{"ً":{"ٌ":690,"ٍ":"منحة العلام في شرح بلوغ المرام","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/FP75644/","files":["00_75644.pdf","01_75644.pdf","02_75645.pdf","03_75646.pdf","04_75647.pdf","05_75648.pdf","06_75649.pdf","07_103168.pdf","08_106496.pdf","09_113808.pdf","10_118260.pdf","11_145758.pdf"]},"ّ":"الكتاب: منحة العلام في شرح بلوغ المرام\nالمؤلف: عبد الله بن صالح الفوزان\nالناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٧ - ١٤٣٥ هـ\nعدد الأجزاء: ١١ (١٠ والفهارس)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":913,"ٕ":7,"ٖ":1780758708,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الشارح","level":1,"page":2},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":7},{"title":"الأئمة الذين استفاد منهم الحافظ","level":2,"page":15},{"title":"كتاب الطهارة","level":1,"page":21},{"title":"باب المياه","level":2,"page":21},{"title":"طهورية ماء البحر","level":3,"page":22},{"title":"الأصل في الماء الطهارة","level":3,"page":25},{"title":"حكم الماء إذا لاقته نجاسة","level":3,"page":28},{"title":"بيان قدر الماء الذي ينجس والذي لا ينجس","level":3,"page":31},{"title":"حكم البول في الماء الراكد والاغتسال فيه من الجنابة","level":3,"page":37},{"title":"نهي الرجل والمرأة أن يغتسل أحدهما بفضل الآخر","level":3,"page":42},{"title":"جواز اغتسال الرجل بفضل المرأة","level":3,"page":44},{"title":"كيفية تطهير ما ولغ فيه الكلب","level":3,"page":48},{"title":"طهارة سؤر الهرة","level":3,"page":55},{"title":"كيفية تطهير الأرض من البول","level":3,"page":60},{"title":"السمك والجراد إذا ماتا في ماء فإنه لا ينجس","level":3,"page":64},{"title":"الذباب لا ينجس ما وقع فيه من ماء أو غيره","level":3,"page":67},{"title":"ما قطع من الحي فهو ميت","level":3,"page":71},{"title":"باب الآنية","level":2,"page":74},{"title":"تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة","level":3,"page":75},{"title":"تحريم الشرب في آنية الفضة","level":3,"page":81},{"title":"طهارة جلد الميتة إذا دبغ","level":3,"page":84},{"title":"حكم آنية أهل الكتاب","level":3,"page":91},{"title":"جواز استعمال آنية المشركين","level":3,"page":94},{"title":"جواز إصلاح الإناء بسلسلة من الفضة","level":3,"page":98},{"title":"باب إزالة النجاسة وبيانها","level":3,"page":100},{"title":"نجاسة الخمر","level":3,"page":101},{"title":"نجاسة الحمر الأهلية","level":3,"page":105},{"title":"طهارة لعاب الإبل","level":3,"page":109},{"title":"كيفية إزالة المني من الثوب","level":3,"page":112},{"title":"كيفية تطهير الثوب من بول الغلام والجارية","level":3,"page":118},{"title":"كيفية تطهير الثوب من دم الحيض","level":3,"page":122},{"title":"العفو عن أثر لون دم الحيض","level":3,"page":129},{"title":"باب الوضوء","level":2,"page":132},{"title":"حكم السواك عند الوضوء","level":3,"page":134},{"title":"كيفية وضوء النبي - ﷺ -","level":3,"page":140},{"title":"مسح الرأس مرة واحدة","level":3,"page":148},{"title":"كيفية مسح الرأس","level":3,"page":152},{"title":"صفة مسح الأذنين","level":3,"page":158},{"title":"مشروعية الاستنثار عند القيام من النوم","level":3,"page":162},{"title":"وجوب غسل كفي القائم من النوم قبل إدخالهما في الإناء","level":3,"page":165},{"title":"بيان شيء من صفات الوضوء","level":3,"page":170},{"title":"حكم تخليل اللحية في الوضوء","level":3,"page":178},{"title":"مشروعية دلك أعضاء الوضوء","level":3,"page":181},{"title":"مشروعية أخذ ماء جديد للرأس","level":3,"page":184},{"title":"فضيلة الوضوء وثوابه","level":3,"page":188},{"title":"حكم التيمن في الأمور ومنها الوضوء","level":3,"page":196},{"title":"الأمر بالبدء بالميامن في الوضوء","level":3,"page":200},{"title":"الاكتفاء بمسح الناصية مع العمامة","level":3,"page":203},{"title":"وجوب الترتيب في الوضوء","level":3,"page":205},{"title":"إدخال المرفقين في الوضوء","level":3,"page":211},{"title":"حكم التسمية في الوضوء","level":3,"page":213},{"title":"كيفية المضمضة والاستنشاق","level":3,"page":221},{"title":"حكم الموالاة في الوضوء","level":3,"page":227},{"title":"قدر الماء الذي يكفي في الوضوء والغسل","level":3,"page":233},{"title":"ما يقول بعد الوضوء","level":3,"page":234},{"title":"باب المسح على الخفين","level":3,"page":241},{"title":"بيان حكم المسح على الخفين","level":3,"page":244},{"title":"محل المسح على الخفين","level":3,"page":249},{"title":"توقيت المسح وأنه مختص بالحدث الأصغر","level":3,"page":253},{"title":"جواز المسح على العمامة","level":3,"page":258},{"title":"ما جاء غير صريح في مسح الخفين من غير توقيت","level":3,"page":264},{"title":"اشتراط لبس الخف على طهارة","level":3,"page":270},{"title":"ما جاء صريحا في مسح الخفين بلا توقيت","level":3,"page":273},{"title":"باب نواقض الوضوء","level":2,"page":275},{"title":"ما جاء في أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء","level":3,"page":276},{"title":"ما جاء في أن دم الاستحاضة ناقض للوضوء","level":3,"page":280},{"title":"حكم المذي","level":3,"page":285},{"title":"تقبيل المرأة ولمسها لا ينقض الوضوء","level":3,"page":293},{"title":"حكم الشك في الحدث مع تيقن الطهارة","level":3,"page":301},{"title":"ما جاء في أن مس الذكر لا ينقض الوضوء","level":3,"page":304},{"title":"ما جاء في أن مس الذكر ينقض الوضوء","level":3,"page":307},{"title":"بيان شيء من نواقض الوضوء","level":3,"page":312},{"title":"حكم لحم الإبل والغنم من حيث النقض وعدمه","level":3,"page":317},{"title":"حكم الغسل من غسل الميت والوضوء من حمله","level":3,"page":322},{"title":"اشتراط الطهارة لمس القرآن","level":3,"page":327},{"title":"الذكر لا يشترط له الوضوء","level":3,"page":336},{"title":"خروج الدم من غير السبيلين لا ينقض الوضوء","level":3,"page":340},{"title":"ما جاء في أن النوم مظنة نقض الوضوء","level":3,"page":342},{"title":"ما جاء في أن نوم المضطجع ينقض الوضوء","level":3,"page":346},{"title":"ما جاء في تشكيك الشيطان ابن آدم في طهارته","level":3,"page":348},{"title":"باب قضاء الحاجة","level":2,"page":352},{"title":"كراهة دخول الخلاء بما فيه ذكر الله تعالى","level":3,"page":354},{"title":"ما يقال عند دخول الخلاء","level":3,"page":358},{"title":"حكم الاستنجاء بالماء من البول أو الغائط","level":3,"page":361},{"title":"استحباب البعد والاستتار عند قضاء الحاجة","level":3,"page":364},{"title":"النهي عن التكشف والتحدث حال قضاء الحاجة","level":3,"page":370},{"title":"بعض الآداب في قضاء الحاجة","level":3,"page":374},{"title":"بعض الآداب المتعلقة بقضاء الحاجة ومنها النهي عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار","level":3,"page":378},{"title":"حكم استقبال القبلة حال قضاء الحاجة","level":3,"page":384},{"title":"وجوب الاستتار عند قضاء الحاجة","level":3,"page":390},{"title":"ما يقال عند الخروج من الخلاء","level":3,"page":393},{"title":"وجوب الاستنجاء بثلاثة أحجار","level":3,"page":396},{"title":"ما لا يستنجي به","level":3,"page":401},{"title":"وجوب التنزه من البول وأنه من أسباب عذاب القبر","level":3,"page":404},{"title":"الاعتماد على الرجل اليسرى عند قضاء الحاجة","level":3,"page":408},{"title":"استحباب نتر الذكر بعد البول","level":3,"page":410},{"title":"حكم الجمع بين الحجارة والماء في الاستنجاء","level":3,"page":413},{"title":"باب الغسل وحكم الجنب","level":2,"page":417},{"title":"ما جاء في أنه لا اغتسال إلا من إنزال","level":3,"page":418},{"title":"وجوب الغسل من الجماع","level":3,"page":421},{"title":"وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها","level":3,"page":425},{"title":"حكم الغسل من تغسيل الميت","level":3,"page":431},{"title":"حكم الغسل بعد الإسلام","level":3,"page":435},{"title":"حكم الغسل لصلاة الجمعة","level":3,"page":439},{"title":"حكم قراءة القرآن للجنب","level":3,"page":448},{"title":"مشروعية الوضوء لمن عاود الجماع","level":3,"page":453},{"title":"حكم نوم الجنب قبل أن يتوضأ","level":3,"page":456},{"title":"صفة الغسل من الجنابة","level":3,"page":459},{"title":"حكم نقض المرأة شعرها في الغسل","level":3,"page":466},{"title":"تحريم المسجد على الحائض والجنب","level":3,"page":470},{"title":"حكم غسل الرجل مع امرأته من إناء واحد","level":3,"page":476},{"title":"وجوب العناية بغسل الجنابة","level":3,"page":479},{"title":"باب التيمم","level":2,"page":482},{"title":"بعض خصائص النبي ﷺ وأمته ومنها التيمم","level":3,"page":484},{"title":"اشتراط التراب في التيمم","level":3,"page":489},{"title":"بيان كيفية التيمم وأنه لا فرق بين الحدث الأكبر والأصغر","level":3,"page":493},{"title":"بيان صفة أخرى للتيمم","level":3,"page":497},{"title":"التيمم رافع للحدث بمنزلة الوضوء","level":3,"page":500},{"title":"حكم من تيمم وصلى ثم وجد الماء في الوقت","level":3,"page":505},{"title":"حكم المريض إذا كان يضره الماء","level":3,"page":511},{"title":"حكم المسح على الجبيرة","level":3,"page":513},{"title":"ما جاء في أن التيمم لا يصلي به إلا صلاة واحدة","level":3,"page":520},{"title":"كتاب الحيض","level":1,"page":522},{"title":"حكم المستحاضة التي لا عادة لها","level":2,"page":524},{"title":"ما جاء في اغتسال المستحاضة ووقته","level":2,"page":530},{"title":"المستحاضة تجمع بين الصلاتين","level":2,"page":534},{"title":"حكم اغتسال المستحاضة ووضوئها لكل صلاة","level":2,"page":540},{"title":"حكم الصفرة والكدرة","level":2,"page":547},{"title":"ما يحل فعله مع الحائض وما يحرم","level":2,"page":551},{"title":"كفارة وطء الحائض","level":2,"page":555},{"title":"الحائض تترك الصوم والصلاة","level":2,"page":560},{"title":"نهي الحائض عن الطواف بالبيت","level":2,"page":563},{"title":"موضع مباشرة الحائض","level":2,"page":566},{"title":"مقدار ما تمكثه النفساء من غير صلاة ولا صوم","level":2,"page":568},{"title":"كتاب الصلاة","level":1,"page":575},{"title":"باب المواقيت","level":2,"page":577},{"title":"بيان أول الوقت وآخره","level":3,"page":578},{"title":"بيان متى كان النبي ﷺ يصلي المفروضة","level":3,"page":586},{"title":"حكم تعجيل المغرب في أول وقتها","level":3,"page":592},{"title":"حكم تأخير صلاة العشاء عن أول وقتها","level":3,"page":594},{"title":"حكم الإبراد بصلاة الظهر","level":3,"page":596},{"title":"استحباب الإصباح والإسفار بصلاة الفجر","level":3,"page":601},{"title":"بم تدرك الصلاة في الوقت؟","level":3,"page":605},{"title":"بيان شيء من أوقات النهي عن الصلاة","level":3,"page":608},{"title":"أوقات النهي عن الصلاة ودفن الميت","level":3,"page":612},{"title":"جواز سنة الطواف في جميع الأوقات","level":3,"page":620},{"title":"تفسير الشفق الذي ينتهي به وقت المغرب","level":3,"page":623},{"title":"بيان أن الفجر فجران، والفرق بينهما صفة وحكما","level":3,"page":626},{"title":"فضل الصلاة في أول وقتها","level":3,"page":630},{"title":"مراتب الوقت في الفضل","level":3,"page":633},{"title":"النهي عن الصلاة بعد طلوع الفجر سوى الراتبة","level":3,"page":636},{"title":"حكم قضاء راتبة الظهر بعد العصر","level":3,"page":641},{"title":"باب الأذان","level":2,"page":646},{"title":"صفة الأذان","level":3,"page":649},{"title":"صفة أذان أبي محذورة","level":3,"page":656},{"title":"تثنية الأذان وإفراد الإقامة","level":3,"page":659},{"title":"بيان شيء من صفات المؤذن حال الأذان","level":3,"page":663},{"title":"استحباب كون المؤذن صيتا","level":3,"page":669},{"title":"صلاة العيد ليس لها أذان ولا إقامة","level":3,"page":671},{"title":"مشروعية الأذان والإقامة للصلاة الفائتة","level":3,"page":674},{"title":"الاكتفاء في المجموعتين بأذان واحد","level":3,"page":676},{"title":"حكم الأذان قبل الفجر","level":3,"page":680},{"title":"حكم الأذان قبل تحقق دخول الوقت","level":3,"page":684},{"title":"حكم متابعة المؤذن","level":3,"page":686},{"title":"كراهة أخذ الأجرة على الأذان","level":3,"page":696},{"title":"مشروعية الأذان في السفر","level":3,"page":703},{"title":"مشروعية الانتظار بين الأذان والإقامة","level":3,"page":706},{"title":"مشروعية الوضوء للأذان","level":3,"page":710},{"title":"الحكم إذا أذن رجل وأقام آخر","level":3,"page":713},{"title":"الأذان موكول إلى المؤذن والإقامة إلى الإمام","level":3,"page":716},{"title":"استحباب الدعاء بين الأذان والإقامة","level":3,"page":719},{"title":"استحباب الدعاء بطلب الوسيلة للنبي - ﷺ - بعد الأذان","level":3,"page":722},{"title":"باب شروط الصلاة","level":2,"page":727},{"title":"اشتراط الطهارة لصحة الصلاة","level":3,"page":729},{"title":"المرأة البالغة لا تصلي إلا بخمار","level":3,"page":734},{"title":"جواز الصلاة في ثوب واحد وكيفية لبسه","level":3,"page":739},{"title":"لباس المرأة في الصلاة","level":3,"page":745},{"title":"حكم من صلى في الغيم لغير القبلة","level":3,"page":749},{"title":"حكم الانحراف اليسير عن القبلة","level":3,"page":754},{"title":"بيان ما يستقبله المتنفل بالصلاة حال السفر","level":3,"page":757},{"title":"المواضع التي نهي عن الصلاة فيها","level":3,"page":761},{"title":"النهي عن استقبال القبر في الصلاة","level":3,"page":768},{"title":"جواز الصلاة في النعلين إذا كانتا طاهرتين","level":3,"page":770},{"title":"كيفية تطهير الخف من النجاسة","level":3,"page":773},{"title":"النهي عن الكلام في الصلاة، وحكمه من الجاهل","level":3,"page":776},{"title":"بيان حكم الكلام في الصلاة","level":3,"page":779},{"title":"ما يفعله من نابه شيء في صلاته","level":3,"page":783},{"title":"البكاء في الصلاة لا يبطلها","level":3,"page":786},{"title":"التنحنح في الصلاة لا يبطلها","level":3,"page":789},{"title":"المصلي يرد السلام بالإشارة","level":3,"page":792},{"title":"حكم حمل الصبي ووضعه في الصلاة","level":3,"page":796},{"title":"حكم قتل الحية والعقرب في الصلاة","level":3,"page":803},{"title":"باب سترة المصلي","level":3,"page":805},{"title":"حكم المرور بين يدي المصلي","level":3,"page":807},{"title":"مقدار ارتفاع السترة","level":3,"page":814},{"title":"الأمر باتخاذ السترة وأنه لا تحديد لعرضها","level":3,"page":815},{"title":"بيان ما يقطع الصلاة","level":3,"page":820},{"title":"ما يصنع بمن أراد المرور بين يدي المصلي","level":3,"page":826},{"title":"جواز كون السترة خطا إذا لم يكن غيره","level":3,"page":831},{"title":"الصلاة لا يقطعها شيء","level":3,"page":836},{"title":"باب الحث على الخشوع في الصلاة","level":2,"page":839},{"title":"النهي عن التخصر في الصلاة","level":3,"page":842},{"title":"حكم تأخير الصلاة إذا حضر العشاء","level":3,"page":844},{"title":"حكم تسوية الحصى في الصلاة","level":3,"page":847},{"title":"النهي عن الالتفات في الصلاة","level":3,"page":851},{"title":"نهي المصلي عن البصاق وبيان صفته عند الحاجة","level":3,"page":855},{"title":"اجتناب المصلي ما يلهيه في صلاته","level":3,"page":859},{"title":"النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة","level":3,"page":863},{"title":"حكم الصلاة عند حضور الطعام أو مدافعة الأخبثين","level":3,"page":867},{"title":"كراهة التثاؤب في الصلاة","level":3,"page":871},{"title":"باب المساجد","level":2,"page":874},{"title":"الأمر ببناء المساجد وتنظيفها","level":3,"page":876},{"title":"حكم بناء المساجد على القبور","level":3,"page":879},{"title":"حكم دخول الكافر المسجد","level":3,"page":883},{"title":"حكم إنشاد الشعر في المسجد","level":3,"page":886},{"title":"حكم إنشاد الضالة في المسجد","level":3,"page":889},{"title":"حكم البيع والشراء في المسجد","level":3,"page":891},{"title":"النهي عن إقامة الحد في المسجد","level":3,"page":893},{"title":"جواز نصب الخيمة في المسجد لحاجة","level":3,"page":896},{"title":"جواز اللعب بالحراب في المسجد","level":3,"page":898},{"title":"جواز إقامة المرأة في المسجد ونومها فيه","level":3,"page":900},{"title":"حكم البزاق في المسجد","level":3,"page":902},{"title":"ذم التباهي بالمساجد وأنه من أشراط الساعة","level":3,"page":904},{"title":"تشييد المساجد ليس من الأمور المشروعة","level":3,"page":906},{"title":"فضل إخراج القذر من المسجد","level":3,"page":910},{"title":"حكم تحية المسجد","level":3,"page":912},{"title":"باب صفة الصلاة","level":2,"page":916},{"title":"صفة الصلاة بالقول","level":3,"page":917},{"title":"من صفة صلاة النبي ﷺ","level":3,"page":925},{"title":"أدعية الاستفتاح في الصلاة","level":3,"page":931},{"title":"مشروعية الاستعاذة في الصلاة","level":3,"page":937},{"title":"شيء من صفة صلاة النبي","level":3,"page":943},{"title":"حكم رفع اليدين ومواضعه في الصلاة","level":3,"page":948},{"title":"موضع اليدين حال القيام في الصلاة","level":3,"page":953},{"title":"حكم قراءة الفاتحة في الصلاة","level":3,"page":960},{"title":"حكم الجهر بالبسملة في الصلاة","level":3,"page":969},{"title":"ما جاء في أن البسملة آية من سورة الفاتحة","level":3,"page":976},{"title":"مشروعية رفع الإمام صوته بالتأمين","level":3,"page":980},{"title":"حكم المصلي الذي لا يحسن شيئا من القرآن","level":3,"page":983},{"title":"كيفية القراءة في الصلاة","level":3,"page":986},{"title":"مقدار القراءة في الصلاة","level":3,"page":990},{"title":"القراءة في صلاة المغرب","level":3,"page":996},{"title":"ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة","level":3,"page":998},{"title":"مشروعية السؤال عند آية الرحمة في صلاة النفل","level":3,"page":1001},{"title":"النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود","level":3,"page":1004},{"title":"من أدعية الركوع والسجود","level":3,"page":1007},{"title":"حكم التكبير ومواضعه من الصلاة","level":3,"page":1008},{"title":"ما يقوله بعد الرفع من الركوع","level":3,"page":1011},{"title":"الأعضاء التي يسجد عليها","level":3,"page":1014},{"title":"بيان ما يفعل باليدين عند السجود","level":3,"page":1019},{"title":"هيئة أصابع اليدين في الركوع والسجود","level":3,"page":1023},{"title":"صفة قعود من صلى جالسا","level":3,"page":1025},{"title":"ما يقول المصلي بين السجدتين","level":3,"page":1028},{"title":"حكم الجلوس بعد السجود قبل النهوض للثانية أو الرابعة","level":3,"page":1031},{"title":"مشروعية القنوت في النوازل","level":3,"page":1035},{"title":"ما يقال في قنوت الوتر","level":3,"page":1042},{"title":"كيفية الهوي إلى السجود","level":3,"page":1051},{"title":"صفة اليدين حال جلوس التشهد","level":3,"page":1058},{"title":"كيفية التشهد","level":3,"page":1065},{"title":"من آداب الدعاء في التشهد","level":3,"page":1070},{"title":"كيفية الصلاة على النبي","level":3,"page":1073},{"title":"ما يستعاذ منه في الصلاة","level":3,"page":1080},{"title":"بيان شيء من أدعية الصلاة","level":3,"page":1084},{"title":"كيفية السلام من الصلاة","level":3,"page":1087},{"title":"الذكر بعد الصلاة","level":3,"page":1092},{"title":"بيان نوع من الأدعية في أدبار الفريضة","level":3,"page":1096},{"title":"ما يقوله المصلي بعد انصرافه من الصلاة","level":3,"page":1100},{"title":"يان نوع من الأذكار بعد الفريضة","level":3,"page":1102},{"title":"بيان نوع من الأدعية في أدبار الصلاة","level":3,"page":1105},{"title":"فضل آية الكرسي بعد المكتوبة","level":3,"page":1108},{"title":"وجوب الاقتداء به - ﷺ - في صلاته","level":3,"page":1111},{"title":"صفة صلاة المريض","level":3,"page":1113},{"title":"حكم المريض العاجز عن السجود","level":3,"page":1117},{"title":"باب سجود السهو وغيره","level":2,"page":1120},{"title":"حكم من نسي التشهد الأول في الصلاة","level":3,"page":1122},{"title":"حكم من سلم ناسيا قبل تمام صلاته","level":3,"page":1125},{"title":"حكم التشهد بعد سجدتي السهو","level":3,"page":1131},{"title":"حكم من شك ولم يترجح عنده شيء","level":3,"page":1133},{"title":"حكم من زاد أو شك وترجح عنده أحد الأمرين","level":3,"page":1135},{"title":"ما جاء في السجود للشك بعد السلام","level":3,"page":1138},{"title":"حكم رجوع من قام عن التشهد الأول","level":3,"page":1141},{"title":"سهو المأموم يتحمله الإمام","level":3,"page":1144},{"title":"السجود يتكرر بتكرر السهو","level":3,"page":1147},{"title":"ما جاء في سجود التلاوة في المفصل","level":3,"page":1150},{"title":"حكم سجدة سورة (ص)","level":3,"page":1153},{"title":"حكم السجود في سورة النجم","level":3,"page":1155},{"title":"حكم سجدتي سورة الحج","level":3,"page":1157},{"title":"حكم سجود التلاوة","level":3,"page":1162},{"title":"حكم التكبير لسجود التلاوة","level":3,"page":1165},{"title":"مشروعية سجود الشكر عند وجود سببه","level":3,"page":1170},{"title":"باب صلاة التطوع","level":2,"page":1174},{"title":"فضل صلاة التطوع","level":3,"page":1176},{"title":"بيان السنن الراتبة التابعة للفرائض","level":3,"page":1179},{"title":"بيان ما تختص به راتبة الفجر","level":3,"page":1183},{"title":"ثواب من صلى في اليوم والليلة من النوافل اثنتي عشرة ركعة","level":3,"page":1185},{"title":"فضل الأربع قبل الظهر وبعدها","level":3,"page":1188},{"title":"حكم الأربع قبل صلاة العصر","level":3,"page":1189},{"title":"حكم الركعتين قبل صلاة المغرب","level":3,"page":1193},{"title":"تخفيف راتبة الفجر وما يقرأ فيها","level":3,"page":1195},{"title":"حكم الاضطجاع بعد ركعتي الفجر","level":3,"page":1198},{"title":"بيان كيفية صلاة الليل","level":3,"page":1204},{"title":"فضل صلاة الليل","level":3,"page":1209},{"title":"حكم الوتر","level":3,"page":1211},{"title":"وقت الوتر","level":3,"page":1217},{"title":"حكم من لم يوتر","level":3,"page":1222},{"title":"كيفية صلاة النبي - ﷺ - في الليل","level":3,"page":1225},{"title":"كراهة ترك قيام الليل لمن كان يقوم","level":3,"page":1231},{"title":"استحباب الوتر","level":3,"page":1233},{"title":"استحباب ختم صلاة الليل بالوتر","level":3,"page":1235},{"title":"الوتر لا يتكرر في ليلة","level":3,"page":1236},{"title":"ما يقرأ في الوتر","level":3,"page":1239},{"title":"لا يشرع الوتر بعد الصبح","level":3,"page":1243},{"title":"حكم قضاء الوتر","level":3,"page":1245},{"title":"فضل تأخير الوتر لمن يقوم آخر الليل","level":3,"page":1247},{"title":"آخر وقت الوتر","level":3,"page":1250},{"title":"استحباب صلاة الضحى","level":3,"page":1252},{"title":"أفضل الأوقات لصلاة الضحى","level":3,"page":1257},{"title":"عدد ركعات صلاة الضحى","level":3,"page":1259},{"title":"باب صلاة الجماعة والإمامة","level":2,"page":1262},{"title":"فضل صلاة الجماعة","level":3,"page":1264},{"title":"حكم صلاة الجماعة","level":3,"page":1268},{"title":"التحذير من التخلف عن العشاء والفجر","level":3,"page":1274},{"title":"وجوب الجماعة على من سمع النداء","level":3,"page":1277},{"title":"حكم من سمع النداء فلم يجب","level":3,"page":1279},{"title":"حكم من صلى ثم دخل مسجدا","level":3,"page":1281},{"title":"الحكمة من الإمام وكيفية الائتمام به","level":3,"page":1285},{"title":"استحباب الدنو من الإمام","level":3,"page":1290},{"title":"جواز الجماعة في صلاة النافلة","level":3,"page":1293},{"title":"مشروعية قراءة هذه السور ونحوها في صلاة العشاء","level":3,"page":1297},{"title":"حكم الصلاة وراء العاجز عن القيام وكيفيتها","level":3,"page":1301},{"title":"أمر الأئمة بالتخفيف","level":3,"page":1304},{"title":"حكم ائتمام البالغ بالصبي","level":3,"page":1308},{"title":"الأحق بالإمامة","level":3,"page":1312},{"title":"من لا تصح إمامته","level":3,"page":1316},{"title":"الأمر بتسوية الصفوف وكيفيتها","level":3,"page":1319},{"title":"بيان الأفضل من صفوف الرجال والنساء","level":3,"page":1323},{"title":"موقف المأموم الواحد","level":3,"page":1326},{"title":"موقف المأموم إذا كان أكثر من واحد","level":3,"page":1330},{"title":"حكم صلاة المنفرد خلف الصف","level":3,"page":1333},{"title":"آداب المشي إلى الصلاة","level":3,"page":1340},{"title":"فضل كثرة الجماعة","level":3,"page":1346},{"title":"حكم إمامة المرأة للنساء","level":3,"page":1349},{"title":"حكم إمامة الأعمى","level":3,"page":1354},{"title":"صحة إمامة الفاسق","level":3,"page":1356},{"title":"مشروعية الدخول مع الإمام على أي حال","level":3,"page":1358},{"title":"باب صلاة المسافر والمريض","level":2,"page":1361},{"title":"حكم القصر في السفر","level":3,"page":1363},{"title":"جواز القصر والإتمام في السفر لأفراد الأمة","level":3,"page":1369},{"title":"استحباب إتيان الرخص ومنها القصر","level":3,"page":1371},{"title":"المسافة التي تقصر فيها الصلاة","level":3,"page":1374},{"title":"ما جاء في أن المسافر يقصر حتى يرجع ما لم يعزم على الإقامة","level":3,"page":1379},{"title":"حكم من أقام لحاجته ولم يجمع إقامة معينة","level":3,"page":1385},{"title":"حكم الجمع بين الظهر والعصر في السفر","level":3,"page":1389},{"title":"حكم جمع المسافر سائرا أو نازلا","level":3,"page":1394},{"title":"تحديد مسافة القصر","level":3,"page":1397},{"title":"القصر في السفر أفضل من الإتمام","level":3,"page":1399},{"title":"باب صلاة الجمعة","level":2,"page":1402},{"title":"الترهيب من ترك الجمعة","level":3,"page":1404},{"title":"وقت الجمعة زمن النبي ﷺ","level":3,"page":1407},{"title":"صحة الجمعة باثني عشر رجلا","level":3,"page":1414},{"title":"حكم من أدرك ركعة من صلاة الجمعة","level":3,"page":1417},{"title":"مشروعية قيام الخطيب وجلوسه بين الخطبتين","level":3,"page":1421},{"title":"بعض صفات الخطبة والخطيب","level":3,"page":1424},{"title":"استحباب تقصير الخطبة وإطالة الصلاة","level":3,"page":1430},{"title":"استحباب قراءة سورة ﴿ق﴾ في خطبة الجمعة","level":3,"page":1432},{"title":"وجود الإنصات لخطبتي الجمعة","level":3,"page":1435},{"title":"حكم تحية المسجد وقت الخطبة","level":3,"page":1440},{"title":"ما يقرأ في صلاة الجمعة","level":3,"page":1443},{"title":"سقوط الجمعة عمن صلى العيد إذا اجتمعا","level":3,"page":1445},{"title":"الصلاة بعد الجمعة","level":3,"page":1449},{"title":"مشروعية الفصل بين الفريضة والنافلة","level":3,"page":1451},{"title":"فضل يوم الجمعة","level":3,"page":1455},{"title":"ساعة الإجابة التي في يوم الجمعة","level":3,"page":1458},{"title":"اشتراط العدد في الجمعة","level":3,"page":1467},{"title":"مشروعية الدعاء في خطبة الجمعة","level":3,"page":1470},{"title":"مشروعية القراءة والوعظ في الخطبة","level":3,"page":1473},{"title":"بيان من لا تلزمهم الجمعة","level":3,"page":1475},{"title":"استحباب استقبال الإمام حال الخطبة","level":3,"page":1481},{"title":"حكم اعتماد الخطيب على عصا أو قوس","level":3,"page":1484},{"title":"باب صلاة الخوف","level":2,"page":1486},{"title":"كيفية صلاة الخوف إذا كان العدو في غير جهة القبلة","level":3,"page":1488},{"title":"كيفية صلاة الخوف إذا كان العدو في جهة القبلة","level":3,"page":1493},{"title":"صلاة الإمام بكل طائفة ركعتين صلاة منفردة","level":3,"page":1497},{"title":"جواز الاقتصار في صلاة الخوف على ركعة واحدة لكل طائفة","level":3,"page":1500},{"title":"سقوط سجود السهو في صلاة الخوف","level":3,"page":1504},{"title":"باب صلاة العيدين","level":2,"page":1506},{"title":"ما جاء من أن الفطر والصوم مع جماعة الناس","level":3,"page":1507},{"title":"حكم الصلاة إذا لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال","level":3,"page":1509},{"title":"الأكل يوم الفطر قبل الخروج","level":3,"page":1511},{"title":"حكم الأكل يوم الأضحى قبل الخروج","level":3,"page":1513},{"title":"حكم خروج النساء لصلاة العيد","level":3,"page":1515},{"title":"تقديم الصلاة على الخطبة يوم العيد","level":3,"page":1519},{"title":"حكم النافلة قبل صلاة العيد وبعدها","level":3,"page":1521},{"title":"ترك الأذان والإقامة لصلاة العيد","level":3,"page":1523},{"title":"جواز التطوع بركعتين بعد الرجوع من المصلى","level":3,"page":1525},{"title":"مشروعية صلاة العيد في المصلي وخطبة الناس","level":3,"page":1527},{"title":"التكبير في صلاة العيد وعدده","level":3,"page":1531},{"title":"ما يقرأ به في صلاة العيد","level":3,"page":1534},{"title":"مشروعية مخالفة الطريق إذا خرج للعيد","level":3,"page":1536},{"title":"استحباب إظهار السرور في العيدين","level":3,"page":1539},{"title":"مشروعية الخروج إلى العيد ماشيا","level":3,"page":1541},{"title":"جواز صلاة العيد في المسجد لعذر","level":3,"page":1543},{"title":"باب صلاة الكسوف","level":2,"page":1545},{"title":"الحكمة من الكسوف، وماذا يصنع إذا وقع","level":3,"page":1548},{"title":"مشروعية النداء لصلاة الكسوف والجهر فيها بالقراءة","level":3,"page":1553},{"title":"كيفية صلاة الكسوف","level":3,"page":1556},{"title":"ما يقال عند هبوب الريح","level":3,"page":1561},{"title":"حكم الصلاة عند الزلزلة وصفتها","level":3,"page":1563},{"title":"باب صلاة الاستسقاء","level":2,"page":1566},{"title":"مشروعية صلاة الاستسقاء وكيفية الخروج لها","level":3,"page":1567},{"title":"كيفية صلاة الاستسقاء وخطبته","level":3,"page":1570},{"title":"حكم الاستسقاء في خطبة الجمعة","level":3,"page":1579},{"title":"حكم الاستسقاء بدعاء الصالحين","level":3,"page":1582},{"title":"استحباب التعرض للمطر","level":3,"page":1587},{"title":"استحباب الدعاء عند نزول المطر","level":3,"page":1588},{"title":"حكم الاستسقاء بدون صلاة","level":3,"page":1589},{"title":"وجود الاستسقاء في الأمم السابقة","level":3,"page":1592},{"title":"مشروعية رفع اليدين في دعاء الاستسقاء","level":3,"page":1596},{"title":"باب اللباس","level":2,"page":1598},{"title":"تحريم الحرير والديباج على الرجال","level":3,"page":1600},{"title":"مقدار ما يباح من الحرير","level":3,"page":1606},{"title":"جواز لبس الحرير للتداوي به","level":3,"page":1607},{"title":"إباحة الحرير للنساء","level":3,"page":1610},{"title":"إباحة الحرير والذهب للنساء وتحريمهما على الذكور","level":3,"page":1613},{"title":"استحباب إظهار نعمة الله تعالى من اللباس وغيره","level":3,"page":1616},{"title":"النهي عن لبس القسي والمعصفر","level":3,"page":1619},{"title":"جواز لبس الثوب الذي فيه يسير الحرير","level":3,"page":1622},{"title":"كتاب الجنائز","level":1,"page":1625},{"title":"الأمر بإكثار ذكر الموت","level":2,"page":1626},{"title":"حكم تمني الموت","level":2,"page":1629},{"title":"موت المؤمن بعرق الجبين","level":2,"page":1633},{"title":"مشروعية تلقين المحتضر «لا إله إلا الله»","level":2,"page":1635},{"title":"حكم قراءة ﴿يس﴾ على المحتضر","level":2,"page":1637},{"title":"ما ينبغي فعله لحاضر الميت","level":2,"page":1640},{"title":"استحباب تغطية الميت قبل تجهيزه","level":2,"page":1644},{"title":"جواز تقبيل الميت","level":2,"page":1645},{"title":"وجوب المبادرة بقضاء دين الميت","level":2,"page":1646},{"title":"ما يصنع بالميت إذا كان محرما","level":2,"page":1649},{"title":"حكم تجريد الميت عند غسله","level":2,"page":1654},{"title":"حكم تغسيل الميت وصفته","level":2,"page":1656},{"title":"ما يكفن فيه الرجل","level":2,"page":1661},{"title":"جواز التكفين في القميص","level":2,"page":1663},{"title":"استحباب التكفين في الثوب الأبيض","level":2,"page":1665},{"title":"استحباب تحسين الكفن","level":2,"page":1667},{"title":"جواز تكفين الاثنين في ثوب ودفنهما في قبر واحد","level":2,"page":1668},{"title":"النهي عن المغالاة في الكفن","level":2,"page":1671},{"title":"جواز تغسيل الرجل زوجته","level":2,"page":1673},{"title":"حكم الصلاة على من قتل في حد","level":2,"page":1677},{"title":"حكم الصلاة على من قتل نفسه","level":2,"page":1679},{"title":"حكم الصلاة على الميت بعد دفنه","level":2,"page":1680},{"title":"النهي عن النعي","level":2,"page":1686},{"title":"حكم الصلاة على الميت الغائب وكيفيتها","level":2,"page":1688},{"title":"استحباب كثرة الجمع على الجنازة","level":2,"page":1691},{"title":"بيان موقف الإمام من جنازة المرأة","level":2,"page":1693},{"title":"جواز الصلاة على الجنازة في المسجد","level":2,"page":1695},{"title":"عدد تكبيرات صلاة الجنازة","level":2,"page":1698},{"title":"وجوب الفاتحة بعد التكبيرة الأولى","level":2,"page":1703},{"title":"ما يدعى به في صلاة الجنازة","level":2,"page":1705},{"title":"الأمر بإخلاص الدعاء للميت","level":2,"page":1712},{"title":"مشروعية الإسراع بالجنازة","level":2,"page":1714},{"title":"أجر من اتبع الجنازة","level":2,"page":1718},{"title":"مكان المشاة مع الجنازة","level":2,"page":1723},{"title":"نهي النساء عن اتباع الجنائز","level":2,"page":1726},{"title":"حكم القيام للجنازة","level":2,"page":1728},{"title":"كيفية إدخال الميت قبره","level":2,"page":1731},{"title":"ما يقال عند إدخال الميت قبره","level":2,"page":1733},{"title":"تحريم كسر عظم الميت","level":2,"page":1735},{"title":"صفة القبر والدفن","level":2,"page":1737},{"title":"النهي عن تجصيص القبر والبناء والقعود عليه","level":2,"page":1740},{"title":"حكم الحثو في القبر","level":2,"page":1743},{"title":"استحباب الدعاء للميت بعد الفراغ من دفنه","level":2,"page":1746},{"title":"حكم تلقين الميت بعد دفنه","level":2,"page":1749},{"title":"استحباب زيارة القبور للرجال","level":2,"page":1753},{"title":"تحريم زيارة القبور للنساء","level":2,"page":1756},{"title":"تحريم النياحة على الميت","level":2,"page":1761},{"title":"جواز البكاء على الميت بدون رفع صوت","level":2,"page":1767},{"title":"حكم الدفن في الليل","level":2,"page":1770},{"title":"استحباب إعداد الطعام لأهل الميت","level":2,"page":1772},{"title":"ما يقال عند دخول المقبرة","level":2,"page":1776},{"title":"النهي عن سب الأموات","level":2,"page":1781},{"title":"كتاب الزكاة","level":1,"page":1784},{"title":"باب","level":2,"page":1786},{"title":"ما جاء في وجوب الزكاة","level":3,"page":1786},{"title":"أحكام زكاة الإبل والغنم","level":3,"page":1789},{"title":"ما جاء في زكاة البقر","level":3,"page":1795},{"title":"مشروعية بعث السعاة لقبض الزكاة","level":3,"page":1798},{"title":"حكم زكاة الرقيق والخيل","level":3,"page":1800},{"title":"حكم مانع الزكاة","level":3,"page":1802},{"title":"اشتراط الحول لوجوب الزكاة","level":3,"page":1806},{"title":"ما جاء في أن الماشية التي أعدت للعمل لا زكاة فيها","level":3,"page":1810},{"title":"ما جاء في زكاة مال اليتيم","level":3,"page":1812},{"title":"استحباب الدعاء للمزكي","level":3,"page":1814},{"title":"حكم تعجيل الزكاة","level":3,"page":1816},{"title":"نصاب زكاة الحبوب والثمار","level":3,"page":1818},{"title":"مقدار زكاة الحبوب والثمار","level":3,"page":1821},{"title":"ما تجب فيه الزكاة من الحبوب والثمار","level":3,"page":1824},{"title":"ما جاء في خرص الثمار وما يترك لأرباب الأموال","level":3,"page":1828},{"title":"حكم زكاة الحلي","level":3,"page":1832},{"title":"زكاة عروض التجارة","level":3,"page":1841},{"title":"زكاة الركاز","level":3,"page":1845},{"title":"زكاة المعادن","level":3,"page":1848},{"title":"باب صدقة الفطر","level":2,"page":1852},{"title":"حكم زكاة الفطر ومقدارها ونوعها","level":3,"page":1854},{"title":"بيان الحكمة من زكاة الفطر ووقت إخراجها","level":3,"page":1859},{"title":"باب صدقة التطوع","level":2,"page":1861},{"title":"فضل صدقة التطوع","level":3,"page":1861},{"title":"إخفاء صدقة التطوع","level":3,"page":1862},{"title":"بيان أن أفضل الصدقة ما وافق حاجة المتصدق عليه","level":3,"page":1869},{"title":"بيان أي الصدقة أفضل","level":3,"page":1871},{"title":"ما جاء في أن النفقة الواجبة مقدمة على التطوع","level":3,"page":1874},{"title":"بيان أجر المرأة إذا تصدقت من بيت زوجها","level":3,"page":1876},{"title":"حكم إعطاء الزوجة صدقتها لزوجها","level":3,"page":1878},{"title":"ذم المسألة وما فيها من الوعيد","level":3,"page":1882},{"title":"الحث على العمل وذم المسألة","level":3,"page":1884},{"title":"ما يستثنى من ذم السؤال","level":3,"page":1886},{"title":"باب قسم الصدقات","level":2,"page":1888},{"title":"الغني الذي تحل له الصدقة","level":3,"page":1889},{"title":"حكم الصدقة للغني والقوي المكتسب","level":3,"page":1892},{"title":"جواز المسألة عند الحاجة","level":3,"page":1895},{"title":"حكم الصدقة على بني هاشم وبني المطلب","level":3,"page":1899},{"title":"حكم الصدقة على موالي بني هاشم","level":3,"page":1903},{"title":"جواز أخذ المال إذا جاء من غير إشراف ولا سؤال","level":3,"page":1905},{"title":"كتاب الصيام","level":1,"page":1907},{"title":"باب","level":2,"page":1907},{"title":"النهي عن تقدم رمضان بالصوم","level":3,"page":1909},{"title":"حكم صوم يوم الشك","level":3,"page":1911},{"title":"تعليق الصوم والفطر بالرؤية","level":3,"page":1913},{"title":"الاكتفاء بشهادة الواحد في دخول رمضان","level":3,"page":1916},{"title":"بيان أن الصيام لا بد له من نية","level":3,"page":1920},{"title":"حكم نية صوم التطوع من النهار، وحكم قطعه","level":3,"page":1924},{"title":"استحباب تعجيل الإفطار","level":3,"page":1929},{"title":"الترغيب في السحور","level":3,"page":1931},{"title":"ما يستحب الإفطار عليه","level":3,"page":1933},{"title":"حكم الوصال في الصوم","level":3,"page":1936},{"title":"ما يجب على الصائم تركه","level":3,"page":1940},{"title":"حكم القبلة والمباشرة للصائم","level":3,"page":1942},{"title":"حكم الحجامة للصائم","level":3,"page":1944},{"title":"حكم الكحل للصائم","level":3,"page":1949},{"title":"حكم صوم من أكل أو شرب ناسيا","level":3,"page":1952},{"title":"أثر القيء على الصيام","level":3,"page":1955},{"title":"حكم الصيام في السفر","level":3,"page":1958},{"title":"حكم الكبير الذي لا يطيق الصيام","level":3,"page":1963},{"title":"حكم جماع الصائم في نهار رمضان","level":3,"page":1965},{"title":"حكم صوم من أصبح جنبا","level":3,"page":1971},{"title":"حكم قضاء الصوم الواجب على الميت","level":3,"page":1974},{"title":"باب صوم التطوع، وما نهي عن صومه","level":2,"page":1978},{"title":"أيام يستحب صيامها","level":3,"page":1979},{"title":"فضل صيام الست من شوال","level":3,"page":1985},{"title":"فضل الصوم في سبيل الله تعالى","level":3,"page":1988},{"title":"هدي النبي ﷺ في صيام التطوع","level":3,"page":1992},{"title":"فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر","level":3,"page":1995},{"title":"حكم تطوع المرأة بالصوم وزوجها شاهد","level":3,"page":1998},{"title":"حكم صوم العيدين","level":3,"page":2000},{"title":"حكم صيام أيام التشريق","level":3,"page":2002},{"title":"حكم صوم يوم الجمعة","level":3,"page":2005},{"title":"حكم الصوم إذا انتصف شعبان","level":3,"page":2008},{"title":"النهي عن صيام يوم السبت","level":3,"page":2010},{"title":"الرخصة في صيام يوم السبت والأحد","level":3,"page":2014},{"title":"حكم صوم يوم عرفة بعرفة","level":3,"page":2016},{"title":"حكم صوم الدهر","level":3,"page":2019},{"title":"باب الاعتكاف وقيام رمضان","level":2,"page":2024},{"title":"فضل قيام رمضان","level":3,"page":2025},{"title":"فضل العمل في العشر الأواخر من رمضان","level":3,"page":2029},{"title":"حكم الاعتكاف","level":3,"page":2031},{"title":"متي يدخل المعتكف معتكفه","level":3,"page":2033},{"title":"حكم خروج المعتكف أو جزء من بدنه من المسجد","level":3,"page":2036},{"title":"من أحكام الاعتكاف","level":3,"page":2038},{"title":"هل الصوم شرط في الاعتكاف؟","level":3,"page":2043},{"title":"الزمن الذي تلتمس فيه ليلة القدر","level":3,"page":2045},{"title":"تحديد ليلة القدر بليلة سبع وعشرين","level":3,"page":2048},{"title":"بم يدعو من وافق ليلة القدر؟","level":3,"page":2051},{"title":"جواز شد الرحال لأحد المساجد الثلاثة لقصد الاعتكاف","level":3,"page":2054},{"title":"كتاب الحج","level":1,"page":2058},{"title":"باب","level":2,"page":2058},{"title":"باب فضله وبيان من فرض عليه","level":3,"page":2060},{"title":"فضل الحج والعمرة","level":3,"page":2060},{"title":"حكم العمرة","level":3,"page":2064},{"title":"من شروط وجوب الحج","level":3,"page":2068},{"title":"حكم حج الصبي","level":3,"page":2071},{"title":"حكم الحج عن العاجز ببدنه","level":3,"page":2075},{"title":"حكم الحج عمن نذره، ثم مات قبل أدائه","level":3,"page":2079},{"title":"ما جاء في أن حج الصغير والرقيق لا يجزئ عن الفريضة","level":3,"page":2081},{"title":"حكم سفر المرأة بدون محرم","level":3,"page":2083},{"title":"شرط النيابة في الحج","level":3,"page":2087},{"title":"وجوب الحج مرة في العمر","level":3,"page":2091},{"title":"باب المواقيت","level":2,"page":2093},{"title":"المواقيت التي ثبت تحديدها نصا","level":3,"page":2094},{"title":"ما ورد في الميقات ذات عرق","level":3,"page":2099},{"title":"باب وجوه الإحرام وصفته","level":2,"page":2103},{"title":"باب الإحرام وما يتعلق به","level":2,"page":2108},{"title":"موضع إهلال النبي ﷺ","level":3,"page":2109},{"title":"مشروعية رفع الصوت بالتلبية","level":3,"page":2111},{"title":"مشروعية الغسل عند الإحرام","level":3,"page":2114},{"title":"ما يحرم على المحرم لبسه","level":3,"page":2117},{"title":"استحباب الطيب عند الإحرام","level":3,"page":2122},{"title":"حكم نكاح المحرم وخطبته","level":3,"page":2124},{"title":"حكم أكل المحرم من صيد الحلال","level":3,"page":2126},{"title":"حكم أكل المحرم ما صيد من أجله","level":3,"page":2128},{"title":"الدواب التي تقتل في الحل والحرم","level":3,"page":2132},{"title":"حكم الحجامة للمحرم","level":3,"page":2135},{"title":"فدية حلق المحرم رأسه","level":3,"page":2137},{"title":"حرمة مكة","level":3,"page":2142},{"title":"حرمة المدينة","level":3,"page":2146},{"title":"حدود حرم المدينة","level":3,"page":2149},{"title":"باب صفة الحج ودخول مكة","level":2,"page":2151},{"title":"صفة حج النبي","level":3,"page":2152},{"title":"حكم الدعاء بعد التلبية","level":3,"page":2177},{"title":"ما جاء في أن مني كلها منحر، وعرفة وجمع كلها موقف","level":3,"page":2179},{"title":"من أين يكون دخول مكة والخروج منها؟","level":3,"page":2182},{"title":"استحباب الاغتسال لدخول مكة","level":3,"page":2184},{"title":"حكم السجود على الحجر الأسود","level":3,"page":2185},{"title":"مشروعية الرمل في الطواف، وبيان موضعه","level":3,"page":2187},{"title":"حكم استلام أركان الكعبة","level":3,"page":2189},{"title":"حكم تقبيل الحجر الأسود","level":3,"page":2192},{"title":"مشروعية استلام الحجر بالعصا ونحوه","level":3,"page":2194},{"title":"حكم الاضطباع في الطواف","level":3,"page":2197},{"title":"مشروعية التلبية والتكبير إذا غدا إلى عرفة","level":3,"page":2200},{"title":"جواز انصراف الضعفة من مزدلفة بليل","level":3,"page":2201},{"title":"حكم رمي جمرة العقبة قبل الفجر","level":3,"page":2204},{"title":"من أحكام الوقوف بعرفة والمبيت بجمع","level":3,"page":2209},{"title":"وقت الإفاضة من مزدلفة","level":3,"page":2215},{"title":"متى يقطع الحاج التلبية؟","level":3,"page":2217},{"title":"المكان الذي ترمي منه جمرة العقبة","level":3,"page":2220},{"title":"وقت رمي الجمار","level":3,"page":2222},{"title":"كيفية رمي الجمار","level":3,"page":2225},{"title":"مرتبة التقصير من الحلق","level":3,"page":2228},{"title":"حكم الترتيب بين مناسك الحج يوم العيد","level":3,"page":2231},{"title":"مشروعية تقديم النحر على الحلق","level":3,"page":2234},{"title":"بم يحصل التحلل الأول؟","level":3,"page":2236},{"title":"مشروعية التقصير دون الحلق في حق المرأة","level":3,"page":2240},{"title":"حكم المبيت بمنى","level":3,"page":2242},{"title":"مشروعية الخطبة بمني","level":3,"page":2248},{"title":"اكتفاء القارن بطواف واحد وسعي واحد","level":3,"page":2251},{"title":"عدم مشروعية الرمل في طواف الإفاضة","level":3,"page":2255},{"title":"حكم النزول بالأبطح","level":3,"page":2257},{"title":"حكم طواف الوداع","level":3,"page":2259},{"title":"مضاعفة الصلاة في مسجدي مكة والمدينة","level":3,"page":2263},{"title":"باب الفوات والإحصار","level":3,"page":2268},{"title":"حكم من أحصر عن العمرة","level":3,"page":2269},{"title":"حكم الاشتراط عند الإحرام","level":3,"page":2272},{"title":"من حصل له مانع من إتمام نسكه","level":3,"page":2275},{"title":"كتاب البيوع","level":1,"page":2280},{"title":"باب شروطه وما نهي عنه","level":2,"page":2280},{"title":"فضل البيع المبرور","level":3,"page":2282},{"title":"ما نهي عن بيعه","level":3,"page":2286},{"title":"الحكم في اختلاف البائع والمشتري","level":3,"page":2293},{"title":"من المكاسب الخبيثة","level":3,"page":2296},{"title":"حكم اشتراط منفعة المبيع","level":3,"page":2300},{"title":"حكم بيع المدبر","level":3,"page":2308},{"title":"حكم السمن تقع فيه الفأرة","level":3,"page":2310},{"title":"حكم بيع الكلب والسنور","level":3,"page":2315},{"title":"صحة الشروط المشروعة وبطلان غيرها","level":3,"page":2317},{"title":"حكم بيع أمهات الأولاد","level":3,"page":2322},{"title":"النهي عن بيع فضل الماء وثمن عسب الفحل","level":3,"page":2325},{"title":"من البيوع المنهي عنها","level":3,"page":2328},{"title":"النهي عن بيع الولاء وهبته","level":3,"page":2331},{"title":"النهي عن بيع الغرر","level":3,"page":2333},{"title":"النهي عن بيع الطعام قبل قبضه","level":3,"page":2336},{"title":"حكم البيعتين في بيعة","level":3,"page":2340},{"title":"من مسائل البيع","level":3,"page":2344},{"title":"حكم بيع العربون","level":3,"page":2349},{"title":"النهي عن بيع السلعة قبل قبضها","level":3,"page":2353},{"title":"حكم اقتضاء الذهب فضة","level":3,"page":2357},{"title":"النهي عن النجش","level":3,"page":2360},{"title":"النهي عن بعض المعاملات","level":3,"page":2364},{"title":"النهي عن تلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي","level":3,"page":2369},{"title":"النهي عن البيع على بيع أخيه أو سومه على سومه","level":3,"page":2376},{"title":"النهي عن التفريق بين الأقارب في البيع","level":3,"page":2380},{"title":"حكم التسعير","level":3,"page":2384},{"title":"النهي عن الاحتكار","level":3,"page":2389},{"title":"نهي البائع عن التصرية","level":3,"page":2394},{"title":"النهي عن الغش","level":3,"page":2400},{"title":"تحريم بيع العنب ممن يتخذه خمرا","level":3,"page":2404},{"title":"ما جاء في أن الخراج بالضمان","level":3,"page":2407},{"title":"حكم تصرف الفضولي","level":3,"page":2410},{"title":"من مسائل بيوع الغرر","level":3,"page":2414},{"title":"من مسائل بيوع الغرر أيضا","level":3,"page":2419},{"title":"باب الخيار","level":2,"page":2423},{"title":"استحباب إقالة النادم في البيع","level":3,"page":2424},{"title":"ثبوت خيار المجلس للمتبايعين","level":3,"page":2427},{"title":"نهي المتعاقدين عن ترك المجلس خشية الاستقالة","level":3,"page":2431},{"title":"حكم الخيار لمن يخدع في البيع","level":3,"page":2434},{"title":"باب الربا","level":2,"page":2437},{"title":"تحريم الربا وما جاء فيه من الوعيد","level":3,"page":2440},{"title":"الأصناف الربوية وكيفية المبادلة فيها","level":3,"page":2446},{"title":"تحريم التفاضل بين نوعي الجنس الواحد","level":3,"page":2455},{"title":"الجهل بالتساوي في الربويات كالعلم بالتفاضل","level":3,"page":2458},{"title":"حكم بيع الطعام بالطعام","level":3,"page":2460},{"title":"حكم مبادلة الربوي بربوي ومعه غيره","level":3,"page":2462},{"title":"حكم بيع الحيوان بالحيوان نسيئة","level":3,"page":2467},{"title":"حكم بيع العينة","level":3,"page":2473},{"title":"حكم الهدية في مقابل الشفاعة","level":3,"page":2482},{"title":"تحريم الرشوة","level":3,"page":2487},{"title":"النهي عن بيع المزابنة","level":3,"page":2491},{"title":"حكم مبادلة الرطب باليابس من الربويات","level":3,"page":2493},{"title":"النهي عن بيع الدين بالدين","level":3,"page":2496},{"title":"باب الرخصة في العرايا وبيع الأصول والثمار","level":2,"page":2500},{"title":"حكم العرايا","level":3,"page":2501},{"title":"النهي عن بيع الثمار قبل ظهور صلاحها","level":3,"page":2508},{"title":"الأمر بوضع الجوائح","level":3,"page":2514},{"title":"حكم ثمر النخل إذا بيع بعد التأبير","level":3,"page":2518},{"title":"أبواب السلم والقرض والرهن","level":3,"page":2522},{"title":"مشروعية السلم وبيان شروطه","level":3,"page":2524},{"title":"جزاء من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها","level":3,"page":2532},{"title":"حكم شراء السلعة بثمن مؤجل","level":3,"page":2535},{"title":"حكم انتفاع المرتهن بالرهن","level":3,"page":2538},{"title":"المرتهن لا يستحق الرهن بعجز الراهن عن الأداء","level":3,"page":2543},{"title":"جواز القرض والزيادة في رد البدل","level":3,"page":2546},{"title":"حكم القرض إذا جر منفعة","level":3,"page":2549},{"title":"باب التفليس والحجر","level":2,"page":2553},{"title":"حكم من وجد ماله عند مفلس","level":3,"page":2555},{"title":"تحريم مطل الواجد وما يباح في حقه","level":3,"page":2562},{"title":"قسم مال المفلس ومشروعية الصدقة عليه","level":3,"page":2565},{"title":"مشروعية الحجر على المفلس","level":3,"page":2568},{"title":"من علامات البلوغ","level":3,"page":2571},{"title":"البلوغ بالإنبات","level":3,"page":2575},{"title":"حكم تصرف المرأة في مالها بلا إذن زوجها","level":3,"page":2578},{"title":"كما جاء في أن الإعسار لا يثبت إلا بشهادة ثلاثة","level":3,"page":2582},{"title":"باب الصلح","level":2,"page":2584},{"title":"جواز الصلح ما لم يخالف الشريعة","level":3,"page":2586},{"title":"نهي الجار عن منع جاره من غرز خشبة في جداره","level":3,"page":2592},{"title":"النهي عن مال المسلم إلا بطيب نفس منه","level":3,"page":2597},{"title":"باب الحوالة والضمان","level":2,"page":2600},{"title":"مشروعية الحوالة وقبولها","level":3,"page":2603},{"title":"جواز ضمان دين الميت وأنه لا يبرأ إلا بالأداء","level":3,"page":2607},{"title":"جواز ضمان دين الميت المفلس من بيت المال","level":3,"page":2612},{"title":"حكم الكفالة في الحدود","level":3,"page":2614},{"title":"باب الشركة والوكالة","level":2,"page":2617},{"title":"الحث على المشاركة مع النصح وعدم الخيانة","level":3,"page":2619},{"title":"ما جاء في أن الشركة معروفة قبل الإسلام","level":3,"page":2621},{"title":"حكم شركة الأبدان","level":3,"page":2624},{"title":"مشروعية الوكالة","level":3,"page":2627},{"title":"حكم تصرف الوكيل في مصلحة موكله","level":3,"page":2630},{"title":"جواز الوكالة في قبض الزكاة من أربابها","level":3,"page":2632},{"title":"جواز الوكالة في نحر الهدي","level":3,"page":2635},{"title":"جواز الوكالة في الحدود إثباتا واستيفاء","level":3,"page":2636},{"title":"باب الإقرار","level":2,"page":2637},{"title":"وجوب قول الحق وإن كان مرا","level":3,"page":2639},{"title":"باب العارية","level":2,"page":2642},{"title":"وجوب رد ما أخذ من ملك الغير","level":3,"page":2644},{"title":"وجوب رد الأمانات والعواري ونحوها","level":3,"page":2648},{"title":"حكم ضمان العارية","level":3,"page":2653},{"title":"باب الغصب","level":2,"page":2660},{"title":"إثم من ظلم شبرا من الأرض","level":3,"page":2662},{"title":"حكم من أتلف شيئا لغيره","level":3,"page":2666},{"title":"حكم من زرع في أرض غيره","level":3,"page":2670},{"title":"حكم من غرس نخلا في أرض غيره","level":3,"page":2673},{"title":"تغليظ تحريم الدماء والأموال والأعراض","level":3,"page":2677},{"title":"باب الشفعة","level":2,"page":2679},{"title":"مشروعية الشفعة، وما تثبت فيه","level":3,"page":2681},{"title":"حكم شفعة الجار","level":3,"page":2689},{"title":"وقت الشفعة","level":3,"page":2697},{"title":"باب القراض","level":2,"page":2700},{"title":"ما روي أن القراض من العقود المباركة","level":3,"page":2702},{"title":"جواز اشتراط رب المال على المضارب ما فيه مصلحة","level":3,"page":2705},{"title":"باب المساقاة","level":2,"page":2709},{"title":"جواز المساقاة بالجزء المعلوم","level":3,"page":2711},{"title":"جواز كراء الأرض بالشيء المعلوم","level":3,"page":2717},{"title":"حكم أجرة الحجام","level":3,"page":2723},{"title":"إثم من منع العامل أجرته","level":3,"page":2726},{"title":"حكم أخذ الأجرة على الرقية وتعليم القرآن","level":3,"page":2730},{"title":"وجوب المبادرة بإعطاء الأجير أجره","level":3,"page":2735},{"title":"وجوب معرفة قدر الأجرة","level":3,"page":2737},{"title":"باب إحياء الموات","level":2,"page":2740},{"title":"من عمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها","level":3,"page":2742},{"title":"ما جاء في الحمى","level":3,"page":2747},{"title":"من أنواع الإحياء","level":3,"page":2753},{"title":"حريم البئر في الأرض الموات","level":3,"page":2755},{"title":"ما جاء في إقطاع الأراضي","level":3,"page":2758},{"title":"اشتراك الناس في الماء والكلأ والنار","level":3,"page":2763},{"title":"باب الوقف","level":2,"page":2767},{"title":"ما يدوم من عمل الإنسان بعد موته","level":3,"page":2770},{"title":"حكم الشروط في الوقف","level":3,"page":2775},{"title":"حكم وقف المنقول","level":3,"page":2786},{"title":"باب الهبة","level":2,"page":2788},{"title":"النهي عن تفضيل بعض الأولاد في الهبة","level":3,"page":2790},{"title":"تحريم الرجوع في الهبة","level":3,"page":2799},{"title":"جواز رجوع الوالد في هبته لولده","level":3,"page":2804},{"title":"مشروعية قبول الهدية","level":3,"page":2807},{"title":"ما جاء في العمرى والرقبى","level":3,"page":2814},{"title":"نهي المتصدق عن شراء صدقته","level":3,"page":2819},{"title":"ما جاء في استحباب الهدية وأثرها","level":3,"page":2822},{"title":"الحث على التهادي بين الجيران ولو بالقليل","level":3,"page":2826},{"title":"حكم هبة الثواب","level":3,"page":2829},{"title":"جواز أخذ الشيء اليسير وأنه ليس بلقطة","level":3,"page":2833},{"title":"باب اللقطة","level":2,"page":2835},{"title":"أحكام اللقطة","level":3,"page":2837},{"title":"مشروعية الإشهاد على اللقطة","level":3,"page":2845},{"title":"حكم لقطة الحاج","level":3,"page":2849},{"title":"حكم لقطة المعاهد","level":3,"page":2853},{"title":"باب الفرائض","level":2,"page":2856},{"title":"تقديم أصحاب الفروض على العصبات","level":3,"page":2858},{"title":"لا توارث بين مسلم وكافر","level":3,"page":2862},{"title":"ما جاء في أن الأخوات مع البنات عصبة","level":3,"page":2865},{"title":"لا توارث بين أهل ملتين","level":3,"page":2867},{"title":"ميراث الجد","level":3,"page":2870},{"title":"ميراث الجدة","level":3,"page":2873},{"title":"ميراث ذوي الأرحام","level":3,"page":2875},{"title":"ميراث الحمل","level":3,"page":2882},{"title":"حكم توريث القاتل","level":3,"page":2886},{"title":"الإرث بالولاء","level":3,"page":2891},{"title":"من أحكام الولاء","level":3,"page":2894},{"title":"ما جاء في أن زيد بن ثابت أعلم الصحابة بالفرائض","level":3,"page":2897},{"title":"باب الوصايا","level":2,"page":2901},{"title":"الحث على المبادرة بالوصية","level":3,"page":2903},{"title":"باب مقدار ما يوصي به","level":2,"page":2909},{"title":"استحباب الصدقة عن الميت","level":3,"page":2915},{"title":"حكم الوصية للوارث","level":3,"page":2918},{"title":"بيان فضل الله تعالى بشرعية الوصية","level":3,"page":2923},{"title":"باب الوديعة","level":2,"page":2926},{"title":"حكم ضمان الوديعة","level":3,"page":2927},{"title":"كتاب النكاح","level":1,"page":2931},{"title":"باب","level":2,"page":2932},{"title":"الترغيب في النكاح","level":3,"page":2932},{"title":"ما جاء في أن الزواج سنة النبي - ﷺ -","level":3,"page":2940},{"title":"استحباب اختيار الزوجة الودود الولود","level":3,"page":2942},{"title":"الصفات التي من أجلها تنكح المرأة","level":3,"page":2946},{"title":"ما يدعى به للمتزوج","level":3,"page":2950},{"title":"مشروعية الخطبة عند عقد النكاح","level":3,"page":2953},{"title":"مشروعية نظر الخاطب إلى المخطوبة","level":3,"page":2959},{"title":"النهي عن خطبة المسلم على خطبة أخيه","level":3,"page":2967},{"title":"بم ينعقد النكاح؟","level":3,"page":2971},{"title":"وجوب إعلان النكاح","level":3,"page":2980},{"title":"اشتراط الولي في النكاح","level":3,"page":2984},{"title":"وجوب استئذان البكر، واستئمار الثيب في النكاح","level":3,"page":2993},{"title":"ما جاء في أن المرأة ليس لها ولاية في النكاح","level":3,"page":3000},{"title":"النهي عن نكاح الشغار","level":3,"page":3002},{"title":"تخيير البكر إذا زوجت وهي كارهة","level":3,"page":3007},{"title":"حكم المرأة إذا زوجها وليان","level":3,"page":3009},{"title":"حكم نكاح العبد بغير إذن مواليه","level":3,"page":3011},{"title":"النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها","level":3,"page":3012},{"title":"نهي المحرم أن يتزوج أو يزوج غيره","level":3,"page":3014},{"title":"حكم الشروط في النكاح","level":3,"page":3018},{"title":"النهي عن نكاح المتعة","level":3,"page":3020},{"title":"تحريم نكاح التحليل","level":3,"page":3027},{"title":"تحريم نكاح الزانية وإنكاح الزاني","level":3,"page":3033},{"title":"ما جاء في أن المطلقة ثلاثا لا تحل لزوجها حتى تنكح غيره","level":3,"page":3036},{"title":"باب الكفاءة والخيار","level":2,"page":3039},{"title":"ما جاء في اعتبار الكفاءة في النكاح بالنسب","level":3,"page":3041},{"title":"ما جاء في أن النسب غير معتبر في الكفاءة","level":3,"page":3044},{"title":"ما جاء في أن المهنة غير معتبرة في الكفاءة","level":3,"page":3046},{"title":"تخيير الأمة إذا عتقت تحت عبد","level":3,"page":3049},{"title":"حكم من أسلم وتحته أختان","level":3,"page":3054},{"title":"حكم من أسلم وتحته أكثر من أربع","level":3,"page":3057},{"title":"حكم الزوجين يسلم أحدهما قبل الآخر","level":3,"page":3061},{"title":"العيوب في النكاح","level":3,"page":3070},{"title":"باب عشرة النساء","level":2,"page":3083},{"title":"تحريم إتيان الزوجة في الدبر","level":3,"page":3085},{"title":"الحث على حسن معاملة الزوجة","level":3,"page":3091},{"title":"نهي من طالت غيبته أن يطرق أهله ليلا","level":3,"page":3095},{"title":"تحريم إفشاء الرجل سر زوجته","level":3,"page":3099},{"title":"من حقوق الزوجة على زوجها","level":3,"page":3103},{"title":"جواز إتيان الزوجة على أي صفة إذا كان في القبل","level":3,"page":3107},{"title":"ما يستحب أن يقوله عند الجماع","level":3,"page":3109},{"title":"نهي المرأة عن الامتناع من فراش زوجها","level":3,"page":3112},{"title":"تحريم وصل الشعر","level":3,"page":3116},{"title":"جواز الغيلة والنهي عن العزل","level":3,"page":3120},{"title":"ما جاء في جواز العزل","level":3,"page":3124},{"title":"جواز طواف الرجل على نسائه بغسل واحد","level":3,"page":3129},{"title":"باب الصداق","level":2,"page":3132},{"title":"صحة جعل العتق صداق","level":3,"page":3134},{"title":"مقدار صداق النبي - ﷺ - لنسائه","level":3,"page":3136},{"title":"وجوب الصداق","level":3,"page":3139},{"title":"حكم هدايا الزوج للمرأة وأوليائها","level":3,"page":3142},{"title":"من تزوج امرأة ثم مات عنها قبل أن يفرض لها","level":3,"page":3146},{"title":"ما جاء في قلة المهر وجوازه بغير النقد","level":3,"page":3153},{"title":"استحباب تيسير الصداق","level":3,"page":3159},{"title":"مشروعية تمتيع المطلقة بما يتيسر","level":3,"page":3162},{"title":"باب الوليمة","level":2,"page":3168},{"title":"مشروعية وليمة الزواج","level":3,"page":3170},{"title":"حكم إجابة الوليمة","level":3,"page":3175},{"title":"حكم إجابة الصائم، والأكل من الوليمة","level":3,"page":3184},{"title":"حكم إجابة الدعوة بعد اليوم الأول","level":3,"page":3188},{"title":"هدي النبي - ﷺ - في وليمة الزواج","level":3,"page":3192},{"title":"حكم ما إذا اجتمع داعيان","level":3,"page":3196},{"title":"ما جاء في الأكل متكئا","level":3,"page":3198},{"title":"من آداب الأكل","level":3,"page":3201},{"title":"ما جاء في الأمر بالأكل من جوانب القصعة","level":3,"page":3206},{"title":"ما جاء في كراهية ذم الطعام","level":3,"page":3209},{"title":"النهي عن الأكل بالشمال","level":3,"page":3211},{"title":"النهي عن التنفس في الإناء أو النفخ فيه","level":3,"page":3214},{"title":"باب القسم","level":2,"page":3217},{"title":"مشروعية القسم بين الزوجات","level":3,"page":3219},{"title":"وجوب العدل بين الزوجات فيما يقدر عليه","level":3,"page":3225},{"title":"مقدار الإقامة عند الزوجة الجديدة","level":3,"page":3228},{"title":"تخيير الثيب في الإقامة عندها بين الثلاث والسبع","level":3,"page":3232},{"title":"جواز هبة المرأة يومها لضرتها","level":3,"page":3234},{"title":"جواز الدخول على غير صاحبة النوبة إذا كان يعامل نساءه كذلك","level":3,"page":3238},{"title":"مشروعية القسم في حال المرض","level":3,"page":3242},{"title":"القرعة بين النساء عند السفر بإحداهن","level":3,"page":3244},{"title":"النهي عن المبالغة في ضرب الزوجة","level":3,"page":3247},{"title":"باب الخلع","level":2,"page":3250},{"title":"أحكام الخلع","level":3,"page":3252},{"title":"كتاب الطلاق","level":1,"page":3269},{"title":"باب","level":2,"page":3271},{"title":"ما جاء في كراهة الطلاق","level":3,"page":3271},{"title":"حكم الطلاق في الحيض","level":3,"page":3275},{"title":"حكم طلاق الثلاث في عهد النبي - ﷺ - وصاحبيه","level":3,"page":3290},{"title":"حكم جمع الثلاث بكلمة واحدة","level":3,"page":3298},{"title":"ما يقع بالطلاق الثلاث","level":3,"page":3304},{"title":"حكم طلاق الهازل","level":3,"page":3317},{"title":"ما جاء في أن الطلاق لا يقع بحديث النفس","level":3,"page":3322},{"title":"بيان من لا يقع طلاقه","level":3,"page":3325},{"title":"حكم تحريم الزوجة","level":3,"page":3331},{"title":"من كنايات الطلاق","level":3,"page":3336},{"title":"ما جاء في أنه لا طلاق إلا بعد نكاح","level":3,"page":3339},{"title":"حكم طلاق غير المكلف","level":3,"page":3344},{"title":"باب الرجعة","level":2,"page":3351},{"title":"حكم الإشهاد على الرجعة","level":3,"page":3353},{"title":"باب الإيلاء والظهار والكفارة","level":3,"page":3359},{"title":"من آلى ألا يدخل على امرأته","level":3,"page":3360},{"title":"من أحكام الإيلاء","level":3,"page":3364},{"title":"من أحكام الظهار","level":3,"page":3368},{"title":"كفارة الظهار","level":3,"page":3372},{"title":"باب اللعان","level":2,"page":3378},{"title":"مشروعية اللعان وصفته","level":3,"page":3380},{"title":"حكم صداق الملاعنة","level":3,"page":3385},{"title":"لعان الحامل","level":3,"page":3387},{"title":"استحباب تخويف الملاعن عند الخامسة","level":3,"page":3391},{"title":"فرقة اللعان","level":3,"page":3393},{"title":"حكم نكاح الزانية","level":3,"page":3396},{"title":"التحذير من نفي الولد بعد إثباته","level":3,"page":3401},{"title":"التعريض بنفي الولد","level":3,"page":3405},{"title":"باب العدة والإحداد [والاستبراء وغير ذلك]","level":2,"page":3408},{"title":"عدة الحامل المتوفى عنها","level":3,"page":3410},{"title":"عدة الأمة إذا عتقت واختارت نفسها","level":3,"page":3416},{"title":"حكم المطلقة البائن من حيث النفقة والسكنى","level":3,"page":3418},{"title":"ما تجتنبه المرأة الحاد","level":3,"page":3423},{"title":"جواز خروج المعتدة البائن لحاجتها","level":3,"page":3435},{"title":"مكث المتوفى عنها في بيتها حتى تنقضي العدة","level":3,"page":3438},{"title":"جواز انتقال المعتدة البائن للضرورة","level":3,"page":3447},{"title":"ما جاء في عدة أم الولد","level":3,"page":3449},{"title":"تفسير المراد بالأقراء","level":3,"page":3452},{"title":"ما جاء في عدة الأمة","level":3,"page":3456},{"title":"تحريم وطء الحامل من غير الواطئ","level":3,"page":3459},{"title":"حكم زوجة المفقود","level":3,"page":3463},{"title":"تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية","level":3,"page":3467},{"title":"وجوب استبراء المسبية","level":3,"page":3470},{"title":"ما جاء في أن الولد للفراش دون الزاني","level":3,"page":3473},{"title":"باب الرضاع","level":2,"page":3479},{"title":"ما جاء في الرضعة والرضعتين","level":3,"page":3481},{"title":"ما جاء أن الرضاع المحرم هو ما يسد الجوع","level":3,"page":3483},{"title":"حكم رضاع الكبير","level":3,"page":3485},{"title":"ثبوت حكم الرضاع لزوج المرضعة وأقاربه","level":3,"page":3489},{"title":"مقدار الرضاع المحرم","level":3,"page":3492},{"title":"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب","level":3,"page":3495},{"title":"صفة الرضاع المحرم وزمنه","level":3,"page":3498},{"title":"حكم شهادة المرضعة","level":3,"page":3504},{"title":"ما جاء في النهي عن استرضاع الحمقاء","level":3,"page":3508},{"title":"باب النفقات","level":2,"page":3510},{"title":"جواز إنفاق المرأة من مال زوجها بغير علمه إذا منعها الكفاية","level":3,"page":3511},{"title":"بيان فضل المنفق وما تنبغي مراعاته عند الإنفاق","level":3,"page":3518},{"title":"وجوب نفقة المملوك على مالكه","level":3,"page":3521},{"title":"وجوب نفقة الزوجة على زوجها","level":3,"page":3523},{"title":"عظم مسؤولية المرء عمن تلزمه نفقته","level":3,"page":3525},{"title":"ما جاء في نفقة الحامل المتوفى عنها","level":3,"page":3527},{"title":"وجوب الإنفاق على الزوجة والمملوك والولد","level":3,"page":3530},{"title":"ما جاء في الفرقة إذا أعسر الزوج بالنفقة","level":3,"page":3532},{"title":"إذا غاب الزوج ولم يترك نفقة","level":3,"page":3536},{"title":"مراتب النفقة ومن أحق بالتقديم؟","level":3,"page":3538},{"title":"تأكيد نفقة الوالدين","level":3,"page":3541},{"title":"باب الحضانة","level":2,"page":3543},{"title":"سقوط حضانة الأم إذا تزوجت","level":3,"page":3544},{"title":"ما جاء في تخيير الولد بين أبويه","level":3,"page":3548},{"title":"حكم حضانة الأبوين إذا كان أحدهما كافرا","level":3,"page":3552},{"title":"ما جاء أن الخالة بمنزلة الأم في الحضانة","level":3,"page":3556},{"title":"فضل الإحسان إلى الخدم","level":3,"page":3559},{"title":"النهي عن تعذيب الحيوان","level":3,"page":3561},{"title":"كتاب الجنايات","level":1,"page":3565},{"title":"باب","level":2,"page":3566},{"title":"حرمة دم المسلم","level":3,"page":3566},{"title":"تعطيم شأن الدماء","level":3,"page":3572},{"title":"حكم قتل الحر بالعبد","level":3,"page":3574},{"title":"حكم قتل الوالد بالولد","level":3,"page":3578},{"title":"ما جاء في قتل المسلم بالكافر وأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم","level":3,"page":3581},{"title":"ما جاء في القصاص بالمثقل، وقتل الرجل بالمرأة","level":3,"page":3588},{"title":"حكم جناية الغلام إذا كانت عاقلته فقراء","level":3,"page":3594},{"title":"النهي عن القصاص في الجراحات قبل برء المجني عليه","level":3,"page":3596},{"title":"ما جاء في قتل شبه العمد، ودية الجنين","level":3,"page":3599},{"title":"ثبوت القصاص في الطرف كالسن","level":3,"page":3606},{"title":"من قتل بين قوم ولم يعرف قاتله","level":3,"page":3611},{"title":"عقوبة القاتل والممسك","level":3,"page":3614},{"title":"حكم قتل المسلم بالمعاهد","level":3,"page":3617},{"title":"قتل الجماعة بالواحد","level":3,"page":3620},{"title":"تخيير الولي بين القصاص والدية","level":3,"page":3625},{"title":"باب الديات","level":2,"page":3629},{"title":"مقادير الديات","level":3,"page":3630},{"title":"أسنان الإبل في دية الخطأ","level":3,"page":3640},{"title":"أسنان الإبل في دية العمد","level":3,"page":3644},{"title":"ما جاء في حالات يعظم فيها القتل","level":3,"page":3646},{"title":"تغليظ الدية في شبه العمد","level":3,"page":3650},{"title":"ما جاء في دية الأصابع والأسنان","level":3,"page":3652},{"title":"ما جاء في ضمان المتطبب لما أتلفه","level":3,"page":3655},{"title":"دية الموضحة","level":3,"page":3659},{"title":"ما جاء في دية أهل الذمة ودية المرأة","level":3,"page":3661},{"title":"حكم شبه العمد","level":3,"page":3666},{"title":"مقدار الدية من الفضة","level":3,"page":3669},{"title":"ما جاء في أنه لا يؤخذ أحد بجناية غيره","level":3,"page":3672},{"title":"باب دعوى الدم والقسامة","level":2,"page":3675},{"title":"أحكام القسامة","level":3,"page":3677},{"title":"ما جاء في أن القسامة كانت في الجاهلية","level":3,"page":3686},{"title":"باب قتال أهل البغي","level":2,"page":3688},{"title":"التحذير من حمل السلاح على المسلمين","level":3,"page":3690},{"title":"التحذير من الخروج عن الطاعة ومفارقة الجماعة","level":3,"page":3692},{"title":"ما جاء في أن عمارا تقتله الفئة الباغية","level":3,"page":3695},{"title":"ما ينهى عنه في قتال البغاة","level":3,"page":3698},{"title":"حكم من فرق أمر هذه الأمة وهي جميع","level":3,"page":3703},{"title":"باب قتال الجاني وقتل المرتد","level":2,"page":3705},{"title":"ما جاء فيمن قتل دون ماله","level":3,"page":3706},{"title":"ما جاء فيمن عض رجلا فوقعت ثنيته","level":3,"page":3709},{"title":"حكم من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه","level":3,"page":3711},{"title":"حكم ما أفسدته الماشية ليلا","level":3,"page":3714},{"title":"ما جاء في قتل المرتد واستتابته","level":3,"page":3718},{"title":"وجوب قتل من سب النبي - ﷺ -","level":3,"page":3723},{"title":"كتاب الحدود","level":1,"page":3726},{"title":"باب حد الزاني","level":2,"page":3726},{"title":"ما جاء في حد الزاني","level":3,"page":3729},{"title":"ما جاء في الجمع بين الجلد والرجم","level":3,"page":3734},{"title":"ما جاء في الاعتراف بالزنا وهل يشترط تكراره؟","level":3,"page":3739},{"title":"حكم تلقين المقر ما يدفع الحد عنه","level":3,"page":3745},{"title":"ما يثبت به الزنا","level":3,"page":3748},{"title":"حكم الأمة إذا زنت","level":3,"page":3753},{"title":"ما جاء في أن السيد يقيم الحد على رقيقه","level":3,"page":3756},{"title":"تأخير رجم الحبلى حتى تضع","level":3,"page":3758},{"title":"رجم المحصن من أهل الكتاب","level":3,"page":3765},{"title":"ما جاء في إقامة الحد على المريض","level":3,"page":3768},{"title":"حكم من عمل عمل قوم لوط أو وقع على بهيمة","level":3,"page":3772},{"title":"ما جاء في أن التغريب باق ينسخ","level":3,"page":3779},{"title":"حكم دخول المتشبه بالنساء على المرأة","level":3,"page":3781},{"title":"ما جاء في أن الحدود تدرأ بالشبهات","level":3,"page":3784},{"title":"من ألم بمعصية فعليه أن يستتر","level":3,"page":3788},{"title":"باب حد القذف","level":2,"page":3791},{"title":"ثبوت حد القذف","level":3,"page":3793},{"title":"حكم قذف الرجل زوجته","level":3,"page":3797},{"title":"حد المملوك إذا قذف","level":3,"page":3800},{"title":"حكم من قذف مملوكه","level":3,"page":3802},{"title":"باب حد السرقة","level":2,"page":3804},{"title":"وجوب قطع السارق، ومقدار النصاب","level":3,"page":3806},{"title":"حكم جاحد العارية والنهي عن الشفاعة في الحدود","level":3,"page":3814},{"title":"لا قطع على خائن ومختلس ومنتهب","level":3,"page":3821},{"title":"حكم سرقة الثمر والكثر","level":3,"page":3824},{"title":"حكم تلقين السارق الرجوع عن اعترافه","level":3,"page":3827},{"title":"ما جاء في حسم اليد بعد قطعها","level":3,"page":3831},{"title":"ما جاء في أن السارق لا يغرم إذا أقيم عليه الحد","level":3,"page":3834},{"title":"اشتراط الحرز في القطع","level":3,"page":3837},{"title":"جواز العفو عن السارق قبل بلوغ الإمام","level":3,"page":3842},{"title":"عقوبة السارق إذا تكررت السرقة","level":3,"page":3846},{"title":"باب حد الشارب وبيان المسكر","level":2,"page":3850},{"title":"بيان عقوبة شارب الخمر","level":3,"page":3851},{"title":"حكم إقامة الحد بالقرينة الظاهرة","level":3,"page":3857},{"title":"حكم من تكرر منه شرب الخمر","level":3,"page":3862},{"title":"النهي عن الضرب في الوجه","level":3,"page":3867},{"title":"النهي عن إقامة الحدود في المساجد","level":3,"page":3869},{"title":"حقيقة الخمر","level":3,"page":3871},{"title":"ما جاء في إباحة شرب النبيذ وشرطه","level":3,"page":3878},{"title":"تحريم التداوي بالخمر","level":3,"page":3881},{"title":"باب التعزير وحكم الصائل","level":2,"page":3887},{"title":"مشروعية التعزير ومقداره","level":3,"page":3889},{"title":"التجاوز عن ذوي الهيئات بما دون الحد","level":3,"page":3895},{"title":"حكم من مات بالتعزير","level":3,"page":3899},{"title":"ما جاء فيمن قتل دون ماله","level":3,"page":3901},{"title":"موقف المسلم من الفتن","level":3,"page":3903},{"title":"كتاب الجهاد","level":1,"page":3907},{"title":"باب","level":2,"page":3910},{"title":"وجوب الجهاد في سبيل الله والعزم عليه","level":3,"page":3910},{"title":"وجوب الجهاد بالمال والنفس واللسان","level":3,"page":3912},{"title":"ما جاء في أن الجهاد لا يجب على المرأة","level":3,"page":3915},{"title":"حكم الجهاد مع وجود الأبوين","level":3,"page":3917},{"title":"النهي عن الإقامة في ديار المشركين","level":3,"page":3920},{"title":"ما جاء في انقطاع الهجرة وبقاء الجهاد والنية","level":3,"page":3924},{"title":"وجوب الإخلاص في الجهاد","level":3,"page":3927},{"title":"ما جاء في بقاء الهجرة ما قوتل العدو","level":3,"page":3929},{"title":"ما جاء في الإغارة على العدو بلا إنذار","level":3,"page":3931},{"title":"ما جاء في التأمير على الجيوش ووصيتهم","level":3,"page":3935},{"title":"ما جاء في التورية في الحرب","level":3,"page":3944},{"title":"الوقت الذي يستحب فيه القتال","level":3,"page":3946},{"title":"جواز تبييت الكفار وإن أدى إلى قتل ذراريهم تبعا","level":3,"page":3948},{"title":"ما جاء في الاستعانة بالمشركين","level":3,"page":3950},{"title":"النهي عن قتل النساء والصبيان في الحرب","level":3,"page":3953},{"title":"ما جاء في قتل شيوخ المشركين","level":3,"page":3955},{"title":"ما جاء في المبارزة","level":3,"page":3958},{"title":"ما جاء في حمل المؤمن الشجاع على العدو","level":3,"page":3961},{"title":"حكم التحريق في بلاد العدو","level":3,"page":3965},{"title":"تحريم الغلول","level":3,"page":3968},{"title":"استحقاق القاتل سلب المقتول","level":3,"page":3972},{"title":"حكم القتل بما يعم","level":3,"page":3977},{"title":"ما جاء في قتل الأسير بدون عرض الإسلام عليه","level":3,"page":3980},{"title":"ما جاء في القتل صبرا","level":3,"page":3983},{"title":"جواز فداء الأسير المسلم بالأسير الكافر","level":3,"page":3985},{"title":"ما جاء في أن الحربي إذا أسلم قبل القدرة عليه فقد أحرز ماله","level":3,"page":3988},{"title":"جواز المن على الأسير بدون فداء","level":3,"page":3990},{"title":"جواز وطء المرأة المسبية","level":3,"page":3993},{"title":"ما جاء في تنفيل السرية","level":3,"page":3996},{"title":"صفة قسم الغنيمة","level":3,"page":3999},{"title":"ما جاء في أنه لا نفل إلا بعد الخمس","level":3,"page":4001},{"title":"بيان المقدار الذي يجوز التنفيل إليه","level":3,"page":4004},{"title":"جواز تخصيص بعض السرايا بالتنفيل","level":3,"page":4008},{"title":"حكم الأكل مما يصيبه المجاهدون","level":3,"page":4009},{"title":"حكم ركوب الدابة من المغنم ولبس الثوب منه","level":3,"page":4012},{"title":"ما جاء في الأمان","level":3,"page":4014},{"title":"ما جاء في إجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب","level":3,"page":4019},{"title":"الحث على إعداد آلات الجهاد في سبيل الله","level":3,"page":4022},{"title":"ما جاء في قسمة الغنم إذا احتاجها المجاهدون","level":3,"page":4025},{"title":"الأمر بالوفاء بالعهد والنهي عن حبس الرسل","level":3,"page":4027},{"title":"حكم الأرض يغنمها المسلمون","level":3,"page":4029},{"title":"باب الجزية والهدنة","level":2,"page":4030},{"title":"ما جاء في أخذ الجزية من المجوس","level":3,"page":4032},{"title":"ما جاء في أخذ الجزية من العرب","level":3,"page":4035},{"title":"ما جاء في مقدار الجزية وصفة دافعها","level":3,"page":4038},{"title":"ما جاء في أن الإسلام يعلو ولا يعلى","level":3,"page":4041},{"title":"النهي عن السلام على أهل الكتاب وتوسعة الطريق","level":3,"page":4043},{"title":"جواز عقد الهدنة بين المسلمين والمشركين","level":3,"page":4046},{"title":"إثم من قتل معاهدا","level":3,"page":4051},{"title":"باب السبق والرمي","level":2,"page":4053},{"title":"مشروعية سباق الخيل وتنويع المسافة حسب قوتها وضعفها","level":3,"page":4054},{"title":"مشروعية تنويع المسافة بحسب قوة الخيل وجلادتها","level":3,"page":4058},{"title":"ما تجوز المسابقة عليه بعوض","level":3,"page":4060},{"title":"ما جاء في اشتراط محلل السباق","level":3,"page":4063},{"title":"ما جاء في فضل الرمي والحث عليه","level":3,"page":4070},{"title":"كتاب الأطعمة","level":1,"page":4073},{"title":"باب","level":2,"page":4075},{"title":"تحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير","level":3,"page":4075},{"title":"تحريم الحمر الأهلية وإباحة الخيل","level":3,"page":4079},{"title":"إباحة أكل الجراد","level":3,"page":4084},{"title":"إباحة أكل الأرنب","level":3,"page":4086},{"title":"ما نهي عن قتله حرم أكله","level":3,"page":4089},{"title":"حكم أكل الضبع","level":3,"page":4094},{"title":"حكم أكل القنفذ","level":3,"page":4099},{"title":"تحريم الجلالة وألبانها","level":3,"page":4101},{"title":"إباحة لحم الحمار الوحشي","level":3,"page":4105},{"title":"إباحة لحم الفرس","level":3,"page":4106},{"title":"إباحة لحم الضب","level":3,"page":4109},{"title":"النهي عن قتل الضفدع","level":3,"page":4114},{"title":"باب الصيد والذبائح","level":2,"page":4116},{"title":"إباحة اتخاذ كلب الصيد","level":3,"page":4118},{"title":"الصيد بالجارح والمحدد","level":3,"page":4123},{"title":"ما جاء في صيد المعراض","level":3,"page":4133},{"title":"حكم الأكل من الصيد إذا غاب","level":3,"page":4135},{"title":"حكم التسمية","level":3,"page":4137},{"title":"النهي عن الخذف وتحريم ما صيد به","level":3,"page":4143},{"title":"النهي عن اتخاذ الحيوان هدفا للرمي","level":3,"page":4145},{"title":"حكم ذبيحة المرأة","level":3,"page":4146},{"title":"آلة الذكاة المشروعة والممنوعة","level":3,"page":4149},{"title":"النهي عن قتل الحيوان صبرا","level":3,"page":4157},{"title":"من آداب الذبح","level":3,"page":4159},{"title":"ما جاء في ذكاة الجنين","level":3,"page":4163},{"title":"ما جاء في ترك التسمية","level":3,"page":4167},{"title":"باب الأضاحي","level":2,"page":4169},{"title":"مشروعية الأضحية وشيء من صفاتها","level":3,"page":4171},{"title":"استحباب الدعاء عند ذبح الأضحية","level":3,"page":4175},{"title":"حكم الأضحية","level":3,"page":4179},{"title":"وقت ذبح الأضحية","level":3,"page":4183},{"title":"ما لا يجوز من الأضاحي","level":3,"page":4188},{"title":"السن المعتبر في الأضحية","level":3,"page":4192},{"title":"ما يكره في الأضاحي","level":3,"page":4195},{"title":"التوكيل في ذبح الهدي وتفريقه","level":3,"page":4200},{"title":"ما جاء أن البدنة والبقرة عن سبعة","level":3,"page":4203},{"title":"باب العقيقة","level":2,"page":4205},{"title":"ما جاء في مشروعية العقيقة","level":3,"page":4207},{"title":"مقدار العقيقة","level":3,"page":4212},{"title":"من أحكام المولود","level":3,"page":4217},{"title":"كتاب الأيمان والنذور","level":1,"page":4225},{"title":"وجوب الحلف بالله والنهي عن الحلف بغيره","level":2,"page":4228},{"title":"ما جاء في أن اليمين على نية الطالب لها","level":2,"page":4235},{"title":"حكم من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه","level":2,"page":4238},{"title":"حكم الاستثناء في اليمين","level":2,"page":4244},{"title":"ما جاء في يمين النبي - ﷺ -","level":2,"page":4253},{"title":"ما جاء في اليمين الغموس","level":2,"page":4256},{"title":"ما جاء في لغو اليمين","level":2,"page":4260},{"title":"ما جاء في أسماء الله الحسنى","level":2,"page":4263},{"title":"ما جاء في الدعاء لصاحب المعروف","level":2,"page":4267},{"title":"ما جاء في النهي عن الندر","level":2,"page":4269},{"title":"ما جاء في أن النذر تدخله الكفارة","level":2,"page":4275},{"title":"أحكام بعض أنواع النذر","level":2,"page":4280},{"title":"حكم ندر المشي إلى بيت الله","level":2,"page":4285},{"title":"ما جاء في قضاء نذر الميت","level":2,"page":4291},{"title":"جواز تخصيص النذر بمكان معين إذا خلا من الموانع الشرعية","level":2,"page":4295},{"title":"من نذر الصلاة في المكان المفضول جاز أن يصلي في الفاضل","level":2,"page":4301},{"title":"جواز شد الرحل للمساجد الثلاثة وفاء بالنذر","level":2,"page":4304},{"title":"حكم الوفاء بالاعتكاف المنذور حال الشرك","level":2,"page":4306},{"title":"كتاب القضاء","level":1,"page":4309},{"title":"باب","level":2,"page":4311},{"title":"أصناف القضاة","level":3,"page":4311},{"title":"عظم منصب القضاء","level":3,"page":4314},{"title":"التحذير من طلب القضاء","level":3,"page":4317},{"title":"أجر الحاكم إذا اجتهد في حكمه أصاب أو أخطأ","level":3,"page":4320},{"title":"النهي عن القضاء حال الغضب","level":3,"page":4324},{"title":"ما جاء في صفة القضاء","level":3,"page":4328},{"title":"حكم القاضي ينفذ ظاهرا لا باطنا","level":3,"page":4332},{"title":"ما جاء في نصرة الضعيف لأخذ الحق له","level":3,"page":4338},{"title":"عظم شأن القضاء","level":3,"page":4341},{"title":"ما جاء في أن المرأة لا تتولى القضاء","level":3,"page":4344},{"title":"نهي القاضي أن يتخذ حاجبا يمنع الناس عنه","level":3,"page":4348},{"title":"ما جاء في تحريم الرشوة في الحكم","level":3,"page":4352},{"title":"ما جاء في جلوس الخصمين بين يدي الحاكم","level":3,"page":4358},{"title":"باب الشهادات","level":2,"page":4360},{"title":"ما جاء في الثناء على من أتى بالشهادة قبل أن يسألها","level":3,"page":4362},{"title":"ما جاء في ذم من يشهد ولا يستشهد","level":3,"page":4364},{"title":"من لا تقبل شهادتهم","level":3,"page":4370},{"title":"ما جاء في قبول شهادة من ظهرت استقامته","level":3,"page":4377},{"title":"ما جاء في شهادة الزور من التغليظ والوعيد","level":3,"page":4379},{"title":"ما جاء في اشتراط العلم بالمشهود به","level":3,"page":4382},{"title":"جواز القضاء بشاهد ويمين","level":3,"page":4386},{"title":"باب الدعاوى والبينات","level":2,"page":4394},{"title":"ما جاء في أن الدعوى لا تقبل إلا ببينة","level":3,"page":4395},{"title":"ما جاء في القرعة على اليمين","level":3,"page":4400},{"title":"ما جاء من الوعيد لمن اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة","level":3,"page":4402},{"title":"إذا تداعى اثنان شيئا ولا بينة لهما","level":3,"page":4407},{"title":"ما جاء في تعظيم اليمين عند منبر الرسول - ﷺ -","level":3,"page":4411},{"title":"ما جاء في تغليظ اليمين الكاذبة بعد العصر","level":3,"page":4415},{"title":"إذا تداعى اثنان شيئا بيد أحدهما وأقاما بينة","level":3,"page":4420},{"title":"ما جاء في رد اليمين على المدعي","level":3,"page":4423},{"title":"ما جاء في الحكم بقول القافة","level":3,"page":4426},{"title":"كتاب العتق","level":1,"page":4435},{"title":"باب","level":2,"page":4437},{"title":"ما جاء في فضل العتق","level":3,"page":4437},{"title":"ما جاء في أي الرقاب أفضل للعتق","level":3,"page":4442},{"title":"ما جاء فيمن أعتق شركا له في عبد","level":3,"page":4445},{"title":"ما جاء في فضل عتق الوالد","level":3,"page":4452},{"title":"من ملك ذا رحم محرم عتق عليه","level":3,"page":4454},{"title":"حكم من أعتق عبيده عند موته وهم كل ماله","level":3,"page":4458},{"title":"من أعتق مملوكه وشرط خدمته","level":3,"page":4461},{"title":"ما جاء في أن الولاء لمن أعتق","level":3,"page":4463},{"title":"من أحكام الولاء","level":3,"page":4465},{"title":"باب المدبر والمكاتب وأم الولد","level":2,"page":4469},{"title":"حكم بيع المدبر","level":3,"page":4471},{"title":"حكم المكاتب يؤدي بعض كتابته","level":3,"page":4476},{"title":"حكم المكاتب عنده ما يؤدي","level":3,"page":4478},{"title":"ما جاء في دية المكاتب","level":3,"page":4480},{"title":"ما جاء في أن النبي - ﷺ - لم يترك رقيقا","level":3,"page":4484},{"title":"ما جاء في أن أم الولد تعتق بموت سيدها","level":3,"page":4488},{"title":"ما جاء في فضل إعانة المكاتب","level":3,"page":4490},{"title":"كتاب الجامع","level":1,"page":4494},{"title":"باب الأدب","level":2,"page":4494},{"title":"ما جاء في حق المسلم على أخيه","level":3,"page":4496},{"title":"ما جاء في حث الإنسان على نظره إلى من هو دونه","level":3,"page":4506},{"title":"ما جاء في تفسير البر والإثم","level":3,"page":4510},{"title":"ما جاء في نهي الاثنين عن التناجي دون الثالث","level":3,"page":4514},{"title":"ما جاء في النهي عن إقامة الإنسان من مجلسه","level":3,"page":4518},{"title":"استحباب لعق الأصابع بعد الطعام","level":3,"page":4521},{"title":"بعض آداب السلام","level":3,"page":4524},{"title":"ما جاء في سلام الجماعة وردهم","level":3,"page":4528},{"title":"النهي عن السلام على أهل الكتاب","level":3,"page":4531},{"title":"صفة تشميت العاطس وجوابه","level":3,"page":4536},{"title":"ما جاء في الشرب قائما","level":3,"page":4543},{"title":"ما جاء في صفة الانتعال","level":3,"page":4548},{"title":"النهي عن المشي في نعل واحدة","level":3,"page":4550},{"title":"ما جاء من الوعيد فيمن جر ثوبه خيلاء","level":3,"page":4553},{"title":"الأمر بالأكل باليمين والشرب بها","level":3,"page":4560},{"title":"النهي عن الإسراف والخيلاء في الأكل واللباس والصدقة","level":3,"page":4563},{"title":"باب البر والصلة","level":2,"page":4569},{"title":"فضل صلة الرحم وثمرتها","level":3,"page":4570},{"title":"ما جاء في إثم قاطع الرحم","level":3,"page":4579},{"title":"ما جاء في تحريم عقوق الأمهات","level":3,"page":4582},{"title":"ما جاء في فضل رضا الوالدين","level":3,"page":4587},{"title":"فضل محبة الإنسان لأخيه أو لجاره ما يحب لنفسه","level":3,"page":4591},{"title":"عظم شأن الزنا بحليلة الجار","level":3,"page":4594},{"title":"ما جاء في أن التسبب إلى شتم الوالدين من الكبائر","level":3,"page":4597},{"title":"تحريم الهجر فوق ثلاث ليال","level":3,"page":4600},{"title":"الترغيب في بدل المعروف","level":3,"page":4606},{"title":"استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء","level":3,"page":4608},{"title":"الوصية بالإحسان إلى الجار ولو بالقليل","level":3,"page":4610},{"title":"ما جاء في فضل الستر والتيسير على المسلمين وقضاء حوائجهم","level":3,"page":4613},{"title":"ما جاء في فضل الدلالة على الخير","level":3,"page":4618},{"title":"استحباب مكافأة من أسدى إليك معروفا","level":3,"page":4621},{"title":"باب الزهد والورع","level":2,"page":4626},{"title":"ما جاء في فضل ترك الشبهات","level":3,"page":4630},{"title":"ما جاء في ذم التعلق بالدنيا","level":3,"page":4638},{"title":"الحث على قصر الأمل في الدنيا","level":3,"page":4641},{"title":"ما جاء في التشبه","level":3,"page":4646},{"title":"ما جاء في فضل حفظ أوامر الله ونواهيه","level":3,"page":4656},{"title":"فضل الزهد في الدنيا وفيما في أيدي الناس","level":3,"page":4661},{"title":"من أسباب محبة الله تعالى للعبد","level":3,"page":4665},{"title":"ما جاء في فضل ترك المرء ما لا يعنيه","level":3,"page":4668},{"title":"الحث على تقليل الأكل","level":3,"page":4671},{"title":"ما جاء في فضل التوبة","level":3,"page":4675},{"title":"ما جاء في فضل الصمت","level":3,"page":4678},{"title":"باب الرهب من مساوئ الأخلاق","level":2,"page":4682},{"title":"التحذير من الحسد","level":3,"page":4683},{"title":"فضل من يملك نفسه عند الغضب","level":3,"page":4687},{"title":"الظلم ظلمات يوم القيامة","level":3,"page":4690},{"title":"التحذير من الشح","level":3,"page":4692},{"title":"ما جاء في ذم الرياء","level":3,"page":4695},{"title":"علامات النفاق","level":3,"page":4700},{"title":"النهي عن سباب المسلم وقتاله","level":3,"page":4705},{"title":"التحذير من ظن السوء بالمسلم","level":3,"page":4708},{"title":"ما جاء من الوعيد فيمن غش رعيته","level":3,"page":4711},{"title":"ما جاء من الوعيد في إدخال المشقة على المسلمين","level":3,"page":4713},{"title":"النهي عن ضرب الوجه","level":3,"page":4715},{"title":"ما جاء في الحد من الغضب","level":3,"page":4716},{"title":"التحذير من أخذ المال بغير حق","level":3,"page":4720},{"title":"ما جاء في تحريم الظلم","level":3,"page":4722},{"title":"ما جاء في الغيبة","level":3,"page":4726},{"title":"ما جاء في جملة من مساوئ الأخلاق","level":3,"page":4731},{"title":"ما جاء في الاستعاذة من بعض المنكرات","level":3,"page":4737},{"title":"ما جاء في النهي عن المراء والمزاح وإخلاف الوعد","level":3,"page":4741},{"title":"ما جاء في ذم البخل وسوء الخلق","level":3,"page":4745},{"title":"ما جاء في أن إثم المتسابين على البادئ منهما","level":3,"page":4748},{"title":"التحذير من إلحاق المشقة بالمسلم أو إدخال الضرر عليه","level":3,"page":4750},{"title":"ما جاء في ذم الفحش والبذاءة","level":3,"page":4753},{"title":"ما ينبغي للمؤمن أن يتنزه عنه","level":3,"page":4756},{"title":"النهي عن سب الأموات","level":3,"page":4759},{"title":"ما جاء في التحذير من النميمة","level":3,"page":4762},{"title":"ما جاء في فضل من كف غضبه","level":3,"page":4765},{"title":"ما جاء في بعض مساوئ الأخلاق","level":3,"page":4768},{"title":"ما جاء من الوعيد في تسمع حديث الآخرين","level":3,"page":4771},{"title":"فضل من شغله عيبه عن عيوب الناس","level":3,"page":4773},{"title":"ما جاء في ذم التكبر","level":3,"page":4776},{"title":"ما جاء في ذم العجلة","level":3,"page":4779},{"title":"ما جاء في ذم سوء الخلق","level":3,"page":4783},{"title":"ما جاء في التحذير من كثرة اللعن","level":3,"page":4786},{"title":"التحذير من عيب الشخص بذنبه","level":3,"page":4789},{"title":"التحذير من الكذب ليضحك الناس","level":3,"page":4791},{"title":"كفارة الغيبة","level":3,"page":4793},{"title":"التحذير من اللدد في الخصومة","level":3,"page":4797},{"title":"باب الترغيب في مكارم الأخلاق","level":2,"page":4800},{"title":"ما جاء في الحث على الصدق والنهي عن ضده","level":3,"page":4802},{"title":"اجتناب سوء الظن","level":3,"page":4808},{"title":"الحذر من الجلوس في الطرقات إلا بحقها","level":3,"page":4809},{"title":"فضل الفقه في الدين","level":3,"page":4813},{"title":"فضل حسن الخلق","level":3,"page":4815},{"title":"ما جاء في أن الحياء من الإيمان","level":3,"page":4819},{"title":"ما جاء في أن الحياء من تراث الأنبياء","level":3,"page":4823},{"title":"ما جاء في فضل المؤمن القوي","level":3,"page":4827},{"title":"الحث على التواضع","level":3,"page":4833},{"title":"فضل الذب عن عرض المسلم","level":3,"page":4838},{"title":"فضل العفو والتواضع","level":3,"page":4843},{"title":"بعض مكارم الأخلاق","level":3,"page":4847},{"title":"الدين النصحية","level":3,"page":4851},{"title":"ما جاء في أن التقوى وحسن الخلق من أسباب دخول الجنة","level":3,"page":4858},{"title":"الحث على بسط الوجه وحسن الخلق مع الناس","level":3,"page":4861},{"title":"المؤمن مرآة أخيه","level":3,"page":4864},{"title":"فضل المخالطة وترك العزلة","level":3,"page":4866},{"title":"ما جاء في الدعاء بحسن الخلق","level":3,"page":4871},{"title":"باب الذكر والدعاء","level":2,"page":4874},{"title":"ما جاء في فضل الذكر","level":3,"page":4876},{"title":"ما جاء في أن الذكر نجاة من عذاب الله","level":3,"page":4879},{"title":"فضل مجالس الذكر","level":3,"page":4881},{"title":"ما جاء في المجلس الخالي من ذكر الله والصلاة على نبيه - ﷺ -","level":3,"page":4885},{"title":"فضل التهليل عشر مرات","level":3,"page":4888},{"title":"فضل التسبيح","level":3,"page":4890},{"title":"فضل التسبيح والتحميد بهذه الصفة","level":3,"page":4894},{"title":"ما جاء في تفسير الباقيات الصالحات","level":3,"page":4897},{"title":"ما جاء في أحب الكلام إلى الله تعالى","level":3,"page":4900},{"title":"فضل لا حول ولا قوة إلا بالله","level":3,"page":4902},{"title":"ما جاء في أن الدعاء هو العبادة","level":3,"page":4905},{"title":"استحباب الدعاء بين الأذان والإقامة","level":3,"page":4910},{"title":"ما جاء في رفع اليدين حال الدعاء","level":3,"page":4912},{"title":"ما جاء في مسح الوجه باليدين بعد الدعاء","level":3,"page":4916},{"title":"ما جاء في فضل الإكثار من الصلاة على النبي - ﷺ -","level":3,"page":4922},{"title":"سيد الاستغفار","level":3,"page":4924},{"title":"من الأدعية الجامعة في الصباح والمساء","level":3,"page":4930},{"title":"استحباب الاستعاذة من هذه الأربع","level":3,"page":4936},{"title":"استحباب الاستعاذة من غلبة الدين","level":3,"page":4939},{"title":"من أفضل صيغ الدعاء","level":3,"page":4942},{"title":"من أذكار الصباح والمساء","level":3,"page":4947},{"title":"من جوامع الدعاء","level":3,"page":4952},{"title":"من جوامع الدعاء","level":3,"page":4956},{"title":"من جوامع الدعاء","level":3,"page":4960},{"title":"الدعاء بالعلم ونفعه","level":3,"page":4962},{"title":"من جوامع الدعاء","level":3,"page":4966},{"title":"فضل التسبيح مع التحميد والتعظيم","level":3,"page":4969},{"title":"المراجع","level":1,"page":4974},{"title":"أولا: كتاب التفسير وعلوم القرآن","level":2,"page":4974},{"title":"ثانيا: كتب الحديث وشروحه وعلومه","level":2,"page":4976},{"title":"ثالثا: كتب أصول الفقه","level":2,"page":4993},{"title":"رابعا: كتب الفقه","level":2,"page":4994},{"title":"١ - كتب الفقه الحنفي","level":3,"page":4994},{"title":"٢ - كتب الفقه المالكي","level":3,"page":4995},{"title":"٣ - كتب الفقه الشافعي","level":3,"page":4996},{"title":"٤ - كتب الفقه الحنبلي","level":3,"page":4996},{"title":"٥ - كتب الفقه الظاهري","level":3,"page":5000},{"title":"خامسا: كتب اللغة","level":2,"page":5000},{"title":"سادسا: كتب التاريخ والرجال والطبقات","level":2,"page":5002},{"title":"سابعا: كتب وبحوث متنوعة","level":2,"page":5004}],"ٛ":{"1,1":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,198":194,"1,199":195,"1,200":196,"1,201":197,"1,202":198,"1,203":199,"1,204":200,"1,205":201,"1,206":202,"1,207":203,"1,208":204,"1,209":205,"1,210":206,"1,211":207,"1,212":208,"1,213":209,"1,214":210,"1,215":211,"1,216":212,"1,217":213,"1,218":214,"1,219":215,"1,220":216,"1,221":217,"1,222":218,"1,223":219,"1,224":220,"1,225":221,"1,226":222,"1,227":223,"1,228":224,"1,229":225,"1,230":226,"1,231":227,"1,232":228,"1,233":229,"1,234":230,"1,235":231,"1,236":232,"1,237":233,"1,238":234,"1,239":235,"1,240":236,"1,241":237,"1,242":238,"1,243":239,"1,244":240,"1,245":241,"1,246":242,"1,247":243,"1,248":244,"1,249":245,"1,250":246,"1,251":247,"1,252":248,"1,253":249,"1,254":250,"1,255":251,"1,256":252,"1,257":253,"1,258":254,"1,259":255,"1,260":256,"1,261":257,"1,262":258,"1,263":259,"1,264":260,"1,265":261,"1,266":262,"1,267":263,"1,268":264,"1,269":265,"1,270":266,"1,271":267,"1,272":268,"1,273":269,"1,274":270,"1,275":271,"1,276":272,"1,277":273,"1,278":274,"1,279":275,"1,280":276,"1,281":277,"1,282":278,"1,283":279,"1,284":280,"1,285":281,"1,286":282,"1,287":283,"1,288":284,"1,289":285,"1,290":286,"1,291":287,"1,292":288,"1,293":289,"1,294":290,"1,295":291,"1,296":292,"1,297":293,"1,298":294,"1,299":295,"1,300":296,"1,301":297,"1,302":298,"1,303":299,"1,304":300,"1,305":301,"1,306":302,"1,307":303,"1,308":304,"1,309":305,"1,310":306,"1,311":307,"1,312":308,"1,313":309,"1,314":310,"1,315":311,"1,316":312,"1,317":313,"1,318":314,"1,319":315,"1,320":316,"1,321":317,"1,322":318,"1,323":319,"1,324":320,"1,325":321,"1,326":322,"1,327":323,"1,328":324,"1,329":325,"1,330":326,"1,331":327,"1,332":328,"1,333":329,"1,334":330,"1,335":331,"1,336":332,"1,337":333,"1,338":334,"1,339":335,"1,340":336,"1,341":337,"1,342":338,"1,343":339,"1,344":340,"1,345":341,"1,346":342,"1,347":343,"1,348":344,"1,349":345,"1,350":346,"1,351":347,"1,352":348,"1,353":349,"1,354":350,"1,355":351,"1,356":352,"1,357":353,"1,358":354,"1,359":355,"1,360":356,"1,361":357,"1,362":358,"1,363":359,"1,364":360,"1,365":361,"1,366":362,"1,367":363,"1,368":364,"1,369":365,"1,370":366,"1,371":367,"1,372":368,"1,373":369,"1,374":370,"1,375":371,"1,376":372,"1,377":373,"1,378":374,"1,379":375,"1,380":376,"1,381":377,"1,382":378,"1,383":379,"1,384":380,"1,385":381,"1,386":382,"1,387":383,"1,388":384,"1,389":385,"1,390":386,"1,391":387,"1,392":388,"1,393":389,"1,394":390,"1,395":391,"1,396":392,"1,397":393,"1,398":394,"1,399":395,"1,400":396,"1,401":397,"1,402":398,"1,403":399,"1,404":400,"1,405":401,"1,406":402,"1,407":403,"1,408":404,"1,409":405,"1,410":406,"1,411":407,"1,412":408,"1,413":409,"1,414":410,"1,415":411,"1,416":412,"1,417":413,"1,418":414,"1,419":415,"1,420":416,"2,5":417,"2,6":418,"2,7":419,"2,8":420,"2,9":421,"2,10":422,"2,11":423,"2,12":424,"2,13":425,"2,14":426,"2,15":427,"2,16":428,"2,17":429,"2,18":430,"2,19":431,"2,20":432,"2,21":433,"2,22":434,"2,23":435,"2,24":436,"2,25":437,"2,26":438,"2,27":439,"2,28":440,"2,29":441,"2,30":442,"2,31":443,"2,32":444,"2,33":445,"2,34":446,"2,35":447,"2,36":448,"2,37":449,"2,38":450,"2,39":451,"2,40":452,"2,41":453,"2,42":454,"2,43":455,"2,44":456,"2,45":457,"2,46":458,"2,47":459,"2,48":460,"2,49":461,"2,50":462,"2,51":463,"2,52":464,"2,53":465,"2,54":466,"2,55":467,"2,56":468,"2,57":469,"2,58":470,"2,59":471,"2,60":472,"2,61":473,"2,62":474,"2,63":475,"2,64":476,"2,65":477,"2,66":478,"2,67":479,"2,68":480,"2,69":481,"2,70":482,"2,71":483,"2,72":484,"2,73":485,"2,74":486,"2,75":487,"2,76":488,"2,77":489,"2,78":490,"2,79":491,"2,80":492,"2,81":493,"2,82":494,"2,83":495,"2,84":496,"2,85":497,"2,86":498,"2,87":499,"2,88":500,"2,89":501,"2,90":502,"2,91":503,"2,92":504,"2,93":505,"2,94":506,"2,95":507,"2,96":508,"2,97":509,"2,98":510,"2,99":511,"2,100":512,"2,101":513,"2,102":514,"2,103":515,"2,104":516,"2,105":517,"2,106":518,"2,107":519,"2,108":520,"2,109":521,"2,111":522,"2,112":523,"2,113":524,"2,114":525,"2,115":526,"2,116":527,"2,117":528,"2,118":529,"2,119":530,"2,120":531,"2,121":532,"2,122":533,"2,123":534,"2,124":535,"2,125":536,"2,126":537,"2,127":538,"2,128":539,"2,129":540,"2,130":541,"2,131":542,"2,132":543,"2,133":544,"2,134":545,"2,135":546,"2,136":547,"2,137":548,"2,138":549,"2,139":550,"2,140":551,"2,141":552,"2,142":553,"2,143":554,"2,144":555,"2,145":556,"2,146":557,"2,147":558,"2,148":559,"2,149":560,"2,150":561,"2,151":562,"2,152":563,"2,153":564,"2,154":565,"2,155":566,"2,156":567,"2,157":568,"2,158":569,"2,159":570,"2,160":571,"2,161":572,"2,162":573,"2,163":574,"2,165":575,"2,166":576,"2,167":577,"2,168":578,"2,169":579,"2,170":580,"2,171":581,"2,172":582,"2,173":583,"2,174":584,"2,175":585,"2,176":586,"2,177":587,"2,178":588,"2,179":589,"2,180":590,"2,181":591,"2,182":592,"2,183":593,"2,184":594,"2,185":595,"2,186":596,"2,187":597,"2,188":598,"2,189":599,"2,190":600,"2,191":601,"2,192":602,"2,193":603,"2,194":604,"2,195":605,"2,196":606,"2,197":607,"2,198":608,"2,199":609,"2,200":610,"2,201":611,"2,202":612,"2,203":613,"2,204":614,"2,205":615,"2,206":616,"2,207":617,"2,208":618,"2,209":619,"2,210":620,"2,211":621,"2,212":622,"2,213":623,"2,214":624,"2,215":625,"2,216":626,"2,217":627,"2,218":628,"2,219":629,"2,220":630,"2,221":631,"2,222":632,"2,223":633,"2,224":634,"2,225":635,"2,226":636,"2,227":637,"2,228":638,"2,229":639,"2,230":640,"2,231":641,"2,232":642,"2,233":643,"2,234":644,"2,235":645,"2,236":646,"2,237":647,"2,238":648,"2,239":649,"2,240":650,"2,241":651,"2,242":652,"2,243":653,"2,244":654,"2,245":655,"2,246":656,"2,247":657,"2,248":658,"2,249":659,"2,250":660,"2,251":661,"2,252":662,"2,253":663,"2,254":664,"2,255":665,"2,256":666,"2,257":667,"2,258":668,"2,259":669,"2,260":670,"2,261":671,"2,262":672,"2,263":673,"2,264":674,"2,265":675,"2,266":676,"2,267":677,"2,268":678,"2,269":679,"2,270":680,"2,271":681,"2,272":682,"2,273":683,"2,274":684,"2,275":685,"2,276":686,"2,277":687,"2,278":688,"2,279":689,"2,280":690,"2,281":691,"2,282":692,"2,283":693,"2,284":694,"2,285":695,"2,286":696,"2,287":697,"2,288":698,"2,289":699,"2,290":700,"2,291":701,"2,292":702,"2,293":703,"2,294":704,"2,295":705,"2,296":706,"2,297":707,"2,298":708,"2,299":709,"2,300":710,"2,301":711,"2,302":712,"2,303":713,"2,304":714,"2,305":715,"2,306":716,"2,307":717,"2,308":718,"2,309":719,"2,310":720,"2,311":721,"2,312":722,"2,313":723,"2,314":724,"2,315":725,"2,316":726,"2,317":727,"2,318":728,"2,319":729,"2,320":730,"2,321":731,"2,322":732,"2,323":733,"2,324":734,"2,325":735,"2,326":736,"2,327":737,"2,328":738,"2,329":739,"2,330":740,"2,331":741,"2,332":742,"2,333":743,"2,334":744,"2,335":745,"2,336":746,"2,337":747,"2,338":748,"2,339":749,"2,340":750,"2,341":751,"2,342":752,"2,343":753,"2,344":754,"2,345":755,"2,346":756,"2,347":757,"2,348":758,"2,349":759,"2,350":760,"2,351":761,"2,352":762,"2,353":763,"2,354":764,"2,355":765,"2,356":766,"2,357":767,"2,358":768,"2,359":769,"2,360":770,"2,361":771,"2,362":772,"2,363":773,"2,364":774,"2,365":775,"2,366":776,"2,367":777,"2,368":778,"2,369":779,"2,370":780,"2,371":781,"2,372":782,"2,373":783,"2,374":784,"2,375":785,"2,376":786,"2,377":787,"2,378":788,"2,379":789,"2,380":790,"2,381":791,"2,382":792,"2,383":793,"2,384":794,"2,385":795,"2,386":796,"2,387":797,"2,388":798,"2,389":799,"2,390":800,"2,391":801,"2,392":802,"2,393":803,"2,394":804,"2,395":805,"2,396":806,"2,397":807,"2,398":808,"2,399":809,"2,400":810,"2,401":811,"2,402":812,"2,403":813,"2,404":814,"2,405":815,"2,406":816,"2,407":817,"2,408":818,"2,409":819,"2,410":820,"2,411":821,"2,412":822,"2,413":823,"2,414":824,"2,415":825,"2,416":826,"2,417":827,"2,418":828,"2,419":829,"2,420":830,"2,421":831,"2,422":832,"2,423":833,"2,424":834,"2,425":835,"2,426":836,"2,427":837,"2,428":838,"2,429":839,"2,430":840,"2,431":841,"2,432":842,"2,433":843,"2,434":844,"2,435":845,"2,436":846,"2,437":847,"2,438":848,"2,439":849,"2,440":850,"2,441":851,"2,442":852,"2,443":853,"2,444":854,"2,445":855,"2,446":856,"2,447":857,"2,448":858,"2,449":859,"2,450":860,"2,451":861,"2,452":862,"2,453":863,"2,454":864,"2,455":865,"2,456":866,"2,457":867,"2,458":868,"2,459":869,"2,460":870,"2,461":871,"2,462":872,"2,463":873,"2,464":874,"2,465":875,"2,466":876,"2,467":877,"2,468":878,"2,469":879,"2,470":880,"2,471":881,"2,472":882,"2,473":883,"2,474":884,"2,475":885,"2,476":886,"2,477":887,"2,478":888,"2,479":889,"2,480":890,"2,481":891,"2,482":892,"2,483":893,"2,484":894,"2,485":895,"2,486":896,"2,487":897,"2,488":898,"2,489":899,"2,490":900,"2,491":901,"2,492":902,"2,493":903,"2,494":904,"2,495":905,"2,496":906,"2,497":907,"2,498":908,"2,499":909,"2,500":910,"2,501":911,"2,502":912,"2,503":913,"2,504":914,"2,505":915,"3,5":916,"3,6":917,"3,7":918,"3,8":919,"3,9":920,"3,10":921,"3,11":922,"3,12":923,"3,13":924,"3,14":925,"3,15":926,"3,16":927,"3,17":928,"3,18":929,"3,19":930,"3,20":931,"3,21":932,"3,22":933,"3,23":934,"3,24":935,"3,25":936,"3,26":937,"3,27":938,"3,28":939,"3,29":940,"3,30":941,"3,31":942,"3,32":943,"3,33":944,"3,34":945,"3,35":946,"3,36":947,"3,37":948,"3,38":949,"3,39":950,"3,40":951,"3,41":952,"3,42":953,"3,43":954,"3,44":955,"3,45":956,"3,46":957,"3,47":958,"3,48":959,"3,49":960,"3,50":961,"3,51":962,"3,52":963,"3,53":964,"3,54":965,"3,55":966,"3,56":967,"3,57":968,"3,58":969,"3,59":970,"3,60":971,"3,61":972,"3,62":973,"3,63":974,"3,64":975,"3,65":976,"3,66":977,"3,67":978,"3,68":979,"3,69":980,"3,70":981,"3,71":982,"3,72":983,"3,73":984,"3,74":985,"3,75":986,"3,76":987,"3,77":988,"3,78":989,"3,79":990,"3,80":991,"3,81":992,"3,82":993,"3,83":994,"3,84":995,"3,85":996,"3,86":997,"3,87":998,"3,88":999,"3,89":1000,"3,90":1001,"3,91":1002,"3,92":1003,"3,93":1004,"3,94":1005,"3,95":1006,"3,96":1007,"3,97":1008,"3,98":1009,"3,99":1010,"3,100":1011,"3,101":1012,"3,102":1013,"3,103":1014,"3,104":1015,"3,105":1016,"3,106":1017,"3,107":1018,"3,108":1019,"3,109":1020,"3,110":1021,"3,111":1022,"3,112":1023,"3,113":1024,"3,114":1025,"3,115":1026,"3,116":1027,"3,117":1028,"3,118":1029,"3,119":1030,"3,120":1031,"3,121":1032,"3,122":1033,"3,123":1034,"3,124":1035,"3,125":1036,"3,126":1037,"3,127":1038,"3,128":1039,"3,129":1040,"3,130":1041,"3,131":1042,"3,132":1043,"3,133":1044,"3,134":1045,"3,135":1046,"3,136":1047,"3,137":1048,"3,138":1049,"3,139":1050,"3,140":1051,"3,141":1052,"3,142":1053,"3,143":1054,"3,144":1055,"3,145":1056,"3,146":1057,"3,147":1058,"3,148":1059,"3,149":1060,"3,150":1061,"3,151":1062,"3,152":1063,"3,153":1064,"3,154":1065,"3,155":1066,"3,156":1067,"3,157":1068,"3,158":1069,"3,159":1070,"3,160":1071,"3,161":1072,"3,162":1073,"3,163":1074,"3,164":1075,"3,165":1076,"3,166":1077,"3,167":1078,"3,168":1079,"3,169":1080,"3,170":1081,"3,171":1082,"3,172":1083,"3,173":1084,"3,174":1085,"3,175":1086,"3,176":1087,"3,177":1088,"3,178":1089,"3,179":1090,"3,180":1091,"3,181":1092,"3,182":1093,"3,183":1094,"3,184":1095,"3,185":1096,"3,186":1097,"3,187":1098,"3,188":1099,"3,189":1100,"3,190":1101,"3,191":1102,"3,192":1103,"3,193":1104,"3,194":1105,"3,195":1106,"3,196":1107,"3,197":1108,"3,198":1109,"3,199":1110,"3,200":1111,"3,201":1112,"3,202":1113,"3,203":1114,"3,204":1115,"3,205":1116,"3,206":1117,"3,207":1118,"3,208":1119,"3,209":1120,"3,210":1121,"3,211":1122,"3,212":1123,"3,213":1124,"3,214":1125,"3,215":1126,"3,216":1127,"3,217":1128,"3,218":1129,"3,219":1130,"3,220":1131,"3,221":1132,"3,222":1133,"3,223":1134,"3,224":1135,"3,225":1136,"3,226":1137,"3,227":1138,"3,228":1139,"3,229":1140,"3,230":1141,"3,231":1142,"3,232":1143,"3,233":1144,"3,234":1145,"3,235":1146,"3,236":1147,"3,237":1148,"3,238":1149,"3,239":1150,"3,240":1151,"3,241":1152,"3,242":1153,"3,243":1154,"3,244":1155,"3,245":1156,"3,246":1157,"3,247":1158,"3,248":1159,"3,249":1160,"3,250":1161,"3,251":1162,"3,252":1163,"3,253":1164,"3,254":1165,"3,255":1166,"3,256":1167,"3,257":1168,"3,258":1169,"3,259":1170,"3,260":1171,"3,261":1172,"3,262":1173,"3,263":1174,"3,264":1175,"3,265":1176,"3,266":1177,"3,267":1178,"3,268":1179,"3,269":1180,"3,270":1181,"3,271":1182,"3,272":1183,"3,273":1184,"3,274":1185,"3,275":1186,"3,276":1187,"3,277":1188,"3,278":1189,"3,279":1190,"3,280":1191,"3,281":1192,"3,282":1193,"3,283":1194,"3,284":1195,"3,285":1196,"3,286":1197,"3,287":1198,"3,288":1199,"3,289":1200,"3,290":1201,"3,291":1202,"3,292":1203,"3,293":1204,"3,294":1205,"3,295":1206,"3,296":1207,"3,297":1208,"3,298":1209,"3,299":1210,"3,300":1211,"3,301":1212,"3,302":1213,"3,303":1214,"3,304":1215,"3,305":1216,"3,306":1217,"3,307":1218,"3,308":1219,"3,309":1220,"3,310":1221,"3,311":1222,"3,312":1223,"3,313":1224,"3,314":1225,"3,315":1226,"3,316":1227,"3,317":1228,"3,318":1229,"3,319":1230,"3,320":1231,"3,321":1232,"3,322":1233,"3,323":1234,"3,324":1235,"3,325":1236,"3,326":1237,"3,327":1238,"3,328":1239,"3,329":1240,"3,330":1241,"3,331":1242,"3,332":1243,"3,333":1244,"3,334":1245,"3,335":1246,"3,336":1247,"3,337":1248,"3,338":1249,"3,339":1250,"3,340":1251,"3,341":1252,"3,342":1253,"3,343":1254,"3,344":1255,"3,345":1256,"3,346":1257,"3,347":1258,"3,348":1259,"3,349":1260,"3,350":1261,"3,351":1262,"3,352":1263,"3,353":1264,"3,354":1265,"3,355":1266,"3,356":1267,"3,357":1268,"3,358":1269,"3,359":1270,"3,360":1271,"3,361":1272,"3,362":1273,"3,363":1274,"3,364":1275,"3,365":1276,"3,366":1277,"3,367":1278,"3,368":1279,"3,369":1280,"3,370":1281,"3,371":1282,"3,372":1283,"3,373":1284,"3,374":1285,"3,375":1286,"3,376":1287,"3,377":1288,"3,378":1289,"3,379":1290,"3,380":1291,"3,381":1292,"3,382":1293,"3,383":1294,"3,384":1295,"3,385":1296,"3,386":1297,"3,387":1298,"3,388":1299,"3,389":1300,"3,390":1301,"3,391":1302,"3,392":1303,"3,393":1304,"3,394":1305,"3,395":1306,"3,396":1307,"3,397":1308,"3,398":1309,"3,399":1310,"3,400":1311,"3,401":1312,"3,402":1313,"3,403":1314,"3,404":1315,"3,405":1316,"3,406":1317,"3,407":1318,"3,408":1319,"3,409":1320,"3,410":1321,"3,411":1322,"3,412":1323,"3,413":1324,"3,414":1325,"3,415":1326,"3,416":1327,"3,417":1328,"3,418":1329,"3,419":1330,"3,420":1331,"3,421":1332,"3,422":1333,"3,423":1334,"3,424":1335,"3,425":1336,"3,426":1337,"3,427":1338,"3,428":1339,"3,429":1340,"3,430":1341,"3,431":1342,"3,432":1343,"3,433":1344,"3,434":1345,"3,435":1346,"3,436":1347,"3,437":1348,"3,438":1349,"3,439":1350,"3,440":1351,"3,441":1352,"3,442":1353,"3,443":1354,"3,444":1355,"3,445":1356,"3,446":1357,"3,447":1358,"3,448":1359,"3,449":1360,"3,450":1361,"3,451":1362,"3,452":1363,"3,453":1364,"3,454":1365,"3,455":1366,"3,456":1367,"3,457":1368,"3,458":1369,"3,459":1370,"3,460":1371,"3,461":1372,"3,462":1373,"3,463":1374,"3,464":1375,"3,465":1376,"3,466":1377,"3,467":1378,"3,468":1379,"3,469":1380,"3,470":1381,"3,471":1382,"3,472":1383,"3,473":1384,"3,474":1385,"3,475":1386,"3,476":1387,"3,477":1388,"3,478":1389,"3,479":1390,"3,480":1391,"3,481":1392,"3,482":1393,"3,483":1394,"3,484":1395,"3,485":1396,"3,486":1397,"3,487":1398,"3,488":1399,"3,489":1400,"3,490":1401,"4,5":1402,"4,6":1403,"4,7":1404,"4,8":1405,"4,9":1406,"4,10":1407,"4,11":1408,"4,12":1409,"4,13":1410,"4,14":1411,"4,15":1412,"4,16":1413,"4,17":1414,"4,18":1415,"4,19":1416,"4,20":1417,"4,21":1418,"4,22":1419,"4,23":1420,"4,24":1421,"4,25":1422,"4,26":1423,"4,27":1424,"4,28":1425,"4,29":1426,"4,30":1427,"4,31":1428,"4,32":1429,"4,33":1430,"4,34":1431,"4,35":1432,"4,36":1433,"4,37":1434,"4,38":1435,"4,39":1436,"4,40":1437,"4,41":1438,"4,42":1439,"4,43":1440,"4,44":1441,"4,45":1442,"4,46":1443,"4,47":1444,"4,48":1445,"4,49":1446,"4,50":1447,"4,51":1448,"4,52":1449,"4,53":1450,"4,54":1451,"4,55":1452,"4,56":1453,"4,57":1454,"4,58":1455,"4,59":1456,"4,60":1457,"4,61":1458,"4,62":1459,"4,63":1460,"4,64":1461,"4,65":1462,"4,66":1463,"4,67":1464,"4,68":1465,"4,69":1466,"4,70":1467,"4,71":1468,"4,72":1469,"4,73":1470,"4,74":1471,"4,75":1472,"4,76":1473,"4,77":1474,"4,78":1475,"4,79":1476,"4,80":1477,"4,81":1478,"4,82":1479,"4,83":1480,"4,84":1481,"4,85":1482,"4,86":1483,"4,87":1484,"4,88":1485,"4,89":1486,"4,90":1487,"4,91":1488,"4,92":1489,"4,93":1490,"4,94":1491,"4,95":1492,"4,96":1493,"4,97":1494,"4,98":1495,"4,99":1496,"4,100":1497,"4,101":1498,"4,102":1499,"4,103":1500,"4,104":1501,"4,105":1502,"4,106":1503,"4,107":1504,"4,108":1505,"4,109":1506,"4,110":1507,"4,111":1508,"4,112":1509,"4,113":1510,"4,114":1511,"4,115":1512,"4,116":1513,"4,117":1514,"4,118":1515,"4,119":1516,"4,120":1517,"4,121":1518,"4,122":1519,"4,123":1520,"4,124":1521,"4,125":1522,"4,126":1523,"4,127":1524,"4,128":1525,"4,129":1526,"4,130":1527,"4,131":1528,"4,132":1529,"4,133":1530,"4,134":1531,"4,135":1532,"4,136":1533,"4,137":1534,"4,138":1535,"4,139":1536,"4,140":1537,"4,141":1538,"4,142":1539,"4,143":1540,"4,144":1541,"4,145":1542,"4,146":1543,"4,147":1544,"4,148":1545,"4,149":1546,"4,150":1547,"4,151":1548,"4,152":1549,"4,153":1550,"4,154":1551,"4,155":1552,"4,156":1553,"4,157":1554,"4,158":1555,"4,159":1556,"4,160":1557,"4,161":1558,"4,162":1559,"4,163":1560,"4,164":1561,"4,165":1562,"4,166":1563,"4,167":1564,"4,168":1565,"4,169":1566,"4,170":1567,"4,171":1568,"4,172":1569,"4,173":1570,"4,174":1571,"4,175":1572,"4,176":1573,"4,177":1574,"4,178":1575,"4,179":1576,"4,180":1577,"4,181":1578,"4,182":1579,"4,183":1580,"4,184":1581,"4,185":1582,"4,186":1583,"4,187":1584,"4,188":1585,"4,189":1586,"4,190":1587,"4,191":1588,"4,192":1589,"4,193":1590,"4,194":1591,"4,195":1592,"4,196":1593,"4,197":1594,"4,198":1595,"4,199":1596,"4,200":1597,"4,201":1598,"4,202":1599,"4,203":1600,"4,204":1601,"4,205":1602,"4,206":1603,"4,207":1604,"4,208":1605,"4,209":1606,"4,210":1607,"4,211":1608,"4,212":1609,"4,213":1610,"4,214":1611,"4,215":1612,"4,216":1613,"4,217":1614,"4,218":1615,"4,219":1616,"4,220":1617,"4,221":1618,"4,222":1619,"4,223":1620,"4,224":1621,"4,225":1622,"4,226":1623,"4,227":1624,"4,229":1625,"4,230":1626,"4,231":1627,"4,232":1628,"4,233":1629,"4,234":1630,"4,235":1631,"4,236":1632,"4,237":1633,"4,238":1634,"4,239":1635,"4,240":1636,"4,241":1637,"4,242":1638,"4,243":1639,"4,244":1640,"4,245":1641,"4,246":1642,"4,247":1643,"4,248":1644,"4,249":1645,"4,250":1646,"4,251":1647,"4,252":1648,"4,253":1649,"4,254":1650,"4,255":1651,"4,256":1652,"4,257":1653,"4,258":1654,"4,259":1655,"4,260":1656,"4,261":1657,"4,262":1658,"4,263":1659,"4,264":1660,"4,265":1661,"4,266":1662,"4,267":1663,"4,268":1664,"4,269":1665,"4,270":1666,"4,271":1667,"4,272":1668,"4,273":1669,"4,274":1670,"4,275":1671,"4,276":1672,"4,277":1673,"4,278":1674,"4,279":1675,"4,280":1676,"4,281":1677,"4,282":1678,"4,283":1679,"4,284":1680,"4,285":1681,"4,286":1682,"4,287":1683,"4,288":1684,"4,289":1685,"4,290":1686,"4,291":1687,"4,292":1688,"4,293":1689,"4,294":1690,"4,295":1691,"4,296":1692,"4,297":1693,"4,298":1694,"4,299":1695,"4,300":1696,"4,301":1697,"4,302":1698,"4,303":1699,"4,304":1700,"4,305":1701,"4,306":1702,"4,307":1703,"4,308":1704,"4,309":1705,"4,310":1706,"4,311":1707,"4,312":1708,"4,313":1709,"4,314":1710,"4,315":1711,"4,316":1712,"4,317":1713,"4,318":1714,"4,319":1715,"4,320":1716,"4,321":1717,"4,322":1718,"4,323":1719,"4,324":1720,"4,325":1721,"4,326":1722,"4,327":1723,"4,328":1724,"4,329":1725,"4,330":1726,"4,331":1727,"4,332":1728,"4,333":1729,"4,334":1730,"4,335":1731,"4,336":1732,"4,337":1733,"4,338":1734,"4,339":1735,"4,340":1736,"4,341":1737,"4,342":1738,"4,343":1739,"4,344":1740,"4,345":1741,"4,346":1742,"4,347":1743,"4,348":1744,"4,349":1745,"4,350":1746,"4,351":1747,"4,352":1748,"4,353":1749,"4,354":1750,"4,355":1751,"4,356":1752,"4,357":1753,"4,358":1754,"4,359":1755,"4,360":1756,"4,361":1757,"4,362":1758,"4,363":1759,"4,364":1760,"4,365":1761,"4,366":1762,"4,367":1763,"4,368":1764,"4,369":1765,"4,370":1766,"4,371":1767,"4,372":1768,"4,373":1769,"4,374":1770,"4,375":1771,"4,376":1772,"4,377":1773,"4,378":1774,"4,379":1775,"4,380":1776,"4,381":1777,"4,382":1778,"4,383":1779,"4,384":1780,"4,385":1781,"4,386":1782,"4,387":1783,"4,389":1784,"4,390":1785,"4,391":1786,"4,392":1787,"4,393":1788,"4,394":1789,"4,395":1790,"4,396":1791,"4,397":1792,"4,398":1793,"4,399":1794,"4,400":1795,"4,401":1796,"4,402":1797,"4,403":1798,"4,404":1799,"4,405":1800,"4,406":1801,"4,407":1802,"4,408":1803,"4,409":1804,"4,410":1805,"4,411":1806,"4,412":1807,"4,413":1808,"4,414":1809,"4,415":1810,"4,416":1811,"4,417":1812,"4,418":1813,"4,419":1814,"4,420":1815,"4,421":1816,"4,422":1817,"4,423":1818,"4,424":1819,"4,425":1820,"4,426":1821,"4,427":1822,"4,428":1823,"4,429":1824,"4,430":1825,"4,431":1826,"4,432":1827,"4,433":1828,"4,434":1829,"4,435":1830,"4,436":1831,"4,437":1832,"4,438":1833,"4,439":1834,"4,440":1835,"4,441":1836,"4,442":1837,"4,443":1838,"4,444":1839,"4,445":1840,"4,446":1841,"4,447":1842,"4,448":1843,"4,449":1844,"4,450":1845,"4,451":1846,"4,452":1847,"4,453":1848,"4,454":1849,"4,455":1850,"4,456":1851,"4,457":1852,"4,458":1853,"4,459":1854,"4,460":1855,"4,461":1856,"4,462":1857,"4,463":1858,"4,464":1859,"4,465":1860,"4,466":1861,"4,467":1862,"4,468":1863,"4,469":1864,"4,470":1865,"4,471":1866,"4,472":1867,"4,473":1868,"4,474":1869,"4,475":1870,"4,476":1871,"4,477":1872,"4,478":1873,"4,479":1874,"4,480":1875,"4,481":1876,"4,482":1877,"4,483":1878,"4,484":1879,"4,485":1880,"4,486":1881,"4,487":1882,"4,488":1883,"4,489":1884,"4,490":1885,"4,491":1886,"4,492":1887,"4,493":1888,"4,494":1889,"4,495":1890,"4,496":1891,"4,497":1892,"4,498":1893,"4,499":1894,"4,500":1895,"4,501":1896,"4,502":1897,"4,503":1898,"4,504":1899,"4,505":1900,"4,506":1901,"4,507":1902,"4,508":1903,"4,509":1904,"4,510":1905,"4,511":1906,"5,5":1907,"5,6":1908,"5,7":1909,"5,8":1910,"5,9":1911,"5,10":1912,"5,11":1913,"5,12":1914,"5,13":1915,"5,14":1916,"5,15":1917,"5,16":1918,"5,17":1919,"5,18":1920,"5,19":1921,"5,20":1922,"5,21":1923,"5,22":1924,"5,23":1925,"5,24":1926,"5,25":1927,"5,26":1928,"5,27":1929,"5,28":1930,"5,29":1931,"5,30":1932,"5,31":1933,"5,32":1934,"5,33":1935,"5,34":1936,"5,35":1937,"5,36":1938,"5,37":1939,"5,38":1940,"5,39":1941,"5,40":1942,"5,41":1943,"5,42":1944,"5,43":1945,"5,44":1946,"5,45":1947,"5,46":1948,"5,47":1949,"5,48":1950,"5,49":1951,"5,50":1952,"5,51":1953,"5,52":1954,"5,53":1955,"5,54":1956,"5,55":1957,"5,56":1958,"5,57":1959,"5,58":1960,"5,59":1961,"5,60":1962,"5,61":1963,"5,62":1964,"5,63":1965,"5,64":1966,"5,65":1967,"5,66":1968,"5,67":1969,"5,68":1970,"5,69":1971,"5,70":1972,"5,71":1973,"5,72":1974,"5,73":1975,"5,74":1976,"5,75":1977,"5,76":1978,"5,77":1979,"5,78":1980,"5,79":1981,"5,80":1982,"5,81":1983,"5,82":1984,"5,83":1985,"5,84":1986,"5,85":1987,"5,86":1988,"5,87":1989,"5,88":1990,"5,89":1991,"5,90":1992,"5,91":1993,"5,92":1994,"5,93":1995,"5,94":1996,"5,95":1997,"5,96":1998,"5,97":1999,"5,98":2000,"5,99":2001,"5,100":2002,"5,101":2003,"5,102":2004,"5,103":2005,"5,104":2006,"5,105":2007,"5,106":2008,"5,107":2009,"5,108":2010,"5,109":2011,"5,110":2012,"5,111":2013,"5,112":2014,"5,113":2015,"5,114":2016,"5,115":2017,"5,116":2018,"5,117":2019,"5,118":2020,"5,119":2021,"5,120":2022,"5,121":2023,"5,122":2024,"5,123":2025,"5,124":2026,"5,125":2027,"5,126":2028,"5,127":2029,"5,128":2030,"5,129":2031,"5,130":2032,"5,131":2033,"5,132":2034,"5,133":2035,"5,134":2036,"5,135":2037,"5,136":2038,"5,137":2039,"5,138":2040,"5,139":2041,"5,140":2042,"5,141":2043,"5,142":2044,"5,143":2045,"5,144":2046,"5,145":2047,"5,146":2048,"5,147":2049,"5,148":2050,"5,149":2051,"5,150":2052,"5,151":2053,"5,152":2054,"5,153":2055,"5,154":2056,"5,155":2057,"5,156":2058,"5,157":2059,"5,158":2060,"5,159":2061,"5,160":2062,"5,161":2063,"5,162":2064,"5,163":2065,"5,164":2066,"5,165":2067,"5,166":2068,"5,167":2069,"5,168":2070,"5,169":2071,"5,170":2072,"5,171":2073,"5,172":2074,"5,173":2075,"5,174":2076,"5,175":2077,"5,176":2078,"5,177":2079,"5,178":2080,"5,179":2081,"5,180":2082,"5,181":2083,"5,182":2084,"5,183":2085,"5,184":2086,"5,185":2087,"5,186":2088,"5,187":2089,"5,188":2090,"5,189":2091,"5,190":2092,"5,191":2093,"5,192":2094,"5,193":2095,"5,194":2096,"5,195":2097,"5,196":2098,"5,197":2099,"5,198":2100,"5,199":2101,"5,200":2102,"5,201":2103,"5,202":2104,"5,203":2105,"5,204":2106,"5,205":2107,"5,206":2108,"5,207":2109,"5,208":2110,"5,209":2111,"5,210":2112,"5,211":2113,"5,212":2114,"5,213":2115,"5,214":2116,"5,215":2117,"5,216":2118,"5,217":2119,"5,218":2120,"5,219":2121,"5,220":2122,"5,221":2123,"5,222":2124,"5,223":2125,"5,224":2126,"5,225":2127,"5,226":2128,"5,227":2129,"5,228":2130,"5,229":2131,"5,230":2132,"5,231":2133,"5,232":2134,"5,233":2135,"5,234":2136,"5,235":2137,"5,236":2138,"5,237":2139,"5,238":2140,"5,239":2141,"5,240":2142,"5,241":2143,"5,242":2144,"5,243":2145,"5,244":2146,"5,245":2147,"5,246":2148,"5,247":2149,"5,248":2150,"5,249":2151,"5,250":2152,"5,251":2153,"5,252":2154,"5,253":2155,"5,254":2156,"5,255":2157,"5,256":2158,"5,257":2159,"5,258":2160,"5,259":2161,"5,260":2162,"5,261":2163,"5,262":2164,"5,263":2165,"5,264":2166,"5,265":2167,"5,266":2168,"5,267":2169,"5,268":2170,"5,269":2171,"5,270":2172,"5,271":2173,"5,272":2174,"5,273":2175,"5,274":2176,"5,275":2177,"5,276":2178,"5,277":2179,"5,278":2180,"5,279":2181,"5,280":2182,"5,281":2183,"5,282":2184,"5,283":2185,"5,284":2186,"5,285":2187,"5,286":2188,"5,287":2189,"5,288":2190,"5,289":2191,"5,290":2192,"5,291":2193,"5,292":2194,"5,293":2195,"5,294":2196,"5,295":2197,"5,296":2198,"5,297":2199,"5,298":2200,"5,299":2201,"5,300":2202,"5,301":2203,"5,302":2204,"5,303":2205,"5,304":2206,"5,305":2207,"5,306":2208,"5,307":2209,"5,308":2210,"5,309":2211,"5,310":2212,"5,311":2213,"5,312":2214,"5,313":2215,"5,314":2216,"5,315":2217,"5,316":2218,"5,317":2219,"5,318":2220,"5,319":2221,"5,320":2222,"5,321":2223,"5,322":2224,"5,323":2225,"5,324":2226,"5,325":2227,"5,326":2228,"5,327":2229,"5,328":2230,"5,329":2231,"5,330":2232,"5,331":2233,"5,332":2234,"5,333":2235,"5,334":2236,"5,335":2237,"5,336":2238,"5,337":2239,"5,338":2240,"5,339":2241,"5,340":2242,"5,341":2243,"5,342":2244,"5,343":2245,"5,344":2246,"5,345":2247,"5,346":2248,"5,347":2249,"5,348":2250,"5,349":2251,"5,350":2252,"5,351":2253,"5,352":2254,"5,353":2255,"5,354":2256,"5,355":2257,"5,356":2258,"5,357":2259,"5,358":2260,"5,359":2261,"5,360":2262,"5,361":2263,"5,362":2264,"5,363":2265,"5,364":2266,"5,365":2267,"5,366":2268,"5,367":2269,"5,368":2270,"5,369":2271,"5,370":2272,"5,371":2273,"5,372":2274,"5,373":2275,"5,374":2276,"5,375":2277,"5,376":2278,"5,377":2279,"6,5":2280,"6,6":2281,"6,7":2282,"6,8":2283,"6,9":2284,"6,10":2285,"6,11":2286,"6,12":2287,"6,13":2288,"6,14":2289,"6,15":2290,"6,16":2291,"6,17":2292,"6,18":2293,"6,19":2294,"6,20":2295,"6,21":2296,"6,22":2297,"6,23":2298,"6,24":2299,"6,25":2300,"6,26":2301,"6,27":2302,"6,28":2303,"6,29":2304,"6,30":2305,"6,31":2306,"6,32":2307,"6,33":2308,"6,34":2309,"6,35":2310,"6,36":2311,"6,37":2312,"6,38":2313,"6,39":2314,"6,40":2315,"6,41":2316,"6,42":2317,"6,43":2318,"6,44":2319,"6,45":2320,"6,46":2321,"6,47":2322,"6,48":2323,"6,49":2324,"6,50":2325,"6,51":2326,"6,52":2327,"6,53":2328,"6,54":2329,"6,55":2330,"6,56":2331,"6,57":2332,"6,58":2333,"6,59":2334,"6,60":2335,"6,61":2336,"6,62":2337,"6,63":2338,"6,64":2339,"6,65":2340,"6,66":2341,"6,67":2342,"6,68":2343,"6,69":2344,"6,70":2345,"6,71":2346,"6,72":2347,"6,73":2348,"6,74":2349,"6,75":2350,"6,76":2351,"6,77":2352,"6,78":2353,"6,79":2354,"6,80":2355,"6,81":2356,"6,82":2357,"6,83":2358,"6,84":2359,"6,85":2360,"6,86":2361,"6,87":2362,"6,88":2363,"6,89":2364,"6,90":2365,"6,91":2366,"6,92":2367,"6,93":2368,"6,94":2369,"6,95":2370,"6,96":2371,"6,97":2372,"6,98":2373,"6,99":2374,"6,100":2375,"6,101":2376,"6,102":2377,"6,103":2378,"6,104":2379,"6,105":2380,"6,106":2381,"6,107":2382,"6,108":2383,"6,109":2384,"6,110":2385,"6,111":2386,"6,112":2387,"6,113":2388,"6,114":2389,"6,115":2390,"6,116":2391,"6,117":2392,"6,118":2393,"6,119":2394,"6,120":2395,"6,121":2396,"6,122":2397,"6,123":2398,"6,124":2399,"6,125":2400,"6,126":2401,"6,127":2402,"6,128":2403,"6,129":2404,"6,130":2405,"6,131":2406,"6,132":2407,"6,133":2408,"6,134":2409,"6,135":2410,"6,136":2411,"6,137":2412,"6,138":2413,"6,139":2414,"6,140":2415,"6,141":2416,"6,142":2417,"6,143":2418,"6,144":2419,"6,145":2420,"6,146":2421,"6,147":2422,"6,148":2423,"6,149":2424,"6,150":2425,"6,151":2426,"6,152":2427,"6,153":2428,"6,154":2429,"6,155":2430,"6,156":2431,"6,157":2432,"6,158":2433,"6,159":2434,"6,160":2435,"6,161":2436,"6,162":2437,"6,163":2438,"6,164":2439,"6,165":2440,"6,166":2441,"6,167":2442,"6,168":2443,"6,169":2444,"6,170":2445,"6,171":2446,"6,172":2447,"6,173":2448,"6,174":2449,"6,175":2450,"6,176":2451,"6,177":2452,"6,178":2453,"6,179":2454,"6,180":2455,"6,181":2456,"6,182":2457,"6,183":2458,"6,184":2459,"6,185":2460,"6,186":2461,"6,187":2462,"6,188":2463,"6,189":2464,"6,190":2465,"6,191":2466,"6,192":2467,"6,193":2468,"6,194":2469,"6,195":2470,"6,196":2471,"6,197":2472,"6,198":2473,"6,199":2474,"6,200":2475,"6,201":2476,"6,202":2477,"6,203":2478,"6,204":2479,"6,205":2480,"6,206":2481,"6,207":2482,"6,208":2483,"6,209":2484,"6,210":2485,"6,211":2486,"6,212":2487,"6,213":2488,"6,214":2489,"6,215":2490,"6,216":2491,"6,217":2492,"6,218":2493,"6,219":2494,"6,220":2495,"6,221":2496,"6,222":2497,"6,223":2498,"6,224":2499,"6,225":2500,"6,226":2501,"6,227":2502,"6,228":2503,"6,229":2504,"6,230":2505,"6,231":2506,"6,232":2507,"6,233":2508,"6,234":2509,"6,235":2510,"6,236":2511,"6,237":2512,"6,238":2513,"6,239":2514,"6,240":2515,"6,241":2516,"6,242":2517,"6,243":2518,"6,244":2519,"6,245":2520,"6,246":2521,"6,247":2522,"6,248":2523,"6,249":2524,"6,250":2525,"6,251":2526,"6,252":2527,"6,253":2528,"6,254":2529,"6,255":2530,"6,256":2531,"6,257":2532,"6,258":2533,"6,259":2534,"6,260":2535,"6,261":2536,"6,262":2537,"6,263":2538,"6,264":2539,"6,265":2540,"6,266":2541,"6,267":2542,"6,268":2543,"6,269":2544,"6,270":2545,"6,271":2546,"6,272":2547,"6,273":2548,"6,274":2549,"6,275":2550,"6,276":2551,"6,277":2552,"6,278":2553,"6,279":2554,"6,280":2555,"6,281":2556,"6,282":2557,"6,283":2558,"6,284":2559,"6,285":2560,"6,286":2561,"6,287":2562,"6,288":2563,"6,289":2564,"6,290":2565,"6,291":2566,"6,292":2567,"6,293":2568,"6,294":2569,"6,295":2570,"6,296":2571,"6,297":2572,"6,298":2573,"6,299":2574,"6,300":2575,"6,301":2576,"6,302":2577,"6,303":2578,"6,304":2579,"6,305":2580,"6,306":2581,"6,307":2582,"6,308":2583,"6,309":2584,"6,310":2585,"6,311":2586,"6,312":2587,"6,313":2588,"6,314":2589,"6,315":2590,"6,316":2591,"6,317":2592,"6,318":2593,"6,319":2594,"6,320":2595,"6,321":2596,"6,322":2597,"6,323":2598,"6,324":2599,"6,325":2600,"6,326":2601,"6,327":2602,"6,328":2603,"6,329":2604,"6,330":2605,"6,331":2606,"6,332":2607,"6,333":2608,"6,334":2609,"6,335":2610,"6,336":2611,"6,337":2612,"6,338":2613,"6,339":2614,"6,340":2615,"6,341":2616,"6,342":2617,"6,343":2618,"6,344":2619,"6,345":2620,"6,346":2621,"6,347":2622,"6,348":2623,"6,349":2624,"6,350":2625,"6,351":2626,"6,352":2627,"6,353":2628,"6,354":2629,"6,355":2630,"6,356":2631,"6,357":2632,"6,358":2633,"6,359":2634,"6,360":2635,"6,361":2636,"6,362":2637,"6,363":2638,"6,364":2639,"6,365":2640,"6,366":2641,"6,367":2642,"6,368":2643,"6,369":2644,"6,370":2645,"6,371":2646,"6,372":2647,"6,373":2648,"6,374":2649,"6,375":2650,"6,376":2651,"6,377":2652,"6,378":2653,"6,379":2654,"6,380":2655,"6,381":2656,"6,382":2657,"6,383":2658,"6,384":2659,"6,385":2660,"6,386":2661,"6,387":2662,"6,388":2663,"6,389":2664,"6,390":2665,"6,391":2666,"6,392":2667,"6,393":2668,"6,394":2669,"6,395":2670,"6,396":2671,"6,397":2672,"6,398":2673,"6,399":2674,"6,400":2675,"6,401":2676,"6,402":2677,"6,403":2678,"6,404":2679,"6,405":2680,"6,406":2681,"6,407":2682,"6,408":2683,"6,409":2684,"6,410":2685,"6,411":2686,"6,412":2687,"6,413":2688,"6,414":2689,"6,415":2690,"6,416":2691,"6,417":2692,"6,418":2693,"6,419":2694,"6,420":2695,"6,421":2696,"6,422":2697,"6,423":2698,"6,424":2699,"6,425":2700,"6,426":2701,"6,427":2702,"6,428":2703,"6,429":2704,"6,430":2705,"6,431":2706,"6,432":2707,"6,433":2708,"6,434":2709,"6,435":2710,"6,436":2711,"6,437":2712,"6,438":2713,"6,439":2714,"6,440":2715,"6,441":2716,"6,442":2717,"6,443":2718,"6,444":2719,"6,445":2720,"6,446":2721,"6,447":2722,"6,448":2723,"6,449":2724,"6,450":2725,"6,451":2726,"6,452":2727,"6,453":2728,"6,454":2729,"6,455":2730,"6,456":2731,"6,457":2732,"6,458":2733,"6,459":2734,"6,460":2735,"6,461":2736,"6,462":2737,"6,463":2738,"6,464":2739,"6,465":2740,"6,466":2741,"6,467":2742,"6,468":2743,"6,469":2744,"6,470":2745,"6,471":2746,"6,472":2747,"6,473":2748,"6,474":2749,"6,475":2750,"6,476":2751,"6,477":2752,"6,478":2753,"6,479":2754,"6,480":2755,"6,481":2756,"6,482":2757,"6,483":2758,"6,484":2759,"6,485":2760,"6,486":2761,"6,487":2762,"6,488":2763,"6,489":2764,"6,490":2765,"6,491":2766,"7,5":2767,"7,6":2768,"7,7":2769,"7,8":2770,"7,9":2771,"7,10":2772,"7,11":2773,"7,12":2774,"7,13":2775,"7,14":2776,"7,15":2777,"7,16":2778,"7,17":2779,"7,18":2780,"7,19":2781,"7,20":2782,"7,21":2783,"7,22":2784,"7,23":2785,"7,24":2786,"7,25":2787,"7,26":2788,"7,27":2789,"7,28":2790,"7,29":2791,"7,30":2792,"7,31":2793,"7,32":2794,"7,33":2795,"7,34":2796,"7,35":2797,"7,36":2798,"7,37":2799,"7,38":2800,"7,39":2801,"7,40":2802,"7,41":2803,"7,42":2804,"7,43":2805,"7,44":2806,"7,45":2807,"7,46":2808,"7,47":2809,"7,48":2810,"7,49":2811,"7,50":2812,"7,51":2813,"7,52":2814,"7,53":2815,"7,54":2816,"7,55":2817,"7,56":2818,"7,57":2819,"7,58":2820,"7,59":2821,"7,60":2822,"7,61":2823,"7,62":2824,"7,63":2825,"7,64":2826,"7,65":2827,"7,66":2828,"7,67":2829,"7,68":2830,"7,69":2831,"7,70":2832,"7,71":2833,"7,72":2834,"7,73":2835,"7,74":2836,"7,75":2837,"7,76":2838,"7,77":2839,"7,78":2840,"7,79":2841,"7,80":2842,"7,81":2843,"7,82":2844,"7,83":2845,"7,84":2846,"7,85":2847,"7,86":2848,"7,87":2849,"7,88":2850,"7,89":2851,"7,90":2852,"7,91":2853,"7,92":2854,"7,93":2855,"7,94":2856,"7,95":2857,"7,96":2858,"7,97":2859,"7,98":2860,"7,99":2861,"7,100":2862,"7,101":2863,"7,102":2864,"7,103":2865,"7,104":2866,"7,105":2867,"7,106":2868,"7,107":2869,"7,108":2870,"7,109":2871,"7,110":2872,"7,111":2873,"7,112":2874,"7,113":2875,"7,114":2876,"7,115":2877,"7,116":2878,"7,117":2879,"7,118":2880,"7,119":2881,"7,120":2882,"7,121":2883,"7,122":2884,"7,123":2885,"7,124":2886,"7,125":2887,"7,126":2888,"7,127":2889,"7,128":2890,"7,129":2891,"7,130":2892,"7,131":2893,"7,132":2894,"7,133":2895,"7,134":2896,"7,135":2897,"7,136":2898,"7,137":2899,"7,138":2900,"7,139":2901,"7,140":2902,"7,141":2903,"7,142":2904,"7,143":2905,"7,144":2906,"7,145":2907,"7,146":2908,"7,147":2909,"7,148":2910,"7,149":2911,"7,150":2912,"7,151":2913,"7,152":2914,"7,153":2915,"7,154":2916,"7,155":2917,"7,156":2918,"7,157":2919,"7,158":2920,"7,159":2921,"7,160":2922,"7,161":2923,"7,162":2924,"7,163":2925,"7,164":2926,"7,165":2927,"7,166":2928,"7,167":2929,"7,168":2930,"7,169":2931,"7,170":2932,"7,171":2933,"7,172":2934,"7,173":2935,"7,174":2936,"7,175":2937,"7,176":2938,"7,177":2939,"7,178":2940,"7,179":2941,"7,180":2942,"7,181":2943,"7,182":2944,"7,183":2945,"7,184":2946,"7,185":2947,"7,186":2948,"7,187":2949,"7,188":2950,"7,189":2951,"7,190":2952,"7,191":2953,"7,192":2954,"7,193":2955,"7,194":2956,"7,195":2957,"7,196":2958,"7,197":2959,"7,198":2960,"7,199":2961,"7,200":2962,"7,201":2963,"7,202":2964,"7,203":2965,"7,204":2966,"7,205":2967,"7,206":2968,"7,207":2969,"7,208":2970,"7,209":2971,"7,210":2972,"7,211":2973,"7,212":2974,"7,213":2975,"7,214":2976,"7,215":2977,"7,216":2978,"7,217":2979,"7,218":2980,"7,219":2981,"7,220":2982,"7,221":2983,"7,222":2984,"7,223":2985,"7,224":2986,"7,225":2987,"7,226":2988,"7,227":2989,"7,228":2990,"7,229":2991,"7,230":2992,"7,231":2993,"7,232":2994,"7,233":2995,"7,234":2996,"7,235":2997,"7,236":2998,"7,237":2999,"7,238":3000,"7,239":3001,"7,240":3002,"7,241":3003,"7,242":3004,"7,243":3005,"7,244":3006,"7,245":3007,"7,246":3008,"7,247":3009,"7,248":3010,"7,249":3011,"7,250":3012,"7,251":3013,"7,252":3014,"7,253":3015,"7,254":3016,"7,255":3017,"7,256":3018,"7,257":3019,"7,258":3020,"7,259":3021,"7,260":3022,"7,261":3023,"7,262":3024,"7,263":3025,"7,264":3026,"7,265":3027,"7,266":3028,"7,267":3029,"7,268":3030,"7,269":3031,"7,270":3032,"7,271":3033,"7,272":3034,"7,273":3035,"7,274":3036,"7,275":3037,"7,276":3038,"7,277":3039,"7,278":3040,"7,279":3041,"7,280":3042,"7,281":3043,"7,282":3044,"7,283":3045,"7,284":3046,"7,285":3047,"7,286":3048,"7,287":3049,"7,288":3050,"7,289":3051,"7,290":3052,"7,291":3053,"7,292":3054,"7,293":3055,"7,294":3056,"7,295":3057,"7,296":3058,"7,297":3059,"7,298":3060,"7,299":3061,"7,300":3062,"7,301":3063,"7,302":3064,"7,303":3065,"7,304":3066,"7,305":3067,"7,306":3068,"7,307":3069,"7,308":3070,"7,309":3071,"7,310":3072,"7,311":3073,"7,312":3074,"7,313":3075,"7,314":3076,"7,315":3077,"7,316":3078,"7,317":3079,"7,318":3080,"7,319":3081,"7,320":3082,"7,321":3083,"7,322":3084,"7,323":3085,"7,324":3086,"7,325":3087,"7,326":3088,"7,327":3089,"7,328":3090,"7,329":3091,"7,330":3092,"7,331":3093,"7,332":3094,"7,333":3095,"7,334":3096,"7,335":3097,"7,336":3098,"7,337":3099,"7,338":3100,"7,339":3101,"7,340":3102,"7,341":3103,"7,342":3104,"7,343":3105,"7,344":3106,"7,345":3107,"7,346":3108,"7,347":3109,"7,348":3110,"7,349":3111,"7,350":3112,"7,351":3113,"7,352":3114,"7,353":3115,"7,354":3116,"7,355":3117,"7,356":3118,"7,357":3119,"7,358":3120,"7,359":3121,"7,360":3122,"7,361":3123,"7,362":3124,"7,363":3125,"7,364":3126,"7,365":3127,"7,366":3128,"7,367":3129,"7,368":3130,"7,369":3131,"7,370":3132,"7,371":3133,"7,372":3134,"7,373":3135,"7,374":3136,"7,375":3137,"7,376":3138,"7,377":3139,"7,378":3140,"7,379":3141,"7,380":3142,"7,381":3143,"7,382":3144,"7,383":3145,"7,384":3146,"7,385":3147,"7,386":3148,"7,387":3149,"7,388":3150,"7,389":3151,"7,390":3152,"7,391":3153,"7,392":3154,"7,393":3155,"7,394":3156,"7,395":3157,"7,396":3158,"7,397":3159,"7,398":3160,"7,399":3161,"7,400":3162,"7,401":3163,"7,402":3164,"7,403":3165,"7,404":3166,"7,405":3167,"7,406":3168,"7,407":3169,"7,408":3170,"7,409":3171,"7,410":3172,"7,411":3173,"7,412":3174,"7,413":3175,"7,414":3176,"7,415":3177,"7,416":3178,"7,417":3179,"7,418":3180,"7,419":3181,"7,420":3182,"7,421":3183,"7,422":3184,"7,423":3185,"7,424":3186,"7,425":3187,"7,426":3188,"7,427":3189,"7,428":3190,"7,429":3191,"7,430":3192,"7,431":3193,"7,432":3194,"7,433":3195,"7,434":3196,"7,435":3197,"7,436":3198,"7,437":3199,"7,438":3200,"7,439":3201,"7,440":3202,"7,441":3203,"7,442":3204,"7,443":3205,"7,444":3206,"7,445":3207,"7,446":3208,"7,447":3209,"7,448":3210,"7,449":3211,"7,450":3212,"7,451":3213,"7,452":3214,"7,453":3215,"7,454":3216,"7,455":3217,"7,456":3218,"7,457":3219,"7,458":3220,"7,459":3221,"7,460":3222,"7,461":3223,"7,462":3224,"7,463":3225,"7,464":3226,"7,465":3227,"7,466":3228,"7,467":3229,"7,468":3230,"7,469":3231,"7,470":3232,"7,471":3233,"7,472":3234,"7,473":3235,"7,474":3236,"7,475":3237,"7,476":3238,"7,477":3239,"7,478":3240,"7,479":3241,"7,480":3242,"7,481":3243,"7,482":3244,"7,483":3245,"7,484":3246,"7,485":3247,"7,486":3248,"7,487":3249,"7,488":3250,"7,489":3251,"7,490":3252,"7,491":3253,"7,492":3254,"7,493":3255,"7,494":3256,"7,495":3257,"7,496":3258,"7,497":3259,"7,498":3260,"7,499":3261,"7,500":3262,"7,501":3263,"7,502":3264,"7,503":3265,"7,504":3266,"7,505":3267,"7,506":3268,"7,507":3269,"7,508":3270,"7,509":3271,"7,510":3272,"7,511":3273,"7,512":3274,"7,513":3275,"7,514":3276,"7,515":3277,"7,516":3278,"7,517":3279,"7,518":3280,"7,519":3281,"7,520":3282,"7,521":3283,"7,522":3284,"7,523":3285,"7,524":3286,"7,525":3287,"7,526":3288,"7,527":3289,"7,528":3290,"7,529":3291,"7,530":3292,"7,531":3293,"7,532":3294,"7,533":3295,"7,534":3296,"7,535":3297,"7,536":3298,"7,537":3299,"7,538":3300,"7,539":3301,"7,540":3302,"7,541":3303,"7,542":3304,"7,543":3305,"7,544":3306,"7,545":3307,"7,546":3308,"7,547":3309,"7,548":3310,"7,549":3311,"7,550":3312,"7,551":3313,"7,552":3314,"7,553":3315,"7,554":3316,"7,555":3317,"7,556":3318,"7,557":3319,"7,558":3320,"7,559":3321,"7,560":3322,"7,561":3323,"7,562":3324,"7,563":3325,"7,564":3326,"7,565":3327,"7,566":3328,"7,567":3329,"7,568":3330,"7,569":3331,"7,570":3332,"7,571":3333,"7,572":3334,"7,573":3335,"7,574":3336,"7,575":3337,"7,576":3338,"7,577":3339,"7,578":3340,"7,579":3341,"7,580":3342,"7,581":3343,"7,582":3344,"7,583":3345,"7,584":3346,"7,585":3347,"7,586":3348,"7,587":3349,"7,588":3350,"7,589":3351,"7,590":3352,"7,591":3353,"7,592":3354,"7,593":3355,"7,594":3356,"7,595":3357,"7,596":3358,"8,5":3359,"8,6":3360,"8,7":3361,"8,8":3362,"8,9":3363,"8,10":3364,"8,11":3365,"8,12":3366,"8,13":3367,"8,14":3368,"8,15":3369,"8,16":3370,"8,17":3371,"8,18":3372,"8,19":3373,"8,20":3374,"8,21":3375,"8,22":3376,"8,23":3377,"8,24":3378,"8,25":3379,"8,26":3380,"8,27":3381,"8,28":3382,"8,29":3383,"8,30":3384,"8,31":3385,"8,32":3386,"8,33":3387,"8,34":3388,"8,35":3389,"8,36":3390,"8,37":3391,"8,38":3392,"8,39":3393,"8,40":3394,"8,41":3395,"8,42":3396,"8,43":3397,"8,44":3398,"8,45":3399,"8,46":3400,"8,47":3401,"8,48":3402,"8,49":3403,"8,50":3404,"8,51":3405,"8,52":3406,"8,53":3407,"8,54":3408,"8,55":3409,"8,56":3410,"8,57":3411,"8,58":3412,"8,59":3413,"8,60":3414,"8,61":3415,"8,62":3416,"8,63":3417,"8,64":3418,"8,65":3419,"8,66":3420,"8,67":3421,"8,68":3422,"8,69":3423,"8,70":3424,"8,71":3425,"8,72":3426,"8,73":3427,"8,74":3428,"8,75":3429,"8,76":3430,"8,77":3431,"8,78":3432,"8,79":3433,"8,80":3434,"8,81":3435,"8,82":3436,"8,83":3437,"8,84":3438,"8,85":3439,"8,86":3440,"8,87":3441,"8,88":3442,"8,89":3443,"8,90":3444,"8,91":3445,"8,92":3446,"8,93":3447,"8,94":3448,"8,95":3449,"8,96":3450,"8,97":3451,"8,98":3452,"8,99":3453,"8,100":3454,"8,101":3455,"8,102":3456,"8,103":3457,"8,104":3458,"8,105":3459,"8,106":3460,"8,107":3461,"8,108":3462,"8,109":3463,"8,110":3464,"8,111":3465,"8,112":3466,"8,113":3467,"8,114":3468,"8,115":3469,"8,116":3470,"8,117":3471,"8,118":3472,"8,119":3473,"8,120":3474,"8,121":3475,"8,122":3476,"8,123":3477,"8,124":3478,"8,125":3479,"8,126":3480,"8,127":3481,"8,128":3482,"8,129":3483,"8,130":3484,"8,131":3485,"8,132":3486,"8,133":3487,"8,134":3488,"8,135":3489,"8,136":3490,"8,137":3491,"8,138":3492,"8,139":3493,"8,140":3494,"8,141":3495,"8,142":3496,"8,143":3497,"8,144":3498,"8,145":3499,"8,146":3500,"8,147":3501,"8,148":3502,"8,149":3503,"8,150":3504,"8,151":3505,"8,152":3506,"8,153":3507,"8,154":3508,"8,155":3509,"8,156":3510,"8,157":3511,"8,158":3512,"8,159":3513,"8,160":3514,"8,161":3515,"8,162":3516,"8,163":3517,"8,164":3518,"8,165":3519,"8,166":3520,"8,167":3521,"8,168":3522,"8,169":3523,"8,170":3524,"8,171":3525,"8,172":3526,"8,173":3527,"8,174":3528,"8,175":3529,"8,176":3530,"8,177":3531,"8,178":3532,"8,179":3533,"8,180":3534,"8,181":3535,"8,182":3536,"8,183":3537,"8,184":3538,"8,185":3539,"8,186":3540,"8,187":3541,"8,188":3542,"8,189":3543,"8,190":3544,"8,191":3545,"8,192":3546,"8,193":3547,"8,194":3548,"8,195":3549,"8,196":3550,"8,197":3551,"8,198":3552,"8,199":3553,"8,200":3554,"8,201":3555,"8,202":3556,"8,203":3557,"8,204":3558,"8,205":3559,"8,206":3560,"8,207":3561,"8,208":3562,"8,209":3563,"8,210":3564,"8,211":3565,"8,212":3566,"8,213":3567,"8,214":3568,"8,215":3569,"8,216":3570,"8,217":3571,"8,218":3572,"8,219":3573,"8,220":3574,"8,221":3575,"8,222":3576,"8,223":3577,"8,224":3578,"8,225":3579,"8,226":3580,"8,227":3581,"8,228":3582,"8,229":3583,"8,230":3584,"8,231":3585,"8,232":3586,"8,233":3587,"8,234":3588,"8,235":3589,"8,236":3590,"8,237":3591,"8,238":3592,"8,239":3593,"8,240":3594,"8,241":3595,"8,242":3596,"8,243":3597,"8,244":3598,"8,245":3599,"8,246":3600,"8,247":3601,"8,248":3602,"8,249":3603,"8,250":3604,"8,251":3605,"8,252":3606,"8,253":3607,"8,254":3608,"8,255":3609,"8,256":3610,"8,257":3611,"8,258":3612,"8,259":3613,"8,260":3614,"8,261":3615,"8,262":3616,"8,263":3617,"8,264":3618,"8,265":3619,"8,266":3620,"8,267":3621,"8,268":3622,"8,269":3623,"8,270":3624,"8,271":3625,"8,272":3626,"8,273":3627,"8,274":3628,"8,275":3629,"8,276":3630,"8,277":3631,"8,278":3632,"8,279":3633,"8,280":3634,"8,281":3635,"8,282":3636,"8,283":3637,"8,284":3638,"8,285":3639,"8,286":3640,"8,287":3641,"8,288":3642,"8,289":3643,"8,290":3644,"8,291":3645,"8,292":3646,"8,293":3647,"8,294":3648,"8,295":3649,"8,296":3650,"8,297":3651,"8,298":3652,"8,299":3653,"8,300":3654,"8,301":3655,"8,302":3656,"8,303":3657,"8,304":3658,"8,305":3659,"8,306":3660,"8,307":3661,"8,308":3662,"8,309":3663,"8,310":3664,"8,311":3665,"8,312":3666,"8,313":3667,"8,314":3668,"8,315":3669,"8,316":3670,"8,317":3671,"8,318":3672,"8,319":3673,"8,320":3674,"8,321":3675,"8,322":3676,"8,323":3677,"8,324":3678,"8,325":3679,"8,326":3680,"8,327":3681,"8,328":3682,"8,329":3683,"8,330":3684,"8,331":3685,"8,332":3686,"8,333":3687,"8,334":3688,"8,335":3689,"8,336":3690,"8,337":3691,"8,338":3692,"8,339":3693,"8,340":3694,"8,341":3695,"8,342":3696,"8,343":3697,"8,344":3698,"8,345":3699,"8,346":3700,"8,347":3701,"8,348":3702,"8,349":3703,"8,350":3704,"8,351":3705,"8,352":3706,"8,353":3707,"8,354":3708,"8,355":3709,"8,356":3710,"8,357":3711,"8,358":3712,"8,359":3713,"8,360":3714,"8,361":3715,"8,362":3716,"8,363":3717,"8,364":3718,"8,365":3719,"8,366":3720,"8,367":3721,"8,368":3722,"8,369":3723,"8,370":3724,"8,371":3725,"8,373":3726,"8,374":3727,"8,375":3728,"8,376":3729,"8,377":3730,"8,378":3731,"8,379":3732,"8,380":3733,"8,381":3734,"8,382":3735,"8,383":3736,"8,384":3737,"8,385":3738,"8,386":3739,"8,387":3740,"8,388":3741,"8,389":3742,"8,390":3743,"8,391":3744,"8,392":3745,"8,393":3746,"8,394":3747,"8,395":3748,"8,396":3749,"8,397":3750,"8,398":3751,"8,399":3752,"8,400":3753,"8,401":3754,"8,402":3755,"8,403":3756,"8,404":3757,"8,405":3758,"8,406":3759,"8,407":3760,"8,408":3761,"8,409":3762,"8,410":3763,"8,411":3764,"8,412":3765,"8,413":3766,"8,414":3767,"8,415":3768,"8,416":3769,"8,417":3770,"8,418":3771,"8,419":3772,"8,420":3773,"8,421":3774,"8,422":3775,"8,423":3776,"8,424":3777,"8,425":3778,"8,426":3779,"8,427":3780,"8,428":3781,"8,429":3782,"8,430":3783,"8,431":3784,"8,432":3785,"8,433":3786,"8,434":3787,"8,435":3788,"8,436":3789,"8,437":3790,"8,438":3791,"8,439":3792,"8,440":3793,"8,441":3794,"8,442":3795,"8,443":3796,"8,444":3797,"8,445":3798,"8,446":3799,"8,447":3800,"8,448":3801,"8,449":3802,"8,450":3803,"8,451":3804,"8,452":3805,"8,453":3806,"8,454":3807,"8,455":3808,"8,456":3809,"8,457":3810,"8,458":3811,"8,459":3812,"8,460":3813,"8,461":3814,"8,462":3815,"8,463":3816,"8,464":3817,"8,465":3818,"8,466":3819,"8,467":3820,"8,468":3821,"8,469":3822,"8,470":3823,"8,471":3824,"8,472":3825,"8,473":3826,"8,474":3827,"8,475":3828,"8,476":3829,"8,477":3830,"8,478":3831,"8,479":3832,"8,480":3833,"8,481":3834,"8,482":3835,"8,483":3836,"8,484":3837,"8,485":3838,"8,486":3839,"8,487":3840,"8,488":3841,"8,489":3842,"8,490":3843,"8,491":3844,"8,492":3845,"8,493":3846,"8,494":3847,"8,495":3848,"8,496":3849,"8,497":3850,"8,498":3851,"8,499":3852,"8,500":3853,"8,501":3854,"8,502":3855,"8,503":3856,"8,504":3857,"8,505":3858,"8,506":3859,"8,507":3860,"8,508":3861,"8,509":3862,"8,510":3863,"8,511":3864,"8,512":3865,"8,513":3866,"8,514":3867,"8,515":3868,"8,516":3869,"8,517":3870,"8,518":3871,"8,519":3872,"8,520":3873,"8,521":3874,"8,522":3875,"8,523":3876,"8,524":3877,"8,525":3878,"8,526":3879,"8,527":3880,"8,528":3881,"8,529":3882,"8,530":3883,"8,531":3884,"8,532":3885,"8,533":3886,"8,534":3887,"8,535":3888,"8,536":3889,"8,537":3890,"8,538":3891,"8,539":3892,"8,540":3893,"8,541":3894,"8,542":3895,"8,543":3896,"8,544":3897,"8,545":3898,"8,546":3899,"8,547":3900,"8,548":3901,"8,549":3902,"8,550":3903,"8,551":3904,"8,552":3905,"8,553":3906,"9,5":3907,"9,6":3908,"9,7":3909,"9,8":3910,"9,9":3911,"9,10":3912,"9,11":3913,"9,12":3914,"9,13":3915,"9,14":3916,"9,15":3917,"9,16":3918,"9,17":3919,"9,18":3920,"9,19":3921,"9,20":3922,"9,21":3923,"9,22":3924,"9,23":3925,"9,24":3926,"9,25":3927,"9,26":3928,"9,27":3929,"9,28":3930,"9,29":3931,"9,30":3932,"9,31":3933,"9,32":3934,"9,33":3935,"9,34":3936,"9,35":3937,"9,36":3938,"9,37":3939,"9,38":3940,"9,39":3941,"9,40":3942,"9,41":3943,"9,42":3944,"9,43":3945,"9,44":3946,"9,45":3947,"9,46":3948,"9,47":3949,"9,48":3950,"9,49":3951,"9,50":3952,"9,51":3953,"9,52":3954,"9,53":3955,"9,54":3956,"9,55":3957,"9,56":3958,"9,57":3959,"9,58":3960,"9,59":3961,"9,60":3962,"9,61":3963,"9,62":3964,"9,63":3965,"9,64":3966,"9,65":3967,"9,66":3968,"9,67":3969,"9,68":3970,"9,69":3971,"9,70":3972,"9,71":3973,"9,72":3974,"9,73":3975,"9,74":3976,"9,75":3977,"9,76":3978,"9,77":3979,"9,78":3980,"9,79":3981,"9,80":3982,"9,81":3983,"9,82":3984,"9,83":3985,"9,84":3986,"9,85":3987,"9,86":3988,"9,87":3989,"9,88":3990,"9,89":3991,"9,90":3992,"9,91":3993,"9,92":3994,"9,93":3995,"9,94":3996,"9,95":3997,"9,96":3998,"9,97":3999,"9,98":4000,"9,99":4001,"9,100":4002,"9,101":4003,"9,102":4004,"9,103":4005,"9,104":4006,"9,105":4007,"9,106":4008,"9,107":4009,"9,108":4010,"9,109":4011,"9,110":4012,"9,111":4013,"9,112":4014,"9,113":4015,"9,114":4016,"9,115":4017,"9,116":4018,"9,117":4019,"9,118":4020,"9,119":4021,"9,120":4022,"9,121":4023,"9,122":4024,"9,123":4025,"9,124":4026,"9,125":4027,"9,126":4028,"9,127":4029,"9,128":4030,"9,129":4031,"9,130":4032,"9,131":4033,"9,132":4034,"9,133":4035,"9,134":4036,"9,135":4037,"9,136":4038,"9,137":4039,"9,138":4040,"9,139":4041,"9,140":4042,"9,141":4043,"9,142":4044,"9,143":4045,"9,144":4046,"9,145":4047,"9,146":4048,"9,147":4049,"9,148":4050,"9,149":4051,"9,150":4052,"9,151":4053,"9,152":4054,"9,153":4055,"9,154":4056,"9,155":4057,"9,156":4058,"9,157":4059,"9,158":4060,"9,159":4061,"9,160":4062,"9,161":4063,"9,162":4064,"9,163":4065,"9,164":4066,"9,165":4067,"9,166":4068,"9,167":4069,"9,168":4070,"9,169":4071,"9,170":4072,"9,171":4073,"9,172":4074,"9,173":4075,"9,174":4076,"9,175":4077,"9,176":4078,"9,177":4079,"9,178":4080,"9,179":4081,"9,180":4082,"9,181":4083,"9,182":4084,"9,183":4085,"9,184":4086,"9,185":4087,"9,186":4088,"9,187":4089,"9,188":4090,"9,189":4091,"9,190":4092,"9,191":4093,"9,192":4094,"9,193":4095,"9,194":4096,"9,195":4097,"9,196":4098,"9,197":4099,"9,198":4100,"9,199":4101,"9,200":4102,"9,201":4103,"9,202":4104,"9,203":4105,"9,204":4106,"9,205":4107,"9,206":4108,"9,207":4109,"9,208":4110,"9,209":4111,"9,210":4112,"9,211":4113,"9,212":4114,"9,213":4115,"9,214":4116,"9,215":4117,"9,216":4118,"9,217":4119,"9,218":4120,"9,219":4121,"9,220":4122,"9,221":4123,"9,222":4124,"9,223":4125,"9,224":4126,"9,225":4127,"9,226":4128,"9,227":4129,"9,228":4130,"9,229":4131,"9,230":4132,"9,231":4133,"9,232":4134,"9,233":4135,"9,234":4136,"9,235":4137,"9,236":4138,"9,237":4139,"9,238":4140,"9,239":4141,"9,240":4142,"9,241":4143,"9,242":4144,"9,243":4145,"9,244":4146,"9,245":4147,"9,246":4148,"9,247":4149,"9,248":4150,"9,249":4151,"9,250":4152,"9,251":4153,"9,252":4154,"9,253":4155,"9,254":4156,"9,255":4157,"9,256":4158,"9,257":4159,"9,258":4160,"9,259":4161,"9,260":4162,"9,261":4163,"9,262":4164,"9,263":4165,"9,264":4166,"9,265":4167,"9,266":4168,"9,267":4169,"9,268":4170,"9,269":4171,"9,270":4172,"9,271":4173,"9,272":4174,"9,273":4175,"9,274":4176,"9,275":4177,"9,276":4178,"9,277":4179,"9,278":4180,"9,279":4181,"9,280":4182,"9,281":4183,"9,282":4184,"9,283":4185,"9,284":4186,"9,285":4187,"9,286":4188,"9,287":4189,"9,288":4190,"9,289":4191,"9,290":4192,"9,291":4193,"9,292":4194,"9,293":4195,"9,294":4196,"9,295":4197,"9,296":4198,"9,297":4199,"9,298":4200,"9,299":4201,"9,300":4202,"9,301":4203,"9,302":4204,"9,303":4205,"9,304":4206,"9,305":4207,"9,306":4208,"9,307":4209,"9,308":4210,"9,309":4211,"9,310":4212,"9,311":4213,"9,312":4214,"9,313":4215,"9,314":4216,"9,315":4217,"9,316":4218,"9,317":4219,"9,318":4220,"9,319":4221,"9,320":4222,"9,321":4223,"9,322":4224,"9,323":4225,"9,324":4226,"9,325":4227,"9,326":4228,"9,327":4229,"9,328":4230,"9,329":4231,"9,330":4232,"9,331":4233,"9,332":4234,"9,333":4235,"9,334":4236,"9,335":4237,"9,336":4238,"9,337":4239,"9,338":4240,"9,339":4241,"9,340":4242,"9,341":4243,"9,342":4244,"9,343":4245,"9,344":4246,"9,345":4247,"9,346":4248,"9,347":4249,"9,348":4250,"9,349":4251,"9,350":4252,"9,351":4253,"9,352":4254,"9,353":4255,"9,354":4256,"9,355":4257,"9,356":4258,"9,357":4259,"9,358":4260,"9,359":4261,"9,360":4262,"9,361":4263,"9,362":4264,"9,363":4265,"9,364":4266,"9,365":4267,"9,366":4268,"9,367":4269,"9,368":4270,"9,369":4271,"9,370":4272,"9,371":4273,"9,372":4274,"9,373":4275,"9,374":4276,"9,375":4277,"9,376":4278,"9,377":4279,"9,378":4280,"9,379":4281,"9,380":4282,"9,381":4283,"9,382":4284,"9,383":4285,"9,384":4286,"9,385":4287,"9,386":4288,"9,387":4289,"9,388":4290,"9,389":4291,"9,390":4292,"9,391":4293,"9,392":4294,"9,393":4295,"9,394":4296,"9,395":4297,"9,396":4298,"9,397":4299,"9,398":4300,"9,399":4301,"9,400":4302,"9,401":4303,"9,402":4304,"9,403":4305,"9,404":4306,"9,405":4307,"9,406":4308,"9,407":4309,"9,408":4310,"9,409":4311,"9,410":4312,"9,411":4313,"9,412":4314,"9,413":4315,"9,414":4316,"9,415":4317,"9,416":4318,"9,417":4319,"9,418":4320,"9,419":4321,"9,420":4322,"9,421":4323,"9,422":4324,"9,423":4325,"9,424":4326,"9,425":4327,"9,426":4328,"9,427":4329,"9,428":4330,"9,429":4331,"9,430":4332,"9,431":4333,"9,432":4334,"9,433":4335,"9,434":4336,"9,435":4337,"9,436":4338,"9,437":4339,"9,438":4340,"9,439":4341,"9,440":4342,"9,441":4343,"9,442":4344,"9,443":4345,"9,444":4346,"9,445":4347,"9,446":4348,"9,447":4349,"9,448":4350,"9,449":4351,"9,450":4352,"9,451":4353,"9,452":4354,"9,453":4355,"9,454":4356,"9,455":4357,"9,456":4358,"9,457":4359,"9,458":4360,"9,459":4361,"9,460":4362,"9,461":4363,"9,462":4364,"9,463":4365,"9,464":4366,"9,465":4367,"9,466":4368,"9,467":4369,"9,468":4370,"9,469":4371,"9,470":4372,"9,471":4373,"9,472":4374,"9,473":4375,"9,474":4376,"9,475":4377,"9,476":4378,"9,477":4379,"9,478":4380,"9,479":4381,"9,480":4382,"9,481":4383,"9,482":4384,"9,483":4385,"9,484":4386,"9,485":4387,"9,486":4388,"9,487":4389,"9,488":4390,"9,489":4391,"9,490":4392,"9,491":4393,"9,492":4394,"9,493":4395,"9,494":4396,"9,495":4397,"9,496":4398,"9,497":4399,"9,498":4400,"9,499":4401,"9,500":4402,"9,501":4403,"9,502":4404,"9,503":4405,"9,504":4406,"9,505":4407,"9,506":4408,"9,507":4409,"9,508":4410,"9,509":4411,"9,510":4412,"9,511":4413,"9,512":4414,"9,513":4415,"9,514":4416,"9,515":4417,"9,516":4418,"9,517":4419,"9,518":4420,"9,519":4421,"9,520":4422,"9,521":4423,"9,522":4424,"9,523":4425,"9,524":4426,"9,525":4427,"9,526":4428,"9,527":4429,"9,528":4430,"9,529":4431,"9,530":4432,"9,531":4433,"9,532":4434,"9,533":4435,"9,534":4436,"9,535":4437,"9,536":4438,"9,537":4439,"9,538":4440,"9,539":4441,"9,540":4442,"9,541":4443,"9,542":4444,"9,543":4445,"9,544":4446,"9,545":4447,"9,546":4448,"9,547":4449,"9,548":4450,"9,549":4451,"9,550":4452,"9,551":4453,"9,552":4454,"9,553":4455,"9,554":4456,"9,555":4457,"9,556":4458,"9,557":4459,"9,558":4460,"9,559":4461,"9,560":4462,"9,561":4463,"9,562":4464,"9,563":4465,"9,564":4466,"9,565":4467,"9,566":4468,"9,567":4469,"9,568":4470,"9,569":4471,"9,570":4472,"9,571":4473,"9,572":4474,"9,573":4475,"9,574":4476,"9,575":4477,"9,576":4478,"9,577":4479,"9,578":4480,"9,579":4481,"9,580":4482,"9,581":4483,"9,582":4484,"9,583":4485,"9,584":4486,"9,585":4487,"9,586":4488,"9,587":4489,"9,588":4490,"9,589":4491,"9,590":4492,"9,591":4493,"10,5":4494,"10,6":4495,"10,7":4496,"10,8":4497,"10,9":4498,"10,10":4499,"10,11":4500,"10,12":4501,"10,13":4502,"10,14":4503,"10,15":4504,"10,16":4505,"10,17":4506,"10,18":4507,"10,19":4508,"10,20":4509,"10,21":4510,"10,22":4511,"10,23":4512,"10,24":4513,"10,25":4514,"10,26":4515,"10,27":4516,"10,28":4517,"10,29":4518,"10,30":4519,"10,31":4520,"10,32":4521,"10,33":4522,"10,34":4523,"10,35":4524,"10,36":4525,"10,37":4526,"10,38":4527,"10,39":4528,"10,40":4529,"10,41":4530,"10,42":4531,"10,43":4532,"10,44":4533,"10,45":4534,"10,46":4535,"10,47":4536,"10,48":4537,"10,49":4538,"10,50":4539,"10,51":4540,"10,52":4541,"10,53":4542,"10,54":4543,"10,55":4544,"10,56":4545,"10,57":4546,"10,58":4547,"10,59":4548,"10,60":4549,"10,61":4550,"10,62":4551,"10,63":4552,"10,64":4553,"10,65":4554,"10,66":4555,"10,67":4556,"10,68":4557,"10,69":4558,"10,70":4559,"10,71":4560,"10,72":4561,"10,73":4562,"10,74":4563,"10,75":4564,"10,76":4565,"10,77":4566,"10,78":4567,"10,79":4568,"10,80":4569,"10,81":4570,"10,82":4571,"10,83":4572,"10,84":4573,"10,85":4574,"10,86":4575,"10,87":4576,"10,88":4577,"10,89":4578,"10,90":4579,"10,91":4580,"10,92":4581,"10,93":4582,"10,94":4583,"10,95":4584,"10,96":4585,"10,97":4586,"10,98":4587,"10,99":4588,"10,100":4589,"10,101":4590,"10,102":4591,"10,103":4592,"10,104":4593,"10,105":4594,"10,106":4595,"10,107":4596,"10,108":4597,"10,109":4598,"10,110":4599,"10,111":4600,"10,112":4601,"10,113":4602,"10,114":4603,"10,115":4604,"10,116":4605,"10,117":4606,"10,118":4607,"10,119":4608,"10,120":4609,"10,121":4610,"10,122":4611,"10,123":4612,"10,124":4613,"10,125":4614,"10,126":4615,"10,127":4616,"10,128":4617,"10,129":4618,"10,130":4619,"10,131":4620,"10,132":4621,"10,133":4622,"10,134":4623,"10,135":4624,"10,136":4625,"10,137":4626,"10,138":4627,"10,139":4628,"10,140":4629,"10,141":4630,"10,142":4631,"10,143":4632,"10,144":4633,"10,145":4634,"10,146":4635,"10,147":4636,"10,148":4637,"10,149":4638,"10,150":4639,"10,151":4640,"10,152":4641,"10,153":4642,"10,154":4643,"10,155":4644,"10,156":4645,"10,157":4646,"10,158":4647,"10,159":4648,"10,160":4649,"10,161":4650,"10,162":4651,"10,163":4652,"10,164":4653,"10,165":4654,"10,166":4655,"10,167":4656,"10,168":4657,"10,169":4658,"10,170":4659,"10,171":4660,"10,172":4661,"10,173":4662,"10,174":4663,"10,175":4664,"10,176":4665,"10,177":4666,"10,178":4667,"10,179":4668,"10,180":4669,"10,181":4670,"10,182":4671,"10,183":4672,"10,184":4673,"10,185":4674,"10,186":4675,"10,187":4676,"10,188":4677,"10,189":4678,"10,190":4679,"10,191":4680,"10,192":4681,"10,193":4682,"10,194":4683,"10,195":4684,"10,196":4685,"10,197":4686,"10,198":4687,"10,199":4688,"10,200":4689,"10,201":4690,"10,202":4691,"10,203":4692,"10,204":4693,"10,205":4694,"10,206":4695,"10,207":4696,"10,208":4697,"10,209":4698,"10,210":4699,"10,211":4700,"10,212":4701,"10,213":4702,"10,214":4703,"10,215":4704,"10,216":4705,"10,217":4706,"10,218":4707,"10,219":4708,"10,220":4709,"10,221":4710,"10,222":4711,"10,223":4712,"10,224":4713,"10,225":4714,"10,226":4715,"10,227":4716,"10,228":4717,"10,229":4718,"10,230":4719,"10,231":4720,"10,232":4721,"10,233":4722,"10,234":4723,"10,235":4724,"10,236":4725,"10,237":4726,"10,238":4727,"10,239":4728,"10,240":4729,"10,241":4730,"10,242":4731,"10,243":4732,"10,244":4733,"10,245":4734,"10,246":4735,"10,247":4736,"10,248":4737,"10,249":4738,"10,250":4739,"10,251":4740,"10,252":4741,"10,253":4742,"10,254":4743,"10,255":4744,"10,256":4745,"10,257":4746,"10,258":4747,"10,259":4748,"10,260":4749,"10,261":4750,"10,262":4751,"10,263":4752,"10,264":4753,"10,265":4754,"10,266":4755,"10,267":4756,"10,268":4757,"10,269":4758,"10,270":4759,"10,271":4760,"10,272":4761,"10,273":4762,"10,274":4763,"10,275":4764,"10,276":4765,"10,277":4766,"10,278":4767,"10,279":4768,"10,280":4769,"10,281":4770,"10,282":4771,"10,283":4772,"10,284":4773,"10,285":4774,"10,286":4775,"10,287":4776,"10,288":4777,"10,289":4778,"10,290":4779,"10,291":4780,"10,292":4781,"10,293":4782,"10,294":4783,"10,295":4784,"10,296":4785,"10,297":4786,"10,298":4787,"10,299":4788,"10,300":4789,"10,301":4790,"10,302":4791,"10,303":4792,"10,304":4793,"10,305":4794,"10,306":4795,"10,307":4796,"10,308":4797,"10,309":4798,"10,310":4799,"10,311":4800,"10,312":4801,"10,313":4802,"10,314":4803,"10,315":4804,"10,316":4805,"10,317":4806,"10,318":4807,"10,319":4808,"10,320":4809,"10,321":4810,"10,322":4811,"10,323":4812,"10,324":4813,"10,325":4814,"10,326":4815,"10,327":4816,"10,328":4817,"10,329":4818,"10,330":4819,"10,331":4820,"10,332":4821,"10,333":4822,"10,334":4823,"10,335":4824,"10,336":4825,"10,337":4826,"10,338":4827,"10,339":4828,"10,340":4829,"10,341":4830,"10,342":4831,"10,343":4832,"10,344":4833,"10,345":4834,"10,346":4835,"10,347":4836,"10,348":4837,"10,349":4838,"10,350":4839,"10,351":4840,"10,352":4841,"10,353":4842,"10,354":4843,"10,355":4844,"10,356":4845,"10,357":4846,"10,358":4847,"10,359":4848,"10,360":4849,"10,361":4850,"10,362":4851,"10,363":4852,"10,364":4853,"10,365":4854,"10,366":4855,"10,367":4856,"10,368":4857,"10,369":4858,"10,370":4859,"10,371":4860,"10,372":4861,"10,373":4862,"10,374":4863,"10,375":4864,"10,376":4865,"10,377":4866,"10,378":4867,"10,379":4868,"10,380":4869,"10,381":4870,"10,382":4871,"10,383":4872,"10,384":4873,"10,385":4874,"10,386":4875,"10,387":4876,"10,388":4877,"10,389":4878,"10,390":4879,"10,391":4880,"10,392":4881,"10,393":4882,"10,394":4883,"10,395":4884,"10,396":4885,"10,397":4886,"10,398":4887,"10,399":4888,"10,400":4889,"10,401":4890,"10,402":4891,"10,403":4892,"10,404":4893,"10,405":4894,"10,406":4895,"10,407":4896,"10,408":4897,"10,409":4898,"10,410":4899,"10,411":4900,"10,412":4901,"10,413":4902,"10,414":4903,"10,415":4904,"10,416":4905,"10,417":4906,"10,418":4907,"10,419":4908,"10,420":4909,"10,421":4910,"10,422":4911,"10,423":4912,"10,424":4913,"10,425":4914,"10,426":4915,"10,427":4916,"10,428":4917,"10,429":4918,"10,430":4919,"10,431":4920,"10,432":4921,"10,433":4922,"10,434":4923,"10,435":4924,"10,436":4925,"10,437":4926,"10,438":4927,"10,439":4928,"10,440":4929,"10,441":4930,"10,442":4931,"10,443":4932,"10,444":4933,"10,445":4934,"10,446":4935,"10,447":4936,"10,448":4937,"10,449":4938,"10,450":4939,"10,451":4940,"10,452":4941,"10,453":4942,"10,454":4943,"10,455":4944,"10,456":4945,"10,457":4946,"10,458":4947,"10,459":4948,"10,460":4949,"10,461":4950,"10,462":4951,"10,463":4952,"10,464":4953,"10,465":4954,"10,466":4955,"10,467":4956,"10,468":4957,"10,469":4958,"10,470":4959,"10,471":4960,"10,472":4961,"10,473":4962,"10,474":4963,"10,475":4964,"10,476":4965,"10,477":4966,"10,478":4967,"10,479":4968,"10,480":4969,"10,481":4970,"10,482":4971,"10,483":4972,"10,484":4973,"11,321":4974,"11,322":4975,"11,323":4976,"11,324":4977,"11,325":4978,"11,326":4979,"11,327":4980,"11,328":4981,"11,329":4982,"11,330":4983,"11,331":4984,"11,332":4985,"11,333":4986,"11,334":4987,"11,335":4988,"11,336":4989,"11,337":4990,"11,338":4991,"11,339":4992,"11,340":4993,"11,341":4994,"11,342":4995,"11,343":4996,"11,344":4997,"11,345":4998,"11,346":4999,"11,347":5000,"11,348":5001,"11,349":5002,"11,350":5003,"11,351":5004,"11,352":5005,"11,353":5006,"11,354":5007,"11,355":5008,"11,356":5009,"11,357":5010,"11,358":5011,"11,359":5012},"ٜ":{"1":[1,420],"2":[5,505],"3":[5,490],"4":[5,511],"5":[5,377],"6":[5,491],"7":[5,596],"8":[5,553],"9":[5,591],"10":[5,484],"11":[321,359]},"ٝ":["1,1","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,446","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,386","7,387","7,388","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,407","7,408","7,409","7,410","7,411","7,412","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,422","7,423","7,424","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,438","7,439","7,440","7,441","7,442","7,443","7,444","7,445","7,446","7,447","7,448","7,449","7,450","7,451","7,452","7,453","7,454","7,455","7,456","7,457","7,458","7,459","7,460","7,461","7,462","7,463","7,464","7,465","7,466","7,467","7,468","7,469","7,470","7,471","7,472","7,473","7,474","7,475","7,476","7,477","7,478","7,479","7,480","7,481","7,482","7,483","7,484","7,485","7,486","7,487","7,488","7,489","7,490","7,491","7,492","7,493","7,494","7,495","7,496","7,497","7,498","7,499","7,500","7,501","7,502","7,503","7,504","7,505","7,506","7,507","7,508","7,509","7,510","7,511","7,512","7,513","7,514","7,515","7,516","7,517","7,518","7,519","7,520","7,521","7,522","7,523","7,524","7,525","7,526","7,527","7,528","7,529","7,530","7,531","7,532","7,533","7,534","7,535","7,536","7,537","7,538","7,539","7,540","7,541","7,542","7,543","7,544","7,545","7,546","7,547","7,548","7,549","7,550","7,551","7,552","7,553","7,554","7,555","7,556","7,557","7,558","7,559","7,560","7,561","7,562","7,563","7,564","7,565","7,566","7,567","7,568","7,569","7,570","7,571","7,572","7,573","7,574","7,575","7,576","7,577","7,578","7,579","7,580","7,581","7,582","7,583","7,584","7,585","7,586","7,587","7,588","7,589","7,590","7,591","7,592","7,593","7,594","7,595","7,596","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,66","8,67","8,68","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,97","8,98","8,99","8,100","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,115","8,116","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,130","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,156","8,157","8,158","8,159","8,160","8,161","8,162","8,163","8,164","8,165","8,166","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173","8,174","8,175","8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,190","8,191","8,192","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,212","8,213","8,214","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,235","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,248","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,292","8,293","8,294","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","8,329","8,330","8,331","8,332","8,333","8,334","8,335","8,336","8,337","8,338","8,339","8,340","8,341","8,342","8,343","8,344","8,345","8,346","8,347","8,348","8,349","8,350","8,351","8,352","8,353","8,354","8,355","8,356","8,357","8,358","8,359","8,360","8,361","8,362","8,363","8,364","8,365","8,366","8,367","8,368","8,369","8,370","8,371","8,373","8,374","8,375","8,376","8,377","8,378","8,379","8,380","8,381","8,382","8,383","8,384","8,385","8,386","8,387","8,388","8,389","8,390","8,391","8,392","8,393","8,394","8,395","8,396","8,397","8,398","8,399","8,400","8,401","8,402","8,403","8,404","8,405","8,406","8,407","8,408","8,409","8,410","8,411","8,412","8,413","8,414","8,415","8,416","8,417","8,418","8,419","8,420","8,421","8,422","8,423","8,424","8,425","8,426","8,427","8,428","8,429","8,430","8,431","8,432","8,433","8,434","8,435","8,436","8,437","8,438","8,439","8,440","8,441","8,442","8,443","8,444","8,445","8,446","8,447","8,448","8,449","8,450","8,451","8,452","8,453","8,454","8,455","8,456","8,457","8,458","8,459","8,460","8,461","8,462","8,463","8,464","8,465","8,466","8,467","8,468","8,469","8,470","8,471","8,472","8,473","8,474","8,475","8,476","8,477","8,478","8,479","8,480","8,481","8,482","8,483","8,484","8,485","8,486","8,487","8,488","8,489","8,490","8,491","8,492","8,493","8,494","8,495","8,496","8,497","8,498","8,499","8,500","8,501","8,502","8,503","8,504","8,505","8,506","8,507","8,508","8,509","8,510","8,511","8,512","8,513","8,514","8,515","8,516","8,517","8,518","8,519","8,520","8,521","8,522","8,523","8,524","8,525","8,526","8,527","8,528","8,529","8,530","8,531","8,532","8,533","8,534","8,535","8,536","8,537","8,538","8,539","8,540","8,541","8,542","8,543","8,544","8,545","8,546","8,547","8,548","8,549","8,550","8,551","8,552","8,553","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","9,14","9,15","9,16","9,17","9,18","9,19","9,20","9,21","9,22","9,23","9,24","9,25","9,26","9,27","9,28","9,29","9,30","9,31","9,32","9,33","9,34","9,35","9,36","9,37","9,38","9,39","9,40","9,41","9,42","9,43","9,44","9,45","9,46","9,47","9,48","9,49","9,50","9,51","9,52","9,53","9,54","9,55","9,56","9,57","9,58","9,59","9,60","9,61","9,62","9,63","9,64","9,65","9,66","9,67","9,68","9,69","9,70","9,71","9,72","9,73","9,74","9,75","9,76","9,77","9,78","9,79","9,80","9,81","9,82","9,83","9,84","9,85","9,86","9,87","9,88","9,89","9,90","9,91","9,92","9,93","9,94","9,95","9,96","9,97","9,98","9,99","9,100","9,101","9,102","9,103","9,104","9,105","9,106","9,107","9,108","9,109","9,110","9,111","9,112","9,113","9,114","9,115","9,116","9,117","9,118","9,119","9,120","9,121","9,122","9,123","9,124","9,125","9,126","9,127","9,128","9,129","9,130","9,131","9,132","9,133","9,134","9,135","9,136","9,137","9,138","9,139","9,140","9,141","9,142","9,143","9,144","9,145","9,146","9,147","9,148","9,149","9,150","9,151","9,152","9,153","9,154","9,155","9,156","9,157","9,158","9,159","9,160","9,161","9,162","9,163","9,164","9,165","9,166","9,167","9,168","9,169","9,170","9,171","9,172","9,173","9,174","9,175","9,176","9,177","9,178","9,179","9,180","9,181","9,182","9,183","9,184","9,185","9,186","9,187","9,188","9,189","9,190","9,191","9,192","9,193","9,194","9,195","9,196","9,197","9,198","9,199","9,200","9,201","9,202","9,203","9,204","9,205","9,206","9,207","9,208","9,209","9,210","9,211","9,212","9,213","9,214","9,215","9,216","9,217","9,218","9,219","9,220","9,221","9,222","9,223","9,224","9,225","9,226","9,227","9,228","9,229","9,230","9,231","9,232","9,233","9,234","9,235","9,236","9,237","9,238","9,239","9,240","9,241","9,242","9,243","9,244","9,245","9,246","9,247","9,248","9,249","9,250","9,251","9,252","9,253","9,254","9,255","9,256","9,257","9,258","9,259","9,260","9,261","9,262","9,263","9,264","9,265","9,266","9,267","9,268","9,269","9,270","9,271","9,272","9,273","9,274","9,275","9,276","9,277","9,278","9,279","9,280","9,281","9,282","9,283","9,284","9,285","9,286","9,287","9,288","9,289","9,290","9,291","9,292","9,293","9,294","9,295","9,296","9,297","9,298","9,299","9,300","9,301","9,302","9,303","9,304","9,305","9,306","9,307","9,308","9,309","9,310","9,311","9,312","9,313","9,314","9,315","9,316","9,317","9,318","9,319","9,320","9,321","9,322","9,323","9,324","9,325","9,326","9,327","9,328","9,329","9,330","9,331","9,332","9,333","9,334","9,335","9,336","9,337","9,338","9,339","9,340","9,341","9,342","9,343","9,344","9,345","9,346","9,347","9,348","9,349","9,350","9,351","9,352","9,353","9,354","9,355","9,356","9,357","9,358","9,359","9,360","9,361","9,362","9,363","9,364","9,365","9,366","9,367","9,368","9,369","9,370","9,371","9,372","9,373","9,374","9,375","9,376","9,377","9,378","9,379","9,380","9,381","9,382","9,383","9,384","9,385","9,386","9,387","9,388","9,389","9,390","9,391","9,392","9,393","9,394","9,395","9,396","9,397","9,398","9,399","9,400","9,401","9,402","9,403","9,404","9,405","9,406","9,407","9,408","9,409","9,410","9,411","9,412","9,413","9,414","9,415","9,416","9,417","9,418","9,419","9,420","9,421","9,422","9,423","9,424","9,425","9,426","9,427","9,428","9,429","9,430","9,431","9,432","9,433","9,434","9,435","9,436","9,437","9,438","9,439","9,440","9,441","9,442","9,443","9,444","9,445","9,446","9,447","9,448","9,449","9,450","9,451","9,452","9,453","9,454","9,455","9,456","9,457","9,458","9,459","9,460","9,461","9,462","9,463","9,464","9,465","9,466","9,467","9,468","9,469","9,470","9,471","9,472","9,473","9,474","9,475","9,476","9,477","9,478","9,479","9,480","9,481","9,482","9,483","9,484","9,485","9,486","9,487","9,488","9,489","9,490","9,491","9,492","9,493","9,494","9,495","9,496","9,497","9,498","9,499","9,500","9,501","9,502","9,503","9,504","9,505","9,506","9,507","9,508","9,509","9,510","9,511","9,512","9,513","9,514","9,515","9,516","9,517","9,518","9,519","9,520","9,521","9,522","9,523","9,524","9,525","9,526","9,527","9,528","9,529","9,530","9,531","9,532","9,533","9,534","9,535","9,536","9,537","9,538","9,539","9,540","9,541","9,542","9,543","9,544","9,545","9,546","9,547","9,548","9,549","9,550","9,551","9,552","9,553","9,554","9,555","9,556","9,557","9,558","9,559","9,560","9,561","9,562","9,563","9,564","9,565","9,566","9,567","9,568","9,569","9,570","9,571","9,572","9,573","9,574","9,575","9,576","9,577","9,578","9,579","9,580","9,581","9,582","9,583","9,584","9,585","9,586","9,587","9,588","9,589","9,590","9,591","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","10,21","10,22","10,23","10,24","10,25","10,26","10,27","10,28","10,29","10,30","10,31","10,32","10,33","10,34","10,35","10,36","10,37","10,38","10,39","10,40","10,41","10,42","10,43","10,44","10,45","10,46","10,47","10,48","10,49","10,50","10,51","10,52","10,53","10,54","10,55","10,56","10,57","10,58","10,59","10,60","10,61","10,62","10,63","10,64","10,65","10,66","10,67","10,68","10,69","10,70","10,71","10,72","10,73","10,74","10,75","10,76","10,77","10,78","10,79","10,80","10,81","10,82","10,83","10,84","10,85","10,86","10,87","10,88","10,89","10,90","10,91","10,92","10,93","10,94","10,95","10,96","10,97","10,98","10,99","10,100","10,101","10,102","10,103","10,104","10,105","10,106","10,107","10,108","10,109","10,110","10,111","10,112","10,113","10,114","10,115","10,116","10,117","10,118","10,119","10,120","10,121","10,122","10,123","10,124","10,125","10,126","10,127","10,128","10,129","10,130","10,131","10,132","10,133","10,134","10,135","10,136","10,137","10,138","10,139","10,140","10,141","10,142","10,143","10,144","10,145","10,146","10,147","10,148","10,149","10,150","10,151","10,152","10,153","10,154","10,155","10,156","10,157","10,158","10,159","10,160","10,161","10,162","10,163","10,164","10,165","10,166","10,167","10,168","10,169","10,170","10,171","10,172","10,173","10,174","10,175","10,176","10,177","10,178","10,179","10,180","10,181","10,182","10,183","10,184","10,185","10,186","10,187","10,188","10,189","10,190","10,191","10,192","10,193","10,194","10,195","10,196","10,197","10,198","10,199","10,200","10,201","10,202","10,203","10,204","10,205","10,206","10,207","10,208","10,209","10,210","10,211","10,212","10,213","10,214","10,215","10,216","10,217","10,218","10,219","10,220","10,221","10,222","10,223","10,224","10,225","10,226","10,227","10,228","10,229","10,230","10,231","10,232","10,233","10,234","10,235","10,236","10,237","10,238","10,239","10,240","10,241","10,242","10,243","10,244","10,245","10,246","10,247","10,248","10,249","10,250","10,251","10,252","10,253","10,254","10,255","10,256","10,257","10,258","10,259","10,260","10,261","10,262","10,263","10,264","10,265","10,266","10,267","10,268","10,269","10,270","10,271","10,272","10,273","10,274","10,275","10,276","10,277","10,278","10,279","10,280","10,281","10,282","10,283","10,284","10,285","10,286","10,287","10,288","10,289","10,290","10,291","10,292","10,293","10,294","10,295","10,296","10,297","10,298","10,299","10,300","10,301","10,302","10,303","10,304","10,305","10,306","10,307","10,308","10,309","10,310","10,311","10,312","10,313","10,314","10,315","10,316","10,317","10,318","10,319","10,320","10,321","10,322","10,323","10,324","10,325","10,326","10,327","10,328","10,329","10,330","10,331","10,332","10,333","10,334","10,335","10,336","10,337","10,338","10,339","10,340","10,341","10,342","10,343","10,344","10,345","10,346","10,347","10,348","10,349","10,350","10,351","10,352","10,353","10,354","10,355","10,356","10,357","10,358","10,359","10,360","10,361","10,362","10,363","10,364","10,365","10,366","10,367","10,368","10,369","10,370","10,371","10,372","10,373","10,374","10,375","10,376","10,377","10,378","10,379","10,380","10,381","10,382","10,383","10,384","10,385","10,386","10,387","10,388","10,389","10,390","10,391","10,392","10,393","10,394","10,395","10,396","10,397","10,398","10,399","10,400","10,401","10,402","10,403","10,404","10,405","10,406","10,407","10,408","10,409","10,410","10,411","10,412","10,413","10,414","10,415","10,416","10,417","10,418","10,419","10,420","10,421","10,422","10,423","10,424","10,425","10,426","10,427","10,428","10,429","10,430","10,431","10,432","10,433","10,434","10,435","10,436","10,437","10,438","10,439","10,440","10,441","10,442","10,443","10,444","10,445","10,446","10,447","10,448","10,449","10,450","10,451","10,452","10,453","10,454","10,455","10,456","10,457","10,458","10,459","10,460","10,461","10,462","10,463","10,464","10,465","10,466","10,467","10,468","10,469","10,470","10,471","10,472","10,473","10,474","10,475","10,476","10,477","10,478","10,479","10,480","10,481","10,482","10,483","10,484","11,321","11,322","11,323","11,324","11,325","11,326","11,327","11,328","11,329","11,330","11,331","11,332","11,333","11,334","11,335","11,336","11,337","11,338","11,339","11,340","11,341","11,342","11,343","11,344","11,345","11,346","11,347","11,348","11,349","11,350","11,351","11,352","11,353","11,354","11,355","11,356","11,357","11,358","11,359"],"ٞ":{"2":[1],"7":[2],"15":[3],"21":[4,5],"22":[6],"25":[7],"28":[8],"31":[9],"37":[10],"42":[11],"44":[12],"48":[13],"55":[14],"60":[15],"64":[16],"67":[17],"71":[18],"74":[19],"75":[20],"81":[21],"84":[22],"91":[23],"94":[24],"98":[25],"100":[26],"101":[27],"105":[28],"109":[29],"112":[30],"118":[31],"122":[32],"129":[33],"132":[34],"134":[35],"140":[36],"148":[37],"152":[38],"158":[39],"162":[40],"165":[41],"170":[42],"178":[43],"181":[44],"184":[45],"188":[46],"196":[47],"200":[48],"203":[49],"205":[50],"211":[51],"213":[52],"221":[53],"227":[54],"233":[55],"234":[56],"241":[57],"244":[58],"249":[59],"253":[60],"258":[61],"264":[62],"270":[63],"273":[64],"275":[65],"276":[66],"280":[67],"285":[68],"293":[69],"301":[70],"304":[71],"307":[72],"312":[73],"317":[74],"322":[75],"327":[76],"336":[77],"340":[78],"342":[79],"346":[80],"348":[81],"352":[82],"354":[83],"358":[84],"361":[85],"364":[86],"370":[87],"374":[88],"378":[89],"384":[90],"390":[91],"393":[92],"396":[93],"401":[94],"404":[95],"408":[96],"410":[97],"413":[98],"417":[99],"418":[100],"421":[101],"425":[102],"431":[103],"435":[104],"439":[105],"448":[106],"453":[107],"456":[108],"459":[109],"466":[110],"470":[111],"476":[112],"479":[113],"482":[114],"484":[115],"489":[116],"493":[117],"497":[118],"500":[119],"505":[120],"511":[121],"513":[122],"520":[123],"522":[124],"524":[125],"530":[126],"534":[127],"540":[128],"547":[129],"551":[130],"555":[131],"560":[132],"563":[133],"566":[134],"568":[135],"575":[136],"577":[137],"578":[138],"586":[139],"592":[140],"594":[141],"596":[142],"601":[143],"605":[144],"608":[145],"612":[146],"620":[147],"623":[148],"626":[149],"630":[150],"633":[151],"636":[152],"641":[153],"646":[154],"649":[155],"656":[156],"659":[157],"663":[158],"669":[159],"671":[160],"674":[161],"676":[162],"680":[163],"684":[164],"686":[165],"696":[166],"703":[167],"706":[168],"710":[169],"713":[170],"716":[171],"719":[172],"722":[173],"727":[174],"729":[175],"734":[176],"739":[177],"745":[178],"749":[179],"754":[180],"757":[181],"761":[182],"768":[183],"770":[184],"773":[185],"776":[186],"779":[187],"783":[188],"786":[189],"789":[190],"792":[191],"796":[192],"803":[193],"805":[194],"807":[195],"814":[196],"815":[197],"820":[198],"826":[199],"831":[200],"836":[201],"839":[202],"842":[203],"844":[204],"847":[205],"851":[206],"855":[207],"859":[208],"863":[209],"867":[210],"871":[211],"874":[212],"876":[213],"879":[214],"883":[215],"886":[216],"889":[217],"891":[218],"893":[219],"896":[220],"898":[221],"900":[222],"902":[223],"904":[224],"906":[225],"910":[226],"912":[227],"916":[228],"917":[229],"925":[230],"931":[231],"937":[232],"943":[233],"948":[234],"953":[235],"960":[236],"969":[237],"976":[238],"980":[239],"983":[240],"986":[241],"990":[242],"996":[243],"998":[244],"1001":[245],"1004":[246],"1007":[247],"1008":[248],"1011":[249],"1014":[250],"1019":[251],"1023":[252],"1025":[253],"1028":[254],"1031":[255],"1035":[256],"1042":[257],"1051":[258],"1058":[259],"1065":[260],"1070":[261],"1073":[262],"1080":[263],"1084":[264],"1087":[265],"1092":[266],"1096":[267],"1100":[268],"1102":[269],"1105":[270],"1108":[271],"1111":[272],"1113":[273],"1117":[274],"1120":[275],"1122":[276],"1125":[277],"1131":[278],"1133":[279],"1135":[280],"1138":[281],"1141":[282],"1144":[283],"1147":[284],"1150":[285],"1153":[286],"1155":[287],"1157":[288],"1162":[289],"1165":[290],"1170":[291],"1174":[292],"1176":[293],"1179":[294],"1183":[295],"1185":[296],"1188":[297],"1189":[298],"1193":[299],"1195":[300],"1198":[301],"1204":[302],"1209":[303],"1211":[304],"1217":[305],"1222":[306],"1225":[307],"1231":[308],"1233":[309],"1235":[310],"1236":[311],"1239":[312],"1243":[313],"1245":[314],"1247":[315],"1250":[316],"1252":[317],"1257":[318],"1259":[319],"1262":[320],"1264":[321],"1268":[322],"1274":[323],"1277":[324],"1279":[325],"1281":[326],"1285":[327],"1290":[328],"1293":[329],"1297":[330],"1301":[331],"1304":[332],"1308":[333],"1312":[334],"1316":[335],"1319":[336],"1323":[337],"1326":[338],"1330":[339],"1333":[340],"1340":[341],"1346":[342],"1349":[343],"1354":[344],"1356":[345],"1358":[346],"1361":[347],"1363":[348],"1369":[349],"1371":[350],"1374":[351],"1379":[352],"1385":[353],"1389":[354],"1394":[355],"1397":[356],"1399":[357],"1402":[358],"1404":[359],"1407":[360],"1414":[361],"1417":[362],"1421":[363],"1424":[364],"1430":[365],"1432":[366],"1435":[367],"1440":[368],"1443":[369],"1445":[370],"1449":[371],"1451":[372],"1455":[373],"1458":[374],"1467":[375],"1470":[376],"1473":[377],"1475":[378],"1481":[379],"1484":[380],"1486":[381],"1488":[382],"1493":[383],"1497":[384],"1500":[385],"1504":[386],"1506":[387],"1507":[388],"1509":[389],"1511":[390],"1513":[391],"1515":[392],"1519":[393],"1521":[394],"1523":[395],"1525":[396],"1527":[397],"1531":[398],"1534":[399],"1536":[400],"1539":[401],"1541":[402],"1543":[403],"1545":[404],"1548":[405],"1553":[406],"1556":[407],"1561":[408],"1563":[409],"1566":[410],"1567":[411],"1570":[412],"1579":[413],"1582":[414],"1587":[415],"1588":[416],"1589":[417],"1592":[418],"1596":[419],"1598":[420],"1600":[421],"1606":[422],"1607":[423],"1610":[424],"1613":[425],"1616":[426],"1619":[427],"1622":[428],"1625":[429],"1626":[430],"1629":[431],"1633":[432],"1635":[433],"1637":[434],"1640":[435],"1644":[436],"1645":[437],"1646":[438],"1649":[439],"1654":[440],"1656":[441],"1661":[442],"1663":[443],"1665":[444],"1667":[445],"1668":[446],"1671":[447],"1673":[448],"1677":[449],"1679":[450],"1680":[451],"1686":[452],"1688":[453],"1691":[454],"1693":[455],"1695":[456],"1698":[457],"1703":[458],"1705":[459],"1712":[460],"1714":[461],"1718":[462],"1723":[463],"1726":[464],"1728":[465],"1731":[466],"1733":[467],"1735":[468],"1737":[469],"1740":[470],"1743":[471],"1746":[472],"1749":[473],"1753":[474],"1756":[475],"1761":[476],"1767":[477],"1770":[478],"1772":[479],"1776":[480],"1781":[481],"1784":[482],"1786":[483,484],"1789":[485],"1795":[486],"1798":[487],"1800":[488],"1802":[489],"1806":[490],"1810":[491],"1812":[492],"1814":[493],"1816":[494],"1818":[495],"1821":[496],"1824":[497],"1828":[498],"1832":[499],"1841":[500],"1845":[501],"1848":[502],"1852":[503],"1854":[504],"1859":[505],"1861":[506,507],"1862":[508],"1869":[509],"1871":[510],"1874":[511],"1876":[512],"1878":[513],"1882":[514],"1884":[515],"1886":[516],"1888":[517],"1889":[518],"1892":[519],"1895":[520],"1899":[521],"1903":[522],"1905":[523],"1907":[524,525],"1909":[526],"1911":[527],"1913":[528],"1916":[529],"1920":[530],"1924":[531],"1929":[532],"1931":[533],"1933":[534],"1936":[535],"1940":[536],"1942":[537],"1944":[538],"1949":[539],"1952":[540],"1955":[541],"1958":[542],"1963":[543],"1965":[544],"1971":[545],"1974":[546],"1978":[547],"1979":[548],"1985":[549],"1988":[550],"1992":[551],"1995":[552],"1998":[553],"2000":[554],"2002":[555],"2005":[556],"2008":[557],"2010":[558],"2014":[559],"2016":[560],"2019":[561],"2024":[562],"2025":[563],"2029":[564],"2031":[565],"2033":[566],"2036":[567],"2038":[568],"2043":[569],"2045":[570],"2048":[571],"2051":[572],"2054":[573],"2058":[574,575],"2060":[576,577],"2064":[578],"2068":[579],"2071":[580],"2075":[581],"2079":[582],"2081":[583],"2083":[584],"2087":[585],"2091":[586],"2093":[587],"2094":[588],"2099":[589],"2103":[590],"2108":[591],"2109":[592],"2111":[593],"2114":[594],"2117":[595],"2122":[596],"2124":[597],"2126":[598],"2128":[599],"2132":[600],"2135":[601],"2137":[602],"2142":[603],"2146":[604],"2149":[605],"2151":[606],"2152":[607],"2177":[608],"2179":[609],"2182":[610],"2184":[611],"2185":[612],"2187":[613],"2189":[614],"2192":[615],"2194":[616],"2197":[617],"2200":[618],"2201":[619],"2204":[620],"2209":[621],"2215":[622],"2217":[623],"2220":[624],"2222":[625],"2225":[626],"2228":[627],"2231":[628],"2234":[629],"2236":[630],"2240":[631],"2242":[632],"2248":[633],"2251":[634],"2255":[635],"2257":[636],"2259":[637],"2263":[638],"2268":[639],"2269":[640],"2272":[641],"2275":[642],"2280":[643,644],"2282":[645],"2286":[646],"2293":[647],"2296":[648],"2300":[649],"2308":[650],"2310":[651],"2315":[652],"2317":[653],"2322":[654],"2325":[655],"2328":[656],"2331":[657],"2333":[658],"2336":[659],"2340":[660],"2344":[661],"2349":[662],"2353":[663],"2357":[664],"2360":[665],"2364":[666],"2369":[667],"2376":[668],"2380":[669],"2384":[670],"2389":[671],"2394":[672],"2400":[673],"2404":[674],"2407":[675],"2410":[676],"2414":[677],"2419":[678],"2423":[679],"2424":[680],"2427":[681],"2431":[682],"2434":[683],"2437":[684],"2440":[685],"2446":[686],"2455":[687],"2458":[688],"2460":[689],"2462":[690],"2467":[691],"2473":[692],"2482":[693],"2487":[694],"2491":[695],"2493":[696],"2496":[697],"2500":[698],"2501":[699],"2508":[700],"2514":[701],"2518":[702],"2522":[703],"2524":[704],"2532":[705],"2535":[706],"2538":[707],"2543":[708],"2546":[709],"2549":[710],"2553":[711],"2555":[712],"2562":[713],"2565":[714],"2568":[715],"2571":[716],"2575":[717],"2578":[718],"2582":[719],"2584":[720],"2586":[721],"2592":[722],"2597":[723],"2600":[724],"2603":[725],"2607":[726],"2612":[727],"2614":[728],"2617":[729],"2619":[730],"2621":[731],"2624":[732],"2627":[733],"2630":[734],"2632":[735],"2635":[736],"2636":[737],"2637":[738],"2639":[739],"2642":[740],"2644":[741],"2648":[742],"2653":[743],"2660":[744],"2662":[745],"2666":[746],"2670":[747],"2673":[748],"2677":[749],"2679":[750],"2681":[751],"2689":[752],"2697":[753],"2700":[754],"2702":[755],"2705":[756],"2709":[757],"2711":[758],"2717":[759],"2723":[760],"2726":[761],"2730":[762],"2735":[763],"2737":[764],"2740":[765],"2742":[766],"2747":[767],"2753":[768],"2755":[769],"2758":[770],"2763":[771],"2767":[772],"2770":[773],"2775":[774],"2786":[775],"2788":[776],"2790":[777],"2799":[778],"2804":[779],"2807":[780],"2814":[781],"2819":[782],"2822":[783],"2826":[784],"2829":[785],"2833":[786],"2835":[787],"2837":[788],"2845":[789],"2849":[790],"2853":[791],"2856":[792],"2858":[793],"2862":[794],"2865":[795],"2867":[796],"2870":[797],"2873":[798],"2875":[799],"2882":[800],"2886":[801],"2891":[802],"2894":[803],"2897":[804],"2901":[805],"2903":[806],"2909":[807],"2915":[808],"2918":[809],"2923":[810],"2926":[811],"2927":[812],"2931":[813],"2932":[814,815],"2940":[816],"2942":[817],"2946":[818],"2950":[819],"2953":[820],"2959":[821],"2967":[822],"2971":[823],"2980":[824],"2984":[825],"2993":[826],"3000":[827],"3002":[828],"3007":[829],"3009":[830],"3011":[831],"3012":[832],"3014":[833],"3018":[834],"3020":[835],"3027":[836],"3033":[837],"3036":[838],"3039":[839],"3041":[840],"3044":[841],"3046":[842],"3049":[843],"3054":[844],"3057":[845],"3061":[846],"3070":[847],"3083":[848],"3085":[849],"3091":[850],"3095":[851],"3099":[852],"3103":[853],"3107":[854],"3109":[855],"3112":[856],"3116":[857],"3120":[858],"3124":[859],"3129":[860],"3132":[861],"3134":[862],"3136":[863],"3139":[864],"3142":[865],"3146":[866],"3153":[867],"3159":[868],"3162":[869],"3168":[870],"3170":[871],"3175":[872],"3184":[873],"3188":[874],"3192":[875],"3196":[876],"3198":[877],"3201":[878],"3206":[879],"3209":[880],"3211":[881],"3214":[882],"3217":