشياء على الإباحة ولا يجوز حظر شيء منها إلا بحجة ولا نعلم مع من منع أن يختن الصبي لسبعة أيام حجة وهذا آخر كلام ابن المُنذِر.» «المَجْمُوع» (١/ ٣٧٠).\n(^٣) انظر «الفَتَاوَى الكُبْرَى» لابن تَيمِيَّة (١/ ٥١).\n(^٤) هو أبٌ للمؤمنين في الشفقة بهم والحدب عليهم والنصح إليهم. ولقد روى أصحاب السُّنَن وأحمد عن أبي هُرَيْرَةَ -﵁- قال: قال رسول اللهِ -ﷺ-: «إنما أنا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ فإذا أتى أحَدُكُم الْغَائِطَ ...» «سُنَن أبي دَاوُد» (١/ ٣).","vol":"1","page":84},{"text":"والجواب على هذا أن كثيرًا من الفقهاء - كما تقدم - قالوا بوجوبه، بل إنه قول أتباع واحد من المذاهب الأربعة المتبوعة، وهم الشافعية. وذهب بعض الحنفية إلى سنيته وهو قول عند الحنابلة وعندهم قول بالوجوب كذلك، والمالكية قالوا بالاستحباب والأقوى عند الحنفية والحنابلة أنه مكرمة، ولم يقل أحد منهم أنه ممنوع أو غير مشروع أو خلاف الأولى.\nإن إهمال كل هذه الأقوال وإيراد قول من قال بأنه مكرمة على أنه الرأي الأوحد لا يحسن بأهل العلم ولا يليق. وكذلك فإن هؤلاء السادات من أهل العلم لا يقولون بالوجوب والاستحباب وتتفق كلمتهم على المشروعية، وليس للختان أصل في الشريعة، كما ذكر بعض مانعيه من المعاصرين.\nوهذا جواب شيخ الجامع الأزهر السابق، الشيخ جاد الحق -﵀-، قال: «إن الفقهاء اتفقوا على أن الختان في حق الرجال والخفاض فى حق النساء مشروع، ثم اختلفوا في وجوبه فقال الإمامان أبو حنيفة ومالك: هو مسنون فى حقهما وليس بواجب وجوب فرض ولكن يأثم بتركه تاركه، وقال الإمام الشافعي: هو فرض على الذكور والإناث، وقال الإمام أحمد: هو واجب فى حق الرجال، وفى النساء عنه روايتان أظهرهما الوجوب، وهو في حق النساء قطع الجلدة التي فوق مخرج البول دون مبالغة في قطعها، ودون استئصالها، وسمي هذا خفاضًا، وقد استدل الفقهاء على خفاض النساء بحديث أم عطية -﵂- قالت: إن امرأة كانت تختن بالمدينة فقال لها النبي -ﷺ-: «لا تنهكي فإن ذلك أحظى للزوج وأسرى للوجه» ومعنى «لا تنهكي» لا تبالغي في القطع والخفض، ويؤكد هذا الحديث الذي رواه أبو هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «يا نساء الأنصار اختفضن أي (اختتن) ولا تنهكن أي لا تبالغن فى الخفاض» (^١) وهذا الحديث جاء\n_________\n(^١) أخرجه البَزَّار. انظر «مَجْمَع الزَّوَائد» (٥/ ١٧١). وقال الهَيْثَمِيّ -﵀-: «وفيه مندل بن علي وهو ضعيف وقد وُثِّقَ وبقية رجاله ثقات». وقال ابن المُلَقِّن في «البدر المنير» (٨/ ٧٤٩): «فتلخص أن طرقه كلها ضعيفة وقد صرح ابن القطان الحافظ في كتابه «أحكام النظر» أيضًا بأنه لا يصح منها شيء.» وضعفه الحافظ في «تَلْخِيص الحَبِير» (٤/ ٨٣).","vol":"1","page":85},{"text":"مرفوعًا برواية أخرى عن عبد الله بن عمر -﵁- وهذه الروايات وغيرها تحمل دعوة الرسول -ﷺ- إلى ختان البنات، ونهيه عن الاستئصال، وقد علل هذا في إيجاز وإعجاز حيث أوتي جوامع الكلم. وهذا التوجيه النبوي إنما هو لضبط ميزان الحس الجنسي عند الفتاة، فأمر بخفض الجزء الذي يعلو مخرج البول لضبط الاشتهاء والإبقاء على لذات النساء واستمتاعهن مع أزواجهن، ونهى عن إبادة مصدر هذا الحس واستئصاله، وبذلك يكون الاعتدال، فلم يعدم المرأة مصدر الاستمتاع والاستجابة، ولم يبقها دون خفض، فيدفعها إلى الاستهتار وعدم القدرة على التحكم فى نفسها عند الإثارة. لما كان ذلك، كان المستفاد من النصوص الشرعية ومن أقوال الفقهاء على النحو المبين والثابت فى كتب السنة والفقه، أن الختان للرجال والنساء من صفات الفطرة التى دعا إليها الإسلام، وحث على الالتزام بها على ما يشير إليه تعليم رسول الله -ﷺ- كيفية الختان وتعبيره فى بعض الروايات بالخفض مما يدل على القدر المطلوب فى ختانهن ..» (^١).\n• أن له أضرارًا جسيمة على المختونات.\nوقد كتب الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية بهذا الصدد مقالًا بـ «صحيفة الأهرام» يبرر فيه قوله بالمنع من الختان، ننقل بعض أجزائه:\nقال: «... وفي سنة ١٩٥١ م يرسل معالي وزير الصحة المصري إلى فضيلة العلامة الشيخ محمود شلتوت عضو هيئة كبار العلماء، وأستاذ الشريعة بالأزهر الشريف (والإمام الأكبر فيما بعد) يسأله عن قضية الختان، خاصة ختان الإناث، فيجيبه بجواب في ٢٨ - ٥ - ١٩٥١ م ينشره في «مجلة الأزهر» مجلد ٢٣ عدد المحرم سنة ١٣٧١ هـ في صفحة ٢١، ويقول بكل وضوح: والشريعة تقرر مبدأ عاما، وهو أنه متى ثبت بطريق البحث الدقيق لا بطريق الآراء الوقتية التي تلقى تلبية لنزعة خاصة أو مجاراة قوم\n_________\n(^١) «الفَتَاوَى الإسلامية»، المجلد الحادى والعشرون، (ص ٧٨٦٤) والفتوى من فتاوى دار الإفتاء، ورقمها المسلسل: (٧٠٩)؛ الموضوع: (١٢٠٢) ختان البنات. التاريخ: ٢٩/ ٠١/١٩٨١ م.","vol":"1","page":86},{"text":"معينين أن في أمر ما ضررا صحيا، أو فسادا خلقيا، وجب شرعا منع ذلك العمل، دفعا للضرر أو الفساد، وإلى أن يثبت ذلك في ختان الأنثى، فإن الأمر فيه على ما درج عليه الناس، وتعوده في ظل الشريعة الإسلامية، وعلم رجال الشريعة من عهد النبوة إلى يومنا هذا، وهو أن ختانها مكرمة، وليس واجبا، ولا سنة. .. [ثم قال الدكتور علي جمعة] ومن كل ذلك يتبين أنه يجب على الأطباء أن يعلنوا الحقائق التي قد توصل إليها بالبحث، وبالمؤتمرات العلمية، وبالقرارات التي توصلت إليها منظمة الصحة العالمية، وبما قد اتفق عليه الأطباء المختصون في هذا الشأن الآن، بحيث صار إجماعا بعلم يقيني، كما طالب علماء الشريعة منذ أكثر من نصف قرن، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. ونحن إذ نتبع ما تيقن منه الطب، واستقرت عليه الكلمة، فنحن نتبع هؤلاء العلماء الذين أصلوا لنا الأصول، وتركونا على المحجة البيضاء، والحمد لله رب العالمين» (^١).\nوالجواب على تلك الدعوى بأن أضرار الختان مما اتفق عليه الأطباء وتُوصِّل إليه عن طريق الأبحاث العلمية سيأتي عند عرضنا للمقدمة الطبية، والتي نبين فيها أن شيئًا من ذلك لا يصح، ونخص بالبيان ما قررته منظمة الصحة العالمية، ونذكر جمهرة من الأطباء يرون للختان الشرعي فوائد كثيرة.\nإن طبيبًا واحدًا عنده مُسْكَةٌ من العقل ويعرف أصول البحث العلمي لا يستطيع أن يدعي أن قطع قُلْفَة البظر - وهو الختان الشرعي كما سنبين - ثبت يقينًا ضرره. إن دراسة واحدة موافقة لمعايير البحث العلمي لم تثبت ذلك، ولا تعرضت أي من الدراسات لهذا النوع من الختان كعينة منفصلة.\nوفي الطب، لا يسلم الأطباء لدراسة واحدة حتى تتكرر نتائجها (^٢). ثم إن الطب\n_________\n(^١) «جريدة الأهرام المِصْرِيّة»، عدد ٦ أغسطس/آب ٢٠٠٧\n(^٢)  Reproducible","vol":"1","page":87},{"text":"كالشرع فيه فقه الموازنات، فلا يتم التسليم بخطأ ممارسة معينة لحصول ضرر منها حتى يعلم أنه ليس فيها من المنافع ما يفوق هذا الضرر، وإنما يكون هذا كله بالبحث العلمي الرصين المتجرد.\nلقد اختصرت في عرض الأقوال والترجيح بينها لاتفاق المتقدمين على مشروعية الختان، ولأن القضية الرئيسة في البحث هي حد الختان لا أصل مشروعيته.\n* * *","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المطلب الثاني: ختان البنات ورأي الطب</span>\nتقدم الكلام عن حكم الختان، فماذا عن ماهية الختان وحده وممارساته ورأي الطب فيها؟ ونحن هنا نناقش حد ختان البنات فإنه الذي يحصل فيه الخلاف، ويشنع على الإسلام بسببه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-33> مقدمة طبية عن تكوين ووظيفة البظر وقلفته:</span>\nحتى يتيسر فهم المقصود من الكلام عن حد الختان، فلا بد لنا أن نقدم ببعض الفوائد عن الأعضاء التناسلية وتكوينها ووظائفها:\n\n[١] الأعضاء التناسلية الخارجية للأنثى (^١)\n_________\n(^١) هذه الصورة من موقع ٦  abib.com.  لاحظ أن قلنسوة البظر هي القُلفة، وهي التي يشار إليها في كتب التراث بالجلدة المستعلية فوق البظر والجلدة التي كعُرْف الدِّيك. وهي التي تُخَلَّص من البظر وتُقْطع مثلما يفعل مع قلفة الرجل.","vol":"1","page":89},{"text":"أما التكوين (^١): فإن هذه الأعضاء أصلها واحد في الأجنة لا فرق بين ذكر وأنثى حتى نهاية الأسبوع السابع (^٢)، وجاءت الحقيقة العلمية موافقة لحديث رسول الله -ﷺ- في هذا الشأن (^٣) حيث قال: «إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا، ثُمَّ قَالَ يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ. ثُمَّ يَقُولُ يَا رَبِّ أَجَلُهُ؟ فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ. ثُمَّ يَقُولُ يَا رَبِّ رِزْقُهُ؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ. ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ فَلا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ وَلا يَنْقُصُ» (^٤).\nثم تبدأ هذه الأعضاء في التمايز في اتجاه الذكر أو الأنثى بناءً على الجنس الصبغي (^٥) (الكروموسومي) والهرموني.\nوأصل الأعضاء بُرعم صغير فوق شق. ويتحول البُرعم إلى قضيب في حال الرجل أو بظر (^٦) في حال المرأة. والشق يبقى في حال البنت ويتكون على جانبيه الشَّفران الكبيران (^٧)، أو يلتصق جانباه ليكون كِيس الصَّفَن (^٨) في حال الولد. ثم تهبط الخُصْيَتَان إلى الكيس بينما يبقى المِبْيَضان داخل الحوض (^٩).\n_________\n(^١)  Genesis\n(^٢)  للمزيد، راجع «خلق الإنسان بين الطب والقرآن» للدكتور محمد علي البار (ص ٢٨٣ - ٢٩٢).\n(^٣)  Pediatric and Adolescent Gynecology [Book] /auth.E.Jean، Laufer R and Goldstein P.p. ٥٧.\n(^٤) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري (٤/ ٢٠٣٧).\n(^٥)  Chromosomal\n(^٦) Clitoris\n(^٧) Labia Majora\n(^٨) Scrotum\n(^٩) Pediatric and Adolescent Gynecology [Book] /auth.E.Jean، Laufer R and Goldstein P.p. ٦٠.","vol":"1","page":90},{"text":"ومن الناحية التشريحية، فإن القضيب يقابل البظر، وهو الذي قد يشير إليه علماؤنا بالنواة وذلك لأن شكله كالنواة أو كنصف كرة. والبظر ليس جلدة فقط، بل يتكون من نفس الأنسجة التي يتكون منها القضيب. والقُلْفَة التي على حَشَفَة القضيب (^١) والتي تزال في ختان الذكور تقابلها قُلْفَة (^٢) كذلك على البظر، يشير إليها علماؤنا بالجلدة المستعلية أو الجلدة التي كعُرْف الدِّيك.\nومن الناحية الوظيفية، فإن الذكر والبظر كلاهما أعضاء انتصاب من أنسجة متكهفة (^٣) وهي أعضاء اللذة عند الجماع. وكذلك فإن القُلْفَة التي على حَشَفَة الذكر وتلك التي على البظر يتماثلان وظيفيًّا (^٤) فلا تكاد تعرف لهما فائدة وإنما تتراكم تحتهما إفرازات اللخْن (^٥) الضارة.\nلعله قد اتضح من هذه المقدمة أن ما يقابل قُلْفَة ذكر الرجل ليس بظر المرأة وإنما قُلْفَة بظرها.\nبقي أمر من الناحية الوظيفية تنبغي الإشارة إليه، ألا وهو أن طول البظر ليس له أثر هام على استدعاء الشهوة إلا أن يكون زائدًا عن المعتاد، وليس تقصيره - في غير هذه الحالات الخارجة عن المعتاد - مما يرجى منه تقليل الشهوة من هذه الزاوية. إن استدعاء الشهوة مسألة هرمونية نفسية سلوكية في المقام الأول. ومن ثم، فإنه لا يُرجى من قطع البظر أو بعضه تقليل الممارسات الجنسية غير المشروعة للنساء ذوات التكوين الطبيعي.\n_________\n(^١)  Foreskin\n(^٢) Clitoral hood\n(^٣) Cavernous\n(^٤) Pediatric and Adolescent Gynecology [Book] /auth.E.Jean، Laufer R and Goldstein P.p. ٦٠.\n(^٥) Smegma","vol":"1","page":91},{"text":"أما عن دور البظر في العملية الجنسية، فإنه يؤثر على إمكانية وسرعة الوصول للذِّروة الجنسية عند المرأة متى بدأت بالفعل في مقدمات الجماع.\nإن الوصول إلى الذِّروة الجنسية عند المرأة له طريقان:\nأحدهما: الذِّروة المَهْبِلية (^١) التي تحدث عند الجماع، وسببها إثارة بقية البظر الممتد داخل جسم المرأة، والذي يقع أعلى سقف المِهْبَل.\nوالثاني: الذُّروة البظرية (^٢) عن طريق تحريك أصابع اليد أو غيرها على البظر. ومن المهم بيانه، أن نسبة كبيرة من النساء لا يصلن إلى الذِّروة الجنسية المَهْبِلية وليس لهن من سبيل إلى الذُّروة الجنسية إلا عن طريق الذُّروة البظرية.\n* * *\n_________\n(^١)  Vaginal climax\n(^٢) Clitoral climax","vol":"1","page":92},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-34> أنواع ختان البنات:</span>\nهناك ختان سني وآخر بدعي محرم، بل ومُجَرّم في الإسلام كما نبينه في الكلام عن العدوان على فرج المرأة وتضمين الخاتن.\nوممارسات الختان هي (من الأخف للأشد) (^١):\n١ - قطع قُلْفَة أو قلنسوة البظر\n٢ - استئصال جزء من البظر مع القُلْفَة\n٣ - استئصال كل البظر ومعه القُلْفَة\n٤ - استئصال جزء من البظر مع القُلْفَة وجزء من الشفرين الصغيرين\n٥ - استئصال كل البظر وجزء من الشفرين الصغيرين\n٦ - استئصال كل البظر وكل الشفرين الصغيرين\n٧ - استئصال كل البظر وكل الشفرين الصغيرين وجزء من الشفرين الكبيرين\n٨ - استئصال كل البظر وكل الشفرين الصغيرين وأجزاء من الشفرين الكبيرين لتبقى الأنسجة الضامة عارية فتلتصق وقد يخيطون أعضاء الأنثى الخارجية حتى لا يبقى إلا فتحة واحدة تناسلية بولية لمرور البول والدم.\n_________\n(^١) انظر:  Pediatric and Adolescent Gynecology [Book] /auth.E.Jean، Laufer R and Goldstein P.p. ٣٥٣.\nولقد أخطأ المؤلفون فجعلوا القسم الأول من أنواع الختان هو استئصال جزء من البظر أو كامل العضو، وسموا ذلك الختان السني «Sunna Circumcision».\nوانظر:  CIRCUMCISION، MUTILATION، MALE، FEMALE  لمحمود كريم.\nوختان الإناث بين علماء الشريعة والطب [شبكة] /لمريم إبراهيم هندي (ص ١٢).","vol":"1","page":93},{"text":"تنبيهات:\n١ - لا تفرق منظمة الصحة العالمية في دراستها بين الأنواع الثلاثة الأولى على ما بينها من فرق واضح تشريحيًّا ووظيفيًّا (^١).\n٢ - يطلق اسم الختان الفرعوني على الأنواع ٧ و٨ (^٢).\nوالذي سنُعنى ببيانه هو أن أحدًا من علماء المسلمين لم يقل بغير النوعين الأوَّلَين، وأن الراجح - وهو قول الجمهور - أنه يقتصر على النوع الأول فقط. أما المضار المتكلم عنها والحقيقية، فنبين أنها تحصل عند التعدي وممارسة الأنواع من ٣ - ٨. وقد يكون هناك شيء من الضرر في النوع الثاني، ولكنه لم يثبت بالتحقيق العلمي بعد.\n* * *\n_________\n(^١) «دراسة جديدة تبيّن أنّ تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية يعرّض النساء وأطفالهن لمخاطر كبيرة أثناء الولادة» [شبكة] /المؤلف منظمة الصحة العالمية.\n(^٢) انظر:  Pediatric and Adolescent Gynecology [Book] /auth.E.Jean، Laufer R and Goldstein P.p. ٣٥٣.","vol":"1","page":94},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-35> هل من مضار طبية لختان البنات أو فوائد</span>؟\nإن كل ما قيل عن مضار للختان في حق البنات إنما ينصرف إلى أنواع الختان غير الشرعي كما أسلفنا. وينبغي أن يكون الدعاة والعلماء من أشد المحاربين لبدعة الختان الفرعوني وبقية أنواع الختان غير الشرعي التي تنتشر في بعض أنحاء العالم الإسلامي، وذلك حماية لبناتنا من الضرر ولسمعة سنة الختان الشرعي - ومن ثم سمعة الإسلام - من التشويه.\nإن هذه المضار تشمَلُ البرودة الجنسية وتشوهات والتصاقات والتهابات بالأعضاء التناسلية الظاهرة للمرأة، ويؤدي ذلك إلى مضاعفات جمة أثناء الولادة والنفاس. وغير هذه المضار البدنية هناك مضار نفسية جمة (^١).\nوينبغي التنبيه هنا على أنه لم يثبت أي ضرر طبي من الختان بمعنى قطع قُلْفَة البظر، بل جاء في تقرير لمكتب حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، أن هذا النوع من الختان يقابل ختان الذكور (^٢). وهذا الأخير معروفة فوائده ويمارس بشكل واسع جدًّا في الغرب بعد أن كانوا في مرحلة يشككون فيه.\n_________\n(^١) انظر:  Pediatric and Adolescent Gynecology [Book] /auth.E.Jean، Laufer R and Goldstein P.p. ٣٥٣.\nوانظر أيضًا: «دراسة جديدة تبيّن أنّ تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية يعرّض النساء وأطفالهن لمخاطر كبيرة أثناء الولادة» [شبكة] /المؤلف منظمة الصحة العالمية.\n(^٢)  Fact Sheet No. ٢٣، Harmful Traditional Practices Affecting the Health of Women and Children [Online] /auth.The Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights (OHCHR).","vol":"1","page":95},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-36> الدراسات العلمية عن ختان البنات:</span>\nيتحمس الكثير من الناس لكل ما يقال عنه أنه دراسة علمية، ولكنهم لا يقدمون على تحليل ونقد هذه الدراسات. إنه من المعروف في مجال البحث العلمي أن كثيرًا مما يسمى دراسات بها من القصور والعيوب والتناقضات ما لا يسمح للباحث الأمين الذي يحترم عقله أن يعتمدها أو ينقلها للعوام على أنها من المسلمات.\nوتعد الدراسات الموافقة للمعايير العلمية الدقيقة شحيحة في هذا الموضوع، وهذا ليس ادعاءً مني، بل نقلٌ عن منظمة الصحة العالمية، حيث جاء في موقعها الإلكتروني - في معرض الكلام عن دراسة زعموا أنها وافية عن الآثار السلبية لختان البنات - ما يأتي:\n«وقالت جوي فومافي، المدير العام المساعد لشئون صحة الأسرة والمجتمع بمنظمة الصحة العالمية: لقد وفّرت لنا هذه الدراسة، لأوّل مرّة، بيّنات تثبت أنّ النساء اللائي تعرّضن لتشويه في أعضائهن التناسلية أكثر عرضة بكثير للمضاعفات والمشاكل الخطرة التي تحدث أثناء الولادة. إنّ تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية من الممارسات الراسخة في الثقافات والتقاليد، غير أنّه لا بد من وضع حد لها. فيجب علينا تقديم الدعم اللازم إلى المجتمعات المحلية لمساعدتها في الجهود التي تبذلها من أجل التخلي عن تلك الممارسة وتحسين خدمات الرعاية المقدمة للنساء اللائي تعرّضن لها. كما يجب علينا الثبات في مقاومة الظاهرة المتمثّلة في إضفاء الطابع الطبي على تلك الممارسة. فالكل يعلم أنّ منظمة الصحة العالمية تعارض كليًّا إجراءها من قبل عاملي القطاع الطبي» (^١).\nلاحظ عبارة «لأول مرة»، ولقد جاء المزيد من التفصيل (^٢) على الصفحة الإنجليزية\n_________\n(^١) «دراسة جديدة تبيّن أنّ تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية يعرّض النساء وأطفالهن لمخاطر كبيرة أثناء الولادة» [شبكة] /المؤلف منظمة الصحة العالمية.\n(^٢) «Previous smaller studies have suggested that adverse obstetric outcomes such as episiotomy، ٢ tears، ٣ - ٥ protracted labour، ٢، ٥ post-partum haemorrhage، ٣، ٥ and low Apgar score ٢، ٥ might be more common in deliveries in women who have had FGM. ٣، ٥ However، reliable data about the effect of different types of FGM on specific obstetric outcomes are scarce، since previous studies have inconsistent findings، ٣، ٤ rarely account for potential confounding factors، ٢، ٥ do not investigate the effects of different types of FGM، ٢، ٣، ٥ and have been based on self-reported obstetric complications. ٣، ٤ Previous studies also had insufficient power to examine important outcomes such as stillbirth and early neonatal death.»\nمنقول من غير تصرف من:\nFemale Genital Mutilation [Online] /auth.World Health Organization.","vol":"1","page":96},{"text":"يوضح ضعف الدراسات السابقة.\nوكذلك جاء في الصفحة العربية: «وقال الأستاذ سعد الفضيل، المشرف على الدراسة في السودان: «إنّ هذه النتائج تكتسي أهمية كبيرة بالنسبة للبلدان. فقد أُجريت هذه الدراسة الجيدة في مستشفيات عديدة في بلدان أفريقية تنتشر فيها ظاهرة تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، وبالتالي فهي تقيم الدليل، لأوّل مرّة، على ما ينجم عن تلك الممارسة من آثار ضارّة بالنسبة للنساء والأطفال» (^١).\nلاحظ تكرار «لأول مرة».\nونحن الآن في حاجة إلى التعرف على هذه الدراسة الكبيرة «الوافية» التي تثبت «بالبينات» «لأول مرة» المضاعفات السلبية لختان البنات في مرحلة الولادة.\n_________\n(^١) «دراسة جديدة تبيّن أنّ تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية يعرّض النساء وأطفالهن لمخاطر كبيرة أثناء الولادة» [شبكة] /المؤلف منظمة الصحة العالمية.","vol":"1","page":97},{"text":"لقد درسوا مضاعفات الختان في مرحلة الولادة بعد تقسيمهم النساء إلى أربع عينات:\n١ - غير المختونات.\n٢ - نساء تعرضن إلى استئصال القُلْفَة (^١)، مع استئصال البظر بشكل جزئي أو تام أو دون ذلك.\n٣ - نساء تعرضن إلى استئصال البظر، مع استئصال الشفرين الصغيرين بشكل جزئي أو تام.\n٤ - نساء تعرضن إلى استئصال الأعضاء التناسلية الخارجية بشكل جزئي أو تام، مع تضييق الفُوَّهَة المَهْبِلية (الختان التخييطي) (^٢).\nوإليك الآن تعريفهم لختان البنات وخلطهم بين كل أنواعه، قالوا: «ملاحظة: يشمل تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، الذي كثيرًا ما يُشار إليه بمصطلح «ختان الإناث» جميع الممارسات التي تنطوي على إزالة الأعضاء التناسلية الأنثوية الخارجية بشكل جزئي أو تام، أو إلحاق إصابات أخرى بتلك الأعضاء إمّا بدواع ثقافية أو دينية أو دواع لا تستهدف العلاج. وتُمارس حاليًا أنواع مختلفة من ذلك التشويه منها ما يلي:\nالنوع الأول: استئصال القُلْفَة، مع استئصال البظر بشكل جزئي أو تام أو دون ذلك.\nالنوع الثاني: استئصال البظر، مع استئصال الشفرين الصغيرين بشكل جزئي أو تام.\n_________\n(^١)  Prepucectomy\n(^٢) «دراسة جديدة تبيّن أنّ تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية يعرّض النساء وأطفالهن لمخاطر كبيرة أثناء الولادة» [شبكة] /المؤلف منظمة الصحة العالمية.","vol":"1","page":98},{"text":"النوع الثالث: استئصال الأعضاء التناسلية الخارجية بشكل جزئي أو تام، مع تضييق الفُوَّهَة المَهْبِلية (الختان التخييطي)» (^١).\nوبعد ذلك رصدوا الأضرار المشاهدة في العينات المختلفة، ومن الجدير بالذكر أن العينة الثانية كانت نسبة الأضرار فيها أكثر بقليل من العينة الأولى. وكانت الأضرار الأخطر والأكثر في العينتين الثالثة والرابعة (^٢).\nفتعالوا ننظر إلى هذا الرسم التوضيحي للدراسة:\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) العينتان الثالثة والرابعة هما النوعان الثاني والثالث. راجع الفقرة السابقة.","vol":"1","page":99},{"text":"[٢] رسم توضيحي لدراسة الأمم المتحدة عن ختان الإناث\nوالآن أستدعي عقول الباحثين للنظر في هذا العيب - الذي أود ألا يكون متعمدًا - وهو خلط ثلاثة أنواع من الممارسات من غير تمييز بينها وهي:\n١ - استئصال القُلْفَة (^١).\n٢ - استئصال القُلْفَة، مع استئصال البظر بشكل جزئي.\n٣ - استئصال القُلْفَة، مع استئصال البظر بشكل تام.\nإن الحاجة والأمانة العلمية كانت تدعو على الأقل إلى الفصل بين ١ من جهة و٢ و٣ من جهة أخرى، وذلك للفرق الكبير بين القُلْفَة والبظر تشريحيًّا ووظيفيًّا، وإن كان الأولى الفصل بين الثلاثة لتكون نتائج كل قسم مستقلة وواضحة.\n_________\n(^١)  Prepucectomy","vol":"1","page":100},{"text":"إنه من العجيب أن يدخلوا قطع القُلْفَة في بداية الدراسة مع بقية أنواع ما سمَّوه بالنوع الأول من تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، والعجب ليس فقط لما ذكرت من الفرق التشريحي والوظيفي بين القُلْفَة والبظر، ولكن أيضًا لأن الأمم المتحدة ذاتها - كما تقدم - كانت من قبل تقر بأن قطع القُلْفَة إنما هو كختان الذكر من جهة الطب (^١).\nإنهم بهذا الخلط أفسدوا مصداقية الدراسة بالكلية في تحديد أضرار قطع القُلْفَة دون البظر وحتى مع قطع جزء من البظر، إذ قد يعترض على ذلك بأن الأضرار المشاهدة في العينة الثانية - والتي لم تكن في الأصل كثيرة كما سنبين - كانت جميعها بسبب وجود تلك الشريحة من النساء اللاتي تعرضن للاستئصال الكامل للبظر، والذي لم يقل به أحد من علماء المسلمين، فضلًا عن أن يكون الرأي الراجح.\nأما نتائج الدراسة:\nفإن العينة الثانية والتي اشتملت على القطع الكامل للبظر - والذي لا يقول به أحد من علماء المسلمين - كانت النتائج فيها شديدة الضعف، وهذه هي الأسباب:\n١ - بالنظر إلى المخاطر النسبية (^٢) بعد التصحيح (^٣) في هذه العينة، نجدها في الولادة\n_________\n(^١) نص كلامهم: «Circumcision or Sunna (\"traditional\") circumcision: This involves the removal of the prepuce and the tip of the clitoris.This is the only operation which، medically، can be likened to male circumcision.»\nمنقول من غير تصر من:  Fact Sheet No. ٢٣، Harmful Traditional Practices Affecting the Health of Women and Children [Online] /auth.The Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights (OHCHR).\n(^٢)  لو كان الخطر في العينة المرجعية - اللاتي لم يتعرضن للختن - ١٠ وفي العينة الثانية ١٥، يكون الخطر النسبي ١. ٥.\n(^٣) أي أخذ عوامل الخلط في الاعتبار.","vol":"1","page":101},{"text":"القيصرية ١.٠٣ وفي فقدان الدم ١.٠٣ وفي وزن الطفل عند الميلاد ٠.٩٤ (أي أقل من العينة المرجعية) وليس هناك عاقل في أي وسط للبحث العلمي يقبل بنتائج دون ١.١، ولذا فلا حاجة لمناقشة أي من هذه المضاعفات.\nأما إقامة الأم لمدة طويلة في المستشفى، فكان الخطر النسبي بالمقارنة مع العينة المرجعية ١. ١٥ وإنعاش الرضيع ١. ١١ ووفاة المرضى الداخليين في الفترة المحيطة بالولادة ١. ١٥ وبَضع الفرج مع شَقِّ العِجان [ما بين القبل والدبر] أو دونه لدى النساء اللاتي يلدن لأول مرة ١. ٣١. وهذه النتائج وإن قبلها البعض، فإنها شديدة الضعف وفي دراسة كهذه تثبت لأول مرة - كما ذكروا - تلك المضاعفات فإنه لا يقبل المنطق السليم ولا أصول البحث العلمي هذه النتائج. إن الكثيرين من العلماء ينادون بعدم اعتبار النتائج إذا كان الخطر النسبي دون ٢. بل إن محررةَ واحدةٍ من أهم الدوريات الطبية الأمريكية (^١) تقول إنهم لا يقبلون الدراسات التي يكون فيها الخطر النسبي دون الثلاثة سيما إن كانت تثبت نتائج جديدة (^٢). ولعله في دراسة كهذه يمكن التَّنزُّل وقبول معدلات خطر نسبي فوق ١٠٥.\n_________\n(^١)  New England Journal of Medicine.\n(^٢)  نص كلامها والمصدر:\nMarcia Angell of the New England Journal of Medicine: «As a general rule of thumb we are looking for a relative risk of three or more [before accepting a paper for publication]، particularly if it is biologically implausible or if it's a brand-new finding.» Turning Science into Junk: the Tobacco Industry and Passive Smoking [Journal] /auth.Samet Jonathan M.and Burke Thomas A.\nوانظر:  John P.A.Ioannidis (٢٠٠٥). «Why Most Published Research Findings Are False».PLoS Medicine ٢ (٨): e ١٢٤.doi: ١٠. ١٣٧١/journal.pmed. ٠٠٢٠١٢٤.","vol":"1","page":102},{"text":"في النسختين المنشورتين للرسالة باللغتين الإنجليزية والعربية لم يذكروا قيم الاحتمالية (^١) لكل عينة على حدة في كل المقارنات، وبالنسبة للعينة الثانية، فإن قيمة الاحتمالية لم تُذكر - لا أدري لماذا - إلا في إشارات عابرة، ومن ذلك أنهم ذكروها في حالة شق العِجان، وهي ٠. ٠٤. وهي أسوأ من ذلك - أي في غير صالح فرضية إثبات الفرق الذي تدعيه الدراسة - في المقارنات الأخرى كما يظهر من النظر في المخاطر النسبية. فهل هذه احتمالية معقولة في دراسة تعددت فيها المقارنات واختلفت فيها مراكز الولادة بين بُلدان عديدة وكثرت فيها عوامل الخلط. إنه من غير ذلك كله فإن جمهرةً من العلماء والإحصائيين لا يقبلون بقيمة «الاحتمالية» التي تزيد عن ٠. ٠١، وتعد الدراسة قوية إذا كانت القيمة ٠. ٠٠١ (^٢).\n٢ - لم أورد الكثير من التعقيبات على مناحٍ إجرائية أخرى كتحديد أنواع الختان وعمل القابلات، وأخرى منهجية كتمييزهم بين التي تلد للمرة الأولى وصاحبة الولادات المتكرِّرة دون تمييزهم بين من ولدت مرتين وتلك التي ولدت عشر مرات وغير ذلك مما لا يتسع المقام في بحثنا له.\nومن ثم، وبِناءً على هذه القراءة لنتائج البحث، وشهادتهم أن هذه الدراسة هي الأولى والرائدة في إثبات مضاعفات الختان، ولأنه لم تكن بعدها دراسات مستوفية\n_________\n(^١) قيمة الاحتمالية =  p value\nومعناها احتمالية أن تكون النتائج عن طريق الصدفة مع صحة افتراضية نفي الفرق. فمثلا إذا كانت القيمة ٠. ٠٥ وهي أدنى المقبول فإن احتمالية الصدفة ٥% وإذا كانت ٠. ٠٠١ فإن احتمالية الصدفة واحد في الألف.\n(^٢) لمعرفة المزيد عن ضعف قيمة الاحتمالية، سيما الضعيفة منها:\nToward evidence-based medical statistics. ١: The P value fallacy [Journal] /auth.S Goodman//Ann Intern Med.","vol":"1","page":103},{"text":"للمعايير العلمية عن أضرار قطع قُلْفَة البظر، أخلُص إلى الآتي:\n• ليست هناك دراسات موافقة للمعايير العلمية تثبت ضرر قطع القُلْفَة دون البظر، بل وحتى مع قطع جزء من البظر.\n• هذه الدراسة إضافة مهمة لإثبات أضرار قطع البظر كاملًا مع الشفرين الصغيرين فما فوق ذلك.\n• ينبغي عمل دراسات تفرق بين الممارسات المختلفة وتتناول قطع القُلْفَة دون غيرها.\n• ينبغي عمل دراسات تتحرى الفوائد المحتملة لقطع القُلْفَة.\n• ينبغي على المخلصين محاربة كل ممارسات الختان البدعي من القطع الكامل للبظر فما فوق.\nولو سلمت دراسة وأثبتت بعض مضار للختان السني، فلا ينبغي التسرع في إصدار التوصيات من غير التأكد من عدم وجود منافع ترجحها.\nإن التوصيات لا تقوم فقط على قوة الدليل، بل تراعي - ضمن أمور أخرى - قَبول المنظومة القيمية للمجتمع أو المجموعة المستهدفة بهذا النوع من التدخل الطبي أو ذاك أو بهذه التوصيات أو تلك (^١).\nلكم كنت أرجو أن يحترموا عقولنا أكثر من ذلك، ولكم آسيت على تسرع الفقهاء إلى تلقف هذه المزاعم حول ممارسة شائعة في الأمة من أربعةَ عشرَ قرنًا.\n_________\n(^١) للمزيد، انظر (بالإنجليزية):\nGrading Strength of Recommendations and Quality of Evidence in Clinical Guidelines Report From an American College of Chest Physicians Task Force [Journal] /auth.American College of Chest Physicians Task Force.","vol":"1","page":104},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-37> الفوائد الطبية لختان البنات:</span>\nللأسف فإنه - فيما أعلم - لم يتصدَّ الأطباء المسلمون لدراسة فوائد الختان الطبية في البنات دراسةً وافيةً موافقةً للمعايير العلمية، ولا يُنتظَر أن يقوم بذلك غيرهم. إن هذا الأمر، وإن قدمت فيه بعض البحوث، لهو في حاجة إلى المزيد منها، على أن تكون موثَّقة وتراعي المعايير العلمية ليتسنَّى تقديمها لكل مشكك في هذه السنة.\nأما فوائد الختان الطبية - في حق الرجال - فعديدة وموثقة بشكل قطعي، نذكر منها على وجه الإجمال والاختصار ما يأتي (^١):\n١ - تقليل نسبة الالتصاقات والالتهابات التي تحصُل للحَشَفَة.\n٢ - تقليل نسبة أمراض الجهاز البولي الخمجية (^٢).\n٣ - تقليل نسبة سرطان الذكر.\n٤ - تقليل نسبة الأمراض المنتقلة بالاتصال الجنسي.\n٥ - تقليل نسبة المضاعفات الناشئة عن انسداد المجاري البولية أو التهابات الكُلْيَتين والتي تشمَلُ ارتفاع ضغط الدم وغيره.\nويتوجه أن يكون من فوائد ختان البنات (^٣) تقليل التهابات البظر، ومن ثم تعديل\n_________\n(^١)  Know the Facts About Circumcision [Journal] /auth.Wisewell Thomas E//Infections Diseases in Children. - Thorofare، NJ.USA: Slack Inc.، ٢٠٠٣١ .\nراجع أيضًا «الختان» للدكتور محمد علي البار (ص ٧٥ - ١٠٢) للمزيد.\n(^٢)  Infectious\n(^٣)  مما يمكن أن يستفاد من أقوال الأطباء، والمقارنة بالذكور، والنظر في النواحي التشريحية والوظيفية للقلفة وسائر الأعضاء التناسلية والبولية للمرأة وكذلك بعض البحوث المشار إليها لاحقًا. وكل هذا لا يعفينا من المزيد من الدراسات الجادة لإثبات كل ما نقول بالبينات العلمية.","vol":"1","page":105},{"text":"الغُلْمَة والشَّبَق اللذين قد ينتجان عن هذه الالتهابات؛ وتحسين وحفظ الشهوة الفطرية، سيما عند المصابات بتضخم البظر أو ضيق القُلْفَة؛ وكذلك تقليل التهابات المجاري البولية والجهاز التناسلي كما وردت بذلك بعض بحوث قدمت إلى المؤتمر الطبي الإسلامي عن الشريعة والقضايا الطبية المعاصرة (^١). وتقليل التهابات المجاري البولية والتناسلية إنما هو لقرب البظر من مدخليهما، فإذا كانت الجراثيم تتراكم تحت قلفته، فطبيعي أن تنتقل منها إلى فتحتي المجاري البولية والتناسلية.\nوأورد هنا كلامًا لبعض الأطباء عن فوائد الختان، وكلامهم لا يغني عن دراسات جادة، فإن رأي الخبراء غير المدعوم بالدراسات القوية يعد من الأدلة الضعيفة في مجال البحث العلمي (^٢). ولكن كلامهم قد يخفف من جنوح المعارضين للختان الشرعي، فإن غاية ما يستندون إليه قيل وقال أو دراسات واهية أو غير محرَّرة ولا صلة لها بالختان الشرعي. وكذلك فقد يفتح آفاقًا لمزيد من البحث، وهو في أدنى الأحوال ينفي خرافة الإجماع الطبي على ضرر جميع أنواع ختان الإناث.\nودعوني أبدأ بالطبيب الأمريكي راثمان (^٣)، والذي ذكر في كتابه: فوائد ختان البنات بمعنى قطع القُلْفَة، وبين أن القُلْفَة قد تكون ضيقة أو كبيرة فتؤدي إلى عدم حصول الذِّروة البظرية للمرأة مما يسبب مشاكل نفسية، بل ويؤدي أحيانًا إلى الطلاق. ثم بين أن\n_________\n(^١) جاء ذلك في بحث قدمه الدكتور محمد علي البار إلى المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة. نقلًا عن «ختان الإناث رؤية طبية» [شبكة] /لست البنات خالد محمد على.\n(^٢) انظر (ص ٥٧).\n(^٣)  W.G.Rathmann، M.D.A graduate of the University of Nebraska.Completed internships and residency training at U.S.Marine hospitals in Chicago، Seattle and Fort Stanton، N.M.Was a member of the senior surgical staff of Centinella Hospital، Inglewood.","vol":"1","page":106},{"text":"الخفاض في هذه الحالات إذا تم بطريقة سليمة يؤدي إلى التحسن في ٨٥ - ٩٠ % من الحالات كما بينته دراسة أجراها (^١) (^٢).\n• أما الطبيبة الأمريكية أي بي لوري فقالت: «إن عذرة الأنثى بها قُلْفَة أمامية صغيرة مطوية فوقها لحماية نهايتها الحساسة، وأحيانًا ما تكون هذه القُلْفَة معقوفة لأسفل بشدة - فبدلا من أن تكون وقاية فإنها تكون مصدرا للتهيج، لأن الإفرازات الطبيعية تحتجز تحتها - وكم من امرأة كانت عصبية طوال حياتها بسبب قُلْفَة معقوفة، وهو ما يمكن تصحيحه بعملية في منتهى البساطة. وأشارت الطبيبة إلى أن العلاج يكون أحيانًا بالتربية ولكن الختان المبكر في سن الطفولة للبنت يكون علاجًا مؤكدًا - وقالت: إن القُلْفَة المعقوفة ينتج عنها تهيج دائم يعود إلى ممارسات مؤذية للفتاة وقد يفضي إلى ممارسات شاذة وله صلة بالحياة غير السوية لبعض البنات» (^٣).\n• الأستاذ الدكتور محمد حسن الحفناوي أستاذ الأمراض الجلدية والتناسلية بطب الأزهر، والدكتور صادق محمد صادق مدرس الأمراض الجلدية والتناسلية بطب الأزهر كذلك، قالا: «... وبالنظرة الموضوعية نجد أن الوصول إلى الحس الجنسي الكامل يتم عن طريقين: أحدهما إثارة البظر الممتلئ بالنهايات العصبية، والآخر هو المَهْبِل، حيث يمتلئ جداره بالمستقبلات العصبية أيضًا، ولذا فإن بعض علماء النفس يروْن أن البظر ليس مهمًّا في الوصول إلى الحس الجنسي الكامل، بدليل أنه يَرْتخي\n_________\n(^١) هذا نص كلامه: «Redundancy or phimosis of the female prepuce can prevent proper enjoyment of sexual relations ... Properly carried out، circumcision should bring improvement to ٨٥ to ٩٠ per cent of cases - with resulting cure of psychosomatic illness and prevention of divorces.»\n(^٢) Female Circumcision: Indications and a New Technique [Online] /auth.W.G.Rathmann M.D .. - ١٩٥٩. - pp ١١٥ - ١٢٠.\n(^٣)  ختان الإناث على ضوء الدين والطب [شبكة] /لعماد عمر خلف الله أحمد.","vol":"1","page":107},{"text":"ويتراجع قُبيل عملية الأورجاسم [الذروة الجنسية]. ثانيًا: أن المرأة التي تختتن تصل أثناء الجماع إلى الحس الكامل، ... ومع اكتمال نضج الفتاة تظهر المشاعر العاطفية تجاه الجنس الآخر، ويبدأ البظر في الانتصاب لمجرد اللمس أو الاحتكاك نتيجة للحساسية الزائدة لنهايات الأعصاب المتركزة فيه والتي تبلغ سبعة أضعاف مثيلاتها في الذَّكَر، وأيضًا عند الإثارة والتفكير والنظر بشهوة، فيؤدي إلى تحرُّك المشاعر اللا إرادية ... ودائما تكون مصحوبة بالتأنيب والشعور بالذنب. ورغبة في المحافظة على كرامة المرأة وكبريائها وأنوثتها، وجب علينا اتباع تعاليم الإسلام، وختان الفتاة بالصورة المرجوَّة وهى الإشمام، أي إزالة جزء بسيط من البظر لكي يحد من حدة الانفعالات» (^١).\nأوردت هذا الكلام تأكيدًا على أن الأطباء لم تتفق كلمتهم على كون الختان ضارًّا وأن منهم من يرى فيه فوائد، كما ذكر الطبيبان، ولكن القطع من البظر ليس من الختان إلا عند كونه متضخمًا بشكل غير طبيعي، فعندها يتوجه طبيًّا القطع منه ومن ثم يجيزه الشرع لمصلحة التداوي.\n• وممن يرى أهمية الختان في بعض الحالات الدكتورة ماجدة الشربينى، وكيل أول وزارة الصحة المصرية السابقة، والتي أكدت وجود حالات يتحتم فيها إجراء ختان الإناث لضرورة طبية ملحة للحماية من الالتهابات والمضاعفات، وقدرتها بـ ٣٠% من الفتيات (^٢).\n• ولقد أقر بهذه الحاجة بل الضرورة لختان بعض الإناث الدكتور محمد الحديدي، أحد كبار معارضي الختان بمصر، فقال: «... وهذا عين ما أوردته فى محاضرتي عن وجوب ختان المرأة فى بعض الحالات الشاذة التى يكون فيها» البظر «أو الشفران مستهجنًا\n_________\n(^١) نشر بمجلة أكتوبر - العدد ٩٣٨ في ١٦/ ١٠/١٩٩٤ م.\n(^٢) نقلًا من «ختان الإناث بين علماء الشريعة والطب» [شبكة] /المؤلف مريم إبراهيم هندي، مدرسة الشريعة بكلية دار العلوم. (ص ٥٩).","vol":"1","page":108},{"text":"لكبره أو غلظه، فإن ذلك ولاشك أكرم لها وأجمل وأقوم من الناحية الجنسية» (^١).\nالدكتوران منير محمد فوزي وحاتم سعد إسماعيل الأستاذان بكلية طب عين شمس قسم النساء والولادة، وقد ذكرا أن دراسات أوروبية وأمريكية أثبتت أن سرطان العضو التناسلي أقل بين النساء المسلمات، وعزَوا ذلك إلى الختان؛ وإن كان الأمر يحتاج دراسات وافية يتم فيها اعتبار جميع عوامل الخلط عند تحليل النتائج (^٢).\nالدكتورة سوسن الغزالي أستاذ الصحة العامة والطب السلوكي بطب عين شمس قدمت بحثًا بتاريخ ٢٧ سبتمبر سنة ١٩٩٧ م إلى (الندوة المصرية فى أخلاقيات الممارسات البيولوجية) التى نظمتها لجنة اليونسكو بجمهورية مصر العربية وأكدت فيه عدم حدوث الأضرار المزعومة لختان الإناث الذى يلتزم به معظم المصريين (^٣).\nالدكتور محمد علي البار (^٤).\nالدكتور حسان شمسي الباشا (^٥).\n_________\n(^١) «الختان» لأبى بكر عبد الرازق (ص ٧١).\n(^٢) أبحاث علمية تؤكد ختان الإناث يحمي من سرطان الرحم [مقالة] /المؤلف منير فوزي وحاتم إسماعيل، أستاذا النساء والتوليد بجامعة عين شمس/جريدة اللواء الإسلامي. - القاهرة: ١٩٩٥.\n(^٣) ختان الإناث بين علماء الشريعة والطب. د. مريم إبراهيم هندي. (ص ٥٩).\n(^٤) انظر «الختان» له (ص ٧٣). وسبقت ترجمته (ص ٢٧).\n(^٥) انظر «أسرار الختان تتجلى في الطب الحديث» له. وهو د. حسَّان وَصْفي شَمْسي باشا، الرئيس السابق لقسم القلب بمستشفى الملك فهد للقوات المسلحة بجُدَّة والخبير بمجمع الفقه الإسلامي الدولي (المنظمة). ولد في حمص سنة ١٩٥١ م ودرس الطب في جامعة حلب، وتخرج عام ١٩٧٥ م. انتخب عام ١٩٩٥ م زميلا للكلية الملكية للأطباء في لندن. له مؤلفات عديدة منها: «كيف تقي نفسك من أمراض القلب» و«أطباء الغرب يحذرون من شرب الخمر» و«قبسات من الطب النبوي والأدلة العلمية الحديثة» و«الإعجاز الطبي في القرآن والسنة» و«أسرار الختان تتجلى في الطب الحديث» و«الطب النبوي بين العلم والإعجاز» و«الدليل الطبي والفقهي للمريض في شهر الصيام» و«مسؤولية الطبيب بين الفقه والقانون» والأخير بالاشتراك مع الدكتور محمد علي البار.","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المطلب الثالث: حد الختان</span>\nأما حد ختان الأنثى في كلام أهل العلم، فقد وقع في ذلك شيء من الاختلاف:\n* فقال بعضهم بأنه قطع جزءٍ من البظر (والذي يظهر لي أنهم قصدوا قُلفته فإن كلامهم يوحي بذلك، وهم لم يكونوا يفرقون بين البظر وقلفته).\n* بينما ذهب آخرون، وهم الأكثر، إلى أن البظر يترك على حاله - فيما يفهم من كلامهم.\nثم إنهم اختلفوا في الحكمة من ختان المرأة، فذهب بعضهم للقول بأنه يحجم الشهوة، وآخرون عللوا النهي عن الإنهاك الوارد في الأحاديث بأنه - أي الإنهاك - يحجم الشهوة، وليس في ذلك تناقض، فقد يقول قائل إن أخذ القليل من البظر يقلل الشهوة ولا يذهبها. ولكننا سنبين - إن شاء الله - أن تعديل الشهوة ليس المقصود الأساسي من الختان، وإن كان قطع القُلْفَة يمنع من الالتهابات التي قد تؤدي عند حصولها إلى إثارة البظر تحتها، مما قد يؤدي إلى زيادة الغُلْمَة بطريقة مرضية (^١). أما الشهوة الفطرية غير المرضية، فإن قطع القُلْفَة قد يكون عامل حفاظ عليها، سيما إذا كانت متضخمة أو ضيقة. وإن المقصود من ترك النهك أو الإنهاك في حديث رسول الله -ﷺ- هو ترك البظر أو النواة من غير قطع حتى لا تتضرر الشهوة.\n_________\n(^١) لا فرق في هذا الشأن بين المرأة والرجل.","vol":"1","page":110},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-39> أقوال أهل العلم ومناقشتها:</span>\nجاء في «أسْنَى المَطَالِب»: «(لا بد من كشف جميع الحَشَفَة في الختان) للرجل بقطع الجلدة التي تغطيها فلا يكفي قطع بعضها ويقال لتلك الجلدة القُلْفَة (و) من (قطع شيء من بظر المرأة) (الخفاض) أي اللحمة التي في أعلى الفرج فوق مخرج البول تشبه عُرْف الدِّيك، وتقليله أفضل؛ روى أبو داود وغيره أنه -ﷺ- قال للخاتنة: «لا تُنهِكِي؛ فإنَّ ذلك أحْظَى للمَرْأة وأحَبُّ للبَعْل» (^١).\nوليس في كلام الشيخ زكريا الأنصَارِيّ (^٢) -﵀- برهان من تدليل أو تعليل على أن البظر ينبغي قطع شيء منه، وليس البظر هو الذي يشبه عُرْف الدِّيك بل قلفته، فلعل هذا هو ما قصده وليس بمستغرب، فإنهم لم يقسموا البظر إلى أقسام، فعبروا عن قلفته بقولهم «شيء من البظر».\nولقد قال النَّوَوِيّ -﵀- في «المَجْمُوع»: «الواجب في المرأة قطع ما ينطلق عليه الاسم من الجلدة التي كعُرْف الدِّيك فوق مخرج البول، وصرح بذلك أصحابنا واتفقوا عليه. قالوا: ويستحب أن يقتصر في المرأة على شيء يسير ولا يبالغ في القطع» (^٣).\n_________\n(^١) «أسْنَى المَطَالِب» للأنصَارِيّ (٤/ ١٦٤). وما بين الأقواس من كلام صاحب «رَوْض الطَّالِب»، شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر اليمني.\n(^٢) هو: أبو يحيى زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصَارِيّ المِصْرِيّ الشافعي، شيخ الإسلام، قاضٍ مفسر، من حفاظ الحديث. ولد في شرقية مصر سنة ٨٢٣ هـ، له تصانيف كثيره، منها: «شرح ألفية العِرَاقِيّ»، «فتح العلام بشرح الإعلام بأحاديث الأحكام»، «تنقيح تحرير اللباب»، و«لب الأصول» اختصره من «جمع الجوامع»، توفي -﵀- سنة ٩٢٦ هـ. راجع ترجمته في: «شَذَرَات الذَّهَب» (٤/ ١٣٤)، «البدر الطالع» (١/ ٢٥٢).\n(^٣) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (١/ ٣٦٦).","vol":"1","page":111},{"text":"فلم يذكر البظر واستعمل لفظ الجلدة وهو الأدق والمناسب لوصف القُلْفَة.\nولقد زاد الأمر إيضاحًا الشيخ الأنصَارِيّ نفسه حيث قال في «الغرر البهية»: «الختان (للأنثى) باسم القطع بمعنى مسماه كما عبر به الحاوي [يريد كتاب الحاوي للماوردي] أي: بما يسمى قطعا من اللحمة بأعلى الفرج فوق مخرج البول تشبه عُرْف الدِّيك، وإذا قطعت بقي أصلها كالنواة» (^١). والنواة التي تبقى إذا قطعت الجلدة التي كعُرْف الدِّيك هي البظر الذي لا يقطع منه شيء.\nإذًا فالذي يظهر أن من قال بقطع شيء من البظر لم يقصد البظر في الحقيقة وإنما قصد الجلدة التي فوقه وهي ليست من البظر بل تعلوه، أما البظر فهو النواة التي تحتها. وسواء كانت هذه الجلدة تعد جزءًا من البظر في اصطلاح بعض الفقهاء أو لا، فإنها ليست كذلك تشريحيًّا ووظيفيًّا، ومهم أن تميز عنه لئلا يحصل الخلط والخطأ.\nوجاء في «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيّ (المتن): «وحكمه [أي الختان] السنية في الذكور وهو قطع الجلدة الساترة، والاستحباب في النساء، ويسمى الخفاض، وهو قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج، ولا ينهك لخبر أم عطية: «اخْفِضِي ولا تُنهِكِي؛ فإنه أسْرَى للوَجْه وأحْظَى عند الزَّوج» أي لا تبالغي. وأسرى أي أشرق للونه، وأحظى أي ألذ عند الجماع؛ لأن الجلدة تشتد مع الذكر مع كمالها فتقوى الشهوة لذلك وإذا لم تكن كذلك فالأمر بالعكس» (^٢).\nلاحظ أنه ينبه على مراعاة الشهوة وأن حفظها مقصود، وكيف لا يكون اشتهاء الزوج مقصودًا ومن صفة نساء الجنة أنهن عرب، أي متوددات إلى أزواجهن. ثم إنه يصف اشتداد الجلدة، ويريد به انتصاب البظر أثناء الملاعبة والجماع، فإنه من المعلوم أن\n_________\n(^١) «الغُرَر البَهِيَّة في شَرْح البَهْجَة الوَرْدِيَّة» للأنصَارِيّ (١/ ١١١).\n(^٢) «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (٣/ ٤٨).","vol":"1","page":112},{"text":"البظر عضو لذة عند المرأة ينتصب كما ينتصب ذكر الرجل، وهو - كما بينا - مقابل له تشريحيًّا ووظيفيًّا وأصلهما في الجنين واحد. ولاحظ أيضًا قوله «أدنى جزء من الجلدة» وذلك مراعاةً لعدم الجور وقطع شيء من البظر، ولاحظ قوله «مع كمالها».\nثم إن الخَرَشِيّ -﵀- (الشارح) استشكل كون الشهوة، والتي أشار إليها الرسول -ﷺ- بقوله: «أحْظَى للزَّوْج» تحصل من اشتداد الجلدة مع كون الختان قطع جزء منها فقال: «(قوله أدنى جزء) أي أقل جزء (قوله ولا تنهكي) بفتح التاء وسكون النون وفتح الهاء (قوله مع كمالها) أي الجلدة أي إذا كانت الجلدة كاملة تشتد وتتقوى ولا يحصل فيها رخو فإن قلت إذا كانت تشتد مع الذكر مع كمالها فالأولى ترك الختان لأجل ازدياد القوة، قلت: الخفاض أمر تعبدي فيفعل ويتحصل بأدنى شيء» (^١).\nلاحظ قوله ويتحصل بأدنى شيء، فهو يرى أن إبقاء الشهوة واللذة عند الجماع مما يحرص عليه، ولذا فهو ينصح بقطع أدنى شيء. ونحن سنبين - بعد قليل - أنه لا إشكال بحمد الله وأن الجزء المقطوع لا يؤثر على الشهوة الفطرية، بل قد يحفظها.\nوذكر ابن القَيِّم أقوالا لأهل العلم في حد الختان في «تُحْفَة المَوْدُود»، فقال: «وقال ابن الصَّبَّاغ (^٢) في «الشامل»: الواجب على الرجل أن يقطع الجلدة التي على الحَشَفَة حتى تنكشف جميعها، وأما المرأة فلها عذرتان: إحداهما بكارتها والأخرى هي التي يجب قطعها، وهي كعُرْف الدِّيك في أعلى الفرج بين الشفرين، وإذا قطعت يبقى أصلها\n_________\n(^١) «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (٣/ ٤٨).\n(^٢) هو: أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد، المعروف بابن الصَّبَّاغ، فقيه شافعي، ولد سنة ٤٠٠ هـ ببغداد وتوفي -﵀- سنة ٤٧٧ هـ بها. كانت الرحلة إليه في عصره، وتولى التدريس بالمدرسة النظامية أول ما فتحت، له من المؤلفات: «الشامل» في الفقه، و«تذكرة العالم» و«العدة» في أصول الفقه. راجع ترجمته في: «وَفَيَات الأعْيَان» (٣/ ٢١٧)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٢٠/ ١٦٧)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الكُبْرَى» (٥/ ١٢٢)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة» لابن قاضي شُهْبَة (٢/ ٢٥١).","vol":"1","page":113},{"text":"كالنواة ... وقال الجُوَيْنِيّ (^١): القدر المستحق من النساء ما ينطلق عليه الاسم قال في الحديث ما يدل على الأمر بالإقلال قال: «أشِمِّي ولا تُنْهِكِي» أي اتركي الموضع أشم والأشم المرتفع، وقال الماوَرْدِيّ (^٢): ... وأما خفض المرأة فهو قطع جلدة في الفرج فوق مدخل الذكر ومخرج البول على أصل كالنواة ويؤخذ منه الجلدة المستعلية دون أصلها» (^٣).\nوهذا كلام نفيس من فقهائنا - ﵏ - وفيه التفريق بين الجلدة المقطوعة وأصلها المتروك الذي يشبه النواة، فإن علمت أن الجلدة المشار إليها هي قُلْفَة المرأة وهي توازي قُلْفَة الرجل (^٤) وأن النواة هي البظر وأنه يقابل الذكر عند الرجل، وأنه يترك كله\n_________\n(^١) هو: أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجُوَيْنِيّ، إمام الحرمين، الفقيه الأصولي النظار، من أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي، ولد في جُوَيْن سنة ٤١٩ هـ له مصنفات كثيرة منها: «غياث الأمم والتياث الظلم»، و«البرهان» في أصول الفقه، و«نهاية المطلب في دراية المذهب» في فقه الشافعية، و«الورقات» في أصول الفقه، توفي -﵀- بنَيْسابُور سنة ٤٧٨ هـ. راجع ترجمته في: «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٨/ ٤٨٦)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الكُبْرَى» (٥/ ١٦٥)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة» لابن قاضي شُهْبَة (٢/ ٢٥٥).\n(^٢) هو: أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوَرْدِيّ، أقضى قضاة عصره، من العلماء الباحثين، أصحاب التصانيف الكثيرة النافعة، ولد في البصرة سنة ٣٦٤ هـ، ووفاته -﵀- ببغداد سنة ٤٥٠ هـ، من كتبه: «أدب الدنيا والدين»؛ و«الحاوي»، و«الإقناع» كلاهما في فقه الشافعية، وغير ذلك. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ١٣٨)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الكُبْرَى» (٥/ ٢٦٧)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة» لابن قاضي شُهْبَة (٢/ ٢٣٠).\n(^٣) «تُحْفَة المَوْدُود» لابن القَيِّم (ص ١٩١ - ١٩٢).\n(^٤)  Pediatric and Adolescent Gynecology [Book] /auth.Emans S.Jean، Laufer Marc R and Goldstein Donald P .. - Philadelphia: Lippincott Williams &amp; Wilkins، ٢٠٠٥. - Fifth.p. ٦٠.","vol":"1","page":114},{"text":"لا يقطع منه شيء - زال العجب وارتفع كل إشكال. فإن الختان من سنن الفطرة ومن تمام الطهارة (^١)، وهذه الجلدة تجتمع تحتها إفرازات ضارة مثل تلك التي تجتمع تحت قُلْفَة الرجل ولكنها دونها (^٢). وهذه الإفرازات تسمى اللخْن (^٣) وقد ثبَت ضررها في الرجال (^٤) والنواة أو البظر هو العضو المسؤول عن الشهوة، وهو لا يقطع منه شيء، فيكون القطع لتحصيل الطهارة في المقام الأول، وإن كانت له فوائد أخرى مترتبة على تحصيلها. ويكون ترك البظر للحفاظ على الشهوة واللذة عند الجماع.\nبقي أن كثيرًا من أجلة علمائنا جعلوا تقليل الشهوة من أهم حِكَم الختان، ولم يذكروا غيرها. قال الإمام ابن تَيمِيَّة -﵀- «مسألة: في المرأة هل تختن أم لا؟ الجواب: الحمد لله، نعم تختن، وختانها: أن تقطع أعلى الجلدة التي كعُرْف الدِّيك. قال رسول الله للخافضة - وهي الخاتنة: «أشمي ولا تنهكي؛ فإنه أبهى للوجه وأحظى لها عند الزوج» يعني: لا تبالغي في القطع، وذلك أن المقصود بختان الرجل تطهيره من النجاسة المحتقنة في القُلْفَة، والمقصود من ختان المرأة تعديل شهوتها، فإنها إذا كانت قلفاء كانت مغتلمة شديدة الشهوة. ولهذا يقال في المشاتمة: يا ابن القلفاء، فإن القلفاء تتطلع إلى الرجال\n_________\n(^١) من معاني الطهارة الشفاء، وفي الحديث «لا بَأْسَ طَهُورٌ إن شاء الله» رواه البخاري، كتاب المناقب باب علامات النبوة في الإسلام. وهو دعاء بالشفاء. وخصال الفطرة - ومنها الختان للجنسين - من الطهارة بمعناها العام، والذي تدخل فيه الطهارة التي هي شرط في صحة الصلاة وغيرها.\n(^٢) فناسب أن يكون التأكيد على ختان الرجال أكثر في الإسلام، فسبحان الذي لا يعزُب عن علمه شيء.\n(^٣)  Smegma\n(^٤) Know the Facts About Circumcision [Journal] /auth.Wisewell Thomas E//Infections Diseases in Children. - Thorofare، NJ.USA: Slack Inc.، ٢٠٠٣١ .\nراجع أيضًا «الختان» للدكتور محمد علي البار (ص ٧٥ - ١٠٢).","vol":"1","page":115},{"text":"أكثر، ولهذا من الفواحش في نساء التتر، ونساء الإفرنج، ما لا يوجد في نساء المسلمين، وإذا حصل المبالغة في الختان ضعفت الشهوة، فلا يكمل مقصود الرجل، فإذا قطع من غير مبالغة حصل المقصود باعتدال والله أعلم» (^١).\nوالحق - كما بينا - أن الختان ليس من أجل تحجيم الشهوة الفطرية، وأن نساء المسلمين إنما عصمهن من الرذيلة وازع التقوى في نفوسهن.\nولقد بينت عند الكلام عن الناحية الطبية أن طول البظر (^٢) ليس له أثر هام في استدعاء الشهوة، وإنما يؤثر البظر في إمكانية وسرعة الوصول إلى الذُِروة متى بدأت مقدمات الجماع. وإن الختان الشرعي - الذي أصاب الإمام في تعريفه - قد يؤثر على الشهوة من ناحيتين:\n١ - منع الغُلْمَة المرضية الناتجة عن التهابات القُلْفَة عند حصولها. ومن المهم بيانه أن ذلك ينطبق على الرجل أيضًا، فإن هذه الالتهابات التي تصيب الحَشَفَة وما تحتها عند الرجل غير المختون تؤدي إلى إثارة رأس الذكر شديد الحساسية، ومن ثم إلى نوع من الشَّبَق المرضي كما هو الحال في المرأة. فلا فرق إذًا في حكمة الختان بين الرجل والمرأة إلا أن يقال إن تجمع البول تحت حَشَفَة الرجل بخلاف المرأة يجعل الختان آكد في حقه.\n٢ - حفظ الشهوة الفطرية وتحسينها، سيما إذا كانت القُلْفَة متضخمة أو ضيقة. كما أقر بذلك عدد من الأطباء. بل ذهب الطبيب راثمان - كما سبق - إلى أن عدم الختان قد يؤدي إلى عدم تحصيل المرأة للذة الجماع، ومن ثم تكون هناك عواقب نفسية واجتماعية سيئة تصل إلى حد الطلاق.\n_________\n(^١) «الفَتَاوَى الكُبْرَى» لابن تَيمِيَّة (١/ ٥١).\n(^٢) لم يقل الإمام ابن تَيمِيَّة -﵀- هنا بقطع البظر أو شيء منه، بل أصاب في تعريف الجزء المقطوع.","vol":"1","page":116},{"text":"أما قوله: «تقطع أعلى الجلدة التي كعُرْف الدِّيك» فصواب ودقيق، وهذه قُلْفَة البظر وقطعها من أجل الطهارة أيضًا كما هو الحال في الرجال، وإنما غاب هذا المعنى عن علمائنا لصغر حجمها، فلم يتخيلوا أنه يتراكم تحتها إفرازات ضارة، فبحثوا عن حكمة للختان فظن بعضهم أنه لتقليل الشهوة حصرًا. ونص الحديث: «أنْضَر للوَجْه وأحْظَى للزَّوْج» يفيد غير ما ذكروا﵏.\nولنراجع حديث رسول الله ثانية حتى تطمئن نفوسنا لما اخترناه:\nقال رسول الله -ﷺ- للخاتنة: «اخفِضي ولا تُنْهِكي؛ فإنه أنْضَرُ للوَجْه وأحْظَى عند الزَّوْج» (^١). وفي روايات: «أشمي».\nوالإشمام هو قطع الشيء اليسير جدًّا، قال ابن مَنْظُور: «وأَشَمَّ الحَجَّامُ الخِتانَ، والخافضةُ البَظْرَ: أَخذا منهما قليلا. وفي حديث النبي، أَنه قال لأُم عطية: «إِذا خَفَضْتِ فَأَشمِّي ولا تَنْهَكي؛ فإِنه أَضْوأُ للوَجْه وأَحْظَى لها عند الزَّوْج» قوله: ولا تَنْهكي: أَي لا تأْخذي من البَظْرِ كثيرًا، شبه القطع اليسير بإِشمام الرائحة، والنَّهْك بالمبالغة فيه، أَي اقطعي بعضَ النَّواةِ ولا تستأْصليها» (^٢).\nونحن نوافق على ما ذكر أولًا ونختلف معه -﵀- في قوله «والخافضة البظر» و«اقطعي بعض النواة» بل إن هناك جلدة فوق البظر وليست منه. وإنما تترك النواة\n_________\n(^١) «الحاكم» كتاب المناقب، باب ذكر الضَّحَّاك بن قيس الأكبر (٣/ ٦٠٣)؛ و«سُنَن أبي دَاوُد» في الأدب، باب ما جاء في الختان (٤/ ٣٦٨). وحسنه ابن حَجَر في «هِدَايَة الرُّواة» (٤/ ٢٤٥) كما ذكر في المقدمة؛ والهَيْثَمِيّ في «مَجْمَع الزَّوَائد» (٥/ ١٧٢)؛ وصححه الألبَانِيّ بطرقه في «صَحِيح الجَامِع» برقم ٢٣٦؛ وضعفه أبو داود في سننه (٤/ ٣٦٨)؛ والعِرَاقِيّ في «تخريج الإحياء» (١/ ٩١)؛ وقال ابن المُلَقِّن في «البَدْر المُنِير» (٨/ ٧٤٩): يروى من طرق، ولكنه ضعفه. ولعل الصواب أنه حسن بمجموع طرقه وشواهده.\n(^٢) «لِسَان العَرَب» لابن مَنْظُور (١٢/ ٣٢٦).","vol":"1","page":117},{"text":"(البظر) كما ذكر ابن الصَّبَّاغ والماوَرْدِيّ وابن القَيِّم والأنصَارِيّ وتقطع الجلدة المستعلية عليها دونها.\nولعل المقصود من الإشمام كما ذكره ابن القَيِّم عن الجُوَيْنِيّ هو ترك موضع القطع عاليًا، واللغة تشهد له، جاء في «مختار الصحاح»: «والشَّمَمُ ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه، ورجل أشَمُّ الأنف وجبل أشم أي طويل الرأس بين الشمم فيهما» (^١).\nوكل ذلك يؤيد ما ذكرناه من أن البظر لا يقطع، وأقوى معتمدنا هو قوله -ﷺ- «أنضَرُ للوَجْهِ وأحْظَى عند الزَّوْج» فأي حظ للزوج في تقليل شهوة المرأة بقطع شيء من بظرها، بل إنها جراء ذلك قد تصاب بالبرودة الجنسية مما يسبب الكثير من المتاعب للزوجين، فلا هي حصلت لها اللذة المقصودة من الجماع، والتي تؤدي إلى وضاءة أو نضارة الوجه - كما جاء في الحديث - ولا الزوج حصل له الرضا بكونه قد كفى زوجته.\nإن مراعاة حق المرأة في المتعة لمن العدل الذي أمرت به شريعتنا وحضت عليه؛ وإن الله قد قال ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ففهم منها ابن عباس -﵁- أن ذلك يشمل كل شيء حتى الزينة فقال -﵁-: «إني أحب أن أَتزين للمرأة، كما أحب أَن تتزين لي المرأة؛ لأَن الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وما أحب أَن أستنظف [أي أستخلص] جميع حقي عليها؛ لأَن اللّه تعالى يقول: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]» (^٢).\nبل إن الله قد علم المؤمنين من آداب الجماع أن يقدموا لأنفسهم بالملاعبة، والتي لها من الفوائد الجنسية والنفسية والعاطفية للمرأة - التي انتبهت إليها العلوم الطبية حديثًا - ما يجعل الإشارة إلى هذا الأمر، الذي ربما يظنه البعض غير ذي أهمية، في كتاب الله من إعجازه، وصدق الله القائل: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].\n_________\n(^١) «مختار الصِّحَاح» للرَّازِيّ (١/ ١٤٦).\n(^٢) انظر «تفسير الطَّبَرِيّ» (٢/ ٤٥٣ - ٤٥٤).","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>المطلب الرابع: حكم العدوان على فرج المرأة</span>\nإن الإسلام هو دين العدل والإحسان وحفظ الحقوق وإنصاف المظلوم، ولقد اتفق فقهاؤنا على أن الإضرار بالمرأة بقطع شفريها جناية توجب الدِّيَة أو القِصاص إن كان ممكنًا. وذهب ابن حَزْم إلى القِصاص أو المفاداة دون الدِّيَة. ولقد عللوا ذلك بأن في قطع الشفرين إذهابا لمنفعة التلذذ بالجماع وتشويهًا لعضو المرأة.\nوهذا عرض ملخص لأقوالهم ﵏:\nقول السادة الحنفية:\nقال ابن عَابِدِين -﵀-: «(قوله وكذا فرج المرأة) قال في الخلاصة ولو قطع فرج المرأة وصارت بحال لا تستمسك البول ففيه الدِّيَة. اهـ. وفي التتارخانية: ولو صارت بحال لا يمكن جماعها ففيه الدِّيَة» (^١).\nقول السادة المالكية:\nقال الباجِيّ (^٢) -﵀-: «وأما شفرا المرأة فروى ابن حَبِيب (^٣) ....................\n_________\n(^١) «حَاشِيَة ابن عابِدِين» (٦/ ٥٧٧).\n(^٢) هو: أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد التُّجِيبِيّ القُرْطُبِيّ البَاجِيّ، علم من أعيان العلماء وممن جمع بين الفقه والحديث، فقيه مالكي حبر ومن رجال الحديث، مولده في باجة سنة ٤٠٣ هـ بالأندلس وتوفي -﵀- بالمرية سنة ٤٧٤ هـ. من كتبه: «إحكام الفصول في أحكام الأصول»، و«الإشارة» في أصول الفقه، و«المُنْتَقَى في شرح مُوَطَّأ مالك»، و«شرح المُدَوَّنَة». راجع ترجمته في: «وَفَيَات الأعْيَان» (٢/ ٤٠٨)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٨/ ٥٣٦)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٢/ ٣٤٤).\n(^٣) هو: أبو مروان عبد الملك بن حَبِيب بن سليمان بن هارون الأندَلُسِيّ القُرْطُبِيّ المالكي، فقيه على مذهب المدنيين، مؤرخ، نسابة، أديب، لغوي، نحوي، عروضي، شاعر، مشارك في غيرها، أصله من طُلَيْطِلَة، وولد في إبيرة سنة ١٧٤ هـ وتوفي -﵀- بالأندلس سنة ٢٣٨ هـ. من تصانيفه الكثيرة: «غريب الحديث»، و«حروب الإسلام»، و«طَبَقَات الفُقَهَاء والتابعين»، و«الواضحة في السُّنَن والفقه»، و«إعراب القرآن». راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ١٦٤)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٢/ ١٠٢)، «الدِّيبَاج المُذْهَب» (١/ ٧).","vol":"1","page":119},{"text":"ومُطَرِّف (^١) وابن الماجِشُون (^٢) إذا سُلَّتا حتى يبدو العظم أن فيهما الدِّيَة، وهو أعظم مصيبة عليها من ذَهاب يديها أو عينيها. روى ابن وَهْب (^٣) أن عمر بن الخطاب -﵁- قضى في ذلك بالدِّيَة» (^٤).\n_________\n(^١) هو: أبو مصعب مُطَرِّف بن عبد الله بن مُطَرِّف بن سليمان بن يسار اليساري الهلالي المدنِيّ، العالم العامل العلم، الناسك السني، ولد سنة ١٣٧ هـ وتوفي -﵀- ٢٢٠ هـ. روى عن: الزبير بن سعيد الهاشمي وعبدالرحمن بن أبي الزناد وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم وعبدالعزيز بن أبي حازم وغيرهم، وروى عنه: الربيع بن سليمان المرادي وعبدالله بن عيسى المدنِيّ وأبوزرعة الرازي وغيرهم. راجع ترجمته في: «طبقات ابن سعد» (٥/ ٤٣٨)، «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ١٥٣)، «تَهْذِيب الكَمَال» (٢٨/ ٧١).\n(^٢) هو: أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله التَّيْمِيّ بالولاء، المعروف بابن الماجِشُون، فقيه مالكي من كبار الفحول الفخام، فصيح، دارت عليه الفتيا في زمانه، وعلى أبيه قبله، أضر في آخر عمره. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ١٥٣)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٣/ ١٦٦)، «الدِّيبَاج المُذْهَب» (١/ ٧)، «شَذَرَات الذَّهَب» (١/ ٢٨).\n(^٣) هو: أبو محمد عبد الله بن وَهْب بن مسلم المِصْرِيّ الفِهْرِيّ، فقيه من الأئمة، من أصحاب الإمام مالك، جمع بين الفقه والحديث والعبادة، له كتب منها: «الجامع» في الحديث، و«المُوَطَّأ» في الحديث، كان حافظًا ثقةً مجتهدًا، مولده ١٢٥ هـ بمصر، ووفاته -﵀- بها سنة ١٩٧ هـ. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ١٥٥)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٣/ ٣٦)، «شَذَرَات الذَّهَب» (١/ ١٤٧).\n(^٤) «المُنْتَقَى شَرح المُوَطَّأ» للباجِيّ (٧/ ٨٥)","vol":"1","page":120},{"text":"قول السادة الشافعية:\nقال الشافعي -﵀-: «وإذا قطعت إسْكَتَا المرأة وهما شفراها، فإن قطعه رجل فلا قِصاص؛ لأنه ليس له مثله فإن قطعته امرأة فعليها القِصاص إن كان يقدر على القِصاص منه إلا أن تشاء العقل فإن شاءته فلها الدِّيَة تامة وفي أحد شفريها إذا أُوعِب نصف الدِّيَة وفي الشفرين الدِّيَة ... وسواء في ذلك المخفوضة وغير المخفوضة ... وسواء في هذا شَفْر الصغيرة والعجوز والشابة لا يختلف وسواء شفر الرَّتْقاء التي لا تؤتى والبكر والثيب تؤتى» (^١).\nقول السادة الحنابلة:\nقال ابن قُدامة -﵀-: «(وفي إسْكَتَي المرأة الدِّيَة) الإسْكَتَان: هما اللحم المحيط بالفرج من جانبيه، إحاطة الشفتين بالفم. وأهل اللغة يقولون: الشفران حاشيتا الإسكتين، كما أن أشفار العين أهدابها. وفيهما دية المرأة إذا قطعا ... لأن فيهما جمالا ومنفعة، وليس في البدن غيرهما من جنسهما، فوجبت فيهما الدِّيَة ... وإن جنى عليهما فأشلهما، وجبت ديتهما، كما لو جنى على شفتيه فأشلهما» (^٢).\nانظر إلى عدم إهمالهم للجمال مع المنفعة.\nقول السادة الظاهرية:\nقال ابن حَزْم -﵀-: «وقال الشافعي في العَفَلة (^٣) إذا بطل الجماع الدِّيَة، وفي ذَهاب الشفرين كذلك. وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم: في الأَلْيَتَين الدِّيَة.\n_________\n(^١) «الأُمّ» للشافعي (٦/ ٧٥).\n(^٢) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٣٦٦).\n(^٣) «والعفَل والعفَلة بالتحريك فيهما شيء يخرج في قبل النساء» «لِسَان العَرَب» (١١/ ٤٥٧).","vol":"1","page":121},{"text":"وكل هذا لا نص فيه ولا إجماع، فلا شيء في ذلك في الخطأ، أما في العمد: فالقِصاص فيما أمكن أو المفاداة فيما كان جرحا وبالله تعالى التوفيق» (^١).\nفانظر - رحمك الله - إلى عدل تلك الشريعة ومراعاتها لحق المرأة في المنفعة، وليس ذلك فحسب، بل حُفِظ حقها في الجمال أيضًا.\n* * *\n_________\n(^١) «المُحَلى» لابن حَزْم (١٠/ ٤٥٨).","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المطلب الخامس: هل تضمن الخاتنة</span>\nالأصل في باب ضمان الطبيب من السنة هو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ تَطَبَّبَ وَلا يُعْلَمُ مِنْهُ طِبٌّ فَهُوَ ضَامِنٌ» (^١).\nوالصواب تضمين الخاتنة عند حصول التقصير أو الإهمال (^٢)، بل وعند خطأ الحاذقة أيضًا إلا أن الضمان يكون هنا على العاقلة (^٣) في قول الجمهور. أما عند تصدر الجاهلة للختن، فتضمن وتعزر كما جاء في تَبْصِرَة الحُكَّام «وينفرد الجاهل بالأدب ولا يؤدب المخطئ» (^٤). وفي «مُصَنَّف ابن أبي شَيْبَة»: «عن يحيى بن أبي كثير، أن امرأة خفضت جارية فأعَنَّتْها، فضمنها علي الدِّيَة» (^٥). وفيه: «عن أبي قلابة أن امرأة كانت تخفض الجواري فأعْنَتَتْ فضمنها عمر وقال: ألا أبقيت كذا» (^٦).\n_________\n(^١) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الديات، باب فيمن تطبب بغير علم فأعنت (٤/ ١٩٥)؛ وهو من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفيها الخلاف المعروف، والعمل عليه عند الفقهاء. وحسنه الألبَانِيّ (انظر «سُنَن أبي دَاوُد بتحقيق مشهور» رقم: ٤٥٨٦).\n(^٢) انظر «بِدَايَة المُجْتَهِد» لابن رُشْد (٢/ ٣١٣).\n(^٣) هذا الكلام في الدية، وإن كان الضمان فيما دون ثلث الدية فهو في مال الطبيب في كل الأحوال التي يضمن فيها، وانظر «زاد المعاد» لابن القَيِّم (٤/ ١٣٩).\n(^٤) «تَبْصِرَة الحُكَّام» لابن فَرْحُون (٢/ ٢٥٢).\n(^٥) «مُصَنَّف ابن أبي شَيْبَة» (٦/ ٣٧٩).\n(^٦) المصدر السابق.","vol":"1","page":123},{"text":"أما إن وقعت الخاتنة في التعدي، فإن القِصاص أو الدِّيَة يلزمانها كما في جناية غيرها. قال الدُّسُوقِيّ -﵀- (^١) في «حاشيته»: «إنما لم يقتص من الجاهل، لأن الغرض أنه لم يقصد ضررًا وإنما قصد نفع العليل أو رجا ذلك وأما لو قصد ضرره فإنه يقتص منه» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) هو: محمد بن أحمد بن عَرَفَة الدُّسُوقِيّ المالكي من علماء العربية، ومن أعيان المالكية، ولد في دسوق بمصر، وتعلم وأقام وتوفي -﵀- بالقاهرة سنة ١٢٣٠ هـ، وكان من المدرسين في الأزهر، له كتب منها: «الحدود الفقهية» في فقه الإمام مالك، وحَاشِيَة على مُغْنِي اللبيب وحَاشِيَة على السعد التَّفْتَازانِيّ، وحَاشِيَة على الشَّرْح الكَبِير على مختصرخليل في الفقه. راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (٦/ ١٧)، «مُعْجَم المؤلفين» لكحَالة (٨/ ٢٩٢).\n(^٢) «حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ على الشَّرْح الكَبِير» (٤/ ٣٥٥).","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>المطلب السادس: هل يقطع من كل النساء</span>؟\nجاء في «عَوْن المَعْبُود»: «واختلف في النساء هل يُخْفَضن عمومًا أو يفرق بين نساء المشرق فيخفضن ونساء المغرب فلا يخفضن لعدم الفضلة المشروع قطعها منهن بخلاف نساء المشرق، قال: فمن قال إن من ولد مختونا استحب إمرار الموسى على الموضع امتثالا للأمر. قال في حق المرأة كذلك ومن لا فلا» (^١).\nوهذا كلامٌ نفيسٌ يراعي اختلاف حجم هذه الجلدة، وإن لم يكن بالضرورة متعلقًا بكون النساء من المشرق أو المغرب، ولكنه صحيح في مجمله؛ وعليه فإن الطبيب الحاذق هو الذي يقرر كم يقطع وهل يقطع (انظر موانع الختان الطبية).\nوهذا يقودنا إلى سؤال آخر وهو:\n_________\n(^١) «عَوْن المَعْبُود» للعَظِيم آبادِي (١٤/ ١٢٣) عند شرح حديث ٤٥٨٧ «اخفضي ...».","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>المطلب السابع: من الذي سيتولى ختن الأولاد والبنات</span>؟\nلا شك أن في نهيه -ﷺ- عن المبالغة بيان إمكان حصول الضرر إذا تصدى لهذا الأمر غير الحاذق؛ ولذا ينبغي أن يترك هذا الأمر في زماننا للأطباء، فهم أعرف بالقدر الذي لا يضر الأنثى قطعه.\nإن أم عطية الخاتنة -﵂- هي ذاتها التي كانت تخرج في الغزوات لتداوي الجرحى، إذًا فهي من أهل التطبيب. وفي زماننا تم تنظيم مهنة التطبيب، ولذلك في الإسلام أصل وإن أول من سن لنا ذلك هو رسول الله -ﷺ- حيث قال: «مَنْ تَطَبَّبَ وَلا يُعْلَمُ مِنْهُ طِبٌّ فَهُوَ ضَامِنٌ» (^١).\nومعنى الحديث يقتضي أن يتدرب الطبيب أولًا تحت إشراف غيره؛ فإنه لا سبيل إلى أن يُعرَف بالطب إلا بالتدرب، فإنه إن عالج من غير تدريب كان متعرضًا للعقوبة إذا أخطأ.\nولذلك فإن المسلمين قد عمِلوا بذلك وكانوا يمتحنون الأطباء قبل إجازتهم بالتطبيب. ذكر صاحب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» (^٢) عن ثابت بن سنان (^٣) أن\n_________\n(^١) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الدِّيَات، باب فيمن تطبب بغير علم فأعْنَتَ (٤/ ١٩٥)؛ وحسنه الألبَانِيّ (انظر «سُنَن أبي دَاوُد بتحقيق مشهور» رقم: ٤٥٨٦).\n(^٢) هو: ابن أبي أُصَيبِعَة موفق الدين أبو العباس أحمد بن القاسم السعدي الخزرجي (٦٠٠ هـ-٦٦٨ هـ).\n(^٣) هو: أبو الحسن، ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة، قال في العيون: كان طبيبًا فاضلًا (ت ٣٦٣) انظر «عيون الأنباء» (ص ٣٠٤).","vol":"1","page":126},{"text":"الخليفة المقتدر العباسي (^١) أمر بمنع سائر المتطببين من التصرف إلا من امتحنه أبوه (^٢).\nولم يكتف المسلمون بمنح الإجازة للطبيب، بل وراقبوه في عمله؛ يقول عبد الرحمن بن نصر الشَّيْزَرِيّ (^٣) في كتابه «نِهَايَة الرُّتبَة في طَلَب الحِسْبَة» وهو يضع الشروط التي ينبغي توافرها في الفصادين والحجامين: «لا يتصدى للفصد إلا من اشتهرت معرفته بتشريح الأعضاء والعروق والعضل والشرايين، وأحاط بمعرفة تركيبها وكيفيتها لئلا يقع المِبْضَع في عرق غير مقصود أو في عضلة أو شريان فيؤدي إلى زمانة العضو (أي مرضه مرضًا مزمنًا) وهلاك المريض، فكثير هلك من ذلك» (^٤).\nلقد ذكر الدكتور البار في كتابه الختان دراسة أجراها الدكتور ياسر جمال وزملاؤه بينت الفرق الكبير في حدوث المضاعفات من عمليات الختان بين الخاتنين الأطباء وغيرهم (^٥).\n_________\n(^١) هو: المُقتَدِر بالله أبو الفضل جعفر بن أحمد بن طلحة ابن المعتضد ابن الموفق الخليفة العباسي ولد في بغداد، وبويع بالخلافة بعد وفاة أخيه المكتفي سنة ٢٩٥ هـ فاستصغره الناس، فخلعوه سنة ٢٩٦ هـ ونصبوا عبد الله بن المعتز، ثم قتلوا ابن المعتز وأعيد المقتدر بعد يومين، فطالت أيامه، وكثرت فيها الفتن. وقتل على أيدي جماعة من المغاربة سنة ٣٢٠ هـ، وكان ضعيفًا مبذرًا، استولى على الملك في عهده خدمه ونساؤه وخاصته. راجع ترجمته في: «تاريخ بغداد» (١٠/ ٩٩)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٥/ ٤٣).\n(^٢) هو: سِنان بن ثابت (ت ٣٣١) «عيون الأنباء» (ص ٣٠٠).\n(^٣) هو: جلال الدين أبو النجيب عبد الرحمن بن نصر بن عبد الله، العَدَوِيّ الشَّيْزَرِيّ، قاضي طَبَرِيَّا شافعي، نسبته إلى قلعة شَيْزَر سكن حلب، له كتب منها: «النهج المسلوك في سياسة الملوك» ألفه للملك الناصر صلاح الدين الأيوبي، و«نِهَايَة الرُّتبَة في طَلَب الحِسْبَة»، توفي -﵀- سنة ٥٩٠ هـ تقريبًا. في راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (٣/ ٣٤٠)، «مُعْجَم المؤلفين» (٥/ ١٩٧).\n(^٤) «نِهَايَة الرُّتبَة في طَلَب الحِسْبَة» تحقيق د. السيد الباز القريني، دار الثقافة، بيروت، الطبعة الثانية ١٩٨١ (ص ٨٩). نقلًا عن «المسؤولية الطبية وأخلاقيات الطبيب» للبار (ص ٣٦).\n(^٥) «الختان» للبار (ص ١٠٧).","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المطلب الثامن: متى يكون القطع</span>؟\nلعل هذا الأمر مما ليس فيه سنة مستقرة ويحمل عليه ما نقله ابن حَجَر (^١) عن ابن المُنذِر حيث قال: «وقال ابن المُنذِر: ليس في الختان خبر يرجع إليه، ولا سند يتبع» (^٢). فإنه لا يتخيل أن يكون ابن المُنذِر يريد بذلك أصل الختان - كما هو واضح من كلام له آخر (^٣) - مع ما جاء فيه من الأحاديث الصريحة في «الصحيحين» وغيرهما، وإنما أراد طريقته ووقته.\nوما جاء من ختن ابن عباس وهو مدرك (^٤) يفيد جواز تأخير ختان الصبي حتى\n_________\n(^١) هو: شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد الكناني المعروف بابن حَجَر العَسْقَلانِيّ، الحافظ، شيخ الإسلام وعلم «الأعلام»، إمام في الفقه وإمام في الحديث والتاريخ واللغة وعلوم شتى. ولد في عسقلان بفِلَسْطِين (حرَّرَها الله) سنة ٧٧٣ هـ وتوفي -﵀- بالقاهرة سنة ٨٥٢ هـ. تصانيفه كثيرة جليلة منها: «فَتْح البَارِي في شرح صَحِيح البُخَارِيّ» و«الدُّرَر الكَامِنَة في أعيان المِائة الثَّامِنَة»، و«لِسَان المِيزان»، و«الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف»، و«الإصابة في تمييز أسماء الصحابة»، و«تهذيب التهذيب»، و«تبصير المنتبه في تحرير المشتبه»، و«تغليق التعليق». راجع ترجمته في: «شَذَرَات الذَّهَب» (٤/ ٢٧٠)، «البدر الطالع» (١/ ٨٧).\n(^٢) «تَلْخِيص الحَبِير» لابن حَجَر (٤/ ١٥٦).\n(^٣) انظر «تُحْفَة المَوْدُود» لابن القَيِّم (ص ١٨٤).\n(^٤) «صَحِيح البُخَارِيّ» في الاستئذان، باب الختان بعد الكبر ونتف الإبط (٥/ ٢٣٢٠). وذهب الإسماعيلي إلى أن زيادة «وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك» قد تكون مدرجة من كلام بعض الرواة، وأن الروايات عن سن ابن عباس وقت قبضه -ﷺ- فيها اضطراب. وانتصر الحافظ في الفتح لعدم الإدراج وعدم الاضطراب، وأن عمره كان ثلاث عشرة سنة. (انظر فتح الباري: ١١/ ٩٠).","vol":"1","page":128},{"text":"مناهزة الاحتلام، وإن كان الواجب، على الصحيح، أن يفعل قبل البلوغ ليبلغ مختونًا، فإن هذا مما لا يتم الواجب إلا به (^١).\nوما جاء من كراهة بعض أهل العلم كمالك والحسن الختان يوم السابع (^٢) لكونه موافقًا لفعل اليهود، فاجتهاد منهم وليست مخالفتهم في كل شيء مستحبة من غير بيان من الشرع.\nوما روى البَيْهَقِيّ عن جابر قال: «عَقَّ رسول الله -ﷺ- عن الحسن والحسين، وختنهما لسبعة أيام» (^٣) ففيه مقال (^٤).\nولذلك سئل الإمام أحمد عن وقت الختان فقال: «لم أسمع في ذلك شيئًا» (^٥).\nوالذي يترجح أن يُفعل قبل البلوغ (^٦)، وكلما كان مبكرًا كان أفضل؛ قال النَّوَوِيّ -﵀-: «يستحب للولي أن يختن الصغير في صغره؛ لأنه أرفق به» (^٧). وكذلك فإن الختان\n_________\n(^١) انظر ترجيح ابن القيم لذلك في «تُحْفَة المَوْدُود» (ص ١٨٠ - ١٨٢).\n(^٢) انظر «تُحْفَة المَوْدُود» لابن القَيِّم (ص ١٨٤ - ١٨٥).\n(^٣) «سُنَن البَيْهَقِيّ» كتاب الأشربة والحد فيها، باب السلطان يكره على الاختتان (٨/ ٣٢٤).\n(^٤) انظر «إرْوَاء الغَلِيل» للألبَانِيّ (٤/ ٣٨٣). ولكن صححه بعض أهل العلم كابن المُلَقِّن في «البَدْر المُنِير» (٨/ ٧٥١). وقد يحتمل التحسين، فإن رجاله ثقات سوى محمد بن أبي السري العسقلاني، تكلم فيه من قبل حفظه.\n(^٥) «تُحْفَة المَوْدُود» لابن القَيِّم (ص ١٨٥).\n(^٦) يتوجه إيجابه، كما رجحنا، عند القائلين بوجوب الختان حتى يبلغ الطفل مختونا، وإن كان الإمام النَّوَوِيّ -﵀- قرر أن المشهور في مذهبهم عدم الوجوب في الصغر. انظر كلامه في «المَجْمُوع» (١/ ٣٦٨).\n(^٧) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (١/ ٣٦٧).","vol":"1","page":129},{"text":"في سن مبكرة يمكن الصغير من تحصيل فوائده كما أكد على ذلك الدكتور البار في كتابه «الختان».\nولقد فضلت الدكتورة ست البنات خالد اختصاصية أمراض النساء والتوليد بجامعة الخرطوم بالسودان إجراء الختان الشرعي للبنات في العمر ما بين ست سنوات إلى عشر، في حالة عدم وجود موانع، كما أوضحت أنه يمكن تأجيله إلى أي سن (^١).\n* * *\n_________\n(^١) من كتاب «ختان الإناث .. رؤية طبية» للدكتورة ست البنات خالد اختصاصية أمراض النساء والتوليد جامعة الخرطوم- السودان.","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المطلب التاسع: موانع ختان الإناث ومضاعفاته</span>\nإن ختان الإناث الذي شرعه الإسلام عملية جراحية (^١) بسيطة ومأمونة إذا أجريت من قبل طبيبة أو قابلة خبيرة ومدربة وكانت الأدوات معقمة. ومضاعفاته نادرة جدًّا ولا تتعدى مضاعفات العمليات البسيطة الأخرى كحدوث نزيف بسيط أو التهابات خفيفة. ولا بد من الكشف الطبي على الطفلة قبل القيام بإجراء الختان.\nإن أهم موانع ختان الإناث تتطابق مع تلك التي تخص الذكور. وهي عدم وجود القُلْفَة عند بعض الإناث والتشوهات الخلقية للجهاز التناسلي ووجود بعض أمراض نزف الدم، أو أن يكون الطفل مريضًا وغير مستقر صحيًّا، ومن أهم موانع الختان عدم وجود الطبيبة المؤهلة (أو الطبيب عند فقدها) للقيام بهذه العملية، وفي هذه الحالة ينصح بتأجيل الختان إلى وقت لاحق.\n* * *\n_________\n(^١) انظر «ختان الإناث ... رؤية طبية» للدكتورة ست البنات خالد اختصاصية أمراض النساء والتوليد جامعة الخرطوم-السودان.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>المطلب العاشر: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى بشأن الختان</span>\nيظهر مما سبق أن الختان السني لم يثبت الطب ضرره؛ ولم يشمر المتخصصون من أطباء المسلمين عن سواعد الجد لبيان فوائده بأبحاث علمية تتسم بالدقة والتجرد، وإن ذكر البعض من الأطباء له فوائد مبنية على المقارنة مع الرجال والنظر في تكوين ووظيفة قُلْفَة البظر أو بعض الدراسات المحدودة.\nأما عن حد الختان، فلقد أيدت المعلومات الطبية قول من قال من فقهائنا - ﵏ - بأن المقطوع في الختان هو قُلْفَة البظر لا البظر ذاته ولا شيء منه. وإن كان الظاهر من كلام من قال من فقهائنا بقطع بعض البظر أنهم عنوا تلك القُلْفَة وجعلوها من البظر. ولكن ليس هناك من الدراسات الموثقة ما يثبت ضرر قطع جزء من البظر، وإنما يظهر أن ذلك ليس المقصود بالختان الشرعي من النظر في تكوين البظر ووظيفته ومقارنة ذلك مع الآثار الواردة في الختان.\nلقد أظهرت الدراسات العلمية ضرر الختان البدعي، والذي يحرمه الإسلام وإن قصر البعض منا في إنكاره وحربه.\nلقد آن أن ننظم عملية ختان البنات، وبتنظيمنا لها نحافظ على صحة بناتنا وسمعة ديننا من غير استسلام لإملاءات الغير علينا. وإنما يكون ذلك بإسناد هذه الممارسة إلى الأطباء وهم أولى بها وأهلها (^١)، وكذلك بإيقاف الأطباء على حقيقة الختان وحده.\n* * *\n_________\n(^١) تم قريبًا منع الدكتورة ست البنات خالد محمد علي من ممارسة الختان الشرعي بأمر من وزارة الصحة السودانية، كما منع الأطباء في مصر من هذه الممارسة، فاللهم ألهم أمتنا رشدها.","vol":"1","page":132},{"text":"المبحث الثاني: الماء المشمس","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>المبحث الثاني: الماء المشمس</span>\nلعل هذه القضية ليست من القضايا الأهم التي نناقشها في بحثنا، ولكنها أول قضية في كتب الفقه - حسب ترتيبها المعروف - يصدق عليها عنوان بحثنا. وكذلك فإن التداخل واضح فيها بين الفقه والطب، ولعل في قول الإمام الشافعي: «ولا أكره الماء المشمس إلا من جهة الطب» أوضح بيان على أحد أنواع التداخل بين الفقه والطب، وهي تلك الحالة التي يكره فيها الفقيه أو يحرم شيئًا لاعتقاد ضرره بجسم الإنسان.\nولقد اختلفت أقوال الفقهاء بشأن الماء المشمس فمن ذاهب إلى الإباحة المطلقة كابن حَزْم (^١) -﵀- وبه صرح ابن قُدامة في «المُغْنِي» (^٢) واختاره النَّوَوِيّ في «المَجْمُوع» (^٣)، وإن كان بين أن المذهب عند الشافعية الكراهة، ولقد ذكر النَّوَوِيّ -﵀- أن القول بعدم الكراهة هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وداود والجمهور.\nوفي هذا الكلام نظر، فلا يُسلَّم أن الجمهور على عدم الكراهة، ففي مذهب المالكية مثلًا، ذكر المَوَّاق (^٤) -﵀- في «التَّاج والإكْلِيل» (^٥) كراهته ونقله عن القاضي\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١/ ٢١١).\n(^٢) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٢٨).\n(^٣) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (١/ ١٣٣ - ١٣٥).\n(^٤) هو: أبو عبد الله المَوَّاق محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغُرْناطِيّ، فقيه مالكي كان عالم غرناطة وإمامها وصالحها في وقته، من كتبه: «التَّاج والإكْلِيل في شَرح مُخْتَصَر خَلِيل»، و«سُنَن المهتدين في مقامات الدين»، توفي -﵀- سنة ٨٩٧ هـ. راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (٧/ ١٥٤)، «مُعْجَم المؤلفين» (١٢/ ١٣٣).\n(^٥) «التَّاج والإكْلِيل» للمَوَّاق (١/ ١١٠).","vol":"1","page":135},{"text":"عياض (^١) ونقل عن القَبَّاب أن الكراهة لعلها من جهة الطب. وأكد الخَرَشِيّ -﵀- في شرحه على «مُخْتَصَر خَلِيل» (^٢) أن «القول بالكراهة قوي» وذكر الخلاف بين أصحاب المذهب فيما إذا كانت مقيدة بالمشمس في أواني الصفر أو غيرها، وذكر أن القَرَافِيّ ذكر خروج هباء من الإناء يتعلق بالجسم فيورث البرص، وذكر عن القَرَافِيّ أيضًا أن هذا لا يكون في آنية الذهب والفضة لصفائهما. وفي «مِنَح الجَلِيل» (^٣)، نقل الشيخ عُلَيْش (^٤) -﵀- الكراهة عن مالك وبين أنه المعتمد عند جمهور المالكية.\nوأما مذهب الحنفية، فقد حرر ابن عَابِدِين -﵀- في «رَدّ المُحتار» (^٥) أن مذهب الحنفية هو الكراهة كالشافعية ورجح أن الكراهة تنزيهية.\n_________\n(^١) هو: أبو الفضل عِياض بن موسى بن عِياض بن عَمْرُون اليَحْصُبِيّ السَّبْتِيّ، القاضي، عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، كان من أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم وأيامهم، ولي قضاء سبتة، ومولده فيها سنة ٤٧٦ هـ، وتوفي -﵀- بمراكش مسمومًا سنة ٥٤٤ هـ، من تصانيفه: «الشفا بتعريف حقوق المصطفى»، و«ترتيب المدارك وتقريب المسالك في معرفة أعلام مذهب الإمام مالك»، و«شرح صَحِيح مُسْلِم». راجع ترجمته في: «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٢٠/ ٢١٣)، «الدِّيبَاج المُذْهَب» (١/ ١٦٨)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٢/ ١٣٨).\n(^٢) «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (١/ ٧٩).\n(^٣) «مِنَح الجَلِيل» للشيخ عُلَيش (١/ ٤٠).\n(^٤) هو: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد عُلَيش الأشعري الشاذلي الأزْهَرِيّ، فقيه متكلم نحوى صرفي بياني فرضي منطقي، من أعيان المالكية، مغربي الأصل، من أهل طرابلس الغرب، ولد بالقاهرة سنة ١٢١٧ هـ، وتعلم في الأزهر، وولي مشيخة المالكية فيه، توفي -﵀- مسجونًا مريضًا بالقاهرة سنة ١٢٩٩ هـ، من تصانيفه: «فتح العلي المالك» وهو مجموع فتاويه، و«مِنَح الجَلِيل على مُخْتَصَر خَلِيل»، و«هداية السالك». راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (٦/ ١٩)، و«مُعْجَم المؤلفين» لكحَالة (٩/ ١٢).\n(^٥) «حَاشِيَة رَدّ المُحتار» لابن عابِدِين (١/ ١٨١).","vol":"1","page":136},{"text":"والحنابلة قد اختلفوا في حكمه وإن كان المذهب عدم الكراهة مطلقًا، ولكن كرهه منهم الآجُرِّي في «النصيحة» والتَّميمِيّ في «الفائق» (^١).\nوهل المشمس بنفسه من غير قصد تشميسه مكروه عندهم؟ خلاف.\nذكر في «المَجْمُوع» (^٢) اعتبار القصد في الكراهة. وذكر ابن عَابِدِين عدم اعتباره (^٣) ونقله عن كتب الشافعية.\nوهم يستثنون المشمس من ماء البرك والأنهار لصعوبة الاحتراز منه وعدم تأثير الشمس فيه (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-48> المناقشة والترجيح:</span>\n* استدل القائلون بكراهة الماء المشمس بالأدلة الآتية:\n١ - ما روي عن عائشة -﵂- قالت: «دخل علي رسول الله -ﷺ- وقد سخنت له الماء في الشمس فقال: لا تفعلي يا حميراء، فإنه يورث البرص» (^٥).\nوالحديث شديد الضعف، وممن ضعفه من أهل العلم النَّوَوِيّ (^٦) الذي لم يحمله مذهبه على ترك الإنْصَاف والتجرد كما هي عادته -﵀-. وضعفه كذلك ابن قُدامة في\n_________\n(^١) «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (١/ ٢٤).\n(^٢) «المَجْمُوع» (١/ ١٣٣ - ١٣٥).\n(^٣) «رَدّ المُحتار» لابن عابِدِين (١/ ١٨١).\n(^٤) «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (١/ ٧٩).\n(^٥) البَيْهَقِيّ في «السُّنَن الكُبْرَى» كتاب الطهارة باب التطهير بالماء المسخن (١/ ٦)، ضعفه.\n(^٦) «المَجْمُوع» (١/ ١٣٣ - ١٣٥).","vol":"1","page":137},{"text":"المُغْنِي (^١) وابن الجَوْزِيّ (^٢) في «التَّحْقِيق في أحَادِيثِ الخِلاف» (^٣).\n٢ - حديث أنس أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: «لا تغتسلوا بالماء الذي يسخن في الشمس فإنه يعدي من البرص» (^٤).\nوهذا أيضًا شديد الضعف لا تقوم به حجة، ولا يصلح للاعتبار، وقد ضعفه من أهل العلم ابن الجَوْزِيّ (^٥) وابن حَجَر (^٦) -رحمهما الله.\n٣ - أثر عن عمر بن الخطاب (^٧) -﵁- وآخر عن ابن عباس (^٨) -﵁- بالنهي عنه.\nكلاهما لا يصح، ولو صحا لم يكن فيهما حجة لاحتمال أن يكونا من قبيل الرأي.\n٤ - ما ذكروه من ضرر طبي.\n_________\n(^١) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٢٨).\n(^٢) هو: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجَوْزِيّ الحنبلي القُرشِيّ البَغْدَادِيّ، علامة عصره في التاريخ والحديث، كثير التصانيف، مولده سنة ٥٠٨ هـ، ووفاته ببغداد سنة ٥٩٧ هـ، له نحو ثلاث مائة مصنف منها: «الأذكياء وأخبارهم»، و«مناقب عمر بن عبد العزيز»، و«المدهش»، و«تلبيس إبليس»، و«المنتظم في تاريخ الملوك والأمم»، و«صيد الخاطر». راجع ترجمته في: «وَفَيَات الأعْيَان» (٣/ ١٤٠)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٢١/ ٣٦٥)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٢/ ٣٢٩).\n(^٣) «التَّحْقِيق في أحَادِيثِ الخِلاف» لابن الجَوْزِيّ (١/ ٥٧).\n(^٤) رواه العُقَيْلِيّ. انظر «تَلْخِيص الحَبِير» (١/ ٢١)، وضعفه فيه ابن حَجَر، وقال في «الدراية» (ص ٢٦): «واهٍ جدًّا».\n(^٥) «التَّحْقِيق في أحَادِيثِ الخِلاف» لابن الجَوْزِيّ (١/ ٦٠).\n(^٦) «تَلْخِيص الحَبِير» لابن حَجَر (١/ ٢١).\n(^٧) رواه الدَّارَقُطْنِيّ في كتاب الطهارة، باب كل طعام وقعت فيه دابة ليس لها دم (١/ ٣٩). وضعفه غير واحد، انظر «إرْوَاء الغَلِيل» (١/ ٥٤)، قال النَّوَوِيّ: ضعيف باتفاق المحدثين «المَجْمُوع» (١/ ١٣٣).\n(^٨) ذكره في «تَلْخِيص الحَبِير» لابن حَجَر (١/ ٢١)، وضعفه.","vol":"1","page":138},{"text":"كما ذكر ذلك الخَرَشِيّ عن القَرَافِيّ في شرحه على «مُخْتَصَر خَلِيل» (^١)، وذكر ابن عَابِدِين أنه قول بعض محققي الأطباء (^٢)، وأنكر الضرر الطبي ابن قُدامة في «المُغْنِي» (^٣) نقلًا عن الأطباء وكذلك النَّوَوِيّ في «المَجْمُوع» (^٤).\nولعله قد ظهر من استعراض أدلة من ذهب إلى الكراهة أنها لا تقوم بها حجة، وأن الأمور على أصل إباحتها ما لم ينتهض دليل لنقلها إلى الكراهة أو التحريم.\n• أما موقف الطب المعاصر من هذه القضية، فإن الأطباء لا يعرفون ضررًا للاغتسال أو الوضوء بالماء المشمس (^٥).\nأما شرب الماء المسخن في أواني الرصاص فربما يكون له ضرر طبي وهو ارتفاع نسبة الرصاص في الدم مما يؤدي إلى مضاعفات قد تؤثر مع تكرار ذلك على الجهاز الهَضْمِيّ والعظمي والعصبي (^٦).\nإن هذا أيضًا يصدق على آنية الصفر لاختلاطها بنسبة من الرصاص في أغلب الأحوال. وإن قول القَرَافِيّ -﵀- بخروج هباء من الآنية وحلوله في الماء (^٧) لحسن دون قوله فإنه يورث البرص.\n_________\n(^١) «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (١/ ٧٩).\n(^٢) «رَدّ المُحتار» لابن عابِدِين (١/ ١٨١).\n(^٣) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٢٨).\n(^٤) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (١/ ١٣٣ - ١٣٥).\n(^٥) نقلا عن «بحوث فقهية في مسائل طبية معاصرة»: (٨٧) للدكتور علي محمد يوسف المحمدي، ينقل رأي الأطباء عن الدكتور خالد الأبياري استشاري الأمراض الجلدية بمستشفى حمد بدولة قطر.\n(^٦)  Lee، Dean A &amp; Hurwitz، Richard L.Childhood lead poisoning: Exposure and prevention.In: UpToDate، Rose، BD (Ed)، UpToDate، Waltham، MA، ٢٠٠٧.\n(^٧) «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (١/ ٧٩).","vol":"1","page":139},{"text":"• بناءً على ما تقدم فالذي يترجح هو إباحة استعمال الماء المشمس في الطهارة بإطلاق، وليس ذلك لأن الطب قد أثبت عدم ضرره، فليس هذا القول مما يتجاسر عليه إلا مغامر، ولكن ذلك لشدة ضعف الآثار المروية (^١) ولعدم ثبوت ضرره طبيًّا، وقد أحسن الإمام الشافعي -﵀- حيث قال: «ولا أكره الماء المشمس، إلا أن يكره من جهة الطب» (^٢) وحيث أنه لم يثبت بعد ضرره من جهة الطب، فالصواب هو القول بإباحة استعماله.\n* * *\n_________\n(^١) «إرْوَاء الغَلِيل» للألبَانِيّ (١/ ٥٤).\n(^٢) ذلك للفرق الكبير بين عدم ثبوت الضرر وثبوت عدم الضرر.","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>المبحث الثالث: الحيض</span>\nوفيه عدة مطالب:\nالمطلب الأول: الدورة الحيضية.\nالمطلب الثاني: أقل سن الحيض.\nالمطلب الثالث: أكثر سن الحيض.\nالمطلب الرابع: مدة الدورة الحيضية.\nالمطلب الخامس: أقل الحيض.\nالمطلب السادس: أكثر الحيض.\nالمطلب السابع: أقل الطهر.\nالمطلب الثامن: أكثر الطهر.\nالمطلب التاسع: المُبْتَدَأة والمُتَحَيِّرَة.\nالمطلب العاشر: الصفرة والكُدْرَة.\nالمطلب الحادي عشر: حيض الحامل والدم يكون قبيل الولادة.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>المطلب الأول: الدورة الحيضية</span>\nالحيض دم يرخيه رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة (^١). وللحيض أسماء كثيرة منها الطَمْث والعِرَاك والإِكْبَار والإِعْصَار والنِّفَاس والدِّراس، فيقال حاضت أو طمثِت أو عَرِكت أو أَكْبَرَت أو أَعْصَرت أو نَفِسَت أو دَرَسَت (^٢). وأصله من السيلان ولذلك سمي الحوض حوضًا لكون الماء يسيل إليه (^٣).\nواحترزوا بقولهم يرخيه الرحم عن الدم الذي يخرج من غير الرحم. والبعض يقول من قعر الرحم ليميزه عن الدم الذي يخرج من العرق الذي يسمى العاذل وهو في فم الرحم (^٤). وهو العرق الذي يسيل فيسبب الاستحاضة، أو - على الصحيح- أحد حالاتها.\nواحترزوا بقولهم في أوقات معتادة عن دم الاستحاضة الذي يعرفونه بأنه دم يخرج في غير أوقاته (^٥).\nوالحيض يقع للنساء بين البلوغ والإياس مرةً كل شهر قمري في الأغلب.\n_________\n(^١) «المَجْمُوع» (٢/ ٣٧٩) نقلًا عن الأزْهَرِيّ.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) «لِسَان العَرَب» (٧/ ١٤٢ - ١٤٣).\n(^٤) «المَجْمُوع» (٢/ ٣٧٩).\n(^٥) المصدر السابق.","vol":"1","page":143},{"text":"•\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>مقدمة طبية:</span>\nومن جهة الطب فإن هذا ما يحصل للمرأة في دورتها الشهرية.\nيقرر أكثر الأطباء أن متوسط الدورة الشهرية (٢٨) يومًا، ونحن سنبين أن الأصل في فطرة الإنسان كونها تأتي مرة كل شهر قمري (^١).\nويقسم الأطباء الدورة إلى مرحلتين: ما قبل التبويض (^٢)، وما بعد التبويض.\n\n(١) حيض - (٧) نمو بطانة الرحم - (١٤) التبويض - تسارع في نمو البطانة ثم تباطؤ - (٣٠) حيض\n\n(١) أول يوم من أيام نزول الدم.\n(٧) اليوم السابع لنزول الدم وهو أقصى الحيض في العادة، وبعدها يبدأ جدار الرحم في النمو.\n(١٤) اليوم الرابع عشر من أول يوم لنزول الدم هو في العادة يوم التبويض، والذي لو صادفه الجماع أو كان قبله أو بعده بيومين، يرجى حصول الإخصاب. (٣٠) اليوم الثلاثون أو الواحد والثلاثون (على اعتبار الدورة شهرًا)، وفيه يبدأ الحيض الجديد بتساقط بطانة الرحم التي لم تأتها هرمونات محفزة لعدم حصول الإخصاب.\nفي الرسم أعلاه توضيح للدورة المنتظمة، ولو بدأنا من الحيض لقلنا إن جدار الرحم بعدما يتم نموه، ولا تأتيه إشارة هرمونية بوقوع الحمل، يبدأ تدفق الدم إليه يقل، وفي خلال يومين أو ثلاثة ما بين (٢٧ - ٢٩) يقل التدفق لدرجة تؤدي إلى بداية تساقط بطانة جدار الرحم (^٣) في اليوم الثلاثين أو الواحد والثلاثين.\n_________\n(^١) انظر كلامنا عن مدة الدورة الحيضية.\n(^٢)  Ovulation\n(^٣) Endometrium","vol":"1","page":144},{"text":"مرحلة الحيض:\nتمتد مرحلة الحيض ما بين ثلاثة أيام إلى سبعة في المعتاد، وفيها تتساقط بطانة جدار الرحم فيما يعرف بالحيض، وهو دم مختلط بأنسجة هذه البطانة، وهو لا يتجلط إذا خرج لأنه قد سبق له التجلط وذوبان الجلطة داخل الرحم.\nالمرحلة التشعبية (^١):\nوتبدأ بعد انتهاء الحيض وتمتد إلى التبويض الذي يقع في اليوم الرابع أو الخامس عشر من الدورة.\nوفي هذه المرحلة تنضَج الحويصلة المِبْيَضية وتفرز هرمون الأنوثة (^٢) الذي يشجع بطانة الرحم على النمو، تهيئةً للرحم لاستقبال البُيَيْضَة الملقحة وحصول الحمل.\nالتبويض (^٣):\nتخرج البُيَيْضَة (^٤) من الحويصلة في اليوم الرابع عشر أو الخامس عشر، فإن تم تلقيحها بحيوان منوي وانغراس اللقيحة (^٥) في جدار الرحم حصل الحمل، وإلا ماتت البُيَيْضَة في خلال يوم واحد.\n_________\n(^١)  Proliferative Phase\n(^٢) Dominant Ovarian Follicle\n(^٣) Ovulation\n(^٤) Ovum\n(^٥) Fertilized Ovum","vol":"1","page":145},{"text":"المرحلة الإفرازية (^١):\nبعد خروج البُيَيْضَة من الحويصلة المِبْيَضية يستمر إفراز هرمون الأنوثة (الإستروجين) مما يسمى الآن بالجسم الأصفر (^٢)، وهو الحويصلة بعد مغادرة البُيَيْضَة لها ويزداد على هرمون الأنوثة هرمون آخر وهو البروجيستيرون (^٣)، وهو يؤدي إلى زيادة إفرازات الغدد في بطانة الرحم ويجعلها منتفخة ومتعرجة وكل ذلك لمصلحة المشيمة والحمل. ويبقى إفراز هرمون البروجيستيرون حتى اليوم السابع والعشرين من الدورة وبعدها، فإن لم يكن حصل حمل يتوقف عن الإفراز وتبدأ بطانة الرحم في المعاناة من قلة تدفق الدم لها بسبب نقص الهرمونات، ومن ثم تبدأ هذه البطانة في التساقط في اليوم الثلاثين أو الواحد والثلاثين، وبذلك تبدأ فترة حيضية (^٤) جديدة.\nإن هذه المراحل المختلفة تستغرق أوقاتًا تتفاوت بين امرأة وأخرى، وإن ما ذكرناه هو المتوسط أو الأغلب في النساء، واخترنا أن مدة الدورة تسعة وعشرون يومًا أو ثلاثون موافقةً للحديث، وسنبين في مبحث مدة الدورة الحيضية أنه الموافق للفطرة كذلك.\nأما المرحلة الحيضية فإنها تستمر في الأغلب ما بين ثلاثة إلى سبعة أيام (^٥)، وقد يقل الحيض فيكون دَفعة واحدة أو يزيد فيستمر من غير تحديد لأكثره عند الأطباء (^٦)، إلا\n_________\n(^١)  Secretory Phase\n(^٢) Corpus Luteum\n(^٣) Progesterone\n(^٤) Menstrual Phase\n(^٥) Goodman، Annekathryn.Definition Of Abnormal Uterine Bleeding.In: UpToDate، Rose، BD (Ed)، UpToDate، Waltham، MA، ٢٠٠٧.\n(^٦)  انظر مبحَثَي أقل الحيض وأكثره.","vol":"1","page":146},{"text":"أنهم يجعلون الزيادة فوق سبعة أيام مرضية ويتفقون على كونها مرضية وتستدعي الفحص إذا كانت فوق عشرة أيام (^١).\nأما المرحلة التشعبية، وهي ما بين الحيض إلى التبويض، فتتفاوت بين النساء، فإذا انضم لها زمن الحيض فتكون نصف شهر في الأغلب. ولكن التفاوت في هذه المرحلة الأولى، وهي مرحلة ما قبل التبويض، كثير جدًّا، فقد تقل إلى يوم أو اثنين وتزيد لتكون قريبة من الشهر، وهذا بخلاف مرحلة ما بعد التبويض وهي ثابتة حول الأسبوعين كما يقرر الأطباء مع زيادة يوم أو نقصانه. وقد تحصل على وجه الندرة زيادة فوق اليوم أو نقصان (^٢). ولعل هذا يبين صواب من قال من فقهائنا إن أقل الطهر ١٥ يومًا (١٤ إفرازية +١ تشعبية).\nيتبين لنا من الكلام عن الدورة الحيضية أن الدم الذي يخرج من رحم المرأة في الحيض إنما هو دم مختلط بأنسجة بطانة الرحم، وهذا الذي يؤدي إلى اختلافه عن الدم العادي أو دم الاستحاضة.\nومن هذه الخلافات أنه:\n• ثخين، وهو متوقع لاختلاطه بالأنسجة.\n• وأسود متخثر، وهو متوقع لنفس السبب ولبقائه فترة داخل الرحم قبل الخروج.\n• ولا يتجلط إذا خرج، وذلك لأنه تجلط داخل الرحم وذابت الجلطة بالفعل.\n_________\n(^١)  Goodman، Annekathryn.Definition Of Abnormal Uterine Bleeding.In: UpToDate، Rose، BD (Ed)، UpToDate، Waltham، MA، ٢٠٠٧.\n(^٢) De Silva، Nirupama K &amp; Zurawin، Robert K.Definition and evaluation of abnormal uterine bleeding in adolescents.In: UpToDate، Rose، BD (Ed)، UpToDate، Waltham، MA، ٢٠٠٧.","vol":"1","page":147},{"text":"• وله رائحة منتنة، للأسباب السابقة.\n• ويكون، في الأغلب، ما بين العشرين إلى الثمانين مليلترًا في فترة الحيض كلها.\nوإنك تجد مصداق هذا في حديث رسول الله -ﷺ-: «إنَّ دَمَ الحَيضِ أسْوَد يُعرَفُ (أو يَعْرِفُ)» (^١). وضُبِطت (يعرف) بضم الياء أي معروف للنساء وبفتحها مع كسر الراء أي له رائحة.\nأما دم الاستحاضة، فإن تعريف الاستحاضة هو خروج الدم في غير وقته، وهذا الدم الذي يخرج في غير وقته قد يكون في صفته موافقًا للدم العادي الطبيعي، فيكون أحمر رقيقًا يتجلط عند خروجه، وهذا عندما يكون سبب الاستحاضة نزيفًا من عروق، كما جاء في حديث رسول الله -ﷺ- لفاطمة بنت أبي حُبَيْش: «إنما ذَلِك عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ، فإذا أَقْبَلَتْ الحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلاةَ، فإذا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلي» (^٢).\nولكن الدم قد يكون في صفته موافقًا لدم الحيض، ويكون في حكمه استحاضةً، لتجاوزه قدر الحيض أو بقائه من غير انقطاع. ولذلك فإن الرسول -ﷺ- لم يرد كل النساء إلى التمييز، بل رد بعضهن إليه والبعض إلى العادة وأخريات إلى أغلب عادة النساء، ولو كان كل دم استحاضة متميزًا عن دم الحيض لردهن جميعًا إلى التمييز، سواءٌ ميزت بنفسها أو ساعدتها في ذلك إحدى قريباتها من النساء الخبيرات.\n• إن أسباب سيلان الدم لفترات طويلة كثيرة؛ منها: اضطرابات الهرمونات التي تؤدي إلى تساقط بطانة الرحم، فيكون الدم غير متميز عن دم الحيض؛ ومنها: الأورام الليفية؛ وأمراض عدم تجلط الدم، وفي هذه الحالات، يكون دم الاستحاضة مخالفًا في صفته لدم الحيض وأقرب إلى دم العِرق.\n_________\n(^١) «السُّنَن الكُبْرَى» للنَّسَائيّ، كتاب الطهارة، باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة (١/ ١١٣).\n(^٢) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الحيض، باب الاستحاضة (١/ ١١٧)، «صَحِيح مُسْلِم» كتاب الحيض، باب المستحاضة (١/ ٢٦٢).","vol":"1","page":148},{"text":"• ومن الأمور الطبية المهم معرفتها للمفتي، الأعراض المصاحبة للحيض، فإن معرفة النساء لهذه الأعراض تساعدهن في تمييز الحيض من الاستحاضة، أو تمييز بداية الدورة الحيضية.\nوهذه الأعراض تشمَل (^١):\n١ - آلام وتقلصات بالبطن والظهر.\n٢ - انتفاخ بالأثداء.\n٣ - توتر في الأعصاب، وربما اكتئاب.\n٤ - الصداع.\n٥ - ضعف الرغبة الجنسية.\n٦ - انخفاض درجة حرارة الجسم بدرجة مئوية كاملة.\nوفي التفريق بين الحيض والاستحاضة قيل:\nباللون والريح وبالتألُّم ... ورقة وغلظة مَيْز الدم\nإنه بالإضافة إلى هذه الأعراض، فإن الطب الحديث يستطيع - عند تيسره - المساعدة في تمييز المراحل المختلفة للدورة الحيضية عبر قياس الهرمونات في الدم (^٢).\n• إن استخدام هذه التقنيات - عند تيسرها - من شأنه أن يرفع الالتباس في كثير من هذه الحالات التي يصعب فيها على المرأة تمييز الحيض من الاستحاضة، أو تمييز بداية الحيض إن كانت ممن يحيض أيامًا ويطهر أيامًا.\n_________\n(^١) انظر «خلق الإنسان بين الطب والقرآن» للبار (ص ١٣٥).\n(^٢) انظر «المرجع في الفزيولوجيا الطبية» (ص ٩٢٩).","vol":"1","page":149},{"text":"• إن الطب الحديث يستطيع أن يرسِم للمرأة خريطة بدورتها الحيضية عن طريق الأعراض المختلفة لبداية الحيض ودرجة حرارة الجسم التي تقل مع بداية الحيض وتزيد مع التبويض وكذلك الهرمونات التي تختلف مقاديرها في الدم حسب المرحلة التي تمر بها المرأة من دورتها الحيضية.\n\n[٣] رسم توضيحي للتغيرات الهرمونية المصاحبة للحيض\nولكن الطب - كما سنبين في أكثر الحيض - لا يستطيع أن يفرق دائمًا بين الحيض والاستحاضة، لأن دم الاستحاضة قد يكون كدم الحيض في بعض الأحوال، وإن اعتبره الأطباء مرضيًّا؛ والفقهاء خارجًا عن العادة، ولا تترتب عليه أحكام الحيض.\n* * *","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المطلب الثاني: أقل سن الحيض</span>\n* ذهب جمهور الفقهاء إلى أن أقل سنٍّ تحيض له المرأة هو تسع سنين، وهذا هو قول أكثر الحنفية (^١) والمالكية (^٢) والشافعية (^٣) وأكثر الحنابلة (^٤).\n* وذهب البعض إلى كونه ست سنين وبعضهم قال سبع، والقولان لبعض الحنفية (^٥).\n* وذهب بعض الحنابلة إلى كونه عشر سنين، وقال بعضهم: اثنتا عشرة سنة (^٦).\nوذهب ابن حَزْم (^٧) وابن تَيمِيَّة (^٨) إلى أنه لا حد لأقله، وهذا قول الدَّارِمِيّ (^٩) (^١٠) أيضًا.\n_________\n(^١) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣/ ١٥٠).\n(^٢) «حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ» (١/ ١٦٩).\n(^٣) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٤٠٢).\n(^٤) «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (١/ ٢٦٥).\n(^٥) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣/ ١٥٠).\n(^٦) «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (١/ ٢٦٥).\n(^٧) «المُحَلى» لابن حَزْم (١/ ٤١٦).\n(^٨) «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (١/ ٣٥٦).\n(^٩) هو: أبو الفرج محمد بن عبد الواحد الدَّارِمِيّ البَغْدَادِيّ، من العلماء بفقه الشافعية والحساب، مولده ببغداد سنة ٣٥٨ هـ، ووفاته -﵀- بدمشق سنة ٤٤٩ هـ، تفقه على أبي الحسين الأردبيلي وعلى الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وكان إمامًا بارعًا مدققًا حاد الذهن له مصنفات منها: «السنن»، و«الرد على الجهمية»، و«جَامع الجَوَامِع ومَوْدِع البَدَائع»، و«الاسْتِذْكَار»، و«كتابًا في أحكام المتحيِّرة». راجع ترجمته في: «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الكُبْرَى» (٤/ ١٨٥)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة» لابن قاضي شُهْبَة (٢/ ٢٣٤)\n(^١٠) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٤٠٢).","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>عرض الأقوال:</span>\nقول السادة الحنفية:\nقال السَّرَخْسِي (^١) -﵀-: «ومن الدماء الفاسدة ما تراه الصغيرة جدًّا؛ لأنه سبق أوانه فلا يعطى له حكم الصحة إذ لو جعلناه حيضًا حكمنا ببلوغها به ضرورة، وذلك محال في الصغيرة جدًّا واختلف مشايخنا في أدنى المدة التي يجوز الحكم فيها ببلوغ الصغيرة، فكان محمد بن مُقَاتِل الرَّازِيّ (^٢) رحمه الله تعالى يقدر ذلك بتسع سنين؛ لأن النبي -ﷺ- بنى بعائشة -﵂-، وهي بنت تسع سنين، والظاهر أنه بنى بها بعد البلوغ، وكان لأبي مُطِيع البَلْخِيّ (^٣) ابنة صارت جدة، وهي بنت تسع عشرة سنة حتى قال: فضحتنا هذه الجارية. ومن مشايخنا من قدر ذلك بسبع سنين لقوله -ﷺ-: «مروهم بالصلاة إذا بلغوا سبعا»، والأمر حقيقة للوجوب، وذلك بعد البلوغ. وسئل أبو نصر محمد بن سَلَّام (^٤)\n_________\n(^١) هو: أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السَّرَخْسِيّ، شمس الأئمة، من فحول العلماء، قاض من كبار الأحناف، مجتهد من أهل سَرَخْس في خُراسان، أشهر كتبه: «المَبسُوط» في الفقه، و«الأصول» في أصول الفقه، و«شرح مختصر الطَّحَاوِيّ»، سكن فرغانة إلى أن توفي -﵀- بها سنة ٤٨٣ هـ. راجع ترجمته في: «الجَوَاهِر المُضِيَّة» (٣/ ٧٨).\n(^٢) هو: محمد بن مُقاتِل الرَّازِيّ، قاضي الرَّيّ، من أصحاب محمد بن الحسن، من طبقة سليمان بن شعيب وعلي بن معبد روى عن أبي المُطِيع، وحدث عن وكيع وطبقته. راجع ترجمته في: «الجَوَاهِر المُضِيَّة» (٣/ ٣٧٢)، «مُعْجَم المؤلفين» لكحَالة (١٢/ ٤٥).\n(^٣) هو: أبو مُطِيع الحكم بن عبد الله البَلْخِيّ، الفقيه، صاحب أبي حنيفة، وصاحب كتاب الفقه الكبر، ولي قضاء بلخ وحدث عن ابن عروف وجماعة، قال أبو داود: كان جهميًّا تركوا حديثه، وبلغنا أن أبا مُطِيع كان من كبار الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. راجع ترجمته في: «الجَوَاهِر المُضِيَّة» (٤/ ٨٧)، «شَذَرَات الذَّهَب» (١/ ٣٥٧).\n(^٤) هو: محمد بن سلَّام البَلْخِيّ، من علماء الحنفية، من أقران أبي حفص الكبير. راجع ترجمته في: «الجواهر المضية» (٣/ ١٧١).","vol":"1","page":152},{"text":"رحمهما الله تعالى عن ابنة ست سنين إذا رأت الدم هل يكون حيضًا؟ فقال: نعم، إذا تمادى بها مدة الحيض، ولم يكن نزوله لآفة. وأكثر المشايخ على ما قاله محمد بن مُقَاتِل رحمه الله تعالى لأن رؤية الدم فيما دون ذلك نادر ولا حكم للنادر» (^١).\nقول السادة المالكية:\nقال الدَّرْدِير -﵀-: «(من قُبُل من تحمِل عادةً) احترز به عن الخارج من الدبر أو من ثقبة والخارج بنفسه من صغيرة وهي ما دون التسع» (^٢).\nقول السادة الشافعية:\nقال النَّوَوِيّ -﵀-: «(أما حكم المسألة) ففي أقل سن يمكن فيه الحيض ثلاثة أوجه: الصحيح: استكمال تسع سنين، وبه قطع العِرَاقِيّون وغيرهم، والثاني: بالشروع في التاسعة، والثالث: بمضي نصف التاسعة، والمراد بالسنين القمرية، والمذهب الذي عليه التفريع استكمال تسع، وهل هي تحديد أم تقريب؟ وجهان ... ثم إن الجمهور لم يفرقوا في هذا بين البلاد الحارة والباردة وفيه وجه حكاه إمام الحرمين عن حكاية والده أنه إذا وجد الدم لتسع سنين في البلاد الباردة التي لا يعهد في أمثالها مثل ذلك فليس بحيض، والمذهب: الأول» (^٣).\nقول السادة الحنابلة:\nقال ابن مُفْلِح -﵀-: «فَصْلٌ: ولا حيض قبل تمام تسع سنين، وقيل عشر، وعنه اثنتي عشرة؛ قيل تقريب، وقيل تحديد» (^٤).\n_________\n(^١) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣/ ١٥٠).\n(^٢) «حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ على الشَّرْح الكَبِير» (١/ ١٦٩). وما بين الأقواس من كلام خليل -﵀- صاحب «المختصر».\n(^٣) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٤٠٢).\n(^٤) «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (١/ ٢٦٥ - ٢٧٥).","vol":"1","page":153},{"text":"قول السادة الظاهرية:\nقال ابن حَزْم -﵀-: «فإن رأت الجارية الدم أول ما تراه أسود فهو دم حيض، كما قدمنا، تدع الصلاة والصوم ولا يطؤها بعلها أو سيدها» (^١).\nوالحاصل أن الفقهاء يحددون للحيض والبلوغ سنًا أدنى لا تصح دعوى البلوغ قبله، ويختلفون في تحديد ذلك.\nوفي الموسوعة الفقهية تلخيص حسن، فنذكره للفائدة:\n«السن الأدنى للبلوغ الذي لا تصح دعوى البلوغ قبله في الذكر: عند المالكية والشافعية باستكمال تسع سنين قمرية بالتمام، وفي وجه آخر للشافعية: إذا مضى نصف التاسعة، ذكره النَّوَوِيّ في شرح المُهَذَّب. وعند الحنفية: اثنتا عشرة سنة. وعند الحنابلة: عشر سنين ...\nوالسن الأدنى للبلوغ في الأنثى: تسع سنين قمرية عند الحنفية، والشافعية على الأظهر عندهم، وكذا الحنابلة، لأنه أقل سن تحيض له المرأة، ولحديث: «إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة» (^٢). والمراد حكمها حكم المرأة.\nوفي رواية للشافعية: نصف التاسعة، وقيل: الدخول في التاسعة، ولأن هذا أقل سن لحيض الفتاة.\nوالسن الأدنى للبلوغ في الخنثى: تسع سنين قمرية بالتمام ..» (^٣).\n_________\n(^١) «المُحَلى» لابن حَزْم (١/ ٤١٦).\n(^٢) الحديث موقوف عن عائشة -﵂-. «سُنَن التِّرْمِذِيّ» كتاب النكاح، باب ما جاء في إكراه اليتيمة على التزويج (٣/ ٤١٧).\n(^٣) «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (٨/ ١٩٢ - ١٩٣).","vol":"1","page":154},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-54> المناقشة والترجيح:</span>\n* ومستند الجمهور هو قول عائشة -﵂-: «إذا بَلَغَت الجَارية تِسْع سِنين فَهِي امْرَأة» (^١). وقد روي مرفوعًا، ولا يصح المرفوع (^٢). وكذلك قالوا: إن رسول الله -ﷺ- بنى بعائشة وهي بنت تسع سنين، والظاهر أنه بنى بها بعد البلوغ (^٣).\nوليس لهم دليل سوى ذلك والوقوع: قال في «المَبسُوط»: «وكان لأبي مُطِيع البَلْخِيّ ابنةٌ صارت جدةً وهي بنت تسعةَ عشرةَ سنة حتى قال: فضحتنا هذه الجارية» (٣).\n* ومستند من قال بالسبع هو قوله -ﷺ-: «مُرُوا أولادَكُم بالصَّلاةِ وهُم أبناءُ سَبْع سِنين» (^٤).\nقال في «المَبسُوط»: «ومن مشايخنا من قدر ذلك بسبع سنين لقوله -ﷺ-: «مروهم بالصلاة إذا بلغوا سبعًا»، والأمر حقيقة للوجوب وذلك بعد البلوغ» (^٥).\n* وليس لمن قال بالست أو الاثنتي عشرة مستندٌ سوى الوقوع.\n* أما من قال بالعشر، وهم بعض الحنابلة، فلم يذكروا مستندًا، ولكن يمكن أن يستدل لقولهم بقوله -ﷺ- في حديث أمر الأولاد بالصلاة السابق: «واضْرِبُوهم\n_________\n(^١) «سُنَن التِّرْمِذِيّ» كتاب النكاح، باب ما جاء في إكراه اليتيمة على التزويج (١٣/ ٤١٧).\n(^٢) انظر: «إرْوَاء الغَلِيل» (١/ ١٩٩).\n(^٣) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣/ ١٥٠).\n(^٤) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة (١/ ١٣٣). وقال الألبَانِيّ: «حسن صحيح». انظر: «سُنَن أبي دَاوُد» بتحقيق مشهور، رقم: (٤٩٥). لعله أقرب إلى الحسن لأنه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والأرجح فيها التحسين.\n(^٥) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣/ ١٥٠).","vol":"1","page":155},{"text":"عَليها وهُم أبْناء عَشْرٍ ...»، وهذا الحديث أدل على العشر منه على السبع لكون الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به، ومعلومٌ أن المقصود تعويدُهم على الصلاة، وإلا فإنهم لا يُعاقَبون على التفريط فيها إذا كانوا دون العَشْر، لأن العشرَ هي مَظِنَّة البلوغ لا السبع.\n* أما القائلون بعدم التحديد، فمستندهم عدم وجود الدليل المحدد، وهو صحيح، فإن قول عائشة إنما هو رأي منها لم ترفعه لمبلِّغ الوحي -ﷺ-، ولعلها -﵂- لم تر من حاضت من النساء دون ذلك، ورأت من حاضت في سن التاسعة.\nوقد بينا خطأ الاستدلال على السبع بالأمر بالصلاة، أما العشر فلا يشترط من كون الأطفال يُضرَبون على ترك الصلاة عندها أنه لا تحيض النساءُ قبلها.\nوالعبرة في كل ذلك بالاستقراء والوجود، قال النَّوَوِيّ -﵀-: «قال الدَّارِمِيّ بعد أن ذكر الاختلافات: كل هذا عندي خطأ، لأن المرجع في جميع ذلك إلى الوجود، فأي قدر وجد في أي حال وسن كان، وجب جعلُه حيضًا والله أعلم» (^١).\n_________\n(^١) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٤٠٢).","vol":"1","page":156},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-55> رأي الطب وأثره على الترجيح:</span>\nإن كلام الدَّارِمِيّ ومن بعده ابن حَزْم وابن تَيمِيَّة - رحم الله الجميع - وجيه موافق للواقع، فإن المعارف الطبية الحديثة تفيد أن أكثر النساء يبلغن ما بين الثانيةَ عشرةَ والرابعةَ عشرةَ بمتوسط عمري قدره (١٢. ٧٥) سنة، وفي الذكر يتأخر البلوغ عن الإناث بنحو عام أو اثنين (^١). ولكن يختلف سن البلوغ اختلافًا كبيرًا من شخصٍ لآخرَ ومن بيئةٍ لأخرى؛ وهناك حالات يكون البلوغ فيها مبكرًا، بل إن فتاةً في بيرو بأمريكا الجنوبية قد حملت وولدت وعمرها آنذاك خمسة أعوام ونصف (^٢).\nوليس البلوغ دون التاسعة بتلك الندرة، بل إن الأطباء لا يعتبرون البلوغ مرضيًا متى بلغت الفتاة سبعة أو ثمانية أعوام (^٣)، فإن كانت دون ذلك، ينظر في حالتها للتأكد من خلوها من أورام أو أمراض تؤدي للبلوغ المبكر، وفي أكثر الحالات لا يكون ثمة مرض (^٤).\n_________\n(^١)  Nelson text book of Pediatrics، ١٥ th Ed، Page ١٥٧٩.\n(^٢) Nelson Textbook of Pediatrics، ١٥ th Ed، Page ١٥٧٩ - ١٥٨٠.\nوانظر أيضًا «دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة» لمجموعة من العلماء، «بحث الحيض والنفاس والحمل بين الفقه والطب» (ص ١٣٧ - ١٤٢). وذكر فيه د. عمر الأشْقَر أن طفلة ظهرت عليها علامات البلوغ في الثانية من عمرها.\n(^٣) البلوغ عند الأطباء غير الحيض فهو يسبقه بعام أو اثنين.\n(^٤)  Saenger، Paul.Overview of precocious puberty.In: UpToDate، Rose، BD (Ed)، UpToDate، Waltham، MA، ٢٠٠٧.","vol":"1","page":157},{"text":"• على أن الأطباء يقصدون بالبلوغ ظهور علاماته الثانوية؛ كنمو الثديين وظهور الشعر، والعادة أن الحيض يتأخر عن ذلك بنحو عامين (^١).\n• إن الطب الحديث يقدر على القطع بما إذا كانت الفتاة قد حاضت أم أصابها دم علة، وذلك عن طريق البحوث المُختَبَرِيَّة والأشعة الصوتية على الرحم وفي كثير من الحالات قد يثبت الطب بداية الحيض قبل التاسعة.\n• إن القول إذًا بعدم التحديد هو الأقرب للصواب من جهة الوقوع، ولكن ماذا نصنع إذا حاضت بنت الثامنة أو دون ذلك؟ هل نلزمها بكل تكاليف الإسلام؟ الحق أن حديث الرسول -ﷺ- السابق في الأمر بالصلاة لسبع والضرب عليها لعشر فيه - في تقديري - جوابٌ على هذا السؤال. إن مفهوم الحديث أنه لا إلزام قبل بلوغ الطفل سن العاشرة.\n• إن القول الذي يترجح عندي هو أن الحيض حيضان: طبيعي وحكمي، فالطبيعي قد يقع قبل العاشرة في أي سن ولكن لا يكون له أثرٌ في الأحكام الشرعية والتكاليف حتى تبلغ الجارية العاشرة، وهو وجه عند الحنابلة-كما تقدم؛ وذلك لأن الحيض قبلها من النادر ولا عبرة به، ولاتفاقهم على عدم تكليف بنت السادسة مع إمكان حيضها ووقوعه، فلما لزم فك الارتباط بين الأمرين رجعنا إلى أقرب أدلة الوحي على أول زمن التكليف، وهو حديث الضرب على الصلاة، فجعلناه بداية سن الحيض الحكمي، وقد يسوغ الأخذ بأثر عائشة فهو أرفع ما ورد تصريحًا بهذا الشأن.\n_________\n(^١) في سؤال وجهته إلى دينيس ستاين (Dennis Styne)  رئيس قسم غدد الأطفال بجامعة كاليفورنيا، أفادني بأن أكثر الاختصاصيين يرون فحص الجارية التي تحيض قبل التسعة أعوام وما بين التسعة إلى العشرة «منطقة رمادية».","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>المطلب الثالث: أكثر سن الحيض</span>\n* اختلف العلماء في الإياس؛ فذهب بعضهم إلى عدم التحديد، وهو القول المعتمد عند القدامى من الحنفية (^١) وعند الشافعية (^٢)، وبه قال ابن حَزْم (^٣) وابن تَيمِيَّة (^٤) -رحمهما الله.\n* وذهب البعض إلى حده بخمسين عامًا، وهو قول المتأخرين من الحنفية (^٥)، باستثناء حده في العدة فجعلوه خمسة وخمسين عامًا (٥). وبالخمسين قال الحنابلة في المشهور (^٦).\n* وقال المالكية: إنها لا تكون حائضًا بعد السبعين وبين الخمسين والسبعين يسأل النساء فإن جزمن بأنه حيض أو شككن فهو حيض وإلا فلا (^٧).\n_________\n(^١) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٢/ ١٤٢، ١٥٠).\n(^٢) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٤٠٢).\n(^٣) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١/ ٤٠٥).\n(^٤) «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (١/ ٢٧٥).\n(^٥) «رَدّ المُحتار» لابن عابِدِين (١/ ٣٠٥).\n(^٦) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٥٠٩)، إلا أنه يدعها تقضي الصيام احتياطًا إذا كانت بين الخمسين والستين.\n(^٧) «حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ» (١/ ١٦٩).","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>عرض الأقوال:</span>\nقول السادة الحنفية:\nجاء في «الدُّر المُخْتار»: «(ولا يُحدُّ إياسٌ بمدة، بل هو أن تبلغ من السن ما لا تحيض مثلها فيه) فإذا بلغته وانقطع دمها حكم بإياسها (فما رأته بعد الانقطاع حيض) فيبطل الاعتداد بالأشهر وتفسد الأنكحة. (وقيل: يحد بخمسين سنة وعليه المُعَوَّل) والفتوى في زماننا مجتبى وغيره (تيسيرًا) وحده في العدة بخمس وخمسين، قال في الضياء: وعليه الاعتماد (وما رأته بعدها) أي: المدة المذكورة (فليس بحيض في ظاهر المذهب) إلا إذا كان دمًا خالصًا فحيض حتى يبطل به الاعتداد بالأشهر، لكن قبل تمامها لا بعد حتى لا تفسد الأنكحة، وهو المختار للفتوى جوهرة وغيرها» (^١).\nقول السادة المالكية:\nوفي الشرح الكبير، قال الدَّرْدِير -﵀-: «(من قُبُل من تحمل عادة) احترز به عن الخارج من الدُّبُر أو من ثقبة والخارج بنفسه من صغيرة وهي ما دون التسع أو آيسة كبنت سبعين، وسئل النساء في بنت الخمسين إلى السبعين فإن قلن حيض أو شككن فحيض» (^٢).\nقول السادة الشافعية:\nقال النَّوَوِيّ -﵀-: «هذا ما يتعلق بأقل سن الحيض، أما آخره فليس له حد بل هو ممكن حتى تموت كذا قاله صاحب «الحاوي» [الماوردي] وغيره وهو ظاهر، قال\n_________\n(^١) «الدُّر المُخْتار» لعلاء الدين الحَصْكَفِيّ (١/ ٣٠٤). والكلام بين الأقواس لصاحب تَنْوِير الأبْصَار، ابن تُمُرْتاش الغَزِّيّ-رحمهما الله. وتمرتاش نسبة إلى جده تُمُرْتاشي، والغَزِّيّ نسبة إلى غزة هاشم الأبية - حررها الله؛ والجوهرة، والضياء المعنوي، والمجتبى من كتب الحنفية.\n(^٢) «الشَّرْح الكَبِير» للدَّرْدِير (١/ ١٦٨). والكلام بين الأقواس لخليل بن إسحاق-رحمهما الله.","vol":"1","page":160},{"text":"أصحابنا: فالمعتمد في هذا الوجود، وقد وجد من تحيض لتسع سنين، فوجب المصير إليه كما يرجع إلى العادة في أقل مدة الحمل وأكثرها» (^١).\nقول السادة الحنابلة:\nقال ابن مُفْلِح -﵀-: «قوله: ولانقطاعه حد، هل هو ستون سنة أو خمسون؟ فيه روايتان وعنه خمسون، وعنه بعد الخمسين حيض إن تكرر، وعنه مشكوك فيه، انتهى. أطلق الخلاف في كون أكثر سن الحيض خمسين أم ستين، وأطلقه في «المُغْنِي»، و«المحرر»، و«الشرح ابن عبيدان» وغيرهم (إحداهما): أكثره خمسون مطلقًا وهو الصحيح من المذهب ... وعنه خمسون للعجم، قال في «الرعاية»: وعنه الخمسون للعجم، والنبط ونحوهم، والستون للعرب ونحوهم، انتهى ... وعنه بعد الخمسين حيض عند تكرر، ذكرها القاضي، وغيره، وصححها في «الكافي» قلت: وهو قوي جدًّا؛ قال في «المُغْنِي» في العدد: والصحيح أنها متى بلغت خمسين سنة فانقطع حيضها عن عادتها مرات لغير سبب فقد صارت آيسة، وإن رأت الدم بعد الخمسين على العادة التي كانت تراه فيها فهو حيض على الصحيح، انتهى ... واختار الشيخ تقي الدين [ابن تيمية] أنه لا حد لأكثر سن الحيض» (^٢).\nقول السادة الظاهرية:\nقال ابن حَزْم -﵀-: «وإن رأت العجوز المسنة دمًا أسود فهو حيض مانع من الصلاة والصوم والطواف والوطء» (^٣).\n_________\n(^١) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٤٠٢).\n(^٢) «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (١/ ٢٦٥ - ٢٧٥).\n(^٣) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١/ ٤٠٥).","vol":"1","page":161},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-58> المناقشة والترجيح:</span>\n* إن مستند الجميع فيما ذهبوا إليه هو الاستقراء والتتبع، إلا أن البعض عزا لعائشة القول بالخمسين، حيث رَوَوْا أنها قالت: «إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض» (^١).\nولو صح، لاحتمل أن يكون رأيًا منها -﵂-.\nوالصواب أن المرأة قد تحيض بعد الخمسين بل وتلد (^٢). وهذا مما لا خلاف عليه بين الأطباء بل إن خمسة بالمائة من النساء يستمر بهن الحيض بعد سن الخامسة والخمسين (^٣).\nوأكبر امرأة حملت ووضعت هي امرأة أسبانية كان عمرها عند وضع توأمها سبعة وستين عامًا (^٤).\nويعتبر الأطباء كل حيض بعد هذه السن (الخامسة والخمسين) متأخرًا، وينصحون المرأة بمراجعة الطبيب في هذه الحالة (^٥) ولكن هذا لا يعني أنه ليس حيضًا بحال.\n_________\n(^١) انظر «الإرواء» (١/ ١٩٩). وفيه قال الألبَانِيّ: «لم أقف عليه، ولا أدري في أي كتاب ذكره أحمد، ولعله في بعض كتبه التي لم نقف عليها».\n(^٢)  Casper، Robert F.Clinical manifestations and diagnosis of menopause.In: UpToDate، Rose، BD (Ed)، UpToDate، Waltham، MA، ٢٠٠٧.\nوانظر: «خلق الإنسان بين الطب والقرآن» للدكتور محمد علي البار (ص ١٣١).\n(^٣)  Casper، Robert F.Clinical manifestations and diagnosis of menopause.In: UpToDate، Rose، BD (Ed)، UpToDate، Waltham، MA، ٢٠٠٧.\n(^٤) CNN [Online] / auth.Associated Press // CNN. -٣٠٢١، ٢٠٠٦. - ٢٠٠٧. - http://www.cnn.com/2006/WORLD/europe/12/30/old.mom.ap/index.html.\nوانظر: «خلق الإنسان بين الطب والقرآن» للدكتور محمد علي البار (ص ١٣١).\n(^٥) المصدران السابقان.","vol":"1","page":162},{"text":"الصواب في هذه المسألة إذًا ترك التحديد في حال وجود الثقات من الأطباء، وتنصح المرأة بمراجعة الطبيب إذا تغيرت عادتها في السن الكبيرة أو استمر بها الحيض بعد الخامسة والخمسين.\nفإن عدم الثقات من الأطباء فتنصح المرأة باعتبار دمها حيضًا ما لم تتغير عادتها وما لم ينقطع حيضها فترة طويلة (^١) حتى تبلغ الخامسة والخمسين، فإن بلغتها وبقيت ترى الدم، فينبغي أن يزداد تحريها لكونه حيضًا لا دم فساد، فإن بلغت الستين فليس الدم حيضًا إلا فيما ندر جدًّا ولا عبرة بالنادر.\n* * *\n_________\n(^١) لم يحدد الفقهاء الفترة الطويلة في كلامهم، والأطباء يجعلونها مائة يوم.","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>المطلب الرابع: مدة الدورة الحيضية</span>\nيذهب الأطباء إلى أن متوسط مدة الدورة الحيضية ثمانية وعشرون يومًا، والدورة الطبيعية ما بين واحد وعشرين وخمسة وثلاثين، أي (٢٨ - ٧ إلى ٢٨+٧) (^١). ولكن حديث رسول الله -ﷺ- لحَمْنَة بنت جَحْش يفيد أنها شهر قمري، قال -ﷺ-: «فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللهِ ثُمَّ اغْتَسِلِي حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي ثَلاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِيكِ وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي فِي كلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ مِيقَاتُ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» (^٢).\nويتضح أن هناك نوع اختلاف بين ما قرره رسول الله -ﷺ- وما ذهب إليه شبه إجماع الأطباء المعاصرين. ولقد وجدت جواب ذلك في كتابٍ لباحثةٍ أمريكيةٍ ذكرت فيه أنها وسبعًا وعشرين امرأةً أُخرَيات امتنعن عن استعمال الأضواء الصناعية بالليل، فوجدن أن دورتهن قد انتظمت مع الأشهر القمرية انتظامًا كاملًا (^٣). إن الفطرة إذًا هي كون الدورة موافقة للأشهر القمرية.\n_________\n(^١)  Goodman، Annekathryn.Definition Of Abnormal Uterine Bleeding.In: UpToDate، Rose، BD (Ed)، UpToDate، Waltham، MA، ٢٠٠٧.\nوانظر «المرجع في الفزيولوجيا الطبية» (ص ٩٢٩)، «خلق الإنسان بين الطلب والقرآن» (ص ١٢٩)، «دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة» بحث الحيض والنفاس والحمل بين الفقه والطب (ص ١٤٣).\n(^٢) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الطهارة، باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة (١/ ٧٦). وحسنه الألبَانِيّ في «سُنَن أبي دَاوُد» تحقيق مشهور، رقم (٦٢٧).\n(^٣)  Lacey، Louise.Lunaception: A Feminine Odyssey into Fent: Lity and Contraception.New York: Coward، Mc Cann &amp; Geag hegan، ١٩٧٥.\nكان الدكتور عمر سليمان الأشْقَر قد استشكل الاختلاف بين ما جاء في السنة وما يتفق عليه الأطباء بهذا الشأن في بحثه عن الحيض.","vol":"1","page":164},{"text":"إن الدورة الطبيعية إذًا تحدث مرةً في الشهر، ويختلف ذلك مع اختلاف النساء كما تقدم، فمنهن من تأتيها دورتها كل واحد وعشرين يومًا ومنهن من تأتيها كل خمسة وثلاثين، وكل هذا يعد طبيعيًّا.\nوقد تقل مدة الدورة الحيضية أو تزيد فيما يعتبر أمرًا مرضيًا ولكنها على أي حال تبقى دورة حيضية من الناحية الشرعية ما دامت لا تتكرر أكثر من مرتين في الشهر (^١).\nوالظاهر (^٢) أن أقل الطهر خمسة عشر يومًا - كما سبق في المقدمة الطبية - وأقل الحيض دفعة من دم، وعليه فالدورة إذا تكررت أكثر من مرة كل خمسة عشر يومًا فلا تعتبر، ولا تمسك المرأة عن الصلاة والصيام دون الخمسة عشر يومًا التي هي أقل الطهر.\nأما أكثر المدة بين الدورتين، فإن الفقهاء متفقون على أنه لا حد لأكثر الطهر، وهو صحيح؛ وعليه، فلا حد لأكثر الدورة الحيضية، وإن كانت المرأة في هذه الحالة إذا لم تحض لمدة ستة أشهر تكون مصابة بحالة مرضية تدعى الضَّهْي، أو انقطاع الطمث (^٣).\nأما إن كانت الدورة تأتيها بمعدل أقل من مرة كل خمسة وثلاثين يومًا فاسم حالتها تباعد الطمث (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) إذا تكررت الدورة بمعدل أكثر من مرة كل ثلاثة أسابيع فالحالة تعتبر مرضية، وتسمى «طمث غزير»  Metromenorrhagia.\n(^٢)  انظر بحثَي أقل الحيض والطهر.\n(^٣)  Amenorrhea\n(^٤) Oligomenorrhea","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>المطلب الخامس: أقل الحيض</span>\n* ذهب الحنفية (^١) إلى أن أقل مدة الحيض ثلاثة أيام.\n* وذهب الشافعية في الأصح (^٢) والحنابلة في المشهور (^٣) إلى أنه يوم وليلة.\n* وبهذا قال مالك (^٤) في الاعتداد والاستبراء، وقال دَفعة في العبادة.\n* وبالدَّفعة في الأمرين قال ابن حَزْم (^٥) وابن تَيمِيَّة (^٦)، وهي رواية عن أحمد (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>عرض الأقوال:</span>\nقول السادة الحنفية:\nقال الكَاسَانِيّ (^٨) -﵀-: «... فذكر في ظاهر الرواية أن أقل الحيض ثلاثة أيام،\n_________\n(^١) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (١/ ٩٠ - ٩١).\n(^٢) «حاشيتا قَلْيُوبِيّ عَمِيرة» (١/ ١١٣ - ١١٤).\n(^٣) «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩).\n(^٤) «شَرح حُدود ابن عَرَفَة» للرصاع (ص ٤٠ - ٤٢).\n(^٥) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١/ ٤٠٦ - ٤١١).\n(^٦) «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (١/ ٢٧٠).\n(^٧) المصدر السابق.\n(^٨) هو: علاء الدين أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكَاسَانِيّ، الفقيه الحنفي، ملك العلماء، من أهل حلب. له: «بَدَائع الصَّنَائع في ترتيب الشرائع» في الفقه الحنفي، و«السلطان المبين في أصول الدين» توفي -﵀- في حلب سنة ٥٨٧ هـ. راجع ترجمته في: «الجَوَاهِر المُضِيَّة» (٤/ ٢٥)، «الأعلام» للزرِكلِيّ (٢/ ٧٠).","vol":"1","page":166},{"text":"ولياليها، وحكي عن أبي يوسف في النوادر يومان، وأكثر اليوم الثالث، وروى الحسن عن أبي حنيفة ثلاثة أيام بليلتيهما المتخللتين» (^١).\nقول السادة المالكية:\nوفي شرح حدود ابن عَرَفَة: «الحيض قال الشيخ -﵀-: «دم يلقيه رحم معتاد حملها دون ولادة خمسة عشر يومًا في غير حمل وفي حمل ثلاثة أشهر خمسة عشر يومًا ونحوها وبعد ستة عشرين ونحوها فأقل في الجميع» ... وقوله: «فأقل» ليدخل فيه ما دون الخمسة عشر يومًا ولو دفعة واحدة» (^٢).\nقول السادة الشافعية:\nجاء في حاشيتي قَلْيُوبِيّ (^٣) وعَمِيرَة (^٤): «(وأقله) [أي الحيض] زمنا (يوم وليلة) أي قدر ذلك متصلا كما يؤخذ ذلك من مسألة تأتي آخر الباب» (^٥).\n_________\n(^١) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (١/ ٤٠ - ٤١).\n(^٢) «شَرح حُدود ابن عَرَفَة» لمحمد بن قاسم الرَّصَّاع (ص ٤٠ - ٤٢). والشيخ هو ابن عَرَفَة.\n(^٣) هو: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أحمد بن سلامة، القَلْيُوبِيّ فقيه متأدب، من أهل قليوب مصر له حواشٍ وشروحٌ ورسائلُ، و«تُحْفَة الراغب» في تراجم جماعة من أهل البيت و«الهِدَايَة من الضلالة في معرفة الوقت والقبلة من غير آلة»، توفي -﵀- سنة ١٠٦٩ هـ. راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (١/ ٩٢)، «مُعْجَم المؤلفين» (١/ ١٤٨).\n(^٤) هو: شهاب الدين أحمد البُرُلُّسِيّ المِصْرِيّ الشافعي، الملقب بعَمِيرة، فقيه، كان من أهل الزهد والورع، انتهت إليه الرئاسة في تحقيق المذهب الشافعي كان يدرس ويفتي حتى أصابه الفالج ومات -﵀- به سنة ٩٥٧ هـ له حَاشِيَة على شرح مِنْهَاج الطَّالِبِين للمَحَلِيّ. راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (١/ ١٠٣)، «مُعْجَم المؤلفين» (٨/ ١٣).\n(^٥) «حاشيتا قَلْيُوبِيّ وعَمِيرة» (١/ ١١٣ - ١١٤). وما بين الأقواس من كلام النَّوَوِيّ في «مِنْهَاج الطَّالِبِين» وما خارجها فهو من كلام الجلال المَحَلِيّ في شرحه على المِنهاج والمسمى «كَنْز الرَّاغِبِين».","vol":"1","page":167},{"text":"قول السادة الحنابلة:\nقال ابن مُفْلِح -﵀-: «وأقل الحيض يوم وليلة (وش) وعنه يوم، لا ثلاثة (هـ) ولا حد لأقله (م) ذكر ابن جرير عكسه (ع)» (^١).