[883],"3219":[884],"3225":[885],"3228":[886],"3232":[887],"3234":[888],"3238":[889],"3242":[890],"3244":[891],"3247":[892],"3250":[893],"3252":[894],"3269":[895],"3271":[896,897],"3275":[898],"3290":[899],"3298":[900],"3304":[901],"3317":[902],"3322":[903],"3325":[904],"3331":[905],"3336":[906],"3339":[907],"3344":[908],"3351":[909],"3353":[910],"3359":[911],"3360":[912],"3364":[913],"3368":[914],"3372":[915],"3378":[916],"3380":[917],"3385":[918],"3387":[919],"3391":[920],"3393":[921],"3396":[922],"3401":[923],"3405":[924],"3408":[925],"3410":[926],"3416":[927],"3418":[928],"3423":[929],"3435":[930],"3438":[931],"3447":[932],"3449":[933],"3452":[934],"3456":[935],"3459":[936],"3463":[937],"3467":[938],"3470":[939],"3473":[940],"3479":[941],"3481":[942],"3483":[943],"3485":[944],"3489":[945],"3492":[946],"3495":[947],"3498":[948],"3504":[949],"3508":[950],"3510":[951],"3511":[952],"3518":[953],"3521":[954],"3523":[955],"3525":[956],"3527":[957],"3530":[958],"3532":[959],"3536":[960],"3538":[961],"3541":[962],"3543":[963],"3544":[964],"3548":[965],"3552":[966],"3556":[967],"3559":[968],"3561":[969],"3565":[970],"3566":[971,972],"3572":[973],"3574":[974],"3578":[975],"3581":[976],"3588":[977],"3594":[978],"3596":[979],"3599":[980],"3606":[981],"3611":[982],"3614":[983],"3617":[984],"3620":[985],"3625":[986],"3629":[987],"3630":[988],"3640":[989],"3644":[990],"3646":[991],"3650":[992],"3652":[993],"3655":[994],"3659":[995],"3661":[996],"3666":[997],"3669":[998],"3672":[999],"3675":[1000],"3677":[1001],"3686":[1002],"3688":[1003],"3690":[1004],"3692":[1005],"3695":[1006],"3698":[1007],"3703":[1008],"3705":[1009],"3706":[1010],"3709":[1011],"3711":[1012],"3714":[1013],"3718":[1014],"3723":[1015],"3726":[1016,1017],"3729":[1018],"3734":[1019],"3739":[1020],"3745":[1021],"3748":[1022],"3753":[1023],"3756":[1024],"3758":[1025],"3765":[1026],"3768":[1027],"3772":[1028],"3779":[1029],"3781":[1030],"3784":[1031],"3788":[1032],"3791":[1033],"3793":[1034],"3797":[1035],"3800":[1036],"3802":[1037],"3804":[1038],"3806":[1039],"3814":[1040],"3821":[1041],"3824":[1042],"3827":[1043],"3831":[1044],"3834":[1045],"3837":[1046],"3842":[1047],"3846":[1048],"3850":[1049],"3851":[1050],"3857":[1051],"3862":[1052],"3867":[1053],"3869":[1054],"3871":[1055],"3878":[1056],"3881":[1057],"3887":[1058],"3889":[1059],"3895":[1060],"3899":[1061],"3901":[1062],"3903":[1063],"3907":[1064],"3910":[1065,1066],"3912":[1067],"3915":[1068],"3917":[1069],"3920":[1070],"3924":[1071],"3927":[1072],"3929":[1073],"3931":[1074],"3935":[1075],"3944":[1076],"3946":[1077],"3948":[1078],"3950":[1079],"3953":[1080],"3955":[1081],"3958":[1082],"3961":[1083],"3965":[1084],"3968":[1085],"3972":[1086],"3977":[1087],"3980":[1088],"3983":[1089],"3985":[1090],"3988":[1091],"3990":[1092],"3993":[1093],"3996":[1094],"3999":[1095],"4001":[1096],"4004":[1097],"4008":[1098],"4009":[1099],"4012":[1100],"4014":[1101],"4019":[1102],"4022":[1103],"4025":[1104],"4027":[1105],"4029":[1106],"4030":[1107],"4032":[1108],"4035":[1109],"4038":[1110],"4041":[1111],"4043":[1112],"4046":[1113],"4051":[1114],"4053":[1115],"4054":[1116],"4058":[1117],"4060":[1118],"4063":[1119],"4070":[1120],"4073":[1121],"4075":[1122,1123],"4079":[1124],"4084":[1125],"4086":[1126],"4089":[1127],"4094":[1128],"4099":[1129],"4101":[1130],"4105":[1131],"4106":[1132],"4109":[1133],"4114":[1134],"4116":[1135],"4118":[1136],"4123":[1137],"4133":[1138],"4135":[1139],"4137":[1140],"4143":[1141],"4145":[1142],"4146":[1143],"4149":[1144],"4157":[1145],"4159":[1146],"4163":[1147],"4167":[1148],"4169":[1149],"4171":[1150],"4175":[1151],"4179":[1152],"4183":[1153],"4188":[1154],"4192":[1155],"4195":[1156],"4200":[1157],"4203":[1158],"4205":[1159],"4207":[1160],"4212":[1161],"4217":[1162],"4225":[1163],"4228":[1164],"4235":[1165],"4238":[1166],"4244":[1167],"4253":[1168],"4256":[1169],"4260":[1170],"4263":[1171],"4267":[1172],"4269":[1173],"4275":[1174],"4280":[1175],"4285":[1176],"4291":[1177],"4295":[1178],"4301":[1179],"4304":[1180],"4306":[1181],"4309":[1182],"4311":[1183,1184],"4314":[1185],"4317":[1186],"4320":[1187],"4324":[1188],"4328":[1189],"4332":[1190],"4338":[1191],"4341":[1192],"4344":[1193],"4348":[1194],"4352":[1195],"4358":[1196],"4360":[1197],"4362":[1198],"4364":[1199],"4370":[1200],"4377":[1201],"4379":[1202],"4382":[1203],"4386":[1204],"4394":[1205],"4395":[1206],"4400":[1207],"4402":[1208],"4407":[1209],"4411":[1210],"4415":[1211],"4420":[1212],"4423":[1213],"4426":[1214],"4435":[1215],"4437":[1216,1217],"4442":[1218],"4445":[1219],"4452":[1220],"4454":[1221],"4458":[1222],"4461":[1223],"4463":[1224],"4465":[1225],"4469":[1226],"4471":[1227],"4476":[1228],"4478":[1229],"4480":[1230],"4484":[1231],"4488":[1232],"4490":[1233],"4494":[1234,1235],"4496":[1236],"4506":[1237],"4510":[1238],"4514":[1239],"4518":[1240],"4521":[1241],"4524":[1242],"4528":[1243],"4531":[1244],"4536":[1245],"4543":[1246],"4548":[1247],"4550":[1248],"4553":[1249],"4560":[1250],"4563":[1251],"4569":[1252],"4570":[1253],"4579":[1254],"4582":[1255],"4587":[1256],"4591":[1257],"4594":[1258],"4597":[1259],"4600":[1260],"4606":[1261],"4608":[1262],"4610":[1263],"4613":[1264],"4618":[1265],"4621":[1266],"4626":[1267],"4630":[1268],"4638":[1269],"4641":[1270],"4646":[1271],"4656":[1272],"4661":[1273],"4665":[1274],"4668":[1275],"4671":[1276],"4675":[1277],"4678":[1278],"4682":[1279],"4683":[1280],"4687":[1281],"4690":[1282],"4692":[1283],"4695":[1284],"4700":[1285],"4705":[1286],"4708":[1287],"4711":[1288],"4713":[1289],"4715":[1290],"4716":[1291],"4720":[1292],"4722":[1293],"4726":[1294],"4731":[1295],"4737":[1296],"4741":[1297],"4745":[1298],"4748":[1299],"4750":[1300],"4753":[1301],"4756":[1302],"4759":[1303],"4762":[1304],"4765":[1305],"4768":[1306],"4771":[1307],"4773":[1308],"4776":[1309],"4779":[1310],"4783":[1311],"4786":[1312],"4789":[1313],"4791":[1314],"4793":[1315],"4797":[1316],"4800":[1317],"4802":[1318],"4808":[1319],"4809":[1320],"4813":[1321],"4815":[1322],"4819":[1323],"4823":[1324],"4827":[1325],"4833":[1326],"4838":[1327],"4843":[1328],"4847":[1329],"4851":[1330],"4858":[1331],"4861":[1332],"4864":[1333],"4866":[1334],"4871":[1335],"4874":[1336],"4876":[1337],"4879":[1338],"4881":[1339],"4885":[1340],"4888":[1341],"4890":[1342],"4894":[1343],"4897":[1344],"4900":[1345],"4902":[1346],"4905":[1347],"4910":[1348],"4912":[1349],"4916":[1350],"4922":[1351],"4924":[1352],"4930":[1353],"4936":[1354],"4939":[1355],"4942":[1356],"4947":[1357],"4952":[1358],"4956":[1359],"4960":[1360],"4962":[1361],"4966":[1362],"4969":[1363],"4974":[1364,1365],"4976":[1366],"4993":[1367],"4994":[1368,1369],"4995":[1370],"4996":[1371,1372],"5000":[1373,1374],"5002":[1375],"5004":[1376]},"ٟ":[],"numbers":{"1":22,"2":25,"3":28,"4":28,"5":31,"6":37,"7":42,"8":44,"9":44,"10":48,"11":55,"12":60,"13":64,"14":67,"15":71,"16":75,"17":75,"18":75,"19":75,"20":75,"21":75,"22":75,"23":75,"24":75,"25":75,"26":75,"27":75,"28":75,"29":75,"30":75,"31":75,"32":134,"33":140,"34":148,"35":152,"36":158,"37":162,"38":165,"39":170,"40":178,"41":181,"42":184,"43":188,"44":196,"45":200,"46":203,"47":205,"48":211,"49":213,"50":213,"51":213,"52":221,"53":221,"54":221,"55":227,"56":233,"57":234,"58":244,"59":249,"60":249,"61":253,"62":253,"63":258,"64":264,"65":270,"66":273,"67":276,"68":280,"69":285,"70":293,"71":301,"72":304,"73":307,"74":312,"75":317,"76":322,"77":327,"78":336,"79":340,"80":342,"81":346,"82":348,"83":348,"84":348,"85":348,"86":354,"87":358,"88":361,"89":364,"90":365,"91":365,"92":365,"93":365,"94":370,"95":374,"96":378,"97":384,"98":390,"99":393,"100":396,"101":401,"102":404,"103":404,"104":408,"105":410,"106":413,"107":413,"108":418,"109":421,"110":425,"111":425,"112":431,"113":435,"114":439,"115":439,"116":448,"117":453,"118":456,"119":459,"120":459,"121":466,"122":470,"123":476,"124":479,"125":479,"126":484,"127":489,"128":489,"129":493,"130":497,"131":500,"132":500,"133":505,"134":511,"135":513,"136":513,"137":520,"138":524,"139":530,"140":534,"141":540,"142":540,"143":547,"144":551,"145":551,"146":555,"147":560,"148":563,"149":566,"150":568,"151":578,"152":578,"153":578,"154":586,"155":586,"156":586,"157":592,"158":594,"159":596,"160":601,"161":605,"162":605,"163":608,"164":612,"165":612,"166":612,"167":620,"168":623,"169":626,"170":626,"171":630,"172":633,"173":633,"174":636,"175":636,"176":641,"177":641,"178":649,"179":649,"180":656,"181":659,"182":663,"183":669,"184":671,"185":671,"186":674,"187":676,"188":676,"189":680,"190":680,"191":684,"192":686,"193":686,"194":686,"195":696,"196":703,"197":706,"198":710,"199":713,"200":713,"201":716,"202":716,"203":719,"204":722,"205":729,"206":729,"207":734,"208":739,"209":739,"210":745,"211":749,"212":754,"213":757,"214":757,"215":761,"216":761,"217":768,"218":770,"219":773,"220":776,"221":779,"222":783,"223":786,"224":789,"225":792,"226":796,"227":803,"228":807,"229":814,"230":815,"231":820,"232":820,"233":820,"234":826,"235":826,"236":831,"237":836,"238":842,"239":842,"240":844,"241":847,"242":847,"243":851,"244":851,"245":855,"246":859,"247":859,"248":863,"249":867,"250":871,"251":876,"252":879,"253":879,"254":883,"255":886,"256":889,"257":891,"258":893,"259":896,"260":898,"261":900,"262":902,"263":904,"264":906,"265":910,"266":912,"267":917,"268":917,"269":925,"270":931,"271":931,"272":931,"273":937,"274":943,"275":948,"276":948,"277":948,"278":953,"279":960,"280":969,"281":969,"282":976,"283":980,"284":980,"285":983,"286":986,"287":990,"288":990,"289":996,"290":998,"291":998,"292":1001,"293":1004,"294":1007,"295":1008,"296":1011,"297":1014,"298":1019,"299":1019,"300":1023,"301":1025,"302":1028,"303":1031,"304":1035,"305":1035,"306":1035,"307":1035,"308":1042,"309":1042,"310":1051,"311":1051,"312":1051,"313":1058,"314":1065,"315":1065,"316":1070,"317":1073,"318":1080,"319":1084,"320":1087,"321":1092,"322":1096,"323":1100,"324":1102,"325":1105,"326":1108,"327":1111,"328":1113,"329":1117,"330":1122,"331":1125,"332":1131,"333":1133,"334":1135,"335":1138,"336":1141,"337":1144,"338":1147,"339":1150,"340":1153,"341":1155,"342":1155,"343":1157,"344":1157,"345":1162,"346":1165,"347":1170,"348":1170,"349":1170,"350":1176,"351":1179,"352":1179,"353":1179,"354":1183,"355":1183,"356":1185,"357":1185,"358":1188,"359":1189,"360":1193,"361":1193,"362":1195,"363":1195,"364":1198,"365":1198,"366":1204,"367":1204,"368":1209,"369":1211,"370":1211,"371":1211,"372":1217,"373":1217,"374":1222,"375":1222,"376":1225,"377":1225,"378":1225,"379":1225,"380":1231,"381":1233,"382":1235,"383":1236,"384":1239,"385":1239,"386":1243,"387":1243,"388":1245,"389":1247,"390":1250,"391":1252,"392":1252,"393":1252,"394":1257,"395":1259,"396":1259,"397":1264,"398":1264,"399":1264,"400":1268,"401":1274,"402":1277,"403":1279,"404":1281,"405":1285,"406":1290,"407":1293,"408":1297,"409":1301,"410":1304,"411":1308,"412":1312,"413":1316,"414":1319,"415":1323,"416":1326,"417":1330,"418":1333,"419":1333,"420":1333,"421":1333,"422":1340,"423":1346,"424":1349,"425":1354,"426":1354,"427":1356,"428":1358,"429":1363,"430":1363,"431":1369,"432":1371,"433":1374,"434":1379,"435":1385,"436":1385,"437":1385,"438":1389,"439":1394,"440":1397,"441":1399,"442":1399,"443":1399,"444":1399,"445":1404,"446":1407,"447":1407,"448":1414,"449":1417,"450":1421,"451":1424,"452":1430,"453":1432,"454":1435,"455":1435,"456":1440,"457":1443,"458":1443,"459":1445,"460":1449,"461":1451,"462":1455,"463":1458,"464":1458,"465":1458,"466":1458,"467":1467,"468":1470,"469":1473,"470":1475,"471":1475,"472":1481,"473":1481,"474":1484,"475":1488,"476":1488,"477":1493,"478":1493,"479":1497,"480":1497,"481":1500,"482":1500,"483":1500,"484":1504,"485":1507,"486":1509,"487":1511,"488":1513,"489":1515,"490":1519,"491":1521,"492":1523,"493":1525,"494":1527,"495":1531,"496":1534,"497":1536,"498":1536,"499":1539,"500":1541,"501":1543,"502":1548,"503":1548,"504":1553,"505":1556,"506":1556,"507":1556,"508":1556,"509":1556,"510":1561,"511":1563,"512":1563,"513":1567,"514":1570,"515":1570,"516":1570,"517":1579,"518":1582,"519":1587,"520":1588,"521":1589,"522":1592,"523":1596,"524":1600,"525":1600,"526":1606,"527":1607,"528":1610,"529":1613,"530":1616,"531":1619,"532":1619,"533":1622,"534":1626,"535":1629,"536":1633,"537":1635,"538":1637,"539":1640,"540":1644,"541":1645,"542":1646,"543":1649,"544":1654,"545":1656,"546":1661,"547":1663,"548":1665,"549":1667,"550":1668,"551":1671,"552":1673,"553":1673,"554":1677,"555":1679,"556":1680,"557":1686,"558":1688,"559":1691,"560":1693,"561":1695,"562":1698,"563":1698,"564":1698,"565":1703,"566":1705,"567":1705,"568":1712,"569":1714,"570":1718,"571":1723,"572":1726,"573":1728,"574":1731,"575":1733,"576":1735,"577":1735,"578":1737,"579":1737,"580":1740,"581":1743,"582":1746,"583":1749,"584":1749,"585":1753,"586":1753,"587":1756,"588":1761,"589":1761,"590":1761,"591":1761,"592":1767,"593":1770,"594":1772,"595":1776,"596":1776,"597":1781,"598":1781,"599":1786,"600":1789,"601":1795,"602":1798,"603":1798,"604":1800,"605":1802,"606":1806,"607":1806,"608":1810,"609":1812,"610":1812,"611":1814,"612":1816,"613":1818,"614":1818,"615":1821,"616":1824,"617":1824,"618":1828,"619":1828,"620":1832,"621":1832,"622":1832,"623":1841,"624":1845,"625":1845,"626":1848,"627":1854,"628":1854,"629":1854,"630":1859,"631":1862,"632":1867,"633":1869,"634":1871,"635":1871,"636":1874,"637":1876,"638":1878,"639":1882,"640":1882,"641":1884,"642":1886,"643":1889,"644":1892,"645":1895,"646":1899,"647":1899,"648":1903,"649":1905,"650":1909,"651":1911,"652":1913,"653":1913,"654":1916,"655":1916,"656":1920,"657":1924,"658":1929,"659":1929,"660":1931,"661":1933,"662":1936,"663":1940,"664":1942,"665":1944,"666":1944,"667":1944,"668":1949,"669":1952,"670":1952,"671":1955,"672":1958,"673":1958,"674":1958,"675":1963,"676":1965,"677":1971,"678":1971,"679":1974,"680":1979,"681":1985,"682":1988,"683":1992,"684":1995,"685":1998,"686":2000,"687":2002,"688":2002,"689":2005,"690":2005,"691":2008,"692":2010,"693":2014,"694":2016,"695":2019,"696":2019,"697":2025,"698":2029,"699":2031,"700":2033,"701":2036,"702":2038,"703":2043,"704":2045,"705":2048,"706":2051,"707":2054,"708":2060,"709":2064,"710":2064,"711":2064,"712":2068,"713":2068,"714":2071,"715":2075,"716":2079,"717":2081,"718":2083,"719":2087,"720":2091,"721":2091,"722":2094,"723":2099,"724":2099,"725":2099,"726":2099,"727":2103,"728":2109,"729":2111,"730":2114,"731":2117,"732":2122,"733":2124,"734":2126,"735":2128,"736":2132,"737":2135,"738":2137,"739":2142,"740":2146,"741":2149,"742":2152,"743":2177,"744":2179,"745":2182,"746":2184,"747":2185,"748":2187,"749":2189,"750":2192,"751":2194,"752":2197,"753":2200,"754":2201,"755":2201,"756":2204,"757":2204,"758":2209,"759":2215,"760":2217,"761":2220,"762":2222,"763":2225,"764":2228,"765":2231,"766":2234,"767":2236,"768":2240,"769":2242,"770":2242,"771":2248,"772":2248,"773":2251,"774":2255,"775":2257,"776":2257,"777":2259,"778":2263,"779":2269,"780":2272,"781":2275,"782":2282,"783":2286,"784":2293,"785":2296,"786":2300,"787":2308,"788":2310,"789":2310,"790":2315,"791":2317,"792":2322,"793":2322,"794":2325,"795":2325,"796":2328,"797":2331,"798":2333,"799":2336,"800":2340,"801":2344,"802":2349,"803":2353,"804":2357,"805":2360,"806":2364,"807":2364,"808":2369,"809":2369,"810":2376,"811":2380,"812":2380,"813":2384,"814":2389,"815":2394,"816":2394,"817":2400,"818":2404,"819":2407,"820":2410,"821":2410,"822":2414,"823":2414,"824":2419,"825":2419,"826":2424,"827":2427,"828":2431,"829":2434,"830":2440,"831":2440,"832":2440,"833":2446,"834":2446,"835":2446,"836":2455,"837":2458,"838":2460,"839":2462,"840":2467,"841":2467,"842":2473,"843":2482,"844":2487,"845":2491,"846":2493,"847":2496,"848":2501,"849":2501,"850":2508,"851":2508,"852":2508,"853":2514,"854":2518,"855":2524,"856":2524,"857":2532,"858":2535,"859":2538,"860":2543,"861":2546,"862":2549,"863":2549,"864":2549,"865":2555,"866":2562,"867":2565,"868":2568,"869":2571,"870":2575,"871":2578,"872":2582,"873":2586,"874":2586,"875":2592,"876":2597,"877":2603,"878":2607,"879":2612,"880":2614,"881":2619,"882":2621,"883":2624,"884":2627,"885":2630,"886":2632,"887":2635,"888":2636,"889":2639,"890":2644,"891":2648,"892":2653,"893":2653,"894":2653,"895":2662,"896":2666,"897":2670,"898":2673,"899":2673,"900":2677,"901":2681,"902":2689,"903":2689,"904":2689,"905":2697,"906":2702,"907":2705,"908":2711,"909":2717,"910":2717,"911":2723,"912":2723,"913":2726,"914":2730,"915":2735,"916":2737,"917":2742,"918":2742,"919":2747,"920":2747,"921":2747,"922":2753,"923":2755,"924":2758,"925":2758,"926":2763,"927":2770,"928":2775,"929":2786,"930":2790,"931":2799,"932":2804,"933":2807,"934":2807,"935":2814,"936":2819,"937":2822,"938":2822,"939":2826,"940":2829,"941":2833,"942":2837,"943":2837,"944":2845,"945":2849,"946":2853,"947":2858,"948":2862,"949":2865,"950":2867,"951":2870,"952":2873,"953":2875,"954":2875,"955":2882,"956":2886,"957":2891,"958":2894,"959":2897,"960":2903,"961":2909,"962":2915,"963":2918,"964":2918,"965":2923,"966":2923,"967":2923,"968":2927,"969":2932,"970":2940,"971":2942,"972":2942,"973":2946,"974":2950,"975":2953,"976":2959,"977":2959,"978":2959,"979":2959,"980":2967,"981":2971,"982":2971,"983":2980,"984":2984,"985":2984,"986":2993,"987":2993,"988":3000,"989":3002,"990":3007,"991":3009,"992":3011,"993":3012,"994":3014,"995":3014,"996":3014,"997":3018,"998":3020,"999":3020,"1000":3027,"1001":3027,"1002":3033,"1003":3036,"1004":3041,"1005":3041,"1006":3044,"1007":3046,"1008":3049,"1009":3049,"1010":3054,"1011":3057,"1012":3061,"1013":3061,"1014":3061,"1015":3070,"1016":3070,"1017":3070,"1018":3085,"1019":3085,"1020":3091,"1021":3095,"1022":3099,"1023":3103,"1024":3107,"1025":3109,"1026":3112,"1027":3116,"1028":3120,"1029":3124,"1030":3124,"1031":3129,"1032":3134,"1033":3136,"1034":3139,"1035":3142,"1036":3146,"1037":3153,"1038":3153,"1039":3153,"1040":3153,"1041":3159,"1042":3162,"1043":3162,"1044":3170,"1045":3175,"1046":3175,"1047":3184,"1048":3184,"1049":3188,"1050":3188,"1051":3192,"1052":3192,"1053":3196,"1054":3198,"1055":3201,"1056":3206,"1057":3209,"1058":3211,"1059":3214,"1060":3214,"1061":3219,"1062":3225,"1063":3228,"1064":3232,"1065":3234,"1066":3238,"1067":3238,"1068":3242,"1069":3244,"1070":3247,"1071":3252,"1072":3252,"1073":3252,"1074":3252,"1075":3271,"1076":3275,"1077":3290,"1078":3298,"1079":3304,"1080":3304,"1081":3304,"1082":3317,"1083":3317,"1084":3317,"1085":3322,"1086":3325,"1087":3331,"1088":3336,"1089":3339,"1090":3339,"1091":3339,"1092":3344,"1093":3353,"1094":3353,"1095":3360,"1096":3364,"1097":3364,"1098":3364,"1099":3368,"1100":3372,"1101":3380,"1102":3385,"1103":3387,"1104":3391,"1105":3393,"1106":3396,"1107":3401,"1108":3401,"1109":3405,"1110":3410,"1111":3416,"1112":3418,"1113":3423,"1114":3423,"1115":3423,"1116":3435,"1117":3438,"1118":3447,"1119":3449,"1120":3452,"1121":3456,"1122":3456,"1123":3459,"1124":3463,"1125":3463,"1126":3467,"1127":3467,"1128":3470,"1129":3470,"1130":3473,"1131":3473,"1132":3473,"1133":3473,"1134":3481,"1135":3483,"1136":3485,"1137":3489,"1138":3492,"1139":3495,"1140":3498,"1141":3498,"1142":3498,"1143":3504,"1144":3508,"1145":3511,"1146":3518,"1147":3521,"1148":3523,"1149":3523,"1150":3525,"1151":3527,"1152":3527,"1153":3530,"1154":3532,"1155":3536,"1156":3538,"1157":3541,"1158":3544,"1159":3548,"1160":3552,"1161":3556,"1162":3556,"1163":3559,"1164":3561,"1165":3566,"1166":3566,"1167":3572,"1168":3574,"1169":3578,"1170":3581,"1171":3581,"1172":3588,"1173":3594,"1174":3596,"1175":3599,"1176":3599,"1177":3606,"1178":3611,"1179":3614,"1180":3617,"1181":3620,"1182":3625,"1183":3625,"1184":3630,"1185":3640,"1186":3644,"1187":3646,"1188":3646,"1189":3650,"1190":3652,"1191":3655,"1192":3659,"1193":3661,"1194":3666,"1195":3669,"1196":3672,"1197":3677,"1198":3686,"1199":3690,"1200":3692,"1201":3695,"1202":3698,"1203":3698,"1204":3703,"1205":3706,"1206":3709,"1207":3711,"1208":3714,"1209":3718,"1210":3718,"1211":3723,"1212":3729,"1213":3734,"1214":3739,"1215":3745,"1216":3748,"1217":3753,"1218":3756,"1219":3758,"1220":3765,"1221":3765,"1222":3768,"1223":3772,"1224":3779,"1225":3781,"1226":3784,"1227":3784,"1228":3784,"1229":3788,"1230":3793,"1231":3797,"1232":3797,"1233":3800,"1234":3802,"1235":3806,"1236":3806,"1237":3806,"1238":3814,"1239":3821,"1240":3824,"1241":3827,"1242":3831,"1243":3834,"1244":3837,"1245":3842,"1246":3846,"1247":3846,"1248":3851,"1249":3857,"1250":3862,"1251":3867,"1252":3869,"1253":3871,"1254":3871,"1255":3871,"1256":3871,"1257":3878,"1258":3881,"1259":3881,"1260":3889,"1261":3895,"1262":3899,"1263":3901,"1264":3903,"1265":3903,"1266":3910,"1267":3912,"1268":3915,"1269":3917,"1270":3917,"1271":3920,"1272":3924,"1273":3927,"1274":3929,"1275":3931,"1276":3935,"1277":3944,"1278":3946,"1279":3948,"1280":3950,"1281":3953,"1282":3955,"1283":3958,"1284":3961,"1285":3965,"1286":3968,"1287":3972,"1288":3972,"1289":3977,"1290":3977,"1291":3980,"1292":3983,"1293":3985,"1294":3988,"1295":3990,"1296":3993,"1297":3996,"1298":3999,"1299":4001,"1300":4004,"1301":4008,"1302":4009,"1303":4009,"1304":4012,"1305":4014,"1306":4014,"1307":4014,"1308":4014,"1309":4014,"1310":4019,"1311":4022,"1312":4025,"1313":4027,"1314":4029,"1315":4032,"1316":4035,"1317":4038,"1318":4041,"1319":4043,"1320":4046,"1321":4046,"1322":4051,"1323":4054,"1324":4058,"1325":4060,"1326":4063,"1327":4070,"1328":4075,"1329":4075,"1330":4079,"1331":4084,"1332":4086,"1333":4089,"1334":4094,"1335":4099,"1336":4101,"1337":4105,"1338":4106,"1339":4109,"1340":4114,"1341":4118,"1342":4123,"1343":4133,"1344":4135,"1345":4137,"1346":4143,"1347":4145,"1348":4146,"1349":4149,"1350":4157,"1351":4159,"1352":4163,"1353":4167,"1354":4167,"1355":4171,"1356":4175,"1357":4179,"1358":4183,"1359":4188,"1360":4192,"1361":4195,"1362":4200,"1363":4203,"1364":4207,"1365":4207,"1366":4212,"1367":4212,"1368":4217,"1369":4228,"1370":4228,"1371":4235,"1372":4238,"1373":4244,"1374":4253,"1375":4256,"1376":4260,"1377":4263,"1378":4267,"1379":4269,"1380":4275,"1381":4280,"1382":4280,"1383":4280,"1384":4285,"1385":4285,"1386":4291,"1387":4295,"1388":4295,"1389":4301,"1390":4304,"1391":4306,"1392":4311,"1393":4314,"1394":4317,"1395":4320,"1396":4324,"1397":4328,"1398":4328,"1399":4332,"1400":4338,"1401":4338,"1402":4338,"1403":4341,"1404":4344,"1405":4348,"1406":4352,"1407":4352,"1408":4358,"1409":4362,"1410":4364,"1411":4370,"1412":4370,"1413":4377,"1414":4379,"1415":4382,"1416":4386,"1417":4386,"1418":4395,"1419":4400,"1420":4402,"1421":4402,"1422":4407,"1423":4411,"1424":4415,"1425":4420,"1426":4423,"1427":4426,"1428":4437,"1429":4437,"1430":4437,"1431":4442,"1432":4445,"1433":4445,"1434":4452,"1435":4454,"1436":4458,"1437":4461,"1438":4463,"1439":4465,"1440":4471,"1441":4476,"1442":4478,"1443":4480,"1444":4484,"1445":4488,"1446":4490,"1447":4496,"1448":4506,"1449":4510,"1450":4514,"1451":4518,"1452":4521,"1453":4524,"1454":4528,"1455":4531,"1456":4536,"1457":4543,"1458":4548,"1459":4550,"1460":4553,"1461":4560,"1462":4563,"1463":4570,"1464":4579,"1465":4582,"1466":4587,"1467":4591,"1468":4594,"1469":4597,"1470":4600,"1471":4606,"1472":4608,"1473":4610,"1474":4613,"1475":4618,"1476":4621,"1477":4630,"1478":4638,"1479":4641,"1480":4646,"1481":4656,"1482":4661,"1483":4665,"1484":4668,"1485":4671,"1486":4675,"1487":4678,"1488":4683,"1489":4683,"1490":4687,"1491":4690,"1492":4692,"1493":4695,"1494":4700,"1495":4700,"1496":4705,"1497":4708,"1498":4711,"1499":4713,"1500":4715,"1501":4716,"1502":4720,"1503":4722,"1504":4726,"1505":4731,"1506":4737,"1507":4741,"1508":4745,"1509":4748,"1510":4750,"1511":4753,"1512":4756,"1513":4759,"1514":4762,"1515":4765,"1516":4765,"1517":4768,"1518":4771,"1519":4773,"1520":4776,"1521":4779,"1522":4783,"1523":4786,"1524":4789,"1525":4791,"1526":4793,"1527":4797,"1528":4802,"1529":4808,"1530":4809,"1531":4813,"1532":4815,"1533":4819,"1534":4823,"1535":4827,"1536":4833,"1537":4838,"1538":4838,"1539":4843,"1540":4847,"1541":4851,"1542":4858,"1543":4861,"1544":4864,"1545":4866,"1546":4871,"1547":4876,"1548":4879,"1549":4881,"1550":4885,"1551":4888,"1552":4890,"1553":4894,"1554":4897,"1555":4900,"1556":4902,"1557":4905,"1558":4905,"1559":4905,"1560":4910,"1561":4912,"1562":4916,"1563":4916,"1564":4922,"1565":4924,"1566":4930,"1567":4936,"1568":4939,"1569":4942,"1570":4947,"1571":4952,"1572":4956,"1573":4962,"1574":4962,"1575":4966,"1576":4969},"number_max":1576,"number_pages":{"22":1,"25":2,"28":4,"31":5,"37":6,"42":7,"44":9,"48":10,"55":11,"60":12,"64":13,"67":14,"71":15,"75":31,"134":32,"140":33,"148":34,"152":35,"158":36,"162":37,"165":38,"170":39,"178":40,"181":41,"184":42,"188":43,"196":44,"200":45,"203":46,"205":47,"211":48,"213":51,"221":54,"227":55,"233":56,"234":57,"244":58,"249":60,"253":62,"258":63,"264":64,"270":65,"273":66,"276":67,"280":68,"285":69,"293":70,"301":71,"304":72,"307":73,"312":74,"317":75,"322":76,"327":77,"336":78,"340":79,"342":80,"346":81,"348":85,"354":86,"358":87,"361":88,"364":89,"365":93,"370":94,"374":95,"378":96,"384":97,"390":98,"393":99,"396":100,"401":101,"404":103,"408":104,"410":105,"413":107,"418":108,"421":109,"425":111,"431":112,"435":113,"439":115,"448":116,"453":117,"456":118,"459":120,"466":121,"470":122,"476":123,"479":125,"484":126,"489":128,"493":129,"497":130,"500":132,"505":133,"511":134,"513":136,"520":137,"524":138,"530":139,"534":140,"540":142,"547":143,"551":145,"555":146,"560":147,"563":148,"566":149,"568":150,"578":153,"586":156,"592":157,"594":158,"596":159,"601":160,"605":162,"608":163,"612":166,"620":167,"623":168,"626":170,"630":171,"633":173,"636":175,"641":177,"649":179,"656":180,"659":181,"663":182,"669":183,"671":185,"674":186,"676":188,"680":190,"684":191,"686":194,"696":195,"703":196,"706":197,"710":198,"713":200,"716":202,"719":203,"722":204,"729":206,"734":207,"739":209,"745":210,"749":211,"754":212,"757":214,"761":216,"768":217,"770":218,"773":219,"776":220,"779":221,"783":222,"786":223,"789":224,"792":225,"796":226,"803":227,"807":228,"814":229,"815":230,"820":233,"826":235,"831":236,"836":237,"842":239,"844":240,"847":242,"851":244,"855":245,"859":247,"863":248,"867":249,"871":250,"876":251,"879":253,"883":254,"886":255,"889":256,"891":257,"893":258,"896":259,"898":260,"900":261,"902":262,"904":263,"906":264,"910":265,"912":266,"917":268,"925":269,"931":272,"937":273,"943":274,"948":277,"953":278,"960":279,"969":281,"976":282,"980":284,"983":285,"986":286,"990":288,"996":289,"998":291,"1001":292,"1004":293,"1007":294,"1008":295,"1011":296,"1014":297,"1019":299,"1023":300,"1025":301,"1028":302,"1031":303,"1035":307,"1042":309,"1051":312,"1058":313,"1065":315,"1070":316,"1073":317,"1080":318,"1084":319,"1087":320,"1092":321,"1096":322,"1100":323,"1102":324,"1105":325,"1108":326,"1111":327,"1113":328,"1117":329,"1122":330,"1125":331,"1131":332,"1133":333,"1135":334,"1138":335,"1141":336,"1144":337,"1147":338,"1150":339,"1153":340,"1155":342,"1157":344,"1162":345,"1165":346,"1170":349,"1176":350,"1179":353,"1183":355,"1185":357,"1188":358,"1189":359,"1193":361,"1195":363,"1198":365,"1204":367,"1209":368,"1211":371,"1217":373,"1222":375,"1225":379,"1231":380,"1233":381,"1235":382,"1236":383,"1239":385,"1243":387,"1245":388,"1247":389,"1250":390,"1252":393,"1257":394,"1259":396,"1264":399,"1268":400,"1274":401,"1277":402,"1279":403,"1281":404,"1285":405,"1290":406,"1293":407,"1297":408,"1301":409,"1304":410,"1308":411,"1312":412,"1316":413,"1319":414,"1323":415,"1326":416,"1330":417,"1333":421,"1340":422,"1346":423,"1349":424,"1354":426,"1356":427,"1358":428,"1363":430,"1369":431,"1371":432,"1374":433,"1379":434,"1385":437,"1389":438,"1394":439,"1397":440,"1399":444,"1404":445,"1407":447,"1414":448,"1417":449,"1421":450,"1424":451,"1430":452,"1432":453,"1435":455,"1440":456,"1443":458,"1445":459,"1449":460,"1451":461,"1455":462,"1458":466,"1467":467,"1470":468,"1473":469,"1475":471,"1481":473,"1484":474,"1488":476,"1493":478,"1497":480,"1500":483,"1504":484,"1507":485,"1509":486,"1511":487,"1513":488,"1515":489,"1519":490,"1521":491,"1523":492,"1525":493,"1527":494,"1531":495,"1534":496,"1536":498,"1539":499,"1541":500,"1543":501,"1548":503,"1553":504,"1556":509,"1561":510,"1563":512,"1567":513,"1570":516,"1579":517,"1582":518,"1587":519,"1588":520,"1589":521,"1592":522,"1596":523,"1600":525,"1606":526,"1607":527,"1610":528,"1613":529,"1616":530,"1619":532,"1622":533,"1626":534,"1629":535,"1633":536,"1635":537,"1637":538,"1640":539,"1644":540,"1645":541,"1646":542,"1649":543,"1654":544,"1656":545,"1661":546,"1663":547,"1665":548,"1667":549,"1668":550,"1671":551,"1673":553,"1677":554,"1679":555,"1680":556,"1686":557,"1688":558,"1691":559,"1693":560,"1695":561,"1698":564,"1703":565,"1705":567,"1712":568,"1714":569,"1718":570,"1723":571,"1726":572,"1728":573,"1731":574,"1733":575,"1735":577,"1737":579,"1740":580,"1743":581,"1746":582,"1749":584,"1753":586,"1756":587,"1761":591,"1767":592,"1770":593,"1772":594,"1776":596,"1781":598,"1786":599,"1789":600,"1795":601,"1798":603,"1800":604,"1802":605,"1806":607,"1810":608,"1812":610,"1814":611,"1816":612,"1818":614,"1821":615,"1824":617,"1828":619,"1832":622,"1841":623,"1845":625,"1848":626,"1854":629,"1859":630,"1862":631,"1867":632,"1869":633,"1871":635,"1874":636,"1876":637,"1878":638,"1882":640,"1884":641,"1886":642,"1889":643,"1892":644,"1895":645,"1899":647,"1903":648,"1905":649,"1909":650,"1911":651,"1913":653,"1916":655,"1920":656,"1924":657,"1929":659,"1931":660,"1933":661,"1936":662,"1940":663,"1942":664,"1944":667,"1949":668,"1952":670,"1955":671,"1958":674,"1963":675,"1965":676,"1971":678,"1974":679,"1979":680,"1985":681,"1988":682,"1992":683,"1995":684,"1998":685,"2000":686,"2002":688,"2005":690,"2008":691,"2010":692,"2014":693,"2016":694,"2019":696,"2025":697,"2029":698,"2031":699,"2033":700,"2036":701,"2038":702,"2043":703,"2045":704,"2048":705,"2051":706,"2054":707,"2060":708,"2064":711,"2068":713,"2071":714,"2075":715,"2079":716,"2081":717,"2083":718,"2087":719,"2091":721,"2094":722,"2099":726,"2103":727,"2109":728,"2111":729,"2114":730,"2117":731,"2122":732,"2124":733,"2126":734,"2128":735,"2132":736,"2135":737,"2137":738,"2142":739,"2146":740,"2149":741,"2152":742,"2177":743,"2179":744,"2182":745,"2184":746,"2185":747,"2187":748,"2189":749,"2192":750,"2194":751,"2197":752,"2200":753,"2201":755,"2204":757,"2209":758,"2215":759,"2217":760,"2220":761,"2222":762,"2225":763,"2228":764,"2231":765,"2234":766,"2236":767,"2240":768,"2242":770,"2248":772,"2251":773,"2255":774,"2257":776,"2259":777,"2263":778,"2269":779,"2272":780,"2275":781,"2282":782,"2286":783,"2293":784,"2296":785,"2300":786,"2308":787,"2310":789,"2315":790,"2317":791,"2322":793,"2325":795,"2328":796,"2331":797,"2333":798,"2336":799,"2340":800,"2344":801,"2349":802,"2353":803,"2357":804,"2360":805,"2364":807,"2369":809,"2376":810,"2380":812,"2384":813,"2389":814,"2394":816,"2400":817,"2404":818,"2407":819,"2410":821,"2414":823,"2419":825,"2424":826,"2427":827,"2431":828,"2434":829,"2440":832,"2446":835,"2455":836,"2458":837,"2460":838,"2462":839,"2467":841,"2473":842,"2482":843,"2487":844,"2491":845,"2493":846,"2496":847,"2501":849,"2508":852,"2514":853,"2518":854,"2524":856,"2532":857,"2535":858,"2538":859,"2543":860,"2546":861,"2549":864,"2555":865,"2562":866,"2565":867,"2568":868,"2571":869,"2575":870,"2578":871,"2582":872,"2586":874,"2592":875,"2597":876,"2603":877,"2607":878,"2612":879,"2614":880,"2619":881,"2621":882,"2624":883,"2627":884,"2630":885,"2632":886,"2635":887,"2636":888,"2639":889,"2644":890,"2648":891,"2653":894,"2662":895,"2666":896,"2670":897,"2673":899,"2677":900,"2681":901,"2689":904,"2697":905,"2702":906,"2705":907,"2711":908,"2717":910,"2723":912,"2726":913,"2730":914,"2735":915,"2737":916,"2742":918,"2747":921,"2753":922,"2755":923,"2758":925,"2763":926,"2770":927,"2775":928,"2786":929,"2790":930,"2799":931,"2804":932,"2807":934,"2814":935,"2819":936,"2822":938,"2826":939,"2829":940,"2833":941,"2837":943,"2845":944,"2849":945,"2853":946,"2858":947,"2862":948,"2865":949,"2867":950,"2870":951,"2873":952,"2875":954,"2882":955,"2886":956,"2891":957,"2894":958,"2897":959,"2903":960,"2909":961,"2915":962,"2918":964,"2923":967,"2927":968,"2932":969,"2940":970,"2942":972,"2946":973,"2950":974,"2953":975,"2959":979,"2967":980,"2971":982,"2980":983,"2984":985,"2993":987,"3000":988,"3002":989,"3007":990,"3009":991,"3011":992,"3012":993,"3014":996,"3018":997,"3020":999,"3027":1001,"3033":1002,"3036":1003,"3041":1005,"3044":1006,"3046":1007,"3049":1009,"3054":1010,"3057":1011,"3061":1014,"3070":1017,"3085":1019,"3091":1020,"3095":1021,"3099":1022,"3103":1023,"3107":1024,"3109":1025,"3112":1026,"3116":1027,"3120":1028,"3124":1030,"3129":1031,"3134":1032,"3136":1033,"3139":1034,"3142":1035,"3146":1036,"3153":1040,"3159":1041,"3162":1043,"3170":1044,"3175":1046,"3184":1048,"3188":1050,"3192":1052,"3196":1053,"3198":1054,"3201":1055,"3206":1056,"3209":1057,"3211":1058,"3214":1060,"3219":1061,"3225":1062,"3228":1063,"3232":1064,"3234":1065,"3238":1067,"3242":1068,"3244":1069,"3247":1070,"3252":1074,"3271":1075,"3275":1076,"3290":1077,"3298":1078,"3304":1081,"3317":1084,"3322":1085,"3325":1086,"3331":1087,"3336":1088,"3339":1091,"3344":1092,"3353":1094,"3360":1095,"3364":1098,"3368":1099,"3372":1100,"3380":1101,"3385":1102,"3387":1103,"3391":1104,"3393":1105,"3396":1106,"3401":1108,"3405":1109,"3410":1110,"3416":1111,"3418":1112,"3423":1115,"3435":1116,"3438":1117,"3447":1118,"3449":1119,"3452":1120,"3456":1122,"3459":1123,"3463":1125,"3467":1127,"3470":1129,"3473":1133,"3481":1134,"3483":1135,"3485":1136,"3489":1137,"3492":1138,"3495":1139,"3498":1142,"3504":1143,"3508":1144,"3511":1145,"3518":1146,"3521":1147,"3523":1149,"3525":1150,"3527":1152,"3530":1153,"3532":1154,"3536":1155,"3538":1156,"3541":1157,"3544":1158,"3548":1159,"3552":1160,"3556":1162,"3559":1163,"3561":1164,"3566":1166,"3572":1167,"3574":1168,"3578":1169,"3581":1171,"3588":1172,"3594":1173,"3596":1174,"3599":1176,"3606":1177,"3611":1178,"3614":1179,"3617":1180,"3620":1181,"3625":1183,"3630":1184,"3640":1185,"3644":1186,"3646":1188,"3650":1189,"3652":1190,"3655":1191,"3659":1192,"3661":1193,"3666":1194,"3669":1195,"3672":1196,"3677":1197,"3686":1198,"3690":1199,"3692":1200,"3695":1201,"3698":1203,"3703":1204,"3706":1205,"3709":1206,"3711":1207,"3714":1208,"3718":1210,"3723":1211,"3729":1212,"3734":1213,"3739":1214,"3745":1215,"3748":1216,"3753":1217,"3756":1218,"3758":1219,"3765":1221,"3768":1222,"3772":1223,"3779":1224,"3781":1225,"3784":1228,"3788":1229,"3793":1230,"3797":1232,"3800":1233,"3802":1234,"3806":1237,"3814":1238,"3821":1239,"3824":1240,"3827":1241,"3831":1242,"3834":1243,"3837":1244,"3842":1245,"3846":1247,"3851":1248,"3857":1249,"3862":1250,"3867":1251,"3869":1252,"3871":1256,"3878":1257,"3881":1259,"3889":1260,"3895":1261,"3899":1262,"3901":1263,"3903":1265,"3910":1266,"3912":1267,"3915":1268,"3917":1270,"3920":1271,"3924":1272,"3927":1273,"3929":1274,"3931":1275,"3935":1276,"3944":1277,"3946":1278,"3948":1279,"3950":1280,"3953":1281,"3955":1282,"3958":1283,"3961":1284,"3965":1285,"3968":1286,"3972":1288,"3977":1290,"3980":1291,"3983":1292,"3985":1293,"3988":1294,"3990":1295,"3993":1296,"3996":1297,"3999":1298,"4001":1299,"4004":1300,"4008":1301,"4009":1303,"4012":1304,"4014":1309,"4019":1310,"4022":1311,"4025":1312,"4027":1313,"4029":1314,"4032":1315,"4035":1316,"4038":1317,"4041":1318,"4043":1319,"4046":1321,"4051":1322,"4054":1323,"4058":1324,"4060":1325,"4063":1326,"4070":1327,"4075":1329,"4079":1330,"4084":1331,"4086":1332,"4089":1333,"4094":1334,"4099":1335,"4101":1336,"4105":1337,"4106":1338,"4109":1339,"4114":1340,"4118":1341,"4123":1342,"4133":1343,"4135":1344,"4137":1345,"4143":1346,"4145":1347,"4146":1348,"4149":1349,"4157":1350,"4159":1351,"4163":1352,"4167":1354,"4171":1355,"4175":1356,"4179":1357,"4183":1358,"4188":1359,"4192":1360,"4195":1361,"4200":1362,"4203":1363,"4207":1365,"4212":1367,"4217":1368,"4228":1370,"4235":1371,"4238":1372,"4244":1373,"4253":1374,"4256":1375,"4260":1376,"4263":1377,"4267":1378,"4269":1379,"4275":1380,"4280":1383,"4285":1385,"4291":1386,"4295":1388,"4301":1389,"4304":1390,"4306":1391,"4311":1392,"4314":1393,"4317":1394,"4320":1395,"4324":1396,"4328":1398,"4332":1399,"4338":1402,"4341":1403,"4344":1404,"4348":1405,"4352":1407,"4358":1408,"4362":1409,"4364":1410,"4370":1412,"4377":1413,"4379":1414,"4382":1415,"4386":1417,"4395":1418,"4400":1419,"4402":1421,"4407":1422,"4411":1423,"4415":1424,"4420":1425,"4423":1426,"4426":1427,"4437":1430,"4442":1431,"4445":1433,"4452":1434,"4454":1435,"4458":1436,"4461":1437,"4463":1438,"4465":1439,"4471":1440,"4476":1441,"4478":1442,"4480":1443,"4484":1444,"4488":1445,"4490":1446,"4496":1447,"4506":1448,"4510":1449,"4514":1450,"4518":1451,"4521":1452,"4524":1453,"4528":1454,"4531":1455,"4536":1456,"4543":1457,"4548":1458,"4550":1459,"4553":1460,"4560":1461,"4563":1462,"4570":1463,"4579":1464,"4582":1465,"4587":1466,"4591":1467,"4594":1468,"4597":1469,"4600":1470,"4606":1471,"4608":1472,"4610":1473,"4613":1474,"4618":1475,"4621":1476,"4630":1477,"4638":1478,"4641":1479,"4646":1480,"4656":1481,"4661":1482,"4665":1483,"4668":1484,"4671":1485,"4675":1486,"4678":1487,"4683":1489,"4687":1490,"4690":1491,"4692":1492,"4695":1493,"4700":1495,"4705":1496,"4708":1497,"4711":1498,"4713":1499,"4715":1500,"4716":1501,"4720":1502,"4722":1503,"4726":1504,"4731":1505,"4737":1506,"4741":1507,"4745":1508,"4748":1509,"4750":1510,"4753":1511,"4756":1512,"4759":1513,"4762":1514,"4765":1516,"4768":1517,"4771":1518,"4773":1519,"4776":1520,"4779":1521,"4783":1522,"4786":1523,"4789":1524,"4791":1525,"4793":1526,"4797":1527,"4802":1528,"4808":1529,"4809":1530,"4813":1531,"4815":1532,"4819":1533,"4823":1534,"4827":1535,"4833":1536,"4838":1538,"4843":1539,"4847":1540,"4851":1541,"4858":1542,"4861":1543,"4864":1544,"4866":1545,"4871":1546,"4876":1547,"4879":1548,"4881":1549,"4885":1550,"4888":1551,"4890":1552,"4894":1553,"4897":1554,"4900":1555,"4902":1556,"4905":1559,"4910":1560,"4912":1561,"4916":1563,"4922":1564,"4924":1565,"4930":1566,"4936":1567,"4939":1568,"4942":1569,"4947":1570,"4952":1571,"4956":1572,"4962":1574,"4966":1575,"4969":1576}},"pages":[{"text":"منحة العلام في شرح بلوغ المرام\nتأليف: عبد الله بن صالح الفوزان\nالناشر: دار ابن الجوزي\nالطبعة: الأولي\n_________\nجـ ١: ١٤٢٧ هـ\nجـ ٢ - ٥: ١٤٢٨ هـ\nجـ ٦: ١٤٢٩ هـ\nجـ ٧: ١٤٣٠ هـ\nجـ ٨، ٩: ١٤٣١ هـ\nجـ ١٠: ١٤٣٢ هـ\nجـ ١١: ١٤٣٥ هـ","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>مقدمة الشارح</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى اله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد:\nفإن العلم أشرف المطالب، وأجلُّ الرغائب، يبلغ به العبد منازل الأخيار والأبرار، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، وإن من أشرف العلوم، وأرفعها منزلة - بعد كتاب الله - العلمَ بسنة رسول الله ﷺ رواية، ودراية، وهما أساس الاستدلال على الأحكام الشرعية.\nوقد عُني السابقون بهذا النوع من الدليل، وسلكوا في التأليف فيه مناهج متعددة، ومن هذه المناهج الاقتصار على أحاديث الأحكام الشرعية، وتجريدها من أحاديث العقائد والمغازي والمناقب والآداب وغيرها، لتسهيل حفظها على الطلاب، وتقريبها في حال الاستدلال، ومن هؤلاء الذين ألفوا على هذا المنهج الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (^١) ﵀ المتوفى سنة (٨٥٢ هـ)، فقد جمع في كتابه «بلوغ المرام من أدلة الأحكام» (^٢) أصول\n_________\n(^١) ترجمه كثيرون، بل أفرد في ترجمته مصنفات مستقلة، ولعل من أجمعها وأولها كتاب السخاوي: \"الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الأسلام ابن حجر\" مطبوع في ثلاثة أجزاء، وفيه فوائد كثيرة، وجُلُّها استطرادات، كما نصَّ على ذلك.\n(^٢) ذكر السخاوي أن الحافظ صنف \"بلوغ المرام\" لابنه محمد، لكنه ما تيسر له حفظه، =","vol":"1","page":5},{"text":"أحاديث الأحكام الشرعية، ورتبها على الأبواب الفقهية المشهورة، ليسهل على القارئ مراجعتها، ولم يقتصر على الأحاديث الصحيحة، بل ساق بعض الأحاديث الضعيفة ليعلم طالب العلم ما ورد في المسألة من أحاديث ضعيفة، فإن معرفة الصحيح علم، ومعرفة الضعيف علم - أيضًا - ولأجل أن يجتهد الطالب في دراستها، فإن كان لها شواهد أو طرق أخرى بحث عنها، واتضح له هل يمكن أن يُقَوِّيَ بعضُها بعضًا، أو لا؟\nوقد اكتفى الحافظ بالكتب والأبواب العامة دون أن يضع لكل حديث عنوانًا - كما فعل المجد ابن تيمية في «المنتقى» ـ، وذكر في اخرها كتاب «الجامع» للآداب، وكأنه أراد بذلك تزويد طالب العلم بعد حفظ أحاديث الأحكام بهذه الأحاديث ليحفظها، فإنه أحوج ما يكون إليها، وقد بلغت أحاديث الكتاب (١٥٦٨) حديثًا، وقد يزيد هذا العدد وقد ينقص، تبعًا لاختلاف طبعات الكتاب، أو اختلاف وجهات النظر حول الروايات والآثار.\nوقد امتاز هذا الكتاب بمزايا كثيرة، يستطيع الناظر المتأمل في الكتاب أن يستنبطها، ومن أبرزها:\n١ - أنه رتب كتبه وأبوابه وأحاديثه على الأبواب الفقهية - كما تقدم - فيذكر اسم الكتاب، ثم الباب، ثم يسرد الأحاديث المختصة به، وقد يذكر اسم الكتاب، ثم يسرد الأحاديث دون ذكر الباب كما فعل في كتاب «الجنائز» وأوائل كتاب «الزكاة» و«الصيام» و«النكاح» وغير ذلك.\n٢ - أنه اقتصر على الأحاديث المرفوعة، ولم يذكر من الموقوفات إلا اليسير كما في كتاب «النكاح» وباب «الإيلاء» وباب «العدة» وغير ذلك.\n٣ - أنه اختصر الأحاديث الطويلة اختصارًا جميلًا، لا يتطرق إليه تغير العبارة، ولا تقديم متأخر الإشارة، مقتصرًا على موضع الاستدلال.\n_________\n= وإنما حفظ منه يسيرًا [الجواهر والدرر ٣/ ١٢٢٠]. قلت: فإن كان هذا هو الواقع، فإنه ما ضاع جهد الحافظ ولا فاته الأجر - إن شاء الله - فكم حفظ \"البلوغ\" منذ زمان الحافظ ابن حجر إلى يومنا هذا؟ وكم شرحه من عالم، وكم دَرَّسَهُ من آخر؟!","vol":"1","page":6},{"text":"٤ - أنه حذف الأسانيد، واقتصر على الراوي الأعلى فقط، وقد يذكر مَنْ قبله لغرض، وهذا قليل جدًا.\n٥ - أنه يبين درجة الحديث من صحة أو حسن أو ضعف في الغالب، وهو إما أن ينقل عن غيره، أو يحكم بنفسه، وهذه من أهم المزايا، وإن كان لم يبين سبب الضعف، إلا نادرًا، ولعله قصد الاختصار، وقد فاتت هذه المزايا على المجد ابن تيمية في «المنتقى»، فاكتفى بسياق الأحاديث وبيان مخرجها، دون أن يبين درجتها.\n٦ - أنه يذكر أحيانًا ما في الأسانيد من إرسال أو انقطاع أو وقف، وقد يرجّحُ إذا كان للحديث أكثر من إسناد، كل ذلك بعبارة مختصرة.\n٧ - أنه يذكر أحيانًا روايات وأحاديث تابعة للحديث الذي جعله أصلًا، ولا يفعل ذلك إلا لفائدة، من تقييد مطلق، أو تفصيل مجمل، أو توضيح مغلق، أو دفع تعارض أو نحو ذلك، وقد أَعطيتُ هذا الجانب كثيرًا من العناية، حيث أذكر غرض الحافظ من إيراد الروايات بعد سياقه لأصل الحديث، وهذا أمر أغفله الشراح فيما أعلم.\nوقد وضع الله تعالى لهذا الكتاب القبول بين أهل العلم قديمًا وحديثًا، فأثنى عليه العلماء، وتداوله الطلبة، وأقبلوا على حفظه، وقُرِّر تدريسه في بعض المناهج الدراسية، وتناوله العلماء بالشرح والتوضيح، كما خُدم من الناحية الحديثية بتخريج أحاديثه وعزوها إلى مصادرها، وغير ذلك.\nوطريقتي في شرح الكتاب كما يلي:\nأولًا: جعلت الكلام في كل حديث على هيئة وجوه، بعد وضع عنوان للحديث، يحدد موضوعه، ويبين المراد، والأوجه هي:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي، وذلك للتعريف به باختصار.\n\n* الوجه الثاني: في تخريج حديث الباب مكتفيًا بالمصادر التي ذكرها الحافظ، وأرتبها كما ذكرها، ما لم يكن هناك ما يدعو للزيادة، وذلك ببيان موضعه من الجزء أو الصفحة، أو أقتصر على الرقم إن كان يؤدي المقصود،","vol":"1","page":7},{"text":"وقد أذكر مع الرقم اسم الكتاب والباب، ليتبين للقارئ موضوع الحديث، وموضعه ولا سيما في مثل «صحيح البخاري»، «وصحيح مسلم»، والسنن، علمًا بأن الأبواب التي في «صحيح مسلم» ليست منه، ثم أسوق إسناد الحديث مكتفيًا بما يُحتاج إليه، وقد أذكر لفظ الحديث من مصدره إذا كان الحافظ لم يذكره بتمامه، أو فيه بعض الاختلاف، ثم أبين الحكم على الحديث، كما ذكر الحافظ، مع زيادة ما يؤيده من كلام أهل العلم، ثم أذكر ما يتعلق بالروايات التي يسوقها الحافظ - أحيانًا - بعد أصل الحديث، وأبين غرضه من سياقها، وإن كان للحديث روايات يستفاد منها في استنباط الأحكام فإني أذكرها غالبًا.\n\n* الوجه الثالث: وما بعده: في المسائل المتعلقة بالحديث، وأول هذه الأوجه شرح ألفاظ الحديث، ومنها تراجم من ذُكر في متن الحديث.\nثانيًا: أكتفي بالمسائل الفقهية التي تستنبط من الحديث، دون الاستطراد إلى مسائل أخرى؛ لأن المراد بيان فقه الحديث، وليس ذكر المسائل الفقهية عمومًا، فهذا محله كتب الفقه؛ لأني لم أُرِدِ الإطالة، لئلا يزيد حجم الكتاب، وقد ذكرت مراجع المسائل الفقهية - غالبًا - وما نقلته عن الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ فهو منسوب إلى مصدره وإلا فمن أشرطة شرح «البلوغ»، وسيكون في آخر الكتاب - إن شاء الله - فهارس شاملة.\nثالثًا: لا أتعرض للمسائل الخلافية ومناقشات الأدلة بل أكتفي بالقول المختار الذي يعضده الدليل، وأعرض عن ما لا يقوم عليه دليل، إلا إن كان الخلاف قويًا، أو أن الحافظ قد ذكر ضمن كتابه أدلة الفريقين - مثلًا - فإني أذكر الخلاف وأبين الراجح؛ للخروج من التعارض الذي قد يفهم من دليل هذا الفريق أو ذاك.\nوفي الختام أرجو من القارئ الكريم إذا رأى فيما كتبته زلة قلم أو نبوة فهم، أن يكتب إليَّ مأجورًا مشكورًا لتلافي ذلك مستقبلًا، فالأذن مصغية، والصدر منشرح، وما يكتبه الإنسان عرضة للخطأ، فالتقصير وارد،","vol":"1","page":8},{"text":"والنقص موجود، وقد سميت هذا الشرح: «منحة العلام في شرح بلوغ المرام».\nوالله تعالى أسأل أن يجعل عملي صالحًا، ولوجهه خالصًا، ولعباده نافعًا، وصلى الله وسلَّم على نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nوكتبه\nعبد الله بن صالح الفوزان\nالقصيم - بريدة\nصندوق البريد: ١٢٣٧٠\nالرمز البريدي: ٨١٩٩٩\nalfuzan ١@hotmail.com\n/http://www.islamlight.net/alfuzan","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>مقدمة المؤلف</span>\nالحمد لله\n<hr><s0>\n\nشرح المقدمة\nجرت عادة المؤلفين أنهم يبدؤون كتبهم بالبسملة، ويُثنُّون بالحمدلة، تأسّيًا بكتاب الله تعالى، وبالنبي ﷺ في كتاباته إلى الملوك، فقد كان ﷺ يبدأ كتبه بالبسملة - كما ورد في «صحيح البخاري» (^١) - وفي بدء المصنف بالحمدلة - أيضًا - أداء لبعض ما يجب عليه من شكر النعمة، التي من اثارها تأليف هذا الكتاب.\nوالمصنف افتتح كتابه بالحمدلة، وختمه بالحديث المتفق عليه: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان؛ سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (^٢)، حتى إنه عدل عن طريقته في الكتاب، وهي ذكر المُخَرِّجين في اخر الحديث، فقال في أوله: «وأخرج الشيخان …» ليكون آخر الكتاب هو لفظ الحديث، فما أحسن الفاتحة والخاتمة، وهذا من لطائف أهل العلم في التعليم.\nقول المؤلف: (الحمد لله) الحمد هو وصف المحمود بالكمال، والثناء عليه بجميع المحامد، مع محبته وتعظيمه، واللام للاستحقاق، والحمد يكون على النعمة، وعلى الصفات والأفعال، والشكر لا يكون إلا على النعمة، فيكون الحمد أعمَّ من الشكر بالنسبة إلى سبب كل واحد منهما، أما بالنسبة\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٠٦)، ومسلم (٢٦٩٤).","vol":"1","page":11},{"text":"على نعمه الظاهرة والباطنة قديمًا وحديثًا، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد\n<hr><s0>\n\nإلى ما يكون به الحمد والشكر، فالشكر أعمُّ؛ لأنه يكون بالقلب واللسان والجوارح، وأما الحمد فإنه يكون بالقلب واللسان، دون الجوارح.\n\nقوله: (على نعمه) جمع نعمة، والنعم: هي العطايا التي يمنّ الله بها على عباده من رزق ومال وعلم وغيرها، وأعظم النعم نعمة الإسلام.\n\nقوله: (الظاهرة والباطنة) النعم الظاهرة هي التي تعرف، كالأكل والشرب والسكن واللباس وسائر النعم التي تُرى في الكون، والباطنة هي التي لا تعرف، وإنما يعرفها الإنسان من نفسه كالقوة، والصحة، والفهم، ونحو ذلك مما لا يُطلع عليه، ويدخل في ذلك ما يعطيه الله تعالى الإنسان من قوة الإيمان واليقين والشوق إليه سبحانه ومحبته وتعظيمه والإخلاص له والأنس بذكره ومناجاته جل وعلا، قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠].\n\nقوله: (قديمًا وحديثًا) أي: إن نعم الله سابقة ولاحقة، فإن الإنسان من حين نَفْخِ الروح فيه، وهو في نعم الله تعالى.\n\nقوله: (والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد) الصلاة من الله تعالى تطلق على الثناء، أي: ثنائه على عبده في الملأ الأعلى، كما قال ذلك أبو العالية ﵀، ورواه البخاري في «صحيحه» (^١)، (والسلام) أي: تسليمه إياه من كل افة ونقص، وهذه جملة خبرية لفظًا، إنشائية معنًى؛ لأن المقصود بها الدعاء.\nوالنبي: من النبأ، وهو الخبر لأنه مخبر عن الله، أو من النبوءة وهي ما ارتفع من الأرض، والنبي: من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول من الإرسال وهو البعث والتوجيه، والرسول: من أوحي إليه بشرع وأمر\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٥٣٢).","vol":"1","page":12},{"text":"واله وصحبه الذين ساروا في نصرة دينه سيرًا حثيثًا، وعلى أتباعهم الذين ورثوا علمهم - والعلماء ورثة الأنبياء ـ\n<hr><s0>\n\nبتبليغه، وهذان الوصفان ثابتان لرسولنا ﷺ، فهو نبي ورسول، نُبِّئ بإنزال سورة (اقرأ) وأرسل بإنزال سورة (المدثر)، وهذا هو المشهور في تعريف النبي والرسول، وفيه نظر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِّيٍ﴾ [الحج: ٥٢]، ولأن ترك البلاغ كتمان لوحي الله تعالى، والأظهر أن الرسول من أوحي إليه بشرع جديد، والنبي هو المبعوث لتقرير شرع مَنْ قبله، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤].\n\nقوله: (واله) آل: أصله: أهل، بدليل تصغيره على (أُهَيل)، ولا يستعمل إلا فيما شَرُفَ غالبًا، والآل إذا ذكروا وحدهم فالمراد بهم جميع أتباعه ﷺ على دينه، أما إذا قرنوا بالأتباع فقيل: (اله وأتباعه) فالآل هم المؤمنون من ال بيته ﷺ، والأتباع من تبعه على دينه من غيرهم.\n\nقوله: (وصحبه الذين ساروا في نصرة دينه سيرًا حثيثًا) صحبه: جمع لصاحب، ويجمع على أصحاب، وهم كل من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك، وما ذكره المصنف عنهم أثبته الواقع، فقد نصروا الدين وأيدوه، وجاهدوا في سبيل الله، كما يُعرف ذلك بالرجوع إلى سيرتهم.\n\nقوله: (وعلى أتباعهم الذين ورثوا علمهم) أي: أتباع الآل والأصحاب، ووراثة علمهم أنهم نقلوه وتلقوه عنهم، وساروا على نهجهم في العلم والعمل حتى صار ما نقلوه عنهم كأنه ميراث، عليهم رحمة الله تعالى.\n\nقوله: (والعلماء ورثة الأنبياء) هذا اقتباس من حديث أبي الدرداء ﵁ - مرفوعًا - وأوله: «من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا من طرق الجنة …» (^١)، والأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم؛\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣)، وأحمد (٥/ ١٩٦) وغيرهم، وذكره البخاري في ترجمة أحد الأبواب من كتاب \"العلم\" (١/ ١٦٠ \"فتح الباري\") ولم يتكلم عليه الحافظ في \"تغليق التعليق\" (٢/ ٧٨، ٧٩)، وقال في =","vol":"1","page":13},{"text":"أكرم بهم وارثًا وموروثًا.\nأما بعد: فهذا مختصر يشتمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية،\n<hr><s0>\n\nفالعلماء هم وُرَّاثُ الأنبياء بعلمهم وتبليغ رسالات الله وإرشاد الناس إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.\nفالواجب على طالب العلم أن يُعنى بهذا الأمر، وأن يصرف جهده ووقته لتحصيل ما وَرَّثه الأنبياء، وهو العلم النافع والتوجيه إلى الخير ونشر دين الله.\n\nقوله: (أكرمْ بهم وارثًا وموروثًا) أكرم: فعل تعجب بمعنى: ما أكرمهم، والباء زائدة في فاعل (أكرم)، وقوله: (وارثًا) عائد إلى العلماء، و(موروثًا) عائد إلى الأنبياء.\n\nقوله: (أما بعدُ) أي: بَعْدَ هذه الخطبة، وكلمة (أما بعد) يؤتى بها للانتقال من الخطبة إلى الموضوع، وهي أداة شرط بمعنى: مهما يكن من شيء، و(بعد) ظرف مبني على الضم، وتلزم الفاء في جواب (أما).\n\nقوله: (فهذا مختصر يشتمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية) الإشارة إما إلى شيء محسوس قد فُرِغَ منه، وهذا إن كانت المقدمة بعد الفراغ من الكتاب، أو الإشارة إلى ما تصوره في ذهنه وأعدَّه إن كانت قبل أن يؤلِّف الكتاب.\nوهذا الكتاب مختصر قد حذف المؤلف أسانيده - كما تقدم - ولم يكثر\n_________\n= \"فتح الباري\" (١/ ١٦٠): (طرف من حديث أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن حبان (١/ ٢٨٩)، والحاكم (١/ ٨٩) مصحَّحًا من حديث أبي الدرداء، وحسنه حمزة الكناني، وضعفه غيره بالاضطراب في سنده، لكن له شواهد يتقوى بها). اهـ. ولم أجده عند الحاكم من حديث أبي الدرداء، ومدار الحديث على داود بن جميل، عن كثير بن قيس، وهما مجهولان، وقد أخرجه أبو داود (٣٦٤٢) من طريق أخرى عن أبي الدرداء بسند حسن، وقد ذكره ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" ص (٦٣) وتكلم عليه، فراجعه إن شئت.","vol":"1","page":14},{"text":"حررته تحريرًا بالغًا؛ ليصير من يحفظه من بين أقرانه نابغًا، ويستعين به الطالب المبتدئ، ولا يستغني عنه الراغب المنتهي،\n<hr><s0>\n\nمن المتون، بل اشتمل (على أصول الأدلة) أي: اشتمل على أدلة حديثية تعتبر أصولًا لغيرها، أي: يُبنى عليها غيرها.\n\nوقوله: (للأحكام الشرعية) جمع حكم، وهو مقتضى الأدلة الشرعية من واجب ومحرم ومندوب ومكروه ومباح، ويضاف إليها الأحكام الوضعية، كالصحة والفساد، وغيرهما.\n\nقوله: (حررته تحريرًا بالغًا) (^١) أي: هذبته ونقحته، انتقاءً من أمهات الكتب وأصول الأدلة مع بيان صحة الحديث وضعفه، أو ما فيه من علة بلفظ موجز، فقد اعتنى بذلك عناية تامة، كما تقدم.\n\nقوله: (ليصير من يحفظه من بين أقرانه نابغًا) تعليل لما تقدم، والأقران: جمع (قِرن) بالكسر، وهو الكُفْءُ والمثل، والنابغ: الخارج عن نظرائه بمزيد الاجتهاد والرغبة في التحصيل.\n\nقوله: (ويستعين به الطالب المبتدئ، ولا يستغني عنه الراغب المنتهي) هذا معطوف على ما قبله، والمعنى: أن هذا الكتاب يستعين به الطالب المبتدئ؛ لأنه قَرَّبَ له الأدلة، وهذبها، فيسهل عليه حفظها، ولا يستغني عنه الراغب في العلوم البالغ نهاية مطلوبه؛ لأنه محتاج إلى ما فيه من الأدلة، فهو مرجع مفيد جامع لكل ما يحتاجه طالب العلم من أدلة الأحكام.\n_________\n(^١) ذكر السخاوي في \"الجواهر والدرر\" (٢/ ٦٦١) أنه لخصه من \"الإلمام\" لابن دقيق العيد (م ٧٠٢) وزاد عليه كثيرًا. اهـ. قلت: التشابه بين الكتابين واضح جدًا، إلا في أمور واضحة لمن يتأمل في الكتابين، ولعل المراد بالزيادة: الأحاديث الضعيفة التي أضافها الحافظ إلى كتابه، وليست في \"الإلمام\" مع أن في \"البلوغ\" -أيضًا- أحاديث صحيحة زيادة على ما في \"الإلمام\"، ولعلك أخي القارئ تقارنه -أيضًا- بـ \"المحرر\" لابن عبد الهادي (م ٧٤٤).","vol":"1","page":15},{"text":"وقد بينت عَقِبَ كل حديث من أخرجه من الأئمة؛ لإرادتي نصح الأمة، فالمراد بالسبعة: أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه،\n<hr><s0>\n\n\nقوله: (وقد بينت عقب كل حديث من أخرجه من الأئمة لإرادتي نصح الأمة) أي: إنه بين في نهاية كل حديث من أخرجه من أئمة هذا الشأن - أي: مَنْ رَوَاه بسنده وساق طرقه - لإرادة نصح الأمة، وقد صدق ﵀، فإن إيضاح من أخرج الحديث فيه فوائد عظيمة للأمة، منها:\n١ - بيان أن الحديث ثابت في دواوين السنة.\n٢ - أنه قد تداولته الأئمة الأعلام.\n٣ - أنه قد تتبع طرقه وبيّن ما فيها من تصحيح وتحسين وإعلال.\n\nقوله: (فالمراد بالسبعة: أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه) أي: إن الحافظ ﵀ له في هذا الكتاب اصطلاحات خاصة، ذكرها في المقدمة، لينتفع بها القارئ، وإنما سلك هذا المسلك اختصارًا واقتداء بقاعدة المحدثين.\nوأحمد: هو الإمام أبو عبد الله، أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي ثم البغدادي، صاحب المسند العظيم، وإمام أهل السنّة في عصره، مات سنة ٢٤١ هـ.\nوالبخاري: هو الإمام أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، صاحب الصحيح، والتصانيف النافعة، قال عنه الإمام أحمد: (ما أخرجت خراسان مثله)، مات سنة ٢٥٦ هـ.\nومسلم: هو الإمام أبو الحسين، مسلم بن الحجاج بن مسلم النيسابوري، صاحب الصحيح، والتصانيف المفيدة، أثنى عليه العلماء من أهل الحديث وغيرهم، مات سنة ٢٦١ هـ.\nوأبو داود: هو الإمام سليمان بن الأشعث السجستاني، صاحب","vol":"1","page":16},{"text":"وبالستة: من عدا أحمد، وبالخمسة: من عدا البخاريَّ ومسلمًا، وقد أقول: الأربعة وأحمد، وبالأربعة: من عدا الثلاثة الأُوَلَ، وبالثلاثة: من عداهم والأخيرَ، وبالمتفق عليه: البخاري ومسلم،\n<hr><s0>\n\n«السنن»، أثنى عليه العلماء، ووصفوه بالحفظ والورع، مات سنة ٢٧٥ هـ.\nوالترمذي: هو الإمام أبو عيسى، محمد بن عيسى بن سَوْرة الترمذي، مصنف «الجامع»، اتفقوا على إمامته وجلالته، مات سنة ٢٧٩ هـ.\nوالنسائي: هو الإمام أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب بن علي النسائي، صاحب «السنن»، برع في الحديث، وتفرّد بالمعرفة والإتقان وعلو الإسناد، مات سنة ٣٠٣ هـ.\nوابن ماجه: هو الإمام أبو عبد الله، محمد بن يزيد بن عبد الله بن ماجه - بالهاء الساكنة، ويقال بالتاء - القزويني، صاحب «السنن»، مات سنة ٢٧٣ هـ أو ٢٧٥ هـ.\nوقد قدم الحافظ الإمام أحمد ﵀ إما لأنه أقدمهم زمنًا، أو لأن كتابه أقدم الكتب، أو لغير ذلك، فالله أعلم.\n\nقوله: (وبالستة: ما عدا أحمد) أي: والمراد بالستة: أصحاب السنن مع الصحيحين، وهم أصحاب الأمهات الست.\n\nقوله: (وبالخمسة: من عدا البخاري ومسلمًا، وقد أقول: الأربعة وأحمد) وهذا قد يدل على أن الخطبة كانت متقدمة.\n\nقوله: (وبالأربعة من عدا الثلاثة الأُول) أي: إن المراد بالأربعة أصحاب السنن.\n\nقوله: (وبالثلاثة من عداهم والأخيرَ) أي: يريد بالثلاثة من عدا البخاري ومسلمًا وأحمد وابن ماجه، وهم: أبو داود والترمذي والنسائي.\n\nقوله: (وبالمتفق عليه: البخاري ومسلم) أي: إن المتفق عليه عنده: ما اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث صحابي واحد، وهذا ما عليه أهل","vol":"1","page":17},{"text":"وقد لا أذكر معهما غيرهما، وما عدا ذلك فهو مُبين، وسميته: (بلوغ المرام من أدلة الأحكام)، والله أسأل ألاَّ يجعل ما علمنا علينا وبالًا، وأن يرزقنا العمل بما يرضيه ﷾.\n<hr><s0>\n\nالعلم، إلا المجد ابن تيمية في «المنتقى» فقد جعل المتفق عليه ما اتفقا عليه وأحمد، ولا مشاحة في الاصطلاح.\n\nقوله: (وقد لا أذكر معهما غيرهما) كأنه يريد أنه قد يخرج الحديث عن السبعة أو أقل، فيكتفي بنسبته إلى الشيخين.\n\nقوله: (وما عدا ذلك فهو مبين) أي: ما عدا من ذُكر من السبعة فهو مبين وموضح بذكر اسمه؛ إذ لا رمز له، مثل: الإمام مالك، وابن حبان، والطبراني، والحاكم، والبيهقي، وغير ذلك.\n\nقوله: (وسميته بلوغ المرام من أدلة الأحكام) قال في «القاموس»: بلغ المكان بلوغًا: وصل إليه أو شارف عليه (^١)، والمرام: المطلب (^٢)، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، أي: وصولي إلى مطلوبي من أدلة الأحكام، أو من إضافة المصدر إلى مفعوله، أي: بلوغ الطالب مطلوبه من أدلة الأحكام.\n\nقوله: (والله أسأل ألا يجعل ما علمنا علينا وبالًا، وأن يرزقنا العمل بما يرضيه ﷾) بنصب لفظ (الله) لأنه مفعول تقدم على عامله لإفادة الحصر، أي: لا أسأل إلا الله، والوبال: - بفتح الواو - الشدة والثِّقَلُ (^٣)، أي: لا يجعله شدة في الحساب وثقلًا من جملة الأوزار؛ لأن العلم إذا لم يعمل به صاحبه صار وبالًا عليه، وهذا دعاء حسن، فينبغي لطالب العلم أن يسأل ربه أن يعلمه ما ينفعه، وأن ينفعه بما علمه، وأن يرزقه العمل بما يحبه ويرضاه ﷾، وهذه سعادة الدنيا وفلاح الآخرة، نسأل الله التوفيق.\n_________\n(^١) \"القاموس\" (١/ ٣١٦ ترتيبه).\n(^٢) انظر: \"القاموس\" (٢/ ٤١٦).\n(^٣) \"القاموس\" (٤/ ٥٦٧).","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>الأئمة الذين استفاد منهم الحافظ</span>\nبلغ عدد الأئمة الذين استفاد منهم الحافظ في «بلوغ المرام»، فذكرهم إما في تخريج الأحاديث أو في موضوع الحكم على الحديث؛ اثنين وأربعين إمامًا، وقد مضى منهم سبعة، وهم أصحاب الكتب الستة وأحمد، وهذه بقيتهم مرتبةً باعتبار تقدم وفياتهم: لأن هذا هو المعمول به عند اجتماع أكثر من واحد، مع ذكر كتاب واحد - في الغالب - لكل فرد منهم:\n٨ - مالك: الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة المتبوعين، له كتاب «الموطأ»، حدث عنه أمم لا يكادون يحصون، ومن تلامذته الإمام الشافعي، مات سنة (١٧٩ هـ).\n٩ - أبو داود الطيالسي: الحافظ الكبير، سليمان بن داود بن الجارود، الفارسي الأصل، أحد الأعلام، له كتاب «المسند»، مات سنة (٢٠٤ هـ).\n١٠ - الشافعي: الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، أحد الأئمة الأربعة المتبوعين، له كتاب «الأم»، حبر الأمة، وأعلم الناس شرقًا وغربًا، برع في العلوم، وابتكر أصول الفقه، مات سنة (٢٠٤ هـ).\n١١ - عبد الرزاق: هو الإمام الحافظ الكبير، أبو بكر عبد الرزاق ابن همام بن نافع الحميري، مولاهم، الصنعاني، كان من أوعية العلم، روى عنه أحمد وإسحاق وابن معين والذهلي، له كتاب «المصنَّف»، عمي في اخر عمره فتغير، مات سنة (٢١١ هـ).\n١٢ - سعيد بن منصور: هو الإمام الحافظ، أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة المروزي، مجاور مكة، أثنى عليه الإمام أحمد، وقال حرب الكرماني: أملى علينا نحوًا من عشرة الاف حديث من حفظه، روى عنه مسلم","vol":"1","page":19},{"text":"وأبو داود، واخرون، له كتاب «السنن»، مات سنة (٢٢٧ هـ).\n١٣ - ابن المديني: الإمام أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر السعدي المديني، إمام الجرح والتعديل، وحافظ العصر، روى عنه البخاري وأبو داود وخلق، له كتاب «العلل»، مات سنة (٢٣٤ هـ).\n١٤ - ابن أبي شيبة: الإمام أبو بكر عبد الله بن محمد بن إبراهيم، المعروف بابن أبي شيبة، الحافظ المتقن، روى عنه أبو زرعة والبخاري ومسلم وأبو داود واخرون، له كتاب «المصنَّف»، مات سنة (٢٣٥ هـ).\n١٥ - ابن راهويه: الإمام الحافظ الكبير أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم التميمي الحنظلي المروزي، المعروف بابن راهويه [وهي لفظة فارسية مركبة من كلمتين: (راه) ومعناها: الطريق، و(ويه) ومعناها: وُجد، وذلك لأن أباه صاحب اللقب ولد في طريق مكة] عرف بالحفظ والإتقان والسلامة من الغلط - كما قال عنه أبو حاتم ـ، له «المسند»، مات سنة (٢٣٨ هـ).\n١٦ - الدارمي: الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن ابن الفضل الدارمي - نسبة إلى دارم بن مالك من تميم - التميمي، السمرقندي، موصوف بالثقة والزهد والورع، حدث عنه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، واخرون، له كتاب «السنن» وبعضهم يسميه «المسند» وفي هذه التسمية تَجَوُّزٌ، مات سنة (٢٥٥ هـ).\n١٧ - الذُّهْلي: حافظ نيسابور، أبو عبد الله محمد بن يحيى الذهلي، انتهت إليه مشيخة العلم بخراسان، اشتهر بتأليفه وجمعه لحديث ابن شهاب الزهري وعلله، ويسميه الحافظ ابن حجر: «الزهريات»، مات سنة (٢٥٨ هـ).\n١٨ - أبو زُرعة: الحافظ المحدث الكبير، عبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي القرشي مولاهم، أحد الأعلام، وأحد أئمة الجرح والتعديل، روى عنه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، واخرون، كان من أفراد الدهر حفظًا وذكاءً ودينًا وإخلاصًا وعملًا، له كتاب «مسند الشاميين»، واراؤه في الرجال مبثوثة في كتب ابن أبي حاتم الآتية بعدُ، مات سنة (٢٦٤ هـ).","vol":"1","page":20},{"text":"١٩ - أبو حاتم: هو الإمام الحافظ الكبير الجوال، أبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الرازي، من أئمة الجرح والتعديل، الذين برعوا في صناعة الحديث، من أقران البخاري ومسلم، طبع له شيء من كتاب «الزهد»، ولا تكاد تنظر في أيِّ صفحة من صفحات مصنفات ابنه كـ «الجرح والتعديل»، أو «العلل»، أو «المراسيل» إلا وتجد له رأيًا أو رواية، مات سنة (٢٧٧ هـ).\n٢٠ - ابن أبي خيثمة: هو الإمام الحافظ الحجة، أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة - زهير - بن حرب النسائي ثم البغدادي، أخذ علم الحديث عن الإمام أحمد وابن معين، له «التاريخ الكبير»، مات سنة (٢٧٩ هـ).\n٢١ - ابن أبي الدنيا: هو المحدث العالم الصدوق، أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن أبي الدنيا القرشي الأموي، مولاهم، البغدادي، صاحب التصانيف الكثيرة في الزهد والرقائق، روى عنه ابن ماجه، والحارث بن أبي أسامة، وابن أبي حاتم الرازي، وخلق كثير، مات سنة (٢٨١ هـ).\n٢٢ - الحارث بن أبي أسامة: هو الإمام الحافظ، أبو محمد الحارث ابن أبي أسامة التميمي البغدادي، وثَّقه إبراهيم الحربي، وأبو حاتم، وقال الدارقطني: صدوق؛ له «المسند» وزوائده ضمن «المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية» لابن حجر، مات يوم عرفة سنة (٢٨٢ هـ).\n٢٣ - البزار: هو الإمام الحافظ العلامة، أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري، المعروف بـ (البزار) أحد الأعلام، له كتاب «المسند»، مات سنة (٢٩٢ هـ).\n٢٤ - ابن الجارود: هو الإمام الحافظ الناقد أبو محمد عبد الله بن علي بن الجارود النيسابوري، جاور بمكة، صاحب «المنتقى في الأحكام»، مات سنة (٣٠٧ هـ).","vol":"1","page":21},{"text":"٢٥ - أبو يعلى: هو محدث الجزيرة الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى التميمي، الموصلي، أثنى عليه العلماء بالعلم والتقوى، ووصفه ابن كثير في مواضع من تفسيره بالحفظ والإتقان، له كتاب «المسند الكبير» مات سنة (٣٠٧ هـ).\n٢٦ - ابن خزيمة: هو الحافظ الكبير محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري أحد الأعلام، انتهت إليه الإمامة والحفظ في عصره بخراسان، له كتاب «الصحيح»، مات سنة (٣١١).\n٢٧ - أبو عوانة: هو الحافظ المحدث، أبو عوانة، يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد، النيسابوري الأصل، الإسفرايني، مشهور بكنيته، أحد حفاظ الدنيا، كان زاهدًا، عفيفًا، متعبدًا مقللًا، صاحب «المسند الصحيح» الذي خرجه على صحيح مسلم، وزاد أحاديث قليلة في أواخر الأبواب، مات سنة (٣١٦ هـ).\n٢٨ - الطحاوي: هو الإمام الحافظ أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي الحنفي، كان ثقة ثبتًا فقيهًا عاملًا، صاحب التصانيف البديعة، من أشهرها «شرح معاني الآثار» وكتابه المطبوع باسم «شرح مشكل الآثار»، مات سنة (٣٢١ هـ).\n٢٩ - العقيلي: هو الإمام الحافظ أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي، عداده في أهل الحجاز، ثقة جليل القدر، عالم بالحديث، مقدم في الحفظ، له كتاب «الضعفاء»، مات سنة (٣٢٢ هـ).\n٣٠ - ابن السَّكن: هو الحافظ الإمام الحجة أبو علي سعيد بن عثمان بن السَّكَن - بفتح السين والكاف - البغدادي ثم البصري، من حفاظ الحديث، له «الصحيح المنتقى»، مات سنة (٣٥٣ هـ).\n٣١ - ابن حبان: هو الإمام الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان - بكسر فتشديد - بن أحمد بن حبان البُسْتي - بضم فسكون، نسبة إلى بُسْت من بلاد سجستان - كان من أوعية العلم، وفقهاء الدين، وحفاظ الآثار، من شيوخه: الحافظ أبو يعلى الموصلي، وابن خزيمة، ومن تلاميذه: الحاكم صاحب","vol":"1","page":22},{"text":"«المستدرك»، وابن منده، والدارقطني، واخرون، له كتاب «الصحيح»، مات سنة (٣٥٤ هـ).\n٣٢ - الطبراني: هو الإمام الحجة، مسند الدنيا، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الطبراني، أثنى عليه العلماء بالحفظ وسعة الاطلاع، ووصفوه بالصدق، والثقة، والأمانة، له: المعاجم الثلاثة - الكبير والأوسط والصغير ـ، مات سنة (٣٦٠ هـ).\n٣٣ - ابن عدي: هو الإمام المشهور الحافظ الكبير، أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، كان حافظًا متقنًا، لم يكن في زمانه مثله في العلل والرجال، له كتاب «الكامل في ضعفاء الرجال» قال عنه ابن كثير: (لم يُسبق إلى مثله، ولم يُلحق في شكله)، مات سنة (٣٦٥ هـ).\n٣٤ - الإسماعيلي: هو الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيلي، الجرجاني، كان واحد عصره، وشيخ المحدثين والفقهاء، وأجلهم في الرياسة والمروءة والسخاء، له كتاب «المستخرج على صحيح البخاري»، مات سنة (٣٧١ هـ).\n٣٥ - الدارقطني: هو الحافظ الكبير، والإمام العديم النظير، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي المعروف بالدارقطني - بفتح الراء وضم القاف، نسبة إلى دار القطن، محلة كبيرة في بغداد - كان فريد عصره، وإمام وقته، انتهت إليه رئاسة علم الحديث والمعرفة بالعلل وأسماء الرجال في زمانه، له كتاب «السنن» و«العلل»، مات سنة (٣٨٥ هـ).\n٣٦ - ابن مَنْدَهْ: هو الإمام الحافظ الجوال، أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده - بفتح فسكون ففتح - أحد الأعلام الحفاظ المكثرين من الحديث، فريد عصره دينًا وحفظًا ورواية، له كتاب «معرفة الصحابة»، وكتاب «الإيمان»، مات سنة (٣٩٥ هـ).\n٣٧ - الحاكم: هو إمام المحققين أبو عبد الله محمد بن عبد الله","vol":"1","page":23},{"text":"النيسابوري الحاكم المعروف بـ (ابن البَيِّع) - بفتح الباء وتشديد الياء المكسورة - صاحب «المستدرك على الصحيحين»، قال الخطيب: (كان ثقة، وكان صالحًا عالمًا)، مات سنة (٤٠٥ هـ).\n٣٨ - أبو نُعيم: هو الحافظ المشهور، أبو نُعيم - بالتصغير - أحمد بن عبد الله بن إسحاق الأصبهاني، أحد أعلام المحدثين، وأكابر الحفاظ، له كتاب «المستخرج على صحيح البخاري» و«المستخرج على صحيح مسلم»، مات سنة (٤٣٠ هـ).\n٣٩ - البيهقي: هو الحافظ الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي - نسبة إلى بيهق بلدة قرب نيسابور - من كبار أئمة الحديث، وفقهاء الشافعية، له من التصانيف ما لم يسبق إليها، منها «السنن الكبرى»، مات سنة (٤٥٨ هـ).\n٤٠ - ابن عبد البر: هو الإمام العلامة، حافظ المغرب، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النَّمَري القرطبي، ليس لأهل المغرب أحفظ منه مع الثقة والدين والنزاهة، والتبحر في الفقه والعربية، له كتاب «التمهيد»، مات سنة (٤٦٣ هـ).\n٤١ - الإشبيلي: هو الحافظ العلامة الحجة، أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الإشبيلي، المعروف بـ (ابن الخراط)، كان فقيهًا حافظًا، عالمًا بالحديث وعلله، عارفًا بالرجال، موصوفًا بالخير والصلاح والزهد، له «الأحكام الكبرى» و«الوسطى» و«الصغرى»، والوسطى مختصرة من الكبرى، وهي محذوفة الأسانيد، مات سنة (٥٨١ هـ).\n٤٢ - ابن القطان: وهو الإمام الحافظ الناقد العلامة، أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك الفارسي، مشهور بلقبه كان معروفًا بالحفظ والإتقان، ذاكرًا للحديث، بصيرًا بطرقه، عارفًا برجاله، مميزًا صحيحه من سقيمه، له كتاب «بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام»، مات سنة (٦٢٨ هـ)، ﵏ وإيانا بمنِّه وفضله.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>كتاب الطهارة</span>\n<span data-type='title' id=toc-5>باب المياه</span>\nالطهارة في اللغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار الحسية والمعنوية، فالأقذار الحسية: كالبول ونحوه، والمعنوية: الشرك وكل خُلق رذيل.\nوشرعًا: ارتفاع الحدث وما في معناه، وزوال الخَبث.\nوالحدث: هو الوصف القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة، ويدخل في هذا الوصف البول والريح وأكل لحم الإبل، ونحو ذلك.\n\nوقولنا: (وما في معناه) أي: في معنى ارتفاع الحدث، كتجديد الوضوء؛ فهو طهارة، وكذا الأغسال المسنونة، كغسل يوم الجمعة على القول بعدم وجوبه.\n\nوقولنا: (وزوال الخبث) أي: النجاسة، والتعبير بـ (زوال) أعم من إزالة؛ لأن الإزالة فعل المكلف، والزوال قد يكون فعله أو فعل غيره؛ كما لو نزل المطر على أرض نجسة، أو على ثوب نجس فإن ذلك مطهر؛ لأن طهارة الخبث من باب التروك، فلا يشترط لها فعل العبد ولا قصده.\nولما كانت الطهارة هي مفتاح الصلاة التي هي عمود الدين وشرطها؛ افتتح بها العلماء - من المحدثين والفقهاء - مؤلفاتهم.\nوالمياه: جمع ماء، وهو يقع على القليل والكثير، وجُمع مع كونه اسم جنس؛ للدلالة على اختلاف أنواعه، كمياه البحار والأنهار والأمطار، ومنها الماء الطاهر، ومنها الماء النجس، فيجمع لهذا الاعتبار.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>طهورية ماء البحر</span>\n١/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، في الْبَحْر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ». أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ، وَابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ والتِّرْمِذِيُّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وهذا هو الأرجح في اسمه (^١)، وهو مشهور بكنيته، التي كناه بها أبوه في الجاهلية، أسلم عام خيبر، ولازم النبي ﷺ، فكان من أكثر الصحابة ﵃ رواية للحديث، قال له ابن عمر ﵄: (كنتَ ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه)، كان ﵁ من أوعية العلم، ومن كبار أئمة الفتوى، مع الجلالة والعبادة والتواضع، قال البخاري: روى عنه ثمانمائة نفسٍ أو أكثر، توفي سنة (٥٧ هـ) في المدينة، ﵁ (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (٨٣) في كتاب «الطهارة» باب «الوضوء بماء البحر»، والترمذي (٦٩)، والنسائي (١/ ٥٠)، وابن ماجه (٣٨٦)، وهؤلاء هم الأربعة كما تقدم، وأخرجه - أيضًا - ابن أبي شيبة (١/ ١٣١)، ومالك (١/ ٢٢)،\n_________\n(^١) على ما اختاره جمع من المحدثين، منهم الحاكم، فإنه قال (٣/ ٥٠٧): (إنه أصحها) ومنهم ابن عبد البر في \"الاستيعاب\" (١٢/ ١٧٢)، واختاره النووي.\n(^٢) انظر: \"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٣٢)، \"الإصابة\" (١٢/ ٦٣).","vol":"1","page":26},{"text":"والشافعي (١/ ١٩)، وأحمد (١٢/ ١٧١)، كلهم من طريق مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة من ال بني الأزرق، عن المغيرة بن أبي بردة - وهو من بني عبد الدار - أنه سمع أبا هريرة يقول: جاء رجل … إلخ.\nوالحديث صحيح رجاله ثقات، رجال الشيخين، إلا المغيرة بن أبي بردة، وقد وثقه النسائي؛ وذكره ابن حبان في «الثقات» (^١)، وقال أبو داود: (معروف)، وروى له أصحاب السنن هذا الحديث، وإلا سعيد بن سلمة، وقد اختلف في اسمه، ووثقه النسائي؛ وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٢)؛ وروى له أصحاب السنن هذا الحديث.\nوقد صحح الحديث أئمة هذا الشأن، قال الترمذي: (سألت محمدًا - يعني البخاري - عن حديث مالك - يعني هذا الحديث - فقال: هو حديث صحيح) (^٣)، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والبغوي والطحاوي وابن المنذر والخطابي وابن منده والحاكم والبيهقي وعبد الحق الأشبيلي واخرون، ذكر هذا الحافظ في «تهذيب التهذيب» في ترجمة «المغيرة بن أبي بردة» (^٤)، وقال ابن عبد البر: (هو عندي حديث صحيح؛ لأن العلماء تلقوه بالقبول له، والعمل به، ولا يخالف في جملته أحد من الفقهاء …) (^٥).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (هو الطَّهور ماؤه) الطَّهور: صيغة مبالغة، أي: طاهر مطهر، وهو بفتح الطاء اسم لما يتطهر به، كالسَّحور بالفتح، اسم لما يُتسحر به، والضمير في قوله: (هو الطهور) يعود على البحر، فـ (هو) مبتدأ، و(الطهور) مبتدأ ثان، و(ماؤه) خبر؛ أو فاعل للطهور؛ لأنه صيغة مبالغة - كما مضى ـ، والجملة من المبتدأ والخبر؛ خبر المبتدأ الأول، وفي الجملة قصر صفة على موصوف، أي: قصر الطهورية على ماء البحر؛ وهذا قصر غير حقيقي؛ لأن الطهورية\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٥/ ٤١٠)\n(^٢) \"الثقات\" (٦/ ٣٦٤).\n(^٣) \"العلل الكبير\" (١/ ١٣٥).\n(^٤) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٢٣٠).\n(^٥) \"التمهيد\" (١٦/ ٢١٨)، وانظر: \"الاستذكار\" (٢/ ٩٨).","vol":"1","page":27},{"text":"موجودة في غير ماء البحر، وهو قصر تعيين؛ لأن السائل كان مترددًا بين جواز الوضوء وعدمه، فعين له الرسول ﵌ الجواز.\n\nقوله: (الحِلُّ ميتته) هكذا بدون واو مع ثبوتها في مصنف ابن أبي شيبة، والمصنف ذكر أن اللفظ له، ولم يرد السؤال عن حكم ميتة البحر، لكن لما عرف النبي ﷺ اشتباه الأمر على السائل في ماء البحر أشفق أن يشتبه عليه حكم ميتته.\nومعنى (الحل) - بكسر الحاء - مصدر حلَّ يَحِلُّ - من باب ضرب - ضد حَرُمَ؛ أي: الحلال، كما في رواية للدارمي (^١) والدارقطني وأحمد وغيرهم، والمراد بـ (ميتته) - بفتح الميم - ما مات من حيوان البحر بلا ذكاة، كالسمك؛ لا ما مات فيه مطلقًا، فإنه وإن صدق عليه لغة أنه ميتة بحرٍ فمعلوم أنه لا يراد إلا ما ذكر، وسيأتي زيادة بيان عند الكلام على الحديث «الثالث عشر»، إن شاء الله تعالى.\n\nالوجه الرابع: اختصر الحافظ هذا الحديث فلم يذكر إلا الشاهد؛ وإلا فالحديث له سبب، وهو أنه جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله: إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ به؟ فقال رسول الله ﷺ: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»).\nوإنما توقف الصحابة ﵃ في التطهر بماء البحر؛ لأنه ماء مالح وريحه منتن؛ وما كان هذا شأنه لا يُشرب، فتوهموا أن ما لا يُشرب لا يُتطهر به، وإنما لم يجبهم النبي ﷺ بـ (نعم) حينما قالوا: (أفنتوضأ به؟)، لئلا يصير جواز الوضوء به معتبرًا بحال الضرورة؛ وليس كذلك، ولئلا يُفهم أن الجواز مقصور على الوضوء دون غيره من إزالة الأحداث والأنجاس.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن ماء البحر طهور يرفع الحدث الأصغر والأكبر، ويزيل النجاسة؛ لأنه ماء طاهر باقٍ على خلقته.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على أن المفتي إذا رأى من حال المستفتي أنه بحاجة إلى بيان أمر اخر غير الذي سأل عنه أنه يبينه له، وهذا من محاسن الفتوى (^٢)، وهو دليل على الذكاء وجودة الملاحظة والحرص على نفع الناس بما يحتاجون إليه، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"سنن الدارمي\" (١/ ١٥١).\n(^٢) \"عارضة الأحوذي\" (١/ ١٥١).","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>الأصل في الماء الطهارة</span>\n٢/ ٢ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ المَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ». أَخْرَجَهُ الثلَاثَةُ، وَصَحَّحَه أَحْمَدُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو سعيد، سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري الخزرجي، غزا مع النبي ﷺ اثنتي عشرة غزوة، أولها غزوة الخندق سنة خمس، وكان قبلها صغيرًا، حفظ عن النبي ﷺ علمًا كثيرًا، فكان من علماء الأنصار وفضلائهم، توفي سنة (٧٤ هـ)، ودفن في البقيع، ﵁ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (٦٦) في كتاب «الطهارة» باب «ما جاء في بئر بضاعة»، والترمذي (٦٦)، والنسائي (١/ ١٧٤)، وأحمد (١٧/ ١٩٠) من طريق أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج، عن أبي سعيد ﵁ أنه قيل لرسول الله ﷺ: (أنتوضأ من بئرِ بُضاعة - وهي بئر يُطرح فيها الحِيَضُ ولحوم الكلاب والنَّتَنُ ـ؟ فقال رسول الله ﷺ: «الماء طهور لا ينجسه شيء»).\nوالحديث صحيح بطرقه وشواهده عند أحمد وغيره، وعبيد الله بن عبد الله بن رافع، قال عنه ابن منده: مجهول، وذكره ابن حبان في\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١١/ ٢٨٣)، \"الإصابة\" (١١/ ١٦٥).","vol":"1","page":29},{"text":"«الثقات» (^١)، وقال الحافظ في «التقريب»: مستور، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين، وأبو أسامة: هو حماد بن أسامة، والوليد بن كثير: هو المخزومي، ومحمد بن كعب: هو القرظي.\nوقول المصنف: (وصححه أحمد) نقله المزي عن الإمام أحمد (^٢)، وزاد الحافظ أنه صححه - أيضًا - يحيى بن سعيد، وأبو محمد بن حزم (^٣)، قال الترمذي: (قد جَوَّدَ أبو أسامة هذا الحديث، فلم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة، وقد رُوي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد) (^٤)، وعليه فالحديث صحيح، ولا يضر إعلاله بجهالة أحد رواته، لما تقدم.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أنتوضأ) بالنون، وقد رجح النووي أنه بالتاء، وقال عن الرواية بالنون: (إنها غلط فاحش؛ لأنه جاء التصريح بأنه ﷺ توضأ منها من طرق كثيرة) (^٥)، لكن نقل صاحب «المنهل العذب المورود» (^٦) أن العراقي رد على النووي ما قاله؛ وعليه فالحديث وارد باللفظين.\n\nقوله: (بئر بُضاعة) بضم الباء، ويجوز كسرها، و(الحيض) بكسر الحاء وفتح الياء، الخرق التي يُمسح بها دم الحيض.\nولا ينبغي أن يظن أنّ الصحابة ﵃ وهم أطهر الناس وأنزههم أنهم كانوا يفعلون ذلك عمدًا مع عزة الماء في بلادهم، وإنما كان ذلك لأن هذه البئر كانت في الأرض المنخفضة، وكانت السيول تحمل الأقذار من الطرق وتلقيها فيها، وقيل: كانت الريح تلقي ذلك، ويجوز أن السيل والريح تلقيان جميعًا، أفاده الخطابي (^٧) وغيره.\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٥/ ٧١).\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (١٩/ ٨٤).\n(^٣) \"المحلى\" (١/ ١٥٥)، \"التلخيص\" (١/ ١٢٤).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (١/ ٩٦).\n(^٥) \"المجموع\" (١/ ٨٣).\n(^٦) \"المنهل العذب المورود\" (١/ ٢٣٣).\n(^٧) انظر: \"معالم السنن\" (١/ ٧٣).","vol":"1","page":30},{"text":"قوله: (الماء طهور) أل: للاستغراق على الأظهر؛ أي: كل ماء فهو طهور.\n\nقوله: (لا ينجسه شيء) نكرة في سياق النفي، فتعم كل شيء، وظاهره أن الماء لا ينجس بوقوع شيء فيه سواء أكان قليلًا أم كثيرًا ولو تغيرت أوصافه، لكنه لم يبق على عمومه، قال النووي: (واعلم أن حديث بئر بضاعة عام مخصوص، خُصَّ منه المتغير بنجاسة، فإنه نجس للإجماع، وخص منه - أيضًا - ما دون قلتين إذا لاقته نجاسة، فالمراد الماء الكثير الذي لم تغيره نجاسة لا ينجسه شيء، وهذه كانت صفة بئر بضاعة، والله أعلم) (^١).\n\nالوجه الرابع: هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لأنه دل على أن الماء طهور لا ينجسه شيء، كماء البحار والأنهار والآبار والأمطار، وهذا هو الأصل في الماء أنه طهور حتى تعلم نجاسته، كما سيأتي - إن شاء الله - قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]، وقال ﷺ في البحر: «هو الطهور ماؤه»، وتقدم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المجموع\" (١/ ٨٥).","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>حكم الماء إذا لاقته نجاسة</span>\n٣/ ٣ - عَنْ أَبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ المَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إلاَّ مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ، وَلَوْنِهِ». أخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه، وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ.\n٤/ ٤ - ولِلْبَيْهَقيِّ: «المَاءُ طَاهرٌ إلاَّ إنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ، أَوْ طَعْمُهُ، أَوْ لَوْنُهُ؛ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ».\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو أمامة؛ صُدَيُّ - بضم الصاد وفتح الدال ثم ياء مشددة - ابن عجلان الباهلي، مشهور بكنيته، سكن الشام، ومات بها سنة إحدى وثمانين، وقيل: سنة ست وثمانين، ﵁ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nهذا الحديث أخرجه ابن ماجه (٥٢١) في كتاب «الطهارة» باب «الحياض»، والدارقطني (١/ ٢٨)، والطبراني في «الكبير» (٨/ ١٢٣) من طريق رشدين بن سعد، حدثنا معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة ﵁ مرفوعًا.\nوالحديث ضعيف، لضعف رشدين، فقد ضعفه الإمام أحمد وأبو زرعة. وقال أبو حاتم: «منكر الحديث»، وقال النسائي: «متروك الحديث» (^٢)، وقد\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١١/ ١٣١)، \"الإصابة\" (٥/ ١٣٣).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢٤٠).","vol":"1","page":32},{"text":"اختلف عليه في إسناده، قال الدارقطني: (لم يرفعه غير رشدين بن سعد، عن معاوية بن صالح، وليس بالقوي، والصواب في قول راشد (^١» يعني: أنه مرسل، فقد رواه الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد، عن النبي ﷺ مرسلًا، وقال الشافعي: (لا يُثبت أهل الحديث مثله) (^٢)، وقال النووي: (اتفق المحدثون على تضعيفه) (^٣)، وقال البوصيري: (هذا إسناد ضعيف) (^٤).\nوقول المصنف: (وضعفه أبو حاتم) هذا التضعيف نقله ابنه في «العلل»: (فقال: قال أبي: يوصله رشدين بن سعد، يقول: عن أبي أمامة عن النبي ﷺ، ورشدين ليس بقوي، والصحيح مرسل) (^٥).\n\nقوله: (وللبيهقي …) هذا الحديث الرابع، والظاهر أن الحافظ أورد رواية البيهقي لتفسير حرف العطف في حديث ابن ماجه، وأن المراد أحد هذه الأوصاف، فتكون الواو بمعنى (أو)، وهذه الرواية جاءت عند البيهقي (١/ ٢٥٩) من حديث أبي أمامة من طريق اخر، فيه عطية بن بقية بن الوليد، وعطية يروي عن أبيه، وهو يخطئ ويُغرب، والوليد مدلس، وقد عنعن؛ ولذا قال البيهقي: (والحديث غير قوي).\n\nالوجه الثالث: اعلم أن أصل حديث أبي أمامة صحيح - كما تقدم في حديث أبي سعيد ﵁ - والتضعيف المذكور متجه إلى هذه الزيادة وهي الاستثناء: (إلا ما غلب ..) وقد ذكره الحافظ لِيُعلم حاله، فيكون المعول على نجاسة الماء إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه هو الإجماع، الذي نقله غير واحد، فقد نقله الشافعي - في اختلاف الحديث ـ، حيث قال: (إنه قول العامة لا أعلم بينهم اختلافًا) وضعف الحديث كما تقدم، وقال ابن المنذر: (أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له\n_________\n(^١) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٢٩).\n(^٢) \"اختلاف الحديث\" ص (١٠٨).\n(^٣) \"المجموع\" (١/ ١١٠).\n(^٤) \"مصباح الزجاجة\" ص (١٠٧).\n(^٥) \"العلل\" (١/ ٤٤).","vol":"1","page":33},{"text":"طعمًا أو لونًا أو ريحًا فهو نجس) (^١)، وكذا نقله البيهقي (^٢)، وابن هبيرة (^٣) وغيرهما، رحم الله الجميع.\n\nالوجه الرابع: أننا إذا جمعنا حديث أبي أمامة الذي عضده الإجماع مع حديث أبي سعيد ﵁: «الماء طهور لا ينجسه شيء» استفدنا أن الماء قسمان لا ثالث لهما، إما طهور وإما نجس، وهذا هو الصواب الذي عليه المحققون، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ عبد الرحمن بن سعدي، والشيخ محمد بن إبراهيم (^٤)، والشيخ عبد العزيز بن باز، رحم الله الجميع، فالطهور هو الماء الباقي على خلقته حقيقة أو حكمًا؛ فالباقي على خلقته حقيقة كماء البئر وماء البحر ونحو ذلك، والباقي على خلقته حكمًا هو الذي تغير بشيء لا يسلبه الطهورية، كأن يتغير بما يشق صون الماء عنه، كورق الشجر والتراب ونحوهما مما تلقيه الرياح أو السيول من الأشياء الطاهرة؛ فهذا طهور ما دام اسم الماء باقيًا، فإن تغير بشيء يخرجه عن كونه ماء ويعطيه اسمًا اخر، كاللبن والمرق والتمر ونحوها لم يكن طهورًا؛ لأنه ليس بماء.\nوالنجس: هو ما تغير بنجاسة - كما تقدم - سواء أكان التغير كثيرًا أم قليلًا، وسواء أكان بممازجة أم بغير ممازجة، فإن أصابته نجاسة ولم تغير أحد أوصافه فهو طهور؛ لعدم الدليل الدال على نجاسته، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (١/ ٢٦٠).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٦٠).\n(^٣) \"الإفصاح\" (١/ ٥٨).\n(^٤) انظر: \"الفتاوى\" (١٩/ ٢٣٦)، \"الدرر السنية\" (١/ ٦٩ - ٧٠)، \"المختارات الجلية\" ص (٧)، \"فتاوى ابن إبراهيم\" (٢/ ٢٧).","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>بيان قدر الماء الذي ينجس والذي لا ينجس</span>\n٥/ ٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا كانَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» وفِي لَفْظٍ: «لَمْ يَنْجَسْ». أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ والحَاكمُ وَابْنُ حِبَّانَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، المدني، الفقيه، أحد الأعلام في العلم والعمل، أسلم صغيرًا مع أبيه عمر ﵁، وأول مشاهده الخندق؛ لأنه كان قبلها صغيرًا، كان من أوعية العلم، قال مالك: بقي ابن عمر بعد النبي ﷺ ستين سنة، يقدم عليه وفود الناس؛ يعني لتلقي العلم، وكان شديد التحري والاحتياط في فتواه وكل ما يفعله بنفسه، له عناية بتتبع آثار النبي ﷺ وأمثاله، توفي في مكة سنة ثلاث وسبعين، ﵁ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nأخرجه الأربعة: أبو داود (٦٣) في كتاب «الطهارة» باب «ما ينجس الماء»، والترمذي (٦٧)، والنسائي (١/ ٧٥/٤٦)، وابن ماجه (٥١٧) من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٦/ ٣٠٨)، \"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٣٧)، \"الإصابة\" (٦/ ١٦٧).","vol":"1","page":35},{"text":"الخبث»، وأخرجوه من طريق أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه مرفوعًا، ورواه الوليد عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله - بالتصغير - بن عبد الله بن عمر، كما عند النسائي (١/ ١٧٥) وغيره، وكذا رواه محمد بن عباد بن جعفر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، كما في صحيح ابن حبان (٤/ ٦٣).\nوقد اختلف العلماء في هذا الحديث؛ فصححه قوم - وهو الصواب - وضعفه اخرون، وممن صححه الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد القاسم بن سلاَّم، والطحاوي، والدارقطني، وابن دقيق العيد، والعلائي في جزء أَلَّفَهُ فيه، وعبد الحق الأشبيلي، وممن صححه - كما ذكر الحافظ - ابن خزيمة (٩٢)، وابن حبان (١٢٤٩)، والحاكم (١/ ١٣٢)، قال الخطابي: (كفى شاهدًا على صحته أن نجوم الأرض من أهل الحديث قد صححوه، وقالوا به، وهم القدوة، وعليهم المعول في هذا الباب) (^١).\nوممن ضعفه ابن عبد البر (^٢) وابن العربي (^٣)، وسبب ضعفه عندهم اضطرابه في سنده ومتنه.\nأما الاضطراب في سنده فإن مداره على الوليد بن كثير المخزومي - كما تقدم - وهو صدوق - كما في «التقريب» - فيرويه تارة عن محمد بن جعفر بن الزبير، وتارة عن محمد بن عباد بن جعفر، وتارة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وتارة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قالوا: فلما اختلف فيه هل هو عن محمد بن عباد أو عن محمد بن جعفر؟؛ علمنا أنه مُضْطَرَبٌ فيه غير محفوظ، وترجيح أحد القولين غير ممكن؛ لأن الترجيح إما بكثرة العدد وإما بالحفظ والإتقان، وكل ذلك موجود في رواية الطريقين، وقد تابع الوليدَ في روايته محمدُ بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عند أحمد (٢/ ٢٧) وأبي داود (٦٤) والترمذي (٦٧)\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (١/ ٥٨).\n(^٢) \"التمهيد\" (١/ ٣٢٩).\n(^٣) \"أحكام القرآن\" (٣/ ١٤٢٥)، \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٨٤).","vol":"1","page":36},{"text":"وابن ماجه (٥١٧) والدارقطني (١/ ١٩)، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند الدارقطني، فانتفت شبهة تدليسه، ورواه حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر عن عبد الله .. عند أحمد (٢/ ٣) وأبي داود (٦٥) وابن ماجه (٥١٨) وهذا سند رجاله ثقات، كما قال البوصيري (^١).\nوأما الاضطراب في المتن فقد روي فيه: «إذا بلغ الماء قلتين»، وروي: «إذا كان الماء قدر قلتين أو ثلاث لم ينجسه شيء»، وفي رواية ابن عدي والعقيلي والدارقطني: «إذا بلغ الماء أربعين قلة فإنه لا يحمل الخبث».\nوالجواب: أما ما قيل من اضطراب الإسناد والاختلاف فيه فإن أهل العلم سلكوا في الجواب عنه مسلكين:\nالأول: مسلك الترجيح، والثاني: مسلك الجمع، فأبو حاتم (^٢)، وابن منده (^٣)، والخطابي رجحوا رواية محمد بن جعفر بن الزبير، وأبو داود رجح رواية محمد بن عباد بن جعفر، كما نصَّ على ذلك في «سننه».\nوأما من سلك مسلك الجمع - وهو الصحيح - فقالوا: إن كُلاًّ من الراويين ثقة محتج بهما في الصحيحين، وكذا الراوي عنهما، وهو الوليد بن كثير، فالحديث كيفما دار كان بخبر ثقة، فيصلح الاحتجاج به، والراوي الواحد إذا كان ضابطًا متقنًا، وروى الحديثين على الوجهين المختلف فيهما كان صحيحًا، فكان أبو أسامة مرة يحدث عن الوليد، عن محمد بن جعفر، ومرة يحدث به عن الوليد عن محمد بن عباد، ومحمد بن جعفر بن الزبير رواه عن عبد الله وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر، ومحمد بن عباد رواه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وهذا قول البيهقي والحاكم، والدارقطني والعلائي والحافظ ابن حجر وغيرهم (^٤).\n_________\n(^١) \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٢٠٦).\n(^٢) \"العلل\" (١/ ٢٤٤).\n(^٣) \"نصب الراية\" (١/ ١٦).\n(^٤) \"الخلافيات\" (٣/ ١٤٥)، الدارقطني (١/ ١٧)، وانظر: \"جزء في تصحيح حديث القلتين\" للعلائي.","vol":"1","page":37},{"text":"وأما ما قيل من اضطراب متنه بلفظ: (قلتين أو ثلاثًا): فهو من رواية حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر. وحماد وإن كان ثقة إلا أنه تغير في اخر عمره، والاختلاف منه؛ لأن الذين رووه عنه جماعة، وفيهم حفاظ أثبات، رووه باللفظين معًا - أعني بلفظ الشك؛ وبدون لفظ الشك - فدل على أن الاختلاف منه دون غيره، لكن رواية من رواه بدون قوله: (أو ثلاثًا) أولى بالصواب؛ لأنها رواية الأحفظ، ولأنها موافقة لرواية أبي أسامة عن الوليد بن كثير، وأما رواية الأربعين فليست من حديث القلتين بشيء، على أن أبا عبيد القاسم بن سلام ذكر أن هذا الحديث بلفظ الأربعين إن كان محفوظًا فلا يراد به قلال هجر؛ لأن الناس قد كانوا يسمون الكيزان التي يُشرب فيها قلالًا، يكون مبلغ الكوز منها رطلين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك (^١).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (قلتين) بضم القاف، تثنية قلة، وهي الجرة الكبيرة من الفخار، ويطلق عليها (الحُب) بضم الحاء؛ سميت بذلك لأنها تُقَلُّ، أي: تحمل؛ وهي قلال هجر، معروفة عند الصحابة، وعند العرب مستفيضة، وأما تقييدها في بعض الروايات بـ (قلال هجر) فلم يثبت؛ لأنه من أفراد مغيرة بن سقلاب، عن محمد بن إسحاق، وهو منكر الحديث، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه، خالف في ذلك سائر الثقات من أصحاب ابن إسحاق. والمراد في الحديث: القلة الكبيرة؛ لأن التثنية دليل على أنها أكبر القلال، إذ لا فائدة في تقديره بقلتين صغيرتين مع القدرة على التقدير بواحدة كبيرة، والظاهر أن النبي ﷺ ترك تحديدها توسعة على الناس؛ لأنه لا يخاطب الصحابة ﵃ إلا بما يفهمون، فانتفى الإجمال، لكن لعدم تحديدها وقع الخلاف في ذلك على أقوال كثيرة، لعل أقربها أن القلتين خمسمائة رطل بالبغدادي، وهي خمس قِرَبٍ، كل قِربة مائة رطل، ولعلهم أخذوا ذلك ممن رأى قِرَبَ الحجاز، وعرف أن ذلك مقدارها. قال ابن جريج فقيه الحرم المكي وإمام الحجاز في\n_________\n(^١) \"الطهور\" ص (٢٣٩).","vol":"1","page":38},{"text":"عصره: (رأيت قلال هجر، والقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئًا)، قال الشافعي: (الاحتياط أن تكون القلتان قربتين ونصفًا)، وتقدران بحوالي (٣٠٧) لترات، أو (١٠٢) كيلو (^١)، وهذا هو ضابط الماء الكثير، وما كان أقل هو الماء القليل، وهو الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو قول الشافعي وأحمد؛ لأنه عمل بالنص، وأما العمل بالتحديد بالظن والراجح فهو ضعيف؛ لأن الطهور من أصل الدين، فلا بدَّ من دليل من كتاب أو سنة، والله المستعان.\n\nقوله: (لم يحمل الخبث) - بفتحتين ـ: هو النجس، ومعنى «لم يحمل الخبث» أي: لم يقبل النجاسة، بل يدفعها عن نفسه فلا تؤثر فيه.\n\nقوله: (لم يَنْجَسْ) وهي عند الحاكم بلفظ: «لم ينجسه شيء» وعن أبي داود في رواية: «فإنه لا ينجس» وهو بفتح الجيم من باب تعب، فالماضي (نَجِس) بكسر الجيم، ويجوز ضمها في المضارع، من باب قتل يقتل، فالماضي (نَجَس) بفتح الجيم، وفائدة إيراد هذه الرواية أنها أصرح في المقصود من الرواية الأولى، لاحتمال قوله: «لا يحمل الخبث» أنه يضعف عن حمل الخبث، فلا يَحْتمل وقوعه فيه، بل ينجسه، وهذا وإن كان احتمالًا ضعيفًا إلا أن بعض العلماء ذكره، لكن هذه الرواية مفسرة للمراد، وترد على من فهم أن المراد أنه يضعف عن حمل النجاسة.\n\nالوجه الرابع: الحديث بمنطوقه دليل على أن الماء الكثير - وهو ما بلغ قلتين فأكثر - إذا وقعت فيه نجاسة، فإنه لا ينجس سواء أتغير أم لم يتغير، وهذا المنطوق بهذا العموم لا يصح، لما تقدم من نقل الإجماع على أن الماء إذا غيرته النجاسة نَجِسَ مطلقًا، سواء أكان قليلًا أم كثيرًا.\nودل الحديث بمفهومه على أن القليل وهو ما دون القلتين ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، سواء أتغير أم لم يتغير، وهذا الحكم هو المخالف لحكم المنطوق، لكنه لا يؤخذ على عمومه؛ لأنه لا يشترط أن يكون حكم المفهوم\n_________\n(^١) \"الأم\" (١/ ١٨)، \"الإيضاح والتبيان\" ص (٧٩ - ٨٠)، \"مجلة البحوث الإسلامية\" عدد (٥٩) ص (١٨٤).","vol":"1","page":39},{"text":"مخالفًا للمنطوق من كل وجه، بل تكفي المخالفة ولو في صورة واحدة من صور العموم، وهذا معنى قولهم: (المفهوم لا عموم له)، وعلى هذا فلا يلزم أن كل ما لم يبلغ القلتين ينجس. فما تغير فحكمه تقدم، وما كان أقل من القلتين ولم يتغير فظاهر حديث أبي سعيد المتقدم: «الماء طهور لا ينجسه شيء» أنه طهور، فيقدم المنطوق على هذا المفهوم، لكن ما دون القلتين يستفاد من حديث القلتين، فيكون محل نظر وتأمل فيحتاج إلى عناية، لئلا يتساهل به؛ لأنه مظنة التأثر بالنجاسة، فما ظهرت فيه النجاسة بتغير طعمه أو لونه أو ريحه تُرك، أو كان مظنة التأثر، كما في حديث ولوغ الكلب الآتي - إن شاء الله ـ، وإن كان لا يتأثر لكثرته أو لعدم ظهور النجاسة فيه - وإن كان قليلًا - فهو طهور.\nوهذا قول الإمام مالك، وأحمد في أحد قوليه، والظاهرية، وجمع من السلف والخلف، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم؛ وهو الراجح من حيث الدليل؛ لأن المفهومات لا تعارض المنطوقات الصريحة؛ لأن المفهوم محتمل، والمنطوق الصريح لا يحتمل، ولإجماع أهل العلم على أن الماء إذا تغيرت أوصافه بالنجاسة فهو نجس، فبقي ما عدا ذلك تحت العناية كما مضى؛ وبذلك تجتمع الأخبار (^١).\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن سؤر الدواب والسباع لا يخلو في الغالب عن نجاسة؛ لأن المعتاد من السباع إذا وردت الماء أن تخوض فيه وتبول، وقد لا تخلو أعضاؤها من التلوث بأبوالها ورجيعها، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"التمهيد\" (٢٤/ ١٧)، \"إعلام الموفعين\" (١/ ٣٩١)، \"مختصر الفتاوى السعدية\" ص (١١)، \"فتاوى ابن باز\" (١٠/ ١٥).","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>حكم البول في الماء الراكد والاغتسال فيه من الجنابة</span>\n٦/ ٦ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِم وَهُوَ جُنُبٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\nولِلْبُخَارِيِّ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ».\nولِمُسْلِمٍ: «مِنْهُ».\nولأبِي دَاوُدَ: «وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ».\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nالحديث أخرجه مسلم (٢٨٣) في كتاب «الطهارة» باب «النهي عن الاغتسال في الماء الراكد» من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة، حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: (قال رسول الله ﷺ: …) فذكره، وتمامه: (فقال: كيف يعمل يا أبا هريرة؟ فقال: يتناوله تناولًا)، أي: يتناول منه فيغتسل خارجه؛ ولا ينغمس فيه.\nواللفظ الثاني: أخرجه البخاري (٢٣٩) في كتاب «الوضوء» باب «البول في الماء الدائم»، وهو حديث مستقل غير الأول، أخرجه من طريق شعيب قال: أخبرنا أبو الزناد، أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: … فذكره. وأخرجه النسائي وأحمد","vol":"1","page":41},{"text":"وغيرهما بلفظ: «ثم يتوضأ منه»، وسيأتي ذكره إن شاء الله.\nواللفظ الثالث: أخرجه مسلم (٢٨٢) ولفظه: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه»، وكذا عند أبي داود (٦٩).\nواللفظ الرابع: لأبي داود (٧٠) ولفظه: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة»، وسيأتي - إن شاء الله - الفرق بين هذه الروايات.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا يغتسلْ) لا: ناهية، والفعل بعدها مجزوم بها.\n\nقوله: (أحدكم) الخطاب في الموضعين لجميع الأمة، فيشمل الذكر والأنثى، وإنما أتى بصيغة خطاب المذكر تغليبًا، وإلا فلا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى.\n\nقوله: (الماء الدائم) فسرته رواية البخاري: «الماء الدائم الذي لا يجري» أي: الثابت المستمر الذي لا ينتقل من مكانه بالجريان، كمياه البرك التي في البساتين، والغدران التي في البراري، ونحو ذلك، فتكون جملة: «لا يجري» تفسيرًا للدائم وإيضاحًا لمعناه، وقيل: إنها للتأسيس، واحترز بها عن راكد لا يجري بعضه، كالبرك ونحوها.\n\nوقوله: (ثم يغتسل منه) برفع المضارع، وهو مع فاعله المستتر خبرٌ لمبتدأ محذوف، والتقدير: ثم هو يغتسل فيه، والمعنى: لا يبولن فيه مع أن اخر أمره أن يغتسل فيه، فكيف يبول بما سيكون طهورًا له بعْدُ؟! ففي الجملة إشارة إلى حكمة النهي.\nوأجاز ابن مالك الجزم على أن (لا) ناهية، والنصب على إظهار (أن)؛ وتكون (ثم) بمعنى (واو الجمع) (^١).\n\nوقوله: (وهو جنب) أي: ذو جنابة، وهو من وجب عليه الغسل من جماع أو إنزال مني.\n_________\n(^١) انظر: \"شواهد التوضيح\" ص (١٦٤).","vol":"1","page":42},{"text":"والفرق بين رواية البخاري: «ثم يغتسل فيه»، ورواية مسلم: «ثم يغتسل منه»، ورواية أبي داود: «ولا يغتسل فيه من الجنابة» أن رواية البخاري تفيد النهي عن الاغتسال بالانغماس في الماء الذي بال فيه، أي: كيف يبول في ماء وهو يحتاجه للغسل أو غيره؟! ورواية مسلم تفيد النهي عن أن يتناول منه في إناء ويغتسل خارجه، وكل منهما تفيد ما تفيده الرواية الأخرى، فرواية (فيه) تدل على معنى الانغماس بالنص، وعلى منع التناول بالاستنباط، ورواية (منه) بعكس ذلك، وأما رواية أبي داود فتفيد النهي عن كل واحد من البول والاغتسال على الانفراد، بمعنى أنه لا يبول في الماء الدائم وإن لم يقصد الاغتسال منه، فحصل من مجموع الروايات أن الكل ممنوع، وذلك لأن البول أو الاغتسال في الماء الراكد يسبب تقذيره وتوسيخه على الناس ولو لم يصل إلى تنجيسه - كما سياتي إن شاء الله ـ، ومما يؤيد النهي عن البول على الانفراد حديث جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ: (أنه نهى أن يبال في الماء الراكد) (^١).\n\nالوجه الثالث: في الحديث دليل على النهي عن الاغتسال من الجنابة في الماء الدائم، لأن ذلك يلوث الماء بأوساخ وأقذار الجنابة، وأما اغتسال الجنب من الماء الدائم بأن يتناول منه بإناء أو بيده بعد غسلها فإنه غير داخل في هذا النهي، كما تقدم عن أبي هريرة ﵁، ومفهومه جواز الاغتسال من الجنابة في الماء الجاري.\n\nالوجه الرابع: في الحديث دليل على النهي عن البول في الماء الدائم؛ لأن ذلك يقتضي تلوثه بالنجاسة والأمراض التي قد يحملها البول، فتضر كل من استعمل هذا الماء، بل ربما استعمله هذا البائل نفسه، ولا فرق في ذلك بين البول في الماء نفسه أو البول في إناء ثم صبه في الماء، وكذا إذا بال بقرب الماء بحيث يجري البول إليه، فكل ذلك مذموم قبيح منهي عنه.\nومفهومه جواز البول في الماء الذي يجري؛ لأن البول يجري مع الماء\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨١).","vol":"1","page":43},{"text":"ولا يستقر، لكن إن كان في أسفل الماء أحد يستعمله فلا يبولن فيه؛ لأنه يقذره عليه.\n\nالوجه الخامس: ظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون الماء الدائم قليلًا أو كثيرًا، ولا وجه للتفصيل، بأنه إن كان كثيرًا فالنهي للكراهة، وإن كان قليلًا فالنهي للتحريم، كما هو أحد الأقوال في المسألة؛ لأن الحديث لم يفصل، صحيح أن النهي في القليل آكد؛ لأنه أسرع تلوثًا وتغيرًا، لكن القول بأنه للكراهية في الكثير قد يؤدي إلى تساهل الناس في هذه الأمور، والواجب سَدُّ ما سده النبي ﷺ وحِمَى ما حماه، وهذه أمور مقاصدها ظاهرة ومصالحها بينة، فيؤخذ النهي على ظاهره، وهو التحريم ولو كان الماء كثيرًا، فإن جميع الروايات لم تحدد مقداره، وإنما وصفته بأنه دائم، أما الماء الكثير جدًا وهو المستبحر الذي لا يمكن أن يتأثر بالبول أو يتلوث بالاغتسال، كماء البحر فهو لا يدخل في النهي بالاتفاق، على ما ذكره ابن دقيق العيد (^١)، والله أعلم.\n\nالوجه السادس: الظاهر أن تقييد الغسل بأنه من الجنابة خرج مخرج الغالب، فلا يفهم منه جواز الاغتسال في غير الجنابة، كإزالة الأوساخ - مثلًا ـ؛ لأنه إذا نُهي عن الاغتسال فيه من الجنابة مع حاجة الإنسان إلى ذلك - لكون الغسل من الجنابة هو الغالب - فغيره من الأغسال من باب أولى، ولأن تلوثه بالاغتسال من الأوساخ أشد من تلوثه باغتسال الجنابة.\n\nالوجه السابع: أما حكم الماء المذكور فالصواب أنه لا ينجس إلا إذا تغير بالنجاسة بالبول فيه أو الاغتسال فيه، ولا يلزم من النهي عن ذلك تنجيس الماء؛ لأنه ﷺ إنما نهى عن البول ثم الاغتسال، ولم يقل: إن الماء ينجس، فهو نهي عن الفعل ولم يتعرض للماء، ومثل ذلك لو قام من النوم وغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثًا فإنه لا ينجس، أخذًا بالأصل المتقدم: «الماء طهور لا ينجسه شيء» وإن كان يأثم من أجل مخالفة النهي.\n_________\n(^١) \"شرح العمدة\" (١/ ١٢٧).","vol":"1","page":44},{"text":"الوجه الثامن: يلحق بالبول ما في معناه، كالتغوط بل هو أقبح، وكذا سائر المستقذرات لوجود العلة، وهي تلويث الماء وتقذيره على الناس، قال ابن قدامة: (وأكثر أهل العلم لا يفرقون بين البول وغيره من النجاسات) (^١).\n\nالوجه التاسع: حكم الوضوء في الماء الراكد الذي بال فيه حكم الغسل، وقد ورد ذلك في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه» (^٢)، ولأن الغسل والوضوء مستويان في المعنى المقتضي للنهي، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ٣٩).\n(^٢) أخرجه النسائي (١/ ٤٩)، وأحمد (١٦/ ٢٤٨)، وابن حبان (٤/ ٦٠، ٦١)، من طريق عوف الأعرابي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، به، وهو حديث صحيح له طرق كثيرة، منها ما تقدم في هذا الباب. انظر: \"بذل الإحسان بتقريب سنن النسائي أبي عبد الرحمن\" (٢/ ١٧٣).","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>نهي الرجل والمرأة أن يغتسل أحدهما بفضل الآخر</span>\n٧/ ٧ - عَنْ رَجُلٍ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: نَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنْ تَغْتَسِلَ المَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوِ الرَّجُلُ بِفَضْلِ المَرْأَةِ، وَلْيَغْترِفا جَمِيعًا». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَإسْنَادُهُ صَحِيحٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو لا يُعرف، وقد جاء في سنن أبي داود: (عن رجل صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة ﵁)، وهذا يدل على تثبت الراوي، ومعرفته له معرفة تامة، وإبهام الصحابي لا يضر؛ لأن الصحابة ﵃ كلهم عدول.\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nأخرجه أبو داود (٨١) في كتاب «الطهارة» باب «النهي عن الوضوء بفضل المرأة»، والنسائي (١/ ١٣٠) من طريق داود بن عبد الله الأودي، عن حميد الحميري، عن رجل …، وعند النسائي: (عن حميد بن عبد الرحمن، قال: صحبت رجلًا صحب النبي ﷺ …).\nوهذا سند صحيح، كما قال الحافظ، وقال في «فتح الباري»: (رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعله على حجة قوية، ودعوى البيهقي أنه في معنى المرسل مردودة؛ لأن إبهام الصحابي لا يضر، وقد صرح التابعي بأنه لقيه، ودعوى ابن حزم أن داود - راويه عن حميد بن عبد الرحمن - هو ابن يزيد الأودي - وهو ضعيف - مردودة، فإنه ابن عبد الله الأودي وهو ثقة، وقد","vol":"1","page":46},{"text":"صرح باسم أبيه، أبو داود وغيره) (^١)، قال ابن القطان: (وقد كتب الحميدي من العراق إلى ابن حزم يخبره بصحة هذا الحديث، ويبين له حال هذا الرجل بالثقة، فلا أدري أَرجع عن قوله ذلك أم لا؟) (^٢).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على نهي المرأة عن الاغتسال بالماء الذي بقي من غُسل الرجل، ونهي الرجل عن الاغتسال بالماء الذي بقي من غُسل المرأة، وجواز اغتسالهما من إناء واحد غرفًا باليد، وهذا النهي معارض بما هو أقوى منه وأكثر طرقًا، وهي تدل على الجواز فالعمل عليها، أو يقال: إن النهي محمول على التنزيه جمعًا بين الأدلة، كما سيأتي - إن شاء الله - في حديث ابن عباس ﵄ وما بعده، وهذا عند وجود ماء اخر يغتسل فيه غير فضل المرأة، أما إذا دعت الحاجة إلى فضل المرأة فإنها تزول الكراهة؛ لأن الغسل واجب، والوضوء واجب، فلا كراهة مع الواجب عند الحاجة إلى الماء، فإذا وجدت مياه كثيرة فالأولى أن لا يغتسل بفضلها ولا تغتسل بفضله.\nوالوضوء بفضل المرأة أشد، لحديث الحكم بن عمرو الغفاري أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة (^٣)، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٠٠).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ١٦٦).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٨٢)، والترمذي (٦٤)، وابن ماجه (٣٧٣)، وأحمد (٣٤/ ٢٥٤)، وحسنه الترمذي.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-12>جواز اغتسال الرجل بفضل المرأة</span>\n٨/ ٨ - عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ ﵂. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n٩/ ٩ - ولأصْحَابِ السُّنَنِ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ في جَفْنَةٍ، فَجَاءَ ليَغْتَسِلَ مِنْهَا، فَقَالَتْ له: إنِّي كنْتُ جُنُبًا، فَقَالَ: «إنَّ الماءَ لَا يُجْنِبُ». وَصَحَّحَه التِّرْمِذِي، وابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو العباس، عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، حبر الأمة وفقيهها وترجمان القران، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، دعا له الرسول ﷺ بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (^١)، فأدرك علمًا كثيرًا، توفي رسول الله ﷺ وقد ناهز الاحتلام، ومات في الطائف سنة ثمان وستين، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقال: (اليوم مات ربانيُّ هذه الأمة) ﵁ (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما الأول فقد أخرجه مسلم في أحاديث «الحيض» (٣٢٣) من طريق ابن جريج قال: (أخبرني عمرو بن دينار قال: أكبر علمي، والذي يَخْطِرُ على\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ١٥٩ - ١٦٠)، وابن أبي شيبة (١٢/ ١١١ - ١١٢) وغيرهما، وإسناده صحيح، وهو في الصحيحين مختصرًا، \"فتح الباري\" (١/ ٢٤٤).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٦/ ٢٥٨)، \"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٤٠)، \"الإصابة\" (٦/ ١٣٠).","vol":"1","page":48},{"text":"بالي أن أبا الشعثاء أخبرني، أن ابن عباس أخبره، أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة).\nوقد أعله قوم؛ لهذا التردد من عمرو بن دينار؛ لأنه شك في الإسناد، فيسقط التمسك بالحديث.\nوالصحيح أن هذا غير مؤثر لأمرين:\nالأول: أن هذا غالب ظن، لا شك، وأخبار الآحاد إنما تفيد غلبة الظن، غير أن الظن على مراتب في القوة والضعف، ومثل هذه الصيغة لا تخرجه عن كونه معلومًا وإن كانت تشعر بأنه ليس حافظًا له كما ينبغي، ولهذا ذكره الحافظ في «البلوغ»، ولم يشر إلى ذلك.\nالثاني: أن حديث ابن عباس قد أخرجه أصحاب السنن، كما ذكر الحافظ من طريق اخر - كما سيأتي - ومعناه هو معنى حديث عمرو بن دينار، وليس فيه شيء من ذلك التردد، والله أعلم (^١).\nأما الحديث الثاني فقد أخرجه أبو داود (٦٨)، والترمذي (٦٥)، والنسائي (١/ ١٧٣)، وابن ماجه (٣٧٠)، وابن خزيمة (١/ ٥٧)، والحاكم (١/ ١٥٩) من طريق سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: … فذكره.\nوقد أعله قوم بسماك بن حرب، وهو صدوق اختلط بأَخَرَةَ، فكان يقبل التلقين، وأجاب الحافظ بأنه رواه عن سماك شعبة - كما عند الحاكم (١/ ١٥٩) ـ، وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيحَ حديثهم (^٢)، وقال في «تهذيب التهذيب»: (ومن سمع منه - أي سماك - قديمًا مثل شعبة وسفيان الثوري، فحديثهم عنه صحيح مستقيم) (^٣)، ولذا قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح في الطهارة، ولم يخرجاه، ولا يحفظ له علة)، ووافقه الذهبي.\n_________\n(^١) \"المفهم\" (١/ ٥٨٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٠٠).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٢٠٥).","vol":"1","page":49},{"text":"الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (بفضل ميمونة) هي ميمونة بنت الحارث الهلالية، تزوجها النبي ﷺ سنة سبع لما اعتمر عمرة القضية، وبنى بها في (سَرِفَ) - موضع بينه وبين التنعيم ثلاثة أميال - وذلك بعد موت زوجها أبي رُهْم بن عبد العُزَّى، وهي اخر من تزوجها النبي ﷺ، وقد أثنت عليها عائشة ﵂ بقولها: (إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم) (^١)، توفيت بِسَرِفَ سنة إحدى وخمسين على أرجح الأقوال، ﵂.\n\nقوله: (إني كنت جنبًا) تقدم أن الجنب: من أصابته جنابة بجماع أو إنزال، وهو لفظ يطلق على الذكر والأنثى، والمفرد والمثنى والجمع بلفظ واحد على الأفصح، وتثنيته لغة.\n\nقوله: (إن الماء لا يجنب) يجوز في ضبطها فتح النون، من جَنَبَ يَجْنَبُ من باب فرح، أو ضمها من باب كَرُمَ، هذا إن جعلته من الثلاثي، ويجوز ضم الياء من الرباعي، يقال: أجنب الرجل: إذا أصابته جنابة، والمعنى: أن الماء لا تصيبه الجنابة، ورواية النسائي: «فإن الماء لا ينجسه شيء»، قال السندي: (وهي وِفْقُ تلك الرواية .. أي: إذا استعمل منه جنب أو محدث فلا يصير البقية نجسًا بجنابة المستعمل أو حدثه) (^٢).\n\nالوجه الرابع: في هذا الحديث وما قبله دليل على جواز اغتسال الرجل بالماء الذي يبقى من غُسل المرأة، وأن هذا الاغتسال لا يؤثر في طهورية الماء؛ لأن الماء لا ينجس، وهذا الفعل من الرسول ﷺ لبيان التشريع، وهو دليل الجواز، فيكون ثبوت الفعل قرينة صارفة عن حمل النهي - فيما تقدم - على التحريم؛ لأنه ﷺ قد ينهى عن الشيء ثم يفعله، أو يأمر بالشيء ثم يتركه، وكل ذلك من باب بيان التشريع، وأن الأمر ليس للوجوب،\n_________\n(^١) رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٨/ ١٣٨) وقال الحافظ في \"الإصابة\" (١٣/ ١٤٠): (هذا سند صحيح).\n(^٢) \"حاشية السندي على النسائي\" (١/ ١٧٣).","vol":"1","page":50},{"text":"وأن النهي ليس للتحريم، ولا يقال: إن هذا خاص بالنبي ﷺ، فلا يعارض فعله قوله الخاص بالأمة؛ لأن قوله: «إن الماء لا يجنب» و«الماء لا ينجسه شيء» يفيد أن ذلك غير مختص به ﷺ، ولأن صيغة (الرجل) في الحديث تشمله ﷺ بطريق الظهور، كما في الأصول.\nوأما جواز اغتسال المرأة بفضل الرجل فلم يرد فيه دليل، لكنه مقيس على الجواز في حق الرجل من باب أولى، قال ابن عبد البر: (لا بأس أن يتطهر كل واحد منهما بفضل طهور صاحبه، شَرَعَا جميعًا، أو خلا كل واحد منهما به، قال: وعلى هذا القول فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، قال: والآثار في معناه متواترة، ثم ذكر حديث ابن عباس ..) (^١)، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (٢/ ١٢٩).","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>كيفية تطهير ما ولغ فيه الكلب</span>\n١٠/ ١٠ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «طُهُورُ إنَاءِ أَحدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُوْلَاهُنَّ بِالتُّرابِ». أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ.\nوَفي لَفْظٍ لَهُ: «فَلْيُرِقْهُ».\nوَلِلتِّرْمِذِيِّ: «أُخْراهُنَّ، أو أولَاهُنَّ بالتُّراب».\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم رقم (٢٧٩) (٩١) في كتاب «الطهارة» باب «حكم ولوغ الكلب» من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، به. وفي لفظ له برقم (٨٩) من طريق علي بن مُسهر، أخبرنا الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرات»، وأخرجه النسائي (١/ ٥٣) - أيضًا - بهذا الإسناد، وقد طعن بعض الحفاظ في لفظة (فليرقه)، وقد أشار مسلم إلى تفرد علي بن مُسْهر بها - كما سيأتي إن شاء الله - لأن الحديث قد رواه تسعة أنفس عن الأعمش، ولم يذكروا هذه اللفظة، وعلى رأسهم شعبة، وأبو معاوية، وهو من أخصِّ أصحاب الأعمش، كما روى الحديث عن أبي هريرة ﵁ عشرة من غير طريق الأعمش، وليس فيه هذه اللفظة (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"التمهيد\" (١٨/ ٢٧٣)، \"موسوعة أحكام الطهارة\" للدبيان (١/ ٣٦٣).","vol":"1","page":52},{"text":"ولعل الحافظ اقتصر على رواية مسلم؛ لأنها أتمُّ من رواية البخاري، حيث لم يُذكر فيها التراب، وإلا فالحديث أصله في الصحيحين، ولفظه: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات»، زاد مسلم: «أولاهن بالتراب» وله شاهد من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفّروه الثامنة بالتراب» أخرجه مسلم (٢٨٠) (٩٣).\nوأخرجه الترمذي برقم (٩١) من طريق أيوب، عن ابن سيرين، به، ولفظه: «يُغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات، أُولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة»، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (طهور إناء أحدكم) بضم الطاء، ويجوز فتحها؛ أي: مطهِّر، وهو مبتدأ، خبره المصدر المؤول في قوله: «أن يغسله» أي: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب غَسْلُهُ سبع مرات.\n\nقوله: (إذا ولغ فيه الكلب) يقال: وَلَغَ الكلب يلَغُ، بفتح اللام فيهما، ولَغًا وولوغًا، وحُكي في المضارع كسر اللام: إذا شرب أو أدخل طرف لسانه وحركه، وفي رواية لمسلم: «إذا شرب»، و(أل) في الكلب للاستغراق، فيشمل جميع أنواع الكلاب على ما رجحه أبو عبيد (^١)؛ لأنه صيغة عموم، فلا يجوز تخصيصها إلا بمخصص من الشارع، وعليه فلا فرق بين الكلب المأذون فيه، ككلب الصيد وحراسة الماشية والزرع، وغير المأذون فيه، وهو ما عداها (^٢).\n\nقوله: (سبع مرات) منصوب على أنه مفعول مطلق نائب عن المصدر، والأصل فليغسله مراتٍ سبعًا؛ أي: غسلًا سبعًا، كقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].\n\nقوله: (أولاهن بالتراب) صفة لسبع مرات، والباء في قوله: (بالتراب) للمصاحبة؛ أي: مع التراب.\n_________\n(^١) انظر: \"الطهور\" ص (٢٧٠).\n(^٢) في هذه المسألة بحث سيأتي -إن شاء الله- في أول كتاب \"الصيد\".","vol":"1","page":53},{"text":"الوجه الثالث: الحديث دليل على نجاسة الكلب، لقوله: «طهور إناء أحدكم»، ولفظ الطهور لا يكون إلا من حدث أو نجاسة، ولا يتصور وجود الحدث على الإناء، فلم يبق إلا النجاسة، ولأنه أمر بإراقة ما في الإناء - كما سيأتي إن شاء الله ـ، وإذا كان هذا كله في فم الكلب وهو أطيب ما فيه لكثرة ما يلهث، فبقية أجزائه من باب أولى.\nوقد رَدَّ ابن دقيق العيد على من حمل أحاديث الولوغ على التعبد فقال: (.. والحمل على التنجيس أولى؛ لأنه متى دار الحكم بين كونه تعبدًا، وبين كونه معقول المعنى، كان حمله على كونه معقول المعنى أولى؛ لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى) (^١).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب تطهير ما ولغ فيه الكلب سبع مرات؛ لأن نجاسة الكلب أغلظ النجاسات، ولعابه وكل ما يخرج من بدنه من بول أو عرق وغيرهما نجس.\nوظاهر حديث عبد الله بن مغفل ﵁ أن الغسل ثمان؛ لأنه قال: «وعفروه الثامنة بالتراب»، فيكون دليلًا على وجوب الغسلة الثامنة، قال ابن عبد البر: (بهذا الحديث كان يفتي الحسن البصري، أن يُغسل الإناء سبع مرات والثامنة بالتراب، ولا أعلم أحدًا كان يفتي بذلك غيره) (^٢)، وتبعه على ذلك ابن دقيق العيد (^٣)، ولعل ابن عبد البر يريد من المتقدمين، وإلا فهو رواية عن الإمام أحمد، كما في «المغني» (^٤)، وعن مالك كما في «التلخيص» (^٥).\nفمن أهل العلم من رجح حديث أبي هريرة ﵁ وأن الغسلات سبع، وأجاب عن حديث ابن مغفل بأجوبة منها:\nأن جعلها ثامنة لأن التراب جنس غير جنس الماء، فجعل اجتماعهما في المرة الواحدة معدودًا باثنين، فكأن التراب قائم مقام غسلة، فسميت ثامنة.\n_________\n(^١) \"شرح العمدة\" (١/ ١٤٥).\n(^٢) \"التمهيد\" (١٨/ ٢٦٦).\n(^٣) \"شرح العمدة\" (١/ ١٥٥).\n(^٤) \"المغني\" (١/ ٧٣).\n(^٥) \"التلخيص\" (١/ ٣٦).","vol":"1","page":54},{"text":"قالوا: وأبو هريرة أحفظ مَنْ روى الحديث في دهره، فروايته أولى.\nومنهم من رجح رواية ابن مغفل ﵁؛ لأنه زاد الغسلة الثامنة، والزيادة مقبولة خصوصًا من مثله، وهذا لا بأس به؛ لأنه أَخْذٌ بظواهر النصوص، وفيه معنى الاحتياط.\n\nالوجه الخامس: تعدد الغسلات خاص بنجاسة الكلب، ولا يقاس عليه غيره كالخنزير؛ لأن العبادات توقيفية، وهذه أمور لا تدرك بالرأي والقياس، ولم يأت في غير الكلب تعدد الغسل، والخنزير مذكور في القران وموجود في زمن النبي ﷺ، ولم يرد إلحاقه، فنجاسته كنجاسة غيره.\nأما بقية النجاسات فالواجب فيها غسلة واحدة، تذهب بعين النجاسة وأثرها، فإن لم تذهب زاد حتى يذهب أثرها، ولو جاوز السبع، سواء أكان ذلك في الأرض أم الثوب أم الفرش أم الأواني، وهذا قول الجمهور، لقوله ﷺ: «إذا أصاب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه، ثم لتنضحه بماء ثم لتصلِّ فيه» (^١). ولم يأمر فيه بعدد، ولو أراده لبينه، كما في حديث الولوغ، ولأن المقصود إزالة النجاسة، فمتى زالت زال حكمها.\n\nالوجه السادس: نص النبي ﷺ على الولوغ لأنه هو الغالب، إذ أن الكلب لا يجعل بوله أو رجيعه في الأواني، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، فتكون نجاسة الكلب عامة لجميع بدنه، وتغسل بهذه الصفة المذكورة، وهذا قول الجمهور.\nوقالت الظاهرية: إن الغسل سبعًا خاص بنجاسة الولوغ، أما بوله أو روثه أو دمه أو عرقه فكسائر النجاسات، قال النووي: (وهذا متجه، وهو قوي من حيث الدليل) (^٢)، واختاره الشوكاني (^٣)، قالوا: لأن قوله: «إذا ولغ أو إذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٧)، ومسلم (٢٩١)، وسيأتي الكلام عليه برقم (٣٠).\n(^٢) \"المجموع\" (٢/ ٥٨٦)، وقد وصف هذا القول في \"روضة الطالبين\" (١/ ٣٢) بأنه وجه شاذ في مذهب الشافعية.\n(^٣) \"السيل الجرار\" (١/ ٣٧).","vol":"1","page":55},{"text":"شرب ..» يدل على أن هذا الحكم لا يتعدى الولوغ والشرب؛ لأن مفهوم الشرط حجة عند الأكثرين، ومفهومه أن الحكم ليس كذلك عند عدم الشرط، وقد أجاب الحافظ العراقي بأن تقييد النبي ﷺ للولوغ خرج مخرج الغالب، لا مخرج الشرط؛ لأن الكلاب إنما تقصد الأواني غالبًا لتشرب منها أو تأكل، لا لتضع أرجلها وأيديها فيها، فقيد بالولوغ لأنه الغالب من حالها (^١).\nومذهب الجمهور هو الأحوط في هذه المسألة، والله أعلم.\n\nالوجه السابع: الحديث نص في وجوب التطهير بالتراب مع الماء، لخبث نجاسة الكلب، وهو قول الشافعية والحنابلة (^٢) ولا فرق بين أن يخلط الماء بالتراب حتى يتكدر الماء، أو يصب الماء على التراب، ولا يقوم غير التراب - كالأشنان، والصابون - مقامه، إلا إذا تعذر؛ لأن النص إذا ورد بشيء معين، واحتمل معنى يختص بذلك الشيء لم يجز إلغاء النصوص وترك ما عُيِّنَ فيها.\nوالأمر بالتراب، وإن كان يحتمل أنه لزيادة التنظيف، لكن لا يجزم بتعيين ذلك المعنى؛ لأنه يزاحمه معنى اخر وهو الجمع بين مطهرين: الماء والتراب، وهذا مفقود في الصابون أو الأشنان، والقاعدة في الأصول: أن المعنى المستنبط إذا عاد على النص بإبطال أو تخصيص فهو مردود (^٣).\n\nالوجه الثامن: ذُكِرَ موضع التراب في أحاديث الباب على أوجه متعددة، فقد ورد: «أُولاهن بالتراب»، وفي حديث ابن مغفل: «وعفروه الثامنة بالتراب»، وعند الترمذي: «أولاهن أو أخراهن»، وعند الدارقطني وغيره «إحداهن» (^٤)، وعند الطحاوي (^٥): «أولاها - أو السابعة - بالتراب».\n_________\n(^١) انظر: \"طرح التثريب\" (٢/ ١٢٢).\n(^٢) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٣/ ١٨٩)، \"نهاية المحتاج\" (١/ ٢٣٦)، \"الإنصاف\" (١/ ٣١٠).\n(^٣) انظر: \"الإحكام\" لابن دقيق العيد (١/ ١٦١ - ١٦٢).\n(^٤) \"السنن\" (١/ ٢٤١).\n(^٥) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢١).","vol":"1","page":56},{"text":"وهذا لا يضر ولا يقتضي إلغاء التراب، لوجود الاضطراب، كما ذهبت إليه الحنفية والمالكية (^١)، وذلك أن الحديث المضطرب إنما تتساقط رواياته إذا تساوت وجوه الاضطراب، أما إذا ترجح بعضها فالحكم للرواية الراجحة، ولا يقدح فيها رواية من خالفها، كما هو معروف في علوم الحديث.\nورواية: (أُولاهن) أرجحها؛ لأنها جاءت في حديث أبي هريرة ﵁ من طريق ابن سيرين عنه، ورواها عن ابن سيرين ثلاثة: هشام بن حسان، وحبيب بن الشهيد، وأيوب السختياني، وقد أخرجها مسلم في «صحيحه» من رواية هشام، فتترجح بثلاثة أمور:\n١ - كثرة الرواة.\n٢ - تخريج أحد الشيخين لها، وهما من وجوه الترجيح عند التعارض.\n٣ - من حيث المعنى؛ لأن تتريب الأولى يجعل ما بعدها من الماء مزيلًا لأثر التراب، بخلاف ما لو كان في السابعة فإنه يحتاج إلى غسلة أخرى لتنظيفه.\nوأما رواية الترمذي: «أولاهن أو أُخراهن» فإن كان ذلك من كلام الشارع فهو دليل على التخيير بينهما، وإن كان شكًا من بعض الرواة فالتعارض قائم، ويرجع إلى الترجيح، فترجح الأولى كما تقدم، ومما يؤيد أن ذلك شك من بعض الرواة قول الترمذي في روايته: «أولاهن - أو قال: أخراهن - بالتراب».\nأما رواية: (إحداهن) فليست في شيء من الكتب الستة، وإنما هي عند الدارقطني والبزار (^٢)، ولا تعارض غيرها لأنها مبهمة، والأولى أو السابعة معينة، فيحمل المطلق على المقيد، وترجح رواية: (أولاهن) كما تقدم.\nوأما حديث: «وعفروه الثامنة بالتراب» فهي ثامنة باعتبار زيادتها على سبع الغسلات بالماء، لا باعتبار أنها الأخيرة، وعلى هذا فلا يخالف ذلك كون التراب في الأولى، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح العمدة\" لابن الملقن (١/ ٣٠٨)، \"طرح التثريب\" (٢/ ١٢٩ - ١٣٠).\n(^٢) انظر: \"البدر المنير\" (٢/ ٣٣٠).","vol":"1","page":57},{"text":"الوجه التاسع: في الحديث دليل على وجوب إراقة ما في الإناء من ماء أو لبن أو غيرها، وهذا يدل على نجاسة لعاب الكلب وأن لريقه أثرًا فيه، ولأن الأواني في الغالب صغيرة، والماء فيها قليل، وليس كثيرًا يدفع عن نفسه النجاسة، ولو كان ما في الإناء طاهرًا لم يؤمر بالإراقة؛ لأن في ذلك إتلاف المال وإضاعته، وذلك منهي عنه.\nلكن قد طعن بعض الحفاظ في لفظة: «فليرقه» وقد جاءت من طريق علي بن مسهر، أخبرنا الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة ﵁. وقد أشار الإمام مسلم إلى تفرد عليّ بن مسهر بهذه اللفظة. وقال النسائي: (لا أعلم أحدًا تابع عليَّ بن مسهر على قوله: «فليرقه») (^١)، وقريب من ذلك قال ابن منده (^٢).\nقال العراقي: (وهذا غير قادح، فإن زيادة الثقة مقبولة عند أكثر العلماء .. وعلي بن مسهر وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والعجلي وغيرهم، وهو أحد الحفاظ الذين احتج بهم الشيخان، وما علمت أحدًا تكلم فيه، فلا يضر تفرده) (^٣).\nوقال ابن الملقن: (لا يضر تفرده بها، فإن علي بن مسهر إمام حافظ متفق على عدالته والاحتجاج به، ولهذا قال الدارقطني بعد أن رواها: «إسنادها حسن، ورواتها ثقات» (^٤)، ورواها إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في «صحيحه» (^٥)، ولفظه: «فليهرقه»، وظاهر هذه الرواية: وجوب إراقة الماء والطعام …) (^٦).\nوالذي يظهر أن هذه اللفظة غير محفوظة، لأن مخالفة علي بن مُسهر للأكثرين الذين لم يذكروها يوجب الحكم بشذوذها، وقد قال عنه الحافظ في «التقريب» (ثقة له غرائب بعد أن أضر) وكلام الأئمة الكبار مقدم على كلام من جاء بعدهم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"سنن النسائي\" (١/ ٥٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٣١).\n(^٣) \"طرح التثريب\" (٢/ ١٢١).\n(^٤) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٦٤).\n(^٥) \"صحيح ابن خزيمة\" (٩٨).\n(^٦) \"شرح العمدة\" (١/ ٣٠٦)، \"البدر المنير\" (٢/ ٣٢٥).","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type='title' id=toc-14>طهارة سؤر الهرة</span>\n١١/ ١١ - عَنْ أَبي قَتَادَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ - فِي الْهِرَّةِ ـ: «إنَّها لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ». أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ الترْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيمَةَ.\nالسؤر: بالهمز فضلة الأكل أو الشراب، ذكره صاحب «المطلع» (^١)، وقال صاحب «المصباح المنير»: (السؤر بالهمزة: من الفأرة وغيرها كالريق للإنسان) (^٢).\nوالمراد - هنا - الأول؛ لأن المقصود بهذا الحديث بيان جواز الوضوء وغيره ببقية ما شرب منه الحيوان، وهو الموافق لما ذكره أهل اللغة، وأما ما ذكره صاحب «المصباح» فهو مراد الفقهاء؛ لأنه يفسر ألفاظهم، كما في مقدمة الكتاب، وكذا ذكره النووي (^٣).\nوالكلام على هذا الحديث من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري الخزرجي ﵁، شهد غزوة أُحد وما بعدها، وكان يقال له: فارس رسول الله ﷺ، كما ثبت في «صحيح مسلم» (^٤)، دَعَمَ النبي ﷺ في بعض أسفاره حين مال عن راحلته من النوم، فلما استيقظ قال له: «حفظك الله بما حفظت به نبيه». أخرجه مسلم - أيضًا - (^٥)،\n_________\n(^١) \"المطلع\" ص (٤٠).\n(^٢) \"المصباح المنير\" (٢٩٥).\n(^٣) \"المجموع\" (١/ ١٧٢).\n(^٤) برقم (١٨٠٧).\n(^٥) برقم (٦٨١).","vol":"1","page":59},{"text":"توفي في المدينة سنة (٥٤ هـ)، ﵁ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nأخرجه أبو داود (٧٥) في كتاب «الطهارة» باب «سؤر الهرة» والترمذي (٩٢)، والنسائي (١/ ٥٥، ١٧٨)، وابن ماجه (٣٦٧)، وابن خزيمة (١٠٤) وغيرهم من طريق الإمام مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حُميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن كبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة - أن أبا قتادة دخل، فسكبت له وضوءًا، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فراني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إنها ليست بنجس ..» الحديث.\nوقال الترمذي: (حديث حسن صحيح، وقد جود مالك هذا الحديث، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ولم يأت به أحد أَتَمَّ من مالك).\nوقال الحافظ: (صححه البخاري والترمذي والعقيلي والدارقطني) (^٢)، وكذا صححه ابن خزيمة - كما ذكر المصنف ـ، والحاكم (١/ ١٥٩ - ١٦٠)، وفي رواية مالك (١/ ٢٢) وأحمد (٥/ ٣٠) وغيرهما، (والطوافات) أي: إن هذا الحيوان لا يخلو أن يكون من جملة الذكور الطوافين، أو الإناث الطوافات، والحديث له طرق، ذكرها الدارقطني (^٣).\nوأعلّ الحديث ابن منده - فيما نقله عنه ابن دقيق العيد - أعله بأم يحيى، واسمها حُميدة، وخالتها كبشة زوج عبد الله بن أبي قتادة، وأنه لا يعرف لهما رواية إلا في هذا الحديث، ومحلهما محل الجهالة.\nوقد ردَّ ابن الملقن كلام ابن منده، مستندًا على تصحيح الأئمة لهذا الحديث، وأن هذا غير وارد مع الجهالة بحال حميدة وكبشة (^٤).\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٢/ ٨٨)، \"الإصابة\" (١١/ ٣٠٢).\n(^٢) \"التلخيص\" (١/ ٥٤).\n(^٣) \"العلل\" (٦/ ١٦٠).\n(^٤) \"البدر المنير\" (٢/ ٣٤٢).","vol":"1","page":60},{"text":"وقول ابن منده: (إن حميدة لا تعرف لها رواية إلا في هذا الحديث)، فيه نظر، فإنها روت هذا الحديث، وحديثَ تشميت العاطس (^١)، والحديث الثالث لها: حديث رِهَانِ الخيل، رواه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (^٢).\nوأما قوله في كبشة، فهو كما قال، ليس لها إلا هذا الحديث، لكن لا يضرها ذلك، فإنها ثقة.\nوأما قوله: (إن محلهما الجهالة) ففيه نظر - أيضًا ـ، فإن حميدة روى عنها زوجها إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة راوي حديث الهرة، وابنها يحيى في حديث تشميت العاطس، وابنها عمر بن إسحاق على ما ذكره الترمذي في باب «تشميت العاطس» - كما تقدم ـ، فإن لم يكن غلطًا فهو ثالث، وهو أخو يحيى، وذكرها ابن حبان في «الثقات» (^٣).\nوأما كبشة، فقال ابن الملقن: (لم أعلم أحدًا روى عنها غير حميدة، لكن ذكرها ابن حبان في «الثقات»، وقد قال ابن القطان: (إن الراوي إذا وُثِّقَ زالت جهالته وإن لم يرو عنه إلا واحد)، وأعلى من ذلك ما ذكره ابن حبان في «الثقات» من أن لها صحبة) (^٤).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أنه قال في الهرة) هي الأنثى من القطط، وجمعها (هِرَرٌ) مثل: سِدْرة وسِدَر، والذكر (هِرٌّ) وجمعه (هِررة) مثل: قرد وقردة، قاله الأزهري، وقال ابن الأنباري: (الهر يقع على الذكر والأنثى، وقد يدخلون الهاء في المؤنث) (^٥).\n\nقوله: (إنها ليست بِنَجَسٍ) بفتح الجيم، هو عين النجاسة، أي: ليست نجسة الذات، وهو مصدر نَجِس من باب فرح، ولذا لم يؤنث، كما أنه لم يجمع في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وأما النَّجِسُ بكسر الجيم فهو الشيء المتنجس.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٠٣٦)، والترمذي (٢٧٤٤).\n(^٢) انظر. \"البدر المنير\" (٢/ ٣٤٤).\n(^٣) \"الثقات\" (٦/ ٢٥٠).\n(^٤) انظر: \"البدر المنير\" (٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، \"الثقات\" (٣/ ٣٥٧)، \"الطبقات\" (٨/ ٣٥١).\n(^٥) \"المصباح المنير\" ص (٦٣٧).","vol":"1","page":61},{"text":"قوله: (إنما هي من الطوافين عليكم) جملة مستأنفة فيها معنى التعليل، لعدم نجاسة الهرة، وهي الضرورة الناشئة من كثرة دورانها في البيوت ودخولها فيها، بحيث يشق صون الأواني عنها، فجعلها الله طاهرة، رأفةً بالعباد ودفعًا للحرج.\n\nوقوله: (الطوافين) جمع طَوَّافٍ، شبهها بخدم البيت، وهو من يطوف على أهله ويدور حولهم برفق وعناية، وألحقها بالعقلاء فجمعها بالياء والنون مع أنها لا تعقل، إشارة إلى أنها من جنس الطوافين الذين سقط في حقهم الحجاب والاستئذان في غير الأوقات الثلاثة التي ذكرها الله تعالى، وذلك للضرورة وكثرة مداخلتهم.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على طهارة فم الهرة، وطهارة سؤرها - فضلتها - لسقوط حكم النجاسة عنها اتفاقًا، لعلة الطواف المنصوص عليها في الحديث، والتصريح بأنها ليست نجسة، والوضوء من سؤرها بعد أن أصغى لها الإناء.\nوفي قوله: (إنها ليست بنجس) دليل على طهارة جميع أعضائها وبدنها على القول الراجح، خلافًا لمن قال: إن طهارتها مقصورة على سؤرها وما تناولته بفمها، وأما بقية أجزائها فنجسة، فإن هذا مخالف لدلالة الحديث، وهذا فرد من أفراد القاعدة العظيمة (المشقة تجلب التيسير)، فكثرة طوافها وعموم البلوى بها جعل ما تلامسه طاهرًا وإن كان رطبًا، قال ابن قدامة بعد حديث أبي قتادة: (وهذا قد دل بلفظه على نفي الكراهة عن سؤر الهرة، وبتعليله على نفي الكراهة عما دونها مما يطوف علينا ..) (^١)، وعلى هذا فكل ما يُكْثِرُ التطواف على الناس ويشق الاحتراز منه فهو كالهرة، محكوم بطهارته، وأما إناطة الحكم بالصغر، وهو ما دون الهرة في الخِلقة، فلا وجه له، لعدم الدليل عليه، وليس الحكم خاصًا بفمها، بل جميع بدنها كذلك؛ لقوله: «إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم».\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ١١).","vol":"1","page":62},{"text":"الوجه الخامس: الصحيح من أقوال أهل العلم إلحاق الحمار والبغل بالهرة في طهارة سؤرهما وعرقهما، للعلة المذكورة، ولحاجة الناس إليهما في الركوب والحمل، ولا سيما قبل وجود السيارات، ولأن النبي ﷺ كان يركبها وتركب في زمنه، وفي عصر الصحابة ﵃، فلو كان نجسًا لبين النبي ﷺ ذلك.\n\nالوجه السادس: فيه دليل على حسن تعليم النبي ﷺ، حيث ربط الحكم بالعلة، وهذا فيه فوائد، منها:\n١ - الاستدلال على سمو الشريعة وكمالها، وأن كل شيء له حكمة.\n٢ - تقوية إيمان المكلف بهذا الحكم إذا عرف علته.\n٣ - تعدية الحكم لكل ما وجدت فيه العلة، والله أعلم.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-15>كيفية تطهير الأرض من البول</span>\n١٢/ ١٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابيٌّ فَبَالَ في طَائِفَةِ الْمَسْجِد، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَذَنُوبٍ مِنْ ماءٍ؛ فَأُهْرِيْقَ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أنس بن مالك بن النضر، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله ﷺ، قدم النبي ﷺ المدينة، وهو ابن عشر سنين، فأتت به أمه أم سليم بنت ملحان رسول الله ﷺ فقالت: هذا أنس، غلام يخدمك، فقبله النبي ﷺ ودعا له، وقال: «اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة»، قال أنس: فرأيت اثنتين، وأنا أرجو الثالثة، فلقد دفنت لِصُلبِي سوى ولد ولدي مائة وخمسة وعشرين، وإن أرضي لتثمر في السنة مرتين، وبقي خادمًا للنبي ﷺ حتى توفي ﷺ، وأقام بعده في المدينة، ثم نزل البصرة، ومات بها سنة تسعين، ﵁ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nأخرجه البخاري في كتاب «الوضوء»، باب «تَرْكِ النبي ﷺ والناس الأعرابيَّ حتى فرغ من بوله في المسجد» (٢١٩، ٢٢١)، وأخرجه من حديث أبي هريرة ﵁ (٢٢٠) وفي اخره: «فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسِّرين»، وأخرجه في كتاب «الأدب» (٦٠١٠) من حديث أبي هريرة ﵁ - أيضًا ـ،\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١/ ٢٠٥)، تذكرة الحفاظ\" (١/ ٤٤)، \"الإصابة\" (١/ ١١٢).","vol":"1","page":64},{"text":"ولفظه: (قام رسول الله ﷺ في صلاة وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فلما سلّم النبي ﷺ قال للأعرابي: «لقد حجرت واسعًا»، يريد رحمة الله)، وأخرجه مسلم (٢٨٤) وفيه: (ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله ﷿، والصلاة، وقراءة القران»، أو كما قال رسول الله ﷺ ..).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أعرابي) المراد به البدوي الذي يسكن البادية، نسبة إلى الأعراب على لفظه، وإنما نسب الأعرابي إلى الجمع دون الواحد؛ لأنه جرى مجرى القبيلة كأنمار، أو لأنه لو نسب إلى الواحد وهو عرب، لقيل: عربي، فيشتبه المعنى؛ لأن العربي عام لمن سكن البادية أو الحاضرة.\n\nقوله: (بذنوب من ماء) بفتح الذال المعجمة وضم النون، هو الدلو العظيم، ولا يسمى ذنوبًا حتى يكون مُلئ ماءً، ويكون قوله: (من ماء) من باب الإيضاح والتأكيد، كقولهم: كتبت بيدي.\n\nقوله: (فأهريق عليه) بضم الهمزة وسكون الهاء، أي: صُبَّ عليه، وهو فعل مبني للمجهول، والمبني للمعلوم: أهراق، ومضارعه: يُهْرِيق (^١).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب العناية بالمساجد واحترامها وتنزيهها من البول والعذرة، وسائر الأقذار، وهذا يؤخذ من زجر الناس لهذا الأعرابي ومبادرتهم إلى الإنكار عليه، ولولا أن ذلك منكر عندهم لما زجروه، لكن فاتهم النظر إلى أن منعه وقطعه يؤدي إلى الضرر به، وزيادة في التنجيس لمكان اخر، فلهذا نهاهم النبي ﷺ عن زجره وأمرهم بالرفق به.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فإنها تطهر بصب الماء على المكان النجس بدون تكرار، سواء أكانت الأرض\n_________\n(^١) انظر: \"المغني في تصريف الأفعال\" (٩٦ - ٩٧).","vol":"1","page":65},{"text":"رخوة أم صلبة، وشرط طهارتها أن تزول عين النجاسة، وقد أفاد قوله: (فأهريق عليه) أنه لم يحفر المكان أو ينقل ترابه أو يُحَوَّطْ عليه، بل صُبَّ عليه الماء فقط.\nوهذا قول الجمهور من أهل العلم، وأما ما ورد عند أبي داود من حديث عبد الله بن معقل، وفيه: وقال - يعني النبي ﷺ: «خذوا ما بال عليه من تراب فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء»، فقد قال أبو داود عَقِبَهُ: (هو مرسل، ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ) (^١).\nفإن كان للنجاسة جرم كعذرة أو دَمٍ جَفَّ، فلا بد من إزالة ذلك قبل تطهيرها بالماء.\n\nالوجه السادس: وجوب المبادرة بتطهير المساجد من النجاسة إذا حصلت فيها، لقوله: (فلما قضى بوله أمر ..)؛ لأن النجاسة لو تركت قد يخفى مكانها، وقد يصلّى عليها.\nوهي لا تطهر بالجفاف - عند الجمهور - سواء أكان ذلك بالشمس أم بالريح أم بالظل، قالوا: ولو كان الجفاف مطهرًا لاكتفى به النبي ﷺ، ولم يأمر بالماء.\nوقالت الحنفية: إن الجفاف يطهر الأرض، فتجوز الصلاة عليها؛ لأن النجاسة عين خبيثة نجاستها بذاتها، فإذا زالت عاد الشيء إلى طهارته.\nوهذا قول قوي، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، وتلميذه ابن القيم (^٣)، قال شيخ الإسلام: (إنه أحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وهو الصحيح في الدليل)، ثم ساق حديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: (كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك) (^٤)، فقد استنبط شيخ الإسلام ابن تيمية من هذا\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (٣٨١).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٨٥)، \"الفتاوى\" (٢١/ ٤٧٩).\n(^٣) \"إغاثة اللهفان\" (١/ ١٥٠).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٧٤).","vol":"1","page":66},{"text":"الحديث أن الارض إذا أصابتها نجاسة فيبست حتى زال أثرها فإنها تطهر؛ لأن الحكم يدور مع علته، فإذا لم يبق للنجاسة أثر صارت الأرض طاهرة.\nوأما دليل الجمهور فالجواب عنه ما تقدم، وهو أن المسجد يجب تطهيره في الحال لأنه مصلّى الناس، ولئلا ينجس به أحد، أو تنتقل النجاسة بالمشي إلى مكان اخر في المسجد.\n\nالوجه السابع: وجوب الرفق بالجاهل في التعليم، وأنه لا يؤذى ولا يعنف إذا لم يأت بالمخالفة استخفافًا وعنادًا.\n\nالوجه الثامن: الحديث دليل على القاعدة الفقهية العظيمة (إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما) أو (دفع أعظم الضررين بارتكاب أخفهما)، وذلك أن البول في المسجد مفسدة، والاستمرار عليه مفسدة، وقد حصل ذلك، لكن كون الرجل يقوم من بوله مفسدة أكبر لما يترتب عليه من مفاسد، وهي:\n١ - تضرر هذا الرجل بقطع بوله واحتباسه.\n٢ - أنه يؤدي إلى تلوث ثيابه وبدنه.\n٣ - أنه يؤدي إلى تلوث مكانٍ أكبر من المسجد، والله أعلم.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-16>السمك والجراد إذا ماتا في ماء فإنه لا ينجس</span>\n١٣/ ١٣ - عَن ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا المَيْتَتانِ: فَالْجَرَادُ والْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحالُ وَالْكَبِدُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ ضَعْفٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (١٠/ ١٥)، وابن ماجه (٣٢١٨، ٣٣١٤) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا.\nوهذا إسناد ضعيف - كما قال الحافظ - لضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال عبد الله بن أحمد: (سمعت أبي يضعف عبد الرحمن، وقال: روى حديثًا منكرًا: «أحلت لنا ميتتان ودمان»)، وضعفه ابن المديني جدًا، وكذا ضعفه النسائي وأبو زرعة وغيرهم، وقال ابن خزيمة: (ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه لسوء حفظه، هو رجل صناعته العبادة والتقشف، ليس من أحلاس الحديث) (^١)، وقد رواه الدارقطني (^٢) والبيهقي (١/ ٢٥٤) من رواية سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر موقوفًا، قال البيهقي: (وهذا إسناد صحيح، وهو في معنى المسند)، وكذا صحح الوقف أبو زرعة\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٦١)، والأحلاس: جمع حِلْسٍ، وهو كل ما ولي ظهر الدابة تحت الرحل، وبساط يوضع تحت كريم المتاع، ويقال: هو حلس بيته: لا يبرحه، وهو من أحلاس البلاد: لا يفارقها. انظر: \"المعجم الوسيط\" ص (١٩٢).\n(^٢) \"شرح عمدة الأحكام\" لابن الملقن (٢/ ١٥٩)، وانظر: \"التعليق المغني\" (٤/ ٢٧٢).","vol":"1","page":68},{"text":"وأبو حاتم، وهذا الموقوف له حكم الرفع، كما ذكر البيهقي، وقال ابن القيم: (هذا حديث حسن، وهذا الموقوف في حكم المرفوع؛ لأن قول الصحابي: أُحل لنا كذا، وحُرِّم علينا، ينصرف إلى إحلال النبي ﷺ وتحريمه) (^١).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الجراد) بفتح الجيم، معروف، والواحدة جرادة، الذكر والأنثى سواء، كالحمامة، قالوا: مشتق من الجرد؛ لأنه لا ينزل على شيء إلا جرده.\n\nقوله: (والحوت) هو السمك، وقيل: ما عَظُمَ منه، قال تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾ [الصافات: ١٤٢] والجمع حيتان.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الميتة، واستثني منها الجراد والسمك، فكل منهما حلال، وقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁ في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، وقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، قال ابن عباس: (صيده: ما صيد فيه، وطعامه: ما قَذَفَ) (^٢)، فميتة البحر حلال مطلقًا، سواء مات بنفسه وطفا على وجه الماء بأن صار بطنه من فوق، أم مات بسبب ظاهر كضغطة أو صدمة حجر أو انحسار ماء أو ضرب من صياد أو غيره؛ لعموم الأدلة، وتخصيص النص العام لا بد له من دليل من كتاب أو سنة يدل على التخصيص.\nوقد ورد في حديث جابر ﵁ قال: (غزونا جيش الخَبَطِ وأميرنا أبو عبيدة، فجعنا جوعًا شديدًا، فألقى البحر حوتًا ميتًا لم نر مثله، يقال له: العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظمًا من عظامه فمرَّ الراكب تحته، قال: فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فقال: «كلوا، رزقًا أخرجه الله ﷿ لكم، أطعمونا إن كان معكم»، فأتاه بعضهم بشيء فأكله) (^٣).\nففي هذا الحديث دليل على إباحة ميتة البحر، وطلب النبي ﷺ من لحمه\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٣/ ٣٩٢).\n(^٢) أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (١١/ ٦١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٣٦٢)، ومسلم (١٩٣٥).","vol":"1","page":69},{"text":"وأكله ذلك أراد به المبالغة في تطييب نفوسهم في حلّه، وأنه لا شك في إباحته وأنه يرتضيه لنفسه.\nوكذلك يحل أكل الجراد مطلقًا، سواء مات باصطياد أم بذكاة أم مات حتف أنفه، لعموم هذا الحديث.\nويستثنى من ذلك ما مات من الجراد بسبب المبيدات السامة فهذا يحرم، لما فيه من السم القاتل المحرم، وكذا ما مات من الحوت بسبب ما يسمى بتلوث البحار بمواد سامة، فيحرم لا لذاته، وإنما لما وجد فيه من مواد مضرة أو قاتلة.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على إباحة أكل الكبد والطحال، وأنهما مستثنيان من تحريم الدم، وهذا بإجماع أهل العلم.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن السمك والجراد إذا ماتا في ماء فإنه لا ينجس، سواء أكان الماء قليلًا أم كثيرًا، ولو تغير طعمه أو لونه أو ريحه؛ لأنه لم يتغير بنجاسة، وإنما تغير بشيء طاهر، وهذا هو وجه سياق هذا الحديث في باب المياه، كما تقدم في موضوع الحديث، والله أعلم.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-17>الذباب لا يُنَجِّسُ ما وقع فيه من ماء أو غيره</span>\n١٤/ ١٤ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لْيَنْزِعْهُ، فَإنَّ فِي أحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي الآخَرِ شِفَاءً». أخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَأَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ: «وَإنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ».\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري (٣٣٢٠) في كتاب «بدء الخلق» بابٌ «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه»، وفي كتاب «الطب» بابٌ «إذا وقع الذباب في الإناء» (٥٧٨٢) من طريق عتبة بن مسلم، عن عبيد بن حنين، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.\nواللفظ الثاني أخرجه أبو داود (٣٨٤٤) ولفظه: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه، فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاء، وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء، فليغمسه كله) وإسناده حسن، وورد - أيضًا - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أخرجه أحمد (١٨/ ١٨٦)، وابن ماجه (٣٥٠٤) وإسناده صحيح لغيره، ومن حديث أنس بن مالك ﵁ أخرجه البزار (١/ ٦١٥ مختصر زوائده)، ورجاله رجال الصحيح. وهذا الحديث قد ورد من طرق كثيرة تزيد على خمسين طريقًا، جمعها بعض الباحثين (^١) وهي كافية لمن أراد معرفة الحق من أصحاب الفطر السليمة، والعقول المستنيرة.\n_________\n(^١) انظر: \"الإصابة في صحة حديث الذبابة\"، للدكتور: خليل إبراهيم ملا خاطر.","vol":"1","page":71},{"text":"الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا وقع الذباب) هو بضم المعجمة، مفرد، وجمعه أذِبَّة وذِبَّان، كغراب وأغربة وغربان (^١).\nقال الدَّميري: (الذباب عند العرب يطلق على الزنابير والنحل والبعوض بأنواعه، كالبق، والبراغيث والقمل والصُّؤاب والناموس والفَرَاش، والنمل، والذباب المعروف عند الإطلاق العرفي) (^٢)، ولعل الأخير هو المراد بهذا الحديث، وسمي ذبابًا لكثرة حركته واضطرابه.\n\nقوله: (في شراب أحدكم) هذا لفظ البخاري في كتاب «بدء الخلق» ولفظه في «الطب» «في إناء أحدكم»، وفي حديث أبي سعيد - كما تقدم ـ: «إذا وقع في الطعام» والتعبير بالإناء أشمل (^٣)، لكن يظهر أن الحافظ اختار رواية (شراب) لمناسبتها لباب المياه، والله أعلم.\n\nقوله: (فليغمسه) أي: في الطعام أو الشراب، كما في حديث أبي سعيد - المتقدم - ولفظه: «إن أحد جناحي الذباب سُمٌّ، والآخر شفاء، فإذا وقع في الطعام فامقلوه، فإنه يقدم السم، ويؤخر الشفاء».\nوالأمر بغمسه ليخرج الشفاء كما خرج الداء، فأمر النبي ﷺ أن تقابل تلك المادة السُّمِّية بما أودعه الله فيه من الشفاء في جناحه الآخر بغمسه كله، فتقابل المادةَ السميةَ المادةُ النافعةُ فيزول ضررها - بإذن الله تعالى - وهذا نصَّ عليه حذاق الأطباء قديمًا، كما ذكر ابن القيم والحافظ ابن حجر وغيرهما، وأثبت ذلك الاكتشافات العلمية الحديثة - كما سيأتي إن شاء الله ـ.\nوهذا أمر إرشاد لا أمر إيجاب، وفي رواية للبخاري في «الطب» «فليغمسه كلَّه» وذلك لدفع توهم المجاز في الاكتفاء بغمس بعضه.\n\nقوله: (فإن في أحد جناحيه داء ..) تعليل للأمر بغمسه، وفي حديث\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (١/ ١٢٦).\n(^٢) \"حياة الحيوان الكبرى\" (١/ ٣٥٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٥٠).","vol":"1","page":72},{"text":"أبي سعيد - المتقدم ـ: «فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء» ويستفاد من حديث أبي سعيد تفسير الداء الواقع في حديث الباب وأن المراد به السم، قال الحافظ: (ولم يقع لي في شيء من الطرق تعيين الجناح الذي فيه الشفاء من غيره، لكن ذكر بعض العلماء أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر، فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء، والمناسبة في ذلك ظاهرة) (^١).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على طهارة الذباب، وأنه لا ينجس ما وقع فيه من طعام أو شراب أو ماء ولا يفسده؛ لأن الرسول ﷺ أمر بغمسه ولم يأمر بإراقة ما وقع فيه.\n\nالوجه الرابع: في الحديث الأمر بغمس الذباب كله فيما وقع فيه من طعام أو شراب ثم نزعه، والانتفاع بما وقع فيه، وذلك للعلة وهي قوله: «فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاء»، وقد يكون الطعام حارًا، ومعلوم أنه يموت إذا غمس فيه، فلو كان ينجسه لكان أمرًا بإفساد الطعام، وهو ﷺ إنما أمر بإصلاحه، لكن هذا الأمر ليس للوجوب، وإنما هو لإرشاد من أراد أن يأكل أو يشرب مما وقعت فيه الذبابة أن يغمسه فيه، أما الذي لا يريد الأكل أو الشرب بأن تعافه نفسه فلم يتطرق إليه الحديث.\n\nالوجه الخامس: يقاس على الذباب كل ما أشبهه مما لا نفس له سائلة - أي ما لا دم له يسيل - وليس متولدًا من النجاسات، كالزنبور والعنكبوت والخنفساء والجعلان والنحل والبق والبعوض ونحو ذلك، فإذا وقع في طعام أو شراب لم يُحَرِّمْهُ ولم ينجسه، لهذا الحديث، والحكم يعم بعموم علته وينتفي لانتفاء سببه، ولما كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته وكان ذلك مفقودًا فيما لا دم له سائل، انتفى الحكم بالتنجيس؛ لانتفاء علته.\nقال ابن المنذر: (قال عوام أهل العلم: لا يفسد الماء بموت الذباب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٥١).","vol":"1","page":73},{"text":"والخنفساء ونحوهما، قال: ولا أعلم فيه خلافًا إلا أحد قولي الشافعي) (^١)، قال النووي بعد نقل كلام ابن المنذر: (والصحيح في الجميع الطهارة للحديث، ولعموم البلوى وعسر الاحتراز) (^٢).\n\nالوجه السادس: هذا الحديث يدل على سبق الإسلام للعلم الحديث في بيان ضرر الذباب، وأنه يحمل الأمراض والجراثيم، كما يدل على طريقة التخلص من ضرر الذباب إذا وقع في الطعام والشراب، وهذه الطريقة جاء في الاكتشافات ما يوافقها ويؤيدها، وذلك بإثبات أن الذباب يحمل المكروبات، ويحمل معها مكروبات قاتلة لهذه المكروبات، تسمى (بكتريوفاج) يعني: اكل البكتيريا، تظهر بكثرة على جناح الذبابة مع قليل من البكتيريا، وعند غمس الذبابة فإننا نساعد على ترك أكبر كمية من المادة القاتلة لمكروب المرض، وأثبت الاكتشاف العلمي أن الذباب إذا وقع في الطعام أو في الشراب ثم طار فإن الجراثيم التي يخلفها بعده تتزايد وتتكاثر، فإذا غُمس فإن الجراثيم التي يخلفها بعده في الطعام أو الشراب لا تبقى كما خلفها فحسب، بل تبدأ بالانحسار والتناقص، فالحمد لله على كمال هذه الشريعة وسموِّ تعاليمها، والله أعلم (^٣).\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣).\n(^٢) \"المجموع\" (١/ ١٢٩ - ١٣١).\n(^٣) انظر: \"الإصابة في صحة حديث الذبابة\" ص (١٦١).","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>ما قطع من الحي فهو مَيِّتٌ</span>\n١٥/ ١٥ - عَنْ أَبِي وَاقِدٍ الليْثِي ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهيمَةِ - وَهِيَ حَيَّةٌ - فَهُوَ مَيِّتٌ». أَخْرَجه أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَاللَّفْظُ لَهُ.\nأكثر العلماء يذكرون هذا الحديث في كتاب الأطعمة والصيد، كأبي داود والترمذي وصاحب المنتقى وغيرهم، ولعل الحافظ ذكره هنا لبيان أن هذا المقطوع لو وقع في ماء أو غيره فهو نجس إن كان من حيوان ميتته نجسة، كما سيأتي - إن شاء الله ـ.\nوالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو واقد الليثي، مشهور بكنيته، مختلف في اسمه، فقيل: الحارث بن عوف، نصَّ على ذلك الترمذي، وقيل غير ذلك، أسلم قديمًا، وشهد بدرًا على الأصح، وهو يُعَدُّ من أهل المدينة، وخرج إلى مكة، فجاور بها سنة، ومات سنة ثمان وستين، ﵁ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (٢٨٥٨) في كتاب «الصيد» بابٌ «في صيدٍ قُطِعَ منه قطعة»، والترمذي (١٤٨٠) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد.\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (١٢/ ٨٨).","vol":"1","page":75},{"text":"والحديث حسنه الترمذي؛ لأن في إسناده عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وهو متكلم فيه، وقد أورده الذهبي في «الضعفاء»، وقال: («ثقة» قال ابن معين: في حديثه ضعف) (^١)، وقال أبو حاتم: (فيه لين، يكتب حديثه، ولا يحتج به)، وقال ابن عدي: (بعض ما يرويه منكر لا يتابع عليه، وهو في جملة من يكتب حديثه من الضعفاء) (^٢)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق يخطئ).\nوقد ورد الحديث من طريق عبد الله بن جعفر، ثنا زيد بن أسلم به، أخرجه الحاكم (٤/ ١٢٣، ١٢٤) وقال: صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي بقوله: (ولا تشدَّ يدك به)، وذلك لأن الذهبي ذكر عبد الله بن جعفر في «الضعفاء» وقال: (ضعفوه) (^٣)، وقال في التقريب: (ضعيف)، لكن بإضافة هذا الطريق إلى الطريق الأول يَقْوى الحديث، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار أحسن حالًا من عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني، فإن ابن دينار أخرج له البخاري، ومع ذلك ففيه كلام، كما تقدم (^٤).\nوقد جاء الحديث من رواية أبي سعيد الخدري ﵁ من طريق عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، ثنا سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، أخرجه الحاكم (٤/ ٢٣٩) وقال: (صحيح على شرط الشيخين) وسكت عنه الذهبي، وتعقبه الألباني: بأن الأويسي لم يخرج له مسلم شيئًا، فالحديث على شرط البخاري فقط، وهو ثقة، فالإسناد صحيح (^٥)، لكن رواه سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء مرسلًا. أخرجه الطحاوي في «المشكل» (٤/ ٢٣٨) ورواه عبد الرحمن بن مهدي كما في «المستدرك» (٤/ ١٣٨) عن زيد بن أسلم، عن النبي ﷺ مرسلًا، وتابعه معمر كما في المصنف (٤/ ٤٩٤) لعبد الرزاق، قال الدارقطني في «العلل» (١١/ ٢٦٠): (المرسل أشبه بالصواب).\n_________\n(^١) انظر: \"الضعفاء\" ص (٢٤٣)، وفي رواية أخرى عن ابن معين أنه قال: (ليس بذاك القوي). انظر: \"من كلام أبي زكريا يحى بن معين\" ص (١٠٧).\n(^٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٨٧).\n(^٣) \"الضعفاء\" ص (٢١٣).\n(^٤) انظر: \"غاية المرام\" للألباني ص (٤١).\n(^٥) \"غاية المرام\" ص (٤٣).","vol":"1","page":76},{"text":"الوجه الثالث: اختصر الحافظ الحديث، فلم يذكر إلا الشاهد منه، وأول الحديث عن أبي واقد ﵁ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يَجُبُّون أسنمة الإبل ويقطعون أليات الغنم، قال: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة) وهذا لفظه عند الترمذي، وعند أبي داود بدون ذكر سبب الحديث.\n\nالوجه الرابع: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ما قطع ..) يجوز أن تكون (ما) موصولة أو شرطية، ويكون قوله: (فهو ميت) جواب الشرط، أو خبرًا للمبتدأ وهو (ما) الموصولة، واقترن الخبر بالفاء لشبه الموصول بالشرط في العموم.\n\nقوله: (من البهيمة) هي ذوات الأربع من الإبل والبقر والغنم، أو كُلُّ حي لا يميز، وهذا أعم من الأول، و(من) بيانية، وسبب الحديث يدل على أن المراد بالبهيمة الإبل والغنم.\n\nقوله: (فهو ميت) هكذا في بعض نسخ البلوغ، والذي في الترمذي: (فهو مَيْتة)، وهي بسكون الياء، يقال: مَيْتة - بالتخفيف - وميّتة - بالتشديد ـ، والتخفيف أكثر (^١)، والميتة ما لم تلحقه الذكاة، ومعنى (فهو ميتة) أي: حرام كالميتة، لا يجوز أكله؛ لأنه ميت بزوال الحياة عنه، وكانوا يفعلون ذلك في حال الحياة - كما تقدم - فنهوا عنه.\n\nالوجه الخامس: اعتبر العلماء لفظ هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الأحكام، يدل على أن ما قطع من البهيمة في حال حياتها من سنام بعير، أو ألية شاة، ونحو ذلك، فهو ميتة محكوم بنجاستها، إذ الميتة كذلك، فيحرم أكله والانتفاع به، قال ابن تيمية: (وهذا متفق عليه بين العلماء) (^٢).\nوهذا عام مخصوص بما قطع من حيوان ميتته طاهرة، كالجراد والسمك، فيكون طاهرًا، فما وقع منه في ماء فهو طاهر.\nكما يستثنى من ذلك الشعر والصوف والوبر والريش إذا قُصَّ بدون أصوله، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"المطلع\" ص (١٠).\n(^٢) \"مجموع الفتاوى\" (٢١/ ٩٨).","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>باب الآنية</span>\nالآنية: جمع إناء، كأسقية وسقاء، والجمع القليل آنية، والكثير: أواني، والآنية هي: الأوعية، والمراد هنا الأواني التي يكون فيها ماء الوضوء، وما هو أعم من ذلك من الطعام والشراب.\nومناسبة ذكرها هنا: أنه لما كان الماء جوهرًا سيالًا لا بد له من وعاء، ناسب ذكرها بعد أحكام المياه، ليعلم المسلم حكم آنيته التي يستعملها؛ لأن الشارع قد نهى عن بعضها، فتعلقت بها أحكام.\nوالأصل في الآنية: الحل والطهارة، لعموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ووجه الدلالة: أن الله تعالى امتنَّ على خلقه بما في الأرض جميعًا، ولا يمتن إلا بمباح، إذ لا منة في محرم، وخُصَّ من ذلك ما دل الدليل على تحريمه، والله أعلم.","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type='title' id=toc-20>تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة</span>\n١٦/ ١ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمانِ ﵄، قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ: «لَا تَشْرَبُوا فِي انِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا في صِحَافِهَا، فإنَّهَا لَهُمْ في الدُّنْيَا، وَلَكُمْ في الآخِرَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nهذا الحديث محله كتاب الأطعمة والأشربة، لكن ذكره الحافظ - كغيره - في هذا الباب لإفادة تحريم الوضوء في انية الذهب والفضة؛ لأنه استعمال لهما.\nوالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو حذيفة بن اليمان بن جابر العبسي ﵁، واسم اليمان: حُسيل، كما ورد في صحيح مسلم، أسلم هو وأبوه، وأرادا شهود بدر فصدهما المشركون، كما روى ذلك مسلم أيضًا (^١)، وشهدا غزوة أحد، فقتل المسلمون أباه لأنهم لم يعرفوه (^٢)، وذكر ابن إسحاق أن حذيفة تصدق بدية أبيه على المسلمين.\nروى حذيفة ﵁ كثيرًا عن النبي ﷺ وقال: لقد حدثني رسول الله ﷺ ما كان وما يكون إلى قيام الساعة، وكان يسمى صاحب السر لأن النبي ﷺ أَسرَّ إليه بأسماء المنافقين، الذين أرادوا المكر بالنبي ﷺ في مرجعه من تبوك، شهد حذيفة غزوة الخندق وما بعدها، وفتوح العراق، واستعمله عمر ﵁ على المدائن، فلم يزل بها حتى مات سنة ست وثلاثين، بعد مقتل عثمان ﵁\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٧٨٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٠٦٥).","vol":"1","page":79},{"text":"بأربعين ليلة (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الأطعمة» باب «الأكل في إناء مُفَضَّض» (٥٤٢٦) قال: حدثنا أبو نُعيم، حدثنا سيف بن أبي سليمان، قال: سمعت مجاهدًا يقول: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى أنهم كانوا عند حذيفة، فاستسقى، فسقاه مجوسي، فلما وضع القدح في يده رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين، كأنه يقول: لم أفعل هذا، ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في انية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة» هذا لفظ البخاري، وفيه (ولنا) بدل (لكم) وقد جاء في رواية أخرى للبخاري في «اللباس» بلفظ: «لكم» (٥٨٣٠، ٥٨٣٣).\nوأخرجه مسلم (٢٠٦٧) (٥) من طريق ابن أبي ليلى بلفظه في «اللباس»، ولم يذكر «لكم في الآخرة»، لكن وردت من طريق ابن عكيم عن حذيفة (٢٠٦٧) (٤) في «اللباس» أيضًا.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا تشربوا) الخطاب للرجال الحاضرين، ويدخل فيهم كل من يتأتى له الخطاب من الرجال والنساء.\n\nقوله: (في صحافها) الصحاف: جمع صحفة، وهي الإناء الذي يشبع الخمسة (^٢)، والظاهر أن هذا غير مراد هنا، فإن الصحفة التي لا تكفي إلا واحدًا يحرم أن تكون من الذهب والفضة - أيضًا ـ.\n\nقوله: (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) جملة تعليلية لما تقدم، والضمير (لهم) للكفار وإن لم يتقدم لهم ذكر، لكنه مفهوم من السياق، كقوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٢/ ٣١٨)، \"الإصابة\" (٢/ ٢٢٣، ٢٤٦).\n(^٢) نقله في \"اللسان\" عن الكسائي.","vol":"1","page":80},{"text":"٣٢] أي: الشمس، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] أي: الأرض، والمعنى: أن الكفار هم الذين يستعملون أواني الذهب والفضة في الدنيا؛ لأنه ليس عندهم دين يمنعهم من ذلك، وليس المراد إباحتها لهم؛ لأن الكفار لا يجوز لهم التمتع بنعم الله وهم على كفرهم، فأنتم أيها المسلمون منهيون عن التشبه بهم، وستكون لكم في الآخرة مكافأة لكم على تركها في الدنيا، ويُمنعُها أولئك جزاء لهم على معصيتهم في الدنيا، وقد ورد في حديث البراء بن عازب ﵁: أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع، ومنها: «وعن الشرب في الفضة، فإنه من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة» (^١)، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من شرب في انية الفضة والذهب في الدنيا لم يشرب فيهما في الآخرة، وانية أهل الجنة الذهب والفضة» (^٢)، وهذه هي العلة من تحريم استعمال أواني الذهب والفضة على المسلمين، وهي علة منصوص عليها، لكن أضاف العلماء عللًا أخرى منها:\n١ - أنها وسيلة إلى الخيلاء والتكبر.\n٢ - أن فيها كسرًا لقلوب الفقراء.\nوهي علل فيها نظر، قال ابن القيم: (والصواب أن العلة - والله أعلم - ما يكسب استعمالها القلب من الهيئة والحالة المنافية للعبودية منافاة ظاهرة، ولهذا علل النبي ﷺ بأنها للكفار في الدنيا، إذ ليس لهم نصيب من العبودية التي ينالون بها في الآخرة نعيمها، فلا يصلح استعمالها لعبيد الله في الدنيا، وإنما يستعملها من خرج عن عبوديته ورضي بالدنيا وعاجلها من الآخرة) (^٣).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة، وهذا النهي للتحريم، والعلة في ذلك التشبه بالكفار، قال\n_________\n(^١) الحديث أصله في \"الصحيحين\"، لكن انفرد مسلم بهذه الزيادة (٢٠٦٦).\n(^٢) أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٦/ ٣٠٠)، قال الحافظ في \"فتح الباري\" (١/ ٩٧٠): (بسند قوي).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (٤/ ٣٥١).","vol":"1","page":81},{"text":"شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولهذا كان العلماء يجعلون اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة تشبهًا بالكفار) (^١).\nوهذا الحكم عام في حق الرجال والنساء، سواء أكان الإناء ذهبًا خالصًا أم مخلوطًا بذهب، وسواء أكان فضة خالصة أم مخلوطًا بها، لما ورد من طريق يحيى بن محمد الجاري: حدثنا زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من شرب من إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم» (^٢).\n\nالوجه الخامس: اختلف العلماء هل تحريم أواني الذهب والفضة مختص بالأكل والشرب كما هو ظاهر الحديث، أو أنه عام في جميع وجوه الاستعمال؟ فالجمهور من أهل العلم على تحريم جميع وجوه الاستعمال، قال القرطبي: (الحديث دليل على تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما، مثل: التطيب والتكحل، وما شابه ذلك، وبتحريم ذلك قال جمهور العلماء سلفًا وخلفًا ..) (^٣)، قالوا: لعموم الحديث، وشمول المعنى الذي حرم بسببه، وإنما فُرِّقَ بين الرجال والنساء في التحلي لما يقصد منهن من غرض الزينة للأزواج والتجمل لهم.\nقالوا: وخُصَّ في الحديث ذكر الأكل والشرب لأن هذا هو الأغلب استعمالًا، وما عُلِّقَ به الحكم لكونه أغلب فإنه لا يقتضي تخصيصه به، وإذا\n_________\n(^١) \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (١/ ٣٢٢).\n(^٢) أخرجه الدارقطني (١/ ٤٠)، والبيهقي (١/ ٢٨)، وقال الدارقطني: (إسناده حسن). وحسن إسناده الشيخ عبد العزيز بن باز -رحم الله الجميع-، وقال الحافظ في \"فتح الباري\" (١٠/ ١٠١): (هذا معلول بجهالة حال إبراهيم بن عبد الله بن مطيع وولده ..) ويحيى، قال البخاري عنه: (يتكلمون فيه)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٩/ ٢٥٩)، وقال: (يُغْرِب)، وقال ابن عدي في \"الكامل\" (٧/ ٢٢٦): (وليس بحديثه بأس). وأورد الذهبي هذا الحديث في \"الميزان\" (٤/ ٤٠٦) في ترجمة يحيى، وقال: (هذا حديث منكر، أخرجه الدارقطني، وزكريا ليس بالمشهور).\n(^٣) \"المفهم\" (٥/ ٣٤٥).","vol":"1","page":82},{"text":"نُهي الإنسان عن الأكل والشرب - وهما أكثر حاجة - فما دونهما من وجوه الاستعمال من باب أولى.\nويرى اخرون (^١) منهم: الصنعاني (^٢) والشوكاني (^٣) والشيخ محمد بن عثيمين (^٤): أن التحريم خاص بالأكل والشرب، وأما استعمال الأواني في غير الأكل والشرب كالتطيب والتكحل والوضوء والغسل ونحوها فهو جائز، وهؤلاء أخذوا بظاهر الحديث، وقالوا: لأن النبي ﷺ نهى عن شيء مخصوص، وهو الأكل والشرب فيها، فدل على أن ما عداهما جائز، ولو أراد عموم الاستعمال لنهى عنه، ولم يخصَّ ذلك بالأكل والشرب، قالوا: لأن الأكل والشرب فيهما هو مظهر الفخر والخيلاء في الغالب.\nكما استدلوا بما ورد عن عثمان بن عبد الله بن مَوْهِب قال: (أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء، فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر النبي ﷺ، وكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها مِخْضَبَهُ، فاطلعتُ في الجلجل فرأيت شعراتٍ حُمْرًا) (^٥)؛ فهذا استعمال لآنية الفضة في غير الأكل والشرب، وأم سلمة هي راوية الحديث، كما سيأتي إن شاء الله.\nقال الشوكاني: (وقياس سائر الاستعمالات على الأكل والشرب قياس مع الفارق، فإن علة النهي عن الأكل والشرب، هي التشبه بأهل الجنة حيث يطاف عليهم بانية من فضة، وذاك مناط معتبر للشارع، كما ثبت عنه (لما رأى رجلًا متختمًا بخاتم من ذهب، فقال: «ما لي أرى عليك حلية أهل الجنة؟» أخرجه الثلاثة من حديث بريدة ..) (^٦).\n_________\n(^١) ذكر الحافظ هذا القول ولم ينسبه لأحد. \"فتح الباري\" (١٠/ ٩٧).\n(^٢) \"سبل السلام\" (١/ ٤٩).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (١/ ٨٣).\n(^٤) \"الشرح الممتع\" (١/ ٦٢).\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٨٩٦)، والمخضب -بكسر الميم- إناء، والجلجل -بجيمين مضمومتين-: هو شبه الجرس، تنزع منه الحصاة التي تتحرك، فيوضع فيه ما يحتاج إلى صيانته. [\"فتح الباري\" (١٠/ ٣٥٣)].\n(^٦) \"نيل الأوطار\" (١/ ٨٣).","vol":"1","page":83},{"text":"وهذا القول، وإن كان فيه وجاهة، لكن الورع والاحتياط اجتناب أواني الذهب والفضة بجميع وجوه الاستعمال، سواء أكان للأكل أم للشرب أم لغيرهما من وجوه الاستعمال، كالوضوء والغسل والادهان والتطيب وغير ذلك، أخذًا بعموم المعنى والعلة، كما تقدم، ورجح هذا الشيخ عبد الرحمن السعدي (^١)، كما رجحه الشيخ العلامة الأثري عبد العزيز بن باز، وقال: (إن هذا هو الصواب).\nوحديث أم سلمة واقعة عين يطرقها الاحتمال، فمن ذلك أنه يحتمل أن الإناء كان مموهًا بفضة لا أنه كله فضة، ومنها أنه إناء صغير جعل فيه شعرات، ومثل ذلك لا يكون كبيرًا، ومنها أن الرواة اختلفوا في لفظه، هل هو بالقاف (من قَصَّة) أو بالفاء (من فضة) وإن كان الحافظ قال: إن الصحيح عند المحققين أنه بالفاء (^٢)، والمقصود أن أحاديث النهي أقوى من ذلك، فالأخذ بها أحوط وأبرأ للذمة، والله ولي التوفيق.\n_________\n(^١) انظر: \"الأجوبة النافعة\" ص (٩٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٥٣).","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-21>تحريم الشرب في آنية الفضة</span>\n١٧/ ٢ - عَنْ أُمّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي إنَاءِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nلعل الحافظ أورده مع أن الحكم مأخوذ من الحديث الذي قبله، لما فيه من الوعيد الشديد، والعذاب الغليظ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهي أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أمية حذيفة بن المغيرة، القرشية المخزومية ﵂ مشهورة بكنيتها، معروفة باسمها، أسلمت قديمًا، وزوجها أبو سلمة، وكان ابن عمة رسول الله ﷺ وأخاه من الرضاعة، فمات عنها بعد غزوة أحد، وكانت تحبه، وهو ابن عمها، فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجُرْني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها. وهي التي روت هذا الحديث، كما أخرجه مسلم في صحيحه (^١) تقول: فلما مات أبو سلمة قلت: أيُّ المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ، ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله ﷺ. فخطبها ﷺ بعد انقضاء عدتها، وتزوجها في السنة الرابعة من الهجرة، توفيت في المدينة سنة اثنتين وستين، وهي اخر زوجات النبي ﷺ موتًا، ﵅ جميعًا (^٢).\n_________\n(^١) رقم (٩١٨).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (١٣/ ١٧٢)، \"الإصابة\" (١٣/ ١٦١).","vol":"1","page":85},{"text":"الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الأشربة» (٥٦٣٤) باللفظ المذكور من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أم سلمة، وهو يروى عن خالته (^١)، وأخرجه مسلم (٢٠٦٥) ولفظه: «الذي يشرب في انية الفضة ..» وأخرجه - أيضًا - من طريق علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عبد الله العمري، عن نافع، عن زيد بن عبد الله، عن عبد الله بن عبد الرحمن، ولفظه: «إن الذي يأكل ويشرب في انية الفضة والذهب». قال الإمام مسلم ﵀: (وليس في حديث أحد منهم ذكر الأكل والذهب إلا في حديث ابن مسهر)، وعلي بن مسهر تقدم توثيقه عن أحمد وابن معين والعجلي وغيرهم (^٢)، فتكون هذه الزيادة شاذة من جهة الرواية، وإن كانت صحيحة من جهة المعنى، وقد أخرج مسلم حديث أم سلمة من طريق عثمان بن مرة، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن خالته أم سلمة، قالت: (قال رسول الله ﷺ: «من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه نارًا من جهنم») (^٣).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إنما يجرجر) يجرجر: بضم الياء وفتح الجيم وسكون الراء، ثم جيم مكسورة ثم راء، من الجرجرة وهي: صوت وقوع الماء في الجوف، يقال: جرجر فلان الماء في حلقه، إذا جرعه جرعًا متتابعًا يسمع له صوت.\n\nقوله: (نار جهنم) يجوز نصبه ورفعه، أما النصب - وهو المشهور - فعلى أنه مفعول (يجرجر) باعتبار أنه فعل متعد بمعنى: يتجرع، ويؤيد ذلك رواية عثمان بن مرة، كما تقدم، بلفظ: «فإنما يجرجر في بطنه نارًا من جهنم» والمعنى: أن من شرب بانية الفضة فكأنما يتجرع في بطنه نار جهنم، كقوله\n_________\n(^١) ذكر الحافظ في \"فتح الباري\" (١٠/ ٩٨) أنه ثقة، ليس له في البخاري إلا هذا الحديث.\n(^٢) انظر: شرح الحديث \"العاشر\" من باب \"المياه\".\n(^٣) رقم (٢٠٦٥) (٢).","vol":"1","page":86},{"text":"تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].\nوأما الرفع، فعلى أنه فاعل (يجرجر) باعتبار أنه فعل لازم، والمعنى: أن النار تصوت في بطنه، من قولهم: جرجرت النار، إذا صوتت، أي: صار لها صوت.\n\nقوله: (جهنم) أي: النار العظيمة، البعيدة القعر - أعاذنا الله منها - وهي اسم أعجمي لا ينصرف للعلمية والعجمة.\nسميت بذلك إما لبعد قعرها، من قولهم: بئر جهنام، إذا كانت عميقة القعر، وقيل: مشتقة من الجهومة وهي الغلظة، سميت بذلك لغلظ أمرها في العذاب، فتكون ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الشرب في انية الفضة وأن ذلك من كبائر الذنوب، لقوله: «إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»، وقد دل الحديث بمفهوم الأَوْلَى على تحريم الشرب في الذهب؛ لأنه أعظم من الفضة؛ لكونه أضيق استعمالًا منها، فإنه يجوز منها ما لا يجوز من الذهب؛ كالخاتم للرجل يجوز من الفضة ولا يجوز من الذهب.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن الجزاء من جنس العمل، وأن من شرب في انية الفضة وجرجر الماء في جوفه فإنه سيجرجر يوم القيامة نار جهنم في بطنه، إلا أن يتوب فيتوب الله عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-22>طهارة جلد الميتة إذا دبغ</span>\n١٨/ ٣ - عَن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا دُبغَ الإهَابُ فَقَدْ طَهُرَ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\nوَعِنْدَ الأرْبَعَةِ: «أيُّمَا إهَابٍ دُبغَ».\n١٩/ ٤ - وعَنْ سَلَمَةَ بنِ الْمُحَبِّقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «دِبَاغُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ طُهُورُهَا». صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n٢٠/ ٥ - وعَنْ مَيْمُونَةَ ﵂، قَالَتْ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بشَاةٍ يَجُرُّونَهَا، فَقَالَ: «لَوْ أَخَذْتُمْ إهَابَهَا؟» فَقَالُوا: إنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: «يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ». أَخْرَجَهُ أبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي.\nالأول: سلمة بن المحبِّق الهذلي، بكسر الباء المشددة وفتحها، كما ذكر النووي (^١)، قيل: اسم المحبِّق، صخر، وقيل: ربيعة .. يكنى أبا سنان، روى عنه ابنه سنان، وجَوْنُ بن قتادة، والحسن البصري، روى اثني عشر حديثًا (^٢).\nالثاني: ميمونة ﵂. وقد سبق التعريف بها في شرح الحديث «الثامن».\n\nالوجه الثاني: في تخريجها:\nحديث ابن عباس ﵄ أخرجه مسلم في كتاب «الحيض» باب «طهارة\n_________\n(^١) \"المجموع\" (١/ ٢١٨).\n(^٢) \"الإصابة\" (٤/ ٢٣٤).","vol":"1","page":88},{"text":"جلود الميتة بالدباغ» (٣٦٦) بهذا اللفظ، من طريق زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وَعْلة، عن ابن عباس ﵄، وبلفظه أخرجه أبو داود (٤١٢٣) بالسند المذكور، وأخرجه الترمذي (١٧٢٨)، والنسائي (٧/ ١٧٣)، وابن ماجه (٣٦٠٩) عن ابن عباس ﵄ بالسند المذكور، ولفظه: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).\nوبهذا يتبين أن الحافظ قد وهم في قوله: (وعند الأربعة) لأن لفظ أبي داود كلفظ مسلم، كما تقدم، والله أعلم.\nوأما حديث سلمة بن المحبِّق فقد أخرجه ابن حبان (٤٥٢٢) من رواية جون بن قتادة، عن سلمة .. ولفظه: (أن رسول الله ﷺ أتى في غزوة تبوك على بيت في فنائه قربةٌ معلقةٌ، فاستسقى، فقيل له: إنها ميتة - أي: جلد ميتة - فقال: «ذكاة الأديم دباغه»، وجون بن قتادة ذكره ابن حبان في «الثقات» (^١)، وباقي رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين، غير أن صحابيه وهو سلمة لم يرو له الشيخان ولا أحدهما.\nوأخرجه أحمد بهذا الإسناد (٢٥/ ٢٥٠) ولفظه: «دباغها طهورها أو ذكاتها»، وهو قريب من لفظ الحافظ في «البلوغ» .. بخلاف لفظ ابن حبان فهو مختلف عنه، كما تقدم، وأخرجه أبو داود (٤١٢٥)، والنسائي (٧/ ١٧٣ - ١٧٤)، ولفظ الكتاب هو لفظ حديث عائشة أخرجه ابن حبان برقم (١٢٩٠)، وأخرجه أحمد (٤٢/ ١١٩)، والنسائي (٧/ ١٧٤) وغيرهما.\nوقد نقل الحافظ تصحيح الحديث عن ابن حبان، وهو صحيح لغيره؛ لأن جون بن قتادة مجهول، لم يوثقه إلا ابن حبان، ونقل الذهبي عن الإمام أحمد قوله: (لا يعرف) (^٢)، ونقل المزي عن علي بن المديني: أنه معروف، وقال في موضع اخر: (الذين روى عنهم الحسن من المجهولين: .. فذكرهم، وذكر منهم جون بن قتادة) (^٣)، وقال الحافظ في «التقريب»: (لم تصح صحبته،\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٤/ ١١٩).\n(^٢) \"الميزان\" (١/ ٤٢٧).\n(^٣) \"تهذيب الكمال\" (٥/ ١٦٥).","vol":"1","page":89},{"text":"وهو مقبول) أي: إذا توبع وإلا فليّن الحديث، كما نص الحافظ على ذلك في المقدمة، وروى الترمذي حديثه في «العلل»، وقال: (لا أعرف لجون بن قتادة غير هذا الحديث، ولا أدري من هو؟) (^١)، ولكن الحديث صحيح بشواهده، ومنها حديث ابن عباس وميمونة ﵃ وغيرهما.\nوأما حديث ميمونة فأخرجه أبو داود (٤١٢٦)، والنسائي (٧/ ١٧٤ - ١٧٥) من طريق عبد الله بن مالك بن حذافة، عن أمه العالية بنت سبيع أنها قالت: كان لي غنم بأُحد، فوقع فيها الموت، فدخلتُ على ميمونة زوج النبي ﷺ فذكرت ذلك لها، فقالت لي ميمونة: لو أخذتِ جلودها فانتفعتِ بها، فقلت: أو يَحِلُّ ذلك؟ قالت: نعم، مَرَّ رسول الله ﷺ على رجال من قريش يجرون شاة لهم مثل الحمار، فقال لهم رسول الله ﷺ: «لو أخذتم إهابها»؟ قالوا: إنها ميتة، فقال رسول الله ﷺ: «يطهرها الماء والقرظ».\nوعبد الله بن مالك بن حذافة لم يوثقه غير ابن حبان، وأمه العالية قال العجلي عنها: (مدنية، تابعية، ثقة) (^٢)، وقال الذهبي: (روت عن ميمونة، تفرد عنها ولدها عبد الله بن مالك، لكن وثقها العجلي) (^٣).\nوالحديث سكت عنه الحافظ، لكن له شواهد تؤيده، وقد صححه الألباني (^٤)، ومن شواهده ما ورد عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مرَّ بشاة ميتة، فقال: «هلا استمتعتم بإهابها؟» قالوا: إنها ميتة، قال: «إنما حَرُمَ أكلها» (^٥).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (إذا دبغ) الدِّباغة: مصدر دَبَغَ الجلد يدبغه دبغًا ودباغة، ومعناه: إزالة النتن والرطوبة من الجلد بمواد خاصة، والدِّباغُ والدِّبغُ: ما يدبغ به،\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" (٢/ ٧٢٥).\n(^٢) \"تاريخ الثقات\" ص (٥ ٥٢).\n(^٣) \"الميزان\" (٤/ ٦٠٨).\n(^٤) \"صحيح سنن أبي داود\" (٢/ ٧٧٧).\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٥٣١)، ومسلم (٣٦٣) ولفظه: \"هلا أخذتم إهابها فدبغتموه، فانتفعتم به .. \".","vol":"1","page":90},{"text":"يقال: الجلد في الدِّباغ، والدباغة: بالكسر اسم للصنعة، وقد يجعل مصدرًا، كما تقدم.\n\nقوله: (الإهاب) بكسر الهمزة، وجمعه: أُهُب بضمتين، مثل كتاب وكُتُب، ويجوز فتحهما، هو الجلد قبل أن يدبغ، وعليه يدل الحديث، قال أبو داود: (فإذا دبغ لا يقال له: إهاب، إنما يسمى شَنًَّا وقِرْبة ..) ثم حكى ذلك عن النضر بن شميل (^١)، وقال الأزهري: (كل جلد عند العرب إهاب) (^٢).\nوقد ورد في صحيح البخاري حديث عمر ﵁ وفيه: (فإذا أُهُبٌ معلقة ..) (^٣)، و(أل) في الإهاب لاستغراق الجنس، بدليل الرواية التالية: «أيما إهاب دبغ فقد طهر».\n\nقوله: (فقد طهر) بضم الهاء وفتحها، من بابي قتل وقَرُب، وقد رجح النووي (^٤) الفتح، والطهر: هو النقاء من الدنس والنجَس.\n\nقوله: (طهورها) بضم الطاء وفتحها، فالضم على معنى: تطهيرها، والفتح على معنى: أداة تطهيرها، مثل: الوَضوء، والطَّهور: وهو ما يعد للتطهير.\n\nقوله: (لو أخذتم إهابها) (لو) إما أنها للتمني بمعنى: (ليت) وفيه معنى العرض، أو شرطية حذف جوابها أي: لكان حسنًا، قاله السندي (^٥).\n\nقوله: (يطهرها) ظاهره أنه يعود على الميتة، وإلا لقال: يطهره، أي: الجلد، فإما أنه على حذف مضاف، أي: يطهر جلد الميتة، أو أن المراد الجنس، أي يطهر الأُهُب.\n\nقوله: (القرظ) بفتحتين، حب معروف، يخرج في غُلُف كالعدس، من شجر العِضَاه، يستعمل في الدبغ، ويقوم مقامه الأرطى وشبهه؛ لأن النص على القرظ لا يدل على عدم إجزاء ما سواه، وإنما هو لمجرد التمثيل، أو لأنه كان هو المشهور والمعروف في ذلك الوقت، وفي زماننا هذا يكون دباغ\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (٤/ ٦٧).\n(^٢) \"الزاهر\" ص (٩٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٠١).\n(^٤) \"المجموع\" (١/ ٧٩، ٢١٤).\n(^٥) \"حاشية السندي على سنن النسائي\" (٧/ ١٧٥).","vol":"1","page":91},{"text":"الجلود في المصانع الكبيرة، وبواسطة المستحضرات الكيماوية، وذلك جائز؛ لأن المقصود نزع الفضول وتنشيف الجلد من الرطوبات، فبأي شيء حصل كان مجزئًا.\n\nالوجه الرابع: حديث ابن عباس ﵄ دليل على أن أيَّ إهاب دبغ فقد طهر، لما تقدم من العموم في قوله: «إذا دبغ الإهاب» وفي قوله: «أيما إهاب» و(أل) و(أي) من صيغ العموم، سواء أكان من حيوان طاهر في حال حياة، كالإبل والبقر والغنم، أم من حيوان غير طاهر، كالكلب والخنزير، وهذا قول داود وأهل الظاهر، ورجحه الشوكاني، وقال: (لأن الأحاديث الواردة في هذا الباب لم يُفَرَّقْ فيها بين الكلب والخنزير وما عداهما)، وقال أيضًا: (فالحق أن الدباغ مطهر، ولم يعارض أحاديثه معارض، من غير فرق بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل، وهو مذهب الجمهور)، وقال: (إنه تقرر في الأصول أن العام لا يُقصر على سببه، فلا يصح تمسكهم بكون السبب شاة ميمونة) (^١).\n\nالوجه الخامس: استدل بحديث سلمة وميمونة ﵄ من قال: إن الدباغ يطهر جلد الميتة التي تُحِلُّها الذكاة، وهي كل حيوان مأكول اللحم، لقوله: «دباغ جلود الميتة ذكاتها»، وفي لفظ: «دباغ الأديم ذكاته»، وفي لفظ: «فإن ذكاتها دباغها» فشبه الدبغ بالذكاة، والذكاة لا تؤثر إلا في مأكول اللحم، فكذا الدباغ؛ لأن المشبه يأخذ حكم المشبه به، وهذا قول في مذهب الحنابلة، رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، وصححه الشيخ عبد الرحمن السعدي (^٣)، والشيخ عبد العزيز بن باز، وذكر النووي: أنه مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثور وإسحاق بن راهويه (^٤).\nأما ما لا تُحِلُّه الذكاة فلا يطهر بالدباغ وإن كان طاهرًا في حال الحياة، كالهرة فلا يطهر جلدها بالدبغ؛ لأن الذكاة لا تحلها، وإنما جعلت طاهرة في\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٧٨).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢١/ ٩٥).\n(^٣) \"المختارات الجلية\" ص (١١).\n(^٤) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٣/ ٢٩٢).","vol":"1","page":92},{"text":"حال الحياة لمشقة التحرز منها - كما تقدم في الطهارة - وهذه العلة تنتفي بالموت، فتعود إلى أصلها، وهو النجاسة، فلا يطهر الدباغ جلدها.\nوالقول بأن الأحاديث عامة، وأنه يدخل في ذلك جميع أنواع الجلود قول قوي، لكن أظهر الأقوال وأقربها للصواب أن ذلك فيما يؤكل لحمه، وأن الورع يقتضي ترك ما سوى ذلك، عملًا بقول النبي ﷺ: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» (^١)، وقوله ﵊: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (^٢).\nواعتبار الدباغ طهورًا لجلد الميتة من رحمة الله تعالى بعباده، لينتفع به من يحتاج إليه من الفقراء وغيرهم، فقد تعرض الحاجة للاستفادة من جلد الميتة، فاستثناه الشرع من عموم تحريمها المنصوص عليه في القران.\nونأخذ من هذا أن الأحوط عدم لبس الفرا المصنوعة من جلود السباع، وهي موجودة في الأسواق بكثرة في هذا العصر، وإن كانت طاهرة على قول من يرى العموم، ويؤيد عدم لبسها حديث المقدام بن معديكرب أن رسول الله ﷺ (نهى عن لبوس جلود السباع والركوب عليها) (^٣).\n\nالوجه السادس: هذه الأحاديث الدالة على أن الدباغ يطهر جلد الميتة أصح من حديث عبد الله بن عُكيم قال: (أتانا كتاب رسول الله ﷺ: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) (^٤)، وهو دليل القائلين بأن الدباغ لا يطهر جلد الميتة، وهو المذهب عند الحنابلة (^٥)، وهذا الحديث أعله العلماء بالاضطراب في سنده، فإن ابن أبي ليلى راويه عن عبد الله بن عكيم تارة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٨/ ٣٢٧)، وإسناده صحيح.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤١٣١)، والنسائي (٧/ ١٧٦) من طريق بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، وهو حديث صحيح، له طرق وشواهد يتقوى بها، وبقية صرح بالتحديث عند أحمد (٢٨/ ٤٢١ - ٤٢٢) لكنه في بقية الإسناد عنعنه.\n(^٤) أخرجه أبو داود (٤١٢٨)، والترمذي (١٧٢٩)، والنسائي (٧/ ١٧٥)، وابن ماجه (٣٦١٣)، وأحمد (٣١/ ٧٤ - ٧٥).\n(^٥) \"الإنصاف\" (١/ ٨٦).","vol":"1","page":93},{"text":"يحدث عنه، وتارة يحدث عن أشياخ من جهينة، وأعلوه بالاضطراب في متنه فَرُوي قبل موته ﷺ بثلاثة أيام، وروي بشهر، وروي بشهرين، وروي بأربعين يومًا، كما أُعلَّ بالاختلاف في صحبة عبد الله بن عكيم، فقد قال البخاري: (أدرك زمان النبي ﷺ، ولا يعرف له سماع صحيح) (^١)، وما كان هذا شأنه لا يقف في مقابلة الأحاديث الصحيحة، وهي تدل على ضعفه، فإنها أظهر وأصح وأنفع للأمة، وأقرب إلى أصول الشريعة وقواعدها، فتكون أولى، على أن من أهل العلم من أجاب عن هذه العلل بما لا يتسع له المقام، فإن صح الحديث جُمع بينه وبين حديث ابن عباس ﵄ وغيره بأن الإهاب اسم لما لم يدبغ - كما تقدم ـ، فيكون نهيًا عن استعمال جلد الميتة قبل دباغته، وقَوَّى ذلك الحافظ ابن حجر (^٢)، وقال الحازمي: (ويحمل حديث ابن عكيم على منع الانتفاع به قبل الدباغ، وحينئذ يسمى: «إهابًا»، وبعد الدباغ يسمى جلدًا ولا يسمى إهابًا، وهذا معروف عند أهل اللغة، ليكون جمعًا بين الحكمين، وهذا هو الطريق في نفي التضاد عن الأخبار) (^٣).\n\nالوجه السابع: في حديث ميمونة ﵂ وما قبله دليل على جواز استعمال الجلد بعد الدبغ في اليابسات كالقمح والشعير، والمائعات كالماء واللبن والسمن والعسل ونحو ذلك، لقوله: «يطهره الماء والقرظ»، وإذا طهر صار حكمه حكم غيره من الأعيان الطاهرة، وتقدم في حديث سلمة بن المحبِّق (فإذا قربة معلقة)، مما يدل على أنه استعمل في الماء، ولم ينكر ذلك النبي ﷺ بل أقرهم عليه.\nوعن ابن عباس ﵄ عن سودة زوج النبي ﷺ قالت: (ماتت لنا شاة فدبغنا مَسْكها ثم ما زلنا ننبذ فيه حتى صارت شنًا) (^٤)، وقوله: (مَسْكها) بفتح الميم وسكون المهملة: هو الجلد، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٣٩)، ومثله قال أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في \"الجرح والتعديل\" (٥/ ١٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٥٩).\n(^٣) \"الاعتبار\" ص (١١٨).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٦٨٦).","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type='title' id=toc-23>حكم آنية أهل الكتاب</span>\n٢١/ ٦ - عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي انِيَتهِمْ؟ قَالَ: «لَا تَأْكُلُوا فِيهَا، إلاَّ أَنْ لا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيها». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو ثعلبة الخشني، صحابي مشهور بكنيته، والخُشَني: بضم الخاء المعجمة فشين معجمة مفتوحة فنون، نسبة إلى خُشين بن النَّمِر من قُضاعة، حذفت ياؤه عند النسب، اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا (^١)، وذكر الحافظ أن الأكثر على أن اسمه جرثوم (^٢)، بايع أبو ثعلبة النبي ﷺ بيعة الرضوان، وضَرَب له بسهمه في خيبر، وأرسله إلى قومه فأسلموا، وهو من أهل البادية يعتمد الصيد، وله أسئلة مع النبي ﷺ، منها هذا السؤال عن انية أهل الكتاب، وبعده سؤال عن الصيد، نزل الشام، ومات بها سنة خمس وسبعين، وهو ساجد، ﵁.\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nأخرجه البخاري في «كتاب الصيد» في ثلاثة مواضع منه، من طريق أبي إدريس الخولاني، عنه (٥٤٧٨)، (٥٤٨٨)، (٤٥٩٦)، وأخرجه مسلم في «أحاديث الصيد» (١٩٣٠).\nوالحديث روي عن أبي ثعلبة بعدة ألفاظ، من عدة طرق، في المسند\n_________\n(^١) انظر: \"الإصابة\" (١١/ ٥٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٠٦).","vol":"1","page":95},{"text":"والصحيحين والسنن، وقد اقتصر الحافظ على موضوع سؤاله عن الآنية، دون سؤاله عن الصيد بقوسه وبكلبه المعلم، واللفظ المذكور في الكتاب لم أجده في الصحيحين بلفظه هكذا، وأقرب الألفاظ إليه ما في البخاري في كتاب «الصيد»، باب «صيد القوس» (٥٤٧٨).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إنا بأرض قوم أهل كتاب) أي: أنا وقبيلتي خُشين، والمراد بالأرض: الشام، وأهل الكتاب: اليهود والنصارى، والظاهر أن المراد بهم - هنا النصارى ـ، وقد كان جماعة من قبائل العرب قد سكنوا الشام وتنصّروا، منهم: ال غسان، وتنوخ، وبَهْز، وبطون من قضاعة، منهم بنو خشين ال أبي ثعلبة.\n\nقوله: (فاغسلوها) ظاهر الأمر الوجوب، والأمر بغسلها قبل استعمالها لظن نجاستها، لعدم ابتعادهم عن النجاسات من خمر ولحم خنزير ونحوهما، وسيأتي بيان ذلك.\n\nقوله: (وكلوا منها) هذا أمر إباحة؛ لأنه جاء بعد الاستفهام في قوله: (أفنأكل في انيتهم؟) وبعد النهي في قوله: «لا تأكلوا فيها».\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على حرص الصحابة ﵃ على السؤال عما يعنيهم، وما يشكل عليهم، وهذا هو الواجب على كل مسلم، فيسأل عن أمر دينه وعما يجهل، ليعبد الله على بصيرة، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧].\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على اجتناب الأكل في أواني أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ لأنهم لا يتورعون عن النجاسات، وربما وضعوا فيها الخمر، وطبخوا فيها الميتة والخنزير.\nوهنا تعارض الأصل، وهو (الأصل في الأشياء الطهارة) مع غلبة الظن؛ وهو هنا (عدم توقيهم النجاسة)، فرجحت غلبة الظن حيث قويت، ويؤيد ذلك لفظ أبي داود: (إنا نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير،","vol":"1","page":96},{"text":"ويشربون في انيتهم الخمر ..) (^١).\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على جواز استعمال انية أهل الكتاب بالشرطين المذكورين في الحديث، وهما: ألا يوجد غيرها، وأن تغسل.\nأما الشرط الأول: فالمقصود به التورع والاحتياط، فلا تستعمل أوانيهم ولو بعد غسلها إلا إذا لم يوجد غيرها.\nوأما الشرط الثاني: فالمراد به حصول اليقين من طهارتها، والأمر بغسلها ليس للوجوب وإنما هو للاستحباب، بدليل أن طعام أهل الكتاب حل لنا، كما قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وطعامهم يكون في أوانيهم، فدل ذلك على أنه لا يجب غسلها، ويكون ذلك هو الصارف للأمر في الحديث عن الوجوب إلى الاستحباب، جمعًا بين الأدلة، إلا أن يوجد ما يوجب غسلها، كوجود خمر فيها، أو وجود ميتة مما ذبحوه بالخنق أو بالوقيذ، فتغسل لذلك، وعليه يدل لفظ أبي داود المتقدم، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (٣٨٣٩).","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-24>جواز استعمال آنية المشركين</span>\n٢٢/ ٧ - عَنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأصْحَابَهُ تَوَضَّأُوا مِنْ مَزَادَةِ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي ﵁، أسلم عام خيبر، وكان صاحب راية خزاعة عام الفتح، قال ابن عبد البر: كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، بعثه عمر بن الخطاب ﵁ إلى البصرة ليفقه أهلها، ومات فيها سنة اثنتين وخمسين (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nالظاهر أن الحافظ يقصد بهذا الحديث ما أخرجه البخاري في كتاب «التيمم» باب «الصعيد الطيب وضوء المسلم» (٣٤٤) من طريق عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران، وما أخرجه مسلم في «قضاء الصلاة الفائتة» (٦٨٢) من طريق سلم بن زرير العطاردي قال: سمعت أبا رجاء العطاردي، عن عمران …، وهو كما قال الحافظ: (حديث طويل)، لكن ليس فيه أن النبي ﷺ توضأ من مزادة مشركة، وأنا أذكر الحديث بتمامه لفائدته، قال عمران: (كنا في سفر مع النبي ﷺ وإنا أسرينا، حتى إذا كنا في اخر الليل وقعنا وقعة، لا وقعةَ أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حرُّ الشمس، وكان أول من استيقظ فلانٌ ثم فلان ثم فلان - يسميهم أبو رجاء،\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٩/ ١٩)، \"الإصابة\" (٧/ ١٥٥).","vol":"1","page":98},{"text":"فنسي عوف - ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان النبي ﷺ إذا نام لم يُوقظ حتى يكون هو يستيقظ؛ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه، فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس - وكان رجلًا جليدًا - فكبَّر ورفع صوته بالتكبير، فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته النبي ﷺ، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم، قال: «لا ضير - أو لا يضر - ارتحلوا»، فارتحل فسار غير بعيد، ثم نزل، فدعا بالوضوء فتوضأ، ونودي بالصلاة، فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته إذ هو برجل معتزل لم يصلِّ مع القوم، قال: «ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟» قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: «عليك بالصعيد، فإنه يكفيك»، ثم سار النبي ﷺ فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل، فدعا فلانًا - كان يسميه أبو رجاء، نسيه عوف - ودعا عليًا، فقال: اذهبا فابتغيا الماء، فانطلقا فتلقيا امرأة بين مَزادتين - أو سطيحتين - من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمسِ هذه الساعة، ونَفَرْنا خلوفًا، قالا لها: انطلقي إذًا، قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله ﷺ، قالت: الذي يقال له: الصابئ، قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي، فجاءا بها إلى النبي ﷺ وحدثاه الحديث، قال: «فاستنزِلوها عن بعيرها»، ودعا النبي ﷺ بإناء ففرغ فيه من أفواه المزادتين - أو السطيحتين - وأوكأ أفواههما، وأطلق العَزَالى (^١)، ونودي في الناس: اسقوا واستقوا، فسقى من شاء، واستقى من شاء، وكان اخر ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: «اذهب فأفرغه عليك»، وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها، وايم الله لقد أُقْلِعَ عنها، وإنه ليخيل إلينا أنها أشد مِلأةً منها حين ابتدأ فيها، فقال النبي ﷺ: «اجمعوا لها»، فجمعوا لها - من بين عجوة ودقيق وسويقة - حتى جمعوا لها طعامًا، فجعلوه في ثوب وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، قال لها: «تعلمين ما رزئنا من مائك شيئًا، ولكن الله هو\n_________\n(^١) بفتح العين والزاي، واللام يجوز كسرها وفتحها، جمع عزلاء، وهي مصبُّ الماء من الراوية، ولكل مزادة عزلاوان أسفلها. \"فتح الباري\" (١/ ٤٥٢).","vol":"1","page":99},{"text":"الذي أسقانا»، فأتت أهلها، وقد احتبست عنهم، قالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب، لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له: الصابئ، ففعل كذا وكذا، فوالله إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه - وقالت بأصبعيها الوسطى والسبابة فرفعتهما إلى السماء، تعني: السماء والأرض - أو إنه لرسول الله حقًا، فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون الصِّرْم (^١) الذي هي منه، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام).\nفهذا السياق كما ترى ليس فيه أنه ﷺ توضأ من المزادة، لكن ورد في سياقه عند البيهقي (١/ ٢١٨، ٢١٩): (فمضمض في الماء فأعاده في أفواه المزادتين أو السطيحتين ..) قال الألباني: (إسناده صحيح) (^٢).\nفهذا يدل على استعماله ﷺ لمزادة المشركة، فيدل على طهارة انية الكفار، وأما الوضوء فلعل الحافظ قصد به كونهم ملأوا قربهم وإداواتهم، ومن ضمن استعمالاتهم للماء الوضوء به، والله أعلم.\nوقد كثر ورود الحديث في كتب الفقه بهذه الصيغة التي ذكر صاحب «البلوغ»، وقد ذكرها المجد في «المنتقى»، ولم يتكلم عنها الشوكاني بشيء (^٣)، أما ابن دقيق العيد فقد ساق طرفًا من حديث عمران من قوله: (ودعا النبي ﷺ بإناء فأفرغ فيه من أفواه المزادتين ..) (^٤).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إن النبي ﷺ وأصحابه) قَصَد بذلك دفع توهم اختصاص ذلك بالنبي ﷺ.\n\nقوله: (توضأوا) تقدم سياق الحديث، وأنه ليس فيه ذلك صراحة، لكن\n_________\n(^١) بكسر المهملة، الأبيات المجتمعة من الناس.\n(^٢) \"إرواء الغليل\" (١/ ٧٤).\n(^٣) انظر: \"نيل الأوطار\" (١/ ٨٨).\n(^٤) \"الإلمام\" رقم (١٦).","vol":"1","page":100},{"text":"يؤخذ من كونهم فقدوا الماء، ثم حصل لهم ذلك - بفضل الله تعالى - من ماء المرأة المشركة، ومن ضمن استعمالهم له أنهم يتوضؤون منه.\n\nقوله: (مزادة) بفتح الميم والمعجمة، هي الراوية، وهي قربة كبيرة يزاد فيها جلد من غيرها، وتسمى أيضًا: السطيحة.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على جواز استعمال أواني المشركين، ما لم يتيقن فيها النجاسة، فإن الصحابة ﵃ استقوا من هذا الماء وشربوا، وهذا يدل على أنهم سيتوضأون منه.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على طهارة جلد الميتة بالدباغ؛ لأن المزادتين من جلود ذبائح المشركين، وذبائحهم ميتة.\n\nالوجه السادس: جواز أخذ الإنسان من ماء غيره الذي حازه إذا دعت الحاجة إلى ذلك، لا سيما إذا كان الأخذ لا يضر صاحبه، فيجوز أن يأخذ ما يدفع عطشه ولو بالقوة؛ لأنه يدفع عن نفسه العطش، ولا يضر صاحبه، وهذا على تقدير أن المرأة لها عهد، وقيل: إنما أخذوا من مائها؛ لأنها كافرة حربية.\n\nالوجه السابع: في الحديث معجزة ظاهرة من أعلام النبوة، فإن الله تعالى أنزل البركة في هذا الماء حتى شرب منه الناس واستقوا، وعادت المزادتان كما كانتا، وقد جاء في رواية الصحيحين: (فشربنا عطاشًا أربعون رجلًا حتى روينا، فملأنا كل قربة معنا وإداوة غير أنا لم نسق بعيرًا، وهي تكاد تَنِضُّ من المِلْء) (^١)، أي: تسيل.\nوعند مسلم: (تكاد تنضرج من الماء) أي: تنشق، قال ابن حجر: (قوله: «تعلمين ما رزئنا من مائك شيئًا» أي: ما نقصنا، وظاهره أن جميع ما أخذوه من الماء مما زاده الله تعالى وأوجده، وأنه لم يختلط فيه شيء من مائها في الحقيقة، وإن كان في الظاهر مختلطًا، وهذا أبدع وأغرب في المعجزة) (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٣٥٧١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٥٣).","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type='title' id=toc-25>جواز إصلاح الإناء بسلسلة من الفضة</span>\n٢٣/ ٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «فَرْضِ الخُمُسِ»، باب «ما ذكر من درع النبي ﷺ وعصاه وسيفه وقدحه ..» (٣١٠٩) وهذا لفظه، وتمامه قال عاصم: (رأيت القدح وشربت فيه)، وعاصم مات سنة مائة واثنتين أو ثلاث وأربعين، وأخرجه - أيضًا - في كتاب «الأشربة» (٥٦٣٨) من طريق عاصم الأحول، عن ابن سيرين، عن أنس ﵁.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (قدح) بفتحتين، إناء يشرب به الماء، وجمعه أقداح.\n\nقوله: (انكسر) في رواية للبخاري في «الأشربة»: (فانصدع) أي: انشق.\n\nقوله: (فاتخذ) ظاهر ذلك أن المراد النبي ﷺ، ويؤيده قول ابن سيرين: (إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال أبو طلحة: لا تغيرن شيئًا صنعه رسول الله ﷺ فتركه) (^١)، فهذا يؤكد أن الذي اتخذ السلسلة هو رسول الله ﷺ، وأن القدح لم يتغير عما كان عليه على عهد رسول الله ﷺ، وحلقة الحديد التي أراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من فضة أو ذهب غير السلسلة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٦٣٨).","vol":"1","page":102},{"text":"قوله: (مكان الشَّعْب) بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة، أي: الصدع والشق.\n\nقوله: (سِلسلةً) بكسر السين، أي: سلكًا من الفضة، أو قطعة منها تصل بين طرفي الشق.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على جواز إصلاح الإناء المنكسر بسلسلة من الفضة عند الحاجة إلى ذلك، وأن المحرم كون الإناء من فضة، أما كونه يربط بفضة قليلة فلا بأس بذلك؛ لأن مصلحتها ظاهرة، والغالب كون الإناء صغيرًا، فلا يحتاج إلى شيء كثير من الفضة، وأما ما تقدم في حديث ابن عمر: (أو إناء فيه شيء من ذلك) فهو - على فرض صحته (^١) - لا يعارض هذا الحديث، لأن (شيئًا) عام، وهذا مخصص له، قاله الشوكاني (^٢).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن ذلك مختص بالفضة لورود النص به، أما الذهب فلا يجوز استعماله في مثل ذلك؛ لأنه أغلى ثمنًا وأشد تحريمًا، ولأنه لو كان جائزًا لاستعمله النبي ﷺ في الإناء؛ لأنه أبعد عن الصدأ بخلاف الفضة.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أنه ينبغي للإنسان أنه متى أمكن إصلاح أوانيه أو نحو ذلك من أثاث منزله، فإنه يصلحه، ولا يرمي به ويشتري بدله؛ لأن إصلاحها من الاقتصاد وتدبير المال.\nوفي هذا درس تربوي لمن يحبون التجديد ومتابعة الحديث من المركب والأثاث واللباس، والقديم يباع بأبخس الأثمان، إن لم يُرمَ ما يمكن رميه، وهذا من سوء التدبير وعدم رعاية المال، والله المستعان.\n_________\n(^١) انظر: شرح الحديث السادس عشر.\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (١/ ٨٦).","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>باب إزالة النجاسة وبيانها</span>\nهذا الباب عقده المؤلف ﵀ لمسألتين:\nالأولى: في وجوب إزالة النجاسة، وكيفية إزالتها وتطهير محلها، وبيان ما يعفى عنه منها.\nالثانية: في بيان جنس النجاسة التي تجب إزالتها.\nوالمراد هنا: النجاسة الحكمية، وهي التي تقع على محل طاهر، فينجس بها، وأما النجاسة العينية أو الحقيقية فهي أعيان مستقذرة شرعًا لا تصح الصلاة معها في الجملة، كالبول والغائط والدم، ونحو ذلك، وهذه لا بحث فيها؛ لأنه لا يمكن تطهيرها في ذاتها؛ لأن عينها نجسة.\nوالأصل في الأعيان: الطهارة، فما ثبت شرعًا أنه نجس فهو نجس، وإلا أخذ بالأصل.\nيقول الشوكاني: (الأصل في كل شيء أنه طاهر؛ لأن القول بنجاسته يستلزم تعبد العباد بحكم من الأحكام، والأصل عدم ذلك، والبراءة قاضية بأنه لا تكليف بالمحتمل حتى يثبت ثبوتًا ينقل عن ذلك، وليس من أثبت الأحكام المنسوبة إلى الشرع بدون دليل بأقل إثمًا ممن أبطل ما قد ثبت دليله من الأحكام، فالكل إما من التقول على الله تعالى بما لم يقل، أو من إبطال ما قد شرعه لعباده بلا حجة) (^١).\n_________\n(^١) \"الدراري المضيَّة\" (١/ ١٩، ٢٠).","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>نجاسة الخمر</span>\n٢٤/ ١ - عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلاًّ؟ قَالَ: «لَا». أَخْرَجَه مُسْلِمٌ.\nغرض المؤلف ﵀ من إيراد هذا الحديث في هذا الباب بيان نجاسة الخمر، ومن قبله فعل ذلك ابن دقيق العيد في «الإلمام»، وابن عبد الهادي في «المحرر»، وإلا فالمحدثون يذكرونه في كتاب «الأشربة»، كما فعل مسلم والترمذي، وكذا فعل المجد ابن تيمية في «المنتقى» وغيرهم، لكن أورده المصنف أخذًا برأي الجمهور - كما سيأتي - وهو أن الخمر نجسة.\nوالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم (١٩٨٣) في «الأشربة» من طريق سفيان - هو الثوري - عن السدي، عن يحيى بن عباد، عن أنس ﵁، وأخرجه الترمذي في «البيوع» (١٢٩٤)، وقال: (حديث حسن صحيح)، وأخرجه أبو داود في «الأشربة» (٣٦٧٥) بهذا الإسناد، ولفظه أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا، قال: «أهرقها»، قال: أفلا أجعلها خلاًّ؟ قال: «لا».\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (سئل عن الخمر) الخمر: ما أسكر العقل من عصير كل شيء أو نقيعه، سواء كان من العنب أو التمر أو غيرهما، وقد يكون السائل أبا طلحة كما في رواية أبي داود، وقد يكون غيره.","vol":"1","page":105},{"text":"قوله: (تتخذ خلاًّ) الضمير يعود على الخمر، وهي مؤنثة، وقد تذكّر، والخَلُّ: بفتح الخاء وتشديد اللام، هو ما حَمُض من عصير العنب ونحوه، والظاهر أن هذا السؤال كان بعد تحريم الخمر.\nوالمراد باتخاذها خلاًّ هو علاجها حتى تصير خلاًّ بعدما تشتد وتقذف الزبد، وذلك بوضع شيء فيها، كبصل أو خبز أو خميرة أو حجر ونحو ذلك، أو ينقلها من الظل إلى الشمس أو بالعكس، أو يخلطها بالخل أو غير ذلك من طرق تخليلها.\n\nالوجه الثالث: تقدم أن المؤلف ساق هذا الحديث في باب النجاسات لبيان نجاسة الخمر، وهذه مسألة اختلف العلماء فيها على قولين:\nالأول: أن الخمر نجسة باشتدادها وإسكارها، فإن النجاسة هي القذارة، وهي بشدتها صارت قذرة يجب اجتنابها، فإذا أصابت البدن أو الثوب أو الإناء وجب غسله للنجاسة، وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وهو مذهب الظاهرية (^١)، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي (^٣)، والشيخ عبد العزيز بن باز، رحم الله الجميع.\nالثاني: أن الخمر طاهرة، ونسبه القرطبي إلى ربيعة بن عبد الرحمن شيخ الإمام مالك، والليث بن سعد، والمزني (^٤)، وهو قول داود الظاهري وجماعة من الفقهاء، واختار هذا القول الصنعاني (^٥) والشوكاني (^٦)، وأحمد شاكر (^٧).\nاستدل الجمهور على نجاستها بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].\n_________\n(^١) \"شرح فتح القدير\" (٩/ ٢٨)، \"نهاية المحتاج\" (١/ ٢١٧)، \"المبدع\" (١/ ٣٢٠)، \"الخرشي على مختصر خليل\" (١/ ٨٤)، \"المحلى\" (١/ ١٩١).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٣٤/ ٢٠٤).\n(^٣) \"أضواء البيان\" (٢/ ١٢٧).\n(^٤) \"الجامع لأحكام القرآن\" (٦/ ٢٨٨، ٢٨٩)، \"المجموع\" (٢/ ٥٦٣).\n(^٥) \"سبل السلام\" (١/ ٦٢).\n(^٦) \"السيل الجرار\" (١/ ٣٥).\n(^٧) تعليقه على \"المحلى\" (١/ ١٩٢).","vol":"1","page":106},{"text":"ووجه الدلالة من وجهين:\nالأول: أن الله تعالى سمى الخمر رجسًا، والرجس يقع على الشيء المستقذر النجس، والنجس حرام، وقد سمى الله تعالى النجاسات من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير رجسًا.\nالثاني: أن الله تعالى قال: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، وهذا يفيد اجتناب الخمر من كل وجه، فلا يجوز شربها ولا بيعها ولا تخليلها ولا المداواة بها ولا غير ذلك.\nكما استدلوا بحديث أبي ثعلبة المتقدم في حكم أواني أهل الكتاب، ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أمر أبا ثعلبة الخشني وقومه بغسل أواني أهل الكتاب التي يطبخون فيها الخنزير، ويشربون فيها الخمر، وأن لا يستعملوها إلا إذا لم يجدوا غيرها، بعد أن يغسلوها، والأمر بغسلها دليل نجاستها، ولو كانت طاهرة لم يأمرهم ﷺ بغسلها.\nواستدل القائلون بطهارتها بما يلي:\n١ - حديث أنس ﵁ أن الخمر لما حرمت خرج الناس وأراقوها في الأسواق (^١)، ووجه الدلالة: أن الصحابة أراقوا الخمر في طرقات المدينة، ولم ينههم النبي ﷺ عن ذلك، ولو كانت نجسة لنهاهم عن ذلك، كما نهى عن التخلي في الطرق.\n٢ - أن الأصل في الأشياء الطهارة، حتى يقوم دليل النجاسة، ولم يَروا في الأدلة التي ساقها القائلون بالنجاسة ما يوجب الانتقال عن هذا الأصل، لأنها أدلة غير صريحة في المراد.\nوالذي يظهر - والله أعلم - القول بنجاسة الخمر، لقوة أدلة القائلين بذلك، ولا سيما حديث أبي ثعلبة، فإنه سأل الرسول ﷺ عن الأواني التي يطبخ فيها الخنزير والأواني التي يشرب فيها الخمر فكان الجواب لهما معًا: «إن لم تجدوا غيرها فارحضوها واطبخوا فيها واشربوا»، ولأن القول بنجاستها\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٦٤).","vol":"1","page":107},{"text":"مما يعين على إتلافها وعدم إبقائها، بخلاف ما لو قيل بطهارتها، فإنه قد يُتساهل في إبقائها والابتعاد عنها.\nوأما من قال بطهارتها فليس له دليل سوى إراقة الخمر في شوارع المدينة، وهذا لا ينهض دليلًا على الطهارة؛ لأنه لم يكن للصحابة ﵃ مجارٍ تحت الأرض لتصريف الفضلات، وإخراجها خارج المدينة فيه بعض الحرج، ولأن الخمر التي أريقت ليست من الكثرة بمكان حتى تعم جميع الطرق، بحيث لا يبقى للمارة طريق يمشون فيه، ثم إن الطرق التي أريقت فيها الخمر ليست مواضع للصلاة، بل هي مواضع للاستطراق، وعلى فرض أنه يشق الاحتراز منها فربما وطئها المار، فنقول: إذا وطئها فإن رجله أو نعله يطهره ما بعده من الأرض الطاهرة - كما ثبت في السنة - بل قد يقال: إن هذا الدليل دليل على النجاسة؛ لأن الطاهر لا يراق في الشوارع، وإنما ينتفع به في أي وجه من وجوه الانتفاع.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أنه لا يجوز تخليل الخمر، ولا تطهر بالتخليل بفعل فاعل، بل تبقى على نجاستها.\nووجه الدلالة من الحديث: أنه ﷺ أجاب من سأله عن حكم اتخاذ الخمر خلاًّ بالنفي، وهذا دليل على تحريمه. ولأنه وجبت إراقتها، فترك إراقتها مع تخليلها معصية لا يترتب عليها طهارة خَلِّها، فيكون عدم جواز تخليلها من باب سدّ الذريعة، ولأن الرسول ﷺ صرح بعدم جواز تخليل خمر الأيتام - كما تقدم في رواية أبي داود - ولو كان ذلك جائزًا لكان اليتيم أحوج إلى التخليل؛ لأن مال اليتيم أولى الأموال بالحفظ والتثمير والرعاية، لكن لو تخللت بنفسها بدون فعل فاعل، فالذي عليه جمهور أهل العلم أنه لا حرج فيها؛ لأنه زال شرها بزوال ما فيها من المسكر، والخل مباح، فقد ورد عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ سأل أهله الأُدْمَ، فقالوا: ما عندنا إلا خلّ، فدعا به، فجعل يأكل به ويقول: «نِعم الأُدْمُ الخَلُّ، نِعم الأُدْمُ الخَلُّ» (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٠٥٢).","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-28>نجاسة الحمر الأهلية</span>\n٢٥/ ٢ - وعَنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَادَى: «إنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، فَإنَّهَا رِجْسٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع، منها: كتاب «الصيد والذبائح»، باب «لحوم الحمر الأنسية» (٥٥٢٨)، ومسلم كذلك (١٩٤٠) من طريق محمد بن سيرين، عن أنس ﵁، وزاد مسلم: «من عمل الشيطان»، واللفظ المذكور قريب من لفظ البخاري، إلا أنه لم يذكر اسم المنادي، وإنما ورد ذكره عند مسلم.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لما كان يوم خيبر) أي: غزوة خيبر، وهي في أواخر المحرم سنة سبع، ونسبه ابن القيم (^١) إلى الجمهور، وخيبر بلدة تبعد عن المدينة حوالي مائة وستين كيلًا، ومعناها بلسان اليهود: الحصن، وهي اسم لحصون ومزارع لليهود.\nو(يوم) مرفوع على أنه فاعل لـ (كان) التامة.\n\nقوله: (أمر رسول الله ﷺ أبا طلحة) هو زيد بن سهل بن الأسود بن\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٣/ ٣١٦).","vol":"1","page":109},{"text":"حرام بن عمرو النجاري الأنصاري، مشهور بكنيته، كان من فضلاء الصحابة، وهو زوج أم سليم، والدة أنس، وقد أخرج الإمام أحمد من طريق ثابت البناني، عن أنس ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ: «لَصَوْتُ أبي طلحة أشد على المشركين من فئة») (^١)، وإسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه من طريق علي بن جُدعان، عن أنس، ولفظه: «لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة» وإسناده ضعيف، لضعف علي بن جُدعان، لكن تابعه ثابت البناني كما سلف، مات أبو طلحة ﵁ سنة أربع وثلاثين (^٢).\n\nقوله: (عن لحوم الحمر الأهلية) الحمر: بضمتين جمع حمار، والأهلية: نسبة إلى الأهل، أي: الحيوان الأليف، احترازًا من الحمر الوحشية؛ لأنها حلال.\n\nقوله: (فإنها رجس) جملة تعليلية، والرجس: بكسر الراء وسكون الجيم: كل شيء يستقذر، كما تقدم.\nوالضمير (فإنها) يحتمل عوده على الحمر، فيكون عرقها وريقها ودمع عينيها وما يخرج من أنفها نجسًا، ويحتمل عوده على اللحم الذي في القدور فيكون اللحم نجسًا، وما تقدم يكون طاهرًا.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية النداء لبيان المهمات من الأحكام وغيرها، وجواز أن يكون ذلك بواسطة مبلغ يكون موثوقًا به، أما غير الثقة فلا يجوز.\nويستفاد منه جواز اتخاذ المترجم، الذي ينقل الكلام من لغة إلى أخرى، بشرط أن يكون أمينًا عارفًا باللغتين، لئلا يقع في الخطأ أو يحرّف الكلام عن مواضعه.\n\nالوجه الرابع: جواز جمع اسم الله تعالى مع غيره في ضمير واحد، ومثل ذلك قوله ﷺ: «… أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما …» (^٣).\n_________\n(^١) \"المسند\" (٢٠/ ٣٧٥).\n(^٢) \"الإصابة\" (٤/ ٥٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣).","vol":"1","page":110},{"text":"وأما ما ورد في حديث عدي بن حاتم ﵁ أن رجلًا خطب عند النبي ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ: «بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى» (^١)، فأجيب عنه بأجوبة منها:\nالأول: وهو المشهور أن الإنكار على هذا الخطيب؛ لأن الخطبة شأنها البسط والإيضاح واجتناب الإشارات، وثَنَّى الضمير في حديث الباب؛ لأنه ليس خطبة وعظ، وإنما تعليم حكم، فكلما قلَّ لفظه كان أقرب إلى حفظه، ذكره النووي (^٢).\nالثاني: أنه ثنى الضمير هنا إيماءً إلى أن ما نهى الله عنه فقد نهى رسوله عنه، وكذا العكس فهما متلازمان، وأمر بالإفراد في حديث الخطيب إشعارًا بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، ذكره في شرح كتاب «التوحيد» (^٣)، ونسبه للبيضاوي وغيره.\nالثالث: أن هذا من خصائصه ﷺ، فيجوز له الجمع في الضمير بينه وبين ربه تعالى، وذلك ممتنع على غيره؛ لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية، بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، ذكره السيوطي ونسبه للعز بن عبد السلام (^٤)، وقد أشار القرطبي إلى ذلك (^٥).\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على تحريم لحوم الحمر الأهلية، وأن لحمها ودمها وبولها وروثها كله نجس، لقوله: «ينهيانكم» وقوله: «فإنها رجس»، والأصل في النهي التحريم، والأصل في الرجس - وهو القذر - وجوب الاجتناب.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٧٠).\n(^٢) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٥/ ٤٠٩).\n(^٣) \"تيسير العزيز الحميد\" ص (٤٧٨).\n(^٤) \"شرح السيوطي على سنن النسائي\" (٦/ ٩٢).\n(^٥) \"المفهم\" (٢/ ٥١١).","vol":"1","page":111},{"text":"وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في بدنه وعرقه وسؤره وريقه ونحو ذلك، على قولين:\nالأول: أنها نجسة، فلو شرب حمار من ماء وبقي بعد شربه شيء فهو نجس، وكذا عرقه وما يسيل من أنفه. وهذا مذهب الإمام أحمد، ودليله حديث الباب، ووجه الدلالة: أنه إذا كان الحمار الأهلي نجسًا فإن سؤره وما ذكر يكون نجسًا.\nالقول الثاني: أنها طاهرة، وهذا مذهب الجمهور، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها الموفق ابن قدامة (^١)، وصاحب «الإنصاف» (^٢)، واستدلوا بما يأتي:\n١ - أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يركبونها، ولا يخلو ركوبها من عرق، ولو كانت نجسة لبين النبي ﷺ ذلك، لحاجة الناس إلى هذا البيان.\n٢ - أنه لا يمكن التحرز منها لمقتنيها، فأشبهت الهرة المنصوص عليها في قوله ﷺ: «إنها من الطوافين عليكم»، فإذا عفي عن الهرة لتطوافها فالحمار من باب أولى، ولا سيما أهل الحمر الذين اعتادوا ركوبها.\nوهذا القول هو الراجح - إن شاء الله ـ؛ لقوة مأخذه، وهو الأليق بسماحة الشريعة، وبُعدها عن الحرج والمشقة.\nقالوا: وأما ما استدل به القائلون بنجاسة ريقها وعرقها فليس صريحًا في تحريم ما ذكر، فإن معنى (رجس) أي: محرمة، كما في اية: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ ..﴾ [المائدة: ٩٠]، ويحتمل أن المراد بذلك لحمها الذي كان في قدورهم فإنه نجس؛ لأن ذَبْحَ ما لا يحل أكله لا يطهره الذبح، ولهذا قال ابن القيم: (دليل النجاسة لا يقاوم دليل الطهارة) (^٣)، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ٦٨).\n(^٢) \"الإنصاف\" (١/ ٣٤٢).\n(^٣) انظر: \"بدائع الفوائد\" (٢٧١ - ٢٧٢).","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type='title' id=toc-29>طهارة لعاب الإبل</span>\n٢٦/ ٣ - عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِنًى، وَهُوَ عَلَى رَاحِلتِهِ، وَلُعَابُها يَسِيلُ عَلَى كَتِفي. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عمرو بن خارجة بن المُنْتَفِق الأسدي، عداده في أهل الشام، روى عنه عبد الرحمن بن غَنْم، وشهر بن حوشب (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٢٩/ ٢١٢)، والترمذي (٢١٢١) من طريق قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وفي هذا السند ضعف، من أجل شهر بن حوشب، قال في «التقريب»: (صدوق كثير الإرسال والأوهام)، وأخرجه النسائي (٦/ ٢٤٧) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قتادة، عن عمرو بن خارجة.\nوالحديث له طرق وشواهد، ولعل تصحيح الترمذي له من أجل شواهده الكثيرة، ومنها حديث أنس ﵁ قال: (إني لَتحتَ ناقةِ رسول الله ﷺ يسيل عليَّ لعابها، فسمعته يقول .. الحديث) (^٢).\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (٧/ ١٠٤).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٧١٤)، والدارقطني (٤/ ٧٠)، والبيهقي (٦/ ٢١٥) وقال =","vol":"1","page":113},{"text":"الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (بمنى) بكسر الميم، اسم مكان من مشاعر الحج، سمي بذلك لأنه تُمنى فيه دماء الهدايا، أي: تُراق بالذبح والنحر.\n\nقوله: (وهو على راحلته) جملة حالية، والراحلة: المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة: الناقة التي تصلح أن تُرحل، يقال: رحلت البعير، أي: شددت عليه رحله، وهو كل شيء يعد للرحيل، من وعاء للمتاع ومركب للبعير وحِلْسٍ ورَسَنٍ …\n\nقوله: (ولعابها) اللعاب: بضم اللام ما سال من الفم، يقال: لَعَبَ يَلْعَبُ - بفتحتين - سال لعابه من فمه، ولعاب النحل: العسل.\n\nقوله: (على كتفي) يحتمل الإفراد والتثنية، والكتف: بفتح الكاف وكسر التاء، هو عظم عريض خلف المنكب، وعند أحمد في إحدى رواياته، والترمذي: (يسيل بين كتفيَّ) بالتثنية.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أنه ينبغي للخطيب أن يكون على مكانٍ عالٍ كمنبر وكرسي ونحوهما؛ لأنه أظهر لصوته، وأبلغ في الإعلام، وأهيب للسامعين، وأسهل للسؤال.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على حرصه ﷺ على تبليغ الأحكام للأمة، وذلك بالخطبة، وأنه ينبغي لمن ولي أمر الحجاج أن يخطب فيهم بمنى، ليعلمهم بقية أحكام المناسك من الرمي والنحر والحلق والطواف.\n\nالوجه السادس: فيه دليل على جواز الخطبة والموعظة على الراحلة وأن هذا مباح لوجود المصلحة، ولأنه لا يتكرر ولا يطول، وقد ورد أن النبي ﷺ وقف عشية عرفة على راحلته (^١)، وأما ما ورد من النهي عن ذلك فهو محمول على ما إذا أجحف بالدابة، وذلك بأن يركبها لا لمعنى يوجبه، وإنما ليستوطن\n_________\n= ابن التركماني: (هذا سند جيد)، وقال البوصيري في \"الزوائد\" (٢/ ٣٦٨): (وهذا إسناد صحيح ورجاله ثقات)، وقد تكلم الألباني في \"إرواء الغليل\" (٦/ ٨٧) عن الحديث، وذكر شواهده وخرّجها.\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٦١)، ومسلم (١١٢٣).","vol":"1","page":114},{"text":"ظهرها ويتخذه مقعدًا (^١)، وقد ورد من طريق يحيى بن عمرو السيباني - بالسين المهملة - عن أبي مريم، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض، فعليها فاقضوا حاجتكم» (^٢).\n\nالوجه السابع: الحديث دليل على طهارة لعاب البعير وأنه ليس بنجس؛ لأن الظاهر أن النبي ﷺ رأى اللعاب يسيل على كتف عمرو بن خارجة ﵁ ولم يأمره بغسله، وإقراره على الشيء من سنته، ولو فُرض أنه ﷺ لم يعلم فإن الله تعالى يعلم، ولو كان نجسًا لم يقره الله عليه، فإقراره عليه دليل على طهارته.\nومثل البعير في ذلك سائر بهيمة الأنعام من البقر والغنم وغيرهما من كل حيوان مباح الأكل، فلعابه وبوله وروثه وسائر فضلاته كلها طاهرة.\nومما يدل على ذلك حديث جابر بن سمرة ﵁، وفيه: (قال: أُصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم»، قال: أُصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا») (^٣)، فأذن له ﷺ أن يصلي في مرابض الغنم، ومرابضها لا تخلو من بولها وروثها، وذكر النووي: أن هذا متفق عليه بين العلماء (^٤).\nوأما النهي عن مبارك الإبل فليس من أجل النجاسة؛ لأن النبي ﷺ أذن للعرنيين أن يلحقوا بإبل الصدقة ويشربوا من ألبانها وأبوالها (^٥)، وإنما لما ورد في حديث البراء بن عازب ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: «لا تصلوا في مبارك الإبل، فإنها من الشياطين …» (^٦) الحديث).\n\nالوجه الثامن: فيه دليل على تيقظ الصحابي وحفظه للحديث، وذلك بنقل الحالة التي قارنت سماعه من النبي ﷺ، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ٣٩٤)، \"فتح الباري\" (٣/ ٥١٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٥٦٧)، ويحيى بن عمرو ثقة، وأبو مريم: قال عنه العجلي في \"الثقات\" ص (٥١٠): (شامي تابعي ثقة) فالحديث صحيح، كما ذكر الألباني في \"الصحيحة\" رقم (٢٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (٣٦٠).\n(^٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٨٩).\n(^٥) أخرجه البخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١).\n(^٦) أخرجه أبو داود (١٨٤)، والترمذي (٨١)، وابن ماجه (٤٩٤)، وأحمد (٣٠/ ٥٠٩ - ٥١٠)، وإسناده صحيح.","vol":"1","page":115},{"text":"بيان<span data-type='title' id=toc-30> كيفية إزالة المني من الثوب</span>\n٢٧/ ٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَغْسِلُ الْمَنِيَّ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ في ذلِكَ الثَّوْبِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ الْغَسْلِ فيه. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n٢٨/ ٥ - وَلِمُسْلِمٍ: لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرْكًا، فَيُصَلِّي فِيه.\nوَفِي لَفْظٍ لَهُ: لَقَدْ كُنْتُ أَحُكُّهُ يَابِسًا بِظُفْرِي مِنْ ثَوْبِهِ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهي أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂، تزوجها النبي ﷺ في مكة بعد موت خديجة ﵂، وقد ورد عنها أن رسول الله ﷺ تزوجها وهي ابنة ست سنين، وأدخلت عليه وهي بنت تسع، ومكثت عنده تسعًا (^١)، وكانت أحبَّ نسائه إليه، قال فيها ﷺ: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (^٢)، وقال فيها لأم سلمة: «والله ما نزل عليَّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها» (^٣)، وما توفى الله نبيه ﷺ إلا في يومها وفي بيتها وقد أسندته إلى صدرها، ولم تلد للنبي ﷺ شيئًا، على الصواب، وسألته أن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٣٣)، ومسلم (٢٤٣٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٧٧٠)، ومسلم (٢٤٤٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٧٧٥).","vol":"1","page":116},{"text":"تكتني، فقال: «اكتني بابن أختك»، فاكتنت أم عبد الله. وأخرج ابن حبان في «صحيحه» ما يدل على أنه ﷺ كناها بذلك. كانت على جانب كبير من الفضل والعلم والعقل والفهم، وما توفيت حتى نشرت في الأمة علمًا كثيرًا، وكانت وفاتها في المدينة في رمضان سنة ثمان وخمسين (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما الأول فقد أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» (٢٢٩) باب «غسل المني وفركه»، ومسلم في «الطهارة» (٢٨٩) من طريق سليمان بن يسار قال: (أخبرتني عائشة ﵂ ..)، واللفظ المذكور لمسلم، وفيه تصريح سليمان بن يسار بالسماع من عائشة ﵂، ومثله في سياق البخاري، وفيه رد على من قال بأن سليمان لم يسمع من عائشة.\nوأما الحديث الثاني فقد أخرجه مسلم (٢٨٨) من طريق علقمة والأسود: (أن رجلًا نزل بعائشة، فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه ..) الحديث.\nواللفظ الثاني أخرجه مسلم (٢٩٠) من طريق عبد الله بن شهاب الخولاني قال: (كنت نازلًا على عائشة فاحتلمت في ثوبيَّ، فغمستهما في الماء، فرأتني جارية لعائشة: فأخبرتها فبعثت إليّ عائشة، فقالت: ما حملك على ما صنعت بثوبك؟ قال: قلت: رأيت ما يرى النائم في منامه، قالت: هل رأيت فيهما شيئًا؟ قلت: لا، قالت: فلو رأيت شيئًا غسلته، لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله ﷺ يابسًا بظفري).\nوقد تبين من ذلك أن البخاري لم يخرج حديث الفرك، ولكنه أشار إليه في الترجمة على عادته، ولعل هذا هو غرض الحافظ من ذكر رواية مسلم.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (كان يغسل ..) صيغة المضارع بعد لفظة (كان) تدل على كثرة\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٣/ ٨٤)، \"الإصابة\" (١٣/ ٣٩)، \"فتح الباري\" (٧/ ١٠٧).","vol":"1","page":117},{"text":"التكرار والمداومة على الفعل، ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك.\n\nقوله: (المني) من الرجل ماء أبيض ثخين، يتدفق في خروجه دفقة بعد دفقة، ويخرج بشهوة، ويعقبه فتور وارتخاء؛ لأن الشهوة تسكن بخروجه، والمني هو أحد أربعة أشياء تخرج من قُبل الإنسان.\nالثاني: المذي: وهو ماء رقيق لزج يخرج عند الشهوة والانتشار، كما يحصل عند الملاعبة وتذكر الجماع، وسيأتي - إن شاء الله - الكلام عليه في أحاديث «نواقض الوضوء».\nالثالث: الودي: بفتح الواو وسكون الدال، وهو ماء أبيض كَدِرٌ ثخين يشبه المني في الثخانة، ويخالفه في الكدرة، لا رائحة له، يخرج عقب البول وهو في الشتاء أكثر منه في الصيف، وهو نجس إجماعًا.\nالرابع: البول: وهو سائل تفصله الكليتان عن الدم، لتخرجه من الجسم، ويحوي ما يزيد على حاجه الإنسان من الماء والأملاح، فيجتمع في المثانة حتى تدفعه خارج الجسم.\n\nقوله: (أفركه) بضم الراء، ماضيه فركته عن الثوب فركًا، من باب قتل، وهو أن تحكه بيدك حتى يتفتت ويتقشر ما علق به.\n\nقوله: (فركًا) مصدر للتأكيد، والغرض منه نفي احتمال المجاز، لئلا يحتمل أن المراد فركه مع الغسل، فلما جيء بالمصدر تبين أن المراد فركه لا غسله معه.\n\nقوله: (فيصلي فيه) الفاء للتعقيب، وهذا يؤكد الفرك وأنه لم يقع بين الفرك والصلاة غسل، بل ورد عند ابن خزيمة (^١): (أنها كانت تَحُتُّ المني من ثوب رسول الله ﷺ وهو يصلّي).\n\nقوله: (أحكه يابسًا) من باب (قتل) أيضًا، تقول: حككت الشيء حكًا: قشرته وفركته ليذهب أثره، و(يابسًا) حال من المفعول؛ أي: جافًا لا رطوبة فيه.\n_________\n(^١) \"صحيح ابن خزيمة\" (١/ ١٤٧).","vol":"1","page":118},{"text":"الوجه الرابع: الحديث دليل على طهارة مني الآدمي، وأن هدي النبي ﷺ فيه غسل رطبه وفرك يابسه، وهذا دليل على طهارته، وعدم نجاسته؛ لأن فرك الثوب منه يابسًا وصلاته فيه من غير غسل دليل على طهارته، وهذا المشهور عند الحنابلة والشافعية (^١).\nوقالت الحنفية والمالكية: إن مني الآدمي نجس، ولا بد في طهارته من الماء، سواء أكان يابسًا أم رطبًا، وقالت الحنفية: رطبه لا بد فيه من الماء، ويابسه يطهره الفرك (^٢)، واستدلوا بحديث عائشة المذكور، وفي رواية: (كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله ﷺ، فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه).\nووجه الدلالة: أن الغسل لا يكون إلا عن نجس، والمقرر في الأصول، أن المضارع بعد لفظة (كان) يدل على المداومة والإكثار من ذلك الفعل - كما تقدم ـ، وهذا يشعر بتحتم الغسل.\nوأجابوا عن أحاديث فرك المني بأجوبة غير ناهضة، كقولهم: إنه ليس من لازم الفرك الطهارة، وقولهم: إن الثوب الذي كانت عائشة تفركه هو ثوب النوم، وليس ثوب الصلاة، إلى غير ذلك مما ظاهره التكلف والتعسف.\nكما استدلوا بأن المني خارج من أحد السبيلين، وكل خارج من سبيل فهو نجس.\nقالت الحنفية: وكان القياس يقتضي غسل يابسه - أيضًا - لكونه نجسًا، ولكنه ترك للأحاديث الواردة في فركه دون غسله.\nوالراجح أن المني طاهر لقوة دليله، فإنه لو كان نجسًا لكان القياس وجوب غسله، كما تغسل سائر النجاسات، كالدم النجس وغيره دون الاكتفاء بفركه؛ لأن النجس لا يزيله من الثوب الفرك دون الغسل.\n_________\n(^١) \"مغني المحتاج\" (١/ ٨٩ - ٨٠)، \"المبدع\" (١/ ٣٣٨)، \"الإنصاف\" (١/ ٣٤٠).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٦٠ - ٦١)، \"حاشية الدسوقي\" (١/ ٥١ - ٥٢).","vol":"1","page":119},{"text":"ولا تعارض بين حديث الغسل وحديث الفرك، لإمكان الجمع، وذلك بحمل الغسل على الاستحباب والتنظيف، لا على الوجوب جمعًا بين الأدلة (^١)؛ لأن الغسل لا يدل على نجاسة الشيء، فإنه لا ملازمة بين الغسل والتنجيس، لجواز غسل الطاهرات كالتراب والطين والدهن وغيرها مما يصيب البدن أو الثوب، ثم إنه لم يثبت أمر بغسل المني، ومطلق الفعل لا يدل على شيء زائد على الجواز.\nومما يؤيد ذلك ما ورد عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يسلت المني من ثوبه بِعِرْق الإذخر، ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابسًا، ثم يصلي فيه) (^٢)، وهذا صريح في طهارة المني لا يحتمل تأويلًا (^٣)، ويفيد مع ما قبله أن المشروع إزالة أثر المني وعدم تركه على الثوب حتى على القول بطهارته.\nومما يؤيده - أيضًا - ما ورد عن إسحاق بن يوسف الأزرق قال: (حدثنا شريك، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب، فقال: «إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة») (^٤).\nوأما قولهم: بأنه خارج من سبيل، وكل خارج من سبيل فهو نجس، فهذا استدلال بمحل النزاع على محل النزاع، فلا يقبل، ثم إن قياسه على كل خارج بجامع الاشتراك في المخرج منقوض بالفم، فإنه مخرج النخامة\n_________\n(^١) \"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام\" (١/ ٧٨)، \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٢).\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة (١/ ١٤٩)، وإسناده حسن.\n(^٣) \"بدائع الفوائد\" (٣/ ١٢٣).\n(^٤) أخرجه الدارقطني (١/ ١٢٤). وقال: (لم يرفعه غير إسحاق الأزرق)، ورواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٤١٨) عن ابن عباس موقوفًا، وقال: (هذا هو الصحيح)، لكن قال ابن الجوزي في \"التحقيق\" (١/ ١٠٥): (وإسحاق إمام مخرج له في الصحيحين، ورفعه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، ومن وقفه لم يحفظ). وهكذا قال المجد ابن تيمية في \"المنتقى\"، لكن تعقبه حفيده شيخ الإسلام ابن تيمية، فراجع \"الفتاوى\" (٢١/ ٥٩٠).","vol":"1","page":120},{"text":"والبصاق الطاهرين، والقيء النجس - على قول الجمهور ـ، وكذا الدبر مخرج الريح الطاهر، والغائط النجس، وكون المني يخرج من مخرج البول لا يلزم منه النجاسة؛ لأن ملاقاة النجاسة في الباطن لا تؤثر، وإنما تؤثر ملاقاتها في الظاهر.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على فضل عائشة ﵂ وخدمتها للنبي ﷺ، فيؤخذ من ذلك الحث على خدمة المرأة زوجها في غسل ثيابه وتنظيف منزله، وطبخ طعامه، ونحو ذلك مما جرت به العادة، وهو من حسن العشرة وجميل الصحبة، والله أعلم.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-31>كيفية تطهير الثوب من بول الغلام والجارية</span>\n٢٩/ ٦ - عَنْ أَبي السَّمْحِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبي ﷺ: «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، ويُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو السمح، مولى رسول الله ﷺ، ويقال له: خادم رسول الله ﷺ، قيل: إن اسمه إياد، روى عن النبي ﷺ حديثًا واحدًا، وروى عنه مُحِلُّ بن خليفة الطائي، قال ابن عبد البر: يقال: (إنه ضلَّ ولا يُدرى أين مات)، ﵁ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nالحديث أخرجه أبو داود (٣٧٦) في كتاب «الطهارة»، باب «بول الصبي يصيب الثوب» من طريق محل بن خليفة، حدثني أبو السمح، قال: (كنت أخدم النبي ﷺ فكان إذا أراد أن يغتسل قال: «ولني قفاك»، فأوليه قفاي، فأستره به، فأُتي بحسن أو حسين ﵄ فبال على صدره، فجئت أغسله، فقال: «يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام»)، وأخرجه النسائي مفرقًا في موضعين، نصفه الأول في باب «ذكر الاستتار عند الاغتسال» (٢٢٤) (١/ ١٢٦) ونصفه الثاني في باب «بول الجارية» (٣٠٤) (١/ ١٥٨)، فظن بعض العلماء أن لأبي السمح حديثين، وإنما هما حديث واحد بإسناد واحد، فرَّقه النسائي، كما ذكر الحافظ في «تهذيب التهذيب» في ترجمة «أبي السمح».\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١١/ ٣١١)، \"الإصابة\" (١١/ ١٧٩)، \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ١٣١).","vol":"1","page":122},{"text":"وأخرج - أيضًا - الحاكم (١/ ١٦٦) نصفه الثاني وصححه، ووافقه الذهبي، ونقل البيهقي عن البخاري أنه قال: (حديث أبي السمح هذا حديث حسن) (^١).\nوالحديث له شواهد منها: حديث علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في الرضيع: «ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية». قال قتادة: هذا إذا لم يطعما الطعام، فإذا طعما غسلا جميعًا (^٢).\nومنها: حديث أم الفضل لبابة بنت الحارث قالت: (كان الحسين بن علي ﵄ في حجر النبي ﷺ فبال عليه، فقلت: البس ثوبًا وأعطني إزارك حتى أغسله، قال: «إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر» (^٣).\nوورد في بول الغلام خاصة حديث أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره، فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله (^٤)، ومن هذا يتبين أن البخاري ومسلمًا لم يخرجا في صحيحيهما أحاديث التفرقة بين بول الغلام والجارية، إلا أن البخاري استحسن حديث أبي السمح، كما تقدم.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤١٦)، واستعمال مصطلح (الحسن) عند البخاري موضع خلاف بين أهل العلم في معناه، وقد حقق بعض الباحثين بعد الاستقراء والدراسة لما حسنه البخاري أو نقله عن الترمذي أن ما صرح البخاري بتحسينه فالمراد به: الحديث المحفوظ الثابت الذي يرويه الثقة أو الراوي المتكلم فيه، إذا علم أن ذلك الحديث من صحيح حديثه الذي حفظه وأتقن ضبطه، أما ما حكم بصيغة (أحسن) فإن المراد يتضح من سياق الكلام، والبخاري استعملها مرة بمعنى أقل الضعيف، ومرة بمعنى الحديث الأرجح، أي: الأشبه بالصواب، وأما ما لم يصرح البخاري بتحسينه، ولكن الترمذي نقل عنه ذلك، فهذا مما نقله الترمذي بحسب فهمه، ويحتاج إلى تأمل؛ لأنه يطرقه احتمالات عديدة. انظر: \"الحديث الحسن\" للدكتور: خالد الدريس (٢/ ٦٨٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٧٨)، والترمذي (٢/ ٥٠٩)، وابن ماجه (٥٢٥)، وأحمد (٢/ ٧، ١٥١)، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٧٥)، وابن ماجه (٥٢٢)، وأخرجه أحمد (٤٤/ ٤٤٥ - ٤٤٦) بأسانيد ثلاثة عنها، اثنان منها صحيحان، والثالث حسن، وبه أخرجه أبو داود وابن ماجه، وصححه الحاكم (١/ ١٦٦) ووافقه الذهبي، قاله الألباني في تخريج \"المشكاة\" (١/ ١٥٦)، وقال البيهقي في \"السنن\" (٢١/ ٤١٦): (والأحاديث المسندة في الفرق بين بول الغلام والجارية في هذا الباب إذا ضم بعضها إلى بعض قويت ..).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٢٣)، ومسلم (٢٨٧).","vol":"1","page":123},{"text":"الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الجارية) هي الفتية من النساء، سميت بذلك لخفتها، والمراد هنا: الصغيرة التي في زمن الرضاع.\n\nقوله: (ويرش) أي: يصب عليه الماء بحيث يعم مكان البول، وفي حديث علي ﵁ المتقدم (يُنضح) وفي حديث أم قيس: (فدعا بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله)، والفرق بين الغسل والنضح، أن الغسل أن يغمره الماء وينزل عنه، وفي النضح لا يشترط أن ينزل عنه، بل يكاثره بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره.\n\nقوله: (الغلام) هو الابن الصغير، من الولادة إلى البلوغ، وقد يطلق على ما بعد البلوغ مجازًا باعتبار ما كان عليه، والمراد به هنا: زمن الرضاع، لما جاء في حديث علي ﵁ عند الترمذي بلفظ: (بول الغلام الرضيع ..).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على التفريق بين بول الغلام وبول الجارية، وأنه يجب فيهما استعمال الماء، وإنما التفرقة في كيفية الاستعمال، وهو أن بول الغلام يكفي رشه بالماء رشًا يعم مكان البول، ولا يحتاج إلى غسل ولا عصر، وقد ورد في حديث أم قيس - عند مسلم ـ: (فدعا رسول الله ﷺ بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله غسلًا)، وأما بول الجارية فيغسل كغيره.\n\nالوجه الخامس: أن هذا الحكم - وهو نضحه ورشه - مقيد بما إذا لم يأكل الطعام كما قيده به الراوي، وهو قتادة ﵀، وفي حديث أم قيس: (لم يأكل الطعام)، وعند مسلم: (لم يبلغ أن يأكل الطعام)، ومعنى: (لم يأكل الطعام)، أي: لم يكن الطعام قوتًا له لصغره، وإنما قوته اللبن سواء أكان لبن ادمية أم بهيمة أم كان حليبًا مجففًا - كما هو الآن - لأن المعنى واحد، وليس المراد أنه لم يدخل جوفه شيء قط؛ لأنه يسقى الأدوية والسكر ويحنك حين الولادة، فإذا تغذى بالطعام صار بوله كبول الكبير، ولو كان أحيانًا يشرب لبنًا.\n\nالوجه السادس: قال ابن القيم: (إن التفرقة بين بول الغلام والجارية من محاسن الشريعة وتمام حكمتها ومصلحتها.","vol":"1","page":124},{"text":"والفرق بين الصبي والصبية من ثلاثة أوجه:\nأحدها: كثرة حمل الرجال والنساء للذكور، فتعم البلوى ببوله، فيشق عليه غسله.\nوالثاني: أن بوله لا ينزل في مكان واحد، بل ينزل متفرقًا هاهنا وهاهنا، فيشق غسل ما أصابه كله، بخلاف بول الأنثى.\nالثالث: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر، وسببه حرارة الذكر، ورطوبة الأنثى، فالحرارة تخفف من نتن البول، وتذيب منها ما لا يحصل مع الرطوبة، وهذه معانٍ مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق) (^١).\nوقد ذكر ابن ماجه عن أبي اليمان المصري قال: (سألت الشافعي عن حديث النبي ﷺ «يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية» والماءان جميعًا واحد، قال: لأن بول الغلام من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدم، ثم قال لي: فهمت؟ أو قال: لقِنْتَ؟ قلت: لا، قال: إن الله تعالى لما خلق ادم خلقت حواء من ضلعه القصير، فصار بول الغلام من الماء والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم، قال لي: فهمتَ؟ قلت: نعم، قال لي: نفعك الله به) (^٢).\nقال ابن الملقِّن: (وهذا عزيز حسن، لا يعدل عنه إلى غيره، والعجب أن أصحابنا - أي: الشافعية - أهملوا ذلك في كتبهم، وهو قول إمامهم ..) (^٣).\n\nالوجه السابع: ليس في تجويز النضح من بول الغلام دليل على طهارته، بل هو نجس، ولكنه من أجل التخفيف في إزالته، قال النووي: (وقد نقل بعض أصحابنا الإجماع على نجاسته، وأنه لم يخالف فيه إلا داود الظاهري) (^٤).\n\nالوجه الثامن: الحديث يدل بمفهومه على أن عَذِرَةَ الصغير يستوي فيها الغلام والجارية، فلا بد فيها من الغسل كبقية النجاسات؛ لأنهما سواء في جميع الأحوال، لكن فرقت السنة بينهما في البول، فبقي ما عداه - وهو العذرة - على الأصل، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٥٩).\n(^٢) \"سنن ابن ماجه\" (١/ ١٧٥).\n(^٣) \"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام\" (١/ ٦٨٦).\n(^٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ١٩٩).","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type='title' id=toc-32>كيفية تطهير الثوب من دم الحيض</span>\n٣٠/ ٧ - عَنْ أَسْماءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ - فِي دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ ـ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهي أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، أسلمت قديمًا في مكة بعد إسلام سبعة عشر إنسانًا، وتزوجها الزبير بن العوام، وهاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله بن الزبير، فوضعته بقباء عام الهجرة - على الأصح - وكانت تلقب بذات النطاقين، وقد أخرج ابن سعد بسنده عن أسماء قالت: (صنعت سُفْرَةً (^١) للنبي ﷺ في بيت أبي بكر حين أراد أن يهاجر إلى المدينة، فلم نجد لسفرته، ولا لسقائه ما نربطهما به فقلت لأبي بكر: والله ما أجد شيئًا أربطه به إلا نطاقي، قال: فشقيه اثنين، فاربطي بواحد منهما السقاء، وبالآخر السفرة، ففعلت، فلذلك سميت ذات النطاقين) (^٢)، قال الحافظ: (وسنده صحيح)، روت أسماء عن النبي ﷺ، وروى عنها ابناها عبد الله، وعروة ابنا الزبير، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير، وغيرهم.\nعاشت أسماء ﵂ إلى أن ولي ابنها عبد الله بن الزبير الخلافة، ثم إلى أن قتل سنة ثلاث وسبعين، وماتت بعده بقليل، قال هشام بن عروة عن أبيه:\n_________\n(^١) السفرة: طعام يصنع للمسافر، وتطلق على الجلدة التي يوعى فيها الطعام مجازًا.\n(^٢) \"الطبقات\" (٨/ ٢٥٠).","vol":"1","page":126},{"text":"(بلغت أسماء مائة سنة، لم يسقط لها سن، ولم ينكر لها عقل، ﵂) (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» باب «غسل الدم» (٢٢٧)، وفي كتاب «الحيض» باب «غسل دم المحيض» (٣٠٧) والترجمة الأولى أعم من الثانية، كما ذكر الحافظ (^٢)، وأخرجه مسلم في «الطهارة» (٢٩١)، كلاهما من طريق فاطمة بنت المنذر، عن جدتها أسماء ﵂ به، واللفظ لمسلم.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (في دم الحيض) هو دم طبيعي يعتاد الأنثى في أوقات معلومة، عند بلوغها وقابليتها للحمل، وسيأتي بيان ذلك في بابه إن شاء الله.\n\nقوله: (تَحُتُّهُ) بفتح المثناة، وضم المهملة، وتشديد المثناة الفوقانية، من باب قتل، أي: تحكه وتَقْشُره بطرف حجر أو عود، وقد أخرجه ابن خزيمة بلفظ: «فحكيه ثم اقرصيه بالماء»، وفي لفظ: «فَلْتَحُكَّهُ» (^٣)، والمراد بذلك إزالة عينه، ليهون غسله بالماء.\n\nقوله: (ثم تَقْرُصُهُ بالماء) بفتح المثناة الفوقية، وسكون القاف وضم الراء والصاد المهملتين، من باب نصر ينصر، أي: تدلك الدم بأطراف أصابعها بالماء، ليتحلل بذلك ويخرج ما شربه الثوب منه.\n\nقوله: (ثم تنضحه) بفتح الضاد المعجمة، من باب فتح يفتح، أي: تغسله بالماء، وقد جاء ذلك صريحًا في حديث عائشة قالت: (كانت إحدانا تحيض ثم تقترص الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله، وتنضح على سائره، ثم تصلي فيه) (^٤)، فحديث عائشة هذا يفسر حديث أسماء، وأن النضح يراد به الغسل، فأما\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٢/ ١٩٥)، \"الإصابة\" (٦/ ٨٣) (١٢/ ١١٤)، \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٤٢٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤١٠).\n(^٣) \"صحيح ابن خزيمة\" (١/ ١٤٠).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٠٨).","vol":"1","page":127},{"text":"نضحها على سائره فهو رش لا غسل، وإنما فعلت ذلك لتطيب نفسها؛ لأنها لم تنضح على مكان فيه دم، وإنما غسلته، والنضح على مكان لا دم فيه دفعًا للوسوسة (^١).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن دم الحيض نجس يجب غسل قليله وكثيره، ونجاسته مجمع عليها؛ لأنه ﷺ أمر بغسله من الثوب قبل أن يصلى فيه، قال ابن بطال: (حديث أسماء أصل عند العلماء في غسل النجاسات من الثياب) (^٢)، وقد استدل به العلماء على نجاسة الدم، قال الشافعي: (وفي هذا دليل على أن دم الحيض نجس، وكذا كل دم غيره) (^٣). وبوّب عليه البخاري في كتاب «الوضوء» بقوله: «باب غسل الدم» (^٤)، ويُعفى عن يسيره على الرَّاجح من قولي أهل العلم (^٥).\nوأما الخارج من غير السبيلين كدم الرعاف، والسن، والجروح، ونحوها ففيه قولان:\nالأول: أنه نجس، فيجب غسله، ويُعفى عن يسيره، كما سيأتي، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، بل نقل غير واحد الإجماع على نجاسته، ومنهم: ابن حزم، وابن عبد البر، وابن رشد، والنووي، والعيني، وغيرهم (^٦).\nونقل شيخ الإسلام ابن تيمية في «شرح العمدة» قول الإمام أحمد: (إنه لم يختلف المسلمون في الدم) أي: على أنه نجس (^٧).\nكما استدلوا على نجاسته بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (١/ ٤٣٥ - ٤٣٦).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) \"الأم\" (١/ ٨٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٠).\n(^٥) انظر: \"الشرح الكبير\" (٢/ ٣١٧ - ٣١٨)، \"تصحيح الفروع\" (١/ ٢٥٤).\n(^٦) \"مراتب الإجماع\" ص (١٩)، \"الاستذكار\" (٣/ ٢٠٤)، \"بداية المجتهد\" (١/ ١٩٩)، \"شرح مسلم\" (٣/ ٢٠٤)، \"عمدة القارئ\" (٣/ ١٨).\n(^٧) \"شرح العمدة\" (١/ ١٠٥)، \"الفروع\" (١/ ٢٥٣).","vol":"1","page":128},{"text":"عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، والرجس يطلق في كلام العرب على الشيء المستقذر، والمراد هنا: الاستقذار الشرعي، وهو النجاسة (^١)؛ لأن الاستقذار اللغوي لا يفيد بمفرده النجاسة، وكلام الشرع يحمل على الحقيقة الشرعية، وليس على الحقيقة اللغوية.\nالقول الثاني: أنه طاهر، عدا دم الحيض، وهذا قول الشوكاني (^٢)، وتبعه على ذلك صدّيق حسن خان (^٣)، ثم الألباني، والشيخ محمد بن عثيمين (^٤).\nواستدلوا بأدلة، منها:\n١ - أن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يقوم دليل النجاسة، ولا نعلم دليلًا يوجب غسل الدم إلا دم الحيض، مع دعاء الحاجة إلى بيان ما يصيب الإنسان من جروح أو رعاف، ونحوهما، لا سيما والصحابة ﵃ أهل جهاد، والمجاهد تكثر جراحه، ولو كان الدم نجسًا لكانت الحاجة داعية إلى بيان وجوب غسله وإزالة أثره من البدن والثياب.\n٢ - قصة الصحابي الذي رماه المشرك بثلاثة أسهم وهو قائم يصلي في الليل، فمضى في صلاته والدماء تسيل منه، وذلك في غزوة ذات الرقاع (^٥).\n٣ - جاء عدة آثار عن الصحابة ﵃ ظاهرها طهارة الدم، وأنه لا يجب غسله، ومن ذلك ما رواه محمد بن سيرين، عن يحيى بن الجزار: (أن\n_________\n(^١) \"تفسير الطبري\" (١٢/ ١٩٤).\n(^٢) \"الدراري المضيَّة\" (١/ ٢٥).\n(^٣) \"الروضة الندية\" ص (١٨).\n(^٤) \"السلسلة الصحيحة\"، رقم الحديث (٣٠٠)، \"تمام المنة\" ص (٥٠)، \"الشرح الممتع\" (١/ ٣٧٤).\n(^٥) أخرجه مطولًا أبو داود (١٩٨)، وأحمد (٢٣/ ٥١ - ٥٣، ١٥١ - ٥٣ ١) من طريق محمد بن إسحاق، حدثني صدقة بن يسار، عن علقمة بن جابر، عن جابر بن عبد الله -﵄-. وعلَّقه البخاري مختصرًا بصيغة التمريض في كتاب \"الوضوء\" (١/ ٢٨٠ \"فتح\") وسنده ضعيف، لجهالة عقيل بن جابر، وفي متنه نكارة.","vol":"1","page":129},{"text":"ابن مسعود ﵁ صلَّى وعلى بَطْنِهِ فَرْثٌ ودَمٌ من جَزُورٍ نَحَرَهَا فلم يتوضَّأ) وفي لفظ: (فلم يُعِدِ الصلاة) (^١).\nوعن بكر بن عبد الله المزني قال: (رأيت ابن عمر ﵄ عصَرَ بَثْرَةً في وجهه، فخرج شيء من دمه، فَحَكَّهُ بين أصبعيه، ثم صلّى ولم يتوضأ) (^٢).\nوعن عطاء بن السائب قال: (رأيت عبد الله بن أبي أوفى بزَق دمًا، ثم صلَّى، ولم يتوضأ) (^٣).\nوالقول بطهارة الدم له حظ من النظر، والآية التي استدل بها القائلون بالنجاسة نوقشت من قبل الفريق الآخر من وجهين:\nالأول: أن الآية لم تسق لبيان الطهارة والنجاسة، بل وردت فيما يحرم أكله، لقوله سبحانه: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾، ولا تلازم بين التحريم والنجاسة، فقد يكون الشيء حرامًا وهو طاهر كالسموم، وقد يكون طاهرًا وهو حرام، كطعام الغير بلا إذنه أو إذن الشارع (^٤).\nالثاني: أن الرجس هنا ليس المراد به النَّجَسَ، بل المراد به الخبيث الذي لا يحل أكله، والرجس قد يراد به النجاسة المعنوية، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ [التوبة: ٩٥]، وقد يراد به النجاسة الحسية لقيام الدليل، كقوله ﷺ في الروثة: «إِنَها رِجْس» (^٥).\nفيبقى الاستدلال بالإجماع إن لم يشكل عليه ما ورد عن الصحابة ﵃،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (١/ ١٢٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٩٢)، وابن المنذر (٢/ ١٥٦)، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٨) ومن طريقه البيهقي (١/ ١٥١) بسند صحيح، كما في \"فتح الباري\" (١/ ٢٨٢).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (١/ ١٥٨)، وابن أبي شيبة (١/ ١٢٤)، وابن المنذر (٢/ ١٧٢) عن الثوري وابن عيينة، عن عطاء، قال الحافظ: (سفيان سمع من عطاء قبل اختلاطه، فالإسناد صحيح). \"فتح الباري\" (١/ ٢٨٢).\n(^٤) انظر: \"الفتاوى\" (١٦/ ٢١، ٥٤٢).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٥٦)، وابن ماجه (٣١٤) واللفظ له.","vol":"1","page":130},{"text":"وقد توارد على نقله كثيرون، وما قيل من أن العلماء يتبع بعضهم بعضًا في نقل الإجماع يرده نسبة الإجماع إلى الإمام أحمد، وهو من المتشددين في نقل الإجماع، وما ورد عن الصحابة ﵃ قد يكون محمولًا على اليسير الذي يُعفى عنه.\nفيترجح القول بالتطهر من الدم، مع ما في ذلك من الاحتياط وإبراء الذمة، واتِّقاء الشبهات التي مَن اتَّقاها فقد استبرأ لدينه وعرضه، ويستثنى من ذلك دم الجرح المستمر، لمشقة التحرز منه (^١)، والله أعلم.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على وجوب تنظيف الثوب من دم الحيض، وذلك بِحَتِّ يابسه بظفر أو عود أو حجر ونحوها، ليزول جِرْمُهُ، ثم دلكه بالماء، ثم غسله بعد ذلك لتزول بقية النجاسة، ومراعاة هذا الترتيب هو الأمثل في إزالة النجاسة اليابسة.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على جواز صلاة المرأة في ثياب حيضها إذا طهرتها، لقوله: «ثم تصلي فيه»، وهذا دليل على أنه لا يصلى في الثياب النجسة إنما يصلى في الثياب الطاهرة، وهذا من أقوى الأدلة على وجوب تطهير الثوب للصلاة.\n\nالوجه السابع: استدل بالحديث من قال: إنه لا بد من الماء في إزالة النجاسة، وأن غيره من المائعات لا يقوم مقامه، وهذا قول الشافعية والمالكية والراجح من مذهب الحنابلة (^٢).\nوالصواب جواز إزالة النجاسة بكل ما يزيلها من ماء أو غيره، كالخل وماء الورد ونحوهما، وهذا قول الحنفية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وانتصر له ودافع عنه (^٣)؛ لأن المقصود إزالة النجاسة، وغير الماء يشارك الماء في ذلك، والشرع كما أحال على الماء في تطهير النجاسة أحال على غيره مما يشاركه في التطهير، ففي حديث أبي سعيد ﵁: «إذا جاء أحدكم إلى\n_________\n(^١) انظر: \"فتاوى ابن باز\" (١٠/ ٤٠٣)، \"فتاوى ابن عثيمين\" (١/ ٢٦٧١).\n(^٢) \"المجموع\" (١/ ٩٢)، \"الخرشي على مختصر خليل\" (١/ ٦٢)، \"الإنصاف\" (١/ ٣٠٩).\n(^٣) \"حاشية ابن عابدين\" (١/ ٣٠٩)، \"مجموع الفتاوى\" (٢١/ ٤٧٥).","vol":"1","page":131},{"text":"المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما»، وسيأتي إن شاء الله، وقال ﷺ في ذيل المرأة: «يطهره ما بعده» (^١).\nوأما حديث الباب فلا دليل فيه على تعيين الماء؛ لأن الشرع نص على الماء؛ لأنه أيسر على الناس وأسهل تناولًا، وليس فيه ما يدل على تعيين الماء، فإن الأمر به في بعض النجاسات لا يستلزم الأمر به مطلقًا.\nوما دام أن إزالة النجاسة من الأمور التي يعقل معناها وليست من الأمور التعبدية، فأيُّ مزيل لها يعتبر كافيًا، ولا يتعين الماء، بل ربما كانت المزيلات الأخرى أقوى من الماء في الإزالة، ولا سيما في عصرنا، حيث ظهرت المعقمات والمطهرات الكيماوية التي لا تبقي للنجاسة لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا، لما لها من الأثر في التطهير والتعقيم، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٨٣)، وصححه الألباني في \"حجاب المرأة المسلمة\" ص (٣٧).","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-33>العفو عن أثر لون دم الحيض</span>\n٣١/ ٨ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَتْ خَوْلَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإنْ لَمْ يَذْهَبِ الدَّمُ؟ قَالَ: «يَكْفِيك الْمَاءُ، وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَسَنَدُهُ ضعِيفٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أبو داود بمعناه (٣٦٥) في كتاب «الطهارة» باب «المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها» من طريق قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة ﵁ …، وقد جاء هذا الحديث في السنن التي رواها عن أبي داود ابن الأعرابي، وأما رواية اللؤلؤي فليس فيها؛ ولذا لم يذكره المنذري في «مختصره».\nوأخرجه أحمد (١٤/ ٣٧١، ٥٠٣، ٥٠٤) بهذا الإسناد، وأخرجه البيهقي (٢/ ٤٠٨) من طريق عبد الله بن وهب وعثمان بن صالح، كلاهما عن ابن لهيعة، بهذا الإسناد.\nوالحديث ضعفه المصنف، والظاهر أن ذلك من أجل ابن لهيعة، فقد ضعفه المحققون من أهل العلم، أمثال أبي حاتم ويحيى بن سعيد وابن مهدي ووكيع وغيرهم. قال ابن معين: (كان ضعيفًا لا يحتج بحديثه)، وقال النسائي: (ليس بثقة)، وقد ساء حفظه بعد احتراق كتبه، لكن روايته إذا حدَّث عنه أحد العبادلة الثلاثة: (عبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ) أمثل من غيرها على قول جماعة من الحفاظ، وهذا الحديث من رواية قتيبة بن سعيد، وهو لم يكتب حديث ابن لهيعة إلا من كتب عبد الله بن وهب، ثم يسمعه من ابن لهيعة، وابن وهب إنما سمع من ابن لهيعة قبل احتراق كتبه، قال أبو داود: (سمعت قتيبة يقول: كنا لا نكتب حديث ابن لهيعة","vol":"1","page":133},{"text":"إلا من كتب ابن أخيه، أو كتب ابن وهب إلا حديث الأعرج) (^١)، وقد ورد من طريق عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة - كما عند البيهقي ـ، فلعله بذلك يقوى (^٢)، على رأي من يقبل رواية القدماء عنه، أما من يرى تضعيفه مطلقًا فإنه يرى أن رواية العبادلة عنه وإن كانت أمثل لكن هذا لا يقتضي قوته والاحتجاج به، ولابن حبان كلام نفيس في حال ابن لهيعة، حيث يقول ما خلاصته: وجب التنكب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه، لما فيها من الأخبار المدلسة عن الضعفاء والمتروكين، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه، لما فيها مما ليس من حديثه (^٣).\nوأما نسبة الحديث إلى الترمذي فهي وهم من الحافظ ﵀ ولهذا عزاه المزي إلى أبي داود، ولم يذكر الترمذي (^٤)، وأخرجه ابن الملقن ولم يذكر الترمذي (^٥)، وكذا فعل الحافظ نفسه في «فتح الباري» و«التلخيص» (^٦)، فإنه عزاه إلى أبي داود، ولم يذكر الترمذي.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (قالت خولة) هي بنت يسار، كما عند أبي داود وغيره، وقد ورد الحديث عند الطبراني وسماها خولة بنت حكيم الأنصارية (^٧) لكنه ضعيف؛ لأنه من رواية الوازع بن نافع، وهو منكر الحديث متروك.\n\nقوله: (ولا يضرك أثره) أي: بقية لون الدم بعد الغسل.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يعفى عما بقي من أثر لون دم الحيض بعد الاجتهاد في الغسل، لقوله: «ولا يضرك أثره» ولعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، لأنه من المعلوم أن الغسل قد لا يُذْهِبُ اللون، ثم إن مجرد اللون ليس خبثًا، وإنما الخبث هو عين النجاسة وقد زالت، فيبقى اللون لا أثر له، لكن لا بد من الاجتهاد في إزالة اللون، وهذا\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٣٢٩).\n(^٢) انظر: \"الإرواء\" (١/ ١٨٩).\n(^٣) انظر: \"المجروحين\" (١/ ٥٠٥ - ٥٠٦).\n(^٤) \"تحفة الأشراف\" (١٠/ ٣٩٥).\n(^٥) \"البدر المنير\" (١/ ٥٩).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٤)، \"التلخيص\" (١/ ٤٨).\n(^٧) \"المعجم الكبير\" (٢٤/ ٢٤١).","vol":"1","page":134},{"text":"غرض المصنف من إيراد حديث أبي هريرة ﵁ بعد حديث أسماء ﵂؛ لأن الدم مستقذر، وربما نسبها من راه على ثوبها إلى التقصير في إزالته.\n\nالوجه الرابع: ظاهر الحديث أنه يكفي الماء في إزالة دم الحيض، ولا يجب استعمال شيء اخر من الحوادِّ كحجر أو عود ونحوهما، لقوله: «الماء يكفيك».\nلكن ورد في حديث أم قيس بنت محصن أنها سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال: «حكيه … واغسليه بماء وسدر» (^١).\nفأمرها بغسل دم الحيض بالماء والسدر، والسدر من الحواد، فيقيد به ما أُطلق في غيره، ويخص استعمال الحاد بدم الحيض، ويحمل قوله: «ولا يضرك أثره» أي: بعد استعمال الحاد.\n\nالوجه الخامس: اعلم أنه قد تبين من مسألة العفو في باب «النجاسات» أن الشريعة قصدت بذلك التخفيف عن المكلفين ورفع الحرج، إما لعموم البلوى، كما في الدم والقيح الحاصل بسبب البثرات والدمامل، أو أثر الاستجمار بعد استيفاء شروطه، وإما لدفع مشقة الاحتراز كما هو الحال في أصحاب الحدث الدائم، كمن به سلس بول، والمستحاضة ونَحوهما، وكذا بلل الباسور والناسور (^٢)، وإما لعسر إزالتها، كلون النجاسة وريحها بعد التطهير إذا عسر زوالهما، وإما لكونها يسيرة كالنجاسة التي ينقلها ذباب إلى ثوب آدمي أو بدنه، وكالبول بمقدار رأس الإبرة يقع على الثوب، وقد تتداخل بعض هذه الحِكَمِ فتختصر (^٣).\nوينبغي أن يُعلم أن هذه الحكم ضوابط لما يعفى عنه من النجاسات، فتبقى مهمة طالب العلم في تحقيق المناط، وهو هل هذه النجاسة داخلة في عفو الشارع عنها لدخولها تحت أحد هذه الضوابط أو لا؟ والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٦٣)، والنسائي (١/ ١٥٤)، وابن ماجه (٦٢٨)، قال ابن القطان في \"بيان الوهم والإيهام\" (١/ ٢٨١): (إسناده في غاية الصحة، ولا أعلم له علة).\n(^٢) هما داءان في المقعدة.\n(^٣) انظر: \"أحكام النجاسات\" (٢/ ٥٤٧).","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>باب الوضوء</span>\nالوضوء بضم الواو: الفعل، وبفتحها: الماء المتوضأ به، على المشهور، كالسَّحور، فإن أريد الفعل ضم الحرف الأول.\nوالوضوء لغة: النظافة والإنارة، قال الشاعر:\nأضاءتْ لهم أحسابُهم ووجوهُهم … دُجَى الليل حتى نَظَّمَ الجَزْعَ ثَاقِبُهُ\nأي: أنارت لهم.\nسمي الوضوء بذلك لتحسينه فاعله في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا بإزالة الأوساخ والأقذار، وفي الآخرة: بالنور الذي يحصل منه، كما في قوله ﷺ: «تدعون يوم القيامة غرًا محجلين من اثار الوضوء». أخرجه البخاري، ومسلم، وسيأتي إن شاء الله تعالى.\nوالوضوء شرعًا: التعبد لله تعالى بغسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة، وهذا من باب التغليب؛ لأن الرأس يمسح.\nومناسبة هذا الباب لما قبله: أن المصنف لما ذكر الماء الذي يُتطهر به، وما يؤثر عليه من النجاسات وما لا يؤثر به، وذكر انيته التي يحفظ فيها، شرع في بيان المقصود مما تقدم وهو الوضوء، فما مضى في الأحاديث السابقة وسائل يتوصل بها إلى عبادة الوضوء المذكورة في الباب.\nوالوضوء من أعظم شروط الصلاة، لما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ» (^١)، وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقبل صلاة بغير\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٥)، ومسلم (٢٢٥) واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":136},{"text":"طهور» (^١)، وكان الأولى بالمصنف أن يورد هذين الحديثين في أوائل باب الوضوء، أو في باب «شروط الصلاة» كما فعل ابن دقيق العيد وابن عبد الهادي، لبيان أن الوضوء شرط لصحة الصلاة (^٢).\nوعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الطهور شطر الإيمان …»، وفي لفظ: «الوضوء شطر الإيمان»، وفي لفظ آخر: «إسباغ الوضوء شطر الإيمان» (^٣)، وقد رجح النووي أن المراد بالإيمان: الصلاة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، والطهور شرط لصحتها، فصار كالشطر، ولا يلزم في الشطر أن يكون نصفًا حقيقيًا، والله أعلم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٤).\n(^٢) انظر: \"الإلمام\" ص (٨٧)، و\"المحرر\" (١/ ١٥٠).\n(^٣) أخرجه مسلم بتمامه (٢٢٣)، واللفظ المذكور للترمذي (٣٥١٧)، والثاني لابن ماجه (٢٨٠).\n(^٤) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٣/ ١٠٢)، وانظر كلام ابن رجب عليه في: \"جامع العلوم والحكم\"، حديث (٢٣).","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>حكم السواك عند الوضوء</span>\n٣٢/ ١ - عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كلِّ وُضُوءٍ». أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَأَحمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ، وذكره البخاري تعليقًا.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٦٦) (١١٥) موقوفًا من طريق ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء)، قال ابن عبد البر: (هذا الحديث يدخل في المسند (أي: المرفوع) لاتصاله من غير ما وجهٍ، ولما يدل عليه اللفظ) (^١)، أي: في قوله: (لأمرتهم).\nوأخرجه مرفوعًا أحمد (١٦/ ٢٢)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٢٩١)، وابن خزيمة (١٤٠) كلهم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا كما في البلوغ.\nوإسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد علّقه البخاري بصيغة الجزم في كتاب «الصيام» (٤/ ١٥٨ فتح)، ولفظه: «عند كل وضوء».\nوأخرجه مالك (١١٤) ومن طريقه البخاري (٨٨٧)، والنسائي (١/ ١٢) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «عند كل صلاة»،\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٧/ ١٩٤).","vol":"1","page":138},{"text":"وأخرجه مسلم (٢٥٢) من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد بنحوه، وليس عند مالك لفظة (عند كل صلاة)، والحديث له طرق متعددة في الصحاح والمسانيد والسنن (^١).\nوقد ذكر الترمذي أن أحاديث السواك رواها جماعة من الصحابة ﵃، عَدَّ منهم - مع أبي هريرة - سبعة عشر، منهم: أبو بكر الصديق، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وعائشة، وحذيفة، وزيد بن خالد، وغيرهم (^٢).\nوقد ذكر العلماء أن أحاديث فعل السواك والحث عليه عند الوضوء وغيره بلغت حد التواتر، ذكر ذلك الكتاني، وذكر واحدًا وثلاثين صحابيًا رووا ذلك (^٣).\nوقد ذكر الحافظ أحاديث السواك وتكلم عنها في «التلخيص» (^٤).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لولا) هذا حرف امتناع لوجود، أي: إنها تدل على امتناع شيء لوجود شيء اخر، وفي هذا الحديث تدل على امتناع إلزام النبي ﷺ أمته بالسواك عند كل وضوء لوجود المشقة عليهم بذلك.\n\nقوله: (أن أشق) أي: أثقل عليهم، من المشقة وهي الشدة (^٥)، يقال: شق عليه، أي: ثقَّل، أو حمله من الأمر الشديد ما يشق ويشتد عليه، و(أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ، والخبر محذوف وجوبًا، أي: لولا المشقة موجودة.\n\nقوله: (على أمتي) أي: جماعتي، والمراد بهم أمة الإجابة، وهم من امن به واتبعه؛ لأنهم هم الذين يمتثلون بفعل المأمور واجتناب المحظور، لا أمة الدعوة - وهم كل من كان موجودًا بعد بعثة النبي ﷺ.\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٧/ ١٩٤).\n(^٢) \"جامع الترمذي \" (١/ ٣٥).\n(^٣) \"نظم المتناثر من الحديث المتواتر\" ص (٥٣).\n(^٤) انظره: (١/ ٧١).\n(^٥) \"النهاية\" (٢/ ٤٩١).","vol":"1","page":139},{"text":"قوله: (لأمرتهم) أي: لألزمتهم، فالمراد بالأمر هنا: الإيجاب والإلزام؛ لأن المشقة لا تكون إلا مع الإلزام والإيجاب، أما الأمر الذي لا إلزام فيه - وهو المستحب - فلا مشقة فيه لجواز تركه، وعند النسائي من طريق عبد الرحمن السراج، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: «لفرضت عليهم السواك مع كل وضوء» (^١).\n\nقوله: (بالسواك) السواك - بكسر السين ـ: اسم للعود الذي يستاك به من الأراك وغيره، ويقال: المسواك - بكسر الميم - ويطلق السواك على الفعل وهو التسوك، أي: دلك الفم بالمسواك لتنظيف الأسنان واللسان واللِّثَةِ، والمسواك مشتق من السَّوْكِ وهو الدلك، قال ابن دريد: (سُكت الشيء أسوكه سوكًا: إذا دلكته، ومنه اشتقاق المسواك …) (^٢)، ويجمع على سُوُك - بضم السين والواو - ككتاب وكتب، ويجوز تخفيفه بإسكان الواو، وفي السواك فوائد عظيمة، ذكرها ابن الملقن (^٣).\nوالمراد - هنا - الفعل لئلا يحتاج السياق إلى تقدير: (باستعمال السواك).\n\nقوله: (مع كل وضوء)، وفي رواية: «عند كل وضوء» ومعناهما واحد، لأنهما ظرفان، والمراد بكل منهما: وقت فعل الوضوء، وهو يحتمل أن المراد قبل أن يبدأ بالوضوء، فيستاك ثم يتوضأ مباشرة، أو أن المراد أثناء الوضوء وذلك عند المضمضة، وسيأتي ذلك إن شاء الله.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الأمر بالسواك للندب لا للإيجاب، ووجه الدلالة: أن كلمة (لولا) تمنع الشيء لوقوع غيره، فصار الوجوب ممنوعًا لوجود المشقة، ولو كان السواك واجبًا لأمرهم به شق أو لم يشق.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩).\n(^٢) \"جمهرة اللغة\" (٢/ ٨٥٧).\n(^٣) \"البدر المنير\" (٣/ ١٦٤).","vol":"1","page":140},{"text":"والقول بأن السواك غير واجب بل مستحب هو قول جمهور أهل العلم، بل ادعى بعضهم فيه الإجماع، وحكي عن داود الظاهري وإسحاق بن راهويه القول بوجوبه لورود الأمر به، لكن قال النووي: (هذا النقل عن إسحاق غير معروف ولا يصح عنه) (^١)، وكذا نسبة الوجوب إلى داود، ومما يؤكد ذلك أن ابن حزم الظاهري ذكر أن السواك سنة (^٢)، والله أعلم.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب السواك عند الوضوء، وهذا غرض الحافظ ﵀ فإنه صَدَّرَ أحاديث الوضوء بهذا الحديث، واختار رواية: «مع كل وضوء» مع أن رواية: «عند كل صلاة» في الصحيحين، وقد فعل هذا الترمذي فإنه ساق أحاديث السواك قبل باب «الوضوء»، وقد سلك كثير من الفقهاء هذا المسلك، فذكروا السواك من «سنن الوضوء».\nولم يحدد في الحديث مكان السواك من الوضوء، فلذا اختلف العلماء على قولين:\n١ - أنه قبل أن يبدأ بالوضوء، فيستاك ثم يتوضأ، وهذا قال به جماعة من الحنفية، والمالكية، والشافعية (^٣)، وكأنهم أخذوا برواية: «عند كل وضوء».\n٢ - أن السواك في أثناء الوضوء، وذلك عند المضمضة، فإذا بلغ المضمضة جمع بينها وبين السواك، وهذا قول الجمهور (^٤)، واستدلوا برواية: «مع كل وضوء» فإن (مع) تفيد المصاحبة، والمصاحبة فيها نوع من المداخلة، كالصاحب يداخل صاحبه فيخالطه في عشرته وعيشه، فيكون السواك على هذه الرواية داخل الوضوء.\n_________\n(^١) \"المجموع\" (١/ ٢٧١)، \"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام\" (١/ ٥٥٣).\n(^٢) \"المحلى\" (٢/ ٢١٨).\n(^٣) \"بدائع الصنائع\" (١/ ١٩٠)، \"حاشية العدوي\" (١/ ١٨٣).\n(^٤) \"عمدة القارئ\" (٥/ ٢٦٣)، \"نهاية المحتاج\" (١/ ١٧٨)، \"الفواكه الدواني\" (١/ ١٥٣)، \"كشاف القناع\" (١/ ٩٣).","vol":"1","page":141},{"text":"ولكلا القولين وجهة، ولكن الأظهر من ناحية استقراء هدي النبي ﷺ أن يكون السواك قبل الوضوء؛ لأنه لم يحفظ عنه ﷺ أنه تسوك أثناء المضمضة.\nوقد ورد في حديث ابن عباس ﵄ لما بات عند خالته ميمونة ووصف قيام النبي ﷺ لصلاة الليل وفيه: (فاستيقظ وتسوك وتوضأ ..)، وهذه إحدى روايات مسلم.\n\nالوجه الخامس: يقول الدكتور عبد الله السعيد: (إن الحكمة التي اتخذناها من قول الرسول ﷺ بأمره بالاستياك عند كل وضوء هو أن المسواك لا يزيل فضلات الأكل والرواسب المخاطية واللعابية أو الجيرية، بل يزحزح ويحرك هذه الرواسب من مواضعها التي علقت بها وخصوصًا ما بين الأسنان والشقوق والأخاديد التي على سطوحها، فالمضمضة هي الوسيلة لطرح وإزالة الرواسب للخارج، والتي كانت قد تحركت بفعل المسواك، ومن هنا تظهر الحكمة البالغة في قوله ﷺ: «عند كل وضوء»، فلذلك يجب بعد تنظيف الأسنان المضمضة، كما أمر الرسول ﷺ، وكما بيّن لنا ذلك طب الأسنان الحديث، ويقول الدكتور «هوبرت»، والدكتور «بارفت»: «يجب أن يعرف المريض أن تفريش الأسنان يزحزح فضلات الأكل، ولكن لا يزيلهما فلذلك فإن التمضمض ضروري ومهم ..») (^١).\n\nالوجه السادس: تقدم أن الحديث ورد في الصحيحين بلفظ: «عند كل صلاة»، فيكون دليلًا على تأكد السواك عند فعل كل صلاة فريضةً كانت أو نافلة، حتى صلاة الصائم بعد الزوال، كالظهر والعصر؛ لأن الصلاة صلة بين العبد وربه ﵎، فينبغي أن يكون العبد على أكمل هيئة وأحسن حال، إظهارًا لشرف العبادة، ولذا كانت الطهارة شرطًا لصحة الصلاة، ومن تكميل الطهارة تنظيف الفم بالسواك مما علق به من أوساخ، قد تحمل روائح كريهة.\n_________\n(^١) \"السواك والعناية بالأسنان\" ص (٢٠٥، ٢٠٦).","vol":"1","page":142},{"text":"وقد ذكر النبي ﷺ للسواك فائدتين عظيمتين فقال: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب» (^١).\n\nالوجه السابع: يستفاد مما تقدم أن السواك مسنون عند الوضوء، وعند فعل الصلاة، والسنة في هذا صريحة صحيحة، قال العيني: (فإن قلت: كيف التوفيق بين رواية: «عند كل وضوء» ورواية: «عند كل صلاة»؟ قلت: السواك الواقع عند الوضوء واقع للصلاة لأن الوضوء شرع لها) (^٢).\nوظاهر ذلك أن الحنفية لا يقولون بالسواك عند الصلاة، وأن الحديث فيه تقدير؛ أي: عندَ كلِّ وضوءِ صلاة، قالوا: لأن السواك من إزالة القذر، وهو لا ينبغي عمله في المسجد، ولأنه مظنة جراحة اللثة وخروج الدم، وهو ناقض عندهم، وهذا منصوص عليه في بعض كتبهم.\nوالصواب العمل بالسنة، وأن السواك مشروع عند الوضوء وعند القيام إلى الصلاة، وقد رد العلامة شمس الحق ابادي على بعض الحنفية، وبيّن أن الحديث لا يحتاج إلى تقدير، وأن السنة صريحة في السواك عند الصلاة (^٣)، وذكر ابن الهمام الحنفي في شرح «الهداية» من مواضع استحباب السواك القيام إلى الصلاة وعند الوضوء (^٤).\n\nالوجه الثامن: هذا الحديث من أدلة الأصوليين على أن الأمر المطلق يحمل على الوجوب، ووجه الاستدلال: أن لفظ (لولا) يفيد انتفاء الأمر بالسواك لوجود المشقة على الأمة، والندب في السواك ثابت، فدل على أن الأمر لا يصدق على الندب، بل على ما فيه مشقة وهو الوجوب، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (١/ ١٠)، وأحمد (٤٠/ ٢٤٠ - ٢٤١)، وابن خزيمة (١/ ٧٠)، والدارقطني (١/ ١٤٠)، والبيهقي (١/ ٣٤)، من حديث عائشة - ﵂ -، وعلقه البخاري في كتاب \"الصيام\" (٤/ ١٥٨ \"فتح\")، وسنده حسن، وله طرق، وله شواهد لكنها ضعيفة.\n(^٢) \"عمدة القارئى\" (٥/ ٢٦٢).\n(^٣) انظر: \"عون العبود\" (١/ ٧٤).\n(^٤) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٢٤، ٢٥).","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-36>كيفية وضوء النبي ﷺ</span>\n٣٣/ ٢ - عَنْ حُمْرَانَ: أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَغَسَل كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إلَى المِرفَقِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ اليُسْرى مِثْلَ ذلكَ، ثمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثمَّ غَسَلَ رِجْلَه اليُمْنَى إِلى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هذَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة راوييه، وهما:\n١ - حُمران: وهو حُمران بن أبان بن خالد، ثقة من التابعين، من سبي عين التمر، أعتقه عثمان ﵁، فتحول إلى البصرة، ومات بها سنة خمس وسبعين، ﵀.\n٢ - عثمان: وهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي، أمير المؤمنين، وثالث خلفاء المسلمين، أسلم قديمًا على يد أبي بكر ﵁، وهاجر الهجرتين، وتزوج ابنة النبي ﷺ رقية، فلما توفيت زوّجه أختها أم كلثوم، فسمي ذا النورين، بَشَّرَهُ النبي ﷺ بالجنة، وشهد له بالشهادة، وبايع عنه بيعة الرضوان؛ لأنه ﷺ بعثه إلى مكة، فأشيع أنهم قتلوه، فضرب إحدى يديه على الأخرى، وقال: «هذه عن عثمان»، تولى الخلافة بعد أمير المؤمنين عمر ﵁، بمبايعة أهل الشورى إياه، في أول يوم من محرم سنة أربع وعشرين، وقتل شهيدًا يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة بعد العصر، ودفن ليلة السبت سنة خمس وثلاثين، وقبره معروف في","vol":"1","page":144},{"text":"البقيع، ﵁ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» باب «الوضوء ثلاثًا ثلاثًا» برقم (١٥٩)، وأخرجه مسلم في «الطهارة» (٢٢٦) من طريق إبراهيم ابن سعد، عن ابن شهاب، عن عطاء بن زيد الليثي، عن حمران به.\nوهذا لفظ مسلم، وتمامه: (ثم قال رسول الله ﷺ: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غُفر له ما تقدم من ذنبه»، قال ابن شهاب: (وكان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء أسبغ ما يتوضأ به أحد للصلاة).\nوللحديث طرق أخرى، وألفاظ متعددة، فقد رواه عن ابن شهاب رواة اخرون في الصحيحين والسنن والمسانيد.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (دعا بِوَضُوءٍ) بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضأ به، أي: طلب ماء يتوضأ به.\n\nقوله: (فغسل كفيه ثلاث مرات) كفيه: مثنى (كف) وهي الراحة مع الأصابع، وحَدُّها مفصل الذراع، سميت بذلك لأنها تكف الأذى عن البدن.\n\nقوله: (ثم تمضمض) أي: أدار الماء في فمه، تقول: مضمضت الماء في فمي: حركته بالإدارة فيه، وتمضمضت بالماء: فعلت ذلك، وهي مأخوذة من قولهم: تمضمضت الحية في جُحرها، أي: تحركت.\n\nقوله: (واستنشق) الاستنشاق: جذب الماء بالنفس إلى باطن الأنف.\n\nقوله: (واستنثر) الاستنثار: إخراج الماء من الأنف، ولم يرد في طرق هذا الحديث في الصحيحين ذكر العدد في المضمضة والاستنثار، لكن ورد ذلك عند أبي داود من طريقين في حديث عثمان هذا (^٢)، وورد - أيضًا - في\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٨/ ٢٧ - ٦٠)، \"الإصابة\" (٦/ ٣٩١).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (١٠٨) (١٠٩).","vol":"1","page":145},{"text":"حديث أبي هريرة وعلي ﵄، وسيأتي ذكرهما - إن شاء الله ـ.\n\nقوله: (ثم غسل وجهه) الوجه: مأخوذة من المواجهة، سمي بذلك لأنه يواجه به، وحَدُّهُ من منابت الشعر المعتاد إلى ما نزل من اللحية والذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا.\n\nقوله: (إلى المرفق) إلى: للغاية، والغالب عدم دخول نهاية الغاية في حكم ما قبلها، نحو: قرأت الكتاب إلى الصفحة الأخيرة، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلا إذا وجدت قرينة تدل على الدخول، نحو: صمت المفروض من أوله إلى اليوم الأخير، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فقد دلت السنة على دخول المرفق في المغسول، والسنة بيان للقران، وذلك في حديث أبي هريرة ﵁ أنه توضأ فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ (^١).\nوالمرفق: بكسر الميم وفتح الفاء، وبفتح الميم وكسر الفاء، هو مفصل العضد من الذراع، وجمعه مرافق؛ قال تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] سمي بذلك لأنه يُرتفق به في الاتكاء ونحوه، أي: يستعان به.\n\nقوله: (ثم مسح برأسه) أي: أمرَّ يده عليه مبلولة بالماء، وحد الرأس: منابت الشعر من جوانب الوجه إلى أعلى الرقبة، والباء للإلصاق؛ لأن الماسح يلصق يده بالممسوح.\n\nقوله: (إلى الكعبين) مثنى كعب، والكعبان: عظمان ناتئان في أسفل الساق، و(إلى) بمعنى: (مع) بدليل حديث أبي هريرة المذكور قريبًا.\n\nقوله: (نحو وُضوئي هذا) أي: شبه وضوئي، وهو بضم الواو؛ لأن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٤٦).","vol":"1","page":146},{"text":"المراد به فعل الوضوء، وقد ورد عند أبي داود: «توضأ مثل وضوئي هذا» (^١)، وإنما قال: (نحو) في رواية الصحيحين، ولم يقل: (مثل) لأن حقيقة مماثلة وضوء النبي ﷺ لا يقدر عليها غيره، لكن ثبت التعبير بالمماثلة كما في رواية أبي داود المذكورة، فيكون التعبير بـ (نحو) من تصرف الرواة؛ لأنها تطلق على المثلية مجازًا، أو يكون المعول على ما في الصحيحين.\n\nالوجه الرابع: فضيلة أمير المؤمنين عثمان ﵁ وحرصه على تعليم العلم، نشرًا للسنة، ونصحًا للأمة، فينبغي للعلماء وطلاب العلم أن ينشروا السنن بين الناس، وألا يكتفوا بوضوحها ومعرفة الناس لها إجمالًا، فإن عثمان ﵁ بين صفة وضوء النبي ﷺ بالفعل، مع أنه أمر معروف، ولا سيما في القرن الأول.\n\nالوجه الخامس: هذا الحديث هو أحد الأحاديث التي بينت صفة وضوء النبي ﷺ على الكمال، قال ابن الملقن: (هو أصل عظيم في صفة الوضوء) (^٢). وتقدم كلام ابن شهاب الزهري.\nولذا جعله الحافظ أصلًا في بيان صفة وضوء النبي ﷺ، وجعل ما بعده من الأحاديث مكملات له.\nوسأتكلم - إن شاء الله - عن فوائده، دون المسائل التي لها أحاديث مستقلة ستأتي، فهذه أترك الكلام عليها إلى حينه.\n\nالوجه السادس: جواز الاستعانة في إحضار ماء الوضوء، لقول حمران: (إن عثمان ﵁ دعا بوضوء)، وقد حكى ابن الملقن الإجماع على جواز ذلك من غير كراهة (^٣).\nويدخل في ذلك صب الماء على المتوضئ، لما ورد عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (بينا أنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة إذ نزل فقضى حاجته، ثم\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (١٠٦).\n(^٢) \"شرح عمدة الأحكام\" (١/ ٣٢٠).\n(^٣) المصدر السابق (١/ ٣٢٦).","vol":"1","page":147},{"text":"جاء فصببت عليه من إداوة كانت معي، فتوضأ، ومسح على خفيه) (^١).\n\nالوجه السابع: أن عثمان ﵁ سلك في بيان صفة وضوء النبي ﷺ مسلك البيان بالفعل دون القول؛ لأن الوصف بالفعل أسرع إدراكًا، وأدق تصويرًا، وأرسخ في النفس؛ لأن البيان بالقول يعتمد على الألفاظ، والألفاظ يطرقها الاحتمال في المعنى، ويستفاد من ذلك أنه ينبغي للمعلم أن يسلك أقرب الطرق لإيصال المعلومات إلى أذهان الطلاب، وفي مقدمة ذلك وسائل الإيضاح التي تعين على الفهم ورسوخ العلم.\n\nالوجه الثامن: مشروعية الوضوء بهذه الكيفية، فيغسل كفيه ثلاثًا، ثم يتمضمض، ويستنشق، ويستنثر، ثم يغسل وجهه ثلاثًا، ثم يده اليمنى مع مرفقه ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك، وهذه صفة وضوء النبي ﷺ.\n\nالوجه التاسع: الحديث دليل على مشروعية غسل الكفين ثلاث مرات، وهذا سنة؛ لأن الوارد فيه فعل مجرد، كما في حديث عثمان هذا، وحديث عبد الله بن زيد ﵁ في الصحيحين، وحديث علي ﵁ عند أصحاب السنن وغيرهم، وحديث أبي هريرة ﵁ أخرجه الطبراني في الأوسط بإسنادٍ رجاله رجال الصحيح، كما قال الهيثمي (^٢).\nوليس غسلهما واجبًا؛ لأن الله تعالى ذكر الوضوء في القران - كما في اية المائدة - وبدأ بغسل الوجه، ولم يذكر غسل الكفين، قال ابن قدامة: (وليس غسلهما بواجب عند غير القيام من النوم، بغير خلاف نعلمه) (^٣). اهـ.\nوالحكمة من غسلهما أنهما الة الغسل، بهما يؤخذ الماء، وتدلك الأعضاء، فناسب تطهيرهما قبل ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٤) (٧٦).\n(^٢) \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٣٠).\n(^٣) \"المغني\" (١/ ١٣٩).","vol":"1","page":148},{"text":"وهذا الغسل لغير القائم من النوم، أما غسلهما بعد القيام من النوم فهذا سيأتي إن شاء الله تعالى.\nوظاهر الحديث أنه يغسل الكفين بغرفة واحدة، لقوله: (فغسل كفيه ثلاث مرات)، وفي رواية لمسلم: (فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما)، وفي حديث ميمونة قالت: (وضعت لرسول الله ﷺ وضوء الجنابة فأكفأ بيمينه على يساره مرتين أو ثلاثًا ..) الحديث (^١).\n\nالوجه العاشر: الحديث دليل على استحباب التثليث في المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه وغسل اليدين والرجلين، وقد بوّب البخاري ﵀ في كتاب الوضوء على هذا الحديث بقوله: «باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا» - كما تقدم - ودلالته على ذلك ظاهرة.\nويجوز زيادة بعض أعضاء الوضوء على بعض في الغسل، بأن يغسل بعض الأعضاء مرة، وبعضها مرتين، وبعضها ثلاثًا، لما ورد في حديث عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه مرتين، ومسح رأسه مرة (^٢).\nقال النووي: (فيه دلالة على جواز مخالفة الأعضاء، وغسل بعضها ثلاثًا وبعضها مرتين، وبعضها مرة، وهذا جائز، والوضوء على هذه الصفة صحيح بلا شك، ولكن المستحب تطهير الأعضاء كلها ثلاثًا ثلاثًا كما قدمنا، وإنما كانت مخالفتها من النبي ﷺ في بعض الأوقات، بيانًا للجواز، كما توضأ مرة مرة في بعض الأوقات بيانًا للجواز، وكان في ذلك الوقت أفضل في حقه ﷺ لأن البيان واجب عليه ﷺ، فإن قيل: البيان يحصل بالقول؟ فالجواب: أنه أوقع بالفعل في النفوس، وأبعد من التأويل، والله أعلم) (^٣).\n\nالوجه الحادي عشر: لا تجوز الزيادة في الوضوء على ثلاث مرات،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٤)، ومسلم (٣١٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٦)، ومسلم (٢٣٥).\n(^٣) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٣/ ١٢٥).","vol":"1","page":149},{"text":"وقد نقل النووي الإجماع على كراهة الزيادة على الثلاث (^١)، ودليل ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء؟ فأراه ثلاثًا ثلاثًا، قال: «هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم» (^٢).\nقال الترمذي بعد حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا قال: (والعمل على هذا عند عامة أهل العلم، أن الوضوء يجزي مرة مرة، ومرتين أفضل، وأفضله ثلاث، وليس بعده شيء).\nوقال ابن المبارك: (لا امن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم).\nوقال أحمد وإسحاق: (لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى) (^٣).\nوقال إبراهيم النخعي: (تشديد الوضوء من الشيطان، ولو كان هذا فضلًا لأُوثر به أصحاب محمد ﷺ) (^٤).\n\nالوجه الثاني عشر: الحديث دليل على فضيلة صلاة ركعتين، والثواب الموعود به مرتب على الأمرين:\nالأول: وضوؤه على الكيفية المذكورة، ومنها التثليث.\nالثاني: صلاة ركعتين عقب الوضوء بالوصف المذكور، وهو قوله: «لا يُحَدِّثُ فيهما نفسه» أي: لا يفكر في شيء خارجٍ عن صلاته، وقوله: «لا يحدث» يفيد أن المراد ما يسترسل مع النفس مع إمكان دفعه وقطعه، أما ما يهجم على النفس ويتعذر دفعه فهو معفو عنه؛ لأنه ليس في مقدور الإنسان، وظاهر الحديث أنه شامل لحديث النفس في أمور الدين وأمور الدنيا، وخصه بعض العلماء بالثاني، لما ورد عند البخاري تعليقًا أن عمر ﵁ قال: (إني\n_________\n(^١) \"المصدر السابق\" (٣/ ١١١).\n(^٢) أخرجه النسائي (١/ ٨٨)، وابن ماجه (٤٢٢)، وأحمد (١١/ ٢٧٧)، والبيهقي (١/ ٧٩) من طريق يعلى بن عبيد، عن سفيان الثوري، عن موسى بن أبي عائشة به، وهذا إسناد حسن، وله طرق أخرى غير هذا في السنن وغيرها، وسيأتي بتمامه إن شاء الله.\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١/ ٦٤).\n(^٤) \"المغني\" (١/ ١٩٤).","vol":"1","page":150},{"text":"لأجهز جيشي وأنا في الصلاة) (^١)، والذي يظهر أن ما كان في أمور الدين أخف مما يكون في أمور الدنيا.\nوأما ثواب ذلك فهو مغفرة ما سبق من الذنوب، والمراد الذنوب الصغائر عند جمهور العلماء (^٢)، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٨٩) وقد ذكر الحافظ أن ابن أبي شيبة وصله بإسناد صحيح.\n(^٢) لابن تيمية قول في هذه المسألة. انظر: \"الفتاوى\" (٧/ ٤٨٩).","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-37>مسح الرأس مرة واحدة</span>\n٣٤/ ٣ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁ - في صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ - قَالَ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أمير المؤمنين، ورابع خلفاء المسلمين، وابن عم خاتم النبيين، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، وتربى في حِجْرِ النبي ﷺ لقصة مذكورة في السيرة النبوية، وامن به من حين بُعث، وزَوَّجَهُ النبي ﷺ ابنته فاطمة، وخلفه في أهله في غزوة تبوك، وقال: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» (^١)، شهد له النبي ﷺ بالجنة، واشتهر بالشجاعة والفروسية والإقدام والعلم والفطنة، حتى قال فيه عمر ﵁: (أقضانا علي) تولى الخلافة بعد عثمان ﵁ في اخر ذي الحجة، سنة خمس وثلاثين - كما تقدم - إلى أن قتل شهيدًا لِبِضْعَ عَشْرَةَ ليلةً خلت من رمضان سنة أربعين، ودفن في قصر الإمارة بالكوفة، وقيل: في مكان مجهول خوفًا من الخوارج (^٢)، ﵁.\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث قطعة من حديث طويل، أخرجه أبو داود (١١١) في «صفة وضوء النبي ﷺ»، وأخرجه النسائي مختصرًا (١/ ٦٨)، من طريق أبي عوانة،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٧٠٦)، (٤٤١٦).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٨/ ١٣١)، \"الإصابة\" (٧/ ٥٧).","vol":"1","page":152},{"text":"عن خالد بن علقمة، عن عبد خير (^١) قال: (أتانا علي ﵁ وقد صلى، فدعا بطَهور، فقلنا: ما يصنع بالطَّهور وقد صلى؟ ما يريد إلا أن يعلمنا … وساق الحديث إلى أن قال: ثم جعل يده في الإناء، فمسح برأسه مرة واحدة .. الحديث) وقد أخرجه أبو داود - أيضًا - من طريق زائدة بن قدامة، عن خالد به، وأخرجه من طرق أخرى، والحديث صحيح، قال عنه الترمذي: (حديث علي أحسن شيء في هذا الباب وأصح؛ لأنه قد روي من غير وجه عن علي رضوان الله عليه) (^٢) وقال البزار: (هذا الحديث قد رواه غير واحد عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي، ولا نعلم أحدًا أحسن له سياقًا ولا أتم كلامًا من زائدة). اهـ (^٣).\nوهذا الحديث بطوله استوفى صفة وضوء النبي ﷺ، وهو يفيد ما أفاده حديث حمران عن عثمان ﵁ - السابق - وإنما أتى المصنف بهذا القدر من حديث علي ﵁ لأنها صرحت بما لم يُصرَّح به في حديث عثمان، فإن حديث عثمان ذكر مسح الرأس وظاهره أنها واحدة، لكن في هذا الحديث صرح بأنه مسح رأسه مرة واحدة، مع تصريحه بتثليث ما عداه من الأعضاء، وسيذكره المصنف بعد واحد وعشرين حديثًا مستدلًا بها على مسألة من مسائل الوضوء.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الرأس يمسح مرة واحدة، وأنه لا يكرر مسحه كما يكرر الغسل، ولذا لم يشرع غسله؛ لأنه لو شرع غسله لعظمت المشقة؛ لأن الرأس يكون عليه الشعر غالبًا، وإكثار الماء عليه ولا سيما في أيام الشتاء يؤذي الإنسان، ولأنه لو غُسِلَ وهو أعلى البدن لتسرب الماء إلى الثياب، فشرع مسح جميعه، وأقام الشرع ذلك مقام غسله، تخفيفًا ورحمة بالعباد.\n_________\n(^١) يقال: اسمه عبد الرحمن بن يزيد، وقيل غير ذلك، وثقه ابن معين والنسائي والعجلي، من كبار أصحاب علي -﵁-.\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١/ ٦٤).\n(^٣) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٤٠ - ٤١).","vol":"1","page":153},{"text":"والقول بأن الرأس يمسح مرة واحدة هو مذهب الجمهور من أهل العلم، من الحنفية، والمالكية، والصحيح من مذهب الحنابلة (^١)، ودليلهم حديث علي هذا، وحديث عبد الله بن زيد، وفيه: (ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة) (^٢)، وكذلك حديث عثمان المتقدم، فإنه لم يذكر التثليث في مسح الرأس كما ذكره في غيره من الأعضاء، وكذا حديث الرُّبَيِّع بنت معوذ بن عفراء ﵂ قالت: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، قالت: فمسح رأسه، ومسح ما أقبل منه وما أدبر، وصُدْغيه وأذنيه مرة واحدة (^٣) والصُّدْغ: ما بين لحظ العين إلى أصل الأذن والشعر المتدلي على ذلك الموضع.\nقال ابن القيم: (والصحيح أنه لم يكرر مسح رأسه، بل كان إذا كرر غسل الأعضاء أفرد مسح الرأس، هكذا جاء عنه صريحًا، ولم يصح عنه ﷺ خلافه البتة ..) (^٤).\nوالقول الثاني: أنه يشرع تثليث مسح الرأس، وهو مذهب الشافعي، فإنه قال: (وأحب لو مسح رأسه ثلاثًا، وواحدةٌ تجزئه) (^٥)، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو قول لبعض السلف، كإبراهيم التيمي وعطاء (^٦).\nواستدلوا بما يلي:\n١ - حديث عثمان ﵁، ففي رواية أنه قال: (ألا أريكم وضوء رسول الله ﷺ ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا) (^٧) قالوا: فظاهر ذلك يشمل مسح الرأس.\n_________\n(^١) \"حاشية ابن عابدين\" (١/ ١٢٠ - ١٢١)، \"حاشية الدسوقي\" (١/ ٩٨)، \"الإنصاف\" (١/ ١٦٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٦)، ومسلم (٢٣٥)، وقد بّوب عليه البخاري باب \"مسح الرأس مرة\".\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٢٩)، والترمذي (٣٤) وقال: (حديث حسن صحيح).\n(^٤) \"زاد المعاد\" (١/ ١٩٣).\n(^٥) \"الأم\" (١/ ٤٢)، \"المجموع\" (١/ ٤٣٢).\n(^٦) انظر: \"الطهور\" ص (٣٦١)، \"مصنف ابن أبى شيبة\" (١/ ١٥).\n(^٧) أخرجه مسلم (٢٣٠) (٩).","vol":"1","page":154},{"text":"٢ - ما أخرجه أبو داود من حديث عثمان، من طريق عامر بن شقيق أن عثمان مسح رأسه ثلاثًا، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هذا (^١).\nوالصحيح القول الأول، وهو أن الرأس يمسح مرة واحدة على الصفة الآتية، والزيادة على ذلك غير مشروعة، لقوة دليله، ولأن المسح مبني على التخفيف، فلا يقاس على الغسل المراد منه المبالغة في الإسباغ، ولأنه لو اعتبر العدد في المسح لصار في صورة الغسل إذ حقيقة الغسل جريان الماء.\nوأما رواية مسلم فهي مجملة، وقد تبين في الروايات الصحيحة أن المسح لم يتكرر فيحمل على الغالب، أو أن التثليث يختص بالمغسول.\nوأما حديث أبي داود فهو ضعيف من هذا الطريق؛ لأنه من رواية عامر ابن شقيق، وهو لين الحديث، كما في «التقريب»، ثم هي معارضة بما هو أصح منها، فتكون شاذة، ولهذا قال أبو داود: (أحاديث عثمان ﵁ الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثًا، وقالوا فيها: ومسح رأسه، ولم يذكروا عددًا كما ذكروا في غيره) (^٢)، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١١٠) وابن خزيمة (١٥٢)، وفيه عامر بن شقيق، وهو متكلم فيه - كما سيأتي -.\n(^٢) \"السنن\" (١/ ٢٧).","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type='title' id=toc-38>كيفية مسح الرأس</span>\n٣٥/ ٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصم - ﵁ - ﵁ - في صِفَةِ الْوُضُوءِ - قَالَ: وَمَسَحَ ﷺ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي لَفْظٍ: بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المزني ﵁، شهد غزوة أحد وما بعدها، واختلف في شهوده غزوة بدر، روى عن النبي ﷺ حديث الوضوء، وعدة أحاديث ذكر ابن الملقن أنها ثمانية وأربعون حديثًا (^١)، اتفق البخاري ومسلم على ثمانية منها، ولما غزا الناس اليمامة شارك عبد الله بن زيد وَحْشِيَّ بن حرب في قتل مسيلمة، وقُتل ﵁ يوم الحرة، سنة ثلاث وستين (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» (١٨٦) ومسلم (٢٣٥) من طريق عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، قال: شهدت عمرو بن أبي حسن، سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي ﷺ، فدعا بِتَوْرٍ من ماء فتوضأ لهم وضوء النبي ﷺ، وساق الحديث .. إلى أن قال: ثم\n_________\n(^١) \"شرح العمدة\" (١/ ٣٧٠).\n(^٢) \"الإصابة\" (٦/ ٩١).","vol":"1","page":156},{"text":"أدخل يده فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة .. الحديث.\nواللفظ المذكور بعد ذلك أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» (١٨٥) باب «مسح الرأس» ومسلم (٢٣٥)، من حديث عبد الله بن زيد ﵁.\nولعل غرض الحافظ من سياق هذا اللفظ تفسير الإقبال والإدبار في اللفظ الذي قبله، فإن هذا اللفظ أوضح في المراد.\nوحديث عبد الله بن زيد قد استوفى صفة وضوء النبي ﷺ، وهو يفيد ما أفاده حديث عثمان ﵁، إلا أن فيه زيادة بيان صفة مسح الرأس، وهي لم ترد في حديث عثمان ﵁، فلذا ساق الحافظ هذا القدر من الحديث.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (فأقبل بيديه) أي: بدأ بِقَبْلِ رأسه، يعني مقدمه، والقَبْلُ من كل شيء: خلاف دبره.\n\nقوله: (وأدبر) أي: رجع بهما من دبر الرأس، أي: مؤخره.\n\nقوله: (ذهب بهما إلى قفاه) أي: أوصل يديه إلى قفاه، والقفا: مؤخر الرأس والعنق.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب استيعاب الرأس عند المسح، وهو قول مالك والمشهور عن أحمد (^١)، وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢) وابن كثير (^٣)، لقوله: (مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر) ويكون فعله ﷺ بيانًا لمجمل القران في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦].\nوقالت الشافعية وأصحاب الرأي: يجزئ مسح بعض الرأس، بل عند الشافعية يكفي ما يقع عليه اسم المسح وإن قل (^٤)؛ لحديث المغيرة أنه ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة (^٥)، قالوا: وهذا يمنع وجوب الاستيعاب،\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (٢/ ٣٠)، \"الإنصاف\" (١/ ١٦١).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢/ ١٢٣١).\n(^٣) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٤٦).\n(^٤) \"حاشية ابن عابدين\" (١/ ٩٩)، \"المجموع\" (١/ ٣٩٨).\n(^٥) أخرجه مسلم (٢٧٤) (٨٣)، وسيأتي بعد عشرة أحاديث إن شاء الله.","vol":"1","page":157},{"text":"والحق أنه لا دليل فيه إلا لو كان ﷺ اقتصر على مسح الناصية، ولكنه لم يكتف بذلك بل أتم مسحه لباقي رأسه، وهو ما كانت تغطيه العمامة، فدلالته على الاستيعاب أولى، وسيأتي هذا الحديث إن شاء الله تعالى.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على صفة مسح الرأس، وهو أن يبدأ بمقدم رأسه، فيذهب بيديه إلى قفاه أعلى الرقبة، ثم يردهما حتى يصل إلى المكان الذي بدأ منه، وهو مبتدأ الشعر على حد الوجه، وقد دل على هذه الصفة قوله: (بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه).\nوالقول الثاني في تفسير الإقبال والإدبار أن يبدأ بمؤخر رأسه، فيقبل إلى جهة الوجه، ثم يدبر فيرجع إلى المؤخر، أخذًا بظاهر قوله: (فأقبل بيديه وأدبر) ولما ورد في حديث الرُّبيِّع بنت معوذ: (أن النبي ﷺ مسح برأسه مرتين: بدأ بمؤخر رأسه، ثم بمقدمه) (^١).\nوأجاب الأولون عن هذه اللفظة: (أقبل بيديه وأدبر)، بثلاثة أجوبة:\n١ - أن الواو لا تقتضي الترتيب، وأن التقدير: أدبر وأقبل، ويؤيد ذلك ما ورد عند البخاري من طريق سليمان بن بلال بلفظ: (فمسح رأسه، فأدبر به وأقبل) (^٢).\n٢ - أن الإقبال والإدبار من الأمور الإضافية التي تنسب إلى ما يقبل إليه ويدبر عنه، والمؤخر محل يمكن أن ينسب إليه الإقبال والإدبار.\n٣ - أن يحمل قوله: (أقبل) على البداءة بالقبل وهو مقدم الرأس و(أدبر)\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٣) وقال: (هذا حديث حسن، وحديث عبد الله بن زيد أصح من هذا وأجود إسنادًا)، وقد علق الشيخ أحمد شاكر (١/ ٤٨) على تحسين الترمذي وأنه لمعارضته حديث عبد الله بن زيد وإلا فهو صحيح، بدليل ما بعده، فإنه صححه وهو نفس الحديث، ثم قال: (إنه لا تعارض بينهما حتى يحتاج إلى الترجيح، فكان النبي - ﷺ - يبدأ بمقدم رأسه وكان يبدأ بمؤخره، وكل جائز)، لكن قول الترمذي مقدم.\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (١٩٩).","vol":"1","page":158},{"text":"على البداءة بالدبر، فيكون من باب تسمية الفعل بابتدائه، وهو أحد قولين للأصوليين في تسمية الفعل، هل يكون بابتدائه أو انتهائه؟\nوذلك لأن مخرج الطريقين متحد، فهما بمعنى واحد.\nوقد ورد في سنن أبي داود من حديث المقدام بن معديكرب قال: (رأيت رسول الله ﷺ توضأ، فلما بلغ مَسْحَ رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه، فأمرَّهما حتى بلغ القفا، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه) (^١).\nفإن قيل بالترجيح فلا ريب أن حديث البداءة بالمقدم أكثر وأصح وأجود إسنادًا من حديث البداءة بالمؤخر، كما قال الترمذي، وحديث الرُّبيِّع فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد تكلم فيه العلماء من قبل حفظه، فهو ضعيف إذا انفرد بالرواية ولم يتابع، وإلا حمل حديث البداءة بالمؤخرة على تعدد الحالات وبيان الجواز، وفيه عمل بجميع الأدلة.\n\nالوجه السادس: الحكمة من مسح الرأس على هذه الصفة استيعاب جهتي الرأس بالمسح؛ لأن الشعر من جهة الوجه متجه إلى الوجه، ومن جهة المؤخر متجه إلى القفا، فإذا بدأ من مقدم الرأس استقبل الشعر وأصبح الماء يمس أصول الشعر، فإذا وصل إلى قمة الرأس استدبر الشعر، وأصبح الماء يمس ظهور الشعر، فإذا عاد حصل عكس ذلك.\nوليس هذا من باب تكرار المسح، وإنما المقصود أن يكون المسح مباشرًا لظهور الشعر وأصوله، فهي مسحة واحدة لا مسحتان؛ لأن تمام المسحة الواحدة لا يحصل على جميع الشعر إلا بالإقبال والإدبار، فإنه في رجوعه يمسح ما لم يمسحه في ذهابه، وهذه الصفة ليست واجبة، فلو مسح على أي صفة كانت أجزأ المسح، لكن المحافظة على السنة أفضل.\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (١٢٢)، وفي إسناده الوليد بن مسلم، وهو مدلس، وقد صرح بالتحديث عند ابن ماجه (٤٥٧)، والطحاوي (١/ ٣٢) وتابعه أبو المغيرة عند ابن الجارود (٧٤)؛ واسمه عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الحمصي، قال الحافظ: (ثقة)، لكن الوليد يدلس تدليس التسوية، وقد يكون التصريح بالسماع خطأ في الإسناد من بعض الرواة.","vol":"1","page":159},{"text":"وقد ذكر النووي أن هذه الصفة وهي الإقبال والإدبار مستحبة لمن له شعر مسترسل، أما من لا شعر له، أو حلق شعره وطلع منه يسير فلا يستحب له الرد؛ لأنه لا فائدة فيه (^١).\nقلت: وهذا فيه نظر، أما من جهة الجواز فالأمر واضح، وأما من جهة متابعة السنة فلا ريب أن الإقبال والإدبار مستحب، وهو الذي يدل عليه إطلاق الحديث، والله أعلم.\n\nالوجه السابع: الأصل أن المرأة كالرجل في صفة مسح الرأس؛ لأن الأصل في الأحكام الشرعية أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء، وكذا العكس إلا بدليل يخصص، وقد ذكر البخاري تعليقًا عن سعيد بن المسيب أنه قال: (المرأة بمنزلة الرجل تمسح على رأسها) (^٢).\nوقد أخرج النسائي في باب «مسح المرأة رأسها» حديث عائشة، وفيه: (ووضعت يدها في مقدم رأسها ثم مسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخره ..) (^٣) فهذا يدل على كيفية مسح المرأة رأسها وأنها مثل مسح الرجل وأنه مرة واحدة.\nورأيت في مسائل الإمام أحمد لأبي داود قال: (سمعت أحمد سئل: كيف تمسح المرأة رأسها في الوضوء؟ فقال: هكذا؛ ووضع يده على وسط رأسه ثم جرهما إلى مقدمه، ثم دفعهما فوضعهما حيث منه بدأ، ثم جرهما إلى مؤخره)، ونقله ابن قدامة في «المغني» (^٤).\nوالذي يظهر لي - والله أعلم - أن ما ورد في حديث عائشة أقرب إلى السنة، وفيه تيسير وتسهيل، أما الضفائر فالأظهر أنها غير داخلة في المسح؛\n_________\n(^١) \"المجموع\" (١/ ٤٠٢).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٩٠) وقد وصله ابن أبي شيبة (١/ ٢٤) كما ذكر الحافظ. ولفظه: (الرجل والمرأة في المسح سواء).\n(^٣) \"سنن النسائي\" (١٠٠)، وقال الألباني: (صحيح الإسناد) (١/ ٢٣).\n(^٤) \"مسائل الإمام أحمد\" لأبي داود ص (٧)، \"المغني\" (١/ ١٧٨).","vol":"1","page":160},{"text":"لأن المسح متعلق بالرأس، والرأس ما ترأَّس وعلا، وما نزل عن محل الفرض لا يسمى رأسًا، والأحاديث نصت على بداية مسح شعر الرأس بناصيته وانتهائه بقفاه، والله أعلم (^١).\n_________\n(^١) \"المجموع\" (١/ ٤٠٥).","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type='title' id=toc-39>صفة مسح الأذنين</span>\n٣٦/ ٥ - عَنْ عَبْدِ الله بن عَمْرو ﵄ - في صِفَةِ الوُضُوءِ - قَالَ: ثمَّ مَسَحَ ﷺ بِرأْسِهِ، وَأَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ في أُذُنَيْهِ، وَمَسَحَ بِإبْهَامَيْهِ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَه ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل القرشي السهمي، هاجر هو وأبوه قبل الفتح، وأسلم قبل أبيه، ولم يكن بين مولدهما إلا اثنتي عشرة سنة. كان كثير العبادة، وقد ورد في الصحيحين قصته مع النبي ﷺ في نهيه عن مواظبة قيام الليل وصيام النهار وأمره بصيام يوم بعد يوم، وبقراءة القران كل ثلاث، وفي بعض طرقه: لما كبر كان يقول: يا ليتني كنت قبلت رخصة رسول الله ﷺ.\nكان عبد الله بن عمرو ﵄ حافظًا لأحاديث النبي ﷺ، لكن لم تكثر الرواية عنه كما كثرت عن أبي هريرة ﵁، مع أن أبا هريرة ﵁ قال: ما أجد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثًا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب (^١)، ولعل السبب في قلة الرواية عنه أنه كان مشتغلًا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم، أو أن أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف، ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وقيل غير ذلك (^٢).\nاختلف المؤرخون في موته: أين كان؟ ومتى؟ فذكر الحافظ ابن حجر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٠٧).","vol":"1","page":162},{"text":"في ذلك عدة أقوال، ونَقَلَ عن الإمام أحمد أن وفاته كانت ليالي الحرة اخر ذي الحجة، سنة ثلاث وستين، ﵁ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث قطعة من حديث طويل رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في صفة وضوء النبي ﷺ، واقتصر المصنف على ذكر هذا القدر من الحديث، لإفادتها مسح الأذنين وكيفيته، الذي لم يفده حديث عثمان ﵁ السابق في هذا الباب.\nوقد أخرج هذا الحديث أبو داود (١٣٥)، والنسائي (١/ ٨٨)، وابن ماجه (١/ ١٤٦)، وأحمد (١١/ ٢٧٧)، وابن خزيمة (١/ ٨٩) من طريق موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا، ثم مسح برأسه، فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: «هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم، أو ظلم وأساء» وهذا لفظ أبي داود، ولفظ النسائي وابن خزيمة مختصر، ليس فيه محل الشاهد.\nوهذا الحديث من ضمن أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ووالد شعيب هو محمد بن عبد الله، وليس له رواية عن أبيه. وجده هو عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو الذي ذكره الذهبي، وصحح أن شعيبًا ثبت سماعه من عبد الله بن عمرو (^٢) وهو الذي رباه وكفله، وقد اختلف أهل العلم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأرجح الأقوال أنه من قبيل الحسن، سوى ما فيه من المناكير، ولعلها من قبل غيره (^٣).\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٦/ ٣٣٨)، \"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٤١)، \"الإصابة\" (٦/ ١٧٦).\n(^٢) \"الميزان\" (٣/ ٢٦٨).\n(^٣) انظر: \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٣٩)، \"الميزان\" (٣/ ٢٦٨)، \"صحائف الصحابة\" إعداد: أحمد الصويّان ص (٧٢).","vol":"1","page":163},{"text":"وهذا الحديث له شواهد يرتقي بها إلى درجة الصحيح، منها حديث المقدام بن معديكرب قال: (رأيت رسول الله ﷺ توضأ فمسح رأسه، ومسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما). أخرجه أبو داود (١٢١)، وابن ماجه (١/ ١٥١)، والبيهقي (١/ ٦٥) وإسناده حسن، وحديث الربيع بنت معوذ أخرجه أبو داود (١٢٩)، وحديث ابن عباس أخرجه ابن خزيمة (١٤٨)، ولفظه: (وغرف غرفة فمسح رأسه وباطن أذنيه وظاهرهما، وأدخل إصبعيه فيهما).\nولفظة: (أو نقص) الواردة في سياق أبي داود لا تصح؛ لأن ظاهرها ذم النقص عن الثلاث في أعضاء الوضوء مع أن النقص جائز، وقد فعله النبي ﷺ كما تقدم، فكيف يعبر عن ذلك بـ (أساء وظلم)؟! قال ابن المواق: (إن لم يكن اللفظ شكًا من الراوي، فهو من الأوهام المُبَيَّنة التي لا خفاء بها، إذ الوضوء مرة ومرتين لا خلاف في جوازه، والآثار بذلك صحيحة …) (^١).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (وأدخل إصبعيه) مثنى إصْبَع، والمراد الأنملة - بتثليث حركة الهمزة والميم - وهي رأس الإصبع، وهذا من باب المجاز المرسل، وعلاقته الكلية أي: إطلاق الكل وإرادة الجزء، كقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩].\n\nقوله: (السباحتين) تثنية سباحة، وهي الإصبع التي بين الإبهام والوسطى، سميت بذلك لأنه يشار بها عند ذكر الله تعالى وتسبيحه.\n\nقوله: (بإبهاميه) مثنى إبهام، والإبهام هي الإصبع الغليظة الخامسة من أصابع اليد والرجل.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على مسح الأذنين في الوضوء وأنهما لا يغسلان؛ لأنهما تابعان للرأس، وهذا مذهب الجمهور من السلف والخلف، لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ والأذنان من الرأس، ولحديث ابن عمر ﵄\n_________\n(^١) نقله في \"المنهل العذب المورود\" (٢/ ٧٤).","vol":"1","page":164},{"text":"موقوفًا: «الأذنان من الرأس» (^١).\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على صفة مسح الأذنين، وهو أن يدخل إصبعيه السباحتين في صماخي أذنيه (^٢) لمسح باطنهما، ويمسح بإبهاميه ظاهرهما، وهي الغضاريف الخارجية، ولو مسحهما بغير السباحة جاز؛ لأن المقصود استيعاب المحل بالمسح، لكن العمل بالسنة أفضل، ليحصل له أجر الاقتداء بالنبي ﷺ، قال الموفَّق ابن قدامة: (ولا يجب مسح ما استتر بالغضاريف؛ لأن الرأس الذي هو الأصل لا يجب مسح ما استتر منه بالشعر، والأذن أولى) (^٣).\nوالحكمة من تخصيص الأذن بالمسح لتطهيرها ظاهرًا وباطنًا، لتخرج الذنوب التي كسبتها الأذن بالاستماع إلى ما لا يجوز، كما تخرج من سائر أعضاء الوضوء.\nوقد ورد عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره» (^٤).\nوعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا توضأ الرجل المسلم خرجت خطاياه من سمعه وبصره ويديه ورجليه، فإن قعد قعد مغفورًا له» (^٥).\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٧) ومن طريقه الدارقطني (١/ ٩٨) من طريق أسامة بن زيد، عن هلال بن أسامة، عن ابن عمر -﵄- موقوفًا، وقد ورد الحديث مرفوعًا عن ابن عمر، وعن عدد من الصحابة -﵃-، وكلها أحاديث معلولة، كما قال الدارقطني والبيهقي وابن حزم وغيرهم، ويرى آخرون تقويتها، قال ابن حجر في \"نُكَتِهِ على ابن الصلاح\" (١/ ٤١٥): (وإذا نظر المنصف إلى مجموع هذه الطرق علم أن للحديث أصلًا، وأنه ليس مما يطرح، وقد حسنوا أحاديث كثيرة باعتبار طرق لها دون هذه، والله أعلم).\n(^٢) صماخ الأذن: خرقها.\n(^٣) \"المغني\" (١/ ١٨٤).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٤٥).\n(^٥) أخرجه أحمد (٣٦/ ٥٠٥ - ٥٠٦) وإسناده ضعيف؛ لأنه من رواية شهر بن حوشب.\nلكن له طرق وشواهد يصل بها إلى درجة الحسن.","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-40>مشروعية الاستنثار عند القيام من النوم</span>\n٣٧/ ٦ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ منامه فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «بدء الخلق» باب «صفة إبليس وجنوده» (٣٢٩٥)، ومسلم في «الطهارة» (٢٣٨) من طريق عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة ﵁، ولفظه عند البخاري «إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاثًا ..» وقد مضى ذكر الاستنثار في حديث عثمان ﵁ في صفة وضوء النبي ﷺ. ولعل الحافظ ذكر هذا الحديث هنا، لاشتماله على أمر النبي ﷺ بالاستنثار، لكونه يتعلق بعضو الأنف.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من نومه) هذا مفرد مضاف، فيعم نوم الليل والنهار، لكن قوله: «يبيت» مخصص لهذا العموم؛ لأن البيتوتة لا تكون إلا في الليل، قال في القاموس: (من أدركه الليل فقد بات) (^١) أي: سواء أحصل نوم أم لم يحصل.\n\nقوله: (فليستنثر) أي: ليخرج من أنفه الماء الذي استنشقه، واللام للأمر، وهذا اللفظ فيه زيادة فائدة على قوله: «فليستنشق» لأن الاستنثار يقع على الاستنشاق بغير عكس، فقد يستنشق ولا يستنثر، والاستنثار من تمام\n_________\n(^١) \"القاموس\" (١/ ٣٤٦).","vol":"1","page":166},{"text":"فائدة الاستنشاق؛ لأن الاستنشاق جذب الماء بنفسه إلى باطن الأنف، والاستنثار إخراجه، وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم ليستنثر». وقد مضى ذكر ذلك.\n\nقوله: (ثلاثًا) مفعول مطلق نائب عن المصدر أي: استنثارًا ثلاثًا.\n\nقوله: (فإن الشيطان يبيت على خيشومه) الجملة تعليل للأمر بالاستنثار ثلاثًا، والمراد بالشيطان: جنس الشيطان، والخيشوم: هو أعلى الأنف من داخله، وقيل: هو الأنف.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الاستنثار ثلاث مرات عند الاستيقاظ من نوم الليل؛ لأنه ورد بصيغة الأمر، والأمر يقتضي الوجوب، ورواية البخاري - كما تقدم - قيدت هذا الاستنثار عند الوضوء، ورواية مسلم مطلقة غير مقيدة بالوضوء، فإما أن يحمل المطلق على المقيد ويكون الأمر عند الوضوء، أو يعمل بالحديثين، فيشرع الاستنثار عند الاستيقاظ من النوم وإن لم يصادف وضوءًا، إما لمرض أو لكونه عادمًا الماء، ولكن عنده ما يستنثر به، فإن لم يتيسر ذلك كفى استنثاره في الوضوء، فإنه حاصل به فعل المشروع.\nوالاستنثار فرع عن الاستنشاق، والقول بوجوب الاستنشاق رواية عن الإمام أحمد (^١)، وبه قال ابن حزم (^٢)، وقال الجمهور: إنه سنة (^٣).\nوالأول أظهر، فإن الأصل في الأوامر الوجوب، وليس الاستحباب، حتى يرد دليل صارف، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.\n\nالوجه الرابع: جاء في الحديث تعليل الأمر بالاستنثار بأن الشيطان يبيت على خيشوم الإنسان، ولم يبين لماذا يبيت؟ ثم إن الخيشوم شيء ضيق لا يتسع للأجرام الكبيرة، فعلم بذلك أن للشياطين تصرفاتٍ وأحوالًا وألوانًا\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ١٦٦).\n(^٢) \"المحلى\" (١/ ٢٩٦).\n(^٣) \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١٣٦)، \"مغني المحتاج\" (١/ ٥٧)، \"الإنصاف\" (١/ ١٥٣)، \"شرح فتح القدير\" (١/ ٢٥).","vol":"1","page":167},{"text":"لا يعلم كيفيتها إلا الله الذي خلقهم وأقدرهم، والواجب على المؤمن التصديق والامتثال والطاعة في كل ما جاء عن ربه، وثبت عن نبيه ﷺ، ولو لم يعرف حكمته وتفصيله؛ لأنه عبد مأمور، يعلم يقينًا أنه لا يؤمر إلا بما فيه صلاحه وسعادته، فإن ظهرت له حِكَمٌ وأسرار فهذا علم إلى علم، وهدى إلى هدى، ونور إلى نور، وإن لم يظهر له شيء اكتفى بما عنده من العلم، وامتثل ما دل عليه النص، والله أعلم.","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type='title' id=toc-41>وجوب غسل كَفَّي القائم من النوم قبل إدخالهما في الإناء</span>\n٣٨/ ٧ - عَنْ أَبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُم مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاثًا؛ فَإنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهذَا لَفْظُ مُسْلمٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» (١٦٢) من طريق مالك، عن أبي الزناد (^١)، عن الأعرج (^٢)، عن أبي هريرة، وقد أخرجه مسلم - أيضًا - من طرق أخرى، فأخرجه في «الطهارة» (٢٧٨) من طريق المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد به، وهذا اللفظ لمسلم، كما قال الحافظ، وأما لفظ البخاري فهو: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينثُر، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه … الحديث». فاشتمل على ثلاثة أنواع من كمال الطهارة والاحتياط لها، ولكن اقتصر الحافظ على لفظ مسلم؛ لأن النوع الأول تقدم، والنوع الثاني يتعلق بقضاء الحاجة، ولأن رواية مسلم فيها ذكر العدد، بخلاف رواية البخاري، وقد اقتضى سياق البخاري للحديث أنه حديث واحد رواه من طريق عبد الله بن يوسف عن مالك، وقد جاء في الموطإ من رواية الليثي عن مالك مفرقًا برقم (٢) و(٩)، وكذا رواه مسلم (٢٣٧) (٢٧٨) وعلى هذا فكأن البخاري يرى\n_________\n(^١) هو عبد الله بن ذكوان، ثقة فقيه.\n(^٢) هو عبد الرحمن بن هرمز، ثقة ثبت.","vol":"1","page":169},{"text":"جواز جمع الحديثين إذا اتحد سندهما في سياق واحد، كما يرى جواز تفريق الحديث الواحد إذا اشتمل على حكمين مستقلين (^١).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من نومه) تقدم في الحديث الذي قبله.\n\nقوله: (فلا يغمس) لا: ناهية، والمضارع بعدها مجزوم، ولفظ البخاري: «فليغسل يده» كما مضى، والمراد باليد: الكف دون ما زاد عليها، لجريان العادة أن الذي يُدْخَلُ في الإناء من اليد هو الكف، وقوله: «فلا يغمس». أوضح في المراد من رواية الترمذي: «فلا يدخل يده في الإناء» (^٢). لأن مطلق الإدخال لا يترتب عليه كراهة، كمن أدخل يده في إناء واسع فاغترف منه بإناء صغير من غير أن تلامس يده الماء، فإنه لا يكون مخالفًا بذلك.\n\nقوله: (في الإناء) المراد إناء الوضوء، كما ورد التصريح بذلك في رواية البخاري المتقدمة: «قبل أن يدخلها في وَضوئه». ويلحق به إناء الغُسْل؛ لأنه وضوء وزيادة، وسائر الآنية استحبابًا من دون كراهة، لعدم ورود النهي فيها.\n\nقوله: (حتى يغسلها ثلاثًا) أي: بإفراغ الماء عليها، كما في رواية البزار: «حتى يُفرغ عليها»، و«ثلاثًا» مفعول مطلق نائب عن المصدر أي: غسلًا ثلاثًا، فالغسلة الأولى تزيل الأذى، والثانية تنقِّي الموضع منه، والثالثة للمبالغة في التطهير، وقوله: (حتى) لبيان غاية النهي عن غمس اليد فهو يدل على جواز الاغتراف من الماء بعد غسلها.\n\nقوله: (فإنه لا يدري أين باتت يده) أي: لا يعلم أين كانت يده حين نومه، والجملة تعليل للأمر بالغسل ثلاثًا، ومقتضاه أن اليد بعد القيام من النوم يُشَكُّ في سلامتها من ملامسة شيء يؤثر في الماء.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على نهي الإنسان أن يغمس يده في\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٦٣).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢٤).","vol":"1","page":170},{"text":"الإناء إذا قام من النوم حتى يغسلها ثلاثًا، لقوله: «فلا يغمس يده»، وعند البخاري: «فليغسل يده» والأمر للوجوب، والنهي للتحريم، ما لم يصرف عنه صارف، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.\nوقال الجمهور: إن الغسل ليس بواجب، بل هو مستحب، والنهي محمول على الكراهة، وهو رواية عن أحمد (^١)؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فأمر بالوضوء من غير غسل الكفين في أوله، والقيام من النوم داخل في عموم الآية.\nوأما الحديث فهو محمول على الاستحباب، لتعليله بما يقتضي ذلك وهو قوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده» وطريان الشك على يقين الطهارة لا يؤثر فيها، كما لو تيقن الطهارة وشك في الحدث، فيدل ذلك على أنه أراد الندب.\nوالقول الأول أظهر، لقوة مأخذه، فإن الوجوب هو ظاهر الأمر، ولا صارف له، وأما الآية فقد وردت في الوضوء المطلق، والأمر بغسل اليدين ورد في حالة مخصوصة، بدليل مستقل، فيعمل به.\nومحل الخلاف في هذه المسألة إذا لم يتيقن النجاسة على يده، فإن تيقنها بأن رأى أثرها أو رائحتها فالإجماع منعقد على وجوب غسلها قبل إدخالها في الإناء.\n\nالوجه الرابع: ظاهر الحديث أن هذا الحكم وهو غسل اليد قبل إدخالها في الإناء مختص بالقيام من نوم الليل، وهو قول الإمام أحمد، لقوله: «باتت يده»، والبيتوتة لا تكون إلا بالليل - كما تقدم في الحديث قبله - وهذا من باب تخصيص العام بالعلة المنصوصة، وقد ورد ذلك - أيضًا - مقيدًا بالليل في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا ولفظه: «إذا قام أحدكم من الليل» (^٢).\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ١٤٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٠٣)، والترمذي (٢٤) وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، وقد ساق مسلم في \"صحيحه\" إسناد هذه الرواية دون لفظها.","vol":"1","page":171},{"text":"والقول الثاني: أنه لا فرق بين نوم الليل ونوم النهار، لإطلاقه ﷺ النوم من غير تقييد، ولعموم العلة، مع أن نوم الليل اكد، وقوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده» خرج مخرج الأكثر والغالب، وما خرج مخرح الغالب فلا مفهوم له، كما في الأصول، وهو قول إسحاق بن راهويه (^١)، وهذا هو الأظهر إن شاء الله، لقوة مأخذه، واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز، قال الخطابي: (وفي الحديث من العلم أن الأخذ بالوثيقة والعمل بالاحتياط في باب العبادات أولى) (^١).\n\nالوجه الخامس: اختلف العلماء في الحكمة من الأمر بغسل اليد على قولين:\nالأول: أن الحكمة معقولة ومدركة وليست معنوية، وهي جولان اليد في بدن النائم بدون إحساس، فقد تلامس أمكنة من بدنه لم يتم تطهيرها بالماء، فتعلق بها النجاسة، وقد نقل الحافظ عن الشافعي أنه قال عن أهل الحجاز: كانوا يستجمرون وبلادهم حارة، فربما عَرِقَ أحدهم إذا نام، فيحتمل أن تطوف يده على المحل أو على بثرة أو دم حيوان أو قذر أو غير ذلك (^٢).\nالقول الثاني: أن هذا تعبد لا يعقل معناه، واستدلوا على ذلك بأن الأحكام لا تبنى على الشك، وذلك أن اليقين في اليد أنها طاهرة، ونجاستها أثناء النوم مشكوك فيها، فلا يؤمر بغسلها لنجاستها؛ لأن اليقين لا يُزَال بالشك، فيكون الأمر في ذلك تعبديًا.\nولكن هذا التعليل فيه نظر، فإن الشرع قد ينزل المظنة منزلة السبب، ولهذا يحكم بانتقاض الوضوء بالنوم، فاليد وإن كانت طاهرة، لكن جولانها أثناء النوم موجود، فلا يبعد أن تصيب موضعًا نجسًا.\nوالفرق بين القولين أن من تيقن أين باتت يده كمن لفَّ عليها خرقة أو وضعها في جراب فاستيقظ وهي على حالها أنه لا يتعلق بها هذا الحكم، فلا\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (١/ ٣٧٣)، \"معالم السنن\" (١/ ٩٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٦٤).","vol":"1","page":172},{"text":"يؤمر بغسلها على القول بأنه معلل بعلة محسوسة مدركة، وأما على القول بأنه تعبدي فيؤمر بغسلها مطلقًا، تيقن طهارتها أو شك في ذلك.\nويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن ما ورد في هذا الحديث يشبه - ما تقدم - من تعليل الاستنثار بأن الشيطان يبيت على خيشوم الإنسان، فيمكن أن المراد بهذا الحديث ما خشي من عبث الشيطان بيد الإنسان وملامستها، مما قد يؤثر على الإنسان، وتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار (^١).\n\nالوجه السادس: الصحيح من قولي أهل العلم أنه لو خالف إنسان وغمس يده في الماء قبل أن يغسلها فإن الماء لا ينجس، بل هو باق على طهوريته، وهو قول الجمهور، ورواية عن الإمام أحمد، ومن أهل العلم من قال: إنه يكون طاهرًا غير مطهِّر، وهذا المذهب عند الحنابلة (^٢)، إذا كان الماء دون القلتين، والظاهر أن ذلك مبني على أن الأمر بالغسل للوجوب، وعن أحمد أن الماء نجس، وهذان القولان ضعيفان، والصواب الأول، وهو أن الماء باق على طهوريته؛ لأن النبي ﷺ نهى عن غمس اليد، ولم يتعرض للماء، وما دام أن هذا الماء طهور، فهذا يقين، واليقين لا يمكن رفعه إلا بيقين مثله لا بِشَكٍّ، وعلى هذا فالأصل الطهارة، لكن إن قلنا: إن النهي في الحديث للتحريم، فالغامس يده اثم لأنه مخالف للنهي، وإن قلنا: إنه للكراهة فهو غير اثم، أما الماء فهو باق على الأصل.\n\nالوجه السابع: أخذ بعض العلماء من مفهوم قوله: «فلا يغمسها في الإناء» أن البرك والحياض لا تدخل في النهي؛ لأنها لا تفسد بغمس اليد فيها - على القول بأن الماء يفسد - لعدم ورود النهي فيها عن ذلك، وكذلك الأنابيب الموجودة الآن، فإن الحكم لا يسري إليها؛ لأن المتوضئ لا يحتاج إلى غرف، وهذا فيه نظر، فإن اليد - وإن لم تكن داخلة في الماء - لكنها ناقلة للماء، وكما يطلب إنقاؤها قبل إدخالها الإناء، يطلب إنقاؤها قبل نقلها الماء للمضمضة والاستنشاق، فالقول بغسلها عمومًا هو الأظهر إن شاء الله تعالى، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (٢١/ ٤٤).\n(^٢) \"الإنصاف\" (١/ ٣٨).","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type='title' id=toc-42>بيان شيء من صفات الوضوء</span>\n٣٩/ ٨ - عن لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَسْبِغ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالغْ في الاسْتنشَاقِ، إلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا». أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَه ابْنُ خُزَيمَةَ. وَلأبي دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ: «إذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ».\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو لقيط - بفتح اللام وكسر القاف - ابن صَبِرَةَ - بفتح الصاد المهملة وكسر الباء الموحدة، وبعضهم يسكنها مع فتح الصاد وكسرها (^١) - ابن عبد الله بن المنتفق، أبو رزين، صحابي مشهور، عداده في أهل الطائف، روى عنه ابنه عاصم، وابن عمر، وعمرو بن أوس، وغيرهم (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أبو داود (١٤٢) مطولًا في كتاب «الطهارة» بابٌ «في الاستنثار»، وأخرجه الترمذي (٣٨)، والنسائي (١/ ٦٦)، وابن ماجه (٤٤٨)، وابن خزيمة (١٥٠، ١٦٨) مختصرًا، كلهم من طريق يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه، قال: (كنت وافد بني المنتفق (^٣)، أو في وفد بني المنتفق إلى رسول الله ﷺ .. وساق الحديث بطوله إلى أن قال: فقلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء، قال:\n_________\n(^١) \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٧٢).\n(^٢) \"الإصابة\" (٩/ ١٤).\n(^٣) بنو المنتفق نسبة إلى المنتفق بن عامر بن عقيل بن هوازن، جدٌّ جاهلي.","vol":"1","page":174},{"text":"«أسبغ الوضوء» .. الحديث) وقد رواه عن إسماعيل بن كثير اخرون، قال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وقال الحافظ: (هذا حديث صحيح) (^١) وصححه ابن القطان، وأودعه البغوي في كتابه «مصابيح السنة» وأدخله في جملة الأحاديث الحسان على اصطلاحه (^٢).\nويحيى بن سليم وهو القرشي الطائفي وثقه ابن معين، وقال النسائي: (ليس به بأس) (^٣)، وقال في «التقريب»: صدوق سيّء الحفظ، وإسماعيل بن كثير ثقة، كما في «التقريب»، وعاصم بن لقيط ثقة، كما في «التقريب» أيضًا.\nفإن قيل: الرجل سأل عن الوضوء وأجابه النبي ﷺ عن بعض سنن الوضوء. فالجواب: لأن السائل كان عارفًا بأصل الوضوء، والظاهر أنه لم يسأل عن ظاهر الوضوء، بل عما خفي من باطن الأنف والأصابع، فإن الخطاب بـ (أسبغ) إنما يتوجه لمن علم صفة الوضوء، والله أعلم.\nوأما الرواية الثانية فهي من طريق ابن جريج، عن إسماعيل بن كثير، أخرجها أبو داود (١٤٣) (١٤٤)، ومن طريقه أخرجها البيهقي في «السنن الكبرى» (١/ ٥٢) وسندها صحيح، كما قال الحافظ (^٤) إلا أن هذه اللفظة وهي ذكر المضمضة لم يتفق عليها سائر الرواة، وقد ذكرها أبو داود مفردة عن الحديث، كما تبين من السياق، ولذا لم ينتبه لها بعض الفقهاء، فأنكروا وجود الأمر بالمضمضة في الحديث، كما فعل ابن حزم عندما ذهب إلى أن المضمضة غير واجبة قال: لأنه لم يصح عن النبي ﷺ في المضمضة أمر (^٥)، وكذا قال ابن عبد البر (^٦)، وابن رشد (^٧)، والظاهر أن الحافظ ذكرها - مع أن المضمضة تقدمت في حديث عثمان في صفة وضوء النبي ﷺ - لأن هذه الرواية فيها أمر بالمضمضة، وما تقدم فعل.\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (٩/ ١٥).\n(^٢) \"مصابيح السنة\" (٢٧٦).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ١٩٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٢٦٢).\n(^٥) \"المحلى\" (٢/ ٤٩).\n(^٦) \"الاستذكار\" (٢/ ١٢).\n(^٧) \"بداية المجتهد\" (١/ ٣٩).","vol":"1","page":175},{"text":"الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أسبغ الوضوء) بفتح الهمزة أي: بالغ في إكماله وأَوْفِ كل عضو حقه، من قولهم: درع سابغة: إذا كانت طويلة تغطي البدن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ [لقمان: ٢٠] أي: أضفاها وعممها، وقوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١] أي: دروعًا سابغات.\n\nقوله: (وخلل بين الأصابع) التخليل: تفريق أصابع اليدين والرجلين في الوضوء، وأصله: من إدخال شيء في خلل شيء، وهو وسطه، والمراد هنا: أدخل الماء بين الأصابع.\nوالمراد بالأصابع: أصابع اليدين والرجلين، لحديث ابن عباس ﵄: «إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك» (^١).\nوقد ورد تفسير التخليل في حديث المستورد بن شداد الفهري قال: (رأيت النبي ﷺ إذا توضأ دلك أصابع رجليه بخنصره (^٢». والظاهر أن المراد خنصر اليد اليسرى؛ لأن التخليل تطهير وإزالة قذر، فيشرع باليسرى على الأصل المعروف شرعًا، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nوأما أصابع اليدين فالأكمل في تخليلها أن يضع بطن الكف اليمنى على اليسرى، ويدخل الأصابع بعضها في بعض.\n\nقوله: (وبالغ في الاستنشاق) أي: ابذل الجهد واستقص بإيصال الماء إلى أقصى الأنف، والاستنشاق تقدم تفسيره.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٩)، وابن ماجه (١/ ٨٧) من طريق موسى بن عقبة، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، وصالح هذا قد اختلط في آخر عمره، ولكن موسى بن عقبة سمع منه قبل اختلاطه، وفي \"علل الترمذي\" ص (٣٤) أن البخاري قال: (هو حديث حسن).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٤٨)، والترمذي (٤٠)، وأخرجه أحمد (٢٩/ ٥٣٧) ولفظه: (إذا توضأ خلل أصابع رجليه بخنصره) وهذا إسناد رجاله ثقات من رجال مسلم، غير يزيد بن عمرو المعافري -فهو صدوق حسن الحديث- وغير عبد الله بن لهيعة فقد ساء حفظه -كما تقدم-، وقد توبع كما ذكر الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ١٠٥) لكنها معلولة، انظر: \"موسوعة أحكام الطهارة\" (٩/ ٢٨١).","vol":"1","page":176},{"text":"قوله: (إلا أن تكون صائمًا) أي: فلا تبالغ، خشية أن ينزل شيء من الماء إلى حلقه فَيُفَطِّرُهُ.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على الأمر بإسباغ الوضوء، وهل هذا واجب أو مستحب؟\nالإسباغ نوعان:\n١ - إسباغ واجب، وهو ما لا يتم الوضوء إلا به، ويراد به غسل المحل واستيعابه.\n٢ - إسباغ مستحب، وهو ما يتم الوضوء بدونه، ويراد به ما زاد على الواجب من الغسلة الثانية والثالثة، فهذا مندوب إليه، والصارف من حمل الأمر في الحديث على الوجوب قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وهذا أمر بالغسل، وهو مطلق، فيصدق على من أسبغ بالغسلة الثانية والثالثة، ومن اقتصر على غسلة واحدة.\nوعلى هذا فالأمر في الحديث مشترك بين الوجوب والاستحباب، وهو مبني على جواز استعمال المشترك في معنييه.\nومن منع استعمال المشترك في معنييه، قال: إن المراد بالحديث المعنى الثاني، وهو ما زاد على الغسلة الواجبة، لما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات»، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» (^١).\nووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أثنى على من أسبغ الوضوء، وبَيَّنَ فضله، وهذا لا يكون إلا بالزيادة على قدر الإجزاء.\n\nالوجه الخامس: الحديث يدل بظاهره على وجوب تخليل الأصابع،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥١).","vol":"1","page":177},{"text":"وهذا قول المالكية على خلاف عندهم، هل هو في أصابع اليدين والرجلين، أو يجب في أصابع اليدين، ويستحب في أصابع الرجلين؟ وذلك لأن أصابع الرجلين متقاربة فهي أشبه بالعضو الواحد، فلا يلزم تخليلها، وأما أصابع اليدين فهي متفرقة، فاعتبر كل إصبع كعضو مستقل، يجب تدليكه (^١).\nوذهب الجمهور إلى أن التخليل مستحب وليس بواجب، إذا وصل الماء إلى ما بين الأصابع، فإن لم يصل إلا بالتخليل فهو واجب اتفاقًا (^٢).\nواستدل الجمهور بظاهر القران، وهو قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ..﴾ قالوا: فأمر الله تعالى بالغسل، وهو يصدق على مجرد وصول الماء إلى البشرة بدون تخليل، والتخليل أمر زائد لا يثبت إلا بدليل بَيِّنٍ على الوجوب، فيصرف الأمر في حديث لقيط إلى الندب، ولأن جميع من وصفوا وضوء النبي ﷺ لم يذكروا التخليل، فالجمع بين حديث لقيط وهذه الأحاديث هو حمله على الاستحباب، قال ابن القيم: (وكذلك تخليل الأصابع لم يكن يحافظ عليه، وفي السنن عن المستورد بن شداد: (رأيت النبي ﷺ إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره). وهذا إن ثبت فإنما كان يفعله أحيانًا، ولهذا لم يروه الذين اعتنوا بضبط وضوئه، كعثمان وعلي وعبد الله بن زيد والرُّبَيِّع وغيرهم، على أن في إسناده عبد الله بن لهيعة) (^٣).\nوهذا هو الأظهر إن شاء الله، وهو أنه إن توقف إيصال الماء لما بين الأصابع على التخليل كأن يكون الماء قليلًا فالتخليل واجب؛ لأن الله تعالى أمر بالغسل، وهو لا يتم إلا بالتخليل، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nوإن كان الماء كثيرًا بحيث يصل الماء إلى ما بين الأصابع بدون تخليل فهو مستحب وليس بواجب، والله أعلم.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على استحباب المبالغة في الاستنشاق إلا للصائم فليست مستحبة، لئلا تؤدي المبالغة في الاستنشاق إلى دخول الماء\n_________\n(^١) انظر: \"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير\" (١/ ٨٧).\n(^٢) انظر: \"المغني\" (١/ ١٥٢).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (١/ ٩٨).","vol":"1","page":178},{"text":"من الأنف إلى الحلق فيفسد الصوم، ويلحق بالاستنشاق المضمضة، فيحتاط فيهما الصائم، وإنما اقتصر على ذكر الاستنشاق؛ لأن الإنسان يتمكن من المضمضة فلا يذهب إلى جوفه شيء أكثر من تمكنه من الاستنشاق.\nوالصارف للأمر عن الوجوب أنه لو كانت المبالغة واجبة لما منعت من أجل الصيام.\n\nالوجه السابع: الحديث دليل على وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء لقوله: «وبالغ في الاستنشاق» ولما تقدم من الأمر بها، ولقوله في المضمضة: «إذا توضأت فمضمض» وهذا أمر والأمر للوجوب، وهذا مذهب الإمام أحمد، وبه قال ابن المبارك، وابن أبي ليلى، وإسحاق بن راهويه (^١).\nوالقول الثاني: أن المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء، فمن تركهما صح وضوؤه، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، واختاره ابن المنذر، وإليه رجع عطاء، كما ذكر ابن المنذر (^٢)، واستدلوا باية المائدة ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾.\nوجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بغسل الوجه، وهو ما تحصل به المواجهة، دون باطنه وهو الفم والأنف، ولأن النبي ﷺ قال: «عشر من الفطرة .. وذكر منها المضمضة والاستنشاق» (^٣)، والفطرة: هي السنة.\nقالوا: وأحاديث الأمر بهما محمولة على الندب؛ لأنها إن حملت على الوجوب اقتضت معارضة الآية؛ لأن المقصود بها تأصيل هذا الحكم وتبيينه.\nوالقول الثالث: أن الاستنشاق واجب والمضمضة سنة، وهو قول جماعة من أهل الظاهر، منهم ابن حزم، وهو قول أبي ثور، ورواية عن أحمد (^٤).\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ١٦٦).\n(^٢) \"الأوسط\" (١/ ٣٧٨)، \"المغني\" (١/ ١٦٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٦٠).\n(^٤) \"المحلى\" (٢/ ٤٩)، \"بداية المجتهد\" (١/ ٣٨)، \"الإنصاف\" (١/ ١٥٢).","vol":"1","page":179},{"text":"واستدلوا بأن الاستنشاق نُقِلَ من فعله ﷺ، ومن أمره - كما تقدم - وأما المضمضة فقد نقلت من فعله، ولم تنقل من أمره.\nوالراجح هو القول الأول لقوة دليله، وهو حديث الباب، ولأن كل من وصف وضوء النبي ﷺ مستقصيًا ذكر أنه تمضمض واستنشق واستنثر، ومداومته عليهما يدل على وجوبهما؛ لأن فعله ﷺ يصلح أن يكون بيانًا وتفصيلًا للوضوء المأمور به في كتاب الله تعالى؛ لأنه هو المبيِّن عن الله ﷿ مراده، وقد بيَّن أن مراد الله تعالى بقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ المضمضة والاستنشاق مع غسل سائر الوجه، وعلى هذا فلا معارضة.\nقال ابن القيم: (ولم يتوضأ ﷺ إلا تمضمض واستنشق، ولم يحفظ عنه أنه أخلّ به مرة واحدة) (^١) وأما كونهما من الفطرة فلا ينفي وجوبهما، لاشتمال الفطرة على الواجب والمندوب، وقد ذكر فيها الختان، وهو واجب.\nوأما قول أصحاب القول الثالث: إنه لم يثبت الأمر بالمضمضة. فهو إما ذهول منهم عن رواية أبي داود - كما تقدم - وإما أنهم لا يرون صحتها.\nولا يصح التفريق بين المضمضة والاستنشاق، فإن النبي ﷺ جمع بينهما - كما تقدم ـ.\n\nالوجه الثامن: استدل العلماء بهذا الحديث على قاعدة (سَدِّ الذرائع) وهي جمع ذريعة، وهي الفعل الذي ظاهره مباح، لكنه وسيلة إلى فعل محرم.\nووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ نهى عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان الإنسان صائمًا، فالاستنشاق أمر مشروع في الوضوء، لكنه قد يفضي عند المبالغة فيه إلى إفساد الصوم.\nكما يستفاد منه أنه ينبغي للصائم أن يتجنب كل ما من شأنه أن يتطرق منه الإفساد للصوم ولو على سبيل الاحتمال.\nوالقول بسد الذرائع هو مذهب المالكية والحنابلة، وقال أبو حنيفة\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (١/ ١٩٤).","vol":"1","page":180},{"text":"والشافعي: إن سد الذريعة لا يعتبر أصلًا تُبنى عليه الأحكام. وفي المسألة تفاصيل محلها كتب الأصول، ليتبين محل النزاع، ولأن هناك مسائل اتُفق فيها على سد الذريعة (^١)، لكن القول بسد الذرائع هو الذي تدل عليه نصوص الكتاب والسنة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]\nووجه الدلالة: أن الله تعالى حرم سَبَّ الهة المشركين مع كون السب حميةً لله، وإهانة لآلهتهم، حرم ذلك لكونه ذريعة إلى سب الله تعالى، والمصلحة في ترك مسبتهم أرجح من مصلحة سب الهتم، وهذا دليل على المنع من الجائز، لئلا يؤدي إلى المحرم.\nومن السنة: نهي النبي ﷺ أن يجمع بين المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها في النكاح؛ لأن ذلك ذريعة إلى القطيعة المحرمة (^٢).\n\nالوجه التاسع: يستدل بهذا الحديث على القاعدة الفقهية (درء المفاسد أولى من جلب المصالح) بمعنى: أن الأمر إذا دار بين درء مفسدة وجلب مصلحة، كان درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، ووجه دلالة الحديث على ذلك: أن المبالغة في الاستنشاق فيها مصلحة امتثال أمر الشرع - لأنه مصلحة دينية يثاب عليها المكلف، ومصلحة نقاء الأنف ـ، فسقطت هذه المصلحة في مقابل مفسدة الفطر في الصوم، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"إعلام الموقعين\" (٣/ ١٤٧)، \"إرشاد الفحول\" ص (٢٤٦)، و\"أصول مذهب الإمام أحمد\" ص (٤٩٧) وما بعدها.\n(^٢) سيأتي ذلك في كتاب النكاح -إن شاء الله تعالى-.","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type='title' id=toc-43>حكم تخليل اللحية في الوضوء</span>\n٤٠/ ٩ - عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَان يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ فِي الوُضُوءِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه الترمذي (٣١) في «أبواب الطهارة» باب «ما جاء في تخليل اللحية»، وابن خزيمة (١٥١، ١٥٢) من طريق عامر بن شقيق، عن أبي وائل - شقيق بن سلمة ـ، عن عثمان ﵁، به.\nوهذا لفظ الترمذي، وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، ولعل تصحيح الترمذي له من أجل شواهده، وإلا فإن عامر بن شقيق متكلم فيه، فقد ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: (ليس بقوي)، وقال النسائي: (ليس به بأس)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^١)، وقد روى عنه شعبة، وهو لا يروي إلا عن ثقة، ومثل هذا يكون حديثه حسنًا، لكن يشكل على هذا مخالفته لجميع من روى الحديث عن عثمان ﵁، فإنهم لم يذكروا التخليل.\nوقد نقل الترمذي عن الإمام البخاري أنه قال: (أصح شيء في التخليل عندي حديث عثمان، قلت: إنهم يتكلمون في هذا الحديث، فقال: هو حسن) (^٢)، ومعلوم أن البخاري لا يريد الحسن بالمعنى الاصطلاحي.\nونقل الحافظ تصحيح الحديث عن ابن حبان (٣/ ٣٦٢)، وابن خزيمة\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٧/ ٢٤٩)، \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٦٠).\n(^٢) \"العلل الكبير\" (١/ ١١٥).","vol":"1","page":182},{"text":"(١٥١)، والحاكم (١/ ١٤٩) (^١)، وحسنه ابن الملقن، وذكر له اثني عشر شاهدًا، وتكلم عليها، ثم قال: (فهذا اثنا عشر شاهدًا لحديث عثمان ﵁، فكيف لا يكون صحيحًا؟ والأئمة قد صححوه ..) ثم ذكر جماعة ممن صححوا الحديث (^٢).\nوأما ما نقله ابن أبي حاتم عن أبيه من قوله: (لا يثبت عن النبي ﷺ في تخليل اللحية حديث) (^٣)، وما نقله أبو داود في «مسائل الإمام أحمد» حيث قال: (قلت لأحمد بن حنبل: تخليل اللحية؟ فقال: تخليلها قد روي فيه أحاديث، ليس يثبت فيه حديث) (^٤). فقد حمله ابن الملقن على أن المراد بذلك غير حديث عثمان هذا (^٥)، وهذا الجواب ليس بناهض عندي، وكلام الأئمة الكبار مقدم على كلام من جاء بعدهم، كما ذكرته فيما تقدم.\nوقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (والحق أن أحاديث التخليل يشد بعضها بعضًا، وتدل على شرعية التخليل وأنه سنة، وإن كان النبي ﷺ لا يفعله دائمًا ..).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يخلل) تخليل اللحية: إدخال الأصابع فيها عند غسلها؛ ليبلغ الماء إلى أصول الشعر، وذلك بأن يأخذ كفًا من ماء ويخلله بأصابعه كالمشط، أو يأخذ كفًا من ماء ويجعله تحتها حتى تتخلل به.\n\nقوله: (لحيته) اللحية - بكسر اللام - شعر الوجه المعروف، وهو ما نبت على اللحيين وهما عظما الوجه، وما نبت على الذقن، وهو مجتمع اللحيين في أسفل الوجه، فيلتقي رأس هذا إلى رأس هذا، ويعرف بالحنك، فهذا هو الذقن.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٦٠).\n(^٢) \"البدر المنير\" (٣/ ٣٩٤).\n(^٣) \"العلل\" (١/ ٤٥).\n(^٤) ص (٧).\n(^٥) \"البدر المنير\" (٣/ ٤٠٦).","vol":"1","page":183},{"text":"الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال بمشروعية تخليل اللحية في الوضوء، وذلك إذا كانت اللحية كثيفة وهي التي تستر البشرة.\nقال ابن القيم: (وكان ﷺ يخلل لحيته أحيانًا، ولم يكن يواظب على ذلك ..) (^١) فإذا فعله الإنسان تارة وتركه تارة كان ذلك أقرب إلى السنة والتأسي بالنبي ﷺ عند من يرى الاحتجاج بأحاديث الباب، ولأجل أن يعلم غيره أنه ليس بواجب، والنفوس إذا اعتادت شيئًا قد تلزمه وتجعله واجبًا، فما حافظ عليه النبي ﷺ نحافظ عليه، وما فعله تارة وتركه تارة فكذلك نفعله تارة وندعه تارة، وإذا كان الصحابة في عهد النبي ﷺ بحاجة إلى أن يستفيدوا من فعله ﷺ وتركه فكذا الناس بعدهم بحاجة إلى أن يستفيدوا من فعل العلماء وطلبة العلم وأن يفرقوا بين ما كان واجبًا وما كان غير واجب.\nأما اللحية الخفيفة التي لا تستر البشرة فهذه يجب غسلها وما تحتها من البشرة؛ لأنها في حكم الظاهر فيدخل في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ والوجه ما تحصل به المواجهة، وما تحت اللحية إذا كان باديًا تحصل به المواجهة، فيدخل في حكم الوجه، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (١/ ١٩٧).","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type='title' id=toc-44>مشروعية دلك أعضاء الوضوء</span>\n٤١/ ١٠ - عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِثُلُثَيْ مُدٍّ، فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعَيْهِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٢٦/ ٣٧٠) وابن خزيمة (١١٨) من طريق شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد ﵁، به.\nوهذا لفظ ابن خزيمة إلا أن فيه: (ذراعه) بالإفراد، وقد رواه عن شعبة أبو داود الطيالسي، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ومعاذ العنبري، وخالفهم محمد بن جعفر - كما يأتي ـ.\nوإسناده صحيح، حبيب بن زيد روى له الأربعة وهو ثقة، وشعبة وعباد من رجال الصحيحين، لكن اختلف فيه على شعبة فرواه غندر - وهو محمد بن جعفر - عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن جدته أم عمارة بنت كعب، كما عند أبي داود (٩٤)، ومن طريقه البيهقي (١/ ١٩٦)، والنسائي في «الصغرى» (١/ ٥٨)، وفي «الكبرى» (٧٦) فجعله غندر من حديث أم عمارة لا من حديث عبد الله بن زيد، وقد ورد في «العلل» لابن أبي حاتم قال: سألت أبا زرعة عن هذا الحديث، فقال: (الصحيح عندي حديث غندر) (^١). ونقل الحافظ عن عبد الله بن المبارك أنه قال: (إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غندر حَكَمٌ بينهم)، وقال\n_________\n(^١) \"العلل\" (١/ ٢٥).","vol":"1","page":185},{"text":"ابن مهدي: (كنا نستفيد من كتب غندر في شعبة) وكان وكيع يسميه الصحيح الكتاب (^١).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (بثلثي مد) المد: بضم الميم وتشديد الدال، وحدةُ كيلٍ شرعية، وهي ملء كفي الإنسان المعتدل إذا ملأهما ومد يده بهما (^٢)، والمد ربع الصاع باتفاق الفقهاء، وهو رطل وثلث، بناء على أن الصاع يزن خمسة أرطال وثلث، الرطل، وهذا عند الشافعية والحنابلة والمالكية (^٣).\n\nقوله: (فجعل يدلك) جعل: من أفعال الشروع، واسمها ضمير مستتر يعود على النبي ﷺ، وجملة (يدلك) خبر (جعل)، ويدلك: بضم اللام ماضيه دلك، من باب (نصر) والدلك: إمرار اليد الغاسلة على العضو المغسول مع الماء.\nوالغسل: جريان الماء وإسالته على الأعضاء، وعلى هذا فالدلك غسل وزيادة؛ لأن الغسل لا يشترط فيه إمرار اليد على العضو، أما المسح: فهو إمرار اليد على الشيء الممسوح.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب التقليل في ماء الوضوء ومثله الغسل، وأن هذا هو هدي النبي ﷺ، وهذا أقل قدر توضأ به النبي ﷺ، وعن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، وسيأتي إن شاء الله.\nولا خلاف أن هذا القدر ليس بحد لازم لا يجوز تجاوزه، بل العبرة في ذلك بأداء الواجب وعدم الإسراف، وذلك يختلف باختلاف الناس وأجسادهم ولباقتهم، ولذا اختلف المقدار في حديث أنس عن حديث عبد الله بن زيد ﵄.\nوقد نقل الإجماع غير واحد على أن الطهارة غير مقدرة بقدر معين، قال النووي: (أجمع المسلمون على أن الماء الذي يجزئ في الوضوء والغسل غير\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٨٥).\n(^٢) \"القاموس\" (٤/ ٢١٥).\n(^٣) \"الإيضاح والتبيان\" ص (٥٦ - ٥٧).","vol":"1","page":186},{"text":"مقدر، بل يكفي فيه القليل والكثير، إذا وجد شرط الغسل وهو جريان الماء على الأعضاء). وقال أيضًا: (أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء ولو كان على شاطئ البحر) (^١).\nومما يدل على تحريم الإسراف في الماء حديث عبد الله بن مغفل ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» (^٢).\nفعلى المسلم أن يعوّد نفسه الاقتصاد في الماء، ويحذر من الإسراف الذي وقع فيه كثير من الناس اليوم، بسبب استعمال الأنبوب في الوضوء، ولأجل التعود على الاقتصاد ينبغي للإنسان أن يستعمل إناء يضع فيه ماء الوضوء، لكي يأمن من الإسراف.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية دلك أعضاء الوضوء، والجمهور من أهل العلم على استحبابه وعدم وجوبه، خلافًا للمالكية (^٣)؛ لأن الله تعالى أمر بالغسل في اية الوضوء، والغسل لا يشترط فيه إمرار اليد، كما قرره طائفة من أهل اللغة؛ لأنه إسالة الماء على العضو، وإذا ثبت ذلك فلا وجه لاشتراطه؛ لأنه أمر زائد على ظاهر القران وعلى الدلالة اللغوية للفظ الغسل.\nلكن إن كان إتمام الوضوء يتوقف على الدلك كأن يكون الماء قليلًا وجب إمرار اليد على العضو من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وعلى هذا يحمل هذا الحديث، فإن وضوء النبي ﷺ بثلثي مد لا يتم إلا بالدلك، وإن كان لا يترتب عليه إتمام الواجب فهو مستحب، لما تقدم، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٤١).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٩٦) وأحمد (٢٧/ ٣٥١)، وأخرجه ابن ماجه (٣٨٦٤) وليس فيه الاعتداء في الطهور، والحاكم (١/ ١٦٢)، والبيهقي (١/ ١٩٦)، وهو حديث حسن.\n(^٣) \"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ١٧٠)، \"المجموع\" (١/ ٤٦٥).","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type='title' id=toc-45>مشروعية أخذ ماء جديد للرأس</span>\n٤٢/ ١١ - عن عبد الله بن زيد ﵁؛ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَأْخُذُ لأُذُنَيْه مَاءً خِلافَ المَاءِ الَّذي أَخَذَ لِرَأْسِهِ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهقِيُّ. وَهُوَ عِندَ (مُسْلم) مِنْ هذَا الوَجْهِ بِلَفْظِ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيرِ فَضْلِ يَدَيْه، وَهُوَ المَحْفُوظُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث له روايتان: الأولى: أخرجها البيهقي في «سننه» (١/ ٦٥) من رواية الهيثم بن خارجة، عن عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن حبان بن واسع الأنصاري، أن أباه حدثه أنه سمع عبد الله بن زيد، يذكر أنه رأى … الحديث. وقال: (هذا إسناد صحيح).\nوالثانية: أخرجها مسلم (٢٣٦) من طريق هارون بن معروف، وهارون ابن سعيد الأيلي، وأبو الطاهر (^١) عن ابن وهب، به.\nقال الحافظ: وهو المحفوظ، والمحفوظ عند المحدثين ما يقابل الشاذ، فالمحفوظ: ما رواه الأوثق مخالفًا لرواية الثقة، والشاذ ما رواه المقبول مخالفًا لمن هو أولى منه.\nفرواية البيهقي شاذة؛ لأن الهيثم بن خارجة وإن كان ثقة، لكنه مخالف لمن هو أكثر منه، حيث رواه جماعة عن ابن وهب - كما تقدم - بلفظ (أنه\n_________\n(^١) هو أحمد بن عمرو بن سرح البصري.","vol":"1","page":188},{"text":"مسح برأسه بماء غير فضل يده)، فتكون روايته غير صحيحة وإن كان رواتها ثقات، لعدم سلامتها من الشذوذ، الذي هو شرط في صحة الحديث، وقد أورد البيهقي لفظ مسلم وقال: (وهذا أصح من الذي قبله).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن مسح الأذنين يكون بفضل ماء الرأس، ولا يؤخذ لهما ماء جديد؛ لأن الأذنين من الرأس - كما تقدم - ولأن الذين وصفوا وضوء النبي ﷺ لم يذكروا أنه أخذ ماء جديدًا لأذنيه، قال ابن القيم: (ولم يثبت أنه ﷺ أخذ لهما ماء جديدًا) (^١).\nوقد نسب ابن المنذر إلى مالك والشافعي وأحمد أنهم يرون أن يأخذ المتوضئ ماء جديدًا لأذنيه، ثم قال: (وغير موجود في الأخبار الثابتة التي فيها صفة وضوء رسول الله ﷺ أخذه لأذنيه ماء جديدًا …) (^٢).\nلكن لو فرض أن شعره كثيف، وقد استغرق ما في يديه ولم يبق بهما بلل، فلا بأس أن يأخذ لأذنيه ماء جديدًا، فإن كانتا رطبتين كفى ذلك لمسح الأذنين.\n\nالوجه الثالث: مسح الرأس قد ورد في حديث عثمان ﵁ المتقدم أول الباب، وإنما ذكر الحافظ هذا الحديث لأن فيه بيان مشروعية أخذ ماء جديد للرأس، فهو دليل على أن مسح الرأس يكون بماء جديد غير فضل يديه؛ لأن اليد عضو مستقل، والرأس عضو مستقل، وهذا قول الجمهور من أهل العلم.\nوفي حديث عبد الله بن زيد في وصف وضوء النبي ﷺ: (ثم أدخل يده في الإناء فمسح برأسه ..) (^٣) وتقدم.\nقال الترمذي بعد حديث عبد الله بن زيد: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: رأوا أن يأخذ لرأسه ماء جديدًا). اهـ (^٤).\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (١/ ١٩٥).\n(^٢) \"الأوسط\" (١/ ٤٠٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٢).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (١/ ٥٢).","vol":"1","page":189},{"text":"وجاء في حديث حمران مولى عثمان عن عثمان ﵁ في وصفه وضوءه ﷺ وفيه قال حمران: (ثم أدخل يده فأخذ ماء فمسح برأسه … الحديث (^١».\nوهكذا جاء في حديث علي ﵁: (ثم جعل يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة) (^٢).\nوذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز أن يمسح رأسه بما بقي من أعضائه السابقة، فمنهم من يقول بفضل يديه، ونسبه ابن المنذر إلى الحسن وعروة والأوزاعي (^٣)، ومنهم من قال: يمسح رأسه ببلل لحيته، وهو لبعض المالكية، كما ذكر ابن العربي (^٤) وابن عبد البر (^٥).\nولعلهم يستدلون بحديث الرُّبيِّع، وفيه: (ومسح رأسه من فضلِ ماءٍ كان في يده) (^٦) ولأن المسح مبني على التخفيف.\nوالقول الأول أرجح، لقوة دليله، فإن حديث عبد الله بن زيد وما ذكر معه حجة على من ذُكر، إلا إن حملوا أفعال النبي ﷺ التي ليست بيانًا للمجمل على الندب (^٧)، لكن الظاهر أن فعله ﷺ بيان لمجمل كيفية مسح الرأس، والله أعلم.\nأما حديث الربيع ففي سنده مقال، وفي متنه اضطراب، فهو من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد تقدم الكلام فيه (^٨)، وأما اضطراب متنه فإن ابن ماجه أخرجه من طريق شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع، وفيه: (وأخذ ماء جديدًا فمسح به رأسه ..) (^٩) فما في رواية مسلم مقدم عليه عند التعارض.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٠٨).\n(^٢) تقدم رقم (٣٤).\n(^٣) \"الأوسط\" (١/ ٥٩٢).\n(^٤) \"أحكام القرآن\" (١/ ٥٧٣).\n(^٥) \"الاستذكار\" (٢/ ٣٥).\n(^٦) تقدم تخريجه.\n(^٧) \"البدر المنير\" (١/ ٣٨٦).\n(^٨) انظر الحديث رقم (٣٥).\n(^٩) \"سنن ابن ماجه\" (٣٩٠).","vol":"1","page":190},{"text":"الوجه الرابع: ورد في حديث ابن عباس ﵄ في بيان الصفة المشروعة في كيفية أخذ الماء الذي يمسح به الرأس، ولفظه قال: (ألا تحبون أن أريكم كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟) وساق الحديث، إلى أن قال: (ثم قبض قبضة من الماء، ثم نفض يده ثم مسح بها رأسه وأذنيه ..) (^١)، فهذه الصفة الأولى، وهي أن يأخذ بيده اليمنى قبضة من الماء ثم ينفضها ويمسح بما فَضَلَ رأسه.\nوفيه صفة ثانية وهي أن يغرف غرفة بيده اليمنى ثم يتلقاها بشماله حتى يضعها على رأسه من غير نفض يديه، ودليلها أن معاوية ﵁ توضأ للناس كما رأى رسول الله ﷺ يتوضأ، فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء، فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر، ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدمه (^٢).\nوأما الصفة الثالثة التي عليها أكثر الناس، وهي أن يأخذ غرفة بيمينه ثم يتلقفها بشماله وينفضها نفضًا خفيفًا ثم يمسح بهما معًا، فلم أقف عليها، والظاهر جوازها؛ لأن الله تعالى أمر بمسح الرأس، وهذا قد مسح رأسه بيديه فيجزئ، لكن اتباع الوارد والتأسي بالنبي ﷺ أفضل، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٣٧) وسنده حسن، كما في \"صحيح أبي داود\" للألباني (١/ ٢٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٢٤) بإسناد صحيح، كما قال الألباني (١/ ٢٦) رقم (١١٥).","vol":"1","page":191},{"text":"بيان<span data-type='title' id=toc-46> فضيلة الوضوء وثوابه</span>\n٤٣/ ١٢ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلمٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» «باب فضل الوضوء» (١٣٦) ومسلم (٢٤٦) (٣٥) في «الطهارة»، من طريق نُعيم بن عبد الله المُجْمِرِ، عن أبي هريرة ﵁، وهذا لفظ مسلم كما ذكر الحافظ، وأما لفظ البخاري فهو: «إن أمتي يدعون يوم القيامة …» وباقي الحديث سواء.\nوفي لفظ لمسلم: (عن نُعيم المجمر قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، وقد قال رسول الله - ﷺ -: «أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله»).\n\nوقوله: (فمن استطاع … إلخ) مدرج من كلام أبي هريرة ﵁، فهمها أبو هريرة من قوله: (غرًا محجلين)، أدرجها في الحديث الراوي عنه، وهو نُعيم المجمر، قال الحافظ (ولم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا","vol":"1","page":192},{"text":"الحديث من الصحابة وهم عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نُعيم هذه، والله أعلم) (^١).\nوقد أخرج الإمام أحمد هذا الحديث في مسنده (١٤/ ٣٥٤) من رواية ليث بن أبي سليم، عن كعب المدني (^٢)، عن أبي هريرة ﵁ وفي اخره: «فمن استطاع» وإسناده ضعيف، لضعف ليث بن أبي سليم، بسبب اختلاطه، ولجهالة كعب المدني، فيكون روى هذه اللفظة عن أبي هريرة اثنان، وقد خفيت على الحافظ رواية كعب هذه، والله أعلم.\nوأخرج الحديث - أيضًا - (١٤/ ١٣٦) من طريق فليح بن سليمان، عن نعيم نحوه، وزاد فقال نعيم: (لا أدري قوله: «فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل» من قول رسول الله ﷺ أو من قول أبي هريرة؟) وفليح بن سليمان متكلم فيه من قبل حفظه، وقد احتج به الشيخان.\nوقد رجح كثير من الحفاظ والمحققين أن هذه اللفظة مدرجة، منهم الحافظ المنذري (^٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٤)، وابن القيم (^٥)، والحافظ ابن حجر، والشيخ عبد العزيز بن باز، رحم الله الجميع.\nوعلى هذا فتكون اللفظة مدرجة من كلام أبي هريرة ﵁ لما يلي:\n١ - أن الحديث رواه عدد من أصحاب النبي ﷺ كابن مسعود وجابر ابن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأبي أمامة وحذيفة وغيرهم ﵃، ولم يذكروا هذه الزيادة، وهذا يؤيد أنها من كلام أبي هريرة، لا من كلام النبي ﷺ.\n٢ - أن إطالة الغرة غير متيسرة؛ لأن الوجه مستقل، والرأس مستقل، فإذا أطال وزاد أخذ من الرأس، والرأس فرضه المسح.\n٣ - أن النبي ﷺ لم يحفظ عنه أنه أطال الغرة ولا التحجيل، بل كان\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٣٦).\n(^٢) هو أبو عامر المدني، مجهول، كما في \"التقريب\".\n(^٣) \"الترغيب والترهيب\" (١/ ١٤٩).\n(^٤) \"الفتاوى\" (١/ ٢٧٩).\n(^٥) \"حادي الأرواح\" ص (١٣٧)، و\"النونية\" ص (٢٣١).","vol":"1","page":193},{"text":"يغسل ذراعيه حتى يشرع في العضد، ورجليه حتى يشرع في الساقين، وذلك لإدخال المرفقين والكعبين في العضد والساق، كما في لفظ مسلم المتقدم، ولم ينقل عنه زيادة على ذلك.\n٤ - ما أخرجه مسلم عن أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة ﵁ وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يديه حتى تبلغ إبطيه، فقلت: يا أبا هريرة، ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فَرُّوخ (^١) أنتم هاهنا؟ لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي ﷺ يقول: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» (^٢).\nفهذا ليس فيه جملة «فمن استطاع» ولو كانت من كلام النبي ﷺ لأوردها أبو هريرة محتجًا بها على أبي حازم الذي أظهر له الارتياب من مد يده إلى إبطه، ولم يحتج إلى الاستنباط الذي قد يخطئ وقد يصيب، ثم لو كان صوابًا لم يصل إلى درجة النص في قوة الإقناع.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إن أمتي) أي: جماعتي، والمراد بهم أمة الإجابة، وهم من امن به واتبعه؛ لأنهم هم الذين يظهر عليهم أثر الوضوء.\n\nقوله: (يأتون) هذه رواية مسلم، وفي لفظ البخاري: (يُدعون) كما تقدم، ولعل اللفظ الأول رُتِّبَ على الثاني، أي: يدعون فيأتون، والمعنى - والله أعلم - يدعون إلى موقف الحساب أو إلى الميزان أو إلى غير ذلك من مواقف يوم القيامة.\nوالمراد: أنهم يدعون يوم القيامة من بين الأمم، ووجوههم وأيديهم وأرجلهم تتلألأ نورًا وبياضًا من اثار الوضوء الذي يفعلونه في الدنيا تعبدًا له تعالى، وتعظيمًا لشأن الصلاة.\n_________\n(^١) فَرُّوخ: بفتح الفاء وتشديد الراء يقال: إنه من ولد إبراهيم - ﵇ - بعد إسحاق وإسماعيل، فكثر نسله ونما عدده، فولد العجم الذين هم في وسط البلاد، وأراد أبو هريرة هنا الموالي [شرح النووي (٣/ ١٤٢)].\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٢٥٠).","vol":"1","page":194},{"text":"قوله: (يوم القيامة) أي: يوم يقوم الناس من قبورهم للحساب والجزاء، وهذا اليوم سمي بعدة أسماء فهو يوم القيامة - لما ذكر - وقد ورد بهذا الاسم في كتاب الله تعالى في سبعين اية، واليوم الآخر لأنه لا يوم بعده، ويوم الآزفة لقربه، ويوم الجمع لأن الله يجمع فيه أهل السماء والأرض، ويوم التغابن، والقارعة، ويوم الفصل، إلى غير ذلك مما ورد في القران صريحًا أو استنباطًا، وكل ما عظم شأنه عند العرب تعددت أسماؤه، والقيامة لما عظم أمرها وكثرت أهوالها سماها الله تعالى بأسماء عديدة، ووصفها بأوصاف كثيرة.\n\nقوله: (غرًا) حال من فاعل «يأتون» وهو جمع: أغرّ، والغرة بياض في وجه الفرس يقال: غرَّ وجهه يَغَرُّ - بالفتح - غررًا وغرة وغِرارة: صار ذا غرة، والمعنى: أن أمة محمد ﷺ يأتون يوم القيامة تلمع وجوههم بياضًا ونورًا من اثار الوضوء - نسأل الله بركة ذلك اليوم بمنه وكرمه ـ.\n\nقوله: (محجلين) حال ثانية، والتحجيل: بياض في قوائم الفرس كلها، وقيل: في ثلاث قوائم، في رجل ويدين، والمعنى: أن في أيديهم وأرجلهم بياضًا ونورًا من اثار الوضوء.\nوقد استوفى ﷺ بذكر الغرة والتحجيل جميع أعضاء الوضوء، فإن الغرة بياض في الوجه، والتحجيل بياضهم في اليدين والرجلين، والرأس داخل في مسمى الغرة.\n\nقوله: (من أثر الوضوء) من: للتعليل، وأثر: بالإفراد رواية مسلم، وفي رواية أخرى: «من اثار»، وهي رواية البخاري، وأثر الشيء: ما يعقبه ناشئًا عنه، والوضوء: بضم الواو، أي: الفعل.\n\nقوله: (فمن استطاع منكم أن يطيل ..) أي: من قدر منكم أن يمد ويزيد غرته فليفعل، أي: فليطل غرته، وفي لفظ لمسلم: «فليطل غرته وتحجيله» واقتصر على الغرة في لفظ حديث الباب لدلالته على الآخر.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على فضيلة الوضوء وعظم ثوابه وأنه","vol":"1","page":195},{"text":"سبب لاشتهار هذه الأمة من بين الأمم يوم القيامة، وذلك ببياض وجوههم وأيديهم وأرجلهم.\nوقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت خليلي ﷺ يقول: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» (^١).\nوالمراد: حلية المؤمن في الجنة من مصوغ الذهب وغيره.\n\nالوجه الرابع: استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، وقد نسبه الحافظ إلى الحَلِيمِي (^٢) وهو من محدثي الشافعية وفقهائهم، ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ خص الغرة والتحجيل بهذه الأمة، ولو كان الوضوء لغيرهم لثبت لهم ما ثبت لهذه الأمة.\nوالقول الثاني: أن الوضوء ليس مختصًا بهذه الأمة، بل كان موجودًا فيمن قبلهم، وإنما الذي اختصت به الغرة والتحجيل، والدليل على عدم اختصاصها بالوضوء حديث أبي هريرة ﵁ في قصة سارة زوج الخليل - ﵊ - وفيه أن سارة لما طلبها الجبار وأرسل بها الخليل إليه، فقام إليها، فقامت تتوضأ وتصلي، فقالت: «اللهم إن كنتُ آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط عليَّ الكافر .. الحديث» (^٣). فهذا صريح في العمل بالوضوء قبل هذه الأمة، وكذا ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ - أيضًا - في قصة جريج الراهب، وفيها: «فتوضأ وصلى» (^٤).\nوهذا هو الأظهر - إن شاء الله تعالى - لقوة دليله، ويؤيده حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن حوضي أبعدُ من أيلةَ من عدن، لهو أشد بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم، وإني لأصد الناس عنه كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه»،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٣٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٢١٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٤٣٦)، ومسلم (٢٥٥٠).","vol":"1","page":196},{"text":"قالوا: يا رسول الله أتعرفنا يومئذ؟ قال: «نعم، لكم سيما ليست لأحد من الأمم، تَرِدُونَ عليَّ غرًا محجلين من أثر الوضوء» (^١).\nفهذا يدل على أن الوضوء ليس من خصائص هذه الأمة، وإنما الذي اختصت به الغرة والتحجيل؛ لأنه جعل ذلك علامة لهم دون غيرهم من الأمم.\n\nالوجه الخامس: اختلف العلماء في مجاوزة محل الفرض في الوضوء على قولين:\nالأول: أنه لا تشرع الزيادة على محل الفرض، وهذا مذهب المالكية والظاهرية، وبعض فقهاء الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض أصحابه (^٢)، واختار هذا القول جمع من المحققين، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، وتلميذه ابن القيم (^٤).\nالقول الثاني: تشرع الزيادة على المحل المفروض، على تفصيل عندهم في كيفية ذلك، وهذا قول الشافعية (^٥)، وطائفة من فقهاء الحنفية (^٦)، والحنابلة، وهي رواية ثانية عن الإمام أحمد، وهو مذهب أبي هريرة، وابن عمر ﵄، فقد أخرج ابن أبي شيبة، وأبو عبيد (^٧) عن ابن عمر ﵄: (أنه كان يتوضأ في الصيف فربما بلغ في الوضوء إبطيه).\nقال النووي: (اختلفوا في قدر المستحب على أوجه: أحدها: أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت، والثاني: يستحب إلى\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٤٧).\n(^٢) انظر: \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١٠٣)، \"الإنصاف\" (١/ ١٦٨).\n(^٣) \"الفتاوى\" (١/ ٢٧٩).\n(^٤) \"زاد المعاد\" (١/ ١٩٦).\n(^٥) \"المجموع\" (١/ ٤٢٨).\n(^٦) \"رد المحتار\" (١/ ٢٥٦).\n(^٧) \"المصنف\" (١/ ٥٥)، \"الطهور\" ص (١١٦). قال ابن حجر في \"فتح الباري\" (١/ ٢٣٦): (إسناد حسن) وسكت عنه في \"التلخيص\" (١/ ١٠٠)، وقد تعقبه الألباني في \"الضعيفة\" (٣/ ١٠٨)؛ بأنه من رواية عبد الله بن عمر العمري، وقد قال عنه الحافظ في \"التقريب\": (ضعيف).","vol":"1","page":197},{"text":"نصف العضد والساق، والثالث: يستحب إلى المنكبين والركبتين، وأحاديث الباب تقتضي هذا كله ..) (^١). وأما الزيادة في الوجه فهي غسل شيء من مقدم الرأس.\nواستدل الأولون القائلون بعدم جواز مجاوزة محل الفرض بالكتاب والسنة، والنظر.\nأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ …﴾ الآية. ووجه الدلالة: أن الله تعالى حد محل الفرض من أعضاء الوضوء المغسولة والممسوحة، والآية من اخر ما نزل من القران، والتحديد يقتضي عدم الزيادة على ما حدد، وإلا لم يكن للتحديد فائدة.\nوأما السنة فإن الذين وصفوا وضوء النبي ﷺ كعثمان وعلي وعبد الله ابن زيد وغيرهم ﵃ لم يذكر واحد منهم أنه زاد عن المحل الذي أمر بغسله أو مسحه، بل كان يغسل ذراعيه حتى يُشرع في العضد لإدخال المرفقين، ويغسل رجليه حتى يشرع في الساق لإدخال الكعبين - كما في لفظ مسلم المتقدم - ولم ينقل عنه زيادة على ذلك، ولو كانت الزيادة مشروعة لبينها النبي ﷺ وفعلها ولو مرة واحدة.\nوأما النظر فمن وجوه:\nالأول: أن الزيادة على المحل تؤدي إلى تداخل الأعضاء، فإذا زيد في غسل الوجه تعدى إلى الرأس وأصبح الممسوح مغسولًا، والوجه مستقل والرأس مستقل، وإن قيل: الغرة في الوجه أن يغسل إلى صفحتي العنق، فالعنق عضو مستقل ليس من أعضاء الوضوء.\nالثاني: أن الزيادة تؤدي إلى كون غير المأمور به مأمورًا به، كالعضد فإنه ليس من أعضاء الوضوء.\nالثالث: أن الغرة لا يمكن إطالتها - كما تقدم - فإنها مختصة بالوجه،\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ١٣٧).","vol":"1","page":198},{"text":"فإذا دخلت في الرأس لا تسمى غرة، إذ لا غرَّة في الرأس (^١).\nأما القائلون بمشروعية الزيادة على محل الفرض فعمدتهم قوله: (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) قالوا: فأبو هريرة ﵁ قال ذلك بفهمه، فهو تفسير، وتفسير الراوي إذا لم يخالف الظاهر يجب قبوله، ولأنه لم يفعله من تلقاء نفسه، بل إنه رأى النبي ﷺ يفعل ذلك، كما تقدم في الكلام على تخريج الحديث.\nوالصواب القول الأول، لقوة دليله، وهو أنه لا يزاد على القدر الواجب، إلا لقصد استيعاب محل الفرض، وهو الذي يدل عليه إشراع النبي ﷺ في العضد والساق.\nوأما حديث الباب فإن قوله: (فمن استطاع) مدرج من كلام أبي هريرة ﵁ - كما تقدم - وما فعله اجتهاد منه ﵁، بدليل ما تقدم - أيضًا - في قصته مع أبي حازم.\nوأما فعل النبي ﷺ فليس من باب مجاوزة محل الفرض، وإنما لاستيعاب الفرض كما تقدم، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (١/ ٢٧٩).","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type='title' id=toc-47>حكم التيمن في الأمور ومنها الوضوء</span>\n٤٤/ ١٣ - عَن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيمُّن في تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع، وأولها في كتاب «الوضوء» باب «التيمن في الوضوء والغسل» (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨) (٦٧) من طريق أشعث بن سليم، عن أبيه (^١)، عن مسروق، عن عائشة ﵂، به، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: (كان يحب التيمن في شأنه كله، في نعليه وترجله وطهوره).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يعجبه) أي: يسره ويرضيه، وفي لفظٍ: (يحب التيمن) وقد علمت عائشة حبه للتيمن إما بإخباره لها بذلك، أو بالقرائن، قال ابن بطال: (وبدؤه ﵇ بالميامن في شأنه كله - والله أعلم - هو على وجه التفاؤل من أهل اليمين باليمين؛ لأنه ﵇ (كان يعجبه الفأل الحسن» (^٢).\n\nقوله: (التيمن) مصدر تيمن تيمُّنًا، مثل تعلَّم تعلُّمًا، والتيمن من الألفاظ المشتركة فيطلق على التبرك بالشيء من اليُمن - بضم الياء - وهو البركة،\n_________\n(^١) هو سليم بن أسود المحاربي الكوفي، أبو الشعثاء، مشهور بكنيته أكثر من اسمه.\n(^٢) \"شرح صحيح البخاري\" (١/ ٢٦٢)، والحديث المذكور أخرجه أحمد (٤١/ ٤٤٨)، وابن حبان (١٤٢٩) وغيرهما من حديث عائشة -﵂-، وهو حديث صحيح، له شواهد.","vol":"1","page":200},{"text":"ويطلق على الابتداء باليمين قبل الشمال، وهو المراد هنا، وورد في لفظ: (يحب التيمن ما استطاع) (^١) وهذا يفيد محافظته ﷺ على التيمن ما لم يمنع مانع - كما سيأتي إن شاء الله ـ، وقد ورد - أيضًا - عند ابن حبان: (كان يحب التيامن ما استطاع في طهوره وتنعله وترجله) (^٢)، قال المُطَرِّزِي: (يامن وتيامن: أخذ جانب اليمين)، ثم ساق لفظ ابن حبان (^٣)، وقال الجوهري: (يقال: يامنْ يا فلان بأصحابك، أي: خذ بهم يمنةً، ولا تقل: تيامن بهم، والعامة تقوله) (^٤).\n\nقوله: (في تنعله) التَّنَعُّلُ: لبس النعل، وهو مصدر تَنَعَّلَ، كالتقدُّم مصدر تقدَّم. قال في «مختار الصحاح»: (تقول: نَعَلَ وانتعل، أي: احتذى) (^٥)، وقد أَهمل المصدر، فلم يذكره، ولعله أُهمل اكتفاء بدلالة فعله عليه، وفي لفظ لمسلم: (في نعله) أي: في لبس نعله.\n\nقوله: (وترجله) أي: تسريح شعره ودهنه وتجميله. تقول: رَجَّلْتُ الشعر ترجيلًا: سرحته. سواء أكان شعرك أم شعر غيرك، وترجلت: إذا كان شعر نفسك (^٦).\n\nقوله: (وطُهوره) بضم الطاء، والمراد به فعل الطهارة في الوضوء والغسل، وأما بالفتح: فهو الماء الذي يتطهر به، كما تقدم.\nونقل ابن الأثير وغيره عن سيبويه: أن الطَّهور بالفتح يقع على الماء وعلى المصدر معًا (^٧)، فعلى هذا يجوز أن يكون الحديث بفتح الطاء وضمها، والمراد: التطهُّر، كما مضى.\n\nقوله: (وفي شأنه كله) هذا تعميم بعد تخصيص، والشأن: الأمر، أي:\n_________\n(^١) هذه الرواية عند البخاري (٤٢٦).\n(^٢) \"صحيح ابن حبان \" (٣/ ٣٧١)، وإسناده صحيح على شرط مسلم.\n(^٣) \"المُغرِّب\" ص (٥١٢).\n(^٤) \"الصحاح\" (٦/ ٢٢٢٠).\n(^٥) \"مختار الصحاح\" ص (٦٦٨)، وانظر: \"الصحاح\" (٥/ ١٨٣١).\n(^٦) \"المصباح المنير\" ص (٢٢١).\n(^٧) \"النهاية\" (٣/ ١٤٧).","vol":"1","page":201},{"text":"في جميع أموره، و(كله) تأكيد لهذا التعميم، لكن هذا العموم مخصوص بمثل دخول الخلاء والامتخاط والاستنجاء، وغير ذلك مما يكون باليسار، كما سيأتي إن شاء الله.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية البداءة بالرجل اليمنى في لبس النعل ومثلها الجوارب والخفاف، وكذلك لبس الثياب والسراويل فيبدأ بالكم الأيمن ثم الأيسر.\nأما عند نزع النعل فإنه ينزع اليسرى أولًا؛ لأن الانتعال للرِّجْلِ أفضل من الحفاء، وكذا في نزع الثياب والسراويل، قال الخطابي: (إذا كان معلومًا أن لبس الحذاء صيانة للرجل ووقاية لها، فقد أعلم أن التبدية به لليمنى زيادة في كرامتها، وكذلك التبقية لها بعد خلع اليسرى) (^١).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية البداءة بالجانب الأيمن من الرأس عند ترجيله، وكذا عند حلقه، فيعطي الحالق شقه الأيمن أولًا، ثم شقه الأيسر، وعلى هذا فالتيامن في الحلق منظور فيه إلى المحلوق لا إلى الحالق، وهو الأظهر، لما ورد في حديث أنس ﵁ في حجة النبي ﷺ وفيه: (ثم قال للحلاق: «خذ»، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ..) (^٢).\n\nالوجه الخامس: مشروعية البداءة باليمين في الوضوء والغسل، فيغسل في الوضوء اليمنى من اليدين والرجلين قبل اليسرى، وفي الغسل يبدأ بغسل الشق الأيمن من البدن قبل الأيسر.\nقال ابن المنذر: (وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه بدأ فغسل يده اليمنى ثم اليسرى في وضوئه، وكذا يفعل المتوضئ إذا أراد اتباع السنة) (^٣).\nوقال النووي: (أجمع العلماء على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنة، لو خالفها فاته الفضل، وصح وضوؤه)،\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (٦/ ٧٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣٠٥).\n(^٣) \"الأوسط\" (١/ ٣٨٦).","vol":"1","page":202},{"text":"وقال: (ثم اعلم أن من أعضاء الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن، وهو الأذنان والكفان والخدان بل يغسلهما دفعة واحدة، فإن تعذر ذلك كما في حق الأقطع ونحوه قدم اليمين، والله أعلم) (^١).\n\nالوجه السادس: ظاهر الحديث مشروعية البداءة باليمين في كل شيء، لكن خصَّ العلماء ذلك فيما كان من باب التكريم، كالأخذ والإعطاء، ولبس الثوب والسراويل والخف، ودخول المسجد وميمنة المسجد، والانتعال، والأكل والشرب وهو واجب باليمين، والمصافحة، والاكتحال، والسواك، وحلق الرأس فيبدأ بالجانب الأيمن.\nوما كان بخلاف ذلك فله اليسار كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثياب، والسراويل والخف.\nوقد جاء من أدلة التخصيص حديث حفصة ﵂ زوج النبي ﷺ أن النبي ﷺ (كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك) (^٢).\nوعن عائشة قالت: (كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى) (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ١٦٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٢)، وأحمد (٤٤/ ٦٢)، والطبراني (٢٣/ ٢٠٣) وهو من رواية أبي أيوب الأفريقي، وقد لينه أبو زرعة، ووثقه ابن حبان، وقال النووي: (إسناده جيد)، وصححه الألباني في \"صحيح سنن أبى داود\" (١/ ٩).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٣)، وأحمد (٤٣/ ٣١٨) عن إبراهيم النخعي، عن عائشة -﵂-، وإسناده ضعيف؛ لأن إبراهيم لم يسمع من عائشة، كما فال المنذري في \"مختصر أبي داود\" (١/ ٣٤)، لكن قد يقويه حديث حفصة الذي قبله، وقد جاء من رواية إبراهيم، عن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، عن عائشة عند أبي داود (٣٤)، وأحمد (٤٣/ ٣١٧)، وقد صححه الألباني كما في \"صحيح سنن أبي داود\" (١/ ٩)، والظاهر أن ذكر الواسطة شاذ، والحديث من رواية إبراهيم عن عائشة -﵂-، وعليه فهو منقطع، كما صوبه الدارقطني في \"العلل\".","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type='title' id=toc-48>الأمر بالبدء بالميامن في الوضوء</span>\n٤٥/ ١٤ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَؤُوا بِمَيَامِنِكُمْ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث ساقه الحافظ بلفظ يختلف عما عزاه إليه من كتب السنة، وذلك أن الحديث باللفظ المذكور لابن ماجه فقط (٤٠٢) وأما الباقون فلفظهم يختلف، فأبو داود أخرجه في «كتاب اللباس» (٤١٤١) ولفظه: «إذا لبستم وإذا توضأتم فابدؤوا بأيامنكم». وكذا أخرجه ابن خزيمة بهذا اللفظ في «أبواب الوضوء وسننه» (١/ ٩٠)، والترمذي أخرجه في «اللباس» أيضًا (١٧٦٦) ولفظه: (كان رسول الله - ﷺ - إذا لبس قميصًا بدأ بميامنه)، وكذا أخرجه النسائي في الكبرى (٥/ ٤٨٢) بهذا اللفظ، كلهم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ وقد رواه عن الأعمش زهير بن معاوية وشعبة.\nوبهذا يتضح أن الحديث ورد بصيغة الأمر عند أبي داود وابن ماجه وابن خزيمة فهو من السنة القولية، وورد بصيغة الإخبار عن فعل الرسول ﷺ عند الترمذي والنسائي، فهو من السنة الفعلية.\nوعلى هذا فنسبة الحديث باللفظ المذكور إلى الأربعة وابن خزيمة ليست جيدة؛ ولذا فإن المزي لم يَعْزُ الحديث إلى الترمذي والنسائي (^١)، وكذا قال ابن الملقن: (إن الترمذي لم يروه بالكلية بل ذاك حديث اخر) (^٢).\n_________\n(^١) \"تحفة الأشراف\" (٩/ ٣٥٣).\n(^٢) \"البدر المنير\" (٣/ ٤١٩).","vol":"1","page":204},{"text":"والحديث إسناده صحيح، صححه ابن خزيمة، كما ذكر الحافظ، ونقل الزيلعي عن ابن دقيق العيد أنه قال في «الإمام»: (هو جدير بأن يصحح) (^١) وصححه أيضًا ابن الملقن (^٢)، وقال النووي: (هذا حديث حسن، وإسناد جيد) (^٣).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا توضأتم) أي: شرعتم في الوضوء، فيدخل في ذلك ما في بداية الوضوء، كغسل الكفين فيبدأ باليمنى قبل اليسرى، وما في أثناء الوضوء من غسل اليدين والرجلين، لكن تقدم في كلام النووي أن غسل الكفين يكون دفعة واحدة.\n\nقوله: (بميامنكم) جمع ميمنة، والمراد: اليمين، والميمنة ضد الميسرة، قال تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ *وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة: ٨، ٩].\n\nالوجه الثالث: مناسبة ذكر هذا الحديث بعد حديث عائشة المتقدم أنه يدل على البدء باليمين في الوضوء بصيغة الأمر، فهو من السنة القولية، وما تقدم من قبيل السنة الفعلية، لكنه قدم حديث عائشة ﵂، لكونه أصلًا في التيمن على سبيل العموم، ولأنه أقوى من حديث أبي هريرة ﵁. وظاهر هذا الحديث وجوب البداءة باليمين قبل اليسار في غسل اليدين والرجلين، ويؤيد ذلك أن الأصل في الأمر الوجوب، ولأن الرسول ﷺ واظب على البدء باليمين في غسل يديه ورجليه، كما في حديث عثمان وعبد الله بن زيد وعلي، وغيرهم، ﵃، وقوله وفعله ﷺ يفسر قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الآية.\nوقد اختار القول بالوجوب الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ونسبه الرازي إلى أحمد (^٤)، قال الزركشي: (وهو منكر) (^٥)، ونقله الرافعي من\n_________\n(^١) \"نصب الراية\" (١/ ٣٤).\n(^٢) \"البدر المنير\" (٣/ ٤١٨).\n(^٣) \"المجموع\" (١/ ٣٨٢).\n(^٤) \"تفسير الرازي\" (١١/ ١٥٩).\n(^٥) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ١٧٨).","vol":"1","page":205},{"text":"الشافعية عن أحمد أيضًا (^١)، ولم أقف على ذلك فيما اطلعت عليه من كتب الحنابلة، لا سيما «المغني» و«الإنصاف»، بل قال ابن قدامة: (ولا يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى، لا نعلم فيه خلافًا ..) (^٢).\nوعلى هذا فالجمهور من أهل العلم على أن البداءة باليمين مستحبة، وقد بوّب ابن خزيمة (^٣) على هذا الحديث بقوله: (باب الأمر بالتيامن في الوضوء أمر استحباب لا أمر إيجاب)، والأمر في هذا الحديث مصروف عن ظاهره وهو الوجوب إلى الندب، والصارف له الآية الكريمة: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فإن الله تعالى أمر بغسل الأيدي والأرجل، ولم يذكر فيه تقديم اليمنى، وذلك يدل على أن الواجب غسل اليدين والرجلين بأي صفة كان.\nوالفقهاء يعدون اليدين عضوًا، والرجلين عضوًا، ولا يجب الترتيب في العضو الواحد.\nومما صرف الحديث - أيضًا - ما تقدم عن عائشة أن النبي ﷺ كان يعجبه التيمن .. الحديث، فهذا يدل على أن تقديم اليمنى في الطهارة إنما هو على سبيل الحب لذلك والسرور به، لا على سبيل الإيجاب والإلزام، ولو كان ذلك على سبيل الحتم لبيَّنته ﵂؛ لأنها فقيهة عالمة بهدي النبي ﷺ، وذكر التنعل والترجل مع الطهور دليل على أن الأمر موسع فيه.\nوقد مضى أن الإجماع قد انعقد على أن البدء باليمين إنما هو على سبيل الندب، كما نقله النووي وابن قدامة، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح الوجيز\" (١/ ٤٢١).\n(^٢) \"المغني\" (١/ ١٩٠).\n(^٣) \"صحيح ابن خزيمة\" (١/ ٩١).","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type='title' id=toc-49>الاكتفاء بمسح الناصية مع العمامة</span>\n٤٦/ ١٥ - وعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَالخُفَّيْنِ. أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ.\nيظهر أن الحافظ ساقه لبيان جواز الاكتفاء بمسح بعض الرأس، فإنه استدل به في «فتح الباري» (^١) على أن تعميم الرأس بالمسح ليس بفرض، وإلا فموضوع المسح على العمامة والمسح على الخفين سيأتي في باب مستقل بعد باب «الوضوء». ولا حجة في الحديث على ذلك، وقد يبدو عند التأمل أن للحافظ غرضًا غير ما ذكر، فإنه لو كان غرضه مسح الرأس لذكره هناك مع أحاديث مسح الرأس، وهو هاهنا قد ذكره بعد حديث: «إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم» وذكر بعده حديث: «ابدؤوا بما بدأ الله به» فذكر الحديث الأول في الترتيب بين الأعضاء المثناة كاليدين والرجلين، ثم ذكر حديث المغيرة في الترتيب بين أجزاء العضو الواحد وهو الرأس، فابتدأ بمسح الناصية، وهي مقدم الرأس، ثم مسح العمامة وهي على وسط الرأس ومؤخره، ثم ذكر حديث جابر في الترتيب بين الأعضاء المختلفة، والله أعلم.\nوالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي ﵁، أسلم عام الخندق، وقدم مهاجرًا، وكان أول غزوة شهدها الحديبية، وكان ممن يخدم النبي ﷺ في وضوئه، روى عنه من أولاده عروة، وحمزة، ومولاه وَرَّاد،\n_________\n(^١) (١/ ٢٩٠، ٣٠٨).","vol":"1","page":207},{"text":"وأبو بردة بن أبي موسى، وكان من دهاة العرب، تولى على البصرة، ثم على الكوفة مرتين، مرة في عهد عمر ﵁، والثانية في عهد معاوية ﵁، ومات بالكوفة سنة خمسين (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه مسلم في «الطهارة» (٢٧٤) (٨٣) من رواية بكر ابن عبد الله المزني، عن حمزة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه، بلفظ: (وعلى العمامة وعلى الخفين) بزيادة (على) الثانية، خلافًا لما في البلوغ.\nوقد وهم ابن الجوزي فنسب الحديث إلى الصحيحين (^٢)، وقد تعقب ابنَ الجوزي ابنُ عبد الهادي (^٣)، وبين أنه من أفراد مسلم، وقد صرح عبد الحق الإشبيلي في «الجمع بين الصحيحين» (^٤) أنه من أفراد مسلم، «التلخيص» وذكر ابن الملقن أن النووي وقع في هذا الوهم - أيضًا - (^٥).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (على ناصيته) الناصية: الشعر الذي يكون في مقدم الرأس، وقيل: مقدم الرأس مطلقًا، سواء أكان فيه شعر أم لا.\n\nالوجه الرابع: استدل بعض العلماء بهذا الحديث - كما تقدم - على أنه يجزئ مسح بعض الرأس ولا يلزم تعميمه، وقد يكون المؤلف ذكره هنا لهذا الغرض كما تقدم، ولا حجة فيه - كما ذكرنا في موضوع مسح الرأس - لأنه ﷺ مسح على الناصية وكَمَّلَ على العمامة، فلم يقتصر على الناصية حتى يُحْتَجَّ به على جواز مسح بعض الرأس، بل إذا لبس العمامة مسح عليها وما ظهر من الرأس، وإذا كان مكشوفًا مسحه كله، كما ثبت في حديث عبد الله بن زيد وغيره مما تقدم، قال ابن القيم: (ولم يصحَّ عنه ﷺ في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة ..) (^٦)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (٩/ ٢٦٩).\n(^٢) \"التحقيق\" (١/ ١٦٧).\n(^٣) \"تنقيح التحقيق\" (١/ ٣٧٣).\n(^٤) (١/ ٢١٩).\n(^٥) \"البدر المنير\" (٣/ ٤٤).\n(^٦) \"زاد المعاد\" (١/ ١٩٣).","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type='title' id=toc-50>وجوب الترتيب في الوضوء</span>\n٤٧/ ١٦ - عَن جَابِرِ بنِ عبد الله ﵄ - في صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ - قَالَ ﷺ: «ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، هكذا بِلَفْظِ الأَمْرِ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلمٍ بِلَفْظِ الْخَبَرِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري السلمي، صحابي، وأبوه صحابي ﵄، من مشاهير الصحابة، ومن المكثرين من الرواية عن رسول الله ﷺ، روى عن النبي صفة الحج، وعُني بذلك، وحديثه في الحج منسك مستقل، وسيذكره المصنف في كتاب «الحج»، ورد في الصحيح أنه كان مع من شهد العقبة، وغزا مع النبي ﷺ جميع غزواته، سوى غزوة بدر وأحد، حيث منعه أبوه ليكون عند أخواته، فقد أخرج مسلم عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: (غزوت مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة)، قال جابر: (لم أشهد بدرًا ولا أحدًا، منعني أبي، فلما قتل عبد الله يوم أحد لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة قط) (^١). كان له في مسجد رسول الله ﷺ حلقة يلقي فيها الحديث والعلم، كُفَّ بصره في اخر عمره، وقد ورد ما يدل على ذلك في سياق حجة النبي ﷺ (^٢)، مات بالمدينة سنة أربع وسبعين ﵁ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨١٣).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١٢١٨).\n(^٣) \"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ١٨٩)، \"الإصابة\" (٢/ ٤٥).","vol":"1","page":209},{"text":"الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه مسلم (١٢١٨) بطوله في «صفة حج النبي ﷺ» من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ﵁، وقد جاء فيه ولفظه: (فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، «أَبدأُ بما بدأ الله به»، فبدأ بالصفا .. الحديث)، وهذا بلفظ الخبر، وأخرجه النسائي في الصغرى (٥/ برقم ٢٩٦٢) بلفظ الأمر، وكذا أخرجه أحمد (٣/ ٣٩٤) وصححه ابن الملقن (^١)، فقال: (رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم) وقد أخرجه - أيضًا - في الكبرى (٢/ ٤١٣)، وعزاه إليه المزي (^٢).\nوأخرجه النسائي أيضًا (٥/ برقم ٢٩٧٠) بلفظ: (نبدأ بما بدأ الله به ..) وكذا أخرجه أبو داود (١٩٠٥)، والترمذي (٨٦٢)، وابن ماجه (٣٠٧٤).\nوقدم المصنف رواية النسائي؛ لأنها بصيغة الأمر، وهو يفيد الحتم والإلزام، أما صفة الخبر فهي تدل على أن النبي ﷺ مهتدٍ بهدي القران، وذلك أعم من أن يدل على وجوب أو استحباب.\nوقد نفى الألباني وجود الحديث في «السنن الصغرى»، وشكك في وجوده بلفظ الأمر في «الكبرى» مع أنه موجود فيهما، كما تقدم.\nوقد حكم على لفظة (ابدؤوا) بلفظ الأمر بالشذوذ؛ لأنه تفرد بها سفيان الثوري وسليمان بن بلال، مخالفين بقية الثقات الذين رووا الحديث عن جعفر بن محمد بلفظ الخبر .. وهم سبعة، وقد سرد أسماءهم وعزا مروياتهم في «الإرواء» (^٣) ومنهم الإمام مالك وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وحاتم بن إسماعيل المدني وغيرهم، وقد ورد عند الدارقطني (٢/ ٢٥٤) من طريق الهيثم بن معاوية الزمرائي، عن حاتم بن إسماعيل بلفظ الأمر، لكن بقية الرواة عن حاتم رووه بلفظ الخبر، لكن ينبغي أن ينظر في تفرد سفيان\n_________\n(^١) \"تحفة المحتاج\" (٢/ ١٧٤).\n(^٢) \"تحفة الأشراف\" (٢/ ٢٧١).\n(^٣) \"إرواء الغليل\" (٤/ ٣١٧).","vol":"1","page":210},{"text":"الثوري، فهو إمام حجة، لم يخالفه أحد إلا كان القول قوله، كما قال ابن معين وغيره، وقد يكون الخطأ ممن روى عنه، وهو ابن عيينة وقبيصة كما عند الدارقطني (٢/ ٢٥٤) والفريابي وقبيصة معًا عند البيهقي (١/ ٨٥).\nوقال ابن دقيق العيد: (والحديث في الصحيح، لكن بصيغة الخبر «نبدأ»، و«أبدأ» لا بصيغة الأمر، والأكثر في الرواية هذا، والمخرج للحديث واحد) (^١). وزاد فيما نقل عنه الحافظ: (وقد اجتمع مالك وسفيان ويحيى بن سعيد القطان على رواية (نبدأ) بالنون التي للجمع). قال ابن حجر عقبه: (قلت: وهم أحفظ من الباقين) (^٢)، وهذا هو الصواب إن شاء الله، إذ لا يمكن القول بتصحيح اللفظ الآخر؛ لأن الحديث واحد، ولم يتكلم به النبي ﷺ إلا مرة واحدة، عند صعوده على الصفا، فلا بد من الترجيح، والله أعلم.\n\nالوجه الثالث: هذا الحديث - كما تقدم - ورد في سياق «حجة النبي ﷺ» وقد ساقه الحافظ هنا في باب «الوضوء»، ليستدل به على وجوب الترتيب في غسل الأعضاء فيبدأ أولًا بغسل الوجه ثم اليدين .. إلخ، كما ذكر الله تعالى في القران، فما بدأ الله به خبرًا وأمرًا، نبدأ به فعلًا وامتثالًا؛ لأن كلامه كلام حكيم، لا يبدأ ذكرًا إلا بما يستحق أن يبدأ به فعلًا، وقد رتبها النبي ﷺ هكذا، كما تقدم، فيجب علينا التأسي به ﷺ وأن نرتب أعضاء الوضوء، كما رتبها ﵊.\nوهذا مبني على القاعدة الأصولية: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فاللفظ المذكور وإن كان ورد في موضوع السعي بين الصفا والمروة إلا أنه لفظ عام فيعمل بعمومه، وأن كل ما بدأ الله به نبدأ به، وتكون اية الوضوء مندرجة في ذلك العموم، فعلى رواية الأمر يكون الوجوب ظاهرًا، وعلى رواية الخبر فلأن الظاهر من فعله ﷺ هو بيان المناسك، وقد قال: «لتأخذوا مناسككم» (^٣) لأن الظاهر أن المراد بيان الواجب لا بيان الأفضل، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"الإلمام\" رقم (٥٦).\n(^٢) \"التلخيص\" (٢/ ٢٦٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٢٩٧).","vol":"1","page":211},{"text":"الوجه الرابع: اعلم أن الترتيب في الوضوء ثلاثة أنواع:\n١ - ترتيب بين فرض وفرض، وهي الأعضاء الأربعة المذكورة في القران، كغسل اليدين بعد غسل الوجه، وهذا محل النزاع.\n٢ - ترتيب بين مسنون ومسنون، كالمضمضة قبل الاستنشاق على القول بسنيتهما.\n٣ - ترتيب بين مسنون وفرض، كالمضمضة وغسل الوجه، والجمهور على أن الترتيب بين المسنون والمسنون، والمسنون والفرض سنة، وليس بواجب؛ لأن أصل المسنون فعلٌ غيرُ واجب، فإذا انتفى الوجوب عن الأصل، انتفى الوجوب عن كيفية الفعل من باب أولى، لكن على القول بوجوب المضمضة والاستنشاق فإنه يشملهما الخلاف في النوع الأول. وقد ذكر ابن رشد أن سبب الخلاف في ترتيب أفعال الوضوء أمران:\n١ - أن واو العطف قد تفيد الترتيب وقد لا تفيده.\n٢ - اختلافهم في أفعال النبي ﷺ هل هي محمولة على الوجوب أو على الندب (^١)؟.\nفالقول الأول: وجوب الترتيب في الوضوء، فيبدأ بغسل الوجه ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين، ومن قدم عضوًا على اخر لم يصح وضوؤه، وهذا قول أحمد والشافعي (^٢) واختاره أبو عبيد (^٣)، واستدلوا بدليلين:\n١ - اية المائدة، ووجه دلالتها على الترتيب: أن الله تعالى لما ذكر أعضاء الوضوء الأربعة أدخل الممسوح وهو الرأس بين المغسولين، وهما: اليدان والرجلان، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، ولو لم يكن الترتيب واجبًا لجمعت الأشياء المتجانسة، ولم يقطع النظير عن نظيره.\n٢ - أن كل من وصف وضوء النبي ﷺ حكاه مرتبًا بـ (ثم)، كما في\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (١/ ٥٣، ٥٤).\n(^٢) \"الأم\" (١/ ٤٥)، \"الإنصاف\" (١/ ١٣٨).\n(^٣) \"الطهور\" ص (٣٥٥).","vol":"1","page":212},{"text":"حديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهم ﵃، ولم يذكر أحد منهم أنه قدم عضوًا على غيره على خلاف الآية، وهو مفسر لما في كتاب الله تعالى، كما تقدم في الوجه الأول.\nالقول الثاني: أن الترتيب غير واجب، فمن قدم عضوًا على اخر فوضوؤه تام، وهو قول مالك، وأصحاب الرأي (^١)، ورواية عن أحمد، ذكرها أبو الخطاب (^٢)، وبه قال جماعة من السلف، واختاره ابن المنذر (^٣).\nواستدلوا بدليلين:\n١ - حديث الرُّبَيِّع بنت معوذ في وصف وضوء النبي ﷺ وفيه: (فغسل كفيه ثلاثًا، ووضَّأ وجهه ثلاثًا، ومضمض واستنشق مرة ..) وفي لفظ: (فيبدأ فيغسل يديه قبل أن يدخلهما ثلاثًا، ثم يتوضأ فيغسل وجهه ثلاثًا، ثم يمضمض ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا ..) (^٤).\n٢ - أن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء، وعطف بعضها على بعض بواو الجمع، وهي لا تقتضي الترتيب، فكيفما غسل كان ممتثلًا.\nوالراجح القول الأول، وهو وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء، لقوة دليله، قال أبو داود: (سمعت أحمد قيل له: إذا قدم وضوءه بعضه قبل بعض؟ قال: لا يجوز حتى يأتي به على الكتاب والسنة) (^٥).\nوأما دليل أصحاب القول الثاني وهو حديث الربيِّع فعنه جوابان:\nالأول: أنه حديث معلول؛ لأنه من رواية محمد بن عبد الله بن عقيل وقد مضى ما فيه.\nالثاني: على فرض صحته، فتقديم المضمضة والاستنشاق تقديم مسنون\n_________\n(^١) \"حاشية ابن عابدين\" (١/ ١٢٢)، \"المدونة الكبرى\" (١/ ١٤)، \"المنتقى\" (١/ ٤٧).\n(^٢) \"الهداية\" (١/ ١٤).\n(^٣) \"الأوسط\" (١/ ٤٢٢).\n(^٤) أخرجه أبو داود (١٢٦)، والدارقطني (١/ ٩٦) واللفظ الثاني له، حسّنه الألباني في \"صحيح سنن أبي داود\" (١/ ٢٧).\n(^٥) \"مسائل الإمام أحمد\" لأبي داود ص (١١).","vol":"1","page":213},{"text":"على واجب، والجمهور على جوازه، على القول بسنيتهما، أو أن المضمضة والاستنشاق من الوجه.\nوأما قولهم: إن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء وعطف بعضها على بعض بالواو فهذا صحيح، لكن بين النبي ﷺ بفعله أن الواو في الآية للترتيب، لا لمطلق الجمع، وفعله ﷺ تفسير لما في كتاب الله تعالى، ويكون محمولًا على الوجوب؛ لأن أفعال النبي ﷺ إذا كانت بيانًا لواجب فهي واجبة، ويؤيد ذلك عموم «ابدؤوا بما بدأ الله به» كما تقدم، أما بالنسبة للمضمضة والاستنشاق ففي تقديمها على غسل الوجه قولان:\nالأول: أنه يستحب البداءة بهما قبل غسل الوجه، وهذا هو الصحيح من المذهب عند الحنابلة، قالوا: لأن وجوبهما إنما ثبت بالسنة، والترتيب إنما وجب بدلالة القرآن معتضدًا بالسنة، ولم يوجد ذلك فيهما.\nالقول الثاني: أنه يجب البداءة بهما قبل الوجه، وهذا قول في مذهب الحنابلة (^١)، وذكر النووي أن الترتيب بينهما وبين أعضاء الوضوء شرط (^٢).\nواستدلوا بأن كل من وصف وضوء النبي ﷺ كما في الأحاديث الصحيحة ذكر أنه بدأ بالمضمضة والاستنشاق، وقد رتب الرواة أعضاء الوضوء بـ (ثم) في معرض البيان، وهي للترتيب، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ١٧١)، \"الإنصاف\" (١/ ١٣١).\n(^٢) \"المجموع\" (٢/ ١٤٩).","vol":"1","page":214},{"text":"<span data-type='title' id=toc-51>إدخال المرفقين في الوضوء</span>\n٤٨/ ١٧ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إذَا تَوَضَّأَ أدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بإسْنَادٍ ضَعِيفٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه الدارقطني في «سننه» (١/ ٨٣ رقم ١٥) من طريق القاسم بن محمد بن عبد الله بن عقيل، عن جده، عن جابر ﵁، به.\nوإسناده ضعيف جدًا، وقد ذكره الحافظ ليُعلم حاله وأنه ضعيف، لكنه لم يذكر ما يقوم مقامه، وضَعْفُهُ من أجل القاسم بن محمد بن عبد الله بن عقيل، فقد نقل الذهبي عن ابن معين قوله: (ليس بشيء) (^١)، وقال أبو حاتم: (متروك الحديث)، وقال الإمام أحمد: (ليس بشيء)، وقال أبو زرعة: (أحاديثه منكرة، وهو ضعيف الحديث) (^٢)، وعبد الله بن عقيل تقدم الكلام فيه.\nوالمتروك: من يُتهم بالكذب، ومن يُكثر الغلط، لكن حاله أحسن من حال الوضاع بقليل، فإذا قيل: أطبقوا على تركه، فهذا أشد، بخلاف: تركه فلان.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب غسل المرفقين في الوضوء؛ لأن النبي ﷺ كان يدير الماء على مرفقيه، وهذا الحكم دل عليه الحديث، وعليه فمتنه صحيح، لكن إسناده ضعيف، ويغني عنه ما تقدم من حديث أبي هريرة ﵁: أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى\n_________\n(^١) \"ديوان الضعفاء\" ص (٣٢٣).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٧/ ١١٩).","vol":"1","page":215},{"text":"حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد .. الحديث، وفي اخره قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ .. الحديث (^١).\nفهذا نص صحيح في دخول المرفقين في غسل اليدين ودخول الكعبين في غسل الرجلين، ويكون دليلًا على دخول الغاية، وتكون (إلى) في قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ بمعنى (مع)؛ لأن السنة تفسر القران وتبينه، وقد مضى بيان ذلك في حديث عثمان ﵁، ثاني أحاديث باب «الوضوء»، والله أعلم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه عند الحديث (٤٣).","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type='title' id=toc-52>حكم التسمية في الوضوء</span>\n٤٩/ ١٨ - عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا وُضوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ.\n٥٠/ ١٩ - وَلِلترْمِذِيِّ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ.\n٥١/ ٢٠ - وَأَبِي سَعْيدٍ نَحْوُهُ.\nقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ.\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي ﵁، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، كان من السابقين إلى الإسلام، وزوجته فاطمة بنت الخطاب، أخت عمر بن الخطاب، وفي بيته كان إسلام عمر ﵁، شهد المشاهد كلها إلا غزوة بدر؛ لأنه كان غائبًا في الشام، وشهد اليرموك وفتح دمشق، وكان من فضلاء الصحابة ﵃، ذكر الذهبي أن لسعيد ثمانية وأربعين حديثًا اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بثالث (^١) وقصته مع أروى بنت أنيس مشهورة في إجابة دعائه عليها، وهي في «الصحيحين» (^٢)،\n_________\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" (١/ ٤٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٩٣)، و\"صحيح البخاري\" (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠)، وانظر: \"الحلية\" (١/ ٩٦، ٩٧).","vol":"1","page":217},{"text":"وسيأتي ذكرها - إن شاء الله - في باب «الغصب» من كتاب «البيوع» مات سنة خمسين ﵁ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجها:\nأما حديث أبي هريرة فقد أخرجه أحمد (١٥/ ٢٤٣)، وأبو داود (١٠١) في كتاب «الطهارة» باب «التسمية على الوضوء»، وابن ماجه (٣٩٩) من طريق يعقوب بن سلمة الليثي، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، ولفظه: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» وهذا إسناد ضعيف، لأمرين:\nالأول: جهالة يعقوب بن سلمة الليثي ووالده، وقد ذكر الحافظ أن يعقوب بن سلمة شيخ قليل الحديث، ما روى عنه من الثقات سوى محمد بن موسى بن أبي عبد الله الفطري، وأن أباه مجهول ما روى عنه سوى ابنه (^٢)، وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: (ربما أخطأ) (^٣)، وهذه عبارة عن ضعفه، فإنه قليل الحديث جدًا، كما تقدم.\nالثاني: أن في اتصاله نظرًا، فقد قال البخاري: (لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب من أبيه) (^٤). اهـ.\nوقد وهم الحاكم فقال: (صحيح الإسناد، وقد احتج مسلم بيعقوب بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سلمة: دينار) (^٥) ووجه الوهم ظَنُّ الحاكم أن يعقوب هو ابن أبي سلمة الماجشون، وليس كذلك، بل هو الليثي، كما تقدم، بإسقاط كلمة (أبي)، قال الذهبي متعقبًا الحاكم: (صوابه الليثي .. وإسناده فيه لين (^٦».\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (٣/ ١٨٨).\n(^٢) \"نتائج الأفكار\" (١/ ٢٢٥).\n(^٣) \"الثقات\" (٤/ ٣١٧).\n(^٤) \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٧٦).\n(^٥) \"المستدرك\" (١/ ١٤٦).\n(^٦) إذا قيل في الراوي: فيه لين، فمعناه: أن المتصف بذلك مجروح في حفظه جرحًا لا يخرجه من دائرة الاعتبار بحديثه، ولا يتعدى إلى عدالته.","vol":"1","page":218},{"text":"وقد ورد للحديث طرق أخرى، وكلها ضعيفة، وله شواهد ذكر منها الحافظ اثنين، وهي: حديث سعيد بن زيد، وحديث أبي سعيد.\nأما حديث سعيد بن زيد فقد أخرجه الترمذي (٢٥) من طريق أبي ثِفَال المُرِّي، عن رباح بن عبد الرحمن، عن جدته، عن أبيها سعيد بن زيد مرفوعًا: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» وهذا إسناد ضعيف، فأبو ثِفال - واسمه: ثمامة بن وائل بن حصين - روى عنه جماعة، لكن قال البخاري: (في حديثه نظر)، قال الحافظ: (وهذه عادته فيمن يضعفه) (^١)، وقال ابن حبان عن حديثه هذا: (ولكن في القلب من هذا الحديث؛ لأنه قد اختلف على أبي ثفال فيه …) (^٢)، وذكره الذهبي فقال: (ما هو بقوي، ولا إسناده يمضي) (^٣)، وقال الحافظ في «التقريب» عن أبي ثفال: (مقبول).\nوأما رباح بن عبد الرحمن فقد قال عنه أبو حاتم وأبو زرعة: (إنه مجهول) (^٤)، أما ابن حبان فقد ذكره في «الثقات» (^٥).\nوأما جدة رباح - واسمها أسماء بنت سعيد بن زيد، كما جاء في رواية الحاكم (٤/ ٦٠)، وكذا عند البيهقي (١/ ٤٣) - فقد ذُكرت في الصحابة، وقد ترجم لها الحافظ في «الإصابة» في القسم الأول منه (^٦)، وقال في «التقريب»: (يقال: «إن لها صحبة»)، وقال في «التلخيص»: (وإن لم يثبت لها صحبة فمثلها لا يُسأل عن حاله) (^٧). وذكرها الذهبي في عداد النسوة المجهولات (^٨).\nوقد نقل الترمذي عن البخاري قوله: (أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن) (^٩).\nوأما حديث أبي سعيد الخدري ﵁، فقد أخرجه ابن ماجه (٣٩٧)، وأحمد (١٧/ ٤٦٥)، والترمذي في «العلل الكبير» (١/ ١١٢) وغيرهم من طريق\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (١/ ٨٦).\n(^٢) \"الثقات\" (٨/ ١٥٧ - ١٥٨).\n(^٣) \"الميزان\" (٤/ ٥٠٨).\n(^٤) \"علل الحديث\" (١/ ٥٢).\n(^٥) \"الثقات\" (٦/ ٣٠٧).\n(^٦) \"الإصابة\" (١٢/ ١١٢).\n(^٧) \"التلخيص\" (١/ ٨٦).\n(^٨) \"الميزان\" (٤/ ٦٠٤).\n(^٩) \"جامع الترمذي\" (١/ ٣٩).","vol":"1","page":219},{"text":"كثير بن زيد، ثنا رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»، وهذا سند صالح.\nفإن كثير بن زيد وثقه ابن حبان (^١) وابن عمار الموصلي، وقال أحمد وابن معين وابن عدي: (لا بأس به)، وقال أبو زرعة: (صدوق فيه لين)، وقال أبو حاتم: (صالح، ليس بالقوي، يكتب حديثه)، وضعفه النسائي وابن معين في رواية، والطبري (^٢).\nويستفاد من هذه الأقوال أن كثير بن زيد: هو إلى القوة أقرب منه إلى الضعف؛ لأن القاعدة في الرواة المختلف فيهم هو اعتبار الجرح والتعديل في الراوي، فحيث يستويان فحديثه يكون حسنًا في الشواهد، وإن غلب جانب الجارحين ضُعِّفَ، وإن غلب جانب المعدلين مع عدم تفسير الجرح كان أقرب إلى القوة، وهذا هو حال كثير بن زيد.\nأما ربيح بن عبد الرحمن فوثقه ابن حبان (^٣)، وقال ابن عدي: (أرجو أنه لا بأس به) (^٤)، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: (شيخ) (^٥)، قال ابن أبي حاتم: (إذا قيل في الراوي: شيخ، فهو بالمنزلة الثالثة، يُكتب حديث ويُنظر فيه) (^٦). اهـ.\nوقال الإمام أحمد: (ربيح رجل ليس بالمعروف) نقله ابن عدي (^٧)، وهذا كما قال ابن الملقن وغيره ليس بقادح (^٨)، فقد عرفه غيره، وروى عنه جماعة كثيرة، ومن عرف حجة على من لم يعرف.\nونقل الترمذي أن البخاري قال فيه: (منكر الحديث) (^٩). وقال الحافظ في «التقريب» (مقبول) يعني عند المتابعة، وإلا فليِّن الحديث كما نص عليه في مقدمته.\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٧/ ٣٥٤).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٣٧٠).\n(^٣) \"الثقات\" (٦/ ٣٠٩).\n(^٤) \"الكامل\" (٣/ ١٧٤).\n(^٥) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٥١٩) وهذه العبارة ليست بجرح، لكنها تقلل من قدر الموصوف بها، والمعنى: ليس بحجة، فيكتب حديثه ويصلح في المتابعات.\n(^٦) \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٣٧).\n(^٧) \"الكامل\" (٣/ ١٧٣).\n(^٨) \"البدر المنير\" (٣/ ٢٣٤).\n(^٩) \"العلل\" (١/ ١١٣).","vol":"1","page":220},{"text":"وقد نقل ابن عدي عن أحمد بن حفص قال: (سئل أحمد بن حنبل - يعني وهو حاضر - عن التسمية في الوضوء: فقال: (لا أعلم فيه حديثًا يثبت، أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد عن ربيح، وربيح رجل ليس بالمعروف) (^١)، وقد تعقب الحافظ ابن حجر الإمام أحمد فقال: (قلت: لا يلزم من نفي العلم نفي الثبوت، وعلى التنزل لا يلزم من نفي الثبوت، ثبوت الضعف، لاحتمال أن يراد بالثبوت الصحة، فلا ينتفي الحكم بالحسن، وعلى التنزل لا يلزم من نفي الثبوت عن كل فرد نفيه عن المجموع) (^٢).\nونقل العقيلي عن أبي بكر الأثرم - وهو أحمد بن محمد بن هانئ - أنه قال: (قلت لأبي عبد الله بن حنبل: التسمية في الوضوء؟ فقال: (أحسن شيء فيه حديث ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبي سعيد الخدري) (^٣).\nوهذا لا يعارض ما تقدم، فقد قال النووي: (لا يلزم من هذه العبارة أن يكون الحديث صحيحًا، فإنهم يقولون: هذا أصح ما جاء في الباب، وإن كان ضعيفًا، ومرادهم أرجحه أو أقله ضعفًا ..) (^٤).\nوقال إسحاق بن راهويه: (هو أصح ما في الباب) نقله عنه ابن كثير (^٥).\nوقد ورد في الباب أحاديث أخرى لا تخلو أسانيدها من مقال، إلا أن بعضها يقوي بعضًا، قال المنذري: (ولا شك أن الأحاديث التي وردت في التسمية وإن كان لا يسلم شيء منها من مقال، فإنها تتعاضد بكثرة طرقها وتكتسب قوة، والله أعلم) (^٦). اهـ.\nوقال الحافظ: (والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة، تدل على أن له أصلًا) (^٧).\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٣/ ١٧٣).\n(^٢) \"نتائج الأفكار\" (١/ ٢٢٣).\n(^٣) \"الضعفاء\" (١/ ٧٧) وفي \"مسائل الإمام أحمد\" رواية ابنه عبد الله ص (٢٥) قال أحمد: لم يثبت عندي هذا. أي: حديث أبي سعيد.\n(^٤) \"شرح الأذكار\" (٢/ ٦).\n(^٥) \"إرشاد الفقيه\" (١/ ٣٥).\n(^٦) \"الترغيب والترهيب\" (١/ ١٦٤).\n(^٧) \"التلخيص\" (١/ ٨٦).","vol":"1","page":221},{"text":"وقال ابن كثير: (وقد روي من طرق أُخر، يشد بعضها بعضًا، فهو حديث حسن أو صحيح) (^١)، وقد صرح في «تفسيره» بأنه حديث حسن (^٢)، وقال ابن القيم: (أحاديث التسمية عند الوضوء أحاديث حسان) (^٣).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا صلاة لمن لا وضوء له) لا: لنفي الجنس، وصلاة: اسمها وخبرها الجار والمجرور المتعلق بمحذوف، والتقدير: لا صلاة صحيحة لمن لا وضوء له؛ لأن الوضوء شرط لصحة الصلاة بإجماع المسلمين.\n\nقوله: (ولا وضوء) لا: نافية للجنس، ووضوء: اسمها، وخبرها الجار والمجرور المتعلق بمحذوف، وتقديره: لا وضوء صحيح أو كامل، وإنما كان لنفي الكمال أو نفي الصحة؛ لأن نفي الذات متعذر، فإن من توضأ ولم يذكر اسم الله يصح أنه توضأ بالفعل؛ لأن أفعال الوضوء قد وجدت.\nفعند الحنفية أن هذا النص وما ماثله يعتبر من قبيل المجمل الذي لم تتضح دلالته، لتردده بين الاحتمالين المذكورين، نفي الصحة أو نفي الكمال.\nوقال الجمهور من أهل العلم: إن النفي إذا كان مسلطًا على الحقائق الشرعية؛ - لأن اللفظ جاء على لسان الشرع - فلا يعتبر مجملًا، بل يحمل على مراده؛ لأن الأصل إعمال الدليل الشرعي، والشرع ما خاطب بهذه الألفاظ إلا وهو يريد أن يرتب عليها أحكامًا.