\nقول السادة الظاهرية:\nقال ابن حَزْم -﵀-: «وأقل الحيض دفعة، فإذا رأت المرأة الدم الأسود من فرجها أمسكت عن الصلاة والصوم وحرم وطؤها على بعلها وسيدها» (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-62> المناقشة والترجيح:</span>\n* لقد استدل القائلون بثلاثة الأيام، وهم: أبو حنيفة وصاحباه (^٣) وسفيان الثَّورِيّ (^٤) بأدلة منها:\n١ - حديث رواه الدَّارَقُطْنِيّ عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله -ﷺ- قال: «أقل ما يكون\n_________\n(^١) «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (١/ ٢٦٨ - ٢٧٠). وقال في المقدمة: وأشير إلى ذكر الوفاق والخلاف فعلامة ما أجمع عليه (ع)، ما وافقنا عليه الأئمة الثلاثة أو كان الأصح في مذهبهم (و)، خلافهم (خ)، علامة خلاف أبي حنيفة (هـ)، مالك (م) فإن كان لأحدهما روايتان فبعد علامته (ر)، للشافعي (ش). ولقوليه (ق). وعلامة وفاق أحدهم ذلك وقبله (و).\n(^٢) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١/ ٤٠٦ - ٤١١).\n(^٣) صاحبا أبي حنيفة هما: محمد بن الحسن الشَّيبانِيّ، والقاضي أبو يوسف، وقد تقدم التعريف بهما.\n(^٤) هو: أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الكوفى، أمير المؤمنين في الحديث، الثقة الحافظ الفقيه العابد الإمام الحجة، أحد «الأعلام» علمًا وزهدًا، ومن كبار أتباع التابعين، ولد في الكوفة سنة ٩٧ هـ، له من الكتب: الجامع الكبير والجامع الصغيركلاهما في الحديث. وتوفي -﵀- في البصرة سنة ١٦١ هـ. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ٨٥)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٢/ ٣٨٦)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٧/ ٢٢٩).","vol":"1","page":168},{"text":"الحيض للجارية البكر والثيب ثلاث؛ وأكثر ما يكون عشرة أيام، وإذا رأت الدم أكثر من عشرة أيام فهي مستحاضة» (^١).\nولو صح الحديث لما كان لأحد بعده -ﷺ- قول، ولكنه لا يصح.\n٢ - واستدلوا بآثار منها:\nأ- ما رواه الدَّارِمِيّ عن الحسن قال: «أدنى الحيض ثلاث» (^٢).\nب- وروى الدَّارِمِيّ أيضًا وغيره عن سفيان قال: بلغني عن أنس أنه قال: «أدنى الحيض ثلاثة أيام» (^٣).\nج- وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن معاذ مرفوعًا: «لا حيض أقل من ثلاث ولا فوق عشر» (^٤).\n_________\n(^١) انظر «تَنقِيح التَّحقِيق في أحَادِيث التَّعْلِيق» للذَّهَبِيّ (١/ ٨٩)، وقال: «عبد الملك [أحد الرواة] مجهول ... ورواه سليمان بن عمرو ... فسليمان هو أبو داود النَّخْعِيّ كذبه أحمد وغيره ...»، وضعف الذَّهَبِيّ كل الروايات بهذا المعنى.\n(^٢) «سُنَن الدَّارِمِيّ» كتاب الطهارة، باب في أقل الحيض، حديث (٨٣١).\n(^٣) «سُنَن الدَّارِمِيّ» كتاب الطهارة، باب في أقل الحيض، حديث (٧٣٢).\n(^٤) «ضُعَفَاء العُقَيْلِيّ» (٤/ ٥١).","vol":"1","page":169},{"text":"وكل هذه الآثار ضعفها الحافظ ابن عبد الهادي (^١) (^٢)، وابن الجَوْزِيّ (^٣)، والذَّهَبِيّ (^٤) (^٥)، بل والزَّيْلَعِيّ (^٦) أيضًا.\nوذكر صاحب «بَدَائع الصَّنَائع» أن القول بثلاثة مروي عن ابن مسعود وعمران ابن حصين (^٧).\n_________\n(^١) هو: محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن قُدامة المَقْدِسِيّ، الجَمَّاعيلِيّ ثم الدِّمَشْقِيّ، الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الحنبلي، توفي -﵀- سنة ٧٤٤، قال عنه الذَّهَبِيّ: «الفقيه البارع المقرئ المجود المحدث الحافظ النَّحْوِيّ الحاذق». وله: «الأعلام في ذكر المشايخ الأئمة الأعلام»، و«تَنقِيح التَّحقِيق في أحَادِيث التَّعْلِيق»، و«الصارم المُنكي»، و«العمدة في الحفاظ». راجع ترجمته في: «الوفيات» (١/ ٤٥٨)، «هَدِيَّة العَارِفِين في أسْمَاء المُؤلِّفِين وآثار المُصَنِّفِين» (٦/ ١٥١).\n(^٢) انظر: «تَنقِيح التَّحقِيق في أحَادِيث التَّعْلِيق» لابن عبد الهادي (١/ ٢٤١ - ٢٤٢). لاحظ أن تنقيح التحقيق اسم لكتابين للذَّهَبِيّ وابن عبد الهادي على «التَّحقِيق في أحَادِيث التَّعْلِيق» لابن الجَوْزِيّ، الذي خرج فيه أحاديث كتاب أبي يعلى الفراء في الخلاف العالي.\n(^٣) انظر: «التَّحْقِيق في أحَادِيثِ الخِلاف» لابن الجَوْزِيّ (١/ ٢٦٠ - ٢٦٢).\n(^٤) هو: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذَّهَبِيّ، الحافظ المؤرخ الفقيه العلامة المحقق، أعلم الناس بسير الأولين، صحب شيخ الإسلام ابن تَيمِيَّة، تُرْكُمَانِيّ الأصل، من أهل ميافارقين، مولده سنة ٦٧٣ هـ في دمشق، ووفاته -﵀- بها سنة ٧٤٨ هـ تصانيفه تقارب المائة منها: «دول الإسلام»، و«تاريخ الإسلام الكبير»، و«سير أعلام النبلاء»، و«العبر في خبر من غبر»، و«تهذيب تَهْذِيب الكَمَال»، و«ميزان الاعتدال في نقد الرجال». تراجع ترجمته في: «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الكُبْرَى» (٩/ ١٠٠)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٣/ ١٥٣).\n(^٥) انظر: «تَنقِيح التَّحقِيق في أحَادِيث التَّعْلِيق» للذَّهَبِيّ (١/ ٨٩، ٢٤٠).\n(^٦) انظر: «نَصْب الرَّايَة» للزَّيْلَعِيّ (١/ ١٩٢). هو: عبدالله بن يوسف بن محمد الزيلعي، جمال الدين الزيلعي، الفقيه، المحدث. من زَيْلَعْ، أخذ عن الفخر الزيلعي شارح «الكنز»، وغير واحد. من كتبه: «نصب الراية»، و«تخريج أحاديث الكشاف»، توفي بالقاهرة سنة ٧٦٢ هـ. انظر ترجمته في: «الدرر الكامنة» لابن حجر (٣/ ٩٥)، و«البدر الطالع» للشوكاني (١/ ٢٧٧).\n(^٧) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (١/ ٤٥).","vol":"1","page":170},{"text":"ولو صح شيء من هذه الآثار، فلا دليل فيها لأنها مما يقال فيه بالاستقراء والتتبع، وكذا هو الحال في أكثر هذه التقديرات خلافًا لما ذكره صاحب «البدائع» -﵀-.\n٣ - واحتجوا بأن رسول الله -ﷺ- قال لفاطمة بنت حُبَيش وأم حبيبة: «دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» (^١)، وقالوا: إن أدنى ما يقع عليه اسم أيام ثلاثة.\nولا حجة لهم في هذا الخبر لأنه واقعة عين وقد أمر رسول الله -ﷺ- بذلك من كانت لها أيام معهودة ثم استُحيضت، وقد جاءت روايات كثيرة للحديث بغير هذا اللفظ، ومنها قوله لأم حبيبة -﵂-: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» (^٢). وليس في هذا اللفظ، والذي تكرر في عدة أحاديث (^٣) ذكر الأيام.\nوقد ثبت عنه -ﷺ-: «إذا أقبَلَت الحَيضَة فدَعِي الصَّلاة فإذا ذَهَبَ قَدرُها - أو فإذا أدبَرَت (^٤) - فاغسِلِي عَنك الدَّم وصَلِّي» (^٥) وهذا في أي حيض بأي مقدار.\nوكذلك فإن الخلاف في أقل الجمع معروف، والحنفية - ﵏ - يجعلونه اثنين كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، قالوا: الاثنان إخوة.\nوالحاصل: أن خطابه لامرأة معينة ذات أيام معهودة لا ينسحب على كل النساء. وكذلك، فإن استعمال لفظ الأيام قد يكون خرج مخرج الغالب لأن الغالب من عادة النساء أنهن يحضن عدة أيام، لا أن المرأة لا يمكن أن تحيض دون ذلك.\n_________\n(^١) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الطهارة، باب شهود الحائض العيدين (١/ ١٢٤).\n(^٢) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاها (١/ ٢٦٤).\n(^٣) انظر: «المُحَلَّى» (١/ ٤٠٩ - ٤١١).\n(^٤) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الطهارة، باب إذا رأت المستحاضة الطهر (١/ ١٢٥).\n(^٥) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب الطهارة، باب أقل الحيض (١/ ٣٢٠).","vol":"1","page":171},{"text":"* أما من قال بأن أقل الحيض يوم وليلة فاحتجوا:\n١ - ببعض الآثار، كالذي رواه الدَّارِمِيّ عن عَطَاء (^١) قال: «أدنى الحيض يوم» (^٢) ولا حجة في قول أحد غير المعصوم -ﷺ-، فإن كلام غيره يستدل له لا به، وقد يكون إخبار عَطَاء -﵀- عن ذلك من جهة الوقوع.\n٢ - وقالوا: إنه أدنى ما قيل فيكون إجماعًا، وليس كذلك، فإن مالكًا يقول بالدَّفعة في العبادة، وهي رواية عن أحمد.\n٣ - وقالوا: إنه لم يقع دونه، وليس كذلك، فقد روي عن الأوزاعِيّ (^٣) قال: «عندنا امرأةٌ تحيض غُدْوةً وتطهر عَشِيَّة» (^٤).\n_________\n(^١) هو: عَطَاء بن أسْلَم بن صَفْوان الجُنْدِيّ ابن أبي رَبَاح، صاحب كرسي الإفتاء في مكة في زمن التابعين، فقيه مفسر، من التابعين، ولد في جند باليمن سنة ٢٧ هـ، ونشأ بمكة، فكان مفتي أهلها ومحدثهم، سمع من الجمع من الصحابة منهم جابر بن عبد الله وابن عباس وابن الزبير وأخذ عنه العلم جمع من التابعين وأتباع التابعين، وتوفي -﵀- بمكة سنة ١١٤ هـ. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ٥٧)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٣/ ٢٦١)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٥/ ٧٨).\n(^٢) «سُنَن الدَّارِمِيّ» كتاب الطهارة، باب في أقل الحيض (١/ ٢٣١).\n(^٣) هو: أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يَحْمَد الأوزاعِيّ، من قبيلة الأوزاع، سابع السبعة الذين هم الأئمة الأربعة، والليث وسفيان، بالإضافة إليه، إمام الديار الشامية في الفقه والزهد، وأحد الكتاب المترسلين، ولد في بعلبك سنة ٨٨ هـ، وسكن بيروت وتوفي -﵀- بها سنة ١٥٧ هـ، وعرض عليه القضاء فامتنع، له كتاب السُّنَن في الفقه، والمسائل، ويقدر ما سئل عنه بسبعين ألف مسألة أجاب عليها كلها، وكانت الفتيا تدور بالأندلس على رأيه، إلى زمن الحكم بن هشام. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ٧١)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٣/ ١٢٧)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٧/ ١٠٧)، «شَذَرَات الذَّهَب» (١/ ٢٤١).\n(^٤) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١/ ٤١٠).","vol":"1","page":172},{"text":"* أما من قال بالدفعة كمالك - في العبادة دون العدة - وأحمد، في الرواية غير المشهورة، وابن حَزْم وابن تَيمِيَّة، فمستندهم:\n١ - عدم وجود الدليل على التحديد.\n٢ - وأن الدَّفعة يصدق عليها كونها حيضًا.\n٣ - والجميع يوجب عليها إذا رأت الدم ساعة من النهار ألا تصلي ولا تصوم، وهي ترى الدم.\n٤ - وقد أمر رسول الله -ﷺ- من رأت دم الحيض الأسود أن تمسك عن الصلاة ولم يحُدَّ لها وقتًا، فلا يسوغ التحديد بغير نص ولا إجماع ولا استنباط صحيح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-63> رأي الطب وأثره على الترجيح:</span>\nإن القول بالدفعة هو الذي اتفق عليه الأطباء المؤتمرون بالندوة الثالثة للفقه الطبي التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية (^١). وجاء في التوصية الخامسة عشرة لندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، المنعقدة في دولة الكويت عام ١٩٨٧ م ما يأتي:\n«اتفق الأطباء مع أحد الآراء الفقهية، وهو الرأي القائل إن أقل الحيض نقطة، أما تحديد أكثره فيرجع فيه إلى عادة كل امرأة» (^٢).\n_________\n(^١) «دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة» بحث الحيض والنفاس والحمل بين الفقه والطب (ص ١٤٧).\n(^٢) انظر التوصية الخامسة عشرة لندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية، التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت، عام ١٩٨٧ م.","vol":"1","page":173},{"text":"ولعل التعبير بالدفعة أوفق من التعبير بالنقطة لما تقدم من شرح لماهية الحيض.\nإن الصواب هو ترك تحديد أقل الحيض، لعدم وجود الدليل على التحديد، والأصل أن أي دم خارج من الرحم في زمان الحيض (الحكمي) يعتبر حيضًا، وضرب مقدار لأقله من غير دليل من الوحي تحكم.\n* * *","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>المطلب السادس: أكثر الحيض</span>\nالخلاف في هذه المسألة أكثر من غيرها وما يترتب عليه من المسائل والعمل يكاد لا ينحصر.\n* ولقد اختار الإمام ابن تَيمِيَّة -﵀- أن أكثر الحيض لا يتقدر (^١)، بينما ذهب الجمهور الأعظم إلى أنه يتقدر.\nثم إن الجمهور اختلفوا في تقديره:\n* فذهب الحنفية (^٢) إلى كونه عشرة أيام.\n* وذهب سعيد ابن جبير (^٣) إلى كونه ثلاثة عشر يومًا (^٤).\n* وقال الشافعية (^٥) والمالكية (^٦) - في غير الحامل- والحنابلة (^٧) في المشهورة: إنه خمسة عشر يومًا.\n_________\n(^١) «الاختِيارات الفِقْهِيَّة» لابن تَيمِيَّة - جمعها البَعْلِيّ المتوفى ٨٠٣ هـ (١/ ٢٨).\n(^٢) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (١/ ٤٠ - ٤١).\n(^٣) هو: أبو عبد الله سعيد بن جُبَيْر الأسَدِيّ، مولاهم، الكُوفِيّ التابعي، العالم العامل، الحبر وتلميذ الحبر، وحيد دهره وفريد عصره ونسيجُ وحدِه، المجاهد، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، كان من أعلم التابعين، إن لم يكن أعلمهم على الإطلاق، وهو حبشي الأصل، من موالي بني والبة بن الحارث من بني أسد، ولد سنة ٤٥ هـ أخذ العلم عن عبد الله بن عباس وابن عمر وغيرهما، ثم كان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه، قال: أتسألونني وفيكم سعيد. قتله -﵀- الحجاج سنة ٩٥ هـ. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ٨٢)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٢/ ٣٧١)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٤/ ٣٢١)، «شَذَرَات الذَّهَب» (١/ ١٠٨).\n(^٤) «المُحَلى» لابن حَزْم (١/ ٤٠٦ - ٤١١).\n(^٥) «حاشيتان» قَلْيُوبِيّ وعَمِيرة (١/ ١١٣ - ١١٤).\n(^٦) «شَرح حُدود ابن عَرَفَة» للرَّصَّاع (ص ٤٠ - ٤٢).\n(^٧) «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (١/ ٢٦٨ - ٢٧٠).","vol":"1","page":175},{"text":"* وذهب الحنابلة (^١) في رواية إلى أنه سبعة عشر يومًا، واختار هذا القول ابن حَزْم -﵀- (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>عرض الأقوال:</span>\nقول السادة الحنفية:\nقال الكَاسَانِيّ -﵀-: «وأما أكثر الحيض فعشرة أيام بلا خلاف بين أصحابنا» (^٣).\nقول السادة المالكية:\nقال ابن عَرَفَة -﵀-: «الحيضُ دمٌ يلقيه رحمُ معتادٍ حملُها دون ولادةٍ خمسةَ عشر يومًا في غير حمل وفي حملِ ثلاثةِ أشهرٍ خمسةَ عشرَ يومًا ونحوَها وبعد ستةٍ عشرينَ ونحوَها فأقل في الجميع» (^٤).\nقول السادة الشافعية:\nجاء في «حاشيتا قَلْيُوبِيّ وعَمِيرَة»: «باب الحيض ... (وأكثره خمسة عشر) يومًا (بلياليها) وإن لم يتصل» (^٥).\nقول السادة الحنابلة:\n_________\n(^١) «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (١/ ٢٦٨ - ٢٧٠).\n(^٢) «المُحَلى» (١/ ٤٠٦ - ٤١١).\n(^٣) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (١/ ٤٠ - ٤١).\n(^٤) «شَرح حُدود ابن عَرَفَة» (ص ٤٠ - ٤٢).\n(^٥) «حاشيتا قَلْيُوبِيّ وعَمِيرة» (١/ ١١٣ - ١١٤). وما بين الأقواس من كلام النَّوَوِيّ في «مِنْهَاج الطَّالِبِين» وما خارجها فهو من كلام الجلال المَحَلِيّ في شرحه على المِنهاج والمسمى: «كَنْز الرَّاغِبِين».","vol":"1","page":176},{"text":"قال ابن مُفْلِح -﵀-: «وأكثره أي الحيض خمسةَ عشرَ يومًا، وعنه [أحمد] سبعة عشر» (^١).\nقول السادة الظاهرية:\nقال ابن حَزْم -﵀-: «فإن تمادى الأسود فهو حيض إلى تمام سبعة عشر يومًا، فإن زاد ما قل أو كثر فليس حيضًا» (^٢).\nاختيار الإمام ابن تَيمِيَّة -﵀-:\n«ولا يتقدر أقل الحيض ولا أكثره بل كل ما استقر عادة للمرأة فهو حيض، وإن نقص عن يوم أو زاد على الخمسة أو السبعة عشر» (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-66> المناقشة والترجيح:</span>\n* أما مستند من قال بعدم التقدير فهو عمومات النصوص التي تأمر بالإمساك عن الصلاة والصيام إذا أقبلت الحيضة والاغتسال إذا أدبرت، وليس في شيء من نصوص الوحي التحديد، وإنما اختلفوا في التحديد على هذه الأقوال الكثيرة لعدم وجود الدليل الذي يرجعون إليه، اللهم إلا استقراء أحوال النساء، وهذا استقراء لا يتيسر مثله في أزمنتهم، وأحسن ما يقال فيه أنه استقراء ناقص.\nولكن الإشكال هنا هو الحاجة إلى التحديد لرفع المعاناة عن النساء اللاتي لا يتوقف حيضهن إلا أيامًا قليلة في كل شهر أو عدة أشهر، أو يختلط الأمر عليها فترى الحيض\n_________\n(^١) «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (١/ ٢٦٨ - ٢٧٠).\n(^٢) «المُحَلَّى» (١/ ٤٠٦ - ٤١١).\n(^٣) «الاختِيارات الفِقْهِيَّة» لابن تَيمِيَّة-جمعها البَعْلِيّ المتوفى ٨٠٣ هـ (١/ ٢٨).","vol":"1","page":177},{"text":"ليومين ثم الطهر ليوم أو بعض يوم ثم حيضًا لستة أيام ثم طهرًا لخمسة ثم حيضًا لعشرين يومًا ثم طهرًا ليومين وهكذا، وهو واقع، ويزداد مع استعمال وسائل منع الحمل المختلفة، وإن كان يقع أيضًا للنساء من غير استعمال هذه الوسائل لاضطرابات في الهرمونات قد يعانين منها.\nإن عدم القول بتحديد أكثر الحيض من شأنه أن يوقع كثيرًا من النساء في العنت، فتبقى الأسابيع الطوال لا يأتيها زوجها، ويجتمع عليها صيام أكثر أيام رمضان فتصومها على مدار العام، فكلما طَهُرَت صامت.\n* أما مستند من قال بالعشرة:\n١ - فحديث أبي أمامة الباهلي أن رسول الله -ﷺ- قال: «أقلُّ ما يكون الحيضُ للجاريةِ البكرِ والثيبِ ثلاثٌ وأكثرُ ما يكون عشرةُ أيام، وإذا رَأَت الدَّمَ أكثرَ من عشرة أيامٍ فهي مُستَحاضة» (^١).\nوالحديث -كما سبق في بحث أقل الحيض- لا يصح، ولا تقوم به حجة.\n٢ - واستدلوا بآثار عن بعض الصحابة، منها عن معاذ -﵁- ورُفِع -: «لا حَيضَ أقلُ من ثلاثٍ ولا فوقَ عشرٍ» (^٢)، وهي آثار ضعفها أهل الحديث (^٣).\nوإن صح شيء من هذه الآثار التي اضطربت في أقل الحيض وأكثره فلا دليل في كلام أحد غير المعصوم، وهذه الأمور كلها مما يدخل في باب الاجتهاد، والمتتبع لآراء الفقهاء\n_________\n(^١) رواه الدَّارَقُطْنِيّ: كتاب الحيض، باب الحيض (٢/ ٤٣٦)، انظر التعليق عليه في بحث أقل الحيض (ص ١٦٧).\n(^٢) «ضُعَفَاء العُقَيْلِيّ» (٤/ ٥١).\n(^٣) انظر التفصيل في بحث أقل الحيض (ص ١٦٧)، وانظر التحقيق في ضعف كل هذه الآثار التي أتت بالتحديد في «التَّحْقِيق في أحَادِيثِ الخِلاف» لابن الجَوْزِيّ (١/ ٢٦١ - ٢٦٢).","vol":"1","page":178},{"text":"يرى من غير شك اعتمادهم على الوقوع، وكانوا يسألون الأهل، وينقلون عن الجيران والمستفتيات ... إلخ.\n* أما مستند من قال بالثلاثة عشر يومًا، وهو سعيد بن جبير، فلم يُذْكَر عنه، ولعله الوقوع.\n* ومستند من قال بالخمسة عشر يومًا:\n١ - حديث: «تَمكُثُ إحْدَاهُنَّ شَطْرَ عُمرِها لا تَصُومُ ولا تُصَلِّي».\nوهو لا يصح بهذا اللفظ، وليس في كتب الحديث به، وحكم عليه النَّوَوِيّ -﵀- بالبطلان (^١). ولو صح، لما لزم أن يكون الشطر النصف؛ ألا ترى أنها بعد الإياس تصلي وتصوم سائر الأيام، فلا يصح أنها لا تفعل ذلك نصف عمرها على أي حال.\n٢ - قالوا لو كان الحيض أكثر من ذلك لكان أكثر من الطهر.\nوالجواب أنه لو كان خمسة عشر يومًا كل شهر، لكان أكثر من الطهر في كل العام وفي بعض الأشهر، فإن بعض الأشهر تسعة وعشرون. وليس في الوحي ما يمنع أن يكون الحيض أكثر من الطهر.\n٣ - واستدلوا بأنه أكثر ما يقع.\nوليس كذلك، بل روي السبعةَ عشرَ يومًا عن أحمد وابن مهدي (^٢).\n_________\n(^١) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٤٠٦).\n(^٢) «المُحَلى» (١/ ٤٠٦ - ٤١١).","vol":"1","page":179},{"text":"* ومستند من قال بالسبعةَ عشرةَ يومًا:\nالوقوع كما روي عن أحمد وعبد الرحمن بن مهدي وعن نساء آل الماجِشُون، وذكر ذلك كله ابن حَزْم -﵀- (^١).\nوقالوا: لم يذكر فوقه فيكون إجماعًا (١).\nوالجواب أن هذا حكاية واقع، وقد حكى الإمام أحمد -﵀- السبعة عشر ونقله ابن حَزْم عنه وعن عبد الرحمن بن مهدي، ولم نعرف من قال بذلك قبلهما، فلو حصل بعدهما أن امرأة حاضت من كل شهر ثمانية عشر يومًا، فهل تكذب نفسها، ومن أين للمحدد بالسبعة عشر أن يقول لها إن دمها الأسود الذي يَعْرِف والمصاحَب بأعراض الحيض ليس حيضًا.\nإن القول بالأكثر والأقل إجماع صحيح، ولكنْ في غير حكاية الواقع التي تغيرت على مر الأيام، فلا ندري عند أي مرحلة ينعقد الإجماع ولا تصح من بعد مخالفته. ومثل هذا الإجماع الاستقرائي لا يصلح كدليل قطعي بل هو حجة ظنية غيرها قد يكون أقوى منها (^٢). كذلك، إن هذا لو كان حجة، فهو كذلك على القائل بالأكثر من السبعة عشر يومًا دون القائل بالأقل.\n_________\n(^١) «المُحَلى» (١/ ٤٠٦ - ٤١١).\n(^٢) انظر: «مَجْمُوع الفَتَاوَى» لابن تَيمِيَّة (١٩/ ٢٦٧).","vol":"1","page":180},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-67> رأي الطب وأثره على الترجيح:</span>\nأما الطب، فإنه لا يجعل للحيض حدًا، وإن كان الأطباء يقررون أن الحيض يعني حالة تمر بها المرأة، لها وقتها المحدد (^١).\nوجاء في التوصية الخامسة عشرة لندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، المنعقدة في دولة الكويت عام ١٩٨٧ م ما يأتي:\n«اتفق الأطباء مع أحد الآراء الفقهية، وهو الرأي القائل: إن أقل الحيض نقطة، أما تحديد أكثره فيرجع فيه إلى عادة كل امرأة» (^٢).\nولكن الجزء الأول من الدورة الشهرية الذي يسبق التبويض قد يختلف اختلافًا واسعًا، وقد تبقى البطانة الداخلية للرحم تتساقط الأيام الطويلة التي تزيد على الشهر، وقد يتخلل ذلك أيام طهر أو لا. نعم تكون هذه الحالة مرضية عند المرأة.\nإذًا فالحيض (بمعنى خروج الدم الأسود الذي يعرف والناشئ عن تساقط بطانة الرحم) قد يستمر، وقد بينت ذلك النصوص، حيث إنها لم ترد كل امرأة إلى التمييز، ولو كانت كل استحاضة إنما هي دم عرق أحمر، لما كان ثمة إشكال، ولرَدَّت النصوص كل النساء إلى التمييز، سواءٌ ميزت المرأة بنفسها أو ساعدتها في ذلك الخبيرة من نساء أهلها.\n_________\n(^١) انظر: «دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة» بحث الحيض والنفاس (ص ١٤٨)، وانظر: «الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية» (ص ٦٨٠ - ٦٩٨).\n(^٢) انظر التوصية الخامسة عشرة لندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية، التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت، عام ١٩٨٧ م.","vol":"1","page":181},{"text":"أما قول الرسول -ﷺ-: «إنما ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فإذا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلاةَ، فإذا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» (^١). فليس دليلا على أن لتساقط بطانة جدار الرحم حدًا ينتهي إليه، فهذه واقعة عين، وقد يكون ظهر له -ﷺ- أن فاطمة بنت أبي حُبَيْش إنما أصابتها علة وأن دمها ليس حيضًا. ولم يحد لنا -ﷺ- شيئًا، ولو فعل لنُقِل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-68> الترجيح:</span>\nإن حل هذه المشكلة -في تقديري- يكمن في التفريق بين ثلاثة أنواع من الحيض:\n١ - الحيض العادي الطبيعي، وأكثره ستة أو سبعة الأيام كما هو في الشرع والطب كذلك.\n٢ - الحيض المرضي. والأطباء متفقون على أنه إذا جاوز الحيض عشرة أيام فإنه مرضي يحتاج إلى تشخيص وعلاج (^٢)؛ وإن كان أغلبهم يرون أنه لا يكون طبيعيًا إذا استمر فوق سبعة الأيام.\n٣ - الحيض الحكمي. وهو الذي تترتب عليه الأحكام.\nوالاستحاضة تشمَلُ الحيض المرضي، وهو ما جاوز من الحيض أكثره، ومنها ما يكون بسبب عرق أو غير ذلك من أسباب النزيف التي لا صلة لها بالحيض الطبيعي.\n_________\n(^١) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الحيض، باب الاستحاضة (١/ ١١٧).\n(^٢) انظر: «خلق الإنسان بين الطب والقرآن» (ص ١٢٧).","vol":"1","page":182},{"text":"• إنه لو وجد قائل بأن أكثر الحيض سبعة أيام لكان قولا قويًا مدعومًا بأن النبي -ﷺ- لم يأمر امرأةً بأن تعتبر نفسها حائضًا فوق ذلك، ولكن ليس هناك من حَدَّ أكثر الحيض بدون عشرة الأيام فيكون إجماعًا.\nوالحيض قد يستمر أكثر من سبعة أيام بلا منازع، وكذلك فإن الرسول -ﷺ- قد أشعر بقوله: «كما تَحِيضُ النِّسَاء ويَطْهُرن لمِيقَات حَيْضِهِن وطُهْرِهِن» أن هذا أغلب حال النساء فيحتاط بزيادة ثلاثة أيام على الحد الأعلى لأغلب عادة النساء، فيتوجه قول الحنفية بجعل أكثر الحيض (الحكمي) عشرة أيام، وهو الأقرب للمعارف الطبية والأسعد حظًا بالآثار على ضعفها والأرفق بالنساء وأزواجهن.\n* * *","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>المطلب السابع: أقل الطهر</span>\n* ذهب ابن حَزْم (^١) إلى عدم تقدير أقل الطهر، ووافقه على ذلك ابن تَيمِيَّة (^٢)، وهذا القول رواية عن أحمد (^٣).\nوذهب الجمهور إلى التقدير، ثم اختلفوا في القدر:\n* فذهب المالكية في قول إلى أنه خمسة، وفي آخر ثمانية أو عشرة (^٤)، وقولهم الذي عده ابن شاس المشهور (^٥) في المذهب إنه خمسة عشر.\n* وهذا الأخير هو قول الحنفية (^٦)، والشافعية (^٧)، والثَّورِيّ، ورواية عن أحمد (^٨).\n* وقال الحنابلة في المشهور: إنه ثلاثة عشر يومًا (^٩).\n* وقال عَطَاء: تسعة عشر (^١٠). وبه قال يحيى بن أكْثَم (^١١) (^١٢).\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» (١/ ٤١١).\n(^٢) «الاختِيارات الفِقْهِيَّة لابن تَيمِيَّة» للبعلي الحنبلي (١/ ٢٨).\n(^٣) «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠).\n(^٤) انظر: «الكَافِي في فِقْهِ أهْلِ المَدِينَة» لابن عبد البَرّ (١/ ٣١)، «المُدَوَّنَة الكُبْرَى» (٢/ ٣٦٩)، «التَّاج والإكْلِيل» للعبدري المَوَّاق (١/ ٥٤٢). وفي «المُدَوَّنَة» قال مالك: «يسأل النساء عن عدد أيام الطهر، فإن قلن هذه الأيام تكون طهرًا بين الحيضتين، وجاء هذه الأمة بعد هذه الأيام من الدم ما يقلن النساء أنه دم حيضة ولا يشككن أنه حيضة أجزأه ذلك من الاستبراء».\n(^٥) «التَّاج والإكْلِيل» للمَوَّاق (١/ ٤٥٢).\n(^٦) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣/ ١٤٩).\n(^٧) «حَاشِيَة البُجَيرَمِيّ على الخطيب» (١/ ٣٥٣).\n(^٨) «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠).\n(^٩) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٤٤٨).\n(^١٠) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣/ ١٤٩)، «سُنَن الدَّارِمِيّ» كتاب الطهارة، باب في أقل الطهر.\n(^١١) هو: أبو محمد يحيى بن أكْثَم بن محمد بن قطن التَّميمِيّ الأُسَيِّدِيّ (الأُسَيْدِيّ) المَرْوَزِيّ، قاضٍ، رفيع القدر، عالي الشهرة، من نبلاء الفقهاء، يتصل نسبه بأكْثَم بن صيفي حكيم العرب. ولد بمروسنة ١٥٩ هـ كان مع تقدمه في الفقه وأدب القضاء، حسن العشرة، حلو الحديث مات -﵀- بالرَّبَذَة من قرى المدينة سنة ٢٤٢ هـ يقال إن كتب يحيى في الفقه أجل كتب، لكن تركها الناس لطولها. راجع ترجمته في: «تاريخ بغداد» (١٤/ ١٩١)، «طَبَقَات الحَنَابِلَة» (١/ ٤١٠)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٦/ ١٤٧)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٢/ ٥).\n(^١٢) «مُختَصَر اختِلاف العُلَمَاء» للطَّحَاوِيّ (١/ ١٦٩).","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>عرض الأقوال:</span>\nقول السادة الحنفية:\nقال السَّرَخْسِي -﵀-: «أما أقل مدة الطهر خمسة عشر يومًا عندنا والشافعي -﵀- تعالى، وقال عَطَاء: تسعة عشر يومًا» (^١).\nقول السادة المالكية:\nقال المَوَّاق -﵀-: «كأقل الطهر من «المُدَوَّنَة»: إذا رأت بعد طهرها بثلاثة أيام أو نحوها دمًا قال: إن كان الدم الثاني قريبًا من الأول أضيف إليه وكان كله حيضة واحدة، وإن تباعد ما بينهما فالثاني حيض مؤتنف، ولم يوقت كم ذلك إلا قدر ما يعلم أنها حيضة مستقلة ويعلم أن بينهما من الأيام ما يكون طهرًا، قال في كتاب «الاستبراء»: ويسأل النساء عن عدد أيام الطهر، وفي «الرسالة»: حتى يبعد ما بين الدمين مثل ثمانية أيام أو عشرة فيكون حيضًا مؤتنفًا، قال سيدي ابن سراج (^٢) -﵀-: بهذا ينبغي أن تكون\n_________\n(^١) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣/ ١٤٩).\n(^٢) هو: أبو القاسم محمد بن محمد بن سِرَاج الأندَلُسِيّ، الغُرْناطِيّ فقيه من القضاة، مشارك في علوم، من تصانيفه: «شرح كبير على مُخْتَصَر خَلِيل» في فروع الفقه المالكي. راجع ترجمته في: «مُعْجَم المؤلفين» (١١/ ٣١٨).","vol":"1","page":185},{"text":"الفتوى، وقد استقرأه الشيخ أبو محمد (^١) من «المُدَوَّنَة» وهو قول سَحْنُون (^٢)، وقال في «شرح الرسالة»: فعلى هذا فقد تنقضي العدة في تسعة عشر يومًا، انظر هذا فإنه أيضًا إنما يأتي على أن الدفعة حيضة وهذا هو مقتضى الفقه عند ابن رُشْد حسبما يأتي في الاستبراء عند قوله: «ورجع في قدر الحيض»، وقال ابن مسلمة: «أقل الطهر خمسة عشر يومًا»، واعتمده في «التلقين» وجعله ابن شاس (^٣) المشهور» (^٤).\n_________\n(^١) هو: أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن النفزي القَيْرَوانِيّ المالكي، يقال له مالك الصغير، كان أحد من برز في العلم والعمل، ولد بالقيروان سنة ٣١٠ هـ، وتوفي في شعبان سنة ٣٨٦ هـ، من تصانيفه: «النوادر والزيادات مختصر المُدَوَّنَة»، و«الرسالة»، و«إعجاز القرآن». راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ١٦٣)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٧/ ١٠)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٢/ ١٣١).\n(^٢) هو: عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي، الملقب بسحنون: قاض فقيه انتهت إليه رئاسة العلم في المغرب أصله شامي من حمص، ومولده في القيروان سنة ١٦٠ هـ، روى «المدونة» في فروع المالكية، عن عبد الرحمن بن قاسم، عن الإمام مالك. توفي سنة ٢٤٠ هـ. راجع ترجمته في: «وفيات الأعيان» (٣/ ١٨٠)، و«السير» للذهبي (١٢/ ٦٣)، و«شذرات الذهب» (١/ ٩٤).\n(^٣) هو: جلال الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن نجم بن شاس بن نزار الجُذَامِيّ السَّعْدِيّ المِصْرِيّ، شيخ المالكية في عصره بمصر، من أهل دِمياط، مات فيها مجاهدًا، والإفرنج محاصرون لها سنة ٦١٦ هـ، من كتبه: «الجواهر الثمينة» في فقه المالكية، وكان جده شاس من الأمراء. راجع ترجمته في: «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٢٢/ ٩٨)، «الدِّيبَاج المُذْهَب» (١/ ١٤١)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٣/ ٦١)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٣/ ٦٩).\n(^٤) «التَّاج والإكْلِيل» للمَوَّاق (١/ ٥٤٢).","vol":"1","page":186},{"text":"قول السادة الشافعية:\nفي حَاشِيَة البُجَيرَمِيّ (^١) -﵀-: «وأقل زمن الطهر الفاصل بين الحيضتين خمسة عشر يومًا لأن الشهر غالبًا لا يخلو عن حيض وطهر، وإذا كان أكثر الحيض خمسة عشر يومًا لزم أن يكون أقل الطهر كذلك. وخرج بقوله بين الحيضتين الطهر بين الحيض والنفاس، فإنه يجوز أن يكون أقل من ذلك، سواء تقدم الحيض على النفاس إذا قلنا إن الحامل تحيض وهو الأصح أم تأخر عنه وكان طروءه بعد بلوغ النفاس أكثره كما في المَجْمُوع. أما إذا طرأ قبل بلوغ النفاس أكثره فلا يكون حيضًا إلا إذا فصل بينهما خمسة عشر يومًا» (^٢).\nوقول الشِرْبِينِيّ (^٣) (الشارح) -﵀- «لأن الشهر غالبًا لا يخلو عن حيض وطهر» ليس فيه دليل، فإن المرأة قد تحيض مرتين في الشهر ومرة في الشهرين اتفاقًا، وليس هذا بالنادر الذي لا عبرة به.\n_________\n(^١) هو: سليمان بن محمد بن عمر البُجَيرَمِيّ، فقيهٌ مِصْرِيّ، ولد في بجيرم من قرى الغربية بمصر سنة ١١٣١ هـ وقدم القاهرة صغيرًا، فتعلم في الأزهر ودرس، وكف بصره، له: «التجريد» وهو حَاشِيَة على شرح المَنهَج في فقه الشافعية للأنصاري، و«تُحْفَة الحبيب» حَاشِيَة على شرح الخطيب المسمى بالإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، وتوفي -﵀- في قرية مصطية بالقرب من بجيرم سنة ١٢٢١ هـ. راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (٣/ ١٣٣)، «مُعْجَم المؤلفين» (٤/ ٢٧٥).\n(^٢) «حَاشِيَة البُجَيرَمِيّ على الخطيب» (١/ ٣٥٣). والكلام هنا ليس للمُحَشِّي، بل للشارح محمد الشِّرْبِينِيّ الخطيب -﵀-.\n(^٣) هو: شمس الدين محمد بن أحمد الشِّربِينِيّ، الفقيه الشافعي المفسر، من أهل القاهرة، له تصانيف، منها: «السراج المنير في تفسير القرآن»، و«الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع»، و«مُغْنِي المُحْتاج» في شرح مِنْهَاج الطَّالِبِين للنَّوَوِيّ، و«مناسك الحج». توفي سنة ٩٧٧ هـ. راجع ترجمته في: «شَذَرَات الذَّهَب» (٤/ ٣٨٤)، «الأعلام» للزرِكلِيّ (٦/ ٦).","vol":"1","page":187},{"text":"قول السادة الحنابلة:\nقال ابن قُدامة -﵀-: «وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا؛ لأن كلام أحمد لا يختلف أن العدة تصح أن تنقضي في شهر واحد إذا قامت به البينة. وقال إسحاق: توقيت هؤلاء بالخمسة عشر باطل. وقال أبو بكر: أقل الطهر مبني على أكثر الحيض، فإن قلنا أكثره خمسة عشر يومًا، فأقل الطهر خمسة عشر، وإن قلنا أكثره سبعة عشر، فأقل الطهر ثلاثة عشر. وهذا كأنه بناه على أن شهر المرأة لا يزيد على ثلاثين يومًا يجتمع لها فيه حيض وطهر، وأما إذا كان شهرها على غير ذلك تصور أن يكون حيضها سبعة عشر، وطهرها خمسة عشر وأكثر. وقال مالك، والثَّورِيّ، والشافعي، وأبو حنيفة: أقل الطهر خمسة عشر. وذكر أبو ثور (^١) أن ذلك لا يختلفون فيه، ولنا ما روي عن علي -﵁-، أن امرأة جاءته، وقد طلقها زوجها، فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض، طَهُرَت عند كل قرء وصلت. فقال علي لشريح: قل فيها. فقال شُرَيْح: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرضى دينه وأمانته، فشهدت بذلك، وإلا فهي كاذبة. فقال علي: قالون، وهذا بالرومية، ومعناه: جيد، وهذا لا يقوله إلا توقيفًا؛ ولأنه قول صحابي، انتشر، ولم نعلم خلافه، رواه الإمام أحمد بإسناده، ولا يجيء إلا على قولنا أقله ثلاثة عشر، وأقل الحيض يوم وليلة» (^٢).\n_________\n(^١) هو: أبو ثور إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكَلْبِيّ البَغْدَادِيّ، الفقيه، صاحب الإمام الشافعي، كان أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلا، صنف الكتب وفرع على السنن، وذب عنها، يتكلم في الرأي فيخطئ ويصيب، ومات -﵀- ببغداد شيخًا سنة ٢٤٠ هـ، كان من أصحاب الرأي حتى صاحب الشافغي وتبعه، وكان يستقل برأيه ويخالف الشافعي في مسائل كثيرة، فلم يعد الشافعية خلافه وجهًا. له مصنفات كثيرة منها: كتاب ذكر فيه اختلاف مالك والشافعي وذكر مذهبه في ذلك. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ١١٢)، «تاريخ بغداد» (٦/ ٦٥)، «وَفَيَات الأعْيَان» (١/ ٢٦)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة» لابن قاضي شُهْبَة (٢/ ٥٥).\n(^٢) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٤٤٨).","vol":"1","page":188},{"text":"قول السادة الظاهرية:\nقال ابن حَزْم -﵀-: «ولا حد لأقل الطهر ولا لأكثره، فقد يتصل الطهر باقي عمر المرأة فلا تحيض بلا خلاف من أحد من المشاهدة لذلك» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-71> المناقشة والترجيح:</span>\n* مستند من قال بعدم التقدير عدم وجود دليل على التقدير، وهو مستند قوي، فالحق أنه لا دليل على التقدير، ويبقى الاستقراء الذي كان متعسرًا في أزمنة السلف﵏.\n* أما من قال بالثلاثة عشر يومًا، فاستدلوا بما رواه البَيْهَقِيّ وغيره عن شُرَيْح (^٢) أن رجلا طلق امرأته فذكرت أنها قد حاضت في شهر ثلاث حيض، فقال علي لشريح: قل فيهما، فقال: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها يشهدون صُدِّقَت، فقال له قالون: أي أصبت بالرومية (^٣).\nوفي الأثر ما يدل على أن أقل الطهر ثلاثة عشر يومًا لمن ذهب إلى كون أقل الحيض يوم وليلة، فمن قال إن أقل الحيض دفعة فقد يكون ما وقع للمرأة ثلاث حيض كل واحدة دفعة فصل بينهم طهران كل واحد خمسة عشر يومًا.\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» لابن حزم (١/ ٤١١).\n(^٢) هو: أبو أمية شُرَيْح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكِنْدِيّ، أشهر القضاة الفقهاء في صدر الإسلام بعد الصحابة، أصله من اليمن. ولي قضاء الكوفة، في زمن عمر وعثمان وعلي ومعاوية، وكان ثقة في الحديث، مأمونًا في القضاء، عادلا ذكيًا، حصيفًا أريبًا، له باع في الأدب والشعر، وعمَّر طويلا، ومات -﵀- بالكوفة سنة ٧٨ هـ. راجع ترجمته في: «وَفَيَات الأعْيَان» (٢/ ٤٦٠)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٤/ ١٠٠).\n(^٣) «مَعْرِفَة السُّنَن والآثَار» للبَيْهَقِيّ (٦/ ٣١).","vol":"1","page":189},{"text":"وليس ما وقع للمرأة إلا واقعة عين لا يمكن أن تعمم على كل النساء، ومعنى إقرار علي لشريح هو أن الطهر قد يكون خمسة عشر يومًا أو ثلاثة عشر، لا أنه لا يكون أبدًا أقل من ذلك.\nولذلك فإن ابن حَزْم يذهب إلى أن قول علي هو أنه لا حد لأقل الطهر، ويروي عنه أنه سئل أيكون الطهر خمسة أيام، فقال: النساء أعلم بذلك (^١).\nونُقِل عن ابن عباس أنه قال: من رأت الطهر ساعة فلتغتسل، وهو مشهور عنه (^٢).\n* ومستند من ذهب إلى أن أقل الطهر خمسة عشر يومًا آثار لم يصح منها شيء، بعضهم رفعها إلى النبي -ﷺ-. ولا يصح منها لا مرفوع ولا موقوف، حتى الأثر عن إبراهيم النَّخْعِيّ -﵀- (^٣) الذي رواه الدَّارِمِيّ ضعفه أهل الحديث كالزَّيْلَعِيّ (^٤).\nوقالوا: إن الشهر في الغالب ينقسم بين الحيض والطهر، فإذا كان أكثرُ الحيض خمسَة عشر يومًا، فتوجه أن يكون أقل الطهر خمسة عشر، ولا يخفى ضعف الاستدلال، فإنه لا يلزم أن تقسم الدورة الحيضية بهذه الطريقة، فإن المرأة قد تحيض مرتين في الشهر ومرة في الشهرين اتفاقًا، وليس الكلام هنا عن الأغلب، بل الأقل والأكثر.\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١/ ٤١١ - ٤١٤).\n(^٢) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٢١٤).\n(^٣) هو: أبو عِمْران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود، النَّخْعِيّ، فقيه العراق، من مَذْحِج من أكابر التابعين صلاحًا وصدق رواية وحفظًا للحديث، من أهل الكوفة، ولد سنة ٤٦ هـ، كان إمامًا مجتهدًا له مذهب، ولما بلغ الشَّعْبِيّ موته قال: والله ما ترك بعده مثله، توفي -﵀- سنة ٩٦ هـ. راجع ترجمته في: «وَفَيَات الأعْيَان» (١/ ٢٥)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٤/ ٥٢٠)، «شَذَرَات الذَّهَب» (١/ ١١١).\n(^٤) «نَصْب الرَّايَة» للزَّيْلَعِيّ (١/ ١٩٩).","vol":"1","page":190},{"text":"* ومستند عَطَاء -﵀- ومن قال بالتسعة عشر: إن الشهر تسعة وعشرون يومًا، وأكثر الحيض عشرة أيام، فيبقى تسعة عشرة يومًا، والتعليل ضعيف كسابقه.\nيظهر لنا مما سبق عدم وجود الدليل على التحديد فهل يمكننا معرفة ذلك بالاستقراء.\nأولًا، هل من حاجة إلى تحديد أقل الطهر؟ الصحيح وجود الحاجة إلى ذلك، سيما في العدد والاستبراء، وقد صرح ابن حَزْم أن المرأة قد تنقضي عدتها في ساعة وهو لازم قوله بعدم تحديد أقل الطهر (^١).\nولكن لا يخفى أن هذا القول يفتح باب شر، وهو زواج المرأة وهي لا تزال حاملا من نكاحها الأول، وذلك لأنها مع حملها، تتساقط منها بعض دفعات من الدم، وهو معروف، فتعد كل دفعة حيضًا دون أن تدري بحملها. فإن قيل، فإن ذلك أيضًا مُتصوَّرٌ على قول من قال أقل الطهر خمسة عشر أو ثلاثة عشر يومًا، لكان الجواب، نعم ولكن احتمال ذلك هنا أقل بكثير من الأول.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-72> رأي الطب وأثره على الترجيح:</span>\nأما من جهة الطب، فإن مدة الدورة الحيضية للمرأة لا يمكن أن تكون ساعة بل إنها إن قلت - كما ذكرنا - عن واحد وعشرين يومًا تعتبر حالة مرضية، وهي تنقسم إلى مرحلتين، مرحلة ما قبل التبويض، وهي من بداية الحيض إلى التبويض، وهي في الأغلب أربعة عشر يومًا، ومرحلة ما بعد التبويض إلى حصول الحيض وهي أربعة عشر يومًا كذلك، إلا أن المرحلة الأولى غير ثابتة، فقد تقل وتكثر، والثانية ثابتة إلى حد كبير، وربما زادت يومًا أو نقصت يومًا في المعتاد، ولكن في بعض الحالات قد تقل دون ذلك\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١/ ٤١١ - ٤١٤).","vol":"1","page":191},{"text":"أو تزيد فوق ذلك.\nإن الطب لم يحسِم هذه المسألة، وهي بحاجة إلى المزيد من الدراسة، وقد ذكر الحاجة إلى المزيد من البحث الدكتور عمر سليمان الأشْقَر (^١) حيث لم ينته الأطباء في ندوة الفقه الطبي الثالثة بالكويت (١٤٠٧ هـ) إلى قول فصل في هذه المسألة.\nإن الذي يظهر بالاستقراء أن قول الجمهور بالخمسة عشر يومًا والحنابلة بالثلاثة عشر هو الأقرب إلى الصواب، ويعسر الفصل بين هذين القولين وتحديد الأرجح منهما من جهة النقل. فإنه يمكن توجيه أثر شُرَيْح على أي من القولين مع الخلاف المعروف في أقل الحيض هل هو دفعة أو يوم وليلة. ولكن القول بالدفعة يترجح عندي، فيتوجه عندي تفسير قضاء شُرَيْح بكون أقل الطهر خمسة عشر والحيض دفعة.\n• أما من جهة الطب، فعسر هذا التحديد يكمن - بالإضافة إلى عوامل أخرى - في أنه في بعض الحالات قد يستمر تساقط جدار الرحم بلا انقطاع وهذا حيض من جهة الطب ولا يكون كذلك من جهة الفقه، فينبغي من حد لأقل الطهر هنا مع كون الطب لا يرى فرقًا بين هذا الدم النازل في حال الطهر (الحكمي) ودم الحيض. ولكن قول الجمهور هو الأقرب كما بينا في المقدمة الطبية.\n* * *\n_________\n(^١) هو: عمر سليمان الأشْقَر، الفقيه الإصلاحي المحقق، عمل أستاذًا بكليات الشريعة بجامعات الكويت والأردن، له مصنفات جليلة كثيرة منها: «سلسلة العقيدة في ضوء الكتاب والسنة»، و«مقاصد المكلفين»، و«مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق»، و«تاريخ الفقه الإسلامي، و«منهج الإفتاء عند ابن قيم الجَوْزِيّة دراسة وموازنة».","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>المطلب الثامن: أكثر الطهر</span>\nيتفق الفقهاء على أنه لا حد لأكثر الطهر وهو إجماع حكاه أكثر من واحد، وهو موافق للطب، فإن المرأة قد ينقطع حيضها وإن لم تبلغ سن الإياس فيما يسمى بانقطاع الطمث أو الضهي (^١) أو تتباعد حيضاتها فيما يسمى بتباعد الطمث (^٢).\nوفي الأحوال العادية لا تتباعد الحيضات أكثر من مائة يوم ويكون ذلك قريبًا من سن الإياس.\nأما غير القريبة من سن الإياس فالطبيعي أن الحيضات لا تتباعد أكثر من خمسة وثلاثين إلى خمسة وأربعين يومًا (^٣).\nوالخلاصة: أنه لا حد لأكثر الطهر، وقد يكون ذلك مَرَضيًا أو غير ذلك، وربما انتفع بالأطباء في العلاج من الحالات المرضية وتحديد سبب انقطاع الحيض.\nإن هذه المسألة لا تعد من المشكلات إلا في مباحث العدة، فإن المرأة في حالات انقطاع أو تباعد الطمث في غير سن الإياس قد تطول عدتها جدًّا، وتفصيل ذلك تجده -إن شاء الله- في مباحث العدة فلتراجع.\n* * *\n_________\n(^١)  Amenonhea\n(^٢) Oligomenorrhea\n(^٣) De Silva، Nirupama K &amp; Zurawin، Robert K.Definition and evaluation of abnormal uterine bleeding in adolescents.In: UpToDate، Rose، BD (Ed)، UpToDate، Waltham، MA، ٢٠٠٧.","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>المطلب التاسع: المُبْتَدَأة والمُتَحَيِّرَة</span>\nيختلف الفقهاء في أحكام المُبْتَدَأة والمُتَحَيِّرَة.\nأما المُبْتَدَأة فإنهم يختلفون في:\n١ - كم تمسك عن الصلاة إن كان نزول الدم جاوز أقل الحيض ولم يعبر أكثره، فالجمهور من الحنفية (^١) والمالكية (^٢) والشافعية (^٣) ورواية عند الحنابلة يرون أنها تمسك ما رأت الدم ولم يتجاوز أكثر الحيض وفي الرواية الأظهر عند الحنابلة (^٤) يقولون إنها تجلس أقل الحيض ثم تصلي وتصوم حتى تصير لها عادة. وقول الجمهور أقوى لأن الدم النازل في سن الحيض وزمانه (الحكمي) الأصل فيه أنه حيض.\n٢ - وعند استمرار الدم وعبوره أكثر مدة الحيض، ذهب الحنفية (^٥) والمالكية (^٦) في قول إلى أن حيضها أكثر فترة الحيض، وطهرها ما جاوزه. وذهب الشافعية (^٧) والحنابلة (^٨) إلى التفريق بين من تميز دماها ومن جرى عليها دم واحد، فالأولى\n_________\n(^١) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣/ ١٥٦).\n(^٢) «التَّاج والإكْلِيل» للمَوَّاق (١/ ٥٤١).\n(^٣) «أسْنَى المَطَالِب» للأنصَارِيّ (١/ ١٠٥ - ١٠٦).\n(^٤) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٤٦٩ - ٤٧٢).\n(^٥) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣/ ١٥٦).\n(^٦) «المُنْتَقَى شَرح المُوَطَّأ» للباجِيّ (١/ ١٢٥).\n(^٧) «أسْنَى المَطَالِب» للأنصَارِيّ (١/ ١٠٥ - ١٠٦).\n(^٨) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٤٦٩ - ٤٧٢).","vol":"1","page":194},{"text":"حيضها ما كان زمن الأسود أو الثخين ما لم ينقص عن أقل الحيض، ولم يجاوز أكثره. والثانية تجلس عن الصلاة ونحوها أقل الحيض من كل شهر، حتى يتكرر ثلاثًا، فإذا تكرر قعدت من كل شهر غالب الحيض ستًا أو سبعًا.\nوفي ثبوت العادة للمبتدأة يرى الجمهور من الحنفية (^١) والمالكية (^٢) والظاهر عند الشافعية (^٣) أن العادة تثبت بمرة بينما تثبت عند الحنابلة بمرتين في وجه وثلاث في الأقوى (^٤).\nوأما المُتَحَيِّرَة، فإن خلافهم فيها لا ينحصر، ولذلك سماها البعض المُحَيَّرة. وقد ألزمها البعض - في بعض حالاتها - بما يكاد ألا يطاق، من التكليف بكل أحكام الطاهرات، مع عدم إسقاط احتمال كونها حائضًا، فهي قد تصوم كل رمضان وتقضيه كله لاستواء احتمالي الحيض والطهر، ومنعوها من كل ما تمتنع منه الحائض بما في ذلك معاشرة الزوج ما رأت الدم وشكت في مكان وعدد عادتها.\nوليس تحرير الرأي الراجح في هذه المسائل مما سنُعنى به في بحثنا هذا لأن الخلاف في أكثرها لا يؤثر فيه تطور الطب، ولكنْ، قد تقدم أن الطب الحديث يستطيع أن يبين للمرأة إن كان دمها حيضًا بمعنى تساقط بطانة جدار الرحم أو دم علة، وإن هذا مما أنعم الله به على الناس وينبغي أن يستعان به لإنهاء الحيرة ورفع الخلاف في أحكام المُتَحَيِّرَة والمُبْتَدَأة ما امتهد إلى ذلك سبيل.\n_________\n(^١) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣/ ١٦٢).\n(^٢) «مَوَاهِب الجَلِيل» للحَطَّاب (١/ ٣٦٩).\n(^٣) «أسْنَى المَطَالِب» للأنصَارِيّ (١/ ١٠٥ - ١٠٦).\n(^٤) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٤٦٩ - ٤٧٢).","vol":"1","page":195},{"text":"وليس هذا عجيبًا، فإن نساء الصحابة كن يبعثن إلى عائشة -﵂- بالدِّرَجَة (أو الدُّرْجَة) فيها الكُرْسُف فيه الصُّفْرَة من دم الحيضة يسألنها عن الصلاة، فتقول لهن: لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيضَاء (^١).\nوفي فعلهن استعانة برأي الخبير، والعمل بالتمييز يعتبره كل الفقهاء وإن اختلفوا في قوته وترتيبه. والآن قول الطبيبة الثقة المعتمد على الفحوص لا ينزل عن مرتبة الظن الراجح المقارب لليقين ومن ثم ينبغي المصير إليه عند تيسره.\n* * *\n_________\n(^١) «مُوَطَّأ مالك» كتاب: الطهارة، باب طهر الحائض، حديث رقم (١١٦)، وصححه الألبَانِيّ في «الإرواء» (١/ ٢١٨) رقم (١٩٨).","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>المطلب العاشر: الصفرة والكُدْرَة</span>\nالصُّفْرَة والكُدْرَة: سائلان يسيلان من فرج المرأة، وقد يكون ذلك في زمن الحيض أو في غير زمانه، وما كان في زمن الحيض فقد يكون في أوله أو آخره.\nولقد اختلف أهل العلم في حكمهما على أربعة أقوال:\n* الأول: أنهما حيض مطلقًا، وهو قول المالكية (^١)، والأصح عند الشافعية (^٢)، والحنفية في الصُّفْرَة دون الكُدْرَة (^٣).\n* الثاني: ليستا حيضًا مطلقًا. وهو قول الظاهرية (^٤).\n* الثالث والرابع: هما حيض في زمان الحيض وليستا كذلك في غير زمانه، ثم اختلف أصحاب هذا القول فمنهم من قال إنه لابد أن يسبق بالدم: كأبي يوسف (في الكدرة) (^٥)، وأبي ثور (^٦). ومنهم من لم يشترط ذلك: كأبي حنيفة، ومحمد (في الكدرة) (^٧)، والراجح عند الحنابلة (^٨).\n_________\n(^١) «المُدَوَّنَة» أجوبة مالك برواية سَحْنُون (١/ ١٥٣).\n(^٢) «مُغْنِي المُحْتاج» للشِّرْبِينِيِّ (١/ ٢٨٥ - ٢٨٦).\n(^٣) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣/ ١٥١ - ١٥٢).\n(^٤) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١/ ٣٨٤).\n(^٥) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣/ ١٥١ - ١٥٢).\n(^٦) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٢/ ٢٠٣).\n(^٧) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣/ ١٥١ - ١٥٢).\n(^٨) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٢٠٣)، «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (١/ ٢٧٣).","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>عرض الأقوال:</span>\nقول السادة الحنفية:\nقال السَّرَخْسِيّ -﵀-: «فَصْلٌ: ألوان ما تراه المرأة في أيام الحيض ستة: السواد، والحمرة، والصفرة، الكُدْرَة، والخضرة، والتُّرْبِيَّة؛ أما السواد فغير مشكل أنه حيض لقوله -ﷺ-: «دم الحيض أسود عبيط» محتدم والحمرة كذلك، فهو اللون الأصلي للدم إلا أن عند غلبة السوداء يضرب إلى السواد وعند غلبة الصفراء يرق فيضرب على الصُّفْرَة ويتبين ذلك لمن افتصد والصُّفْرَة كذلك حيض؛ لأنها من ألوان الدم إذا رق وقيل هو كصُفْرَة السن أو كصُفْرَة التبن أو كصُفْرَة القز، وأما الكُدْرَة فلون كلون الماء الكدر، وهو حيض في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى سواء رأت في أول أيامها أو في أخر أيامها، وقال أبو يوسف -﵀-: إن رأت الكُدْرَة في أول أيامها لم يكن حيضًا، وإن رأت في آخر أيامها يكون حيضًا، قال: لأن الكُدْرَة من كل شيء تتبع صافيه فإذا تقدمه دم أمكن جعل الكُدْرَة حيضًا تبعًا فأما إذا لم يتقدمها دم لو جعلناه حيضًا كان مقصودًا لا تبعًا وهما يقولان: ما يكون حيضًا إذا رأته المرأة في آخر أيامها يكون حيضًا إذا رأته في أول أيامها كالسواد والحمرة» (^١).\nقول السادة المالكية:\nقال سَحْنُون -﵀-: «وقال مالك في المرأة ترى الصُّفْرَة أو الكُدْرَة في أيام حيضتها أو في غير أيام حيضتها فذلك حيض وإن لم تر ذلك دمًا» (^٢).\nوفي «التَّاج والإكْلِيل»: «ومن «المُدَوَّنَة»: إذا رأت المرأة صُفْرَة أو كُدْرَة في أيام\n_________\n(^١) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣/ ١٥١ - ١٥٢).\n(^٢) «المُدَوَّنَة» مالك-رواية سَحْنُون (١/ ١٥٣).","vol":"1","page":198},{"text":"حيضتها أو في غيره فهو حيض، وإن لم تر معه دمًا. الباجِيّ: أو لم يتقدمه دم» (^١).\nقول السادة الشافعية:\nقال الشِرْبِينِيّ -﵀-: «والصُّفْرَة والكُدْرَة كل منهما حيض في الأصح، وفي «الروضة» الصحيح؛ لأنه الأصل فيما تراه المرأة في زمن الإمكان. والثاني: لا، لأنه ليس على لون الدم، لقول أم عطية: كنا لا نعد الصُّفْرَة والكُدْرَة شيئًا. وأجاب الأول بأن هذا معارض بقول عائشة رضي الله تعالى عنها لما كانت النساء يبعثن إليها بالدِّرَجة فيها الكرسف فيه الصُّفْرَة من دم الحيض: لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيضَاء، تريد بذلك الطهر من الحيضة. رواه مالك. ومحل الخلاف إذا رأت ذلك في غير أيام العادة، فإن رأته في العادة، قال في «الروضة»: فحيض جزمًا، لكن في التتمة لابد من قوي معه، وقيل: يجب تقدم القوي، فيحسن حينئذ إطلاق الخلاف» (^٢).\nقول السادة الحنابلة:\nقال ابن قُدامة -﵀-: «فَصْلٌ: وحكم الصُّفْرَة والكُدْرَة حكم الدم العَبِيط في أنها في أيام الحيض حيض، وتجلس منها المُبْتَدَأة كما تجلس من غيرها، وإن رأتها فيما بعد العادة فهو كما لو رأت غيرها على ما سيأتي ذكره إن شاء الله. وإن طَهُرَت ثم رأت كُدْرَة أو صُفْرَة، لم يلتفت إليها؛ لخبر أم عطية وعائشة» (^٣).\nوقال ابن مُفْلِح -﵀-: «والصُّفْرَة زمن العادة حيض، عنه وبعدها وإن تكرر اختاره\n_________\n(^١) «التَّاج والإكْلِيل» للمَوَّاق (١/ ٣٦٧).\n(^٢) «مُغْنِي المُحْتاج» للشِّرْبِينِيِّ (١/ ٢٨٥ - ٢٨٦).\n(^٣) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٢٠٣).","vol":"1","page":199},{"text":"جماعة، وشرط جماعة اتصالها بالعادة، وذكر شيخنا [ابن تَيمِيَّة] وجهين؛ أحدهما ليست حيضًا مطلقًا، وعكسه» (^١).\nقول السادة الظاهرية:\nقال ابن حَزْم -﵀-: «فصح بما ذكرنا أن الحيض إنما هو الدم الأسود وحده، وإن الحمرة والصُّفْرَة والكُدْرَة عرق وليس حيضًا، ولا يمنع شيء من ذلك الصلاة» (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-77> المناقشة والترجيح:</span>\n* أما الفريق الأول القائل بأن الصُّفْرَة والكُدْرَة يكونان حيضًا مطلقًا فاستدلوا:\n١ - بحديث عائشة -﵂-: أن النساء كن يبعثن إليها بالدِّرَجَة فيها الكُرْسُف فيه الصُّفْرَة من دم الحيضة يسألنها عن الصلاة، فتقول لهن: «لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيضَاء» (^٣).\nووجه الدِّلالة أن عائشة -﵂- كانت ترى الطهر هو خروج القطن أبيض لا أثر عليه من صُفْرَة أو غيرها، فيكون غير ذلك حيضًا.\nوعورض هذا الاستدلال بما روي عن عائشة -﵂- نفسها أنها قالت: قال رسول الله -ﷺ- في المرأة ترى ما يَرِيبُها بعد الطهر، قال: «إنما هي عِرْقٌ أو عُرُوقٌ» (^٤).\nورواية عائشة عن رسول الله -ﷺ- أقوى من قولها، فإنه يحتمل أن يكون موقوفًا عليها،\n_________\n(^١) «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (١/ ٢٧٣).\n(^٢) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١/ ٣٨٤).\n(^٣) «مُوَطَّأ مالك» كتاب: الطهارة، باب طهر الحائض، حديث رقم (١١٦)، وصححه الألبَانِيّ في «الإرواء» (١/ ٢١٨) رقم (١٩٨).\n(^٤) «سُنَن ابن مَاجَه» كتاب: الطهارة وسننها، باب ما جاء في الحائض ترى بعد الطهر الصفرة والكدرة، حديث (٦٣٨)، وصححه الألبَانِيّ، انظر: «سُنَن ابن مَاجَه» بتحقيق مشهور (١/ ٦٤٦).","vol":"1","page":200},{"text":"ولكن الحديث يصلح لمعارضة من قال بأن الصُّفْرَة والكُدْرَة حيض مطلقًا دون من قال إنهما حيض في زمان الحيض دون غيره، لأن الحديث فيما تراه المرأة بعد الطهر، وهو ظهور القَصَّة (أو القُصَّة) البيضاء أو الجفوف.\n٢ - واستدلوا بالقياس، فقالوا: لما كان السَّواد حيضًا وكانت الحمرة جزءًا من أجزاء السواد وجب أن تكون حيضًا، ولما كانت الصُّفْرَة جزءًا من أجزاء الحمرة وجب أن تكون حيضًا، ولما كانت الكُدْرَة جزءًا من أجزاء الصُّفْرَة وجب أن تكون حيضًا، ولما كان كل ذلك في بعض الأحوال حيضًا وجب أن يكون في كل الأحوال حيضًا (^١).\nوقد أجاب عليهم ابن حَزْم -﵀- بقلب القياس فقال: «لما كانت القَصَّة البيضاء طهرًا وليس حيضًا بإجماع، ثم كانت الكُدْرَة بياضًا غير ناصع وجب أن لا تكون حيضًا، ثم لما كانت الصُّفْرَة كُدْرَة مشبعة وجب أن لا تكون حيضًا، ثم لما كانت الحمرة صُفْرَة مشبعة وجب أن لا تكون حيضًا، ولما كان ذلك في بعض الأحوال - وهو ما كان بعد أكثر أيام الحيض- ليس حيضًا وجب أن يكون في جميع الأحوال ليس حيضًا، فهذا أصح من قياسهم؛ لأننا لم نساعدهم قط على أن الحمرة والصُّفْرَة والكُدْرَة حيض في حال من الأحوال ولا في وقت من الأوقات، ولا جاء بذلك قط نص ولا إجماع ولا قياس غير معارض ولا قول صاحب لم يعارض وهم كلهم قد وافقونا على أن كل ذلك ليس حيضًا إذا رئي فيما زاد في أيام الحيض، فبطل قياسهم، وكان ما جئناهم به - لو صح القياس - لا يصح غيره» (^٢).\n٣ - واستدلوا بقول أسماء -﵂- مما رواه الدَّارِمِيّ وغيره عن محمد بن إسحاق عن فاطمة\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١/ ٣٩١).\n(^٢) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١/ ٣٩٢).","vol":"1","page":201},{"text":"قالت: «كنا نكون في حجرها [أي أسماء] فكانت إحدانا تحيض ثم تطهر فتغتسل وتصلي ثم تنْكُسُها الصُّفْرَة اليسيرة، فتأمرنا أن نعتزل الصلاة حتى لا نرى إلا البياض خالصًا» (^١).\nوأجيب عليه بأنه فهم لأسماء -﵂- خولفت فيه من قِبَل عائشة وأم عطية.\n* أما أصحاب القول الثاني وهو أنهما ليستا حيضًا مطلقًا فاستدلوا بالأدلة الآتية:\n١ - قوله -ﷺ-: «إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلاةِ وَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي» (^٢).\nووجه الدلالة: أن دم الحيض أسود فكل دم غيره ليس بحيض ومن باب أولى كل سائل ليس دمًا فليس بحيض.\nوأجيب عليه بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه.\n٢ - قول أم عطية -﵂- وقد صحِبَت الرسول -ﷺ-: «كنا لا نعُدُّ الكُدْرَة والصُّفْرَة شيئًا» (^٣)، وجاءت رواية عند أبي داود بزيادة: «... بعد الطُّهر شيئًا» (^٤)، وعند الدَّارِمِيّ: «... بعد الغسل» (^٥).\n_________\n(^١) «سُنَن الدَّارِمِيّ» كتاب الطهارة، باب الطهر كيف هو، رقم (٨٤٩)؛ وانظر «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٢٠٣).\n(^٢) «سُنَن النَّسَائيّ» كتاب الحيض والاستحاضة، الطهارة، باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة، رقم (٣٦٠)؛ وصححه النَّوَوِيّ في «المَجْمُوع» (٢/ ٣٩٧)، الألبَانِيّ، انظر: النَّسَائيّ، بتحقيق مشهور، برقم (٣٦٢).\n(^٣) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الحيض، باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض، حديث رقم (٣١٥).\n(^٤) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الطهارة، باب في المرأة ترى الكدرة والصفرة بعد الطهر (١/ ٨٣)، سكت عنه. وصححه الألبَانِيّ بالزيادة، انظر «سُنَن أبي دَاوُد» بتحقيق مشهور، رقم (٣٠٦).\n(^٥) «سُنَن الدَّارِمِيّ» كتاب الطهارة، باب الكدرة إذا كانت بعد الحيض رقم (٨٥٣، ٨٥٤).","vol":"1","page":202},{"text":"وبهذه الزيادات يصلح الحديث للرد على من عد الصُّفْرَة والكُدْرَة حيضًا مطلقًا، ولكنه يقف دون إثبات أنهما ليستا حيضًا مطلقًا، فقد يتمسك أصحاب القولين الثالث والرابع بأن الحديث يمكن جمعه مع حديث عائشة بأن يقال بأن الصُّفْرَة والكُدْرَة حيض في زمان الحيض وليستا كذلك في غير زمانه.\n* أما أصحاب القولين الثالث والرابع وهم القائلون بأن الصُّفْرَة والكُدْرَة حيض في زمان الحيض وطهر في زمان الطهر فإنهم قد استدلوا بالأدلة الآتية:\n١ - أمر عائشة -﵂- النساء ألا يعجَلْن حتى يرَيْن القَصَّة البيضاء.\nووجه الدلالة: أن كل ما يكون من صُفْرَة أو كُدْرَة متصلة بالحيض تعد حيضًا.\n٢ - تقييد أم عطية لعدم الاعتداد بالصُّفْرَة والكُدْرَة بأن ذلك بعد الطهر أو بعد الغسل، فيدل بدليل المخالفة أنهما يعتد بهما حيضًا قبل ذلك.\n٣ - الإعمال أولى من الإهمال، وبهذا القول نعمل حديثي عائشة وأم عطية كليهما.","vol":"1","page":203},{"text":"٤ - الآثار التي تعضد هذا القول عن أهل العلم كعلي (^١) والحسن (^٢) (^٣) ومحمد بن الحنفية (^٤) (^٥). وكلها ذكر فيها أن المرأة إذا رأت الصُّفْرَة والكُدْرَة بعد الطهر أو الغسل فإنها تغسلها وتتوضأ وتصلي.\nثم إن أهل هذا القول اختلفوا في الصُّفْرَة والكُدْرَة تراهما قبل الحيض أو تراهما المُبْتَدَأة هل يعدان حيضًا؟\n* فذهب أبو يوسف وأبو ثَور إلى أنهما لا يعدان حيضًا ما لم يسبقهما دم.\n* وقال أبو حنيفة ومحمد وجمهور الحنابلة بأنهما يعدان حيضًا سواءٌ سبقا بدم أم لا ما داما في زمان الحيض.\n_________\n(^١) «سُنَن الدَّارِمِيّ» كتاب الطهارة، باب الكدرة إذا كانت بعد الحيض رقم (٨٥٧، ٨٦١).\n(^٢) هو: أبو سعيد الحسن بن أبى الحسن يسار البَصْرِيّ، الأنصَارِيّ، مولاهم، مولى زيد بن ثابت، ويقال مولى جابر بن عبد الله، من أئمة وأعيان التابعين، ثقة فقيه فاضل مشهور، كان كبير الشأن، رفيع الذكر، رأسًا فى العلم والعمل، توفي -﵀- سنة ١١٠ هـ راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ٩١)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٢/ ٦٩)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٤/ ٥٦٣).\n(^٣) «سُنَن الدَّارِمِيّ» كتاب الطهارة، باب الكدرة إذا كانت بعد الحيض رقم (٨٥٤).\n(^٤) هو: أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي القُرشِيّ، المعروف بابن الحَنَفِيَّة نسبة لأمه خولة بنت جعفر الحنفية وكانت من سبي بني حنيفة، أعطاها الصديق لأبيه -﵁-. ولد في المدينة سنة ٢١ هـ، وكان أحد الأبطال الأشداء في صدر الإسلام، واسع العلم، ورعًا تقيًا، طاهرًا نقيًا، وكان أسود اللون، وأخبار قوته وشجاعته كثيرة، توفي -﵀- في المدينة سنة ٨١ هـ، وقيل في الطائف راجع ترجمته في: «شَذَرَات الذَّهَب» (١/ ٨٨)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٤/ ١٦٩)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٤/ ١١٠).\n(^٥) «سُنَن الدَّارِمِيّ» كتاب الطهارة، باب الكدرة إذا كانت بعد الحيض رقم (٨٥٥).","vol":"1","page":204},{"text":"ولقد لخص الخلاف بينهم السَّرَخْسِيّ في «المَبسُوط» حيث قال -﵀-: «قال أبو يوسف -﵀- تعالى إن رأت الكُدْرَة في أول أيامها لم يكن حيضًا، وإن رأت في آخر أيامها يكون حيضًا، قال: لأن الكُدْرَة من كل شيء تتبع صافيه فإذا تقدمه دم أمكن جعل الكُدْرَة حيضًا تبعًا فأما إذا لم يتقدمها دم لو جعلناه حيضًا كان مقصودًا لا تبعًا، وهما أبو حنيفة ومحمد يقولان: ما يكون حيضًا إذا رأته المرأة في آخر أيامها يكون حيضًا إذا رأته في أول أيامها كالسواد والحمرة؛ لأن جميع مدة الحيض في حكم وقت واحد، وما قاله أبو يوسف -﵀- تعالى فيما إذا كان النقب من أعلى الظرف، فأما إذا كان النقب من أسفله فالكُدْرَة يسبق خروجها الصافي، وهذا النقب من أسفل فجعلنا الكُدْرَة حيضًا وإن رأته ابتداءً» (^١).\nومع تخيل ما يحصل من سقوط جدار الرحم في أيام الحيض، فإن قول أبي يوسف هو الأقوى لأن الكُدْرَة بعد الحيض قد تكون من آثاره وبقاياه، أما قبله فهي من إفرازات الرحم.\nوالحق أن أدلة الفريقين الثالث والرابع هي الأقوى وفيها جمع حسن بين الآثار.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-78> رأي الطب وأثره على الترجيح:</span>\nأما من جهة الطب (^٢)، فإن الإفرازات الخارجة من الرحم والمَهْبِل كثيرة، وقد تزيد وتنقص تبعًا لعوامل عديدة منها: الاضطرابات الهرمونية والنفسية، ووجود أجسام غريبة داخل الرحم ... إلخ.\n_________\n(^١) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣/ ١٥٢).\n(^٢) راجع: «الإفرازات الطبيعية عند المرأة بين الطهارة والنجاسة» للدكتورة فاطمة عمر نصيف (ص ٦).","vol":"1","page":205},{"text":"إن هذه الإفرازات تخرج من الرحم في أوقات شتى ولا ينبغي أن تعطى حكم الحيض لاختلافها عنه اختلافًا جوهريًا، فإن الحيض يكون فيه تساقط لجدار الرحم، أما هذه الإفرازات المخاطية فليست كذلك.\nأما الصُّفْرَة والكُدْرَة المتصلة بالحيض وبعيده، فإنهما إن كانتا يشبهان ما يصيب المرأة في غير ذلك من الأوقات من الإفرازات فحكمهما حكم هذه الإفرازات عمومًا وهو الطهر، أما إن كانتا يتبعان الحيض عادةً ويختلفان عما يصيب المرأة من الإفرازات في العادة فإنهما من بقايا الحيض، وعندها تتربص المرأة ذَهابهما بخروج القَصَّة (أو القُصَّة) البيضاء، والتي قد تعني خروج سائل أبيض، أو ربما - ولعله الأصح - خروج القطنة بيضاء ليس عليها أثر الدم.\nوقد يكون وجيهًا أيضًا أن تذهب المرأة للطبيب إذا اشتكت من الصُّفْرَة والكُدْرَة بعد الحيض، فإن كان فيهما آثار الدم - وذلك يعرف عن طريق تحليل بسيط- فهما من بقايا الحيض ولهما حكمه وإلا فلا.\n* * *","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>المطلب الحادي عشر: حيض الحامل والدم يكون قبيل الولادة</span>\nاختلف أهل العلم فيما إذا كانت الحامل تحيض:\n* فذهب الحنفية والحنابلة والظاهرية إلى أنها لا تحيض واستثنى الحنابلة ما يكون قبل الولادة بقليل فيجعلونه في حكم النفاس بينما لا يجعله الحنفية والظاهرية حيضًا ولا نفاسًا.\n* وذهب الشافعية إلى أن الحامل تحيض ووافقهم المالكية وفرقوا بين أول الحمل وآخره واختلفوا فيما يكون من دم قبل الولادة وما يكون معها هل هو حيض أم نفاس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>عرض الأقوال:</span>\nقول السادة الحنفية - ﵏:\nقال السَّرَخْسِيّ -﵀-: «ودم الحامل ليس بحيض وإن كان ممتدًا عندنا» وقال: «ويختلفون في أول وقت النفاس فقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى وقت الولادة أول وقت النفاس وقال محمد وزُفَر (^١) رحمهما الله تعالى وقت فراغ رحمها أول وقت النفاس» (^٢). وثمرة الخلاف فيما إذا وضعت توأمين بينهما فترة، فإنها في تلك الفترة نفساء عند أبي حنيفة وأبي يوسف وليست كذلك عند محمد وزُفَر ولكنهم يتفقون\n_________\n(^١) هو: أبو الهُذَيْل زُفَر بن الهُذَيْل بن قيس العَنْبَرِيّ، من تميم، فقيه كبير من فحول أصحاب الإمام أبي حنيفة، ثالث الصاحبين، أصله من أصبهان، ولد سنة ١١٠ هـ، أقام بالبصرة وولي قضاءها، وتوفي -﵀- بها سنة ١٥٨ هـ، جمع بين العلم والعبادة، وكان من أصحاب الحديث ثم غلب عليه الرأي. راجع ترجمته في: «الجَوَاهِر المُضِيَّة» (٢/ ٢٠٧)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٢/ ٣١٧)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٢/ ٢٤٣).\n(^٢) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣/ ٢١٣).","vol":"1","page":207},{"text":"أنها لا تنفس ولا تحيض قبل الولادة» (^١).\nقول السادة المالكية - ﵏:\nجاء في «المُدَوَّنَة»: «قلت: أرأيت الحامل ترى الدم في حملها كم تمسك عن الصلاة؟ قال: قال مالك: ليس أول الحمل كآخره إن رأت الدم في أول الحمل أمسكت عن الصلاة وما يجتهد لها فيه وليس في ذلك حد، وقال ابن القاسم (^٢) إن رأت ذلك في ثلاثة أشهر ونحو ذلك تركت الصلاة خمسة عشر يوما ونحو ذلك فإن جاوزت ستة الأشهر من حملها ثم رأته تركت الصلاة ما بينها وبين العشرين يوما أو نحو ذلك» (^٣).\nوقال الحَطَّاب -﵀-: «وأما ما خرج لأجل الولادة قبل خروج الولد ففيه الخلاف وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول المصنف في التوضيح الدم الخارج قبل الولادة لأجلها حكى عِياض فيه قولين للشيوخ أحدهما أنه حيض والثاني أنه نفاس، انتهى. لكن لا يفهم من كلامه في التوضيح أن الخلاف جارٍ أيضا فيما خرج مع الولد وقال ابن عَرَفَة: النفاس دم إلقاء حمل فيدخل دم إلقاء الدم المجتمع على المشهور عِياض، قيل ما خرج قبل الولد غير نفاس وما بعده نفاس وفيما معه قولا الأكثر والقاضي» (^٤).\n_________\n(^١) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٢/ ٢١).\n(^٢) هو: أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جُنَادَة العُتَقِيّ المِصْرِيّ، المعروف بابن القاسم، أحد أركان العلم وكبار تلاميذ الأئمة الأربعة، فقيه جمع بين الزهد والعلم، ولد بمصر سنة ١٣٢ هـ، وتفقه على الإمام مالك ونظرائه، وروى «المُدَوَّنَة» عن الإمام مالك، ووفاته -﵀- بها سنة ١٩١ هـ. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ١٥٥)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٣/ ١٢٩)، «الدِّيبَاج المُذْهَب» (١/ ٦)، «شَذَرَات الذَّهَب» (١/ ٣٢٩).\n(^٣) «المُدَوَّنَة» أجوبة مالك برواية سَحْنُون (١/ ١٥٦).\n(^٤) «مَوَاهِب الجَلِيل» للحَطَّاب (١/ ٣٧٦).","vol":"1","page":208},{"text":"قول السادة الشافعية - ﵏:\nقال زكريا الأنصَارِيّ -﵀-: «(قوله ودم الحامل حيض) وإنما حكم الشارع ببراءة الرحم به بناء على الغالب فإن وقوع ذلك نادر فإذا حاضت حصل ظن براءة الرحم فاكتفينا به فإن بان خلافه على الندور عملنا بما بان (قوله لعموم الأدلة) كخبر «دم الحيض أسود يعرف» ولأنه دم لا يمنعه الرضاع بل إذا وجد معه حكم بكونه حيضا وإن ندر فكذا لا يمنعه الحمل وإنما حكم الشرع ببراءة الرحم به لأنه الغالب» (^١).\nوقال: «(و) الدم (الخارج مع الولد ودم الطلق ليس) شيء منهما (بحيض) لأنه من آثار الولادة (ولا نفاس) لتقدمه على خروج الولد بل دم فساد. نعم المتصل من ذلك بحيضها المتقدم حيض» (^٢).\nقول السادة الحنابلة - ﵏:\nقال ابن قُدامة -﵀-: «مسألة: قال [الخرقي] (والحامل لا تحيض، إلا أن تراه قبل ولادتها بيومين، أو ثلاثة فيكون دم نفاس) مذهب أبي عبد الله -﵀- أن الحامل لا تحيض، وما تراه من الدم فهو دم فساد وهو قول جمهور التابعين؛ منهم: سعيد بن المُسَيَّب (^٣)\n_________\n(^١) «أسْنَى المَطَالِب» للأنصَارِيّ (١/ ١١٥)، ما بين الأقواس من كلام صاحب رَوْض الطَّالِب، شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر اليمني.\n(^٢) «أسْنَى المَطَالِب» للأنصَارِيّ (١/ ١١٥)، ما بين الأقواس من كلام صاحب «رَوْض الطَّالِب»، شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر اليمني.\n(^٣) هو: أبو محمد سعيد بن المُسَيَّب بن حزن بن أبي وَهْب المخزومي القُرشِيّ، سيد التابعين في العلم، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، ولد سنة ١٣ هـ، جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع، وكان أحفظ الناس لأحكام عمر بن الخطاب وأقضيته، حتى سمي راوية عمر، وتوفي -﵀- بالمدينة سنة ٩٤ هـ. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ٣٩)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٢/ ٣٥٧)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٤/ ٢١٧).","vol":"1","page":209},{"text":"وعَطَاء، والحسن، وجابر بن زيد (^١) وعِكْرِمَة (^٢) ومحمد بن المُنْكَدِر (^٣) والشَّعْبِيّ (^٤) ومَكْحُول (^٥) ........................................................................\n_________\n(^١) هو: أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزْدِيّ البَصْرِيّ، تابعي فقيه، من الأئمة، من أهل البصرة، أصله من عُمان، صحب ابن عباس، وكان من بحور العلم، وصفه الشماخي -وهو من علماء الإباضية- بأنه أصل المذهب وأسه الذي قامت عليه آطامه، نفاه الحجاج إلى عُمان. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ٩٢)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٤/ ٤٨١)، «شَذَرَات الذَّهَب» (١/ ١٩١).\n(^٢) هو: أبو عبد الله عِكْرِمَة بن عبد الله البربري المدني، مولى عبد الله بن عباس، تابعي كان من أعلم الناس بالتفسير والمغازي، حدث عن: ابن عباس، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وغيرهم، وعنه: أيوب السختياني، وأشعث بن سوار، وجابر الجعفي، وحجاج بن أرطاة، وخالد الحذاء، وغيرهم، توفي -﵀- بالمدينة سنة ١٠٥ هـ. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ٥٩)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٣/ ٢٦٥)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٥/ ١٢).\n(^٣) هو: محمد بن المُنْكَدِر بن عبد الله بن الهدير بن عبد العزى القُرشِيّ التيمِيّ المدنِيّ، الإمام الحافظ القدوة، الزاهد الورع، شيخ الإسلام، من رجال الحديث، ومن أهل المدينة، أدرك بعض الصحابة وروى عنهم، له نحو مائتى حديث. راجع ترجمته في: «تَهْذِيب الكَمَال» (٢٦/ ٥٠٣)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٥/ ٣٥٣).\n(^٤) هو: أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار، الشَّعْبِيّ الحِمْيَرِيّ، راوية من التابعين، يضرب المثل بحفظه، ولد سنة ١٩ هـ بالكوفة، ونشأ بها، سئل عما بلغ إليه حفظه، فقال: ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته، وهو من رجال الحديث الثقات، بل أمير المؤمنين في الحديث، وكان فقيهًا واستقضاه عمر بن عبد العزيز،، ومات -﵀- فجأة بالكوفة سنة ١٠٣ هـ. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ٨٢)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٣/ ١٢)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٤/ ٢٩٤).\n(^٥) هو: أبو عبد الله مَكْحُول بن أبى مسلم شهراب بن شاذل، الهذلي، مولاهم، فقيه الشام في عصره، من حفاظ الحديث، أصله من فَارِس، ومولده بكابل، وصار مولى لامرأة بمصر من هذيل، فنسب إليها، قال الزُّهْرِيّ: لم يكن في زمنه أبصر منه بالفتيا، وتوفى -﵀- بدمشق سنة ١١٢ هـ. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ٧٠)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٥/ ٢٨٠)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٥/ ١٥٥).","vol":"1","page":210},{"text":"وحماد (^١) ...؛ وروي عن عائشة -﵂- والصحيح عنها أنها إذا رأت الدم لا تصلي. وقال مالك والشافعي والليث (^٢): ما تراه من الدم حيض إذا أمكن وروي ذلك عن الزُّهْرِيّ (^٣) ..........................................................................\n_________\n(^١) هو: حَمَّاد بن سَلَمَة بن دِينار، الإمام القدوة، شيخ الإسلام أبو سلمة البصري، النحْوِيّ، البَزَّاز، مولى آل ربيعة بن مالك، وابن أخت حُمَيْد الطويل. سمع من ابن أبي مُلَيْكَة وأنس بن سيرين وثابت البُنَانِيّ وحدث عنه ابن جُرَيْج، وابن المبارك، ويحيى القَطَّان. وقال عبد الله بن معاوية الجُمَحِيّ: حدثنا الحَمَّادَان، وفضل ابن سلمة على ابن زيد، كفضل الدينار على الدرهم - يعني الذي اسم جده دينار أفضل من حماد بن زيد، الذي اسم جده درهم. وهذا محمول على جلالته ودينه وفقهه، أما الإتقان في الرواية فمسلم إلى ابن زيد، وكان ابن سلمة قد أسن فساء حفظه. توفي -﵀- سنة ١٦٧ هـ. انظر: «حلية الأولياء» (٦/ ٢٤٩)، «سير أعلام النبلاء» (٧/ ٤٤٤).\n(^٢) هو: أبو الحارث الليث بن سعد عبد الرحمن الفهمي، إمام أهل مصر في عصره حديثًا وفقهًا أصله من خُراسان، ومولده في قلقشندة سنة ٩٤ هـ، قال الإمام الشافعي: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به، أخباره كثيرة، توفي -﵀- في القاهرة سنة ١٧٥ هـ، وله تصانيف منها: «التاريخ»، و«مسائل في الفقه». راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ٧٥)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٨/ ١٣٦)، «شَذَرَات الذَّهَب» (١/ ٢٨٥).\n(^٣) هو: أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزُّهْرِيّ، وهو أول من دون الحديث، وأحد أكابر الحفاظ والفقهاء، تابعي من أهل المدينة، كان يحفظ ألفين ومائتى حديث، نصفها مسند، ولد سنة ٥٨ هـ، ونزل الشام واستقر بها، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: عليكم بابن شهاب فإنكم لا تجدون أحدًا أعلم بالسنة الماضية منه، مات -﵀- بشعب آخر حد الحجاز وأول حد فِلَسْطِين (حررها الله) سنة ١٢٤ هـ. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ٤٧)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٤/ ١٧٧)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٥/ ٣٢٦).","vol":"1","page":211},{"text":"وقَتَادَة (^١) وإسحاق (^٢) ... وقال يعقوب بن بُخْتان (^٣) سألت أحمد عن المرأة إذا ضربها المَخَاض قبل الولادة بيوم أو يومين تعيد الصلاة؟ قال: لا وقال إبراهيم النَّخْعِيّ: إذا ضربها المَخَاض فرأت الدم قال: هو حيض. وهذا قول أهل المدينة، والشافعي. وقال عَطَاء: تصلي ولا تعده حيضا ولا نفاسا. ولنا: أنه دم خرج بسبب الولادة فكان نفاسا» (^٤).\nواختار الإمام ابن تَيمِيَّة أن الحامل تحيض فقال: «والحامل إذا رأت الدم على الوجه المعروف لها فهو دم حيض بناء على الأصل» (^٥).\n_________\n(^١) هو: أبو الخَطَّاب قَتَادَة بن دِعَامَة بن قَتَادَة بن عزيز، السَّدُوسِيّ البَصْرِيّ، مفسر حافظ، ضرير أكمه، كان أحفظ أهل البصرة، وكان مع علمه بالحديث رأسًا في العربية ومفردات اللغة وأيام العرب والنسب، وكان يرى القدر - غفر الله له - ومات -﵀- بواسط في الطاعون سنة ١١٨ هـ. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ٩٤)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٥/ ٢٦٩)، «شَذَرَات الذَّهَب» (١/ ١٥٣).\n(^٢) هو: أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد الحنظلي التَّميمِيّ المَرْوَزِيّ، ابن رَاهُويَه، عالم خُراسان في عصره، وهو أحد كبار الحفاظ ولد سنة ١٦١ هـ، وأخذ عنه الإمام أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم والتِّرْمِذِيّ والنَّسَائيّ وغيرهم، وقال فيه الخطيب البَغْدَادِيّ: اجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد، ورحل إلى العراق والحجاز والشام واليمن، استوطن نَيْسابُور وتوفي -﵀- بها سنة ٢٣٨ هـ وله تصانيف، منها: «المسند». راجع ترجمته في: «تاريخ بغداد» (٦/ ٣٤٧)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١١/ ٣٥٨)، «شَذَرَات الذَّهَب» (١/ ٨٩).\n(^٣) هو: يعقوب بن إسحاق بن بُخْتان، أبو يوسف، صاحب الإمام أحمد، وكان أحد الصالحين الثقات؛ قال أبو بكر بن أبي الدنيا أبو يوسف بن بُخْتان كان من خيار المسلمين. انظر ترجمته في «طَبَقَات الحَنَابِلَة» (١/ ٤١٥).\n(^٤) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٢١٩).\n(^٥) «مَجْمُوع الفَتَاوَى» لابن تَيمِيَّة (١٩/ ٢٣٩).","vol":"1","page":212},{"text":"قول السادة الظاهرية - ﵏:\nقال ابن حَزْم -﵀-: «مسألة: وكل دم رأته الحامل ما لم تضع آخر ولد في بطنها، فليس حيضا ولا نفاسا ولا يمنع من شيء» (^١)\nثمرة الخلاف:\nوثمرة الخلاف بينهم أنها إذا رأت الدم أثناء الحمل، فإنها تمسك عن الصلاة والصيام على قول الشافعية والمالكية ولا تمسك على قول الحنفية والحنابلة والظاهرية بل تعده دم فساد، فإن رأته قبل الولادة فحيض عند المالكية والشافعية (^٢) تمسك من أجله عن الصلاة والصيام لأكثر زمن الحيض ثم تعد نفسها مستحاضة ونفاس عند الحنابلة تمسك لأجله عن الصلاة والصيام لثلاثة أيام فإن تمادى علمت أنه لم يكن نفاسًا فصلت وصامت وأعادت ما تركت.\nوالكل متفق على أنه لا أثر لهذا الخلاف على حل الطلاق أثناء الحمل، ولا على العدة التي لا تنقضي إلا بوضع الحمل.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-81> أدلة القائلين بأن الحامل تحيض:</span>\n١ - رَوَوْا عن عائشة أنها -﵂- سئلت عن الحامل ترى الدم أتصلي؟ قالت: «لا تصلي حتى يذهب عنها الدم» (^٣).\n٢ - لأن الحامل من ذوات الأقراء، فإن المرأة إما صغيرة أو آيسة أو ذات قرء، والحامل ليست بصغيرة ولا آيسة، ولأن ما ينافي الأقراء ينافي الحبل كالصغر واليأس. وإذا\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١/ ٤٠٥).\n(^٢) إلا أن الشافعية يستثنون الخارج مع الولد والمالكية يختلفون فيه.\n(^٣) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب العدد، باب الحيض على الحمل (٧/ ٤٢٣)، وهو كذلك في «المُدَوَّنَة» أجوبة مالك برواية سَحْنُون (١/ ١٥٦).","vol":"1","page":213},{"text":"ثبت أنها من ذوات الأقراء، وقد رأت من الدم ما يمكن أن يجعل حيضا، جعل حيضا لها.\n٣ - قوله -ﷺ- لفاطمة بنت أبي حُبَيْش: «إذَا أقْبَلَ قُرْؤُك فدَعِي الصَّلاة» والحامل داخلة في عموم المخاطبات.\n٤ - ولأنه دم متردد بين دمي الجبلة والعلة، والأصل السلامة من العلة.\n٥ - ولأنه دم لا يمنعه الرضاع بل إذا وجد معه حكم بكونه حيضا، وإن ندر، فكذا لا يمنعه الحمل.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-82> أدلة القائلين بأن الحامل لا تحيض:</span>\n١ - استدلوا بقوله -ﷺ- في حق ابن عمر لما طلق زوجته وهي حائض: «مُرْهُ فَلْيرَاجِعْهَا ثم ليُطَلِّقْها طَاهِرًا أو حَامِلًا» (^١) فجعل الحمل في مقابلة الحيض.\n٢ - قول النبي -ﷺ- في سبي أوطاس: «لا تُوطَأ حَامِل حَتى تَضَعَ ولا حَائل حَتى تُسْتَبْرَأ بحَيْضَة» (^٢) فجعل وجود الحيض علامة على براءة الرحم. وأجيب أنه جعل كذلك لأنه الغالب.\n٣ - رووا عن عائشة -﵂- أنها قالت: «الحامل لا تحيض» (^٣).\n٤ - وذكروا أن دم الحيض ينقلب غذاءً للجنين.\n_________\n(^١) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها (٢/ ١٠٩٥).\n(^٢) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب النكاح، باب في وطء السبايا (٢/ ٢٤٨).\n(^٣) الحديث رواه البَيْهَقِيّ وضعفه فقال: «... حدثنا أبو طالب أحمد بن حميد قال سألت أحمد بن حنبل عن حديث همام عن مطر عن عَطَاء عن عائشة -﵄- قالت الحامل لا تحيض إذا رأت الدم صلت قال كان يحيى يعني القطان يضعف ابن أبي ليلى ومطر عن عَطَاء يعني كان يضعف روايتهما عن عَطَاء». «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب العدد، باب الحيض على الحمل (٧/ ٤٢٣).","vol":"1","page":214},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-83> موقف الطب من حيض الحامل:</span>\nإن الطب لا يناقش قضية حيض الحامل وإنما يتعرض للنزيف الذي قد يصيبها ويفصل في أسبابه.\nففي الشهور الثلاثة الأولى يكون أكثر النزيف من:\n١ - الإجهاض المنذر.\nفي نفس مواعيد الطمث، وهو ناتج عن نقص هرمونات الحمل في وقت العادة الشهرية. وهذا أقرب ما يكون للحيض. وذكر الدكتور محمد علي البار في كتابه خلق الإنسان بين الطب والقرآن أن الرحم لا يمتلئ بالحمل في ثلاثة الأشهر الأولى مما يجعل النزيف في هذه الفترة مختلطًا ببعض أنسجة بطانة الرحم فيكون قريبًا من طبيعة دم الحيض (^١). وقد سمَّوْا الحمل المصاحب لدورات شهرية في الشهور الأولى بالحمل الغزلاني .. أسوة بالغزال فهو حيوان يحيض أثناء الحمل. ولكن هذا إنما هو الاستثناء النادر والأصل أن الحامل لا تحيض بل يمنع إفراز هرمون البروجيستيرون الكثير عند حصول الحمل من تساقط بطانة الرحم التي تتهيأ لتكون مهدًا وحاضنًا للَّقيحة.\n٢ - تآكل عنق الرحم نتيجة للتغيرات الهرمونية المصاحبة للحمل.\n٣ - الحمل خارج الرحم.\nأما في الشهور الثلاثة الثانية فالأسباب هي:\n١ - تآكل عنق الرحم.\n٢ - الإجهاض المنذر.\n_________\n(^١) «خلق الإنسان بين الطب والقرآن» للبار (ص ١٣٢).","vol":"1","page":215},{"text":"وفي الفترة من ٢٧ - ٤٠ أسبوعًا يكون النزيف نادر الحدوث، وعادة ما يحدث لثلاثة أسباب هي:\n١ - الانفصال الفجائي المبكر للمشيمة من الرحم.\n٢ - وجود المشيمة في وضع غير طبيعي.\nأما ما يكون قبيل الولادة فإنما يكون في الأكثر بسبب بداية انفصال المشيمة من الرحم أو وجود المشيمة في وضع غير طبيعي وليس كدم النفاس الذي يعقب الولادة والذي هو أقرب لدم الحيض إذ يطرد الرحم بطانته وبقايا الحمل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-84> مناقشة الأدلة والترجيح:</span>\n١ - الأصل أن الحامل لا تحيض وغيره الاستثناء النادر، فلا ينبني عليه الحكم.\n٢ - والقول بحيض الحامل سيترتب عليه اضطراب في الأحكام فحتى من قال بذلك فإنه يستثني:\n• الطلاق فيحرم طلاق الحائض في غير حمل دون من تحيض حاملا.\n• العدة لمن تحيض حاملا فلا تنقضي بالأقراء وإنما بوضع الحمل.\n١ - جعل الرسول -ﷺ- الحمل في مقابلة الحيض قوي في الدلالة على أن الحامل لا تحيض حيضًا يؤثر في الأحكام.\n٢ - قول عائشة -﵂- في ترك الحامل للصلاة رأي منها، فإن هذا الباب مما يقال فيه بالرأي وليس فيه نص مرفوع.\n٣ - كون النزيف في ثلاثة الأشهر الأولى يشابه الحيض في بعض الأحوال لا يعني اعتبار ذلك في الأحكام بالضرورة، فإن للحيض والحمل أحكامًا لا تجتمع ومفهوم أحاديثه -ﷺ- أنهما لا يجتمعان.","vol":"1","page":216},{"text":"وقد يسوغ القول بأن ما يكون من نزيف بسبب الولادة يأخذ حكم النفاس كما هو قول الحنابلة، وإن لم تكن طبيعة الدم وسببه كدم النفاس، ولكنه دم ينزل بسبب الولادة وفي زمانها وفي اعتباره نفاسًا تخفيف على المرأة في تلك الأوقات التي تكون بأمس الحاجة فيها إلى التخفيف.\nولكن لا يحكم بكونه نفاسًا إلا إذا كان مصحوبًا بالطلق وآلام الولادة كما جاء عن الحسن -﵀-: «إذا رأت الدم على الولد أمسكت عن الصلاة» (^١). وقال ابن قُدامة -﵀-: «وإنما يعلم خروجه بسبب الولادة إذا كان قريبا منها ويعلم ذلك برؤية أماراتها؛ من المَخَاض ونحوه في وقته؛ وأما إن رأت الدم من غير علامة على قرب الوضع، لم تترك له العبادة؛ لأن الظاهر أنه دم فساد فإن تبين كونه قريبا من الوضع، كوضعه بعده بيوم أو بيومين أعادت الصوم المفروض إن صامته فيه. وإن رأته عند علامة على الوضع تركت العبادة. فإن تبين بعده عنها أعادت ما تركته من العبادات الواجبة؛ لأنها تركتها من غير حيض ولا نفاس» (^٢).\nوبذلك القول يمكن الجمع - وإن كان بشيء من التكلف - بين الأثرين عن عائشة كما فعل ابن قُدامة -﵀-.\n* * *\n_________\n(^١) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٢١٩)؛ وهو في «سُنَن الدَّارِمِيّ» كتاب الطهارة، باب في الحبلى إذا رأت الدم (١/ ٢٤٦).\n(^٢) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٢١٩).","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>الخلاف بين الفقهاء لن يرتفع بالكلية بتطور الطب</span>\nمع ما ذكرنا، فإن الخلاف بين الفقهاء لن يرتفع بالكلية في مسائل الحيض لأسباب منها:\n١ - عدم قدرة الكثير من النساء على زيارة الأطباء لتحديد طبيعة دمائهن.\n٢ - قد يمكث تساقط بطانة جدار الرحم أكثر من أكثر الحيض أو لا ينقطع وعندها يحكم الطب أن الدم من نوع الحيض ويأبى الفقه أن تدع المرأة الصوم والصلاة لذلك الدم.\n٣ - قد يحكم الطب بحيض بنت السادسة ويأبى الفقه أن يلزمها بتكاليف الإسلام كافة.\nعلى الرَّغم من ذلك، فإن فهم الفقيه لطبيعة الدورة الحيضية - كما سبق بيانها - سيمكنه من حسن النظر والترجيح في هذه المسائل.\n* * *","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>المبحث الرابع: النفاس</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالأول: بم يثبت النفاس.\nالثاني: أكثر النفاس.\nالثالث: نفاس المرأة تلد التوأمين.","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المطلب الأول: بم يثبت النفاس</span>\nاختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في ثبوت النفاس:\n* فذهب بعض الفقهاء إلى أن حكم النفاس لا يثبت إلا إذا وضعت المرأة ما تبين فيه خلق الآدمي.\n* وأشار بعضهم إلى أن العبرة بإلقاء الحمل، فمتى علم أنها ألقت ما ينشأ منه الآدمي حكم بنفاسها.\nوأهم ثمرة لهذا الخلاف إنما تكون في باب العدد، فإنه لو حكم بأنها وضعت حملًا ونفست لانقضت عدتها ولم يكن لزوجها أن يراجعها. كذلك فإن لم يحكم بنفاسها وتجاوز دمها أكثر الحيض فإن الذين لا يحكمون بنفاسها سيجعلون ذلك الدم دم استحاضة تصلي معه وتصوم.\nوهذه بعض أقوالهم﵏:\nقال ابن قُدامة -﵀-: «فَصْلٌ إذا رأت المرأة الدم بعد وضع شيء يتبين فيه خلق الإنسان فهو نفاس، نص [أحمد] عليه. وإن رأته بعد إلقاء نطفة أو علقة فليس بنفاس. وإن كان الملقى بُضعة لم يتبين فيها شيء من خلق الإنسان ففيها وجهان: أحدهما هو نفاس لأنه بدء خلق آدمي فكان نفاسا كما لو تبين فيها خلق آدمي. والثاني ليس بنفاس لأنه لم يتبين فيها خلق آدمي فأشبهت النطفة» (^١).\nوالناظر إلى تعليله يتبين له أن منعهم كونه نفاسًا في المراحل الأولى ناشئ عن عدم تأكدهم من كونه حملًا أصلًا.\n_________\n(^١) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٢١١).","vol":"1","page":221},{"text":"قال الزَّيْلَعِيّ -﵀-: «(قوله [أي النَّسَفِي] في المتن [أي كنز الدقائق]: والسقط إن ظهر بعض خلقه ولدا) ... فنقول على تقدير أنه مستبين الخلق هي نفساء ونفاسها أربعون وعلى تقدير أنه لم يستبن لا تكون نفساء ويكون عشرة عقيب الإسقاط حيضا إذا وافق عادتها ... (قوله: أو ظفر أو شعر) فلو لم يستبن منه شيء لم يكن ولدا فإن أمكن جعله حيضا بأن امتد جعل إياه» (^١).\nوأطلق البعض من الشافعية القول بعدم اعتبار نزول العلقة في الحكم بالنفاس وانقضاء العدة، فذكر ذلك ابن حَجَر الهَيتَمِيّ (^٢) وأجاب عنه فقال «(وأقل النفاس) وهو الدم الخارج بعد فراغ جميع الرحم، وإن وضعت علقة أو مضغة فيها صورة خفية أخذا مما مر في الغسل، إذ لا تسمى ولادة إلا حينئذ كما صرحوا به فلا تخالف بين ما ذكروه هنا وفي العدد خلافا لمن ظنه، وإطلاقهم أنها لا تنقضي بعلقة محمول على الأغلب أنه لا صورة فيها خفية من النفس، وهو الدم، إذ به قوام الحياة» (^٣).\nوالهَيتَمِيّ -﵀- يعتبر وجود الصورة الخفية حتى في العلقة لأنها أدنى دليل على كون ما ألقته المرأة حملا لا مجرد دم مجتمع في الرحم.\nومن قبل، جلى الأمر النَّوَوِيّ -﵀- في المَجْمُوع وبين أن حكم القابلة هو المعتبر في الحكم بكون الملقي حملا، فقال: «قال أصحابنا: لا يشترط في ثبوت حكم النفاس أن\n_________\n(^١) «تَبْيين الحَقَائق» للزَّيْلَعِيّ (١/ ٦٨).\n(^٢) هو: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن حَجَر الهَيتَمِيّ السعدي الأنصَارِيّ، الفقيه الشافعي المحقق، مفتي مكة، مِصْرِيّ، مولده في محلة أبي الهيتم بالغربية بمصر سنة ٩٠٩ هـ، ومات -﵀- بمكة سنة ٩٧٤ هـ، له تصانيف كثيرة منها: «تُحْفَة المُحْتاج لشرح المِنهاج»، و«الفَتَاوَى الهَيتَمِيّة»، و«شرح مشكاة المصابيح»، و«أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل». راجع ترجمته في: «شَذَرَات الذَّهَب» (٤/ ٣٧٠)، «الأعلام» للزرِكلِيّ (١/ ٢٣٤).\n(^٣) «تُحْفَة المُحْتاج» للهَيتَمِيّ (١/ ٤١٣).","vol":"1","page":222},{"text":"يكون الولد كامل الخلقة ولا حيا، بل لو وضعت ميتا أو لحما تصور فيه صورة آدمي أو لم يتصور وقال القوابل: إنه لحم آدمي ثبت حكم النفاس هكذا صرح به المتولي (^١) وآخرون، وقال الماوَرْدِيّ: ضابطه أن تضع ما تنقضي به العدة وتصير به أم ولد» (^٢).\nإذًا فالجاري على هذا الفهم، أنه لو قال الطبيب الثقة أن ما وضعته المرأة كان حملًا سقط، حكم الفقيه بنفاسها وانقضاء عدتها وإن لم يظهر في السقط خلق الإنسان، وذلك لأن الفحوص الطبية تؤكد حصول الحمل قبل ظهور خلق الإنسان بفترة طويلة.\nإن ما ذكره الفقهاء من ظهور خلق الإنسان كان مناسبًا في زمانهم - ﵏ - إذ لم يكن لهم سبيل آخر للتأكد من كون ما ألقاه الرحم حملًا.\nوفي زماننا، ومع توافر الرعاية الطبية، فينبغي المصير إلى قول الطبيب الثقة المدعوم بالفحوص عند توافر ذلك. فإن لم يتوفر، فيرجع إلى ما قاله الفقهاء من اعتماد ظهور خلق الإنسان أو الصورة الخفية التي يحصل معها الاطمئنان إلى كون الموضوع حملًا.\n* * *\n_________\n(^١) هو: أبو سعد عبد الرحمن بن مأمون النَّيْسابُورِيّ المعروف بالمُتَوَلِّيّ، فقيه مناظر، عالم بالأصول، ولد بنَيْسابُور سنة ٤٢٦ هـ، وتوفي -﵀- ببغداد سنة ٤٧٨ هـ، له: «تتمة الإبانة للفوراني» في فقه الشافعية، وكتاب في الفرائض مختصر، وكتاب في أصول الدين مختصر. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ٢٣٨)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الكُبْرَى» (٥/ ١٠٦)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة» لابن قاضي شُهْبَة (٢/ ٢٤٧)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٢/ ٣٥٨).\n(^٢) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٢٥).","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>المطلب الثاني: أكثر النفاس</span>\nاختلفت أقوال الفقهاء في أكثر النفاس اختلافًا واسعًا:\n* فروي عن الضَّحَّاك (^١) أنه أربعة عشر يوما (^٢).\n* وقال ابن حَزْم أنه - كالحيض - سبعة عشر يوما (^٣).\n* ونقل ابن المُنذِر عن الأوزاعِيّ أن أكثره من الغلام ثلاثون يوما ومن الجارية أربعون فيما حكاه الأوزاعِيّ عن أهل دمشق (^٤).\n* والجمهور على كونه أربعين يوما؛ وحكاه النَّوَوِيّ في المَجْمُوع عن عمر بن الخطاب وابن عباس وأنس وعثمان بن أبي العاص وعائذ بن عمرو وأم سلمة والثَّورِيّ وأبي حنيفة وأصحابه وابن المبارك (^٥) وأحمد وإسحاق .................\n_________\n(^١) هو: أبو القاسم الضَّحَّاك بن مُزَاحِم البَلْخِيّ الخُراسانِيّ، مفسر، محدث حدث عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وغيرهم، وذكره ابن حبيب في أشراف المعلمين وفقهائهم، له كتاب في التفسير قال الذَّهَبِيّ: «كان من أوعية العلم وليس بالمجود لحديثه وهو صدوق في نفسه»، توفي -﵀- بخُراسان سنة ١٠٥ هـ. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ١٠٧)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٤/ ٥٩٨)، «شَذَرَات الذَّهَب» (١/ ١٢٤).\n(^٢) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٤٢).\n(^٣) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١/ ٤١٤).\n(^٤) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٤٢).\n(^٥) هو: أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التَّميمِيّ، المَرْوَزِيّ، الحافظ، الثقة الثبت، شيخ الإسلام، المجاهد التاجر، المبارك في علمه وعمله وماله، صاحب التصانيف والرحلات، ولد سنة ١١٨ هـ جمع الجديث والفقه والعربية وأيام الناس والشجاعة والسخاء، كان من سكان خُراسان، ومات -﵀- بهيت على الفرات منصرفًا من غزو الروم سنة ١٨١ هـ، له كتاب في الجهاد، والرقائق. راجع ترجمته في: «وَفَيَات الأعْيَان» (٣/ ٣٢)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٨/ ٣٧٨)، «شَذَرَات الذَّهَب» (١/ ٢٩٥).","vol":"1","page":224},{"text":"وأبي عبيد (^١) (^٢). وحكى الإجماع عليه التِّرْمِذِيّ (^٣) في «سننه» (^٤).\n* وروي القول بالخمسين يوما عن الحسن (^٥).\n_________\n(^١) هو: أبو عُبَيْد القَاسِم بن سَلَّام بن عبد الله، الإمام الحافظ المجتهد ذو الفنون، المفسر الفقيه، النحوي الأديب، ولد سنة ١٥٧ هـ لأب رومي من أهل هراه، سمع من سفيان بن عيينة، وأبي بكر بن عيَّاش وآخرين. وقرأ القرآن على الكَسَائي وآخرين. وأخذ اللغة عن أبي عُبَيْدَة مَعْمَر بن المُثَنَّى، والأصْمَعِيّ من البصريين، وابن الأعرابي، وأبي عمرو الشيباني، والفَرَّاء من الكوفيين. كان طيب الخلق متواضعًا، عارفًا بالنحو والفقه والغريب. روى عنه: أحمد بن يوسف وعلي بن عبد العزيز وخلق. ولي قضاء طرسوس ثماني عشرة سنة؛ له كتاب «الأموال»، وكتاب «غريب الحديث»، وكتاب «غريب القرآن»، و«الأمثال»، وغيرها. توفي سنة ٢٢٤ هـ. راجع سيرته في: «سير أعلام النبلاء» (١٠/ ٥٠٦)، «تاريخ بغداد» (١٢/ ٤٠٣).\n(^٢) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٤٢)؛ والروايات عن الصحابة في «مُصَنَّف ابن أبي شَيْبَة» (٣/ ٤٣٦)؛ وانظر «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣/ ٢١١)، و«المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٢١٠).\n(^٣) هو: أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى السُّلَمِيّ التِّرْمِذِيّ، الحافظ، العلم، الإمام، البارع من أئمة علماء الحديث وحفاظه، وكان يضرب به المثل في الحفظ، مات -﵀- بترمذ سنة ٢٧٩ هـ، من تصانيفه: «صحيح التِّرْمِذِيّ»، و«الشمائل النبوية»، و«التاريخ»، و«العلل في الحديث»، راجع ترجمته في: «تَهْذِيب الكَمَال» (٢٦/ ٢٥٠)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٣/ ٢٧٠)، «شَذَرَات الذَّهَب» (١/ ١٧٤).\n(^٤) «سُنَن التِّرْمِذِيّ» كتاب الطهارة، باب ما جاء في كم تمكث النفساء (١/ ٢٥٨).\n(^٥) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٤٢).","vol":"1","page":225},{"text":"* وقال بالستين عَطَاء والشَّعْبِيّ والعَنْبَرِيّ (^١) وحجاج بن أرطاة (^٢) فيما نقله عنهم النَّوَوِيّ (^٣) وهو مذهب مالك (^٤) - وقيل إنه رجع عنه (^٥) إلى ترك الأمر لعادة النساء - وهو مشهور مذهب الشافعية (^٦) وحكاه ابن عَقِيل (^٧) رواية عن أحمد (^٨).\n* وذكر الليث عن بعض الناس أنه سبعون يومًا (^٩).\n_________\n(^١) هو: أبو عبد الله سوار بن عبد الله بن سوار بن عبد الله بن قُدامة، العَنْبَرِيّ قاض، له شعر رقيق، وعلم بالفقه والحديث من أهل البصرة سكن بغداد، وولي بها قضاء الرصافة، وكف بصره في أواخر أعوامه، وتوفي -﵀- ببغداد سنة ٢٤٥ هـ. راجع ترجمته في: «طبقات الفقهاء» (١/ ٩٧)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١١/ ٥٤٣)، «شَذَرَات الذَّهَب» (١/ ١٠٨).\n(^٢) هو: حَجَّاج بن أرْطَاة بن ثور النَّخْعِيّ قاضٍ، من أهل الكوفة، ومفتيها مع الإمام أبي حنيفة؛ استفتي وهو ابن ست عشرة سنة، وولي قضاء البصرة، وكان من رواة الحديث، وليس بالقوي عند جمهور أهله، وتوفي -﵀- بخُراسان أو بالرَّيّ سنة ١٤٥ هـ، راجع ترجمته في: «طبقات ابن سعد» (٦/ ٣٥٩)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٢/ ٥٤)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٧/ ٦٨).\n(^٣) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٤٢).\n(^٤) «التَّاج والإكْلِيل» للمَوَّاق (١/ ٥٥٥).\n(^٥) ذكره ابن القاسم في «المُدَوَّنَة».\n(^٦) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٤٢).\n(^٧) هو: أبو الوفاء علي بن عَقِيل بن محمد بن عَقِيل البَغْدَادِيّ الظفري، يعرف بابن عَقِيل، عالم العراق، وشيخ الحنابلة ببغداد في وقته، كان قوي الحجة، ولد سنة ٤٣١ هـ، له تصانيف من أعظمها: كتاب «الفنون» و«الفصول في فقه الحنابلة» و«الرد على الأشاعرة» و«إثبات الحرف والصوت في كلام الكبير المتعال» و«كفاية المفتي»، توفي -﵀- سنة ٥١٣ هـ. راجع ترجمته في: «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٩/ ٤٤٣)، «المَقْصد الأرْشَد» (٢/ ٢٤٥)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٢/ ٣٥).\n(^٨) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٢١٠).\n(^٩) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٤٢).","vol":"1","page":226},{"text":"* ورجح ابن تَيمِيَّة عدم التحديد (^١). وهو مقتضى حكاية ابن القاسم عن مالك - رحم الله الجميع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>عرض الأقوال:</span>\nقول السادة الحنفية - ﵏:\nقال السَّرَخْسِيّ -﵀-: «وأكثر مدته أربعون يوما عندنا، وقد بينا اختلاف العلماء فيه، واعتمادنا فيه على السنة فقد روي «عن أم سلمة -﵂- قالت: كانت النفساء يقعدن [ألفاظ الحديث تقعد أو تجلس] على عهد رسول الله -ﷺ- أربعين يوما، وكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف» (^٢).\nقول السادة المالكية - ﵏:\nقال المَوَّاق -﵀-: «(وأكثره ستون يوما) من «المُدَوَّنَة»: إن دام دم النفاس جلست شهرين ثم رجع عنه وقال: قدر ما يراه النساء. وعلى الأول اقتصر في التلقين والرسالة» (^٣).\nقول السادة الشافعية - ﵏:\nقال النَّوَوِيّ -﵀-: «أما حكمه فمذهبنا المشهور الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي -﵀- وقطع به الأصحاب أن أكثر النفاس ستون ... وقد اتفق أصحابنا على أن غالبه أربعون يوما ومأخذه العادة والوجود والله علم» (^٤).\n_________\n(^١) «الفَتَاوَى الكُبْرَى» لابن تَيمِيَّة (٥/ ٣١٦).\n(^٢) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣/ ٢١١).\n(^٣) «التَّاج والإكْلِيل» للمَوَّاق (١/ ٥٥٥). وما بين الأقواس من قول خليل في «مختصره».\n(^٤) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٤٢).","vol":"1","page":227},{"text":"قول السادة الحنابلة - ﵏:\nقال ابن قُدامة -﵀-: «(وأكثر النفاس أربعون يوما) هذا قول أكثر أهل العلم ... وقال مالك والشافعي: أكثره ستون يوما. وحكى ابن عَقِيل عن أحمد رواية مثل قولهما، لأنه روي عن الأوزاعِيّ أنه قال: عندنا امرأة ترى النفاس شهرين. وروي مثل ذلك عن عَطَاء أنه وجده» (^١).\nقول السادة الظاهرية - ﵏:\nقال ابن حَزْم -﵀-: «ولا حد لأقل النفاس، وأما أكثره فسبعة أيام لا مزيد [لعل السبعة تصحيف من الناسخ، فقد وجدتها في أكثر من نسخة ولازم كلامه من التسوية بين الحيض والنفاس في جميع الأحكام أنها سبعة عشر لا سبعة فهذا هو قوله في أكثر الحيض] قال علي: فلما لم يأت في أكثر مدة النفاس نص قرآن ولا سنة وكان الله تعالى قد فرض عليها الصلاة والصيام بيقين وأباح وطأها لزوجها، لم يجز لها أن تمتنع من ذلك إلا حيث تمتنع بدم الحيض لأنه دم حيض ... قال أبو محمد: ثم رجعنا إلى ما ذكرنا قبل من أن دم النفس هو حيض صحيح، وأمده أمد الحيض وحكمه في كل شيء حكم الحيض، لقول النبي -ﷺ- لعائشة -﵂-: «أنُفِسْتِ» بمعنى حضت فهما شيء واحد» (^٢).\nاختيار الإمام ابن تَيمِيَّة -﵀-: «ولا حد لأقل النفاس ولا لأكثره ولو زاد على الأربعين أو الستين، أو السبعين، وانقطع فهو نفاس ولكن إن اتصل فهو دم فساد، وحينئذ فالأربعون منتهى الغالب، والحامل قد تحيض وهو مذهب الشافعي، وحكاه البَيْهَقِيّ رواية عن أحمد بل حكى أنه رجع إليه» (^٣).\n_________\n(^١) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٢١٠). وما بين الأقواس من قول الخرقي في «مختصره».\n(^٢) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١/ ٤١٤).\n(^٣) «الفَتَاوَى الكُبْرَى» لابن تَيمِيَّة (٥/ ٣١٦).","vol":"1","page":228},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-90> المناقشة والترجيح:</span>\nلعل أكثر الأقوال مبناها على الوجود وحكاية الواقع ومن ثم كثرة الاختلاف، ولكن هناك من الأقوال ما استدِل عليه بآثار أو حكاية إجماع أو نظر.\n* دليل من قال بالسبعة عشر:\nاستدل ابن حَزْم -﵀- على أن أكثره سبعة عشر يومًا بأن النفاس إنما هو والحيض شيء واحد وقد قال رسول الله -ﷺ- لعائشة: «لعلك نُفِسْتِ» (^١)، يريد الحيض.\nولما كان الإمام ابن حَزْم -﵀- يزعم الإجماع على أن الحيض لا يتجاوز السبعة عشر يوما، فكذلك هنا.\nوالجواب أن استعمال لفظ النفاس مع إرادة الحيض ليس دليلا على أن النفاس الذي يكون عقيب الولادة هو عين الحيض، وإنما سمي النفاس نفاسا لتنفس الرحم وهو كائن في الحيض كذلك. والواقع يأبى أن يكون الاثنان شيئا واحدا وما أكثر حكاية الناس عن النفاس الذي يتمادى إلى الأربعين وما بعدها، والطب يأبى أن يكون الحيض والنفاس شيئًا واحدًا وإن اشتركا في صفة الدم.\n* لا دليل لمن فرق بين الغلام والجارية:\nأما حكاية الأوزاعِيّ -﵀- عن بعض أهل دمشق أن النفاس من الغلام ثلاثون ومن الجارية أربعون فلا أصل له أعلمه في كتاب ولا سنة ولا قول صحابي ولا مذهب تابعي ولم يقل به - فيما أعلم - أحد غيره -﵀- يعتبر قوله من أهل الملة المحمدية، ولعله مما تسرب إلى بعض الناس من كلام أهل الكتاب، فإن المرأة في العهد القديم تنفس من البنت ضعف نفاسها من الولد (^٢).\n_________\n(^١) البُخَارِي، كتاب الحيض، باب تقضي الحائض المناسك ... (١/ ١١٧)، «صَحِيح مُسْلِم» كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (٢/ ٨٧٣).\n(^٢) سفر اللاويين الإصحاح الثاني عشر (١ - ٥).","vol":"1","page":229},{"text":"* دليل من قال بالأربعين:\nأما أصحاب القول بأنه أربعون فهم الأسعد حظا بالآثار وأقوال الصحابة والتابعين، ولقد استدلوا بحديث أم سلمة -﵂- قالت: «كانت النُّفَسَاءُ على عَهْدِ رسول الله -ﷺ- تقعد بعد نفاسها أرْبَعينَّ يَوْما أو أَرْبَعِينَّ لَيْلةَ وَكُنَّا نطلي على وُجُوهِنَا الْوَرْسَ يعني من الْكَلَفِ» (^١).\nوالاعتراض على الحديث من وجوه أهمها:\n١ - اختلافهم فيه فقد ضعفه ابن القطان وابن حَزْم وصححه الحاكم وحسنه النَّوَوِيّ، ولعل الصحيح تحسينه كما ذكر النَّوَوِيّ في المَجْمُوع (^٢).\n٢ - حمله على الغالب، فإن كلامها -﵂- يحتمل ذلك.\n٣ - حمله على نساء مخصوصات، وقد رواه أبو داود بلفظ: «كانت المرأة من نساء النبي -ﷺ- تقعد في النفاس ..» (^٣).\n٤ - أن دلالته على المنع من الزيادة إنما هي بمفهوم المخالفة، وهو ضعيف في العدد كما هو متقرر في الأصول.\nواستدلوا بأحاديث أُخَر عن أبي هريرة وأبي الدرداء، وكلها ضعيفة (^٤). واستدلوا - ﵏ - بالإجماع وحكاه من الأكابر التِّرْمِذِيّ -﵀- فقال: «وقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- والتابعين ومن بعدهم على أن النُّفساء تدع الصلاة أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي. فإذا رأت الدم بعد الأربعين، فإن أكثر أهل\n_________\n(^١) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الطهارة، باب ما جاء في وقت النفساء (١/ ٨٣).\n(^٢) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٤٢).\n(^٣) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الطهارة، باب ما جاء في وقت النفساء (١/ ٨٣).\n(^٤) ممن ضعفها من الحفاظ البَيْهَقِيّ. انظر «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٤٢).","vol":"1","page":230},{"text":"العلم قالوا لا تدع الصلاة بعد الأربعين؛ وهو قول أكثر الفقهاء وبه يقول سفيان الثَّورِيّ وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق ويروى عن الحسن البصري أنه قال إنها تدع الصلاة خمسين يوما إذا لم تر الطهر؛ ويروى عن عَطَاء بن أبي رباح والشَّعْبِيّ ستين يوما» (^١).\nولا تَسلَم حكاية الإجماع دليلا لهم على أن النفاس لا يكون أكثر من الأربعين، فليس ذلك ما نقله التِّرْمِذِيّ -﵀- وإن كان نقله للإجماع يصلح دليلا على أنهم أجمعوا على أن أقل التحديد الأربعون.\nولا يشغب على هذه الحكاية للإجماع، على كونه لا يحد أكثره بدون الأربعين، إلا ما ذكر من قول الضَّحَّاك أن أكثره أربعة عشر يومًا، والضَّحَّاك تابعي جليل، وإن كانوا قد اختلفوا في سماعه من الصحابة (^٢). والجواب أن نقل الإجماع عن الصحابة لا يفسده خلاف من بعدهم.\nولكن الصحيح أن الإجماع - كما هو مقتضى كلام التِّرْمِذِيّ عن خلافهم فيمن تجاوزت الأربعين- إنما هو على أن أحدًا لم يقل بما هو دون الأربعين في تحديد أكثر النفاس.\n* دليل من قال بالستين:\nأما القائلون بالستين فاستدلوا بالوجود وحكاية الواقع وما رووه عن الشَّعْبِيّ وعَطَاء، وإن كان الصحيح عن عَطَاء القول بالأربعين.\nوليس في أدلتهم ما يمنع أن يكون النفاس أكثر من الستين إذا وقع.\n_________\n(^١) «سُنَن التِّرْمِذِيّ» كتاب الطهارة، باب ما جاء في كم تمكث النفساء (١/ ٢٥٨).\n(^٢) «البِدَايَة والنِّهَايَة» لابن كَثِير (٩/ ٢٢٣).","vol":"1","page":231},{"text":"* دليل من لم يحدد:\nوأما من رأى عدم التحديد وهو ما ذكر ابن القاسم أن مالكًا -﵀- رجع إليه وهو ما اختاره ابن تَيمِيَّة -﵀- فدليلهم عدم الدليل على التحديد وهو قوي، إلا أن الحاجة تدعو إلى التحديد حتى تعرف المرأة التي تجاوز نفاسها الشهور الطويلة متى ترجع إلى الصلاة ويحل لزوجها وطؤها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-91> رأي الطب وأثره على الترجيح:</span>\nأما الطب الحديث، فإنه يقرر أن إفرازات الرحم يتغير لونها من الأحمر إلى المشرب بالحمرة ثم المصفر، ولكنهم يقررون أن الرحم ربما بقي يطرد بقايا إفرازاته إلى مدة أقصاها ستة إلى ثمانية أسابيع (٤٢ - ٥٦ يومًا) (^١) وعليه فإن القول الأسعد حظًا بموافقة المعارف الطبية المعاصرة هو قول من قال بالستين وهم أكثر المالكية والشافعية ورواية عن أحمد كما تقدم.\nولما كانت المسألة ليس فيها نص ولا إجماع - سوى اتفاقهم على أن التحديد لا يكون بأقل من أربعين يومًا - ولا قياس صحيح، وإنما مرده إلى الوجود، فالذي يظهر هو رجحان القول بالستين والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(^١)  Berens، Pamela.Overview of postpartum care.In: UpToDate، Rose، BD (Ed)، UpToDate، Waltham، MA، ٢٠٠٧.","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>المطلب الثالث: نفاس المرأة تلد التوأمين</span>\nاختلف الفقهاء - ﵏- في الدم تراه المرأة بين التوأمين إن طال الفاصل بينهما:\n* فذهب فريق إلى كون النفاس من الولد الأول دون الثاني وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف وأكثر المالكية ووجه عند الشافعية ورواية عند الحنابلة.\n* وقال آخرون أن النفاس من الثاني وما تراه بعد الأول دم فساد، وهذا قول محمد وزُفَر من الحنفية ووجه عند الشافعية ورواية عند الحنابلة وهو قول الظاهرية - رحم الله الجميع.\n* وذهب فريق ثالث إلى أن أول النفاس من الأول وآخره من الثاني فجعلوها تستأنف مدةً كاملة للنفاس من وضع الثاني، فربما زاد نفاسها عندها عن أكثر حده في الولادة العادية - على اختلاف بينهم في هذا الحد -، وهذا هو قول أبي إسحاق التوني من المالكية ووجه عند الشافعية ورواية عند الحنابلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>عرض الأقوال:</span>\nقول السادة الحنفية:\nقال السَّرَخْسي -﵀- في «المَبسُوط»: «فإن ولدت ولدا وفي بطنها آخر فالنفاس من الأول في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد وزُفَر رحمهما الله تعالى من الآخر لأنها بعد وضع الأول حامل بعد. والحامل لا تصير نفساء كما لا تحيض والدليل عليه حكم انقضاء العدة فإنه معتبر بالولد الآخر وهما يقولان النفاس من تنفس الرحم بالدم من خروج النفس الذي هو الولد أو من خروج النفس الذي هو عبارة عن الدم وقد وجد ذلك كله بالولد الأول وإنما لا تحيض الحامل لانسداد فم الرحم وقد انفتح بالولد الأول فكان الدم المرئي بعده من الرحم.","vol":"1","page":233},{"text":"وفي حكم انقضاء العدة العبرة بفراغ الرحم ولا يحصل ذلك إلا بالولد الآخر» (^١).\nقول السادة المالكية:\nقال الدُّسُوقِيّ -﵀- في «حاشيته»: «(قوله [أي الدَّرْدِير]: ولو بين توأمين) أي سواء كان بينهما شهران أو أقل ثم إنه على المشهور من أن الذي بين التوأمين نفاس لا حيض إن كان بينهما أقل من شهرين فاختلف هل تبني على ما مضى لها ويصير الجميع نفاسا واحدا وإليه ذهب أبو محمد والبَرَاذِعِيّ (^٢) أو تستأنف للثاني نفاسا وإليه ذهب أبو إسحاق التُّونُسِيّ (^٣) وأما إن كان بينهما شهران فلا خلاف أنها تستأنف للثاني نفاسا كما أشار له بقوله فإن تخللهما فنفاسان وهذا محصل كلام الشارح» (^٤).\n_________\n(^١) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٢/ ٢١).\n(^٢) هو: أبو سعيد خلف بن أبي القاسم محمد البَرَاذِعِيّ الأزْدِيّ، فقيه من كبار المالكية، ولد وتعلم في القيروان، وتجنبه فقهاؤها؛ لاتصاله بسلاطينها، وانتقل إلى صقلية فاتصل بأميرها وصنف عنده كتبًا، منها: «التهذيب في اختصار المُدَوَّنَة»، و«تمهيد مسائل المُدَوَّنَة»، رحل إلى أصبهان فكان يدرس فيها الأدب إلى أن توفي سنة ٣٧٢ هـ. راجع ترجمته في: «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٧/ ٥٢٣)، «الدِّيبَاج المُذْهَب» (١/ ١١٢).\n(^٣) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن عبد القادر بن أحمد الرياحي التُّونُسِيّ، فقيه مالكي، من أهل المغرب، له نظم، ولد في تستور ١١٨٠ هـ، ونشأ بتونس، وولي رئاسة الفتوى فيها، وتوفي فيها سنة ١٢٦٦ هـ، له رسائل وخطب جمع أكثرها في كتاب سمي: «تعطير النواحي بترجمة الشيخ سيدي إبراهيم الرياحي»، راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (١/ ٤٨)، «مُعْجَم المؤلفين» لكحَالة (١/ ٤٩).\n(^٤) «حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ على الشَّرْح الكَبِير» (١/ ١٧٦). والشارح المذكور هو الدَّرْدِير صاحب «الشَّرْح الكَبِير على مُخْتَصَر خَلِيل»، والكلام للمُحَشِّي-رحم الله الجميع.","vol":"1","page":234},{"text":"قول السادة الشافعية:\nقال النَّوَوِيّ في «المَجْمُوع»: «قال المصنف -﵀- تعالى [يريد الشيرازي صاحب المُهَذَّب]: (وإن ولدت توأمين بينهما زمان ففيه ثلاثة أوجه: (أحدها) يعتبر النفاس من الولد الأول لأنه دم يعقب الولادة فاعتبرت المدة منه كما لو كان وحده، (والثاني) يعتبر من الثاني لأنه ما دام معها حمل فالدم ليس بنفاس، كالدم الذي تراه قبل الولادة، (والثالث) يعتبر ابتداء المدة من الأول ثم تستأنف المدة من الثاني، لأن كل واحد منهما سبب للمدة، فإذا وجدا اعتبر الابتداء من كل واحد منهما، كما لو وطئ امرأة بشبهة فدخلت في العدة ثم وطئها فإنها تستأنف العدة)» (^١).\nقول السادة الحنابلة:\nقال ابن قُدامة -﵀- في «المُغْنِي»: «إذا ولدت المرأة توأمين، فذكر أصحابنا عن أحمد روايتين فيها: إحداهما، أن النفاس من الأول كله أوله وآخره، قالوا: وهي الصحيحة. وهذا قول مالك، وأبي حنيفة. فعلى هذا متى انقضت مدة النفاس من حين وضعت الأول، لم يكن ما بعده نفاسا؛ لأن ما بعد ولادة الأول دم بعد الولادة فكان نفاسا، كالمنفرد، وآخره منه؛ لأن أوله منه، فكان آخره منه، كالمنفرد. واختلف أصحابنا في الرواية الثانية، فقال الشريف أبو جعفر (^٢)، وأبو الخطاب (^٣) في «رءوس المسائل» هي أن\n_________\n(^١) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٥٥).\n(^٢) هو: أبو جعفر عبد الخالق بن عيسى بن أحمد، الشريف الهاشمي، إمام الحنابلة ببغداد في عصره، كان ثقة زاهدًا، درس بجامع المنصور، وبجامع المهدي، ولد سنة ٤١١ هـ، وصنف كتبًا منها: «رءوس المسائل»، و«أدب الفقه»، وكان شديدًا على أهل البدع، فحبس فضج الناس، فأطلق، ولما مات دفن إلى جانب قبر الإمام أحمد سنة ٤٧٠ هـ. راجع ترجمته في: «المَقْصد الأرْشَد» (٢/ ١٤٤)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٢/ ٣٣٦).\n(^٣) هو: أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني، إمام الحنبلية في عصره، أصله من كلواذي من ضواحي بغداد، ولد سنة ٤٣٢ هـ في بغداد، ووفاته بها سنة ٥١٠ هـ، من كتبه: «التمهيد في أصول الفقه»، و«الانتصار في المسائل الكبار»، و«الهِدَايَة». راجع ترجمته في: «المَقْصد الأرْشَد» (٣/ ٢٠)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٢/ ٢٧).","vol":"1","page":235},{"text":"أوله من الأول وآخره من الثاني. وهذا قول القاضي، في كتاب «الروايتين» لأن الثاني ولد فلا تنتهي مدة النفاس قبل انتهائها منه كالمنفرد، فعلى هذا تزيد مدة النفاس على الأربعين في حق من ولدت توأمين. وقال القاضي أبو الحسين (^١) في «مسائله» وأبو الخطاب في «الهِدَايَة»: الرواية الثانية أنه من الثاني فقط. وهذا قول زُفَر؛ لأن مدة النفاس مدة تتعلق بالولادة، فكان ابتداؤها وانتهاؤها من الثاني، كمدة العدة. فعلى هذا ما تراه من الدم قبل ولادة الثاني لا يكون نفاسا» (^٢).\nقول السادة الظاهرية:\nقال ابن حَزْم -﵀- في المُحَلَّى: «ودم النفاس هو الخارج إثر وضع المرأة آخر ولد في بطنها: لأنه المتفق عليه، وأما الخارج قبل ذلك فليست نفساء، وليس دم نفاس، ولا نص فيه ولا إجماع» (^٣).\n_________\n(^١) هو: القاضي أبو الحسين محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن الفراء، المعروف بابن أبي يعلى، وهو ابن القاضي أبي يعلى شيخ الحنابلة في عصره، ولد سنة (٤٥١ هـ)، سمع من أبيه، ومن أبي بكر الخطيب، وتفقه على الشريف أبي جعفر، وبرع في الفقه وأفتى وناظر، له مؤلفات كثيرة منها: «رءوس المسائل»، و«المفردات في الفقه»، و«التمام لما ورد فيه روايتان عن الإمام»، و«طَبَقَات الحَنَابِلَة» وغير ذلك. توفي مقتولًا سنة ٥٢٦ هـ. راجع ترجمته في: «ذيل طَبَقَات الحَنَابِلَة» لابن رجب (٣/ ١٧٦ - ١٧٨).\n(^٢) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٢١٢).\n(^٣) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١/ ٢٧٣ - ٢٧٤).","vol":"1","page":236},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-94> المناقشة والترجيح:</span>\n* أما من ذهب إلى أن النفاس من الأول دون الثاني فاحتج بأن النفاس دم يخرج عقيب الولادة وقد وجد بولادة الأول، وأن المرأة الحامل إن كانت لا تحيض - عند من يقول بذلك- فإنما ذلك لانسداد فم الرحم وقد انفتح بالولد الأول.\nوأما من ذهب إلى كونه من الثاني دون الأول فاحتجوا بأن الحامل لا تحيض ولا تنفس وأن العدة لا تنقضي بالأول - وهو إجماع - وأن النفاس يتعلق بفراغ الرحم من الولد ولا يحصل ذلك إلا بولادة الثاني.\n* واحتج القائلون بأن لكل ولد نفاسًا أن كلا منهما سبب للنفاس، والنفاس يكون عقيب ولادة فوجد مع ولادة الأول والثاني كذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-95> رأي الطب الحديث وأثره على الترجيح:</span>\nأما الطب الحديث فإنه يؤكد ما ذهب إليه الفقهاء من أن مدة الفصل بين التوأمين قد تطول جدًا إلى ١٤٣ يومًا (^١).\nولكن الطب الحديث ربما لا يضيف إلى معارف الفقهاء الكثير بهذا الشأن، فإنهم - ﵏ - قد علموا أن دمًا ينزل من المرأة بعد الولد الأول والثاني وإنما اختلفوا في حكم الدم.\nودم النفاس في الولادة العادية يكون في جزء منه ما ينزل مع الولد والمشيمة وقليل من النزيف في جدار الرحم وتساقط البطانة.\n_________\n(^١)  Porreco، Richard P &amp; Farkouh، Lisa J.Delayed-interval delivery in multifetal pregnancy.In: UpToDate، Rose، BD (Ed)، UpToDate، Waltham، MA، ٢٠٠٧.","vol":"1","page":237},{"text":"وفي حالة ولادة التوأمين فإن ما ينزل بعد الولد الأول هو كدم النفاس، إلا أن أكثر البطانة لا تتساقط إلا بعد الولادة الثانية، أما ما ينزل بعد الولد الثاني فإنه مطابق لدم النفاس في الولادة العادية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-96> الترجيح:</span>\nالذي يظهر لي - والله أعلم - هو قوة القول بأن لكل ولادة نفاسًا، فهو الأقرب في النظر والأسلم من المعارضة والأوجه من حيث المعارف الطبية، وذلك لأن كل ولادة سبب لحصول النفاس بعدها؛ والدم النازل إنما يكون بسبب الولادة لا دم علة وفساد باتفاق الأطباء.\nأما العدة فإنما تتعلق بفراغ الرحم من الحمل إجماعًا (^١).\n* * *\n_________\n(^١) انظر مباحث العدة.","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>الفصل الثاني: الجنائز</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: علامات الموت\nالمبحث الثاني: انتهاك حرمة الميت والتشريح","vol":"1","page":239},{"text":"المبحث الأول: علامات الموت","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>المبحث الأول: علامات الموت</span>\nلم يزل الناس جيلا بعد جيل وقرنًا بعد قرن يدفنون أمواتهم ويستدلون على موتهم بعلامات ظاهرة، ذكر منها فقهاؤنا ﵏: استرخاء القدمين، وانفصال الكفين، وانخساف الصُدغين، ومَيْل الأنف، وامتداد جلدة الوجه، وانشمار الخُصيتين مع امتداد جلدتهما، وانقطاع النفس، وإحداد البصر، وانفراج الشفتين. وهذا كل ما ذكره فقهاء أهل السنة (^١)، وأضافوا إلى ذلك، عند عدم حصول اليقين، التربص بالميت حتى تتغير رائحته (^٢).\nوذكر فقهاء الإباضية غِيَاب النبض بجس عرق بين الكعب والعُرْقُوب وآخَر في الدبر (^٣). ثم إن المعاصرين من أهل السنة زادوا هذه العلامة في كتاباتهم وإن لم يكن لها في كتب المتقدمين ذكر.\nولم يكن ثم إشكال في هذه المعايير حتى تطورت العلوم الطبية، فأمكن عن طريق أجهزة الإنعاش إبقاء نبض القلب والتنفس بعد موت الدِّمَاغ كاملًا أو جذعه. بل إن الميت الذي حكم بموته بعد توقف القلب والتنفس، إذا سارعوا إلى وضعه على المُنَفِّسَة، قد تظهر فيه بعض علامات الحياة (^٤).\n_________\n(^١) انظر «رَدّ المُحتار على الدُّر المُخْتار» لابن عابِدِين (٢/ ١٩٥)، «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (٢/ ١٢٣)، «الأُمّ» للشافعي (١/ ٣١٤)، «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (٢/ ٤٦٩).\n(^٢) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٥/ ١١١).\n(^٣) «شرح النيل وشفاء العليل» لأطفيش (٢/ ٥٥٨).\n(^٤) يفعل ذلك بأمريكا والغرب، نزولًا على رغبة بعض الموتى بتجميدهم في سائل النيتروجين ريثما يظهر دواء للموت! وعدد هذه الحالات بأمريكا قد وصل إلى ١٥٠. انظر:\nBrain Death and Withdrawal of Support Surgical Clinics of North America [Journal] /auth.Maxim D.Hammer MDa، David Crippen، MDb.","vol":"1","page":243},{"text":"وفي السابق كان المريض يموت حتمًا بعد موت الدِّمَاغ أو جِذعه، لتوقف القلب والتنفس اللذَين يتحكم فيهما جِذع الدِّمَاغ؛ وعندها حكموا بالوفاة. وما زاد الأمر تعقيدًا أن ميت الدِّمَاغ يقطع الطب المعاصر يقينًا بموته، وأنه لا بصيص أمل في عودته إلى الحياة (^١).\nفعندنا الآن إنسان على جهاز المُنَفِّسَة، يتحرك صدره بعمل الجهاز، وينبض قلبه عن طريق مركز ذاتي بالقلب نتيجة لوصول الأوكسجين إليه، ويضخ هذا القلب الدم إلى الأعضاء، فتعمل كُليتاه وينمو شعره وأظفاره، ولكن دماغه قد مات، بل وبدأ في التحلل (^٢).\nوالسؤال هنا ذو شِقَّين: هل هذا الإنسان ميت أم حي؟ وهل يجوز رفع أجهزة الإنعاش عنه؟\nوالحق أن إجابة السؤال الثاني كانت أيسر على الفقهاء بمراحل من إجابة السؤال الأول، حيث قرر جمهورهم، كما سنبين، جواز رفع أجهزة الإنعاش لما ترجح عندهم من عدم وجوب التداوي في مثل هذه الحالة الميؤوس منها، ولما ترجح عند بعضهم من كون صاحب هذه الحالة ميتًا.\nأما السؤال الذي حارت فيه العقول واختلف فيه الناس فهو: هل يعتبر موت الدِّمَاغ موتًا، فتثبت به كل أحكام الموت من ساعة تشخيصه؟ أم لا يعتبر الإنسان قد مات إلا بعد رفع الأجهزة ثم توقف عمل القلب؟ وهذا يحدث في العادة بعد دقائق.\n_________\n(^١) للمزيد، انظر «الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي» بحث الدكتور مختار المهدي، رئيس قسم جراحة الأعصاب، مشفى ابن سينا، الكويت (ص ٣٣٣).\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"1","page":244},{"text":"ولا يظهر أن ثمة مشكلة، فما المانع من أن يتربص الأطباء بالميت هذه الدقائق العشرين إلى الثلاثين على الأكثر (^١) حتى يعلنوا موته؟ إن الإشكال في أن هذا القلب يكون عندها قد فقد ٥٠ - ٩٠% خمسين إلى تسعين بالمائة من صَلاحِيَتِه للعمل في جسم إنسان آخر يزرع فيه، فتضيع فرصة إنقاذ مريض آخر يحتاج إلى هذا القلب (^٢).\nإذًا فنحن بحاجة إلى تحديد وقت الوفاة، ومتى تسري أحكامها، وهل ذلك بموت الدِّمَاغ كاملًا، أو جذعه، أم أنه بتوقف القلب عن العمل.\nوقد يكون ذلك مهمًا أيضًا في حالات نادرة كموت وريثٍ لهذا الإنسان في تلك الفترة، فمن يرث من؟ أو وضع امرأته وليدًا، فهل انقضت عدتها؟ أو جناية أحد الناس عليه، فهل يُقتصُّ منه؟\nإن هذا الموضوع له تعلق مباشر بموضوع بحثنا، لأنه يبحث في إضافة علامة للموت غير تلك العلامات التي ذكرها الفقهاء، ومَرَدُّ ذلك التغيير إلى تطور العلوم الطبية.\nوسأتناول الموضوع بالبحث في الصفحات القليلة القادمة، فأمهد بالكلام عن مفهوم الحياة والموت في الشرع والطب، ثم أذكر أقوال العلماء في هذا الخلاف، وبعدها أعرض ما استدل به الفريقان وما يمكن أن يُستَدَلَّ به لهما، وأُردِف ذلك كلَّه بالترجيح والتوصية.\n* * *\n_________\n(^١) «الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي» والكلام للدكتور أحمد القاضي جراح القلب (ص ٥٧٩).\n(^٢) «الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي»، مناقشة بين الفقهاء والأطباء (ص ٥٧٦ - ٥٨٦).","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>الحياة والموت بين الفقه والطب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>أولًا: في الفقه:</span>\nالحياة:\nقال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].\nإنه وإن اختلف العلماء في الروح المسؤول عنها، فذهب بعضهم إلى أنها الملك المُوَكَّل بالوحي، وذهب الجمهور إلى أنها روح الإنسان، فإن الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن روح الإنسان يعجِز البشر بكل علومهم أن يدركوا كُنْهها وإن أدركوا بعض خصائصها.\nإن هذا ليس كلامنا وحدنا، معاشر المسلمين، بل هو مما اتفق عيه العقلاء، بل كتب أحد الغربيين (^١) كتابًا سماه «الإنسان ذلك المجهول»، وقال فيه: «إن علوم التشريح والفسيوليوجيا والكيمياء والنفس والاجتماع وغيرها من العلوم لم تعطنا نتائج قطعية في ميادينها عن ماهية الإنسان. وإن الإنسان الذي يعرفه العلماء ليس إلا إنسانًا بعيدًا جدًا عن الإنسان الحقيقي فالإنسان كائن مجهول لنفسه، وسيظل جهلنا به إلى الأبد» (^٢).\nوذاك الإنسان الذي يصفه الدكتور الكسيس بالمجهول ليس بالطبع ذلك البدن الذي استطاع الطب بالفعل أن يحل الكثير من رموزه ويكشف الكثير من أسراره، ولكنه ذاك المزيج بين البدن والروح.\nولكنَّ هذا الذي ذكرنا لا يمنع من التعرف على بعض خصائص الروح الإنسانية،\n_________\n(^١) هو الدكتور الكسيس كاريل.\n(^٢) «الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي» (ص ٣٦٣).","vol":"1","page":246},{"text":"فإن رسول الله -ﷺ- الذي تلقى هذا الوحي من ربه هو من علمنا أن الأرواح جنود مجندة، وأنها تتلاقى في المنام، وأنها تنفخ في الجنين بعد أربعين يومًا أو مائة وعشرين، على خلاف، وغير ذلك كثير.\nإن إدراكنا لبعض خصائص الروح، ولمفهوم الحياة والموت في ديننا حري أن ييسر علينا فهم ومناقشة الآراء المختلفة عن نهاية حياة الإنسان وعلامات الموت.\nولنبدأ بالروح، فإنها التي متى فارقت البدن حل الموت بالإنسان؛ وكل علامات الموت التي نناقشها ما هي إلا دلائل على حصول هذا الفراق بين الروح والجسد.\nولعل من أفضل التعريفات للروح هو ما عرفها به الإمام ابن القَيِّم -﵀- حيث قال عنها:\n«جسم مخالف بالماهِيَّة لهذا الجسم المحسوس وهو جسم نوراني عُلوي خفيف حي متحرك ينفُذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريانَ الماءِ في الورد وسريانَ الدُّهْنِ في الزيتون والنارِ في الفحم. فما دامت هذه الأعضاء صالحةً لقَبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي ذلك الجسم اللطيف ساريًا في هذه الأعضاء وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية. وإذا فسدت هذه بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها وخرجت عن قَبول تلك الآثار، فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الأرواح» (^١).\nوهذا الذي ذكره ابن القَيِّم هو معتقد أهل السنة، خلافًا للمعتزلة الذين يرون الروح عرضًا من الجسد وليست شيئًا غيره (^٢).\nومما ينبغي الوقوف عنده في كلامه -﵀- هو قوله: «وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب\n_________\n(^١) «الرُّوح» لابن القَيِّم (ص ٢٢٥).\n(^٢) «الرُّوح» لابن القَيِّم (ص ٢٢٣).","vol":"1","page":247},{"text":"استيلاء الأخلاط الغليظة عليها وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن» فهل يعني ذلك أنه لو حكم الأطباء أن الجسم لم يعد صالحًا بصفة نهائية لقبول أي أثر من آثار الروح التي تميز حياة الإنسان عن حياة النبات كالعلم والإرادة، نقول عندها بوفاة الإنسان؟ وإن بقيت بعض علامات الحياة الجسدية أو النسيجية؟\nإن الروح الإنسانية لها من الآثار على البدن ما يميز بين الإنسان والنبات، بل بين الإنسان والحيوان، يقول الجُرْجَانِيّ -﵀- (^١) في «التَّعريفات»: «الروح الإنساني هو اللطيفة العالمة المُدْرِكة من الإنسان الراكبة على الروح الحيواني نازلٌ من عالم الأمر، تعجِز العقول عن إدراك كنهه وتلك الروح قد تكون مجردة وقد تكون منطبقة في البدن» (^٢).\nلاحظ قوله «المدركة». ولكن هل يعني هذا أن الرضيع والمعتوه ميتان؟\nليس كذلك، فإنهما لا يزال معهما بعض إدراكٍ، فهما يسمعان ويُبصران ويشُمَّان ويتَذَوَّقان ويحُسَّان، وكل ذلك من أنواع الإدراك. بيد أن الإدراك وحده ليس الخصيصة الوحيدة التي يتميز بها الإنسان عن النبات، ولكنْ هناك خصيصةُ الإرادةِ التي تميز الحياة الإنسانية، ولقد نقل المُناوِيّ في التعاريف عن ابن الكمال -﵀- قوله: «الحياة صفةٌ توجِب للمتصف بها العلمَ والقدرةَ» (^٣).\nولكن هل يعني هذا أن من لا علم له ولا قدرة ليس من الأحياء؟\nإن هناك حالات الحياة النباتية المستمرة والتي تموت فيها قشرة الدِّمَاغ أو المخ دون\n_________\n(^١) هو: علي بن محمد بن علي، المعروف بالشريف الجُرْجَانِيّ، فيلسوف من كبار العلماء بالعربية، ولد سنة ٧٤٠ هـ، وتوفي -﵀- بشيراز سنة ٨١٦ هـ، له نحو خمسين مصنفًا، منها: «التَّعرِيفَات»، و«شرح مواقف الإيجي»، و«مقاليد العلوم وشرح السراجية في الفرائض»، و«رسالة في فن أصول الحديث». راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (٥/ ٧)، «مُعْجَم المؤلفين» (٧/ ٢١٦).\n(^٢) «التَّعرِيفَات» للجُرْجَانِيّ (١/ ١٥٠).\n(^٣) «التَّعَارِيف» للمُناوِيّ (١/ ٣٠١).","vol":"1","page":248},{"text":"جذع الدِّمَاغ، فيبقى القلب ينبِض تِلقائيًا من غير منفسة، ويبقى التنفس مستمرًا. لقد كان المريض في السابق يموت من الجفاف ونقص الغذاء وقُرَح الفراش، ولكن الآن، ومع تقدم الرعاية الطبية، يُعَمِّر بعض هؤلاء المرضى فوق عشر السنين ومتوسط حياتهم على تلك الحالة ما بين السنتين والخمس (^١) عند وجود الرعاية الطبية المتميزة.\nإن هؤلاء المرضى يكونون فاقدين بالكلية للوعي والإرادة، بل يشترط لتشخيص هذه الحالة الفُقدان الكامل للوعي بالمحيط الخارجي، وأي قدرة على التعاطي معه بالكلام أو الإشارة، مع فقد كامل للإبصار والسمع وجميع الحواس. ولكن رَغم كل هذا، فإن بعض مراكز الدِّمَاغ التي لم تمت تحافظ على نبض القلب والتنفس بل ودورة النوم واليقظة، والتي يتم الاستدلال عليها عن طريق بعض الحركات اللا إرادية، كالبلع والتبسم وبعض الأصوات المصاحبة للنَّفَس.\nإنَّ فقيهًا واحدًا لا يتجاسر على وصف هذه الحالات بالموت، وإن اختلفوا في قدر الرعاية التي ينبغي أن تبذل لهم.\nإن فقهاءنا - رحم الله من قضى منهم ومن ينتظر - يقسمون الحياة إلى أقسام:\n١ - فهناك الحياة المستمرة، وهي حياة من لم ينزل به مرضٌ أو حادثٌ يُتيقَّن معه موتُه قريبًا.\n٢ - وهناك الحياة المستقرة، ويمثلون لها بحالة عمر -﵁-، فإنه بعد طعنه وتيقن موته، كان يوصي ويعهَد، وهذه الحياة كسابقتها في الحرمة.\n_________\n(^١) انظر:  Young، G Bryan.Diagnosis of brain death.In: UpToDate، Rose، BD (Ed)، UpToDate، Waltham، MA، ٢٠٠٧.","vol":"1","page":249},{"text":"٣ - وهناك حياة المذبوح (^١)، وهو من لا إبصار له ولا إدراك ولا حركة اختيار بعد نزع أحشائه أو ذبحه، ولكن قد يكون به نبض في عروقه وحركات اختلاجية، وهذه الحالة لها أحكام خاصة.\nوتنبغي الإشارة هنا إلى أن من لم يروا من الفقهاء أن ميت الدِّمَاغ ميتٌ أو له حُكمُه، يرى أكثرهم أن حياته كعيش المذبوح، والقليل جدًا هو من يرى أن له حياةً مستقرةً.