\nوالأصل أن النفي في نصوص الشرع مراد به نفي الصحة؛ لأنه مقدم على نفي الكمال، إلا إن وجد دليل يدل على أن المراد نفي الكمال عمل به، كما هنا؛ لأنه إن حمل على نفي الصحة عارض الأحاديث الصحيحة، كما سيأتي إن شاء الله، وإن حمل على نفي الكمال وافق الأحاديث الصحيحة، فيحمل على ذلك لتتوافق النصوص الشرعية ولا تتعارض.\n\nقوله: (اسم الله): أي: إن التسمية على الوضوء أن يقول: بسم الله، لا\n_________\n(^١) \"إرشاد الفقيه\" (١/ ٣٦).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٤).\n(^٣) \"المنار\" ص (١٢٠).","vol":"1","page":222},{"text":"يقوم غيرها مقامها، وموضعها بعد النية قبل أفعال الطهارة كلها، والمطلوب الاقتصار على (باسم الله) وأما زيادة (الرحمن الرحيم) فقد قال بها جماعة من الفقهاء، والظاهر أنه استحسان، وليس عليه دليل، فالاقتصار على الوارد عن رسول الله ﷺ أولى وأفضل.\n\nالوجه الرابع: ظاهر الحديث وجوب التسمية في الوضوء بناء على أن الأصل في النفي الصحة لكونه أقرب إلى نفي الذات وأكثر لزومًا للحقيقة؛ أي: لا وضوء صحيح لمن لم يذكر اسم الله عليه.\nوهذا قول الظاهرية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض أصحابه، وهو قول إسحاق (١)، على خلاف بينهم، هل تسقط بالنسيان أو لا؟\nوالقول الثاني: أن التسمية سنة، وهو قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم الأئمة الثلاثة، ورواية عن أحمد، اختارها الخرقي، وأبو محمد ابن قدامة (^١)، وجماعة من الحنابلة وذكروا أن هذا هو المذهب الذي استقر عليه قول أحمد، ورجحه ابن المنذر (^٢)، وأبو عبيد، وابن حزم (^٣)، وابن كثير (^٤)، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم (^٥)، والشيخ عبد العزيز بن باز (^٦)، واستدلوا بما يلي:\n١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ …﴾ الآية، ووجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بالغسل، ولم يأمر بالتسمية، ولو كانت واجبة لأمر الله بها، كما أمر بها في الصيد في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، أي: على الجارح، وفي الذكاة في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ [الحج: ٣٦].\nوقد قال أبو زرعة الدمشقي: (قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: فما وجه قوله: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»؟! قال: فيه أحاديث ليست\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ١٤٥)، \"نيل الأوطار\" (١/ ١٦١).\n(^٢) \"الأوسط\" (١/ ٣٦٨).\n(^٣) \"الطهور\" ص (١٤٩)، المحلى (٢/ ٤٩).\n(^٤) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٤٣).\n(^٥) \"فتاوى ابن إبراهيم\" (٢/ ٣٩).\n(^٦) \"فتاوى ابن باز\" (١٠/ ١٠٠).","vol":"1","page":223},{"text":"بذاك، وقد قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ فلا أُوجبُ عليه، وهذا التنزيل، ولم تثبت سنة) (^١).\n٢ - ما ورد في حديث رفاعة بن رافع في قصة المسيء صلاته، وفيه: «فتوضأ كما أمرك الله جل وعز» (^٢).\nووجه الدلالة: أن النبي ﷺ أحاله في كيفية الوضوء على الآية الكريمة، وليس فيها ذكر التسمية.\n٣ - أن الصحابة ﵃ وصفوا وضوء النبي ﷺ وصفًا كاملًا - كما تقدم في أحاديثهم - ولم يذكر أحد منهم أنه سَمَّى في أول وضوئه، ولو كانت التسمية واجبة لم يتركها ﷺ.\nوهذا القول هو الراجح، إن شاء الله، وهو أن التسمية سنة، تنبغي عند الوضوء وتتأكد، ولا ينبغي تعمد تركها، فإن تركها صح وضوؤه، وقد أفتى بذلك إمام السنة أحمد بن حنبل، قال أبو داود: (قلت لأحمد: التسمية في الوضوء؟ قال: (أرجو ألا يكون عليه شيء، ولا يعجبني أن يتركه خطأ ولا عمدًا، وليس فيه إسناد) (^٣) - يعني الحديث ـ.\nوأما الأدلة فلا تنهض على الوجوب؛ لأن غاية ما تصل إليه أنها من قبيل الحسن لغيره، لتعاضدها واجتماعها، وقد عورضت بما هو أصح منها مما اتفق عليه الشيخان من وصف وضوء النبي ﷺ، إضافة إلى دلالة الآية، والقاعدة أنه إذا تعارض الحسن والصحيح قدم الصحيح، وهذا من فوائد تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن، وهذا الجواب عن الحديث من جهة الإسناد.\nأما من جهة المتن فإن قوله: (لا وضوء) محمول على نفي الكمال، لا نفي الصحة، كما تقدم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تاريخ أبي زرعة\" (١/ ٦٣١).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٨٦٢) والحديث في الصحيحين بدون هذه الجملة، وسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله- في كتاب \"الصلاة\".\n(^٣) \"مسائل الإمام أحمد\"، رواية أبي داود ص (٦).","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type='title' id=toc-53>كيفية المضمضة والاستنشاق</span>\n٥٢/ ٢١ - عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّه قَال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْصِلُ بَينَ المضْمَضَةِ وَالاستِنْشَاقِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإسْنَادٍ ضَعِيفٍ.\n٥٣/ ٢٢ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁ - في صِفَةِ الْوُضُوءِ ـ: ثمَّ تَمضْمَضَ ﷺ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، يُمَضْمِضُ وَيَنْثُرُ مِنَ الْكَفِّ الذِي يَأْخُذُ مِنْهُ المَاءَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.\n٥٤/ ٢٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ - في صِفَةِ الْوضُوءِ ـ: ثُمَّ أَدْخَلَ ﷺ يَدَهُ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدةٍ، يَفْعَلُ ذلِكَ ثَلَاثًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله، طلحة بن مُصَرِّف بن كعب اليامي الهمداني الكوفي، أحد الأعلام الأثبات من التابعين، وكان يقال له: سيد القراء، وهو ثقة من رجال الشيخين (^١)، قال في التقريب: (ثقة قارئ فاضل).\nوأبوه مصرف بن عمرو بن كعب، وبه جزم ابن القطان، ويقال: إنه ابن كعب بن عمرو الكوفي، روى عن أبيه، عن النبي ﷺ في مسح الرأس عند\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٢٣).","vol":"1","page":225},{"text":"أبي داود (^١)، وعنه ابنه طلحة، وجده: أي جد طلحة، وهو عمرو بن كعب، أو كعب بن عمرو، وقد اختلف في صحبته، وأكثر المحدثين على أن له صحبة، قال ابن عبد البر: (له صحبة، ومنهم من ينكرها، ولا وجه لإنكار من أنكرها)، ثم ساق حديثه عند أبي داود (١٣٢) في مسح النبي ﷺ رأسه حتى بلغ القَذَالَ، وهو أول القفا، ثم قال: (وقد اختلف فيه، وهذا أصح ما قيل فيه). اهـ (^٢).\nوالأكثرون من أهل العلم على أن والد طلحة، وهو مصرف مجهول، قاله ابن القطان، كما نقله عنه الحافظ ابن حجر (^٣)، وذكر ذلك في «التقريب»، ويؤيد ذلك أن أبا داود قال: (سمعت أحمد يقول: إن ابن عيينة زعموا أنه كان ينكره، ويقول: أيشٍ (^٤) هذا طلحة عن أبيه عن جده) (^٥). ومعناه: أن هذا الإسناد ليس بشيء؛ لأنه يرويه طلحة عن أبيه عن جده، وهما لا يعرفان، وكذا حكى عثمان الدارمي عن علي بن المديني، ونقل ابن أبي حاتم عن صالح بن أحمد بن حنبل قال: (سألت أبي قلت: طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده له صحبة؟ وما اسم جده؟ قال: لا أدري، وقد بلغنا عن سفيان بن عيينة أنه أنكر أن يكون له صحبة) (^٦).\n\nالوجه الثاني: في تخريجها:\nأما حديث طلحة فقد أخرجه أبو داود (١٣٩) من طريق معتمر بن سليمان، قال: سمعت ليثًا يذكر عن طلحة، عن أبيه، عن جده قال: «دخلت\n_________\n(^١) \"السنن، (١٣٢).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٩/ ٢٤٩، ٢٥٠).\n(^٣) \"التلخيص\" (١/ ٩٠).\n(^٤) أيش: بفتح الهمزة وسكون الياء وكسر الشين، وأصلها: أيُّ شيء؟ فحذفت الياء الثانية من (أي) تخفيفًا، والهمزة من (شيء) بعد نقل حركتها إلى الساكن قبلها، فجعلا كلمة واحدة (أيشي)، ثم أعلت إعلال المنقوص، كقاضٍ، فصارت أيشٍ. (المصباح المنير ٣٣٠).\n(^٥) \"مسائل الإمام أحمد\" (١٣٢).\n(^٦) \"المراسيل\" لابن أبي حاتم ص (١٧٨).","vol":"1","page":226},{"text":"ـ يعني على النبي ﷺ - وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق»، وسكت عنه أبو داود، وهذا إسناد ضعيف لعلتين:\nالأولى: لأنه من رواية ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف عند الجمهور، بل نقل النووي اتفاق العلماء على ضعفه (^١)، قال ابن الملقن: (وفيه وقفة) (^٢)، ضعفه يحيى بن معين والنسائي، وقال أبو داود: سألت يحيى عن ليث، فقال: (لا بأس به)، وذكره البخاري ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (^٣)، وقال أحمد: (مضطرب الحديث، ولكن حدث الناس عنه)، ذكر ذلك الذهبي (^٤) والحافظ ابن حجر (^٥)، وقال ابن حبان: (كان من العباد، ولكن اختلط في اخر عمره، حتى كان لا يدري ما يحدث به، فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات ما ليس من حديثهم، كل ذلك كان منه في اختلاطه ..) (^٦)، وقال ابن أبي حاتم: (سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: ليث لا يشتغل به، وهو مضطرب الحديث) (^٧)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق اختلط جدًا ولم يتميز حديثه فترك)، وهذه خلاصة ما قيل فيه، وأن روايته مردودة بسبب اختلاطه، ولم يُمَيَّزْ حديثه بحيث يعرف من روى عنه قبل اختلاطه فتقبل روايته، ومن روى عنه بعد الاختلاط فترد روايته.\nوالعلة الثانية: الاختلاف في طلحة وأبيه وجده، فقال ابن أبي حاتم: (سألت أبي عن هذا الحديث فلم يثبته، وقال: (طلحة هذا يقال: إنه رجل من الأنصار، ومنهم من يقول: هو طلحة بن مصرف، ولو كان طلحة بن مصرف لم يختلف فيه» (^٨).\nوفي «المراسيل» له قال: سئل أبو زرعة عن طلحة هذا، فقال: (لا\n_________\n(^١) \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٧٤).\n(^٢) \"خلاصة البدر المنير\" (١/ ٣٢).\n(^٣) \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٢٤٦).\n(^٤) \"الميزان\" (٣/ ٤٢٠).\n(^٥) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٤١٧).\n(^٦) \"المجروحين\" (٢/ ٢٣٧).\n(^٧) \"الجرح والتعديل\" (٧/ ١٧٩).\n(^٨) \"العلل\" (١/ ٥٣).","vol":"1","page":227},{"text":"أعرف أحدًا سَمَّى والد طلحة، إلا أن بعضهم يقول: ابن مصرف) (^١).\nووالد طلحة مجهول عند أهل العلم، كما تقدم عن ابن عيينة، وحكى ابن حجر عن ابن القطان أنه قال: (علة الخبر عندي الجهل بحال مصرف بن عمرو والد طلحة (^٢» وجَدُّ مصرف مختلف في اسمه - كما تقدم - ومختلف في صحبته، وقد مضى ذكر ذلك.\nوخلاصة ذلك أن هذا الإسناد مختلف فيه، والأكثرون على عدم إثباته، وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز.\nوأما الحديث الثاني وهو حديث علي ﵁ فقد أخرجه أبو داود (١١١) بطوله، وأخرجه النسائي (١/ ٦٨)، وقد مضى تخريجه، وهو الحديث الثالث من أحاديث الوضوء، وقد ساق الحافظ في الموضعين موضع الاستدلال الذي يريده.\nوأما الحديث الثالث وهو حديث عبد الله بن زيد فقد أخرجه البخاري (١٨٦)، ومسلم (٢٣٥) وقد مضى تخريجه، وهو الحديث الرابع من أحاديث الوضوء، واللفظ المذكور أخرجاه من طريق خالد بن عبد الله الطحان، عن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، وقد بوّب عليه البخاري بقوله: (بابُ مَنْ مضمض واستنشق من غرفة واحدة) (برقم ١٩١).\n\nالوجه الثالث: في هذه الأحاديث الثلاثة جاءت كيفية المضمضة والاستنشاق على ثلاث صفات:\nالأولى: الفصل بين المضمضة والاستنشاق، وذلك بأن يأخذ لكل منهما ماء على حدة، فيتمضمض ثلاثًا بثلاث غرفات، ويستنشق ثلاثًا بثلاث غرفات، فيكون المجموع ست غرفات، ليكون أسبغ في الوضوء، ودليل ذلك حديث طلحة، وهو حديث ضعيف، كما تقدم، لا تقوم به حجة، لكن ورد ما يؤيد ذلك، كما سيأتي إن شاء الله، وقد قال بهذه الصفة فقهاء الحنفية، وأكثر\n_________\n(^١) \"المراسيل\" (١٧٩).\n(^٢) \"التلخيص\" (١/ ٩٠).","vol":"1","page":228},{"text":"فقهاء الشافعية، وهو رواية عن الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد (^١)، وقد ذكر ابن الملقن أن الفصل يصدق على أنه يأخذ غرفة يتمضمض منها ثلاثًا، وغرفة أخرى يستنشق منها ثلاثًا (^٢).\nالثانية: المضمضة والاستنشاق ثلاثًا من كف واحدة، بغرفة واحدة، مراعاةً للاقتصاد في ماء الوضوء، ولأن الفم والأنف جزءان من عضو واحد وهو الوجه، ودل على ذلك حديث علي ﵁، وهو قوله: (إن النبي ﷺ تمضمض واستنثر ثلاثًا، يمضمض وينثر من الكف الذي يأخذ منه الماء) لكنه غير صريح في ذلك، بل يحتمل أنه كان يأخذ كف الماء ثم يتمضمض ويستنثر، ثم يأخذ كفًا اخر .. يفعل ذلك ثلاث مرات، ولعل هذا هو الأقرب، ليتفق مع حديث عبد الله بن زيد الآتي، وقد جاء في حديث علي ﵁ ولفظه: (ثم تمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا) (^٣)، وظاهر هذا الفصل، كما سيأتي، ثم إن الصفة المذكورة قد تكون متعذرة، إذ يعسر أن يبقى الماء في كف الإنسان يتمضمض منه ثلاثًا، ويستنشق منه ثلاثًا، وفي رواية: (ثم مضمض واستنشق بكف واحد ثلاثًا) (^٤).\nالصفة الثالثة: المضمضة والاستنشاق من كف واحدة بثلاث غرفات، وقد دل على ذلك حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين: (فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات من ماء)، وفي رواية لهما: (مضمض واستنشق من كف واحدة، فعل ذلك ثلاثًا) (^٥)، وهذا قول الشافعي في الجديد، ورواية عن الإمام مالك، ذكرها القاضي عياض (^٦)، ورواية عن الإمام أحمد نَصَّ عليها (^٧).\n_________\n(^١) \"الهداية\" (١/ ٢٣)، \"المنتقى\" (١/ ٤٥)، \"المجموع\" (١/ ٣٩٧)، \"الإنصاف\" (١/ ١٥٢).\n(^٢) \"البدر المنير\" (٣/ ٢٧٦).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١١٢)، والترمذي (٤٩).\n(^٤) أخرجه النسائي (١/ ٦٩).\n(^٥) أخرجه البخاري (١/ ١٩١، ١٩٢)، ومسلم (٢٣٥).\n(^٦) \"الأم\" للشافعي (١/ ٢٤)، \"شرح القاضي على صحيح مسلم\" (٢/ ٢٦).\n(^٧) \"الإنصاف\" (١/ ١٥٢).","vol":"1","page":229},{"text":"قال الأثرم: (سمعت أبا عبد الله يُسأل: أيُّما أعجب إليك؛ المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، أو كل واحدة منهما على حدة؟ قال: بغرفة واحدة) (^١).\nوالراجح من هذه الصفات الأخيرة، لورودها في حديث عبد الله بن زيد ﵁ في الصحيحين، وعليها يحمل حديث علي ﵁، كما تقدم، وقد رجحها النووي (^٢)، أما رواية الفصل فهي ضعيفة، لضعف حديث طلحة، كما تقدم.\nلكن ذكر ابن الملقن (^٣) وصاحب «عون المعبود» (^٤) أن أبا علي بن السَّكَن - وهو من الأئمة الحفاظ - روى في سننه المسماة: «الصحاح المأثورة» من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة قال: (شهدت علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان توضآ ثلاثًا ثلاثًا وأفردا المضمضة من الاستنشاق، ثم قالا: هكذا رأينا رسول الله ﷺ توضأ). ثم قال: (روي عنهما من وجوه). فهذا صريح في الفصل بينهما، وشقيق بن سلمة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، أدرك النبي ﷺ ولم يره، وروى عن الخلفاء الأربعة وعدد من الصحابة ﵃.\nوقد جاء من طريق عثمان بن عبد الرحمن التيمي قال: سئل ابن أبي مليكة عن الوضوء، فقال: (رأيت عثمان بن عفان سئل عن الوضوء فدعا بماء، فأُتي بميضأة، فأصغى على يده اليمنى، ثم أدخلها في الماء فتمضمض ثلاثًا واستنثر ثلاثًا .. الحديث) (^٥)، وظاهر ذلك أنه أخذ ماء للمضمضة بمفردها، ثم ماء اخر للاستنشاق بمفرده؛ لأن الاستنثار يلزم منه الاستنشاق.\nقال الصنعاني: (ومع ورود الروايتين: الجمع وعدمه، فالأقرب التخيير، وأن الكل سنة، وإن كانت رواية الجمع أكثر وأصح ..) (^٦). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ١٧٠).\n(^٢) \"المجموع\" (١/ ٣٦٠).\n(^٣) \"البدر المنير\" (٣/ ٢٨٨).\n(^٤) \"عون المعبود\" (١/ ٢٣٤).\n(^٥) أخرجه أبو داود (١٠٨).\n(^٦) \"سبل السلام\" (١/ ٩٨).","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-54>حكم الموالاة في الوضوء</span>\n٥٥/ ٢٤ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا، وَفِي قَدَمِهِ مِثْلُ الظُّفْرِ لَمْ يُصِبْهُ المَاءُ، فَقَالَ: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوَءَكَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (١٧٣) في كتاب «الطهارة» باب «تفريق الوضوء»، من طريق ابن وهب، عن جرير بن حازم، أنه سمع قتادة بن دِعَامة، حدثنا أنس بن مالك: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ وقد توضأ وترك على قدمه مثل الظفر، فقال له النبي ﷺ: «ارجع فأحسن وضوءك»، قال أبو داود: (وهذا الحديث ليس بمعروف عن جرير بن حازم، ولم يروه إلا ابن وهب).\nومراد أبي داود بيان أن هذا الحديث لم يروه أحد عن جرير إلا عبد الله بن وهب، وهو تعليل لكونه غير معروف، قال الدارقطني: (تفرد به جرير بن حازم عن قتادة، وهو ثقة، ولم يروه عنه إلا ابن وهب) (^١). فعلم بذلك أن الحديث غريب؛ لأنه لم يروه عن قتادة إلا جرير، ولم يروه عن جرير إلا ابن وهب، وهذا التفرد من جرير يعتبر علة، لأنه وإن كان ثقة إلا أنه يحدث عن قتادة بأحاديث مناكير، قال ابن عدي: (جرير بن حازم له أحاديث كثيرة عن مشايخه، وهو مستقيم الحديث، صالح فيه، إلا روايته عن قتادة، فإنه يروي أشياء عن قتادة لا يرويها غيره) (^٢).\n_________\n(^١) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٠٨).\n(^٢) \"الكامل\" (٢/ ١٣٠).","vol":"1","page":231},{"text":"ولم أقف على الحديث في سنن النسائي، وقد عزاه المزي (^١) لأبي داود فقط، فالظاهر أن الحافظ وَهِمَ في عزوه للنسائي، والله أعلم. وقد أخرجه - أيضًا - ابن ماجه (٦٥٥)، وأحمد (١٩/ ٤٧١).\nوقد ورد عن جابر ﵁ قال: أخبرني عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلًا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ، فقال: «ارجع فأحسن وضوءك»، فرجع ثم صلى. أخرجه مسلم (٢٤٣)، وأبو داود (١٧٣).\nوورد من طريق بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي ﷺ (أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة).\nأخرجه أبو داود (١٧٥)، وأحمد (٢٤/ ٢٥١)، قال الأثرم: (قلت لأحمد بن حنبل: هذا إسناد جيد؟ قال: (نعم) (^٢).\nوقد أعله الترمذي بأن بقية مدلس، وقد رواه بالعنعنة عن بحير بن سعد، وأجاب ابن القيم عن ذلك بأن بقية صرح بالتحديث عند أحمد (^٣)، وهذا فيه نظر، فإن بقية صرح بالتحديث من شيخه، وعنعن في شيخ شيخه، وهذا لا يقبل ممن يدلس تدليس التسوية أمثال بقية.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (مثل الظفر) بضم الظاء المُشَالة والفاء، وبه جاء القران الكريم، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، ويجوز إسكان الفاء، ويجوز كسر الظاء وإسكان الفاء، وكسرهما معًا، ويجمع على أظفار، وجمع الجمع: أظافير.\n\nقوله: (ارجع فأحسن وضوءك) أي: ائت به على أتم الوجوه وأكملها، فيكون أَمَرَهُ بغسل ما ترك.\nويحتمل أن معناه: استأنف وضوءك من أوله، قال الخطابي: (إن هذا\n_________\n(^١) \"تحفة الأشراف\" (١/ ٣٠٢).\n(^٢) \"التنقيح\" (١/ ٤٠٧).\n(^٣) \"مختصر تهذيب السنن\" (١/ ١٢٩).","vol":"1","page":232},{"text":"هو ظاهر معناه) (^١)، ويؤيده ما تقدم في حديث ابن معدان ﵁: (فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة).\n\nالوجه الثالث: استدل العلماء بهذا الحديث على وجوب استيعاب جميع أجزاء أعضاء الوضوء، وأن من ترك منها شيئًا ولو قليلًا فإن وضوءه لا يصح؛ لأن النبي ﷺ أمر من رأى على قدمه مثل الظفر لم يصبه الماء بإحسان الوضوء وإتمامه وإسباغه، والحديث نص في القَدَمِ، ويقاس عليه غيره من الأعضاء، وقد ورد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلًا لم يغسل عقبه فقال: «ويل للأعقاب من النار»، وفي لفظ: (أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم قال: «ويل للأعقاب من النار») (^٢).\n\nالوجه الرابع: يستدل بالحديث على وجوب إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة، كالعجين أو الجص أو مادة صمغية كالغراء ونحوه؛ لأن الماء لا يصل لما تحتها، فيبقى غير مغسول فلا تتم الطهارة.\nويدخل في ذلك ما تفعله النساء من وضع صبغ الأظفار المسمى بالمناكير أو غيره، فإنه يمنع وصول الماء إلى البشرة.\n\nالوجه الخامس: اختلف العلماء في وجوب الموالاة في الوضوء، والموالاة معناها: التتابع، وموالاة الوضوء: تتابعه، والمراد متابعة غسل الأعضاء بعضها إثر بعض بحيث يُغسل العضو قبل أن يجف الذي قبله في زمن معتدل، فلا اعتداد بتسارع الجفاف لشدة الحر، أو لوجود الهواء الشديد، أو لحال المحموم مع قلة الماء، ولا بتأخر الجفاف لشدة البرد.\nولا يقطع الموالاة الاشتغال في العضو الآخر بسنة كتخليل أو إزالة شيء على اليد كدهان متجمد ونحوه، أو انقطع الماء فانتقل المتوضئ من أنبوب إلى اخر، أو كون الماء لا يحصل إلا متفرقًا فكل ذلك لا يضر؛ لأنه أمر متعلق بالطهارة.\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (١/ ١٢٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦٥)، ومسلم (٢٤٢)، واللفظ الثاني للبخاري.","vol":"1","page":233},{"text":"وفي حكم الموالاة ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: وجوب الموالاة في الوضوء مطلقًا، وهذا قول الإمام أحمد، وهو المذهب، وقول الأوزاعي، وأحد قولي الشافعي، وهو قوله القديم.\nوعلى هذا القول فلا تسقط الموالاة بالنسيان على الصحيح من المذهب (^١).\nالقول الثاني: أن الموالاة سنة وليست واجبة، وهذا قول أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، وهي ظاهر كلام الخرقي، فإنه لم يذكرها في فروض الوضوء، وهو القول الجديد للشافعي، وبه قالت الظاهرية (^٢).\nالقول الثالث: أن الموالاة فرض مع الذكر ومع القدرة، ساقطة مع النسيان، ومع الذكر عند العذر، كنقصان الماء، أو كونه لا يحصل إلا متفرقًا، وهذا قول مالك (^٣)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤).\nواستدل الأولون بما يأتي:\n١ - اية الوضوء، ووجه الدلالة: أنها سيقت مساق الشرط ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، وجواب الشرط إن تعدد يكون متتابعًا لا يتأخر، ضرورة أن المشروط يلي الشرط.\n٢ - حديث الباب، وحديث عمر عند مسلم: «فأحسن وضوءك» وحديث خالد بن معدان: (فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة)، فإن حُمِلَ اللفظ الأول على الثاني فالأمر واضح، وإن لم يحمل أحدهما على الآخر فدلالة الثاني واضحة؛ لأنه أمره أن يعيد الوضوء، ولو لم تكن المولاة واجبة لأمره أن\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ١٩١)، \"الإنصاف\" (١/ ١٤٠).\n(^٢) \"حاشية ابن عابدين\" (١/ ١٢٢)، \"المغني\" (١/ ١٩١)، \"المجموع\" (١/ ٤٧٨)، \"المحلى\" (١/ ٣١٢).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (١/ ٥٤)، \"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ١٦٥).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٢١/ ١٣٥).","vol":"1","page":234},{"text":"يغسل موضع اللمعة، ولم يأمره بإعادة الوضوء، وأما دلالة الأول فإما أن يراد بإحسان الوضوء: غسل ما ترك دون ما سبق، أو يحمل على إعادة الوضوء في تمام، بل قال الخطابي: (إن هذا هو ظاهر معناه) - كما تقدم - لتتفق الألفاظ.\n٣ - أن الذين وصفوا وضوء النبي ﷺ ذكروا أنه توضأ متواليًا، ولم يكن يفصل بين أعضاء وضوئه.\n٤ - أن الوضوء عبادة واحدة، فإذا فرق بين أجزائها لم تكن كذلك.\nأما القائلون بأن الموالاة سنة، فاستدلوا بما يلي:\n١ - اية الوضوء، ووجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء، فكيفما غسل جاز، فَرَّقَ بين الأعضاء أو نسَّق.\n٢ - أن الوضوء إحدى الطهارتين فلم تجب الموالاة فيها كالغسل، وقالوا: إن المراد بإحسان الوضوء تكميل ما نقص منه، وأما أمره بالإعادة في حديث ابن معدان فلأنه يحتمل أنه أراد التشديد عليه في الإنكار والتنبيه على أن من ترك شيئًا فكأنه تارك للكل، أو أنه سمَّى غَسْلَ ما تركه: إعادة، باعتبار ظن المتوضئ.\nأما القائلون بأنه إن تعمد التفريق بطل وضوؤه وإلا فلا، فاستدلوا بأدلة الأولين، كما استدلوا بعموم الأدلة على أن الناسي معفو عنه، كقوله ﷺ: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (^١).\nوهذا القول هو الراجح - إن شاء الله تعالى - لقوة الدليل على ذلك، وهي الأحاديث الثلاثة المذكورة: حديث أنس، وحديث عمر، وحديث خالد بن معدان، ولعلها باجتماعها يقوي بعضها بعضًا، وكذا ما جاء في معناها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا القول الثالث هو الأظهر والأشبه\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (١٦/ ٢٠٢)، والدارقطني (٤/ ١٧٠)، والحاكم (٢/ ١٩٨)، والبيهقي (٧/ ٣٥٦) وهو حديث صحيح له طرق وشواهد، وقد حسنه النووي في \"الأربعين\"، وأقره الحافظ في\" التلخيص\" (١/ ٣٠١)، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على \"الإحكام\" لابن حزم (٢/ ٧١٣)، وسيأتي شرحه -إن شاء الله- في كتاب \"الطلاق\".","vol":"1","page":235},{"text":"بأصول الشريعة وبأصول مذهب أحمد وغيره، وذلك أن أدلة الوجوب لا تتناول إلا المفرط، لا تتناول العاجز عن الموالاة ..) (^١).\nوهذا كله مبني على طول الفصل، أما لو تبين له في الحال أن في قدمه شيئًا لم يصبه الماء أو في يده غَسَلَ ما ترك وأتى بما بعده ليكون مرتبًا.\nأما إجابة أصحاب القول الثاني عن أحاديث الباب فلا تخلو من ضعف، فإنَّ حَمْلَ الأمر بإعادة الوضوء على التشديد فيه نظر، فإن المقام مقام تعليم وبيان للأمة، ثم هو صرف للحديث عن ظاهره بلا دليل، والمجمل من النصوص يرد إلى المُبَيَّنِ، والله أعلم.\n\nالوجه السادس: في الحديث دليل على أنه يشرع للمسلم إذا رأى من أخيه تقصيرًا أو خطأ في واجب أن ينبهه عليه، لتصحيح عبادته؛ لأن هذا داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (٢١/ ١٣٥).","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type='title' id=toc-55>قدر الماء الذي يكفي في الوضوء والغسل</span>\n٥٦/ ٢٥ - وعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إلى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» باب «الوضوء بالمد» (٢٠١)، وأخرجه مسلم (٣٢٥) (٥١)، من طريق مِسْعَرٍ قال: حدثني ابن جبر قال: سمعت أنسًا يقول: … وذكر كحديث، واللفظ لمسلم.\nوقد تقدم حديث عبد الله بن زيد، وهو الحديث العاشر من أحاديث الوضوء، وفيه: (أن النبي ﷺ أُتي بثلثي مُدٍّ فجعل يدلك ذراعيه). أخرجه أحمد، وصححه ابن خزيمة.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن مقدار المد من الماء يكفي في الوضوء، وأن مقدار الصاع أو خمسة أمداد يكفي في الغسل، وهذا يدل على مشروعية الاقتصاد في ماء الوضوء والغسل، وعدم الإسراف ولو كان الماء متيسرًا، وما ذكر في الحديث تقريب لا تحديد؛ لأن الناس يتفاوتون في ذلك، وقد مضى الكلام على ذلك عند حديث عبد الله بن زيد ﵁، ولله الحمد.","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type='title' id=toc-56>ما يقول بعد الوضوء</span>\n٥٧/ ٢٦ - وعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ». أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ.\nوَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ: «اللهمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ».\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو: أبو حفص (^١) عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي ﵁ أمير المؤمنين، وثاني خلفاء هذه الأمة، كان من أشراف قريش، أسلم في السنة الخامسة أو السادسة بعد البعثة، فكان في إسلامه عِزٌّ للمسلمين، لقوته وشدته على الكفار، قال عبد الله بن مسعود ﵁: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر) (^٢)، هاجر إلى المدينة متقدمًا على هجرة النبي ﷺ، شهد المشاهد كلها، وتولى الخلافة بعد أبي بكر الصديق ﵄ بعهد منه، فسار بأحسن سيرة، وزيَّن الإسلام بعدله، وفتح الله به الفتوح كبيت المقدس وجميع الشام فاتسعت رقعة الإسلام، وفي اخر ذي الحجة لأربع ليال بقين منه، طعنه\n_________\n(^١) ورد ما يدل على أن الصحابة -﵃- كانوا يكنونه بذلك. انظر: مسند الإمام أحمد (٢٨/ ٥٤٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٦٨٤)، (٣٨٦٣).","vol":"1","page":238},{"text":"أبو لؤلؤة المجوسي بخنجر ذي رأسين وهو في صلاة الصبح حين كَبَّرَ، وتوفي بعد ثلاث ليال سنة ثلاث وعشرين، ودفن مع النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ في حجرة عائشة خلف أبي بكر، ورأسه بحذاء صدر أبي بكر، فكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأيامًا، ﵁ وأرضاه (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في «الطهارة» (٢٣٤) من طريق معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن عقبة بن عامر، ورواه أيضًا معاوية بن صالح، عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي، فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله ﷺ قائمًا يحدث الناس، فأدركت من قوله: «ما من مسلم يتوضأ، فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، فيقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة». قال: فقلت: ما أجود هذا! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود، فنظرت فإذا عمر، قال: إني قد رأيتك جئت انفًا، قال: … فذكر الحديث. وفي اخره: «إلا فُتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء».\nومعاوية بن صالح هو: ابن حُدير، وأبو عثمان قال عنه الذهبي: (لا يُدرى من هو؟ وخَرَّجَ له مسلم متابعة) (^٢)، وذكر ابن منجويه أنه يشبه أن يكون سعيد بن هانئ الخولاني المصري (^٣)، وقال ابن حبان بعدما أخرج هذا الحديث: (أبو عثمان هذا يشبه أن يكون - حريز، بفتح الحاء - ابن عثمان الرحبي) (^٤). اهـ. وكلاهما ثقة لا أثر له على إسناد الحديث.\nوأخرجه مسلم - أيضًا - من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحُباب بهما.\nوقد ورد في الحديث زيادة: «ثم رفع نظره إلى السماء» وهي عند أحمد\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٨/ ٢٤٢)، \"الإصابة\" (٧/ ٧٤).\n(^٢) \"الميزان\" (٤/ ٢٥٠).\n(^٣) \"رجال مسلم\" (٢/ ٣٩٦).\n(^٤) \"صحيح ابن حبان\" (٣/ ٣٢٥).","vol":"1","page":239},{"text":"(٢٨/ ٥٩٣)، وأبي داود (١٧٠)، وابن السني رقم (٣١) من رواية أبي عقيل، واسمه زهرة بن معبد، عن ابن عمه، عن عقبة بن عامر ﵁، به، وهذه زيادة منكرة، تفرد بها ابن عم أبي عقيل هذا، وهو مجهول، قال الحافظ: «إن زهرة روى عن ابن عمه ولم يسمه» (^١)، وزهرة من رجال البخاري، وباقي رجال إسناد أحمد رجال الشيخين.\nوقد أخرجه الترمذي (٥٥) بالزيادة المذكورة عن جعفر بن محمد بن عمران التغلبي، عن زيد بن الحُباب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن زيد، عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان، عن عمر بن الخطاب، ولم يذكر عقبة بن عامر في الإسناد.\nقال الترمذي: (وهذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب كبير شيء).\nومراده بالاضطراب أنه أسقط في الإسناد الأول بين أبي إدريس وبين عمر: عقبة بن عامر، فصار من حديث عمر: وليس كذلك، وأسقط في الثاني بين أبي عثمان وبين عمر، جبير بن نفير وعقبة فصار منقطعًا بل معضلًا، وقد خالف جعفرَ بنَ محمدٍ كلُّ من رواه عن معاوية بن صالح، ثم عن زيد بن الحُباب. قاله الحافظ (^٢).\nوكلام الترمذي هذا فيه نظر، فإن الحديث صحيح مستقيم الإسناد، أخرجه مسلم في صحيحه، قال الحافظ: (لكن رواية مسلم سالمة من هذا الاعتراض) (^٣).\nفالحق أنه لا اضطراب في الحديث، فإن جميع الرواة عن معاوية بن صالح متفقون على إسناد الحديث وأن صحابيه عقبة بن عامر، وإنما جاء الاضطراب في الأسانيد التي نقلها الترمذي - منه أو ممن حدثه بها - وذلك في رواية زيد بن الحُباب دون باقي الروايات، ثم إن زيد بن الحُباب قد روى\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢٩٥).\n(^٢) \"نتائج الأفكار\" (١/ ٢٤١).\n(^٣) \"التلخيص\" (١/ ١١٢).","vol":"1","page":240},{"text":"الحديث عن معاوية بالطريقين - طريق ربيعة بن زيد، وطريق أبي عثمان - عند مسلم - كما تقدم - فترجحت روايته هذه لكونها عن الثقات الأثبات، أما روايته الأخرى المخالفة لذلك كرواية الترمذي فلا يُدرى هل الاضطراب فيها من زيد نفسه أو من الرواة عنه؟ وقد رجح أبو علي الغساني في «تقييد المهمل» (^١) أن شيخ الترمذي لم يضبط إسناده عن زيد، وحمل الترمذي في ذلك على زيد بن الحُباب، وهو بريء من ذلك، والوهم في ذلك من الترمذي أو من شيخه الذي حدثه به؛ لأنه تقدم أن الحديث رواه عن زيد أئمة حفاظ مثل أبي بكر بن أبي شيبة، بما يخالف ما ذكره الترمذي.\nوقد جزم الحافظ ابن حجر بأن محمد بن جعفر شيخ الترمذي لم يضبط الإسناد (^٢).\nوهذه الزيادة لم ترد في جميع الروايات، إلا في رواية الترمذي وحدها، وقد علمت أنها مضطربة، فلا حجة فيها لإثبات هذه الزيادة، كما قال الشيخ أحمد شاكر (^٣).\nوقد صححها الألباني، قال: (لأنه اضطراب مرجوح) (^٤)، وذكر له شاهدًا من حديث ثوبان عند الطبراني (^٥)، وابن السني (^٦)، من طريق أبي سعد البقال الكوفي الأعور، قال الهيثمي: (والأكثر على تضعيفه) (^٧)، ووثقه بعضهم (^٨)، ولفظ الطبراني ليس فيه جملة: «اللهم اجعلني ..»، وصححها - أيضًا - الشيخ عبد العزيز بن باز فقال: (هذه الرواية عند الترمذي سندها جيد) (^٩).\nوللحديث بهذه الزيادة طريق أخرى عند الطبراني (^١٠) من رواية الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، وهو إسناد ضعيف، سالم لم يسمع من\n_________\n(^١) (٣/ ٧٨٩).\n(^٢) \"نتائج الأفكار\" (١/ ٢٤١).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١/ ٨٣).\n(^٤) \"الإرواء\" (١/ ١٣٥).\n(^٥) \"المعجم الكبير\" (٢/ ١٠٠).\n(^٦) \"عمل اليوم والليلة\" (٣٢).\n(^٧) \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٣٩).\n(^٨) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٧٠).\n(^٩) \"حاشية ابن باز على البلوغ\" (١/ ٨٩).\n(^١٠) \"المعجم الأوسط\" (٥/ ٤٦٤).","vol":"1","page":241},{"text":"ثوبان، والراوي عن الأعمش وهو مسور بن مُوَرِّع العنبري ليس بالمشهور.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ما منكم من أحد يتوضأ) ما: نافية، ومنكم: خبر مقدم، ومن: حرف جر زائد للتوكيد، وأحد: مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.\nولفظ: (من أحد) من صيغ العموم؛ لأنها نكرة في سياق النفي، وزيدت عليها (من) للاستغراق، والمعنى: أيُّ واحد منكم، فيشمل الرجل والمرأة.\n\nقوله: (فيسبغ الوضوء) تقدم أن الإسباغ يطلق ويراد به استيعاب محل الفرض، ويطلق ويراد به ما زاد على الواجب من الغسلة الثانية والثالثة، والظاهر أن هذا هو المراد هنا، والفاء هنا للترتيب الذكري، لا للترتيب الزمني؛ لأن الإسباغ لا يتأخر عن الوضوء، وإنما يقارن كل عضو من الأعضاء.\n\nقوله: (ثم يقول ..) أي: بعد نهاية الوضوء مباشرة بدون فاصل، وثم: للتراخي الزمني، وهو في كل موضع بحسبه.\n\nقوله: (أشهد أن لا إله إلا الله) معنى (أشهد): أي أقر بقلبي ناطقًا بلساني، كالمشاهد بما أقر به، فالشهادة: الاعتقاد الجازم الذي يعبر عنه اللسان، و(أن) مخففة من الثقيلة، ولذا تكتب مفصولة عن (لا) النافية، للتفرقة بينهما وبين (أن) الناصبة للمضارع، فإنها تكتب موصولة، نحو: أُحِبُّ ألا تتأخر.\nوخبر (لا) النافية للجنس محذوف، تقديره: حق ونحوه، والمعنى: لا معبود بحق إلا الله .. ولفظ (الله) بدل من الضمير في الخبر، فالله تعالى هو الإله الحق، لكمال ذاته وصفاته، أما من عُبِدَ من دونه فليس بإله وإن سُمِّي به، ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣].\n\nقوله: (وحده لا شريك له) وحده: حال مؤكدة لمعنى الإثبات، ولا شريك له: توكيد للنفي، والشريك: المعاون والمساعد في الشيء.","vol":"1","page":242},{"text":"قوله: (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) أي: المتذلل له بالطاعة وبتبليغ الرسالة والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، ورسوله؛ أي: المرسل من عنده بشرعه إلى جميع العالمين.\n\nقوله: (إلا فتحت له أبواب الجنة) أي: الثمانية كما هو لفظ مسلم. وعن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «في الجنة ثمانية أبواب، باب منها يسمى الريَّان، لا يدخله إلا الصائمون، فإذا دخلوا أُغلق، فلم يدخل غيرهم» (^١). وفتح أبواب الجنة لصاحب هذا الفضل يحمل على أمرين:\nأحدهما: تيسير الأعمال الموصلة إلى تلك الأبواب، بمعنى أن الله يهيئ له أسباب الأعمال الصالحة التي تبلغه هذه الأبواب.\nالثاني: أن المراد ستفتح له يوم القيامة، فوضع الماضي موضع المستقبل لتحقق وقوعه، كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١].\n\nقوله: (اللهم) هذا منادى، والميم المشددة عوض عن حرف النداء والأصل: يا الله، فحذف حرف النداء، وعوضت عنه الميم.\n\nقوله: (اجعلني من التوابين) جمع تواب: وهي صيغة مبالغة من تاب يتوب، أي: اجعلني من الذين يكثرون التوبة والاستغفار مما قارفوه من معاصٍ وذنوب.\n\nقوله: (واجعلني من المتطهرين) جمع متطهر، والتطهر: التنزه، أي: اجعلني من الذين يتنزهون من الذنوب والأحداث والأنجاس، وجمع بينهما إلمامًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. ولما كانت التوبة طهارة الباطن عن أدران الذنوب، والوضوء طهارة الظاهر عن الأحداث والأنجاس التي تمنع من التقرب إلى الله تعالى ناسب الجمع بينهما.\n\nالوجه الرابع: استحباب هذا الذكر الجليل المشتمل على الشهادتين عند نهاية الوضوء؛ لأنه سبب للسعادة الأبدية، وهي دخول الجنة من أي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٩٦)، ومسلم (١١٥٢).","vol":"1","page":243},{"text":"أبوابها شاء، وهذا فضل عظيم فإنه ورد أن للصلاة بابًا، وللصدقة بابًا، وللجهاد بابًا، وللصيام بابًا - كما تقدم ـ، وقائل هذه الكلمة العظيمة بعد الوضوء تفتح له جميع الأبواب يدخل من أيها شاء، فهذا الفضل العظيم مرتب على هذا الذكر، لا على الوضوء بدون الذكر، لئلا يتعارض ذلك مع ما ورد من أن الصلاة لها باب، والوضوء الذي هو وسيلة إلى الصلاة بهذه الفضيلة، فيقال في الجواب ما تقدم.\nوفي هذا الذكر مناسبة عظيمة، فإن المتوضئ لما أكمل ظاهره بالتطهير بالماء وإسباغ الوضوء، كَمَّلَ باطنه بعقيدة التوحيد وكلمة الإخلاص التي هي أشرف الكلمات.\nقال الصنعاني: (ولا يخفى حسن ختم المصنف باب الوضوء بهذا الدعاء، الذي يقال عند تمام الوضوء فعلًا، فقاله عند تمام أدلته تأليفًا ..) (^١).\nوقد ورد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم قال عند فراغه من وضوئه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، خُتم عليها بخاتم، فوضعت تحت العرش، فلم يكسر إلى يوم القيامة» (^٢)، والله ﷾ أعلم.\n_________\n(^١) \"سبل السلام\" (١/ ١٠٣).\n(^٢) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٢/ ٢٧١) والحاكم (١/ ٥٦٤) مرفوعًا، وأخرجه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم ٨١، ٨٢، ٨٣) مرفوعًا من طريق يحيى بن كثير، عن شعبة، وموقوفًا من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي هاشم، ومن طريق سفيان الثوري عن أبي هاشم، وهو يحيى بن دينار الرماني، فاتفق الثوري وشعبة -من رواية غندر- على وقفه، وأخرجه ابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم ٣٠)، قال النسائي عن رواية الرفع: (وهذا خطأ، والصواب موقوف)، قال الحافظ في \"نتائج الأفكار\" (١/ ٢٤٦): (قال الطبراني: \"لم يروه عن شعبة مرفوعًا إلا يحيى بن كثير\"، قلت: وهو ثقة من رجال الصحيحين، وكذا من فوقه إلى الصحابي، وأما شيخ النسائي -أي: يحيى بن محمد بن السكن- فهو ثقة -أيضًا- من شيوخ البخاري، ولم ينفرد به، فالسند صحيح بلا ريب -أي: رقم (٨١) - وإنما اختلف في رفع المتن ووقفه، فالنسائي جرى على طريقته في الترجيح بالأكثر والأحفظ، وأما على طريقة المصنف -أي: مصنف \"الأذكار\"، وهو النووي- تبعًا لابن الصلاح وغيره فالرفع عندهم مقدم =","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type='title' id=toc-57>باب المسح على الخفين</span>\nذكر الحافظ هذا الباب بعد باب «الوضوء» للمناسبة بينهما، لأن المسح على الخفين يتعلق بعضو من أعضاء الوضوء.\nوالمسح: إمرار اليد على الخفين مبلولة بالماء، والمراد بالخفين: ما يلبس على القدم من الجلد ساترًا لها، جاء في «المعجم الوسيط» (^١): (الخف: ما يلبس في الرجل من جلد رقيق). والخف يجمع على خِفَافٍ، وأما خف البعير فيجمع على أخفاف (^٢)، وتقاس عليها الجوارب وهي ما تكون من غير جلد كالخرق وشبهها، وهي الشرَّاب، أو تلحق بها عن طريق العموم اللفظي، كما في حديث ثوبان ﵁ الآتي: (أمرهم أن يمسحوا على التساخين)، وهي تعم كل ما يسخن القدم، وسيأتي لذلك مزيد عند الكلام على حديث ثوبان، إن شاء الله.\nوالمسح على الخفين ثابت في القران والسنة المتواترة عن رسول الله ﷺ، وقد أجمع عليه المسلمون، خلا الشيعة، ولا يعتد بهم.\nأما القران فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] على قراءة الجر في قوله: «وأرجلِكم» وهي قراءة سبعية، فتكون معطوفة على\n_________\n= لما مع الرافع من زيادة العلم، وعلى تقدير العمل بالطريقة الأخرى فهذا مما لا مجال للرأي للرأي فيه فله حكم الرفع). اهـ كلام الحافظ ﵀.\nوهو كلام مفيد حقق فيه المسألة، ورجح فيه صحة الحديث، فإن كان مرفوعًا فذاك، وإن كان موقوفًا -وهو الأرجح- فله حكم الرفع؛ لأنه ذكر مخصوص بعد عبادة مخصوصة، وإخبار عن أمر غيبي، فلا يمكن للصحابي أن يقوله دون أصل من هدي النبي -ﷺ-، والله أعلم.\n(^١) (١/ ٢٧٤).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (١٧٦).","vol":"1","page":245},{"text":"قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ لأنها أقرب إلى الأرجل من الوجوه، والعطف على الأقرب معروف في لغة العرب، والمراد بذلك المسح على الخفين على أحد الأوجه التي قيلت في قراءة الجر؛ لأن جميع من وصفوا وضوء النبي ﷺ لم يذكروا أنه كان يمسح رجليه بدون أن يكون عليهما خف، بل كان يغسلهما، فتعين حملها على مسح الخفين، كما بينته السنة، وبذلك يتم ثبوت المسح بالقران، وهو أحسن الوجوه التي توجه بها قراءة الجر، كما قال الصنعاني (^١).\nوأما السنة فقد ثبت جواز المسح على الخفين عن رسول الله ﷺ قولًا وفعلًا، حضرًا وسفرًا، وبلغت الأحاديث في ذلك حد التواتر، فقد نقل ابن المنذر عن الحسن البصري أنه قال: (حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أنه مسح على الخفين) (^٢)، وذكر أبو القاسم بن منده في «تذكرته» من رواه فبلغ ثمانين (^٣)، وكذا ذكرهم ابن الملقن وبلَّغهم ثمانين (^٤)، ومن هؤلاء الرواةِ العشرةُ المبشرون بالجنة، ونقل ابن المنذر عن ابن المبارك أنه قال: (ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز) (^٥)، ونقل ابن قدامة عن الإمام أحمد قوله: (ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثًا عن أصحاب رسول الله ﷺ، ما رفعوا إلى النبي، وما وقفوا) (^٦).\nوالمسح على الخفين من الرخص الدالة على كمال الدين الإسلامي ويسر تشريعاته، وبُعدها عن الحرج، فإن الإنسان يحتاج للمسح على الخفين، لا سيما في فصل الشتاء، وفي البلاد الباردة.\nواعلم أن بعض العلماء قد ذكر موضوع المسح على الخفين في كتب العقائد مثل الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي ﵀ في «العقيدة الطحاوية»، مع أن المسح على الخفين من المسائل العملية، وليس من المسائل العلمية، وذلك لأمرين:\n_________\n(^١) \"سبل السلام\" (١/ ١٠٦).\n(^٢) \"الأوسط\" (١/ ٤٣٠).\n(^٣) \"التلخيص\" (١/ ١٦٧).\n(^٤) \"شرح العمدة\" لابن الملقن (١/ ٦١٥).\n(^٥) \"الأوسط\" (١/ ٤٣٤).\n(^٦) \"المغني\" (١/ ٣٦٠).","vol":"1","page":246},{"text":"١ - بيان معتقد أهل السنة والجماعة، والرد على من خالف في ذلك من طوائف أهل البدع؛ كالشيعة والخوارج، فصار المسح شعارًا لأهل السنة، وعدم المسح شعارًا لغيرهم من أهل البدع (^١).\n٢ - بيان أن أحاديث المسح بلغت حد التواتر الذي لا ينكره إلا معاند مكابر.\nوهؤلاء المخالفون يحتجون بأن قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ نص على مباشرة الرجلين بالماء، قالوا: وأحاديث المسح منسوخة باية المائدة، وهذا غير صحيح؛ لأن المسح ثابت في غزوة تبوك سنة تسع، واية المائدة نزلت في غزوة المريسيع وهي سنة ست، فهي قبل تبوك اتفاقًا، ولو سُلّمَ تأخر اية المائدة فلا منافاة بينها وبين أحاديث المسح، فإن الأمر بالغسل متوجه إلى من لا خف له، والرخصة في المسح إنما هي للابس الخف، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"التمهيد\" (١١/ ١٣٤).","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type='title' id=toc-58>بيان حكم المسح على الخفين</span>\n٥٨/ ١ - عَنِ المُغيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النبِيّ ﷺ، فَتَوَضّأَ، فَأَهْوَيْتُ لأنزِعَ خُفّيهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا، فَإِنّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، فَمَسحَ عَلَيْهِمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» باب «إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان» (٢٠٦)، ومسلم (٢٧٤) (٧٩) من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن عامر الشعبي، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه ﵁.\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر أن زكريا مدلس، وأنه لم يروه من حديث عامر إلا بالعنعنة (^١)، وفاته أنه أخرجه أبو عوانة في «مسنده» (١/ ٢٥٥) من ثلاثة طرق عن زكريا، قال: ثنا عامر، فقد صرح بالتحديث (^٢) فزال بذلك ما يخشى من تدليسه، ثم إن المشهور عند أكثر العلماء أن رواية المدلس في الصحيحين بلفظ العنعنة حكمها الصحة والاتصال، وتحمل على ثبوت السماع لدى الشيخين من جهة أخرى، إحسانًا للظن بهما أو لأمور أخرى ذكرها أهل العلم (^٣).\nوذكر الحافظ أن الحديث له طرق كثيرة عن المغيرة، ونقل عن البزار أنه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٠٩).\n(^٢) انظر:\"الخلافيات\" للبيهقي (٣/ ٢٣٨).\n(^٣) \"التدليس\" ص (١٣٣).","vol":"1","page":248},{"text":"رُويَ عن المغيرة من نحو ستين طريقًا (^١)، فهو من أشهر أحاديث المسح على الخفين.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كنت مع النبي ﷺ فتوضأ) هكذا في نسخ «البلوغ» (فتوضأ)، وعند البخاري: (في سفر) مكان: (فتوضأ)، ومعنى (فتوضأ): أخذ في الوضوء، لا أنه استكمله، بدليل سياق الحديث، والمراد بالسفر: سفر غزوة تبوك في رجب سنة تسع من الهجرة، وكان ذلك قبل صلاة الفجر، كما ورد في «المغازي» (^٢).\n\nقوله: (فأهويت): أي: انحنيت مادًا يدي، يقال: أهوى بيده إلى كذا ليأخذ، وأهويت: قصدت الهواء من القيام إلى القعود، وهذا في الرباعي، وأما في الثلاثي: فهوى - بفتح الواو - يهوي: إذا سقط.\n\nقوله: (لأنزع) بكسر الزاي، من باب ضرب يضرب، أي: أخلع، وهذا الصنيع من المغيرة ﵁ يحتمل أنه لم يكن قد علم برخصة المسح، أو علمها وظن أنه ﷺ سيفعل الأفضل على القول بأن الغسل أفضل.\n\nقوله: (دعهما) الضمير يعود على الخفين، أي: اتركهما، أو يعود على القدمين، والأول أظهر.\n\nقوله: (فإني أدخلتهما طاهرتين) الضمير في قوله: (أدخلتهما) يعود على القدمين، بدليل رواية أبي داود: «دع الخفين، فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان» (^٣)، و(طاهرتين) حال من الهاء في (أدخلتهما)، والجملة تعليلية لقوله: (دعهما)، وجاء في رواية يحيى بن سعيد القطان عن زكريا، عند أحمد بلفظ: «أدخلتهما وهما طاهرتان» (^٤)، وسيأتي - إن شاء الله - الفرق بين اللفظين.\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (١/ ١٦٦).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ١٢٥).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (١٥١).\n(^٤) \"مسند أحمد\" (٣٠/ ١٧٥ - ١٧٦).","vol":"1","page":249},{"text":"الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز المسح على الخفين في الوضوء بدلًا من غسل الرجلين، وذلك في السفر لهذا الحديث، وفي الحضر لحديث علي ﵁ الآتي. ومثله حديث حذيفة ﵁ (^١).\nولا فرق في جواز المسح أن يكون لحاجة أم لا، فيجوز للمرأة الملازمة لبيتها، والمريض الذي لا يمشي، وقد نقل النووي الإجماع على ذلك (^٢).\nويقاس على الخفين كل ما يستر الرجلين من الشراب واللفائف ونحو ذلك، كما سيأتي إن شاء الله.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن المسح على الخفين لمن كان لابسًا لهما أفضل من خلعهما وغسل الرجلين، لقوله: (دعهما)، ولأن المسح من السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وقد طعن فيها طوائف من أهل البدع، فكان إحياء ما طعن فيه المخالفون من السنة أفضل من إماتته (^٣).\nومن يخلع خفيه عند كل وضوء فقد خالف السنة، ويخشى أن يكون فعله هذا تشبهًا بالرافضة.\nوأما مع عدم اللبس فالأفضل الغسل، ولا يلبس ليمسح؛ لأن الغسل هو الأفضل حينئذٍ.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل أن المسح يكون على مطلق الخف، فما سمي خفًا جاز المسح عليه، ولو كان فيه خرق أو شق على الصحيح من قولي أهل العلم؛ لأن السنة وردت بالمسح على الخفين مطلقًا دون تقييده بأوصاف زائدة، ولأن الخفاف في العادة لا يخلو كثير منها من فتق أو خرق، لا سيما مع تقادم عهدها، وكان كثير من الصحابة ﵃ فقراء لا يمكنهم تجديد ذلك، فما أطلقه الشرع لم يجز لأحد تقييده إلا بدليل شرعي، والصحابة ﵃\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (١١/ ١٤٥).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ١٦٧).\n(^٣) \"التمهيد\" (١١/ ١٣٤).","vol":"1","page":250},{"text":"لم ينقل عن أحد منهم تقييد الخف بشيء من القيود، بل أطلقوا المسح على الخفاف مع علمهم بأحوالها، فعلم أنهم كانوا قد فهموا عن نبيهم جواز المسح على الخفين مطلقًا (^١).\nفعلى هذا لا يصح اعتبار شروط لا أصل لها في الشرع، وتعود على مقصود الرخصة بالإبطال.\n\nالوجه السادس: استدل بعض العلماء بقوله: «فإني أدخلتهما وهما طاهرتان» على أن إكمال الطهارة شرط في صحة المسح على الخفين، وأنه لا يلبسهما إلا بعد طهارة الرجلين جميعًا؛ لأن قوله: «وهما طاهرتان»، حال من كل واحدة من الرجلين، فيصير التقدير: أدخلت كل واحدة في حال طهارتها، وذلك إنما يكون بإكمال الطهارة، وعلى هذا فلو غسل الرجل اليمنى وأدخلها، ثم اليسرى وأدخلها لم يصح المسح؛ لأنه لم يدخلهما وهما طاهرتان، بل أدخل الأولى قبل طهارة الثانية، وهذا قول مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد (^٢)، وعند هؤلاء لو حصل ما ذكر وجب عليه أن يخلع اليمنى، ثم يلبسها مرة أخرى، ليكون لبسها بعد كمال الطهارة.\nوالقول الثاني: أن من غسل إحدى رجليه ولبس الخف، ثم غسل الأخرى ولبس الخف أن طهارته كاملة، ويجوز له المسح، وهذا قول الحنفية، وبعض الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد (^٣)، قالوا: لأنه إذا غسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل إحدى رجليه فقد طهرت رجله التي غسلها، فإذا أدخلها في الخف فقد أدخلها وهي طاهرة، ثم إذا غسل الأخرى من ساعته وأدخلها الخف فقد أدخلها وهي طاهرة، فقد أدخل مَنْ هذه صفته رجليه الخف وهما طاهرتان.\nوقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: (إن هذا الصواب\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (٢١/ ١٧٢).\n(^٢) \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١٤٣)، \"المجموع\" (١/ ٥٤٠)، \"الإنصاف\" (١/ ١٧١ - ١٧٢).\n(^٣) \"شرح فتح القدير\" (١/ ١٤٧)، \"المجموع\" (١/ ٥٤٠)، \"المغني\" (١/ ٣٦١).","vol":"1","page":251},{"text":"بلا شك) (^١)، كما اختاره ابن القيم، وقال: (إنه أصح القولين) (^٢).\n\nوقوله: (فإني أدخلتهما طاهرتين) ليس نصًا فيما ذكره الأولون، بل يحتمل أن المعنى ما ذكر، ويحتمل أن المعنى أدخلت كل واحدة طاهرة، لكن قد يؤيد القول الأول حديث أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ: أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر، فلبس خفيه أن يمسح عليهما - وسيأتي إن شاء الله ـ، فقوله: (إذا تطهر فلبس) يفيد أنه لا يلبس قبل غسل الرجل اليسرى؛ لأن من فعل ذلك لم يصدق عليه أنه تطهر، وهذا هو الأحوط في هذه المسألة أنه لا يلبس الخفين إلا بعد كمال الطهارة، لكن من أخذ بالقول الثاني لم نجزم ببطلان طهارته وصلاته، لقيام الاحتمال.\n\nالوجه السابع: الحديث دليل على شرط من شروط المسح على الخفين، وهو أن يلبسهما على طهارة، وظاهره أن المراد الطهارة بالماء؛ لأنها هي المراد عند الإطلاق، وهذا قول الجمهور (^٣)، فلو لبسهما على طهارة التيمم لم يمسح عليهما عند وجود الماء؛ لأن طهارة التيمم لا تعلق للرّجْلِ بها، فلا يتحقق قوله: «وهما طاهرتان».\n\nالوجه الثامن: حسن خلق النبي ﷺ وتعليمه حيث منع المغيرة من خلعهما وبيّن له السبب، وهو أنه أدخلهما طاهرتين، وفي هذا ثلاث فوائد كما تقدم في حديث الهرة:\n١ - اطمئنان النفس واقتناعها؛ لأنها إذا علمت علة الحكم اطمأنت، وإن كان المؤمن سيطمئن على كل حال، لكن زيادة ذكر علة الحكم كلها خير.\n٢ - سمو الشريعة وأنه لا يوجد حكم إلا وله علة وحكمة.\n٣ - شمول الحكم بشمول العلة، فكل ما تحققت فيه العلة ثبت فيه الحكمُ المعلّلُ بهذه العلة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (٢١/ ٢٠٩، ٢١٠).\n(^٢) \"إعلام الموقعين\" (٣/ ٣٨٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣١٠).","vol":"1","page":252},{"text":"<span data-type='title' id=toc-59>محل المسح على الخفين</span>\n٥٩/ ٢ - وَللأرْبَعَة عَنْهُ إلاّ النّسَائِيّ: أَنّ النبِيّ ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الخُفِّ وَأَسْفَلَهُ. وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ.\n٦٠/ ٣ - عَنْ عَلِيّ ﵁ قَالَ: لَوْ كَانَ الدّينُ بِالرّأْيِ لَكانَ أَسْفَلُ الْخُفّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفّيْهِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإسْنَادٍ حَسَنٍ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث المغيرة فقد أخرجه أبو داود (١٦٥) في كتاب «الطهارة» باب «كيفية المسح»، والترمذي (٩٧)، وابن ماجه (٥٥٠) من طريق الوليد بن مسلم، أخبرنا ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة به …\nوهذا إسناد فيه ضعف - كما قال الحافظ - وقد ذكره ليعلم حاله، فقد أُعل بعلتين قادحتين:\nالأولى: الانقطاع بين ثور ورجاء، قال أبو داود عقبه: (وبلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء)، وقال الدارقطني: (رواه ابن المبارك عن ثور، قال: حُدّثتُ عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن النبي ﷺ مرسلًا ليس فيه المغيرة) (^١).\n_________\n(^١) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٩٥).","vol":"1","page":253},{"text":"العلة الثانية: الإرسال، وذلك أن كاتب المغيرة يرويه عن النبي ﷺ ولم يدركه، كما تقدم في رواية ابن المبارك، وهذا ما رجحه البخاري وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، قال الترمذي: (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: لا يصح هذا … وذكر كلام ابن المبارك .. وسألت أبا زرعة، فقال نحوًا مما قال محمد بن إسماعيل) (^١)، وقال ابن أبي حاتم: (سألت أبا زرعة وأبي عن هذا الحديث فقالا: هذا أشبه) يعني: طريق ابن المبارك الذي فيه عدم ذكر المغيرة (^٢).\nوفيه علة ثالثة وهي: جهالة كاتب المغيرة، كما في سياق أبي داود والترمذي، ذكر ذلك ابن حزم (^٣) لكنها علة غير قادحة، فقد سُمّيَ في رواية ابن ماجه: (ورّادًا)، وهو ثقة مشهور احتج به الستة.\nوقصارى القول أن سند الحديث ضعيف، لما تقدم، وضَعَّفَهُ أئمة هذا الشأن: البخاري، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطني، وغيرهم.\nهذا ما يتعلق بالإسناد، أما المتن فإن الأحاديث الصحيحة على خلافه، فإنها قد تضافرت على ذكر المسح على ظاهر الخف، وليس على باطنه، ومما يؤيد أن المسح على باطن الخف لم يكن معروفًا:\nالحديث الثاني: الذي يليه، وهو ما أخرجه أبو داود (١٦٢) من طريق الأعمش، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد خير، عن علي ﵁.\nوقد تفرد به عن أصحاب الكتب الستة، وقد حسن الحافظ إسناده هنا مع أنه أورده في «التلخيص» وقال: (إسناده صحيح) (^٤)، وصححه أحمد شاكر (^٥)، قال الألباني: (هذا هو الصواب) (^٦)، وعبد خير هو ابن يزيد الهمداني، وثقه ابن معين والعجلي، وتقدم له ذكر في أول «الوضوء».\nوقد اختلف في لفظ هذا الأثر، ورجح الدارقطني في «العلل» (٤/ ٤٦) أن الصحيح فيه قول من قال: (كنت أرى باطن الخفين أحق بالمسح من أعلاهما) (^٧).\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" (١/ ١٨٠).\n(^٢) \"علل الحديث\" (١/ ٣٨، ٥٤).\n(^٣) \"المحلى\" (٢/ ١١٤).\n(^٤) \"التلخيص\" (١/ ١٦٩).\n(^٥) \"تحقيق المسند\" (٩١٧).\n(^٦) \"إرواء الغليل\" (١/ ١٤٠).\n(^٧) انظر: \"موسوعة أحكام الطهارة\" (٥/ ٢٨٦).","vol":"1","page":254},{"text":"الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لو كان الدين بالرأي ..) المراد بالدين: أحكام الإسلام، والمراد بالرأي: ما يراه الإنسان صالحًا من غير نظر إلى الشرع، والمعنى: لو كان مأخذ الأحكام الشرعية بمجرد العقل لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه؛ لأن الأسفل يلاقي الأقذار والنجاسات، ولكن الواجب تقديم النقل الصحيح على الرأي، ولعل هذا مراد به ظاهر الرأي، وإلا فإن العقل يدل على أن الأولى مسح الأعلى فقط؛ لأن هذا المسح لا يراد به التنظيف، وإنما يراد به التعبد، ولا يمسح الأسفل؛ لأن مسحه تلويث له ولليد.\nوالعقل الكامل تابع للشرع؛ لأنه عاجز عن إدراك الحِكَمِ الإلهية، فعليه بالانقياد والتعبد المحض بمقتضى العبودية، وهذا هو العقل السليم من مرض الشبهة ومرض الشهوة، وما ضَلَّ من ضَلَّ من الكفرة والحكماء والمبتدعة وأهل الأهواء إلا بمتابعة العقل وترك موافقة النقل.\n\nقوله: (وقد رأيت رسول الله ﷺ …) هذا كالتعليل لمحذوف يفهم من الكلام، والتقدير: لكنَّ أسفل الخف ليس أولى بالمسح؛ لأني رأيت رسول الله ﷺ مسح على أعلى الخفين فقط.\n\nالوجه الثالث: حديث علي ﵁ دليل على محل المسح وأنه يكون على أعلى الخف دون أسفله.\nأما حديث المغيرة فقد تقدم أنه حديث ضعيف مُعَارَضٌ بما هو أصح منه، قال ابن القيم: (وكان ﷺ يمسح ظاهر الخفين، ولم يصح عنه مسح أسفلهما إلا في حديث منقطع، والأحاديث الصحيحة على خلافه) (^١).\n\nالوجه الرابع: أن مشروعية مسح الخف ليست من العمل بالرأي وإنما هي توقيفية لا تظهر فيها مناسبة إلا مجرد التخفيف والتيسير، فيتوقف فيه على ما شرع، وقد شرع المسح على ظاهر الخف دون أسفله.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (١/ ١٩٩).","vol":"1","page":255},{"text":"الوجه الخامس: لم يرد في صفة المسح على الخفين ولا في مقدار ما يُمسح حديث يعتمد عليه، والظاهر أنه إذا فعل المكلف ما يسمى مسحًا على الخف لغة أجزأ، وصفة ذلك: أن يُمِرَّ اليد اليمنى مبلولة بالماء مفرجة الأصابع على الرجل اليمنى، واليسرى كذلك، ويكون المسح مرة واحدة، ولا يشرع تكراره، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type='title' id=toc-60>توقيت المسح وأنه مختص بالحدث الأصغر</span>\n٦١/ ٤ - عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسّالٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيّامٍ وَلَيَالِيَهُنّ، إلاّ مِنْ جَنَابَةٍ، وَلكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ، وَنَومٍ. أَخْرَجَهُ النّسَائِيّ، وَالتّرْمِذِيّ وَاللّفْظُ لَهُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحّحَاهُ.\n٦٢/ ٥ - وَعَنْ عَليّ بْنِ أبي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: جَعَلَ النبيُّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ وَلَيَالِيَهُنّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلمُقِيمِ. يَعْنِي: فِي المَسْحِ على الْخُفّيْنِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو صفوان بن عَسّال - بمهملتين مُثَقَّل - المرادي ﵁، صحابي مشهور، سكن الكوفة، روى عن النبي ﷺ أحاديث، منها حديثه الطويل في المسح على الخفين، وفضل طلب العلم، والمحبة، وآخر وقتٍ تقبل فيه التوبة، وهو مشهور، وقد غزا مع النبي ﷺ اثنتي عشرة غزوة، روى عنه جماعة، منهم الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما الحديث الأول فقد أخرجه الترمذي (٩٦) أبواب «الطهارة» باب «المسح على الخفين للمسافر والمقيم»، والنسائي (١/ ٨٣)، وابن خزيمة\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٥/ ١٤٠)، \"الإصابة\" (٥/ ١٤٨)، \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٧٦) (٦/ ٢٤).","vol":"1","page":257},{"text":"(١٩٦) من طريق عاصم بن أبي النجود، عن زرّ بن حبيش، عن صفوان بن عسال ﵁ به، قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح … قال محمد بن إسماعيل - يعني البخاري ـ: أحسن شيء في هذا الباب حديث صفوان بن عسال) (^١).\nومدار الحديث عند هؤلاء على عاصم بن أبي النجود، وفي حفظه ضعف، وحديثه لا ينزل عن رتبة الحسن، ولا يرقى إلى درجة الصحة، قال في «التقريب»: (صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون)، لكنه لم ينفرد به فقد تابعه طلحة بن مصرف، وحبيب بن أبي ثابت وغيرهما، وهذه المتابعات فيها مقال، لكنها تقوّي الحديث بمجموعها، والمراد تقوية أصل الحديث - كما قال الحافظ - (^٢) لأنه في الأصل حديث طويل مشتمل على فضل طلب العلم، وعلى أن المرء مع من أحب، والتوبة، والمسح، وبعض هذه المتابعات ليس فيها ذكر المسح.\nوالظاهر أن تصحيح الترمذي له إنما هو بالنظر إلى طرقه، فإنه قال: (وقد روي هذا الحديث عن صفوان بن عسال أيضًا من غير حديث عاصم) (^٣).\nوالحديث صححه بالإضافة إلى من تقدم: ابن خزيمة - كما في «البلوغ» ـ، وابن حبان (^٤)، والخطابي (^٥)، والنووي (^٦)، وابن حجر (^٧)، قال ابن دقيق العيد: (إنه رواه عن عاصم أكثر من ثلاثين من الأئمة، وهو مشهور من حديث عاصم) (^٨)، وقد ساق الترمذي الحديث بطوله في كتاب «الدعوات» من «جامعه» (^٩).\nأما حديث علي ﵁ فقد أخرجه مسلم في «الطهارة» (٢٧٦) من طريق\n_________\n(^١) انظر: \"العلل الكبير\" (١/ ١٧٥، ١٧٦).\n(^٢) \"التلخيص\" (١/ ١٦٦).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١/ ١٦٢).\n(^٤) \"صحيح ابن حبان\" (٤/ ١٤٧).\n(^٥) \"معالم السنن\" (١/ ١١٨).\n(^٦) \"المجموع\" (١/ ٤٧٩).\n(^٧) \"فتح الباري\" (١/ ٣٠٩).\n(^٨) \"نصب الراية\" (١/ ١٨٣).\n(^٩) برقم (٣٥٣٥، ٣٥٣٦).","vol":"1","page":258},{"text":"شريح بن هانئ، قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب، فسله فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ؛ فسألناه، فقال: … فذكر الحديث، دون قوله: (يعني في المسح على الخفين) فهي مدرجة، والظاهر أنها من كلام الحافظ ابن حجر.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (كان يأمرنا) أي: يبيح لنا، فالأمر هنا للإباحة، لا لأصله، وهو الوجوب، والصارف له عن الوجوب هو الإجماع على أن المسح مباح لا واجب.\n\nقوله: (إذا كنا سَفْرًا) بفتح السين وإسكان الفاء، وهو اسم جمع لمسافر، أي: مسافرين، وليس جمعًا، إذ ليس في الجموع ما هو على وزن (فَعْل) وهو في الأصل مصدر: سَفَر الرجل سفْرًا، من باب ضَرَبَ ضربًا فهو سافر، والجمع سَفْر، مثل: راكب ورَكْب.\n\nقوله: (إلا من جنابة) أي: فننزعها ولو قبل مرور ثلاثة أيام، والجنابة: إنزال المني، سمي بذلك لأن المني بَعُدَ عن محله وانتقل عنه، والجنابة في الأصل: البعد.\n\nقوله: (ولكن من غائط وبول ونوم) لكن: للاستدراك؛ لأنه تقدم نفي واستثناء، وهو قوله: (كان يأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة)، أي: ننزعها من جنابة، ثم قال: (ولكن من غائط ..) فاستدركه بـ: لكن؛ ليعلم أن الرخصة إنما جاءت في هذا النوع من الأحداث دون الجنابة، والمعنى: ولكن لا ننزعها من غائط وبول ونوم إلا إذا مرت المدة المقدرة، وفي لفظ للنسائي: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا، ولا ننزعها ثلاثة أيام من غائط وبول ونوم إلا من جنابة) (^١)؛ أي: لكن ننزع من جنابة، فالاستثناء منقطع، أو معنى قوله: (من غائط وبول …)؛\n_________\n(^١) \"سنن النسائي\" (١/ ٨٣ - ٨٤).","vol":"1","page":259},{"text":"أي: من كل حدث إلا من جنابة، فالاستثناء متصل (^١).\n\nقوله: (جعل) أي: شرع وقدر.\n\nالوجه الرابع: دل الحديثان على أن المسح على الخفين مؤقت غير مطلق، وأن المسافر يمسح ثلاثة أيام بلياليهن، والمقيم يومًا وليلة، وهذا قول جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.\nوالتفريق بين المسافر والمقيم مراعاة لحال السفر وما فيه من المشقة، فاحتاج المسافر إلى زيادة المدة بخلاف المقيم، وهذا يدل على أن الشريعة الإسلامية مبنية على التيسير ورفع الحرج في أحكامها عامة، وفي العبادات خاصة، وهذا - أعني توقيت المسح - هو الشرط الثاني من شروط صحة المسح على الخفين، وهو أن يكون المسح في الوقت المحدد شرعًا، وقد مضى الشرط الأول وهو أن يكون لابسًا لهما على طهارة، كما في حديث المغيرة.\n\nالوجه الخامس: دل حديث صفوان بن عسال على أن المسح على الخفين خاص بالحدث الأصغر، كالنوم والبول والغائط، وأما الحدث الأكبر كالجنابة فلا يمسح فيه، فإذا حصل للإنسان جنابة وعليه الخفان وجب عليه نزعهما وغسل رجليه ولو كان ذلك في أثناء مدة المسح، وهذا هو الشرط الثالث من شروط صحة المسح على الخفين، وهو أن يكون المسح عليهما في الحدث الأصغر لا في الجنابة أو ما يوجب الغسل، وهذا الشرط مأخوذ من حديث صفوان هذا، وهذه الشروط الثلاثة مأخوذة من أحاديث الباب.\nوبقي الشرط الرابع، وهو أن يكون الخفان وما في معناهما كالجوارب طاهرين، فإن كانت نجسة لم يمسح عليهما، لما ثبت أن الرسول ﷺ خلع نعليه في الصلاة لما أخبره جبريل بأن فيهما أذى.\n\nالوجه السادس: اختلف العلماء في ابتداء مدة المسح على أقوال، أهمها قولان:\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على النسائي\" (١/ ٨٤).","vol":"1","page":260},{"text":"الأول: أن مدة المسح تبدأ من أول مرة يمسح، وليس من لبس الخف، ولا من الحدث بعد اللبس، لقوله: (يمسح المقيم يومًا وليلة ويمسح المسافر ثلاثة أيام) فهذا وغيره كالنص على ابتداء مدة المسح من مباشرة المسح، ولا يمكن أن يصدق عليه أنه ماسح إلا بفعل المسح، وهذا قول الأوزاعي، وأبي ثور، ورواية عن الإمام أحمد (^١)، واختاره ابن المنذر (^٢)، قال النووي: (وهو المختار الراجح دليلًا) (^٣)، وقد روى عبد الرزاق عن أبي عثمان النهدي قال: حضرت سعدًا وابن عمر يختصمان إلى عمر في المسح على الخفين، فقال عمر: يمسح عليها إلى مثل ساعته من يومه وليلته (^٤).\nوعلى هذا فيمسح المقيم أربعًا وعشرين ساعة تبدأ من أول مرة يمسح، والمسافر يمسح اثنتين وسبعين ساعة، فالعبرة بالزمن لا بعدد الصلوات.\nوالقول الثاني: أن المدة تبدأ من الحدث بعد اللبس، فإذا أحدث بدأت المدة، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، ومن يذهب من المالكية إلى تحديد المدة كابن عبد البر وبعض أهل المدينة (^٥)، قالوا: لأن المسح عبادة مؤقتة، فاعتبر وقتها من وقت جواز فعلها، ولأن ما بعد الحدث وقت يجوز له المسح فيه، فكان أول مدة المسح منه.\nوالقول الأول أرجح، كما تقدم؛ لأنه مؤيد بالأحاديث التي قدرت المدة بالمسح، فيجب أن يكون ابتداؤها من ابتداء المسح، ويؤيده فتوى عمر ﵁ كما تقدم، ولأن ما قبل المسح وبعد الحدث مدة لا تصح الصلاة فيها، فلما مسح صحت الصلاة، فينبغي أن يبدأ حساب المدة من وقت جواز الصلاة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المجموع\" (١/ ٤٨٧)، \"الإنصاف\" (١/ ١٧٧).\n(^٢) \"الأوسط\" (١/ ٤٤٣).\n(^٣) \"المجموع\" (١/ ٤٨٧).\n(^٤) \"مصنف عبد الرزاق\" (١/ ٢٠٩) وإسناده صحيح على شرط الشيخين، كما قال الألباني.\n(^٥) \"التمهيد\" (١١/ ١٥٠ - ١٥٣)، \"حاشية ابن عابدين\" (١/ ٢٧١)، \"المجموع\" (١/ ٤٨٧)، \"الإنصاف\" (١/ ١٧٧).","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type='title' id=toc-61>جواز المسح على العمامة</span>\n٦٣/ ٦ - عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيّةً، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ؛ يَعْنِي: العَمَائمَ، وَالتّسَاخِين؛ يَعْنِي: الْخِفَافَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَححهُ الحاكِمُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو عبد الله ثوبان بن بُجْدُد، من أهل السراة - موضع بين مكة واليمن - صحابي مشهور، أصابه سَبْيٌ، فاشتراه رسول الله ﷺ وأعتقه، ولم يزل ملازمًا للرسول ﷺ حضرًا وسفرًا إلى أن توفي رسول الله ﷺ، وروى عنه أحاديث، ثم تحول إلى الشام، فنزل الرملة، ثم انتقل إلى حمص، وبقي بها إلى أن مات سنة أربع وخمسين ﵁ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أحمد (٣٧/ ٦٥ - ٦٦)، وأبو داود (١٤٦)، والحاكم (١/ ١٦٩)، من طريق يحيى بن سعيد، عن ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن ثوبان قال: (بعث رسول الله ﷺ سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول الله ﷺ أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين)، هذا لفظ أبي داود، وفيه ذكر البرد، وكذا عند أحمد والحاكم، وعند أحمد: (فلما قدموا على النبي ﷺ شكوا إليه ما أصابهم من البرد).\nوالحديث صححه الحاكم وقال: (صحيح على شرط مسلم)، ووافقه\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٢/ ١٠٦)، \"الإصابة\" (٢/ ٢٩).","vol":"1","page":262},{"text":"الذهبي، وتعقبه الزيلعي فقال: (وفيه نظر، فإنه من رواية ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، به، وثور لم يرو له مسلم، بل انفرد به البخاري، وراشد بن سعد لم يحتج به الشيخان ..) (^١).\nوأُعل الحديث بالانقطاع، كما ذكر الحافظ ابن حجر (^٢)، وقد نقل الخلال عن أحمد أنه قال: (لا ينبغي أن يكون راشد سمع من ثوبان؛ لأنه مات قديمًا)، وكذا قال أبو حاتم، والحربي، وتعقبهم الزيلعي فقال: (وفي هذا القول نظر، فإنهم قالوا: إن راشدًا شهد مع معاوية صفين، كما ذكر البخاري في «صحيحه» في «الجهاد»، وثوبان مات سنة أربع وخمسين، ومات راشد سنة ثمان ومائة). اهـ. وجزم البخاري - أيضًا - في «تاريخه» بأنه سمع من ثوبان (^٣).\nونقل الحافظ توثيقه عن ابن معين وأبي حاتم والعجلي ويعقوب بن شيبة والنسائي، وقال أحمد: (لا بأس به)، وضعفه ابن حزم (^٤).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (سرية) هي القطعة من الجيش من خمسة إلى ثلاثمائة، وقيل: إلى أربعمائة، سميت بذلك لأن الغالب عليها أن تسير بالليل وتختفي بالنهار، وقيل: لأنها تكون من خلاصة الجيش وخيارهم، والسري: هو الشيء النفيس.\n\nقوله: (فأمرهم) أي: أذن لهم في ذلك بعد أن شكوا إليه ما أصابهم من البرد، كما تقدم في رواية أحمد.\n\nقوله: (على العصائب) فسرت في الحديث بالعمائم، والظاهر أن هذا التفسير من كلام الحافظ، فإني لم أجده مدرجًا في المصادر المذكورة، وهي جمع عصابة، وهي العمامة، وبذلك فسرها إمام أهل اللغة أبو عبيد (^٥)، سميت\n_________\n(^١) \"نصب الراية\" (١/ ١٦٥)، وانظر: \"المحرر\" (١/ ٧٩).\n(^٢) \"التلخيص\" (١/ ١٠٠).\n(^٣) \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٢٩٢)، \"نصب الراية\" (١/ ١٦٥).\n(^٤) انظر: \"المحلى\" (٢/ ٧٥)، \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ١٩٦).\n(^٥) \"غريب الحديث\" (١/ ١١٦).","vol":"1","page":263},{"text":"بذلك لأن الرأس يعصب بها، فكل ما عصبت به رأسك من عمامة أو منديل أو نحو ذلك فهو عصابة.\n\nقوله: (والتساخين) فسرت في الحديث بالخفاف، وفيها ما تقدم، وقد فسرها بالخفاف أبو عبيد (^١) ولا واحد لها من لفظها، على ما قاله ثعلب، وقال المبرد وغيره: (واحدها تِسْخَان، مثل: تِمثال وتماثيل، أو تِسخين بكسر التاء، ويقال: أصلُ ذلك كلُّ ما يسخن القدم من خف وجورب ونحوهما)، فعلى هذا لا تختص بالخفاف، وهو الذي يستفاد من «القاموس» و«اللسان» وغيرهما.\nوبهذا يتبين أن ما يلبس في الرجل له عدة أسماء، ويمكن تقسيمه إلى ثلاثة أنواع:\n١ - الخفاف.\n٢ - ما يقوم مقامها من جوارب ونحوها، كالموق والجرموق.\n٣ - اللفائف.\nوقد نقل الأزهري عن الليث أنه قال: الجورب: لفافة الرجل (^٢)، ومثله ذكر صاحب «القاموس» (^٣)، ولم يذكروا مما كانوا يصنعونه، وهو المسمى بالشراب في وقتنا هذا، والجرموق وهو الموق: خف يلبس فوق الخف، لا سيما في البلاد الباردة.\nوأما اللفائف فدخولها تحت لفظ التساخين واضح جدًا، فتأخذ حكم المسح على الخفين، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤)؛ لأن اللفائف لا يكاد يستعملها إلا من احتاج أو اضطر إليها، فكيف يمنع من اشتدت حاجته، ويرخص لمن هو أقل منه؟.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على جواز المسح على الخفين وعلى\n_________\n(^١) \"غريب الحديث\" (١/ ١١٦).\n(^٢) \"تهذيب اللغة\" (١١/ ٥٣).\n(^٣) \"القاموس\" (١/ ٤٦٧ ترتيبه).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٢١/ ١٨٤ - ١٨٥).","vol":"1","page":264},{"text":"العمامة في السفر، ويقاس عليه الحضر؛ لأن الرخصة عامة.\nوجواز المسح على العمامة فقط دون مسح جزء من الرأس هو أحد قولي أهل العلم، وهو قول الإمام أحمد، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، والظاهرية (^١)، ودليلهم هذا الحديث وما شابهه مما يدل على جواز المسح على العمامة، قال ابن القيم: (المسح على العمامة سنة عن رسول الله ﷺ ماضية مشهورة عند ذوي القناعة من أهل العلم في الأمصار) (^٢)، وقال الشوكاني: (والحاصل أنه قد ثبت المسح على الرأس فقط، وعلى العمامة فقط، وعلى الرأس والعمامة، والكل صحيح ثابت، فَقَصْرُ الإجزاء على بعض ما ورد لغير موجب ليس من دأب المنصفين) (^٣).\nوقد تقدم في باب «الوضوء» حديث المغيرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مسح بناصيته وعلى العمامة، ويكون حديث ثوبان هذا في المسح على العمامة فقط، كما هو ظاهره، فإذا كانت العمامة قد غطت الرأس كله كفى المسح عليها، وإن انكشف شيء من الرأس كالناصية فالأولى وجوب مسحه مع العمامة لفعله ﷺ.\nواشترط الحنابلة أن تكون على صفة عمائم المسلمين، بأن يكون تحت الحنك منها شيء؛ لأن هذه عمائم العرب، سواء كان لها ذؤابة أو لم يكن لها، وكذلك يجوز المسح عليها إذا كانت ذات ذؤابة.\nأما العمامة الصماء - وهي التي تدور على الرأس، ولا تكون محنكة، ولا ذات ذؤابة، وهي تشبه عمائم أهل الذمة - فلا يجوز المسح عليها على أحد القولين عند الحنابلة؛ لأنها كالقلانس أي: الطواقي، فلا يشق نزعها (^٤).\nوعارض في هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، وبيّن أن التحنيك ليس شرطًا، وأن السلف إنما كانوا يحنكون عمائمهم؛ لأنهم كانوا يركبون الخيل\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ٣٧٩)، \"الإنصاف\" (١/ ١٨٥)، \"المحلى\" (١/ ٣٠٣).\n(^٢) \"تهذيب مختصر السنن\" (١/ ١١٢).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (١/ ١٩٥).\n(^٤) \"المغني\" (١/ ٣٨١).","vol":"1","page":265},{"text":"ويجاهدون في سبيل الله، ومنهم من يربطها بكلاليب أو بعصابة (^١).\nوالأظهر أن ذلك ليس بشرط، فإن لفظ العمامة جاء في النصوص مطلقًا غير مقيد بوصف، والتحنيك ليس من صفات العمامة، حتى يقال: لا حاجة إلى ذكره، فمتى ثبتت العمامة جاز المسح عليها، ولأن الحكمة من المسح على العمامة لا تتعين في مشقة نزعها، بل قد يكون روعي انتقاض أكوارها لو حركها لمسح رأسه، وقد تكون الحكمة خشية الضرر من برد أو مرض لو نزعها، ولا سيما في البلاد الباردة، لكن الاحتياط مطلوب، فإذا كانت العمامة الصماء لا ضرر في نزعها فالأولى عدم المسح عليها لسهولة خلعها، ولشبهها بالقلانس، والأصل في الأحكام أنها معللة.\n\nالوجه الخامس: ظاهر الحديث أنه لا توقيت في المسح على الخفين ولا في المسح على العمامة.\nأما المسح على الخفين فقد تقدم أنه مؤقت، فيحمل هذا الحديث على أدلة التوقيت، وسيأتي الكلام على ذلك في الحديث الذي بعد هذا.\nوأما المسح على العمامة ففيه قولان:\nالأول: أن المسح عليها مؤقت، وهو مذهب الحنابلة (^٢)، قياسًا على الخفين؛ لأنه إذا كان الخفان يؤقت فيهما وهما في الغالب أشق نزعًا من العمامة، فما كان أسهل فهو أولى بالتقييد.\nالثاني: أن المسح على العمامة غير مؤقت، وهذا قياس مذهب المالكية؛ لأنهم لا يقولون بالتوقيت في المسح على الخفين - كما سيأتي - وهو اختيار ابن حزم (^٣)، وإليه يميل الشوكاني (^٤) لأنه لم يرد عن النبي ﷺ توقيت المسح عليها، فقد مسح على العمامة ومسح على الخفين، فَوَقَّتَ للخفين، ولم يؤقت للعمامة، فمن جعل حكمهما واحدًا فقد قال ما لم يقله الرسول ﷺ.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢١/ ١٨٦ - ١٨٧).\n(^٢) \"مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود\" ص (٤٩)، \"المغني\" (١/ ٣٨٣).\n(^٣) \"المحلى\" (٢/ ٦٥).\n(^٤) \"نيل الأوطار\" (١/ ١٩٥).","vol":"1","page":266},{"text":"وهذا القول قوي؛ لقوة مأخذه، وأما القياس على الخفين ففيه نظر؛ لأن طهارة العضو التي هي عليه المسحُ، وطهارة الرجلين الغسل، والمسح أخف من الغسل، فلا يقاس أحدهما على الآخر، لكن قد يقال: إن وجه التشابه بينهما كونهما ممسوحين، وأن المسح عليهما من قبيل الرخصة، فيكون القول بالتوقيت فيه قوة، لا سيما أنه أحوط، وليس في حَلّ العمامة بعد كل ثلاثة أيام للمسافر ويوم وليلة للمقيم كبير مشقة، ومن المعلوم أن الإنسان يضع العمامة عن رأسه إذا نام، ويلبسها إذا استيقظ في حالة احتياجه إليها، وذلك كل يوم غالبًا، وربما كان أكثر من مرة، فالقول بالتوقيت فيه وجاهة، والله أعلم.\nوأما صفة المسح على العمامة فلم ترد في النصوص الشرعية، بل جاء مسحها مطلقًا عن التحديد، فإذا مسح أكثرها كفى، وإن كانت الناصية بادية مسحها مع العمامة، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-62>ما جاء غير صريح في مسح الخفين من غير توقيت</span>\n٦٤/ ٧ - عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا وَعَن أَنس مَرْفُوعًا: (إذَا تَوَضّأَ أَحَدُكمْ وَلَبِسَ خُفّيْهِ فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا، وَلْيُصَلّ فِيهِمَا، وَلَا يَخْلَعْهُمَا إنْ شاءَ إلا مِنْ جَنَابَةٍ). أَخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيّ، وَالحاكمُ وَصحَّحَهُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث قد روي موقوفًا على عمر ﵁، ومرفوعًا عن أنس ﵁، والموقوف عند المحدثين: ما أضيف إلى الصحابي ولم يثبت له حكم الرفع، والمرفوع: ما أضيف إلى النبي ﷺ.\nفقد جاء هذا الحديث مرفوعًا عن أنس ﵁، أخرجه الدارقطني (١/ ٢٠٣)، والحاكم (١/ ١٨١) من طريق عبد الغفار بن داود الحراني، ثنا حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن أبي بكر، وثابت، عن أنس ﵁، به، وقال الحاكم: (إسناد صحيح على شرط مسلم، ورواته عن اخرهم ثقات).\nوأخرجه الدارقطني من طريق أسد بن موسى، ثنا حماد بن سلمة به، قال ابن عبد الهادي: (إسناده قوي، وأسد بن موسى صدوق، وثقه النسائي وغيره) (^١)، ولم يعلّه ابن الجوزي في «التحقيق» بشيء، بل قال: (وهذا محمول على مدة الثلاث) (^٢)، وأعله ابن حزم (^٣) بأنه تفرد به أسد بن موسى، عن حماد، وأسد منكر الحديث، لا يحتج به.\n_________\n(^١) \"التنقيح\" (١/ ٥٢٤).\n(^٢) \"التحقيق\" (١/ ٢٧٨).\n(^٣) \"المحلى\" (٢/ ٩٠).","vol":"1","page":268},{"text":"وردَّ هذا ابن دقيق العيد والحافظ ابن حجر، لأن أسد بن موسى لم يتفرد به، فقد أخرجه الحاكم والدارقطني عن عبد الغفار كما مرّ، ولأن أسدًا ثقة (^١).\nقال ابن دقيق العيد: (ولعل ابن حزم وقف على قول ابن يونس في «تاريخ الغرباء»: (أسد بن موسى حدث بأحاديث منكرة، وكان ثقة، وأحسب الآفة من غيره). اهـ (^٢)، فإن كان أخذ كلامه من هذا فليس بجيد؛ لأن من يقال فيه: منكر الحديث، ليس كمن يقال فيه: روى أحاديث منكرة؛ لأن منكر الحديث وَصْفٌ في الرجل يستحق به الترك لحديثه، والعبارة الأخرى تقتضي أنه وقع له في حينٍ لا دائمًا، وقد قال أحمد بن حنبل في «محمد بن إبراهيم التيمي»: (يروي أحاديث منكرة)، وقد اتفق عليه البخاري ومسلم، وإليه المرجع في حديث: «إنما الأعمال بالنيات» وكذلك قال في «زيد بن أبي أُنيسة»: (في بعض حديثه نكارة)، وهو ممن احتج به البخاري ومسلم، وهما العمدة في ذلك، وقد حكم ابن يونس بأنه ثقة وكيف يكون ثقة، وهو لا يحتج بحديثه؟). اهـ (^٣).\nوأما الموقوف فقد أخرجه الدارقطني (١/ ٢٠٣) من طريق أسد بن موسى، نا حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن زُييد بن الصلت، قال: سمعت عمر ﵁ يقول … فذكره، وهذا إسناد قوي.\nمحمد بن زياد هو القرشي المدني ثقة، أخرج له الستة، وزُييد بن الصلت ذكر أبو حاتم أنه روى عن عمر وقد أدركه، ونقل عن يحيى بن معين أنه قال: (زُييد بن الصلت ثقة) (^٤)، لكن رواه ابن حزم (٢/ ٩١) بلفظ (وليصلِّ فيهما ما لم يخلعهما) ثم أعلَّه برواية عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بلفظ (فليمسح عليهما إن شاء ولا يخلعهما ..)، وما ذكره ابن حزم من ترجيح الموقوف على عمر ﵁ وتفرد أسد بن موسى له حظ من النظر لأمرين:\n_________\n(^١) \"الإمام\" (٢/ ١٧٩)، \"الدراية\" (١/ ٧٩).\n(^٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢٢٨).\n(^٣) \"الإمام\" (٢/ ١٧٨ - ١٧٩)، وكنت قد نقلت كلامه من \"نصب الراية\" (١/ ١٧٩).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٦٢٢).","vol":"1","page":269},{"text":"الأول: أن أصحاب حماد بن سلمة الكبار لم يرووا هذا الحديث عنه، وقد قال الحاكم: (إن هذا الحديث ليس عند أهل البصرة عن حماد).\nالثاني: أن عبد الرحمن بن مهدي - وهو الإمام الحافظ - وافق أسد بن موسى على وقفه على عمر ﵁.\nوورد عن عقبة بن عامر ﵁ أنه وفد على عمر ﵁ بفتح دمشق، قال: (وعليَّ خُفَّان، قال لي عمر: كم لك يا عقبة مذ لم تنزع خفيك؟ فذكرت له من الجمعة منذ ثمانية أيام، فقال: أحسنت وأصبت السنة) (^١).\nوسيأتي كلام البيهقي في التوفيق بين ما ورد عن عمر ﵁ من التوقيت وعدمه، وهو يدل على صحة هذا الأثر، فإنه لو كان ضعيفًا لاستغنينا بذلك عن التوفيق بينه وبين أحاديث التوقيت.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على اشتراط لبس الخفين على طهارة، لقوله: «إذا توضأ أحدكم»، وقد تقدم ذلك في الكلام على حديث المغيرة عند قوله: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين»، لكن أفاد هذا الحديث أن المراد بالطهارة في حديث المغيرة وما في معناه: الطهارة الكاملة من الحدث الأصغر، وهي الوضوء، قال ابن عبد البر: (هذا هو الأصل المجتمع عليه، قال: لا يمسح على الخفين إلا من أدخل رجليه فيهما طاهرتين) (^٢).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يمسح على الخفين بلا توقيت، لقوله: «ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة»، وقد بوّب عليه الدارقطني في «سننه» بقوله: (باب ما في المسح على الخفين من غير توقيت) (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني (١/ ١٩٩)، والحاكم (١/ ١٨٠)، وعنه البيهقي في \"السنن\" (١/ ٢٨٠) من طريق بشر بن بكر: ثنا موسى بن عليّ بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر ..\nقال الحاكم: (حديث صحيح على شرط مسلم)، ووافقه الذهبي، وذكره الألباني في \"الصحيحة\" رقم (٢٦٢٢)، وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في \"مجموع الفتاوى\" (٢١/ ١٧٨)، لكن لفظة \"السنة\" حكم عليها الدارقطني بأنها غير محفوظة، كما في \"العلل\" (٢/ ١١١).\n(^٢) \"التمهيد\" (١١/ ١٢٨).\n(^٣) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٢٠٣).","vol":"1","page":270},{"text":"وهذا من أدلة القائلين بأن المسح على الخفين غير مؤقت، وأن لابس الخفين يمسح عليهما ما لم ينزعهما أو تصبه جنابة، ونُسِبَ هذا القول إلى مالك وأصحابه، والليث بن سعد والأوزاعي (^١)، قال ابن عبد البر: (وروي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمر، والحسن البصري)، ثم ساق ما روي عنهم في ذلك.\nومن أدلتهم حديث أُبيّ بن عِمارة أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله، أمسح على الخفين؟ قال: «نعم»، قال: يومًا؟ قال: «يومًا»، قال: ويومين؟ قال: «ويومين»، قال: وثلاثة؟ قال: «نعم، وما شئت»)، وسيأتي الكلام عليه، وأنه حديث ضعيف.\nولهم تعليل: وهو أن هذه طهارة فلم تتوقت بزمن كغسل الرجلين (^٢)، وذكر ابن رشد أن التوقيت غير مؤثر في نقض الطهارة؛ لأن النواقض هي الأحداث، فيعتبرون هذا القياس معارضًا لمثل حديث علي وصفوان وغيرهما كما ذكر ابن رشد، لكنه تعليل لا يقف في مقابلة النصوص الصحيحة الصريحة (^٣).\nوالقول بالتوقيت هو مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد، واختاره ابن عبد البر من المالكية - وتقدمت أدلتهم - وقد ذكر الطحاوي أن الأحاديث قد تواترت عن رسول الله ﷺ بالتوقيت في المسح على الخفين (للمسافر ثلاثة أيام ولياليها، وللمقيم يوم وليلة) (^٤).\nقال ابن عبد البر: (وأكثر التابعين والفقهاء على ذلك، وهو الاحتياط عندي؛ لأن المسح ثبت بالتواتر، واتفق عليه أهل السنة والجماعة، واطمأنت النفس إلى اتفاقهم، فلما قال أكثرهم: إنه لا يجوز المسح للمقيم أكثر من خمس صلوات، يوم وليلة، ولا يجوز للمسافر أكثر من خمس عشرة صلاة،\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (١١/ ١٥٠)، \"الاستذكار\" (٢/ ٢٤٧)، \"بداية المجتهد\" (١/ ٦٥).\n(^٢) انظر: \"المنتقى\" للباجي (١/ ٧٩).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (١/ ٩٧).\n(^٤) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٨٢).","vol":"1","page":271},{"text":"ثلاثة أيام ولياليها، فالواجب على العالم أن يؤدي صلاته بيقين، واليقين الغَسْلُ، حتى يُجمعوا على المسح، ولم يجمعوا فوق الثلاث للمسافر، ولا فوق اليوم للمقيم …) (^١).\nوأما حديث أنس المذكور فقد أجيب عنه بجوابين:\nالأول: أنه حديث مطلق، يحمل على أحاديث التقييد.\nالثاني: أن يكون قوله: (إن شاء)، إشارة إلى أن المسح ليس بواجب دفعًا لما يفيده ظاهره من الوجوب، وظاهر النهي من التحريم، ذكر ذلك الصنعاني (^٢)، فيجوز له أن يخلع ويغسل ولو في أثناء مدة المسح.\nوأما ما ورد عن عمر ﵁ من عدم التوقيت، فقد ورد عنه ما يدل على القول بالتوقيت، فقد تقدم ما أخرجه عبد الرزاق بسنده عن أبي عثمان النهدي قال: (حضرت سعدًا وابن عمر يختصمان إلى عمر في المسح على الخفين، فقال عمر: يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يومه وليلته)، فهذا دليل بَيّنٌ على أن عمر ﵁ يقول بالتوقيت.\nوروى حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن نباتة، عن عمر ﵁، قال: للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوم وليلة (^٣).\nوقد أجاب البيهقي عن هذا التعارض بقوله: (وقد روينا عن عمر بن الخطاب ﵁ التوقيت، فإما أن يكون رجع إليه حين جاءه الثبت عن النبي ﷺ في التوقيت، وإما أن يكون قوله الذي يوافق السنة المشهورة أولى) (^٤).\nوقد نقل النووي هذا القول وارتضاه (^٥)، على أن ما ورد عن عمر ﵁ في قصة عقبة بن عامر ﵁ يمكن أن يحمل على الضرورة، وتَعَذُّرِ خلع الخفين بسبب فوات الرفقة أو غيره، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (١١/ ١٥٣).\n(^٢) \"سبل السلام\" (١/ ١١١).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٢٠٥)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٥٠)، والبيهقي (١/ ٢٧٦).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٨٠).\n(^٥) \"المجموع\" (١/ ٤٨٥).","vol":"1","page":272},{"text":"حيث يقول: (إن مسح الخف مؤقت عند الجمهور … لكن لو كان في خلعه بعد مضي الوقت ضرر مثل: أن يكون هناك برد شديد متى خلع خفه تضرر، كما يوجد في أرض الثلوج وغيرها، أو كان في رفقة متى خلع وغسل لم ينتظروه، فينقطع عنهم، فلا يعرف الطريق أو يخاف إذا فعل ذلك من عدو أو سبع، أو كان إذا فعل ذلك فاته واجب ونحو ذلك، فهنا قيل: إنه يتيمم، وقيل: إنه يمسح عليهما للضرورة، وهذا أقوى؛ لأن لبسهما هنا صار كلبس الجبيرة من بعض الوجوه، فأحاديث التوقيت فيها الأمر بالمسح يومًا وليلة، وثلاثة أيام ولياليهن، وليس فيه النهي عن الزيادة إلا بطريق المفهوم، والمفهوم لا عموم له، فإذا كان يخلع بعد الوقت عند إمكان ذلك عمل بهذه الأحاديث، وعلى هذا يحمل حديث عقبة بن عامر … وهو حديث صحيح) (^١).\nوقد عمل به شيخ الإسلام في بعض أسفاره، فقال: (لما ذهبت على البريد وجدّ بنا السير، وقد انقضت مدة المسح، فلم يمكن النزع والوضوء إلا بانقطاع عن الرفقة، أو حبسهم على وجه يتضررون بالوقوف، فغلب على ظني عدم التوقيت عند الحاجة، كما قلنا في الجبيرة، ونَزّلْتُ حديث عمر وقوله لعقبة بن عامر: (أصبت السنة) على هذا، توفيقًا بين الآثار، ثم رأيته مصرحًا به في مغازي ابن عائذ: أنه كان قد ذهب على البريد كما ذهبت لما فتحت دمشق … فحمدت الله على الموافقة … قال: وهي مسألة نافعة جدًا) (^٢).\nفالصواب في هذه المسألة التوقيت؛ لأن أحاديث التوقيت صحيحة متواترة ليس لها معارض، وأما ما جاء مطلقًا عن التوقيت فهو مقيد بها على القاعدة الأصولية أن المطلق يحمل على المقيد، جمعًا بين الأدلة، ويمكن العمل به في حدود ضيقة على ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، لئلا يلزم من الأخذ به ترك العمل بأحاديث التوقيت، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢١/ ١٧٧).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢١/ ٢١٥، ٢١٧).","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-63>اشتراط لبس الخف على طهارة</span>\n٦٥/ ٧ - عَنْ أبِي بَكرَةَ ﵁، عَنِ النّبِيِّ ﷺ: أَنّهُ رَخّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ وَلَيَالِيَهُنّ، وَلِلمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، إذَا تَطَهّرَ فَلَبِسَ خُفّيْهِ: أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا. أَخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِي، وَصححهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو بكرة نُفيع بن الحارث الثقفي، ويقال: نفيع بن مسروح، مشهور بكنيته، كان قد تدلى إلى النبي ﷺ من حصن الطائف ببكرة (^١) فاشتهر بأبي بكرة، وكان رقيقًا، فأعتقه النبي ﷺ، فكان يقول: أنا مولى رسول الله ﷺ، وكان من فضلاء الصحابة ﵃، وأنجب أولادًا لهم شهرة، روى عن النبي ﷺ عدة أحاديث، وروى عنه أولاده، قال ابن عبد البر: (وكان مثل النَّصْلِ من العبادة) (^٢)، مات سنة تسع وأربعين، وقيل: سنة إحدى أو اثنتين وخمسين، ﵁ (^٣).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nأخرجه الدارقطني (١/ ١٩٤)، وابن خزيمة (١٩٢)، وأخرجه ابن ماجه (٥٥٦) وغيرهم، من طريق عبد الوهاب الثقفي، حدثني المهاجر أبو مَخْلَد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه.\n_________\n(^١) البكرة: بفتح الباء وإسكان الكاف: خشبة مستديرة في وسطها محزٌّ، يستقى عليها، أو المحالة السريعة. \"القاموس\" (١/ ٣٠٦).\n(^٢) في أكثر نسخ \"سبل السلام\": (فكان مثل النضر بن عبادة)، وهذا خطأ، والنصل: بالصاد المهملة، حديدة الرمح والسهم والسكين.\n(^٣) \"الاستيعاب\" (١١/ ١٥٧)، \"الإصابة\" (١٠/ ١٨٣).","vol":"1","page":274},{"text":"وهذا الإسناد فيه ضعف، فإن المهاجر متكلم فيه، قال ابن معين: (صالح)، وقال الساجي: (صدوق)، وقال أبو حاتم: (ليّن الحديث، ليس بذاك، وليس بالمتقن، يكتب حديثه) (^١)، ولكن للحديث شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن.\nونقل الترمذي عن البخاري أنه قال: (حديث أبي بكرة حسن) (^٢)، وحسنه الألباني (^٣).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (رخّص) الرخصة: التسهيل في الأمور والتيسير، يقال: رخص الشرع لنا في كذا ترخيصًا وأرخص إرخاصًا: إذا يسره وسهله ..\nوالرخصة: هي الحكم الذي ثبت على خلاف الدليل لعذر، أي: إن الرخصة هي الأمر الذي سُهّلَ على المكلف لعذر اقتضى التخفيف والتيسير، مع قيام سبب الحكم الأصلي، ويقابل الرخصة العزيمة، فغسل الرجلين عند الوضوء عزيمة، والمسح على الخفين رخصة.\n\nقوله: (إذا تطهر) المراد: الوضوء الكامل، وهو الطهارة بالماء، وقد تقدم في حديث أنس: «إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه».\n\nقوله: (فلبس خفيه) الفاء لمجرد العطف، وليست للتعقيب؛ لأنه معلوم أن التعقيب ليس شرطًا في المسح، وإنما المراد أن يلبسهما على طهارة ولو كان هناك فاصل بين تطهره ولبس خفيه، أو يقال: إنها للتعقيب، والتعقيب في كل مقام بحسبه، كقولهم: تزوج فلان فولد له.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٢٨٧) وقوله: (صالح) من أدنى مراتب التعديل، ومثلها صدوق إن شاء الله، أرجو أن لا بأس به، ومعنى: (لين الحديث) أنه مجروح في حفظه جرحًا لا يخرجه عن دائرة الاعتبار بحديثه، ولا يتعدى إلى عدالته -وتقدم ذلك- ص (٢٢٠) ومعنى: (يكتب حديثه): أي: أنه من جملة الضعفاء، ولكن حديثه يكتب للاعتبار وليس ضعفه بالشديد.\n(^٢) \"العلل الكبير\" (١/ ١٧٦).\n(^٣) \"صحيح سنن ابن ماجه\" (١/ ٩١).","vol":"1","page":275},{"text":"قوله: (أن يمسح عليهما) في تأويل مصدر مفعول (رخص)؛ أي: رخص للمسافر وللمقيم المسح على خفيه بالشرط المذكور.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن المسح مؤقت كما تقدم في حديث علي ﵁ وأن شرط ذلك اللبس على طهارة، كما دل عليه حديث عمر وأنس ﵄، والظاهر أن الحافظ ذكره لأنه جمع مسألتي تقدير المدة واشتراط اللبس على طهارة، وهذا يقيد ما تقدم من حديث ثوبان وغيره، والله أعلم.","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-64>ما جاء صريحًا في مسح الخفين بلا توقيت</span>\n٦٦/ ٩ - عَنْ أُبَيّ بْنِ عِمَارَةَ ﵁ أَنّهُ قَالَ: يا رَسُولَ اللهِ أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: يَوْمًا؟ قَالَ: «نَعمْ»، قَالَ: وَيَوْمَيْنِ؟ قَالَ: «نَعمْ»، قَالَ: وَثَلَاثَةً؟ قَالَ: «نَعمْ، وَمَا شِئتَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: لَيْسَ بِالقَوِيّ.\nتقدم في حديث أنس ﵁، وحديث عمر ﵁ عدم التوقيت، فالظاهر أن الحافظ ذكر هذا لكونه ضعيفًا، فيعلم حاله.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أُبي - بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد المثناة التحتية - ابن عمارة - بكسر العين المهملة، وقيل: بضمها، والأول أشهر - صحابي مشهور، عداده في المدنيين، سكن مصر، له حديث واحد في المسح على الخفين، قال ابن حبان: (صلى مع رسول الله ﷺ القبلتين، إلا أني لست أعتمد على إسناد خبره) (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nأخرجه أبو داود (١٥٨) في كتاب «الطهارة» باب «التوقيت في المسح» من طريق يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمد بن يزيد، عن أيوب بن قَطَنٍ، عن أُبَيّ بن عمارة، قال يحيى بن أيوب: (وكان قد صلى مع رسول الله ﷺ القبلتين ..).\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٣/ ٦)، وانظر: \"الإصابة\" (١/ ٢٥)، \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٦٣).","vol":"1","page":277},{"text":"وأخرجه ابن ماجه (٥٥٧) ولفظه: (وكان رسول الله ﷺ قد صلى في بيته القبلتين كلتيهما ..).\nوهذا حديث ضعيف، وقد ذكره المصنف ليعلم حاله، ولأنه أصرح مما تقدم في عدم اشتراط التوقيت، قال أبو داود: (وقد اختلف في إسناده، وليس هو بالقوي)، أي: ليس هذا الإسناد قويًا لضعف بعض رجاله، ويحتمل أن اسم (ليس) عائد على الحديث؛ أي: ليس هذا الحديث قويًا؛ لاضطراب سنده، فقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافًا كثيرًا، ويحيى بن أيوب قال عنه أحمد: (سيئ الحفظ)، وقال ابن معين: (صالح)، وقال الدارقطني: (في بعض حديثه اضطراب)، وقال أبو حاتم: (محله الصدق، يكتب حديثه، ولا يحتج به) (^١)، وقال الدارقطني: (هذا الإسناد لا يثبت وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافًا كثيرًا، قد بيَّنْته في موضع اخر، وعبد الرحمن بن رزين، ومحمد بن يزيد، وأيوب بن قطن مجهولون كلهم) (^٢)، وقد نقل أبو زرعة الدمشقي عن أحمد قال: (رجاله لا يعرفون) (^٣)، وقال ابن عبد البر: (لا يثبت، وليس له إسناد قائم) (^٤).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على عدم توقيت المسح على الخفين لا في حضر ولا سفر، ولو صح لكان مقيدًا بأحاديث التوقيت المتقدمة، أو يحمل على ما تقدم في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو المسافر الذي يتضرر بالخلع لتأخره عن رفقته أو شدة برد ونحو ذلك، أو أن المراد به أنه كلما احتاج إلى المسح فله أن يمسح، لكن لا يعدو شرط التوقيت، فإذا انتهت المدة خلع ولبس، فإذا لبس على طهر مسح، فربما تكون أيام المسح أكثر إذا نظرنا إلى المجموع، ولكن ما دام أنه حديث ضعيف فلا يقاوم الأحاديث الصحيحة الدالة على التوقيت، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ١٦٣).\n(^٢) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٩٨).\n(^٣) \"التلخيص\" (١/ ١٧١).\n(^٤) \"الاستذكار\" (٢/ ٢٤٨).","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type='title' id=toc-65>باب نواقض الوضوء</span>\nالنواقض: جمع ناقض على وزن (فاعل)، وهو لغير العاقل، فيجمع على (فواعل)، والناقض للشيء: هو المفسد له، قال الأزهري: (النقض بالفتح: إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء) (^١)، واستعماله في الوضوء من باب المجاز، حيث إن حقيقته في البناء، واستعمل في المعاني، لعلاقة الإبطال.\nوالمراد بنواقض الوضوء: العلل المؤثرة في إخراج الوضوء عما هو المطلوب منه، ونواقض الوضوء نوعان:\n١ - نوع مجمع عليه، وهو ما دل عليه نص من كتاب أو سنة.\n٢ - نوع مختلف فيه، وهو المبني على اجتهادات أهل العلم، ﵏.\nوسيتضح ذلك - إن شاء الله - من دراسة الأحاديث في هذا الباب.\n_________\n(^١) \"تهذيب اللغة\" (٨/ ٣٤٤).","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type='title' id=toc-66>ما جاء في أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء</span>\n٦٧/ ١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: (كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى عَهْدِهِ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتّى تَخْفِقَ رُؤوسُهُمْ، ثُمّ يُصَلّونَ وَلا يَتَوَضّؤُونَ). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ الدّارَقُطْنِيّ، وَأَصْلُهُ في مُسْلِمٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أبو داود (٢٠٠) في كتاب «الطهارة» باب «الوضوء من النوم»، والدارقطني (١/ ١٣١) من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس ﵁، وهذا لفظ أبي داود، قال الدارقطني: (صحيح).\nإلا أن لفظ (على عهده) لم يرد عند الدارقطني، ولا عند أبي داود بالإسناد المذكور، وإنما علقه أبو داود عن شعبة، عن قتادة، قال: (كنا على عهد رسول الله ﷺ)، وصححه الألباني، ووصله البيهقي بسنده إلى شعبة، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يقومون فيصلون، ولا يتوضؤون على عهد رسول الله ﷺ).\nوالحديث أصله في مسلم (٣٧٦) (١٢٥) من طريق شعبة، عن قتادة قال: سمعت أنسًا يقول: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يصلون، ولا يتوضؤون، قال: قلت: سمعته من أنس؟ قال: إي والله).\nوأخرجه الترمذي (٧٨) من هذا الطريق ولفظه: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يقومون، فيصلون ولا يتوضؤون)، وقال: (حديث حسن صحيح).","vol":"1","page":280},{"text":"وإنما أورد الحافظ لفظ أبي داود لأنه أوضح من لفظ مسلم، فإن فيه: (حتى تخفق رؤوسهم)، وهذا يبين نوع النوم الذي ورد في لفظ مسلم، وهو أنه نعاس وخَفْقٌ، وليس نومًا مستغرقًا ثقيلًا يزول معه الشعور بما قد يَخْرُجُ.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (على عهده) أي: زمانه، فالحديث له حكم المرفوع، لاطلاعه ﷺ على ذلك وتقريره له، وهذا موضع الحجة فيه.\n\nقوله: (ينتظرون العشاء) هكذا في نسخ «البلوغ»، وعند أبي داود والدارقطني: (العشاء الآخرة)، وهي بكسر العين والمد، والعشاء: أول ظلام الليل، وهو من صلاة المغرب إلى العتمة، وعليه قول ابن فارس: (العشاءان: المغرب والعتمة) (^١).\n\nقوله: (حتى تخفق) بكسر الفاء، من باب ضرب، قال في «المصباح»: (خَفَقَ رأسه خفقة أو خفقتين: إذا أخذته سِنَةٌ من النعاس، فمال رأسه دون سائر جسده)، وقال في «القاموس»: (خفق فلان: حرك رأسه إذا نعس) (^٢).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن النوم اليسير غير المستغرق لا ينقض الوضوء، وهو ما كان نعاسًا يخفق معه الرأس، بخلاف النوم الثقيل المستغرق الذي يزول معه الشعور بما قد يخرج، فهذا ناقض للوضوء، وقد يكون الحديث دليلًا على كلتا المسألتين، وهما أن اليسير لا ينقض، والكثير ينقض؛ لأنه تقرر في نفس الصحابي الراوي أن النوم ناقض للوضوء، إلا هذا القدر اليسير الذي شاهده.\nولا فرق في ذلك - على الصحيح - بين أن يكون مضطجعًا أو قاعدًا معتمدًا أو غير معتمدٍ، وهذا هو الراجح في مسألة نقض الوضوء بالنوم، وهو أنه إن كان النائم يشعر بنفسه لو أحدث فإنه لا ينتقض وضوؤه، وهذا يكون في النوم اليسير، وأما إن كان الإنسان مستغرقًا بحيث لو أحدث لم يحس\n_________\n(^١) \"مجمل اللغة\" (٢/ ٦٦٩).\n(^٢) \"المصباح المنير\" (١٧٦)، \"القاموس\" (٢/ ٨٥).","vol":"1","page":281},{"text":"بنفسه فهذا يجب عليه الوضوء، وذلك أن ذات النوم ليس بناقض، ولكنه مظنة الحدث، لكون النائم لا يشعر ولا يحس بنفسه لو خرج منه شيء.\nوالدليل على أن النوم ليس بناقض: أن يسيره - كما في حديث الباب - لا ينقض الوضوء، ولو كان ناقضًا لانتقض بهذا النوم الذي تخفق فيه رؤوسهم، وصار كغيره من البول والغائط ينقض يسيره وكثيره.\nووجه الترجيح ثلاثة أدلة:\n١ - أن هذا القول تجتمع فيه الأدلة، فإنه تقدم في حديث صفوان بن عَسَّال: (لكن من غائط وبول ونوم) وهذا يفيد أنه ناقض، وفي حديث الباب (أنهم ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون)، فيحمل الأول على النوم المستغرق الذي لو أحدث معه لم يحسّ بنفسه، ويحمل الثاني على مبادئ النوم قبل الاستغراق بحيث لو أحدث لأحس بنفسه؛ لأن خفقان الرأس يكون في النوم القليل، ولو كان ناقضًا لما أقرهم الله على الصلاة في تلك الحالة، بل كان يُوْحَى إلى رسول الله ﷺ في ذلك كما كان يوحى إليه في سائر الأمور الدينية، والأصل جلالة قدر الصحابة ﵃ وأنهم لا يجهلون ما ينقض الوضوء، ولا سيما الذين كانوا منهم ينتظرون الصلاة مع النبي ﷺ، فإنهم أعيان الصحابة.\nقال الخطابي: (وفي قوله: «كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم» دليل على أن ذلك أمر كان يتواتر منهم، وأنه قد كثر حتى صار كالعادة لهم، وأنه لم يكن نادرًا في بعض الأحوال، وذلك يؤكد ما قلناه من أن عين النوم ليس بحدث) (^١).\nولا يؤثر على ذلك ما ورد من حديث أنس ﵁ قال: (لقد رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يُوْقَظُونَ للصلاة، حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطًا، ثم يصلون، ولا يتوضؤون) (^٢)، فإن الإيقاظ والغطيط قد يوجد ممن هو في مبادئ نومه، ولا يلزم من ذلك أن يكون مستغرقًا.\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (١/ ١٤٤).\n(^٢) أخرجه الدارقطني (١/ ١٣٠) وصححه.","vol":"1","page":282},{"text":"٢ - حديث معاوية ﵁ الآتي: «العينُ وِكاءُ السّهِ، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء» فهذا يؤيد الجمع السابق، ومعناه: أن اليقظة وكاء الدبر، فالنوم الذي ينطلق معه الوكاء وهو النوم المستغرق الذي يزول معه الشعور بحيث لا يحس بما يخرج منه هو النوم الناقض للوضوء، وما لا فلا.\n٣ - حديث ابن عباس ﵄ في قيام الليل، وفيه: (فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني) (^١)، وهو يدل على أن النوم اليسير حال الصلاة غير ناقض للوضوء، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في مواضع كثيرة من صحيحه، منها (٧٢٦)، ومسلم (٧٦٣)، وسيأتي في أحاديث \"الإمامة\" رقم (٤١٧).","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-67>ما جاء في أن دم الاستحاضة ناقض للوضوء</span>\n٦٨/ ٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النّبِيّ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إِنّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصّلَاةَ؟ قَالَ: «لَا. إِنّمَا ذلِكَ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بحَيْضٍ، فإذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعي الصّلاةَ، وَإذا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلي عَنْكِ الدّمَ، ثُمّ صَلّي». مُتَّفقٌ عليه.\nوَلِلْبُخَارِيّ: «ثمّ تَوَضّئِي لِكُلّ صَلَاةٍ»، وَأَشَارَ مُسْلِمٌ إِلى أَنّهُ حذَفَهَا عَمْدًا.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» باب «غسل الدم» (٢٢٨)، ومسلم في كتاب «الحيض» باب «المستحاضة وغسلها وصلاتها» (٣٣٣)، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، وهذا لفظ البخاري، وقريب منه لفظ مسلم.\nوللبخاري زيادة على مسلم من طريق أبي معاوية، عن هشام قال: وقال أبي: «ثم توضئي لكل صلاة»، وقد رجح جماعة منهم الحافظ ابن حجر أنها مرفوعة متصلة بلفظ الحديث؛ إذ لو كانت موقوفة على عروة - كما قيل - لقال: (ثم تتوضأ) بلفظ الخبر، فلما جاء بلفظ الأمر دل على أنها من تمام الحديث، ويؤيد أنها من الحديث المرفوع رواية الترمذي، من طريق أبي معاوية: «وقال: توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت» (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٢).","vol":"1","page":284},{"text":"وقال جمع من المحققين: إن هذه اللفظة موقوفة على عروة، بدليل قول هشام في اخره: (وقال أبي: ثم توضأ لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت)، فإن هذا ظاهر في الوقف، لأن هشامًا لم يرو الحديث عن غير أبيه، فيكون غرضه من هذا تمييز المرفوع من الموقوف، ومجيء هذه الزيادة موصولة بالإسناد المذكور أول الحديث هو من الاختلاف على أبي معاوية، فإنه قد اضطرب في روايتها، وقد قال عنه الإمام أحمد: (في غير حديث الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظًا جيدًا) (^١).\nوأخرج الحديث مسلم من طريق حماد بن زيد، عن هشام، وقال: (وفي حديث حماد حرف تركنا ذكره) ومراده بالحرف الزيادة المذكورة عند البخاري.\nوكأن مسلمًا حذفها لتفرد حماد بن زيد بها، يؤيد ذلك قول النسائي: (قد روى هذا الحديث غير واحد عن هشام بن عروة، ولم يذكر فيه «وتوضئي» غير حماد، والله تعالى أعلم) (^٢)، وقال البيهقي (١/ ٣٢٧): (وفيه زيادة الوضوء لكل صلاة، وليست بمحفوظة).\nوهذا التعليل من النسائي لهذا الحرف في رواية حماد بن زيد ليس بجيد - كما يقول الحافظ ابن حجر (^٣) - لأن أبا معاوية تابعه عليه، كما تقدم عند البخاري والترمذي، وأيضًا فقد تابعهما عليه حماد بن سلمة، فرواه الدارمي من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، وقال فيه: «فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرُها فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي»، قال هشام: فكان أبي يقول: (تغتسل غسل الأول، ثم ما يكون بعد ذلك فإنها تَطَهّرُ وتصلي) (^٤)، لكن هذا ليس فيه إلا الأمر بالوضوء عقب غسل الدم لا لكل صلاة، وقد رواه ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٢/ ١٠٤) من طريق عفان عن حماد وليس فيه (وتوضئي) وعفان من أثبت أصحاب حماد فهو مقدم على غيره.\nوأيضًا فقد تابعهم أبو حمزة محمد بن ميمون السكري، عن هشام بن\n_________\n(^١) \"العلل\" (١/ ٣٧٨).\n(^٢) \"سنن النسائي\" (١/ ١٨٦).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٤٠٩).\n(^٤) \"سنن الدارمي\" (١/ ١٦٤).","vol":"1","page":285},{"text":"عروة، عن أبيه (^١)، لكنه تارة يرويه موصولًا بذكر عائشة وتارة مرسلًا، وتابعهم أبو عوانة - أيضًا - (^٢)، وقد روى الحديث بالمعنى، وسيأتي ما في روايته.\nوالقول بأن هذه اللفظة موقوفة على عروة وأن رفعها غير محفوظ فيه وجاهة لأمور ثلاثة:\n١ - إن هذا هو ظاهر صنيع البخاري، لأن هشامًا روى الحديث عن أبيه فقط، ثم قال: (قال: أبي …) فلو لم يكن غرضه بيان المرفوع من الموقوف لما كان لهذا التخصيص معنى (^٣).\n٢ - أن الأئمة الكبار حكموا بأنها غير محفوظة، منهم مسلم والنسائي والبيهقي، وقال ابن رجب: (الصواب أن لفظة «الوضوء» مدرجة في الحديث من قول عروة، وكذلك روى مالك، عن هشام، عن أبيه أنه قال: «ليس على المستحاضة إلا أن تغتسل غسلًا واحدًا، ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة» (^٤).\n٣ - أن هذا الحديث رواه عن هشام بضعة عشر رجلًا، ومنهم أئمة حفاظ، لم يذكر واحد منهم هذه الزيادة منهم الإمام مالك ووكيع وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد (^٥)، ولعل إدراجها في المرفوع حصل من بعض الرواة الذين لم يبلغوا مبلغ من لم يذكرها في الحفظ والإتقان، لأن الذين رووها لم يخلُ أحد منهم إلا وقد خالف واختلف عليه فيها، ما عدا أبا عوانة فإنه لم يختلف عليه، لكن مخالفته لمن هو أكثر عددًا وأعلى قدرًا لا تحتمل.\nواعلم أن هذه اللفظة «ثم توضئي لكل صلاة» هي المقصودة من إيراد هذا الحديث في نواقض الوضوء، وإلا فمناسبة الحديث باب «الحيض»، وسيذكره المصنف هناك.\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٤/ ١٨٨)، والبيهقي (١/ ٣٤٤)، وإسناده صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٤/ ١٨٩)، وإسناده صحيح.\n(^٣) انظر: \"موسوعة أحكام الطهارة\" (٨/ ١٣٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٧٢).\n(^٥) انظر: \"الخلافيات\" للبيهقي (٣/ ٣٠٣)، \"الموسوعة\" (٨/ ١٣٥).","vol":"1","page":286},{"text":"الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (فاطمة بنت أبي حُبيش) بالحاء المهملة بلفظ التصغير، واسمه: قيس بن المطلب بن أسد، وهي قرشية أسدية، وهي إحدى المستحاضات في زمن الرسول ﷺ.\n\nقوله: (أُستحاض) أي: تصيبني الاستحاضة، وهي سيلان الدم في غير أوقاته المعتادة، كما سيأتي - إن شاء الله - في «باب الحيض».\n\nقوله: (فلا أطهر) الطهر: النظافة، والمعنى: فلا أنظف من الدم، والمستقر عندها أن طهارة الحائض لا تُعرف إلا بانقطاع الدم، فَكَنّتْ بعدم الطهر عن اتصاله.\n\nقوله: (أفأدع الصلاة) سؤال عن استمرار حكم الحيض حالة دوام الدم أو عدمه، بعد أن تقرر عندها أن الحائض تمنع من الصلاة، فظنت أن ذلك الحكم مقترن بجريان الدم.\n\nقوله: (قال: لا) أي: لا تدعي الصلاة.\n\nقوله: (إنما ذلك عرق) بكسر الكاف خطاب للمرأة السائلة، وقوله: (عرق)، أي: بكسر العين، وهو المسمى بالعاذل - بالذال المعجمة ـ، ويقال: العاذر، بالراء المهملة (^١)، والمعنى: أن دمك ليس دم الحيض؛ لأن دم الحيض يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة، وهذا بسبب انفجار عرق، وفي ذلك إخبار باختلاف المَخْرَجَيْنِ.\n\nقوله: (فإذا أقبلت حيضتك ..) المراد بإقبال الحيضة: حصول وقتها وابتداء خروج الدم أيام عادتها، والمراد بإدبارها: وقت انقطاع الدم عنها أيام عادتها، والمعنى أنها تميز بين دم حيضها ودم استحاضتها، فتجلس أيام عادتها، فإذا انقضت اغتسلت وصلّت، ولا تنظر بعد ذلك إلى ما معها من الدم؛ لأنه استحاضة.\n_________\n(^١) انظر: \"المحكم\" (٢/ ٥٩)، \"الصحاح\" (٥/ ١٧٦٢).","vol":"1","page":287},{"text":"الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن دم الاستحاضة حدث من الأحداث الناقضة للوضوء؛ لأن الشرع أمر بالوضوء منه في قوله: «ثم توضئي لكل صلاة»، وهذا قول الجمهور، إلا المالكية فإنهم يرون أن الاستحاضة لا تنقض (^١).\nوهكذا كل خارج من أحد السبيلين فهو ناقض للوضوء، سواء أكان بولًا أم غائطًا أم دمًا أم مذيًا، وكذا الريح من الدبر، وهذا مجمع عليه، كما نقله ابن المنذر وغيره (^٢).\nوهذا غرض الحافظ من إيراد هذا الحديث في هذا الباب، ويستثنى من ذلك من حدثه دائم فإنه لا ينتقض وضوؤه، كمن به سلس بول أو ريح أو غائط، ومثل الاستحاضة عند المالكية.\n\nالوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال: إنه يجب على المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة؛ بناءً على ثبوت زيادة الوضوء؛ لأن ظاهر الأمر الوجوب، ومعنى ذلك أنها لا تتوضأ للصلاة المؤقتة - كالظهر مثلًا - إلا بعد دخول وقتها، أما إذا كانت الصلاة غير مؤقتة كصلاة الضحى - مثلًا - فإنها تتوضأ لها عند إرادة فعلها، وسأذكر هذه المسألة بأوسع مما هنا عند الكلام على غسل المستحاضة في باب «الحيض» إن شاء الله تعالى.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن دم الحيض نجس، وكذا دم الاستحاضة لقوله: «وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي». وتقدم ذلك في باب «إزالة النجاسة».\nوسأذكر فوائد هذا الحديث وأحكام المستحاضة في باب «الحيض» إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (١/ ١٥٨).\n(^٢) \"الأوسط\" (١/ ١٣٢)، \"المحلى\" (١/ ٢١٨)، \"المغني\" (١/ ٢٣٠).","vol":"1","page":288},{"text":"بيان<span data-type='title' id=toc-68> حكم المذي</span>\n٦٩/ ٣ - عَنْ عَليّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذّاءً، فأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأسْوَدِ أَنْ يَسْأَلَ النبيّ ﷺ، فَسَأَلَهُ؟ فَقَالَ: «فِيه الْوُضُوءُ». مُتَّفَقٌ عَليهِ، وَاللّفظُ لِلبخاري.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «العلم» باب «من استحيا فأمر غيره بالسؤال» (١٣٢) من طريق عبد الله بن داود، عن الأعمش، عن منذر الثوري، عن محمد بن الحنفية، عن علي ﵁، به.\nوأخرجه في كتاب «الوضوء» باب «من لم يَرَ الوضوء إلا من المخرجين» (١٧٨) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، به.\nوأخرجه في كتاب «الغسل» باب «غسل المذي والوضوء منه» (٢٦٩) من طريق زائدة، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁، به.\nوقد شرحه الحافظ في «فتح الباري» في هذا الموضع، واللفظ المذكور في «البلوغ» هو لفظ البخاري في كتاب «العلم».\nوأخرجه مسلم في كتاب «الحيض» باب «المذي» (٣٠٣) من طرق، إلا أن فيه (فقال: منه الوضوء).\nقال ابن عبد البر: (والحديث ثابت عند أهل العلم، صحيح، له طرق شَتّى عن عليٍّ، وعن المقداد، وعن عمار - أيضًا - كلها صحاح حسان،","vol":"1","page":289},{"text":"أحسنها ما ذكره عبد الرزاق ..) (^١) وسيأتي ذكر لفظه إن شاء الله، وسيكون شرح هذا الحديث - بعون الله - على ضوء معظم ألفاظه، لا سيما ما يتعلق بفوائده، والذي يستفاد من الأحاديث أن الذين سألوا الرسول ﷺ عن المذي ثلاثة:\n١ - علي ﵁، وحديثه في الصحيحين.\n٢ - سهل بن حُنيف، وسيأتي حديثه - إن شاء الله - في الوجه «الحادي عشر».\n٣ - عبد الله بن سعد الأنصاري، وسيأتي حديثه - أيضًا - في الوجه «السابع».\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كنت رجلًا مَذّاءً) بفتح الميم، وتشديد الذال، وبالمد، صيغة مبالغة أي: كثير المذي، يقال: مَذَى يَمْذِي مثل: مضى يمضي، ثلاثيًا، ويقال: أمذى يُمذي، رباعيًا، وفي رواية أنه قال: (كنت رجلًا مذاء، فجعلت أغتسل في الشتاء حتى تشقق ظهري، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أو ذُكر له فقال: «لا تفعل، إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا فضخت الماء فاغتسل» (^٢).\nوالمَذْيُ: بفتح الميم وسكون الذال، ويقال: المَذِيّ: بفتح الميم وكسر الذال، وتشديد الياء، وهو ماء رقيق يخرج عقب الشهوة بدون دفق ولا إحساس بخروجه، وتقدم ذكره في الحديث الرابع من أحاديث «إزالة النجاسة».\n\nقوله: (فأمرت المقداد بن الأسود أن يسأل رسول الله ﷺ) جاء في رواية البخاري في كتاب «الغسل»: (فأمرت رجلًا ..)، وجاء في رواية للبخاري\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (٣/ ١١).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٠٦)، والنسائي (١/ ١١٣)، وأحمد (٢/ ٢١٩) وإسناده صحيح. وفضخ الماء: دفقه، يريد المني.","vol":"1","page":290},{"text":"ـ أيضًا - في سبب ذلك وهو قوله: فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ وفي لفظ لهما: (لمكان ابنته مني)، وفي لفظ لمسلم: (من أجل فاطمة)، والمراد أن العلة والسبب من استحيائه من رسول الله ﷺ مكان ابنته ﷺ منه، لأنها زوجته، والمذي يتعلق بأمر الشهوة، فاستحيا أن يسأل النبي ﷺ عما يتعلق بذلك.\nوظاهر هذا السياق أن السائل هو المقداد بن الأسود، وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي، نسبة إلى الأسود بن عبد يغوث الزهري؛ لأنه تبناه، أسلم المقداد قديمًا، وهاجر الهجرتين، وتزوج ضُباعة بنت الزبير ابن عبد المطلب عم النبي ﷺ، وشهد غزوة بدر وما بعدها، توفي سنة ثلاث وثلاثين، ودفن بالبقيع في المدينة (^١) ﵁.\nوإنما أمره عليّ بسؤال النبي ﷺ ولم يأمر غيره لمذاكرة جرت بينهما في المذي، كما أخرجه عبد الرزاق من طريق عائش بن أنس، قال: (تذاكر علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود المذي، فقال علي: إني رجل مذاء، فاسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فإني أستحي أن أسأله عن ذلك لمكان ابنته مني، لولا مكان ابنته مني لسألته، فقال عايش: فسأل أحدُ الرجلين: عمارٌ أو المقداد ..) (^٢).\nوقد ورد في بعض الروايات أنه أمر عمارًا أن يسأل (^٣). وفي رواية ثالثة أنه قال: سألت النبي ﷺ عن المذي؟ فقال: «مِن المذي الوضوءُ، ومن المني الغسل» (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"الاستيعاب\" (١٠/ ٢٦٢)، \"الإصابة\" (٩/ ٢٧٣).\n(^٢) \"المصنف\" (١/ ١٥٥).\n(^٣) \"سنن النسائي\" (١/ ٩٧).\n(^٤) أخرجه الترمذي (١١٤)، والنسائي (١/ ١١١)، وأحمد (٢/ ٩٠) وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وقد ضعفه بعضهم من أجل يزيد بن أبي زياد، وقد جاء ما يدل على توثيقه، فقد نقل الذهبي في \"الميزان\" (٤/ ٤٢٣) أن شعبة قال: (ما أبالي إذا كتبت عن يزيد بن أبي زياد أن لا أكتب عن أحد)، وانظر: تعليق أحمد شاكر على \"جامع الترمذي\" (١/ ١٩٥).","vol":"1","page":291},{"text":"والجمع بين هذه الروايات أن عليًا أمر المقداد أن يسأل فسأل، وأما نسبة السؤال إلى عمار فهي محمولة على المجاز لكون عليٍّ قصده، لكن تولى المقداد الخطاب دونه، وأما نسبة السؤال إلى عليّ فإما أن يحمل على أن عليًا أمر المقداد أن يسأل ثم سأل بنفسه (^١)، أو هو محمول على المجاز بأن بعض الرواة أطلق عليه أنه سأل لكونه الآمر بذلك، ويؤيده أنه استحيى أن يسأل لمكان فاطمة، فهذا قد يضعف القول بأنه سأل بنفسه، والله أعلم.\n\nقوله: (فقال: فيه الوضوء) في رواية مسلم: «منه الوضوء» كما تقدم، وهذا اللفظ الذي أورده الحافظ لم يرد فيه ذكر غسل الذكر، وهو في الصحيحين.\nولعل الحافظ اقتصر على ما يتعلق بالوضوء، لكون الكلام في نواقض الوضوء، وأما غسل الذكر فيتعلق بإزالة النجاسة، فلم ير إيراد اللفظ الدال عليه، والله أعلم.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على جواز التوكيل في السؤال والاستنابة في الاستفتاء، للعذر كالحياء ونحوه، سواء أكان المستفتي حاضرًا أم غائبًا، وقد ترجم البخاري على هذا الحديث - كما تقدم - بقوله: (باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال).\nويشترط أن يكون الوكيل موثوقًا في فهمه وحفظه ودينه، لأجل أن ينقل السؤال ويفهم الجواب، كما ينبغي.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أنه يقبل خبر الواحد في المسائل العلمية والرواية إذا كان المخبر ثقة.\n\nالوجه الخامس: أن من الأدب وحسن المعاشرة مع الأصهار أن لا يذكر الزوج ما يتعلق بأسباب الجماع ومقدماته والاستمتاع بالزوجة مع حضرة أبيها أو أخيها أو ابنها أو غيرهم من أقاربها، مع كون السؤال في الحديث عن حكم شرعي، فكيف إذا ذكر ذلك لغير حاجة؟.\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح ابن حبان\" (٣/ ٣٨٦).","vol":"1","page":292},{"text":"الوجه السادس: الحديث دليل على نجاسة المذي، لكونه أمره بغسل ذكره، وأمره بالوضوء، فدل هذا على أن حكم المذي كحكم البول في النجاسة، وعلى الصحيح من قولي أهل العلم أنه يعفى عن يسير المذي، وهو رواية عن الإمام أحمد ذكرها صاحب «الإنصاف» ثم قال: (قلت: وهو الصواب خصوصًا في حق الشباب) (^١)؛ لأن هذه نجاسة يشق الاحتراز منها، لكثرة ما يصيب ثياب الشباب العُزّاب (^٢)، فهي أولى بالتخفيف من بول الغلام، ومن أسفل الخف.\n\nالوجه السابع: أن المذي ناقض للوضوء، فيتوضأ منه لقوله: (اغسل ذكرك وتوضأ) ولا يوجب الغسل بالإجماع، كما حكاه ابن عبد البر (^٣)، ونقله ابن قدامة عن ابن المنذر (^٤).\nوفي حديث عبد الله بن سعد الأنصاري قال: (سألت رسول الله ﷺ عما يوجب الغسل وعن الماء يكون بعد الماء، فقال: «ذاك المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك وتوضأ وضوءك للصلاة» (^٥).\nفإن كان المذي سَلسًَا لا ينقطع فحكمه حكم سلس البول، فإذا دخل وقت الصلاة غسل فرجه وتلجم بشيء حتى لا تتعدى نجاسة المذي إلى ملابسه وبدنه، ثم توضأ وصلى، ولا يضره ما خرج بعد ذلك لكونه بغير اختياره إلحاقًا له بحكم المستحاضة، كما تقدم.\nوقد جاء في رواية البخاري: «توضأ واغسل ذكرك» (^٦) وظاهره أن الأمر بالوضوء مقدّم على غسل الذكر، وقد وقع في «عمدة الأحكام»: «اغسل ذكرك وتوضأ» (^٧) والواو لا تقتضي الترتيب، ولأن لفظ مسلم «يغسل ذكره\n_________\n(^١) \"الإنصاف\" (١/ ٣٣٠). وانظر: \"شرح العمدة لابن تيمية\" (١/ ١٠٤).\n(^٢) انظر: \"المعجم الوسيط\" (٢/ ٥٩٨).\n(^٣) \"التمهيد\" (٢١/ ٢٠٧).\n(^٤) \"المغني\" (١/ ٢٣٠).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٢١١)، وضعفه الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ١٢٩).\n(^٦) \"صحيح البخاري\" (٢٦٩).\n(^٧) \"عمدة الأحكام مع شرح ابن الملقن\" (١/ ٦٣٢)، وانظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٨٠).","vol":"1","page":293},{"text":"ويتوضأ» (^١)، بيَّن المراد، والأنسب تقديم غسله على الوضوء.\n\nالوجه الثامن: أن الواجب في المذي غسل الذكر كلّه ما أصابه المذي وما لم يصبه، لقوله: «اغسل ذكرك» وهذا أمر، والأمر للوجوب، وهذا قول مالك، ورواية عن أحمد (^٢).\nوالقول الثاني: أنه يغسل جميع الذكر والأُنثيين، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٣)، لرواية: «يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ» وفي حديث عبد الله بن سعد: «فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك وتتوضأ»، لكن لفظة (وأنثييه) لم تثبت في حديث علي ﵁ (^٤).\nوالقول الثالث: أنه يُكتفى بغسل رأس الذكر، أو الموضع الذي أصابته النجاسة منه، وهو قول جمهور الفقهاء من الشافعية، والحنفية، ورواية عن أحمد (^٥)، إلحاقًا له بسائر النجاسات، فهو حدث من الأحداث، فلا يغسل منه إلا المخرج، كما في البول والغائط، ولأن الأحاديث لم تذكر فيه إلا الوضوء.\nوالقول الثاني أوفق لظاهر الحديث، فإن عموم اللفظ في قوله: «يغسل ذكره» يوجب غسل الذكر كله ما أصابه المذي وما لم يصبه، إضافة إلى غسل الأُنثيين، لما تقدم، فلما ثبت ذلك بدليل صحيح تعين الأخذ به، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٦) ورجحه الشيخ عبد العزيز بن باز.\nوالحكمة من الأمر بغسل الذكر والأنثيين - عند من يقول بغسلهما - أن المذي فيه لزوجة، فربما انتشر على الذكر والأنثيين ولم يشعر به الإنسان، قاله الخطابي (^٧)، وقيل: إن ذلك يخفف المذي أو يقطعه، ولا سيما إذا كان غسله بالماء البارد، فإنه من أسباب قطعه وعدم استمرار خروجه.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٣٠٣).\n(^٢) \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١١٢)، \"الإنصاف\" (١/ ٣٣٠).\n(^٣) \"الفروع\" (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، \"الإنصاف\" (١/ ٣٣٠).\n(^٤) \"مسائل الامام أحمد\" لأبي داود ص (١٠٦).\n(^٥) \"مغني المحتاج\" (١/ ٧٩)، \"شرح فتح القدير\" (١/ ٧٢)، \"الفروع\" (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨).\n(^٦) \"شرح العمدة\" (١/ ١٠٢).\n(^٧) \"معالم السنن\" (١/ ١٤٧).","vol":"1","page":294},{"text":"وأما لفظ البخاري: «توضأ وانضح فرجك» فالمراد به الغَسْل، فإن النضح يكون غسلًا ويكون رشًا، وقد تقدم في أحد ألفاظ البخاري: «اغسل ذكرك»، فيكون المراد بالنضح هنا الغسل.\nوقد طعن الحفاظ في رواية أحمد وأبي داود من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن علي ﵁؛ لأنها مرسلة، حيث لم يسمع عروة من علي ﵁، كما قاله أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان (^١).\nلكن أخرجه أبو عوانة من طريق عَبيدة السلماني، عن علي ﵁ بهذه الزيادة «يغسل ذكره وأُنثييه» (^٢)، قال الحافظ: (وإسناده لا مطعن فيه) (^٣)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فإن قيل: يرويه هشام بن عروة عن أبيه عن علي، وهو لم يدركه؟ قلنا: مُرْسِلُهُ أحد أجلاء الفقهاء السبعة، رواه ليبين الحكم المذكور فيه، وهذا من أقوى المراسيل) (^٤).\n\nالوجه التاسع: الحديث دليل على تعين الماء في إزالة المذي دون الاستجمار بالأحجار ونحوها؛ لأنه عين له الغسل، والمعين لا يقع الامتثال إلا به، ولا يصح إلحاقه بالبول؛ لأن الشرع أمره بغسل ذكره وأُنثييه، فدل على أنه حكم يخص المذي دون البول؛ لأن البول لا يغسل منه إلا ما أصاب المحل، ولأن الآثار كلها على اختلاف ألفاظها وأسانيدها ليس في شيء منها ذكر الاستجمار بالأحجار، فدل على أنها لا تكون إلا في البول والغائط (^٥).\n\nالوجه العاشر: اختلف العلماء في المذي يصيب الثوب على قولين:\nالأول: أنه لا يجزئ فيه إلا الغَسْل، وهو قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (^٦)، أخذًا بأحاديث غسله.\n_________\n(^١) \"المراسيل\" ص (١٤٩)، \"العلل\" (١/ ٥٤)، \"جامع التحصيل\" ص (٢٣٦).\n(^٢) \"مسند أبي عوانة\" (١/ ٢٧٣).\n(^٣) \"التلخيص\" (١/ ١٢٦).\n(^٤) \"شرح العمدة\" (١/ ١٠٢).\n(^٥) \"التمهيد\" (٢١/ ٢٠٨).\n(^٦) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٧٢)، \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١١٢)، \"مغني المحتاج\" (١/ ٧٩)، \"الإنصاف\" (١/ ٣٣٠).","vol":"1","page":295},{"text":"الثاني: أنه يجزئ فيه النضح، وهو الرش بالماء، وهو رواية عن أحمد، فقد نقل عنه الترمذي أنه قال: (أرجو أنه يجزئه النضح) (^١)، ودليل ذلك حديث سهل بن حُنيف أن الرسول ﷺ قال له: «يكفيك بأن تأخذ كفًا من ماء، فتنضح بها ثوبك، حيث ترى أنه أصابه منه» (^٢).\nفالصواب - إن شاء الله - أنه يكفي نضح الثوب ورشه بالماء بلا غسل، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (^٣)؛ لأن الغسل ورد في الفرج لا في الثوب، ورواية نضح الثوب لا معارض لها، أما الفرج فقد ورد النضح وورد الغسل، فيفسر النضح بالغسل، كما تقدم، وقد ذكر ابن عبد البر: أن النضح في لسان العرب يكون مرة الغسل ومرة الرش (^٤).\nقال ابن تيمية: (المذي يعفى عنه في أقوى الروايتين؛ لأن البلوى تعم به، ويشق التحرز منه، فهو كالدم بل أولى، للاختلاف في نجاسته والاجتزاء عنه بنضحه) (^٥)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١/ ١٩٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢١٠)، والترمذي (١١٥)، وأحمد (٢٥/ ٣٤٥) ولفظه: \"يكفيك أن تأخذ كفًا من ماء فتمسح بها من ثوبك .. \"، قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وهو من رواية محمد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث في رواية أحمد، فانتفت شبهة التدليس.\n(^٣) \"إعلام الموقعين\" (٤/ ٢٧٧).\n(^٤) \"الاستذكار\" (٣/ ١٤).\n(^٥) \"شرح العمدة\" (١/ ١٠٤).","vol":"1","page":296},{"text":"<span data-type='title' id=toc-69>تقبيل المرأة ولمسها لا ينقض الوضوء</span>\n٧٠/ ٤ - عَنْ عَائشَةَ ﵂ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثمّ خَرَجَ إلى الصّلَاةِ وَلمْ يَتَوَضّأْ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٤٢/ ٤٩٧) من طريق وكيع، ثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ به، وفي اخره: قال عروة: قلت لها: من هي إلا أنت؟ قال: فضحكت.\nوأخرجه - أيضًا - أبو داود (١٧٩)، والترمذي (٨٦)، وابن ماجه (١/ ١٦٨) كلهم من طريق وكيع، عن الأعمش، بهذا الإسناد.\nوقد حكم البخاري على هذا الحديث بالضعف، كما ذكر المصنف، كما حكم عليه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان (^١)، وقد أخرجه البيهقي في «المعرفة» (١/ ٢١٦) وقال: (هذا أشهر حديث روي في هذا الباب، وهو معلول).\nوقد أعل الحديث بعلتين:\nالأولى: أن عروة المذكور ليس هو ابن الزبير، إنما هو شيخ مجهول يعرف بعروة المزني - كما وردت تسميته في الطريق الأخرى ـ، وهذا قول جمع من الأئمة منهم ابن حزم (^٢).\nالثانية: الانقطاع؛ لأن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة، وهو\n_________\n(^١) \"علل الحديث\" (١/ ٤٨).\n(^٢) \"المحلى\" (١/ ٢٤٥)، \"تحفة الأشراف\" (١٢/ ٢٣٣).","vol":"1","page":297},{"text":"قول يحيى بن سعيد القطان والبخاري وأحمد وأبي حاتم ويحيى بن معين (^١)، وهم قد تبعوا سفيان الثوري فيما نقله عنه أبو داود أنه قال: (ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني) (^٢)، يعني بذلك أنه لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء؛ لأنه لم يسمع منه.\nوالظاهر أن أبا داود لم يرتض كلام الثوري، فلذا ساقه بصيغة التمريض (وروي عن الثوري)، ثم قال بعده: (وقد روى حمزة الزيات عن حبيب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ حديثًا صحيحًا) (^٣). وهذا مثبت، وذاك نافٍ، لكن حمزة الزيات متكلم فيه، قال الحافظ: (صدوق زاهد، ربما وهم).\nوذكر الترمذي أنه سأل البخاري عن هذا الحديث فقال: (حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة) والظاهر أن هذا هو مراد الحافظ هنا بقوله: (وضعفه البخاري) (^٤).\nوقد صحح الحديث جمع من الأئمة المتأخرين منهم ابن جرير، وابن عبد البر، وابن كثير، وابن التركماني، والزيلعي، والشيخ أحمد شاكر، والألباني، والشيخ عبد العزيز بن باز وغيرهم.\nقالوا: وأما ما أعل به الحديث فهو غير قادح، وبيانه كما يلي:\nأما العلة الأولى، وهي أن عروة ليس هو ابن الزبير، وإنما هو عروة المزني فهذا مردود بما يلي:\n١ - أنه قد ورد تسميته عند غير واحد من الثقات ممن روى الحديث عن وكيع مثل الإمام أحمد في المسند - كما تقدم في سياق «سنده» - وابن ماجه.\n٢ - ما جاء في اخر الحديث من قول عروة فقلت لها: (من هي إلا أنت؟ فضحكت)، وغير عروة بن الزبير لا يَجْسُرُ أن يقول هذا الكلام لعائشة، لأنها خالة عروة.\n_________\n(^١) \"المراسيل\" ص (٢٨)، \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ١٥٦).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (١/ ٤٦).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (١/ ٤٦).\n(^٤) \"العلل الكبير\" (١/ ١٦٤).","vol":"1","page":298},{"text":"٣ - أنه سيأتي أن الأعمش صرح في الحديث بأنه حدثه شيوخه عن عروة المزني، فلو كان عروة هذا مجهولًا فكيف يحدث عنه الكثيرون؟! فعلم أنه عروة بن الزبير، ووصفه بالمزني غلط من أحد الرواة، كما سيأتي.\n٤ - أن المعروف عند المحدثين أن من يُذكر غير منسوب يحمل قطعًا على المشهور المتعارف بينهم، لا على المجهول، وعلى تقدير صحة ما قيل: إن عروة هو المزني؛ أفلا يحتمل أن حبيبًا سمعه من ابن الزبير وسمعه من المزني - أيضًا - كما يقع ذلك في بعض الأحاديث.\nوأما العلة الثانية وهي الانقطاع فمردودة - أيضًا - فإن حبيب بن أبي ثابت - وهو ثقة متفق على توثيقه - لا يُنْكَرُ لقاؤه عروة؛ لأنه قد روى عمن هو أكبر من عروة وأجلّ وأقدم موتًا، وهو إمام من أئمة العلماء الجلّة. ذكر ذلك ابن عبد البر، وقال في موضع اخر: (لا شك أنه لقي عروة) (^١)، ويؤيد ذلك ما تقدم من قول أبي داود: (وقد روى حمزة الزيات عن حبيب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة حديثًا صحيحًا)، والمراد بهذا الحديث ما أخرجه الترمذي في كتاب (الدعوات) من جامعه: حدثنا أبو كريب، أخبرنا معاوية بن هشام، عن حمزة الزيات، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم عافني في جسدي، وعافني في بصري ..» (^٢).\nوالذي يظهر أن علة الانقطاع غير مدفوعة، لأن قول ابن عبد البر لا يقابل قول الأئمة الكبار - كما تقدم - وليس عند ابن عبد البر إلا مجرد إمكان اللقي، وهذا لا يبرر سماع حبيب من عروة، ولا يكفي في رد كلام الأئمة. وأما مقولة أبي داود فهي من طريق حمزة الزيات، وتقدم ما فيه، ثم إن صح فهو محمول على حديث خاص، وهذا لا يعني أن حبيبًا سمع من عروة مطلقًا.\nوقد ورد حديث الباب من طريق أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قبّلها ولم يتوضأ. أخرجه أبو داود (١٧٨)، والنسائي\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (٣/ ٥٢).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٤٨٠).","vol":"1","page":299},{"text":"(١/ ١٠٤) لكنه مرسل؛ لأن إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، كما قال أبو داود بعد سياقه الحديث، والنسائي، والترمذي (^١)، وغيرهم، ويؤكد ذلك أن إبراهيم التيمي توفي سنة (٩٢ هـ) وله أربعون سنة، وتوفيت عائشة سنة (٥٨ هـ)، وأما أبو روق فاسمه عطية بن الحارث الهمداني الكوفي، وقد ضعفه ابن حزم (^٢) والبيهقي (^٣) والحق أنه ثقة، فقد قال أحمد كما نقل عنه ابنه عبد الله (^٤): (ليس به بأس) وكذا قال النسائي، ويعقوب بن سفيان، وقال في موضع اخر: (ثقة)، وقال أبو حاتم: (صدوق) (^٥).\nوله طريق ثالث عن عبد الرحمن بن مَغْراءَ، عن الأعمش، عن أصحاب له، عن عروة المزني، عن عائشة، أخرجه أبو داود (١٨٠) وإسناده ضعيف، عبد الرحمن بن مغراء متكلم فيه، قال ابن المديني: (ليس بشيء، كان يروي عن الأعمش ستمائة حديث، فتركناه، لم يكن بذلك)، وقال ابن عدي: (وهذا الذي قاله علي بن المديني هو كما قال، إنما أُنكرت عليه أحاديث يرويها عن الأعمش لا يتابعه الثقات عليها) (^٦)، ثم إن الإسناد فيه رواة مجاهيل؛ لأن الأعمش قال: أصحاب لنا، فهم مجهولون، ولم يُسمّ منهم إلا حبيب بن أبي ثابت، وعروة المزني قال عنه الذهبي: (شيخ لحبيب بن أبي ثابت لا يعرف) (^٧)، وقال في «التقريب»: (مجهول).\nوخلاصة ذلك أن هذا الحديث معلول، وله طرق وشواهد معلولة أيضًا، وقد ذكر شيئًا منها الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على «جامع الترمذي»، وحكم بأن بعضها صحيح، وبعضها يقارب الصحيح (^٨).\n\nالوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن تقبيل المرأة ولمسها لا ينقض الوضوء، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، ذكرها\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١/ ١٣٨).\n(^٢) \"المحلى\" (١/ ٢٤٥).\n(^٣) \"الخلافيات\" (٢/ ١٧٣).\n(^٤) \"العلل\" (١/ ٢٢٨).\n(^٥) \"المعرفة والتاريخ\" (٣/ ١٠٦، ١٩٩)، \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢٠٠).\n(^٦) \"الكامل\" (٤/ ٢٨٩).\n(^٧) \"الميزان\" (٣/ ٦٥).\n(^٨) \"جامع الترمذي\" (١/ ١٣٥).","vol":"1","page":300},{"text":"ابن قدامة (^١)، وروي ذلك عن علي وابن عباس ﵄ وعطاء وطاووس والحسن ومسروق، وهو القول الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ عبد العزيز بن باز - ﵏.\nوالقول الثاني: أن لمس المرأة ينقض الوضوء مطلقًا، سواء أكان بشهوة أم بدون شهوة، وهذا قول الشافعية، ورواية عن أحمد (^٢)، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، فقد قرأ حمزة والكسائي - من السبعة - (أو لمستم النساء) بغير ألف، فيكون المراد اللمس باليد؛ لأن اللمس حقيقة في المس باليد، والملامسة مجاز في الجماع أو كناية، ولا يعدل عن الحقيقة إلى غيرها إلا عند تعذر الحقيقة، والآية قد أوجبت الوضوء، فيكون لمس المرأة ناقضًا للوضوء.\nأما أصحاب القول الأول فيقولون: المراد بالآية: الجماع، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nوالقول الثالث: التفصيل وهو أنه إن كان اللمس بشهوة نقض الوضوء وإن لم يكن بشهوة لم ينقض، وهذا هو المشهور من المذهب عند الحنابلة، وهو قول مالك وجماعة من السلف، واستدلوا:\n١ - بالآية السابقة، وحملوها على اللمس بشهوة؛ لأن الشهوة مظنة الحدث، فوجب حمل الآية عليه.\nوبهذا يتبين أن سبب الاختلاف في هذه المسألة - كما يقول ابن رشد - اشتراك اسم اللمس في كلام العرب بين اللمس باليد، وبه فسر أصحاب القول الثاني الآية، وبين الجماع، وهو تفسير أصحاب القول الأول (^٣).\n٢ - حديث عائشة ﵂ أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٢٩ - ٣٠)، \"المغني\" (١/ ٢٥٧).\n(^٢) \"المغني\" (١/ ٢٥٧).\n(^٣) انظر: \"بداية المجتهد\" (١/ ١٠٢).","vol":"1","page":301},{"text":"ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتها، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح (^١).\nولو كان مجرد اللمس ينقض الوضوء لانتقض وضوء النبي ﷺ واستأنف الصلاة.\n٣ - قالوا: ولأن إيجاب الوضوء على من مس مطلقًا لا يخلو من إيقاع الناس في الحرج والمشقة، فقد لا يسلم منه أحد، وما فيه حرج فهو منتفٍ شرعًا.\nوالراجح - والله أعلم - هو القول الأول، وهو أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا، إلا إن خرج منه شيء من مذي أو نحوه، ووجه الترجيح ما يلي:\n١ - حديث عائشة ﵂ الوارد في الصحيحين، وكذا حديث أبي هريرة ﵁ عن عائشة ﵂ قالت: (فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه … الحديث) (^٢).\n٢ - أن الأصل عدم النقض وبقاء الطهارة حتى يرد دليل صريح صحيح على ذلك.\n٣ - ولأن لمس المرأة مما تعم به البلوى في البيوت، فلو كان ذلك ناقضًا للوضوء لبينه النبي ﷺ للأمة بيانًا واضحًا، فلما لم يبينه دل على أنه لا ينقض الوضوء.\nوأما الآية الكريمة فلا دلالة فيها على ما ذكر؛ لأن المراد بالملامسة الجماع، وليس اللمس باليد، لما يلي:\n١ - أن ابن عباس، وهو حبر الأمة وترجمان القران الذي علمه الله تأويل كتابه واستجاب فيه دعوة رسوله، فَسّرَ الملامسة بالجماع، فقد عَلَّقَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٨٢)، ومسلم (٥١٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٨٦).","vol":"1","page":302},{"text":"البخاري في صحيحه عنه أنه قال: (الدخول والمسيس واللماس هو الجماع) (^١)، وقد أخرج عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة أن عبيد بن عمير وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح اختلفوا في الملامسة، قال سعيد وعطاء: هو اللمس والغمز، وقال عبيد بن عمير: هو النكاح، فخرج عليهم ابن عباس وهم كذلك، فسألوه وأخبروه بما قالوا، فقال: أخطأ الموليان، وأصاب العربي، وهو الجماع، ولكن الله يَعِفّ ويكني (^٢)، وتفسيره أرجح من تفسير غيره لتلك المزية.\nوقد ورد هذا التفسير عن جماعة من السلف، كما نقل ذلك ابن جرير في «تفسيره» (^٣)، قال ابن كثير: (وقد صح من غير وجه عن عبد الله بن عباس أنه قال ذلك) (^٤)، وقد رجح ذلك ابن جرير (^٥).\n٢ - أنه إذا حمل لفظ الملامسة أو اللمس في القراءة الأخرى على الجماع تكون الآية شاملة للحدثين: الأصغر في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، والأكبر في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وهذا أبلغ وأشمل، أما إذا أريد منه المس باليد - مثلًا - فإنه يكون قليل الفائدة، إذ المجيء من الغائط واللمس حينئذ من موجبات الوضوء، فتخلوا الآية من ذكر موجب الغسل، وهو الحدث الأكبر.\n٣ - أن تفسير اللمس في الآية بالجماع فيه جمع بين الأدلة وإعمال لها كلها، بخلاف ما إذا فسر باللمس باليد فإن ذلك يلغي دلالة السنة على عدم الوضوء من لمس المرأة.\nوأما قولهم: إن اللمس حقيقة في المس باليد فهذا صحيح، لكنه تعورف عند إضافته إلى النساء في معنى الجماع، بل يكاد يكون ظاهرًا فيه، كما أن الوطء حقيقته المشي بالقدم، فإذا أضيف إلى النساء لم يفهم منه غير الجماع.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٥٧).\n(^٢) \"المصنف\" (٥٠٦) وهو صحيح الإسناد.\n(^٣) \"تفسير ابن جرير\" (٨/ ٣٩٦).\n(^٤) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٢٧٦).\n(^٥) \"تفسير ابن جرير\" (٨/ ٣٩٦).","vol":"1","page":303},{"text":"وأما حمل الآية على اللمس بشهوة لكون ذلك مظنة الحدث فمردود بأن المظنة لا تنقض الوضوء، ما لم تكن قوية؛ لأن الأصل الطهارة، كما سيأتي في حديث أبي هريرة ﵁.\nوأما حديث عائشة الذي في الصحيحين فهو دليل على أن اللمس لا ينقض الوضوء، وأما قول الحافظ: (وتعقب باحتمال الحائل أو الخصوصية) (^١) فليس بشيء؛ لأن الأصل عدم الخصوصية إلا بدليل، كما في الأصول، فكيف تبنى المسائل على الاحتمال، وأما احتمال الحائل فلا يفكر فيه إلا متعصب (^٢)، وقد خالف الحافظ في كلامه هنا ما ذكره في «التلخيص» (^٣) من أن الحديث دليل على أن اللمس في الآية الجماع؛ لأنه مَسّها في الصلاة واستمر، وهذا هو الحق إن شاء الله.\nوقد اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية القول بأن لمس المرأة ينقض الوضوء بلا شهوة قولًا شاذًا، ليس له أصل في الكتاب، ولا في السنة، ولا في أثر عن أحد من سلف الأمة، ولا هو موافق لأصول الشريعة، فإن اللمس العاري عن شهوة لا يؤثر في شيء من العبادات، فمن جعله مفسدًا للطهارة فقد خالف الأصول (^٤)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٩٢).\n(^٢) انظر تعليق أحمد شاكر على الترمذي (١/ ١٤٢).\n(^٣) \"التلخيص\" (١/ ١٤١).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٢٠/ ٣٦٨).","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type='title' id=toc-70>حكم الشك في الحدث مع تيقُّن الطهارة</span>\n٧١/ ٥ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ في بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكلَ عَلَيْهِ: أَخرَجَ مِنْهُ شيءٌ، أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنّ مِنَ المَسْجِدِ حَتّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا». أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم (٣٦٢) في كتاب «الحيض» باب «الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك» من طريق جرير بن عبد الحميد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه (^١)، عن أبي هريرة ﵁.\nوقد جاء في معناه أحاديث أخرى، تأتي إن شاء الله.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا) أي: إذا حسّ بتردد الريح في بطنه، وهو صوت الأمعاء، وهو القرقرة: أي: قرقرة البطن (^٢).\n\nقوله: (فأشكل عليه) أي: التبس عليه الأمر أَوُجِدَ ناقض أم لا؟\n\nقوله: (فلا يخرجن من المسجد) أي: لأجل أن يتوضأ.\n\nقوله: (حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) أي: حتى يتيقن الحدث بسمعه أو شمه و(أو) للتنويع، وخص السمع والشم بالذكر لكونهما الغالب، وإلا فلو\n_________\n(^١) هو ذكوان أبو صالح السمان الزيات المدني، ثقة، ثبت، من الثالثة.\n(^٢) \"اللسان\" (٥/ ٩٠).","vol":"1","page":305},{"text":"كان لا يسمع ولا يشم لآفة أو مرض وتيقن بغير هذين الطريقين انتقض وضوؤه.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن المتطهر إذا شك في الحدث لم يلزمه الوضوء، بل يصلي بطهارته تلك حتى يتيقن أنه أحدث، إما بسماع صوت أو شم ريح.\nوقد دل على ذلك - أيضًا - حديث عبد الله بن زيد ﵁ أنه شكا إلى النبي ﷺ الرجل الذي يخيل أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» (^١).\n\nالوجه الرابع: هذا الحديث دليل على قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة وهي (اليقين لا يزول بالشك)، وأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وهي من القواعد الفقهية الكبرى التي يتخرج عليها فروع فقهية كثيرة في العبادات والمعاملات والعقود.\nقال القرافي: (هذه قاعدة مجمع عليها، وهي أن كل مشكوك فيه يُجعل كالمعدوم الذي يُجزم بعدمه) (^٢).\nوقال أبو داود: (سمعت أحمد سُئل عن رجل يشك في وضوئه؟ قال: إذا توضأ فهو على وضوئه حتى يستيقن الحدث، وإذا أحدث في وضوئه فهو محدث حتى يستيقن أنه توضأ) (^٣).\n\nالوجه الخامس: هذا الحديث سند عظيم لإغلاق باب الوسوسة الذي يدخل منه الشيطان على العبد لإفساد طهارته وصلاته وعبادته.\nوقد دل هذا الحديث على أنه لا ينبغي للمسلم أن يستسلم للوسواس، فإنه داء عضال، إذا اشتد بصاحبه لا ينفك عنه، فيقع في الحرج والمشقة،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١).\n(^٢) \"الفروق\" (١/ ١١١).\n(^٣) \"مسائل الإمام أحمد لأبي داود\" ص (١٢).","vol":"1","page":306},{"text":"ويواجه عناء في أداء الواجبات؛ لأن الوسواس أكثر ما ينشأ من الشك، ومتى استسلم الإنسان للوساوس وانقاد لها تعب منها، ومتى غَفَلَ عنها ولم يلتفت لها فإنها تزول بإذن الله تعالى.\n\nالوجه السادس: دل الحديث على أن الريح ناقض للوضوء، لقوله: «حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا».\nوسيذكر المصنف أحاديث في هذا الموضوع في اخر هذا الباب، وكان الأولى جمعها في موضع واحد، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-71>ما جاء في أن مس الذكر لا ينقض الوضوء</span>\n٧٢/ ٦ - عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: مَسَسْتُ ذَكَرِي. أَوْ قَالَ: الرّجُلُ يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي الصّلَاةِ، أَعَلَيْهِ وُضُوءٌ؟ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: «لَا، إنّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ». أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ، وَقَالَ ابْنُ المَدِيني: هُوَ أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو علي، طلق بن علي بن طلق بن عمرو، ويقال: طلق بن علي ابن المنذر بن قيس السحيمي اليمامي مشهور، له صحبة، ووفادة، ورواية، وقد ورد في صحيح ابن حبان عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: بنيت مع رسول الله ﷺ مسجد المدينة، فكان يقول: «قدموا اليمامي من الطين، فإنه من أحسنكم له مسًّا» (^١)، روى عنه ابنه قيس، وابنته خلدة وغيرهما (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أبو داود (١٨٢، ١٨٣) في كتاب «الطهارة» باب «الرخصة»، والترمذي (٨٥)، والنسائي (١/ ١٠١)، وابن ماجه (٤٨٣)، وابن حبان (١١١٩) كلهم من طريق ملازم بن عمرو الحنفي، ثنا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه.\nوهو حديث صحيح، قال الطحاوي فيه: (فهذا حديث ملازم، صحيح\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٣/ ٤٠٤) وإسناده قوي.\n(^٢) \"الإصابة\" (٥/ ٢٤٠).","vol":"1","page":308},{"text":"مستقيم الإسناد، غير مضطرب في إسناده ولا في متنه)، ثم أسند عن ابن المديني قوله: (حديث ملازم هذا أحسن من حديث بسرة) (^١)، وقال الترمذي: (هذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب) (^٢)، وقال ابن حزم: (هذا خبر صحيح) (^٣) وصححه ابن التركماني (^٤).\nوأخرجه أحمد (٢٦/ ٢١٤) من طريق أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه. وأيوب بن عتبة ضعيف، لكنه توبع، وله طرق أخرى. وضعفه اخرون، ومنهم الشافعي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والبيهقي، والدارقطني، وابن الجوزي (^٥)، وذلك لأن قيس بن طلق ليس بالقوي عندهم، كما يقول البيهقي (^٦). ونقل الدارقطني عن يحيى بن معين قوله: (قد أكثر الناس في قيس، ولا يحتج به) (^٧)، وقال الذهبي: (ضعفه أحمد ويحيى في إحدى الروايتين عنه) (^٨)، وقد ثبت عن يحيى نقيض ذلك، فروى عنه عثمان بن سعيد الدارمي قال: (قلت: فعبد الله بن نعمان عن قيس بن طلق؟ قال: شيوخ يمامية ثقات) (^٩).\nأما تضعيف أحمد له فقد نقله - أيضًا - ابن الجوزي (^١٠)، والذي نقله عنه الخلال أنه قال: (غيره أثبت منه) (^١١)، وليس هذا تضعيفًا!\nوقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (^١٢)، وقال العجلي: (قيس بن طلق يمامي، تابعي ثقة) (^١٣).\n_________\n(^١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٧٥).\n(^٢) \"جامع الإمام الترمذي\" (١/ ١٣٢).\n(^٣) \"المحلى\" (١/ ٢٣٩).\n(^٤) \"الجوهر النقي\" (١/ ١٣٧).\n(^٥) انظر:\"علل الحديث\" (١/ ٤٨)، \"الخلافيات\" (٢/ ٢٨٢)، \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٤٩)، \"التحقيق\" (١/ ٤٩٤)، \"التلخيص\" (١/ ١٣٤).\n(^٦) \"الخلافيات\" (٢/ ٢٨٢).\n(^٧) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٥٠).\n(^٨) \"الميزان\" (٣/ ٩٩٧).\n(^٩) \"تاريخ عثمان بن سعيد\" ص (١٤٤) رقم (٤٨٦).\n(^١٠) \"التحقيق\" (١/ ٤٦٥).\n(^١١) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٣٥٦).\n(^١٢) \"الثقات\" (٥/ ٣١٣).\n(^١٣) \"تاريخ الثقات\" (١٣٩٦)، وانظر: \"الخلافيات\" وتعليق محققه (٢/ ٢٨٥).","vol":"1","page":309},{"text":"وأما قول النووي: (إنه ضعيف باتفاق الحفاظ) (^١)، فهو وهم منه، وكأن ابن عبد الهادي أراده بقوله: (وأخطأ من حكى الاتفاق على ضعفه) (^٢).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (قال رجل: مَسِسْتُ ذكري) مَسِسَ: من باب تعب، وفي لغة: مَسَسْته مسًا، من باب قتل، أفضيت إليه بيدي من غير حائل.\n\nقوله: (لا) أي: لا وضوء من مسه.\n\nقوله: (بضعة منك) البضعة: بفتح الباء ويجوز كسرها، القطعة من اللحم، والمراد: أنه كاليد والأذن والرجل ونحوهما.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل لمن قال: إن مس الذكر لا ينقض الوضوء؛ لأنه وصفه بأنه بضعة من الإنسان، كمسّ أذنه أو يده ونحوهما، وهو قول الحنفية، وبعض المالكية، ورواية عن الإمام أحمد، وهو قول ابن المنذر (^٣).\nوسيأتي توضيح هذه المسألة وبيان الراجح فيها في الحديث الآتي، إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٢/ ٤٢).\n(^٢) \"المحرر\" (١/ ٨٦).\n(^٣) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٥٦)، \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١٢١)، \"المغني\" (١/ ٢٤٠ - ٢٤١).","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type='title' id=toc-72>ما جاء في أن مس الذكر ينقض الوضوء</span>\n٧٣/ ٧ - عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ ﵂ أَنّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: «مَنْ مَسّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضّأْ». أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحّحهُ التّرْمِذِيّ وَابْنُ حِبّانَ، وَقَالَ الْبُخَارِيّ: هُوَ أَصَحّ شَيْءٍ في هذَا الْبَابِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهي بُسْرة - بضم الباء وإسكان السين المهملة - بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى القرشية الأسدية، وهي بنت أخي ورقة بن نوفل، وأخت عقبة بن معيط لأمه، وقيل في نسبها غير ذلك، وما ذُكر صَوّبه ابن عبد البر. وقال ابن الأثير: (هو الأصح) (^١)، روى عنها عبد الله بن عمر، ومروان بن الحكم، وابن المسيب، وغيرهم، قال الشافعي: (لها سابقة قديمة وهجرة)، وقال ابن حبان: (كانت من المهاجرات) (^٢)، وقال مصعب بن الزبير: (كانت من المبايعات) (^٣).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (١٨١) في كتاب «الطهارة» باب «الوضوء من مسّ الذكر»، والنسائي (١/ ١٠٠)، وأحمد (٤٥/ ٢٦٥)، ومالك (١/ ٤٢)، وابن حبان (١١١٢) من طريق عبد الله بن أبي بكر أنه سمع عروة يقول: دخلت على مروان بن الحكم، فذكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان:\n_________\n(^١) \"أسد الغابة\" (٣/ ٣٢١).\n(^٢) \"الثقات\" (٣/ ٣٧).\n(^٣) \"الاستيعاب\" (١٢/ ٢٢٦)، \"الإصابة\" (١٢/ ١٥٨).","vol":"1","page":311},{"text":"ومِنْ مَسِّ الذكر، فقال عروة: ما علمت ذلك، فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان .. وذكر الحديث.\nوأخرجه الترمذي (٨٣)، وابن ماجه (٤٧٩)، وابن حبان (١١١٥) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة بنت صفوان، وفي لفظ لابن حبان: (من مس فرجه فليتوضأ)، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، ونقل عن البخاري أنه قال: (أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة).\nوظاهر السياق عند أبي داود وغيره أن الحديث من رواية مروان بن الحكم عن بسرة، وقد طعن فيه بعضهم، بسبب ولايته وأخباره في التاريخ من قَتْلِ طلحة ﵁ وشَهْرِهِ السيف وطلبه الخلافة، وقد دافع عنه ابن حجر، بأن قتله طلحة كان فيه متأولًا، وأما إشهاره السيف في طلب الخلافة فقد كان بعد هذا الحديث، لأنه قد حدث به حينما كان أميرًا على المدينة (^١)، وقد احتج به البخاري في «صحيحه» ومالك في «الموطأ»، وأحمد في «مسنده» وهذا كافٍ في الاحتجاج به.\nوقد ورد الحديث من رواية هشام بن عروة، عن عروة، عن بسرة، بدون ذكر مروان، أخرجه الترمذي (٨٢)، والنسائي (٤٤٧)، وأحمد (٤٥/ ٢٧٠) وهذه مخالفة لرواية الأكثرين، فإما أن يحكم بشذوذها، أو يقال: إن عروة سمع الحديث من مروان أولًا، ثم أراد أن يستوثق، فلقي بسرة وسمع منها، كما في رواية شعيب بن إسحاق، عند ابن حبان (١١١٣)، والدارقطني (١/ ١٤٦) وغيرهما.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل لمن قال: إن مس الذكر وكذا مس الفرج ينقض الضوء، وهو قول الشافعي، وقول لمالك في المشهور عنه، والمشهور في مذهب أحمد (^٢)، وهو معارض بحديث طلق بن علي المتقدم\n_________\n(^١) انظر: \"هدي الساري\" ص (٤٤٣)، \"المحلى\" (١/ ٢٣٦).\n(^٢) \"المجموع\" (٢/ ٣٨)، \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١٢١)، \"المغني\" (١/ ٢٤٠).","vol":"1","page":312},{"text":"الذي يدل على أن مس الذكر لا ينقض الوضوء، وقد اختلفت كلمة أهل العلم (^١) في إزالة هذا التعارض على ثلاثة مسالك، وهي المسالك المعروفة في الأصول:\nفمن أهل العلم من سلك مسلك النسخ، وأن حديث طلق بن علي منسوخ بحديث بسرة؛ لأن حديثه متقدم، وحديثها متأخر، ودليل تقدمه ما مضى في ترجمته من أنه قدم المدينة على رسول الله ﷺ وهم يبنون المسجد في أول الهجرة.\nوممن قال بالنسخ: ابن حبان (^٢) والطبراني (^٣) وابن العربي (^٤) والحازمي (^٥) والبيهقي (^٦) وابن حزم (^٧)، وأيد ابن حزم القول بالنسخ بأن قوله ﷺ: «هل هو إلا بضعة منك» دليل على أن ذلك كان قبل الأمر بالوضوء من مس الذكر؛ لأنه لو كان بعده لم يقل ﵊ هذا الكلام، بل كان يبين أن الأمر بذلك قد نسخ، وقوله هذا يدل على أنه لم يكن سلف فيه حكم أصلًا، وأنه كسائر الأعضاء.\nلكن القول بالنسخ فيه ضعف لأمرين:\nالأول: أن القاعدة عند الأصوليين أنه لا يعدل إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع بين الدليلين؛ لأن النسخ إبطال لأحدهما، والجمع بينهما عمل بهما، وهو ممكن.\nالثاني: أن العلماء قالوا: إن التاريخ لا يعلم بتقدم إسلام الراوي أو تقدم أَخْذِه، لجواز أن يكون الراوي المتأخر رواه عن غيره من الصحابة، ولذا قال الشوكاني: (إن هذا ليس دليلًا عند المحققين من أئمة الأصول) (^٨).\n_________\n(^١) انظر:\"عارضة الأحوذي\" (١/ ١١٤) حيث قال ابن العربي: (هذا الباب عظيم القدر في الدين اختلف فيه الصحابة والتابعون والفقهاء إلى الآن .. وقد جرت فيه مناظرة بين العلماء ..).\n(^٢) \"صحيح ابن حبان\" (٣/ ٤٠٥).\n(^٣) \"المعجم الكبير\" (٨/ ٤٥٢).\n(^٤) \"عارضة الأحوذي\" (١/ ١١٧).\n(^٥) \"الاعتبار\" ص (٤٣).\n(^٦) \"الخلافيات\" (٢/ ٢٨٨).\n(^٧) \"المحلى\" (١/ ٢٣٩).\n(^٨) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٣٥).","vol":"1","page":313},{"text":"المسلك الثاني: مسلك الترجيح، والمحققون على ترجيح حديث بسرة بنت صفوان على حديث طلق بن علي، فيجب الوضوء من مس الذكر، وهذا اختيار الصنعاني (^١) والشيخ عبد العزيز بن باز، وذلك لما يلي:\n١ - أن حديث بسرة أصح من حديث طلق بن علي، فإنه سليم الإسناد، وحديث طلق ضعفه جماعة، كما تقدم، وقد قال البخاري عن حديث بُسرة: (إنه أصح شيء في هذا الباب) وإن كان شيخه علي بن المديني قد خالفه، فرجح حديث طلق، لكن قول البخاري في هذا الموضع أولى؛ لأنه مؤيد بما سيُذكر.\nوقد نقل الحافظ عن البيهقي قوله: (يكفي في ترجيح حديث بسرة على حديث طلق أن حديث طلق لم يخرجه الشيخان، ولم يحتجا بأحد من رواته، وحديث بسرة قد احتجا بجميع رواته، إلا أنهما لم يخرجاه …) (^٢).\n٢ - أن حديث بسرة له شواهد كثيرة تعضده، رواها سبعة عشر صحابيًا، وحديث طلق لا شاهد له.\nومن شواهده: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب فليتوضأ» (^٣).\nوحديث أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مس فرجه فليتوضأ» (^٤).\nوحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ» (^٥).\n_________\n(^١) \"سبل السلام\" (١/ ١٢٦).\n(^٢) \"التلخيص\" (١/ ١٣٤).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٤/ ١٣٠)، وابن حبان (٣/ ٤٠١) واللفظ له، وأخرجه غيرهما، وفي إسناده ضعف، ولكنه بطرقه يصل درجة الحسن.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٤٨١)، والبيهقي (١/ ١٣٠)، ونقل عن الترمذي أنه سأل أبا زرعة عن هذا الحديث فاستحسنه، قال: (ورأيته يعده محفوظًا).\n(^٥) أخرجه أحمد (١١/ ٦٤٧ - ٦٤٨)، والدارقطني (١/ ١٤٧)، والبيهقي (١/ ١٣٢) وإسناده حسن، وصححه البخاري كما في \"العلل\" (١/ ١٦١) للترمذي، كما صححه الحازمي في \"الاعتبار\" (٨٨) وصححه أحمد شاكر في تعليقه على \"المسند\" (١٢/ ٣١).","vol":"1","page":314},{"text":"وحديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مس فرجه فليتوضأ» (^١).\n٣ - ومن مرجحات حديث بسرة أنه ناقل عن البراءة الأصلية التي هي عدم الوضوء من مس الذكر، والناقل عن البراءة الأصلية مقدم؛ لأن معه زيادة علم.\n٤ - أن حديث بسرة أحوط وأبرأ للذمة.\nالمسلك الثالث: مسلك الجمع بين الحديثين، وهو مسلك جيد؛ لأن فيه عملًا بكلا الدليلين، وهؤلاء اختلفوا على قولين:\nالأول: أن مس الذكر يستحب منه الوضوء مطلقًا عملًا بحديث بسرة، ولا يجب عملًا بحديث طلق بن علي، وقد بوب ابن خزيمة في صحيحه بقوله: (باب استحباب الوضوء من مس الذكر) ثم ذكر حديث بسرة، ثم روى بسنده عن مالك أنه قال: (أرى الوضوء من مس الذكر استحبابًا ولا أوجبه)، وروى بسنده - أيضًا - عن الإمام أحمد أنه سئل عن الوضوء من مس الذكر، فقال: (أستحبه ولا أوجبه)، ثم اختار القول بوجوب الوضوء كقول الشافعي (^٢). واختار هذا القول - وهو الاستحباب - ابن المنذر، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٣).\nالثاني: أنه إن كان المس بشهوة وجب الوضوء لحديث بسرة، وإن كان لغير شهوة لم يجب لحديث طلق، ويؤيد ذلك أنه قال في حديث طلق: «هل هو إلا بضعة منك»، فإن هذا يقتضي أن الحكم في مس الذكر كالحكم في مس سائر الأعضاء الذي لا يقارن مسه شهوة، فإن مسه مسًا يخرج به عن مس نظائره من بقية الجسد وهو ما كان بشهوة وجب عليه الوضوء (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ١٩٤) وسنده جيد.\n(^٢) \"صحيح ابن خزيمة\" (١/ ٢٢).\n(^٣) \"الأوسط \" (١/ ٢٠٥)، \"الفتاوى\" (٢٠/ ٥٢٤) (٢١/ ٢٢٢، ٢٤١).\n(^٤) انظر: \"الاستذكار\" (٣/ ٣٤).","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type='title' id=toc-73>بيان شيء من نواقض الوضوء</span>\n٧٤/ ٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ، أَوْ قَلْسٌ، أَوْ مَذْيٌ فلينصرف فَلْيَتَوَضّأْ، ثُمّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذلِكَ لَا يَتكلّم». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَضَعّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.\nقولنا: (بيان شيء من نواقض الوضوء) هي: القيء، والرعاف، والقَلْسُ، والمذي، والظاهر أن هذا هو غرض الحافظ من إيراد هذا الحديث هنا، وقد بوّب عليه ابن ماجه في كتاب «الصلاة» باب «البناء على الصلاة»، وذكر الحافظ في باب «شروط الصلاة» ما يتعلق بذلك، وأعاد هذا الحديث مرة أخرى هناك على ما في بعض النسخ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه ابن ماجه (١٢٢١) في كتاب «الصلاة» باب «ما جاء في البناء على الصلاة» من طريق إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مُليكة (^١) عن عائشة ﵂ به.\nوهذا الحديث من أفراد ابن ماجه عن بقية أصحاب الكتب الستة، وإسناده ضعيف، ضعفه البوصيري (^٢)، وسبب ضعفه:\n١ - أنه من رواية إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، وابن جريج حجازي، وإسماعيل شامي، ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة، وقد\n_________\n(^١) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُليكة -بالتصغير- ثقة، فقيه، من الثالثة.\n(^٢) \"مصباح الزجاجة\" (١/ ١٤٤).","vol":"1","page":316},{"text":"خالفه الحفاظ في روايته، قال عنه في «التقريب»: (صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط عن غيرهم).\n٢ - أن الحفاظ أصحاب ابن جريج خالفوا إسماعيل في روايته، فرووه عن عبد الملك بن جريج، عن أبيه عبد العزيز بن جريج، عن النبي ﷺ مرسلًا، ونقل ابن عدي عن الإمام أحمد: أن الصواب عن ابن جريج، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلًا (^١).\nوقال أبو حاتم عن وصل الحديث: (هذا خطأ، وإنما يروونه عن ابن جريج، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة، عن النبي ﷺ مرسلًا) (^٢).\nونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال في حديث ابن جريج، عن أبيه: (ليست هذه الرواية بثابتة عن النبي ﷺ) (^٣).\nوعلى هذا فالصواب أن رفع إسماعيل له شاذ، والمحفوظ ما رواه الجماعة عن ابن جريج، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة، عن النبي ﷺ مرسلًا.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من أصابه قيء) القيء: بالهمزة، إلقاء ما أكل أو شرب، أو هو ما قذفته المعدة عن طريق الفم.\n\nقوله: (أو رعاف) بضم الراء المهملة، وهو خروج الدم من الأنف، وفعله رَعَفَ رَعْفًا من بابي: (قتل) و(نفع) ورَعُفَ بالضم لغة، وقيل: الرعاف الدم نفسه، وأصله: السبق والتقدم، وفرس راعف، أي: سابق، والرعاف سَبَق علم الراعف وتقدم.\n\nقوله: (أو قَلْسٌ) بفتح القاف وسكون اللام، يقال: قَلَس قلْسًا، من باب (ضرب): خرج من بطنه طعام أو شراب إلى الفم، وذلك أثناء الجشا، وسواء ألقاه أو أعاده إلى بطنه إذا كان ملء الفم أو دونه، فإن غلب فهو قيء،\n_________\n(^١) \"الكامل\" (١/ ٢٩٢)، وانظر: \"سنن البيهقي\" (١/ ١٤٢).\n(^٢) \"علل الحديث\" (١/ ١٣) رقم (٥٧).\n(^٣) \"سنن البيهقي\" (١/ ١٤٣).","vol":"1","page":317},{"text":"والقَلَس: - بفتحتين - اسم للمقلوس، وهو ما يخرج من الفم.\n\nقوله: (أو مذي) تقدم.\n\nقوله: (وليبن على صلاته) أي: أو ليحسب ما كان قد صلى قبل الوضوء من ركعة أو أكثر، ويصلي ما كان باقيًا.\n\nقوله: (وهو في ذلك لا يتكلم) أي: في حال انصرافه ووضوئه.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الخارج النجس من غير السبيلين كالقيء، والقَلَسِ، والرعاف أنه ناقض للوضوء، وهو قول أبي حنيفة وأحمد، على تفاصيل عندهم؛ لأنه خارج نجس، وكل خارج نجس من البدن فهو ناقض عندهم (^١).\nكما استدلوا بحديث مَعْدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء ﵁: (أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر فتوضأ، فلقيت (^٢) ثوبان في مسجد دمشق، فذكرت ذلك له، فقال: صدق، أنا صببت له وضوءه) (^٣)، لكن لا يتم الاستدلال بهذا الحديث إلا بأمرين:\nالأول: أن تكون الفاء للسببية، وهي ليست نصًا في ذلك، بل يحتمل أن تكون للتعقيب.\nالثاني: أن يكون لفظ (فتوضأ) بعد لفظ (قاء) محفوظًا، وهو محل بحث (^٤) .. ثم لو ثبت ذلك فلا دليل فيه، كما سيأتي.\nوالقول الثاني: أن الخارج النجس من غير السبيلين لا ينقض الوضوء،\n_________\n(^١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣٩)، \"كشاف القناع\" (١/ ١٢٤)، \"الإنصاف\" (٢/ ١٩٧).\n(^٢) القائل هو معدان بن أبي طلحة، الراوي عن أبي الدرداء -﵁-.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٨٧)، وأحمد (٤٥/ ٤٩٢) ولفظه: (قاء فأفطر)، وفي لفظ له (٤٥/ ٥٢٥): (استقاء رسول الله -ﷺ- فأفطر، فأتي بماء فتوضأ)، قال الترمذي: (هذا أصح شيء في هذا الباب)، وقيل لأحمد: حديث ثوبان ثبت عندك؟ قال: (نعم)، نقله في المغني (١/ ٢٤٧).\n(^٤) \"تحفة الأحوذي\" (١/ ٢٨٨).","vol":"1","page":318},{"text":"وأن من قاء أو رَعَفَ فإن طهارته باقية، وهو قول الشافعي، ومالك، ورواية عن الإمام أحمد (^١)، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، وهو اختيار الشوكاني (^٣) والشيخ عبد الرحمن السعدي (^٤) والشيخ عبد العزيز بن باز.\nواستدلوا بما يلي:\n١ - حديث جابر ﵁ في قصة عَبَّاد بن بشر في غزوة ذات الرقاع عندما أصيب بسهام وهو يصلي وخرج منه دماء كثيرة واستمر في صلاته (^٥)، قالوا: ويبعد أن لا يطلع النبي ﷺ على مثل هذه الواقعة العظيمة، ولم ينقل أنه أنكر أو أخبره بأن صلاته بطلت.\n٢ - وجوب البقاء على البراءة الأصلية، فلا يحكم بالنقض حتى يثبت الشرع، ولا يصار إلى أن الدم أو القيء ناقض إلا لدليل ناهض، والقياس ممتنع في هذا الباب؛ لأن علة النقض غير معقولة، وهي مختلفة.\nوالراجح - والله أعلم - أن الرعاف والقيء والقَلَسَ لا تنقض الوضوء، لعدم وجود أدلة واضحة تدل على ذلك، فيبقى الأصل وهو عدم النقض إلا بدليل شرعي، ولأن الطهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي، فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي.\nوأما ما استدل به القائلون بالنقض، فحديث الباب ضعيف - كما تقدم - فلا تقوم به حجة، وأما حديث أبي الدرداء فإنه لا يدل على وجوب الوضوء من القيء، فإن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة طاهرًا وغير طاهر، ولأن هذا\n_________\n(^١) \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١١٧)، \"المجموع\" (٢/ ٨)، \"الإنصاف\" (١/ ١٩٧).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢١/ ٢٢٢، ٢٢٨).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٢٤).\n(^٤) \"المختارات الجلية\" ص (٢٢).\n(^٥) أخرجه أبو داود (١٩٨)، وأحمد (٢٣/ ٥١)، وابن خزيمة (٣٦)، وابن حبان (٣/ ٣٧٥) من طريق ابن إسحاق، حدثني صدقة بن يسار، عن عقيل، عن جابر، به. وهذا سند ضعيف؛ لأن عقيل -وهو ابن جابر- في عداد المجهولين، ما روى عنه غير صدقة بن يسار. وقد علقه البخاري في كتاب \"الوضوء\" [(١/ ٢٨٠) فتح الباري] مختصرًا بصيغة التمريض.","vol":"1","page":319},{"text":"فعل، والفعل لا يدل على الوجوب، بل يدل على مشروعية التأسي، فمن توضأ من باب الاحتياط فهو حسن، وأما الوجوب فليس عليه دليل ظاهر.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إذا توضأ من الرعاف فهو أفضل، ولا يجب عليه في أظهر قولي العلماء) (^١).\nوقال أيضًا: (استحباب الوضوء من القيء متوجه ظاهر، والفعل إنما يدل على الاستحباب) (^٢).\nوأما انتقاض الوضوء بخروج المذي فقد مضى الكلام عليه وأنه ناقض للوضوء بالإجماع.\nوأما غير دم الرعاف، وهو الدم الخارج من أي موضع من البدن غير السبيلين، فسيأتي الكلام عليه - إن شاء الله تعالى - عند حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ احتجم ولم يتوضأ.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي وهو في الصلاة أنه ينصرف ثم يتوضأ ويبني على صلاته، وشَرْطُ ذلك ألا يتكلم، لقوله في اخر الحديث: (وهو في ذلك لا يتكلم) ولكن الحديث ضعيف كما تقدم، والصواب أن الحدث كالمذي والريح ونحوها تفسد الصلاة، كما سيأتي في باب «شروط الصلاة» من حديث علي بن طلق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا فسا أحدكم في الصلاة، فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة». أخرجه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه ابن حبان، لكنه حديث ضعيف، كما سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢١/ ٢٢٢، ٢٢٨).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٠/ ٥٢٦).","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type='title' id=toc-74>حكم لحم الإبل والغنم من حيث النقض وعدمه</span>\n٧٥/ ٩ - عَنْ جَابِر بن سَمُرَةَ ﵄ أَنّ رَجُلًا سَأَلَ النّبِيَّ ﷺ: أَتَوَضّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ» قَالَ: أَتَوَضّأُ مِنْ لُحُومِ الإبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ». أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو عبد الله، ويقال: أبو خالد، جابر بن سمرة بن جُنادة العامري السُّوائي - بضم السين المهملة وتخفيف الواو - نسبة إلى سُواءَ من أجداده، له ولأبيه صحبة، نزل الكوفة، ومات بها سنة ست وستين، وقيل: أربع وسبعين (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «الحيض» باب «الوضوء من لحوم الإبل» (٣٦٠) من طريق أبي عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة ﵁ أن رجلًا سأل النبي ﷺ: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ» قال: أتوضأ من لحم الإبل؟ قال: «نعم، فتوضأ من لحوم الإبل»، قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم»، قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا».\nقال ابن خزيمة: (لم نر خلافًا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل، ورَوَى هذا الخبر - أيضًا - عن جعفر بن أبي ثور أشعثُ بن\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٢/ ١١٧)، \"الإصابة\" (٢/ ٤٢).","vol":"1","page":321},{"text":"أبي الشعثاء المحاربي، وسماكُ بن حرب، فهؤلاء الثلاثة من أجلة رواة الحديث، قد رووا عن جعفر بن أبي ثور هذا الخبر) (^١).\nوقد أخرجه مسلم - أيضًا - من هذين الطريقين: طريق سماك بن حرب وأشعث بن أبي الشعثاء.\nوكأن ابن خزيمة يقصد بذلك - والله أعلم - الرد على من أعلّ الحديث بجعفر بن أبي ثور راويه عن جابر بن سمرة وأنه مجهول، ونُسب هذا إلى علي بن المديني (^٢)، وهذا ليس بصحيح، فإن جعفرًا هذا مشهور، وهو يروي عن جده جابر بن سمرة، وقد أودع مسلم حديثه في «صحيحه».\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الوضوء من لحم الغنم لا يجب، وإنما يباح لقوله: «إن شئت» لأنه غير ناقض للوضوء، ويكون هذا الوضوء بهذا الاعتبار تجديدًا للوضوء السابق، فيستدل به على جواز ذلك.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب الوضوء من لحم الإبل؛ لقوله: «نعم» لأنه ناقض للوضوء، وهذا مذهب الإمام أحمد، وهو من المفردات، وبه قال إسحاق بن راهويه وابن المنذر وابن خزيمة واختاره البيهقي، وحكي عن جماعة من الصحابة، ورجحه ابن القيم (^٣)، ورجحه النووي، وقال: (هذا المذهب أقوى دليلًا وإن كان الجمهور على خلافه) (^٤).\nوقال الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة: لحم الإبل لا ينقض الوضوء (^٥)، واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كان اخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار) وفي لفظ: (مما مسَّت النار) (^٦).\n_________\n(^١) \"صحيح ابن خزيمة\" (١/ ٢١).\n(^٢) \"تهذيب مختصر السنن\" (١/ ١٣٦).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٨٨).\n(^٥) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٣٢)، \"المنتقى\" للباجي (١/ ٦٥)، \"المجموع\" (٢/ ٥٧).\n(^٦) أخرجه أبو داود (١٩٢) واللفظ له، والترمذي (٨٠)، والنسائي (١/ ١٠٦)، وابن ماجه (٤٨٩)، وأحمد (٢٢/ ١٦٤) من طرق عن جابر -﵁-، وهو حديث صحيح، ويشهد له ما رواه البخاري (٥٤٥٧) عن جابر -﵁- أنه سئل عن الوضوء مما مسته النار، فقال: \"لا\".","vol":"1","page":322},{"text":"ووجه الدلالة: أن قوله: (مما مست النار) عام فيدخل فيه لحم الإبل؛ لأنه من أفراد ما مسته النار، بدليل أنه لا يؤكل نيئًا، بل يؤكل مطبوخًا، فلما نُسخ الوضوء مما مسته النار نُسخ الوضوء من أكل لحوم الإبل أيضًا.\nوالقول الأول هو الراجح في هذه المسألة؛ لأن حديث الباب نص في الموضوع، ويؤيد حديث الباب، حديث البراء بن عازب ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: «توضؤوا منها»، وسئل عن لحوم الغنم، فقال: «لا تتوضؤوا منها ..» الحديث (^١).\nوأما حديث جابر ﵁ فعنه ثلاثة أجوبة:\nالأول: أنه حديث مضطرب، كما قال أبو حاتم (^٢)، وله علة أخرى فقد نقل الحافظ عن الشافعي أنه قال: لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل، وعبد الله هذا صدوق، في حديثه لين، كما في «التقريب» (^٣).\nالثاني: على فرض صحته فلا دلالة فيه؛ لأن لحم الإبل لم يتوضأ منه لأجل مَسِّ النار، بل لمعنى يختص به ويتناوله نيئًا ومطبوخًا.\nالثالث: أن ما قاله جابر نقل للفعل لا للقول، فإنهم قد شاهدوه قد أكل لحم غنم ثم صلى ولم يتوضأ (^٤).\nوحديث جابر ﵁ لا معارضة بينه وبين حديث الباب وما في معناه حتى يقال بالنسخ، بل حديث جابر عام، وحديث الباب خاص، فيقدم الخاص على العام، ويخرج عن العام الصورة التي قام عليها دليل التخصيص، فلا يتوضأ مما مست النار إلا من لحم الإبل.\n\nالوجه الخامس: لا فرق في النقض من لحوم الإبل بين أن يكون\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٨٤)، والترمذي (٨١)، وابن ماجه (٤٩٤)، وهو حديث صحيح، صححه أحمد وإسحاق وجماعة.\n(^٢) \"علل الحديث\" (١/ ٦٦).\n(^٣) انظر حديث (١٢٨).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٢١/ ٢٦٣).","vol":"1","page":323},{"text":"اللحم قليلًا أو كثيرًا أو نيئًا أو مطبوخًا، لصدق اسم اللحم على ذلك.\nوقد اختلف العلماء هل نقض الوضوء خاص باللحم، أو شامل لجميع أجزاء الإبل من الهبر - وهو قطع اللحم (^١) - أو الكرش أو الكبد أو الكلية أو الأمعاء وما أشبه ذلك، على قولين:\nالأول: أنه شامل لجميع أجزاء الإبل، وهذا وجه في المذهب عند الحنابلة، واختاره ابن سعدي (^٢)، ودليل ذلك ما يلي:\n١ - أن لفظ اللحم في الشرع يشمل جميع أجزاء الحيوان، بدليل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، ولحم الخنزير شامل لكل ما حواه الجلد، بل الجلد كذلك، وكون بعض الأجزاء له اسم خاص لا يدلّ على خروجه عن حكم اللحم.\n٢ - أن العموم المعنوي يؤيد ذلك، فإن الهبر وبقية الأجزاء يتغذى بدم واحد، وطعام واحد، وشراب واحد، والرسول ﷺ لم يفصل للسائل، وهو يعلم أن الناس يأكلون من هذا وهذا، فلو كان اللحم يختلف لم يترك الرسول ﷺ بيانه.\n٣ - أنه ليس في الشريعة الإسلامية حيوان تتبعض الأحكام في أجزائه، فيكون بعضها حلالًا وبعضها حرامًا، وإنما الحيوان إما حرام كله كالخنزير، وإما حلال كله كبهيمة الأنعام.\nالقول الثاني: أنه لا ينقض إلا اللحم فقط، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وقال الزركشي: (هو اختيار الأكثرين) (^٣)، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم (^٤)، واستدلوا بأن النص ورد في اللحم، وغير اللحم مما ذكر لا يتناوله النص.\n_________\n(^١) قال في اللسان: الهبر: قطع اللحم، والهبرة: بَضْعة من اللحم أو نحضة لا عظم فيها.\n(^٢) \"الإنصاف\" (١/ ٢١٧)، \"المختارات الجلية\" ص (١٧).\n(^٣) \"شرح الزركشي\" (١/ ٢٦١).\n(^٤) \"فتاوى ابن إبراهيم\" (٢/ ٧٦).","vol":"1","page":324},{"text":"قالوا: ولا يستدل باية ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ لأن لحم الخنزير حُرّمَ لنجاسته وخبثه، وأجزاء الخنزير كلها نجسة ليس فيها شيء طاهر، بخلاف لحم الإبل فلا شيء فيه نجس، والأحوط هو القول الأول؛ لما تقدم، والله أعلم.\n\nالوجه السادس: اختلف في الوضوء من لحم الإبل هل هو معلل أو لا؟ فالصحيح من المذهب عند الحنابلة أنه غير معلل، بل هو تعبدي، وقيل: إنه معلل، بما أشار إليه النبي ﷺ بأنها من الشياطين، كما ورد في حديث أبي لاس الخزاعي قال: حملنا رسول الله ﷺ على إبل من إبل الصدقة للحج، فقلت: يا رسول الله، ما نُرى أن تحملنا هذه، قال: «ما من بعير إلا في ذروته شيطان، فاذكروا اسم الله عليها إذا ركبتموها كما امركم، ثم امتهنوها لأنفسكم، فإنما يحمل الله» (^١).\nقالوا: والأكل منها يورث حالًا شيطانية، والشيطان من نار، والماء يطفئها.\nوالله تعالى أعلم بأسرار شرعه، فعلينا الإيمان والعمل، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٩/ ٤٥٨) وغيره، بإسناد حسن، وفيه محمد بن إسحاق، صدوق حسن الحديث، وقد صرح بالتحديث في رواية أخرى عند أحمد.","vol":"1","page":325},{"text":"<span data-type='title' id=toc-75>حكم الغُسل من غَسْل الميت والوضوءِ من حمله</span>\n٧٦/ ١٠ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ غَسّلَ مَيْتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضّأْ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنّسَائِيُّ، وَالتّرْمِذِيُّ وَحَسّنَهُ.\nوَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يصحّ في هذَا الْبَابِ شَيْءٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (١٣/ ١١٨)، والترمذي في كتاب «الجنائز» (٩٩٣)، باب «ما جاء في الغُسل من غسل الميت» وابن حبان (٣/ ٤٣٥) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ به مرفوعًا. ورجاله ثقات رجال الشيخين، إلا سهيل بن أبي صالح فمن رجال مسلم، وقال: الترمذي: «حديث حسن».\nوأخرجه أبو داود (٣١٦٢) من طريقين؛ أحدهما: الطريق المذكور، لكن زاد أبو صالح بينه وبين أبي هريرة إسحاق مولى زائدة، وقد ذكر ذلك أبو داود، وكأنه يشير إلى ضعف الحديث.\nوأخرجه ابن ماجه (١٤٦٣) من هذا الطريق مقتصرًا على جزئه الأول فقط، وقد وقع في المطبوع: (سهل بن أبي صالح) وهو خطأ.\nوأما عزوه للنسائي فالظاهر أنه وهم من الحافظ، فإنه لا يوجد في مظانه من «سنن النسائي»، ولم يعزه المزي إليه في «تحفة الأشراف» (^١)، فالله أعلم.\n_________\n(^١) \"تحفة الأشراف\" (٩/ ٢٩٤، ٤١٤) (١٠/ ٢٩١).","vol":"1","page":326},{"text":"وقد اختلف في هذا الحديث، فمنهم من صحح وقفه على أبي هريرة ﵁ كالبخاري، فيما نقله عنه الترمذي (^١)، وأبي حاتم فإنه قال عن رفعه: (هذا خطأ، إنما هو موقوف على أبي هريرة، لا يرفعه الثقات) (^٢)، وكذا البيهقي فإنه رجح وقفه (^٣).\nومنهم من صحح رفعه، كالترمذي، وابن حبان - كما تقدم - والذهبي (^٤)، وصححه ابن حجر (^٥)، وهو ظاهر صنيعه في البلوغ، فإنه لم يُعِلّهُ بالوقف، ونقل الترمذي عن الإمام البخاري أنه قال: (إن أحمد بن حنبل وعلي بن المديني قالا: لا يصح من هذا الباب شيء) (^٦)، ونقله عنه البيهقي (^٧)، وكذا قال محمد بن يحيى الذهلي شيخ البخاري: (لا أعلم فيه حديثًا ثابتًا) (^٨).\nوقد ذكر البيهقي معظم طرق هذا الحديث، وساق ابن القيم في «تهذيب مختصر السنن» (^٩) أحد عشر طريقًا، ثم قال: (وهذه الطرق تدل على أن الحديث محفوظ).\nوما قاله ابن القيم من أن الحديث محفوظ، قد سبقه إليه الذهبي حيث ذكر أن طرق هذا الحديث أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء ولم يعلُّوها بالوقف، بل قدموا رواية الرفع (^١٠)، لكن قول الأئمة الكبار - كما تقدم - مقدم على قول من هو دونهم.\nوقد أنكر النووي على الترمذي تحسينه لهذا الحديث (^١١)، فذكر الحافظ أن هذا معترض؛ لأن الحديث بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسنًا (^١٢).\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" (١/ ٤٠٢).\n(^٢) \"علل الحديث\" (١/ ٣٥١).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٠٣).\n(^٤) \"المهذب في اختصار السنن الكبير\" (١/ ٣٠١).\n(^٥) \"التلخيص\" (١/ ١٤٥).\n(^٦) \"العلل الكبير\" (١/ ٤٠٢)، \"الأوسط\" (١/ ١٨١).\n(^٧) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٠٢).\n(^٨) \"التلخيص\" (١/ ١٤٥).\n(^٩) \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ٣٠٦).\n(^١٠) \"المهذب\" للذهبي (١/ ٣٠١).\n(^١١) \"المجموع\" (٥/ ١٨٥).\n(^١٢) \"التلخيص\" (١/ ١٤٥).","vol":"1","page":327},{"text":"الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب الغسل على من غَسّلَ ميتًا، وعموم لفظ الحديث يفيد عموم الأموات من كبير وصغير وذكر وأنثى، وقال بهذا بعض أهل العلم، وقد حكاه ابن القيم عن علي وأبي هريرة ﵄، وقال: يروى عن ابن المسيب وابن سيرين والزهري (^١).\nوذهب أكثر أهل العلم، ومنهم مالك وأحمد والشافعي إلى أن الغسل من غسل الميت مستحب وليس بواجب (^٢)، وذلك لأن الحديث لا ينهض على الإيجاب، لما تقدم من كلام العلماء فيه، وقد ذكر العلامة ابن مفلح الحنبلي قاعدة جيدة ومفادها: أن الحديث إذا كان فيه ضعف، وكان دالاًّ على الوجوب بصيغته، أو دالاًّ على التحريم، فإنه يحمل على الاستحباب في الأمر، وعلى الكراهة في النهي احتياطًا، ولا يُلزَم المسلمون بحكمه وجوبًا أو تحريمًا (^٣).\nويؤيد استحباب الغسل وعدم وجوبه ما رواه الدارقطني والخطيب من طريق عبد الله بن الإمام أحمد، قال: قال لي أبي: كتبت حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: (كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل)؟ قال: قلت: لا، قال: في ذلك الجانب شاب يقال له: محمد بن عبد الله المخرمي يحدث به عن أبي هشام المخزومي عن وهيب، فاكتب عنه) (^٤)، قال الحافظ: (هذا إسناد صحيح، وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث، والله أعلم) (^٥).\nوقال الشوكاني: (وهذا لا يقصر عن صرف الأمر عن معناه الحقيقي\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ٢٧٨)، \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ٣٠٦).\n(^٢) \"الاستذكار\" (٢/ ١٣٧ - ١٣٨)، \"روضة الطالبين\" (١/ ٨٥)، \"المغني\" (١/ ٢٧٨).\n(^٣) \"النكت على المحرر\" (١/ ١١٠).\n(^٤) أخرجه الدارقطني (٢/ ٧٢)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٥/ ٤٢٤) ومحمد بن عبد الله المخرمي ترجمه الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٢٤٢) وهو ثقة، سئل عنه أبو حاتم فقال: (ثقة ثقة)، وقال الدارقطني: (ثقة جليل متقن).\n(^٥) \"التلخيص\" (١/ ١٤٩).","vol":"1","page":328},{"text":"الذي هو الوجوب إلى معناه المجازي - أعني الاستحباب ـ، فيكون القول بذلك هو الحق، لما فيه من الجمع بين الأدلة بوجه مستحسن ..) (^١).\nولا يجب الوضوء من غسل الميت في أظهر قولي العلماء؛ لأن الوجوب يحتاج إلى دليل.\nوقد اختلف العلماء في الحكمة من الأمر بالغسل لمن غسل ميتًا:\n١ - فقيل: لأن تغسيله قد يورث للغاسل انكسارًا وضعفًا وانحلالًا في القوة بسبب مشاهدة الميت وتذكر ما وراء الموت، فيسن الغسل لذلك، كما يُشرع الغسل من الجماع لوجود الضعف، وكذا الحيض والنفاس.\n٢ - وقيل: لأن الغاسل لا يأمن أن يقع على بدنه شيء من رشاش الماء الذي غُسل به الميت، وقد يكون على بدن الميت نجاسة، فإذا أصاب شيئًا من بدنه وهو لا يعلم مكانه سن له غسل جميع بدنه، قاله الخطابي (^٢).\n\nالوجه الثالث: يدل الحديث بظاهره على وجوب الوضوء من حمل الميت، لكن الحديث فيه ما تقدم، فلا ينهض على وجوب الوضوء، ولم يرد في الباب شيء، كما ورد في الغُسل من غسل الميت.\nقال الخطابي: (لا أعلم أحدًا من الفقهاء يوجب الاغتسال من غسل الميت، ولا الوضوء من حمله، ويشبه أن يكون الأمر في ذلك على الاستحباب، وقد يحتمل أن يكون المعنى فيه: أن غاسل الميت لا يكاد يأمن أن يصيبه نضح من رشاش الغسول، وربما كان على بدن الميت نجاسة، فإذا أصابه نضحه - وهو لا يعلم مكانه - كان عليه غسل جميع البدن، ليكون الماء قد أتى على الموضع الذي أصابه التنجيس من بدنه.\nوقد قيل: معنى قوله: (فليتوضأ)، أي: فليكن على وضوء، ليتهيأ له الصلاة على الميت، والله أعلم) (^٣).\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٨٠).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٠٥).\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":329},{"text":"لكن قوله: (لا أعلم أحدًا قال بوجوب الغسل من غسل الميت) فيه نظر، فقد تقدم من قال بوجوبه.\nوقال الصنعاني: (لا أعلم قائلًا يقول: بأنه يجب الوضوء من حمل الميت ولا يندب .. ثم قال: قلت: ولكنه مع نهوض الحديث لا عذر عن العمل به، ويفسر الوضوء بغسل اليدين ..) (^١) إلخ كلامه.\nوهذا فيه نظر، فإن تفسير الوضوء في كلام الشارع بغسل اليدين لا يستقيم؛ لأن الواجب حمل ألفاظ الشرع على الحقيقة الشرعية، لا على الحقيقة اللغوية.\nوأيد الشيخ عبد العزيز بن باز القول بأنه لا يستحب الوضوء من حمل الميت؛ لأن ذلك يحتاج إلى دليل، فإن توضأ فهو من باب تجديد الوضوء، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"سبل السلام\" (١/ ٣٥٣).","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type='title' id=toc-76>اشتراط الطهارة لمسِّ القرآن</span>\n٧٧/ ١١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵀ أَنّ في الْكِتَابِ الّذِي كَتَبهُ رَسُولُ الله ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: (أَلاَّ يَمَسَّ الْقُرْانَ إلاّ طَاهِرٌ). رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسلًا، وَوَصَلَهُ النّسَائِيّ، وَابْنُ حِبّانَ، وَهُوَ مَعْلولٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، تابعي، ثقة عابد، روى له الجماعة، روى عن أبيه أبي بكر بن محمد وغيره، وروى عنه الزهري ومالك وهشام بن عروة وغيرهم، مات في سنة (١٣٥) وقيل: (١٣٠ هـ)، وقد وهم المغربي صاحب «البدر التمام شرح بلوغ المرام» (^١) فترجم لعبد الله بن أبي بكر الصديق ﵁، وتبعه على هذا الصنعاني (^٢) وهذا وهم فاحش، فإن عبد الله بن أبي بكر الصديق ليس من رواة هذا الحديث؛ لأنه صحابي، مات في خلافة أبيه، كما في «الإصابة» (^٣)، فالصواب الأول، لأنه جاء في «الموطأ»: (حدثني يحيى، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم: أن في الكتاب …) إلخ (^٤).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ١٩٩) مرسلًا (^٥) كما تقدم .. مقتصرًا\n_________\n(^١) \"البدر التمام\" (١/ ٤٨).\n(^٢) \"سبل السلام\" (١/ ١٣١).\n(^٣) \"الإصابة\" (٦/ ٢٦).\n(^٤) \"الموطأ\" (١/ ١٩٩).\n(^٥) المرسل: ما رواه التابعي عن النبي -ﷺ-، ورواية مالك هنا مرسلة؛ لأن راوي الكتاب هو عبد الله بن أبي بكر، وهو تابعي، كما تقدم في ترجمته.","vol":"1","page":331},{"text":"على هذه الجملة المذكورة، وأخرجه النسائي (٨/ ٥٧) مختصرًا موصولًا (^١) من طريق الحكم بن موسى، قال: حدثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، قال: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده .. لكن بدون هذه الجملة المذكورة هنا، وأخرجه ابن حبان (١٤/ ٥٠١) أيضًا مطولًا، وفيه هذه الجملة.\nوهذا الإسناد ظاهره السلامة من العلة، فرجاله جميعًا ثقات، فمن أخذه على ظاهره صحح الحديث (^٢) كابن حبان (^٣) والحاكم، وابن عدي، وقوي عندهم بالمرسل الذي رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر، وكذا ما رواه معمر عن عبد الله بن أبي بكر أيضًا، وللحديث طريق ثالث عن الحكم بن موسى، نا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، وهو ضعيف.\nولكن الحديث معلول، كما ذكر الحافظ، فقد ذكر بعض أهل العلم أن في الحديث علة خفية قادحة، وهي أن الحكم بن موسى أخطأ في هذا الحديث، وقال: سليمان بن داود، والصواب سليمان بن أرقم، وهو متروك الحديث، وقد حكى ذلك غير واحد من الأئمة، وسليمان بن داود هذا هو الخولاني، وثقه ابن حبان، وقال في صحيحه: (ثقة مأمون) ومن أجل ذلك أدخل حديثه في الصحيح، ونقل البيهقي أنه أثنى على سليمان بن داود الخولاني أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، والدارمي، وجماعة من الحفاظ، ورأوا هذا الحديث الذي رواه في الصدقة موصول الإسناد حسنًا (^٤).\nلكن هذا مبني على أن الحكم بن موسى قد أتقن الحديث، وإلا فلا يصح إلا مرسلًا، كما تقدم.\nقال صالح جَزَرة: حدثنا دحيم، قال: نظرت في أصل كتاب يحيى\n_________\n(^١) الموصول: ما اتصل إسناده مرفوعًا كان، أو موقوفًا على من كان، والمراد بذلك ما سمعه كل راوٍ من شيخه في سياق الإسناد من أوله إلى منتهاه.\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٦٦).\n(^٣) انظر: \"المجروحين\" (١/ ٤٢١).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٩٠).","vol":"1","page":332},{"text":"حديثَ عمرو بن حزم في الصدقات، فإذا هو عن سليمان بن أرقم، قال صالح: فكتبت هذا الكلام عن مسلم بن الحجاج.\nوقال أبو داود: (هذا وهم من الحكم، ورواه محمد بن بكار، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري) (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: (سألت أبي عن حديث رواه يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن بصدقات الغنم، قلت له: مَنْ سليمان هذا؟ قال أبي: من الناس من يقول: سليمان بن أرقم، قال أبي: وقد كان قَدِمَ يحيى بن حمزة العراق، فيرون أن الأرقم لقب، وأن الاسم: داود، ومنهم من يقول: سليمان بن داود الدمشقي شيخ ليحيى بن حمزة، لا بأس به، فلا أدري أيهما هو، وما أظن أنه هذا الدمشقي، ويقال: إنهم أصابوا هذا الحديث بالعراق من حديث سليمان بن أرقم) (^٢).\nوقال أبو زرعة الدمشقي: (الصواب: سليمان بن أرقم).\nوقال الحافظ ابن منده: (رأيت في كتاب يحيى بن حمزة بخطه: عن سليمان بن أرقم عن الزهري، وهو الصواب) (^٣).\nولما ذكر النسائي الحديث من طريق سليمان بن داود أتبعه بذكر الحديث من طريق سليمان بن أرقم، ثم قال: (وهذا أشبه بالصواب، والله أعلم، وسليمان بن أرقم متروك الحديث) (^٤).\nوقد أثنى العلماء على كتاب عمرو بن حزم. فقد قال ابن معين: (حديث عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كتب لهم كتابًا، فقال له رجل: هذا مسند؟ قال: لا، ولكنه صالح) (^٥).\nوقال ابن عبد البر: (وهو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٦٦).\n(^٢) \"العلل\" (١/ ٢٢٢).\n(^٣) \"الميزان\" (٢/ ٢٠١).\n(^٤) \"سنن النسائي\" (٨/ ٥٩).\n(^٥) \"تاريخ يحيى بن معين\" (١/ ١١٣).","vol":"1","page":333},{"text":"عند أهل العلم معرفة تستغني بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة) (^١).\nوقال أيضًا: (كتاب عمرو بن حزم معروف عند العلماء، وما فيه فمتفق عليه إلا قليلًا) (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا الكتاب ذِكْرُ هذا فيه - أي أن العمرة هي الحج الأصغر - مشهور مستفيض عند أهل العلم، وهو عند كثير منهم أبلغ من خبر الواحد العدل المتصل، وهو صحيح بإجماعهم) (^٣).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لعمرو بن حزم) هو عمرو بن حزم بن زيد الخزرجي الأنصاري، شهد الخندق وما بعدها، واستعمله الرسول ﷺ على أهل نجران، ليفقههم في الدين، ويعلمهم القران، ويأخذ صدقاتهم، وذلك سنة عشر، وكتب له كتابًا في السنن والصدقات والفرائض والديات، وهو كتاب طويل، أخرجه بطوله الحاكم (^٤) والبيهقي (^٥) وغيرهما، روى عن النبي ﷺ، وكان من المُقلِّين (^٦).\n\nقوله: (ألاَّ يمس) تقدم أن المس معناه: الإفضاء إلى الشيء باليد من غير حائل.\n\nقوله: (القران) المراد به نفس الحروف المكتوبة دون البياض الذي في الجوانب، ويراد به المصحف، فيشمل الحروف والحواشي، سمي بذلك لكتابته في الصحف، وإنما ذُكر المعنى الأول؛ لأنه وقت هذا الحديث لم يكن مصحفًا.\n\nقوله: (إلا طاهر) هذا اللفظ من المشترك في اللغة العربية، له عدة معان:\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (١٧/ ٣٣٨).\n(^٢) \"التمهيد\" (١٧/ ٣٣٩).\n(^٣) \"شرح العمدة\"، كتاب \"المناسك\" (١/ ١٠١).\n(^٤) \"المستدرك\" (١/ ٣٩٧).\n(^٥) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٨٩ - ٩٠).\n(^٦) \"الاستيعاب\" (٨/ ٢٩٩)، \"الإصابة\" (٧/ ٩٩).","vol":"1","page":334},{"text":"١ - الطهارة المعنوية، وهي الطهارة من الشرك؛ أي: لا يمس القران إلا مؤمن، أما الكافر فليس بطاهر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].\n٢ - الطهارة الحسية وهي الطهارة من الخبث والنجاسة، ومن ذلك قوله ﷺ في الهرة: (إنها ليست بنجس) أي: بل هي طاهرة.\n٣ - الطهارة من الحدث الأصغر أو الأكبر، وهي الوضوء أو الغسل ومنه قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وقوله ﷺ: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» (^١).\nوالاشتراك خلاف الأصل؛ لأن الأصل استعمال اللفظ في الدلالة على معنى واحد، لا إبهام فيه ولا غموض، لكن إذا وجد الاشتراك فإن المجتهد يبحث عن قرينة تصرف اللفظ عن معانيه المشتركة إلى معنى واحد منها، وقد تكون القرينة لفظية مثل: فجرنا عيون الأرض، وقد تكون مستمدة من عمومات الشريعة، ومراعاة حكمة التشريع، ومقاصد الشرع.\nوالأظهر - والله أعلم - أنه لا مانع من حمل هذا اللفظ على المتوضئ، لما يلي:\n١ - لأنه كثر في لسان الشرع إطلاق هذا اللفظ على المتوضئ.\n٢ - ولأن الصحابة ﵃ فهموا ذلك وأفتوا بأنه لا يُمَسُّ القران إلا على طهارة.\n٣ - ولأنه لم يعهد على لسان الرسول ﷺ أن يعبر عن المؤمن بالطاهر لأن وصفه بالإيمان أبلغ.\n٤ - أنه ورد في بعض الروايات: «لا يمس القران إلا على طهر» (^٢). وفي حديث حكيم بن حزام: «لا تمس القران إلا وأنت طاهر». وفي إسناده ضعف، لكن يفيد ترجيح المعنى المذكور.\n\nقوله: (وهو معلول) الحديث المعلول: ما فيه علة خفية قادحة في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها، كالإرسال الخفي.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في أول باب \"الوضوء\".\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣٤٢).","vol":"1","page":335},{"text":"وقد انتقد بعض العلماء كابن الصلاح هذا التعبير، وقال: (إنه مرذول عند أهل النحو واللغة، وأن الصواب أن يقال: المُعَلّ).\nوالصواب جوازه، وأنه من عَلّ الثلاثي، قال الجوهري وغيره: (عُلَّ الشيء فهو معلول) (^١)، وقد ذكر السخاوي أنه وقع هذا اللفظ في كلام البخاري والترمذي وخلق من أئمة الحديث قديمًا وحديثًا، وكذا الأصوليين في باب «القياس» حيث قالوا: العلة والمعلول، وقد استعمله الزجاج اللغوي، وذكر ابن القوطية في كتابه «الأفعال» أنه ثلاثي، قال: (عُلّ علة: مَرِضَ، وعُلّ الشيء: أصابته العلة) (^٢)، وإذا كان ثلاثيًا فاسم المفعول منه معلول، وعليه فلا مانع منه، لوقوعه في عبارات أهل هذا الفن، مع ثبوته لغة، ومن حفظ حجةٌ على من لم يحفظ.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم مس المصحف إلا على طهارة، وهذا قول الجمهور من أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومنهم الأئمة الأربعة، قال في «المغني»: (ولا نعلم لهم مخالفًا إلا داود) (^٣)، لقوله: (ألاَّ يمس القران إلا طاهر)، ولأحاديث أخرى جاءت في الباب يشد بعضها بعضًا.\nومن ذلك ما رواه سليمان بن موسى قال: سمعت سالمًا يحدث عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يمس القران إلا طاهر» (^٤).\nوكذلك ما رواه عبد الله بن يزيد قال: كنا مع سلمان فخرج يقضي\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (٥/ ١٧٧٤).\n(^٢) \"الأفعال\" ص (١٨٧).\n(^٣) \"المغني\" (١/ ٢٠٢)، وانظر: \"المحلى\" (١/ ٨١).\n(^٤) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ٣١٣)، و\"الصغير\" (٢/ ١٣٩)، والبيهقي (١/ ٨٨)، من طريق سعيد بن محمد بن ثواب، نا أبو عاصم، أنبأنا ابن جريج، عن سليمان بن موسى، قال الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ١٤٠): (وإسناده لا بأس به، ذكر الأثرم أن أحمد احتج به)، وقد أعل الحديث بما لا يوهنه.","vol":"1","page":336},{"text":"حاجته ثم جاء، فقلت: يا أبا عبد الله لو توضأت، لعلنا نسألك عن ايات، قال: إني لست أمسه، إنما «لا يمسه إلا المطهرون» فقرأ علينا ما شئنا (^١).\nوعن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: (كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص، فاحتككت، فقال سعد: لعلك مَسِسْتَ ذكرك؟ قال: قلت: نعم، فقال: قم فتوضأ، فقمت، فتوضأت، ثم رجعت) (^٢).\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن تحريم مس المصحف للمحدث ثابت عن الصحابة، وقال: (إنه قول سلمان الفارسي، وعبد الله بن عمر، وغيرهما، ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف) (^٣).\nومن أدلة تحريم مس المصحف على المحدث قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ *فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ *لَا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ *تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٨٠]، قالوا: لأن في الآية قرينة دالة على ذلك وهي: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والمنزل هو القران، ومعنى ﴿مَكْنُونٌ﴾: محفوظ عن التبديل والتغيير، وممن ذكر هذا الدليل ابن قدامة (^٤) والنووي (^٥) وابن القيم (^٦).\nوالظاهر أن الاستدلال بالآية على ذلك لا يتم؛ لأن المراد بالكتاب في هذه الآية - والله أعلم - الكتاب الذي بأيدي الملائكة، قال الشوكاني بعد أن ذكر الاستدلال بالآية: (وهو لا يتم إلا بعد جعل الضمير راجعًا إلى القران،\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني (١/ ١٢٤)، والبيهقي (١/ ٨٨)، والحاكم (٢/ ٤٧٧) وقال: (صحيح على شرط الشيخين)، وصححه الدارقطني، وجوده الزيلعي في \"نصب الراية\" (١/ ١٩٩) ونقل تصحيح الدارقطني له، كما نقله ابن حجر في \"الدراية\" (١/ ٨٨).\n(^٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٤٢)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٨٨، ١٣١)، وابن أبي داود في \"المصاحف\" (٢١١) واسناده صحيح، وله طرق كثيرة ذكرها ابن أبي داود في \"المصاحف\"، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ١١٤)، وابن أبي شيبة (١/ ١٨٩).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢١/ ٢٦٦، ٢٧٠، ٢٨٨).\n(^٤) \"المغني\" (١/ ٢٠٢).\n(^٥) \"المجموع\" (٢/ ٧٢).\n(^٦) \"إعلام الموقعين\" (١/ ٢٢٥).","vol":"1","page":337},{"text":"والظاهر رجوعه إلى الكتاب، وهو اللوح المحفوظ؛ لأنه الأقرب، والمطهرون: الملائكة) (^١).\nوقال أبو بكر الجصاص بعد ذكر المسألة: (إنْ حُمِلَ اللفظ على حقيقة الخبر فالأولى أن يكون المراد: القران الذي عند الله، والمطهرون: الملائكة، وإن حمل على النهي وإن كان في صورة الخبر كان عمومًا فينا، وهذا أولى، لما روي عن النبي ﷺ في أخبار متظاهرة أنه كتب في كتابه لعمرو بن حزم «ولا يمس القران إلا طاهر»، فوجب أن يكون نهيه ذلك بالآية إذ فيها احتمال له) (^٢).\nوقد رجح العلامة ابن القيم أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة، وذلك من عشرة أوجه، ومنها: أن الله قال: ﴿إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ ولم يقل: إلا المتطهرون، ولو أراد به منع المحدث من مسه لقال: إلا المتطهرون، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ وفي الحديث «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين»، فالمتطهر: فاعل التطهير، والمُطَهّر: الذي طهره غيره، فالمتوضئ: متطهر، والملائكة: مطهرون (^٣).\nوقال الإمام مالك: (أحسن ما سمعت في هذه الآية: إنما هي بمنزلة هذه الآية التي في ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾، قول الله ﵎: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ *فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ *فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ *مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ *بِأَيْدِي سَفَرَةٍ *كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (^٤) [عبس: ١١ - ١٦].\nوقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث من باب التنبيه والإشارة، وهو أنه إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القران لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر، ذكر ذلك ابن القيم (^٥) ونقل هذا المعنى ابن سعدي، وضمنه تفسير الآية (^٦).\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٤٤).\n(^٢) \"أحكام القرآن\" (٥/ ٣٠٠).\n(^٣) \"التبيان\" ص (١٦٥).\n(^٤) \"الموطأ\" (١/ ١٩٩).\n(^٥) \"التبيان \" ص (١٦٨).\n(^٦) \"تفسير ابن سعدي\" ص (٨٣٦).","vol":"1","page":338},{"text":"الوجه الخامس: الصحيح من قولي أهل العلم أنه يحرم مس المصحف سواء مس نفس الكتابة أم الجوانب أم الجلد، قال النووي: (هذا هو المذهب المختار) (^١)، وذلك لأنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"التبيان في آداب حملة القرآن\" ص (١٢٤)، وانظر: \"المجموع\" (٢/ ٦٧).","vol":"1","page":339},{"text":"<span data-type='title' id=toc-77>الذِّكر لا يشترط له الوضوء</span>\n٧٨/ ١٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلّ أَحْيَانِهِ. رَوَاهُ مُسْلمٌ، وَعَلّقَهُ الْبُخَارِيّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب «الحيض» باب «ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها» (٣٧٣) من طريق خالد بن سلمة، عن البهي، وهو عبد الله بن بشار، عن عروة، عن عائشة ﵂، هكذا موصولًا.\nوعلقه البخاري في موضعين في كتاب «الحيض» باب «تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف» (١/ ٤٠٧ فتح)، وفي كتاب «الأذان» باب «هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا» (٢/ ١١٤ فتح)، وستتضح مناسبة إيراده في هذين البابين إن شاء الله تعالى.\nوالمعلَّق: ما حذف من إسناده راوٍ واحدٌ ولو إلى اخر الإسناد، قاله الحافظ (^١).\nوللتعليق أسباب تراجع في مظانها (^٢)، وتعليقات البخاري كثيرة، بخلاف ما في صحيح مسلم فهي قليلة جدًا، كما قاله ابن الصلاح (^٣)، وحكم التعليقات أن ما كان منها بصيغة الجزم مثل: قال رسول الله ﷺ كذا، قال فلان، أو روى فلان أو ذكر فلان، فإنه يحتج بها، كما قرره أهل العلم؛ لأنه\n_________\n(^١) \"هدي الساري\" ص (١٧).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) \"علوم الحديث\" ص (٢٤).","vol":"1","page":340},{"text":"قد حكم بصحته عمن علقه عنه، وهو لا يستجيز إطلاق ذلك إلا إذا صح عنده ذلك عنه، أما ما لم يكن بصيغة الجزم مثل: رُوي عن رسول الله ﷺ كذا، أو رُوي عن فلان كذا فهذا لا يحكم بصحته، لكن إيراده له في صحيحه مشعر بصحة أصله، فيستأنس به ويركن إليه.\nوهذا الحديث من المعلقات التي لم توجد موصولة في موضع اخر عند البخاري، وقد ذكر الحافظ في المقدمة (^١): أنه علق هذا الحديث لكونه لا يلتحق بشرطه، مع أنه صحيح على شرط غيره، وذلك من أسباب التعليق عند البخاري.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كان رسول الله ﷺ يذكر الله) صيغة المضارع بعد لفظة (كان) تدل على كثرة التكرار والمداومة على ذلك الفعل، ما لم يوجد قرينة، وقد تقدم ذلك.\n\nقوله: (يذكر الله) المراد بذكر الله: كل ما يذكّر بالله تعالى، من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار وتلاوة القران، فالذكر أعم من أن يكون بالقران أو بغيره، وإنما فرق بين الذكر والتلاوة بالعرف.\n\nقوله: (على كل أحيانه) (على) للظرفية بمعنى (في) (^٢) أي: في كل أوقاته، كقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] على أحد القولين، والأحيان: جمع (حين) وهو الزمان قلّ أو كثر، وهذا من العام الذي أريد به الخاص أي: معظم أحيانه، كما سيأتي.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن ذكر الله تعالى لا تشترط له الطهارة، بل يجوز ذكر الله تعالى على كل حال من الأحوال؛ لأن عموم\n_________\n(^١) \"هدي الساري\" ص (١٧).\n(^٢) بناءً على القول بأن الحروف يقوم بعضها مقام بعض، وهي مسألة خلافية، محلها كتب النحو، باب \"حروف الجر\".","vol":"1","page":341},{"text":"الأحيان يستلزم عموم الأحوال، سواء أكان طاهرًا أم محدثًا أم جنبًا، وذلك بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وقراءة القران ونحو ذلك من الأذكار.\nوهذا غرض المصنف من إيراد الحديث في هذا الباب، وهو بيان أن نواقض الوضوء غير مانعة من ذكر الله تعالى، فإن الحدث الأصغر من جملة الأحيان المذكورة.\nوقد أخبر ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لما قام الليل قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة ال عمران قبل أن يتوضأ (^١)، وبوّب عليه البخاري بقوله: (باب قراءة القران بعد الحدث وغيره) (^٢).\n\nالوجه الرابع: ليس هذا الحديث على عمومه، بل خصص منه ما يلي:\n١ - تلاوة القران حال الجنابة، لحديث علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقرئنا القران ما لم يكن جنبًا، وسيأتي إن شاء الله، قال الحافظ ابن رجب: (فيه دليل على أن الذكر لا يمنع منه حدث ولا جنابة، وليس فيه دليل على جواز قراءة القران للجنب؛ لأن ذكر الله تعالى إذا أطلق لا يراد به القران) (^٣) وسيأتي الكلام على هذه المسألة في باب «الغسل» إن شاء الله.\n٢ - الذكر حال البول والغائط والجماع، فإنها من جملة الأحيان المذكورة مع أنه يكره الذكر باللسان في هذه الأحوال، كما نص عليه النووي وغيره (^٤)، وعلى هذا فيكون المراد بكل أحيانه: معظمها، كحال الطهارة والحدث والقيام والقعود، ونحو ذلك.\nوهذا إن حمل الذكر في الحديث على الذكر باللسان، فإن حمل على الذكر بالقلب بقي العموم على حاله، فلا يستثنى منه شيء؛ لأنه ﷺ كان دائم التفكر لا يفتر عن الذكر القلبي لا في يقظة ولا نوم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في آخر الكلام على حديث (٦٧).