\nالموت:\nالموت قد عرفه صاحب «التِّبيَان في تَفسِير غَرِيب القُرآن» بالآتي:\n«الموت يكون مصدرًا كمات يموت كقال يقول أو كمات يمات كخاف يخاف ويكون اسمًا وهو يقابل الحياة تقابل الملكة والعدم عند المعتزلة فهو زوال الحياة وتقابل الضدين عند الأشعريين فقيل هو عَرَض يعقُب الحياة؛ وقيل عرض لا يصح معه إحساس يعقُب الحياة» (^٢).\nقلت: إن الموت ليس عدمًا، فإن البرزخ جِسر بين الدنيا والآخرة فيه نعيم وعذاب، كما تواترت بذلك نصوص الوحي.\nولعله من الوجيه، بعد هذا التقرير، أن نقف مع العَلاقة بين الموت والحياة، أهما نقيضان أم ضدان؟\n_________\n(^١) انظر «أسْنَى المَطَالِب» للأنصَارِيّ (٤/ ١١ - ١٢)، «درر الحكام» لحَيْدَر (١/ ١٦٦).\n(^٢) «التِّبيَان في تَفسِير غَرِيب القُرآن» لشهاب الدين أحمد بن محمد الهائم المِصْرِيّ (١/ ٦٣). وتقابل الملكة والعدم: هو التقابل بين أمرين أحدهما وجودي، والآخر عدمي، كالبصر والعمى. وتقابل الضدين: هو تقابل ما لا يجتمعان وإن جاز أن يرتفعا عن الذات الواحدة كالحمرة والصفرة.","vol":"1","page":250},{"text":"الحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال لا تكون باختيار أحدهما من غير تفصيل، فقبل الإجابة لابد من التساؤل عن المقصود بالحياة؟ هل هي الحياة الإنسانية الدنيوية؟ فإن قيل نعم، وكان المحل هو الإنسان بعد نفخ روحه، فهما نقيضان لأن الإنسان لا يجتمع فيه الوصفان ولا يخلو منهما.\nأما في غير ذلك فهما ضدان، فالجنين قبل نفخ الروح فيه لا يوصف بالموت ولا يوصف بالحياة الإنسانية الدنيوية.\nإننا لو اعتبرنا الموت والحياة ضدين، لجاز أن نجعل عيش المذبوح غيرهما، فلا نثبت له حياةً ولا موتًا. ولكن الذي يظهر لي أنهما، في هذه الدار، نقيضان. وإن فقهاءنا، وإن أجروا على المذبوح بعض أحكام الأموات، كما سيأتي، لم يسموه ميتًا، بل جعلوا حياته أحد أقسام الحياة لا قسيمًا لها، وسمَّوها عيش المذبوح.\nإن الذي يظهر أن الإنسان في هذه الدار، وبعد ولادته إما أن يكون حيًا أو ميتًا، ولا ثالث لهما (^١).\nبقي أن الأطباء يصفون حياة من ماتت قشرة مخه بالنباتية وهذا ليس له اعتبار في الشريعة، فإن هذا الإنسان الذي ينبض قلبه تِلقائيًا ويتنفس له حياة إنسانية محترمة في ميزان الشرع.\nومن تعريفات الموت في اللغة والاصطلاح ما جاء في الموسوعة الفقهية:\n«المَوْتُ في اللغة: ضد الحياة. يقال: مَاتَ يَمُوتُ فهو مَيِّتٌ وَمَيْتٌ ومن أسمائه: المَنُونُ وَالمَنَّا وَالمَنِيَّةُ وَالشُّعُوبُ وَالسَّامُ وَالحِمَامُ وَالحَيْنُ وَالرَّدَى وَالهَلاكُ وَالثُّكْلُ وَالوَفَاةُ وَالخَبَالُ. وفي مقايِيسِ اللغة: المِيمُ وَالوَاوُ وَالتَّاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى ذَهَابِ القُوَّةِ مِنْ الشَّيْءِ\n_________\n(^١) في الشهداء والأنبياء تفصيل يراجع في مظانه.","vol":"1","page":251},{"text":"وَمِنْهُ المَوْتُ خِلافُ الْحَيَاةِ. والموت فِي الاصطلاحِ هو: مفارقة الروحِ للجسد. قال الغَزالِيّ: ومعنى مفارقتها للجسد انقطاع تصرفها عن الجسد بخروج الجسد عن طاعتها» (^١).\nلاحظ قوله «بخروج الجسد عن طاعتها» واستحضر ذلك عند الكلام عن «انعدام الترابط والتناسق بين أجهزة الجسم» الذي نذكره عند التعريف بموت الدِّمَاغ.\nولا يعترض على التعريف بالمغشي عليه، فإن آثار تصرف الروح ظاهرة على الجسد، الذي ما زال قلبه ينبض تلقائيًا ويتحرك النفس في صدره.\nوأنت تجد أن الكثير من التعريفات في كتب اللغة والفقه تصف الموت بأنه ضد الحياة والحياة بأنها ضد الموت؛ وما ذلك إلا لعجزنا نحن البشرَ عن إدراك حقيقةِ تلك النفسِ التي بين جنبينا، ليبقى ذلك شاهدًا على قلة علمنا وحولنا وقوتنا. ولعل العجز عن إدراك كُنْه الموت جعل الفقهاء يعلقون أحكامه على أماراته الظاهرة (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (٣٩/ ٢٤٨).\n(^٢) «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (٣٩/ ٢٤٩).","vol":"1","page":252},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-101> ثانيًا: في الطب:</span>\nإن العلوم الغربية الحديثة لا تتعرض إلى ما بعد المادة، فهي لا تبحث في الروح وذلك أن الروح لا تُشاهَد ولا تُسمَع أو تُشَم، وليس لها طول أو عرض أو عمق ... إلخ؛ وإن كان العاقل يؤمن بالشيء بإدراك آثاره. ولكن الطب الحديث معني بالبدن، فمناقشة الحياة والموت من هذه الجهة هي مناقشة عن البدن وأعراضه.\nإن الناس كانوا يستدلون على الموت قبل تطور العلوم الطبية بعلامات ظاهرة كما سبق ثم صار لنبض القلب أهمية كبرى بعد اختراع السماعة الطبية حتى استقر رأي الأطباء على أن الموت هو توقف التنفس والدورة الدموية توقفًا لا رجعة فيه، وأكثرهم يحاولون إنعاش من توقف قلبه لمدة تتراوح بين الخمس عشرة والثلاثين دقيقة ثم يعلنون موته.\nولكن مع تطور العلوم الطبية كما سبق، ووجود تلك الحالات التي يثبت فيها موت جذع الدِّمَاغ والمريض على المُنَفِّسَة، ينبض قلبه بتأثيرها، بدأ الأطباء في البحث فيما إذا كان موت جذع الدِّمَاغ موتًا نهائيًّا لا رجعة فيه ولا بصيص أملٍ معه في عودة الإنسان إلى الحياة أم لا؟ وبعد جُهد جهيد ودراسات طويلة اتفق رأيهم على كونه موتًا لا رجعة فيه، وأنه يستحيل لمن مات جذعُ دماغه أن يعود للحياة فينبض قلبه تلقائيًّا ويتنفس (^١).\nإن موت الدِّمَاغ صار عند الأطباء المعيار الأدق للموت، بل إن موت القلب صار يفتقر إلى موت الدِّمَاغ ليتأكد الأطباء من حصول الموت الذي لا رجعة فيه، ولكنَّ هذا\n_________\n(^١) انظر (ص ٢٥٣)، وانظر: «الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي» بحث الدكتور عصام الشربيني، مستشار الأمراض الباطنية بمستشفى الصباح بالكويت (ص ٣٥٦)، وانظر:  Brain Death and Withdrawal of Support Surgical Clinics of North America [Journal] /auth.Maxim D.Hammer MDa، David Crippen، MDb.","vol":"1","page":253},{"text":"يحتاج إلى مجرد التَّربُّص عدة دقائق بميت القلب ليُعلَم أن دماغه قد مات (^١).\nوالحقيقة التي ينبغي التأكيد عليها هنا أن الأطباء، إلا شذوذًا منهم، يتحرَّوْن الدقة في هذه الأمور، ولا يمكن وصفهم بالطيش أو التهور. وهذا ينطبق على المسلم منهم وغيره، فإن المهنة الطبية قائمةٌ على حفظ الحياة لا إزهاقها. بل إن الكثير من الأطباء أكثر تشددًا من كثير من الفقهاء بهذا الصدد.\nوفي المطلب الآتي نعرض بيانًا وافيًا عن موت الدِّمَاغ من وجهة نظر الطب، لما في ذلك التفصيل من فائدةِ إيقافِ الفقيهِ على حقيقة ما يدور في الشِّق الطبي من هذه النازلة.\n* * *\n_________\n(^١)  Brain Death and Withdrawal of Support Surgical Clinics of North America [Journal] /auth.Maxim D.Hammer MDa، David Crippen، MDb.","vol":"1","page":254},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-102> موت الدِّمَاغ في الطب الحديث:</span>\n[٤] رسم توضيحي للدماغ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>مقدمة </span>(^١):\nالموت [في عرف الطب الغربي الحديث] هو حادثة بيولوجية غير قابلة للرجوع تتألف من توقفٍ دائمٍ للوظائفِ الحسَّاسة للكائن ككل.\nهذا المفهوم يسمح للأنسجة أن تستمر إذا كانت في حالة عزلة [أي انعدام الترابط\n_________\n(^١) مترجم مع اختصار وتصرف يسير من:  Young، G Bryan.Diagnosis of brain death.In: UpToDate، Rose، BD (Ed)، UpToDate، Waltham، MA، ٢٠٠٧.","vol":"1","page":255},{"text":"والتناسق بين أجهزة الجسم]، ولكن يتطلب فُقدان الوظيفة التكاملية لمختلف أعضاء جسم الإنسان. لذلك يُعتبر موت الدِّمَاغ موتًا، لأن وظيفة الدِّمَاغ أساسية للتكامل بين المهام الحساسة للجسم.\nومساواة موت الدِّمَاغ بالموت بشكل عام مقبولة إلى حدّ كبير، ولكن ليس عند الجميع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>ما هو موت الدِّمَاغ وتاريخه ومعايير تشخيصه</span>؟\nموت الدِّمَاغ يعني الغِيَاب الدائمَ لوظائفِ جذعِ الدِّمَاغِ والوظائفِ الدِّمَاغيةِ. ومع أن تعبيرَ موتِ الدِّمَاغ يُستخدم بشكل عام (^١) ويمتد إلى كل المرضى بالأذِيَّات الدِّمَاغية الشديدة، فإن معناه من ناحية طبيّة قضائية ضيّق جدًّا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-105> تاريخ موت الدِّمَاغ:</span>\n• مفهوم الغيبوبة غير القابلة للعودة أو موت الدِّمَاغ وُصِفَ أول مرة في عام ١٩٥٩ قبل الانتشار الواسع للتبرع بالأعضاء، مع أن التبرع بالأعضاء جعل تصنيفه ضرورة حتمية.\n• ومع أن التفاصيل الخاصّة للمعايير التشخيصية تختلف، فإن التعريف الرئيس لموت الدِّمَاغ بقي ثابتًا بمرور الزمن وعبر البلاد. وهناك حالة استثناء واحدة حيث إن بعض البلاد مثل الولايات المتحدة تعتبر أن موت الدِّمَاغ هو موت الدِّمَاغ ككل، بينما بلادٌ أُخرى كالمملكة المتحدة تأخذ بمفهوم «موت جذع الدِّمَاغ» كموتٍ للدماغ.\n_________\n(^١) الحالة النباتية المستمرة: هي غير موت الدماغ، ولكنها موت قشرته، وقد وُصِفَت في مكان آخَر في البحث عند الكلام عن أحكام التداوي. (ص ٤٤١).","vol":"1","page":256},{"text":"التكييف القانوني لموت الدِّمَاغ [في القانون الأمريكي]:\n• بينما يساوي القانون الأمريكي الفيدرالي بين موت الدِّمَاغ والموت القلبي التنفسي، فإنه ليس هناك معاييرُ تشخيصيةٌ مفروضةٌ قانونًا.\n• بعض الولايات والمؤسسات العلاجية تعتمد معاييرَ خاصةً بها، بالذات عندما يتعلق الأمر بالتبرع بالأعضاء. وأكثر الممارسين يعتمدون على المعايير المنشورة.\n• بعض المرضى لديهم اعتقاداتٌ دينية تعارض مبدأ مساواة موت الدِّمَاغ بالموت؛ ولذلك، فإن كلًّا من ولايتي نيوجرسي ونيويورك قد تعاملتا مع هذا الموضوع بإصدار قوانين تتطلب الموت القلبي الرئوي كتعريفٍ للموت في حق هؤلاء المرضى.\n• وفي حين أن هناك سابقة قانونية لإيقاف دعم الحياة رَغم اعتراض عائلة المريض، فإن كثيرًا من الأطباء ينصحون بتأخيرها وتثقيف العائلة ودعمِها معنويًّا ومفاوضتِها في مثل هذه الحالة.\n• إمكانية اعتبار التبرع بأعضاء ميت الدِّمَاغ مما يساعد المنكوبين بفقد المريض على السُّلوان، ويجب أن يعرض ذلك على العائلات، ولكن يجب أن لا يكون الحافزَ لتشخيص موت الدِّمَاغ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-106> أسباب موت الدِّمَاغ:</span>\nفي معظم الحالات عند البالغين، فإن الرضوضَ ونزيفَ ما تحت الغشاءِ العنكبوتي هي الأسباب الأكثر شيوعًا للموت الدِّمَاغي، ولكنَّ أيةَ حالةٍ تسبب أذيةً دماغيةً واسعةً دائمةً قد تؤدي إلى موت دماغي.","vol":"1","page":257},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-107> معايير تشخيص موت الدِّمَاغ:</span>\nالمعايير السريرية:\nيمكن تشخيص الموت الدِّمَاغي سريريًّا، وتحتاج معايير تشخيصه إلى شروطٍ تتعلق بالحالة السريرية وانعدام أي دليل على أي وظيفة دماغية خلال الفحص العصبي.\nالظروف السريرية:\nهناك أربعة شروط قبل اعتبار أي مريض ميتَ الدِّمَاغِ:\n١ - دليل سريري أو عصبي تصويري على كارثة حادّة في الجهاز العصبي تتوافق مع التشخيص السريري لموت الدِّمَاغ، أي يجب أن يُعرف السبب المؤدي للموت الدِّمَاغي.\n٢ - انعدام عوامل خلط طبية أُخرى تعقد الوضع السريري مثل [اضطراب الشوارد، أو حمض الأساس، أو الغدد]\n٣ - انعدام وجود أي من المواد السامة أو المخدِّرة التي قد تُؤثر على التقييم السريري.\n٤ - أن تكون درجة حرارة باطن الجسم أكثر من ٣٢ ْم أو أكثر من ٩٠ فهرنهايت، فإن نقص الحرارة قد يسبب صعوبة في تشخيص موت الدِّمَاغ، وليس هناك درجة حرارة معينة ثابتة كعَتَبَةٍ؛ ولقد اعتبرت إحدى التوصيات الكندية التي نُشِرت في كندا عام ٢٠٠٦ م درجة الحرارة ٣٤ ْم كمعيار.","vol":"1","page":258},{"text":"الفحص العصبي:\nيتوجب بالفحص العصبي إثبات غِيَاب أية وظيفة دماغية أو جذعية دماغية مع توافر الآتي:\n١ - غيبوبة.\n٢ - غِيَاب أي استجابة حركية.\n٣ - غِيَاب المُنعَكس الحَدَقي الضوئي، والحدقات في وضع متوسط أو متسع ٤ - ٩ ملم.\n٤ - غِيَاب المنعكس القَحَفِيِّ العيني «عين الدُّمية».\n٥ - غِيَاب المنعكس الدِّهليزي البصري «المنعكس الحراري».\n٦ - غِيَاب المنعكس البُلْعُومي «منعكس التقيؤ».\n٧ - غِيَاب السُّعال عند الشَّفطِ الرُّغامِي.\n٨ - غِيَاب منعكسات المصِّ.\n٩ - انعدام التنفس.\nوقد تحصُل بعض الحركات في مريض موت الدِّمَاغ ناشئةً من النخاع الشوكي أو الأعصاب الطرفية، وهذه شائعة «٣٣ - ٧٥ %» وقد تتحرض بمُحَرِّضَات لمسيّة أو تحدث تلقائيًّا.\nأمثلة على هذه الحركات:\n١ - حركات خفيفة شبه إيقاعية للعضلات الوجهِيّة قد تنشأ من العصَب الوجهِيّ المجرَّد.\n٢ - حركات قبض الأصابع.","vol":"1","page":259},{"text":"٣ - مُنعَكسات رقبية تَوَتُّرِيَّة وتحريك الرقبة السلبي، خصوصًا الانطواء، مترافقًا مع حركات طرفية أو جذعية معقدة، بما فيها التقريب عند الكتفين والثني عند المِرْفَقين وبَطْحُ وكَبُّ المِعصمين أو انثناءٌ عند الجذع (حركات شبيهة بالجلوس) وتقلصات عضلات الرقبة والبطن أو التفات الرأس لجهة واحدة. وغالبًا ما تكون هذه الحركات شديدة وتُدعى «علامة لا زارس».\n٤ - منعكس الانحناء الثلاثي (انحناء الوَرِك (الوَِرْك) والرُّكْبَة والكاهِل بتحريض القدم) مثال اختبار «علامة بابنسكي».\n٥ - حركات جذعية أخرى تتضمن التَّوضُّع غير المتناظر، المتقوس الخلفي للجذع مع المحافظة على المنعكسات البطنية السطحية والعميقة.\n٦ - تناوب المنعكسات وقبض وبسط أصابع الأقدام مع تغيير وضع القدم بشكل سلبي أو قبض الأصابع بعد نقر القدم أو علامة إيجابية لبابنسكي.\n٧ - منعكس مَدِّيٌّ مُكِبٌّ للطرف العلوي.\nاختبار انعدام التنفس:\nيتم ذلك بعد استكمال كل معايير تشخيص الموت الدِّمَاغي. وتكون النتيجة إيجابية عندما لا يستجيب الجهاز التنفسي لارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون إلى أكثر من ٦٠.\nويمكن تفادي هبوط الأكسجين بعد إيقاف جهاز التنفس بإعطاء تركيزٍ عالٍ منه قُبيل إيقافه.\nفترة المراقبة بعد اكتمال المعايير وقبل الحكم بموت الدِّمَاغ:\nوهي فاصل زمني وقدره:\n• ٤٨ ساعةً للأطفال الرُضَّع بعمر سبعة أيام إلى شهرين.","vol":"1","page":260},{"text":"• ٢٤ ساعةً لعمر مابين شهرين إلى سنة.\n• ١٢ ساعةً لعمر مابين سنةٍ إلى ثماني عشرة سنة.\nفترة المراقبة للبالغين تكون اختيارية ولكن ٦ ساعات غالبًا ما يوصى بها ويمكن أن تكون أطول إلى ٢٤ ساعة يوصى بها في حالات الاعتلال الدِّمَاغي ناقص التروية بنقص الأكسجة.\nالفاحصون السريريون:\nتختلف الولايات والأقطار فيما إذا كان طبيبٌ واحدٌ فقط أو أكثرُ من طبيبٍ مطلوبًا لإعلان كون المريض ميتًا دماغيًّا.\nالفحوص المكملة:\nمقدمة عن الفحوص التكميلية:\n• فحص سريري كامل يكفي عادة، وغالبًا ما يكون متفوقًا على الفحوصات التكميلية في موت الدِّمَاغ عند البالغين، ولكن المعايير السريرية أحيانًا لا يمكن تطبيقها، وفي هذه الحالات الفحوص التكميلية تكون ضرورية.\n• والفحوص المكملة تكون مطلوبة للرُّضَّع أقل من سنة في كل الأحوال. ويلزم حصول فحصين إيجابيين للمرضى الذين يقل عمرهم عن شهرين.\n• بعض البُلَدان تحتِّم استعمال الفحوص المُكمِّلة لتتميم الفحص السريري.\n• لسوء الحظ لا يوجد أي فحص متوفر حاليًا لموت الدِّمَاغ «الذي يطابق جميع المعايير لجعله فحصًا مثاليًّا».","vol":"1","page":261},{"text":"أنواع الفحوص التكميلية:\n١ - فحص الكهرَبائية الفيزيولوجية:\nالفحوصات الكهرَبائية الفيزيولوجية المستخدمة في تشخيص الموت الدِّمَاغي تتضمن تخطيط الدِّمَاغ الكهربائي وفحوص الإمكانات المحَرّضَة.\nتخطيط الدِّمَاغ الكهربائي الـ  EEG.\nإن الصمت الكهرَبائي الدِّمَاغي أو تخطيط الدِّمَاغ الصامت كان عُنصرًا من المبادئ التوجيهية المنشورة في البداية ويبقى مُوصًى به بشدَّة في الولايات المتحدة كما أنه جزء أساسي في المعايير الأمريكية لتشخيص موت الدِّمَاغ في الأطفال الصغار جدًّا.\nالتخطيط الكهرَبائي الدِّمَاغي يلخص الإمكانيات المِشبَكيَّة من القشرة الدِّمَاغية ولا يُفصِح عن الإمكانيات لِعناصر ما تحت القشرة مثل: جذع الدِّمَاغ والمِهاد ولهذا فإن  EEG  قد يكون صامتًا أو متعادلا كهرَبائيًا حتى مع وجود وحدات عصبية حيّة في جذع الدِّمَاغ في مكان آخر.\nالـ  EEG  أيضًا قد يكون عرضة لعوامل خَلْط وقد يكون صامتًا أو متعادلا كهرَبائيًّا في حالات التخدير بأدوية أو ابتلاع مواد سامّة أو انخفاض الحرارة أو نتيجة عوامل استقلابية.\n٢ - جريان الدم الدِّمَاغي:\nإن الفحوصات التي تُظهر غَِياب جريانِ الدم إلى الدِّمَاغ تعتبر عمومًا مقبولة كدليلٍ على موت الدِّمَاغ.\nمن البديهي أن دماغًا بدون تغذية دموية هو ميتـ ولكن لا يمنع وجود بعض التدفق الدموي الشرياني في الحجرات داخل الدِّمَاغية من تشخيص موت الدِّمَاغ.","vol":"1","page":262},{"text":"فحوصات تدفق الدم الدِّمَاغية لا تتأثر بالأدوية ولا بالاضطرابات الاستقلابية ولا بنقص الحرارة. ولكنْ من المهمِّ أخذُ الحذر من أن ضغط الدم الجهازي يجب أن يكون كافيًا. مثال: يجب أن لا يكون المريض في حالة صدمة عندما تُجرى هذه الفحوص.\n٣ - اختبارات الطب النَّوَوِيّ:\nإن غِيَاب امتصاص النظائر النَّوَوِيّة يشير إلى غِيَاب التروية الدِّمَاغية ويدعم تشخيص موتِ الدِّمَاغ «ظاهرة الجُمْجُمَة المُفرَّغة». تتحسن حساسية الاختبار بإجراء فحص لاحق خلال ٢٤ - ٤٨ ساعةً.\nفي دراسات أُجريت لعدد قليل من المتأذِّين دِماغيًّا ولكن ليس لمرضى ميتي الدِّمَاغ لم يكن هناك أية حالة إيجابية كاذبة.\nمُقلِّدات موت الدِّمَاغ:\nيشخص موت الدِّمَاغ خطأً في الحالات السريرية الآتية:\n١ - متلازمة المقفول عليه.\n٢ - نقص الحرارة.\n٣ - التسمم الدوائي.\n٤ - متلازمة غيلان باريه.\n• متلازمة المقفول عليه: هي نتيجة أذية موضعية لقاعدة الجسر. وفيها يبقى للمريض وَعْيه، ولكن لا يستطيع تحريك عضلات الأطراف أو الجذع أو الوجه ما عدا حركات إرادية، كالغمز بالعينين، أو حركات عمودية لكرة العين، والتي تبقى سليمة.","vol":"1","page":263},{"text":"الإنذار السريري (التكهن بالعاقبة):\nفي البالغين قلما يطول الموت الدِّمَاغي أكثر من عدة أيام قبل أن يُتبع بموت جسدي وبواحدة من الدراسات كل من ٧٣ الثلاثة والسبعين مريضًا الذين تطابقوا مع المعايير السريرية لموت الدِّمَاغ عانوا من توقف قلبي على الرَّغم من دعم تنفسي قلبي كامل و٩٧% ماتوا خلال ٧ سبعة أيام.\nتم تَحَدِّي هذا المبدأ في سلسلة سريرية تتألف من ١٧٥ خمسةٍ وسبعينَ ومائةِ مريضٍ بقُوا على قيد الحياة أكثرَ من أسبوعٍ بعد تشخيص موت الدِّمَاغ. في هذه السلسلة، بقِي ٨٠ ثمانون مريضًا على قيد الحياة لمدة أسبوعين؛ ٤٤ أربعة وأربعون مريضًا بقُوا على قيد الحياة لمدة ٤ أربعة أسابيع؛ ٢٠ عشرون مريضًا بقُوا على قيد الحياة لمدة شهرين، ٧ سبعة مرضى بقوا على قيد الحياة لمدة ٦ ستة أشهر. هؤلاء الذين عاشوا فترةً أطولَ كانوا عمومًا أصغر في السن «اثنان مولودان جديدان». ولكن صحة هذه المصادر وتشخيص الموت في هذه المجموعة من المرضى قد طُعِنَ فيها.\n• الخلاصة:\nظهر من العرض السابق: أن موت الدِّمَاغ المستوفي للشروط لا يمكن في إطار السنن الكونية المعروفة أن تتبعه حياة مستمرة.\nأن هناك معايير دقيقة لهذا التشخيص يتفق عليها الأطباء وقد يزيد البعض معايير أخرى لمزيد من التَّوثُّق.\nويبقى سؤال مهم وهو: هل هناك احتمال خطأ في ذلك؟\nالحقيقة أن الخطأ البشري واردٌ في كل شيء، حتى في تشخيص الموت عن طريق علاماته الظاهرة، حتى قال ابن عَابِدِين -﵀-: «إن أكثر الذين يموتون بالسكتة يدفنون","vol":"1","page":264},{"text":"وهم أحياء، لأنه يَعسُر إدراك الموت الحقيقي إلا على أفاضل الأطباء» (^١) بل إن طبيبًا إيطاليًّا قد شق صدر ميتٍ عام ١٥٦٤ أربعة وستين وخمسمائة وألف لتشريحه فوجد قلبه ما زال ينبض (^٢).\nولكن الحقيقة أيضًا أن احتمالات الخطأ من قبل الفريق الطبي في تشخيص الموت الدِّمَاغي هي دون احتمالاته عند تشخيص طبيب وزارة الصحة أو آحاد الناس الموتَ بعلاماتِه الظاهرة. وذلك، طبعًا، عند تطبيق المعايير المهنية، واستكمال الشروط، وانتفاء الموانع.\n* * *\n_________\n(^١) «الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي» (ص ٤٣٥).\n(^٢)  Brain Death and Withdrawal of Support Surgical Clinics of North America [Journal] /auth.Maxim D.Hammer MDa، David Crippen، MDb.","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>أقوال المعاصرين في موت الدِّمَاغ</span>\nذهب فريق من أهل العلم إلى كون موت الدِّمَاغ (^١) موتًا للإنسان، تترتب عليه جميع أحكام الموت. ومن هؤلاء: محمد نعيم ياسين (^٢) (^٣) وأحمد شرف الدين (^٤) (^٥) ومحمد مختار السُّلامِيّ (^٦) (^٧) وعمر سليمان الأشْقَر (^٨)؛ واختار هذا الرأي مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (^٩).\nوذهب فريقٌ من أهل العلم إلى كون موت الدِّمَاغ ليس موتًا للإنسان، ولا تترتب عليه أحكام الموت؛ وإن كان قد ذهب أكثرهم إلى جواز إيقاف أجهزة الإنعاش، لكون الحالة ميؤوسًا منها، ولعدم وجوب التداوي عندئذٍ. ومن هؤلاء: جاد الحق علي جاد الحق (^١٠) (^١١).\n_________\n(^١) المقصود هنا الجِذع، أما موت القِشرة فنعرض إليه في مبحث مداواة المصاب بالحياة النباتية، (ص ٤٤١).\n(^٢) هو: محمد نعيم ياسين، عمِل رئيسًا لقسم الفقه المقارن والسياسة الشرعية بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية- جامعة الكويت، له مصنفات كثيرة، منها: «أبحاث فقهية في قضايا طبية معاصرة»، و«الإيمان»، وغيرها.\n(^٣) «أبحاث فقهية في قضايا طبية معاصرة» لمحمد نعيم ياسين (ص ٢٦).\n(^٤) عمِل أستاذًا بكلية الحقوق بجامعة الكويت.\n(^٥) «موت الدماغ بين الطب والإسلام» لندى محمد نعيم الدَّقر (ص ١٦٧).\n(^٦) فقيه مالكي مدقق، ومفتي الجمهورية التُّونُسِيَّة السابق، والعضو بالمجامع الفقهية.\n(^٧) «الطب في ضوء الإيمان» لمحمد المختار السُّلامِيّ (ص ٤٣ - ٥٣).\n(^٨) «دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة» بحث بدء الحياة ونهايتها (ص ١٠٥).\n(^٩) في دورته المنعقدة بعَمان ١٩٨٦ م، ١٤٠٦ هـ.\n(^١٠) هو: جاد الحق على جاد الحق، المفتي الأسبق لمصر، وشيخ الجامع الأزهر الأسبق. ولد في سنة ١٣٣٥ هـ، وتوفي -﵀- سنة ١٤١٦ هـ.\n(^١١) «موت الدماغ بين الطب والإسلام» لندى محمد نعيم الدَّقر (ص ١٥٥).","vol":"1","page":266},{"text":"وتوفيق الواعي (^١) (^٢) ومحمد سعيد رمضان البوطي (^٣) (^٤) وبدر المتولي عبد الباسط (^٥) (^٦) وبكر أبو زيد (^٧) (^٨) ..................................................................\n_________\n(^١) هو: توفيق بن يوسف الواعي، ولد في محافظة الدقهلية بمصر عام ١٩٣٠ م، تخرج في الأزهر الشريف، ومنه حصل على الماجستير في البدعة والمصالح المرسلة الدكتوراه في الحضارة الإسلامية عام ١٩٨٤ م. أحد كتاب جماعة «الإخوان المسلمون»، له من المصنفات: «البدعة والمصالح المرسلة»، و«الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية: شبهات وردود»، و«الحضارة الإسلامية مقارنة بالحضارة الغربية»، و«النساء الداعيات»، وغيرها.\n(^٢) «الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي» (ص ٤٦١).\n(^٣) هو: محمد سعيد رمضان البوطي، ولد سنة ١٩٢٩ م، بقرية (جيلكا) بتركيا في بيت علم وفضل، وتخرج في كلية الشريعة بجامعة الأزهر، وحصل على العالمية منها سنة ١٩٥٥ م، وعلى الدكتوراه في أصول الشريعة الإسلامية سنة ١٩٦٥ م. عُيِّن مدرسًا في كلية الشريعة بجامعة دمشق سنة ١٩٦٥ م، وبقي فيها حتى صار عميدًا لها؛ مشارك في التأليف، ومن أشهر مؤلفاته: «فقه السيرة»، و«المذهب الاقتصادي بين الشيوعية والإسلام»، و«الحكم العطائية».\n(^٤) «موت الدماغ بين الطب والإسلام» ندى محمد نعيم الدَّقر (ص ١٥٨).\n(^٥) هو: بدر المتولي عبد الباسط، فقيه مصري، عمل مستشارًا شرعيًّا لبنك التمويل الكويتي، ورئيسًا للجنة الإفتاء بالإدارة العامة للإفتاء والبحوث الشرعية في دولة الكويت.\n(^٦) «الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي» (ص ٤٤٥).\n(^٧) هو: بكر بن عبد الله أبو زيد، البحاثة العلامة، كان عضوًا في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، ورئيسًا لمجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجُدَّة؛ له مصنفات كثيرة منها: «المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل»، و«التأصيل لأصول التخريج وقواعد الجَرْح والتَّعْدِيل»، و«الإبطال لنظرية الخلط بين الإسلام وغيره من الأديان»، و«ابن القَيِّم: حياته، آثاره، موارده»، و«المدارس العالمية الأجنبية الاستعمارية تاريخها ومخاطرها»، وتوفي -﵀- سنة ١٤٢٨ هـ.\n(^٨) «أحكام الجراحة الطبية» للشِّنْقِيطِيّ، محمد بن محمد المختار (ص ٣٤٤).","vol":"1","page":267},{"text":"وعبد الله البسَّام (^١) (^٢) ومحمد بن محمد المختار الشِّنْقِيطِيّ (^٣)؛ واختار هذا الرأي مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع للرابطة (^٤).\nوهناك فريقٌ ثالثٌ أعطى هذا المريض حكم عيش المذبوح، وجعلوا له بعض أحكام الموتى دون بعضها، ولكن دون تفصيل كافٍ؛ وإلى هذا انتهت ندوة الحياة الإنسانية (^٥) التي رعتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت، والتي انتهت أعمالها في ربيع الآخر ١٤٠٥ هـ. ومن المشاركين في الندوة: الدكتور محمد سليمان الأشْقَر (^٦)، والذي صرح في بحثه أن من الأحكام التي تجري على ذلك الإنسان قبل توقف القلب رفع أجهزة الإنعاش وكذلك نقل أعضائه، وفي كتابه «أبحاث اجتهادية في الفقه الطبي» استثنى أحكام المواريث والعدة حتى يتوقف قلبه (^٧).\n* * *\n_________\n(^١) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح البسَّام التَّميمِيّ، إمام المسجد الحرام، وعضو هيئة كبار العلماء بالسعودية، وعضو المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، والمجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي؛ ولد في عنيزة في عام ١٣٤٦ هـ في بيت علم وفضل، ودرس على والده الشيخ الفقيه عبد الرحمن البسام والشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ولازمه وتوفي -﵀- سنة ١٤٢٣ هـ.\n(^٢) «أحكام الجراحة الطبية» للشِّنْقِيطِيّ، محمد بن محمد المختار (ص ٣٤٤).\n(^٣) «أحكام الجراحة الطبية» للشِّنْقِيطِيّ، محمد بن محمد المختار (ص ٣٥٢).\n(^٤) في دورته ١٩٨٧ م العاشرة بمكة المكرمة ١٤٠٨ هـ.\n(^٥) «الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي» (ص ٤٢٩).\n(^٦) هو: محمد سليمان الأشْقَر، فقيه مدقق، عمِل أستاذًا بكلية الشريعة بجامعة الكويت. له مصنفات نافعة كثيرة منها: «زبدة التفسير»، و«الامتيازات الاتفاقية على الديون في حالة المقاصة والإفلاس»، و«الضوابط التي تحكم عقد صيانة العين المؤجرة وتبعية ذلك على المؤجر والمستأجر».\n(^٧) «أبحاث اجتهادية في الفقه الطبي» محمد سليمان الأشْقَر (ص ٨٩).","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>قرارات المجامع الفقهية بشأن موت الدِّمَاغ</span>\nوقبل مناقشة الأدلة والترجيح نورد قرارات وتوصيات المجامع الفقهية والهيئات العلمية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>أولا: قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي:</span>\n«إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالثِ بعَمَّان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من ٨ - ١٣ صفر ١٤٠٧ هـ؛ ١١ - ١٦ تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٨٦ م. بعد تداوله في سائر النواحي التي أثيرت حول موضوع أجهزة الإنعاش واستماعه إلى شرح مستفيض من الأطباء المختصين، قرر ما يلي:\nيعتبر شرعًا أن الشخص قد مات وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعًا للوفاة عند ذلك إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين:\n- إذا توقف قلبه وتنفسه توقفًا تامًّا وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه.\n- إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلا نهائيًّا، وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ دماغه في التحلل.\nوفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص وإن كان بعض الأعضاء، كالقلب مثلًا، لا يزال يعمل آليًّا بفعل الأجهزة المركبة. والله أعلم» (^١)\n_________\n(^١) «مجلة المجمع» - (ع ٣، ٢/ ٥٢٣). قرار المؤتمر المنعقد بعَمان سنة ١٤٠٧ هـ، ١٩٨٦ م.","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>ثانيًا: قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي:</span>\n«تمهيد: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، في دورته العاشرة، المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت ٤٢ صفر ١٤٠٨ هـ الموافق ١٧ أكتوبر ١٩٨٧ م إلى يوم الأربعاء الموافق ٢٨ صفر ١٤٠٨ الموافق ٢١ أكتوبر ١٩٨٧ م قد نظر في موضوع تقرير حصول الوفاة، بالعلامات الطبية القاطعة، وفي جواز رفع أجهزة الإنعاش عن المريض، الموضوعة عليه في حالة العناية المركزة، واستعرض المجلس الآراء، والبيانات الطبية، المقدمة شفهيًا وخطيًا، من وزارة الصحة في المملكة العربية السعودية، ومن الأطباء الاختصاصيين. واطلع المجلس كذلك على قرار مجمع الفقه الإسلامي، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، المنعقد في مدينة عمان العاصمة الأردنية رقم (٥) ٣ - ٧ - ١٩٨٦ م.\nوبعد المدوالة في هذا الموضوع، من جميع جوانبه وملابساته، انتهى المجلس إلى القرار التالي:\nالقرار: المريض الذي رُكِّبَت على جسمه أجهزةُ الإنعاش، يجوز رفعها، إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلا نهائيًّا، وقررت لجنة من ثلاثة أطباءٍ اختصاصيين خبراء، أن التعطل لارجعة فيه، وإن كان القلب والتنفس لايزالان يعملان آليًّا بفعل الأجهزة المركبة. لكن لا يُحكم بموته شرعًا، إلا إذا توقف التنفس والقلب، توقفًا تامًّا بعد رفع هذه الأجهزة. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصبحه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين» (^١).\n_________\n(^١) القرار: ٢، الدورة: ١٠ بعنوان: تقرير حصول الوفاة، ورفع أجهزة الإنعاش من جسم الإنسان. الدورة العاشرة المنعقدة بمكة المكرمة سنة ١٤٠٨ هـ.","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>ثالثًا: توصيات ندوة الحياة الإنسانية: بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي:</span>\n«بسم الله الرحمن الرحيم- التوصيات\n... وافقت الندوة على ما يلي:\nأولا: بداية الحياة:\nبداية الحياة تكون منذ التحام حيوان منوي ببويضة ليكونا البُوَيْضةَ الملقَّحة التي تحتوي الحقيبة الوراثية الكاملة للجنس البشري عامة وللكائن الفرد بذاته المتميز عن كل كائن آخر - على مدى الأزمنة - وتَشرَع في الانقسام لتعطي الجنين النامي المتطور المتجه من خلال مراحل الحمل إلى الميلاد.\nثانيًا: منذ أن يستقر الحمل في بدن المرأة فله احترام متفق عليه ويترتب عليه أحكام شرعية معلومة.\nثالثًا: إذا بلغ الجنين مرحلة نفخ الروح (على خلاف في توقيته، فإما مائة وعشرون يوما وإما أربعون يومًا) تعاظمت حرمته باتفاق وترتبت على ذلك أحكامٌ شرعية أخرى.\nرابعا: من أهم تلك الأحكام أحكام الإجهاض التي وردت في الفقرة السابعة من توصيات «ندوة الإنجاب في ضوء الإسلام».\nثانيًا: نهاية الحياة:\nأولًا: رأت الندوة أنه في أكثر الأحوال عندما يقع الموت فلا تقوم صعوبة في معرفته استنادا إلى ما تعارف عليه الناس من أمارات، أو اعتمادا على الكشف الطبي الظاهري الذي يستبين غِيَاب العلامات التي تميز الحي من الميت.","vol":"1","page":271},{"text":"ثانيًا: تبين للندوة أن هناك حالات قليلة العدد، وهي عادة تكون تحت ملاحظة طبية شاملة ودقيقة في المشافي والمراكز الطبية المتخصصة ووحدات العناية المركزة، تكتسب أهميتها الخاصة من وجود الحاجة الماسة إلى تشخيص الوفاة فيها، ولو بقيت في الجسم علامات تعارف الناس من قديم على أنها من علامات الحياة، سواءٌ أكانت هذه العلامات تِلقائية في بعض أعضاء الجسم أم كانت أثرا من آثار أجهزة الإنعاش الموصولة بالجسم.\nثالثًا: وقد تدارست الندوة ما ورد في كتب التراث الفقهي من الأمارات التي تدل على الموت واتضح لها أنه في غيبة نص شرعي يحدد الموت تمثل هذه الاجتهادات ما توفر آنذاك من معرفة طبية. ونظرا لأن تشخيص الموت والعلامات الدالة عليه كان على الدوام أمرا طبيا يبني بمقتضاه الفقهاء أحكامهم الشرعية، فقد عرض الأطباء في الندوة الرأي الطبي المعاصر فيما يختص بحدوث الموت.\nرابعًا: وضح للندوة بعد ما عرضه الأطباء:\nأن المعتمد عليه عندهم في تشخيص موت الإنسان، هو خمود منطقة المخ المنوطة بها الوظائف الحياتية الأساسية، وهو ما يعبر عنه بموت جذع المخ.\nإن تشخيص موت جذع المخ له شروطه الواضحة بعد استبعاد حالات بعينها قد تكون فيها شبهة، وإن في وسع الأطباء إصدار تشخيص مستقر يُطمَأن إليه بموت جذع المخ.\nإن أيًّا من الأعضاء أو الوظائف الرئيسية الأخرى كالقلب والتنفس قد يتوقف مؤقتًا، ولكن يمكن إسعافه واستنقاذ عدد من المرضى ما دام جذع المخ حيًّا ... أما إن كان جذع المخ قد مات فلا أمل في إنقاذه وإنما يكون المريض قد انتهت حياته. ولو ظلت، في أجهزة أخرى من الجسم، بقية من حركة أو وظيفة، هي لا شك بعد موت جذع المخ صائرة إلى توقف وخمود تام.","vol":"1","page":272},{"text":"خامسًا: اتجه رأي الفقهاء تأسيسًا على هذا العرض من الأطباء، إلى أن الإنسان الذي يصل إلى مرحلة مستيقنة، هي موت جذع المخ، يعتبر قد استدبر الحياة، وأصبح صالحًا لأن تجري عليه بعض أحكام الموت، قياسا - مع فارق معروف - على ما ورد في الفقه خاصًا بالمصاب الذي وصل إلى حركة المذبوح.\nأما تطبيق بقية أحكام الموت عليه فقد اتجه الفقهاء الحاضرون إلى تأجيله حتى تتوقف الأجهزة الرئيسية.\nوتوصي الندوة بأن تجرى دراسة تفصيلية أخرى لتحديد ما يعجل وما يؤجل من الأحكام.\nسادسًا: بناءً على ما تقدم اتفق الرأي على أنه إذا تحقق موت جذع المخ بتقرير لجنة طبية مختصة جاز حينئذ إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعية» (^١).\n_________\n(^١) «الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي» ثبت الندوة المنعقدة برعاية المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، بالكويت، سنة ١٤٠٥ هـ (ص ٦٧٥ - ٦٧٨).","vol":"1","page":273},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-113> مناقشة الأدلة والترجيح:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-114> أولًا: أدلة من اعتبر موت الدِّمَاغ موتًا للإنسان:</span>\nاستدل هذا الفريق، ويُستدَل له، بما يأتي:\n١ - عدم ورود النص في تحديد أمارات الموت وترك الأمر لأهل الخبرة والاختصاص مما جعل علامات الموت تتفاوت في كتب الفقهاء (^١)، وهو حق فإن الوحي لم يأت ببيان في ذلك إلا قوله -ﷺ-: «إن الرُّوح إذا قُبِض تَبِعَه البَصَرُ» (^٢).\nوقد يجاب بأن حركة الصدر ونبض القلب من العلامات الظاهرة عند الناس، ولما كانتا كذلك فلا يمكن الحكم على موته مع بقائهما، ويجاب على تلك الإجابة بأن حركة الصدر ليست تِلقائية ولكن بفعل المُنَفِّسَة ولو توقفت لتوقف التنفس يقينًا، أما نبض القلب فيبقى دقائق بعد توقف المُنَفِّسَة حتى يخمد يقينًا، وليس هو نبضًا تلقائيًّا، ولكنه بفعل وصول الأوكسجين إليه من الرئتين اللتين تتحركان بفعل المُنَفِّسَة.\n٢ - توقف نبض القلب ليس من علامات الموت عند أهل السنة، ولا ذكر له في كتب المتقدمين منهم، وإنما ذكرها فقهاء الإباضية (^٣).\nوقد يجاب أن الموت يعرف بخمود كل أعضاء الإنسان كما قال تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩]، ومع كون القلب ينبِض، والقدرة على إدراك ذلك، لا يحكم بخمود الأعضاء. والجواب على ذلك أن الشعر ينمو لمدة\n_________\n(^١) انظر «رَدّ المُحتار» لابن عابِدِين (٢/ ١٩٠)، «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (٢/ ١٢٣)، «الأُمّ» للشافعي (١/ ٣١٤)، «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (٢/ ٤٦٧).\n(^٢) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر (٢/ ٦٣٤).\n(^٣) «شرح النيل وشفاء العليل» لأطفيش (٢/ ٥٥٨).","vol":"1","page":274},{"text":"أربع وعشرين ساعة بعد الموت وكذلك الأظفار تنمو بعد الموت، ومنفوذ المقاتل ومقطوع الرأس ربما ينبض قلبه ويسيل دمه بعد الموت.\n٣ - حياة المذبوح.\nتعرض الفقه الإسلامي قديمًا إلى حالة ذات شبه بحالة موت الدِّمَاغ، وهي المذبوح الذي تبقي في جسمه بقية حركة مع اليقين من كونه سائرًا إلى الموت كمنفوذ المَقَاتِل (^١) ومن بانت حِشْوَتُه (^٢) والمشنوق؛ فهو عادم للإبصار والنطق والإدراك والحركة الاختيارية. ولقد قرروا أن له حكم الميت، فيرثه أقرباؤه ولا يصح إسلامه ولا ردته ... إلخ. إلا أنهم - ﵏ - فرقوا بين من يصل إلى هذه الحالة بجناية، فينطبق عليه ما ذكرنا، ومن يصل إليها بمرض، فلا يحكمون له بالموت حتى تظهر علاماته المعروفة عندهم، قال الشيخ زكريا الأنصَارِيّ -﵀-:\n«... (والتذفيف أن يذبحه، أو يَقُدَّه، أو يُنَحِّي كرسيا تحت) رجلي (مشنوق، أو يُبِين الحشوة، أو يُنْهِيَه) بغير ذلك (إلى حركة المذبوح)، وهي حالة الشخص (العادم سمعا وبصرا واختيارا) بأن لا يبقى معها إبصار، وإدراك، ونطق وحركة اختياريان ... ويتحرك ويتكلم بكلمات لكنها لا تنتظم، وإن انتظمت فليست صادرة عن روية واختيار (وله) في الحالة المذكورة (حكم الميت فلا يصح إسلامه، ولا ردته)، ولا غيرهما من سائر التصرفات ويصير فيها المال للورثة (ولا يرث قريبَه، ولا يرثه من أسلم)، أو عَتَق (حينئذ بخلاف مريض انتهى في النزع إليها) أي إلى حركة المذبوح فليس له حكم الميت فيجب بقتله القِصاص (والفرق بينه) وبين المقدود (أن المريض حينئذ لم يقطع بموته)، وقد يظن به ذلك ثم يشفى (بخلاف المقدود) ومن في معناه\n_________\n(^١) من أنفذت مقاتله بسهم أو رمح.\n(^٢) خرجت أمعاؤه من بطنه. هذا كان في زمانهم، وقد يسعف مثل هذا ومنفوذ المقاتل كذلك.","vol":"1","page":275},{"text":"(فإنه يقطع بأنه لا يعيش إحالة على السبب الظاهر)» (^١)\nوالمستدل بهذا يقول إن ميت الدِّمَاغ كالمذبوح، والمعترض يقول ليس كذلك، فإن المذبوح فيه سبب ظاهر للموت يراه كل أحد، ألا ترى أن المريض من غير جناية إذا وصل إلى حال المذبوح فإنه لا يأخذ حكمه. وقد يجيب الفريق الأول بأن الفقهاء إنما فرقوا للشك في الثاني لعدم وجود الجناية والسبب الظاهر، والطب الحديث يقطع هذا الشك.\n٤ - لما كان الجنين ينبض قلبه باتفاق الأطباء بعد الأسبوع الرابع ولا تنفخ الروح فيه باتفاق الفقهاء قبل اليوم الأربعين - وأكثرهم يقول المائة والعشرين (^٢) - تبين أن القلب قد يكون نابضًا من غير وجود الروح في الجسم.\nويجاب على ذلك بأن الجنين صح فيه الخبر وأصله النطفة الأمشاج وليس فيها حياة إنسانية - على الصحيح- أما الإنسان الحي فالأصل فيه الحياة فيبقى الأصل حتى يثبت باليقين عكسه.\nوربما أجاب الفريق الأول بأن المقصود إنما هو إثبات أن نبض القلب لا يعني بالضرورة وجود الحياة الإنسانية وهو ظاهر من المثال.\n٥ - اشترط الفقهاء لإثبات الحياة للمولود الاستهلال وبعض العلامات الأخرى واستثنوا الحركة الاختلاجية (^٣) والنفس والنفسين (^٤) والعُطاس (^٥) بل واستثنى المالكية\n_________\n(^١) «أسْنَى المَطَالِب شرح رَوْض الطَّالِب» للأنصَارِيّ (٤/ ١١ - ١٢). وما بين الأقواس من كلام صاحب «رَوْض الطَّالِب»، شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر اليمني.\n(^٢) قد نُقِل عليه الإجماع. انظر بحث حكم الإجهاض (ص ٧٣٤).\n(^٣) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٦/ ٢٦١).\n(^٤) «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (٥/ ٣٤).\n(^٥) استثنى المالكية العُطاس؛ انظر: «المُنْتَقَى شَرح المُوَطَّأ» للبَاجِيّ (٧/ ٨٣)، وجعله الأحناف دليل حياة؛ انظر: «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣٠/ ٥٢)، وذكر ابن قُدامة في «المُغْنِي» أن العطاس دليل حياة عند أحمد (٦/ ٢٦١).","vol":"1","page":276},{"text":"الرَّضاع (^١) - وهو خطأ -، وهذا يبين أن الحركة البسيطة وبعض المنعكسات فهم فقهاؤنا - ﵏ - حصولها من غير الحي.\nوقد يجاب بدفع القياس بين الجنين وصاحب الحياة المستقرة. ولكن مقصود الفريق الأول إثبات عدم التعارض بين الموت والحركة البسيطة.\n٦ - قد يحتج البعض بأن الحياة الإنسانية لا تكون كذلك إلا مع شيء من الإدراك أو القدرة، كما ذكر المُناوِيّ عن ابن الكَمَال في التعاريف أن الحياة «صفة توجب للمتصف بها العلم والقدرة» (^٢).\nويجاب على ذلك بأن هذه التعريفات ليست وحيًا معصومًا، وأن المعتوه فاقدٌ للإدراك ولا يحكُم فقيهٌ بموته والمشلول فاقد للحركة، وهو كالمعتوه، لا يحكم فقيه بموته.\nوالجواب على هذا الجواب بأن المعتوه ليس فاقدًا لكل إدراك، بل هو يحس ويشم ويتذوق ... الخ. وكذلك المشلول ليس فاقدًا لكل قدرة، بل يعبر عن مراده بطرق مختلفة وإن كانت ملامح الوجه ونظرات العين. أما فاقد الإدراك والقدرة بالكلية، فما الذي بقي من حياته؟\nولكن يشكل على هذا أن المرضى في الحالة النباتية المستمرة يكونون فاقدين للإدراك بالكلية وكذلك القدرة، ولا يحكم بموتهم أحد من أهل الإسلام ولا أهل ملة أخرى، بل ولا يحكم الطِّب بموتهم.\n_________\n(^١) «المُنْتَقَى شَرح المُوَطَّأ» للبَاجِيّ (٧/ ٨٣).\n(^٢) «التَّعَارِيف» للمُناوِيّ (١/ ٣٠١).","vol":"1","page":277},{"text":"٧ - ذَكَرَ بعض القائلين بأن موتَ الدِّمَاغِ موتٌ للإنسانِ اعتبارَ المصلحةِ، وقالَ «حيثما كانت المصلحةُ فثم شرعُ الله»، ولعله لم يرد أن هذا الاستدلال وحده يكفي للحكم على ميت الدِّمَاغ بالموت، وإنما أراد استخدام قواعد المصالح لتعضيد مذهبه. ويجاب على ذلك بأن المصالح تتفاوت ومنها المعتبرة شرعًا وتلك الملغاة شرعًا وبينهما مصالح مسكوت عنها. ومصلحة المريض الذي يحتاج إلى قلب لإنقاذه لا تعني التسرع بالحكم بالموت على ميت الدِّمَاغ فإن المرء لا يفتدي نفسه بأخيه.\n* * *","vol":"1","page":278},{"text":"*\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>ثانيًا: أدلة القائلين بأن موت الدِّمَاغ ليس موتًا للإنسان ولا يأخذ حكمه:</span>\n١ - اليقين لا يزول بالشك والأصل بقاء ما كان على ما كان واستصحاب حال الحياة. واليقين أن هذا الإنسان كان بالأمس صاحب حياة مستمرة أو مستقرة فيبقى ما كان على ما كان حتى يثبت باليقين موته وهو ممتنع مع خفقانِ قلبِه.\nوقد يجاب على ذلك بأن الأحكام تنبني على غلبة الظن، ولاسيما إن كانت مقاربةً لليقين؛ واليقين في كل أمر عزيز، ألا ترى أن القاضي يحكم بالقِصاص إذا شهد عدلان على الجاني، وقد يكذبان.\nوجواب هذا الجواب أنه إنما جرت هذه الأحكام على غلبة الظن لضرورة إقامة العدل بين الناس وحفظ الحقوق، أما التسرع في إثبات حكم الموت لمن ينبض قلبه وتجري الدماء في عروقه فليس ضرورة. وإنقاذ آخرَ بقلبِه ليس أمرًا يقينيًّا، بل إن من العلماءِ من لا يبيح نقل الأعضاء أصلًا (^١).\n٢ - العبرة بالحياة الجسدية لا الإدراكية العقلية، فالمعتوه يرث ويورث، وصاحب الحياة النباتية المستمرة يتفق أهل الفقه والطب بل وسائر أهل الملل على حياته.\nوالجواب أن الحياة الجسدية المتناسقة يلزم لها حياة الدِّمَاغ أو جذعة لتدبير أمور الجسد من تنفس ونبض للقلب وغير ذلك، أما حياة الأعضاء فليست حياةً للجسد وقد تبقى العضلات حيةً لساعات تستجيب للإثارة بعد الموت الذي يتفق عليه الجميع.\n_________\n(^١) من هؤلاء المشايخ: محمد متولي الشَّعراوي، وعبد الله بن الصِّدِّيق الغُماري، ومحمد برهان الدين السنبهلي، وعبد السلام السكري، وحسن علي الشاذلي. انظر «أحكام الجراحة الطبية» للشِّنْقِيطِيّ (ص ٣٥٤).","vol":"1","page":279},{"text":"وجواب هذا الجواب بالتفريق بين حياة بعض العضلات وخفقان القلب الذي يضخ الدم في العروق والذي تتعلق به الروح، وفي تراثنا ما يشير إلى أهمية القلب. قال الغَزالِيّ -﵀-: «الروح وهو أيضا يطلق فيما يتعلق بجنس غرضنا لمعنيين: أحدهما جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني، فينشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن، وجريانه في البدن وفيضان أنوار الحياة والحس والبصر والسمع والشم منها على أعضائها يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا البيت، فإنه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلا ويستنير به. والحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان؛ والروح مثالها السراج. وسريان الروح وحركته في الباطن مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه ..» (^١).\n٣ - اشترط الفقهاء عند الشك في الموت التربُّص يومًا أو اثنين أو ثلاثة (^٢)، وذكروا أيضًا «حتى تغَيُّرِ الرائحة» (^٣).\nوالجواب أن ذلك عند الشك، وميتُ الدِّمَاغِ يحكم أهل الاختصاص ببدن الإنسان، القائمون على حفظ حياته وصحته أنه ميتٌ بيقين، وأن عودته للحياة مستحيلة، وأن دماغه يبدأ في التحلل من لحظة موته (^٤)، وإن بقي القلب ينبِض بعمل المُنَفِّسَة.\n٤ - رجوع ميت الدِّمَاغ إلى الحياة ليس مستحيلا عقلا فكذا لا يكون مستحيلا شرعًا. والجواب بأنه مستحيل عادةً، وعلى ذلك تعويل الشرع.\n٥ - قد يكتشف الطِّب علاجًا لتوقف المخ كما اكتشف علاجًا لتوقف القلب بالصعق وبزرع قلب آخر وغير ذلك.\n_________\n(^١) «إحْيَاء عُلُوم الدِّين» للغَزالِيّ (٣/ ٣).\n(^٢) «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (٢/ ٤٦٧)، «المُغْنِي» لابن قُدامة (٢/ ١٦٣).\n(^٣) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٥/ ١١١).\n(^٤) انظر «الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي» بحث د. عصام الشربيني (ص ٣٥٤).","vol":"1","page":280},{"text":"والجواب هو أن الكلام ليس عن توقف المخ بل موته، أما الزرع فمستحيلٌ لصعوبة العملية، فهناك الآلاف من الأعصاب والأوردة التي تحتاج إلى توصيل ببعضها وكل الزمن المتاح قبل موت المخ أربع دقائق (^١) وقد يجاب بأن نقل المخ إنما هو قتلٌ لشخصٍ لمصلحة آخرَ. وجوابُ هذا أنه متصور إذا كان الأولُ مهدرَ الدم. ولكنَّ الحقيقة التي يعرفها كل طبيب أن زراعة المخ أو عودة الحياة للمخ الميت إنما هو ضرب من المستحيل. هذا وإن قال البعض بأن أحلام اليوم هي حقائق الغد، لكننا نبني أحكام اليوم على حقائق اليوم لا أحلامه.\n٦ - الإسلام يربط أحكامه بعلامات ظاهرة، فالموت من الأمور التي يحتاج إلى معرفتها آحاد الناس وأبناء الحضر والبادية والطبيب وغيره. إذًا فلتبق علامات الموت على ما كانت من تلك الأمارات الظاهرة.\nوالجواب أن سؤال أهل الخبرة أمر محمود شرعًا في معرفة الأمور المتعلقة بالدنيا وقد كانت نساء الصحابة ترسل بالدِّرَجَة فيها الكُرْسُف لعائشة -﵂- لتخبرهن بانتهاء حيضهن (^٢). والشارع لم يربط الحكم بالموت بأسباب معينة، كما فعل في دخول شهر رمضان، فنقف عندها عند السبب المنصوص.\nويطعن على هذا الاستدلال أيضًا ما قدمنا من أن خفقان القلب ليس من العلامات الظاهرة على الموت في كتب أهل السنة ولم يشِع استعمال هذه العلامة حتى شاع استخدام السماعة الطبية، فرجع الأمر إلى حكم الخبير.\nبل إنه لا يكون من قبيل المبالغة القول بوجوب الرجوع إلى الطبيب عند الشك في\n_________\n(^١) انظر «الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي» بحث د. مختار المهدي (ص ٣٤٣).\n(^٢) رواه البخاري معلقًا مجزومًا به: كتاب الحيض، باب إقبال الحيض وإدباره (١/ ١٢١)، رواه مالك في «المُوَطَّأ» كتاب الطهارة، باب طهر الحائض (١/ ٥٩).","vol":"1","page":281},{"text":"حصول الموت. وإن أكثر الدول الإسلامية تشترط وجود شهادة وفاة من الطبيب لإصدار التصريح بالدفن.\n٧ - يقر الأطباء بإمكانية حصول الخطأ في تشخيص موت الدِّمَاغ.\nوكذلك فإن الكثير من المعايير التي يذكرونها للحكم على موت الدِّمَاغ لا يتيسر العمل بها لجميع الأطباء، ومن ثم فإن اليقين في التشخيص غير متحصل وطالما وجد الشك عدنا إلى الأمر الأول وهو استمرار الحياة.\nوالجواب أن الخطأ في تشخيص موت الدِّمَاغ عند اتباع المعايير المهنية أقل من خطأ العامة في تشخيص الموت بالعلامات الظاهرة، وكذلك فإن العبرة بتطبيق المعايير، أما من لا يطبقها فالخطأ خطؤه وليس عيبًا في دقة التشخيص عند اتباع معاييره.\nويمكن اشتراط شهادة طبيين عدلين من أهل التخصص، بل يمكن الزيادة على ذلك، وشهادة الطبيين بالفعل جزء من المعايير في أكثر البلاد والمشافي.\n٨ - سد الذرائع.\nقد يفتح القول بموت من مات دِماغه البابَ لأصحاب النفوس المريضة من بعض الأطباء وتجار الأعضاء لإزهاق أرواح الناس، من أجل الحصول على أعضائهم. وسد هذا الباب فيه ما فيه من حفظ كرامة الإنسان ومنع التلاعب بأرواح البشر. ولكن الذرائع منها ما يغلب على الظن أنه يؤدي للمحظور وما يغلب على الظن أنه لا يؤدي للمحظور ووسط بينهما، فالأول يسد كبيع السلاح للحربي وقت الحرب، والثاني لا يسد كبيعه لمسلم قد يقتل به أخاه في غير وقت الفتنة، والنوع الثالث فيه الخلاف، ومنه ما هو أقرب للنوع الأول ومنه ما هو أقرب للثاني، وإنه عند تطبيق المعايير التي ينبغي أن يفرضها ولي الأمر لتشخيص الموت الدِّمَاغي مع حصر ذلك الأمر في مستشفيات بعينها بها من الإمكانيات ما يؤهلها لدقة التشخيص، وكذلك نقل الأعضاء، بعد هذا كله تكون الذريعة أقرب إلى النوع الثاني منها إلى الأول، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":282},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-116> الترجيح والتوصيات:</span>\nالذي ينبغي التأكيد عليه هو أن أكثر العلماء متفقون على جواز رفع أجهزة الإنعاش عمن مات دماغه، وبذلك صدر قرار المجمعين الفقهيين التابعين للمنظمة والرابطة وندوة الحياة الإنسانية، وهو الحق والصواب لأن التداوي ليس كله واجبا ولكن تعتريه الأحكام الخمسة ولا يكون واجبًا إلا عندما يعلم أنه يكون به بقاء النفس أو العضو أو دفع ضرر غير موهوم عن المريض أو المجتمع، وأن ذلك يتحصل بدواء مأمون ولا يكون بغيره.\nقال الإمام ابن تَيمِيَّة -﵀-: «التحقيق أن من التداوي ما هو محرم، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو واجب: وهو ما يُعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره، ليس التداوي بضرورة بخلاف أكل الميتة» (^١).\nولا ريب في هذه الحالة من عدم الفائدة في التداوي وقد يكون فقط من قبيل إطالة معاناة أهل المريض أو الميت.\nوكذلك فإن الراجح هو جواز نقل الأعضاء من مهدور الدم بُعَيد إعدامه وقبل وقوف خفقان قلبه. جاء في تُحْفَة المُحْتاج: «(وله) أي المعصوم بل عليه (أكل آدميٍّ ميتٍ) محترم إذا لم يجد ميتة غيره ولو مغلظة ... (و) له بل عليه (قتلُ) مُهدَرٍ (نحو مرتد وحربي) وزانٍ محصنٍ ومحاربٍ وتاركِ صلاةٍ بشرطه ومن له عليه قوَدٌ من غير إذن الإمام للضرورة» (^٢).\nفإن كان له بل عليه قتله لأكله، فلا جرم يكون نقل أعضائه للمعصوم جائزًا.\n_________\n(^١) «الفَتَاوَى الكُبْرَى» لابن تَيمِيَّة (١٨/ ١٣)، انظر كذلك (٢٤/ ٣٥٧).\n(^٢) «تُحْفَة المُحْتاج» للهَيتَمِيّ (٩/ ٣٣٩). وما بين الأقواس من كلام صاحب «مِنْهَاج الطَّالِبِين» الإمام النَّوَوِيّ.","vol":"1","page":283},{"text":"أما المسألة الأخيرة المتعلقة بالحكم بالموت على ميت الدِّمَاغ فلا ريب أن لكل من الفريقين دليله وأن القطع برجحان أحد القولين على الآخر متعذر ولقد رأيت أنه يسعني أن أقول الله تعالى أعلى وأعلم.\nوقد يكون هناك مخرج من الحكم بموت ميت الدِّمَاغ لنقل الأعضاء، وهو نقل ميت الدِّمَاغ إلى غرفة العمليات ونزع الأجهزة فيها - وهو ما وافقت عليه المجامع الفقهية - ثم التربص بميت الدِّمَاغ حتى يتوقف قلبه ومن ثم يحكم بموته اتفاقًا وعندها يتم نقل الأعضاء المحتاج إلى نقلها.\nويبقى أن هذا قد يؤدي إلى القليل من الإضرار بالقلب. ولكن هناك توجهًا عامًّا عند الأطباء للقبول في المستقبل بنقل هذه القلوب من ميتي القلب والتغاضي عن الضرر الحاصل للقلب بعد توقفه والناتج عن نقص الأكسجة (^١). وما زالت الأبحاث مستمرة للتقليل من هذه الأضرار (^٢). وإن ما يشجع على هذا التوجه هو أن عدد حالات\n_________\n(^١)  Donation after Cardiac Death in the US: History and Use [Journal] /auth.Peter L.Abt MD، Carol A.Fisher BA and Arun K.Sing PhD//Journal of the American College of Surgeons. - Chicago: American College of Surgeons، August ٢٠٠٦. - ٢: Vol. ٢٠٣.\n(^٢)  انظر:  Potential suitability for transplantation of hearts from human non-heart-beating donors [Journal] /auth.Singhal A.K.Abrams J.D.، Mohara J.، et al. //Journal of Heart Lung Transplantation. - Amsterdam: Elsevier، ٢٠٠٥. - Vol. ٢٤. - pp. ١٦٥٧ - ١٦٦٤.\nو Pharmacologic pre-conditioning and controlled reperfusion prevent ischemia-reperfusion injury after ٣٠ minutes of hypoxia/ischemia in porcine hearts [Journal] /auth.Fedalen P.A.Piacentino V.، III، Jeevanandam V.، et al//Journal of Heart Lung Transplant. - Amsterdam: Elsevier.، ٢٠٠٣. - Vol. ٢٢. - p. ١٢٣.","vol":"1","page":284},{"text":"المحتاجين إلى نقل القلب قد فاقت حالات الموت الدِّمَاغي (^١). ومن ثم ومع هذه الحاجة بدأ الأطباء يفكرون في بدائل وتمت عملية نقل قلب وليدٍ بالفعل ونجحت في المدى القصير (^٢)، ولم يعرف بعد إن كانت ستنجح في المدى الطويل. إنني لا أقول إن هذه هي الممارسة الشائعة ولكنها الممارسة المأمولة، ويرجى أن يكون عند أطباء المسلمين من الحافز والهمة ما يجعلهم روادًا في هذا المجال.\n* * *\n_________\n(^١)  Donation after Cardiac Death in the US: History and Use [Journal] /auth.Peter L.Abt MD، Carol A.Fisher BA and Arun K.Sing PhD//Journal of the American College of Surgeons. - Chicago: American College of Surgeons، August ٢٠٠٦. - ٢: Vol. ٢٠٣.\n(^٢)  المصدر السابق.","vol":"1","page":285},{"text":"المبحث الثاني: انتهاك حرمة الميت والتشريح","vol":"1","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>المبحث الثاني: انتهاك حرمة الميت والتشريح</span>\nلعل وجه إيراد هذه المسألة هي أن المتقدمين من العلماء لم يتعرضوا لقضية تشريح جثة الميت من أجل التعليم أو التحقيق الجنائي، ولكن الذي قد يتبادر للذهن من كلامهم عن حرمة بدن الميت هو عدم جواز التشريح لهذين الغرضين.\nولكنَّ تطور الطب، وبالأخص التخدير ومن ثم الجراحة، جعل من التشريح حاجة ماسة لكل متطبب وجراح. وكذلك فإن تطور الطب العدلي جعل تشريح جثة الميت لإثبات طريقة الموت والتوصل إلى الجاني من الوسائل التي تتحقق بها العدالة ويمنع بها الفساد.\nوسنعرض في هذا المبحث الخلاف بين المعاصرين حول هذه القضية ونجتهد في ترجيح القول الأسعد بالدليل ومقصود الشارع.\nوأبدأ بالتعريف:\nأولًا: التشريح في اللغة:\nمصدرٌ من شَرَّحَ بتشديد الراء، وله معانٍ منها: الفَتح والكَشف والإبَانَة والتَّفسِير والقَطع. قال في «مختار الصِّحاح»: الشرح الكشف؛ تقول شرح الغامض أي فسَّره وبابُه قَطَع؛ ومنه تشريح اللحم والقطعة منه شريحة وكل سمين من اللحم ممتد فهو شريحة وشريح؛ وشرح الله صدره للإسلام فانشرح وبابه أيضا قطع (^١).\n_________\n(^١) «مختار الصِّحَاح» للرَّازِيّ (١/ ١٤٠).","vol":"1","page":289},{"text":"ثانيًا: التشريح في الاصطلاح (Anatomy):\nعلمٌ تُعرَف به أعضاء الإنسان بأعيانها وأشكالها وأقدارها وأعدادها وأصنافها وأوضاعها ومنافعها؛ ويتم ذلك بتقطيع جثة الميت (^١).\n* * *\n_________\n(^١) انظر «حكم تشريح الإنسان بين الشريعة والقانون» لعبد العزيز القَصَّار (ص ١١).","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>أقوال المعاصرين في حكم التشريح</span>\n* لقد ذهب إلى المنع من التشريح بعض العلماء، ومنهم المشايخ محمد بخيت المُطِيعي (^١) مفتي الديار المصرية سابقًا (^٢) ومحمد برهان الدين السنبهلي (^٣) ومحمد عبد الوهاب بحيري (^٤).\n* وذهب إلى الجواز الجمهور من أهل العلم. وقررت الجواز المجامع الفقهية والهيئات العلمية، ومنها: لجنة الفتوى بالأزهر (^٥) وهيئة كبار العلماء بالسعودية (^٦)\n_________\n(^١) هو: محمد بخيت بن حسين المُطِيعي الحنفي، مفتي الديار المِصْرِيّة، ومن كبار فقهائها، ولد في المطيعة من أعمال أسيوط سنة ١٢٧١ هـ، وتعلم في الأزهر، واشتغل بالتدريس فيه، وعين مفتيًا للديار المِصْرِيّة سنة ١٣٣٣ - ١٣٣٩ هـ (١٩١٤ - ١٩٢١ م)، ولزم بيته يفتي ويفيد إلى أن توفي بالقاهرة سنة ١٣٥٤ هـ، له كتب منها: «إرشاد الأُمّة إلى أحكام أهل الذمة»، و«أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدع من الأحكام». راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (٦/ ٥٠)، «مُعْجَم المؤلفين» (٩/ ٩٨).\n(^٢) «مجلة الأزهر» (المجلد السادس، (١/ ٦٣١)، «حكم تشريح الإنسان بين الشريعة والقانون» لعبد العزيز القصار (ص ٣٦).\n(^٣) هو: محمد برهان الدين السنبهلي أستاذ دارالعلوم ندوة العلماء بلكهنؤ، وعضو مجمع الفقه الإسلامي بالهند، له «قضايا فقهية معاصره».\n(^٤) «مجلة الأزهر» (المجلد السادس، ١/ ٦٢٧ - ٦٣٢). «أحكام الجراحة الطبية» للشِّنْقِيطِيّ (ص ١٧٠). «جامع الفَتَاوَى الطبية» لعبد العزيز بن عبد المحسن (ص ٤٠٨).\n(^٥) فتوى بتاريخ ٢٩/ ٢/١٩٧١. نقلا من «حكم تشريح الإنسان بين الشريعة والقانون» للقصار (ص ٣١).\n(^٦) قرار ٤٧ بتاريخ ٢٠/ ٨/٩٦. ولقد أجازت بالإجماع التشريح لغرضي التحقيق الجنائي واكتشاف الأمراض الوبائية، بينما تحفظت الهيئة على تشريح جثة المعصوم لتيسر غيرها، إذا كان التشريح بغرض التعلم والتعليم. قلت فإن لم يتيسر يؤذن في ذلك للحاجة مثلما قررت الهيئة في التشريح الجنائي ولغرض التحقق من أمراض وبائية. انظر «حكم تشريح الإنسان بين الشريعة والقانون»: للقصار (ص ٨٠).","vol":"1","page":291},{"text":"ومجمع الفقه الإسلامي التابع للرابطة بمكة المكرمة (^١) ولجنة الإفتاء بالمملكة الأردنية الهاشمية (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-119> أدلة المانعين:</span>\nاستدل المانع بالآتي:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] وفي التشريح إهانة لهم، والآية لم تفرق بين ميتهم وحيهم (^٣).\n٢ - قوله -ﷺ-: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا» (^٤) ووجه الدلالة واضح. إلا أن\n_________\n(^١) الفقه الإسلامي بمكة المكرمة الدورة العاشرة، صفر/١٤٠٨ هـ، مشروع قرار وكان من الموقعين المشايخ: عبد العزيز بن باز ومصطفى الزَّرْقا. وخالف الشيخ بكر أبو زيد في تشريح جثة المسلم بغرض التعليم.\n(^٢) «حكم تشريح الإنسان بين الشريعة والقانون» للقَصَّار (ص ٨٥).\n(^٣) «أحكام الجراحة الطبية» للشِّنْقِيطِيّ، محمد بن محمد المختار (ص ١٧٤)؛ و«حكم تشريح الإنسان بين الشريعة والقانون» للقصار (ص ٣١).\n(^٤) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الجنائز، باب في الحفار يجد العظم هل يتنكب ذلك المكان، (٣/ ٢١٢ برقم ٣٢٠٧). وصححه الألبَانِيّ. انظر «سُنَن أبي دَاوُد «بتحقيق مشهور، برقم (٣٢٠٧)، «مُسْنَد أحمَد بن حَنْبَل» (٦/ ١٠٥).","vol":"1","page":292},{"text":"للمعارض أن يقول بمثل ما قال الشيخ عبد المجيد سليم (^١) -﵀-: «... فإن الظاهر أن معنى هذا الحديث أن للميت حرمةً كحرمة الحي فلا يُتعَدَّى عليه بكسر عظم أو شق بطن أو غير ذلك لغير مصلحة راجحة أو حاجة ماسة، ويؤيد ذلك ما نقلناه عن السيوطي (^٢) فى بيان سبب الحديث، فإنه ظاهر أن الحفَّار الذى نهاه النبي -ﷺ- عن كسر العظم كان يريد الكسر بدون أن تكون هناك مصلحة فى ذلك ولا حاجة ماسة إليه، وبما قلناه يتفق معنى الحديث الشريف وقواعد الدين الإسلامي القويم» (^٣). وبما أجاب به الشيخ عبد المجيد -﵀- يمكن أن يجاب عن بقية النصوص الآمرة بإكرام الميت وعدم إهانته.\n_________\n(^١) هو: عبد المجيد سليم الحنفي المِصْرِيّ مفتي الديار المِصْرِيّة. ولد سنة ١٢٩٩ هـ تخرج بالأزهر، وأخذ عن الشيخ محمد عبده، وتقلب في مناصب التدريس والقضاء والافتاء، وولي مشيخة الأزهر مرتين، والإفتاء نحو عشرين عامًا، ويقال: أصدر ما يقارب ١٥ ألف فتوى، بينها ما يرجع إليه الفقهاء والقانونيون، توفي بالقاهرة سنة ١٣٧٤ هـ. راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (٤/ ١٤٩).\n(^٢) هو: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخُضَيْرِيّ السُّيُوطِيّ، إمام علامة فقيه حافظ مؤرخ أديب، ولد سنة ٨٤٩ هـ ونشأ في القاهرة، ولما بلغ أربعين سنة اعتزل الناس، وخلا بنفسه في روضة المقياس على النيل، منزويًا عن أصحابه جميعًا، فألف أكثر كتبه. من كتبه: الإتقان في علوم القرآن، و«إسعاف المبطأ في رجال المُوَطَّأ»، و«الأشباه والنظائر»، و«الإكليل في استنباط التنزيل»، و«الألفية في مصطلح الحديث»، و«تدريب الراوي»، و«الحاوي للفتاوى»، توفي سنة ٩١١ هـ. راجع ترجمته في: «الضوء اللامع» (٤/ ٦٥)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٨/ ٥١).\n(^٣) تشريح جثة الميت. فتوى برقم ٢٦٩٤. تراث الفَتَاوَى [شبكة] /المؤلف عبد المجيد سليم//دار الإفتاء المصرية. -١٥، ٢٠٠٧.\nوانظر «حكم تشريح الإنسان بين الشريعة والقانون» (ص ٨٢).","vol":"1","page":293},{"text":"٣ - واستدلوا (^١) بأن التشريح فيه مَثُلة بالجثة وقد نهينا عنها حتى مع الكافر المحارب، قال رسول الله -ﷺ-: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ في سَبِيلِ اللهِ قَاتِلُوا من كَفَرَ بِاللهِ اغْزُوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغْدِرُوا ولا تُمَثِّلُوا» (^٢). ويجاب بأن المثلة أبيحت لمصلحة الردع عن الفساد في عقوبة المحاربين. ومصلحة التشريح للتحقيق الجنائي هي من ذات الباب، ومصلحة التشريح لتعلم الجراحة التي تُصان بها الأرواح ليست دون ذلك.\n٤ - واستدلوا (^٣) بالنهي عن الجلوس على القبر لعدم إيذاء الميت، وتشريحه أكثر إيذاءً. كذلك فإن التشريح من شأنه أن يؤذي أقارب الميت الأحياء وقد قال الرسول -ﷺ-: «لا تسُبّوا الأموات فتؤذوا الأحياء» (^٤) ويجاب عن ذلك بمثل الجواب عن حديث كسر عظم الميت.\n٥ - واستدلوا (^٥) بقول من منع من العلماء من شق بطن المرأة الحامل الميتة لإخراج\n_________\n(^١) «فقه القضايا الطبية المعاصرة» للقره داغي والمحمدي (ص ٥١٩)، «أحكام الجراحة الطبية» للشِّنْقِيطِيّ، محمد بن محمد المختار (ص ١٧٥)، «جامع الفَتَاوَى الطبية» لعبد العزيز بن عبد المحسن (ص ٤١٠).\n(^٢) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته (٣/ ١٣٥٧).\n(^٣) «فقه القضايا الطبية المعاصرة» للقره داغي والمحمدي (ص ٥١٩)، و«أحكام الجراحة الطبية» للشِّنْقِيطِيّ (ص ١٧٥)، و«جامع الفَتَاوَى الطبية» لعبد العزيز بن عبد المحسن (ص ٤١١).\n(^٤) «سُنَن التِّرْمِذِيّ» كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الشتم، (٤/ ٣٥٣). وصححه الألبَانِيّ «سُنَن التِّرْمِذِيّ» تحقيق مشهور (رقم ١٩٨٢).\n(^٥) انظر «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (٢/ ٥٥٦)، وذكر أنه المذهب ثم قال: «ويحتمل أن يشق بطنها إذا غلب على الظن أنه يحيى وهو وجه في ابن تميم وغيره». و«حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ» (١/ ٤٢٩)، ذكر أن سَحْنُون وأصبغ اختارا بقر البطن. و«المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (١٦/ ٢٧٩).","vol":"1","page":294},{"text":"جنينها، والجواب أن الجمهور قالوا بخلافه. وبمنع بعضهم من شق بطنه لاستخراج ماله أو مال غيره الذي أذن له بابتلاعه، والجواب أن مصلحة حفظ المال ليست كمصلحة حفظ الأرواح وأن المال لو كان كثيرًا فالأرجح شق بطنه لاستخراجه كما سنبين.\n٦ - واستدلوا من المعقول بأن الشريعة الإسلامية حضت على إكرام الميت بتغسيله وتطييبه وتكفينه ودفنه، وفي التشريح من تأخير أو تجاوز ذلك ما لا يتفق مع مراد الشارع.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-120> أدلة المبيحين:</span>\nأما المبيحون فقد استدلوا:\n١ - بالمتقرر في علم الأصول وفي القواعد الفقهية من أن الضرورات تبيح المحظورات.\n٢ - دفع الضرر الناشئ عن إهمال تعلم التشريح وتخلف علم الجراحة عند المسلمين وكذلك ضياع الحقوق عند ترك التشريح للتحقيق الجنائي.\nوقد يجاب على ذلك بأن الضرر لا يزال بالضرر، والجواب على هذا الاعتراض بأن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف والعام بالخاص. ونحن هنا أمام مفسدتين: الأولى: ترك علم التشريح بما يعنيه ذلك من تخلف في علوم الطب المؤسسة على علم التشريح سيما الجراحة الطبية، وهذا بدوره يؤدي إلى فساد في الأنفس والأبدان، فإنه لا يخفى ما حققه التقدم في علم الجراحة من نفع للبشرية وإنقاذ لأرواح كثير من المرضى بإذن الله تعالى.\nوالمفسدة الثانية هي: تشريح جثث الموتى بما فيه من انتهاك حرمتهم وإيذاء أهلهم، ولقد رأى المبيحون أن هذه المفسدة دون المفسدة الأولى.","vol":"1","page":295},{"text":"٣ - واستدلوا (^١) بأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومعلوم أن تعلم الجراحة من الواجبات الكفائية ذات الأهمية العظيمة.\nوقد يجاب بأن الحاجة تندفع بالأجسام البلاستيكية أو جثث الكفار. ولا شك عند الأطباء أن الأجسام البلاستيكية ليست تفي بالغرض إلى الآن. أما الاستغناء بجثث الكفار (^٢) فليس متيسرًا، ولا أظن أن بلدًا من البلدان الإسلامية يمكن أن تُضمِّن هذا في تشريعاتها. كما أنه ليس يسلم لأصحاب هذا القول أن كل كافر يجوز تشريح جثته لأنه مستثنى من أدلة المنع، بل الكافر المعصوم في حياته لا يستثنى من أدلة المنع (^٣).\n٤ - واستدلوا (^٤) بجواز شق بطن الحامل لاستخراج جنينها الحي.\nويجاب بالمنع في حكم الأصل فإنه مختلف فيه. ولا يلزم القياس من وافق في الأصل للفارق، وهو أن الشق لانتزاع جنين حي إنما هو لضرورة متحققة. ويجاب بأن الضرورة التي تغلب على الظن كضرورة تعلم الجراحة عن طريق التشريح\n_________\n(^١) «مدى مشروعية الانتفاع بأعضاء الآدمي حيًا أو ميتًا في الفقه الإسلامي» (ص ٤١). لعبد المطلب حمدان الدكتور بقسم الفقه العام، كلية الشريعة والقانون، جامعة الأزهر، و«فقه القضايا الطبية المعاصرة» للقره داغي والمحمدي (ص ٥٢١)، و«أحكام الجراحة الطبية» للشِّنْقِيطِيّ (ص ١٧٣)، و«جامع الفَتَاوَى الطبية» لعبد العزيز بن عبد المحسن (ص ٤٠٩).\n(^٢) «أحكام الجراحة الطبية» للشِّنْقِيطِيّ (ص ١٧٧).\n(^٣) «فتاوى إسلامية» (٢/ ٦٢). فتوى للشيخ ابن باز، منع فيها من تشريح جثة المعصوم مسلمًا كان أو كافرًا.\n(^٤) «حكم تشريح الإنسان بين الشريعة والقانون» لعبد العزيز القصار (ص ٣٧)، و«فقه القضايا الطبية المعاصرة» للقره داغي والمحمدي (ص ٥٢١)، «أحكام الجراحة الطبية» للشِّنْقِيطِيّ (ص ١٧١)، و«جامع الفَتَاوَى الطبية» لعبد العزيز بن عبد المحسن (ص ٤٠٨).","vol":"1","page":296},{"text":"أقرب إلى المتحققة منها إلى المتوهمة، فلزم القياس من وافق في حكم الأصل وهم الجمهور (^١).\n٥ - واستدلوا بجواز نبش القبر لاستخراج الكفن المغصوب.\nوأجيب بأنه ليس في ذلك من الإيذاء مثل ما في التشريح. ولكن النبش نوع إهانةٍ جاز للمصلحة.\nواستدلوا بجواز شق بطنه لاسترداد مالٍ مغصوبٍ ابتلعه (^٢).\nوأجيب بأنه ارتكب من الجُرم ما استحق به هذا الصنيع بجثته، وأنه لو كان له مالٌ لدفع إلى صاحب الحق دون شق بطنه، وأنه لو ابتلع مال نفسه لم يجز شق بطنه (^٣).\nوليس يسلم للمعترض أنه لا يُشق بطنُه لاستخراج مالٍ له ابتلعه أو لغيرِه إن كانت تركتُه تفي به، فهذا محل خلاف كما تقدم، بل قال ابن قُدامة -﵀-: «وإن بلع الميت مالًا لم يَخْل من أن يكون له أو لغيره: فإن كان له لم يشق بطنه، لأنه استهلكه في\n_________\n(^١) الحنفية والشافعية والظَّاهِرِيّة، ووجه عند المالكية والحنابلة. انظر «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٥/ ١٣٠)، «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٥/ ٢٦٤)، «المُحَلَّى» لابن حَزْم (٥/ ١٦٦)، «حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ» (١/ ٤٢٩)، «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (٢/ ٥٥٦)، «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (١٦/ ١٠).\n(^٢) شق البطن لاستخراج المال هو قول الحنفية إن كان المال لغيره ولم تف به تركته «شرح فَتْح القَدِير» لابن الهُمَام (٢/ ١٤٢)؛ والمالكية في مال نفسه وغيره إن بلغ نصابًا «حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ» (١/ ٤٢٩)؛ والشافعية «مُغْنِي المُحْتاج» للشِّرْبِينِيِّ (١/ ٣٦٦)، ذكر الخلاف عندهم في اشتراط عدم وفاء التركة بحق المغصوب. والحنابلة في وجه عندهم عند كثرة المال وإن كان ماله أو عند غصبه له «المُغْنِي» لابن قُدامة (٢/ ٢١٦). والظَّاهِرِيّة بإطلاق في ماله ومال غيره للنهي عن إضاعة المال، «المُحَلَّى» لابن حَزْم (٥/ ١٦٦).\n(^٣) تشريح جثة الميت. فتوى برقم ٢٦٩٤. تراث الفَتَاوَى [شبكة] /المؤلف عبد المجيد سليم//دار الإفتاء المصرية. -١٥، ٢٠٠٧.","vol":"1","page":297},{"text":"حياته، ويحتمل أنه إن كان يسيرا ترك وإن كثرت قيمته شق بطنه وأخرج، لأن فيه حفظ المال عن الضياع ونفع الورثة الذين تعلق حقهم بماله بمرضه؛ وإن كان المال لغيره وابتلعه بإذنه فهو كماله لأن صاحبه أذن في إتلافه؛ وإن بلعه غصبا، ففيه وجهان: أحدهما لا يشق بطنه ويغرم من تركته لأنه إذا لم يشق من أجل الولد المرجو حياته فمن أجل المال أولى؛ والثاني يشق إن كان كثيرا لأن فيه دفع الضرر عن المالك برد ماله إليه وعن الميت بإبراء ذمته وعن الورثة بحفظ التركة لهم» (^١) فرجع الأمر إلى الموازنة بين المصلحة والمفسدة. .\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-121> الترجيح:</span>\nوالذي أرجحه هو قول الجمهور؛ وذلك للأسباب الآتية:\n١ - أن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد، قال العز بن عبد السلام -﵀-: «إذا تعارضت مصلحتان قدم أقواهما، وإذا تعارضت مفسدتان ارتُكِب أخفهما تفاديًا لأشدهما» (^٢).\nفلو افترضنا أن الأجسام البلاستيكية البديلة ستفي يومًا بالحاجة إلى التعلم فيسقط عندها القول بالجواز للتعلم، ويبقى في حالة التحقيق الجنائي.\n_________\n(^١) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٢/ ٢١٦).\n(^٢) «قَوَاعِد الأحْكَام» للعز بن عبد السلام (١/ ٥٣). ونقل الإجماع على هذه القاعدة ابن الهُمَام -﵀- في «فَتْح القَدِير» (٢/ ٤٢١).","vol":"1","page":298},{"text":"٢ - حيث غاب النص المحكم الصحيح، توجه إعمال القواعد كالمشقة تجلب التيسير، والضرورات تبيح المحظورات، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nالجواب عن أحاديث منع إيذاء الميت بكسر عظمه أو الجلوس على قبره بأنها عند انعدام المصلحة الراجحة. ثم إن تشريح الميت للتعليم ليس كالتمثيل به للعبث (^١).\n٣ - القياس على تجويز الجمهور شق بطن المرأة لاستخراج جنينها الحي، وتقطيع الجنين الميت لإنقاذ أمه، وشق بطن الغاصب لاستخراج مال ابتلعه، وتجويز البعض فعل ذلك وإن ابتلع مال نفسه أو غيره بإذنه.\nويشترط لتجويز التشريح:\n١ - وجود الحاجة وانعدام البديل.\n٢ - توقير الجثة أثناء التشريح.\n٣ - موافقة الميت أو وليه.\n* * *\n_________\n(^١) على أنه ينبغي أن يذكر طالب الطب بحرمة الموتى ووجوب التعامل مع جثث الموتى المعصومين كالأحياء من حيث القطع للحاجة فقط وستر العورة وغير ذلك مما يضمن به عدم إهانة الميت. هذا الشرط واشتراط إذن الميت أو أوليائه بعد موته جاءا في قرار مجمع الفقه التابع للرابطة (سبق: ص ٢٩٠).","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>الفصل الثالث: الصيام</span>\nوفيه مبحث ومسائل أخرى:\nمبحث: أثر تطوير المعارف الطبية على الفتوى بشأن مُفْطِرات الصيام.\nمسائل أخرى تستحق البحث في باب العبادات.","vol":"1","page":301},{"text":"مبحث: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى\nبشأن مُفْطِرات الصيام\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: المقدمة الطبية.\nالمطلب الثاني: الخلاف الفقهي على الجوف.\nالمطلب الثالث: الخلاف الفقهي على المنافذ.","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>مبحث: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى\nبشأن مُفْطِرات الصيام</span>\nفرض الله الصوم على عباده وجعله من أركان الإسلام الخمسة. وثبت بالنص تحريم الأكل والشرب والجماع في نهار رمضان، حيث قال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].\nوأجمع المسلمون على أن هذه الثلاثة تُفْطِر الصائم، وأجمعوا كذلك على أن الحيض والنفاس مما يُفْطِر، وذلك لقوله -ﷺ- فيما رواه البخاري من حديث عائشة -﵂-: «ألَيْسَتْ إذا حاضَتْ لَمْ تُصَلِّ ولَمْ تَصُمْ؟» (^١).\nوهذه الأمور الأربعة هي التي أجمع المسلمون على كونها من المُفْطِرات، ثم ظهر خلاف كثير في غيرها من الأمور التي قيست على هذه الأربعة.\nومن أسباب الخلاف: اختلافهم - ﵏ - في حقيقة الجَوْف الذي يَفسَد الصيام بوصول الأعيان إليه، واختلافهم في المنافذ إلى هذا الجَوْف، وكذلك اختلافهم في فساد الصوم بوصول ما لا يُغَذِّي إلى ذلك الجَوْف، ومسألة استقرار الداخل.\nأما الجَوْف والمنافذ التي تؤدي إليه، فإنه لا شك في أن المعارف الطبية الحديثة تلقي المزيد من الضوء عليها وتصحح بعض المفاهيم الخاطئة عند الأطباء المعاصرين للسادة الفقهاء المتقدمين والتي بنى عليها الفقهاء - كما كان ينبغي عليهم - فتاواهم بشأن مُفْطِرات الصيام.\n_________\n(^١) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم (١/ ١١٦).","vol":"1","page":305},{"text":"ولعل فقهاءنا القدامى كانوا أسبق منا في بيان أن هذه الأبواب أقرب سببًا للطب منها للفقه حيث قال صاحب «الهِدَايَة»، الإمام أبو الحسن المَرْغِينانِيّ (^١)، في معرض كلامه عن التفطير بالقطر في الإحليل: «وهذا ليس من باب الفقه لأنه متعلق بالطب» (^٢).\nفرحم الله فقهاءنا وجزاهم خيرًا على اجتهادهم وحرصهم على متابعة معارف أهل زمانهم، مع تجرد وتواضع ظاهرين.\nونحن سنبين - إنه شاء الله - ما يترجح من فتاوى المتقدمين بهذا الصدد في ضوء المعارف الطبية الحديثة. وسنبدأ بالمقدمة الطبية في المطلب الأول، ثم نناقش قضية الجَوْف في المطلب الثاني، وفي الثالث نناقش مسألة المنافذ.\n* * *\n_________\n(^١) هو: برهان الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفَرْغَانِيّ المَرْغِينانِيّ، من أكابر فقهاء الحنفية كان حافظًا مفسرًا محققًا أديبًا من المجتهدين، ولد سنة ٥٣٠ هـ، من تصانيفه: «بِدَايَة المُبْتَدِي في الفقه»، وشرحه «الهِدَايَة في شرح البداية»، و«مُنْتَقَى الفُرُوع»، و«الفرائض»، و«مناسك الحج»، و«مختارات النوازل»، توفي سنة ٥٩٣ هـ. راجع ترجمته في: «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٢١/ ٢٣٢)، «الجَوَاهِر المُضِيَّة» (٢/ ٦٢٧).\n(^٢) انظر «البَحْر الرَّائق» لابن نُجَيْم (٢/ ٣٠٠).","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>المطلب الأول: المقدمة الطبية</span>\n[٥] أحشاء الصدر والبطن-من معجم مرعشي الطبي","vol":"1","page":307},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-125> أولا: الجَوْف في الطب الحديث:</span>\nليس هناك جَوْف أو تجويف واحد في جسم الإنسان، بل عدة تجاويف (^١).\n• فهناك التجويف البطني البريتوني خارج السبيل الهَضْمِيّ.\n• وهناك تجويف السبيل الهَضْمِيّ وهو الذي يمتص الغذاء ويبدأ بالفم وينتهي عند فتحة الشرَج مرورًا بالبُلْعُوم والمَرِيء والمَعِدَة والأمعاء الدقيقة والغليظة ثم المستقيم الذي ينتهي بفتحة الشرَج.\nوبالإضافة إلى هذه التجاويف، هناك:\n• التجويف الصَّدْرِيّ والذي لا يتصل بالجهاز الهَضْمِيّ ويكون فوق الحجاب الحاجز الذي يفصله عن التجويف البطني.\n• وهناك تجويف داخل القلب بل أربعة تجاويف.\n• وهناك تجويف داخل الجُمْجُمَة حيث يسكن الدِّمَاغ.\n• وتجويفات داخل عظام الوجه تسمى بالجيوب الأنفية.\n_________\n(^١) انظر «رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة» بحث د. هيثم الخياط (ص ٣١٥)، د. محمد البار (ص ٣٦٣). ولقد سبقت ترجمة د. محمد البار (ص ٢٧). أما د. هيثم الخياط فهو كبير مستشاري المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط وعضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية وعضو مجامع اللغة العربية بدمشق وبغداد والقاهرة وعضو أكاديمية نيويورك للعلوم. ولد في دمشق، وتخرج من كلية الطب بجامعتها، وحصل منها على درجة الدكتوراه في الطب، ثم شهادة أهلية التعليم العالي من جامعة بروكسل في بلجيكا. دَرَّس العلوم الطبية في كليات الطب بجامعتي دمشق وبروكسل، دَرَس العلوم الشرعية على مشايخ دمشق.","vol":"1","page":308},{"text":"• وتجويف الأذن الوسطى.\n• وهناك تجويف الرحم في الجهاز التناسلي الأنثوي.\nوكذلك تجويف المثانة وما يتصل به من أنابيب تُكَوِّن معه ومع الكُليتين الجهاز البولي (^١).\nإذًا فاصطلاح الجَوْف عند الفقهاء يحتاج إلى تحرير من وجهة النظر الطبية، والرسول -ﷺ- لم يستعمله أبدًا مرتبطًا بأحكام الصيام.\nولعل السؤال الأول هو: هل هذه التجاويف لها قدرة على هضم وامتصاص الغذاء؟\nليس لأي من هذه التجاويف خارج الجهاز الهَضْمِيّ القدرة على هضم وامتصاص الغذاء، إلا ما يكون من امتصاص لبعض السوائل الشبيه بامتصاص الجلد لها، والذي لا يُفْطِر باتفاق.\nأما بالنسبة للجهاز الهَضْمِيّ، فتبدأ عملية الامتصاص الحقيقية في المَعِدَة (^٢) ويكون أكثرها في الأمعاء (^٣)، أما ما يحصل من امتصاص بعض الأدوية من الفم فليس بعيدًا عن امتصاص بعضها عن طريق الجلد، وهو ما لا يفسد الصيام اتفاقًا.\nوالسؤال الثاني عن هذه التجاويف هو ما إذا كان لها اتصال بالسبيل الهَضْمِيّ؟\nولنبدأ من أعلى الجسم إلى أسفله.\n_________\n(^١) انظر «رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة» بحث د. هيثم الخياط (ص ٣١٥)، د. محمد البار (ص ٣٦٣).\n(^٢) انظر «المرجع في الفزيولوجيا الطبية» (ص ٧٥٨).\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":309},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-126> التجويف الدِّمَاغي:</span>\n[٦] الدماغ-من معجم مرعشي الطبي\nأما التجويف الدِّمَاغي داخل الجُمْجُمَة فلا صلة له البتة بالسبيل الهَضْمِيّ إلا إذا حصل كسر في قاع الجُمْجُمَة (^١)، وعندها يصل السائل الموجود داخل هذا التجويف إلى الأنف، ولكننا هنا أمام حالة حرجة خطيرة قد تستدعي تدخلًا جراحيًّا. فإذا دخل إلى الدِّمَاغ عن طريق مأمومة سائل وكان في قاع الجُمْجُمَة كسر، فبلغ هذا السائل الأنف ومنه إلى السبيل الهَضْمِيّ، فإن هذا الإنسان ليس واردًا أن يكون صائمًا ويتم صومه، فإن كان فهذا من النادر جدًّا الذي لا عبرة به.\n_________\n(^١) انظر «رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة» بحث الدكتور محمد علي البار (ص ٣٦٧).","vol":"1","page":310},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-127> تجاويف عظام الوجه والجُمْجُمَة:</span>\nتجاويف عظام الوجه والجُمْجُمَة تعرف بالجيوب الأنفية: وهي تفرز سائلا مخاطيًّا يتسرب إلى الأنف والبُلْعُوم الأنفي (^١)، وهو البلغم الذي يتحدث عنه الفقهاء، وليس نازلًا من الدِّمَاغ كما اعتقده بعض قدماء الأطباء.\nواختلف الفقهاء في بلع هذا البلغم بعد وصوله إلى الحلق.\n* * *\n_________\n(^١) انظر «أطلس تشريح جسم الإنسان- (سوبوتا)» (١/ ٦٥).","vol":"1","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>الأذن:</span>\n[٧] رسم توضيحي للأذن\nأما الأذن الوسطى (^١): فإنها يحدها من الخارج القناة السمعية المفتوحة إلى الخارج، ومن الداخل الأذن الداخلية؛ وليس لها اتصال مباشر بأي منهما يسمح بمرور السوائل إلا إذا حصل ثقب في طبلة الأذن (^٢)، فعندها قد تصل السوائل من القناة السمعية الخارجية إلى الأذن الوسطى.\nوهذه الأذن الوسطى لها اتصال بالبُلْعُوم الأنفي عن طريق قناة استاكيوس (البُلْعُومية السمعية) (^٣) الرفيعة جدًا. ومن ثم فإنه يمكن وصول قدر ضئيل جدًا من قطرة الأذن إلى البُلْعُوم عن طريق هذا الثقب في طبلة الأذن ثم قناة استاكيوس بعد امتصاص أكثرها.\n_________\n(^١) انظر «أطلس تشريح جسم الإنسان- (سوبوتا)» (١/ ١٣١).\n(^٢) انظر «رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة» بحث الدكتور حسان شمسي باشا (ص ٤١١). سبقت ترجمة الدكتور حسان شمسي (ص ١٠٧).\n(^٣) «أطلس تشريح جسم الإنسان- (سوبوتا)» (١/ ٦٥).","vol":"1","page":312},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-129> العين:</span>\n[٨] رسم توضيحي للقناة الدمعية\nالعين لها تجويف داخلها لا يتصل بالسبيل الهَضْمِيّ بحال (^١) ولكن الكلام في أغلبه عن القطرة التي تستعمل على خارج العين ويستقر بعضها بينها وبين الجفون. فهل يمكن أن يصل شيء منها إلى السبيل الهَضْمِيّ؟\nالحقيقة أن قدرًا متناهي الضآلة قد يصل عن طريق القناة الدمعية والتي تجري من الركن الداخلي للجَفْن الأسفل إلى تجويف الأنف (^٢) ومن ثم إلى البُلْعُوم وما بعده.\nويشكك كثيرون في إمكانية وصول أي شيء من هذه القطرة إلى المَعِدَة.\n_________\n(^١) «رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة» بحث دكتور حسان شمي باشا (ص ٤١٢).\n(^٢) انظر «أطلس تشريح جسم الإنسان- (سوبوتا)» (١/ ٦٥)، (١/ ١٥١). و«رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة» بحث الدكتور حسان شمسي باشا (ص ٤١٢).","vol":"1","page":313},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-130> الأنف:</span>\n[٩] رسم توضيحي لأجزاء البلعوم\nالأنف تتصل بالسبيل الهَضْمِيّ من غير شك، فإن البُلْعُوم يتكون من ثلاثة أجزاء الأعلى، وهو البُلْعُوم الأنفي ويقع خلف تجويف الأنف والأوسط وهو الفَمِيّ ويقع خلف الفم والأسفل، وهو البُلْعُوم الحَنْجَرِيّ ويقع خلف الحَنْجَرَة.\nولذلك فإن الكثير من المرضى يتم إيصال الطعام إلى معدتهم عن طريق أُنْبُوب يدخل من الأنف ويصل إلى المَعِدَة.","vol":"1","page":314},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-131> التجويف الصَّدْرِيّ:</span>\nليس له صلة بالسبيل الهَضْمِيّ إلا أن المَرِيء يمر خلاله، وليس بينهما منفذ.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-132> التجويف البَطْنِيّ:</span>\n\nتقع المَعِدَة والأمعاء داخل التجويف البطني، ولكن التجويف البطني يحوي غيرهما، وليس ثمة اتصال بينه وبين داخل المَعِدَة والأمعاء.\nوهذا التجويف خارج السبيل الهَضْمِيّ، ليس له قدرة هضم وامتصاص الغذاء إلا الامتصاص عن طريق الشعيرات الدموية كما هو الحال في الفم والجلد.","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>تجويف المثانة:</span>\n[١٠] رسم توضيحي للجهاز البولي\nليس لتجويف المثانة (^١) أي اتصال بالجهاز الهَضْمِيّ وإنما يصل البول إليه عن طريق الحالبين اللذين يحملانه من الكُلْيَة والتي يمر خلالها الدم فيترشح منه بعض الماء والأملاح والشوارد والكهارل (^٢) والسموم التي يريد الجسم التخلص منها.\n_________\n(^١) انظر «أطلس تشريح جسم الإنسان- (سوبوتا)» (٢/ ٢١٤)، «رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة» بحث الدكتور محمد علي البار (ص ٣٧٧)، بحث الدكتور حسان شمسي باشا (ص ٤١١).\n(^٢) هي في علم وظائف الأعضاء (الفسيولوجيا).","vol":"1","page":316},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-134> تجويف الرحم والجهاز التناسلي الأنثوي:</span>\n[١١] رسم توضيحي للأعضاء التناسلية الداخلية للأنثى\nتجويف الرحم والجهاز التناسلي الأنثوي يبدأ بالفرج ثم فتحة المَهْبِل فالمَهْبِل فعنق الرحم فالرحم.\nثم إن هناك قناتين تحملان البُيَيْضَات (^١) من المِبْيَضين على جانبي الرحم إلى الرحم.\nفاتصال الجهاز التناسلي الأنثوي إنما يكون بالتجويف البطني خارج السبيل الهَضْمِيّ عن طريق هاتين القناتين.\nوينبغي التنبيه على أن بفرج الأنثى فتحتين (^٢) إحداهما فُوَّهَة المَهْبِل والتي تؤدي إلى الرحم والأخرى فوقها مباشرة وهي فُوَّهَة الإحليل الخارجية وتؤدي إلى المثانة (الجهاز البولي).\n_________\n(^١) من الأخطاء الشائعة التعبير عن البييضة بالبويضة، والصواب الأول لأنها من باض يبيض بيضًا، وهي دجاجة بيّاضة، فعينها ياء أصلية.\n(^٢) انظر: «أطلس تشريح جسم الإنسان- (سوبوتا)» (٢/ ٢١٥).","vol":"1","page":317},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-135> السبيل الهَضْمِيّ:</span>\n[١٢] رسم توضيحي للجهاز الهضمي\nأولًا: تكوينه:\nيبدأ السبيل الهَضْمِيّ (^١) بالفم وينتهي بفتحة الشَّرَج. وخلف الفم يقع البُلْعُوم الفَمِيّ وهو جزء متصل ببقية أجزاء البُلْعُوم (^٢)، وهي: البُلْعُوم الأنفي الواقع خلف تجويف الأنف، والبُلْعُوم الحَنْجَرِيّ الواقع خلف الحَنْجَرَة.\n_________\n(^١) انظر: «رؤية إسلامية» بحث الدكتور محمد علي البار (ص ٣٧٠).\n(^٢) انظر: «رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة» بحث الدكتور حسان شمسي باشا (ص ٤٠٨).","vol":"1","page":318},{"text":"وأسفل من البُلْعُوم الحَنْجَرِيّ المَرِيء وهو تلك القناة الطويلة التي تحمل الغذاء إلى المَعِدَة؛ والتي تفرغ الغذاء بعد بعض عمليات الهضم والامتصاص إلى الأمعاء الدقيقة؛ والتي يتم فيها أكثر الهضم والامتصاص قبل أن ينتقل الطعام بفعل الحركة التَّمَعُّجِيَّة إلى الأمعاء الغليظة، والتي يتم فيها وفي المستقيم (آخر أجزائها) امتصاص بعض السوائل والأملاح.\nوبعد تراكم البِراز (^١) داخل المستقيم وتمدده يشعر الإنسان بالحاجة إلى التغوط، فيدفع بالبِراز إلى الخارج عن طريق فتحة الشرَج آخر أجزاء السبيل الهَضْمِيّ.\nثانيًا: وظائفه (^٢):\nهناك عمليتان هامتان تتمان في السبيل الهَضْمِيّ ولهما تعلق بقضية المُفْطِرات، وهما الهضم والامتصاص.\nأما الهضم، فإنه يبدأ في الفم، حيث يتم هضم بعض الكربوهيدرات عن طريق الإنزيمات اللعابية، ولكن لا يهضم في الفم أكثر من ٥% من الكربوهيدرات عن طريق هذه الإنزيمات.\nويفرز الفم أيضًا إنزيم الليباز اللساني الذي يهضم الدَّسَم، ولكن عملية الهضم نفسها تتم في المَعِدَة.\nأما المَعِدَة فتبدأ فيها عمليات الهضم المهمة، وذلك بهضم الكربوهيدرات والبروتينات والدَّسَم، ورَغم أن المَعِدَة مرحلة مهمة في عملية الهضم، إلا أن أكثر هذه المواد لا تهضم\n_________\n(^١) رجح النووي في «المجموع» الكسر للخارج نفسه، أما الفتح فللفضاء الواسع وفعل التبرز. «المجموع» (٢/ ١٠٥).\n(^٢) انظر «المرجع في الفزيولوجيا الطبية» (ص ٧٥٤ - ٧٦٣).","vol":"1","page":319},{"text":"بها، بل يكون أكثر الهضم في الأمعاء الدقيقة، وذلك بالأخص في الدَّسَم، حيث لا يهضم منه في المَعِدَة إلا الشيء اليسير ١٥% بفعل إنزيم الليباز اللساني.\nأما وظيفة الامتصاص للسبيل الهَضْمِيّ فتبدأ في الفم، ولكن المواد الغذائية لا تمتص فيه، وإنما تمتص بعض الأدوية والسموم عن طريق شبكة الأوعية الدموية القريبة من الغشاء المخاطي المبطن له.\nثم إن المَعِدَة تعتبر منطقة امتصاص ضعيفة، وذلك لافتقارها إلى النمط الزغابي النموذجي للغشاء الماص. ومن ثم فإن أكثر الامتصاص يتم في الأمعاء الدقيقة، بينما تمتص الأمعاء الغليظة السوائل والأملاح والسكريات البسيطة دون غيرها من العناصر الغذائية.\n* * *","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>المطلب الثاني: الخلاف الفقهي على الجَوْف</span>\nاختلف فقهاؤنا - ﵏ - في عدة أمور متعلقة بالمُفْطِرات وترجع اختلافاتهم إلى أربعة محاور هي:\n١ - مفهومهم عن الجَوْف الذي يفسد الصيام بوصول الأعيان إليه.\n٢ - المنافذ الموصلة إلى هذا الجَوْف.\n٣ - الأعيان الواصلة إلى الجَوْف وما يفسد الصيام منها وما لا يفسده.\n٤ - مسألة استقرار الداخل وفساد الصوم بما لم يستقر في الجَوْف مما دخل إليه.\nالخلاف حول الجَوْف:\nالجَوْف في اللغة:\nجَوْف الإنسان بطنه؛ والأجواف جمعه؛ والأجوفان: البطن والفرج لاتساع أجوافهما؛ وقال أبو عبيد في قوله -ﷺ- في الحديث «لا تَنْسَوا الجَوْفَ ومَا وَعَى»: أي ما يدخل فيه من الطعام والشراب. وقيل فيه قولان: قيل أراد بالجَوْف البطن والفرج معًا، كما قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الأجوفان»، وقيل أراد بالجَوْف القلب وما وعى وحفظ من معرفة الله تعالى. والجائفة: الطعنة التي تبلغ الجَوْف، والتي تخالط الجَوْف، والتي تنفذ أيضا. والجَوْف: المطمئن من الأرض؛ وفي حديث خلق آدم ﵇: «فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك» (^١). والأجوف الذي له جَوْف، ولا يتمالك أي لا يتماسك (^٢).\n_________\n(^١) انظر «صَحِيح مُسْلِم» كتاب البر والصلة والآداب، باب خلق الإنسان خلقا لا يتمالك (٤/ ٢٠١٦).\n(^٢) انظر «مختار الصِّحَاح» للرَّازِيّ (١/ ٥٠)، «لِسَان العَرَب» لابن مَنْظُور (٩/ ٣٤).","vol":"1","page":321},{"text":"الجَوْف عند الفقهاء:\nإنه لم يرد عن رسول الله -ﷺ- أن ركن الصيام هو ترك إيصال العين الظاهرة إلى الجَوْف، ولم يرد في أحاديثه لفظ الجَوْف مقترنًا بالصيام أبدًا. ولكن الفقهاء - ﵏- أرادوا وضع حد للمُفْطِرات فاستعملوا كلمة الجَوْف، ثم وقع بينهم - ﵏- الاختلاف في طبيعة ذلك الجَوْف الذي ينتقض الصوم بوصول الأعيان إليه، فاختلفوا على قولين:\n١ - أن الجَوْف المقصود هو ما له قوة على تحليل الغذاء، وهو ظاهر كلام الحنفية وصريح قول المالكية وقول مرجوح عند الشافعية.\n٢ - أن الجَوْف المقصود هو كل تجويف في جسم الإنسان سواءٌ كانت به القدرة على تحليل الغذاء أم لم تكن، وهذا هو الراجح عند الشافعية وهو قول الحنابلة.","vol":"1","page":322},{"text":"وهذا عرض لأقوال أهل العلم مع بعض المناقشة:\n\nالجوف\n• ما له قوة على تحليل الغذاء (ظاهر كلام الحنفية وصريح قول المالكية وقول مرجوح عند الشافعية): وجعلوا للدماغ قدرة على التغذي بما دخل إليه، ففطروا بدخول الأعيان - أو بعضها - إليه.\n\n• كل مجوف (الراجح عند الشافعية وهو قول الحنابلة): يشكل عليه قولهم في المثانة واختلافهم في قبل المرأة","vol":"1","page":323},{"text":"أولًا: قول السادة الحنفية - ﵏:\nقال الكَاسَانِيّ -﵀-: «وما وصل إلى الجَوْف أو إلى الدِّمَاغ عن المخارق الأصلية كالأنف والأذن والدبر بأن استعط أو احتقن أو أقطر في أذنه فوصل إلى الجَوْف أو إلى الدِّمَاغ فسد صومه، أما إذا وصل إلى الجَوْف فلا شك فيه لوجود الأكل من حيث الصورة. وكذا إذا وصل إلى الدِّمَاغ لأنه له منفذ إلى الجَوْف فكان بمنزلة زاوية من زوايا الجَوْف» (^١).\nلاحظ أنهم يعللون الإفطار بالوصول إلى الدِّمَاغ بكون الدِّمَاغ منفذًا للجَوْف لا بكونها جَوْفًا مستقلًا، وليس الدِّمَاغ منفذًا للجَوْف كما سبق في المقدمة الطبية.\nوالحنفية - ﵏ - لا يعتبرون مداواة الجائفة بالدواء اليابس مُفْطِرًا لأنه لا يصل للجَوْف في الأغلب عندهم، وكذلك دخول ما لا يستقر إلى الجَوْف لا يُفْطِر عندهم لأنه لا يحصل به معنى الأكل من تسكين الجوع (^٢).\nيتبين من ذلك كله أن الجَوْف المقصود عندهم هو ما يقدر على تحليل الغذاء والانتفاع به، وهو يطابق في العلوم الطبية الحديثة الجهاز الهَضْمِيّ أما كلامهم عن كون الدِّمَاغ منفذًا للجَوْف أو الأذن أو قُبُل المرأة، فهذا لا يعكر على استنتاجنا، فإنما ظنوا أن هذه المخارق تنفذ إلى الجهاز الهَضْمِيّ.\n_________\n(^١) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٢/ ٩٣).\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"1","page":324},{"text":"ثانيًا: قول السادة المالكية - ﵏:\nقال الدَّرْدِير (^١) -﵀-: «وصحته [أي الصوم] بترك إيصال متحلل أي مائع من منفذ عال أو سافل والمراد الوصول ولو لم يتعمد ذلك ... أو غيره أي غير المتحلل كدرهم من منفذ عال فقط بدليل ما يأتي، على المختار عند اللَّخْمِيّ (^٢)، لمَعِدَة متعلق بإيصال وهي من الآدمي بمنزلة الحوصلة للطير والكَرِش للبهيمة بحُقْنَة بمائع أي ترك إيصال ما ذكر لمَعِدَة بسبب حُقْنَة من مائع في دبر أو قُبُل امرأة لا إحليل. واحترز بالمائع عن الحُقْنَة بالجامد، فلا قضاء ولا فتائل عليها دهن، وقوله أو حلق معطوف على مَعِدَة أي ترك وصول المتحلل أو غيره لحلق ولما قيد الحُقْنَة بالمائع عُلم أنه راجع للمتحلل، ولما أطلق في الحلق علم أنه راجع لمتحلل أو غيره، لكن بشرط ألَّا يَرُدَّ غير المتحلل، فإن رده بعد وصوله الحلق فلا شيء فيه فعلم أن وصول شيءٍ للمَعِدَة من الحلق مطلقًا أو من منفذٍ أسفلَ بشرط أن يكون مائعا أو للحلق كذلك مُفْطِر» (^٣).\nولعل المالكية - ﵏- هم الأصرح في بيان أن الجَوْف المقصود هو المَعِدَة، لأنهم فهموا أنها الجزء من الجهاز الهَضْمِيّ القادر على تحليل الغذاء.\n_________\n(^١) هو: أبو البركات أحمد بن محمد بن أحمد العَدَوِيّ، الشهير بالدَّرْدِير، فاضل من فقهاء المالكية، ولد في بني عدي بمصر سنة ١١٢٧ هـ، وتعلم بالأزهر، وتوفي بالقاهرة سنة ١٢٠١ هـ، من كتبه: أقْرَب المَسَالِك لمَذْهَب الإمَام مَالِك، والشَّرْح الكَبِير على مُخْتَصَر خَلِيل. راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (١/ ٢٤٤)، «مُعْجَم المؤلفين» (٢/ ٦٧).\n(^٢) هو: أبو الحسن علي بن محمد الربعي المعروف باللَّخْمِيّ، فقيه مالكي، له معرفة بالأدب والحديث، قيرواني الأصل، نزل سفاقس وتوفي بها سنة ٤٧٨ هـ، صنف كتبا مفيدة، من أحسنها: التبصرة تعليق كبير على المُدَوَّنَة في فقه المالكية، أورد فيه آراء خرج بها عن المذهب وله فضائل الشام. راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيِّ (٤/ ٣٢٨).\n(^٣) «الشَّرْح الكَبِير» للدَّرْدِير (١/ ٥٢٣ - ٥٢٤).","vol":"1","page":325},{"text":"أما الكلام عن الوصول للحلق عندهم وعند غيرهم من الفقهاء، فلأن الوصول إلى الحلق يقتضي بالضرورة الوصول إلى المَعِدَة إلا في حالة غير المتحلل الذي يرُدُّه من حلقه كما وضحوا.\nأما قولهم أو قُبُل امرأة، فلا يصح، لأنه لا يؤدي إلى المَعِدَة كما ذكروا.\nبقي أنه- كما تقدم في المقدمة الطبية - ليست المَعِدَة فقط القادرة على تحليل الغذاء، بل والأمعاء الدقيقة وكذلك الغليظة إلى حد ما، فإنها تمتص الأملاح والجلوكوز.\nثالثًا: قول السادة الشافعية - ﵏:\nقال النَّوَوِيّ -﵀-: «من المُفْطِرات دخول شيء في جَوْفه وقد ضبطوا الداخل المُفْطِر بالعين الواصلة من الظاهر إلى الباطن في منفذ مفتوح عن قصد مع ذكر الصوم وفيه قيود: منها الباطن الواصل إليه وفيما يعتبر به وجهان أحدهما أنه ما يقع عليه اسم الجَوْف والثاني يعتبر معه أن يكون فيه قوة تحليل الواصل إليه من غذاء أو دواء والأول هو الموافق لكلام الأكثرين كما سيأتي إن شاء الله تعالى ويدل عليه أنهم جعلوا الحلق كالجَوْف في بطلان الصوم بوصول الواصل إليه. وقال الإمام إذا جاوز الشيء الحُلْقُوم أفطر. وعلى الوجهين جميعا باطن الدِّمَاغ والأمعاء والمثانة مما يُفْطِر الوصول إليه حتى لو كان على بطنه جائفة أو برأسه» (^١).\nويظهر من كلامه -﵀- اختلاف الشافعية وأن بعضهم يرجح قول المالكية في اعتبار قوة التحليل في الجَوْف المقصود.\nأما توجيهه للقول الذي رجحه وعده قول الأكثرين بجعلهم الحلق كالجَوْف ففيه نظر، فإنه لا يخفى أن ما يصل إلى الحلق يصل إلى المَعِدَة، فإن لم يصل ففي إيصال عينٍ إلى الحُلْقُوم شبهٌ بصورة الأكل واضح.\n_________\n(^١) «رَوْضَة الطَّالِبِين» للنَّوَوِيّ (٢/ ٣٥٦).","vol":"1","page":326},{"text":"رابعًا: قول السادة الحنابلة - ﵏:\nقال الرحيباني -﵀- (^١): «(وكذا) يفسد صوم بـ (كل ما يصل لمسمى جَوْف) كالدِّمَاغ والحَلْق والدُّبر، وباطن الفَرْج، (فيُفْطِر من أكل أو شرب، ولو ريقا أخرجه بين شفتيه) لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فأباحها إلى غاية، وهي تبين الفجر، ثم أمر بالإمساك عنهما إلى الليل؛ لأن حكم ما بعد ﴿حَتَّى﴾ مخالف لما قَبْلها، (أو استعط) في أنفه بدهن أو غيره، فوصل إلى حلقه أو دماغه لنهيه -ﷺ- الصائم عن المبالغة في الاستنشاق، ولأن الدِّمَاغ جَوْف، والواصل إليه يُغَذِّيه، فيُفْطِر كجَوْف البدن. (أو احتقن) في دبره فسد صومه؛ لأنه يصل إلى الجَوْف، ولأن غير المعتاد كالمعتاد في الواصل، ولأنه أبلغ وأولى من الاستعاط. (أو داوى الجائفة، فوصل إلى جَوْفه) لإيصاله إلى جَوْفه شيئا باختياره، أشبه ما لو أكل» (^٢).\nوتراه هنا يعلل الفطر بوصول الأعيان إلى الدِّمَاغ بكون الواصل إلى الدِّمَاغ يُغَذِّيه كجَوْف البدن - وهو غير صحيح- فهل هذا يعني أن الحنابلة يقصدون بجَوْف البدن ما له قدرة على تحليل الطعام؟\n_________\n(^١) هو: مصطفى بن سعد بن عبده السُّيُوطِيّ الرَّحِيبَانِيّ (ضبطها الأكثر الرَّحِيباني، وضبطها محقق «السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة» عبد الرحمن العُثَيْمِين بضم الراء وفتح الحاء.)، الدِّمَشْقِيّ، فرضي كان مفتي الحنابلة بدمشق، ولد في قرية الرحيبة من أعمالها سنة ١١٦٠ هـ، وتفقه واشتهر وولي فتوى الحنابلة، وتوفى بدمشق سنة ١٢٤٣ هـ، له مؤلفات، منها: «مَطَالِب أُولي النُّهَى في شرح غاية المنتهى» في فقه الحنابلة، و«تُحْفَة العباد فيما في اليوم والليلة من الأوراد» جمعه من الأصول الستة، وتحريرات وفتاوى. راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيِّ (٧/ ٢٣٤)، «مُعْجَم المؤلفين» (١٢/ ٢٥٤).\n(^٢) «مَطَالِب أُولي النُّهَى» للرَّحِيباني (الرُّحَيباني) (٢/ ١٩١). وما بين الأقواس لصاحب «غاية المنتهى» مَرْعِيّ بن يوسف الكَرْمِيّ.","vol":"1","page":327},{"text":"إن ابن قُدامة -﵀- يقول في «المُغْنِي» «يُفْطِر بكل ما أدخله إلى جَوْفه أو مُجَوَّف في جسده كدماغه وحلقه ونحو ذلك مما ينفذ إلى معدته إذا وصل باختياره» (^١).\nفهو هنا يصرح بأن العبرة بنفاذ الداخل إلى المَعِدَة، فهل يعني هذا أن الحنابلة يقولون بقول المالكية، واختلافهم ناتج عن فهم ما ينفذ إلى المَعِدَة والمخارق الأصلية وغيرها التي تؤدي إليها؟\nالحق أن ذلك لا يبدو، فإنهم - ﵏ - يقررون أن وصول اللبن إلى جَوْف لا يُغَذِّي بوصوله فيه كمثانة وذكر وجائفة لا يحرم لأنه لا ينشز العظم ولا ينبت اللحم (^٢). إذًا فهم - أو بعضهم - يدركون أن الجائفة لا يحصل بها وصول ما يُغَذِّي إلى المَعِدَة ويفرقون بين التحريم بالرضاع وفساد الصوم. ولا شك أن في بعض عباراتهم الأخرى ما يشعر باعتبار الوصول إلى المَعِدَة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-137> الترجيح:</span>\nالذي يترجح هو قول من اعتبر قوة التحليل في الجَوْف الذي يفسد الصوم بوصول الأعيان إليه، وذلك لأن كل هذه المُفْطِرات التي يذكرونها إنما أثبتوها بالقياس على الأكل والشرب وإنما يتوصلون إلى ذلك القياس بإثبات المشابهة في الصورة أو المعنى، كما قال الكَاسَانِيّ -﵀-: «انتقاض الشيء عند فوات ركنه أمر ضروري، وذلك بالأكل، والشرب، والجماع سواء كان صورة ومعنى، أو صورة لا معنى، أو معنى لا صورة» (^٣).\n_________\n(^١) انظر «المُغْنِي» لابن قُدامة (٣/ ١٦).\n(^٢) «مَطَالِب أُولي النُّهَي» للرَّحِيباني (الرُّحَيباني) (٥/ ٦٠٢).\n(^٣) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٢/ ٩٠).","vol":"1","page":328},{"text":"ولا يظهر أن في دخول النصل إلى التجويف البريتوني خارج الجهاز الهَضْمِيّ أو المنظار في زماننا، أو الإصبع داخل قُبُل المرأة أو دبرها أو دبر الرجل ما يشابه الأكل والشرب في المعنى أو الصورة، وكذلك إدخال شيء إلى الأذن كعود مثلا ثم إخراجه.\nوإنك ترى أنه من ذهب من أصحاب المذاهب إلى اعتبار كل جَوْف أو تجويف في الجسم مما يفسد الصيام بدخول الأعيان إليه قد اختلفوا واضطربت عباراتهم، فتارة يتحدثون عن التغذية ويجعلون للدماغ حكم الجَوْف لأنه يتغذى بما يصل إليه وتارة يهملون هذا المعنى.\nولقد تبين من المقدمة الطبية أن المَعِدَة والأمعاء الدقيقة هي تلك الأجزاء من الجهاز الهَضْمِيّ القادرة على هضم وتحليل الغذاء، وأن الأمعاء الغليظة قادرة على امتصاص الأملاح والجلوكوز والماء. وليس الدِّمَاغ قادرًا على الإفادة من الغذاء دون وصوله إلى المَعِدَة، وليس منفذًا لها كما سبق في المقدمة الطبية.\nوالذي يترتب على ما قدمنا هو ترجيح أنه - بالإضافة لكل ما يشابه الأكل في الصورة كابتلاع أي عين - فإن الفطر يحصل بوصول الأعيان المغذية (^١) إلى المَعِدَة أو الأمعاء الدقيقة وكذا الغليظة، أو مباشرة إلى الدم، إذا كان الواصل مما ينتفع به الجسم كالسوائل والأملاح والجلوكوز، فإن كل هذا يشابه الأكل في المعنى، وإن كان الوصول إلى هذه الأعضاء عن غير طريق الفم مما يخالف الأكل في الصورة. وقد يُعارَض بأن الامتصاص يكون عن طريق الجلد ولا يُفْطِر اتفاقًا، ولكن هذا امتصاص قليل لبعض الأدوية وما لا يتغذى عليه الجسم أو يدفع عنه شيئًا من الجوع أو العطش.\n_________\n(^١) ابتلاع أي شيء عن طريق الفم يفسد الصيام من غير اعتبارٍ لكونه مغذيًا أو لا، وعليه الإجماع، ولا يثبت ما نقل عن أبي طلحة -﵁- أنه كان يأكل البرد ويقول: ليس بطعام ولا شراب. «موسوعة الإجماع» لسعدي أبي حبيب (٢/ ٧٣٩).","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>المطلب الثالث: الخلاف الفقهي على المنافذ</span>\nإن المسلمين قد أجمعوا على أن ما وصل من طعام أو شراب إلى الجَوْف عن طريق الفم فإنه يُفْطِر مع العمد والذكر.\nثم إن الخلاف قد وقع في وصول ذلك أو غيره إلى الجَوْف عن طريق منافِذَ أخرى في الجسد ظن البعض أنها تتصل بالجَوْف أو بجَوْفٍ يفسد الصيام بدخول الأعيان إليه.\nوهذه المنافذ منها الخِلْقية الطبيعية كالأنف والأذن والعين والإحليل وفرج المرأة والدبر، ومنها غير الخِلْقِية كالجائفة والمأمومة، وينضم إليهما ما كان من الجراحات الطبية في زماننا.\nونحن نعرض لهذه المنافذ ونبين الخلاف الواقع في حكم وصول الأعيان إلى الجَوْف عن طريقها، ونرجح من أقوال أهل العلم ما وافق الواقع بناءً على المستجدات في المعارف الطبية إن لم يكن هناك دليلٌ من الوحي.\n* * *","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>الأنف:</span>\nلم أجد في شيءٍ من كتب المذاهب الأربعة خلافًا في كون الأنف منفذًا إلى الجَوْف يُفْطِر الإنسان إذا وصلت الأعيان منه إليه (^١). ولكن ابن حَزْم -﵀- لا يرى أنه يُفْطِر (^٢).\nودليل الفريق الأول هو قوله -ﷺ- للَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ -﵁-: «وبَالِغْ في الاسْتِنْشَاق إِلا أَنْ تَكُون صَائِمًا» (^٣) وهو يفيد أن صيامه يفسد بوصول الماء إلى حلقه من أنفه (^٤) ..\nوكذلك، فإن العام والخاص يدرك أن الماء يصل من الأنف إلى الحلق ثم إلى المَعِدَة.\nأما ابن حَزْم -﵀- فتمسك بأن السَّعوط (^٥) والتقطير في الأنف لا يسميهما أحد من العرب الذين تلقوا الرسالة أكلًا أو شربًا.\nوالذي يقرره الطب الحديث - ولم يكن خافيًا - أن الأنف منفذٌ إلى الجَوْف، يشترك مع الفم في اتصالهما المباشر بالحلق، بل وإن الكثير من المرضى يتم تغذيتهم عن طريق أنابيب تُدْخَل من الأنف لتصل إلى المَعِدَة.\n_________\n(^١) انظر «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٢/ ٩٣)، «الشَّرْح الكَبِير» للدَّرْدِير (١/ ٥٢٣)، «المَنْهَج القَوِيم» للهَيتَمِيّ (١/ ٥٠٨)، «مطالب أولي النهي» للرَّحِيباني (الرُّحَيباني) (٢/ ١٩١).\n(^٢) «المُحَلى» لابن حَزْم (٦/ ٢٠٣).\n(^٣) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الصوم، باب الصائم يصب عليه الماء من العطش (٢/ ٣٠٨). وقد سكت عنه أبو داود وصححه غير واحد.\n(^٤) قد يجاب عليه أنه استثنى المبالغة حال الصيام ولا يفيد حصول الفطر، ولكن لا يبقى معنى للتفريق إلا كون المبالغة قد تؤدي لإفساد الصوم.\n(^٥) في «حاشية الجمل»: بالسين المفتوحة لما يصب في الأنف، والمضمومة للمصدر. حاشية الجمل على شرح المنهج (٥/ ١٦٠).","vol":"1","page":331},{"text":"لعل هذا التقرير الطبي لم يكن ليغير من قناعات الإمام النحرير ابن حَزْم -﵀-، ولا نعتقد أنه خفي عليه أن الماء يصل إلى الحلق عن طريق الأنف، ولكنَّ الظاهر هو رجحان قول من جعل الأنف منفذًا للجَوْف المعتبر في الإفطار، وذلك للحديث، ولحصول معنى الأكل أو الشرب بدخول الشراب عن طريق الأنف إلى جَوْف الإنسان القادر على تحليل الغذاء - كما يظهر من المقدمة الطبية. وكذلك فإن الأنف في الممارسة الطبية منفذ معتاد عرفًا للتغذية.\n* * *","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>العين:</span>\nوقع الخلاف بين الفقهاء حول كون العين منفذًا إلى الجَوْف.\nفذهب الحنفية (^١) والشافعية (^٢) والظاهرية (^٣) إلى عدم الفطر بالاكتحال، واختاره الشيخ تقي الدين ابن تَيمِيَّة من الحنابلة (^٤).\nوذهب المالكية (^٥) والحنابلة (^٦) إلى الفطر به إذا وجد طعمه في حلقه (^٧).\n* أدلة الفريق الأول:\n١ - أحاديث اكتحال النبي -ﷺ- وهو صائم:\nعن هشامِ بن عُرْوَة عن أبيه عن عائشةَ قالت: «اكْتَحَلَ رسول اللهِ -ﷺ- وهو صَائِمٌ» (^٨).\n_________\n(^١) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٢/ ٩٣).\n(^٢) «الأُمّ» للشافعي (٢/ ١٠١).\n(^٣) «المُحَلى» لابن حَزْم (٦/ ٢٠٣).\n(^٤) «مَجْمُوع الفَتَاوَى» لابن تَيمِيَّة (٢٥/ ٢٣٤).\n(^٥) «الشَّرْح الكَبِير» للدَّرْدِير (١/ ٥٢٤).\n(^٦) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٣/ ١٦).\n(^٧) انظر «الكَافي» لابن عبد البَرّ (١/ ١٢٦)، و«المُغْنِي» لابن قُدامة (٣/ ٦) ففيهما اشتراط الوصول للحلق للتفطير.\n(^٨) «سُنَن ابن مَاجَه» كتاب الصيام، باب ما جاء في السواك والكحل للصائم (١/ ٥٣٦).","vol":"1","page":333},{"text":"والحديث فيه خلاف والظاهر ضعفه (^١)، وإن قواه البعض بمجموع طرقه، ويعارضه حديث آخر ضعيف كذلك في النهي عن الاكتحال للصائم.\n٢ - استدلوا من التعليل بكون العين ليست منفذًا للجَوْف، وأن ما يجد الصائم من طعم الكحل إنما هو أثره لا عينه، وجعلوا له حكم الغبار والدخان وما لو دهن رأسه فتشرب فيه، قالوا لا يضره لأنه وصل إليه الأثر لا العين (^٢).\n* أدلة الفريق الثاني:\nأما القائلون بأن العين منفذ وأن الكحل وغيره (^٣) يفسد الصيام فأدلتهم كذلك من التدليل والتعليل:\n١ - أحاديث توقي الكحل للصائم.\nروى أبو داود أن رسول الله -ﷺ-: «أَمَرَ بالإِثْمِد الْمُرَوَّحِ عِنْدَ النَّوْمِ وقال لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ» قال أبو داود (^٤) قال لي .................................................\n_________\n(^١) ضعفه ابن حَجَر في «تَلْخِيص الحَبِير» (٢/ ١٩٠)، ونقل عن أبي حاتم أنه منكر. وضعفه البَيْهَقِيّ في «السُّنَن الكُبْرَى»، وحسنه بعض المتأخرين بمجموع طرقه، وصححه لطرقه الألبَانِيّ في «صحيح ابن ماجه».\n(^٢) انظر «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٢/ ٩٣).\n(^٣) السوائل كالقطرة أولى من الكحل بالإفساد لسهولة وصولها إلى الأنف.\n(^٤) هو: أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزْدِيّ السِّجِسْتَانِيّ، إمام أهل الحديث في زمانه، ولد سنة ٢٠٢ هـ، وأصله من سجستان، حدث عن إسحاق بن راهُويَه وأحمد بن حنبل وقتيبة بن سعيد وأحمد بن صالح وإبراهيم بن بشار الرمادي وعلي بن المديني وغيرهم، وعنه التِّرْمِذِيّ وابن معين وغيرهم، وتوفي بالبصرة سنة ٢٧٥ هـ، له: السُّنَن -وهو أحد الكتب الستة- والمراسيل في الحديث، وغيرها. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ١٧٢)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٢/ ٤٠٤)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٣/ ٢٠٣)، «شَذَرَات الذَّهَب» (١/ ١٦٧).","vol":"1","page":334},{"text":"يحيى بن معين (^١) هو حديث منكر، يعني حديث الكحل (^٢).\nوالحديث ضعيف كما بين أبو داود -﵀- فلا حجة فيه.\n٢ - استدلوا من التعليل بكون العين منفذًا للجَوْف، ألا ترى أن الإنسان إذا قطر في عينه وجد طعم ذلك أحيانًا في حلقه (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-141> الترجيح:</span>\nالأحاديث في الباب ضعيفة، فيبقى التعليل والقياس، والذي أفادته المعارف الطبية الحديثة ربما يزيد الأمر صعوبة، وذلك لأنه، كما تقدم في المقدمة الطبية، فإن العين لها قناة تسمى القناة الدمعية وهي توصلها بالأنف والذي يتصل بدوره بالبُلْعُوم، ولكن فتحتهما في الجزء الأمامي من الأنف. وهذا يقلل من احتمالات وصول القطرة إلى البُلْعُوم، وهذه القطرة لا تتعدى عشر المليلتر ينزل منها إلى الأنف جزء يسير عبر هذه القناة الضيقة ثم يخرج أكثره فلا يرجع إلى البُلْعُوم إلا جزءٌ صغير من هذا ومن ثم، فإنه لا يصل إلى المَعِدَة من عين القطرة شيءٌ يذكر، وإن وصل الأثر.\n_________\n(^١) هو: أبو زكريا يحيى بن معين بن عون بن زياد المُرِّيّ البَغْدَادِيّ، من أئمة الحديث ومؤرخي رجاله، قال فيه أحمد بن حنبل: أعلمنا بالرجال، ونعته الذَّهَبِيّ بسيد الحفاظ، وقال ابن حَجَر: إمام الجَرْح والتَّعْدِيل، أصله من سَرَخْس ومولده بقرية نقيا قرب الأنبار سنة ١٥٨ هـ وعاش ببغداد،، وتوفي بالمدينة حاجًا سنة ٢٣٣ هـ له: «التاريخ والعلل» و«مَعْرِفَة الرِّجَال» و«الكُنَى والأسْمَاء». راجع ترجمته في: «تاريخ بغداد» (١٤/ ١٧٧)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٦/ ١٣٩)، «تَهْذِيب الكَمَال» (٣١/ ٥٤٣)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١١/ ٧١).\n(^٢) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الصوم، باب في الكحل عند النوم للصائم (٢/ ٣١٠).\n(^٣) انظر «المُغْنِي» لابن قُدامة (٤/ ٣٥٤).","vol":"1","page":335},{"text":"يبقى الأمر إذًا محل خلاف لإمكانية وصول ذلك الشيء اليسير جدًا إلى الحلق، وإن كان المرء يطمئن إلى تعليل الشيخ تقي الدين ابن تَيمِيَّة عدمَ التفطيرِ بكونِ الاكتحالِ والتقطير مما تعُم به البلوى وقد ترك الرسول -ﷺ- بيان تفطيره فيبقى الأمر على أصل الحل (^١).\nوهذا التوجه إلى عدم التفطير بقطرة العين هو ما ذهب إليه أكثر المعاصرين، وما جاء في «قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي»، مع اشتراطهم اجتناب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق (^٢)، وهو اشتراط وجيه.\n* * *\n_________\n(^١) «مَجْمُوع الفَتَاوَى» لابن تَيمِيَّة (٢٥/ ٢٣٤).\n(^٢) «قرار مجمع الفقه الإسلامي» (١/ ١٠)، بعنوان المفطرات في مجال التداوي (٢٣ - ٢٨) صفر ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>الأذن:</span>\nاختلف الفقهاء - ﵏ - في كون الإقطار في الأذن مُفْطِرًا.\nأولًا: السادة الحنفية:\nوقع عندهم الخلاف، فرجح المَرْغِينانِيّ -﵀- أن الإقطار بالماء ونحوه لا يُفْطِر بينما يُفْطِر دخول الدُّهْن (^١) بينما رجح الكَاسَانِيّ أنه يُفْطِر بإدخال الماء وغيره (^٢) واتفقوا على أن دخول الماء دون الإدخال لا يُفْطِر كما اتفقوا على أن دخول وإدخال الدُّهْن يُفْطِر.\nثانيًا: السادة المالكية:\nذهبوا إلى حصول الإفطار بالتقطير في الأذن إذا وصل المائع إلى الحلق فقال الشيخ عُلَيْش -﵀-: «والمذهب أن المائع الواصل للحلق مُفْطِر ولو لم يجاوزه إن وصل من الفم بل وإن وصل من أنف وأذن وعين نهارًا، فإن تحقق عدم وصوله للحلق من هذه المنافذ فلا شيء عليه» (^٣).\nثالثًا: السادة الشافعية:\nوقع عندهم الخلاف في الإفطار بالتقطير في الأذن، ذكر النَّوَوِيّ -﵀- الوجهين في «المَجْمُوع» وصحح التفطير (^٤).\n_________\n(^١) «الهِدَايَة شَرْحُ البِدَايَة» للمَرْغِينانِيّ (١/ ١٢٥).\n(^٢) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٢/ ٩٣).\n(^٣) «مِنَح الجَلِيل» للشيخ عُلَيش (٢/ ١٣١).\n(^٤) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٦/ ٣٢٢).","vol":"1","page":337},{"text":"رابعًا: السادة الحنابلة:\nالمعتمد عندهم حصول الفطر إذا قطر في أذنه ما وصل إلى دماغه (^١).\nخامسًا: السادة الظاهرية واختيار الإمام ابن تَيمِيَّة -﵀-:\nذهب الظاهرية إلى عدم حصول الفطر بالتقطير في الأذن (^٢)، واختاره من الحنابلة الشيخ تقي الدين -﵀- (^٣).\n* أما الفريق الذي فطر بالتقطير، فمعتمدهم أن الأذن منفذ إلى الدِّمَاغ أو الحلق - عند المالكية - وقاسوا الإفطار به على الإفطار باستنشاق الماء.\n* أما من ذهب إلى عدم التفطير، فمعتمدهم أن ما يصل إلى الدِّمَاغ أو الحلق من الأذن إنما يصل رشحًا، وأنه لا منفذ بين الأذن والدِّمَاغ، وأن القياس على الاستنشاق لا يستقيم، فإنما يكون القياس بجامع العلة، وليست ثمة علة منضبطة مؤثرة تجمع بين الأمرين، إذ إن دخول الماء للحلق عن طريق الأنف يعرفه الخاص والعام ويحصل التغذي به ويهبط إلى المَعِدَة فينطبخ فيها بخلاف التقطير في الأذن. وقد يكون القياس بإلغاء الفارق، وهو هنا متعذر، بل الفارق ظاهر بين الأمرين يدركه كل من جربهما. وقياس الشبه مختلف فيه، وإن ساغ استعماله للاعتضاد أو الترجيح، فدلالته ضعيفة وليس ههنا شبه ظاهر.\nومن خالف في الأصل كالظاهرية (^٤)، فله أن يدفع بأنه قياس في محل الخلاف.\n_________\n(^١) «مَطَالِب أُولي النُّهَى» للرَّحِيباني (الرُّحَيباني) (٢/ ١٩١)، «المُغْنِي» لابن قُدامة (٣/ ١٦).\n(^٢) «المُحَلى» لابن حَزْم (٦/ ٢٠٣).\n(^٣) «مَجْمُوع الفَتَاوَى» لابن تَيمِيَّة (٢٥/ ٢٣٣).\n(^٤) هم لا يعملون بالقياس أصلًا، ولكن خلافهم -﵏- في هذا الأصل لا يعتبر عند الجمهور.","vol":"1","page":338},{"text":"• أثر تطور المعارف الطبية على هذه المسألة.\nكما ظهر من المقدمة الطبية، فإن الأذن ليست منفذًا إلى داخل الدِّمَاغ وإنما تصل الأذن الوسطى بالبُلْعُوم الأنفي قناة استاكيوس ولا تصل القطرة إلى الأذن الوسطى إلا إذا انخرمت طبلة الأذن، فيصل عندها اليسير منها إليها، ثم اليسير من ذلك إلى البُلْعُوم الأنفي بعد أن يكون الأكثر امتص في الأذن الوسطى وقناة استاكيوس فما وصل إلى المَرِيء ثم المَعِدَة لا يعد شيئًا يذكر.\nالذي يظهر إذًا أن التقطير في الأذن لا يشابه الأكل والشرب لا في الصورة ولا في المعنى، فيترجح قول من قال بعدم حصول الفطر به. وإلى هذا ذهب المجمع الفقهي التابع لمنظمة العالم الإسلامي في قراره بشأن المُفْطِرات في مجال التداوي (^١).\n* * *\n_________\n(^١) «قرار» (١/ ١٥)، بتاريخ ٢٣ - ٢٨ صفر ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>الإحليل وفرج المرأة:</span>\nالإحليل قناة مجرى البول، ويجري فيها مني ومذي الرجل كذلك.\nولقد اختلف الفقهاء في الإفطار بالتقطير في الإحليل إذا وصل شيء إلى المثانة:\n* فذهب الجمهور من الحنفية (^١) والمالكية (^٢) والمرجوح عند الشافعية (^٣) والمشهور عند الحنابلة (^٤) وهو قول الظاهرية (^٥) إلى عدم الإفطار بذلك.\n* وذهب الشافعية في الراجح عندهم (^٦) وصاحبا أبي حنيفة (^٧) وبعض الحنابلة (^٨) إلى الفطر به.\n* وحجة الفريق الأول أن البول يخرج من الجسم عن طريق الرشح لا أن هناك منفذًا بين الجَوْف والإحليل وما كان كذلك فلا يدخل منه شيء، ونقلوا أن هذا قول عامة الأطباء، وهو الصواب كما في المقدمة الطبية.\nومن أدلتهم أن هذا التقطير لا يشابه الأكل والشرب في الصورة ولا في المعنى فلا يقاس عليهما.\n_________\n(^١) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٢/ ٩٣)، ونسب القول إلى الإمام دون الصاحبين، بينما رجح السرخسي في «المَبسُوط» (٣/ ٦٧) أن قول محمد موافق لقول الإمام.\n(^٢) «الشَّرْح الكَبِير» للدَّرْدِير (١/ ٥٢٣).\n(^٣) «رَوْضَة الطَّالِبِين» للنَّوَوِيّ (٣/ ٣٠٧).\n(^٤) «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (٣/ ٣٠٧).\n(^٥) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (٦/ ٢٠٣).\n(^٦) «رَوْضَة الطَّالِبِين» للنَّوَوِيّ (٢/ ٣٥٦).\n(^٧) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٢/ ٩٣).\n(^٨) «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (٣/ ٣٠٧).","vol":"1","page":340},{"text":"* أما الفريق الثاني فذكروا أن هناك منفذًا بين الإحليل والجَوْف - وقد تبين أن ذلك خطأ - وقاسوا ما دخل عن طريق الإحليل على ما خرج منه كالمني والمذي، ولا يصح القياس حتى عند من يعمل بقياس الشبه، لوجود الفارق واختلاف العلة، فإن ما خرج عن طريق الإحليل إنما أفسد الصوم لكونه صاحبه قضاء وطر، فلو كان لمرض لم يفسده، وليس الداخل كذلك فافترقا.\n• ظهر من المعارف الطبية الحديثة رُجحان قول الجمهور في هذه المسألة وعدم الإفطار بالتقطير في الإحليل.\nإحليل المرأة:\nلعل أكثر الفقهاء ضموا إحليل المرأة مع قُبُلِها، والصواب أن إحليل المرأة له فتحة فوق فتحة المَهْبِل ومنفصلة عنها. وما قيل عن إحليل الرجل يقال عن إحليل المرأة بلا اختلاف (^١).\n* * *\n_________\n(^١) انظر المقدمة الطبية.","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>قُبُل المرأة:</span>\n\nفتحة المَهْبِل من المرأة - كما تبين في المقدمة الطبية - تقع أسفل فتحة مجرى البول، ولقد فرق الفقهاء بين إحليل الرجل وقبل المرأة وعنَوا به فتحة المَهْبِل.\nذهب السادة الحنفية إلى حصول الفطر بذلك، حتى قال الكَاسَانِيّ -﵀-: «وأما الإقطار في قبل المرأة فقد قال مشايخنا: إنه يُفسِد صومها بالإجماع (^١)، لأن مثانتها منفذ يصل إلى الجَوْف» (^٢).\nولم يظهر له -﵀- الفرق بين المثانة وقبل المرأة (^٣)، ولعل الجَوْف الذي يذكره هو الجَوْف البريتوني، فإن المائع إذا دفع في الرحم ربما خرج من قناتي فالوب إلى التجويف البريتوني، ولا صلة لهذا الأخير بالجهاز الهَضْمِيّ، ولا يحصل التغذي من هذا المائع، بل المرض.\nوبقول الحنفية قال المالكية (^٤) لاجتماع أمرين:\n١ - دخول مائع.\n٢ - من مَخْرَق واسع سافل.\nوإلى ذلك ذهب الشافعية (^٥) لأن المثانة عندهم جَوْف وقبل المرأة عندهم متصل بها.\n_________\n(^١) إجماع داخل المذهب.\n(^٢) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٢/ ٩٣).\n(^٣) بل صرح الصَّاوِيّ في «حَاشِيَة الشَّرح الصَّغِير» أن إحليل الرجل وفرج المرأة شيء واحد. «حَاشِيَة الشَّرح الصَّغِير» (١/ ٧١٦).\n(^٤) «الشَّرْح الكَبِير» (١/ ٥٢٣)، «مِنَح الجَلِيل» للشيخ عُلَيش (٢/ ١٣).\n(^٥) انظر: «رَوْضَة الطَّالِبِين» للنَّوَوِي (٢/ ٣٥٦).","vol":"1","page":342},{"text":"والحنابلة كالباقين يسوون بين الاحتقان في الدبر وفي قبل المرأة فيفطرون به (^١)، إلا أن الإمام تقي الدين -﵀- اختار أن كليهما لا يُفْطِران؛ وهو قول الظاهرية (^٢) ومقتضى قول القاضي حسين من الشافعية، فإنه لم يجعل الاحتقان في الدبر مُفْطِرًا ولا في الإحليل (^٣). وهو كذلك مقتضى قول من قال من المالكية بأن القضاء في الحُقْنَة استحباب لا إيجاب (^٤).\n* ومستند القائلين بأن الحُقْنَة في فرج المرأة تُفْطِر هو اتصاله بالجَوْف وكونه مَخْرَقًا واسعًا.\n* ومن ذهب إلى عدم التفطير به نفى أن يكون مما يقاس على المُفْطِرات المجمع عليها كالأكل والشرب فلا يشبههما في الصورة ولا في المعنى؛ وليس يشبه الجماع لأنه ليس فيه قضاء وطر.\nإن الترجيح الفقهي يُظهِر - والله أعلم - رجحان قول الفريق الثاني، وهم الأقلية. ثم إن الطب يبين أن فرج المرأة لا يتصل بالجهاز الهَضْمِيّ البتة، فلا يحصل معنى الأكل والشرب بالحُقْنَة فيه فينبغي المصير إلى عدم التفطير بهذه الحُقْنَة أو التحاميل أو الغسول، وإلى هذا القول ذهب مجمع الفقه الإسلامي (المنظمة) (^٥).\n• إن تطور المعارف الطبية قد يرفع الخلاف عند من بنى رأيه على وجود منفذ بين إحليل أو مثانة الذكر والجَوْف أو فرج المرأة والجهاز الهَضْمِيّ القادر على تحليل الطعام، أما من تمسك بأن دخول أي عين إلى أي جَوْف في الجسم يفسد الصوم فلن تغير المعارف الطبية من رأيهم ولن ترفع الخلاف بالكلية.\n_________\n(^١) «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (٣/ ٢٩٩).\n(^٢) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (٦/ ٢٠٣).\n(^٣) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٧/ ١٢٠).\n(^٤) انظر: «الكَافِي» لابن عبد البَرّ (١/ ١٢٦).\n(^٥) قرار رقم: (١/ ١٠) بتاريخ ٢٣ - ٢٨ صفر، سنة ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>الدبر:</span>\nلعل اختلاف الفقهاء في الإفطار بإدخال شيء إلى الدبر لم ينبنِ على كونِه منفذًا للجَوْف من عدمه، لأنهم علموا بداهة أنه كذلك، ولكن وقع الخلاف من أجل قَصْرِ بعضهم للجَوْف على المَعِدَة، لأنها القادرة على تحليل الغذاء، فرأى هؤلاء أن إدخال غير المائعات من الدبر لا يصل إلى المَعِدَة فلا يفسد الصوم، وفريق آخر نفى المشابهة بين إدخال شيء في الدبر والأكل والشرب.\nونحن نبين آراء الفقهاء ونناقشها مسترشدين بما آلت إليه المعارف الطبية في زماننا.\nالفريق الأول: ذهبوا إلى أن إدخال أي شيء في الدبر مائعًا كان أو غيره كدهن وفتائل يفسد الصيام، وهم الجمهور، فهو قول الحنفية (^١) والشافعية (^٢) والحنابلة (^٣).\nوالحنابلة يقررون ذلك مع أنهم لا يحرمون بحُقْنَة اللبن ولو خمس مرات، قالوا: «لأنها ليست برضاع ولا يحصل بها تغذٍ» (^٤). وهذا موافق لأصلهم، وهو حصول الإفطار بدخول الأعيان الظاهرة إلى أي جوف.\nويستدل هذا الفريق بأنه أدخل اختيارًا من مَخْرَق أصلي ما يصل إلى الجَوْف، وقد قال ابن عباس -﵁-: «الفطر مما دخل وليس مما يخرج» (^٥).\nويُستَدَل لهم بأن الدبر متصل قطعًا بالجهاز الهَضْمِيّ. وإنه وإن لم يكن بالقولون قدرة على تحليل الغذاء، فله القدرة على امتصاص السوائل والأملاح والجلوكوز - كما تقدم\n_________\n(^١) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٢/ ٩٣).\n(^٢) «رَوْضَة الطَّالِبِين» للنَّوَوِيّ (٢/ ٣٥٦)، و«المَنْهَج القَوِيم» للهَيتَمِيّ (١/ ٥٠٨).\n(^٣) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٣/ ١٦)، و«مَطَالِب أُولِي النُّهَى» للرَّحِيباني (الرُّحَيباني) (٢/ ١٩١).\n(^٤) «مَطَالِب أُولِي النُّهَى» للرَّحِيباني (الرُّحَيباني) (٥/ ٦٠٢).\n(^٥) «مُصَنَّف ابن أبي شَيْبَة» كتاب الصيام، باب من رخص للصائم أن يحتجم (٢/ ٣٠٨).","vol":"1","page":344},{"text":"في المقدمة الطبية، فسواءٌ وصل الداخل إلى المَعِدَة أم لا فإنه يستفيد منه الجسم، ولو كان الداخل من السوائل أو الجلوكوز فالاستفادة ظاهرة وحصول معنى الأكل والشرب ظاهر كذلك. وقد يُعارَض بأن الامتصاص يكون عن طريق الجلد ولا يُفْطِر اتفاقًا، ولكن هذا امتصاص قليل لبعض الأدوية وما لا يتغذى عليه الجسم أو يدفع عنه شيئًا من الجوع أو العطش.\nالفريق الثاني: المالكية فرقوا بين المائع وغيره لأن المائع له قوة الوصول إلى المَعِدَة وهي الجَوْف الذي يحلل الغذاء، ففطروا بإدخال المائع من الدبر دون الدُّهْن والفتائل (^١).\n* الفريق الثالث: الإمامان ابن حَزْم (^٢) وابن تَيمِيَّة (^٣) لم يروا التفطير بالحُقْنَة بمائع أو غيره لعدم وجود العلة المؤثرة الجامعة بين الحُقْنَة وما ثبت بالنص أنه مُفْطِر ولوجود الفارق الظاهر.\nولقد اختلف المعاصرون بناءً على هذا الخلاف في حكم المداواة عن طريق الدبر للصائم، فذهب البعض (^٤) إلى حصول الفطر بذلك ووجوب القضاء وذهب الآخرون (^٥) إلى عدم حصوله، ولعله الأقوى لأن امتصاص الدواء عن طريق المستقيم كمثل امتصاصه عن طريق الجلد، والأخير لا يُفْطِر أما السوائل والمواد المغذية فإن إدخالها إلى الجَوْف عن طريق فتحة الدبر يوافق الأكل والشرب في المعنى، لأنه كما تبين\n_________\n(^١) انظر «الشَّرْح الكَبِير» للدَّرْدِير (١/ ٥٢٣).\n(^٢) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (٦/ ٢٠٣).\n(^٣) «مَجْمُوع الفَتَاوَى» لابن تَيمِيَّة (٢٥/ ٢٣٣).\n(^٤) اختاره الشيخ حسن أيوب وحسنين مخلوف. انظر بحث «أثر التقنية الحديثة في الخلاف الفقهي» للدكتور هشام بن عبد الله آل شيخ (ص ٢٥٧).\n(^٥) اختاره الشيخ محمد بن عُثَيْمِين ومحمد شلتوت ومحمد جبر الألفي، ورجحه صاحب «أثر التقنية» الدكتور هشام آل الشيخ، انظر بحثه (ص ٢٥٧).","vol":"1","page":345},{"text":"في المقدمة الطبية، فإن السوائل والأملاح والجلوكوز تمتص لا فقط من الأمعاء الدقيقة بل والغليظة والمستقيم أيضًا.\n• إن تطور المعارف الطبية أظهر أن لهذه الأجزاء من الجهاز الهَضْمِيّ السفلي القدرة على الامتصاص، فمن بنى قوله على عدم الفطر ظنًا بخلاف ذلك، ارتفع خلافه. أما من تمسك بالفارق بين الأكل والشرب من ناحية والاحتقان من ناحية، فقال إن في الأكل والشرب من التلذذ بالطعام والإحساس بالشبع ما ليس في الاحتقان، فلن يرتفع خلافه وإن عكر عليه أن السعوط واستنشاق الماء ليس فيه معنى التلذذ بالطعام، ولكن ألحق به لحصول معنى الأكل والشرب. فمن قال إن السعوط لا يفسد الصيام كابن حَزْم -﵀- سلم من هذه المعارضة أيضًا.\nلن نتعرض هنا للمستجدات والنوازل الطبية التي لا أثر لها على الترجيح بين الفتاوى القديمة، وإنما تخرج عليها، كالإبر وبخاخ الربو والمناظير، وكذلك لن نتعرض إلى مسألتي إدخال ما لا يتغذى به واستقرار الداخل، لأن تطور العلوم الطبية لا يؤثر على ارتفاع الخلاف\n* * *","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>مسائل أخرى تستحق البحث في باب العبادات</span>\nمن المسائل ذات التعلق بالموضوع في هذا الباب ولم تبحث في هذه الرسالة:\nمسألة بناء المشافي وتجهيزها وهل هي مصرِف للزكاة؟\nووجه تعلقها بموضوع البحث أن بناء المشافي لم يكن معروفًا لدى المسلمين في الصدر الأول، وإن كانوا فيما بعد من السباقين إليه. والحاجة إلى التبرع لبناء المشافي صارت ماسة مع تطور الصناعة الطبية والتكاليف الباهظة لإقامة تلك الصروح.\nوإلزام الحجيج بالتطعيمات.\nوفرض قيود على الحجيج عند حصول الجوائح العالمية أو القطرية.\n* * *","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>الباب الثاني: مسائل من أبواب العادات</span>\nوفيه ثلاثة فصول:\nالأول: الأطعمة\nالثاني: الاستمناء\nالثالث: التداوي","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>الفصل الأول: الأطعمة</span>\nوفيه مبحثان:\nالأول: الجلالة\nالثاني: التدخين","vol":"1","page":351},{"text":"المبحث الأول: الجَلَّالَة\nوفيه عدة مطالب:\nالمطلب الأول: التعريف بالجلالة\nالمطلب الثاني: حكم الجلالة\nالمطلب الثالث: حكم تقديم العلف النجس أو المتنجس للحيوان\nالمطلب الرابع: حكم إطعام الدواب الميتات\nالمطلب الخامس: تطور المعارف الطبية بشأن إطعام النجاسات والميتات للحيوان\nالمطلب السادس: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>المبحث الأول: الجَلَّالة</span>\nظهرت في الآونة الأخيرة مجموعة أمراض في الحيوان والإنسان ناشئة عن إطعام الحيوانات بما يسمى البروتين الحيواني. وحقيقة ذلك أنهم يطعمون الحيوانات لحوم حيوانات أخرى ميتة وفضلاتها.\nولا شك أن هذه الأمراض وانتشارها في التسعينيات من القرن الماضي ذكَّرنا بمسألة الجلَّالة المعروفة في الفقه الإسلامي.\nونحن في هذا البحث نتناول حكم الجلَّالة وحكم تقديم الأعلاف النجسة والمتنجسة للحيوان، سيما مأكول اللحم، ونناقش الجديد في مجال الطب البيطري والبشري بهذا الشأن، ثم نعرض لأثر المعلومات الطبية الجديدة على الخلاف القائم في الفقه بشأن حكم الجلالة، وحكم تقديم الأعلاف النجسة أو المتنجسة للحيوان.\n* * *","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>المطلب الأول: التعريف بالجلالة</span>\nالجَلالة: بفتح الجيم وتشديد اللام المفتوحة، هي الدابة التي تتبع النجاسات وتأكل الجِلَّة، وهي البَعْرة والعَذِرة (^١).\nوذهب بعض الشافعية إلى أنها لا تكون جلالة حتى يكون أكثر طعامها النجاسة (^٢) ورجح النَّوَوِيّ في «المَجْمُوع» أن العبرة بتغير رائحتها ونتنها ونسب ذلك القول إلى الجمهور (^٣).\nونقل ابن قُدامة -﵀- في «المُغْنِي» عن الحنابلة اعتبار الأكثر ثم رجح اعتبار الكثير لا الأكثر والعفو عن اليسير (^٤). والقول باعتبار الأكثر هو قول الحنفية كذلك (^٥)، وعليه فهو قول الجمهور.\nوذهب ابن حَزْم إلى أن الجَلَّالة تختص بذوات الأربع (ذوات الكَرِش (كِرْش» لا الدجاج والطير (^٦). ولعله إنما ذهب إلى ذلك لأن المعروف عن الدجاج أكل الجلة والنجاسات، وقد روى البخاري من حديث أبي موسى الأشعري -﵁- «أنه رأى النبي -ﷺ- يأكل دَجَاجًا» (^٧). وليس في ذلك حجة له -﵀- لأن الدجاجة المُخَلَّاة لا يكون أكثر\n_________\n(^١) «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (١٥/ ٢٦١).\n(^٢) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٩/ ٣١).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٩/ ٣٣٠).\n(^٥) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٥/ ٤١).\n(^٦) «المُحَلَّى» (٦/ ٨٦).\n(^٧) «البخاري» كتاب الذبائح والصيد، باب لحم الدجاج (٥/ ٢١٠٠ برقم ٥١٩٨).","vol":"1","page":356},{"text":"طعامها النجاسات، بل ولا الكثير. أما الدجاج غير المُخَلَّى، فالأصل أنه لا يقدم له شيء من النجاسات.\nوالجمهور على أن الجلالة تشمَلُ كل مأكول اللحم الذي يتغذى على النجاسات؛ قال الحافظ -﵀- في «الفتح»: «والمعروف التعميم» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) «فَتْح البَارِي»: (٩/ ٦٤٨).","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>المطلب الثاني: حكم الجلالة</span>\nذهب جمهور الفقهاء إلى كراهة أكل الجلالة، وهم جمهور الشافعية (^١) ورواية عند الحنابلة (^٢) وهو قول الحنفية (^٣) ورخص فيها جماعة منهم الحسن البصري (^٤) وهو قول المالكية (^٥).\nوحرمها جماعة، وهم بعض الشافعية (^٦) ورواية عند الحنابلة (^٧) وهو قول ابن دَقِيقِ العِيد (^٨) وأبي إسحاق المَرْوَزِيّ (^٩) ....................................................\n_________\n(^١) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٩/ ٣١)، «فَتْح البَارِي» لابن حَجَر (٩/ ٦٤٨).\n(^٢) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٩/ ٣٣٠).\n(^٣) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (١١/ ٢٥٦).\n(^٤) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٩/ ٣٣٠).\n(^٥) «مَوَاهِب الجَلِيل» للحَطَّاب (٣/ ٢٣٠) إلا أن ابن رُشْد قال إن مالكًا كرهها. «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (٥/ ١٥١).\n(^٦) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٩/ ٣١).\n(^٧) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٩/ ٣٣٠).\n(^٨) هو: تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وَهْب بن مُطِيع القُشَيْرِيّ، المعروف بابن دَقِيقِ العِيد، قاضٍ من أكابر العلماء بالأصول، مجتهد؛ أصل أبيه من منفلوط، وولد في ينبع على ساحل البحر الأحمر سنة ٦٢٥ هـ، ونشأ بقوص، وولي قضاء الديار المِصْرِيّة سنة ٦٩٥ هـ، فاستمر إلى أن توفي بالقاهرة سنة ٧٠٢ هـ، له تصانيف منها: «إحكام الأحكام» و«الاقتراح في بيان الاصطلاح»، و«تُحْفَة اللبيب في شرح التقريب»؛ وكان مع غزارة علمه ظريفًا، له أشعار وملح وأخبار. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الكُبْرَى» (٩/ ٢٠٧)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة» لابن قاضي شُهْبَة (٢/ ٢٢٩)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٣/ ٥).\n(^٩) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المَرْوَزِيّ، فقيه انتهت إليه رئاسة الشافعية بالعراق بعد ابن سُرَيج، مولده بمرو الشاهجان، وأقام ببغداد أكثر أيامه، وتوفي بمصر سنة ٣٤٠ هـ، له تصانيف منها: «شرح مختصر المزنى». راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ١٢١، ٢٠٣)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٥/ ٤٢٩)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة» لابن قاضي شُهْبَة (٢/ ٤٠٥).","vol":"1","page":358},{"text":"والقَفَّال (^١) وإمام الحرمين والبَغَوِيّ (^٢) والغَزاليّ (^٣).\nوينسحب تحت حكم أكل لحوم الجلالة شرب ألبانها (^٤). بل إن المالكية الذين لم يحرموا أو يكرهوا أكل اللحوم كره بعضهم شرب الألبان، وكذلك اختلفوا في الأبوال والأعراق (^٥). وألحق الجمهور باللبن البيض (^٦) للشبه بينهما.\n_________\n(^١) هو: أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل الشَّاشِيّ القَفَّال، من أكابر علماء عصره بالفقه والحديث واللغة والأدب من أهل ما وراء النهر، وهو أول من صنف الجدل الحسن من الفقهاء، وعنه انتشر مذهب الشافعي في بلاده، مولده سنة ٢٩١ هـ رحل إلى خُراسان والعراق والحجاز والشام،، وتوفي سنة ٣٦٥ هـ من كتبه: «أصول الفقه»، و«محاسن الشريعة»، و«شرح رسالة الشافعي». راجع ترجمته في: «طبقات الفقهاء» (١/ ١٢٠)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٤/ ٢٠٠)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة» لابن قاضي شُهْبَة (٢/ ١٤٨).\n(^٢) هو: أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد البَغَوِيّ الفَرَّاء، محيي السنة، فقيه محدث مفسر، نسبته إلى (بغا) من قرى خُراسان بين هراة ومرو، ولد سنة ٤٣٦ هـ، له مصنفات منها: «التهذيب في فقه الشافعية»، و«شرح السنة في الحديث»، و«لباب التأويل في معالم التنزيل في التفسير»، و«مصابيح السنة»، و«الجمع بين الصحيحين»، وغير ذلك، توفي بمرو الروذ سنة ٥١٠ هـ. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ٢٥٢)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٩/ ٤٣٩)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الكُبْرَى» (٧/ ٧٥)، و«طَبَقَات الشَّافِعِيَّة» لابن قاضي شُهْبَة (٢/ ٢٨١).\n(^٣) «فَتْح البَارِي» لابن حَجَر (٩/ ٦٤٨).\n(^٤) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٩/ ٣١)، «المُغْنِي» لابن قُدامة (٩/ ٣٣٠)، «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٥/ ٤١).\n(^٥) «مَوَاهِب الجَلِيل» للحَطَّاب (٣/ ٢٣٥).\n(^٦) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٩/ ٣٣٠)، ذكر أن المنع إحدى الروايتين عن أحمد؛ «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٩/ ٣١)، «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٥/ ٤١).","vol":"1","page":359},{"text":"وكذلك، فإن ركوبها مكروه عند الجمهور وفي ذلك قال النَّوَوِيّ -﵀-: «قال أصحابنا: ويكره الركوب عليها إذا لم يكن بينها وبين الراكب حائل» (^١). وقال ابن قُدامة -﵀-: «ويكره ركوب الجلالة، وهو قول عمر وابنه وأصحاب الرأي لحديث عبد الله بن عمرو أن النبي -ﷺ- نهى عن ركوبها ولأنها ربما عرقت فتلوث بعرقها» (^٢).\nوزاد بعضهم فذهب إلى عدم حل الانتفاع بها في شيء حتى نقل صاحب البدائع عن بعض الحنفية أنه لا يحل الانتفاع بها في العمل وغيره (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>عرض الأقوال:</span>\nقول السادة الحنفية - ﵏:\nقال السَّرَخْسِيّ -﵀-: «وتكره لحوم الإبل الجلالة والعمل عليها» (^٤).\nوقال الكَاسَانِيّ -﵀-: «... وما روي [أنه ﵊ نهى عن أن يحج عليها وأن يعتمر عليها وأن يغزى وأن ينتفع بها فيما سوى ذلك] فذلك محمول على أنها أنتنت في نفسها فيمتنع من استعمالها حتى لا يتأذى الناس بنتنها كذا ذكره القدوري -﵀- في شرحه «مختصر الكرخي»، وذكر القاضي في شرحه «مختصر الطَّحَاوِيّ» أنه لا يحل الانتفاع بها من العمل وغيره إلا أن تحبس أياما وتعلف فحينئذ تحل ..» (^٥).\n_________\n(^١) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٩/ ٣١).\n(^٢) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٩/ ٣٣٠).\n(^٣) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٥/ ٤١).\n(^٤) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (١١/ ٢٥٦).\n(^٥) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٥/ ٤١).","vol":"1","page":360},{"text":"قول السادة المالكية - ﵏:\nقال الحَطَّاب -﵀-: «واتفق العلماء على أكل ذوات الحواصل من الجلالة، واختلفوا في ذوات الكَرِش (كِرْش) فكره جماعة أكل الجلالة منها وشرب ألبانها لما روي عنه، ﵊، أنه نهى عن لحوم الجلالة وألبانها. ولا خلاف في المذهب في أن أكل لحم الماشية والطير الذي يتغذى بالنجاسة حلال جائز، وإنما اختلفوا في الألبان والأبوال والأعراق انتهى» (^١). لكن قال ابن رُشْد -﵀-: «إن مالكًا كره الجلالة» (^٢).\nقول السادة الشافعية - ﵏:\nقال النَّوَوِيّ -﵀-: «... وإذا تغير لحم الجلالة فهو مكروه بلا خلاف، وهل هي كراهة تنزيه أو تحريم فيه وجهان مشهوران في طريقة الخراسانيين أصحهما عند الجمهور وبه قطع المصنف وجمهور العراقيين وصححه الرُّويَانِيّ وغيره من المعتمدين: أنه كراهة تنزيه قال الرَّافِعِيّ: صححه الأكثرون والثاني: كراهة تحريم قاله أبو إسحاق المَرْوَزِيّ والقَفَّال وصححه الإمام والغَزالِيّ والبَغَوِيّ. وقيل: هذا الخلاف فيما إذا وجدت رائحة النجاسة بتمامها أو قربت الرائحة من الرائحة فإن قلت الرائحة الموجودة لم تضر قطعا .. وكما منع لحمها يمنع لبنها وبيضها، للحديث الصحيح في لبنها، قال أصحابنا: ويكره الركوب عليها إذا لم يكن بينها وبين الراكب حائل» (^٣).\nقال ابن حَجَر -﵀-: «وقد أطلق الشافعية كراهة أكل الجلالة إذا تغير لحمها بأكل النجاسة، وفي وجه: إذا أكثرت من ذلك. ورجح أكثرهم أنها كراهة تنزيه .. وذهب جماعة من الشافعية وهو قول الحنابلة إلى أن النهي للتحريم، وبه جزم ابن دقيق العيد\n_________\n(^١) «مَوَاهِب الجَلِيل» للحَطَّاب (٣/ ٢٢٩).\n(^٢) «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (٥/ ١٥٠).\n(^٣) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٩/ ٣١).","vol":"1","page":361},{"text":"عن الفقهاء، وهو الذي صححه أبو إسحاق المَرْوَزِيّ والقَفَّال وإمام الحرمين والبَغَوِيّ والغَزاليّ وألحقوا بلبنِها ولحمِها بيضَها وفي معنى الجلالة ما يتغذى بالنجس كالشاة ترضع من كلبة» (^١).\nقول السادة الحنابلة - ﵏:\nقال ابن قُدامة -﵀-: «قال أحمد: أكره لحوم الجلالة وألبانها. قال القاضي (^٢) في «المجرد»: هي التي تأكل القذر، فإذا كان أكثر علفها النجاسة، حرم لحمها ولبنها، وفي بيضها روايتان. وإن كان أكثر علفها الطاهر، لم يحرم أكلها ولا لبنها. وقال ابن أبي موسى (^٣): في الجلالة روايتان؛ إحداهما: أنها محرمة. والثانية: أنها مكروهة غير محرمة. وهذا قول الشافعي. ورخص الحسن في لحومها وألبانها؛ لأن الحيوانات لا تنجس بأكل النجاسات، بدليل أن شارب الخمر لا يحكم بتنجيس أعضائه، والكافر الذي يأكل الخنزير والمحرمات، لا يكون ظاهره نجسا، ولو نجس لما طهر بالإسلام، ولا\n_________\n(^١) «فَتْح البَارِي» لابن حَجَر (٩/ ٦٤٨).\n(^٢) هو: أبو يَعْلَى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن الفَرَّاء، القاضي، عالم عصره في الأصول والفُرُوع وأنواع الفنون، له تصانيف كثيرة، منها: «الكفاية في أصول الفقه»، و«أحْكَام القُرآن»، و«العدة في أصول الفقه»، و«المجرد» فقه على مذهب الإمام أحمد، وغير ذلك، وكان شيخ الحنابلة. راجع ترجمته في: «تاريخ بغداد» (٢/ ٢٥٦)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٨/ ٨٩)، «المَقْصد الأرْشَد» (٢/ ٣٩٥).\n(^٣) هو: أبو علي محمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي، قاض من علماء الحنابلة، من أهل بغداد مولدًا ووفاة، ولد سنة ٣٤٥ هـ، وكان أثيرًا عند القادر بالله والقائم بأمر الله العباسيين، له حلقة في جامع المنصور، توفي سنة ٤٢٨ هـ، وصنف كتبًا منها: «الإرشاد» فقه و«شرح كتاب الخرقي». راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ١٧٤)، «المَقْصد الأرْشَد» (٢/ ٣٤٢)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٢/ ٢٣٨).","vol":"1","page":362},{"text":"الاغتسال، ولو نجست الجلالة، لما طَهُرَت بالحبس. ويُكْرَه ركوبُ الجلالة. وهو قول عمر، وابنه وأصحاب الرأي؛ لحديث عبد الله بن عمر «أن النبي -ﷺ- نَهَى عن رُكُوبِهَا». ولأنها ربما عَرِقَت، فتلوث بعرقها» (^١).\nقول السادة الظاهرية - ﵏:\n«ولا يحل أكل لحوم الجلالة، ولا شرب ألبانها، ولا ما تصرف منها؛ لأنه منها وبعضها، ولا يحل ركوبها، وهي التي تأكل العذرة من الإبل وغير الإبل من ذوات الأربع خاصة» (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-153> أدلة التحريم:</span>\n١ - عن ابن عمر قال: «نَهَى رَسُولُ الله -ﷺ- عَن أكْلِ الجَلَّالَة وألبَانِهَا» (^٣).\n٢ - عن ابن عمر قال: «نَهَى رَسُولُ الله -ﷺ- عَن الْجَلَّالَةِ في الْإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا أَوْ يُشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا» (^٤).\n_________\n(^١) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٩/ ٣٣٠).\n(^٢) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (٦/ ٨٦).\n(^٣) «سُنَن التِّرْمِذِيّ» كتاب الأطعمة، باب ما جاء في أكل لحوم الجلالة وألبانها (٤/ ٢٧٠)، «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الأطعمة، باب النهي عن أكل الجلالة وألبانها (٣/ ٣٥١)، وقال التِّرْمِذِيّ: «هذا حديث حسن غريب».\n(^٤) «سُنَن أبي دَاوُد»: كتاب الأطعمة، باب النهي عن أكل الجلالة وألبانها (٣/ ٣٥١). وقال الألبَانِيّ في «صحيح أبي داود»: حسن صحيح. (الرقم: ٣٧٨٧)","vol":"1","page":363},{"text":"٣ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «نَهَى رَسُولُ الله -ﷺ- عن الجلَّالة أن يُؤكَلَ لحمُهَا ويُشْرَبَ لَبَنُهَا، ولا يُحمَلُ عليها الأَدَمُ، ولا يَركَبُها النَّاس، حتى تُعلَفَ أربَعِين لَيْلَةً» (^١).\n٤ - عن ابن عباس قال: «نَهَى رَسُولُ الله -ﷺ- يَوْمَ الفَتْحِ عَنْ لُحُومِ الْجَلَّالَةِ وألبَانِهَا وظُهُورِهَا» (^٢).\n٥ - وروى ابن أبي شَيْبَة عن جابر أنه -ﷺ- «نَهَى عَن الْجَلَّالَةِ أن يُؤْكَلَ لَحْمُهَا أَوْ يُشْرَبَ لَبَنُهَا» (^٣). وحسنه ابن حَجَر (^٤).\nوحجة من قال بكراهة التنزيه كما ذكر ابن حَجَر -﵀- أن العلف الطاهر إذا صار في كَرِشها تنجس فلا تتغذى إلا بالنجاسة ومع ذلك لا يحكم على اللحم واللبن بالنجاسة، كذلك هنا (٤).\nونقل صاحب المُغْنِي تجويز الحسن لأكل لحومها وشرب ألبانها، واستدل له بأن الحيوانات لا تنجس بأكل النجاسات، بدليل أن شارب الخمر لا يحكم بتنجيس أعضائه، والكافر الذي يأكل الخنزير والمحرمات لا يكون ظاهره نجسًا، ولو نجس لما طهر بالإسلام ولا الاغتسال (^٥).\n_________\n(^١) «المُسْتَدْرَك على الصَّحِيحَيْن» كتاب البيوع (٢/ ٤٦). ولكن ضعفه غير واحد كابن حَجَر في «فَتْح البَارِي» (٩/ ٦٤٨)، والألبَانِيّ في «الإرواء» (٢٥٠٦). ولكن الحافظ حسن حديثًا آخر لعبد الله بن عمرو في النهي عنها يوم خيبر، انظر «فَتْح البَارِي» (٩/ ٦٤٨).\n(^٢) «المُعْجَم الكَبِير» (١١/ ٣٦).\n(^٣) «مُصَنَّف ابن أبي شَيْبَة» كتاب العقيقة، باب في لحوم الجلالة (٥/ ٥٧٦).\n(^٤) «فَتْح البَارِي» لابن حَجَر (٩/ ٦٤٨).\n(^٥) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٩/ ٣٣٠).","vol":"1","page":364},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-154> المناقشة والترجيح:</span>\nالحق أن القول بتحريم أكل الجلالة وشرب ألبانها، متى كثرت النجاسة في طعامها، هو الأقرب للدليل. كيف لا، والنهي عنها قد جاء عن رسول الله -ﷺ- صريحًا من طريق جماعة من أفقه أصحابه وأعلمهم كابن عمر وابن عمرو وابن عباس وجابر - ﵃ جميعًا.\nوظاهر النهي للتحريم، ولم يوجد صارف، وما استدلوا به من التعليل على عدم التحريم لا ينتهض لمعارضة تلك الأحاديث الصريحة الصحيحة، وما نراهم تركوها إلا لعدم ثبوتها عندهم.\nأما قولهم - ﵏ - بأن العلف الطاهر إذا صار في كَرِشها تنجس، فتعقب بأن العلف الطاهر إذا تنجس بالمجاورة، جاز إطعامه للدابة، لأنها إذا أكلته لا تتغذى بالنجاسة وإنما تتغذى بالعلف بخلاف الجلالة (^١). وقد يجاب بأن الإنسان إنما يأكل الطعام الطاهر ثم ينزل إلى معدته فيخالط النجاسات فهل يقال إنه لا فرق بين تناول النجاسات والطيبات، فإن قيل إنما نهي الإنسان عن ذلك قلنا إن الشارع الذي نهى الإنسان عن أكل النجاسات نهاه عن أكل الجلالة.\nأما ما قالوه بأن شارب الخمر لا يحكم بتنجيس أعضائه، وكذلك آكل الخنزير، فالجواب ممن اعتبر الأكثر، أن الخمر والخنزير لا يكونان في العادة أكثر غذائه (^٢). وكذلك فنحن لا نسلم بنجاسة الخمر الحسية. وقد يكون الحكم بطهارة الكفار رَغم تناولهم النجاسات رفعًا للحرج، فالمسلمون بحاجة إلى التعامل معهم والبيع والشراء\n_________\n(^١) «فَتْح البَارِي» لابن حَجَر (٩/ ٦٤٨).\n(^٢) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٩/ ٣٣٠).","vol":"1","page":365},{"text":"والكراء لهم ومنهم. والأصل في النهي عن أكل لحوم الجلالة لمكان الضرر، وجاء منع الركوب، إن صح، تابعًا لذلك لزيادة التنفير منها، وقد يكون فيه ضرر أيضًا. وفي الإنسان من القوة الدافعة للآفات ما ليس في الحيوان. الفرق إذًا بين حكم النهي عن أكل لحم الجلالة ولمس الكافر ظاهر، فلا يسلم اعتراضهم بهذا.\nوأما قولهم ولو نجست الجلالة لما طَهُرَت بالحبس (^١) فلا نسلم لهم به، فإن الحبس قد صح عن أصحاب محمد -ﷺ-، فقد أخرج ابن أبي شَيْبَة عن ابن عمر «أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثًا» (^٢). وما فعلوه إلا لمعنًى رأوه.\nوقد يسوغ لنا أن نقول إن الحبس - مع كونه حبسًا عن النجاسات - قد يؤدي إلى ظهور المرض على الحيوان فيقتله فيصير ميتة لا ينتفع بها، وكذلك فإن صاحبه لا يستطيع المبادرة إلى ذبحه ولَمَّا يطهر بعد.\nومن معهود الشريعة مراعاة ما يتغذى به الحيوان في الحكم عليه، ألا ترى أن الخِنزير يتغذى على القاذورات وهو محرم وقد نهى الشارع عن آكلات اللحوم (^٣)، «فصح عن رسول الله -ﷺ- النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير» (^٤). فلا عجب إذًا من المنع من أكل الجلالة وشرب ألبانها.\n_________\n(^١) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٩/ ٣٣٠).\n(^٢) «مُصَنَّف ابن أبي شَيْبَة»: كتاب العقيقة، باب في لحوم الجلالة (٥/ ٥٧٧)، وصححه الحافظ في «فَتْح البَارِي» (٩/ ٦٤٨).\n(^٣) إلا ما جاء من خلاف في الضبع ولكن القاعدة هي تحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب في الطير. أما الخلاف في الكلب فضعيف.\n(^٤) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير (٣/ ١٥٣٣). أما الضبع، فإنه جائز عند الحنابلة دون الجمهور، فإن صح قولهم لكان على خلاف القياس، فلا يقاس عليه. أما الخلاف في الكلب فضعيف.","vol":"1","page":366},{"text":"وقبل ذلك كله، فقد صح النهي، وسواءٌ كان الحيوان نجسًا أم لا، فإن أكله ممنوع، وكذلك شرب لبنه.\nويضاف إلى كل ما تقدم دليل من الأصول. وهو أنه عند تعارض الحاظر والمبيح في باب الذبائح والصيد قدمنا جانب الحظر على جانب الإباحة.\nلقد استدل العلماء -﵏- على هذه القاعدة النفيسة بما رواه مسلم عن عدي بن حاتم -﵁- قال سألت رسول الله -ﷺ- قلت إنا قوم نصيد بهذه الكلاب، فقال: «إذا أَرْسَلْتَ كِلابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عليها فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ وَإِنْ قَتَلْنَ إلا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ فَإِنْ أَكَلَ فلا تَأْكُلْ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إنما أَمْسَكَ على نَفْسِهِ وَإِنْ خَالَطَهَا كِلابٌ من غَيْرِهَا فلا تَأْكُلْ» (^١).\nفانظر - رحمك الله- كيف جعل -ﷺ- الاحتمال «إني أخاف» كافيًا لتغليب المنع.\n* * *\n_________\n(^١) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب الصيد بالكلاب المعلمة (٣/ ١٥٢٩).","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>المطلب الثالث: حكم تقديم العلف النجس أو المتنجس للحيوان</span>\nأولا: المُتَنَجِّس:\nإن القائلين بجواز تقديم الطعام المتنجس دون النجس للحيوان هم الجمهور، قال النَّوَوِيّ: «لو عجن دقيقًا بماء نجس وخبزه، فهو نجس يحرم أكله، ويجوز أن يطعمه لشاة أو بعير أو بقرة ونحوها» (^١). وهذا الذي ذهب إليه النَّوَوِيّ وذكر أنه نص عليه الشافعي هو ما ذهب إليه الحنابلة (^٢) والحنفية (^٣) والمالكية (^٤).\nوالمنع قول جماعة من أصحاب الحديث (^٥)، ورواية عن أحمد، إذ نقل عنه صاحب المُغْنِي -﵀- المنع من الانتفاع بالزيت المتنجس (^٦).\nوذهب البعض إلى التفريق بين الماء المتنجس والزيت، فأباحوا الانتفاع بالأول دون الثاني (^٧).\n* واستدل الجمهور على الإباحة:\nبما روى البخاري عن ابن عمر -﵄-: «أَنَّ الناس نَزَلُوا مع رسول اللهِ -ﷺ- أَرْضَ\n_________\n(^١) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٩/ ٣١).\n(^٢) «كشَّاف القِنَاع» للبُهُوتِيِّ (٦/ ١٩٥١).\n(^٣) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٥/ ٣٩).\n(^٤) «الجَامِع لأحْكَام القُرآن» (١/ ١٠٩) دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى.\n(^٥) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٩/ ٩١).\n(^٦) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٩/ ٣٤٠ - ٣٤١).\n(^٧) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٩/ ٣٤١)، فيكون على مذهبه وقوع النجاسة فيما فوق القلتين من الماء لا يؤثر دون الزيت.","vol":"1","page":368},{"text":"ثَمُودَ -الْحِجْرَ- فَاسْتَقَوْا من بِئْرِهَا وَاعْتَجَنُوا بِهِ فَأَمَرَهُمْ رسول اللهِ -ﷺ- أَنْ يُهَرِيقُوا ما اسْتَقَوْا من بِئْرِهَا وَأَنْ يَعْلِفُوا الإِبِلَ العَجِينَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا من البِئْرِ التي كانت تَرِدُهَا النَّاقَةُ» (^١).\nووجه استدلالهم هو أن هذا الماء وإن لم يكن نجسًا فحين كان ممنوعًا من استعماله أمر بإراقته وإطعام ما عجن به الإبل، قالوا: وكذلك ما يكون ممنوعًا منه لنجاسته (^٢).\nوالصحيح أن هذا قياس مع الفارق، وإنما كان النهي عن ماء ثمود تنفيرًا للأصحاب من أحوال الكافرين وأعمالهم، وليس هذا المعنى قائمًا في الإبل، وذلك بخلاف النجاسات.\nواستدل الحنفية القائلون بجواز الانتفاع بالزيت المتنجس بحديث ابن عمر -﵁- قال: «سُئِلَ رسول الله -ﷺ- عن الفَأْرَةٍ تقع في السمن أو الوَدَكٍ. فقال: اطْرَحُوهَا وَمَا حَوْلَهَا إنْ كان جَامِدًا. فقالوا: يا رسول الله فإِنْ كان مَائِعًا؟ قال: فَانْتَفِعُوا بِهِ وَلَا تَأْكُلُوهُ» (^٣).\nوالمرفوع قد ضعفه أهل العلم، وإنما صحح البعض وقفه على ابن عمر -﵁-، وقوله يستأنس به ولا يستدل، ما لم يكن إجماعًا منهم. والانتفاع ليس بالضرورة يشمل إطعام الدواب، بل الظاهر أنهم كانوا يقصدون بذلك الاستصباح وطلاء السفن، وبينهما وبين إطعام الدواب فارق لا يخفى.\n_________\n(^١) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى وإلى ثمود أخاهم صالحا (٣/ ١٢٣٧).\n(^٢) «سُنَن البَيْهَقِيّ» (١/ ٢٣٥) كتاب الطهارة، باب الماء الدائم تقع فيه نجاسة وهو أقل من قلتين.\n(^٣) «سُنَن البَيْهَقِيّ» كتاب الضحايا، باب من أباح الاستصباح به (٩/ ٣٥٤)، وضعف المرفوع وصحح الموقوف على عبد الله بن عمر. وكذلك فعل أبو نُعَيْم في «حِلْيَة الأوْلِيَاء» (٣/ ٣٨٠). وضعفه ابن حزم في «المُحَلى» (١/ ١٤٣).","vol":"1","page":369},{"text":"* ولقد استدل المانع من الانتفاع بالزيت المُتَنَجِّس بحديث مَعْمَر عن الزُّهْرِيّ عن عُبَيْدِ الله بن عبد الله بن عباس عن مَيْمُونَةَ -﵂- أن النبي -ﷺ- «سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال: إن كان جَامِدًا فألقُوها وما حَوْلها وإن كان مَائعًا فلا تَقْرَبُوه» (^١).\nوقالوا بأنه لما تنجس حرم الانتفاع به والمؤمن متعبد باجتناب النجاسات. ونقل النَّوَوِيّ في المَجْمُوع قول الخطَّابِيّ -﵀-: «اختلف العلماء في الزيت إذا وقعت فيه نجاسة فقال جماعة من أصحاب الحديث: لا يجوز الانتفاع به بوجه من الوجوه لقوله -ﷺ-: «لا تَقْرَبُوه» (^٢) ثم عقب النَّوَوِيّ -﵀- فقال: «وأن المذهب الصحيح جواز الاستصباح بالدُّهْن النجس والمتنجس» (^٣).\nقلت: هذا انتفاع بالإهلاك وليس بالإطعام لبهيمة مأكولة اللحم وبينهما فارق، ونحن هنا معنيون بالأخير.\n* ومن ذهب إلى التفريق بين الماء المتنجس والزيت، احتج بأن الماء يدفع النجاسة عن نفسه لكونه في الأصل طهورًا (^٤). ولقد أردت بإيراد هذا الخلاف بيان أن حكم علف الحيوان بالمتنجس لا يدخل فيه الشحم والدُّهْن المتنجس عند جماعة من أهل العلم، وهذا هو محل النزاع في علف الدواب بالبروتين الحيواني المتنجس منه والنجس.\n_________\n(^١) «سُنَن النَّسَائيّ» كتاب الفرع والعتيرة، باب الفأرة تقع في السمن (٧/ ١٧٨)، والحديث اختلف فيه، فقال البخاري: غير محفوظ، وقال الذهلي: محفوظ، «فَتْح البَارِي» (١/ ٣٤٤)، حسنه النَّوَوِيّ في «الخلاصة» (١/ ١٨٢).\n(^٢) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٩/ ٩١).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٩/ ٣٤١)، فيكون على مذهبه وقوع النجاسة فيما فوق القلتين من الماء لا يؤثر دون الزيت.","vol":"1","page":370},{"text":"• والذي يظهر مما سبق أنه حتى مع القول بجواز الانتفاع بالمائع المتنجس، وهو مذهب ابن عمر والجمهور، فإنه لا ينبغي أن تطعمه الدواب المأكولة اللحم، وذلك:\n١ - لأنها محترمة، والفقهاء يمنعون من الاستجمار بجزء الحيوان.\n٢ - ولمكان الضرر من إطعامها النجاسات، كما سيظهر من المطلب الخاص برأي الطب.\nثانيًا: النَّجِس:\nأما إطعام الدواب النجاسات العينية، فأذن في ذلك المالكية، ونقل القُرْطُبِيّ (^١) عن مالك: «في العسل النجس إنه تعلفه النحل» (^٢). وإن كان الاستدلال بكلام مالك في العسل فيه نظر، لأنه متنجس لا نجس. وبالجواز قال أيضًا الحنفية إذا كانت النجاسة قليلة (^٣)، والحنابلة إذا لم يكن الحيوان سيذبح قريبًا (^٤).\n_________\n(^١) هو: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصَارِيّ الخَزْرَجِيّ الأندَلُسِيّ، القُرْطُبِيّ من كبار المفسرين صالح متعبد من أهل قرطبة، رحل إلى الشرق، واستقر بمنية ابن خصيب في شمالي أسيوط بمصر، وتوفي فيها سنة ٦٧١ هـ، من كتبه: «الجَامِع لأحْكَام القُرآن»، و«قمع الحرص بالزهد والقناعة»، و«الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى»، و«التذكرة بأحوال الموتى وأحوال الآخرة»، وكان ورعًا متعبدًا، طارحًا للتكلف. راجع ترجمته في: «الدِّيبَاج المُذْهَب» (١/ ٣١٧)، «نفح الطيب» (٢/ ٢١٠).\n(^٢) «الجَامِع لأحْكَام القُرآن» (٣/ ١٠٩).\n(^٣) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٥/ ٣٩).\n(^٤) «كشَّاف القِنَاع» للبُهُوتِيِّ (٦/ ١٩٥١).","vol":"1","page":371},{"text":"* ومنع من ذلك بعض المالكية، فقال الخَرَشِيّ -﵀-: «وأما النَّجِس، وهو ما كان عينه نجسة كالبول ونحوه فلا يجوز الانتفاع به» (^١). وفي «حَاشِيَة الصَّاوِيّ» (^٢): «وأما نجس الذات فلا يجوز الانتفاع به بحال» (^٣).\nويدخل في المانعين بطريق الأولى من تقدم أنهم منعوا من الانتفاع بالمتنجس، وهم جماعة من أهل الحديث ورواية عن أحمد. وهو اتفاق الحنابلة إذا كان الحيوان يذبح قريبًا أو يحلب (^٤).\n* وذهب الشافعية إلى كراهة ذلك، فقال النَّوَوِيّ بعد ما ذكر نص الشافعي على جواز إطعام المتنجس للدواب: «وفي فتاوى صاحب الشامل أنه يكره إطعام الحيوان المأكول النجاسة وهذا لا يخالف نص الشافعي في الطعام، لأنه ليس بنجس العين، ومراد صاحب الشامل نجس العين» (^٥).\n* والذي جوز تقديم ما هو نجس للحيوان، فإنما استدل:\nبحديث بئر ثمود السابق.\nوبأن الحيوانات لا تنفر من هذه النجاسات كما هو الحال في الدجاج المُخَلى.\n_________\n(^١) «شرح الخَرَشِيِّ» (١/ ٩٦).\n(^٢) هو: أحمد بن محمد الخَلْوَتِيّ، الشهير بالصَّاوِيّ، فقيه مالكي، نسبته إلى صاء الحَجَر في إقليم الغربية، بمصر توفي بالمدينة المنورة سنة ١٢٤١ هـ، من كتبه: «حَاشِيَة على تَفسِير الجَلالَيْن»، وحواش على بعض كتب الشيخ أحمد الدَّرْدِير في فقه المالكية. راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلي (١/ ٢٤٦)، «مُعْجَم المؤلفين» (٢/ ١١١).\n(^٣) «حَاشِيَة الصَّاوِيّ= بلغة السالك» (١/ ٥٩).\n(^٤) «كشَّاف القِنَاع» للبُهُوتِيِّ (٦/ ١٩٥).\n(^٥) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٩/ ٣١).","vol":"1","page":372},{"text":"بل واستدلوا أيضًا بأحاديث النهي عن أكل الجلالة على جواز تقديم النجاسات لها حيث إن الحديث نهى عن أكل لحمها وشرب لبنها، ولم ينه عن تقديم النجاسة لها، ولا يخفى بعده.\n* واستدل المانعون:\nبأن الأصل اجتناب النجاسات.\nوبحديث الفأرة وقوله -ﷺ-: «فلا تَقْرَبُوه» (^١).\nوبقوله عن شحوم الميتة، وقد سئل عن الانتفاع بها في طلي السفن والجلود والاستصباح: «لا هو حَرَامٌ» (^٢) على اعتبار أن النهي عن مطلق الانتفاع لا البيع فقط.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-156> الترجيح:</span>\nلا شك أن أدلة المانعين أقوى وأصرح، ويستدل لهم أيضًا بما يأتي:\nقال رسول الله -ﷺ-: «أتاني دَاعِي الْجِنِّ فَذَهَبْتُ معه فَقَرَأْتُ عليهم الْقُرْآنَ قال فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ وَسَأَلُوهُ الزَّادَ فقال لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عليه يَقَعُ في أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ ما يَكُونُ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ، فقال رسول اللهِ -ﷺ-: فلا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ» (^٣).\n_________\n(^١) «سُنَن النَّسَائيّ» كتاب الفرع والعتيرة، باب الفأرة تقع في السمن (٧/ ١٧٨). والحديث اختلف فيه، فقال البخاري غير محفوظ، وقال الذهلي محفوظ «فَتْح البَارِي» (١/ ٣٤٤)، صححه النَّوَوِيّ في «المَجْمُوع» (٩/ ٣٣).\n(^٢) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب البيوع، باب في ثمن الخمر والميتة (٣/ ٢٧٩).\n(^٣) «صحيح مسلم» كتاب الطهارة، بَابُ النَّهي أن يُسْتَنجَى بمطعوم أو بما له حرمة (١/ ٣٣٢).","vol":"1","page":373},{"text":"قال الشَّوكَانِيّ -﵀-: «قال المصنف [المجد ابن تيمية صاحب «المنتقى»]-﵀-: وفيه تنبيه على النهي عن إطعام الدواب النجاسة. اهـ[أي كلام المجد، ويبدأ كلام الشوكاني]. لأن تعليل النهي عن الاستجمار بالبعرة بكونها طعام دواب الجن يشعر بذلك» (^١).\nأما دليل المبيح، فقد تقدم الجواب على حديث البئر، وبينا أنه لا يصح قياس النجاسات على ماء البئر.\nوأما استدلالهم - ﵏ - بحديث الجلالة، فليس بالقوي، بل يستدل به على العكس، وهو أن في إطعام هذه الحيوانات النجاسات إفسادًا لها وتضييعًا للمال؛ ألا ترى أن الجمهور على كراهة أو تحريم أكل لحمها أو شرب لبنها، بل منهم من كره أو منع الركوب عليها وأكل بيضها.\n* * *\n_________\n(^١) «نيل الأوطار» للشَّوكَانِيّ (١/ ١١٩).","vol":"1","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>المطلب الرابع: حكم إطعام الدواب الميتات</span>\nتقدم الكلام عن تقديم الأعلاف النجسة أو المتنجسة للحيوان، وهذا الذي ذكر من تجويز البعض تقديم النجاسات للحيوان طعامًا لا ينسحب بالضرورة على الميتة، فإن للميتات - وهي أكثر ما يقدم كبروتين حيواني - حكمًا خاصًّا.\nقال ابن قُدامة: «فأما شحوم الميتة وشحم الخنزير، فلا يجوز الانتفاع به باستصباح ولا غيره ... قال أحمد: لا أرى أن يطعم كلبه المعلم الميتة ولا الطير المعلم» (^١). ولا يخفى أن مأكول اللحم أولى بذلك المنع من الكلب.\nوالمنع من الانتفاع بالميتة هو مذهب المالكية (^٢) والحنفية (^٣) والظاهر من كلام الشافعية عدم جواز إطعام الميتة للدواب، ففي «مغني المُحْتاج»: «قال في «المَجْمُوع»: ويجوز طلي السفن بشحم الميتة، وإطعامها للكلاب والطيور، وإطعام الطعام المتنجس للدواب» (^٤).\nانظر كيف فرق بين الكلاب والطيور من جهة والدواب من جهة. وإنما جوز إطعام المتنجس للدواب دون الميتة.\nولقد نسب القول بتجويز إطعام الميتة للدواب للمالكية والحنابلة في رواية، كما جاء ذلك في «الموسوعة الفقهية» (^٥). ولم أجد تصريحًا في شيء من كتبهم بذلك، وليس\n_________\n(^١) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٩/ ٣٤٠ - ٣٤١).\n(^٢) «حَاشِيَة العَدَوِيّ على شرح كِفَايَة الطَّالِب الرَّبَّانِيّ» (١/ ٥٨٥).\n(^٣) «أحْكَام القُرآن» للجَصّاص (١/ ١٦٦).\n(^٤) «مُغْنِي المُحْتاج في معرفة ألفاظ المِنهاج» للشِّرْبِينِيِّ (١/ ٥٨٧).\n(^٥) «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (٣٩/ ٣٩٣).","vol":"1","page":375},{"text":"تجويزهم إطعام الدواب النجاسات بدليل على تجويزهم إطعامها الميتة، فإن للميتات حكمًا خاصًّا والانتفاع بها ممنوع، وفيها حديث لرسول الله -ﷺ- فعن جابر -﵁- أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول عام الفتح وهو بمكة: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ فَقِيلَ يا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ. فَقَالَ: لا هُوَ حَرَامٌ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عِنْدَ ذَلِكَ: قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللهَ ﷿ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ [جَمَلُوه عند البخاري] ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» (^١).\nوهذا على اعتبار أن النهي عن مطلق الانتفاع لا مجرد البيع، فإن كان النهي عن البيع دون سائر أنواع الانتفاع، فإن في النهي عن الجلَّالة إشارة كافية بعدم تقديم النجاسات للدواب، لأن في ذلك إفسادًا لها، وقد نهينا عن إضاعة المال.\nوالميتة من أنجس النجاسات، والتشديد فيها في أقوال الفقهاء ظاهر. وإن من جوز استعمال النجاسات بالإتلاف فيما فيه منفعة لم يرد عنه التصريح بجواز إطعام الميتة للدواب مأكولة اللحم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>فرع: هل للاستحالة أثر على تغير الحكم بشأن إطعام الأعلاف النجسة للحيوان:</span>\nلم نتعرض في كلامنا السابق عن حكم الجلالة وتقديم العلف المتنجس والنجس والميتات للحيوان للاستحالة، ولا شك أن الكلام لا يتم إلا بالحديث عن أثر الاستحالة على تقديم هذه الأعلاف للحيوانات، وذلك لأن هذه الأعلاف المخلوطة بالنجاسات والميتات لا تقدم في أزمنتنا - في الأكثر - للحيوانات من غير معالجة.\nأما المعالجة، فهي بطبخ هذه الأعلاف في قدور على درجة حرارة تصل إلى ١٢٠،\n_________\n(^١) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب البيوع، باب بيع الميتة والأصنام (٢/ ٧٧٩)، «صَحِيح مُسْلِم» المساقاة، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام (٣/ ١٢٠٧)، اللفظ له.","vol":"1","page":376},{"text":"وذلك لقتل البكتريا والفيروسات، ثم تجفف وتطحن وتضاف إليها إضافات أخرى وتعبأ في أكياس، ولذا يقول الدكتور محمد عثمان شبير (^١): «وهذه العملية كفيلة بتغيير صفات النجاسة من رطبة إلى جافة، ومن لون أحمر في الدم إلى لون آخر وكذلك تتغير رائحة النجاسات نتيجة إضافة مواد كيميائية إلى خلطة المركز، وبالتالي يتغير اسمها ويصبح لها اسم جديد وهو المركز وبهذا تتحقق استحالة النجاسات بالتصنيع» (^٢).\nوهذا الذي ذكره الدكتور محمد عثمان شبير صحيح، إلا أن هذه العمليات التصنيعية ليست كافية لقتل بروتينات البرايون المسببة لأمراض الاعتلال الدِّمَاغي الإسفنجي الانتقالي، وقد تكون هناك غيرها، وهذا الذي جعل السلطات المعنية بكل من بريطانيا وأمريكا تمنع إطعام البروتين الحيواني للبهائم (^٣).\nأما حكم الاستحالة وأثرها على تغيير حكم النجاسات:\nفإن الجمهور على أن النجاسة إذا استحالت بحيث تتغير أوصافها، فلا يبقى لها حكم\n_________\n(^١) هو: محمد بن عثمان شُبَيْر، من كبار الفقهاء المعاصرين، عمل أستاذًا بكلية الشريعة بالجامعة الأردنية، وعميدًا لكلية الشريعة بجامعة قطر، حصل على الدكتوراه من جامعة الأزهر ١٩٨٠ م في موضوع «يوسف بن عبد الهادي الحنبلي وأثره في الفقه الإسلامي» وله أيضا: «المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي»، و«القواعد الكلية والضوابط الفقهية»، و«أحكام المسابقات المعاصرة في الفقه الإسلامي»، و«الشرط الجزائي ومعالجة المديونيات المتعثرة في الفقه الإسلامي»، وغيرها من الكتب والبحوث والدراسات الماتعة النافعة بالإضافة إلى مشاركاته بالمجامع الفقهية.\n(^٢) «دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة» (١/ ٤٤٤).\n(^٣) من موقع منظمة الغذاء والدواء الأمريكية على  www.Usda.gar  الشبكة، وانظر بحث الدكتور محمد جميل الحبال على موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة  WWW. ٥٥@.net.","vol":"1","page":377},{"text":"النجاسة. وهذا قول المالكية (^١) والظاهرية (^٢) والحنفية (^٣) في مشهور المذهب ورواية عن الإمام أحمد (^٤) اختارها الإمام ابن تَيمِيَّة (^٥). وكذلك فهو وجه عند الشافعية، اختاره إمام الحرمين﵏ جميعًا.\n* وذهب الشافعية في صحيح المذهب (^٦) والحنابلة في المشهور (^٧) وأبو يوسف (^٨) إلى أنه لا يطهر بالاستحالة إلا الخمر، وأضاف بعضهم الجلد بالدباغ، وأضاف آخرون أشياء أخرى كالبيضة في بطن الميتة إذا صارت طائرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>عرض الأقوال:</span>\nقول السادة الحنفية:\nقال الكَاسَانِيّ -﵀-: «بناء على أن النجاسة إذا تغيرت بمضي الزمان وتبدلت أوصافها، تصير شيئا آخر عند محمد فيكون طاهرا، وعند أبي يوسف لا تصير شيئا آخر فيكون نجسا، وعلى هذا الأصل مسائل بينهما» (^٩).\n_________\n(^١) «مَوَاهِب الجَلِيل» للحَطَّاب (١/ ٩٨).\n(^٢) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١/ ١٤٤ - ١٤٥).\n(^٣) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (١/ ٨٦).\n(^٤) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٥٧).\n(^٥) «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (١/ ٣١٩).\n(^٦) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٩٥).\n(^٧) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٥٧).\n(^٨) «البدائع» للكَاسَانِيّ (١/ ٨٦).\n(^٩) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِي (١/ ٨٦).","vol":"1","page":378},{"text":"قول السادة المالكية:\nقال القُرْطُبِيّ -﵀-: «قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٧، ٨]. فإذا كان الله جل وعلا قد أخبر أن ما عليها يصيره صعيدا جرزا، وأباح مع ذلك التيمم بالصعيد، وجب بعموم ذلك جواز التيمم بالصعيد الذي كان نباتا أو حيوانا أو حديدا أو رصاصا أو غير ذلك لإطلاقه تعالى الأمر بالتيمم بالصعيد. وفي ذلك دليل على صحة قول أصحابنا في النجاسات إذا استحالت أرضا أنها طاهرة؛ لأنها في هذه الحال أرض ليست بنجاسة، وكذلك قالوا في نجاسة أحرقت فصارت رمادا أنها طاهر؛ لأن الرماد في نفسه طاهر وليس بنجاسة، ولا فرق بين رماد النجاسة وبين رماد الخشب الطاهر؛ إذ النجاسة هي التي توجد على ضرب من الاستحالة، وقد زال ذلك عنها بالإحراق، وصارت إلى ضرب الاستحالة التي لا توجب التنجيس ..» (^١).\nوقال الحَطَّاب -﵀-: «وخمر تحجر: أي صار حَجَرا وهو المسمى بالطرطار ويستعمله الصَّبَّاغون، وهذا إذا ذهب منه الإسكار. أما لو كان الإسكار باقيا فيه، بحيث لو بل فشرب أسكر، فليس بطاهر. ونقله البُرْزُلي (^٢) عن المازِرِيّ (^٣) في مسائل الأشربة والله أعلم.\n_________\n(^١) «الجَامِع لأحْكَام القُرآن» للقُرْطُبِيّ (٣/ ٣١٤).\n(^٢) هو: أبو القاسم بن أحمد بن محمد البلوي القَيْرَوانِيّ، المعروف بالبُرْزُلي، أحد أئمة المالكية في المغرب، ولد سنة ٧٤١ هـ، انتهت إليه الفتوى فيها، وكان ينعت بشيخ الإسلام، وعمر طويلا حتى قيل توفي بتونس عن مائة وثلاث سنين سنة ٨٤٤ هـ من كتبه: جامع مسائل الأحكام مما نزل من القضايا للمفتين والحكام»، و«الديوان الكبير في الفقه». راجع ترجمته في: «الضوء اللامع» (١١/ ١٣٣).\n(^٣) هو: أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التَّميمِيّ المازِرِيّ، محدث من فقهاء المالكية، نسبته إلى مازر بجزيرة صقلية، ولد سنة ٤٥٣ هـ، ووفاته بالمهدية سنة ٥٣٦ هـ، له: «المُعْلِم بفَوَائد مُسْلِم» في الحديث، و«شرحه على التلقين» في الفُرُوع، «والكشف والإنباء في الرد على الإحياء للغَزالي»، و«إيضاح المَحْصُول في الأصول». راجع ترجمته في: «وَفَيَات الأعْيَان» (٤/ ٢٨٥)، «الدِّيبَاج المُذْهَب» (١/ ٢٧٩)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٢/ ١١٤).","vol":"1","page":379},{"text":"ص: (أو خلل) ش: أي ولو بإلقاء شيءٍ فيه، كالخل والملح والماء ونحوه. ويطهر الخل وما ألقي فيه خلافا للشافعية قاله في الجواهر والذخيرة وغيرهما. ونقل البُرْزُلي أنه لو وقع في قلة خمر ثوب ثم تخللت والثوب فيها طهر الثوب والخل» (^١).\nقول السادة الشافعية:\nقال النَّوَوِيّ -﵀-: «ولا يطهر من النجاسات بالاستحالة إلا شيئان: أحدهما: جلد الميتة إذا دبغ، وقد دللنا عليه في موضعه، والثاني: الخمر إذا استحالت بنفسها خلا فتطهر بذلك لما روي عن عمر -﵁- أنه خطب فقال: «لا يحل خل من خمر قد أفسدت حتى يبدأ الله إفسادها، فعند ذلك يطيب الخل، ولا بأس أن يشتروا من أهل الذمة خلا ما لم يتعمدوا إلى إفساده» ولأنه إنما حكم بنجاستها للشدة المطربة الداعية إلى الفساد، وقد زال ذلك من غير نجاسة خلفتها، فوجب أن يحكم بطهارتها» (^٢).\nقول السادة الحنابلة:\nقال ابن قُدامة -﵀-: «فَصْلٌ: ظاهر المذهب، أنه لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة، إلا الخمرة، إذا انقلبت بنفسها خلا، وما عداه لا يطهر؛ كالنجاسات إذا احترقت وصارت رمادا، والخنزير إذا وقع في الملاحة وصار ملحا، والدخان المترقي من وقود النجاسة، البخار المتصاعد من الماء النجس إذا اجتمعت منه نداوة على جسم صقيل ثم قطر، فهو نجس. ويتخرج أن تطهر النجاسات كلها بالاستحالة قياسا على\n_________\n(^١) «مَوَاهِب الجَلِيل» للحَطَّاب (١/ ٩٨).\n(^٢) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٩٥).","vol":"1","page":380},{"text":"الخمرة إذا انقلبت، وجلود الميتة إذا دبغت، والجلالة إذا حبست، والأول ظاهر المذهب. وقد نهى إمامنا -﵀- عن الخبز في تنور شوي فيه خنزير» (^١).\nقول السادة الظاهرية:\nقال ابن حَزْم -﵀-: «وكذلك إذا استحالت صفات عين النجس أو الحرام، فبطل عنه الاسم الذي به ورد ذلك الحكم فيه، وانتقل إلى اسم آخر وارد على حلال طاهر، فليس هو ذلك النجس ولا الحرام، بل قد صار شيئا آخر ذا حكم آخر، كالعصير يصير خمرا، أو الخمر يصير خلا، أو لحم الخنزير تأكله دجاجة يستحيل فيها لحم دجاج حلالا، وكالماء يصير بولا، والطعام يصير عذرة، والعذرة والبول تدهن بهما الأرض فيعودان ثمرة حلالا، ومثل هذا كثير وكنقطة ماء تقع في خمر أو نقطة خمر تقع في ماء، فلا يظهر لشيء من ذلك أثر، وهكذا كل شيء، والأحكام للأسماء؛ والأسماء تابعة للصفات التي هي حد ما هي فيه المفرق بين أنواعه» (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-160> المناقشة والترجيح:</span>\n* أدلة المانعين من تغير الحكم بالاستحالة:\n١ - استدلوا بالنهي عن أكل الجلالة رَغم استحالة النجاسة لحمًا طاهرًا ولبنًا في جسمها.\n٢ - قالوا إن طهارة الخمر باستحالتها خلًّا إنما صحت لكون الخمر قد تنجست في المبدأ بالاستحالة.\n٣ - وقالوا إن الحكم بنجاسة الميتات وغيرها ثبت بيقين وليس ثم دليل يرفعه.\n_________\n(^١) «المُغْنِي» لابن قُدامة (١/ ٥٧).\n(^٢) «المُحَلى» لابن حَزْم (١/ ١٤٤ - ١٤٥).","vol":"1","page":381},{"text":"وتعقب قولهم عن الخمر بأن كل النجاسات إنما تنجست بالاستحالة كالدم، فإنه مستحيل عن الغذاء الطاهر، وكذلك البول والعذرة.\nوتعقب كلامهم عن ثبوت النجاسة بالدليل وعدم وجود الدليل الرافع بأن النجاسة إنما تثبت لأعيان معينة فلما استحالت أوصافها، لم يبق لها الاسم ولا الحكم. وقد جاء بيان الشارع بأن الخمر تطهر بالاستحالة - عند من يعتبرها نجسة - فيقاس عليها غيرها.\n* أدلة القائلين بتغير الحكم بالاستحالة:\n١ - استدلوا بأن الأحكام إنما ثبتت لأعيان ذات أوصاف معينة فمتى تغيرت تلك الأوصاف فلا يبقى لهذه الأعيان الأسماء الأولى ولا الأحكام المرتبطة بها فإن العذرة تتحول إلى ثمرة والعلقة إلى إنسان والدم إلى لبن وتراب المقابر إلى زرع وأجسام الميتة إلى رماد ليس فيه شبه بالميتة في لون أو طعم أو ريح.\n٢ - كما استدلوا بعموم البلوى ورفع الحرج الذي يترتب على القول ببقاء الحكم مع زوال الوصف.\n٣ - واستدلوا بجواز التطيب بالمسك قالت عائشة -﵂-: «كنت أطيب رسول الله قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بطيب فيه مسك» (^١).\nو«أمر رسول الله -ﷺ- المرأة أن تأخذ فِرْصَةً من مسك فتتطهر بها من دم الحيض» (^٢).\nومحل الشاهد هو أن المسك إنما يستخرج من دم الغزال.\n_________\n(^١) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام (٢/ ٨٤٩).\n(^٢) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الحيض، باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض (١/ ١١٩).","vol":"1","page":382},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-161> الترجيح:</span>\nلعل قول الفريق الثاني أقوى من جهة الدليل والأصول، فإن الأحكام التي ترتبت على أعيان ذات أوصاف معينة لا يمكن سحبها على غيرها مما يخالفها في تلك الأوصاف. والاستدلال بالخل - عند القائلين بنجاسة الخمر - والمسك على تغير حكم العين بتغير الصفات وجيه.\nفحين تقرر أن الاستحالة يتغير الحكم بها، فهل ينسحب ذلك على استحالة النجاسات المقدمة علفًا للحيوان؟\nالصحيح أن الاستحالة، وإن غيرت الأوصاف الظاهرة، كاللون والطعم والريح التي تثبت بها الأحكام في العادة، فإنها لا تخلص تلك الميتات من جميع المواد الضارة، فتبقى بعضها لا تتأثر بالاستحالة، كما تقدم في كلامنا أن بروتينات البرايون لا يقضى عليها بطبخ تلك الأعلاف.\nولعل النهي عن أكل لحوم الجلالة فيه إشارة كافية للتفريق بين استعمال هذه النجاسات في غير طعام إنسان أو حيوان مأكول اللحم وبين استعمالها في الطعام. ألا ترى أن الاستحالة لم تعتبر في الجلالة مع أن الجلة المأكولة وغيرها من القذر والنجاسات تستحيل داخل الحيوان إلى لحم ولبن وبيض.\nوإذا كان القائلون بتغير الحكم بالاستحالة يعللون بأن العين الجديدة طيبة لا ضرر فيها فناسب لها الحل، كما قال الإمام ابن تَيمِيَّة -﵀-: «فكل ما نفع فهو طيب، وكل ما ضر فهو خبيث والمناسبة الواضحة لكل ذي لب أن النفع يناسب التحليل والضرر يناسب التحريم، والدوران» (^١) فإن الجاري على هذه القاعدة هو عدم الحكم للأعلاف النجسة المستحيلة في الصفات الظاهرة بالتحليل لبقاء الضرر فيها كما تقرره المعارف الطبية الحديثة.\n_________\n(^١) «الفَتَاوَى الكُبْرَى» لابن تَيمِيَّة (١/ ٣٧٣).","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>المطلب الخامس: تطور المعارف الطبية بشأن إطعام\nالنجاسات والميتات للحيوان</span>\nعرفت في الآونة الأخيرة عدة أمراض تصيب الحيوان والإنسان ومنشؤها من إطعام الأغنام والأبقار أشلاء الحيوانات الميتة ثم أكل الإنسان لهذه الدواب أو شرب لبنها. ومجموعة هذه الأمراض تعرف بالاعتلال الدِّمَاغي الإسفنجي الانتقالي (^١).\nوالسبب في حدوث هذه الأمراض هو نوع معين من البروتينات يسمى برايون (^٢)، وهو بروتين موجود بصفة طبيعية في خلايا الإنسان والحيوان، وإنما تتغير طبيعته في الحيوانات الميتة وأشلائها، ويصبح مخربًا للبروتين الطبيعي الموجود في الجهاز العصبي للحيوان أو الإنسان الذي يتناول تلك الميتات أو الحيوانات التي أكلتها (^٣).\nوبعد انتشار أنواع من هذا المرض بين الماشية تحت اسم «مرض جنون البقر» في بريطانيا وانتقاله إلى الولايات المتحدة وغيرها من البلدان في التسعينيات من القرن الماضي، قررت الجهات المسؤولة في تلك البلاد منع تقديم الأعلاف المخلوطة بالبروتين الحيواني للدواب (^٤).\nإن إصابة الإنسان بهذه الأمراض الخطيرة تؤدي إلى اضطراب في الجهاز العصبي وانعدام للتوازن وحركات لا إرادية ويفضي ذلك في النهاية إلى الموت (^٥).\n_________\n(^١)  Transmissible Spongiform Encephalopathy\n(^٢) Prion\n(^٣)  من بحث للدكتور محمد جميل الحبال على موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة تحت عنوان «مرض جنون البقر والتعاليم الإسلامية» وعنوان الموقع  www. ٥٥@.net\n(^٤) «من موقع منظمة الغذاء والدواء الأمريكية»  www.Fsis.Gov/Fact Sheets\n(^٥)  من مقال الدكتور محمد جميل الحبال وموقع إلى تاريخه  www.Uptodate.com","vol":"1","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>المطلب السادس: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى في هذا الباب</span>\nإنه وإن كانت هذه الأمراض نادرة الحدوث إلى الآن، فإنها قد تنتشر في المستقبل وإنها لتقوي مذهب المانعين من أكل لحوم الجلالة وشرب ألبانها، وكذلك مذهب المانعين من تقديم العلف النجس للحيوانات مأكولة اللحم والميتات على وجه الخصوص.\nإن القول بالمنع في ذلك كله ظاهر ويستند إلى صحيح المنقول وصريح المعقول؛ وسبحان ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] فإن الذي فطر هذه الدواب على أكل النباتات دون الحيوانات، والذي حرم أكل آكلات اللحوم (^١) هو الذي خلق كل شيء، وهو أعلم بما خلق. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]\n* * *\n_________\n(^١) إلا ما جاء من خلاف في الضبع ولكن القاعدة هي تحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب في الطير. أما الخلاف في الكلب فضعيف.","vol":"1","page":385},{"text":"المبحث الثاني: حكم التدخين\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: تعريف الدخان وتاريخه\nالمطلب الثاني: اختلاف العلماء في حكم التبغ\nالمطلب الثالث: رأي الطب في التدخين\nالمطلب الرابع: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى بشأن التدخين","vol":"1","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>المبحث الثاني: حكم التدخين</span>\nلعل هذه المسألة من أوضح المسائل على تغير الفتوى بتطور المعارف الطبية، فإن الدُّخَان لم يكن معروفًا على عهده -ﷺ- ولا على عهد الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب. ولما انتقل إلى البلاد الإسلامية اضطربت فيه كلمة العلماء، فمن محل له ومحرم ومتوسط فقائل بالكراهة. واضطرابهم أو اختلافهم في حكمه كان راجعًا إلى عدم استيثاقهم من ضرره. وليس ضرره مما يختلف عليه العقلاء في زماننا، لذا وجب أن تراجع الفتوى فيه بناءً على ما تقرر في زماننا من عظيم ضرره.","vol":"1","page":389},{"text":"* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>المطلب الأول: تعريف الدخان وتاريخه</span>\nالدخان هو أحد أسماء نبات التبغ وهو نبات من الفصيلة الباذنجانية (^١) ومن أسمائه أيضًا التتن والتُّنْبَاك. ويُتَعاطَى هذا النبات تَدخينًا (^٢) وسُعْوطًا ومَضغًا (^٣).\nوكان معروفًا في أمريكا، ولما وصلها كريستوفر كولمبوس، جلب منها التبغ إلى أوروبا فراج فيها رَغم منعه بقرارات بابوية وملكية، وانتقل منها إلى العالم الإسلامي (^٤).\nيقول المُحِبِّيّ -﵀- (^٥) في «خلاصة الأثر»:\n«وظهور التُّنْبَاك المسمى بالتبغ وبالتتن بجهة الغرب والحجاز واليمن وحضرموت كان في سنة اثنتي عشرة وألف كما وجدته بخط بعض المكيين ... وأما ظهوره في بلادنا الشامية فلا أتيقنه لكنه قريب من هذا التاريخ» (^٦).\n_________\n(^١) «الموسوعة الطبية الفقهية» لأحمد كنعان (ص ١٨٢)، و«المُعْجَم الوَسِيط» (ص ٨٢).\n(^٢) من شرب الدخان، وإن كان الدخان لا يشرب، ولكن أقر مجمع اللغة العربية لفظة التدخين توسعًا كما أقر كلمة التبغ المولدة. انظر «الطب في ضوء الإيمان» لمحمد المختار السُّلامِيّ (ص ١٦٣).\n(^٣) «الموسوعة الطبية الفقهية» لأحمد كنعان (ص ١٨٢)، و«المُعْجَم الوَسِيط» (ص ٨٢).\n(^٤) «الموسوعة الطبية الفقهية» لأحمد كنعان (ص ١٨٢).\n(^٥) هو: محمد أمين بن فضل الله بن محب الله بن محمد المُحِبِّيّ، الحَمَوِيّ الأصل، الدِّمَشْقِيّ؛ فقيه، مؤرخ، باحث، أديب عني كثيرًا بتراجم أهل عصره، فصنف: «خُلاصَة الأثَر في أعيَان القَرْن الحَادي عَشَر»، و«نفحة الريحانة ورشحة طلى الحانة»، و«قصد السبيل بما في اللغة من الدخيل»، ولد سنة ١٠٦١ هـ، وولي القضاء في القاهرة، وعاد إلى دمشق، فتوفي فيها سنة ١١١١ هـ. راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلي (٦/ ٤١)، «مُعْجَم المؤلفين» (٩/ ٧٨).\n(^٦) «خُلاصَة الأثَر في أعيَان القَرْن الحَادي عَشَر» للمحبي (٢/ ٨٠).","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>المطلب الثاني: اختلاف العلماء في حكم التبغ</span>\nلما وصل التَّبْغ إلى البلاد الإسلامية اختلفت فيه آراء العلماء اختلافًا واسعًا فذهب البعض إلى التحريم والبعض إلى الحل، بينما كرهه جماعة.\nوكان ممن حرمه الشُّرُنْبُلالي (^١) في «شرح الوَهْبانية» وإسماعيل النَّابُلُسِيّ (^٢) في شرحه على شرح الدُّرَر والمسيري (^٣) ونقل ذلك عنه ابن عَابِدِين (^٤) والمُبارَكْفُورِيّ (^٥) في «تُحْفَة\n_________\n(^١) هو: حسن بن عمار بن علي الشُّرُنْبُلالِيّ المِصْرِيّ فقيه حنفي، مكثر من التصنيف، نسبته إلى شبرى بلولة بالمنوفية، ولد سنة ٩٩٤ هـ جاء به والده منها إلى القاهرة، فنشأ بها ودرس في الأزهر، وأصبح المعول عليه في الفتوى، وتوفي سنة ١٠٦٩ هـ، من كتبه: «نور الإيضاح في الفقه»، و«مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح»، و«شرح منظومة ابن وَهْبان في فقه الحنفية»، و«تُحْفَة الأكمل». راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (٢/ ٢٠٨)، «مُعْجَم المؤلفين» (٣/ ٢٦٥).\n(^٢) هو: إسماعيل بن عبد الغني بن إسماعيل بن أحمد النابلسي، فقيه أديب، أصله من نابلس بفِلَسْطِين (حرَّرَها الله)، ومولده بدمشق سنة ١٠١٧ هـ، ووفاته بها سنة ١٠٦٢ هـ، له: كتاب «الإحكام في شرح الدرر»، و«عنوان الآيات في ترتيب ألفاظ القرآن على حروف المعجم»، وهو والد الشيخ عبد الغني النَّابُلُسِيّ الشاعر الأديب، الكثير التصانيف. راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (١/ ٣١٧)، «مُعْجَم المؤلفين» (٢/ ٢٧٧).\n(^٣) هو: محمد عوفي بن أحمد المسيري مقرئ، من آثاره: «الجواهر المكللة في القراءات العشر المدللة»، و«شفاء الظمآن وضياء الفرقان» توفي سنة ١٠٠٦ هـ. راجع ترجمته في: «إيضاح المكنون» (١/ ٣٨٠)، «مُعْجَم المؤلفين» (١١/ ١٠٠).\n(^٤) «حَاشِيَة ابن عابِدِين» (٦/ ٤٥٩).\n(^٥) هو: محمد بن عبد الرحمن المُبارَكْفُورِيّ، عالم مشارك في أنواع من العلوم، ولد في بلدة مباركفور من أعمال أعظمكره، ونشأ بها، وقرأ العلوم العربية والمنطق والفلسفة والفقه وأصوله على علماء كثيرين، توفي سنة ١٣٥٣ هـ، من مؤلفاته: «تُحْفَة الأحْوَذِيّ بشرح جامع التِّرْمِذِيّ». راجع ترجمته في: «مُعْجَم المؤلفين» (٥/ ١٦٦).","vol":"1","page":391},{"text":"الأحْوَذِيّ» (^١) وأومأ إلى الحرمة السِّندِيّ (^٢) في «شرح سنن ابن ماجه» (^٣) وكتب محمد بن عَلَّان المكي (^٤) في تحريمه رسالتين «إعلام الإخوان بتحريم الدخان» و«تُحْفَة ذوي الإدراك في المنع من التُّنْبَاك».\nوكتب الشيخ علي السقاف (^٥) كتابًا سماه «قمع الشهوة عن تناول التُّنْبَاك» وعبد القادر الراشدي القسنطيني (^٦) «تُحْفَة الإخوان في تحريم الدخان» ومحمد عبد الكريم\n_________\n(^١) «تُحْفَة الأحْوَذِيّ» للمباركفوري (٥/ ٣٢٥).\n(^٢) هو: أبو الحسن نور الدين محمد بن عبد الهادي التتوي السِّندِيّ، فقيه حنفي عالم بالحديث والتفسير والعربية، أصله من السند، ومولده فيها، وتوطن بالمدينة إلى أن توفي سنة ١١٣٨ هـ، له: حَاشِيَة على سُنَن ابن مَاجَه، وحَاشِيَة على سُنَن أبي دَاوُد، وحَاشِيَة على صَحِيح البُخَارِيّ، وحَاشِيَة على «سُنَن النَّسَائيّ»، وغير ذلك. راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (٦/ ٢٥٣)، «مُعْجَم المؤلفين» (١٠/ ٢٦٢).\n(^٣) «شرح سُنَن ابن مَاجَه» للسندي (١/ ٧١).\n(^٤) هو: محمد علي بن محمد بن عَلَّان بن إبراهيم البكري الصديقي الشافعي مفسر عالم بالحديث، من أهل مكة له مصنفات ورسائل كثيرة، منها: «ضياء السبيل في التفسير»، و«الطيف الطائف بتاريخ وج والطائف»، والفتح المستجاد لبغداد، و«دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين»، و«الفتوحات الربانية على الأذكار النَّوَوِيّة». راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (٦/ ٢٩٣)، «مُعْجَم المؤلفين» (١١/ ٥٤).\n(^٥) هو: علوي بن أحمد بن عبد الرحمن السَّقَّاف الشافعي المكي نقيب السادة العلويين بمكة، وأحد علمائها، ولد بها سنة ١٢٥٥ هـ توفي في مكة سنة ١٣٣٥ هـ له: «ترشيح المستفيدين: حَاشِيَة في فقه الشافعية»، و«فتح العلام بأحكام السلام»، و«القول الجامع المتين في بعض المهم من حقوق إخواننا المسلمين» ونظم في معرفة الوقت والقبلة ومجموعة. راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (٤/ ٢٤٩).\n(^٦) هو: عبد القادر الراشدي قاضي قسنطينة ومفتيها، من فقهاء المغرب كان يميل إلى الاجتهاد له مصنفات منها: حَاشِيَة على «شرح السيد للمواقف العضدية»، وكتاب في «عائلات قسنطينة وقبائلها وعربها وبربرها»، ورسالة في «تحريم الدخان» وغير ذلك راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (٤/ ٣٨)، «مُعْجَم المؤلفين» (٥/ ٢٨٨).","vol":"1","page":392},{"text":"الفكون (^١) «محَدَّد السِّنان في نحور إخوان الدخان» (^٢).\nوكرهه العِمَادِيّ (^٣) كما نقل ذلك عنه ابن عَابِدِين الذي رجح أنه كرهه تحريمًا، بينما ذهب ابن عَابِدِين إلى أنه مكروه تنزيهًا فآل الأمر عنده إلى الإباحة (^٤).\n_________\n(^١) هو: عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الفكون القسنطيني أديب، من أعيان المالكية في المغرب، من أهل قسنطينة، وربما قيل له القسمطيني - بالميم- كان يلي إمارة ركب الجزائر في الحج، ولما تقدمت به السن انقبض عن الناس وترك الاشتغال بالعلوم، وسمع يقول: قرأتها لله وتركتها لله! وتوفي بالطاعون في قسنطينة، من كتبه: «شرح نظم المكودي» في الصرف، و«شرح شواهد الشريف على الأجُرُّومِيَّة»، و«حوادث فقراء الوقت»، ورسالة في تحريم الدخان، راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (٤/ ٥٦)، «مُعْجَم المؤلفين» (٦/ ٣).\n(^٢) انظر «الطب في ضوء الإيمان» لمحمد المختار السُّلامِيّ (ص ٢٦٣).\n(^٣) هو: حامد بن علي بن إبراهيم العِمَادِيّ الدِّمَشْقِيّ الحنفي مفتي دمشق وابن مفتيها، برع في الفقه والفرائض والأدب، وكان مهيبا وقورًا، مولده في دمشق سنة ١١٠٣ هـ، وأقام في منصب الإفتاء ٣٤ سنة، ووفاته بها سنة ١١٧١ هـ، له مؤلفات كثيرة، منها: «الفَتَاوَى» نقحها محمد أمين بن عابِدِين وسماها «العقود الدرية في تنقيح الفَتَاوَى الحامدية»، ورسالة في الأفيون، ومجموع رسائل. راجع ترجمته في: «الأعلام» للرزكلي (٢/ ١٦٢)، «مُعْجَم المؤلفين» (٣/ ١٨٠).\n(^٤) «حَاشِيَة ابن عابِدِين» (٦/ ٤٦٠).","vol":"1","page":393},{"text":"وأباحه الصنعاني (^١) في رسالته «الإدراك لضعف أدلة ٣٩١، التحريم والشوكاني (^٢) في «إرشاد السائل إلى أدلة ٣٩٢، المسائل»، ونقل ابن عَابِدِين عن علي الأُجْهُورِيّ المالكي (^٣) أنه كتب في حله رسالة نقل فيها أنه أفتى بحله من يعتمد عليه من أئمة المذاهب الأربعة. وذكر ابن عَابِدِين -﵀- أن ابن عبد الغني النَّابُلُسِيّ ألف في حله رسالة سماها «الصلح بين الإخوان في إباحة شرب الدخان»، ونقل عن الشافعية تحليلهم له، بل نقل إيجابهم على الزوج كفاية زوجته منه إن كانت تتعاطاه على سبيل التفكه، دون التداوي (^٤).\n_________\n(^١) هو: عز الدين أبو إبراهيم محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني الصَّنعَانِيّ، المعروف بالأمير، مجتهد من بيت الإمامة في اليمن، يلقب المؤيد بالله، ولد بمدينة كحلان سنة ١٠٩٩ هـ، ونشأ بصنعاء وتوفي سنة ١١٨٢ هـ، من كتبه: «توضيح الأفكار، شرح تنقيح الأنظار في مصطلح الحديث، وسبل السلام شرح بلوغ المرام»، و«منحة الغفار» حَاشِيَة على ضوء النهار، و«اليواقيت في المواقيت» راجع ترجمته في: «البدر الطالع» (٢/ ١٣٣)، «الأعلام» للزرِكلِيّ (٦/ ٣٨).\n(^٢) هو: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشَّوْكَانِيّ، فقيه مجتهد من كبار علماء اليمن، من أهل صنعاء، ولد بهجرة شوكان من بلاد خولان باليمن سنة ١١٧٣ هـ، ونشأ بصنعاء، وولي قضاءها سنة ١٢٢٩ هـ، ومات حاكمًا بها سنة ١٢٥٠ هـ، له مؤلفات كثيرة منها: «نيل الأوطار من أسرار مُنْتَقَى الأخبار»، و«البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع»، و«إتحاف الأكابر»، و«الفوائد المَجْمُوعة في الأحاديث الموضوعة»، و«الدرر البهية في المسائل الفقهية»، و«فَتْح القَدِير»، و«إرشاد الفحول في أصول الفقه». راجع ترجمته في: «البدر الطالع» (٢/ ٢١٤).\n(^٣) هو: زين الدين أبو الفيض عبد الرحمن بن يوسف، الأُجْهُورِيّ المالكي فقيه مِصْرِيّ، أديب، مؤرخ، مقرئ، رحل إلى الشام وحلب وعاد إلى مصر، فدرس في الأزهر، من كتبه: «القول المصان عن البهتان في غرق فرعون»، و«شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» وفاته بالقاهرة سنة ٩٦١ هـ. راجع ترجمته في: «شَذَرَات الذَّهَب» (٤/ ٣٢٩)، «الأعلام» للزرِكلِيّ (٣/ ٣٤٣).\n(^٤) «حَاشِيَة ابن عابِدِين» (٦/ ٤٥٩ - ٤٦١).","vol":"1","page":394},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-167> المناقشة والترجيح:</span>\n* أما من حرموه فاستدلوا بالآتي:\n١ - الضرر:\nقال المُبارَكْفُورِيّ -﵀-:\n«اعلم أن بعض أهل العلم قد استدل على إباحة أكل التُّنْبَاك وشرب دخانه بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وبالأحاديث التي تدل على أن الأصل في الأشياء الإباحة. قال القاضي الشوكاني في «إرشاد السائل إلى أدلة المسائل» بعدما أثبت أن كل ما في الأرض حلال إلا بدليل ما لفظه: «إذا تقرر هذا علمت أن هذه الشجرة التي سماها بعض الناس التُّنْبَاك، وبعضهم التوتون، لم يأت فيها دليل يدل على تحريمها، وليست من جنس المسكرات، ولا من السموم، ولا من جنس ما يضر آجلا أو عاجلا، فمن زعم أنها حرام فعليه الدليل، ولا يفيد مجرد القال والقيل» انتهى.\nقلت [القائل المباركفوري] لا شك في أن الأصل في الأشياء الإباحة لكن بشرط عدم الإضرار وأما إذا كانت مضرة في الآجل أو العاجل فكلا ثم كلا ... وأكل التُّنْبَاك وشرب دخانه بلا مرية وإضراره عاجلا ظاهر غير خفي، وإن كان لأحد فيه شك فليأكل منه وزن ربع درهم أو سدسه، ثم لينظر كيف يدور رأسه، وتختل حواسه، وتتقلب نفسه حيث لا يقدر أن يفعل شيئا من أمور الدنيا أو الدين، بل لا يستطيع أن يقوم أو يمشي. وما هذا شأنه فهو مضر بلا شك» (^١).\n_________\n(^١) «تُحْفَة الأحْوَذِيّ» للمباركفوري (٥/ ٣٢٤ - ٣٢٥).","vol":"1","page":395},{"text":"٢ - وعن أُمِّ سَلَمَةَ قالت: «نهى رسول اللهِ -ﷺ- عن كل مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ».\nقال العَظِيم آبادِي: «قال في النهاية المفتر هو الذي إذا شرب أحمى الجسد وصار فيه فتور وهو ضعف وانكسار يقال أفتر الرجل فهو مفتر إذا ضعفت جفونه وانكسر طرفه» (^١).\n٣ - نتن الرائحة، وإن كان ذلك لا ينتهض للتحريم.\nقال ابن عَابِدِين: «وفي شرح العلامة الشيخ إسماعيل النَّابُلُسِيّ والد سيدنا عبد الغني على شرح الدرر بعد نقله أن للزوج منع الزوجة من أكل الثوم والبصل وكل ما ينتن الفم، قال ومقتضاه المنع من شربها التتن لأنه ينتن الفم خصوصا إذا كان الزوج لا يشربه أعاذنا الله تعالى منه» (^٢).\nوقال السندي -﵀-: «(فلا يأتين المسجد) الغرض منه والله أعلم أن إتيان المسجد ضروري فمن فعل شيئا يوجب حرمانه كان مسيئا أي لا يأكل من هذه الشجرة فيمتنع من دخول المسجد وأشد منه من يستعمل التُّنْبَاك شربا أو سعوطا فإنه يتأذى الناس به فدخول المسجد بعد استعمال هذا أشد وأغلظ وهذا الأمر يكثر وقوعه والناس عنه غافلون» (^٣).\n٤ - المنع السلطاني في زمانهم.\nقال ابن عَابِدِين -﵀-: «وإن كان في الدر المنتقى جزم بالحرمة لكن لا لذاته بل\n_________\n(^١) «عَوْن المَعْبُود» للعَظِيم آبادِي؛ كتاب الأشربة، باب ما جاء في النهي عن المسكر (١٠/ ٩١)، قال مفتر بكسر التاء الخفيفة من أفتر والشائع بالمشددة من فتّر. واعلم أن الحديث من رواية شهر بن حوشب وفيه المقال المعروف، ومن ثم فقد ضُعِّف.\n(^٢) «حَاشِيَة ابن عابِدِين» (٦/ ٤٥٩).\n(^٣) «شرح سُنَن ابن مَاجَه» للسندي (١/ ٧١).","vol":"1","page":396},{"text":"لورود النهي السلطاني عن استعماله» ثم عارض ابن عَابِدِين أن تكون أوامر سلاطين تلك الأزمنة تفيد الوجوب (١).\n٥ - الإسراف وإضاعة المال.\n٦ - واستدلوا بأنه بدعة لم يعرفها السلف.\n٧ - وفيه تشبه بأهل النار بل وبأكل النار والله شبه أكل مال اليتيم بأكل النار، فأكل النار أولى بالذم ولقد عذب الله قوم يونس بالدخان.\n٨ - واستدلوا بأنه يشارك أولية الخمر في النشوة والحشيش والأفيون في الإدمان (^١).\n* أما من أباح فاستدل بما يأتي:\n١ - الأصل في الأشياء الإباحة كما تقدم ويأتي في كلام النَّابُلُسِيّ -﵀-.\n٢ - عدم الضرر.\nقال ابن عَابِدِين -﵀-: «وألف في حله أيضا سيدنا العارف عبد الغني النَّابُلُسِيّ رسالة سماها «الصلح بين الإخوان في إباحة شرب الدخان» وتعرض له في كثير من تآليفه الحسان وأقام الطامة الكبرى على القائل بالحرمة أو بالكراهة فإنهما حكمان شرعيان لا بد لهما من دليل، ولا دليل على ذلك فإنه لم يثبت إسكاره ولا تفتيره ولا إضراره بل ثبت له منافع فهو داخل تحت قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة وأن فرض إضراره للبعض لا يلزم منه تحريمه على كل أحد فإن العسل يضر بأصحاب الصفراء الغالبة وربما أمرضهم مع أنه شفاء بالنص القطعي وليس الاحتياط في الافتراء على الله تعالى بإثبات الحرمة أو الكراهة اللذين لا بد لهما من دليل بل في القول بالإباحة التي هي الأصل. وقد توقف النبي مع أنه هو المشرع في تحريم الخمر\n_________\n(^١) «الطب في ضوء الإيمان» (٢٦٤).","vol":"1","page":397},{"text":"أم الخبائث حتى نزل عليه النص القطعي. فالذي ينبغي للإنسان إذا سئل عنه سواء كان ممن يتعاطاه أو لا كهذا العبد الضعيف وجميع من في بيته أن يقول هو مباح لكن رائحته تستكرهها الطباع فهو مكروه طبعا لا شرعا إلى آخر ما أطال به رحمه الله تعالى» (^١). ورد ابن عَابِدِين على من قال بالضرر فقال: «قوله: ربما أضر بالبدن. الواقع أنه يختلف باختلاف المستعملين» (^٢).\n٣ - أن نتن الرائحة لا يفيد التحريم، بل الكراهة التنزيهية وغاية ما هناك أن يجتنب التدخين قبل مواعيد الصلوات لمن يصليها بالمسجد.\n٤ - لا يعتبر الإنفاق على التدخين من التبذير المنهي عنه بل من التفكه الجائز.\nالملاحظ أن الخلاف ينحسم إذا تبين أن التدخين ثابت ضرره بكل من يتعاطاه.\nوهذا يقودنا إلى المطلب الآتي بخصوص رأي الطب في التدخين.\n* * *\n_________\n(^١) «حَاشِيَة ابن عابِدِين» (٦/ ٤٥٩).\n(^٢) «حَاشِيَة ابن عابِدِين» (٦/ ٤٦٠).","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>المطلب الثالث: رأي الطب في التدخين</span>\n• لعل محاولة إقامة الحجة على ضرر التدخين مما لا يليق في زماننا هذا وقد صار أمرًا لا ينكره أحد العقلاء، فيكون نصب الحجج عليه كالاستدلال على الشمس في رابعة النهار. ولقد رأيت أن أكتفي ببيان حجم الضرر على وجه الاختصار.\nتذكر منظمة الصحة العالمية أن التدخين ثاني أكبر سبب للوفاة بالعالم ومسؤول عن موت خمسة ملايين بالعالم سنويًّا، أي أن واحدًا من كل عشرة يموتون يتسبب التدخين في موته.\nوعدد المدخنين في العالم اليوم ستمائة وخمسون مليونًا تقريبا، وتتوقع المنظمة أن يموت نصفهم بسبب التدخين قبل حلول عام عشرين وألفين (^١).\nومما يسببه التدخين سرطان الرئة والالتهابات القصبية بالرئتين وانتفاخهما (الإمفيزيما) وقصور الدورة الدموية للقلب، وانسداد الأوعية الدموية في الأطراف، وسرطان اللسان والحَنْجَرَة والبُلْعُوم والبنكرياس والمثانة وقرحة المَعِدَة والاثني عشري والإجهاض وموت الأجنة ... الخ (^٢).\nولعلي أكتفي بما تقدم لأن الضرر البالغ للتدخين لا ينازع فيه عاقل حتى أن من يصنعون الدخان يعترفون بضرره ويكتبون طوعًا أو كرهًا على صناديق السجائر «التدخين ضار جدًّا بالصحة».\nفهل يكفي هذا الإجماع العالمي لمراجعة الفتوى؟ هذا موضوع المطلب الآتي.\n_________\n(^١)  Tobacco Free Initiative [Online] / auth.disease World Health Organization/ Noncommunicable // World Health Organization. -٢٨١، ٢٠٠٨.\n(^٢)  للمزيد، انظر «التبغ والتدخين تجارة الموت الخاسرة» [كتاب] /المؤلف محمد علي البار. - جُدَّة: الدار السعودية - الأولى.","vol":"1","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>المطلب الرابع: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى بشأن التدخين</span>\nقد ظهر لنا من استعراض أقوال الفقهاء المتقدمين الذين ناقشوا هذه المسألة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر أن خلافهم كان محوره حول حصول الضرر من التدخين، فمن أحله أو كرهه ادعى أنه لا ضرر منه وإن كان ثم فهو مختص ببعض المدخنين دون بعض.\nولقد أثبت الطب أن ضرره البالغ ليس يصيب فقط المدخن بل من حوله حتى أن زوجة المدخن يزيد معدل إصابتها بسرطان الرئة ستة أضعاف عن زوجة غير المدخن وكلتاهما لا تدخنان (^١).\nفهل بقي بين الفقهاء من ينكر ضرر التدخين البالغ، فإن لم يكن، فهل يمكن القول بغير الحرمة والله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\nويقول: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].\n﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].\nورسول الله -ﷺ- يقول: «لا ضَرَرَ ولا ضِرَار» (^٢).\n_________\n(^١) «الموسوعة الطبية الفقهية» لأحمد كنعان (ص ١٨٢).\n(^٢) حديث شريف وأيضًا قاعدة فقهية كلية: «سُنَن ابن مَاجَه» كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره (٢/ ٧٨٤)، «المُسْتَدْرَك على الصَّحِيحَيْن» كتاب البيوع (٢/ ٦٦). ورواه أيضًا مالك في «المُوَطَّأ»، وأحمد في «المسند»، والبَيْهَقِيّ في «الكُبْرَى» وآخرون. وحسنه النووي في «الأربعين»، وصححه الألبَانِيّ لكثرة طرقه. انظر «الإرواء» برقم ٨٩٦ و«سُنَن ابن مَاجَه - بتحقيق مشهور» برقم (٢٣٤٠)، «صَحِيح الجَامِع» برقم ٧٥١٧. والحديث، وإن تكلم البعض في سنده، إلا أن سنده محتمل للتحسين، وعَمَلُ الفقهاء عليه، ونصوص الوحيين شاهدة له، بل يشهد له دين الإسلام كله.","vol":"1","page":400},{"text":"أو ليس من السفه أن ينفق المرء ماله في إهلاك نفسه وإضعاف بدنه، والله يقول:\n﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].\nأوليس من العدوان أن يعرض المرء زوجته وأولاده بل ومجتمعه لأخطار الدخان الذي يشربه والله يقول: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠].\nحتى إن المدخن ليس يؤذي من حوله من الإنس فحسب بل إنه يؤذي الملائكة، فقد قال رسول الله -ﷺ-: «من أَكَلَ من هذه الْبَقْلَةِ الثُّومِ -وقال مَرَّةً-: من أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فإن الْمَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى منه بَنُو آدَمَ» (^١).\nفكيف يرضى المسلم لنفسه أن يقع في فخ الشيطان وأعداء الإنسانية الذين يجمعون الثروات الطائلة من هذه التجارة الخبيثة على أشلاء الخلق ودون مراعاة لمعاناتهم.\nولقد ساءني مقال قرأته في إحدى الصحف الأمريكية يدافع عن صناعة التبغ وينصح مؤلفه بزيادة التوعية ضد التدخين وأن تبقى مصانع التبغ على حالها لتصدر السجائر إلى بلاد أخرى! (^٢) فهل آن وقت الإفاقة.\n* * *\n_________\n(^١) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب نهي من أكل ثوما أو بصلا أو كراثا أو نحوها (١/ ٣٩٥).\n(^٢) لا بد من الإشارة إلى أن هذا الفكر الشائن خاص بصاحبه وأمثاله لا بكل الأمريكان، وكان التنبيه على ذلك لأننا أمة إنصاف.","vol":"1","page":401},{"text":"الفصل الثاني: الاستمناء","vol":"1","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>الفصل الثاني: الاستمناء</span>\nهذه مسألة (^١) تعرض للأطباء كثيرًا حيث يسأل الشباب وغيرهم عن الاستمناء ومدى ضرره بصحة الإنسان. وهي أيضًا من المسائل التي يبني فيها الفقهاء فتاواهم، وإن جزئيًّا، على الضرر بصحة الإنسان. ومع ضعف الأدلة في الباب، كما سنبين، يبقى تحرير رأي الطب مهمًّا فيه، وذا أثر بالغ على الترجيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>تعريف الاستمناء:</span>\nفي اللغة: مصدر استمنى أي طلب خروج المني، واصطلاحًا: إخراج المني بغير جماع (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>حكم الاستمناء:</span>\nهو مما اختلف فيه، فذهب قوم إلى التحريم مطلقًا وقوم إلى الإباحة مطلقًا، وقال آخرون بالكراهة، وقال بعضهم بالتحريم إلا إذا غلبته الشهوة أو خاف على نفسه من الزنا جاز، وقال بعضهم بالتحريم إلا إذا خاف على نفسه الزنا وجب. وفيما يأتي عرض الآراء.\n* * *\n_________\n(^١) أُخِذَت فقرات في هذا المبحث من رسالة الماجستير للباحث.\n(^٢) «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» الاستمناء (٤/ ٩٨ - ٩٩).","vol":"1","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>عرض الخلاف حول الاستمناء</span>\n* القائلون بالتحريم مطلقًا:\nروي عن ابن عمر (^١) -﵁-، وقال به عَطَاء (^٢) -﵁- من التابعين ومن المذاهب الأربعة المالكية (^٣) والشافعية (^٤) ونسبه القُرْطُبِيّ إلى عامة العلماء (^٥).\n* ودليلهم قوله تعالى:\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].\nقال سيدنا الإمام الشافعي -﵀- في «الأم»: «باب الاستمناء: قال الله ﷿ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ قرأ إلى ﴿الْعَادُونَ﴾ (قال الشافعي) فكان بينًا في ذكر حفظهم لفروجهم إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم تحريم ما سوى الأزواج وما ملكت الأيمان، وبين أن الأزواج وملك اليمين من الآدميات دون البهائم، ثم أكدها فقال ﷿ ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ فلا يحل العمل بالذَّكر إلا في الزوجة أو في ملك اليمين، ولا يحل الاستمناء، والله تعالى أعلم» (^٦).\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٢/ ٤٠٧).\n(^٢) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٢/ ٤٠٨).\n(^٣) «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (٢/ ٣٨٥).\n(^٤) «الأُمّ» للشافعي (٥/ ١٠١ - ١٠٢).\n(^٥) «أحْكَام القُرآن» للقُرْطُبِيّ (١٢/ ١٠٦).\n(^٦) «الأُمّ» للشافعي (٥/ ١٠١ - ١٠٢).","vol":"1","page":406},{"text":"وقال القُرْطُبِيّ -﵀- في «أحْكَام القُرآن»:\n«قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبد العزيز قال: سألت مالكًا عن الرجل يجلد عُمَيرة، فتلا هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ قرأ إلى ﴿الْعَادُونَ﴾ وهذا لأنهم يكنون عن الذكر بعُمَيْرَة وفيه يقول الشاعر:\nإذا حَلَلْت بوادٍ لا أنيس به ... فاجْلِد عُمَيْرَة لا داء ولا حرج\nويسميه أهل العراق الاستمناء وهو استفعال من المني. وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه (^١) ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة، كالفصد والحجامة. وعامة العلماء اتفقت على تحريمه، وقال بعض العلماء إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل، ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها، فإن قيل إنها خير من نكاح الأمة قلنا: نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا، وإن كان قد قال به قائل أيضًا. ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل عار بالرجل الدنيء فكيف بالرجل الكبير.\nالسادسة: قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ قال الفراء: أي من أزواجهم اللاتي أحل الله لهم لا يجاوزون ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ في موضع خفض معطوفة على أزواجهم وما مصدرية وهذا يقضي تحريم الزنا وما قلناه من الاستمناء ونكاح المتعة؛ لأن المتمتع به لا يجري مجرى الزوجات» (^٢).\n_________\n(^١) نسبة التجويز إلى الإمام أحمد -﵀- خطأ عليه، فإنه قد وردت عنه روايتان واحدة بالتحريم والأخرى بالكراهة فيمن استمنى لغير حاجة، وإنما جوزه لمن غلبته الشهوة، وخاف على نفسه الزنا. «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (١٠/ ٢٥١ - ٢٥٢)، «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (٦/ ١٢٢)، وذكر فيه رواية عن أحمد بالتحريم حتى لو خاف، ولكنها ليست المشهورة في المذهب.\n(^٢) «أحْكَام القُرآن» للقُرْطُبِيّ (١٢/ ١٠٦).","vol":"1","page":407},{"text":"* القائلون بالتحريم إلا لو خاف على نفسه الزنا جاز:\nقال بذلك الحنابلة وهو المشهور في مذهبهم (^١).\n* القائلون بالتحريم إلا إذا غلبته الشهوة وأراد تسكينها جاز، فإن خاف على نفسه الزنا وجب.\nقال به الحنفية (^٢).\n* ودليل الحنابلة والحنفية هو ما تقرر في الأصول من ارتكاب أخف الضررين، وكونه في هذه الحالة ضرورة، وبه يندفع شر الزنا. قال المِرْداوِيّ (^٣) في الإنْصَاف: «لو قيل بوجوبه (أي الاستمناء) في هذه الحالة (إن فعله خوفًا من الزنا، ولم يجد طولًا لحرة، ولا ثمن أمة) لكان له وجه كالمضطر» (^٤).\n* القائلون بالكراهة:\nقال به أحمد في رواية (^٥) وابن حَزْم (^٦) وذكره عن عَطَاء (^٧).\n_________\n(^١) انظر «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (١٠/ ٢٥١ - ٢٥٢)، «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (٦/ ١٢٢).\n(^٢) «رَدّ المُحتار على الدُّر المُخْتار» لابن عابِدِين (٤/ ٢٧).\n(^٣) هو: علي بن سليمان بن أحمد المِرْدَاوِيّ الدِّمَشْقِيّ الفقيه الحنبلي، ولد في مردا قرب نابلس سنة ٨١٧ هـ، وانتقل في كبره إلى دمشق فتوفي فيها -﵀- سنة ٨٨٥ هـ، من كتبه: «الإنْصَاف في معرفة الراجح من الخلاف»، و«التنقيح المشبع في تحرير أحكام المُقْنِع»، و«تحرير المنقول في أصول الفقه»، و«شرح التحبير في شرح التحرير»، و«الدر المُنْتَقَى المَجْمُوع في تصحيح الخلاف». راجع ترجمته في: «الضوء اللامع» (٥/ ٢٢٥)، «البدر الطالع» (١/ ٤٤٦).\n(^٤) «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (١٠/ ٢٥٢).\n(^٥) «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (٦/ ١٢١).\n(^٦) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٢/ ٤٠٧).\n(^٧) المصدر السابق.","vol":"1","page":408},{"text":"* القائلون بالإباحة:\nروي عن ابن عباس -﵁- (^١). وقال به الحسن وعمرو بن دينار (^٢) وزياد أبو العلاء (^٣) وأبو الشعثاء ومجاهد (^٤) (^٥). وأخطأ القُرْطُبِيّ -﵀- ونسبه إلى أحمد كما بينا.\n* والقائلون بالكراهة والإباحة أدلتهم واحدة غير أن من ذهب إلى الكراهة إنما كرهه لأنه ليس من مكارم الأخلاق وأنا هنا أنقل كلامًا لابن حَزْم ينتصر فيه لعدم التحريم حيث قال -﵀-:\n_________\n(^١) ذكره ابن حَزْم في «المُحَلَّى» (١٢/ ٤٠٧)، أشار إلى ضعف الرواية فقال: الأسانيد عن ابن عباس وابن عمر في كلا القولين مغموزة.\n(^٢) هو: أبو محمد عمرو بن دينار الجُمَحِيّ الأثرم فقيه كان مفتي أهل مكة، فارسي الأصل، من الأبناء، مولده بصنعاء سنة ٤٦ هـ، سمع من: جابر بن عبد الله، وابن عمر، وأنس بن مالك، وعبد الله بن جعفر، وأبي الطفيل وغيرهم من الصحابة، وحدث عنه: قَتَادَة بن دِعَامَة، والزُّهْرِيّ، وأيوب السختياني، وعبد الله بن أبي نجيح، وجعفر الصادق، وعبد الملك بن ميسرة، وابن جريج، وشعبة، وسفيان الثوري؛ قال شعبة: ما رأيت أثبت في الحديث منه، ووفاته -﵀- بمكة سنة ١٢٦ هـ. راجع ترجمته في: «طبقات ابن سعد» (٥/ ٤٧٩)، «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ٥٨)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٥/ ٣٠٠).\n(^٣) هو: زياد أبو العلاء مولى بني كلاب روى عن: الحسن روى عنه: هُشَيْمُ بن بَشِير قاله ابن أبي حاتم. راجع ترجمته في: «التاريخ الكبير» للبخاري (٣/ ٣٦٥)، «الثِّقَات» لابن حِبَّان (٦/ ٣٢٨)، «الجَرْح والتَّعْدِيل» لابن أبي حاتم (٣/ ٥٥٣).\n(^٤) هو: أبو الحجَّاج مُجَاهِد بن جَبْر المَكِيّ مولى بني مَخْزُوم تابعي، المفسر بل كبيرهم بعد الصحابة، من أهل مكة، أخذ التفسير عن ابن عباس قرأه عليه ثلاث مرات، يقف عند كل آية يسأله: فيم نزلت وكيف كانت؟ وتنقل في الأسفار، واستقر في الكوفة. راجع ترجمته في: «طبقات ابن سعد» (٥/ ٤٤٦)، «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ٥٨)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٤/ ٤٤٩).\n(^٥) «المُحَلَّى» (١٢/ ٤٠٧).","vol":"1","page":409},{"text":"«فلو عرضت فرجها شيئًا دون أن تدخله حتى ينزل فيكره هذا، ولا إثم فيه وكذلك الاستمناء للرجال سواء بسواء؛ لأن مس الرجل ذكره بشماله مباح، ومس المرأة فرجها كذلك مباح، بإجماع الأمة كلها، فإذا هو مباح فليس هنالك زيادة على المباح، إلا التعمد لنزول المني، فليس ذلك حرامًا أصلًا، لقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] وليس هذا مما فصل لنا تحريمه فهو حلال، لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] إلا أننا نكرهه؛ لأنه ليس من مكارم الأخلاق، ولا من الفضائل. وقد تكلم الناس في هذا فكرهته طائفة وأباحته أخرى: كما نا حمام ... عن مجاهد قال: سئل ابن عمر عن الاستمناء، فقال: ذلك نائك نفسه. وبه إلى سفيان الثَّورِيّ ... عن ابن عباس أن رجلًا قال له: إني أعبث بذكري حتى أنزل؟ قال: أف، نكاح الأمة خير منه، وهو خير من الزنى. وأباحه قوم كما روينا بالسند المذكور إلى عبد الرزاق ... أخبرني إبراهيم بن أبي بكر عن رجل عن ابن عباس أنه قال: وما هو إلا أن يَعْرِك أحدكم زبه حتى ينزل الماء. حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ... عن قَتَادَة عن رجل عن ابن عمر أنه قال: إنما هو عصب تدلكه. وبه إلى قَتَادَة عن العلاء بن زياد عن أبيه أنهم كانوا يفعلونه في المغازي (يعني الاستمناء) قال قَتَادَة وقال الحسن - في الرجل يستمني يعبث بذكره حتى ينزل -: «كانوا يفعلونه في المغازي». وعن جابر بن زيد أبي الشعثاء قال: هو ماؤك فأهْرِقْه (يعني الاستمناء). وعن مجاهد قال: «كان من مضى يأمرون شبابهم بالاستمناء يستعفون بذلك».\nقال عبد الرزاق: وذكره مَعْمَر عن أيوب السختياني وغيره عن مجاهد عن الحسن أنه كان لا يرى بأسًا بالاستمناء. وعن عمرو بن دينار: «ما أرى بالاستمناء بأسًا» قال أبو محمد -﵀- الأسانيد عن ابن عباس، وابن عمر في كلا القولين مغموزة، لكن الكراهة صحيحة عن عَطَاء، والإباحة المطلقة صحيحة عن الحسن وعن عمرو بن دينار وعن زياد أبي العلاء وعن مجاهد. ورواه من رواه من هؤلاء عمن أدركوا. وهؤلاء كبار التابعين الذين لا يكادون يروون إلا عن الصحابة -﵃-» (^١).\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨).","vol":"1","page":410},{"text":"•\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>مناقشة الآراء والترجيح:</span>\nأما القول بالتحريم، فاستُدِل له بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] ولا ينتهض مثل ذلك للتحريم - سيما مع وجود المعارضة - وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٤]؛ فإن هذا من دليل الإشارة، ولو كان يفهم بدلالة التضمن في المنطوق الصريح لما خفي على كثير من أهل العلم وظهر للإمام الشافعي. ولفظ الآية فيه إجمال والقرينة المبينة للمعنى المقصود هي المستثنى (الأزواج وملك اليمين) وفي ذلك بيان أن المراد بحفظ الفروج هو حفظها عمن لا يحل من النساء. ولو لم تكن هذه القرينة لانصرف المعنى إلى ما ذهبنا إليه بقرينة عرف الاستعمال، وقد يتوجه القول أن لفظ ﴿حَافِظُونَ﴾ ليس فيه أصلًا إجمال بل هو ظاهر على أن الحفظ عمن لا يحل من النساء من جهة العرف.\nولم يستدل أحد من محققي العلماء بالروايات الضعيفة في تحريم الاستمناء، ولكن يكثر استعمال الوعاظ لها مثال ذلك:\nما روي عنه -ﷺ- أنه قال: «سبعة لا ينظر الله ﷿ إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ويقول: ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل والمفعول به، والناكح يدَه، وناكح البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، وناكح المرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، والمؤذي لجاره حتى يلعنه» (^١) ولو صحت هذه الروايات لما كان لأحد بعده -ﷺ- قول، ولكنها شديدة الضعف.\nوقد يستدل بأنه -ﷺ- أرشد الشباب عند عدم القدرة على النكاح إلى الصوم، ولم يذكر\n_________\n(^١) ضعفه الألبَانِيّ في «السلسلة الضعيفة» برقم ٣١٩.","vol":"1","page":411},{"text":"الاستمناء، حيث قال: «ومن لم يستطع (أي النكاح) فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (^١). والجواب أنه -ﷺ- أرشدهم إلى الأفضل، ولا يلزم أن يرشدهم إلى كل خطوات العلاج دفعة واحدة، ونَقْل التابعين عمن قبلهم يشعر أن الاستمناء لم يكن نادرًا في أزمنتهم وسكت عنه الشرع، وفي سكوته دليل على الإباحة لا عكسها.\nثم إن مما قد يستدل به على التحريم من التعليل الآتي:\n١ - نكاح اليد أو الاستمناء قد يكون صارفًا عن الزواج وإحصان المرء نفسه. والجواب: أن هناك فرقًا بين الاستمناء والجماع لا يسمح للقادر على الثاني أن يستغني بالأول إلا في حالات شاذة قليلة، ولا عبرة بالنادر. ثم إنه لا يقدر على الزواج كل أحد سيما في أزمنتنا هذه حيث انتشرت العزوبة انتشارا واسعًا بين الشباب والفتيات، ولكن ينبغي أن ييسر الزواج لأن فيه الإحصان الحقيقي، إضافة إلى غير ذلك من فوائده، ولن يكون تحليل الاستمناء سببًا في عزوف الناس عن الزواج.\n٢ - المضار الصحية (^٢) التي يكثر ذكر الوعاظ وبعض العلماء والأطباء لها.\n• ولم يثبت علميًّا شيء منها (^٣)، وإن شاع غير ذلك في أوساط العلماء والدعاة. فكل\n_________\n(^١) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب النكاح، باب قول النبي -ﷺ- من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج (٥/ ١٩٥٠).\n(^٢) انظر (ص ٤١١).\n(^٣)  Male Puberty: Physical، psychological and emotional issues، Mark A.Goldstein M.D.Adolescent Medicine، Volume ١٤.Number ٣ October ٢٠٠٣\nأوردت في رسالتي أبحاثًا غربية لأن الطب الحديث في أغلبه نتاج غربي، وإن كان لا ينكر منصف تأثره في بداياته بشكل بالغ بطب المسلمين، ولعل في هذا دعوة لتجديد العزم على طلب السبق؛ والمطلوب من مراكز البحث العلمي في العالم الإسلامي إجراء دراسات متقنة في كافة فروع الطب، لا سيما في مثل هذه الأبواب التي لا يخفى أن النقل فيها عن الغربيين لن يصفو من كدر وشك ولن يحصل الاطمئنان إلا إذا كان النقل عن الثقات من أطبائنا.","vol":"1","page":412},{"text":"ما ذكر من آثار سلبية على البصر والمفاصل وغيرها لم يثبت منه شيء عن طريق البحث العلمي والتحقيق - على الأقل في زماننا- غير أن الإسراف في أي شيء قد تكون له مضار، ومثل ذلك أيضًا الإسراف في الجماع. وينبغي من التنبيه هنا أن التحريم لو ثبت بالدليل، فإنه لا يندفع إجماعًا بادعاء عدم الضرر، ولكن إن لم يثبت التحريم بالدليل الصريح، فإنه قد يحكم على الشيء بالمنع إذا ثبت ضرره.\n• وغاية ما نحب أن ننبه عليه في هذه الفقرة هو عدم ثبوت الضرر عن طريق البحث العلمي، وإن ادعاه بعض الأطباء، ولكن الأصل عدم الضرر فنحن نقول بذلك حتى يثبت بالبحث العلمي القائم على التحقيق خلافه، إذ ينبغي أن ننزه الحكم الشرعي عن الاستدلال له بدعاوى هذا الطبيب أو ذاك العارية من البرهان. فإن قيل قد يتبين ضرره في المستقبل، قلنا فعندئذ يتوجه المنع.\n• وحيث إنه لا يوجد دليل صحيح صريح على التحريم؛ فإن الأصل على البراءة والحل، وتتوجه الكراهة لمن فعله لغير حاجة لكونه مما يترفع عنه كبار النفوس وأصحاب الفضل، أما من فعله لحاجة فليس عليه بأس إن شاء الله. حتى أن المالكية الذين حرموه في كل حال قالوا يفعله إن خاف الزنا، قال الخَرَشِيّ -﵀-: «اعلم أن استمناء الشخص بيده حرام، خشي الزنا أما لا، لكن إن لم يندفع عنه الزنا إلا به قدمه عليه ارتكابا لأخف المفسدتين» (^١).\n• إن ثورة الشهوة عند الشباب جامحة وقد تؤدي بهم وبالمجتمع إلى مخاطر عظيمة؛ وإن قول الحسن وزياد أبي العلاء «كانوا يفعلونه في المغازي» (^٢) يشعر أنهم ينقلون\n_________\n(^١) «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (٢/ ٣٥٨).\n(^٢) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨).","vol":"1","page":413},{"text":"عن الصحابة كما أشار إليه ابن حَزْم (^١) وقال مجاهد: «كان من مضى يأمرون شبابهم بالاستمناء يستعفون بذلك» (٢) إلى غير ذلك من الآثار عن كبار التابعين. فكيف يسوغ أن يحموا شبابهم، ونضيق على شبابنا لنوقعهم في العنت، وهم أولى بالتخفيف لشدة الفتن وضيق طرق الحلال واتساع طرق الحرام.\n• كل ذلك من الآثار، مع ما وضحنا من عدم وجود الدليل الظاهر على المنع، ومع وجود الحاجة الماسة لتسكين الشهوة عند كثير من الشباب حماية لهم وللمجتمع، يُشْعِر بأن القول الراجح في حكم الاستمناء هو الكراهة لغير حاجة، والجواز عند ثورة الشهوة لتسكينها، وقد يتوجه الوجوب لمن خاف على نفسه الزنا ورأى أنه لا يندفع عنه إلا به والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المصدر السابق.","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>فرع: وحكم المرأة كحكم الرجل فإنما النساء شقائق الرجال:</span>\nقال ابن حَزْم -﵀-: «فلو عرضت فرجها شيئًا دون أن تدخله حتى ينزل فيكره هذا، ولا إثم فيه، وكذلك الاستمناء للرجل سواء بسواء» (^١).\nوبذلك قال الحنابلة في نفي الفرق بين المرأة والرجل -وإن خالف بعضهم (^٢).\nوهل يجوز لها أن تدخل شيئًا في فرجها؟ قال به الحسن -﵀- (^٣) إن فعلته تريد الستر وتستغني به عن الزنا.\nوليس ثم دليل على التحريم، ولكن تمنع البكر من إدخال شيء في فرجها فإنها بذلك تفض بكارتها، ولا يخفى ما في ذلك من الضرر.\n* * *\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨).\n(^٢) «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (١٠/ ٢٥٢ - ٢٥١)، «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (٦/ ١٢١).\n(^٣) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨).","vol":"1","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>فرع: تدابير تغني أصحاب النفوس الكبيرة عن الاستمناء:</span>\nهذا الذي ذكرت من جواز الاستمناء للحاجة وتسكين الشهوة هو الأسعد حظًّا من جهة الدليل، وليس الورع بالتحريم من غير دليل بل الوقوف عند حدود الشرع وعدم تجاوزها؛ لا بتحليل ما حُرِّم ولا بتحريم ما أُبيح أو سُكِت عنه.\nولكن هناك تدابير ينبغي أن تراعى وتتبع لإحصان النفس وتسكين الشهوة هي مقدمة على الذي ذكرنا وأفضل وأولى بأصحاب النفوس الكبيرة، وأورع، وأبعد عن موطن الشبهة، والخروج من الخلاف خير وعافية للمؤمن. ومن هذه التدابير ما هو نصائح نبوية لا يفرط فيها إلا من سفه نفسه. ومن أهمها:\n١ - الزواج المبكر: للشباب والفتيات، وقد نصح بذلك رسول الله -ﷺ- حيث قال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغَضُّ للبصر وأحْصَنُ للفرج» (^١).\n٢ - الصوم لعدم القادر على الزواج: لقوله -ﷺ- في تتمة الحديث السابق: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء».\n٣ - الابتعاد عن مثيرات الشهوة: كالنظر المحرم ومشاهدة الأفلام الخليعة والسماع المحرم .. إلى غير ذلك.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠].\n٤ - ملء الفراغ وطلب المعالي واتخاذ الأخلاء الذين يعينون على الطاعة: وقد تنصرف بعض الطاقة أيضًا بالألعاب الرياضية النافعة.\nوالله تعالى نسأل أن يحصن شباب وفتيات المسلمين ويعصم مجتمعاتهم من الفاحشة.\n_________\n(^١) «البخاري» كتاب النكاح، باب قول النبي -ﷺ- من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج (٥/ ١٩٥٠).","vol":"1","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>الفصل الثالث: حكم التداوي</span>\nوفيه مبحثان:\nالأول: حكم التداوي عمومًا\nالثاني: حكم مداواة الحالة النباتية المستمرة","vol":"1","page":417},{"text":"المبحث الأول: حكم التداوي عمومًا\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: أقوال الفقهاء في التداوي ومناقشتها\nالمطلب الثاني: أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى بشأن التداوي","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>المبحث الأول: حكم التداوي عمومًا</span>\nللعلماء - ﵏ - بحوث مطولة بشأن حكم التداوي؛ ولقد اختلفت آراؤهم بهذا الصدد اختلافًا واسعًا، ولعل كثيرًا من الخلاف كان بسبب اختلاف المحكوم عليه. والمرء لا يملك إلا أن يسائل نفسه، هل كان علماؤنا الأجلاء ليقولوا ما قالوه عن حكم التداوي وكونه غير واجب، بل ولا مستحب - في قول البعض - لو أنهم اطلعوا على ما وصلت إليه العلوم الطبية الحديثة؟\nونحن هنا نعرض أقوال أهل العلم في التداوي عمومًا، ونرجح ما يظهر لنا رُجْحَانه، ونبين أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى.\nوفي هذا المبحث مطلبان:\nأقوال الفقهاء في التداوي ومناقشتها.\nأثر تطور المعارف الطبية على الفتوى بشأن التداوي.\n* * *","vol":"1","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>المطلب الأول: أقوال الفقهاء في التداوي ومناقشتها</span>\nالتداوي عمومًا قد تعتريه الأحكام الخمسة، قال الإمام ابن تَيمِيَّة -﵀-: «التحقيق أن من التداوي ما هو محرم، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو واجب، وهو ما يعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره، ليس التداوي بضرورة بخلاف أكل الميتة» (^١).\nأما التداوي الذي نحن بصدد الحديث عنه في هذا المبحث فهو التداوي بغير المحرم، وجواز التداوي به مجمع عليه (^٢)، لم يخالف فيه إلا بعض غلاة الصوفية (^٣). ولذلك فالخلاف بين أهل العلم منحصر فيما إذا كان مباحًا وتركه أفضل أم مستحبًّا أو واجبًا.\nوكلام شيخ الإسلام -﵀- متقن وحق كما سنبين، ولكن لا بد من تقرير ما إذا كان الأصل في التداوي الوجوب أم الاستحباب أم الجواز؛ وذلك لأن المرض مما تعم به البلوى، فلزم أن نبين لعموم الناس مراد الله منهم عند حلوله بهم، لأنهم لن يراجعوا فقيهًا عند حلول كل مرض، وإنما يتصور ذلك في مرض عضال أو آخر قد طال.\nولقد ذهب الجمهور إلى عدم وجوب التداوي، فالحنفية جعلوه مندوبًا (^٤) والمالكية لفظ أكثرهم «لا بأس به» (^٥) وصرح بعضهم بالاستحباب (^٦) وهو عند الشافعية\n_________\n(^١) «مَجْمُوع الفَتَاوَى» لابن تَيمِيَّة (٣٧/ ٤٧١).\n(^٢) في «الهِدَايَة شَرْحُ البِدَايَة»: التداوي مباح بالإجماع (٤/ ٩٧).\n(^٣) «تلبيس إبليس» (١/ ٣٥١).\n(^٤) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٥/ ١٢٧).\n(^٥) «الفواكه الدواني» للنَّفْرَاوِيّ، أحمد بن غنيم (٢/ ٣٣٩).\n(^٦) «حَاشِيَة العَدَوِيّ» (٢/ ٦٤١).","vol":"1","page":422},{"text":"مستحب (^١) ولكنْ قال النَّوَوِيّ «وإن ترك التداوي توكلا فهو فضيلة» (^٢). وصرح أحمد بأن تركه توكلا أفضل مع الإقرار بجوازه، وعلى ذلك مذهبه (^٣).\nأما القول بالوجوب، فإليه ذهب كثير من المعاصرين، وهو قول عند الحنابلة (^٤) ونقله ابن تَيمِيَّة وجهًا عن أحمد (^٥) وبه يقول بعض الشافعية (^٦) عند العلم بحصول الشفاء، ويذكره بعض المالكية احتمالًا (^٧).\nوفي السطور الآتية نناقش أدلة الفريقين.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-180> أدلة عدم الوجوب:</span>\n١ - ما رواه ابن عباس -﵁-: أن امرأة جاءت إلى النبي -ﷺ- فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يَشْفِيني. فقال: «إن شئتِ دعوتُ الله فشفاك، وإن شئت صَبَرْتِ ولك الجنة. قالت: يا رسول الله أَصْبِر» (^٨).\nومحل الشاهد أنه -ﷺ- خيرها بين طلب الشفاء بدعوته والصبر على المرض، ويذكر بعض القائلين بعدم الوجوب أنه أقوى ما في الباب في الدلالة على عدم وجوب\n_________\n(^١) «نهاية المُحْتاج» للرَّمْلِيّ (٣/ ١٩).\n(^٢) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٥/ ٩٦).\n(^٣) «مَطَالِب أُولِي النُّهَى» للرَّحِيباني (الرُّحَيباني) (١/ ٨٣٤).\n(^٤) «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (٢/ ٤٦٣)، «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (٢/ ١٣١).\n(^٥) الطب النبوي للذَّهَبِيّ ٢٢١. نقلا من المسائل الطبية المستجدة للنتشة (ص ٣٢).\n(^٦) «تُحْفَة المُحْتاج» للهَيتَمِيّ (٣/ ١٨٣).\n(^٧) قال الصَّاوِيّ في «بلغة السالك»: «ويجوز التداوي وقد يجب». «بلغة السالك» (٤/ ٧٧٠)، طبعة دار المعارف.\n(^٨) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب المرضى، فضل من يصرع (٥/ ٢١٤٠).","vol":"1","page":423},{"text":"التداوي، ولا نرى أنه يفيد جواز ترك التداوي على الإطلاق، لأنه -ﷺ- ربما أراد أن يدخر لها الدعوة لأمر أعظم من الشفاء كدخول الجنة. وكذلك، فإن هناك فرقًا بين طلب الدعاء من الغير والتداوي، فالأخير من الأسباب المادية التي أمرنا أن نتعاطى معها لدفع الضرر، ومتى غلب على الظن اندفاعه بها لزمت. نعم، دعاؤه -ﷺ- أقوى من كل دواء، ولكن لو فتح الباب واسعًا، لَطَلَبَ كل أحد الدعاء منه في حياته بالشفاء والثراء وغير ذلك، ولكان الناس أمة واحدة على الإيمان، ولما كان مجتمع المدينة مجتمعًا بشريًّا يصلح لأن يكون أسوة لمجتمعاتنا وأفراده قدوة لأفرادنا في كل ما يعتريهم من أحوالٍ كالسرور والهم واليسر والعسر والصحة والمرض.\nالقصة إذًا محتملة لوجوه، وتطرق الاحتمال القوي يكفي لإسقاط الاستدلال بوقائع الأعيان، ونحن نرى هنا احتمالات قوية، ولذا لا أرى أن يستدل بها على جواز ترك التداوي بإطلاق، وإن كان فيها مُتمسَّك لمن يمنع من وجوب التداوي بإطلاق.\n٢ - ترك كثير من السلف للتداوي من غير إنكار عليهم، قال الإمام ابن تَيمِيَّة -﵀-: «ولأن خلقًا من الصحابة والتابعين لم يكونوا يتداوون بل فيهم من اختار المرض كأبي بن كعب وأبي ذر ومع هذا فلم ينكر عليهم ترك التداوي» (^١).\nوعدم إنكار الصحابة على بعضهم ترك التداوي دليل على عدم وجوبه. ولعل ذلك إن جاز من الصحابة في زمانهم، فلا ينبغي أن يجوز في زماننا. وذلك للفرق بين الدواء في زمانهم وزماننا، فإنه لا ينكر عاقل ما صار إليه الطب في زماننا من تقدم هائل، حتى يمكن أن نقطع بأن هذا الدواء ينفع هذا المرض (^٢) بإذن الله، كما يقطع\n_________\n(^١) «مَجْمُوع الفَتَاوَى» لابن تَيمِيَّة (٤/ ٢٦٥).\n(^٢) من أمثلة ذلك بعض الأمراض الخمجية في استجابتها للمضادات الحيوية وكذلك استجابة الربو الصدري لموسعات الشعب. ولكل قاعدة شواذ ولكن لا عبرة بالنادر.","vol":"1","page":424},{"text":"السكين اللحم وتحرق النار الخشب. لذا قال البَغَوِيّ -﵀-: «إذا عُلِم الشِّفاءُ في المُداواة وَجَبَت» (^١).\nنعم هذا غير مطرد في كل الأمراض والأدوية، ولكن متى حصلت غلبة الظن بنفع الدواء المعين المأمون من مرض مضر بالنفس أو الغير، لم يجز في دين الإسلام -القائم في تشريعاته على جلب المصالح ودفع المفاسد- ترك التداوي به.\nويبقى ترك الصحابة للتداوي من غير نكير منهم على بعض دليلًا على جواز ترك التداوي في بعض الحالات لا كلها كما سنبين.\n٣ - قولهم أن ترك التداوي أفضل لأنه تمام التوكل.\nوهو مردود بتداوي سيد المتوكلين -ﷺ- وأصحابه. بل إن رسول الله -ﷺ- قد بين أن الدواء من قدر الله الذي يطلب والداء من قدر الله الذي يدفع. قال -ﷺ-: «الدَّواء من القَدَر وقد يَنفَعُ مَن يَشَاءُ بما شَاء» (^٢).\nأما استدلالهم بحديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب (^٣) ووصف الرسول -ﷺ- إياهم بأنهم «الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون»، فهذا ليس فيه ذكر التطبيب عمومًا، ونذكر قريبًا ما يبين أن المذموم ليس عموم الكي؛ والراجح أنه كذلك ليس فيه عيب الرقية الشرعية فقد رَقَى (^٤) رسول الله -ﷺ- ورُقِي (^٥) بل إنه -ﷺ- قال للصحابة الذين عرضوا عليه\n_________\n(^١) «حواشي الشرواني» (٣/ ١٨٣).\n(^٢) «صَحِيح الجَامِع» رقم (٣٤١٦).\n(^٣) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو (٥/ ٢١٥٧).\n(^٤) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب السلام، باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة (٤/ ١٧٢٤).\n(^٥) رقاه جبريل -﵇-. (انظر فَتْح البَارِي: ١١/ ٤٠٨).","vol":"1","page":425},{"text":"رقاهم: «مَن اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ» (^١).\nولقد أجاد وأفاد ابن القَيِّم -﵀- إذ قال: «التداوي لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مُقتضَيَات لمسَبَّبَاتها قدرا وشرعا، وإن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه، من حيث يظن مُعطِّلُها أن تركها أقوى في التوكل، الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره فيهما، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، فلا يجعل العبد عجزه توكلًا، ولا توكله عجزًا» (^٢).\nوهذا هو دين الإسلام وترك تعاطي الأسباب فيه إهلاك الأمة وتمكين أعدائها منها.\n٤ - ما ذكروا من تركه -ﷺ- للتداوي كما جاء في حديث أبي رِمْثَة رِفَاعَةَ بن يَثْرِبِيٍّ: «دخلت مع أبي على رسول الله -ﷺ- فرأى أبي الذي بظهر رسول الله -ﷺ- فقال: دعني أعالج الذي بظهرك فإني طبيب. فقال: أَنْتَ رَفِيقٌ وَاللهُ الطَّبِيبُ» (^٣). فإن هذه واقعة عين لا يستدل بها إذا تطرقها الاحتمال القوي (^٤)، وهنا أكثر من\n_________\n(^١) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب السلام، باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة (٤/ ١٧٢٦).\n(^٢) «الطب النبوي» لابن القَيِّم (١/ ١٠)، قال بمثل مقالته الحافظ في الفتح. انظر «فَتْح البَارِي» (١٠/ ١٣٥).\n(^٣) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الترجل، باب في الخضاب (٤/ ٨٦). وصححه الألبَانِيّ (انظر «سُنَن أبي دَاوُد بتحقيق مشهور» رقم ٤٢٠٧).\n(^٤) قال ابن القَيِّم في الطُّرُق الحُكمِيَّة (١/ ٣٤١): «وإذا احتملت القصة هذا وهذا وهذا لم يجزم بوقوع أحد الاحتمالات إلا بدليل».","vol":"1","page":426},{"text":"احتمال: فربما أن رسول الله -ﷺ- كره أن يعالجه ذلك الرجل بالذات (^١)، أو أنه كان -ﷺ- أعلم بعلاج ما فيه، أو أنه كره شيئًا من سلوك الرجل، وقد ذكر صاحب عَوْن المَعْبُود أنه جاء في بعض روايات الحديث عند أحمد أن الرجل قال لرسول الله -ﷺ-: «يا نبي الله إني رجل طبيب من أهل بيت أطباء فأرني ظهرك فإن تكن سِلْعَةً أَبُطُّهَا وإن كان غير ذلك أخبرتك فإنه ليس من إنسان أعلم مني» (^٢).\nإن الحديث ليس فيه أن رسول الله -ﷺ- ترك التداوي، ولكن فيه أنه لم يأذن لهذا الرجل بمداواته، وقد أذن لغيره كثير، كما سنبين، فليُتأمَّل.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-181> أدلة الوجوب:</span>\nوالآن، أضع بين يديك مجموعة من الأدلة التي ترجح جانب الفعل على الترك، وبعضها قد يستدل به على الوجوب.\n١ - أمره -ﷺ- بالتداوي:\nعن أسامة بن شريك -﵁- قال: «كنت عند النبي -ﷺ- وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: نَعَم، يا عِبَادَ اللهِ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللهَ ﷿ لم يضع دَاءً إلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ. قَالُوا: مَا هُو؟ فقال: الهَرَم» (^٣).\nنعم، جاء الأمر بعد سؤال ولعل ذلك يصرفه عن الوجوب، ولكن أنت ترى أنه في هذا الحديث يعلل أمره بالتداوي بما فيه من النفع، والمسلم ينبغي أن يحرص على ما ينفعه، وكذلك على دفع ما يضره.\n_________\n(^١) لقد ذكر موفق الدين البَغْدَادِيّ هذا الحديث وترجم له باجتناب من لا يحسن الطب «الطب من الكتاب والسنة» (ص ١٨٩).\n(^٢) «عَوْن المَعْبُود» للعَظِيم آبادِي (١١/ ١٧٥).\n(^٣) «سُنَن التِّرْمِذِيّ» كتاب الطب، باب ما جاء في الدواء والحث عليه (٤/ ٣٨٣)، قال: حسن صحيح.","vol":"1","page":427},{"text":"ثم إن غير أسامة بن شريك من أصحابه -ﷺ- روى الأمر مع عدم ذكر السؤال قبله، ومع اختلاف في الألفاظ يشعر بتعدد الوقائع، فعند أبي داود - وسكت عنه - من حديث أبي الدرداء أنه -ﷺ- قال: «إن الله أنْزَلَ الدَّاءَ والدَّوَاءَ وجَعَلَ لِكُل دَاءٍ دَواءً فَتَدَاوَوا ولا تَدَاوَوْا بِحَرَام» (^١).\nوفي مسند أبي حنيفة -﵀-، والتمهيد - وصححه ابن عبد البر - من حديث ابن مسعود -﵁- أنه -ﷺ- قال: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ فإن الله لم يُنزِل دَاءً إلا أنْزَلَ لَهُ شِفاء إلا السَّام -وهُو الموتُ- فَعَلَيكم بألبان البَقَر فإنها تَرُم من كل الشَّجَر» (^٢).\nوفي «التمهيد» - وصححه ابن عبد البر - من حديث ابن عباس -﵁- أنه -ﷺ- قال: «يا أيها الناس تَدَاوَوْا فإن الله لم يَخْلُق دَاءً إلا خلَقَ لَه شِفاء إلا السَّام والسَّام المَوْت» (^٣).\n٢ - بيانه -ﷺ- أن لكل داءٍ دواءً:\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ما أَنْزَلَ الله دَاءً إلا أنزل له شِفَاءً» (^٤).\nوليس هذا دليلا على الوجوب، ولكن لا يخفى أن فيه التوكيد على نفع التداوي وأنه حقيقي غير متوهم.\n_________\n(^١) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الطب، باب في الأدوية المكروهة (٤/ ٧)، سكت عنه، وهو يعني أنه صالح عنده كما في مقدمته.\n(^٢) «مسند أبي حنيفة» (١/ ٢١٢).\n(^٣) «التمهيد» لابن عبد البَرّ (٥/ ٢٨٤).\n(^٤) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء (٥/ ٢١٥١).","vol":"1","page":428},{"text":"٣ - ممارسته -ﷺ- للتطبيب:\n• فعن أبي سعيد: «أن رجلا أتى النبي -ﷺ- فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: اسْقِهِ عَسَلا» (^١).\nوكذلك «داوى رسول الله -ﷺ- بأبوال وألبان الإبل» (^٢).\n• وحض على التداوي بالحبة السوداء (^٣) وبالتَلْبِينَة (^٤) (^٥). وبالقُسْط الهندي (^٦) وبالحجامة (^٧) وغيرها كثير.\n• وما أكثر ما قال: «عَلَيْكُم بالحَبَّة السَّوْدَاء» وبغيرها. وعليكم من صيغ الأمر كما هو معلوم، وإن كان يمكن صرفه بالقرائن إلى كونه أمر إرشاد وتوجيه لا إلزام وإيجاب.\nو«بعث إلى أبي بن كعب -﵁- طبيبًا فقطع منه عرقه ثم كواه عليه» (^٨). وهو دليل على جواز التداوي بالجراحة.\n_________\n(^١) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الطب، باب الدواء بالعسل وقول الله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (٥/ ٢١٥٢).\n(^٢) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الطب، باب الدواء بأبوال الإبل (٥/ ٢١٥٣).\n(^٣) «البخاري» كتاب الطب، باب الحبة السوداء (٥/ ٢١٥٣).\n(^٤) التلبينة: حساء يتخذ من نخالة الشعير.\n(^٥) «البخاري» كتاب الطب، باب التلبينة للمريض (٥/ ٢١٥٤).\n(^٦) «البخاري» كتاب الطب، باب السعوط بالقسط الهندي والبحري وهو الكست مثل الكافور والقافور ... (٥/ ٢١٥٥).\n(^٧) «البخاري» كتاب الطب، باب الحجامة من الداء (٥/ ٢١٥٦).\n(^٨) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي، (٤/ ١٧٣٠).","vol":"1","page":429},{"text":"٤ - وتداوى رسول الله -ﷺ-:\n• وخير الهدي هدي محمد، وقد صحت الأخبار بأنه تداوى بالحجامة (^١) والحِنّاء (^٢) وغيرها.\n• وقالت عائشة -﵂- لما سألها عُرْوَة عن درايتها بالطب-: «إن رسول الله كَثُر سَقَمُه، فكان أطباء العرب والعجم يَنعَتُون له فتعلمت ذلك» (^٣).\n٥ - وقال -ﷺ-: «لا ضَرر ولا ضِرار» (^٤).\nوهذا الحديث - الذي هو من أصول الدين وقاعدة فقهية كلية كبرى - خير دليل على وجوب التداوي بالمأمون من الأدوية إذا غلب على الظن أنه يندفع بها المرض، فأي ضرر دنيوي فوق ضرر المرض.\nوإن ضرر المرض ليس يعطل المرء عن الضرب في الأرض وعمارتها واكتساب الرزق فحسب، بل إنه يعطل عن الكثير من المصالح الدينية للفرد والأمة، كالجهاد والدعوة\n_________\n(^١) «البخاري» كتاب الطب، باب الحجامة من الداء (٥/ ٢١٥٦).\n(^٢) «التِّرْمِذِيّ» كتاب الطب، باب ما جاء في التداوي بالحناء (٤/ ٣٩٢). وقال حسن غريب.\n(^٣) «الإجَابَةُ لمَا اسْتَدْرَكَتْ عَائِشَة» لبدر الدين الزَّرْكَشِيّ (١/ ٥٧)، قال: ورد في الحاكم نحوه من جهة إسرائيل عن هشام، وقال صحيح الإسناد؛ قال الذَّهَبِيّ على شرط الشيخين.\n(^٤) حديث شريف وأيضًا قاعدة فقهية كلية: «سُنَن ابن مَاجَه» كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره (٢/ ٧٨٤)، «المُسْتَدْرَك على الصَّحِيحَيْن» كتاب البيوع (٢/ ٦٦). ورواه أيضًا مالك في «المُوَطَّأ»، وأحمد في «المسند»، والبَيْهَقِيّ في «الكُبْرَى»، وآخرون. وحسنه النووي في «الأربعين»، وصححه الألبَانِيّ لكثرة طرقه. انظر «الإرواء» برقم ٨٩٦ و«سُنَن ابن مَاجَه» بتحقيق مشهور برقم (٢٣٤٠)، «صَحِيح الجَامِع» برقم ٧٥١٧. والحديث، وإن تكلم البعض في سنده، إلا أن سنده محتمل للتحسين، وعَمَلُ الفقهاء عليه، ونصوص الوحيين شاهدة له، بل يشهد له دين الإسلام كله.","vol":"1","page":430},{"text":"وتعلم العلم وتعليمه وشهود الجماعات والحج والعمرة والصيام وجل الأعمال البدنية بل والمالية، بل وفي بعض الأحيان القلبية أيضًا كالرضا والشكر. والعافية أوسع للمؤمن وأصلح لدينه ودنياه.\nإن القادر على أن يدفع عن نفسه المرض ويصوم رمضان لا أرى أنه يحل له أن يترك التداوي والصوم.\nإن ترك الناس للتداوي يؤدي إلى انتشار الأمراض المعدية والأوبئة، وإضعاف القوة البشرية للأمة. والذي ينبغي - في تقديري - أن يقال لعموم الناس: إن الأصل وجوب التداوي من الأمراض المضرة بما هو مأمون من الأدوية، وذلك حتى لا يلتبس عليهم أمرهم، وحتى يطلبوا العلاج في أول مراحل المرض قبل أن ينتشر المرض الخمجي في محيطهم، أو يستشري السرطان في أبدانهم، أو تأتي الأكِلة على عضو من أعضائهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-182> الترجيح:</span>\nإن القول بوجوب التداوي من الأمراض المضرة بما هو مأمون من الأدوية - سيما في زماننا مع غلبة الظن بنفعها - هو الجاري على أصول الشريعة السمحاء التي جاءت بما فيه نفع الناس في الدنيا والآخرة. ولقد قال رسول الله -ﷺ-: «احرِص على ما يَنفَعُك» (^١). آوبَيَّن أن التداوي فيه نفع كما سبق. ولقد عنون الإمام مسلم لهذا الحديث السابق بقوله «بابٌ في الأمرِ بالقُوَّةِ وتَرْكِ العَجْزِ والاسْتِعَانَة بِاللهِ وتَفْوِيضِ المَقَادِيرِ للهِ».\n_________\n(^١) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله (٤/ ٢٠٥٢).","vol":"1","page":431},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-183> ليس التداوي بواجب في كل حال:</span>\nبعد تأكيدنا على وجوب التداوي في الأحوال التي ذكرنا، لزم بيان أنه ليس واجبًا على الإطلاق.\nبل يكون التداوي أحيانًا مباحًا إذا كان المرض مما يصبر عليه، ولا يسبب ضررًا مزمنًا أو ضررًا للغير، أو كان في الدواء ضرر يساوي ضرر المرض أو يقاربه.\nوربما تكون هناك حالات خاصة جدًّا يكون الصبر فيها على المرض خيرًا من التداوي، كما لو كان الدواء عالي الخطورة، مع ضعف الظن بحصول النفع منه، وارتفاع تكلفته مما قد يؤدي إلى الغُرم وضياع الأولاد، ومن ذلك تلك الحالات التي لا يرجى شفاؤها وتمتعها بحياة مستقرة، وقد يبقى المريض شهورًا طويلة يعتمد على المُنَفِّسَة، مما يترتب عليه الضرر الواسع له ولأسرته.\nوفي كل هذه الحالات وغيرها يبقى للمسلمين فسحة (^١) في ترك التداوي ويستدل هنا بما سبق مناقشته من ترك الصحابة للتداوي وغير ذلك مما استدل به على عدم وجوبه.\n_________\n(^١) بخلاف أهل أديان أخرى كبعض مذاهب النصارى ممن يتعنتون بهذا الصدد تعنتًا شديدًا يوقع المرضى وأسرهم بل والمجتمع في الحرج.","vol":"1","page":432},{"text":"•\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>اتفاق أكثر المعاصرين على وجوب التداوي في بعض الأحوال:</span>\nإنني وإن كنت مطمئنًا للقول بأن الوجوب هو الأصل في التداوي بالمأمون من الأدوية عند غلبة الظن بنفعها من المرض المضر، أعلم أن هذه المسألة خلافية ولن ينحسم الخلاف فيها غالبًا لاختلاف السلف (^١)، ولكن ينبغي التنبيه على أن أكثر العلماء المعاصرين متفقون على كون التداوي واجبًا في بعض الحالات.\nوقد ذكر هذه الحالات الدكتور محمد البار في أحكام التداوي (^٢) ومنها حالتان الوجوب فيهما شديد ولذلك لا يلزم فيهما إذن المريض (^٣) وهما:\n١ - حالات الإسعاف التي تتعرض فيها حياة المصاب لخطر.\n٢ - حالات الأمراض المعدية.\nأما الحالة الأولى فدليلها قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. وقوله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].\nوالحالة الثانية دليلها قوله -ﷺ-: «لا ضَرر ولا ضِرار» (^٤).\nثم ذكر حالتين يكون فيهما الوجوب أقل ولذلك يلزم فيهما أخذ إذن المريض:\n١ - إذا كان المرض يؤدي إلى إعاقة دائمة أو زمانة إذا لم يتداو.\n٢ - مرض يطول ويشق على أهله بل والمجتمع تلبية حاجاته أثناء المرض.\nودليلهما قوله -ﷺ-: «لا ضَرر ولا ضِرار».\n_________\n(^١) نرى أن اختلافهم نابع في أكثره من اختلاف المحكوم عليه لما سبق بيانه من الفرق بين الدواء في زمانهم وما هو عليه الآن، والله أعلم.\n(^٢) مختصر من «أحكام التداوي» (ص ١٨ - ٢٢).\n(^٣) قرار المجمع الفقهي باستثناء الإذن في هاتين الحالتين (دورة المؤتمر السابع بجُدَّة من ٧ - ١٢ ذو القعدة رقم ٦٩/ ٥/٧).\n(^٤) حديث شريف وأيضًا قاعدة فقهية كلية: «سُنَن ابن مَاجَه» كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره (٢/ ٧٨٤)، «المُسْتَدْرَك على الصَّحِيحَيْن» كتاب البيوع (٢/ ٦٦). ورواه أيضًا مالك في «المُوَطَّأ»، وأحمد في «المسند»، والبَيْهَقِيّ في «الكُبْرَى»، وآخرون. وحسنه النووي في «الأربعين»، وصححه الألبَانِيّ لكثرة طرقه. انظر «الإرواء» برقم ٨٩٦ و«سُنَن ابن مَاجَه» بتحقيق مشهور برقم (٢٣٤٠)، «صَحِيح الجَامِع» برقم (٧٥١٧). والحديث، وإن تكلم البعض في سنده، إلا أن سنده محتمل للتحسين، وعَمَلُ الفقهاء عليه، ونصوص الوحيين شاهدة له، بل يشهد له دين الإسلام كله.","vol":"1","page":433},{"text":"ولقد جاء التصريح بوجوب التداوي في هذه الحالات في قرار المجمع الفقهي السابق ذكره (^١) حيث جاء فيه «وتختلف أحكام التداوي باختلاف الأحوال والأشخاص، فيكون واجبًا على الشخص إذا كان تركه يفضي إلى تلف نفسه أو أحد أعضائه أو عجزه أو كان المرض ينتقل إلى غيره كالأمراض المعدية».\n* * *\n_________\n(^١) قرار رقم (٦٩/ ٥/٧).","vol":"1","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>المطلب الثاني: أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى بشأن التداوي</span>\n• لا ريب أن التداوي الذي تحدث عنه فقهاؤنا غير التداوي الذي يمارس اليوم. إن كثيرا من التداوي في أزمنتهم كان معتمدا على الظن الذي هو في درجة الشك أو الوهم. ولعلهم رأوا في مشاهداتهم قلة نفعه في الكثير من الأحيان.\nأما الآن، فلقد تقدمت العلوم الطبية تقدما مذهلا، وهي لن تنفك عن كونها أعجز عن قهر المرض، فإنه من سنن الله في خلقه وله فيه حكم عليا، وهو وإن لم يكن شرطا في حصول الموت إلا أنه في الأغلب أول مراحله، ومن ذا الذي يقدر على دفع هذا. ولكن هذه العلوم تقدمت تقدمًا لا يماري فيه العقلاء، حتى أسهمت في حفظ الأرواح ومنع العاهات والإعاقات التي ترجع بالضرر الشديد على الفرد والمجتمع.\n• إنه ليس سرًّا أن معدل موت النساء أثناء الولادة، والأطفال بعدها، قد انخفض عشرات المرات عما كان عليه في السابق. إن مرضًا كالسكري الذي كان يفتك بصاحبه في أشهر في السابق صار يعالج ويعيش المصاب به حياة طبيعية عشرات السنين. ثم ألا ترى أن مرضًا كشلل الأطفال قد تم القضاء عليه في أغلب المعمورة، وهو لاحق قريبًا - إن شاء الله - بالجدري الذي انقرض بالفعل، بفضل الله، بواسطة التحصينات.\nإن الدواء في بعض الأحيان يُقطَع بأنه ينفع من الداء بإذن الله كما يُقطَع بأن النار تحرق الخشب والسكين يقطع اللحم.\nإن من ذهب إلى عدم وجوب التداوي قد عللوا بعدم القطع بنفعه، قال الرَّملِيّ -﵀-: «وإنما لم يجب كأكل الميتة للمضطر وإساغة اللقمة بالخمر لعدم القطع بإفادته بخلافهما» (^١).\n_________\n(^١) «نهاية المُحْتاج» للرَّمْلِيّ (٣/ ١٩).","vol":"1","page":435},{"text":"أقول: القطع هنا غير اليقين، فمن أين للمرء باليقين أن أكل الميتة سيفيده؟ فإن كان كذلك، فماذا لو كان يقطع بفائدة دواء معين أو جراحة معينة؟\nوالجواب عند نفر من علمائنا، فقد قال البَغَوِيّ -﵀-: «إذا عُلِم الشِّفاءُ في المُداواة وَجَبَت» (^١).\nوقال المِرْداوِيّ -﵀-: «وقيل يجب [التداوي]؛ زاد بعضهم إن ظَنَّ نَفْعَه» (^٢).\nوقال ابن حَجَر الهَيتَمِيّ -﵀-: «هذا صريح في أنه لو قُطِع بإفادة التداوي وَجَبَ وهو قريب» (^٣).\nإن التداوي في زماننا لا يشبه التداوي في أزمنة مضت، كما يقر بذلك جمهور العقلاء. إن نفع الدواء من الداء يصل في بعض الأحيان إلى مرحلة غلبة الظن المقاربة جدًا لليقين، ومن ثم فإنه لا يتصور في دين «لا ضرر» وفي الشريعة القائمة على جلب المصالح ودفع المفاسد أن يكون ترك التداوي أفضل هكذا بإطلاق. ولا يتصور كذلك أن يكون جائزًا للمرء أن يعرض نفسه لفقد أحد حواسه أو أعضائه أو معاناة زمانة في بدنه لأنه يأبى أن يتداوى.\nإن المتقدمين من العلماء كانت ثقتهم بالطب دون ثقة أهل زماننا به وذلك لما قدمنا من الفارق الشاسع بين الطب في زمانهم وزماننا. ولذلك قال ابن تَيمِيَّة -﵀-:\n«وليس هذا [التداوي بالمحرم] مثل أكل المضطر للميتة فإن ذلك يحصل به المقصود قطعا وليس له عنه عوض والأكل منها واجب. فمن اضطر إلى الميتة ولم يأكل حتى مات\n_________\n(^١) «حواشي الشرواني» (٣/ ١٨٣).\n(^٢) «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (٢/ ٤٦٣). وانظر «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (٢/ ١٣١).\n(^٣) «تُحْفَة المُحْتاج» للهَيتَمِيّ (٣/ ١٨٣).","vol":"1","page":436},{"text":"دخل النار. وهنا لا يعلم حصول الشفاء ولا يتعين هذا الدواء بل الله تعالى يعافي العبد بأسباب متعددة، والتداوي ليس بواجب عند جمهور العلماء ولا يقاس هذا بهذا والله أعلم» (^١).\nولعل ما قاله -﵀- أقرب إلى الصواب في زمانه، وليس الأمر كذلك في زماننا، ولذلك قال الشيخ ابن عاشور (^٢) -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣].\n«ومما اختلفوا في قياسه على ضرورة الجوع ضرورة التداوي، فقيل لا يتداوى بهذه المحرمات ولا بشيء مما حرم الله كالخمر، وهو قول مالك والجمهور ولم يزل الناس يستشكلونه لاتحاد العلة وهي حفظ الحياة، وعندي أن وجهه أن تحقق العلة فيه منتف إن لم يبلغ العلم بخصائص الأدوية ظن نفعها كلها إلا ما جرب منها. وكم من أغلاط كانت للمتطببين في خصائص الدواء ونقل الفخر عن بعضهم إباحة تناول المحرمات في الأدوية، وعندي أنه إذا وقع قوة ظن الأطباء الثقات بنفع الدواء المحرم من مرض عظيم وتعينه أو غلب ذلك في التجربة فالجواز قياسًا على أكل المضطر وإلا فلا» (^٣).\n_________\n(^١) «مَجْمُوع الفَتَاوَى» لابن تَيمِيَّة (٢٤/ ٢٦٦).\n(^٢) هو: محمد الطاهر بن عاشور، العلامة المقاصدي، والفقيه المدقق، رئيس المفتين المالكيين بتونس، وشيخ جامع الزيتونة وفروعه، بتونس كان مولده عام ١٢٩٦ هـ ودراسته بها. عين عام ١٩٣٢ م شيخًا للإسلام مالكيًا، وكان من أعضاء مجمعي اللغة العربية في دمشق والقاهرة، ووفاته سنة ١٣٩٣ هـ، له مصنفات من أشهرها: «مقاصد الشريعة الإسلامية»، و«أصول النظام الاجتماعي في الإسلام والتحرير والتنوير». راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكلِيّ (٦/ ١٧٤).\n(^٣) «التحرير والتنوير» لابن عاشور (٢/ ١٠٤).","vol":"1","page":437},{"text":"وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العُثَيْمِين (^١) -﵀-: إن جراحي القلوب قد يضعون عرقًا أو شريانا مَعْدِنيا، وقد يضعون، أيضًا، شريانا يأخذونه من الخنزير، مع أن الشريان الذي من المَعْدِن قد يصيبه الصدى، والشريان الذي من الخنزير يكون أحسن، وقد يلتحم ويصير وكأنه من الإنسان نفسه، فما حكم ذلك؟ فأجاب: «لا بأس به، أي لا بأس أن يصل إنسان شريان قلبه بشريان حيوان آخر، وينظر إلى ما هو أنسب لقلبه؛ لأن هذا ليس من الأكل، إنما حرم الله أكل الخنزير، وهذا ليس أكلًا، وإذا علمنا أنه لا ينفعه إلا هذا، فهذا من باب الضرورة، وقد قال الله تعالى في أكل لحم الخنزير الأكل المباشر: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام- ١١٩]» (^٢).\n• والذي أراه أن الاختلاف بين متقدمي الحنابلة ومتأخريهم كابن عُثَيْمِين، ومتقدمي المالكية ومتأخريهم كابن عاشور، إنما يرجع لمرحلة تحقيق المناط من صناعة الفتوى، وهو أن يحقق المجتهد وجود العلة في الفرع. والعلة في إباحة أكل الميتة للمضطر هي حفظ\n_________\n(^١) هو: محمد بن صالح بن محمد بن سليمان آل عُثَيْمِين، (ابن عُثَيْمِين) من الوَهْبة من بني تميم. العلامة الداعية، الفقيه المحقق، المكثر في التأليف، والبارع في التعليم؛ ولد عام ١٣٤٧ هـ في القصيم. من مشايخه الأئمة الفخام عبد الرحمن بن ناصر السعدي وعبد الرزاق عفيفي وعبد العزيز بن عبد الله بن باز. وكان عضوًا في هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية. من مؤلفاته: «القول المفيد على كتاب التوحيد»، و«القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى»، و«شرح العقيدة الواسطية»، و«الصحوة الإسلامية ضوابط وتوجيهات»، و«شرح رياض الصالحين»، و«شرح الأجرومية»، و«الشرح الممتع على زاد المستقنع» وهو سفر عظيم. وتُوفي -﵀- في مدينة جُدَّة عام ١٤٢١ هـ.\n(^٢) الطب والتداوي، هل يجوز عمل صمام للقلب من جلد الخنزير [شبكة] /المؤلف موقع الإسلام سؤال وجواب//الإسلام سؤال وجواب: (٢٢، ٢٠٠٨).","vol":"1","page":438},{"text":"الحياة، فهل في التداوي بمحرم يصفه الطبيب حفظ للحياة؟ المتقدمون لم يروا ذلك لكثرة أغلاط الأطباء وقلة حيلة الطب في أزمنتهم، بينما ظهر للمتأخرين من خلال الواقع الجديد للصناعة الطبية أن في التداوي بما يصفه الطبيب حفظًا للحياة في أغلب الظن.\nيبقى أنه لا تزال هناك بعض الأحوال والأمراض التي يستوي فيها طرفا التداوي وتركه فيحكم بالجواز، أو يكون الظن بنفع الدواء ضعيفا أو يكون المرض هينًا وليس في ترك مداواته ضرر كبير على المريض أو أهله أو المجتمع وعندها يقال بالاستحباب.\nوفي المبحث الآتي شاهد على أن من التداوي بغير المحرم ما هو أقرب للكراهة منه للوجوب أو الاستحباب.\n* * *","vol":"1","page":439},{"text":"المبحث الثاني: مداواة حالة الحياة النباتية المستمرة","vol":"1","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>المبحث الثاني: مداواة حالة الحياة النباتية المستمرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>التعريف بالحالة النباتية المستمرة</span>\n• يُقصَد بذلك (^١) إصابة قشرة المخ إصابةً بالغةً دائمةً مع بقاءِ بعضِ وظائفِ جذعِ الدِّمَاغِ سليمةً. فمثل هذا المريض في حالة غِيَاب تام عن الوعي والإدراك إلا أنه يتنفس ويهضم الطعام ويفتح عينيه ويغلقهما ولذلك فإنه يعيش حياة أقرب إلى حياة النبات منها إلى حياة الإنسان. وتشاهد مثل هذه الحالات في بعض ضحايا الحوادث.\n• وهؤلاء المرضى يمثلون شريحة من المرضى الذين يعانون أذية دماغية شديدة وتتطور حالتهم إلى مرحلة الصحو بدون وعي. وهذه الحالة النباتية قد تمثل حالة انتقال ما بين الغيبوبة والشفاء أو الغيبوبة والموت.\n• ولقد استُعملَ هذا المصطلح للمرة الأولى عام ١٩٧٠ وكانَت الحالة تعرّف كالآتي:\n• انعدام أي دليل على وجود الوعي بالنفس أو الإدراك بالمحيط.\n• عدم القدرة على التفاعل مع الآخرين.\n• انعدام أي دليل على الاستجابات المستمرة والهادفة أو الطوعية لإثارات بصرية أو سمعية أو حسية أو مؤلمة.\n• انعدام الدليل على فهم اللغة أو القدرة على التعبير.\n_________\n(^١) ترجم واختصر من:  Weinhouse، Gerald L &amp; Young، G Bryan.Anoxic-ischemic brain injury: Assessment and treatment.In: UpToDate، Rose، BD (Ed)، UpToDate، Waltham، MA، ٢٠٠٧.","vol":"1","page":443},{"text":"• صَحو متقطع يدل عليه وجود دورة النوم والصحو.\n• سلامة وظيفية كاملة لما تحت المهاد وجذع المخ بما يسمح باستمرار الحياة، مع وجود العناية الطبيّة والتمريضية، حيث إن هذه المراكز تتحكم في الوظائف الرئيسة كتنظيم حرارة الجسم والتنفس ونبض القلب.\n• سلس الأمعاء والمثانة وعدم التحكم في وظائف التبول والتبرز.\n• سلامة مختلفة الدرجات لمنعكسات الأعصاب القحفية والمنعكسات النخاعية.\nوإذا بقي المريض في حالة غيبوبة فالتطور الطبيعي إمّا الشفاء أو الحالة النباتية المستمرة أو الموت خلال أسبوعين. وبناءً على الموجودات السريرية الحالية فإن الحالة النباتية المستمرة تعتبر دائمة بعد ثلاثة أشهر إذا كانت حاصلة بشكل غير رضّي. وبعد ثلاثة أشهر فإن الشفاء نادر ومترافق بإعاقات متوسطة إلى شديدة في أحسن الأحوال. ويكون الأمل في الشفاء أضعف فيمن تجاوز الأربعين (^١).\n• وفي المرضى الباقين في الحالة النباتية المستمرة متوسط الحياة يتراوح عادةً ما بين سنتين إلى خمس سنوات، وأغلب المرضى يموتون من إنتانات رئوية أو إنتانات المجاري البولية أو فشل أعضاء متعددة أو موت فجائي مجهول السبب أو قصور تنفسي أو مَرَضْ كامن سابق للحالة.\nويُقَدّر أن هناك عشرة آلاف إلى خمسة وعشرين ألف مريض بالغ في حالة نباتية مستمرة، في الولايات المتحدة، بكلفة عناية سنوية قدرها سبعة مليارات دولار أمريكي.\n* * *\n_________\n(^١) انظر «أحكام التداوي والحالات الميؤوس منها» للبار (ص ٥٥).","vol":"1","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>مداواة المريض بالحالة النباتية المستمرة</span>\nلعل هذه الحالة هي من أفضل الشواهد على جريان الأحكام الخمسة على التداوي كما سبق من كلام الإمام ابن تَيمِيَّة -﵀- في المبحث السابق. وذلك لأن هذا المريض حي باتفاق، ولا يقول أحد من الأطباء أو الفقهاء بموته، ولكن أية حياة تلك؟ إنها حياة لا وعي فيها ولا إدراك ولا قدرة. لقد نقل المُناوِيّ في التعاريف عن ابن الكمال قوله: «الحياة صفة توجب للمتصف بها العلم والقدرة» (^١).\nلكن هل يمكن الحكم على هذا المريض بالموت، وهو يتنفس عفويًا، وينبض قلبه من غير منفسة، بل ويصحو وينام وإن كان في صحوة فاقدًا للوعي والقدرة؟\nالحق أنه لا يمكن التجاسر على هذا القول أبدًا. ولكن إلى أي مدى نذهب في مداواة من كانت تلك حاله؟\nهنا يصلح القول بأن المداواة في حق هذا المريض تبقى على أصل الإباحة لشدة ضعف الأمل في الشفاء، مع ما في مداواته من إطالة لمعاناته المحتملة (^٢) ومعاناة أهله. ثم إن الكراهة قد تكون هي الأقرب إذا ما طالت تلك المعاناة واشتد ضعف الأمل في الشفاء، وإن جزئيًا، وتكلف أهله أو المجتمع ومؤسساته ما لا يطيقون من أجل توفير الرعاية له.\nإن هذه الحالات في أمريكا كما سبق تكلف مليارات الدولارات للعناية بها، فهل تقدر أنظمة الصحة في البلاد الإسلامية على تحمل تلك الأعباء؟ الحق أنها لا تقدر وما من سبيل لفعل ذلك إلا بالتقصير في حق من هم أشد حاجة ممن يرجى شفاؤهم.\n_________\n(^١) «التَّعَارِيف» للمُناوِيّ (١/ ٣٠١).\n(^٢) لا يستطيع أحد الجزم إن كانوا يشعرون بشيء من المعاناة أولا.","vol":"1","page":445},{"text":"ولعل ما سبق لا يختلف فيه الكثير من أهل العلم. ولكن تبقى مسألة محيرة، وهي تحديد ما يعتبر مداواة والتفريق بينه وبين الطعام والشراب، فإنه لا يجوز منع الطعام والشراب عن الحي حتى يموت. ولكنَّ هذا المريض يحتاج إطعامه إلى عناية طبية محترفة، بل ومتميزة، تتضمن غرس أُنْبُوب من خارج الجسم إلى داخل المَعِدَة ينقل عبرها غذاء خاص إلى هذا المريض.\nفهل يدخل هذا في الإطعام أم المداواة؟ وهل هناك فرق بين ما قبل غرس الأُنْبُوب وما بعده، فيقال إنه لو كان الأُنْبُوب موجودًا وجب الإطعام؟\nلقد ورد إلى مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا سؤالٌ حول هذا الأمر ننقله مع الإجابة فإنه بصدد عين القضية التي نناقشها.\n«فضيلة الشيخ صلاح الصَّاوِيّ (^١) حفظه الله، أصحاب الفضيلة أعضاء مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا حفظهم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقد وردت إلينا بعض الأسئلة حول موضوع تتداوله وسائل الإعلام الأمريكية هذه الأيام يدور حول حق الحياة والموت. والموضوع هو قضية تيري تشايفو (٤١ عاما) التي توفيت يوم الخميس بعد ١٣ يوما من فصل أُنْبُوب التغذية الخاص الذي كان يبقيها على قيد الحياة.\n_________\n(^١) هو: صلاح الصَّاوِيّ، شيخنا، الفقيه المحقق، المفكر الإصلاحي، الداعية الرباني، أمين عام مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا، ولد بمحافظة أسيوط وبها نشأ، وتخرج من كلية الشريعة والقانون بالأزهر ومنها حصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه. من أهم مصنفاته: «الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي»، و«ما لا يسع المسلم جهله»، و«التطرف الدينى الرأى الآخر»، و«التعددية السياسية فى الدولة الإسلامية»، و«جماعه المسلمين ومفهومها»، و«مدخل إلى ترشيد العمل الإسلامي».","vol":"1","page":446},{"text":"وملخص القضية أن قلب تيري تشايفو توقف عن النبض لوهلة سنة ١٩٩٠ مما أدى لتلفٍ في [قشرة] مخها وأفقدها القدرة على التحكم والكلام والحركة. وأصبحت طريحة فراش المستشفى تعيش في غيبوبة شبه تامة، فحياتها أشبه ما تكون بالحياة النباتية المستمرة فهي تعيش على أُنْبُوب تغذية يمدها بالمحاليل الغذائية. وادعى زوجها مايكل، وهو الوصي عليها، إن زوجته لا ترغب أن تعيش بأسباب اصطناعية خاصة وإن حالتها ميئوس من شفائها. واستطاع الحصول على أمر قضائي بنزع الأُنْبُوب لتركها تموت. ويقول الأطباء المعينون من المحكمة إن حالة تشايفو مزمنة وميئوس من شفائها ... وبأمر قضائي فُصل الأُنْبُوب يوم الجمعة ١٨ مارس ٢٠٠٥. ورفضت المحاكم جميع محاولات الاستئناف التي قامت بها العائلة بإعادة وصل الأُنْبُوب بينما يستأنف والداها صراعهما القانوني لإنقاذ ابنتهما ....