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٨٦).\n(^٣) \"شرح البخاري\" (٢/ ٤٥).\n(^٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٣٠٨).","vol":"1","page":342},{"text":"الوجه الخامس: ورد عن المهاجر بن منقذ ﵁ أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه، فلم يردّ عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: «إني كرهت أن أذكر الله - تعالى ذكره - إلا على طُهْرٍ»، أو قال: «على طهارة») (^١).\nفهذا الحديث دل على كراهة ذكر الله تعالى حال قضاء الحاجة، وعلى أنه ينبغي لمن سُلّم عليه في حال قضاء الحاجة ألاَّ يرد السلام، بل ينتظر حتى يقضي حاجته، ثم إذا أراد الرد فالأفضل أن يؤخره حتى يتطهر.\nوعن ابن عمر ﵄ أن رجلًا مَرَّ ورسول الله ﷺ يبول فسلم فلم يرد عليه (^٢).\nوعن أبي الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري قال: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جَمَل فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يردّ رسول الله ﷺ عليه حتى أقبل على الجدار فمسح وجهه ويديه، ثم رد ﵇ (^٣).\nوهذه الأحاديث تدل على أن ذكر الله تعالى على طهارة أفضل، وعموم حديث الباب يدل على جواز ذلك بلا طهارة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٧)، والنسائي (١/ ٣٦)، وابن ماجه (٣٥٠) وهو حديث صحيح، له طرق وشواهد، ذكرها الحافظ في \"نتائج الأفكار\" (١/ ٢٠٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٧٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٣٧)، ومسلم (٣٦٩).","vol":"1","page":343},{"text":"<span data-type='title' id=toc-78>خروج الدم من غير السبيلين لا ينقض الوضوء</span>\n٧٩/ ١٣ - عَنْ أَنَس بْنِ مَالكٍ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَصَلّى، وَلمْ يَتَوَضَّأْ. أَخْرَجهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلَيَّنَهُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الدارقطني (١/ ١٥١)، ومن طريقه البيهقي في «السنن» (١/ ١٤١)، وفي «الخلافيات» (٢/ ٣١٨) من طريق صالح بن مقاتل، ثنا أبي، ثنا سليمان بن داود أبو أيوب، عن حميد، عن أنس به.\nوذكر الحافظ أن الدارقطني لَيّنَهُ، أي: ليّن إسناده، للكلام في بعض رواته، والليّن: بفتح اللام وكسر الياء المشددة، هو: الراوي المجروح في حفظه جرحًا لا يخرجه عن دائرة الاعتبار بحديثه، ولا يتعدى إلى عدالته، قال الدارقطني: (إذا قلت: لين، لا يكون ساقطًا متروك الحديث، ولكن مجروحًا بشيء لا يسقط به العدالة) (^١)، وتقدم ذلك.\nوالظاهر أن الحافظ عَنَى بذلك قول الدارقطني: (صالح بن مقاتل ليس بالقوي)، وهذه العبارة نقلها ابن عبد الهادي والزيلعي كما سيأتي، وهي لا توجد في «سنن الدارقطني» المطبوعة، بل لم يرد له أيُّ كلام على هذا الحديث بعد إيراده، وقد وجدت في كتاب «تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني» للحافظ الغساني المتوفى سنة (٦٨٢ هـ) وهو ينقل في كتابه كلام الدارقطني، قوله: (سليمان بن داود ليس بالقوي)، وكذا في كتاب المقدسي (من تكلم فيه الدارقطني\n_________\n(^١) نقله \"في الرفع والتكميل\" ص (١٨٣).","vol":"1","page":344},{"text":"في كتاب «السنن» …) وهذا يدل على أن كتاب السنن فيه سقط، أو أن هذا من اختلاف النسخ واختلاف رواتها، أو أنه في غير السنن، فالله تعالى أعلم.\nوهذا حديث ضعيف جدًا، قال ابن عبد الهادي: (حديث أنس لا يثبت، وسليمان بن داود مجهول، وصالح بن مقاتل ليس بالقوي، قاله الدارقطني، وأبوه غير معروف) (^١).\nوقال الزيلعي: (قال الدارقطني عن صالح بن مقاتل: ليس بالقوي، وأبوه غير معروف، وسليمان بن داود مجهول) (^٢)، وليس في «سنن الدارقطني» المطبوع شيء من هذا، كما تقدم.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (احتجم) أي: أخرج الدم بالمحجم: بكسر الميم، وهي الآلة التي يُحجم بها، أي: يُمصُّ الدم بها، والآلة التي يجمع فيها دم الحجامة.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الحجامة لا تنقض الوضوء، بل تجوز الصلاة بعدها، والحديث وإن كان فيه ضعف لكنه يعتضد بالأصل، وهو سلامة الطهارة، ولا يُرفع الأصل إلا بدليل شرعي يدل على ناقض متيقن، ويلحق بذلك كل دم خارج من الجسم من غير السبيلين، كالرُّعاف ودم السن والجرح، وما أشبه ذلك سواء أكان قليلًا أم كثيرًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد تنازع العلماء في خروج النجاسة من غير السبيلين، كالجرح والفِصَاد والحجامة والرعاف والقيء فمذهب مالك والشافعي: لا ينقض الوضوء، ومذهب أبي حنيفة وأحمد: ينقض، لكن أحمد يقول: إذا كان كثيرًا .. ثم قال: والأظهر في جميع هذه الأنواع: أنها لا تنقض الوضوء، ولكن يستحب الوضوء منها، فمن صلى ولم يتوضأ منها صحت صلاته، ومن توضأ منها فهو أفضل ..) (^٣).\nوأما نجاسة الدم فقد تقدم الكلام عليها في باب «إزالة النجاسة» عند الحديث «الثلاثين»، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تنقيح التحقيق\" (١/ ٤٧٨).\n(^٢) \"نصب الراية\" (١/ ٤٣).\n(^٣) \"مجموع الفتاوى\" (٢١/ ٢٢٢).","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type='title' id=toc-79>ما جاء في أن النوم مظنة نقض الوضوء</span>\n٨٠/ ١٤ - عَنْ مُعَاويةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْعَيْنُ وِكاءُ السّهِ، فَإذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكاءُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطّبَرَانِيّ وَزَادَ: «وَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضّأْ»، وَهذِهِ الزّيَادَةُ في هذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَليّ دُونَ قَوْلِهِ: «اسْتَطلَقَ الْوِكاءُ»، وَفِي كِلَا الإسْنَادَيْنِ ضَعْفٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان، واسم أبي سفيان: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، ولد معاوية ﵁ قبل البعثة بخمس سنين على الأشهر، وكان هو وأبوه من مسلمة الفتح، ثم من المؤلفة قلوبهم، وقيل: إنه أسلم قبل أبيه وقت عمرة القضاء، وبقي يخاف من اللحاق بالنبي ﷺ من أبيه، قيل: إنه ممن كتب الوحي للنبي ﷺ، وقال الذهبي: إنما كتب كتبًا للنبي ﷺ فيما بينه وبين العرب، وقد ورد في حديث ابن أبي مليكة أن ابن عباس قيل له: هل لك في أمير المؤمنين معاوية، فإنه ما أوتر إلا بواحدة، فقال: (إنه فقيه) (^١)، والمعنى: أنه ما فعل ذلك إلا بمستند.\nتولى الشام بعد أخيه يزيد في زمن عمر ﵁، ولم يزل بها إلى أن مات، وذلك أربعون سنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (لم يكن من ملوك المسلمين مَلِكٌ خير من معاوية، ولا كان الناس في زمان مَلِكٍ من الملوك خيرًا منهم في زمان معاوية، إذا نُسبت أيامه إلى أيام من بعده، وأما إذا نسبت إلى أيام أبي بكر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧/ ١٠٣ فتح).","vol":"1","page":346},{"text":"وعمر ظهر التفاضل) (^١)، مات في رجب سنة ستين في دمشق، ﵁ (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أحمد (٢٨/ ٩٢)، والطبراني في «الكبير» (١٩/ ٣٧٢) رقم (٨٧٥) بالزيادة المذكورة، كلاهما من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس الكلابي، عن معاوية ﵁، به.\nوهذا إسناد ضعيف، لضعف أبي بكر بن أبي مريم، واسمه بكير، وقيل: عبد السلام، قال في «التقريب»: (ضعيف، وكان قد سُرِقَ بيته، فاختلط).\nوهذه الزيادة: (فمن نام فليتوضأ) وردت في حديث علي ﵁ عند أبي داود (٢٠٣) في كتاب «الطهارة» باب «الوضوء من النوم»، وأحمد (٢/ ٢٢٧) من طريق بقية بن الوليد، عن الوضين بن عطاء، عن محفوظ بن علقمة، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «وكاءُ السّهِ العينان، فمن نام فليتوضأ».\nوهذا إسناد ضعيف كما قال الحافظ، بقية بن الوليد مدلس، يدلس تدليس التسوية وهو أشد أنواعه، فيشترط من مثله التصريح بالسماع في جميع طبقات السند، والوضين بن عطاء مختلف فيه، قال عنه في «التقريب»: (صدوق سيئ الحفظ)، وعبد الرحمن بن عائذ حديثه عن عليٍّ مرسل.\nقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذين الحديثين، فقال: (ليسا بقويين) (^٣)، ونقل ابن عبد الهادي، والحافظ ابن حجر عن الإمام أحمد قوله: (حديث علي أثبت من حديث معاوية في هذا الباب) (^٤)، فهذا الحديث أُعِلّ بثلاث علل، كما تقدم.\nأما تدليس بقية فقد صرح بالتحديث عند أحمد وغيره، لكن تدليسه تدليس تسوية، فلا بد أن يصرح من فوقه بالتحديث أيضًا.\n_________\n(^١) \"منهاج السنة\" (٦/ ٢٣٢).\n(^٢) انظر في ترجمته: \"الاستيعاب\" (١٠/ ١٣٤)، \"الإصابة\" (٩/ ٢٣١).\n(^٣) \"العلل\" (١/ ٤٧).\n(^٤) \"تنقيح التحقيق\" (١/ ٤٣٤).","vol":"1","page":347},{"text":"أما الوضين فقال عنه أحمد: (ما كان به بأس)، بل ورد عنه توثيقه، وكذا وثقه ابن معين في رواية، وقال عنه في رواية أخرى: (لا بأس به)، وقال أبو داود السجستاني عنه في «سؤالات أبي عبيد الآجري»: (صالح الحديث) (^١)، ووثقه ابن شاهين (^٢) وقال أبو حاتم (^٣): «تعرف وتنكر» (^٤)، ورجل هذه حاله لا ينزل حديثه عن مرتبة الحسن.\nوأما الانقطاع، وهو أن ابن عائذ لم يسمع من عليّ، فقد ذكره أبو زرعة (^٥)، وكذا قال أبو حاتم (^٦)، ونقله أيضًا ابن الملقن عن عبد الحق، وابن القطان، وصاحب الإمام، ثم قال: (وحسنه ابن الصلاح والنووي والزكي) أي: المنذري، وقال: (أما ابن السكن فذكرهما - أي حديث علي هذا وحديث معاوية الذي قبله - في سننه الصحاح المأثورة) (^٧).\nوقد رد الحافظ ابن حجر علة الانقطاع، فقال متعقبًا أبا زرعة: (وفي هذا النفي نظر؛ لأنه يروي عن عمر، كما جزم به البخاري) (^٨).\nوالحديث حسنه الألباني (^٩)، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (إن هذين الحديثين يشدُّ أحدهما الآخر).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (العين) أراد الجنس، والمراد: العينان من كل إنسان، ويراد هنا: اليقظة.\n\nقوله: (وكاء) الوكاء: بكسر الواو: الخيط الذي تشد به الصرة أو الكيس أو القربة.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ١٠٦).\n(^٢) \"الثقات\" (١٥١٧).\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" (٩/ ٢١٣).\n(^٤) معناها: أنه يأتي مرة بالأحاديث المعروفة، ومرة بالأحاديث المنكرة، فأحاديثه تحتاج إلى سبر وعرض على أحاديث الثقات المعروفين.\n(^٥) \"العلل\" (١/ ٤٧)، \"المراسيل\" (١٢٤).\n(^٦) \"الجرح والتعديل\" (٥/ ٢٧٠).\n(^٧) \"خلاصة البدر المنير\" (١/ ٥٢).\n(^٨) \"التلخيص\" (١/ ١٢٧).\n(^٩) \"إرواء الغليل\" (١/ ١٤٨)، \"تمام المنة\" ص (١٠٠).","vol":"1","page":348},{"text":"قوله: (السّهِ) بفتح السين: حلقة الدبر، وهذا من باب التشبيه، والمعنى: أن اليقظة تحفظ الدبر وتمنع من خروج الخارج منه وهو الريح، كما يحفظ الوكاءُ الماءَ في السقاء ويمنع خروجه.\n\nالوجه الرابع: الحديثان يدلان على أن النوم ليس ناقضًا بنفسه، وإنما هو مظنة للنقض، وذلك إذا كان الإنسان في حالة لا يملك نفسه، فلا يشعر بما يخرج منه، فإذا كان كذلك فليتوضأ لأنه نام، أما إذا كان الإنسان يقظًا فإنه يتحفظ ويعرف ما يخرج منه، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type='title' id=toc-80>ما جاء في أن نوم المضطجع ينقض الوضوء</span>\n٨١/ ١٥ - وَلأبِي دَاوُدَ أَيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبّاس مَرْفُوعًا: «إنّما الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا». وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ أَيْضًا.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (٢٠٢) في «الطهارة»، باب «الوضوء من النوم» من طريق أبي خالد الدالاني، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يسجد وينام وينفخ، ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ، قال: فقلت له: صليت ولم تتوضأ وقد نمت؟ فقال: «إنما الوضوء على من نام مضطجعًا».\nقال أبو داود: قوله: «الوضوء على من نام مضطجعًا» هو حديث منكر، لم يروه إلا يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة، وروى أوله جماعة عن ابن عباس ﵄، ولم يذكروا من هذا شيئًا.\nوقد كادت تتفق كلمة الأئمة على ضعف هذا الحديث، قال النووي: (حديث ضعيف، باتفاق أهل الحديث، وممن صرح بضعفه من المتقدمين: أحمد بن حنبل، والبخاري، وأبو داود، قال أبو داود وإبراهيم الحربي: (هو حديث منكر)، ونقل إمام الحرمين في كتابه «الأساليب» إجماع أهل الحديث على ضعفه، وهو كما قال، والضعف عليه بين) (^١).\nقال أبو داود: (وذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل فانتهرني\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٢/ ٢٠).","vol":"1","page":350},{"text":"استعظامًا له، وقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة؟ ولم يعبأ بالحديث) (^١).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن النوم حال وضع الجَنْبِ على الأرض ناقض للوضوء، وخصّ النقض بنوم المضطجع لأنه الأغلب؛ لأن الغالب أنه لا يستغرق أحد في نومه إلا وهو مضطجع، وهذا على فرض صحة الحديث، وإلا فهو ضعيف سندًا ومتنًا، أما سندًا فتقدم، وأما متنًا فإن معناه لا يصح لا طردًا ولا عكسًا؛ لأنه يدل طردًا على أن كل من نام مضطجعًا وجب عليه الوضوء، سواء أكان كثيرًا مستغرقًا لا يحس بنفسه إذا أحدث، أم قليلًا يحس معه إذا أحدث، ويدل عكسًا على أن كل من نام غير مضطجع فإنه لا ينتقض وضوؤه، وكلا المعنيين غير صحيح، أما الأول فتقدم بيانه عند شرح حديث أنس ﵁ أول أحاديث الباب، وهو أنه لا ينقض إلا المستغرق، أما غير المستغرق فلا ينقض على أيّ حال كان النائم، وأما الثاني فإن النائم إذا كان مستغرقًا انتقض وضوؤه ولو كان غير مضطجع، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (١/ ٥٢).","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type='title' id=toc-81>ما جاء في تشكيك الشيطان ابن آدم في طهارته</span>\n٨٢/ ١٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاس ﵄ أنّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «يَأتِي أَحَدَكُمُ الشّيْطَانُ في صَلَاتِهِ، فَيَنْفُخُ في مَقْعَدَتِهِ فيُخَيّلُ إلَيْه أَنّهُ أَحْدَثَ، وَلَمْ يُحْدِثْ، فَإذَا وَجَدَ ذلِكَ فَلَا يَنْصَرِفْ حَتّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». أَخْرَجَهُ الْبَزّارُ.\n٨٣/ ١٧ - وَأَصْلُهُ في الصّحِيحَينِ مِنْ حَدِيث عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ.\n٨٤/ ١٨ - وَلِمُسْلمٍ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ.\n٨٥/ ١٩ - ولِلْحَاكِم: عَنْ أَبي سَعيدٍ مَرْفُوعًا: «إذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الشّيْطَانُ، فَقَالَ: إنّكَ أَحْدَثْتَ، فَلْيَقُلْ: كَذَبْتَ»، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حبّانَ بِلَفْظِ: «فَلْيقلْ فِي نَفْسِهِ».\nكان الأولى بالمصنف أن يضم هذه الأحاديث الثلاثة إلى حديث أبي هريرة خامس أحاديث الباب - وقد أشار إليه هاهنا ـ؛ لأن موضوعها واحد، وهو حكم الشك في الطهارة، وهذه فيها زيادة فوائد نذكرها - إن شاء الله ـ.\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه البزار (١٧١ مختصر زوائده) من طريق إسماعيل بن صَبيح، ثنا أبو أويس، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، به مرفوعًا.\nوقال: (لا نعلمه بهذا اللفظ إلا من طريق ابن عباس ﵄، وروي معناه من طريق غيره).","vol":"1","page":352},{"text":"وهذا إسناد حسن، إسماعيل بن صبيح: صدوق، وأبو أويس: صدوق يهم، وقد تابعه الدراوردي عند البيهقي (٢/ ٢٥٤).\nوالحديث أصله في الصحيحين: في البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١) من حديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا».\nوفي صحيح مسلم (٣٦٢) من حديث أبي هريرة ﵁، وتقدم في أول هذا الباب، وهو الحديث الخامس.\nوأما حديث أبي سعيد فقد أخرجه الحاكم (١/ ١٣٤)، وابن حبان (٦/ ٣٨٩) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عياض بن هلال، عن أبي سعيد الخدري ﵁، وأول الحديث: «إذا صلى أحدكم فلم يدر ثلاثًا صلى أم أربعًا فليسجد سجدتين وهو جالس، وإذا أتى …»، وتمام الحديث عندهما: «حتى يسمع صوتًا بأذنه أو يجد ريحًا بأنفه»، ورجاله ثقات رجال الشيخين، غير عياض بن هلال، فإنه لم يوثقه إلا ابن حبان (^١)، ولم يرو عنه إلا يحيى بن أبي كثير، قال في «التقريب»: (عياض بن هلال، وقيل: ابن أبي زهير الأنصاري، وقال بعضهم: هلال بن عياض، وهو مرجوح، مجهول من الثالثة، تفرد يحيى بن أبي كثير بالرواية عنه).\nوقد أخرجه أبو داود (١٠٢٩)، والترمذي (٣٩٦) من طريق إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، بهذا الإسناد، وحسنه الترمذي.\nولعله من الحسن لغيره، لا لذاته، من أجل عياض هذا، لكن تابعه عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، عند مسلم - وسيأتي في باب «سجود السهو» إن شاء الله ـ، لكن ليس فيه الجملة المذكورة هنا (وإذا أتى ..) فهي مما انفرد به عياض بن هلال، والغرض من إيراد لفظ ابن حبان أنه أفاد أنه يقول: «كذبت» في نفسه ولا يتكلم.\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٥/ ٢٦٥).","vol":"1","page":353},{"text":"الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الشيطان) أي: جنس الشيطان.\n\nقوله: (في صلاته) أي: حال كونه فيها.\n\nقوله: (فينفخ) بضم العين من المضارع، من باب «قتل» يقال: نفخ بفمه نفخًا: أخرج منه الريح.\n\nقوله: (في مقعدته) بفتح الميم، وهي السافلة من الشخص.\n\nقوله: (فيخيل إليه) يحتمل أنه مبني للمعلوم، والفاعل ضمير مستتر يعود على الشيطان، أي: إن الشيطان هو الذي يخيل للمصلي أنه أحدث، أي: يوقع في خياله، أي: في وهمه وظنه، ويحتمل أنه مبني للمجهول، ونائب الفاعل قوله: (أنه أحدث).\n\nالوجه الثالث: حديث ابن عباس وما بعده يفيد ما سبقت إليه الإشارة عند الحديث الخامس من هذا الباب من أن المتطهر إذا شك في وضوئه هل انتقض أو لا؟ فإن وضوءه باقٍ، ويصلي بطهارته تلك ولا يجب عليه الوضوء حتى يتيقن أنه أحدث إما بسماع صوت أو شَمِّ ريح.\n\nالوجه الرابع: شدة عداوة الشيطان للإنسان، وذلك بإفساد عبادته، ولا سيما الصلاة وما يتعلق بها، وإيقاعه في الشكوك والأوهام حتى تفسد طهارته، وتبطل صلاته، تارة بالفعل (فينفخ في مقعدته)، وتارة بالقول بالوسوسة: (إنك أحدثت).\nوقد أخبر الله تعالى بعداوة الشيطان، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].\n\nالوجه الخامس: في هذه الأحاديث بيان لعلاج الوسواس، فلا ينبغي للمسلم أن يستسلم لوساوس الشيطان ولا يلتفت إليها، فلا ينصرف حتى يتحقق انتقاض طهارته.\nوالوسواس داء عضال، إذا اشتد بصاحبه لا ينفك عنه ويصعب الخروج منه، فيقع في الحرج والمشقة في طهارته وصلاته وأحواله كلها، ومتى غفل عن","vol":"1","page":354},{"text":"الوساوس وتركها فإنها تزول بإذن الله تعالى، ولهذا أرشد النبي ﷺ إلى عدم الاستسلام لها بقوله: «فليقل: كذبت».\n\nالوجه السادس: في هذه الأحاديث زيادة على حديث أبي هريرة المتقدم ومن ذلك:\n١ - التصريح بأن هذه الشكوك في الطهارة من الشيطان.\n٢ - أنه بيّن محل هذه الشكوك وأنه مقعدة الإنسان.\n٣ - أنه بيّن طريقة الخروج من هذه الأوهام وهو تكذيب الشيطان، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type='title' id=toc-82>باب قضاء الحاجة</span>\nوفي بعض نسخ «البلوغ»: باب «اداب قضاء الحاجة»، وهي أكمل وأدل على المراد.\nوالآداب: جمع أدب، كاجال وأجل، قال أبو زيد الأنصاري: (الأدب يقع على كل رياضة محمودة، يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل) (^١).\nوالحاجة: كناية عن البول والغائط، وهو مأخوذ من قوله ﷺ: «إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها» (^٢).\nوبعضهم يعبر عنه بباب «الاستطابة» وهو طلب الطيب، والمراد بها هنا: تطهير القبل والدبر من أثر البول أو الغائط بحجر أو ماء؛ لأنه طيب المحل من الخبث الطارئ عليه.\nوالمراد باداب قضاء الحاجة: ما يشرع للمسلم اتباعه من الأقوال والأفعال التي تناسب تلك الحال.\nومجيء الإسلام بهذه الآداب دليل بيّن على كمال هذه الشريعة، ورعايتها لمصالح العباد، واستيعابها لجميع الآداب النافعة، سواء في أمور العبادات أو المعاملات أو الآداب أو الأخلاق، فما من شيء ينفع الناس ويقربهم إلى الله تعالى إلا بينته ورغبت فيه، وما من شيء يضرهم أو يعرّضهم لسخط الله إلا بينته وحذرت منه، وقد ورد في حديث سلمان ﵁\n_________\n(^١) \"توضيح الأحكام\" (١/ ٢٩٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦٥) من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"1","page":356},{"text":"أن المشركين قالوا له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخِراءَة (^١)؟ فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم (^٢).\n_________\n(^١) بكسر الخاء ومد الألف: آداب التخلي والفعود عند الحاجة، قاله الخطابي في \"معالم السنن\" (١/ ١٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦٢)، وسيأتي شرحه -إن شاء الله تعالى- في موضعه.","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type='title' id=toc-83>كراهة دخول الخلاء بما فيه ذكر الله تعالى</span>\n٨٦/ ١ - عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا دَخَلَ الْخَلاْءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ. أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ، وَهُوَ مَعْلولٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (١٩) في كتاب «الطهارة» باب «الخاتم يكون فيه ذكر الله يدخل به الخلاء»، والترمذي (١٧٤٦)، والنسائي (١/ ١٧٨)، وابن ماجه (٣٠٣)، من طريق همام، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس ﵁.\nوقد أعلّه جماعة من الحفاظ منهم أبو داود في «سننه» بعد سياقه بعلتين:\nالأولى: ترك الواسطة بين ابن جريج والزهري، فقد قيل: إن ابن جريج لم يسمع من الزهري، وإنما رواه عن زياد بن سعد.\nالثانية: قلب المتن باخر، وأن الصواب: عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من ورق (^١)، ثم ألقاه، فوهم همام بن يحيى، ورواه عن الزهري، وترك زياد بن سعد، وأتى بهذا اللفظ: (كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)، وقد نقل البيهقي (١/ ٩٥) كلام أبي داود في «سننه» وأقره، وقال: (هذا هو المشهور عن ابن جريج، دون\n_________\n(^١) هكذا قال: (من ورق) وقد غلَّط جميع أهل الحديث الزهري في هذا اللفظ، وقالوا: إن المعروف أن المطروح خاتم الذهب، كما في حديث ابن عمر. \"المنهل العذب المورود\" (١/ ٧٧).","vol":"1","page":358},{"text":"حديث همام) وقال النسائي كما في «السنن الكبرى» (٨/ ٣٨٤): (هذا الحديث غير محفوظ) ونقل الحافظ عن الدارقطني أنه قال بشذوذه (^١) وضعفه النووي وعزا تضعيفه إلى الجمهور (^٢).\nوقال اخرون: ليس فيه وهم، بل هذا حديث وهذا حديث، فهما مختلفان سندًا ومتنًا، فحديث الباب رواه ابن جريج عن الزهري بلا واسطة، والثاني بواسطة.\nوكونُ ذِهْنِ همام انتقل من الحديث الثاني إلى الأول مع اختلافهما سندًا ومتنًا مردود؛ لأن ذلك لا يكون إلا عن غفلة شديدة لا يحتملها حال همام، فإن همامًا حافظ كبير ثقة، يفهم هذا من هذا، فلا مانع أن يكون عنده الحديثان (^٣)، وقد مال إلى ذلك ابن حبان، فذكر كلا الحديثين في «صحيحه»؛ الأول في (٤/ ٢٦٠) والثاني في (١٢/ ٣٠٤)، ومن هؤلاء - أيضًا - المنذري (^٤) فإنه نقل تحسين الترمذي لهذا الحديث، ونقل كلام العلماء في همام، ثم قال: (وإذا كان حال همام كذلك فيترجح ما قاله الترمذي ..).\nومن هؤلاء صاحب «المنهل العذب المورود» فإنه دافع عن الحديث وقال: (إن دعوى غلط همام وتفرده غير مسلمة) (^٥).\nقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (هذا أقرب وأولى، إذ توهيم الثقات وتغليطهم يحتاج إلى دليل).\nوقد تابع همامًا على لفظ حديث الباب يحيى بن المتوكل البصري، عن ابن جريج، عن الزهري، أخرجه البيهقي (١/ ٩٥)، والبغوي في «شرح السنة» (١٨٩) قال في «التقريب» عن يحيى بن المتوكل: (صدوق يخطئ) وتابعه يحيى بن الضُّريس البجلي، عن ابن جريج، عن الزهري، كما ذكره الدارقطني في «العلل»، وابن الضريس قال عنه في «التقريب»: (صدوق) (^٦)، لكن يلاحظ\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (١/ ١١٨).\n(^٢) \"الخلاصة\" (١/ ١٥١).\n(^٣) انظر: \"الجوهر النقي\" (١/ ٩٥).\n(^٤) \"مختصر سنن أبي داود\" (١/ ٢٦).\n(^٥) \"المنهل العذب المورود\" (١/ ٧٧).\n(^٦) انظر: \"الجوهر النقي\" (١/ ٩٥).","vol":"1","page":359},{"text":"في هاتين المتابعتين أنهما ليستا من أصحاب ابن جريج الكبار، خاصة مع كلام الأئمة وأن همامًا انفرد به، وانفراد البيهقي - وهو من أهل القرن الخامس - بإخراجها مظنة الخطأ في الرواية، والله أعلم.\nوفي الحديث علة أخرى وهي عنعنة ابن جريج وهو مدلس، وقد نقل الحافظ عن قريش بن أنس عن ابن جريج: (لم أسمع من الزهري شيئًا، إنما أعطاني جزءًا فكتبته، وأجازه لي) (^١). قال الذهبي: (وكان ابن جريج يرى الرواية بالإجازة وبالمناولة، ويتوسع في ذلك، ومن ثم دخل عليه الداخل في رواياته عن الزهري؛ لأنه حمل عنه مناولة، وهذه الأشياء يدخلها التصحيف، ولا سيما في ذلك العصر، لم يكن حَدَثَ في الخط بعدُ شَكْلٌ ولا نقط) (^٢)، ولذا قال ابن معين فيما نقله عنه الحافظ: (ابن جريج ليس بشيء في الزهري) (^٣).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا دخل الخلاء) أي: أراد دخول الخلاء، والخلاء بالمد: المكان الخالي، نُقِلَ إلى البناء المعد لقضاء الحاجة عرفًا، ويسمى أيضًا المرفق، والكنيف، والمرحاض، وقد ورد لفظ (الكنيف) في حديث أنس، وسيأتي في شرح الحديث «الثاني» إن شاء الله.\n\nقوله: (وضع خاتمه) أي: ألقاه، يقال: وضع الشيء من يده يضعه وضعًا، إذا ألقاه.\nوكان ﷺ يضع خاتمه وقتئذٍ صيانةً لاسم الله تعالى عن محل القاذورات، وقد ورد عن أنس ﵁ قال: كان نقش خاتم النبي ﷺ ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر (^٤).\nوعنه أيضًا ﵁ قال: كان خاتم النبي ﷺ في يده، وفي يد أبي بكر\n_________\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ٣٣٢)، \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٣٦٠).\n(^٢) \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ٣٣١).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٣٥٦).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٨٧٨)، ومسلم (٢٠٩٢).","vol":"1","page":360},{"text":"بعده، وفي يد عمر بعد أبي بكر، فلما كان عثمان جلس على بئر أريس، قال: فأخرج الخاتم فجعل يعبث به، فسقط، قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان فننزح البئر، فلم نجده (^١).\n\nالوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال بكراهة دخول الخلاء بما فيه ذكر الله تعالى، واستحباب تنحيته، ولم يرد في ذلك إلا الفعل المجرد، فلا يدل على الوجوب، وإنما على الاستحباب، وهذا على فرض ثبوت الحديث.\nوالقول بالكراهية هو المشهور عند العلماء، ومنهم الحنابلة، وهي رواية عن أحمد، نص عليها في رواية إسحاق (^٢)، لكن نقل ابن مفلح عن الإمام أحمد أنه لا يكره (^٣)، وذكرها ابن رجب، ونسب ذلك إلى كثير من السلف (^٤)، قال ابن مفلح: (وعنه: لا يكره دخول الخلاء بذلك، ولا كراهة هنا، ولم أجد للكراهة دليلًا سوى هذا، وهي تفتقر إلى دليل، والأصل عدمه) (^٥) وذكر في «نُكته على المحرر» عن بعض الحنابلة أن إزالة ذلك أفضل، (قال: وهذا قول ثالث، ولعله أقرب). اهـ (^٦)، وعلى هذا فلا يلزم من ترك الأفضل الوقوع في المكروه، والله أعلم.\nوإن كان فيه شيء من القران فهو أشد، وحكم بعضهم بالتحريم، لحرمة كلام الله تعالى، قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧]، وقال تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، ودخول الخلاء فيه نوع من الإهانة.\nوهذا إن تيسر، فإن خاف على ما معه أن يسرق أو تطير به الرياح أو ينساه فلا كراهة؛ لأن من الناس من يغلب عليه النسيان، فيضعه في مكان، ثم ينساه، وكذا المصحف إن خاف أن يسرق دخل به، والأحوط ألا يدخل به مطلقًا، بل يعطيه من يحفظه له حتى يخرج، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٨٧٩)، وأخرجه مسلم من حديث ابن عمر -﵄- (٢٠٩١) (٥٤).\n(^٢) \"مسائل الإمام أحمد\" رواية إسحاق بن إبراهيم النيسابوري ص (٥).\n(^٣) \"النكت على المحرر\" (١/ ٨).\n(^٤) \"أحكام الخواتم\" ص (١٧٢).\n(^٥) \"الفروع\"، في كتاب \"الزكاة\" (٢/ ٤٧٣).\n(^٦) \"النكت على المحرر\" (١/ ٨).","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type='title' id=toc-84>ما يقال عند دخول الخلاء</span>\n٨٧/ ٢ - وَعَنْهُ قَالَ: كَان رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ». أَخْرَجَهُ السّبْعَةُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» باب «ما يقول عند الخلاء» (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (١/ ٢٠)، وابن ماجه (٢٩٦)، وأحمد (١٩/ ١٣)، كلهم من طريق عبد العزيز بن صهيب قال: (سمعت أنسًا يقول …) وذكره.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا دخل) أي: إذا أراد الدخول، وهذا إن كان المكان معدًا لذلك كما في البيوت الآن، فإن كان في الصحراء - مثلًا - قال ذلك عند الشروع في تشمير ثيابه.\nوقد ورد عند البخاري تعليقًا عن سعيد بن زيد: حدثنا عبد العزيز (إذا أراد أن يدخل) وذكر الحافظ أن البخاري وصلها في «الأدب المفرد» (^١)، قال: حدثنا أبو النعمان، حدثنا سعيد بن زيد، حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: حدثني أنس قال: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء (^٢) … فأفاد ذلك بيان أنه يقول هذا الدعاء قبل الدخول لا بعده.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٤٤).\n(^٢) \"الأدب المفرد\" رقم (٦٩٢).","vol":"1","page":362},{"text":"قوله: (اللهم) أي: يا الله، فحذف حرف النداء، وعوض عنها الميم للبدء باسم الله تعالى ولكثرة الاستعمال.\n\nقوله: (أعوذ بك) أي: أعتصم بك، وهي جملة خبرية لفظًا، إنشائية معنى؛ لأنها بمعنى الدعاء، فكأنه يقول: اللهم أعذني.\n\nقوله: (من الخُبُثِ) بضم المعجمة والموحدة: جمع خبيث مثل: قضيب وقُضُب، وسرير وسُرُر، وهم ذكران الشياطين، والخبائث: جمع خبيثة، كصحيفة وصحائف، وهن إناث الشياطين، فكأنه استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم، وقيل: الخُبْث: بإسكان الباء: الشر، والخبائث: الذوات الشريرة، فكأنه استعاذ من الشر وأهله.\nوقد ذكر الخطابي: أن الصواب ضم الباء، وأن عامة أصحاب الحديث يقولون: الخُبْث: ساكنة الباء، وهذا غلط (^١)، والصواب جواز الوجهين كما يجوز في نظائره؛ لأن الإسكان على سبيل التخفيف جائز كما هو مقرّر عند أئمة التصريف، مثل: رُسُل ورُسْل، وكُتُب وكُتْب، ونحو ذلك، ونقل النووي عن جماعة من أهل المعرفة أن الباء ساكنة، منهم أبو عبيد القاسم بن سلاَّم (^٢) وقال القرطبي عن إسكان الباء: (رُوّيناه به أيضًا) (^٣).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الدعاء عند دخول المكان المعد لقضاء الحاجة بهذا الدعاء، ومناسبة هذا الدعاء دل عليها حديث زيد بن أرقم ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث» (^٤).\nولا فرق في هذه الاستعاذة بين البنيان والصحراء؛ لأن المكان يصير مأوى للشياطين بخروج الخارج وقبل مفارقته إياه.\nوقد وردت زيادة التسمية من طريق عبد العزيز بن المختار، عن\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (١/ ١٦)، \"إصلاح غلط المحدثين\" ص (١٧).\n(^٢) \"غريب الحديث\" (١/ ٣١١).\n(^٣) \"المفهم\" (١/ ٥٥٤).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٦)، وابن ماجه (٢٩٦)، وأحمد (٣٢/ ٣٨)، وهو حديث صحيح على شرط البخاري، كما ذكر الألباني في \"تمام المنة\" ص (٥٧).","vol":"1","page":363},{"text":"عبد العزيز بن صهيب بلفظ الأمر: «إذا دخلتم الخلاء فقولوا: باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث»، وقد عزا ابن الملقن هذه الزيادة إلى سعيد بن منصور، وأبي حاتم، وابن السكن (^١)، وقال الحافظ: (إسناده على شرط مسلم) (^٢).\nكما وردت عند ابن أبي شيبة من طريق أبي معشر نجيح ابن عبد الرحمن السندي، عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا دخل الكنيف قال: «باسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» (^٣)، وأبو معشر قال فيه الحافظ: (ضعيف أَسَنّ واختلط).\nوقد حكم الألباني على زيادة التسمية بالشذوذ، لمخالفتها لكل طرق الحديث عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس (^٤) ﵁.\nوقد ورد عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ستر ما بين أعين الجن وعورات بني ادم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: باسم الله» (^٥).\nوالتسمية قد وردت في عدة أحاديث، كلها معلولة، ويكفي في ذلك أن حديث أنس ﵁ ورد في الصحيحين والسنن وليس فيه ذكر البسملة، والله أعلم.\nوسيأتي في حديث عائشة ﵂ ما يقوله إذا خرج من الخلاء، ولو قدمه المصنف هنا لكان أولى، والله أعلم.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن الأمكنة النجسة كالحمامات والحشوش والمزابل هي مأوى الشياطين، ولذا شرعت الاستعاذة بالله تعالى منهم من ذكرانهم وإناثهم، أو من الشر كله وأهله، وهذا يدل على أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى في دفع ما يؤذيهم أو يضرهم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح العمدة\" (١/ ٤٣٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٤٤).\n(^٣) \"المصنف\" (١/ ٧).\n(^٤) \"تمام المنة\" ص (٥٧).\n(^٥) أخرجه الترمذي (٦٠٦)، وابن ماجه (٢٩٧)، وقال الترمذي: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده ليس بذاك القوي)، وضعفه النووي في \"الخلاصة\" (٣٢٦)، والألباني في \"الإرواء\" (١/ ٨٨) وحسنه أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي.","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type='title' id=toc-85>حكم الاستنجاء بالماء من البول أو الغائط</span>\n٨٨/ ٣ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالمَاءِ. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء»، باب «الاستنجاء بالماء» (١٥٠)، ومسلم (٢٧١) (٧٠) من طريق شعبة، عن أبي معاذ - واسمه عطاء ابن أبي ميسرة - قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول … فذكره، واللفظ لمسلم.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كان يدخل الخلاء) المراد به هنا: المكان الخالي الذي يقضي فيه حاجته في الفضاء، لقوله في رواية أخرى: (كان إذا خرج لحاجته) ولقرينة حمل العنزة مع الماء، ولأن الأخلية التي في البيوت كانت خدمته فيها متعلقة بأهله.\n\nقوله: (وغلام نحوي) الغلام: هو الذكر الصغير، قال ابن سِيْده: (هو غلام من لدن الفطام إلى سبع سنين) (^١)، ونقل الحافظ عن الزمخشري أن الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإن قيل له بعد الالتحاء: غلام، فهو مجاز (^٢)، وجمعه: أغلمة وغلمة وغلمان.\n\nوقوله: (نحوي) هي عند مسلم، دون البخاري، ومعناها مقارب لي في\n_________\n(^١) \"المخصَّص\" (١/ ٣٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥١).","vol":"1","page":365},{"text":"السن، وقد ورد في بعض الروايات: (فأنطلق أنا وغلام من الأنصار)، وفي رواية للبخاري: (تبعته أنا وغلام منّا)، وقد ذكر بعض العلماء أنه عبد الله بن مسعود ﵁ وهذا ليس بشيء، فإنه من السابقين والمهاجرين، وقد مات سنة (٣٢ هـ) وعمره نحو من ستين، فيكون كبير السن يوم وفاة النبي ﷺ، وأنس له عشر سنوات أو تزيد، وقد ورد في رواية عند مسلم أن أنسًا قال: (هو أصغرنا) (^١)، وكذا قوله: (من الأنصار) فيبعد لذلك أن يكون هو ابن مسعود، وظاهر صنيع البخاري أنه ابن مسعود ﵁ (^٢)، والله أعلم.\n\nقوله: (إداوة) بكسر الهمزة: إناء صغير من جلد، وجمعه أَداوَى بفتحها، كمطية ومطايا.\n\nقوله: (وعَنَزَة) بفتح العين والنون: حربة صغيرة، قال الخوارزمي: (هي الحربة، وتسمى العنزة، وكان النجاشي أهداها للنبي ﷺ، فكانت تقام بين يديه إذا خرج إلى المصلى، وتوارثها مِنْ بعدُ الخلفاء) (^٣).\nوالغرض من حملها أنه ﷺ كان إذا استنجى توضأ، وإذا توضأ صلى، وهذا أقوى الأوجه في ذلك، كما ذكر الحافظ (^٤)، وقد بوّب البخاري على حديث أنس هذا في كتاب «الصلاة» بقوله: باب «الصلاة إلى العنزة».\n\nقوله: (يستنجي بالماء) أي: يطهر بالماء الذي في الإداوة ما أصاب السبيلين من أثر البول والغائط.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على جواز الاقتصار على الاستنجاء بالماء، ولو لم يتقدم ذلك استجمار بالأحجار ونحوها.\nوقد كره ذلك بعض العلماء، وعلة الكراهة عندهم ملامسة النجاسة باليد، قال الحافظ على قول البخاري: باب «الاستنجاء بالماء»: (أراد بهذه الترجمة الرد على من كرهه، وعلى من نفى وقوعه من النبي ﷺ ..) (^٥).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٧٠).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٥٢).\n(^٣) \"مفاتيح العلوم\" ص (١٤٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥١).","vol":"1","page":366},{"text":"فممن كرهه حذيفة وابن عمر وابن الزبير ﵃، ونقل ابن التين عن مالك أنه أنكر أن يكون النبي ﷺ استنجى بالماء، ذكره الحافظ (^١).\nوهذا قول ضعيف، والتعليل له غير صحيح، لما يلي:\n١ - أن فيه معارضة لهذا الحديث الصحيح.\n٢ - أن في الماء إنقاءً تامًا.\n٣ - أن مباشرة النجاسة لإزالتها لا محذور فيه.\nوسيأتي - إن شاء الله - لذلك مزيد كلام عند اخر حديث في هذا الباب.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أنه ينبغي للمسلم أن يستعد بطهوره عند قضاء حاجته، لئلا يحوجه عدم الاستعداد إلى القيام والتلوث بالنجاسة.\n\nالوجه الخامس: فضيلة أنس ﵁ حيث تشرف بخدمة النبي ﷺ لا سيما ما يتعلق بالطهارة، ومن تراجم البخاري على هذا الحديث (باب من حُمِلَ معه الماء لِطُهوره) (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥١).\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type='title' id=toc-86>استحباب البعد والاستتار عند قضاء الحاجة</span>\n٨٩/ ٤ - عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِيَ النبيُّ ﷺ: «خُذِ الإدَاوَةَ». فَانْطَلَقَ حَتّى تَوَارَى عَنّي، فَقَضى حَاجَتَهُ. مُتّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه، واللفظ المذكور طرف من حديث أخرجه في كتاب «الصلاة» باب «الصلاة في الجبة الشامية» (٣٦٣)، وأخرجه مسلم (٢٧٤) (٧٧) من طريق الأعمش، عن مسلم بن صُبيح، عن مسروق، عن المغيرة بن شعبة ﵁.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (حتى توارى عني) أي: استتر عني، إما بشجرة أو بأكمة، أو ببعده ونحو ذلك.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب البعد والتواري عن الناس عند إرادة قضاء الحاجة، لئلا تُرى عورته، أو يُسمع صوته، أو تُشم رائحته، وهذا إن كان في الصحراء، فإن كان في البنيان حصل المقصود بالبناء المعد لقضاء الحاجة، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":368},{"text":"بيان بعض الأماكن التي يُنهى عن التخلي فيها\n٩٠/ ٥ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اتّقُوا اللاّعِنَيْنِ: الّذِي يَتَخَلّى في طَرِيق النّاس، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ». رَوَاهُ مُسْلمٌ.\n٩١/ ٦ - زَادَ أَبُو دَاودَ، عَنْ مُعَاذٍ: (وَالمَوَارِدِ).\n٩٢/ ٧ - وَلأحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أَوْ نَقْعِ مَاءٍ». وَفِيهمَا ضَعْفٌ.\n٩٣/ ٨ - وَأَخْرَجَ الطّبَرَانِيُّ النّهْيَ عَنْ تَحْتِ الأشْجَارِ المُثْمِرَةِ، وَضَفّةِ النّهْرِ الجَارِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي ﵁، شهد العقبة الثانية، وغزوة بدر وما بعدها، بعثه النبي ﷺ في اخر حياته إلى اليمن داعيًا ومعلمًا وقاضيًا، فَوَدّعَهُ ودعا له بقوله: «حفظك الله من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك ومن فوقك ومن تحتك، ودرأ عنك شرور الجن والإنس»، وعاد في خلافة أبي بكر ﵁، وولاه عمر ﵁ على الشام بعد أبي عبيدة ﵁، ثم مات من عامه في طاعون عمواس، سنة ثماني عشرة عن أربع وثلاثين سنة (^١)، ﵁.\n\nالوجه الثاني: في تخريجها:\nأما حديث أبي هريرة فقد أخرجه مسلم في كتاب «الطهارة» باب «النهي\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (١٠/ ٢١٩).","vol":"1","page":369},{"text":"عن التخلي في الطرق والظلال» (٢٦٩)، وأبو داود (٢٥) من طريق إسماعيل بن جعفر، أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ به مرفوعًا، ولفظ (اللاعنين) الذي في «البلوغ» هو لفظ أبي داود، وأما لفظ مسلم فهو: (اللعّانين) بصيغة المبالغة.\nوأما حديث معاذ فقد أخرجه أبو داود (٢٦) من طريق أبي سعيد الحميري، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الملاعن الثلاث: البَرَاز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل».\nوهذا إسناد فيه ضعف، كما قال الحافظ؛ لأن أبا سعيد الحميري لم يسمع من معاذ ﵁، قال في «التقريب»: (شامي مجهول من الثالثة، وروايته عن معاذ بن جبل مرسلة). اهـ، ولا يعرف هذا الحديث بغير هذا الإسناد، قاله ابن القطان، ونقله عنه الحافظ (^١).\nوالمقصود أن الحديث ضعيف بزيادة (الموارد) وإلا فباقيه صحيح - كما تقدم - في حديث أبي هريرة.\nوأما حديث ابن عباس فقد أخرجه أحمد (٤/ ٤٤٨) من طريق عبد الله ابن المبارك قال: أخبرنا ابن لهيعة، قال: حدثني ابن هبيرة، قال: أخبرني من سمع ابن عباس يقول: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اتقوا الملاعن الثلاث»، قيل: ما الملاعن الثلاث يا رسول الله؟ قال: «أن يقعد أحدكم في ظل يُستظل فيه، أو في طريق، أو في نقع ماء».\nوهذا إسناد فيه ضعف، كما قال الحافظ؛ لإبهام الراوي عن ابن عباس، قال الهيثمي: (رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، ورجل لم يُسمّ) (^٢) وقد تقدم عند الحديث (٣١) أن رواية عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة أعدل من غيرها، كما نص على ذلك جماعة من أهل العلم؛ لأنه سمع منه قديمًا، ومثله عبد الله بن وهب وعبد الله بن يزيد المقرئ، فهؤلاء العبادلة الثلاثة روايتهم\n_________\n(^١) \"بيان الوهم والإيهام\" (٢/ ٤١)، \"التلخيص\" (١/ ١١٥).\n(^٢) \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٠٤).","vol":"1","page":370},{"text":"عنه أمثل من غيرها؛ لأنهم سمعوا منه قبل احتراق كتبه، قال الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي: (إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة فهو صحيح ..) وكذا قتيبة بن سعيد، كما ذكر الذهبي (^١)، وإلا فابن لهيعة ضعيف لسوء حفظه واحتراق كتبه، فحدث من حفظه فخلّط، وحديثه في المتابعات والشواهد لا ينزل عن رتبة الحسن، أما المحققون فهم على تضعيفه مطلقًا، قبل احتراق كتبه وبعدها. وقد ذكرت هذا فيما مضى، والمقصود أن الحديث ضعيف بزيادة (أو نقع ماء) وإلا فباقيه صحيح، كما في حديث أبي هريرة ﵁.\nوأما حديث ابن عمر فقد أخرجه الطبراني بتمامه في «الأوسط» (٣/ ١٩٩) من طريق الحكم بن مروان الكوفي، قال: حدثنا فرات بن السائب، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر ﵄، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتخلى الرجل تحت شجرة مثمرة، ونهى أن يُتخلى على ضَفَّةِ نهر جارٍ.\nوهذا إسناد ضعيف، قال الطبراني عقبه: (لم يروه عن ميمون إلا فرات بن السائب تفرد به الحَكَمُ)، وفرات هذا متروك الحديث، قاله البخاري وغيره (^٢).\nفهذه الأحاديث - حديث معاذ وابن عباس وابن عمر ﵃ - كلها ضعيفة، لكن يشهد لها في المعنى حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم، والقواعد الشرعية تؤيدها، وهو أن كل ما يؤذي المسلمين فهو حرام، وهو ما يستفاد من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]، وقوله ﷺ: «من اذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم» (^٣).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (اتقوا اللاعنين) هذا لفظ أبي داود، وأما لفظ مسلم فهو (اللعّانين) كما تقدم، قال النووي: (والروايتان صحيحتان) (^٤)؛ أي: الأمرين\n_________\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" (٨/ ١٥).\n(^٢) \"التلخيص\" (١/ ١١٦).\n(^٣) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٣/ ١٧٩)، وحسنه المنذري في \"الترغيب\" (١/ ١٣٤)، والهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٠٤)، والألباني في \"صحيح الترغيب\" (١/ ١٣٥).\n(^٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ١٦٤).","vol":"1","page":371},{"text":"الجالبين للعن، الحاملين الناسَ عليه، وذلك أن من فعلها لُعن وشُتم؛ لأن عادة الناس لعنه، فيكون من باب المجاز العقلي، لعلاقة السببية، وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون؛ أي: الملعون فاعلهما، وهذا من المجاز العقلي أيضًا.\nوأما رواية مسلم (اتقوا اللعّانين) فهي مثنى صيغة المبالغة (لعّان) فمعناها - والله أعلم ـ: اتقوا فعل اللعانين؛ أي: صاحبي اللعن، وذلك من تسمية الشيء باسم سببه.\n\nقوله: (طريق الناس) أي: يتغوط في موضع يمر به الناس، وهو على حذف مضاف؛ أي: تخلي الذي يتخلى في طريق الناس، ووجه النهي: لما فيه من إيذاء المسلمين بتنجيس من يمر به ونتنه واستقذاره.\n\nقوله: (أو في ظلهم) المراد به: مستظل الناس الذي اتخذوه مكانًا للمقيل والراحة، وإضافة الظل إليهم دليل على إرادة الظل المنتفع به الذي هو محل جلوسهم.\n\nقوله: (البراز في الموارد) جمع مورد، وهو الموضع الذي يَرِدُهُ الناس من عين ماء أو غدير ونحوهما. والبراز: بفتح الباء على الأشهر، هو في الأصل الفضاء الواسع، ويكنى به عن الغائط.\n\nقوله: (أو نقع ماء) أي: مجتمع الماء.\n\nقوله: (تحت شجرة مثمرة) أي: سواء أكانت الثمرة مقصودة أم كانت ثمرة محترمة، فالمراد هي ما يقصدها الناس ولو كانت غير مطعومة كشجر القطن، فلا يجوز لأحد أن يتخلى تحتها؛ لأنها ربما سقطت الثمرة فتتلوث بالنجاسة، ولئلا يتلوث من أراد أن يجمع ثمر هذه الشجرة.\nوالمحترمة كثمرة النخل والتين ونحوهما؛ لأن هذا طعام محترم، فلا يجوز تلويثه بالنجاسة إذا سقطت، أو تلويث من أراد أن يجني ثمارها.\n\nقوله: (على ضَفَّةِ نهر جار) ضفة: بفتح الضاد المعجمة وكسرها والمراد بها جانب النهر.\n\nالوجه الرابع: دلت هذه الأحاديث على النهي عن التخلي في بعض","vol":"1","page":372},{"text":"الأماكن لما في ذلك من أذية الناس بالتنجيس والاستقذار والنتن، والتسبب في نشر الأمراض وهو مظهر سيئ، منافٍ لتعاليم الإسلام الداعية إلى النظافة، والذي تحصّل من هذه الأحاديث ستة مواضع:\nوهي: طريق الناس، والظل، والموارد، ونقع الماء، والأشجار المثمرة، وجانب النهر.\n١ - فينهى عن التخلي في طريق الناس، وقارعة الطريق، والمراد ما يطرقه الناس ويمشون فيه، أما الطريق المهجورة فيجوز التخلي فيها عند الحاجة.\n٢ - وينهى عن التخلي فيما يستظل به الناس من شجرة أو جدار أو جبل ونحوها مما ينتفع به، ويلحق بالظل متشمس الناس في الشتاء، وكذا الأماكن التي يتردد إليها الناس، كالمنتزهات والحدائق، وأماكن الاستراحة التي قد توجد على بعض الطرق الطويلة، أما ما لا ينتفع به ولا يجلس فيه فيجوز التخلي فيه لقوله: «أو في ظلهم».\n٣ - وينهى عن التخلي في موارد المياه التي يردها الناس للشرب، كالساقية والآبار، ويلحق بذلك محلات الوضوء التي لم تعدّ لقضاء الحاجة، كما في دورات المياه عند المساجد وغيرها مما يتأذى به الناس.\n٤ - وينهى عن التخلي في نقع الماء، ويشمل ذلك ما إذا تخلى فيه أو حوله؛ لأنه إن تخلى فيه أفسده على غيره، وإن تخلى حوله قريبًا منه تأذى بذلك من يَرِدُ عليه.\n٥ - وينهى عن التخلي تحت الأشجار المثمرة، لئلا تسقط الثمرة على ما خرج منه فتتنجس به، أو يتنجس من أراد أخذ ما فيها، فإن كانت غير مثمرة، أو مثمرة ولا يؤخذ ثمرها جاز التخلي تحتها إذا لم تكن ظلًا لمن يستظل بها.\n٦ - وينهى عن التخلي على جوانب الأنهار وشواطئ البحار.\nوالله تعالى أعلم.","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type='title' id=toc-87>النهي عن التكشف والتحدث حال قضاء الحاجة</span>\n٩٤/ ٩ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا تَغَوّطَ الرّجُلَانِ فَلْيَتَوَارَ كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، وَلَا يَتَحَدّثَا. فَإنّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذلِكَ». رَوَاهُ وَصَحّحَهُ ابْنُ السّكَنِ، وَابْنُ الْقَطّانِ، وَهُوَ مَعْلولٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث اختلفت فيه نسخ «البلوغ» ففي بعضها: رواه أحمد، وفي بعضها: رواه … بدون ذكر من أخرجه، وهو كذلك في نسخة البلوغ التي عليها شرح المغربي «البدر التمام» ولم يتكلم عليه، بل أورد حديث أبي سعيد. والظاهر أن المراد: رواه ابن السكن، وصححه ابن القطان، وهذا هو المثبت في «الإلمام» لابن دقيق العيد، كما سيأتي إن شاء الله.\nأما الصنعاني فقد تكلم في «السبل» عن علة حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الذي أخرجه أبو داود (١٥)، وابن ماجه (٣٤٢) من طريق عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض، قال: حدثني أبو سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول … فذكره.\nوهذا الحديث معلول بثلاث علل:\nالأولى: اضطراب رواية عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، كما قاله الإمام أحمد ويحيى بن معين والبخاري والنسائي وأبو حاتم وغيرهم (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢٣٢).","vol":"1","page":374},{"text":"ومن اضطرابه في هذا الحديث أنه رواه عن يحيى، عن هلال - كما هنا - ورواه عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، إلى غير ذلك من وجوه الاضطراب التي ذكرها الدارقطني (^١).\nقال أبو داود بعد سياق الحديث: (هذا لم يسنده إلا عكرمة بن عمار) يريد بذلك أن الحديث ضعيف، لانفراد عكرمة بإسناده، ولم يعتبر ابن القطان هذا علة، وتبعه الشوكاني قائلًا: (إذ لا وجه للتضعيف بهذا، فقد أخرج مسلم حديثه عن يحيى، واستشهد البخاري بحديثه عن يحيى أيضًا) (^٢).\nعلى أن انفراد عكرمة بإسناده غير مسلّم، فقد تابعه على ذلك أبان بن يزيد كما ذكر ابن دقيق العيد (^٣)، وتابعه أيضًا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير مرسلًا.\nالعلة الثانية: جهالة هلال بن عياض، قال في «التقريب»: (مجهول من الثالثة، تفرد يحيى بن أبي كثير بالرواية عنه) ورجح أن اسمه عياض بن هلال، وكذا ذكر البخاري وابن أبي حاتم والخطيب وغيرهم.\nوقد نصّ ابن القطان في مواضع من كتابه «بيان الوهم والإيهام» على أن هذه هي العلة الكبرى في الحديث (^٤).\nالعلة الثالثة: الاضطراب في متنه، ففي بعضها المقت على التكشف والتحدث، وفي بعضها لم يذكر التحدث، وفي بعضها لم يذكر التكشف، ذكر ذلك ابن القطان (^٥).\nوقد ذكر ابن دقيق العيد حديث جابر ﵁ وقال: (أخرجه الحافظ أبو علي بن السكن وصححه الحافظ أبو الحسن القطان) (^٦)، وهذا الحديث علقه الدارقطني في «العلل»، ثم رجعت إلى كتاب ابن القطان، فإذا هو قد ساق الحديث بإسناده، فقال: (قال أبو علي بن السكن: حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، حدثنا\n_________\n(^١) \"العلل\" (١١/ ٢٩٦).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٢/ ١٤٣ - ١٤٤)، \"نيل الأوطار\" (١/ ٩٢).\n(^٣) \"الإمام\" (٢/ ٣٤٨).\n(^٤) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٢٥٨).\n(^٥) المصدر السابق (٥/ ٢٥٩).\n(^٦) \"الإلمام\" ص (٤٣).","vol":"1","page":375},{"text":"مسكين بن بكير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله .. فذكره).\nثم تكلم ابن القطان عن إسناد هذا الحديث وحكم بصحته، ثم قال:\n(الحسن بن أحمد: صدوق لا بأس به.\nمسكين بن بكير: لا بأس به، قاله ابن معين.\nمحمد بن عبد الرحمن: ثقة، وقد صح سماعه من جابر.\nوسائر مَنْ في الإسناد لا يُسأل عنه).\nوقد نقل الحافظ ابن كثير تصحيح ابن القطان (^١)، وعلى هذا فما في البلوغ صحيح ولا سقط فيه، وزيادة (أحمد) في بعض النسخ لا تصح؛ لأن الحديث لا وجود له في المسند من حديث جابر ﵁، بل هو من حديث أبي سعيد، وبهذا يتفق ما في «البلوغ» مع ما في «الإلمام» مع ما في كتاب ابن القطان.\nلكن يظهر أن مجيء الحديث من هذا الوجه هو من أوجه الاختلاف في الإسناد، وقد ذكر هذا الدارقطني.\nوأما قوله: (وهو معلول) فهذا ينطبق على حديث أبي سعيد كما تقدم، وينطبق على حديث جابر - أيضًا - من جهة الاختلاف فيه على راويه يحيى بن أبي كثير، كما ذكر ذلك الدارقطني، والحافظ في «إتحاف المهرة» (^٢).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا تغوط) مشتق من (الغائط) وهو الخارج المستقذر من الإنسان، وأصله المكان المطمئن من الأرض، وإطلاقه على الخارج من باب كراهية تسمية الشيء باسمه الخاص؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في المواضع المطمئنة، فهو من مجاز المجاورة.\n\nقوله: (الرجلان) تخصيص الرجل بالذكر لا مفهوم له، لكن باعتبار الغالب، وإلا فالمرأتان، والمرأة والرجل أقبح من ذلك.\n\nقوله: (فليتوار) يقال: توارى بمعنى استخفى واستتر، والمعنى ليستتر\n_________\n(^١) \"إرشاد الفقيه\" (١/ ٥٤).\n(^٢) (٣/ ٣٢٥).","vol":"1","page":376},{"text":"كل واحد عن صاحبه. و(يتوار) مضارع مجزوم بـ «لام» الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة.\n\nقوله: (ولا يتحدثا) لا: ناهية، وجُزِمَ المضارع بعدها بحذف النون.\n\nقوله: (يمقت) مضارع مَقَتَ يَمْقُتُ مقتًا من باب (قتل) يقال: مَقَتَهُ؛ أي: أَبْغَضَهُ أشد البغض عن أمر قبيح.\n\nالوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال بوجوب تستر الإنسان وعدم تحدثه مع شخص اخر حال قضاء الحاجة؛ لأن التحدث حال قضاء الحاجة فيه دناءة وقلة حياء، والله تعالى يمقت على ذلك، وهو سبحانه لا يمقت إلا على الأفعال السيئة، وظاهر ذلك التحريم، ولكن حمله الجمهور على الكراهة، ولعل الصارف له عن التحريم ما تقدم عن ابن مفلح ﵀ عند الحديث (٧٦) من أن النهي إذا ورد في حديث متكلم فيه فإنه يحمل على الكراهة، والقول بالتحريم هو اختيار الشوكاني (^١)، لأن ظاهر الحديث أن ذلك من الكبائر.\nوقد ذكر ابن مفلح (^٢) أنهم صرحوا بالكراهة، وأنه لم يجد أحدًا منهم ذكر التحريم مع أن دليلهم يقتضيه، وعن الإمام أحمد ما يدل عليه، قال صالح: سألت أبي عن الكلام في الخلاء، قال: يكره، وقال إسحاق بن إبراهيم: سألت أحمد عن الكلام في الخلاء قال: لا ينبغي له أن يتكلم. وهذه الصيغة للتحريم (^٣).\nإن حالة قضاء الحاجة حالة سكون وانكسار بين يدي الله تعالى، واعتراف بضعف ابن ادم، وحالة تفكير بنعم الله تعالى على العبد، حيث يسر له قضاء حاجته بعدما يسر له الأكل والشرب والانتفاع بما أعطاه الله من النعم، لا حالة مؤانسة ومحادثة.\nلكن إن وجد حاجة للكلام فلا بأس، بل قد يكون واجبًا، كإرشاد أعمى يخشى ترديه في حفرة، أو رؤية نحو عقرب أو حية تقصد إنسانًا، أو كان له حاجة في شخص وخاف أن ينصرف … أو نحو ذلك. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٩٢).\n(^٢) \"النكت على المحرر\" (١/ ٨).\n(^٣) انظر: \"صفة الفتوى\" لابن حمدان ص (٩٠).","vol":"1","page":377},{"text":"بيان<span data-type='title' id=toc-88> بعض الآداب في قضاء الحاجة</span>\n٩٥/ ١٠ - عَنْ أَبي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسّحْ مِنَ الخَلَاءِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإنَاءِ». مُتّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللّفْظُ لِمُسْلمٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع منها، كتاب «الوضوء» باب «النهي عن الاستنجاء باليمين» (١٥٣)، ومسلم (٢٦٧) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، وقد رواه عن يحيى هشامُ الدستوائي، والأوزاعيُّ، وشيبانُ بن عبد الرحمن التميمي، وهذا عند البخاري في «الوضوء» وفي «الأشربة»، ورواه عند مسلم عن يحيى، همامُ بن يحيى، وهشامُ الدستوائي، وأيوبُ بن النجار.\nوسيذكر المصنف هذا الحديث مرة أخرى في أحاديث «آداب الأكل والشرب» في باب «الوليمة» مقتصرًا على الجملة الأخيرة.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا يمسكن) أي: لا يأخذن، وهو مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، و(لا) ناهية، وفي لفظ للبخاري ومسلم: (لا يمسّ ذكره بيمينه).\n\nقوله: (وهو يبول) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: «إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه»، وهي جملة حالية، معناها لا يأخذ ذكره بيده اليمنى حال بوله.","vol":"1","page":378},{"text":"قوله: (ولا يتمسح من الخلاء بيمينه) أي: لا يستنج بحجر أو ماء من البول أو الغائط بيده اليمنى، وفي لفظ لمسلم: (نهى أن يستطيب بيمينه).\n\nقوله: (ولا يتنفس في الإناء) أي: لا يخرج النّفَسَ من جوفه في الوعاء الذي يشرب فيه، كإناء اللبن والماء ونحوهما.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على نهي البائل أن يمسك ذكره بيمينه حال البول؛ لأن هذا ينافي تكريم اليمين.\nوقد حمل جمهور العلماء هذا النهي على الكراهة - كما ذكر النووي وغيره ـ؛ لأنه من باب الآداب والتوجيه والإرشاد، ولأنه من باب تنزيه اليمين وذلك لا يصل النهي فيه إلى التحريم.\nوذهب داود الظاهري وكذا ابن حزم (^١) إلى أنه نهي تحريم، بناءً على أن الأصل في النهي التحريم.\nوقول الجمهور أرجح، وهو أنه نهيُ تأديب وإرشاد، ومما يؤيده قوله ﷺ في الذَّكَرِ: «هل هو إلا بضعة منك»، وتقدم هذا الحديث في «نواقض الوضوء».\nوالأحوط للمكلَّف ألا يمس ذكره بيمينه حال البول؛ لأن الحديث نهى عنه، ومحل النهي عن مس الذكر باليمين إذا لم تكن ضرورة، فإن كان ثَمّ ضرورة جاز من غير كراهة (^٢).\nوالمرأة كالرجل في حكم مس القبل والدبر باليمين؛ لأن سبب النهي إكرام اليمين وصيانتها عن الأقذار.\n\nالوجه الرابع: قيد النهي عن مس الذكر باليمين في حال البول، لقوله: «وهو يبول» فهل هذا القيد معتبر أو لا؟ قولان:\nالأول: أن هذا قيد معتبر، وأن النهي مختص بحالة البول أخذًا بظاهر الحديث؛ لأنه ربما تتلوث يده اليمنى إذا مس ذكره بها، فإن كان لا يبول جاز\n_________\n(^١) \"المحلى\" (١/ ٩٥).\n(^٢) \"الإنصاف\" (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":379},{"text":"لحديث: «هل هو إلا بضعة منك»، وإذا كان بضعة منه فلا فرق بين أن يمسه بيده اليمنى أو اليسرى؛ لأنه دل على الجواز في كل حال، وخرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح حديث أبي قتادة، وبقي ما عداها على الإباحة.\nالقول الثاني: أن النهي عام، وأنه يكره أن يمس ذكره بيمينه مطلقًا في حال البول وغيره، واستدلوا بحديث أبي قتادة هذا، فإن لفظه في إحدى روايات مسلم: (نهى النبي ﷺ أن يتنفس في الإناء، وأن يمس ذكره بيمينه ..)، فهذا مطلق لم يقيد بحالة البول. قالوا: وفي تقييده بحال البول تنبيه على الإطلاق وأولى، فإنه إذا نُهي عن المس باليمين حال البول مع أن ذلك مظنة الحاجة فغير ذلك من الحالات أولى.\nوالظاهر حمل المطلق على المقيد لأنه حديث واحد اختلف عليه الرواة، فينبغي حمل المطلق على المقيد، ويكون القيد زيادة من عدل، وهي مقبولة عند أهل العلم، كما ذكر ذلك ابن دقيق العيد (^١)، وقال صاحب «المنهل العذب المورود»: (والحق أن هذا من ذكر بعض أفراد العام، لا من المطلق والمقيد؛ لأن الأفعال في حكم النكرات؛ والنكرة في سياق النفي تعم) (^٢)، وعلى هذا فذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يفيد التخصيص، كما هو معلوم في «الأصول».\nوما دام أن الحديث ورد بالإطلاق والتقييد فالأحوط ألا يمس ذكره بيمينه إلا لعذر كأن تكون اليسرى مشلولة، أو فيها جرح، ونحو ذلك.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على النهي عن الاستنجاء باليمين من البول والغائط، سواء بالأحجار أم بالماء، والخلاف فيه - كما تقدم - فالجمهور على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم، وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه حرام، وبه قال بعض الشافعية، كصاحب «المهذب»، فإنه قال: (ولا يجوز أن يستنجي بيمينه)، لكن صرفها النووي - في شرحه - (^٣) عن ظاهرها\n_________\n(^١) \"شرح العمدة\" (١/ ٢٥٨).\n(^٢) (١/ ١٢١).\n(^٣) \"المجموع\" (٢/ ١١٠).","vol":"1","page":380},{"text":"بما يوافق مذهب الجمهور، والأحوط للمسلم ألا يستنجي بيمينه، لورود النهي عنه ﷺ وقد قال: «وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» (^١) فإن وجد حاجة - كما تقدم - فلا بأس.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على النهي عن التنفس في الإناء، وإنما يتنفس خارجه، فإن ذلك سنة ثابتة، وأدب شرعي في الشرب.\nوالتنفس في الإناء فيه ثلاثة محاذير:\n١ - أن التنفس في الإناء يقذر الشراب على من بعده؛ لأنه ربما سقط فيه أثناء النفس شيء من الفم أو الأنف.\n٢ - أن النفس ربما حمل أمراضًا يتلوث بها الإناء.\n٣ - أنه يخشى عليه من الشّرَقِ؛ لأن الماء نازل، والنفس صاعد، فإذا التقيا فقد يشرق الإنسان ويتساقط اللعاب في الإناء، وكل ذلك منافٍ للأدب.\nوالسنة للإنسان إذا شرب ألا يشرب في نَفَسٍ واحد، بل يشرب في نفسين أو ثلاثة مع فصل القدح عن فيه؛ لأن ذلك أخف على المعدة، وأنفع لريّه، وأحسن في الأدب، وأبعد من فعل أرباب الشره، وقد ورد عن أنس ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ يتنفس في الشراب ثلاثًا، ويقول: «إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ»، قال أنس: فأنا أتنفس في الشراب ثلاثًا (^٢).\nومعنى: «أروى»، أي: أكثر ريًّا. «وأبرأَ»: أي: أبرأ من ألم العطش، أو أسلم من مرض أو أذى يحصل بسبب الشرب في نفس واحد، و«وأمرأ»: أي: أجمل انسياغًا، وأخف على المعدة.\nوكذا ورد النهي عن النفخ، وهو أشد، كما في حديث ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُتنفس في الإناء، أو يُنفخ فيه (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٠٢٨)، (١٢٣).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٧٢٨)، والترمذي (١٨٨٩)، وقال: (هذا حديث حسن صحيح).","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type='title' id=toc-89>بعض الآداب المتعلقة بقضاء الحاجة ومنها النهي عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار</span>\n٩٦/ ١١ - عَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ الله ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظمٍ». رَوَاهُ مُسْلمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو عبد الله سلمان الفارسي، ويقال له: سلمان الخير، مولى رسول الله ﷺ، أصله من فارس، سافر لطلب الدين فتنصر، وقرأ الكتب، ووقع في يد قوم من العرب، فباعوه من يهود، وقصة إسلامه أخرجها أحمد في «مسنده» بطولها (^١) وذكرها ابن سعد (^٢). وقد روي من وجوه كثيرة أن النبي ﷺ اشتراه على العتق، أسلم لما قدم المدينة، وأول مشاهده الخندق، وهو الذي أشار بحفره، ولم يتخلف بعد ذلك عن أيّ مشهد مع رسول الله ﷺ، وكان خيّرًا فاضلًا حبرًا عالمًا زاهدًا، وذُكر أنه كان من المعمّرين، لكن ردَّ الذهبي هذا، وكان يأكل من عمل يده، ويتصدق بعطائه.\nوقد أخرج الطبراني (^٣) والحاكم (^٤) عن كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده أنه لما أشار سلمان بحفر الخندق احتج المهاجرون والأنصار في سلمان ﵁، وكان رجلًا قويًا، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقالت\n_________\n(^١) \"المسند\" (٣٩/ ١٣٩ - ١٤٧).\n(^٢) \"الطبقات\" (٤/ ٧٥).\n(^٣) \"المعجم الكبير\" (٦/ ٢١٢).\n(^٤) \"المستدرك\" (٣/ ٥٩٨).","vol":"1","page":382},{"text":"الأنصار: سلمان منا، فقال رسول الله ﷺ: «سلمانُ منا أهلَ البيت» وهذا الحديث ضعيف جدًا؛ لأن كثير بن عبد الله المزني قال عنه الدارقطني وغيره: (متروك)، وقال ابن عدي: (عامة ما يرويه لا يتابع عليه)، وقال الشافعي: (من أركان الكذب)، وسيأتي له ذكر في باب «الصلح» من كتاب «البيوع» إن شاء الله، وإنما ذكرت هذا الحديث ليعلم حاله.\nمات بالمدينة في اخر خلافة عثمان ﵁ سنة خمس وثلاثين على قول الأكثرين (^١)، ﵁.\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «الطهارة»، باب «الاستطابة» (٢٦٢) من طرق عن الأعمش، عن إبراهيم بن يزيد النخعي، عن خاله عبد الرحمن بن يزيد النخعي، عن سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل لقد نهانا … الحديث.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (قيل له ..) في رواية أخرى عند مسلم من طريق سفيان، عن الأعمش ومنصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان، قال: (قال لنا المشركون: إني أرى صاحبكم يعلمكم، حتى يعلمكم الخراءة ..) فبين بذلك القائل وأنهم المشركون.\n\nقوله: (حتى الخراءة) بكسر المعجمة وتخفيف الراء وبالمد اسم لهيئة الحدث؛ أي: أدب التخلي والقعود لقضاء الحاجة، وأما نفس الحدث وهو الخارج، فهو الخِراءُ: بحذف التاء وبالمد، مع فتح الخاء أو كسرها.\n\nقوله: (فقال: أجل) هذا حرف جواب مثل (نعم) وهي لتصديق الخبر وتحقيق الطلب، تقول لمن قال: (قام زيد): أجل، ولمن قال: (اضرب زيدًا): أجل، وعن الأخفش أنها تكون في الخبر والاستفهام، إلا أنها في الخبر أحسن من (نعم)، و(نعم) في الاستفهام أحسن منها، فإذا قال: أنت\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٤/ ٢٢١)، \"السير\" (١/ ٥٠٥)، \"الإصابة\" (٤/ ٢٢٣).","vol":"1","page":383},{"text":"سوف تَذهبُ، قلتَ: أجل، وكان أحسن من (نعم)، وإذا قال: أتذهب؟ قلت: نعم، وكان أحسن من (أجل) (^١).\nومراد سلمان ﵁ تصديق هذا الخبر، وهو أنه ﷺ علمنا كل ما نحتاج إليه في ديننا حتى الخراءة التي ذكرتَ أيها القائل، فإنه علمنا ادابه، فنهانا عن كذا وكذا، مما جاء في هذا الحديث وغيره.\n\nقوله: (لقد نهانا) أُكدت الجملة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، واللام الموطئة للقسم، و«قد»؛ لأن المقام يستدعي التوكيد؛ لأنه يخاطب من يحتاج إلى توكيد الخبر.\n\nقوله: (بغائط أو بول) هكذا في «بلوغ المرام»، و«مختصر صحيح مسلم» للقرطبي والمنذري، وفي «صحيح مسلم»: (لغائط) باللام، وكذا في النسخة التي عليها شرح عياض والنووي، قال النووي: (كذا ضبطناه في مسلم: (لغائط) باللام، وروي في غيره: (بغائط)، وروي: (بالغائط) باللام والباء، وهما بمعنى (^٢) وتقدم معناه.\n\nقوله: (أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) الاستنجاء: إزالة النجو: وهو العذرة (^٣)، وأكثر ما يستعمل في الاستنجاء بالماء، وقيل: يستعمل في الإزالة بالحجارة، وهو المراد هنا.\n\nقوله: (برجيع) الرجيع: الروث والعذرة، فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه رجع عن حاله الأولى بعد أن كان طعامًا أو علفًا إلى غير ذلك، وكذلك كل فعل أو قول يُردّ فهو (رجيع) فعيل بمعنى مفعول (^٤).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن استقبال القبلة حال الغائط أو البول، وسيأتي ذلك - إن شاء الله - في الحديث الآتي.\n_________\n(^١) \"الجنى الداني\" ص (٣٥٩).\n(^٢) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٣/ ١٥٥).\n(^٣) \"الصحاح\" (٦/ ٢٥٠٢).\n(^٤) \"غريب الحديث\" لأبي عبيد (٣/ ٢٤٢).","vol":"1","page":384},{"text":"الوجه الخامس: الحديث دليل على النهي عن الاستنجاء باليد اليمنى، وتقدم ذلك في الحديث الذي قبله.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على النهي عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار؛ لأن الأقل من ثلاثة أحجار لا ينقي في الغالب، إلا إن أراد أن يتبع الحجارة بالماء، فيجوز الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار؛ لأن الماء وحده كاف، كما تقدم في حديث أنس ﵁؛ والأخذ بظاهر الحديث أقوى؛ وهو أنه لا ينقص عن ثلاثة أحجار حتى ولو أراد أن يتبع ذلك بالماء، فإن الإنسان قد ينسى فيتوضأ ولا يستنجي بالماء، وربما يعرق ويتلوث بعرقه سراويله وما حول المخرج، فإن لم يحصل الإنقاء بالثلاث زاد حتى يحصل، والكمال أن يقطع ذلك على وتر، فإذا أنقى بأربع زاد مسحة خامسة، وهكذا، ليكون منتهاه على الوتر، كما هو الشأن في كثير من الأمور الشرعية أن تنتهي على وتر، وقد دل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁، وفيه «ومن استجمر فليوتر» (^١) وظاهره الوجوب، لكن جاء في رواية أخرى: «ومن استجمر فليوتر، فمن فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» (^٢)، قال الحافظ: (وهي زيادة حسنة الإسناد، وبها يحصل الجمع بين الروايات في هذا الباب) (^٣) وكذا حسنها النووي (^٤)، لكن في «التلخيص» (^٥) ما يدل على تضعيف هذه الزيادة، والنفس تميل إلى ذلك.\n\nالوجه السابع: اختلف العلماء: هل تتعين الأحجار في الاستنجاء فلا يجزئ غيرها أم لا؟ قولان:\nالأول: أنه لا تتعين الأحجار، بل يجزئ كل ما قام مقامها في الإنقاء، من الخرق، أو الأخشاب، أو المناديل الورقية، ونحو ذلك؛ لأن الغرض\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٥)، وابن ماجه (٣٣٧)، وأحمد (١٤/ ٤٣٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥٧).\n(^٤) \"المجموع\" (٢/ ٥٥).\n(^٥) (١/ ١١٣).","vol":"1","page":385},{"text":"التطهير، وليس نوعًا بعينه، وإنما نص الشرع على الأحجار لأنها أيسر وأسهل، وهذا قول الجمهور من أهل العلم.\nقالوا: ويدل على عدم تعيين الحجر نهيه ﷺ عن العظام والرجيع فلو كان الحجر متعينًا لنهى عما سواه مطلقًا، فلما خُصّ النهي بالعظام والرجيع دل على أن ما سوى ذلك من المباحات يجوز الاستنجاء به.\nوالقول الثاني: أنه تتعين الأحجار في الاستنجاء، ونسبه النووي (^١) لبعض الظاهرية، أخذًا بظاهر الحديث حيث نص على الأحجار، والأول أرجح؛ لقوة مأخذه.\n\nالوجه الثامن: ذهب الجمهور إلى أن المراد بالأحجار الثلاثة، ثلاث مسحات، قالوا: فلا يلزم ثلاثة أحجار، فلو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف فمسح بكل حرف مسحة أجزأه؛ لأن المراد المسحات، والأحجار الثلاثة أفضل من حجر واحد.\nوالقول الثاني: أنه لا بد من ثلاثة أحجار، أخذًا بظاهر الحديث، وهو قول ابن حزم (^٢) ورواية عن أحمد (^٣)، والصحيح من المذهب هو الأول.\nوالأول أظهر؛ لأن العلة معلومة، وهي قصد الإنقاء وتطهير المحل، فإذا كان الحجر له ثلاث شعب غير متداخلة واستجمر بكل جهة منه صح.\n\nالوجه التاسع: الحديث دليل على النهي عن الاستنجاء بالعظم والرجيع، وذلك أن العظم إذا كان من حيوان مذكى فهو طعام الجن، لما ورد في حديث ابن مسعود ﵁ في قصة ليلة الجن، وفيه: (فقال رسول الله ﷺ: «أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القران»، قال: فانطلقَ بنا فأرانا اثارهم واثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم»، فقال\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ١٥٩).\n(^٢) \"المحلى\" (١/ ٩٥).\n(^٣) \"الإنصاف\" (١/ ١١٢).","vol":"1","page":386},{"text":"رسول الله ﷺ: «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم» (^١).\nوإن كان العظم عظم ميتة فهو نجس فلا يكون مطهِّرًا، وكذا الروث، فإن كان طاهرًا فهو علف لدوابهم، وإن كان نجسًا فليس بمطهر، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٥٠).","vol":"1","page":387},{"text":"بيان<span data-type='title' id=toc-90> حكم استقبال القبلة حال قضاء الحاجة</span>\n٩٧/ ١٢ - وَلِلسّبْعَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبي أَيّوبَ ﵁: «لَا تَسْتَقْبِلوا الْقِبْلَةَ ولا تَسْتَدْبِرُوها بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا».\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو أيوب، خالد بن زيد الأنصاري النجاري، غلبت عليه كنيته، شهد العقبة، ونزل عليه النبي ﷺ حين قدم المدينة حتى بنى مسجده وبيوته، واخى بينه وبين مصعب بن عمير، شهد غزوة بدر وما بعدها، وشهد الفتوحات، ولازم الغزو فلم يتخلف عن غزوة إلا وهو في أخرى، حتى توفي في غزوة القسطنطينية من بلاد الروم، زمن معاوية، سنة اثنتين وخمسين (^١)، ﵁.\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء»، باب «لا تُستقبل القبلة بغائط ولا بول إلا عند البناء: جدارٍ أو نحوه» (١٤٠) وأخرجه من طريق أخرى في «الصلاة» (٣٩٤) باب «قبلة أهل المدينة وأهل الشام»، ومسلم (٢٦٤)، وأبو داود (٩)، والترمذي (٨)، والنسائي (١/ ٢٢) وابن ماجه (٣١٨)، وأحمد (٣٨/ ٥٠٦، ٥١٨، ٥٥١) كلهم من طريق الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب ﵁، قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا»، قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (٣/ ٥٦).","vol":"1","page":388},{"text":"نحو الكعبة، فننحرف عنها، ونستغفر الله ﷿. هذا لفظ البخاري.\nوقد رواه عن الزهري جماعة: ابن أبي ذئب، كما عند البخاري، وسفيان بن عيينة، عند البخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، والترمذي، ويونس بن يزيد عند ابن ماجه، ومعمر بن راشد عند أحمد.\nولفظ الكتاب هو لفظ أبي داود، وليس فيه قوله: «ولا تستدبروها» وفي نسخ أخرى من «البلوغ» أثبتت هذه الجملة، وقوله: (وللسبعة من حديث أبي أيوب ..) لو قال: مرفوعًا لكان أحسن، ولكن اختصر ذلك، أو أنه ساقط من نسخ البلوغ، والله أعلم.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا أتيتم الغائط) المراد به هنا: المكان المنخفض من الأرض الذي كانوا يقصدونه قبل بناء المراحيض لقضاء الحاجة، وتقدم.\n\nقوله: (فلا تستقبلوا القبلة) المراد: الكعبة أو جهتها.\n\nقوله: (بغائط) المراد به هنا: الخارج المستقذر من الدبر.\n\nقوله: (ولكن شرقوا أو غربوا) أي: استقبلوا جهة الشرق أو الغرب؛ والخطاب في ذلك لأهل المدينة ونحوهم ممن إذا شرق أو غرب انحرف عن القبلة؛ لأن قبلتهم إلى الجنوب، فإذا شرّقوا أو غرّبوا صارت عن يمينهم أو شمالهم.\n\nقوله: (فقدمنا الشام) أي: بعد فتحها، وهو منصوب على نزع الخافض، أي: إلى الشام.\n\nقوله: (مراحيض) جمع مرحاض، وهو المغتسل، والمراد هنا: موضع التخلي، قال في «المصباح المنير»: (رَحَضْتُ الثوب رحضًا: غسلته، والمرحاض: بكسر الميم موضع الرحض، ثم كُنِّي به عن المستراح؛ لأنه موضع غسل النجو) (^١).\n\nقوله: (فننحرف عنها ونستغفر الله ﷿) أي: نميل عن جهة المرحاض\n_________\n(^١) ص (٢٢٢).","vol":"1","page":389},{"text":"التي هي نحو الكعبة، والاستغفار هنا: إما لأنهم لم يحولوها إلى ناحية غير القبلة، أو لأن انحرافهم لا يحصل به تمام الانحراف عن القبلة لصعوبة ذلك حيث كان اتجاه المراحيض إليها.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها حال البول أو الغائط، وهذا النهي للتحريم عند جمهور العلماء، وقد اختلف في هذه المسألة على أقوال أهمها:\nالقول الأول: تعميم النهي، وبه قال جماعة من أهل العلم، فقالوا: يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء والبنيان، وهو المشهور من مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو بكر عبد العزيز (^١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، واختاره ابن العربي، وابن حزم ورجحه، الشوكاني، والمباركفوري شارح «جامع الترمذي»، والشيخ محمد بن إبراهيم (^٢)، ودليلهم حديث أبي أيوب وما في معناه، فإنه نص صريح في النهي عن الاستقبال والاستدبار، ولأنه فعل الراوي.\nالقول الثاني: لمالك والشافعي وجماعة من أهل العلم منهم: البخاري، أنه يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء، ويجوز في البنيان، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهي المذهب (^٣)، ورجحه الصنعاني (^٤).\nواستدلوا بحديث ابن عمر ﵄ قال: (رقيت يومًا على بيت حفصة، فرأيت رسول الله ﷺ يقضي حاجته، مستقبل الشام، مستدبر الكعبة)، وفي رواية: (مستقبلًا بيت المقدس) (^٥).\n_________\n(^١) \"حاشية ابن عابدين\" (١/ ٣٤١)، \"تصحيح الفروع\" (١/ ١١١)، \"الإنصاف\" (١/ ١٠١).\n(^٢) \"الاختيارات\" ص (٨)، \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٢٠٢) (٤/ ٢٨٠)، \"تهذيب مختصر السنن\" (١/ ٢٢)، \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٢٧)، \"المحلى\" (١/ ١٨٩ - ١٩٠)، \"نيل الأوطار\" (١/ ٩٨)، \"تحفة الأحوذي\" (١/ ٥٨)، \"فتاوى ابن إبراهيم\" (٢/ ٣٥).\n(^٣) \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١٠٨)، \"المجموع\" (١/ ٩٢)، \"الإنصاف\" (١/ ١٠٠).\n(^٤) \"سبل السلام\" (١/ ١٣٧).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٤٨)، ومسلم (٢٦٦)، (٦٢).","vol":"1","page":390},{"text":"وكان الأولى بالمصنف أن يذكر هذا الحديث بعد حديث أبي أيوب، كما فعل ابن دقيق العيد في «الإلمام»، والمقدسي في «العمدة»، لِيُعرف الاستدلال به لمن قال بمضمونه، وجواب المخالف عنه.\nقالوا: وهذا دليل على جوازه في البنيان؛ لأن فعل الرسول ﷺ يفسر أقواله ويبين مراده، فإذا نهى عن شيء ثم فعله دل على أن النهي ليس للتحريم، بل للكراهة، وإذا أمر بشيء ثم تركه دل على أن الأمر ليس للوجوب، بل للاستحباب.\nوحديث ابن عمر هذا ليس فيه إلا الاستدبار فقط، فإلحاق الاستقبال به إما بطريق القياس، أو لحديث جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ قد نهانا عن أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء، قال: ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة) (^١).\nوأجاب الأولون عن حديث ابن عمر بأنه فعل، وفعله ﷺ لا يعارض قوله الذي هو خطاب لعموم الأمة؛ لأن الفعل له عدة احتمالات فلا يَرُدّ صريح النهي:\n١ - فيحتمل أنه قبل النهي، فالنهي يرجح عليه؛ لأنه ناقل عن الأصل، وهو الجواز.\n٢ - ويحتمل أنه خاص بالنبي ﷺ فلا يلحق به غيره.\nإلى غير ذلك من الاحتمالات التي ذكر ابن القيم، وهي ستة (^٢)، وبعضها\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٣)، والترمذي (٩) وابن ماجه (٣٢٥) وأحمد (٢٣/ ١٥٧) من طريق ابن إسحاق، حدثني أبان بن صالح، عن مجاهد، عن جابر -﵁-، وهذا إسناد حسن من أجل ابن إسحاق، حسنه الترمذي، والنووي في \"شرحه على صحيح مسلم\" (٣/ ١٥٧)، ونقل ابن الملقن في \"خلاصة البدر المنير\" (١/ ٤٤) أن البخاري صححه، وقال الترمذي في \"العلل\" (١/ ٨٦ - ٨٧): (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: رواه غير واحد عن محمد بن إسحاق) قال ابن القيم: (إن كان مراد البخاري صحته عن ابن إسحاق لم يدل على صحته في نفسه، وإن كان مراده صحته في نفسه فهي واقعة عين حكمها حكم حديث ابن عمر). \"زاد المعاد\" (٢/ ٣٨٥).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٢/ ٣٨٦).","vol":"1","page":391},{"text":"ضعيف، كقولهم: إنه قبل النهي، فإن هذا مجرد احتمال، فلا يكفي، إذ لا دليل عليه، وأما دعوى الخصوصية فمردودة؛ لأن الأصل التأسي به ﷺ في أفعاله ما لم يقم دليل على الخصوصية، لكن الدليل إذا طرقه الاحتمال ضَعُفَ، إذ لا سبيل للجزم بواحد منها، فلا تترك الأحاديث الصحيحة الصريحة لمثل ذلك.\nوقالوا عن حديث جابر: إن فيه ابن إسحاق، وهو وإن كان لا بأس به ولكنه ليس بمنزلة من روى أحاديث النهي مطلقًا، وهي أحاديث في الصحيحين، كحديث أبي أيوب الذي أخرجه السبعة، ثم إن هذا الحديث حكاية فعل فلا عموم لها، ويحتمل أن ذلك لعذر، وليس فيه دلالة على أنه في البنيان، فكيف يقدم على النصوص الصحيحة الصريحة في المنع؟.\nوالذي يظهر لي - والله أعلم - هو القول الأول، ووجه الترجيح أمران:\nالأول: أن النهي ورد بصريح القول، وهو خطاب لجميع الأمة، ولم يغيره النبي ﷺ في حق أمته، لا مطلقًا ولا من وجه، وقد رواه عدد من الصحابة ﵃، كأبي أيوب في الصحيحين، وسلمان الفارسي وأبي هريرة عند مسلم وغيرهم، والمعارض لها إما معلول السند وإما ضعيف الدلالة.\nالثاني: أن علة النهي تعظيم واحترام القبلة، وهذا معنى مناسب ورد النهي على وفقه فيكون علة له، ولا فرق في ذلك بين الصحراء والبنيان، ولو كان الحائل كافيًا في جوازه في البنيان لكان في الصحراء من الجبال والأودية ما هو أكفى.\nقال الشوكاني: (الإنصاف: الحكم بالمنع مطلقًا، والجزم بالتحريم حتى ينتهض دليل يصلح للنسخ أو التخصيص أو المعارضة، ولم نقف على شيء من ذلك) (^١).\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على جواز استقبال الشمس أو القمر حال البول أو الغائط، ووجه الدلالة من وجهين:\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٩٦).","vol":"1","page":392},{"text":"الأول: أنه نهاهم عن استقبال القبلة واستدبارها، ولم ينههم عن استقبال غيرهما من الجهات.\nالثاني: أن قوله: «شَرِّقوا أو غَرِّبوا» عام في كل وقت، فإذا شرق وقت طلوعهما استقبلهما، وإذا غرب عند ميلانهما للغروب استقبلهما.\nوأما ما جاء في كتب الفقه من كراهة استقبالهما لما فيهما من نور الله تعالى، فهو غير صحيح لأمرين:\nالأول: أن النور الذي في الشمس والقمر ليس نور الله تعالى الذي هو صفته، بل هو نور مخلوق.\nالثاني: أن هذا النور ليس خاصًا بهما، بل هو في سائر الكواكب، فيلزم منه كراهة استقبال النجوم، ولا قائل به، والله أعلم.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على تعظيم الكعبة واحترامها؛ لأنها بيت الله ﷿، أضافها إلى نفسه، فقال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦]، ولها مكانة عظمى في قلوب المسلمين، وقد أوجب الله تعالى استقبالها في الصلاة التي هي أكمل حالات العبد، إذ هي صلة بين العبد وربه، ونزهها أن تكون قبلة لهم حال بولهم أو غائطهم، أو تكون خلفهم تعظيمًا لها واحترامًا، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":393},{"text":"<span data-type='title' id=toc-91>وجوب الاستتار عند قضاء الحاجة</span>\n٩٨/ ١٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (٣٥) في «الطهارة»، باب «الاستتار في الخلاء» من طريق ثور بن يزيد، عن الحصين الحُبْراني (^١)، عن أبي سعيد الحبراني، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «… ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبًا من رمل فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني ادم، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج». قال أبو داود: (رواه أبو عاصم عن ثور قال: «حصين الحميري» ورواه عبد الملك بن الصباح، عن ثور فقال: «أبو سعيد الخير» قال أبو داود: أبو سعيد الخير هو من أصحاب النبي ﷺ).\nوبهذا يتبين أن نسبته إلى عائشة وهم من الحافظ، وإنما هو من حديث أبي هريرة ﵁ (^٢).\nوهذا إسناد ضعيف، لأنه من رواية حصين الحبراني، قال الذهبي: (حصين الحميري الحبراني، لا يعرف في زمن التابعين، خَرَّجَ له أبو داود وابن ماجه) (^٣)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٤)، وقال أبو زرعة:\n_________\n(^١) بضم الحاء نسبة إلى حُبران بضم فسكون، بطن من حمير.\n(^٢) انظر: \"التلخيص\" (١/ ١١٣).\n(^٣) \"الميزان\" (١/ ٥٥٥).\n(^٤) \"الثقات\" (٦/ ٢١١).","vol":"1","page":394},{"text":"(شيخ) (^١)، وقال في «التقريب»: (مجهول).\nوأبو سعيد الحُبراني، مختلف فيه، فقيل: إنه صحابي، ولا يصح، وهو مجهول، وثقه ابن حبان (^٢).\nوالمصنف لم يذكر ضعفه كعادته؛ لأنه حسنه «في الفتح» (^٣)، كما تقدم عند حديث سلمان ﵁، ونقل ابن الملقن تصحيحه عن ابن حبان والحاكم (^٤).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن الاستتار عن أعين الناس عند قضاء الحاجة مطلوب، وقد مضى أن النبي ﷺ كان إذا أراد الحاجة أبعد، وذلك لقصد الستر، وإلا فهما أمران متغايران؛ أعني الاستتار وطلب التفرد، لكن أحدهما يؤكد الآخر.\nوالحديث وإن كان ضعيفًا لكن معناه صحيح، وعمومات الشريعة تدل على أن ذلك مطلوب، وفيه تأسٍّ بالنبي ﷺ.\nوالاستتار يحصل إما بجدار أو بكثيب من رمل أو نحو ذلك مما يجعله خلفه، لئلا يراه أحد.\nومن الاستتار ما ورد في حديث ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد الحاجة تنحى، ولا يرفع ثيابه حتى يدنو من الأرض) (^٥).\nوفي حديث بهز بن حكيم قال: حدثني أبي، عن جدي قال: قلت: يا\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ١٩٩ - ٢٠٠)، ومعنى: (شيخ): أي ليس بحجة، فيكتب حديثه ويصلح في المتابعات، وتقدم ذلك.\n(^٢) \"الثقات\" (٥/ ٥٦٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥٧).\n(^٤) \"خلاصة البدر المنير\" (١/ ٤٣).\n(^٥) أخرجه أبو داود (١٤)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٩٦) من طريق الأعمش، عن رجل، عن ابن عمر مرفوعًا، وهذا إسناد ضعيف لجهالة الرجل، واختلف على الأعمش فرواه عبد السلام بن حرب، عن الأعمش، عن أنس بنحوه .. أخرجه أبو داود (١٤) والترمذي (١٤) قال أبو داود: وهو ضعيف، وقال البخاري عنهما: (كلاهما مرسل)، انظر: \"علل الترمذي\" (١/ ٩٥). وقد أورد الألباني هذا الحديث في \"الصحيحة\" (٣/ ٦٠).","vol":"1","page":395},{"text":"رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك» قال: قلت: يا رسول الله، فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: «إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينّها» قلت: فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: «فالله أحق أن يُستحيا منه» (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٩٤)، وابن ماجه (١٩٢٠)، وأحمد (٣٣/ ٢٣٥)، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن).","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type='title' id=toc-92>ما يقال عند الخروج من الخلاء</span>\n٩٩/ ١٤ - وَعَنْهَا أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا خَرَجَ مِنَ الْغائِطِ قَالَ: «غُفْرَانَكَ». أَخْرَجَهُ الْخَمسةُ. وَصَحّحَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَالحَاكِمُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الخمسة وهم: أبو داود (٣٠) في كتاب «الطهارة»، والترمذي (٧)، والنسائي في (عمل اليوم والليلة) (٧٩) وهو ضمن «السنن الكبرى» له (٦/ ٢٤)، وابن ماجه (٣٠٠)، وأحمد (٤٢/ ١٢٤)، وأخرجه - أيضًا - ابن حبان (٤/ ٢٩١)، والحاكم (١/ ١٨٥) كلهم من طريق إسرائيل بن يونس، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه، حدثتني عائشة ﵂ به.\nوهذا إسناد حسن، يوسف بن أبي بردة، وثقه العجلي (^١) والحاكم، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٢)، وقال الذهبي في «الكاشف»: (ثقة)، وقال الحافظ في «التقريب»: (مقبول)، قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة)، قال الشيخ أحمد شاكر: (وغرابته لانفراد إسرائيل به، وإسرائيل ثقة حجة) (^٣)، وقد صححه أبو حاتم الرازي والحاكم، كما ذكر الحافظ.\nقال الحاكم (١/ ٢٦٢): (هذا حديث صحيح، فإن يوسف بن أبي بردة من ثقات ال أبي موسى، ولم نجد أحدًا طعن فيه، وقد ذكر سماع أبيه من\n_________\n(^١) \"تاريخ الثقات\" ص (٤٨٥).\n(^٢) \"الثقات\" (٧/ ٦٣٨).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١/ ١٢).","vol":"1","page":397},{"text":"عائشة ﵂) (^١).\nوأما تصحيح أبي حاتم فقد نقله ابنه فقال: سمعت أبي يقول: (أصح حديث في هذا الباب - يعني في باب الدعاء عند الخروج من الخلاء - حديث عائشة …) (^٢)، وممن صححه النووي (^٣)، والحافظ ابن حجر (^٤)، والألباني (^٥).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (غُفرانك) أي: أسألك غفرانك، فهو منصوب بفعل محذوف، كما قال تعالى: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أي: أعطنا وامنحنا غفرانك، والمغفرة هي ستر الذنوب والتجاوز عنها.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب قوله: «غفرانك» بعد قضاء حاجته وخروجه من المكان، فإن كان في بناء قاله إذا خرج، وإن كان في الصحراء قاله إذا فارق المكان الذي قضى فيه حاجته، ووجه الاستحباب أن هذا فعل مجرد لقصد القربة، فهو للاستحباب، على أظهر الأقوال كما في علم الأصول.\nومناسبة هذا الدعاء أن الإنسان لما خف جسمه بعد قضاء الحاجة، وارتاح من الأذى، تذكر ثقل الذنوب وعواقبها فدعا ربه أن يخفف عنه أذية الإثم، كما منّ عليه بتخفيف أذية الجسم، فالنجو يُثقل البدن ويؤذيه، والذنوب تثقل القلب وتؤذيه، وهذا معنى مناسب من باب تذكّر الشيء بالشيء، وقد أشار إلى هذا المعنى ابن القيم (^٦).\nوقال البغوي: (كأنه رأى تركه ذِكْرَ الله تعالى زمان لبثه على الخلاء تقصيرًا منه فتداركه بالاستغفار) (^٧)، وقد سبقه إلى ذلك الخطابي (^٨)، وعنه\n_________\n(^١) \"المستدرك\" (١/ ٢٦٢).\n(^٢) \"العلل\" (١/ ٤٣).\n(^٣) \"الأذكار\" ص (٢٨)، \"المجموع\" (٢/ ٧٥).\n(^٤) \"نتائج الأفكار\" (١/ ٢١٤).\n(^٥) \"إرواء الغليل\" (١/ ٩١).\n(^٦) \"إغاثة اللهفان\" (١/ ٧٤).\n(^٧) \"شرح السنة\" (١/ ٣٧٩).\n(^٨) \"معالم السنن\" (١/ ٣٢).","vol":"1","page":398},{"text":"نقله النووي (^١).\nوالأول أظهر، وأما الثاني ففيه نظر؛ لأنه انحبس عن ذكر الله في هذا الموطن بأمر الله، وإذا كان كذلك فإنه لا يقال عنه: إنه غافل عن الذكر، بل هو ممتثل متعبد لله تعالى، كالحائض لا تصلي ولا تصوم، ولا يسن لها إذا طهرت أن تستغفر الله تعالى من تركها ذلك.\n\nالوجه الرابع: ورد في هذا الموضع أحاديث يذكرها الفقهاء، لكنها ضعيفة، ولذا قال أبو حاتم: (أصح ما فيه حديث عائشة) كما تقدم.\nومن ذلك حديث أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» (^٢)، وفي الأحاديث الصحيحة غُنية عن الضعيفة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٢/ ٧٦).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٠١) وإسناده ضعيف؛ لأنه من رواية إسماعيل بن موسى البصري ثم المكي. قال فيه أبو زرعة: (بصري ضعيف)، وقال أحمد: (منكر الحديث)، وعن علي بن المديني: (لا يكتب حديثه)، ذكر ذلك الذهبي في \"الميزان\" (١/ ٢٤٨)، وقال البوصيري في \"الزوائد\" (١/ ٩٢): (متفق على تضعيفه).","vol":"1","page":399},{"text":"<span data-type='title' id=toc-93>وجوب الاستنجاء بثلاثة أحجار</span>\n١٠٠/ ١٥ - وَعنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: أَتى النَّبيُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ اتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَلَمْ أَجِدْ ثَالثًا، فَأَتَيْتُهُ بِرَوْثَةٍ، فَأَخَذَهُمَا وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: «هَذَا رِكْسٌ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، زَادَ أَحْمَدُ، والدّارَقُطْني: «ائْتِني بِغَيْرِهَا».\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي ﵁، كان سادس رجل في الإسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد بعدها، قال له النبي ﷺ في أول الإسلام: «إنك غلام معلَّم» (^١)، وروى البخاري عنه أنه قال: (والله لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة …) (^٢)، وقال النبي ﷺ: «من أحبّ أن يقرأ القران غضًا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أمّ عبد (^٣) …» (^٤).\nوكان ممن يخدم النبي ﷺ، وهو صاحب سواكه ونعليه ووساده، قال حذيفة ﵁: (ما أعرف أحدًا أقرب سمتًا وهديًا ودلًّا (^٥) بالنبي ﷺ من\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦/ ٨٢، ٨٣) وإسناده حسن.\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٤٦).\n(^٣) كانت أمه تكنى بذلك.\n(^٤) أخرجه أحمد (٧/ ٢٨٧)، وابن ماجه (١٣٨) وإسناده حسن؛ لأنه من رواية عاصم بن أبي النجود، وهو حسن الحديث، كما تقدم، وله شواهد يرتقي بها إلى درجة الصحة.\n(^٥) سمتًا: أي: خشوعًا، وهديًا: طريقة، ودلًّا: أي: سيرة وحالة وهيئة.","vol":"1","page":400},{"text":"ابن أم عبد) (^١).\nتولى القضاء وبيت المال في الكوفة على عهد عمر ﵁ وصدرًا من خلافة عثمان ﵁، ثم دعاه إلى المدينة، ومات فيها سنة اثنتين وثلاثين (^٢) ﵁.\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء»، باب «لا يُستنجى بروث» (١٥٦) من طريق زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق السبيعي، قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود ذكر عن أبيه، أنه سمع عبد الله يقول … وذكر الحديث.\nثم قال البخاري: (وقال إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق: حدثني عبد الرحمن …)، وإبراهيم هذا هو ابن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي، روى عن أبيه وجدِّه أبي إسحاق، قال عنه في «التقريب»: (صدوق يهم).\nوقد رواه عن زهير جمع منهم: يحيى القطان وأحمد بن يونس ويحيى ابن ادم وأبو نعيم والحسن بن موسى وغيرهم.\nقال الحافظ: (وإنما عدل أبو إسحاق عن أبي عبيدة إلى الرواية عن عبد الرحمن مع أن رواية أبي عبيدة أعلى، لكون أبي عبيدة لم يسمع من أبيه على الصحيح، فتكون منقطعة، بخلاف رواية عبد الرحمن فإنها موصولة) (^٣).\nوغرض البخاري من قوله: (وقال إبراهيم ..) الرد على من زعم أن أبا إسحاق دلس هذا الخبر، فقد ذكر الحاكم أن أبا إسحاق الشاذكوني قال: (ما سمعت بتدليس قط أعجب من هذا ولا أخفى، قال: أبو عبيدة لم يحدثني، ولكن عبد الرحمن عن فلان عن فلان، ولم يقل: حدثني، فجاز\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧/ ١٠٢ فتح).\n(^٢) \"الإصابة\" (٦/ ٢١٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥٧).","vol":"1","page":401},{"text":"الحديث وسار) (^١).\nوقد ذكر الترمذي أن هذا الحديث فيه اضطراب، وكذا الدارقطني (^٢)؛ لأن أبا إسحاق السبيعي روى الحديث على أوجه متعددة، وقد ذكرها الدارقطني، ورجح رواية زهير عن أبي إسحاق، وهي التي أخرجها البخاري، ثم قال: (وفي النفس منه شيء؛ لكثرة الاختلاف على أبي إسحاق، والله أعلم) (^٣). أما الترمذي فقد رجح رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، وضعّف رواية زهير المذكورة؛ لأن سماع زهير من أبي إسحاق كان بأخَرة، وإسحاق قد اختلط.\nوالصواب مع البخاري، فإنه على فرض أن زهيرًا سمع من أبي إسحاق بأخَرة فإنه قد توبع، كما قال الحافظ (^٤)، تابعه يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، قال ابن عيينة: (لم يكن في ولد أبي إسحاق أحفظ منه).\nوإسرائيل - أيضًا - قد سمع من أبي إسحاق بأخرة، كما قال الإمام أحمد (^٥)، وقد ذكر أبو داود كما في «سؤالات الآجري»: أن زهيرًا فوق إسرائيل بكثير (^٦).\nوقد نفى الحافظ في «المقدمة» هذا الاضطراب؛ لثبوت ترجيح رواية زهير عن أبي إسحاق على رواية إسرائيل عن أبي إسحاق، وهما أرجح الروايات كلها.\nوأخرجه أحمد من طريق أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس، عن ابن مسعود، ولفظه: (فألقى الروثة وقال: إنها ركس ائتني بحجر) (^٧) وهذه الزيادة صحيحة إن ثبت سماع أبي إسحاق من علقمة، قال أبو حاتم وأبو زرعة: (أبو إسحاق لم يسمع من علقمة شيئًا) (^٨)، ونقل الحافظ عن\n_________\n(^١) \"معرفة علوم الحديث\" ص (١٠٩).\n(^٢) \"الإلزامات والتتبع\" ص (٢٢٧).\n(^٣) \"المصدر السابق\".\n(^٤) \"هدي الساري\" (٣٤٩).\n(^٥) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢٢٩).\n(^٦) انظر: \"الميزان\" (٢/ ٨٦).\n(^٧) \"المسند\" (٧/ ٣٢٦).\n(^٨) \"المراسيل\" ص (١٤٥).","vol":"1","page":402},{"text":"الكرابيسي أنه أثبت سماع أبي إسحاق هذا الحديث من علقمة (^١).\nوأخرجه الدارقطني بهذا الإسناد بلفظ: «ائتني بغيرها» (^٢)، وسيأتي - إن شاء الله - بيان غرض الحافظ من إيراد هذه الزيادة.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أتى الغائط) أي: ذهب إلى الأرض المطمئنة لقضاء الحاجة.\n\nقوله: (فأتيته بروثة) بفتح الراء وسكون الواو، هي فضلة ذات الحافر، وعند ابن خزيمة (فوجدت له حجرين وروثة حمار ..) (^٣).\n\nقوله: (إنها ركس) بكسر الراء وسكون الكاف، وعند ابن ماجه وابن خزيمة: «هي رجس»، قال أبو عبيد: (هو شبيه المعنى بالرجيع) (^٤)، أي: لأنه رجع من حالة الطعام إلى حالة الروث، وقال الفيومي: (الركس بالكسر هو: الرجس، وكل مستقذر «ركس») (^٥).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن الاستنجاء لا يكون بأقل من ثلاثة أحجار؛ لأنه ﷺ طلب من ابن مسعود ﵁ أن يأتيه بثلاثة أحجار، وقد تقدم في حديث سلمان ﵁ عند مسلم: (نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار فإنها تجزي عنه» (^٦).\nومعنى: (فليستطب) أي فليستنجِ، يقال: استطاب الرجل: إذا استنجى.\nوهذا قول الشافعية والحنابلة (^٧)، واختاره ابن حزم، ونقله ابن عبد البر عن أكثر المدنيين من أصحاب مالك (^٨).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥٧).\n(^٢) \"السنن\" (١/ ٥٥).\n(^٣) \"صحيح ابن خزيمة\" (١/ ٣٩).\n(^٤) \"غريب الحديث\" (١/ ١٦٦).\n(^٥) \"المصباح المنير\" ص (٢٣٧).\n(^٦) أخرجه أبو داود (٤٠)، والنسائي (٤٤)، وأحمد (٤١/ ٢٨٨)، والدارقطني (١/ ٥٤) وقال: (إسناده صحيح).\n(^٧) \"المجموع\" (٢/ ١٢٠)، \"المغني\" (١/ ٢٠٩).\n(^٨) \"المحلى\" (١/ ١٠٨)، \"الكافي\" (١/ ٣٢).","vol":"1","page":403},{"text":"وذهبت الحنفية والمالكية إلى أنه يجزئ حجران، ولا يلزم الثالث؛ لأنه ﷺ اكتفى بحجرين لما ألقى الروثة، ولم يطلب من عبد الله أن يأتيه بثالث بدلها (^١).\nوالقول الأول أرجح؛ لأن إزالة النجاسة وإن كانت معقولة المعنى؛ وهو أن الغرض الإنقاء؛ لكن تحديد الشرع هذه الإزالة في حالة الاستجمار بثلاثة أحجار أمر يجب اعتباره، وتركه فيه مخالفة الشارع الحكيم، وهذا أمر ثبت عنه ﷺ قولًا وفعلًا، والقول صريح في ذلك، كحديث سلمان ﵁ وغيره مما تقدم.\nوأما توجيه أصحاب القول الثاني فيجاب عنه من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن الرسول ﷺ طلب الحجر الثالث، كما تقدم في رواية أحمد والدارقطني التي ذكر الحافظ، وكأن غرضه من إيرادها الرد على الطحاوي وإثبات الحجر الثالث، وقد ذكر الحافظ أنه على تقدير عدم سماع أبي إسحاق من علقمة فهو مرسل؛ والمرسل حجة عند المخالفين - يريد الطحاوي ومن هو على مذهب أبي حنيفة - وعندنا - أيضًا - إذا اعتضد (^٢).\n\nالوجه الثاني: أنه لا يلزم أن يأمر ابن مسعود ﵁ أمرًا جديدًا، بل اكتفى ﷺ بالأمر الأول في طلب الثلاثة، وحين ألقى الروثة علم ابن مسعود أنه لم يتمّ امتثاله الأمر حتى يأتي بحجر ثالث.\n\nالوجه الثالث: أنه يحتمل أنه ﷺ أخذ ثالثًا بنفسه من دون طلب، أو استنجى بحجر وطرفي حجر اخر، وبالاحتمال لا يتم الاستدلال للطحاوي، ولا لمن دافع عنه، وهو العيني (^٣) عفا الله عن الجميع، وجزاهم خيرًا، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٢٢)، \"المنتقى\" (١/ ٦٨)، \"التمهيد\" (١١/ ١٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥٧).\n(^٣) \"عمدة القارئ\" (٢/ ٢٩٣).","vol":"1","page":404},{"text":"بيان<span data-type='title' id=toc-94> ما لا يُستنجى به</span>\n١٠١/ ١٦ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهى أَنْ يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ، أَوْ رَوْثٍ، وَقَالَ: «إِنّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ». رَوَاه الدّارَقُطْنِيُّ وَصَحّحَهُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه ابن عدي (٣/ ٣٣٢)، والدارقطني (١/ ٥٦) من طريق سلمة ابن رجاء، عن الحسن بن فرات القزاز، عن أبيه، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا.\nوقال الدارقطني: (إسناده صحيح)، وذكره ابن دقيق العيد في «الإلمام» (^١)، ونقل الحافظ تصحيح الدارقطني (^٢).\nوسلمة بن رجاء التميمي الكوفي مختلف فيه، فقال فيه ابن معين: (ليس بشيء)، وقال النسائي: (ضعيف)، وقال أبو زرعة: (صدوق)، وقال أبو حاتم: (ما بحديثه بأس) (^٣)، وقال ابن عدي: (أحاديثه أفراد وغرائب، حدث بأحاديث لا يتابع عليها) (^٤)، وذكر الحافظ في «المقدمة»: أن له حديثًا واحدًا في البخاري في «الفضائل» (^٥).\nوالظاهر أنه لا بأس به، فإنه في هذا الحديث وافق غيره، كما في حديث سلمان المتقدم وغيره من الأحاديث التي ذكر فيها النهي عن الاستنجاء\n_________\n(^١) ص (٩٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥٦).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٢٧).\n(^٤) \"الكامل\" (٣/ ٣٣٢).\n(^٥) \"هدي الساري\" ص (٤٠٧).","vol":"1","page":405},{"text":"بالعظم والروث، والحسن بن فرات قال عنه الحافظ: (صدوق يهم)، وقد ذكر الدارقطني في «العلل» (٨/ ٢٣٩) أنه وهم في هذا الحديث بزيادة (إنهما لا يطهران) وقد روى الدارقطني هذا الحديث من طريق نصر بن حماد، ثنا شعبة، عن فرات، عن أبي حازم به، بدونها. ونصر بن حماد ضعيف.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث، وقد علل لذلك بأنهما لا يطهران، مع أن الدارقطني قد حكم بزيادتها، وقد تقدم في حديث ابن مسعود ﵁ التعليل بأنهما طعام الجن، وتقدم تعليل الروثة - أيضًا - بأنها ركس.\nوالتعليل بعدم التطهير في الروثة عائد إلى كونها ركسًا، وأما في العظم فلأنه لزج لا يكاد يتماسك، فلا ينشف النجاسة ولا يقطع البِلَّةَ، ومثل ذلك الزجاج الأملس.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الاستنجاء بالأحجار يطهر طهارة لا يلزم معها الماء، وليس مزيلًا فقط؛ لأنه علل بأن العظم والروث لا يطهران؛ فدل على أن الحجارة وما في معناها يطهر، وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة، ويؤيد ذلك حديث ابن مسعود المتقدم، فإنه ﷺ طلب أحجارًا ولم يطلب ماء، وكذا حديث سلمان المتقدم، وشرط ذلك الإنقاء، فإذا أنقى المحل بثلاثة أحجار فأكثر أجزأ، ولا يلزم الاستنجاء بالماء، فإن ضم إليه الماء من باب الطهارة والنظافة فهو أكمل.\nوكذا لو تعدى الخارج موضع العادة بيسير بحيث لا يمكن التحرز منه، فإنه يجزئ الاستجمار.\nلكن إن انتشر بحيث يخرج عما جرت العادة به، بأن انتشر الخارج على شيء من الصفحة أو يمتد إلى الحشفة امتدادًا غير معتاد، ففي إجزاء الاستجمار، قولان:\nالأول: أنه لا بد من غسله بالماء وعدم الاكتفاء بالاستجمار، وهو قول","vol":"1","page":406},{"text":"الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١)؛ لأن الاستجمار في المحل المعتاد رخصة لأجل المشقة في غسله؛ لتكرر النجاسة فيه، فما لا تتكرر النجاسة فيه لا يجزئ فيه إلا الغسل، أشبه الساق والفخذ، وقد أخرج البيهقي عن علي ﵁ قال: (إنهم كانوا يبعرون بعرًا، وأنتم تَثْلِطُونَ ثلطًا فأتبعوا الحجارة الماء) (^٢)، لكن عند الحنفية لا يلزم الماء، بل يجزئ أيُّ مائع طاهر مزيل.\nوالقول الثاني: أنه يجزئ الاستجمار في الصفحتين والحشفة، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لعموم الأدلة بجواز الاستجمار، ولم ينقل عنه ﷺ في ذلك تقدير (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"حاشية ابن عابدين\" (١/ ٣٣٩)، \"البحر الرائق\" (١/ ٤١٩)، \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١١٢)، \"المجموع\" (٢/ ١٤٢)، \"الإنصاف\" (١/ ١٠٥).\n(^٢) أخرجه البيهقي (١/ ١٠٦)، وذكره الزيلعى فى \"نصب الراية\" (١/ ٢١٩)، وقال عنه: \"إنه جيد\".\n(^٣) انظر: \"الاختيارات\" ص (٩٠).","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>وجوب التنزه من البول وأنه من أسباب عذاب القبر</span>\n١٠٢/ ١٧ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اسْتَنْزِهُوا مِنَ البَوْلِ، فَإنّ عَامّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ». رَوَاهُ الدّارَقُطْنِيّ.\n١٠٣/ ١٨ - ولِلْحَاكِمِ: «أَكْثرُ عَذَابِ الْقَبرِ مِنَ الْبَوْلِ». وَهُوَ صَحِيحُ الإسْنَادِ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما الأول فقد أخرجه الدارقطني (١/ ١٢٨) من طريق محمد بن الصباح السمان، نا أزهر بن سعد السمان، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا.\nقال الدارقطني: (الصواب أنه مرسل).\nوهذا السند رجاله ثقات غير محمد بن الصباح، فقد ترجمه الذهبي في «الميزان» فقال: (بصري، عن أزهر السمان، لا يعرف، وخبره منكر) (^١) وكأنه يعني هذا الحديث (^٢).\nوأما الثاني فقد أخرجه أحمد (١٥/ ١٢)، والدارقطني (١/ ١٢٨)، والحاكم (١/ ١٨٣) من طريق أبي عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أكثر عذاب القبر من البول» ولفظ أحمد: «في البول».\n_________\n(^١) \"الميزان\" (٣/ ٥٨٣).\n(^٢) انظر: \"إرواء الغليل\" (١/ ٣١١).","vol":"1","page":408},{"text":"قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علة، ولم يخرجاه، وله شاهد من حديث أبي يحيى القتات).\nوسأل الترمذيُّ البخاريَّ عن هذا الحديث فقال: (صحيح) (^١).\nوقال الدارقطني: (صحيح).\nوسئل عنه فقال: (يرويه الأعمش واختلف عنه، فأسنده أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وخالفه فضيل فوقفه، ويشبه أن يكون الموقوف أصح) (^٢)، وسأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث فقال: (إن رفعه باطل) (^٣)، وقد نقل ذلك الحافظ في «التلخيص» (^٤) ولم يتعقبه بشيء، وهنا جزم بصحته، والله أعلم.\nوله شاهد من طريق أبي يحيى القتات - كما ذكر الحاكم - عن مجاهد، عن ابن عباس رفعه إلى النبي ﷺ فقال: «عامة عذاب القبر من البول، فتنزهوا من البول» (^٥).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب تنزه الإنسان من بوله، وذلك بغسله، وإزالة أثره من بدنه أو ثوبه أو مكان صلاته، وتحريم التساهل بذلك، وأن التساهل من أسباب عذاب القبر، بل إن أكثر عذاب القبر منه.\nومن ذلك أن يبول في محل دَمِثٍ حتى لا يطير عليه شيء من رشاش، أو يبول في الحمام في فتحة الغائط، وإذا أصابه شيء منه فليبادر إلى تطهير ما أصابه من ثوبه أو بدنه.\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" (١/ ١٤٠).\n(^٢) \"العلل\" للدارقطني (٨/ ٢٠٨).\n(^٣) \"علل الحديث\" (١/ ٣٦٦).\n(^٤) \"التلخيص\" (١/ ١١٧).\n(^٥) أخرجه البزار (١٤٦) \"مختصر زوائده\"، والطبراني في \"الكبير\" (١١/ ٨٤)، والدارقطني (١/ ١٢٨)، والحاكم (١/ ٢٩٣)، قال الدارقطني: (إسناده لا بأس به). وقال في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٠٧): (وفيه أبو يحيى القتات، وثقه يحيى بن معين في رواية، وضعفه الباقون)، وقد صححه الألباني في \"صحيح الترغيب\" رقم (١٥٠)، فالظاهر أن قول الدارقطني: (لا بأس به) أي: لشواهده المذكورة.","vol":"1","page":409},{"text":"وقد جاء في ذلك - أيضًا - أحاديث كثيرة، ذكرها المنذري (^١) ومن ذلك حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير؛ ثم قال: بلى، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة .. الحديث» (^٢).\nوقد أفاد هذا الحديث أن ترك التنزه من البول من كبائر الذنوب، وقد جاء في رواية للبخاري: «وما يعذبان في كبيرة، وإنه لكبير» (^٣)، وقد بوب عليه البخاري في كتاب «الوضوء» بقوله: (بابٌ من الكبائر أن لا يستتر من بوله) (^٤)، وذلك لأن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة، وتركها كبيرة بلا شك، وقد ذكر الذهبي في كتابه «الكبائر»: عدم التنزه من البول (^٥)، ومن بعده ابن حجر الهيثمي في كتابه «الزواجر» (^٦)، قال الخطابي (معناه: أنهما لم يعذبا في أمر كان يكبر عليهما أو يشق فعله لو أرادا أن يفعلاه وهو التنزه من البول وترك النميمة، ولم يرد أن المعصية في هاتين الخصلتين ليست بكبيرة في حق الدين وأن الذنب فيهما هين سهل) (^٧)، وقال المنذري: (ولخوف توهم مثل هذا استدرك، فقال ﷺ: «بلى إنه كبير») (^٨) والله أعلم.\nوهذا في بول بني ادم، وما شابهه من الأبوال النجسة، وأما من عممه في سائر الأبوال - كالخطابي (^٩) - فهو مردود، لقوله في رواية: (وكان لا يستتر من بوله) فتكون الألف واللام في قوله: (من البول) بدلًا من الضمير، أما بول المأكول كالإبل والغنم فهو طاهر؛ لأن النبي ﷺ أباح للعرنيين شرب أبوال الإبل (^١٠)، ولم يأمرهم بغسل أوانيهم ولا ما أصابهم منها، فدل على طهارتها.\n_________\n(^١) \"الترغيب والترهيب\" (١/ ١٣٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٧٢).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣١٧).\n(^٥) ص (١٠٤) \"الكبيرة الحادية والثلاثون\".\n(^٦) \"الزواجر\" (١/ ١٢٠).\n(^٧) \"معالم السنن\" (١/ ٢٧).\n(^٨) \"الترغيب والترهيب\" (١/ ١٣٩).\n(^٩) \"معالم السنن\" (١/ ٢٧).\n(^١٠) أخرجه البخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١) (٩).","vol":"1","page":410},{"text":"الوجه الثالث: الحديث دليل على ثبوت عذاب القبر، وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى عن ال فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، قال ابن كثير: (هذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور) (^١)، وقد تواترت الأحاديث عنه ﷺ في إثبات عذاب القبر، ومن ذلك الأحاديث التي مضت، نسأل الله تعالى أن يعيذنا من عذاب القبر. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ١٣٦).","vol":"1","page":411},{"text":"<span data-type='title' id=toc-96>الاعتماد على الرجل اليسرى عند قضاء الحاجة</span>\n١٠٤/ ١٩ - عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: عَلّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْخَلَاءِ: أَنْ نَقْعُدَ عَلَى الْيُسْرَى، وَنَنْصِبَ الْيُمْنَى. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو سفيان، سراقة بن مالك بن جُعْشُم - بضم الجيم وسكون العين المهملة وضم الشين المعجمة - المدلجي الكناني، كان ينزل قُدَيدًا (^١)، يُعَدّ في أهل المدينة، وقد روى البخاري قصته في إدراكه الرسول ﷺ لما هاجر إلى المدينة، ودعا النبي ﷺ عليه حتى ساخت رِجْلا فرسه في الأرض ثم إنه طلب منه الخلاص وأن لا يدل عليه ففعل، وكتب له أمانًا (^٢)، أسلم يوم الفتح، ومات سنة أربع وعشرين في خلافة عثمان ﵁، وقيل: مات بعد عثمان (^٣) ﵁.\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة في «مسنده» كما في «المطالب العالية» (١/ ١٨)، والطبراني في «الكبير» (٧/ ١٦٠ - ١٦١) والبيهقي في\n_________\n(^١) قُديد: على وزن زُبير، قرية معروفة ضعيفة، تقع بين خُليص وعُسفان بقرب مكة. \"المغانم المطابة\" ص ٣٣٤.\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٢٣٨).\n(^٣) \"الاستيعاب\" (٤/ ١٣١)، \"الإصابة\" (٤/ ١٢٧).","vol":"1","page":412},{"text":"«السنن الكبرى» (١/ ٩٦) من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن رجل من بني مدلج، عن أبيه قال: (قدم علينا سراقة بن جعشم فقال: علمنا رسول الله ﷺ إذا دخل أحدنا الخلاء أن يعتمد اليسرى وينصب اليمنى).\nوهذا إسناد ضعيف، ذكره المصنف ليعلم حاله؛ لأن فيه رجُلين مبهمين وهما: المدلجي ووالده، ومحمد بن عبد الرحمن: مجهول، وليس لهذا الحديث طريق غير هذا.\nولفظ البيهقي كما تبين: (أن يعتمد) وكأن معناها: أن يتمايل على رجله اليسرى ويميل على جهتها، وأما لفظ الحافظ: (أن نقعد) فهو مشكل؛ لأن قضاء الحاجة ليس محل قعود على الرجل اليسرى وإلا لتلوث بالنجاسة.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب نصب الرجل اليمنى، والتحامل على الرجل اليسرى أثناء قضاء الحاجة، وقد ذكر العلماء أن هذه الكيفية تُسَهِّلُ الخارج.\nولكن هذا الحديث ضعيف - كما تقدم - والضعيف لا تثبت به الأحكام الشرعية، فإن ثبت من الناحية الطبية أن هذه الجِلْسة مفيدة صارت مطلوبة، لا من جهة أنها من السنة، ولكن من جهة أنها من المصلحة؛ لأن كل ما فيه مصلحة فإنه مأمور به، ما لم يشهد الشرع ببطلانها، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":413},{"text":"<span data-type='title' id=toc-97>استحباب نتر الذكر بعد البول</span>\n١٠٥/ ٢٠ - عَنْ عِيسى بْنِ يَزْدَادَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرّاتٍ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عيسى بن يزداد؛ قيل: بباء موحدة، وراء مهملة، ودالين مهملتين بينهما ألف، وقيل: بمثناة تحتية، وزاي معجمة، وبقيته كالأول، وقيل: ازداد؛ الفارسي اليماني، روى عن أبيه، وروى عنه زكريا بن إسحاق، قال البخاري: (لا يصح حديثه)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^١).\nوأما أبوه، فقال أبو حاتم: (لا صحبة له، وحديثه مرسل) (^٢)، وقال ابن حبان: (يقال: إن له صحبة) (^٣)، وممن نصّ على أنه لا صحبة له: البخاري، وأبو داود، وأبو حاتم - كما تقدم - وابنه عبد الرحمن، وابن عدي، وغيرهم، ذكر ذلك الحافظ ابن كثير (^٤)، وقال ابن معين: (لا يعرف عيسى ولا أبوه).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه ابن ماجه (٣٢٦)، وأحمد (٣١/ ٣٩٩) من طريق زمعة ابن صالح، عن عيسى بن يزداد اليماني، عن أبيه، وأخرجه أحمد (٣١/ ٤٠٠) - أيضًا - من طريق زكريا بن إسحاق، عن عيسى، به.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٢١٢)، \"الثقات\" (٥/ ٢١٦).\n(^٢) \"العلل\" (١/ ٤٢)، \"المراسيل\" ص (٢٣٨).\n(^٣) \"الثقات\" (٣/ ٤٤٩).\n(^٤) \"إرشاد الفقيه\" (١/ ٥٤).","vol":"1","page":414},{"text":"وهذا إسناد ضعيف، وليس له طريق مستقيم بإجماع أهل الحديث، لما تقدم، وأيضًا: زمعة بن صالح متكلم فيه، والأكثرون على تضعيفه، ضعفه أحمد وابن معين - في رواية - وأبو زرعة وابن حبان واخرون، قال النووي: (اتفقوا على أنه ضعيف) (^١).\nوكما أنه ضعيف في سنده فهو ضعيف في متنه، فإن معناه غير صحيح؛ لأن نتر الذكر يسبب درّ البول وتتابعه، والإنسان بهذا الفعل يَجُرُّ على نفسه بلاءً بالسلس والوسوسة وطول بقائه على حاجته.\nوأما قول الشارح المغربي وتبعه الصنعاني: إن حديث ابن عباس المتقدم في قصة صاحب القبرين شاهد لهذا الحديث (^٢) فليس بواضح؛ لأن حديث ابن عباس يدل على خطر وعظم التساهل بالبول وأن الواجب التنزه منه، والتنزه منه لا يلزم منه نتر الذكر، بل يكون في غسله وغسل ما أصاب البدن أو ما أصاب الثوب، والله أعلم.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (فلينتر) من النتر بنون ثم تاء مثناة من فوق ثم راء مهملة من باب «نصر»، قال في القاموس: (استنتر من بوله: اجتذبه واستخرج بقيته من الذكر عند الاستنجاء حريصًا عليه مهتمًا به) (^٣). وصفة ذلك أن ينفض ذكره لاستخراج ما بقي في القصبة.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب النتر ثلاث مرات بعد البول لإخراج بقية البول من الذكر زيادة في الإنقاء، وهذا استحبه كثير من الفقهاء كالشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥)، إما استدلالًا بهذا الحديث، وإما تعويلًا على المعنى المذكور.\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٢/ ٩١).\n(^٢) \"البدر التمام\" (٢/ ٩٣)، \"سبل السلام\" (١/ ١٥٨).\n(^٣) \"القاموس\" (٤/ ٣١٩).\n(^٤) \"المجموع\" (٢/ ٩٠).\n(^٥) \"الإنصاف\" (١/ ١٠٢).","vol":"1","page":415},{"text":"والصواب أن ذلك لا يستحب لعدم ثبوت الحديث، ولأن ذلك يحدث الوسواس - كما تقدم ـ، بل إذا انتهى البول غسل رأس الذكر، ومثل ذلك السّلْتُ الذي ذكره الفقهاء، وهو أن يمسح ذكره من أصله إلى رأسه ثلاث مرات، فهذا لم يصح فيه شيء، وربما سبب ضررًا.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (نتر الذكر بدعة على الصحيح … وكذلك سَلْتُ البول بدعة، لم يشرع ذلك رسول الله ﷺ، والحديث المروي في ذلك ضعيف لا أصل له، والبول يخرج بطبعه، وإذا فرغ انقطع بطبعه، وهو كما قيل: كالضرع إن تركته قرّ، وإن حلبته درّ) (^١).\nوقال ابن القيم: (راجعت شيخنا - يعني ابن تيمية - في السلت والنتر فلم يره، وقال: لم يصح الحديث) (^٢).\nفإن وجد من الناس من قد يخرج منه شيء بعد البول إذا لم يتحرك أو يمشي خطوات فهذا له حكم خاص، ولا ينبغي أن يجعل أمرًا عامًا لكل أحد، فهذا لا حرج عليه إذا تحرك أو مشى خطوات، بشرط أن يتيقن خروج شيء عن طريق التجربة، فإن كان مجرد وَهْمٍ أو وسواس فلا عبرة به، ولا ينبغي الالتفات إليه، قال النووي: (والمختار أن هذا يختلف باختلاف الناس، والمقصود أن يظن أنه لم يبق في مجرى البول شيء يخاف خروجه … وينبغي لكل أحد أن لا ينتهي إلى حد الوسواس …) (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (٢١/ ١٠٦).\n(^٢) \"إغاثة اللهفان\" (١/ ٦٤).\n(^٣) \"شرح المهذب\" (٢/ ٩٠).","vol":"1","page":416},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>حكم الجمع بين الحجارة والماء في الاستنجاء</span>\n١٠٦/ ٢١ - عَنِ ابنِ عَبّاس ﵄ أَنّ النّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَ قُبَاءٍ، فَقَالُوا: إنّا نُتْبِعُ الْحِجَارَةَ المَاءَ. رَوَاهُ الْبَزّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.\n١٠٧/ ٢٢ - وَأَصْلُهُ فِي أَبي دَاوُدَ، والتِّرمذِيِّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ بِدُونِ ذِكْرِ الْحِجَارَةِ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه البزار في «مسنده» (١٥٠ مختصر زوائده) قال: حدثنا عبد الله بن شبيب، ثنا أحمد، عن محمد بن عبد العزيز، قال: وجدت في كتاب أبي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]، فسألهم رسول الله ﷺ فقالوا: (إنا نتبع الحجارة الماء).\nوهذا إسناد ضعيف؛ لأن فيه محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري، قال عنه النسائي: (متروك)، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: (هم ثلاثة إخوة: محمد بن عبد العزيز، وعبد الله بن عبد العزيز، وعمران بن عبد العزيز، وهم ضعفاء الحديث، ليس لهم حديث مستقيم) (^١)، ونقل الهيثمي تضعيفه عن البخاري (^٢)، قال البزار عقب الحديث: (لا نعلم أحدًا رواه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز، ولا عنه إلا ابنه).\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٧).\n(^٢) \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢١٢).","vol":"1","page":417},{"text":"وفي إسناده - أيضًا - عبد الله بن شبيب، وهو ضعيف، قال الذهبي: (مجمع على ضعفه) (^١)، وقال أيضًا: (أخباري علاّمة، لكنه واهٍ) (^٢)، وقال أبو أحمد الحاكم: (ذاهب الحديث) (^٣)، وقال ابن حبان: (يقلب الأخبار ويسرقها) (^٤).\nوأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه أبو داود (٤٤)، والترمذي (٣١٠٠)، وابن ماجه (٣٥٧) من طريق يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (نزلت هذه الآية في أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]، قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت هذه الآية فيهم.\nوهذا إسناد ضعيف، ضعفه النووي (^٥) والحافظ (^٦)، وله علتان:\nالأولى: ضعف يونس بن الحارث، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: (أحاديثه مضطربة)، قال: وسألته عنه مرة أخرى فضعفه، وقال الدوري عن ابن معين: (لا شيء)، وعنه: (ليس به بأس يكتب حديثه).\nوقال أبو حاتم: (ليس بقوي)، وقال أبو داود: (مشهور روى عنه غير واحد) (^٧).\nالثانية: جهالة إبراهيم بن أبي ميمونة، قال ابن القطان: (مجهول الحال لا يعرف، ما روى عنه غير يونس بن الحارث، وهو ضعيف، وقال: إن الجهل بحال إبراهيم بن أبي ميمونة كافٍ في تعليل الخبر فاعلم ذلك) (^٨).\nلكن الحديث له شواهد كثيرة يصح بها، ويدل على مشروعية غسل الدبر من أثر النجو، ومن ذلك ما جاء من طريق أبي أويس، حدثنا شرحبيل، عن عويم بن ساعدة الأنصاري، أنه حدثه أن النبي ﷺ أتاهم في مسجد قباء، فقال:\n_________\n(^١) \"الضعفاء\" (٢١٨).\n(^٢) \"الميزان\" (٢/ ٤٣٨).\n(^٣) يعرف بالحاكم الكبير، وهو محمد بن محمد بن أحمد أبو أحمد النيسابوري الكرابيسي، محدث خراسان في عصره (ت ٣٧٨ هـ)، وأما صاحب \"المستدرك\" فهو أبو عبد الله محمد بن عبد الله (ت ٤٠٥ هـ).\n(^٤) \"المجروحين\" (٢/ ١١).\n(^٥) \"المجموع\" (٢/ ٩٩).\n(^٦) \"التلخيص\" (١/ ١٢٣).\n(^٧) \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٣٨٤).\n(^٨) \"بيان الوهم والإيهام\" (٤/ ١٠٥).","vol":"1","page":418},{"text":"«إن الله ﵎ قد أحسن عليكم الثناء في الطّهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطّهور الذي تطهرون به؟» قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئًا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا (^١).\nومما ورد في هذا الباب حديث أبي أمامة (^٢)، وحديث عبد الله بن سلام (^٣)، وكذا حديث عائشة: (مُرْنَ أزواجكن أن يستطيبوا بالماء، فإني أستحييهم؛ إن رسول الله ﷺ كان يفعله) (^٤).\nوقد ذكر الحافظ في «فتح الباري» حديث الباب، وهو حديث أبي هريرة ﵁ وقال: (إسناده صحيح) (^٥)، وهذا وهم منه ﵀ ولو قال: وهو حديث صحيح، لأصاب، أي: لشواهده؛ ذكر ذلك الألباني (^٦).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (قباء) بضم القاف ممدود؛ مذكر مصروف، هذا هو الصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون، وفي لغة أخرى أنه مؤنث ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، وفي لغة ثالثة أنه اسم مقصور، اسم لمكان قرب المدينة النبوية\nبثلاثة أميال، وهذا في الزمن الماضي، أما الآن فهو حي من أحياء المدينة.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن إزالة النجاسة من محل الخارج بتخفيفها بالحجارة ثم إتباعها الماء هو أكمل التطهر، ليحصل كمال الإنقاء، وهذه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٤/ ٢٣٥)، والحاكم (١/ ١٥٥)، وابن خزيمة (٨٣) وغيرهم.\nوهذا إسناد ضعيف، لأن أبا أويس -وهو عبد الله بن عبد الله المدني- قد تكلم فيه الأئمة من جهة حفظه، قال في \"التقريب\": (صدوق يهم)، وشرحبيل: هو ابن سعد أبو سعد الخطمي ضعيف أيضًا، وقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\"، (٤/ ٢٨٣): (وفي سماعه من عويم بن ساعدة نظر؛ لأن عويمًا مات في حياة الرسول -ﷺ- ويقال: في خلافة عمر -﵁-)، لكنه يتقوّى بما قبله.\n(^٢) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٧٥٥٥) وإسناده ضعيف.\n(^٣) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (١٠/ ١٦٨) وإسناده ضعيف.\n(^٤) أخرجه الترمذي (١٩)، والنسائي (١/ ٤٢)، وأحمد (٤١/ ١٨٢)، وصححه الترمذي وهو معلول.\n(^٥) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٤٥).\n(^٦) \"إرواء الغليل\" (١/ ٨٥).","vol":"1","page":419},{"text":"هي الحالة الأولى، وهذه الحالة لم يثبت فيها حديث من القول ولا من الفعل؛ لأن حديث أنس المتقدم في أول الباب (فأتبعه أنا وغلام بإدواة من ماء فيستنجي بالماء) محتمل، لكن لا شك أن الجمع بينهما أفضل وأكمل في النظافة.\nوالحالة الثانية: الاقتصار على الماء وحده؛ وهو أفضل من الاقتصار على الحجارة وحدها؛ لأنه يطهر المحل، وهذا هو ظاهر حديث أنس المتقدم حيث استنجى ﷺ بالماء، فيحتمل أنه استنجى به بعد الاستنجاء بالحجارة، ويحتمل أنه استنجى به وحده.\nوالحالة الثالثة: الاقتصار على الحجارة وحدها، لا فرق في ذلك بين وجود الماء وعدمه، ولا بين الحاضر والمسافر والصحيح والمريض، وقد دل على ذلك حديث سلمان المتقدم وفيه: (نهانا رسول الله ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار)، وحديث ابن مسعود ﵁ لما أمره الرسول ﷺ أن يأتيه بثلاثة أحجار، وكذا حديث أبي هريرة ﵁ أنه جمع للنبي ﷺ أحجارًا فأتى بها بطرف ثوبه ووضعها إلى جنبه ثم انصرف (^١).\nوقد ذكر ابن القيم في هدي النبي ﷺ عند قضاء الحاجة أنه كان يستنجي بالماء تارة، ويستجمر بالأحجار تارة، ويجمع بينهما تارة (^٢).\nأما الأولان فثابتان، وأما الجمع من فعله فلم يثبت، ولو ثبت لما احتاج من قال: إن الأفضل الجمع بينهما إلى الاستدلال بحديث أهل قباء - الذي أخرجه البزار - مع ضعفه، ولكان الفعل هو الدليل على الأفضلية لو ثبت، والله أعلم (^٣).\nانتهى الجزء الأول، ويليه\nـ بعون الله وتوفيقه - الجزء الثاني،\nوأوله باب «الغسل وحكم الجنب»\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٥).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (١/ ١٧١).\n(^٣) \"المنهل العذب المورود\" (١/ ١٦٣).","vol":"1","page":420},{"text":"<span data-type='title' id=toc-99>باب الغسل وحكم الجنب</span>\nالغُسل - بضم الغين ـ: اسم مصدر بمعنى: اَغتسال، وجمعه: أغسال، وهو تعميم البدن بالغَسل بالماء، والجُنُب: بضم الجيم والنون، اسم لمن حصلت منه الجنابة، وهي إنزال المني.\nوالجنب: البعيد، سمي به من حصلت منه جنابة: إما لأن المنيَّ بَعُدَ عن محله وانتقل عنه، أو لبعده عما كان مباحًا له قبلها من الصلاة والقراءة ونحو ذلك.\nولفظ (الجنب) يطلق على الذكر والأنثى، والمفرد والمثنى والجمع، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وربما طابق على قلة، فيقال: أجناب وجُنُبون، ونساء جُنبات، ومنه قول عائشة ﵂: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ونحن جنبان) (^١).\nوأحاديث هذا الباب تبحث في مسألتين:\nالأولى: في أحكام الغسل، ما يجب منه، وما يستحب، وكيفيته.\nالثانية: أحكام الجنب، ما يحل وما يحرم، من القراءة، واللبث في المسجد، والنوم على جنابة، ونحو ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٢١).","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type='title' id=toc-100>ما جاء في أنه لا اغتسال إلا من إنزال</span>\n١٠٨/ ١ - وعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «المَاءُ مِنَ المَاءِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم (٣٤٣) في كتاب «الحيض» باب «إنما الماء من الماء» من طريق شريك - يعني ابن أبي نَمِرٍ ـ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله يوم الاثنين إلى قباء، حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول الله ﷺ على باب عِتْبان فصرخ به، فخرج يجر إزاره، فقال رسول الله ﷺ: «أعجلنا الرجل»، فقال عتبان: يا رسول الله، أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمنِ ماذا عليه؟ قال رسول الله ﷺ: «إنما الماء من الماء».\nوأخرجه البخاري (١٨٠)، ومسلم (٣٤٥) من طريق شعبة، عن الحكم، عن ذكوان أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ أرسل إلى رجل من الأنصار فجاء ورأسه يقطر، فقال النبي ﷺ: «لعلنا أعجلناك»؟ فقال: نعم، فقال رسول الله ﷺ: «إذا أُعْجِلْتَ - أو قُحِطت - فعليك بالوضوء»، وهذا لفظ البخاري.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الماء من الماء) لفظ مسلم: «إنما الماء من الماء»، والماء الأول: مبتدأ، والمراد به: ماء الاغتسال، والثاني: متعلق بمحذوف خبر، والمراد به: المني النازل دفقًا بلذة، وقد سمَّاه الله تعالى ماء، فقال تعالى:","vol":"2","page":6},{"text":"﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]، ولفظ الحديث فيه جناس تام، حيث اتفق اللفظان في الحروف، واختلف المعنى.\nوفي الحديث أسلوب من أساليب القصر عند البلاغيين، وطريقه (إنما) ومعناه: أن الاغتسال مقصور على الإنزال.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الغسل من إنزال المني، وهذا منطوق الحديث، وأما مفهومه فإنه يفيد عدم وجوب الغسل بدون إنزال، فلو جامعها في فرجها ولم ينزل فليس عليه غسل، وقد دل على ذلك قوله: «إذا أُعجلت أو قُحطت فعليك بالوضوء»، وأُعجلت: بضم الهمزة وكسر الجيم، وقُحطت: بضم القاف وفتحها، وبالهمز: أُقحطت، ومعناه: جامعت ولم تنزل، وهو الإكسال.\nوقد جاء هذا المعنى وهو أن الماء من الماء عن عدد من الصحابة ﵃، عثمان وأُبي بن كعب، وحديثهما في الصحيحين، ورافع بن خديج، وحديثه عند أحمد، وأبي أيوب وحديثه عند النسائي وابن ماجه، وقد ورد عن زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان بن عفان، فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يُمنِ؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره، قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ، فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأُبي بن كعب ﵃، فأمروه بذلك (^١).\nوكان هذا في أول الإسلام، وهو أن من جامع ولم ينزل استنجى وتوضأ، ثم شُرع الغسل مطلقًا بمجرد الإيلاج وإن لم ينزل، وقد ورد ما يدل على النسخ من طريق ابن شهاب، حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن أُبي بن كعب أخبره أن رسول الله ﷺ إنما جعل ذلك رخصة في أول الإسلام، لقلة الثياب، ثم أُمِرَ بالغسل، ونُهِيَ عن ذلك (^٢)، قال أبو داود: (يعني الماء من الماء).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٢)، ومسلم (٣٤٧) دون قوله: \"فسألت .. \".\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢١٤) وإسناده صحيح، وشيخ ابن شهاب يشبه أن يكون أبا حازم سلمة بن دينار، وهو ثقة، ذكر ذلك ابن خزيمة (١/ ١١٤) وغيره.","vol":"2","page":7},{"text":"على أن بعض العلماء حمل حديث الباب على الاحتلام، وقد بوَّب عليه النسائي في سننه (^١)، ومال إليه الحافظ (^٢)، وأيد ذلك الشيخ عبد العزيز بن باز.\nوقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «إنما الماء من الماء في الاحتلام» (^٣).\nلكن إدخال الاحتلام يكون من باب العموم، وأما الحديث فليس في الاحتلام، لما تقدم من التصريح بسببه، وهو أنه سؤال عن الجماع لا عن الاحتلام، وصورة السبب قطعية الدخول في الحكم عند الأكثرين، فيضعف القول باختصاص ذلك بحالة الاحتلام في النوم، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"سنن النسائي\" (١/ ١٥٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٩٨).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١١٢) وفي مصنف عبد الرزاق (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣)، وابن أبي شيبة (١/ ٨٩) لكن دون قوله: (في الاحتلام).","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type='title' id=toc-101>وجوب الغسل من الجماع</span>\n١٠٩/ ٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمّ جَهَدَها، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ». مُتّفَقٌ عَلَيْهِ.\nزَادَ مُسْلِمٌ: (وَإنْ لَمْ يُنزِلْ).\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري (٢٩١) في كتاب «الغسل» باب «إذا التقى الختانان»، ومسلم (٣٤٨) من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن أبي رافع (^١)، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا.\nوأخرجه مسلم - أيضًا - من طريق مطر الوراق، عن الحسن به، وفيه: «وإن لم ينزل».\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا جلس) أي: الرجل، وهو مفهوم من السياق، والمراد بالجلوس: كونه بذلك المحل.\n\nقوله: (بين شعبها الأربع) أي: شعب المرأة الأربع، والضمير لم يتقدم له مرجع، لكنه معلوم من السياق، والشُّعب - بضم الشين ـ: جمع شُعبة، وهي القطعة من الشيء، والمراد بها هنا: يداها ورجلاها على الأظهر، وهو كناية عن مكان الرجل من المرأة في حال الجماع، وهي حال يستقبح ذكرها،\n_________\n(^١) هو نفيع بن الحارث، الصائغ المدني.","vol":"2","page":9},{"text":"فَكَنّى عنها بلفظ الشُّعَبِ التي هي بمعنى الأطراف، ليفهم بذلك المراد من حالة اتصال محلَّي الجماع.\n\nقوله: (ثم جَهَدها) بفتح الجيم والهاء، يقال: جهد وأجهد، أي: بلغ المشقة، والمعنى: بلغ جهده فيها، وذلك بإيلاج ذكره في فرجها، ثم كَدِّها بحركته؛ لأن المرأة وإن كانت تتلذذ بذلك لكن يحصل منها جهد ومشقة.\nوهذا من محاسن اللغة، حيث إنه يُكنَّى عما يُستحيا من ذكره بما يدل عليه، فإن المقصود من ذلك الكناية عن الجماع ومعالجة الإنزال، وأن ذلك إذا حصل فقد وجب الغسل وإن لم ينزل، وفي رواية: «وألزق الختان الختان» بدل «ثم جهدها»، وهذا يدل على أن الجهد كناية عن معالجة الإيلاج، وفي رواية عند مسلم: «إذا مسّ الختان الختان».\nوالمراد من التقاء الختانين: تغييب الحشفة في الفرج، وهو المراد بالمسّ، وليس المراد حقيقته؛ لأن ختان المرأة في أعلى الفرج، ولا يمس الذكر في الجماع.\n\nقوله: (فقد وجب الغسل) أي: عليهما جميعًا.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الغسل من الجماع على الرجل والمرأة، سواء أحصل إنزالٌ أم لا، لقوله في رواية مسلم: «وإن لم ينزل».\nوقد أخرج مسلم من طريق هشام، عن حميد بن هلال، قال: ولا أعلمه إلا عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل.\nقال: قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة ﵂، فأذنت لي، فقلت لها: يا أماه، أو يا أم المؤمنين: إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أستحييك، فقالت: لا تستحي أن تسألني عما كنت سائلًا عنه أُمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؟","vol":"2","page":10},{"text":"قالت: على الخبير سقطت! قال رسول الله ﷺ: «إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل» (^١).\n\nالوجه الرابع: هذا الحديث ناسخ لمفهوم حديث: «إنما الماء من الماء»، ودليل النسخ حديث أبي بن كعب قال: (إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام، ثم نُهي عنها) (^٢)، وهو صريح في النسخ، على أن حديث إيجاب الغسل ولو لم ينزل أرجح ولو لم يثبت النسخ؛ لأنه منطوق، وذلك مفهوم، والمنطوق مقدم في العمل على المفهوم، وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر، عن أم كلثوم، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: إن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يُكْسِلُ، هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله ﷺ: «إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل» (^٣)، وتقدم معنى الإكسال قريبًا.\nونقل ابن رجب عن الدارقطني أنه قال: (لم يختلف عن أبي الزبير في رفع الحديث) (^٤). وأم كلثوم: هي أخت عائشة ﵄؛ ذكره ابن رجب، والنووي (^٥) وقال: (هذا من رواية الأكابر عن الأصاغر).\nوقد حكى النووي وغيره انعقاد الإجماع على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يكن معه إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال، وكان جماعة من الصحابة ﵃ لا يرون الغسل إلا بالإنزال، ثم رجع بعضهم، وانعقد الإجماع بعد الآخرين (^٦).\nوقد ساق الإمام مسلم في صحيحه في هذا الموضع عن أبي العلاء ابن الشّخير أنه قال: (كان رسول الله ﷺ ينسخ حديثه بعضه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٤٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١١٠)، وأحمد (٣٥/ ٢٧) من طريق الزهري، عن سهل بن سعد، عن أبي بن كعب به. وهذا الأثر له طرق متعددة عن الزهري، وقد صححه الترمذي، وابن خزيمة (١/ ١١٢)، وابن حبان (٣/ ٤٤٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٣٥٠).\n(^٤) في \"فتح الباري\" (١/ ٣٦٩).\n(^٥) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٨١).\n(^٦) نفس المصدر (٣/ ٢٧٥).","vol":"2","page":11},{"text":"بعضًا، كما ينسخ القرآن بعضه بعضًا) (^١)، وغرضه بذلك - والله أعلم - الإشارة إلى أن حديث «الماء من الماء» منسوخ، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٣٤٤).","vol":"2","page":12},{"text":"<span data-type='title' id=toc-102>وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها</span>\n١١٠/ ٣ - وعَنْ أُمّ سَلَمةَ ﵂ أَنّ أُمَّ سُلَيمٍ وَهي امرأةُ أَبي طَلْحَةَ ﵂ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنّ اللهَ لا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ الغُسْلُ إذا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: «نَعمْ، إذا رَأَتِ المَاءَ» الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n١١١/ ٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في المَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ قَالَ: «تَغْتَسِلُ». مُتّفَقٌ عَلَيْهِ.\nزَادَ مُسْلمٌ: فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيمٍ: وَهَلْ يَكُونُ هذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، فمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟».\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما الأول: فقد أخرجه البخاري (٢٨٢) في كتاب «الغسل» باب «إذا احتلمت المرأة»، ومسلم (٣١٣) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، قالت: جاءت أم سليم إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال: «نعم إذا رأت الماء»، فقالت أم سلمة: يا رسول الله أوَ تحتلم المرأة؟! فقال: «تربت يداك فبم يشبهها ولدها»، هذا لفظ مسلم، وزاد في رواية أخرى: (قالت: فضحتِ النساء).\nوأما الثاني: فقد أخرجه مسلم (٣١١) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن أنس بن مالك ﵁ حدثهم أن أم سليم حدثت أنها سألت نبي الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال رسول الله ﷺ:","vol":"2","page":13},{"text":"«إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل»، فقالت أم سليم - واستحييت من ذلك - قالت: وهل يكون هذا؟ فقال نبي الله ﷺ: «نعم فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه».\nوقد وهم الحافظ في عزوه للبخاري، فإنه من أفراد مسلم، وقد ذكره المزي ولم يعزه للبخاري (^١)، والله أعلم.\nوظاهر هذا الحديث وما قبله أن المراجعة وقعت بين أم سليم وأم سلمة ﵄؛ وهو الثابت في الصحيحين من رواية هشام بن عروة عن أبيه.\nوأخرجه مسلم من رواية الزهري عن عروة لكن قال: عن عائشة، بدل (أم سلمة) وفيه أن المراجعة وقعت بين أم سليم وعائشة ﵄.\nوالأحسن في الجمع بين هذه الروايات ما قاله النووي، وهو أنه يحتمل أن تكون عائشة وأم سلمة جميعًا أنكرتا على أم سُليم، فإنه لا يمتنع حضور أنس وعائشة وأم سلمة هذه القصة، وقد يكون أنس رواه عن أمه أم سُليم، والله أعلم (^٢).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (أم سُليم) هي: سهلة بنت ملحان - بكسر الميم على الأشهر - الأنصارية، أم أنس بن مالك، لها صحبة ورواية، كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية، فولدت له أنسًا؛ فلما جاء الإسلام أسلمت مع قومها من الأنصار، فغضب لذلك زوجها؛ فخرج إلى الشام فهلك، ثم خطبها أبو طلحة فقالت: إن أسلمت تزوجتك، ولا أريد منك صداقًا غيره، فأسلم، فزوجها به ابنها أنس بن مالك ﵁، كانت من أعقل النساء، وأثبتهن قلبًا، وأفضلهن أدبًا ودينًا ﵂، وقصتها مع زوجها أبي طلحة لما مات ولده فلم تخبره حتى تغشاها، وأصاب منها؛ مشهورة، وهي في الصحيحين (^٣)، قال ابن الملقن:\n_________\n(^١) \"تحفة الأشراف\" (١/ ٣١٠).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٢٧).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٥٤٧٠)، ومسلم (٢١٤٤).","vol":"2","page":14},{"text":"(لم أر من أرّخ وفاتها، ولم يذكرها أيضًا المزي في تهذيبه ولا من تبعه) (^١).\n\nقوله: (وهي امرأة أبي طلحة) هو زيد بن سهل الأنصاري الخزرجي مشهور بكنيته، من فضلاء الصحابة، شهد غزوة بدر وأحد، وتصدق بأحب ماله إليه حين نزل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، توفي سنة خمسين أو إحدى وخمسين، ﵁ (^٢).\nقولها: (إن الله لا يستحي من الحق) أي: لا يمتنع من ذكره حياءً، والحياء لغة: التغير والانكسار والانقباض يعتري النفس الإنسانية من خوف ما يعاب به، وشرعًا: خُلُق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق.\nوالحق: كل خبر خلا من الكذب، وكل حكم خلا من الجور، وهذه الجملة ابتدائية الغرض منها تقديم الاعتذار عما ستسأل عنه، لكونه مما يستحيا منه بحضرة الرجال.\nقولها: (فهل على المرأة الغسل)، هذا لفظ البخاري في كتاب «أحاديث الأنبياء» باب «خلق آدم وذريته» (^٣)، ولفظ الصحيحين في «الطهارة» «من غُسلٍ» وعند البخاري في كتاب «الأدب»: «غُسلٌ» (^٤).\nقولها: (إذا احتلمت) أي: إذا رأت في المنام أنها تُجَامَعُ، والاحتلام: افتعال من الحُلْم بضم المهملة وسكون اللام، وهو ما يراه النائم في نومه، يقال: حَلَمَ يَحْلُم من باب (قتل)، واحتلم فهو حالم ومحتلم، وأما (حَلُمَ) بالضم (حِلْمًا) بالكسر فمعناه: صفح وستر، فهو حليم.\nوالمراد بالحُلْم - هنا ـ: أمر خاص منه، وهو الجماع، فالأول استعمال وضعي، وهذا استعمال عرفي.\n\nقوله: (نعم إذا رأت الماء) أي: نعم عليها الغسل إذا أبصرت الماء وهو المني، والمراد من ذلك: تحقق وقوعه.\n_________\n(^١) \"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام\" (٢/ ٦٣).\n(^٢) \"الإصابة\" (٤/ ٥٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٦٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٠٤، ٥٢٣).","vol":"2","page":15},{"text":"قوله: (الحديث ..) إشارة إلى أن له بقية، ولعله تركها اختصارًا واقتصارًا على موضع الاستدلال، واكتفاءً بما ورد في آخر حديث أنس ﵁، وتقدم سياق الحديث بتمامه.\n\nالوجه الثالث: الحديثان دليل على فضيلة أم سلمة ﵂ بحرصها على الفقه في الدين، وحسن أدبها، حيث قدمت بين سؤالها كلامًا يمهد لعذرها.\n\nالوجه الرابع: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل عما يحتاج إليه حتى في الأمور التي يستحيا منها، ولا ينبغي أن يمنعه الحياء من معرفة الحق والسؤال عنه، لكن يقدم ما يمهد لعذره أو يوكِّل غيره، وأما الامتناع من السؤال عما ينبغي، أو ترك الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، أو الإخلال ببعض الحقوق فهذا ضعف وعجز وخَوَرٌ ومهانة، ولا يسمى حياءً، وإنما يطلق عليه بعض أهل العرف الحياء من باب المجاز، لمشابهته الحياء الحقيقي.\nوقد ورد عن عائشة ﵂ أنها قالت: (نِعْمَ النساءُ نساءُ الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقَّهن في الدين) (^١).\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على نفي صفة الحياء من الحق عن الله تعالى، وذلك لكمال عدله ورحمته.\nوالحياء ثابت لله تعالى على ما يليق بجلاله، ولا يشابه فيه خلقه، كسائر صفاته، وقد ورد في حديث يعلى بن أمية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله حييّ سِتّير، يحب الحياء والستر» (^٢).\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على أن المرأة كالرجل إذا رأت في منامها أنها تُجَامَعُ فإنها تغتسل، كما يغتسل الرجل، لكن بشرط وجود الماء، وهو المني لقوله: «إذا رأت الماء».\nوالمحتلم له ثلاث حالات:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٣٢)، (٦١)، وعلقه البخاري (١/ ٢٢٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٠١٢) والنسائي (١/ ٢٠٠) وأحمد (٢٩/ ٤٨٣) وهو صحيح بطرقه.","vol":"2","page":16},{"text":"الأولى: أن يذكر الاحتلام ويرى المني، فهذا يجب عليه الغسل، كما يدل عليه الحديث الأول.\nالثانية: أن يرى الفعل ولم يَرَ الماء (يعني أنه يجامع ولا يرى الماء) فهذا لا غسل عليه، لمفهوم قوله: «نعم إذا رأت الماء».\nالثالثة: أن يرى الماء ولا يذكر احتلامًا، فيجب عليه الغسل، لعموم «إنما الماء من الماء»، ولأن الإنسان قد يرى الشيء في منامه ثم ينساه.\nأما إذا استيقظ بالغ أو من يمكن بلوغه فوجد في ثوبه بللًا وجَهِلَ كونه منيًا، فإن سبق نومه تفكير في الجماع جعله منيًا، وإن لم يسبق نومه تفكير فقيل: يغتسل احتياطًا، وقيل: لا غسل عليه، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية (^١)، وهو الراجح لقوله: «إذا رأت الماء» يعني بذلك المني، وهنا لم يتيقن المنتبه أن البلل منيّ، فلا يجب الغسل مع الشك؛ لأن الأصل براءة الذمة. هذا بالنسبة للنائم.\nأما اليقظان فظاهر قوله: «إنما الماء من الماء» أن خروج المني يوجب الغسل مطلقًا حتى ولو بدون شهوة وبأي سبب خرج، وهذا مذهب الشافعية (^٢)، ورواية عن أحمد، والمشهور خلافها، وقالت الحنفية والمالكية والحنابلة: لا يجب الغسل إلا إذا خرج بدفق ولذة (^٣)، والظاهر أنه إن كان بلذة فلا بد أن يكون دفقًا، ولهذا اقتصر صاحب «المنتهى» (^٤) على اللذة ولم يذكر الدفق.\nودليل ذلك حديث علي ﵁ قال: كنت رجلًا مذَّاءً فسألت النبي ﷺ فقال: «إذا خذفت الماء فاغتسل من الجنابة، وإن لم تكن خاذفًا فلا تغتسل»، وفي لفظ: «إذا فضخت الماء فاغتسل» (^٥) والخذف والفضخ: خروجه بالغلبة،\n_________\n(^١) \"شرح العمدة\" (١/ ٣٥٣).\n(^٢) \"المجموع\" (٢/ ١٣٩).\n(^٣) \"الإنصاف\" (١/ ٢٢٧)، \"بدائع الصنائع\" (١/ ٣٦)، \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١٢٧).\n(^٤) \"المنتهى\" (١/ ٧٩).\n(^٥) تقدم تخريجه عند الكلام على الحديث رقم (٦٩).","vol":"2","page":17},{"text":"وهو الدفق، وعلى هذا فوصفه بالدفق أقرب وأوفق، لقوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦].\nوعليه فلو خرج بدون لذة لم يجب الغسل، بل يكون نجسًا وليس منيًا، ويحمل حديث: «إنما الماء من الماء» على الماء المعهود المعروف، وهو الذي يخرج بلذة ويوجب ضعف البدن وفتوره.\n\nالوجه السابع: الحديث دليل على أن المرأة تحتلم وتنزل المني، كما ينزل الرجل، والجنين يخلق من نطفتي الرجل والمرأة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢]، قال ابن عباس ﵄: يعني: ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا ثم ينتقل بعدُ من طور إلى طور وحال إلى حال ولون إلى لون، وهكذا قال عكرمة ومجاهد والحسن والربيع بن أنس: الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة (^١).\n\nالوجه الثامن: الحديث دليل على أن شَبَهَ الولد - ذكرًا كان أو أنثى - بأبيه أو أمه مبني على سبق أحد المائين، فإذا سبق ماء أحدهما كان الشبه له، وهذا ما يسمى عند الأطباء بالوراثة (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ٣١٠).\n(^٢) انظر: \"خلق الإنسان بين الطب والقرآن\" ص (١٣٧)، \"الأمومة ومكانتها في الإسلام\" (٢/ ٦٤٣).","vol":"2","page":18},{"text":"<span data-type='title' id=toc-103>حكم الغسل من تغسيل الميت</span>\n١١٢/ ٥ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النبي ﷺ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الجَنَابَةِ، وَيَوْمَ الجمعَةِ، وَمِنَ الحِجَامَةِ، وَمِنْ غُسْلِ المَيّتِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (٣٤٨) في كتاب «الطهارة» باب «الغسل يوم الجمعة»، وفي كتاب «الجنائز» (٣١٦٠) بابٌ «في الغُسل من غَسْلِ الميت»، وابن خزيمة (٢٥٦) من طريق مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب العَنَزِي، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة أنها حدثته أن النبي ﷺ كان يغتسل من أربع …\nوهو عند أبي داود من فعله ﷺ، كما ساقه الحافظ، وأما عند ابن خزيمة فهو من قوله، ولَفْظُهُ، قال: (يُغتسل من أربع: …).\nوأخرجه الحاكم (١/ ٢٦٨) وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه). وتعقب بأن البخاري لم يخرج لمصعب بن شيبة، ولذا قال ابن عبد الهادي: (على شرط مسلم) (^١)، ومع أنه على شرط مسلم إلا أن مصعب بن شيبة متكلم فيه، فالجمهور على تضعيفه، وقد ذكره الذهبي في كتابه (من تُكُلِّم فيه وهو موثق) (^٢)، ونقل عن الدارقطني قوله: (ليس بالقوي)، وقد وثقه ابن معين، كما في رواية إسحاق بن منصور (^٣)، ووثقه العجلي (^٤).\n_________\n(^١) \"التنقيح\" (١/ ٥١٠).\n(^٢) ص (١٧٤).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٤٧).\n(^٤) \"تاريخ الثقات\" رقم (١٥٨٠).","vol":"2","page":19},{"text":"قال أبو داود عقبه في الموضع الثاني: (وحديث مصعب ضعيف؛ فيه خصال؛ ليس العمل عليه)، ونقله عنه المزي (^١).\nوقال الدارقطني بعد سياقه الحديث: (مصعب بن شيبة ليس بالقوي ولا بالحافظ) (^٢)، وقال الترمذي: قال البخاري: (حديث عائشة في هذا الباب ليس بذاك) (^٣)، ونقل ابن أبي حاتم عن الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: (مصعب بن شيبة روى أحاديث مناكير) (^٤)، وقال سألت أبي عن مصعب بن شيبة فقال: (لا يحمدونه، وليس بالقوي) (^٥)، ولما نقل الذهبي ذلك ساق هذا الحديث من مناكيره (^٦)، ومن قبله العقيلي في «الضعفاء» (^٧).\nوقال البيهقي: (أخرج مسلم في الصحيح حديث مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن ابن الزبير، عن عائشة، عن النبي ﷺ: عشر من الفطرة (^٨)، وترك هذا الحديث فلم يخرجه؛ ولا أراه تركه إلا لطعن بعض الحفاظ فيه) (^٩)، والظاهر أن الإمام مسلمًا لم يلتفت إلى ما قيل في مصعب بن شيبة فهو ثقة عنده، فلذا أخرج له في الصحيح، وقد نقل العقيلي عن الإمام أحمد أنه عدَّ حديث «عشر من الفطرة» من مناكير مصعب هذا (^١٠).\nونقل ابن أبي حاتم عن أبي زرعة قوله في هذا الحديث: (لا يصح هذا، رواه مصعب بن شيبة، وليس بالقوي)، قلت لأبي زرعة: لم يُرو عن عائشة من غير حديث مصعب؟ قال: (لا) (^١١).\nونقله ابن حجر في «النكت الظراف» ولم يتعقبه، مما يدل على إقراره به (^١٢).\n_________\n(^١) \"تحفة الأشراف\" (١١/ ٤٣٩).\n(^٢) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١١٣).\n(^٣) \"العلل الكبير\" (١/ ٤٠٣).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٣٠٥).\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) \"الميزان\" (٤/ ١٢٠).\n(^٧) (٤/ ١٩٧).\n(^٨) \"صحيح مسلم\" (٢٦١).\n(^٩) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٦٧).\n(^١٠) \"الضعفاء\" (٤/ ١٩٧).\n(^١١) \"العلل\" (١/ ٤٩).\n(^١٢) \"النكت الظراف\" (١١/ ٤٣٩).","vol":"2","page":20},{"text":"والحاصل من ذلك أن الحديث ضعيف، ضعفه من ذُكر، وضعفه - أيضًا - الإمام أحمد، وعلي بن المديني وقالا: (لا يصح في هذا الباب شيء)، وضعفه محمد بن يحيى الذهلي - كما نقله المنذري (^١) - وابن عبد البر (^٢)، وقد ذكره ابن دقيق العيد في (الإلمام) ونقل تصحيحه عن الحاكم، ونقل قول البيهقي أنه قال: (رواة هذا الحديث كلهم ثقات)، ثم قال: (قلت: وقد عُلّل، ومصعب بن شيبة راويه قد مُسّ أيضًا، وقد احتج به مسلم) (^٣).\nومما يؤيد ضعفه أنه قد ورد عن عائشة ﵂ خلافه، فقد ورد أنها سُئِلت: هل على الذي يغسل المتوفى غُسل؟ قالت: لا (^٤).\nقال ابن عبد البر بعد سياقه أثر عائشة السابق: (فدل على بطلان حديث مصعب بن شيبة؛ لأنه لو صحّ عنها ما خالفته، ومن جهة النظر والاعتبار لا تجب طهارة على من لم يوجبها الله عليه في كتابه، ولا أوجبها رسوله من وجه يشهد به عليه، ولا اتفق العلماء على إيجابها …) (^٥).\nوقال ابن التركماني: (وقد صح عن عائشة ﵂ إنكار الغُسل من غَسْلِ الميت، فكيف ترويه عن النبي ﷺ وتنكره؟) (^٦) ثم إن النبي ﷺ لم يثبت أنه غسّل ميتًا قط، فهذا يدل على ضعفه.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الاغتسال من هذه الأمور الأربعة:\nالأول: الجنابة، والاغتسال منها واجب بالإجماع، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].\nالثاني: يوم الجمعة، والغسل فيه مستحب على قول الجمهور، وسيأتي الكلام عليه - إن شاء الله ـ.\n_________\n(^١) \"مختصر السنن\" (١/ ٢١٥).\n(^٢) \"الاستذكار\" (٨/ ٢٠٢).\n(^٣) \"الإلمام\" رقم (١٠٨).\n(^٤) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٣/ ٢٦٨)، \"الأوسط\" لابن المنذر (٥/ ٣٤٩).\n(^٥) \"الاستذكار\" (٨/ ٢٠٢).\n(^٦) \"الجوهر النقي\" (١/ ٣٠٠).","vol":"2","page":21},{"text":"الثالث: الحجامة، والغسل من الحجامة سنة عند بعض العلماء، وقال به الشيخ عبد العزيز بن باز، والجمهور على عدم استحبابه، لعدم الدليل، وقد جاء عن الإمام أحمد أنه قال: (لا يغتسل من الحجامة، وليس يثبت عن النبي ﷺ) (^١)، وذلك لأنه دم خارج يشبه الرعاف.\nوالحكمة من الغسل منها - والله أعلم، عند القائلين به - أن الحجامة تضعف البدن بخروج الدم الذي هو قوة الإنسان، فيكسل ويتعب وتضعف قوته، فإذا اغتسل عاد إليه نشاطه.\nالرابع: تغسيل الميت، والغسل من تغسيل الميت تقدم الكلام فيه في باب «نواقض الوضوء» عند حديث أبي هريرة ﵁، وهو الحديث العاشر، وذُكر هناك ترجيح القول بالاستحباب (^٢)، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح فتح القدير\" (١/ ٦٦)، \"روضة الطالبين\" (٢/ ٤٤)، \"مسائل الإمام أحمد\" -رواية ابنه عبد الله- (١/ ٨٢)، \"الإنصاف\" (١/ ٢٥١).\n(^٢) راجع: \"تمام المنة\" ص (١٢١).","vol":"2","page":22},{"text":"<span data-type='title' id=toc-104>حكم الغسل بعد الإسلام</span>\n١١٣/ ٦ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ في قِصّة ثُمَامَة بْنِ أُثال، عِنْدَما أسلمَ وَأمَرَهُ النّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ. رَوَاهُ عَبْدُ الرّزَّاق، وَأَصْلهُ مُتّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه عبد الرزاق (٦/ ٩) ومن طريقه ابن خزيمة (١/ ١٢٥)، وابن حبان (٤/ ٤١)، وابن الجارود (١٥)، والبيهقي (١/ ١٧١)، قال: أخبرنا عبيد الله وعبد الله ابنا عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أن ثُمامة الحنفي أُسر، فكان النبي ﷺ يغدو إليه، فيقول: ما عندك يا ثمامة، فيقول: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنَّ تَمُنَّ على شاكر، وإن ترد المال نُعْطِ منه ما شئت، وكان أصحاب النبي ﷺ يحبون الفداء، ويقولون: ما نصنع بقتل هذا؟ فمرّ عليه النبي ﷺ يومًا، فأسلم، فحلّه، وبعث به إلى حائط أبي طلحة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل، وصلى ركعتين، فقال النبي ﷺ: «لقد حَسُنَ إسلام أخيكم».\nقال الألباني: (هذا سند صحيح على شرط الشيخين، وعبد الله بن عمر وإن كان ضعيفًا فقد تابعه عبيد الله بن عمر، وهو ثقة، روى له الشيخان) (^١).\nوأصل الحديث عند البخاري (٤٣٧٢)، ومسلم (١٧٦٤) من طريق الليث، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: وذكر الحديث إلى أن قال: فقال رسول الله ﷺ: «أطلقوا ثمامة»، فانطلق إلى نخل\n_________\n(^١) \"إرواء الغليل\" (١/ ١٦٤).","vol":"2","page":23},{"text":"قريب من المسجد فاغتسل .. الحديث، وسيأتي سياقه بتمامه إن شاء الله، وليس فيه الأمر بالغسل، وإنما الأمر بالغسل في لفظ عبد الرزاق، ولهذا ذكره الحافظ، وأشار إلى رواية الصحيحين.\nولحديث الباب شاهد من حديث قيس بن عاصم ﵁، قال: أتيت النبي ﷺ أريد الإسلام، فأمرني أن أغتسل بماء وسدر (^١).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ثمامة بن أُثال) بضم المثلثة وتخفيف الميم، وأثال: بضم الهمزة وتخفيف المثلثة وباللام، وهو ثمامة بن أُثال بن النعمان الحنفي، سيد أهل اليمامة، يقول أبو هريرة ﵁: بعث النبي ﷺ خيلًا قِبَلَ نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد (^٢)، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: «ماذا عندك يا ثمامة»؟ فقال: عندي خير، يا محمد إن تقتل تقتل ذا دم (^٣) وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فَتُرِكَ حتى الغد، ثم قال له: «ما عندك يا ثمامة؟»، فقال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: «ما عندك يا ثمامة»؟ فقال: عندي ما قلت لك، فقال: «أطلقوا ثمامة» (^٤)، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغضُ إلي من وجهك؛ فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه إلي، والله ما\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٥٥)، والترمذي (٦٠٥)، والنسائي (١/ ١٠٩)، وأحمد (٣٤/ ٢١٦) وهو حديث صحيح، صححه ابن خزيمة (٢٥٥)، وابن حبان (١٢٤٠)، وقال ابن المنذر في \"الأوسط\" (٢/ ١١٤): (حديث ثابت) وصححه النووي في \"الخلاصة\" (٤٥٥).\n(^٢) ليرى الناس ويشاهدهم.\n(^٣) أي: أن دمه له شأن؛ لأنه كبير من كبراء بني حنيفة، أو أن المعنى: أن لدمه موقعًا فيشتفي قاتله بقتله ويدرك ثأره لرياسته وعظمته.\n(^٤) أمر بإطلاقه لأنه تبين له أن ظاهره الخير، لقوله: (إن تنعم تنعم على شاكر).","vol":"2","page":24},{"text":"كان من دين أبغض إليَّ من دينك؛ فأصبح دينك أحبَّ الدين إليَّ، والله ما كان من بلد أبغضُ إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحبَّ البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا والله، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله ﷺ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ (^١).\nوقد ذكر ابن إسحاق أن ثمامة ثبت على إسلامه لما ارتد أهل اليمن، وارتحل هو ومن أطاعه من قومه، فلحقوا بالعلاء بن الحضرمي، فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين، فلما ظفروا اشترى ثمامة حلة لكبيرهم، فرآها عليه ناس من بني قيس بن ثعلبة فظنوه أنه هو الذي قتل كبيرهم وسلبه، فقتلوه ﵁، وذلك في سنة ثنتي عشرة من الهجرة (^٢).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الغسل على الكافر إذا أسلم؛ لقوله في رواية عبد الرزاق: (فأمره أن يغتسل فاغتسل) وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، أما في رواية الصحيحين فثبوت الغسل عن طريق الإقرار، وظاهر ذلك أنه سواء وجد من الكافر في كفره ما يوجب الغسل من حيض أو جنابة أم لا، وهذا قول في مذهب المالكية (^٣)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٤)، واختاره ابن المنذر، والخطابي، ورجحه الشوكاني (^٥)، وعللوا أيضًا بأن الكافر لا يسلم غالبًا من جنابة، فأقيمت المظنة مقام الحقيقة، كالنوم.\nوالقول الثاني: أنه لا يجب عليه الغسل، إلا أن يكون وجد منه في حال كفره ما يوجب الغسل، فإن لم يوجد ذلك فالمستحب له أن يغتسل، وهذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٧٢)، ومسلم (١٧٦٤).\n(^٢) \"الإصابة\" (٢/ ٢٧).\n(^٣) \"المدونة الكبرى\" (١/ ٣٦)، \"تفسير القرطبي\" (٨/ ١٠٢).\n(^٤) \"الإنصاف\" (١/ ٢٣٦).\n(^٥) \"الأوسط\" (٢/ ١١٥)، \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٥٦).","vol":"2","page":25},{"text":"مذهب الحنفية والمالكية والشافعية (^١).\nالقول الثالث: أنه لا يجب الغسل على الكافر بحال، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢).\nودليل القولين:\n١ - أنه قد أسلم خلق كثير ولم يأمرهم النبي ﷺ بالاغتسال، ولو أمرهم لكان هذا مما تتوفر الهمم على نقله، ولو كان واجبًا لما خُصّ بالأمر به بعضٌ دون بعض، فيكون ذلك قرينة تصرف الأمر إلى الندب.\n٢ - أن النبي ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله …) الحديث (^٣)، ولو كان الغسل واجبًا لأمرهم به؛ لأنه أول واجبات الإسلام.\nوالأظهر - والله أعلم - أن الغسل من الإسلام ليس واجبًا، وإنما هو مستحب، جمعًا بين الأدلة؛ والأحوط لمن أسلم أن يغتسل، والغسل ليس فيه مشقة، بل فيه فوائد كثيرة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٩٠)، \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١٣١ - ١٣٢)، \"المجموع\" (٢/ ١٥٢).\n(^٢) \"الإنصاف\" (١/ ٢٣٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩)، وسيأتي -إن شاء الله- في أول \"الزكاة\".","vol":"2","page":26},{"text":"<span data-type='title' id=toc-105>حكم الغسل لصلاة الجمعة</span>\n١١٤/ ٧ - وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «غُسْلُ الجُمعَةِ وَاجِبٌ عَلى كُلِّ مُحْتَلمٍ». أَخْرَجَهُ السّبْعَةُ.\n١١٥/ ٨ - وعَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمْعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسّنُه الترْمِذِيّ.\nساق الحافظ هنا حديثين: الأول ظاهره الوجوب، والثاني ظاهره الاستحباب، وفي الباب أحاديث أخرى في هذين الحكمين، لكن قصد الحافظ بذكرهما - والله أعلم - الإشارة إلى أن الغسل فيه قولان لأهل العلم، كما سيأتي إن شاء الله.\nوالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو سمرة بن جندب - بفتح الدال وضمها - بن هلال الفزاري؛ حليف الأنصار ﵁، قدمت به أمه المدينة بعد موت أبيه، وكان غلامًا، فاستعرض النبي ﷺ ذات يوم غلمان الأنصار، فأجاز غلامًا في البعث، وردّ سمرة، فقال: يا رسول الله لقد أجزت هذا ورددتني، ولو صارعته لصرعته، فقال النبي ﷺ: «فصارعه»، قال: فصارعته فصرعته، فأجازني رسول الله ﷺ.\nله أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ، روى عنه ابنه سليمان، وعمران بن حصين، والحسن البصري، والشعبي، وغيرهم، وكان يستخلفه زياد على الكوفة ستة أشهر، وعلى البصرة ستة أشهر، ولما مات زياد أمَّره معاوية على","vol":"2","page":27},{"text":"البصرة، ثم عزله وبقي فيها إلى أن مات، سنة ثمان وخمسين ﵁ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث أبي سعيد، فقد أخرجه البخاري (٨٧٩) في كتاب «الجمعة» باب «فضل الغسل يوم الجمعة»، ومسلم (٨٤٦)، وأبو داود (٣٤١)، والنسائي (٣/ ٩٢)، وابن ماجه (١٠٨٩)، وأحمد (١٨/ ١٢٥) كلهم من طريق صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁، به مرفوعًا.\nوعزوه للترمذي وهمٌ من الحافظ، فإنه لم يخرجه الترمذي في جامعه.\nوأما حديث سمرة ﵁، فقد أخرجه أبو داود (٣٥٤) في كتاب\n«الطهارة» بابٌ «في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة»، والترمذي (٤٩٧)، والنسائي (٣/ ٩٤)، وأحمد (٣٣/ ٣٠٨) كلهم من طريق قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة ﵁، به مرفوعًا.\nوهذا الطريق أحسن طرق الحديث، وله طرق أخرى ضعَّفها الحفاظ، وقد رواه عبد الرزاق (٥٣١١)، والبيهقي (١/ ٢٩٦) من طريق قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nأما عزوه لابن ماجه فهو وهم من الحافظ، فإن الحديث عنده من رواية أنس ﵁ (^٢) لا من رواية سمرة، وكذا عزاه في «التلخيص» لأصحاب السنن (^٣)، أما في «فتح الباري» فقد عزاه لأصحاب السنن الثلاثة (^٤)، والله أعلم.\nوهذا الحديث من رواية الحسن البصري عن سمرة وفي سماعه من سمرة خلاف على ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه سمع منه مطلقًا، فحديثه محمول على الاتصال، وهذا مذهب علي بن المديني، والبخاري، والترمذي (^٥)، فقد نقل الترمذي عن البخاري أنه\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٤/ ٢٥٦)، \"الإصابة\" (٤/ ٢٥٧).\n(^٢) \"سنن ابن ماجه\" (١/ ٣٤٧).\n(^٣) \"التلخيص\" (٢/ ٧١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٦٢).\n(^٥) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢٣٤).","vol":"2","page":28},{"text":"قال: (سماع الحسن من سمرة بن جندب صحيح)، وحكى عن علي بن عبد الله أنه قال مثل ذلك (^١)، ورجح هذا القول الشيخ عبد العزيز بن باز فقال: (والقول بأنه سمع منه قول قوي؛ لأن سمرة مقيم في البصرة، ومات سنة ثمان وخمسين أو تسع وخمسين، والحسن مقيم في البصرة فيبعد جدًا ألا يلقاه وألا يأخذ عنه إلا حديث العقيقة، مع حرص التابعين على لقاء الصحابة والأخذ عنهم … فهذا مما يؤيد قول من قال: إنه سمع منه مطلقًا).\nالقول الثاني: أن الحسن لم يسمع من سمرة مطلقًا، وقالوا: هي كتاب لا سماع، وهو مذهب يحيى القطان وابن معين وابن حبان، قال الحافظ: وذلك لا يقتضي الانقطاع (^٢)، وقَوَّى ذلك ابن القيم (^٣).\nالقول الثالث: أنه لم يسمع منه إلا حديثًا واحدًا، وهو حديث العقيقة، وقد ذكر ذلك البخاري في «صحيحه» عن حبيب بن الشهيد قال: (أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن: ممن سمع حديث العقيقة، فسألته: فقال: من سمرة بن جندب) (^٤).\nوهذا قول النسائي والدارقطني والبزار، واختاره ابن عساكر، وادعى عبد الحق أنه هو الصحيح (^٥).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (غسل الجمعة واجب) إضافة الغسل ليوم الجمعة يحتمل أنه من إضافة الشيء إلى سببه أي: إن الصلاة سبب لوجوب الغسل ..، أو أنه من إضافة الشيء إلى زمانه، أي: الغسل الذي يكون في يوم الجمعة، وبينهما فرق، فعلى الأول لا تحصل فضيلة الغسل إلا إذا اغتسل وقت الرواح للجمعة، وعلى الثاني يكون الغسل مرادًا به يوم الجمعة، سواء كان قبلها أو بعدها، والأول أقرب، كما سيأتي إن شاء الله.\n_________\n(^١) \"العلل\" (٢/ ٩٦٣)، \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٢٩٠).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢٣٤).\n(^٣) \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١٢٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٩٠).\n(^٥) \"سنن النسائي\" (٣/ ٩٤)، \"علل الدارقطني\" (١٠/ ٢٦٣)، \"التلخيص\" (٢/ ٧١).","vol":"2","page":29},{"text":"قوله: (على كل محتلم) بضم الميم وسكون المهملة ثم تاء ولام وميم أي: بلغ سن الحُلُم - بضم الحاء واللام - والمراد به: البالغ، وإنما ذكر الاحتلام لكونه الغالب.\n\nقوله: (فبها ونعمت) الضمير يعود على مقدر يفهم من السياق، والجار والمجرور متعلق بمحذوف، والتقدير: من توضأ فبالرخصة أخذ ونعمت الرخصة؛ لأن فيها تيسيرًا على الناس، فالوضوء رخصة، والسنة الغسل، وقال الزمخشري: (الباء متعلقة بفعل مضمر، أي: فبهذه الخصلة أو الفعلة - يعني الوضوء - ينال الفضل، ونعمت: أي: نعمت الخصلة هي، فحذف المخصوص بالمدح) (^١).\nوسئل عنه الأصمعي فقال: (أظنه يريد: فبالسنة أخذ، وأضمر ذلك إن شاء الله)، وحكى ذلك الخطابي وقال: (وإنما ظهرت التاء في قوله: «ونعمت» التي هي علامة التأنيث، لإضمار السنة أو الخصلة أو الفعلة) (^٢).\n\nالوجه الرابع: حديث أبي سعيد ﵁ دليل ظاهر لمن قال بوجوب الغسل يوم الجمعة، وهم جماعة من الصحابة ﵃ كعمر وأبي هريرة وأبي سعيد وعمار وغيرهم، حكاه ابن المنذر، وهو قول الظاهرية، ورواية عن مالك، حكاها الخطابي (^٣)، ورواية عن الإمام أحمد فيمن تلزمه الجمعة (^٤).\nومن أدلة القائلين بالوجوب:\n١ - حديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل» (^٥).\n_________\n(^١) \"الفائق\" (٤/ ٣).\n(^٢) \"معالم السنن\" (١/ ٢١١).\n(^٣) \"الأوسط\" (٤/ ٣٩)، \"المحلى\" (٢/ ١٣)، \"معالم السنن\" (١/ ٢١١)، \"المغني\" (٣/ ٢٢٤)، \"فتح الباري\" لابن رجب (٨/ ٨١).\n(^٤) \"الإنصاف\" (١/ ٢٤٧).\n(^٥) أخرجه البخاري (٨٧٧)، ومسلم (٨٤٤)، وأخرجه ابن خزيمة (٣/ ١٢٦)، ولفظه: (من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال والنساء).","vol":"2","page":30},{"text":"٢ - حديث ابن عباس ﵄ أن طاووسًا قال لابن عباس: ذكروا أن النبي ﷺ قال: «اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم وإن لم تكونوا جنبًا، وأصيبوا من الطيب»، قال ابن عباس: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري (^١).\nووجه الدلالة: أن قوله: «اغتسلوا» صيغة أمر، وهي تقتضي الوجوب.\n٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «حق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يغسل رأسه وجسده ..» الحديث (^٢).\n٤ - حديث ابن عمر ﵄ أنه قال: إن عمر بن الخطاب ﵁ بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين - من أصحاب النبي ﷺ - فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شُغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت، فقال: والوضوء أيضًا (^٣)؟.\nووجه الدلالة: أن عمر ﵁ ترك الخطبة واشتغل بمعاتبة الداخل، وأنكر عليه ترك الغسل، ولو كان مباحًا لما فعل، وقد أقرّه الحاضرون على ذلك، وهم جمهور الصحابة، وهذا من أوضح الأدلة القاضية بأن الوجوب كان معلومًا عند الصحابة، ولو كان الأمر عندهم على غير الوجوب لما حصلت المعاتبة، ولما عَوَّلَ الصحابي على الاعتذار.\nوأما الاستدلال بالحديث على استحباب الغسل - لأن عمر ﵁ لم يأمر الداخل بالخروج للغسل، كما قاله النووي وجماعة - فليس بناهض، إلا لو كان الغسل شرطًا في صحة الصلاة، ولأن مثل ذلك لا يجب على من رأى من شخص الإخلال بواجب من واجبات الشريعة، بل غاية ما كلفنا به الإنكار أ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٨٤)، ومسلم (٨٤٨) وهذا لفظ البخاري.\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٩٦)، ومسلم (٨٩٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٨٧٨)، ومسلم (٨٤٥) وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة -﵁- التصريح بأن الداخل هو عثمان -﵁-.","vol":"2","page":31},{"text":"على من ترك واجبًا؛ وهذا ما فعله عمر ﵁، على أنه يحتمل أن يكون عثمان ﵁ قد اغتسل أول النهار، لما ثبت عن حمران مولاه أن عثمان لم يكن يمضي عليه يوم حتى يفيض عليه الماء (^١)، وإنما لم يعتذر لعمر بذلك كما اعتذر عن التأخير؛ لأنه لم يتصل غسله بذهابه إلى الجمعة.\n\nالوجه الخامس: حديث سمرة ﵁ دليل لمن قال: بأن الغسل يوم الجمعة مستحب، وليس بواجب، وهو قول جمهور الفقهاء من السلف والخلف، وهو القول الثاني في حكم الغسل يوم الجمعة.\nووجه الدلالة: أن الحديث دلّ على اشتراك الغسل والوضوء في أصل الفضل، وعلى عدم تحتم الغسل.\nومن الأدلة أيضًا حديث عائشة ﵂ أنها قالت: كان الناس مَهَنَةَ أنفسهم، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: «لو اغتسلتم»، وفي رواية أخرى من طريق عروة عن عائشة قالت: كان الناس ينتابون إلى الجمعة من منازلهم من العوالي، فيأتون في العِباء، ويصيبهم الغبار، فتخرج منهم الريح، فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم - وهو عندي - فقال رسول الله ﷺ: «لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا» (^٢).\nووجه الدلالة: أن قوله: «لو اغتسلتم ..» يقتضي أن الغسل ليس بواجب؛ لأن تقديره: لكان أفضل وأكمل، ونحو هذا من العبارات.\nومن الأدلة أيضًا حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مسّ الحصا فقد لغا» (^٣).\nووجه الدلالة: أن ذكر الوضوء وما معه من الأوصاف مرتبًا عليه الثواب المقتضي للصحة دليل على أن الوضوء كافٍ، قال الحافظ: (إنه من أقوى ما\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٤٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٩٠٢)، ومسلم (٨٤٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٨٥٧).","vol":"2","page":32},{"text":"استدل به على عدم فرضية الغسل يوم الجمعة) (^١).\nهذان القولان في حكم الغسل يوم الجمعة:\nالأول: أنه واجب مطلقًا.\nوالثاني: أنه مستحب، وفي المسألة قول ثالث حكاه ابن القيم، وهو التفصيل بين من له رائحة يحتاج إلى إزالتها فيجب عليه، ومن هو مستغن عنه فيستحب له، ثم ذكر أن الأقوال الثلاثة لأصحاب أحمد (^٢)، وقد أشار الحافظ إلى هذا القول (^٣)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤).\nوالقول بالوجوب قوي - فيما يظهر لي - لما يلي:\nأولًا: أن أدلة الوجوب أقوى إسنادًا، وأصرح دلالة، فقد وردت تارة بصيغة الأمر، وتارة بأنه واجب، وتارة بأنه حق، والوجوب يثبت بأقل من ذلك، والرسول ﷺ أفصح الناس وأبينهم وأنصحهم، فلا يتكلم بلفظ يراد به غير ظاهره، وإن كان قد ينازع في الاستدلال بلفظ: (غُسل الجمعة واجب …) على الوجوب، بناءً على أنه لم يرد استعمال لفظ (واجب) في نصوص الكتاب والسنة بالمعنى الاصطلاحي عند الأصوليين، لكن نقول: إن تعدد الصيغ - كما تقدم - يقوي ذلك.\nثانيًا: أنه لا يعدل عن هذا الوجوب إلا بصارف قوي؛ لأن صرف اللفظ عن ظاهره إنما يصار إليه إذا كان المعارض راجحًا في الدلالة على هذا الظاهر، فحينئذ يُترك الظاهر، ويُعوّل على هذا المعارض الراجح.\nوأقوى ما عارضوا به أدلة الوجوب حديث سمرة، وعنه جوابان:\nالأول: أنه مختلف في صحته، فلا يقاوم سنده سند الأحاديث الدالة على الوجوب، وهي في الصحيحين.\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (٢/ ٧٢).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (١/ ٣٧٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٦٣).\n(^٤) \"الاختيارات\" ص (١٧)، \"الإنصاف\" (١/ ٢٤٧).","vol":"2","page":33},{"text":"الثاني: على فرض صحته على قول من يقول: إن الحسن سمع من سمرة فليس فيه ما يدل على أن الغسل ليس بواجب، وإنما فيه أن الوضوء نعم العمل، وأن الغسل أفضل، وهذا لا شك فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٠]، فهل يدل على أن الإيمان ليس فرضًا؟ (^١).\nوأما حديث أبي هريرة ﵁: «من توضأ فأحسن الوضوء …»، فعنه جوابان:\nالأول: أنه ليس فيه نفي الغسل، بل يحتمل أن يكون ذِكْرُ الوضوء لمن تقدم غسله على الذهاب، فاحتاج إلى إعادة الوضوء، فيكون مقيدًا بأحاديث الغسل.\nالثاني: أنه ورد عند مسلم بلفظ: «من اغتسل، ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم صلى معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام» (^٢).\nثالثًا: ومما يؤيد الوجوب أن الأحاديث التي صرحت بوجوب غسل الجمعة فيها حكم زائد على الأحاديث المفيدة لاستحبابه، والواجب الأخذ بما تضمن الزيادة منها.\nوالأحوط للمسلم ألا يدع الغسل يوم الجمعة متى تهيأت أسبابه، فإن الأحاديث اتفقت على فضله والترغيب فيه، وينبغي أن يؤخذ بالاعتبار الأدلة التي ورد وجوب الغسل فيها لعلة، وهي وجود رائحة كريهة مؤذية للحاضرين بل وللملائكة المكرمين.\nوعلى القول بوجوب الغسل فليس شرطًا في صحة الصلاة، قال الخطابي: (لم تختلف الأمة في أن صلاة من لم يغتسل مجزئة) (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"المحلى\" (٢/ ١٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٨٥٧)، وانظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٣٦٢).\n(^٣) \"معالم السنن\" (١/ ٢١٢).","vol":"2","page":34},{"text":"وقد ورد في كتاب «الرسالة» للشافعي قول بوجوب الغسل، وأنه لا تجزئ الطهارة لصلاة الجمعة إلا بالغسل، كما لا يجزئ في طهارة الجنب غير الغسل (^١).\n\nالوجه السادس: ظاهر قوله: (غسل يوم الجمعة) أن الغسل لليوم؛ للإضافة إليه، وهو قول الظاهرية، وبنوا على ذلك أن وقت الغسل يمتد عندهم من طلوع الفجر إلى أن يبقى من قرص الشمس مقدار ما يتم غسله قبل غروب آخره، فمن اغتسل في هذا الوقت فقد أدرك الفضيلة وأدى الواجب (^٢).\nوقال الجمهور من أهل العلم: إن الغسل للصلاة لا لليوم، لورود أدلة صريحة تؤيد ذلك، ومنها: حديث ابن عمر - المتقدم ـ: «إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل»، وعند ابن خزيمة: «من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال والنساء»، فهذا نص صريح في أن الغسل للصلاة لا لليوم؛ لأنه إنما شرع للنظافة وإزالة الروائح الكريهة، وهذا يناسب الصلاة، ولأن الجمعة اختصَّت بشرائع ليست لغيرها من الصلوات.\nوأما حديث الباب الذي تمسكت به الظاهرية فلا يعني مطلق اليوم، وإنما المراد منه الصلاة؛ لأنها أعظم شعيرة تقام في هذا اليوم في جماعة في أكبر مساجد البلد، ومن مقتضاها النظافة؛ لكي لا يتأذى بعض المصلين ببعض، وهذا لا يتأتى بعد الصلاة لو قلنا بأنه يجزئ بعدها.\nومن هنا شرطت المالكية اتصال الغسل بالرواح إلى الصلاة، لتتحقق الحكمة من مشروعيته، بحيث لو طال الأمد بينه وبين الصلاة فعليه الإعادة، إلا أنه لا يضر الفصل اليسير (^٣)، وأما الجمهور فلم يشترطوا الاتصال بالرواح، لكنهم استحبوا تأخيره إلى الذهاب، لكي يتأتى المقصود منه على أحسن الوجوه، والله تعالى أعلم\n_________\n(^١) \"الرسالة\" ص (٣٠٢).\n(^٢) \"المحلى\" (٢/ ١٩).\n(^٣) انظر: \"المنتقى\" للباجي (١/ ١٨٦).","vol":"2","page":35},{"text":"<span data-type='title' id=toc-106>حكم قراءة القرآن للجنب</span>\n١١٦/ ٩ - وعَنْ عَليّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ مَا لَمْ يَكنْ جُنُبًا. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَهَذا لَفْظُ الترْمِذيّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (٢٢٩) في كتاب «الطهارة» باب «في الجنب يقرأ القرآن»، والترمذي (١٤٦)، والنسائي (١/ ١٤٤)، وابن ماجه (٥٩٤)، وأحمد (٢/ ٦١)، وابن حبان (٧٩٩) (٨٠٠) من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سَلِمَة المرادي، قال: دخلت على عليّ ﵁ أنا ورجلان: رجل منا ورجل من بني أسد، أحْسِبُ (^١)، فبعثهما علي ﵁ وجهًا، وقال: إنكما علجان (^٢) فعالجا عن دينكما (^٣)، ثم قام فدخل المخرج، ثم خرج فدعا بماء، فأخذ منه حفنة فتمسح بها (^٤) ثم جعل يقرأ القرآن، فأنكروا ذلك، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه، أو قال: يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة، هذا لفظ أبي داود.\n_________\n(^١) أي: أظن أن الرجل الآخر من بني أسد ولا أتيقن به.\n(^٢) العلج: القوي الضخم.\n(^٣) أي: مارسا العمل الذي ندبتكما إليه واعملا به، وقيل: دافعا عن دينكما.\n(^٤) أي: غسل بتلك الحفنة يديه؛ كما صرح به في رواية الدارقطني.","vol":"2","page":36},{"text":"وهذا الحديث مداره على عبد الله بن سلِمة - بكسر اللام - المرادي الكوفي، وهو متكلم فيه، فقد وثقه ابن حبان (^١)، والعجلي (^٢)، ويعقوب بن شيبة (^٣)، وضعفه الأكثرون، فقد ذكر الخطابي عن الإمام أحمد أنه كان يوهن حديث عليّ هذا، ويضعف أمر عبد الله بن سلمة (^٤)، وأسنده عنه ابن عدي في «الكامل» من طريق أبي طالب قال: (قال أحمد بن حنبل: لم يرو أحد «لا يقرأ الجنب» غير شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي) (^٥)، وقال الشافعي: (وأحبُّ للجنب والحائض أن يدعا القرآن احتياطًا، لما روي فيه، وإن لم يكن أهل الحديث يثبتونه) (^٦) ووهَّنَه ابن المنذر (^٧).\nوقال شعبة عن عمرو بن مرة: (سمعت عبد الله بن سلمة يحدثنا، وإنا لنعرف وننكر، وكان قد كبر)، نقله الذهبي (^٨)، وهذا يدل على أن ابن سلمة وإن قيل: إنه ثقة فقد تغير حفظه في آخر عمره، وأن عمرو بن مرة إنما روى عنه في هذه الحالة، فهذا مما يوهن الحديث ويضعفه (^٩).\nوقد مال الشيخ عبد العزيز بن باز إلى تأييد كلام الحافظ المتقدم، وقال: إنه حديث حسن تقوم به الحجة، وعبد الله بن سلمة صدوق وإن كان قد تغير بأخرة، لكن سياقه للحديث يدل على حفظه له، فإنه ساقه وذكر قصة عليّ مع الرجلين.\nوحكم الترمذي بصحته فقال: (حديث عليّ هذا حديث حسن صحيح) (^١٠)، وكذا ابن السكن، وعبد الحق، والبغوي (^١١).\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٥/ ١٢).\n(^٢) \"تاريخ الثقات\" ص (٥٢٨).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٢١٣).\n(^٤) \"معالم السنن\" (١/ ١٥٦)، وانظر \"العلل\" للإمام أحمد -رواية عبد الله- (١/ ٤٨٢)، (٤/ ٢٢١).\n(^٥) \"الكامل\" (٤/ ١٧٠)، وانظر: \"موسوعة أحكام الطهارة\" (٧/ ٥٥).\n(^٦) \"معرفة السنن والآثار\" (١/ ٣٢٣).\n(^٧) \"الأوسط\" (٢/ ١٠٠).\n(^٨) \"الميزان\" (٢/ ٤٣٠).\n(^٩) \"إرواء الغليل\" (١/ ٢٤١).\n(^١٠) \"جامع الترمذي\" (١/ ٢٧٤).\n(^١١) انظر: \"الأحكام الوسطى\" (١/ ٢٠٤)، \"شرح السنة\" (٢/ ٤١)، \"التلخيص\" (١/ ١٤٧).","vol":"2","page":37},{"text":"وقال شعبة: (هذا الحديث ثلث رأس مالي، وقال: لا أدري أحسن منه عن عمرو بن مرة)، وقال الحافظ: (والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة) (^١).\nوقد توبع عبد الله بن سلمة على معنى هذا الحديث، فقد ورد من طريق عائذ بن حبيب، حدثني عامر بن السِّمْط، عن أبي الغَريف، قال: أُتي علي ﵁ بوضوء فمضمض … ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ، ثم قرأ شيئًا من القرآن، ثم قال: هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا ولا آية) (^٢).\nوورد في الباب حديث ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن» (^٣).\n\nالوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن الجنب لا يقرأ شيئًا من القرآن حتى يغتسل، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، قالوا: وما ذكر في الباب وإن كان في بعضه مقال لكنه يقوي بعضه بعضًا، واستثنت المالكية\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٠٨).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٢٠)، وأبو يعلى (٣٦٥) وإسناده حسن إن شاء الله، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (إسناده جيد). اهـ، عائذ بن حبيب وثقه ابن معين وابن حبان؛ وأثنى عليه الإمام أحمد. وعامر بن السمط وثقه يحيى بن سعيد القطان والنسائي؛ وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن معين: (صالح)، وأبو الغريف: روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال أبو حاتم (٥/ ٣١٣): (كان على شُرطة علي -﵁-، وليس بالمشهور، قيل له: هو أحب إليك أو الحارث الأعور؟ قال: الحارث أشهر، وهذا شيخ تكلموا فيه، من نظراء أصبغ بن نباتة). وأصبغ هذا قال فيه الحافظ: (متروك). والحديث أعلَّه الدارقطني في \"السنن\" (١/ ١١٨) بالوقف.\n(^٣) أخرجه الترمذي (١٣١)، وابن ماجه (٥٩٥)، من طريق إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر -﵄- مرفوعًا.\nوهذا إسناد ضعيف؛ لأنه من رواية إسماعيل بن عياش، عن الحجازيين، وروايته عنهم ضعيفة لا يحتج بها أهل العلم بالحديث، وقد تفرد بهذا الحديث، كما قال الترمذي ﵀، وقد أُعِلَّ بالوقف على ابن عمر -﵄- كما في \"علل ابن أبي حاتم\" (١/ ٤٩).","vol":"2","page":38},{"text":"اليسير لنحو تَحَصُّنٍ، كآية الكرسي والإخلاص والمعوذتين، وقالت الشافعية: يجوز ما كان بقصد الذكر لا بقصد القرآن، وقال أحمد: (يرخص للجنب أن يقرأ آية ونحوها) (^١).\nوالقول الثاني: أنه يجوز للجنب قراءة القرآن، وهو قول ابن حزم (^٢)، وروى هذا عن ابن عباس ﵄، فقد ذكر البخاري أنه لا يرى بالقراءة للجنب بأسًا (^٣)، وهو قول سعيد بن المسيب، واختاره ابن المنذر (^٤)، واستدلوا بدليلين:\nالأول: حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يذكر الله تعالى على كل أحيانه (^٥)، قالوا: والقرآن ذكر، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾، قال الحافظ ابن حجر: (الذكر أعمُّ من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فُرق بين الذكر والتلاوة بالعرف) (^٦) وقد نازع بعض أهل العلم في هذا الاستدلال، لكن يرد عليه أن لفظ الذكر جاء على لسان الشرع، والحقيقة الشرعية مقدمة على الحقيقة العرفية كما في الأصول (^٧).\nالثاني: أن الأصل عدم التحريم حتى يرد الدليل الصحيح الناقل عن البراءة الأصلية، وأجابوا عن أحاديث الباب بأنها معلولة - كما تقدم - وعلى فرض تسليم الاستدلال بها فليس فيها نهي، وإنما هي حكاية فعل (^٨).\nوالقول بالجواز فيه وجاهة، لما علمت من كلام الأئمة على أحاديث المنع، ومعلوم تشدد الأئمة في الأحاديث التي يستدل بها في الحلال\n_________\n(^١) \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١٣٨، ١٣٩)، \"المجموع\" (٢/ ١٧٨)، \"الإنصاف\" (١/ ٢٤٣).\n(^٢) \"المحلى\" (١/ ٧٧).\n(^٣) انظر: \"المحلى\" (١/ ٧٧، ٨٠)، \"الأوسط\" (٢/ ٩٨)، \"فتح الباري\" (١/ ٤٠٧).\n(^٤) \"الأوسط\" (٢/ ٩٩، ١٠٠).\n(^٥) أخرجه مسلم (٣٣٧) وقد تقدم.\n(^٦) \"فتح الباري\" (١/ ٤٠٨).\n(^٧) انظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٢/ ٤٥)، \"موسوعة أحكام الطهارة\" (١١/ ٣٠٠).\n(^٨) \"المحلى\" (١/ ٧٨)، \"التلخيص\" (١/ ١٤٧).","vol":"2","page":39},{"text":"والحرام، فأحاديث الباب غير ناهضة على المنع، فيكون الحكم باقيًا على الأصل، ويؤيده ما تقدم عن ابن عباس ﵄، لكن الاحتياط الذي أبداه الإمام الشافعي وجيه جدًا، لا سيما وأن الجنب يمكنه رفع الحدث غالبًا.\nوأما الحائض فيجوز لها قراءة القرآن، لأن الأصل هو الجواز حتى يثبت الدليل الناقل، ولم يثبت في حكم قراءتها نص، وقياسها على الجنب لا يصح، لوجود الفارق، وقد نصر هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (^١)، ومن أهل العلم من قيد الجواز بالحاجة، كالأوراد، أو كونها معلمة أو نحو ذلك (^٢) والأظهر الجواز مطلقًا، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"الفتاوى\" (٢١/ ٤٦٠)، \"إعلام الموقعين\" (٣/ ٣٤ - ٣٥).\n(^٢) انظر: \"الفتاوى\" (٢١/ ٤٦٠)، \"الشرح الممتع\" (١/ ٢٩١).","vol":"2","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-107>مشروعية الوضوء لمن عاود الجماع</span>\n١١٧/ ١٠ - وعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا أَتى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثمّ أَرَادَ أَن يَعُودَ فَلْيَتَوَضّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا». رَوَاهُ مُسْلم.\nزَادَ الْحَاكِمُ: «فَإِنّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ».\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم (٣٠٨) في كتاب «الحيض» باب «جواز نوم الجنب، واستحباب الوضوء له وغسل الفرج إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يجامع» من طريق عاصم الأحول، قال: سمعت أبا المتوكل، عن أبي سعيد الخدري ﵁ … فذكره.\nوأخرجه الحاكم (١/ ٢٥٤) بزيادة: «فإنه أنشط للعود»، وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، إنما أخرجاه إلى قوله: «فليتوضأ» فقط، ولم يذكرا فيه «فإنه أنشط للعود». وهذه لفظة تفرد بها شعبة، عن عاصم، والتفرد من مثله مقبول عندهما)، وهذا فيه نظر، فقد ذكر ابن حبان أن المتفرد بهذه الزيادة مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، وليس شعبة، وقد رواه غيره عن شعبة بدونها (^١)، وبهذا يتبين أن مسلمًا أعرض عنها لهذه العلة.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا أتى أحدكم أهله)، أي: إذا جامع أهله.\n_________\n(^١) \"صحيح ابن حبان\" (٤/ ١٢، ١٣)، وانظر: \"إتحاف المهرة\" (٥/ ٣٥٩).","vol":"2","page":41},{"text":"قوله: (ثم أراد أن يعود)، أي: للجماع مرة أخرى.\n\nقوله: (فليتوضأ بينهما وضوءًا) مصدر مؤكد لعامله، وفائدته تأكيد أن المراد الوضوء الشرعي، وهو غسل الأعضاء الأربعة، وهذا قول بعض أهل الظاهر، وقال الفقهاء وأكثر أهل العلم: إن المراد به غسل الفرج فقط، مبالغة في النظافة واجتنابًا لاستدخال النجاسة (^١).\nوالأظهر - والله أعلم - أن المراد بذلك غسل الفرج، ثم الوضوء بغسل أعضائه الأربعة؛ لأن ذلك أكمل في الطهارة والنظافة، ويؤيد ذلك حديث ابن عمر قال: ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله ﷺ أنه تصيبه جنابة من الليل، فقال له رسول الله ﷺ: «توضأ واغسل ذكرك، ثم نَمْ» (^٢).\n\nقوله: (فإنه أنشط للعود) جملة تعليلية، فيها بيان الحكمة من الأمر بالوضوء، وهي أن الوضوء يعطي الجسم قوةً، عوضًا عما حصل له من الضعف في الجماع الأول.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على شرعية الوضوء لمن جامع أهله ثم أراد أن يعود إلى الجماع مرة أخرى، وظاهر الأمر الوجوب، وحكاه القرطبي عن بعض أهل الظاهر (^٣)، وحكاه ابن حجر عن ابن حبيب المالكي أيضًا (^٤).\nوحمله الجمهور على الاستحباب (^٥)، ويدل لذلك حديث عائشة قالت: كان النبي ﷺ يجامع ثم يعود ولا يتوضأ (^٦).\nلكن ينبغي له ألا يعود إلا بعد الوضوء، وقد علل لذلك بأنه أنشط للعود، مع ما في ذلك من النظافة، أما الغسل فلا يلزم، كما سيأتي.\n_________\n(^١) انظر: \"المفهم\" (١/ ٥٦٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٩٠)، ومسلم (٣٠٦) (٢٥).\n(^٣) \"المفهم\" (١/ ٥٦٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٣٧٦).\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٢٧)، وذكره في \"فتح الباري\" وسكت عنه.","vol":"2","page":42},{"text":"وعموم الحديث يفيد أنه سواء أكانت التي يريد العود إليها هي الموطوءة أو الزوجة الأخرى؛ ممن عنده أكثر من واحدة.\nأما الغسل فقد ثبت أنه ﷺ غشي نساءه ولم يحدث غسلًا بين الفعلين، وروي أنه اغتسل بعد غشيانه، عند كل واحدة، فالكل جائز، والأول أثبت.\nأما الأول: فقد ورد في حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة، قال - أي قتادة - قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين، وقال سعيد عن قتادة إن أنسًا حدثهم: تسع نسوة (^١).\nأما الثاني: فقد ورد في حديث أبي رافع ﵁ مولى رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه، قال: فقلت له: يا رسول الله ألا تجعله غسلًا واحدًا؟ قال: «هذا أزكى وأطيب وأطهر» (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٨)، ومسلم (٣٠٩) وبوب عليه البخاري في كتاب، \"الغسل\"، وفي كتاب \"النكاح\": \"باب إذا جامع ثم عاد، ومن دار على نسائه في غسل واحد\".\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢١٩)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨/ ٢٠٧ - ٢٠٨)، وابن ماجه (٥٩٠)، وقد ذكره الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" (١/ ٣٧٦)، مستدلًا به، وحسنه الألباني في \"تمام المنة\" ص (١٢٢).","vol":"2","page":43},{"text":"<span data-type='title' id=toc-108>حكم نوم الجنب قبل أن يتوضأ</span>\n١١٨/ ١١ - وَلِلأرْبَعَةِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً. وَهُوَ مَعْلُولٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في «الطهارة» باب في «الجنب يؤخر الغسل» (٢٢٨)، والترمذي (١١٨، ١١٩)، والنسائي في «الكبرى» (٨/ ٢١٢)، وابن ماجه (٥٨٣) من طريق أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة ﵂.\nوالحديث أخرجه مسلم في صحيحه (٣٠٥) من طريق شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة). ورواه من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة بنحوه. وليس في هذا السياق قولها: (قبل أن يمس ماء)، ولهذا طعن الحفاظ - ومنهم الإمام مسلم (^١) - في هذه الجملة من الحديث، وقالوا: إن أبا إسحاق السبيعي أخطأ فيها.\nوقال أبو داود (١/ ١٠٨) سمعت يزيد بن هارون يقول: (هذا الحديث وهم)، وقال الترمذي (١/ ١٣٦): (يرون أن هذا غلط من أبي إسحاق).\nونقل ابن عبد الهادي عن الإمام أحمد أنه قال: (هذا الحديث ليس صحيحًا) (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"التمييز\" لمسلم رقم (٤٠).\n(^٢) \"المحرر\" (١/ ١٠٨).","vol":"2","page":44},{"text":"ووجه ذلك أن الثابت عنه ﷺ أنه كان لا ينام حتى يغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، كما في رواية مسلم.\nقال بعضهم: ويمكن حمله على أن الماء في قولها: «من غير أن يمس ماء» هو ماء الغسل، أما الوضوء فهو ثابت.\nأو يحمل الوضوء على الاستحباب، وتركه ﷺ له على الجواز (^١)، والأول ذكره البيهقي، ونسبه لأبي العباس ابن سُريج، ثم قال: (وبه نأخذ) (^٢)، والثاني قاله ابن قتيبة (^٣).\nويؤيد ذلك حديث ابن عمر ﵄ (أن عمر ﵁ سأل رسول الله ﷺ أينام أحدنا وهو جنب؟ فقال: «نعم إذا توضأ»)، وفي رواية: «نعم ليتوضأ، ثم لينم حتى يغتسل إذا شاء» (^٤).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن للجنب أن ينام دون أن يتوضأ، لكن تبين أن الحديث معلول، وعلى هذا فالصواب أن يتوضأ، وعلى فرض صحته فهو محمول على أن المراد الغسل جمعًا بين الأدلة، فيكون الوضوء ثابتًا لدلالة السنة عليه قولًا وفعلًا، فالقول كما تقدم في حديث عمر ﵁، والفعل كما في حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام، وعنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة (^٥).\n\nالوجه الثالث: أخذت الظاهرية وابن حبيب من المالكية بحديث ابن عمر ﵄ المتقدم، وقالوا: يجب على الجنب أن يتوضأ قبل أن ينام، وهو\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٢٢١).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٢)، وفيه (ابن شريح) بالشين المعجمة، وصوابه ما ذكر، انظر: \"معرفة السنن والآثار\" (١/ ٥٠٥).\n(^٣) \"تأويل مختلف الحديث\" ص (٢٤٠، ٢٤١).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٨٧)، ومسلم (٣٠٦).\n(^٥) أخرجه مسلم (٣٠٥).","vol":"2","page":45},{"text":"ظاهر كلام الإمام مالك في «المدونة» (^١)؛ لأن الحديث جاء بصيغة الأمر وبصيغة الشرط.\nوذهبت الشافعية إلى كراهة ترك الوضوء وهو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة، واختاره ابن تيمية (^٢)، وقالت: الحنفية: إن الوضوء أفضل (^٣)، وقالت المالكية وابن حزم: يندب (^٤).\nوالقول باستحباب الوضوء هو الأظهر، بل هو سنة مؤكدة، لثبوت السنة القولية والفعلية، كما تقدم، والقول بوجوبه فيه وجاهة.\nأما الغسل فيجوز تأخيره إلى ما بعد الاستيقاظ، لحديث عبد الله بن أبي قيس قال: سألت عائشة ﵂ عن وتر رسول الله ﷺ فذكر الحديث، قلت: كيف كان يصنع في الجنابة أكان يغتسل قبل أن ينام، أم كان ينام قبل أن يغتسل؟\nقالت: كل ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام، قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة (^٥)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المدونة\" (١/ ١٣٥)، \"التمهيد\" (١٧/ ٤٤).\n(^٢) \"المهذب\" (١/ ٣٠)، \"مطالب أولي النهى\" (١/ ١٨٥ - ١٨٦)، \"مجموع الفتاوى\" (٢١/ ٣٤٣).\n(^٣) \"المبسوط\" (١/ ٧٣).\n(^٤) \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١٣٨)، \"المحلى\" (١/ ٨٥).\n(^٥) أخرجه مسلم (٣٠٧).","vol":"2","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-109>صفة الغسل من الجنابة</span>\n١١٩/ ١٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثمّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِل فَرْجَهُ، ثُمّ يَتَوَضَّأُ، ثمّ يَأْخُذُ المَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ في أُصُولِ الشَّعَرِ، ثمّ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، ثمّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثمّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللّفْظُ لمُسْلِمٍ.\n١٢٠/ ١٣ - وَلَهمَا في حَدِيثِ مَيْمُونَةَ ﵂: (ثُمّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ، فَغَسَلهُ بِشِمالِهِ، ثُمّ ضَرَبَ بهَا الأرْضَ، وَفِي رِوَايَةٍ: (فَمَسَحَهَا بِالتّرابِ)، وَفِي آخِرِهِ: (ثُمّ أَتَيْتُهُ بِالمِنْدِيل) فَرَدّهُ، وَفِيهِ: (وَجَعَلَ يَنْفُضُ المَاءَ بِيَدِهِ).\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث عائشة ﵂، فقد أخرجه البخاري في مواضع من كتاب «الغسل» وأولها باب «الوضوء قبل الغسل» (٢٤٨)، ومسلم (٣١٦) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. واللفظ لمسلم، إلا أن في سياقه (فيدخل أصابعه في أصول الشعر حتى إذا رأى أن قد استبرأ حَفَنَ على رأسه …) الحديث.\nلكن غسل الرجلين تفرد به أبو معاوية عن هشام، عن سائر الرواة، وقد أشار إلى هذا مسلم في «صحيحه» وأعلها أبو الفضل الشهيد (^١)، وله شاهد من\n_________\n(^١) \"علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج\" ص (٦٩).","vol":"2","page":47},{"text":"طريق حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂. رواه أحمد (٤١/ ١٩٢)، وأبو داود الطيالسي (٣/ ٨١) ومن طريقه البيهقي (١/ ١٧٤). والأكثرون على أن سماع حماد من عطاء كان قبل اختلاطه.\nأما حديث ميمونة، فقد أخرجه البخاري في «الغسل» في مواضع كثيرة وأولها الباب المذكور في حديث عائشة ﵂ (٢٤٩)، وأخرجه مسلم (٣١٧) من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس ﵄ قال: حدثتني خالتي ميمونة .. ثم ساقه بتمامه.\nوقد أورده الحافظ من أجل الزيادات التي لم ترد في حديث عائشة ﵂، لكن الظاهر أن قولها: (ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله) مذكور في الحديث الأول، وهو حديث عائشة ﵂.\n\nوقوله: (وفي رواية: فمسحها بالتراب) أي: للبخاري، وعند مسلم: (ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكًا شديدًا) والظاهر أنه ذكرها تفسيرًا لرواية: (ثم ضرب بها الأرض).\n\nوقوله: (وفي آخره) أي: آخر حديث ميمونة، ولم يسق لفظه اكتفاء بحديث عائشة، وإنما انتقى منه بعض ما لم يرد في الحديث الأول، فقد جاء في آخره عند مسلم بلفظ: (ثم أتيته بالمنديل فرده)، وعند البخاري: (ثم أُتي بمنديل فلم ينفُض بها)، وفي لفظ: (فناولته ثوبًا فلم يأخذه، فانطلق وهو ينفض يديه).\n\nوقوله: (وفيه: وجعل ينفض بيده) هذا لفظ البخاري، وعند مسلم (وجعل يقول بالماء هكذا، يعني ينفضه).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\nقولها: (إذا اغتسل) أي: أراد الاغتسال، وهو من التعبير بالفعل عن إرادته، من باب المجاز المرسل، حيث أطلق المسبب وهو الاغتسال، وأراد السبب وهو الإرادة.","vol":"2","page":48},{"text":"قولها: (من الجنابة) من: للسببية، والجنابة في الأصل: إنزال المني، ثم ألحق به الجماع على وجه شرعي، لا على وجه لغوي.\nقولها: (فيغسل يديه) أي: كفيه؛ لأنهما المراد عند الإطلاق، والمراد قبل إدخالهما في الإناء.\nقولها: (ثم يتوضأ) لفظ مسلم بالسياق المذكور: (ثم يتوضأ وضوءه للصلاة)، وعند البخاري في رواية: (ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة).\nقولها: (فيدخل أصابعه في أصول الشعر) أي: يدخل أصابعه مفرقة في أصول شعره، وهي: أسافله مما يلي بشرة الرأس، وإنما فعل ذلك ليُليِّن الشعر ويرطبه، فيسهل مرور الماء عليه.\nقولها: (حتى إذا رأى أن قد استبرأ)، أي: أوصل البلل إلى جميع الرأس.\nقولها: (ثم حَفَنَ على رأسه)، أي: أخذ الماء بيديه جميعًا، وهو فعل من باب (ضرب)، والحفنة: ملء الكفين، والجمع: حفنات.\nقولها: (ثم أفاض على سائر جسده)، أي: صب الماء على باقي جسده، قال الأزهري: (اتفق أهل اللغة أن (سائر) الشيء: باقيه قليلًا أو كثيرًا) (^١).\nقولها: (ثم أفرغ على فرجه) أي: صَبَّ، تقول: أفرغت الشيء: صببته إذا كان يسيل.\nقولها: (ثم ضرب بها الأرض) تفسره الرواية الأخرى التي ذكرها بعدها، وهي قوله: (فمسحها بالتراب)، أي: مسح بيده الأرض ودلكها ليزيل ما عَلِقَ بعد غسل الفرج.\nقولها: (ثم أتيته بالمنديل) نسيج من قطن أو حرير أو نحوهما، ولفظه مذكر، قاله ابن الأنباري وجماعة، تقول: تمندلت بالمنديل وتندلت: تمسَّحت به، وحذف الميم أكثر، حتى إن الكسائي أنكر: تمندلت، بالميم (^٢).\n_________\n(^١) \"تهذيب اللغة\" (١٣/ ٤٧).\n(^٢) \"اللسان\" (١١/ ٦٥٣).","vol":"2","page":49},{"text":"قولها: (فردَّه) أي: لم يأخذه، وفي رواية: (فناولته خرقة فلم يُرِدْهَا) وهي بضم الياء وكسر الراء المخففة، أي: لم يأخذها، كما في رواية أخرى.\nقولها: (وجعل ينفض الماء بيده) أي: يسلته من على جسده، وقولها: (بيده) يحتمل بيد واحدة أو باليدين الثنتين.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الغسل من الجنابة على هذه الكيفية، اقتداءً بالنبي ﷺ، فيبدأ بغسل كفيه ثلاثًا - كما في بعض الروايات - لأنهما أداة غرف الماء من الإناء، ثم يغسل فرجه فينظفه؛ لأنه محل التلوث في الجنابة، ثم يدلك يده اليسرى على الأرض لإزالة ما علق بها من غسل الفرج، ثم يتوضأ وضوءًا كاملًا، ثم يخلل بيده شعر رأسه بالماء إن كان شعره كثيفًا، فإذا ظن أنه أرواه صب عليه الماء ثلاث مرات، ثم يغسل باقي جسده بعد ذلك، ثم يغسل رجليه؛ لأن كل ما تحدر من جسده من أوساخ وفضلات أصابت رجليه، فكان حقهما أن يُطهرا بعد ذلك، وقد جاء في بعض الروايات من حديث ميمونة ﵂: (ثم تنحى عن مقامه ذلك فغسل رجليه) وهذا أبلغ في تطهيرهما.\nواعلم أن صفة غسل النبي ﷺ جاء من حديث عائشة وميمونة ﵄، وبينهما بعض الفروق في الصفة، وهذا كثير في العبادات؛ يفعلها النبي ﷺ على وجوه متنوعة، فيكون في ذلك توسعة على الأمة، فعلى أي وجه فعلوها مما ورد أدركوا السنة، وتمام السنة أن يفعلوها على الوجوه كلها، أحيانًا على وجه، وأحيانًا على الوجه الآخر.\nوقد ذكر العلماء أنه إذا عمّ بدنه بالماء مع المضمضة والاستنشاق أجزأ ذلك ولو لم يتوضأ قبله، لكنه ترك السنة، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، ومن عَمَّ بدنه بالغسل مرة واحدة صدق عليه أنه تطهر، ولأن الله تعالى لم يفصِّل في الغسل، كما فصّل في الوضوء، فدل على أنه لا يجب الغسل على صفة معينة، ويؤيد ذلك قوله ﷺ للرجل الذي كان جنبًا ولم يصل: «خذ هذا وأفرغه عليك» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٤) وأصله في مسلم (٦٨٢).","vol":"2","page":50},{"text":"الوجه الرابع: ظاهر حديث عائشة ﵂ في قولها: (ثم يتوضأ)، وفي رواية للبخاري: (ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة)، وعند البخاري ومسلم: (ثم يتوضأ وضوءه للصلاة)، وهكذا جاء في حديث ميمونة في رواية عند البخاري ومسلم، ظاهر ذلك أنه غسل رجليه، وظاهر حديث ميمونة عند البخاري في رواية: (توضأ رسول الله ﷺ وضوءه للصلاة غير رجليه) أنه لم يغسل رجليه مع وضوئه، وإنما أخرهما إلى نهاية الغسل، لقولها في رواية: (ثم تنحى فغسل رجليه)، وفي رواية للبخاري من حديث عائشة: (ثم يتوضأ وضوءه للصلاة)، وفي آخره قالت: (ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه)، وقد تقدم تفرد أبو معاوية بذكر غسل الرجلين بعد الوضوء ونهاية الغسل، فإما أن تكون هذه الرواية معلولة، أو تحمل على حديث ميمونة، ويكون المراد بقولها: (ثم يتوضأ وضوءه للصلاة) غير رجليه (^١)، أو يحمل على جواز الأمرين: غسلهما مع الوضوء، أو تأخير غسلهما.\n\nالوجه الخامس: لم يرد في هذا السياق ذكر المضمضة والاستنشاق، وورد ذكرهما في حديث ميمونة عند البخاري بلفظ: (ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه وأفاض على رأسه) (^٢)، والظاهر أنهما داخلان في عموم قولها: (ثم توضأ وضوءه للصلاة) وقد نقل ابن بطال الإجماع على أن الوضوء في غسل الجنابة غير واجب، والمضمضة والاستنشاق من توابع الوضوء، فإذا سقط الوضوء سقطت توابعه (^٣)، لكن تعقبه الحافظ بأن جماعة من أهل العلم ذهبوا إلى وجوبه، منهم أبو ثور، وداود الظاهري (^٤).\nوقد ذهبت الحنفية - كما ذكر الحافظ - إلى وجوب المضمضة والاستنشاق، لفعله ﷺ، ويكون هذا من باب بيان الغسل المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، واختار هذا الشيخ عبد العزيز بن باز (^٥).\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٦١).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٢٥٩).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (١/ ٣٧٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٣٦٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ٣٦٢).","vol":"2","page":51},{"text":"الوجه السادس: الحديث دليل على أنه يكتفى بغسل الجسد مرة واحدة ولا يكرر، لقولها: (ثم أفاض على سائر جسده) فلم تقيده بعدد، فيحمل على أقل ما يسمى، وهو المرة الواحدة؛ لأن الأصل عدم الزيادة، وقد بوَّب البخاري على حديث ميمونة «باب الغسل مرة واحدة» وفيه: (ثم أفاض على جسده) (^١).\nوالمشهور من مذهب الحنابلة أنه يغسل جسده ثلاث مرات، قياسًا على أعضاء الوضوء؛ لأنه يشرع فيها التثليث.\nوالصحيح الأول، وهو أنه لا يشرع تثليث غسل الجسد، بل يغسل مرة واحدة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (من نقل غُسْلَ النبي ﷺ كعائشة وميمونة ﵄ لم ينقل أنه غسل بدنه كله ثلاثًا، بل ذكر أنه بعد الوضوء وتخليل أصول الشعر حثا حثية على شق رأسه، وأنه أفاض الماء بعد ذلك على سائر بدنه) (^٢).\nوالذين استحبوا الثلاث إنما ذكروه قياسًا على الوضوء، والسنة قد فرقت بينهما، قال الزركشي: (وهو ظاهر الأحاديث) (^٣).\n\nالوجه السابع: استدل بهذا الحديث من قال باستحباب ترك التنشف بالمنديل بعد الغسل أو الوضوء، لقولها: (ثم أتيته بالمنديل فرده)، وفي رواية: (فناولته ثوبًا فلم يأخذه، وانطلق وهو ينفض الماء) (^٤)، ولأن ما على البدن أو على أعضاء الوضوء هو من أثر العبادة، فينبغي بقاؤها، ويدل لذلك - أيضًا - حديث أبي هريرة ﵁ قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله ﷺ فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب فقال لنا: «مكانكم»، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه (^٥).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٦٨).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٠/ ٣٦٩ - ٣٧٠).\n(^٣) \"شرح مختصر الخرقي\" (١/ ٣١١).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٢٧٦).\n(^٥) أخرجه البخاري (٦٤٠).","vol":"2","page":52},{"text":"فقوله: (ثم خرج ورأسه يقطر) دليل على أنه لم يتمسح بشيء، وهذا قول الشافعية في الصحيح عندهم من أوجه خمسة هذا أحدها (^١).\nوذهب الجمهور إلى أن التنشف مباح يستوي فعله وتركه؛ لأنه ﷺ جعل ينفض الماء بيده ولم يَنْهَ عنه، وأما رده المنديل في حديث ميمونة فهو كما قال الحافظ واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، إما لسبب في المنديل، كعدم نظافته، أو يخشى أن يبله بالماء، وبلله بالماء غير مناسب، أو لكونه كان مستعجلًا أو غير ذلك (^٢)، وعندي أن الاحتمال الأول فيه نظر.\nوقال بعض العلماء: إن هذا الحديث دليل على أنه كان يتنشف، ولولا ذلك لم تأته بالمنديل، وقال ابن دقيق العيد: (نفضه الماء بيده دليل على أنه لا كراهة في التنشيف؛ لأن كلًّا منهما إزالة) (^٣).\nوقد جاء عند أبي داود في حديث ميمونة ﵂ من طريق الأعمش، عن سالم، عن كريب به. وفي آخره قول الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم - يعني النخعي - فقال: كانوا لا يرون بالمنديل بأسًا، ولكن كانوا يكرهون العادة (^٤)، والمعنى أن السلف لا يرون بالمنديل بأسًا، ولكنهم يكرهونه مخافة أن يصير عادة بعد الوضوء (^٥)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المجموع\" (١/ ٤٦١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٦٣).\n(^٣) \"إحكام الأحكام\" (١/ ٣٨٦).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (٢٤٥).\n(^٥) انظر: \"بلوغ الأماني\" (٢/ ١٣٦ - ١٣٧).","vol":"2","page":53},{"text":"<span data-type='title' id=toc-110>حكم نقض المرأة شعرها في الغسل</span>\n١٢١/ ١٤ - وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ شَعْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغسْلِ الْجَنَابَةِ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: وَالْحَيْضَةِ؟ فقال: «لَا، إنّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ». رَوَاهُ مُسْلمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه مسلم (٣٣٠) في كتاب «الحيض» باب «حكم ضفائر المغتسلة» من طريق سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂، قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضَفْرَ رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تُفيضين عليك الماء فتطهرين».