\nوالسؤال هو: هل يجوز فصل أُنْبُوب التغذية في هذه الحالة من مريضة تعيش بطريقة اصطناعية في المستشفى لمدة خمسة عشر عامًا وميئوس من تحسن حالتها؟ مع العلم أن هذه الحالة ليست مطابقة لما جاءت به فتاوى المجامع الفقهية السابقة بشأن الموت التام للدماغ ووجود أجهزة اصطناعية لتشغيل القلب والرئتين وتغذية الدم. فإن قلب تيري ورئتيها يعملان بصورة طبيعية. وعندما فصلت عنها الأجهزة ماتت نظرًا لفقدان السوائل من العطش. فحالتها كانت أشيه ما تكون بأنها تعيش حياة نباتية مستمرة ... نرجو من فضيلتكم توضيح الأمر والسلام. [انتهى السؤال].\n[الجواب:] بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.\nأما بعد فإن الحياة هبة إلهية، ووديعة عند صاحبها يسأل عنها يوم القيامة، والمحافظة عليها مقصود كلي من مقاصد الشريعة، والاعتداء عليها من أكبر الكبائر، ولهذا حرمت الشريعة القتل سواء أكان قتلا للغير أم قتلا للنفس، وشرعت التداوي والتماس أسباب","vol":"1","page":447},{"text":"الشفاء، وأوجبته في بعض الحالات.\nوتثير قضية هذه السيدة جملة من القضايا تتمثل فيما يلي: حكم التداوي، وإذن المريض أو أوليائه، وحقيقة الموت شرعا، وقتل المرحمة ...... وبناء على ما سبق فإن المتأمل في حالة تيري يرى أنها لم تكن في حالة موت بالمعنى الطبي أو الشرعي، وإنما كانت تعيش حياة تشبه الحياة النباتية المستمرة، ولصاحب هذه الحالة ومثلها من الحالات المزمنة الميئوس من شفائها واستعادتها للعافية الحق في الحياة حتى يسلم روحه إلى بارئها، وعلى هذا فإن ما كان يقدم لها من رعاية صحية ينقسم إلى نوعين:\nما كان من جنس الغذاء وما يتضمنه من أسباب الحياة الطبيعية والضرورية التي يستوي في طلبها المرضى والأصحاء كتوفير الماء والطعام والهواء ونحوه، فهو حق مكفول للمريض لا ينازعه فيه أحد، سواء أكان ذلك بالوسائل العادية عند القدرة على ذلك أو بالبدائل الطبية في حالة العجز، (وإن كان ثمة جدل فقهي حول اعتبار البدائل الطبية للطعام والشراب من جنس الغذاء أم من جنس الدواء فإن ذلك لا وجه لإثارته في هذه الحالة فقد كانت هذه البدائل موجودة سلفا ثم حرمت منها المريضة بإصرار من وصيها) وما كان من هذا القبيل لا يملك أحد حق التنازل عنه، لا من قبل المريض نفسه ولا من قبل أحد من أوليائه، فإن امتنع عن ذلك المريض فهو ظالم لنفسه، وإن أوصى به فقد تجانف في وصيته لإثم، فوصيته رد، وإن فعل به ذلك أحد من أوليائه فهو ظالم لغيره، والقضاء بالمرصاد لهذا الموقف الظالم المتعسف لما سبق من أن تصرف الأولياء مقيد بالنظر الشرعي وبالمصلحة الشرعية، وما تقتضيه مصلحة المولى عليه ودفع الأذى عنه.\nأما ما كان من جنس الدواء، فلا شك أن التداوي مشروع في الجملة، ويرتقي - كما سبق - إلى مستوى الواجبات، إذا كان تركه يفضي إلى تلف النفس تلفا كليا أو جزئيا ما دام يغلب على الظن أنه سبيل إلى إنقاذ النفس من التلف واستعادتها للعافية، أما إذا كان","vol":"1","page":448},{"text":"لا يرجى من ورائه استعادة العافية، ولا العودة إلى حياة طبيعية أو شبه طبيعية، بل كان لمجرد الإبقاء على حياة نباتية هي أشبه ما تكون بالموت، فلا وعي ولا حس ولا حركة، ولا أمل في استعادة العافية فإن الدواء في هذه الحالة لا يكون واجبا وإنما يكون مشروعا فقط، وللمريض أو لوصيه الحق في تناوله أو الامتناع عنه والاكتفاء ببذل أسباب الحياة الطبيعية إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، فإن تنازع الأولياء في ذلك كان مرد الأمر إلى القضاء الذي يقرر ما يراه مناسبا في مثل هذه الحالة في ضوء الموازنة بين المصالح والمفاسد، وعلى هذا فإن ما كان يقدم لها من رعاية طبية ينقسم على قسمين:\nما يعد من قبيل الرعاية الطبية الضرورية للحياة والأحياء في الأحوال العادية، كالتقليب والعلاج الطبيعي لمنع تيبس وتقلص العضلات واستخراج الفضلات وعلاج الأمراض الطارئة التي يغلب على الظن شفاؤها ويؤدي بقاؤها إلى تلف النفس أو بعض الأعضاء، فإنه يلزم البقاء عليه والمحافظة على حقها في الإفادة منه.\nأما ما كان وراء ذلك من أجهزة دعم الحياة الخاصة، كالصدمات الكهربائية التي يتعرض لها القلب لحثه على النبض ونحوه، فهذا الذي لا يلزم البقاء عليه في مثل هذه الحالة ولا سيما مع تطاول الأمد وتضاؤل الأمل في استعادة العافية، ويكون مرد الأمر في ذلك على المريض أو وصيه، ويحتكم إلى القضاء عند التنازع. والله تعالى أعلى واعلم» انتهى كلام الدكتور صلاح الصَّاوِيّ. .\nوالواضح من جواب شيخنا الدكتور صلاح الصَّاوِيّ أنه ينظر إلى تغذية هؤلاء المرضى على أنها نوع من الإطعام، وأنه يرى منع الطعام عن المريض عملا غير جائز، بل ويرى أن يداوى المريض من الأمراض الطارئة مع العناية التمريضية به بالتقليب والعلاج الطبيعي واستخراج الفضلات إن لزم.","vol":"1","page":449},{"text":"ولعله من الواضح أيضًا أنه يفرق بين ما قبل غرس الأُنْبُوب في المَعِدَة وهو عمل جراحي وما بعده، وإن كان الأُنْبُوب يحتاج إلى تعهد من قبل هيئة التمريض.\nولقد استطلعت بعض آراء الفقهاء (^١)، فوجدت انقسامًا في الرأي حول اعتبار إيقاف هذا النوع من التغذية عن طريق المَعِدَة حبسًا للطعام عن المريض. فالبعض يرى أنه كذلك، وآخرون يرون هذا التدخل الطبي نوعًا من المداواة سواء كان ذلك قبل أو بعد غرس أُنْبُوب المَعِدَة.\n• والذي يظهر لي أنه من المداواة، وأنه لا يجب، بل وربما لا يستحب أحيانًا، فإن فيه إطالة لمعاناة المريض من غير طائل البتة. ولقد زجر رسول الله -ﷺ- من لدُّوه بغير إذنه، قالت عائشة -﵂-: «لددناه في مرضه فجعل يشير إِلينا أَن لا تَلُدُّونِي فقلنا كراهية المَرِيضِ للدواءِ فلما أَفاق قال أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي قلنا كراهِيَة المَرِيضِ للدواءِ فقال لا يَبْقَى أَحَدٌ في الْبَيْتِ إلا لُدَّ وأنا أَنظُر إلا الْعَبَّاسَ فإنه لم يَشهَدكُم» (^٢). وهذا شبيه اللدود. .\nثم إن هذه المحاليل المغذية تصنع في المعامل وتحتاج إلى خبرات خاصة لتصنيعها، وليس ذلك كالطعام. ودفعها عن طريق أُنْبُوب المَعِدَة يحتاج إلى غرس الأُنْبُوب ثم العناية بها، وليس ذلك كالإطعام.\n* * *\n_________\n(^١) كان ممن اعتبره إطعامًا الدكتور علي السالوس، عضو المجامع الفقهية، وممن اعتبره مداواة الدكتور الطبيب العالم الداعية ياسر برهامي.\n(^٢) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب المغازي، باب مرض النبي -ﷺ- ووفاته (٤/ ١٦١٨).","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>مسائل أخرى تستحق البحث في باب العادات</span>\nمن المسائل ذات التعلق بالموضوع في هذا الباب ولم تبحث في هذه الرسالة:\nأكل اللحم المنتن:\nاختلفوا في جوازه، فحرمه الحنفية للضرر وكرهه الشافعية، فهل يضر؟ وما أئر قول الطب الحديث على الخلاف في هذا الباب؟\nالإجبار على التطعيمات:\nإذا كان جمهور المتقدمين يرون التداوي مستحبًا، فهل يسوغ إجبار الناس على أنواع منه؟ وماذا عن التطعيمات التي أدت إلى انقراض بعض الأمراض، وهي بصدد القضاء على أمراض أخرى، هل يجوز لولي الأمر إجبار الرعية على استعمالها رَغم أنها للوقاية من أمراض يمكن أن تقع أو لا تقع؟\nالزروع التي تسقى وتسمد بالنجاسات وحكم أكلها.\n* * *","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>الباب الثالث: مسائل من أبواب المعاملات</span>\nوفيه فصلان:\nالأول: أحكام متعلقة بالنكاح والعدد\nالثاني: أحكام متعلقة بالحجر والمواريث","vol":"1","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>الفصل الأول: أحكام متعلقة بالنكاح والعدد</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالأول: أقل الحمل\nالثاني: أكثر الحمل\nالثالث: الإشراك في النسب والحمل من ماءين\nالرابع: العدد","vol":"1","page":455},{"text":"المبحث الأول: أقل الحمل\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: أقوال السادة الفقهاء\nالمطلب الثاني: رأي الطب\nالمطلب الثالث: التوفيق بين أقوال الفقهاء ورأي الطب الحديث وأثر تطور الصناعة الطبية على الفتوى","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>المبحث الأول: أقل الحمل</span>\nإن الكثير من الأحكام تتعلق بتحديد أقل الحمل. ومن هذه الأحكام: إقامة حد الزنا وفسخ النكاح وبيع الإماء وثبوت النسب والإرث والوصية والوقف وغيرها.\nولقد اتفق الفقهاء - ﵏ - على أن أقل الحمل ستة أشهر. وفي الطب الحديث أن الحمل يمكن أن يكون دون ذلك، فما هو وجه التوفيق بين أقوال الفقهاء والطب الحديث وما هو أثر تطور المعارف والصناعة الطبية على الفتوى في هذا الباب؟\nهذا ما سنناقشه في المطالب الثلاثة الآتية:","vol":"1","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>المطلب الأول: أقوال السادة الفقهاء</span>\nلقد اتفق السادة الفقهاء -﵏- على أن أقل الحمل ستة أشهر، وبذلك قال الحنفية (^١) والمالكية (^٢) والشافعية (^٣) والحنابلة (^٤) والظاهرية (^٥) ونقل غير واحد عليه الاتفاق (^٦).\n* ودليلهم على هذا:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].\nوقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\nقال الماوَرْدِيّ -﵀-: «فأما مدة أقل الحمل الذي يعيش بعد الولادة فستة أشهر استنباطا من نص وانعقادا من إجماع واعتبارا بوجود. أما استنباط النص، فقول الله ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، فجعلها مدة للحمل ولفصال الرضاع، ولا تخلو هذه المدة من أربعة أحوال: إما أن تكون جامعة لأقلهما أو لأكثرهما أو لأكثر الحمل وأقل الرضاع أو لأقل الحمل وأكثر الرضاع. فلم يجز أن تكون جامعة لأقلهما، لأن أقل\n_________\n(^١) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣٠/ ٥١)؛ و«فَتْح القَدِير» لابن الهُمَام (٤/ ٣٥٩).\n(^٢) «مَوَاهِب الجَلِيل» للحَطَّاب (٦/ ٤١١)؛ و«الاسْتِذْكَار» لابن عبد البَرّ (٧/ ١٧٣).\n(^٣) «الأُمّ» للشافعي (٥/ ٢٣٤)؛ و«تُحْفَة المُحْتاج» للهَيتَمِيّ (٦/ ٤٢٣).\n(^٤) «مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح» (١/ ٢٨٩)؛ و«كشَّاف القِنَاع» للبُهُوتِيِّ (٤/ ٣٥٦)؛ و«مطالب أولي النهي» للرَّحِيباني (الرُّحَيباني) (٤/ ٦٢٨).\n(^٥) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٣١٥).\n(^٦) انظر المصادر السابقة؛ و«الحاوي الكبير» للماوَرْدِيّ (١١/ ٢٠٤)، و«مَجْمُوع الفَتَاوَى» لابن تَيمِيَّة (٣٤/ ١٠)؛ و«تُحْفَة المَوْدُود» لابن القَيِّم (ص ٢٦٥)؛ و«المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (٣/ ٦٥).","vol":"1","page":460},{"text":"الرضاع غير محدد؛ ولم يجز أن تكون جامعة لأكثرهما لزيادتهما على هذه المدة؛ ولم يجز أن تكون جامعة لأكثر الحمل وأقل الرضاع لأن أقله غير محدد؛ فلم يبق إلا أنها جامعة لأقل الحمل وأكثر الرضاع ثم ثبت أن أكثر الرضاع حولان لقول الله ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فعلم أن الباقي وهو ستة أشهر مدة أقل الحمل» (^١).\n٢ - الإجماع.\nقال الماوَرْدِيّ -﵀-: «وأما انعقاد الإجماع فما روي أن رجلًا تزوج امرأة على عهد عثمان -﵁- فولدت لستة أشهر فرافعها إليه، فهم عثمان برجمهما فقال له ابن عباس إن خاصمتك المرأة خصمتك بالقرآن. فقال عثمان -﵁- ومن أين ذلك؟ فقال قال الله ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقال ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فإذا ذهب الحولان من ثلاثين شهرا كان الباقي لحمله ستة أشهر. فعجب الناس من استخراجه، ورجع عثمان ومن حضر رضي الله تعالى عنهم إلى قوله فصار إجماعًا» (^٢).\nوقال ابن القَيِّم -﵀-: «قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، فأخبر تعالى أن مدة الحمل والفطام ثلاثون شهرا وأخبر في آية البقرة أن مدة تمام الرضاع ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ فعلم أن الباقي يصلح مدة للحمل وهو ستة أشهر، فاتفق الفقهاء كلهم على أن المرأة لا تلد لدون ستة أشهر إلا أن يكون سقطا وهذا أمر تلقاه الفقهاء عن الصحابة -﵃-» (^٣).\n_________\n(^١) «الحاوي الكبير» للماوَرْدِيّ (١١/ ٢٠٤).\n(^٢) «الحاوي الكبير» للماوَرْدِيّ (١١/ ٢٠٤ - ٢٠٥).\n(^٣) «تُحْفَة المَوْدُود» لابن القَيِّم (ص ٢٦٥).","vol":"1","page":461},{"text":"٣ - الآثار عن عمر وعلي وعثمان وابن عباس.\nفقد روى البَيْهَقِيّ عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي «أن عمر -﵁- أتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر فهم برجمها فبلغ ذلك عليا -﵁- فقال ليس عليها رجم فبلغ ذلك عمر -﵁- فأرسل إليه فسأله فقال قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، فستة أشهر حمله وحولان تمام الرضاعة لا حد عليها أو قال لا رجم عليها قال فخلى عنها» (^١).\nوروى سعيد بن منصور: «أتي عثمان فى امرأة ولدت فى ستة أشهر فأمر برجمها فقال بن عباس أدنوني منه فأدنوه فقال إنها تخاصمك بكتاب الله يقول الله -﷿-: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، ويقول فى آية أخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ فردها عثمان وخلى سبيلها» (^٢).\nوصحح الحافظ -﵀- الحديث من رواية ابن وَهْب وذكر اختلافهم فيمن وقعت له الحادثة بين عمر وعثمان ومن ناظره بين علي وابن عباس رضي الله عن الجميع (^٣).\n_________\n(^١) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب العدد، باب ما جاء في أقل الحمل (٧/ ٤٤٢).\n(^٢) «سُنَن سعيد بن منصور» (٢/ ٩٣).\n(^٣) انظر «تَلْخِيص الحَبِير» لابن حَجَر (٣/ ٢١٩).","vol":"1","page":462},{"text":"٤ - الوجود.\nفقد جاء أن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي قد ولد لستة أشهر (^١).\nوقال الماوَرْدِيّ -﵀-: «وأما اعتبار الوجود فما حكي أن الحسين بن علي ﵉ ولد بعد ستة أشهر من ولادة أخيه الحسن رضوان الله عليهما» (^٢).\n_________\n(^١) انظر «تاريخ الخلفاء» للسُّيُوطِيّ (١/ ٢١٥)؛ و«تاريخ الإسلام» للذَّهَبِيّ (٦/ ١٤٢).\n(^٢) «الحاوي الكبير» للماوَرْدِيّ (١١/ ٢٠٤ - ٢٠٥).","vol":"1","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>المطلب الثاني: رأي الطب</span>\n• مما لا شك فيه أن رأي الطب قد تغير في السنوات الماضية نتيجة لتطور الصناعة الطبية في باب إنعاش المولودين الخُدَّج.\nولكن قبل أن أعرض لهذا التغير، لابد أن أشير إلى وقوع لَبْس وخطأٍ عندما ينقل بعض الفقهاء رأي الطب بشأن مدة الحمل، وذلك لأن الأطباء يحسبون - إلا أن يذكروا خلاف ذلك - المدة من بداية آخر حيضة (^١)، بينما الفقهاء معنيون بالمدة من وقت الجماع وهو وقت الإخصاب (^٢)، أو قبله بيوم أو اثنين. إن هذا يؤدي إلى فرق كبير في المصطلح بين الفقهاء والأطباء، فعندما يقول الطبيب إن أدنى مدة للحمل مثلًا أربعة وعشرون أسبوعًا (٢٤) فإن هذا يعني اثنين وعشرين أسبوعًا (٢٢) من الإخصاب؛ أي دون ستة الأشهر بكثير.\nإن ستة الأشهر من وقت الجماع تساوي سبعة وعشرين أسبوعًا (٢٧) من بداية آخر حيضة للمرأة، وهذا هو ما جرت عادة الأطباء على استعماله.\nولذلك فإنه تلزم مراجعة ما جاء في توصيات ندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية من قولهم - حفظهم الله:\n«وقد كان الخط الفاصل بين الإسقاط والولادة عند ثمانية وعشرين أسبوعًا، لكن مع التقدم الطبي الذي حسن فرص الجنين الأصغر من هذا العمر في القدرة على الحياة نزل هذا الحد إلى أربعة عشرين أسبوعًا وهو ما يطابق الحكم الشرعي الذي يجعل أدنى مدة الحمل حتى الولادة ستة أشهر» (^٣).\n_________\n(^١)  Gestationel age.\n(^٢) Gonceptional age.\n(^٣) «الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية» بحث د/ نبيهة عبد الجبار (ص ٧٥٩).","vol":"1","page":464},{"text":"إن هذه الأسابيع الأربعة والعشرين التي يتكلم عنها الأطباء إنما هي من وقت بداية آخر حيضة، أي أنها اثنان وعشرون أسبوعًا من زمن الجماع أو الإخصاب، وعليه فهي أربعة وخمسون ومائة يوم (١٥٤). بينما ستة الأشهر هي تقريبًا سبعة وسبعون ومائة يوم (١٧٧)، فلا تطابق إذًا.\nإن الطب قد مر بمراحل عدة فإلى وقت غير بعيد كان الأطباء لا يرون أن المولود لدون سبعة أشهر (ستة ونصف من الإخصاب) يمكن أن يعيش، يقول الدكتور الطبيب/ عبد الله باسلامة:\n«فقد غير الأطباء رأيهم الآن وأصبحت أقل مدة الحمل هي ستة أشهر بعد أن كانت سبعة، والواقع أنه إلى الآن لا تزال مذكورة في دائرة المعارف البريطانية أن أقل الحمل الذي يمكن أن يعيش هو (٢٨) أسبوعا [ثمانية وعشرون أسبوعا] أو (١٦٩) يومًا [تسعة وستون ومائة يوم]، ولا أعتقد أنه سوف يجيء يوم من الأيام ويكون في مقدور جنين أن يعيش خارج الرحم ويواصل الحياة إن هو نزل قبل هذه المدة (ستة شهور)» (^١).\nقلت: الكلام غير متفق، فليست الأيام التسعة والستون والمائة هي ستة الأشهر، بل لا يمكن أن تكون ستة الأشهر دون خمسة وسبعين ومائة يوم.\nوتقول الدكتورة الطبيبة نبيهة عبد الجبار: «إذا حدثت الولادة قبل الشهر السابع يكون ذلك إجهاضًا ولكن في بعض المراكز المتخصصة لرعاية الأطفال الخدج يمكن المحافظة والعناية على الأطفال الخدج حتى ولو كانوا في ستة شهور أو وزنهم ٨٠٠ جم أو أكثر (^٢). أما في الكويت فلم يتيسر بعد مثل هذه المراكز» (^٣).\n_________\n(^١) انظر «أحكام المرأة الحامل وحملها» للدكتور عبد الرشيد قاسم (ص ١٠٩).\n(^٢) باشر الباحث رعاية خدج وزنهم دون الخمسمائة جرام.\n(^٣) «الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية» بحث د/نبيهة عبد الجبار (ص ٤٣٨).","vol":"1","page":465},{"text":"ولا أدري إذا كانت الدكتورة الطبيبة تعني ستة أشهر باصطلاح الفقهاء (أي من الإخصاب) أو الأطباء (أي من بداية آخر حيضة)، والأقرب أنها تستخدم اصطلاح الأطباء، ومن ثم فإن ستة الأشهر هي خمسة ونصف من وقت الجماع أو الإخصاب.\nونقل الدكتور يحيى عبد الرحمن الخطيب في رسالته للماجستير عن الدكتور محيي الدين كحالة قوله إن أقل مدة للحمل يمكن أن يولد فيها المولود تام الخلقة هي ستة أشهر وإن الطفل يحتاج إلى حاضنة خاصة لكي يتمكن من العيش بعد إذن الله (^١).\nويقول الدكتور أحمد كنعان عن أقصر مدة للحمل: «قد يلفظ الرحم الجنين في أية مرحلة من مراحل الحمل فيسمى سقطًا إن لم يكن الجنين قد بلغ من العمر ٢٤ أسبوعًا، ولم يبلغ من النضج ما يتبع له الاستمرار بالحياة» (^٢).\nوإننا لو توقفنا عند قول الأطباء إن أقصر مدة للحمل هي أربعة وعشرون أسبوعًا (٢٤) أي اثنان وعشرون أسبوعًا (٢٢) من الإخصاب، لكان ذلك أربعة وخمسين ومائة يوم (١٥٤)، وهو غير ستة الأشهر، التي هي سبعة وسبعون ومائة يوم (١٧٧) تقريبًا.\nولكن ليس الأمر يقف عند هذا الحد، ولكن أقل سن لإمكانية إنقاذ الطفل الخديج قد هبط إلى اثنين وعشرين أسبوعًا (٢٢) من بداية الحيضة الأخيرة أي أنه عشرون أسبوعًا (٢٠) من الإخصاب أو أربعون ومائة يوم (١٤٠) (^٣) بل لقد سُجِّلت حالة\n_________\n(^١) «أحكام المرأة الحامل في الشريعة الإسلامية» ليحيى الخطيب (ص ٩٩).\n(^٢) «الموسوعة الطبية الفقهية» لكنعان (ص ٣٧٤).\n(^٣)  Perinatal Care at the Threshold of Viability [Journal] /auth.Hugh MacDonald MD، and the Committee on Fetus and Newborn//PEDIATRICS. - USA: AMERICAN ACADEMY OF PEDIATRICS، Nov. ٢٠٠٢. - ٥: Vol. ١١٠.\nTrends in neonatal morbidity and mortality for very low birthweight infants [Journal] /auth.Fanaroff AA Stoll BJ، ... //American Journal of Obstetrics and Gynecology. - USA: Mosby، ٢٠٠٧. - ٢: Vol. ١٩٦. - PMID: ١٧٣٠٦٦٥٩.\nPrenatal Consultation at the Limits of Viability [Journal] /auth.Halamek Louis//NeoReviews. - USA: American Academy of Pediatrics، ٢٠٠٣. - ٦: Vol. ٤.","vol":"1","page":466},{"text":"عاشت فيها طفلة ولدت بعد واحد وعشرين أسبوعًا وستة أيام من بداية الحيضة الأخيرة أي تسعة عشر أسبوعًا وستة أيام من الإخصاب أي بعد سبع وثلاثين ومائة يوم (١٣٧) منه (^١).\nإن هذا كله بعيد عن ستة الأشهر، والتي هي سبعة وسبعون ومائة يوم (١٧٧) تقريبًا. فما وجه التوفيق؟ هذا ما نفصله في المطلب الآتي.\n* * *\n_________\n(^١)  Baptist Hospital of Miami، Fact Sheet. ٢٠٠٦","vol":"1","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>المطلب الثالث: التوفيق بين أقوال الفقهاء ورأي الطب الحديث وأثر تطور الصناعة الطبية على الفتوى في هذا الباب</span>\nلابد أولًا عند التوفيق ألا نرد صريح نص من القرآن أو السنة الصحيحة أو إجماعًا منعقدًا، كذلك فإن أهل السنة كما بينا في تغير الفتوى لا يردون دليل الحس.\nأما النص الصريح فليس ثم، واستنباط علي -﵁- أو ابن عباس -﵁- من الآيتين أن أدنى الحمل ستة أشهر إنما هو من إشارة النص، لا صريحه، وإلا لما خفي الاستنباط على أكثر الصحابة - ﵃ جميعًا.\nوإن التحديد بستة الأشهر من الآيتين استنباط حسن لطيف، ولكن ليس فيهما ما يقطع أن المولود لدونها لا يعيش، ولذلك لم يلتزم بعضهم بستة الأشهر من غير نقصان ولا زيادة، بل إن سفيان الثَّورِيّ تسامح في اليوم واليومين دون ستة الأشهر (^١).\nأما الإجماع، فنقله غير واحد من العلماء ولا نعلم لهم مخالفًا، ولكنْ على ماذا أجمعوا؟\nلا يظهر انعقاد إجماع الصحابة على أن الولد لا يولد حيًا دون ستة الأشهر بل أنه يولد حيًا لستة أشهر. أما إجماع من بعدهم على أنه لا يولد حيًا لدونها، فمثل هذا الإجماع الإقراري أو الاستقرائي لا يصلح كدليل قطعي بل هو حجة ظنية غيرها قد يكون أقوى منها (^٢).\nولكن هل أجمعوا على أنه لا يولد حيًا لدون ستة الأشهر؟ إنهم قد أجمعوا على أن\n_________\n(^١) انظر «الاسْتِذْكَار» لابن عبد البَرّ (٧/ ١٧٣).\n(^٢) انظر: «مَجْمُوع الفَتَاوَى» لابن تَيمِيَّة (١٩/ ٢٦٧).","vol":"1","page":468},{"text":"الولد إذا ولد لستة أشهر من النكاح نسب لأبيه، وليس له أن ينفيه، والظاهر أنهم يتفقون على أنه لو ولد لدون ذلك، واستمرت به حياة، لا ينسب له. إنهم يقولون إن المولود لدون ستة الأشهر لا تكون له حياة مستقرة، لأن سبب الموت قد تعلق به وهو نقص الخِلْقَة.\nقال الهَيتَمِيّ -﵀-: «وقع السؤال عن شخص تزوج بامرأة ودخل بها، ثم مات وألقت جنينا بعد خمسة أشهر من العقد ومكث حيًا نحو يوم ومات فهل يرث أو لا والجواب أن الظاهر عدم الإرث؛ لأنه إن كان ولدا كاملا فهو من غير الزوج المذكور؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر وإن لم يكن كاملًا فحياته غير مستقرة وهي مشترطة للإرث فاحفظه فإنه مهم ولا تغتر بمن ذكر خلافه» (^١).\nلاحظ أنه لا ينكر أنه يولد حيًا لدون ستة الأشهر، ولكنه لا يرى أن له حياة مستقرة.\nقال البُهُوتِيّ (^٢) -﵀-: «(وتصح) الوصية (للحمل) لأنه يرث وهي في معنى الإرث من جهة الانتقال عن الميت مجانا (إن كان موجودا حال الوصية) لأنها تمليك فلا تصح لمعدوم (بأن تضعه حيا لأقل من ستة أشهر من حين الوصية فراشا كانت لزوج أو سيد، أو بائنا) لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر كما يأتي، فإذا وضعته لأقل منها وعاش لزم أن\n_________\n(^١) «تُحْفَة المُحْتاج» للهَيتَمِيّ (٦/ ٤٢٣).\n(^٢) هو: منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن بن إدريس البُهُوتِيّ الحنبلي، شيخ الحنابلة بمصر في عصره، ومن محققي المتأخرين الكبار، نسبته إلى بُهُوت في غَرْبِيَّة مصر، ولد سنة ١٠٠٠ هـ، وتوفي سنة ١٠٥١ هـ، له كتب هي من أهم ما يعول عليه المتأخرون في المذهب، منها: «الروض المربع شرح زاد المستقنع المختصر من المُقْنِع»، و«كشَّاف القِنَاع عن متن الإقناع للحجاوي»، و«دقائق أولي النهى لشرح المنتهى»، و«إرشاد أولي النهى لدقائق المنتهى»، و«عمدة الطالب». راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكليّ (٧/ ٣٠٧)، «مُعْجَم المؤلفين» (١٣/ ٢٢).","vol":"1","page":469},{"text":"يكون موجودًا حينها» (^١).\nلاحظ قوله: «وعاش».\nوقد يعكر على ما ذهبت إليه قول الإمام ابن القَيِّم -﵀-: «فاتفق الفقهاء كلهم على أن المرأة لا تلد لدون ستة أشهر إلا أن يكون سقطًا» (^٢). ولكن غيره يخالفه في ذلك، وليست عبارات العلماء كقواطع نصوص الوحي مهما علا في العلم كعبهم.\nإنه من الواضح من كلامهم، ﵏، أنهم يعون إمكانية ولادة الجنين حيًا لدون الأشهر الستة، ولكنه لا تستقر حياته عندها، وإن هذا هو عين الصواب، فإن الجنين إذا ولد لدون السبعة والثلاثين أسبوعًا سمي خداجًا أو خديجًا، أي ناقص النمو، وتزداد المخاطر إذا كان دون الأربعة والثلاثين، وتشتد جدًا إذا ما كان دون السبعة والعشرين إلى الثمانية والعشرين (وهي ستة الأشهر من الإخصاب)، فإنه عندها لا يعيش إذا ترك من غير تدخل طبي على قدر عالٍ جدًا من الكفاءة (^٣).\nإذًا فستة الأشهر هي أدنى فترة للحمل يعيش معها الجنين من غير تدخل طبي.\nفإذا ما جاءت المرأة في زماننا بوليد لستة أشهر أو فوقها من النكاح، فإن نسبه يثبت لصاحب الفراش من غير مراجعة للطبيب، وإذا ما أتت به لدون ذلك وعاش بعد\n_________\n(^١) «كشَّاف القِنَاع» للبُهُوتِيِّ (٤/ ٣٥٦). وما بين الأقواس من كلام صاحب الإقناع، الإمام الحجاوي.\n(^٢) «تُحْفَة المَوْدُود» لابن القَيِّم (ص ٢٦٥).\n(^٣)  Perinatal Care at the Threshold of Viability [Journal] /auth.Hugh MacDonald MD، and the Committee on Fetus and Newborn//PEDIATRICS. - USA: AAP.Nov. ٢٠٠٢. - ٥: Vol. ١١٠.\nTrends in neonatal morbidity and mortality for very low birthweight infants [Journal] /auth.Fanaroff AA Stoll BJ، ...","vol":"1","page":470},{"text":"التدخل الطبي، روجع الأطباء لمعرفة حال الوليد، وما إذا كان عمره عند ولادته دون ستة الأشهر من زمن الإخصاب.\nقال الإمام ابن حَزْم -﵀-: «فإن تيقن بضُؤولة خلقته أنه لستة أشهر أو سبعة أشهر أو ثمانية وكانت هذه المدة قد استوفتها عند الثاني وتيقن بذلك أنه ليس للأول فهو للثاني بلا شك» (^١).\nثم إن هذا يؤدي إلى أن النكاح لا ينفسخ إذا تزوجها بكرًا، وولدت لدون ستة الأشهر وشهد الأطباء لها، ويُدرَأ عنها الحد - عند القائل به - ويثبت النسب لصاحب الفراش، ولا ينتفي منه إلا باللعان ويرث منه ... إلخ.\n* * *\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٣١٦).","vol":"1","page":471},{"text":"المبحث الثاني: أكثر الحمل\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: آراء السادة الفقهاء في أقصى مدة الحمل\nالمطلب الثاني: رأي الطب في أكثر مدة الحمل\nالمطلب الثالث: التوفيق بين آراء الفقهاء والمعارف الطبية الحديثة وأثر تطورها على الفتوى","vol":"1","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>المبحث الثاني: أكثر الحمل</span>\nاختلف السادة الفقهاء - ﵏ - في أقصى مدة الحمل، فذهب بعضهم إلى أنها تسعة أشهر وقيل سنة وسنتان وأربع وخمس وست وسبع ولا حد لها.\nويترتب على تحديد أقصى مدة الحمل مسائل كثيرة كثبوت النسب وانقضاء العدة ووقف الميراث وكذلك مسائل في الوقف والوصية، بالإضافة إلى إقامة حد الزنا. من أجل ذلك كانت هذه المسألة على قدر كبير من الأهمية.\nوإنما اختلف العلماء هذا الاختلاف الواسع لأنه لا عمدة لهم إلا إشارة النص في دعوى البعض، وهي من الخفاء - إن كانت صحيحة - بحيث لم يدركها جماهير أهل العلم. أو رأي لصحابي أو صحابية روي عنه أو عنها أو حكاية وجود، وفي أكثر هذه الحكايات نظر. ولقد أحسن ابن عبد البر (^١) -﵀- حينما قال: «وهذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد والرد إلى ما عرف من أمر النساء وبالله التوفيق» (^٢).\n_________\n(^١) هو: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البَرّ النَمَرِيّ القُرْطُبِيّ المالكي، من كبار حفاظ الحديث، مؤرخ، أديب، بحاثة يقال له حافظ المغرب، ولد بقرطبة سنة ٣٦٨ هـ ورحل رحلات طويلة في غربي الأندلس وشرقيها، وولي قضاء لشبونة وشنترين، وتوفي بشاطبة سنة ٤٦٣ هـ، من كتبه: «الدرر في اختصار المغازي والسير»، و«الاستيعاب»، و«جامع بيان العلم وفضله»، و«الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء»، و«التمهيد لما في المُوَطَّأ من المعاني والأسانيد»، و«الاسْتِذْكَار في شرح مذاهب علماء الأمصار». راجع ترجمته في: «وَفَيَات الأعْيَان» (٧/ ٦٦)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٨/ ١٥٣)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٢/ ٣١٤).\n(^٢) «أحْكَام القُرآن» للقُرْطُبِيّ (٩/ ٢٨٧).","vol":"1","page":475},{"text":"ولقد تطور الطب الحديث بحيث صار الأطباء قادرين على تحديد عمر الجنين في بطن أمه بشيء من الدقة، وصار من الممكن التفريق بين الحمل الكاذب والحقيقي عن طريق التحليلات. ولقد صارت أخبار غرائب الحمل والولادة تنتشر بين المتخصصين في أرجاء المعمورة بسرعة كبيرة مع تقدم أجهزة الاتصال، ولم تسجل حالة واحدة زاد فيها الحمل على السنة، بل إن الأطباء يعتقدون استحالة استمرار الحمل فوق الخمسة والأربعين أسبوعًا من بداية آخر دورة.\n* * *","vol":"1","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>المطلب الأول: آراء السادة الفقهاء في أقصى مدة الحمل</span>\nكما سبق، فإن الفقهاء - ﵏- اختلفوا اختلافًا واسعًا في أقصى مدة الحمل، وهذا تفصيل آرائهم.\n* تسعة أشهر، وهو قول داود وابن حَزْم ومال إليه ابن رُشْد (^١).\n* سنة وهو قول محمد بن عبد الحكم (^٢).\n* سنتان، وهو قول الحنفية (^٣) ورواية عند الحنابلة (^٤).\n* ثلاث سنين، وهو قول الليث بن سعد (^٥).\n* أربع سنين، وهو قول الشافعية (^٦) والحنابلة (^٧) ورواية لمالك عدها البعض الأقوى (^٨).\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٣١٦)؛ و«أحْكَام القُرآن» للقُرْطُبِيّ (٩/ ٢٨٧)؛ و«بِدَايَة المُجْتَهِد» لابن رُشْد (٢/ ٢٦٨).\n(^٢) انظر «بِدَايَة المُجْتَهِد» لابن رُشْد (٢/ ٢٦٨)؛ و«أحْكَام القُرآن» للقُرْطُبِيّ (٩/ ٢٨٧)؛ و«المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٣١٦).\n(^٣) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣٠/ ٥١).\n(^٤) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٦/ ٢٦٠).\n(^٥) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٩٨)؛ ونسب ابن حَزْم إليه خمس السنين «المُحَلَّى» (١٠/ ٣١٦).\n(^٦) «الأُمّ» للشافعي (٥/ ٢٣٤).\n(^٧) «كشَّاف القِنَاع» للبُهُوتِيِّ (٤/ ٣٥٦)؛ و«المُغْنِي» لابن قُدامة (٦/ ٢٦٠ و٨/ ٩٨).\n(^٨) «المُدَوَّنَة الكُبْرَى» أجوبة مالك برواية سَحْنُون (٥/ ٤٤٣)؛ وانظر «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٩٨).","vol":"1","page":477},{"text":"* خمس سنين، وهي الرواية الأشهر عن مالك والتي اختارها ابن القاسم (^١) وابن رُشْد (^٢).\n* ست سنين، وهي إحدى الروايتين عن الزُّهْرِيّ (^٣).\n* سبع سنين، وهي إحدى الروايات عند المالكية، والأخرى عن الزُّهْرِيّ (^٤).\n* لا حد لأكثره، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام (^٥) ورواية عن مالك (^٦).\nوهذا عرض لأدلتهم مع المناقشة:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-198> أدلة من تمسك بتسعة الأشهر:</span>\nقال ابن حَزْم -﵀-: «ولا يجوز أن يكون حمل أكثر من تسعة أشهر ولا أقل من ستة أشهر لقول الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، فمن ادعى أن حملا وفصالا يكون في أكثر من ثلاثين شهرا فقد قال الباطل والمحال ورد كلام الله ﷿ جِهارا» (^٧).\n_________\n(^١) «المُدَوَّنَة الكُبْرَى» أجوبة مالك برواية سَحْنُون (٥/ ٤٤٣).\n(^٢) «بِدَايَة المُجْتَهِد» لابن رُشْد (٢/ ٢٦٨)، وهذا غير اختياره الشخصي.\n(^٣) «أحْكَام القُرآن» للقُرْطُبِيّ (٩/ ٢٨٧).\n(^٤) «بِدَايَة المُجْتَهِد» لابن رُشْد (٢/ ٢٦٨)، «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٣١٦)، «أحْكَام القُرآن» للقُرْطُبِيّ (٩/ ٢٨٧).\n(^٥) «تُحْفَة المَوْدُود» لابن القَيِّم (ص ٢١٩).\n(^٦) «أحْكَام القُرآن» للقُرْطُبِيّ (٩/ ٢٨٧).\n(^٧) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٣١٦).","vol":"1","page":478},{"text":"وهذا وجيهٌ إلى حد ما في نقض القول بما فوق الثلاثين شهرًا لا في إثبات القول بتسعة الأشهر.\nوقال -﵀-: «وممن روي عنه مثل قولنا عمر بن الخطاب كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني يحيى بن سعيد الأنصَارِيّ أنه سمع سعيد بن المُسَيَّب يقول قال عمر بن الخطاب: أيما رجل طلق امرأته فحاضت حيضة أو حيضتين ثم قعدت فلتجلس تسعة أشهر حتى يستبين حملها فإن لم يستبن حملها في تسعة أشهر فلتعتد بعد التسعة الأشهر ثلاثة أشهر عدة التي قد قعدت عن المحيض» (^١).\nوليس فيه دليل له -﵀-، فإن عمر -﵁- إنما اعتد بأغلب الحمل لا أكثره وقد يجاب على ذلك بأن عمر - كما سيأتي - أمر امرأة المفقود أن تعتد أربع سنين، والخصم يقول لأنه رآها أكثر الحمل.\nوإن كان عمر -﵁- قد رأى ذلك الرأي فإنما الحجة في إجماع الصحابة، أما آحاد أقوالهم، إذا اختلفوا، فإنما تصلح للاستئناس والاعتضاد.\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٣١٦).","vol":"1","page":479},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-199> دليل من قال بالسنة:</span>\nأما محمد بن عبد الحكم (^١) -﵀- فاستدل بأن السَّنَةَ «أقرب إلى المعتاد، والحكم إنما يجب أن يكون بالمعتاد، لا بالنادر ولعله أن يكون مستحيلا» (^٢).\nويجاب على ذلك بأن الحكم هنا لأقصى الحمل لا أغلبه، وإنما نريد بذلك إثبات النسب لمن ولد دون أقصاه ودرء الحد عن المرأة وتوريث ولدها ... وهذه أمور يحتاط لها.\nوليس مع من قال بالسنة دليل من الوحي والآثار، وإن كان قولهم الأقرب إلى الصواب في الوجود.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-200> دليل من قال بالسنتين:</span>\nومن قال بالسنتين، فيدفع الأقوال التي جعلت أقصاه فوق الثلاثين شهرًا بمثل ما قال ابن حَزْم -﵀- ويزيد فيثبت قوله بقول عائشة -﵂-: «ما تَزِيدُ الْمَرْأَةُ في الْحَمْلِ أَكْثَرَ من سَنَتَيْنِ قَدْرَ ما يَتَحَوَّلُ ظِلُّ عُودِ الْمِغْزَلِ» (^٣).\nوالحديث من رواية جميلة بنت سعد. قال ابن المُلَقِّن (^٤) -﵀-: «جميلة بنت سعد\n_________\n(^١) هو: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم محدث حافظ، فقيه على مذهب مالك، من أهل مصر ولد في منتصف ذي الحجة سنة ١٨٢ هـ وتفقه بالشافعي وأشهب، وروى عن ابن وَهْب وعدة، وروى عنه النَّسَائيّ وابن خزيمة وخلق، وتوفي بمصر منتصف ذي القعدة سنة ٢٦٨ هـ، من مؤلفاته الكثيرة: «أحْكَام القُرآن»، و«الوثائق والشروط»، و«معرفة علوم الحديث»، و«السُّنَن على مذهب الشافعي». راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ١٩١)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٤/ ١٩٣)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٢/ ٤٩٧).\n(^٢) استدل له بذلك ابن رُشْد في «بِدَايَة المُجْتَهِد» (٢/ ٢٦٨).\n(^٣) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب العدد، باب ما جاء في أكثر الحمل (٧/ ٤٤٣).\n(^٤) هو: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصَارِيّ الشافعي، المعروف بابن المُلَقِّن من أكابر العلماء بالحديث والفقه وتاريخ الرجال أصله من وادي آش بالأندلس، ومولده في القاهرة سنة ٧٢٣ هـ، ووفاته فيها سنة ٨٠٤ هـ، له نحو ثلاثمائة مصنف منها: «إكمال تَهْذِيب الكَمَال في أسماء الرجال»، و«التذكرة في علوم الحديث»، و«الأعلام بفوائد عمدة الأحكام»، و«إيضاح الارتياب في معرفة ما يشتبه ويتصحف من الأسماء والأنساب»، و«التوضيح لشرح الجامع الصحيح»، و«خلاصة البَدْر المُنِير في تخريج أحاديث شرح الوجيز» للرَّافِعِيّ. راجع ترجمته في: «الضوء اللامع» (٦/ ١٠٠)، «الأعلام» للزرِكليّ (٥/ ٧٥).","vol":"1","page":480},{"text":"مجهولة لا يدرى من هي» (^١) وبمثل قوله قال ابن حَزْم (^٢).\nولهم ما روي أنه جاء رجل إلى عمر بن الخطاب -﵁- فقال يا أمير المؤمنين إني غبت عن امرأتي سنتين فجئت وهي حُبلَى فشاور عمر -﵁- ناسًا في رجمها فقال معاذ بن جبل -﵁-: يا أمير المؤمنين إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل فاتركها حتى تضع، فتركها فولدت غلاما قد خرجت ثناياه، فعرف الرجل الشبه فيه، فقال ابني ورب الكعبة، فقال عمر -﵁- عجَزت النساء أن يلدن مثل معاذ لولا معاذٌ لهلك عمر (^٣).\nوليس لهم أن يستدلوا به على من قال إن أقصى الحمل فوق السنتين، ولذا قال البَيْهَقِيّ -﵀-: «وهذا إن ثبت ففيه دلالة على أن الحمل يبقى أكثر من سنتين وقول عمر -﵁- في امرأة المفقود تربص أربع سنين يشبه أن يكون إنما قاله لبقاء الحمل أربع سنين والله أعلم» (^٤).\n_________\n(^١) «البَدْر المُنِير» لابن المُلَقِّن (٨/ ٢٢٧).\n(^٢) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٣١٦).\n(^٣) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب العدد، باب ما جاء في أكثر الحمل (٧/ ٤٤٣).\n(^٤) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب العدد، باب ما جاء في أكثر الحمل (٧/ ٤٤٣).","vol":"1","page":481},{"text":"ولكن الحديث لا يثبت. قال فيه ابن حَزْم -﵀-: «وهذا أيضا باطل لأنه عن أبي سفيان، وهو ضعيف؛ عن أشياخ لهم، وهم مجهولون» (^١).\nأما الليث بن سعد -﵀- فليس له على الثلاثة دليل إلا الوقوع (^٢)، وهو وإن صح فلا يدل على أنه أقصى الحمل.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-201> دليل من قال بالأربع:</span>\nأما القائلون بأربع السنين، وهم الجمهور فلهم:\nما روي أن امرأة أتت عمر بن الخطاب -﵁- فقالت: «استهوت الجن زوجها فأمرها أن تتربص أربع سنين ثم أمر ولي الذي استهوته الجن أن يطلقها ثم أمرها أن تعتد أربعة أشهر وعشرا» (^٣).\nوهذا الأثر ثابت عن عمر -﵁- قال ابن المُلَقِّن: «هذا الأثر صحيح رواه مالك في المُوَطَّأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المُسَيَّب ورواه الشافعي كذلك عنه قَالَ البَيْهَقِيّ ورواه يونس بن يزيد عن الزُّهْرِيّ وزاد فيه قَالَ وقضى في ذَلِكَ عثمان بن عفان بعد عمر -﵄-. قال ورواه أبو عبيد عن محمد بن كثير عن الأوزاعِيّ عن الزُّهْرِيّ عن سعيد بن المُسَيَّب أن عمر وعثمان -﵄- قالا امرأة المفقود تتربص أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشرًا ثم تنكح» (^٤). وصححه ابن حَزْم.\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٣١٦).\n(^٢) روى البَيْهَقِيّ في سننه عن عمر بن واقد في ذكر مالك بن أنس أن أمه حملت به في البطن ثلاث سنين، انظر: «السُّنَن الكُبْرَى» كتاب العدد، باب ما جاء في أكثر الحمل (٧/ ٤٤٣).\n(^٣) «سُنَن الدَّارَقُطْنِيّ» كتاب النكاح (٣/ ٣١١).\n(^٤) «البَدْر المُنِير» لابن المُلَقِّن (٨/ ٢٢٨ - ٢٢٩).","vol":"1","page":482},{"text":"قال البَيْهَقِيّ -﵀-: «وقول عمر -﵁- في امرأة المفقود تربص أربع سنين يشبه أن يكون إنما قاله لبقاء الحمل أربع سنين والله أعلم» (^١).\nولكن ليس قول عمر صريحًا في أنه إنما أراد لها أن تتربص من أجل احتمال وجود الحمل، بل الأقرب أنه إنما أراد الاستيثاق من موت المفقود وعدم رجوعه. وقد روى ابن المُسَيَّب عنه -﵁- «أيما رجل طلق امرأته فحاضت حيضة أو حيضتين ثم قعدت فلتجلس تسعة أشهر حتى يستبين حملها فإن لم يستبن حملها في التسعة الأشهر فلتعتد ثلاثة أشهر بعد التسعة التي قعدت من المحيض» (^٢).\nولهم من الآثار والأخبار بوقوع أربع السنين في الحمل ما يأتي:\nعن الوليد بن مسلم قال قلت لمالك بن أنس إني حدثت عن عائشة -﵂- أنها قالت لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل فقال سبحان الله من يقول هذا هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدق وزوجها رجل صدق حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة تحمل كل بطن أربع سنين (^٣).\n١ - وعن المبارك بن مجاهد قال: «مشهور عندنا امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين، وكانت تسمى حاملة الفيل» (١).\n٢ - وعن محمد بن عمر هو الواقدي قال: «سمعت مالك بن أنس يقول قد يكون الحمل سنتين، وأعرف من حملت به أمه أكثر من سنتين يعني نفسه» (١).\n٣ - وعن هاشم بن يحيى الفراء المجاشعي قال بينما مالك بن دينار يوما جالس إذ جاءه رجل فقال: «يا أبا يحيى ادع لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد فغضب مالك وأطبق المصحف ثم قال: ما يرى هؤلاء القوم إلا أنا أنبياء ثم دعا ثم\n_________\n(^١) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب العدد، باب ما جاء في أكثر الحمل (٧/ ٤٤٣).\n(^٢) «مُصَنَّف عبد الرَّزَّاق» كتاب الطلاق، باب الطلاق مرتان (٦/ ٣٣٩).\n(^٣) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب العدد، باب ما جاء في أكثر الحمل (٧/ ٤٤٣).","vol":"1","page":483},{"text":"قال: اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها ريح فأخرجها عنها الساعة وإن كان في بطنها جارية فأبدلها بها غلاما فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. ثم رفع مالك يده ورفع الناس أيديهم، وجاء الرسول إلى الرجل فقال أدرك امرأتك فذهب الرجل، فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جعد قطط ابن أربع سنين قد استوت أسنانه وما قطعت أسراره» (١).\nقال ابن حَزْم -﵀-: «وكل هذه أخبار مكذوبة راجعة إلى من لا يصدق ولا يعرف من هو ولا يجوز الحكم في دين الله تعالى بمثل هذا» (^١).\nولو صحت هذه الأخبار عن أصحابها، لما كان فيها دليل على أن الحمل يطول لهذه المدة كما سنبين إمكان حصول الوهم في تقدير زمان الحمل.\nأما من قالوا بالست والسبع فعمدتهم الوقوع.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-202> دليل من ترك التحديد:</span>\nومن لم يحدد، فاحتج بعدم وجود الدليل على أي حد، فكان وضع الحد تحكمًا. قال الإمام ابن القَيِّم -﵀-: «وقالت فرقة لا يجوز في هذا الباب التحديد والتوقيت بالرأي لأنا وجدنا لأدنى الحمل أصلا في تأويل الكتاب وهو الأشهر الستة، فنحن نقول بهذا ونتبعه ولم نجد لآخره وقتا وهذا قول أبي عبيد» (^٢).\nوالراجح أنه لا دليل من الشرع على التحديد، فينظر في العرف والوجود، فإن ما لم يقدره الشرع يتقدر بالعرف والوجود، وأهل الذكر في هذا هم الأطباء، فلنرَ ما يقررونه في المطلب الآتي.\n* * *\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٣١٦).\n(^٢) «تُحْفَة المَوْدُود» لابن القَيِّم (١/ ٢٦٩).","vol":"1","page":484},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>المطلب الثاني: رأي الطب في أكثر مدة الحمل</span>\nقبل عرض رأي الطب عن أكثر الحمل ينبغي أن نؤكد أن ذكر طبيب أو أطباء لحملٍ جاوزَ كذا وكذا لا عبرة به، لأن الأطباء قد يجري عليهم من الوهم والخطأ ما يجري على غيرهم.\nوينبغي أيضًا أن نؤكد أن الخطأ في تحديد أكثر الحمل ليس قاصرًا على أمة دون أخرى، بل إن الغربيين يخطئون كما يخطئ غيرهم.\nأردت بيان ذلك لأن البعض قد يتمسك بدعوى أحد الأطباء من هنا أو هناك لم يقم عليها دليل، ويجعلها أساسًا ينطلق منه.\nأما ما ذكر عن أكثر مدة للحمل، فقد ذكرت صحيفة التايم الأمريكية لسنة ١٩٤٢ أن طبيبًا ادعى أن حمل امرأة من مرضاه طال لمدة ٣٧٥ يومًا، وأنكر الأطباء في زمانه أن يكون ذلك ممكنًا (^١).\nونقل صاحب الموسوعة الطبية الفقهية الدكتور الطبيب أحمد كنعان، عن صحيفة المحقق الطبي الأمريكية لعام ١٨٨٤، أن حملًا قد استمر لمدة خمسة عشر شهرًا وعشرين يومًا. ونقل كذلك عن مجلة تاريخ الأكاديمية الفرنسية أن حادثة حمل دامت ٣٦ شهرًا، ولكنه بين أن هذه الروايات «روايات صحفية لا يمكن الاطمئنان إليها من الوجهة العلمية» (^٢) ثم قال: «ومن النادر أن ينجو من الموت جنين بقي في الرحم ٤٥ أسبوعًا [٤٣ أسبوعا بحساب الفقهاء]، ولاستيعاب النادر والشاذ فإن هذه المدة تحدد أسبوعين\n_________\n(^١) «مجلة التايم الأمريكية» الخامس من مارس سنة ١٩٤٥ م.\n(^٢) انظر «الموسوعة الطبية الفقهية» (ص ٣٧٦).","vol":"1","page":485},{"text":"آخرين لتصبح ٣٣٠ يومًا، ولم يعرف أن مشيمة قدرت أن تمد الجنين بعناصر الحياة لهذه المدة» (^١).\nوينقل الدكتور يحيى عبد الرحمن الخطيب في كتابه أحكام المرأة الحامل عن الطبيبين أحمد ترعاني ومحيي الدين كحالة، أخصائيي التوليد، أن الحمل لا يمكن أن يجاوز عشرة الأشهر (^٢).\nوأفادت الطبيبة د. نبيهة عبد الجبار، اختصاصية التوليد، أن بعض الإحصائيات تبين أن ٢٥% من الحوامل يلدن في الأسبوع ٤٢ [٤٠ من الجماع] و١٢% في الأسبوع ٤٣ و٣% في الأسبوع ٤٤ (^٣).\n• وما ذكر الأطباء في ذلك العدد صحيح تؤيده المعارف الطبية الحديثة، فإن هذا العالم الصغير الذي تنتشر فيه الأخبار بسرعة الضوء وتتشابك فيه خزائن معلومات مراكز البحث العلمي في أرجائه كافة، وتتم فيه الملايين من الولادات كل شهر، لم ينقل فيه إلى الآن من جهة موثوقة وبأدلة مقبولة أن حملًا قد زاد على الخمسة والأربعين أسبوعًا [٤٣ من الجماع]، ولو كان ثم لانتشر، فإن دواعي نقل الغريب عند الأطباء ما أكثرها، بل إنهم يحرصون ويجهدون في نقل ما هو دون ذلك من الغرائب بمراحل.\nأما زعم بعض الأطباء في سنة ١٨٨٤ أو ١٩٤٥ م بوقوع حمل فوق المعهود، فلم يثبتوا\n_________\n(^١) انظر «الموسوعة الطبية الفقهية» (ص ٣٧٦).\n(^٢) «أحكام المرأة الحامل في الشريعة الإسلامية» (ص ١٠٦).\n(^٣) «الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية» ثبت كامل لأعمال الندوة المنعقدة بشعبان ١٤٠٧ هـ، بحث د/نبيهة عبد الجبار (ص ٤٣٦). والأسبوع (٤٤) هو (٤٢) من الجماع وهو دون عشرة الأشهر.","vol":"1","page":486},{"text":"بشيء من الأدلة المقبولة ما ذهبوا إيه ولم يصدقهم أهل زمانهم من الأطباء فضلًا عن أن نصدقهم اليوم مع ما آل إليه العلم من تطور، وما صارت إليه المختبرات من الدقة وما توصل إليه من أنواع الأشعة التي تتابع تكوين الجنين وحركاته داخل رحم أمه.\nإن الجنين إذا طال حمله عن الأسبوع (٤١) تبدأ مشيمته بالضمور ويعاني شيئًا فشيئًا من النقص في وصول الغذاء إليه (^١). وبعد الأسبوع (٤٢) فإن أكثر الأطباء يحرضون الرحم لبدء الولادة حتى لا يصاب الجنين بمكروه (^٢).\n• إن كلمة الأطباء متفقة على أن الحمل لا يبقى حيًا في رحم الأم بعد الأسبوع الخامس والأربعين من بداية آخر حيضة. أي الثالث والأربعين من الجماع.\nوجاء في التوصية السابعة عشر لندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية المنعقدة بتاريخ ٢٠ شعبان ١٤٠٧ هـ تحت رعاية المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية:\n«١٧ - أقصى مدة الحمل: قرر الأطباء أنه يستمر نماء الحمل منذ التلقيح حتى الميلاد معتمدًا في غذائه على المشيمة والأصل أن مدة الحمل بوجه التقريب مائتان وثمانون يومًا تبدأ من أول أيام الحيضة السوية السابقة للحمل.\nفإذا تأخر الميلاد عن ذلك ففي المشيمة بقية رصيد يخدم الجنين بكفاءة لمدة أسبوعين آخرين ثم يعاني الجنين المجاعة من بعد ذلك لدرجة ترفع نسبة وفاة الجنين في الأسبوع الثالث والأربعين والرابع والأربعين ومن النادر أن ينجو من الموت جنين بقي في الرحم خمسة وأربعين أسبوعًا.\n_________\n(^١)  Gabbe: Obstetrics: Normal and Problem Pregnancies [Book] /auth.Divon Michael Y .. - Philadelphia: Churchill Livingstone an imprint of Elsevier، ٢٠٠٧. - ٥.\n(^٢)  انظر «الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية» ثبت كامل لأعمال الندوة المنعقدة بشعبان ١٤٠٧ هـ (ص ٤٣٧)، والمصدر السابق.","vol":"1","page":487},{"text":"ولاستيعاب النادر والشاذ تمد هذه المدة اعتبارًا من أسبوعين آخرين لتصبح ثلاثمائة وثلاثين يومًا ولم يعرف أن مشيمة قدرت أن تمد الجنين بعناصر الحياة لهذه المدة. (وقد توسع القانون في الاحتياط مستندًا إلى بعض الآراء الفقهية بجانب الرأي العلمي فجعل أقصى مدة الحمل سنة)» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) «الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية» ثبت كامل لأعمال الندوة المنعقدة بشعبان ١٤٠٧ هـ (ص ٧٥٩).","vol":"1","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>المطلب الثالث: التوفيق بين آراء الفقهاء والمعارف الطبية الحديثة\nوأثر تطورها على الفتوى في هذا الباب</span>\nبين يدي التوفيق بين آراء الفقهاء والطب الحديث، ينبغي التأكيد على أن الإشكال في أقصى مدة الحمل لم يواجه فقهاءنا وحدهم، بل إن القوانين في بلاد كثيرة تختلف في تحديد هذه المدة، فقد أقر القانون الإنجليزي بحمل طال لمدة واحد وأربعين ومائة يوم «٣٤١) يومًا) (^١) وهذا ما لا يمكن أن يقره الأطباء.\nإن الطب الحديث لا يعرف حملًا زاد على الخمسة والأربعين أسبوعًا ولا يتصور ذلك من خلال المعارف الطبية الحديثة بل يجزم الأطباء باستحالته (^٢)، وإن كان لا يخفى أنها ليست استحالة عقلية.\nإذًا فكيف الجمع بين ذلك وبين تلك الأخبار عن الثقات من فقهائنا ينقلون فيها عن الثقات من أهل زمانهم أن حملًا قد طال لسنين؟\nإن هذا يسير بإذن الله، وذلك أن المرأة قد ينقطع حيضها السنين ذات العدد، ثم يحصل التبويض، وقبل أن يتبعه الحيض، يحصل الإخصاب، فتظن أنها كانت حاملًا طيلة السنين الماضية. ومما يثبت ظنها أن الكثير من النساء يَتُقْن إلى الحمل فتتولد لديهن أحاسيسُ بحركة الجنين داخل البطن، وقد تكون ريحًا أو باشتهاءِ بعض الأطعمة أو\n_________\n(^١) «أثر التقنية الحديثة في الخلاف الفقهي» باب النكاح، المبحث الخامس. وانظر: «الموسوعة الطبية الفقهية» (ص ٣٧٦).\n(^٢) «الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية» ثبت كامل لأعمال الندوة المنعقدة بشعبان ١٤٠٧ هـ، جلسة المناقشات (ص ٦٨٢).","vol":"1","page":489},{"text":"الأشربة، وقد يولد الجنين وله سن قد نبتت، وهي غير طبيعية، إلا أنها قد تثبت اعتقاد البعض في طول الحمل.\nإن هذا كله يندرج تحت مسمى الحمل الكاذب (^١) والذي يعرفه الأطباء، ولكن هل يعرفه الفقهاء؟ نعم، إنهم يعرفونه، وقد وُصِف في بعض كتب الفقه، قال كمال الدين -﵀-:\n«ولا يخفى أن قول عائشة -﵂- مما لا يعرف إلا سماعا وهو مقدم على المحكي عن امرأة ابن عجلان لأنه بعد صحة نسبته إلى الشارع لا يتطرق إليه الخطأ بخلاف الحكاية فإنها بعد صحة نسبتها إلى مالك والمرأة يحتمل خطؤها، فإن غاية الأمر أن يكون انقطع دمها أربع سنين ثم جاءت بولد وهذا ليس بقاطع في أن الأربعة بتمامها كانت حاملا فيها لجواز أنها امتد طهرها سنتين أو أكثر ثم حبلت ووجود الحركة مثلا في البطن لو وجد ليس قاطعا في الحمل لجواز كونه غير الولد ولقد أخبرنا عن امرأة أنها وجدت ذلك مدة تسعة أشهر من الحركة وانقطاع الدم وكبر البطن وإدراك الطلق فحين جلست القابلة تحتها أخذت في الطلق فكلما طلقت اعتصرت ماء هكذا شيئا فشيئا إلى أن انضمر بطنها وقامت عن قابلتها عن غير ولادة» (^٢).\nوبمثل ما قال الكمال -﵀- نقول، ولكن الخبر عن عائشة إن صح قد يكون من قبيل الرأي لا الرواية عن المعصوم -ﷺ-.\n_________\n(^١) للمزيد عن الحمل الكاذب انظر «بحوث فقهية في مسائل طبية معاصرة» للمحمدي، (ص ١٢٥)، و«الموسوعة الطببية الفقهية» لكنعان (ص ٣٧٦)، و«الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية - ثبت كامل لأعمال الندوة المنعقدة بشعبان ١٤٠٧ هـ» (ص ٦٨٢).\n(^٢) «شرح فَتْح القَدِير» لابن الهُمَام (٤/ ٣٦٢).","vol":"1","page":490},{"text":"• الحق إذًا الذي ينبغي المصير إليه مع عدم وجود النص من الوحي، أن أكثر الحمل لا يتجاوز عشرة الأشهر، ولعل الحسن قد أشار إلى ذلك من غير تصريح في تفسير قوله تعالى:\n﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]\nحيث قال -﵀-: «ما تغيض الأرحام ما كان من سقط وما تزداد المرأة تلد لعشرة أشهر» (^١).\nوقد يتجه أن يحتاط القانون فيجعل أكثر الحمل عامًا، كما هو الحال في القانونين المصري والسوري، وبذلك يوافق قول القوانين، وكثير من المعاصرين من الفقهاء (^٢) قول محمد بن عبد الحكم -﵀- إلا أنه يعتد بالسنة القمرية وتعتد القوانين بالسنة الشمسية.\nوالطب الحديث قادر عن طريق الأشعة الصوتية والاختبارات المعملية بل والمتابعة الإكلينيكية لحجم الرحم أن يخبر عن مدة الحمل بنوع من الدقة (^٣).\nويترتب على ذلك القولِ تغيرُ الفتوى في أبواب عديدة كلحوق النسب واللعان وإقامة حد الزنا عند من قال به (^٤) وتأخير الحد لأجل الحمل عند ادعائه والوقف على الجنين والوصية له وغيرها من الأحكام المتعلقة به.\n_________\n(^١) «تُحْفَة المَوْدُود» لابن القَيِّم (١/ ٢٦٧).\n(^٢) انظر توصيات ندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية «الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية - ثبَت كامل لأعمال الندوة المنعقدة بشعبان ١٤٠٧ هـ» (ص ٣٦٧).\n(^٣) انظر: «خلق الإنسان بين الطب والقرآن» للبار (ص ٣٦٧).\n(^٤) المالكية يجعلون الحمل قرينة على الزنا توجب الحد، إلا أن تثبت المرأة براءتها من الزنا.","vol":"1","page":491},{"text":"المبحث الثالث: الاشتراك في النسب والحمل من ماءين\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: اختلاف الفقهاء في الاشتراك في النسب والحمل من ماءين\nالمطلب الثاني: رأي الطب في حصول الحمل من ماءين وأثره على الفتوى","vol":"1","page":493},{"text":"المبحث الثالث: الاشتراك في النسب والحمل من ماءين\nاختلف الفقهاء في الرجلين يطآن امرأة في طهر، كشريكين في أمة، أو ناكحي شبهة، أو زانيين ثم يدعيان الولد، فذهب البعض إلى إشراكهما في الولد، ومنع من ذلك آخرون.\nوالحق أن الخلاف الفقهي بين المتقدمين بالذات لم يكن حول إمكان خلق الولد من ماءي الرجلين بقدر ما هو خلاف حول التصرف في هذه المعضلة التي لا حل لها في زمانهم.\nأقول ذلك مطمئنًا لأنه، وإن أثار بعض العلماء قضية الخلق من ماءين، فإنه - كما سأبين لاحقًا - لم يكن هذا الأمر سبب الخلاف الأهم، ولم يعره الكثير من الفقهاء النظر، فسواءُ كان ذلك ممكنًا أو ممتنعًا، فالقضية تبقى كما هي. ماذا نصنع بهذا الولد الذي ادعاه رجلان، وليس لأحدهما بينة على دعواه فوق الآخر، وليس لأحدهما مزية على الآخر؟\nوتطور المعلومات الطبية أفاد في أمرين يتعلقان بهذا الموضوع هما:\n١ - ليس يمكن أن يخلق جنين واحد من ماءي رجلين.\n٢ - يمكن عن طريق البصمة الوراثية تحديد صاحب الولد.\nونحن سنعرض خلاف الفقهاء وأسبابه في المطلب الأول من هذا المبحث ثم رأي الطب في هذه القضية في المطلب الثاني وفيه نبين أثر تطور المعارف والصناعة الطبية على هذا الخلاف.\n* * *","vol":"1","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>المطلب الأول: اختلاف الفقهاء في الاشتراك في النسب والحمل من ماءين</span>\nلو أن رجلين ادعيا نسب ولد وطئا أمه في طهر واحد لشبهة أو زنا، فلمن ينسب الولد؟\n* ذهب الحنفية (^١) إلى عدم العمل بالقافة وأن يلحق الولد بالرجلين جميعًا فيرث كلَّ واحد منهما ميراثًا كاملًا ويشتركان في إرث الأب من ماله إذا مات قبلهما.\n* وفي المقابل من هذا القول، ذهب المالكية (^٢) والشافعية (^٣) إلى العمل بالقيافة لإلحاقه بأحدهما فإن تنازع القائفان أو توقفا أو قالا بالاشتراك أو لم يكن ثم قائف، وجبت عليهما نفقة الولد حتى يبلغ ويختار أيهما شاء في قول المالكية وجديد الشافعية، وفي القديم حتى يميز (^٤).\n* وذهب أحمد (^٥) إلى العمل بالقافة كما هو رأي الجمهور؛ ثم خالف مالك والشافعي فيما إذا لم يكن الترجيح عن طريق القافة ممكنًا أو ادعى القائف الاشتراك فذهب أحمد إلى إلحاقه بهما أو بهم إن كانوا أكثر من اثنين. وبذلك قال أبو ثَور والأوزاعِيّ (^٦) -رحم لله الجميع.\n_________\n(^١) انظر «فَتْح القَدِير» لابن الهُمَام (٥/ ٥٤)؛ و«البَحْر الرَّائق» لابن نُجَيم (٤/ ٢٩٦).\n(^٢) انظر «بِدَايَة المُجْتَهِد» لابن رُشْد (٢/ ٢٦٩)؛ و«الاسْتِذْكَار» لابن عبد البَرّ (٧/ ١٧١ - ١٧٥).\n(^٣) انظر «نهاية المُحْتاج» للرَّمْلِيّ (٨/ ٤٣٩)؛ و«إعَانَة الطَّالِبِين» للدِّمياطِيِّ (٤/ ٥٦).\n(^٤) انظر «المُغْنِي» لابن قُدامة (٦/ ٢٧٦).\n(^٥) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٦/ ٢٧٦).\n(^٦) المصدر السابق.","vol":"1","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>عرض أقوال الفقهاء:</span>\nقول السادة الحنفية﵏:\n«(وإن ادعياه معا ثبت نسبه منهما) معناه إذا حملت على ملكهما. وقال الشافعي -﵀-: يرجع إلى قول القافة ... ولنا كتاب عمر رضي الله تعالى عنه إلى شُرَيْح في هذه الحادثة: لبسا فلبس عليهما، ولو بينا لبين لهما، هو ابنهما يرثهما ويرثانه وهو للباقي منهما، وكان بمحضر من الصحابة ﵃ أجمعين، وعن علي -﵁- مثل ذلك» (^١).\nقول السادة المالكية﵏:\n«وهذا الحكم عند مالك إذا قضى القافه بالاشتراك أن يؤخر الصبي حتى يبلغ ويقال له وال أيهما شئت ولا يلحق واحد باثنين وبه قال الشافعي وقال أبو ثَور يكون ابنا لهما إذا زعم القائف أنهما اشتركا فيه» (^٢).\nقول السادة الشافعية - ﵏:\n«(قوله: ولو أتت أمة شريكين بولد) أي بولد حدث بعد وطء كل منهما (قوله: فإذا ماتا عتق كلها) أي وأما الولد المتنازع فيه فحكمه أنه يلحق من ألحقه به القائف حيث أمكن لحوقه بكل منهما بأن كان بين وطء كل منهما وولادته فوق ستة أشهر» (^٣).\n«قوله ويحرم ... وقوله تزويج موطوءته أي أو موطوءة غيره إن كان الماء محترما وأراد تزويجها لغير صاحبه ... قوله حذرا من اختلاط الماءين أي اشتباه أحدهما بالآخر فليس المراد حقيقة الاختلاط لأنه تقدم أن الرحم لا يحتوي على ماءين» (^٤).\nقول السادة الحنابلة - ﵏:\n«إذا وطئ رجلان امرأة في طهر واحد وطأ يلحق النسب من مثله فأتت بولد يمكن\n_________\n(^١) «فَتْح القَدِير» لابن الهُمَام (٥/ ٥٤). وما بين الأقواس لصاحب الهِدَايَة، الإمام المَرْغِينانِيّ -﵀-.\n(^٢) «بِدَايَة المُجْتَهِد» لابن رُشْد (٢/ ٢٦٩).\n(^٣) «نهاية المُحْتاج» للرَّمْلِيّ (٨/ ٤٣٩).\n(^٤) «إعَانَة الطَّالِبِين» للدِّمياطِيِّ (٤/ ٥٦).","vol":"1","page":497},{"text":"أن يكون منهما ... فإنه يرى القافة معهما وهذا قول عَطَاء ومالك والليث والأوزاعِيّ والشافعي وأبي ثور ... وإن ألحقته القافة بهما لحقهما وكان ابنهما وهذا قول الأوزاعِيّ والثَّورِيّ وأبي ثور ورواه بعض أصحاب مالك عنه ... وقد نص أحمد على أنه يلحق بثلاثة ومقتضى هذا أنه يلحق بهم وإن كثروا وقال القاضي لا يلحق بأكثر من ثلاثة وهو قول محمد بن الحسن وروي عن أبي يوسف» (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-208> أدلة من قال بالاشتراك وإمكان حصول الحمل من ماءين:</span>\n(ملحوظة: ليس كل من قال بالاشتراك قال بإمكان حصول الحمل من ماءين).\n١ - عن أبي الدَّرْدَاءِ -﵁- عن النبي -ﷺ- «أَنَّهُ أتى بِامْرَأَةٍ مُجِحٍّ على بَابِ فُسْطَاطٍ فقال لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بها فَقَالُوا نعم فقال رسول اللهِ -ﷺ-: لقد هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ معه قَبْرَهُ كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وهو لا يَحِلُّ له كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وهو لا يَحِلُّ له» (^٢).\nقال ابن القَيِّم: «وقوله كيف يورثه أي يجعله له تركة موروثة عنه كأنه عبده ولا يحل له ذلك لأنه قد صار فيه جزء من أجزائه بوطئه وكيف يجعله عبده ولا يحل له ذلك فهذا دليل على أن وطء الحامل إذا وطئت كثيرا جاء الولد عبلا ممتلئًا وإذا هُجِر وطؤها جاء الولد هزيلا ضعيفا فهذه أسرار شرعية موافقة للأسرار الطبيعية مبنية عليها والله أعلم» (^٣).\n٢ - قوله -ﷺ-: «لا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» (^٤).\nقال ابن القَيِّم: «يريد وطء الحامل من غير الواطئ قال الإمام أحمد الوطء يزيد في\n_________\n(^١) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٦/ ٢٧٦).\n(^٢) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب النكاح، باب تحريم وطء الحامل المسبية (٢/ ١٠٦٥).\n(^٣) «التِّبيَان في أقسَام القُرآن» لابن القَيِّم (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤).\n(^٤) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب النكاح، باب في وطء السبايا (٢/ ٢٤٨).","vol":"1","page":498},{"text":"سمع الولد وبصره هذا بعد انعقاده» (^١).\n٣ - ما جاء من أن عمر -﵁- جعل ولدًا بين أبوين، فعن ابن عمر -﵁-، أن رجلين اشتركا في ظهر امرأة فولدت فدعا عمر القافة فقالوا أخذ الشبه منهما جميعا فجعله بينهما (^٢).\nوقال سليمان [بن يسار] (^٣): «فأتى رجلان كلاهما يدعي ولد امرأة فدعا عمر ابن الخطاب -﵁- قائفا فنظر إليهما فقال القائف لقد اشتركا فيه فضربه عمر -﵁- بالدرة ثم قال للمرأة أخبريني خبرك فقالت كان هذا لأحد الرجلين يأتيها وهي في إبل أهلها فلا يفارقها حتى يظن أن قد استمر بها حمل ثم انصرف عنها فأهريقت دما ثم خلف هذا تعني الآخر فلا أدري من أيهما هو فكبر القائف فقال عمر بن الخطاب -﵁- للغلام وال أيهما شئت» (^٤).\nوالشاهد أنه أقر القائف ولم ينكر عليه بعد ظهور صوابه. بل إنه في رواية للطَّحَاوِيّ، قال عمر بعد شهادة القائفين بالاشتراك: «إني لا أرد ما يرون، اذهب فهما أبواك» (^٥).\n_________\n(^١) «التِّبيَان في أقسَام القُرآن» لابن القَيِّم (١/ ٢٢٢).\n(^٢) رواه الطَّحَاوِيّ في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٦٢)؛ والبَيْهَقِيّ في «السُّنَن الكُبْرَى» كتاب الدعوى والبينات، باب القافة ودعوى الولد (١٠/ ٢٦٤)، صححه الألبَانِيّ في «إرْوَاء الغَلِيل» (٦/ ٢٦).\n(^٣) هو: أبو أيوب سُليمان بن يَسَار، مولى ميمونة أم المؤمنين، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، كان سعيد بن المُسَيَّب إذا أتاه مستفت يقول له: اذهب إلى سليمان فإنه أعلم من بقي اليوم، ولد في خلافة عثمان سنة ٣٤ هـ، وكان أبوه فارسيًّا قال ابن سعد في وصفه: «ثقة عالم فقيه كثير الحديث.» راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ٢٨)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٢/ ٣٩٩)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٤/ ٤٤٤)، «شَذَرَات الذَّهَب» (١/ ١٣٤).\n(^٤) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب الدعوى والبينات، باب القافة ودعوى الولد (١٠/ ٢٦٣).\n(^٥) صححها الألبَانِيّ في «إرْوَاء الغَلِيل» (٦/ ٢٦).","vol":"1","page":499},{"text":"قالوا إنه جاء عن علي مثل ذلك (^١).\nقالوا إنه لما كان قضاء عمر -﵁- بمحضر من الصحابة ولم ينكره أحد، كان إجماعًا منهم (٢).\nوقالوا إنهما استويا في سبب استحقاق النسب فيستويان فيه (^٢).\nوقالوا إن النسب وإن كان لا يتجزأ، ولكن أحكامه تتجزأ، فما قبل التجزئة يثبت في حقهما على التجزئة وما لم يثبت في حق كل واحد منهما كاملا (٣).\nوفي رواية أبي المهلب عند الطَّحَاوِيّ (^٣) أن عمر -﵁- قال: يا عجبًا لما يقول هؤلاء، قد كنت أعلم أن الكلبة تلقح بالكلاب ذوات العدد، ولم أكن أشعر أن النساء يفعلن ذلك قبل هذا! إني لا أرد ما يرون، اذهب فهما أبواك.\nوفيه أن عمر أقر بكلام القافة بل وجهه بالقياس على الكلاب (^٤).\nوذكروا من الناحية الطبية أن انضمام الرحم واشتماله على الماء لا يمنع قبوله الماء الثاني فإن الرحم أشوق شيء وأقبله المني. قالوا ومثال ذلك المَعِدَة فإن الطعام إذا استقر\n_________\n(^١) «فَتْح القَدِير» لابن الهُمَام (٥/ ٥٤).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) هو: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزْدِيّ الطَّحَاوِيّ، فقيه انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، ولد في طحا من صعيد مصر سنة ٢٣٩ هـ وبها نشأ، ابن أخت المُزَنِيّ، تفقه على مذهب الشافعي، ثم تحول حنفيًا، وتوفي بالقاهرة سنة ٣٢١ هـ؛ من تصانيفه: «شرح معاني الآثار» و«بيان السنة»، و«مشكل الآثار»، و«أحْكَام القُرآن»، و«المختصر في الفقه»، وشرحه كثيرون، و«الاختلاف بين الفقهاء». راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ١٤٨)، و«فيات الأعيان» (١/ ٧١)، «الجَوَاهِر المُضِيَّة» (١/ ٢٧١).\n(^٤) انظر تصحيحه في «إرْوَاء الغَلِيل» (٦/ ٢٦).","vol":"1","page":500},{"text":"فيها انضمت عليه طعام فوقه انفتحت له لشوقها إليه (^١).\nقالوا والحس يشهد بذلك كما ترى في جراء الكلبة والسنور تأتي بها مختلفة الألوان لتعدد آبائها (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-209> أدلة القائلين بعدم الاشتراك في النسب وأن الحمل لا يكون من ماءين:</span>\n١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] فلا يكون خلق الإنسان من ذكرين وأنثى (^٢).\n٢ - قضاء عمر -﵁-: «قال سليمان [بن يسار] فأتى رجلان كلاهما يدعي ولد امرأة فدعا عمر بن الخطاب -﵁- قائفا فنظر إليهما فقال القائف لقد اشتركا فيه فضربه عمر -﵁- بالدرة ثم قال للمرأة أخبريني خبرك فقالت كان هذا لأحد الرجلين يأتيها وهي في إبل أهلها فلا يفارقها حتى يظن أن قد استمر بها حمل ثم انصرف عنها فأهريقت دما ثم خلف هذا تعني الآخر فلا أدري من أيهما هو فكبر القائف فقال عمر بن الخطاب -﵁- للغلام وال أيهما شئت» (^٣).\nولعل هذا الفريق أحق بهذه الرواية من الفريق الأول، فإن عمر -﵁- لم يشركهما في النسب، بل خير الولد أن يوالي من شاء.\n٣ - قضاء علي -﵁-: فعن زيد بن أرقم -﵁- قال: كنت جالسًا عند النبي -ﷺ-، فجاء رجل من اليمن، قال: إن ثلاثةَ نَفَر من أهل اليمن أتوا عليًّا يختصمون إليه في ولد، وقد وقعوا على امرأة في طهر واحد، قال لاثنين منهما: طيبا بالولد لهذا، فغلبا، ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فغلبا، ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فغلبا، فقال: أنتم شركاء متشاكسون،\n_________\n(^١) «التِّبيَان في أقسَام القُرآن» لابن القَيِّم (١/ ٢٢٢).\n(^٢) انظر «الاسْتِذْكَار» لابن عبد البَرّ (٧/ ١٧٥)؛ و«بِدَايَة المُجْتَهِد» لابن رُشْد (٢/ ٢٦٩).\n(^٣) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب الدعوى والبينات، باب القافة ودعوى الولد (١٠/ ٢٦٣).","vol":"1","page":501},{"text":"إني مُقْرِعٌ بينكم، فمن قرَع فله الولد، وعليه لصاحبيه ثلثا الدِّيَة، فأقرع بينهم، فجعله لمن قَرَع، فضحك رسول الله -ﷺ- حتى بدت أضراسُه أو نَواجِذُه (^١).\nفعلي إذًا لم ير إلا أن ينسب الولد لأحد الثلاثة، فلما تعذر الترجيح لجأ إلى القرعة إعمالا للعدل في حدود المقدور.\n٤ - قالوا وجرت العادة أن لكل ولد أبًا واحدًا (^٢).\n٥ - وقالوا إن الماء إذا استقر في الرحم اشتمل عليه وانضم غاية الانضمام بحيث لا يبقى فيه مقدار رسم رأس إبرة إلا انسد فلا يمكن انفتاحه بعد ذلك لماء ثان لا من الواطئ ولا من غيره (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-210> مناقشة الأدلة والترجيح:</span>\nالراجح هو أن الحمل لا يكون من ماءين، بل من ماء واحد وأن الولد لا ينسب إلا إلى أب واحد، فإن كان الطفل مميزًا اختار وإن كان دون سن التمييز أقرع بين المدعين كما فعل علي -﵁- وأقره رسول الله -ﷺ-. ولقد اخترت ذلك القول لقوة دليله من الشرع والحس.\n١ - أما استدلالهم بنهي رسول الله -ﷺ- عن وطء الحامل من الغير، فلا دليل فيه على الاشتراك في الولد، وإنما كان ذلك حراسة للنسب ومنعًا لاختلاطه وكثرة دعاوى الأبوة، إلى غير ذلك من المفاسد.\n_________\n(^١) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الطلاق، باب من قال بالقرعة إذا تنازعوا في الولد (٢/ ١٨١). وصححه الألبَانِيّ انظر «سُنَن أبي دَاوُد» بتحقيق مشهور رقم (٢٢٦٩).\n(^٢) انظر «التِّبيَان في أقسَام القُرآن» لابن القَيِّم (١/ ٢٢٢)؛ و«الاسْتِذْكَار» لابن عبد البَرّ (٧/ ١٧٤).\n(^٣) «التِّبيَان في أقسَام القُرآن» لابن القَيِّم (١/ ٢٢٢).","vol":"1","page":502},{"text":"٢ - وأما استدلالهم بقضاء عمر -﵁- في جعله الولد بين المدعيين، فإنه وإن صحح بعض أهل الحديث رواية: «فجعله بينهما»، إلا أن المتقدمين من أهل الحديث الذين رووا كل هذه الأخبار رجحوا رواية «والِ أيهما شئت».\nقال البَيْهَقِيّ: «هاتان الروايتان [روايتا «فجعله بينهما»] رواية البصريين عن سعيد ابن المُسَيَّب عن عمر وروايتهم عن الحسن عن عمر -﵁- كلتاهما منقطعة وفيهما لو صحتا دلالة مع ما تقدم على الحكم بالشبه والرجوع عند الاشتباه إلى قول القافة فأما إلحاقه الولد بهما عند عدم القافة فالبصريون ينفردون به عن عمر -﵁- ورواية الحجازيين عن عمر -﵁- على ما مضى ورواية الحجازيين عنه أولى بالصحة [رواية «وال أيهما شئت»]، ورواية يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن عمر -﵁- موصولة ورواية سليمان بن يسار لها شاهدة وكلاهما يثبت قول عمر -﵁-» (^١).\nوقال الطَّحَاوِيّ: «مرسل سليمان بن يسار وعُرْوَة أولى من مرسل أبي المهلب والحسن وأما رواية قَتَادَة عن ابن المُسَيَّب فهي منقطعة وقد عارضها رواية الحجازيين عن عُرْوَة وسليمان بن يسار ورواية أسلم المنقري عن عبد الله بن عبيد بن عمير في قصة عبد الرحمن بن عوف فهذا أثبت والحجازيون أعرف بأحكام عمر ومع روايتهم رواية هشام بن عُرْوَة عن أبيه عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال أتى رجلان إلى عمر بن الخطاب -﵄- يختصمان في غلام من أولاد الجاهلية يقول هذا هو ابني ويقول هذا هو ابني فدعا عمر قافيًا من بني المصطلق فسأل عن الغلام فنظر إليه المصطلقي ونظر ثم قال لعمر قد اشتركا فيه جميعًا فقام عمر إليه بالدرة فضربه بها حتى اضطجع ثم قال والله لقد ذهب بك النظر إلى غير مذهب ثم دعا أم الغلام فسألها فقالت إن هذا لأحد الرجلين وقع بي على نحو ما كان يفعل فحملت فيما أرى فأصابتني هراقة من دم حتى وقع في نفسي أن لا شيء في بطني ثم أن هذا الآخر وقع بي فوالله ما أدري من أيهما هو فقال عمر للغلام اتبع أيهما شئت فقام الغلام فاتبع\n_________\n(^١) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب الدعوى والبينات، باب القافة ودعوى الولد (١٠/ ٢٦٤).","vol":"1","page":503},{"text":"أحدهما قال عبد الرحمن فكأني أنظر إليه متبعا لأحدهما فذهب به» (^١).\n٣ - وأما قول الكوفيين كأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - ﵏ - لا يقضى بقول القافة في شيء لا في نسب ولا في غيره وإن ادعى رجلان مسلمان ولدا جعل بينهما، فلا يصح، وقد عمل الجمهور من أهل الحجاز وغيرهم في القضاء بالقافة ... قال ابن عبد البر: «وقد زعم بعض من لا يرى القول بالقافة أن عمر إنما ضرب القائف بالدرة لأنه لم ير قوله شيئا يعمل به وهذا تعسف يشبه التجاهل لأن قضاء عمر بالقافة أشهر وأعرف من أن يحتاج إلى شاهد بل إنما ضربه بقوله اشتركا فيه وكان يظن أن ماءين لا يجتمعان في ولد واحد استدلالًا بقوله تعالى إنا خلقناكم من ذكر وأنثى الحجرات ١٣ ولم يقل من ذكرين وأنثى ألا ترى انه قضى بقول القائف وقال والِ أيهما شئت» (^٢).\nوالحقيقة أنه لم يقض بقول القائف، ولكنه لما عجز القافة عن نسبته أمره أن يوالي من شاء كما لو لم يكن ثم قائف.\n٤ - وأما زعم الإجماع فبعيد، وقد اختلفت الروايات عن عمر نفسه، وحديث إقراع علي في اليمن وإقرار النبي له مشهور معروف.\n٥ - وأما نسبتهم هذا القضاء بالإشراك لعلي -﵁- فلم يصح عنه (^٣)، وإنما الذي صح عنه هو الإقراع. وإن صح عن عمر أو علي مثل هذا القضاء، فإنه رأي وليس رأيهما مع وجود المخالف بحجة.\n٦ - وأما الاستواء في الاستحقاق وتجزؤ أحكام النسب، فله وجه، ولكن لما كان لا يُصْلِح الولد أن يكون له والدان، كان الصواب عند العجز عن إلحاقه بأحدهما أن\n_________\n(^١) «مَعْرِفَة السُّنَن والآثَار» (٧/ ٤٧٤)؛ ورواية يحيى قال عنها البَيْهَقِيّ: «هذا إسناد صحيح موصول». انظر: «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب الدعوى والبينات، باب القافة ودعوى الولد (١٠/ ٢٦٣).\n(^٢) «الاسْتِذْكَار» لابن عبد البَرّ (٧/ ١٧٤).\n(^٣) انظر «إرْوَاء الغَلِيل» (٦/ ٢٧).","vol":"1","page":504},{"text":"يخير إن كان مميزًا أو يقرع بينهما إن كان لم يميز. وقد يتجه أن يتربص به حتى يميز فيختار. وسوف نرى أن الطب الحديث يحل هذه المشكلة بفضل من الله.\nوأما استدلالاتهم الطبية فالجواب عنها في المطلب الآتي ولكن قبل أن ننتهي من هذا المطلب نذكر أن القائلين بالاشتراك ليس بالضرورة يقولون أن الحمل يكون من ماءين.\nجاء في «فَتْح القَدِير»: «(وإن ادعياه معا ثبت نسبه منهما) ... والنسب وإن كان لا يتجزأ ولكن تتعلق به أحكام متجزئة، فما يقبل التجزئة يثبت في حقهما على التجزئة، وما لا يقبلها يثبت في حق كل واحد منهما كاملا كأن ليس معه غيره» (^١) فأقر بأن النسب لا يتجزأ ولكن أحكامه هي التي قد تتجزأ.\nوصرح بهذا المعنى في البَحْر الرَّائق: «(قوله: ولو ادعى ولد أمة مشتركة ثبت نسبه، وهي أم ولده، ولزمه نصف قيمتها ونصف عقرها لا قيمته) أما ثبوت النسب فلأنه لما ثبت في نصفه لمصادفته ملكه ثبت في الباقي ضرورة أنه لا يتجزأ لما أن سببه لا يتجزأ وهو العلوق إذ الولد الواحد لا يعلق من ماءين» (^٢).\nولكن الإشكال في حل المعضلة عند عدم القدرة على الإلحاق بأحد الأبوين، ولذلك فإن المالكية المصرحين باستحالة تكون الولد من ماء أبوين يقولون بالاشتراك في بعض الأحكام، فقد جاء في الاسْتِذْكَار: «ولم يختلف قول مالك وأصحابه إذا قالت القافة قد اشتركا فيه أن يوقف الصبي حتى يبلغ فيقال له وال أيهما شئت وإنه إن مات قبل البلوغ والموالاة كان ميراثه بين الأبوين» (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) «فَتْح القَدِير» لابن الهُمَام (٥/ ٥٤). وما بين الأقواس لصاحب الهِدَايَة، الإمام المَرْغِينانِيّ -﵀-.\n(^٢) «البَحْر الرَّائق» لابن نُجَيْم (٤/ ٢٩٦). وما بين الأقواس لصاحب كَنْز الدَّقَائق، حافظ الدين أبي البركات عبد الله بن أحمد النَّسَفي -﵀-.\n(^٣) «الاسْتِذْكَار» لابن عبد البَرّ (٧/ ١٧٤).","vol":"1","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>المطلب الثاني: رأي الطب في حصول الحمل من ماءين\nوأثره على الفتوى</span>\nإن الطب الحديث يقضي باستحالة أن يكون الولد الواحد من ماءين رجلين، بل إن البُيَيْضَة إذا اخترقها أكثر من حيوان منوي ينتج عنها حمل عنقودي لا ولد فيه (^١).\nولكن الممكن نظريًا أن تحمل المرأة بتوأمين كل منهما من أب مختلف (^٢)، وهذا الإمكان نظري، وإن لم يثبت حصول ذلك في البشر، ولكنه شائع في أنواع من الثدييات كالكلاب والأغنام والخيل (^٣).\n• إن الطب الحديث عن طريق البصمة الوراثية يستطيع أن يحدد بدقة متناهية صاحب الولد، كما سنبين في مبحث البصمة الوراثية في باب القضاء.\nإن الطب الحديث قد دعم رأي من قال بأن الحمل لا يكون من ماءين، ولكنه لا\n_________\n(^١) انظر «الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية» (ص ٦٧٧). والكلام في حلقة نقاش للدكتور عبد الله باسلامه أستاذ ورئيس قسم أمراض النساء والولادة بكلية الطب والعلوم الطبية جامة الملك عبد العزيز.\n(^٢)  Heteropaternal Superfecundation.\n(^٣)  انظر «خلق الإنسان بين الطب والقرآن» للبار (ص ٤٤٩)،  Clinical management of pregnancy in cats [Journal] /auth.Kustritz Root//Theriogenology. -١٧، ٢٠٠٦. - ١: Vol. ٦٦. - ١٦٦٢٠٩٤٢ (PubMed ID).\nSuperfecundation in etiology of twin pregnancy [Journal] /auth.W Malinowski//Ginekologia polska. -١١٠، ٢٠٠٦. - ١٠: Vol. ٧٧. - ١٧٢١٩٨١٤ (PubMed ID).","vol":"1","page":506},{"text":"يحسم الخلاف في قضية الاشتراك في النسب، لأن القائلين بها لا يقولون بالضرورة بإمكان وقوع الحمل من ماءين - كما تقدم ... ولكن الطب الحديث عند توفره يمكن أن يحسم في دعاوى الأبوة ويحدد صاحب الولد بدقة متناهية عن طريق استعمال الحمض الأميني (^١).\n* * *\n_________\n(^١) بقي أنه لو تطورت العلوم الطبية بحيث أخذوا الرسالة الجينية من أبوين وزرعوها في بييضة واحدة، فسيكون لهذا الولد أبوان بالفعل. وهذا وإن كان محرمًا بالإجماع إلا أنه إن حصل فيمكن أن يستفاد في حكم هذا الولد من الخلاف القديم حول الاشتراك في النسب وإمكان حصول الحمل من ماءين. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":507},{"text":"المبحث الرابع: العدد\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: انقطاع الحيض وتباعده من وجهة نظر الطب\nالمطلب الثاني: آراء الفقهاء في عدة من انقطع أو تباعد حيضها\nالمطلب الثالث: أثر تطور المعارف والصناعة الطبية على الفتوى في هذا الباب","vol":"1","page":509},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>المبحث الرابع: العدد</span>\nهناك عدة مسائل متعلقة بعدد النساء في الفقه يستطيع الطب الحديث أن يسهم في حل بعض معضلاتها، ومن أهم هذه المسائل عدة من انقطع أو تباعد حيضها، وكذلك عدة المستحاضة.\nونحن سنناقش الحالة الأولى بالتفصيل ونكتفي في الثانية ببيان ما يمكن أن يقدمه الطب إزاءها.\n* * *","vol":"1","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>عدة من انقطع حيضها أو تباعد</span>\nتفترق عدد النساء عن بعضها البعض من ثلاث جهات:\n١ - الحرية والرق بالنسبة للمعتدة فعدة الأمة دون الحرة.\n٢ - نوع الفراق، فعدة المتوفى عنها زوجها غير المطلقة؛ والمطلقة غير المدخول بها لا عدة عليها؛ وعدة المفقود زوجها غير الجميع.\n٣ - حالة المرأة فهي قد تكون حاملًا، فعدتها وضع حملها؛ أو حائلًا، والحائل أنواع: فهناك الصغيرة التي لم تحض والكبيرة التي أيست من المحيض، فعدتهما في الطلاق ثلاثة أشهر وهناك المرأة صاحبة الأقراء، فعدتها ثلاثة أقراء على الخلاف المعروف في تفسير الأقراء بين الحيضات والأطهار.\nولكن هناك نوعين من النساء يسببان إشكالًا في باب العدد، وهما المستحاضة وتلك التي انقطع أو تباعد حيضها.\nونحن في هذا المبحث نعرض إلى عدة من تباعد حيضها، فنبدأ بعرض ملخص لقضية انقطاع الحيض أو تباعده من جهة الطب، وكذلك لما يمكن أن يقدمه الطب في حل هذا الإشكال. وهذا هو موضوع المطلب الأول. وفي المطلب الثاني نبين أقوال الفقهاء المختلفة في عدة من انقطع حيضها أو تباعد. وفي المطلب الثالث والأخير نناقش تأثير تطور المعارف والصناعة الطبية على الفتوى في هذا الباب.\n* * *","vol":"1","page":512},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>المطلب الأول: انقطاع الحيض وتباعده من وجهة نظر الطب</span>\n• الطب ينظر إلى كل انقطاع غير متوقع للحيض على أنه مرض ينبغي أن تخضع صاحبته للفحوصات والعلاج إذا ما كان الانقطاع فوق ستة أشهر، وينصح الكثير من الأطباء بعمل الفحوصات قبل ذلك للتخفيف من توتر المريضة.\n• ويرى الطب أن انقطاع الحيض نوعان:\nانقطاع أولي: إذا لم يكن الحيض حصل مطلقا، ويكون مرضيًا إذا كان استمر إلى ما بعد الثامنة عشرة.\nانقطاع ثانوي: وهو إما طبيعي معروف السبب، أو مرضي يستأهل الفحص إذا جاوز ستة أشهر.\n• والأسباب الطبيعية لانقطاع الحيض هي الحمل والرضاعة وبلوغ سن الإياس.\nوالأسباب المرضية كثيرة، من أهمها:\nحالات الأنيميا الشديدة والنحافة، بالذات المصاحبة بمرض فقدان الشهية العصبي، والسمنة المفرطة، والأمراض المزمنة، وممارسة الرياضة العنيفة، واستخدام أدوية كهرمونات الذكورة وأقراص منع الحمل، وكذلك اعتلال وظائف الغدد كغدة تحت المهاد؛ وقد يسببه شدة شغف المرأة بالحمل فتنقطع دورتها (الحمل الكاذب) واعتلال الغدة النخامية أو الدرقية بزيادة أو قلة نشاطها، واعتلال الغدة فوق الكُلْيَة، أو نتيجة وجود ورم بالمِبْيَض يفرز هرمون الذكورة، أو لقلة استجابة المِبْيَض للهرمونات المنبهة للغدة النخامية، أو أمراض متعلقة بالرحم كاستئصاله أو بعد عملية كحت جائرة أو نتيجة التصاقات الغشاء المبطن لجداره بسبب التهابات.","vol":"1","page":513},{"text":"وقد تعاني السيدة من أعراض سن اليأس مثل التوتر والشعور بسخونة وآلام بالمفاصل أو أعراض أخرى يتسبب فيها المرض الذي أدى إلى انقطاع الحيض (^١).\nولا شك أن فقهاءنا - ﵏ - قد أدركوا أن انقطاع الحيض قد يكون لسبب طبيعي أو مرضي والمرضي معروف وغير معروف.\n• والطب الحديث يستطيع أن يعين المرض الذي يرجى برؤه وذاك الذي لا يرجى برؤه، فهل تأخذ المريضة بما لا يرجى برؤه حكم الآيسة؟\nوالطب يستطيع أن يقطع بشغل الرحم أو براءته، فهل يؤثر ذلك على الخلاف في زمان العدة.\nوالطب الحديث قد يساعد المرأة على إحداث الحيض بدواء، فهل يقبل الفقه ذلك؟\n* * *\n_________\n(^١)  Comprehensive Gynecology [Book] /auth.Katz. - USA: Mosby (Elsevier)، ٢٠٠٧. - ٥. - Chapter ٣٨.","vol":"1","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>المطلب الثاني: آراء الفقهاء في عدة من انقطع أو تباعد حيضها</span>\nمن انقطع أو تباعد حيضها نوعان عند الفقهاء:\n١ -<span data-type=\"title\" id=toc-216> النوع الأول من انقطع أو تباعد حيضها برضاع أو علة تعرف كمرض يرجى برؤه</span>.\n٢ - النوع الثاني من انقطع أو تباعد حيضها لعلة لا تعرف.\n\nالنوع الأول: من انقطع أو تباعد حيضها برضاع أو علة تعرف كمرض يرجى برؤه:\nأما النوع الأول: فإنه قد نقل الإجماع (^١) على أنها تتربص أقراءها مهما طال زمان ذلك، ولا يخفى أنها إن كانت ترضع، فيمكن لها أن تطلب لابنها مرضعًا غيرها حتى تعود حيضاتها إن كانت حريصة على انتهاء عدتها.\nولكن ما بال التي مرضت أو مختلفة الأقراء (^٢) التي تحيض مرة كل سنة، هل يصح نقل الإجماع على اعتدادها بالأقراء. إن الإمام ابن قُدامة يقول: «فإن كانت عادة المرأة أن يتباعد ما بين حيضتيها، لم تنقض عدتها حتى تحيض ثلاث حيض، وإن طالت؛ لأن هذه لم يرتفع حيضها، ولم تتأخر عن عادتها، فهي من ذوات القروء، باقية على عادتها، فأشبهت من لم يتباعد حيضها. ولا نعلم في هذا مخالفا» (^٣).\n_________\n(^١) «فإن كانت عادة المرأة أن يتباعد ما بين حيضتيها، لم تنقض عدتها حتى تحيض ثلاث حيض، وإن طالت، لأن هذه لم يرتفع حيضها، ولم تتأخر عن عادتها، فهي من ذوات القروء، باقية على عادتها، فأشبهت من لم يتباعد حيضها. ولا نعلم في هذا مخالفا». «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٩٠).\n(^٢) التي قد تحيض اليوم وبعد شهر ثم ينقطع حيضها سنة ثم تحيض ويعاودها الحيض بعد شهرين، وهكذا فلا عادة لها.\n(^٣) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٩٠).","vol":"1","page":515},{"text":"ولكن الإمام ابن حَزْم، وقد ذهب إلى ما ذهب إليه ابن قُدامة من ترجيح أنها تعتد بالأقراء مهما طال الزمان قد نقل في «المُحَلَّى» ما يأتي:\n* عن سعيد بن المُسَيَّب قال: إذا كانت في الأشهر مرة - يعني الحيض - فعدتها سنة\nعن جابر بن زيد قال: إذا كانت تحيض في كل سنة مرة يكفيها ثلاثة أشهر (^١).\nوظاهر هذه الأقوال أنها في صاحبة العادة، وأما مختلفة الأقراء فالخلاف فيها أكثر، ففي «المُحَلَّى»:\n* عن طاووس (^٢) قال: إذا كانت تحيض حيضا مختلفا أجزأ عنها أن تعتد ثلاثة أشهر\nعن عِكْرِمَة قال: إذا كانت تحيض حيضا مختلفا فإنها ريبة عدتها ثلاثة أشهر، قال قَتَادَة: تعتد المستحاضة ثلاثة أشهر (^٣).\nإن المذاهب الأربعة تتفق على أن صاحبة الأقراء التي عادتها تباعد أقرائها فإنها تعتد بهذه الأقراء مهما طال الزمن (^٤) ولكن من الإنْصَاف بيان وقوع الخلاف في الصدر الأول بهذا الشأن، وأنه كان أكثر في مختلفة الأقراء؛ أما المريضة بمرض يعرف ويرجى برؤه فلا\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (٣/ ١٨٣).\n(^٢) هو: أبو عبد الرحمن طاووس بن كَيْسَان الخَوْلانِيّ الهَمْدانِيّ، من أكابر التابعين، تفقها في الدين ورواية للحديث، وتقشفا في العيش، وجرأة على وعظ الخلفاء والملوك؛ أصله من الفرس، ومولده في اليمن سنة ٣٣ هـ، ومنشؤه بها وتوفي حاجًا بالمزدلفة أو بمنى سنة ١٠٦ هـ، وكان هشام بن عبد الملك حاجًا تلك السنة، فصلى عليه. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ٦٥)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٢/ ٥٠٩)، «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (٥/ ٣٨)، «شَذَرَات الذَّهَب» (١/ ١٣٣).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) انظر «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٩٠)؛ و«بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٣/ ١٩٥)؛ و«التَّاج والإكْلِيل» للمَوَّاق (٤/ ١٤٣)؛ و«الأُمّ» للشافعي (٥/ ٢١١)؛ و«مختصر الخرقي» (١/ ١١٠).","vol":"1","page":516},{"text":"تذكر الموسوعة الفقهية الكويتية في حقها خلافًا، وتذكر أنها تعتد بالأقراء وجوبًا مهما طالت (^١). ثم ذكرت الخلاف فيمن ارتفع حيضها دون علة تعرف.\nولكن المالكية يقولون: «وإن لم تميز أو تأخر بلا سبب، أو مرضت تربصت تسعة أشهر ثم اعتدت بثلاثة كعدة من لم تر الحيض واليائسة ولو برق، وتمم من الرابع في الكسر، ولغا يوم الطلاق. وإن حاضت في السنة انتظرت الثانية والثالثة، ثم إن احتاجت لعدة، فالثلاثة» (^٢).\nفهم لا يفرقون بين مرض يرجى برؤه وآخر لا يُرجَى برؤه ومرض يعرف وآخر لا يعرف (^٣). والاعتداد بالسنة في حال المرض هو الأقوى عندهم وهو اختيار مالك وأَصبَغ وابن القاسم (^٤) بخلاف أشْهَب الذي رأى أنها تعتد بالأقراء (^٥).\nإذًا فحاصل هذه الأقوال أن من ارتفع حيضها لسبب معروف ثلاثة أنواع:\n١ - من كانت عادتها تباعد الحيض، فيكادون يتفقون على أنها تعتد بالأقراء إلا بعض ما روي عن بعض السلف كما تقدم.\n٢ - المرضع، ولم أجد تصريحًا لأحد من أهل العلم بأنها تعتد بغير الأقراء.\n٣ - المريضة بمرض معروف يرجى برؤه، وفيها الخلاف عن المالكية، والجمهور أنها تتربص أقراءها.\nوسنؤجل ذكر الأدلة إلى ما بعد الكلام عن النوع الثاني ممن انقطع حيضهن.\n_________\n(^١) «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (٢٩/ ٣٢٩).\n(^٢) «مِنَح الجَلِيل» للشيخ عُلَيش (٤/ ٢٩٩).\n(^٣) انظر أيضًا: «التَّاج والإكْلِيل» للمَوَّاق (٤/ ١٤٣)، «الفواكه الدواني» للنَّفْرَاوِيّ (٢/ ٥٨)، «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (٤/ ١٣٩).\n(^٤) «تفسير القُرْطُبِيّ» (١٨/ ١٦٤)، «التَّاج والإكْلِيل» للمَوَّاق (٤/ ١٤٣).\n(^٥) «التَّاج والإكْلِيل» للمَوَّاق (٤/ ١٤٣).","vol":"1","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>النوع الثاني: من انقطع أو تباعد حيضها لعلة لا تعرف دون سن الإياس:</span>\nأما هذا الصنف فالاختلاف فيه أكثر، ففيه الأقوال الآتية:\n* عدتها ثلاثة أشهر وهو المفهوم من كلام جابر بن زيد وطاووس وعِكْرِمَة (^١) ويخرج على كلام قَتَادَة كذلك (١).\n* عدتها ستة أشهر وثلاثة. وهي رواية مخرجة على قول للشافعي في القديم (^٢).\n* عدتها سبعة أشهر تتربصهن ثم تعتد بالأشهر الثلاثة، وهو قول للشافعي في القديم (^٣).\n* عدتها تسعة أشهر تتربصهن ثم تعتد بعدهن بثلاثة أشهر، وهو قول المالكية (^٤) والمذهب عند الحنابلة (^٥) والأوزاعِيّ (^٦) ونسب إلى عمر (^٧) وابن عباس (^٨) وبه قال الحسن (^٩) وسعيد بن المُسَيَّب (^١٠).\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٢٦٨).\n(^٢) «الإبهاج في شرح المِنهاج» للسُّبْكِيّ (١٣/ ١٨٣).\n(^٣) «الإبهاج في شرح المِنهاج» للسُّبْكِيّ (٣/ ١٩٣).\n(^٤) «مِنَح الجَلِيل» للشيخ عُلَيش (٤/ ٢٩٩)؛ و«التَّاج والإكْلِيل» للمَوَّاق (٤/ ١٤٣)؛ و«شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (٤/ ١٣٩).\n(^٥) «مختصر الخرقي» (١/ ١١٠).\n(^٦) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٢٦٨).\n(^٧) «سُنَن البَيْهَقِيّ» (٧/ ٤١٩) كتاب العدد، باب عدة من تباعد حيضها.\n(^٨) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٣/ ١٩٥).\n(^٩) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٢٦٨).\n(^١٠) المصدر السابق.","vol":"1","page":518},{"text":"* تتربص أربع سنين ثم تعتد بثلاثة أشهر، وهو قول في القديم (^١) فتحصل للشافعي في القديم أربعة أقوال مدارها على أنها تتربص مدة الحمل، أكثره (٤ سنوات عنده) أو أغلبه (٩ أشهر) أو أقله (٦ أشهر) أو سبعة أشهر ثم تعتد بثلاثة أشهر بعد الاطمئنان إلى استبراء الرحم (^٢).\n* تتربص أقراءها مهما طال الزمان حتى تنتهي أقراؤها أو تبلغ سن الإياس وهو قول الحنفية (^٣) والشافعية في الجديد (^٤) والظاهرية (^٥) ونسب إلى علي وعثمان وزيد بن ثابت؛ (^٦) ورواه ابن حَزْم عن إبراهيم والزُّهْرِيّ وعَطَاء والثَّورِيّ؛ وكقول ثانٍ عن الحسن وأبي الشعثاء جابر بن زيد (^٧).\n_________\n(^١) «الإبهاج في شرح المِنهاج» للسُّبْكِيّ (٣/ ١٨٣).\n(^٢) انظر «الإبهاج في شرح المِنهاج» للسُّبْكِيّ (٣/ ١٨٣)؛ و«المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (٢٩/ ٣٢٩).\n(^٣) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٣/ ١٩٥).\n(^٤) «الأُمّ» للشافعي (٥/ ٢١١).\n(^٥) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٢٦٨).\n(^٦) انظر «سُنَن البَيْهَقِيّ» كتاب العدد، باب عدة من تباعد حيضها (٧/ ٤١٩)؛ و«بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٣/ ١٩٥).\n(^٧) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٢٦٨).","vol":"1","page":519},{"text":"*\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>مناقشة الأدلة</span>\n* أما من قال بثلاثة الأشهر فدليله:\nأن مختلفة الأقراء التي يتباعد حيضها هي من المرتابات كما تقدم من قول عِكْرِمَة -﵀-، والله ﷿ يقول:\n﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤].\nولكن الجمهور يرى أن الريبة هنا ريبة في الحكم لا في الحيض. ففي «سنن البَيْهَقِيّ»: «قال أبي بن كعب: يا رسول الله إن أناسا من أهل المدينة يقولون قد بقي من النساء ما لم يذكر فيه شيء قال: وما هو؟ قال: الصغار والكبار وذوات الحمل قال فنزلت ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾» (^١).\nورجح هذا التأويل الطَّبَرِيّ (^٢) وقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال\n_________\n(^١) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب العدد، باب سبب نزول الآية في العدة (٧/ ٤١٤).\n(^٢) هو: أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطَّبَرِيّ، المؤرخ المفسر الإمام ولد في آمل طبرستان سنة ٢٢٤ هـ واستوطن بغداد، وعرض عليه القضاء فامتنع، والمظالم فأبى، وتوفي بها سنة ٣١٠ هـ، له: أخبار الرسل والملوك وجامع البيان في تفسير القرآن وغيرهما، وهو من ثقات المؤرخين، بل ذكر أنه كان أوثق من نقل التاريخ، وفي تفسيره ما يدل على علم غزير وتحقيق وكان مجتهدًا في أحكام الدين لا يقلد أحدًا، بل قلده بعض الناس وعملوا بأقواله وآرائه. راجع ترجمته في: «طَبَقَات الفُقَهَاء» (١/ ١٠٢)، «وَفَيَات الأعْيَان» (٤/ ١٩١)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الكُبْرَى» (٣/ ١٢٠)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة» لابن قاضي شُهْبَة (٢/ ١٠٠).","vol":"1","page":520},{"text":"عني بذلك إن ارتبتم فلم تدروا ما الحكم فيهن وذلك أن معنى ذلك لو كان كما قاله من قال إن ارتبتم بدمائهن فلم تدروا أدم حيض أو استحاضة لقيل إن ارتبتن لأنهن إذا أشكل الدم عليهن فهن المرتابات بدماء أنفسهن لا غيرهن» (^١).\nولكن ما ذكره الطَّبَرِيّ -﵀- لا يخلو من اعتراض، فإن الريبة تصيب المرأة وزوجها والقاضي جميعًا ولو كان الأمر كما قال لقال إذ ارتبتم. ومن أجل ذلك فإن جمعًا من أهل التأويل ذهبوا إلى أن المقصود بالآية الريبة في الحيض لاختلافه. ففي أحْكَام القُرآن للجَصَّاص: «وروى مَعْمَر عن قَتَادَة عن عِكْرِمَة في التي تحيض في كل سنة مرة قال هذه ريبة عدتها ثلاثة أشهر وروى سفيان عن عمرو عن طاوس مثله» (^٢).\nوقال القُرْطُبِيّ: «وقال عِكْرِمَة وقَتَادَة من الريبة المرأة المستحاضة التي لا يستقيم لها الحيض تحيض في أول الشهر مرارا وفي الأشهر مرة» (^٣). ونقل عن الزجاج قوله: «وقال الزجاج إن ارتبتم في حيضها وقد انقطع عنها الحيض وكانت ممن يحيض مثلها» (٣).\nوقال الطَّبَرِيّ: «قال ابن زيد [هو جابر بن زيد] في قوله واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر قال إن ارتبت أنها لا تحيض وقد ارتفعت حيضتها أو ارتاب الرجال أو قالت هي تركتني الحيضة فعدتهن ثلاثة أشهر إن ارتاب» (^٤).\n_________\n(^١) «جَامِع البَيَان عن تَأوِيل آيِ القُرآن» للطَّبَرِيّ (٢٨/ ١٤١).\n(^٢) «أحْكَام القُرآن» للجَصّاص (٥/ ٣٥٢).\n(^٣) «أحْكَام القُرآن» للقُرْطُبِيّ (١٨/ ١٦٣).\n(^٤) «جَامِع البَيَان عن تَأوِيل آيِ القُرآن» للطَّبَرِيّ (٢٨/ ١٤١).","vol":"1","page":521},{"text":"* وأما القائلون بأنها تتربص تسعة أشهر ثم تعتد بثلاثة، فلهم:\n١ - ما روي عن عمر -﵁- فيما جاء في «سنن البَيْهَقِيّ»: «عن ابن المُسَيَّب أنه قال: قال عمر بن الخطاب -﵁- أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعتها حيضة فإنها تنتظر تسعة أشهر فإن بان بها حمل فذاك وإلا اعتدت بعد التسعة ثلاثة أشهر ثم حلت» (^١).\nوقد يجاب بأن سعيد بن المُسَيَّب لم يكن له سماع من عمر -﵁- إلا ما كان من سماعه نعي النعمان بن مقرن (^٢). ولكن تصحيح سماع سعيد من عمر -﵁- قول جماعة من أهل الحديث كما انتصر له الحافظ ابن حَجَر (^٣). ومراسيله عن عمر يقبلها من أهل الحديث من لا يقبل غيرها لقوتها، وهي بل ريب حجة على من يقبل المراسيل من الفقهاء كالحنفية - ﵏.\n٢ - وقالوا إن عمر قد حكم بهذا بمحضر من الصحابة ولم يخالفوه، فكان إجماعًا (^٤).\nولكن الشافعي أول من نقل الإجماع هو ذاته الذي تأول خبر عمر -﵁- فقد جاء في «الأم»: «(قال الشافعي) -﵀-: في قول عمر -﵁- في التي رفعتها حيضتها تنتظر تسعة أشهر فإن بان بها حمل فذلك وإلا اعتدت بعد التسعة ثلاثة أشهر ثم حلت يحتمل قوله في امرأة قد بلغت السن التي من بلغها من نسائها يئسن فلا يكون\n_________\n(^١) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب العدد، باب عدة من تباعد حيضها (٧/ ٤١٩).\n(^٢) انظر «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٢٦٨).\n(^٣) «تهذيب التهذيب» لابن حَجَر (٤/ ٧٧).\n(^٤) انظر «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٨٨)، ونقل عن الشافعي قوله: «كان يقضي به أمير المؤمنين عمر بين المهاجرين والأنصار ولم ينكر عليه فكيف تجوز مخالفته».","vol":"1","page":522},{"text":"مخالفا لقول ابن مسعود -﵁- وذلك وجه عندنا» (^١).\nوالظاهر من كلام عمر -﵁- غير ما ذكر الشافعي -﵀- فإنه -﵁- قال «أيما امرأة».\n٣ - واستدلوا بأن المراد معرفة براءة الرحم، وقد علم بمضي تسعة الأشهر من غير ظهور الحمل، فاعتدت بعدها بثلاثة أشهر، ومطالبتها بالمزيد فيه من الحرج والمشقة ما فيه.\nقال ابن زيد في قوله واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ... «فلو كان الحمل انتظر الحمل حتى تنقضي تسعة أشهر فخاف وارتاب هو وهي أن تكون الحيضة قد انقطعت فلا ينبغي لمسلمة أن تحبس فاعتدت ثلاثة أشهر» (^٢).\nوقال ابن قُدامة: «ولأن الغرض بالاعتداد معرفة براءة رحمها وهذا تحصل به براءة رحمها فاكتفي به ... ولأن عليها في تطويل العدة ضررًا فإنها تمنع من الأزواج وتحبس دائما ويتضرر الزوج بإيجاب السكنى والنفقة عليه وقد قال ابن عباس لا تطولوا عليها الشقة كفاها تسعة أشهر» (^٣).\n* أما أقوال سيدنا الشافعي في القديم أنها تتربص ستة أو سبعة أشهر أو أربع سنين ثم تعتد بثلاثة أشهر، فإنه إنما ذهب إلى ذلك ليتأكد من براءة الرحم، وأغلب الحمل تسعة أشهر، والعبرة بالغالب وليس على هذه الأقوال دليل من نقل صحيح أو تعليل وجيه في ضوء المعارف الطبية المعاصرة.\n_________\n(^١) «الأُمّ» للشافعي (٥/ ٢١٢).\n(^٢) «جَامِع البَيَان عن تَأوِيل آيِ القُرآن» للطَّبَرِيّ (٢٨/ ١٤١).\n(^٣) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٨٩).","vol":"1","page":523},{"text":"* أما من قالوا إن صاحبة الأقراء المختلفة تتربص أقراءها ولا تعتد بغير الحيض مهما طال بها الزمان، فلهم:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [سورة الطلاق: ٤].\nوهذه لم تيأس وليست من اللائي لم يحضن، فلم يبق لها إلا الاعتداد بالأقراء.\n٢ - ولهم ما رواه البَيْهَقِيّ: عن محمد بن يحيى بن حبان أنه قال كانت عند جده حبان امرأتان له هاشمية وأنصَارِيّة فطلق الأنصَارِيّة وهي ترضع فمرت بها سنة ثم هلك عنها ولم تحض فقالت أنا أرثه لم أحض فاختصما إلى عثمان -﵁- فقضى لها عثمان -﵁- بالميراث فلامت الهاشمية عثمان -﵁- فقال عثمان -﵁- ابن عمك هو أشار إلينا بهذا يعني علي بن أبي طالب -﵁-.\n٣ - وعن عبد الله بن أبي بكر أخبره أن رجلا من الأنصار يقال له حبان بن منقذ طلق امرأته وهو صحيح وهي ترضع ابنته فمكثت سبعة عشر شهرا لا تحيض يمنعها الرضاع أن تحيض ثم مرض حبان بعد أن طلقها سبعة أشهر أو ثمانية فقيل له إن امرأتك تريد أن ترث فقال لأهله احملوني إلى عثمان -﵁- فحملوه إليه فذكر له شأن امرأته وعنده علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت -﵄- فقال لهما عثمان -﵁- ما تريان فقالا نرى أنها ترثه إن مات ويرثها إن ماتت فإنها ليست من القواعد اللاتي قد يئسن من المحيض وليست من الأبكار اللاتي لم يبلغن المحيض ثم هي على عدة حيضها ما كان من قليل أو كثير فرجع حبان إلى أهله فأخذ ابنته فلما فقدت الرضاع حاضت حيضة ثم حاضت حيضة أخرى ثم توفي حبان قبل أن تحيض الثالثة","vol":"1","page":524},{"text":"فاعتدت عدة المتوفى عنها زوجها وورثت (^١). وقال ابن المُلَقِّن: «وهذا الأثر صحيح» (^٢).\n٤ - وعن حَمَّاد والأعمش ومنصور عن إبراهيم عن علقمة بن قيس أنه طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم حاضت حيضة أو حيضتين ثم ارتفع حيضها سبعة عشر شهرا أو ثمانية عشر شهرا ثم ماتت فجاء إلى بن مسعود -﵁- فسأله فقال حبس الله عليك ميراثها فورثه منها (^٣). قال ابن حَزْم هذا في غاية الصحة عن ابن مسعود (^٤).\nأما أثر حبان فهو في حالة خاصة وهي الرضاع وليس غيرها مثلها فإن الرضاع مع الحمل سببان طبيعيان لانقطاع الحيض. والمذاهب الأربعة متفقة على أن المرضع التي انقطع حيضها للرضاع تعتد بالأقراء.\nوأما خبر ابن مسعود مع علقمة فيحتمل أيضًا أن امرأته كانت ترضع فإن لم تكن فقد يكون رأيًا له -﵁- وليس رأيه بأولى من رأي عمر -﵁-. مع أن أثر بن مسعود ليس حجة على من قال إنها تعتد سنة، فإنهم يقولون أنا لو حاضت تستأنف سنة جديدة وهكذا حتى تتم سنة بيضاء أو ثلاثة أقراء.\n_________\n(^١) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب العدد، باب عدة من تباعد حيضها (٧/ ٤١٩).\n(^٢) «البَدْر المُنِير» لابن المُلَقِّن (٨/ ٢٢٢).\n(^٣) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب العدد، باب عدة من تباعد حيضها (٧/ ٤١٩).\n(^٤) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٢٦٨).","vol":"1","page":525},{"text":"•\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>الترجيح:</span>\nلعل الأقوى هو قول من قال تعتد بسنة، إذ الاعتداد بأربع سنين لاستبراء الرحم لا أصل له من شرع ولا نظر صحيح، فالحمل لا يمكن أن يستمر أربع سنين وغالبه تسعة أشهر، واحتاطوا له بثلاثة أشهر تعتد فيها بعد التأكد من براءة رحمها.\nأما القول باعتدادها بالأقراء مهما طال الزمان حتى تيأس أو تتم ثلاثة الأقراء ففيه ما فيه من المشقة، والله يريد بعباده اليسر وما جعل عليهم في الدين من حرج، وهل من حرج أعظم من أن تحبس مسلمة عن الزواج، وربما لا يكون لها عائل، وتبقى كذلك عشرين أو ثلاثين سنة أو فوق ذلك حتى تكون آيسة. هل جاء حكم كهذا عن صاحب الوحي بل هل حكم به صحابي واحد على امرأة بعينها؟\nولا يخفى أن من قال باعتدادها بثلاثة الأشهر كطاووس وعِكْرِمَة - ﵏- له وجه قوي إلا أن ترتاب في كونها حاملا، فيجب عندئذٍ اعتدادها حتى تستبين براءة رحمها.\nولعل هذا القول هو الأرفق بالنساء ولا يخالف نصًّا صريحًا بل وجهه أصحابه بأن انقطاع الحيض لغير حمل ريبة، فتدخل هذه المرتابة في آية سورة الطلاق. وهذا القول الأخير هو الأقرب للصواب ولمقصود الشارع في زماننا، إذ أن العلة من إطالة العدة غلى سنة كانت استبراء الرحم وهذا ميسور بالتحاليل الطبية، ويبقى أن تعتد المرأة ثلاثة الأشهر وذلك لأن للعدة من الحكم والفوائد ما قد تقرر وليس استبراء الرحم إلا أحدها.\n* * *","vol":"1","page":526},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>المطلب الثالث: أثر تطور المعارف والصناعة الطبية\nعلى الفتوى في هذا الباب</span>\n• الطب الحديث يستطيع أن يسهم في حل بعض إشكالات هذا الباب عن طريق.\n١ - تحديد سبب انقطاع الحيض والتفريق بين العارض والمستمر.\n٢ - إثبات أو نفي وجود الحمل وتأكيد براءة الرحم.\n٣ - مداواة المرأة ليرجع حيضها.\nأما التفريق بين العارض من الأمراض والمستمر، فإن له أهمية فقهية، فإنه إن حكم الطبيب الثقة أن انقطاع الحيض نهائي، وأنها لن تعود للحيض أبدًا، فيتوجه - في تقديري (^١) - أن تعامل معاملة الآية وتعتد بالشهور.\n• أما قدرة الطب على الحكم ببراءة الرحم، فيستطيع الطب الحديث أن يجزم بوجود الحمل أو عدمه بعد مرور عدة أيام على آخر جماع.\nوقد يحتاط ويكرر الكشف والفحص أكثر من مرة في خلال الأشهر الأولى بعد الفراق لزيادة التأكيد، فهل يكون لذلك أثرٌ على العدة؟\nولنبدأ بالتأكيد على أن العدة ليست فقط لاستبراء الرحم، ولو كانت كذلك لما اعتدت الآيسة والصغيرة والمتوفى عنها زوجها قبل الدخول ومن مات زوجها بعد سفره وتركه معاشرتها بعشر سنين. ولما كان هناك فرق بين عدة الحرة والأمة والمطلقة والمتوفى عنها زوجها ولما اعتدت من عُلِّق طلاقُها على وضع حملها.\n_________\n(^١) رجح هذا من قبل الدكتور هشام بن عبد الملك آل الشيخ في رسالته للدكتوراه «أثر التقنية الحديثة في الخلاف الفقهي» الفصل الرابع، المبحث السادس. (من نسخة إلكترونية أهداها الكاتب للباحث).","vol":"1","page":527},{"text":"إن للاعتداد حِكمًا عظيمة، ذكرها - أو بعضها - الإمام ابن القَيِّم فقال:\n«... ففي شرع العدة عدة حكم: منها العلم ببراءة الرحم، وأن لا يجتمع ماء الواطئين فأكثر في رحم واحد، فتختلط الأنساب وتفسد وفي ذلك من الفساد ما تمنعه الشريعة والحكمة. ومنها تعظيم خطر هذا العقد، ورفع قدره، وإظهار شرفه. ومنها تطويل زمان الرجعة للمطلق؛ إذ لعله أن يندم ويفيء فيصادف زمنا يتمكن فيه من الرجعة. ومنها قضاء حق الزوج، وإظهار تأثير فقده في المنع من التزين والتجمل، ولذلك شرع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الوالد والولد. ومنها الاحتياط لحق الزوج، ومصلحة الزوجة، وحق الولد، والقيام بحق الله الذي أوجبه؛ ففي العدة أربعة حقوق، وقد أقام الشارع الموت مقام الدخول في استيفاء المعقود عليه؛ فإن النكاح مدته العمر، ولهذا أقيم مقام الدخول في تكميل الصداق، وفي تحريم الربيبة عند جماعة من الصحابة ومن بعدهم كما هو مذهب زيد بن ثابت وأحمد في إحدى الروايتين عنه؛ فليس المقصود من العدة مجرد براءة الرحم، بل ذلك من بعض مقاصدها وحكمها» (^١).\nوبخلاف من تمسك بأن التي انقطع حيضها تعتد بالأقراء مهما طال الزمن - على ما في هذا القول من المشقة والحرج - فإن باقي أهل العلم كالمالكية والحنابلة وقديم الشافعية وهو اختيار ابن تَيمِيَّة يطيلون في عدتها استبراءً لرحمها ولذلك اجتمع للشافعي في القديم ١ - ستة أشهر ثم ثلاثة و٢ - تسعة أشهر ثم ثلاثة و٣ - أربع سنين ثم ثلاثة أشهر. فالستة أقل الحمل والتسعة غالبه والأربع سنين أكثره عنده -﵀- ومن أجل ذلك أمرها عمر وابن عباس -﵄- بالتربص تسعة أشهر.\n_________\n(^١) «إعْلام المُوَقِّعِين» لابن القَيِّم (٢/ ٨٥).","vol":"1","page":528},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-221> الترجيح:</span>\nإننا لو تأكدنا من براءة رحمها بالوسائل الطبية الحديثة وأمرناها أن تعتد الأشهر الثلاثة كالصغيرة والآيسة لكنا على طريق هؤلاء السلف وسنتهم، ولما كان في ذلك تبديل للدين أو تحريف - في تقديري - والله أعلى وأعلم.\nإن هذا القول ليس خروجًا على الإجماع، فإن من السلف من خالف في أصل كل المسائل التي نقل عليها الإجماع، حتى صاحبة العادة التي تأتيها أقراؤها مرة في السنة.\n• فعن سعيد بن المُسَيَّب قال: إذا كانت في الأشهر مرة - يعني الحيض - فعدتها سنة.\n• وعن جابر بن زيد قال: إذا كانت تحيض في كل سنة مرة يكفيها ثلاثة أشهر (^١)\nوأما مختلفة الأقراء، فالخلاف فيها أكثر.\n• فعن طاوس قال: إذا كانت تحيض حيضا مختلفا أجزأ عنها أن تعتد ثلاثة أشهر.\nوعن عِكْرِمَة قال: إذا كانت تحيض حيضا مختلفا فإنها ريبة عدتها ثلاثة أشهر، قال قَتَادَة: تعتد المستحاضة ثلاثة أشهر (١).\nوقد يتمكن الطب الحديث من إعطاء المرأة دواءً لتستعيد حيضها، وعندها لا يجري هنا الخلاف فيمن شربت دواءً لتعجيل حيضها، فإن هذه إنما شربت الدواء للعلاج لا لتعجيل الحيض. فالأولى أرادت معاندة مقصود الشارع وأن تضيق حق الرجعة على الزوج، والثانية أرادت علاج نفسها من مرض عَرَض لها.\nملحوظة: في حالة عدم توافر الأكْفَاء من الأطباء، فإن القول الأقوى هو السنة (٩+٣) والله أعلم.\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٢٦٨).","vol":"1","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>فرع: فائدة في عدة المستحاضة:</span>\nاختلف العلماء في عدة المستحاضة ففريق يقول عدتها بالأقراء إن كانت معروفة، وقال بعضهم بالتمييز وآخرون بالشهور وآخرون سنة.\nولن نفصل في عرض أقوال الفقهاء - ﵏- ومناقشتها اكتفاء بما ذكرنا في عدة من انقطع حيضها، لكن ننبه على أن الطب الحديث إذا توفر يستطيع أن يساعد هواتي النساء بأحد طريقين:\n١ - المداواة حتى تنتظم الدورة إن كان ممكنًا، وعندها يزول الإشكال.\n٢ - تحديد الأقراء للمريضة عن طريق فحوصات معملية، بالإضافة إلى التمييز الإكلينيكي للدم، والذي يمكن أحيانًا.\n* * *","vol":"1","page":530},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>الفصل الثاني: أحكام متعلقة بالحجر والمواريث</span>\nوفيه مبحثان:\nالأول: تحديد البلوغ\nالثاني: تحديد جنس الخنثى","vol":"1","page":531},{"text":"المبحث الأول: تحديد البلوغ","vol":"1","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>المبحث الأول: تحديد البلوغ</span>\nلجأ الصحابة رضوان الله عليهم إلى اعتبار إنبات شعر العانة في الحكم بالبلوغ، فهل ساهمت المعارف الطبية الحديثة في تحقيق قدر أكبر من الدقة في الحكم ببلوغ الطفل؟ وهل يتسع الفقه الإسلامي لقبول هذا التطور في صناعة الطب؟ هذا ما نحن بصدده في هذا المبحث (^١).\n* * *\n_________\n(^١) ضُمِّنَ هذا المبحثُ فقراتٍ من رسالة الماجستير للباحث.","vol":"1","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>تمهيد عن مراحل العمر</span>\nيمر الإنسان بمراحل متعددة في حياته وفي مرحلة الطفولة يقطع معظم هذه المراحل وذلك أنها مرحلة النمو النفسي والعقلي والجسمي.\nوإن مراحل النمو التي يمر بها الإنسان يمكن أن تقسم إلى ست:\n١ - مرحلة الصبي غير المميز. ٢ - مرحلة المميز.\n٣ - مرحلة المراهقة. ٤ - مرحلة البلوغ.\n٥ - مرحلة الرشد. ٦ - مرحلة الأشد.\nثم تبدأ مراحل الضعف والشيخوخة.\nوالناظر في هذه المراحل يجد أنه حسَب تعريف الطفولة في الإسلام، وهو من كان دون الحلم؛ فإن المراحل الثلاث الأولى جزء من الطفولة، ثم تأتي مرحلة البلوغ كحد فاصل بين الطفولة وما بعدها، أي مرحلة التكليف.\nأما حسب التعريفات الطبية (^١) للطفل فإن الفرد يبقى طفلًا إلى سن الحادية والعشرين أي ما زال جسمه ينمو. وفي أكثر البلدان يعنى طب الأطفال بالأشخاص منذ الولادة إلى سن الثامنة عشر أو الحادية والعشرين سنة.\nونحن سنعرف بالمراحل السابقة للبلوغ باختصار قبل أن نبدأ في الكلام عن تحديد البلوغ\n_________\n(^١)  Nelson Text book of Pediatrics، ١٥ th Ed، Page ٣، ٣ T","vol":"1","page":536},{"text":"المرحلة الأولى: الصبي غير المميز وتبدأ هذه المرحلة بالولادة وتنتهي، عند أكثر الفقهاء (^١)، ببلوغ سن السابعة.\nولعل المقصود من تحديد سن السابعة هو تيسير القضاء ورفع المشاحنات، فإنه من المعلوم أن الأطفال يتفاوتون في نموهم، والفقهاء أولى من غيرهم بمعرفة ذلك، ولقد تنبهوا إليه بالفعل (^٢)، ولكنهم أرادوا وضع ضابط معين مستقيم ينتهي إليه الحُكَّام، فكان أن اختاروا سن السابعة وهو اختيار موفق منهم -﵏- ويؤيده قوله -ﷺ-: «مُرُوا أولادَكم بالصَّلاةِ وهُم أبناءُ سبعِ سِنين» (^٣)\nوكذلك فأنت ترى موافقة ذلك للمعقول، ولقد اتفق أن الدراسة الإلزامية تبدأ في الغالب الأعم من بلاد العالم في سن السادسة فمع الاحتياط ومراعاة تأخر بعض الأطفال في إدراكهم يكون سن السابعة هو الفصل بين المرحلة الأولى من حياة الطفل والثانية، وينادي الكثير من المختصين بتأخير دخول الطلاب المدارس إلى السابعة.\nوفي المرحلة الأولى تكون للطفل أهلية وجوب، بل تبدأ وهو جنين وإن كانت عندئذٍ ناقصة. وأهلية الوجوب تعني أن الطفل تثبت له وعليه حقوق كثبوت الميراث له وضمان الغرم في ماله وغير ذلك (^٤). ويكون الولي مسؤولًا عن أداء الحقوق الواجبة على الطفل ولا يُلزم الطفلُ نفسه بأدائها؛ وكذلك فإن الطفل في هذه المرحلة غير مكلف\n_________\n(^١) «الأحوال الشخصية» لأبي زَهْرَة (ص ٤١٢)، «عوارض الأهلية» للجُبُورِيّ (ص ١٣٥).\n(^٢) حتى أن المتقدمين منهم لم يعينوا سنًا. «الأحوال الشخصية» لأبي زَهْرَة (ص ٤١٢).\n(^٣) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة (١/ ١٣٣). وقال الألبَانِيّ «حسن صحيح» (انظر: «سُنَن أبي دَاوُد بتحقيق مشهور» رقم: (٤٩٥).)، لعله أقرب إلى الحسن لأنه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والأرجح فيها التحسين.\n(^٤) «عوارض الأهلية» للجُبوري (ص ١٣٧).","vol":"1","page":537},{"text":"بالإيمان ولا العبادات، ولا يعاقب بالحدود والتعزيرات (^١).\nالمرحلة الثانية: الصبي المميز وهو الذي أصبح له بصر عقلي يميز به بين الحسن والقبيح؛ وتبدأ بنهاية المرحلة السابقة أي عند بلوغ الصبي - أو الجارية - سن السابعة، وتنتهي بالبلوغ (^٢).\nويكون الصبي في هذه المرحلة كالسابقة مع بعض الاختلاف فتكون له أهلية وجوب مثل الصبي في المرحلة السابقة غير أنه أيضًا تثبت له أهلية أداء (أي تصرف) وإن كانت ناقصة. فإن تصرفاته إما نافعة نفعًا محضًا أو ضارة ضررًا محضًا أو مترددة بين النفع والضرر. فأما تصرفاته النافعة نفعًا محضًا - كقبول الهدية والصدقة والوصية - فجائزة بدون إذن الولي. وتصرفاته الضارة ضررًا محضًا -كأن يهب ماله أو يطلق زوجته- لا تصح حتى لو أذن الولي. وتصرفاته المترددة بين النفع والضرر - كالبيع والإجارة تصح عند الجمهور - خلافًا للشافعية - إن أذن الولي (^٣). والصبي في هذه المرحلة كسابقتها غير مكلف بشيء عند جمهور العلماء - خلافًا لرواية مرجوحة عن أحمد (^٤) - وإن كان يثاب على فعل الخير كما هو ثابت.\nبقي أن نقول إن التحديد بسن السابعة لبداية هذه المرحلة مفيد وجيه؛ بيد أنه قد يحتاج بعض القضاة التأكد من وصول الطفل المعين إلى مرحلة التمييز، وقد يقرر القاضي أن يستعين بطبيب الأطفال، وهنا يستطيع طبيب الأطفال عن طريق اختبارات النمو\n_________\n(^١) «عوارض الأهلية» للجُبوري (ص ١٣٥ - ١٣٦).\n(^٢) «عوارض الأهلية» للجُبوري (ص ١٤٠).\n(^٣) للتفصيل، انظر «عوارض الأهلية» للجُبوري (ص ١٤٠ - ١٤٥)؛ وانظر «أصول الفقه» للخُضَرِيّ (ص ١٠٦ - ١٠٨).\n(^٤) «مُذَكِّرَة في أُصُول الفِقْه على رَوْضَة النَّاظِر» لمحمد الأمين الشِّنْقِيطِيّ (ص ٣٦).","vol":"1","page":538},{"text":"والتي تشمَلُ النمو الحركي والعقلي والنفسي واللغوي أن يحدد ما إذا كان الطفل المعين قد وصل إلى هذه المرحلة التي يصل إليها غالبية أبناء السابعة أم لم يصل.\nالمرحلة الثالثة: المراهقة (^١): وهي مقاربة البلوغ، وهي الفترة التي تسبق البلوغ مباشرة وبعض الفقهاء جعل المراهق من بلغ العاشرة، ولم يبلغ حتى يبلغ، وعلى هذا يمكن أن نقول أن المراهقة هي ما بين العاشرة والخامسة عشر (^٢) إلا أن يقطعها البلوغ.\nوتحديد العاشرة وجيه لقوله -ﷺ-: «مُرُوا أولادَكم بالصَّلاةِ وهُم أبناءُ سبعِ سِنين واضرِبوهم عليها وهُم أبناءُ عشرٍ وفَرِّقُوا بينهُم في المضَاجِع» (^٣) والمراهق كالصبي المميز في الأحكام مع اختلاف بسيط، وهو منعه من الاطلاع على عورات النساء (^٤) بل ومعاملة المراهقين والمراهقات كالبالغين والبالغات في كل ما يتصل بالعورات والاختلاط بين الجنسين، إلا الاستئذان فإن الصحيح أنهم لا يستأذنون إلا في الأوقات الثلاثة، وذلك للنص حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩].\nهذا الفرق البسيط في الأحكام بين المراهق والمميز لا ينبغي أن يجعلنا نهمل خطورة هذه المرحلة، بل إنه ينبهنا إلى خطورتها؛ فإن الفتى أو الفتاة الآن في مرحلة تمهيد للبلوغ، يحصل فيها نمو سريع، وتحصل تغييرات في البناء الجسمي والعضوي، تصاحبها تغيرات في\n_________\n(^١) انظر «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (٨/ ١٨٧).\n(^٢) نبين في كلامنا عن سن البلوغ أنه يحكم به، ولو من غير احتلام، عند بلوغ الخامسة عشرة على مذهب الجمهور.\n(^٣) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة (١/ ١٣٣). وقال الألبَانِيّ «حسن صحيح» (انظر: «سُنَن أبي دَاوُد بتحقيق مشهور» رقم: (٤٩٥).)، لعله أقرب إلى الحسن لأنه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والأرجح فيها التحسين.\n(^٤) انظر «نهاية المُحْتاج إلى شرح المِنهاج» لابن شهاب الدين الرَّمْليّ (٦/ ١٩١).","vol":"1","page":539},{"text":"النمو العقلي والنفسي، مدفوعة بتغيرات كبيرة في الإفراز الهرموني، مما يجعل الطفل في مرحلة انتقال خطيرة، يحتاج فيها إلى فهمِ ودعمِ مَن حولَه من الآباء والمعلمين (^١).\nالمرحلة الرابعة: البلوغ وهو في اللغة: الوصول، وفي الاصطلاح: انتهاء حد الصغر في الإنسان ليكون أهلًا للتكاليف الشرعية (^٢). وتنتقل إليه الولاية على نفسه - وماله إن كان رشد (^٣) - وهذه المرحلة تبدأ مع الاحتلام أو الحيض، فهما أظهر علاماتها، وإن كانت هناك علامات أخرى ولا تنتهي إلا بموت الإنسان، والسبب في إضافة مراحل بعدها هو أن الطفل ببلوغه لا يحكم برشده حتى يختبر، وعلى ذلك فكل رشيد بالغ وليس العكس، وفي الكلام عن مرحلة الرشد نبين أنها قد تكون مصاحبة للبلوغ أو متأخرة عنه شيئًا يسيرًا.\n* * *\n_________\n(^١) انظر «كيف يتعامل الآباء والمعلمون مع المراهقين لمساعدتهم على التكيف الاجتماعي» لمحمد حامد يوسف.\n(^٢) «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (٨/ ١٨٦).\n(^٣) «الأحوال الشخصية» لأبي زَهْرَة (ص ٤٣٨ - ٤٤٠).","vol":"1","page":540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>علامات البلوغ</span>\nأولًا: في حق الذكر:\n١ - الاحتلام: وهو أهم العلامات وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]، وقال رسول الله -ﷺ-: «رفع القلم عن ثلاثة ... وعن الصبي حتى يحتلم ...» (^١).\n٢ - نبات الشعر الخشن للشارب، وثقل الصوت، ونُتوء طرف الحُلْقُوم (^٢) - وهي من العلامات التي يعتبرها الشافعية دون غيرهم - وهي علامات صحيحة لأن هذه التغيرات تحصل مرافقة للبلوغ، ولكن الأولى عدم اعتبارها في تحديد البلوغ؛ لأن الحكم عليها سيكون مضطربًا غير موضوعي، بل خاضع لفهم الحاكم وليست هناك ثمة معايير منضبطة.\n٣ - الإحبال (^٣): وهو لا شك من العلامات إذا تأكدنا من صحته، وذلك عزيز (^٤)، ولذلك فإن أكثر الفقهاء يهملون ذكره.\n_________\n(^١) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدا (٤/ ١٤٠). وصححه الألبَانِيّ (انظر «سُنَن أبي دَاوُد بتحقيق مشهور» رقم: ٤٤٠١).\n(^٢) «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (٨/ ١٩٠).\n(^٣) انظر «فَتْح القَدِير» لابن الهُمَام (٩/ ٢٧٠).\n(^٤) يمكن بالطرق العلمية الحديثة إثبات الأبوة: انظر مبحث تحديد النسب (ص ١٢٩).","vol":"1","page":541},{"text":"ثانيًا: في حق الأنثى:\n١ - الحيض (^١): وهو أهم العلامات في حق الأنثى وقد قال رسول الله -ﷺ-: «لا يَقبَلُ اللهُ صَلاةَ حائضٍ إلا بخِمار» (^٢) وهذه العلامة متفق عليها.\n٢ - الحمل (^٣): وهو لاشك علامة، وقد يحصل قبل الحيض إذا اتفق أن جامعت المرأة عند أول دورة.\n٣ - الاحتلام (^٤): ويذكره الفقهاء كعلامة من العلامات المشتركة بين الرجل والمرأة وذكرته منفصلًا؛ وذلك أن الاحتلام في حق الرجل هو خروج الماء الدافق من القبل، وهذا الماء هو الذي يحتوي على النطفة، أما في حق المرأة فإن الفقهاء وإن سموه منيًّا فإنما يقصدون الإفرازات ا المَهْبِلية التي تحصل للمرأة عند وجود الشهوة، والله تعالى أعلم.\nثالثًا: العلامات المشتركة بين الجنسين:\n١ - الإنبات: والمقصود إنبات شعر العانة الخشن دون الزَّغَب الضعيف (^٥).\nوالتفريق من الفقهاء جيد موافق للصواب؛ فإن الشعر الخفيف يظهر في المراحل الأولى الممهدة للبلوغ ولكن الذي يصاحب البلوغ هو الشعر الخشن والذي يعرفه الأطباء بتانر ٤ - ٥ (^٦).\n_________\n(^١) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٤/ ٢٩٧)، نقل عليه الإجماع.\n(^٢) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الصلاة، باب في كم تصلي المرأة (١/ ١٧٣ برقم ٦٤١)، وصححه الألبَانِيّ (انظر سُنَن أبي دَاوُد بتحقيق مشهور رقم ٦٤١).\n(^٣) «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (٨/ ١٩٠).\n(^٤) انظر «المُغْنِي» لابن قُدامة (٤/ ٢٩٧).\n(^٥) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٤/ ٢٩٧)، ونقل عليه الإجماع.\n(^٦)  Nelson Textbook of Pediatrics. ١، ١٥ th Ed، Page ٥٩","vol":"1","page":542},{"text":"* والجمهور على اعتبار الإنبات علامة على البلوغ، فقال به المالكية والحنابلة وهو رواية عن أبي يوسف ودليلهم ما روى أبو داود عن عطية القرظي قال: «كنت من سبي بني قريظة فكانوا ينظرون: فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت فيمن لم ينبت» (^١).\n* والقول الثاني: هو قول أبي حنيفة ورواية عن مالك بعدم اعتبار الإنبات، والقول الثالث للشافعية هو اعتبار الإنبات في حق الكفار دون المسلمين قصرًا للحديث على مخرجه.\n• والصحيح قول الجمهور باعتبار الإنبات لموافقته للمنصوص والمعقول. والله تعالى أعلم.\n٢ - نتن الإبط وفرق الأرنبة (^٢) وغلظ الصوت (^٣) مما اعتبره المالكية في حق الذكر والأنثى، والأولى تركه لعدم وجود المعيار المنضبط.\n* * *\n_________\n(^١) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الحدود، باب في الغلام يصيب الحد، (٤/ ١٤١).\n(^٢) الأرنبة: طرف الأنف. «القَامُوس المُحِيط» (ص ١١٨).\n(^٣) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٤/ ٢٩٧)، نقل عليه الإجماع.","vol":"1","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>اعتبار السن في تحديد البلوغ</span>\nالفقهاء - ﵏ - حددوا لبداية البلوغ سنًا وكذلك لنهايته، ولا شك أن تحديد السن عند تأخر العلامات لنهاية البلوغ أمر معقول وقد أشارت إليه النصوص. أما كونه معقولًا فلأن المقصود بالبلوغ هو الوصول إلى مرحلة الإدراك، وهذه المرحلة يصل إليها الغالب الأعم من الناس عند الخامسة عشرة كما هو رأي الجمهور وذلك وإن كانت العلامات الأخرى قد تأخرت.\nولما كنا ناقشنا بداية سن البلوغ عند الكلام عن أقل سنٍّ للحيض (^١)، نشرع الآن في مناقشة الحد الأعلى له.\n* * *\n_________\n(^١) انظر (ص ١٤٩).","vol":"1","page":544},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>الحد الأعلى لسن البلوغ</span>\n•<span data-type=\"title\" id=toc-229> المعرفة الطبية:</span>\nلا شك أن بداية البلوغ تختلف باختلاف الأجناس والبيئات، ولكن يبقى أن الأكثر من الأطفال سيكونون قد بلغوا بوصولهم إلى ما بين الثانية عشر والرابعة عشر. والإناث يسبقن الذكور بحوالي عام (^١). وللبلوغ مراحل، فبين الشروع فيه والاحتلام أو الحيض مدة عام ونصف إلى عامين، وإذا لم تشرع الأنثى فيه عند الثانية عشر والذكر عند الرابعة عشر، فإن الحالة تعتبر مرضية (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>أقوال الفقهاء:</span>\nذكرنا أنه قد أشارت النصوص على اعتبار سن معين كفارق بين الصغر والكبر وهو موافق للمعقول كما بينا من قبل.\nونحن هنا ننقل الخلاف بين الفقهاء في الحد الأعلى من البلوغ:\nالجمهور من الشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، وأبو يوسف ومحمد من الحنفية (^٥) وابن وَهْب\n_________\n(^١)  Nelson text book of Pediatrics، ١٥ th Ed، Page ١٥٧٩\n(^٢) François P Pralong، MD، William F Crowley، Jr، MD.Diagnosis and treatment of delayed puberty.In: UpToDate، Rose، BD (Ed)، UpToDate، Waltham، MA، ٢٠٠٧.\n(^٣) «أسْنَى المَطَالِب» للأنصَارِيّ (٢/ ٢٠٦).\n(^٤) «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (٥/ ٣٢٠).\n(^٥) «فَتْح القَدِير» لابن الهُمَام (٩/ ٢٧٠).","vol":"1","page":545},{"text":"ومن وافقه من المالكية (^١)، على أن البلوغ بالسن يكون بتمام خمس عشرة سنة للذكر والأنثى لخبر ابن عمر: «عُرِضت على النبي -ﷺ- يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجِزني، ولم يَرَني بلَغْت، وعُرِضت عليه يومَ الخَندَقِ وأنا ابن خمسَ عشرةَ سنةً فأجازني، ورآني بَلَغْت» (^٢).\nوالمالكية يرونه عند تمام ثماني عشرة سنة، وهناك خمسة أقوال في المذهب ... (^٣).\nوأبو حنيفة يرى أن البلوغ بالسن للغلام يكون عند ثماني عشرة سنة، والجارية سبع عشرة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] قال ابن عباس -﵁-: الأشد ثماني عشرة سنة. وهي أقل ما قيل فيه، فأخذ به احتياطًا، قال: هذا أشد الصبي، والأنثى أسرع بلوغًا فنقصت سنة (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-231> التوفيق بين أقوال الفقهاء والمعرفة الطبية:</span>\nبالنسبة للبلوغ الحكمي، لعل تحديد أعلاه بسن الخامسة عشرة - وهو قول الجمهور - الأولى بالصواب من جهة المنقول كما جاء في خبر ابن عمر، والمعقول أيضًا، وذلك أنه ببلوغ سن الخامسة العشرة يكون الأغلب الأعم من الأطفال قد بلغوا، ولا عبرة بالنادر، مع الأخذ في الاعتبار أنه من لم تظهر عليه آثار البلوغ، ممن بلغ الخامسة عشرة، فإنه يكون معه من الإدراك ما يجعلنا نجري عليه أحكام البالغين والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (٥/ ٢٩١)، «مَوَاهِب الجَلِيل» للحَطَّاب (٥/ ٥٩).\n(^٢) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الشهادات، باب بلوغ الصبيان وشهادتهم وقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (٢/ ٩٤٧).\n(^٣) «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (٥/ ٢٩١)، «مَوَاهِب الجَلِيل» للحَطَّاب (٥/ ٥٩). والأقوال ١٥ و١٦ و١٧ و١٨ و١٩. والأول الموافق للجمهور اختيار ابن وَهْب.\n(^٤) «فَتْح القَدِير» لابن الهُمَام (٩/ ٢٧٠).","vol":"1","page":546},{"text":"المرحلة الخامسة: الرشد وهو كمال العقل وحسن تصريف الأمور فهو بذلك ضد السفه وسوء التدبير (^١).\nويكون مقارنًا للبلوغ أو متأخرًا عنه - شيئًا يسيرًا في العادة - ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]\nوالجمهور - ومنهم محمد وأبو يوسف رحمهما الله - يعتبران حقيقة الرشد بامتحان أو تجريب البالغ، وقيل من ناهز البلوغ، لمعرفة ما إذا كان قد رشد (^٢)، ووافقهم أبو حنيفة -﵀- في الامتحان إلا أنه جعل للرشد حدًّا أعلى، وهو بلوغ الخامسة والعشرين، يدفع المال بعدها لصاحبه، وإن لم يرشد (^٣).\n• والجمهور أسعد حظًّا بالدليل لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾؛ إلا أنه لو تعذر امتحان كل البالغين أو تجريبهم فإنه يستأنس بقول أبي حنيفة ويضرب ولاة الأمر سنًا يجعلونه مظنة الرشد، وتدفع عنده الأموال إلى أصحابها، وذلك لتيسير أمور القضاء، والله تعالى أعلم.\nوببلوغ هذه السن يصير الإنسان كامل الأهلية والتصرف؛ إلا أن المرأة لا تتولى نكاح نفسها من غير وليها على الأصح من أقوال أهل العلم.\nولم يؤثر تطور الطب على هذه المسألة.\n* * *\n_________\n(^١) «مُعْجَم المصطلحات الفقهية» لمحمود عبد الرحمن (٢/ ١٤٦).\n(^٢) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٤/ ٢٩٦ و٣٠٣).\n(^٣) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٧/ ١٧٠).","vol":"1","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>المبحث الثاني: تحديد جنس الخنثى</span>\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: أهمية تحديد الجنس\nالمطلب الثاني: التعريف بالخنثى وحقيقته الطبية\nالمطلب الثالث: اجتهاد الفقهاء في تمييز جنس الخنثى\nالمطلب الرابع: التوفيق بين اجتهادات الفقهاء والمعارف الطبية","vol":"1","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>المطلب الأول: التعريف بالخنثى</span>\nفي اللغة: الخُنْثَى: الذي لا يخلص لذكر ولا أنثى، والخنثى: الذي له ما للرجال والنساء جميعًا، والجمع خَنَاثَى، مثل الحَبَالَى. والانْخِناث: التثني والتكسر. وخَنِث الرجل خَنْثا، فهو خَنِث، وتخنث، وانخنث: تثنى وتكسر (^١).\nولعل التعريف الاصطلاحي لا يختلف عن التعريف اللغوي، فقد جاء في الموسوعة الفقهية: «الخنثى الذي خلق له فرج الرجل وفرج المرأة» (^٢) وكذلك إذا لم يكن له أي منهما (^٣).\nولقد فرقوا في الموسوعة بين الخنثى والمُخَنَّث، فعرفوا المخنث بمن فيه تكسر وتَثَنٍّ وتشبه حركاته حركات النساء خَلْقًا أو تَخَلُّقا. وبذلك يكون المخنث أعم من الخنثى.\nوالذي نبحثه هو المعنى الخاص أي عيب الخلق بفتح الخاء لا الخلق بضمها وننتقل الآن إلى حقيقته الطبية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>الحقيقة الطبية للخنثى </span>(^٤):\nقبل أن أتعرض لكلام الفقهاء عن تمييز جنس الخنثى أعرض الحقيقة الطبية للخنثى في فقرتين حتى يكون القارئ على بينة من أمر الخنثى في الطب، ومن ثم قادرًا على الحكم على اجتهادات الفقهاء والترجيح بينها أو ربما رد بعضها.\n_________\n(^١) «لِسَان العَرَب» لابن مَنْظُور (٢/ ١٤٥).\n(^٢) «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (٣٦/ ٢٦٤ - ٢٦٥).\n(^٣) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٦/ ٢٢١).\n(^٤) باختصار وتصرف من بحث الخنثى للدكتور محمد علي البار بكتاب «الطبيب: أدبه وفقهه» (ص ٣٠٧ - ٣٢٣)؛ وكذلك بكتابه «خلق الإنسان بين الطب والقرآن» (ص ٤٥١ - ٤٧٥)؛ وانظر:  Nelson Textbook of Pediatrics، ١٥ th Ed. ١٦٤٠ - ١٦٤٥","vol":"1","page":551},{"text":"الفقرة الأولى: التمايز الجنسي في مرحلة الجنين:\nأ- المستوى الصبغي (الكروموسومي) (Chromosomal Sex):\nوهذا يتحدد - بأمر الله ﷾ - عندما يلقح حيوان منوي يحمل كروموسوم (Y)  أو حيوان منوي يحمل كروموسوم (X)  البُيَيْضَة التي تحمل دائمًا كروموسوم (X).  فتكون البُيَيْضَة الملقحة إما (X Y)  أي جنينًا ذكرًا أو (X X)  أي جنينًا أنثى.\nب- المستوى الغددي (Gonadal Sex):\nوهذا يتحدد - بإذن الله تعالى - في الأسبوع السادس والسابع من التلقيح. وهذه الغدد هي التي تفرز الهرمونات التي تتحكم في المستوى الأخير.\nج- مستوى الأعضاء التناسلية:\nوالأعضاء التناسلية ظاهرة وباطنة؛ والباطنة في الأنثى هي المِبْيَضان والرحم وقناتا الرحم والمَهْبِل، وأما الباطنة في الذكر فهي الحبل المنوي والحويصلة المنوية والبروستاتا.\nوتكون هذه الأعضاء غير متمايزة حتى الأسبوع التاسع، ثم يبدأ التمايز البطيء الخفي في الأسبوع التاسع، ثم يتضح وينجلي في الأسبوع الثاني عشر.\nويسير خط نمو الأعضاء التناسلية الظاهرة والباطنة في اتجاه الأنثى إلا إذا وجدت كمية من هرمون الذكورة التستوسترون (Testosterone)  الذي تفرزه الخُصْيَة، منذ أن تتكون أي منذ نهاية الأسبوع السادس، والذي يحدد مسار الأعضاء التناسلية الظاهرة والباطنة، ولذا فإن إزالة الخُصْيَة من جنين ذكر، أو عدم تكونها يؤدي إلى وجود جهاز تناسلي أنثوي رَغم أن جنس الجنين على مستوى الصبغيات ذكر (XY)،  أما إزالة المِبْيَض أو عدم تكونه فإنه لا يؤثر على سير الأعضاء التناسلية التي تسير في اتجاه الأنثى، بل إنه عند وجود كروموسوم (X)  واحد فقط كما في حالات ترنر (Turner Syndrome)  فإن","vol":"1","page":552},{"text":"الجهاز التناسلي الذي يتكون إنما يكون لأنثى. إذًا أساس الجهاز التناسلي الظاهر والباطن - عدا الغدة التناسلية - يترجح إلى الأنثى، فإذا وجدت الخُصْيَة أو هرمون التستوسترون فإن الجهاز التناسلي يتحول إلى أعضاء ذكرية.