\nوفي رواية لمسلم - أشار إليها الحافظ - من طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن أيوب .. ولفظه: (أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ قال: لا ..).\nوقد حكم ابن القيم على هذه الرواية، وهي رواية عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، بأنها غير محفوظة (^١)، وتبعه على هذا الألباني (^٢)، وذلك لتفرد عبد الرزاق بها عن الثوري، وقد رواه عن الثوري يزيد بن هارون، ورواه سفيان بن عيينة، وروح بن القاسم، عن أيوب بن موسى، ولم يذكروا لفظة\n_________\n(^١) \"تهذيب مختصر السنن\" (١/ ١٦٥).\n(^٢) \"إرواء الغليل\" (١/ ١٦٨).","vol":"2","page":54},{"text":"(الحيضة) قال ابن القيم: (والصحيح في حديث أم سلمة الاقتصار على ذكر الجنابة دون الحيض، وليست لفظة: «الحيض» بمحفوظة)، ثم ساق الروايات في هذا، ثم قال: (فقد اتفق ابن عيينة وروح بن القاسم عن أيوب، فاقتصر على الجنابة، واختلف فيه على الثوري، فقال يزيد بن هارون عنه كما قال ابن عيينة وروح، وقال عبد الرزاق عنه: «أفأنقضه للحيضة والجنابة؟»، ورواية الجماعة أولى بالصواب، فلو أن الثوري لم يختلف عليه لترجَّحت رواية ابن عيينة وروح، فكيف وقد روى عنه يزيد بن هارون مثل رواية الجماعة؟ ومن أعطى النظر حقه علم أن هذه اللفظة ليست محفوظة في الحديث) (^١).\nوروى مسلم - أيضًا - (٣٣١) من طريق إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن عبيد بن عمير، قال: بلغ عائشة ﵂ أن عبد الله بن عمرو ﵄ يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا!! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\nقولها: (أشد شعر رأسي) لفظ مسلم (ضَفْر رأسي) كما تقدم، وكأن المصنف رواه بالمعنى، والمشهور في (ضَفْر) فتح الضاد وإسكان الفاء، ومعناه هنا: أُحْكِمُ فتل شعري، مصدر ضفر الشَّعْرَ وغيره: نسج بعضه على بعض أو جعله ضفائر بثلاث طاقات، وهو من باب التسمية بالمصدر، كالصيد ونحوه، ويجوز ضمهما معًا، جمع ضفيرة كسفينة وسفن، وهي كل خصلة من الشعر مفتولة أو مجدولة على حدة.\nقولها: (أفأنقضه) هذا يقوي المعنى الأول، وعند النسائي وغيره: (أفأنقضها) وهذا يقوي المعنى الثاني، وهو أنه جمع ضفيرة.\n\nقوله: (أن تحثي .. حثيات) بالثاء المثلثة، يقال: حثا الرجل التراب\n_________\n(^١) \"تهذيب مختصر السنن\" (١/ ١٦٥ - ١٦٨).","vol":"2","page":55},{"text":"يحثوه حثوًا، ويحثيه حثيًا، إذا أهاله بيده، وبعضهم يقول: قبضه بيده ثم رماه، والمراد بالحثيات هنا: جمع حثية، وهي الحفنة التي هي ملء الكفين من الماء، وهذا على التشبيه، لما تقدم.\n\nقوله: (ثم تُفيضين) بضم التاء، من أفاض الماء: صبه - وقد تقدم قبل هذا - أي: تصبين الماء على جسدك حتى يسيل.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا يجب على المرأة نقض شعرها للغسل من الجنابة أو الحيض، لما في ذلك من المشقة، ولا سيما في غسل الجنابة، بل تكتفي في ذلك بثلاث غرفات، تحثوها على رأسها.\nوهذا هو قول الجمهور من أهل العلم، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها الموفق (^١)، والمجد، والشارح عبد الرحمن بن قدامة (^٢)، وهو أنه لا يجب نقضه لا في غسل الجنابة ولا في غسل الحيض.\nقال في الشرح الكبير: (ولا يجب على المرأة نقض شعرها لغسلها من الجنابة رواية واحدة، إذا رَوّتْ أصوله، ولا نعلم في هذا خلافًا، إلا أنه روي عن ابن عمرو .. وهو قول النخعي، ولا نعلم أحدًا وافقهما على ذلك ..) (^٣).\nأما نقضه في غسل الحيض ففيه قولان:\nالأول: أنه لا يجب نقضه في غسل الحيض، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة في قول، واستدلوا بحديث أم سلمة المذكور (^٤).\nالثاني: أنه يجب نقضه، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وقول الظاهرية (^٥)، وبعض المالكية، واختاره ابن القيم (^٦).\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ٢٩٨).\n(^٢) \"الشرح الكبير\" (٢/ ١٣٧).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ١٣٧).\n(^٤) \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١٣٤)، \"المجموع\" (١/ ٢١٥)، \"الإنصاف\" (١/ ٢٥٦).\n(^٥) \"المحلى\" (٢/ ٥٣)، \"الإنصاف\" (١/ ٢٥٦).\n(^٦) \"تهذيب مختصر السنن\" (١/ ١٦٧).","vol":"2","page":56},{"text":"واستدلوا بحديث عائشة أن النبي ﷺ قال لها: «انقُضي رأسك وامتشطي» (^١).\nوعند ابن ماجه: «انقضي رأسك واغتسلي» (^٢)، وقد شك الألباني في لفظة: (واغتسلي)، لكون الحديث في الصحيحين بدونها (^٣)، وهذا الحديث وإن كان في غسل الإحرام؛ فإن أمره بالنقض في هذا الغسل وهو غير رافع لحدث الحيض تنبيه على وجوب نقضه إذا كان رافعًا لحدثه من باب أولى.\nوالقول الأول أرجح، وهو أنه لا يجب نقض الرأس عند الغسل من الحيض لقوة أدلته، ومما يقويه إنكار عائشة ﵂ على عبد الله بن عمرو، كما تقدم، فهذا يدل على أنه ليس بواجب، ويستثنى من ذلك ما إذا كان الشعر ملبدًا لا يصل الماء إلى أصوله بالصب، فيجب نقضه عند ذلك.\nأما أدلة القول الثاني: فإن حديث عائشة ليس فيه أمر بالغسل في رواية الصحيحين، ولو سلم بالأمر بالغسل لم يكن فيه حجة؛ لأن ذلك ليس هو غسل الطهارة من الحيض، وإنما أمرت بالغسل في حال الحيض للإحرام بالحج (^٤)، لقولها: (أدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ، فقال: «دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي»)، ولو ثبت الأمر به حمل على الاستحباب، جمعًا بينه وبين حديثها المذكور في الباب.\nوالحكمة من التفريق بين الجنابة والحيض - عند القائل به - هو أن الأصل وجوب نقض الشعر، ليتحقق وصول الماء إلى ما يجب غسله، فعفي عنه في غسل الجنابة؛ لأنه يكثر فيشق ذلك فيه، بخلاف الحيض فالغالب أنه في الشهر مرة، فلا مشقة في نقضه، فيبقى على مقتضى الأصل، وهو الوجوب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٦)، ومسلم (١٢١١).\n(^٢) \"سنن ابن ماجه\" (١/ ٢١٠)، وانظر: \"الصحيحة\" للألباني رقم (١٨٨).\n(^٣) \"الإرواء\" (١/ ١٦٧).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٢/ ٢٠٤).","vol":"2","page":57},{"text":"<span data-type='title' id=toc-111>تحريم المسجد على الحائض والجنب</span>\n١٢٢/ ١٥ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إني لَا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (٢٣٢) في «الطهارة» بابٌ في «الجنب يدخل المسجد»، وابن خزيمة (١٣٢٧)، من طريق عبد الواحد بن زياد، ثنا الأفلت بن خليفة، قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة (^١)، قالت: سمعت عائشة ﵂ تقول: جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد»، ثم دخل النبي ﷺ ولم يصنع القوم شيئًا، رجاءَ أن تنزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب».\nوقد اختلف العلماء في تصحيح هذا الحديث والاحتجاج به.\nفقد صحَّحه ابن خزيمة، كما ذكر الحافظ، وحسَّنه ابن القطان والزيلعي، كما صححه الشوكاني (^٢)، وقد نقل الحافظ - هنا - تصحيح ابن خزيمة، فكأنه يميل إلى تصحيحه، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (لا بأس بإسناده).\n_________\n(^١) بكسر الدال، \"المؤتلف والمختلف\" للدارقطني (٢/ ٩٩٠).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٣٣٢)، \"نصب الراية\" (١/ ١٩٤)، \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٧٠).","vol":"2","page":58},{"text":"وضعفه آخرون منهم البيهقي، فقال: (ليس بالقوي)، وقال عبد الحق: (لا يثبت)، وبالغ ابن حزم فقال: (إنه باطل) (^١).\nوذلك لأن مداره على جسرة بنت دجاجة، ولم يوثقها من يعتمد على توثيقه، فقد وثقها ابن حبان والعجلي (^٢)، وقال عنها البخاري: (عند جسرة عجائب) (^٣) وهذا يفيد تضعيفها. وقال الدارقطني: (يعتبر بحديثها إلا أن يحدث عنها من يترك) (^٤).\nثم إنها قد اضطربت في رواية الحديث، فمرة قالت: عن عائشة، كما في هذا السياق، ومرة قالت: عن أم سلمة، كما عند ابن ماجه (٦٤٥)، وهذا مما يوهن الحديث؛ لأنه يدل على عدم ضبط الراوي وحفظه.\nوبالإضافة إلى ذلك، ففي حديثها هذا مخالفة لأحاديث الثقات فيما يتعلق بسد الأبواب إلى المسجد، فقد قال عروة وعباد بن عبد الله، عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ: «سدوا هذه الأبواب إلا باب أبي بكر»، قال البخاري: (وهذا أصح).\nوعلى ما تقدم فهي علة ضعف هذا الحديث، أما تضعيفه بأفلت بن خليفة - كما قال ابن حزم وغيره - وأنه مجهول الحال، فليس بصحيح؛ فإنه روى عنه سفيان الثوري وعبد الواحد بن زياد، وقال أحمد: (ما أرى به بأسًا) (^٥)، وسئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: (شيخ) (^٦)، وحكى البخاري أنه سمع من جسرة بنت دجاجة.\nوقال ابن القطان: (إن قول البخاري في جسرة: عندها عجائب، لا يكفي لمن يسقط ما روت) (^٧)، وهذا فيه نظر، فإن اضطرابها في الرواية،\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٤٣)، \"المحلى\" (٢/ ١٨٦).\n(^٢) \"الثقات\" (٤/ ١٢١)، \"تاريخ الثقات\" (٢٠٨٧).\n(^٣) \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٦٧).\n(^٤) \"سؤالات البرقاني للدارقطني\" (٦٩).\n(^٥) \"العلل\" (٣/ ١٣٦).\n(^٦) \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٣٤٦).\n(^٧) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٣٣١).","vol":"2","page":59},{"text":"وتفردها بهذا الحديث عن عائشة دون أصحاب عائشة الكبار، ومخالفة حديثها هذا لما ذكره البخاري كلها قرائن تطعن في الحديث، والله أعلم.\n\nالوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال بتحريم لبث الجنب والحائض في المسجد، ومثل الحائض النفساء، وهذا مذهب جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، وكذا الحنابلة في الحائض (^١)، ومن أدلتهم - أيضًا - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]، قالوا: إن المراد بالصلاة: أماكنها، وهي المساجد، والمعنى: لا تقربوا المُصَلّى للصلاة وأنتم سكارى … ولا تقربوه جنبًا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل، أي: مجتازين للخروج منه، فكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة، وهي الجنابة المباعدة للصلاة ولمحلها، وقد روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس ﵄ بأسانيد فيها مقال، وثبت هذا التفسير عن جماعة من التابعين، كسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وذهب إلى هذا التفسير الشافعي (^٢).\nورجحه ابن جرير (^٣)، وابن كثير (^٤)؛ وقال: (هو الظاهر من الآية)، ومال إليه القرطبي (^٥)؛ والشوكاني (^٦)، قالوا: ولا يراد بالآية: الصلاة، وبقوله: ﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ المسافر؛ لأن التيمم لا يخص المسافر، ولأنه بين حكم المسافر في آخر الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، لكن صحَّ هذا التفسير عن ابن عباس ﵄، وبه قال جماعة من التابعين (^٧)، وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن النهي في الآية عن قربان الصلاة وعن قربان مواضعها (^٨).\n_________\n(^١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ١٦٥)، \"بدائع الصنائع\" (١/ ٣٨)، \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١٧٣)، \"المجموع\" (٢/ ١٦٠)، \"المغني\" (١/ ٢٠٠).\n(^٢) \"الأم\" (١/ ٧٠، ٧١)، \"الأوسط\" (٢/ ١٠٨).\n(^٣) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٣٧٩ - ٣٨٤).\n(^٤) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٢٧٥).\n(^٥) \"تفسير القرطبي\" (٥/ ٢٠٧).\n(^٦) \"تفسير الشوكاني\" (١/ ٤٦٩).\n(^٧) \"تفسير الطبري\" (٨/ ٣٧٩).\n(^٨) \"الفتاوى الكبرى\" (١/ ١٢٦).","vol":"2","page":60},{"text":"قال الجمهور: ويقاس على الجنب الحائض، فإذا نُهي عن قربان مواضع الصلاة، فهي أولى بالنهي، لأن حدثها أغلظ، فهو يمنع الصيام، ويسقط الصلاة، والجنب مأمور بالصيام، ومأمور بالصلاة إذا تطهر (^١).\nوالقول الثاني: أنه يجوز للجنب والحائض والنفساء أن يدخلوا المسجد ويمكثوا فيه، وبه قال ابن حزم، وذكره قولًا لداود (^٢)، وهو قول ابن المنذر، والمزني (^٣)، واستدلوا بما يلي:\n١ - أن الأصل في الأشياء الإباحة وعدم التحريم، وليس مع من حرم المسجد على من ذُكِرَ دليل صحيح (^٤).\n٢ - ما ورد عن عائشة ﵂ أن وليدةً سوداءَ كانت لحي من العرب فأعتقوها، فجاءت إلى رسول الله ﷺ، فأسلمت، فكان لها خباء في المسجد أو حِفْش (^٥) قال ابن حزم: (فهذه امرأة ساكنة في مسجد النبي ﷺ، والمعهود من النساء الحيض، فما منعها ﷺ من ذلك ولا نهى عنه، وكل ما لم ينه ﵊ عنه ويأمر به فمباح) (^٦).\n٣ - أن أهل الصُّفَّة كانوا يبيتون في المسجد (^٧).\nوقد بوب البخاري على ذلك بقوله: (باب نوم الرجال في المسجد)، ومن ينام في المسجد لا سيما إذا كان ملازمًا له فإنه لا يسلم من الاحتلام.\nوالقول الثالث: أنه يجوز للجنب فقط أن يمكث في المسجد إن كان متوضئًا، وبه قال الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٨) لما روى سعيد بن منصور عن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالًا من أصحاب النبي ﷺ\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ٢٠٠).\n(^٢) \"المحلى\" (٢/ ١٨٤).\n(^٣) \"الأوسط\" (٢/ ١١٠).\n(^٤) \"المجموع\" (٢/ ١٦٠).\n(^٥) أخرجه البخاري (٤٣٩)، وابن خزيمة (٢/ ٢٨٧)، وسيأتي ضمن أحاديث \"البلوغ\" رقم (٢٦١).\n(^٦) \"المحلى\" (٢/ ١٨٦).\n(^٧) \"فتح الباري\" (١/ ٥٣٥).\n(^٨) \"الفتاوى\" (٢١/ ٣٤٤ - ٣٤٥) (٢٦/ ١٧٨).","vol":"2","page":61},{"text":"يجلسون في المسجد، وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة (^١).\nوروى حنبل بن إسحاق عن أبي نعيم، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يتحدثون في المسجد وهم على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنبًا فيتوضأ ثم يدخل المسجد فيتحدث (^٢). ولأن الوضوء يخفف حدثه فيزول بعض ما يمنعه، كما تقدم في الجنب إذا أراد أن ينام أنه يتوضأ، لكن هذا الأثر عن الصحابة ﵃ حكاية فعل، والفعل المجرد من الرسول ﷺ لا يدل على الوجوب، فكيف من غيره (^٣)؟ كما علم من الأصول.\nوسبب الخلاف في هذه المسألة أمران:\nالأول: الاختلاف في تفسير الآية المتقدمة، وهل النهي فيها عن الصلاة؛ والمراد بعابر السبيل: المسافر، أو أن المراد: مواضعها، والمراد بعابر السبيل: المجتاز المار في المسجد للخروج منه؟\nالأمر الثاني: الاختلاف في تصحيح الحديث وتضعيفه.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور (٦٤٦) من طريق عبد العزيز بن محمد، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار قال: … فذكره.\nوهذا سند حسن، عبد العزيز بن محمد الدراوردي من رجال مسلم، لكن فيه ضعف من قبل حفظه، فهو كما لخص الذهبي حاله في \"الميزان\" (٢/ ٦٣٣) وفي \"السير\" (٨/ ٣٦٨): بأنه صدوق حسن الحديث. وأما قول الحافظ ابن كثير في \"تفسيره\" (٢/ ٢٧٥): (هذا إسناد صحيح على شرط مسلم) ففيه نظر، لما تقدم.\nوهشام بن سعد قال عنه الحافظ في \"التقريب\": (صدوق له أوهام)، ويستثنى من ذلك روايته عن زيد بن أسلم، فإنه ثقة فيه، لطول ملازمته له ومعرفته بحديثه، ولذا نقل الآجري عن أبي داود أنه قال: (هشام بن سعد أثبت الناس في زيد بن أسلم) [\"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٣٧)].\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٤٦) عن شيخه وكيع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: (كان الرجل منهم يجنب، ثم يدخل المسجد، فيحدث فيه).\nوهذا السياق ورد بدون ذكر عطاء بن يسار، فهل الدراوردي زاد في الإسناد الأول عطاء، أو أن هذا حديث آخر؟ أشار إلى هذا محقِّق \"سنن سعيد\".\n(^٣) انظر: \"موسوعة أحكام الطهارة\" (١١/ ٢٨٤).","vol":"2","page":62},{"text":"وقد ذهب الجمهور إلى أن الجنب لا يلبث في المسجد، استدلالًا بالآية الكريمة، على أن المراد بالصلاة: موضعها، وهو المسجد، كما رجحه ابن جرير وابن كثير، وأخذًا بالحديث على رأي من صححه، وأما على التفسير الأول، وهو أن الصلاة باقية على حقيقتها، والمعنى: لا تصلوا وأنتم سكارى، ولا أنتم جنب إلا في حال كونكم مسافرين حتى تغتسلوا (^١)، فلا يكون في الآية دليل على منع الجنب من دخول المسجد واللبث فيه، ولا يبقى في المسألة إلا حديث الباب وقد علمت ما فيه.\nوأما الحائض فليس في منعها من المسجد إلا حديث الباب، وأما القياس على الجنب ففيه نظر، للفارق بينهما، وهو قدرته على التطهر دونها، وعلى هذا فيجوز لبثها في المسجد، وعليها أن تحترز من إصابة المسجد بالأذى؛ لما سيأتي - إن شاء الله - من الأدلة في الحث على نظافة المساجد، ومن أهل العلم من خصَّ لبثها بالضرورة، وهو قول المالكية، وشيخ الإسلام ابن تيمية - كما لو خافت من يقتلها إذا لم تدخل المسجد أو كان البرد شديدًا أو فيه مطر، أو نحو ذلك (^٢).\nأما عبورها في المسجد أو أخذها شيئًا منه مثل سجادة أو كتاب فهذا يجوز، لحديث عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ: «ناوليني الخُمرة (^٣) من المسجد»، قالت: فقلت: إني حائض، فقال: «إن حيضتك ليست في يدك» (^٤)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير آيات الأحكام\" للسايس (٢/ ١٠٧).\n(^٢) \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١٧٤)، \"الفتاوى\" (٢٦/ ١٧٧).\n(^٣) الخمرة: السجادة، سميت خمرة لأنها تخمر الوجه أي: تغطيه.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٩٨).","vol":"2","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-112>حكم غسل الرجل مع امرأته من إناء واحد</span>\n١٢٣/ ١٦ - وَعَنْهَا قَالتْ: كُنْتُ أَغْتَسلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينا فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ، زَادَ ابْنُ حِبّانَ: وَتَلْتَقِي.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في «الغسل» باب «غسل الرجل مع امرأته»، وباب «هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها» (٢٦١)، ومسلم (٣٢١) (٤٥) من طريق عبد الله بن مسلمة، حدّثنا أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، واللفظ لمسلم، لأن البخاري ليس عنده لفظة: (من الجنابة).\nوأخرجه ابن حبان (٣/ ٣٩٥) من طريق ابن وهب قال: حدثني أفلح بهذا الإسناد، ولفظه: (سمعت عائشة تقول: إن كنت لأغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، تختلف أيدينا فيه وتلتقي) وسنده صحيح.\nقال الحافظ: (وللإسماعيلي من طريق إسحاق بن سليمان، عن أفلح: (تختلف فيه أيدينا، يعني: حتى تلتقي)، وللبيهقي من طريقه: (تختلف أيدينا فيه، يعني وتلتقي)، وهذا يشعر بأن قوله: (وتلتقي) مدرج، وسيأتي في باب (تخليل الشعر) من وجه آخر عنها: (كنا نغتسل من إناء واحد نغترف منه جميعًا) فلعل الراوي قال: وتلتقي بالمعنى) (^١).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\nقولها: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ)، يجوز في (رسول الله)\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٧٣).","vol":"2","page":64},{"text":"النصب على أنه مفعول معه، والرفع عطفًا على الضمير المستتر في (أغتسل) وهو أحسن من النصب، لأن العطف على الضمير المستتر مع الفصل بالضمير المنفصل قوي، وفيه تغليب المتكلم على الغائب إيذانًا بأن النساء محل الشهوات وحاملات للاغتسال، فكنّ أصلًا فيه.\nقولها: (تختلف أيدينا فيه) الاختلاف ضد الاتفاق، والمراد بذلك أن يدخل كل واحد منهما يده ويغرف من الإناء بعد يد الآخر، فيكون كل واحد منهما اغتسل بفضلة الآخر.\nوقد جاء في بعض الروايات عند البخاري ومسلم: (من إناء واحد من قدح يقال له الفَرَق) قال سفيان: والفرق ثلاثة آصع.\nقولها: (من الجنابة) متعلق بالفعل (أغتسل) و(من) للسببية.\nقولها: (وتلتقي) أي: تجتمعان أثناء الأخذ والغرف من الإناء.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على جواز اغتسال الرجل مع امرأته من إناء واحد، وأن ذلك لا يؤثر في طهارة الماء، وجواز رؤية كل واحد منهما عورة الآخر، ويدل لذلك - أيضًا - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: ٢٩، ٣٠].\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن وضع الجنب يده في الإناء الذي فيه ماءُ غُسْلِهِ لا يسلبه الطهورية، وذلك أن اليد إذا كانت نظيفة ليس عليها قذر جاز إدخالها في الإناء؛ لأنه ليس شيء من أعضاء الجنب نجسًا بسبب كونه جنبًا، ولو كانت الجنابة تتصل بالماء حكمًا لما جاز للجنب أن يدخل يده في الإناء حتى يكمل طهارته، ويزول حدث الجنابة عنه، فلما جاز إدخالها في أثناء الغسل علم أن الجنابة ليست مؤثرة في مباشرة الماء باليد، فلا مانع من إدخالها أولًا كإدخالها وسطًا (^١).\n_________\n(^١) \"المتواري\" ص (٧٥، ٧٦).","vol":"2","page":65},{"text":"وعن عامر الشعبي قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ يدخلون أيديهم في الإناء وهم جنب، والنساء وهن حُيَّضٌ، لا يرون بذلك بأسًا، يعني قبل أن يغسلوها) (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٨٢)، وعلقه البخاري (١/ ٣٧٢ فتح).","vol":"2","page":66},{"text":"<span data-type='title' id=toc-113>وجوب العناية بغسل الجنابة</span>\n١٢٤/ ١٧ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنّ تَحْتَ كلِّ شَعَرَةٍ جَنَابَةً، فَاغْسِلوا الشَّعَرَ، وَأَنْقُوا الْبَشَر». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتّرْمِذِيّ وَضَعّفَاهُ.\n١٢٥/ ١٨ - وَلأحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ، وَفِيهِ رَاوٍ مَجْهُولٌ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما الأول: فقد أخرجه أبو داود في «الطهارة»، باب «الغسل من الجنابة» (٢٤٨)، والترمذي (١٠٦)، وابن ماجه (٥٩٧) كلهم من طريق نصر بن علي، حدثنا الحارث بن وجيه، قال: حدثنا مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ به مرفوعًا.\nقال أبو داود: (الحارث بن وجيه حديثه منكر، وهو ضعيف). وقوله: (منكر) أي: لتفرد الحارث به، وهو ضعيف، فلا يعتمد على روايته، وقال الترمذي: (حديث الحارث بن وجيه حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديثه، وهو شيخ ليس بذاك، وقد روى عنه غير واحد من الأئمة، وقد تفرد بهذا الحديث عن مالك بن دينار).\nوقد ضعف العلماء هذا الحديث لضعف راويه وهو الحارث بن وجيه الراسبي، وليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث، وعن ابن معين أنه قال فيه: (ليس بشيء)، وقال البخاري: (في حديثه بعض المناكير)، وقال النسائي: (ضعيف) (^١)، ونقل العقيلي عن نصر بن علي الجهضمي أنه يضعف\n_________\n(^١) \"الضعفاء\" للعقيلي (١/ ٢١٦)، \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ١٤١).","vol":"2","page":67},{"text":"الحارث بن وجيه، وقال: (وله عنه - أي عن مالك بن دينار - حديث منكر لا يتابع عليه)، ثم ساق هذا الحديث (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: (قال أبي: هذا حديث منكر، والحارث ضعيف الحديث) (^٢).\nوقال البيهقي: (أنكره أهل العلم بالحديث: البخاري وأبو داود وغيرهما، وإنما يروى عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا، وعن الحسن عن أبي هريرة موقوفًا) (^٣).\nأما الحديث الثاني وهو حديث عائشة ﵂: فقد أخرجه أحمد (٤١/ ٣٠٦) (٤٣/ ٢٤٨) من طريق شريك، عن خُصيف، قال: حدثني رجل منذ ثلاثين سنة عن عائشة قالت: أجمرت شعري إجمارًا شديدًا (^٤) فقال لي رسول الله ﷺ: «يا عائشة، أما علمت أن على كل شعرة جنابة».\nوهذا إسناد ضعيف، قال الهيثمي: (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، إلا أن فيه رجلًا لم يُسمّ) (^٥).\nوخصيف هو ابن عبد الرحمن الجزري، صدوق سيئ الحفظ، خلط بِأَخَرَةَ.\nوشريك هو ابن عبد الله النخعي القاضي، صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إن تحت كل شعرة جنابة) هذا كناية عن شمول الجنابة كل ظاهر البدن الذي هو محل الشعر عادة.\n_________\n(^١) \"الضعفاء\" (١/ ٢١٦).\n(^٢) \"العلل\" (١/ ٢٩).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ١٧٩).\n(^٤) أي: جمعته وضفرته، يقال: أجمر شعره إذا جعله ذؤابة، والذؤابة: الجميرة؛ لأنها جمرت، أي: جمعت، قاله في \"بلوغ الأماني\" (٢/ ١٣٤).\n(^٥) \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٧٢).","vol":"2","page":68},{"text":"قوله: (فاغسلوا الشعر) الفاء للترتيب، والمعنى: ترتيب الحكم الذي هو وجوب الغسل على الوصف الذي هو عموم الجنابة للبدن، للدلالة على أن الشعر قد يمنع وصول الماء إلى البشرة، فيجب استقصاء الشعر بالغسل، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة.\n\nقوله: (أنقوا) بهمزة القطع، يقال: نَقِيَ الشيءُ ينقى، من باب (تعب) نقاء ونقاوة: نَظُفَ، فهو نقي.\n\nقوله: (البشر) بفتح الباء الموحدة والشين المعجمة: ظاهر الجلد، مفرده: بشرة.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الغسل من الجنابة، وتعميم الجسم كله بالماء، وإزالة كل ما يمنع وصول الماء إلى البشرة وأن الطهارة لا تكمل بترك الشيء من الجسد ولو كان قليلًا، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا في سنده - كما تقدم - فهو صحيح في معناه، دل القرآن على مقتضاه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، فأوجب الله التطهير لجميع البدن.\nإلا إن كان عليه جبيرة فإنه يكفي غسل ظاهرها إن أمكن غسله، وإن لم يمكن مسحه، فإن كان الجرح ليس عليه شيء ويضره الماء، فعليه أن يتيمم، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وسيأتي ذلك في «التيمم».\n\nالوجه الرابع: فيه دليل على تعليق الأحكام بعللها، وأنه لما كانت الجنابة شاملة لجميع البدن، كان التطهير شاملًا لجميع البدن، وذلك أن اللذة أثناء الجماع قد عمَّت جميع البدن واهتز لها فصار التطهير شاملًا لجميع البدن، كما أن جَلْدَ الزاني يعم بدنه، لحصول اللذة في جميع البدن، والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-114>باب التيمم</span>\nلما ذكر المصنف ﵀ ما يتعلق بالطهارة المائية الصغرى والكبرى، شرع في ذكر الأحاديث المتعلقة بالطهارة الترابية وهي التيمم، وأَخّره عنهما اقتداء بالقرآن، ولأنه بدل عنهما، ولذا لا يصار إليه إلا عند العجز عنهما، وترجم له بالباب دون الكتاب؛ لأنه نوع من الطهارة، فيشمله كتاب «الطهارة».\nوالتيمم في اللغة: القصد، يقال: تيمم الشيء ويمَّمه: أي: قصده، قال ابن السِّكِّيت: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، أي: اقصدوا الصعيد الطيب (^١).\nوشرعًا: مسح الوجه واليدين من الصعيد الطيب، بدلًا عن طهارة الماء، عند تعذر استعماله.\nوهو يشرع عند تعذر استعمال الماء لمرض أو سفر، أو عَدَمٍ في حضر أو سفر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦].\nوشُرع في السَنَة السادسة في غزوة بني المصطلق، لما ضاع عقد عائشة ﵂، ومكثوا في طلبه على غير ماء، فنزلت آية التيمم، وهذا ثابت في الصحيحين (^٢).\nوالتيمم من خصائص هذه الأمة، شرعه الله تعالى لها تكميلًا لدينها؛ ورحمة بها وإحسانًا إليها، وكان الإنسان في الأمم السابقة إذا لم يجد ماء\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (٥/ ٢٠٦٤).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٣٣٤)، \"صحيح مسلم\" (٣٦٧).","vol":"2","page":70},{"text":"يبقى حتى يجده فيتطهر به، وفي هذا مشقة عليه وحرمان للإنسان من الصلة بربه، أما في هذه الشريعة العظيمة فقد تجلى حرص الإسلام على الصلاة وعلى إقامتها، وصلة العبد بربه، بحيث لا ينقطع عن الصلاة لسبب من الأسباب، فإذا تعذر الماء أو تضرر باستعماله وجب عليه أن يتيمم ويصلي، فلله الحمد على فضله ونعمائه.","vol":"2","page":71},{"text":"<span data-type='title' id=toc-115>بعض خصائص النبي - ﷺ - وأمته ومنها التيمم</span>\n١٢٦/ ١ - عَنْ جَابِرِ بن عبد الله ﵄ أَنّ النبيّ ﷺ قالَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لمْ يُعْطَهُنّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجدًا وَطَهُورًا، فَأيّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصلاةُ فَلْيُصَلِّ …» وَذَكَرَ الحديثَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «التيمم» (٣٣٥) ومسلم (٥٢١) من طريق هُشيم بن بشير قال: أخبرنا سيّار أبو الحكم قال: حدثنا يزيد - هو ابن صهيب الفقير (^١) - قال: أخبرنا جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نُصرتُ بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأُحلت لي الغنائم، ولم تُحلَّ لأحد قبلي، وأعطيتُ الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثتُ إلى الناس عامة»، وهذا لفظ البخاري.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أعطيت خمسًا) أي: أعطاني الله تعالى خمس خصال، فَحُذِفَ الفاعل للعلم به، وهذا ليس على سبيل الحصر، كما سيأتي إن شاء الله.\n\nقوله: (لم يعطهن أحد قبلي)، وفي رواية للبخاري ومسلم: «أحد من الأنبياء».\n_________\n(^١) تابعي مشهور، قيل له الفقير؛ لأنه كان يشكو فقار ظهره، ولم يكن فقيرًا من المال.","vol":"2","page":72},{"text":"قوله: (نصرت بالرعب) الباء: للسببية، والرعب: الخوف والذعر لتوقع نزول محذور، والمراد هنا: حصول الخوف والوجل في قلوب الأعداء.\n\nقوله: (مسيرة شهر) أي: مسافة شهر، والمعنى: أن عدوه مرعوب منه ولو كان بينه وبينه مسافة شهر.\n\nقوله: (وجعلت لي الأرض مسجدًا) أي: صيَّر الله لي جميع الأرض مكانًا للسجود، أي: للصلاة، بخلاف الأمم السابقة فإنهم لا يصلون إلا في أماكن معينة كالكنائس، وفي حديث عمرو بن شعيب: «وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم» (^١)، وهذا من العام الذي دخله التخصيص، كما سيأتي إن شاء الله.\n\nقوله: (وطهورًا) بفتح الطاء، أي: شيئًا أتطهر به، والمراد: المطهر لغيره لا الطاهر فقط، وقد ورد في حديث أنس ﵁ مرفوعًا: «جعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا» (^٢).\n\nقوله: (فأيما رجل) أيُّ: اسم شرط زيدت فيه (ما) للتأكيد، وذكر الرجل لشرفه، والمرأة مثله.\n\nقوله: (أدركته الصلاة فليصلِّ) أي: دخل عليه وقتها وهو من أهلها، فليتطهر بالأرض وليصل عليها، ولا ينتظر وجود الماء.\n\nقوله: (وأحلت لي الغنائم) أي: جعلها الله لي حلالًا، والمراد بها: ما يؤخذ من أموال الكفار في الجهاد، وكانت في الأمم السابقة تجمع في مكان، ثم تنزل عليها نار من السماء فتحرقها.\n\nقوله: (وأعطيت الشفاعة) المراد بها: الشفاعة العظمى، وهي شفاعته ﷺ إلى الله تعالى في أهل الموقف أن يُقضى بينهم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١١/ ٦٣٩). قال ابن كثير في \"تفسيره\" (٣/ ٤٨٩): (إسناده جيد قوي، ولم يخرجوه).\n(^٢) أخرجه ابن الجارود (١٢٤) قال الحافظ في \"فتح الباري\" (١/ ٤٣٨): (إسناده صحيح).","vol":"2","page":73},{"text":"الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية التحدث بنعم الله تعالى لا على سبيل الافتخار؛ ولكن إظهارًا لنعمة الله تعالى واستجلابًا لشكره عليها، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، وفي حديث ابن عباس ﵄: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، ولا أقول فخرًا ..» (^١)، وفي حديث النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: «التحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر» (^٢)، قال بعض السلف: (من كتم النعمة فقد كفرها، ومن أظهرها ونشرها فقد شكرها).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على فضيلة النبي ﷺ وأمته حيث إن الله تعالى منّ عليه وعلى أمته بخصائص وفضائل، لم تكن لأحد من الأنبياء ولا لأممهم، ومفهومه أنه لم يختص بغير الخمس المذكورة، لكن ذِكْرُ العدد لا يدل على الحصر؛ لأن هناك خصائص غير ما ذكر في هذا الحديث، ففي حديث حذيفة: «فُضّلنا على الناس بثلاث» وسيأتي - إن شاء الله ـ، وحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «فُضِّلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأحلَّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» (^٣)، وحديث علي ﵁: «أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء»، وسيأتي - أيضًا إن شاء الله تعالى ـ، وحديث ابن مسعود ﵁، وفيه (… فأُعطي رسول الله ﷺ ثلاثًا: أُعطي الصلوات الخمس، وأُعطي خواتيمَ سورة البقرة، وغُفِرَ لمن لم يشرك بالله من أمته شيئًا المُقْحِمَاتُ) (^٤).\nفمن يقول بمفهوم العدد يقول: لعله أُطْلع أولًا على ما اختص به، ثم أُطلع على الباقي، وقد ذكر الحافظ سبع عشرة خصلة، استنبطها من\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ١١٩)، وهو حديث حسن بطرقه وشواهده.\n(^٢) أخرجه أحمد (٣٠/ ٣٩٠)، وحسنه الألباني في \"الصحيحة\" (٦٦٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٥٢٤).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٧٩) (١٧٣) والمقحمات بضم الميم: هي الذنوب التي تقحم صاحبها في النار، أي: تلقيه فيها، انظر: \"إكمال المعلم\" (١/ ٥٢٦).","vol":"2","page":74},{"text":"الأحاديث، وقال: (يمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع) (^١).\nوقد عني العلماء بموضوع الخصائص، وأفردت لها مؤلفات مستقلة؛ ومنها: كتاب «غاية السول في خصائص الرسول ﷺ»، لابن الملقن وهو مطبوع في مجلد، وكتاب: «الخصائص الكبرى» للسيوطي، وقد تحدث عنه في حاشيته على النسائي، وهو - أيضًا - مطبوع (^٢).\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن من وسائل النصر على الأعداء إلقاء الرعب في قلوبهم ولو كان بينهما مسافة شهر، وهذا النصر ثابت للنبي ﷺ وهو من تأييد الله له، وهذه الخصلة ترجى لمن أخذ بسنته وتابعها واستقام عليها واهتدى بهديه ظاهرًا وباطنًا من ولاة الأمور (^٣).\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على جواز التيمم على كل أرض طاهرة لقوله: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) فسمى الأرض طهورًا كالوضوء، فدل على أن التراب طهور كالماء، و(أل) في الأرض للاستغراق، فيشمل كل أرض، سواء أكانت ترابية أم رملية أم صخرية، وسواء كانت يابسة أم نديَّة، فالإنسان يتيمم في الأرض التي هو فيها، مهما كان نوعها.\nوقد ثبت في حديث أبي الجهم أن الرسول ﷺ تيمم على الجدار (^٤)؛ لأنه متصل بالأرض، وهو من جنسها، فإن كان الجدار مكسوًّا بالأخشاب أو الدهان وكان عليه غبار جاز التيمم به، ولا حرج إذا لم يجد صعيدًا ويكون كالذي يتيمم على الأرض؛ لأن التراب أو الغبار من مادة الأرض، أما إذا لم يكن عليه تراب فإنه ليس من الصعيد فلا يتيمم عليه، وكذا يقال في الفُرُشِ.\n\nالوجه السابع: الحديث دليل على جواز الصلاة على كل مكان من الأرض، لما تقدم من الاستغراق في قوله: «الأرض»، لكن هذا من العام المخَصَّص، فيخرج من هذا العموم ما استثناه الشرع، كالمكان النجس\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٣٩).\n(^٢) انظر: \"سنن النسائي\" (١/ ٢١٠).\n(^٣) انظر: \"بهجة قلوب الأبرار\" للسعدي ص (٧٤).\n(^٤) تقدم تخريجه في آخر الكلام على الحديث (٧٨).","vol":"2","page":75},{"text":"والمقبرة والحمام وأعطان الإبل، وسيأتي ذلك في كتاب «الصلاة»، إن شاء الله.\n\nالوجه الثامن: الحديث دليل على وجوب أداء الصلاة في وقتها على أي حال كان، سواء أكان واجدًا للماء أم عادمًا له، لقوله: «فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل»، لكن إن ترجح عنده وجود الماء في آخر الوقت فإن الأفضل له أن يؤخر الصلاة، محافظةً على شرط من شروطها وهو الطهارة بالماء، والصلاة في أول وقتها فيها محافظة على فضيلة الوقت فقط.\nأما إذا علم أنه لن يجد الماء أو ترجح عنده عدم وجوده فتقديم الصلاة في أول وقتها أفضل.\n\nالوجه التاسع: الحديث دليل على حلّ الغنائم لهذه الأمة.\n\nالوجه العاشر: الحديث دليل على اختصاص النبي ﷺ بالشفاعة العظمى التي يتدافعها كبار الرسل عليهم الصلاة والسلام.\n\nالوجه الحادي عشر: الحديث دليل على أن رسالة النبي ﷺ عامة لجميع الناس إلى يوم القيامة، فكلهم ملزمون بشريعته بعد بعثته، والله تعالى أعلم","vol":"2","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-116>اشتراط التراب في التيمم</span>\n١٢٧/ ٢ - وَفِي حَدِيثِ حُذَيفَةَ عِنْدَ مُسْلِم: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إذَا لمْ نَجِدِ المَاءَ».\n١٢٨/ ٣ - وعَنْ عَلِيٍّ ﵁ عِنْدَ أَحْمَدَ: «وَجُعلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا».\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما الأول فقد أخرجه مسلم (٥٢٢) في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» من طريق أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «فُضِّلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء»، وذكر خصلة أخرى.\nوأخرجه - أيضًا - من طريق سعد بن طارق، حدثني ربعي بن حِرَاشٍ، عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ؛ بمثله.\n\nوقوله: (وذكر خصلة أخرى) هي الثالثة؛ لأن المذكور خصلتان، لأن ما ذُكر عن الأرض من كونها مسجدًا وطهورًا خصلة واحدة، كما تقدم في حديث جابر، وأما الثالثة فهي محذوفة هنا، وجاء ذكرها في رواية النسائي من طريق أبي مالك الأشجعي - الراوي هنا عند مسلم - ومنه: «وأُوتيت هؤلاء الآيات آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يُعْطَ أحد منه قبلي ولا يعطى منه أحد بعدي» (^١).\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٥)، وأخرجه أحمد (٣٨/ ٢٨٧)، وابن خزيمة (١/ ١٣٣)، وإسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"2","page":77},{"text":"أما حديث علي ﵁، فقد أخرجه أحمد (٢/ ١٥٦ - ٤٦٠) من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي بن الحنفية، أنه سمع أباه علي بن أبي طالب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: «أعطيت ما لم يُعْطَ أحد من الأنبياء، فقلنا: يا رسول الله ما هو؟ قال: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسُمِّيت أحمد، وجعل التراب لي طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم».\nوهذا سند فيه ضعف، فإن عبد الله بن محمد بن عقيل متكلم فيه، قال ابن عيينة: (أربعة من قريش يترك حديثهم، فذكره فيهم)، وقال الدارقطني: (ابن عقيل ليس بقوي) (^١)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق في حديثه لين، ويقال: تغير بأَخَرة).\nوالصواب إن شاء الله، أن حديثه لا ينزل عن رتبة الحسن (^٢)، فإن الكلام فيه إنما هو من قبل حفظه، وهو في نفسه صدوق، فيتقى من حديثه ما انفرد به، وحديثه هذا له شواهد.\nقال الترمذي: (سألت محمدًا عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: رأيت أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، والحميدي يحتجون بحديثه، وهو مقارب الحديث) (^٣).\nوقد اختلف في إسناده، فقال ابن أبي حاتم: (سألت أبي عن حديث اختلف في الرواية على عبد الله بن محمد بن عقيل، فروى سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن عقيل بن أبي طالب، عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ أنه قال: «أعطيت ما لم يعط أحد، وجعل التراب لي طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم»، ورواه زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي أنه سمع عليًّا، فقال أبو زرعة: حديث سعيد بن سلمة عندي خطأ، وهذا عندي الصحيح) (^٤).\n_________\n(^١) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٨٣)، \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٣).\n(^٢) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٤٨٥).\n(^٣) \"العلل الكبير\" (١/ ٨١).\n(^٤) \"العلل\" (٢/ ٣٩٩).","vol":"2","page":78},{"text":"الوجه الثاني: ساق الحافظ حديث حذيفة وعلي ﵄؛ لأن فيهما تقييدين للحديث السابق.\nأما القيد الأول فقوله: (إذا لم نجد الماء)، وهذا القيد دل عليه كتاب الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] وهذا بإجماع المسلمين، وكذا المرض.\nوالقيد الثاني قوله: «وجعلت تربتها» و«جعل التراب لي طهورًا»، وهذا تقييد لقوله في حديث جابر المتقدم: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، فإن (أل) في الأرض لاستغراق أفراد الجنس - كما تقدم - فيشمل جميع أفراد الأرض، كالرمل والتراب والحجارة، وهنا قيَّده بالتراب، والتراب: ما كان له غبار.\nوهذا القيد يَستدل به من يقول: إنه لا بد في التيمم من التراب الذي له غبار يعلق باليد منه شيء، ويكون هذا مخصصًا للعموم السابق في حديث جابر ﵁؛ لأنه خَصّصَ الطهورية بالتراب في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه، ويكون الصعيد في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ المراد به: التراب، وقد ورد عن ابن عباس أنه قال: (أطيب الصعيد تراب الحرث) (^١)، وهذا قول الإمام الشافعي وأحمد وأصحابهما (^٢)، ودليلهم على ذلك أن الله تعالى قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، و(من) تبعيضية، ولا يمكن أخذ البعض من الصعيد إلا إذا كان ترابًا له غبار.\nوالقول الثاني: أنه لا يشترط التراب، بل يجوز التيمم على كل ما تصاعد على وجه الأرض، من تراب أو رمل أو حجارة، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] أي: وجهًا من الأرض طهورًا، قال الزجاج: (لا أعلم بين أهل اللغة اختلافًا في أن الصعيد وجه الأرض) (^٣)،\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٢٨٠)، \"تفسير ابن عباس\" (١/ ٢٤١)، وإسناده ضعيف.\n(^٢) \"المجموع\" (٢/ ٢١٢)، \"الإنصاف\" (١/ ٢٨٤).\n(^٣) \"معاني القرآن\" (٢/ ٥٦).","vol":"2","page":79},{"text":"واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني (^١).\nوقالوا: إن (مِنْ) في الآية لا يتعين أن تكون تبعيضية، بل يجوز أن تكون بيانية أو ابتدائية، أي: إن المسح يكون من هذا الصعيد، أو إن ابتداء المسح منه، بمعنى: أن تصل أيديكم إليه ثم ترفعوها، والقرينة على ذلك عموم الحديث، فإنه نص صريح في أن من أدركته الصلاة في أيِّ أرض فهي له طهور.\nثم إن آية النساء ليس فيها (من)، قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، وآية النساء سبقت آية المائدة بسنوات.\nولأن الرسول ﷺ لما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك وقطعوا تلك الرمال في طريقهم، لم يرد أنهم حملوا التراب معهم ولا أمرهم به، بل كانوا يتيممون بما تيسر لهم من الأرض.\nوأما القول بتخصيص الحديث فهو مردود لأمرين:\nالأول: أن التربة فرد من أفراد الأرض، وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يكون مخصصًا له عند الجمهور، فإذا قلت: أكرم الطلبة وأكرم زيدًا، لم يكن تخصيصًا لزيد بالإكرام؛ لأنه ذُكِرَ بحكم العام، لكن لو قلت: أكرم الطلبة، ثم قلت: لا تكرم محمدًا، كان ذلك تخصيصًا؛ لأنك ذكرته بحكم غير حكم العام.\nالثاني: أن الاحتجاج بلفظ (التراب) من باب مفهوم اللقب، ومفهوم اللقب ضعيف عند الجمهور من الأصوليين، والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (٢١/ ٣٦٤)، \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦).\n(^٢) انظر: \"شرح تنقيح الفصول\" للقرافي ص (٢١٩)، \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٠٥)، \"أضواء البيان\" (٢/ ٣٧).","vol":"2","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-117>بيان كيفية التيمم\nوأنه لا فرق بين الحدث الأكبر والأصغر</span>\n١٢٩/ ٤ - وعَنْ عَمّارِ بْنِ يَاسرٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَنِي النّبيُّ ﷺ في حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرّغْتُ في الصّعِيدِ كَمَا تَمَرّغُ الدّابّةُ، ثمّ أَتَيْتُ النّبيَّ ﷺ، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «إنّما كان يكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هكَذَا»، ثمّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثمّ مَسَحَ الشِّمالَ عَلَى اليَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفّيْهِ وَوَجْهَهُ. مُتّفقٌ عَلَيْهِ، وَاللّفْظُ لمُسْلِمٍ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: وَضَرَبَ بِكَفّيْهِ الأرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثمّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفّيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عمار بن ياسر بن عامر العنسي، أبو اليقظان، مولى بني مخزوم، أسلم قديمًا هو وأبوه وأمه، وعذبهم المشركون، وكان النبي ﷺ يمر بهم وهم يعذبون في مكة فيقول: «صبرًا يا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة» (^١)، وقد شهد مع النبي ﷺ الغزوات كلها، وعن علي ﵁ قال: جاء عمار يستأذن على النبي ﷺ فقال: «ائذنوا له، مرحبًا بالطيِّب المطيَّب» (^٢)، وقد تواترت\n_________\n(^١) صححه الألباني في \"تخريج السيرة\" ص (١٠٧)، وذكر أن له طرقًا تشهد بصحته.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٧٩٨) وابن ماجه (١٤٦) وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح). والظاهر أنه من قبيل الحسن.","vol":"2","page":81},{"text":"الأحاديث عن النبي ﷺ أن عمارًا تقتله الفئة الباغية، وأجمعوا على أنه قتل مع علي ﵁ في صِفِّين، سنة سبع وثلاثين (^١) ﵁.\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «التيمم» باب «التيمم ضربة» (٣٤٧) ومسلم (٣٦٨) من طريق الأعمش، عن شقيق بن سلمة، قال: كنت جالسًا مع عبد الله - أي: ابن مسعود - وأبي موسى، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! أرأيت لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء شهرًا كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد الله: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرًا، فقال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذه الآية لأوشك إذا بَرَدَ عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد، فقال أبو موسى لعبد الله: ألم تسمع قول عمار: بعثني رسول الله ﷺ … الحديث، واللفظ لمسلم.\nوأما رواية البخاري فقد أخرجها في: باب «المتيمم هل ينفخ فيهما؟» من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصلّ، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت للنبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: «كان يكفيك هكذا» فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه، هذا لفظ البخاري، وفي مسلم نحوه، ولفظه: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك ..».\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (بعثني في حاجة) أي: أرسلني في غرض، وكان مع إحدى السرايا.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٢٢٤)، \"الإصابة\" (٧/ ٦٤).","vol":"2","page":82},{"text":"قوله: (فتمرغت في الصعيد) أي: تقلبت على الأرض كما تتقلب الدابة، ليشمل التراب جميع جسده، قياسًا منه للتيمم من الجنابة على الغسل منها، والصعيد: وجه الأرض أو التراب، على الخلاف المتقدم.\n\nقوله: (يكفيك) أي: يغنيك عن التمرغ في الصعيد أو عن الاغتسال بالماء.\n\nقوله: (أن تقول بيديك) أي: تفعل بكفيك، فأطلق القول وأراد به الفعل.\n\nقوله: (هكذا) ها: للتنبيه، والكاف للتشبيه؛ أي: مثل ما أقول بيدي.\n\nقوله: (وظاهرَ كفيه) بنصب (ظاهر) معطوفًا على مفعول (مسح) والتقدير: ومسح ظاهر كفيه، أي: مسح ظاهر كل منهما براحة اليد الأخرى، كما ورد مفسرًا عند أبي داود.\n\nقوله: (ووجهه) بالنصب أي: ومسح وجهه.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على جواز التيمم من الجنابة إذا لم يجد الماء، وأن التيمم ليس خاصًا بالحدث الأصغر، بل يكون مع الحدث الأكبر، وقد دل على ذلك القرآن - أيضًا - في قوله تعالى بعد طهارة الماء: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، فذكر الله تعالى سببين لطهارة التيمم، أحدهما: الحدث الأصغر ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، والثاني: الحدث الأكبر ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وهو الجماع، كما تقدم في باب «الغسل».\n\nالوجه الخامس: أن كيفية التيمم من الجنابة مثل كيفية التيمم عن الحدث الأصغر، فيضرب الأرض بكفيه ضربة واحدة، ويمسح يده اليسرى على باطن كفه اليمنى؛ وظاهر كفيه ووجهه، وعند أبي داود: (ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه)، ولفظ الإسماعيلي: (إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفضهما، ثم تمسح بيمينك على شمالك وبشمالك على يمينك، ثم تمسح على وجهك)، وهي","vol":"2","page":83},{"text":"أوضح في المراد (^١).\nوفي الرواية الأولى المتفق عليها تقديم مسح اليدين على مسح الوجه، وفي الثانية عند البخاري: تقديم مسح الوجه على الكفين، وهي الموافقة للقرآن في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، فقدم في الحديث مسح الوجه على مسح اليدين؛ لأنه ظاهر القرآن، والموافق للترتيب في الوضوء، حيث يقدم غسل الوجه على غسل اليدين، ولأن أكثر الروايات في حديث عمار بتقديم الوجه.\nأما رواية تقديم اليدين فلأن الواو لا يلزم أن تكون للترتيب في كل المواضع؛ لأنها لمطلق الجمع.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على جواز تخفيف الغبار الكثير العالق باليدين من ضرب الأرض بالنفخ، ثم مسح الوجه والكفين بهما.\nوقد بوب البخاري - كما تقدم - على حديث عبد الرحمن بن أبزى، وفيه الرواية المذكورة بقوله: (باب المتيمم هل ينفخ فيهما؟).\nقال الحافظ: (وإنما ترجم بلفظ الاستفهام لينبه على أن فيه احتمالًا كعادته؛ لأن النفخ يحتمل أن يكون لشيء عَلِقَ بيده خشي أن يصيب وجهه الكريم، أو عَلِقَ بيده من التراب شيء له كثرة فأراد تخفيفه، لئلا يبقى له أثر في وجهه، ويحتمل أن يكون لبيان التشريع ..) (^٢)، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٤٥٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٤٣).","vol":"2","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-118>بيان صفة أخرى للتيمم</span>\n١٣٠/ ٥ - وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «التّيَمّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ». رَوَاهُ الدّارَقُطْنِيُ، وَصَحّحَ الأئِمّةُ وَقْفَهُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الدارقطني (١/ ١٨٠)، والحاكم (١/ ٢٨٧)، وابن عدي (٥/ ١٨٨) من طريق علي بن ظبيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا.\nوهذا إسناد ضعيف؛ لأن فيه علي بن ظبيان بن هلال العبسي، وهو ضعيف جدًا، اتهمه ابن معين، وقال البخاري: (منكر الحديث)، وقال النسائي: (متروك الحديث)، وقال في موضع آخر: (ليس بثقة، ولا يكتب حديثه)، وقال أبو زرعة: (واهي الحديث جدًا)، وقال أبو حاتم: (متروك)، وقال ابن عدي: (الضعف على حديثه بيّن) (^١).\nوقد تابعه على رفعه سليمان بن أرقم، وسليمان بن أبي داود، وكلاهما ضعيف، لا يحتج بروايته، كما قال البيهقي وغيره.\nوالصحيح أنه موقوف على ابن عمر ﵄، قال الدارقطني: (ووقفه يحيى بن القطان وهُشيم وغيرهما، وهو الصواب)، ثم ساقه بسنده من طريق هشيم ويحيى موقوفًا، وساقه البيهقي (١/ ٢٠٦) من طريق يحيى بن سعيد موقوفًا.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٣٠٠).","vol":"2","page":85},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن حديث رواه محمد بن ثابت عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في التيمم ضربتين، قال: (هذا خطأ إنما هو موقوف) (^١).\nولا حجة في هذا الموقوف؛ لأن الحجة فيما روى الصحابي، لا فيما رأى إذا خالف النص، وقد تقدم في حديث عمار أن التيمم ضربة واحدة.\nقال الحافظ: (إن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وعمار، وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه ..) (^٢).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن التيمم يكون بضربتين: ضربة لمسح الوجه، وضربة لمسح الكفين، وبهذا أخذ من قال: إن التيمم ضربتان، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي (^٣)، قال ابن قدامة: (المسنون عند أحمد التيمم بضربة واحدة، فإن تيمم بضربتين جاز، وقال القاضي: الإجزاء يحصل بضربة؛ والكمال ضربتان) (^٤)، والراجح الاقتصار على ضربة واحدة، لما تقدم.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن التيمم في اليدين يمتد إلى المرفقين، وقد ورد في حديث عمار في الصحيحين بذكر الكفين، وورد عند أبي داود من حديث سلمة بن كهيل: (الكفين والوجه والذراعين)، وورد عنده - أيضًا - من طريق سلمة: (إلى نصف الساعدين) (^٥)، وورد عنده وعند النسائي في حديث عمار أن الصحابة ﵃ تيمَّموا وهم مع النبي ﷺ فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط (^٦).\nوالصواب أن التيمم يكون في الكفين فقط، تيسيرًا من الله تعالى، وأما\n_________\n(^١) \"علل الحديث\" (١/ ٥٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٤٤).\n(^٣) \"المجموع\" (٢/ ٢١٠)، \"بدائع الصنائع\" (١/ ٤٥).\n(^٤) \"المغني\" (١/ ٣٢٠).\n(^٥) \"سنن أبى داود\" (٣٢٥).\n(^٦) \"سنن أبي داود\" (٣١٨)، و\"سنن النسائي\" (١/ ١٦٧).","vol":"2","page":86},{"text":"حديث الباب فتقدم أنه موقوف ولا حجة فيه، وأما حديث عمار فالمعوَّل على رواية الصحيحين، وأما غيرها فلا يعول عليه؛ لأن سلمة شك فيه، فقال له منصور بن المعتمر ذات يوم: (انظر ما تقول، فإنه لا يذكر الذراعين غيرُك)، ذكره أبو داود، وذكر النسائي: أن سلمة شك لا يدري فيه إلى المرفقين أو إلى الكفين (^١).\nوأما المسح إلى الآباط: فإما أن يكون مشروعًا كذلك، ثم نسخ تخفيفًا على هذه الأمة ورحمة بها، أو أنهم فعلوه باجتهادهم وعدم سؤالهم فوقعوا فيه خطأً، وهذا هو الأقرب، لقوله: (تيممنا ..) فهو حكاية لفعلهم، والله أعلم.\nوقد جاء ذكر اليد مطلقة في آية التيمم في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، واليد عند الإطلاق هي الكف فقط، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ويد السارق تقطع من الكف إجماعًا (^٢).\nأما في الوضوء فقد جاء تقييدها في قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، ولا يجوز حمل المطلق على المقيد هنا؛ لأن من شرط ذلك أن يتفقا في الحكم، وهنا لم يتفقا؛ لأن الحكم في آية الوضوء غسل، وفي آية التيمم مسح، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"السنن\" (١/ ١٦٦).\n(^٢) \"المغني\" (١٢/ ٤٤٠).","vol":"2","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-119>التيمم رافع للحدث بمنزلة الوضوء</span>\n١٣١/ ٦ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الصّعِيدُ وَضُوءُ المُسْلمِ، وإنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيَتّقِ الله، ولْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ». رَوَاه الْبَزّارُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ الْقَطّانِ، ولكِنْ صَوّبَ الدّارقُطْنِي إرْسَالَهُ.\n١٣٢/ ٧ - وللتّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي ذَرّ نَحْوُهُ، وَصَحّحَهُ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو ذر جُنْدُبُ بنُ جُنَادَةَ - على المشهور - أسلم قديمًا، وكان من كبار الصحابة ﵃، وقصة إسلامه في الصحيحين من رواية ابن عباس ﵄ عند البخاري، ومن رواية عبد الله بن الصامت عند مسلم (^١)، وبينهما اختلاف ظاهر، وقد عذّب في سبيل إسلامه وأوذي كثيرًا، وكان زاهدًا صادقًا عالمًا عاملًا شجاعًا يصيب في الرمي، قال فيه النبي ﷺ: «ما أقلّت الغبراء، ولا أظلّت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر» (^٢)، مات ﵁ في الرّبذة سنة اثنتين وثلاثين (^٣).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٣٨٦١)، و\"صحيح مسلم\" (٢٤٧٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (١١/ ٧٠) وهو حديث حسن بطرقه وشواهده.\n(^٣) \"الاستيعاب\" (١١/ ٢٤١)، \"الإصابة\" (١١/ ١١٨). والرَّبذة: بالتحريك، قرية تقع شرق المدينة، تميل نحو الجنوب بمسافة (٩٨) ميلًا. انظر: \"المغانم المطابة\" ص (١٥١).","vol":"2","page":88},{"text":"الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما الأول: فقد أخرجه البزار (١/ ١٧٥) «مختصر زوائده» قال: حدثنا مقدم بن محمد بن علي بن مقدم المقدمي، حدثني عمي القاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم، ثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ .. فذكره، وفي آخره: «فإن ذلك خير».\nقال البزار: (لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، ومقدم ثقة معروف النسب)، وقال الهيثمي: (رجاله رجال الصحيح) (^١)، وصححه ابن القطان (^٢)، وقال الدارقطني: (الصواب عن ابن سيرين مرسلًا) (^٣).\nأما الثاني وهو حديث أبي ذر: فقد أخرجه أبو داود، في «الطهارة» باب «الجنب يتيمم» (٣٣٢)، والترمذي (١٢٤)، والنسائي (١/ ١٧١)، وأحمد (٣٥/ ٤٤٨) من طريق أبي قلابة، عن عمرو بن بُجْدان، عن أبي ذر ﵁ قال: اجتمعت غُنيمة (^٤) عند رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا ذر ابْدُ فيها» (^٥)، فبدوت إلى الرّبذة، فكانت تصيبني الجنابة فأمكث الخمس والست، فأتيت رسول الله ﷺ فقال: «أبو ذر»، فسكتُّ، فقال: «ثكلتك أمك أبا ذر، لأمك الويل»، فدعا لي بجارية سوداء فجاءت بُعسّ (^٦) فيه ماء، فسترتني بثوب واستترت بالراحلة واغتسلت، فكأني ألقيت عني جبلًا، فقال: «الصعيد وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسّه جلدك، فإن ذلك خير»، وهذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي مختصر، وهو آخر الحديث، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).\nوعمرو بن بُجْدان: وثقه ابن حبان (^٧)، والعجلي (^٨)، وترجمه البخاري (^٩)، وابن أبي حاتم (^١٠)، فلم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، والأكثرون\n_________\n(^١) \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٥٩).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٢٦٦).\n(^٣) \"العلل\" (٨/ ٩٣).\n(^٤) غُنيمة: تصغير (غنم) للتقليل.\n(^٥) ابدُ فيها: أي: اخرج إلى البادية مصاحبًا الغنم، وهو بضم الهمزة، أمر من: بدا يبدو: إذا خرج إلى البادية.\n(^٦) بعسّ: بضم العين وتشديد السين: القدح الكبير، وجمعه عساس وأعساس.\n(^٧) \"الثقات\" (٥/ ١٧١).\n(^٨) \"تاريخ الثقات\" ص (٣٦٢).\n(^٩) \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٣١٧).\n(^١٠) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٢٢).","vol":"2","page":89},{"text":"على أنه مجهول الحال، قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: عمرو بن بجدان معروف؟ قال: (لا)، وقال ابن القطان: (لا يعرف) (^١)، وقال الذهبي: (مجهول الحال) (^٢)، وقال الحافظ في «التقريب»: (لا يعرف حاله).\nولعل تصحيح الترمذي لهذا الحديث باعتبار شواهده، ومنها: حديث أبي هريرة المتقدم؛ لأن الأكثرين قد جزموا بجهالة عمرو بن بجدان.\nوقد صححه - أيضًا - ابن حبان (٤/ ١٣٥)، والحاكم (١/ ١٧٠)، وظاهر صنيع الحافظ تصحيحه، فإنه نقل - هنا - تصحيح الترمذي وأقره؛ وكذا فعل في «فتح الباري»، وزاد ابن حبان، والدارقطني (^٣)، والحديث أخرجه الدارقطني (١/ ١٨٦) وسكت عنه، والذي يظهر - والله أعلم - أن الحديث بالاعتبارات المذكورة لا ينزل عن درجة الحسن.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الصعيد وضوء المسلم) مبتدأ وخبر، ولفظ أبي داود من حديث أبي ذر: (الصعيد الطيب ..) أي: الطاهر المطهر، والصعيد: تقدم معناه.\nووضوء: بفتح الواو؛ لأن التراب بمنزلة الماء في صحة التطهر به، وقيل: بضم الواو؛ أي: استعمال الصعيد على الوجه المخصوص كوضوء المسلم من باب التشبيه البليغ، وعلى كل منهما فهو يفيد أن التيمم رافع للحدث، كما سيأتي - إن شاء الله ـ. قوله: (ولو إلى عشر سنين) المراد منه الكثرة لا التحديد، والمعنى: أن له أن يفعل التيمم مرة بعد أخرى وإن بلغت مدة عدم الماء عشر سنين.\n\nقوله: (فليتق الله) مناسبتها لبيان عظم شأن الطهارة وأن أمرها عظيم.\n\nقوله: (وليمسه بشرته) بضم الياء من المضارع، وماضيه أمسّ، تقول: مسست الجسد بماء، وأمسست الجسد ماء، والمعنى: إذا وجدت الماء\n_________\n(^١) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٢٦٦).\n(^٢) \"الميزان\" (٣/ ٢٧٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٦٦).","vol":"2","page":90},{"text":"الكافي لطهارتك فاضلًا عن حاجتك الضرورية وكنت قادرًا على استعماله فعليك أن تتطهر به.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن التيمم مطهر ورافع للحدث وليس مبيحًا لما تجب له الطهارة فقط؛ لأن الرسول ﷺ سماه وضوءًا فقال: (التيمم وضوء المسلم).\nوهذا مذهب أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والصنعاني، وجماعة (^١).\nوالقول الثاني: أن التيمم مبيح للصلاة ونحوها، لا رافع للحدث، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم مالك، والشافعي، والمشهور من مذهب الإمام أحمد (^٢).\nواستدلوا بقوله: (فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته)، ووجه الدلالة: أنه أمره إذا وجد الماء أن يمسه بشرته، وهذا يدل على أن التيمم لم يرفع حدثه، وإنما أباح له فعل ما شُرعت الطهارة له، ولو رفع الحدث لم يحتج إلى الماء إذا وجده.\nوالقول الأول أظهر، وهو أن التيمم يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا إلى أن يجد الماء أو يستطيع استعماله، ويؤيد ذلك ما يلي:\n١ - قوله تعالى بعد ذكر التيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فأخبر الله تعالى أنه يريد أن يطهرنا بالتراب كما يطهرنا بالماء، وَوَصَفَ النبي ﷺ التيمُّمَ بأنه طهور.\n٢ - أن التيمم بدل عن طهارة الماء، والقاعدة الشرعية أن البدل له حكم المبدل، فإذا كانت طهارة الماء ترفع الحدث، فكذلك التيمم يرفع الحدث.\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٥)، \"المغني\" (١/ ٣٢٩)، \"الفتاوى\" (٢١/ ٤٣٦)، \"زاد المعاد\" (١/ ٢٠٠)، \"سبل السلام\" (١/ ١٨٤).\n(^٢) \"المنتقى\" (١/ ١٠٩)، \"المجموع\" (٢/ ٢٢١)، \"المغني\" (١/ ٣٢٩).","vol":"2","page":91},{"text":"يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقيل: بل التيمم يقوم مقام الماء مطلقًا ويستبيح به كما يستباح بالماء، ويتيمم قبل الوقت، كما يتوضأ قبل الوقت، ويبقى بعد الوقت، كما تبقى طهارة الماء بعده، وإذا تيمم لنافلة صلّى به الفريضة، كما أنه إذا توضأ لنافلة صلّى به الفريضة، وهذا قول كثير من أهل العلم، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في الرواية الثانية، وقال أحمد: هذا هو القياس ..... وهذا القول هو الصحيح، وعليه يدل الكتاب والسنة والاعتبار …).\nثم قال: (فالتيمم رافع للحدث، مطهر لصاحبه، لكن رفعه مؤقت إلى أن يقدر على استعمال الماء، فإنه بدل عن الماء، فهو مطهر ما دام الماء متعذرًا ..)، وقال: (والله قد جعله طهورًا للمسلمين عند عدم الماء، فلا يجوز لأحد أن يضيق على المسلمين ما وسع الله عليهم، وقد أراد رفع الحرج عن الأمة فليس لأحد أن يجعل فيه حرجًا ..) (^١).\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن من تيمم للجنابة ثم قدر على استعمال الماء أنه يلزمه الغسل، وهو قول كافة العلماء، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢١/ ٤٣٦، ٤٣٩، ٤٥٩).","vol":"2","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-120>حكم من تيمم وصلى ثم وجد الماء في الوقت</span>\n١٣٣/ ٨ - وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيّ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَجُلانِ في سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصلاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمّما صَعيدًا طَيِّبًا، فَصَلّيَا، ثُمّ وَجَدَا المَاءَ في الوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصلاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمّ أَتَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلاتُكَ»، وَقَالَ للآخَرِ: «لَكَ الأجْرُ مَرّتَيْنِ». رَوَاهُ أَبُو دَاودَ، وَالنّسائيُّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (٣٣٨) في «الطهارة»، باب في «المتيمم يجد الماء بعدما يصلي في الوقت»، والنسائي (١/ ٢١٣) من طريق عبد الله بن نافع، عن الليث بن سعد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁.\nوعبد الله بن نافع هو ابن أبي نافع الصائغ المخزومي مولاهم، متكلم فيه، قال أبو زرعة: (لا بأس به)، وكذا قال النسائي، وقال أبو حاتم: (ليس بالحافظ، هو لين في حفظه، وكتابه أصح) (^١) وقال عنه الحافظ في التقريب: (ثقة صحيح الكتاب، في حفظه لين).\nوالحديث فيه مقال من حيث الإرسال والوصل، كما أُعل بالانقطاع بين\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٤٦).","vol":"2","page":93},{"text":"الليث وبكر، كما سيأتي، فقد قال أبو داود: (وغير ابن نافع يرويه عن الليث، عن عَميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ)، وقال: (وذِكْرُ أبي سعيد الخدري في هذا الحديث ليس بمحفوظ، وهو مرسل) أي: من مراسيل عطاء.\nوغرض أبي داود بذلك بيان أن غير ابن نافع وهو عبد الله بن المبارك ويحيى بن بكير قد رويا هذا الحديث عن الليث بن سعد بسنده إلى عطاء بن يسار مرسلًا، ولم يذكرا أبا سعيد، وبذلك يتضح أن أصحاب الليث اختلفوا عليه في هذا الحديث، فعبد الله بن نافع روى الحديث عنه عن بكر بن سوادة متصلًا، لكن فيه انقطاع بإسقاط الواسطة بين الليث وبين بكر بن سوادة، وهو عَمِيرة بن أبي ناجية، وعبد الله بن المبارك رواه عن الليث مرسلًا بإسقاط أبي سعيد، غير منقطع، وروايته أخرجها النسائي (١/ ٢١٣)، وأخرجها الدارقطني (١/ ١٨٩)، إلا أنه لم يذكر الواسطة، فظاهره الانقطاع.\nويحيى بن بكير روى الحديث عن الليث بسنده مرسلًا غير منقطع، وهو من أثبت الناس في حديث الليث، وروايته أخرجها البيهقي (١/ ٢٣١)، والحاكم (١/ ١٧٨).\nوعلى هذا فعبد الله بن نافع تفرد بوصله، وقد خالفه ابن المبارك ويحيى بن بكير فروياه مرسلًا من مراسيل عطاء، وتابعهما وكيع عند ابن أبي شيبة (^١)، فلم يذكروا أبا سعيد ﵁، وابن المبارك رواه موصولًا بذكر عميرة، ومنقطعًا كرواية ابن نافع بإسقاطه، لكنه خالفه فأرسله، ويحيى لم يروه إلا موصولًا بذكر عميرة.\nلكن قد يرد على قول أبي داود: إن ذكر أبي سعيد في هذا الحديث ليس بمحفوظ، أن ابن السكن روى الحديث في صحيحه - كما قال ابن القطان - من طريق أبي الوليد الطيالسي، عن الليث، عن عمرو بن الحارث وعَمِيرة بن أبي ناجية جميعًا، عن بكر بن سوادة، عن عطاء، عن أبي سعيد أن رجلين\n_________\n(^١) \"المصنف\" (٢/ ٤٣٣).","vol":"2","page":94},{"text":"خرجا في سفر .. الحديث (^١).\nفوصله ما بين الليث وبكر؛ بعمرو بن الحارث الثقة، وقرنه بعميرة، وأسنده بذكر أبي سعيد، وعلى هذا فهو متصل لا مرسل، وقال الألباني عن هذا الموصول: (إسناده صحيح) (^٢).\nلكن يلاحظ أن الأئمة - كأبي داود - لم يذكروا هذه المتابعة، ولذا قال الدارقطني: (تفرد به عبد الله بن نافع عن الليث بهذا الإسناد متصلًا؛ خالفه ابن المبارك وغيره) (^٣)، وكذا قال الطبراني (^٤)، وعلى هذا فرواية ابن السكن شاذة، لأنها مخالفة رواية الثقات عن الليث - كما تقدم - والوهم فيها قد يكون من أبي الوليد أو ممن هو دونه، والله أعلم.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (فتيمما صعيدًا طيبًا) أي: قصدا الصعيد الطاهر على الوجه المخصوص، فالمراد بالتيمم هنا: المعنى الشرعي.\n\nقوله: (فأعاد أحدهما ..) إما ظنًا منه أن الأولى بطلت بوجود الماء في الوقت، وإما احتياطًا، ولم يعد الآخر لاعتقاده أن تلك الصلاة صحيحة؛ لأنه تيمم وصلّى حال فقد الماء.\n\nقوله: (أصبت السنة) أي: وافقت الحكم المشروع بالكتاب والسنة، وفيه تصويب لاجتهاده وتخطئة لاجتهاد الآخر.\n\nقوله: (وأجزأتك صلاتك) أي: كفتك عن القضاء، وهذا من عطف اللازم على الملزوم؛ لأنه يلزم من الإصابة الإجزاء.\n\nقوله: (لك الأجر مرتين) مرة لصلاته الأولى بالتيمم، ومرة لصلاته الثانية بالوضوء، فإن كلاًّ منهما صحيحة.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن من تيمم وصلّى ثم وجد الماء\n_________\n(^١) \"بيان الوهم والإيهام\" (٢/ ٤٣٤).\n(^٢) \"مشكاة المصابيح\" (١/ ١٦٦).\n(^٣) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٨٩).\n(^٤) \"المعجم الأوسط\" (٢/ ٥٠١).","vol":"2","page":95},{"text":"في أثناء الوقت فإنه لا إعادة عليه، بل لا ينبغي له أن يعيد؛ لأن السنة عدم الإعادة، لقوله لمن اكتفى بصلاته الأولى: (أصبت السنة)، وهذا الحديث وإن أُعِلَّ بالإرسال لكن يؤيده ما روى نافع أن ابن عمر ﵄ تيمم وصلى العصر وبينه وبين المدينة ميل أو ميلين ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة ولم يُعد (^١).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن من تيمم وصلّى ثم وجد الماء فأعاد الصلاة، فإنه يؤجر على ذلك، بشرط أن يكون معتقدًا أن هذا هو الواجب عليه، لكونه لم يعلم بالسنة فاجتهد في ذلك، وهو قد أخطأ السنة لأن السنة عدم الإعادة.\nأما إن فعل ذلك عالمًا بالحكم الشرعي وأن السنة عدم الإعادة، لكنه أعاد طلبًا للأجر مرتين فهو مسيء؛ لأنه مخالف للسنة عمدًا.\n\nالوجه الخامس: اعلم أن من تيمم لفقد الماء ثم وجده فلا يخلو من ثلاث حالات:\nالأولى: أن يجده بعد الصلاة وبعد خروج الوقت، فهذا لا إعادة عليه إجماعًا، حكاه ابن المنذر (^٢)، ونقله عنه الموفق ابن قدامة (^٣).\nالثانية: أن يجد الماء بعد الصلاة وقبل خروج الوقت، فهذا لا إعادة عليه، بل ولا تشرع له الإعادة، على الراجح من أقوال أهل العلم، وهو مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة، ورجحه ابن المنذر (^٤)، ويؤيد ذلك أن هذا قد أدى فرضه كما أُمِرَ، فمن ادعى نقض ذلك وإيجاب الإعادة عليه فعليه الدليل.\nالثالثة: أن يجد الماء وهو يصلي، كأن يبعث أحدًا في طلب الماء فيأتي وهو في الصلاة، فهذه الحالة فيها قولان:\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (١/ ٢٢٩) من طريق الثوري، عن محمد ويحيى بن سعيد، عن نافع به، وهذا سند صحيح، والحديث له طرق أخرى، فانظر: \"موسوعة أحكام الطهارة\" (١٢/ ٢٣٨).\n(^٢) \"الأوسط\" (٢/ ٦٣).\n(^٣) \"المغني\" (١/ ٣٢٠).\n(^٤) \"الأوسط\" (٢/ ٦٤).","vol":"2","page":96},{"text":"الأول: أنه يبطل التيمم وتبطل الصلاة، وعليه أن يتوضأ ويستأنف الصلاة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو مذهب الحنفية، واختاره ابن حزم، وحكاه ابن المنذر عن الثوري (^١)، وهو قول الشيخ عبد العزيز بن باز، ودليل ذلك ما يلي:\n١ - عموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] وهذا قد وجد الماء في أثناء الصلاة فبطل حكم التيمم، وإذا بطل حكم التيمم بطلت الصلاة؛ لأنه يعود إليه حدثه.\n٢ - عموم حديث أبي هريرة المتقدم: «فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته»، وهذا قد وجد الماء قبل نهاية الصلاة فعليه أن يمسه بشرته، وهذا يقتضي بطلان التيمم.\nوالقول الثاني: أنه لا يبطل تيممه، ولا يلزمه إعادة الصلاة، وهو قول الجمهور، ومنهم المالكية، والشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد، لكن قيل: إنه رجع عنها (^٢)، وحكاه ابن المنذر (^٣) عن أبي ثور واختاره.\nواستدلوا بأن هذا المتيمم قد دخل في الصلاة على وجه مأذون فيه شرعًا، وهو قد تطهر وفرغ من طهارته ثم شرع في صلاته، وهو في صلاته غير مخاطب بالطهارة، فلا يجوز نقض طهارةٍ قد مضى وقتها، وإبطالُ ما أدى من الصلاة كما فرضت عليه وأُمر به، إلاّ بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، ولم يوجد شيء من ذلك.\nوالقول الأول أرجح، وأحوط، وهو أنه لا يمضي بل يقطع الصلاة ويتوضأ لقوة الأدلة، فإن هذا واجدٌ الماء، وأيده ابن القيم بناء على قاعدة\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (٢/ ٦٦)، \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٧)، \"المحلى\" (١/ ٢٢)، \"الإنصاف\" (١/ ٢٩٨).\n(^٢) \"الموطأ\" (١/ ٥٥)، \"الأم\" (١/ ٤٨)، \"روضة الطالبين\" (١/ ١١٥)، \"الإنصاف\" (١/ ٢٩٩).\n(^٣) \"الأوسط\" (٢/ ٦٤).","vol":"2","page":97},{"text":"ذكرها وهي: (أن ما بطل حكمه من الأبدال بحصول مُبْدَلِهِ لم يبق متعبدًا به بحال، فإن وجود المبدل بعد الشروع فيه كوجوده قبل الشروع فيه، وما لم يبطل حكمه رأسًا بل بقي معتبرًا في الجملة لم يبطله وجود المبدل بعد الشروع فيه ..) (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"بدائع الفوائد\" (٤/ ٢٨).","vol":"2","page":98},{"text":"<span data-type='title' id=toc-121>حكم المريض إذا كان يضره الماء</span>\n١٣٤/ ٩ - وعَنْ ابنِ عَبّاسٍ ﵄ في قولِهِ ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦]، قَالَ: (إذَا كانَتْ بالرّجُل الْجِراحَةُ في سَبِيلِ اللهِ وَالقُرُوحُ، فَيُجْنِبُ، فَيَخَافُ أَنْ يَمُوتَ إنْ اغْتَسَل: تَيَمّمَ). رَوَاهُ الدّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وَرَفَعَهُ الْبَزّارُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الدارقطني (١/ ١٧٧) موقوفًا من طريق جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦] قال: (إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله أو القروح أو الجدري فيجنب فيخاف أن يموت إن اغتسل تيمم) هذا لفظ الدارقطني.\nوقد تابع عطاء بن السائب على وقفه عزرة بن عبد الرحمن بن زرارة، كما عند البيهقي (١/ ٢٢٤) من طريق شعبة، أخبرني عاصم بن الأحول، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: في المجدور وأشباهه إذا أجنب قال: «يتيمم بالصعيد». وعزرة ثقة، كما في «التقريب».\nوأخرجه مرفوعًا ابن خزيمة (١/ ١٣٨)، والحاكم (١/ ٢٧٠)، والبيهقي (١/ ٢٢٤) من طريق جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ يرفعه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦] قال: «إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله أو القروح أو الجدري، فيجنب، فيخاف إن اغتسل أن يموت فليتيمم».","vol":"2","page":99},{"text":"قال ابن خزيمة: (هذا خبر لم يرفعه غير عطاء بن السائب)، والراوي عن عطاء بن السائب هو جرير بن عبد الحميد، وقد ذكر ابن عدي وابن معين أنه سمع من عطاء بعد الاختلاط (^١)، فيظهر أنه وهم في رفعه وأن الصواب وقفه، وقد رجح أبو حاتم وأبو زرعة وقفه (^٢).\n\nالوجه الثاني: أن تفسير ابن عباس ﵄ للمرض بما ذكر في الحديث من الجراحة في سبيل الله والقروح ليس على سبيل الحصر وإنما على سبيل التمثيل، وإلا فكل مريض يضره استعمال الماء فله أن يتيمم ولو لم يصل الاستعمال إلى الموت، بل لو خاف أن يتعفن الجرح أو يزيد أو يتأخر الشفاء أو تطول عليه مدة المرض ونحو ذلك فإنه يتيمم، لعموم قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ …﴾ [المائدة: ٦].\n\nالوجه الثالث: حصول الجنابة لصاحب الجرح كما هو ظاهر الحديث ليس بشرط في التيمم، بل لو أحدث حدثًا أصغر فالحكم واحد، وذِكْرُ الجنابة في الحديث على سبيل المثال.\n\nالوجه الرابع: ذكر السفر في الآية الكريمة مبني على الغالب؛ أن السفر مظنة فقد الماء، فإذا فقده المسافر أو وجد ما يتعلق بحاجته من شرب أو طبخ ونحوهما جاز له التيمم، أما السفر نفسه فليس عذرًا يبيح التيمم، فإذا وجد المسافر الماء ولا ضرر عليه في استعماله لم يجز له أن يتيمم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تاريخ ابن معين\" (٢/ ٤٠٣)، وانظر: \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ١٨٤).\n(^٢) \"العلل\" (١/ ٢٥).","vol":"2","page":100},{"text":"<span data-type='title' id=toc-122>حكم المسح على الجبيرة</span>\n١٣٥/ ١٠ - وعَنْ عَليٍّ ﵁ قَالَ: انْكَسَرَتْ إحْدَى زَنْدَيَّ فَسَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَندٍ وَاهٍ جِدًّا.\n١٣٦/ ١١ - وعَنْ جَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ في الرّجُلِ الّذِي شُجَّ، فَاغْتَسَل فَمَاتَ ـ: (إنّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ، وَفِيهِ اخْتِلافٌ عَلَى رُواتِهِ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث علي ﵁: فقد أخرجه ابن ماجه (٦٥٧) من طريق إسرائيل بن يونس، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب ﵁.\nوهذا إسناد واه جدًا، كما قال الحافظ؛ لأن فيه عمرو بن خالد القرشي الواسطي، قال عنه البيهقي بعد سياقه الحديث: (عمرو بن خالد الواسطي معروف بوضع الحديث، كذّبه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما من أئمة الحديث، ونسبه وكيع بن الجراح إلى وضع الحديث، قال: وكان بجوارنا، فلما فُطن له تحول إلى واسط، وتابعه على ذلك عمر بن موسى بن وجيه، فرواه عن زيد بن علي مثله، وعمر بن موسى متروك منسوب إلى الوضع، نعوذ بالله من الخذلان) (^١).\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٢٨).","vol":"2","page":101},{"text":"وقال البخاري عنه: (منكر الحديث). وقال الحاكم: (يروي عن زيد بن علي الموضوعات)، وقال أبو حاتم: (هذا الحديث باطل لا أصل له، وعمرو بن خالد متروك الحديث) (^١)، وقال ابن حزم: (هذا خبر لا تحل روايته إلا على بيان سقوطه …) (^٢).\nوأما حديث جابر ﵁: فقد أخرجه أبو داود (٣٣٦) في «الطهارة» بابٌ في «المجروح يتيمم» فقال: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي، ثنا محمد بن سلمة، عن الزبير بن خريق، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منا حجر فشجَّه في رأسه ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أُخبر بذلك، فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العِيِّ (^٣) السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر» أو «يعصب» شك موسى «على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده».\nوقد اختصره الحافظ وساق القدر المقصود، وظاهر سياقه أنه موقوف على جابر ﵁، مع أنه مرفوع، كما في هذا السياق، ولعل المصنف لم يذكر أنه مرفوع من أجل الاختصار.\nوهذا الحديث رواته ثقات، إلا الزبير بن خريق فهو لين الحديث، وقد تفرد به، قال أبو بكر بن أبي داود: (لم يروه عن عطاء، عن جابر غير الزبير بن خريق، وليس بالقوي) (^٤).\nوقد اختلف في إسناده، فقد رواه الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، أخرجه أبو داود (٢٣٧) فجعله من مسند ابن عباس، وأخرجه - أيضًا - ابن ماجه (٥٧٢)، وأحمد (٥/ ١٧٣)، وابن خزيمة (١/ ١٣٨)\n_________\n(^١) \"العلل\" (١/ ٤٦)، \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٢٤).\n(^٢) \"المحلى\" (٢/ ٧٥).\n(^٣) العي: بالكسر هو الجهل.\n(^٤) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٩٠)، \"الخلافيات\" للبيهقي (٢/ ٤٩٢).","vol":"2","page":102},{"text":"وغيرهم، ولفظه: (أن رجلًا أجنب في شتاء، فسأل، فأُمر بالغسل فاغتسل فمات، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «ما لهم قتلوه قتلهم الله - ثلاثًا ـ، قد جعل الله الصعيد - أو التيمم - طهورًا»؛ شك ابن عباس، ثم أثبته بعد).\nورواية الأوزاعي أرجح من رواية الزبير لأمرين:\nالأول: أن الأوزاعي أوثق من الزبير بدرجات.\nالثاني: أن الزبير زاد في الحديث (المسح على الجبيرة) وتفرد بها؛ فهي زيادة ضعيفة منكرة - كما قال الألباني - (^١) وأصل الحديث محفوظ بتعدد طرقه وشواهده، لكن بدون هذه الزيادة، كما تقدم في سياقه عن ابن عباس.\nلكن اختلف فيه على الأوزاعي، فبعضهم رواه عنه عن عطاء، كما في هذا السياق، وبعضهم رواه عنه قال: بلغني عن عطاء (^٢).\nقال الدارقطني: (وأرسل الأوزاعي آخره، عن عطاء، عن النبي ﷺ، وهو الصواب).\nوقد ورد هكذا عند ابن ماجه (٥٧٢)، والحاكم (١/ ١٧٨)، والدارقطني (١/ ١٩٠)، لكن ظاهره الانقطاع، كما قال البوصيري؛ فإن الأوزاعي صرح بعدم سماعه من عطاء، وبين ذلك ابن أبي العشرين، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة فقالا: (رواه ابن أبي العشرين، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس ..) (^٣).\nعلى أن ابن ماجه قد رواه من طريق ابن أبي العشرين، فلم يذكر إسماعيل وهو ابن مسلم المكي، فإن صح ذكره؛ فالإسناد ضعيف؛ لأن إسماعيل هذا قال عنه ابن معين: (ليس بشيء)، وقال النسائي: (متروك الحديث)، وابن أبي العشرين هو عبد الحميد بن حبيب الدمشقي؛ صدوق ربما أخطأ، قال أبو حاتم: (كاتب ديوان، ولم يكن صاحب حديث) (^٤)، ثم\n_________\n(^١) \"تمام المنة\" ص (١٣١).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٣٧)، وأحمد (٥/ ١٧٣)، والدارقطني (١/ ١٩١) وغيرهم.\n(^٣) \"العلل\" (١/ ٣٧)، وانظر: \"الخلافيات\" للبيهقي (٢/ ٤٩٣).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ١١)، \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢٨٩).","vol":"2","page":103},{"text":"إنه قد خالف من هو أوثق منه، كما صرح به ابن عبد البر (^١).\nقال صاحب «المنهل العذب المورود»: (يحتمل أن الأوزاعي روى الحديث عن عطاء بواسطة وبغير واسطة) (^٢).\nوقد رواه الحاكم في «المستدرك» (١/ ١٧٨) وعنه البيهقي في «الخلافيات» (٢/ ٤٩٣) من طريق بشر بن بكر: حدثني الأوزاعي، حدثني عطاء بن أبي رباح أنه سمع عبد الله بن عباس …\nوهذا سند صحيح إن كان بشر قد حفظه، لكن قال الحاكم عقبه: (وقد رواه الهِقْل بن زياد - وهو من أثبت أصحاب الأوزاعي - ولم يذكر سماع الأوزاعي من عطاء).\nوالحاكم يشير بذلك إلى أن بشرًا قد خالف غيره؛ فهو معلول، فقد قال سلمة بن قاسم عن بشر هذا: (يروي عن الأوزاعي أشياء تفرد بها)، وقال عنه الحافظ في «التقريب»: (ثقة يُغْرِبُ). وعليه فهذا الإسناد ليس بصحيح؛ لأنه خالفه من هو أكثر منه عددًا وأحسن حالًا.\nوالخلاصة: أن حديث الباب حديث ضعيف، لا تقوم به حجة، قال البيهقي: (لا يثبت عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وأصح ما فيه حديث عطاء بن أبي رباح، الذي تقدم، وليس بالقوي، وإنما فيه قول الفقهاء من التابعين فمن بعدهم، مع ما روِّينا عن ابن عمر في المسح على العصابة، والله أعلم) (^٣)، وأثر ابن عمر سيأتي ذكره - إن شاء الله - في الكلام على الأحكام.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (إحدى زندي) بفتح الزاي المعجمة وسكون النون ثم دال مفتوحة، وآخره ياء مشددة تثنية زَنْد، وهو ما انحسر عنه اللحم من الذراع. وقال الجوهري: (الزند مَوْصِلُ طرف الذراع في الكف، وهما زندان: الكوع،\n_________\n(^١) انظر: \"جامع بيان العلم\" ص (١٤٤).\n(^٢) (٣/ ١٩٣).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٢٨).","vol":"2","page":104},{"text":"والكرسوع) (^١)، فالكوع: طرف الزّنْد الذي يلي الإبهام، والكرسوع: طرف الزند الذي يلي الخنصر، وهو الناتئ عند الرسغ.\n\nقوله: (الجبائر) جمع جبيرة وهي ما يجبر به العظم المكسور من أعواد تشد عليه أو خرقة تلف عليه، ويدخل في ذلك الوسائل الطبية كالجبس على الكسور واللزقات على أجزاء من البدن أو على الجروح ونحو ذلك.\n\nقوله: (بسند واهٍ جدًا) بكسر الجيم منصوب على المصدرية بفعل محذوف أي: أجد جدًا، ومعناه: بالغ الغاية في الضعف. والواهي: هو الذي لا يصلح لا في الشواهد ولا في المتابعات.\n\nقوله: (الذي شج) بضم الشين المعجمة مبني للمجهول، يقال: شجه شجًا من باب (قتل) على القياس، وفي لغة من باب (ضرب): إذا شق جلده، والشجة: الجراحة، وإنما تسمى بذلك إذا كانت في الوجه أو الرأس، والجمع شجاج، وشجات على لفظ المفرد.\n\nالوجه الثالث: هذان الحديثان - حديث علي وجابر ﵄ - في موضوع المسح على الجبيرة، وفيهما ما تقدم من الضعف الشديد، وليس في المسح على الجبيرة دليل سالم من المعارضة، ولهذا اختلف أهل العلم في هذه المسألة:\nفمنهم من قال: إن حديث جابر ﵁ بطريقيه مع حديث عليٍّ ﵁ على ما فيهما من الضعف يتعاضدان على شرعية المسح على الجبائر، وهذا القول ذكره الصنعاني (^٢) والشوكاني (^٣) والشيخ عبد العزيز بن باز، مع ما يؤيدهما مما سيأتي.\nومن أهل العلم من قال: إنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة، لضعفها الشديد وهؤلاء فريقان:\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (٢/ ٤٨١).\n(^٢) \"سبل السلام\" (١/ ١٨٩).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٠٢).","vol":"2","page":105},{"text":"الأول: قال: يسقط تطهير محل الجبيرة؛ لأنه عاجز عنه، فلا مسح ولا تيمم، وهذا قول ابن حزم الظاهري، وذَكَرَ عن الشعبي ما يوافق قوله، ومثله عن داود وأصحابه، فقد قال: (برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (^١)، فسقط بالقرآن والسنة كل ما عجز عنه المرء، وكان التعويض منه شرعًا، والشرع لا يلزم إلا بقرآن أو سنة، ولم يأت قرآن ولا سنة بتعويض المسح على الجبائر والدواء من غسل ما لا يقدر على غسله، فسقط القول بذلك)، وقد رد ابن حزم القول بأن مسح الجبائر مقيس على المسح على الخفين وقال: (إنه قياس باطل) (^٢).\nالفريق الثاني: أنه يتيمم عوضًا عما تُرك غسله، ولا يمسح على الجبيرة، وهو قول لبعض الشافعية (^٣).\nوالأظهر في هذه المسألة والأقرب إلى القواعد بغض النظر عن الأحاديث الواردة في الباب أنه يمسح على الجبائر وما في بابها، وهو قول الجمهور من الحنابلة والشافعية والمالكية والحنفية، واختاره ابن المنذر (^٤) وحكاه عن ابن عمر وعطاء وعبيد بن عمير وإبراهيم والحسن وجماعة آخرين، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥).\nويؤيد هذا القول ما يلي:\n١ - القياس على المسح على الخفين، فإن هذا عضو وجب غسله، وسُتر بما يسوغ ستره شرعًا، فجاز المسح عليه كالخفين.\nفالمسح على الخفين يقوي القول بالمسح على الجبائر؛ لأن المسح على الخفين مسح لغير ضرورة، بل هو من باب الإرفاق ورحمة الله تعالى بعباده\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٧٣).\n(^٢) \"المحلى\" (٢/ ٧٤، ٧٥).\n(^٣) \"المجموع\" (٢/ ٣٢٦).\n(^٤) \"الأوسط\" (٢/ ٢٣).\n(^٥) \"الفتاوى\" (٢١/ ١٨١).","vol":"2","page":106},{"text":"والإحسان إليهم، والتيسير عليهم، فإذا جاز المسح على الخفين من غير ضرورة، فلأن يجوز على الجبائر التي هي موضع ضرورة من باب أولى.\nولهذا لم يشرع التوقيت لمسح الجبيرة، بل يمسح عليها مدة الحاجة، بخلاف المسح على الخفين فإنه مؤقت - كما تقدم في بابه - لأنه مسح اختياري.\n٢ - أن طهارة المسح بالماء في محل الغسل الواجب عليه أولى من طهارة المسح بالتراب في غير محل الغسل الواجب؛ لأن الماء أولى من التراب، وما كان في محل الفرض فهو أولى به مما يكون في غيره (^١).\n٣ - ما أخرجه البيهقي من طريق موسى بن يسار، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه توضأ وكفه معصوبة، فمسح على العصائب، وغسل سوى ذلك (^٢).\nولا حاجة إلى التيمم مع المسح، بل يكفي المسح على الراجح من قولي أهل العلم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)؛ لأن إيجاب طهارتين لعضو واحد مخالف للقواعد الشرعية؛ لأنه يجب تطهير هذا العضو إما بكذا وإما بكذا، أما إيجاب تطهيره بطهارتين فهذا لا نظير له في الشرع، لكن إن كان العضو مكشوفًا ويضره الغسل والمسح فهذا يتيمم له، وذلك أن العضو الذي أصيب بجرح ونحوه له حالتان:\nالأولى: أن يكون مستورًا، فهذا حكمه المسح على الجبيرة.\nالثانية: أن يكون مكشوفًا، فهذا له ثلاث حالات:\n١ - ألا يضره الغسل، فهذا يغسل إذا كان في أعضاء الوضوء.\n٢ - أن يضره الغسل دون المسح، فيمسح عليه.\n٣ - أن يضره الغسل والمسح، فهذا يتيمم له، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢١/ ١٨١ - ١٨٢).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٢٨) وقال: \"هو عن ابن عمر صحيح\".\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢١/ ٤٦٧).","vol":"2","page":107},{"text":"<span data-type='title' id=toc-123>ما جاء في أن التيمم لا يُصلى به إلا صلاة واحدة</span>\n١٣٧/ ١٢ - وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: (مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُصَلّيَ الرّجُلُ بالتَّيَمُّمِ إلاّ صَلَاةً وَاحِدةً، ثُمّ يَتَيَمَّمُ لِلصّلَاةِ الأُخْرَى). رَوَاهُ الدّارَقُطْنِيُّ بإسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًّا.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الدارقطني (١/ ١٨٥)، وعبد الرزاق (١/ ٢١٤)، والبيهقي (١/ ٢٢١)، من طريق الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، وقال الدارقطني عَقِبَهُ: (الحسن بن عمارة ضعيف).\nوهذا الإسناد ضعيف جدًا - كما قال الحافظ - لأن الحسن بن عمارة بن المضَرِّب البجلي متروك الحديث؛ قاله الإمام أحمد وأبو حاتم ومسلم والنسائي والدارقطني.\nوقال ابن المديني: (كان يضع الحديث)، وقال شعبة: (يكذب)، وقال أيضًا: (روى أحاديث عن الحكم، فسألنا الحكم عنها فقال: ما سمعت منها شيئًا)، وقال الساجي: (ضعيف متروك، أجمع أهل الحديث على ترك حديثه) (^١).\nوالحديث ذكره الألباني، وحكم عليه بأنه موضوع، وأنه لا يصح عن ابن عباس ﵄، بل ثبت عنه خلافه، كما نقله ابن حزم (^٢).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢٦٤).\n(^٢) \"السلسلة الضعيفة\" (١/ ٤٢٣).","vol":"2","page":108},{"text":"وقد ورد في الباب آثار عن الصحابة ﵃ ولم يصح منها إلا أثر ابن عمر ﵄، قال: يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث (^١).\nقال البيهقي: (هذا إسناد صحيح، وقال: أصح حديث في الباب: حديث ابن عمر ﵄، وبه تقع الكفاية، إذ لا يعرف له عن الصحابة ﵃ مخالف، والله أعلم) (^٢).\n\nالوجه الثاني: هذا الأثر دليل على أنه لا يجوز للمتيمم أن يصلي بالتيمم الواحد إلا صلاة واحدة، سواء أكانت الصلاة الثانية في الوقت نفسه كالقضاء مثلًا، أم كانت كل واحدة منهما في وقت، وهذا قول الشافعي، ومالك، وأحمد في المشهور عنه (^٣)، هو مبني على أن التيمم مبيح لا رافع.\nوالقول الثاني: أنه يجوز للمتيمم أن يصلي ما شاء من الصلوات، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤)، ورجحه ابن المنذر (^٥) وابن حزم (^٦) والصنعاني (^٧)، وهذا مبني على أن التيمم رافع للحدث إلى وجود الماء، وقد تقدم بيان ذلك، وهو الأظهر إن شاء الله، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني (١/ ١٨٤) والبيهقي (١/ ٢٢١) من طريق عبد الوارث، عن عامر الأحول، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -.\n(^٢) \"الخلافيات\" (٢/ ٤٦٤).\n(^٣) \"الأم\" (٢/ ٩٩)، \"التمهيد\" (١٩/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، \"المغني\" (١/ ٣٢٩).\n(^٤) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٥٥)، \"الفتاوى\" (٢١/ ٤٧٣)، \"الإنصاف\" (١/ ٢٩٢).\n(^٥) \"الأوسط\" (٢/ ٥٨).\n(^٦) \"المحلى\" (٢/ ١٣٠).\n(^٧) \"سبل السلام\" (١/ ١٨٤).","vol":"2","page":109},{"text":"<span data-type='title' id=toc-124>كتاب الحيض</span>\nالحيض لغة: مصدر حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا فهي حائض: إذا جرى دمها وسال، فأصل الكلمة مأخوذة من السيلان والانفجار.\nوشرعًا: دم طبيعة يخرج من قعر الرحم، يعتاد الأنثى إذا بلغت، في أوقات معلومة.\nومعنى (دم طبيعة) أي: فطرة وخلقة، وليس بدم فساد ناشئ من مرض أو جرح أو نحوهما، بل هو دم جَبَلَ الله عليه بناتِ آدم ﵇، كما قال النبي ﷺ: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم» (^١)، ولما كان الحيض دم طبيعة اختلفت فيه النساء اختلافًا ظاهرًا.\nوهذا يُخرج دم الاستحاضة، فليس بدم طبيعة، بل هو دم فساد، يخرج من عرق انقطع وسال دمه.\n\nوقولنا: (يخرج من قعر الرحم) فيه بيان مصدر دم الحيض، وهو الرحم، أما دم الاستحاضة فمصدره أدنى الرحم دون قعره، أو الفرج دون الرحم، كما سيأتي إن شاء الله.\nومعنى (يعتاد الأنثى إذا بلغت): أن الحيض علامة على البلوغ.\nومعنى (في أوقات معلومة) أي: تعرفها المرأة، والغالب أن الحيض يحدث مرة كل شهر، إما في أوله أو وسطه أو آخره حسب عادة المرأة، وقد يتقدم وقد يتأخر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١) (١٢٠)، وسيأتي بتمامه عند الحديث (١٤٨) إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":111},{"text":"والحكمة من هذا الحيض أن الله تعالى جعل في الأنثى إفرازات دموية يتغذى بها الجنين في بطن أمه، ينفذ إلى جسمه من طريق السُّرة، فإذا وضعت المرأة حملها تحول بقدرة الله تعالى لبنًا يتغذى به الولد، ولذا قل أن تحيض الحامل، وقل أن تحيض المرضع، فإذا خلت المرأة من حمل أو رضاع بقيت هذه الإفرازات لا مصرف لها، فتستقر في مكان، ثم تخرج في أوقات معلومة.\nوأصل ذلك أن الرحم بقدرة الباري يتكون فيه أغشية مَخْملية يتبطن بها الرحم، وهي مُعَدَّةٌ لاحتضان البويضة والحيوان المنوي، فإذا لم يتم التلقيح في الميعاد المحدد بحكمة الله تمزقت الأغشية وخرج إثْر ذلك دم الحيض، وبعد الطهر يبدأ الرحم في عمل غشاء جديد، وهكذا يكون في كل دورة بقدرة الله (^١).\nومما يجب على المرأة معرفته أَنَّ تَدَفُّقَ دم الحيض مع ما فيه من إزعاج لها هو العلامة الصحيحة لصلاح الرحم ودورته وأنه صالح لأن يكون وعاءً سليمًا للإنجاب والذرية.\nواعلم أن باب الحيض من أصعب أبواب الفقه وأكثرها غموضًا، لا من جهة الأحكام المترتبة عليه، فكثير منها اتفاقي واضح، وإنما ذلك لأن المرأة ينزل منها دماء غير دم الحيض، فيشتبه الأمر عليها وعلى المفتي، ولأن الحيض قد يتقدم وقد يتأخر، وقد يزيد وقد ينقص، مع ما ظهر في هذا العصر من أسباب، وأهمها استعمال وسائل منع الحمل ومنع الحيض، وغير ذلك مما صار له أثر كبير على اضطراب الدورة وكثرة الإشكالات عند النساء مما يحير المفتي. والله المستعان.\n_________\n(^١) انظر: \"خلق الإنسان بين الطب والقرآن\" ص (٧٧).","vol":"2","page":112},{"text":"<span data-type='title' id=toc-125>حكم المستحاضة التي لا عادة لها</span>\n١٣٨/ ١ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت: إنّ فَاطمَةَ بِنْتَ أَبي حُبَيْشٍ كانت تُسْتَحاضُ، فقال رسول الله ﷺ: «إنَّ دَمَ الحيضِ دَمٌ أسودُ يُعْرَفُ، فإذا كانَ ذلكَ فأَمْسِكي عَنِ الصَّلاةِ، فإذا كانَ الآخَرُ فتَوَضَّئي، وصَلِّي». رَواهُ أبو دَاوُدَ، والنَّسائيُّ، وصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّان، والحَاكِمُ، واستنكَرَه أبو حَاتِمٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في «الطهارة»، باب «من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة»، وفي باب «من قال: توضأ لكل صلاة» (٢٨٦، ٣٠٤)، والنسائي (١/ ١٨٥)، وابن حبان (١٣٤٨)، والحاكم (١/ ١٧٤)، وفي آخره عند أبي داود، والنسائي، والحاكم: «فإنما هو عرق»، كلهم من طريق محمد بن أبي عدي من حفظه، عن محمد بن عمرو، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ أن فاطمة بنت حبيش ﵂ … فذكره، وهذا الحديث في سنده ومتنه اختلاف.\nأما الاختلاف في سنده فقد قيل فيه: عن ابن شهاب، عن عروة، عن فاطمة ﵂، وقيل: عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ أن فاطمة. فعلى الأول هو من مسند فاطمة، وعلى الثاني من مسند عائشة، ومدار هذين الإسنادين كما عند أبي داود وغيره على محمد بن أبي عدي، حدَّث بالأول من كتابه، والثاني من حفظه، كما ذكره أبو داود عن محمد بن عمرو، عن ابن شهاب به، ورجح بعضهم الإسناد الأول لأنه من كتابه.","vol":"2","page":113},{"text":"وردّ ابن حزم هذا الاضطراب فقال: (إن هذا كله قوة للخبر، وليس هذا اضطرابًا؛ لأن عروة رواه عن فاطمة وعائشة معًا، وأدركهما معًا، فعائشة خالته أخت أمه، وفاطمة بنت أبي حبيش بن المطلب بن أسد ابنة عمه، وهو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، ومحمد بن أبي عدي الثقة الحافظ المأمون ..) (^١).\nأما الاختلاف في المتن فقد ورد الحديث في الصحيحين، وليس فيه قوله فإنه: «أسودُ يُعْرَفُ» كما أن السياق المذكور صريح باعتبار التمييز لا العادة، وظاهر قصة فاطمة في الصحيحين أنه ﷺ ردها إلى العادة، ولا يمكن التعدد في هذه القصة، وقد ورد في الصحيحين من طريق هشام، عن عروة، عن عائشة قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش: يا رسول الله، إني لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: «إنما ذلكِ عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي»، وهذا لفظ البخاري (^٢).\nقال ابن رجب: (والأظهر - والله أعلم - أن النبي ﷺ إنما ردها إلى العادة لا إلى التمييز، لقوله: «فإذا ذهب قدرها») (^٣).\nوعلى هذا فقوله في حديث الباب فإنه: «أسود يعرف»، لم يرد في الصحيحين، بل انفرد به محمد بن عمرو، وهو ممن لا تحتمل مخالفته، ولذا قال أبو حاتم: (لم يُتَابَعْ محمد بن عمرو على هذه الرواية، وهو منكر) (^٤)، وظاهره أن المقصود المتن.\nوقال النسائي بعد سياقه الحديث: (وقد روى هذا الحديث غير واحد، لم يذكر أحد منهم ما ذكره ابن أبي عدي، والله تعالى أعلم) (^٥).\nوالحديث صححه جماعة، منهم: ابن حبان، والحاكم، وقد صححه\n_________\n(^١) انظر: \"المحلى\" (٢/ ١٦٨) \"تهذيب مختصر السنن\" (١/ ١٨٢).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٣٠٦) و\"صحيح مسلم\" (٣٠٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" لابن رجب (٢/ ٥٨).\n(^٤) \"العلل\" (١/ ٤٩).\n(^٥) \"سنن النسائي\" (١/ ١٨٥).","vol":"2","page":114},{"text":"على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبي، وكذا صححه ابن حزم، والنووي (^١)، وقد تعقب الألبانيُّ الحاكمَ والذهبيَّ بأن الحديث لا يصل إلى رتبة الصحيح، بل هو من قبيل الحسن؛ لأن فيه محمد بن عمرو وهو ابن علقمة، وإنما أخرج له البخاري مقرونًا بغيره، ومسلم متابعة، وفي حفظه ضعف يسير، فيكون حديثه في رتبة الحسن (^٢)، قال الحافظ عنه في «التقريب»: (صدوق له أوهام).\nوالحديث مع ما فيه من المقال فقد عمل به أهل العلم - ﵏، وحملوه على المستحاضة المبتدأة التي ليس لها عادة ترجع إليها، ولكنها مميزة، فقالوا: ترجع إلى التمييز، وهذا أولى من ردها إلى عادة غالب النساء، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إن فاطمة بنت حبيش) تقدم ذكرها في «نواقض الوضوء».\n\nقوله: (تستحاض) أي: يصيبها حيض كثير، فالسين والتاء للمبالغة، والاستحاضة: استمرار خروج دم المرأة كل الوقت أو أكثره.\nودم الاستحاضة قد يكون من الرحم أو من أدنى الرحم أو من الفرج، والاستحاضة لها أسباب متعددة ذكرها الأطباء، منها:\n١ - وجود أورام بجسم الرحم.\n٢ - وجود قرحة في عنق الرحم.\n٣ - وجود ورم في عنق الرحم.\n٤ - وجود التهابات أو أورام أو أجسام غريبة في الفرج.\nوقد قررت الندوة الثالثة للفقه الطبي في الكويت في ٢٠ شعبان ١٤٠٧ هـ: (الاستحاضة طبيًا: الدم المرَضِيّ غيرُ السّوي، وأسبابها المرضية شتى) (^٣).\n_________\n(^١) \"الخلاصة\" (١/ ٢٣٢)، \"المجموع\" (٢/ ٤٠٢ - ٤٠٣).\n(^٢) \"إرواء الغليل\" (١/ ٢٢٤).\n(^٣) \"الحيض والنفاس والحمل بين الفقه والطب\" ص (٢٥).","vol":"2","page":115},{"text":"قوله: (أسود يُعرف) بضم الياء وفتح الراء مبني للمجهول، مأخوذ من المعرفة، أي: تعرفه النساء بلونه وثخانته كما تعرفه بالعادة، ويجوز ضم الياء وكسر الراء مأخوذ من الإعراف، أي: له عَرْف - بفتح فسكون - والعَرْفُ: الرائحة.\n\nقوله: (فإذا كان ذلكِ) بكسر الكاف، والمشار إليه: الدم الأسود، والمخاطب: فاطمة، وكان: تامة بمعنى: حصل، واسم الإشارة: فاعل.\n\nقوله: (فأمسكي عن الصلاة) رواية الصحيحين: «فاتركي الصلاة».\n\nقوله: (فإذا كان الآخر) أي: غير الأسود، بأن كان أصفر أو أشقر أو أكدر.\n\nقوله: (فإنما هو عرق) على حذف مضاف، أي: دم عرق، ومعناه: أن غير الأسود ليس بحيض فاغتسلي وتوضئي؛ لأنه دم عرق انفجر، لا دم حيض، فلا يمنع صلاة ولا صومًا ولا غيرهما مما يحل للطاهرات.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن المستحاضة التي زاد دمها وكثر أنها تنظر في الدم إذا اشتبه عليها الحيض، فتميز أيام حيضها بلون دم الحيض الأسود، فالأسود حيض تجلس له، وما عداه استحاضة.\nوقد حمل جماعة من أهل العلم هذا الحديث على المرأة المبتدأة التي أطبق عليها الدم أول ما بدأت تحيض، فهذه ترجع إلى التمييز بكل حال؛ لأنه ليس لها عادة ترجع إليها.\nوقد روى ابن أبي شيبة بسنده عن أنس بن سيرين قال: استحيضت امرأة من آل أنس، فأمروني فسألت ابن عباس ﵄، فقال: أما ما رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة من النهار فلتغتسل وتصلي (^١).\nقال في «تاج العروس»: (دم بحراني: شديد الحمرة .... ومن المجاز: دم بحراني: أي أسود، نسب إلى بحر الرحم، وهو عمقه) (^٢).\n_________\n(^١) \"المصنف\" (١/ ١٢٨) وإسناده صحيح.\n(^٢) (٣/ ٢٨).","vol":"2","page":116},{"text":"فهذا الأثر يؤيد حديث الباب ويدل على أن المستحاضة التي ليس لها عادة ترجع إليها أنها ترجع إلى التمييز.\nأما إن كان لها عادة تعرفها، ثم طرأت عليها الاستحاضة فهذه فيها قولان:\nالأول: أنها ترجع إلى عادتها ولا تنظر إلى التمييز، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو قول الحنفية، ووجه في مذهب الشافعية (^١)، لما ثبت من قوله ﷺ لفاطمة: «فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي»، ولم يستفصل الرسول ﷺ هل هي مميزة أو لا؟.\nالقول الثاني: أنها تعمل بالتمييز وتقدمه على العادة، واستدلوا بهذا الحديث، قالوا: ولأن عادتها قد تتغير فتكون في آخر الشهر بدلًا من أول الشهر، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية والشافعية على بعض التفاصيل عندهم والتي موضعها كتب الفقه، وهو رواية عن الإمام أحمد (^٢).\nوالقول بالرجوع إلى العادة أرجح؛ لأنه هو الثابت في الصحيحين، ولأنه أسهل على المرأة وأبعد لها عن الاضطراب.\nفإن كان لا تمييز لها ولا عادة عملت بعادة غالب النساء ستة أيام أو سبعة أيام من كل شهر، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية، لحديث حمنة بنت جحش ﵂، كما سيأتي إن شاء الله.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن من الفروق بين دم الحيض ودم الاستحاضة: اللون وأن دم الحيض أسود، ودم الاستحاضة أحمر يميل إلى الصفرة، وقد ورد ذلك - أيضًا - في حديث عائشة ﵂ قالت: اعتكفتْ مع رسول الله ﷺ امرأة مستحاضة من أزواجه، فكانت ترى الحمرة والصفرة، فربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي (^٣)، قال ابن رجب: (وفي حديث\n_________\n(^١) \"كشاف القناع\" (١/ ٢٠٨)، \"نهاية المحتاج\" (١/ ٣٤٥)، \"بدائع الصنائع\" (١/ ٤١).\n(^٢) \"الشرح الصغير\" (١/ ٢١٣)، \"روضة الطالبين\" (١/ ١٥٠)، \"الإنصاف\" (١/ ٣٦٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٠٩).","vol":"2","page":117},{"text":"عائشة ما يدل على أن دم الاستحاضة يتميز عن دم الحيض بلونه وصفرته) (^١)، وهذا الفرق هو الذي ورد في السنة صراحة، وقد ذكر العلماء ثلاثة فروق أخرى وهي:\n١ - أن دم الحيض ثخين ودم الاستحاضة رقيق، ولعل سبب ذلك ما ذكره الدكتور محمد البار حيث يقول: (وعند فحص دم الحيض بالمجهر فإننا نرى كرات الدم الحمراء والبيضاء وقطعًا من الغشاء المبطِّن للرحم) ويقول: (وينزل دم الحيض محتويًا على قطع من الغشاء المبطِّن للرحم مفتتة) (^٢).\n٢ - أن دم الحيض كريه الرائحة، ودم الاستحاضة لا رائحة له. ذكر ذلك بعض الفقهاء، والدكتور البار (^٣).\n٣ - أن دم الحيض لا يتجمد ودم الاستحاضة يتجمد، وهذا قد يستفاد من قوله ﷺ: «إنما ذلك عرق» ودماء العروق تتجمد، وقد نقل الدكتور البار عن بعض الأطباء الغربيين: أن دم الحيض لا يتجمد؛ لأنه قد تجمد في الرحم ثم انفجر وسال، فإن ظهر أثناء الحيض دم متجمد فإن ذلك دم غير طبيعي (^٤)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٨٢).\n(^٢) \"خلق الإنسان بين الطب والقرآن\" ص (٩٠ - ٩٣).\n(^٣) المرجع السابق ص (٩١).\n(^٤) المرجع السابق ص (٨٩ - ٩٣).","vol":"2","page":118},{"text":"<span data-type='title' id=toc-126>ما جاء في اغتسال المستحاضة ووقته</span>\n١٣٩/ ٢ - وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عِنْدَ أَبي دَاوُدَ: (لِتَجْلِسْ فِي مِرْكَنٍ، فإذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ المَاءِ، فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ للمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا، وَتَتَوَضّأْ فِيما بَيْنَ ذلِكَ).\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهي أسماء بنت عُميس - بضم العين المهملة - وفي نسبها اختلاف كثير، وهي من السابقين إلى الإسلام، هاجرت ﵂ إلى أرض الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فولدت له هناك ثلاثة أولاد، ثم هاجرت إلى المدينة، وقد ورد في صحيح البخاري من حديث أبي موسى ﵁ وهو حديث طويل، وفيه: لما قال لها عمر ﵁: (سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم)، فذكرتْ ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهلَ السفينة هجرتان …» (^١).\nفلما استشهد زوجها يوم مؤتة تزوج بها أبو بكر الصديق ﵁، فولدت له محمدًا وقت الإحرام في حجة الوداع، ولما توفي الصدِّيق غسَّلته أسماء (^٢)، ثم تزوجها علي ﵁.\nوقد نقل الذهبي عن الشعبي أنه قال: أول من أشار بنعش المرأة - يعني\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٢٣٠)، ومسلم (٢٥٠٣).\n(^٢) أخرجه مالك (١/ ٢٢٣).","vol":"2","page":119},{"text":"المكبّة - أسماء، رأت النصارى يصنعونه بالحبشة (^١).\nروى عنها ابنها عبد الله بن جعفر، وابن أختها عبد الله بن شداد، وسعيد بن المسيب، وعروة، والشعبي، وآخرون (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (٢٩٦) في «الطهارة» باب: «من قال: تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غسلًا»، وأخرجه الدارقطني (١/ ٢١٥)، والحاكم (١/ ٢٨١)، والبيهقي (١/ ٣٥٣) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت عميس ﵂، قالت: قلت: يا رسول الله: إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا، فلم تصل، فقال رسول الله ﷺ: «سبحان الله! هذا من الشيطان، لتجلس في مركن …» الحديث بتمامه، وهو لفظ أبي داود.\nوقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذه الألفاظ).\nوهذا فيه نظر، فإن في إسناده سهيل بن أبي صالح، وهو متكلم فيه، ذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: (يخطئ) (^٣)، وقال النسائي: (ليس به بأس)، وقال أحمد: (ما أصلح حديثه!)، وقال أبو حاتم: (يكتب حديثه ولا يحتج به)، قال ابن المديني: (كان لسهيل أخ فمات فَوَجَدَ عليه فنسي كثيرًا من الحديث) (^٤)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق تغير حفظه بأخرة، روى له البخاري مقرونًا وتعليقًا).\nوقد خالف سهيل بقية الرواة عن الزهري، فقد رواه الليث، وإبراهيم بن سعد، وابن عيينة، ومعمر، والأوزاعي، وعمرو بن الحارث، وابن إسحاق، وابن أبي ذئب، وغيرهم، كلهم رووه عن الزهري، عن عروة، وتارة عن عمرة\n_________\n(^١) \"الطبقات\" (٨/ ٢٨١)، \"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٢٨٤).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (١٢/ ٢٠١)، \"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٢٨٢)، \"الإصابة\" (١٢/ ١١٦).\n(^٣) \"الثقات\" (٦/ ٤١٦ - ٤١٧).\n(^٤) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٢٤٣).","vol":"2","page":120},{"text":"بنت عبد الرحمن بن سعد (^١)، وتارة يجمعهما عن عائشة، ولم يذكروا أسماء، وجعلوه في قصة أم حبيبة، ولم يجعلوه في قصة فاطمة، وقد ذكر ذلك البيهقي (^٢).\nوقد حكم بعض العلماء كابن عبد البر على حديث الزهري بأنه مضطرب لذلك (^٣)، وهذا فيه نظر، فإنه لا مانع أن يكون الزهري سمعه من عروة وعمرة عن عائشة، فكان تارة يجمعهما وتارة يفرقهما، وقد وردت الرواية في الصحيحين عن عروة وعمرة مجتمعين (^٤). قال الدارقطني: (هو صحيح عن عروة وعمرة جميعًا).\nوخالفهم سهيل فرواه عن الزهري، عن عروة، عن أسماء، كما في هذا السياق، ثم إنه اختلف في لفظه على سهيل، فإنه قد ذكر فيه الاغتسال للصلوات المجموعة، وكذا الفجر، وخالف بذلك رواية الأكثر، فإنه ليس فيها الأمر بالاغتسال للصلوات المجموعة، بل فيها: «وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي»، وفي رواية: «وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي».\nولا ريب أن هذه المخالفة لا تقبل منه، لا سيما أنه تغير في آخر عمره، فيكون حديثه من قبيل الحسن، بشرط ألا يخالَف أو يُختلف عليه، وهذا لم يتحقق في هذا الحديث، فتكون رواية الصحيحين مقدمة على روايته، وقد ورد عند أبي داود (٢٨١) من رواية جرير عن سهيل به، بلفظ: (أمرها - يعني رسول الله ﷺ - أن تقعد الأيام التي كانت تقعد، ثم تغتسل)، وهذا قريب من لفظ البخاري.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لتجلس في مركن) بكسر الميم وسكون الراء، هو وعاء تُغسل فيه الثياب.\n_________\n(^١) الأنصارية وهي من أعلم الناس بحديث عائشة، على ما قاله ابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ٢٨٨).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٥٤).\n(^٣) \"التمهيد\" (١٦/ ٦٥).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٣٢٧)، و\"صحيح مسلم\" (٣٣٤).","vol":"2","page":121},{"text":"قوله: (فإذا رأت صفرة فوق الماء) أي: أنها تجلس في مركن فيه ماء لتعرف حال دمها، فإذا علا الماءَ صفرةٌ كان دمَ استحاضة، وإن علاه غيرها فهو حيض.\n\nقوله: (وتتوضأ فيما بين ذلك) أي: إذا أرادت أن تصلي فيما بين الصلوات صلاة أخرى، وقد رأت ناقضًا فإنها تتوضأ ولا تغتسل؛ لأن الغسل مختص بالأوقات الخمسة.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن المستحاضة تغتسل لكل صلاتين غسلًا واحدًا، فتغتسل للظهر والعصر غسلًا واحدًا، وللمغرب والعشاء غسلًا واحدًا، وتغتسل للفجر غسلًا واحدًا، وأنها تصلي الظهر آخر وقتها، والعصر في أول وقتها، وهكذا المغرب والعشاء، وبذا قال جماعة من الصحابة والتابعين؛ منهم: علي وابن عباس ﵄ وإبراهيم النخعي، لكن تقدم أن الصواب رواية الصحيحين، وأنه يجب الاغتسال عند إدبار الحيضة غسلًا واحدًا.\nوأما الجمع فقد قال أبو داود بعد سياقه الحديث: (رواه مجاهد عن ابن عباس ﵄ لما اشتد عليها الغسل أمرها أن تجمع بين الصلاتين) (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"السنن\" (١/ ٨٠).","vol":"2","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-127>المستحاضة تجمع بين الصلاتين</span>\n١٤٠/ ٣ - وعَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدةً، فأَتَيْتُ النّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ، فَقَالَ: «إنمَا هِي رَكْضَةٌ مِنَ الشّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتّةَ أَيّامٍ، أَوْ سَبْعَةً، ثمّ اغْتَسِلِي، فَإذَا اسْتَنْقَأْتِ فَصَلّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِين، أَو ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ، وَصُومِي وَصَلّي، فَإنّ ذلِكَ يُجْزِئُكِ، وَكذلِكَ فَافْعَلِي كما تحِيضُ النّساءُ، فَإنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤخّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجّلي الْعَصْرَ، ثمّ تَغْتَسِلي حِينَ تَطْهُرِينَ وتُصَلّين الظهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا، ثمّ تُؤَخّرِينَ المَغْربَ وتُعَجّلينَ الْعِشَاءَ، ثمّ تَغْتَسِلينَ وَتجْمَعِينَ بَينَ الصّلَاتَينِ، فَافْعَلِي، وَتغتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ. قَالَ: وَهُوَ أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إليّ». رَوَاهُ الخمسَةُ إلاّ النّسَائِيّ، وَصَحّحَهُ التّرْمِذِيّ، وَحَسّنَهُ الْبُخَارِيّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهي حَمْنَةُ - بفتح الحاء المهملة وسكون الميم - بنت جحش الأسدية، أخت أم المؤمنين زينب، والصحيح أن هذا اسمها، وكانت تحت مصعب بن عمير، فقتل عنها يوم أحد، فتزوجها طلحة بن عبيد الله - أحد المبشرين بالجنة ـ، وكانت من المبايعات، وشهدت أحدًا، فكانت تسقي العطشى، وتحمل الجرحى وتداويهم، وكانت تستحاض - كما في هذا الحديث - وكذا أختها أم حبيبة بنت جحش، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف ﵄، بل ذكر الحافظ أن كل بنات جحش كن مستحاضات (^١)، ونقل عن الواقدي أنه أنكر\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (١٢/ ٢٠٢).","vol":"2","page":123},{"text":"أن تكون حمنة استحيضت أصلًا، ثم قال: (والعلم عند الله) (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nالظاهر أن الحافظ ﵀ تصرف في سياق لفظ الحديث، فحذف بعض العبارات، ثم إنه مجموع من بعض ألفاظ أبي داود وألفاظ الترمذي.\nفقد أخرجه أبو داود (٢٨٧) في «الطهارة»، باب «من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة»، والترمذي (١٢٨) في «الطهارة»، باب «ما جاء في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد»، وابن ماجه (٦٢٧)، وأحمد (٦/ ٤٣٩) كلهم من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش ﵂.\nوهذا الإسناد فيه ضعف، قال البيهقي: (تفرد به عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف في الاحتجاج به) (^٢)، وقد تقدم قول ابن عيينة: (أربعة من قريش يترك حديثهم فذكر منهم ابن عقيل)، وقد نقل أبو داود بعد سياق الحديث عن الإمام أحمد أنه قال: (حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء).\nوقال ابن أبي حاتم: (سألت أبي عن حديث رواه ابن عقيل عن إبراهيم بن محمد، عن عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش في الحيض فوهّنه ولم يقوّ إسناده) (^٣)، وضعفه الدارقطني، وابن منده، كما نقل ذلك الحافظ ابن رجب (^٤).\nأما الترمذي فقد قال عنه: (هذا حديث حسن صحيح، وقال: سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: هو حديث حسن صحيح (^٥)، وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح) انتهى كلام الترمذي.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٢/ ٢٦٢)، \"الإصابة\" (١٢/ ٢٠١).\n(^٢) \"معرفة السنن والآثار\" (٢/ ١٥٩).\n(^٣) \"العلل\" (١/ ٥١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٦٤).\n(^٥) الذي في \"علل الترمذي\" (١/ ١٨٧) (هو حديث حسن)، وهو الموافق لما في \"البلوغ\"، وانظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (١/ ٣٣٩) ومعه \"الجوهر النفي\"، \"نيل الأوطار\" (١/ ٣١٨ - ٣١٩).","vol":"2","page":124},{"text":"وما نقله الترمذي - هنا - عن الإمام أحمد يخالف ما نقله عنه أبو داود، كما تقدم قريبًا، فإن قلنا بالترجيح فنقْلُ أبي داود أرجح؛ لأنه من تلاميذ الإمام أحمد الملازمين له، وله عنه كتاب «المسائل» المشهور، وإلا فقد يكون كلام أبي داود متقدمًا؛ لأن ابن رجب ذكر أن الإمام أحمد ضعَّف الحديث ولم يأخذ به، ثم ذكر عن أبي بكر الخلال أن الإمام رجع إلى القول بحديث حمنة والأخذ به (^١).\nعلى أن القول بالحديث والأخذ به لا يعني الحكم بالصحة ما لم يصرح المحدث بأن الحديث صحيح، وهذا موجود في جامع الترمذي، ففيه أحاديث ضعيفة، ثم يذكر أن العمل عليها عند أهل العلم، وهذا لا يعني صحتها.\nوالأظهر أن هذا الحديث ضعيف، لأن مداره على ابن عقيل، وهو حسن الحديث - كما قال الذهبي وغيره - إذا لم يخالف، وأما مع المخالفة فليس بحجة، وحديثه هذا مخالف للأحاديث الواردة في الصحيحين في ردِّ المستحاضة إلى عادتها، لا إلى غالب النساء كما في هذا الحديث، فتفرد ابن عقيل بمثل هذا الحكم لا يجعله مقدمًا على أحاديث الصحيحين، وقد حمله بعض أهل العلم على المبتدأة التي ليس لها عادة ولا تمييز، كما سيأتي (^٢).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\nقولها: (كنت أُستحاض حيضة) بفتح الحاء من (حيضة)، وهو مصدر: حاض، لا مصدر استحاض، فهو على حد: أنبته الله نباتًا، ولا يضره الفرق في اصطلاح العلماء بين الحيض والاستحاضة، إذ الكلام وارد على أصل اللغة.\nقولها: (حيضة كبيرة شديدة) لفظ أبي داود والترمذي: «كثيرة شديدة» وفي نسخة للترمذي (كبيرة شديدة)، ومعنى (كثيرة أو كبيرة) أي: أيامها كثيرة أو كثيرة في كميتها، ومعنى: (شديدة) أي: في كيفيتها، بمعنى أن دمها شديد الدفق.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" لابن رجب (٢/ ٦٤).\n(^٢) انظر: \"معالم السنن\" (١/ ١٨٣)، \"فتح الباري\" لابن رجب (٢/ ٦٥).","vol":"2","page":125},{"text":"قوله: (إنما هي ركضة من الشيطان) هذا لفظ الترمذي، وعند أبي داود «إنما هي ركضة من ركضات الشيطان»، وأصل الركض: الضرب بالرجل، والإصابة بها لقصد الإضرار والأذى، ومعناه - والله أعلم - أن الشيطان قد وجد بذلك طريقًا إلى التلبيس عليها في أمر دينها ووقت طهرها وصلاتها حتى أنساها ذلك عادتها، فكأنها ركضة نالتها من ركضاته، وقيل: هو حقيقة وأن الشيطان ضربها حتى فتق عرقها.\n\nقوله: (فتحيَّضي ستة أيام أو سبعة) يقال: تحيَّضت المرأة: إذا قعدت أيام حيضها تنتظر انقطاعه، أراد: عُدّي نفسك حائضًا، وافعلي ما تفعل الحائض، وإنما خص الست والسبع لأنهما الغالب على أيام الحيض، و(أو) في الحديث ليست للتخيير، وإنما هي للاجتهاد بأن تنظر إلى الأقرب ممن يشابهها خلقةً ويقاربها سنًا ورحمًا، فتجعل حالها كحالها، فإن كان الأقرب ستة جعلته ستة، وإن كان الأقرب سبعة جعلته سبعة.\n\nقوله: (فإذا استنقأت فصلي …) هكذا بالهمزة عند أبي داود والترمذي وغيرهما، وقد جاء بالياء (استنقيت) عند الدارقطني (^١)، قالوا: وهو القياس؛ لأنه من نَقِيَ الشيء ينقى، من باب تعب، نقاءً ونقاوة: نظف، وتقول: نقيته وأنقيته: إذا نظفته، قال المطرِّزي: (والاستنقاء المبالغة في تنقية البدن، قياس، ومنه قوله: «فإذا رأيت أنك طهرت واستنقيت فصلي» والهمزة فيه خطأ) (^٢).\nوالحق أنه ليس خطأ، فإن هَمْزَ ما ليس بمهموز كثير في كلام العرب، فقد نقل السيوطي عن يونس أنه قال: (أهل مكة يخالفون غيرهم من العرب فيهمزون: النبي، والبرية، والذرية، والخابية) (^٣)، ونقل الجوهري عن ابن السكيت أنه قال: (قالت امرأة من العرب: (رثأت زوجي بأبيات) وهَمَزَتْ، وقال الفراء: (ربما خرجت بهم فصاحتهم إلى أن يهمزوا ما ليس\n_________\n(^١) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٢١٤).\n(^٢) \"المغرب\" ص (٤٦٥).\n(^٣) \"المزهر\" (٢/ ٢٥٢).","vol":"2","page":126},{"text":"بمهموز، قالوا: رثأت الميت، ولبأت بالحج، وحلأّت السويق تحلئة، وإنما هو من الحلاوة ..) (^١).\n\nقوله: (ثم اغتسلي) أي: بعد الستة أو السبعة من الحيض.\n\nقوله: (فصلي أربعة وعشرين أو ثلاثة وعشرين) أي: على حسب مدة الحيض التي تجلسين، فيكون الباقي من الشهر هو مدة الطهر، تصلين فيها.\n\nقوله: (وصومي وصلي) أي: ما شئت من فريضة أو تطوع.\n\nقوله: (وكذلك فافعلي كما تحيض النساء) عند أبي داود: «فافعلي كل شهر»، أي: اجعلي مدة حيضتك كل شهر بقدر ما تحيض النساء عادة من ست أو سبع، وكذا مدة الطهر.\n\nقوله: (فإن قويت على أن تؤخري الظهر … إلخ) أي: إن قدرت بعد مرور الستة أو السبعة أن تغتسلي للظهر والعصر غسلًا واحدًا، وتجمعي بينهما جمعًا صوريًا بأن توقعي الظهر في آخر وقته والعصر في أول وقته، وكذا تفعلين في المغرب والعشاء، وتغتسلين للصبح فافعلي.\n\nقوله: (ثم تغتسلي حين تطهرين) هذا اللفظ عند الترمذي، ولفظ أبي داود: «فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين: الظهر والعصر».\n\nقوله: (قال: وهو أعجب الأمرين إلي) أي: الجمع بين الصلاتين بغسل واحد أحب الأمرين إلي.\nولم يتقدم الأمر الأول في السياق صراحة، وقد ورد عند أبي داود والترمذي في أول الحديث: «سآمرك بأمرين، أيّهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، فإن قويت عليهما فأنتِ أعلم»، ولم يرد الأمر الأول صراحة في السياق عندهما، والظاهر أن الأمر الأول هو الاغتسال لكل صلاة؛ لأن أبا داود ذكر أنه ورد في حديث ابن عقيل: الأمران جميعًا، حيث جاء فيه: «إن قويت فاغتسلي لكل صلاة وإلا فاجمعي» (^٢).\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (٦/ ٢٣٥٢).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (١/ ٧٨ - ٧٩).","vol":"2","page":127},{"text":"وهذا من رواية القاسم بن مبرور عن ابن عقيل، أي أنه: روى عنه الأمرين جميعًا، لكن هذا المعنى يتوقف على ثبوت رواية القاسم بن مبرور عن ابن عقيل لهذا الحديث (^١).\n\nالوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال: إن المرأة المستحاضة التي لا تعرف عادة حيضتها الأصلية، وليس لدمها تمييز صالح تعرف به دم الحيض من دم الاستحاضة أنها تعمل بعادة غالب النساء، فيكون حيضها ستة أيام أو سبعة أيام من كل شهر، يبتدئ من أول المدة التي رأت فيها وما عداه استحاضة، وتقدم أن هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية.\nوهذا هو القسم الثالث من أقسام المستحاضة، وهي التي ليس لها حيض معلوم ولا تمييز صالح، وقد مضى الكلام على القسمين الأولين في الحديث الأول.\nوالقول الثاني: أن هذه المستحاضة تجلس عادة نسائها، كأمها، وأختها، وهذا رواية عن أحمد، وقول لمالك، لأن الغالب شبهها بهن (^٢).\nوالمقصود أن من احتج بالحديث مشى على القول الأول. وحمل الحديث على المبتدأة التي لا عادة لها ولا تمييز، مع أن حمل الحديث على ذلك يحتاج إلى دليل، لأن الرسول ﷺ لم يسألها عن شيء من ذلك، ومن لم يأخذ به لضعفه أفتاها بالقول الثاني، وفي المسألة أقوال أخرى، كلها ضعيفة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المنهل العذب المورود\" (٣/ ١٠٨).\n(^٢) \"التمهيد\" (١٦/ ٧٥)، \"كشاف القناع\" (١/ ٢٠٩).","vol":"2","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-128>حكم اغتسال المستحاضة ووضوئها لكل صلاة</span>\n١٤١/ ٤ - وعَن عَائشَةَ ﵂ أَنّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ شَكَتْ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ الدّمَ، فَقَالَ: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثمّ اغْتَسِلِي»، فكَانَتْ تَغْتَسِلُ كلَّ صَلَاةٍ. رَوَاهُ مُسْلمٌ.\n١٤٢/ ٥ - وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيّ: «وَتَوَضّئي لِكلِّ صَلَاة»، وَهِيَ لأبي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما الأول: فقد أخرجه مسلم (٣٣٤) (٦٣) من طريق الليث، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، ولفظه: «إنما ذلك عرق، فاغتسلي ثم صلي»، فكانت تغتسل عند كل صلاة، قال الليث بن سعد: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله ﷺ أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي، وقال ابن رمح في روايته: ابنة جحش، ولم يذكر أم حبيبة.\nوأخرجه - أيضًا - من طريق جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن عروة، عن عائشة ﵂ باللفظ المذكور في الكتاب.\nوأما رواية البخاري: فقد أخرجها في كتاب «الوضوء» باب «غسل الدم» (٢٢٨) من طريق أبي معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، وفيه قال: «ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت».\nوقد تقدم في باب «نواقض الوضوء» سياق الحديث، وإيراد لفظ","vol":"2","page":129},{"text":"البخاري، والإشارة إلى أن مسلمًا حذف هذه الجملة عمدًا، وسبب ذلك أنه تفرد حماد بن زيد بذكرها، على ما ذكره النسائي في «سننه».\nوقد تقدم في باب «نواقض الوضوء» أن مدار الحديث في ذكر الوضوء لكل صلاة على هشام بن عروة، وقد رواه عن هشام جماعة، بعضهم يذكر هذه الزيادة وبعضهم لا يذكرها، والذين لم يذكروها أئمة ثقات هم أعلى قدرًا وأكثر عددًا ممن ذكرها، ومنهم الإمام مالك ووكيع بن الجراح وزهير بن معاوية ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم من الحفاظ الذين بلغوا ستة عشر حافظًا وأحاديثهم بعضها في الصحيحين، وعلى هذا ففي النفس شيء من ثبوت هذه الزيادة، والعلم عند الله تعالى.\nوأما قول الحافظ: (وهي عند أبي داود وغيره من وجه آخر) فهو يشير إلى ما أخرجه أبو داود (٢٩٨) من طريق وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ. فذكر خبرها، وقال: «ثم اغتسلي لكل صلاة، وصلي»، وأخرجه أحمد (٤٢/ ٤٥٤) وابن ماجه (٦٢٤) وهو حديث ضعيف، لعنعنة حبيب بن أبي ثابت، وهو كثير التدليس، ولأن عروة مختلف فيه، فلم ينسبه أبو داود ولا أحمد، وقد صرح ابن ماجه في روايته بأنه عروة بن الزبير، فإن كان هو فالإسناد منقطع؛ لأن حبيبًا لم يسمع منه، كما قال البخاري وأحمد ويحيى بن معين وغيرهم، وإن كان عروة المزني فهو مجهول، ثم إن الحديث مختلف في رفعه ووقفه، والذين وقفوه أثبات، كما قال الدارقطني (^١).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب الغسل على المستحاضة إذا مضى قدر الأيام التي هي عادتها الأصلية.\nوقد اختلف العلماء في هذه المسألة، هل يتكرر الغسل أو لا؟ على أقوال:\n_________\n(^١) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٢١١).","vol":"2","page":130},{"text":"القول الأول: ذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجب عليها الغسل إلا مرة واحدة إذا أدبرت حيضتها (^١).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين من طريق هشام بن عروة قال: أخبرني أبي عن عائشة، وفيه: «ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين، ثم اغتسلي وصلي».\nالقول الثاني: أنه يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة، وهو مروي عن ابن عمر وابن الزبير وعطاء بن أبي رباح، وقول لعلي وابن عباس ﵃ (^٢).\nواستدلوا بما ورد في قصة أم حبيبة بنت جحش عند أحمد من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن أبي بكر، وهو ابن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة، وفيه: (فلتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض له، فلتترك الصلاة، ثم لتنظر ما بعد ذلك فلتغتسل عند كل صلاة ولتصل) (^٣).\nوهذا الإسناد رجاله ثقات إلا عبد العزيز بن أبي حازم، فقد قال عنه في «التقريب»: (صدوق فقيه)، لكن ذكر الغسل فيه لكل يوم مرفوعًا شاذ، كما سيأتي.\nوالقول الثالث: أنها تغتسل لكل صلاتين مجموعتين، وتغتسل للفجر غسلًا واحدًا، وهو قول علي وابن عباس وإبراهيم النخعي وجماعة.\nواستدلوا بما تقدم في حديث حمنة بنت جحش.\nوالقول الرابع: أنها تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر، وهو مروي عن ابن عمر وأنس بن مالك، كما حكى ذلك أبو داود (^٤)، وهو قول سعيد بن المسيب، لما ورد عن سُمي مولى أبي بكر أن القعقاع بن حكيم\n_________\n(^١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ١٧٩)، \"الاستذكار\" (٣/ ٢٢٦)، \"المجموع\" (٢/ ٥٣٥)، \"الإنصاف\" (١/ ٣٧٧).\n(^٢) انظر: \"المجموع\" (٢/ ٥٣٦).\n(^٣) \"المسند\" (٤١/ ٤٣٩).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (١/ ٨١).","vol":"2","page":131},{"text":"وزيد بن أسلم أرسلاه إلى سعيد بن المسيب يسأله: كيف تغتسل المستحاضة؟ فقال: (تغتسل من ظهر إلى ظهر، وتتوضأ لكل صلاة، فإن غلبها الدم استثفرت بثوب) (^١).\nلكن قال ابن عبد البر: (كان مالك يقول: ما أرى الذي حدثني به من ظهر إلى ظهر إلا وهم) (^٢)، يريد بذلك أن الصواب: من طهر إلى طهر، بالطاء المهملة، بدلًا من الظاء المشالة، وقد نقل ذلك أبو داود في سننه عن مالك.\nقال ابن عبد البر: (ليس ذلك بوهم؛ لأنه صحيح عن سعيد، معروف عنه) لكن يؤيد ما قاله الإمام مالك ما رواه ابن أبي شيبة قال: حدثنا فضيل عن يحيى بن سعيد، عن القعقاع بن حكيم قال: سألت سعيد بن المسيب عن المستحاضة، فقال: (ما أحد أعلم بهذا مني، إذا أقبلت الحيضة فلتدع الصلاة، وإذا أدبرت فلتغتسل ولتغسل عنها الدم، ولتتوضأ لكل صلاة) (^٣). وهذا يوافق القول الأول، وهو قول الجمهور.\nوالذي يظهر - والله أعلم - قول الجمهور، وهو أن الواجب أن تغتسل عند إدبار حيضتها؛ لأن هذا هو الثابت في الصحيحين، وما عدا ذلك لا تقوم به حجة على الوجوب، مع ما في اغتسالها لكل صلاة أو لكل صلاتين أو لكل يوم من المشقة العظيمة التي لا تأتي الشريعة بمثلها، ولا سيما الاغتسال في أيام الشتاء.\nوأما ما ورد في صحيح مسلم من حديث عائشة في قصة أم حبيبة بنت جحش (فكانت تغتسل لكل صلاة) فهذا لا حجة فيه؛ لأنه أمر فعلته من جهة نفسها، ولم يأمرها النبي ﷺ بذلك، بل قال لها: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي» وتقدم ذلك.\nقال الشوكاني عن أحاديث الاغتسال لكل صلاة: (وقد صرح جماعة من الحفاظ بأنها لا تقوم بها الحجة، وعلى فرض أن بعضها يشد بعضًا فهي لا\n_________\n(^١) أخرجه مالك (١/ ٦٣)، ومن طريقه أبو داود (١/ ٨١) وإسناده صحيح.\n(^٢) \"الاستذكار\" (٣/ ٢٣٢).\n(^٣) \"المصنف\" (١/ ١١٩) وسنده صحيح.","vol":"2","page":132},{"text":"تقوى على معارضة ما في الصحيحين وغيرهما من أمره ﷺ لها بالغسل إذا أدبرت الحيضة فقط، وترك البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، كما تقرر في الأصول) (^١).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب وضوء المستحاضة لوقت كل صلاة، وأنها تصلي بذلك الوضوء ما شاءت من فروض ونوافل ما لم يخرج الوقت، بناء على أن خروج دم الاستحاضة ناقض من نواقض الوضوء، وبه قالت الحنفية والحنابلة (^٢)، قالوا: والمراد بكل صلاة في هذا الحديث: وقت كل صلاة؛ لأنه جاء إطلاق الصلاة على الوقت، كما في قوله ﷺ في حديث جابر المتقدم في باب «التيمم»: «فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» أي: أدركه وقت الصلاة.\nالقول الثاني: أنه يجب عليها أن تتوضأ لكل فريضة، سواء أكانت مؤداة أم مقضية، وأما النوافل فلها أن تصلي بطهارتها ما شاءت، وهذا مذهب الشافعية (^٣).\nواستدلوا بما تقدم من قوله: «وتوضئي لكل صلاة» حيث حملوا الصلاة في الحديث على الفريضة دون النافلة.\nوهذا تفريق لا دليل عليه، وصيغة العموم في الحديث تمنع من ذلك، والأصل في الشريعة استواء الفريضة والنافلة في الطهارة، ولذا قال ابن حزم: (ومن المحال الممتنع في الدين الذي لم يأت به قط نص ولا دليل أن يكون إنسان طاهرًا إن أراد أن يصلي تطوعًا، ومحدثًا غير طاهر في ذلك الوقت بعينه إن أراد أن يصلي فريضة، هذا ما لا خفاء به، وليس إلا طاهرٌ أو محدث) (^٤)، وعليه فهذا من أضعف الأقوال.\nالقول الثالث: أنه لا يجب عليها الوضوء بل يستحب؛ لأن دم\n_________\n(^١) \"السيل الجرار\" (١/ ١٤٩)، \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٨٤).\n(^٢) \"شرح فتح القدير\" (١/ ١٨١)، \"المغني\" (١/ ٤٢١).\n(^٣) \"المجموع\" (٢/ ٥٣٧).\n(^٤) \"المحلى\" (١/ ٢٥٥).","vol":"2","page":133},{"text":"الاستحاضة ليس حدثًا ناقضًا للوضوء، وهذا قول المالكية، وذكره أبو داود بسنده عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن (^١)، وهو قول عكرمة.\nواستدلوا بما ذكر ابن عبد البر: أن صاحب الحدث الدائم كالاستحاضة وسلس البول لا يرتفع حدثه بالوضوء، فيكون في حقه مستحبًا لا واجبًا (^٢).\nوهذا القول وجيه؛ لأن الاستحاضة قد تكررت في زمن النبي ﷺ ولو كان الوضوء واجبًا لما سكت عنه الرسول ﷺ ولأمر به كل واحدة، ونُقِلَ ذلك نقلًا صحيحًا كما نقل الأمر بالغسل، والقول بإيجاب الوضوء لكل صلاة لا يخلو من المشقة، لكن من يفتي بذلك من العلماء قديمًا أو حديثًا يرى أن الروايات التي وردت في الوضوء يشد بعضها بعضًا، والوضوء أحوط وأبرأ للذمة، وتصلي به ما شاءت من الفروض والنوافل.\n\nالوجه الرابع: حديث عائشة دليل على القول المختار وهو أنه ليس لأقل الحيض ولا لأكثره حدّ بالأيام، ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ علق أحكام الحيض على إقباله، وعلق أحكام الطهارة على إدباره - كما جاء في بعض الروايات - ولو كان له حد لا يزيد عليه لبيَّنه لها وللأمة عمومًا لما يتعلق به من أحكام شرعية كثيرة أهمها الصلاة والصيام ..\nوحكى ابن المنذر هذا القول عن طائفة من العلماء (^٣)، ونقله النووي: عن الدارمي (^٤).\nوهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية فقد قال: (ومن ذلك اسم الحيض علق الله به أحكامًا متعددة في الكتاب والسنة، ولم يقدر لا أقله ولا أكثره، ولا الطهر بين الحيضتين مع عموم بلوى الأمة بذلك، واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرق بين قدر وقدر، فمن قَدّرَ في ذلك حدًا فقد خالف الكتاب والسنة) (^٥).\nومما يبين ضعف أقوال المحددين اختلافها واضطرابها، مما يدل على\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (١/ ٨٢).\n(^٢) \"التمهيد\" (١٦/ ٩٧، ٩٨).\n(^٣) \"الأوسط\" (٢/ ٢٢٨).\n(^٤) \"المجموع\" (٢/ ٣٨١).\n(^٥) \"الفتاوى\" (١٩/ ٢٣٧).","vol":"2","page":134},{"text":"أنه ليس في المسألة دليل يجب المصير إليه، وإنما هي أقوال مبنية على اجتهاد معرض للخطأ والصواب، والله تعالى أعلم (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"رسالة في الدماء الطبيعية للنساء\" ص (١٣).","vol":"2","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-129>حكم الصفرة والكدرة</span>\n١٤٣/ ٦ - وعَنْ أُمّ عَطِيّةَ ﵂ قَالتْ: كُنّا لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَاللّفْظُ لَهُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهي أم عطية نُسيبة - بضم النون - بنت الحارث الأنصارية ﵂ معروفة باسمها وكنيتها، روت عن النبي ﷺ عدة أحاديث، وغزت معه سبع غزوات، تخلف الغزاة في رحالهم، كما روى ذلك مسلم عنها (^١)، وكانت ممن يغسل النساء في عهد النبي ﷺ بعد موتهن، وعنها أُخِذَ كثير من أحكام غسل الميت، قال ابن عبد البر: (حديثها أصل في غسل الميت، وكان جماعة من الصحابة وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون عنها غسل الميت) (^٢)، روى عنها محمد بن سيرين وأخته حفصة وآخرون (^٣).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري (٣٢٦) في كتاب «الحيض» باب «الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض»، وأبو داود (٣٠٨)، والنسائي (١/ ١٨٦)، وابن ماجه (١/ ٣٣٧) من طريق إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية ﵂.\nوهذا لفظ أبي داود كما ذكر الحافظ، ولفظ البخاري: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئًا)، وترجمة البخاري المذكورة موافقة لرواية أبي داود، وهذا دليل على أنه يرى صحة زيادة: (بعد الطهر).\nوأخرجه أبو داود - أيضًا - من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أم الهذيل، حفصة بنت سيرين، عن أم عطية ﵂ باللفظ المذكور.\nوقد اختلف فيه على أيوب، فرواه معمر عنه، عن ابن سيرين، عن أم عطية، كما في مصنف عبد الرزاق (١٢١٦) ومن طريقه أخرجه ابن ماجه (٦٤٧)، ورواه إسماعيل عنه كما تقدم، وخالفهما وهيب بن خالد فرواه عن أيوب، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت: (كنا لا نعد\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٨١٢).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (١٣/ ٢٥٦).\n(^٣) \"الإصابة\" (١٣/ ٢٥٣).","vol":"2","page":136},{"text":"الصفرة والكدرة شيئًا) أخرجه ابن ماجه (٦٤٧).\nقال الحافظ: (وما ذهب إليه البخاري من تصحيح رواية إسماعيل أرجح لموافقة معمر له، ولأن إسماعيل أحفظ لحديث أيوب من غيره، ويمكن أن أيوب سمعه منهما) (^١) أي: من ابن سيرين ومن حفصة أخته.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\nقولها: (كنا) هذه الصيغة لها حكم الرفع إذا قالها الصحابي وأضافها إلى زمن النبي ﷺ، على القول الصحيح؛ لأن قولها ذلك محمول على زمن النبي ﷺ، وبه قطع الحاكم أبو عبد الله (^٢)، وهو قول الجماهير؛ لأن ظاهر ذلك اطلاع النبي ﷺ وتقريرهم عليه.\nقولها: (الكدرة) بضم الكاف وسكون الدال المهملة ثم راء مفتوحة بعدها تاء، هي اللون الأحمر الذي يضرب إلى السواد، والمراد أن الدم يكون متكدرًا بين الصفرة والسواد.\nقولها: (الصفرة) بضم الصاد المهملة وسكون الفاء الموحدة ثم راء مفتوحة بعدها تاء، هي اللون الأحمر الذي يميل إلى البياض، والمراد: أن ترى الدم أصفر كماء الجروح.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٢٦).\n(^٢) \"معرفة علوم الحديث\" ص (٢٢).","vol":"2","page":137},{"text":"قولها: (بعد الطهر) أي: بعد انقطاع الدم ورؤية الطهر، والطهر إما أن يكون برؤية القَصَّةِ البيضاء، وهي ماء أبيض يدفعه الرحم عند انقطاع الحيض، قاله الحافظ (^١)، والقَصّ: هو الجصّ بلغة الحجاز (^٢)، فشبه به الطهر بجامع البياض، ونقل الحافظ عن مالك قوله: (سألت النساء عنه فإذا هو معلوم عندهن يعرفنه عند الطهر)، وإما أن يكون الطهر بالجفوف، وهو أن تشعر بالطهارة إذا جفت، وعلامة ذلك أن تحتشي بالقطنة فتخرج بيضاء ليس فيها شيء من الصفرة ولا الكدرة، والنساء يختلفن في ذلك، فأكثرهن بالعلامة الأولى، وبعضهن بالثانية، والقصة البيضاء أبلغ من الجفوف.\nقولها: (شيئًا) مفعول (نَعُدّ) أي: لا نعتبر الصفرة والكدرة بعد الطهر حيضًا تقعد فيه المرأة عن الصلاة والصيام وغيرها من العبادات.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن الكدرة والصفرة بعد الطهر ليست بحيض فلا يلتفت إليها، وأما إذا كان ذلك في أثناء الحيض أو متصلًا به قبل الطهر فهو حيض، تثبت له أحكام الحيض.\nوهذا مذهب الحنفية والحنابلة، وقول في مذهب المالكية، بل بعضهم جعله هو المذهب (^٣).\nووجه الدلالة من حديث الباب: أن قول أم عطية: (بعد الطهر) يدل على أن ما قبل الطهر حيض، وفي رواية الدارمي: «كنا لا نعتد بالصفرة والكدرة بعد الغُسل» (^٤).\nقال الحافظ ابن حجر على قول البخاري (باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض): (يشير بذلك إلى الجمع بين حديث عائشة المتقدم في قولها: (حتى ترين القصة البيضاء)، وبين حديث أم عطية المذكور في هذا الباب، بأن ذلك محمول على ما إذا رأت الصفرة والكدرة في أيام الحيض، وأما في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٢٠).\n(^٢) \"المصباح المنير\" (٥٠٦).\n(^٣) انظر: \"المنتقى\" (١/ ١١٨)، \"شرح فتح القدير\" (١/ ١٦٢)، \"المغني\" (١/ ٤١٣).\n(^٤) \"سنن الدارمي\" (١/ ١٧٥) قال النووي في \"الخلاصة\" (١/ ٣٣٢): إسناده صحيح.","vol":"2","page":138},{"text":"غيرها فعلى ما قالته أم عطية) (^١).\nوحديث عائشة الذي أشار إليه هو ما رواه مالك، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين أنها قالت: كان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين بالدِّرَجَةِ فيها الكُرْسف، فيه الصفرة من دم الحيضة، فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء (^٢).\nووجه الدلالة منه: أن عائشة ﵂ اعتبرت الصفرة في زمن العادة حيضًا وقالت: (لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء) أي: علامة الطهر.\nوالقصة البيضاء: بفتح القاف وتشديد الصاد، ماء أبيض يدفعه الرحم عند انقطاع الحيض، كما تقدم.\nوالدِّرَجَة: بكسر أوله وفتح الراء والجيم، جمع دُرْج بالضم ثم السكون، وقيل: الدُّرْجة: بضم فسكون تأنيث دُرْج، والمراد: وعاء أو خرقة (^٣).\nوالكرسف: بضم الكاف والسين المهملة، هو القطن، والضمير في قوله: (فيه) يعود على القطن، أي: فيه الصفرة الحاصلة من دم الحيضة بعد وضع ذلك في الفرج لاختبار الطهر، واخترن القطن لبياضه، ولأنه ينشف الرطوبة، فيظهر فيه من آثار الدم ما لا يظهر في غيره (^٤)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٢٦).\n(^٢) \"الموطأ\" (١/ ٥٩)، وقد علقه البخاري جازمًا به في كتاب \"الحيض\" باب \"إقبال الحيض وإدباره\" وسكت عليه الحافظ في \"فتح الباري\" (١/ ٥٨٨)، وصححه النووي في \"المجموع\" (٢/ ٤١٦)، وتعليق البخاري له بصيغة الجزم يدل على صحته إلى من علقه عنه؛ كما هو معلوم في تعليقات البخاري.\n(^٣) \"شرح الزرقاني\" (١/ ١١٧).\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"2","page":139},{"text":"<span data-type='title' id=toc-130>ما يَحِلُّ فعله مع الحائض وما يحرم</span>\n١٤٤/ ٧ - وعَنْ أَنَس ﵁: أَنّ الْيَهُودَ كانوا إذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ لَمْ يُؤاكِلُوهَا، فَقَالَ النّبِيُّ ﷺ: «اصْنَعُوا كلَّ شَيْءٍ إلاّ النّكاحَ». رَوَاهُ مُسلِمٌ.\n١٤٥/ ٨ - وعَنْ عائِشَةَ ﵂ قَالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُني وَأَنَا حَائِضٌ. مُتّفَقٌ عَلَيه.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما الأول: فقد أخرجه مسلم (٣٠٢) في كتاب «الحيض» باب «جواز غسل الحائض رأس زوجها، وترجيله وطهارة سؤرها …»، من طريق حماد بن سلمة، حدثنا ثابت، عن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبيِّ ﷺ النبيَّ ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول: كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وَجَدَ (^١) عليهما، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ، فأرسل في آثارهما، فعرفا أنه لم يجد عليهما.\n_________\n(^١) أي: غضب.","vol":"2","page":140},{"text":"وأما الثاني: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحيض» باب «مباشرة الحائض» (٣٠٠) ومسلم (٢٩٣) من طريق منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂، وهذا لفظ البخاري.\nولفظ مسلم: قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا أمرها رسول الله ﷺ فتأتزر ثم يباشرها.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\nقولها: (فأتزر) أي: ألبس الوزرة - بكسر الواو - وهي كساء صغير، والجمع وِزْرات على لفظ المفرد، وأصله: أأتزر، بهمزتين أولاهما مفتوحة والثانية ساكنة، بوزن (أفتعل) ثم حصل الإدغام فصار: أتّزر بألف وتاء مشددة، وقد نص أكثر النحاة كابن هشام (^١) وغيره على أن ذلك خطأ، والقياس: فآتزر بإبدال الهمزة الثانية ألفًا من جنس حركة الأولى على القاعدة عند الصرفيين، والصحيح أنه مقصور على السماع.\n\nقوله: (فيباشرني) يقال: باشر الرجل امرأته: لامس بشرتها بإلصاق بشرته ببشرتها، وقد ترد بمعنى الجماع، ولكن هذا غير مراد هنا، وإنما المراد هنا الأول بالإجماع.\n\nالوجه الثالث: حديث أنس ﵁ دليل على تحريم جماع الحائض، ولقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والمراد بالمحيض: زمان الحيض، ومكانه وهو الفرج، والمراد بالقرب: الكناية عن الجماع؛ لا النهي عن القرب مطلقًا، والدليل على ذلك حديث أنس هذا.\nوقد أجمع المسلمون على تحريم وطء الحائض في فرجها، وقد نقل الإجماع ابن المنذر (^٢)، وابن حزم (^٣)، وابن قدامة (^٤)، والنووي (^٥)، كما نقله\n_________\n(^١) \"أوضح المسالك\" (٤/ ٣٩٨).\n(^٢) \"الأوسط\" (٢/ ٢٠٨).\n(^٣) \"مراتب الإجماع\" ص (٢٨).\n(^٤) \"المغني\" (١/ ٤١٤).\n(^٥) \"المجموع\" (٢/ ٣٥٩).","vol":"2","page":141},{"text":"شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، وجماعة من المفسرين.\nوقد نقل النووي عن الشافعي قوله: (من فعل ذلك فقد أتى كبيرة)، ونقل عن الشافعية وغيرهم أن من استحل وطء الحائض فقد كفر، وذلك لأنه أنكر أمرًا مجمعًا على تحريمه (^٢).\n\nالوجه الرابع: حديث عائشة ﵂ دليل على جواز مباشرة الحائض، وهذه المباشرة لا يراد بها الجماع، كما مضى، وهي نوعان:\nالأولى: الاستمتاع بالحائض فيما فوق السرة ودون الركبة، بالقبلة أو المعانقة أو اللمس أو غير ذلك، وهذا جائز بالنص والإجماع، كما نقله ابن قدامة (^٣)، والنووي (^٤).\nالثانية: الاستمتاع بها فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر؛ أما القبل والدبر فكل منهما حرام، والدبر حرام مطلقًا، وأما ما عداهما كالفخذين فتجوز المباشرة، لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والمحيض اسم لمكان الحيض أو زمانه، فتخصيصه موضع الدم بالاعتزال دليل على إباحته فيما عداه، ولا تُحمل الآية على معنى: فاعتزلوا النساء في الحيض؛ لأن النص وهو حديث أنس وعائشة ﵄ والإجماع يردان ذلك، وبدليل سبب النزول، كما تقدم.\nوالأولى ألاَّ يباشر إلا من وراء حائل، لفعل النبي ﷺ، فإن باشرها بدون حائل جاز إن وثق من نفسه ألا يقع في المحظور، قال ابن المنذر: (الأعلى والأفضل اتباع السنة واستعمالها، ثبت أن النبي ﷺ أمر عائشة ﵂ أن تتزر، ثم يباشرها وهي حائض، ولا يحرم عندي أن يأتيها دون الفرج إذا اتقى موضع الأذى …) (^٥).\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢١/ ٦٢٤).\n(^٢) \"المجموع\" (٢/ ٣٥٩).\n(^٣) \"المغني\" (١/ ٤١٤).\n(^٤) \"شرح المهذب\" (٢/ ٣٦٤).\n(^٥) \"الأوسط\" (٢/ ٢٠٨).","vol":"2","page":142},{"text":"وقال النووي: (وأما مباشرة النبي ﷺ فوق الإزار فمحمول على الاستحباب جمعًا بين قوله ﷺ وفعله) (^١)، ولعله يقصد بالقول حديث أنس المتقدم.\n\nالوجه الخامس: تحريم الشرع جماع الحائض لما فيه من الأضرار البالغة التي كشفها الطب الحديث، ومن ذلك ما يلي:\n١ - أن جماع الحائض يؤدي إلى اشتداد النزف الطمثي؛ لأن عروق الرحم تكون محتقنة وسهلة التمزق.\n٢ - أنه يؤدي إلى تعريض الرحم لعدوان البكتيريا لضعفه عن المقاومة بسبب الحيض؛ لأن أجهزة الدفاع معطلة، والبيئة صالحة لتكاثر الميكروبات.\n٣ - أن من أضرار جماع الحائض ما يمتد إلى قناة مجرى البول فالمثانة فالحالبين فالكلى.\n٤ - أن جسم الحائض ضعيف لتعرضه لآثار كثيرة، كما أن نفسيتها أثناء الحيض وخاصة عند بدايته على درجة من القلق والكآبة، ومثل هذه الصفات لا تسمح لها بالرغبة في الجماع.\nأما بالنسبة للرجل فله نصيبه من الأضرار؛ لأن إدخال عضوه في مهبل الحائض سبب في أمراض كثيرة لا تقتصر على عضوه، وإنما تتعدى إلى قناة مجرى البول؛ بل قد تتعدى إلى الجهاز البولي بكامله مع الكلى، مع ما في ذلك من تعريض جدار المهبل للخدش الذي يؤدي إلى التهاب الرحم أو التهاب في عضو الرجل بسبب الخدوش التي تحصل أثناء الاحتكاك (^٢)، والله تعالى حكيم عليم.\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٢/ ٣٩٣).\n(^٢) راجع كتاب \"خلق الإنسان\" ص (١٠٠).","vol":"2","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-131>كفارة وطء الحائض</span>\n١٤٦/ ٩ - وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄، عَنِ النبيِّ ﷺ في الّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ: «يَتَصَدّقُ بِدِينارٍ، أَوْ نِصْفِ دِينارٍ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وصَحَّحَه الحاكِمُ وَابْنُ الْقَطّانِ، وَرَجّح غَيْرُهُمَا وَقْفَه.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (٢٦٤) في «الطهارة» بابٌ في «إتيان الحائض»، والترمذي (١٣٦)، والنسائي (١/ ١٥٣)، وابن ماجه (٦٤٠)، وأحمد (٣/ ٤٧٣)، والحاكم (١/ ١٧٢) كلهم من طريق شعبة، حدثني الحكم، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مِقْسَم، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ. وهذا لفظ أبي داود.\nوقد ورد هذا الحديث بأسانيد كثيرة وبألفاظ مختلفة، وكثر فيه كلام أهل العلم بسب ما أُعل به.\nومداره في أكثر الأسانيد على مقسم مولى ابن عباس، عن ابن عباس، وهو متكلم فيه، فقد وثقه جماعة منهم يعقوب بن أبي سفيان، والدارقطني، وضعفه آخرون منهم ابن سعد وابن حزم (^١)، قال عنه الحافظ في «التقريب»: (صدوق، وكان يرسل، وما له في البخاري سوى حديث واحد) (^٢)، وقال في «التلخيص»: (ما أخرج له البخاري إلا حديثًا واحدًا في تفسير سورة النساء، قد توبع عليه) (^٣).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٢٥٦).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٢٦٠).\n(^٣) \"التلخيص\" (١/ ١٧٥).","vol":"2","page":144},{"text":"وقد أعل الحديث بعلل أهمها علتان:\nالأولى: الاختلاف في رفعه ووقفه، كما ذكر الحافظ، فقد رواه جماعة عن شعبة موقوفًا على ابن عباس، وأن شعبة كان يرفعه ثم رجع عن رفعه، قال ابن الجارود (١١٠): حدثنا محمد بن زكريا الجوهري، قال: ثنا بِنْدار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة بهذا الحديث ولم يرفعه، فقال رجل لشعبة: إنك كنت ترفعه، قال: كنت مجنونًا فَصَحَّحْتُ.\nقال أبو حاتم: (اختلفت الرواية، فمنهم من يروي عن مقسم عن ابن عباس موقوفًا، ومنهم من يروي عن مقسم عن النبي ﷺ مرسلًا، وأما حديث شعبة فإن يحيى بن سعيد أسنده، وحكى أن شعبة أسنده، وقال: أسنده الحكم لي مرة ووقفه مرة) (^١).\nالعلة الثانية: أن في متنه اضطرابًا، لأنه روي بدينار، أو بنصف دينار - بالشك ـ، وروي: «يتصدق بدينار، فإن لم يجد فبنصف دينار»، وروي التفرقة بين أن يصيبها في أول الدم أو في انقطاع الدم، إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف.\nوالحديث ضعفه الإمام الشافعي، وابن المنذر، وابن عبد البر، والنووي وآخرون (^٢).\nوصححه جماعة آخرون، منهم: الحاكم (^٣) وابن القطان (^٤)، وابن دقيق العيد (^٥)، وابن حجر وقال: (وهو الصواب، فكم من حديث قد احتجوا به فيه من الاختلاف أكثر مما في هذا، كحديث بئر بضاعة، وحديث القلتين ونحوهما، وفي ذلك ما يرد على النووي في دعواه في «شرح المهذب» و«التنقيح» و«الخلاصة» أن الأئمة كلهم خالفوا الحاكم في تصحيحه، وأن\n_________\n(^١) \"العلل\" (١/ ٥٠ - ٥١).\n(^٢) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (١/ ٣١٩)، \"الأوسط\" (٢/ ٢١٢)، \"التمهيد\" (٣/ ١٧٨)، \"المجموع\" للنووي (٢/ ٣٦٠).\n(^٣) \"المستدرك\" (١/ ٢٨٧).\n(^٤) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٢٧١).\n(^٥) \"الإلمام\" (١٣٣)، \"الإمام في معرفة أحاديث الأحكام\" (٣/ ٣٤٩).","vol":"2","page":145},{"text":"الحق أنه ضعيف باتفاقهم، وتبع النووي في بعض ذلك ابن الصلاح، والله أعلم) (^١).\nكما صحح الحديث ابن تيمية (^٢)، وابن القيم (^٣)، وأحمد شاكر (^٤)، والألباني (^٥)، والشيخ عبد العزيز بن باز.\nوأجابوا عما أُعِلَّ به كالآتي: أما وقفه على ابن عباس فلا ينافي رفعه، لأن ذلك يؤيد المرفوع، ثم إن هذا ليس من قبيل الرأي، بل له حكم الرفع، وكلام شعبة هنا لا يضر، فإن الرفع زيادة من ثقة، قال أبو بكر الخطيب: (اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفًا، وهذا مذهب أهل الأصول؛ لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للأخرى، والأخذ بالمرفوع أخذ بالزيادة وهي واجبة القبول) (^٦)، ثم إن شعبة تابعه غيره على رفعه، فلم ينفرد بذلك، فقد تابعه قتادة، قال: حدثني الحكم بن عتبة به مرفوعًا، عند البيهقي (١٣١٥)، وعند النسائي في «الكبرى» (٥/ ٣٤٧) عن قتادة، عن عبد الحميد، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعًا بنحوه، وفي هذين الإسنادين مقال.\nأما الاضطراب في متنه فإنه ينظر إلى الأرجح، فإن الاضطراب إنما يثبت مع تساوي الروايات، أما إذا ترجحت إحدى الروايات فلا اضطراب، ولهذا قال أبو داود: (هكذا الرواية الصحيحة، قال: بدينار أو نصف دينار)، أي: على التخيير، بخلاف الروايات الأخرى التي فيها بنصف دينار أو بخمس دينار أو عتق نسمة؛ فإنها ضعيفة.\n\nالوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن من وطئ امرأته وهي حائض يطلب منه أن يتصدق بدينار أو نصف دينار كفارة لذنبه.\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (١/ ١٧٩).\n(^٢) \"شرح العمدة\" (١/ ٤٦٧).\n(^٣) \"تهذيب مختصر السنن\" (١/ ١٧٣).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (١/ ٢٥٣).\n(^٥) \"إرواء الغليل\" (١/ ٢١٨).\n(^٦) \"المنهل العذب المورود\" (٣/ ٤٧)، وكلام الخطيب هو أحد المسلكين في زيادة الثقة، انظر: \"شرح العلل\" لابن رجب (١/ ٤٢٦).","vol":"2","page":146},{"text":"وهذا قول الإمام أحمد والشافعي في القديم (^١).\nوالقول الثاني: أنه لا شيء عليه في ماله، لكن يستغفر الله، وهو قول الجمهور، ومنهم الحنفية والمالكية والشافعية في الجديد، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو قول الظاهرية (^٢) وجماعة من السلف، منهم ابن سيرين وعطاء وإبراهيم النخعي (^٣).\nواستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فصدقه فقد برئ مما أنزل على محمد»، وفي رواية: «فقد كفر» (^٤).\nووجه الدلالة: أنه لم يذكر أن عليه كفارة.\nوقالوا: إن حديث إيجاب الكفارة مضطرب في متنه، وفي سنده مقال؛ فلا ينهض حجة على شغل الذمة، والأصل براءتها إلاّ بحجة لا مدفع فيها ولا مطعن عليها.\nوقد ذكر ابن رشد أن سبب الخلاف هو اختلافهم في صحة الأحاديث الواردة في هذه المسألة أو ضعفها، ثم قال: (فمن صَحَّ عنده شيء من هذه الأحاديث صار إلى العمل بها، ومن لم يصح عنده شيء منها وهم الجمهور، عمل على الأصل الذي هو سقوط الحكم حتى يثبت بدليل) (^٥). وهذا هو الأظهر - إن شاء الله - فإن الحديث لا تقوم بمثله حجة مع اضطرابه والاختلاف الكثير في إسناده، ولم ينقل عن المتقدمين بشأنه ما يعتمد عليه،\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ٤١٦)، \"الفروع\" (١/ ٢٦٢).\n(^٢) \"الأوسط\" (٢/ ٢٠٩)، \"المحلى\" (٢/ ١٨٧)، \"شرح فتح القدير\" (١/ ١٦٦)، \"بداية المجتهد\" (١/ ١٥٣)، \"مغني المحتاج\" (١/ ١١٠).\n(^٣) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (١/ ٣٢٩)، \"الأوسط\" (٢/ ٢١٠).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٣٩٠٤)، والترمذي (١٣٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩٠١٧)، وأحمد (١٥/ ١٦٤) وإسناده ضعيف؛ لانقطاعه، فإنه من رواية أبي تميمة الهُجيمي، عن أبي هريرة، ولا يعرف له سماع منه، كما ذكره البخاري في \"تاريخه\" (٣/ ١٦ - ١٧)، والمعروف وقفه على أبي هريرة - ﵁ -، وليس فيه ذكر إتيان الحائض.\n(^٥) \"بداية المجتهد\" (١/ ١٥٣ - ١٥٤).","vol":"2","page":147},{"text":"وجميع الذين صححوه هم من القرن الرابع فما بعده، وفتاوى السلف جاءت على خلافه.\nوعلى القول بوجوب الكفارة فهي واجبة على الرجل، وأما المرأة فإن كانت مطاوعة وعالمة بالتحريم، فعليها كفارة كالرجل؛ لأنه وطء يوجب الكفارة، فيجب على المرأة المطاوعة، ككفارة الوطء في الإحرام، حكاه ابن قدامة عن أحمد (^١).\nوالقول الثاني: أن المرأة ليس عليها كفارة، وقد جعله القاضي وجهًا في مذهب أحمد؛ لأن الشرع لم يرد بإيجابها عليها، وإنما يتلقى الوجوب من الشرع.\nوالقول الأول أظهر، لما تقدم، ولتساويهما في ارتكاب المحرم.\nوإن كانت جاهلة أو مكرهة فلا كفارة عليها، لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، فإذا عذر المكلف بالإكراه حتى بالكفر فما دونه من باب أولى، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ٤١٨).","vol":"2","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-132>الحائض تترك الصوم والصلاة</span>\n١٤٧/ ١٠ - وعَنْ أَبي سَعِيد ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلَيْسَ إذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟». مُتّفَقٌ عَلَيْهِ في حَدِيثٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الحيض» باب «ترك الحائض الصوم» (٣٠٤) من طريق سعيد بن أبي مريم قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو في فطر إلى المصلى فمرّ على النساء، فقال: «يا معشر النساء تصدَّقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار»، فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبِّ الرجل الحازم من إحداكن»، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟»، قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟» قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان دينها».\nفهذا لفظ البخاري، وقد اقتصر الحافظ على القدر المطلوب، وأما الإمام مسلم فإنه ساق الإسناد المذكور دون المتن (١٣٢) (٨٠) في كتاب «الإيمان» باب «بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات»، وأحال على حديث ابن عمر الذي ساقه (١٣٢) (٧٩)، وفيه: «أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل؛ فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين».","vol":"2","page":149},{"text":"قال الحافظ: (والواقع أن مسلمًا لم يسق لفظه أصلًا، وإنما أورد حديث ابن عمر بسند آخر إليه في قصة النساء ونقصان عقلهن ودينهن خاصة، وأردفه بحديث أبي سعيد المذكور) (^١).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن الحائض تترك الصلاة أثناء حيضها، ولا تصح منها لو فعلتها؛ لأن الطهارة شرط في صحة الصلاة، وهي غير طاهرة، وهذا أمر مجمع عليه.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الحائض تترك الصيام أثناء حيضها ولا يصح منها لو فعلته، وهذا أمر مجمع عليه.\nوقد بوب البخاري على هذا الحديث - كما تقدم - بقوله: باب «ترك الحائض الصوم»، قال الحافظ: (قال ابن رُشيد وغيره: جرى البخاري على عادته في إيضاح المشكل دون الجلي، وذلك أن تركها الصلاة واضح من أجل أن الطهارة مشترطة في صحة الصلاة وهي غير طاهر، وأما الصوم فلا يشترط له الطهارة؛ فكان تركها له تعبدًا محضًا فاحتاج إلى التنصيص عليه بخلاف الصلاة) (^٢).\n\nالوجه الرابع: اتفق العلماء على عدم وجوب قضاء الصلاة على الحائض، وعلى وجوب قضاء الصيام عليها، ودليل ذلك حديث معاذة العدوية قالت: سألت عائشة ﵂ فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية (^٣) أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (^٤).\n_________\n(^١) \"النكت الظراف على الأطراف\" (٣/ ٤٤٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٠٥).\n(^٣) قولها: أحرورية أنت؟ استفهام إنكاري، والحرورية نسبة إلى حروراء، قرية في العراق قرب الكوفة، نزلت فيها أول فرقة خرجت على أمير المؤمنين علي - ﵁ -، تنسب الخوارج إليها، وكان من رأيهم الخاطئ أن الحائض تفضي الصلاة كما تقضى الصوم.\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥) (٦٩) واللفظ له.","vol":"2","page":150},{"text":"فهذا دليل قاطع على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، لقول عائشة ﵂: (فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) فاكتفت ﵂ بذكر الدليل الشرعي عن ذكر الحكمة؛ لأن المؤمن يقتنع بالدليل، والشرع متضمن للحكمة بكل حال.\nوقد ذكر العلماء ومنهم ابن القيم أن الحكمة في أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، أن الصلاة تتكرر كل يوم، والحيض يتكرر كل شهر غالبًا، فالإلزام بقضائها فيه مشقة، كما أن في صلاتها أيام الطهر ما يغنيها عن صلاة أيام الحيض، فيحصل لها مصلحة الصلاة في زمن الطهر لتكررها كل يوم، بخلاف الصوم فإنه لا يتكرر، بل هو شهر واحد في العام، فلو سقط عنها فعله بسبب الحيض لم يكن لها سبيل إلى تدارك نظيره، وفاتت عليها مصلحته، فأمر بقضاء ما فاتها لتحصل مصلحة الصوم، والله تعالى أعلم (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٦٠).","vol":"2","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-133>نهي الحائض عن الطواف بالبيت</span>\n١٤٨/ ١١ - وعَنْ عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: لمّا جِئْنَا سَرِفَ حِضْتُ، فَقَالَ النّبِيُّ ﷺ: «افْعَلي ما يَفْعَلُ الحاجُّ، غَيْرَ أَلاَّ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتّى تَطْهُرِي». مُتّفَقٌ عَلَيْهِ في حَدِيثٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الحيض» باب «تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت» (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١) (١٢٠) من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: (خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سَرِفَ طمثت، فدخل عليَّ النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: «ما يبكيك؟»، قلت: لوددت والله أني لم أحجَّ العام، قال: «لعلك نَفِسْت؟»، قلت: نعم، قال: «فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج، غير ألاَّ تطوفي بالبيت حتى تطهري»، وهذا لفظ البخاري.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\nقولها: (سَرِف) بفتح السين المهملة ثم راء مهملة مكسورة؛ ثم فاء موحدة، اسم لا ينصرف للعلمية والتأنيث، وهو وادٍ شمال مكة، بين مكة وبين وادي الجموم (مرّ الظهران) يبعد عن حد الحرم من جهة التنعيم بنحو عشرة أكيال، وكان فيه آبار ومزارع صغيرة، ثم شمله العمران في العصر الحاضر، ويمر به الطريق بين مكة والمدينة.\nقولها: (طمثت) بفتح الميم وكسرها أي: حضت.","vol":"2","page":152},{"text":"قولها: (نفست) بفتح النون في الحيض، وبضمها في النفاس، وهذا قول الأكثر، وحكى أبو حاتم عن الأصمعي قال: (يقال: نُفست المرأة في الحيض والولادة بضم النون فيهما)، قال الحافظ: (وقد ثبت في روايتنا بالوجهين فتح النون وضمها) (^١).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الحائض تفعل ما يفعله الحاج من الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والمبيت بمنى، والسعي بين الصفا والمروة، إن كانت قد طافت قبل الحيض، وذلك لأن هذه المناسك لا تشترط لها الطهارة.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الطواف على الحائض، وأنه لا يصح منها، وكذا لو حدث الحيض أثناء الطواف فإنه يبطل، وهذا مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة في المشهور، والظاهرية (^٢)، لقوله: «فافعلي ما يفعل الحاج غير ألاَّ تطوفي بالبيت حتى تطهري»، وفي رواية لمسلم: «حتى تغتسلي»، فهذا نص صريح ونفي واضح في منع الحائض من الطواف وعدم صحته منها؛ لأن النهي في الأصل يقتضي الفساد.\nقال ابن عبد البر: (الحائض لا تطوف بالبيت، وهذا أمر مجتمع عليه، لا أعلم فيه خلافًا) (^٣)، وكذا نقل الإجماع ابن حزم (^٤)، وابن رشد (^٥)، والنووي (^٦)، وابن تيمية (^٧)، وغيرهم.\nلكن إن كانت الحائض لا تتمكن من البقاء في مكة حتى تطهر وتطوف؛ إما خوفًا على نفسها أو مالها أو لكون رفقتها أو محرمها لا يوافقونها على البقاء وهي من بلاد بعيدة يتعذر عليها الرجوع مرة أخرى، فإن شيخ الإسلام\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٠٣).\n(^٢) \"المنتقى\" للباجي (٢/ ٢٩٠)، \"المجموع\" (٨/ ١٧)، \"الإنصاف\" (٤/ ١٦).\n(^٣) \"التمهيد\" (١٧/ ٢٦٥).\n(^٤) \"المحلى\" (٧/ ١٧٩).\n(^٥) \"بداية المجتهد\" (١/ ١٤٨).\n(^٦) \"المجموع\" (٢/ ٣٨٦).\n(^٧) \"الفتاوى\" (٢٦/ ١٠٦).","vol":"2","page":153},{"text":"ابن تيمية وابن القيم يقولان بجواز طوافها في هذه الحال بناء على القاعدة الشرعية التي دلت عليها نصوص كثيرة وهي: أن جميع الشروط والواجبات المتعلقة بالعبادة معلقة بقدرة المكلف، فمن عجز عن شرط أو ركن أو واجب سقط عنه.\nأما إن أمكنها البقاء أو كانت في مكان قريب يمكنها الإتيان منه مع محرمها بعد الطهر للطواف، فهذه تذهب ثم ترجع.\nوقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية في نصرة هذا القول واعتبر الإجماع على تحريم طواف الحائض إنما هو في حق القادرة على الطواف مع الطهر (^١)، وكذا فعل تلميذه ابن القيم (^٢)، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٦/ ١٧٧).\n(^٢) \"إعلام الموقعين\" (٣/ ٢٥ - ٤١).","vol":"2","page":154},{"text":"<span data-type='title' id=toc-134>موضع مباشرة الحائض</span>\n١٤٩/ ١٢ - وعَنْ مُعَاذٍ ﵁ أَنّهُ سَأَلَ النّبِيَّ ﷺ: مَا يَحِلُّ لِلرّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ، وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: «مَا فَوْقَ الإزَارِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَضَعّفَهُ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الطهارة» باب في «مباشرة الحائض ومؤاكلتها» (^١)، قال: حدثنا هشام بن عبد الملك اليَزَني، ثنا بقية بن الوليد، عن سعد الأغطش - وهو ابن عبد الله - عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي - قال هشام: وهو ابن قُرط أمير حمص ـ، عن معاذ بن جبل .. فذكره، وفي آخره: «والتعفف عن ذلك أفضل».\nوهذا إسناد ضعيف، قال أبو داود عقبه: (وليس هو - يعني الحديث - بالقوي)، لما يلي:\n١ - أنه سند منقطع، لأن عبد الرحمن بن عائذ لم يسمع من معاذ، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: (عبد الرحمن بن عائذ الأزدي لم يدرك معاذًا) (^٢).\n٢ - أن سعد بن عبد الله الأغطش ضعيف، ضعفه عبد الحق الإشبيلي (^٣) نقله عنه الحافظ، وقال: (روى له أبو داود حديثًا واحدًا فيما يحل من\n_________\n(^١) هذا في بعض النسخ وهو المناسب، وفي أكثرها بإسقاط الترجمة وإدخال الحديث تحت باب \"المذي\"، ومناسبته أن مباشرة الحائض سبب لخروج المذي.\n(^٢) \"المراسيل\" ص (١٢٥).\n(^٣) \"الأحكام الوسطى\" (١/ ٢٠٨).","vol":"2","page":155},{"text":"الحائض لزوجها) (^١)، وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (^٢)، وقال الحافظ في «التقريب»: (لين الحديث).\n٣ - أن في سنده بقية بن الوليد، وهو مدلس، وقد عنعن.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على جواز الاستمتاع بالحائض فيما عدا ما بين السرة والركبة؛ لأن المراد بموضع الإزار ما بين السرة والركبة.\nومفهوم قوله: «ما فوق الإزار» أن ما تحت الإزار لا يحل الاستمتاع به، وبهذا قالت الحنفية والمالكية والشافعية أخذًا بهذا الحديث وما في معناه (^٣).\nوالقول الثاني: أنه يحل له ما تحت الإزار، ولا يحرم عليه إلا الإيلاج في الفرج خاصة، وهو مذهب الحنابلة، وابن حزم، وبعض الأفراد من المذاهب الأخرى (^٤)، لما تقدم من قوله ﷺ: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح».\nوهذا هو الراجح لقوة دليله، وأما حديث الباب فهو حديث ضعيف فلا يعارض الحديث الصحيح، وعلى فرض صحته فالاستدلال به على تحريم ما تحت الإزار بطريق المفهوم، والاستدلال على أنه لا يحرم إلا الفرج منطوق، والمنطوق مقدم على المفهوم.\nقال ابن رجب: (وأما الأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ أنه سئل عما يحل من الحائض؟ فقال: «فوق الإزار»، فقد رويت من وجوه متعددة، لا تخلو أسانيدها من لين، وليس رواتها من المبرزين في الحفظ، ولعل بعضهم روى ذلك بالمعنى الذي فهمه من مباشرة النبي ﷺ للحائض من فوق الإزار ..) (^٥)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٤١٣).\n(^٢) \"الثقات\" (٤/ ٢٨٦).\n(^٣) \"شرح فتح القدير\" (١/ ١٦٦)، \"حاشية الدسوقي\" (١/ ١٧٣)، \"المجموع\" (٢/ ٣٦٢).\n(^٤) \"المغني\" (١/ ٤١٤)، \"المحلى\" (٢/ ١٧٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٢).","vol":"2","page":156},{"text":"<span data-type='title' id=toc-135>مقدار ما تمكثه النفساء من غير صلاة ولا صوم</span>\n١٥٠/ ١٣ - وعَنْ أُمّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتِ النُّفَسَاءُ تَقْعُدُ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ. رَوَاهُ الخمسَةُ إلاّ النّسَائِيُّ، وَاللّفْظُ لأبي دَاوُدَ.\nوَفِي لَفْظٍ لَهُ: (وَلَمْ يَأْمُرْهَا النّبِيُّ ﷺ بِقَضَاءِ صَلَاةِ النِّفَاسِ)، وَصَحّحَهُ الْحَاكُمُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (٣١١) في كتاب «الطهارة» باب «ما جاء في وقت النفساء» والترمذي (١٣٩)، وابن ماجه (٦٤٨)، وأحمد (٤٤/ ١٨٦) كلهم من طريق علي بن عبد الأعلى، عن أبي سهل، عن مُسّة الأزدية، عن أم سلمة ﵂.\nوهذا لفظ أبي داود كما قال الحافظ، إلا أن في المطبوع في أبي داود: (أربعين يومًا أو ليلة) وفي بعض نسخ «البلوغ»: (أربعين) وفي بعضها: (أربعين يومًا).\nوأخرجه أبو داود (٣١٢)، والحاكم (١/ ٢٨٢) من طريق يونس بن نافع، عن كثير بن زياد - وهو أبو سهل - قال: حدثتني الأزدية يعني مُسّة، قالت: حججت فدخلت على أم سلمة، فقلت: يا أم المؤمنين إن سمرة بن جندب يأمر النساء يقضين صلاة المحيض، فقالت: لا يقضين، كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس أربعين ليلة، لا يأمرها النبي ﷺ بقضاء صلاة النفاس.","vol":"2","page":157},{"text":"وهذا الحديث مداره على أبي سهل - وهو كثير بن زياد - عن مُسّة الأزدية، عن أم سلمة ﵂، وأبو سهل قال عنه ابن معين في رواية إسحاق بن منصور: (ثقة)، وقال أبو حاتم: (ثقة من أكابر أصحاب الحسن).\nوقد رواه عن أبي سهل اثنان: علي بن عبد الأعلى، ويونس بن نافع، وقد ذكره الحافظ - هنا - من طريق علي بن عبد الأعلى باللفظ الأول، ثم ذكره من طريق يونس بن نافع باللفظ الثاني.\nوعلي بن عبد الأعلى وثقه البخاري، كما نقله عنه الترمذي في «جامعه» و«علله» (^١)، وقال أحمد والنسائي: (ليس به بأس) (^٢)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٣)، وقال الذهبي: (صدوق) (^٤).\nوقال أبو حاتم: (ليس بقوي)، وقال الدارقطني: (ليس بالقوي) (^٥)، وتوثيقه مقدم، فإنه صريح، فيقدم على الجرح المبهم.\nوأما يونس بن نافع: فقد ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» وسكت عنه، وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: (يخطئ) (^٦).\nوقد اختلفت كلمة العلماء في هذا الحديث، فصححه قوم، وضعفه آخرون، فالذين ضعفوه أعلوه بعلل، أهمها علتان:\nالأولى: نكارة المتن كما في رواية يونس، وهي الرواية الثانية، قال ابن القطان: (فالخبر هذا ضعيف الإسناد، منكر المتن، فإن أزواج النبي ﷺ ما منهن من كانت نفساء أيام كونها - أي أم سلمة - معه إلا خديجة، وزَوْجِيَّتُهَا كانت قبل الهجرة، فإذًا لا معنى لقولها: «كانت نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس أربعين يومًا») (^٧)، وكذا ذكر الحافظ ابن رجب أن نساء النبي ﷺ\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١/ ٢٥٧)، \"العلل الكبير\" (١/ ١٩٣ - ١٩٤).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٣١٤).\n(^٣) \"الثقات\" (٧/ ٢١٤).\n(^٤) \"الكاشف\" (٢/ ٤٣).\n(^٥) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ١٩٦)، \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٣١٤).\n(^٦) \"الجرح والتعديل\" (٩/ ٢٤٧)، \"الثقات\" (٧/ ٦٥٠).\n(^٧) \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٣٢٩).","vol":"2","page":158},{"text":"لم يلد منهن أحد بعد فرض الصلاة، فإن خديجة ﵂ ماتت قبل أن تفرض الصلاة (^١).\nويجاب عن ذلك بأن هذا في رواية يونس؛ فتقدم عليها رواية علي بن عبد الأعلى وليس فيها اللفظ المذكور؛ لأنه أحفظ منه، وقد وثقه الأئمة، بخلاف يونس فإنه يخطئ، كما تقدم (^٢).\nأو يقال: المراد بنسائه: غير زوجاته من بنات وقريبات وسُرِّيته مارية، وبهذا يتبين أن هذه العلة غير قادحة، ولا تؤثر على أصل الحديث؛ ولا سيما أن الحديث مشهور من طريق علي بن عبد الأعلى، وليس من طريق يونس بن نافع.\nالعلة الثانية: جهالة (مُسّة) بضم الميم وتشديد السين المهملة، قال ابن القطان: (وعلة الخبر المذكور مُسّة المذكورة، وهي تكنى أم بُسّة، ولا تعرف حالها ولا عينها، ولا تعرف في غير هذا الحديث؛ قاله الترمذي في «علله») (^٣).\nوكذا قال ابن حزم (^٤)، وذكرها الذهبي، وكذا الحافظ في المجهولات (^٥) ونقل عن الدارقطني أنه قال: (لا تقوم بها حجة)، ومقولة الدارقطني لم أجدها في السنن عند هذا الحديث، لكن ذكرها الحافظ الغساني في «تخريجه» (^٦)، وعادته أن ينقل كلام الدارقطني بعد كل حديث، فإما أن يكون هذا سقط من المطبوع، أو أنه في إحدى روايات السنن، والله أعلم.\nوقد حاول بعض العلماء أن يدفع الجهالة عن مُسَّة، فنقل صاحب «عون المعبود» عن ابن الملقن أنه قال: (لا نسلم جهالة عينها، وجهالة حالها\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٩٠ - ١٩١)، وانظر: \"نصب الراية\" (١/ ٢٠٥).\n(^٢) \"الثقات\" (٧/ ٦٥٠).\n(^٣) \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٣٢٩).\n(^٤) \"المحلى\" (٢/ ٢٠٤).\n(^٥) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٦٤٠)، \"اللسان\" (٩/ ٥٠٠).\n(^٦) \"تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني\" ص (٧١).","vol":"2","page":159},{"text":"مرتفعة؛ فإنه روى عنها جماعة: كثير بن زياد، والحكم بن عتيبة، وزيد بن علي بن الحسين، ورواه محمد بن عبيد الله العرزمي، عن الحسن، عن مسة - أيضًا - فهؤلاء رووا عنها، وقد أثنى على حديثها البخاري، وصحح الحاكم إسناده، فأقل أحواله أن يكون حسنًا) (^١).\nوقال في «خلاصة البدر المنير»: (والحق صحته) (^٢)، وقال الخطابي: (وحديث مسة أثنى عليه محمد بن إسماعيل) (^٣)، ولعله يريد بذلك ما جاء في «علل الترمذي» من قوله: (سألت محمدًا عنه، فقال: علي بن عبد الأعلى ثقة روى له شعبة، وأبو سهل كثير بن زياد ثقة، ولا أعرف لمُسّة غير هذا الحديث) (^٤)، ولا أرى في كلام البخاري هذا ما يدل عليه كلام الخطابي، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد؛ ولم يخرجاه) وأقرَّه الذهبي (^٥)، مع أنه عدّ مُسّة من المجهولات!!\nوقال النووي: (حديث حسن) (^٦).\nوالخلاصة: أن الحديث لا يخلو من ضعف بسبب جهالة مُسّة الأزدية، فإن الروايات المذكورة عنها لم تثبت، لكن الحديث له شواهد، وفيها ضعف - أيضًا - ومن أمثلها أثر عن ابن عباس ﵄ وسيأتي ذكره إن شاء الله.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\nقولها: (كانت النفساء) النفاس: بالكسر ولادة المرأة، وسميت الولادة نفاسًا: من التنفس، وهو التشقق والانصداع، والنفس هو الدم، سمي نفسًا؛ لأن النفس التي هي اسم لجملة الحيوان قوامها بالدم.\nيقال: نُفِست، ونَفِست: أي: ولدت، ويقال: نَفِست بفتح النون وكسرها: حاضت، وقيل: بالضم - أيضًا - كما تقدم.\nوالنفاس عند الفقهاء: دم ترخيه الرحم بسبب الولادة، إما معها أو بعدها أو قبلها بمدة يسيرة كيوم أو يومين مع الطلق.\n_________\n(^١) \"عون المعبود\" (١/ ٥٠١).\n(^٢) \"الخلاصة\" (١/ ٨٣).\n(^٣) \"معالم السنن\" (١/ ١٦٩).\n(^٤) \"العلل الكبير\" (١/ ١٩٣).\n(^٥) \"المستدرك\" (١/ ٢٨٢).\n(^٦) \"المجموع\" (٢/ ٥٢٥).","vol":"2","page":160},{"text":"ولا يختلف تعريف الأطباء للنفاس كثيرًا عن تعريف الفقهاء غير أن الأطباء يركزون في تعريفهم على حالة الرحم وعودتها إلى حالها الطبيعية، وهذا يحتاج مدة تتراوح بين ستة وثمانية أسابيع (^١)، وعلى هذا فالنفاس عندهم هو الدم النازل بعد فراغ الرحم من الولد نتيجة تمزق جدار الرحم الوظيفي.\nقولها: (تقعد) أي: تمكث بعد ولادتها من غير صلاة ولا صيام أربعين يومًا، وظاهره أنه تحديد نهاية؛ لأنه كثر اتفاق النساء في ذلك، كالحيض.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن أكثر مدة النفاس أربعون يومًا، وهو مذهب الحنفية والمشهور من مذهب الحنابلة، وهو الراجح إن شاء الله، وما ورد في هذا الباب وهو حديث أم سلمة وإن ضُعّفَ بما تقدم فقد حسنه آخرون، كما تقدم، ويقويه ما ورد عن ابن عباس ﵄ قال: (النفساء تنتظر نحوًا من أربعين يومًا) (^٢).\nقال ابن عبد البر: (وليس في مسألة أكثر النفاس موضع للاتباع والتقليد إلا من قال: بالأربعين، فإنهم أصحاب رسول الله ﷺ، ولا مخالف لهم منهم (^٣)، وسائر الأقوال جاءت عن غيرهم، ولا يجوز عندنا الخلاف عليهم بغيرهم؛ لأن إجماع الصحابة حجة على غيرهم، والنفس تسكن إليهم، فأين المهرب عنهم دون سنة ولا أصل؟ وبالله التوفيق) (^٤).\nوقال الشوكاني: (والأدلة الدالة على أن أكثر النفاس أربعون يومًا متعاضدة بالغة إلى حد الصلاحية والاعتبار) (^٥) وبمعناه قال النووي، وردّ على من ضعف الحديث.\n_________\n(^١) \"خلق الإنسان\" ص (٤٥٥).\n(^٢) أخرجه الدارمي (١/ ١٨٥)، وابن الجارود (١١٩)، والبيهقي (١/ ٣٤١) من طريق أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن ابن عباس - ﵄ -، وإسناده صحيح، وأبو بشر: هو جعفر بن إياس.\n(^٣) انظر: \"الأوسط\" لابن المنذر (٢/ ٢٤٨).\n(^٤) \"الاستذكار\" (٣/ ٢٥٠).\n(^٥) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٣٢).","vol":"2","page":161},{"text":"يقول الدكتور عمر الأشقر: (قد انتهت المقولات الطبية في الندوة الفقهية المقدم إليها البحث إلى الاتفاق مع بعض الآراء الفقهية القائلة بأن النفاس: هو ما ينزل من المرأة بعد الولادة أو الإسقاط ريثما يندمل موقع المشيمة المنفصلة من تجويف الرحم، ويبدأ دمًا ثم سائلًا مُصْفرًا حتى يتوقف، ولا حدّ لأقله، وأقصاه السوي ستة أسابيع فإن زاد عليها اعتبر غير سوي، ويلحق بالاستحاضة، وقد يكون من جراء بقايا المشيمة داخل الرحم، أو نتيجة وهن الرحم عن الانقباض الكافي لحبس الدم، أو غير ذلك مما يلتمس له التشخيص والعلاج، والنفاس إذا انتهى قد يفضي إلى حيض، وقد يفضي إلى طهر يمتد فترة تطول أو تقصر) (^١).\n\nالوجه الرابع: لا حدّ لأقل النفاس، بل متى رأت الطهر قبل الأربعين فإنها تغتسل وتصلي، وهذا قول الجمهور من أهل العلم؛ لأنه لم يرد من الشرع له تحديد، فيكون المرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد قليلًا وكثيرًا.\nقال الترمذي: (أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل وتصلي …).\n\nالوجه الخامس: لا يثبت حكم النفاس إلا إذا وضعت ما تبين فيه خلق إنسان، وأقل مدة يتبين فيها خلق الإنسان واحد وثمانون يومًا من ابتداء الحمل، وغالبها تسعون يومًا؛ لأن الخلق أربعون يومًا نطفة؛ وأربعون يومًا علقة؛ وأربعون مضغة.\nوينبغي التثبت إذا أسقطت لواحد وثمانين يومًا هل هو مخلَّق أم غير مخلَّق؟ لأن الله تعالى قسم المضغة إلى مخلَّقة وغير مخلَّقة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]، والغالب أنه إذا تم له تسعون يومًا تبين فيه خلق الإنسان.\n_________\n(^١) \"الحيض والنفاس والحمل بين الفقه والطب\" ص (٦٣، ٦٤).","vol":"2","page":162},{"text":"وقد ذكر الأطباء أن الإجهاض (الإسقاط) قبل الشهر الرابع لا يشبه الولادة، إذ يقذف الرحم في هذه الحال محتوياته: الجنين وأغشيته، ويكون السقط في هذه الحال محاطًا بالدم غالبًا.\nأما الإجهاض بعد الشهر الرابع فإنه يشبه الولادة، إذ تنفجر الأغشية أولًا، وينزل منها الحمل، ثم تتبعه المشيمة (^١).\n\nالوجه السادس: إذا تجاوز الدم الأربعين على القول بأنها أكثر مدة النفاس، فهو حيض إن صادف زمن حيضها، فتجلس له، وقد ذكر الأطباء أن الحيض قد يعود إلى الظهور في نهاية الأسبوع السادس بعد الولادة ثم ينقطع، كما كان قبل الحمل، أو يغيب خلال أشهر الرضاعة عند بعض النساء (^٢).\nفإن استمر معها فهي مستحاضة تأخذ أحكامها، وذكر بعض الفقهاء أنه إن كان لها عادة بزيادة يسيرة على الأربعين كيومين ثم ينقطع؛ أو ظهرت فيه أمارة قرب الانقطاع كصفرة أو كدرة انتظرت حتى ينقطع، والله أعلم (^٣).\n_________\n(^١) \"خلق الإنسان\" ص (٤٢٥).\n(^٢) \"الحيض والنفاس والحمل بين الفقه والطب\" ص (٤١).\n(^٣) \"رسالة في الدماء الطبيعية\" ص (٥٢).","vol":"2","page":163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-136>كتاب الصلاة</span>\nلما فرغ الحافظ ﵀ من كتاب «الطهارة» ذكر كتاب «الصلاة»، وتقديم الطهارة من باب تقديم الصلاة؛ لأن الطهارة مفتاحها وشرطها، كما في الحديث: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (^١).\nوالصلاة في اللغة: الدعاء بالخير، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، أي: ادع لهم، وقال النبي ﷺ: «إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليصلِّ، وإن كان مفطرًا فليطعم» (^٢)، ومعنى فليصلِّ: فليدع لأهل الطعام بالمغفرة والبركة ونحو ذلك، على ما قاله الجمهور.\nوفي الشرع: عبادة ذات أقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم.\nومعظم تعريف المتقدمين - ﵏ - يخلو من كلمة (عبادة) أو ما يؤدي معناها، إلا ما رأيت في «شرح حدود ابن عرفة»، فإنه قال: (قربة فعلية) (^٣)، ولعل المتقدمين لم يرو حاجة إلى هذا الوصف؛ لأن من المعلوم أن الركوع والسجود وما ذُكِرَ معهما إذا صدر من مسلم فهو يحكي صفة الصلاة وهيئتها.\nوالصلاة ثاني أركان الإسلام وأهمها بعد الشهادتين، ويدل على أهميتها أن الله تعالى فرضها على نبيه ﷺ في السماء ليلة المعراج بلا واسطة كما ثبت\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٦١، ٦١٨)، والترمذي (٣)، وأحمد (٢/ ١٢٣)، وإسناده حسن.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤٣١) من حديث أبي هريرة -﵁- وسيأتي شرحه في باب \"الوليمة\" من كتاب \"النكاح\" إن شاء الله.\n(^٣) (١/ ١٠٧).","vol":"2","page":165},{"text":"في «الصحيحين» (^١)، وكان ذلك قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين على المشهور، ومما يدل على أهميتها - أيضًا - أنها تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، وأنها واجبة على كل مكلف ما دام عاقلًا.\nوقد فرضها الله تعالى خمسين صلاة، حتى استقرت الفريضة خمس صلوات في اليوم والليلة، وكان النبي ﷺ يصليها ركعتين ركعتين إلا المغرب فثلاث ركعات، فلما هاجر إلى المدينة بقيت الركعتان للمسافر، وزيدت صلاة المقيم إلى أربع ركعات، إلا الفجر فبقيت ركعتين، وقد ثبت ذلك في حديث عائشة ﵂ في الصحيحين (^٢)، وغيره من الأحاديث، كما سيأتي في باب «قصر الصلاة» إن شاء الله.\nوقد ذكر الله تعالى الصلاة في القرآن في أكثر من ستين مرة ما بين مقرونة بالزكاة ومفردة عنها، وهذا وما قبله يدل دلالة واضحة على محبة الله تعالى لها وعنايته بها؛ لأن لها ثمرات عظيمة، فهي صلة بين العبد وربه، وفيها انشراح الصدر، وقرة العين، والانزجار عن الفحشاء والمنكر، وبالجملة فحكمها باهرة، ومصالحها عظيمة، ومنافعها متصلة بالقلب والروح والبدن وسائر القوى (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣) من حديث أنس عن أبي ذر - ﵄ -.\n(^٢) البخاري (٣٥٠)، ومسلم (٦٨٥).\n(^٣) انظر: \"شفاء العليل\" لابن القيم ص (٣١٠ - ٣١٣)، واقرأ في كتاب \"الصلاة والرياضة والبدن\"، تأليف: عدنان الطرشة.","vol":"2","page":166},{"text":"<span data-type='title' id=toc-137>باب المواقيت</span>\nالمواقيت: جمع ميقات، والمراد به هنا: الزمن المحدد لأداء الصلاة فيه، والأوقات خمسة لمن لا يجمع، لكل صلاة وقت خاص، وثلاثة لمن يجمع؛ لاندماج وقت العصر في وقت الظهر، ووقت العشاء الآخرة في وقت المغرب.\nوبدأ المصنف بالمواقيت؛ لأنها سبب للوجوب، وشرط للأداء، فكان لها جهتان في التقديم، فهي أهم شروط الصلاة، فإن الصلاة فريضة مؤقتة بوقت محدد، لا يجوز تقديمها عليه ولا تأخيرها عنه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أي: فرضًا مؤقتًا، وفي السنة أحاديث كثيرة، ذُكِرَ بعضها في هذا الباب.","vol":"2","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-138>بيان أول الوقت وآخره</span>\n١٥١/ ١ - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ نبيَّ الله ﷺ قَالَ: «وَقْتُ الظُّهْرِ إذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ المَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ». رَوَاهُ مُسْلمٌ.\n١٥٢/ ٢ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ في الْعَصْر: «وَالشَّمْسُ بَيضَاءُ نَقِيَّةٌ».\n١٥٣/ ٣ - وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسى: «وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعةٌ».\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو عبد الله بريدة بن الحصيب - بضم الحاء - الأسلمي. أسلم قبل غزوة بدر، ولم يشهدها، وقدم على النبي ﷺ وشهد الحديبية، فكان ممن بايع بيعة الرضوان، وفي الصحيحين عنه ﵁ أنه غزا مع رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة (^١)، سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، وغزا خراسان زمن عثمان ﵁ ومات بمرو زمن يزيد بن معاوية سنة ثلاث وستين (^٢).\nوأما أبو موسى فهو عبد الله بن قيس الأشعري القحطاني ﵁، مشهور باسمه وكنيته، قدم مكة وأسلم، ثم رجع إلى بلاد قومه، وقدم في خمسين\n_________\n(^١) البخاري (٤٤٧٣)، مسلم (١٨١٤).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٢/ ٤١)، \"الإصابة\" (١/ ٢١٤).","vol":"2","page":168},{"text":"منهم إلى النبي ﷺ عند فتح خيبر، وكان حسن الصوت بقراءة القرآن، قال فيه النبي ﷺ: «لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود» (^١).\nولاه النبي ﷺ على اليمن، فلما توفي النبي ﷺ قدم المدينة وشهد فتوح الشام، ثم استعمله عمر ﵁ على البصرة، فافتتح الأهواز ثم أصبهان، ثم عزله عثمان ﵁ عن البصرة فتحول إلى الكوفة فولاه عثمان عليها، وتفقه به أهلها، ومات فيها سنة أربع وأربعين (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجها:\nحديث عبد الله بن عمرو ﵄ أخرجه مسلم (٦١٢) (١٧٣) من طريق همام، حدثنا قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو، وتمامه: «فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني شيطان»، وله ألفاظ أخرى، ساقها الإمام مسلم ﵀ من طرق عن قتادة، وفيها فوائد كثيرة، قال النووي: (لا نعلم أحدًا شاركه فيها) (^٣)، ولذا فإن مسلمًا لما ساق حديث عبد الله بن عمرو بطرقه أردفه بسنده عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: (لا يُستطاع العلم براحة الجسم) مع أن ذلك لا يتعلق بأحاديث المواقيت، ولعله ذكره إشارة إلى أن من أتعب جسمه في تحصيل العلم تحقق له ما يريد، مثل جمع طرق هذا الحديث وتحصيل فوائده.\nوأما حديث بريدة ﵁، فقد أخرجه مسلم - أيضًا - (٦١٣) من طريق علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ، وفيه أن رجلًا سأله عن وقت الصلاة فقال له: «صل معنا هذين» يعني: اليومين (ثم أمره - أي بلالًا - فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية ..).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم (٧٩٣) (٢٣٥) واللفظ له.\nوالمراد بالمزمار هنا: الصوت الحسن؛ وآل داود: هو داود النبي -﵇-.\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٧/ ٣)، \"الإصابة\" (٦/ ١٩٤).\n(^٣) \"شرح النووي\" (٥/ ١١٩).","vol":"2","page":169},{"text":"وأما حديث أبي موسى ﵁ فقد أخرجه مسلم - أيضًا - (٦١٤) من طريق بدر بن عثمان، حدثنا أبو بكر بن أبي موسى، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يردَّ عليه شيئًا، قال: (فأقام الفجر حين انشق الفجر … إلى أن قال: ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة ..).\nولعل غرض الحافظ من إيراد هذا القدر من حديث أبي موسى وحديث بريدة في صلاة العصر الإشارة إلى أنه ﷺ كان يعجل العصر، لوصف الراوي الشمس بالارتفاع وبأنها بيضاءُ نقية، فيكون ذلك تفصيلًا وبيانًا لقوله: «ما لم تصفرَّ الشمس».\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (زالت الشمس) أي: مالت عن وسط السماء إلى جانب الغروب.\n\nقوله: (وكان ظل الرجل كطوله) أي: ويمتد وقت الظهر حتى يصير ظِلُّ الرجل مِثْلَهُ، والمراد: أن يكون ظل الشيء مثله، وذُكِرَ الرجل في الحديث تمثيلًا.\n\nقوله: (تصفر الشمس) الصفرة لون دون الحمرة، والشمس تكون صفراء عند قربها من الغروب لذهاب بياضها وضعف نورها.\n\nقوله: (الشفق) هو بقية ضوء الشمس وحمرتها بعد غروبها، قال الخليل: الشفق: الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب؛ قيل: غاب الشفق، وهذا هو المشهور في كتب اللغة، كما ذكر الجوهري، والأزهري، وغيرهما (^١)، وذكر النووي (^٢) نقولًا عن بعض الصحابة والتابعين وأئمة اللغة أن الشفق هو الحمرة، وقد ساق الحافظ في «البلوغ» حديثًا في ذلك، وهو ضعيف، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - أما من قال: هو البياض الذي يكون بعد الحمرة فهو مرجوح.\n_________\n(^١) انظر: \"الزاهر\" ص (١٤٨)، \"الصحاح\" (٤/ ١٥٠١).\n(^٢) \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٣/ ١٦٥).","vol":"2","page":170},{"text":"قوله: (إلى نصف الليل الأوسط) هكذا في رواية همام عن قتادة بلفظ (الأوسط) وجميع من روى الحديث عن قتادة عند مسلم؛ وهم هشام وشعبة والحجاج لم يذكر هذه اللفظة، قال القرطبي: (وكأن هذه الرواية وَهْمٌ؛ لأن الأوسط في المقدرات والمعدودات إنما يقال فيما يتوسط بين اثنين فأكثر، اللهم إلا أن يريد بالأوسط: الأعدل، فحينئذ يصح أن يقال: هو أوسط الشيئين، أي: أعدلهما، وهذا الشيء أوسط من هذا، أي: أعدل منه، ويمكن أن تحمل رواية تلك الزيادة على الصحة ويكون معناه: أن النصف الأول أعدل بالنسبة إلى إيقاع الصلاة فيه من النصف الآخِر، لتأدية الصلاة في الأول، وكثرة الثواب فيه) (^١).\nوالليل في اللغة من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق أو إلى طلوع الشمس (^٢).\nوأما في الشرع فالظاهر أنه ينتهي بطلوع الفجر، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣).\n\nقوله: (بيضاء نقية) أي: صافية لم تصفر، وفي هذا مع حديث أبي موسى (والشمس مرتفعة) إشارة إلى بقاء حرها وضوئها.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن وقت صلاة الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء طوله بعد الظل الذي زالت عليه الشمس، ويعرف ذلك بأن يُنصب عود مستو في أرض مستوية، ويعلم على رأس الظل، فما دام الظل ينقص من الخط فالشمس لم تزل في الارتفاع، وإن وقف لا يزيد ولا ينقص فهو وقت الاستواء، فإن عاد الظل إلى الزيادة علم أن الشمس زالت، ودخل وقت الظهر، ثم تقيس من ابتداء عودة الظل، فإذا كان الظل طول الشاخص فقد خرج وقت صلاة الظهر.\nوالظل يقصر في الصيف لارتفاع الشمس إلى كبد السماء، ويطول في\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٢/ ٢٣٨).\n(^٢) كما في \"القاموس\" (٤/ ١٩١) وغيره.\n(^٣) \"الفتاوى\" (٥/ ٤٧٠).","vol":"2","page":171},{"text":"الشتاء لمسامتتها للمنتصب، ولهذا يظهر في الشتاء ظل لكل شاخص من ناحيته الشمالية؛ لأن الشمس تميل إلى الجنوب، أما علامة الزوال بالساعة فاقسم ما بين طلوع الشمس إلى غروبها نصفين، وهذا هو الزوال.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن وقت صلاة العصر يبدأ من انتهاء وقت الظهر، وأنه لا فاصل بينهما ولا اشتراك، على الراجح من أقوال أهل العلم، ويمتد وقتها المختار ما دامت الشمس بيضاء نقية، فإذا اصفرت انتهى وقتها المختار؛ لقوله: (ما لم تصفر الشمس) ويدخل وقت الضرورة إلى الغروب، والدليل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (^١)، فهو نص صريح في أن وقت العصر يمتد إلى الغروب، وإنما قَدَّمَ الحافظ حديث ابن عمرو ﵄ (ما لم تصفر الشمس) لأن فيه تحديد بداية وقت العصر ونهايته، فيحمل على وقت الاختيار، ويحمل حديث أبي هريرة على الضرورة.\nوالمراد بالضرورة: العذر الذي لا مندوحة عنه، كالحائض تطهر في هذا الوقت، أو كافر يسلم، أو نائم يستيقظ، أو مغمى عليه يفيق، أو جريح اشتغل بتضميد جرحه، فهؤلاء يصلون ولو بعد اصفرار الشمس، وتكون صلاتهم أداء، والله أعلم (^٢).\nوالقول الثاني وهو المشهور في كتب الفقه ككتب الحنابلة - مثلًا - أن وقت العصر المختار يمتد إلى أن يصير ظل الشيء مثليه، مستدلين بحديث ابن عباس ﵄ في صلاة جبريل ﵇ بالنبي ﷺ وفيه: (ثم صلّى العصر حين كان ظل كل شيء مثل ظله … وصلى المرة الثانية حين كان ظل كل شيء مثليه) (^٣).\nوالقول الأول هو الراجح، وهو أوسع من القول الثاني؛ لأن امتداد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٩)، ومسلم (٦٠٨).\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ١٦، ١٧).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٩٣)، والترمذي (١٤٩)، وأحمد (٣/ ٣٣٣).","vol":"2","page":172},{"text":"وقت الاختيار إلى ما لم تكن الشمس صفراء يزيد على كون ظل الشيء مثليه؛ ووجه الترجيح ما يلي:\n١ - أن حديث عبد الله بن عمرو في «صحيح مسلم»، وهو متأخر؛ لأن إمامة جبريل كانت بمكة في أول الفرض، فقد نقل الحافظ عن ابن إسحاق أن ذلك كان صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلاة (^١).\n٢ - أنه اشتمل على زيادة لم ترد في حديث ابن عباس ﵄، والأخذ بالزيادة لا ينافي ذلك.\n٣ - أنه من قول الرسول ﷺ، وحديث ابن عباس فعل.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على أن وقت المغرب من مغيب الشمس ويمتد إلى مغيب الشفق، وهي الحمرة في الأفق، وهذا معروف بالمشاهدة، وهو يتراوح ما بين ساعة وربع إلى ساعة ونصف تقريبًا بعد غروب الشمس.\n\nالوجه السابع: الحديث دليل على أن وقت العشاء يبدأ بعد مغيب الشفق إلى نصف الليل، فإذا انتصف الليل خرج وقت العشاء، ويعرف ذلك بحساب الساعات من الغروب إلى طلوع الفجر، فيعرف ثلث الليل ونصف الليل، وقد وقع الخلاف بين العلماء في آخر وقت العشاء على ثلاثة أقوال، ذكرها ابن رشد (^٢)، وسبب الخلاف: تعدد الأحاديث، ثم الترجيح بينها.\nوحديث ابن عمرو نص صريح لا يحتمل التأويل، في أن وقت العشاء يمتد إلى نصف الليل، ولم يرد ما يدل على امتداده إلى ما بعد ذلك، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ والغسق: سواد الليل وظلمته، وهذا أشد ما يكون في منتصف الليل.\nوالقول الثاني: أن آخر صلاة العشاء طلوع الفجر، واستدلوا بحديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (١/ ٢٤١).","vol":"2","page":173},{"text":"أخَّر الصلاة حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى» (^١)، قالوا: هذا يدل على أن وقت كُلِّ صلاة يمتد إلى دخول وقت الصلاة الأخرى، إلا صلاة الفجر فلا يمتد وقتها إلى الظهر بالإجماع، فيكون آخر صلاة العشاء وقت طلوع الفجر.\nوالأول أرجح؛ لقوة دليله كما تقدم، وحديث أبي قتادة لا دلالة فيه، لأمرين:\nالأول: أنه محمول على صلاتين وقتهما متصل كالظهر والعصر، ولهذا لا تدخل صلاة الفجر مع صلاة الظهر بالإجماع.\nالثاني: أن الحديث ليس فيه بيان أوقات الصلاة ولا سيق من أجل ذلك، وإنما هو لبيان إثم من يؤخر الصلاة عامدًا حتى يخرج وقتها؛ لأن الحديث ورد في الفجر حينما نام رسول الله ﷺ ومعه أصحابه ﵃ عنها في السفر، فلو كان الحديث لبيان ما ذكروه لكان دليلًا على امتداد وقت الصبح إلى الظهر، وهم لا يقولون به، فكيف يصح استثناؤها؟.\nوالقائلون بامتداد العشاء إلى طلوع الفجر يرون أن وقتها المختار إلى نصف الليل، وأما وقت الأداء فهو ممتد إلى طلوع الفجر، لكنه وقت ضرورة، وقد نص على ذلك الفقهاء، لكنه قول مرجوح، لما تقدم.\nوالقول الثالث: أن آخر وقت العشاء ثلث الليل مستدلين بحديث إمامةِ جبريلَ ﵇ للنبي ﷺ في اليوم الثاني، لقوله في حديث ابن عباس ﵄ - المتقدم - (ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل)، والذي يظهر أنه لا دليل فيه على أنه آخر وقتها إذا ما قُرن بحديث ابن عمرو، وتقدم الكلام على ذلك.\n\nالوجه الثامن: الحديث دليل على أن وقت الصبح من طلوع الفجر الثاني حتى تطلع الشمس، ووقت الفجر منفصل عما قبله وما بعده؛ لأن بينهما وبين العشاء نصف الليل الثاني - على أحد الأقوال - وبينهما وبين الظهر نصف\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٨٠).","vol":"2","page":174},{"text":"النهار الأول، وقد جاء في القرآن ما يدل على ذلك، قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].\nفقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ معطوف على (الصلاة) وتقديره: وأقم قرآن الفجر؛ أي: صلاة الفجر، وعبر عنها بالقرآن لمزيد الاعتناء به فيها وإطالته، وفي الآية فصلُ صلاة الفجر عن قوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾؛ لعدم اتصال وقتها، كما تقدم، والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-139>بيان متى كان النبي - ﷺ - يصلي المفروضة</span>\n١٥٤/ ٤ - وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأسْلمِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إلَى رَحْلِهِ في أَقْصى المدينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنَ الْعِشَاءِ، وَكَان يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، ويَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلى المائَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n١٥٥/ ٥ - وَعِنْدَهُمَا مِنْ حَدِيث جَابِرٍ: وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا: إذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وإذَا رَآهُمْ أَبْطَؤوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ: كَانَ النبيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ.\n١٥٦/ ٦ - وَلِمُسْلمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبي مُوسى: فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، وَالنَّاسُ لَا يَكادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو برزة نَضْلة بن عبيد أو ابن عبد الله الأسلمي ﵁، في نسبه خلاف، مشهور بكنيته، أسلم قديمًا، وشهد فتح خيبر ومكة والطائف، وهو الذي قتل ابن خطل عام الفتح، وهو متعلق بأستار الكعبة بأمر النبي ﷺ، غزا خراسان، وشهد قتال الخوارج في الأهواز، ثم مات بمَرْو سنة خمس وستين (^١).\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٠/ ١٩٥)، \"الإصابة\" (١٠/ ١٥٢).","vol":"2","page":176},{"text":"الوجه الثاني: في تخريجها:\nأما حديث أبي برزة: فقد أخرجه البخاري في «مواقيت الصلاة» باب «وقت العصر» (٥٤٧) (٦٤٠) من طريق سيار بن سلامة وهو أبو المنهال الرياحي قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، فقال له أبي: كيف كان رسول الله ﷺ يصلي المكتوبة، فقال: … فذكره، واللفظ للبخاري.\nوقد حذف الحافظ أول الحديث (كان يصلي الهجير - التي تدعونها الأولى - حين تدحض الشمس، ويصلي العصر .. إلخ)، وكان الأولى أن يثبتها؛ لأن الحديث في بيان متى كان النبي ﷺ يصلي الصلوات الخمس، كما أن الحافظ أسقط ذكر المغرب، وفيه: (ونسيت ما قال في المغرب)، والقائل هو سيار بن سلامة؛ أي: نسي ما قال أبو برزة في المغرب، بيَّنه أحمد في روايته عن حجاج، عن شعبة عنه (^١).\nوأما حديث جابر: فقد أخرجه البخاري في باب «وقت المغرب» (٥٦٠)، ومسلم (٦٤٦) من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي قال: قدم الحجاج المدينة، فسألنا جابر بن عبد الله فقال: كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة .. وساق الحديث، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم: (والعشاء أحيانًا يؤخرها وأحيانًا يعجل).\nوقد وقع في «مسند أبي عوانة» عن شعبة: سألنا جابر بن عبد الله - في زمن الحجاج - وكان يؤخر الصلاة عن وقت الصلاة (^٢).\nوأما حديث أبي موسى فقد مضى تخريجه.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كان يصلي) كان: فعل ماض، وإذا كان خبرها جملة فعلية دلت على الاستمرار غالبًا، وتقدم ذلك في «الطهارة».\n\nقوله: (رحله) بفتح الراء وسكون الحاء: مسكنه ومنزله.\n_________\n(^١) \"المسند\" (٣٣/ ٤٦).\n(^٢) \"مسند أبي عوانة\" (١/ ٣٠٧).","vol":"2","page":177},{"text":"قوله: (والشمس حية) أي: بيضاء نقية حارة، فحياتها وصف مستعار لبقاء ضوئها وشدة حرارتها وصفاء لونها، والجملة حال من فاعل (يرجع)، وقد أخرج أبو داود في «سننه» بسنده عن خيثمة بن عبد الرحمن قال: (حياتها أن تجد حرها) (^١).\n\nقوله: (أن يؤخر من العشاء) بكسر الخاء المعجمة، أي: يبطئ من صلاة العشاء، والمراد: يؤخر من وقت العشاء، فلا يصليها في أول وقتها.\n\nقوله: (وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها) أي: يبغض النوم قبل صلاة العشاء؛ لأنه إن استغرق فيه فاتته الصلاة، وإن قطعه قام وهو كسلان، ويكره التحدث بعدها؛ لأنه قد يفضي إلى السهر الضار بالجسم المعوق عن قيام الليل وصلاة الفجر، وهذه الجملة استطراد من أبي برزة ﵁، وهو في غاية المناسبة.\n\nقوله: (وكان ينفتل) أي: ينصرف.\n\nقوله: (من صلاة الغداة) أي: صلاة الفجر. والغداة: أول النهار.\n\nقوله: (ويقرأ بالستين إلى المائة) أي: في صلاة الغداة، وظاهره أن هذا المقدار في كلا الركعتين.\n\nقوله: (والعشاء أحيانًا وأحيانًا) جمع حين بمعنى: وقت، وهو اسم مبهم يقع على القليل والكثير من الزمان على المشهور، وهما منصوبان على الظرفية بفعل محذوف، والتقدير: أحيانًا يعجل، وأحيانًا يؤخر، ثم فَصَّلَ فقال: «إذا رآهم - أي: الجماعة - اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم أبطؤوا أخَّر».\nو(العشاءَ): بالنصب عطفًا على أول الحديث، وهو قوله: (كان النبي ﷺ يصلي الظهرَ بالهاجرة …).\n\nقوله: (والصبح … يصليها بغلس) الصبحَ: بالنصب بفعل محذوف يفسره المذكور، والتقدير: وكان يصلي الصبح (^٢).\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (٤٠٦)، قال في \"فتح الباري\" (٢/ ٢٧): (سنده صحيح).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٢٠٦).","vol":"2","page":178},{"text":"والغلس: بفتحتين: اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل مع غلبة الظلمة.\n\nقوله: (انشق الفجر) أي: طلع، قال في «النهاية»: شق الفجر وانشق: إذا طلع، كأنه شق موضع طلوعه.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب تعجيل صلاة العصر في أول وقتها؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يصلونها مع النبي ﷺ ثم يرجع الرجل إلى منزله في أقصى المدينة، والشمس لم تزل تحتفظ بضوئها وحرارتها، وقد ورد عن أنس ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة، قال الزهري: وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه (^١).\nوعنه قال: كنا نصلي العصر - أي مع النبي ﷺ - ثم يذهب الذاهب منا إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة (^٢).\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على مشروعية التأخير في صلاة العشاء عن أول وقتها، لكن هذا مقيد بما دل عليه حديث جابر ﵁ وهو أنه ﷺ كان يراعي الجماعة، فإن رآهم اجتمعوا عجل لئلا يشق عليهم الانتظار، وإذا رآهم أبطؤوا أخر؛ لأن تأخيرها أحب إليه، وهذا يدل على حسن رعاية النبي ﷺ لأمته واجتنابه ما يشق عليهم.\nفعلى الإمام أن يتحرى ما تحراه النبي ﷺ، ففي العشاء إن رآهم حضروا عجل الصلاة، وإن رآهم تأخروا أخر الصلاة، أما بقية الصلوات فينبغي أن يكون لها وقت محدد واضح يعرفه الناس حتى يحضروا، تأسيًا بالنبي ﷺ في ذلك، فالمغرب يبادر بها ولا ينتظر إلا بمقدار الوضوء، والعصر يصليها في أول وقتها، وهكذا الظهر والفجر يصليهما في أول وقتهما، ويعطي الناس فرصة الحضور والاجتماع.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على كراهة النوم قبل صلاة العشاء لأنه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٥٠)، ومسلم (٦٢١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٥١)، ومسلم (١٩٣) (٦٢١).","vol":"2","page":179},{"text":"وسيلة إلى إضاعتها في الوقت أو إضاعتها في الجماعة؛ لأن الإنسان إذا غلبه النوم فقد يصعب عليه القيام لها وحضور الجماعة.\n\nالوجه السابع: الحديث دليل على كراهة السهر والتحدث بعد صلاة العشاء، لئلا يشق عليه الاستيقاظ لصلاة الليل أو صلاة الفجر، والمراد بالتحدث هنا: التحدث في أمر مباح؛ لأن المحرم لا اختصاص لكراهته بما بعد صلاة العشاء، بل هو حرام في الأوقات كلها.\nوبهذا يعلم أن السهر في المستراحات أو غيرها عند آلات اللهو والطرب أو في مجالس الفسق والعصيان من قمار وشرب مسكر ونحو ذلك مما اخترعته لنا قوى الشر العالمية وأمدت به أمة الإسلام، أقول: لا شك في تحريم السهر عند ذلك؛ لأن من يسهر على هذه الصفة فقد لا يصلي الفجر مع المسلمين، وقد لا يصلي إلا بعد خروج الوقت، وهذا واقع، نسأل الله العافية.\nوالسهر له آثار سيئة من أهمها التخلف عن صلاة الفجر، أو إخراجها عن وقتها، وتفويت قيام الليل، والنوم في النهار ساعات طويلة، وفي ذلك من المفاسد ما لا يخفى على من نوَّر الله بصيرته.\nأما السهر في طلب علم أو لقدوم ضيف أو محادثة أهل أو لمصلحة تتعلق بالمسلمين كهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو رجال الأمن، فهذا يجوز، وقد ورد ما يدل على ذلك، لكن بشرط ألا يكثر السهر فيؤدي إلى التخلف عن صلاة الفجر.\n\nالوجه الثامن: الحديث دليل على مشروعية المبادرة بصلاة الفجر في أول وقتها؛ لأن الرسول ﷺ كان يصليها بغلس قبل أن ينتشر ضياء النهار، وينصرف منها حين يميز الرجل جليسه الذي بجانبه فقط، والمسجد حينذاك لم يكن فيه مصابيح، مع أنه ﷺ كان يطيل القراءة فيها، حيث يقرأ بستين آية إلى مائة آية في غالب أحواله ﷺ.\n\nالوجه التاسع: الحديث دليل على مشروعية تطويل القراءة في صلاة","vol":"2","page":180},{"text":"الفجر، ولعل من حكمة ذلك أنها صلاة خفيفة فهي ركعتان، فناسب إطالة القراءة فيها، ولأن الناس عندهم نشاط ورغبة في سماع القرآن؛ لأنهم بعد النوم وراحة الليل، فيحصل لهم من طول القراءة وطول التسبيح والدعاء ما فيه الخير والبركة، والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":181},{"text":"<span data-type='title' id=toc-140>حكم تعجيل المغرب في أول وقتها</span>\n١٥٧/ ٧ - وعَنْ رَافِع بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي المَغْرِبَ مَعَ النبيِّ ﷺ فَيَنْصَرفُ أَحَدُنَا وَإنَّه لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو أبو عبد الله أو أبو خديج رافع بن خَديج - بفتح الخاء المعجمة - الأنصاري الأوسي ﵁، لم يشهد بدرًا لصغره، وشهد أحدًا والخندق وأكثر المشاهد، أصابه سهم يوم أحد في ثَنْدُؤَتِهِ فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، انزع السهم قال: «يا رافع إن شئت نزعت السهم والقُطْبة (^١) جميعًا، وان شئت نزعت السهم وتركت القطبة، وشهدت لك يوم القيامة أنك شهيد»، قال: يا رسول الله، بل انزع السهم واترك القطبة، واشهد لي يوم القيامة أني شهيد، قال: فنزع رسول الله ﷺ السهم وترك القطبة (^٢).\nوقد انتقضت جراحته ﵁ بعد ذلك، ومات سنة ثلاث وسبعين (^٣). قال الذهبي: (كان صحراويًا عالمًا بالمزارعة والمساقاة) (^٤).\n_________\n(^١) القطبة: بوزن غرفة هي نصل السهم: وهو طرفه الذي يرمى به، والثندؤة: بوزن ترقوة، هي للرجل كالثدي للمرأة.\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٢/ ٢٣٥) قال الهيثمي (٩/ ٣٤٥) بعد أن عزاه للطبراني: (وامرأة رافع إن كانت صحابية وإلا فإني لم أعرفها، وبقية رجاله ثقات)، وقد ذكر الحافظ في \"الإصابة\" (١٣/ ٢٤٨) امرأة رافع فقال: (أم عبد الحميد امرأة رافع بن خديج، ذكرها الباوَردي في الصحابة …).