\nالفقرة الثانية: أنواع الخنثى:\nأولًا- الخنثى الحقيقية (True Hermaphrodite):\nإن الخنثى الحقيقية في الإنسان التي تجمع في أجهزتها الخُصْيَة والمِبْيَض نادرة الوجود جدًّا، وقد نشرت مجلة ميديسن دايجست (١٩٨٠) حالة خنثى حقيقية في الولايات المتحدة، ولديها مِبْيَض واحد وخُصْيَة واحدة، ولقد مارست الجنس كرجل وامرأة بل وحملت ووضعت طفلًا ميتًا. ولم تنجب أطفالًا عندما كانت تقوم بدور الذكر، لأن مثل هذه الحالات في العادة لا تفرز حيوانات منوية إذ تكون الخُصْيَة ضامرة. ولا تعرف حالة غيرها حملت من غير تدخل جراحي.\nثانيًا- الخنثى الكاذبة (Pseudo Hermaphrodite):\nفي هذه الحالات تكون الغدة التناسلية إما مِبْيَضًا، أو خُصْيَة، بينما تكون الأعضاء الظاهرة غامضة وعكس ما عليه الغدة التناسلية. وحالات الخنثى الكاذبة ليست شديدة الندرة؛ فهي توجد بنسبة مولود من كل خمسة وعشرين ألف ولادة.\nأنواع الخنثى الكاذبة:\n١ - الخنثى التي أصلها أنثى وظاهرها ذكر (Female Pseudo Hermaphrodite).\nتكون هذه الحالة أنثى على مستوى الصبغيات (الكروموسومات) الجنسية أي (XX)،  وعلى مستوى الغدة التناسلية أي أنها مِبْيَض، ولكن نتيجة إفراز هرمون الذكورة من الغدة الكظرية، أو استخدام هرمونات لها تأثير نحو الذكورة مثل هرمونات البناء (Anabolic Hormones)  أو البروجسترون أو بسبب أورام تفرز الهرمونات الذكورية","vol":"1","page":553},{"text":"تصاب بها الحامل (^١)، فإن خط سير الأعضاء التناسلية الظاهرة يترجح نحو الذكورة، وذلك بنمو البظر نموًّا كبيرًا حتى يشبه القضيب، ويلتحم الشفران الكبيران مما يجعلهما يشبهان كيس الصفن، ولكن هذا الكيس ليس فيه خصيتان.\nولهذا عندما تولد مثل هذه الأنثى، فإن الأهل يظنونها ذكرًا فينشئونها كذلك، فإذا جاءت مرحلة البلوغ ظهرت آثار الأنوثة، وعندئذ ينزعج الأهل ويذهبون بها إلى الأطباء، فيتبين الأمر، ويقوم الأطباء بتحويل أعضائها الظاهرة إلى ما عليه أعضاؤها الباطنة وهي أنثى.\n٢ - الخنثى التي أصلها ذكر وظاهرها أنثى (Male Pseudo Hermaphrodite).\nقد يكون الجنين ذكرًا على مستوى الصبغيات ومستوى الغدة التناسلية ولكن الجنين يولد بشكل أنثى في أعضائه الظاهرة. وهذه الحالات أندر من سابقتها (الخنثى التي أصلها أنثى وظاهرها ذكر) وترجع هذه الحالات النادرة إلى أحد الأسباب التالية:\nأ- حالات تأنيث رَغم وجود الخُصْيَة (Testicular Feminization Syndrome):\nوسبب هذه الحالات الوراثية المتنحية عبر كروموسوم  Recessive X Linked  أو السائدة  Autosomal Dominant  أن الأعضاء لا تتأثر بوجود هرمون الذكورة (التستوسترون) الذي تفرزه خُصْيَة الجنين، فتسير الأعضاء في خطها المرسوم عند عدم وجود التستوسترون لتكون أعضاء تناسلية أنثوية خارجية، ولكن الرحم غير موجود أو هو ضامر. ومما يزيد في عسر تشخيص مثل هذه الحالة أنه عند البلوغ تظهر علامات الأنثوية الثانوية إلا أنها لا تحيض.\n_________\n(^١) (Nelson Textbook of Pedratrics، ١٥ th Ed، P. ١٦٤١).","vol":"1","page":554},{"text":"وعند الفحص الطبي الدقيق يكتشف الطبيب أن التركيب الصبغي لهذه المرأة في ظاهرها هو تركيب الرجل (XY)،  ثم يجد الخُصْيَة قد نزلت إلى الشفرين، أو في القناة الأربية (Inguinal Canal).  ويكون العلاج في هذه الحالة هو إزالة الخُصْيَة التي لم يعد منها فائدة، ويحتمل تحولها إلى ورم خبيث. ولا يخبر الطبيب بأن هذه المرأة (في ظاهرها) هي ذكر في الأصل، بل يتركها على طبيعتها، تلك التي نمت وربيت عليها. ولكن على الطبيب أن يخبر تلك المرأة أن عليها أن لا تتوقع مجيء العادة الشهرية ولا الحمل.\nب- حالات تأنيث بسبب نشاط هرموني من الغدة الكظرية (Feminizing Adrenal Tumor):\nقد ينمو ورم خبيث في الغدة الكظرية، وتفرز فيه هذه الغدة هرمون الأنوثة الإستروجين، والذي قد يطغى ويسبب عدم نزول الخُصْيَة إلى كيس الصَّفَْن، وبالتالي انشقاق الكيس وعدم التحامه، مما يجعله أشبه بالشفرين الكبيرين. ولا ينمو القضيب كذلك، فيبدو وكأنه البظر. وهناك يبدو للأهل أن هذا الوليد إنما هو أنثى، فينمو كذلك ولكن تتغير الأمور عند البلوغ، فتظهر علامات الذكورة من غلظة الصوت ونمو شعر الوجه. ويذهب الأهل إلى الأطباء فيعرفون الحقيقة بعد إجراء مزيد من الفحوص، ويعيدون الفتى إلى وضعه الطبيعي بإجراء بعض العمليات الجراحية.\nج- حالات تأنيث بسبب أخذ الأم لهرمونات الأنوثة أثناء الحمل:\nوهذه إذا أخذت الحامل هرمونات الإستروجين، أو مشتقاتها في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، فإن ذلك قد يؤدي إلى حصول حالة شبيهة بالسابقة.\n* * *","vol":"1","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>المطلب الثاني: أهمية تحديد جنس الخنثى</span>\nخلق الله الناس على نوعين، فهم إما ذكور وإما إناث - في الغالب الأعم - ولا حاجة للطبيب لتمييزهما عندما يكون المولود أو الطفل ذكرًا ظاهر الذكورة أو أنثى ظاهرة الأنوثة.\nولكن تظهر المشكلة، ومن ثم الحاجة إلى الطبيب، إذا حصل اللبس والاشتباه في جنس المولود أو الطفل نتيجة لعيب في الخِلقة، وهذه المشكلة هي ما يعرف بمشكلة الخنثى، وهي نادرة الحدوث، ولكن الإسلام، دين الله، يحكم كل مناحي الحياة في كل وقت وظرف وحالة، لذا اعتنى الفقهاء ببيان مشكلة الخنثى والتفصيل فيها.\nوالسبب في أهمية تحديد جنس المولود أو الطفل هو تنشئته حسب الجنس الحقيقي حتى يأخذ دوره المناسب له في المجتمع، وحتى لا يحصل الاضطراب والعنت والحرج له ولأسرته عند بلوغه وظهور الخطأ في تحديد جنسه في الصغر.\nكذلك فإن الذكور والإناث، وإن كان الأصل اشتراكهم في جميع الحقوق والواجبات والأحكام الشرعية لقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، ولقوله -ﷺ-: «إنَّما النِّسَاءُ شَقَائِق الرِّجَالِ» (^١) إلا أن هناك من الأحكام والحقوق والواجبات ما يختص بالرجال دون النساء ومنها ما يختص بالنساء دون الرجال. وإن من أهم هذه الأحكام بالنسبة لمشكلة الخنثى التوريث، وذلك لأن الخنثى في الغالب الأعم من الحالات يزول إشكاله - كما سنبين - عند البلوغ، وعندئذ تصير التكاليف الشرعية لازمة له لا قبل، ولكن\n_________\n(^١) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الطهارة، باب في الرجل يجد البلة في منامه، (١/ ٦١). وصححه الألبَانِيّ (انظر «سُنَن أبي دَاوُد» بتحقيق مشهور، برقم ٢٣٦).","vol":"1","page":556},{"text":"توريثه، وكذلك ديته إن قتل، يجعل الأمر يحتاج إلى فصل قبل البلوغ. وقد يفكر الأولياء في تزويجه قبل البلوغ كذلك. ثم إن الخنثى المشكل الذي لا يمكن بحالٍ إلحاقه بأحد النوعين (الذكور أو الإناث) تكون له أحكام مختصة به كما هو مبسوط في كتب الفُرُوع.\nمن أجل هذه الأهمية لتحديد الجنس، فإن السادة الفقهاء - ﵏ - لما لم يجدوا في الوحي (القرآن والسنة) بيانًا في تمييز نوع الخنثى، اجتهدوا في حدود المعارف الطبية لأهل زمانهم في تمييزه ومحاولة إلحاقه بأحد الجنسين. وإنهم لم يقصروا في التحري، ولكن علوم أهل زمانهم كانت محدودة فأفادوا منها بقدر الإمكان. والذي ينبغي علينا أن نسير على طريقهم فنفيد من علوم زماننا وهي أدق وأوسع كما هو ظاهر معلوم. ونحن هنا نناقش ما نقلوه من معارف أهل زمانهم الطبية ونبين ما يقره الطب الحديث منها وما يرده.\n* * *","vol":"1","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>المطلب الثالث: اجتهادات الفقهاء في تمييز جنس المولود أو الطفل</span>\nتمهيد: بين يدي الكلام عن اجتهادات الفقهاء ينبغي أن نؤكد أمورًا هي:\nأولًا: عندما يجتهد الفقيه في طلب الحق فيخطئه فإن له أجرًا واحدًا فإن أصابه فله أجران قال رسول الله -ﷺ-: «إذا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فأصَابَ فلَهُ أجْرَانِ وإذا اجتَهَدَ فأخطَأ فله أَجْرٌ» (^١).\nثانيًا: لقد كان الفقهاء بحاجة إلى تمييز جنس المولود واستفرغوا وسعهم في الاستقراء والتحري في حدود إمكانات زمانهم. يقول ابن قُدامة -﵀- «وقد وجدنا في عصرنا شيئًا شبيهًا بهذا لم يذكره الفرضيون ولم يسمعوا به؛ فإنا وجدنا شخصين ليس لهما في قبلهما مخرج، لا ذكر ولا فرج، أما أحدهما: فذكروا أنه ليس في قبله إلا لحمة ناتئة كالربوة يرشح البول منها رشحًا على الدوام، والثاني: شخص ليس له إلا مخرج واحد بين المخرجين منه يتغوط ومنه يبول، وسألت من أخبرني عنه عن زيه، فأخبرني أنه إنما يلبس لباس النساء، ويخالطهن، ويغزل معهن، ويعد نفسه امرأة. وحدثت أن في بعض بلاد العجم شخصًا ليس له مخرج أصلًا لا قبل ولا دبر وإنما يتقيأ ما يأكله وما يشربه» (^٢).\nوإن الطبيب الذي ينظر في كلام ابن قُدامة -﵀- يعرف دقته؛ غير أن الحالة التي ذكر أنه سمع بوقوعها في بلاد العجم لا يمكن أن تعيش طويلًا في زمانهم. أما بقية الأوصاف، فتدل على دقةٍ وسعةِ اطلاعٍ وتتبعٍ لمثل هذه الحالات النادرة وتحرٍّ ليس فقط\n_________\n(^١) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (٦/ ٢٦٧٦)؛ و«مسند أبي عَوانَة» (٤/ ١٦٨)، واللفظ له.\n(^٢) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٦/ ٢٢٤).","vol":"1","page":558},{"text":"للتكوين العضوي للحالة، بل وما يسمى في الطب الحديث بجنس التنشئة (^١) حيث أنه سأل عن تصرف وسلوك المريضة، فأخبر أنها تتصرف تصرف النساء. وإنك ستجد في تفصيل كلام الفقهاء الشيء الكثير مما أشرنا إليه، فرحم الله فقهاء الإسلام الأعلام وجزاهم خير الجزاء.\nثالثًا: إن الإشكال بين الفقهاء في تحديد جنس الخنثى يكون قبل البلوغ غالبًا، حيث إنه بالبلوغ في الأغلب الأعم من الحالات تتضح الحالة، وعندئذ فإن الفقهاء لا يهملون خصائص التأنيث والتذكير الثانوية (^٢) وهم أيضًا يعتدون بالمَيْل وبالحيض والإمناء وغيرها من العلامات.\nوقد أشار إلى هذا المعنى السَّرَخْسي في «المَبسُوط» حيث قال: «قلنا: لا يبقى الإشكال فيه بعد البلوغ وإنما يكون ذلك في صغره إذا مات قبل أن يبلغ» (^٣) وإن كان تعقبه الزَّيْلَعِيّ في «تَبْيين الحَقَائق» حيث قال: «قال بعضهم في هذا المقام: لا يتصور بقاؤه مشكلا بعد البلوغ. قلت: هذا كلام بلا فكر لأنه بعد البلوغ إذا لم تظهر إحدى العلامات أو تعارضت كان مشكلًا، وبه صرح القُدورِيُّ وصاحب «الهِدَايَة»» (^٤).\nوكل واحد منهما أصاب الحق من وجه، فكلام السَّرَخْسي يحمل على الغالب الأعم من الحالات، وكلام الزَّيْلَعِيّ يحمل على النادر كمثل حالات الخنثى الحقيقية أو حالات التأنيث رَغم وجود الخُصْيَة (^٥).\n_________\n(^١)  Sex of Rearing\n(^٢)  كشعر الوجه للرجال وبروز الثديين للنساء.\n(^٣) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣٠/ ١٠٤).\n(^٤) «تَبْيين الحَقَائق شرح كَنْز الدَّقَائق» للزَّيْلَعِيّ (٦/ ٢١٥).\n(^٥)  Testicular Feminization Syndrome","vol":"1","page":559},{"text":"أما أقوال الفقهاء في تحديد جنس الخنثى، فالحقيقة أنني لم أجد تفصيلًا في هذه المسألة أوسع وأحسن مما فصل فيها الإمام العلامة النَّوَوِيّ في «المَجْمُوع»، ولذلك أنقل مقالته مقطعةً إلى أجزاء، ثم أعلق على ما ورد في كل جزء من معلومات متعلقة بالطب مبينًا صوابها من خطئها، وكذلك أذكر آراء أصحاب المذاهب الأخرى، وأناقش الآراء مع بيان أولاها بالصواب في ظني.\nقال النَّوَوِيّ -﵀-: «واعلم أن الخنثى ضربان:\n(أحدهما): وهو المشهور أن يكون له فرج المرأة وذكر الرجل.\n(والضرب الثاني): أن لا يكون له واحد منهما، بل له ثقبة يخرج منها الخارج ولا تشبه فرج واحد منهما ... قال البَغَوِيّ: وحكم هذا الثاني أنه مشكِل يوقَف أمرُه حتى يبلغَ فيختارَ لنفسِه ما يميل إليه طبعه من ذكورة وأنوثة، فإن أمنى على النساء ومال إليهن، فهو رجل وإن كان عكسه، فامرأة، ولا دلالة في بول هذا. وأما الضرب الأول فهو الذي فيه التفريع، فمذهبنا أنه إما رجل وإما امرأة وليس قسمًا ثالثًا» (^١).\nالتعليق: أما الضرب الأول الذي أشار إليه فإما أن يكون الخنثى الحقيقية وهذه الحالات شديدة الندرة - كما تقدم - وعندها لا يصح قوله «فمذهبنا أنه إما رجل وإما امرأة»، وإما أن يكون الخنثى الكاذبة، وعندها يصح قوله «فمذهبنا أنه إما رجل وإما امرأة وليس قسمًا ثالثًا». إذًا فالقول صحيح في الغالب الأعم.\nوأما كلامه عن الضرب الثاني الذي لا يكون له فرج المرأة ولا ذكر الرجل، فإنه يتحدث عن أنواع من الحالات يكون فيها عيوب شديدة في المجاري البولية والجيب\n_________\n(^١) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٢ - ٥٣).","vol":"1","page":560},{"text":"البولي التناسلي (^١). وهذه الحالات يصعب أن تطول حياتها سيما في أزمنتهم. وهذه الحالات لا يعدها الأطباء من أحوال الخنثى، بل يناقشونها ضمن عيوب تكوين المثانة والمستقيم. والفقهاء معنيون بتمييز الجنس، وهذه الحالات تؤدي إلى صعوبة في ذلك، فاتجه أن يعدوها من أنواع الخنثى.\nوأما ما ذكره من كلام البَغَوِيّ عن هذا الصنف وأنه يكون مشكلًا، فهو صحيح في زمانهم، وليس كذلك في زماننا إلا عند غِيَاب الأطباء الأكْفَاء. ويبقى كذلك حتى يبلغ فتظهر عليه العلامات الثانوية للجنس (^٢) ويحصل منه الميل المذكور. ولكن عند وجود الأطباء، فإن الكشف عن هذه الحالات عن طريق التحليل الكروموسومي، ثم الكشف الإشعاعي لمعرفة المستوى الغددي للجنس وتكوين الأعضاء الجنسية الداخلية، يؤدي إلى إلحاق المولود أو الطفل بأحد الجنسين وإجراء العلاجات والجراحات اللازمة له.\nثم قال -﵀-: «والطريق إلى معرفة ذكورته وأنوثته من أوجه:\nمنها: البول، فإن بال بآلة الرجال فقط فهو رجل، وإن بال بآلة المرأة فقط فهو امرأة، وهذا لا خلاف فيه، فإن كان يبول بهما جميعًا نظر: إن اتفقا في الخروج والانقطاع والقدر، فلا دلالة فيه؛ وإن اختلفا في ذلك، ففيه وجهان: أحدهما: لا دلالة في البول فهو مشكل إن لم تكن علامة أخرى. والثاني: وهو الأصح أنهما إن كانا ينقطعان معًا، ويتقدم أحدهما في الابتداء فهو للمتقدم، وإن استويا في التقدم وتأخر انقطاع أحدهما فهو للمتأخر وإن تقدم أحدهما وتأخر الآخر فهو للسابق على أصح الوجهين، وقيل لا دلالة، وإن استويا في الابتداء والانقطاع وكان أحدهما أكثر وزنًا فوجهان ..» (^٣).\n_________\n(^١)  Urogenital Sinus &amp; Cloaca\n(^٢) Secondary Sexual Characteristics\n(^٣) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٢ - ٥٣).","vol":"1","page":561},{"text":"التعليق: هنا يبدأ التفصيل في الكلام عن تحديد جنس الخنثى. ويبدأ بالكلام عن المبال. والحقيقية الطبية في زماننا تبين أن الاعتماد على المبال قد يؤدي إلى الخطأ؛ فإن الطفل الذكر قد تكون فتحة البول عنده أسفل القضيب (^١)، فيبول كما المرأة فيحكم عليه بالأنوثة وهو ذكر، وإن كان التشوه الحاصل له علامة على ضعف في الذكورة. ولكن قد لا يكون هناك في بعض الأزمنة أو الأمكنة الطبيب الكفء، لذا فإن اعتماد المبال يأخذ حكم الضرورة عند حاجتهم لتحديد الجنس قبل البلوغ - أو بعده في حالات نادرة جدًا - أما عند وجود الأطباء الأكفاء، فإنه لا ينبغي قطعًا الحكم على جنس المولود دون مراجعتهم؛ فإن الظن لا يغني من الحق شيئًا.\nويحسن التنبيه هنا إلى أن الفقهاء على شتى مذاهبهم يعتبرون المبال على اختلاف بينهم في التفاصيل؛ جاء في «المَبسُوط»: «فإن ما يقع به الفصل بين الذكر والأنثى عند الولادة الآلة ... وعند انفصال الولد من الأم منفعة تلك الآلة خروج البول منها ... فإذا كان يبول من مبال الرجل عرفنا أن آلة الفصل في حقه هذا وأن الآخر زيادة خرق في البدن، فإذا كان يبول من مبال النساء عرفنا أن الآلة هذا وأن هذا بمنزلة مبالين في البدن ... وإن كان يبول منهما جميعًا معًا قال أبو حنيفة -﵀- لا علم لي بذلك، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يورث بأكثرهما ... وتوقف [أبو حنيفة] في الجواب لأنه لا طريق للتمييز بالرجوع إلى المعقول، ولم يجد فيه نصًّا فتوقف وقال: لا أدري، وهذا من علامة فقه الرجل وورعه أن لا يخبط في الجواب ... وكذلك أبو يوسف ومحمد قالا: إذا استويا في المقدار لا علم لنا بذلك ولم ينقل عن أحد منهم أنه علم ذلك أو وقف فيه على دليل ..» (^٢).\n_________\n(^١)  Hypospadias\n(^٢) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣٠/ ١٠٤).","vol":"1","page":562},{"text":"ولقد آثرت إيراد كلام السَّرَخْسِيّ -﵀- لما فيه من فوائد، فإن توقف أبي حنيفة فيه ورعٌ منه ودليلٌ أنهم - ﵏ - لم يكن عندهم تسرع في الفتيا ولا طيش. وكذلك فإن هناك فائدة في قول السَّرَخْسِيّ: «وتوقف بالجواب لأنه لا طريق للتمييز بالرجوع إلى المعقول، ولم يجد فيه نصًّا فتوقف» قلت: ليس من نص في هذا ولا السابق من الكلام عن المبال، وسيأتي (^١) ضعف ما روي فيه عن رسول الله -ﷺ-، أما المعقول، فمتحقق في زماننا بالإحالة إلى الأطباء.\nوجاء في «المُدَوَّنَة»: «القول في الخنثى قلت: أرأيت الخنثى ما قول مالك فيها ... قال: لم أسمع من مالك فيه شيئًا وما اجترأنا على شيء من هذا. قلت: فهل سمعته يقول في ميراثه شيئًا؟ قال: لا ما سمعناه يقول في ميراثه شيئًا، وأحب إلى أن ينظر في مباله فإن كان يبول من ذكره فهو غلام، وإن كان يبول من فرجه فهي جارية؛ لأن النسل إنما يكون من موضع المبال وفيه الوطء، فيكون ميراثه وشهادته وكل أمره على ذلك» (^٢).\nوجاء في «الفُرُوع»: «فإن بال أو سبق بوله من ذكره فهو ذكر، نص عليه، وعكسه أنثى، وإن خرج منهما معًا اعتبر أكثرهما، فإن استويا فمشكل، وقيل: لا يعتبر أكثرهما» (^٣).\nوإن ما يظهر من اتفاقهم على اعتبار المبال إنما يكون عند حصول الإشكال والاشتباه. وإنه من توفيق الله لهم أن اعتمدوا على هذا المعيار لأنه الأقرب إلى تحديد الجنس الصواب في أزمنتهم، لأنه كلما ضعفت ذكورة الجنين الذكر، تراجعت فتحة البول إلى الخلف، وكلما زادت هرمونات الذكورة في الأنثى، كبر البظر وتقدمت فتحة\n_________\n(^١) في المطلب الرابع من هذا المبحث.\n(^٢) «المُدَوَّنَة» أجوبة مالك برواية سَحْنُون (٢/ ١٧٣).\n(^٣) «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (٥/ ٤٠).","vol":"1","page":563},{"text":"البول إلى الأمام بالجهة السفلية منه (^١). وسنبين أنه عند وجود الأكْفَاء من الأطباء في زماننا فلا إشكال بحمد الله، ولا حاجة للاعتماد على المبال.\nثم قال النَّوَوِيّ -﵀- في علامات التأنيث والتذكير:\n«ومنها المني والحيض، فإن أمنى بفرج الرجل فهو رجل، وإن أمنى بفرج المرأة أو حاض به فهو امرأة، وشرطه في الصور الثلاث أن يكون في زمن إمكان خروج المني والحيض، وأن يتكرر خروجه ليتأكد الظن به ولا يتوهم كونه اتفاقًا. ولو أمنى بالفرجين فوجهان، أحدهما: لا دلالة، وأصحهما: أنه إن أمنى منهما بصفة مني الرجل فرجل، وإن أمنى بصفة مني النساء فامرأة، لأن الظاهر أن المني بصفة مني الرجال ينفصل من رجل وبصفة مني النساء ينفصل من امرأة، ولو أمنى من فرج النساء بصفة مني الرجال أو من فرج الرجال بصفة مني النساء، أو أمنى من فرج الرجال بصفة منيهم ومن فرج النساء بصفة منيهن فلا دلالة» (^٢).\nالتعليق: لابد من اعتبار المني أو الحيض عند عدم اجتماعهما. والمقصود من مني المرأة هو الإفرازات المَهْبِلية. ولا يمكن للخنثى الكاذبة - وهي الأعم الأغلب - أن يحصل منها الإمناء ووجود الإفرازات المَهْبِلية؛ إذ إن هذا النوع من الخَناثى له أعضاء باطنة لجنس واحد، وإنما حصل اللبس لعيب في الأعضاء الظاهرة، إلا في حالات نادرة كحالات التأنيث رَغم وجود الخُصْيَة (^٣)، والتي تكون الأعضاء الباطنة مخالفة للجنس الكروموسومي، فيكون لها مَهْبِل - من غير رحمٍ أو برحمٍ ضامرٍ - ولكن هذه الحالات\n_________\n(^١)  Christopher P Houk، MD، Lynne L Levitsky، MD،.Evaluation of the infant with ambiguous genitalia.In: UpToDate، Rose، BD (Ed)، UpToDate، Waltham، MA، ٢٠٠٧.\n(^٢) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٢ - ٥٣).\n(^٣)  Testicular Feminization Syndrome","vol":"1","page":564},{"text":"لا قضيب لها، ولا تمني كالرجال، والصواب أن تبقى امرأة -كما تقدم- ولا يتصور حدوث المني والحيض معًا إلا في حالات الخنثى الحقيقية. وإن كان المني هنا خاليًا من الحيوانات المنوية، ولم يحصل في أي من هذه الحالات أن صار الخنثى أبًا ولكن حملت بعض الحالات -كما تقدم.\nوقد يلجأ إلى هذه العلامات عند غِيَاب الأطباء الأكْفاء ووصول الطفل إلى مرحلة البلوغ.\nثم قال -﵀-: «ولو تعارض بول وحيض فبال من فرج الرجل وحاض من فرج المرأة فوجهان، أصحهما: لا دلالة للتعارض والثاني: يقدم البول لأنه دائم متكرر، قال إمام الحرمين: كان شيخي يميل إلى البول، قال: والوجه عندي القطع بالتعارض» (^١).\nالتعليق: قد يحصل هذا أيضًا في حالة الخنثى الحقيقية، أما في حالات الخنثى الكاذبة فتلك التي أصلها أنثى تحيض ولكن بولها لا يكون تمامًا كبول الذكر. وحالات الخنثى التي أصلها ذكر لا تحيض البتة. ومن ثم فينبغي تقديم الحيض كعلامة.\nثم قال: «ولو تعارض المني والحيض فثلاثة أوجه ذكرها البَغَوِيّ وغيره. أحدهم: وهو قول أبي إسحاق: إنه امرأة لأن الحيض مختص بالنساء والمني مشترك، والثاني: وهو قول أبي بكر الفارسي إنه رجل؛ لأن المني حقيقة وليس دم الحيض حقيقة، والثالث: لا دلالة للتعارض وهو الأصح الأعدل (^٢) ... وصححه الرَّافِعِيّ» (^٣).\nالتعليق: ويتصور هذا في حالة الخنثى الحقيقية - شديدة الندرة - وإن كان المني خاليًا من الحيوانات المنوية كما أسلفنا. وسنبين أن الأصلح لهذه الحالات أن تمارس دور الأنثى ويتم علاجها لتثبيت الجنس الأنثى.\n_________\n(^١) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٢ - ٥٣).\n(^٢) انظر أيضًا «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (٥/ ٤٠).\n(^٣) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٢ - ٥٣).","vol":"1","page":565},{"text":"ثم قال -﵀-: «ومنها الولادة وهي تفيد القطع بالأنوثة وتقدم على جميع العلامات المعارضة لها لأن دلالتها قطعية. قال القاضي أبو الفتوح في كتابه (كتاب الخناثى): لو ألقى الخنثى مضغة، وقال القوابل: إنها مبدأ خلق آدمي حكم بأنها امرأة، وإن شككن دام الإشكال، قال: ولو انتفخ بطنه فظهرت أمارات حمل لم يحكم بأنه امرأة حتى يتحقق الحمل» (^١).\nالتعليق: قد تلد الخنثى الحقيقية - كما تقدم - وإن كان نادرًا جدًّا فوق ندرة الخنثى الحقيقية نفسها، ولكن عند حصوله ينبغي مساعدتها على قبول جنس الأنثى والثبات عليه.\nثم قال -﵀-: «أما نبات اللحية ونهود الثدي ففيهما وجهان: (أحدهما) يدل النبات على الذكورة والنهود على الأنوثة لأن اللحية لا تكون غالبًا إلا للرجال والثدي لا يكون غالبًا إلا للنساء (والثاني) وهو الأصح لا دلالة لأن ذلك قد يختلف، ولأنه لا خلاف أن عدم اللحية في وقته لا يدل للأنوثة ولا عدم النهود في وقته للذكورة، فلو جاز الاستدلال بوجوده عملًا بالغالب لجاز بعدمه عملًا بالغالب. قال إمام الحرمين: ولا يعارض نبات اللحية والنهود شيئًا من العلامات المتفق عليها» (١).\nالتعليق: الوجه الأول هو الأصح، فإن الهرمونات التي يتم إفرازها عند البلوغ هي التي تؤدي إلى ظهور علامات الجنس الثانوية، وحتى في حالة الخنثى الأنثى التي أصلها ذكر المعروفة بالتأنيث رَغم وجود الخُصْيَة، والتي يظهر فيها الثديان وبقية الصفات الجنسية الثانوية للنساء رَغم أن المريض ذكر، فإن هذه الحالة ينبغي أن تبقى أنثى؛ فإنه لا سبيل إلى علاجها أو إجراء جراحات لها لتثبيتها في جنس الرجال، وتكون قد تربت بالفعل على أنها أنثى، وكما ذكر الدكتور البار في الكلام عن أنواع الأنثى، لا ينبغي للطبيب أن يخبرها بحقيقة جنسها، ولكن يخبرها بأنها لن تحيض ولن تلد. ويحسن أيضًا أن يضاف إلى الكلام عن نبات شعر اللحية وتوزيع شعر العانة عند البالغين، فإنه يمكن\n_________\n(^١) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٢ - ٥٣).","vol":"1","page":566},{"text":"أن يفرق به بين الذكر والأنثى؛ فإنه في حال الذكر يصل إلى السرة وليس كذلك في حال الأنثى (^١).\nإن هذه الصفات هي التي تحدد نظرة المجتمع للفرد فلا يسوغ إهمالها. وهذا الذي ذكرته هو مذهب الحنابلة، جاء في الفُرُوع: «ويوقف الباقي حتى يبلغ فيعمل بما ظهر من علامة رجل أو امرأة، كنبات لحيته أو تفلك ثدييه، والمنصوص: أو سقوطهما» (^٢) وكذلك هو مذهب الحنفية (^٣).\nثم قال -﵀-: «وأما نزول اللبن من الثدي فقطع البَغَوِيّ بأنه لا دلالة فيه للأنوثة، وذكر غيره فيه وجهين الأصح لا دلالة» (^٤).\nالتعليق: بل ينبغي المصير إليه - وهو مذهب الحنفية (^٥) - في الحالات المشكلة، وعند عدم وجود الأطباء الأكفاء، فإن نزول اللبن من ثدي الرجل لا يكون إلا في حالات شديدة الندرة ولا عبرة بالنادر.\nثم قال -﵀-: «وأما عدد الأضلاع ففيه وجهان (أحدهما) يعتبر، فإن كانت أضلاعه من الجانب الأيسر ناقصة ضلعًا فهو رجل وإن تساوت من الجانبين فامرأة ... (والثاني) لا دلالة فيه وهو الصحيح وبه قطع صاحب الحاوي والأكثرون وصححه الباقون: لأن هذا لا أصل له في الشرع ولا في كتب التشريح. قال إمام الحرمين: هذا الذي قيل من تفاوت الأضلاع لست أفهمه ولا أدري فرقًا بين الرجال والنساء، قال صاحب\n_________\n(^١) انظر الموسوعة الطبية الفقهية لكنعان (ص ١٦١).\n(^٢) «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (٥/ ٤٠).\n(^٣) «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣٠/ ١٠٤).\n(^٤) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٢ - ٥٣).\n(^٥) انظر «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣٠/ ١٠٤).","vol":"1","page":567},{"text":"«الحاوي»: لا أصل لذلك، لإجماعهم على تقديم المبال عليه، يعني ولو كان له أصل لقدم على المبال، لأن دلالته حسية كالولادة» (^١).\nالتعليق: رحم الله إمام الحرمين، فإن الفرق بين الأضلاع خطأ فاحش من جهة الطب، فإنه لا خلاف اليوم بين الأطباء أن الأضلاع اثنا عشر في الناحيتين في الرجل والمرأة. ولذلك فلا عبرة بهذا في تحديد الجنس على الرَّغم من انتشار هذا القول في كتب الفُرُوع (^٢).\nثم قال -﵀-: «قال أصحابنا: ومن العلامات شهوته، وميله إلى النساء أو الرجال، فإن قال: أشتهي النساء ويميل طبعي إليهن، حكم بأنه رجل، وإن قال: أميل إلى الرجال، حكم بأنه امرأة؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بميل الرجل إلى المرأة والمرأة إلى الرجل. وإن قال: أميل إليهما ميلًا واحدًا أو لا أميل إلى واحد منهما فهو مشكل» (^٣).\nالتعليق: ويتصور أن يميل إليهما إذا كان الخنثى المشكل وإن كان الأكثر أن يميل إلى الرجال؛ فإن الخُصْيَة في هذه الحالة تكون ضامرة، وهرمونات الذكورة تكون قليلة، بينما يمكن لمثل هذه الحالات أن تحيض بل وأن تحمل، على وجه الندرة، كما تقدم.\nوهذا الذي ذكر هو مذهب الفقهاء الحنفية والحنابلة (^٤). وفي هذا الكلام فائدة عظيمة، وهي حرص فقهائنا - ﵏ - على تقدير الجانب الشعوري العاطفي في هذا الشأن المعقد.\n* * *\n_________\n(^١) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٢ - ٥٣).\n(^٢) انظر أيضًا «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (٥/ ٤٠).\n(^٣) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٢ - ٥٣).\n(^٤) انظر «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٣٠/ ١٠٤)، «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (٥/ ٤٠).","vol":"1","page":568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>المطلب الرابع: التوفيق بين أقوال الفقهاء والمعارف الطبية</span>\nتمهيد:\nأقوال الفقهاء في هذا الباب هي اجتهاد لهم وليس مرجعها إلى نص من نصوص الوحي، فإنه لم يأت بيان الطريقة التي يحدد بها جنس المولود في كتاب ولا سنة؛ وما روي في ذلك الشأن عن رسول الله -ﷺ- فلا يصح عنه من أي وجه.\nفإنه قد روى ذلك البَيْهَقِيّ بسنده عن ابن عباس «أن رسول الله -ﷺ- سئل عن مولود ولد له قبل وذكر من أي يورث فقال النبي -ﷺ-: يوَرَّث من حيث يَبول». ثم قال -﵀- محمد بن السائب [أحد رواة الحديث]: لا يُحتَج به (^١).\nوضعف الحديث النووي في «المَجْمُوع»، بل قال: ضعيف بالاتفاق (^٢). وقال الألبَانِيّ (^٣) في «الإرواء» (^٤): موضوع.\nوالحديث له طريق أخرى في الكامل لابن عدي -﵀- بسنده عن ابن عباس عن النبي\n_________\n(^١) «سُنَن البَيْهَقِيّ» كتاب الفرائض، باب ميراث الخنثى (٦/ ٢٦١).\n(^٢) «المَجْمُوع» للنَّوَوِيّ (٢/ ٥٢).\n(^٣) هو: محمد ناصر الدين الألبَانِيّ، العلامة المحدث، ولد في مدينة أشقودرة عاصمة ألبانيا سنة ١٣٣٢ هـ وهاجر إلى دمشق، ودرس بمدارسها حتى قبيل نهاية المرحلة الابتدائية، ثم انصرف عن التعليم النظامي إلى العلوم الشرعية والعربية، وخاصة الحديث حتى برز فيه وبرع، وقد درس في مساجد دمشق وفي الجامعة الإسلامية بالمدينة وغيرها، وتوفي سنة ١٤٢٠ هـ- من مصنفاته الكثيرة: «سلسلة الأحاديث الصحيحة»، و«سلسلة الأحاديث الضعيفة»، و«إرْوَاء الغَلِيل». راجع ترجمته في: «حياة الألبَانِيّ وآثاره وثناء العلماء عليه».\n(^٤) «إرْوَاء الغَلِيل» للألبَانِيّ (٦/ ١٥٢ برقم ١٧١٠).","vol":"1","page":569},{"text":"-ﷺ- قال: «الخُنُثى يَرث مِن قِبل مَباله» ثم قال ابن عدي -﵀-: وسليمان بن عمرو [أحد رواة الحديث] اجتمعوا على أنه يضع الحديث» (^١).\nوأرجى ما في الباب من الآثار ما جاء موقوفًا على علي -﵁- في الخنثى، قال: «يوَرَّث مِن قِبل مَبالِه» (^٢)، وقال الألبَانِيّ -﵀- في «الإرواء»: «والصحيح في هذا عن عليٍّ موقوفًا» (^٣).\nوعلي -﵁- يفتي باجتهاده ولو كان ثَمَّ نصٌّ لبينه. وليست هذه المسألة من المسائل التي يشيع العلم بها، فيقول قائل: إنه قول صحابي لا يعرف له مخالف من الصحابة، فيكون إجماعًا.\nوحاصل ما ذكرنا أن الوحي (الكتاب والسنة) لم يأتِ بطريقة لتحديد جنس المولود والخنثى، وأن آراء الفقهاء مردها إلى الاجتهاد وهذا غير ملزم؛ فإنه مبني على علوم ومعارف أهل تلك الأزمنة، وما قصروا - ﵏ - في البحث والتحري والاستقراء والتتبع. أما في زماننا هذا، فإن تطور العلوم مكَّن الأطباء من معرفة نوع المولود أو الطفل على نحوٍ أكثرَ دقةً، والمقصود إصابة الحق.\nويبقى اجتهاد الفقهاء - أو بعضه - نافعًا في حالة عدم وجود الأطباء الأكفاء - كما سنبين - أما في حالة وجودهم، فيرتفع الإشكال بحمد الله.\nوالآن نعرض ما نراه التوفيق الملائم بين آراء الفقهاء (المتقدمين) والطب الحديث.\n_________\n(^١) «الكامل في ضعفاء الرجال» لابن عدي (٣/ ٢٤٩).\n(^٢) «مُصَنَّف ابن أبي شَيْبَة» كتاب الفرائض، باب في الخنثى يموت كيف يورث (٦/ ٢٧٧).\n(^٣) «إرْوَاء الغَلِيل» للألبَانِيّ (٦/ ١٥٢ برقم ١٧١٠).","vol":"1","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>عند وجود الأطباء الأكْفاء:</span>\nينبغي في هذه الحالة - كما أكدنا - أن يعرض المولود أو الطفل على الطبيب الذي يقرر نوع المولود.\nوفي هذه الحالة فإن الطبيب أمام عدة اعتباراتٍ: منها حقيقة الجنس الكروموسومي، والغددي، وإمكان التوفيق بين الأعضاء الظاهرة والحقيقة الكروموسومية والغددية للجنس. فإن كان التوفيق ممكنًا، فعندئذ يربى الطفل على هذا الأساس، وتتم العلاجات والجراحات اللازمة ليحصل التوافق بين هذه المستويات الثلاثة.\nأما عند تعذر التوفيق كما في حالة الخنثى الذكر الذي ظاهره أنثى نتيجة لحالة التأنيث رَغم وجود الخُصْيَة، فإنه ينبغي على الطبيب مراعاة تعذر جعل الأعضاء التناسلية الظاهرة موافقة للجنس الكروموسومي، وكذلك يراعي الطبيب أن الصفات الثانوية ستكون كلها في اتجاه المرأة فيتوزع الدُّهْن ويبرز الثديان كما في النساء، وكذلك يكون الصوت كصوت النساء.\nوكل هذا سيجعل من الأنسب لهذه الحالات أن تنشأ على أنها امرأة - كما ذكرنا -، وتنبه إلى أنها لن تحيض أو تلد. وقد سبق فيما ذكرنا مراعاة الفقهاء للصفات الثانوية وتصرف الخنثى.\nأما في حالة الخنثى الحقيقية، فإن الطبيب سيجتهد في العلاج حتى تأخذ دور الأنثى كاملًا، فإن تثبيتها في هذا الجنس وتعديل الأعضاء الظاهرة لمناسبته أيسر من العكس.\nوكذلك فقد سبق أن بينا أن من هذه الحالات من حاضت، بل وحملت وولدت كذلك. بينما لم يعرف صيرورة أحد الخَناثى الحقيقيين أبًا.\nثم إنه لابد للطبيب ألا يكون جاهلًا بالفقه أو بمعزل عن الفقهاء، وألا ينفرد دونهم بالبت في هذه الحالات، ولابد قبل ذلك، على مستوى المجتمع، من اضطلاع المجامع","vol":"1","page":571},{"text":"الفقهية والهيئات العلمية بدورها في هذا الشأن، وتفصيل الأحكام فيه على ضوء العلوم والمعارف الحديثة والله تعالى أعلم.\nأما بالنسبة لجواز إجراء العلاجات والجراحات اللازمة لتثبيت أحد الجنسين، فقد صدر بهذا الصدد قرار من المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وأنا أنقله هنا بنصه للفائدة:\n«الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، برابطة العالم الإسلامي، في دورته الحادية عشرة، المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩ هـ الموافق ١٩ فبراير ١٩٨٩ م إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩ هـ الموافق ٢٦ فبراير ١٩٨٩ م قد نظر في موضوع تحويل الذكر إلى أنثى، وبالعكس. وبعد البحث والمناقشة بين أعضائه قرر ما يلي:\nأولًا: الذكر الذي كملت أعضاء ذكورته، والأنثى التي كملت أعضاء أنوثتها: لا يحل تحويل أحدهما إلي النوع الآخر، ومحاولة التحويل جريمة يستحق فاعلها العقوبة؛ لأنه تغيير لخلق الله، وقد حرم سبحانه هذا التغيير، بقوله تعالى، مخبرا عن قول الشيطان: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] فقد جاء في «صحيح مسلم»، عن ابن مسعود أنه قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله ﷿، ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله، وهو في كتاب الله -﷿- يعني قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]».\nثانيًا: أما من اجتمع في أعضائه علامات النساء والرجال، فينظر فيه إلى الغالب من حاله، فإن غلبت عليه الذكورة جاز علاجه طبيًّا بما يزيل الاشتباه في ذكورته، ومن غلبت عليه علامات الأنوثة، جاز علاجه طبيا، بما يزيل الاشتباه في أنوثته، سواء أكان","vol":"1","page":572},{"text":"العلاج بالجراحة، أم بالهرمونات؛ لأن هذا مرض، والعلاج يقصد به الشفاء منه، وليس تغييرا لخلق الله ﷿. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسلميًا كثيرا والحمد لله رب العالمين».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>عند عدم وجود الأطباء الأكفاء:</span>\nالإسلام دين الفطرة وهو صالح لكل زمان ومكان، وهذه عظمته. وإن وجود الأطباء الأكفاء القادرين على تحديد الجنس بطريقة دقيقة والعلاج، ومنه الجراحي أحيانًا، أمر لا يتيسر في كل زمان ومكان، حتى إنه في زماننا هذا ربما لا يتيسر ذلك في الأصقاع النائية عن الحواضر الكبيرة، وفي أواسط أفريقيا وغيرها من البلدان الفقيرة جدًّا.\nفينبغي أن تكون ثمة طرق لتحديد جنس المولود من غير حاجة إلى الأطباء؛ لأن الأحكام لابد من جريانها في كل الأحوال. ورسول الله -ﷺ- يقول: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ وَلا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» (^١). يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين. ومقصوده -ﷺ- أننا لا نعتمد في جريان أحكام ديننا على الكتابة والحساب بل الدين ميسر لكل أحد، كاتب وغير كاتب، حاسب وغير حاسب.\nوهذا لا يعني عدم الاستفادة بالعلوم في زيادة الدقة في الأحكام حيث توفرت فإن قال قائل: الحديث الذي ذكرت يفيد غير هذا، فإن الفقهاء - إلا قليلًا - لا يعتدون بالحساب في صيام رمضان قلت: إن رسول الله -ﷺ- قال: «صُومُوا لرُؤْيَتِه» فجعل سبب وجوب الصيام رؤية الهلال لا دخول الوقت، كما هو الحال في الصلاة التي جرى العمل فيها على الحساب لها؛ لأنها تجب عند دخول الوقت، ولم يحدد النبي -ﷺ- طريقة معينة لمعرفة ذلك ويربط الوجوب بها. وفي حالتنا هذه، الأمر فيها أوضح وأظهر؛ فإنه لم يأت أي نص من نصوص الوحي في تعيين طريقة تحديد الجنس والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الصوم، باب قول النبي -ﷺ- لا نكتب ولا نحسب (٢/ ٦٧٥).","vol":"1","page":573},{"text":"بيد أن الفقهاء عند عدم وجود الأَكْفاء من الأطباء ينبغي أن يراعوا الحقائق الطبية التي وضحناها آنفًا وأهم ذلك:\n١ - لا اعتبار باختلاف عدد الأضلاع بين النوعين فلا اختلاف أصلًا.\n٢ - المبال من أضعف الطرق في تحديد الجنس فلا يستخدم إلا عند فقد العلامات الأخرى الأقوى.\n٣ - تربية المشكِل من كل وجه على أنه امرأة حتى يتيسر - إن تيسر - عرضه على الطبيب، وذلك لأسباب أهمها:\nأ- إذا كان خنثى حقيقية فإنه من الأسهل قيامها بدور المرأة، وعند العلاج أيضًا من الأسهل التصرف في الأعضاء الظاهرة لجعلها أعضاء امرأة.\nب- إذا كان خنثى مُشكِل، وأصله أنثى فإنه عند البلوغ ستظهر علامات الأنوثة.\nج- إذا كان خنثى مُشكِل وأصله ذكر؛ فإما أنه سيستمر كأنثى عند البلوغ كما ذكرنا في بعض الحالات. أو أنه ستبدو عليه علامات الذكورة ولعله - شئنا أم أبينا- يكون وقع الصدمة على الأهل هنا دون الحالات العكسية.\n٤ - نعم لا يكون ممكنًا بالنسبة للأحكام الشرعية اعتبارُ المُشكِل امرأةً لأن بعض هذه الأحكام تتعلق بحقوق، وهنا يأتي دور استخدام الأحكام المتعلقة بالخُنثى المشكِل. والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"1","page":574},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>مسائل أخرى تستحق البحث في باب المعاملات</span>\nمن المسائل ذات التعلق بالموضوع في هذا الباب، ولم تبحث في هذه الرسالة:\n١ - المرض المخوف وحد المريض الذي لا يرجى شفاؤه.\nإن المرض المخوف وذاك الذي لا يرجى شفاؤه من البديهي تغيره مع تغير الزمان والمكان، ولا ينبغي أن يكتب كتاب فقه في زماننا، وينقل هذه المسائل من كتب المتقدمين من غير رجوع إلى الأطباء. ولا يجوز للمفتي أو القاضي ألا يرجع في تحديد هذه الأمور إلى أطباء زمانه.\n٢ - استعمال الأحماض الأمينية في تعيين محرمة النكاح إذا اختلطت بغيرها.\nمن نعم الله علينا أن يسر لنا معرفة هُوِيَّة الأشخاص ونَسَبِهم عن طريق الأحماض الأمينية - كما سنبين في الباب الرابع - ومن ثم، فإن محرمة النكاح بالنسب التي اختلطت بغيرها يمكن تحديدها أو نفي أن تكون المرأة المعينة أختًا أو عمةً للراغب في نكاحها.\n٣ - لبن الفحل في حالة تعاطي زوجة الرجل العقيم دواءً يدر لبنها.\nوهذه المسألة تخرج على اختلافهم فيما إذا حملت المرأة من زوج، ثم طلقها وتزوجت بآخر، وأرضعت هذا الولد وبنتًا أو ولدًا معه، هل تنتشر المحرمية للزوج الثاني وهو غير صاحب النطفة؟ وهل يصح توجيه من قال بانتشار المحرمية رأيهم بأن اللبن يزيد بوطء الزوج الثاني؟\n* * *","vol":"1","page":575},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>الباب الرابع: مسائل من أبواب القضاء والحدود</span>\nوفيه فصلان:\nالأول: القضاء\nالثاني: الحدود والجنايات","vol":"1","page":577},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>الفصل الأول: القضاء</span>\nوفيه مبحثان:\nالأول: حجية الدليل المادي في الإثبات\nالثاني: تطبيقات استعمال الدليل المادي","vol":"1","page":579},{"text":"المبحث الأول: حجية الدليل المادي في الإثبات\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: اختلاف الفقهاء في أدلة الإثبات والحكم بالقرائن\nالمطلب الثاني: تطور الطب الشرعي\nالمطلب الثالث: أثر تطور الطب الشرعي على أدلة الإثبات والعمل بالقرائن في القضاء الإسلامي","vol":"1","page":581},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>المبحث الأول: حجية الدليل المادي في الإثبات</span>\nلقد اختلف الفقهاء قديمًا وحديثًا في طرق الإثبات في القضاء الإسلامي، فبعضهم حصرها فيما هو منصوص عليه أو مستنبط من الوحي، وبعضهم وسع دائرة الإثبات لتشمَلَ كل ما يَظهر به الحق ويُسفِر به طريق العدل. والحكم بالقرائن كان محَل خلاف بين الفقهاء لهذا السبب.\nوالجديد، أن الطب الشرعي قد حصل له من التطور ما جعل أنظمة القضاء في العالم تعتمد عليه في الإثبات إلى حد بعيد جدًا؛ ويسمي خبراء القانون هذا النوع من أدلة الإثبات بالدليل المادي، وهو تعبير حادث، لكنه يدخل تحت القرينة.\nوالسؤال هو: أين يقف القضاء الإسلامي من الطب الشرعي؟ وهل يستفيد منه؟ وهل هذه الاستفادة تقتصر على إرشاد المحقق الجنائي وتبصير القاضي بجوانب مهمة من ملابسات الجريمة، أم أن هذه الأدلة متى قويت جاز أن يقضي بها القاضي دون وجود شيء من أدلة الإثبات المألوفة في الفقه الإسلامي كالشهود والإقرار واليمين والنكول عنه؟\nفي هذا المبحث نناقش هذه القضية في ثلاثة مطالب:\n١ - اختلاف الفقهاء في أدلة الإثبات والحكم بالقرائن.\n٢ - تطور الطب الشرعي وحاجة القضاء الإسلامي للتعاطي مع الواقع الجديد.\n٣ - أثر تطور المعارف الطبية على الخلاف في هذا الباب.\n* * *","vol":"1","page":583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>المطلب الأول: اختلاف الفقهاء في أدلة الإثبات والحكم بالقرائن</span>\nاعتنى الإسلام عناية عظيمة بموضوع الإثبات وأدلته، وفي ذلك يقول رسول الله -ﷺ-: «لو يُعطَى الناسُ بدَعْواهم لادَّعى رجالٌ أموالَ قومٍ ودماءَهم ولكنَّ البَيِّنة على المُدَّعِي واليَمينَ على مَن أنْكَر» (^١).\nولفظ البخاري: «لو يُعْطَى الناس بِدَعْوَاهُمْ لذَهَبَ دِمَاءُ قَوْمٍ وَأَمْوَالُهُم» (^٢). ولفظ مسلم: «لو يُعْطَى الناس بِدَعْوَاهُم لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُم ولَكِنَّ الْيَمِينَ على الْمُدَّعَى عليه» (^٣).\nونحن في هذا المطلب نناقش أدلة الإثبات وأقوال الفقهاء بصددها وقولهم في حكم العمل بالقرائن.\nونجعل ذلك في ثلاثة فروع:\nالفرع الأول: التعريف.\nالفرع الثاني: أدلة الإثبات بين القضاء الوضعي والشرعي.\nالفرع الثالث: اختلاف الفقهاء في حصر أدلة الإثبات أو عدمه وفي العمل بالقرائن.\n* * *\n_________\n(^١) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب الدَّعوَى والبيِّنات، باب البيِّنَة على المدَّعِي واليمينُ على المدَّعَى عَليهِ (١٠/ ٢٥٢).\n(^٢) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب التفسير، بَاب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ ... (٤/ ١٦٥٦).\n(^٣) «صَحِيح مُسْلِم» كِتَاب الأَقْضِيَة، بَاب اليَمِين على الْمُدَّعَى عليه (٣/ ١٣٣٦).","vol":"1","page":584},{"text":"*\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>الفرع الأول: التعريف:</span>\nالأدلة: جمع دليل وهو في اللغة: ما يُستَدَلُّ بِه (^١).\nوفي الاصطلاح: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري قطعي أو ظني (^٢).\nوالإثبات في اللغة: من الإقرار والتصحيح. ويقال أثبت الحق: أقام حجته (^٣).\nوفي الاصطلاح: الحكم بثبوت شيء لآخر (^٤)، ويعني في القضاء إقامة الدليل على صحة الادعاء أمام القاضي (^٥).\nوالقرينة: في اللغة: من جمع الشيء إلى الشيء، ويقال لنفس الإنسان: قرينة وللزوجة: قرينة (^٦).\nوفي الاصطلاح: أمر يشير إلى المطلوب وهي إما حالية أو معنوية أو لفظية (^٧). ووجه التسمية أنها أمارة ظاهرة تقارن شيئًا خفيًّا فتدل عليه.\n_________\n(^١) انظر «لِسَان العَرَب» لابن مَنْظُور (١١/ ٢٤٨).\n(^٢) انظر «كشف المخدِّرات» للبَعلِيِّ (١/ ١٢٣)؛ و«التقرير والتحبير» لابن أمير الحاج (١/ ٦٦)؛ و«إرشاد الفحول» للشوكاني (١/ ٢١). وفي تيسير التحرير تعريفه: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى الحكم والوصف «تيسير التحرير» (٣/ ٢٧٦).\n(^٣) «المُعْجَم الوَسِيط» (ص ٩٣).\n(^٤) «التَّعرِيفَات» للجُرْجَانِيّ (١/ ٢٣).\n(^٥) «مُعْجَم لغة الفقهاء» لقلعجي وقيني (ص ٢٠).\n(^٦) انظر «مُعْجَم مَقَاييس اللُّغَة» لابن فَارِس (ص ٨٥٢).\n(^٧) «التَّعرِيفَات» للجُرْجَانِيّ (١/ ٢٢٣).","vol":"1","page":585},{"text":"وفي «الموسوعة الفقهية»: «القرينة لغةً: مأخوذة من قَرَن الشيء بالشيء، أي شَدَّه إليه ووصله به، كجَمْع البعيرين في حبل واحد، وكالقَرْن بين الحج والعمرة، أو كالجمع بين التمرتين أو اللقمتين عند الأكل، وتأتي المقارنة بمعنى المرافقة والمصاحبة، ومنه ما يطلق على الزوجة قرينة، وعلى الزوج قرين. وفي الاصطلاح: ما يدل على المراد من غير كونه صريحًا» (^١).\nومن أسمائها الأمارة والعلامة. وهي أنواع، وتقسم (^٢) تبعًا لمصدرها وقوتها.\nأما من حيث المصدر، فهي إما مستمدة من الشرع أو غير مستمدة والمستمدة منه، إما مستنبطة أو منصوصة.\nفالمنصوصة كقوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٧]\nفكان قد القميص من الدبر قرينة منصوصة على هربه منها وطلبها له.\nوغير المستمدة من الشرع هي كافة العلامات التي تُظهر للقاضي وجه الحق وطريق العدل دون أن تكون لها أصول في الوحي أو عمل الصحابة.\n_________\n(^١) انظر «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (٣٣/ ١٥٦).\n(^٢) للمزيد عن أقسام القرائن، انظر بحث «نظام الإثبات في الفقه الإسلامي» للدكتور عوض عبد الله، «مجلة الجامعة الإسلامية»، العدد (٦٢) (ص ١١٩)، بحث «الطُّرُق الحُكمِيَّة في القرائن كوسيلة إثبات شرعية» للدكتور حسن بن محمد، «مجلة مجمع الفقه الإسلامي»، المجلد (٣/ ٣٢٣).","vol":"1","page":586},{"text":"والقرائن باعتبار قوتها تنقسم إلى قوية وضعيفة.\nفالقوية كما جاء في «مجلة الأحكام»: «القرينة القاطعة هي الأمارة البالغة حد اليقين؛ مثلا إذا خرج أحد من دار خالية خائفا مدهوشا، وفي يده سكين ملوثة بالدم، فدخل في الدار ورئي فيها شخص مذبوح في ذلك الوقت، فلا يشتبه في كونه قاتل ذلك الشخص ولا يلتفت إلى الاحتمالات الوهمية الصرفة كأن يكون ذلك الشخص المذكور ربما قتل نفسه» (^١).\nولا شك أن استعمالهم للفظ اليقين فيه شيء من التجوز، والمقصود غلبة الظن المقاربة جدًا لليقين. ولكن هذا التجوز متكرر في عبارات الفقهاء ويقصدون ما ذكرت.\nوهناك قرائن ضعيفة كأثر الأقدام وتردد الأجنبي على مُغِيبة ليلا كقرينة على حصول الزنا وغيرها.\nومن قرائن الطب الشرعي القوية البصمة الوراثية كدليل على ثبوت النسب أو نفيه، وتحليل الدم كدليل على شرب الخمر.\n* * *\n_________\n(^١) «درر الحكام» لحَيْدَر (٤/ ٤٨٤).","vol":"1","page":587},{"text":"*\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>الفرع الثاني: الإثبات في القضاء الوضعي:</span>\nهناك عدة مدارس للإثبات في القضاء الوضعي. ولقد اختلف القانونيون في بلاد العالم على ثلاثة مذاهب:\n١ - الأول: الإثبات المطلق، ويذهب إلى عدم تقييد القاضي بطرق معينه للإثبات تاركًا له الحرية الكاملة في اعتماد ما يطمئن له من الأدلة، وهذا النظام متبع في الكثير من القوانين الوضعية الحديثة.\nووجه ترجيح هذا النظام عند أصحابه هو اختلاف طرق الجريمة، وتعدد أساليبها، والأحوال المصاحبة لها، مما يجعل تقييد القاضي بأدلة إثبات محصورة مما يعيقه عن إقامة العدل، ورد الحقوق إلى أصحابها.\nويعاب عليه أنه يؤدي إلى الاضطراب والاختلاف بين قاض وآخر، وكذلك لا يراعي كون القاضي بشرًا قد يحيف في حكمه إذا لم تكن ثمة ضوابط تحكمه.\n٢ - الثاني: الإثبات المقيد، ويذهب إلى تحديد أدلة الإثبات للقاضي، وعدم السماح له بتجاوزها. وذلك لضبط العمل القضائي، ودفع التناقض والحيف عنه.\nولكن يعاب على هذه الطريقة تحجيمها للقاضي، وتكبيل يديه في وقت تتعدد فيه وسائل الجريمة وطرق التحايل على القانون، بالإضافة إلى جعل وظيفة القاضي آلية حتى أنه قد يقضي بالشيء وهو يغلب على ظنه خطؤه.\n٣ - الثالث: الإثبات المختلِط: وهو يحدد أدلة الإثبات غير أنه يوسع دائرتها ويجعل للقاضي حق الترجيح بين مختلف الأدلة والقرائن، وقد يقيده في بعض الأحوال أكثر من بعض. ويرمي هذا المذهب إلى الجمع بين حسنات المذهبين السابقين.","vol":"1","page":588},{"text":"والذي ينبغي الإشارة إليه أن الإثبات المطلق والمختلِط هما اللذان يجري العمل بهما في أغلب الأنظمة القضائية (^١)، وأن التقدم في الإثبات بالخبرة، سواءٌ عن طريق الطب الشرعي أو خبراء التحقيق الجنائي في شتى التخصصات، جعل نظام الإثبات المقيد يتراجع أمام المطلق والمختلِط اللذين يراعى فيهما رأي الخبير.\nوليس الإثبات المطلق رخصة للقاضي أن يحكم بما يشتهي، فإن أحكامه تراجع وقد تنقض إذا كان قد خالف في حكمه المنطق السليم في النظر في الأدلة والترجيح بينها. وقد يكون نظام الإثبات المختلِط الذي توضع فيه ضوابط للقاضي تمنعه من الشَّطَط من غير تكبيل يديه هو الأقرب إلى المنطق السليم (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) انظر بحث «حجية الدليل المادي في الإثبات دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الجنائي المصري» لشحاتة عبد المطلب أحمد (ص ١٣).\n(^٢) «مجلة مجمع الفقه الإسلامي» بحث «القرائن في الفقه الإسلامي على ضوء الدراسات القانونية المعاصرة»، للمستشار محمد بدر المنياوي (٣/ ٤٧).","vol":"1","page":589},{"text":"*\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>الفرع الثالث: اختلاف الفقهاء في حصر أدلة الإثبات والعمل بالقرائن:</span>\nلعله من الصعوبة بمكان تحرير رأي المذاهب والفقهاء في مسألة العمل بالقرائن، فإن هناك اضطرابًا في تحديد المانع والمجيز، وهو ناتج عن عدة عوامل، أهمها:\nأن القرائن تختلف، فمنها المنصوصة والمستنبطة وغيرها، ولذلك فإن البعض قد يعمل بالقرينة لعمل الصحابة بها ثم لا يعمل بغيرها وإن كانت أظهر منها لأنها لم يجر عليها العمل ولم ينطق بها الشرع. وكذلك تختلف القرائن في القوة والضعف.\nوكما أن القرائن تختلف، فإن القضايا تختلف، فهناك من يرى اعتبار القرائن في غير الحدود، ومنهم من يضيف إلى الحدود القِصاص، ثم هم يجيزون العمل بها في غير ذلك.\nوكذلك فإن هناك من يعمل بالقرائن في الترجيح، فيُظَنُّ أنهم يعملون بها وإن كانوا لا يعتبرونها مُنفرِدة. وقد يعملون بها في التحقيق واستدراج المتهم دون الحكم بها عليه.\nولعل الأقرب عند التقسيم أن يقال إن أوسع الناس في العمل بالقرائن ابن القَيِّم (^١) ثم ابن تَيمِيَّة (^٢) وابن فَرْحُون (^٣) ثم بقية المالكية على تفاوت بينهم وابن الغَرْس (^٤) (^٥)\n_________\n(^١) انظر كتابيه «إعْلام المُوَقِّعِين» و«الطُّرُق الحُكمِيَّة».\n(^٢) انظر المصدرين السابقين و«الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (١٠/ ٢٣٣)، «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (٦/ ٨٥)، «السياسة الشرعية» لابن تَيمِيَّة (ص ١٣٦).\n(^٣) انظر كتابه «تَبْصِرَة الحُكَّام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام» القسم الثاني في أنواع البينات.\n(^٤) هو: أبو اليسر محمد بن محمد بن محمد بن خليل، المعروف بابن الغَرْس، فاضل من فقهاء الحنفية، مولده بالقاهرة سنة ٨٣٣ هـ، والغَرْس لقب جده خليل، حج وجاور غير مرة، وأقرأ الطلبة بمكة، وكان غاية في الذكاء، وأخذ عليه السخاوي ولعه باللعب بالشطرنج، وتوفي بالقاهرة سنة ٨٩٤ هـ، له كتب منها: «الفواكه البدرية في الأقضية الحُكمِيَّة»، و«رسالة في التمانع»، وحَاشِيَة على «شرح التَّفْتَازانِيّ للعقائد النسفية». راجع ترجمته في: «الضوء اللامع» (٥/ ٢٢٠)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٧/ ٣٥٦).\n(^٥) انظر «حَاشِيَة ابن عابِدِين» (٥/ ٣٥٤).","vol":"1","page":590},{"text":"من الحنفية وبعض الحنابلة. والعمل بها في بعض الحدود رواية عن أحمد. ثم الشافعية ثم الحنفية على تفاوت بينهم أيضًا.\nولقد نقل البعض اتفاق الفقهاء على مبدأ العمل بالقرائن.\n• قال علاء الدين الطَّرابُلُسِيّ الحنفي -﵀-: «قال بعض العلماء: على الناظر أن يلحظ الأَمارات والعلامات إذا تعارضت، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح، وهو قوة التُّهَمة، ولا خلاف في الحكم بها، وقد جاء العمل بها في مسائل اتفق عليها الطوائف الأربع من الفقهاء. الأولى: أن الفقهاء كلهم يقولون بجواز وطء الرجل المرأة إذا أُهديت إليه ليلة الزفاف وإن لم يشهد عنده عَدلان من الرجال أن هذه فلانة بنت فلان التي عَقَدت عليها، وإن لم يستنطق النساء أن هذه امرأته اعتمادًا على القرينة الظاهرة المنزلة منزلة الشهادة» (^١).\nوهذا العالم الذي قال ذلك هو ابن العَرَبِيّ المالكي -﵀- (^٢).\n• وجاء في «الموسوعة الفقهية»: «القضاء بالقرينة القاطعة: ... ولا خلاف بين فقهاء المذاهب في بناء الحكم على القرينة القاطعة» (^٣).\nولكن بماذا يجاب عن تصريح بعض الأئمة بإنكار العمل بالقرائن كالقَرَافِيّ والجَصَّاص -رحمهما الله- حيث قال الأول: «ألا ترى أن قرائن الأحوال لا تثبت بها الأحكام والفتاوى، وإن حصَّلت ظنا أكثر من البينات والأقيسة وأخبار الآحاد لأن الشرع لم يجعلها مَدرَكا للفتوى والقضاء» (^٤).\n_________\n(^١) «معين الحكام» للطَّرابُلسِي (١٦٦).\n(^٢) «تَبْصِرَة الحُكَّام» لابن فَرْحُون (٢/ ١٢١).\n(^٣) «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (١/ ٢٤٤).\n(^٤) «الفُرُوق مع هوامشه» للقَرافِيِّ (٤/ ١٣٨).","vol":"1","page":591},{"text":"وقال الثاني: «وقال النبي -ﷺ-: «البينة على المدعي» واليمين على المدعى عليه وكون الذي في يده ملتقطا لا يخرج المدعي من أن يكون مدعيا فلا يصدق على دعواه إلا ببينة إذ ليست له يد والعلامة ليست ببينة» (^١).\nإن الذي يظهر أنه وإن أنكر البعض العمل بالقرائن، فإن تتبع فتاواهم وأقضيتهم - كما سنبين - يظهر اتفاقهم على اعتبارها، حتى قال الشيخ محمود شلتوت: (ومما ينبغي المسارعة إليه، أن الناظر في كتب الأئمة يجد أنهم مجمعون على مبدأ الأخذ بالقرائن في الحكم والقضاء، وأن أوسع المذاهب في الأخذ بها هو مذهب المالكية ثم الحنابلة ثم الشافعية ثم الحنفية، ولا يكاد مذهب من المذاهب الإسلامية يخلو من العمل بالقرائن حتى بالنسبة لمن أنكرها) (^٢).\nإن المعارضة لاعتبار القرائن في المعاملات بين الناس والقضايا المالية شديدة الضعف - كما سنبين - ولكن الجمهور يمنع من اعتبار القرائن في الحدود، وهم الحنفية (^٣) والشافعية (^٤) والمشهور عند الحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) «أحْكَام القُرآن» للجَصّاص (٤/ ٣٨٦).\n(^٢) «مجلة مجمع الفقه الإسلامي»، بحث الطُّرُق الحُكمِيَّة في القرائن كوسيلة إثبات شرعية للدكتور حسن بن محمد سفر (٣/ ٣٥٠).\n(^٣) انظر «تَبْيين الحَقَائق» للزَّيْلَعِيّ (٣/ ١٩٦)، «رَدّ المُحتار» لابن عابِدِين (٤/ ٤٠).\n(^٤) انظر «الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع» للشِّرْبِينِيِّ (٢/ ٥٣٣)، «مُغْنِي المُحْتاج» للشِّربِينِيِّ (٤/ ١٩٠)، «أسْنَى المَطَالِب» للأنصَارِيّ (٤/ ١٣٠).\n(^٥) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٩/ ١٣٨)، «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (١٠/ ٢٣٣) و(١٠/ ١٩٩).","vol":"1","page":592},{"text":"ويعمل بها المالكية (^١) في إثبات حد الخمر بقرينة الرائحة والقيء، وحد الزنا بقرينة الحمل، وهذا هو رأي ابن تَيمِيَّة (^٢).\n* وزاد ابن القَيِّم (^٣) فاعتبر القرينة في كل الحدود، ولا شك أنه إنما يعني القرينة القوية دون غيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>القصاص:</span>\nأما القِصاص، فالجمهور على منع اعتبار القرائن فيه، وهم الحنفية (^٤) والمالكية (^٥) والشافعية (^٦) والحنابلة (^٧).\nوخالف في ذلك ابن الغَرْس (^٨) من الحنفية، وابن فَرْحُون (^٩) من المالكية، واختار قولهما الكثير من المعاصرين وأيدته «مجلة الأحكام» (^١٠).\n_________\n(^١) «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (٨/ ١٠٩)، «حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ» (٤/ ٣٥٣)، «مِنَح الجَلِيل» للشيخ عُلَيش (٩/ ٣٥٢)، «المُدَوَّنَة» أجوبة مالك برواية سَحْنُون (١٦/ ٢٠٩).\n(^٢) انظر: «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (١٠/ ٢٣٣)، «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (٦/ ٨٥)، اشترط ألا يدفع المتهم الحد عن نفسه بشبهة و«السياسة الشرعية» (١٣٦).\n(^٣) انظر «الطُّرُق الحُكمِيَّة» و«إعْلام المُوَقِّعِين» الأبواب الخاصة بالعمل بالقرائن.\n(^٤) «حَاشِيَة ابن عابِدِين» (٧/ ٤٣٨).\n(^٥) «حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ» (٩/ ٢٨٧).\n(^٦) «أسْنَى المَطَالِب» للأنصَارِيّ (٤/ ١٠٥)، «مُغْنِي المُحْتاج» للشِّرْبِينِيِّ (٤/ ١١٨).\n(^٧) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٤٠٣).\n(^٨) «حَاشِيَة ابن عابِدِين» (٥/ ٣٥٤).\n(^٩) انظر كتابه «تَبْصِرَة الحُكَّام» (١/ ٢٧٣).\n(^١٠) «درر الحكام شرح مجلة الأحكام» لحَيْدَر (٤/ ٤٨٤).","vol":"1","page":593},{"text":"* ومقتضى عموم كلام ابن القَيِّم أنه يراه، وإن كان لم يصرح بذلك في القِصاص، بل رأى أن يحكم عند اللوث بالقَسامة (^١) ولم يذكر القرائن.\nأما مطلق العمل بالقرائن، فكما تقدم، لا يكاد يخلو مذهب من العمل بها في الكثير من التطبيقات، لذا فإن العلامة القَرَافِيّ الذي صرح بعدم اعتبارها - فيما تقدم - يقول في مسالك الحكم والقضاء:\n«الحِجاج التي يقضي بها الحاكم سبعَ عشرةَ حجةً الشاهدان، والشاهدان واليمين، والأربعة في الزنا، والشاهد واليمين والمرأتان، واليمين والشاهد والنكول، والمرأتان والنكول، واليمين والنكول، وأربعة أيمان في اللعان، وخمسون يمينا في القسامة، والمرأتان فقط في العيوب المتعلقة بالنساء، واليمين وحدها بأن يتحالفا، ويقسم بينهما فيقضي لكل واحد منهما بيمينه والإقرار، وشهادة الصبيان، والقافة، وقُمْط الحيطان (^٢)، وشواهدها، واليد. فهذه هي الحجاج التي يقضي بها الحاكم؛ وما عداه لا يقضي به عندنا وفيها شبهات واختلاف بين العلماء» (^٣).\nلاحظ أنه ذكر القافة وقمط الحيطان واليد، وكل ذلك من باب العمل بالقرائن.\nوالحنفية الذين هم أضيق المذاهب في اعتبار القرائن، ترى محقق المتأخرين منهم يقول: «طريق القاضي إلى الحكم يختلف بحسَب اختلاف المحكوم به، والطريق فيما يرجع إلى حقوق العباد المحضة عبارة عن الدعوى والحجة، وهي إما البينة أو الإقرار أو\n_________\n(^١) «إعْلام المُوَقِّعِين» (٢/ ٣٣١).\n(^٢) الحبال من الليف تشد بها البيوت فإن تنازع الجيران على حائط ينظر إلى معاقدها فمن كانت من جهته فالحائط له.\n(^٣) «الفُرُوق مع هوامشه» (٤/ ١٨٩).","vol":"1","page":594},{"text":"اليمين أو النكول عنه أو القسامة أو علم القاضي بما يريد أن يحكم به أو القرائن الواضحة التي تصير الأمر في حيز المقطوع به» (^١).\nويحاول الجَصَّاص -﵀- أن يُخَرِّج عملهم بالقرائن على أنه للترجيح بين أدلة متعارضة فيقول:\n«... والعلامة ليست ببينة ... وأما قول أصحابنا في الرجلين يدعيان لقيطا كل واحد يدعي أنه ابنه ووصف أحدهما علامة في جسده فإنما جعلوه أولى استحسانا من قبل أن مدعي اللقيط يستحقه بدعواه من غير علامة ويثبت النسب منه بقوله وتزول يد من هو في يده فلما تنازعه اثنان صار كأنه في أيديهما لأنهما قد استحقا أن يقضى بالنسب لهما لو لم يصف أحدهما علامة في جسده فلما زالت يد من هو في يده صار بمنزلته لو كان في أيديهما من طريق الحكم جميعه في يد هذا وجميعه في يد هذا فيجوز حينئذ اعتبار العلامة ونظيره الزوجان إذا اختلفا في متاع البيت لما كان لكل واحد يد في الجميع اعتبر أظهرهما تصرفا وآكدهما يدا (^٢) ... فهذه المواضع التي اعتبروا فيها العلامة إنما اعتبروها مع ثبوت اليد لكل واحد من المدعيين في الجميع فصارت العلامة من حجة اليد دون استحقاق الملك بالعلامة» (^٣).\nإننا لا نسلم بتوجيه الجَصَّاص -﵀-، وذلك أن اليد قائمة لكل من الزوجين فلما تعارضتا تساقطتا، وحكم بالقرينة. وليست تطبيقات استعمال القرائن عند الحنفية محصورة في بضعة أمثلة بل هي كثيرة جدًّا منها: تجويزهم في حال ظهورِ أمارةٍ حبسَ\n_________\n(^١) «حَاشِيَة ابن عابِدِين» (٥/ ٣٥٤).\n(^٢) فيجعل الأحناف ما يكون للرجال للرجل وما كان للنساء للمرأة.\n(^٣) «أحْكَام القُرآن» للجَصّاص (٤/ ٣٨٦).","vol":"1","page":595},{"text":"المتهمِ بالقتل أو بالجرائم الأخرى؛ وللشخص الذي يُسلَّم بنتًا ليلة زفافه أن يجتمع بها باعتبار أنها مَنكوحته، ولو لم يشهد له شاهدان عدلان على ذلك؛ وإذا اختلف اثنان في مُلكية حائط فيحكم بالحائط لمن جذوعه موضوعة على ذلك الحائط؛ ويحق لمن شاهد فَلُوًّا يتبع فرس شخص، وهو يرضع من تلك الفرس أن يشهد أن ذلك الفَلُوَّ هو ملك صاحب الفرس؛ ولا تُسمَع دعوى من يرى قريبه يبيع مالا من آخر ويسكت، ومن يرى بيع أحد من الأجانب مالا ويشاهد تصرف المشتري فيه ويسكت؛ وللضيف أن يأكل من الطعام الذي وضع أمامه بلا إذن صريح (^١).\nمن أجل ذلك، جاء في «الموسوعة الفقهية» عن مذهب الحنفية: «ومما يؤخذ من كتبهم أنهم يعملون القرائن - إن اعتبروها عاملة - في خصوص حقوق العباد، ولا يعملونها في القِصاص والحدود، فاعتبروا مثلا سكوت البكر أو صمتها قرينة على الرضا، وقبض الهبة والصدقة بحضرة المالك مع سكوته إذنا بالقبض، ووضع اليد والتصرف قرينة على ثبوت الملكية، وقبول التهنئة في ولادة المولود أيام التهنئة المعتادة قرينة على ثبوت النسب منه، واعتبروا علامة الكنز، وقالوا إن كانت دالة على الإسلام كانت لقطة، وإن كانت دالة على الكفر ففيها الخمس» (^٢).\nقلت: فإن كان الحنفية - وهم أضيق المذاهب بصدد ما نحن فيه - يعملون بالقرائن في كل هذه الأمور، فلا تصح نسبة عدم العمل بالقرائن للقضاء الإسلامي بحال.\nومن ثم، فإن القول بحصر أدلة الإثبات في مطلق القضايا لا تصح نسبته للقضاء الإسلامي أيضًا. وإن الذين حصروا الأدلة قد اختلفوا فيما بينهم داخل المذهب الواحد\n_________\n(^١) انظر «درر الحكام» لحَيْدَر (٤/ ٤٨٥ - ٤٨٧).\n(^٢) «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (٣٣/ ١٥٨).","vol":"1","page":596},{"text":"والخلاف بين المذاهب أوسع، فقد مر معنا قول القَرَافِيّ -﵀- في الحِجاج وجعلها سبعَ عشرةَ وابن رُشْد -﵀- يقول: «والقضاء يكون بأربعٍ: بالشهادة وباليمين وبالنكول وبالإقرار أو بما تركب من هذه» (^١).\nوفي قواعد الفقه، ينقِل عن ابن نُجَيْم: «الحجة ما استدل به على صحة الدعوى وهي بينة عادلة أو إقرار أو نكول عن يمين أو بيمين أو قَسامة أو علم القاضي بعد توليته أو قرينة قاطعة كذا في الأشباه» (^٢).\nولعله يُعتذَر عن ذلك بأنهم قصدوا بعض القضايا دون بعض أو أجملوا في مواضع تاركين التفصيل لأخرى، ولكن الذي لا يخفى أن القول بحصر أدلة الإثبات في كل القضايا بما شهد له الشرع نصًا أو استنباطًا محل نظر وليس عليه عملهم وإن صرح به البعض.\nوقبل أن نشرع في بيان أدلة القائلين بحصر أدلة الإثبات وعدم اعتبار القرائن، نبين أن البعض حصر أدلة الإثبات، ولكن عمل بالقرائن حتى في الحدود كالمالكية، وذلك أنهم عملوا فيها بقضاء الصحابة-رضوان الله عليهم.\n_________\n(^١) «بِدَايَة المُجْتَهِد» لابن رُشْد (٢/ ٣٤٦).\n(^٢) «قَوَاعِد الفِقْه» للمُجَدِّدِيِّ البَرَكْتِي (١/ ٢٦٠).","vol":"1","page":597},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-249> الفرع الرابع: أدلة القائلين بعدم اعتبار القرائن:</span>\n١ - أن الحكم لله وأن طرائقه منه، فهي أيضًا تستمد من الشرع وقد قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧].\n٢ - عن ابن عباسٍ -﵁- «أَن هِلالَ بن أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النبي -ﷺ- بِشَرِيكِ بن سَحْمَاءَ فقال النبي -ﷺ-: الْبَيِّنَةُ أو حَدٌّ في ظَهْرِكَ فقال: يا رَسُولَ اللهِ إذا رَأَى أَحَدُنَا على امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ فَجَعَلَ يقول: الْبَيِّنَةَ وَإِلا حَدٌّ في ظَهْرِكَ» (^١).\nوالشاهد من الحديث أنه لم يرض بغير البينة وهي ما جاء في قوله تعالى:\n﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]\nوقد يجاب بأن الرجل لم يقم الدليل القاطع على صدق ما يقول فلزمه الحد. وقد يجاب بأن هذا في حد الزنا دون غيره لتشوف الشارع للستر. ويمكن أن يجاب بأن هذا في الحدود كافة دون غيرها لأنها تدرأ بالشبهات، ويستوثق في إقامتها بما لا يكون في غيرها كقضايا الأموال التي قضي فيها بأهون من ذلك بكثير.\n٣ - عن الأَشْعَث بن قَيْسٍ قال: «كانت لي بِئْرٌ في أَرْضِ ابن عَمٍّ لي فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- فقال: بَيِّنَتُكَ أو يَمِينُهُ قلت: إِذًا يَحْلِفُ عليها يا رَسُولَ اللهِ فقال رسول اللهِ -ﷺ-: من حَلَفَ على يَمِينِ صَبْرٍ وهو فيها فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بها مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللهَ يوم الْقِيَامَةِ وهو عليه غَضْبَانُ» (^٢).\n_________\n(^١) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الشهادات، باب إذا ادعى أو قذف فله أن يلتمس البينة وينطلق لطلب البينة (٢/ ٩٤٩).\n(^٢) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الأيمان، باب اليمين فيما لا يملك وفي المعصية وفي الغضب (٦/ ٢٤٥٨).","vol":"1","page":598},{"text":"ويجاب بأنه لا دليل له، وقوله ليس أولى من قول ابن عمه ولم يأت لا بشهود ولا بأي دليل على دعواه، وهذا غير الحكم بالقرائن التي يكون بعضها قاطعًا.\n٤ - عن الْقَاسِمِ بن مُحَمَّدٍ قال: «ذكر ابن عَبَّاسٍ المُتَلاعِنَينِ فقال عبد اللهِ بن شَدَّادٍ هِيَ التي قال رسول اللهِ -ﷺ-: لو كنت رَاجِمًا امْرَأَةً عن غَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ قال [أي ابن عباس] لا تِلْكَ امْرَأَةٌ أَعْلَنَتْ» (^١).\nوالشاهد أنه لا يرجم من غير بينة، وإن كانت هناك قرينة على الزنا. ويجاب عليه بالأجوبة على حديث هلال، وبأن القرينة كانت ضعيفة، فقد جاء بيانها فيما رواه ابن ماجه عن ابن عَبَّاسٍ قال: قال رسول اللهِ -ﷺ-: «لو كنت رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ فُلَانَةَ فَقَدْ ظَهَرَ منها الرِّيبَةُ في مَنْطِقِهَا وَهَيْئَتِهَا وَمَنْ يَدْخُلُ عليها» (^٢) والهيئة والمنطق ودخول الأجانب على المرأة قرينة ضعيفة بلا شك على الزنا.\n٥ - وعن ابن عبَّاس -﵁-: «شَرِبَ رَجُلٌ فَسَكِرَ فَلُقِيَ يَمِيلُ في الْفَجِّ فَانْطُلِقَ بِهِ إلى النبي -ﷺ- فلما حَاذَى بِدَارِ الْعَبَّاسِ انْفَلَتَ فَدَخَلَ على الْعَبَّاسِ فَالْتَزَمَهُ فَذُكِرَ ذلك لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَضَحِكَ وقال: أَفَعَلَهَا ولم يَأْمُرْ فيه بِشَيْءٍ» (^٣).\nوالشاهد عدم قضائه -ﷺ- بحده رَغم قرينة السكر، وقد يجاب بأن قرينة الرائحة والتقيؤ مع وجود السكر أقوى من السكر وحده. والجواب الأقوى هو ما أجاب به الحافظ -﵀- في الفتح حيث قال: «وأخرج الطَّبَرِيّ من وجه آخر عن ابن عباس ما ضرب رسول الله -ﷺ- في الخمر إلا أخيرًا ولقد غزا تبوك فغشى حجرته من الليل سكران\n_________\n(^١) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب المحاربين، باب من أظهر الفاحشة واللطْخ والتُّهَمَة من غير بينة (٦/ ٢٥١٣).\n(^٢) «سُنَن ابن مَاجَه» كتاب الحدود، باب من أظهر الفاحشة (٢/ ٨٥٥).\n(^٣) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الحدود، باب الحد في الخمر (٤/ ١٦٢). وقد سكت عنه أبو داود.","vol":"1","page":599},{"text":"فقال ليقم إليه رجل فيأخذ بيده حتى يرده إلى رحله. والجواب أن الإجماع انعقد بعد ذلك على وجوب الحد لأن أبا بكر تحرى ما كان النبي -ﷺ- ضرب السكران فصيره حدًّا واستمر عليه وكذا استمر من بعده وإن اختلفوا في العدد. وجمع القُرْطُبِيّ بين الأخبار بأنه لم يكن أولا في شرب الخمر حد وعلى ذلك يحمل حديث ابن عباس في الذي استجار بالعباس. ثم شرع فيه التعزير على ما في سائر الأحاديث التي لا تقدير فيها ثم شرع الحد» (^١).\n٦ - روي أنه أُتي برجل وُجِد في خَرِبة بيده سِكِّين ملطخةٌ بدم، وبين يديه قتيل يتشحَّط في دمه، فسأله علي -﵁- فقال: «أنا قتلته»، قال علي: «اذهبوا به فاقتلوه»، فلما ذهبوا به أقبل رجل مسرعًا، فقال: «يا قوم لا تعجلوا ردّوه إلى علي»، فردوه، فقال الرجل: «يا أمير المؤمنين ما هذا صاحبه أنا قتلته» فقال علي للأول: «ما حملك على أن قلت: أنا قتلته ولم تقتله؟» قال: «يا أمير المؤمنين وما أستطيع أن أصنع وقد وقف العَسَس على الرجل يتشحَّط في دمه وأنا واقف وفي يدي سكين وفيها أثر الدم، وقد أخذت في خَربة، فخفت ألا يُقبَل مني وأن يكون قَسَامة فاعترفت بما لم أصنع واحتسبت نفسي عند الله»، فقال علي: «بئسما صنعت فكيف كان حديثك؟» قال: «إني رجل قصَّاب وخرجت إلى حانوتي في الغَلَس فذبحت بقرة وسلختها، فبينما أنا أصلحها والسكين في يدي أخذني البول فأتيت خربة كانت بقربي فدخلتها، فقضيت حاجتي، وعدت أريد حانوتي فإذا أنا بهذا المقتول يتشحط في دمه، فراعني أمره فوقفت أنظر إليه والسكين في يدي، فلم أشعر إلا بأصحابك قد وقفوا وأخذوني فقال الناس: «هذا قتل هذا ما له قاتل سواه»، فأيقنت أنك لا تترك قولهم لقولي، فاعترفت بما لم أجنه»، فقال علي للمقر الثاني: «فأنت كيف قصتك؟» فقال: «أغواني\n_________\n(^١) «فَتْح البَارِي» لابن حَجَر (١٢/ ٧٢).","vol":"1","page":600},{"text":"الشيطان فقتلت الرجل طمعًا في ماله، ثم سمعت حس العسس، فخرجت من الخربة واستقبلت هذا القصاب على الحال التي وصَفَ فاستترت منه ببعض الخربة حتى أتى العسس فأخذوه وأتَوك به، فلما أمرتَ بقتله علمتُ أني سأبوء بدمه أيضا، فاعترفت بالحق». فقال للحسين -﵁-: «ما الحكم في هذا؟» قال: «يا أمير المؤمنين إن كان قد قتل نفسًا فقد أحيا نفسًا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] فخلّى عليّ عنهما، وأخرج دِيَة القتيل من بيت المال» (^١)\nوالشاهد أن هذه القصة فيها طعن فيما يعده الفقهاء القائلون بالحكم بالقرائن من القرائن القطعية، فإن الرجل قد قبض عليه، وفي يده آلة الجريمة، وهو خارج من الخربة التي فيها القتيل. ولكن في القصة إشكالا، قال ابن القَيِّم «وهذا إن كان صلحا وقع برضا الأولياء فلا إشكال، وإن كان بغير رضاهم فالمعروف من أقوال الفقهاء أن القِصاص لا يسقط بذلك؛ لأن الجاني قد اعترف بما يوجبه ولم يوجد ما يسقطه فيتعين استيفاؤه، وبعد فلحكم أمير المؤمنين وجه قوي» (١).\nوالرد على هذه القصة -إن صحت- أنها من النادر الذي لا حكم له ولو تتبع لتعطلت مصالح العباد، ثم إن القصة لا تبين خطأ القرينة فحسب، بل خطأ الإقرار أيضًا؛ فهل نطعن في حجية الإقرار؟ وقد يكذب الشاهدان، فهل يطعن ذلك على العمل بالشاهدين؟ ولكن يستفاد من القصة ضرورة التحري والتدقيق لأن إشاطة الدماء من غير ذلك مما لا يليق بالمؤمنين.\n٧ - وعن علقمة بن وائل عن أبيه: «أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد بمكروه من نفسها، فاستغاثت برجل مرّ عليها وفر صاحبها، ثم\n_________\n(^١) «الطُّرُق الحُكمِيَّة» لابن القَيِّم (١/ ٨٣).","vol":"1","page":601},{"text":"مرّ ذوو عَدد فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه، وسبقهم الآخر، فجاءوا به يقودونه إليها فقال: أنا الذي أغثتك وقد ذهب الآخر فأتوا به النبي -ﷺ- فقال الرجل: إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني فقالت: كذب، هو الذي وقع عليَّ .. فقال رسول الله -ﷺ-: انطلقوا به فارجموه فقام رجل فقال: لا ترجموه فارجموني فأنا الذي فعلت بها الفعل واعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله -ﷺ-: الذي وقع عليها والذي أغاثها والمرأة. فقال -ﷺ-: أما أنت فقد غفر لك، وقال للذي أغاثها قولا حسنا. فقال عمر -﵁-: ارجم الذي اعترف بالزنا، فأبى رسول الله -ﷺ- وقال: لا، لأنه قد تاب».\nوفي رواية فقالوا: «يا رسول الله ارجمه، فقال: لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم».\nوعند التِّرْمِذِيّ أمر برجمه، فقال: «ارجموه لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم» (^١).\nولكن في الرواية اضطرابًا وهو ورود روايتين أحدهما أنه أمر برجمه والأخرى أنه لم يأمر، ولذا قال ابن القَيِّم: «وهذا الحديث إسناده على شرط مسلم، ولعله تركه لهذا الاضطراب في متنه»\nوإن سلم الحديث، فليس احتجاج المانع من اعتبار القرائن به بأولى من احتجاج القائل بها، قال ابن القَيِّم -﵀-: «فيقال: -والله أعلم- إن هذا مثال إقامة الحد باللوث الظاهر القوي، فإنه أدرك وهو يشتد هاربًا بين أيدي القوم، واعترف بأنه كان عند المرأة، وادعى أنه كان مغيثا لها، وقالت المرأة: «هو هذا» وهذا لوث ظاهر، وقد أقام\n_________\n(^١) «الطُّرُق الحُكمِيَّة» لابن القَيِّم (١/ ٨٤).","vol":"1","page":602},{"text":"الصحابة حد الزنا والخمر باللوث الذي هو نظير هذا أو قريب منه وهو الحمل والرائحة ... ولما انكشف الأمر بخلاف ذلك تعين الرجوع إليه، كما لو شهد أربعة بزنا المرأة لم يحكم برجمها إذا ظهر أنها عذراء أو ظهر كذبهم» (^١).\nفابن القَيِّم هنا يقول إنه -ﷺ- أمر برجم الرجل الذي وجد عند المرأة وليس هناك ما يدعوه إلى إصدار هذا الحكم بالرجم إلا القرائن الظاهرة.\nوابن العَرَبِيّ يجعل الأمر بالرجم لاستخراج الحق ولا يجوزه لغير الرسول -ﷺ- (^٢). وجوابه -﵀- لا يخلو من نظر، ففيه تحكم، والتخصيص لا يظهر، ودعواه مفتقرة إلى الدليل، والأصل في فعله التأسي. ولكن اضطراب الرواية يجعل الحديث مما لا ينبغي أن يستدل به أي من الفريقين.\n٨ - قد توجد المسروقات لدى بريء كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٦٩]\nوهذا صحيح ولكن القاضي لا يأخذ القرائن بمعزل عن غيرها من السياق والسباق والأحوال والشواهد والملابسات، ولكنْ يُعمل ذِهنَه في طلب الحقيقة، آخذًا في اعتباره كل ما لديه من أدوات الوصول إليها، ومنها القرائن.\nوأساليب التحقيق الجنائي الحديثة قد حققت من التقدم ما لا ينبغي التغافل عنه. وإن هذا الوزير نافذ الأمر قد يأمر عشرة من غير أقاربه وأعوانه لا اثنين أن يشهدوا له على خصمه إن شاء.\n_________\n(^١) «الطُّرُق الحُكمِيَّة» لابن القَيِّم (١/ ٨٤).\n(^٢) «عارضة الأحوذي بشرح سُنَن التِّرْمِذِيّ» لابن العَرَبِيّ، دار الكتب العلمية ببيروت (٦/ ٢٣٧).","vol":"1","page":603},{"text":"٩ - أنه لا يؤمن على الناس من حيف الظلمة من القضاة والحكام إن أطلقنا ولم نحصر أدلة الإثبات.\nويجاب على ذلك أن هؤلاء الظلمة لن تُعْوزهم الحيلة على الظلم، وإن استشهاد اثنين أو ثلاثة من غير المعروفين بالتُّهْمة مما يقدرون عليه. كذلك، فإن القاضي ليس حكمه نهائيًا، بل يُرفع الأمر إلى من هو أرفع منه إن كان ثمَّةَ حيفٌ ظاهر، ويُنقض حكمه إن خالف صريح النصوص أو الإجماع أو صحيح النظر.","vol":"1","page":604},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-250> الفرع الخامس: أدلة القائلين باعتبار القرائن:</span>\n١ - قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].\nقال ابن العَرَبِيّ -﵀-: «قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ ... الآية فيها ثلاث مسائل المسألة الأولى أرادوا أن يجعلوا الدم علامة على صدقهم فروي في الإسرائيليات أن الله تعالى قرن بهذه العلامة علامة تعارضها وهي سلامة القميص في التلبيب والعلامات إذا تعارضت تعين الترجيح فيقضى بجانب الرجحان وهي قوة التُّهْمَة لوجوه تضمنها القرآن منها طلبهم إياه شفقة ولم يكن من فعلهم ما يناسبها فيشهد بصدقها بل كان سبق ضدها وهي تبرمهم به ومنها أن الدم محتمل أن يكون في القميص موضوعا ولا يمكن افتراس الذئب ليوسف وهو لابس للقميص ويسلم القميص من تخريق وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات وتعارضها» (^١).\nوقال القُرْطُبِيّ -﵀-: «استدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في مسائل من الفقه كالقَسامة وغيرها وأجمعوا على أن يعقوب ﵇ استدل على كذبهم بصحة القميص وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح وهي قوة التُّهْمَة ولا خلاف بالحكم بها قاله ابن العَرَبِيّ» (^٢).\n_________\n(^١) «أحْكَام القُرآن» لابن العَرَبِيّ (٣/ ٤٠ - ٤١).\n(^٢) «أحْكَام القُرآن» للقُرْطُبِيّ (٩/ ١٥٠).","vol":"1","page":605},{"text":"٢ - قوله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥ - ٢٨].\nقال محمد الأمين الشِّنْقِيطِيّ -﵀-: «يفهم من هذه الآية لزوم الحكم بالقرينة الواضحة الدالة على صدق أحد الخصمين وكذب الآخر، لأن ذكر الله لهذه القصة في معرض تسليم الاستدلال بتلك القرينة على براءة يوسف يدل على أن الحكم بمثل ذلك حق وصواب، لأن كون القميص مشقوقًا من جهة دبره دليل واضح على أنه هارب عنها وهي تنوشه من خلفه، ولكنه تعالى بين في موضع آخر أن محل العمل بالقرينة ما لم تعارضها قرينة أقوى منها، فإن عارضتها قرينة أقوى منها أبطلتها، وذلك في قوله تعالى ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] لأن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في غيابة الجب جعلوا على قميصه دم سخلة ليكون وجود الدم على قميصه قرينة على صدقهم في دعواهم أنه أكله الذئب ولا شك أن الدم قرينة على افتراس الذئب له، ولكن يعقوب أبطل قرينتهم هذه بقرينة أقوى منها وهي عدم شق القميص فقال سبحان الله متى كان الذئب حليمًا كيسًا يقتل يوسف ولا يشق قميصه ولذا صرح بتكذيبه لهم في قوله ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] وهذه الآيات المذكورة أصل في الحكم بالقرائن» (^١).\n_________\n(^١) «أضواء البيان» لمحمد الأمين الشِّنْقِيطِيّ (٢/ ٢١٥ - ٢١٦).","vol":"1","page":606},{"text":"والقرينة في هذه الآية لا تسلم من الاعتراض ولا تفيد القطع وحدها، فإن المرأة ربما أنكرت على غلامها قصدها لفعل الفاحشة فهرب منها وأدركته من الدبر. واعترض عليها بأن الشاهد كان صبيًا في المهد فيكون كلامه هو الدليل لا القرينة وبأن ذلك من شرع من قبلنا.\nويجيب على هذه الاعتراضات الدكتور عوض عبد الله فيقول: «القرائن كانت كثيرة وكفيلة بصرف هذه التُّهْمَة عنه، أما القرينة المذكورة في الآية إنما جاءت دليلا مرجحا ومقويا لتلك القرائن، ومن هذه القرائن التي ذكرها المفسرون أن يوسف - ﵇- كان عبدا في ظاهر الأمر والعبد لا يمكن أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد، كما أنهم رأوا أن المرأة زيّنت نفسها على أكمل الوجوه، ولم يكن على يوسف -﵇- آثار للتزين. ثم إنّ أحوال يوسف -﵇- في المدة الطويلة تدل على براءته ...» ويقول مجيبًا على الاعتراض الثاني: «وقد دفع هذا الاعتراض بأنه يستبعد أن يكون الشاهد صبيا بل كان رجلا حكيما وهو الذي يناسب سياق الآية، فلو أنطق الله الطفل لكان كافيا قوله: «إنها كاذبة» ولما احتاج إلى نصب العلامة، ثم قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦] ليكون أولى بالقبول في حق المرأة ولو كان صبيا لا يتفاوت الحال كونه من أهلها أو من غير أهلها. كما أن لفظ الشاهد لا يقع في العرف إلا لمن تقدمت معرفته بالواقعة وإحاطته بها. وقيل: إنه لا تعارض بين كونه صبيًّا تكلم في المهد وبين الأمارة المنصوبة، فقد يتكلم الصبي، ومع ذلك ينبههم إلى الدليل الذي غفلوا عنه وهي أمارة القميص» (^١).\n_________\n(^١) «نظام الإثبات في الفقه الإسلامي» للدكتور عوض عبد الله «مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة» (٦٢/ ١١٩ - ١٤٥) ١٤٠٤ هـ.","vol":"1","page":607},{"text":"٣ - عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي -ﷺ- قال: «بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جاء الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا فقالت هذه لِصَاحِبَتِهَا إنما ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْتِ وَقَالَتْ الأُخْرَى إنما ذَهَبَ بِابْنِكِ فَتَحَاكَمَتَا إلى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى فَخَرَجَتَا على سُلَيْمَانَ بن دَاوُدَ ﵉ فَأَخْبَرَتَاهُ فقال ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا فقالت الصُّغْرَى لا؛ يَرْحَمُكَ الله، هو ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى» (^١).\nوالشاهد أنه استدل بشفقة إحداهما دون الأخرى على أمومتها.\n٤ - عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ النبي -ﷺ- قال: «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا من وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ في نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» (^٢) فجعل -ﷺ- صماتها قرينة على الرضا.\nوالشاهد أنه -ﷺ- جعل سكوت البكر قرينة على رضاها وأقر العمل بها.\n٥ - وحين أجليت بنو النَّضِير قال رسول اللهِ -ﷺ- لعم حُيَيِّ بن أَخْطَب: «ما فَعَلَ مَسْكُ حُيَيٍّ الذي جاء بِهِ من النَّضِيرِ قال: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ قال: الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْمَالُ أَكْثَرُ من ذلك فَدَفَعَهُ رسول اللهِ -ﷺ- إلَى الزُّبَيْرِ فَمَسَّهُ بِعَذَابٍ وقد كان قبل ذلك دخل خَرِبَةً فقال قد رَأَيْت حُيَيًّا يَطُوفُ في خَرِبَةٍ ههنا فَذَهَبُوا فَطَافُوا فَوَجَدُوا الْمَسْكَ في الْخَرِبَةِ فَقَتَلَ رسول اللهِ -ﷺ- ابْنَيْ أبي الْحُقَيْقِ وَأَحَدُهُمَا زَوْجُ صَفِيَّةَ بِالنَّكْثِ الذي نَكَثُوا» (^٣).\n_________\n(^١) «صَحِيح البُخَارِيّ» (٣/ ١٢٦٠)، «صَحِيح مُسْلِم» كتاب الأقضية، باب بيان اختلاف المجتهدين (٣/ ١٣٤٤)، اللفظ له.\n(^٢) «صَحِيح البُخَارِيّ» (٦/ ٢٥٥٦)، «صَحِيح مُسْلِم» كتاب النكاح، باب استئذان الثيب (٢/ ١٠٣٧)، اللفظ له.\n(^٣) «فَتْح البَارِي» لابن حَجَر (٧/ ٤٧٩).","vol":"1","page":608},{"text":"والشاهد أنه ما كان ليمسه بعذاب إلا لأنه اقتنع بكذبه بناءً على شواهد الأحوال (العهد قريب والمال كثير).\n٦ - وعن زيد بن خالد الجهني أن رجلا سأل رسول الله -ﷺ- عن اللقطة فقال: «عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بها فَإِنْ جاء رَبُّهَا فَأَدِّهَا إليه» (^١).\nفجعل -ﷺ- وصفه لها قرينة على ملكيته.\n٧ - وعن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: «بَيْنَا أنا وَاقِفٌ في الصَّفِّ يوم بَدْرٍ نَظَرْتُ عن يَمِينِي وَشِمَالِي فإذا أنا بين غُلَامَيْنِ من الأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا تَمَنَّيْتُ لو كنت بين أَضْلَعَ مِنْهُمَا فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فقال يا عَمِّ هل تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ قال قلت نعم وما حَاجَتُكَ إليه يا بن أَخِي قال أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- وَالَّذِي نَفْسِي بيده لَئِنْ رَأَيْتُهُ لا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حتى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا قال فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ فَغَمَزَنِي الآخَرُ فقال مِثْلَهَا قال فلم أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إلى أبي جَهْلٍ يَزُولُ في الناس فقلت ألا تَرَيَانِ، هذا صَاحِبُكُمَا الذي تَسْأَلانِ عنه. قال: فَابْتَدَرَاهُ فَضَرَبَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حتى قَتَلاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إلى رسول اللهِ -ﷺ- فَأَخْبَرَاهُ، فقال: أَيُّكُمَا قَتَلَهُ فقال كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أنا قَتَلْتُ. فقال هل مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ قالا لا. فَنَظَرَ في السَّيْفَيْنِ فقال كِلاكُمَا قَتَلَهُ وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بن عَمْرِو بن الْجَمُوحِ وَالرَّجُلانِ مُعَاذُ بن عَمْرِو بن الْجَمُوحِ وَمُعَاذُ بن عَفْرَاء» (^٢).\nوالشاهد أنه حكم بالسلَب لمن كان سيفه أعمق في جسد أبي جهل بدلالة الدم الذي عليه.\n_________\n(^١) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب في اللقطة، باب لا تحتلب ماشية أحد ... (٥/ ٢٢٦٥)، «صَحِيح مُسْلِم» كتاب اللقطة (٣/ ١٣٤٨).\n(^٢) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب الجهاد والسِّيَر، باب استحقاق القاتل سَلَب القتيل (٣/ ١٣٧٢).","vol":"1","page":609},{"text":"٨ - أنه -ﷺ- وأصحابه حكموا بالقافة وليست إلا علامة.\n٩ - وقال عمر بن الخطابِ وهو جالس على منبرِ رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ قد بَعَثَ مُحَمَّدًا -ﷺ- بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عليه الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عليه آيَةُ الرَّجْمِ قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا فَرَجَمَ رسول اللهِ -ﷺ- وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ فَأَخْشَى إن طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ ما نَجِدُ الرَّجْمَ في كِتَابِ اللهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا الله وَإِنَّ الرَّجْمَ في كِتَابِ اللهِ حَقٌّ على من زَنَى إذا أَحْصَنَ من الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إذا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أو كان الْحَبَلُ أو الِاعْتِرَافُ» (^١).\nوهذا صحيح صريح من قوله -﵁- وجاء فعله مطابقًا لذلك وليس الحمل إلا علامة على حصول الزنا. وعمر يعرف خطر هذا الحد فهو الذي حد بالقذف ثلاثة من أصحاب محمد -ﷺ- شهدوا بالزنا مع رابع ثم نكل هذا الرابع عن شهادته (^٢).\nوروى سعيد بن منصور: «أتي عثمان فى امرأة ولدت فى ستة أشهر فأمر برجمها فقال ابن عباس أدنوني منه فأدنوه فقال إنها تخاصمك بكتاب الله يقول الله ﷿ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ويقول فى آية أخرى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] فردها عثمان وخلى سبيلها» (^٣).\nوصحح الحافظ -﵀- الحديث من رواية ابن وَهْب وذكر اختلافهم فيمن وقعت له الحادثة بين عمر وعثمان ومن ناظره بين علي وابن عباس-رضي الله عن الجميع (^٤).\n_________\n(^١) «صَحِيح البُخَارِيّ» (٦/ ٢٥٠٣)، «صَحِيح مُسْلِم» كتاب الحدود، باب رجم الثيب الزاني (٣/ ١٣١٧).\n(^٢) «مُصَنَّف عبد الرَّزَّاق» شهد على المغيرة أربعة بالزنى فنكل زياد فحد عمر الثلاثة (٧/ ٣٨٤).\n(^٣) «سُنَن سعيد بن منصور» (٢/ ٩٣).\n(^٤) انظر «تَلْخِيص الحَبِير» لابن حَجَر (٣/ ٢١٩).","vol":"1","page":610},{"text":"وعنِ عبد الرحمن بن حاطبٍ عن أبيه: «أَنّ حَاطِبًا تُوُفِّيَ وَأَعْتَقَ من صلى من رَقِيقِهِ وَصَامَ. وَكَانَتْ له وَلِيدَةٌ نُوبِيَّةٌ قد صَلَّتْ وَصَامَتْ وَهِيَ أَعْجَمِيَّةٌ لم تَفْقَهْ فلم يَرُعْهُ إِلاَّ حَمْلُهَا. فَذَهَبَ إلَى عُمَرَ فَزِعًا، فقال له عُمَرُ أنت الرَّجُلُ الذي لَا تَأْتِي بِخَيْرٍ فَأَرْسَلَ إلَيْهَا عُمَرُ أَحَبَلْتِ؟ فقالت نعم من مَرْعُوشٍ بِدِرْهَمَيْنِ؛ فإذا هِيَ تَسْتَهِلُّ بِهِ. وَصَادَفَتْ عِنْدَهُ عَلِيَّ بن أبي طَالِبٍ وَعُثْمَانَ بن عَفَّانَ وَعَبْدَ الرحمن بن عَوْفٍ، فقال أَشِيرُوا عَلي وَعُثْمَانُ جَالِسٌ فَاضْطَجَعَ فقال عَلِيٌّ وَعَبْدُ الرحمن قد وَقَعَ عليها الْحَدُّ. قال أَشِرْ عَلَيَّ يا عُثْمَانُ. قال قد أَشَارَ عَلَيْك أَخَوَاك. قال أَشِرْ عَلي أنت. قال أَرَاهَا تَسْتَهِلُّ بِهِ كَأَنَّهَا لَا تَعْلَمُهُ، وَلَيْسَ الْحَدُّ إِلاَّ على من عَلِمَهُ، فَأَمَرَ بها فَجُلِدَتْ مِائَةً وَغَرَّبَهَا (^١)» (^٢).\nوقد يجاب عن هذه الآثار بأن عمر -﵁- لم يحد كل حامل فقد روى عبد الرزاق عن طارق بن شهاب قال: بلغ عمر أن امرأة مُتعبِّدَة حمَلَت فقال عُمَر أراها قامت من الليل تُصلي فخَشَعَت فسَجَدَت فأتاها غاوٍ مِن الغُواة فتَجثَّمَها، فأتته فحدثته بذلك سواء فخلي سبيلها (^٣).\nوروى ابن أبي شَيْبَة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزَّال بن سبرة قال بينما نحن بمنى مع عمر إذا امرأة ضخمة على حمارة تبكي؛ قد كاد الناس أن يقتلوها من الزحام، يقولون زنيت. فلما انتهت إلى عمر قال ما يبكيك؟ إن امرأة ربما استكرهت! فقالت كنت امرأة ثقيلة الرأس وكان الله يرزقني من صلاة الليل فصليت ليلة ثم نمت فوالله ما أيقظني إلا الرجل قد ركبني فرأيت إليه مُقَفِّيا ما أدري من هو من خلق الله فقال عمر لو قتلت هذه خَشِيت على الأخشبين النار ثم كتب إلى الأمصار ألا تقتل نفس دونه» (^٤).\n_________\n(^١) وفيه التعزير إذا لم تتوافر كل شروط الحد.\n(^٢) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١١/ ١٨٤).\n(^٣) «مُصَنَّف عبد الرَّزَّاق» (٧/ ٤٠٩).\n(^٤) «مُصَنَّف ابن أبي شَيْبَة» (٥/ ٥١٢).","vol":"1","page":611},{"text":"والجواب على الأثرين أن الناس قد علموا أن الحامل بلا زوج تحد وأن عمر إنما درأ عنها الحد للشبهة، ولكن هذه شبهة يمكن لكل أحد أن يدعيها!\nوقد يقال بحصر استعمال العلامات في حدي الخمر والزنا، ولكن لم؟ إن هذا قد ثبت من عمل الصحابة في هذين الحدين، ولو كانت هناك قرائن قاطعة في غيرهما لعملوا بها، سيما وأن حد الزنا يتشدد في إثباته بما لا يفعل في حد غيره. إننا إذا وسعنا دائرة استعمال القرائن في كل الحدود، لكنا موافقين لطريقة الصحابة ومنهجهم وإن كان عين الحكم بالقرائن إنما ثبت عنهم في هذين الحدين.\nبقِي أن الحدود مما يدرأ بالشبهات وقول الجمهور من المذاهب الأربعة بعدم اعتبار القرائن في الحدود يحدث شبهة قوية تدفع الحد ولكن لا تدفع التُّهْمَة إن ثبتت بالقرينة القاطعة ولا تدفع العقوبة الملائمة لهذه التُّهْمَة.\nهذا في القرائن التي لم يكن عليها العمل في زمان الصحابة، أما الحمل ورائحة الخمر وتقيؤها، فإن النفس تطمئن لمتابعة عمل الصحابة فيها سيما مع عدم وجود المنكر منهم لتلك الحدود التي أقيمت بمحْضَرِهم. ولكن تدرأ تلك الحدود بأدنى شبهة، كاستكراه النائمة، وتصدق دعواها -سيما مع عدم وجود التُّهْمَة - كما فعلوا -﵃-.\n١٠ - وعن السائب بن يزيد -﵁- أن عمر بن الخطاب -﵁- خرج عليهم فقال: إني وجدت من فلان [عبيد الله ابنه] ريح شراب فزَعَم أنه شَرابُ الطِّلاء وأنا سائلٌ عمَّا شرِبَ فإن كان يُسْكِر جَلَدته فجَلَدَه عمر بن الخطاب -﵁- الحدَّ تامًّا» (^١).\n_________\n(^١) «سُنَن النَّسَائيّ الكُبْرَى» كتاب الأشربة، باب ذكر ما أعد الله لشارب الخمر من الذل والهوان (٣/ ٢٣٨).","vol":"1","page":612},{"text":"١١ - وأُتي عثمان بن عفان بِالوليد بن عقبة فشهِد عليه حُمْرَانُ ورجل آخر؛ فشهد أحدهما أنه رآه شرِبها يعني الخمر وشهِد الآخَر أنه رآه يتقيَّأها فقال عثمان: «إنه لم يتقيأها حتى شَرِبَهَا فقال لِعَلِيٍّ -﵁- أَقِمْ عليه الْحَدَّ فقال على لِلْحَسَنِ أَقِمْ عليه الْحَدَّ فقال الْحَسَنُ وَلِّ حَارَّهَا من تَوَلَّى قَارَّهَا، فقال عَلِيٌّ لِعَبْدِ اللهِ بن جَعْفَرٍ أَقِمْ عليه الْحَدَّ، قال فَأَخَذَ السَّوْطَ فَجَلَدَهُ، وَعَلِيٌّ يَعُدُّ، فلما بَلَغَ أَرْبَعِينَ قال حَسْبُكَ جَلَدَ النبي -ﷺ- أَرْبَعِينَ أَحْسَبُهُ قال وَجَلَدَ أبو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهَذَا أَحَبُّ إلي» (^١).\nوهذا أمر حصل بمحضَر من الصحابة من غير نكير وورد مثله عن عمر - كما ذكرنا - وابن مسعود كذلك.\n١٢ - عمل الفقهاء بالقرائن:\nلا شك أن أمثلة عمل فقهاء المذاهب الأربعة بالقرائن لا تنحصر وقد مثلنا من قبل لعمل فقهاء الحنفية - وهم أضيق المذاهب في اعتبار القرائن - بأمثلة تبين المقصود وتغني عن الإعادة.\nولكن ينبغي أن ننوه على أنهم اتفقوا على قرينة الحيازة أو اليد (^٢) وقرينة قبول الرجل التهنئة وشراء لوازم الولادة على أن الولد منه، وإهداء العروس يوم الزفاف على أنها امرأته التي عقد عليها (^٣). وجمهورهم يأخذون بقرينة الاستعمال (^٤)\n_________\n(^١) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الحدود، باب الحد في الخمر (٤/ ١٦٣).\n(^٢) انظر «تَبْيين الحَقَائق» للزَّيْلَعِيّ (٤/ ٢٩٥)، «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٧/ ١٧٢)، «فتاوى السُّبكِيّ» (١/ ٣٣٣)، «قَوَاعِد الأحْكَام» للعز (٢/ ١١٩).\n(^٣) انظر «درر الحكام» (٤/ ٤٨٥ - ٤٨٧). وعليه إجماعهم كما في «المَوْسُوعَة الفِقْهِيَّة» (٣٣/ ١٥٧ - ١٥٨).\n(^٤) فمن كان راكبًا للدابة أولى من الممسك بلجامها، ومن حفر بئرًا في دار أولى بها. انظر «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٥/ ٢١٥) و(١٧/ ٨٧) و(١٧/ ٩٠)، «درر الحكام» لحَيْدَر (٤/ ٤٨٥ - ٤٨٧)، «المُغْنِي» لابن قُدامة (٤/ ٣٢٧) و(١٠/ ٢٧٤)، «قَوَاعِد الأحْكَام» للعز (٢/ ١١٩).","vol":"1","page":613},{"text":"والصَّلاحِيَة (^١) وبالعلامة في بدن اللقيط ومكان وجده ووصف اللُّقَطَةِ (^٢)، وبالآلة المستعملة في القتل على العمدية (^٣)، وفتح أبواب دار والأذان فيه على وقفه مسجدًا (^٤)، وغير ذلك كثير.\n١٣ - أما استدلالهم بالمعقول، فلهم في هذا الحجة الظاهرة، وليس أجمع ولا أجمل من قول الإمام ابن القَيِّم -﵀- في ذلك حيث قال عن الحكم بالقرائن:\n«وهذا موضع مزَلَّة أقدام، ومضَلَّة أفهام، وهو مقام ضَنْك، ومُعْتَرَك صعب، فرط فيه طائفة، فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوها، مع علمهم وعلم غيرهم قطعا أنها حق مطابق للواقع، ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع. ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول -ﷺ- وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك:\n_________\n(^١) فالمرأة أولى بما يصلح للنساء إذا تنازعت مع زوجها على متاع البيت وعند بعضهم العَطَّار أولى بآلته والنجار بآلته إذا تنازعاهما. انظر «درر الحكام» (٤/ ٤٨٥ - ٤٨٧)، «الفُرُوق» للقَرافِيِّ (٣/ ٢٧٤)، «المُغْنِي» لابن قُدامة (١٠/ ٢٧٢ و٢٧٣).\n(^٢) انظر «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٦/ ٢٥٣)، «قَوَاعِد الأحْكَام» للعز (٢/ ١١٩)، «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (١٧/ ١٣٠).\n(^٣) انظر «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٢٦/ ٦٤)، «أسْنَى المَطَالِب» للأنصَارِيّ (٤/ ٢)، «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (٩/ ٤٣٦).\n(^٤) انظر «المُغْنِي» لابن قُدامة (٥/ ٣٥١).","vol":"1","page":614},{"text":"نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر، فلما رأى ولاة الأمور ذلك، وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة، أحدثوا من أوضاع سياساتهم شرا طويلا، وفسادا عريضا فتفاقم الأمر، وتعذر استدراكه، وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك، واستنقاذها من تلك المهالك. وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة، فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه. فإن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات. فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه، والله سبحانه أعلم وأحكم، وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة، وأبين أمارة، فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها؛ بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق، أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، وليست مخالفة له. فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحهم، وإنما هي عدل الله ورسوله، ظهر بهذه الأمارات والعلامات» (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-251> الفرع السادس: الترجيح:</span>\nإن الذي يظهر هو أن العمل بالقرائن مجمع عليه، والحنفية والشافعية يعملون بها ولكن في غير الحدود والقصاص وأخذهم بالقرائن الحسية والحالية أكثر وهم صرحوا\n_________\n(^١) «الطُّرُق الحُكمِيَّة» لابن القَيِّم (١/ ١٩).","vol":"1","page":615},{"text":"بالعمل بالقطعية منها.\nوالأدلة شاهدة على العمل بالقرائن في غير الحدود والقِصاص، سيما فيما يتعلق بالخصومات بين العباد، وهذا الذي ينبغي المصير إليه، ولا يتحقق العدل من غيره، ولا يكون للقضاء والقانون هيبة إلا به، فإن أنواع الجريمة تتعدد وأساليبها ليست تنحصر وهي تزداد يومًا بعد يوم، فكيف نحصر أدلة الإثبات ونكبل أيدي القضاة؟\nوإذا لم نأخذ بالدليل المادي، فكيف نتعامل مع جرائم الشبكة المعلوماتية؟ وكيف نطرح الطب الشرعي وأدواته التي تبلغ مبلغ اليقين في إثبات ما تتصدى لإثباته، كما هو الحال في البصمة الوراثية مثلا.\nأما الحدود والقصاص، فلابد من العمل بالقرائن فيهما في مرحلة التحقيق الجنائي للتضييق على المتهم (^١) واستدراجه، ثم إنه إن كانت القرينة قاطعة، ولم تكن هناك بينة مما جرى العمل عليه مما في نصوص الوحيين وعمل الصحابة، دفع الحد بالشبهة، ولزمت العقوبة التعزيرية التي يقدرها القضاء. فإن درء الحد لا يعني المنع من العقوبة بالكلية (^٢).\nوإذا أدى استعمال القرينة إلى الإقرار فالإقرار عندها هو الدليل.\nوإنما كان ذلك في الحدود لأنها تدرء بالشبهات وأكثرها حق لله ينبني على المسامحة.\nأما شرب الخمر، فيقضى فيها بالقرينة القاطعة سواءٌ التي جرى العمل بها أو ما يساويها أو يزيد عليها، فيحد شاربها بذلك، وهذا لما لها من خطر عظيم على المجتمع،\n_________\n(^١) وقد يضرب إن كان من أهل التهمة عند بعضهم. انظر «الفَتَاوَى الكُبْرَى» لابن تَيمِيَّة (٤/ ٢٢٨).\n(^٢) انظر أقوال الفقهاء في التعزير في: «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١١/ ٤٠١) وانظر في «ثبوت الدية دون القود» «مُغْنِي المُحْتاج» للشِّرْبِينِيِّ (٤/ ١١٨). و«المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٤٠٣) وفيه قبول الشاهد ويمين الطالب في ما يوجب المال كشبه العمد والخطأ.","vol":"1","page":616},{"text":"ولثبوت ذلك عن رهط من الصحابة، وذلك بالطبع إن لم يدفع المتهم الحد عن نفسه بشبهة (^١) يقبلها القاضي.\nوفي السرقة يغرم السارق إن وجد عنده مال للمسروق منه ويعاقب بعقوبة رادعة دون الحد.\nأما القِصاص فيقضى فيه بالدِّيَة لعظيم حق الدماء، ويقضى بتعزير لائق عند قوة القرينة مراعاةً لحق المجني عليه والمجتمع.\nوليس من نافلة القول أن في توسيع دائرة التعزير تمكينًا للقضاء من ردع المجرمين الذين تنوعت أشكال ووسائل غيهم وإفسادهم في الأرض.\nوالتعزير مما يتغير ليناسب الزمان والمكان والحال، وفي ذلك يقول ابن القَيِّم -﵀-: «النوع الثاني: ما يتغير بحسَب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالا، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسَب المصلحة» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) قال في «الفُرُوع»: «واختاره الشيخ تقي الدين إن لم يدع شبهة». «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (٦/ ٨٥). ونبين أن هذا يستبدل الآن بالتحليل.\n(^٢) «إغَاثَة اللَّهْفَان من مَصَائد الشَّيطَان» لابن القَيِّم (١/ ٣٣٠).","vol":"1","page":617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>المطلب الثاني: تطور الطب الشرعي</span>\nالطب الشرعي هو فرع من فروع الطب مختص بمعالجة القضايا التي ينظرها رجال القانون من وجهة طبية (^١)، فهو إذًا خادم للقضاء والشرع، ومن ثم التسمية بالطب الشرعي أو العدلي في بعض البلدان (^٢).\n• ومن اختصاصات الطب الشرعي أو العدلي:\n١ - فحص المتهمين للكشف عن حالتهم العقلية وأعمارهم (^٣).\n٢ - الكشف على المجني عليهم من المصابين لتحديد وسيلة الإصابة وحجمها ومدى خطورتها على حياة المجني عليه (^٤).\n٣ - فحص المشتبه فيهم للتعرف على الجناة ومدى علاقتهم بالجريمة وذلك عن طرق الآثار المادية في مسرح الجريمة أو على أجسامهم وملابسهم (٤)، كوجود شعر القتيل على ملابس أحد المشتبه فيهم مع ادعائه عدم رؤية القتيل، ووجود بصمات اليدين على آلة الجريمة، وكذلك التأكد من نسبة المني للمُغتصِب عن طريق البصمة الوراثية.\n٤ - تشريح جثث الموتى لمعرفة سبب الوفاة ووقتها والآلة المستخدمة ووجود تسمم ... إلخ (^٥).\n_________\n(^١) «الوجيز في الطب العدلي» لوصفي محمد علي (ص ٩).\n(^٢) «الطب الشرعي والسموم» لجلال الجابري (ص ١١).\n(^٣) «موسوعة الفقه والقضاء في الطب الشرعي» لشريف الطباخ وأحمد جلال (١/ ١٠ - ١١).\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) المصدر السابق و«الطب الشرعي والسموم» لجلال الجابري (ص ١٢).","vol":"1","page":618},{"text":"وقد تطور الطب الشرعي في الآونة الأخيرة تطورًا مذهلا، فيكفي أن وسائل تحديد هُوِيَّة الأشخاص ومعرفتهم من آثارهم الآن تشمَلُ ما يأتي:\nأ- بصمات الأصابع:\nإن البصمات لا تتشابه من شخص لآخر حتى لدى التوائم المتطابقة، فسبحان القائل: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٣ - ٤]. لذا فقد مضى مائة عام علي اعتبار بصمات الأصابع كدليل جنائي أمام المحاكم. وهي كما سبق، تعني فقط أن إصبع المتهم لمست الشيء الذي وجدت عليه بصمته.\nب- بصمة الدي إن آيه  DNA:\nأهم وأدق وسائل تحديد هُوِيَّة الأشخاص. وهي دقيقة بنسبة ١٠٠% كما سنبين في بحث إثبات النسب بالبصمة الوراثية.\nج- بصمة العرق:\nلكل شخص بصمة عرق خاصة به تميزه، وتعرف عن طريق التحليل الطيفي.\nد- المني:\nولتحديده أهمية كبيرة في إثبات جرائم الاغتصاب وسائر الجرائم الجنسية. ويمكن تحديد صاحبه بواسطة البصمة الوراثية.\nهـ- بصمة الشعر:\nوالشعر يبقى ولا يتلف فيستعمل في إثبات هُوِيَّة الجناة عن طريق مواد نادرة تكون فيه أو تحليل الحمض الأميني.","vol":"1","page":619},{"text":"و- بصمات الصوت:\nولقد بدأ العمل بإضافتها إلى أجهزة الحاسب الآلي لدقتها في التمييز بين الأشخاص.\nز- بصمة حدقة العين:\nويعمل بها في العديد من مطارات العالم الآن، وهي في منتهى الدقة.\nومن اختصاصات الطب الشرعي فحص جثث الموتى. ويمكن للطبيب الشرعي أن يتعرف على عمر القتيل ووقت القتل تقريبًا عن طريق حساب مراحل التيبس والتلون والتعفن والتجبن الموتي (^١). ويمكن التعرف على آلة القتل واتجاه الضرب أو اختراق الرصاص للجسم عن طريق اتجاه الأنسجة الممزقة وسعة المدخل وطوق المسح - وهو حَاشِيَة سوداء تحصل حول الفتحة الدخولية - وإلى حد ما يمكن تحديد مسافة الإطلاق (^٢).\n• إن التطور الحاصل في الطب الشرعي إن هو إلا نتيجة طبيعية للتطور الحاصل في كافة أنواع الطب، وإن ما كان مستحيلا - عرفًا - في وقت مضى، كإعادة عضو مقطوع إلى صاحبه، صار اليوم ممكنًا. وكذلك فإن ما كان لا يتخيل في مجال دقة تحديد الهُوِيَّة ومعرفة ملابسات الجريمة، صار اليوم ممكنًا مع هذا التطور الباهر في علم وصناعة الطب الشرعي.\n* * *\n_________\n(^١) انظر «موسوعة الفقة والقضاء في الطب الشرعي» لشريف الطباخ وأحمد جلال (١/ ٢٣٥ - ٢٤٤).\n(^٢) انظر «الوجيز في الطب العدلي» لوصفي محمد علي (ص ٨٣ - ٨٩)، «موسوعة الفقه والقضاء في الطب الشرعي» لشريف الطباخ وأحمد جلال (١/ ١٩٦ - ٢٢١).","vol":"1","page":620},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>المطلب الثالث: أثر تطور الطب الشرعي على أدلة الإثبات\nوالعمل بالقرائن في القضاء الإسلامي</span>\nإنه مما ينبغي التأكيد عليه أولًا أن الوحي وعمل الرسول وأصحابه يقضي باعتبار القرائن، وأنه ليس من شيء في الوحي وعمل خير القرون يثبت بالقطع أن أدلة الإثبات تنحصر في وسائل بعينها.\nولما صارت الجرائم تتعدد وسائلها وطرقها، كان من فضل الله على الناس لإقامة العدل ونشر الأمن أن تتطور أدوات التحقيق الجنائي والإثبات في القضاء. ومن أهم هذه الوسائل الطب الشرعي الذي أدى تطوره الباهر إلى الكشف عن الكثير من الجرائم وحفظ الكثير من الحقوق.\nإن عدم اعتبار هذه الوسائل النافعة في إقامة العدل في القضاء الإسلامي سيرجع علينا بالضرر في مجتمعاتنا لعدم القدرة على ردع الجناة الذين زادت حيلهم وتعددت وسائلهم.\nوإنه من مضار ذلك التي لا ينبغي أن تغفل هو شماتة الأعداء بالإسلام وأهله وتشنيعهم على القضاء الإسلامي، ووصفه بالقصور عن تحقيق مصالح البلاد والعباد. وإن من أعظم الأضرار، بل أعظمها، تزهيد الحكام والسلاطين في القضاء الإسلامي إذا رأوا أنه لا يتعاطى مع الواقع الجديد، فينصرفون إلى وضع قوانينهم والحكم بسياساتهم دون الرجوع إلى الشريعة السمحاء. ولقد حدث ذلك في عصور غلب عليها التقليد والجمود، فانصرف الحكام إلى الحكم بالسياسة وتركوا الوحي المنزل. وهذا وايم الله الانسلاخ من الدين وخلع ربقته من الأعناق.","vol":"1","page":621},{"text":"إن عدم اعتبار البصمة الوراثية في إثبات البنوة أو حتى جعلها كالقيافة لهو أمر ينبغي أن يراجع. إن جلد المغتصَبَة بالقذف ومني المغتصب في فرجها، والطب الشرعي يستطيع أن يؤكد نسبته إليه، لثُلْمة في جبين أهل الإسلام، يراها العدو فيشمت وأهل الملة فيتحسرون.\nإن القول الذي ينبغي المصير إليه هو اعتبار القرائن والحكم بالدليل المادي وقول الخبير (^١)، فإن غير ذلك لا يصلح لزماننا، وإن هذا لهو الأولى بمقاصد الشريعة، بل والأسعد حظًا بنصوص الوحيين.\n_________\n(^١) مع التحوط في الحدود والقصاص - كما سبق - بدرء الحد والقود والحكم بالتعزير الملائم عند استعمال القرائن التي لم يجر العمل بها في القرون الخيرية.","vol":"1","page":622},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>فرع: فائدة فيما يستطيع الطب الشرعي أن يقدمه في جرائم الاغتصاب:</span>\nإن اغتصاب امرأة محصنة قد يكون أنكى وأشد وأكثر قساوة من قتل النفس. وتكون لهذه الجريمة من الآثار النفسية على المرأة وأهلها ما يفوق الوصف، وما لا تعبر عنه الكلمات، ولذا ناسب تطبيق حد الحرابة على الفاعل كما جرى في المملكة العربية السعودية ومصر، سيما عندما تكتمل جوانب الحرابة من الخطف واستعمال السلاح. والجمهور - خلافًا للأحناف - يرون أن الحرابة تكون داخل البلد كما تكون خارجها (^١).\nولكن هذا إما يكون عند إثبات جريمة الاغتصاب أو الحرابة والأولى يَعُوزها أربعةُ شهود عدول والثانية اثنان، إن لم يعمل بالقرائن. وإن هذا لما يتعذر في أكثر الأحوال.\nفإذا ما لم تثبت التهمة على الجاني، كانت عقوبة المدَّعِيةِ أن تُحَد للقذف على خلاف بين الفقهاء في بعض التفاصيل. ولعل ذكر جانب من أقوالهم يفيد في حسن تصور القضية، ولم أجد أوفى وأنفس في الباب مما جاء عند المالكية - ﵏ - حيث جاء في شرح ميارة على نظم ابن عاصم:\n«وَإِنْ يَكُنْ ذَا الْغَصْبُ بِالدَّعْوَى فَفِي ... تَفْصِيلِهِ بَيَانٌ حُكْمُهُ يَفِي\nفَحَيْثُمَا الدَّعْوَى عَلَى مَنْ قَدْ شُهِرْ ... بِالدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ نُظِرْ\nفَإِنْ تَكُنْ بَعْدَ التَّرَاخِي زَمَنَا ... حُدَّتْ لِقَذْفٍ وَبِحَمْل لِلزِّنَا\nوَحَيْثُمَا رَحِمُهَا مِنْهُ بَرِي ... فَالْحَدُّ تَسْتَوْجِبُهُ فِي الأَظْهَرِ\nوَذَاكَ فِي الْمَجْهُولِ حَالًا إنْ جُهِلْ ... حَالٌ لَهَا أَوْ لَمْ تَحُزْ صَوْنًا نُقِلْ\nوَإِنْ تَكُنْ مِمَّنْ لَهَا صَوْنٌ فَفِي ... وُجُوبِهِ تَخْرِيجًا الْخُلْفُ قُفِي\n_________\n(^١) انظر «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٩/ ٢٠١)، «المُغْنِي» لابن قُدامة (٩/ ١٢٤)، ذكر توقف أحمد واختلاف أصحابه في تطبيق حد الحرابة في المصر.","vol":"1","page":623},{"text":"وَحَيْثُ قِيلَ لَا تُحَدُّ إنْ نَكَلْ ... فَالْمَهْرُ مَعْ يَمِينِهَا لَهُ حَصَلْ\nوَمَا عَلى الْمَشْهُورِ بِالْعَفَافِ ... مَهْرٌ وَلَا حَلْفٌ بِلَا خِلَافِ\nوَحَيْثُ دَعْوَى صَاحَبَتْ تَعَلُّقَا ... حَدُّ الزِّنَا يَسْقُطُ عَنْهَا مُطْلَقَا\nوَالْقَذْفُ فِيهِ الْحَدُّ لِابْنِ الْقَاسِمِ ... وَحَلْفُهُ لَدَيْهِ غَيْرُ لَازِمِ\nوَمَنْ نَفَى الْحَدَّ فَعِنْدَهُ يَجِبْ ... تَحْلِيفُهُ بِأَنَّ دَعْوَاهَا كَذِبْ\nوَمِنْ نُكُولِهِ لَهَا الْيَمِينُ ... وَتَأْخُذُ الصَّدَاقَ مَا يَكُونُ\nوَحَدُّهَا لَهُ اتِّفَاقًا إنْ تَكُنْ ... لَيْسَ لَهَا صَوْنٌ وَلَا حَالٌ حَسَنْ\nوَعَدَمُ الْحَدِّ كَذَا لِلْمُنْبَهِمْ ... حَالًا إذَا كَانَتْ تَوَقَّى مَا يَصِمْ\nوَإِنْ تَكُنْ لَا تَتَوَقَّى ذَلِكَا ... فَالْحَلْفُ تَخْرِيجًا بَدَا هُنَالِكَا\nوَفِي ادِّعَائِهَا عَلَى الْمُشْتَهِرِ ... بِالْفِسْقِ حَالَتَانِ لِلْمُعْتَبِرِ\nحَالُ تَشَبُّثٍ وَبِكْرٌ تَدْمَى ... فَذِي سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهَا عَمَّا\nفِي الْقَذْفِ وَالزِّنَا وَإِنْ حَمْلٌ ظَهَرْ ... وَفِي وُجُوبِ الْمَهْرِ حَلْفٌ مُعْتَبَرْ\nوَحَيْثُ قِيلَ إنَّهَا تَسْتَوْجِبُهْ ... فَبَعْدَ حَلْفٍ فِي الأَصَحِّ تَطْلُبُهْ\nوَإِنْ يَكُنْ مَجْهُولَ حَالٍ فَيَجِبْ ... تَحْلِيفُهُ وَمَعْ نُكُولٍ يَنْقَلِبْ\nوَحَالَةٌ بَعْدَ زَمَانِ الْفِعْلِ ... فَالْحَدُّ سَاقِطٌ سِوَى مَعْ حَمْلِ\nوَلَا صَدَاقَ ثَمَّ إنْ لَمْ يَنْكَشِفْ ... مِنْ أَمْرِهِ بِالسَّجْنِ شَيْءٌ فَالْحَلِفْ\nوَإِنْ أَبَى مِن الْيَمِينِ حَلَفَتْ ... وَلِصَدَاقِ الْمِثْلِ مِنْهُ اسْتَوْجَبَتْ» (^١)\nوحاصل ما في الأبيات أن المرأة المدَّعِية للاغتصاب إما أن تكون ممن تَتَوقَّى الرذيلة وما يصِمُها أو لا. والرجل المدعَى عليه إما صالح الحال أو مجهولُه أو معروفٌ بالفسق. وهي إما أن تأتي إلى القضاء مباشرة بعد وقوع الجريمة أو بعدها بزمن. فهذه أحوال اثتنا عشرة.\n_________\n(^١) «شرح مَيَّارة على نظم ابن عاصم» (٢/ ٤٣٩).","vol":"1","page":624},{"text":"فلو أن صالحة الحال أتت مباشرة - متشبثة به أو بكر تدمى - فلها حال من ثلاثة:\n١ - أن تدعي على صالح الحال، فلا حد عليها في الزنا اتفاقًا وقال ابن القاسم تحد للقذف، وقال غيره لا تحد وهل لها عليه يمين؟ قولان.\n٢ - أن تدعي على مجهول الحال، فلا حد عليها في الزنا أو القذف اتفاقًا ولها عليه اليمين.\n٣ - أن تدعي على المعروف بالفسق، فلا حد عليها، وقال بعضهم لها الصداق بيمينها.\nولو أنها أتت بعد زمان، فلها حال من ثلاثة كذلك:\n١ - أن تدعي على صالح الحال، فتحد للقذف، وإن ظهر بها حمل للزنا (جريًا على قول المالكية).\n٢ - أن تدعي على مجهول الحال، ففي حدها للقذف قولان.\n٣ - أن تدعي على المعروف بالفسق، فلا تحد للقذف اتفاقًا.\nولو أن المرأة التي لا تتوقى ما يصِم أتت مباشرة - متشبثة به أو بكر تدمى - فلها حال من ثلاثة:\n١ - أن تدعي على صالح الحال، فتحد للقذف اتفاقًا.","vol":"1","page":625},{"text":"٢ - أن تدعي على مجهول الحال، فاختلفوا في حدها لقذفه.\n٣ - أن تدعي على المعروف بالفسق، فلا تحد.\nولو أنها أتت بعد زمان، فلها حال من ثلاثة كذلك:\n١ - أن تدعي على صالح الحال، فتحد للقذف اتفاقًا.\n٢ - أن تدعي على مجهول الحال، فتحد للقذف اتفاقًا.\n٣ - أن تدعي على المعروف بالفسق، فلا تحد.\nإن إقامة حد القذف على المدعية في بعض هذه الأحوال يراه البعض ظلمًا وهؤلاء قصر نظرهم عن إدراك كل جوانب الصورة، ولم ينظروا فقط إلا إلى حق المدعية، مع إهمالهم لاحتمال أن تفتري المرأة المأجورة أو المغرضة على الرجل الشريف لتهدم سمعته وتلحق الأذى به وبأهل بيته.\nإن رسول الله -ﷺ- قد علمنا التثبت والاحتياط في اتهام الناس، سيما بفاحشة تهدم سمعة الإنسان وقد تحطم أسرته، وترجع ببالغ الضرر على أولاده. ومن جوامع كلمه الطاهر قوله -ﷺ-: «لو يُعْطَى الناس بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ على الْمُدَّعَى عليه» (^١).\nلكن يبقى أن للشارع مقصودًا في إقامة العدل وحفظ جميع الحقوق، ومنها حق المُغْتَصَبَة التي لا تجد بينة على استكراهها. وهذا المقصود ينبغي أن تبتغي إليه كل وسيلة ممكنة تحفظ للمدعية حقها ولا تَحِيف على المدعي عليه.\nفهل من وسائل حديثة يستطيع الطب الشرعي أن يقدمها لدعم القضاء في هذا الباب؟\nالحق أن هناك عدة وسائل: فإن المرأة إذا أتت بعد استكراهها، تم فحصها وعمل التحاليل اللازمة فينظر إلى آثار المقاومة على جسدها ويجمع الشعر الملتصق بملابسها أو بدنها، كما تجمع التلوثات المنوية من بدنها وثيابها.\n_________\n(^١) «صَحِيح مُسْلِم» كِتَاب الأَقْضِيَة، بَاب اليَمِين على الْمُدَّعَى عليه (٣/ ١٣٣٦).","vol":"1","page":626},{"text":"وبعد تحليل الشعر والمني المجموع عن طريق اختبار الحمض النووي، يمكن الجزم (^١) بأن هذا الشعر والمني للمشتَبَه فيه أم لا. ويمكن تحديد نوع الشعر كذلك.\nإن تقرير هذا سيكون له بالغ الأثر في مجريات القضية، وسيكون نافعًا أيضًا فحص علامات المقاومة على بدن المدعية والمدعى عليه.\nأما إن ادعت المرأة اغتصابها بعد زمن وظهر حملها، فإن المقارنة بين البصمة الوراثية للجنين والمدعى عليه ستظهر ما لو كان المدعى عليه واقعها أم لا.\nولكن ما فائدة كل ذلك؟ فقد يقال:\nإن دعوى المرأة على الرجل الصالح بعد زمن ومع عدم التعلق، لا تسمع وليس لها عليه يمين.\nوالجواب أنهم إنما ذكروا ذلك لاستحالة إثبات كون الولد منه على وجه اليقين أو غلبه الظن المقاربة له. والحال في زماننا يختلف.\nإن إثبات كون المني أو الشعر للرجل ليس دليلا على حصول الزنا بمعنى الإيلاج بله الاغتصاب.\nوالجواب: إن ذلك حق، حتى لو استخرج المني من فرجها، فقد يحتمل أنها دفعته بإصبعها. ولكن الذي ينبغي ألا نهمله أن المدعى عليه إما أن يقر بالاغتصاب، فيحد بالزنا، أو الحرابة فيحد لها، أو باتصاله بالمرأة من غير إيلاج، فيعزر بتعزير رادع. وقد ينكر أي اتصال بها أو معرفة لها، وهذا لا يستقيم مع وجود منيه على بدنها أو ثوبها أو كليهما. وعندما يظهر كذبه، يعزر بما يردعه وأمثاله.\n_________\n(^١) انظر دقة البصمة الوراثية في البحث الخاص بها.","vol":"1","page":627},{"text":"ثم إن في إثبات ذلك ما يدفع عن المرأة حد القذف، وكيف لا والحدود تدرء بالشبهات.\nولقد ذكر ابن القَيِّم -﵀- في «الطُّرق الحُكمية» قصة طريفة فقال:\n«وقال جعفر بن محمد: أُتي عمر بن الخطاب -﵁- بامرأة قد تعلقت بشاب من الأنصار، وكانت تهواه، فلما لم يُساعِدها احتالت عليه، فأخذت بيضة فألقت صفارها، وصبت البياض على ثوبها وبين فخذيها، ثم جاءت إلى عمر صارخة، فقالت: هذا الرجل غلبني على نفسي، وفضحني في أهلي، وهذا أثر فعاله. فسأل عمر النساء فقلن له: إن ببدنها وثوبها أثر المني. فهم بعقوبة الشاب فجعل يستغيث، ويقول: يا أمير المؤمنين، تثبت في أمري، فوالله ما أتيت فاحشة وما همَمْت بها، فلقد راودتني عن نفسي فاعتصمت، فقال عمر: يا أبا الحسن ما ترى في أمرهما، فنظر علي إلى ما على الثوب ثم دعا بماء حار شديد الغليان، فصب على الثوب فجَمُد ذلك البياض، ثم أخذه واشتمه وذاقه، فعرَف طعم البيض وزجر المرأة، فاعترفت» (^١).\nفانظر كيف أنهم على قلة الوسائل في زمانهم، كانوا يتحرون الحقيقة بكل وسيلة متاحة لهم، ولم يكن في قضائهم -﵃- ما يتعارض مع صريح المعقول، بل كان مفخرة للإسلام وأهله في كل زمان. أما عندما انعدمت الوسيلة لمعرفة الحقيقة، فحينها لم يكن الله ليكلفهم إلا وسعهم.\nفاللهم ارض عنهم، وأقمنا على طريقتهم، واجمعنا بهم حول حوض نبيك -ﷺ-.\n* * *\n_________\n(^١) «الطُّرُق الحُكمِيَّة» لابن القَيِّم (١/ ٧٠).","vol":"1","page":628},{"text":"المبحث الثاني: تطبيقات استعمال الدليل المادي\nتحديد النسب باستعمال الأحماض الأمينية\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: تعريف النسب وأدلة ثبوته\nالمطلب الثاني: مسائل مهمة في أحكام النسب\nالمطلب الثالث: التعريف بالبصمة الوراثية\nالمطلب الرابع: حكم اعتماد البصمة الوراثية كدليل على ثبوت الأبوة أو نفيها","vol":"1","page":629},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>المبحث الثاني: تطبيقات استعمال الدليل المادي</span>\nهناك العديد من تطبيقات الحكم بالقرائن وقول الخبير، سيما في باب الطب الشرعي. ومنها إثبات شرب الخمر بالتحاليل وكذلك الحمل، وتحديد هُوِيَّة الجناة عن طريق البصمات، سواءٌ بصمات الأصابع أو العرق أو الصوت أو غيرها.\nومن هذه التطبيقات تحديد الأبوة عن طريق الحمض الأميني. ولما كان بحث كل تطبيقات استعمال الدليل المادي المتعلق بالطب الشرعي مما لا تتسع له رسالة واحدة، بله جزء من رسالة، رأيت الاكتفاء بضرب المثل بأحد هذه التطبيقات، واخترت إثبات النسب عن طريق البصمة الوراثية لما للموضوع من أهمية ولكون البصمة الوراثية من أحدث وأدق هذه التطورات الطبية التي أثرت على أحكام القضاء.","vol":"1","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>تحديد النسب عن طريق الحمض الأميني (البصمة الوراثية)</span>\nالبصمة فوت ما بين الخنصر والبنصر، وجعلها مجمع اللغة العربية اسمًا لأثر الختم بالإصبع (^١). ولما ظهرت تحليلات الأحماض الأمينية التي تسمى بالمورثات كمحقق للهُوِيَّة أدق من غيره سميت تلك المورثات بالبصمة الوراثية. ونحن سنستعمل اختصارًا اسم البصمة بدل تحليل البصمة.\nوهناك جدل واسع حول قضية استعمال البصمة الوراثية كدليل في إثبات النسب. وهذه القضية واحدة من القضايا المتعلقة بالقضاء والفتيا، والتي أثر تطور الصناعة الطبية فيها بشكل بالغ. إن إثبات النسب لم يكن أبدًا ممكنًا عن طريق العلوم الطبيعية (^٢) إلى زمن قريب. ومن ثم، كان إثبات ونفي النسب لا تعلق له بهذه العلوم ولا تعلق لها به، إلا ما كان من القيافة وهي من نوع العلوم الطبيعية، ولكنها غير منضبطة وقائمة على الظن المناسب للاستعمال في الترجيح فقط. أما البصمة الوراثية، والتي ظهرت في الآونة الأخيرة، فإنها معيرة منضبطة، وغلبة الظن فيها، عند تطبيق معايير صارمة، قريبة جدًا من اليقين إن لم تكنه. فهل تضاف هذه الوسيلة إلى وسائل إثبات النسب في الشريعة، وهل تكون دليلا أم قرينة قوية؟ فإن لم يتم اعتبارها دليلا أو قرينة يحكم على أساسها بثبوت النسب، فهل يستفيد منها القضاء الإسلامي في أي من أحكامه؟\nوأنا هنا أبحث هذه القضية بغية الوصول إلى الحكم الشرعي الصحيح بشأنها.\n_________\n(^١) «المُعْجَم الوَسِيط» (ص ٦٠).\n(^٢) العلوم: طبيعية كالفيزياء والطب، وتجريدية كالرياضيات، وإنسانية كالفلسفة والتاريخ. الدين يُصنَّف من العلوم الإنسانية، والوحي - عندنا نحن المسلمين - من العلوم الخبرية المتلقاة عن الله تعالى، وإن شارك العلوم الإنسانية من حيث كون إسعاد البشر أحد مقاصده.","vol":"1","page":632},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>المطلب الأول: تعريف النسب وأدلة ثبوته</span>\nأولًا: في اللغة: يأتي النسب في اللغة على معانٍ كثيرة ترجع في أصلها كما قال ابن فارس إلى اتصال شيء بشيء (^١). ولعل المعنى الذي يعنينا هو القرب، قال في «مختار الصحاح»: «نَسَب: النَّسَب واحد الأنساب والنِّسْبَة بكسر النون وضمها مثله ... وفلان يناسب فلانًا، فهو نسيبُه أي قريبُه» (^٢).\nثانيًا: في الاصطلاح: لم يعتن الفقهاء بتعريفه لظهوره واكتفوا بذكر أسبابه، وعرفه بعض المعاصرين على أنه: «حالة حكمية إضافية بين شخص وآخر، من حيث أن الشخص انفصل عن رحمِ امرأةٍ هي في عصمةِ زواجٍ شرعيٍ أو ملكٍ صحيحٍ ثابتين أو مُشبِهَين للثابت، للذي يكون الحَبَل من مائه» (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) «مُعْجَم مَقَاييس اللُّغَة» لابن فَارِس (٥/ ٤٢٤).\n(^٢) «مختار الصِّحَاح» للرازِيّ (١/ ٢٧٣).\n(^٣) انظر النقل في «البصمة الوراثية ومدى مشروعية استخدامها في النسب والجناية» لعمر بن محمد السبيل (ص ٧). وهذا على قول من لم يثبت النسب لولد الزنا.","vol":"1","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>أدلة ثبوت النسب في الإسلام</span>\nاعتنى الإسلام عناية عظيمة بحقوق الأولاد ومنها صيانة النسب بل جعل الفقهاء حفظ النسل والعِرض من الضروريات كما تقدم في مباحث عدة.\nوالإسلام حريص على إثبات نسب كل مولود وجعل لثبوت النسب أدلة اتفق الفقهاء على أكثرها وهي الفراش (^١) والبينة (^٢) والإقرار (^٣) والاستفاضة (^٤) - على بعض خلافٍ في التفاصيل.\n_________\n(^١) الفراش: هو قيام حالة الزوجية، وهو سبب لثبوت النسب، وهو مظنة الوطء الذي يحصل به الولد، وقام عند الفقهاء مقام الوطء الحقيقي؛ لأن العلاقة بين الزوجين قائمة على الستر. قال الشيخ أبو زَهْرَة في «الأحوال الشخصية»: «أما العقد الصحيح فقد اتفق الفقهاء على أنه السبب في ثبوت النسب للولد الذي يولد في أثناء قيام الزوجية ولكنهم اختلفوا في اشتراط الدخول أو إمكان الدخول» «الأحوال الشخصية» لأبي زَهْرَة (ص ٣٨٦ - ٣٨٧). ومن الفراش، نكاح الأمة والنكاح الفاسد والوطء بشبهة حل المحل - كمن وطئ أمة ابنه - وكذلك بشبهة حل الفعل - كمن وطئ امرأة يظنها امرأته - عند الجمهور خلافًا للأحناف، وبشبهة حل العقد - كمن وطئ خالته بعد عقده عليها - عند الأحناف خلافًا للجمهور.\n(^٢) البينة: هي شهادة رجلين أو رجل وامرأتين أن فلانًا ابن فلان؛ وتقبل في الولادة شهادة امرأة واحدة مرضية عند الأكثرين. انظر «المُبْدِع» (٨/ ٨٧)، انظر الخلاف بين أبي حنيفة الراد لشهادتها وصاحبيه في «الهِدَايَة شَرْحُ البِدَايَة» (٢/ ٣٥).\n(^٣) الإقرار: اعتراف الأب بأبوة الولد، أو بعض الورثة أو جميعهم بأنه أخوهم من أبيهم. انظر «بدائع الصنائع» للكَاسَانِيّ (٦/ ٢٤٢)، «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (٦/ ١٠٠)، «حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ» (٣/ ٤١٢)، «الأحوال الشخصية» لأبي زَهْرَة (ص ٣٩٥).\n(^٤) الاستفاضة: هي انتشار العلم بين الناس أن فلانًا ابن فلان. انظر «فَتْح البَارِي» (٥/ ٢٥٤)، «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (١٢/ ١٢)، «تَبْصِرَة الحُكَّام» لابن فَرْحُون (١/ ٢٩٩).","vol":"1","page":634},{"text":"ثم إن الفقهاء اختلفوا في اعتماد القِيافة (^١) في إثبات النسب عند الاستلحاق والتنازع، فأنكرها الحنفية وعمل بها الجمهور.\nفمثلًا عند التنازع في نسبة ولد - كأن يكون رجلان وطئا امرأةً في طهر واحد بشبهة - ذهب الجمهور إلى العمل بالقيافة وذهب الحنفية إلى نسبته إليهما جميعًا (^٢).\nثم إن الجمهور لا يقفون عند العمل بالقيافة فحسب، فإنه عند العجز عن تحديد النسب بالقيافة يلجؤون إلى الإقراع أو تخيير الولد إذا كان بالغًا (^٣).\nملحوظة: القيافة والإقراع يلجأ إليهما عند التنازع وليسا أدلة على ثبوت النسب ابتداءً كباقي الأدلة.\nوالناظر في هذه الأدلة يرى أنها ليست كلها توقيفية بنص صريح، ولكن المقصود منها حصول غلبة الظن أن فلانًا ابن فلان، فإن أيًّا من هذه الأدلة لا يفيد اليقين، والعمل بها هو الحق، لأنها تفيد غلبة الظن مع تعذر حصول اليقين، والعقل يقتضي العمل بذلك وجاء الشرع بإقراره.\n* * *\n_________\n(^١) القيافة: معرفة النسب بالشبه، والكلام هنا على قيافة البشر وهناك قيافة الأثر.\nفي «أبجد العلوم»: «وقيافة البشر -وهي المرادة ههنا- وهو علم باحث عن كيفية الاستدلال بهيئات أعضاء الشخصين على المشاركة والاتحاد بينهما في النسب والولادة في سائر أحوالهما وأخلاقهما ... وحصول هذا العلم بالحدس والتخمين، لا بالاستدلال واليقين، والله ﷾ أعلم» «أبجد العلوم» (٢/ ٤٣٦).\n(^٢) انظر «شَرح فَتْح القَدِير» لابن الهُمَام (٥/ ٥٠)، «الوَسِيط» للغَزالِيّ (٧/ ٤٥٥).\n(^٣) انظر «الوَسِيط» للغَزالِيّ (٧/ ٤٥٥ - ٤٥٦).","vol":"1","page":635},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>المطلب الثاني: مسائل مهمة في أحكام النسب</span>\nنحاول في الصفحات القادمة أن نتعرض لعدة مسائل في باب ثبوت النسب كتمهيد للكلام عن حكم اعتماد البصمة الوراثية في ثبوته.\nونحن هنا لن نتكلم عن أدلة ثبوت النسب على التفصيل؛ لأن ذلك يقتضي بحثًا منفصلًا، وإنما نعرض المسائل التي نحتاج إلى فهمها قبل الشروع في الكلام عن اعتماد البصمة الوراثية:\n١ - حرص الإسلام على إثبات نسبٍ لكل مولود:\nوذلك لأن الإسلام يعتبر النسب حقًّا من حقوق الأولاد، ولذلك يلجأ عند اللبس إلى مثل الإقراع في إثبات النسب، ودليله ما رواه أبو داود عن زيد بن أرقم -﵁- قال: «كنت جالسًا عند النبي -ﷺ- فجاء رجل من اليمن، فقال: إن ثلاثة نفر من أهل اليمن أتوا عليا يختصمون إليه في ولد، وقد وقعوا على امرأة في طُهر واحد، فقال لاثنين منهما: طِيبا بالولد لهذا، فَغَلَيَا (^١)، ثم قال لاثنين: طِيبا بالولد لهذا، فَغَلَيَا، ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فَغَلَيَا، فقال: أنتم شركاء متشاكسون، إني مُقرعٌ بينكم، فمن قُرِعَ فله الولد، وعليه لصاحبيه ثلثا الدِّيَة، فأقرع بينهم، فجعله لمن قُرِعَ، فضحك رسول الله -ﷺ- حتى بدت أضراسُه أو نَواجِذُه» (^٢).\n_________\n(^١) بالتحتانية، كغلت القدر: أي صاحا. وفي بعض النسخ بالموحدة «غلبا».\n(^٢) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الطلاق، باب من قال بالقرعة إذا تنازعوا في الولد، (٢/ ١٨١ رقم ٢٢٦٩ (، وصححه الألبَانِيّ (انظر «سُنَن أبي دَاوُد» بتحقيق مشهور، رقم ٢٢٦٩).","vol":"1","page":636},{"text":"ولقد قال في هذا الشأن الإمام ابن القَيِّم -﵀-: «إنه إذا تعذرت القافة وأشكل الأمر عليها، كان المصير إلى القرعة أولى من ضياع نسب الولد وتركه هملا لا نسب له، وهو ينظر إلى ناكح أمه وواطئها، فالقرعة ههنا أقرب الطرق إلى إثبات النسب فإنها طريق شرعي، وقد سدت الطرق سواها. وإذا كانت صالحة لتعيين الأملاك المطلقة وتعيين الرقيق من الحر وتعيين الزوجة من الأجنبية، فكيف لا تصلح لتعيين صاحب النسب من غيره، والمعلوم أن طرق حفظ الأنساب أوسع من طرق حفظ الأموال والشارع إلى ذلك أعظم تشوفًا» (^١).\n٢ - تغليب جانب الإثبات:\nمن أجل حرص الإسلام على إثبات نسب لكل مولود فإنه يغلِّب جانب الإثبات على جانب النفي: قال ابن مُفْلِح: «لأن النسب يحتاط لإثباته لا لنفيه» (^٢). ثم قال: «ثبوت النسب مبني على التغليب وهو يثبت بمجرد الإمكان وإن لم يثبت الوطء ولا ينتفي لإمكان النفي» (٢).\n٣ - الإسلام حريص على ثبوت النسب الحقيقي:\nفهو لا يرقع الواقع على حساب الحقيقة (^٣) ولذلك فإن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. ومن أجل ذلك شرع نفي\n_________\n(^١) «الطُّرُق الحُكمِيَّة» لابن القَيِّم (١/ ٣٤١).\n(^٢) «المُبْدِع» لابن مُفْلِح، إبراهيم (٨/ ٨٧).\n(^٣) انظر بحث الدكتور سعد الدين هلالي المقدم إلى ندوة مدى حجية استخدام البصمة الوراثية لإثبات البنوة - المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ٣، ٤/ ٥/٢٠٠٠ م. أو كتابه الموسوم بـ «البصمة الوراثية وعلائقها الشرعية» (ص ٢٧٦).","vol":"1","page":637},{"text":"الولد إذا غلب على ظن الزوج أنه ليس منه؛ بل إنه يجب على الزوج أن يقذف امرأته وينفي ابنه إذا رآها تزني في طهر لم يطأها فيه. قال ابن قُدامة -﵀-: «فَصْلٌ والقذف على ثلاثة أضرب: واجب: وهو أن يرى امرأته تزني في طهر لم يطأها فيه، فإنه يلزمه اعتزالها حتى تنقضي عدتها، فإذا أتت بولد لستة أشهر من حين الزنا وأمكنه نفيه عنه لزمه قذفها ونفي ولدها، ولأن ذلك يجري مجرى اليقين في أن الولد من الزاني، فإذا لم ينفه لحقه الولد وورثه وورث أقاربه وورثوا منه ونظر إلى بناته وإخوته، وليس ذلك بجائز، فيجب نفيه لإزالة ذلك. ولو أقرت بالزنا ووقع في قلبه صدقها فهو كما لو رآها» (^١).\n٤ - العمل بالقيافة هو قول الجمهور:\nوهو دليل على تشوف الإسلام لإثبات النسب الحقيقي في حدود الإمكانات المتاحة، والتي كانت في الأزمنة القديمة محدودة. والقيافة هي أمثل الطرق العلمية للتحقق من النسب الحقيقي بطريقة حسية في تلك الأزمنة.\nثم هم لم يكونوا يكتفون بأي قائف، بل قال الغَزالِيّ -﵀- في أركان الإلحاق (^٢): «الركن الثاني: المُلحِق وهو كل مُدْلِجي (^٣) مجرب أهل للشهادة ... وأما المجرب فنعني به أن من كان مدلجيًا أو ادعى علم القافة لم يقبل قوله حتى يجرب ثلاثًا بأن يرى صبيًّا بين نسوة ليس فيهن أمه فإن لم يلحق أحضرت نسوة أخر فيهن أمه فإن ألحق علمنا أنه بصير» (^٤).\n_________\n(^١) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٥٨).\n(^٢) الإلحاق: هو إلحاق الابن بأبيه الذي ادعاه وإن لم يكن زوجًا.\n(^٣) من بني مُدْلِج وكانوا معروفين بتميزهم في فن القيافة.\n(^٤) «الوَسِيط» للغَزالِيّ (٧/ ٤٥٤ - ٤٥٥).","vol":"1","page":638},{"text":"فانظر كيف كانوا يحرصون على ابتغاء الدقة والتحري قدر المستطاع وفي حدود الممكن (^١). غير أن القيافة كما ذكرنا في التعريف من قبل تعتمد على غلبة الظن المقارب للشك لا اليقين، ولذلك فلقد اعتبروها أضعف الأدلة - سوى الإقراع - ولم يلجؤوا إليها إلا عند التنازع وانعدام ما هو أقوى منها.\nولقد وافق الجمهور الصواب بالعمل بالقيافة حيث إنها أفضل المتاح وتحصل بها غلبة الظن التي تنبني عليها الأحكام في العادة. ولهم دليلهم من السنة، فلقد عمل بها رسول الله -ﷺ-؛ فعن ابن عباس -﵁- «أن هلال بن أمية -﵁- قذف امرأته عند النبي -ﷺ- بشَريك بن سَحْماءَ، فقال النبي -ﷺ-: البينة أو حدٌّ في ظهرك، فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدُنا رجُلًا على امرأته يلتمسُ البينة؟! فجعل النبي -ﷺ- يقول: البينةُ أو حَدٌّ في ظهرك فقال هلال: والذي بعثك بالحق نبيًّا إني لصادق، وليُنزِلنَّ الله في أمري ما يُبَرّئُ ظهري من الحدّ، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] قرأ حتى بلغ ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] فانصرف النبي -ﷺ- فأرسل إليهما فجاءا، فقام هلال بن أُمية فشهد والنبيُّ -ﷺ- يقول: الله يعلم أن أحدَكما كاذب، فهل منكما من تائب؟ ثم قامت فشهدت، فلما كان عند الخامسة ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩]، وقالوا لها: إنها مُوجِبة، قال ابن عباس: فتلكأَت وَنَكَصت حتى ظننا أنها سترجع، فقالت: لا أفضحُ قومي سائرَ اليوم، فمضتْ، فقال النبي -ﷺ-: أَبْصِروها فإنْ جاءتْ به أكْحَلَ العينين سابغ الألْيَتَيْن خَدَلَّجَ الساقين فهو لشَرِيكِ بن سَحْماَء فجاءت به كذلك، قال النبي -ﷺ-: لَوْلا مَا مَضَى من كِتَابِ اللهِ لَكَانَ لي ولهَا شَأنٌ» (^٢).\n_________\n(^١) فإذا اتسعت دائرة الممكن بتطور العلوم فلا يتصور من هؤلاء الفقهاء وسلفهم الصالحين أن يتركوا العمل بما هو أفضل وأدق.\n(^٢) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الطلاق، باب في اللعان، (٢/ ٢٧٦ رقم ٢٢٥٤) وصححه الألبَانِيّ. انظر «سُنَن أبي دَاوُد» بتحقيق مشهور: رقم (٢٢٥٤).","vol":"1","page":639},{"text":"ولذلك أنكر ابن القَيِّم -﵀- في «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية» على من أنكر العمل بالقافة فقال:\n«فَصْلٌ: الحكم بالقافة: ومن ذلك حكم رسول الله -ﷺ- وخلفائه من بعده -﵃- بالقافة وجعلها دليلًا من أدلة ثبوت النسب، وليس ههنا إلا مجرد الأمارات والعلامات. قال بعض الفقهاء: ومن العجب إنكار لحوق النسب بالقافة التي اعتبرها رسول الله -ﷺ- وعمل بها الصحابة من بعده وحكم بها عمر بن الخطاب -﵁-، وإلحاق النسب في مسألة من تزوج بأقصى المغرب امرأة بأقصى المشرق، ثم جاءت بعد العقد بأكثر من ستة أشهر بولد أو تزوجها ثم قال عقيب العقد: هي طالق ثلاثًا، ثم أتت بولد أنه يكون ابنه لأنها فراش، وأعجب من ذلك أنها تصير فراشًا بهذا العقد بمجرده، ولو كانت له سرية يطؤها ليلًا ونهارًا فأتت بولد لم يلحقه نسبه، لأنها ليست فراشًا ولا يلحقه حتى يدعيه، فيلحقه بالدعوى لا بالفراش» (^١).\n٥ - الفراش سبب في ثبوت النسب ودليل عليه وهو الأصل في هذا الباب، ولكن هذا الأصل ليس يسلم من بعض الاستثناءات.\nلاشك أن الفراش السبب الرئيس في ثبوت النسب والدليل الأظهر عليه؛ قال رسول الله -ﷺ-: «الولد للفِراشِ ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ» (^٢). وعلى ذلك اتفق الفقهاء (^٣).\n_________\n(^١) «الطُّرُق الحُكمِيَّة في السياسة الشرعية» لابن القَيِّم (١/ ١٤).\n(^٢) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الصوم، باب تفسير المشبهات (٢/ ٧٢٤)؛ و«صَحِيح مُسْلِم» كتاب النكاح، باب الولد للفراش (٢/ ١٠٨٠ (.\n(^٣) «الأحوال الشخصية» لأبي زَهْرَة (ص ٣٨٦).","vol":"1","page":640},{"text":"ولكن هذا الأمر إنما جعل كذلك لأن العَلاقة الزوجية قائمةٌ على الستر، فجعل الفراش، الذي هو مظِنَّة الوطء مكان الوطء، الذي هو السبب الحقيقي الطبيعي لحصول الولد (^١).\nبيد أن الأمر ليس على إطلاقه، فإنه كذلك حتى يقوم دليل أقوى على أن الفراش لم يكن السبب الحقيقي في حصول الولد، والدليل على ذلك:\nاتفاق الفقهاء على أنه لو جاءت المرأة بولد دون ستة أشهر من النكاح لم يحكم به للفراش (^٢).\nاتفاقهم على أن الصغير الذي لا يولد لمثله لا يلحق به الولد وإن كان زوجًا (^٣).\nإن اللعان قد شرع فيما شرع للانتفاء من الولد الذي يجب الانتفاء منه في بعض الأحيان على الزوج الذي يصل إلى قرب اليقين أن الولد ليس منه (^٤)، وليست الرؤية (أي رؤية المرأة تزني) شرطًا عند الحنفية والشافعية (^٥).\n_________\n(^١) انظر بحث الدكتور سعد هلالي (سبق)؛ أو كتابه الموسوم «البصمة الوراثية وعلائقها الشرعية» (ص ٢٣٣ و٢٤١).\n(^٢) «حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ» (٤/ ٣١٩)، «الهِدَايَة شَرْحُ البِدَايَة» للمَرْغِينانِيّ (٢/ ٣٥)، «الأحوال الشخصية» لأبي زَهْرَة (ص ٣٨٩).\n(^٣) انظر «حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ» (٤/ ٣١٩)، «المُبْدِع» لابن مُفْلِح، إبراهيم (٨/ ١٠٦)، «الأحوال الشخصية» لأبي زَهْرَة (ص ٣٨٨).\n(^٤) انظر «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٥٨) وانظر «مُغْنِي المُحْتاج» للشِّرْبِينِيِّ (٣/ ٣٨٢).\n(^٥) انظر «الفقه على المذاهب الأربعة» للجزيري (٥/ ١٢٤).","vol":"1","page":641},{"text":"وكذلك فإن الفراش يشترط له عند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إمكان الدخول، وعند ابن تَيمِيَّة يشترط الدخول، وهي رواية عن أحمد (^١).\nتبين من كل ما تقدم أن الفراش دليل على ثبوت النسب إلا إذا امتنع عقلًا أو حسًا، أو دل دليل أقوى على أنه لم يكن السبب الحقيقي في حصول الولد.\n٦ - الصواب أن عدم ثبوت النسب للزاني ليس على إطلاقه:\nالذي يظهر أن عدم ثبوت النسب للزاني ليس على إطلاقه، فإن الدليل من السنة هو قول الرسول -ﷺ-: «الولد للفِراشِ ولِلْعاهِر الحَجَرُ» (^٢).\nولكن فهم بساط الحال وملابسات القصة التي ورد فيها قوله ذاك مهم للتعرف على مراده -ﷺ- فعن عائشة -﵂- قالت: «كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد أن يقبض ابن وليدة زمعة وقال عتبة: إنه ابني، فلما قدم رسول الله -ﷺ- وأقبل معه عبد بن زمعة فقال سعد بن أبي وقاص: هذا ابن أخي عهد إلي أنه ابنه قال عبد بن زمعة: يا رسول الله، هذا أخي هذا ابن زمعة ولد على فراشه. فنظر رسول الله -ﷺ- إلى ابن وليدة زمعة فإذا أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص فقال رسول الله -ﷺ-: احتَجِبي منه يا سَوْدة لما رأى من شبه عتبة بن أبي وقاص. قال ابن شهاب قالت عائشة: قال رسول الله -ﷺ-: الولد للفِراشِ ولِلْعاهِر الحَجَرُ».\nوالحديث هنا يصف حالة معينة يتنازع فيها نسب مولود، والمتنازعان أحدهما ابن صاحب الفراش والآخر الزاني، وكلاهما يريد الولد، ولا بينة إلا قرينة الشبه.\n_________\n(^١) انظر «الفَتَاوَى الكُبْرَى» لابن تَيمِيَّة (٤/ ٥٨٥)، «الأحوال الشخصية» لأبي زَهْرَة (ص ٣٨٧).\n(^٢) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الصوم، باب تفسير المشبهات (٢/ ٧٢٤)؛ و«صَحِيح مُسْلِم» كتاب النكاح، باب الولد للفراش (٢/ ١٠٨٠).","vol":"1","page":642},{"text":"وحكم رسول الله -ﷺ- هنا بغلق الباب أمام فساد عظيم وشر مستطير إذا انتشر مثل هذا التنازع في المجتمع، وتجرأ الزناة بل والمفترون على نسبة الأولاد إليهم من نساءٍ هن فُرشٌ لأزواج.\nولكن إذا كانت المرأة خلية من الزوج، فإن الأقرب للسنة هو نسبة الولد إلى الزاني، وهو قول بعض المالكية والحسن وابن سيرين والنَّخْعِيّ وإسحاق وعُرْوَة وسليمان بن يسار واختيار ابن تَيمِيَّة، كما ذهب إليه الحنفية بشرط الزواج منها (^١).\nوالذي يشهد لهذا القول أدلة منها:\n١ - حديث إقراع علي -﵁-:\nعن زيد بن أرقم -﵁- قال: كنت جالسًا عند النبي -ﷺ-، فجاء رجل من اليمن، قال: إن ثلاثةَ نَفَر من أهل اليمن أتوا عليًّا يختصمون إليه في ولد، وقد وقعوا على امرأة في طهر واحد، قال لاثنين منهما: طيبا بالولد لهذا، فغَلَيا، ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فغليا، ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فغَلَيا، فقال: أنتم شركاء متشاكسون، إني مُقْرِعٌ بينكم، فمن قرَع فله الولد، وعليه لصاحبيه ثلثا الدِّيَة، فأقرع بينهم، فجعله لمن قَرَع، فضحك رسول الله -ﷺ- حتى بدت أضراسُه أو نَواجِذُه (^٢).\nوالشاهد أنه لم يسألهم إن كانوا جميعًا وطئوها بشبهة، مع كونه أيضًا احتمالًا بعيدًا جدًّا.\n_________\n(^١) انظر بحث الدكتور سعد الدين هلالي (سبق). أو كتابه الموسوم «البصمة الوراثية وعلائقها الشرعية» (ص ٣٥٧). وانظر اختيار شيخ الإسلام ابن تَيمِيَّة في «مَجْمُوع الفَتَاوَى» (٣/ ١٧٦).\n(^٢) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الطلاق، باب من قال بالقرعة إذا تنازعوا في الولد، (٢/ ١٨١). وصححه الألبَانِيّ، انظر «سُنَن أبي دَاوُد» بتحقيق مشهور (رقم ٢٢٦٩).","vol":"1","page":643},{"text":"٢ - حديث إلحاق الولد بشريك بن سحماء:\nفعن ابن عباس -﵁- «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي -ﷺ- بشَرِيك بن سَحْماءَ، فقال النبي -ﷺ-: البينة أو حدٌّ في ظهرك، فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدُنا رجُلًا على امرأته يلتمسُ البينة؟! فجعل النبي -ﷺ- يقول: البينةُ أو حَدٌّ في ظهرك فقال هلال: والذي بعثك بالحق نبيًّا إني لصادق، وليُنزِلنَّ الله في أمري ما يُبَرّئُ ظهري من الحدّ، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] قرأ حتى بلغ ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] فانصرف النبي -ﷺ- فأرسل إليهما فجاءا، فقام هلال بن أُمية فشهد والنبيُّ -ﷺ- يقول: الله يعلم أن أحدَكما كاذب، فهل منكما من تائب؟ ثم قامت فشهدت، فلما كان عند الخامسة ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩]، وقالوا لها: إنها مُوجِبة، قال ابن عباس: فتلكأَت وَنَكَصت حتى ظننا أنها سترجع، فقالت: لا أفضحُ قومي سائرَ اليوم، فمضتْ، فقال النبي -ﷺ-: أَبْصِروها فإنْ جاءتْ به أكْحَلَ العينين سابغ الألْيَتَيْن خَدَلَّجَ الساقين فهو لشَرِيكِ بن سَحْماَء فجاءت به كذلك، قال النبي -ﷺ-: لَوْلا مَا مَضَى من كِتَابِ اللهِ لَكَانَ لي ولهَا شَأنٌ» (^١).\nوالشاهد هنا هو إلحاق النبي -ﷺ- الولد بشريك بن سحماء بالشبه، رَغم أن المرأة فراش لزوج، ولكن الزوج لاعنها ونفى الولد، فكان ذلك مع الشبه يورث الاطمئنان إلى أن الولد ابن شريك.\nوهذا الحديث قد يستدل به على أنه لا يلحق بالزاني ابنه من الخلية من الزوج فقط بل أيضًا ابنه من المتزوجة إن نفى زوجها الولد، ولكن المعارض قد يقول أن في ذلك\n_________\n(^١) «سُنَن أبي دَاوُد» كتاب الطلاق، باب في اللعان، (٢/ ٢٧٦). وصححه الألبَانِيّ، انظر «سُنَن أبي دَاوُد - بتحقيق مشهور» (رقم ٢٢٥٤).","vol":"1","page":644},{"text":"حرمانًا للملاعن من حقه في استلحاق الولد (^١). وقد يجاب على ذلك بأن المستلحِق لم يضم إليه إلا من لا نسب له لنفي صاحب الفراش إياه، فلو أراده لكان له، وإن لاعن أمه على الزنى.\n٣ - إلحاق عمر أولاد الجاهلية من الزنى بمن ادعاهم:\nروى البَيْهَقِيّ بسنده - وصححه - عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن رجلين تداعيا ولدا فدعا له عمر -﵁- القافة فقالوا: لقد اشتركا فيه فقال له عمر -﵁-: «والِ أيَّهما شِئت» (^٢).\n٤ - عدم وجود الدليل المانع من الإلحاق وتقدم أن حديث «... وللعاهر الحَجَر» يختص بحالة معينة يكون فيها الزوج غير نافٍ للولد (^٣).\n_________\n(^١) انظر «نهاية المُحْتاج» للرَّمْلِيّ (٥/ ١٠٨) وقال فيه: «وعلم مما تقرر عدم صحة استلحاق منفي بلعان ولد على فراش نكاح صحيح لما فيه من إبطال حق النافي إذ له استلحاقه».\n(^٢) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب الدعوى والبينات، باب القافة ودعوى الولد (١٠/ ٢٦٣).\n(^٣) قال الشيخ ابن عُثَيْمِين -﵀-: «وقول النبي -ﷺ-: «الوَلَدُ للفِراشِ وللعَاهرِ الحَجَر» هل هذا عام سواء ادعاه صاحب الفراش أم لم يدعه أو خاص فيما إذا ادعاه صاحب الفراش؟ بمعنى: أنه لو كانت المزني بها لا فراش لها وادعى الزاني أن الولد ولده فهل يلحق به؟ الجمهور على أنه عام، وأنه لا حق للزاني في الولد الذي خُلق من مائه، وذهب بعض العلماء إلى أنّ هذا خاص بالمخاصمة، يعني إذا تخاصم الزاني وصاحب الفراش قضينا به لصاحب الفراش، أمّا إذا كان لا منازع للزاني واستلحقه الزاني فله ذلك ويلحق به، وهذا القول هو الراجح المناسب للعقل وكذلك للشرع عند التأمل.» اهـ (من موقع الشيخ على الشبكة المعلوماتية).","vol":"1","page":645},{"text":"٥ - وأكثر الفقهاء يجيزون إلحاق مجهول النسب بمدعيه دون استفصال من طالب الإلحاق، شريطة أن يكون ذلك ممكنًا عقلًا (^١). وهم لا يشترطون أن يكون المستلحق سبق له زواج، ولكنهم يشترطون عدم تصريحه بالزنا.\nإن الذي يظهر من هذه الأدلة وغيرها هو أن ولد الزنا يلحق بأبيه إذا كانت الأم خلية من الزوج، وقد يسوغ إلحاقه مع كون الأم صاحبة زوج، وذلك إذا انتفى منه الزوج. إن ذلك القول أولى بالنصوص إذا فهمت مجتمعة وأدعى لحفظ حقوق هؤلاء الأطفال وأقرب لمقصد الشارع.\n٧ - ليس الانتفاء من الولد ممكنًا على الدوام بل إن هناك أحوالا لا يستطيع فيها الرجل، عند بعضهم، أن يلاعن المرأة، كمثل نكاح الشبهة عند الحنفية (^٢)، لأنها لا يصدق عليها أنها زوجته، فلا ينطبق عليه - عندهم وإن كان خلاف الصواب - قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦].\nومن ثم فإن هذا الرجل قد نلزمه بنسب ولدٍ قد يكون على يقين أنه ليس ولده رَغم إمكان التثبت في زماننا هذا عن طريق استعمال البصمة الوراثية.\n* * *\n_________\n(^١) انظر «بدائع الصنائع» للكَاسَانِيّ (٦/ ٢٤٢)؛ و«شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (٦/ ١٠٠)؛ و«حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ» (٣/ ٤١٢)؛ و«الأحوال الشخصية» لأبي زَهْرَة (ص ٣٩٥).\n(^٢) انظر «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٦/ ٢٥٥)، «الأحوال الشخصية» لأبي زَهْرَة (ص ٣٨٩). بينما يرى الشافعية والحنابلة أن له أن يلاعن لنفي الولد لا للاتهام بالزنا. انظر «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٤٥).","vol":"1","page":646},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>المطلب الثالث: التعريف بالبصمة الوراثية</span>\n• كان من أبرز مجالات التقدم العلمي في العقود الأخيرة هو التقدم في علم الوراثة أو الوراثيات (Genetics)  ولقد توصل هذا العلم إلى أن جسم الإنسان الذي يحتوي على حوالي مائة مليون خلية تتحدد صفاته عن طريق المورثات (Genes)  والتي هي عبارة عن خيوط رفيعة مجدولة مما يسمى بالحمض النووي وهو بروتين يتكون من أربعة قواعد نيتروجينية هي:\n١ - الأدينين  Adenine\n٢ - الجوانين  Guanine\n٣ - السيتوزين  Cytosine\n٤ - الثيامين  Thymine\nوهناك حوالي مائة ألف من الجينات محمولة على ثلاثة وعشرين زوجًا من الكروموسومات (Chromosomes)  أو حاملات الجينات. وكل خلية من جسم الإنسان تحتوي على ما يقارب ذلك العدد من الجينات.\nولكن كيف تنقل الجينات الصفات المختلفة؟\nكما ذكرنا، فإن هذه الجينات مكونة من تتابع هذه القواعد الأربعة (A-G-C-T)  وكل حمض أميني يكون من شريطين وكل جين يتصل بالجين المقابل له على الشريط الآخر برابطة فوسفورية. وهذه القواعد الأربعة تختلف تتابعاتها من شخص إلى آخر.","vol":"1","page":647},{"text":"A ... T ... C ... G ... G ... A\nT ... A ... G ... C ... C ... T\n\n[١٣]  الحمض النووي (Credit: NIH)\n•  ويوجد في الخلية حوالي ثلاثة بلايين من هذه القواعد أو الحروف، ولذلك فإن مجرد الاختلاف في عشر في المائة من هذه الحروف يؤدي إلى الاختلاف في ثلاثة ملايين حرف كما يذكر ذلك  Eric Londer D Phile  مدير مركز بحوث المادة الوراثية الكلية (Genome) (^١) .\nوبأخذ عينة من الطفل - سواءٌ من الدم أو الشعر أو العظم أو غيره (^٢) - تمكن التعرف على والده بتحليل بعض خلاياه أيضًا أو نفي أبوته إذا اختلف مخزونهما من\n_________\n(^١) من موقع المتحف القومي للصحة بالولايات المتحدة  www.accessexcellence.org.\n(^٢)  انظر موقع  www.nifs.com  التابع للمعهد القومي لعلوم الطب الشرعي بالولايات المتحدة (Natural Institute of Forensic Sciences).","vol":"1","page":648},{"text":"المورثات بحيث لا يمكن أن يكون ورث من هذا الرجل نصف مخزونه من المورثات.\nإلا أن التحليل لا يتم بقراءة ثلاثة البلايين حرفًا التي تتكون منها المادة الوراثية الكلية، ولكنهم يحددون بعض مواضع تختلف بين الناس، وبعض المعامل تدرس ستة مواضع إلى خمسة عشر موضعًا، وكلما زاد عدد المواضع المدروسة على حاملات الجينات زادت دقة الاختبار.\nنقاط مهمة عن الاختبار:\n• أولًا: نسبة الدقة في تحديد الأبوة:\nيتفق الباحثون والشركات التي تجري اختبار الأبوة على أنه من غير عنصر الخطأ البشري فإن نسبة الدقة في نفي الأبوة هي ١٠٠% أي أن الخطأ ٠%. أما في إثبات الأبوة فهي ٩٩. ٩٩٩% أي أن احتمال الخطأ هو واحد من كل مائة ألف.\nولتحديد دقة هذه التحليلات العملية أجرت المجموعة الناطقة بالإنجليزية بالتجمع الدولي لعلم الجينات المتعلق بالطب الشرعي اختبارًا لعدة معامل على مدى ثلاثة أعوام ما بين ١٩٩٧ إلى ١٩٩٩ ميلادية، ففي عام ١٩٩٧ قام ٢٤ معملًا باختبار أبوة واستطاعوا جميعًا الوصول إلى النتيجة الصحيحة وهي أن الأب المزعوم هو الأب الحقيقي.\nوفي عام ١٩٩٨ قام ٣١ معملًا باختبار أبوة تمكنوا فيه جميعًا من الوصول إلى النتيجة الصحيحة وهي أن الأب المزعوم ليس الأب الحقيقي - لكن الأخ في هذه الحالة - وفي عام ١٩٩٩ زاد الاختبار صعوبة إذ إنه لم تقدم عينة من الحمض الأميني للأب المطلوب إثبات أبوته، ولكن قدمت العينة من الطفل وأمه ووالدي الأب المزعوم، وتمكنت كل المعامل إلا معملًا واحدًا من الوصول إلى النتيجة الصحيحة (^١).\n_________\n(^١) التقرير الذي نشر نتائج هذه السنوات ١٩٩٧، ١٩٩٨، ١٩٩٩ هو:\nA report of the ١٩٩٧، ١٩٩٨، ١٩٩٩ Paternity testing workshops of the Englishspeaking working group of the International society for forensic Genetics.","vol":"1","page":649},{"text":"على أنه ينبغي أن يعلم أن هناك عامل الخطأ البشري والذي يجعل هذه التحليلات على دقتها عرضة لحصول الخطأ فيها.\nولقد نشرت جريدة (Cape Cod Times) (^١)  مقالًا عنوانه اختبار الـ (DNA)  ليس معصومًا، ونقلوا فيه عن أحد الخبراء (^٢) في علم الحيوانات الجزيئية والطب الشرعي قوله: «كباحث أستطيع أن أقول إنه عند الالتزام بجميع القواعد، والاختبار تحت ظروف محكمة ومع إعادة الاختبار للتأكد من حصول نفس النتائج عندها يكون اختبار الـ  DNA  معصومًا».\nونقلوا عن مؤسس جمعية تطبيقات الـ (DNA (^٣)  العملية في ولاية أوهايو قوله: «مثل أي شيء يتدخل فيه البشر هناك دائمًا احتمال الخطأ في اختبارات ال  DNA».\n•  ثانيًا: هذه النتائج المنقولة آنفًا كانت من معامل في دول غربية وأخشى ألا تكون معاملنا في الدول الإسلامية على نفس القدر من الدقة، ولذلك ينبغي عمل دراسات كافية لمعرفة دقة التحليل في الواقع الذي سيمارس فيه.\n• ثالثًا: حتى تتم الدراسات اللازمة في بلادنا فسأبني آرائي في المطلب القادم - المتعلق باعتماد البصمة كدليل على إثبات أو نفي الأبوة - على النتائج الصادرة في الغرب، والتي مفادها أن الاختبار - سيما عند تكراره في معملين لا تواطؤ بينهما - تصل نسبة دقته إلى ١٠٠% في النفي و٩٩. ٩٩٩% في الإثبات.\n_________\n(^١)  Cape Cod Times May ٥، ٢٠٠٤\n(^٢)  هو:  Francis Delano\n(^٣)  هو:  Theodore D.Kessis","vol":"1","page":650},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>المطلب الرابع: حكم اعتماد البصمة الوراثية\nكدليل على ثبوت الأبوة أو نفيها</span>\nالبصمة الوراثية لا تكاد تخطئ في تحديد نسبة الولد للوالدين، وإذا وضعت بعض الشروط لهذه الفحوص كما سنبين، فإن نتائجها تكون ١٠٠% أو قريبًا من ذلك.\nومن ثم، أرى أنه ينبغي المصير إلى القول بأنها أحد أدلة ثبوت النسب (^١)، وأنها على أقل تقدير تقاس على القيافة بطريق الأولى، وهذا من وجهين:\nالأول: أنها قطعية ونتائجها قريبة لليقين فشابهت دليل الحس، وإن كانت من نوع المعرفة الخاصة ببعض الناس دون بعض. وإنها إن لم تكن يقينية، فهي من الظن الغالب المقارب جدًّا لليقين، بخلاف القيافة التي تعتمد على الفراسة وبعض العلم والخبرة مما يجعلها من الظن الغالب، ولكنه لا يمكن أن يُزْعَم أنه أقرب لليقين منه إلى الشك (^٢).\nالثاني: أنها تعتمد على شبه خفي وهو مقدم على الشبه الظاهر، وبتقديمه قال بعض الفقهاء، ففي «تُحْفَة المُحْتاج»: «ولو ألحق قائف بشبه ظاهر وقائف بشبه خفي قدم؛ لأن معه زيادة حذق وبصيرة» (^٣).\nأما قول بعض المشاركين في بعض حلقات مناقشة مجلس المجمع الفقهي للرابطة: «لو حصل نقطة صغيرة ولو غبار في المعمل أتى على هذا الدم لخبط النتيجة كلها» (^٤).\n_________\n(^١) انظر الكلام في صدر الباب عن حجية الدليل المادي.\n(^٢) اليقين طرفان: ثبوت ونفي، وبينهما واسطة، وهي الشك، وفوقها الظن (الغالب) ودونها الوهم.\n(^٣) «تُحْفَة المُحْتاج في شرح المِنهاج» للهَيتَمِيّ (١٠/ ٣٥٠).\n(^٤) حلقة مناقشة لمجلس المجمع الفقهي التابع للرابطة في دورته الخامسة عشرة.","vol":"1","page":651},{"text":"فالجواب عليه من جهتين:\nأن التجربة تعاد أكثر من مرة كما أنه يمكن اشتراط تعدد المعامل، ولقد أظهرت الدراسات - كما تقدم - أنه مع التدقيق فإن النتيجة في النفي وإثبات الأبوة ١٠٠% ودون ذلك بقليل في الأنواع الأخرى من الإثبات.\nأما من جهة الشرع، فإن تخلف الدليل عن دلالته على وجه الندرة لا يخرجه عن كونه دليلًا، وفي ذلك يقول الإمام ابن القَيِّم -﵀-: «وجواز التخلف عن الدليل والعلامة الظاهرة في النادر لا يخرجه عن أن يكون دليلا عند عدم معارضة ما يقاومه؛ ألا ترى أن الفراش دليل على النسب والولادة وأنه ابنه؟ ويجوز - بل يقع كثيرا - تخلف دلالته؛ وتخليق الولد من غير ماء صاحب الفراش، ولا يبطل ذلك كون الفراش دليلًا؛ وكذلك أمارات الخرص والقسمة والتقويم وغيرها قد تتخلف عنها أحكامها ومدلولاتها، ولا يمنع ذلك اعتبارها؛ وكذلك شهادة الشاهدين وغيرهما» (^١).\nوإن فقهاء المسلمين - حفظهم الله - لم يردوا العمل بالبصمة الوراثية، بل أقروا بأن لها مكانًا في التحقيق الجنائي والقضاء، وعلى الأخص في مسألة التنازع في النسب.\nولقد جاء قرار مجلس المجمع الفقهي التابع للرابطة شاهدًا على ذلك، ونصه:\n«البصمة الوراثية هي البُنية الجينية (نسبة إلى الجينات، أي المورثات)، التي تدل على هُوِيَّة كل إنسان بعينه. وأفادت البحوث والدراسات العلمية أنها من الناحية العلمية وسيلة تمتاز بالدقة، لتسهيل مهمة الطب الشرعي ويمكن أخذها من أي خلية (بشرية) من الدم، أو اللعاب، أو المني، أو البول، أو غيره وبعد الاطلاع على ما اشتمل عليه تقرير اللجنة التي كلفها المجمع في الدورة الخامسة عشرة بإعداده من خلال إجراء دراسة ميدانية مستفيضة للبصمة الوراثية، والاطلاع على البحوث التي قدمت في\n_________\n(^١) «الطُّرُق الحُكمِيَّة» لابن القَيِّم (١/ ٣٣٣).","vol":"1","page":652},{"text":"الموضوع من الفقهاء، والأطباء، والخبراء، والاستماع إلى المناقشات التي دارت حوله، تبين من ذلك كله أن نتائج البصمة الوراثية تكاد تكون قطعية في إثبات نسبة الأولاد إلى الوالدين، أو نفيهم عنهما، وفي إسناد العينة (من الدم أو المني أو اللعاب) التي توجد في مسرح الحادث إلى صاحبها، فهي أقوى بكثير من القيافة العادية (التي هي إثبات النسب بوجود الشبه الجسماني بين الأصل والفرع)، وأن الخطأ في البصمة الوراثية ليس واردًا من حيث هي، وإنما الخطأ في الجهد البشري أو عوامل التلوث ونحو ذلك، وبناء على ما سبق قرر ما يأتي: القرار.\nأولًا: لا مانع شرعًا من الاعتماد على البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي، واعتبارها وسيلة إثبات في الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولا قصاص؛ لخبر (ادرؤوا الحدود بالشبهات)، وذلك يحقق العدالة والأمن للمجتمع، ويؤدي إلى نيل المجرم عقابه وتبرئة المتهم، وهذا مقصد مهم من مقاصد الشريعة.\nثانيًا: إن استعمال البصمة الوراثية في مجال النسب لا بد أن يحاط بمنتهى الحذر والحيطة والسرية، ولذلك لا بد أن تقدم النصوص والقواعد الشرعية على البصمة الوراثية\nثالثًا: لا يجوز شرعًا الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، ولا يجوز تقديمها على اللعان.\nرابعًا: لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعًا، ويجب على الجهات المختصة منعه وفرض العقوبات الزاجرة؛ لأن في ذلك المنع حماية لأعراض الناس وصونًا لأنسابهم.\nخامسًا: يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب في الحالات الآتية:\nأ- حالات التنازع على مجهول النسب بمختلف صور التنازع التي ذكرها الفقهاء، سواء أكان التنازع على مجهول النسب بسبب انتفاء الأدلة أو تساويها، أم كان بسبب الاشتراك في وطء الشبهة ونحوه.","vol":"1","page":653},{"text":"ب- حالات الاشتباه في المواليد في المشافي، ومراكز رعاية الأطفال ونحوها، وكذا الاشتباه في أطفال الأنابيب.\nج- حالات ضياع الأطفال واختلاطهم، بسبب الحوادث أو الكوارث أو الحروب، وتعذر معرفة أهلهم، أو وجود جثث لم يمكن التعرف على هويتها، أو بقصد التحقق من هويات أسرى الحروب والمفقودين\nسادسًا: لا يجوز بيع الجينوم البشري لجنس، أو لشعب، أو لفرد، لأي غرض، كما لا تجوز هبتها لأي جهة، لما يترتب على بيعها أو هبتها من مفاسد\nسابعًا: يوصي المجمع بما يأتي:\nأ- أن تمنع الدولة إجراء الفحص الخاص بالبصمة الوراثية إلا بطلب من القضاء؛ وأن يكون في مختبرات للجهات المختصة، وأن تمنع القطاع الخاص الهادف للربح من مزاولة هذا الفحص، لما يترتب على ذلك من المخاطر الكبرى.\nب- تكوين لجنة خاصة بالبصمة الوراثية في كل دولة، يشترك فيها المتخصصون الشرعيون، والأطباء، والإداريون، وتكون مهمتها الإشراف على نتائج البصمة الوراثية، واعتماد نتائجها.\nج- أن توضع آلية دقيقة لمنع الانتحال والغش، ومنع التلوث وكل ما يتعلق بالجهد البشري في حقل مختبرات البصمة الوراثية، حتى تكون النتائج مطابقة للواقع، وأن يتم التأكد من دقة المختبرات، وأن يكون عدد المورثات (الجينات المستعملة للفحص) بالقدر الذي يراه المختصون ضروريًّا دفعًا للشك والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد» (^١).\n_________\n(^١) رقم القرار: ٧ رقم الدورة: ١٦ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في المدة من ٢١ - ٢٦/ ١٠/١٤٢٢ هـ.","vol":"1","page":654},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-262> مجالات استعمال البصمة:</span>\nأما عن مجالات استعمال البصمة والفرق بينها وبين القيافة، فأبدأ هنا من حيث انتهت مجموعة من السادة الفقهاء والأطباء - حفظهم الله - (^١) ذوي الخبرة بالأحكام الفقهية المتعلقة بالطب، فلقد اجتمعوا لمناقشة هذه القضية تحت مظلة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في ندوة سميت «ندوة مدى حجية استخدام البصمة الوراثية لإثبات البنوة».\nوقد انتهت مناقشاتهم التي تبعت تقديم الدكتور سعد الدين هلالي لبحثه عن الموضوع إلى التوصيات الآتية:\n«١ - أن كل إنسان يتفرد بنمط خاص في التركيب الوراثي ضمن كل خلية من خلايا جسده، لا يشاركه فيه أي شخص آخر في العالم ويطلق على هذا النمط اسم «البصمة الوراثية»، والبصمة الوراثية من الناحية العلمية وسيلة لا تكاد تخطئ في التحقق من الوالدية البيولوجية، والتحقق من الشخصية ولاسيما في مجال الطب الشرعي. وهي ترقى إلى مستوى القرائن القوية التي يأخذ بها أكثر الفقهاء - في غير\n_________\n(^١) أسماء المشاركين في الحلقة النقاشية: الدكتور عبد الرحمن العوضي رئيس المنظمة والدكتورة صديقة العوضي والدكتور أحمد السعيد شرف الدين والدكتور عبد الرزاق الشيجي والدكتور أحمد حجي الكردي والمستشار عبد الله العيسى والدكتور أحمد رجائي الجندي والدكتور عجيل جاسم النشمي والدكتور حسن الشاذلي والدكتور علي يوسف السيف والدكتور حسين الجزائري الدكتور كمال الزناتي والدكتور خالد المذكور والدكتور كمال نجيب والدكتور رزق النجار والشيخ محمد المختار السُّلامِيّ والدكتور سيد مصطفى آبادي والدكتور محمد سليمان الأشْقَر والدكتور سعد الدين مسعد هلالي والدكتور محمد عبد الغفار الشريف والدكتور سعد العنزي والدكتور محمد رأفت عثمان والأستاذ سامح هلال والدكتور محمد هيثم الخياط والدكتور صلاح العتيقي والدكتور نصر فريد واصل.","vol":"1","page":655},{"text":"قضايا الحدود الشرعية - وتمثل تطورًا عصريًّا عظيمًا في مجال القيافة الذي يذهب إليها جمهور الفقهاء في إثبات النسب المتنازع فيه، ولذلك ترى الندوة أن يؤخذ بها في كل ما يؤخذ فيه بالقيافة من باب أولى.\n٢ - ترى حلقة النقاش أن يؤخذ بالبصمة الوراثية في حال تنازع أكثر من واحد في أبوة مجهول النسب إذا انتفت الأدلة أو تساوت.\n٣ - استلحاق مجهول النسب حق للمستلحق إذا تم بشروطه الشرعية، وترتيبًا على ذلك فإنه لا يجوز للمستلحق أن يرجع في إقراره. ولا عبرة بإنكار أحد من أبنائه لنسب ذلك الشخص ولا عبرة بالبصمة الوراثية في هذا الصدد.\n٤ - إقرار بعض الإخوة بأخوة مجهول النسب لا يكون حجة على باقي الإخوة ولا يثبت النسب، وآثار الإقرار قاصرة على المقر في خصوص نصيبه من الميراث، ولا يعتد في ذلك بالبصمة الوراثية.\n٥ - عند عرض هذا الموضوع اختلفت وجهات النظر وتشعبت الآراء وطال النقاش في مضمون جواز استلحاق المرأة المجهول النسب على نحو رئي معه إعطاء هذه المسألة مزيدًا من الوقت للدراسة والتأمل.\n٦ - لا تعتبر البصمة الوراثية دليلًا على فراش الزوجية؛ إذ الزوجية تثبت بالطرق الشرعية.\n٧ - يرى المشاركون ضرورة توافر الضوابط الآتية عند إجراء تحليل البصمة الوراثية:\n- أن لا يتم إجراء التحليل إلا بإذن من الجهة الرسمية المختصة.\n- أن يجري التحليل في مختبرين على الأقل ومعترف بهما، على أن تؤخذ الاحتياطات اللازمة لضمان عدم معرفة أحد المختبرات التي تقوم بإجراء الاختبار بنتيجة المختبر الآخر.","vol":"1","page":656},{"text":"- يفضل أن تكون هذه المختبرات تابعة للدولة، وإذا لم يتوافر ذلك يمكن الاستعانة بالمختبرات الخاصة الخاضعة لإشراف الدولة، ويشترط على كل حال أن تتوافر فيها الشروط والضوابط العملية المعتبرة محليًّا وعالميًّا في هذا المجال.\n- يشترط أن يكون القائمون على العمل في المختبرات المنوطة بإجراء تحاليل البصمة الوراثية ممن يوثق بهم علمًا وخلقًا، وألا يكون أي منهم ذا صلة قرابة أو صداقة أو عداوة أو منفعة بأحد المتنازعين، أو حكم عليه بحكم مخل بالشرف أو الأمانة» (^١).\nولعله ليس هناك فرق كبير فيما توصلت إليه الهيئتان الموقرتان، ولكن ما توصلوا إليه ليس إجماعًا من الحضور، ولكن القرارات تصدر في المجامع بالتوافق أو بأغلبية الأعضاء، ومن هذا المنطلق، فإني أناقش في الصفحات القادمة هذه التوصيات، مستحضرًا خطر الموضوع وضعف عارضتي ولكن لا بد للباحث من أن يكون له رأي، فأقول:\nالتوصية بضرورة أخذ الاحتياطات اللازمة.\nأما التوصية بضرورة أخذ الاحتياطات اللازمة فذلك أمر لا جدال فيه، وذلك لأن هذه الاختبارات المعملية يقوم بها بشر، وأن الاختبار نفسه وإن كان في غاية الدقة إلا أن الأخطاء البشرية قد تؤدي في مثل ما نحن بصدده إلى كوارث.\nولذلك يكون مناسبًا أخذ كل الاحتياطات المشار إليها من تعدد المختبرات وأهلية وأمانة العاملين فيها كما أنه يفضل أن تكون تابعة للدولة حتى لا يحصل تلاعب. وليس اشتراط التعدد هنا لكون الإعلان عن نتيجة التحليل من باب الشهادة، بل هو من باب الإخبار (الرواية)، ولكنه من أجل زيادة الاستيثاق من عدم حصول أي خطأ تقني أو فني في عملية الاختبار، وكذلك الاطمئنان إلى عدم وقوع تلاعب بالنتائج من قبل القائمين على أحد المعامل.\n_________\n(^١) «الحلقة النقاشية حول حجية البصمة الوراثية في إثبات النسب» (ص ٢٦٠ - ٢٦٢).","vol":"1","page":657},{"text":"ومما يصنع في الغرب لضمان المصداقية هو ما يسمى بالتعمية، فلا يدري القائمون على العمل بالمختبرات شيئًا عن شخوص المفحوصة عيناتهم، بل تأتيهم العينات مرقمة من الجهات الطالبة للتحاليل.\nتقرير دقة البصمة الوراثية في التحقق من الوالدية.\nوأما التوصية الأولى وهي الخاصة بتقرير دقة البصمة الوراثية في التحقق من الوالدية، فأحب أن أضيف إليها أن التحقق بالنفي آكد من الإثبات فإنه دقيق - من غير عنصر الخطأ البشري - بنسبة ١٠٠%، فإذا اشترط تعدد المعامل كانت نسبة الدقة ١٠٠% كما أظهرت ذلك الدراسات المذكورة في المطلب السابق. ولذلك أتحفظ على وصف نتيجة الاختبار بالنفي بالقرينة القوية بل هي دليل قوي (^١).\nويتبع هذا التحفظ أن الاقتصار على استعمال البصمة الوراثية فيما تستعمل فيه القيافة غير صحيح؛ فإن القيافة يستعملها الجمهور في إثبات النسب عند التنازع إذا لم يكن أحد المتنازعين الزوج وكان الطفل مجهول النسب (^٢). ولكن الدائرة التي يمكن استعمال البصمة الوراثية بها أوسع بكثير من ذلك؛ لما بين الطريقتين من الفرق بين ما هو قائم على الظن\n_________\n(^١) الجمهور يفرقون بين البينات والقرائن ويجعلون البينة محصورة في الشهادة ويرى البعض أن حصر البينة في الشهادة لا ينتهض له دليل من الوحي. انظر الكلام عن الإثبات بالدليل المادي في صدر هذا الباب. وأدلة الإثبات في الشرع تشمل البينات وغيرها، والمشكلة هنا هي أن تسمية وسيلة تقضي بنسبة ١٠٠% في عين المتنازع عليه بالقرينة فيه من توهين هذه الوسيلة ومن تزهيد الحكام فيها ما فيه، وهو مما يباعد بينهم وبين تحصيل مقصود الشارع من إحقاق الحق وإقامة العدل. وفي هذا الصدد يقول الدكتور محمد رأفت عثمان: «إذا كان هذا [قطعية البصمة الوراثية] ثابتًا في رأيهم [أطباء المسلمين]، لنا أن نفتي بناءً على هذا أنها دليل وبأنها أقوى من الشهادة». «الحلقة النقاشية حول حجية البصمة الوراثية في إثبات النسب» (ص ١٠٣).\n(^٢) «الوَسِيط» للغَزالِيّ (٧/ ٤٥٥، ٤٥٦، ٤٥٧).","vol":"1","page":658},{"text":"الغالب المقارب للشك وما هو قائم على القطع واليقين أو الظن الغالب المقارب لهما. وسواءٌ سميت البصمة دليلًا قياسًا على أدلة الإثبات الشرعية - وهو الأصوب - أو قرينة قوية، فإن من هذه القرائن ما هو أقوى من البينات؛ قال الإمام ابن القَيِّم -﵀-: «ولم يزل الأئمة والخلفاء يحكمون بالقطع إذا وجد المسروق مع المتهم، وهذه القرينة أقوى من البينة والإقرار» (^١). وسواء اتفقنا معه -﵀- على عين هذا المثال أو لم نتفق، فإن في تطبيقات الطب الشرعي العديد من الأمثلة التي تثبت سلامة منحاه كما تقدم عند الكلام على حجية الدليل المادي.\nوقبل أن أذكر أمثلة لما يمكن استعمال البصمة الوراثية به ينبغي التأكيد على الآتي:\n• أولًا: إذا كان النسب ثابتًا بأحد وسائل الثبوت الشرعية، ولم ينازع في ذلك الأب ولا الابن فلا يجوز بحال أن يلجأ أحد إلى البصمة الوراثية ولا غيرها لتغيير تلك الحال؛ لما يؤدي إليه ذلك من تفكك الأسر وقطيعة الأرحام وشيوع الريبة في المجتمع.\nولا يجوز لغير الزوج - قبل إقراره - التشكيك في صحة نسب ثبت بالفراش أو طلب التحقق منه. ومن شكك فيه، وإن كان الابن، فهو متعرض لسخط الله ومستحق لحد القذف.\n• ثانيًا: لا يجوز للأب أن ينفي ابنه أو يطلب التحقق من نسبه لمجرد الظن الضعيف أو لكون ابنه على غير لونه مع عدم وجود قرينة أخرى، فعن أبي هريرة -﵁- قال: «جاء رجل من بني فزارة إلى النبي -ﷺ- فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود! فقال النبي -ﷺ-: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما لونها؟ قال: حُمْر، قال: هل فيها من أوْرَق؟ قال: إن فيها لوُرْقًا، قال: فأنى أتاها؟ قال: عسى أن يكون نَزَعه عِرْق، قال: وهذا عسى أن يكون نَزَعَهُ عِرْقٌ» (^٢).\n_________\n(^١) «الطُّرُق الحُكمِيَّة» لابن القَيِّم (١/ ٨). والجمهور لا يرون رأيه كما سبق في صدر الباب.\n(^٢) «صَحِيح البُخارِيّ» كتاب النكاح، باب إذا عرض بنفي الولد (٥/ ٢٠٣٢). والحديث يستدل به على غلق الباب أمام تصحيح النسب مهما كانت الأمارات سيما إذا كان الفراش دليل ثبوته. والشبه الذي يعمل به في القيافة قد سقط اعتباره هنا لوجود المعارض الأقوى وهو الفراش.","vol":"1","page":659},{"text":"أما إذا كانت هناك قرينة أخرى وصار ظنه غالبًا، فإن الحنابلة والشافعية (^١) يجيزون له أن ينفي الولد، وفي حالتنا هذه فالاستيثاق ممكن قبل النفي.\n• ثالثًا: لا يجوز للابن أن ينتفي من أبيه الذي ولد على فراشه؛ لأن الفراش أقوى الأدلة الشرعية على ثبوت النسب لقوله -ﷺ-: «الولد للفِراشِ» (^٢) ولما يستتبعه ذلك - والذي يعرف بدعوى تصحيح النسب - من قطيعة للأرحام وعقوق وشيوع للريبة في المجتمع، ولكون الرغبة من التحقق من نسب ثابت بالفراش من الوسوسة وتتبع العورات، وقد نهينا عن ذلك كله كما نهينا عن الطعن في الأنساب.\nأما إذا كان النسب ثبت بغير طريق الفراش من الأدلة الأخرى، وقام دليل آخر يعارضه أقوى منه، فعندها يمكن اعتماد البصمة الوراثية لحل النزاع متى كان صاحب الدعوى الوالد أو الولد، وإنَّ مَنْع الفقهاء من استخدام القيافة لتصحيح نسب مستقر راجع إلى ضعف القيافة كدليل، فلم تصلح لتعارض الأدلة الأقوى منها كالبينة والإقرار والاستفاضة، ولكن البصمة قد تصلح لمعارضة الإقرار مع عدم وجود الفراش وظهور ما يعارضه.\n• رابعًا: لا يجوز لغير الزوجين والأبناء اللجوء إلى البصمة الوراثية لتحقيق نسب ثبت بأي من وسائل الإثبات الشرعية قوية كانت أو ضعيفة، فإن الشارع متشوف لإثبات النسب لا نفيه، متشوف إلى الستر لا هتكه. لذا فإن صاحب الدعوى لا بد أن يكون الوالد أو الولد مع كون الدعوى مما تسمح به الشريعة.\n_________\n(^١) انظر «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٥٩ - ٦٠)، «الفقه على المذاهب الأربعة» للجزيري (٥/ ١٢١).\n(^٢) «صَحِيح البُخارِيّ» كتاب الصوم، باب تفسير المشبهات (٢/ ٧٢٤)؛ و«صَحيِح مُسْلِم» كتاب النكاح، باب الولد للفراش (٢/ ١٠٨٠ (.","vol":"1","page":660},{"text":"• خامسًا: لا يجوز التصحيح الجماعي للأنساب أو المسح العام للأنساب لما فيه من الفتنة وقطع الأرحام وفضح المستور وحصول البلبلة في المجتمع.\nأقول هذا، وإن كان على الفقهاء أن يتنبهوا إلى أن اليوم الذي تطبع فيه البصمة الوراثية على شهادة ميلاد كل طفل وتكون جزءًا من تحقيق هويته ربما لم يعد بعيدًا جدًّا، وستدفع إليه أنظمة الحكم لمصلحة الأمن ومنع الجريمة والاحتيال وانتحال شخصية الغير، فعلى المجتمع بكل شرائحه، وعلى رأسهم الفقهاء، أن يعدوا لمثل هذا اليوم.\n• سادسًا: لا ينبغي في المجتمع المسلم - الذي يحرص على الستر وحفظ الأعراض وحرمة البيوت - أن يكون حق إجراء هذه التحليلات المعملية (^١) متروكًا للأفراد، بل ينبغي أن يكون بيد القضاة الشرعيين وحدهم، وإلا حصل من الفتن والفساد الشيء العظيم.\n• سابعًا: البصمة الوراثية لا ينبغي أن تكون دليلًا لثبوت النسب ابتداءً ولكن تستعمل عند التنازع أو ضياع النسب. وإن الحكم بالقيافة والقرعة إنما كان عند التنازع؛ والبصمة كذلك، وإن كانت تطبيقاتها أكثر لقوتها ولكنها ليست بديلًا منفردًا عن أدلة الثبوت المستقرة كالفراش والبينة والاستفاضة والإقرار، وإن صلحت لمعارضة بعضها عند التنازع. وعليه، فإنها تصلح لإثبات النسب مع الإقرار أو غيره من الأدلة، فإذا لم يكن ثمة فراش أو إقرار أو بينة، ضيق على الوالد حتى يقر، وإلا لم يثبت النسب بها وحدها.\n_________\n(^١) في بعض الدول كألمانيا يمكن للأفراد طلب إجراء هذه التحليلات عن غير طريق القضاء وقد تنبهوا إلى المشاكل الممكنة وحاولوا تنظيم الأمر.\nExpert witness in paternity testing in Germany Rittner CK-Leg Med (Tokyo) -٠١ - MAR-٢٠٠٣; ٥ suppl ١: ٥٦٥ - ٧ from NIH/NLM MEDLINE","vol":"1","page":661},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-263> أما المواطن التي يمكن استخدام البصمة الوراثية فيها دون القيافة فهي فيما يظهر لي:</span>\n١ - نفي الوالد لولده:\nإن العمل بالبصمة الوراثية لن يلغي حكم اللعان (^١)، ولكنه سيساعد في تطبيقه.\nإن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦].\nفاللعان إذًا لا يلجأ إليه إلا عند تعذر البينات وعدم وجود الشهود. ولم يكن نفي الزوج الولد المولود على فراشه ممكنًا من غير شهود (^٢) ولذلك شرع الله اللعان، أما وقد أنعم الله علينا بوسيلة أقرب إلى التوصل للحقيقة وإقامة العدل، فالواجب الأخذ بها، فيشترط القاضي على الملاعن الذي يريد أن ينتفي من ولده أن يجري فحوص البصمة، فإن أظهرت عدم أبوته للولد، فعندها يلاعن ووجه ذلك أنه حتى لو أقرت المرأة بالزنا من غير لعان، فإن الولد لا ينتفي إلا باللعان، وهذا الحكم لردع الرجال عن الانتفاء إلا عند أشد الظروف، فإن في اللعان أمام الخلق ما فيه مما يحجز أكثر الناس عنه. وإنه لو اكتفي بالبصمة في الانتفاء لاستسهل ذلك كثير من الناس.\n_________\n(^١) ذهب الشيخ محمد مختار السُّلامِيّ إلى الاستغناء بالبصمة عن اللعان لغرض نفي الولد، ولست أعرف أن غيره - حفظه الله - قال بما قال به. انظر «الطب في ضوء الإيمان» له (ص ١٨٤). ولا يقول أحد بأن البصمة تحل محل اللعان في كل شيء، إذ إن الملاعن قد يفعل ذلك ليتهم امرأته بالزنا دون وجود ولد.\n(^٢) ويمكن أيضًا استعمال البصمة الوراثية في حال كون النفي باللعان غير ممكن لكون المرأة ليست زوجة كالموطوءة بشبهة كما تقدم من أن الأحناف لا يرون ملاعنتها.","vol":"1","page":662},{"text":"أما إذا أثبتت البصمة أبوته للولد، فلا يجوز له أن ينتفي من الولد (^١) وإن جاز أن يلاعن للتفريق بينه وبين زوجه وإسقاط حد القذف عن نفسه، وذلك لأنها ربما زنت ولكن الولد جاء من زوجها الذي جامعها في نفس الطهر الذي زنت فيه.\nأما الملاعن لغرض تهمة الزوجة بالزنا دون الانتفاء من ولد فلا شأن للبصمة الوراثية به.\nوهل يأمر القاضي الملاعن أثناء حمل امرأته بالتربص حتى تلد وتُجْرَى فحوص البصمة؟ لعل هذا لن يُحْتاج إليه عمليًّا، فإن عينة من المشيمة - والتي تؤخذ والجنين في الرحم - يمكن أن تُجْرى عليها تلك الفحوص. أما إذا تعذر ذلك، فلا يستبعد أن يأمر القاضي الملاعن بالتربص، فإن الحنفية لا يجيزون ملاعنة الحامل أصلًا وهو المشهور عند الحنابلة خلافًا للمالكية والشافعية (^٢)، وهذا وإن كان القول الثاني هو الأقوى لأنه ظاهر من الحديث أن هلالا -﵁- لاعن وامرأته حامل، ولذا قال -ﷺ-: «انظروه فإن جاءت به ...» ولكن ولي الأمر له أن يمنع سماع بعض الدعاوى (^٣)، وهو هنا لا يزيد على تأجيل سماع الدعوى.\n_________\n(^١) وهذا هو المفهوم من توصيات اللجنة التي أوكل إليها دراسة موضوع البصمة من قبل مجلس المجمع الفقهي، والتي شملت من الفقهاء والأطباء الدكاترة صالح المرزوقي وعلي القره داغي ومحمد علي البار ومحمد باخطمة، قالوا: «وحينئذ [عند إرادة اللعان] تعرض المحكمة على الرجل أن يلجأ إلى البصمة الوراثية، أو تأمره بذلك، وحينما تكون النتيجة إيجابية ينتهي أمر الشك، أما إذا كانت سلبية فلا ينتفي النسب إلا باللعان». انظر «فقه القضايا الطبية المعاصرة» للقره داغي والمحمدي (ص ٣٦٥). ولقد صرح الدكتور علي القره داغي بأن هذا مراده في نفس الكتاب (ص ٣٥٥).\n(^٢) انظر «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٦١).\n(^٣) قال به المالكية عند ظهور كذب الدعوى.","vol":"1","page":663},{"text":"والسؤال الآخر هنا هو ماذا لو ثبت أن الولد ليس ابن الزوج، هل يقام الحد على الزوجة؟\nوالجواب أن أمر البصمة الوراثية ليس متفقًا عليه بين الفقهاء، وكفى بذلك شبهةً تدرأ الحد عن المرأة، ولا يتصور أن يحصل الإجماع على مثل هذا؛ لأنه كأكثر قضايا النوازل التي ليس فيها نص صريح يتعذر أن يتفق الناس عليها، ولذلك ستبقى إقامة الحدود - دون درئها - خارج دائرة استعمال البصمة الوراثية فيما أراه والله تعالى أعلم.\nأما لو اتفقوا على كون البصمة دليلًا، فيجوز أن يجري فيها الخلاف الجاري في الحمل يظهر على المرأة لا زوج لها هل تحد (^١).\n٢ - الاستلحاق:\nأما قولهم - حفظهم الله - في التوصية الثالثة: إن استلحاق مجهول النسب حق للمستلحق إذا تم بشروطه الشرعية، فصحيح، ولكن إذا استلحق الولد رجلان فيعمل بالبصمة لأنها أقوى من القيافة؛ وكذلك إذا ظهرت قرائن كذب المستلحق أو كذبته زوجه يعمل بالبصمة لقطع التنازع؛ وإذا ادعى لقيطًا واحتاج إلى بينة - كما هو عند المالكية - احتكم إلى البصمة. وقد يسوغ اشتراط عمل فحوص البصمة عند الاستلحاق، فإن الفقهاء اشترطوا فيه ألا يكذبه العقل أو الحس (^٢) أو الشرع (^٣)، فإن\n_________\n(^١) الحنفية يسألونها فإذا ادعت الإكراه أو الشبهة يدرءون الحد عنها، والشافعية عندهم روايتان أظهرهما أنها لا يجب عليها الحد، والمالكية قالوا إن كانت مقيمة بالحي تحد إلا أن تأتي بأمارة على استكراهها أو بينة على زواجها وإن كانت طارئة فلا. انظر «الفقة على المذاهب الأربعة»: (٥/ ١٠٠ - ١٠١).\n(^٢) كأن يدعي ابن العشرين ولدًا عمره اثنتا عشرة سنة.\n(^٣) كأن يكون الولد صاحب نسب معلوم ثبت بطريق شرعي.","vol":"1","page":664},{"text":"كذبته البصمة لم يثبت. وقد يعارض بأن الشارع متشوف لإثبات النسب والمستلحق له حق الاستلحاق ما كانت أبوته للولد ممكنة. ولكن يبقى أنه إن لم يكن الأب الحقيقي فإنه يدخل على قومه من ليس منهم ويكون هذا المُقَر له (^١) محرمًا لزوجه وبناته وليس بينهم علاقة. وقد يسبق رجل أو امرأة إلى استلحاق طفل مجهول النسب كما في الحروب وغيرها من الكوارث، فيثبت بذلك النسب، ويحرم الوالد الحقيقي الذي تأخر في الدعوى من حقه في ولده (^٢).\n٣ - الولد يستلحقه إنسان ثم يبلغ ويظهر له أنه ليس أباه وأن أباه غيره:\nفقد يكون له أن يطلب الاستيثاق بالبصمة الوراثية. وذلك أن هذا الولد الذي بلغ وظهر له أنه نسب إلى غير أبيه بين مفسدتين: الأولى نقض نسب قد ثبت بطريقة شرعية، الثانية أن يدعي إلى غير أبيه وهو يعلم ذلك. قال رسول الله -ﷺ-: «مَن ادَّعَى إِلى غَيْرِ أَبِيهِ أَو انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والنَّاسِ أجمَعِين لا يَقْبَلُ اللهُ مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ صَرْفًا ولا عَدْلًا» (^٣).\nفإن كان ظنه غالبًا أنه ليس ابن ذاك الرجل الذي استلحقه، فله أن يطالب بتصحيح النسب (سبق أن بينا أن هذا إذا لم يكن النسب قد ثبت بالفراش، فإن النسب الثابت بالفراش لا يحل الطعن فيه من قبل الولد ولا أحد سوى صاحب الفراش).\n_________\n(^١) الولد المستلحَق الذي أقر له المستلحِق بالأبوة.\n(^٢) وإلى هذا ذهب الدكتور علي القره داغي فيمن استلحق لقيطًا ثم ظهر أهله. انظر «فقه القضايا الطبية المعاصرة» للقره داغي والمحمدي (ص ٣٥٤).\n(^٣) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب العتق، باب تحريم تولي العتيق غير مواليه (٢/ ١١٤٦ رقم ١٥٠٨). قوله (صرفا ولا عدلا) الصرف التوبة وقيل النافلة والعدل الفدية وقيل الفريضة «نيل الأوطار» للشوكاني (٦/ ١٨٩).","vol":"1","page":665},{"text":"٤ - تفيد البصمة الوراثية في تحديد أنساب مجهولي النسب من اللقطاء:\nفيسهل على السلطات التعرف على آباء الطفل اللقيط الذي ترك بجانب مسجد أو دار أيتام أو غيرها، وفي ذلك حفظ لحق الطفل وتحميل المسؤولية للوالدين ورفع العبء عن كاهل المجتمع في تربية هذا العدد الكبير من الأطفال، إلى غير ذلك من الفوائد. على أن النسب سيثبت بالفعل للولد ببينة أو إقرار.\n٥ - إذا تنازع رجل وزوجه في ولد:\nفادعت أنه ولدها من غيره وادعى أنه ولده من غيرها - وذلك في ولد سابق على زواجهما - ولم تكن لأحدهما بينة قضي بينهما بالبصمة. أو ادعى الزوج على امرأته أنها حملت بالولد قبل الزواج أو بعد الطلاق.\n٦ - في حالة وطء امرأة متزوجة بشبهة:\nفيمكن عندها للبصمة أن تنسب الولد إلى الزوج أو الواطئ بشبهة (^١).\nأما قولهم - حفظهم الله - في التوصية الرابعة:\n«إقرار بعض الإخوة بأخوة مجهول النسب لا يكون حجة على باقي الإخوة ولا يثبت النسب، وآثار الإقرار قاصرة على المقر بخصوص نصيبه من الميراث، ولا يعتد في ذلك بالبصمة الوراثية».\nفإن المرء يتردد في ذلك، وقد يكون ذلك وجيهًا، فإن الإقرار حجة قاصرة على المُقِر دون غيره، وحتى مع وجود البصمة وإمكان التثبت فقد يقال إن الحقوق الاجتماعية لا تفرض\n_________\n(^١) وإلى ما رجحنا في هاتين المسألتين الأخيرتين ذهبت اللجنة التي أوكل إليها دراسة موضوع البصمة من قبل مجلس المجمع الفقهي، والتي شملت من الفقهاء والأطباء الدكاترة صالح المرزوقي وعلي القره داغي ومحمد علي البار ومحمد باخطمة. انظر «فقه القضايا الطبية المعاصرة» للقره داغي والمحمدي (ص ٣٦٥).","vol":"1","page":666},{"text":"على الناس بالوسائل التقنية مجردة من الاعتبارات الأخرى، فإن مجهول النسب هذا الذي لا يمكن إلحاقه بأبيه بأحد الأدلة الشرعية السابق ذكرها كالفراش والبينة والاستفاضة والإقرار، وقد مات أبوه فلا نستطيع أن نلزمه بمسؤوليته الآن تجاه الولد، والورثة نشؤوا وهم لا يعرفون أن لهم أخًا آخر حتى مات أبوهم وجاء وقت قسمة الميراث، فإن ظهور أخ أو إخوة الآن فجأة، مع عدم كون أمه فراشًا أو عدم القدرة على إثبات ذلك أمر يؤدي إلى اضطراب في العلاقات الاجتماعية، ولا يمكن أن يجبر هؤلاء على قبول ذاك الأخ أو أولئك الإخوة إلا عن رضى نفس، ولكن يقال إنهم إذا أرادوا التحقق من النسبة الطبيعية (البيولوجية) لهذا الأخ المزعوم بأبيهم فإن لهم طلب الاستيثاق عن طريق البصمة الوراثية.\nوقد يعارض ذلك بأن بعض الفقهاء يجعلون إقرار أخوين أو أخ وشخص آخر بينة على النسب، فهل إقرار أخ وتأييد البصمة له يعامل كبينة؟ وهل ادعاء الولد البنوة وتأييد البصمة للدعوى يثبت النسب؟ لا شك أنه محتمل جدًّا سيما عند من يرى أن نسب ولد الزنا يثبت للزاني ما لم تكن الأم فراشًا لغيره.\nأما توقفهم - حفظهم الله - في التوصية الخامسة في جواز استلحاق المرأةِ المجهولَ النسب، فلا شك أن هذا الموضوع متشعب وأهل العلم قد اختلفوا فيه قديمًا، قال الغَزالِيّ -﵀-: «وفي استلحاق المرأة ثلاثة أوجه [أي عند الشافعية] أحدها الصحة كالرجل، والثاني لا لأن الولادة يمكن إثباتها بالشهادة بخلاف الأب، والثالث أنها إن كانت خلية من الزوج لحقها وإن كانت ذات زوج فلا يمكن الإلحاق بها دون الزوج، ولا يمكن الإلحاق بالزوج مع إنكاره» (^١).\n_________\n(^١) «الوَسِيط» للغَزالِيّ (٧/ ٤٥٣).","vol":"1","page":667},{"text":"• والذي يظهر لي أن المرأة قد تعجِز في بعض الأحيان عن إثبات الوِلادة بالشهادة؛ كأن تكون وَلَدَت من غير حضور أحدٍ أو ماتت القابلة أو حصل لُبس في المستشفى أو غير ذلك. وعندها فإن استعمال البصمة الوراثية يكون مناسبًا؛ (^١) فإن كانت المرأة خَلِية من الزوج جرى في حقها الخلاف الحاصل في المرأة تحمل ولا زوج لها (^٢) وإن كانت ذات زوج فإن هذا الزوج إما أن يقر بالطفل أو ينفيه، وفي حالة نفيه فإنه يلجأ أيضًا إلى البصمة الوراثية لنفيه ولا تلزمه للإقرار.\n• إن التقدم الطبي قد يسر لنا سبلًا ووسائل للتوصل إلى الحقيقة وإقامة العدل، مثل بصمات الأصابع التي تستخدم ضمن الأدلة الجنائية في كل أنحاء العالم. والبصمة الوراثية توصلنا إلى التأكد من صاحب النطفة التي كان منها الولد، ومن ثم يلحق به الولد الذي لا والد له غيره أو المتنازع فيه بين متساويين في الحق. وإن مقصود الشارع هو إقامة العدل والتوصل إلى الحقيقة فأيما وسيلة أوصلت إلى ذاك المقصود فحكمها حكمه (^٣) ما لم تكن حرامًا أو ملغاة بدليل من الوحي. وفي نفس الوقت فإن ثبوت النسب بالفراش هو أقوى أنواع الثبوت، والنصوص ظاهرة على عدم التعرض لهذا النسب بالتشكيك. وإن التمسك بذلك ليس لترقيع الواقع\n_________\n(^١) وإلى هذا ذهب المشايخ محمد مختار السُّلامِيّ وحسن الشاذلي ومحمد رأفت عثمان وأحمد شرف الدين وسعد الدين الهلالي. انظر «الحلقة النقاشية حول حجية البصمة الوراثية في إثبات النسب» ثبت كامل لأعمال الحلقة (ص ٢٤٩ - ١٥٢).\n(^٢) الحنفية يسألونها فإذا ادعت الإكراه أو الشبهة يدرءون الحد عنها، والشافعية عندهم روايتان أظهرهما أنها لا يجب عليها الحد، والمالكية قالوا إن كانت مقيمة بالحي تحد إلا أن تأتي بأمارة على استكراهها أو بينة على زواجها وإن كانت طارئة فلا. انظر «الفقة على المذاهب الأربعة»: (٥/ ١٠٠ - ١٠١).\n(^٣) انظر «إعْلام المُوَقِّعِين» لابن القَيِّم (٣/ ١٣٦).","vol":"1","page":668},{"text":"على حساب الحقيقة، بل هو من موافقة حكمة الشارع في الحفاظ على سلامة المجتمع والأسرة وطرح الوسوسة والريبة.\nهذا ما ترجح لدي بشأن الاستفادة من التطور الطبي المتعلق بالبصمة الوراثية في تحقيق مقصود الشارع بحفظ الأنساب وعدم اختلاطها، والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"1","page":669},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>الفصل الثاني: الحدود والجنايات</span>\nوفيه مبحثان:\nالأول: استيفاء القِصاص\nالثاني: حكم الإجهاض","vol":"1","page":671},{"text":"المبحث الأول: استيفاء القِصاص في العظام\nوالجروح والشجاج وإذهاب المنافع\nالمطلب الأول: أقوال الفقهاء في تحديد ضابط الأمن من الحيف في استيفاء القِصاص فيما دون النفس.\nالمطلب الثاني: أقوال الفقهاء في الرجوع إلى الأطباء وأهل الخبرة والرأي.\nالمطلب الثالث: رأي الطب الحديث في إمكانية استيفاء القِصاص من غير حيف أو سراية.\nالمطلب الرابع: أثر تطور الصناعة الطبية على الفتوى\nبشأن استيفاء القِصاص.","vol":"1","page":673},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>المبحث الأول: استيفاء القِصاص في العظام\nوالجروح والشجاج وإذهاب المنافع</span>\nشرع الله ﵎ القِصاص ليكون رحمة للمجتمع من بغي وعدوان من لا وازع من دين أو خلق في نفوسهم يحجزهم عن سفك الدماء والعدوان على أبدان الناس.\nقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]\nأي أن قتل من قتل وقطع من قطع جدير بأن يردع المجرمين عن الاستطالة في دماء وأبدان الناس، ومن ثم يحفظ حياة الناس وطمأنينتهم والسلام في مجتمعاتهم.\nومن حِكَم القِصاص أن المعتدَى عليه قلما يشفي غل صدره وضعُ المجرم المعتدي في السجن بضعة أشهرٍ أو أعوامٍ، وقد قطع عضوًا من أعضائه أو أذهب منفعة من منافعه كالبصر مثلا.\nإن هذا المظلوم لا يشفي صدره سوى أن يرى الجاني وقد فُعِل به قصاصا مثل ما فَعَل به عدوانًا.\nولما كان العدل مقصودًا في القِصاص، فإن هذه القاعدة روعيت حتى مع الجاني فلا يجار عليه في القِصاص، فمن قطع يدًا من الرسغ، فلا يجوز أن تقطع يده من المرفق وهكذا، بل يتوخى العدل الكامل؛ قال تعالى:\n﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]","vol":"1","page":675},{"text":"وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]\nوقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]\nوقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠]\nمن أجل ذلك اشترط الفقهاء لاستيفاء القِصاص الأمن من الحيف مع شروط أخرى، كالمماثلة في الاسم والموضع، والاستواء في الصحة والكمال، بالإضافة إلى كون مستحق القِصاص مكلفًا عامدًا مكافئًا للمجني عليه.\nولم يخالف في اشتراط الأمن من الحيف إلا الإمام ابن حَزْم -﵀- (^١) الذي استدل بعمومات الأمر بالقصاص من غير استثناء، فنوقش بأن هذه العمومات إنما هي مع المماثلة المأمور بها، وهي متعذرة في بعض الأحوال، فلا يكون فيها قصاص.\nولا يُتصوَّر أن شيئًا من المستجدات الطبية قد يغير أيا من هذه الشروط، ولكن تطبيقات الفقهاء للشرط الأول هي التي قد تتغير.\nإن الفقهاء - ﵏ - قد اتفقوا على إمكان استيفاء القِصاص من غير حيف في بعض الجروح والشجاج، وعلى عدم إمكانه في بعضها - باستثناء ما كان من إنكار ابن حَزْم لأصل الشرط- واختلفوا في بعض التطبيقات.\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٩٠٣).","vol":"1","page":676},{"text":"والطب الحديث مع تطور علم وصناعة الجراحة يوسع دائرة الممكن في استيفاء القِصاص توسيعًا مذهلًا، وإن بقيت بعض الجروح خارج دائرة الإمكان لتعذر أمن الحيف أو إمكان حصول السراية (^١).\nونحن في هذا المبحث نتناول أقوال أهل العلم في إمكان القِصاص في أنواع الجروح والشجاج وإذهاب المنافع، وإبانة الأعضاء وكسر العظام ثم نعرض رأي الطب الحديث ونبين المواطن التي وسعت فيها الصناعة الطبية الحديثة دائرة الإمكان في استيفاء القِصاص.\n* * *\n_________\n(^١) المضاعفات التي قد تصيب أعضاء أخرى أو تتعدى ذلك إلى النفس.","vol":"1","page":677},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>المطلب الأول: أقوال الفقهاء في تحديد ضابط الأمن من الحيف\nفي استيفاء القِصاص فيما دون النفس</span>\nقبل الكلام عن تفاصيل ما اتفقوا عليه واختلفوا فيه ﵏، ينبغي أن نذكر أن المالكية هم أوسع المذاهب في استيفاء القِصاص بعد الظاهرية، لأنهم وإن أقروا بأصل اشتراط الأمن من الحيف، إلا أن الحيف عندهم الذي ينبغي تجنبه هو ما يعظم فيه الخطر فيؤدي إلى هلاك الجاني، وليست الزيادة البسيطة الممكنة عند استيفاء القِصاص من الحيف الذي ينبغي أن يجتنب (^١).\n* ولكن الجمهور يشترطون الأمن من الزيادة (^٢) وإن لم يكن خوف على حياة الجاني.\n* أما الظاهرية فلا يعتبرون شرط الأمن من الحيف الذي يعتبره الجمهور، والذين يعتبر أكثرهم كل زيادة حيفًا، بينما يقتصر المالكية على اعتبار الزيادة المخوفة دون غيرها.\nإذا عرف ذلك، فماذا عن تطبيقات تلك القواعد في فتاواهم﵏؟\nأما الظاهرية فقالوا: «القِصاص واجب في كل ما كان بعمد من جُرح أو كَسر لإيجاب القرآن ذلك في كل تعدٍ وفي كل حرمة وفي كل عقوبة وفي كل سيئة وورود السنن الثابتة\n_________\n(^١) انظر: «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (٨/ ١٦ - ١٧)، «المُنْتَقَى شَرح المُوَطَّأ» للباجِيِّ (٧/ ١٢٩)، «أحْكَام القُرآن» لابن العَرَبِيّ (٢/ ١٣٥)، «تَبْصِرَة الحُكَّام» لابن فَرْحُون (٢/ ١٧٩).\n(^٢) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٧/ ٣٠٨)، «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (١٠/ ١٥ - ١٨) وذكر أن المذهب هو الأمن من الحيف لا مجرد إمكان استيفاء القصاص من غير حيف.","vol":"1","page":678},{"text":"عن رسول الله -ﷺ- وبقي الكلام هل في ذلك العمد دية يتخير المجني عليه فيها أو في القِصاص أم لا» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>واتفقوا على وجوب القِصاص </span>في:\n١ - القطع من مفصل (^٢) كالرسغ والركبة.\n٢ - الشجاج والجروح التي تنتهي إلى عظم (^٣).\n٣ - كل قطع له حد ينتهي إليه كالذكر ومارن الأنف (^٤) وقلع السن (^٥).\n٤ - إذهاب منفعة البصر (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>واتفقوا على عدم القِصاص </span>في:\n١ - زوال بعض المنافع كبعض السمع أو البصر لتعذر التماثل وعدم الحيف قال القُرْطُبِيّ -﵀- «ولا خلاف بين أهل العلم على أن لا قود في بعض البصر إذ غير ممكن الوصول إليه» (^٧).\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٤٠٣).\n(^٢) انظر: «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٧/ ٣٠٧)، «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (٨/ ١٦ - ١٧)، (٨/ ٢٥١).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة، ونقل ابن قُدامة الإجماع عليه في «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٢٥١).\n(^٤) ما لان منه.\n(^٥) انظر المصادر السابقة ونقل ابن بطال الإجماع عليه. «الفتح» (١٢/ ٢٢٤).\n(^٦) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٧/ ٣٠٨)، (٧/ ٢٩٨)، «مَوَاهِب الجَلِيل» للحَطَّاب (٦/ ٢٤٨)، «حَاشِيَة البُجَيرَمِيّ» (٤/ ١٤٣ - ١٤٥)، «كشَّاف القِنَاع» للبُهُوتِيِّ (٥/ ٥٥٢)، «المُبْدِع» لابن مُفْلِح، إبراهيم (٨/ ٣١٠)، «مطالب أولي النهي» للرَّحِيباني (الرُّحَيباني) (٦/ ٦٥).\n(^٧) «أحْكَام القُرآن» للقُرْطُبِيّ (٦/ ١٩٥).","vol":"1","page":679},{"text":"٢ - ما فوق الموضحة من الشجاج قال ابن قُدامة -﵀-: «فأما ما فوق الموضحة فلا نعلم أحدًا أوجب فيها القِصاص إلا ما روي عن ابن الزبير أنه أقاد من المُنَقِّلة وليس بثابت عنه» (^١).\nالجائفة، وهي الجرح في البدن يصل إلى الجَوْف، ونقل ابن قُدامة -﵀- الإجماع على عدم القِصاص فيها (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>واختلفوا - ﵏ - في إمكانية المماثلة والأمن من الحيف </span>في:\n١ -<span data-type=\"title\" id=toc-270> القطع من غير مفصل</span>.\n٢ - ما دون الموضحة من الشجاج والجروح التي لا تنتهي إلى عظم.\n٣ - قطع بعض المارن والأذن واللسان والشفة وشفري المرأة.\n٤ - كسر العظام من غير قطع اللحم وكسر السن دون قلعها.\nالقطع من غير مفصل:\nأما القطع من غير مَفصِل، كالقطع من نصف الساعد أو الساق، فاختلف فيه الفقهاء:\n* فذهب الجمهور من الحنفية (^٣) والحنابلة (^٤) والشافعية (^٥) إلى عدم القِصاص فيه لتعذر المماثلة والأمن من الحيف.\n_________\n(^١) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٢٥٦). وانظر «تَبْيين الحَقَائق» للزَّيْلَعِيّ (٦/ ١٣٦)، «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (٨/ ١٦ - ١٧)، «حاشيتا: قَلْيُوبِيّ وعَمِيرة» (٤/ ١١٤ - ١١٥)، «حَاشِيَة البُجَيرَمِيّ» (٤/ ١٤٣ - ١٤٥)، «المُغْنِي» (٨/ ٢٥١).\n(^٢) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٢٥٦).\n(^٣) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٧/ ٢٩٨).\n(^٤) «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (١٠/ ١٦ - ١٨) وذكر وجهًا أن له أن يقطع من مفصل أسفل منه.\n(^٥) «حَاشِيَة البُجَيرَمِيّ» (٤/ ١٤٤) وجعل للمستوفي القطع من مفصل أسفل منه.","vol":"1","page":680},{"text":"* وذهب المالكية (^١) والظاهرية (^٢) إلى وجوب القِصاص فيه، إلا أن المالكية استثنوا ما كان مخوفًا.\n* أما الجمهور فدليلهم العمومات الناهية عن التعدي.\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]\nوقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]\nوقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠].\nواستدلوا بما رواه البَيْهَقِيّ وابن ماجه عن نِمْرَان بن جارية عن أبيه «أَنَّ رَجُلا ضَرَبَ رَجُلا على سَاعِدِهِ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا من غَيْرِ مَفْصِلٍ فَاسْتَعْدَى عليه النبي -ﷺ- فَأَمَرَ له بِالدِّيَةِ فقال: يا رَسُولَ اللهِ إني أُرِيدُ الْقِصَاصَ فقال: خُذ الدِّيَةَ بَارَكَ الله لك فيها ولم يَقْضِ له بِالْقِصَاصِ» (^٣).\n_________\n(^١) «تَبْصِرَة الحُكَّام» لابن فَرْحُون (٢/ ١٧٩)، «أحْكَام القُرآن» لابن العَرَبِيّ (٢/ ١٣٥).\n(^٢) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٤٠٣).\n(^٣) «سُنَن ابن مَاجَه» كتاب الدية، باب ما لا قود فيه (٢/ ٨٨٠)، و«سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب النفقات، باب ما لا قصاص فيه (٨/ ٦٥). وقال الكناني في «مصباح الزجاجة في زوائد سُنَن ابن مَاجَه»: «قلت ليس لجارية عند ابن ماجه سوى هذا الحديث وآخر، وليس له رواية في شيء من الكتب الخمسة، وإسناد حديثه فيه دهثم بن قران اليماني ضعفه أبو داود والنَّسَائيّ وابن عدي والعِجْلِيّ والدَّارَقُطْنِيّ وتركه أحمد بن حنبل وعلي بن الجنيد، رواه البَيْهَقِيّ في «سننه الكُبْرَى» من طريق سعيد بن يحيى ثنا أبو بكر بن عياش فذكره بإسناده ومتنه سواء.» «مصباح الزجاجة» (٣/ ١٢٣).","vol":"1","page":681},{"text":"والحديث ضعيف ضعفه جمع من أهل العلم بجهالة نمران بن جارية وضَعفِ دهثم ابن قران.\nواستدلوا من التعليل بكون الجاني معصومًا إلا في قدر جنايته وما زاد عليها يبقى على العصمة فعند عدم أمان الزيادة فلا يحل الاستيفاء لأنها من لوازمه (^١).\n* أما ابن حَزْم -﵀- فإنه يبطل شرط أمان الزيادة ويستدل بعمومات القرآن والسنة القاضية بوجوب القِصاص، ولم تستثن من ذلك شيئًا.\nقال تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] ولم يصح شيء عن الرسول -ﷺ- في الاستثناء.\nوقال إن ما ورد عن الصحابة في استثناء بعض الجروح والكسور ليس إجماعًا منهم، وقد اختلفوا فلا يكون عندها قول أحدهم حجة (^٢).\n* أما المالكية فقد توسطوا فجعلوا القِصاص واجبًا في كل جرح وقطع إلا أن يكون مخوفًا أو يؤدي إلى جائفةٍ كأعلى الفخذ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-271> الترجيح:</span>\nولعل الراجح هو ما ذهب إليه المالكية وذلك للآتي:\n١ - عموم الأدلة على وجوب القِصاص في الجروح وعدم ثبوت الاستثناء. أما استثناء ما كان مخوفًا، فلابد منه إذ إن للنفس حرمة فوق حرمة الأعضاء، وبذلك يقر الإمام\n_________\n(^١) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٢٥١).\n(^٢) انظر «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٤٠٣ - ٤٠٥).","vol":"1","page":682},{"text":"ابن حَزْم -﵀- (^١) فمتى خيف على الجاني الهلاك، فلا مسوغ لاستيفاء القِصاص إلا أن يهلك المجني عليه فتكون عندها نفس بنفس.\n٢ - ليست العظام والجروح في الجسم سواءً، بل منها المخوف وغيره فيكون القِصاص المأمور به في الآيات في غير المخوف.\n٣ - القول باشتراط الأمن من مطلق الزيادة ووجوب تحقق المماثلة المطلقة يؤدي إلى إسقاط القِصاص بالكلية فإن ذلك متعذر حتى فيما اتفقوا عليه كقطع مارن الأنف والذكر والقطع من المَفصِل. لذا، فيجتنب الحيف الظاهر المتعمد ولا يشترط اجتناب كل زيادة.\n٤ - قضى رسول الله -ﷺ- بالقِصاص في كَسْرِ السن فقد روى أنس ابن مالك «أَنَّ الرُّبَيِّعَ وَهِيَ ابْنَةُ النَّضْرِ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ فَطَلَبُوا الأَرْشَ وَطَلَبُوا الْعَفْوَ فَأَبَوْا فَأَتَوْا النبي -ﷺ- فَأَمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ فقال أَنَسُ بن النَّضْرِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يا رَسُولَ اللهِ لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا فقال يا أَنَسُ كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا ...» (^٢) والمماثلة المطلقة هنا غير ممكنة ولا يُؤْمَن مطلق الزيادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>ما دون الموضحة من الشجاج، والجروح التي لا تنتهي إلى عظم:</span>\nأما الشِّجاج فهي جروح الرأس والوجه دون اللَّحْي الأسفل.\nوهي عشرة أنواع:\n١ - الحارصة بالحاء والصاد المهملتين التي تحرص الجلد أي تشقه قليلا ولا تدميه وتسمى أيضا القاشرة.\n_________\n(^١) انظر «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١٠/ ٤٠٤ - ٤٠٥).\n(^٢) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الصلح، باب الصلح في الدية (٢/ ٩٦١).","vol":"1","page":683},{"text":"٢ - البازلة أو الدامية أو الدامعة بالعين المهملة لقلة سيلان الدم منها تشبيها بخروج الدمع من العين وهي التي يسيل منها الدم.\n٣ - الباضعة وهي التي تبضع اللحم أي تشقه بعد الجلد ومنه سمي البُضع.\n٤ - المتلاحمة وهي الغائصة في اللحم.\n٥ - السِّمحاق وهي التي ما بينها وبين العظم قشرة رقيقة تسمى السمحاق.\n٦ - المُوضِحة وهي ما توضح اللحم.\n٧ - الهاشمة وهي التي توضح العظم وتهشمه.\n٨ - المُنَقِّلة وهي ما توضح العظم وتهشمه وتنقل عظامها.\n٩ - المأمُومَة وهي التي تصل إلى جلدة الدِّمَاغ وتسمى الآمة وأم الدِّمَاغ.\n١٠ - الدَّامغة بالغين المعجمة وهي التي تخزق الجلدة المحيطة بالدِّمَاغ.\nوأسماء جراح الجسد توافق الشجاج في الثمانية الأولى وتختص الرأس بالمأمومة والدامغة بينما يختص الجسد بالجائفة وهي التي تصل إلى بطن الجَوْف كبطن وظهر وصدر وعنق ومثانة وبين خُصيتين (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>ولا خلاف بين الفقهاء سوى ابن حَزْم في عدم القِصاص </span>فيما فوق الموضحة في الرأس:\nولم يقل به أحد من السلف إلا روايات عن ابن الزبير أنه أقاد من مأمومة ومن منقلة (^٢).\n_________\n(^١) انظر «لِسَان العَرَب» لابن مَنْظُور (٨/ ٤٢٤)، «الروض المربع» للبُهُوتِيِّ (٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، «القوانين الفقهية» لابن جُزَيّ (١/ ٢٢٩ - ٢٣٠).\n(^٢) «مُصَنَّف ابن أبي شَيْبَة» كتاب الديات باب من قال لا يقاد من جائفة ولا مأمومة ولا منقلة (٥/ ٣٩٤). وذكر عن عَطَاء أن أحدًا قبل ابن الزبير لم يفعل ذلك.","vol":"1","page":684},{"text":"وقال ابن عبد البر في «الاسْتِذْكَار»: «ولعل ابن الزبير لم يخف من المنَقِّلة التي أقاد منها ولا من المأمومة تلفًا ولا موتًا فأقاد منهما على عموم قول الله تعالى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]» (^١).\nفإن ثبتت هذه الروايات عن ابن الزبير (^٢) فلا حجة في فعله مع إنكار الناس عليه -﵁-.\nووجه عدم الاستيفاء فيما فوق الموضحة ظاهر في أزمنتهم للخطر وعدم أمان الحيف البالغ والسِّراية التي قد تؤدي إلى هلاك النفس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>ما فوق الموضحة في البدن:</span>\nأما ما فوق الموضحة في البدن، فإن المالكية يرون استيفاء القِصاص فيها. قال الخَرَشِيّ -﵀-: «فالمنقلة الكائنة في الرأس لا قصاص فيها وأما المنقلة في الجسد فقد مر أنه يقتص منها» (^٣).\nوالجمهور على منع القِصاص في البدن والرأس (^٤).\nأما ما دون الموضحة من الشجاج والجراح، فقد اختلفوا في وجوب القِصاص فيها:\nفذهب الجمهور إلى عدم وجوب ذلك وهم الحنفية - على خلاف عندهم - والشافعية - على خلاف عندهم فيما فوق ودون الموضحة (^٥) - والحنابلة (^٦).\n_________\n(^١) «الاسْتِذْكَار الجَامِع لمَذاهِب فُقَهاء الأمْصَار» لابن عبد البَرّ (٨/ ١٠٠).\n(^٢) قال ابن قُدامة: «فأما ما فوق الموضحة فلا نعلم أحدًا أوجَبَ فيها القصاص إلا ما روي عن ابن الزبير أنه أقاد من المنقِّلة وليس بثابت عنه». «المُغْنِي» (٨/ ٢٥٦).\n(^٣) «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (٨/ ١٦).\n(^٤) «تَبْيين الحَقَائق» للزَّيْلَعِيّ (٦/ ١٣٢)، «حاشيتا قَلْيُوبِيّ وعَمِيرة» (٤/ ١١٤)، «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٢٥١ - ٢٥٣).\n(^٥) «حاشيتا قَلْيُوبِيّ وعَمِيرة» (٤/ ١١٤).\n(^٦) «كشَّاف القِنَاع» للبُهُوتِيِّ (٥/ ٥٥٢).","vol":"1","page":685},{"text":"* بينما ذهب المالكية (^١) والظاهرية (^٢) إلى القِصاص فيها.\n* ودليل القول الأول عدم إمكان المماثلة لأن الجُرح أو الشَّجَّة لا ينتهيان إلى عظم. وروي عن النبي -ﷺ-: «لا طلاق قبل ملك ولا قصاص فيما دون الموضحة من الجراحات» (^٣). والحديث فيه انقطاع فلا يصح.\n* ودليل أصحاب القول الثاني هو عموم الأمر بالقِصاص في الجروح وإمكان المماثلة، فالخلاف بينهم أكثره في تصور الواقع المحكوم عليه، وليس من نصٍّ صريحٍ صحيحٍ يحسم الخلاف.\nثم إن السبب الآخر للخلاف هو الفرق بين فهم المالكية وفهم الجمهور لشرط الأمن من الحيف الذي اتفقوا جميعًا عليه كما قدمنا.\nأما اختلافهم في قطع بعض المارن والأذن واللسان والشفة والجَفْن والألْية وشفري المرأة فراجع أيضًا إلى إمكان المماثلة كونها تنتهي إلى حد أو لا؛ فمن رأى إمكانها قضى بالقِصاص وإلا فلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>كسر العظام:</span>\nأما كسر العظام:\nفالجمهور على عدم القِصاص في عظام البدن، وهم الحنفية (^٤) والشافعية (^٥) والحنابلة (^٦).\n_________\n(^١) «مَوَاهِب الجَلِيل» للحَطَّاب (٦/ ٢٤٧ - ٢٤٨).\n(^٢) «المُحَلَّى» (١٠/ ٤٠٣).\n(^٣) «سُنَن البَيْهَقِيّ الكُبْرَى» كتاب النفقات، باب ما لا قصاص فيه (٨/ ٦٥) وقال -﵀-: «هذا منقطع».\n(^٤) «بَدَائع الصَّنَائع» للكَاسَانِيّ (٧/ ٣٠٨)، «تبيين الحقائق» للزَّيْلَعِيّ (٦/ ١١١).\n(^٥) «حَاشِيَة البُجَيرَمِيّ» (٤/ ١٤٤ - ١٤٥).\n(^٦) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٢٥٦، ٣٧٦).","vol":"1","page":686},{"text":"بينما يرى المالكية القِصاص فيها (^١). واتفقوا مع الجمهور على عدم الاستيفاء في كسر عظام الرأس (^٢) وما يعظُم فيه الخطر كعظام الصدر والصُّلب والعنق وما أشبه ذلك (^٣).\nواحتج الجمهور بعدم إمكان المماثلة، وأن الكسر لا يكون إلا إذا أصاب ما حوله من اللحم ضرر لا يمكن تقديره. واستدلوا على المالكية باتفاقهم على عدم الاستيفاء في عظام الرأس فكذلك البدن (^٤).\nوالجواب هو الفارق بين عظام الرأس وسائر البدن وأن المالكية لا يستثنون الرأس فقط بل والصدر والصلب والعنق وما أشبه ذلك مما في كسره خطر على حياة المستوفى منه، وكل ذلك جريًا على قاعدتهم في الاستيفاء ما أمكن ما لم يؤد إلى خطر الهلاك على الجاني فلم يتناقضوا.\nأما عدم إمكان المماثلة المطلقة فإن المطلوب مطلق المماثلة وإلا تعطل القِصاص فيما دون النفس جملةً.\n* واستدل المانعون من القِصاص في العظام بآثار منها:\nما رواه عبد الرزاق عن عِكْرِمَة يبلغ به النبي -ﷺ- قال: «لا قود في الشلل ولا في العرج ولا في الكسر وفيه العقل» (^٥).\nوما رواه ابن أبي شَيْبَة:\n• «عن عَطَاء عن عمر قال إنا لا نُقيد من العظام ...\n_________\n(^١) «تَبصِرة الحُكَّام» لابن فَرْحُون (٢/ ١٦٩).\n(^٢) ذكر الحافظ في «الفتح» نقل الطَّحَاوِيّ إجماعهم عليه. «فَتْح البَارِي» (١٢/ ٢٢٤).\n(^٣) «شَرح مُخْتَصَر خَلِيل» للخَرَشِيِّ (٨/ ١٧).\n(^٤) قاله الطَّحَاوِيّ -﵀-. انظر «فَتْح البَارِي» (١٢/ ٢٢٤).\n(^٥) «مُصَنَّف عبد الرَّزَّاق» كتاب العقول باب ما لا يستقاد (٩/ ٤٦٠).","vol":"1","page":687},{"text":"• وعن ابن عباس قال ليس في العظام قصاص ...\n• وعن حُصَين قال كتب عمر بن عبد العزيز ما كان من كسرٍ في عظم فلا قصاص فيه ...\n• وعن الشَّعْبِيّ قال ليس في شيء من العظام قصاص إلا الوجه والرأس ...\n• وعن الزُّهْرِيّ قال ليس في الآمة ولا في الجائفة ولا في كسر العظام قصاص» (^١).\nأما ما روَوْه عن رسول الله -ﷺ- فلا يثبت للانقطاع وكذلك ما روَوا عن عمر وابن عباس (^٢) وأما ما رووا عن التابعين فلا حجة فيه وإن صلَح للاستئناس والاعتضاد.\n* ومتمسَّك المالكيةِ عمومُ الأمر بالقِصاص في الجروح وما في معناها من الشجاج وإبانة الأعضاء وإذهاب المنافع ما أمكن مُطلَق المماثلة وما أُمِن الهلاك. وهو الظاهر من مقصود الشرع والأقرب إلى العدل.\n• ظهر مما سبق أنهم جميعًا متفقون على وجوب القِصاص إذا أمكن، بل حكى ابن قُدامة الإجماع عليه (^٣) وليس في الوحيين استثناءٌ لشيءٍ إلا ما كان من استثناء ما لا يمكن فيه مُطلق المماثلة أو لا يؤمن فيه من هلاك المستوفى منه لما تقدم من أمره تعالى بالمماثلة ومن عصمة الجاني إلا بقدر جنايته وأن الشريعة مبناها على العدل.\n• بقي أن كثيرًا من اختلافهم في التطبيق راجع إلى الخلاف في الإمكان، فمن الذي يرد إليه هذا الأمر؟ هذا موضوع المطلب الآتي.\n_________\n(^١) «مُصَنَّف ابن أبي شَيْبَة» كتاب الديات باب من قال لا يقاد من جائفة ولا مأمومة ولا منقلة (٥/ ٣٩٤).\n(^٢) انظر كلام الحافظ ابن حَجَر -﵀- عن هذه الآثار «الدراية في تخريج أحاديث الهِدَايَة» (٢/ ٢٦٩).\n(^٣) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٢٥١).","vol":"1","page":688},{"text":"المطلب الثاني: أقوال الفقهاء في الرجوع إلى الأطباء وأهل الخبرة\nقرر الفقهاء ﵏ أن معرفة إمكان الاستيفاء واحتمال السراية والمماثلة وإمكان عودة المنفعة للمعتدى عليه وتقدير الجناية وغيرها مما يختص به أهل الخبرة من الأطباء والجراحين، وكانوا يحيلون عليهم ما يتعلق بذلك كله.\nقال ابن مُفْلِح: «ولا قَوَد وَلا دِيَة لما رُجِي عودُه من عَيْنٍ أو منفعةٍ في مدةٍ يقولها أهلُ الخبرة» (^١)\nوقال: «وإِن اختلفا في ذَهاب بصره أُرِي أهلَ الخبرة» (^٢).\nوفي «الكافي»: «وإن قطعها من الكَتِف فقال أهل الخبرة يمكن الاقتصاص من غير جائفة فله ذلك لأنه متصل وليس له أن يقتص مما دونه وإن قالوا نخاف الجائفة فلا قصاص منها لأنه يخاف الزيادة» (^٣).\nوفيه: «ولا تؤخذ صحيحة بشلاء لأنها فوق حقه فأما الشلاء بالصحيحة أو بالشلاء فإن قال أهل الخبرة لا يخاف عليه اقتص لأنه يأخذ حقه أو دونه» (٣).\nوفي «المُغْنِي»، قال ابن قُدامة: «خلعَ عظمَ المَنْكِب ويقال له مُشْط الكتف، فيرجع فيه إلى اثنين من ثقات أهل الخبرة، فإن قالوا يمكن الاستيفاء من غير أن تصير جائفة، استوفي وإلا صار الأمر إلى الدِّيَة» (^٤).\n_________\n(^١) «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (٥/ ٤٩٥).\n(^٢) «الفُرُوع» لابن مُفْلِح (٦/ ٣٣).\n(^٣) «الكَافِي في فِقْه ابن حَنبَل» لابن قُدامة (٤/ ٢٨).\n(^٤) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٢٥٦).","vol":"1","page":689},{"text":"وفي «إعَانَة الطَّالِبِين»، قال الدِّمْياطِيّ (^١) -﵀-: «نعم إن أمكن في كسر السن بقول أهل الخبرة وجب كأن يكون أصل الجناية بنحو مِنشار أو مبرد فتنشر سنُّ الجاني كذلك» (^٢).\nوفي «الطُّرُق الحُكمِيَّة»، قال ابن القَيِّم: «ومنها ما يختص بمعرفة أهلِ الخبرة والطب كالمُوضِحَة وشبهها» (^٣).\nوفي «مجمع الأنهر»، قال شَيْخِي زَادَه (^٤) -﵀-: «وقيل ذَهاب البصر يعرفه الأطباء، فيكون قول رجلين منهم عدلين حجةً فيه» (^٥).\nوهذا الذي ذكروا من الرجوع إلى الأطباء في معرفة قدر الجناية وإمكانية عود المنفعة أو العين وإمكانية المماثلة والأمن من الزيادة أو الهلاك بالسراية وغير ذلك يقودنا إلى المطلب القادم وهو معرفة ما أسهم به تطور المعارف والصناعة الطبية في تغير الفتوى في باب استيفاء القِصاص.\n_________\n(^١) هو: أبو بكر عثمان بن محمد شطا الدِّمياطِيّ الشافعي البكري، فقيه متصوف مِصْرِيّ، ولد سنة ١٢٦٦ هـ استقر بمكة، توفي -﵀- سنة ١٣١٠ هـ، له كتب منها: «إعَانَة الطَّالِبِين على حل ألفاظ فتح المعين» في فقه الشافعية، و«الدرر البهية فيما يلزم المكلف من العلوم الشرعية»، و«القول المبرم في المواريث»، و«كفاية الأتقياء في المواريث». راجع ترجمته في: الأعلام للزرِكليّ (٤/ ٢١٤)، و«مُعْجَم المُؤلِّفِين» (٣/ ٧٣).\n(^٢) «إعَانَة الطَّالِبِين» للدِّمياطِيِّ (٤/ ١٢١).\n(^٣) «الطُّرُق الحُكمِيَّة» لابن القَيِّم (١/ ١٨٨).\n(^٤) هو: عبد الرحمن بن محمد بن سليمان، المعروف بشَيْخِي زَادَه، ويقال له الداماد، فقيه حنفي، من أهل كليبولي بتركيا من قضاة الجيش له: «مَجمَع الأنهُر في شرح مُلتقَى الأبحُر»، و«نظم الفرائد» في مسائل الخلاف بين الماتريدية والأشعرية، توفي -﵀- سنة ١٠٧٨ هـ. راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكليّ (٣/ ٣٣٢)، «مُعْجَم المُؤلِّفِين» (٥/ ١٧٥).\n(^٥) «مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر» لشَيْخِي زَادَه (٤/ ٣٤٥).","vol":"1","page":690},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>المطلب الثالث: رأي الطب الحديث في إمكانية استيفاء القِصاص\nمن غير حيف أو سراية</span>\n• الحقيقة أن الطب قد تطور في الجراحة تطورًا مذهلًا أسهم فيه التطور في التخدير والتعقيم وغير ذلك. وفي السنوات الأخيرة مكن التصوير بالكمبيوتر الجراحين من عمل جراحات تجميل فائقة الدقة، وقد ساهم في غيرها من الجراحات أيضًا. وهناك أنواع من الأشعة المغناطيسية والمقطعية التي تظهر الأعضاء داخل الجسم بجميع أبعادها.\nإن هذا كله يمكن من تحديد قدر الجناية بدقة كبيرة، وكذلك من استيفاء القِصاص، مع تحقق مطلق المماثلة والأمن من الزيادة المطلقة.\n• إن الطب إذًا قد يمكن من استيفاء القِصاص في كثير من الحالات التي لم يكن الاستيفاء فيها ممكنًا، ولكن هل يمكن ذلك في كل الجروح والشجاج والكسور وإبانة الأعضاء وإزالة المنافع؟\nالحق أن ذلك غير ممكن، فإن هذه كلها ليست شيئًا واحدًا والكسور تختلف فيما بينها اختلافًا واسعًا، فربما كان الاستيفاء يسيرًا في كسر عظم العَضُد، ولكن عظام الفخذ والرأس مثلا لا يمكن فيها ذلك مع أمن عدم الزيادة الممنوعة والسراية (^١).\n_________\n(^١) «أثر التقنية الحديثة في الخلاف الفقهي» المطلب الثالث من المبحث الأول في الفصل الخامس. وفيه إفادات سعادة الدكتور مأمون فرغلي لفضيلة الدكتور هشام بن عبد الملك آل الشيخ حول الاستيفاء في كسر العظام.","vol":"1","page":691},{"text":"وفي بحث الدكتور يوسف بن أحمد القاسم، الأستاذ المساعد بالمعهد العالي للقضاء، الموسوم بـ «استيفاء القِصاص فيما دون النفس على ضوء المستجدات الطبية»، (^١) نقل فضيلته جواب لجنة طبية بمجمع الرياض الطبي عن استفساراتٍ وجهتها المحكمةُ الجزئية بالرياض إلى إدارةِ الطبِّ الشرعيِّ. ولتمام الفائدة أنقله هنا من غير تصرف:\n• «استفسرت المحكمة الجزئية من إدارة الطب الشرعي بمجمع الرياض الطبي عن هذا الموضوع في خطابها رقم (٣٠٣٧: ٤) وتاريخ ٧: ٨: ١٤٢٦ هـ، وذلك عبر الأسئلة الآتية:\nس ١ - هل يمكن القِصاص بلا حيف في الأطراف التي لا تنتهي إلى مفصِل، كالقِصاص بقطع الساق من نصفه، وكالقِصاص بقطع بعض الأذن؟\nس ٢ - هل يمكن القِصاص بلا حيف من الجروح والشجاج التي لا تنتهي إلى عظم، كالقِصاص من الحارصة والبازلة والدامية، وكالقِصاص بما فوق الموضحة كالآمَّة والدامغة، وكالقِصاص بجرح الفخذ بما لا ينتهي إلى عظم، وكالقِصاص بلا حيف من الجائفة كقطع بعض الكُلْيَة أو الكبد؟\nس ٣ - هل يمكن القِصاص بلا حيف بإزالة المنفعة، كإزالة منفعة السمع، أو البصر، أو المشي؟\nبعد هذا، شكلت لجنة طبية بمجمع الرياض الطبي للإجابة عن استفسارات فضيلة رئيس المحكمة الجزئية، وتم عقدُ سبعةِ اجتماعاتٍ في مقر إدارة الطب الشرعي بالمجمع، وذلك خلال الفترة الممتدة من تاريخ ١٩: ١١: ١٤٢٦ وحتى تاريخ ٢٣: ١: ١٤٢٧ هـ، وكانت هذه اللجنة الطبية مكونة من:\n_________\n(^١) «استيفاء القصاص فيما دون النفس على ضوء المستجدات الطبية» [شبكة] /المؤلف يوسف بن أحمد القاسم، أستاذ مساعد بالمعهد العالي للقضاء بالسعودية.","vol":"1","page":692},{"text":"١ - الدكتور محمد عبد الحميد حامدة (استشاري الطب الشرعي بوزارة الصحة).\n٢ - الدكتور جعلود (استشاري الأنف والأذن والحَنْجَرَة بالمجمع الطبي).\n٣ - الدكتور حامد صبح (استشاري جراحة العظام بالمجمع الطبي).\n٤ - الدكتور طارق ظافر (استشاري الجراحة العامة بالمجمع الطبي).\n٥ - الدكتور عبد الرحمن الصقيهي (استشاري جراحة العيون).\nوبعد أن أجيب الأطباء عن بعض المصطلحات الفقهية والقضائية الواردة في خطاب المحكمة، أجابوا عن الاستفسارات بالإجابات الآتية:\n١ - جواب السؤال الأول:\nأ- لا يمكن القِصاص بلا حيف في الأطراف العلوية والسفلية (كالفخذين والساقين والقدمين، بالإضافة للعضدين والساعدين والكفين) كقطع الساق أو الساعد من نصفه، ولكن يمكن ذلك بصفةٍ تقريبية، وتؤخذ كل حالة بحسَبها.\nب- بخصوص القِصاص بلا حيفٍ في الأعضاء التي لها حد تنتهي إليه، كقطع الجزء الخارجي من الأذن والأنف أو بعضهما، فلا يمكن القِصاص بلا حيف، ولكن بصفة تقريبية، علمًا أنه لا يمكن ذلك في عظم الأنف، وتؤخذ كل حالةٍ بحسَبها.\n٢ - جواب السؤال الثاني:\nأ- لا يمكن القِصاص بشكل عام في الشجاج (جراح الرأس والوجه) بلا حيف، ولكن يمكن بشكل تقريبي.\nأما ما يخص الهاشمة والآمة والدامغة، فهذه قد يكون القِصاص منها خطرًا على الحياة، وتؤخذُ كلُّ حالةٍ على حسبها.\nب- بخصوص الجراح غير الجائفة، فينطبق عليها ما ينطبق على الشجاج، مع الأخذ","vol":"1","page":693},{"text":"بعين الاعتبار الأماكن في الجسم التي قد تتعطل فيها منفعة كبيرة للجاني مثل الإصابات في الظهر قرب العمود الفقري إذا خشي إصابة الحبل الشوكي.\nج- بخصوص الجراح الجائفة، كقطع بعض الكُلْيَة أو الكبد، فلا يمكن فيها القِصاص لوجود خطورة على حياة الجاني.\n٣ - جواب السؤال الثالث:\nأ- لا يمكن القِصاص بلا حيف بإزالة المنفعة، كإزالة منفعة السمع، أو منفعة الشم، وكذلك منفعة المشي.\nب- بما يخص العين:\n١ - القِصاص بالحاجب يكون حكمه كالشجاج في الوجه، إذ لا يمكن إلا في الموضحة (التي تشق الجلد وتصل للسِّمحاق) وبشكل تقريبي.\nأما مقدار شعر الحاجب، فيكون القِصاص فيه بلا حيف بشكل تقريبي، وتؤخذ كل حالة على حسَبها.\n٢ - يمكن إزالة الجَفْن إلى مفصله كاملا أو بعضٍ منه عن طريق مختص فقط، وبشكل تقريبي، وذلك في حالة إزالة المقلة مع الجَفْن، وينتفي فيما عدا ذلك؛ حيث يؤدي إزالة الجَفْن دون المقلة إلى جفاف العين وحدوث ضرر للمقلة، وخلاف ذلك ينتفي الاستيفاء تمامًا، وتؤخذ كل حالة على حسبها.\n٣ - يمكن إزالة المُقلة كاملة كمثيلتها في المجني عليه. أما جروح المُقلة فلا يمكن استيفاؤها تمامًا.\nأما ما يخص ذَهاب البصر مع بقاء المقلة سليمة، فلا يمكن إلا بأجهزة دقيقة كالليزر، على أن يقوم بها مختص، وتكون بشكل تقريبي، وتؤخذ كل حالة على حسبها» انتهى","vol":"1","page":694},{"text":"جواب اللجنة الطبية.\nولقد لفت الدكتور يوسف القاسم الانتباه إلى عدة أمور مهمة تضمنها جواب اللجنة الطبية وهي:\n١ - ضرورة عرض كل حالة على طبيب مختص للتفاوت بين الحالات.\n٢ - ما يمكن فيه القِصاص بلا حيف فإنه يمكن بشكل تقريبي.\n٣ - عدم إمكان القِصاص بلا حيف في بعض المواضع كبعض المنافع والشجاج كالهاشمة والآمة والدامغة، ومن الجروح الجائفة.\nوأضيف أنه من اللافت أن اللجنة أكدت على أن كل أنواع الاستيفاء إنما تتم بشكل تقريبي حتى ما اتفق عليه الأقدمون كالقطع من مَفصِل.\nوكذلك فإن اللجنة نفت إمكان القِصاص من غير حيف بإزالة منافع السمع والشم والمشي خلافًا للجمهور من المتقدمين الذين رأوا إمكان ذلك.\n* * *","vol":"1","page":695},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>المطلب الرابع: أثر تطور الصناعة الطبية على الفتوى\nبشأن استيفاء القِصاص</span>\nبدايةً، ينبغي التأكيد على أن التطور في العلوم الطبية الحديثة لا يثبت صحة مذهب وخطأ آخر بهذا الصدد، ولا يرجح قولًا على قول، فإنما كانت هذه الأقوال نتاجًا لواقع غير الذي نحياه، فكان الحريَّ بها أن تتفاعل مع هذا الواقع؛ والحريُّ بالفتوى في زماننا أن تتفاعل مع الواقع الجديد.\n• أما بالنسبة للجروح والشجاج، فإن الجراحة الحديثة يمكنها استيفاء أكثر أنواع الجروح والشجاج سوى الجائفة والهاشمة والآمة والدامغة لعظم الخطر.\nوعليه فلا يتغير قول المالكية، وتجدر مراجعة أقوال المذاهب الأخرى.\n• أما بالنسبة لإزالة المنافع، فلعل الطب الحديث ضيق إمكان الاستيفاء في هذا الباب، لأن الأطباء لا يرون من الممكن استيفاء القِصاص بإزالة منفعة غير البصر (^١) كما هو مذهب الحنفية، فإن صار يومًا ممكنًا فتتغير الفتوى. فلا يتغير قول الحنفية في زماننا هذا وتجدر مراجعة أقوال المذاهب الأخرى.\n• أما بالنسبة للقطع من غير مَفصِل، فإن الطب الحديث يستطيع تحقيق مطلق المماثلة واجتناب الزيادة المطلقة، وهو المطلوب - على الصحيح - فوسع بذلك دائرة الاستيفاء في كل قطع من غير مفصل لا يكون مخوفًا في حكم أهل الخبرة. فلا يتغير إذًا قول المالكية لأنه موافق لذلك وينبغي أن تراجع بقية الأقوال.\n_________\n(^١) فيكون مشكلا قول الإمام النَّوَوِيّ -﵀-: «والأقرب منع القصاص في العقل ووجوبه في الشم والبطش والذوق لأن لها محال مضبوطة ولأهل الخبرة طرق في إبطالها.» «رَوْضَة الطَّالِبِين» (٩/ ١٨٦).","vol":"1","page":696},{"text":"• أما كسر العظام، فكذلك يوسع الطب الحديث من إمكانية ذلك في الأطراف دون عظام الرأس والصدر والفخذ والظهر لمكان الخطر، فلا يتغير القول عند المالكية لأنه موافق لذلك وتنبغي مراجعة باقي الأقوال.\nهذا كله إذا أقر الجميع بأن المطلوب هو تحقيق مطلق المماثلة لا المماثلة المطلقة واجتناب الزيادة المطلقة لا مطلق الزيادة، فإن كان خلاف في هذا، فليس ينتظر أن يؤثر تطور الطب في توسيع دائرة الاستيفاء، ولكن الإشكال عندها أن من يتمسك بتحقيق المماثلة المطلقة سيؤدي قوله إلى إسقاط القِصاص فيما دون النفس جملة أو أكثره.\nوإلى ترجيح تغير الفتوى في باب استيفاء القِصاص وتوسيع الطب الحديث لدائرته ذهب كثير من المعاصرين، منهم كل من الشيخ محمد صالح العُثَيْمِين -﵀- (^١) والدكتور هشام بن عبد الملك آل الشيخ (^٢) والدكتور يوسف القاسم (^٣) والدكتور صالح اللاحم (^٤).\nوالله تعالى أعلى وأعلم.\n* * *\n_________\n(^١) «الشَّرح المُمتِع على زادِ المُسْتَقْنِع» (٦/ ٢٦)، نسخة إلكترونية من مكتبة صيد الفوائد.\n(^٢) «أثر التقنية الحديثة في الخلاف الفقهي» لهشام آل الشيخ. الفصل الخامس - المبحث الأول - المطلب الثالث: أثر التقنية الحديثة في القصاص في العظام. (نسخة إلكترونية مهداة للباحث من صاحب الرسالة).\n(^٣) «استيفاء القصاص فيما دون النفس على ضوء المستجدات الطبية».\n(^٤) «الجناية على ما دون النفس» لصالح اللاحم (ص ١٦٤).","vol":"1","page":697},{"text":"المبحث الثاني: حكم الإجهاض\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: مراحل تخليق ونمو الجنين كما يراها الطب الحديث\nالمطلب الثاني: حكم الإجهاض في الفقه الإسلامي\nالمطلب الثالث: متى تبدأ الحياة الإنسانية؟","vol":"1","page":699},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>المبحث الثاني: حكم الإجهاض</span>\nلقد فرق جمهور فقهائنا - ﵏ - بين الإجهاض قبل تمام أربعة أشهر على الحمل وبعدها. وتفريقهم راجع إلى ظاهر حديث ابن مسعود -﵁- الذي قال فيه:\nحدثنا رسول الله -ﷺ- وهو الصادق المصدوق -: «إن خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ في بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وأربعين لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مثله، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مثله، ثُمَّ يُبْعَثُ إليه الْمَلَكُ، فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يَنْفُخُ فيه الرُّوحَ؛ فإن أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حتى لا يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عليه الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حتى ما يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عليه الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» (^١).\n\n[١٤] أشعة صوتية للجنين في بطن أمه\n_________\n(^١) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ...﴾ (٦/ ٢٧١٣).","vol":"1","page":701},{"text":"ولقد أشكل على أهل العلم من قديم التعارض بين ظاهر هذه الرواية وروايات وأحاديث أخرى عن أنس بن مالك وحُذَيفة بن أَسِيد -﵄-، ولكن لعل قوة سند هذه الرواية عن ابن مسعود -﵁- والتي جعلت البخاري لا يذكر غيرها - مع جلالة قدر هذا الصحابي وسعة علمه وقوة حفظه وحسن فقهه جعل هذا الحديث هو العمدة التي يُتَأَوَّل لها كلُّ نصٍّ آخر. ولقد ذهب العلماء مذاهب شتى في الجمع، نفصلها في حينها، ولكنهم كانوا ينطلقون من هذه الرواية ويعودون إليها.\n• والذي استجد هو أن المعارف الطبية الحديثة تفيد أن مرحلة التخليق في الجنين تنتهي عند نهاية الأسبوع الثامن لتبدأ مرحلة النمو. ولقد يسرت الأجهزة الحديثة مثل الأشعة الصوتية على الأطباء متابعة مراحل تكون الجنين داخل الرحم، وهم يختلفون في أشياء وتفاصيل كثيرة إلا أنهم متفقون على أن تخليق الأعضاء ينتهي بانتهاء المرحلة الجنينية (^١) عند نهاية الأسبوع الثامن.\nوربما يتبادر إلى الذهن عدم وجود الإشكال لأن قضية نفخ الروح في الجنين قضية غيبية لا دخل للطب بها، فإن الطب الحديث لا يتناول الروح من قريب أو بعيد ولا ذكر لها في مراجعه، فإنه يحدد أن موضوعه هو بدن الإنسان. ولعل هذا حق، ولكن الإشكال في حديث بن مسعود -﵁- هو في وصف الجنين بالنطفة في الأربعين الأولى والعلقة في الثانية والمضغة في الثالثة، بينما يكون في الثانية قد تكونت عظامه وفي الثالثة قد تميزت أصابع يديه ورجليه؛ وليس الأمر عندئذ مما يشاهد فقط عن طريق الأشعة الصوتية، بل يشاهد بالعين المجردة عند حدوث السقط كما أشار إليه ابن الهُمَام (^٢) -﵀- حيث قال:\n_________\n(^١)  Embryogenesis\n(^٢)  هو: كمال الدين محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السِّيواسِيّ الإسكندري، المعروف بابن الهُمَام، إمام من علماء الحنفية، عارف بأصول الديانات والتفسير والفرائض والفقه والحساب وغيرها، أصله من سيواس، ولد بالإسكندرية سنة ٧٩٠ هـ، ونبغ في القاهرة، وأقام بحلب مدة، وجاور بالحرمين، ثم كان شيخ الشيوخ بالخانقاه الشيخونية بمصر، وكان معظمًا عند الملوك وأرباب الدولة، توفي بالقاهرة سنة ٨٦١ هـ، من كتبه: «فَتْح القَدِير في شرح الهِدَايَة» و«التحرير» في أصول الفقه. راجع ترجمته في: «الضوء اللامع» (٢/ ٢٠١)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٤/ ٢٩٨).","vol":"1","page":702},{"text":"«وهل يباح الإسقاط بعد الحبل؟ يباح ما لم يتخلق شيء منه. ثم في غير موضع قالوا ولا يكون ذلك إلا بعد مائة وعشرين يوما. وهذا يقتضي أنهم أرادوا بالتخليق نفخ الروح، وإلا فهو غلط لأن التخليق يتحقق بالمشاهدة قبل هذه المدة» (^١).\nوربما أجاب البعض بعدم وجود التعارض بين كون الجنين علقةً ووجود العظام فيه، فإن كُنْه النطفة والعلقة والمضغة التي تحدث عنها رسول الله -ﷺ- ليس بالضرورة هو ذات ما يعرف به الأطباء المعاصرون النطفة والعلقة والمضغة. بل ربما قال البعض إن المتحمسين من أطباء المسلمين سحبوا هذه الاصطلاحات على مراحل معينة لنمو الجنين توصل إليها العلم الحديث لإثبات الإعجاز في القرآن والسنة. وهذا وإن كان بعيدًا لأن هذه الكلمات لها مدلولات واضحة في اللغة العربية مما يجعل وصف الجنين الذي تميزت أطرافه من ذراعين ورجلين بل وأصابعهما بأنه علقة أو حتى مضغة بعيدًا، ولكن يمكن الدفع - مع شيء من التكلف - بأن هذه الأسماء التي أطلقها الوحي لها مدلولات غير التي يفهمها الأطباء. ولكن تبقى المشكلة الأكبر هي الجمع بين هذه الرواية وروايات أخرى في الصحيح بل والقرآن نفسه.\nمن هنا كانت الحاجة إلى إعادة النظر والتأمل في الفهم الشائع لهذه الرواية عن ابن مسعود -﵁- الذي ترتبت عليه أحكام في الإجهاض والعتق وغيرهما.\n_________\n(^١) «شَرْح فَتْح القَدِير» لابن الهُمَام (٣/ ٤٠١ - ٤٠٢).","vol":"1","page":703},{"text":"وفي هذا المبحث، أمهد في المطلب الأول بالكلام عن مراحل تخلق ونمو الجنين في بطن أمه كما يراها الأطباء، ثم أذكر في المطلب الثاني أقوال أهل العلم في حكم الإجهاض، وبعدها أناقش في المطلب الثالث أقوال المعاصرين عن بدء الحياة الإنسانية ونفخ الروح، ثم أرجح ما ترجح منها وأبين أثر ذلك على الفتوى، وأورد بعد ذلك فائدة عن أثر تطور الطب على حكم العدوان على الجنين في بطن أمه.\n* * *","vol":"1","page":704},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>المطلب الأول: مراحل تخليق ونمو الجنين كما يراها الطب الحديث</span>\nالطب الحديث لا يناقش قضية الروح ونفخها في الجنين، ولكنه توصل إلى معرفة دقيقة إلى حد بعيد بمراحل تخليق ونمو الأجنة، وذلك عن طريق استعمال الأشعة الصوتية وغيرها. وربما نجد في هذه المعارف الطبية ما يعيننا على حسن فهم أدلة الوحي بشأن تخليق الجنين ونفخ الروح فيه (^١).\nيلتقي الحيوان المنوي بالبُيَيْضَة في خلال ثلاثة أيام على الأكثر من خروج الأخيرة من المِبْيَض فيتمُّ الإخصاب - بإذن الله - ثم تبدأ البُيَيْضَة الملقحة في الانقسام ويحصل انغراسها في جدار الرحم خلال أسبوع أو اثنين على الأكثر من الإخصاب (^٢).\n\n[١٥] مرحلة الانغراس (رسم توضيحي)\nعند مرور أسبوعين على الإخصاب ينتهي احتمال انقسام اللقيحة إلى توائم (^٣). (يستدل البعض بذلك على عدم نفخ الروح قبل ذلك الوقت لأنها لا تنقسم).\n_________\n(^١) للتوسع، راجع «خلق الإنسان بين الطب والقرآن» لمحمد علي البار.\n(^٢) انظر: «الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي»، بحث الدكتور حسان حتحوت (ص ٥٧) وانظر:\nACOG Terminology Bulletin.Terms used in reference to the fetus.Chicago، ACOG، no. ١، September ١٩٦٥.\n(^٣) DevBio، A companion to Developmental Biology by Scott Gilbert، Eigth Edition، Sinauer Associates.","vol":"1","page":705},{"text":"١ - الأسبوع الرابع، ٢٨ يومًا بعد الإخصاب:\nعندها يتميز الجنين إلى رأس وجذع وذيل (^١). وفي هذه المرحلة يبدأ القلب بالنبض وربما قبل ذلك بأيام من ٢١ - ٢٤ يومًا بعد الإخصاب (^٢). (يرى بعض الأطباء أن الحياة الإنسانية تبدأ مع نبض القلب).\n\n[١٦] صورة لجنين عمره ٣٥ يومًا (^٣)\n٢ - ستة أسابيع ٤٢ يومًا:\nهذه المرحلة لها أهمية خاصة وذلك أنها تلك المرحلة التي جاءت فيها الأحاديث مصرحة بإرسال الملك إلى الجنين ليبدأ تمايز الأعضاء حيث جاء في حديث حُذَيفة بن أَسِيد الغِفارِي -﵁- عند مسلم -﵀- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ اثنتان وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ الله إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا ثُمَّ قال يا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى فيقضي رَبُّكَ ما شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ثُمَّ يقول يا رَبِّ\n_________\n(^١) «الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي»، بحث دكتور مختار مهدي (ص ٦٥).\n(^٢)  Maternal &amp; Fetal Medicine Principles and Practice، Creasy and Resnik، Second Ed.W.B.Saunders، Philadelphia ١٩٨٩.\n(^٣)  من «أطوار الجنين ونفخ الرُّوح» [شبكة] /المؤلف عبد الجواد الصَّاوِيّ//موقع هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة. -١١٢٠، ٢٠٠٦.","vol":"1","page":706},{"text":"أَجَلُهُ فيقولُ رَبُّكَ ما شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ثُمَّ يقول يا رَبِّ رِزْقُهُ فيقضي رَبُّكَ ما شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ في يَدِهِ فلا يَزِيدُ على ما أُمِرَ ولا يَنْقُصُ» (^١).\nوفي هذه المرحلة يكون طول الجنين حوالي ٢٢ ملليمترًا (^٢) وعند ذلك أيضًا تتناقص احتمالات السقط بشكل كبير جدًا (^٣) وفي أثناء الأسبوع السابع تتكون العظام (^٤) وبعيد تكونها تكتسي باللحم (^٥) (العضلات) وذلك مصداق لقوله تعالى:\n﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].\nوفي هذه المرحلة يبدأ تمايز الأعضاء الجنسية في الجنين.\n\n[١٧] صورة جنين عمره ٤٠ يومًا\n_________\n(^١) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه (٤/ ٢٠٣٧).\n(^٢) «الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي»، بحث د. مختار مهدي (ص ٦٥).\n(^٣) المصدر السابق؛ وانظر أطوار الجنين ونفخ الرُّوح [شبكة] /المؤلف عبد الجواد الصَّاوِيّ//موقع هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.\n(^٤)  Human Derdopment As described in the Quran and Sunnah; Correletion With Modern Embryology P. ٨١\n(^٥) Human Derdopment As described in the Quran and Sunnah; Correletion With Modern Embryology P. ٩١","vol":"1","page":707},{"text":"٣ - نهاية الأسبوع الثامن:\nبعد ثمانية أسابيع من الإخصاب يكون كل عضو من أعضاء الجنين قد بدأ تكونه (^١) ويستمر الجنين في النمو ويتكامل تكون الأعضاء بعد ذلك ومن هذه الأعضاء التي تكونت في ذلك الوقت الدِّمَاغ، والذي تبدأ آثار تكونه تظهر في الجسم الذي يشهد حركات اختلاجية ضعيفة في جذعه (^٢).\n\n[١٨] صورة جنين عمره عشرة أسابيع (^٣)\n_________\n(^١)  Shannon، Thomas A.and Wolter، Allan B. ١٩٩٠.Reflections on the Moral Status of the Pre-Embryo.Theological Studies.Volume ٥١.\n(^٢)  المصدر السابق و«الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي»، بحث الدكتور مختار مهدي (ص ٦٦). وانظر:  Vaughan، p. ٢٠٧.Vaughan، Christopher (١٩٩٦).How Life Begins: The Science of Life in the Womb.New York: Times Books (Random House).ISBN ٠٨١٢٩٢١٠٣٨.\n(^٣)  من أطوار الجنين ونفخ الرُّوح [شبكة] /المؤلف عبد الجواد الصَّاوِيّ//موقع هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.","vol":"1","page":708},{"text":"٤ - الأسبوع الثاني عشر:\nقبيل الأسبوع الثاني عشر يبدأ الجنين في مرحلة الحركات المركبة كثني الرقبة وقبض اليد وحركات مشابهة للرضاعة، وتبدأ دورة النوم واليقظة (^١).\nوهذه الحركات تصاحبها إشارات كهربائية من قشرة المخ (^٢) في هذه المرحلة تدل على أن قشرة المخ قد بدأت نوعًا من النشاط. وقشرة المخ تحوي مراكز الإحساس والمشاعر، ولذلك يذهب البعض إلى أن الجنين لا تكون عنده أحاسيس أو مشاعر قبلها (^٣)، وهل يكون له ذلك بعدها؟ يصعب إثبات ذلك. ولكن حتى هذه الحركات ربما تكون انعكاسية غير إرادية (^٤).\n_________\n(^١) انظر: «الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي»، بحث الدكتور مختار مهدي (ص ٦٧)، كذلك  DevBio، A companion to Developmental Biology by Scott Gilbert، Eigth Edition، Sinauer Associates.\n(^٢) Morowitz، H.J.and Trefil، J.S. ١٩٩٢.The Facts of Life: Science and the Abortion Controversy.Oxford University Press، New York.\n(^٣) McCartney G، Hepper P.Development of lateralized behaviour in the human fetus from ١٢ to ٢٧ weeks ' gestation.Dev Med Child Neurol ١٩٩٩; ٤١ (٢): ٨٣ - ٦.\n(^٤) Vaughan، p. ٢٠٧.Vaughan، Christopher (١٩٩٦).How Life Begins: The Science of Life in the Womb.New York: Times Books (Random House).ISBN ٠٨١٢٩٢١٠٣٨","vol":"1","page":709},{"text":"[١٩] صورة جنين عمره ١٣ أسبوعًا (^١)\n٥ - نهاية الأسبوع الثامن عشر أي اليوم السادس والعشرون بعد المائة.\nلا شك أن لهذه المرحلة أهميتها، وذلك لأن حديث عبد الله بن مسعود -﵁- يدل بظاهره على أن الروح تنفخ عند المائة والعشرين يومًا من الإخصاب.\nوفي هذه المرحلة، وعند تمام الأسبوع الثامن عشر أو قبيل ذلك تشعر المرأة بحركة الحمل (^٢). ولعل ذلك من حِكَم جعل عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا، قال الحَطَّاب -﵀-: «وجعل سبحانه أربعة أشهر وعشرا عبادة العدة لأن فيها استبراءً للحمل\n_________\n(^١) من أطوار الجنين ونفخ الرُّوح [شبكة] /المؤلف عبد الجواد الصَّاوِيّ//موقع هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.\n(^٢)  Vaughan ١٩٩٦، p. ١٣٤.Vaughan، Christopher (١٩٩٦).How Life Begins: The Science of Life in the Womb.New York: Times Books (Random House).ISBN ٠٨١٢٩٢١٠٣٨.","vol":"1","page":710},{"text":"إذ فيها تكمل الأربعون، والأربعون والأربعون حسب حديث ابن مسعود وغيره، ثم تنفخ فيه الروح. فجعل العشرة تكملة إذ هي مظنة ظهور الحمل بحركة الجنين، وذلك لنقص الشهور أو كمالها، ولسرعة حركة الجنين وإبطائها؛ قاله ابن المُسَيَّب وغيره» (^١).\nوعند نهاية الأسبوع العشرين يكون قد تم تكوين وتميز منطقة المهاد الهامة في الدِّمَاغ، وعندها فقط يمكن أن يكون للكائن نوع فكر (^٢).\nوفي هذه المرحلة يكتسب الجنين السمع والقدرة على التكيف (^٣).\nونهاية الأسبوع العشرين هو الحد الأدنى لإمكانية عيش الجنين (^٤).\nوأصغر من عاش من الأجنة بعد الولادة كان عمرها واحدًا وعشرين أسبوعًا وستة أيام؛ وقد ولدت بمدينة ميامي الأمريكية (^٥).\n_________\n(^١) «مَوَاهِب الجَلِيل» للحَطَّاب) ٤/ ١٥٠). وقاله من قبل ابن القَيِّم، انظر «إعْلام المُوَقِّعِين» (٢/ ٨٧).\n(^٢)  DevBio، A companion to Developmental Biology by Scott Gilbert، Eigth Edition، Sinauer Associates.\n(^٣) Leader LR، Baillie P.The assessment and significance of habituation in normal and high risk pregnancies.J Perinatol ١٩٩١; ١١: ٢٥ - ٩.\n(^٤) Halamek، Louis. \"Prenatal Consultation at the Limits of Viability\"، NeoReviews، Vol. ٤ No. ٦ (٢٠٠٣)\n(^٥) Baptist Hospital of Miami، Fact Sheet (٢٠٠٦).\nوانظر:  Tiniest Babies [Online] /auth.Iowa University of and Department Pediatric//University of Iowa Carver College of Medicine. -١٨٢، ٢٠٠٨. - http://www.medicine.uiowa.edu/tiniestbabies/.","vol":"1","page":711},{"text":"لعله من هذا العرض السريع لمراحل تكون الجنين وتخليقه نكون أقدر على حسن فهم الآثار الواردة بهذا الشأن، ولعل هذا العرض يكون أنفع في فهم ما ذكر من الآثار بشأن التكوين والتخليق دون مسألة نفخ الروح، فهي مسألة لا يتعرض لها الطب، بل وإن هناك من الأطباء والعلماء من يختلفون في تحديد بداية الآدمية (^١) فالبعض يرجح بدايتها مع الإخصاب، وآخرون يقولون مع الأسبوع الرابع وبداية نبض القلب أو الأسبوع السادس مع بداية النشاط الكهربي للدماغ أو الأسبوع الثامن مع تكامل تخليق الأعضاء (^٢) أو الأسبوع الثاني عشر عندما يأخذ الجنين شكل الطفل الآدمي أو السادس عشر إلى الثامن عشر عندما تبدأ الحامل في الشعور بحركة الجنين وفي هذه المرحلة يمكن تمييز جنين عن آخر بملامح الوجه أو الأسبوع العشرين إلى الثاني والعشرين عندما يكون الجنين قادرًا على الحياة خارج الرحم.\nوصدق الله تعالى الذي قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].\n* * *\n_________\n(^١) يسمونها  Personhood،  وسماها قدامى النصارى والفلاسفة  Ensoulment  أو حلول الرُّوح.\n(^٢) فكل الأعضاء قد تمايزت وهي في طريقها إلى تمام التكوين والنمو.","vol":"1","page":712},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>المطلب الثاني: حكم الإجهاض في الفقه الإسلامي</span>\nلا شك أن الشريعة الإسلامية قد راعت حرمة الجنين في بطن أمه، فمنعت من إقامة الحد على المرأة الحامل المستحقة له من أجله، وأجازت لها الإفطار في رمضان رعاية لمصلحته، وأوجبت الكفارة - وهي غرة أو نصف عشر الدِّيَة - على من ضرب الحامل فأسقطت جنينها وإن كان أبا الجنين، بل وعلى الأم إن تعمدت إسقاطه؛ ولو وضعته حيًّا ثم مات من الضربة لوجبت الكفارة كاملة (^١). بل ذهب ابن حَزْم -﵀- إلى أن من تعمد قتل الجنين بعد نفخ الروح (^٢) فيه فإن عليه القود.\nوأنت كذلك تجد الشريعة تجعل للجنين أهلية وجوب ناقصة، فتحجز له ميراث ولدين حتى يتبين عدد الحمل وجنسه بعد الولادة وتجيز له الهبة والوصية ... الخ.\nوأكثر الأحكام المتعلقة بالجنين لا ترتبط بعمره أو بنفخ الروح فيه، ولكن بعضها يعتمد على التفريق بين أطواره المختلفة، كالإجهاض والجناية على الجنين وبعض أحكام العتق والدفن وغيرها.\nأما موضوع هذا المبحث وهو الإجهاض فالخلاف فيه كثير، وملخصه أنهم أجمعوا على حرمته بعد نفخ الروح (^٣) والتي تتفق كلمتهم على أنها تنفخ بعد المائة والعشرين يومًا ثم اختلفوا فيما دون ذلك على ثلاثة أقوال:\n١ - يحرم الإجهاض في جميع الأطوار وهو قول المالكية والظاهرية وبعض الحنفية والشافعية والحنابلة.\n_________\n(^١) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٣٢٣) ونقل حكاية الإجماع عن ابن المُنذِر.\n(^٢) وذلك في رأيه بعد تجاوز المائة وعشرين يومًا.\n(^٣) «الشَّرْح الكَبِير» للدَّرْدِير (٢/ ٢٦٦).","vol":"1","page":713},{"text":"٢ - يحرم الإجهاض بعد الأربعين الأولى ويجوز فيها وهو قول الحنابلة وبعض المالكية.\n٣ - يحرم الإجهاض بعد نفخ الروح ويجوز قبله وهو قول الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>عرض أقوال أهل العلم:</span>\nقول السادة الحنفية:\nالمعتمد في مذهب الحنفية - ﵏ - هو جواز الإسقاط قبل المائة والعشرين يومًا، قال الكمال بن الهُمَام -﵀-: «وهل يباح الإسقاط بعد الحبل يباح ما لم يتخلق شيء منه ثم في غير موضع قالوا ولا يكون ذلك إلا بعد مائة وعشرين يوما وهذا يقتضي أنهم أرادوا بالتخليق نفخ الروح وإلا فلا فهو غلط لأن التخليق يتحقق بالمشاهدة قبل هذه المدة» (^١).\nوإطلاقهم - ﵏ - يشمل الجواز بغير إذن الزوج، وهو ما نص عليه ابن عَابِدِين -﵀- حيث قال: «وقالوا يباح إسقاط الولد قبل أربعة أشهر ولو بلا إذن الزوج» (^٢).\nإلا أن الحنفية - ﵏ - ليسوا متفقين على جواز الإسقاط، وفي المنع ينقل ابن عَابِدِين -﵀- عن صاحب الخانِيَّة -﵀- قوله: «ولا أقول بالحل إذ المحرم لو كسر بيض الصيد ضمنه لأنه أصل الصيد فلما كان يؤاخذ بالجزاء ثمة فلا أقل من أن يلحقها إثم هنا إذا أسقطت بغير عذر» (^٣).\n_________\n(^١) «شرح فَتْح القَدِير» لابن الهُمَام (٣/ ٤٠١ - ٤٠٢).\n(^٢) «الدُّر المُخْتار» للحَصْكَفِيّ (٣/ ١٧٦).\n(^٣) «حَاشِيَة ابن عابِدِين» (٣/ ١٧٦).","vol":"1","page":714},{"text":"ولعل هذا الخلاف هو الذي دفع البعض إلى محاولة التوفيق بين الآراء بحمل القول بالإباحة على حالات خاصة، ومن هؤلاء ابن وَهْبان حيث نقل عنه ابن عَابِدِين في الحَاشِيَة قوله: «فإباحة الإسقاط محمولة على حالة العذر أو أنها لا تأثم إثم القتل» (^١).\nوهذا وجيه لأن إطلاق الجواز بإسقاط الجنين الذي مر عليه مائة يوم، وصار له رجلان ويدان ورأس وجذع من غير عذر، لهو مما تأباه الشريعة بروحها ونصها.\nقول السادة المالكية:\nذهب المالكية -﵀- إلى منع الإسقاط في كل أطوار الجنين، وهم في ذلك أشد المذاهب، قال الشيخ الدَّرْدِير -﵀-: «ولا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم ولو قبل الأربعين يومًا، وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعًا» (^٢).\nبل إن المالكية - ﵏ - ذهبوا إلى أبعد من هذا فمنعوا شرب الدواء الذي يقلل النسل، وفي ذلك ينقل الحَطَّاب عن الجُزُولِيّ قوله: «ولا يجوز للإنسان أن يشرب من الأدوية ما يقلل نسله» (^٣).\nولم يخالف من المالكية في ذلك إلا قليل، كاللَّخْمِيّ (٣) الذي قال بقول الحنابلة، وهو جواز الإسقاط في مرحلة النطفة دون ما بعدها.\n_________\n(^١) «حَاشِيَة ابن عابِدِين» (٣/ ١٧٦).\n(^٢) «الشَّرْح الكَبِير» للدَّرْدِير (٢/ ٢٦٦).\n(^٣) «مَوَاهِب الجَلِيل» للحَطَّاب (٣/ ٤٧٧).","vol":"1","page":715},{"text":"قول السادة الشافعية:\nقال الرَّملِيّ -﵀- (^١): «والراجح تحريمه بعد نفخ الروح مطلقًا وجوازه قبله» (^٢) ونقل الدِّمْياطِيّ الخلاف في إعَانَة الطَّالِبِين فقال: «وفي البُجَيرَمِيّ ما نصه: واختلفوا في جواز التسبب في إلقاء النطفة بعد استقرارها في الرحم فقال أبو إسحاق المَرْوَزِيّ: يجوز إلقاء النطفة والعلقة ونقل ذلك عن أبي حنيفة -﵁-، وفي الإحياء في مبحث العزل ما يدل على تحريمه، وهو الأوجه لأنها بعد الاستقرار آيلة إلى التخلق المهيأ لنفخ الروح، ولا كذلك العزل ... والمعتمد أنه لا يحرم إلا بعد نفخ الروح فيه» (^٣).\nوالمعتمد في المذهب هو الجواز كما قرره أحمد سلامة القَلْيُوبِيّ في حاشيته، قال: «نعم يجوز إلقاؤه ولو بدواءٍ قبل نفخ الروح فيه خلافًا للغَزالِيّ» (^٤).\nقول السادة الحنابلة:\nعرض المِرْداوِيّ -﵀- أقوال الحنابلة في الإسقاط وبدأ بالمعتمد في المذهب، وهو جواز إسقاط النطفة عندهم في الأربعين الأولى، ثم ذكر القولين الآخرين بالمنع المطلق والجواز\n_________\n(^١) هو: محمد بن أحمد بن حمزة الرَّمْليّ، شمس الدين، فقيه الديار المِصْرِيّة في عصره، ومرجعها في الفتوى يقال له: الشافعي الصغير، نسبته إلى الرملة من قرى المنوفية بمصر، ومولده سنة ٩١٩ هـ بالقاهرة، ولي إفتاء الشافعية وجمع فتاوى أبيه، وصنف شروحًا وحواشي كثيرة، ووفاته بها سنة ١٠٠٤ هـ، منها: «عمدة الرابح شرح على هدية الناصح» في فقه الشافعية، و«غاية البيان في شرح زبد ابن رسلان»، و«نهاية المُحْتاج إلى شرح المِنهاج» للرَّمْلِيّ. راجع ترجمته في: «الأعلام» للزرِكليّ (٦/ ٧)، «مُعْجَم المُؤلِّفِين» (٨/ ٢٥٥).\n(^٢) «نهاية المُحْتاج» للرَّمْلِيّ (٨/ ٤٤٣).\n(^٣) «إعَانَة الطَّالِبِين» للدِّمياطِيِّ (٣/ ٢٥٦).\n(^٤) «حاشيتا قَلْيُوبِيّ وعَمِيرة» (٤/ ١٦٠).","vol":"1","page":716},{"text":"قبل نفخ الروح، فقال: «يجوز شرب دواءٍ لإسقاط نطفة. ذكره في «الوجيز»، وقدمه في «الفُرُوع». وقال ابن الجَوْزِيّ في «أحكام النساء»: يحرم. وقال في «الفُرُوع»: وظاهر كلام ابن عَقِيل في «الفنون» أنه يجوز إسقاطه قبل أن ينفخ فيه الروح. قال: وله وجه. انتهى. وقال الشيخ تقي الدين: والأحوط أن المرأة لا تستعمل دواءً يمنع نفوذ المني في مجاري الحبل» (^١).\nوذهب بعض أهل العلم إلى أن ابن قُدامة يميل إلى القول بالمنع حيث قال: «إذا شرِبَت الحامل دواءً، فألقت به جنينًا، فعليها غرة، لا ترث منها شيئًا، وتعتق رقبة ليس في هذه الجملة اختلاف بين أهل العلم نعلمه، إلا ما كان من قول من لم يوجب عتق الرقبة» (^٢).\nولعل الأمر غير ذلك، ألا تراه يقول: «ليس في هذه الجملة اختلاف بين أهل العلم نعلمه» مما يدل على أنه يبين حكم الإسقاط المحرم عند الجميع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>أقوال المعاصرين:</span>\nولعل المعاصرين من الفقهاء كانوا أكثر تحفظًا من المتقدمين بشأن الإجهاض، فجاءت فتاوى أكثرهم بالمنع إلا في حدود ضيقة، وفي إجابة<span data-type=\"title\" id=toc-284> مجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي </span>عن إسقاط الجنين المشوه خلقيًّا ذكروا ما يأتي:\nمجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي:\n«الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد،\n_________\n(^١) «الإنْصَاف» للمِرداوِيِّ (١/ ٣٨٦).\n(^٢) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٣٢٨).","vol":"1","page":717},{"text":"فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، برابطة العالم الإسلامي ... قد قرر بالأكثرية ما يلي:\n- إذا كان الحمل قد بلغ ١٢٠ يومًا، لا يجوز إسقاطه ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخِلقة إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء الثقات المختصين أن بقاء الحمل فيه خطرٌ مؤكدٌ على حياة الأم، فعندئذ يجوز إسقاطه، سواءٌ كان مشوهًا أم لا، دفعا لأعظم الضررين.\n- قبل مرور ١٢٠ يوما على الحمل، إذا ثبت وتأكد بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين الثقات، وبناءً على الفحوص الفنية بالأجهزة والوسائل المختبرية، أن الجنين مشوه تشويهًا خطيرًا غير قابل للعلاج، وأنه إذا بقي وولد في موعده ستكون حياته سيئة وآلامًا عليه وعلى أهله، فعندئذ يجوز إسقاطه بناءً على طلب الوالدين.\nوالمجلس إذ يقرر ذلك يوصي الوالدين والأطباء بتقوى الله والتثبت في هذا الأمر. والله ولي التوفيق» (^١).\n\nبل إن<span data-type=\"title\" id=toc-285> مجمع الفقه التابع للمنظمة </span>احتاط للبييضة الملقَّحة وأوجب عند التلقيح خارج الرحم للبييضات أن يُقتصَر على العدد المطلوب تفاديًا لحصول فائض من هذه البُيَيْضَات الملقحة، والذي يتم في العادة تدميره من قبل فريق التلقيح الصناعي. جاء ذلك في قرار المجمع الآتي:\nمجمع الفقه التابع للمنظمة:\n«تمهيد: إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي ... قرر ما يلي:\n_________\n(^١) المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة، رقم القرار: ٤/ ١٢، مكان الانعقاد: مكة المكرمة، تاريخ الانعقاد: ١٥ - ٢٢ رجب ١٤١٠ هـ/١٠ - ١٧ فبراير ١٩٩٠ م.","vol":"1","page":718},{"text":"أولًا: في ضوء ما تحقق علميًّا من إمكان حفظ البُيَيْضَات غير الملقحة للسحب منها، يجب عند تلقيح البُيَيْضَات الاقتصار على العدد المطلوب للزرع في كل مرة، تفاديًا لوجود فائض من البييضات الملقحة.\nثانيًا: إذا حصل فائض من البُيَيْضَات الملقحة بأي وجه من الوجوه تترك دون عناية طبية إلى أن تنتهي حياة ذلك الفائض على الوجه الطبيعي.\nثالثًا: يحرم استخدام البُيَيْضَة الملقحة في امرأة أخرى، ويجب اتخاذ الاحتياطات الكفيلة بالحيلولة دون استعمال البُيَيْضَة الملقحة في حمل غير مشروع. والله أعلم» (^١).\n\nوجاء قرار<span data-type=\"title\" id=toc-286> هيئة كبار العلماء في السعودية </span>ليعكس توجه الجمهور من فقهاء المسلمين المعاصرين، حيث قرروا ما يأتي:\nهيئة كبار العلماء في السعودية:\n«الحمد لله وحده والصلاة والسلام عل نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد: فإن مجلس هيئة كبار العلماء يقرر ما يلي:\n١ - لا يجوز إسقاط الحمل في مختلف مراحله إلا لمبرر شرعي وفي حدود ضيقة جدًّا.\n٢ - إذا كان الحمل في الطور الأول وفي مدة الأربعين وكان في إسقاطه مصلحة شرعية أو دفع ضرر متوقع، جاز إسقاطه؛ أما إسقاطه في هذه المدة خَشية المشقة في تربية الأولاد أو خوفًا من العجز عن تكاليف معيشتهم وتعليمهم، أو من أجل مستقبلهم أو اكتفاءً بما لدى الزوجين من الأولاد فغير جائز.\n_________\n(^١) مجلس مجمع الفقه الإسلامي، قرار رقم ٦/ ٦ العنوان: البييضات الملقحة الزائدة عن الحاجة، مكان الانعقاد: جُدَّة، تاريخ الانعقاد: ١٧ - ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ الموافق ١٤ - ٢٠ (مارس) ١٩٩٠ م.","vol":"1","page":719},{"text":"٣ - لا يجوز إسقاط الحمل إذا كان علقة أو مضغة حتى تقرر لجنة طبية موثوقة أن استمراره خطر على سلامة أمه بأن يخشى عليها الهلاك من استمراره، فجاز إسقاطه بعد استنفاد كافة الوسائل لتلافي تلك الأخطار.\n٤ - بعد الطور الثالث، وبعد إكمال أربعة أشهر للحمل لا يحل إسقاطه حتى يقرر جمع من الأطباء المتخصصين الموثوقين أن بقاء الجنين في بطن أمه يسبب موتها، وذلك بعد استنفاد كافة الوسائل لإنقاذ حياته. وإنما رخص الإقدام على إسقاطه بهذه الشروط دفعًا لأعظم الضررين وجلبًا لعظمى المصلحتين. ويوصي المجلس بتقوى الله والتثبت في هذا الأمر. والله الموفق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم» (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>لجنة الفتوى بالكويت:</span>\nأما لجنة الفتوى بالكويت فذكرت مثل ذلك إلا أنها وسعت في مسوغات الإسقاط لتشمَلُ التراضي بين الزوجين في الأربعين الأولى والتشوه البدني الجسيم فيما دون المائة والعشرين (^٢).\nوالملاحظ من كل هذه الآراء أنها متأثرة بكون نفخ الروح يكون بعد مائة وعشرين يومًا من الإخصاب، حتى أن من ذهب إلى منع الإسقاط في كل الأطوار لم ينكر أن الحكم يختلف بين ما كان منه دون المائة والعشرين وما بعدها، ولقد بين ذلك الإمام الغَزالِيّ - وهو أحد المانعين - حيث ذكر الرَّملِيّ في «نهاية المُحْتاج»: «وقد أشار الغَزالِيّ إلى هذه المسألة في الإحياء فقال بعد أن قرر أن العزل خلاف الأولى ما حاصله: وليس هذا كالاستجهاض والوأد لأنه جناية على موجود حاصل، فأول مراتب الوجود وقوع النطفة في الرحم، فيختلط بماء المرأة، فإفسادها جناية؛ فإن صارت علقة أو مضغة\n_________\n(^١) قرار هيئة كبار العلماء السعودية رقم ١٤٠ وتاريخ ٢٠/ ٦/١٤٠٧ بشأن الإجهاض.\n(^٢) قرار لجنة الفتوى بالكويت بتاريخ ٢٩/ ٩/١٩٨٤ م. نقلا من «الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها» (ص ١٢٨).","vol":"1","page":720},{"text":"فالجناية أفحش؛ فإن نفخت الروح واستقرت الخلقة زادت الجناية تفاحشا. ثم قال: ويبعد الحكم بعدم تحريمه، وقد يقال أما حالة نفخ الروح فما بعده إلى الوضع فلا شك في التحريم، وأما قبله فلا يقال إنه خلاف الأولى بل محتمل للتنزيه والتحريم، ويقوى التحريم فيما قرب من زمن النفخ لأنه حريمه» (^١).\nوظاهر حديث ابن مسعود -﵁- هو العمدة في التفريق بين ما دون المائة والعشرين وما بعدها، فإن من ذهب إلى جواز الإسقاط قبل المائة والعشرين إنما استدل بعدم نفخ الروح، ومن ثم عدم بداية الحياة الإنسانية وعدم الآدمية. كذلك فإن حديث ابن مسعود -﵁- والذي يفيد ظاهره أن مرحلة النطفة تستمر أربعين يومًا هو مُعتمَد من فرق بين ما دون الأربعين وما بعدها، فإن النطفة عندهم كمني الرجل لا خلق فيها يُحتَرَم وهي لم تنعقد كما جاء في حديث رواه الإمام أحمد عن ابن مسعود -﵁- وفيه: قال رسول اللهِ -ﷺ-: «إن النُّطْفَةَ تَكُونُ في الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا على حَالِهَا لَا تَغَيَّرُ فإذا مَضَتِ الأَرْبَعُونَ صَارَتْ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً كَذَلِكَ ثُمَّ عِظَامًا كَذَلِكَ، فإذا أَرَادَ الله أَنْ يُسَوِّيَ خَلْقَهُ بَعَثَ إِلَيْهَا مَلَكًا فيقول الْمَلَكُ الذي يَلِيهِ أي رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى أشقي أَمْ سَعِيدٌ أَقَصِيرٌ أَمْ طَوِيلٌ أَنَاقِصٌ أَمْ زَائِدٌ؛ قُوَّتُهُ وَأَجَلُهُ أَصَحِيحٌ أَمْ سَقِيمٌ؛ قال فَيُكْتَبُ ذلك كُلُّهُ فقال رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَفِيمَ الْعَمَلُ إِذًا وقد فُرِغَ من هذا كُلِّهِ قال اعْمَلُوا فَكُلٌّ سَيُوَجَّهُ لِمَا خُلِقَ له» (^٢).\nوالحديث بهذا اللفظ لا يصح (^٣) ولو صح فليس من دليل على التفريق بين ما تغير وما لم يتغير عند من قال بالمنع، وهؤلاء استدلوا على أن اسم الجنين هو لما كان في بطن المرأة الحامل، وقد أوجب رسول الله -ﷺ- في إسقاط الجنين غرة، فقد روى الشيخان من\n_________\n(^١) «نهاية المُحْتاج» للرَّمْلِيّ (٨/ ٤٤٢).\n(^٢) «مُسْنَد أحمَد بن حَنْبَل» (١/ ٣٧٤).\n(^٣) ذكر الحافظ في الفتح ضعف السند وانقطاعه. «فَتْح البَارِي» (١١/ ٤٨).","vol":"1","page":721},{"text":"حديث أبي هريرة -﵁-: «قَضَى رسول اللهِ -ﷺ- في جَنِينِ امْرَأَةٍ من بَنِي لِحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أو أَمَةٍ» (^١).\nوإيجاب الغرة يدل على الإثم وأن للجنين حرمةً. وأقوى الأجوبة هو التفريق بين ما كان تعديًا وما كان باتفاق الزوجين.\nتبين مما سبق أن لحديث ابن مسعود -﵁- أهمية عظيمة في هذا الباب، ولقد أشكل الحديث على العلماء من قبل وحاولوا جمعه مع بقية الأدلة، بل ومع الحِسِّ، فكانت لهم في ذلك مذاهبُ شتى. فلما تقدمت المعارف الطبية وظهر التعارض جليًّا بين ظاهر الحديث، وعلى الأخص رواية زيد بن وَهْب عن ابن مسعود في البخاري، وتلك المعارف الحديثة، تجدد النقاش حول الحديث، وظهر خلافٌ كثيرٌ حول بداية الآدمية أو الحياة الإنسانية، وذهب الناس في ذلك مذاهبَ شتى. فمن قائل إنها تبدأ عند الإخصاب، ومن قائل إنها تبدأ عند الأربعين أو الثمانين، وتمسك الأكثر من الفقهاء بظاهر حديث ابن مسعود -﵁- من أن الآدمية تبدأ بعد المائة والعشرين. وهذه الأقوال المختلفة لها سند في الطب، وليس منها ما له سند في الشرع - فيما أرى - إلا قولان وهما القول بالأربعين وبالمائة والعشرين.\nوفي المطلب القادم نعرض هذه الأقوال ونناقش أدلتها مع استصحاب المعارف الطبية الحديثة أثناء النقاش.\n_________\n(^١) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب الفرائض، باب ميراث المرأة والزوج مع الولد وغيره (٦/ ٢٤٧٨) «صَحِيح مُسْلِم» في القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب دية الجنين (٣/ ١٣٠٩).","vol":"1","page":722},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>المطلب الثالث: متى تبدأ الحياة الإنسانية</span>؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>١ - تبدأ الحياة الإنسانية عند الإخصاب:</span>\nهذا القول لبعض فضلاء الأطباء (^١)، قد ذكر أن البُيَيْضَة الملقحة تتوافر لها خصائص متى توافرت لكائن حكم له بالحياة، وهي:\n١ - أن تكون له بداية واضحة معروفة.\n٢ - أن يكون قادرًا على النمو ما لم يحرم أسبابَه.\n٣ - أن يفضي نموه إلى الإنسان جنينًا ووليدًا وطفلًا وصبيًّا وشابًّا وشيخًا وكهلًا إنْ نسأ الله له في الأجل.\n٤ - أن ما سبقه من طور لا يمكن أن ينمو فيفضي إلى إنسان.\n٥ - أن تكتمل له الحصيلة الإرثية لجنس الإنسان عامة، وكذلك له هو فردًا بذاته مختلفًا عن غيره من الأفراد منذ بدء الخليقة وحتى قيام الساعة.\nواستشهد على قوله أيضًا بتأجيل الحد عن الحامل في أي طور، كما استشهد بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] وقال مَن هؤلاء الأجنة؟ أنتم وأنا. ونفى أن تكون حياة الجنين قبل أربعة أشهر نباتية أو حيوانية.\nوالحقيقة أن هناك إجماعًا على أن هناك لحظة تنفخ فيها الروح، وبذلك جاءت الأحاديث، ولم يصح شيء في أنها تكون قبل الأربعين يومًا، ومن ثَمَّ فالقول بأن الحياة\n_________\n(^١) دافع عن هذا القول في «ندوة بداية الحياة الإنسانية» الدكتور حسان حتحوت فليراجع بحثه في «ثبت أعمال الندوة».","vol":"1","page":723},{"text":"الإنسانية أو الآدمية أو نفخ الروح أو حلولها يكون عند الإخصاب مخالفٌ للإجماع كما أنه مخالفٌ للنظر، فإن هذه الخلايا المتراكبة ليست إنسانًا، ولا يمكن التسوية بينها وبين الإنسان.\nوالأطباء يقرون أن موت الكثير من خلايا الإنسان وهو حي ليس موتًا له، وأن حياة الكثير منها بعد موت دماغه ليست حياةً إنسانية، وإنما حياة خلوية أو نسيجية. وإنه لا شك أن الإنسان كائن له خصائص كالعلم والإرادة، فإذا غاب الحد الأدنى من هذه الخصائص، وكان الكائن عبارة عن مجموعة خلايا متراكبة كالعنقود، فلا يسوغ أن يسمى هذا الكائن إنسانًا أو نقول ببداية حياته الإنسانية. نعم له حياة، ولكنها ليست إنسانية. ونحن لسنا بحاجة إلى تقسيم الحياة إلى إنسانية ونباتية وحيوانية، فإن حياة الخلايا غير ذلك وحياة الملائكة غير ذلك، بل وحياة الرب جل في علاه غير ذلك. فنحن نقول إنها حياة جنينية ما قبل نفخ الروح.\nولقد ذهب البعض إلى أن الحياة الإنسانية تبدأ بالعلوق أو الاندغام في جدار الرحم، والجواب على هذا القول كسابقه.\nوينبغي هنا من التنبيه على أن عدم نفخ الروح وكون الحياة إنسانية ليس يعني أن الكائن محَل النزاع ليس له أية حرمة، فمن قال إن الحرمة مرتبطة فقط بالحياة الإنسانية، بل لحياة الحيوان حرمة، فرسول الله -ﷺ- قال: «ما قُتِلَ عُصْفُورٌ قَطُّ عَبَثًا إِلَّا عَجَّ إلى اللهِ ﷿ يوم الْقِيَامَةِ يا رَبِّ فُلَانٌ قَتَلَنِي فَلَا هو انْتَفَعَ بِي وَلا هو تَرَكَنِي أَعِيشُ في خُشَارَاتِهَا (^١)» (^٢).\n_________\n(^١) الخُشارة الرديء من كل شيء. «لِسَان العَرَب» لابن مَنْظُور (٤/ ٢٣٩).\n(^٢) «شَرْح مُشْكِل الآثَار» للطَّحَاوِيّ (٢/ ٣٣٠).","vol":"1","page":724},{"text":"بل إن الله يخبرنا أن قطع النبات يحتاج إلى إذن فيقول -﷿-: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥]\nفمن الطبيعي إذًا أن تكون للجنين الذي هو مبدأ خلق الإنسان حرمةٌ وأن تحفظ حياة الأم لأجله. ولكن هذا ليس يعني أنه إنسان ذو روح.\nأما ما ذكره الدكتور حسان حتحوت (^١) في بحثه أن الرُّوح تأتي بمعانٍ متعددةٍ وليس بالضرورة أن نفخة الروح هي بداية الحياة الإنسانية (^٢) فمردود بما أجمع عليه الأول والآخِر من علماء المسلمين من كون وجود الروح يساوي الحياة وذَهابها يساوي الموت وتظاهرت على ذلك أدلة الكتاب والسنة: ذكر منها الدكتور عمر سليمان الأشْقَر (^٣)\n• قوله تعالى: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] بمعنى أخرجوا أرواحكم عند ساعة الاحتضار.\n• وقوله -﷿-: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]\n• وما أخرجه مسلم -﵀- في «صحيحه» من قوله -ﷺ-: «إنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ» (^٤).\nوهذه الأدلة وغيرها تكفي لبيان أن الحياة الإنسانية تذهب بقبض الروح فلا جرم أنها تبدأ بنفخها في الجسم.\n_________\n(^١) هو: حسان حتحوت، الطبيب، الداعية، ولد في قرية شبين الكوم المِصْرِيّة عام ١٩٢٤، وما زال يباشر الدعوة في الولايات المتحدة الأمريكية.\n(^٢) «الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها» ثبت كامل لأعمال الندوة (ص ٢٥٥).\n(^٣) انظر: «الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها» ثبت كامل لأعمال الندوة (ص ٢٦٥).\n(^٤) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر (٢/ ٦٣٤).","vol":"1","page":725},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>٢ - تبدأ الحياة الإنسانية بنفخ الروح عند اليوم الأربعين أو حواليه:</span>\nفإنه عندها يتم جمع الخلق نطفة ثم علقة ثم مضغة ويُرسلُ المَلَكُ إليه. وقبل الخوض في مناقشة مستند هذا القول، ينبغي أن نذكر أن هناك قضيتين بينهما ارتباط من جهة وانفكاك من أخرى، ألا وهما قضيتا تمام المراحل الأولى من تخليق الجنين أي النطفة والعلقة والمضغة وقضية نفخ الروح. أما الارتباط فهو أن حديث ابن مسعود -﵁- وغيره - يشير إلى أن نفخ الروح يكون بعد انتهاء المراحل الثلاث والتي يظهر من رواية زيد بن وَهْب -﵀- عن ابن مسعود -﵁- أنها تنتهي عند المائة والعشرين يومًا من الإخصاب.\nوعليه، فإن العلماء ذهبوا إلى أن نفخ الروح إنما يكون بعد المائة والعشرين يومًا، فيصعب عندها أن نخطئ انتهاء المراحل عند المائة والعشرين ونصوب نفخ الروح عندها. أما الانفكاك، فهو أننا لو قلنا بأن عبارة الحديث- لا أصله- فيها شيء من السقط أو الاضطراب، فيمكن أن يقال إن ما فهم من الحديث من أن الروح تنفخ عند المائة والعشرين يبقى على حاله - سيما إن كان إجماعًا - ويتم البحث في القضية الأخرى وهي انتهاء مراحل التخليق الثلاث الأولى. وقد يؤيد هذا القول أنه لا تلازم بين انتهاء هذه المراحل ونفخ الروح، بل إن نفخ الروح يحتاج إلى تسوية كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٩] ولا شك أن الجنين عند انتهاء هذه المراحل لا يمكن وصفه بأنه استوى.\nبعد هذه المقدمة، فلنشرع في بيان ومناقشة مستند القول بأن بداية الحياة الإنسانية تكون عند الأربعين.