\n(^٣) \"الاستيعاب\" (٣/ ٢٤٣)، \"الإصابة\" (٣/ ٢٣٦).\n(^٤) \"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ١٨٢).","vol":"2","page":182},{"text":"قلت: ولهذا روى أحاديث كثيرة في المزارعة (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في باب (وقت المغرب) (٥٥٩) ومسلم (٦٣٧) من طريق الأوزاعي قال: حدثنا أبو النجاشي - هو عطاء بن صهيب مولى رافع بن خديج - قال: سمعت رافع بن خديج ﵁ يقول: فذكره.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (وإنه ليبصر مواقع نبله) النبل: بفتح النون وسكون الباء الموحدة هي السهام العربية، وهي مؤنثة، لا مفرد لها من لفظها.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية تعجيل صلاة المغرب في أول وقتها وعلى تقصير القراءة فيها، بحيث ينصرف منها والضوء باقٍ، حتى إن الصحابة ﵃ ينصرفون منها ويرمي الواحد منهم النبل عن قوسه ويبصر موقعه؛ لبقاء الضوء، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المسند\" (٢٥/ ١٢١).","vol":"2","page":183},{"text":"<span data-type='title' id=toc-141>حكم تأخير صلاة العشاء عن أول وقتها</span>\n١٥٨/ ٨ - وعَنْ عَائشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلةٍ بِالْعِشَاءِ، حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، ثمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى، وَقَالَ: «إنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي». رَوَاهُ مُسْلمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في باب (وقت العشاء وتأخيرها) (٦٣٨) (٢١٩) من طريق ابن جريج قال: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر أنها أخبرته عن عائشة ﵂ قالت: أعتم النبي ﷺ … إلخ.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أعتم بالعشاء) أي: أخر صلاة العشاء حتى اشتدت عتمة الليل وهي ظلمته، يقال: أعتم: دخل في العتمة، وهي من الليل بعد غيبوبة الشفق إلى آخر الثلث الأول.\n\nقوله: (حتى ذهب عامة الليل) أي كثير الليل لا أكثره؛ لأنه إن حمل على الأكثر زاد على النصف، وهو معارض لما تقدم من أن صلاة العشاء ما لم ينتصف الليل، فيكون هذا قرينة على أن المراد كثير الليل.\n\nقوله: (إنه لوقتها) أي: وقتها الفاضل لولا المشقة على الأمة.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب تأخير صلاة العشاء إلى عامة الليل، والمراد به آخر الثلث الأول، وقد ورد في حديث ابن عباس ﵄ أن عمر ﵁ قال: (يا رسول الله رقد النساء والصبيان)، وهذا مقيَّد بما إذا لم","vol":"2","page":184},{"text":"يشق على الناس لقوله: «إنه لَوَقْتُها لولا أن أشق على أمتي».\nوفي حديث ابن عباس المذكور: «لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بهذه الصلاة هذه الساعة» (^١)، لكن إن كان الجماعة في مكان واحد كأن يكونوا في البر - مثلًا - فالتأخير أفضل، وكذا حكم النساء في بيوتهن.\nوفي هذا الحديث دليل على أنه لم يكن من شأن النبي ﷺ تأخيرها، والفيصل في ذلك ما تقدم في حديث جابر ﵁، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٣٩)، ومسلم (٦٤٢).","vol":"2","page":185},{"text":"<span data-type='title' id=toc-142>حكم الإبراد بصلاة الظهر</span>\n١٥٩/ ٩ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «مواقيت الصلاة» باب «الإبراد بالظهر في شدة الحر» (٥٣٦)، ومسلم (٦١٥) من طريق الزهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا اشتد الحر) أي: قوي، والحر: وهج الشمس في أيام القيظ.\n\nقوله: (فأبردوا بالصلاة) أي: أخِّروها حتى يبرد الحر، والمراد بالصلاة: صلاة الظهر، وتكون (أل) للعهد؛ لأنها الصلاة التي يشتد الحر غالبًا في أول وقتها، وقد ورد ذلك صريحًا في حديث أبي سعيد ﵁: «أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم» (^١).\nوالحكمة من ذلك: لأجل أن تؤدى الصلاة براحة وخشوع، والتعجيل في شدة الحر مشقة تسلب الخشوع أو كماله.\nوالأمر بالإبراد: أمر ندب واستحباب، لا أمر حتم وإيجاب، وهذا مما\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٣٨).","vol":"2","page":186},{"text":"لا اختلاف فيه بين العلماء؛ ذكر ذلك الحافظ ابن رجب (^١) ويرى أن الصارف عن الإيجاب هو الإجماع، وحديث عمرو بن عبسة ﵁: (فإذا أقبل الفيء فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلى العصر) (^٢)، ومثله حديث أبي هريرة ﵁ (^٣)، فإن فيهما التصريح بأن الصلاة بعد الزوال مشهودة محضورة متقبَّلة، ولم يفرق بين فرض ونفل.\n\nقوله: (فإن شدة الحر من فيح جهنم) جملة تعليلية لمشروعية التأخير المذكور، وقوله: (من فيح جهنم) أي: من وَهَجِ حرها وسعة انتشارها وتنفُّسها، قال أهل اللغة: (فاحت النار فيحًا: انتشرت) (^٤).\nوجهنم: من أسماء النار، وهو غير مصروف للعلمية والتأنيث.\nوظاهر الحديث أن مثار وهج الحر في الأرض من فيح جهنم حقيقة، وهذا هو الصواب، ويؤيده حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضًا، فأذِنَ لها بنفَسَيْن: نَفَسٍ في الشتاء، ونَفَسٍ في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير» (^٥).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب الإبراد بصلاة الظهر أيام الحر، وذلك بأن تؤخر عن أول وقتها إلى أن يبرد الحر، وتنكسر قوته ويتيسر شيء من الظل، لتؤدى الصلاة في راحة وطمأنينة وخشوع.\n\nالوجه الرابع: ظاهر الحديث أن الإبراد بالظهر عام لكل مصلٍّ، سواء أكان منفردًا أم في جماعة، حتى النساء في بيوتهن؛ لأن الحديث جاء مطلقًا غير مقيد، والخطاب للجميع، وليس لأحد أن يقيد ما أطلقه الله ورسوله، ولهذا ترجم البخاري على حديث أبي هريرة وغيره ترجمة مطلقة فقال: (باب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٤٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٨٣٢).\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة (١٢٧٥)، وابن حبان (١٥٥٠).\n(^٤) \"المصباح المنير\" ص (٤٨٥).\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٣٧)، ومسلم (٦١٥) (٦١٧).","vol":"2","page":187},{"text":"الإبراد بالظهر في شدة الحر) (^١).\nوهذا قول كثير من أهل العلم، فذكر بعض المالكية أنه مذهب الإمام مالك، وذكر ابن قدامة أنه ظاهر كلام الإمام أحمد، ورجحه فقال: (والأخذ بظاهر الخبر أولى) (^٢)، وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق ورجحه (^٣)، وكذا حكاه الترمذي عن أحمد وابن المبارك وإسحاق، ورجحه، وبه قال بعض الشافعية، وأصحاب الرأي (^٤).\nورجحه - أيضًا - الشوكاني قال: (والحق عدم الفرق؛ لأن التأذي بالحر الذي يتسبب عنه ذهاب الخشوع يستوي فيه المنفرد وغيره) (^٥).\nوالقول الثاني أن الإبراد مختص بأهل البلاد الحارة، كالحجاز لمن يصلي في جماعة في مسجد يقصده الناس من بُعْدٍ ويمشون إليه في الشمس، أما من صلّى منفردًا فإنه يعجِّلها في أول وقتها، وهذا هو المنصوص عن الشافعي (^٦)، وبه قال طائفة من المالكية (^٧)، ونُقِلَ عن الشافعي أن الإبراد له شروط أربعة:\n١ - أن يكون في بلد حار.\n٢ - أن تصلى جماعة.\n٣ - أن يقصد الناس الجماعة من بُعْد، فلو كانوا مجتمعين في موضع صلوا في أول الوقت.\n٤ - ألا يجدوا كِنًَّا يمشون تحته يقيهم (^٨).\nولعل الشافعي استنبط هذه الشروط من الحديث، وجعل ذلك تخصيصًا للنص بالمعنى.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٥).\n(^٢) \"الاستذكار\" (١/ ٣٤٦)، \"المغني\" (٢/ ٣٧).\n(^٣) \"الأوسط\" (٢/ ٣٦٠، ٣٦١).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (١/ ٢٩٦).\n(^٥) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣٥٥).\n(^٦) \"الأم\" (١/ ٩١).\n(^٧) \"الاستذكار\" (١/ ٣٤٦ - ٣٤٧).\n(^٨) \"طرح التثريب\" (٢/ ١٥١).","vol":"2","page":188},{"text":"والظاهر أن سبب الخلاف مبني على معرفة المعنى الذي لأجله أُمر بالإبراد، فمن قال: لأجل حصول الخشوع في الصلاة، قال: لا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة، وهذا هو الأظهر، وأما من قال: خشية المشقة على من بَعُدَ عن المسجد بمشيه في الحر قال: يختص الإبراد بمن يصلي في المسجد الذي يُقصد من بُعْد (^١)، وما قاله الشافعي وجيه، لكن الأخذ بعموم الحديث أولى.\n\nالوجه الخامس: ظاهر هذا الحديث يعارض حديث جابر ﵁ - وما في معناه - وفيه (كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة)، وهي شدة الحر عند منتصف النهار بعد الزوال؛ لأن قوله (كان يفعل) يشعر بالكثرة والدوام - كما تقدم - وأجيب عن ذلك بأجوبة، لعل من أظهرها أن النبي ﷺ كان يصليها أولًا بالهاجرة ثم أمر بالإبراد بعد ذلك، وهذا جواب الإمام أحمد، فإنه قال: (هذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ) (^٢)، ويدل لذلك حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنا نصلي مع نبي الله ﷺ صلاة الظهر بالهاجرة، فقال لنا رسول الله ﷺ: «أبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم» (^٣).\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على أن النار موجودة الآن، وأهل السُّنة متفقون على وجود الجنة والنار، وأنهما مخلوقتان الآن، ولم يزل أهل السنة على ذلك ولله الحمد، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية فأنكرت ذلك، وزعموا أن الله تعالى يخلقهما يوم القيامة، وهذا الحديث وما في معناه\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٤/ ٢٤٠).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٤/ ٢٤٣).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٦٨٠)، وأحمد (٣٠/ ١٢٢)، وابن حبان (١٥٠٥)، وفيه شريك بن عبد الله النخعي، وهو سيئ الحفظ، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين، والظاهر أن شريكًا قد حفظ الحديث، فإنه وافق غيره من الرواة ولم ينفرد بشيء، قال البوصيري (١/ ١٤٨): (إسناده صحيح ورجاله ثقات). وقد نقل البيهقي في سننه (١/ ٤٣٩) عن الترمذي قوله: (سألت محمدًا -يعني البخاري- عن هذا الحديث فعده محفوظًا، وقال: رواه غير شريك، عن بيان، عن قيس، عن المغيرة).","vol":"2","page":189},{"text":"رد صريح عليهم، وقد أورد البخاري في «صحيحه» حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد وغيرهما في كتاب «بدء الخلق» وبوب على ذلك بقوله: باب «صفة النار وأنها مخلوقة»، وقال الحافظ ابن حجر: (وهذه الأحاديث من أقوى الأدلة على ما ذهب إليه الجمهور من أن جهنم موجودة الآن) (^١)، أعاذنا الله تعالى منها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٣٣).","vol":"2","page":190},{"text":"<span data-type='title' id=toc-143>استحباب الإصباح والإسفار بصلاة الفجر</span>\n١٦٠/ ١٠ - وعَنِ رَافِع بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «أَصْبِحُوا بِالصُّبْحِ فَإنَّهُ أَعْظَمُ لأُجُورِكمْ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (٤٢٤) في كتاب «الصلاة» بابٌ «في وقت الصبح»، والترمذي (١٥٤)، والنسائي (١/ ٢٧٢)، وابن ماجه (٦٧١)، وأحمد (٢٥/ ١٣٢)، وابن حبان (١٤٩٠ - ١٤٩١) كلهم من طريق عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج ﵁ مرفوعًا.\nوالذي رواه عن عاصم عند هؤلاء هو محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد عنعنه، لكنه لم يتفرد به، بل تابعه عند بعضهم محمد بن عجلان - وهو حسن الحديث - فرواه عن عاصم، وقد جمع بينهما في «المسند» (٢٥/ ١٣٢)، وباقي رجال الإسناد رجال الشيخين، إلا محمود بن لبيد فهو صحابي، قد أخرج له مسلم في «صحيحه» والبخاري في «الأدب المفرد»، قال عنه الحافظ في «التقريب»: (صحابي صغير، جُلُّ روايته عن الصحابة، مات سنة ست وتسعين).\nوقد صحح الحديث الترمذي وابن حبان - كما ذكرالحافظ - وصححه - أيضًا - ابن القطان (^١)، وابن عبد الهادي (^٢)، والزيلعي (^٣)، وابن تيمية (^٤).\n_________\n(^١) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٣٣٤).\n(^٢) \"التنقيح\" (١/ ٦٥٥).\n(^٣) \"نصب الراية\" (١/ ٢٣٨).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٩٧).","vol":"2","page":191},{"text":"قال الحافظ: (صححه غير واحد) (^١).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أصبحوا بالصبح) هذا لفظ أبي داود وابن ماجه ورواية عند ابن حبان، وعند الترمذي والنسائي وابن حبان: «أسفروا بالفجر» و«أسفروا بصلاة الصبح»، والمراد بالصبح: الصلاة، والإصباح: الدخول في الصبح، يقال: أصبح الرجل: إذا دخل في الصبح، والمعنى: أدخلوا الصلاة في وقت الصبح يقينًا، ولا تكتفوا بمجرد ظن الصبح، ويؤيد ذلك رواية: «أسفروا بالفجر» وهي رواية بالمعنى.\n\nقوله: (فإنه أعظم لأجوركم) تعليل لما قبله، وهو أن التيقن من الإسفار أعظم للأجر؛ لأن الصلاة إذا أُدِّيت بيقين كان أعظم للأجر من أن تصلى على غير يقين من طلوع الفجر، وهذا أحد معاني الحديث (^٢).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب الإصباح والإسفار بالفجر، وقد اختلف العلماء في المراد بهذا الحديث وكيفيه العمل به على ثلاثة أقوال:\nالأول: أن المراد به أن يتبين الفجر ويظهر، ويُتحقق طلوعه، فلا يصلي مع غلبة الظن، وقد حكى الترمذي ذلك عن الشافعي وأحمد وإسحاق، فقال: (معنى الإسفار: أن يَضِحَ الفجر، فلا يُشكُّ فيه، ولم يروا أن معنى الإسفار تأخير الصلاة) (^٣).\nوحمل ابن حبان الحديث على الإسفار بالصبح في الليالي المقمرة التي لا يتبين فيها طلوع الفجر (^٤).\nواستدل هؤلاء بأن النبي ﷺ كان يصلي إذا انشق الفجر - كما في حديث أبي موسى - وفي حديث جابر كان يصليها بغلس، وهذه الأحاديث\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٥).\n(^٢) \"صحيح ابن حبان\" (٤/ ٣٥٩).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١/ ٢٦١).\n(^٤) \"صحيح ابن حبان\" (٤/ ٣٥٨).","vol":"2","page":192},{"text":"أصح وأثبت من حديث رافع، فإنه وإن كان صحيحًا لكنها أثبت منه، وهي مشهورة مستفيضة، والتغليس فِعْلُهُ ﷺ حتى مات، وكذا فعل الخلفاء الراشدين بعده وجماعة من الصحابة والتابعين، كما حكى ذلك الحازمي (^١).\nوقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: (إن هذا تتفق به معاني أحاديث النبي ﷺ) (^٢)؛ واختاره - أيضًا - الشيخ عبد العزيز بن باز.\nوعليه فتكون الأدلة المتقدمة، التي تفيد استمرار النبي ﷺ على الصلاة بغلس قرينة على أن المراد بـ «أصبحوا بالصبح» غير ظاهره، وأن المراد تحقق الصبح لا حقيقة الإسفار.\nومما يؤيد ذلك قول ابن مسعود ﵁: (ما رأيت النبي ﷺ صلّى صلاة لغير ميقاتها، إلا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء، وصلّى الفجر قبل ميقاتها) (^٣).\nويعني ابن مسعود صلاة الفجر بمزدلفة، كما في رواية أخرى، ومراده ﵁ أنه ﷺ كان يؤخر الفجر عن أول طلوع الفجر حتى يتبين وينكشف ويظهر، إلا ذلك اليوم فإنه عجلها ودخل فيها مع طلوع الفجر من غير تأخير، ليتسع وقت الوقوف بالمشعر الحرام، وليس المراد أنه صلاها قبل دخول وقتها، لحديث جابر ﵁: (فصلى الفجر حين تبين له الصبح) (^٤)، وذلك أن الناس كانوا بمزدلفة مجتمعين، والفجر نصب أعينهم فبادر بالصلاة أول ما بزغ، وقد جاء في حديث ابن مسعود ﵁ من طريق اخر: (ثم صلّى الفجر حين طلع الفجر، قائل يقول: طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع) (^٥).\nالقول الثاني: أن المراد بالحديث تطويل القراءة في الفجر حتى يخرج منها مسفرًا، وهذا قول الطحاوي (^٦) وابن القيم (^٧)، وبعض الحنابلة، كما ذكر\n_________\n(^١) \"الاعتبار\" (٢٠١).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٩٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٦٨٢).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٢١٨).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٦٨٣).\n(^٦) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٨١).\n(^٧) \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٣٨٣).","vol":"2","page":193},{"text":"ابن تيمية، قالوا: لأن الحديث ورد بلفظ: «أسفروا بالفجر»، ولأن النبي ﷺ كان يقرأ بالستين إلى المائة - كما تقدم - وهي مدة كافية في الدخول بالغلس والخروج بالإسفار، فيكون قوله ﷺ موافقًا لفعله لا مناقضًا له.\nوهذا القول تبدو وجاهته، لكن يؤثر عليه حديث عائشة ﵂: (أن النساء كن يشهدن صلاة الفجر مع النبي ﷺ متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن لا يعرفهن أحد من الغلس) (^١)، ولو قرأ الرسول ﷺ بالسور الطوال ما انصرف إلا وهم قد أسفروا ودخلوا في الإسفار جدًا، فهذا يفيد أنه كان يصليها في أول وقتها ويخرج منها مغلسًا لا مسفرًا.\nوالقول الثالث: أن المراد به تأخير الصلاة حتى يزول الغلس ويحصل الإسفار، وهو قول الحنفية، والذي يستفاد من كلام صاحب «تحفة الأحوذي» أن بعضهم يقول بالتغليس، كما نقله عن السرخسي منهم (^٢)، ومؤدى هذا القول أن حديث رافع ناسخ للصلاة في الغلس.\nوهذا القول أضعف الأقوال؛ لأن حديث رافع حديث محتمل، وهو معارض بما هو أقوى منه، وهي الأحاديث القولية والفعلية الدالة على المبادرة بالفجر وأنها تصلى بغلس.\nيقول الترمذي عن التغليس: (هو الذي اختاره غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو بكر، وعمر، ومن بعدهم من التابعين ..) (^٣).\nوفي كتاب «الرسالة» للشافعي مناقشة علمية حول معنى هذا الحديث والعمل به، فراجعها (^٤).\nيقول ابن تيمية: (التغليس أفضل من الإسفار، إذا لم يكن ثَمَّ سبب يقتضي التأخير، فإن الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي ﷺ تبين أنه كان يغلس بصلاة الفجر) (^٥). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٨)، ومسلم (٦٤٥).\n(^٢) \"التحفة\" (١/ ٤٨٢ - ٤٨٣).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١/ ٢٨٩).\n(^٤) \"الرسالة\" ص (٢٨٢).\n(^٥) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٩٥).","vol":"2","page":194},{"text":"<span data-type='title' id=toc-144>بم تدرك الصلاة في الوقت</span>؟\n١٦١/ ١١ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشمسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n١٦٢/ ١٢ - وَلمُسْلمٍ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ، وَقَالَ: «سَجْدَةً» بَدَلَ «رَكْعَةً». ثُمَّ قَالَ: وَالسَّجْدةُ إنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي هريرة ﵁: فقد أخرجه البخاري في كتاب «مواقيت الصلاة» باب «من أدرك من الفجر ركعة» (٥٧٩)، ومسلم (٦٠٨) من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار؛ وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج يحدثونه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وضمير النصب في قوله: (يحدثونه) يعود على زيد بن أسلم.\nأما حديث عائشة ﵂: فقد أخرجه مسلم في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة» (٦٠٩) من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أنَّ عروة بن الزبير حدثه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس أو من الصبح قبل أن تطلع فقد أدركها، والسجدة إنما هي الركعة».\nوالظاهر أن الحافظ أورد هذا القدر من حديث عائشة لأمرين:\nالأول: لتفسير السجدة الواردة فيه بالركعة الواردة في حديث أبي هريرة قبله.","vol":"2","page":195},{"text":"الثاني: الرد على من ظن أن من أدرك السجدة الأولى من الركعة فقد أدرك الوقت؛ لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضًا، والله أعلم.\nوهذا التفسير إن كان من كلامه ﷺ فلا إشكال، وإن كان من كلام الراوي فهو أعرف بما روى، والأحاديث الأخرى تدل على ذلك.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (من أدرك من العصر سجدة) أي: ركعة، كما جاء مفسرًا فالسجدة تطلق ويراد بها الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إنما يكون تمامها بسجودها، فسميت على هذا المعنى سجدة، قاله الخطابي (^١).\nوقد ورد في نصوص الشرع هذا الإطلاق، ففي حديث ابن عمر ﵄ (صليت مع النبي ﷺ سجدتين قبل الظهر … الحديث)، وقال: (حدثتني حفصة أن النبي ﷺ كان يصلي سجدتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر) (^٢).\n\nالوجه الثالث: في الحديثين دليل على أن صلاة الصبح تدرك بإدراك ركعة من وقتها قبل أن تطلع الشمس، وأن العصر تدرك بإدراك ركعة من وقتها قبل أن تغرب الشمس، وتكون الصلاة أداء، وهذا من فضل الله تعالى، ويدل لذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (^٣).\nفهذا نص عام في جميع صور إدراك ركعة من الصلاة، سواء أكان إدراك جماعة أم إدراك وقت (^٤).\nوعنه - أيضًا - ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من\n_________\n(^١) \"أعلام الحديث\" (١/ ٤٣٨).\n(^٢) أخرجهما البخاري (١١٧٢، ١١٧٣)، ومسلم (٧٢٩) (٧٢٣) إلا أن لفظ مسلم في الثاني (ركعتين).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٨٠)، ومسلم (٦٠٧).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٢٣/ ٢٥٧).","vol":"2","page":196},{"text":"صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته» (^١).\nومفهوم الحديث أن من أدرك أقل من ركعة ثم طلعت عليه الشمس أو غربت أنه لا يكون مدركًا للوقت، وهذا قول الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢).\nوالقول الثاني: أن إدراك الوقت يحصل بإدراك تكبيرة الإحرام، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد (^٣)؛ لأن من أدرك تكبيرة الإحرام أدرك جزءًا من الوقت، وإدراك الجزء كإدراك الكل؛ لأن الصلاة لا تتبعض.\nوالقول الأول أرجح؛ لأن الحديث نص صريح فيه منطوقًا ومفهومًا، ولا يعرف في نصوص الشرع تعليق الإدراك بأقلَّ من ركعة، سواء أكان إدراك الوقت أم إدراك الجماعة، كما تقدم.\n\nالوجه الرابع: هذا الحديث فيه بيان أن المراد بقوله ﷺ في حديث ابن عمرو المتقدم: «ووقت العصر ما لم تصفر الشمس»، أن المراد بذلك وقت الاختيار، لا أنه اخر وقت العصر، إذ لو كان اخر وقت العصر هو الاصفرار لم يكن من صلّى ركعة قبل الغروب مدركًا لها، فيستفاد من هذين الحديثين أن هذه الصلاة لها وقتان: وقت اختيار ووقت ضرورة، وبهذا تجتمع الأحاديث ولا تتعارض (^٤)، وقد تقدم ذلك، والحمد لله.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٥٦).\n(^٢) \"المهذب\" (١/ ٨٠)، \"المغني\" (٢/ ١٧)، \"الفتاوى\" (٢٣/ ٢٥٦، ٢٥٧).\n(^٣) \"الإنصاف\" (١/ ٤٣٩).\n(^٤) انظر: \"التمهيد\" (٣/ ٢٧٣).","vol":"2","page":197},{"text":"<span data-type='title' id=toc-145>بيان شيء من أوقات النهي عن الصلاة</span>\n١٦٣/ ١٣ - وعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَلَفْظُ مُسْلمٍ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ».\nمناسبة ذكر أحاديث أوقات النهي في باب المواقيت واضحة، فإن المؤلف لما ذكر الأوقات المأمور بالصلاة فيها ذكر الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، ليجمع بين الشيء ومقابله، أو ليبين أن في النوافل ما ليس له وقت محدد، كالنفل المطلق، فيصلى في كل وقت ما عدا أوقات النهي، بخلاف الفرائض فإن لها أوقاتًا محددة، وكذا ما يتبعها من النوافل القبلية أو البعدية.\nوالكلام على هذا الحديث من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «مواقيت الصلاة» باب «لا يتحرى بالصلاة قبل غروب الشمس» (٥٨٥)، وجاء في هذا الموضع «حتى ترتفع» بدل «حتى تطلع» وبينهما فرق، كما سيأتي - إن شاء الله ـ، لكن وقع هذا اللفظ في مواضع أُخر (٣/ ٧٠) (٤/ ٢٤٠ - ٢٤١ فتح الباري).\nوأخرجه مسلم (٨٢٧) كلاهما من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني عطاء بن يزيد الجُنْدَعي أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد","vol":"2","page":198},{"text":"صلاة الفجر حتى تطلع الشمس»، وهذا لفظ مسلم، وأما لفظ البخاري فهو ما ذكره المصنف، وبهذا يتضح الفرق بينهما في السياق.\nوغرض الحافظ من إيراد لفظ مسلم بيان أن رواية البخاري محمولة على رواية مسلم؛ لأنها مفسرة لها، حيث بينت أن النهي متعلق بالصلاة لا بطلوع الصبح، وكذا العصر، وقد اقتصر صاحب «عمدة الأحكام» على لفظ الصحيحين، ولم يورد رواية مسلم (^١)، ولو ذكرها أو اقتصر عليها لكان أولى.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا صلاة) هذا نفي، والنفي قد يكون نفيًا للوجود، مثل: لا خالق إلا الله، وقد يكون نفيًا للصحة، مثل: لا صلاة بغير طهارة، وقد يكون نفيًا للكمال، مثل لا صلاة بحضرة طعام - على أحد القولين ـ، لا إيمان لمن لا أمانة له. والنفي في حديث الباب ليس نفيًا للوجود؛ لأنه قد توجد صلاة في هذين الوقتين، وليس نفيًا للكمال؛ لأن الأصل في نفي الشرع أن يكون لنفي الصحة لا لنفي الكمال إلا بدليل، ونفي الصحة نفي للوجود الشرعي في الواقع، فيكون قوله: «لا صلاة» نفيًا للصلاة الشرعية، لا نفيًا للفعل الحسي، ويكون النفي بمعنى النهي، أي: لا تصلوا فمن فعل فصلاته باطلة، وإنما عبر بالنفي لأنه أبلغ من النهي؛ لأن فيه تقريرًا وتأكيدًا لاجتنابه، كأنه أمر لا يمكن أن يكون، وأما النهي فلا يعطي هذا المعنى.\n\nقوله: (بعد الصبح) بينت رواية مسلم التي ذكر الحافظ أن المراد بعد صلاة الصبح، وأما قبل الصلاة فليس بوقت نهي، لكن لا يشرع فيه سوى ركعتي الفجر، على أحد القولين، كما سيأتي إن شاء الله.\n\nقوله: (حتى تطلع الشمس) في لفظ عند مسلم: «حتى تشرق الشمس» بضم التاء وفتحها، وظاهرهما أن طلوع الشمس وإشراقها غاية النهي، وليس هذا مرادًا، بل المراد بطلوعها: ارتفاعها ونقاؤها لا مجرد ظهور قرصها، وقد جاء حديث أبي سعيد بلفظ: «حتى ترتفع الشمس» عند البخاري، كما جاء\n_________\n(^١) \"عمدة الأحكام\" ص (٥٧).","vol":"2","page":199},{"text":"عنده «تطلع» كما تقدم، ولو ذكر الحافظ لفظ «ترتفع» كما فعل صاحب «العمدة» لكان أولى؛ لأنه أدل على المراد، فإنه مدَّ وقت النهي إلى ارتفاع الشمس الذي تزول عنده صفرتها أو حمرتها.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر يمتد حتى تطلع الشمس وترتفع، وهذا قول الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة وأكثر الشافعية (^١)، ولهم أدلة أخرى منها حديث عقبة ﵁ الاتي إن شاء الله.\nوقال بعض الشافعية: إن النهي يزول إذا طلع قرص الشمس بكماله ولو لم ترتفع، أخذًا بالأحاديث التي جعلت غاية النهي فيها طلوع الشمس (^٢).\nوالصحيح الأول؛ لأن أحاديث الارتفاع أدل على المراد، وأوضح في المقصود، وفيها زيادة علم على ما في الأحاديث الأخرى، فيجب العمل بها.\nلكن ما مقدار الارتفاع؟ ورد في حديث أبي أمامة ﵁: «حتى ترتفع قِيْدَ رمح» (^٣).\nوالرمح: قدر متر تقريبًا في رأي العين، ويقدر الارتفاع بحوالي ثنتي عشر دقيقة، والاحتياط كونه ربع ساعة.\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ١٩٥)، \"الشرح الصغير\" (١/ ٧٩ - ٩٠)، \"المجموع\" (٤/ ١٦٧)، \"الفروع\" (٢/ ٥٧٤).\n(^٢) \"المجموع\" (٤/ ١٦٧).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٤٢)، ومن طريقه الطبراني في \"الكبير\" (٨/ ٣٤٧) من طريق عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة -﵁-، وإسناده ضعيف لانقطاعه؛ فإن عبد الرحمن بن سابط لم يدرك أبا أمامة.\nوله شاهد من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه؛ وفيه: (لا صلاة حتى تكون الشمس قيد رمح أو رمحين ..)، أخرجه الطبراني في \"الكبير\" وإسناده ضعيف -أيضًا- لأن فيه من لا يعرفون، قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٢٤٣): (أبو سلمة لم يسمع من أبيه، وبقية رجاله حديثهم حسن)، وهذه الأحاديث مع ضعفها يستأنس بها؛ لأن وصف الارتفاع ثابت في الأحاديث الصحيحة كما تقدم.","vol":"2","page":200},{"text":"الوجه الرابع: ورد في السنة تعليل النهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت الغروب بأن الشمس تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وأنه حينئذ يسجد لها الكفار؛ كما في حديث عمرو بن عبسة (^١)، فَنُهِيَ المسلم عن الصلاة في هذين الوقتين ليبتعد عن مشابهة الكفار الذين يسجدون للشمس، وفيه حماية لجانب التوحيد، فيستفاد من ذلك عناية الإسلام بالمنع من التشبه بالكفار، وسدِّ جميع الطرق الموصلة إليه.\nومعلوم أن المسلم لا يقصد السجود إلا لله تعالى، وأكثر الناس قد لا يعلمون أن طلوعها وغروبها بين قرني شيطان، ولا أن الكفار يسجدون لها، لكن نهي عن الصلاة في هذا الوقت حسمًا لمادة المشابهة بكل طريق (^٢).\nثم تأمل كيف بدأ النهي بعد صلاة الصبح وصلاة العصر سدًا للذريعة، فإنه لو أُذن للإنسان أن يصلي بعد الصبح أو العصر لاستمر به الحال إلى أن يصلي حتى مع طلوع الشمس أو مع غروبها؛ فمنع سدًا لطريق المشابهة، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٣٢).\n(^٢) \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (١/ ١٩٤).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٣/ ٢٠٣).","vol":"2","page":201},{"text":"<span data-type='title' id=toc-146>أوقات النهي عن الصلاة ودفن الميت</span>\n١٦٤/ ١٤ - وَلَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَتَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ.\nوَالْحُكْمُ الثَّانِي عَنْدَ «الشَّافِعِيِّ» مِنْ:\n١٦٥/ ١٥ - حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَزَادَ: «إلاَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ».\n١٦٦/ ١٦ - وَكَذَا لأبي دَاوُدَ: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ نَحْوُهُ.\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عقبة بن عامر الجهني، مختلف في كنيته؛ فقيل: أبو حماد، وقيل: أبو عامر، وقيل غير ذلك، كان عالمًا مقرئًا فصيحًا فقيهًا فرضيًا شاعرًا كبير الشأن، وهو أحد من جمع القران، وكان هو البريد إلى عمر ﵁ بفتح دمشق، مات ﵁ في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجها:\nأما حديث عقبة: فقد أخرجه مسلم في باب «الأوقات المنهي عن\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٨/ ١٠٠)، \"السير\" (٢/ ٤٦٨)، \"الإصابة\" (٧/ ٢١).","vol":"2","page":202},{"text":"الصلاة فيها» (٨٣١) من طريق عبد الله بن وهب، عن موسى بن علي، عن أبيه، قال: سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول: (ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيَّف الشمس للغروب حتى تغرب).\nوأما حديث أبي هريرة ﵁: فقد أخرجه الشافعي في «مسنده» (١/ ٥٢ ترتيبه)، ومن طريقه البيهقي (٢/ ٤٦٤)، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٣٢٩)، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: حدثني إسحاق بن عبد الله، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁.\nوهذا سند ضعيف - كما قال الحافظ - لأن إبراهيم بن محمد وهو ابن أبي يحيى الأسلمي كذبه مالك ويحيى القطان وابن معين وغيرهم على ما ذكره ابن عبد الهادي (^١). وقال الحافظ في «التقريب»: (متروك)، وإسحاق وهو ابن أبي فروة متروك - أيضًا - كما في «التقريب».\nوقد ورد الحديث من طرق أخرى كلها ضعيفة، وورد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ من طريق ضعيف أيضًا.\nأما حديث أبي قتادة: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «الصلاة يوم الجمعة قبل الزوال» (١٠٨٣) من طريق حسان بن إبراهيم، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي الخليل، عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: «إن جهنم تُسَجَّرُ إلا يوم الجمعة».\nوهذا إسناد ضعيف - كما قال الحافظ - فيه علتان:\nالأولى: ليث وهو ابن أبي سليم (صدوق) اختلط جدًا، ولم يتميز حديثه فترك، كما في «التقريب».\n_________\n(^١) \"التنقيح\" (١/ ٤٨٦).","vol":"2","page":203},{"text":"الثانية: أن فيه انقطاعًا، فقد قال أبو داود عقبه: (هو مرسل: مجاهد أكبر من أبي الخليل، وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة)، قال صاحب «المنهل العذب المورود»: (لعل مراده بالإرسال الانقطاع، فإن الصحابي مذكور، وقد بين المصنف وجه الإرسال بقوله: أبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة) (^١). ونقل كلام أبي داود البيهقيُّ ثم قال: (وله شواهد، وإن كانت أسانيدها ضعيفة) (^٢)، وقال في «معرفة السنن»: (ورواية أبي هريرة وأبي سعيد في إسنادها من لا يحتج به، ولكنها إذا انضمت الى رواية أبي قتادة أخذت بعض القوة) (^٣).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ثلاث ساعات) جمع ساعة، وهي الجزء من أجزاء الوقت.\n\nقوله: (أن نقبر) الفعل (قبر) من بابي: (قتل وضرب) فيجوز في مضارعه ضم الباء وكسرها، وقبرت الميت: دفنته.\n\nقوله: (حين تطلع الشمس بازغة) قال أهل اللغة: بزغت الشمس: طلعت، فهي بازغة (^٤)، وعلى هذا فالظاهر أن (بازغة) حال مؤكدة لعاملها، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩].\n\nقوله: (وحين يقوم قائم الظهيرة) المراد به: قيام الشمس وقت الزوال، من قولهم: قامت به دابته: وقفت، والشمس إذا بلغت وسْط السماء أبطأت حركة الظل إلى أن تزول، فيتخيل الناظر المتأمل أنها وقفت وهي سائرة.\nوهذا الوقت قصير جدًا لا يكاد يتسع لصلاة، إلا أن تكبيرة الإحرام يمكن إيقاعها فيه، فلا تصح فيه الصلاة، وقد قدره بعض أهل العلم بقراءة الفاتحة (^٥)، وبعضهم بخمس دقائق أو قريب منها.\n\nقوله: (وحين تضيف الشمس للغروب) بفتح التاء الفوقية وفتح الضاد\n_________\n(^١) \"المنهل\" (٦/ ٢٤١).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٩٣).\n(^٣) \"معرفة السنن والآثار\" (٣/ ٤٣٨).\n(^٤) \"المصباح المنير\" ص (٤٨).\n(^٥) \"الدرر السنية\" (٤/ ١٨٩).","vol":"2","page":204},{"text":"المعجمة، وتشديد الياء، أي: تميل للغروب، يقال: تتضيف بتاءين، وتضيف، بحذف إحداهما، وله نظائر كثيرة.\n\nقوله: (والحكم الثاني .. إلخ)، أي: أن الحكم الثاني وهو النهي عن الصلاة وقت الزوال ورد عند الشافعي في «مسنده» باستثناء الجمعة، وتسميته حكمًا فيه تسامح من الحافظ؛ لأن الحكم في الأوقات الثلاثة هو النهي عن الصلاة والدفن، وإنما هذا أحد محلات الحكم، لا أنه حكم.\n\nقوله: (إن جهنم تسجر) تعليل لكراهة الصلاة وقت الزوال و(تسجَّر) بضم التاء وفتح السين وتشديد الجيم مفتوحة، ومعناه: توقد وتحمى، يقال: سجَّرت التنور: أحميته.\nويرى الخطابي أن مثل هذا اللفظ مما ينفرد الشارع بمعناه ويجب علينا التصديق به والوقوف عند الإقرار بصحته والعمل بموجبه.\n\nالوجه الرابع: دلت الأحاديث المتقدمة على أن أوقات النهي ثلاثة بالاختصار، وخمسة بالبسط، وهي:\n١ - من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس وارتفاعها، وبالبسط وقتان: من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، ومن طلوعها إلى ارتفاعها.\n٢ - من صلاة العصر إلى غروب الشمس، وبالبسط وقتان: من صلاة العصر إلى شروعها في الغروب، ومن غروبها إلى أن يتم.\n٣ - إذا قامت الشمس في وسط السماء غير مائلة جهة المشرق ولا جهة المغرب.\nوقد دل على هذه الأوقات القصيرة حديث عقبة، وبهذا تكون السنة قد دلت على جميع الأوقات الخمسة.\n\nالوجه الخامس: في الأحاديث دليل على النهي عن الصلاة في هذه الأوقات وأنها لا تصح، وقد حمل الجمهور ذلك على صلاة النفل المطلق الذي لا سبب له، وأنه لا يصح في هذه الأوقات، أخذًا بالعموم الذي دلت عليه أحاديث النهي.","vol":"2","page":205},{"text":"وقد اختلفوا في جواز الصلوات ذوات الأسباب، كتحية المسجد، وركعتي الوضوء، وصلاة الكسوف، وإعادة الجماعة، وصلاة الجنازة، وقضاء الوتر لمن نسيه أو فاته، وصلاة الاستخارة ونحو ذلك، على قولين:\nالأول: جواز فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي عند وجود أسبابها، وهذا قول الشافعي (^١)، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض الحنابلة، كأبي الخطاب، وابن عقيل، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، وتلميذه ابن القيم (^٣) واستدلوا بما يلي:\n١ - أن حديث «لا صلاة بعد الصبح ..» وما في معناه؛ من العام غير المحفوظ؛ لأنه قد دخله التخصيص بأحاديث أخرى، مثل قضاء الفائتة، لقوله ﷺ: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» (^٤)، وبمثل إعادة الجماعة فيمن دخل مسجدًا فوجد الناس يصلون وهو قد صلى، فإنه يصلي معهم، ولو كان الوقت نهيًا، لحديث يزيد بن الأسود في قصة الرجلين؛ وفيه: «… فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة» وسيأتي إن شاء الله، وبمثل ركعتي الطواف، كما سيأتي - أيضًا - إن شاء الله، وكذا قضاء راتبة الفجر بعدها - على القول بصحة الحديث (^٥) - وغير ذلك مما دلت عليه السنة.\nومثل حديث تحية المسجد فإنه عام في جميع الأوقات، محفوظ لم يدخله التخصيص، وسيأتي الكلام عليه في آخر باب «المساجد» - إن شاء الله - والقاعدة أن العام الذي لم يدخله التخصيص مقدم على العام الذي دخله التخصيص.\n٢ - أن ذوات الأسباب كتحية المسجد - مثلًا - مقرونة بسبب، فلا\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٤/ ١٧٠).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٣/ ٩١ ١)، \"الإنصاف\" (٢/ ٢٠٨).\n(^٣) \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٣٤٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤).\n(^٥) انظر: \"أوقات النهي الخمسة\" للجبرين ص (٣٢٠).","vol":"2","page":206},{"text":"تدخل في أحاديث النهي، كقوله ﷺ: «لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها» (^١)، والذي يصلي لسبب لا يقال: إنه تحرى الصلاة، بخلاف التطوع المطلق الذي لا سبب له.\nالقول الثاني: أنه لا يجوز فعل ذوات الأسباب من النوافل في أوقات النهي مطلقًا، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، وأحمد في المشهور عنه (^٢)، واستدلوا بعموم أحاديث النهي عن الصلاة في هذه الأوقات؛ لأن أحاديث النهي أقوى، فإنها قد بلغت حدّ التواتر، كما جزم بذلك الطحاوي، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما (^٣).\nوالقول الأول أظهر؛ لقوة دليله، يضاف إلى ذلك أن ذوات الأسباب تفوت بفوات أسبابها إذا أخرت عن وقت النهي، ويحرم المصلي ثوابها، بخلاف النوافل المطلقة فإنه إذا منع منها المكلف وقت النهي ففي غيره من الأوقات متسع لفعلها.\nوأما قول أصحاب القول الثاني: إن أحاديث النهي أقوى فهو مسلَّم، لكن دخلها التخصيص، فضعف بذلك الأخذ بعمومها - كما تقدم - والأحاديث العامة التي فيها الندب لفعل بعض النوافل لم يخصصها شيء، فتقدم.\nعلى أن الأحوط ترك الصلاة في أوقات النهي القصيرة، وهي وقت طلوع الشمس وغروبها ووقوفها، وبخاصة الوقتين الأولين، لما تقدم من أنهما وقت سجود الكفار للشمس، وقد ورد عن بعض الصحابة ﵃ ما يدل على ذلك، كما سيأتي بعد هذا الحديث - إن شاء الله تعالى ـ.\n\nالوجه السادس: حديث عقبة بن عامر دليل على النهي عن دفن الميت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٨٥) ومسلم (٨٢٨).\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ٥٣٣)، \"الإنصاف\" (٢/ ٢٠٨)، \"شرح فتح القدير\" (١/ ٢٣١، ٢٣٦)، \"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ١٩٥).\n(^٣) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٠٤، ٣٦٤)، (٢/ ١٨٦)، \"الفتاوى\" (٢٣/ ٢١٨).\n\"نظم المتناثر من الحديث المتواتر\" ص (٦٩).","vol":"2","page":207},{"text":"في هذه الأوقات الثلاثة القصيرة، وخصَّ بعض العلماء النهي بالتعمد، فأما إذا وقع بلا تعمد فيجوز، والحديث مطلق يشمل المتعمد وغيره، فالحق عدم جواز الدفن مطلقًا، بل ينتظر قليلًا حتى يخرج وقت الكراهة (^١).\nوقد ورد في حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تصلوا بعد العصر، إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة» (^٢)، وهو حديث حسن كما قال الحافظ (^٣) إلا قوله: «إلا أن تصلوا …» ففي ثبوتها نظر، لمخالفتها الأحاديث الصحيحة التي تقدمت والتي بلغت حد التواتر، وفيها النهي عن الصلاة بعد العصر مطلقًا. قال البيهقي: (وهذا حديث واحد، وما مضى في النهي عنها ممتد إلى غروب الشمس حديث عدد، فهو أولى أن يكون محفوظًا، وقد روي عن علي ﵁ ما يخالف هذا، وروي ما يوافقه) (^٤).\n\nالوجه السابع: دلَّ حديثا أبي هريرة وأبي قتادة ﵄ على أن وقت الزوال وقت نهي، إلا يوم الجمعة، فيجوز فعل النوافل فيه مطلقًا.\nوهذا قول الشافعي، ووجه في مذهب الحنابلة، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥)، والشيخ عبد العزيز بن باز.\nوالقول الثاني: أن وقت الزوال وقت نهي في جميع الأيام، وهذا قول الإمام أحمد المشهور عنه، وهو مذهب الحنفية، وعزاه الحافظ ابن حجر إلى الجمهور، واستدلوا بعموم النهي، وأن وقت الزوال وقت نهي، فاستوى فيه الجهة وغيرها (^٦).\n_________\n(^١) \"أحكام الجنائز\" للألباني ص (١٣٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٢٧٤) والنسائي (١/ ٢٨٠)، وأحمد (٢/ ٣٢٢) من طرق عن منصور، عن هلال بن يساف، عن وهب بن الأجدع، عن علي -﵁-.\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٦١).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٥٩).\n(^٥) \"الأم\" (١/ ٢٢٦)، \"الفروع\" (١/ ٥٧٢)، \"زاد المعاد\" (١/ ٣٧٨).\n(^٦) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، \"المغني\" (٢/ ٥٣٥)، \"فتح الباري\" (٢/ ٦٣).","vol":"2","page":208},{"text":"والقول الأول أرجح، لما يلي:\nأولًا: أن الأحاديث الواردة في هذا الباب والتي فيها استثناء يوم الجمعة وإن كان فيها المقال المتقدم، لكن باجتماعها يقوي بعضها بعضًا، كما قال البيهقي، ومن بعده الحافظ ابن حجر، والشيخ عبد العزيز بن باز.\nثانيًا: ما ورد في الأحاديث الصحيحة من الحث على التبكير والترغيب في الصلاة إلى خروج الإمام وترتيب الفضل العظيم على ذلك، والغالب أن الإمام لا يخرج إلا بعد الزوال، وهذا يؤدي إلى أن جزءًا من الصلاة سيكون في وقت النهي.\nثالثًا: أن ضبط وقت الزوال يوم الجمعة متعسر؛ لأن الناس يكونون في المساجد تحت السقوف، ولا يشعرون بالزوال، والرجل يكون مقبلًا على صلاته مهتمًا بها لا يدري بوقت الزوال، ومطالبته بالخروج وتخطي رقاب الناس للنظر إلى الزوال فيه من المشقة ما لا تأتي الشريعة بمثله.\nوعلى هذا تكون الأدلة في هذه المسألة مخصصة لعموم أدلة النهي عن الصلاة وقت الزوال، كحديث عقبة وغيره، والله أعلم.","vol":"2","page":209},{"text":"<span data-type='title' id=toc-147>جواز سنة الطواف في جميع الأوقات</span>\n١٦٧/ ١٧ - وعَنْ جُبَيرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أحَدًا طَافَ بهذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أو نَهَارٍ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّان.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو جبير - بضم الجيم - بن مطعم - بضم الميم وسكون الطاء وكسر العين - ابن عدي القرشي النوفلي ﵁، كان عالمًا بأنساب قريش والعرب، وقال: أخذت النسب عن أبي بكر الصديق، وقد أخرج البخاري في «صحيحه» أن جبيرًا قدم على النبي ﷺ في فداء أسارى بدر، فسمعه يقرأ بالطور، قال: فلما بلغ قوله تعالى: ﴿أَمْ هُمُ الْمُسْيطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبه، ثم أسلم بين صلح الحديبية وفتح مكة، ومات سنة ثمان وخمسين (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، باب «الطواف بعد العصر» (١٨٩٤)، والترمذي (٨٦٨)، والنسائي (١/ ٢٨٤)، (٥/ ٢٢٣)، وابن ماجه (١٢٥٤)، وأحمد (٢٧/ ٢٩٧)، وابن حبان (١٥٥٢، ١٥٥٣، ١٥٥٤)، كلهم من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم ﵁.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٢/ ١٣١)، \"الإصابة\" (٢/ ٦٥).","vol":"2","page":210},{"text":"وهذا إسناد صحيح، ورجاله رجال مسلم، قال الترمذي: (حديث حسن صحيح) وأبو الزبير - وهو محمد بن مسلم بن تَدْرُسَ المكيّ - صدوق يدلس - كما قال الحافظ في «التقريب» - وقد صرح بالسماع في رواية النسائي، على أن أبا الزبير كان تدليسه عن جابر ﵁ فقط، وقد قال الحاكم: (أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي ليس التدليس من مذهبهم) (^١).\nوعبد الله بن باباه: ويقال: ابن بابيه، ويقال: ابن بابي، ثقة، كما في «التقريب».\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يا بني عبد مناف) هو عبد مناف بن قُصي، الجد الثالث للنبي ﷺ، وذريته هم أعز بيت في قريش، فقد كانوا رؤساء مكة، وفيهم السِّدانة والحجابة واللواء والسقاية، فلذا - والله أعلم - خصَّهم الرسول ﷺ بالخطاب دون سائر قريش، ولعلمه بأن ولاية الأمر - الخلافة - ستؤول إليهم.\n\nقوله: (وصلى أية ساعة) المراد بذلك صلاة الطواف، ويحتمل أن المراد جميع الصلوات، والأول هو الأظهر، ويؤيده رواية أبي داود: «لا تمنعوا أحدًا يطوف بهذا البيت ويصلي أيَّ ساعة شاء من ليل أو نهار».\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على استثناء صلاة الطواف من النهي عن الصلاة في أوقات النهي، وأنه لا حرج في فعلها لمن طاف بعد العصر أو طاف بعد الصبح، ويلحق بذلك كل ما له سبب من النوافل - كما تقدم - على القول الراجح.\nوهذا قول الأكثرين من أهل العلم، وهو المشهور في مذهب الحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية (^٢)، قالوا: إن المراد بهذا الحديث سُنة الطواف فقط، لا مطلق الصلاة.\nوذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه تجوز جميع الصلاة في مكة في\n_________\n(^١) \"معرفة علوم الحديث\" ص (١١١).\n(^٢) \"المجموع\" (٤/ ١٧٩)، \"الإنصاف\" (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦).","vol":"2","page":211},{"text":"جميع أوقات النهي وأن مكة مستثناة، وهذا هو المشهور في مذهب الشافعية (^١)؛ لأن قوله: (وصلى) لفظ مطلق، فيحمل على عموم الصلاة.\nوالأول أرجح، من باب تقديم عموم أحاديث النهي؛ لأنها أحاديث متواترة وصريحة، فينبغي الاقتصار في الاستدلال على المتيقن، وهو سنة الطواف، وما عداها فالأخذ بالعمومات أقوى، وتكون مكة كغيرها من البلاد في أوقات النهي، ما عدا ركعتي الطواف (^٢).\nعلى أن الأولى أنه إذا كانت ذات السبب مما لا يفوت وقتها، كركعتي الطواف أن لا تصلى في أوقات النهي الثلاثة القصيرة المتقدمة في حديث عقبة، وهي وقت الطلوع، ووقت الزوال، ووقت الغروب، لما ثبت عن بعض الصحابة ﵃ أنهم أخروا ركعتي الطواف وقت الطلوع ووقت الغروب إلى ما بعد خروجهما، كابن عمر، والمسور بن مخرمة، ومعاذ بن عفراء، ذكر ذلك عنهم ابن أبي شيبة (^٣).\nوأما ما رواه مجاهد ﵀ قال: قدم أبو ذر مكة فأخذ بعضادتي الباب، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة، إلا بمكة»، فهو حديث ضعيف (^٤)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٤/ ١٧٩ - ١٨٠).\n(^٢) انظر: \"الرسالة\" للشافعي ص (٣٢٤).\n(^٣) \"المصنف\" (ص ١٦١ - ١٦٢ الجزء المفرد).\n(^٤) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (١/ ٤٦٨)، والدارقطني (١/ ٤٢٤)، والبيهقي (٢/ ٤٦١)، من طرق، عن عبد الله بن المؤمل، عن حميد مولى عفراء، عن قيس بن سعد، عن مجاهد قال: فذكره. وهذا حديث ضعيف لأمور ثلاثة:\n١ - أن عبد الله بن المؤمل ضعيف الحديث، كما في \"التقريب\"، وقد ضعفه أحمد وغيره، ووثقه ابن معين في رواية، وابن حبان وثقه -أيضًا- وقال: يخطئ، ذكر ذلك الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٢٢٨).\n٢ - أنه قد اختلف عليه في إسناده، فعند ابن خزيمة (٤/ ٢٢٦) لم يذكر قيس بن سعد، وعند أحمد (٣٥/ ٣٦٥) لم يذكر حميدًا مولى عفراء.\n٣ - الانقطاع، فإن مجاهدًا لم يسمع من أبي ذر، كما قال أبو حاتم والبيهقي وابن عبد البر وآخرون.","vol":"2","page":212},{"text":"<span data-type='title' id=toc-148>تفسير الشفق الذي ينتهي به وقت المغرب</span>\n١٦٨/ ١٨ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «الشَّفَقُ الحُمْرَةُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ وَقْفَهُ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\nالأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الدارقطني (١/ ٢٦٩) من طريق علي بن عبد الصمد الطيالسي، نا هارون بن سفيان، ثنا عتيق بن يعقوب، ثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «الشفق الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة».\nورواه الدارقطني موقوفًا من طريق اخر: ثنا وكيع، ثنا العمري، عن نافع، عن ابن عمر، قال: (الشفق الحمرة).\nقال البيهقي في «السنن» (١/ ٣٧٣): (الصحيح موقوف)، وقال ابن عبد الهادي: (رواه الدارقطني أيضًا موقوفًا من قول ابن عمر، وهو أشبه) (^١).\nوقال النووي: (رواه البيهقي، وليس بثابت عن النبي ﷺ)، ثم ذكره موقوفًا على ابن عمر، وقال: (رواه البيهقي، وإسناده صحيح) (^٢).\nوقد نقل الحافظ أن الحاكم جعل هذا الحديث في كتابه «المدخل» مثالًا لما رفعه المجروحون من الموقوفات (^٣).\n_________\n(^١) \"تنقيح التحقيق\" (١/ ٦٢٧).\n(^٢) \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٣/ ١٦٥).\n(^٣) \"التلخيص\" (١، ١٨٦).","vol":"2","page":213},{"text":"وأما تصحيح ابن خزيمة وقفه؛ فلم أقف عليه في صحيح ابن خزيمة، وليس فيه حديث ابن عمر ﵄، وإنما فيه حديث عبد الله بن عمرو، ولذا نقل كلامه الحافظ في «التلخيص» عن حديث عبد الله بن عمرو، وذكر أن البيهقي صحح وقف حديث ابن عمر الذي معنا، ولم يذكر أن ابن خزيمة صحح وقفه، فالله أعلم.\nقال البيهقي: (إنه لا يصح فيه شي عن النبي ﷺ) (^١).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على تفسير الشفق بالحمرة التي تكون في الأفق الغربي إثر شعاع الشمس بعد مغيبها، والشفق هو نهاية وقت المغرب، وبداية وقت العشاء، كما تقدم في حديث ابن عمرو ﵄ أول «المواقيت»: (ووقت المغرب ما لم يغب الشفق)، وهذا التفسير صح موقوفًا على ابن عمر ﵄، ولا مانع من الاستدلال به لأمرين:\nالأول: أن البحث في معنى الشفق بحث لغوي، والمرجع فيه إلى أهل اللغة، فإن المعروف عند العرب أن الشفق الحمرة، وهو مشهور في كلامهم، ويدل عليه نقل أئمة اللغة، كالخليل، والفراء والزجَّاج، وابن دريد، وغيرهم.\nقال الفراء عند قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الانشقاق: ١٦] بعد أن بين أن الشفق هو الحمرة، قال: (وسمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ، كأنه الشفق، وكان أحمر، قال: فهذا شاهد لمن قال: إنه الحمرة) (^٢).\nالأمر الثاني: أن ابن عمر ﵄ من أهل اللغة، فكلامه حجة، وإن كان موقوفًا عليه، وقد نقل ابن كثير وغيره من المفسرين هذا المعنى عن جماعة من الصحابة والتابعين (^٣)، وذكر النووي أنه قول الجمهور (^٤).\nوالقول الثاني: أن الشفق هو البياض الذي بعد الحمرة، وهو قول\n_________\n(^١) \"معرفة السنن والآثار\" (٢/ ٢٠٥).\n(^٢) \"معاني القرآن\" (٣/ ٢٥١).\n(^٣) \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ٣٨٠).\n(^٤) \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٣/ ١٦٥).","vol":"2","page":214},{"text":"أبي حنيفة، والمزني من الشافعية (^١)، وسبب الخلاف: أن اسم الشفق يطلق عليهما بالاشتراك، وهما متصلان، أحدهما بعد الاخر.\nومذهب الجمهور هو الأولى لأمرين:\nالأول: ما ورد عن علماء اللغة، وأهل الشرع، كما تقدم.\nالثاني: ما ورد في حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: (أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة - صلاة العشاء - كان رسول الله ﷺ يصليها لسقوط القمر لثالثةٍ) (^٢).\nوهذا يبين أنه ﷺ كان يصلي العشاء الاخرة قبل مغيب البياض؛ لأن القمر في الليلة الثالثة من الشهر يغيب أو يسقط إلى الغروب قبل مغيب البياض، فدل ذلك على أن الشفق هو الحمرة، وليس البياض، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٣/ ٤٢ - ٤٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤١٩)، والترمذي (١٦٥)، والنسائي (١/ ٢٦٤)، وأحمد (٣٠/ ٣٢٦) وإسناده صحيح.","vol":"2","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-149>بيان أن الفجر فجران، والفرق بينهما صفة وحكمًا</span>\n١٦٩/ ١٩ - وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْفَجْرُ فَجْرَانِ: فَجْرٌ يُحَرِّمُ الطَّعَامَ وَتَحِلُّ فِيهِ الصَّلاةُ، وَفَجْرٌ تَحْرُمُ فِيهِ الصَّلَاةُ - أَيْ: صَلَاةُ الصُّبْحِ - وَيَحِلُّ فِيهِ الطَّعَامُ». رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَاه.\n١٧٠/ ٢٠ - ولِلْحَاكِمِ في حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ نَحْوُهُ وَزَادَ في الّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ: «إنَّهُ يَذْهَبُ مُسْتَطِيلًا في الأُفُقِ». وَفِي الآخَرِ: «إنَّهُ كَذَنَبِ السِّرْحَانِ».\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عباس ﵄: فقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١/ ١٨٤، ١٨٥) والحاكم (١/ ١٩١) من طريق محمد بن علي بن محرز، نا أبو أحمد الزبيري، نا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ وهذا الحديث رجاله ثقات، إلا أنه أُعل بعلتين:\nالأولى: أن محمد بن عبد الله الزبيري - وإن كان ثقة - إلا أن العلماء تكلموا في روايته عن سفيان الثوري - كما في هذا الإسناد - قال الإمام أحمد: (كان كثير الخطأ في حديث سفيان)، وقال الحافظ في «التقريب»: (ثقة ثبت، إلا أنه قد يخطئ في حديث الثوري).\nالثانية: الاختلاف في رفعه ووقفه، وَتَفرُّدُ الزبيري برفعه، فقد قال ابن خزيمة: (لم يرفعه في الدنيا غير أبي أحمد الزبيري) (^١) ونقل الحافظ - أيضًا ـ\n_________\n(^١) \"صحيح ابن خزيمة\" (١/ ١٨٥)، \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٢٧٧).","vol":"2","page":216},{"text":"عن الدارقطني أنه لم يرفعه غير أبي أحمد الزبيري، عن الثوري، عن ابن جريج، ووقفه الفريابي وغيره عن الثوري، ووقفه أصحاب ابن جريج عنه أيضًا (^١).\nوقال الخطيب: (رواه عمرو بن محمد الناقد عن أبي أحمد الزبيري، ولم يرفعه عن الثوري غيره) (^٢)، وقال البيهقي: (هكذا رواه أبو أحمد مسندًا، ورواه غيره موقوفًا، والموقوف أصح) (^٣)، لكن يشهد له الحديث الذي بعده وهو: حديث جابر ﵁، ولعل هذا من مقاصد الحافظ لإيراده.\nوقد أخرجه الحاكم (١/ ١٩١)، وعنه البيهقي (١/ ٣٧٧) عن ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «الفجر فجران: فأما الفجر الذي يكون كذنب السرحان فلا تحل الصلاة فيه، ولا يحرم الطعام، وأما الذي يذهب مستطيلًا في الأفق فإنه يحل الصلاة، ويحرم الطعام»، قال الحاكم: (إسناده صحيح)، وسكت عنه الذهبي.\nورواه الدارقطني (١/ ٢٦٨)، والبيهقي (١/ ٣٧٧)، من طريق ابن أبي ذئب، عن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ .. فذكر الحديث مثله سواء، هكذا مرسلًا، قال البيهقي: (روي موصولًا، وروي مرسلًا، وهو أصح).\nوبهذا يتبين أن الصواب في حديث ابن عباس الوقف، وفي حديث جابر الإرسال، ويكون المعوَّل على ما ورد عن ابن عباس ﵄، وقد جاء في معناهما أحاديث أخرى عن سمرة بن جندب، وطلق بن علي، وعبد الرحمن بن عائش، وفي أسانيدها مقال، وكلها تدل على أن الفجر فجران، وأن لكل منهما حكمًا غير حكم الآخر.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (الفجر فجران) أي: الفجر في اللغة فجران، ولما كان الفجر في\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (١/ ١٨٨).\n(^٢) \"تاريخ بغداد\" (٣/ ٥٨).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ١٨٥).","vol":"2","page":217},{"text":"اللغة مشتركًا بين الوقتين، وقد جاء في بعض أحاديث المواقيت أن صلاة الصبح إذا طلع الفجر، وكذا علق الصيام به، بَيَّنَ النبي ﷺ ذلك، فذكر علامة ظاهرة لكل منهما، بل واستعمل لذلك وسائل الإيضاح، وبين الأحكام المترتبة عليهما.\n\nقوله: (فجر يُحَرِّمُ الطعام) أي: على الصائم.\n\nقوله: (وتحل فيه الصلاة) أي: صلاة الصبح، بمعنى أنه يدخل وقتها.\n\nقوله: (وفجر تحرم فيه الصلاة) أي: صلاة الصبح، فإنه إذا طلع الفجر الأول لم يحل أن يصلي؛ لأن الفجر الأول يكون بالليل، وقوله: (أي صلاة الصبح) تفسير من الحافظ ﵀ وإنما فسرها؛ لئلا يتوهم أنه يحرم فيه مطلق الصلاة.\n\nقوله: (ويحل فيه الطعام) أي: لمن يريد أن يصوم يحل له الأكل؛ لأنه في ليل.\n\nقوله: (إنه يذهب مستطيلًا في الأفق) هذه صفة الفجر الثاني، وهي أن الفجر الثاني يكون مستطيلًا، أي: ممتدًا من الشمال إلى الجنوب بسبب الضياء المنتشر.\n\nقوله: (وفي الاخر إنه كذنب السرحان) هذه صفة الفجر الأول والسرحان: بكسر السين هو الذئب، والمعنى أن الفجر الأول يرتفع في السماء كالعمود، فهو كذنب السرحان؛ لأن ذنبه يمتد مرتفعًا، وأعلاه أكثر شعرًا من أسفله.\nوقد ورد عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يمنعن أحدًا منكم أذان بلال» أو قال: «نداء بلال من سحوره، فإنه يؤذن أو قال: ينادي بليل ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم»، وقال: ليس أن يقول: هكذا وهكذا - وصوب يده ورفعها - حتى يقول هكذا - وفرج بين إصبعيه - (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠٩٣).","vol":"2","page":218},{"text":"ومن الفروق بين الفجرين أن الفجر الأول يظلم، أي: يكون هذا النور لمدة قصيرة، ثم يظلم، أما الفجر الثاني فهو لا يظلم، بل يزداد نورًا وإضاءة، بسبب قرب ظهور الشمس.\nوالفجر الأول يخرج قبل الثاني بنحو ساعة أو ساعة إلا ربعًا أو قريبًا من ذلك على ما ذكره علماؤنا (^١)، مع أن علماء الفلك يذكرون أقلَّ من هذا.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الفجر فجران، وأنهما مختلفان صفة وحكمًا، أما في الصفة فإن الأول يذهب مستطيلًا في الأفق، والثاني معترض ويزداد إضاءة ونورًا.\nوأما في الحكم فإن ظهور الأول لا يحرم الأكل على من أراد الصيام، لأنه لا يزال الليل باقيًا، ولا تحل فيه صلاة الصبح؛ لأنه لم يدخل وقتها، والثاني يحرم الأكل على من أراد الصيام، لأن ظهوره بداية النهار، وتحل فيه صلاة الصبح؛ لأنه قد دخل وقتها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"الشرح الممتع\" (٢/ ١٠٧).","vol":"2","page":219},{"text":"<span data-type='title' id=toc-150>فضل الصلاة في أول وقتها</span>\n١٧١/ ٢١ - وَعَنِ ابْن مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الصَّلَاةُ في أَوَّلِ وَقْتِهَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ. وصَحَّحَاهُ.\nوَأَصْلُهُ في «الصَّحِيحَيْنِ».\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الحاكم (١/ ١٨٨) من طريق حجاج بن الشاعر، ثنا علي بن حفص المدائني، ثنا شعبة، عن الوليد بن العيزار، قال: سمعت أبا عمرو الشيباني قال: حدثنا صاحب هذه الدار، وأشار إلى دار عبد الله بن مسعود، ولم يسمِّه، قال: سألت رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: «الصلاة في أول وقتها»، قلت: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قلت: ثم ماذا؟ قال: «بر الوالدين»، ولو استزدته لزادني.\nوصححه، ثم قال: (قد روى هذا الحديث جماعة عن شعبة، ولم يذكر هذه اللفظة - أي: في أول وقتها - غير حجاج بن الشاعر، عن علي بن حفص، وحجاج حافظ ثقة، وقد احتج مسلم بعلي بن حفص المدائني).\nوالمراد أن جميع أصحاب شعبة قالوا: «على وقتها» إلا علي بن حفص فإنه قال: (في أول وقتها) وهو صدوق، وثقه أبو داود، وقال النسائي: (ليس به بأس)، وقال الدارقطني: (ما أحسبه حفظه؛ لأنه كبر، وتغير حفظه) (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ١٠)، \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢٧٢).","vol":"2","page":220},{"text":"وعزو الحديث للترمذي فيه نظر، فإني لم أجده في مظانه، وقد عزاه الحافظ وغيره إلى الحاكم والدارقطني والبيهقي وغيرهم دون الترمذي (^١)، فإما أن يكون عزوه إلى الترمذي سهو من الحافظ، أو سبق قلم من الناسخ، أو في نسخة أخرى للترمذي، فالله أعلم.\nوالحديث أصله في «الصحيحين» من عدة طرق عن شعبة، وعن الوليد بن العيزار، أنه سمع أبا عمرو الشيباني قال: حدثني صاحب هذه الدار، وأشار إلى دار عبد الله، قال: سألت رسول الله ﷺ أيُّ الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قلت: ثم أيُّ؟ قال: «ثم بر الوالدين»، قلت: ثم أي؟ قال: «ثم الجهاد في سبيل الله»، قال: حدثني بهنَّ، ولو استزدته لزادني (^٢).\nوإنما ذكر الحافظ لفظ الحاكم؛ لأنه أدل على المراد من لفظ «الصحيحين»، كما سيتضح إن شاء الله تعالى.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على فضيلة الصلاة في وقتها المطلوب فعلها فيه، فلا تقدم عليه ولا تؤخر عنه، وإذا كانت في أول وقتها فهو أفضل، من باب المبادرة والمسارعة إلى ما شرع الله تعالى، قال الشافعي ﵀: (إن تقديم الصلاة في أول وقتها أولى بالفضل، لما يعرض للآدميين من الأشغال والنسيان والعلل) (^٣)، فإن صليت في أثنائه أو في اخره فلا حرج.\nولفظ (في أول وقتها) تفرد به علي بن حفص من بين أصحاب شعبة، وتفرده بها لا يقبل، وفيه ما تقدم، لكن من يأخذ بها يجيب عن ذلك من حيث الرواية ومن حيث الدراية.\nأما من حيث الرواية فإنه يقول: إن تفرده لا يضر، لأنه شيخ صدوق من رجال مسلم، وقد صححها الحاكم.\nومن حيث الدراية فإن لفظ (على وقتها) - وهو لفظ الجماعة - يفيد معنى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠٨)، لابن رجب، \"شرح العمدة\" لابن الملقن (٢/ ٢١٧)، \"فتح الباري\" لابن حجر (٢/ ١٠).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٥٢٧)، \"صحيح مسلم\" (٨٥) (١٣٩).\n(^٣) \"الرسالة\" ص (٢٨٨).","vol":"2","page":221},{"text":"(أول وقتها) لأن كلمة (على) تفيد الاستعلاء، ومعناه الاستعلاء على جميع الوقت، فيكون فيها دلالة على فضل أول الوقت (^١).\nويؤيد ذلك عموم الأدلة في الأمر بالمسارعة إلى الخيرات، وأسباب المغفرة، ومدح المسارعين.\nكما يؤيده أن النبي ﷺ كان يبادر بالصلاة بعد الأذان، بعد وقت يتوضأ فيه المتوضئ، ويتهيأ فيه، ولا ينافي ذلك أنه في أول الوقت، فإن التأهب للصلاة، والأخذ بأسبابها من الطهارة ونحوها مما يدخل في هذا المعنى.\nويستثنى من ذلك صلاتان:\nالأولى: العشاء فقد كان من هديه ﷺ ملاحظة المأمومين - كما تقدم - فإن راهم تأخروا تأخر حتى يجتمعوا.\nالثانية: الظهر، فإنه كان إذا اشتد الحر يأمر بالإبراد، كما مضى.\n\nالوجه الثالث: لا يعارض هذا الحديث الدال على أن الصلاة في أول وقتها أفضل الأعمال حديث أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: «الإيمان بالله والجهاد في سبيله .. الحديث» (^٢).\nوقد أجاب العلماء عن ذلك بعدة أجوبة، ومنها: أن حديث ابن مسعود - هذا - يراد به مراتب الأعمال الظاهرة البدنية؛ لأنه سيق لبيان ذلك، ولأن المتبادر إلى الفهم عند ذكر الأعمال على الإطلاق هي أعمال الجوارح لا أعمال القلوب، ولا ريب أن الصلاة هي أعظم حقوق الله تعالى بعد الإيمان.\nوأما الأحاديث التي فيها أن أفضل الأعمال الإيمان بالله تعالى فهي على الأصل؛ لأن أول وأفضل ما افترضه الله على عباده هو الإيمان، والله تعالى أعلم (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" لابن رجب (٤/ ٢٠٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٥١٨)، ومسلم (٨٤)، ومثله حديث أبي هريرة -﵁- عند البخاري (٢٦)، ومسلم (٨٣).\n(^٣) انظر: \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (٢/ ٧)، \"فتح الباري\" لابن رجب (٤/ ٧١١) وابن حجر (٢/ ٩)، \"المفاضلة في العبادات\" ص (١٥٥).","vol":"2","page":222},{"text":"<span data-type='title' id=toc-151>مراتب الوقت في الفضل</span>\n١٧٢/ ٢٢ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁ أَنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أَوَّلُ الوَقْتِ رِضْوَانُ الله، وَأَوْسَطُهُ رَحْمَةُ الله؛ وَاخِرُهُ عَفْوُ الله». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا.\n١٧٣/ ٢٣ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ، دُونَ الأوْسَطِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي.\nوهو أبو محذورة، أوس بن مِعْير - بكسر الميم وسكون العين المهملة - القرشي الجمحي، مختلف في اسمه، مشهور بكنيته، قال ابن عبد البر: (اتفق الزبير وعمه مصعب ومحمد بن إسحاق المسيَّبي على أن اسم أبي محذورة: أوس، وهؤلاء أعلم بطريق أنساب قريش).\nوهو مؤذن رسول الله ﷺ في مكة، وقد علمه النبي ﷺ الأذان، لما أعجبه صوته - كما سيأتي إن شاء الله - وبقي على ذلك هو وولده، وبقي في مكة لم يهاجر إلى المدينة، ومات سنة تسع وخمسين، وقيل: تسع وسبعين (^١) ﵁.\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث أبي محذورة: فقد أخرجه الدارقطني (١/ ٢٤٩)، من طريق\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٢/ ١٣٢)، \"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ١١٧)، \"الإصابة\" (١٢/ ١٢).","vol":"2","page":223},{"text":"إبراهيم بن زكريا - من أهل عَبْدَ سِيّ (^١) - حدثنا إبراهيم بن أبي محذورة، مؤذن مكة، حدثني أبي، عن جدي - يعني أبا محذورة - قال: قال رسول الله ﷺ.\nوهذا إسناد ضعيف جدًا - كما قال الحافظ - لأن فيه إبراهيم بن زكريا، وهو مجهول، كما قال أبو حاتم، قال: (والحديث الذي رواه منكر) (^٢)، وقال ابن عدي: (حدث عن الثقات بالبواطيل)، وقال بعد أن ساق هذا الحديث وغيره: (وهذه الأحاديث مع غيرها مما يرويه إبراهيم بن زكريا، هذه كلها أو عامتها غير محفوظة، وتبين الضعف على رواية حديثه، وهو في جملة الضعفاء) (^٣). ونقل ابن عبد الهادي عن الإمام أحمد أنه سئل عن هذا الحديث فقال: (مَنْ روى هذا؟ ليس يثبت) (^٤)، وكذا نقله عنه الزيلعي (^٥).\nأما حديث ابن عمر ﵄: فقد أخرجه الترمذي (١٧٢)، قال: حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يعقوب بن الوليد المدني، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الاخر عفو الله».\nوقد ضعفه الحافظ، والحق أنه حديث موضوع، فإن يعقوب بن الوليد كذاب وضَّاع وهو افته، قال البيهقي: (هذا الحديث يعرف بيعقوب بن الوليد، ويعقوب منكر الحديث، ضعفه ابن معين، وكذبه أحمد وسائر الحفاظ، ونسبوه إلى الوضع، نعوذ بالله من الخذلان) (^٦).\nوقد أعله عبد الحق بعبد الله بن عمر العمري، وهو متكلم فيه (^٧)، لكن\n_________\n(^١) هو اسم موضع، فارسي معرَّب. انظر: \"معجم البلدان\" (٤/ ٧٧).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٢/ ١٠١).\n(^٣) \"الكامل\" (١/ ٢٥٦).\n(^٤) \"التنقيح\" (١/ ٦٤٩).\n(^٥) \"نصب الراية\" (١/ ٢٤٣).\n(^٦) \"السنن الكبرى\" (١/ ٤٣٥).\n(^٧) \"الأحكام الوسطى\" (١/ ٢٦٦).","vol":"2","page":224},{"text":"ليس هو علته، ولذا تعقبه ابن القطان (^١)، وعبد الله بن عمر وثقه قوم وأثنوا عليه، وضعفه اخرون من أجل حفظه، لا من أجل صدقه وأمانته.\nولعل الترمذي ذكره في كتابه لاستدلال بعض الفقهاء به، فإن من العجيب أن الإمام الشافعي استدل به في كتابه «اختلاف الحديث» (^٢)، فقال: (وقال رسول الله ﷺ: «أول الوقت رضوان الله ..»)، وكذا ساقه بدون إسناد في كتابه «الرسالة» (^٣).\n\nالوجه الثالث: يدل الحديثان على فضل الصلاة في أول وقتها طلبًا لرضوان الله تعالى، وأن ذلك مقدم على وسط الوقت وعلى اخره، فإن لم يكن فلتؤدَّ في وسطه لنيل رحمة الله تعالى، ومعلوم أن رتبة الرضوان أبلغ، أما أداؤها في اخر الوقت ففيه تكاسل وتثاقل عن الطاعة، وما أحوج من فعل ذلك إلى عفو الله تعالى لمحو ذنبه وتقصيره.\nهذا ما يدل عليه الحديثان، وتقدم أنهما غير صحيحين، ولا يشهد أحدهما للاخر لما تقدم في حال الرواة، وفي الأحاديث الصحيحة القولية والفعلية ما يغني عنهما - ولله الحمد - وقد تقدم ذلك، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٩٣ - ٩٥).\n(^٢) ص (١٨٦).\n(^٣) ص (٢٨٦).","vol":"2","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-152>النهي عن الصلاة بعد طلوع الفجر سوى الراتبة</span>\n١٧٤/ ٢٤ - وَعَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إلاَّ سَجْدَتَيْنِ». أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، إلاَّ النَّسَائِيَّ.\nوفي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلوعِ الْفَجْرِ إلاَّ رَكْعَتَي الْفَجْرِ».\n١٧٥/ ٢٥ - وَمِثْلُهُ لِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ ابنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عمر ﵄: فقد أخرجه أبو داود (١٢٧٨) في كتاب «الصلاة» باب «من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة»، والترمذي (٤١٩)، وابن ماجه (٢٣٥)، وأحمد (٨/ ٣٧٦)، كلهم من طريق قدامة بن موسى، عن أيوب بن حصين، عن أبي علقمة، عن يسار مولى ابن عمر قال: راني ابن عمر وأنا أصلي بعد طلوع الفجر فقال: يا يسار إن رسول الله ﷺ خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة، فقال: «ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين».\nوهذا لفظ أبي داود، وقريب منه لفظ أحمد، ولفظ الترمذي كلفظ الكتاب، ووقع في إسناده وإسناد ابن ماجه: محمد بن الحصين، بدل: أيوب بن الحصين.\nأما ابن ماجه فالحديث عنده بلفظ: «ليبلغ شاهدكم غائبكم» دون اخره، وعليه فعزو الحديث له غير وجيه، لعدم وجود اللفظ المقصود عنده.","vol":"2","page":226},{"text":"وأما محمد بن الحصين فقد اختلف في اسمه، فقيل هكذا، وقيل: أيوب بن الحصين، والأول رجحه أبو حاتم وابنه، والثاني رجحه الدارقطني والبيهقي والألباني، وذكر الحافظ احتمالًا لا بأس به، وهو أن اسمه محمد وأبوه حصين، وكنيته: أبو أيوب، فلعل من سماه أيوب وقع له غير مسمى، فسماه بكنية أبيه (^١)، وعلى أي حال فالرجل مجهول، كما قال الدارقطني، ومن بعده الحافظ ابن حجر، فإنه ليس له إلا راوٍ واحد، وهو قدامة بن موسى، وقال ابن القطان: (إنه مختلف فيه، ومجهول الحال مع ذلك)، ونقل - أيضًا - أنه عند البخاري وابن أبي حاتم مجهول؛ لأنهما لم يُعَرِّفا من حاله بشيء (^٢).\nأما ابن حبان فقد أورده في «الثقات» (^٣)، وهذا من تساهله ﵀، وبقية رجاله كلهم ثقات.\nوعلى هذا فالإسناد ضعيف من أجل محمد بن الحصين.\nوقد روى الحديث عبد الرزاق في «مصنفه» (٣/ ٥٣) (٤٧٦٠) من طريق أبي بكر بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر».\nوأبو بكر بن محمد هو شيخ عبد الرزاق، ينسبه إلى جده، وإلا فهو أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة، وهو ضعيف جدًا، ونسبه بعضهم إلى الوضع (^٤).\nولعل الحافظ ذكر رواية عبد الرزاق، لتفسير المراد بقوله: «بعد الفجر» أي: إن المراد بعد طلوع الفجر، لا بعد صلاة الفجر؛ لأن اللفظ محتمل، كما تقدم.\nأما حديث عبد الله بن عمرو ﵄ فهو من شواهد الحديث، وقد أخرجه\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ١٠٧).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٣٨٩ - ٣٩٠).\n(^٣) (٧/ ٤٠١).\n(^٤) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٣١).","vol":"2","page":227},{"text":"الدارقطني (١/ ٤١٩) والبيهقي (٢/ ٤٦٥) من طريق سفيان، عن عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر».\nوهذا إسناد ضعيف، قال البيهقي: (في إسناده من لا يحتج به)، وهو يعني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، كما ذكر بعد ذلك، فقد اختلف في الاحتجاج به، قال الترمذي: (ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره، قال أحمد: لا أكتب حديث الأفريقي، قال: ورأيت محمد بن إسماعيل يقوِّي أمره، ويقول: هو مقارب الحديث) (^١).\n\nالوجه الثاني: استدل بحديث ابن عمر وابن عمرو ﵃ من قال بالنهي عن التنفل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، وهما راتبة الفجر، وذلك أنه وإن كان نفيًا فهو في معنى النهي، والأصل في النهي التحريم، وقد نقل الترمذي الإجماع على ذلك فقال: (أجمع أهل العلم على كراهة أن يصلي الرجل بعد الفجر إلا ركعتي الفجر) (^٢).\nقال الحافظ: (دعوى الترمذي الإجماع على الكراهة لذلك عجيب، فإن الخلاف فيه مشهور، حكاه ابن المنذر وغيره (^٣)، وقال الحسن البصري: لا بأس به (^٤)، وكان مالك يرى أن يفعله من فاتته صلاته بالليل، وقد أطنب في ذلك محمد بن نصر في «قيام الليل») (^٥).\nواستدل من أجاز التنفل بأكثر من ركعتي الفجر بحديث عمرو بن عَبَسَة قال: يا رسول الله، أيُّ الليل أسمع؟ قال: «جوف الليل الأخير، فصلِّ ما شئت، فإن الصلاة مشهودة مقبولة، حتى تصلي الصبح» (^٦).\nوالقول بمنع ما زاد على ركعتي الفجر هو قول الجمهور، لدلالة الأحاديث المتقدمة عليه، وحكى ابن المنذر عن بعض السلف أنهم أوتروا بعد\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١/ ٣٨٤).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢/ ٢٨٠).\n(^٣) انظر: \"الأوسط\" (٥/ ١٩٠).\n(^٤) انظر: \"مختصر قيام الليل\" ص (٧٧).\n(^٥) \"التلخيص\" (١/ ٢٠٢).\n(^٦) أخرجه أبو داود (١٢٧٧).","vol":"2","page":228},{"text":"طلوع الفجر، واعتبر النووي القول بالجواز هو الصحيح في مذهب الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد (^١)، لكن إن ثبتت أحاديث الباب فالسنة مقدمة على قول كل من كان.\nقال المؤيد لمذهب الجمهور: أما حديث أبي داود فليس بصريح في عدم الكراهة، إذ يمكن أن يحمل قوله: «فصلِّ ما شئت» أي: في جوف الليل؛ لأن السائل سأله عن أيِّ الليل أسمع؟ ثم إن الحديث أخرجه مسلم في «صحيحه» وليس فيه هذه الجملة: «فصل ما شئت حتى تصلي الصبح»، فتقدم رواية مسلم على رواية أصحاب السنن، وقد جاء الحديث عند أحمد وغيره بلفظ: «الصلاة مشهودة حتى ينفجر الفجر، فإذا انفجر الفجر فأمسك عن الصلاة إلا ركعتين، حتى تصلي الفجر»، فحمل الروايات المختلفة على رواية مسلم أولى، على أن أبا داود قال بعد سياقه الحديث، قال العباس: (هكذا حدثني أبو سلام عن أبي أمامة إلا أن أُخطئ شيئًا لا أريده، فأستغفر الله وأتوب إليه) (^٢).\nثم إن كون النبي ﷺ يصلي بعد طلوع الفجر سجدتين خفيفتين يدل على أنه ﷺ ما كان يصلي زيادة على ذلك.\nوقد صحَّ عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلًا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، يكثر فيها الركوع والسجود فنهاه، فقال: يا أبا محمد! أيعذبني الله على الصلاة؟! قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة (^٣).\nويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن النهي في حديث الباب ليس للتحريم، فتجوز الصلاة بعد طلوع الفجر إذا لم يتخذ ذلك سنة، لعموم حديث: «بين كل أذانين صلاة …»، فتجوز صلاة الوتر في هذا الوقت، قال النووي عند حديث (كان إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين) (قد يستدل به\n_________\n(^١) انظر: \"الأوسط\" (٥/ ١٩٠)، \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٥/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، \"المغني\" (٢/ ٥٢٥).\n(^٢) \"إعلام أهل العصر\" ص (١٠٠).\n(^٣) أخرجه البيهقي (٢/ ٤٦٦).","vol":"2","page":229},{"text":"من يقول: تكره الصلاة من طلوع الفجر إلا سنة الصبح وما له سبب … وليس في هذا الحديث دليل ظاهر على الكراهة، إنما فيه الإخبار بأنه كان ﷺ لا يصلي غير ركعتي السنة، ولم ينه عن غيرها) (^١) وسيأتي الكلام على وقت الوتر في باب «التطوع» إن شاء الله، والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٢٤٧ - ٢٤٨).\n(^٢) الفتاوى\" (٢٣/ ٢٠٥).","vol":"2","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-153>حكم قضاء راتبة الظهر بعد العصر</span>\n١٧٦/ ٢٦ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتِي، فَصَلَّى رَكْعَتَينِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «شُغِلْتُ عَنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَصَلَّيْتُهُمَا الان»، قُلْتُ: أَفَنَقضِيهِمَا إذَا فَاتَتنَا؟ قَالَ: «لَا»، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ.\n١٧٧/ ٢٧ - وَلأبي دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ بِمعْنَاهُ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أم سلمة ﵂: فقد أخرجه أحمد (٤٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧)، وابن حبان (٦/ ٣٧٧) من طريق يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ذكوان، عن أم سلمة ﵂ قالت: صلى رسول الله ﷺ العصر … الحديث.\nوقد أُعِلَّ هذا الحديث بعلَّتين:\nالأولى: الانقطاع بين ذكوان وأم سلمة، وذكوان هو أبو عمرو المدني، مولى عائشة، ولم يذكر أبو حاتم له رواية عن غير مولاته عائشة ﵂ (^١)، وهو هنا غير منسوب، ولم يذكره الحافظ فيمن روى عنه الأزرق (^٢)، لكن ذكر المزي - تبعًا للرواية في الإسناد - في ترجمة الأزرق بن قيس الحارثي أنه روى\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٤٥١)، \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ١٩٠).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٧٥).","vol":"2","page":231},{"text":"عن ذكوان مولى عائشة (^١)، فلا يلتبس بذكوان أبي صالح السَّمَّان؛ لأنه سمع من أم سلمة ﵂، كما ذكر الحافظ ابن حجر (^٢).\nالثانية: الاختلاف في إثبات زيادة (أفنقضيهما؟ قال: «لا»)، فقد جاء الحديث من عدة طرق عن أم سلمة دون هذه الزيادة، قال الهيثمي بعد ذكره لهذه الرواية: (قلت: لأم سلمة حديث في الصحيح في شَغْله عن الركعتين بعد الظهر، وليس فيه النهي عن قضائها) (^٣).\nوقال عبد الحق الإشبيلي: (هذه الزيادة «أفنقضيهما» زيادة منكرة، تروى من طريق حماد بن سلمة، ولا تصح، وليست في كتب حماد بن سلمة) (^٤)، وكذا قال ابن حزم (^٥)، ونقل الحافظ عن البيهقي أنه قال: (إنها زيادة ضعيفة لا تقوم بها حجة) (^٦)، فهذه الزيادة غير ثابتة لما يلي:\n١ - تفرد حماد بن سلمة بها، وحماد بن سلمة وإن كان ثقة صدوقًا، لكن تغير حفظه، قال الحافظ ابن حجر: (حماد بن سلمة بن دينار البصري أحد الأئمة الأثبات، إلا أنه ساء حفظه في الآخر) (^٧)، وقال ابن معين: (هو أعلم الناس بحديث ثابت).\nوحماد ثقة في غير حديث ثابت، لكن في ثابت إليه المنتهى، ولا ينفي ذاك تفرده وردّه.\nوقد ورد حديث أم سلمة في «الصحيحين» مطولًا من طريق عمرو بن\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (٢/ ٣١٨).\n(^٢) \"في شرح البلوغ\" المسجل بالأشرطة للشيخ عبد العزيز بن باز ساق الإسناد على أنه ذكوان أبو صالح السمان، وقد كان جود إسناد الحديث في تعليقه على \"فتح الباري\" (٢/ ٦٥) وردَّ على البيهقي تضعيفه للحديث، ثم راْيت هذا في تعليقه على \"بلوغ المرام\" (١/ ١٥٨)، فلعله بنى على ذلك، والله أعلم.\n(^٣) \"موارد الظمآن\" ص (١٦٤).\n(^٤) \"الأحكام الوسطى\" (١/ ٢٦٢).\n(^٥) \"المحلى\" (٢/ ٢٧١).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٢/ ٦٤).\n(^٧) \"هدي الساري\" ص (٣٩٩).","vol":"2","page":232},{"text":"الحارث، عن بكير، عن كريب، عن أم سلمة، وفيه قصة، ولم تذكر فيه هذه الزيادةُ (^١).\nولا يقال: إنها زيادة من ثقة فتقبل؛ لأن زيادة الثقة تقبل إن لم تكن منافية، فإن كانت منافية بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى فإنها لا تقبل إذا خالف من هو أوثق منه، وهنا حماد بن سلمة ثقة، لكن عمرو بن الحارث أوثق منه، فقد قال عنه الحافظ في «التقريب»: (ثقة فقيه حافظ)، وقال في حماد بن سلمة: (ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير بأَخَرَةَ).\n٢ - أن حمادًا نفسه لم يذكر هذه الزيادة إلا في رواية يزيد بن هارون، ولم يذكرها في رواية أبي الوليد عنه، كما عند الطحاوي (^٢).\n٣ - أن عمرو بن الحارث قد توبع على عدم ذكر هذه الزيادة، فقد تابعه وكيع بن الجراح - وهو ثقة حافظ عابد - ومعمر بن راشد، واخرون، ولم يتابع أحدٌ حمادَ بن سلمة على هذه الزيادة، ولهذا أجمع العلماء على تضعيفها (^٣).\nأما حديث عائشة ﵂: فقد أخرجه أبو داود (١٢٨٠) من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ذكوان مولى عائشة ﵂ أنها حدثته أن رسول الله ﷺ كان يصلي بعد العصر وينهى عنها، ويواصل وينهى عن الوصال.\nوهذا الإسناد رجاله ثقات، غير ابن إسحاق فهو مدلس، وقد عنعنه؛ فالإسناد ضعيف، وقد أعله بذلك الشوكاني (^٤)، وذكره الحافظ في «الفتح» وسكت عنه (^٥).\nوقد حكم عليه الألباني بأنه منكر؛ لأنه ثبت عن عائشة ﵂ أنها كانت تصلي بعد صلاة العصر ركعتين، كما ثبت في «الصحيحين»، قال: (فهذا يدل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (٨٣٤).\n(^٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٠٢).\n(^٣) \"الضعيفة\" (٢/ ٣٥٢).\n(^٤) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٠٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٦٥).","vol":"2","page":233},{"text":"على خطأ حديث ابن إسحاق ونكارته) (^١).\nوقد ثبت في «الصحيحين» - أيضًا - عن عائشة ﵂ قالت: (ما ترك رسول الله ﷺ ركعتين بعد العصر عندي قط) (^٢).\nوعنها - أيضًا - قالت: (صلاتان ما تركهما رسول الله ﷺ في بيتي قط، سرًا ولا علانية، ركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر) (^٣).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\nقولها: (فسألته) أي: عن هاتين الركعتين، وسؤلها يدل على أنه ﷺ لم يصلهما قبل ذلك عندها، أو أنها كانت قد علمت بالنهي عن الصلاة بعد العصر فاستنكرت مخالفة فعله ﷺ لهذا النهي.\n\nقوله: (شُغلت عن ركعتين بعد الظهر) أي: إن هاتين الركعتين راتبة الظهر البعدية، وقد جاء في حديث أم سلمة ﵂ في «الصحيحين» - كما تقدم - بيان الشاغل له وأنه (أتاه ناس من عبد القيس)، وفي حديث ابن عباس ﵄ (أنه أتاه مال فشغله عن الركعتين) (^٤).\n\nقوله: (لا) أي: لا تقضوهما في هذا الوقت، بقرينة السياق، وإن كان النهي غير مقيد بوقت معين.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن النبي ﷺ صلى ركعتين بعد العصر قضاء لراتبة الظهر لما شُغِلَ عنها، وأن هذا من خصائص النبي ﷺ لقولها: أفنقضيهما؟ قال: «لا»، لكن تقدم أن هذه الزيادة لم تثبت، فلا يكون فيها دليل على أن القضاء من خصائصه ﷺ، ولذا أعرض عنها صاحبا «الصحيحين»، فيبقى أصل الحديث، وقد ثبت في «الصحيحين» أنه ﷺ صلى الركعتين بعد العصر.\n_________\n(^١) \"الضعيفة\" (٢/ ٣٥١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٩١)، ومسلم (٨٣٥) (٢٩٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٩٣)، ومسلم (٨٣٥) (٣٠٠).\n(^٤) وقال الترمذي: (حديث حسن)، وفيه عطاء بن السائب قد اختلط، ورواية جرير عنه بعد الاختلاط، والله أعلم.","vol":"2","page":234},{"text":"وهذا لا يدل على جواز الصلاة بعد العصر مطلقًا، خلافًا لمن ذهب إلى ذلك، وإنما يدل على جواز قضاء النافلة عند نسيانها أو الانشغال عنها، كما يدل على ذلك سياق الأحاديث المتقدمة، فتكون من ذوات الأسباب التي يجوز فعلها في وقت النهي، أما ما ليس له سبب فهو باق في عموم أحاديث النهي، ولم يرد دليل يخرجه من هذا العموم.\nوهذا فيه جمع بين الأدلة، وبه قال جمع من المحدثين، ومنهم الحافظ البيهقي، وابن حجر (^١)، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، فإنه ضعَّف الزيادة في الحديث، وكذلك العظيم ابادي كما في «إعلام أهل العصر» (^٣) والألباني كما في «الضعيفة» (^٤).\nأما مداومته ﷺ على هاتين الركعتين بعد العصر، فقد ورد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة ﵂ عن السجدتين اللتين كان رسول الله ﷺ يصليهما بعد العصر؟ فقالت: كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شغل عنهما، أو نسيهما، فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها (^٥).\nوهذا من خصائصه ﷺ؛ لأنه نهى عن الصلاة بعد العصر، فَيُغَلَّبُ جانب أحاديث النهي لقوتها وصراحتها، وقد ذكر ذلك الشوكاني عند كلامه على أفعال الرسول ﷺ فقال: (القسم الخامس: أن يكون القول عامًا له وللأمة، فيكون الفعل على تقدير تأخره مخصصًا له من عموم القول، وذلك كنهيه عن الصلاة بعد العصر، ثم صلاته الركعتين بعدها، قضاءً لسنة الظهر ومداومته عليهما، وإلى ما ذكرنا من اختصاص الفعل به ذهب الجمهور، قالوا: وسواء تقدم الفعل أو تأخر) (^٦)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٦٥).\n(^٢) \"الفتاوى الكبرى\" (١/ ١٨٤).\n(^٣) ص (٢٠٢) (٢٠٩).\n(^٤) (٢/ ٣٥٢).\n(^٥) أخرجه مسلم (٨٣٥).\n(^٦) \"إرشاد الفحول\" ص (٤٠).","vol":"2","page":235},{"text":"<span data-type='title' id=toc-154>باب الأذان</span>\nأي: والإقامة.\nوالأذان في اللغة: اسم مصدر للفعل: أذن يؤذِّن تأذينًا وأذانًا؛ ومعناه: الإعلام، يقال: أُذِّن بالظهر: أي أُعْلِم الناسُ بوقت صلاة الظهر.\nوشرعًا: الإعلام بحضور وقت فعل الصلاة بذكر مخصوص.\nوالإقامة لغة: مصدر أقام، كأن المؤذن إذا أتى بألفاظ الإقامة أقام القاعدين، وأزالهم عن قعودهم، وشرعًا: الإعلام بالقيام إلى الصلاة بذكر مخصوص.\nوالأذان من شعائر الإسلام الظاهرة، وفضائله العظيمة، ورد في ذلك أحاديث كثيرة، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في النداءِ والصفِّ الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه» (^١).\nوعن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة» (^٢).\nوقد ذكر أهل العلم أن الأذان أفضل من الإمامة؛ لما ثبت فيه من الفضل، ولما فيه من إعلان ذكر الله تعالى، وتنبيه الناس، ولأنه أشق من الإقامة، قال القرطبي: (يحصل بالأذان إعلام بثلاثة أشياء: بدخول الوقت، وبالدعاء إلى الجماعة ومكان صلاتها، وبإظهار شعائر الإسلام) (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١٥)، ومسلم (٤٣٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٨٧).\n(^٣) \"المفهم\" (٢/ ٧).","vol":"2","page":236},{"text":"وإنما لم يؤذن رسول الله ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون لانشغالهم بأمور المسلمين ومصالحهم، وقد أخرج ابن أبي شيبة عن يمان بن قيس قال: قال عمر ﵁: (لو أطقت الأذان مع الخِلِّيفَى لأذَّنت) (^١).\nقال القرطبي: (اعلم أن الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة، وذلك أنه ﵊ بدأ بالأكبرية، وهي تتضمن وجود الله تعالى ووجوبه وكماله، ثم ثنَّى بالتوحيد، ثم ثلَّث برسالة رسوله، ثم ناداهم لِمَا أراد من طاعته، ثم ضمن ذلك بالفلاح، وهو البقاء الدائم، فأشعر بأن ثمَّ جزاء، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا) (^٢).\nوقد شُرع الأذان في السنة الأولى من الهجرة، على القول الراجح، على رأس تسعة أشهر من مقدم النبي ﷺ المدينة.\nوقد وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرع في مكة قبل الهجرة، ولكنها معلولة لا يصح منها شيء، ولذا قال عنها الحافظ: (والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر بأنه ﷺ كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما في حديث عبد الله بن عمر ثم حديث عبد الله بن زيد) (^٣).\nوالأظهر من أقوال أهل العلم أن الأذان والإقامة فرض كفاية على الرجال المقيمين والمسافرين، فإذا قام به من تحصل به الكفاية سقط عن الباقين، وقد أمر النبي ﷺ به مالك بن الحويرث وأصحابهرضي الله عنهم فقال: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم»، وهم وافدون على النبي ﷺ، مسافرون إلى أهليهم، وسيأتي إن شاء الله.\nوقد داوم النبي ﷺ على الأذان هو وخلفاؤه وأصحابه حضرًا وسفرًا، والأمر يقتضي الوجوب، ومداومته على فعله دليل على وجوبه، ولأنه من\n_________\n(^١) \"المصنف\" (١/ ٢٢٤)، وأخرجه -أيضًا- البيهقي (١/ ٤٣٣)، وصححه الحافظ في \"فتح الباري\" (٢/ ٧٧).\n(^٢) \"المفهم\" (٢/ ١٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٧٨).","vol":"2","page":237},{"text":"شعائر الإسلام الظاهرة، فكان فرضًا كالجهاد، وقد كان بلال ﵁ يؤذن للنبي ﷺ فيكتفي به، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^١).\nأما المنفرد فيسن له الأذان والإقامة، وليسا بواجبين عليه؛ لأنه ليس لديه من يناديه بالأذان، لكن لما كان فيه ذكر الله تعالى سُنَّ له.\nوقد ورد أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال لعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري: «إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جنٌّ ولا إنس، ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة»، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ (^٢).\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٦٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٠٩).","vol":"2","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-155>صفة الأذان</span>\n١٧٨/ ١ - وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ ﵁ قَالَ: طَافَ بِي - وَأَنَا نَائِمٌ - رَجُلٌ فَقَالَ: تَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، فَذَكَرَ الأَذَانَ - بِتَرْبِيِعِ التَّكْبِيرِ بِغَيْرِ تَرْجِيعٍ، وَالإقَامَةَ فُرَادَى، إلاَّ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ - قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: «إنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ …» الحَديثَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ.\nوَزَادَ أَحْمَدُ في اخِرِهِ قِصَّةَ قَوْلِ بِلَالٍ في أذَانِ الْفَجْرِ: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ».\n١٧٩/ ٢ - وَلابْنِ خُزَيْمَةَ: عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إذَا قَالَ المُؤَذِّنُ في الْفَجْرِ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو محمد، عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي، من سادة الصحابة ﵃، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد بعدها، وهو الذي أُري الأذان في النوم، في السنة الأولى من الهجرة، قال الترمذي: (ولا نعرف له عن النبي ﷺ شيئًا يصح إلا هذا الحديث الواحد في الأذان، وعبد الله بن زيد بن عاصم المازني له أحاديث عن النبي ﷺ …) (^١).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١/ ٣٦١).","vol":"2","page":239},{"text":"وقد نقل ابن حجر كلام الترمذي هذا، ثم قال: (وقال ابن عدي: ولا نعرف له شيئًا يصح غيره، وأطلق غير واحد أنه ليس له غيره، وهو خطأ، فقد جاءت عنه عدة أحاديث ستة أو سبعة جمعتها في جزء) (^١)، توفي ﵁ بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث عبد الله بن زيد: فقد أخرجه أحمد (٢٦/ ٤٠٢)، وأبو داود في كتاب «الصلاة»، باب: «كيف الأذان» (٤٩٩)، والترمذي (١٨٩)، وابن خزيمة (٣٧١)، كلهم من طريق محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قال: حدثني أبي عبدُ الله بن زيد، قال: قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يُعمل، ليُضرب به للناس، لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجلٌ يحمل ناقوسًا في يده، فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى قال: تقول: الله أكبر … الحديث بطوله.\nقال الترمذي: (حديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح).\nوقال ابن خزيمة: (وخبر محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم … ثابت صحيح من جهة النقل؛ لأن محمد بن عبد الله قد سمعه من أبيه، ومحمد بن إسحاق قد سمعه من محمد بن إبراهيم التيمي، وليس هو مما دلسه محمد بن إسحاق).\nوصححه - أيضًا - محمد بن يحيى الذهلي، فيما نقله عنه البيهقي، والبخاري فيما نقله البيهقي - أيضًا - عن الترمذي أنه سأل البخاري عنه فقال: (هو عندي حديث صحيح) (^٣).\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (٦/ ٩٠).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٦/ ٢٠٧)، \"السير\" (٢/ ٣٧٥)، \"الإصابة\" (٦/ ٩٠).\n(^٣) \"معرفة السنن والآثار\" (١/ ٤٤٦).","vol":"2","page":240},{"text":"وقال الحاكم: (تداوله فقهاء الإسلام بالقبول، ولم يُخَرَّجْ في الصحيحين، لاختلاف الناقلين في أسانيده) (^١)، وخبر عبد الله بن زيد جاء عن عدد من الصحابة ﵃ حتى عُدَّ من المتواتر (^٢).\nوقد أخرجه الإمام أحمد (٢٦/ ٣٩٩) من طريق ابن إسحاق قال: (وذكر محمد بن مسلم الزهري، عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، فذكر قصة الرؤيا إلى أن قال: فقال رسول الله ﷺ: «إن هذه لرؤيا حق إن شاء الله» ثم أمر بالتأذين، فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك، ويدعو رسول الله ﷺ إلى الصلاة، قال: فجاء فدعاه ذات غداة إلى الفجر، فقيل له: إن رسول الله ﷺ نائم، قال: فصرخ بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، قال سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر)، والحديث بهذه الزيادة وهي قوله: (ويدعو رسول الله ﷺ .. إلخ) ضعيف؛ لأنها زيادة منكرة انفرد بها ابن إسحاق، وهو مدلس، ولم يسمع هذا الحديث من الزهري، فإنه قال: (وذكر محمد بن مسلم .. إلخ)، وقد أخرج الحديث بهذا الإسناد ابن خزيمة (٣٧٣)، والبيهقي (١/ ٤١٥) وليس فيه هذه الزيادة.\nورواه ابن ماجه (٧١٦) من طريق معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن بلال بنحوه مختصرًا قال البوصيري: (إسناده ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا، سعيد بن المسيب لم يسمع من بلال) (^٣).\nوقد أخرجه عبد الرزاق (١/ ٤٧٢) عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلًا، أي: بدون ذكر بلال، وهو الصحيح عنه.\nلكن معنى الحديث صحيح، وهو زيادة: «الصلاة خير من النوم»، فإن له شواهد كثيرة يأتي بعضها إن شاء الله تعالى.\nوأما حديث أنس ﵁: فقد أخرجه ابن خزيمة (١/ ٢٠٢)، والدارقطني\n_________\n(^١) \"المستدرك\" (٣/ ٢٧٩).\n(^٢) \"نظم المتناثر\" رقم (٤٢).\n(^٣) \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٢٥٣).","vol":"2","page":241},{"text":"(١/ ٢٤٣)، والبيهقي (١/ ٤٢٣)، من طريق أبي أسامة، ثنا ابن عون (^١) عن محمد بن سيرين، عن أنس قال: … فذكره، قال البيهقي: (إسناده صحيح).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (طاف بي رجل) أي: ألمَّ بي وقَرُب حولي حالة كوني نائمًا.\n\nقوله: (فذكر الأذان بتربيع التكبير) أي: تكريره أربع مرات، وهذا ليس من كلام عبد الله بن زيد، وإنما هو من كلام الحافظ ابن حجر ذكره تلخيصًا.\n\nقوله: (بغير ترجيع) الترجيع: هو العود إلى الشهادتين برفع الصوت بعد قولهما بخفض الصوت، بحيث لو كان أحد بجانبه لسمعه.\n\nقوله: (والإقامة فرادى) أي: لا تكرير في ألفاظها إلا التكبير مرتين و(قد قامت الصلاة) مرتين.\n\nقوله: (إنها لرؤيا حق) أي: صادقة ثابتة مطابقة للوحي؛ لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى، أو موافِقةً للاجتهاد، وحَكَمَ النبي ﷺ بصدق هذه الرؤيا، لما ورد أن عمر ﵁ لما رأى الأذان في المنام أتى ليخبر النبي ﷺ به، فقال له ﵊: «سبقك بذلك الوحي» (^٢)، وعلى هذا فلا يقال إنه ﷺ أمر بالأذان مستندًا إلى رؤيا عبد الله بن زيد، ورؤيا غير الأنبياء لا تؤمن من الخطأ، فلا يبنى عليها حكم شرعي، بل إن الاستناد إلى الرؤيا أمر ظاهري، والاستناد حقيقة إنما هو إلى الوحي؛ لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى، فقد جاء مقارنًا للرؤيا، ثم إن هذا الرؤيا جاء تقريرها من النبي ﷺ فقوي جانبها.\n\nقوله: (في أذان الفجر) هكذا جاءت الرواية مطلقة لم تبين هل المراد الأذان الأول أو الثاني، لكن جاء عند النسائي من حديث أبي محذورة: (… الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم؛ في الأولى من\n_________\n(^١) وقع في \"صحيح ابن خزيمة\" (ابن عوف) بالفاء، وصوابه: بالنون، كما في المصادر المذكورة.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٤٥٦)، وأبو داود في \"المراسيل\" ص (١٢٦) وإسناده صحيح إلى مرسله كما قال محقق \"المراسيل\".","vol":"2","page":242},{"text":"الصبح ..) (^١)، أي: في المناداة الأولى، وفي نسخة: (في الأول) أي في الأذان الأول، وحمله السندي في «حاشيته على النسائي» على الأذان دون الإقامة، فهو أول بالنسبة إليها، كما سيأتي.\n\nقوله: (الصلاة خير من النوم) خير: اسم تفضيل حذفت منه الهمزة تخفيفًا أو لكثرة الاستعمال، والظاهر أنه ليس على بابه، أي: لا يقصد التفضيل بين الصلاة وبين النوم، إذ لا خير في النوم مع وقت الصلاة، إلا على رأي من يقول: إن هذه الجملة في الأذان الأول قبل طلوع الفجر، وهذا يسمى التثويب، مصدر ثوَّب يثوِّب إذا رجع، سمي بذلك لأن المؤذن عاد إلى ذكر الصلاة بعد ما فرغ منه.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية الأذان، لإظهار شعائر الإسلام وإعلام الناس بدخول وقت الصلاة، ودعائهم إلى المساجد لأداء فريضة الله تعالى.\n\nالوجه الخامس: أن الأفضل في الأذان التربيع في أوله، وهو التكبير أربع مرات، وعلى هذا أكثر أهل العلم، لشهرة روايته، ولأنها زيادة عدل غير منافية فهي مقبولة، فقد ورد التربيع في حديث عبد الله بن زيد، وورد في حديث أبي محذورة عند أصحاب السنن وأحمد، وورد تثنية التكبير فيه عند مسلم في «صحيحه» كما سيأتي بيانه إن شاء الله.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على أن الإقامة تفرد ألفاظها، فلا تكرر، ما عدا التكبير و(قد قامت الصلاة) فإنها تكرر مرتين، وإنما لم تكرر الإقامة لأنها للحاضرين في الأصل، فلا تحتاج إلى تكرار كالأذان.\n\nالوجه السابع: استحباب أن يقول المؤذن في أذان الفجر بعد: حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم، مرتين؛ لأن صلاة الفجر في وقت ينام فيه عامة الناس، ويقومون إلى الصلاة من نوم، فاختصت صلاة الفجر بذلك دون غيرها من الصلوات، وهل التثويب في الأذان الأول أو الثاني؟ قولان:\n_________\n(^١) \"سنن النسائي\" (٢/ ٧)، وصححها ابن خزيمة (٣٨٥).","vol":"2","page":243},{"text":"الأول: أنه في الأذان الأول، وبه قال بعض الحنابلة، وحكاه الصنعاني عن ابن رسلان (^١) واستدلوا بظاهر الأحاديث المتقدمة.\nالقول الثاني: أنه في الأذان الثاني الذي يكون عند طلوع الفجر، وهو مذهب الحنابلة، وهو قول السندي (^٢)، واختاره ابن باز، وابن عثيمين، لما يلي:\n١ - أن التثويب ورد مقيدًا بصلاة الصبح، كما في رواية أبي داود وأحمد من حديث أبي محذورة: (فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم ..)، فهذا ليس فيه تقييد بالأذان الأول، وإنما قيد بأذان الصبح، ومعلوم أن الأذان لصلاة الصبح لا يكون إلا بعد طلوع الفجر ودخول وقتها، لقوله ﷺ لمالك بن الحويرث: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم»، أما الأذان الأول فليس لصلاة الصبح، وإنما هو كما قال ﷺ: «ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم» (^٣)، فهو نص صريح أن الأذان الأول ليس لصلاة الفجر.\n٢ - ما ورد عن أنس ﵁ قال: كان التثويب في صلاة الغداة إذا قال المؤذن: حي على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم، مرتين (^٤).\nأما ما ورد في بعض الروايات من تقييد الأذان بالأول أو بالأولى - كما تقدم - فليس نصًّا صريحًا في أن المراد به الأذان الذي يكون قبل الفجر لأمرين:\nالأمر الأول: أن وصفه بالأول ليس نصًّا في أن المراد الأذان الأول بل\n_________\n(^١) \"شرح منتهى الإرادات\" (١/ ٢٦٦)، \"الإنصاف\" (١/ ٤١٣)، \"سبل السلام\" (١/ ٢٣١).\n(^٢) \"حاشية السندي على سنن النسائي\" (٢/ ٧).\n(^٣) تقدم تخريجه عند الحديث (١٦٩).\n(^٤) أخرجه الطحاوي (١/ ١٣٧)، والدارقطني (١/ ٢٤٣)، والبيهقي (١/ ٤٢٣) قال البيهقي: (إسناده صحيح)؛ وانظر: \"فقه السيرة\" للغزالي ص (٢٠٣).","vol":"2","page":244},{"text":"يحتمل أن ذلك لكونه قبل الإقامة، فإن الإقامة يطلق عليها أذان، كما في قوله ﷺ: «بين كل أذانين صلاة» (^١)، وكما في قول السائب بن يزيد ﵁: (إن الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان ﵁ حين كثر أهل المدينة … الحديث) (^٢)، وليس في الجمعة سوى أذانين وإقامة.\nويؤيد ذلك ما ورد عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر بعد أن يتبين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة) (^٣).\nقال الحافظ ابن حجر: (والمراد بالأولى: الأذان الذي يؤذن به عند دخول الوقت، وهو أول باعتبار الإقامة، وثاني باعتبار الأذان الذي قبل الفجر، وجاء التأنيث إما من قبل مؤاخاته للإقامة، أو لأنه أراد المنادة، أو الدعوة التامة، ويحتمل أن يكون صفة لمحذوف، والتقدير: إذا سكت عن المرة الأولى أو في المرة الأولى) (^٤).\nوعنها - أيضًا - ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ ينام أول الليل ويحيي اخره، وفيه: فإذا كان عند النداء الأول قالت: وثب فأفاض عليه الماء، وإن لم يكن جنبًا توضأ وضوء الرجل للصلاة، ثم صلى الركعتين ..) (^٥)، فأطلقت النداء الأول على أذان الصبح الذي بعد طلوع الفجر لقولها: (ثم صلّى الركعتين) وهما سنة الفجر.\nالأمر الثاني: أنه لم ينقل أن أبا محذورة كان يؤذن للفجر مرة قبل طلوعه ومرة بعده (^٦)، وإنما كان هذا في المدينة.\nثم إن الأذان الثاني هو المناسب لهذه الجملة، وذلك ببيان أن الصلاة التي فرض الله تعالى على عباده خير لهم من نومهم في هذا الوقت، فالواجب القيام من النوم والمسارعة إليها، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٤)، ومسلم (٨٣٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٩١٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٢٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ١٠٩).\n(^٥) أخرجه مسلم (٧٣٩).\n(^٦) انظر: \"فتاوى ابن عثيمين\" (١٢/ ١٧٦ وما بعدها).","vol":"2","page":245},{"text":"<span data-type='title' id=toc-156>صفة أذان أبي محذورة</span>\n١٨٠/ ٣ - وعَنْ أَبي مَحْذُورةَ ﵁. أَنَّ النَّبيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الأَذَانَ، فَذَكَرَ فِيهِ التَّرْجِيعَ. أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ. ولكِنْ ذَكَرَ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِهِ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ.\nوَرَوَاهُ الْخَمْسَةُ فَذَكَرُوهُ مُرَبَّعًا.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة» باب «صفة الأذان» (٣٧٩) من طريق عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة؛ أن نبي الله ﷺ علمه هذا الأذان: «الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله»، ثم يعود فيقول: «أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين»، زاد إسحاق: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله».\nوأخرجه أبو داود (٥٠٢)، والترمذي (١٩٢)، والنسائي (٢/ ٤ - ٥)، وابن ماجه (٧٠٩)، وأحمد (٢٤/ ٩١)، كلهم من طريق عامر الأحول به، وفيه التكبير في أوله أربعًا.\nولفظ الترمذي عن أبي محذورة (أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة) وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، وهذا هو المحفوظ في حديث عبد الله بن زيد، وهو أذان بلال، ورواه مسلم كما في","vol":"2","page":246},{"text":"بعض النسخ، قال القاضي عياض: (كذا في أكثر الأصول، وروايات جماعة شيوخنا، ووقع في بعض طرق الفارسي (^١) التكبير أربع مرات) (^٢)، وكذا نسب ابن الأثير رواية الترجيع إلى مسلم، ونسبه - أيضًا - المجد ابن تيمية (^٣).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على صفة أذان أبي محذورة وفيه صفتان:\nالأولى: أن التكبير في أوله مرتان فقط، على ما في رواية مسلم، وأربع على ما في رواية أحمد وأصحاب السنن، ويؤيد رواية أصحاب السنن بالتربيع ما تقدم في حديث عبد الله بن زيد.\nالثانية: الترجيع وتقدم أن معناه: أن يقول الشهادتين بصوت منخفض يُسْمِعُ من كان بقربه، ثم يقولهما بصوت مرتفع كسائر جمل الأذان.\nسمي ترجيعًا لأنه يرجع إلى لفظ الشهادة بعد مجيئه بها، ولعل السر في ذلك تثبيت التوحيد في قلوب الناس وحثهم على التدبر والتأمل في هاتين الكلمتين العظيمتين، وقيل: إن الترجيع قصد به تلقين أبي محذورة؛ لأنه كان حديث عهد بإسلام، فأمر بالتكرار لتستقر الشهادتان في قلبه، ولكن ليس هذا بظاهر، والأول أوضح.\nوعلى هذا الحديث تكون جمل الأذان تسْعَ عَشْرَةَ بالتربيع في أوله والترجيع في الشهادتين، وبدون الترجيع خَمْسَ عَشْرَةَ جملة.\nفالجمهور على تربيع التكبير في أول الأذان (^٤)، لما تقدم من أن الزيادة من الثقة مقبولة، ولأن التربيع عملُ أهلِ مكةَ، وهي مَجْمَعُ المسلمين في المواسم وغيرها، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة وغيرهم.\n_________\n(^١) هو عبد الغافر بن محمد الفارسي الفسوي ثم النيسابوري، سمع صحيح مسلم من محمد بن عيسى الجلودي قراءة عليه، وهي النسخة المعتمدة المشهورة، كما ذكر ابن الصلاح، مات سنة ثمان وأربعين وأربعمائة \"صيانة صحيح مسلم\" ص (١٠٦).\n(^٢) \"إكمال المعلم\" (٢/ ٢٤٤).\n(^٣) \"جامع الأصول\" (٥/ ٢٨٥)، \"المنتقى\" (٢/ ٤٩).\n(^٤) \"بدائع الصنائع\" (١/ ١٤٧)، \"المجموع\" (٣/ ٩٠)، \"المغني\" (٢/ ٥٦ - ٥٧).","vol":"2","page":247},{"text":"وقال مالك وأبو يوسف من الحنفية بتثنية التكبير، استدلالًا بحديث أبي محذورة عند مسلم، وبأنه عمل أهل المدينة، وهم أعرف بالسنن (^١).\nوأما الترجيع فالجمهور على إثباته أخذًا بحديث أبي محذورة، وحديثه سنة ثمان من الهجرة بعد حنين، وحديث عبد الله بن زيد في أول الأمر بعد الهجرة، كما تقدم، وقال جماعة من أهل العلم: لا يشرع الترجيع، عملًا بحديث عبد الله بن زيد، وقد أذن بلال بين يدي النبي ﷺ بدون ترجيع (^٢).\nوما دام أن السنة وردت بهذا وهذا فلا حرج في فعل ما ورد من التربيع والتثنية والترجيع، لدخول ذلك تحت اختلاف التنوع، وهو قول المحققين من أهل العلم، قال ابن عبد البر: (ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن جرير إلى أن ذلك من الاختلاف المباح، فإن رَبَّعَ التكبير الأول في الأذان، أو ثناه، أو رجَّع في التشهد أو لم يرجع، أو ثَنَّى الإقامة أو أفردها كلها، أو إلا «قد قامت الصلاة» فالجميع جائز) (^٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وإذا كان كذلك فالصواب مذهب أهل الحديث ومن وافقهم، وهو تسويغ كلِّ ما ثبت في ذلك عن النبي ﷺ لا يكرهون شيئًا من ذلك، إذ تَنَوُّعُ صفة الأذان والإقامة، كتنوع صفة القراءات والتشهدات ونحو ذلك، وليس لأحد أن يكره ما سَنَّهُ رسول الله ﷺ لأمته) (^٤).\nومع ذلك فالأفضل الاقتصار على صفة واحدة، وهي خَمْسَ عَشْرَةَ جملة، وهو أذان بلال، وهو الأذان المعمول به الان، وهو الذي كان يسمعه النبي ﷺ من بلال حضرًا وسفرًا، لكن لو أذن على الصفة الأخرى فلا بأس إذا لم يحصل تشويش على الناس، أو يخشى فتنة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ١٤٧)، \"بداية المجتهد\" (١/ ٢٥٨).\n(^٢) انظر: \"أحكام الأذان والنداء والإقامة\" ص (٧٠).\n(^٣) \"التمهيد\" (٢٤/ ٢٢).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٦٦).","vol":"2","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-157>تثنية الأذان وإفراد الإقامة</span>\n١٨١/ ٤ - وَعَنْ أَنَسِ بنِ مالكٍ ﵁ قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ: أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإقَامَةَ، إلاَّ الإقَامَةَ، يَعْنِي قوله: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلمٌ الاسْتِثْنَاءَ.\nوَلِلَّنَّسَائِيِّ: أَمَرَ النّبيُّ ﷺ بِلَالًا.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «الأذان مثنى مثنى» (٦٠٥)، ومسلم (٣٧٨) (٥) من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁ … فذكره.\nوهذا لفظ البخاري، وأخرجه مسلم بلفظ: (أُمِرَ بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة)، أي: بدون الاستثناء، كما ذكر الحافظ، لكن ورد الاستثناء عند مسلم من طريق اخر.\nوأخرجاه - أيضًا - من طريق خالد الحذَّاء (^١)، عن أبي قلابة، عن أنس قال: (أُمِرَ بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة).\nوأخرجه النسائي (٢/ ٣) من طريق أيوب بلفظ: (إن رسول الله ﷺ أمر بلالًا أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة).\n_________\n(^١) ظاهره أنه نسبة لصناعة الحذاء، وليس كذلك، فإنه لم يكن حَذَّاءً، وإنما كان يجلس في الحَذّائين، قاله النووي في \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٣٢٠).","vol":"2","page":249},{"text":"الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أُمِرَ بلال ..) بضم الهمزة وكسر الميم، أي: أمره رسول الله ﷺ بدليل رواية النسائي، ولهذا الغرض - والله أعلم - ذكرها الحافظ، لبيان هذا المعنى وتأكيده، والصيغة الأولى تفيد ذلك على القول المختار عند الأصوليين والمحدثين، وأما من جعله من قبيل الموقوف لاحتمال أن يكون الامر غير النبي ﷺ فليس بشيء، بل الصواب الأول؛ لأن مثل ذلك اللفظ ينصرف إلى صاحب الأمر والنهي وهو الرسول ﷺ، فهذا هو المتبادر إلى الفهم، فكان الحمل عليه أولى، والأمر: طلب الفعل ممن دون الطالب.\nوبلال هو: ابن رباح الحبشي، أسلم بمكة قديمًا، وأظهر إسلامه، فعذِّب على ذلك، حتى كان أمية بن خلف إذا حميت الظهيرة طرحه في بطحاء مكة على ظهره، وألقى على صدره صخرة عظيمة، ليرجع عن الإسلام، ويعبد اللات والعزى، وهو يقول: أحد، أحد، حتى مَرَّ به أبو بكر ﵁ وهم يعذبونه، فاشتراه، وأعتقه، هاجر بلال إلى المدينة، وشهد بدرًا وما بعدها، وتولى الأذان في المدينة في مسجد رسول الله ﷺ بالتناوب مع ابن أم مكتوم، إلا في رمضان، فيؤذنان جميعًا - كما سيأتي إن شاء الله - شهد له النبي ﷺ بالجنة على التعيين، في حديث وارد في «الصحيحين» (^١)، وترك الأذان بعد موت النبي ﷺ، وخرج إلى الشام مجاهدًا، وتوفي هناك سنة عشرين من الهجرة ﵁ (^٢).\n\nقوله: (أن يشفع الأذان) أي: يجعله شَفْعًا بأن يكرر الجمل تكرارًا زوجيًا، والمراد بالأذان: أكثر الأذان؛ لان اخره جملة (لا إله إلا الله) مرة، ليختم بالتوحيد على وتر.\n\nقوله: (ويوتر الإقامة) أي: يجعلها وترًا بأن لا يكرر جملها، بل تكون فردية، والمراد: أكثرها ما عدا التكبير.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١١٤٩)، ومسلم (٢٤٥٨).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٢/ ٢٦)، \"السير\" (١/ ٣٤٧)، \"الإصابة\" (١/ ٢٧٣).","vol":"2","page":250},{"text":"قوله: (إلا الإقامة) فسرها الحافظ بقوله: يعني قد قامت الصلاة، ثم رأيته هكذا عند ابن خزيمة (^١).\nوالمعنى: أنها تُشْفَعُ فتكرر مرتين؛ لأنها المقصودة، فصار لها مزيد عناية.\nوالحكمة من ذلك - والله أعلم - أنه لما كان الأذان للبعيدين ناسب تكراره ليتحقق سماعهم، بخلاف الإقامة فإنها للحاضرين في الأصل، ولغيرهم بالتبعية.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن المشروع في الأذان أن يكون أكثره شفعًا، وفي الإقامة أن يكون أكثرها وترًا؛ لأن الأذان لإعلام الغائبين، ومن ثم استحب أن يكون على مكان عال، وبصوت مرتفع، وأن يكون بتمهل وبدون إسراع، كل ذلك لقصد الإسماع.\nوأما الإقامة فهي للحاضرين، ومن ثم تكون بسرعة متوسطة، ولا يكرر إلا التكبير، ولفظ الإقامة (قد قامت الصلاة) فإنها تكرر مرتين؛ لأنها المقصودة بالذات، ولذا قال العلماء: (يكره رفع الصوت في الإقامة، دونه في الأذان)، ذكره النووي (^٢).\n\nالوجه الرابع: استدل بعض العلماء (^٣) بهذا الحديث على أن المؤذن يجمع بين تكبيرتين بنَفَس واحد، لقوله: (يشفع الأذان) وهذا الاستدلال ليس في محله، وإلا لزم جمع الشهادتين في نفس واحد، وكذا الحيعلتين، وإنما المراد بالحديث كما تقدم أن جمل الأذان مشفوعة، أي: مثناة لا وتر، سوى التهليل فهو مرة واحدة، وقد بَوَّبَ البخاري على هذا الحديث (باب: الأذان مثنى مثنى) كما تقدم، كما استدلوا بحديث عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعًا: (إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال أشهد أن لا إله إلا الله … الحديث) وسيأتي\n_________\n(^١) \"صحيح ابن خزيمة\" (١/ ١٩٤).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٣٢١).\n(^٣) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٣/ ٣٢١).","vol":"2","page":251},{"text":"بتمامه - إن شاء الله - فإن ظاهره أن المؤذن يجمع بين كل تكبيرتين (^١).\nوهذا غير وجيه لأمور:\n١ - أن الرسول ﷺ أراد جنس التكبير، ولهذا لم يذكر إلا تكبيرتين، ولم يذكر شهادة أن لا إله إلا الله إلا مرة واحدة، وكذا شهادة أن محمدًا رسول الله.\n٢ - أن هذا الحديث في إجابة المؤذن، لا في أداء الأذان، ولم يترجم عليه أحد بهذا المفهوم، ولم يقرر ذلك أحد من الشراح.\n٣ - أنه لا يُدرى هل جمع النبي ﷺ بين التكبيرتين في نَفَسٍ واحد، أو فرق بينهما.\nوعليه فالأظهر أن السنة في الأذان أن يقف المؤذن على كل تكبيرة، ويؤديها بنفس واحد، لما يلي:\n١ - ما تقدم من أن النبي ﷺ لما علّم أبا محذورة الأذان قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر .. ولم يقل تقرن بين كل تكبيرتين، والمقام مقام بيان وتعليم.\n٢ - أن من سنن الأذان الترسل، وهو التمهل والتأني في أداء ألفاظه، لأن ذلك أبلغ في الاستماع، ليعم الصوت، ويطول أَمَدُ التأذين، وهذا يناسبه سكوت المؤذن على كل جملة.\n٣ - أن هذا عمل السلف الصالح فإنه لم ينقل خلافه، ولو نقل لاشتهر.\nوقد أنكر وَصْلَ الأذان بعضُ علماء المالكية، وهو محمد بن أحمد الراعي الأندلسي، المتوفى سنة ٨٥٣ هـ (^٢) واعتبر ذلك مخالفًا للسنة وما درج عليه السلف الصالح، وهذا يدل على أن وصل التكبير كان معروفًا منذ القرن التاسع، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"تحفة الأحوذي\" (١/ ٥٨٨).\n(^٢) انظر: \"انتصار الفقير السالك\" للراعي الأندلسي ص (٣٣٦).","vol":"2","page":252},{"text":"<span data-type='title' id=toc-158>بيان شيء من صفات المؤذن حال الأذان</span>\n١٨٢/ ٥ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ بِلَالًا يُؤَذِّنُ وَأَتَتَبَّعُ فَاهُ، ههُنَا وههُنَا، وَإصبْعَاهُ في أُذُنَيْهِ. رَوَاه أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\nوَلاِبْنِ مَاجَهْ: وَجَعَلَ إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ.\nوَلأبي دَاوُدَ: لَوَى عُنُقَهُ، لَمَّا بَلَغَ «حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ» يَمِينًا وَشِمالًا وَلَمْ يَسْتَدرْ.\nوَأَصْلهُ في الصَّحِيحَيْنِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو جُحيفة - بضم الجيم - وَهْبُ بن عبد الله السُّوائي - بضم السين المهملة وتخفيف الواو وبهمزة بعد الألف - نسبة إلى سُواءة بن عامر بن صعصعة من هوازن، قدم على النبي ﷺ صغيرًا في اخر حياته ﵊، فسمع منه وحفظ عنه، وقد قيل: إن رسول الله ﷺ توفي وأبو جحيفة لم يبلغ الحُلُم، صحب عليًا ﵁ وشهد معه مشاهده كلها، وجعله عليٌّ على بيت المال في الكوفة، وكان يسميه: وَهْبَ الخير، توفي في الكوفة سنة أربع وسبعين (^١).\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١١/ ١٦٩) \"الإصابة\" (١٠/ ٣٢١) وفيها أن وفاته سنة أربع وستين، وعزاه إلى ابن حبان، والظاهر أنه غلط من الطابع، صوابه أربع وسبعين؛ لأني رجعت إلى \"الثقات\" (٣/ ٤٢٨) لابن حبان، فوجدت فيه ذلك، وكذا ذكر الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ١٤٥) أن وفاته سنة أربع وسبعين، ولما ترجمه الذهبي في=","vol":"2","page":253},{"text":"الوجه الثاني: في تخريجه:\nأخرجه أحمد (٣١/ ٥٢)، والترمذي في «أبواب الصلاة» باب «ما جاء في إدخال الإصبع في الأذن عند الأذان» (١٩٧)، من طريق عبد الرزاق، أخبرنا سفيان الثوري، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: (رأيت بلالًا يؤذن ويدور، ويُتْبِعُ فاه ها هنا وها هنا، وإصبعاه في أذنيه ..) الحديث، وقال الترمذي: (حديث أبي جحيفة حديث حسن صحيح).\nوأخرجه الحاكم (١/ ٢٠٢) من طريق عبد الرزاق به، وقال: (صحيح على شرط الشيخين).\nواللفظ الذي ذكره الحافظ هو لفظ أحمد في «مسنده»، والمثبت في «المسند»: (رأيت بلالًا يؤذن ويدور ..) كما تقدم، فلا أدري هل الحافظ حذف لفظ (ويدور) أو أنها سقطت من الناسخ؟\nوهو في «الصحيحين» - كما سيأتي - عن سفيان به، دون ذكر الدوران ووضع الإصبع في الأذنين.\nوأخرجه ابن ماجه (٧١١) من طريق حجاج بن أرطاة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: (أتيت رسول الله ﷺ بالأبطح وهو في قبة حمراء، فخرج بلال فأذن فاستدار في أذانه، وجعل إصبعيه في أذنيه).\nوهذا إسناد ضعيف؛ لأن فيه الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس، قال ابن خزيمة: (لا ندري هل سمع من عون أم لا؟) (^١).\nلكن تابعه سفيان عن عون، كما في الإسناد الذي قبله، قال البيهقي: (ويحتمل أن يكون الحجاج أراد بالاستدارة التفاته في حي على الصلاة حي على الفلاح، فيكون موافقًا لسائر الرواة، والحجاج بن أرطاة ليس بحجاج، والله يغفر لنا وله) (^٢).\n_________\n= \"السير\" (٣/ ٢٠٢) ذكر أن وفاته مختلف فيها وأنها سنة أربع وسبعين على الأصح.\n(^١) \"صحيح ابن خزيمة\" (١/ ٢٠٣).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٩٥).","vol":"2","page":254},{"text":"وأخرجه أبو داود (٥٢٠) في كتاب «الصلاة»، «باب في المؤذن يستدير في أذانه» من طريق قيس بن الربيع وسفيان جميعًا، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: (أتيت رسول الله ﷺ بمكة وهو في قبة حمراء من أدم، فخرج بلال، فأذن، فكنت أتتبع فمه ها هنا وها هنا، قال: ثم خرج رسول الله ﷺ وعليه حلة حمراء، برود يمانية قِطْري، وقال موسى - وهو ابن إسماعيل شيخ أبي داود قال: أي: أبو جحيفة ـ: رأيت بلالًا خرج إلى الأبطح فأذن، فلما بلغ (حي على الصلاة، حي على الفلاح) لوى عنقه يمينًا وشمالًا ولم يستدر، ثم دخل فأخرج العنزة) وساق حديثه.\nوإسناده صحيح، صححه الألباني (^١).\nوالحديث أصله في البخاري (٦٣٤) ومسلم (٥٠٣) من طريق سفيان، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه (أنه رأى بلالًا يؤذن فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا بالأذان). هذا لفظ البخاري وهو مختصر، ولفظ مسلم أتم منه، ولفظه: (فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا ويقول يمينًا وشمالًا، يقول: حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح .. الحديث)، وليس فيه ذكر الدوران ولا وضع الإصبع في الأذنين كما تقدم.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (رأيت بلالًا يؤذن) كان ذلك في حجة الوداع، والنبي ﷺ نازل في الأبطح بمكة، كما في الروايات الأخرى.\n\nقوله: (وأتتبع فاه ها هنا وها هنا) أي: أتابع ببصري فمه يمينًا وشمالًا؛ لأنه كان يتتبع بفيه الناحيتين، وقد بينت رواية أبي داود أن المراد بقوله: (ها هنا وها هنا) اليمين والشمال، كما بينت موضع الالتفات وهو (حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح)، ولعل الحافظ أوردها لهذين الأمرين، ولأمر ثالث وهو أن رواية أبي داود بينت أن الالتفات يكون بالرأس فقط، لقوله (لوى عنقه)، وعند مسلم من رواية وكيع: (يقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح) وهي أوضح.\n_________\n(^١) \"صحيح سنن أبي داود\" (١/ ١٠٥).","vol":"2","page":255},{"text":"قوله: (وإصبعاه في أذنيه) مثنى إصبع - بكسر الهمزة وفتح الباء - وهي اللغة التي ارتضاها الفصحاء من عشر لغات (^١)، والمراد هنا: الأَنْمُلَةُ - بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الميم أو ضمها - وهي المفصل الذي فيه الظفر، من باب المجاز المرسل، وعلاقته الكلية أي: إطلاق الكل وإرادة الجزء، ولم يرد تعيين الأصبع التي توضع في الأذن، وجزم النووي بأنها المسبِّحة.\n\nقوله: (ولم يستدر) يقال: دار الشيء يدور دورًا ودورانًا: تحول وعاد على ما كان عليه، فالمراد بها: لم يدر بجملة بدنه. فالاستدارة تختلف عن الالتفات.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية الالتفات في الحيعلتين يمينًا وشمالًا ولم يبين في هذه الرواية ولا في غيرها كيفية الالتفات، وظاهر السياق عند مسلم من رواية وكيع عن سفيان: (فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا، يقول يمينًا وشمالًا: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح ..)، ظاهر هذا أنه يلتفت يمينًا لحيَّ على الصلاة في المرتين جميعًا، وشمالًا لحيَّ على الفلاح في المرتين جميعًا، قال النووي: (إنه قول الجمهور، وهو الأصح عند الشافعية)، وقال ابن دقيق العيد: (إنه الأقرب عندي) (^٢).\nوظاهر الحديث أنه يلتفت في كل الجملة لا في بعضها، وأما ما يفعله بعض المؤذنين من أنه يقول: (حيَّ على) ثم يلتفت، فهذا خلاف السنة.\nوللالتفات فائدتان:\nالأولى: أنه أرفع للصوت وأبلغ في الإعلام، لا سيما في الحيعلتين؛ لأنهما خطاب ونداء، وغيرهما من الألفاظ ذِكْرٌ.\nالثانية: أنه علامة للمؤذن، ليعرف من يراه على بُعْدٍ أو من كان به صمم أنه يؤذن، وهذا إذا كان يؤذن في المنارة أو على الأرض، أما إذا كان يؤذن\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٣٣٢).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٤٦٧)، \"شرح العمدة\" (٢/ ١٧٧).","vol":"2","page":256},{"text":"في مكبر الصوت - كما هو الآن - فهل تبقى سنية الالتفات؟ هذا مبني على حكم الالتفات هل هو سنة مطلقًا ولو كان منفردًا، أو أنه لعلة إسماع مَنْ على اليمين والشمال؟ فعلى أنه معلَّل بالإسماع فالظاهر أنه لا يلتفت؛ لأن ذلك يضعف صوته، فتفوت حكمة الالتفات وهي رفع الصوت وتوزيعه، وعليه فيكون وجهه مقابل مكبر الصوت، وصوته يتوزع في جميع الجهات بواسطة المكبرات الموزعة على الجهات في أعلى المنارة، وعلى أن الالتفات سنة مطلقًا نقول: إنه يلتفت؛ لأن الالتفات قد يكون لمقاصد أخرى، ثم إن العلة التي ذُكرت مستنبطة (^١)، ويمكن أن المؤذن يلتفت ويبقى صوته على قوته.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على مشروعية وضع الإصبعين في الأذنين لقوله: (وإصبعاه في أذنيه) لأنه أجمع للصوت، ولأنه علامة على المؤذن - كما تقدم ـ.\nوقد علقه البخاري بغير صيغة الجزم فقال: (ويذكر عن بلال أنه جعل إصبعيه في أذنيه) (^٢)، وحكى عن ابن عمر ﵄ أنه لا يجعل إصبعيه في أذنيه، ووصله ابن أبي شيبة (^٣)، وظاهر صنيع البخاري أنه غير مستحب؛ لأنه حكى تركه عن ابن عمر ﵄ (^٤).\nلكن أكثر العلماء على استحبابه، قال الترمذي: (وعليه العمل عند أهل العلم: يستحبون أن يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الأذان، وقال بعض أهل العلم: وفي الإقامة - أيضًا - يدخل إصبعيه في أذنيه، وهو قول الأوزاعي) (^٥).\nلكن قول الأوزاعي في الإقامة ليس عليه دليل من السنة، وقياسه على الأذان قياس مع الفارق؛ لما تقدم من أن الأذان للبعيدين، والإقامة للحاضرين (^٦).\n_________\n(^١) انظر: \"أحكام الأذان والنداء والإقامة\" ص (٢٣٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ١١٤).\n(^٣) \"المصنف\" (١/ ٢١٠).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٥/ ٣٨١).\n(^٥) \"جامع الترمذي\" (١/ ٣٧٧).\n(^٦) انظر: \"تحفة الأحوذي\" (١/ ٥٩١).","vol":"2","page":257},{"text":"الوجه السادس: اختلفت الروايات في استدارة المؤذن، فقد جاء من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عون إثباتها، كما عند أحمد والترمذي، وعند ابن ماجه من طريق الحجاج بن أرطاة عن عون.\nوقد تكلم البيهقي بما حاصله تضعيف رواية حجاج هذه وأنه لم يسمع هذه اللفظة من عون، لكن تعقبه ابن التركماني بكلام طويل مفاده إثباتها (^١).\nوجاء من طريق سفيان وقيس بن الربيع عن عون نفيها، كما عند أبي داود، والأظهر أن المحفوظ عن سفيان حذفها؛ لما تقدم، وقال البيهقي: (إن لفظ الاستدارة مدرج في حديث سفيان) (^٢) وقد اختلف العلماء فيها، فمنهم من يقول: لا يدور بل يلتفت بعنقه يمينًا وشمالًا، من غير تحول عن القبلة، ومنهم من قال: يدور.\nوالحق - كما قال الشوكاني - استحباب الالتفات حال الأذان، وأما الدوران فالأحاديث مختلفة، والجمع ممكن - كما قال الحافظ - بأن من أثبت ذلك عنى به استدارة الرأس، ومن نفاه عنى به استدارة الجسد كله، والله أعلم (^٣).\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٩٥)، وانظر: \"فتح الباري\" (٢/ ١١٥).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٩٥)، \"فتح الباري\" لابن رجب (٥/ ٣٧٥)، ولابن حجر (٢/ ١١٥).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٩٦)، \"فتح الباري\" (٢/ ١١٥)، \"نيل الأوطار\" (١/ ٥٣).","vol":"2","page":258},{"text":"<span data-type='title' id=toc-159>استحباب كون المؤذن صيتًا</span>\n١٨٣/ ٦ - وَعَنْ أَبي مَحْذُورَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَعْجَبَهُ صَوْتُهُ، فَعَلَّمَهُ الأذَانَ. رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الدارمي (١/ ٢١٦)، وابن خزيمة (١/ ١٩٥)، كلاهما من طريق سعيد بن عامر، عن همام، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة أن رسول الله ﷺ أمر نحوًا من عشرين رجلًا، فأذنوا، فأعجبه صوت أبي محذورة، فعلمه الأذان: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر … الحديث.\nوهذا الإسناد قد مرَّ، بدون هذه الزيادة، وهي عند الدارمي وابن خزيمة والحديث رجاله ثقات، إلا عامر الأحول، وهو ابن عبد الواحد الأحول البصري فإنه مختلف فيه، قال أحمد: (ليس بالقوي)، وقال مرة: (ليس حديثه بشيء)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال ابن معين: (ليس به بأس)، وقال أبو حاتم: (ثقة لا بأس به) (^١).\nوأخرج أبو داود (٥٠١)، والنسائي (٢/ ٧)، وأحمد (٢٤/ ٩٢)، والدارقطني (١/ ٢٣٤)، عن أبي محذورة قال: (لما خرج النبي ﷺ إلى حنين، خرجت عاشر عشرة من أهل مكة أطلبهم، قال: فسمعناهم يؤذنون للصلاة، فقمنا نؤذن نستهزئ بهم، فقال النبي ﷺ: لقد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٦٧).","vol":"2","page":259},{"text":"حسن الصوت، فأرسل إلينا، فأذنا كلنا رجلًا رجلًا، فكنت اخرهم، فقال حين أذنت: تعال، فأجلسني بين يديه فمسح على ناصيتي، وبارك عليَّ ثلاث مرات، ثم قال: «اذهب فَأَذِّنْ عند البيت»، قلت: كيف يا رسول الله؟ قال: فعلمني الأذان .. الحديث، وهو حديث صحيح بطرقه.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب كون المؤذن حسن الصوت؛ لأن ذلك أبلغ في دعوة الناس إلى الصلاة، وأدعى للخشوع والإقبال على سماع الأذان وإجابة المؤذن، بخلاف الصوت الذي ليس بذلك، فإنه قد ينفِّر من سماع الأذان والإصغاء إليه.\nوعلى ذلك فينبغي للمسؤولين عن وظيفة الأذان أن يختاروا من هو أندى صوتًا وأحسن صوتًا متى تيسر ذلك.\nومن حسن الصوت قوة الصوت وحسن الأداء، وليس من ذلك الإفراط في المد، كما عليه بعض المؤذنين، فإن أقصى المد ست حركات، وما زاد عليها فهو تمطيط خارج عن حدود الشرع ولسان العرب (^١).\nوليس من حسن الصوت - أيضًا - التلحين والتطريب، وهو التغني بالأذان وإيقاعه على نغم الألحان، فهذا محرم بالإجماع.\nقال ابن الجوزي: (كره مالك بن أنس وغيره من العلماء التلحين في الأذان كراهية شديدة؛ لأنه يخرجه عن موضع التعظيم إلى مشابهة الغناء) (^٢).\nوقال الشيخ علي محفوظ: (من البدع المكروهة تحريمًا: التلحين في الأذان وهو التطريب، أي: التغني به، بحيث يؤدي إلى تغير كلمات الأذان وكيفياتها بالحركات والسكنات ونقص بعض حروفها أو زيادة فيها، محافظة على توقيع الألحان، فهذا لا يحل إجماعًا في الأذان، كما لا يحل في قراءة القران) (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتاوى ابن إبراهيم\" (١/ ١٢٥)، \"تصحيح الدعاء\" ص (٣٧٧).\n(^٢) \"تلبيس إبليس\" ص (١٣٧).\n(^٣) \"الإبداع\" ص (١٧٦).","vol":"2","page":260},{"text":"<span data-type='title' id=toc-160>صلاة العيد ليس لها أذان ولا إقامة</span>\n١٨٤/ ٧ - وَعَنْ جَابِر بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النبيِّ ﷺ الْعِيدَين، غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَينِ، بِغَيرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ. رَوَاهُ مُسْلمٌ.\n١٨٥/ ٨ - وَنَحْوُهُ في المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَغَيْرِهِ.\n\nالكلام عليهما من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث جابر بن سمرة ﵁: فقد أخرجه مسلم في كتاب «صلاة العيدين» (٨٨٧)، من طريق أبي الأحوص، عن سماك، عن جابر بن سمرة، قال: … فذكره.\nوأما حديث ابن عباس ﵄: فقد أخرجه البخاري في كتاب «العيدين»، باب: «المشي والركوب إلى العيد والصلاة قبل الخطبة، وبغير أذان ولا إقامة» (٩٥٩) ومسلم (٨٨٦) (٦) من طريق ابن جريج قال: أخبرني عطاء أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير في أول ما بويع له: (أنه لم يكن يؤذن بالصلاة يوم الفطر، وإنما الخطبة بعد الصلاة) وهذا لفظ البخاري.\nومن طريق ابن جريج - أيضًا - قال: (أخبرني عطاء عن ابن عباس وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قالا: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى، ثم سألته بعد حين عن ذلك، فأخبرني قال: أخبرني جابر بن عبد الله الأنصاري أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعد ما يخرج ولا إقامة ولا نداء ولا شيء، لا نداء يومئذ ولا إقامة) أخرجه البخاري (٩٦٠) مختصرًا، ومسلم (٨٨٦) وهذا لفظه.","vol":"2","page":261},{"text":"الوجه الثاني: حديث جابر بن سمرة وابن عباس ﵃ وغيرهما دليل على أن صلاة العيد لا يشرع لها أذان ولا إقامة، وهذا كالإجماع من أهل العلم، قال الإمام مالك: (سمعت غير واحد من علمائنا يقول: لم يكن في عيد الفطر ولا في الأضحى نداء ولا إقامة، منذ زمان رسول الله ﷺ إلى اليوم، قال مالك: وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا) (^١).\nوقال ابن عبد البر: (لا خلاف بين فقهاء الأمصار في أنه لا أذان ولا إقامة في العيدين ولا في شيء من الصلوات المسنونات، ولا في شيء من النوافل في التطوع …) (^٢).\nوقال ابن القيم: (كان ﷺ إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة بغير أذان ولا إقامة، ولا قول: الصلاة جامعة، والسنة: أنه لا يُفعل شيء من ذلك) (^٣).\nوالحكمة في عدم الأذان للعيدين - والله أعلم - أن الغرض من الأذان الإعلام بدخول الوقت، ووقت صلاة العيد محدد معلوم، وليس الناس في حال غفلة عن الصلاة ووقتها حتى يحتاجوا إلى الأذان.\nقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (إنه لم يكن في عهد النبي ﷺ لصلاة العيد أذان ولا إقامة ولا شيء، ومن هنا يعلم أن النداء للعيد بدعة بأي لفظ كان، والله أعلم) (^٤).\nوما ذكره ﵀ من أنه لا ينادى للعيد بأي لفظ كان دل عليه قول جابر المتقدم: (ولا إقامة ولا نداء ولا شيء)، قال الحافظ: (يستدل بذلك على أنه لا يقال أمام صلاة العيد شيء من الكلام) (^٥).\nوعلى هذا فالأذان للعيد أو النداء بنحو: صلاة العيد، وما في معناها من البدع المحدثة في الدين، وقد نقل الشاطبي عن ابن حبيب - من المالكية ـ:\n_________\n(^١) \"الموطأ\" (١/ ١٧٧).\n(^٢) \"الاستذكار\" (٧/ ١٢).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (١/ ٤٤٢).\n(^٤) \"فتاوى ابن باز\" (٢/ ٤٥٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٥٢).","vol":"2","page":262},{"text":"(أن أول من أحدث الأذان والإقامة في العيدين هشام بن عبد الملك) (^١)، وهذا اجتهاد منه لإعلام الناس بمجيء الإمام، لكنه اجتهاد مخالف لسنة الرسول ﷺ، فإن مجيء الإمام لا يشرع فيه الأذان وإن خفي على بعض الناس لبعده؛ لأن هذه العلة موجودة في زمان الرسول ﷺ والخلفاء بعده، وهي غير مؤثرة في زمانه، فكيف تكون مؤثرة فيما بعده، والقاعدة الأصولية: (أن ما تركه الرسول ﷺ مع وجود المقتضي وانتفاء المانع فتركه هو السنة، وفعله هو البدعة) (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الاعتصام\" (٢٨٣).\n(^٢) \"الإبداع في مضار الابتداع\" ص (٥٩، ١٧١).","vol":"2","page":263},{"text":"<span data-type='title' id=toc-161>مشروعية الأذان والإقامة للصلاة الفائتة</span>\n١٨٦/ ٩ - وَعَنْ أَبي قَتَادَةَ في الحَديثِ الطَّوِيلِ، في نَوْمِهِمْ عَنِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، فَصَلَّى رسولُ الله ﷺ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْم. رَوَاهُ مُسْلمٌ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الاول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب «قضاء الصلاة الفائتة» (٦٨٠)، من طريق ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة ﵁ .. وذكر حديثًا طويلًا، وفي اخره: أنهم ناموا عن الصلاة حتى طلعت الشمس، وفيه: (ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة، فصنع كما كان يصنع كل يوم … الحديث).\nوهذا الأذان كان بأمره ﷺ، ففي «سنن أبي داود» (٤٣٨): (ثم أمر بلالًا أن ينادي بالصلاة فنودي بها).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الأذان والإقامة للصلاة الفائتة بنوم، وألحق بها العلماء الصلاة المنسية؛ لأنه ﷺ جمعهما في الحكم فقال: «من نام عن صلاة أو نسيها … الحديث» (^١)، ويؤيد ذلك عموم قوله ﷺ لمالك بن الحويرث وأصحابه ﵃: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم» (^٢)، فإنه يشمل حضورها في الوقت، وحضورها بعد الوقت.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه عند أحاديث أوقات النهي.\n(^٢) سيأتي برقم (١٩٦).","vol":"2","page":264},{"text":"وهذا إذا كان من فاتتهم الصلاة حتى خرج وقتها في مكان لم يؤذن فيه كالصحراء، وأما إذا كانوا في بلد قد أُذِّنَ فيه؛ فإنه لا يجب عليهم الأذان اكتفاء بالأذان العام في البلد؛ لأنه حصلت به الكفاية، وسقطت به الفريضة.\nوإذا أُذِّنَ للصلاة الفائتة فإن المؤذن لا يرفع صوته، لئلا يشوش على من قد يسمعه.\nوأما ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ في قصة نومهم مع الرسول ﷺ بعد رجوعهم من خيبر، وفيه: «وأمر بلالًا فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح ..» (^١) وظاهره أنه لم يُؤذَّن للصلاة الفائتة، فهذا أجيب عنه بجوابين:\nالأول: أنه لا يلزم من ترك ذكره أنه لم يؤذن لها، فلعله أُذِّنَ وأهمله الراوي، أو لم يعلم به لكونه ذهب لقضاء حاجته ونحو ذلك.\nالثاني: لعله ترك الأذان في هذه المرة لبيان جواز تركه والإشارة إلى أنه ليس بواجب في هذه الحال، ولا سيما في السفر، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٨٠).","vol":"2","page":265},{"text":"<span data-type='title' id=toc-162>الاكتفاء في المجموعتين بأذان واحد</span>\n١٨٧/ ١٠ - وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أتى المُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بَأَذانٍ وَاحِدٍ وإقَامَتَيْنِ.\n١٨٨/ ١١ - وَلَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: جَمَع بَيْنَ المَغْرِبِ والْعِشَاءِ بِإقَامَةٍ وَاحِدَةٍ.\nزَادَ أَبُو دَاوُدَ: لِكُلِّ صَلَاةٍ.\nوفي رِوَايَةٍ لَهُ: وَلَمْ يُنَادِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.\n\nالكلام عليهما من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث جابر ﵁: فقد أخرجه مسلم في كتاب «الحج» (١٢١٨)، وهو حديث طويل، وهو يعد منسكًا مستقلًا، اعتنى فيه جابر ﵁ بحجة النبي ﷺ من أولها إلى اخرها، وسيأتي بتمامه أو ما يقارب ذلك في كتاب «الحج» - إن شاء الله تعالى - وهو من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، وفيه: (حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا .. الحديث).\nوأما حديث ابن عمر ﵄: فقد أخرجه مسلم - أيضًا - (١٢٨٨) (٢٨٩) (٢٩٠) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عمر ﵄ قال: (جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع، صلى المغرب ثلاثًا، والعشاء ركعتين بإقامة واحدة)، وهكذا أخرجه أبو داود (١٩٣١).","vol":"2","page":266},{"text":"وأخرجه أبو داود - أيضًا - (١٩٢٧)، من طريق حماد بن خالد، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر ﵄ وقال فيه: بإقامة واحدة لكل صلاة. وهذا يوافق حديث جابر ﵁.\nوأخرجه أيضًا (١٩٢٨) من طريق مخلد بن خالد، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري به، وقال: (لم يناد في واحدة منهما)، ولعل الحافظ قصد بإيراد هذه الروايات بيان تعددها واختلافها ليقوم الطالب بدراستها ويعرف كيفية العمل بها.\nوحديث ابن عمر ﵄ فيه اضطراب في متنه، فإن لفظه عند مسلم (بإقامة واحدة) وعند البخاري (١٦٧٣) (كل واحدة منهما بإقامة ..)، والظاهر أن مراده إقامة واحدة لكل صلاة، كما وقع عند أبي داود، وهو أولى من القول بأن ذلك وهم من بعض الرواة، أو نسيان من ابن عمر ﵄ في بعض أحواله؛ لأنه عاش طويلًا، وحج حجات كثيرة، فإنه مات سنة (٧٣) فلعله نسي ذلك، فالمعتمد في حديث ابن عمر ﵄ على ما في البخاري من أنه ﷺ صلاهما بإقامة لكل واحدة، وكأن المؤلف نسي ذلك فلم يستحضر ما في البخاري فعزا الإقامة لكل واحدة منهما إلى أبي داود فقط مع أن ذلك في البخاري (^١).\nوهذا يوافق حديث جابر ﵁ كما تقدم من أنه صلاهما بإقامتين، وكذا أخرج البخاري (١٦٧٢)، عن أسامة بن زيد ﵁ أنه صلاهما بإقامتين، فتكون الأحاديث الثلاثة: حديث جابر، وحديث ابن عمر، عند البخاري وأبي داود، وحديث أسامة كلها قد ذكرت الإقامة لكل صلاة، إلا رواية ابن عمر عند مسلم فلم تذكر إلا إقامة واحدة، فتكون رواية مرجوحة، أو تؤول بما تقدم.\nأما الأذان ففي حديث جابر ﵁ أنه ذكر أذانًا واحدًا لهما، وأما أسامة وابن عمر ﵄ فلم يذكرا الأذان، ففي حديث أسامة عند البخاري: (فجاء\n_________\n(^١) ذكره الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في شرحه على \"البلوغ\".","vol":"2","page":267},{"text":"المزدلفة فتوضأ فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة فصلى، ولم يصل بينهما) لكن لا يقدم سكوته عن الأذان على حديث جابر ﵁ الذي أثبته سماعًا صريحًا، بل لو نفاه جملة لقدم عليه حديث من أثبته، لتضمنه زيادة علم خفيت على النافي.\nوفي حديث ابن عمر ﵄ كما تقدم (لم يناد في واحدة منهما)، وهذه تعارض حديث جابر ﵁ الذي أثبت الأذان، ولا شك أن رواية أبي داود لا تقوى على معارضة حديث جابر ﵁ عند مسلم، وحديث ابن مسعود ﵁ عند البخاري - كما سيأتي ـ، غير أن حديث ابن مسعود أثبت أذانين، وحديث جابر أثبت أذانًا واحدًا، لكن الأذان الثاني للعشاء في حديث ابن مسعود ورد بالشك، فلا يعارض اليقين الذي عند مسلم.\nفقد ورد عن عبد الرحمن بن يزيد قال: حج عبد الله ﵁ فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريبًا من ذلك، فأمر رجلًا فأذن وأقام ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أمر - أُرى رجلًا - فأذن وأقام، ثم صلى العشاء ركعتين .. الحديث (^١).\nوالمحفوظ عنه ﷺ أنه لم يصلِّ بينهما شيئًا، ولم يتعشَّ بينهما، بل صلاهما جميعًا، كما قال جابر وأسامة ﵄، ولعل ابن مسعود ﵁ اجتهد في ذلك، ثم إنه لم يصرح بأن الأذان من فعل النبي ﷺ فيكون موقوفًا عليه، والموقوف إذا خالف المرفوع فالحجة في المرفوع، وهو حديث جابر ﵁ فإنه صريح في أنه أذن لهما أذانًا واحدًا، فهو المعتمد في هذا الباب، لأمور ثلاثة:\n١ - أن جابر ﵁ له مزيد عناية بنقل حجة النبي ﷺ.\n٢ - أن الأحاديث سواه مضطربة، وحديث ابن مسعود ﵁ من فعله، إضافة إلى الشك في الأذان الثاني.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٧٥).","vol":"2","page":268},{"text":"٣ - أنه صح من حديث جابر ﵁ جمعه ﷺ بعرفة بأذان واحد وإقامتين، ولم يأت في حديثٍ ثابتٍ قط خلافه، والجمع بمزدلفة كالجمع بعرفة، لا يفترقان إلا في التقديم والتأخير، ولو فرضنا تدافع أحاديث الجمع بمزدلفة جملة لأخذنا حكم الجمع من جمع عرفة (^١).\n\nالوجه الثاني: حديث جابر ﵁ دليل على أن الصلاتين المجموعتين في وقت واحد لهما أذان واحد، وإقامتان، لكل صلاة إقامة، وهذا قول الشافعي وأحمد، وهو الراجح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وفيها أقوال أخرى سببها تعدد الروايات كما تقدم، وكيفية الترجيح.\nوبما أن الواقعة واحدة؛ لأنه ﷺ ما حج إلا حجة واحدة، وهي حجة الوداع، فالمعول في هذه المسألة على حديث جابر ﵁ الذي تتبع حجة النبي ﷺ من أولها إلى اخرها.\nهذا في حكم الأذان والإقامة، أما حكم الجمع فسيأتي - إن شاء الله تعالى - الكلام عليه في كتاب «الحج»، والله المستعان.\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب مختصر السنن\" (٢/ ٤٠١، ٤٠٢).","vol":"2","page":269},{"text":"<span data-type='title' id=toc-163>حكم الأذان قبل الفجر</span>\n١٨٩/ ١٢، ١٩٠/ ١٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ ﵄ قَالَا: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إنَّ بلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، وَكَانَ رَجُلًا أَعمى لَا يُنَادِي، حَتّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ، أَصْبَحْتَ. مُتَّفَقٌ عَلَيه.\nوفي اخره إدْرَاجٌ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عمر ﵄: فقد أخرجه البخاري في عدة مواضع، وأولها كتاب «الأذان»، باب: «أذان الأعمى إذا كان له من يخبره» (٦١٧)، ومسلم (١٠٩٢)، من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال .. فذكره بهذا اللفظ.\nوأخرجه البخاري في باب: «الأذان قبل الفجر» (٦٢٣)، ومسلم (١٠٩٢) (٣٨)، من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، بدون قوله: وكان رجلًا …\nوأخرجه البخاري - أيضًا - في باب «الأذان بعد الفجر» (٦٢٠)، من طريق مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر مرفوعًا، دون قوله: وكان رجلًا …\nوأما حديث عائشة: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان» باب «الأذان قبل الفجر» (٦٢٢)، ومسلم (١٠٩٢) (٣٨)، من طريق القاسم بن محمد، عن عائشة به مرفوعًا، بدون تلك الزيادة.","vol":"2","page":270},{"text":"وقول الحافظ: (وفي اخره إدراج) يريد قوله: (وكان رجلًا أعمى .. إلخ) فهو مدرج من كلام الزهري، فقد رواه الطحاوي (^١) والبيهقي (^٢)، بهذا الإسناد، وفيه: (قال ابن شهاب: وكان رجلًا أعمى … إلخ)، وجزم ابن قدامة بأنه من كلام ابن عمر (^٣)، ونقله عنه الحافظ، وأجاب بأنه لا يمنع أن يكون ابن شهاب قاله، أن يكون شيخه قاله - أيضًا - وكذا شيخ شيخه، وهو عبد الله بن عمر ﵄ (^٤).\nوالإدراج: أن يدخل أحد الرواة في الحديث كلامًا من عنده بدون بيان. إما تفسيرًا لكلمة، أو استنباطًا لحكم، أو بيانًا لحكمة، وهو يكون في أول الحديث، وفي وسطه، وفي اخره وهو الغالب، كما هنا.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إن بلالًا يؤذن بليل) هذا يفيد أن هذه عادة بلال وطريقته، والباء للظرفية، أي في ليل لا في نهار؛ لأنه يؤذن قبل طلوع الفجر قريبًا من طلوعه، فقد ورد عند البخاري: (لم يكن بينهما إلا أن يرقى هذا وينزل هذا)، فيكون هذا اللفظ تقييدًا لما أطلق في الروايات الأخرى من قوله: «إن بلالًا يؤذن بليل».\n\nقوله: (فكلوا واشربوا) الأمر للإباحة، والخطاب للصائمين.\n\nقوله: (ابن أم مكتوم) هو عمرو، قال ابن عبد البر: (وهو الأكثر عند أهل الحديث)، وقيل: عبد الله بن قيس القرشي العامري ﵁ منسوب إلى أمه، كان النبي ﷺ يكرمه ويستخلفه على المدينة في عامة غزواته يصلي بالناس، شهد القادسية في خلافة عمر ﵁ فاستشهد فيها سنة أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وقيل: رجع إلى المدينة، فمات فيها على ما ذكر الواقدي، وهو المذكور في سورة (عبس) ﵁ (^٥).\n_________\n(^١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٣٧).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ٤٢٦ - ٤٢٧).\n(^٣) \"المغني\" (٢/ ٦٩) وفيه (ابن عمرو) والظاهر أنه خطأ.\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ١٠٠).\n(^٥) \"الاستيعاب\" (٨/ ٣٥١)، \"الإصابة\" (٧/ ٨٣).","vol":"2","page":271},{"text":"قوله: (وكان رجلًا أعمى) ذكر الحافظ أنه عمي بعد بدر بسنتين (^١)، وسبقه إلى ذلك ابن الملقن (^٢)، قال الشيخ عبد العزيز بن باز في تعليقه على «الفتح»: (هذا فيه نظر؛ لأن ظاهر القران يدل على أنه عمي قبل الهجرة؛ لأن سورة (عبس) النازلة فيه مكية، وقد وصفه الله فيها بأنه أعمى، فتنبه). اهـ.\n\nقوله: (أصبحت أصبحت) أي: دخلت في وقت الصباح، والمعنى: أن أذانه يكون مقارنًا لابتداء طلوع الصبح، ويدل على ذلك رواية البخاري: «كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» (^٣).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على جواز الأذان قبل الفجر إذا كان ثَمَّ أذان بعده، وذلك ليستيقظ النائم، ويرجع القائم استعدادًا للسَّحُور، فإن لم يوجد بعده أذان اخر فلا يصح على الراجح؛ لأنه يوقع الناس في اللبس، وقد حدَّه بعض الفقهاء كالحنابلة من بعد نصف الليل، ولكن رواية البخاري لهذا الحديث تفيد أن الوقت بين الأذانين قليل جدًا، فقد ذكر البخاري في كتاب «الصيام» أن القاسم قال: (لم يكن بينهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا) (^٤)، وقد ثبت عند النسائي والطحاوي وابن خزيمة من رواية القاسم عن عائشة أنها قالت ذلك، فيكون معنى قول البخاري: (قال القاسم ..) أي: في روايته عن عائشة ﵂ لأن القاسم تابعي ولم يدرك ذلك (^٥).\nوعلى هذا فالأفضل في الأذان قبل الفجر أن يكون وقت السحر قبيل طلوع الفجر، لدلالة الحديث على ذلك، ورجحه ابن الملقن، هذا من جهة الرواية، ومن جهة المعنى: أن الأذان قبيل الفجر فيه مصلحة إيقاظ النائم وتأهبه لإدراك فضيلة أول الوقت، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى في حديث ابن مسعود ﵁: «لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن - أو قال: ينادي بليل ـ، ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم» (^٦)، فإذا كان قبيل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٠٠).\n(^٢) \"شرح العمدة\" (٢/ ٤٥٥).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ١٣٦).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٣٦).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (٢/ ١٠٥).\n(^٦) تقدم تخريجه عند الحديث (١٦٩).","vol":"2","page":272},{"text":"الفجر حصل المقصود؛ لأنه إذا قام الإنسان لا ينام مرة ثانية بل ينشط ويستعد، بخلاف إذا كان بعيدًا عن الأذان الثاني فقد يكسل الإنسان وينام.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على جواز كون المؤذن أعمى إذا وجد من يخبره بدخول وقت الأذان، أو أذَّن بعد بصير؛ لأن الوقت في الأصل مبني على المشاهدة، وقد بوب البخاري على الحديث بقوله: (باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره) كما تقدم، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم (^١)، وقالت طائفة: يكره أذان الأعمى، ولعل ذلك محمول على ما إذا لم يكن معه من يخبره بالوقت (^٢).\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على جواز اتخاذ مُؤَذِّنَيْنِ في مسجد واحد إذا أذن أحدهما في وقت، والاخر في وقت اخر، أما أذانهما معًا بصوت واحد فهو من البدع، ويسمى الأذان الجماعي.\n\nالوجه السادس: دلَّ الحديث على فوائد مجملة في باب «الأذان» ومنها:\n١ - جواز العمل بالأذان إذا كان المؤذن ثقة، لقوله: «فكلوا …» إلخ.\n٢ - استحباب أن يكون الأذان على مكان عال، لقوله في رواية البخاري: (لم يكن بينهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٢/ ٦٩)، \"بدائع الصنائع\" (١/ ١٥٠)، \"المجموع\" (٣/ ١٠٢)، \"مختصر خليل\" ص (٢٣).\n(^٢) المصادر السابقة.","vol":"2","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-164>حكم الأذان قبل تحقق دخول الوقت</span>\n١٩١/ ١٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ، فَيُنَادِيَ: «أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَضَعَّفَه.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (٥٣٢)، في كتاب «الصلاة» باب في «الأذان قبل دخول الوقت»، من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي ﷺ أن يرجع فينادي: «ألا إن العبد قد نام، ألا إن العبد قد نام»، زاد موسى بن إسماعيل شيخ أبي داود: فرجع فنادى: ألا إن العبد نام.\nوهو حديث معلول، فقد تفرد به حماد بن سلمة، كما قال أبو حاتم (^١) وغيره، وقال أبو داود عقبه: (هذا الحديث لم يروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة)، وكذا قال البيهقي (^٢).\nوقال الترمذي: (هذا حديث غير محفوظ)، وَنَقَلَ عن علي بن المديني قوله: (حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ: هو غير محفوظ، وأخطأ فيه حماد بن سلمة) (^٣).\nوالغرض من ذلك أن المحفوظ هو ما تقدم من كون بلال يؤذن بليل، ثم يؤذن بعده ابن أم مكتوم بوقت قصير.\n_________\n(^١) \"العلل\" (٣٠٨).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٨٣).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١/ ٣٩٤).","vol":"2","page":274},{"text":"وقد أخرج أبو داود من طرق، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: (كان لعمر مؤذن يقال له: مسروح أو مسعود، فأذن قبل الصبح، فأمره عمر أن يعيد الأذان) (^١).\nوقد ذكر الترمذي احتمال أن حماد بن سلمة سمع حادثة مؤذن عمر فخانه حفظه فأخطأ في التحديث ظنًا منه ووهمًا أن الحادثة لبلال وأن الآمر بالإعادة هو النبي ﷺ.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر) أي: ظنًا منه أن الفجر قد طلع، ولعل هذا كان في أول الهجرة قبل مشروعية الأذان الأول وقبل تعيين ابن أم مكتوم مؤذنًا؛ لأن بلالًا كان يؤذن في اخر أيامه ﷺ بليل، ثم يؤذن بعده ابن أم مكتوم مع الفجر، كما تقدم.\n\nقوله: (ألا إن العبد قد نام) أي: غفل عن الوقت بسبب النعاس ولم يتبين الفجر، فأمره ﷺ أن يُعْلِمَ الناس بذلك، لئلا ينزعجوا من نومهم وسكونهم، والعبد: كناية عن بلال ﵁.\nوفي رواية للدارقطني: (فرجع وهو يقول: ليت بلالًا لم تلده أمه، وابتلَّ من نضح دم جبينه) (^٢).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أنه ينبغي للمؤذن أن يتحرى الوقت، وعلى أنه يجوز عليه الخطأ مهما اجتهد، لكن إذا أخطأ فأذن قبل الوقت فعليه أن يعود فينبه الناس إلى خطئه.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن الأذان لصلاة الصبح لا يصح إلا بعد طلوع الفجر، وقد تقدم ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (٥٣٣) وصححه الألباني (١/ ١٠٧) \"صحيح سنن أبي داود\".\n(^٢) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٢٤٤).","vol":"2","page":275},{"text":"<span data-type='title' id=toc-165>حكم متابعة المؤذن</span>\n١٩٢/ ١٥ - وَعَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ، فَقُولوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n١٩٣/ ١٦ - وَلِلْبُخَارِيِّ: عَنْ مُعَاوِيَةَ.\n١٩٤/ ١٧ - وَلِمُسْلِمٍ: عَنْ عُمَرَ في فَضْل الْقَوْلِ كَما يَقُولُ المُؤَذِّنُ كَلِمَةً كَلِمَةً، سِوَى الْحَيْعَلَتيْنِ، فَيَقُولُ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بالله».\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث أبي سعيد الخدري ﵁: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان» باب «ما يقول إذا سمع المنادي» (٦١١)، ومسلم (٣٨٣)، من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال … فذكره.\nوأما حديث معاوية ﵁: فقد أخرجه البخاري في الباب المذكور مختصرًا (٦١٢، ٦١٣) وفيه: (أنه لما قال حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال معاوية: هكذا سمعنا نبيكم ﷺ يقول)، ثم ساقه تامًا في كتاب «الجمعة» بابٌ «يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء» (٩١٤)، فقال: حدثنا ابن مقاتل، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا أبو بكر بن عثمان بن سهل بن حُنيف، عن أبي أسامة بن سهل بن حنيف قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان وهو جالس على المنبر أذن المؤذن قال: الله أكبر، الله أكبر، قال:","vol":"2","page":276},{"text":"معاوية، الله أكبر، الله أكبر، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال معاوية: وأنا، فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال معاوية: وأنا، فلما قضى التأذين قال: يا أيها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ على هذا المجلس - حين أذن المؤذن - يقول ما سمعتم من مقالتي.\nوأما حديث عمر ﵁: فقد أخرجه مسلم (٣٨٥) من طريق أبي جعفر محمد بن جهضم الثقفي، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عُمارة بن غَزِيَّة، عن خبيب بن عبد الرحمن بن يساف، عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، عن جده عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر، الله أكبر، قال: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة».\nولو أن الحافظ ﵀ ساقه بتمامه لكان أكمل، لقوله في اخره: «دخل الجنة»، فإن هذا فضل عظيم، نسأل الله تعالى أن يتفضل علينا به.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا سمعتم النداء) أي: صوت المؤذن بالأذان، وهذا لفظ الصحيحين «النداء» وقد وقع في «عمدة الأحكام»: «إذا سمعتم المؤذن»، وهو المثبت في «الجمع بين الصحيحين» للحميدي (^١) وظاهر هذا أن اختصاص الإجابة بمن يسمع، فلو راه ولم يسمعه لم يجبه.\n\nقوله: (فقولوا مثل ما يقول المؤذن) في بعض نسخ البلوغ: «قولوا» بدون فاء، وجميع الروايات بالفاء، وهو الموافق لقواعد اللغة العربية، وقد\n_________\n(^١) انظر: (٣/ ٤٤٣).","vol":"2","page":277},{"text":"تكون الفاء سقطت من الطابع أو الناسخ، والفاء تفيد التعقيب، فتكون المتابعة عقب كل كلمة، كما سيأتي.\n\nوقوله: (مثل ما يقول) أي: مثل كل جملة يقولها، والمراد: تلفظوا بمثل ما يتلفظ به المؤذن من أذكار الأذان، والمماثلة لا تقتضي المساواة من كل وجه، فلا يراد المماثلة في كل الأوصاف، كرفع الصوت - مثلًا ـ.\nوقد اتفقت الروايات في «الصحيحين» على إثبات لفظة «المؤذن» ولم يصب صاحب «عمدة الأحكام» في حذفها، وكأنه اغتر بدعوى ابن وضَّاح أنها مدرجة في الحديث، وغفل عن أن الإدراج لا يثبت بمجرد الدعوى المخالفة لما ثبت في روايات «الصحيحين» (^١)، أو أنه اعتمد على الحميدي، فإنه حذفها (^٢).\n\nقوله: (سوى الحيعلتين) مثنى حيعلة، أي: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، وهذا يسمى في اللغة بـ (النحت) ومعناه: بناء كلمة جديدة من كلمتين أو أكثر، أو من جملة، بحيث تدل على المعنى المراد، مثل: البسملة، والمراد: بسم الله الرحمن الرحيم، والحوقلة أو الحولقة: لا حول ولا قوة إلا بالله، والهيللة: لا إله إلا الله، ونحو ذلك.\n\nقوله: (لا حول ولا قوة إلا بالله) الحول: الحركة، أي: لا حركة ولا استطاعة، ولا قوة: أي: على طاعة الله إلا بالله.\n\nالوجه الثالث: ظاهر حديث أبي سعيد ﵁ وجوب متابعة المؤذن في ألفاظ الأذان لأن هذا أمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب، وهذا قول الظاهرية، وحكاه الطحاوي عن قوم من السلف (^٣).\nوالقول الثاني: أن متابعة المؤذن مستحبة، وليست بواجبة، وهذا مذهب الجمهور (^٤)، والصارف للأمر عن الوجوب حديث أنس بن مالك ﵁ قال:\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٩١).\n(^٢) انظر: \"الجمع بين الصحيحين\" (٣/ ٤٤٣).\n(^٣) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٤٦).\n(^٤) انظر: \"المغني\" (٢/ ٨٥)، \"فتح الباري\" لابن رجب (٥/ ٢٥٠).","vol":"2","page":278},{"text":"كان رسول الله ﷺ يُغِيْر إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانًا أمسك، وإلا أغار، فسمع رجلًا يقول: الله أكبر، الله أكبر، فقال رسول الله ﷺ: «على الفطرة»، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ: «خرجت من النار»، فنظروا فإذا هو راعي معزى (^١).\nووجه الدلالة: أن رسول الله ﷺ سمع المنادي ينادي، فقال غير ما قال، فدل على أن الإجابة غير واجبة.\nلكن هذا الدليل ليس صريحًا في ذلك، فإنه ليس في الحديث أنه لم يقل مثل ما قال، فيجوز أن يكون النبي ﷺ تابع المؤذن ولم ينقله الراوي، اكتفاءً بالعادة، وحرصًا على نقل القول الزائد، ويحتمل أن يكون قبل صدور الأمر بإجابة المؤذن، والمقصود أن دلالته غير صريحة، وأصرح منه قوله ﷺ لمالك بن الحويرث ومن معه - كما سيأتي قريبًا ـ: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم»، فهذا يدل على أن المتابعة غير واجبة، وذلك لأن المقام مقام تعليم، والحاجة داعية إلى بيان كل ما يحتاج هؤلاء، وقد لا يكون عندهم علم بما قاله النبي ﷺ في متابعة المؤذن، فلما ترك النبي ﷺ التنبيه على ذلك مع دعاء الحاجة إليه دل على أن الإجابة غير واجبة، والله أعلم (^٢).\n\nالوجه الرابع: ظاهر حديث أبي سعيد ﵁ أن المتابع يقول مثل ما يقول المؤذن في جميع جمل الأذان، وحديث عمر ﵁ وكذا حديث معاوية في إحدى روايات البخاري يفيد أنه يتابع بمثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فيحمل حديث أبي سعيد العام على الخاص وهو حديث عمر ﵁ عملًا بنصوص السنة كلها، ولأن المعنى مناسب لإجابة الحيعلة بالحوقلة، كما سيأتي، وهذا هو المشهور عند الجمهور (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٨٢).\n(^٢) انظر: \"الشرح الممتع\" (٢/ ٧٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٩١).","vol":"2","page":279},{"text":"وقال ابن المنذر: (وقد يجوز أن يقول قائل: هذا من الاختلاف المباح، إن شاء قال كما يقول المؤذن، وإن شاء قال كما في خبر معاوية بن أبي سفيان، أيَّ ذلك قال فهو مصيب) (^١)، وهذا القول عزاه ابن رجب إلى أبي بكر الأثرم، ومحمد بن جرير الطبري (^٢).\nوالقول الثالث: أنه يجمع بين الحيعلة والحوقلة، وهذا قول لبعض الحنابلة، وكأنه أراد العمل بالحديثين، قال ابن رجب: (وهو ضعيف؛ لأن الجمع لم يرد).\nوالقول الأول أقوى؛ لأن حديث أبي سعيد مجمل، فسَّره حديث عمر ﵁ والأحاديث يفسر بعضها بعضًا، ولأن الراوي روى عن الرسول ﷺ أنه كان يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، ولم يقل: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، فدل على أنه لا يجمع بينهما ولا يذكر الحيعلة، بل يكتفي بالحوقلة.\nوالإجابة في الحيعلة بالحوقلة في غاية الحسن وتمام المناسبة، فإن السامع يجيب المؤذن بمثل ما يقول من ألفاظ الذكر والثناء على الله تعالى، وأما في النداء إلى حضور الصلاة بـ (حي على الصلاة حي على الفلاح)، فهذا دعاء ونداء، فالمناسبة أن العبد يظهر أنه عاجز عن حضور الجماعة والقيام بها إلا إذا قوَّاه الله تعالى وأعانه، فهو يقول: أنا أجيب هذا النداء وأحضر الجماعة ولكن بحول الله وقوته وإعانته وتوفيقه.\n\nالوجه الخامس: يدخل في عموم حديث أبي سعيد ﵁ القارئ ومن كان في ذكر أو دعاء، فإنه إذا سمع الأذان يتوقف عن القراءة والذكر ويجيب النداء؛ لأن إجابة المؤذن عبادة مؤقتة يفوت وقتها، بخلاف القراءة والذكر والدعاء فإن وقتها لا يفوت.\nوكذا الطائف يجيب المؤذن حال طوافه؛ لأن إجابته من الذكر، والذكر\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (٣/ ٣٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٥٢).","vol":"2","page":280},{"text":"مشروع في الطواف، وبالجملة فإجابة المؤذن مطلوبة من كل إنسان على حالٍ صالحةٍ لذكر الله تعالى، إلا في الأحوال التي نهى الشرع فيها عن الذكر كدخول الخلاء، وحال الجماع، ونحو ذلك.\nوأما المصلي إذا سمع المؤذن فإنه لا يجيبه في الصلاة ولو كانت نفلًا، وهو قول أكثر أهل العلم (^١)، لقوله ﷺ: «إن في الصلاة لشغلًا» (^٢).\nوقال مالك: يجيبه في صلاة النافلة دون الفريضة (^٣)، وقال بعض المالكية: يجيبه مطلقًا (^٤)، ونقله صاحب «الإنصاف» وغيره عن شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥)، لكن جاء في «الفتاوى» أنه قال: (إذا سمع المؤذن يؤذن وهو في صلاة فإنه يتمها، ولا يقول مثل ما يقول عند جمهور العلماء، وأما إذا كان خارج الصلاة في قراءة أو ذكر أو دعاء فإنه يقطع ذلك ويقول مثل ما يقول المؤذن؛ لأن موافقة المؤذن عبادة مؤقتة يفوت وقتها، وهذه الأذكار لا تفوت) (^٦).\nأما المؤذن فهل يجيب نفسه؟ قولان:\nمن أهل العلم من قال (^٧): يجيب نفسه، أخذًا بعموم حديث أبي سعيد ﵁؛ لأن المؤذن يُسمع نفسه، فيكون مأمورًا بالإجابة، وقاسوه على تأمين الإمام بعد فراغه من الفاتحة مع المأمومين.\nوالقول الثاني: أن المؤذن لا يجيب نفسه، لأن قوله: «إذا سمعتم النداء» يدل بظاهره على التفريق بين المؤذن والسامع، فلا يدخل المؤذن في ذلك، ولأن المؤذن أتى بألفاظ الأذان فلا معنى لكونه يجيب نفسه، قال ابن رجب: (هذا هو الأرجح) (^٨).\n_________\n(^١) \"المغني\" (٢/ ٨٨)، \"المنتقى\" (١/ ١٣١)، \"المجموع\" (٣/ ١١٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٩٩)، ومسلم (٥٣٨) (٣٤).\n(^٣) \"المدونة\" (١/ ١٨٠).\n(^٤) \"المنتقى\" (١/ ١٣١).\n(^٥) \"الاختيارات\" ص (٣٩)، \"الإنصاف\" (١/ ٤٢٦).\n(^٦) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٧٢).\n(^٧) انظر: \"الاستذكار\" (٤/ ٢١).\n(^٨) \"قواعد ابن رجب\" (٢/ ٢٩).","vol":"2","page":281},{"text":"وأما القياس على تأمين الإمام ففيه نظر؛ لأن تأمين الإمام فيه نص خاص، والأصل عدم القياس في العبادات.\n\nالوجه السادس: ظاهر حديث أبي سعيد أنه يتابع المؤذن، وإن تعدد المؤذنون، وأن ذلك لا يختص بأول أذان، وقد حكى القاضي عياض قولين في المسألة (^١):\nالقول الأول: استحباب متابعة كل مؤذن، أخذًا بظاهر الحديث، وهو من باب ترتيب الحكم على الوصف المناسب، وهو من الطرق الدالة على التعليل على المشهور، وحينئذ يتكرر الحكم بتكرر علته (^٢).\nوقد اختار هذا القول جمع من أهل العلم، منهم العز بن عبد السلام فإنه قال: (وإن أذنوا مرتين أجاب كل واحد إجابة، لتعدد السبب، وإجابة الأول أفضل ..) (^٣)، ونقله عنه الحافظ ابن حجر (^٤)، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد جاء في «الاختيارات»: (ويجيب مؤذنًا ثانيًا وأكثر حيث يستحب ذلك، كما كان المؤذنان يؤذنان على عهد النبي ﷺ) (^٥)، ومنهم النووي فإنه قال: (ولم أر فيه شيئًا لأصحابنا، والمسألة محتملة، والمختار أن يقال: المتابعة سنة متأكدة، يكره تركها، لتصريح الأحاديث الصحيحة بالأمر بها، وهذا يختص بالأول؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار، وأما أصل الفضيلة والثواب في المتابعة فلا يختص، والله أعلم) (^٦).\nوالقول الثاني: أن المتابعة تختص بالمؤذن الأول، وقال بعضهم: لا يجيب غير أذان مسجده الذي يصلي فيه؛ لأن ما عداه غير مدعو به، فلا يتابعه، وكذا لا يجيب إذا صلّى؛ لأنه غير مدعو به - أيضًا - (^٧).\nقالوا: والحديث محمول على الأذان المعهود في زمن النبي ﷺ، وهو أن المؤذن واحد، ولا يمكن أن يؤذن اخر بعد أن تؤدى الصلاة.\n_________\n(^١) \"إكمال المعلم\" (٢/ ٢٥٠).\n(^٢) \"التمهيد\" للإسنوي ص (٢٨٣).\n(^٣) \"فتاوى العز بن عبد السلام\" ص (٧٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٩٢).\n(^٥) ص (٣٩).\n(^٦) \"المجموع\" (٣/ ١١٩).\n(^٧) انظر: \"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام\" (٢/ ٤٧٣)، \"الفروع\" (١/ ٢٨١).","vol":"2","page":282},{"text":"والأول أقوى، أخذًا بالعموم، ولأن الإجابة ذكر لله تعالى، فمن أجاب فهو على خير، وإجابة المؤذن في الأصل مستحبة لا واجبة.\nوأما قول أصحاب القول الثاني: إنه لا يجيب؛ لأنه غير مدعو بهذا الأذان، ففيه نظر؛ لأن ظاهر الحديث أن كل سامع يقول كما يقول المؤذن، ومتابعة المؤذن ليست إجابة وحضور فقط، وإنما هي متابعة له على أذكار يقولها.\nويمكن أن يُؤَيَّدَ ذلك بتكرار الصلاة على النبي ﷺ كلما ذكر اسمه، ولا يكتفى بالصلاة الأولى فقط، لتعدد السبب، وهو ذكر اسمه، فكذا هنا لتعدد السبب، وهو مجيء مؤذن اخر.\n\nالوجه السابع: ظاهر الحديث أن متابعة المؤذن مشروطة بسماع الأذان، فمن شاهد المؤذن ولم يسمعه فإنه لا يقول شيئًا، ومن سمعه ولم يره - كما في هذا الزمان - فإنه يتابعه لقوله: «إذا سمعتم» فعلق الأمر بالسماع.\n\nالوجه الثامن: ظاهر الحديث أنه يجيب المؤذن في التثويب لصلاة الفجر بـ (الصلاة خير من النوم) بمثل ما يقول، فيقول المجيب: الصلاة خير من النوم، وهذا هو الصواب؛ لأنه لم يرد في السنة استثناءٌ من هذا العموم، إلا في الحيعلتين، كما تقدم، وما عداهما يبقى على العموم، وأما ما ذكره بعض علماء الحنابلة والشافعية وغيرهم من أنه يقول: «صدقت وبررت» فليس عليه دليل (^١)، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن قول المجيب: «صدقت وبررت» لا أصل له (^٢). وقال الصنعاني: (هذا استحسان من قائله، وإلا فليس فيه سنة تعتمد) (^٣).\n\nالوجه التاسع: ظاهر الحديث أن متابعة المؤذن تكون عقب كل كلمة يقولها، لا معها ولا يتأخر عنها (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"أحكام الأذان والنداء والإقامة\" ص (٤٢٩).\n(^٢) \"التلخيص\" (١/ ٢٢٢).\n(^٣) \"سبل السلام\" (١/ ٢٤٤).\n(^٤) \"الإعلام\" (٢/ ٤٧١).","vol":"2","page":283},{"text":"وإذا لم يسمع الأذان إلا في منتصفه، فقيل: يتابع فيما بقي، ويقضي ما فاته؛ لأن الأذان من الأذكار، والمسلم ينبغي له أن يحافظ على الأعمال الصالحة، فيقضي ما فاته منها، ومن ذلك الأذكار.\nوالقول الثاني: أنه يتابعه فيما سمع فقط، وما فاته فإنه يتركه لفوات محله، قال الشيخ عثمان النجدي في حاشيته على «المنتهى»: (فإن سمع بعضه، فالظاهر: أنه يتابع فيما سمع فقط) (^١)، قال الشيخ محمد بن إبراهيم: (ولعل هذا أرجح) (^٢).\n\nالوجه العاشر: في الحديث دليل على فضل إجابة المؤذن، والإتيان بهذه الأذكار العظيمة، وهذا يدل على سعة فضل الله تعالى ورحمته بعباده، وكمال شريعته، حيث أُمر من سمع النداء بإجابة المؤذن من أجل أن يشمل أجر الأذان المؤذنين ومن سمعهم وتابعهم على أذانهم.\nوعن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا، وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا غفر له ذنبه» (^٣).\nوأخرجه أبو عوانة بسنده عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمع المؤذن - قال: وقال ابن عامر: من قال حين يسمع المؤذن: - أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، رضيت بالله ربًا ..» الحديث (^٤)، وكذا أخرجه النسائي والترمذي وابن خزيمة، ولفظه قال: «من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا ..» الحديث (^٥)، وهذا يدل على أن السامع يقول بعد جواب المؤذن على الشهادتين: رضيت بالله ربًا … إلخ،\n_________\n(^١) (١/ ١٤٦).\n(^٢) \"فتاوى ابن إبراهيم\" (٢/ ١٣٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (٣٨٦).\n(^٤) \"مسند أبي عوانة\" (١/ ٢٨٣).\n(^٥) \"عمل اليوم والليلة\" رقم (٧٣)، \"جامع الترمذي\" (٢١٠)، \"صحيح ابن خزيمة\" (٤٢١، ٤٢٢).","vol":"2","page":284},{"text":"أي: مرة واحدة، وهذا ذكره النووي (^١) وغيره.\nوعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله ﷺ: «قل كما يقولون، فإذا انتهيت، فَسَلْ تُعْطَ» (^٢).\nوهذا يفيد استحباب الدعاء بعد الفراغ من إجابة المؤذن؛ فإنه من مواطن الإجابة؛ لقوله: «فَسَلْ تُعْطَ»، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٣٢٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥٢٤) -ومن طريقه البيهقي (١/ ٤١٠) - والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٤٤)، وأحمد (١١/ ١٧٤) وابن حبان (٤/ ٥٩٣) كلهم من طريق ابن وهب، عن حُيَيَّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو به.\nوهذا سند حسن؛ لأن حُيَيِّ بن عبد الله مختلف فيه، قال ابن عدي: (أرجو أنه لا بأس به إذا حدث عنه ثقة) وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق يهم)، وعليه فحديثه من قبيل الحسن، وباقي رجال السند رجال الصحيح، وقد حسنه الحافظ في \"نتائج الأفكار\" (١/ ٣٦٧ - ٣٦٨)، والألباني في \"صحيح الكلم الطيب\" ص (٧٣).","vol":"2","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-166>كراهة أخذ الأجرة على الأذان</span>\n١٩٥/ ١٨ - وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبي الْعَاصِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله اجْعَلنِي إمَامَ قَوْمِي، قَالَ: «أنْتَ إمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بَأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا»، أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو عبد الله عثمان بن أبي العاص بن بشر الثقفي ﵁، الأمير الفاضل المؤتمن - كما قال الذهبي - قدم في وفد ثقيف على النبي ﷺ في سنة تسع، فأسلموا، فأمَّره النبي ﷺ عليهم، لِمَا رأى من عقله وحرصه على الخير والدين، وله سبع وعشرون سنة، ثم أقره أبو بكر ﵁ على الطائف، ثم عمر ﵁، ثم استعمله عمر على عُمان والبحرين، ثم سكن البصرة حتى مات بها سنة إحدى وخمسين، وكان هو الذي منع ثقيفًا عن الردة، فقال لهم: (يا معشر ثقيف كنتم اخر الناس إسلامًا، فلا تكونوا أولهم ارتدادًا)، فامتنعوا عن الردة.\nروى عنه سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وموسى بن طلحة، وأبو العلاء، ومطرف ابنا عبد الله بن الشِّخِّير، وكل هؤلاء الرواة رووا عنه حديث الباب عند أحمد وغيره، وروى عنه اخرون، قال الذهبي: (له أحاديث في «صحيح مسلم» (^١) وفي السنن) (^٢).\n_________\n(^١) انظر رقم (٤٦٨، ٢٢٠٢، ٢٢٠٣).\n(^٢) \"الطبقات\" (٥/ ٥٠٨)، \"السير\" (٢/ ٣٧٤)، \"الإصابة\" (٦/ ٣٨٨).","vol":"2","page":286},{"text":"الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في «كتاب الصلاة» باب «أخذ الأجر على التأذين» (٥٣١)، والنسائي (٢/ ٢٣)، وأحمد (٢٦/ ٢٠١)، والحاكم (١/ ١٩٩، ٢٠١)، من طريق حماد، عن سعيد الجُريري، عن أبي العلاء، عن مطرف بن عبد الله، عن عثمان بن أبي العاص ﵁ … فذكره.\nوأخرجه أحمد - أيضًا - عن أبي العلاء، عن عثمان.\nوقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم)، وهو كما قال، والجريري: اسمه: سعيد بن إياس، وهو من رجال الجماعة، وقد طرأ عليه الاختلاط، إلا أن سماع حماد - وهو ابن سلمة - منه قبل اختلاطه، كما ذكر الحافظ (^١).\nوأبو العلاء: هو يزيد بن عبد الله بن الشخير، أخو مطرف.\nوأخرجه الترمذي في كتاب «الصلاة»، باب: «ما جاء في كراهية أن يأخذ المؤذن على الأذان أجرًا» (٢٠٩)، وابن ماجه (٧١٤) من طريق أشعث، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص قال: إن من اخر ما عهد إليّ رسول الله ﷺ أن اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا، وقال الترمذي: (حديث عثمان حديث حسن).\nوبهذا يتضح أن إسناد الحديث عند الترمذي وابن ماجه يختلف عن الباقين، وكذا المتن، وعلى هذا فعزو الحديث للجميع يوهم أن الإسناد والمتن متحدان، والله أعلم.\nوقد اختلفت نسخ الترمذي في الحكم على هذا الحديث، ففي «جامع الترمذي» بشرح ابن العربي (^٢)، وشرح المباركفوري (^٣)، وتحقيق أحمد شاكر: حديث حسن صحيح، وقد أضاف أحمد شاكر كلمة (صحيح) من بعض\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٧).\n(^٢) \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ١١).\n(^٣) \"تحفة الأحوذي\" (١/ ٦١٩).","vol":"2","page":287},{"text":"المخطوطات، وقال: (يظهر أن نسخ الترمذي مختلفة في إثباتها اختلافًا قديمًا) (^١).\nلكن أكثر العلماء لم ينقلوا عن الترمذي إلا التحسين فقط، كابن قدامة (^٢) والنووي (^٣) والمزي (^٤) والحافظ في «البلوغ» كما هنا، وهو المثبت في تحقيق بشار عواد لجامع الترمذي (^٥).\nثم إن (أشعث) الوارد في سند الترمذي وابن ماجه غير منسوب، فلذا اختلف فيه، فابن حزم روى الحديث من طريق ابن أبي شيبة، ثنا حفص بن غياث، عن أشعث - هو ابن عبد الملك الحُمراني - عن الحسن، عن عثمان به (^٦).\nوقد تابع أحمد شاكر ابنَ حزم، وتابعه على ذلك - أيضًا - الألباني (^٧).\nوبالرجوع إلى مصنف ابن أبي شيبة وجدت هذا الإسناد، وليس فيه أنه ابن عبد الملك الحمراني، بل سقط منه اسم (أشعث) فصار عن الحسن، عن عثمان (^٨)، والظاهر أن هذه النسبة اجتهاد من ابن حزم ليس في محله، فإن المزي ساق إسناد ابن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عن الأشعث، عن الحسن به، بدون تحديد، ولو كان معينًا ما تركه المزي (^٩).\nويحتمل أنه أشعث بن سَوَّار الكندي، بل جزم بذلك ابن عبد الهادي فقال: (هو أشعث بن سوار، وقد تكلم فيه غير واحد) (^١٠).\nومما يؤيد ذلك أن المزي لما ترجم لحفص بن غياث ذكر أنه روى عن أشعث بن سوار، ورمز للترمذي وابن ماجه (^١١)، ولما ذكر روايته عن أشعث بن\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١/ ٤١٠).\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ٧٠).\n(^٣) \"المجموع\" (٣/ ١٢٦).\n(^٤) \"تحفة الأشراف\" (٧/ ٢٣٨).\n(^٥) (١/ ٢٥٠).\n(^٦) \"المحلى\" (٣/ ١٤٥).\n(^٧) \"الإرواء\" (١٤٩٢).\n(^٨) \"المصنف\" (١/ ٢٢٨).\n(^٩) \"تحفة الأشراف\" (٧/ ٢٣٨).\n(^١٠) \"التنقيح\" (١/ ٧١٨).\n(^١١) \"تهذيب الكمال\" (٧/ ٥٦، ٥٧).","vol":"2","page":288},{"text":"عبد الملك الحراني لم يرمز له بشيء، وهكذا لما ترجم لأشعث بن سوار ذكر من الرواة عنه حفص بن غياث، ورمز لما تقدم (^١)، ولما ترجم لأشعث بن عبد الملك ذكر من الرواة عنه حفص، ولم يرمز له بشيء (^٢).\nوبين الرجلين فرق، فالأول وهو ابن سوار ضعفه أحمد والنسائي والدارقطني وغيرهم، وقال عنه الحافظ في «التقريب»: (ضعيف)، وقال عن الثاني، وهو أشعث بن عبد الملك: (ثقة فقيه)، وعلى هذا فلعل تحسين الترمذي لهذا الحديث لوروده من طرق أخرى، ومنها ما تقدم عند أبي داود وغيره، والله أعلم.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أنت إمامهم) أي: جعلتك إمامًا لهم، وعدل إلى الجملة الإسمية للدلالة على الثبوت، فكأن إمامته حاصلة، وهو ﷺ يخبر عنها.\n\nقوله: (واقتد بأضعفهم) أي: راعِ حال الضعيف منهم في تخفيف الصلاة مع الإتمام حتى لا يَمَلَّ القوم، وعبر عن المراعاة بالاقتداء مشاكلة لاقتدائهم به، فكأنه قال: كما أن الضعيف يقتدي بصلاتك فاقتد أنت - أيضًا - بضعفه، واسلك له سبيل التخفيف في القيام والقراءة.\n\nقوله: (لا يأخذ على أذانه أجرًا) أي: أجرة دنيوية؛ لأن الذي لا يأخذ على الأذان أجرة أقرب إلى الإخلاص، والحرصِ على إبراء الذمة.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على جواز سؤال الإمامة - وكذا الولاية - لقصد صالح، وهو مصلحة المسلمين وتوجيههم وتعليمهم، وليس هذا بمذموم بل هو محمود، لما فيه من الخير والمصلحة، وهذا مشروط بكون الإنسان يعلم من نفسه الكفاءة والقدرة على القيام بالمهمة التي أنيطت به.\nأما طلبها لأجل الرياسة والاستعلاء على الناس وطلب الجاه والمنصب فهذا مذموم.\n_________\n(^١) \"تهديب الكمال\" (٣/ ٢٦٤).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ٢٧٧).","vol":"2","page":289},{"text":"الوجه الخامس: أنه يستحب للإمام مراعاة أحوال الضعفاء وكبار السن من المأمومين فلا يشق عليهم بطول الصلاة في القيام والركوع والسجود، ولا بطول الانتظار بحيث يشق عليهم التأخر، وسيأتي لذلك زيادة بيان في باب «صلاة الجماعة والإمامة» إن شاء الله تعالى.\nويؤخذ من ذلك مراعاة الضعفاء في كل شيء في السفر وفي الجهاد وفي مواساتهم بالمال ونحو ذلك؛ لأنه إذا طلب مراعاتهم في الصلاة التي هي عمود الإسلام، فغيرها من باب أولى.\nوقد ورد عن مصعب بن سعد قال: رأى سعد ﵁ أن له فضلًا على من دونه، فقال رسول الله ﷺ: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم»، وفي رواية: أنه ظن أن له فضلًا على من دونه من أصحاب النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها: بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم» (^١).\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على تفضيل من يتولى الأذان حِسْبَةً ولا يأخذ على أذانه أجرًا؛ لأن من كان كذلك يكون أكمل في رعاية الوقت لحرصه على الأذان، وإبراء ذمته، لما في قلبه من الدافع الإيماني القوي، بخلاف من يؤذن لأجل عرض الدنيا فقد يتساهل، ولا يكون عنده من الإخلاص والحرص ما عند ذاك.\nوقد استدل بهذا الحديث على منع الاستئجار على الأذان متقدمو الحنفية، وابن حبيب من المالكية، وهو المشهور عند الحنابلة، وهو وجه عند الشافعية، وبه قال ابن حزم (^٢).\nووجه الاستدلال - كما قال الصنعاني ـ: (أن من صفة المؤذن المأمور باتخاذه ألاَّ يأخذ على أذانه أجرًا، فيكون دليلًا على أن من أخذ على أذانه أجرًا ليس مأمورًا باتخاذه) (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٨٩٦)، والرواية الثانية للنسائي (٦/ ٤٥).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ١٥٢)، \"المجموع\" (٣/ ١٢٥)، \"المحلى\" (٣/ ١٤٥) (٨/ ١٩١)، \"المغني\" (٢/ ٧٠)، \"الخرشي على مختصر خليل\" (١/ ٤٤١).\n(^٣) \"سبل السلام\" (١/ ٢٤٦).","vol":"2","page":290},{"text":"ولأن الأذان قربة لفاعله، والقربة لا يؤخذ عليها أجرة؛ لأن الأجرة تفوت الأجر، فلا يكون فيها أجر بالاتفاق؛ لأن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه، لا ما فُعل لأجل عرض الدنيا، وتقاس الإمامة على الأذان بجامع أن كلًّا منهما قربة.\nوالقول الثاني: جواز الاستئجار على الأذان والإمامة، وهذا رواية عند الحنابلة، والأصح عند الشافعية، والمشهور عند المالكية (^١)؛ لأن الأذان عمل معلوم، يجوز أخذ الرِّزق عليه، فجاز أخذ الأجرة عليه، كسائر الأعمال التي فيها مصلحة للمسلمين.\nوالقول الثالث: جواز الاستئجار على الأذان والإمامة عند الحاجة، وهو أن يكون الآخذ فقيرًا، يأخذ الأجرة لحاجته ليستعين بها على العبادة، فالله تعالى يأجره على نيته، بخلاف الغني فلا حاجة له إلى الأجرة، وهذا القول لمتأخري الحنفية، وهو المفتى به، وهو قول ثالث في مذهب الحنابلة، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢) لما تقدم، ولحاجة المسلمين إلى المؤذن والإمام، والحاجة تقتضي جواز الاستئجار، لظهور التواني في الأمور الدينية، وفتور رغبات الناس وكسلهم في الاحتساب، لعدم أو قلة الأعطيات من بيت المال. وهذا أظهر الأقوال إن شاء الله.\nوأما حديث الباب فليس فيه دلالة على التحريم، وإنما غاية ما يدل عليه هو الندب.\nقال ابن قدامة: (ولا نعلم خلافًا في جواز أخذ الرِّزق على الأذان) (^٣)، والرِّزق: بكسر الراء هو ما ينتفع به، وهو ما يعرف في وقتنا بالراتب، والرَّزق: بالفتح هو المصدر، وهو الإعطاء، وإنما جاز أخذ الرزق على الأذان لأن بالمسلمين حاجة إليه وبيت المال إنما وضع لمصالح المسلمين، والأذان والإمامة من مصالح المسلمين، وشرط ذلك ألا يوجد متطوع بالأذان،\n_________\n(^١) المصادر السابقة.\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٤/ ٣١٦) (٣٠/ ٢٠٧).\n(^٣) \"المغني\" (٢/ ٧٠).","vol":"2","page":291},{"text":"فإن وجد لم يُرزق غيره، لعدم الحاجة إليه، وحمايةً لبيت المال من أن يصرف بدون حاجة إليه.\nلكن ذكر ابن مفلح توجه احتمال جواز رزقه من بيت المال وإن وجد متطوع إذا امتاز بحسن الصوت (^١)، ولعل الصفة المقصودة غير حسن الصوت تلحق به، كأن يكون طالب علم، ينوب عن الإمام، أو فيه منفعة، ونحو ذلك (^٢).\nوبين الرزق والإجارة فروق، ومن أهمها:\n١ - أن الرزق أدخل في باب الإحسان والمسامحة، بينما الإجارة أدخل في باب المكايسة والمعاوضة والمغابنة.\n٢ - أنه لا يشترط في الرزق مقدار من العمل ولا أجل ينتهي إليه، بخلاف الإجارة فلا بد من شروطها، كمعرفة الأجل ومقدار المنفعة، ونحو ذلك من شروطها، والله أعلم (^٣).\n_________\n(^١) \"الفروع\" (١/ ٣٢٣).\n(^٢) انظر: \"الروض المربع بحاشية ابن عثيمين\" ص (٦٣).\n(^٣) راجع: \"الفروق\" للقرافي (٣/ ٣).","vol":"2","page":292},{"text":"<span data-type='title' id=toc-167>مشروعية الأذان في السفر</span>\n١٩٦/ ١٩ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ: «وإذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ …» الحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو سليمان، مالك بن الحويرث، ويقال: ابن الحارث الليثي ﵁، قدم مع نفر من قومه على النبي ﷺ وهو يتجهز لتبوك، كما ذكره ابن سعد، وكانوا شببة متقاربين، فأقاموا عنده عشرين ليلة، قال: وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فلما رأى أنا اشتقنا إلى أهلنا، وسألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه، قال: «ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلِّموهم، ومروهم» (^١).\nسكن مالك البصرة، ومات فيها سنة أربع وستين، وذكر ابن عبد البر، ومن بعده النووي أنه مات سنة أربع وتسعين، لكن لما نقل الحافظ ما ذكر ابن عبد البر، قال: (والأول هو الصحيح، وبه جزم ابن السَّكَنِ وغيره)، روى عنه ابنه عبد الله، وأبو قلابة - عبد الله بن زيد الجرمي - وأبو عطية، وسلمة الجرمي وغيرهم (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع من كتاب «الأذان» وغيره، وأولها باب «من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد» (٦٢٨)، ومسلم (٦٧٤)، وأبو داود\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٣١)، ومسلم (٦٧٤).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٩/ ٣٠٧)، \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٨٠)، \"الإصابة\" (٩/ ٤٣).","vol":"2","page":293},{"text":"(٥٨٩)، والترمذي (٢٠٥)، والنسائي (٢/ ٩)، وابن ماجه (٩٧٩)، وأحمد (٣/ ٤٣٦، ٥/ ٥٣)، كلهم من طريق أيوب بن أبي تميمة، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، قال: أتيت رسول الله ﷺ في نفر من قومي فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيمًا رفيقًا، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: «ارجعوا فكونوا فيهم وعلموهم وصَلُّوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم»، وهذا اللفظ للبخاري، ورواه - أيضًا - عن أبي قلابة خالد الحذاء في «الصحيحين» وغيرهما، وهذا الحديث له عدة ألفاظ، وهو عند بعضهم مطولًا، وعند بعضهم مختصرًا.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الأذان، وأنه فرض كفاية، فإذا أذن واحد من الجماعة كفى، لحصول المقصود، كما تقدم في أول الباب، وإذا كان البلد واسعًا بحيث لا يكفي مؤذن واحد جُعل اثنان أو أكثر حسب حاجة البلد.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن الأذان لا يصح إلا إذا حضرت الصلاة وذلك بدخول وقتها، وهذا نص عام لا يستثنى منه شيء، ولأن الأذان إعلام بدخول وقت الصلاة، والإعلام بدخول وقت الشيء لا يكون إلا بعد دخوله.\nوأما ما يذكره بعض الفقهاء من أنه يجوز الأذان لصلاة الصبح قبل وقتها فهو قول مرجوح، والصواب أنه لا يصح الأذان إلا بعد دخول الوقت مطلقًا في جميع الصلوات، وأما أذان بلال الذي يكون اخر الليل فهو ليس للفجر، ولهذا لا يقال فيه: الصلاة خير من النوم، كما تقدم.\n\nالوجه الخامس: يصح أن يستفاد من قوله: «إذا حضرت الصلاة» أن المراد حضور فعلها، وذلك بأن يكون الأذان عند إرادة فعل الصلاة، لا عند دخول الوقت، كما لو كان جماعة في السفر أو في نزهة وأرادوا تأخير صلاة العشاء - مثلًا - عن أول وقتها وهو مغيب الشفق إلى وقتها الأفضل، فالأفضل في حقهم تأخير الأذان إلى إرادة فعل الصلاة.","vol":"2","page":294},{"text":"ويؤيد ذلك حديث أبي ذر الغفاري ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي ﷺ: «أبرد» ثم أراد أن يؤذن فقال له: «أبرد» حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي ﷺ: «إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة» (^١).\nقال ابن رجب: (وظاهر حديث أبي ذر الذي خرجه البخاري يدل على أنه يشرع الإبراد بالأذان عند إرادة الإبراد بالصلاة، فلا يؤذن إلا في وقت يُصَلَّى فيه، فإذا أُخِّرت الصلاة أُخر الأذان معها، وإن عُجِّلَتْ عُجِّل الأذان) (^٢)، وعلى هذا فالأذان عند فعل الصلاة خاص بالسفر، وأما في الحضر فإن الأذان يكون عند حضور الصلاة، أي: دخول وقتها.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على مشروعية الأذان للمسافر، وقد بوب البخاري على حديث مالك بن الحويرث بقوله: «باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد»، وبقوله: «باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة»، وساق في الباب الأخير هذا الحديث من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن مالك بلفظ: «إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما، ثم ليؤمكما أكبركما» (^٣)، ولفظه عند الترمذي من هذا الطريق: (قدمت على رسول الله ﷺ أنا وابن عم لي، فقال لنا: «إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما») (^٤).\nوقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم: اختاروا الأذان في السفر).\nولأن النبي ﷺ لم يدع الأذان ولا الإقامة حضرًا ولا سفرًا، ولأنهما من أعلام الدين الظاهرة.\nقال ابن المنذر: (فالأذان والإقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر؛ لأن النبي ﷺ أمر بالأذان، وأَمْرُهُ على الفرض ..) (^٥)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٣٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٤٩).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٣٦٠).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٢٠٥).\n(^٥) \"الأوسط\" (٣/ ٢٤).","vol":"2","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-168>مشروعية الانتظار بين الأذان والإقامة</span>\n١٩٧/ ٢٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ: «إذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ، وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الاكِلُ مِنْ أَكْلِهِ» الحَدِيثَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَضَعَّفَهُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الترمذي في أبواب «الصلاة»، باب «ما جاء في الترسل في الأذان» (١٩٥) من طريق عبد المنعم، وهو صاحب السِّقَاءِ (^١)، قال: حدثنا يحيى بن مسلم، عن الحسن وعطاء، عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لبلال: «يا بلال، إذا أذنت فترسَّل في أذانك، وإذا أقمت فاحدُر، واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغُ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعْتَصِرُ إذا دخل لقضاء حاجته، ولا تقوموا حتى تروني»، هذا لفظ الترمذي.\nوقال الترمذي: (حديث جابر هذا لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث عبد المنعم، وهو إسناد مجهول، وعبد المنعم شيخ بصري).\nفهذا الحديث ضعيف جدًا، وعلته:\n١ - عبد المنعم وهو ابن نُعيم الأسواري البصري، قال فيه أبو حاتم والبخاري: (منكر الحديث)، وقال النسائي: (ليس بثقة) (^٢)، وقال ابن حبان:\n_________\n(^١) لعله كان يسقي الناس الماء.\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٣٨٢).","vol":"2","page":296},{"text":"(منكر الحديث جدًا، لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق الثقات، فكيف إذا انفرد بأوابد) (^١)، وقال الحافظ في «التقريب»: (متروك)، وليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث عند الترمذي وحده.\n٢ - يحيى بن مسلم شيخ عبد المنعم، وهو يحيى البكَّاء، قال أحمد: (ليس بثقة)، وكذا قال أبو داود والنسائي (^٢)، وقال في «التقريب»: (مجهول).\nومدار هذا الحديث عليه، وقد رواه راوٍ اخر عند الحاكم (١/ ٢٠٤) وهو عمرو بن فائد، عن يحيى، وهو ضعيف - أيضًا - قال الحاكم: (لا أعرف له إسنادًا غير هذا)، وعمرو بن فائد: قال فيه الدارقطني: (متروك) (^٣)، قال أحمد شاكر: (ومن الطريف فيه أن له إسنادين ضعيفين - يقصد إسناد عمرو بن فائد، وإسناد عبد المنعم - عَرَفَ الترمذي أحدهما ولم يعرف الآخر، وعرف الحاكم الثاني، ولم يعرف الأول) (^٤).\nوقوله في اخر الحديث: «ولا تقوموا حتى تروني»، هذه الجملة قد رويت بإسناد صحيح (^٥).\nوقد ورد في الباب حديث أبي هريرة (^٦) وعلي بن أبي طالب ﵄ (^٧)، وعن عمر ﵁ من قوله (^٨). وكلها واهية، ومع ذلك فهذه الأحاديث معانيها صحيحة، تدل عليها عمومات الشريعة ومقاصدها في الأحكام الشرعية، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا أذنت فترسَّل) الترسُّل: التمهل والتأني، من قولهم: جاء فلان على رِسْله، أي: على مهله، وهو بكسر الراء وسكون السين.\n\nقوله: (وإذا أقمت فاحدُرْ) بضم الدال من حَدَرَ يَحْدُرُ، من باب (قَتَلَ) يقال: حدر الرجل الإقامة: أسرع بكلماتها.\n_________\n(^١) \"المجروحين\" (٧٧٤).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٢٤٤).\n(^٣) \"الميزان\" (٣/ ٢٨٣).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (١/ ٣٧٤).\n(^٥) أخرجه البخاري (٦٣٨)، ومسلم (٦٠٤).\n(^٦) أخرجه البيهقي (١/ ٤٢٩).\n(^٧) رواه الدارقطني (١/ ٢٣٨).\n(^٨) رواه الدارقطني (١/ ٢٣٨)، والبيهقي (١/ ٣٢٨).","vol":"2","page":297},{"text":"قوله: (والمعتصر ..) هو من يؤذيه بول أو غائط، أي: يفرغ الذي يحتاج إلى الغائط ويعصر بطنه وفرجه.\n\nقوله: (الحديثَ ..) بالنصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، أي: اقرأ الحديث، أو أتمَّ الحديث، ونحو ذلك، وبالرفع خبر لمبتدأ محذوف، أو مبتدأ حذف خبره، أي: الحديث له بقية، ونحو ذلك، وبالجر على تقدير: إلى آخر الحديث.\nوهذه العبارة يذكرها المؤلفون وغيرهم إشارة إلى أنه لم يُستوفَ الحديث ولم يُذكر بتمامه، وإنما اقتصر منه على المقصود، ومثل هذا قولهم: الآية أو البيت.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أنه ينبغي في الأذان التمهل والتأني وفي الإقامة الإسراع والحدر؛ لأن الأذان دعوة للغائبين فناسب فيه التمهل؛ لأنه أبلغ في الإعلام؛ لأن بعض الناس قد لا ينتبه لأوله فينتبه لآخره.\nوأما الإقامة فهي دعوة للحاضرين فلا يحتاجون فيها ما يحتاج إليه البعيد، فكان الإسراع بها أنسب ليفرغ منها بسرعة، فيأتي بالمقصود وهو الصلاة، وقد أخرج ابن أبي شيبة من طريق مِسْعَرٍ، عن أبي بكر بن حفص قال: (كان ابن عمر يَحْذِمُ الإقامة) (^١).\nوالحذم: بالذال المعجمة مصدر (حَذَمَ، يَحْذِمُ) من باب (ضرب): الإسراع في الشيء، وكل شيء أسرعت فيه فقد حَذَمْتَهُ.\nوليس من التمهل في الأذان المبالغة في التمطيط والتلحين الذي عليه بعض المؤذنين، بل يكون أذانًا سمحًا، سكتاته خفيفة، ومده واضح، لا تمطيط فيه، ولا تلحين، وقد تقدم بيان ذلك.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أنه ينبغي التراخي بين الأذان والإقامة وعدم العجلة، بل يعطى الناس وقتًا يفرغون مما هم فيه من الأكل\n_________\n(^١) \"المصنَّف\" (١/ ١٩٥) وإسناده صحيح.","vol":"2","page":298},{"text":"واللبس والطهارة ونحو ذلك، ليتمكنوا من حضور الجماعة، وإدراك الصلاة من أولها.\nوالحديث وإن كان إسناده ضعيفًا إلا أن المعنى الذي من أجله شرع الأذان يقويه، فإن الأذان نداء لغير الحاضرين ليحضروا للصلاة، فلا بد من تقدير وقت يتسع للتأهب للصلاة وحضورها وإلا لضاعت الفائدة من النداء؛ لأن غالب الناس لا يقومون إلى الصلاة إلا عند سماع الأذان.\nوقد ترجم البخاري في كتاب «الأذان» بقوله: بابٌ «كم بين الأذان والإقامة»؟ وساق فيه حديث عبد الله بن مغفل ﵁: «بين كل أذانين صلاة ..»، وحديث أنس ﵁ في صلاة الصحابة ركعتين بعد أذان المغرب (^١).\nونقل ابن بطال عن بعض الفقهاء أنه لا حدَّ لذلك أكثر من اجتماع الناس، وتمكن دخول الوقت (^٢).\nوقد دل فعل النبي ﷺ على السنة في ذلك وعدم العجلة، ففي الفجر كان ﵊ يصلي بعد الأذان سنة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن، وقد يتحدث مع عائشة ﵂ ثم يخرج إلى الصلاة، وهذا ثابت في «الصحيحين».\nوكان في المغرب - وهي أعجل الصلوات - ينتظر بعد الأذان وقتًا قليلًا، حتى إن الصحابة ﵃ كانوا يركعون ركعتين قبل الإقامة، كما تقدم، وفي الظهر كان يؤخر الصلاة في السفر والحضر حتى يحصل الإبراد، فعلى من شرفه الله تعالى بإمامة الناس أن يعطيهم وقتًا مناسبًا بعد الأذان ليتمكنوا فيه من الطهارة والحضور وإدراك الصلاة من أولها، وأداء السنة الراتبة بالنسبة للصلوات التي لها رواتب، كالفجر والظهر، ولا ينبغي له إطالة الانتظار بين الأذان والإقامة، لئلا يشق على الحاضرين، لا سيما من يأتي إلى المسجد متقدمًا، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٠٦).\n(^٢) \"شرح ابن بطال على صحيح البخاري\" (٢/ ٢٥٢).","vol":"2","page":299},{"text":"<span data-type='title' id=toc-169>مشروعية الوضوء للأذان</span>\n١٩٨/ ٢١ - وَلَهُ: عَنِ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤَذِّنُ إلاَّ مُتَوَضِّئ» وَضَعَّفَهُ أيضًا.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الترمذي في «أبواب الصلاة»، باب «ما جاء في كراهية الأذان بغير وضوء» (٢٠٠) من طريق الوليد بن مسلم، عن معاوية بن يحيى الصَّدَفي، عن الزهري، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: … فذكره.\nوهذا إسناد ضعيف جدًا، ضعفه الترمذي بقوله: (الزهري لم يسمع من أبي هريرة) وذلك أن الزهري ولد سنة إحدى وخمسين، وأبو هريرة توفي سنة تسع وخمسين، وإن كان ذلك يحتمل السماع إلا أنه لم يثبت ذلك.\nوفيه - أيضًا - الوليد بن مسلم، وهو معروف بتدليس التسوية، وقد عنعنه.\nوفيه - أيضًا - معاوية بن يحيى، قال ابن معين: (ليس بشيء)، وقال ابن عدي: (عامة رواياته فيها نظر)، وقال ابن حبان: (منكر الحديث جدًّا، كان يشتري الكتب ويحدث بها، ثم تغير حفظه ..) (^١)، وقال الحافظ في «التقريب»: (ما حدث بالشام أحسن مما حدث بالرَّي).\nوقد أخرج الترمذي الحديث موقوفًا على أبي هريرة ﵁ (٢٠١)، من\n_________\n(^١) \"المجروحين\" (٢/ ٣٣٤)، \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٩٧).","vol":"2","page":300},{"text":"طريق ابن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب قال: قال أبو هريرة: (لا ينادي بالصلاة إلا متوضئ)، وقال الترمذي: (هذا أصح من الحديث الأول).\nلكنه منقطع، كما تقدم، وعليه فالحديث لا يصح لا مرفوعًا ولا موقوفًا.\n\nالوجه الثاني: ظاهر الحديث اشتراط الطهارة للأذان، ولكن هذا لا يتم؛ لأن الحديث ضعيف، فلو أذن على غير طهارة صح أذانه، ولكن تستحب الطهارة للأذان؛ لأنه عبادة وذكر لله تعالى، فينبغي الإتيان به على طهارة، وقد ورد في حديث المهاجر بن قنفذ أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فلم يردَّ عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: «إني كرهت أن أذكر الله ﷿ إلا على طُهر» أو قال: «على طهارة» (^١).\nوهذا - كما قال النووي ـ: (أصح ما يحتج به على شرعية الطهارة للأذان) (^٢)؛ لأنه ذكر لله تعالى وثناء عليه، ولأن عدم الطهارة يحوج المؤذن للخروج من المسجد، وقد يشغله شاغل فيأتي الإمام وهو لم يتوضأ، والإقامة من باب أولى، فتسن لها الطهارة، لقربها من الدخول في الصلاة، ولو أقام وهو على غير طهارة صح، لكن إن كان طاهرًا فهو أفضل حتى يتمكن من الدخول مع الإمام من أول الصلاة.\nأما أذان الجنب فمن أهل العلم من قال: لا يصح أذان الجنب، لهذا الحديث.\nوالقول الثاني: أنه يصح أذان الجنب، ونسبه ابن قدامة إلى أكثر أهل العلم (^٣)، قالوا: لأن الجنابة أحد الحدثين، فلم تمنع صحة الأذان، كالحدث\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٧)، والنسائي (١/ ٢٦)، وابن ماجه (٣٥٠)، وأحمد (٣٤/ ٣٦١) وغيرهم بأسانيد صحيحة.\n(^٢) \"المجموع\" (٣/ ١٠٥).\n(^٣) \"المغني\" (٢/ ٦٨).","vol":"2","page":301},{"text":"الأصغر، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أنه يكره الأذان للجنب (^١)، وجاء في «الاختيارات» أن أكثر الروايات عن الإمام أحمد المنع من أذان الجنب، وعنه في الإعادة روايتان (^٢)، واختار الخرقي في «مختصره» الإعادة (^٣).\nهذا إذا لم تكن المنارة في المسجد، فإن كانت في المسجد فقد تقدم في «الطهارة» حكم دخول الجنب المسجد، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٦/ ١٩٠).\n(^٢) \"الاختيارات\" ص (٣٧).\n(^٣) \"المغني\" (٢/ ٦٧).","vol":"2","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-170>الحكم إذا أذن رجل وأقام آخر</span>\n١٩٩/ ٢٢ - وَلَهُ: عَنْ زِيَادِ بْنِ الحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ» وَضَعَّفَهُ أيضًا.\n٢٠٠/ ٢٣ - وَلأبي دَاوُدَ: في حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنا رَأَيْتُهُ - يَعْنِي: الأذَان - وأنَا كُنْتُ أُريدُهُ. قَالَ: «فَأَقِمْ أَنْتَ» وَفِيهِ ضَعْفٌ أَيضًا.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو زياد بن الحارث الصُّدائي - بضم الصاد، نسبة إلى صُداء: اسم قبيلة في اليمن - حليف بني الحارث بن كعب، نزل مصر، بايع النبي ﷺ، وأذن بين يديه، له حديث طويل في قصة إسلامه (^١)، جاء فيه قول النبي ﷺ له: (إنك مطاع في قومك يا أخا صُداء) وجاءت فيه اللفظة المذكورة في هذا الباب، ومدار هذه القصة على عبد الرحمن بن زياد (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث زياد ﵁: فقد أخرجه الترمذي في أبواب «الصلاة»، باب «ما جاء أن من أذن فهو يقيم» (١٩٩)، وأبو داود (٥١٤)، وابن ماجه (٧١٧)، وأحمد (٢٩/ ٧٩، ٨٠)، والبيهقي (١/ ٣٩٩)، كلهم من طريق عبد الرحمن بن زياد - يعني الأفريقي - أنه سمع زياد بن نُعيم الحضرمي، أنه\n_________\n(^١) انظر: \"فتوح مصر\" لابن عبد الحكم ص (٣١٢ - ٣١٣)، \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٤٩٥)، \"دلائل النبوة\" (٥/ ٣٥٥).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٤/ ٣٤)، \"الإصابة\" (٤/ ٢٧).","vol":"2","page":303},{"text":"سمع زياد بن الحارث الصدائي قال: قال رسول الله ﷺ: «أذن يا أخا صُداء»، قال: فأذنت، وذلك حين أضاء الفجر، قال: فلما توضأ رسول الله ﷺ قام إلى الصلاة، فأراد بلال أن يقيم، فقال رسول الله ﷺ: «يقيم أخو صُداء، فإن من أذن فهو يقيم».\nوالحديث ضعفه الترمذي؛ لأن في إسناده عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، وهو ضعيف عند أهل الحديث، قال الحافظ في «التقريب»: (ضعيف في حفظه ..) وقد تقدم الكلام عليه عند الحديث (١٧٥).\nأما حديث عبد الله بن زيد: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» بابٌ «في الرجل يؤذن ويقيم اخر» (٥١٢)، وأحمد (٢٦/ ٣٩٧)، من طريق أبي سهل محمد بن عمرو، عن عبد الله بن محمد (^١) عن عمه عبد الله بن زيد قال: أراد النبي ﷺ في الأذان أشياء (^٢) لم يصنع منها شيئًا، قال: فأُري عبد الله بن زيد الأذان في المنام، فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: «ألقه على بلال» فألقاه عليه، فأذن بلال، فقال عبد الله: أنا رأيته، وأنا كنت أريده، فقال: «فأقم أنت»، وعند أحمد: (فأقام هو، وأذن بلال).\nوهذا إسناد ضعيف، والحديث صحيح بغير هذا اللفظ - كما تقدم - وسبب ضعف هذا الإسناد: محمد بن عمرو الواقفي، وهو أبو سهل، كما وقع في «مسند أحمد»، ووُصِفَ بالواقفي عند أبي داود الطيالسي في «مسنده» (٢/ ٤٢٥)، والبيهقي (١/ ٤٩٩).\nومحمد هذا ضعيف، فقد ضعفه ابن معين، وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه: فضعفه جدًا، وقال ابن القطان: (محمد بن عمرو ضعيف لا يساوي شيئًا) (^٣)، وقال ابن عبد الهادي: (أبو سهل محمد بن عمرو، وهو\n_________\n(^١) في \"السنن\": (محمد بن عبد الله) وفي \"المسند\" (عبد الله بن محمد). وانظر: \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٣٤٨).\n(^٢) أي: من البوق والناقوس والراية والنار.\n(^٣) \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٣٤٨)، \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٣٣٦).","vol":"2","page":304},{"text":"الأنصاري، وهو ضعيف، تكلم فيه يحيى بن معين وغيره) (^١).\n\nالوجه الثالث: حديث زياد بن الحارث يدل على أن الإقامة حق لمن أذن، فلا يصح من غيره أن يتولاها، ولكن الحديث ضعيف كما علمت، فلا ينهض دليلًا على المنع، فيجوز أن يؤذن شخص ويقيم اخر، كما يدل عليه حديث عبد الله بن زيد، وهو وإن كان ضعيفًا - كما تقدم - لكنه يقوي الأصل، وهو جواز كون المقيم غير المؤذن، كما ذكر الصنعاني (^٢)، وكأنه رأى أن الإقامة عبادة مستقلة عن الأذان، فجاز أن يقعا من اثنين، فإن تولاهما شخص واحد فهو أفضل، لأجل ان يلاحظ الإقامة كما يلاحظ الأذان، حتى لا يقع تفريط في الإقامة فيختل الأمر.\nوالظاهر أن هذا هو فعل بلال وأبي محذورة ﵄، على أن حديث الصدائي أقوم إسنادًا من حديث عبد الله بن زيد، ثم إن حديث عبد الله بن زيد كان في السنة الأولى، وحديث الصدائي بعده بلا شك، والأخذ باخر الأمرين أولى، ثم إن حديث عبد الله بن زيد خاص به من أجل الرؤيا، وحديث الصدائي عام، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"التنقيح\" (١/ ٢٩٠).\n(^٢) \"سبل السلام\" (٢/ ٢٥٠).","vol":"2","page":305},{"text":"<span data-type='title' id=toc-171>الأذان موكول إلى المؤذن والإقامة إلى الإمام</span>\n٢٠١/ ٢٤ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «المُؤَذِّنُ أَمْلَكُ بِالأَذَانِ، وَالإمَامُ أَملَكُ بِالإقَامَةِ». رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَضَعَّفَهُ.\n٢٠٢/ ٢٥ - وَلِلْبَيْهَقِيِّ نحْوُهُ: عَنْ عَلِيٍّ مِنْ قَوْلِهِ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي هريرة ﵁: فقد أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٤/ ١٢) في ترجمة شريك القاضي، من طريق يحيى بن إسحاق، ثنا شريك، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين».\nقال ابن عدي: (وهذا اللفظ لا يروى إلا عن شريك، من رواية يحيى بن إسحاق عنه، وإنما رواه الناس عن الأعمش بلفظ اخر، وهو قوله: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين») (^١).\nوهذا الحديث أخرجه الترمذي (٢٠٧)، وأبو داود (١/ ١٤٣)، وأحمد (١٢/ ٨٩)، وهو حديث صحيح.\nأما حديث الباب فهو حديث ضعيف من أجل شريك بن عبد الله القاضي، وهو سيء الحفظ، وقد تفرد به، ولذا قال البيهقي (٢/ ١٩): (إن الحديث ليس بمحفوظ)، ولكن يؤيد الحديث ما ورد عن علي ﵁، ويؤيد الحديثين عمل النبي ﷺ، كما سيأتي إن شاء الله.\n_________\n(^١) انظر: \"المسند\" (١٤/ ٤٨٥)، \"تحفة الأحوذي\" (١/ ٦١٣).","vol":"2","page":306},{"text":"وأما أثر علي ﵁: فقد أخرجه البيهقي (٢/ ١٩) من طريق محمد بن غالب، أنبأ أبو عمرو الحوضي، وعمرو بن مرزوق، ومسلم بن إبراهيم قالوا: أنبأنا شعبة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ قال: (المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة) فهو بلفظ المرفوع تمامًا، وليس كما قال الحافظ، إلا إن كان يقصد الزيادة التي في اخره، وهي قوله: (اللهم أرشد الأئمة …).\nوهذا الأثر إسناده قوي، ورجاله ثقات، ومحمد بن غالب الملقب بـ (تمتام) وثقه الدارقطني، وقال: (وهم في بعض الأحاديث)، قال الذهبي: (حافظ مكثر عن أصحاب شعبة) (^١).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه\n\nقوله: (المؤذن أملك بالأذان) أي: إن أمره موكول إليه، فكأنه مالك له، لأنه أمين على الوقت.\n\nقوله: (والإمام أملك بالإقامة) أي: إن أمرها موكول إليه، فكأنه مالك لها؛ لأن الصلاة لا تقام إلا بأمره.\n\nقوله: (اللهم أرشد الأئمة) أي: وفقهم للعمل بما تكفلوا به والخروج من عهدته.\n\nقوله: (واغفر للمؤذنين) أي: تجاوز عما عساه يقع منهم من التقصير في الأمانة التي تحملوها بسبب تقدم أو تأخر، ونحو ذلك.\n\nقوله: (الإمام ضامن ..)، الضامن بمعنى: الحافظ والراعي، والضمان بمعنى: الحفظ والرعاية، فالإمام يحفظ الصلاة وعدد الركعات على القوم، والمؤذن مؤتمن: أي: أمين الناس على صلاتهم وصيامهم.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن المؤذن أملك بالأذان، بمعنى: أن ابتداء الأذان موكول إليه؛ لأنه أمين على الوقت، فمراقبته منوطة به.\n_________\n(^١) \"الميزان\" (٣/ ٦٨١).","vol":"2","page":307},{"text":"والإمام أملك بالإقامة، بمعنى: أنه أحق بها، فلا يقيم المؤذن إلا بإشارته، فالأمر موكول إليه، فهو الذي يتحرى وقت الإقامة، وينظر في حال الجماعة، فيقدم إن رأى التقديم، ويؤخر إن رأى التأخير، مراعاةً للمصلحة الشرعية في ذلك.\nوالعمدة في ذلك فعل النبي ﷺ، فإنه هو الذي كان يأمر بالإقامة ويأذن فيها، وبلال وغيره هو المسؤول عن الأذان.\nوقد روى جابر بن سمرة ﵁ قال: (كان بلال يؤذن إذا دحضت - يعني الشمس - فلا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ، فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه) (^١).\nوفي حديث عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر، قام فركع ركعتين قبل صلاة الفجر بعد أن يستبين الفجر، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة (^٢).\nوقد ورد عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» (^٣)، وظاهر هذا أن الصلاة كانت تقام قبل أن يخرج النبي ﷺ، والحق أنه لا معارضة بينهما، ووجه الجمع أن بلالًا يراقب وقت خروج النبي ﷺ، فإذا راه شرع في الإقامة قبل أن يراه غالب الناس، ثم إذا رأوه قاموا إلى الصلاة، والله أعلم.\nوقد اختلف العلماء في وقت قيام الناس إلى الصلاة، وأحسن ما قيل في ذلك ما ورد عن الإمام مالك أنه قال: (وأما قيام الناس حين تقام الصلاة فإني لم أسمع في ذلك بحدٍّ يقام له، إلا أني أرى ذلك على قدر طاقة الناس، فإن منهم الثقيل والخفيف، ولا يستطيعون أن يكونوا كرجل واحد) (^٤)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٠٦).\n(^٢) تقدم تخريجه أول \"الأذان\".\n(^٣) تقدم تخريجه عند الحديث (١٩٧).\n(^٤) \"الموطأ\" (١/ ٧١).","vol":"2","page":308},{"text":"<span data-type='title' id=toc-172>استحباب الدعاء بين الأذان والإقامة</span>\n٢٠٣/ ٢٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأذَانِ وَالإقَامَةِ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (٦٧)، وهو في «السنن الكبرى» (٩/ ٢٢)، وابن خزيمة (٦٧)، من طريق إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن بُريد بن أبي مريم، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة»، وعند ابن خزيمة في رواية: «.. فادعوا»، وأخرجه أحمد (٢٠/ ٤١) بهذه الزيادة بهذا الإسناد، وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، قال ابن القطان: (هذا إسناد جيد، وبُريد ثقة، فاعلمه) (^١).