\n١ - ما رواه مسلمٌ -﵀- من حديث حُذَيفة بن أَسِيد -﵁- يَبْلُغُ به الرسول -ﷺ- قال: «إذا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ اثنتان وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ الله إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا ثُمَّ قال: يا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فيقضي رَبُّكَ ما شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ثُمَّ يقول: يا","vol":"1","page":726},{"text":"رَبِّ أَجَلُهُ؟ فيقول رَبُّكَ ما شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ثُمَّ يقول: يا رَبِّ رِزْقُهُ؟ فيقضي رَبُّكَ ما شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ؛ ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ في يَدِهِ فلا يَزِيدُ على ما أُمِرَ ولا يَنْقُصُ» (^١).\n٢ - وفي رواية أخرى عن حذيفة -﵁- أنه -ﷺ- قال: «إِنَّ النُّطْفَةَ تَقَعُ في الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ يَتَصَوَّرُ عليها الْمَلَكُ - قال زُهَيْرٌ حَسِبْتُهُ قال الذي يَخْلُقُهَا - فيقول: يا رَبِّ أَذَكَرٌ أو أُنْثَى؟ فَيَجْعَلُهُ الله ذَكَرًا أو أُنْثَى ثُمَّ يقول: يا رَبِّ أسوي أو غَيْرُ سويٍّ؟ فَيَجْعَلُهُ الله سَوِيًّا أو غَيْرَ سَويٍّ ثُمَّ يقول: يا رَبِّ ما رِزْقُهُ؟ ما أَجَلُهُ؟ ما خُلُقُهُ؟ ثُمَّ يَجْعَلُهُ الله شَقِيًّا أو سَعِيدًا» (^٢).\nوقد يجاب على ذلك بأن الحديث ليس فيه إشارة إلى نفخ الروح، ويمكن أن تكون للملك زَورتان، زَورة هنا وأخرى بعد المائة والعشرين وهي التي تنفخ فيها الروح. وبذلك يجمع بين الحديثين حيث الإعمال أولى من الإهمال، ولا يصار إلى رد أي خبر من أجل آخر إلا بعد تعذر الجمع. وبهذا الجمع فسر ابن القَيِّم -﵀- التعارض بين ظاهري الحديثين فقال بشأن ذكر وقوع التقدير هنا وفي حديث ابن مسعود -﵁-: «غاية ما فيه أن التقدير وقع بعد الأربعين الأولى وحديث ابن مسعود يدل على أنه وقع بعد الأربعين الثالثة وكلاهما حق قاله الصادق -ﷺ-، وهذا تقدير بعد تقدير، فالأول تقدير عند انتقال النطفة إلى أول أطوار التخليق التي هي أول مراتب الإنسان، وأما قبل ذلك فلم يتعلق بها التخليق. والتقدير الثاني عند كمال خلقه ونفخ الروح. فذلك تقدير عند أول خلقه وتصويره وهذا تقدير عند تمام خلقه وتصويره» (^٣).\nوأجاب عن التعارض بين الحديثين من حيث التخليق والتصوير فقال:\n_________\n(^١) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه (٤/ ٢٠٣٧).\n(^٢) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه (٤/ ٢٠٣٨).\n(^٣) «التِّبيَان في أقسَام القُرآن» لابن القَيِّم (١/ ٢١٧ - ٢١٨).","vol":"1","page":727},{"text":"«فإن قيل فما تصنعون بحديثه الآخر الذي في «صَحِيح مُسْلِم» ... «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها» ... قيل نتلقاه أيضا بالتصديق والقبول وترك التحريف. وهذا يوافق ما أجمع عليه الأطباء أن مبدأ التخليق والتصوير بعد الأربعين (^١) فإن قيل فكيف التوفيق بين هذا وبين حديث ابن مسعود وهو صريح في أن النطفة أربعين يوما نطفة ثم أربعين علقة ثم أربعين مضغة، ومعلوم أن العلقة والمضغة لا صورة فيهما ولا جلد ولا لحم ولا عظم؟ وليس بنا حاجة إلى التوفيق بين حديثه هذا وبين قول الأطباء، فإن قول النبي -ﷺ- معصوم وقولهم عرضة للخطأ، ولكن الحاجة إلى التوفيق بين حديثه وحديث حذيفة المتقدم. قيل لا تنافي بين الحديثين بحمد الله، وكلاهما خارج من مشكاة صادقة معصومة. وقد ظن طائفة أن التصوير في حديث حذيفة إنما هو بعد الأربعين الثالثة، قالوا وأكثر ما فيه التعقيب بالفاء، وتعقيب كل شيء بحسَبه، وقد قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣] بل قد قال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤] وهذا تعقيب بحسب ما يصلح له المحل، ولا يلزم أن يكون الثاني عقيب الأول تعقيب اتصال. وظنت طائفة أخرى أن التصوير والتخليق في حديث حذيفة في التقدير والعلم، والذي في حديث ابن مسعود في الوجود الخارجي. والصواب يدل على أن الحد ما دل عليه الحديث من أن ذلك في الأربعين الثانية، ولكن هنا تصويران: أحدهما تصوير خفي لا يظهر، وهو تصوير تقديري كما تصور حين تفصل الثوب أو تنجر الباب مواضع القطع والتفصيل، فيعلم عليها ويضع مواضع الفصل والوصل، وكذلك كل من يضع صورة في مادة لا سيما مثل هذه الصورة ينشئ فيها التصوير والتخليق على التدريج شيئا بعد شيء لا وهلة واحدة كما يشاهد بالعِيان في\n_________\n(^١) لا يصح نقله -﵀- لإجماع الأطباء هنا، ولو صح لم يلزمنا إجماع أطباء عصره.","vol":"1","page":728},{"text":"التخليق الظاهر في البيضة. فهاهنا أربع مراتب: أحدها تصوير وتخليق علمي لم يخرج إلى الخارج، الثانية مبدأ تصوير خفي يعجز الحس عن إدراكه، الثالثة تصوير يناله الحس ولكنه لم يتم بعد، الرابعة تمام التصوير الذي ليس بعده إلا نفخ الروح» (^١).\nوهذه أجوبة عبقرية تليق بعلامة بقدر الإمام ابن القَيِّم -﵀-، ولكنني لا أجدها شافية بالنسبة لقضية الخلق والتصوير، فإن الله -﷿- يقول:\n﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].\nوالآية واضحة في كون العظام تتكون بعد المضغة، لذا قال القاضي عِياض -﵀- فيما نقله عنه الحافظ ابن حَجَر -﵀-:\n«حمل هذا [حديث حذيفة] على ظاهره لا يصح لأن التصوير بأثر النطفة وأول العلقة في أول الأربعين الثانية غير موجود ولا معهود وإنما يقع التصوير في آخر الأربعين الثالثة كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ الآية. قال فيكون معنى قوله فصورها إلخ أي كتب ذلك ثم يفعله بعد ذلك» (^٢).\nفالقاضي - ويوافقه في ذلك ابن القَيِّم وابن حَجَر - ينطلق من أن المضغة إنما تكون في الأربعين الثالثة، فلزم أن نتأول حديث حذيفة، وفهمه -﵀- للآية حسن وتقريره لتعذر الجمع بين الآية وحديثي حذيفة وابن مسعود وجيه، إلا أن الذي ينبغي أن يُتَأَوَّل هو لفظ حديث ابن مسعود عند البخاري لا حديث حذيفة، فالحِسُّ يقضي، بإجماع الأطباء، أن الجنين الذي سقط عند مائة يوم له عظامٌ ورأسٌ وفقراتٌ وأذرعٌ وأرجلٌ بل\n_________\n(^١) «التِّبيَان في أقسَام القُرآن» لابن القَيِّم (١/ ٢١٧ - ٢١٨).\n(^٢) «فَتْح البَارِي» لابن حَجَر (١١/ ٤٨٤).","vol":"1","page":729},{"text":"وأصابعُ، كما يفيده حديث حُذَيفة. فهذه العظام التي ترى في الجنين الذي سقط بعد الأسبوع السابع، هل نقول إنها ليست عظامًا ونكذب الحس؟ هذا لا يستقيم، فإن أهل السنة لا يهملون مسلَّمات العقول ودلائل الحس، بل يأخذون بما توجبه بديهة العقل وأوائل الحس ويؤولون ظواهر النصوص التي تخالف ذلك إن صحت (^١).\n• فإن نحن قبلنا دليل الحس، وهي أن ابن سبعة الأسابيع له عظام، ثم أخبرنا القرآن أن العظام تخلق بعد المضغة، لظهر لنا أن المراحل الثلاث الأولى تنتهي عند انتهاء الأربعين الأولى على ما هو واضح في حديث حذيفة -﵁- الذي يوافق ظاهر القرآن وباقي الروايات ودليل الحس. وهذا هو الحق الذي لا لبس فيه بالنسبة لمسألة التصوير والتخليق. لكن الحديث بلفظه هذا لم يشر إلى نفخ الروح، وليس من مانعٍ أن يكون التخليق يبدأ في التسارع بعد انتهاء المراحل الثلاث الأولى، فإذا استوى خلق الإنسان بعد مضي أربعة الأشهر تنفخ الروح فيه.\nإلا أن لحديث حُذَيْفةَ روايةً فيها أن نفخ الروح يكون في هذه الزيارة بعد الأربعين الأولى، جاء في «السنة» لابن أبي عاصم (^٢) -﵀-: «ثنا أبو مسعود الجَحْدري ثنا مُعْتَمر ابن سليمان ثنا أبو عَوَانَة عن عَزْرة بن ثابت الأنصَارِيّ حدثني يوسف المَكِّي عن أبي الطُّفيل قال: كان عبد الله بن مسعود يحدث في المسجد أن الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره، قال [القائل أبو الطُّفيل] فأتيت حُذَيفة بن أَسِيد الغفاري،\n_________\n(^١) انظر تفصيل ذلك (ص ٥٢).\n(^٢) هو: أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضَّحَّاك بن مَخْلَد الشَّيبانِيّ، ويقال له ابن النبيل، عالم بالحديث، زاهد رحالة من أهل البصرة ولد سنة ٢٠٦ هـ، وولي قضاء أصبهان سنة ٢٦٩ هـ، وتوفي سنة ٢٨٧ هـ له نحو ٣٠٠ مصنف، منها: «المسند الكبير»، «الآحاد والمثاني»، وكتاب: «السنة» و«الديات» و«الاوائل». قيل: ذهبت كتبه بالبصرة في فتنة الزنج فأعاد من حفظه خمسين ألف حديث راجع ترجمته في: «السِّيَر» للذَّهَبِيّ (١٣/ ٤٣٠)، «شَذَرَات الذَّهَب» (١/ ١٩٥).","vol":"1","page":730},{"text":"فقلت ألا تعجب من عبد الله بن مسعود يحدث في المسجد: إن الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره؟ قال: فما بال هذا الطُّفيل الصغير؟ قال: لا تعجب، سمعت رسول الله -ﷺ- مرارًا ذات عددٍ يقول: إنَّ النُّطْفَةَ إذا وَقَعَت في الرَّحِمِ أَرْبَعين لَيْلَة - وقالَ أصْحَابِي خَمْسَةً وأربعينَ ليلة - نُفِخَ فيه الرُّوحُ؛ قال: فَيَجِيءُ مَلَكُ الرَّحِمِ فَيَدْخُلُ فَيُصَوِّرُ لَه عَظْمَهُ ولَحْمَهُ ودَمَهُ وشَعْرَهُ وبَشَرَهُ وسَمْعَهُ وبَصَرَهُ؛ ثُم يَقُول: أي ربِّ أذَكَرٌ أم أُنْثَى فَيَقْضِي اللهُ إلَيْهِ فِيه ويَكْتُبُ المَلَكُ؛ فَيَقُولُ: أي رَبِّ أشَقِيٌ أم سَعِيد فَيَقْضِي اللهُ إلَيْه ما يَشاء ويكتُبُ المَلَكُ؛ ثُم يقول: أي أثره فيَقْضِي الله تعالى ويَكْتُبُ المَلَكُ؛ فيقول: أي ربِّ أَجَلُه فيَقْضِي الله ما يَشَاء ويَكْتُبُ المَلَكُ؛ ثُم تُطْوَى تِلْكَ الصَّحِيفَة فلا تُمَسُّ إلى يَوْمِ القِيامَة» (^١).\nولقد ذكرت الحديث بسنده لخطورته ولكونه خارج الصحيحين فيحتاج إلى إثبات صحته، سيما إذا كان يترتب عليه ترجيحُ قولٍ في مسألةٍ ذات خطر.\nوبدايةً فإن الشيخ ناصر الدين الألبَانِيّ -﵀- قد صحح سنده كما في ظلال السنة (^٢).\nأما صحة السند، فلا شك في ذلك، فإن أبا مسعود -﵀- هو إسماعيل بن مسعود الجحدري أخو الصلت، قال ابن أبي حاتم -﵀-: «إسماعيل بن مسعود أبو مسعود الجحدري أخو الصلت بن مسعود؛ روى عن معتمر وخالد بن الحارث؛ كتب عنه أبي؛ يعد في البصريين؛ سمعت أبي وأبا زرعة يقولان ذلك؛ قال وسئل أبي عنه فقال\n_________\n(^١) «السُّنَّة» لابن أبي عَاصِم (١/ ٧٩).\n(^٢) انظر ظلال الجنة في تخريج «السُّنَّة» لابن أبي عَاصِم (ص ١٧٩) لمحمد ناصر الدين الألبَانِيّ، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ وقال الشيخ الألبَانِيّ «إسناده صحيح على شرط الشيخين» ويوسف المكي هو ابن ماهك بن بهزاد وأما أبو مسعود الجحدري هو إسماعيل بن مسعود البَصْرِيّ وهو ثقة.","vol":"1","page":731},{"text":"صدوق» (^١) وقال الذَّهَبِيّ -﵀-: «إسماعيل بن مسعود الجحدري ... ثقة توفي ٢٤٨» (^٢).\nومعتمر بن سليمان -﵀- إمام كبير، قال الحافظ ابن حَجَر -﵀-: «معتمر بن سليمان التَّيْمِيّ أبو محمد البصري يلقب الطُّفيل؛ ثقة من كبار التاسعة؛ مات سنة سبع وثمانين، وقد جاوز الثمانين» (^٣) ووثقه ابن أبي حاتم -﵀- في «الجَرْح والتَّعْدِيل» (^٤) ونقل فيه توثيق أبيه -﵀- له وكذلك يحيى بن معين -﵀-.\nأما أبو عَوَانَة -﵀-، فقال فيه الحافظ -﵀-: «وضَّاح بتشديد المعجمة ثم مهملة؛ اليشكري بالمعجمة، الواسطي البزاز أبو عَوَانَة، مشهور بكنيته؛ ثقة ثبت من السابعة؛ مات سنة خمس أو ست وسبعين» (^٥). وذكره ابن حِبَّان -﵀- في «الثقات» (^٦) وفي «تَذْكِرَة الحُفَّاظ» (^٧) وثقه، ونقل عن يحيى القطان -﵀- قوله: «ما أشبه حديثه بحديث شعبة وسفيان» ويكفي هذا شرفًا، إلا أنه نقل عن أحمد -﵀- أنه ربما يَهِم إذا حدَّث من غير كتاب.\nوعزرة بن ثابت -﵀- «ثقة من السابعة» كما في «تقريب التهذيب» (^٨) ووصفه ابن حِبَّان -﵀- بأنه كان متقنًا وهو من رجال البخاري ومسلم - رحمهما الله (^٩).\n_________\n(^١) «الجَرْح والتَّعْدِيل» لابن أبي حاتم (٢/ ٢٠٠).\n(^٢) «الكَاشِف في مَعرِفَة من له رِوايَة في الكُتُب السِّتَّة» للذَّهَبِيّ (١/ ٢٤٩).\n(^٣) «تَقرِيب التَّهذِيب» لابن حَجَر (١/ ٥٣٩).\n(^٤) «الجَرْح والتَّعْدِيل» لابن أبي حاتم (٨/ ٤٠٢).\n(^٥) «تَقرِيب التَّهذِيب» لابن حَجَر (١/ ٥٨٠).\n(^٦) «الثِّقَات» لابن حِبَّان (٧/ ٥٦٢).\n(^٧) «تَذْكِرَة الحُفَّاظ» للذَّهَبِيّ (١/ ٢٣٦).\n(^٨) «تَقرِيب التَّهذِيب» لابن حَجَر (١/ ٣٩٠).\n(^٩) انظر «الثِّقَات» لابن حِبَّان (٧/ ٢٩٩).","vol":"1","page":732},{"text":"ويوسف بن ماهك -﵀-: هو المكي، قال في «الكاشف» «ثقة توفي ١١٣ هـ» (^١). وفي «التقريب»: «ثقة من الثالثة» (^٢). وذكر أنه من رجال البخاري.\nوعمر بن واثلة أبو الطفيل -﵁- ولد عام أحد كما في التقريب (^٣). ورأى رسول الله -ﷺ- وأبا بكر وعمر -﵄-، فهو صحابي لا يحتاج إلى تعديل أحد بعد الله تعالى.\nإن سند هذا الحديث إذًا لا مطعن عليه فهو متصل برواية الثقة عن مثله إلى منتهاه، وهو كما أفاد الألبَانِيّ -﵀- على شرط الشيخين، ولكن الألبَانِيّ ترك الحكم على الحديث وتكلم عن السند فقط، ولعله فعل ذلك لأن روايات الحديث الكثيرة الأخرى من طريق أبي الطفيل عن حذيفة ليس فيها ذكر نفخ الروح، ولم أقع على رواية فيها ذكر نفخ الروح إلا تلك التي أخرجها ابن أبي عاصم -﵀-. لذلك فإن زيادة لفظة نفخ الروح هنا شاذة، وعلى أقل تقدير فإن من يرمي بالشذوذ رواية زيد بن وَهْب عن عبد الله بن مسعود التي في البخاري لا يسعه إلا أن يرد هذه الزيادة التي نحن بصددها الآن.\n• أما من الناحية الطبية، فإن الحكم بنفخ الروح لا شأن للطب فيه، ولكن هناك إشارات لوقوع ذلك الحدث، ومنها الحركة الإرادية والإحساس، ولقد سبق معنا في المقدمة الطبية أن الحركة تبدأ في وقت مبكر جدًّا، وتكون مركبة كمص الأصابع بعد اثني عشر أسبوعًا؛ ولكن يصعب الجزم بأنها إرادية، وإن ظهرت إشارات نشاط قشرة المخ في ذلك الوقت مما يمكن أن يرجح أن هذه الحركات إرادية. وعند وجود نشاط في قشرة المخ، فإن ذلك يعني إمكانية وجود أحاسيس، وبالفعل، فإن الجنين يتفاعل مع محيطه الخارجي في تلك الأثناء.\n_________\n(^١) «الكاشف» للذَّهَبِيّ (٢/ ٤٠٠).\n(^٢) «تَقرِيب التَّهذِيب» لابن حَجَر (١/ ٦١١).\n(^٣) «تَقرِيب التَّهذِيب» لابن حَجَر (١/ ٢٨٨).","vol":"1","page":733},{"text":"ويُشكِل على ما تقدم أن هناك مناطقَ هامةً لوظائفِ الحياةِ لم تكتمل كمنطقة المهاد في الدِّمَاغ، كذلك فالطفل، كما تقدم في المقدمة الطبية، لا يمكن إنقاذه إذا ولد دون العشرين أسبوعًا (١٤٠ يومًا من الإخصاب)، وهو لم يستو خلقه بعد الأربعين الأولى ليكون صالحًا لاستقبال الروح. يقول ابن القيم -﵀- عن الروح: «جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد وسريان الدُّهْن في الزيتون والنار في الفحم. فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي ذلك الجسم اللطيف ساريا في هذه الأعضاء وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية. وإذا فسدت هذه بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها وخرجت عن قبول تلك الآثار، فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الأرواح» (^١).\nووجه ذلك من الوحي قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].\nوقوله -﷿-: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩].\nفانظر كيف جعل الخلق الآخر - والذي يُقصَد به الآدَمِيّة - بعد كل مراحل التكوين، ثم إنه جعل التسوية سابقة للنفخ.\n_________\n(^١) «الرُّوح» لابن القَيِّم (ص ٢٢٥).","vol":"1","page":734},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>٣ - تبدأ الحياة الإنسانية عند تمام أربعة الأشهر:</span>\nهذا هو قول المتقدمين كافة، ونُقِل عليه اتفاقُهم، ودليلُهم حديث عبد الله بن مسعود -﵁- الذي رواه البخاري ومسلم؛ ولفظ البخاري: «حدثنا آدَمُ حدثنا شُعْبَةُ حدثنا الأَعْمَشُ سمعت زَيْدَ بن وَهْبٍ سمعت عَبْدَ اللهِ بن مَسْعُودٍ -﵁- يقول: حدثنا رسول الله -ﷺ- وهو الصادق المصدوق-: إن خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ في بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وأربعين لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مثله، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مثله، ثُمَّ يُبْعَثُ إليه الْمَلَكُ، فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يَنْفُخُ فيه الرُّوحَ؛ فإن أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حتى لا يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عليه الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حتى ما يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عليه الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» (^١).\nوالحديث غاية في الصحة عند أهل الحديث، قال الحافظ -﵀-: «قوله ورد في الخبر أن الولد إذا بقي في بطن أمه أربعةَ أشهر نفخ فيه الروح متفقٌ عليه مجمعٌ بين أهل الحديث على صحته من حديث زيد بن وَهْب عن ابن مسعود حدثني الصادق المصدوق: إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ ... الحديث» (^٢).\nولا شك أنه ما من سبيل إلى تضعيف ما جاء في الصحيحين، ولكنْ يمكنُ أن يقالَ بسقوطِ لفظةٍ أو اختلافِ جملةٍ، فننظر في سائر الروايات لعل فيها ما يرد الأمور إلى نصابها، ولقد جاء في لفظ مسلم -﵀- وهو من هو في الحرص على دقة الألفاظ - ما يأتي: «عن زيد بن وَهْب عن عبد اللهِ قال حدثنا رسول اللهِ -ﷺ- وهو الصادق المصدوق إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ في ذلك عَلَقَةً مِثْلَ ذلك ثُمَّ يَكُونُ في ذلك مُضْغَةً مِثْلَ ذلك ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فيه الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ\n_________\n(^١) «صَحِيح البُخَارِيّ» كتاب التوحيد، باب قوله تعالى ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا ... (٦/ ٢٧١٣).\n(^٢) «تَلْخِيص الحَبِير» (٢/ ١١٥).","vol":"1","page":735},{"text":"رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أو سَعِيدٌ فَوَالَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حتى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عليه الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا وإن أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حتى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عليه الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» (^١).\nإن قوله -ﷺ-: «في ذلك» إما أن يرجع على الوعاء المكاني، وهو البطن أو الزماني وهو الأربعون يومًا، ورجوعه على الزمان أولى لأنه آخر مذكور، فتكون المراحل كلها في تلك الأربعين ذاتها.\nقال ابن الزَّمْلَكانِيّ -﵀- (^٢) في الجمع بين الروايات: «وأما حديث البخاري فينزل على ذلك، إذ معنى يجمع في بطن أمه، أي يحكم ويتقن، ومنه رجل جميع أي مجتمع الخلق. فهما متساويان في مسمى الإتقان والإحكام لا في خصوصه، ثم إنه يكون مضغة في حصتها أيضا من الأربعين، محكمة الخلق مثلما أن صورة الإنسان محكمة بعد الأربعين يوما، فنصب مثل ذلك على المصدر [أي مثل ذلك في الجمع والإتقان] لا على الظرف. ونظيره في الكلام قولك: إن الإنسان يتغير في الدنيا مدة عمره، ثم تشرح تغيره فتقول: ثم إنه يكون رضيعا ثم فطيما ثم يافعا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا ثم هرما ثم يتوفاه الله بعد ذلك.\n_________\n(^١) «صَحِيح مُسْلِم» كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه ... (٤/ ٢٠٣٦).\n(^٢) هو: كمال الدين أبو المعالي محمد بن علي الأنصَارِيّ السِّمَاكِيّ، المعروف بابن الزَّمْلَكانِيّ، الإمام العلامة، نسبه إلى أبي دجانة سِماك بن حرب الأنصَارِيّ -﵁-. ولد في شوال سنة ٦٦٧. تفقه على تاج الدين، وأخذ العربية عن بدر بن مالك، وأطلق عليه الذَّهَبِيّ عالم العصر وأمير الشافعية. كان قد أثنى على شيخ الإسلام ابن تَيمِيَّة بما لا مزيد عليه ثم وقعت بينهما خصومة، والله يعامل جميع من أراد وجهه من هذه الأمة المرحومة بأحسن ما عملوا. مات ببلبيس بمصر، وكانت وفاته سنة ٧٢٧. انظر «البِدَايَة والنِّهَايَة» (٦/ ٢٥٨)، «الدُّرَر الكَامِنَة في أعيان المِائة الثَّامِنَة» (٥/ ٣٢٨)، «فوات الوفيات» (٢/ ٤١١).","vol":"1","page":736},{"text":"وذلك من باب ترتيب الإخبار عن أطواره التي ينتقل فيها مدة بقائه في الدنيا. ومعلوم من قواعد اللغة العربية أن (ثم) تفيد الترتيب والتراخي بين الخبر قبلها وبين الخبر بعدها إلا إذا جاءت قرينة تدل على أنها لا تفيد ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣، ١٥٤]. ومن المعلوم أن وصية الله لنا في القرآن جاءت بعد كتاب موسى، فـ (ثم) هنا لا تفيد ترتيب المخبر عنه في الآية. وعلى هذا يكون حديث ابن مسعود: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك (أي في ذلك العدد من الأيام) علقة (مجتمعة في خلقها) مثل ذلك (أي مثلما اجتمع خلقكم في الأربعين) ثم يكون في ذلك (أي في نفس الأربعين يوما مضغة مجتمعة مكتملة الخلق المقدر لها) مثل ذلك أي مثلما اجتمع خلقكم في الأربعين يوما» (^١).\nوقد تحمل «ثم» في رواية البخاري على أنها للترتيب الجمعي دون الزمني. وبهذا الجمع تنسجم الروايات مع ظاهر القرآن وبعضها البعض وهو الأهم، ولا يكون فيها مخالفة للعلم الحديث.\nأما كون الجنين يكون له قلب نابض بعد أربعة أسابيع، فكيف نسميه مضغة؟ فليس اعتراضًا وجيهًا وذلك أن لفظة مضغة تحتمل ذلك، والله تعالى يقول ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥] أي أن التخليق يظهر في زمان المضغة (^٢).\nولا يبعد أن يقال إن حديث حذيفة يدل على كون مراحل النطفة والعلقة والمضغة تتم في الأربعين الأولى، وليس فيه دلالة واضحة أنها تمتد إلى آخر الأربعين، بل الواضح فقط أنه عند الأربعين يبدأ التمايز وتسريع عملية التخليق.\n_________\n(^١) «البُرْهَان الكَاشِف عن إعْجَاز القُرآن» لابن الزَّمْلَكانِيّ (ص ٢٧٥).\n(^٢) انظر «تَفسِير الجَلالَيْن» للمَحَلِيّ والسُّيُوطِيّ (١/ ٤٣٣).","vol":"1","page":737},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-292> الترجيح:</span>\nإن الحق الذي ينبغي المصير إليه، فيما أرى، أن المراحل الثلاث تنتهي في الأربعين الأولى وبذلك يمكن الجمع من غير تكلف بين خبر ابن مسعود وخبر حذيفة وظاهر القرآن الذي يقضي بأن العظام تخلق بعد مرحلة المضغة.\nولكن هل هذا يعني بالضرورة أن الروح تنفخ بعد الأربعين الأولى؟ الجواب لا، فإنه لا دليل على ذلك سوى تلك الرواية عن حذيفة عند ابن أبي عاصم في «السنة». وليس لفظ حديث ابن مسعود عند البخاري أولى بالشذود من هذه الرواية.\nيبقى أنه ما من دليل من القرآن والسنة على كون نفخ الروح بعد الشهر الرابع إذا فهمنا حديث ابن مسعود بما رجحنا من أن الأربعينات الثلاثة إنما هي أربعون واحدة. ولكن الحق أن هناك من نقل إجماع الأمة على كون نفخ الروح يكون بعد مائة وعشرين يومًا.\n• ذكر القُرْطُبِيّ -﵀- في تفسيره: «لم يختلف العلماء أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يوما، وذلك تمام أربعة أشهر ودخوله في الخامس» (^١).\n• وقال العيني (^٢) -﵀-: «واتفق العلماء أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر\n_________\n(^١) «أحْكَام القُرآن» للقُرْطُبِيّ (١٢/ ٨).\n(^٢) هو: بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد العَينيّ الحنفي مؤرخ، علامة، من كبار المحدثين أصله من حلب، ومولده في عينتاب سنة ٧٦٢ هـ وإليها نسبته، وولي في القاهرة الحسبة وقضاء الحنفية ونظر السجون، ثم صرف عن وظائفه، وعكف على التدريس والتصنيف إلى أن توفي بالقاهرة سنة ٨٥٥ هـ، من كتبه: «عُمْدَة القَارِي في شرح البخاري»، و«مغاني الأخيار في رجال معاني الآثار» في مصطلح الحديث ورجاله، و«العلم الهيب في شرح الكلم الطيب»، و«نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار»، و«البناية في شرح الهِدَايَة» في فقه الحنفية. راجع ترجمته في: «البدر الطالع» (٢/ ٢٩٤)، «الضوء اللامع» (١٠/ ١٣١).","vol":"1","page":738},{"text":"ودخوله في الخامس» (^١).\n• وفي «الديباج على مسلم»، نقل عن النَّوَوِيّ -﵀-: «وظاهر هذا الحديث إرساله بعد مائة وعشرين يوما، وفي الروايات بعده أنه بعد أربعين أو بضع وأربعين ليلة، وهي مؤولة بما يشار إليه لاتفاق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر» (^٢).\n• وقد نقل ابن حَجَر -﵀- عن الفاضل علي بن المُهَذَّب الحموي الطبيب -﵀- قوله: «واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر» (^٣).\n• ونقل -﵀- كذلك عن القاضي عِياض -﵀- قوله: «ثم يكون للملك فيه تصور آخر وهو وقت نفخ الروح فيه حين يكمل له أربعة أشهر كما اتفق عليه العلماء أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر» (^٤).\n• وقال -﵀-: «قوله ورد في الخبر أن الولد إذا بقي في بطن أمه أربعةَ أشهر نفخ فيه الروح متفقٌ عليه مجمعٌ بين أهل الحديث على صحته من حديث زيد بن وَهْب عن ابن مسعود حدثني الصادق المصدوق إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ ... الحديث» (^٥).\nوهذا إجماع نقله غير واحد من المحققين، فلا نجد مساغًا لمخالفته، سيما ونحن لا نجد من صرح بمخالفته من المتقدمين، بل إن ابن الزَّمْلَكانِيّ الذي انتصر لانتهاء المراحل الثلاث في الأربعين الأولى لم يقل إن نفخ الروح يكون قبل أربعة الأشهر.\n_________\n(^١) «عُمْدَة القَارِي في شرح صَحِيح البُخَارِيّ» للعَينِيّ (٣/ ٢٩٣).\n(^٢) «الدِّيباج على مُسلِم» للسُّيُوطِيّ (٦/ ٦).\n(^٣) «فَتْح البَارِي» (١١/ ٤٨١).\n(^٤) «فَتْح البَارِي» لابن حَجَر (١١/ ٤٨٤).\n(^٥) «تَلْخِيص الحَبِير» لابن حَجَر (٢/ ١١٥).","vol":"1","page":739},{"text":"فإن قيل كيف نقبل هذا الإجماع ومستنده على غير ما فهمه الجمهور وأدى إلى هذا الإجماع؟ كان الجواب بأن الإجماع نصي وغير نصي، وكلاهما إجماع مقبول، وإن لم يعلم المستند من النص، فإن الأمة معصومةٌ بمجموعها.\n* وليس هذا الحديث هو الدليل الأوحد على نفخ الروح بعد أربعة الأشهر، وإن كان الوحيد بهذه الصحة والصراحة، ولكن هناك أدلة أخرى منها:\n١ - إشارة القرآن:\nفإن الله تعالى يذكر أن نفخ الروح إنما يكون بعد التسوية فيقول: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩].\nفالنفخ ينبغي ألا يكون إلا بعد التسوية، وكما ذكر العيني -﵀-: «بعد تمام التصوير» (^١).\nولا شك أن التسوية تكون بعد خلق العظام واللحم ليصلح الجسم لأن يكون خلقًا آخر كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].\nوجمهور أهل التفسير على أن المقصود بإنشائه خلقًا آخر هو نفخ الروح (^٢). ومن الطريف أن ابن حَزْم -﵀- بدأ بهذه الآية لما أراد أن يستدل على كون نفخ الروح إنما يكون بعد تمام أربعة الأشهر (^٣).\n_________\n(^١) «عُمْدَة القَارِي» للعيني (٣/ ٢٩٣).\n(^٢) انظر «جَامِع البَيَان عن تَأوِيل آيِ القُرآن» للطَّبَرِيّ (١٨/ ٩)، «تفسير القرآن» للسَّمْعَانِيّ (٣/ ٤٦٧).\n(^٣) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (٩/ ١٨٧).","vol":"1","page":740},{"text":"ولو كانت مرحلة المضغة تنتهي عند المائة والعشرين كما هو ظاهر حديث ابن مسعود -﵁- لكان نفخ الروح سابقًا لتمام التسوية وخلق العظام واللحم، فلزم أن يكون هناك مدة بين انتهاء مرحلة المضغة والتسوية التي يحصل بعدها النفخ.\n٢ - ولقد جاءت عدة آثارٍ عن الصحابة والتابعين ذكروا فيها أن نفخ الروح يكون بعد المائة والعشرين، ولا يقولون في ذلك بالاجتهاد.\nأ- ففي «جامع العلوم والحكم»: «فأما نفخ الروح فقد روي صريحا عن الصحابة -﵃- أنه ينفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر، كما دل عليه ظاهر حديث ابن مسعود فروى زيد بن علي عن أبيه عن علي قال: «إذا تمت النطفة أربعة أشهر بعث الله إليها ملكا فينفخ فيها الروح في الظلمات فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]» خرجه ابن أبي حاتم وإسناده منقطع. وخرج اللالَكَائِيّ (^١) بإسناده عن ابن عباس قال: «إذا وقعت النطفة في الرحم مكثت أربعة أشهر وعشرًا ثم نفخ فيه الروح ثم مكثت أربعين ليلة ثم بعث إليها ملكًا فنقفها في نقرة القفا وكتب شقيًّا أو سعيدًا» وفي إسناده نظر» (^٢).\nب- وعن سعيدِ بن الْمُسَيَّبِ -﵀- في السقط إذَا وَقَعَ ميِّتا قال: «إذَا نُفِخَ فيه الرُّوحُ صُلِّيَ عليه وَذَلِكَ لأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ» (^٣).\n_________\n(^١) هو: أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطَّبَرِيّ الرَازِيّ اللالَكَائِيّ، حافظ للحديث، من فقهاء الشافعية من أهل طبرستان، استوطن بغداد، وخرج في آخر أيامه إلى الدينور فمات بها كهلًا سنة ٤١٨ هـ، قال الزبيدي: نسبته إلى بيع اللوالك التي تلبس في الأرجل، على خلاف القياس له: «شرح السنة» وكتاب في السنن، و«أسماء رجال الصحيحين». راجع ترجمته في: «السِّيَر للذَّهَبِيّ» (١٧/ ٤١٩)، «طَبَقَات الشَّافِعِيَّة» لابن قاضي شُهْبَة (٢/ ١٩٧)، «شَذَرَات الذَّهَب» (٢/ ٢١١).\n(^٢) «جامِع العُلوم والحِكَم» لابن رجب (١/ ٥٢).\n(^٣) «مُصَنَّف ابن أبي شَيْبَة» كتاب الجنائز، باب ما قالوا في السقط من قال يصلى عليه (٣/ ١٠).","vol":"1","page":741},{"text":"وهذه الآثار، وإن كانت لا تخلو في أكثرها من مقال، إلا أنها تصلح مجتمعة للاعتضاد.\n٣ - والدليل من المعقول على أن الروح تنفخ بعد المائة والعشرين يومًا هو ما تقدم معنا في المقدمة الطبية من أن المرأة تشعر بحركة الحمل عند الأسبوع الثامن عشر (أو ستة وعشرين ومائة يوم (١٢٦) من الإخصاب). وعند نهاية العشرين (١٤٠ يومًا من الإخصاب)، يكون قد تم تكوين وتمايز منطقة المهاد الهامة جدًّا في الدِّمَاغ، ويكتسب الجنين السمع والقدرة على التكيف. وهذا هو الحد الأدنى الذي يمكن أن يعيش الجنين عنده خارج الرحم.\n• إن القول بالتفريق بين مراحل التخليق الثلاث ونفخ الروح هو الأظهر لي من حيث قوة الأدلة والسلامة من المعارضة.\nولعل ابن عَابِدِين -﵀- قد أشار إلى هذا في حاشيته حيث قال: «وعبارته في عقد الفرائد، قالوا: يباح لها أن تعالج في استنزال الدم ما دام الحمل مضغة أو علقة ولم يخلق له عضو وقدروا تلك المدة بمائة وعشرين يوما، وإنما أباحوا ذلك لأنه ليس بآدمي كذا في النهر. أقول: لكن يشكل على ذلك قول البحر: إن المشاهد ظهور خلقه قبل هذه المدة وهو موافق لما في بعض روايات الصحيح «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة ...» وأيضا هو موافق لما ذكره الأطباء فقد ذكر الشيخ داود في «تذكرته» أنه يتحول عظاما مخططة في اثنين وثلاثين يوما إلى خمسين ثم يجتذب الغذاء ويكتسي اللحم إلى خمس وسبعين ثم تظهر فيه الغاذية والنامية ويكون كالنبات إلى نحو المائة ثم يكون كالحيوان النائم إلى عشرين بعدها فتنفخ فيه الروح الحقيقية الإنسانية. نعم نقل بعضهم أنه اتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر أي عقبها كما صرح به جماعة ... ولا ينافي ذلك ظهور الخلق قبل ذلك لأن نفخ الروح إنما يكون بعد الخلق» (^١).\n_________\n(^١) «حَاشِيَة ابن عابِدين» (١/ ٣٠٢).","vol":"1","page":742},{"text":"• تبين مما سبق أن نفخ الروح يكون بعد المائة والعشرين على الأظهر. لذا فإن التطور في المعارف الطبية لن يؤدي إلى تغير كبير في الفتوى، وإن غير في فهمنا لمراحل التخليق ورجح ظاهر حديث حذيفة -﵁- عند مسلم -﵀- على ظاهر حديث ابن مسعود -﵁- عند البخاري -﵀- الذي ينبغي أن يُردَّ فهمُه إلى لفظه عند مسلم. ولكنَّ تطور هذه العلوم وإدراكَ المعاصرين لحقيقةِ مراحلِ التخليقِ من خلالها قد أدى إلى نوعٍ من زيادة التحفظ في إباحة الإجهاض حيث إنه من الواضح أن المعاصرين أكثر تحفظًا من المتقدمين بهذا الصدد.\n* * *","vol":"1","page":743},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>فرع: هل يجب القِصاص في الجناية على الجنين بعد نفخ الروح</span>؟\nاختلف الفقهاء في وجوب القِصاص إذا تمت الجناية على الجنين بعد نفخ الروح فيه، فذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة وبعض المالكية (^١) إلى أن الجناية على الجنين قتل خطأ لا يجب فيه القِصاص، فإن سقط ميتًا وجبت الغرة والكفارة - عند من قال بها - وإن سقط حيًّا ثم مات وجبت الدِّيَة كاملة.\nوذهب الظاهرية (^٢) وبعض المالكية (^٣) وابن الجَوْزِيّ (^٤) من الحنابلة إلى أن الجناية على الجنين بعد نفخ الروح توجب القِصاص، وفي ذلك يقول ابن حَزْم -﵀-: «فإن قال قائلٌ فما تقولون فيمن تعمدت قتل جنينها، وقد تجاوزت مائة ليلة وعشرين ليلة بيقين فقتلته، أو تعمد أجنبي قتله في بطنها فقتله؟ فمن قولنا أن القوَد واجب في ذلك ولا بد، ولا غرة في ذلك حينئذ إلا أن يعفى عنه فتجب الغرة فقط لأنها دية، ولا كفارة في ذلك لأنه عمد. وإنما وجب القوَد لأنه قاتل نفس مؤمنة عمدًا، فهو نفس بنفس وأهله بين خيرتين إما القود وإما الدِّيَة أو المفاداة كما حكم رسول الله -ﷺ- فيمن قتل مؤمنا وبالله تعالى التوفيق» (^٥).\n_________\n(^١) انظر: «المَبسُوط» للسَّرَخْسِيِّ (٢٦/ ٨٨)، «الكَافِي» لابن عبد البَرّ (١/ ٦٠٥)، «بلغة السالك» للصَّاوِيّ (٤/ ١٩٢)، «الأُمّ» للشافعي (٦/ ١١٠)، «الوَسِيط» للغَزالِيّ (٦/ ٣٨٠)، «الكَافِي في فِقْه ابن حَنبَل» لابن قُدامة (٤/ ٨٥).\n(^٢) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١١/ ٣١).\n(^٣) انظر «الكَافِي» لابن عبد البَرّ (١/ ٦٠٥)، «بلغة السالك» للصَّاوِيّ (٩/ ١٩٢).\n(^٤) انظر «أحكام النساء» لابن الجَوْزِيّ (ص ٧٥).\n(^٥) «المُحَلَّى» لابن حَزْم (١١/ ٣١).","vol":"1","page":744},{"text":"ولعل من أسباب ذَهاب الجمهور إلى عدم وجوب القِصاص في قتل الجنين هو تعذر إثبات العمد في قتله، حتى وإن ضرب الجاني بطن أمه؛ قال ابن قُدامة -﵀-: «والجناية على الجنين ليست تعمدًا لأنه لا يتحقق وجوده ليكون مقصودًا بالضرب» (^١).\nولكن ماذا يقال في عمليات الإجهاض التي يقوم بها الطبيب من غير عذر؟\nإن وجود الجنين متحقق عن طريق الأشعة الصوتية وغيرها من علامات يقينية، والقصد إلى إزهاق روح الجنين متعمد مما لا يدع مجالا للشك. لذا فقد يحتمل هنا رجحان قول الظاهرية وبعض المالكية وابن الجَوْزِيّ من الحنابلة بوجوب القِصاص، ولكن المعارض سينفي تمام التماثل بين النفسين اللازم للقصاص (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) «المُغْنِي» لابن قُدامة (٨/ ٣٢٠).\n(^٢) لم يذهب إلى وجوب القصاص مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السادس بجُدَّة حيث قضوا بأن على الطبيب الغرة من ماله - لأنها دون الثلث من الدية - إن تعمد الجناية على الجنين بدون إذن أمه، فإن سقط الجنين حيًّا ثم مات وجبت له الدية كاملة ويعزر الطبيب لخيانة الأمانة. قرار رقم: ٥٤ (٥/ ٦) مجلة المجمع (ع ٦ ح ٣ ص ١٧٣٩).","vol":"1","page":745},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>مسائل أخرى تستحق البحث في باب القضاء والحدود</span>\nمن المسائل ذات التعلق بالموضوع في هذا الباب ولم تبحث في هذه الرسالة:\n• إثبات حد السكر بالتحاليل:\nالخلاف في ثبوت حد السكر بالرائحة والتقيؤ معروف، فهل تحاليل النَّفَس والدَّم بنفس القوة كالرائحة والتقيؤ، أم هي دون ذينكما أو فوقهما.\n• ثبوت الزنا بالتحاليل والأشعة الصوتية وغيرها:\nالخلاف في إثبات الزنا وإقامة الحد بظهور الحمل معروف، فهل تقوم التحاليل الطبية والأشعة مقام ظهور الحمل؟ وعندها يثبت الحد، فإن أسقطت قبل ظهور الحمل أو تزوجت بعد ثبوت الحمل طبيًّا ثم ظهر الحمل حدت.\n• هل تحمِل العذراء؟\nوتحرير القول في ذلك طبيًّا بالإيجاب يفيد إمكانية درء الحد عمن ظهر حملها وأنكرت حصول الوطء.\n• إسقاط حد الزنا عند شهادة العدول على وجود البكارة:\nالطب الحديث يفيد إمكانية بقاء غشاء البكارة بعد الوطء، فهل يغير ذلك في درء حد الزنا عن الفتاة التي قامت عليها البينة ووجد غشاء بكارتها سليمًا؟\n• هل يلزم تأخير الحد عن المستحقة للرجم بعد الوضع وقبل إرضاعه اللبأ أو فطامه مع توفر الألبان البديلة.\n• قتل الجنين:\nلو ضرب امرأة منتفخة البطن فادعت أنها كانت حاملا وأن الضارب قتل جنينها","vol":"1","page":746},{"text":"وافتقدت حركته، لم يكن على الضارب الغرة في قول عامة الفقهاء حتى تسقط الجنين، وذلك لعدم التحقق من وجود الجنين. والآن صار التحقق ممكنًا، فهل تتغير الفتوى؟\nضرب امرأة فأسقطت ذكرًا وأنثى: فإذا استهل أحدهما وادعت أنه الذكر وادعى أنها الأنثى فالبينة من أحدهما أو اليمين من الجاني. والجديد أن الطب الشرعي يمكنه تبيين أي الدعوَيَيْن الصادقة. فهل يقبل قول الطب الشرعي هنا؟\n• بيان سبب الموت عند الإشكال:\nكما هو الحال عند تجاذب جماعة ووقوعهم في بئر، فالطب الشرعي يبين سبب الموت. فهل يؤخذ به؟ وقد ينفع في حالات القتل سواءٌ باشتراك أو من غيره.\n• دية الأنثيين:\nلا فرق بين الأنثيين في الطب الحديث من حيث المنفعة، لذا ينبغي أن يحكم بضعف القول المنسوب إلى سعيد بن المُسَيَّب في كون الدِّيَة في اليسرى ضعف اليمنى لأنها التي يكون منها الولد.\n• التذفيف على منفوذ المقاتل ومن بانت حشوته:\nلا شك أن الطب، والجراحة على وجه الخصوص قد حصل فيهما من التطور ما جعل المذفف على من بانت حشوته أو نفذت مقاتله قاتلا، وذلك لأنه سواء قدر لذاك الرجل أن يعيش أو لا يعيش، فإن إنقاذ حياته ممكن، وينبغي أن يسعف، والمذفف منع من إنقاذ حياةٍ من الممكن الآن إنقاذها.\n• قطع أحدهم يد رجل من الكوع ثم قطعها آخر من المَرفِق قبل أن يندمل الجرح الأول: فإن مات المقطوع، فهل يقتص منهما أم من الأول؟ خلاف بين أهل العلم؛ فهل يسهم الطب الحديث في حله؟","vol":"1","page":747},{"text":"الخاتمة","vol":"1","page":749},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>الخاتمة</span>\nأهم نتائج البحث:\n١ - زاد يقيني بعصمة الكتاب وصحيح السنة من كل خطأ، وبإعجازهما، ولا عجب في ذلك فهما الوحي المنزل من خالق الكون تعالى وواضع ناموسه، فلزم من ذلك أن آياته الكونية والشرعية لا تتعارض وتتناقض، بل تتعاضد وتتوافق.\n٢ - زاد يقيني بعصمة الأمة في مجموعها، وأنها لم تطبق على خطأ. فالإجماع المنعقد المعتبر لا يمكن أن يظهر خطؤه، فإنه لا تزال طائفة من أمة محمد على الحق ظاهرة. ولكن نقل الإجماع لا يعني الإجماع إذا ثبت وجود المخالف، وقد يشتهر القول حتى يظنه البعض إجماعًا وليس كذلك.\n٣ - زاد يقيني بعظمة موروثنا الفقهي ومرونته، وأن الشريعة هي وحدها الصالحة للحكم بين العباد، وأنها قادرة على استيعاب كل جديد.\n٤ - زاد يقيني بعظمة فقهائنا وصلاحهم وأنهم استفرغوا الوسع في طلب الحقيقة.\n٥ - زاد يقيني بأن العصمة التي هي لهذه الأمة الخيرية لا يمكن أن تختزل في مذهب أو إمام، وأن الواجب - مع التقدير الكامل لمذاهب المجتهدين - أن نطلب الحق الموافق للدليل في أي مذهب معتبر وألا نحجر واسعًا، فنحصر الإسلام في مذهب واحد، فيلزم إن ثبت خطؤه نسبة الخطأ للإسلام.\n٦ - زاد يقيني بأهمية التحقيق عند نقل الآثار والتعاطي معها، حتى لا ندخل في الدين ما ليس منه، فيلحقه الخطأ.\n٧ - تطور المعارف والصناعة الطبية لم يأت بما يناقض نصّا صريحًا صحيحًا أو إجماعًا منعقدًا معتبرًا، ولا يتصور ذلك أصلا.","vol":"1","page":751},{"text":"تبين لي ما يأتي:\n١ - لما كان الفقه والطب معنيين بصلاح ذلك الكائن البشري، حصل بينهما من التداخل ما يعرفه المشتغلون بأيهما، فإن موضوع علم الطب هو بدن الإنسان، وهذا البدن محل للتكاليف الشرعية، وأحكام الأخيرة هي موضوع علم الفقه.\n٢ - أهل السنة لا يهملون ما ثبت ببديهة العقل وأوائل الحس بل إنهم يؤولون ظواهر النصوص التي تخالف ذلك، بل ويأخذون بدليل الحس في الحكم على صحة الأخبار.\n٣ - الفتوى - دون الحكم الشرعي - تتغير لا لمجرد تغير الزمان والمكان، ولكن باعتبارهما أوعية لما يكون فيهما من الحوادث والعادات والأحوال المختلفة. والفتوى عند اختلاف ذلك تتغير بضوابط فصلت في البحث. ولا يقدر على هذا المعترك الصعب إلا الراسخون من أهل العلم.\n٤ - تطور العلوم الطبية أثبت بعض الخطأ في تقديرات بعض فقهائنا - رحمهم الله تعالى - فلقد بذلوا وسعهم في تحقيق مناط الأحكام الشرعية وتنزيلها على واقع الناس ومعالجة قضاياهم في ضوء الكتاب والسنة - فجزاهم الله عن أمة الإسلام خير الجزاء - إلا أن الكتاب والسنة معصومان، وتقديرات الفقهاء - وهم بشر - غير معصومة، فلا عيب إذًا أن يخطئوا تبعًا لخطأ أطباء عصرهم، لأنهم سألوا «أهل الذكر» في الطب بأزمنتهم كما كان ينبغي عليهم؛ ولكن يكون عيبًا أن يُثبَت الخطأ ونَسْتكبر عن تصحيحه.\n٥ - بالإضافة إلى إظهار المعارف الطبية الحديثة خطأ أحد الأقوال وصواب الآخر، فإن تطورها قد يؤدي إلى تغير الفتوى في أبواب الوسائل، فقد عمل الأولون بالقيافة في إثبات النسب، والآن البصمة الوراثية أدق منها بلا نزاع. وكذلك فإن بعض ما كان متعذرًا في الأزمنة السابقة سار ميسورًا، ومن ذلك استيفاء القِصاص عن طريق","vol":"1","page":752},{"text":"الجراحين، فإنه يوسع دائرة الممكن في الاستيفاء. وربما يؤدي تطور الطب إلى بعض النوازل التي تحتاج إعادة النظر في بعض ما استقر في كتب الفقه، فمثلًا مع وجود أجهزة الإنعاش الحديثة، تبرز الحاجة إلى مراجعة علامات الموت.\n٦ - هناك مسائل يُظَن أو يُشاع أن الفتوى تغيرت فيها بسبب تقدم العلوم الطبية وليس الأمر كذلك، فأحيانًا يكون تقدم العلوم الطبية عديم الأثر على المسألة محل الخلاف أو لا يحسم الخلاف فيها بين الفقهاء.\n٧ - الأطباء قد يختلفون في تقديراتهم، والفقهاء ينبغي أن يستوثقوا لفتواهم سيما في الأمور العامة، وإن كان ذلك لازمًا في وقائع الأعيان كذلك. إن الفقه قد سبق الطب بقرون في ترتيب درجات قوة الدليل، وإن الطب الآن يجعل رأي الخبير من الأدلة الضعيفة، فلا بد من مراجعة الأطباء وأن يطلب منهم الاستيثاق من قوة الدليل وربما أفادت المناظرة بينهم.\n٨ - ختان النساء جاءت فيه آثار ولا شك أن منها ما هو في «الصحيح»، وإن كان غير صريح في الأمر به أو الحض عليه، ومنها ما وقع الخلاف بين أهل العلم فيه، وهذا القسم أصرح في إثبات مشروعية الختان للنساء. إلا أن أحاديث سنن الفطرة التي ذكرت الختان - وهي في الصحيح - لا معنى لحملها على الرجال دون النساء، وقد ثبت أن الختان يشمل الرجال والنساء كما هو واضح من حديث مس الختان الختان، فالذي ترجح عندي هو استحبابه.\n٩ - حد الختان السني هو قطع قُلْفَة البظر لا البظر، وليست هناك دراسات موافقة للمعايير العلمية تثبت ضرر قطع القُلْفَة دون البظر، بل وحتى مع قطع جزء من البظر. ولكن الدراسات أثبتت ضرر قطع البظر كاملا وكل ما هو فوق ذلك من أنواع الختان البدعي والذي ينبغي على المخلصين محاربته.","vol":"1","page":753},{"text":"١٠ - الإسلام يحفظ للمرأة حق الاستمتاع ويمنع العدوان على بدنها، ويوجب كامل الدِّيَة في العدوان على فرجها.\n١١ - لا بد أن ننظم عملية ختان البنات، وإنما يكون ذلك بإسناد هذه الممارسة إلى الأطباء وهم أولى بها وأهلها، وكذلك بإيقاف الأطباء على حقيقية الختان وحَدِّه.\n١٢ - بشأن استعمال الماء المشمس، الذي ترجح لي هو إباحة استعماله في الطهارة بإطلاق وليس ذلك لثبوت عدم ضرره، ولكن لشدة ضعف الآثار المروية، ولعدم ثبوت ضرره طبيًّا.\n١٣ - بشأن الحيض، الطب الحديث يستطيع المساعدة في تمييز المراحل المختلفة للدورة الحيضية عبر قياس الهرمونات في الدم، واستخدام هذه التقنيات من شأنه أن يرفع الالتباس في كثير من هذه الحالات التي يصعب فيها على المرأة تمييز الحيض من الاستحاضة أو تمييز بداية الحيض.\n١٤ - بشأن أدنى سن للحيض، فإن القول الذي ترجح عندي هو أن الحيض قد يقع قبل العاشرة في أي سن ولكن لا يكون له أثر في الأحكام الشرعية والتكاليف حتى تبلغ الجارية العاشرة.\n١٥ - بشأن أعلى سن للحيض، ترجح عندي ترك التحديد في حال وجود الثقات من الأطباء وتنصح المرأة بمراجعة الطبيب إذا تغيرت عادتها في السن الكبيرة أو استمر بها الحيض بعد الخامسة والخمسين. فإن عدم الثقات من الأطباء فتنصح المرأة باعتبار دمها حيضًا ما لم تتغير عادتها وما لم ينقطع حيضها فترة طويلة حتى تبلغ الخامسة والخمسين، فإن بلغتها وبقيت ترى الدم، فينبغي أن يزداد تحريها لكونه حيضًا لا دم فاسد، فإن بلغت الستين فليس الدم حيضًا إلا فيما ندر جدًّا ولا عبرة بالنادر.","vol":"1","page":754},{"text":"١٦ - أما عن الدورة الحيضية، فقد بينت أن الفطرة هي كون الدورة موافقة للأشهر القمرية. وقد تقل مدة الدورة الحيضية أو تزيد فيما يعتبر أمرًا مرضيًّا ولكنها على أي حال تبقى دورة حيضية من الناحية الشرعية ما دامت لا تتكرر أكثر من مرتين في الشهر.\n١٧ - أما أكثر المدة بين الدورتين، فإن الفقهاء متفقون على أنه لا حد لأكثر الطهر.\n١٨ - أقل الحيض: اتفق الأطباء مع أحد الآراء الفقهية، وهو الرأي القائل: إن أقل الحيض نقطة.\n١٩ - أكثر الحيض: الحيض (بمعنى خروج الدم الأسود الذي يعرف والناشئ عن تساقط بطانة الرحم) قد يستمر وقد بينت ذلك النصوص حيث إنها لم ترد كل امرأة إلى التمييز، وبهذا يقول الطب. وحل المشكلة في التفريق بين نوعين من الحيض: الحيض العادي الطبيعي، وهو الذي تترتب عليه الأحكام وأكثره ستة أو سبعة الأيام كما هو في الشرع والطب كذلك. والحيض المرضي الذي قد يستمر لأشهر، وأغلب الأطباء متفقون على أنه إذا تجاوز الحيض عشرة أيام فإنه مرضي يحتاج إلى تشخيص وعلاج. وإن كانوا يرون أن الحيض لا يكون طبيعيًّا إذا استمر فوق سبعة أيام. ولو وجد قائل بأن أكثر الحيض سبعة أيام لكان قولا قويًّا، ولكن ليس هناك من حَدَّ أكثر الحيض بدون عشرة أيام فيكون إجماعًا.\n٢٠ - أقل الطهر: الذي ظهر لي أن قول الجمهور بالخمسة عشر يومًا هو الأقرب إلى الصواب.\n٢١ - لا حد لأكثر الطهر، وقد يكون ذلك مرضيًّا أو غير ذلك، وربما انتُفِع بالأطباء في العلاج من الحالات المرضية وتحديد سبب انقطاع الحيض. ولكن هذه المسألة لا تعد من المشكلات إلا في مباحث العدة.","vol":"1","page":755},{"text":"٢٢ - ينبغي أن يستعان بالطب لإنهاء حيرة المُتَحَيِّرَة والمُبْتَدَأة ما امتهد إلى ذلك سبيل.\n٢٣ - إن كانت الصُّفْرَة والكُدْرَة متصلة بالحيض وبعده، ويختلفان عما يصيب المرأة من الإفرازات في العادة فإنهما من بقايا الحيض. وقد يكون وجيهًا أيضًا أن تستعين المرأة بالطبيبة في تمييز ذلك.\n٢٤ - فهم الفقيه لطبيعة الدورة الحيضية سيمكنه من حسن النظر والترجيح في مسائل الحيض. ولكنْ لن يحسم تطور الطب كل إشكالات باب الحيض، ففي بعض الحالات قد يستمر تساقط جدار الرحم بلا انقطاع وهذا حيض من جهة الطب ولا يكون كذلك من جهة الفقه، وقد يحكم الطب بحيض بنت السادسة ويأبى الفقه أن يلزمها بتكاليف الإسلام كافة. هذا بالإضافة إلى عدم قدرة الكثير من النساء على زيارة الأطباء.\n٢٥ - الأصل أن الحامل لا تحيض وغيره الاستثناء النادر فلا ينبني عليه الحكم. وقد يسوغ القول بأن ما يكون من نزيف بسبب الولادة وقبيلها يأخذ حكم النفاس كما هو قول الحنابلة.\n٢٦ - يثبت النفاس بقول الطبيب الثقة أن ما وضعته المرأة كان حملا سقط، فإن لم يتوفر الطبيب، فيُرجَع إلى ما قاله الفقهاء من اعتماد ظهور خلق الإنسان أو الصورة الخفية التي يحصل معها الاطمئنان إلى كون الموضوع حملًا.\n٢٧ - أكثر النفاس: الطب الحديث يقرر أن الرحم ربما بقي يطرد بقايا إفرازاته إلى مدة أقصاها ستة إلى ثمانية أسابيع، وعليه فإن القول الأسعد حظًّا بموافقة المعارف الطبية المعاصرة هو قول من قال بالستين يومًا.\n٢٨ - النفاس من التوأمين: الذي ظهر لي هو قوة القول بأن لكل ولادة نفاسًا، والدم النازل بعد كل ولادة إنما يكون بسببها لا دم علة وفساد باتفاق الأطباء. أما العدة فإنما تتعلق بفراغ الرحم من الحمل إجماعًا.","vol":"1","page":756},{"text":"٣٩ - موت الدِّمَاغ: أكثر العلماء متفقون على جواز رفع أجهزة الإنعاش عمن مات دماغه، وهو الحق والصواب لأن التداوي ليس كله واجبا. أما مسألة الحكم بالموت على ميت الدِّمَاغ فلا ريب أن لكل من الفريقين دليله والقطع برجحان أحد القولين على الآخر لم يظهر لي. وقد يكون هناك مخرج من الحكم بموت ميت الدِّمَاغ لنقل الأعضاء، وهو نقل ميت الدِّمَاغ إلى غرفة العمليات ونزع الأجهزة فيها ثم التربص به حتى يتوقف قلبه ومن ثم يحكم بموته اتفاقًا وعندها يتم نقل الأعضاء المُحْتاج إلى نقلها بما في ذلك القلب.\n٣٠ - التشريح: الذي ظهر لي هو صواب قول الجمهور بجواز التشريح، ولقد اشتدت الحاجة إليه مع تطور الصناعة الطبية. وهناك ضوابط مهمة للتجويز كوجود الحاجة وانعدام البديل وإذن الأولياء واحترام الجثمان.\n٣١ - الصيام: الذي ترجح لي هو قول من اعتبر قوة التحليل في الجَوْف الذي يفسد الصوم بوصول الأعيان إليه، وأن الفطر - بالإضافة لحصوله بكل ما يشابه الأكل في الصورة - يحصل بوصول الأعيان المغذية إلى المَعِدَة أو الأمعاء الدقيقة وكذا الغليظة، أو مباشرة إلى الدم، إذا كان الواصل مما ينتفع به الجسم كالسوائل والأملاح والجلوكوز، فإن كل هذا يشابه الأكل في المعنى.\n٣٢ - الجلالة وإطعام الميتات للدواب: القول بتحريم أكل الجلالة وإطعام الميتات للدواب هو الذي ترجح لي، وذلك لظاهر النهي في النصوص. ولقد أظهرت المعارف الطبية الحديثة بعض حكم هذا النهي. ومع القول بأن الاستحالة يتغير الحكم بها، فإنها غير كاملة هنا، لأن ما يصنع بالميتات لجعلها علفًا، وإن غير الأوصاف الظاهرة كاللون والطعم والريح التي تثبت بها الأحكام في العادة، فإنه لا يخلص تلك الميتات من جميع المواد الضارة.","vol":"1","page":757},{"text":"٣٣ - التدخين: ظهر لي من مراجعة أقوال الفقهاء المتقدمين الذين ناقشوا هذه المسألة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر أن خلافهم كان محوره حول حصول الضرر من التدخين، فمن أحله أو كرهه ادعى أنه لا ضرر منه وإن كان ثم فهو مختص ببعض المدخنين دون بعض، ولقد أثبت الطب أن ضرره البالغ ليس يصيب فقط المدخن بل من حوله.\n٣٤ - الاستمناء: حيث إنه لا يوجد دليل صحيح صريح على التحريم؛ فإن الأصل فيه على البراءة والحل، وتتوجه الكراهة لمن فعله لغير حاجة لكونه مما يترفع عنه كبار النفوس وأصحاب الفضل. أما من فعله لحاجة، فليس عليه بأس. ولكن هناك تدابير ينبغي أن تراعى وتتبع لإحصان النفس وتسكين الشهوة هي مقدمة على الذي ذكرنا وأفضل وأولى بأصحاب النفوس الكبيرة، ومن هذه التدابير ما هو نصائح نبوية لا يفرط فيها إلا من سفه نفسه.\n٣٥ - التداوي: الراجح أن الوجوب هو الأصل في التداوي من الأمراض المضرة بالأدوية المأمونة وإن جرت على التداوي عمومًا الأحكام الخمسة. واتفق أكثر المعاصرين على وجوب التداوي في بعض الأحوال، كحالات الإسعاف التي تتعرض فيها حياة المصاب لخطر وحالات الأمراض المعدية. ولا ريب أن التداوي الذي تحدث عنه فقهاؤنا غير التداوي الذي يمارس اليوم. إن الدواء اليوم يُقطَع في بعض الأحيان بأنه ينفع من الداء بإذن الله كما يُقطَع بأن النار تحرق الخشب والسكين يقطع اللحم، ومن ثم فإنه لا يتصور في دين «لا ضرر» ألا يكون الأصل في التداوي غير الوجوب مع الظن الغالب بنفعه، والذي يقارب اليقين أحيانًا.\n٣٦ - أدنى الحمل: التحديد بستة الأشهر من الآيتين استنباط حسن لطيف، ولكن ليس فيهما ما يقطع أن المولود لدونها لا يعيش. أما الإجماع، فنقله غير واحد من العلماء ولا نعلم لهم مخالفًا، ولكن الظاهر أنهم يقولون أن المولود لدون ستة الأشهر لا تكون له","vol":"1","page":758},{"text":"حياة مستقرة لأن سبب الموت قد تعلق به. إذًا فستة الأشهر هي أدنى فترة للحمل يعيش معها الجنين من غير تدخل طبي. فإذا ما جاءت المرأة بوليد لستة أشهر أو فوقها من النكاح فإن نسبه يثبت لصاحب الفراش من غير مراجعة للطبيب، وإذا ما أتت به لدون ذلك وعاش بعد التدخل الطبي، روجع الأطباء لمعرفة حال الوليد وما إذا كان عمره عند ولادته دون ستة الأشهر من زمن الإخصاب.\n٣٧ - أكثر الحمل: إن الطب الحديث لا يعرف حملا زاد على الخمسة والأربعين أسبوعًا ولا يتصور ذلك من خلال المعارف الطبية الحديثة. الحق إذًا الذي ينبغي المصير إليه مع عدم وجود النص من الوحي أن أكثر الحمل لا يتجاوز عشرة الأشهر، وقد يتجه أن يحتاط القانون فيجعل أكثر الحمل عامًا، كما هو قول محمد بن عبد الحكم -﵀-. ويترتب على ذلك القول تغير الفتوى في أبواب عديدة كلحوق النسب واللعان وإقامة حد الزنا عند من قال به وتأخير الحد لأجل الحمل عند ادعائه والوقف والوصية على الجنين وغيرها.\n٣٨ - الحمل من ماءين: إن الطب الحديث قد دعم رأي من قال بأن الحمل لا يكون من ماءين.\n٣٩ - عدة التي انقطع حيضها: إننا لو تأكدنا من براءة رحمها بالوسائل الطبية الحديثة، ساغ أن تعتد ثلاثة أشهر كالصغيرة والآيسة.\n٤٠ - أدنى سن البلوغ: الذي ظهر لي أنه ليس للبلوغ حد أدنى من الناحية الطبية، وأن تعتبر كل حالة بعلامات البلوغ، فإن ظهرت علاماته ولو قبل السن التي حددها الفقهاء حكم بالبلوغ العادي دون الحكمي، ولكن لا يكون التكليف قبل العاشرة.\n٤١ - أعلى سن للبلوغ: الذي ظهر لي أن التحديد بسن الخامسة عشرة - وهو قول الجمهور - الأولى بالصواب، وهذا من جهة المنقول وكذلك المعقول، فإنه عندها يكون الأغلب الأعم من الأطفال قد بلغوا، ولا عبرة بالنادر.","vol":"1","page":759},{"text":"٤٢ - الخنثى: لتحديد جنس الخنثى عند وجود الأطباء الأكْفاء، ينبغي أن يعرض المولود أو الطفل على الطبيب الذي يقرر نوعه. والطبيب عندها يراعي في تحديد الجنس العديد من العوامل بالإضافة إلى الحقيقة الكروموسومية كالأعضاء الظاهرة وإمكانية العلاج، وكذلك يراعي الأحوال الاجتماعية. ثم إنه لا بد للطبيب في كل ذلك ألا يكون بمعزل عن الفقهاء، وألا ينفرد دونهم بالبت في هذه الحالات. ولا بد قبل ذلك على مستوى المجتمع من اضطلاع المجامع الفقهية والهيئات العلمية بدورها في هذا الشأن وتفصيل الأحكام فيه على ضوء العلوم والمعارف الحديثة. وعند فقدان الأكْفاء من الأطباء، فينصح بتربية المشكِل من كل وجه على أنه امرأة حتى يتيسر - إن تيسر - عرضه على الطبيب.\n٤٣ - قرر المجمع الفقهي بمكة أن من اجتمع في أعضائه علامات النساء والرجال، ينظر فيه إلى الغالب من حاله، فإن غلبت عليه الذكورة جاز علاجه طبيًّا بما يزيل الاشتباه في ذكورته، ومن غلبت عليه علامات الأنوثة، جاز علاجه طبيا، بما يزيل الاشتباه في أنوثته.\n٤٤ - العمل بالقرائن: الذي ظهر لي هو أن الأدلة شاهدة على مشروعية العمل بالقرائن في غير الحدود والقِصاص، سيما فيما يتعلق بالخصومات بين العباد، ولا يتحقق العدل من غير ذلك، ولا يكون للقضاء والقانون هيبة إلا به، فإن أنواع الجريمة تتعدد وأساليبها ليست تنحصر وهي تزداد يومًا بعد يوم، فلا يسوغ أن نحصر أدلة الإثبات ونكبل أيدي القضاة. أما الحدود والقِصاص، فلابد من العمل بالقرائن فيهما في مرحلة التحقيق الجنائي للتضييق على المتهم واستدراجه، ثم إنه إن كانت القرينة قاطعة ولم تكن هناك بينة مما جرى العمل عليه مما في نصوص الوحيين وعمل الصحابة دفع الحد بالشبهة، ولزمت العقوبة التعزيرية التي","vol":"1","page":760},{"text":"يقدرها القضاء. أما شرب الخمر، فيقضى فيها بالقرينة القاطعة سواءٌ التي جرى العمل بها أو ما يساويها أو يزيد عليها، وهذا لما لها من خطر عظيم على المجتمع، ولثبوت ذلك عن رهط من الصحابة. وفي السرقة يغرم السارق إن وجد عنده مالٌ للمسروق منه ويعاقب بعقوبة رادعة دون الحد. أما القِصاص فيقضى فيه بالدِّيَة لعظيم حق الدماء، ويقضى بتعزير لائق عند قوة القرينة مراعاةً لحق المجني عليه والمجتمع.\n٤٥ - البصمة الوراثية: هي طريقة في إثبات الهُوِيَّة والنسب عاليةُ الدقة، وتحل محل القيافة عند من قال بها بطريق الأولى، ولا يقتصر دورها على ذلك، بل تستعمل فيما لا تجوز فيه القيافة للفرق الشاسع بينهما.\n٤٦ - استيفاء القِصاص: التطور في العلوم الطبية الحديثة لا يثبت صحة مذهب وخطأ آخر بهذا الصدد، ولا يرجح قولا على قول، فإنما كانت هذه الأقوال نتاجًا لواقع غير الذي نحياه، فكان الحري بها أن تتفاعل مع هذا الواقع. أما الآن، فإن تطور الجراحة يمكننا من استيفاء أكثر أنواع الجروح والشجاج سوى الجائفة والهاشمة والآمة والدامغة لعظم الخطر. وبالنسبة لإزالة المنافع، فلعل الطب الحديث ضيق إمكان الاستيفاء في هذا الباب، لأن الأطباء لا يرون من الممكن استيفاء القِصاص بإزالة منفعة غير البصر. وبالنسبة للقطع من غير مَفصِل، فإن الطب الحديث يستطيع تحقيق مطلق المماثلة واجتناب الزيادة المطلقة، وهو المطلوب - على الصحيح - فوسع بذلك دائرة الاستيفاء في كل قطع من غير مفصل لا يكون مخوفًا في حكم أهل الخبرة. وبالنسبة للاستيفاء من كسر العظام، فكذلك يوسع الطب الحديث من إمكانية ذلك في الأطراف دون عظام الرأس والصدر والفخذ والظهر لمكان الخطر.","vol":"1","page":761},{"text":"٤٧ - الإجهاض وبداية الحياة الإنسانية: يكون نفخ الروح بعد المائة والعشرين للإجماع. لذا فإن التطور في المعارف الطبية لن يؤدي إلى تغير كبير في الفتوى، وإن غير في فهمنا لمراحل التخليق، ورجح ظاهر حديث حذيفة عند مسلم على ظاهر حديث ابن مسعود عند البخاري الذي ينبغي أن يرد فهمه إلى لفظه عند مسلم. ولكن تطور هذه العلوم وإدراك المعاصرين لحقيقة مراحل التخليق من خلالها قد أدى إلى نوع من زيادة التحفظ في إباحة الإجهاض، حيث إنه من الواضح أن المعاصرين أكثر تحفظًا من المتقدمين بهذا الصدد.\n* * *","vol":"1","page":762},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>فهرس المراجع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>أ- المراجع العربية</span>\n١ - أبجد العلوم (الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم) [كتاب] / المؤلف صديق بن حسن القنوجي/ بتحقيق عبد الجبار زكار. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٩٧٨ م.\n٢ - أبجديات البحث في العلوم الشرعية [شبكة] / المؤلف فريد الأنصاري// دعوة. -٧١٤، ٢٠٠٨ - www.daawa.ma/Docs/abajaditat.doc\n٣ - أبحاث اجتهادية في الفقه الطبي [كتاب] / المؤلف محمد سليمان الأشقر. - بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٤٢٢ هـ. - الأولى.\n٤ - أبحاث علمية تؤكد ختان الإناث يحمي من سرطان الرحم [مقالة] / المؤلف منير فوزي وحاتم إسماعيل، أستاذا النساء والتوليد بجامعة عين شمس// جريدة اللواء الإسلامي. - القاهرة: جريدة اللواء الإسلامي، ١٩٩٥.\n٥ - أبحاث فقهية في قضايا طبية معاصرة [كتاب] / المؤلف محمد نعيم ياسين. - عمان: دار النفائس. - الثالثة.\n٦ - أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء [كتاب] / المؤلف مصطفى سعيد الخن. - بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٤١٨ هـ. - السابعة.\n٧ - أثر التقنية الحديثة في الخلاف الفقهي (رسالة دكتوراه). نسخة الكترونية مهداة من المؤلف للباحث [كتاب] / المؤلف هشام بن عبد الملك آل الشيخ، استاذ الفقه بالمعهد العالي للقضاء بالسعودية.\n٨ - أثر المستجدات الطبية في باب الطهارة [كتاب] / المؤلف زايد نواف عواد الدويري. - عمان: دار النفائس، ١٤٢٧ هـ. - الأولى.\n٩ - أحكام التداوي والحالات الميؤوس منها [كتاب] / المؤلف محمد علي البار. - جدة: دار المنارة، ١٤١٦ هـ. - الأولى.","vol":"1","page":814},{"text":"١٠ - أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها [كتاب] / المؤلف محمد بن محمد المختار الشنقيطي. - المدينة: جائزة المدينة المنورة. - الثالثة.\n١١ - أحكام الجنين في الفقه الإسلامي [كتاب] / المؤلف عمر بن محمد بن إبراهيم غانم. - جدة وبيروت: دار الأندلس الخضراء ودار ابن حزم، ١٤٢١ هـ. - الأولى.\n١٢ - أحكام القرآن [كتاب] / المؤلف أحمد بن علي الرازي الجصاص، أبو بكر/ تحقيق: محمد الصادق قمحاوي. - بيروت: دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٥.\n١٣ - أحكام المرأة الحامل في الشريعة الإسلامية [كتاب] / المؤلف يحيى عبد الرحمن الخطيب. - عمان: دار النفائس ودار البيارق، ١٤٢٠ هـ. - الثالثة.\n١٤ - أحكام المرأة الحامل وحملها [كتاب] / المؤلف عبد الرشيد قاسم. - الرياض: دار الكيان، ١٤٢٦ هـ. - الأولى.\n١٥ - أحكام النساء [شبكة] / المؤلف عبد الرحمن بن علي البغدادي (ابن الجوزي) // شبكة مشكاة الإسلامية. -١٦، ٢٠٠٧ -\nbook=٢٤١٦.http://www.almeshkat.net/books/open.php* cat=١٩\n١٦ - إحياء علوم الدين [كتاب] / المؤلف محمد بن محمد الغزالي، أبو حامد. - بيروت: دار المعرفة.\n١٧ - إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول [كتاب] / المؤلف محمد بن علي بن محمد الشوكاني/ تحقيق: محمد سعيد البدري أبو مصعب. - بيروت: دار الفكر، ١٤١٢ هـ.\n١٨ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل [كتاب] / المؤلف محمد ناصر الدين الألباني. - بيروت ودمشق: المكتب الإسلامي، ١٣٩٩ هـ. - الأولى. - خرج فيه أحاديث (منار السبيل في شرح الدليل) أحد الشروح في الفقه الحنبلي للعلامة إبراهيم بن محمد بن سالم بن ضويان المتوفى سنة (١٣٥٣ هـ) والذي شرح فيه (دليل الطالب) أحد المتون الحنبلية المعتمدة للعلامة مرعي بن يوسف المقدسي المتوفي سنة (١٠٣٣ هـ).","vol":"1","page":815},{"text":"١٩ - استيفاء القصاص فيما دون النفس على ضوء المستجدات الطبية [شبكة] / المؤلف يوسف بن أحمد القاسم، أستاذ مساعد بالمعهد العالي للقضاء بالسعودية// الإسلام اليوم. - ١٤٢٧. -١٢٢٠، ١٤٢٨. -\nhttp://www.islamtoday.net/questions/show_articles_content.cfm* id=٧١/catid=٧٣/artid=١٠٩٥٥\n٢٠ - أسرار الختان تتجلى في الطب الحديث [كتاب] / المؤلف حسان شمسي باشا. - جدة: مكتبة السوادي للنشر والتوزيع، ١٤١٢ هـ. - الأولى.\n٢١ - أسنى المطالب في شرح روض الطالب [كتاب] / المؤلف زكريا الأنصاري. - القاهرة: دار الكتاب الإسلامي. - شرح فيه (روض الطالب) أحد المتون الشافعية المعتمدة للعلامة شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر بن عبد الله اليمني المقرئ المتوفى سنة (٨٣٧ هـ).\n٢٢ - أصول البزدوي (كنز الوصول الى معرفة الأصول) [كتاب] / المؤلف علي بن محمد البزدوي الحنفيى. - كراتشي: مطبعة جاويد بريس.\n٢٣ - أصول الفقه [كتاب] / المؤلف محمد الخضري. - القاهرة: دار الحديث.\n٢٤ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن [كتاب] / المؤلف محمد الأمين بن محمد بن المختار الجكني الشنقيطي/تحقيق: مكتب البحوث والدراسات. - بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n٢٥ - أطوار الجنين ونفخ الروح [شبكة] / المؤلف عبد الجواد الصاوي// موقع هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة. -١١٢٠، ٢٠٠٦. -\nhttp://www.nooran.org/O/8/8 (١).htm\n٢٦ - إعلام الموقعين عن رب العالمين [كتاب] / المؤلف محمد بن أبي بكر الزرعي (ابن القيم) / المحقق طه عبد الرؤوف سعد. - بيروت: دار النشر ودار الجيل، ١٩٧٣ م.\n٢٧ - إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان [كتاب] / المؤلف محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي (ابن القيم). - بيروت: دار المعرفة، ١٩٧٥.","vol":"1","page":816},{"text":"٢٨ - الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي [كتاب] / المؤلف علي بن عبد الكافي السبكي. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٠٤ هـ.\n٢٩ - الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة [كتاب] / المؤلف بدر الدين الزركشي/ تحقيق: سعيد الأفغاني. - بيروت: المكتب الإسلامي، ١٣٩٠ هـ.\n٣٠ - الأحكام الطبية المتعلقة بالنساء [كتاب] / المؤلف محمد بن خالد منصور. - عمان: دار النفائس. - الثانية.\n٣١ - الأحكام النبوية في الصناعة الطبية [كتاب] / المؤلف علي بن عبد الكريم بن طرخان بن تقي الحموي (علاء الدين الكحال) /تحقيق محمد عبد الرحيم. - بيروت: دار الفكر، ١٤٢٢ هـ.\n٣٢ - الإحكام في أصول الأحكام [كتاب] / المؤلف علي بن أحمد بن حزم الأندلسي، أبو محمد. - القاهرة: دار الحديث، ١٤٠٤ هـ. - الأولى.\n٣٣ - الأحوال الشخصية [كتاب] / المؤلف محمد أبو زهرة. - القاهرة: دار الفكر العربي. - الثانية.\n٣٤ - الاختيارات الفقهية [كتاب] / المؤلف أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني، أبو العباس/ جمعها علي بن محمد بن عباس البعلي. - الرياض: مكتبة الرياض الحديثة.\n٣٥ - الأدب المفرد (الجامع للآداب النبوية) [كتاب] / المؤلف محمد بن إسماعيل البخاري/ تخريج وتعليق محمد ناصر الألباني. - الجبيل، السعودية: دار الصديق، ١٤٢١ هـ.\n٣٦ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار [كتاب] / المؤلف يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري القرطبي، أبو عمر/ تحقيق: سالم محمد عطا-محمد علي معوض. - بيروت: دار الكتب العلمية، ٢٠٠٠ م. - واسم الكتاب كاملًا (الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار).\n٣٧ - الأعلام [كتاب] / المؤلف خير الدين الزركلي. - بيروت: دار العلم للملايين، ١٩٨٦ م. - الطبعة السابعة.","vol":"1","page":817},{"text":"٣٨ - الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع [كتاب] / المؤلف محمد الشربيني الخطيب/ تحقيق: مكتب البحوث والدراسات. - بيروت: دار الفكر، ١٤١٥ هـ. - شرح فيه (متن الغاية والتقريب) أحد المتون الشافعية المعتمدة للقاضي أبي شجاع أحمد بن الحسين بن أحمد الأصفهاني العباداني الشافعي المتوفى سنة (٥٩٣ هـ).\n٣٩ - الأم [كتاب] / المؤلف محمد بن إدريس الشافعي. - بيروت: دار المعرفة، ١٣٩٣ هـ. - الثانية.\n٤٠ - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل [كتاب] / المؤلف علي بن سليمان المرداوي، أبو الحسن/ تحقيق: محمد حامد الفقي. - بيروت: دار إحياء التراث العربي.\n٤١ - البحر الرائق شرح كنز الدقائق [كتاب] / المؤلف زين الدين ابن نجيم الحنفي. - بيروت: دار المعرفة. - الثانية. - شرح فيه (كنز الدقائق) أحد المتون الحنفية المعتمدة للعلامة أبي البركات حافظ الدين عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي المتوفى سنة (٧١٠ هـ).\n٤٢ - البداية والنهاية [كتاب] / المؤلف إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي. - بيروت: مكتبة المعارف.\n٤٣ - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع [كتاب] / المؤلف محمد بن علي الشوكاني. - بيروت: دار المعرفة.\n٤٤ - البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير [كتاب] / المؤلف عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي (ابن الملقن) / المحقق مصطفى أبو الغي. - الرياض: دار الهجرة للنشر والتوزيع، ١٤٢٥ هـ. - الأولى. - خرج فيه ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) أحاديث (فتح العزير بشرح الوجيز = الشرح الكبير) للرافعي (ت ٦٢٣ هـ) وهو شرح لكتاب (الوجيز) في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ).\n٤٥ - البصمة الوراثية وعلائقها الشرعية [كتاب] / المؤلف سعد الدين مسعد هلالي. - الكويت: لجنة التأليف والتعريب والنشر بجامعة الكويت. - الأولى.","vol":"1","page":818},{"text":"٤٦ - البصمة الوراثية ومدى مشروعية استخدامها في النسب والجناية [شبكة] / المؤلف عمر بن محمد السبيل// الموسوعة الشاملة. - الموسوعة الشاملة. -\nwww.islamport.com\n٤٧ - التاج والإكليل لمختصر خليل [كتاب] / المؤلف محمد بن يوسف بن أبي القاسم العبدري (المواق)، أبو عبد الله. - بيروت: دار الفكر، ١٣٩٨ هـ. - الثانية. - شرح فيه (مختصر خليل) أحد المتون المالكية المعتمدة للعلامة أبي محمد ضياء الدين خليل ابن إسحاق بن موسى بن شعيب المتوفى سنة (٧٧٦ هـ).\n٤٨ - التاريخ الكبير [كتاب] / المؤلف محمد بن إسماعيل بن إبراهيم أبو عبدالله البخاري الجعفي/تحقيق. السيد هاشم الندوي. - بيروت: دار الفكر.\n٤٩ - التبغ والتدخين تجارة الموت الخاسرة [كتاب] / المؤلف محمد علي البار. - جدة: الدار السعودية. - الأولى.\n٥٠ - التبيان في أقسام القرآن [كتاب] / المؤلف محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، أبو عبد الله شمس الدين. - بيروت: دار الفكر.\n٥١ - التبيان في تفسير غريب القرآن [كتاب] / المؤلف أحمد بن محمد الهائم المصري، شهاب الدين/ تحقيق: فتحي أنور الدابلوي. - طنطا - مصر: دار الصحابة للتراث، ١٤١٢ هـ.\n٥٢ - التحبير شرح التحرير في أصول الفقه، تأليف: [كتاب] / المؤلف علي بن سليمان المرداوي الحنبلي، علاء الدين أبو الحسن/ تحقيق: عبد الرحمن الجبرين، عوض القرني، أحمد السراح. - الرياض: مكتبة الرشد، ١٤٢١ هـ.\n٥٣ - التحرير والتنوير [شبكة] / المؤلف محمد الطاهر بن عاشور// الموسوعة الشاملة.\nwww.islamport.com","vol":"1","page":819},{"text":"٥٤ - التحقيق في أحاديث الخلاف [كتاب] / المؤلف عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، أبو الفرج/ تحقيق: مسعد عبد الحميد محمد السعدني. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١٥ هـ.\n٥٥ - التعاريف (التوقيف على مهمات التعاريف) [كتاب] / المؤلف محمد عبد الرؤوف/ تحقيق محمد رضوان الداية المناوي. - بيروت، دمشق: دار الفكر المعاصر، دار الفكر، ١٤١٠ هـ. - الأولى.\n٥٦ - التعريفات [كتاب] / المؤلف علي بن محمد بن علي الجرجاني/ تحقيق: إبراهيم الأبياري. - بيروت: دار الكتاب العربي، ١٤٠٥ هـ.\n٥٧ - التقرير والتحرير في علم الأصول [كتاب] / المؤلف ابن أمير الحاج. - بيروت: دار الفكر، ١٤١٧ هـ.\n٥٨ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد [كتاب] / المؤلف محمد عبد الكبير البكري يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، أبو عمر/ تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي. - المغرب: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، ١٣٨٧ هـ.\n٥٩ - الثقات [كتاب] / المؤلف محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي، أبو حاتم/ تحقيق: السيد شرف الدين أحمد. - بيروت: دار الفكر، ١٣٩٥ هـ. - الأولى.\n٦٠ - الجامع الصحيح المختصر (صحيح البخاري) [كتاب] / المؤلف محمد بن إسماعيل البخاري/ المحقق مصطفى ديب البغا. - بيروت: دار ابن كثير واليمامة، ١٤٠٧ هـ. - الثالثة.\n٦١ - الجامع لأحكام القرآن [كتاب] / المؤلف أبو بكر محمد بن عبد الله ابن العربي. - بيروت: دار الكتب العلمية. - الأولى.\n٦٢ - الجامع لأحكام القرآن [كتاب] / المؤلف محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي/ المحقق أحمد عبد العليم البردوني. - القاهرة: دار الشعب، ١٣٧٢ هـ. - الثانية.\n٦٣ - الجامع للآداب النبوية (الأدب المفرد) [كتاب] / المؤلف محمد بن إسماعيل البخاري/ تخريج وتعليق محمد ناصر الألباني. - الجبيل، السعودية: دار الصديق، ١٤٢١ هـ.","vol":"1","page":820},{"text":"٦٤ - الجرح والتعديل [كتاب] / المؤلف عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس أبو محمد الرازي التميمي. - بيروت: دار إحياء التراث العربي، ١٣٧١ هـ. - الأولى.\n٦٥ - الجناية على الأطراف في الفقه الإسلامي (أصله رسالة ماجيستير) [كتاب] / المؤلف نجم عبد الله إبراهيم العيساوي. - دبي: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، ١٤٢٢ هـ. - الأولى.\n٦٦ - الجناية على ما دون النفس [كتاب] / المؤلف صالح بن عبد الله اللاحم. - الدمام: دار ابن الجوزي، ١٤٢٦ هـ. - الأولى.\n٦٧ - الجواهر المضية في طبقات الحنفية [كتاب] / المؤلف عبدالقادر بن محمد القرشي الحنفي. - كراتشي: مير محمد كتب خانه.\n٦٨ - الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني [كتاب] / المؤلف علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري الشافعي/ تحقيق: الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١٩ هـ. - شرح فيه مختصر المزني، فجاء موسوعة عبقرية في الفقه الشافعي.\n٦٩ - الحلقة النقاشية حول حجية البصمة الوراثية في إثبات النسب [كتاب] / المؤلف المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية/ تحرير الدكتورين أحمد الجندي وسعد الدين هلالي. - الكويت: المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، ٢٠٠٢ م.\n٧٠ - الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي [كتاب] / المؤلف المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية. - الكويت: المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، ١٤٠٥ هـ. - ثبت الندوة المنعقدة برعاية المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، بالكويت، سنة ١٤٠٥ هـ.\n٧١ - الختان [كتاب] / المؤلف محمد علي البار. - جدة: دار المنارة. - الأولى.\n٧٢ - الختان رأى الدين والعلم فى ختان الأولاد والبنات [كتاب] / المؤلف أبو بكر عبد الرازق. - القاهرة: دار الاعتصام، ١٩٨٩.","vol":"1","page":821},{"text":"٧٣ - الدر المختار [كتاب] / المؤلف محمد بن علي بن محمد الحنفي الحصكفي. - بيروت: دار الفكر، ١٣٨٦ هـ.\n٧٤ - الدراية في تخريج أحاديث الهداية [كتاب] / المؤلف أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، أبو الفضل/ تحقيق: السيد عبد الله هاشم اليماني المدني. - بيروت: دار المعرفة.\n٧٥ - الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب [كتاب] / المؤلف ابن فرحون المالكي. - بيروت: دار الكتب العلمية.\n٧٦ - الديباج على مسلم [كتاب] / المؤلف عبدالرحمن بن أبي بكر أبو الفضل السيوطي/ تحقيق: أبو إسحاق الحويني الأثري. - الخبر: دار ابن عفان، ١٤١٦ هـ.\n٧٧ - الروح [كتاب] / المؤلف محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، شمس الدين أبو عبد الله/ تحقيق: كمال علي الجمل. - المنصورة - القاهرة: مكتبة الإيمان - دار النصر للطباعة الإسلامية.\n٧٨ - الروض المربع شرح زاد المستقنع [كتاب] / المؤلف منصور بن يونس بن إدريس البهوتي. - الرياض: مكتبة الرياض الحديثة، ١٣٩٠ هـ. - شرح فيه (زاد المستقنع في اختصار المقنع) أحد المتون الحنبلية المعتمدة للعلامة شرف الدين أبي النجا موسى بن أحمد بن موسى ابن سالم المقدسي الحجاوي الحنبلي المتوفى سنة (٩٦٠ هـ) وهو مختصر من المقنع لإمام عصره موفق الدين بن قدامة المقدسي المتوفى سنة (٦٢٠ هـ).\n٧٩ - الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية [كتاب] / المؤلف المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية/ المحررون خالد المذكور وعلي السيف وأحمد الجندي وعبد الستار أبو غدة. - الكويت: المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، ١٩٩٥. - الثانية.\n٨٠ - السنن الكبرى (سنن النسائي) [كتاب] / المؤلف سيد كسروي حسن أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي/ تحقيق: عبد الغفار سليمان البنداري. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١١ هـ.\n٨١ - السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية [كتاب] / المؤلف أحمد بن عبد الحليم بن تيمية. - القاهرة: مكتبة ابن تيمية. - الأولى.","vol":"1","page":822},{"text":"٨٢ - الشرح الكبير [كتاب] / المؤلف أحمد الدردير أبو البركات/ تحقيق: محمد عليش. - بيروت: دار الفكر. - شرح فيه (مختصر خليل) أحد المتون المالكية المعتمدة للعلامة أبي محمد ضياء الدين خليل بن إسحاق بن موسى بن شعيب المتوفى سنة (٧٧٦ هـ).\n٨٣ - الشرح الممتع على زاد المستنفع [شبكة] / المؤلف محمد بن صالح بن عثيمين// صيد الفوائد. - شرح فيه (زاد المستقنع في اختصار المقنع) أحد المتون الحنبلية المعتمدة للعلامة شرف الدين أبي النجا موسى بن أحمد بن موسى ابن سالم المقدسي الحجاوي الحنبلي المتوفى سنة (٩٦٠ هـ) وهو مختصر من المقنع لإمام عصره موفق الدين بن قدامة المقدسي المتوفى سنة (٦٢٠ هـ).\n٨٤ - الضعفاء الكبير (ضعفاء العقيلي) [كتاب] / المؤلف محمد بن عمر بن موسى العقيلي، أبو جعفر/ تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي. - بيروت: دار المكتبة العلمية، ١٤٠٤ هـ.\n٨٥ - الضوء اللامع لأهل القرن التاسع [كتاب] / المؤلف محمد بن عبد الرحمن السخاوي، شمس الدين. - بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة.\n٨٦ - الطب الشرعي والسموم [كتاب] / المؤلف جلال الجابري. - عمان: الدار العلمية الدولية للنشر والتوزيع ودار الثقافة للنشر والتوزيع، ٢٠٠٢ م.\n٨٧ - الطب النبوي [كتاب] / المؤلف محمد بن أبي بكر بن أيوب الدمشقي (ابن القيم) / تحقيق عبد الغني عبد الخالق. - بيروت: دار الفكر.\n٨٨ - الطب في ضوء الإيمان [كتاب] / المؤلف محمد المختار السلامي. - بيروت: دار الغرب الإسلامي، ٢٠٠١ م. - الأولى.\n٨٩ - الطب من الكتاب والسنة [كتاب] / المؤلف موفق الدين عبد اللطيف البغدادي/ تحقيق عبد المعطي أمين قلعجي. - بيروت: دار المعرفة. - الثانية.\n٩٠ - الطب والتداوي، هل يجوز عمل صمام للقلب من جلد الخنزير [شبكة] / المؤلف موقع الإسلام سؤال وجواب// الإسلام سؤال وجواب. -٢٢، ٢٠٠٨.\nln=ara/http://www.islamqa.com/index.php* ref=٩٣٢١٢","vol":"1","page":823},{"text":"٩١ - الطبقات الكبرى [كتاب] / المؤلف محمد بن سعد بن منيع البصري. - بيروت: دار صادر.\n٩٢ - الطبيب أدبه وفقهه [كتاب] / المؤلف زهير السباعي ومحمد البار. - دمشق - بيروت: دار القلم - الدار الشامية، ١٤١٨ هـ.\n٩٣ - الطرق الحكمية في السياسة الشرعية [كتاب] / المؤلف محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، شمس الدين أبو عبد الله/ تحقيق: د. محمد جميل غازي. - القاهرة: مطبعة المدني.\n٩٤ - العبر في خبر من غبر [كتاب] / المؤلف محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله/تحقيق صلاح الدين المنجد. - الكويت: مطبعة حكومة الكويت، ١٩٨٤ م. - الثانية.\n٩٥ - الغرر البهية في شرح البهجة الوردية [كتاب] / المؤلف زكريا بن محمد الأنصاري. - القاهرة: المطبعة الميمنية. - شرح لمنظومة البهجة الوردية في فقه الشافعية للإمام الشاعر عمر بن المظفر بن عمر زين الدين بن الوردي المتوفى بالطاعون سنة (٧٤٩ هـ).\n٩٦ - الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية [كتاب] / المؤلف أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني/ تقديم حسنين محمد مخلوف. - بيروت: دار المعرفة.\n٩٧ - الفروع وتصحيح الفروع [كتاب] / المؤلف محمد بن مفلح المقدسي/ المحقق حازم القاضي. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١٨ هـ. - الأولى. - من كتب الخلاف داخل المذهب الحنبلي والتصحيح للمرداوي استدرك فيه على ابن مفلح مسائل عدها المذهب وليست كذلك.\n٩٨ - الفروق (أنوار البروق في أنواع الفروق مع الهوامش) [كتاب] / المؤلف أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي أبو العباس/تحقيق: خليل المنصور. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م. - الأولى.","vol":"1","page":824},{"text":"٩٩ - الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني [كتاب] / المؤلف أحمد بن غنيم بن سالم النفراوي المالكي. - بيروت: دار الفكر، ١٤١٥ هـ.\n١٠٠ - القاموس المحيط [كتاب] / المؤلف مجد الدين محمد بن يغقوب الفيروزآبادي. - بيروت: مؤسسة الرسالة. - الخامسة.\n١٠١ - الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة [كتاب] / المؤلف محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي الدمشقي، أبو عبدالله/ تحقيق: محمد عوامة. - جدة: دار القبلة للثقافة الإسلامية ومؤسسة علو، ١٤١٣ هـ.\n١٠٢ - الكافي في فقه الإمام المبجل أحمد بن حنبل [كتاب] / المؤلف عبد الله بن قدامة المقدسي، أبو محمد. - بيروت: المكتب الاسلامي.\n١٠٣ - الكافي في فقه أهل المدينة [كتاب] / المؤلف يوسف بن عبد الله بن عبد البر القرطبي، أبو عمر. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٠٧ هـ.\n١٠٤ - الكامل في ضعفاء الرجال [كتاب] / المؤلف عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد أبو أحمد الجرجاني/ تحقيق: يحيى مختار غزاوي. - بيروت: دار الفكر، ١٤٠٩ هـ.\n١٠٥ - المبدع في شرح المقنع [كتاب] / المؤلف إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مفلح الحنبلي، أبو إسحاق. - بيروت: المكتب الإسلامي، ١٤٠٠ هـ. - شرح فيه العلامة إبراهيم بن مفلح (ت ٨٨٤ هـ) (المقنع) وهو أحد المتون الحنبلية المعتمدة لإمام عصره موفق الدين بن قدامة المقدسي المتوفى سنة (٦٢٠ هـ).\n١٠٦ - المبسوط [كتاب] / المؤلف أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي، شمس الأئمة. - بيروت: دار المعرفة. - شرح فيه شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) كتاب (الكافي) لأبي الفضل المروزي المعروف بالحاكم الشهيد (ت ٣٤٤ هـ) والذي جمع فيه كتب ظاهر الرواية (المبسوط والزيادات، والجامع الكبير والصغير، والسير الكبير والصغير) لمحمد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩ هـ).\n١٠٧ - المبسوط (الأصل) [كتاب] / المؤلف محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، أبو عبد الله/ تحقيق: أبو الوفا الأفغاني. - كراتشي: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية.","vol":"1","page":825},{"text":"١٠٨ - المجموع شرح المهذب [كتاب] / المؤلف يحيى بن شرف النووي. - بيروت: دار الفكر، ١٩٩٧ م. - من أجمع كتب الفقه الشافعي بل الإسلام، شرح فيه النووي (المهذب) لأبي إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦ هـ) ولم يتمه، وإنما شرح ربع الأصل في ٩ مجلدات، ثم مات، وجاء تقي الدين السبكي (ت ٧٥٦ هـ) فزاد ثلاثًا، ثم مات، ولم يتمه إلا الحضرمي والعراقي ثم محمد نجيب المطيعي.\n١٠٩ - المحصول في علم الأصول [كتاب] / المؤلف محمد بن عمر بن الحسين الرازي/ تحقيق: طه جابر فياض العلواني. - الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤٠٠ هـ.\n١١٠ - المحلى [كتاب] / المؤلف علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري/ المحقق لجنة إحياء التراث العربي. - بيروت: دار الآفاق الجديدة.\n١١١ - المدخل الفقهي العام [كتاب] / المؤلف مصطفى أحمد الزرقا. - بيروت: دار الفكر.\n١١٢ - المدونة الكبرى [كتاب] / المؤلف مالك بن أنس. - بيروت: دار صادر. - مجموعة من الأسئلة والأجوبة عن مسائل الفقه وردت للإمام مالك، جمعها وصنفها عبد السلام بن سعيد التنوخي الملقب بسحنون (ت ٢٤٠ هـ) والذي رواها عن عبد الرحمن بن القاسم (ت ١٩١ هـ) عن الإمام مالك بن أنس.\n١١٣ - المرجع في الفزيولوجيا الطبية [كتاب] / المؤلف  Arthur Guyton، John Hall  وترجمة الرفاعي، محفوض، مخلوف، الدالاتي. - دمشق: دار المنجد، ١٤٢٥ هـ. - الثانية.\n١١٤ - المسائل الطبية المستجدة في ضوء الشريعة الإسلامية [كتاب] / المؤلف محمد بن عبد الجواد النتشة. - ليدز - بريطانيا: مجلة الحكمة، ١٤٢٢ هـ. - الأولى.\n١١٥ - المستدرك على الصحيحين [كتاب] / المؤلف محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري/ المحقق مصطفى عبد القادر عطا. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١١ هـ. - الأولى.","vol":"1","page":826},{"text":"١١٦ - المستصفى في علم الأصول [كتاب] / المؤلف محمد بن محمد الغزالي أبو حامد/ تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١٣ هـ. - الأولى.\n١١٧ - المسؤولية الطبية وأخلاقيات الطبيب [كتاب] / المؤلف محمد علي البار. - جدة: دار المنارة، ١٤١٦ هـ. - الأولى.\n١١٨ - المصنف [كتاب] / المؤلف عبد الرزاق بن همام الصنعاني، أبو بكر/ تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي. - بيروت: المكتب الإسلامي، ١٤٠٣ هـ.\n١١٩ - المعجم الكبير [كتاب] / المؤلف سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني/ تحقيق: حمدي بن عبدالمجيد السلفي. - الموصل: مكتبة الزهراء، ١٤٠٤ هـ.\n١٢٠ - المعجم الوسيط [كتاب] / المؤلف مجمع اللغة العربية. - القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، ١٤٢٦ هـ. - الرابعة.\n١٢١ - المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار [كتاب] / المؤلف عبد الرحيم بن الحسين العراقي/ المحقق أشرف عبد المقصود. - الرياض: مكتبة طبرية، ١٤١٥ هـ. - الأولى.\n١٢٢ - المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني [كتاب] / المؤلف عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي. - بيروت: دار الفكر، ١٤٠٥ هـ. - الأولى. - ليس يقتصر على المذهب الحنبلي، بل يعرض الخلاف داخل وخارج المذهب، مع الاستدلال والترجيح، فكان عمدة كتب الفقه المقارن، ولم يدانه في بابه كتاب.\n١٢٣ - المنار المنيف في الصحيح والضعيف [كتاب] / المؤلف محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الحنبلي الدمشقي، شمس الدين أبو عبد الله (ابن القيم) / تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة. - حلب: مكتب المطبوعات الإسلامية، ١٤٠٣ هـ.\n١٢٤ - المنتقى شرح الموطأ [كتاب] / المؤلف سليمان بن خلف الباجي. - القاهرة: دار الكتاب الإسلامي.","vol":"1","page":827},{"text":"١٢٥ - المنثور في القواعد [كتاب] / المؤلف محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، أبو عبد الله/ تحقيق: تيسير فائق أحمد محمود. - الكويت: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت، ١٤٠٥ هـ.\n١٢٦ - المنهاج القويم شرح المقدمة الحضرمية = الجامع الكبير لكتب التراث/ المؤلف أحمد بن حجر الهيتمي. - عمان: الجامع الكبير لكتب التراث؛ دار التراث.\n١٢٧ - المنهج القويم شرح المقدمة الحضرمية/ المؤلف ابن حجر الهيتمي. - عمان: دار التراث.\n١٢٨ - المهذب في اختصار السنن الكبرى للبيهقي [كتاب] / المؤلف محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي. - السعودية: دار الوطن للنشر، ١٤٢٢ هـ. - الأولى.\n١٢٩ - الموافقات في أصول الفقه [كتاب] / المؤلف إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي/تحقيق: عبد الله دراز. - بيروت: دار المعرفة.\n١٣٠ - الموسوعة الطبية الفقهية [كتاب] / المؤلف أحمد محمد كنعان. - بيروت: دار النفائس. - الأولى.\n١٣١ - الموسوعة الفقهية [كتاب] / المؤلف وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت. - الكويت: وزارة الأوقاف الكويتية.\n١٣٢ - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة [كتاب] / المؤلف ابن تغري بردي الأتابكي. - القاهرة: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة.\n١٣٣ - الهداية شرح بداية المبتدي [كتاب] / المؤلف علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الرشداني المرغيناني، أبو الحسن. - القاهرة: المكتبة الإسلامية. - شرح فيه الإمام العلامة المرغيناني (ت ٥٩٣ هـ) متن (بداية المبتدي) له (أي الماتن هو الشارح) ومتن البداية هو أحد المتون الحنفية المعتمدة والذي جمع فيه مسائل القدوري والجامع الصغير لمحمد بن الحسن.\n١٣٤ - الوجيز في الطب العدلي [كتاب] / المؤلف وصفي محمد علي. - عمان: دار البيارق - الدار الشامية، ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":828},{"text":"١٣٥ - الوسيط في المذهب [كتاب] / المؤلف محمد بن محمد بن محمد الغزالي أبو حامد/ تحقيق: أحمد محمود إبراهيم ومحمد محمد تامر. - القاهرة: دار السلام، ١٤١٧ هـ. - اختصار (البسيط) له أيضًا، والمختصر من (نهاية المطلب في دراية المذهب) للجويني (ت ٤٧٨ هـ).\n١٣٦ - الوفيات [كتاب] / المؤلف أحمد بن حسن بن علي بن الخطيب، أبي العباس/ تحقيق: عادل نويهض. - بيروت: دار الإقامة الجديدة، ١٩٧٨ م.\n١٣٧ - أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء [كتاب] / المؤلف قاسم بن عبد الله بن أمير علي القونوي/ تحقيق: أحمد بن عبد الرزاق الكبيسي. - جدة: دار الوفاء، ١٤٠٦ هـ.\n١٣٨ - بحوث فقهية في مسائل طبية معاصرة [كتاب] / المؤلف علي محمد يوسف المحمدي. - بيروت: دار البشائر الإسلامية، ١٤٢٦ هـ. - الأولى.\n١٣٩ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد [كتاب] / المؤلف محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي. - بيروت: دار الفكر. - كتاب في الفقه المقارن لابن رشد الحفيد المالكي، أراد منه بيان أسباب الخلاف وتنمية ملكة الاجتهاد عند طلبة العلم.\n١٤٠ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع [كتاب] / المؤلف علاء الدين الكاساني. - بيروت: دار الكتاب العربي، ١٩٨٢ م. - من أجل كتب الفقه الحنفي وهو في أصله شرح لكتاب تحفة الفقهاء لأستاذ المصنف ووالد زوجته علاء الدين السمرقندي (ت ٥٣٩ هـ) والذي هو شرح لمشكلات كتاب القدوري (ت ٤٢٨ هـ) واستدراك لبعض ما فاته.\n١٤١ - بلغة السالك لأقرب المسالك [كتاب] / المؤلف أحمد الصاوي/ تحقيق: محمد عبد السلام شاهين. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١٥ هـ. - حاشية على (الشرح الصغير) للعلامة أحمد بن محمد الدردير العدوي (ت ١٢٠١ هـ) وهو شرحه على متنه (أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك) أحد المتون المالكية المعتمدة.\n١٤٢ - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [كتاب] / المؤلف محمد بن أحمد بن عثمان","vol":"1","page":829},{"text":"الذهبي، شمس الدين/ تحقيق: عمر عبد السلام تدمرى. - بيروت: دار الكتاب العربي، ١٤٠٧ هـ.\n١٤٣ - تاريخ الخلفاء [كتاب] / المؤلف عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي/ تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد. - مصر: مطبعة السعادة، ١٣٧١ هـ.\n١٤٤ - تاريخ بغداد [كتاب] / المؤلف أحمد بن علي بن ثابت، أبو بكر، المعروف بالخطيب البغدادي. - بيروت: دار الكتب العلمية.\n١٤٥ - تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام [كتاب] / المؤلف إبراهيم بن محمد بن فرحون اليعمري/ المحقق جمال مرعشلي. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٢٢ هـ.\n١٤٦ - تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق [كتاب] / المؤلف عثمان بن علي الزيلعي. - القاهرة: دار الكتاب الإسلامي، ١٣١٣ هـ. - شرح فيه (كنز الدقائق) أحد المتون الحنفية المعتمدة للعلامة أبي البركات حافظ الدين عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي المتوفى سنة (٧١٠ هـ).\n١٤٧ - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي [كتاب] / المؤلف محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، أبو العلا. - بيروت: دار الكتب العلمية.\n١٤٨ - تحفة المحتاج في شرح المنهاج [كتاب] / المؤلف أحمد بن حجر الهيتمي. - بيروت: دار إحياء التراث العربي. - شرح فيه (منهاج الطالبين وعمدة المفتين) أحد المتون الشافعية للنووي (ت ٦٧٦ هـ) اختصار (المحرر) للرافعي (ت ٦٢٣ هـ) والذي استمده من (الوجيز) للغزالي (ت ٥٠٥) اختصار (الوسيط) له، اختصار (البسيط) له أيضًا، اختصار (نهاية المطلب في دراية المذهب) للجويني (ت ٤٧٨ هـ).\n١٤٩ - تحفة المودود بأحكام المولود [كتاب] / المؤلف محمد بن أبي بكر الزرعي (ابن القيم) / المحقق عبد القادر الأرناؤوط. - دمشق: مكتبة دار البيان، ١٣٩١ هـ. - الأولى.\n١٥٠ - تذكرة الحفاظ [كتاب] / المؤلف محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، أبو عبد الله شمس الدين. - بيروت: دار الكتب العلمية. - الأولى.","vol":"1","page":830},{"text":"١٥١ - تشريح جثة الميت. فتوى برقم ٢٦٩٤. تراث الفتاوى [شبكة] / المؤلف عبد المجيد سليم// دار الإفتاء المصرية. -١٥، ٢٠٠٧. -\nhttp://www.dar-alifta.org/ViewFatwa.aspx* ID=٢٦٩٤\n١٥٢ - تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية وحصائل التوليد [شبكة] / المؤلف فريق الدراسة التابع لمنظمة الصحة العالمية// منظمة الصحة العالمية. -١٢٢٧، ٢٠٠٧. -\nhttp://www.who.int/reproductive-health/publications/ar/fgm_obstetricoutcome_ar.pdf\n١٥٣ - تفسير الجلالين [كتاب] / المؤلف جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي. - القاهرة: دار الحديث. - الأولى.\n١٥٤ - تفسير السمعاني (تفسير القرآن) [كتاب] / المؤلف منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، أبو المظفر/ تحقيق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم. - الرياض: دار الوطن، ١٤١٨ هـ.\n١٥٥ - تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) [كتاب] / المؤلف محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري. - بيروت: دار الفكر، ١٤٠٥ هـ.\n١٥٦ - تفسير القرآن (تفسير السمعاني) [كتاب] / المؤلف منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، أبو المظفر/ تحقيق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم. - الرياض: دار الوطن، ١٤١٨ هـ.\n١٥٧ - تقريب التهذيب [كتاب] / المؤلف أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي. - سوريا: دار الرشيد، ١٤٠٦ هـ. - الأولى.\n١٥٨ - تلبيس إبليس [كتاب] / المؤلف عبد الرحمن بن علي بن محمد أبو الفرج (ابن الجوزي) / تحقيق: السيد الجميلي. - بيروت: دار الكتاب العربي، ١٤٠٥ هـ.\n١٥٩ - تلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير [كتاب] / المؤلف أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، أبو الفضل/ المحقق السيد عبدالله هاشم اليماني المدني. - المدينة المنورة: المدينة المنورة، ١٣٨٤ هـ.","vol":"1","page":831},{"text":"١٦٠ - تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق [كتاب] / المؤلف محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، شمس الدين/ تحقيق: مصطفى أبو الغيط عبد الحي عجيب. - الرياض: دار الوطن، ١٤٢١ هـ.\n١٦١ - تنقيح تحقيق أحاديث التعليق [كتاب] / المؤلف محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي، شمس الدين/ تحقيق: أيمن صالح شعبان. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٩٩٨ م.\n١٦٢ - تهذيب التهذيب [كتاب] / المؤلف أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي. - بيروت: دار الفكر، ١٤٠٤ هـ. - الأولى.\n١٦٣ - تهذيب الكمال [كتاب] / المؤلف يوسف بن عبدالرحمن المزي، أبو الحجاج/ تحقيق: بشار عواد معروف. - بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٤٠٠ هـ. - الأولى.\n١٦٤ - تيسير التحرير [كتاب] / المؤلف محمد أمين، المعروف بأمير بادشاه. - بيروت: دار الفكر.\n١٦٥ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) [كتاب] / المؤلف محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري. - بيروت: دار الفكر، ١٤٠٥ هـ.\n١٦٦ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم [كتاب] / المؤلف عبد الرحمن بن شهاب الدين البغدادي، زين الدين أبو الفرج (ابن رجب) / تحقيق: شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس. - بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٤١٧ هـ.\n١٦٧ - جامع الفتاوى الطبية والأحكام المتعلقة بها [كتاب] / المؤلف عبد العزيز بن فهد بن عبد المحسن. - الرياض: دار القاسم، ١٤٢٥ هـ. - الأولى.\n١٦٨ - حاشية ابن عابدين (حاشية رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار) [كتاب] / المؤلف محمد بن أمين بن عمر (ابن عابدين). - بيروت: دار الفكر، ١٤٢١ هـ. - حاشية على الدر المختار، وهو شرح العلامة الحصكفي المتوفى (١٠٨٨ هـ) على كتاب تنوير الأبصار للعلامة ابن تمرتاش الغزي الحنفي المتوفى (١٠٠٤ هـ).\n١٦٩ - حاشية إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين لشرح قرة العين بمهمات الدين","vol":"1","page":832},{"text":"[كتاب] / المؤلف أبو بكر ابن السيد محمد شطا الدمياطي. - بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. - حاشية على حل ألفاظ فتح المعين لشرح قرة العين بمهمات الدين لزين الدين بن عبد العزيز المليباري (ت ٩٨٧ هـ).\n١٧٠ - حاشية البجيرمي على الخطيب (تحفة الحبيب على شرح الخطيب) [كتاب] / المؤلف سليمان بن محمد بن عمر البجيرمي. - بيروت: دار الفكر. - حاشية سليمان بن محمد بن عمر البجيرمي (ت ١٢٢١ هـ) على (الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع) لمحمد الشربيني الخطيب (ت ٩٧٧ هـ) والذي شرح فيه متن (الغاية والتقريب) لأبي شجاع أحمد بن الحسين الأصفهاني العباداني الشافعي المُعَمِّر (ت ٥٩٣ هـ).\n١٧١ - حاشية البجيرمي على شرح منهج الطلاب (التجريد لنفع العبيد) [كتاب] / المؤلف سليمان بن عمر بن محمد البجيرمي. - ديار بكر - تركيا: المكتبة الإسلامية. - حاشية لسليمان بن محمد بن عمر البجيرمي (ت ١٢٢١ هـ) على (شرح منهج الطلاب) كتاب في الفقه الشافعي للشيخ زكريا الأنصاري (ت ٩٢٦ هـ)، والذي شرح فيه متنه (منهج الطلاب)، المختصر من (منهاج الطالبين) للنووي (ت ٦٧٦ هـ).\n١٧٢ - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير [كتاب] / المؤلف محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي/ المحقق محمد عليش. - بيروت: دار الفكر. - شرح فيه محمد بن عرفة الدسوقي المصري (ت ١٢٣٠ هـ) الشرح الكبير للدردير (ت ١٢٠١ هـ)، والذي شرح فيه (مختصر خليل) أحد المتون المالكية المعتمدة للعلامة أبي محمد ضياء الدين خليل بن إسحاق (ت ٧٧٦ هـ).\n١٧٣ - حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني [كتاب] / المؤلف علي الصعيدي العدوي المالكي/ تحقيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي. - بيروت: دار الفكر، ١٤١٢ هـ. - حاشية للشيخ علي بن أحمد العدوي (ت ١١٨٩ هـ) على كتاب (كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني) والذي شرح فيه علي بن محمد المنوفي المصري (ت ٩٣٩ هـ) متن (الرسالة) أحد المتون المالكية المعتمدة لابن أبي زيد القيرواني (ت ٣٨٦ هـ).","vol":"1","page":833},{"text":"١٧٤ - حاشية العطار على شرح الجلال المحلي [كتاب] / المؤلف حسن بن محمد بن محمود العطار. - بيروت: دار الكتب العلمية.\n١٧٥ - حاشيتان قليوبي وعميرة [كتاب] / المؤلف أحمد سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة. - القاهرة: دار إحياء الكتب العربية. - الكتاب فيه حاشيتان لشهاب الدين أحمد البرلسي (عميرة) (ت ٩٥٧ هـ) وشهاب الدين أحمد القليوبي (ت ١٠٦٩ هـ) وهما على شرح العلامة جلال الدين المحلي (ت ٨٦٤ هـ) على (منهاج الطالبين وعمدة المفتين) أحد المتون الشافعية المعتمدة للإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ).\n١٧٦ - حجية الدليل المادي في الإثبات [كتاب] / المؤلف شحاتة عبد المطلب أحمد. - القاهرة: غير مطبوع- مكتبة بحوث جامعة الأزهر - بحوث الماجستير رقم ٥٤٢٥، ١٤١٧ هـ. - بحث مقدم لجامعة الأزهر، كلية الشريعة والقانون، لنيل درجة التخصص في الفقه الإسلامي.\n١٧٧ - حكم تشريح الإنسان بين الشريعة والقانون [كتاب] / المؤلف عبد العزيز القصار. - بيروت: دار ابن حزم. - الأولى.\n١٧٨ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء [كتاب] / المؤلف أبو نعيم أحمد بن عبدالله الأصبهاني. - بيروت: دار الكتاب العربي، ١٤٠٥ هـ. - الرابعة.\n١٧٩ - حواشي الشرواني على تحفة المحتاج بشرح المنهاج [كتاب] / المؤلف عبد الحميد الشرواني. - بيروت: دار الفكر. - التحفة للهيتمي شرح فيه (منهاج الطالبين وعمدة المفتين) أحد المتون الشافعية للنووي (ت ٦٧٦ هـ) اختصار (المحرر) للرافعي (ت ٦٢٣ هـ) والذي استمده من (الوجيز) للغزالي (ت ٥٠٥) اختصار (الوسيط) له، اختصار (البسيط) له أيضًا، اختصار (نهاية المطلب) للجويني (ت ٤٧٨ هـ).\n١٨٠ - ختان الإناث بين علماء الشريعة والطب [شبكة] / المؤلف مريم إبراهيم هندي، مدرسة الشريعة بكلية دار العلوم// صيد الفوائد/ المكتبة/ الفقه وأصوله. -١٢٢٣، ٢٠٠٧. -  www.saaid.net.\n١٨١ - ختان الإناث رؤية طبية [شبكة] / المؤلف ست البنات خالد محمد على، اختصاصي","vol":"1","page":834},{"text":"أمراض النساء والتوليد، جامعة الخرطوم// صيد الفوائد/ المكتبة/ الفقه وأصوله. -١٠١٥، ٢٠٠٧. -  www.saaid.net.\n١٨٢ - ختان الإناث على ضوء الدين والطب [شبكة] / المؤلف عماد عمر خلف الله أحمد// منظمة أم عطية الأنصارية. -١٢١٦، ٢٠٠٦. -\nhttp://www.umatia.org/priceresearch.html. -  مقدم إلى الجمعية الطبية الإسلامية السودانية-مسابقة البحوث العلمية.\n١٨٣ - ختان البنات [مقالة] / المؤلف محمد حسن الحفناوي وصادق محمد صادق// مجلة أكتوبر. - القاهرة: دار المعارف، ١٠٦١، ١٩٩٤. - ٩٣٨.\n١٨٤ - خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر [كتاب] / المؤلف محمد أمين بن فضل الله المحبي. - بيروت: دار صادر.\n١٨٥ - خلق الإنسان بين الطب والقرآن [كتاب] / المؤلف محمد علي البار. - جدة: الدار السعودية، ١٤٢٦ هـ. - الثالثة عشرة.\n١٨٦ - درء تعارض العقل والنقل [كتاب] / المؤلف أحمد بن عبد السلام بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، تقي الدين/ تحقيق: عبد اللطيف عبد الرحمن. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١٧ هـ.\n١٨٧ - دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة [كتاب] / المؤلف عمر سليمان الأشقر. محمد عثمان شبير. عبد الناصر أبو البصل. عارف علي عارف. عباس أحمد محمد الباز. - عمان: دار النفائس. - الأولى.\n١٨٨ - دراسة جديدة تبيّن أنّ تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية يعرّض النساء وأطفالهن لمخاطر كبيرة أثناء الولادة [شبكة] / المؤلف منظمة الصحة العالمية// منظمة الصحة العالمية. -١٢٤٢، ٢٠٠٧. -\nhttp://www.who.int/mediacentre/news/releases/2006/pr ٣٠/ar/print.html\n١٨٩ - درر الحكام شرح مجلة الأحكام [كتاب] / المؤلف علي حيدر/تحقيق وتعريب:","vol":"1","page":835},{"text":"المحامي فهمي الحسيني. - بيروت: دار الكتب العلمية.\n١٩٠ - ذيل طبقات الحنابلة - مطبوع مع طبقات الحنابلة [كتاب] / المؤلف عبدالرحمن بن شهاب الدين أحمد البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي، زين الدين أبو الفرج، المعروف بابن رجب. - بيروت: دار المعرفة.\n١٩١ - روضة الطالبين وعمدة المفتين [كتاب] / المؤلف يحيى بن شرف النووي، محيي الدين أبو زكريا. - بيروت: المكتب الإسلامي، ١٤٠٥ هـ.\n١٩٢ - روضة الناظر وجنة المناظر [كتاب] / المؤلف عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي أبو محمد/ تحقيق: عبد العزيز عبد الرحمن السعيد. - الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود، ١٣٩٩. - الثانية.\n١٩٣ - رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة - الجزء الأول [كتاب] / المؤلف المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية/ تحرير أحمد الجندي ومختار بشر. - الكويت: المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، ١٤١٨ هـ.\n١٩٤ - زاد المعاد في هدي خير العباد [كتاب] / المؤلف محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي ابن القيم/ تحقيق: شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط. - بيروت - الكويت: مؤسسة الرسالة - مكتبة المنار الإسلامية، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م. - الرابعة عشر.\n١٩٥ - زاد المعاد في هدي خير العباد، تأليف: [كتاب] / المؤلف محمد بن أبي بكر الزرعي (ابن القيم) / المحقق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط. - بيروت والكويت: مؤسسة الرسالة ومكتبة المنار الإسلامية، ١٤٠٧. - الرابعة عشر.\n١٩٦ - سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها [كتاب] / المؤلف محمد ناصر الدين الألباني. - الرياض: مكتبة المعارف، ١٤١٥ هـ.\n١٩٧ - سنن ابن ماجه (بتحقيق مشهور) [كتاب] / المؤلف محمد بن يزيد أبو عبدالله القزويني/ بتحقيق مشهور بن حسن آل سلمان وحكم الألباني على درجة الحديث. - الرياض: مكتبة المعارف. - الأولى.\n١٩٨ - سنن أبي داود [كتاب] / المؤلف سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي/","vol":"1","page":836},{"text":"المحقق محمد محيي الدين عبد الحميد. - بيروت: دار الفكر.\n١٩٩ - سنن أبي داود (بتحقيق مشهور) [كتاب] / المؤلف سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي/ بتحقيق مشهور بن حسن آل سلمان وحكم الألباني على درجة الحديث. - الرياض: مكتبة المعارف. - الأولى.\n٢٠٠ - سنن البيهقي الكبرى [كتاب] / المؤلف أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي/ المحقق محمد عبد القادر عطا. - مكة المكرمة: مكتبة دار الباز، ١٤١٤ هـ.\n٢٠١ - سنن الترمذي (بتحقيق مشهور) [كتاب] / المؤلف محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي/ بتحقيق مشهور بن حسن آل سلمان وحكم الألباني على درجة الحديث. - الرياض: مكتبة المعارف. - الأولى.\n٢٠٢ - سنن الدارقطني [كتاب] / المؤلف علي بن عمر أبو الحسن الدارقطني البغدادي/ تحقيق: السيد عبد الله هاشم يماني المدني. - بيروت: دار المعرفة، ١٣٨٦ هـ.\n٢٠٣ - سنن الدارمي [كتاب] / المؤلف خالد السبع العلمي عبدالله بن عبدالرحمن أبو محمد الدارمي/ تحقيق: فواز أحمد زمرلي. - بيروت: دار الكتاب العربي، ١٤٠٧ هـ.\n٢٠٤ - سنن النسائي (السنن الكبرى) [كتاب] / المؤلف سيد كسروي حسن أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي/ تحقيق: د. عبد الغفار سليمان البنداري. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١١ هـ.\n٢٠٥ - سنن النسائي (بتحقيق مشهور) [كتاب] / المؤلف أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي/ بتحقيق مشهور بن حسن آل سلمان وحكم الألباني على درجة الحديث. - الرياض: مكتبة المعارف. - الأولى.\n٢٠٦ - سنن سعيد بن منصور [كتاب] / المؤلف سعيد بن منصور الخراساني/ تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي. - الهند: الدار السلفية، ١٤٠٣ هـ.\n٢٠٧ - سوبوتا أطلس تشريح جسم الإنسان [كتاب] / المؤلف جوهانز سوبوتا أستاذ التشريح بجامعة بون بألمانيا/ المحرر جوكين ستابيساند/ ترجمه من الانجليزية إلى العربية محمود الجزيري. - دمشق: المركز التقني المعاصر، ٢٠٠١. - الثالثة: ٢.","vol":"1","page":837},{"text":"٢٠٨ - سير أعلام النبلاء [كتاب] / المؤلف محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، شمس الدين. - بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٤٠٢ هـ.\n٢٠٩ - شذرات الذهب [كتاب] / المؤلف ابن العماد الحنبلي. - بيروت: لجنة إحياء التراث العربي.\n٢١٠ - شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه [كتاب] / المؤلف سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني الشافعي/ تحقيق: زكريا عميرات. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١٦ هـ.\n٢١١ - شرح النيل وشفاء العليل [كتاب] / المؤلف محمد بن يوسف أطفيش. - جدة: مكتبة الإرشاد.\n٢١٢ - شرح حدود ابن عرفة [كتاب] / المؤلف محمد بن قاسم الرصاع. - بيروت: المكتبة العلمية. - شرح فيه (الحدود الفقهية) وهو كتاب تعريفات في فقه الإمام مالك للعلامة ابن عرفة الورغمي المالكي (ت ٨٠٣ هـ).\n٢١٣ - شرح سنن ابن ماجه/ المؤلف محمد بن عبدالهادي السندي، أبو الحسن. - عمان: دار التراث. - قرص مدمج.\n٢١٤ - شرح فتح القدير [كتاب] / المؤلف كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي (ابن الهمام). - بيروت: دار الفكر. - الثانية. - شرح فيه (الهداية شرح البداية) والذي شرح فيه الإمام العلامة المرغيناني (ت ٥٩٣ هـ) متن (بداية المبتدي) له (أي الماتن هو الشارح) ومتن البداية هو أحد المتون الحنفية المعتمدة والذي جمع فيه مسائل القدوري والجامع الصغير لمحمد بن الحسن.\n٢١٥ - شرح مختصر خليل للخرشي [كتاب] / المؤلف محمد بن عبد الله الخرشي. - بيروت: دار الفكر للطباعة. - شرح فيه (مختصر خليل) أحد المتون المالكية المعتمدة للعلامة أبي محمد ضياء الدين خليل بن إسحاق بن موسى بن شعيب المتوفى سنة (٧٧٦ هـ).\n٢١٦ - شرح مشكل الآثار [كتاب] / المؤلف أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، أبو جعفر/ تحقيق: شعيب الأرنؤوط. - بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٤٠٨ هـ.","vol":"1","page":838},{"text":"٢١٧ - شرح ميارة على نظم ابن عاصم (الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام) / المؤلف محمد بن أحمد الفاسي (ميارة). - القاهرة: حرف. - شرح فيه محمد بن أحمد الفاسي (ميارة) (ت ١٠٧٢ هـ) كتاب (تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام)، وهو منظومة شعرية لأبي بكر محمد بن محمد الأندلسي الغرناطي (ابن عاصم) (ت ٨٢٩ هـ) في علم أحكام القضاء على المذهب المالكي.\n٢١٨ - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان [كتاب] / المؤلف محمد بن حبان بن أحمد، أبو حاتم التميمي البستي/ تحقيق: شعيب الأرنؤوط. - بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٤١٤ هـ. - الثانية.\n٢١٩ - صحيح البخاري (الجامع الصحيح المختصر) [كتاب] / المؤلف محمد بن إسماعيل البخاري. - بيروت: دار ابن كثير واليمامة، ١٤٠٧ هـ. - الثالثة.\n٢٢٠ - صحيح الجامع الصغير وزيادته [كتاب] / المؤلف محمد ناصر الدين الألباني. - بيروت ودمشق: المكتب الإسلامي، ١٤٠٨ هـ. - الثالثة.\n٢٢١ - صحيح سنن أبي داود [كتاب] / المؤلف محمد ناصر الدين الألباني. - الرياض: مكتب التربية العربي لدول الخليج، ١٤٠٩ هـ.\n٢٢٢ - صحيح مسلم [كتاب] / المؤلف مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري/ المحقق محمد فؤاد عبد الباقي. - بيروت: دار إحياء التراث العربي.\n٢٢٣ - طبقات الشافعية [كتاب] / المؤلف ابن قاضي شهبة/تحقيق الحافظ عبدالعليم خان. - بيروت: عالم الكتب، ١٤٠٧ هـ. - الأولى.\n٢٢٤ - طبقات الشافعية الكبرى [كتاب] / المؤلف عبدالوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي/تحقيق عبدالفتاح الحلو ومحمود محمد الطناحي. - القاهرة: دار هجر، ١٩٩٢ م. - الثانية.\n٢٢٥ - طبقات الفقهاء [كتاب] / المؤلف أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي/تحقيق خليل الميس. - بيروت: دار القلم.\n٢٢٦ - طبقات المفسرين [كتاب] / المؤلف أحمد بن محمد الأدنروي/تحقيق سليمان بن صالح","vol":"1","page":839},{"text":"الخزي. - المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، ١٩٩٧ م. - الأولى.\n٢٢٧ - عمدة القاري شرح صحيح البخاري [كتاب] / المؤلف محمود بن أحمد العيني، بدر الدين. - بيروت: دار إحياء التراث العربي.\n٢٢٨ - عوارض الأهلية [كتاب] / المؤلف حسين خلف الجبوري. - مكة: جامعة أم القرى. - الأولى.\n٢٢٩ - عون المعبود شرح سنن أبي داود [كتاب] / المؤلف محمد شمس الحق العظيم آبادي. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٩٩٥ م. - الثانية.\n٢٣٠ - عيون الأنباء في طبقات الأطباء [كتاب] / المؤلف موفق الدين أحمد بن القاسم الخزرجي (ابن أبي أصيبعه). تحقيق نزار رضا. - بيروت: دار مكتبة الحياة.\n٢٣١ - فتاوى السبكي [كتاب] / المؤلف علي بن عبد الكافي السبكي، أبي الحسن، تقي الدين. - بيروت: دار المعرفة.\n٢٣٢ - فتح الباري شرح صحيح البخاري [كتاب] / المؤلف أحمد بن علي بن حجر العسقلاني/ المحقق محب الدين الخطيب. - بيروت: دار المعرفة.\n٢٣٣ - فقه القضايا الطبية المعاصرة [كتاب] / المؤلف علي محيي الدين القره داغي وعلي يوسف المحمدي. - بيروت: دار البشائر الإسلامية، ١٤٢٦ هـ. - الأولى.\n٢٣٤ - قاموس حتي الطبي [كتاب] / المؤلف يوسف حتي وأحمد شفيق الخطيب. - بيروت: مكتبة لبنان. - السادسة.\n٢٣٥ - قواعد الأحكام في مصالح الأنام [كتاب] / المؤلف عز الدين بن عبد العزيز بن عبد السلام. - بيروت: دار الكتب العلمية.\n٢٣٦ - قواعد الفقه [كتاب] / المؤلف محمد عميم الإحسان المجددي البركتي. - كراتشي: الصدف ببلشرز، ١٤٠٧ هـ. - جمع فيه بعض أصول الخلاف بين أئمة مذهبه الحنفي وبينهم وبين غيرهم وبعض القواعد الفقهية والتعريفات.\n٢٣٧ - كشاف القناع عن متن الإقناع [كتاب] / المؤلف منصور بن يونس بن إدريس","vol":"1","page":840},{"text":"البهوتي/ تحقيق: هلال مصيلحي مصطفى هلال. - بيروت: دار الفكر، ١٤٠٢ هـ. - شرح فيه (الإقناع) للحجاوي (ت ٩٦٠ هـ).\n٢٣٨ - كشف المخدرات والرياض المزهرات لشرح أخصر المختصرات [كتاب] / المؤلف عبد الرحمن بن عبد الله البعلي الحنبلي/ تحقيق: محمد بن ناصر العجمي. - بيروت: دار البشائر الإسلامية، ١٤٢٣ هـ. - شرح فيه البعلي (ت ١١٩٢ هـ) كتاب (أخصر المختصرات) أحد المتون المتعمدة في المذهب الحنبلي لمحمد بن بدر الدين البلباني (ت ١٠٨٢ هـ).\n٢٣٩ - كيف يتعامل الآباء والمعلمون مع المراهقين لمساعدتهم على التكيف الاجتماعي [كتاب] / المؤلف محمد حامد يوسف. - السعودية: جمعية الملك عبد العزيز الخيرية.\n٢٤٠ - لسان العرب [كتاب] / المؤلف محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري. - بيروت: دار صادر. - الأولى.\n٢٤١ - لسان الميزان [كتاب] / المؤلف أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي/تحقيق دائرة المعارف النظامية بالهند. - بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ١٤٠٦ هـ. - الثالثة.\n٢٤٢ - مجلة الأزهر [مقالة] / المؤلف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر. - القاهرة: مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر.\n٢٤٣ - مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر [كتاب] / المؤلف عبد الرحمن بن محمد بن سليمان الكليبولي، المدعو بشيخي زاده/ تحقيق: خليل عمران المنصور. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١٩ هـ. - شرح فيه عبدالرحمن بن محمد بن سليمان (شيخي زاده) (ت ١٠٧٨ هـ) كتاب (ملتقى الأبحر) للإمام إبراهيم بن محمد الحلبي (ت ٩٥٦ هـ)، وهو من المتون الحنفية المعتمدة، وأورد الشارح آراء أصحاب المذهب، والشافعي أحيانًا.\n٢٤٤ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد [كتاب] / المؤلف علي بن أبي بكر الهيثمي. - القاهرة/بيروت: دار الريان للتراث/ دار الكتاب العربي، ١٤٠٧ هـ.\n٢٤٥ - مختار الصحاح [كتاب] / المؤلف محمد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي/ المحقق","vol":"1","page":841},{"text":"محمود خاطر. - بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، ١٤١٥ هـ.\n٢٤٦ - مختصر اختلاف العلماء [كتاب] / المؤلف أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي/ اختصار: الجصاص/ تحقيق: عبد الله نذير أحمد. - بيروت: دار البشائر الإسلامية، ١٤١٧ هـ.\n٢٤٧ - مختصر الخرقي من مسائل الإمام أحمد بن حنبل [كتاب] / المؤلف عمر بن الحسين الخرقي، أبو القاسم/ تحقيق: زهير الشاويش. - بيروت: المكتب الإسلامي، ١٤٠٣ هـ.\n٢٤٨ - مدى مشروعية الانتفاع بأعضاء الآدمي حيًا أو ميتًا في الفقه الإسلامي [كتاب] / المؤلف عبد المطلب عبد الرزاق حمدان. - الإسكندرية: دار الفكر الجامعي، ٢٠٠٥ م.\n٢٤٩ - مذكرة في أصول الفقه [كتاب] / المؤلف محمد الأمين الشنقيطي/ جمع وعناية عطية محمد سالم. - القاهرة: مكتبة ابن تيمية، ١٤٠٩ هـ.\n٢٥٠ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية ابنه أبي الفضل صالح [كتاب] / المؤلف صالح بن أحمد بن حنبل. - الهند: الدار العلمية، ١٤٠٨ هـ.\n٢٥١ - مسند أبي عوانة [كتاب] / المؤلف أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الاسفرائيني. - بيروت: دار المعرفة.\n٢٥٢ - مسند الإمام أبي حنيفة [كتاب] / المؤلف أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، أبو نعيم/ تحقيق: نظر محمد الفاريابي. - الرياض: مكتبة الكوثر، ١٤١٥ هـ.\n٢٥٣ - مسند الفاروق وأقواله على أبواب العلم [كتاب] / المؤلف إسماعيل بن عمر عماد الدين ابن كثير. - مصر: دار الوفاء، ١٤١١ هـ. - الأولى.\n٢٥٤ - مصنف ابن أبي شيبة (الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار) [كتاب] / المؤلف أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي/ المحقق كمال يوسف الحوت. - الرياض: مكتبة الرشد، ١٤٠٩. - الأولى.\n٢٥٥ - مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى [كتاب] / المؤلف مصطفى السيوطي الرحيباني. - دمشق: المكتب الإسلامي، ١٩٦١ م. - شرح (غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى) للكرمي (ت ١٠٣٣ هـ) جمع (الإقناع) للحجاوي (ت ٩٦٠ هـ) و(منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات) لابن النجار (ت ٩٧٢ هـ) والذي","vol":"1","page":842},{"text":"جمع بين (التنقيح المشبع) للمرداوي (ت ٨٨٥ هـ) و(المقنع) لابن قدامة (ت ٦٢٠ هـ).\n٢٥٦ - معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية [كتاب] / المؤلف محمود عبد الرحمن. - القاهرة: دار الفضيلة، ١٤١٩ هـ. - الأولى.\n٢٥٧ - معجم المؤلفين، تراجم مصنفي الكتب العربية [كتاب] / المؤلف عمر رضا كحالة. - بيروت: مكتبة المثنى، ١٣٧٦ هـ.\n٢٥٨ - معجم لغة الفقهاء [كتاب] / المؤلف محمد رواس قلعه جي. - بيروت: دار النفائس، ١٤١٦ هـ.\n٢٥٩ - معجم مرعشي الطبي الكبير [كتاب] / المؤلف محمد أسامة المرعشي. - بيروت: مكتبة لبنان، ٢٠٠٣ م. - الأولى.\n٢٦٠ - معجم مقاييس اللغة [كتاب] / المؤلف أحمد بن فارس. - بيروت: دار إحياء التراث العربي، ١٤٢٢ هـ.\n٢٦١ - معرفة السنن والآثار عن الامام أبي عبد الله محمد بن أدريس الشافعي [كتاب] / المؤلف أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي الخسروجردي/ تحقيق: سيد كسروي حسن. - بيروت: دار الكتب العلمية.\n٢٦٢ - معين الحكام [كتاب] / المؤلف علي بن خليل الطرابلسي، علاء الدين. - بيروت: دار الفكر. - كتاب في القضاء ألفه علاء الدين الطرابلسي الحنفي (ت ٨٤٤ هـ).\n٢٦٣ - مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج [كتاب] / المؤلف محمد الخطيب الشربيني. - بيروت: دار الفكر. - شرح فيه (منهاج الطالبين وعمدة المفتين) أحد المتون الشافعية للنووي (ت ٦٧٦ هـ) اختصار (المحرر) للرافعي (ت ٦٢٣ هـ) والذي استمده من (الوجيز) للغزالي (ت ٥٠٥) اختصار (الوسيط) له، اختصار (البسيط) له أيضًا، اختصار (نهاية المطلب في دراية المذهب) للجويني (ت ٤٧٨ هـ).\n٢٦٤ - منح الجليل شرح على مختصر سيد خليل [كتاب] / المؤلف محمد عليش. - بيروت: دار الفكر، ١٤٠٩ هـ. - شرح فيه (مختصر خليل) أحد المتون المالكية المعتمدة","vol":"1","page":843},{"text":"للعلامة أبي محمد ضياء الدين خليل بن إسحاق بن موسى بن شعيب المتوفى سنة (٧٧٦ هـ).\n٢٦٥ - مواهب الجليل لشرح مختصر خليل [كتاب] / المؤلف محمد بن عبد الرحمن المغربي (الحطاب)، أبو عبد الله. - بيروت: دار الفكر، ١٣٩٨ هـ. - شرح فيه (مختصر خليل) أحد المتون المالكية المعتمدة للعلامة أبي محمد ضياء الدين خليل بن إسحاق بن موسى بن شعيب المتوفى سنة (٧٧٦ هـ).\n٢٦٦ - موت الدماغ بين الطب والإسلام [كتاب] / المؤلف ندى محمد نعيم الدقر. - بيروت - دمشق: دار الفكر المعاصر - دار الفكر، ١٤٢٤ هـ.\n٢٦٧ - موسوعة الإجماع [كتاب] / المؤلف سعدي أبو حبيب. - بيروت-دمشق: دار الفكر المعاصر-دار الفكر، ١٤١٩ هـ.\n٢٦٨ - موسوعة الفقه والقضاء في الطب الشرعي [كتاب] / المؤلف شريف الطباخ وأحمد جلال. - القاهرة: المركز القومي للإصدارات القانونية.\n٢٦٩ - موطأ الإمام مالك [كتاب] / المؤلف مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي/ تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. - القاهرة: دار إحياء التراث العربي.\n٢٧٠ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال [كتاب] / المؤلف محمد بن أحمد الذهبي/ المحقق علي محمد معوض وعادل أحمد عبدالموجود. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٩٩٥ م. - الأولى.\n٢٧١ - نصب الراية لأحاديث الهداية [كتاب] / المؤلف عبدالله بن يوسف أبو محمد الحنفي الزيلعي/ تحقيق: محمد يوسف البنوري. - القاهرة: دار الحديث، ١٣٥٧ هـ. - خرج فيه الزيلعي أحاديث كتاب (الهداية) الذي شرح فيه الإمام المرغيناني (ت ٥٩٣ هـ) متن (بداية المبتدي) له (أي الماتن هو الشارح) ومتن البداية هو أحد المتون الحنفية المعتمدة والذي جمع فيه مسائل القدوري والجامع الصغير لمحمد بن الحسن.\n٢٧٢ - نظام الإثبات في الفقه الإسلامي [مقالة] / المؤلف عوض عبد الله. - ١٤٠٤ هـ: مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة. - ٦٢.","vol":"1","page":844},{"text":"٢٧٣ - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب [كتاب] / المؤلف أحمد بن محمد المقري التلمساني/تحقيق إحسان عباس. - بيروت: دار صادر، ١٩٦٨ م.\n٢٧٤ - نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج [كتاب] / المؤلف محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة ابن شهاب الدين الرملي، شمس الدين. - بيروت: دار الفكر للطباعة، ١٤٠٤ هـ. - شرح فيه (منهاج الطالبين وعمدة المفتين) أحد المتون الشافعية للنووي (ت ٦٧٦ هـ) اختصار (المحرر) للرافعي (ت ٦٢٣ هـ) والذي استمده من (الوجيز) للغزالي (ت ٥٠٥) اختصار (الوسيط) له، اختصار (البسيط) له أيضًا، اختصار (نهاية المطلب في دراية المذهب) للجويني (ت ٤٧٨ هـ).\n٢٧٥ - نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار [كتاب] / المؤلف محمد بن علي بن محمد الشوكاني. - بيروت: دار الجيل، ١٩٧٣ هـ.\n٢٧٦ - هداية الرواة إلى تخريج أحاديث المصابيح والمشكاة [كتاب] / المؤلف أحمد ابن حجر العسقلاني. - الدمام: دار ابن القيم، ١٤٢٢ هـ. - الأولى.\n٢٧٧ - هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين [كتاب] / المؤلف مصطفى بن عبدالله القسطنطيني الرومي الحنفي. - بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١٣ هـ.\n٢٧٨ - وفيات الأعيان [كتاب] / المؤلف ابن خلكان/تحقيق إحسان عباس. - بيروت: دار الثقافة، ١٩٦٨ م.\n* * *","vol":"1","page":845},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>ب- المراجع الأجنبية</span>\n١ - Adolescent Medicine [Journal] = Male Puberty: Physical، psychological and emotional issues/ auth.Goldstein Mark A .. - October ٢٠٠٣. - ٣: Vol. ١٤.\n٢ - Brain Death and Withdrawal of Support Surgical Clinics of North America [Journal] / auth.Maxim D.Hammer MDa، David Crippen، MDb. - Philadelphia: W.B.Saunders Company، December ٢٠٠٦. - ٦: Vol. ٨٦.\n٣ - CIRCUMCISION، MUTILATION، MALE، FEMALE [كتاب] / المؤلف محمود كريم، أستاذ النساء والتوليد بجامعة عين شمس .. - القاهرة: دار المعارف.\n٣ - Clinical management of pregnancy in cats [Journal] / auth.Kustritz Root// Theriogenology. -١٧، ٢٠٠٦. - ١: Vol. ٦٦. - ١٦٦٢٠٩٤٢ (PubMed ID).\n٤ - CNN [Online] / auth.Associated Press// CNN. -٣٠١٢، ٢٠٠٦. - ٢٠٠٧. - http://www.cnn.com/2006/WORLD/europe/12/30/old.mom.ap/index.html.\n٥ - Comprehensive Gynecology [Book] / auth.Katz. - USA: Mosby (Elsevier)، ٢٠٠٧. - ٥. - Chapter ٣٨.\n٦ - Donation after Cardiac Death in the US: History and Use [Journal] / auth.Peter L.Abt MD، Carol A.Fisher BA and Arun K.Sing PhD// Journal of the American College of Surgeons. - Chicago: American College of Surgeons، August ٢٠٠٦. - ٢: Vol. ٢٠٣.\n٧ - Evidence Based Medicine overview of the main steps for developing and grading guideline recommendations [Journal] / auth.P.Abrams S Khoury، A.Grant// Prog Urol. - Paris: Prog Urol، ٢٠٠٧. - ١٧: Vol. ٢٠٠٧. - pp. ٦٨١ - ٦٨٤.","vol":"1","page":846},{"text":"٨ - Fact Sheet No. ٢٣، Harmful Traditional Practices Affecting the Health of Women and Children [Online] / auth.The Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights (OHCHR) // The Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights (OHCHR). - ١٩٧٩. - http://www.unhchr.ch/html/menu ٦/٢/fs ٢٣.htm#*٢.\n٩ - Female Circumcision: Indications and a New Technique [Online] / auth.W.G.Rathmann M.D .. - ١٩٥٩. - http://www.circlist.com/femalecirc/femalecirc.html. - Taken from Dr.Rathmann's book: W.G.Rathmann، M.D.GP، vol.XX، no. ٣، pp ١١٥ - ١٢٠، September، ١٩٥٩.\n١٠ - Female Genital Cutting [Online] / auth.Encyclopaedia Britannica// Encyclopaedia Britannica. - ٢٠٠٧. -٢٧١٢، ٢٠٠٧. - http://www.britannica.com/eb/article-9024411.\n١١ - Female Genital Mutilation [Online] / auth.World Health Organization// World Health Organization. -٢٤١٢، ٢٠٠٧. - http://www.who.int/reproductive-health/fgm/obstetric_problems.html.\n١٢ - Female Genital Mutilation: Prevalence [Online] / auth.team WHO// World Health Organization. -٢٨١٢، ٢٠٠٧. - http://www.who.int/reproductive-health/fgm/prevalence.htm.\n١٣ - Gabbe: Obstetrics: Normal and Problem Pregnancies [Book] / auth.Divon Michael Y .. - Philadelphia: Churchill Livingstone an imprint of Elsevier، ٢٠٠٧. - ٥.\n١٤ - Grading Strength of Recommendations and Quality of Evidence in Clinical Guidelines Report From an American College of Chest Physicians Task Force [Journal] / auth.American College of Chest Physicians Task Force// American College of Chest Physicians. - ٢٠٠٦. - ١: Vol. ١٢٩.","vol":"1","page":847},{"text":"١٥ - Human Derdopment As described in the Quran and Sunnah; Correletion With Modern Embryology [Book] / auth.Keith L.Moore Gerald Goeringer، E.Marsholl Johnson، T.V.N Persaud، Mustafa A.Ahmed، Abdul-Majeed Al-Zindani. - Illinois، USA: Islamic Academy for Scientific research، ١٩٩٤.\n\n١٦ - Know the Facts About Circumcision [Journal] / auth.Wisewell Thomas E// Infections Diseases in Children. - Thorofare، NJ.USA: Slack Inc.، ٢٠٠٣١ .\n١٧ - Nelson Textbook of Pediatrics [Book] / auth.Nelson Waldo E. - Philadelphia: W.B.Saunders، ١٩٩٦. - ١٥.\n١٨ - Pediatric and Adolescent Gynecology [Book] / auth.Emans S.Jean، Laufer Marc R and Goldstein Donald P .. - Philadelphia: Lippincott Williams &amp; Wilkins، ٢٠٠٥. - Fifth.\n١٩ - Perinatal Care at the Threshold of Viability [Journal] / auth.Hugh MacDonald MD، and the Committee on Fetus and Newborn// PEDIATRICS. - USA: AMERICAN ACADEMY OF PEDIATRICS، Nov. ٢٠٠٢. - ٥: Vol. ١١٠.\n٢٠ - Pharmacologic pre-conditioning and controlled reperfusion prevent ischemia-reperfusion injury after ٣٠ minutes of hypoxia/ischemia in porcine hearts [Journal] / auth.Fedalen P.A.Piacentino V.، III، Jeevanandam V.، et al// Journal of Heart Lung Transplant. - Amsterdam: Elsevier، ٢٠٠٣. - Vol. ٢٢. - p. ١٢٣.\n٢١ - Potential suitability for transplantation of hearts from human non-heart-beating donors [Journal] / auth.Singhal A.K.Abrams J.D.، Mohara J.، et al. // Journal of Heart Lung Transplantation. - Amsterdam: Elsevier، ٢٠٠٥. - Vol. ٢٤. - pp. ١٦٥٧ - ١٦٦٤.","vol":"1","page":848},{"text":"٢٢ - Prenatal Consultation at the Limits of Viability [Journal] / auth.Halamek Louis// NeoReviews. - USA: American Academy of Pediatrics، ٢٠٠٣. - ٦: Vol. ٤.\n٢٣ - Superfecundation in etiology of twin pregnancy [Journal] / auth.W Malinowski// Ginekologia polska. -١١٠، ٢٠٠٦. - ١٠: Vol. ٧٧. - ١٧٢١٩٨١٤ (PubMed ID).\n٢٤ - Tiniest Babies [Online] / auth.Iowa University of and Department Pediatric// University of Iowa Carver College of Medicine. -١٨٢، ٢٠٠٨. - http://www.medicine.uiowa.edu/tiniestbabies/.\n٢٥ - Tobacco Free Initiative [Online] / auth.disease World Health Organization/ Noncommunicable// World Health Organization. -٢٨١، ٢٠٠٨.\n٢٦ - Toward evidence-based medical statistics. ١: The P value fallacy [Journal] / auth.S Goodman// Ann Intern Med. - ١٩٩٩. - ١٢: Vol. ١٣٠. - ٩٩٥ - ١٠٠٤.\n٢٧ - Trends in neonatal morbidity and mortality for very low birthweight infants [Journal] / auth.Fanaroff AA Stoll BJ، Wright LL، Carlo WA، Ehrenkranz RA، Stark AR، Bauer CR، Donovan EF، Korones SB، Laptook AR، Lemons JA، Oh W، Papile LA، Shankaran S، Stevenson DK، Tyson JE، Poole WK// American Journal of Obstetrics and Gynecology. - USA: Mosby، ٢٠٠٧. - ٢: Vol. ١٩٦. - PMID: ١٧٣٠٦٦٥٩.\n٢٨ - Turning Science into Junk: the Tobacco Industry and Passive Smoking [Journal] / auth.Samet Jonathan M.and Burke Thomas A. // American journal of public health. -٢٠٠١١١ . - ١١: Vol. ٩١. - pp. ١٧٤٢ - ١٧٤٤. - PMID: ١١٦٨٤٥٩١.\n٢٩ - Why Most Published Research Findings Are False [Journal] / auth.Ioannidis John P.A. // PLoS Medicine. - ٢٠٠٥. - ٢: Vol. ٨. - pmed. ٠٠٢٠١٢٤.","vol":"1","page":849}]}