\nوالحديث أخرجه أبو داود (٥٢١)، والترمذي (٢١٢)، والنسائي (٦٨)، وأحمد (١٩/ ٢٣٤)، والبيهقي (١/ ٤١٠)، والبغوي في «شرح السنة» (٢/ ٢٨٩)، من طريق سفيان الثوري، عن زيد العمِّيِّ، عن أبي إياس - يعني معاوية بن قُرَّةَ - عن أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا.\nوهذا الإسناد ضعيف، لضعف زيد بن الحوَاري العمِّيِّ - بكسر الميم مشددة - قال أبو زرعة فيه: (واهي الحديث، كان شعبة لا يحمد حفظه)، وقال ابن معين: (لا شيء)، وقال أبو حاتم: (يكتب حديثه، ولا يحتج به) وقال الإمام أحمد: (صالح) (^٢)، لكن إن كان ضعفه من سوء حفظه فإن مجيء\n_________\n(^١) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٢٢٧).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٣٥١).","vol":"2","page":309},{"text":"الحديث من طرق أخرى - ومنها ما تقدم - يدل على أنه قد حفظ الحديث.\nفيكون الحديث من قبيل الحسن لغيره؛ لأن له طرقًا أخرى، ولذا قال الترمذي: (حديث حسن)، وفي طبعة أحمد شاكر: (حسن صحيح) (^١)، وهذا فيه نظر؛ فإن هذه الزيادة لم ترد في نسخ أخرى، وقد وضعها أحمد شاكر بين معقوفتين، قال ابن حجر: (وهذا حديث حسن، وهو غريب من هذا الوجه، وسكت عليه أبو داود، إما لحسن رأيه في زيد العمِّي، وإما لشهرته في الضعف، وإما لكونه في فضائل الأعمال، وضعفه النسائي، وأما الترمذي فقال: هذا حديث حسن …، وقد نقل المصنف - يعني النووي - أن الترمذي صححه، ولم أر ذلك في شيء من النسخ التي وقفت عليها …، ويبعد أن الترمذي يصححه مع تفرد زيد العمِّي به، وقد ضعفوه) (^٢). اهـ. ببعض تصرف.\nوقد أخرجه الترمذي - أيضًا - في كتاب «الدعوات» (٣٥٩٤)، من طريق يحيى بن اليمان، عن سفيان به. ولفظه: «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة»، قال: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: «سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة»، وقال الترمذي: (حديث حسن، وقد زاد يحيى بن اليمان في هذا الحديث هذا الحرف ..).\nوقد تعقبه الألباني فقال: (كلاَّ، بل هو ضعيف منكر بهذه الزيادة، تفرد بها ابن اليمان، وهو ضعيف لسوء حفظه، أما الحديث فصحيح بدونها) (^٣)، والحق أنه لا داعي لهذا التعقب، لأن الترمذي حسن الحديث، ثم قال: وقد زاد يحيى … فأشار إلى الزيادة.\nولعل الحافظ اقتصر على إسناد النسائي وابن خزيمة؛ لأن سندهما أصح، ولم يذكر أبا داود والترمذي، لما تقدم في سندهما من الكلام في زيد العمّي، وهذا من دقته ﵀.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على فضل الدعاء بين الأذان والإقامة وأن\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١/ ٤١٦).\n(^٢) \"نتائج الأفكار\" (١/ ٣٦٤).\n(^٣) \"الإرواء\" (١/ ٢٦٢).","vol":"2","page":310},{"text":"المسلم مأمور بذلك لقوله: «فادعوا» كما تقدم في بعض الروايات، فيستحب الدعاء والإكثار منه في هذا الوقت؛ لأن صاحبه حري بالإجابة، فإن من أُلهم الدعاء فقد أُريد به الإجابة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، ويقول سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وهذا كله من كرم الله تعالى وفضله على عباده.\nفينبغي للمسلم أن يبادر إلى حضور الصلاة، فإن المتقدم إلى المسجد يتابع المؤذن، ويدعو بين الأذان والإقامة، وفي ذلك ثواب عظيم، بخلاف المتأخر فقد لا يتابع المؤذن، ولا يدعو بين الأذان والإقامة، لغفلته أو لانشغاله، أو لغير ذلك من الصوارف، فيفوته بذلك خير كثير، والله المستعان.","vol":"2","page":311},{"text":"<span data-type='title' id=toc-173>استحباب الدعاء بطلب الوسيلة للنبي - ﷺ - بعد الأذان</span>\n٢٠٤/ ٢٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاةِ القَائِمَةِ، اتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ». أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب: «ما جاء في الدعاء عند الأذان»، (٥٢٩)، والترمذي (٢١١)، والنسائي (٢/ ٢٦)، وابن ماجه (٧٢٢)، من طريق علي بن عياش، ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ .. فذكره.\nوالحديث رواه عن علي بن عياش اثنا عشر نفسًا منهم البخاري، وأحمد، وأبو داود، واخرون، رووه من طريقه، وإلا فهو سند فرد في طبقاته الأربع، والحديث أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «الدعاء عند النداء» (^١)، والحافظ مع حفظه واطلاعه غاب عن ذهنه أنه في البخاري بهذا الإسناد في الباب المذكور (٦١٤)، فعزاه إلى أصحاب السنن فقط، لكن وقع في هذا الحديث زيادات، وأهمها اثنتان:\nالأولى: زيادة «والدرجة الرفيعة»، وهي عند ابن السني في «عمل اليوم\n_________\n(^١) نقل ابن أبي حاتم في \"العلل\" (٢/ ١٧٢ - ١٧٣) عن أبيه أنه قد طُعن في هذا الحديث.\nوانظر: \"شرح العلل\" (٢/ ٧٥٩)، \"فتح الباري\" (٥/ ٢٦٥) كلاهما لابن رجب.","vol":"2","page":312},{"text":"والليلة» برقم (٩٥) وهي مدرجة من بعض النساخ؛ لأنه روى الحديث من طريق النسائي بالإسناد المتقدم، وهي ليست عند النسائي، ولا عند غيره، قال الحافظ: (وليس في شيء من طرقه ذكر الدرجة الرفيعة) (^١).\nالثانية: زيادة «إنك لا تخلف الميعاد» في اخر الحديث، وهي زيادة شاذة وقعت عند البيهقي (١/ ٤١٠)، من طريق محمد بن عوف بن سفيان الطائي، حدثنا علي بن عياش .. وقد انفرد بها ابن عوف عن بقية الرواة عن ابن عياش، وهم أحد عشر نفسًا كما تقدم، وقد قال عنه الحافظ في «التقريب»: (ثقة حافظ)، والحكم عليها بالشذوذ مبني على أن الشاذ مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه (^٢).\nواعلم أن هذا الحديث يوجد في بعض نسخ «بلوغ المرام» ومنها التي عليها شرح المغربي (^٣)، وسقط من شرح الصنعاني «سبل السلام» وإثباته في غاية المناسبة، وهو مثبت في «الإلمام» لابن دقيق العيد، و«المحرر» لابن عبد الهادي، وهذه الكتب الثلاثة بينها تشابه كما مرَّ في «المقدمة».\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من قال حين يسمع النداء) أي: الأذان، فاللام للعهد الذهني، وظاهر هذا أنه يقول هذا الذكر حال سماع الأذان، ويحتمل أن المراد من النداء إتمام الأذان، إذ المطلق يحمل على الكامل، ويؤيد ذلك حديث عمرو بن العاص الاتي: «قولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، ثم سلوا الله لي الوسيلة ..».\n\nقوله: (اللهم) أي: يا الله، فالميم عوض عن حرف النداء، ولا يجوز الجمع بينهما.\n\nقوله: (ربَّ هذه الدعوة التامة) ربَّ: بالنصب على النداء، ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: أنت ربُّ هذه الدعوة.\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (١/ ٢٢١).\n(^٢) انظر: \"إرواء الغليل\" (١/ ٢٦٠ - ٢٦٢).\n(^٣) انظر: \"البدر التمام\" (١/ ٤٢٣).","vol":"2","page":313},{"text":"والدعوة: بفتح الدال، يراد بها ألفاظ الأذان، ووصفت بالتامة؛ لأنها ذكرٌ لله تعالى وتعظيم له وشهادة بالوحدانية والرسالة ودعوة إلى الخير، يُدعى بها إلى عبادة الله تعالى، ولذا يهرب الشيطان عند سماعها دون غيرها من بقية العبادات، فهي دعوة تامة.\n\nقوله: (والصلاة القائمة)، إما أن المراد بالقائمة: التي ستقام الان، أو أن المراد بها: الدائمة التي لا يغيرها ملة ولا ينسخها شريعة.\n\nقوله: (ات محمدًا الوسيلة) الوسيلة: ما يُتقرب به إلى الغير، يقال: وَسَلَ فلان إلى ربه وسيلة، وتوسل إليه بوسيلة، إذا تقرب إليه بعمل من الأعمال الصالحة.\nوالمراد بها في هذا الحديث: منزلة في الجنة، كما في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الآتي، وسميت درجة النبي ﷺ الوسيلة: لأنها أقرب الدرجات إلى عرش الرحمن، وهي أقرب الدرجات إلى الله تعالى، وأصل اشتقاق الوسيلة من القرب، كما مضى.\n\nقوله: (والفضيلة) معطوفة على الوسيلة، وهي مرتبة زائدة على سائر الخلق، وبعض الناس يزيد فيها: (والدرجة الرفيعة) - كما تقدم - وهذا غلط، لأنها زيادة لا أصل لها، فإن الوسيلة هي الدرجة الرفيعة.\n\nقوله: (وابعثه مقامًا محمودًا) أي: المقام المحمود الذي يحمده القائم فيه، وكل من راه وعرفه، و(مقامًا) منصوب على الظرفية، أي ابعثه يوم القيامة فأقمه مقامًا محمودًا، أو ضُمِّنَ (ابعثه) معنى (أقمه).\n\nقوله: (الذي وعدته) إما بدل أو عطف بيان، وإما صفة لـ (مقام)، ورجحه ابن القيم (^١) لأن مقامًا وإن كان نكرة لكنه لما تعين وانحصر نوعه في شخصه جرى مجرى المعرفة، فوصف بما توصف به المعارف، كالاسم الموصول ونحوه.\n_________\n(^١) \"حادي الأرواح\" ص (٥٣).","vol":"2","page":314},{"text":"والمراد هنا: الشفاعة العظمى في فصل القضاء، حيث يحمده فيه الأولون والآخرون.\nوقد وقع عند ابن خزيمة (٤٢٠) وغيره بهذا الإسناد: «وابعثه المقام المحمود ..» معرفًا بأل، وذكر ابن القيم أن التنكير هو الصحيح لوجوه خمسة:\n١ - موافقته للفظ القران.\n٢ - اتفاق أكثر الرواة عليه.\n٣ - أن فيه معنى التعظيم.\n٤ - أن دخول اللام يعيِّنه ويخصه بمقام معين.\n٥ - أن النبي ﷺ كان يحافظ على ألفاظ القران تقديمًا وتأخيرًا، وتعريفًا وتنكيرًا، كما يحافظ على معانيه (^١).\n\nقوله: (حلت له شفاعتي) أي: وجبت له وحصلت واستحق الشفاعة، فهي ثابتة لا بد منها بهذا الوعد الصادق، أو بمعنى: نزلت ووقعت، فتكون اللام بمعنى (على) يقال: حَلَّ يَحِلُّ ويَحُلُّ بالكسر والضم: إذا نزل، وحَلَّ يَحِلُّ: خلاف حرم، ويؤيده رواية مسلم (حلت عليه) ووقع عند الطحاوي من حديث ابن مسعود «وجبت له» (^٢)، والشفاعة: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.\nوالمراد بالشفاعة: إما الشفاعة العظمى، أو غيرها من الشفاعات الأخرى، كالشفاعة بإدخال الجنة بغير حساب.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على فضل هذا الدعاء بعد الأذان؛ لأنه دعاء عظيم جالب للخير الكثير واستحقاق الشفاعة، ووجه تخصيص النبي ﷺ به أنه ﷺ أكمل الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وأرشدها إلى طريق العبادة، وأبواب السعادة، ومن ذلك الصلاة، فاستحق أن تخصه بالدعاء له بطلب الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود، وهذا دعاء من المفضول للفاضل، ليرتفع ذكره بكون أمته إلى يوم القيامة تدعو له بهذا الدعاء.\n_________\n(^١) \"بدائع الفوائد\" (٤/ ١٠٥).\n(^٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٤٥).","vol":"2","page":315},{"text":"قال ابن القيم: (ولما كان رسول الله ﷺ أعظم الخلق عبودية لربه، وأعلمهم به، وأشدهم له خشية، وأعظمهم له محبة كانت منزلته أقرب المنازل إلى الله، وهي أعلى درجة في الجنة، وأمر النبي ﷺ أمته أن يسألوها له، لينالوا بهذا الدعاء زلفى من الله وزيادة الإيمان.\nوأيضًا فإن الله تعالى قدرها له بأسباب، منها دعاء أمته له بها بما نالوه على يده من الإيمان والهدى صلوات الله وسلامه عليه) (^١).\nوقد ورد في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإن من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (^٢).\nفهذا الحديث يدل على أن السنة أن يصلي على النبي ﷺ قبل هذا الدعاء، فإذا فرغ من إجابة المؤذن وقال: لا إله إلا الله، قال: اللهم صل وسلم على رسول الله، اللهم رب هذه الدعوة التامة .. إلخ، وهذا مما لا يعرفه أو يغفل عنه كثير من الناس.\nولو ساق المؤلف هذا الحديث هنا لكان أولى؛ لما فيه من هذه الفائدة العظيمة، ولعله تركه خشية أن تكثر أحاديث الباب.\nوقد ذكر ابن القيم أن في إجابة المؤذن خمس سنن:\n١ - إجابة المؤذن.\n٢ - الصلاة على النبي ﷺ.\n٣ - سؤال الله تعالى لرسوله الوسيلة والفضيلة.\n٤ - قوله: رضيت بالله ربًّا …\n٥ - أن يدعو الله تعالى بما أحب، كما تقدم (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"حادي الأرواح\" ص (٥٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٨٤).\n(^٣) \"جلاء الأفهام\" ص (٢٠٩)، \"الوابل الصيب\" ص (١٣١).","vol":"2","page":316},{"text":"<span data-type='title' id=toc-174>باب شروط الصلاة</span>\nالشروط: لغة: جمع شرط، بسكون الراء، بمعنى العلامة في لغة، وهو يجمع على شروط وشرائط، ومنه: شَرْطُ الحجَّام؛ لأن ذلك علامة وأثر، والشَّرَط: - بالتحريك - العلامة، ويجمع على أشراط، قال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (^١).\nوأما الشرط في الاصطلاح: فهو ما يتوقف وجود الشيء على وجوده، ويلزم من عدمه العدمُ، ولا يلزم من وجوده وجودُ الشيء.\nوالمراد بوجود الشيء: وجوده الشرعي، الذي تترتب عليه آثاره الشرعية، فالطهارة شرط لصحة الصلاة، يتوقف عليها وجود الصلاة شرعًا، وتبرأ بها الذمة، ويلزم من عدمها عدم الصلاة، لكن لا يلزم من وجود الطهارة وجود الصلاة، فقد توجد الطهارة ولا تصح الصلاة لفقد شرط آخر، كستر العورة - مثلًا ـ.\nويتفق الشرط والركن في أن كلًّا منهما يتوقف عليه وجود الشيء وجودًا شرعيًا، ويختلفان في أن الشرط أمر خارج عن حقيقة الشيء وماهيته، أما الركن فهو جزء منه، كالركوع في الصلاة فهو ركن فيها؛ لأنه جزء من حقيقتها، ولا يتحقق وجود الصلاة شرعًا بدونه، بخلاف الوضوء فإنه وإن كان لا بد منه لصحة الصلاة، لكنه أمر خارج عن حقيقتها (^٢).\nوقد ذكر المصنف في هذا الباب أحاديث تتعلق بأربعة من شروط\n_________\n(^١) انظر: \"معجم مقاييس اللغة\" (٣/ ٢٦٠)، \"الأفعال\" لابن القطاع، ص (٢٦٧)، \"تاج العروس\" (١٠/ ٤٠٩).\n(^٢) انظر: \"الوجيز في أصول الفقه\" ص (٥٩).","vol":"2","page":317},{"text":"الصلاة، وهي: الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة، واجتناب النجاسة.\nوأما الوقت فقد عقد له المصنف فيما مضى بابًا مستقلًا، وإنما قدمه؛ لأنه سبب للوجوب، وشرط للأداء - كما تقدم - ثم ذكر بعده باب «الأذان» لأنه لا يؤذن إلا بعد دخول الوقت، ثم ذكر باب «الشروط»، وذكر فيه إضافة إلى ما تقدم أحاديث تتعلق ببعض مبطلات الصلاة، ومنها: الكلام والحركة.","vol":"2","page":318},{"text":"<span data-type='title' id=toc-175>اشتراط الطهارة لصحة الصلاة</span>\n٢٠٥/ ١ - وعَنْ عَليِّ بْنِ طَلْقٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ: «إذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصلاةِ فَلْيَنْصَرِفْ، وَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدِ الصلاةَ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حبَّان.\n٢٠٦/ ٢ - وعَن عائشةَ ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ: «مَنْ أَصابَهُ قَيْءٌ، أو رُعافٌ، أو مَذْيٌ، فلينصَرِفْ، فَليتوضَّأْ، ثم ليَبْنِ على صَلاتِهِ، وهُو في ذلك لا يتكَلَّمُ». رواه ابنُ ماجه، وضعَّفه أحمد.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو علي بن طلق الحنفي السُّحيمي اليمامي، قال ابن حبان: (له صحبة) (^١)، وقال ابن عبد البر: (أظنه والد طلق بن علي الحنفي اليمامي)، قال الحافظ: (وهو ظن قوي؛ لأن النسب الذي ذكره خليفة - هنا - هو النسب المتقدم في ترجمة طلق بن علي، من غير مخالفة، وجزم به العسكري) (^٢).\nوقد نقل الترمذي عن البخاري أنه قال: (لا أعرف لعلي بن طلق عن النبي ﷺ غير هذا الحديث الواحد، ولا أعرف هذا الحديث من حديث طلق بن علي السُّحيمي)، قال الترمذي: (وكأنه رأى أن هذا رجل آخر من أصحاب النبي ﷺ) (^٣).\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٣/ ٢٦٢).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢٩٩).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣/ ٤٦٨)، \"العلل الكبير\" ص (٢٧).","vol":"2","page":319},{"text":"وقد نقل الحافظ عبارة الترمذي في «تهذيبه»، وقال المباركفوري: (وهو الظاهر عندي، والله أعلم) (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث علي بن طلق: فقد أخرجه أبو داود في «الطهارة» باب «من يحدث في الصلاة» (٢٠٥)، والترمذي (١١٦٤)، والنسائي في «الكبرى» (٥/ ٣٢٤)، وأحمد (٢/ ٨٢) وقد جعله من مسند علي بن أبي طالب ﵁ وهو خطأ نبه عليه ابن عساكر (^٢)، وابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (^٣) [البقرة: ٢٢٣].\nوهذا لفظ أبي داود، وعند الترمذي وغيره زيادة: «ولا تأتوا النساء في أعجازهن، فإن الله لا يستحي من الحق»، وأما عزوه لابن ماجه فهو وهم من الحافظ ﵀.\nوهذا الحديث جاء عند أصحاب السنن الثلاثة من طريق عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلاَّم، عن علي بن طلق الحنفي، قال: قال رسول الله ﷺ …\nوقال الترمذي: (حديث حسن)، ونقل الحافظ تصحيحه عن ابن حبان (٦/ ٨).\nوهذا إسناد ضعيف، فإن مسلم بن سلاَّم لم يرو عنه غير عيسى بن حطان، ولم يوثقه غير ابن حبان، فقد ذكره في «الثقات» وذكر هذا الحديث بإسناده ومتنه (^٤).\nونقل الزيلعي عن ابن القطان أنه قال: (هذا حديث لا يصح، فإن مسلم بن سلام الحنفي أبا عبد الملك مجهول الحال) (^٥).\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٨/ ٢٢٠)، \"الإصابة\" (٧/ ٦١)، \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢٩٩)، \"تحفة الأحوذي\" (٤/ ٣٢٨).\n(^٢) \"ترتيب أسماء الصحابة\" ص (٨٤).\n(^٣) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٨٥).\n(^٤) \"الثقات\" (٣/ ٢٦٢).\n(^٥) \"نصب الراية\" (٢/ ٦٢).","vol":"2","page":320},{"text":"وعيسى بن حِطَّان قال عنه في «التقريب»: (مقبول) أي: حيث توبع، وقد تابعه وكيع، عند الترمذي (١١٦٦)، وأحمد (٢/ ٨٢) فرواه عن مسلم بن سلاَّم.\nوأما الجملة الأخيرة في الحديث: «ولا تأتوا النساء في أعجازهن» فهي صحيحة بشواهدها، ولها ذكر في باب «عشرة النساء» من كتاب «النكاح» - إن شاء الله تعالى - حيث ذكر الحافظ هناك حديث أبي هريرة ﵁.\nوأما حديث عائشة ﵂: فقد تقدم تخريجه والكلام عليه في باب «نواقض الوضوء» رقم (٧٤)، وهو يوجد في بعض نسخ «البلوغ» دون بعض، ولهذا لا يوجد في نسخ الشرح وهما: شرح المغربي والصنعاني.\nوقد ورد في الباب - أعني اشتراط الطهارة للصلاة - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ»، قال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فُساءٌ أو ضراط. وفي لفظ: «لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (^١).\nوفي حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقبل صلاة بغير طهور …» (^٢).\nوهذان الحديثان وما جاء في معناهما من أدلة اشتراط الطهارة لصحة الصلاة، وقد صَدَّرَ البخاري ﵀ كتاب «الوضوء» من «صحيحه» بحديث أبي هريرة ﵁ بعد آية الوضوء، ولو ذكرهما المصنف هنا كما فعل ابن دقيق العيد في «الإلمام» حيث بدأ باب «شروط الصلاة» بحديث أبي هريرة لكان أولى وأنسب من اقتصاره على حديث علي بن طلق؛ لأن هذين الحديثين أصح منه وأشهر وأظهر، وقد يقال: إنه عدل عنهما لظهورهما ومعرفة الطالب بهما، بخلاف حديث علي بن طلق فقد يجهله كثير من الطلبة فلذا اقتصر عليه، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٥) واللفظ له، ومسلم (٢٢٥)، وله اللفظ الثاني.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٢٤).","vol":"2","page":321},{"text":"الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الفُساء يبطل الطهارة ويبطل الصلاة، وهذا أمر مجمع عليه، قال ابن المنذر: (اتفق علماء الأمة أن الصلاة لا تجزي إلا بطهارة، إذا وجد السبيل إليها) وقال: (أجمع أهل العلم على أن خروج الريح من الدبر حدث ينقض الوضوء) (^١).\nوالفُساء: بضم الفاء، ريح يخرج من الدبر بلا صوت يسمع، فإن كان معه صوت فهو ضُراط.\nوقد تقدم في حديث أبي هريرة ﵁ أنه فسر الحدث المفسد للصلاة بالفساء أو الضراط، وهذا تفسير للحَدَثِ بنوع منه؛ لأن الحدث أعم من ذلك، وكأنّ أبا هريرة فسره بالأخص تنبيهًا بالأخف على الأغلظ، ولأنهما قد يقعان في أثناء الصلاة أكثر من غيرهما، وإذا فسدت الصلاة وجب الخروج منها وإعادتها من أولها، لبطلانها بالحدث، وهذا قول الجمهور، وحكى ابن الملقن عن مالك والشافعي في القديم أنه يتوضأ ويبني على صلاته، ثم ضعفه (^٢).\nوأما حديث عائشة المتقدم في «نواقض الوضوء» والذي أعاده المؤلف هنا وفيه: «فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته …»، فهو حديث ضعيف من أفراد ابن ماجه عن بقية الستة، وحديث علي هذا ضعيف - أيضًا - فَيُرجع إلى أدلة أخرى تفيد بطلان الطهارة والصلاة وعدم البناء على ما مضى، ويمكن أن يستدل على ذلك بالحديث المتقدم «لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، فإنه يفيد أن صلاة المحدث لا تقبل، وهذا يعم ما قبل الصلاة من الحدث اختيارًا وما حصل في أثنائها اضطرارًا؛ لأنه ﷺ لم يفرق بين حدث وحدث (^٣)، وقد يقدم حديث عليٍّ ﵁ على حديث عائشة ﵂ بكون أصحاب السنن - عدا ابن ماجه - أخرجوه، ولأنه صححه ابن حبان، بخلاف حديث عائشة فليس فيه شيء من ذلك.\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (١/ ١٠٧).\n(^٢) \"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام\" (١/ ٢٢٤).\n(^٣) \"الإعلام\" (١/ ٢٢٤).","vol":"2","page":322},{"text":"وأما الاستمرار في الصلاة وإتمامها ولو صوريًا مع حصول الحدث، فهذا أمر محرم؛ لأن صلاته بلا وضوء استهزاء بالدين وتلاعب بالشريعة، يقول ابن تيمية: (من صلّى بغير طهارة شرعية مستحلًّا لذلك فهو كافر، ولو لم يستحل ذلك فقد اختلف في كفره، وهو مستحق للعقوبة الغليظة … وإن كان لعجز فيصلي على حسب حاله) (^١).\nوجميع الأحداث الناقضة للوضوء حكمها حكم خروج الريح في بطلان الطهارة، ووجوب استئناف الصلاة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢١/ ٢٩٥).","vol":"2","page":323},{"text":"<span data-type='title' id=toc-176>المرأة البالغة لا تصلي إلا بخمار</span>\n٢٠٧/ ٣ - وعنها، عَنْ النَّبيِّ ﷺ قال: «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ حَائِضٍ إلاَّ بِخِمَارٍ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلاَّ النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» باب «المرأة تصلي بغير خمار» (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧)، وابن ماجه (٦٥٥)، وأحمد (٤٢/ ٨٧)، وابن خزيمة (٧٧٥) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة ﵂ مرفوعًا.\nقال الترمذي: (حديث عائشة حديث حسن) وقال الحاكم (١/ ٢٥١): (صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وأظن أنه لخلاف فيه على قتادة).\nوصفية بنت الحارث قال عنها في «التقريب»: (صفية بنت الحارث بن طلحة العبدرية صحابية، لها عن عائشة، وذكرها ابن حبان في التابعين).\nوقد أخرجه الحاكم (١/ ٢٥١) وعنه البيهقي (٢/ ٢٣٣) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، أنبأ سعيد - يعني ابن أبي عروبة - عن قتادة، عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال: فذكره … مرسلًا.\nوهذا المرسل علقه أبو داود بعد روايته المتصلة، كأنه يُعِلِّهُ به! ويرى بعض العلماء، ومنهم الألباني أن هذا ليس بعلة، فإن حماد بن سلمة ثقة، والرواية المرسلة تؤيد المتصلة، وهي من طريق آخر، فهو عن قتادة عن","vol":"2","page":324},{"text":"شيخين، عن ابن سيرين متصلًا، وعن الحسن مرسلًا (^١).\nورجح آخرون من أئمة الحديث الإرسال، منهم أبو داود في ظاهر صنيعه - كما تقدم - ولعل وجه هذا الترجيح للإرسال أنه من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وسعيد من أثبت الناس في قتادة، وقد توبع قتادة على هذه الرواية المرسلة؛ تابعه عمرو، عن الحسن، عند عبد الرزاق (٣/ ١٣٠)، وهذا هو الأقرب، فإن الحديث مداره على قتادة، ومن صححه لا يداني من أعلَّه.\nوقد أخرجه أحمد (٤١/ ١٨٩)، وأبو داود (٦٤٢)، وابن حزم في «الإحكام» (٥/ ٦٨٧) من طريق حماد بن زيد قال: ثنا أيوب، عن محمد، أن عائشة نزلت على صفية أمِّ طلحة الطلحات، فرأت بنات لها يصلين بغير خُمُر قد حِضْنَ، قال: فقالت عائشة: لا تصلينَّ جارية منهن إلا في خمار، إن رسول الله ﷺ دخل عليَّ، وكانت في حجري جارية، فألقى عليَّ حَقْوه (^٢)، فقال: (شقيه بين هذه، وبين الفتاة التي في حجر أم سلمة، فإني لا أراها إلا قد حاضت، أو لا أراهما إلا قد حاضتا).\nوهذا لفظ أحمد، وأخرجه أحمد - أيضًا - (٤٣/ ١٤٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٩) من طريق هشام بن حسان، عن محمد أن عائشة … به.\nلكن أُعلَّ بأن محمد بن سيرين في سماعه من عائشة مقال، فقد قال ابن أبي حاتم: (سمعت أبي يقول: ابن سيرين لم يسمع من عائشة شيئًا) (^٣)، وقد رجح الدارقطني ذلك فقال: (وقول أيوب وهشام أشبه بالصواب) (^٤) وعلى هذا فليس في الحديث حجة، ويكون المعوَّل على الإجماع (^٥).\n_________\n(^١) الإرواء\" (١/ ٢١٦).\n(^٢) الحقو: بفتح الحاء: موضع شد الإزار على الخاصرة، ثم توسعوا فيه حتى سموا الإزار الذي يشد على العورة حقوًا.\n(^٣) \"المراسيل\" ص (١٨٨).\n(^٤) \"نصب الراية\" (١/ ٢٩٦).\n(^٥) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر ص (٤٥)، \"مراتب الإجماع\" لابن حزم ص (٣٤).","vol":"2","page":325},{"text":"الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا يقبل الله …)، اعلم أن نفي القبول إما أن يكون بفوات شرط أو لوجود مانع، أو ليس لذلك، فإن كان لفوات شرط أو وجود مانع فهو نفي للصحة، مثال فوات الشرط: من صلّى بغير وضوء لم يقبل الله صلاته، من صلَّت بغير خمار لم تقبل صلاتها، ومثال وجود مانع: من تكلم في صلاته لم تقبل.\nأما إذا كان نفي القبول لا يتعلق بفوات شرط ولا وجود مانع فلا يلزم منه نفي الصحة، فقد يراد به نفي القبول التام، أي: لم تقبل على وجه التمام الذي يحصل به الرضا وتمام المثوبة.\nوقد يراد به أن هذه السيئة التي فعلها تقابل تلك الحسنة في الميزان فتكون كأنها غير مقبولة، وإن كانت مجزئة، وتبرأ بها الذمة (^١).\nومن ذلك نفي القبول عن صلاة الآبق، ومن في جوفه خمر، ومن يأتي عرَّافًا، مع ثبوت صحة صلاتهم بالإجماع، وإنما المراد أن الله تعالى لا يثيبهم عليها.\n\nقوله: (صلاة حائض) المراد بالحائض، المرأة التي بلغت، وجرى عليها قلم التكليف، وليس المراد: من هي حائض؛ لأن الحائض لا صلاة عليها.\nوليس المراد من الحديث البالغة بالحيض فقط، وإنما المراد: البالغة بأي علامة من علامات البلوغ كالاحتلام، وإنما عبر بالحيض لأنه يخص النساء، قال الحافظ ابن حجر: (قد أجمع العلماء على أن الاحتلام في الرجال والنساء يلزم به العبادات والحدود وسائر الأحكام) (^٢).\n\nقوله: (إلا بخمار) بكسر الخاء، ما تخمِّر به المرأة رأسها، أي: تغطيه به.\n_________\n(^١) \"القول المفيد على كتاب التوحيد\" لابن عثيمين (٢/ ٥١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٧٧).","vol":"2","page":326},{"text":"الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن البنت إذا بلغت وجب عليها أن تغطي رأسها في صلاتها، فإن صلت وشيء من شعرها مكشوف لم تصح صلاتها، قال الترمذي ﵀ عقب حديث الباب: (والعمل عليه عند أهل العلم، أن المرأة إذا أدركت فصلَّت وشيء من شعرها مكشوف لا تجوز صلاتها …).\nومفهوم الحديث أن البنت التي دون البلوغ تصح صلاتها ولو كان رأسها مكشوفًا؛ لأن عورتها أخف من عورة البالغة.\nوأما الوجه فإن المرأة تكشف وجهها في الصلاة، وقد نقل ابن بطال الإجماع على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة، ويراه الغرباء (^١)، وقال ابن المنذر: (أجمع أكثر أهل العلم على أن للمرأة الحرة أن تصلي مكشوفة الوجه) (^٢) إلا إذا كان بحضرتها أجانب ليسوا من محارمها، كأخي زوجها وابن عمها فيجب عليها ستره على الراجح من قولي أهل العلم؛ لأنه عورة في باب النظر، فستره أبعد للفتنة، وأسلم للدين، وأصلح للمسلمين.\nوأما الكفَّان - وحدُّهما إلى الرُّسغين - فالجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في إحدى الروايتين على أنه يجوز للمرأة أن تكشف كفيها في الصلاة (^٣).\nواختار هذه الرواية من الحنابلة الموفق وابن تيمية والمرداوي؛ لأن أمرها بتغطية يديها في الصلاة يحتاج إلى دليل، وإنما هي مأمورة بالخمار مع القميص (^٤).\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال على صحيح البخاري\" (٩/ ١١)، لكن قوله: (ويراه الغرباء) فيه نظر ظاهر، فإن هذا ليس محلَّ إجماع.\n(^٢) \"الأوسط\" (٥/ ٦٩).\n(^٣) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩) \"المنتقى\" (١/ ٢٥١)، \"المجموع\" (٣/ ١٦٨)، \"المغني\" (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٢٢/ ١١٥، ١١٧، ١١٨)، \"الإنصاف\" (١/ ٤٥٢).","vol":"2","page":327},{"text":"والرواية الثانية في مذهب الحنابلة - وهي الصحيح من المذهب - أنه لا يجوز للمرأة أن تكشف كفيها في الصلاة، واختارها الأكثر، وجزم بها الخرقي (^١)، لعموم قوله ﷺ: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان» (^٢).\nلكن قد ينازع في هذا الاستدلال بأن المرأة عورة إذا صلت بحضرة الأجانب فتغطي كفيها، أما إذا صلت وحدها بحيث لا يراها أحد أو حيث لا يراها إلا محارمها ونساء المسلمين فلا يتأتى هذا الاستدلال، والله أعلم.\nوأما القدمان فالجمهور من الشافعية والحنابلة والمالكية أنهما عورة في الصلاة، فلا يجوز كشفهما (^٣).\nواستدلوا بحديث أم سلمة - الآتي إن شاء الله ـ: «إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها …».\nوالقول الثاني: أن القدمين ليسا بعورة، فيجوز كشفهما في الصلاة، وهو قول الحنفية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤)؛ لأن الأمر بتغطية القدم يحتاج إلى دليل.\nقال صاحب «الإنصاف»: (وهو الصواب) (^٥).\nوهذه الأحكام إنما هي للحرة، وأما الأمة فعورتها من السرة إلى الركبة على قول الجمهور، إلا ابن حزم فيرى أنها كالحرة، وتفاصيل المسألة في كتب الفقه (^٦). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" (٢/ ٣٢٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١١٧٣) وقال: (هذا حديث حسن غريب).\n(^٣) المصادر السابقة.\n(^٤) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٢٥٩)، \"الفتاوى\" (٢٢/ ١١٥، ١١٧، ١١٨).\n(^٥) \"الإنصاف\" (١/ ٤٥٢).\n(^٦) انظر: \"المحلى\" (٣/ ٢١٨)، \"الفتاوى\" (٢٢/ ١٠٩ - ١٢٠)، \"الإحكام فيما يختلف فيه الرجال والنساء من الأحكام\" (٢/ ٦١).","vol":"2","page":328},{"text":"<span data-type='title' id=toc-177>جواز الصلاة في ثوب واحد وكيفية لبسه</span>\n٢٠٨/ ٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «إن كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ» - يَعْنِي: في الصَّلَاةِ ـ، وَلِمُسْلِمٍ: «فَخَالِفْ بَيْن طَرَفَيهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n٢٠٩/ ٥ - وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيءٌ».\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث جابر ﵁: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة»، باب «إذا كان الثوب ضيقًا» (٣٦١) قال: حدثنا يحيى بن صالح، قال: حدثنا فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، قال: سألنا جابر بن عبد الله عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: خرجت مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، فجئت ليلة لبعض أمري، فوجدته يصلي، وعليَّ ثوب واحد، فاشتملت به وصليت إلى جانبه، فلما انصرف قال: «ما السُّرى يا جابر؟»، فأخبرته بحاجتي، فلما فرغت قال: «ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟»، قلت: كان ثوب - يعني ضاق - قال: «فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به».\nوأخرجه مسلم في أواخر «صحيحه» (٣٠١٠) من حديث طويل، قال: حدثنا هارون بن معروف ومحمد بن عباد (وتقاربا في لفظ الحديث، والسياق لهارون) قالا: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب بن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت .. فذكر قصة قدومه مع جابر،","vol":"2","page":329},{"text":"وساق جابر حديثًا طويلًا في سفره مع النبي ﷺ وجاء فيه: (فجعل رسول الله ﷺ يرمقني وأنا لا أشعر، ثم فطنت به، فقال: «هكذا» بيده، يعني: شد وسطك، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: «يا جابر»، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «إذا كان واسعًا فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقًا فاشدده على حَقْوِكَ».\nوأما حديث أبي هريرة ﵁: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «إذا صلّى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه» (٣٥٩)، ومسلم (٥١٦) من طريق أبي الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء»، وهذا لفظ مسلم، وقد ورد بالتثنية، كما في طبعة محمد فؤاد عبد الباقي (^١)، ولما ساقه ابن الأثير (^٢) ذكره بلفظ الإفراد، وقال: أخرجه البخاري، وأخرجه مسلم وقال: «على عاتقيه»، إلا أن المثبت في البلوغ «عاتقه» بالإفراد، وهي كذلك في مسلم بشرح القرطبي، ولفظ البخاري: «ليس على عاتقيه شيء»، قال الحافظ: (في رواية: «عاتقِهِ» بالإفراد).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا كان الثوب) الثوب: ما يلبس من إزار أو رداء أو غيرهما، فهو قطعة قماش لم تُفَصَّلْ على قدر البدن، وليس المراد به القميص؛ لأن القميص ثوب ذو أكمام، والقميص يقوم مقام ثوبين؛ لأنه يغطي أعلى البدن وأسفله.\n\nقوله: (فالتحف به) الالتحاف أن يتزر ويرتدي بثوب واحد، يخالف بين طرفيه، ولذا ساق الحافظ رواية مسلم: «فخالف بين طرفيه»، وكأنه أراد أن يبين أن معناهما واحد، وكيفية المخالفة بين طرفيه: أن يلقي طرفه الأيمن على عاتقه الأيسر، وطرفه الأيسر على عاتقه الأيمن، ليستر بذلك صدره، ويكون وسط الثوب على ظهره ليستر أعلى البدن.\n_________\n(^١) وكذا التي عليها شرح الأُبي، وهي طبعة قديمة (٢/ ٢٢٤).\n(^٢) \"جامع الأصول\" (٥/ ٤٥٢).","vol":"2","page":330},{"text":"قوله: (وإن كان ضيقًا فاتزر به) أي: وإن كان الثوب ضيقًا لا يكفي للارتداء والاتزار، فاتزر به فقط، والاتزار: ستر أسفل البدن ما بين السرة والركبة؛ لأن القصد الأصلي ستر العورة، وهو يحصل بالاتزار.\n\nقوله: (لا يصلي) قال ابن الأثير: كذا هو في «الصحيحين» بإثبات الياء، ووجهه أن «لا» نافية، وهو خبر عن الحكم الشرعي، أو خبر يراد به النهي، وذكر الحافظ بعد نقله هذا عن ابن الأثير، أنه ورد عند الدارقطني في «غرائب مالك» بلفظ: «لا يصلِّ» بغير ياء (^١)، فتكون «لا» ناهية.\n\nقوله: (ليس على عاتقه منه شيء) العاتق: ما بين المنكب والعنق وهو موضع الرداء، يذكر ويؤنث، والجمع عواتق، والمنكب: مجتمع رأس العضد والكتف، وقوله: «شيء» نكرة في سياق النفي، فتعم كل شيء يستر العاتق.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أنه إن كان الثوب واسعًا فعلى المصلي أن يلتحف به، فيغطي به من المنكبين إلى ما تحت الركبتين؛ لأنه وجد سترة كاملة.\nأما إن كان الثوب ضيقًا لا يكفي ستر كل البدن فليستر به العورة الواجب سترها، وهي من السرة إلى الركبة، وهذا يدل على جواز الصلاة في الثوب الواحد. قال ابن رشد: (اتفقوا على أنه يجزئ الرجل من اللباس في الصلاة الثوب الواحد) (^٢).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب ستر العورة في الصلاة، فيستر ذلك بالإزار أو بالسراويل، لقوله: «وإن كان ضيقًا فاتزر به»، فإن كان عنده سعة فالمشروع أن يغطي عاتقيه، وقد اختلف العلماء في حكم ستر العاتقين أو أحدهما على قولين:\nفالقول الأول: وجوب ستر العاتقين في الصلاة إن كان قادرًا، وهو قول\n_________\n(^١) انظر: \"تحفة الأشراف\" (١٠/ ١٦٧)، \"فتح الباري\" (١/ ٤٧١).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (١/ ٢٨٦).","vol":"2","page":331},{"text":"الإمام أحمد وابن المنذر وجماعة من السلف (^١)، وهو ظاهر صنيع البخاري (^٢)، وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز (^٣).\nواستدلوا بحديث أبي هريرة هذا، ففيه نهي عن الصلاة في الثوب الواحد ليس على العاتق منه شيء، والنهي يقتضي تحريم الفعل وفساد الصلاة.\nوعن الإمام أحمد رواية أنه يجوز ترك ستر العاتق في النفل (^٤)؛ لأن النفل مبناه على التخفيف، ولذا يسامح فيه بترك القيام والاستقبال في حال سيره، ولأن عادة الإنسان في بيته وخلواته قلة اللباس وتخفيفه، وغالب نفله يقع في بيته.\nوالقول الثاني: لا يجب ستر العاتقين في الصلاة، بل هو مستحب، والواجب ستر العورة، وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وعزاه النووي للجمهور (^٥)، واستدلوا بالنص والقياس.\nأما النص فهو ما رواه محمد بن المنكدر، قال: (رأيت جابر بن عبد الله يصلي في ثوب واحد، وقال: رأيت النبي ﷺ يصلي في ثوب) (^٦). وما ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: «أَوَ كُلُّكم يجد ثوبين؟» (^٧).\nقالوا: فجمعًا بين الأخبار تكون صلاته في الثوب الواحد لبيان الجواز، ونهيه عن الصلاة في الثوب الذي ليس على العاتق منه شيء لبيان الكمال والتمام.\nوأما القياس: فهو أن العاتقين ليسا بعورة، فأشبها بقية البدن.\nوالقول بوجوب ستر العاتق أو بعضه في الصلاة إن تيسر قول قوي، فإن النهي الوارد فيه نهي تحريم، ولا يجوز صرفه إلا بصارف، وأما حمله على أنه نهي أدب وتنزيه، فهو صرف له عن ظاهره.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٧٢)، \"الإنصاف\" (١٠/ ٤٥٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٧٢).\n(^٣) \"الفتاوى\" (١٠/ ٤١٥).\n(^٤) \"الإنصاف\" (١/ ٤٥٥).\n(^٥) \"المجموع\" (٣/ ١٧٥).\n(^٦) أخرجه البخاري (٣٥٣).\n(^٧) أخرجه البخاري (٣٦٥)، ومسلم (٥١٥).","vol":"2","page":332},{"text":"والحق أن حديث جابر الذي معنا تجتمع به الأدلة وهو أن القادر على ستر العاتقين أو أحدهما يجب عليه ذلك، والعاجز يقتصر على ستر العورة (^١)، وأما حديث جابر فإما أن يكون قبل النهي، أو لعدم وجود ثوب ثانٍ، مع أن هذا الجواب فيه نظر (^٢)، والله أعلم، وأما القياس فهو في مقابلة نص.\nفإن قيل: إن المنكب ليس بعورة فكيف تقولون بستره؟\nفالجواب: ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية من أن العورة في الصلاة ليست مرتبطة بعورة النظر، لا طردًا ولا عكسًا، فهذا نوع وهذا نوع، فإن أَخْذَ الزينة في الصلاة إنما هو لحق الله تعالى، ولهذا لا يجوز أن يصلي عريانًا ولو كان وحده، وزينة الصلاة غير الزينة خارج الصلاة، فقد يستر المصلي ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة، فالمرأة تلبس الخمار على رأسها في الصلاة ولو كانت عند زوجها ومحارمها، ولا تختمر عندهم إذا كانت في غير الصلاة، وكذا المنكبين، فقد ثبت النهي عن ترك تغطيتهما في الصلاة، وذلك لحق الصلاة، مع أنه يجوز كشفهما للرجال خارج الصلاة (^٣)، وعلى هذا فالأفضل للمسلم أن يأخذ بالأحوط، فيصلي في ثوبين، ويستر عاتقه أو بعضه متى كان قادرًا على ذلك، لقوله: «ليس على عاتقيه منه شيء»، وهذا يقع على ما يعم المنكيبن وما لا يعمهما.\nوبهذا يتبين تقصير بعض الناس عندما يصلي في الصيف بالفنيلة ذات الحبل اليسير الذي يكون على الكتف، فمثل هذا لا تصح صلاته عند من يشترط ستر العاتق، وقد ذكر الفقهاء أنه لو طرح على كتفه حبلًا أو خيطًا ونحوه أنه لا يجزئه، وهذا ظاهر كلام الخرقي، وهو قول القاضي؛ لأن مثل هذا لا يسمى لباسًا، ولعله محمول على القدرة (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"نيل الأوطار\" (٢/ ٨٠).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٤٦٧).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٢/ ١١٣ - ١١٤).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣).","vol":"2","page":333},{"text":"وكذا ما يفعله بعض المحرمين في الحج أو العمرة عندما يصلي وعاتقه مكشوف مع أنه بإمكانه أن يضع عليه الرداء.\nوينبغي للمصلي أن يأخذ زينته في الصلاة، فيصلي في القميص والسراويل ويغطي رأسه، أو يصلي في إزار ورداء وعمامة، لقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، فعلق الأمر بالزينة لا بستر العورة، إيذانًا بأن العبد ينبغي له أن يلبس في الصلاة أحسن ثيابه، للوقوف بين يدي الله تعالى. والله أعلم.","vol":"2","page":334},{"text":"<span data-type='title' id=toc-178>لباس المرأة في الصلاة</span>\n٢١٠/ ٦ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ: أَتُصَلِّي المَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ، بِغَيْرِ إِزَارٍ؟ قَالَ: «إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَ الأئِمَّةُ وَقْفَهُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (٦٤٠) في كتاب «الصلاة» بابٌ «في كم تصلي المرأة؟»، قال: حدثنا مجاهد بن موسى، ثنا عثمان بن عمر، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله - يعني ابن دينار - عن محمد بن زيد، بهذا الحديث قال: عن أم سلمة ﵂، أنها سألت النبي ﷺ.\nوهذا الحديث معلول، قال أبو داود عقبه: (روى هذا الحديث مالك بن أنس، وبكر بن مضر، وحفص بن غياث، وإسماعيل بن جعفر، وابن أبي ذئب، وابن إسحاق، عن محمد بن زيد، عن أمه، عن أم سلمة، لم يذكر أحد منهم النبي ﷺ، قصروا به على أم سلمة ﵂).\nوغرض أبي داود بهذا بيان أن الحديث روي موقوفًا، كما روي مرفوعًا، وأكثر الرواة عن محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ رووه موقوفًا على أم سلمة، وخالفهم عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار فرواه عن محمد بن زيد مرفوعًا، وعبد الرحمن هذا متكلم فيه، فقد ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: (فيه لين، يكتب حديثه، ولا يحتج به)، وقال ابن المديني: (صدوق)، وقد روى له البخاري في «صحيحه» ووثقه بعضهم (^١)، لكنه قد غلط في رفع هذا\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٨٧).","vol":"2","page":335},{"text":"الحديث، كما ذكر ابن الجوزي، وابن عبد الهادي، ولعله بسبب ضعفه في حفظه، فمثله لا يحتج به عند التفرد والمخالفة.\nوعلى هذا، فالصواب أنه موقوف على أم سلمة ﵂ وأنه من كلامها وتوجيهها، لا من كلام النبي ﷺ، وقد ساقه أبو داود من طريق مالك، عن محمد بن زيد موقوفًا (٦٣٩) وهو في «الموطأ» (١/ ١٤٢) قال عبد الحق الإشبيلي: (هذا هو الصحيح أنه من قول أم سلمة، وقد ذكر بعضهم فيه النبي ﷺ) (^١)، وذكر نحو ذلك البيهقي (^٢)، وقال الحافظ: (وأعله عبد الحق بأن مالكًا وغيره رووه موقوفًا وهو الصواب) (^٣)، وكذا صحح الحافظ هنا وقفه عن الأئمة، منهم: أبو داود، والدارقطني، وابن الجوزي، وابن عبد الهادي (^٤). لكن هذا لا يعني صحة الموقوف، إذ إن هناك فرقًا بين صواب الرواية وصحتها.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (بغير إزار) أي: ليس تحت قميصها إزار ولا سراويل.\n\nقوله: (إذا كان الدرع سابغًا) أي: ساترًا لكل البدن، والدرع: - بكسر الدال - وهو هنا قميص المرأة بدليل إطلاقه، وإن أريد به درع الحرب وجب تقييده فيقال: درع حديد، وهذا قيد للجواب المحذوف، فكأنه قيل: نعم تصلي إذا كان الدرع ساترًا للبدن.\n\nقوله: (يغطي ظهور قدميها) أتت بهذه الجملة لدفع ما يتوهم أنه يغتفر عدم تغطية ظهور القدمين.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن المرأة تصلي في الدرع والخمار، فالدرع وهو القميص، يغطي بدنها وقدميها، والخمار يغطي رأسها، والحديث وإن كان ضعيفًا لكن هذا أقل ما تطالب به المرأة؛ لأن المراد ستر جميع جسدها، ولو حصل ذلك بثوب واحد كفى.\n_________\n(^١) \"الأحكام الوسطى\" (١/ ٢١٦).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٣٢).\n(^٣) \"التلخيص\" (١/ ٢٩٩).\n(^٤) انظر: \"التحقيق\" (١/ ٣٢٣)، \"التنقيح\" (١/ ٧٤٨).","vol":"2","page":336},{"text":"وقد وردت آثار تدل على أن صلاة المرأة في الدرع والخمار كان أمرًا معروفًا لدى السلف الصالح، فقد ورد من طريق أم الحسن قالت: رأيت أم سلمة زوج النبي ﷺ تصلي في درع وخمار (^١).\nوورد من طريق الأوزاعي قال: قال عطاء: تصلي المرأة في درع وخمار (^٢).\nوورد من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عبيد الله الخولاني، عن ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ أنها صلت في درع وخمار (^٣).\nوورد أيضًا أن المرأة تصلي في ثلاثة أثواب: درع وخمار وملحفة، لما ورد عن ابن عمر ﵄ قال: (إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة) (^٤).\nوهذا مراد به الأكمل والأفضل، والمبالغة في التستر، لا على سبيل الإيجاب.\nوفرق بين من تصلي في بيتها ليس عندها أحد، أو تصلي في المسجد أو في بيتها وعندها من غير محارمها.\nوقد ورد في حديث عائشة ﵂ قالت: لقد كان رسول الله ﷺ يصلي الفجر، فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات في مروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد (^٥).\nوالمروط: الأردية الواسعة، واحدها: مِرْط، وقد بوب البخاري عليه في\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٢٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٤) وأم الحسن قال عنها الحافظ: (مقبولة)، وانظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (١/ ١٣٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٦) وإسناده صحيح عن عطاء.\n(^٣) أخرجه مالك (١/ ١٤٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٤)، والبيهقي (٢/ ٢٣٣)، وصححه الألباني في \"تمام المنة\" ص (١٦٢).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٤) وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه البخاري (٣٧٢)، ومسلم (٦٤٥)، وقد تقدم عند الحديث (١٦٠).","vol":"2","page":337},{"text":"كتاب «الصلاة» بقوله: باب «في كم تصلي المرأة من الثياب؟»، وقال عكرمة: (لو وارت جسدها في ثوب لأَجَزْتُه).\nوكأنه أشار بهذه الترجمة إلى حديث أم سلمة الذي معنا، وأشار بقوله: وقال عكرمة … إلخ، إلى أن المطلوب ثوب يستر جميع الجسد (^١).\nوعلى هذا فينبغي للمرأة أن تصلي في القميص والخمار والجلباب الذي تلتحف به من فوق الثوب، والغرض من ذلك الستر؛ لأن الجلباب تجافيه راكعة وساجدة، لئلا تصفها ثيابها. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح تراجم البخاري\" ص (٦١).","vol":"2","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-179>حكم من صلّى في الغيم لغير القبلة</span>\n٢١١/ ٧ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النّبِيِّ ﷺ في لَيْلةٍ مُظْلِمَةٍ، فَأَشْكَلَتْ عَلَيْنَا الْقِبْلَةُ، فَصَلَّيْنَا. فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إذا نَحْنُ صَلَّيْنَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو عبد الله عامر بن ربيعة بن مالك العَنْزي - بتسكين النون نسبة إلى عَنْز بن وائل وهو أخو بكر وتغلب - وفي نسبه خلاف ذكره ابن عبد البر وغيره، أسلم عامر بن ربيعة قديمًا بمكة، وهاجر إلى الحبشة مع امرأته، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا وسائر المشاهد.\nوروى ابن وهب، عن مالك، عن يحيى بن سعيد أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: قام عامر بن ربيعة يصلي من الليل حين نَشِبَ الناس في الطعن على عثمان بن عفان ﵁ قال: فصلى من الليل، ثم نام، فأُتي في المنام، فقيل له: قم فاسأل الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام، فصلى ودعا، ثم اشتكى فما خرج بعد إلا بجنازته، روى عنه ابنه عبد الله، وهو تابعي ثقة من كبار التابعين.\nقال الحافظ: ليس له في البخاري إلا حديث الصلاة على الراحلة في السفر - وسيأتي قريبًا - وحديث في «الجنائز»، وثالث علقه البخاري في «الصيام» (^١)،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٧٣).","vol":"2","page":339},{"text":"مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: خمس، وقيل: سبع، ﵁ والله أعلم (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه الترمذي في أبواب «الصلاة» باب: «ما جاء في الرجل يصلي لغير القبلة في الغيم» (٣٤٥)، وابن ماجه (١٠٢)، وأبو داود الطيالسي (٢/ ٤٦٢) من طريق أشعث بن سعيد السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة، فلم نَدْرِ أين القبلة؟، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فنزل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وهذا لفظ الترمذي، زاد أبو داود الطيالسي: فقال: «مضت صلاتكم»، ونزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ …﴾.\nوهذا حديث ضعيف، ضعفه الترمذي فقال: (هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وهو يضعف في الحديث)، قال أحمد: (مضطرب الحديث ليس بذاك)، وقال ابن معين: (ليس بثقة)، وقال أبو حاتم: (ضعيف الحديث، منكر الحديث، سيئ الحفظ، يروي المناكير عن الثقات) (^٢).\nوفيه - أيضًا - عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو سيئ الحفظ، قال ابن القطان: (وموضع العلة منه عاصم بن عبيد الله، فإنه مضطرب الحديث، تنكر عليه أحاديث، وأشعث السمان سيئ الحفظ، يروي المنكرات عن الثقات) (^٣).\nوقد أعله به الألباني، وحسن إسناده، ولم يعله بأشعث؛ لأن له متابعًا وهو عمرو بن قيس الملائي، عند أبي داود الطيالسي (^٤)، وكذا فعل أحمد شاكر في تعليقه على «جامع الترمذي» (^٥)، والمثبت في «مسند أبي داود\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٥/ ٢٨٧)، \"الإصابة\" (٥/ ٢٧٧).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٢٧٢)، \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٣٠٧).\n(^٣) \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٣٥٨).\n(^٤) \"إرواء الغليل\" (١/ ٣٢٣).\n(^٥) \"جامع الترمذي\" (٢/ ١٧٦).","vol":"2","page":340},{"text":"الطيالسي» - الطبعة الأخيرة المحققة - عمر بن قيس - بدون واو - وليس هو الملائي الذي هو ثقة، ومن رجال مسلم، وإنما هو عمر بن قيس المكي، أبو جعفر، المعروف بسندل، وهو متروك الحديث، وعلى هذا فلا يفرح بهذه المتابعة، على أن ذكره في إسناد أبي داود الطيالسي مقرونًا بأشعث السمان فيه نظر، فقد روى الحديث ابن ماجه، والدارقطني (١/ ٢٧٢) من طريقين عن الطيالسي، بدون ذكر عمر بن قيس، ولذا قال الطبراني في «الأوسط» (٤٦٠): (لم يرو هذا الحديث عن عاصم إلا أبو الربيع السمان)، فيكون قد تفرد به عن عاصم، ولا متابع له.\nوقد ذكر ابن كثير في تفسير الآية عدة أحاديث كحديث جابر وابن عباس ﵄ ثم قال: (وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضًا، وأما إعادة الصلاة لمن يتبين له خطؤه ففيها قولان للعلماء، وهذه دلائل على عدم القضاء، والله أعلم) (^١).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (فأينما تولوا) أي: فإلى أيِّ مكان تتجهوا.\n\nقوله: (فَثَمَّ) - بفتح الثاء والميم المشددة - اسم إشارة للمكان مبني على الفتح في محل نصب خبر مقدم، أي: فهناك.\n\nقوله: (وجه الله) مبتدأ مؤخر، أي: إن أمامكم وجه الله؛ لأن الله قِبَلَ وجه المصلي، وهو مستوٍ على عرشه ﵎.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن من صلّى في الغيم لغير القبلة، ثم استبان له بعدما صلّى أنه صلّى لغير القبلة فإن صلاته جائزة، وليس عليه إعادة، سواء علم بالخطأ في الوقت أو بعده.\nوهذا الحديث وإن كان إسناده ضعيفًا لكن معناه صحيح، فإن المؤمن إذا خفيت عليه القبلة وجب عليه أن يجتهد في طلب القبلة (^٢)، وأدلة الجهة\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٢٢٩).\n(^٢) انظر: \"بدائع الفوائد\" (٣/ ٢٥٩).","vol":"2","page":341},{"text":"متفاوتة الخفاء والظهور، فيجب على كل أحد فِعْلُ مقدوره من ذلك، فإذا فعل ذلك وصلّى صحت صلاته وإن صلّى إلى غيرها على الصحيح من أقوال أهل العلم، خلافًا لمن قال: تجب عليه الإعادة، لوجوب الاستقبال قطعًا؛ لأنه أدى ما عليه، والله تعالى أوجب على العبد أن يتقيه ما استطاع، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nوالواجب على المسافر ونحوه عند حضور الصلاة أن يجتهد ويتحرى القبلة وينظر في الوسائل التي تعينه على ذلك، كالشمس والقمر والنجوم لقوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، ويدخل في عموم الآية الاهتداء بها إلى جهة القبلة، والمراد به: القطب، وهو نجم خفي جدًا بقربه نجم واضح وهو الجدي، وأما الشمس والقمر فلأن كلًّا منهما يخرج من المشرق ويغرب من المغرب، فيمكن تحديد القبلة بهما، أو يعتمد على الآلة المعروفة في تحديد القبلة، ثم يصلي حسب ما أداه إليه اجتهاده، فإن ظهر له أنه صلى لغير القبلة فصلاته صحيحة؛ لأنه أدى ما عليه واجتهد، والآية الكريمة: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] تفيد ذلك من حيث العموم؛ فحيثما صلّى فقد صلّى لله وإلى وجه الله.\nيقول الشيخ محمد البنوري: (أصل جميع ذلك أن الشريعة الإسلامية قد وسعت الأمر في باب القبلة على المكلفين، فأجازت لهم استقبال الجهة التي فيها الكعبة حيث تعسر عليهم الاهتداء إلى عين الكعبة، فقال سبحانه: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].\nوأجاز لهم عند الاشتباه بقوله ﷾: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وسرُّ ذلك: أن الاستقبال حقيقة إلى الله ذي الكبرياء والعظمة وتقدست ذاته عن حدود الجهات، فكانت الجهات إليه تعالى سواسية، ولكن اقتضت الحكم الربانية والمصالح الإلهية الأزلية تخصيص الكعبة المباركة المحترمة بالاستقبال، ولكن إذا تعذر الاستقبال عادت الحقيقة الأصلية التي لا تختص بالجهات، فقال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، ففطن لهذا","vol":"2","page":342},{"text":"السر علماء الأمة، وهداة الملة، فوسَّعوا الأمر على العباد في باب القبلة …) (^١).\nوهذا الحكم خاص بالسفر، أما من صلى في الحضر لغير القبلة فعليه أن يعيد الصلاة على المشهور من مذهب الإمام أحمد، وذلك لأنه قادر على اليقين، إما بالسؤال، أو برؤية محاريب المساجد، فلم يعذر بالجهل.\nقال أبو داود في «مسائله»: (قيل لأحمد وأنا أسمع: هو في مدينة فتحرى فصلى لغير القبلة في بيت؟ قال: يعيد؛ لأن عليه أن يسأل).\nوظاهر هذا أنه لا يجتهد في الحضر، وعنه: أنه إذا كان من أهل الاجتهاد فاجتهد فصلاته صحيحة، وهذا قول وجيه؛ لأنه باجتهاده فعل ما يجب عليه، ومن فعل ما يجب عليه فقد اتقى الله ما استطاع، ومن اتقى الله ما استطاع فلا إعادة عليه، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد وسأل ثم تبين له خطأ من سأله، فالمذهب أنه يعيد، وقيل: لا يعيد؛ لأنه استند إلى خبر ثقة (^٢).\n\nالوجه الخامس: إثبات صفة الوجه لله تعالى، وأنه صفة لله كسائر صفاته التي لا تشبه صفات المخلوقين، بل نثبتها له على ما يليق بجلاله وعظمته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فلا تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة، فلا يعدل عنها إلا بدليل صحيح، يمنع من حمل الكلام على حقيقته، ومن فسر الوجه بالثواب فتفسيره باطل؛ لأنه خلاف ظاهر النصوص، وخلاف طريقة السلف، وليس عليه دليل، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"بغية الأريب في مسائل القبلة والمحاريب\" ص (٩٨).\n(^٢) انظر: \"مسائل الإمام أحمد\" لأبي داود ص (٤٥)، \"شرح العمدة\" كتاب \"الصلاة\" لشيخ الإسلام ابن تيمية ص (٥٤١)، \"المبدع\" (١/ ٤١١)، \"الإنصاف\" (٢/ ١١)، \"الشرح الممتع\" (٢/ ٢٧٩)، \"فتاوى ابن باز\" (١٠/ ٤٢٠).","vol":"2","page":343},{"text":"<span data-type='title' id=toc-180>حكم الانحراف اليسير عن القبلة</span>\n٢١٢/ ٨ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَوَّاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الترمذي في أبواب «الصلاة» باب «ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة» (٣٤٤) قال: حدثنا الحسن بن أبي بكر المروزي، حدثنا المُعلَّى بن منصور، حدثنا عبد الله بن جعفر المَخْرَميِّ، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: .. فذكره.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الترمذي - أيضًا - قال: حدثنا محمد بن أبي معشر، حدثنا أبي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.\nوهذا إسناد ضعيف، فيه أبو معشر، تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه - كما قاله الترمذي (^١) - ونقل عن البخاري أنه قال: (لا أروي عنه شيئًا، وقد روى عنه الناس)، وأما ابنه محمد فهو صدوق كما في «التقريب» وهو من أقدم شيوخ الترمذي.\nوقول الحافظ عن حديث الباب: (وقواه البخاري)، يريد بذلك ما نقله الترمذي عن البخاري أنه قال: (حديث عبد الله بن جعفر المخرمي، عن\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢/ ١٧٢).","vol":"2","page":344},{"text":"عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أقوى من حديث أبي معشر وأصح)، وقد نقل ابن رجب عن الإمام أحمد تضعيف هذا الحديث، وأن في أسانيده ضعفًا (^١).\nوهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا شيخ الترمذي الحسن (^٢) بن أبي بكر، قال عنه الحافظ في «التقريب»: (صدوق)، وقال عنه مسلمة بن قاسم في كتاب «الصلة»: (مجهول)، وهذا فيه نظر، إذ كيف يكون مجهولًا من يروي عنه اثنان (^٣)، وأحدهم الترمذي، كما في هذا الإسناد؟ فالصواب فيه ما قاله الحافظ، إلا إن كان مسلمة يعني جهالة الحال، إذ لا يعرف أحد تكلم في الحسن هذا بتعديل أو تجريح، وأما جهالة العين فهي مرتفعة برواية الترمذي.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على التيسير في أمر القبلة وأن المقصود باستقبال القبلة استقبال الجهة عند البعد والغيبة عن الكعبة.\nوهذا الحديث ليس عامًا في سائر البلاد، وإنما هو في حق أهل المدينة وما وافق قبلتها، كأهل الشام وما كان على سمتها، ولسائر البلدان من السعة في القبلة مثل ذلك بين الجنوب والشمال.\nوهذا الحديث كحديث أبي أيوب المتقدم في «الطهارة»: «لا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها بغائط ولا بول، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا» متفق عليه (^٤).\nوالناس في توجههم إلى الكعبة كالدائرة حول المركز، فمن كان في جهة غرب الكعبة فقبلته إلى المشرق، ومن كان شرقها فقبلته إلى المغرب، ومن كان شمالها فقبلته إلى الجنوب، ومن كان جنوبها فقبلته إلى الشمال، ومن كان من الكعبة فيما بين المشرق والجنوب فإن قبلته فيما بين الشمال والمغرب، ومن كان من الكعبة فيما بين الجنوب والمغرب فإن قبلته فيما بين الشمال والشرق، ومن كان من الكعبة فيما بين المشرق والشمال فقبلته فيما بين الجنوب والمغرب، ومن كان من الكعبة فيما بين الشمال والمغرب فقبلته فيما\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٩ - ٦٠).\n(^٢) في \"تهذيب الكمال\" (٦/ ٦٢): الحسن بن بكر.\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) انظر الحديث (٩٧).","vol":"2","page":345},{"text":"بين الجنوب والمشرق.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الشريعة قد وسعت الأمر على العباد في أمر القبلة عند البعد، وأنه يكفي الظن متى اجتهد ونظر في العلامات التي ترشده إلى القبلة، كما تقدم.\nوهذا يؤيد عدم التكلف في تحديد جهة القبلة، وأن من صلّى إلى الجهة صحت صلاته وإن انحرف عنها قليلًا؛ لأن جهته التي صلّى إليها هي القبلة؛ لأن فرض المصلي إذا كان بعيدًا عن الكعبة أن يتوجه إلى جهتها، لا أن يصيب عينها على اليقين؛ لأن ذلك مستحيل أو متعذر.\nوالقبلة تضيق كل الضيق لمن كان في المسجد الحرام فإنه لا بد أن يصيب عينها، وهي لأهل الحرم أوسع قليلًا، ثم لأهل مكة أوسع قليلًا، ثم لأهل الآفاق من السعة على حسب ما تقدم بيانه.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أنه ينبغي للعالم أن يخصَّ أولًا أهل بلده بتعليم أمور الدين ومسائل الشرع المبين؛ فهم أحق وأولى بالتقديم، حيث بيَّن النبي ﷺ قبلة أهل المدينة خاصة، وكذا في قوله ﵊ عند قضاء الحاجة: «ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا»، والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":346},{"text":"<span data-type='title' id=toc-181>بيان ما يستقبله المتنفل بالصلاة حال السفر</span>\n٢١٣/ ٩ - وعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيه.\nزَادَ البُخَارِيُّ: يُومِئُ بِرَأْسِهِ، وَلَم يَكنْ يَصْنَعُهُ في المَكْتُوبَةِ.\n٢١٤/ ١٠ - وَلأبِي دَاوُدَ: مِنْ حديثِ أَنَسٍ كَانَ إِذَا سَافَرَ، فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُ رِكَابِهِ. وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث عامر بن ربيعة: فقد أخرجه البخاري في كتاب «تقصير الصلاة» باب «صلاة التطوع على الدواب وحيثما توجهت» (١٠٩٣)، ومسلم (٧٠١) من طريق ابن شهاب، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، أخبره أن أباه أخبره، أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري هو لفظ الكتاب.\nوفي لفظ للبخاري: (رأيت رسول الله ﷺ وهو على الراحلة يسبح، يومئ برأسه قِبَل أي وجه توجه، ولم يكن رسول الله ﷺ يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة).\nوذكر الحافظ رواية البخاري؛ لأن فيها لفظ الإيماء، وأن ذلك خاص بالمكتوبة، ففيها تفسير للرواية الأولى.\nوأما حديث أنس ﵁ فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» باب","vol":"2","page":347},{"text":"«التطوع على الراحلة والوتر» (١٢٢٥) من طريق ربعي بن عبد الله بن الجارود، حدثني عمرو بن أبي الحجاج، حدثني الجارود بن أبي سبرة، حدثني أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ … فذكره، وفي آخره (حيث وجهه ركابه) بدل: (حيث كان وجه ركابه).\nوهذا إسناد حسن؛ لأن ربعي بن عبد الله بن الجارود، وجَدَّهُ صدوقان - كما في «التقريب» - فحديثهما من قبيل الحسن، وقد حسنه المنذري (^١) والنووي (^٢).\nوصححه ابن الملقن ونقل تصحيحه عن ابن السكن (^٣)، وإنما أورد الحافظ حديث أنس ﵁ للزيادة التي لم ترد في «الصحيحين» وهي استثناء تكبيرة الإحرام وأنها إلى القبلة.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (يصلي على راحلته) المراد بالصلاة: النافلة في السفر، كما في رواية البخاري، وقد دلت رواية مسلم المذكورة على أنها صلاة الليل، والراحلة: المركب من الإبل ذكرًا أو أنثى، تقول: رحلت الإبل رحلًا: من باب (نفع): شددت عليه رحله، ورَحْلُ الشخص: مأواه في الحضر، ثم أطلق على أمتعة المسافر؛ لأن هناك مأواه (^٤).\n\nقوله: (حيث توجهت) أي: إلى أي جهة توجهت الدابة صلّى، سواء أكان إلى القبلة أم إلى غيرها.\n\nقوله: (يومئ برأسه) أي: يشير به للركوع والسجود، وظاهره عدم التفريق بينهما في مقدار الإيماء، وسيأتي ذلك إن شاء الله.\n\nقوله: (ولم يكن يصنعه في المكتوبة) أي: لم يكن يصلي على راحلته في الصلاة المكتوبة، بل ينزل إلى الأرض، لقلتها؛ ولأنها أوكد من النوافل.\n_________\n(^١) \"مختصر السنن\" (٢/ ٥٩).\n(^٢) \"المجموع\" (٣/ ٢٣٤).\n(^٣) \"خلاصة البدر المنير\" (١/ ١١٠).\n(^٤) \"المصباح المنير\" ص (٢٢٢).","vol":"2","page":348},{"text":"قوله: (فكبر) أي: للإحرام عقب الاستقبال.\n\nقوله: (ثم صلّى) أي: أتمَّ صلاته، و(ثم) هنا للتراخي في الرتبة؛ لأن الاهتمام بالتكبير أشد لكونه مقارنًا للنية، ولذا خُصَّ بالتوجه إلى القبلة.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية صلاة النافلة في السفر كركعتي الضحى، وصلاة الليل، وسنة الوضوء ونحو ذلك، أما السنن الرواتب وهي راتبة الظهر والمغرب والعشاء فالسنة تركها، إلا راتبة الفجر فإنها تصلى في السفر؛ لأن النبي ﷺ كان لا يتركها حضرًا ولا سفرًا.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن المتنفل بالصلاة في السفر على راحلته يستقبل جهة سيره، ولا يلزمه استقبال القبلة، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين السفر الطويل والقصير، وهكذا لو أراد إنسان أن يتنفل وهو في السيارة أو في الطائرة أو في السفينة فإنه يسقط عنه الاستقبال، ويصلي إلى جهة سيره، لكن إن تمكن من الاستقبال وأداء الصلاة على الحال الذي تؤدى فيه في غير حال الركوب كما في السفن الحديثة أو الطائرات التي يوجد فيها سعة فإنه يلزمه (^١).\n\nالوجه الخامس: دلَّ حديث أنس ﵁ على مشروعية استقبال القبلة حال تكبيرة الإحرام فقط، وحمله بعض العلماء على الوجوب، وهو المذهب عند الحنابلة.\nوهذا الحديث مخالف للأحاديث الواردة في «الصحيحين»، كحديث عامر بن ربيعة، وحديث ابن عمر، وأنس ﵃، فإنه ليس فيها استثناء تكبيرة الإحرام وأنها إلى القبلة، وإذا كان الحديث سنده حسنًا فلا بأس بقبول هذه الزيادة، فإذا فعله الإنسان على سبيل الاحتياط والفضيلة والندب والجمع بين الأخبار فهو حسن، إذا تيسر ذلك، وإلا فالصلاة إلى جهة سيره مطلقًا من أولها إلى آخرها صحيحة عملًا بالأحاديث التي ليس فيها استثناء، وهي أصح\n_________\n(^١) انظر: \"غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام\" (٣/ ٥٧٦).","vol":"2","page":349},{"text":"وأكثر، وهذا القول هو مذهب الجمهور، وهو رواية عن الإمام أحمد (^١).\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على أن المسافر المتنفل على راحلته يومئ في الركوع والسجود، وظاهر ذلك عدم الفرق بينهما في مقدار الإيماء، لكن جاء في حديث جابر ﵁ قال: بعثني النبي ﷺ في حاجة، فجئته وهو يصلي على راحلته نحو المشرق، والسجود أخفض من الركوع (^٢).\nوهو يدل على أن السجود أخفض من الركوع، ليكون البدل على وفق الأصل، وقد نص الفقهاء على ذلك (^٣).\n\nالوجه السابع: دل الحديث على أن الفريضة لا تصلى على الراحلة، بل لا بد أن ينزل على الأرض ويصليها، لقلتها بالنسبة إلى النافلة؛ ولأنها آكد - كما تقدم - وهكذا لو كان في السيارة، فإنه يقف ويصلي الفريضة.\nأما إذا كان الإنسان في الطائرة أو في السفينة، وليس فيهما مكان مخصص لأداء الصلاة وحضرت الصلاة والرحلة مستمرة، ويخشى فوات الوقت قبل نزول الطائرة أو وقوف السفينة، ولم تكن الصلاة مما يجمع مع غيرها، فإنه يصلي حسب استطاعته، فإن استطاع أن يقف ويركع ويسجد فعل ذلك، وإلا صلّى قاعدًا وأومأ بالركوع والسجود؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وذلك للإجماع على أنه يجب على المكلف أن يؤدي الصلاة في وقتها حسب الاستطاعة، ولا يؤخرها عنه إذا لم تكن مما يجمع، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (٥/ ٢٤٩)، \"الإنصاف\" (٢/ ٦٠٥).\n(^٢) أخرج عبد الرزاق (٤٥٢١)، وعنه أحمد (٢٢/ ٦١)، وأخرجه الترمذي (٣٥١)، وأبو داود (١٢٢٧) وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وصححه البغوي في \"شرح السنّة\" (٤/ ١٨٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٧٤).","vol":"2","page":350},{"text":"<span data-type='title' id=toc-182>المواضع التي نُهي عن الصلاة فيها</span>\n٢١٥/ ١١ - وعَنْ أَبي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلاَّ المَقْبَرَةَ وَالحَمَّامَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَهُ عِلَّةٌ.\n٢١٦/ ١٢ - وَعَنِ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ أَنْ يُصَلَّى في سبعةِ مَوَاطِنَ: المَزْبَلةِ، والمَجْزَرَةِ، وَالمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطريقِ، وَالحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ الإبلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ الله. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي سعيد ﵁: فقد أخرجه الترمذي في «أبواب الصلاة» باب «ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» (٣١٧)، وأبو داود (٤٩٢)، وابن ماجه (٧٤٥)، وأحمد (١٨/ ٣١٢) من طريق عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: … فذكره.\nوهذا الحديث إسناده على شرط الشيخين، لكن اختلف في وصله وإرساله، وأعله بعضهم بالإرسال، فقد رواه موصولًا سفيان الثوري وحماد بن سلمة وعبد الواحد بن زياد، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، ومحمد بن إسحاق كلهم عن عمرو بن يحيى، عن أبيه - يحيى بن عمارة الأنصاري - عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ، وحماد بن سلمة ثقة، وعبد الواحد بن زياد ثقة، والدراوردي صدوق، وابن إسحاق صدوق يدلس.\nورواه مرسلًا الثوري، والدراوردي، وابن إسحاق عن عمرو بن يحيى،","vol":"2","page":351},{"text":"عن أبيه، عن النبي ﷺ، لم يذكروا أبا سعيد ﵁ (^١)، قال الترمذي مرجحًا الإرسال: (وكأن رواية الثوري … أثبت وأصح)، وقال الدارقطني: (والمرسل المحفوظ) (^٢)، وقال البيهقي: (حديث الثوري مرسل، وقد روي موصولًا، وليس بشيء …) (^٣).\nويرى آخرون من أهل العلم ترجيح الموصول، منهم ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن حزم، وابن دقيق العيد، وشيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه قال: (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبزار وغيرهم بأسانيد جيدة، ومن تكلم فيه فما استوفى طرقه) (^٤)، وقال: (إن رواية من أرسله لا تنافي الرواية المسندة الثابتة) (^٥).\nوممن صحح الحديث أحمد شاكر (^٦)، والألباني (^٧) والشيخ عبد العزيز بن باز، رحم الله الجميع.\nوأما حديث ابن عمر فقد أخرجه الترمذي في «أبواب الصلاة» في باب «ما جاء في كراهية ما يصلى إليه وفيه» (٣٤٦)، وابن ماجه (٧٤٦) من طريق زيد بن جَبيرة، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا.\nوهذا إسناد ضعيف جدًا، قال الترمذي: (حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي، وتُكُلِّمَ في زيد بن جَبيرة من قبل حفظه)، وقد نقل عبد الحق مقولة الترمذي هذه، ثم قال: (كذا قال، وغير أبي عيسى يقول في هذا الإسناد أكثر من هذا …) (^٨).\nفعلة هذا الحديث زيد بن جَبيرة، قال عنه البخاري: (منكر الحديث)،\n_________\n(^١) انظر: \"تنقيح التحقيق\" (١/ ٧٢٧ - ٧٣١).\n(^٢) \"العلل\" (١١/ ٣٢١).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٣٥).\n(^٤) \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (٢/ ٦٧٧).\n(^٥) \"الفتاوى\" (٢١/ ٣٢٠)، \"التلخيص\" (١/ ٢٩٦)، \"المنهل العذب المورود\" (١/ ١١٩).\n(^٦) \"جامع الترمذي\" (٢/ ١٣٣).\n(^٧) \"إرواء الغليل\" (١/ ٣٢٠).\n(^٨) \"الأحكام الوسطى\" (١/ ٢٢٨).","vol":"2","page":352},{"text":"وقال أبو حاتم: (ضعيف الحديث، منكر الحديث جدًا، متروك الحديث، لا يكتب حديثه) ونقل عن ابن معين أنه قال: (لا شيء)، وقال الساجي: (حدث عن داود بن الحصين بحديث منكر جدًا) (^١).\nوقد ذكر ابن عدي والذهبي هذا الحديث من مناكير زيد بن جبيرة (^٢).\nوقد جاء الحديث عند ابن ماجه (٧٤٧) من طريق أبي صالح، عن الليث، عن عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر ﵄ وإسناده ضعيف؛ لأن أبا صالح وهو كاتب الليث كثير الغلط - كما في «التقريب» - وعبد الله العمري ضعيف، وقد جزم الحافظ أبو حاتم بأنه واهٍ، قال ابنه: سألت أبي عن حديث رواه الليث …، ورواه زيد بن جبيرة عن داود بن الحصين .. فقال: (جميعًا واهيين) (^٣).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (المَقْبرة) بفتح الميم وتثليث الباء، ما يدفن فيها الموتى.\n\nقوله: (والحمام) أصله موضع الاغتسال بالماء الحار، ثم قيل لموضع الاغتسال بأي ماء كان.\n\nقوله: (المزبلة) بفتح الميم والباء، الموضع الذي يجمع فيه الزِّبل، وهي القمامة وما في معناها.\n\nقوله: (والمجزرة) بفتح الميم، وهي المكان الذي تجزر فيه المواشي، أي: تذبح أو تنحر.\n\nقوله: (وقارعة الطريق) وهي ما تقرعه الأقدام بالمرور عليه.\n\nقوله: (ومعاطن الإبل) مفردها: عَطَن - بفتح العين والطاء - وهي مبارك الإبل حول الحوض والبئر، ثم توسِّع في ذلك فصار اسمًا لما تأوي إليه وتقيم فيه.\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٥٥٩).\n(^٢) \"الكامل\" (٣/ ٢١٢)، \"الميزان\" (٢/ ١٠٠).\n(^٣) \"علل الحديث\" (١/ ١٤٨).","vol":"2","page":353},{"text":"قوله: (وفوق ظهر بيت الله) المراد به: الكعبة.\n\nالوجه الثالث: حديث أبي سعيد ﵁ دليل على أن الأرض كلها مسجد، فيجوز الصلاة في كل مكان من الأرض، وقد دل على هذا الحكم أحاديث كثيرة، ومنها حديث جابر ﵁ في «الصحيحين»، وقد تقدم في باب «التيمم»، إلا ما استثناه الشارع، وهذا من نعم الله تعالى على هذه الأمة، وتيسيره عليها ورحمته بها؛ لأن الأمم السابقة لا يصلون إلا في أماكن معينة كالبِيَعِ والصوامع (^١).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الصلاة في المقبرة، وأنها لا تصح (^٢) لأنه استثناها من عموم الأرض، سواء أكانت الصلاة على القبر أم بين القبور، والمراد بالمقبرة: ما يدفن فيها الموتى، ولو كان قبرًا واحدًا (^٣)، أما لو عينت الأرض مقبرة ولم يبدأ بالدفن فيها فإنها تصح الصلاة فيها.\nوالحكمة من هذا النهي ما نص عليه المحققون من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من أن العلة هي سد الذريعة عن عبادة أربابها؛ لأن ذلك من أعظم وسائل الشرك، ومشابهة المشركين.\nوأما من اعتقد من الفقهاء أن سبب النهي كون المقبرة مظنة النجاسة لما يختلط بالتراب من صديد الموتى، أو قد تنبش وفيها صديد فينجس التراب فهذا التعليل ليس بشيء لأمور ثلاثة:\n١ - أن الغالب أن المقابر تبقى على حالها ولا تنبش، وحتى لو نبشت لا دليل على نجاستها.\n٢ - أن احتمال نجاسة الأرض لا يوجب كراهة الصلاة عليها، بل الأرض تطهر بما يصيبها من الشمس والريح والاستحالة (^٤).\n٣ - أنها لو كانت هذه هي العلة لما نهي عن الصلاة في مقابر الأنبياء؛\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٤٣٧).\n(^٢) انظر: \"الاقتضاء\" (٢/ ٦٨٢).\n(^٣) انظر: \"الشرح الممتع\" (٢/ ٢٣٥).\n(^٤) انظر: \"مجموع الفتاوى\" (٢١/ ٣٢١ - ٣٢٣)، \"إغاثة اللهفان\" (١/ ١٥٨، ١٨٧ - ١٨٩).","vol":"2","page":354},{"text":"لأن أجسادهم لا تأكلها الأرض، كما ورد في السنة، على قول من صحح الحديث (^١).\nويستثنى من النهي الصلاة على القبر، فقد صلى النبي ﷺ على قبر المرأة التي كانت تقمُّ المسجد عندما ماتت بالليل وصلى عليها الصحابة ﵃ ولم يخبروا النبي ﷺ، وخبرها في «الصحيحين»، وسيأتي في كتاب «الجنائز» إن شاء الله تعالى.\nوأما الصلاة على الميت في المقبرة فسيأتي الكلام عليها في كتاب «الجنائز» - أيضًا - إن شاء الله.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على تحريم الصلاة في الحمام، وأنها لا تصح، والنهي عن الصلاة في الحمام إما لأنه مظنة النجاسة، وإما لكونه بيت الشيطان، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية كلا التعليلين، لكن مال إلى تضعيف التعليل الأول وقال: (إن ظاهر مذهب أحمد لم يُنه عن الصلاة فيه لكونه مظنة النجاسة، فإذا غُسل موضع منه أو تيقنا طهارته جازت الصلاة فيه) (^٢).\nوإنما النهي إما للتعبد، أو لأنها مأوى الشيطان، ويقاس على الحمام الكنيف بل أولى، وكذا دورات المياه؛ لأن ذكر الله تعالى في هذه الأماكن ممنوع شرعًا تعظيمًا لله تعالى وتشريفًا له ﷿ أن يذكر اسمه في موضع خبث ونجاسة.\nوأما سطح الحمام فيجوز الصلاة فيه على الراجح من قولي أهل العلم من باب قصر النهي على ما تناوله النص وأن الحكم لا يُعدى إلى غيره.\n\nالوجه السادس: في حديث ابن عمر ﵄ النهي عن الصلاة في سبعة مواضع، والحديث ضعيف كما مضى، وعلى هذا فما ثبت فيه نص آخر أو دلَّ عليه عموم عُمل به، وإلا بقي على أصل الجواز.\n_________\n(^١) أي حديث أوس بن أوس -﵁-، وقد اختلف العلماء في تصحيحه وتضعيفه، والمتقدمون كأبي حاتم، والبخاري على تضعيفه. فانظر: \"جلاء الأفهام\" ص (٧٧).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢١/ ٣١٩).","vol":"2","page":355},{"text":"فالمزبلة: لا تصح الصلاة فيها؛ لأنها محل النجاسة وإلقاء القاذورات، لكن إن كان الزِّبل طاهرًا صحت الصلاة فيها (^١).\nوالمجزرة: لا تصح الصلاة فيها؛ لأنها محل الدماء، وهي نجسة، وكذا الأرواث وحتى لو قيل بطهارتها فإن مثل هذه البقعة لا تصلح لمناجاة الله تعالى.\nوالمقبرة والحمام: تقدما في حديث أبي سعيد ﵁.\nوقارعة الطريق: لا تصح الصلاة فيها؛ لأن المصلي فيها يؤذي ويؤذى، فيؤذي المارة بأخذ حقهم من الطريق، ويؤذى بما يشغل خاطره المؤدي إلى ذهاب الخشوع الذي هو سر الصلاة، وقيل: لأنها مظنة النجاسة، والقول بمنع الصلاة في قارعة الطريق هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.\nوالقول الثاني: وهو قول أكثر أهل العلم، ورواية عن أحمد صحة الصلاة في قارعة الطريق، لعموم «جعلت لي الأرض مسجدًا» (^٢)، ولم يستثن منه إلا المقبرة والحمام والمعاطن، للأحاديث الواردة فيها، فيبقى ما عداها على العموم، والأولى ألاَّ يصلى في الطريق لما تقدم، لكن إن دعت الحاجة إلى الصلاة في قارعة الطريق فلا بأس، كما لو ضاق المسجد جاز أن يصلى في الشوارع التي حوله إذا فرشت.\nومعاطن الإبل: لا تصح الصلاة فيها، لحديث جابر بن سمرة ﵁ أن رجلًا سأل النبي ﷺ: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا» (^٣)، وعن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطين» (^٤).\nوقد مال شيخ الإسلام ابن تيمية إلى تقوية هذا المعنى، وضعف قول من\n_________\n(^١) انظر: \"الشرح الممتع\" (٢/ ٢٤٩).\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ٤٧٢)، \"المجموع\" (٣/ ١٦٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (٣٦٠).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٤٩٣) بإسناد صحيح.","vol":"2","page":356},{"text":"قال: إن ذلك لعلة النجاسة، إذ لا فرق بين أعطان الإبل ومبارك الغنم، وكلاهما في الطهارة والنجاسة سواء (^١).\nأما مبارك الإبل في سيرها أو ما تناخ فيه لعلفها أو وردها فلا يُمنع من الصلاة فيها؛ لأن هذا عارض، وقد ورد عن الإمام أحمد ما يدل على ذلك (^٢).\nوفوق ظهر بيت الله: هذا مما انفرد به هذا الحديث الضعيف، ولم يرد في حديث غيره، فمن أخذ به أضاف إليه تعليلًا، وهو أن الله تعالى أمر باستقبال الكعبة في قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، والمصلي فوق الكعبة غير مستقبل جهتها ولا مصليًا إليها، وقد أمر بالصلاة إليها، فمن صلى فوقها فقد صلى إلى الهواء.\nوالأظهر صحة الصلاة فوق الكعبة لعدم ثبوت النهي، ولأن الحكم ليس مُناطًا بالقائم، وإنما هو مناط بهواء الكعبة، ولهذا تصح الصلاة في سطح المسجد الحرام وعلى جبل أبي قبيس بالاتفاق، وهي أعلى من الكعبة، والمصلي فيها استقبل هواء الكعبة، وهواؤها مسامت لها، ولهذا لو هدمت - والعياذ بالله كما في آخر الزمان - صحت صلاة الناس إلى محلها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢١/ ٣٢٠).\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ٤٧٢)، \"الفتاوى\" (٢٠/ ٥٢٤).","vol":"2","page":357},{"text":"<span data-type='title' id=toc-183>النهي عن استقبال القبر في الصلاة</span>\n٢١٧/ ١٣ - وعَنْ أَبي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ ﵁ قَالَ: سَمعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «لَا تُصَلُّوا إلى القُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو مَرْثَدٍ الغَنَوي - من بني غنيّ من قيس عيلان - صحابي جليل، مشهور بكنيته، واسمه: كَنَّاز - بفتح الكاف وتشديد النون ثم زاي - بن الحصين، وابنه مرثد - بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة - وهو وأبوه صحابيان، شهدا بدرًا وأحدًا، وكانا حليفين لحمزة بن عبد المطلب، وكان أبو مرثد تِرْبًا لحمزة ﵁ - أي: مساويًا له في السن - وقتل مرثد يوم الرجيع، سنة ثلاث من الهجرة (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «الجنائز» باب «النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه» (٩٧٢) من طريق ابن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد الغنوي، قال: قال رسول الله ﷺ … فذكره.\nوأخرجه أيضًا من طريق عبد الرحمن بن يزيد، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن واثلة به.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الصلاة إلى القبور، بأن يكون القبر في جهة المصلي، وهذا النهي في الحديث يقتضي تحريم الفعل،\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٢/ ١٤٠)، \"الإصابة\" (٩/ ١٦٢) (١٢/ ١٥).","vol":"2","page":358},{"text":"وفساد الصلاة؛ لأن الصلاة إلى القبور تشبه عبادتها، أو فيه تشبُّه بمن يعبدها، وهذا قد يكون ذريعة إلى نوع من الشرك بالعكوف عندها وتعلق القلوب بها رغبة ورهبة.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الجلوس على القبر، والوطء من باب أولى، وذلك لما فيه من الاستهانة بحق المسلم، إذ القبر بيت المسلم، وحرمته ميتًا كحرمته حيًا، وقد ورد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لأن يجلسَ أحدكم على جمرة فتحرقَ ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر» (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٧١).","vol":"2","page":359},{"text":"<span data-type='title' id=toc-184>جواز الصلاة في النعلين إذا كانتا طاهرتين</span>\n٢١٨/ ١٤ - وعَنْ أَبِي سَعيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِذَا جاءَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلْيَنْظُرْ، فَإنْ رَأَى في نَعْلَيَهِ أَذًى أَوْ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ، وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحه ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» باب «الصلاة في النعل» (٦٥٠)، وابن خزيمة (٢/ ١٠٧) من طريق حماد بن سلمة، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: «ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟»، قالوا: رأيناك ألقيت نعليك، فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ: «إن جبريل ﷺ أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا»، وقال: «إذا جاء أحدكم …» الحديث.\nوهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ حماد بن سلمة: ثقة، وأبو نعامة وثقه ابن معين وأبو حاتم، وأبو نضرة - واسمه: المنذر بن مالك بن قُطَعَة العبدي - ثقة.\nوقد تابع حماد بن سلمة الحجاج بن الحجاج الأحول، عن أبي نعامة به، عند ابن خزيمة (١/ ٣٨٤) والحجاج ثقة، كما في «التقريب».\nلكن قد اختلف في وصله وإرساله (^١)، فقد رواه حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة أن النبي ﷺ ..، وقد رجح الموصول أبو حاتم، والدارقطني، لأنه اتفق على وصله اثنان عن أبي نضرة،\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (١/ ٢٩٧).","vol":"2","page":360},{"text":"عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ وهما: حماد بن سلمة، والحجاج بن الحجاج الأحول، وكلاهما ثقة، كما تقدم (^١).\nوالحديث له شواهد، ومنها حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ لم يخلع نعليه في الصلاة إلا مرة واحدة، خلع، فخلع الناس، فقال: «ما لكم؟» قالوا: خلعت فخلعنا، فقال: «إن جبريل أخبرني أن فيهما قذرًا أو أذى» (^٢).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الصلاة في النعال، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة، ومن ذلك: ما رواه أبو مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي قال: سألت أنس بن مالك: أكان رسول الله ﷺ يصلي في نعله؟ قال: نعم (^٣).\nوعن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في نعليه (^٤).\nوقد ذكر الطحاوي أن الأحاديث الدالة على شرعية الصلاة في النعال متواترة عن رسول الله ﷺ (^٥).\nوالعلماء ﵏ لا يشترطون في المتواتر أن تكون كل طرقه صحيحة أو حسنة بل يذكرون جميع ما في الباب من صحيح أو حسن أو ضعيف (^٦).\nوشرط ذلك أن تكون النعل طاهرة، وقد كانت المساجد قديمًا تفرش بالحصباء والرمل ونحو ذلك، فيصلى فيها بالنعال ولا تتأثر، والناس عندهم دين وعناية بالنعال وتفقدها، والآن فرشت المساجد لترغيب المصلين والوقاية من الغبار، فيقال حينئذ: إن مراعاة حال المساجد تقتضي ألا يصلى بالنعال وإن كانت نظيفة، لأمرين:\n_________\n(^١) \"علل الحديث\" (١/ ١٢١)، \"العلل\" للدارقطني (٨/ ١١٢)، (١١/ ٣٢٨).\n(^٢) أخرجه الحاكم (١/ ٢٣٥)، والبيهقي (٢/ ٤٠٤) وغيرهما، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري) وسكت عنه الذهبي، وصححه الألباني في \"الإرواء\" (١/ ٣١٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٨٦)، ومسلم (٥٥٥).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣٨٤) ورجاله رجال الصحيح.\n(^٥) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٥١١).\n(^٦) انظر: رسالة: \"شرعية الصلاة في النعال\".","vol":"2","page":361},{"text":"الأول: أن المساجد لا تسلم من تلويث فرشها حتى مع العناية بالنعال وتفقدها؛ لأن الفرش سريعة التأثر باللون والرائحة، وطبيعة الشوارع تساعد على التلويث حتى مع طهارة النعل، ولذا قال ابن عابدين: (إذا خشي تلويث فرش المسجد ينبغي عدم الصلاة في النعال، وإن كانت طاهرة) (^١).\nالثاني: أن الغالب على الناس الغفلة عن العناية بنعالهم حين يدخلون المسجد.\nوالصلاة في النعال موضع خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إنها من باب الرخص، فتكون مباحة، ولا تصل إلى درجة الاستحباب، وهو قول ابن دقيق العيد (^٢)؛ لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة، وهو الزينة؛ لأن ملامسة النعل للأرض يقصر بها عن هذا المقصود.\nوالقول الثاني: أن الصلاة في النعال سنة، وهو قول الحنابلة، واستدلوا بحديث شداد بن أوس مرفوعًا: «خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم» (^٣)، وهذا أمر، وأقل أحواله الاستحباب، ومخالفة اليهود أمر مطلوب شرعًا. لكن إن خيف من الصلاة في النعال مفسدة، فإنه يجب مراعاتها، على قاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإن كان الإنسان في أرض حصباء أو في البر جاز أن يصلي في نعليه.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن من صلّى بالنجاسة جاهلًا أو ناسيًا فإن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه، ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ قد بنى على ما مضى من صلاته، ولو كان التلبس بالنجاسة حال النسيان أو الخطأ موجبًا للإعادة لاستأنف الرسول ﷺ الصلاة من أولها ولم يبن على ما كان صلّى، وهذا هو القول الراجح من قولي أهل العلم، أما إن علم بالنجاسة في أثناء الصلاة فإن أمكن طرحها بدون عمل كثير أو كشف عورة ألقاها، كما خلع النبي ﷺ نعليه، وإلا بطلت صلاته، واستأنفها بعد إزالة النجاسة، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"حاشية ابن عابدين\" (٢/ ٤٢٩).\n(^٢) \"شرح العمدة\" (٢/ ٣٤٤).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٦٥٢) وإسناده صحيح.","vol":"2","page":362},{"text":"<span data-type='title' id=toc-185>كيفية تطهير الخف من النجاسة</span>\n٢١٩/ ١٥ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمُ الأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُما التُّرابُ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الطهارة» بابٌ «في الأذى يصيب النعل» (٣٨٦)، والبيهقي (٢/ ٤٣٠)، وابن حبان (٤/ ٢٥٠)، وابن خزيمة (١/ ١٤٨) كلهم من طريق محمد بن كثير - يعني الصنعاني - عن الأوزاعي، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.\nوهذا إسناد ضعيف؛ لأن في إسناده محمد بن كثير الصنعاني، وهو كثير الخطأ، قال البخاري: (ضعفه أحمد)، وقد ذكر ابن القطان أنه ضعيف، وأضعف ما يكون في الأوزاعي (^١)، وقال علي بن المديني: (كنت أشتهي أن أرى هذا الشيخ - يعني محمد بن كثير - فالآن لا أحب أن أراه)، وقال النسائي: (ليس بالقوي كثير الخطأ) (^٢).\nومع هذا فقد صحح حديثه ابن حبان، وشيخه ابن خزيمة، وتلميذه الحاكم، ومحمد بن عجلان وإن ضعفه بعضهم لكن الأكثر على توثيقه.\n_________\n(^١) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ١٢٦).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٣٦٩).","vol":"2","page":363},{"text":"والحديث اختلف فيه على الأوزاعي، فرواه محمد بن كثير عن الأوزاعي كما تقدم، ورواه أبو المغيرة والوليد بن مزيد، وعمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي قال: أُنبئت أن سعيد بن أبي سعيد حدث عن أبيه … رواه أبو داود (٣٨٥)، ورواه عبد الله بن زياد بن سمعان، عن المقبري، عن القعقاع بن حكيم، عن أبيه، عن عائشة ﵂. رواه العقيلي في «الضعفاء» (٢/ ٢٥٦) ورواه عبد الرزاق (١/ ٣٣) وليس فيه (عن أبيه) ولما ذكر الدارقطني في «العلل» (٨/ ١٥٩ - ١٦٠) الأوجه في هذا الحديث قال عن هذا: (وهو أشبهها بالصواب وإن كان ابن سمعان متروكًا).\nوالحديث له شاهد من حديث أبي سعيد ﵁ المتقدم، ومن حديث عائشة ﵂ أخرجه أبو داود (٣٨٧) بمعناه ولم يسق لفظه، ويشهد للحديث - أيضًا - ما أخرجه أبو داود (٣٨٤)، وابن ماجه (٥٣٣)، وأحمد (٤٥/ ٤٤٣)، وابن الجارود (١٤٣) عن موسى بن عبد الله بن يزيد، عن امرأة من بني عبد الأشهل أنها سألت النبي ﷺ فقالت: إن لنا طرقًا منتنة فَتُمْطَرُ، فقال: «أليس بعدها طريق أطيبُ منها؟»، قالت: بلى، قال: «فهذه بهذه». وإسناده صحيح.\nوأخرج مالك (١/ ٢٤)، وأبو داود (٣٨٣)، والترمذي (١٤٣)، وابن ماجه (٥٣١)، والدارمي (١/ ١٥٥)، وأحمد (٦/ ٢٩٠)، وابن الجارود (١٤٢) من طريق محمد بن إبراهيم التيمي، عن أم ولد لإبراهيم، عن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر، فقالت أم سلمة: قال رسول الله ﷺ: «يطهره ما بعده».\nوإسناده ضعيف، أم ولد إبراهيم مجهولة، وقد تفرد بالرواية عنها محمد بن إبراهيم، ولكن تتقوى روايتها بالحديث المذكور قبله.\nقال الشوكاني: (هذه الروايات يقوِّي بعضها بعضًا، فتنتهض للاحتجاج بها على أن النعل يَطْهُرُ بدلكه في الأرض رطبًا ويابسًا) (^١)، وقال العقيلي:\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (١/ ٥٨).","vol":"2","page":364},{"text":"(هذا إسناد صالح جيد) (^١).\n\nالوجه الثاني: الحديث وما جاء في معناه دليل على أنه يكفي في تطهير نجاسة الخف دلكه بالتراب دون الغسل بالماء - على الصحيح من قولي أهل العلم - ولا فرق بين أنواع النجاسات، بل كل ما علق بالنعل مما يطلق عليه اسم الأذى فطهوره مسحه بالتراب.\nوهذا من سماحة الإسلام ويسره، فإن الخف معرض للأذى من أجل مباشرته الأرض، ولو لزم تطهيره بالماء لشق ذلك على الناس وأدى إلى إتلاف الخفاف والنعال بالماء وتكرره عليها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الضعفاء\" (٢/ ٢٥٧).","vol":"2","page":365},{"text":"<span data-type='title' id=toc-186>النهي عن الكلام في الصلاة، وحكمه من الجاهل</span>\n٢٢٠/ ١٦ - وعَنْ مُعَاوِيةَ بْنِ الحَكَمِ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ هذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فيها شَيْءٌ مِنْ كلامِ النَّاسِ، إنَّما هُوَ التَّسْبِيحُ، والتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو معاوية بن الحكم السلمي، كان ينزل المدينة، وسكن في بني سُليم، وعداده في أهل الحجاز، روى عنه ابنه كثير، وعطاء بن يسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو صاحب الجارية التي قال لها النبي ﷺ: «أين الله؟»، قالت: في السماء، قال: «من أنا؟»، قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة»، أخرجه مسلم، وهو بعض حديث الباب.\nوقد روى مالك (^١) حديث معاوية هذا من طريق هلال بن أسامة بهذا الإسناد، وسماه: عمر بن الحكم، قال ابن عبد البر: (هكذا قال مالك في هذا الحديث عن هلال، عن عطاء، عن عمر بن الحكم، لم يختلف الرواة عنه في ذلك، وهو وهم عند جميع أهل العلم بالحديث، وليس في الصحابة رجل يقال له: عمر بن الحكم، وإنما هو معاوية بن الحكم …) (^٢)، مات سنة سبع عشرة ومئة (^٣).\n_________\n(^١) \"الموطأ\" (٢/ ٧٧٦).\n(^٢) \"التمهيد\" (٢٢/ ٧٦).\n(^٣) \"الاستيعاب\" (١٠/ ١٣١)، \"الإصابة\" (٩/ ٢٢٩).","vol":"2","page":366},{"text":"الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب «تحريم الكلام في الصلاة» (٥٣٧) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة - وهو هلال بن علي بن أسامة (^١) - عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عَطَسَ رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكْلَ أمِّياه، ما شأنكم تنظرون إليّ؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمتونني، لكني سكت، فلما صلّى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: «إن هذه الصلاة …» الحديث بطوله، وفيه ذكر الكهانة والطِّيَرة وقصة الجارية التي تقدم ذكرها.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (واثكل أمِّياه) الثُّكْل: الحزن لفقد الولد، وأمياه: مضاف إلى ثكل، وأصله: أمّي، زيدت عليها ألف الندبة لمد الصوت، وأُردفت بهاء السكت الثابتة في الوقف، المحذوفة في الوصل.\n\nقوله: (لكني سكت) معطوف على مقدر، أي: لم أتكلم لكني سكت.\n\nوقوله: (ما كهرني) الكهر: الانتهار، ذكره أبو عبيد (^٢).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن مخاطبة الناس في الصلاة عمدًا ولو بالدعاء كتشميت العاطس يبطل الصلاة؛ لأنه ينافي مقصود الصلاة، فإن الصلاة صلة بين العبد وربه، وفي الكلام إعراض عن مناجاة الله تعالى، ومناجاته سبحانه أرفع درجات العبد، وقد قال النبي ﷺ: «إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه» (^٣).\n_________\n(^١) وإنما ذكره مسلم بكنيته؛ لأنه بها أشهر، كما قال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٢/ ٧٥).\n(^٢) \"غريب الحديث\" (٣/ ١١٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٣١)، ومسلم (٥٥١).","vol":"2","page":367},{"text":"وأما إذا عطس الإنسان في الصلاة فإنه يحمد الله تعالى، لكن من أهل العلم من قال: يحمد سرًا؛ لأنه ذكر، والسنة في أذكار الصلاة الإسرار إلا ما استثني، ومنهم من قال: إنه يجهر به، ويؤيده حديث سهل بن سعد في «الصحيحين» (^١).\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن من تكلم في الصلاة جاهلًا بتحريم الكلام فيها أن صلاته صحيحة، وأنه لا يلزمه قضاء ما مضى من صلواته؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر معاوية بإعادة هذه الصلاة ولا سأله هل كان يتكلم فيما مضى من صلواته، وإنما علمه لما يستقبل من أمره.\nوهذا مبني على قاعدة عظيمة نبه عليها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهي من أعظم القواعد الفقهية عنده، وهي: أن التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل، فمن كان عاجزًا عن أحدهما سقط عنه ما يُعجزه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها (^٢).\nفالنبي ﷺ لم يأمر معاوية بالإعادة؛ لأنه لم يبلغه العلم بتحريم الكلام في الصلاة، ولا تكليف قبل بلوغ العلم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٤، ١٢٣٤)، ومسلم (٤٢١).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢١/ ٦٣٤).","vol":"2","page":368},{"text":"<span data-type='title' id=toc-187>بيان حكم الكلام في الصلاة</span>\n٢٢١/ ١٧ - وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: إنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، يُكلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو زيد بن أرقم بن زيد الأنصاري الخزرجي ﵁ أول مشاهده الخندق، وقيل: المريسيع، واسْتُصْغِرَ يوم أحد، وهو الذي أخبر النبي ﷺ بقول المنافق عبد الله بن أُبيّ: «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل»، فأنكره عبد الله بن أُبيّ، فأنزل الله القرآن بتصديق زيد بن أرقم ﵁ والحديث في «الصحيحين» (^١)، نزل الكوفة، ومات فيها سنة ثمان وستين (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «العمل في الصلاة» باب «ما ينهى من الكلام في الصلاة» (١٢٠٠)، ومسلم (٥٣٩) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، قال: قال لي زيد بن أرقم: (إن كنا لنتكلم في الصلاة ..) الحديث، واللفظ للبخاري، وزاد مسلم: (ونهينا عن الكلام) ولم يسق من الآية إلا آخرها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٩٠٠) وبنحوه مسلم (٢٧٧٢).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٣/ ٣٨)، \"الإصابة\" (٣/ ٣٨).","vol":"2","page":369},{"text":"وأما قول الحافظ: (إن اللفظ لمسلم)، فلعله أراد من أجل هذه الزيادة، وإلا فاللفظ الذي ساقه هو لفظ البخاري، وفي لفظ مسلم اختلاف يسير.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إن كنا ..) بتخفيف (إن) وهي مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف، واللام فارقة بين النافية والمخففة.\n\nقوله: (لنتكلم في الصلاة) أي: خلف النبي ﷺ.\n\nقوله: (يكلم أحدنا صاحبه بحاجته) الجملة بيان لقوله: (نتكلم)، وهذا يدل على أنهم كانوا لا يتكلمون فيها بكل شيء، وإنما يقتصرون على الحاجة من رد السلام ونحوه.\n\nقوله: (حتى نزلت …)، هذا ظاهر في أن نسخ الكلام في الصلاة وقع بهذه الآية، فيقتضي أن النسخ وقع بالمدينة؛ لأن الآية مدنية باتفاق.\n\nقوله: (﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾) أي: داوموا وواظبوا على الصلوات المفروضة مع الإتقان. و«الوسطى» أي: الفضلى، والمراد بها: صلاة العصر، على الراجح من أقوال أهل العلم، وقد بلغت عشرين قولًا، كما ذكر ذلك العلامة مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي (^١).\nوالقول بأنها صلاة العصر هو الصحيح؛ للأدلة الصحيحة التي لا يمكن دفعها، وهو قول جماهير السلف والخلف، ومن ذلك حديث ابن مسعود ﵁ قال: حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصر، حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله ﷺ: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا» (^٢).\nوعطفها على الصلوات في الآية الكريمة من باب عطف الخاص على العام، للاهتمام بشأن الخاص، وخصت بذلك - والله أعلم - لشرفها وفضلها،\n_________\n(^١) المتوفى سنة (١٠٣٣ هـ) في كتابه: \"اللفظ الموطأ في بيان الصلاة الوسطى\".\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٣٩٦)، ومسلم (٦٢٨) وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: (وهي صلاة العصر).","vol":"2","page":370},{"text":"ولأنها اختصت بمزيد من التأكيد، والأمر بالمحافظة عليها، والتغليظ لمن ضيعها.\n\nقوله: (وقوموا لله) أي: قفوا لله، واللام للتعليل، أي: إخلاصًا وتعظيمًا لله تعالى.\n\nقوله: (قانتين) القنوت له معان كثيرة منها: القيام، وعليه قول النبي ﷺ لما سئل: أي الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت» (^١)، ومنها: الدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام، وعليه قول أنس ﵁ لما سئل: أقنت رسول الله ﷺ في الصبح؟ قال: نعم، فقيل له: أَوَ قنت قبل الركوع؟ قال: بعد الركوع يسيرًا (^٢). ومنها: السكوت مع التعظيم، كما هنا.\n\nقوله: (فأُمرنا بالسكوت) أي: أمرنا الله تعالى بقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أو أمرنا الرسول ﷺ تفسيرًا للآية، ويؤيده قوله: (نهينا).\nوالمراد بالسكوت: الكف عن الكلام، أي: كلام الناس لا كل كلام؛ لأن الصلاة فيها قراءة وتكبير وتسبيح ودعاء، وهذا كلام.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الكلام في الصلاة فرضًا كانت أو نفلًا، قليلًا كان الكلام أو كثيرًا، وأن الكلام مبطل لها لتحريمه ومنافاته لمقصودها، فإن الصلاة صلة بين العبد وربه، فلا ينبغي أن يتشاغل المصلي بغير مناجاة الله تعالى والذل بين يديه.\nقال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامدًا لكلامه، وهو لا يريد إصلاح شيء من أمرها أن صلاته فاسدة) (^٣).\nوعلى هذا فلا خلاف بين أهل العلم في أن من تعمد الكلام في الصلاة لغير مصلحتها وهو عالم بالتحريم أن صلاته باطلة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٩٤) من حديث جابر -﵁-.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٠١).\n(^٣) \"الأوسط\" (٣/ ٢٣٤).","vol":"2","page":371},{"text":"وإنما وقع الخلاف فيمن تكلم ناسيًا أنه في صلاة، أو يظن أن صلاته تمت، أو تكلم لمصلحتها، ففي ذلك قولان:\nالأول: أن صلاته باطلة، إلا أنهم يفرقون فيما كان لمصلحة الصلاة بين اليسير فلا تبطل والكثير فتبطل، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد (^١)، أخذًا بعموم (ونهينا عن الكلام) لأن المصلي قد فعل ما ينافي الصلاة، فتبطل لأنه ليس من جنس ما هو مشروع في الصلاة.\nالثاني: أن صلاته صحيحة، وهذا قول مالك، والشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من المحققين (^٢)؛ لما يلي:\n١ - قصة ذي اليدين، وهي مذكورة في أحاديث «سجود السهو».\n٢ - قصة معاوية بن الحكم، كما تقدم.\n٣ - قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال إجابة لهذا الدعاء: «قد فعلت»، وفي رواية: قال: «نعم» (^٣).\n٤ - عموم حديث ابن عباس: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (^٤)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٢/ ٤٤٦).\n(^٢) \"الإشراف\" (١/ ٩١)، \"المجموع\" (٤/ ٨٥)، \"الاختيارات\" ص (٥٩).\n(^٣) أخرجه الدارقطني (٤/ ١٧٠)، والبيهقي (٧/ ٣٥٦)، وغيرهما، وهو حديث صححه جمع من أهل العلم، له طرق وشواهد تؤيده من الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. وسيأتي شرحه في آخر كتاب \"الطلاق\" إن شاء الله تعالى.\n(^٤) رواه مسلم (١٩٩، ٢٠٠).","vol":"2","page":372},{"text":"<span data-type='title' id=toc-188>ما يفعله من نابه شيء في صلاته</span>\n٢٢٢/ ١٨ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nزَادَ مُسْلِمٌ: «في الصَّلَاةِ».\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «العمل في الصلاة» باب «التصفيق للنساء»، ومسلم (٤٢٢) من طريق سفيان بن عيينة، حدثنا الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁.\nوأخرجه مسلم من طرق، عن أبي هريرة، فأخرجه من طريق الأعمش، عن أبي صالح - وهو ذكوان السمان - عن أبي هريرة ﵁.\nوأخرجه - أيضًا - من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمثله، وزاد: (في الصلاة).\nوأخرجه البيهقي (٢/ ٢٤٧) من طريق إبراهيم بن طهمان، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا استؤذن على الرجل وهو يصلي فإذنه التسبيح، وإذا استؤذن على المرأة وهي تصلي فإذنها التصفيق»، قال الألباني: (هذا إسناد صحيح على شرط البخاري) (^١).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن الرجل إذا نابه شيء وهو يصلي\n_________\n(^١) \"السلسلة الصحيحة\" (٤٩٧).","vol":"2","page":373},{"text":"كتنبيه إمام، أو تنبيه مارٍّ، أو من يريد منه أمرًا وهو لا يدري أنه يصلي فإنه يسبِّح، فيقول: سبحان الله، وأن المرأة إذا نابها شيء وهي تصلي فإنها تصفق، وهذا من فضل الله تعالى على عباده، فإنه لما نسخ الله الكلام في الصلاة أبقى ما يُنتفع به ويحصل به المقصود كالتسبيح، وقد ورد في حديث سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال ولتصفق النساء»، وفي لفظ: «من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول: سبحان الله إلا التفت»، وفي رواية: «إنما التصفيق للنساء» (^١)، وهذا أسلوب من أساليب القصر.\nوصفته: إما أن تضرب ببطن كفها على ظهر الأخرى، أو تضرب بظهر كفها على بطن الأخرى، أو ببطن كفها على بطن الأخرى، كما هو المعروف عند النساء الآن (^٢)، والأمر في ذلك واسع؛ لأن الشرع لم يحدد صفة معينة.\nوإذا انتبه المنبَّه بالتسبيح مرة واحدة لم يعده المصلي مرة أخرى؛ لأنه ذكرٌ مشروع لسبب، فيزول بزوال سببه، وإن لم ينتبه كرره حتى يحصل المقصود.\nوحكمة التفريق يبن الرجال والنساء في موضوع التنبيه أثناء الصلاة ظاهرة، فإن المرأة مأمورة بخفض صوتها في الصلاة مطلقًا خشية الافتتان بها، ولهذا نهيت عن رفع صوتها في القراءة والتلبية ونحو ذلك من مسائل العبادات، وكذا في غير العبادة لا ترفع صوتها إذا كان بحضرتها أجانب.\nلكن إن كانت المرأة بحضرة نساء فقط فهل تسبح - لأن التسبيح ذكر مشروع في الصلاة بخلاف التصفيق - أو أنها تصفق مطلقًا؟ المسألة محتملة (^٣) فمن أخذ بعموم الحديث وأن النساء لهن التصفيق قال بالثاني، ومن أخذ بالتعليل المذكور والمعنى المتقدم قال: تسبح، وقد يؤيد ذلك ظاهر الحديث،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه عند الحديث (٢٢٠).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٩/ ٣١١).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٩/ ٣١٠).","vol":"2","page":374},{"text":"فإن قوله: «فليسبح الرجال ولتصفق النساء»، قد يفهم منه أن المراد مع اجتماع الرجال والنساء؛ لأنه أعطى كل صنف حكمه، فإذا انفردن سبَّحن.\n\nالوجه الثالث: إذا أخذنا برواية الحصر: «إنما التصفيق للنساء»، فهي دليل على أن التصفيق من خصائص النساء، وأنه لا مدخل للرجال في ذلك بحال من الأحوال.\nوبهذا يتبين أن ما يفعله كثير من الناس من التصفيق في المحافل عند رؤيتهم ما يعجبهم أن هذا سخف ودليل على قلة العقل، والله تعالى ذم المشركين بقوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] والمكاء: هو الصفير، والتصدية: التصفيق، كما قال بذلك جمهور المفسرين.\nثم إنه لم يكن من هدي النبي ﷺ ولا أصحابه ولا سلف هذه الأمة إذا رأوا ما يعجبهم أو سمعوا الخطب والأشعار أنهم يصفقون، وإنما حدث ذلك عن طريق التشبه بأعداء الله تعالى، وقد قدم النبي ﷺ المدينة واستقبله المهاجرون والأنصار ولم ينقل أنهم صفقوا.\nفالمسلم إذا أعجبه شيء يقول: ما شاء الله، أو يقول: الله أكبر، ونحو ذلك مما له أصل في الشرع في مثل هذه الأحوال، والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":375},{"text":"<span data-type='title' id=toc-189>البكاء في الصلاة لا يبطلها</span>\n٢٢٣/ ١٩ - وعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَبِيهِ قَال: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي، وَفي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرجَلِ، مِنَ الْبُكَاءِ. أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، إِلاَّ ابْنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو مُطَرِّفُ - بضم الميم وفتح الطاء فراء مشددة مكسورة ثم فاء - بن عبد الله بن الشخير - بكسر الشين المعجمة وكسر الخاء المعجمة المشددة - العامري البصري، قال ابن سعد: (كان ثقةً، له فضل وورع ورواية وعقل وأدب) (^١)، وقال في «التقريب»: (ثقة عابد فاضل)، مات سنة خمس وتسعين.\nووالده عبد الله بن الشخير، له صحبة ورواية، يُعَدُّ في البصريين روى عنه أبناؤه: الأول: مطرف، والثاني: يزيد أبو العلاء، وهو أصغر من مطرف بعشر سنوات، كما روى البخاري ذلك في «تاريخه»، وهو ثقة، وله أحاديث صالحة، والثالث: هانئ، وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» باب «البكاء في الصلاة» (٩٠٤)، والترمذي في «الشمائل» «المختصر» (٢٧٦)، والنسائي (٣/ ١٣)،\n_________\n(^١) \"الطبقات\" (٧/ ١٤٢).\n(^٢) \"التاريخ الكبير\" (٨/ ٣٤٥)، \"الثقات\" (٧/ ٥٨٢)، \"الاستيعاب\" (٦/ ٢٣٩)، \"الإصابة\" (٦/ ١١٦)، \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٢٠، ٢٩٨).","vol":"2","page":376},{"text":"وأحمد (٢٦/ ٢٣٨)، وابن خزيمة (٦٦٥، ٧٥٣)، وابن حبان (٧٥٣)، والحاكم (١/ ٢٦٤) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن مطرف، عن أبيه.\nوإسناده صحيح على شرط مسلم، صححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي، وصححه ابن حبان، وابن خزيمة، والألباني في تعليقه على «الشمائل»، وقال الحافظ: (إسناده قوي) (^١).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (وفي صدره أزيز) بفتح الهمزة بعدها زاي معجمة مكسورة ثم ياء ثم زاي، أي: صوت وغليان بالبكاء.\n\nقوله: (كأزيز المرجل) بكسر الميم، وهو القدر، فإنه عند غليان الماء فيه بالنار يخرج منه صوت.\n\nوقوله: (من البكاء) بيان لما قبله، والبكاء: بالمد، خروج الدمع مع الصوت.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن البكاء في الصلاة من خشية الله تعالى أو النشيج لا يبطلها، ولا يؤثر فيها؛ لأن هذا ليس من الكلام، وإنما هو من آثار الخشوع والانطراح فيها بين يدي الله تعالى عند قراءة الآيات أو سماعها، قال عبد الله بن شداد: سمعت نشيج عمر بن الخطاب في صلاة الصبح وهو يقرأ من سورة يوسف، وأنا في آخر الصفوف، يقرأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] (^٢).\nفإن كان البكاء في الصلاة لغير خشية الله تعالى بل لعارض آخر كأن يأتيه خبر وهو يصلي بأن فلانًا قد مات فيبكي، فالمشهور من مذهب الإمام\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠٦).\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور، وعلّقه البخاري (٢/ ٢٠٦ فتح) وقال الحافظ: (إسناده صحيح) [تغليق التعليق ٢/ ٣٠٠].","vol":"2","page":377},{"text":"أحمد أنه يبطل الصلاة إن ظهر منه حرفان، وهو قول مالك، وأبي حنيفة (^١)، لكن إن غلبه البكاء ولم يستطع دفعه فالصواب أن صلاته لا تبطل؛ لأن هذا بغير اختياره، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فأما ما يغلب على المصلي من عطاس وبكاء وتأوهٍ، فالصحيح عند جمهور العلماء أنه لا يبطل، وهو منصوص أحمد وغيره) (^٢)، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٢/ ٤٥٣)، \"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ٢٤٣)، \"المجموع\" (٤/ ٨٩)، \"الاختيار\" (١/ ٦٢)، \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠٦).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٦٢٣).","vol":"2","page":378},{"text":"<span data-type='title' id=toc-190>التنحنح في الصلاة لا يبطلها</span>\n٢٢٤/ ٢٠ - وعَنْ عَليٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ الله ﷺ مَدْخَلَانِ، فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي تَنحْنَحَ لِي. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَه.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه النسائي (٣/ ١٢) في كتاب «السهو» باب «التنحنح في الصلاة»، وابن ماجه (٣٧٠٨)، وأحمد (٢/ ٤٣) من طريق أبي بكر بن عياش، عن مغيرة، عن الحارث العُكْلي، عن ابن نُجَيٍّ قال: قال علي: كان لي من رسول الله ﷺ مدخلان: مدخل بالليل ومدخل بالنهار، فكنت إذا أتيته وهو يصلي تنحنح لي.\nوهذا لفظ ابن ماجه، وهو لفظ «البلوغ»، وليس عند النسائي من هذا الطريق (وهو يصلي) وإنما هو عنده من طريق آخر، وهذا إسناد ضعيف لثلاثة أمور:\nالأول: الكلام في بعض رواته، وهو أبو بكر بن عياش (^١)، فإنه وإن كان ثقة وهو من رجال البخاري، لكنه كبر وساء حفظه، كما في «التقريب»، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: (ثقة وربما غلط)، فَيُرَدُّ من حديثه ما يعلم أنه أخطأ فيه كما قال ابن حبان (^٢)، ووصف الألباني كلمة ابن حبان هذه بأنها من أحسن ما قرأت فيه.\nوهذا الحديث قد أخطأ فيه، فإنه قد خولف في إسناده ومتنه، كما سيأتي.\n_________\n(^١) صحَّح الحافظ في \"تهذيبه\" (١٢/ ٣٧) أن اسمه كنيته.\n(^٢) \"العلل ومعرفة الرجال\" (٢/ ٤٨١)، \"الثقات\" (٧/ ٦٦٨ - ٦٧٠).","vol":"2","page":379},{"text":"وعبد الله بن نُجيّ متكلم فيه، فقد وثقه النسائي، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^١)، وقال البخاري وابن عدي: (فيه نظر) (^٢)، وقال الدارقطني: (ليس بقوي في الحديث) (^٣) وقال الحافظ: (صدوق)، فمثله لا ينزل حديثه عن درجة الحسن، لكن اختلف في سماعه من علي ﵁ فقد نفى سماعه منه ابن معين فقال: (لم يسمع من علي، بينه وبين علي: أبوه) (^٤) ومثله قال الدارقطني (^٥) واختاره المزي (^٦)، وقال البزار: (سمع هو وأبوه من علي (^٧»، وهذا يدل عليه ما ورد عند الطحاوي في الطريق الآتي، وكذا عند النسائي كما في «الخصائص» (^٨).\nالأمر الثاني: الاختلاف في إسناده، فقد جاء الحديث من طريق جرير - وهو ابن عبد الحميد الضبي - عن مغيرة بن مِقْسم، عن الحارث العكلي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن عبد الله بن نجي به، أخرجه النسائي (٣/ ١٢)، وابن خزيمة (٩٠٤)، وأبو يعلى (٥٩٢) فخالف جرير أبا بكر بن عياش فزاد في الإسناد بين الحارث وعبد الله بن نجي أبا زرعة بن عمرو، والحارث وأبو زرعة كلاهما له رواية عن ابن نُجي، وجاء من طريق عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا عمارة بن القعقاع، عن الحارث العكلي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن عبد الله بن نجي قال: قال علي .. فذكره، أخرجه أحمد (٢/ ١٣)، والطحاوي في «المشكل» (٥/ ٧)، بلفظ (قال: قال لي علي …) وابن خزيمة (٩٠٤)، ومن الاختلاف في سنده أنه جاء من طريق شرحبيل بن مدرك الجعفي، عن عبد الله بن نجي، عن أبيه، عند أحمد (٢/ ٧٧)، والنسائي (٣/ ١٢)، وابن خزيمة (٩٠٢).\nوهذا إسناد ضعيف لجهالة نجي والد عبد الله، فإنه لم يرو عنه غير ابنه، ولم يوثقه إلا ابن حبان وقال: (لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد) (^٩)،\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٥/ ٣٠).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٥٠).\n(^٣) \"العلل\" (٣/ ٢٥٨).\n(^٤) \"المراسيل\" لابن أبي حاتم ص (١١٠).\n(^٥) \"العلل\" (٣/ ٢٥٨).\n(^٦) \"تحفة الأشراف\" (٧/ ٤١٦).\n(^٧) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٥٠).\n(^٨) انظر: \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٤٩).\n(^٩) \"الثقات\" (٥/ ٤٨٠).","vol":"2","page":380},{"text":"وقال الحافظ في «التقريب»: (مقبول)، وفي هذا الإسناد انفرد شرحبيل بذكره، كما نص على ذلك ابن خزيمة.\nالأمر الثالث: الاختلاف في المتن، فقد جاء من طريق جرير وعبد الواحد بلفظ: (فإن كان في صلاة سبح) مكان قوله: (تنحنح) وجرير وعبد الواحد أوثق من ابن عياش.\nوعلى هذا فالحديث لا يثبت بلفظ: (تنحنح) فقد تفرد به ابن عياش، على ما ذكر ابن خزيمة، فإنه قد ترجم على هذا الحديث بقوله: «باب الرخصة في التنحنح في الصلاة عند الاستئذان على المصلي إن صحت هذه اللفظة، فقد اختلفوا فيها»، وممن ضعفه البيهقي (٢/ ٢٤٧)، والطحاوي كما سيأتي، والنووي فإنه قال: (وضعفه ظاهر) (^١)، وضعَّفه الألباني (^٢)، وقد نقل الحافظ أن ابن السكن قد صححه (^٣).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن التنحنح في الصلاة غير مبطل لها، لكن الأفضل للمصلي أن يسبِّح؛ لأن الأحاديث الواردة في التسبيح أقوى، يقول الطحاوي لما ذكر الاختلاف في متن هذا الحديث: (فوقفنا بذلك على أن رواته بالمعنى الأول من التنحنح قد خالفوا فيه، وأن مكان التنحنح المذكور فيه التسبيح في الحديث الثاني، وكان ذلك هو أولى عندنا؛ لأن الآثار التي روتها العامة من أهل العلم فيما ينوب الرجل في الصلاة مما يستعملونه فيه هو التسبيح، وأن ما يستعمله النساء في مثل ذلك هو التصفيق) (^٤).\nوالتنحنح والنحنحة: هو تردد الصوت في الجوف، يقال: نحَّ نحيحًا: تردد صوته في جوفه، والنحيح: هو الصوت يُردد في الجوف (^٥)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المجموع \" (٤/ ٨٠).\n(^٢) \"تمام المنة\" ص (٣١٢).\n(^٣) \"التلخيص\" (١/ ٣٠٣).\n(^٤) \"شرح مشكل الآثار\" (٨/ ٥)، وانظر: \"الفتاوى\" (٢٢/ ٦١٦ - ٦٢٤) ففيها تفصيل وافٍ في النحنحة وغيرها من الأصوات الحلقية.\n(^٥) \"اللسان\" (٢/ ٦١٢).","vol":"2","page":381},{"text":"<span data-type='title' id=toc-191>المصلي يرد السلام بالإشارة</span>\n٢٢٥/ ٢١ - وعَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَرُدُّ عَلَيُهِمْ حِيْنَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: يَقُولُ هكَذا، وَبَسَطَ كَفَّهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «ردِّ السلام في الصلاة» (٩٢٧)، والترمذي (٣٦٨) من طريق جعفر بن عون، ثنا هشام بن سعد، ثنا نافع قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: خرج رسول الله إلى قباء يصلي فيه، قال: فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا، وبسط كفه، وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه أسفل وجعل ظهره إلى فوق.\nهذا لفظ أبي داود، ولفظ الكتاب هو لفظ الترمذي، فقد أخرجه هو وأحمد (٣٩/ ٣٢٠) من طريق وكيع، حدثنا هشام به، إلا أن في آخره: (قال: كان يشير بيده)، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، والحديث صححه الألباني (^١)، مع أن هشام بن سعد متكلم فيه من قبل حفظه، قال الحافظ في «التقريب»: (صدوق له أوهام)، وقال الألباني: (الذي استقر عليه رأي المحققين أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، ومع المخالفة فلا يحتج به) (^٢).\n_________\n(^١) \"السلسلة الصحيحة\" رقم (١٨٥) (٣١٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" لابن رجب (٩/ ٣٥٩)، \"إرواء الغليل\" (٤/ ٩١).","vol":"2","page":382},{"text":"وقد احتج الإمام أحمد بهذا الحديث، فقال إسحاق بن منصور: (قلت لأبي عبد الله: هل يسلم على القوم وهم في صلاة؟ قال: نعم، وذكر هذا الحديث) (^١).\n\nالوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال بجواز السلام على المصلي وأنه لا كراهة في ذلك؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر عليهم سلامهم بل أقرهم عليه، وهذا قول ابن عمر ﵄، وهو مذهب الحنابلة والشافعية، ونقل ابن القاسم عن مالك أنه قال: لم يكن مالك يكره السلام على المصلين، وحكى عنه ابن وهب أنه لم يكن يعجبه أن يسلم الرجل على المصلي (^٢)، واختار هذا القول ابن المنذر (^٣).\nوالقول الثاني: أنه يكره السلام على المصلي، وهذا مروي عن جابر ﵁، وبه قال عطاء والشعبي وإسحاق، وهو قول الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد؛ لأنه يُشغل قلب المصلي؛ ولأنه ربما غلط فردَّ بالكلام (^٤).\n\nالوجه الثالث: استدلّ بهذا الحديث من قال بأن المصلي يرد السلام بالإشارة، وأن الإشارة لا تبطل الصلاة ولو كانت إشارة مفهومة؛ لأنها قليلة لحاجة، وإنما الذي يبطلها الرد بالكلام؛ لأنه خطاب، وهذا قول جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة (^٥).\nوالقول الثاني: أنه يكره للمصلي ردُّ السلام ولو بالإشارة، وهذا قول\n_________\n(^١) \"مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه\" برواية إسحاق بن منصور (٢/ ٦٢٤).\n(^٢) انظر: \"المجموع\" (٤/ ١٠٥)، \"المغني\" (٢/ ٤٦٠)، \"المدونة\" (١/ ١٨٩)، \"مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود\" ص (٣٧).\n(^٣) \"الأوسط\" (٣/ ٢٥٠).\n(^٤) \"مصنف عبد الرزاق\" (٢/ ٣٣٧)، \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ٧٣)، \"الأوسط\" (٣/ ٢٥٠)، \"بدائع الصنائع\" (١/ ٢٣٧) \"المبدع\" (١/ ٥١٣).\n(^٥) انظر: \"المدونة\" (١/ ١٨٩)، \"المجموع\" (٤/ ١٠٣)، \"المغني\" (٢/ ٤٦٠).","vol":"2","page":383},{"text":"الحنفية (^١)، واستدلوا بحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا نسلّم على رسول الله ﷺ - وهو في الصلاة - فيردّ علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلِّم عليك في الصلاة فترد علينا، فقال: «إن في الصلاة شغلًا» (^٢).\nقالوا: فيتناول هذا الحديث جميع أنواع الردّ، ولأن في الإشارة ترك سنة وضع اليدين.\nوالقول الثالث: أن المصلي يرد السلام إذا فرغ من صلاته، وهذا مروي عن أبي ذر ﵁، وبه قال عطاء والنخعي، بل قال النخعي وسفيان الثوري إذا انصرفت، فإن كان قريبًا فاردد عليه، وإلا فاتبعه السلام (^٣).\nوالقول الأول أظهر، فإن الأحاديث الواردة في هذا الباب صالحة للاستدلال بها، وقد احتج بها الإمام أحمد وعمل بها، أما حديث ابن مسعود ﵁ فهو محمول على نفي الرد بالكلام دون الإشارة، جمعًا بين الأدلة (^٤).\nوعلى القول بأن المصلي يرد بالإشارة، فقد ورد أن الإشارة تكون بالكف على ما تقدم في سياق الحديث، وورد في السنّة صفات أخرى ومنها: الرد بالإشارة بالإصبع، والأظهر أنها السّبّاحة؛ لأنها أيسر؛ ولأن العادة جرت برفعها.\nوقد وردت هذه الصفة في حديث ابن عمر - أيضًا - عن صهيب قال: مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه، فردَّ عليَّ إشارة، وقال الليث بن سعد أحد رواته: لا أعلم إلا أنه قال: إشارة بإصبعه (^٥).\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٢٣٧).\n(^٢) تقدم تخريجه عند الحديث (١٩٢).\n(^٣) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٢/ ٣٣٨)، \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ٧٥ - ٨٤)، \"الأوسط\" لابن المنذر (٣/ ٢٥٣)، \"فتح الباري\" لابن رجب (٩/ ٣٥٦).\n(^٤) \"الأوسط\" (٣/ ٢٢٩).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٩٢٥)، والترمذي (٢/ ٣٦٣)، والنسائي (٣/ ٥)، وأحمد (٣١/ ٢٥٩)، وحسّنه الترمذي.","vol":"2","page":384},{"text":"قال الشوكاني: (ولا اختلاف بينهما، فيجوز أن يكون أشار بإصبعه مرة، ومرة بجميع يده، ويحتمل أن يكون المراد باليد الإصبع حملًا للمطلق على المقيد) (^١).\nكما ورد الرد إيماءً بالرأس، وذلك في حديث ابن مسعود ﵁ وفيه: (فأومأ برأسه)، وفي رواية: (فقال برأسه، يعني: الرد) (^٢).\nوفي ثبوت هذه الصفة نظر، لضعف الحديث، والأولى الاقتصار على الصفتين الأوليين.\nقال الشوكاني: (ويجمع بين الروايات أنه ﷺ فعل هذا مرة، وهذا مرة، فيكون جميع ذلك جائزًا) (^٣)، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٧٠).\n(^٢) أخرجه البيهقي (٢/ ٢٦٠) من رواية محمد بن الصلت التَّوَّزي، وقد تفرّد به، قاله البيهقي، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق يهم).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٧١).","vol":"2","page":385},{"text":"<span data-type='title' id=toc-192>حكم حمل الصبي ووضعه في الصلاة</span>\n٢٢٦/ ٢٢ - وَعَنْ أَبي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بنْتَ زَيْنَبَ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَها، وإذَا قَامَ حَمَلَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَلِمُسْلِمٍ: وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ فِي المَسْجِدِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «إذا حمل جارية على عنقه في الصلاة» (٥١٦)، ومسلم (٥٤٣) من طريق مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أبي قتادة ﵁.\nوأخرجه مسلم من طريق سفيان، عن عثمان بن أبي سليمان وابن عجلان سمعا عامر بن عبد الله بن الزبير به، وفيه: رأيت النبي ﷺ يؤم الناس وأمامة بنت أبي العاص - وهي ابنة زينب بنت النبي ﷺ - على عاتقه ..\nوأخرجه مسلم - أيضًا - من طريقين آخرين، أحدهما: شاركه فيه البخاري، وهو طريق سعيد المقبري، عن عمرو بن سليم الزرقي، سمع أبا قتادة يقول …\nومن طريق ابن وهب، أخبرني مخرمة، عن أبيه، عن عمرو بن سليم الزرقي به، وهذا فيه انقطاع، قال أبو داود: (مخرمة لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا)، ونقل المزي هذه العبارة عن أبي داود، وزاد: (وهو حديث الوتر) (^١)،\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (٢٧/ ٣٢٦).","vol":"2","page":386},{"text":"وقال الإمام أحمد: (هو ثقة، لم يسمع من أبيه شيئًا، إنما روى كتاب أبيه) نقله عنه ابن أبي حاتم (^١)، وعلى هذا فروايته كتاب أبيه وجادة، والوجادة من طرق التحمل عند أهل العلم، فالحديث صحيح، ومنهج الإمام مسلم في هذا معروف، وهو ترتيبه المرويات حسب ما ذكر في مقدمة «صحيحه»، وقد جعل هذا في آخر الباب.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كان يصلي) أي: صلاة الظهر أو العصر، لما ورد عند أبي داود من حديث أبي قتادة قال: بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ للصلاة في الظهر أو العصر، وقد دعاه بلال للصلاة، إذ خرج إلينا وأمامة بنت أبي العاص بنت ابنته على عنقه، فقام رسول الله ﷺ في مصلاه، وقمنا خلفه، وهي في مكانها الذي هي فيه … الحديث (^٢)، وفي رواية لمسلم: (يؤم الناس).\n\nوقوله: (كان يصلي) لم يقع هذا الفعل إلا مرة واحدة، ففيه ما يدل على أن هذه العبارة لا تدل على التكرار مطلقًا.\n\nقوله: (وهو حامل أمامة) الجملة في محل نصب على الحال من فاعل (يصلي) و(حامل) بالتنوين اسم فاعل، و(أمامة) منصوب باسم الفاعل على أنه مفعول به.\nوروي بالإضافة، كما قرئ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣] بالتنوين والإضافة، وكلاهما سبعيتان، وقد ورد عند أبي داود: (بينما نحن في المسجد جلوسًا خرج علينا رسول الله ﷺ يحمل أمامة … وهي صبية) (^٣) وهذا يدل على أنها كانت صغيرة.\nوهذه الرواية مطلقة، لكن وقع عند البخاري في «الأدب» ومسلم (على عاتقه) (^٤)، وتقدم أن العاتق ما بين المنكب والعنق.\n_________\n(^١) \"المراسيل\" ص (٢٢٠).\n(^٢) \"السنن\" (٩٢٠).\n(^٣) \"السنن\" (٩١٨) وإسناده صحيح.\n(^٤) البخاري (٥٩٩٦)، ومسلم (٥٤٣) (٤٢).","vol":"2","page":387},{"text":"وأُمامة: بضم الهمزة وتخفيف الميمين، وهي بنت أبي العاص بن الربيع، ولدت على عهد رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ يحبها.\n\nقوله: (بنت زينب) نسبها إلى أمها لشرف نسبها إلى رسول الله ﷺ وقيل: لأن أباها كان مشركًا آنذاك، وزينب هي ابنة رسول الله ﷺ كبرى بناته، وقيل: أكبر أولاده، ولدت وللنبي ﷺ ثلاثون سنة، وزَوَّجَها ابن خالتها أبا العاص قبل البعثة بيسير، ثم هاجرت، وتركته على شركه، واسمه لقيط بن الربيع بن عبد العزى القرشي العبشمي ﵁ وأمه هالة بنت خويلد بن أسد، أخت خديجة لأبيها وأمها، أسلم قبل الفتح في المحرم سنة سبع، وهاجر، فردَّ عليه النبي ﷺ زينب (^١)، وماتت زينب سنة ثمان من الهجرة، وغسلتها أم عطية ﵂ مع أخريات، كما سيأتي في «الجنائز» إن شاء الله.\nوقد ثبت في «الصحيحين» بعد قوله: (بنت زينب) قوله: (ولأبي العاص) وهي معطوفة على زينب بإظهار اللام المقدرة في الإضافة، والتقدير: بنت لزينب ولأبي العاص، ونسبتها ثانية لأبيها فيه مراعاة للأدب في نسبتها له، لبيان أنه أبوها الحقيقي، وقد أخرجه البخاري في «الأدب» - كما تقدم - بلفظ: (خرج علينا النبي ﷺ وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه) (^٢).\n\nقوله: (فإذا سجد) معطوف على قوله: (يصلي)، وفي رواية عند البخاري ومسلم: (فإذا ركع وضعها) أي: وضعها على الأرض.\n\nقوله: (وإذا قام) أي: من السجود إلى الركعة التالية حملها، وعند أبي داود: (حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها، ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده ثم قام، أخذها فردها في مكانها …).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن العمل المشابه لهذا الفعل لا يبطل الصلاة، سواء أكانت فريضة أم نافلة، وسواء أكان إمامًا أم منفردًا، وقد تقدم في رواية مسلم: (أنه كان يؤم الناس)، وإذا جاز ذلك في حال الإمامة جاز في حال الانفراد، وإذا جاز في الفريضة جاز في النافلة بالأولى.\n_________\n(^١) سيأتي ذلك -إن شاء الله- في كتاب \"النكاح\".\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٥٩٩٦).","vol":"2","page":388},{"text":"قال الحافظ ابن رجب: (والحديث نص صريح في جواز مثل هذا العمل في الصلاة المكتوبة، وأن ذلك لا يكره فيها، فضلًا عن أن يبطلها ..) (^١).\nوقد ذكر العلماء لهذا الحديث تأويلات بعيدة، والذي أحوجهم إلى ذلك أنه شغل كثير، كما ذكر القرطبي (^٢)، فقال بعضهم: إنه خاص بالنبي ﷺ، وقال آخرون: إن أُمامة كانت تعلَّق به من دون فعل منه، وبعضهم قال: إن هذا في النافلة، وبعضهم قال: هذا للضرورة وإذا لم يوجد من يكفي الطفل ويحفظه، وبعضهم قال: إنه منسوخ بتحريم العمل والاشتغال في الصلاة بغيرها، وهذا قاله ابن عبد البر، ومال إليه القرطبي.\nوهذه دعاوى لا يلتفت إليها، وبعضها يرده سياق الحديث، كما تقدم؛ فالصواب أن مثل هذا العمل لا يؤثر في الصلاة.\nوقد اختلف العلماء في ضابط الحركة التي تبطل الصلاة، فمن أهل العلم من حددها بثلاث حركات، ونسب هذا إلى ابن عقيل الحنبلي (^٣)، وهو قول ضعيف لأمرين:\nالأول: أن كل من حدد شيئًا بعدد معين أو كيفية معينة فعليه الدليل؛ لأن التقدير بابه التوقيف، وهذا لا توقيف فيه (^٤).\nالثاني: أنه ثبت أن النبي ﷺ حمل أمامة، كما في هذا الحديث، وفي صلاة الكسوف تقدم ورجع وتأخر (^٥).\nوقال آخرون: يُرجع في هذا إلى العرف، فما عُدَّ في العرف كثيرًا فهو كثير يبطل الصلاة، وما عُدّ في العرف يسيرًا فهو يسير لا يبطلها، وهذا هو المذهب عند الحنابلة (^٦)، وهذا فيه شيء من الضعف؛ لأن الأعراف تختلف\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١١٤).\n(^٢) \"المفهم\" (٢/ ١٥٢).\n(^٣) \"الإنصاف\" (٢/ ٩٨).\n(^٤) \"الشرح الكبير على المقنع\" (٣/ ٦١٣).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٠٥٢)، ومسلم (٥٢٥).\n(^٦) \"الإنصاف\" (٢/ ٩٧).","vol":"2","page":389},{"text":"باختلاف البلدان واختلاف الأفهام، فقد يرى بعض الناس هذا كثيرًا، وقد يراه آخرون قليلًا.\nوالقول الثالث: أن الكثير من الحركة ما خُيل للناظر أن المتحرك ليس في صلاة، وهذا حكاه صاحب «الإنصاف» (^١) بلفظ: (وقيل)، ولعل هذا هو أظهر الأقوال وأقربها، وهو أن كل حركة تنافي الصلاة بحيث إذا رؤي الشخص يتحرك خُيِّل للناظر أنه ليس في صلاة، فهي مبطلة للصلاة، أما الشيء اليسير الذي لا ينافيها فلا يبطلها.\nويمكن أن تقسم الحركة في الصلاة إلى ثلاثة أقسام مستفادة من الأدلة وهي:\n١ - حركة مأمور بها، وهي كل حركة تتوقف عليها صحة الصلاة، أو كمالها، فالأول: كما لو رأى على غطاء رأسه أو عباءته نجاسة فألقاها، وكما لو استدار إلى القبلة لما تبين له الصواب، ومن أدلة ذلك ما ورد في «الصحيحين» من استدارة الصحابة ﵃ إلى الكعبة لما أُخبروا بتحويل القبلة إليها (^٢)، وقد ورد في «الصحيحين» أن الرسول ﷺ أدار ابن عباس من ورائه إلى يمينه لما وقف عن يساره (^٣)، وهذا على القول بعدم صحة الصلاة عن يسار الإمام مع خلو يمينه.\nوالثاني: وهو ما يتوقف عليه كمال الصلاة، كالتقدم إلى مكان فاضل، كسدِّ فرجة في الصف، أو تَحَرُّكٍ لتسوية الصف، فهذه مأمور بها لكمال الصلاة.\n٢ - حركة منهي عنها، فإن كانت كثيرة متوالية لغير حاجة فهي مبطلة للصلاة - على ما تقدم - وإلا فهي مكروهة، وهي كل حركة يسيرة لغير حاجة، كما عليه كثير من الناس من العبث بالساعة أو النظر إليها أو تسوية غطاء\n_________\n(^١) \"الإنصاف\" (٢/ ٩٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٠٣)، ومسلم (٥٢٦).\n(^٣) سيأتي تخريجه -إن شاء الله- في باب (الإمامة).","vol":"2","page":390},{"text":"الرأس أو العبث باللحية ونحو ذلك، فكل ذلك مكروه؛ لأنه ينافي الخشوع في الصلاة، فإن كَثُر وتوالى فهو محرم مبطل للصلاة.\n٣ - حركة مباحة، وهي اليسيرة لحاجة أو الكثيرة للضرورة، فالأولى كما في حديث الباب، والكثيرة للضرورة كما في حالة الخوف إذا لم يتمكنوا معه من أداء الصلاة على الوجه المطلوب فإنهم يصلون وهم مشاة على أرجلهم أو راكبون على خيولهم، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] (^١).\nومن الحركة المباحة أن يحك جسده أو يصلح إزاره إذا استرخى، وقد نقل ابن رجب عن الإمام أحمد أنه سأله حرب عن الرجل يصلي فتحتك ساقه فيحكه، فكأنه كرهه، قلت: يحكه بقدمه؟ قال: هو بالقدم أسهل، وكأنه رخص فيه.\nونقل عن بعض متأخري الحنابلة أنه قال: الحك الذي لا يصبر عنه المصلي لا تبطل صلاته وإن كَثُر (^٢).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على جواز حمل الأطفال في الصلاة؛ لأن الآدمي طاهر، وما في جوفه معفوٌّ عنه، وثياب الأطفال وأجسادهم طاهرة، ما لم تتحقق نجاستها، ولو كان محكومًا بنجاستها لم يصلِّ النبي ﷺ وهو حامل أمامة، وقد نصَّ الشافعي وغيره على طهارتها.\nوالقول الثاني: أنه لا يحكم بطهارتها؛ لأنهم لا يتنزهون من البول، وهو قول بعض الشافعية والحنابلة، والأول أصح؛ لأن هذا الحديث يدل على طهارتها (^٣).\n\nالوجه الخامس: حسنُ خلق النبي ﷺ ورأفته وملاطفته للصبيان جبرًا لهم ولوالديهم، وهذا فيه التواضع مع الصبيان، وسائر الضعفة ورحمتهم\n_________\n(^١) انظر: \"الشرح الممتع\" (٣/ ٣٥٦)، \"فتاوى ابن عثيمين\" (١٣/ ٣٠٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٨٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" لابن رجب (٤/ ١٤٩).","vol":"2","page":391},{"text":"وملاطفتهم، ولذا أعاد البخاري هذا الحديث في كتاب «الأدب» - كما تقدم - وبوّب عليه: «باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته».\n\nالوجه السادس: في الحديث دليل على يسر الشريعة الإسلامية وسماحتها، حيث إن العمل القليل لا يبطل الصلاة، وكذا الكثير المتفرق.\n\nالوجه السابع: الحديث دليل على جواز إدخال الصبيان المساجد، وقد استدل بذلك النسائي حيث بوَّبَ على هذا الحديث بـ (إدخال الصبيان المساجد) (^١). ويدل لذلك أن هذه الصلاة كانت مكتوبة، وهي لا تكون إلا في المسجد كما تقدم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"سنن النسائي\" (٢/ ٤٥).","vol":"2","page":392},{"text":"<span data-type='title' id=toc-193>حكم قتل الحية والعقرب في الصلاة</span>\n٢٢٧/ ٢٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ في الصَّلاةِ: الحَيَّةَ، والْعَقْرَبَ». أَخْرَجَه الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» باب «العمل في الصلاة» (٩٢١)، والترمذي (٣٩٠)، والنسائي (٣/ ١٠)، وابن ماجه (١٢٤٥)، وابن حبان (٢٣٥٢)، كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن ضمضم بن جَوْس، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ .. فذكره. وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).\nفهذا الحديث إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير ضمضم بن جوس فمن رجال أصحاب السنن، وهو ثقة، ويحيى بن أبي كثير: ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل - كما في «التقريب» - وقد صرح بالتحديث عند أحمد (١٦/ ١١٧).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (اقتلوا الأسودين) تثنية أسود، يطلق على الحية والعقرب على أيِّ لون كانا، ولو لم يكونا أسودين، وتسميتهما بذلك من باب التغليب؛ لأن المسمى بالأسود في الأصل: الحية، هكذ ذكروا.\n\nقوله: (الحية والعقرب) بيان للأسودين، والحية: دابة من الزواحف، طويلة البطن، جسمها محرشف، عديم الأطراف، وهي أنواع، بعضها أخبث من بعض، وهي تلدغ بواسطة العضِّ بفمها، ثم تفرز مادة سامة تنتقل إلى","vol":"2","page":393},{"text":"اللديغ، ولذا قال علماء اللغة: لدغته العقرب: لسعته، ولدغته الحية: عضته.\nوالعقرب: دابة معروفة، تلسع بشوكة في طرف ذيلها، فتفرز مادة سامة، وهو لفظ يطلق على الذكر والأنثى.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب قتل الحية والعقرب في الصلاة؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك في قوله: «اقتلوا ..»، ويغتفر في ذلك المشي اليسير أو أخذ النعل لضربها، ونحو ذلك.\nولعلّ الأمر بقتلهما والمسامحة عما يحصل من الحركة مقصود به مبادرة الفرصة قبل فواتها، كإنقاذ الغريق، وإطفاء الحريق، ونحو ذلك مما يفوت بفوات وقته؛ ولأن في قتلهما دَفْعَ انشغال الخاطر بهما، ولا سيّما في حال الصلاة، وإزالة الأذى.\nوظاهر الحديث أن قتلهما غير مقيد بضربة أو ضربتين، لكن الظاهر أنه إن احتاج قتلهما إلى معالجة كثيرة فسدت صلاته، كما إذا قاتل في صلاته؛ لأنه عمل كثير ليس من أعمال الصلاة.\nوكذا لو كانت الحية أو العقرب بعيدة ويخشى منها على نائم أو على طفل، فالذي يظهر من قواعد الشريعة أنه يقطع صلاته ويقتلها، كحالة الغرق أو الحريق أو العدو ونحو ذلك.\nوقد أخرج عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة قال: سألته، قلت: الرجل يصلي، فيرى صبيًا على بئر يتخوف أن يسقط بها أينصرف؟ قال: نعم، قلت: فيرى سارقًا يريد أن يأخذ بغلته؟ قال: ينصرف (^١)، وقد علق البخاري الجزء الثاني بمعناه (^٢).\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر عن بعض الحنابلة أنه قال: (إنما يقطع صلاته إذا احتاج إلى عمل كثير في أخذ الشيء، فإن كان العمل يسيرًا لم تبطل به الصلاة) (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المصنَّف\" (٢/ ٢٦٢).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٨١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٣٧).","vol":"2","page":394},{"text":"<span data-type='title' id=toc-194>باب سترة المصلي</span>\nالسُّترة، بالضم: ما يُستتر به مطلقًا، لكن غلب إطلاقها عند الفقهاء على ما ينصبه المصلي أمامه، لمنع المرور بين يديه من عصا أو سوط، أو غير ذلك من شجرة أو دابة أو سارية ونحو ذلك.\nولا خلاف بين أهل العلم أنه يستحب للمصلي إمامًا كان أو منفردًا أن يصلي إلى سترة، سواء صلّى في العمران أو في الفضاء، لما ورد في ذلك من السنّة القولية والفعلية.\nولا فرق على الأظهر بين أن يخشى المصلي مارًا أو لا يخشى، فتستحب له السترة مطلقًا، وإنما وقع الخلاف في وجوبها، كما سيأتي إن شاء الله.\nوأما المأموم فلا يسن له أن يتخذ سترة؛ لأن ذلك لم يرد؛ ولأن سترة الإمام سترة لمن خلفه، وقد حكى جمع من أهل العلم كابن بطال، وابن حزم، والقاضي عياض الإجماع على أن المأموم لا يكلف اتخاذ سترة، فإن النبي ﷺ صلّى إلى العنزة، ولم يرد أن أحدًا من الصحابة ﵃ اتخذ غيرها (^١)، وورد في حديث ابن عباس ﵄ قال: (أقبلت راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، فأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك عليَّ أحد (^٢»، ولا ريب أن الصلاة إلى سترة فيها فوائد ومصالح؛ منها:\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٤/ ١٢) \"شرح ابن بطال\" (٢/ ١٢٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٦)، ومسلم (٥٠٤).","vol":"2","page":395},{"text":"١ - امتثال أمر النبي ﷺ باتخاذها، واتباع هديه ﷺ، فقد كان يصلي إلى سترة حضرًا وسفرًا، والإنسان يثاب على اتباع السنّة وإحيائها.\n٢ - أن الصلاة إلى سترة تحفظ على المصلي صلاته من مرور الشيطان أمامه وقطعه لصلاته، وقد قال النبي ﷺ: «إذا صلّى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته» (^١) (^٢).\nومرور الشيطان أمام المصلي يؤدي إلى استيلائه عليه وتمكنه من قلبه بالوسوسة إما كلاًّ وإما بعضًا، بحسب صدق المصلي وإقباله في صلاته على الله تعالى، وهذا يؤثر على خشوع المصلي وخضوعه وتدبُّره القراءة والذكر.\n٣ - كف البصر عما وراء السترة، لا سيّما إذا كانت سترة شاخصة، كسارية أو جدار، وهذا أمر محسوس، فإن المصلي إلى سترة يرى أنه أجمع لقلبه وأقرب لخشوعه، وأغض لبصره.\n٤ - أن السترة تنفع المصلي، فلا تبطل صلاته إذا كان المار مما يقطعها، ولا تنقص إذا كان المار ممن لا يقطعها، وتنفع المار لأنه يكون له مجال المرور من وراء السترة فلا يحوجه إلى المرور بين يديه فيقع في الإثم، أو الوقوف حتى تنتهي صلاته، وهذا فيه حرج.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢/ ٣٨٨)، وابن خزيمة (٢/ ١٣)، والحاكم (١/ ٢٥١) من حديث سهل بن أبي خيثمة، وصححه ابن خزيمة، وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين).\n(^٢) انظر: \"مجموع الفتاوى\" (١٩/ ٥٢) (٢١/ ١٥).","vol":"2","page":396},{"text":"<span data-type='title' id=toc-195>حكم المرور بين يدي المصلي</span>\n٢٢٨/ ١ - وعَنْ أَبي جُهَيْمِ بْنِ الحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لَوْ يَعْلَمْ المَارُّ بَيْنَ يَدَي المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.\nوَوَقَعَ فِي «الْبَزَّارِ» مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: «أَرْبَعِينَ خَرِيفًا».\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو جهيم ويقال: أبو جهم، عبد الله بن الحارث بن الصِّمَّة - بكسر المهملة وتشديد الميم - الأنصاري النجاري، صحابي معروف، وهو ابنُ أختِ أُبي بن كعب ﵄ له حديثان، أحدهما هذا، والآخر في السلام على من يبول (^١)، وهو غير صاحب الأنبجانية، فذاك يقال له: أبو الجهم، وهو قرشي، وهذا أنصاري، مات في خلافة معاوية ﵁.\nوهل أبو جهيم هو عبد الله بن جهيم؟ قولان، فأبو حاتم ومن وافقه يرى أنهما اثنان، وأن عبد الله بن جهيم هو راوي هذا الحديث، وابن الحارث هو راوي حديث البول.\nوابن منده وابن عبد البر يريان أنهما شخص واحد، قال ابن عبد البر: (أبو جهيم عبد الله بن جهيم الأنصاري)، ثم ذكر حديثه هذا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٧)، ومسلم تعليقًا (١١٤، ٣٦٩).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (١١/ ١٨١)، \"الإصابة\" (١١/ ٦٨).","vol":"2","page":397},{"text":"الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «إثم المار بين يدي المصلي» (٥١٠)، ومسلم (٥٠٧) من طريق مالك، عن أبي النضر (^١) مولى عمر بن عبيد الله، عن بسر بن سعيد، أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم يسأله ماذا سمع من رسول الله ﷺ في المار بين يدي المصلي؟ فقال أبو جهيم … فذكره.\nوزاد البخاري ومسلم: قال أبو النضر: لا أدري أقال: أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة. وأخرجه مسلم - أيضًا - من طريق سفيان الثوري، عن سالم أبي النضر به.\nولفظ البخاري ومسلم سواء، وعليه فلا وجه لقول الحافظ: واللفظ للبخاري، إلا إن كان يريد لفظة (من الإثم) وأنها للبخاري دون مسلم، وهذا غير صحيح، فإنها ليست في صحيح البخاري ولا مسلم، وقد روى الحديث باقي الستة وأصحاب المسانيد والمستخرجات بدونها، كما ذكر ذلك الحافظ، وذكر أنه عِيْبَ على صاحب «العمدة» في إيهامه أنها في «الصحيحين»، فالعجب من نسبة المصنف لها هنا إلى الشيخين، فقد وقع له من الوهم ما وقع لصاحب «العمدة»، وذكر الحافظ أنها من زيادات الكُشْمَيْهَنِي، وذكر احتمال أن تكون هذه اللفظة وجدت في حاشية أصل البخاري، فظنها بعض رواة البخاري - وهو الكشميهني - أصلًا، فزادها؛ لأنه لم يكن من أهل العلم ولا من الحفاظ، بل كان راوية.\nلكن البخاري بوّب على الحديث - كما تقدم - بقوله: «باب: إثم المار بين يدي المصلي» وكأن هذا الذي غرَّ الكشميهني في ظنه المذكور، وأما البخاري فقد اعتمد في ترجمته على ما يفهم من معنى الحديث.\nأما رواية البزار فقد أخرجها في «مسنده» (٩/ ٢٣٩) (٣٧٨٢) من طريق سفيان - وهو ابن عيينة ـ، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد قال:\n_________\n(^١) اسمه: سالم بن أبي أمية، تابعي ثقة، مات سنة (١٢٩ هـ).","vol":"2","page":398},{"text":"أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد أسأله عن المار بين يدي المصلي، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو يعلم المارّ بين يدي المصلي ماذا عليه كان لأن يقوم أربعين خريفًا خير له من أن يمر بين يديه».\nوقد ذكر العلماء أن ابن عيينة أخطأ في الحديث سندًا ومتنًا (^١)، أما في السند فلأنه خالف مالكًا والثوري الراويين عن أبي النضر، فروى الحديث عنه مقلوبًا، فجعل المسؤول هو زيد بن خالد، والسائل أبو جهيم، وفي لفظ الصحيحين السائل زيد بن خالد والمسؤول أبو جهيم، وهو عندهما من طريق مالك، وكذا رواه في «الموطأ» (١/ ١٥٤) وتابعه الثوري عند مسلم وغيره، ومالك والثوري إذا اجتمعا كانا أولى من ابن عيينة، على أن ابن عيينة روى الحديث على الصواب، فيما أخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» (١/ ٨٣) ومن قبله ابن خزيمة (٢/ ١٤).\nأما الخطأ في المتن فقد تفرّد ابن عيينة بلفظة: (أربعين خريفًا) فرواها عن أبي النضر، وهي لم ترد في رواية مالك والثوري عنه، فإن أبا النضر قال: لا أدري أقال: أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة. وهذه رواية الجماعة، ورواه أحمد، عن ابن عيينة (٢٨/ ٢٨٦) بما يوافق رواية الجماعة ولفظه: (لا أدري من يومٍ أو شهرٍ أو سنةٍ ..)، وما دام أن الأئمة رووا الحديث عن ابن عيينة على الصواب، فلعل الخطأ المذكور من الراوي عنه، والله تعالى أعلم.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لو يعلم المار) لو: حرف شرط، يدل على ما كان سيقع لوقوع غيره نحو: لو حضر أخوك لحضرت، أي: كان سيقع حضوري فيما مضى لو حضر أخوك، والتقدير هنا: سيقع اختيار الوقوف في الزمن الماضي لو وقع المرور بين يدي المصلي.\nوالشرط قوله: يَعْلَمُ، والجواب: لكان أن يقف، وقيل: محذوف تقديره: لاختار أن يقف.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٤/ ٩٠).","vol":"2","page":399},{"text":"والمراد بالمار: العابر من اليمين إلى الشمال أو بالعكس، وخرج بذكر المار: القائم والقاعد والنائم وغيره، فلا إثم عليه إلا إن قصد بذلك التشويش على المصلي فهو في معنى المار (^١).\n\nقوله: (بين يدي المصلي) أي: أمام المصلي من قدميه إلى منتهى سجوده على الأظهر، وقيل: بينه وبين قدر ثلاثة أذرع، وقيل: بينه وبين قدر رمية حجر، وقيل: إذا بَعُدَ عرفًا بحيث لا يمكن دفعه إلا بالتقدم خطوات، وهذا إذا لم يتخذ المصلي سترة، فإن اتخذ سترة فإنه يمر وراءها ولا حرج.\nوالتعبير باليدين من باب المجاز المرسل، حيث عبّر بالبعض عن الكل، قيل: وجه ذلك لأن أكثر عمل الإنسان بهما حتى نسب الكسب إليهما في نحو: بما كسبت يداك، وأشباهه.\n\nقوله: (ماذا عليه من الإثم) أي: من العقوبة.\n\nقوله: (لكان أن يقف) أي: يبقى واقفًا منتظرًا فراغ المصلي، و(أن) وما بعدها في تأويل مصدر اسم (كان)، و(خيرًا) خبرها، والتقدير: لكان وقوفه أربعين خيرًا له من أن يمر.\n\nقوله: (خريفًا) الخريف: الفصل الذي تُخرف فيه الثمار، وهو أحد فصول السنة الأربعة: الشتاء والربيع والخريف والصيف.\nوقد أُبهم المعدود في رواية «الصحيحين» وغيرهما، تفخيمًا للأمر وتعظيمًا، وإن كان ظاهر السياق أنه عيّن المعدود، ولكن شك الراوي فيه، وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لو يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يدي أخيه، معترضًا في الصلاة، كان لأن يقيم مئة عام خير له من الخطوة التي خطاها» (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٨٦).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٩٤٦)، وأحمد (١٤/ ٤٣١)، والطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (١/ ٨٤) وغيرهم من طريق عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن عمه، عن أبي هريرة به، وفي سنده مقال؛ لأن عبيد الله بن موهب ليس بالقوي، وعمه: عبيد الله بن عبد الله لم يوثقه إلا ابن حبان.","vol":"2","page":400},{"text":"لكن ذكر الحافظ أن هذا يشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر، لا لخصوص عدد معين (^١).\nوقد مال الطحاوي إلى أن حديث أبي هريرة - هذا - متأخر عن حديث الباب الذي هو حديث أبي جهيم؛ لأن في حديث أبي هريرة زيادة في الوعيد، وهذا يناسب تأخره تغليظًا، لا تقدمه، فيكون ما في حديث الباب تخفيفًا؛ لأن المقام مقام زجر وتخويف، والله أعلم.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم المرور بين يدي المصلي، وأنه من المسائل التي جاء فيها الوعيد، وقد ذكر الشوكاني أن هذا دليل على أن المرور بين يدي المصلي من الكبائر (^٢)، وذلك - والله أعلم - لأن المصلي واقف بين يدي الله تعالى يناجيه، وفي المرور بين يديه قطع لمناجاته، وتشويش عليه، وقد نقل ابن حزم الإجماع على أنه آثم (^٣).\nوقد عبّر جمع من أهل العلم كابن عبد البر وابن حزم والبغوي بكراهة المرور بين يدي المصلي، والظاهر أن المراد كراهة التحريم، لما ثبت في ذلك من الوعيد الشديد (^٤)، ولَمَّا قال الترمذي: (والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، كرهوا المرور بين يدي المصلي)، قال الشارح المباركفوري: (المراد بالكراهة عند الترمذي: التحريم) (^٥)، فيجب على المسلم أن يحذر المرور بين يدي المصلي أو التساهل في ذلك، خشية الوقوع تحت هذا الوعيد، كما أنه ينبغي للمصلي أن يبتعد عن الصلاة في طرق الناس والأمكنة التي لا بدّ لهم من المرور بها، كالممرات في مثل المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمساجد الكبيرة؛ لئلا يعرض صلاته للنقص أو التشويش، ويعرض المارة للإثم، أو الحرج بالوقوف حتى يفرغ من صلاته.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٨٥).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٨).\n(^٣) \"مراتب الإجماع\" (٣٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" لابن رجب (٤/ ٩٥).\n(^٥) \"التحفة\" (٢/ ٣٠٥).","vol":"2","page":401},{"text":"الوجه الخامس: المصلي إن صلّى إلى سترة حرم المرور بينه وبين سترته، وكذا لو اتخذ سجادة يصلي عليها، فإن هذه السجادة محترمة، فلا يحل لأحد أن يمر بين يدي المصلي فيها.\nفإن كان المصلي إلى غير سترة، فإن المحرم ما بين قدمه وموضع سجوده، فلا يحل لأحد أن يمر في هذا الموضع، وإنما قيّد بذلك على الأظهر؛ لأن المصلي لا يستحق أكثر مما يحتاج إليه في صلاته، فليس له الحق أن يمنع الناس مما لا يحتاجه، فإن بعُد المار سلم من الإثم؛ لأنه إذا بعُد عنه عرفًا لا يسمى مارًا بين يديه، فهو كالذي يمر من وراء السترة.\n\nالوجه السادس: الراجح من قولي أهل العلم أن المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام محرم، لا فرق في ذلك بينه وبين غيره، لعموم هذه الحديث، وليس هناك دليل يخص مكة أو المسجد الحرام. ومن تراجم البخاري في صحيحه: «باب السترة بمكة وغيرها» قال ابن حجر: (أراد البخاري التنبيه على ضعف الحديث - يعني حديث المطلب ابن أبي وداعة - وأنه لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة، قال: وهذا هو المعروف عند الشافعية، وأنه لا فرق في منع المرور بين يدي المصلي بين مكة وغيرها) (^١).\nوقد ثبت في حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ لما صلّى ركعتي الطواف جعل المقام بينه وبين البيت (^٢).\nوعن صالح بن كيسان قال: (رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة، فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، يبادره، قال: يرده) (^٣).\nلكن إن صلّى الإنسان في مكان يحتاج الناس المرور فيه كالممرات الموجودة داخل المسجد الحرام فإن الجناية من المصلي نفسه؛ لأن الحق\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٧٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢١٨).\n(^٣) علّقه البخاري في \"صحيحه\" بصيغة الجزم (١/ ٥٨٢ فتح) ووصله الحافظ في \"تغليق التعليق\" (٢/ ٢٤٧) وإسناده صحيح.","vol":"2","page":402},{"text":"للمارة، وكذا من يصلي في المطاف، فإنه لا حرمة له، ولا يلزم الناس أن يتحاشوا المرور بين يديه؛ لأنه هو الذي وقف يصلي في مكانهم.\nوقد نصّ جمع من أهل العلم على أنه في حال الزحام الشديد في مكة لا يدفع المار بين يديه، وإنما النهي فيما إذا وجد المار سبيلًا، لكن على المسلم أن يتقي الله ما استطاع، ولا يتهاون في هذا الأمر، كما عليه كثير من الناس، فإن غُلِبَ على ذلك فلا بأس إن شاء الله تعالى، لما يترتّب على منع المرور بين يدي المصلي من الحرج الشديد على المار والممرور عليه، لما يسببه ذلك من مضاعفة الزحام، والله أعلم.","vol":"2","page":403},{"text":"<span data-type='title' id=toc-196>مقدار ارتفاع السترة</span>\n٢٢٩/ ٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالت: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ - فِي غَزْوَةِ تَبُوك - عَنْ سُتْرَةِ المُصَلِّي فَقَالَ: «مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة» باب «سترة المصلي» (٥٠٠) من طريق أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: … فذكرته.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (مثل مؤخرة الرحل) بضم الميم وسكون الهمزة، وكسر الخاء المعجمة، هي العود الذي يكون في آخر الرحل، يستند إليه الراكب، قال النووي: هي قدر عظم الذراع، وهو نحو ثلثي ذراع (^١).\nوالظاهر أن طولها غير مقدر، فقد تكون نصف ذراع، وقد تكون أكثر أو أقل، وكأن هذا - والله أعلم - بيان لنوع السترة، وليس تحديدًا لمقدارها، كما سيأتي إن شاء الله.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يكفي من السترة ما كان بمقدار مؤخرة الرحل في الارتفاع، أي: بمقدار ثلثي ذراع تقريبًا، وهذا ليس على سبيل التحديد، بل هو على سبيل التقريب؛ لأنه ثبت أنه ﷺ استتر بالجدار والعَنَزة والحَرْبَةِ ومقام إبراهيم ﵊ وغير ذلك مما هو أطول بكثير من مؤخرة الرحل، وفي الحديث الآتي أمر بالاستتار ولو بسهم، وهو أقصر من مؤخرة الرحل، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٤٦٣).","vol":"2","page":404},{"text":"<span data-type='title' id=toc-197>الأمر باتخاذ السترة وأنه لا تحديد لعرضها</span>\n٢٣٠/ ٣ - وَعَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْجُهَنيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ وَلَوْ بِسَهْمٍ». أَخْرَجَهُ الْحَاكِم.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو ثُرية - بضم المثلثة وفتح الراء وتشديد المثناة التحتية، ويقال: ثَريَّة بالفتح - سَبْرة - بفتح السين وسكون الباء الموحدة - ابن معبد الجهني ﵁ نزل المدينة، وأقام بذي المروة (^١)، وهو والد الربيع بن سبرة الجهني، روى عنه ابنه الربيع، وروى عن الربيع جماعة، وأجلّهم ابن شهاب، وهو راوي حديث المتعة، وأن الرسول ﷺ أذن فيها بمكة ثلاثة أيام ثم حرمت إلى يوم القيامة، وحديثه في مسلم، وسيأتي - إن شاء الله - في كتاب «النكاح»، مات في خلافة معاوية ﵁ (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه الحاكم (١/ ٢٥٢)، وأحمد (٢٤/ ٥٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٧٨)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٦٥٤٢) من طريق عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «استتروا بصلاتكم ولو بسهم»، هذا لفظ الحاكم من هذا الطريق، وأما ما في الكتاب فهو لفظ ابن أبي شيبة.\n_________\n(^١) قرية بوادي القرى.\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٤/ ١٢٩)، \"الإصابة\" (٤/ ١٢٠).","vol":"2","page":405},{"text":"والحديث سنده حسن؛ لأن عبد الملك بن الربيع ضعفه ابن معين (^١). وقال ابن القطان: (لم تثبت عدالته، وإن كان مسلم قد أخرج له فغير محتج به، وعسى أن يكون الحديث حسنًا لا ضعيفًا) (^٢).\nوقد ذكر الحافظ أن مسلمًا أخرج له متابعة حديثًا في المتعة (^٣)، ونقل - أيضًا - أن العجلي وثقه، كما وثقه الذهبي (^٤)، ثم إنه لم يتفرد به عبد الملك، فقد تابعه أخوه عبد العزيز عند الحاكم من طريق حرملة (١/ ٢٥٢)، والبخاري في «التاريخ» (٤/ ١٨٧) من طريق سبرة كلاهما عن عبد العزيز بن الربيع بن سبرة بن معبد، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «ليستتر أحدكم في صلاته ولو بسهم» وقد وثقه ابن حبان (^٥). وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق ربما غلط)، وأما الربيع فثقة.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ولو بسهم) لو: تفيد التقليل، والسهم: هو النصل العريض الذي يبلغ طوله فِتْرًا تقريبًا (^٦)، والفتر، بالكسر: ما بين طرف الإبهام وطرف السبابة بالتفريج المعتاد (^٧)، ويقدر بحوالي ستة عشر سم، فإذا غرز جزء منه في الأرض ثلثه - مثلًا - بقي ثلثاه، وهو شيء قليل بالنسبة لمؤخرة الرحل.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن السترة تحصل بكل شيء ينصبه المصلي أمامه ولو كان قصيرًا أو دقيقًا كالسهم، وظاهر هذا أنه لا يعدل إلى السهم إلا إذا لم يجد سترة كافية، كمؤخرة الرحل، لقوله: «ولو بسهم»، وهذا دليل على تيسير الإسلام في موضوع السترة، وقد جاء ما هو أسهل من ذلك، وهو الاستتار بالخط، كما سيأتي إن شاء الله.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على الأمر باتخاذ السترة في الصلاة،\n_________\n(^١) \" تهذيب التهذيب\" (٦/ ٣٤٩).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٤/ ١٣٨).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (١٤٠٦) (٢٢).\n(^٤) \"الكاشف\" (٣٤٥٠).\n(^٥) \"الثقات\" (٧/ ١١٠).\n(^٦) \"لسان العرب\" (١٢/ ٣٠٨).\n(^٧) \"اللسان\" (٥/ ٤٤).","vol":"2","page":406},{"text":"وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذا أمر إيجاب، فقالوا بوجوب اتخاذ السترة، وهو رواية عن الإمام أحمد، فقد جاء في «مسائل الإمام أحمد رواية: إسحق بن هانئ» قال: (رآني أبو عبد الله يومًا وأنا أصلي، وليس بين يدي سترة، وكنت معه في المسجد الجامع، فقال لي: استتر بشيء، فاستترت برجل) (^١)، ونقل ابن مفلح، والمرداوي (^٢) القول بالوجوب عن كتاب «الواضح».\nوممن قال بالوجوب ابن خزيمة، فقد جاء في «صحيحه» ما يدل على أنه يرى الوجوب، فإنه لما ذكر حديث ابن عباس ﵄ أن الرسول ﷺ صلّى بعرفة وليس شيء يستره، ضعف هذا الحديث وقال: قد زجر النبي ﷺ أن يصلي المصلي إلا إلى سترة، فكيف يَفْعل ما يزجر عنه ﷺ؟!!\nوقد ترجم لحديث ابن عمر ﵄: (لا تصل إلا إلى سترة …) بقوله: «باب النهي عن الصلاة إلى غير سترة» (^٣).\nوممن قال بالوجوب أبو عوانة، فقد بوّب لحديث ابن عمر ﵄ المذكور بقوله: «باب إيجاب تقدم المصلي إلى سترة …» (^٤)، وكذا الشوكاني (^٥)، والألباني (^٦).\nومن أدلتهم حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليجعل أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل ويصلي» (^٧).\nومن أدلتهم - أيضًا - حديث أبي سعيد ﵁ وفيه: «إذا صلّى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها» (^٨).\n_________\n(^١) \"مسائل الإمام أحمد\" ص (٦٦).\n(^٢) \"المبدع\" (١/ ٤٨٩)، \"الإنصاف\" (٢/ ١٠٣).\n(^٣) \"صحيح ابن خزيمة\" (٢/ ٩، ٢٦ - ٢٨).\n(^٤) \"مسند أبي عوانة\" (١/ ٣٨٢).\n(^٥) \" نيل الأوطار\" (٣/ ٢).\n(^٦) \"تمام المنة\" ص (٣٠٠).\n(^٧) أخرجه مسلم (٤٩٩)، وابن الجارود (١٦٦) واللفظ له، وأخرجه أصحاب السنن إلا النسائي.\n(^٨) أخرجه أبو داود (٢/ ٣٩٠)، وابن ماجه (١/ ٣٠٧)، وصححه ابن خزيمة (٢/ ٢٧).","vol":"2","page":407},{"text":"فهؤلاء: أخذوا بصيغة الأمر على ظاهرها من الدلالة على الوجوب ولم يصرفوها عنها.\nوقال الجمهور من أهل العلم: إن اتخاذ السترة غير واجب، بل هو سنّة، واستدلوا بما يلي:\n١ - أنه ورد أن الرسول ﷺ صلّى في فضاء ليس بين يديه شيء (^١).\n٢ - حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ صلّى في منى إلى غير جدار (^٢)، وقد نقل الحافظ عن الشافعي أنه قال: أي: إلى غير سترة (^٣) ..\n٣ - ما سيأتي من حديث أبي سعيد ﵁: «إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه» (^٤).\nووجه الاستدلال به: أن قوله: «إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره»، يدل على أن المصلي قد يصلي إلى شيء يستره، وقد لا يصلي؛ لأن مثل هذه الصيغة لا تدل على أن الناس كلهم يصلون إلى سترة، بل تدل على أن بعضهم يصلي إلى سترة، وبعضهم لا يصلي إليها.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٢٢٤)، والبيهقي (٢/ ٢٧٣) من طريق الحجاج بن أرطاة، عن الحكم بن عتيبة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن عباس -﵄- وفيه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف مدلس، وقد عنعنه، لكن ورد من طريق أخرى عند أبي يعلى قال: حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت يحيى بن الجزار عن ابن عباس قال: جئت أنا وغلام من بني هاشم على حمار، فمررنا بين يدي النبي -ﷺ- وهو يصلي، فنزلنا عنه، وتركنا الحمار يأكل من بقل الأرض، أو قال: نبات الأرض، فدخلنا معه في الصلاة، ففال رجل: أكان بين يديه عنزة؟ قال: لا.\nوهذا الإسناد رجاله ثقات، فهو متابعة قوية لحديث حجاج، لكن يحيى بن الجزار لم يسمع من ابن عباس، بينهما صهيب البصري، وهو ثقة، وعليه فالإسناد صحيح لظهور اتصاله.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٦)، وأخرجه مسلم (٥٠٤) وليس عنده (إلى غير جدار).\n(^٣) \"الفتح\" (١/ ١٧١).\n(^٤) أخرجه البخاري (٩٠٥)، مسلم (٥٠٥).","vol":"2","page":408},{"text":"٤ - أن الأصل براءة الذمة، فلا تشغل بالوجوب إلا بدليل صريح خالٍ عن المعارض، وأدلة الوجوب مصروفة عنه بهذه الأدلة.\nوالحق أن الأدلة صريحة في الوجوب؛ لأنها جاءت بصيغ الأمر المتعددة، وهو ظاهر في الوجوب، فإن وجد ما يصرفه عن الوجوب إلى الندب فذاك، وإلا بقي على أصله، وأدلة الجمهور ليست بناهضة في صرفه إلى الندب، فإن حديث ابن عباس أنه ﷺ صلّى في فضاء ليس بين يديه شيء، مخالف للأحاديث الصحيحة الدالة على أنه ﷺ كان يواظب على السترة حضرًا وسفرًا، إلا إن قيل: إن الرسول ﷺ فعله لبيان الجواز، وقد تقدم قول ابن خزيمة: (وقد زجر النبي ﷺ أن يصلي المصلي إلا إلى سترة فكيف يفعل ما يزجر عنه؟!).\nوأما حديث ابن عباس الثاني وهو أن النبي ﷺ صلّى في منى إلى غير جدار فهو محتمل أن معناه: إلى غير سترة، أو إلى سترة غير جدار، ولا يلزم من عدم الجدار عدم السترة؛ لأنه لا يلزم من عدم الأخص عدم الأعم.\nوأقوى ما في أدلة الجمهور حديث أبي سعيد ﵁ فإن كان مؤيدًا لما قبله في صرف الأمر إلى الندب، وإلا بقي الأمر للوجوب، والأحوط ألا يصلي أحد إلا إلى سترة، والله أعلم.","vol":"2","page":409},{"text":"<span data-type='title' id=toc-198>بيان ما يقطع الصلاة</span>\n٢٣١/ ٤ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: «يَقْطَعُ صَلَاةَ المَرْءِ المُسْلِمِ - إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ ـ: المَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ الأَسْوَدُ …» الحديث.\nوَفِيهِ: «الْكَلْبُ الأسْوَدُ شَيْطَانٌ»، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n٢٣٢/ ٥ - وَلَهُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ نَحْوُهُ دُونَ: «الْكَلْبِ».\n٢٣٣/ ٦ - وَلأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ نَحْوُهُ، دُونَ آخِرِهِ. وَقَيَّدَ المَرْأَةَ بِالحَائِضِ.\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث أبي ذر ﵁: فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة» باب «قدر ما يستر المصلي» (٥١٠) من طريق حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإن لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود»، قلت: يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال: «الكلب الأسود شيطان».\nهذا لفظ الحديث كما في «صحيح مسلم»، والقائل: قلت .. هو عبد الله بن الصامت، والظاهر أن الحافظ ساقه بمعناه، فإن الحديث ليس فيه لفظ (المرء المسلم) وقد اعتمد عليها بعض الشرّاح المتأخرين، فاستنبط منها حكمًا.","vol":"2","page":410},{"text":"وأما حديث أبي هريرة ﵁: فأخرجه مسلم - أيضًا - في الباب المذكور من طريق عبد الواحد - هو ابن زياد - حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل».\nوقول الحافظ: (دون الكلب) ظاهره أنه لم يُذكر الكلب في حديث أبي هريرة ﵁ مع أنه مذكور فيه، فهذا إما وهم من الحافظ، وإما أن المراد دون وصف الكلب، فسقطت كلمة (وصف) والله أعلم.\nوأما حديث ابن عباس ﵄: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» باب «ما يقطع الصلاة» (٧٠٣)، والنسائي (٢/ ٦٤) من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة، حدثنا قتادة قال: سمعت جابر بن زيد، يحدث عن ابن عباس ﵄، رفعه شعبة قال: (يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب) والقائل: رفعه شعبة هو يحيى، كما في «المسند» (٥/ ٢٩٣).\nوقد اختلف في رفعه ووقفه، فرفعه شعبة كما عند أبي داود والنسائي، وخالفه غيره من أصحاب قتادة، قال أبو داود عقبه: (وقفه سعيد وهشام وهمام عن قتادة عن جابر بن زيد على ابن عباس)، وقد رواه النسائي موقوفًا أيضًا.\nفهؤلاء الثلاثة: سعيد بن أبي عروبة، وهشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهمام بن يحيى، كلهم رووه عن قتادة بن دعامة، عن جابر بن زيد موقوفًا على ابن عباس ﵄.\nوقول الحافظ: (دون آخره) أي: دون آخر حديث أبي هريرة، وهو قوله: (ويقي من ذلك .. إلخ)، فهي ليست في حديث ابن عباس، مع أن الحافظ ما ذكر حديث أبي هريرة بلفظه، لكن يؤيد ذلك أنه أقرب مذكور، ويحتمل عود الضمير على حديث أبي ذر، ومراده قوله: (الكلب الأسود شيطان)، فهو ليس في حديث ابن عباس، ويؤيد ذلك أنه ساق حديث أبي ذر بلفظه، والله أعلم.","vol":"2","page":411},{"text":"الوجه الثاني: هذه الأحاديث الثلاثة دليل على أن المصلي إذا لم يجعل له سترة لصلاته يكون أعلاها بقدر مؤخرة الرحل فإنه يقطع صلاته واحد من ثلاثة أشياء: المرأة، والحمار، والكلب الأسود، فإن وضع سترة أمامه لم يضرَّه ما مرَّ من ورائها ولو كان واحدًا من هذه الثلاثة.\nوالمراد بقطع الصلاة: فسادها وإبطالها، وهذا قول جماعة من الصحابة ﵃ منهم: أبو هريرة وأنس وابن عباس - في رواية عنه - وبه قال الحسن البصري، وهو رواية عن الإمام أحمد، حكاها المرداوي (^١) واختارها المجد، ورجحها الشارح عبد الرحمن بن قدامة، ومال إليها الموفَّق (^٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، وتلميذه ابن القيم (^٤)، قال المرداوي: (وهو الصواب).\nوالقول الثاني: أن هذه الأشياء وغيرها لا تقطع الصلاة ولا تبطلها، إنما المراد بأحاديث القطع: نقص الصلاة، لشغل القلب بهذه الأشياء، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، ورواية عن أحمد (^٥).\nواستدلوا بحديث أبي سعيد الآتي في آخر الباب: (لا يقطع الصلاة شيء)، وهو حديث ضعيف، لا تقوم به حجة، كما سيأتي إن شاء الله.\nوالقول الثالث: إن الصلاة لا يقطعها ويبطلها إلا مرور الكلب الأسود فقط، ولا تبطل بمرور المرأة ولا الحمار، وهذا قول أحمد وإسحاق، قال الأثرم: سئل أبو عبد الله: ما يقطع الصلاة؟ قال: لا يقطعها عندي إلا الأسود البهيم (^٦).\n_________\n(^١) \"تصحيح الفروع\" (١/ ٤٧٢).\n(^٢) \"المغني\" (٣/ ٩٧)، \"الشرح الكبير\" (٣/ ٦٤٨).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢١/ ١٦).\n(^٤) \"زاد المعاد\" (١/ ٣٠٦).\n(^٥) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٦٠)، \"بداية المجتهد\" (١/ ٤٢٨)، \"المجموع\" (٣/ ٢٥٠)، \"المغني\" (٣/ ٩٧).\n(^٦) \"المغني\" (٣/ ٩٧).","vol":"2","page":412},{"text":"وحجة هذا القول أن الكلب لم يجئ في الترخيص فيه شيء يعارض الأحاديث المذكورة، وهي حديث أبي ذر وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم، وأما المرأة فقد ورد عن مسروق عن عائشة أنه ذكر عندها ما يقطع الصلاة - الكلب والحمار والمرأة - فقالت: شبهتمونا بالحمر والكلاب، والله لقد رأيت النبي ﷺ يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس، فأوذي النبي ﷺ، فأنسلُّ من عند رجليه (^١).\nوأما في الحمار فقد ورد حديث ابن عباس ﵄ الذي مرَّ ذكره أول الباب وفيه: (فمررت بين يدي بعض الصف ..).\nوالراجح - والله أعلم - القول الأول، وهو أن هذه الثلاثة المذكورة تقطع الصلاة وتفسدها، لما يلي:\n١ - أن أحاديث القطع أقوى من دليل عدم القطع، فإن دليل عدم القطع ضعيف، والضعيف ليس بحجة في الأحكام الشرعية.\n٢ - أنه ورد حديث أبي ذر ﵁ بلفظ: (تعاد الصلاة من ممر الحمار والمرأة والكلب الأسود) (^٢)، فهذا نص صحيح صريح لا مطمع لأحد في ردّه.\n٣ - أن الصحابة ﵃ وسلف الأمة أدرى منا بفهم نصوص الشرع ومعرفة مقاصده، فقد ورد عن بكر بن عبد الله المزني قال: كنت أصلي إلى جنب ابن عمر فدخل بيني وبينه - يريد جروًا - فمرَّ بين يديه، فقال لي ابن عمر: أما أنت فأعد الصلاة، وأما أنا فلا أعيد؛ لأنه لم يمر بين يدي، وفي رواية: أن جروًا مرَّ بين يدي ابن عمر فقطع عليه صلاته (^٣).\nوالجرو: بكسر الجيم وضمها: ولد الكلب والسباع.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٤)، ومسلم (٥١٢) (٢٧٠).\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٢١)، وابن حبان (٦/ ١٥١) وإسناده صحيح على شرط مسلم.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٨٢)، وابن حزم في \"المحلى\" (٤/ ١٥) وإسناده صحيح، قال ابن حزم: (هذا أصح إسناد يكون).","vol":"2","page":413},{"text":"وأما دليل أصحاب القول الثالث فأجيب عنه بما يلي:\nأما حديث عائشة ﵂ فعنه جوابان:\nالأول: أن إنكارها إنما هو بحسب علمها وفهمها، وقد حفظ غيرها ما لم تحفظه، وهو أن المرأة تقطع الصلاة، والإنسان وإن كان عظيمًا فإنه قد يخفى عليه ما حفظه غيره، شأنها في ذلك شأن غيرها من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في قضايا معروفة.\nالثاني: أن حديث أبي ذر مسوق مساق التشريع العام للأمة، وحديث عائشة هذا واقعة حال يتطرق إليها احتمالات عديدة، منها: أنها زوجته، والمرأة في حديث أبي ذر مطلقة، فيفيد القطع بالأجنبية لخشية الافتتان بها، بخلاف الزوجة.\nومنها: أن عائشة لم تَمُرَّ، وإنما كانت نائمة، وفرق بين المرور واللبث، وقد بوّب عليه البخاري بعدة أبواب منها: «باب الصلاة خلف النائم» (^١).\nوأما حديث ابن عباس فأجيب عنه بأن الأتان لم يمرَّ بين يدي رسول الله ﷺ، ولكن مرّ بين يدي بعض الصف، وابن عباس راكب عليه، وهذا لا يؤثر، وقد بوّب عليه البخاري بقوله: «باب سترة الإمام سترة لمن خلفه» (^٢)، قال ابن القيم عن أحاديث القطع: (ومعارض هذه الأحاديث قسمان: صحيح غير صريح، وصريح غير صحيح، فلا يترك العمل بها لمعارض هذا شأنه) (^٣).\n\nالوجه الثالث: قيدت المرأة في حديث ابن عباس بالحائض، والمراد بها: البالغة، فأما غير البالغة أو الطفلة الصغيرة فلا تقطع الصلاة (^٤)؛ لأن الصغيرة لا يصدق عليها أنها امرأة.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٥٨٧).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٥٧١).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (١/ ٣٠٦).\n(^٤) \"تصحيح الفروع\" (١/ ٤٧٤)، \"الإنصاف\" (٢/ ١٠٧).","vol":"2","page":414},{"text":"وجاء وصف الكلب بأنه أسود في حديث أبي ذر، وأطلق في حديث أبي هريرة فيحمل المطلق على المقيد، ولا يقطع الصلاة إلاّ الكلب الأسود، دون غيره؛ لأنه جاء وصفه بأنه شيطان، فدل على أن وصفه بالسواد مقصود.\nوأما الحمار فجاء مطلقًا غير مقيد، وقيّده بعض الفقهاء بالأهلي، قال المرداوي: (وهو الصحيح) (^١)؛ لأن اسم الحمار إذا أطلق ينصرف إلى المعهود المألوف في الاستعمال وهو الأهلي، ولأنه يخالف الوحشي في أن هذا طاهر ويباح أكله، وهذه المسألة مبنية على تخصيص العموم بالعرف، كما ذكر ابن رجب، وفرع عليها مسائل كثيرة (^٢).\nوقيل: الحمار الوحشي كالحمار الأهلي، أخذًا بظاهر اللفظ.\n\nالوجه الرابع: يدخل في عموم الحديث مرور المرأة بين يدي المرأة، فإنه يقطع الصلاة؛ لأنه لا فرق بين الرجال والنساء في الأحكام إلا بدليل.\nوذهب ابن حزم إلى أن النساء لا يقطع بعضهن صلاة بعض (^٣)، مستدلًّا بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها» (^٤).\nوأخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: (لا تقطع المرأة صلاة المرأة ..) (^٥).\nوالأول أظهر، لقوة مأخذه، ولا حجة في قول أحد دون رسول الله ﷺ، وأما دليل ابن حزم فلا حجة فيه؛ لأن الحديث في صلاتهن جماعة، والمرأة لو مرّت بين صفوف الرجال لما قطعت صلاتهم، فكذا النساء، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"تصحيح الفروع\" (١/ ٤٧٢).\n(^٢) \"قواعد ابن رجب\" (٢/ ٥٥٥).\n(^٣) \"المحلى\" (٤/ ١٥).\n(^٤) سيأتي في باب (صلاة الجماعة والإمامة) إن شاء الله تعالى.\n(^٥) \"المصنف\" (٢/ ٢٨) وسنده صحيح.","vol":"2","page":415},{"text":"<span data-type='title' id=toc-199>ما يُصنع بمن أراد المرور بين يدي المصلي</span>\n٢٣٤/ ٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِن النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ». مُتَّفَقٌ عليه.\n٢٣٥/ ٨ - وفي رِوَايَةٍ: «فَإنَّ مَعَه الْقَرِينَ».\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي سعيد ﵁: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «يرد المصلي من مر بين يديه» (٥٠٩)، ومسلم (٥٠٥) من طريق سليمان بن المغيرة، قال: حدثنا حميد بن هلال العدوي قال: حدثنا أبو صالح السمان قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب فلم يجد مساغًا إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشدَّ من الأولى، فنال من أبي سعيد، ثم دخل على مروان فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان، فقال: ما لك ولابن أخيك يا أبا سعيد؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (فذكره ..).\nوهذا لفظ البخاري، وقد قرن مع رواية سليمان المذكورة رواية يونس بن عبيد، لكن القصة المذكورة من رواية سليمان، ولفظ يونس أورده البخاري في (بدء الخلق) كما سأذكره إن شاء الله.\nوعند مسلم: «فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفع في نحره».","vol":"2","page":416},{"text":"وأما رواية: «فإن معه القرين»، فقد وردت عند مسلم (٥٠٦) من طريق الضحاك بن عثمان، عن صدقة بن يسار، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله، فإن معه القرين».\nوظاهر صنيع الحافظ أن هذه الرواية من حديث أبي سعيد، وأنها من المتفق عليه، وليس كذلك، وإنما هي عند مسلم من حديث ابن عمر، كما ذكرت، وكان الأولى بالحافظ أن يشير إلى ذلك كما هي عادته، وقد وَهِمَ الصنعاني فعزا هذه الرواية لحديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم، وليس كذلك.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (إذا صلى أحدكم إلى شيء) أي: جعل شيئًا أمامه في صلاته يحول بينه وبين الناس.\n\nقوله: (أن يجتاز بين يديه) أي: قريبًا منه بينه وبين سترته.\n\nقوله: (فليدفعه) أي: فلينحه، وفي رواية مسلم - المتقدمة ـ: «فليدفع في نحره» واللام: لام الأمر.\n\nقوله: (فإن أبى فليقاتله) أي: فإن امتنع أن يندفع ويرجع (فليقاتله) أي: فليدافعه بشدة، وليس المراد بذلك المقاتلة بالسلاح، ولا بما يؤدي إلى الهلاك بالإجماع، وإنما المراد أن يدفعه بأسهل الوجوه، فإن أبى فبأشد منه، كما فعل أبو سعيد ﵁.\n\nقوله: (فإنما هو شيطان) الضمير يعود على الشخص الممتنع عن الاندفاع والرجوع.\nومعنى «شيطان» أي: متمرد، وشيطان كل جنس: متمرِّدُه وعاتيه، قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] والمعنى: فإنما هو شيطان من بني آدم قد تعدى وعتا.\nوهذه الجملة للتعليل، والغرض منها الحث على مدافعته، حيث إنه شيطان، ومروره يفسد على المصلي صلاته أو ينقصها.","vol":"2","page":417},{"text":"أما ما تقدم في أول الباب من أن الشيطان يقطع مروره الصلاة، فالظاهر أن المراد به: شيطان الجن؛ لأن الرسول ﷺ أخبر أنه يقطع الصلاة، أما شيطان الإنس فلم يرد ما يدل على أنه يقطع الصلاة - فيما أعلم - إلا ما خصه الدليل، وهو المرأة البالغة، على ما تقدم (^١).\n\nقوله: (فإن معه القرين) لعل الحافظ أورد هذه الرواية؛ لأن فيها معنى آخر غير معنى الأولى، ومعناها: أن الحامل له على المرور بين يدي المصلي هو الشيطان الذي هو قرينه، فهو الذي يؤزُّه ويسوقه إلى ذلك؛ لأنه من دعاة النار، وكل إنسان معه قرين، لما ورد في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا وقد وكِّل به قرينه من الجن»، قالوا: وإياك يا رسول الله، قال: «وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم (^٢) فلا يأمرني إلا بخير». وفي لفظ: «ما منكم من أحد إلا وقد وكِّل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة ..» (^٣)، قال ابن الأثير: («ما منكم من أحد إلا وكل به قرينه» أي: مصاحبه من الملائكة والشياطين، وكل إنسان فإن معه قرينًا منهما، قرينه من الملائكة يأمره بالخير ويحثه عليه، وقرينه من الشياطين يأمره بالشر ويحثه عليه) (^٤).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية دفع من أراد المرور بين يدي من صلّى إلى شيء يستره من الناس؛ لأن مروره يشوش على المصلي صلاته، ويوقع المار في الإثم.\nوظاهر الحديث أن دفع المار واجب لقوله: «فليدفعه»، وهذا أمر فيقتضي الوجوب، ويؤيد ذلك قوله: «فإن أبى فليقاتله»، وهو رواية عن الإمام\n_________\n(^١) انظر: \"إتحاف الإخوة\" ص (٥٥).\n(^٢) قوله: (فأسلم) بضم الميم وفتحها، فالضم على معنى: فأسلمُ أنا منه، وهي التي صححها الخطابي ورجحها، والفتح على معنى: أنه أسلمَ، من الإسلام، ورجحها القاضي عياض في \"شرحه على مسلم\" (٨/ ٣٥٠) لقوله: \"فلا يأمرني إلا بخير\".\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٨١٤).\n(^٤) \"النهاية\" (٤/ ٥٤).","vol":"2","page":418},{"text":"أحمد، نصّ عليها ابن مفلح (^١) والمرداوي (^٢)، ونسب الحافظ (^٣) القول بالوجوب إلى الظاهرية، واختاره الشوكاني (^٤).\nويرى آخرون أن الأمر بالدفع أمر ندب واستحباب، وهو متأكد، قال النووي: (لا أعلم أحدًا من العلماء أوجبه) (^٥)، وتعقبه الحافظ ابن حجر بما تقدم.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن مدافعة المار تكون بالأسهل فالأسهل، فيدفعه بالإشارة ولطيف المنع، فإن أبى أن يندفع ويرجع دافعه بشدة؛ لأنه شيطان، ولو سقط في هذا الحال وأصابه شيء من جرح أو كسر فإنه غير مضمون؛ لأنه هو المتعدي.\n\nالوجه الخامس: ظاهر الحديث أن دفع المار مقيد بوضع السترة لقوله: «إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره»، ومفهومه أنه إن لم يضع سترة فليس له أن يدفعه، لتقصيره بترك السترة، وهذا قول جماعة من أهل العلم كالخطابي، والبغوي، والنووي، وابن القيم، وابن حجر، والصنعاني، والشوكاني وغيرهم.\nوقد حكى النووي الاتفاق على أن الدفع مختص بمن اتخذ سترة (^٦)، وهذا فيه نظر، فإن الخلاف ثابت في ذلك، وممن حكاه النووي نفسه في شرحه على «المهذب» (^٧).\nفالقول الثاني في المسألة: أن المصلي يرد المار مطلقًا، سواء أكان بين يديه سترة فَمَرَّ دونها، أم لم تكن سترة فمر قريبًا منه.\nولعلّ سبب الخلاف في ذلك: أن أحاديث دفع المار منها ما هو مقيد بوضع سترة، كحديث أبي سعيد باللفظ المذكور، ومنها ما هو مطلق، كما في\n_________\n(^١) \"الفروع\" (١/ ٤٧١).\n(^٢) \"الإنصاف\" (٢/ ٩٤)، و\"تصحيح الفروع\" (١/ ٤٧١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٥٨٤).\n(^٤) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٨).\n(^٥) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٧١).\n(^٦) المصدر السابق (٣/ ٤٧٠).\n(^٧) \"المجموع\" (٣/ ٢٤٩).","vol":"2","page":419},{"text":"حديث أبي سعيد عند البخاري في (بدء الخلق) ولفظه: «إذا مرَّ بين يدي أحدكم شيء وهو يصلي فليمنعه، فإن أبى فليمنعه، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان» (^١)، وليس فيه تقييد الدفع بما إذا كان المصلي يصلي إلى سترة، وكذا حديث ابن عمر - المتقدم ـ، ولفظه: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين»، وليس فيه ذكر السترة.\nفمن أهل العلم - ومنهم الحافظ ابن حجر - من قال: يحمل المطلق على المقيد، فلا يرد المار إلا إذا وضع سترة؛ لأن الذي يصلي إلى غير سترة مقصر في تركها.\nوقال آخرون: لا يحمل المطلق على المقيد؛ لأن هذا قيد أغلبي، فلا مفهوم له في أنه إذا صلّى إلى غير سترة لا يرد، بل يرده مطلقًا إذ لا تعارض بين المطلق والمقيد، فالمقيد يبقى على تقييده فيدفع إن اتخذ سترة، ويبقى المطلق على إطلاقه فيرد ولو لم يتخذ سترة؛ لأن المصلي مأمور بالصلاة إلى سترة - كما تقدم - ومأمور بدفع المار، سواء امتثل فوضع سترة أم لم يمتثل فلم يضع سترة.\nوقد تقدم في حديث أبي جهيم أنه يحرم المرور بين يدي المصلي سواء أكان له سترة أم لا، فهذا يؤيد أنه يدفعه مطلقًا، لأن المار يحرم عليه المرور، فيجب منعه من ارتكاب الحرام، ومن التشويش على المصلي، وهذا القول وجه في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة، واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز (^٢).\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على جواز الحركة في الصلاة لمصلحتها حيث شرع للمصلي ردّ المار ومدافعته.\n\nالوجه السابع: الحديث دليل على عظم مرتبة الصلاة، ومناجاة الله تعالى حيث وجب احترام المصلي، وعدم تعاطي ما فيه تشويش عليه، أو شغل عما هو فيه، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٣٢٧٤).\n(^٢) تعليقه على \"فتح الباري\" (١/ ٥٨٢).","vol":"2","page":420},{"text":"<span data-type='title' id=toc-200>جواز كون السترة خطًا إذا لم يكن غيره</span>\n٢٣٦/ ٩ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إذَا صَلّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَلَمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ، بَلْ هُوَ حَسَنٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (١٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥)، وأبو داود (٦٨٩)، وابن ماجه (٩٤٣)، وابن حبان (٢٣٦١)، من طريق إسماعيل بن أمية، حدثني أبو عمرو بن محمد بن حريث، أنه سمع جده حريثًا يحدث عن أبي هريرة ﵁ … فذكره.\nوهذا الحديث اختلف العلماء في تصحيحه، فقد صححه قوم، وضعفه آخرون، فممن ضعفه: سفيان بن عيينة، فقد نقل عنه أبو داود أنه قال: (لم نجد شيئًا نشدُّ به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه) (^١)، أي: فهو حديث غريب، وقال الدارقطني: (الحديث لا يثبت) (^٢) وضعفه - أيضًا - العراقي، وابن الصلاح - ومثّلا به للحديث المضطرب - (^٣)، وكذا ابن حزم، والنووي، والبغوي وجماعة آخرون، قال السخاوي: (حَكَم غير واحد من الحفاظ … باضطراب سنده، بل عزاه النووي للحفاظ) (^٤).\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (١/ ١٨٤).\n(^٢) \"العلل\" (٨/ ٥٠).\n(^٣) \"مقدمة ابن الصلاح\" ص (٩٤)، \"فتح المغيث\" (١/ ٢٥٧).\n(^٤) \"المحلى\" (٤/ ٢٦٣)، \"شرح السنة\" (٢/ ٤٥١)، \"فتح المغيث\" (١/ ٢٥٨).","vol":"2","page":421},{"text":"وسبب ضعفه ثلاث علل:\nالأولى: تفرّد إسماعيل بن أمية به، كما تقدم عن ابن عيينة ومن وافقه.\nالثانية: أن إسماعيل بن أمية قد اضطرب في اسم شيخه، وفي كنيته، وهل روايته عن أبيه أو عن جده أو عن أبي هريرة بلا واسطة؟ فإنه مرة قال: عن أبي محمد بن عمرو بن حريث، عن جده، ومرة قال: عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن جده، وقال ثالثة: عن أبي عمرو بن حريث، عن أبيه.\nالعلة الثالثة: جهالة حال أبي عمرو بن محمد بن حريث، فقد جهله أبو جعفر الطحاوي والذهبي وابن حجر وغيرهم، وكذا جهالة جده حريث.\nوصحح الحديث جماعة آخرون منهم: ابن خزيمة وابن حبان وابن عبد البر، ونَقَلَ تصحيحه عن الإمام أحمد، وعلي بن المديني (^١) ونقل ذلك عنهما - أيضًا - عبد الحق الإشبيلي (^٢) كما صححه البيهقي (^٣)، وحسنه الحافظ ابن حجر، قال ابن رجب (وأحمد لم يُعرف عنه التصريح بصحته، إنما مذهبه العمل بالخط، وقد يكون اعتمد على الآثار الموقوفة، لا على الحديث المرفوع؛ فإنه قال في رواية ابن القاسم: الحديث في الخط ضعيف) (^٤).\nوقد أجاب ابن حجر وغيره عن المطاعن التي وجهت إلى الحديث بما يلي:\nأما ما أُعل به من تفرد إسماعيل بن أمية فهذا فيه نظر، فإن للحديث طرقًا أخرى (^٥) وهي وإن كانت ضعيفة لكن تعددها يجعلها صالحة للاعتبار؛ لأن بعضها يشد بعضًا؛ لأنه ضعف ليس بشديد، فيزول بتعدد الطرق، كما هي قاعدة المحدثين.\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٤/ ١٩٩).\n(^٢) \"الأحكام الوسطى\" (١/ ٣٤٥).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٧١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٠).\n(^٥) \"مسند الطيالسي\" (٨/ ٣١٤)، \"النكت على ابن الصلاح\" (٢/ ٧٧٣)، \"فتح المغيث\" (١/ ٢٥٩).","vol":"2","page":422},{"text":"وأما العلة الثانية: وهي الاضطراب فقد نفاها الحافظ ابن حجر معللًا بأن الاضطراب هو الاختلاف الذي يؤثر قدحًا، واختلاف الرواة في اسم رجل أو في كنيته، وهل روايته عن أبيه أو عن جده؟ لا يؤثر في ذلك؛ لأن ذلك الرجل إن كان ثقة فلا ضير، وإن كان غير ثقة فضعف الحديث إنما هو من قبل ضعفه، لا من قبل الاختلاف في اسمه (^١)، ولذا قال - هنا - في «البلوغ»: (ولم يصب من زعم أنه مضطرب)، وكأنه يعني العراقي وابن الصلاح فإنهما قد مثلا به للمضطرب - كما تقدم ـ، وقد نقل السيوطي عن الحافظ أنه انتقد التمثيل بمثل هذا الحديث للمضطرب (^٢)!\nثم إن ابن خزيمة رجح إسناد: إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن جده حريث، عن أبي هريرة (^٣).\nوأما العلة الثالثة: وهي جهالة أبي عمرو بن محمد بن حريث، فإن أريد بها جهالة العين - وهو الغالب عند الإطلاق - فذلك مرتفع عنه؛ لأنه روى عنه إسماعيل بن أمية، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي المدني، وزاد ابن حبان: ابن جريج، وابن أبي محمد (^٤)، وبرواية اثنين تنتفي الجهالة، فكيف برواية أكثر من ذلك؟\nوإن أريد بذلك جهالة الحال، فالظاهر أنها مرتفعة - أيضًا - لأن ابن حبان ذكره في «الثقات» وخَرَّجَ حديثه في «صحيحه»، وكذا صححه ابن خزيمة والحاكم، قال ابن حجر: (وذلك مقتضى ثبوت عدالته عند من صححه) (^٥)، يعني بذلك أن تصحيح حديثه تعديل له.\nوالذي يظهر - والله أعلم - أن الحديث ضعيف، وما أجيب به عنه فهو غير ناهض، ويكفي في الحكم عليه كلام المتقدمين ومن بعدهم أمثال ابن\n_________\n(^١) \"النكت على ابن الصلاح\" (٢/ ٧٧٢).\n(^٢) \"تدريب الراوي\" (١/ ٢٦٥).\n(^٣) \"صحيح ابن خزيمة\" (٢/ ١٣).\n(^٤) \"الثقات\" (٧/ ٢١٨)، \"تهذيب الكمال\" (٥/ ٥٦٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٧/ ٦٥٥).","vol":"2","page":423},{"text":"عيينة، والدارقطني، وابن حزم، والعراقي … ومعلوم أن المصلي لا يلجأ إلى الخط في الغالب إلا عند عدم غيره مما يصلح سترة، فالعمل بالحديث أقل أحوال الاستطاعة، والله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ولذا قال النووي: (والمختار استحباب الخط؛ لأنه وإن لم يثبت الحديث ففيه تحصيل حريم للمصلي ..) (^١).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية اتخاذ المصلي سترة، وأن السنة أن ينظر، فإن وجد شاخصًا كجدار أو شجرة أو سارية صلّى إليها، وقد ورد في حديث سهل بن سعد ﵁ قال: كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر شاة (^٢)، فإن لم يجد نصب عصًا، وفي حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة، فتوضع بين يديه، فيصلي إليها .. الحديث (^٣).\nفإن لم يجد خطَّ خطًّا، ثم لا يضر من مرّ بين يديه إذا كان من وراء السترة، ولم يرد في الحديث كيفية الخط، فإن خطه بالطول أو على هيئة الهلال فلا بأس، وقد ورد عن الإمام أحمد ما يدل على ذلك (^٤).\nوموضوع الخط قد يحتاج إليه لإمكانه قديمًا عندما كانت أرض المسجد وفناؤه مفروشة بالرمل، أما الآن فالمساجد فيها الفرش، فلا أثر للخط، إلا إذا كان الإنسان في الصحراء أو نحو ذلك.\nونقل النووي عن الغزالي والبغوي وغيرهما: أن المصلي إذا لم يجد شاخصًا بسط مصلاه (^٥)، فهذا فيه قياس فراش المصلي على الخط؛ بأن تكون نهاية السجادة من أمامه سترةً له، ومحل ذلك ما لم تطل السجادة من أمامه،\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٣/ ٢٤٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٩٦)، ومسلم (٥٠٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٩٦)، ومسلم (٥٠١).\n(^٤) \"مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود\" ص (٤٤).\n(^٥) \"المجموع\" (٣/ ٢٤٨).","vol":"2","page":424},{"text":"وإلا فلا تصلح أن تكون سترة (^١)، ونقله الصنعاني، ونسبه للشافعية، ثم قال: «وهو صحيح» (^٢)، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"المنهل العذب المورود\" (٥/ ٨٠).\n(^٢) \"سبل السلام\" (٢/ ١٥٦).","vol":"2","page":425},{"text":"<span data-type='title' id=toc-201>الصلاة لا يقطعها شيء</span>\n٢٣٧/ ١٠ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ، وَادْرَأْ مَا اسْتَطَعْتَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وفي سَنَدِهِ ضَعْفٌ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب (الصلاة) باب (من قال: لا يقطع الصلاة شيء) (٧١٩) من طريق مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم، فإنما هو شيطان».\nوهذا الحديث ضعيف جدًا لأمور ثلاثة:\nالأول: أنه من رواية مجالد بن سعيد، قال فيه أحمد: (ليس بشيء)، وقال فيه ابن معين: (لا يحتج به)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال الدارقطني: (ضعيف) (^١).\nالثاني: أنه من رواية أبي الودَّاك، وهو جبر بن نوف الهمداني البِكَالي - بكسر الباء - وهو ضعيف، ضعفه ابن حزم (^٢) وقال النسائي: (ليس بالقوي)، ووثقه ابن معين (^٣) وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٤)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق يهم).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٣٦).\n(^٢) \"المحلى\" (٤/ ١٨).\n(^٣) \" تهذيب التهذيب\" (٢/ ٥٢).\n(^٤) \"الثقات\" (٤/ ١١٧).","vol":"2","page":426},{"text":"الثالث: أن مجالدًا قد اضطرب في هذا الحديث، فمرة رفعه - كما هنا - ومرة أوقفه، فقد أخرجه أبو داود (٧٢٠) والبيهقي من طريق مجالد به، ولفظه: (مَرَّ شاب من قريش من بين يدي أبي سعيد الخدري وهو يصلي، فدفعه، ثم عاد، فدفعه، ثلاث مرات، فلما انصرف، قال: إن الصلاة لا يقطعها شيء، ولكن قال رسول الله ﷺ: «ادرؤوا ما استطعتم فإنه شيطان»).\nففي السياق جاء موضع الشاهد من الحديث موقوفًا على أبي سعيد ﵁ وقد ورد للحديث شواهد من حديث أنس، وأبي أمامة، وأبي هريرة ﵃ وغيرها، وكلها ضعيفة لا تقوم بها حجة، ولا تُعارض بمثلها الأحاديث الصحيحة، الدالة على أن المرأة والحمار والكلب الأسود تقطع الصلاة، كما تقدم، ولا يشدّ بعضها بعضًا لما فيها من الضعف الشديد.\nولهذا حكم أئمة هذا العلم على حديث أبي سعيد وغيره بالضعف، فقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: (يقطع الصلاة الكلب الأسود البهيم) أصح من حديث أبي سعيد: (لا يقطع الصلاة شيء) (^١).\nوقال عبد الحق عن هذا الحديث: (هذا يرويه مجالد بن سعيد، وهو ضعيف الحديث) (^٢).\nوضعفه النووي (^٣). وقال ابن الجوزي بعد أن ساق حديث أبي سعيد وغيره: (هذه الأحاديث كلها ضعاف ..)، ثم بيّن وجه ضعفها (^٤).\nوكذا ضعف الحديث الشوكاني، والألباني (^٥) والشيخ عبد العزيز بن باز.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن الصلاة لا يبطلها مرور شيء من امرأة أو حمار أو كلب أو غيرها بين يدي المصلي، وهذا الحديث هو عمدة الجمهور القائلين بعدم بطلان الصلاة، وأن القطع الوارد في مثل حديث أبي ذر\n_________\n(^١) \"علل الحديث\" (٢٠٤).\n(^٢) \"الأحكام الوسطى\" (١/ ٣٤٧).\n(^٣) \"المجموع\" (٣/ ٢٤٦)، \"الخلاصة\" (١/ ٥٢٥).\n(^٤) \"تنفيح التحقيق\" (٣/ ٥١)، \"العلل المتناهية\" (١/ ٤٤٩).\n(^٥) \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٦)، \"تمام المنة\" ص (٣٠٦).","vol":"2","page":427},{"text":"ـ المتقدم - يراد به شغل القلب وقطع الخشوع لا إفساد أصل الصلاة، كما تقدم.\nأما القائلون بالبطلان فقد أجابوا عن هذا الحديث بأنه ضعيف، لا تقوم به حجة - كما تقدم - فلا تُعارض بمثله الأحاديث الصحيحة الدالة على القطع، ومنها: حديث أبي ذر وأبي هريرة الثابتين في «صحيح مسلم»، والله أعلم.","vol":"2","page":428},{"text":"<span data-type='title' id=toc-202>باب الحث على الخشوع في الصلاة</span>\nهذا الباب عقده الحافظ ﵀ لبيان أهمية الخشوع وقيمته في الصلاة، وأنه روحها ولبها، فَذَكَرَ الأحاديث التي تضمنت النهي عن بعض الأفعال التي تضعف الخشوع أو تنافيه.\nوالخشوع في اللغة: هو السكون والانخفاض والهدوء، قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَانِ﴾ [طه: ١٠٨] أي: انخفضت وسكنت.\nوقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩] أي: منخفضة ساكنة.\nوالخشوع في الصلاة: حضور القلب بين يدي الله تعالى، وسكون الجوارح واستحضار ما يقوله المصلي أو يفعله من أول صلاته إلى آخرها، مستحضرًا عظمة الله تعالى وقربه من عبده، وأنه بين يديه يناجيه.\nوالحامل على الخشوع: هو الخوف من الله تعالى ومراقبته، والشعور بقربه من عبده، وكلما امتلأ القلب بمعرفة الله تعالى ومحبته وخشيته وإخلاص الدين له وخوفه ورجائه كلما قوي خشوعه.\nوالخشوع يحصل في القلب، ثم يتبعه خشوع الجوارح والأعضاء من السمع والبصر والرأس وسائر الأعضاء حتى الكلام، ولذا كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه: «… اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي، وعصبي، وما استقل به قدمي» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٧١) من حديث علي -﵁- الطويل. وسيأتي في باب \"صفة الصلاة\" إن شاء الله.","vol":"2","page":429},{"text":"فإذا خشع القلب خشعت الجوارح، وظهر عليها السكون والطمأنينة والوقار والتواضع، وإذا فسد خشوع القلب بالغفلة والوساوس فسدت عبودية الأعضاء، وذهب خشوعها.\nوالخشوع أمر عظيم شأنه، أثنى الله تعالى على المتصفين به، فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] وهو سريع فقده، لا سيما في هذا الزمان، وقد ورد في حديث أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع، حتى لا ترى فيها خاشعًا» (^١).\nوالخشوع في الصلاة هو روحها ولبها، ولا يحصل ذلك إلا لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، واستحضر فيها عظمة الله تعالى فصارت راحة له وقرة عين، والصلاة التي لا خشوع فيها ولا حضور قلب وإن كانت مجزئة مثابًا عليها، إلا أن الثواب على حسب ما يعقل القلب منها، لما ورد عن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عُشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها» (^٢).\nوقد حكى النووي إجماع العلماء على استحباب الخشوع في الصلاة (^٣)، وهذا فيه نظر؛ فإن الغزالي نصر القول بالوجوب (^٤)، والقرطبي حكى في «تفسيره»\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني بإسناد حسن، كما قال المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٣٥١)، وله شاهد من حديث عوف بن مالك -﵁- عند النسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٣٩٢)، وأحمد (٣٩ - ٤١٧ - ٤١٨) والطبراني في \"الكبير\" (٧/ ٣٥٤) وغيرهم، وانظر: \"صحيح الترغيب والترهيب\" للألباني (١/ ٢٨٨)، والأحاديث في هذا وإن كانت لا تخلو من مقال، لكنها باجتماعها تقوى، والواقع يؤيدها، انظر: \"إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة\" ص (٩، ٣٩٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٧٩٦) والنسائي في \"الكبرى\" (١/ ٣١٦)، وأحمد (٣١/ ١٨٩) والطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (٣/ ١٣٦ - ١٣٧) من طرق عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن عمر بن الحكم، عن عبد الله بن عَنَمَةَ، عن عمار -﵁- مرفوعًا، وحسنه الألباني. \"صحيح الجامع\" (٢/ ٦٥).\n(^٣) \"المجموع\" (٢/ ٣١٤).\n(^٤) \"الإحياء\" (١/ ١٥٩).","vol":"2","page":430},{"text":"القولين: الوجوب، وعدم الوجوب، وأنه من فضائل الصلاة ومكملاتها، ورجح الأول (^١). وممن قال بالوجوب الحافظ العراقي، وردَّ على النووي حكاية الإجماع (^٢)، وممن قال بوجوب الخشوع شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣).\nوعلى المسلم أن يحذر خشوع النفاق، فقد ورد عن حذيفة ﵁ أنه قال: (إياكم وخشوع النفاق) فقيل له: (وما خشوع النفاق؟) قال: (أن ترى الجسد خاشعًا والقلب ليس بخاشع) (^٤). فخشوع الإيمان خشوع القلب، فيتبعه خشوع الجوارح، وخشوع النفاق ما يظهر على الجوارح تكلفًا وتصنعًا، والقلب غير خاشع.\nوأسباب الخشوع نوعان، وكل منهما في مقدور المكلف:\nالأول: جلب ما يوجب الخشوع ويقويه، وهو الذي يسميه شيخ الإسلام ابن تيمية «قوة المقتضي» (^٥) ويتم ذلك بالاستعداد للصلاة، والتفرغ لها، والطمأنينة، وترتيل القراءة وتنويعها، وتدبرها، وتنويع الأذكار والأدعية وتدبرها، ولا سيما في حالة السجود.\nالثاني: إزالة الشواغل ودفع الموانع التي تصرف عن الخشوع، وهذا هو الذي يسميه شيخ الإسلام ابن تيمية «ضعف الشاغل» وهو الذي جاءت فيه أحاديث الباب، حيث تضمنت نهي المصلي عن أمور تنافي الخشوع أو تضعفه، فيتعين على المكلف اجتنابها ليحصل له الخشوع.\nفينبغي للمصلي إذا دخل في صلاته أن يُعنى بها وأن يقبل عليها بقلبه وقالبه، حتى يحصل من الأجر والثواب والعاقبة الحميدة والتأثر بالصلاة ما لا يحصيه إلا الله تعالى، لأنها صلة بين العبد وربه، فيحذر ما يشغل قلبه.\nوكثير من الناس إذا دخل الصلاة جعلها فرصة للعبث إما ببدنه أو بثيابه أو بنظره ها هنا أو ها هنا، وهذا لا ينبغي، بل يخشى عليه بطلان صلاته إذا كثرت الحركات، كما تقدم.\n_________\n(^١) \"الجامع لأحكام القرآن\" (١٢/ ١٠٤).\n(^٢) \"طرح التثريب\" (٢/ ٣٧٢).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٥٥٣).\n(^٤) \"مدارج السالكين\" ص (٥٢١).\n(^٥) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٦٠٥).","vol":"2","page":431},{"text":"<span data-type='title' id=toc-203>النهي عن التخصر في الصلاة</span>\n٢٣٨/ ١ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا. مُتَّفَقٌ عَليْهِ، وَاللَّفْظُ لمُسْلمٍ.\nوَمَعْنَاهُ: أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ عَلى خَاصِرَتِهِ.\n٢٣٩/ ٢ - وَفِي الْبُخَارِيِّ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ ذلِكَ فِعْلُ الْيَهُودِ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب «العمل في الصلاة» باب «الخصر في الصلاة» من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ به، ومن طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، به (١٢١٩)، (١٢٢٠). وأخرجه مسلم (٥٤٥) بالإسناد الأول، واللفظ المذكور له، كما ذكر الحافظ.\nأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه البخاري في كتاب «أحاديث الأنبياء» باب «ما ذكر عن بني إسرائيل» (٣٤٥٨) من طريق مسروق، عن عائشة ﵂: كانت تكره أن يجعل المصلي يده في خاصرته، وتقول: إن اليهود تفعله.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (الرجل) لا مفهوم له، فالمرأة مثله.\n\nقوله: (مختصرًا)، اسم فاعل من (اختصر) الرجل فهو مختصر: إذا وضع يده على خاصرته، والخاصرة من الإنسان هي ما بين الورك وأسفل الأضلاع، قال النووي: (هذا هو الذي عليه المحققون والأكثرون من أهل","vol":"2","page":432},{"text":"اللغة والغريب والحديث …) (^١).\nوقد ورد هذا التفسير عن ابن سيرين، أحد رواة الحديث (^٢)، ونقله عنه الحافظ في «فتح الباري» (^٣) وذكره هنا، ولعله ذكره ونص عليه بهذا المعنى، لورود الاختلاف في معناه، كما ذكره الشراح، فقد قيل: إن معناه: قراءة آية أو آيتين من أخر السورة، يكتفي بذلك عن السورة، وقيل: أن يحذف الآية التي فيها السجدة إذا مرّ بها في الصلاة لئلا يسجد، وقيل: أن يتوكأ على عصا، وقيل غير ذلك.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على نهي المصلي أن يضع يديه على خاصرتيه، وهذا النهي عند الجمهور للتنزيه، قالوا: ولا تبطل به الصلاة، وهو قول فقهاء الحنابلة والشافعية وغيرهم.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن الحكمة من النهي عن الاختصار هي الابتعاد عن مشابهة اليهود، فإنهم يضعون أيديهم على خواصرهم في الصلاة، وهذا هو الذي ينبغي أن يعول عليه في حكمة النهي عن الاختصار في الصلاة، وأما ما قيل: إنه فعل الشيطان، أو أن إبليس أُهبط من الجنة كذلك، فهي علل لا تقف أمام ما ورد عن الصحابي الذي هو أعرف بسبب الحديث، ويحتمل أن يكون ذلك مرفوعًا.\nومناسبة الحديث للباب أن وضع اليد على الخاصرة دليل على عدم الخشوع، فإنه قد يَملّ، وقد يرفعها، وقد يرسلها، فهي لا تسلم من الحركة.\nوقد دلت السنة على أن المصلي يضع يده اليمنى على اليسرى فوق السرة أو عليها أو تحتها، وسيأتي الكلام على ذلك في «صفة الصلاة» إن شاء الله.\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٣٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٧ - ٤٨).\n(^٣) (٣/ ٨٩).","vol":"2","page":433},{"text":"<span data-type='title' id=toc-204>حكم تأخير الصلاة إذا حضر العَشاء</span>\n٢٤٠/ ٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «إذَا قُدِّمَ العَشَاءُ فابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أنْ تُصَلُّوا المَغْرِبَ» مُتفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان» باب «إذا حضر الطعام وأُقيمت الصلاة» (٦٧٢) ومسلم (٥٥٧) من طريق ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قدم العشاء فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم». وهذا لفظ البخاري.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا قدم العشاء) بفتح العين، الطعام الذي يؤكل في وقت العشي، وهو آخر النهار، وظاهر هذا الحديث وغيره أن عادة أهل المدينة أنهم يتناولون طعام العشاء قبل المغرب، لأنهم أهل حرث فلا يفرغون إلا آخر النهار، وكانت هي عادة أهل نجد قديمًا، يأكلون طعام العشاء قبل المغرب، والغداء قبل الظهر، وهو شيء خفيف كالتمر واللبن، ثم صار الناس يأكلون العشاء بعد صلاة المغرب، ثم صاروا في هذه الأزمنة المتأخرة يأكلونه بعد صلاة العشاء بل ويتأخرون، وفي ذلك مفاسد كثيرة، والله المستعان.\n\nقوله: (فابدؤوا به قبل أن تصلوا المغرب)، الأمر للندب عند الجمهور، وحمله ابن حزم الظاهري (^١) على الوجوب، فلو قدم الصلاة فهي\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٤/ ٤٦).","vol":"2","page":434},{"text":"باطلة عنده، عملًا بظاهر الأمر، والأول أظهر، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على صحة من صلى بحضرة طعام فأكمل صلاته ولم يترك من فرائضها شيئًا (^١)، وفي حديث عائشة ﵂: (إذا وضع العَشَاءُ وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعَشَاء) (^٢).\nوهذا أعم من حديث الباب، فإن قوله: (وأقيمت الصلاة)، عام في المغرب وغيرها، ويؤيد ذلك الحديث الآتي: (لا صلاة بحضرة طعام).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الطعام إذا قدم وقت صلاة المغرب فإنه يُبدأ به قبل أداء الصلاة، وعلى الآكل ألا يعجل حتى تنقضي حاجته منه، وذلك لأن الصلاة صلة بين العبد وربه، ولا يتم ذلك إلا بحضور القلب وتفرغه من الشواغل - كما تقدم - فتقديم الأكل على الصلاة لتؤدَّى بخشوع وحضور القلب.\nوليس هذا من باب التهاون بالصلاة أو تقديم حق العبد على حق الله تعالى، بل إنه من باب تعظيم الصلاة حتى يقبل عليها بقلبه وقالبه.\nوظاهر الحديث أنه يقدم الطعام مطلقًا، سواء أكان محتاجًا إليه أم لا، لكن حمله أهل العلم على ما إذا كانت النفس محتاجة للطعام ومتعلقة به، أما مع عدم الحاجة إليه فلا ينبغي للمسلم أن يتخذ ذلك عادة، فيرتب موعد طعامه مع وقت حضور الصلاة، لأن هذا يفوت صلاة الجماعة، ولعلهم لاحظوا المعنى المراد، فإن النفس إذا لم تَتُقْ إلى الطعام فإن تقديم الصلاة لن يؤثر على الخشوع، بخلاف ما إذا تاقت إليه، ويؤيد ذلك قضايا وردت عن الصحابة ﵃.\n\nالوجه الرابع: ظاهر الحديث أن الصلاة تؤخر إذا قدم الطعام ولو فاتت الجماعة أو فات أول الوقت، لكن إن ضاق الوقت بحيث لو قدم الطعام\n_________\n(^١) \"التمهيدي\" (٢٢/ ٢٠٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٧١) ومسلم (٥٦٠).","vol":"2","page":435},{"text":"لخرج الوقت، فالجمهور على تقديم الصلاة محافظة على الوقت، وعندهم التقديم مختص بالحالتين المذكورتين.\nوذهب آخرون إلى وجوب تقديم الطعام محافظة على تحصيل الخشوع في الصلاة، ولعل المسألة مبنية على حكم الخشوع في الصلاة (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٦/ ٩٨).","vol":"2","page":436},{"text":"<span data-type='title' id=toc-205>حكم تسوية الحصى في الصلاة</span>\n٢٤١/ ٤ - وَعَنْ أَبي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ في الصلاة فَلَا يَمْسَحِ الحَصَى؛ فإنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ بِإسْنَادٍ صَحِيحٍ.\nوَزَادَ أَحْمَدُ: «وَاحِدَةً أَوْ دَعْ».\n٢٤٢/ ٥ - وفِي «الصَّحِيحِ» عن مُعَيْقِيبٍ نَحْوُهُ بِغَيْرِ تَعْلِيلٍ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو معيقيب - بضم الميم وفتح العين - ابن أبي فاطمة الدوسي مولى سعيد بن أبي العاص، وقيل: حليف لآل سعيد، شهد بدرًا، وقد أسلم قديمًا في مكة، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وأقام بها حتى قدم على النبي ﷺ في المدينة، وكان على خاتم النبي ﷺ كما ذكر ذلك ابن القيم (^١)، واستعمله أبو بكر وعمر ﵄ على بيت المال، روى عنه ابناه: محمد والحارث، وابن ابنه: إياس بن الحارث، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو قليل الحديث، مات سنة أربعين، وقيل: في آخر خلافة عثمان، رضي الله عن الجميع (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nحديث أبي ذر ﵁ أخرجه أبو داود (٩٤٥) في كتاب «الصلاة» بابٌ\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (١/ ١٢٨).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (١٠/ ٢٥٩)، \"الإصابة\" (٩/ ٢٦٦).","vol":"2","page":437},{"text":"«في مسح الحصى في الصلاة» والترمذي (٣٧٩) والنسائي (٣/ ٦) وابن ماجه (١٠٢٧) وأحمد (٣٥/ ٢٥٩) من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي الأحوص، عن أبي ذر ﵁، به.\nوهذا إسناد ضعيف، لأن أبا الأحوص مجهول، لم يرو عنه غير الزهري، ولم يوثقه إلا ابن حبان (^١) فلم تثبت عدالته وحفظه، قال النسائي: (لم نقف على اسمه، ولا نعرفه، ولا يعلم أحد روى عنه غير ابن شهاب)، وذكره الذهبي في كتابه: «من تُكلِّم فيه وهو موثَّق» (^٢).\nوالحديث حسنه الترمذي، ولعله لشواهده، وصححه الحافظ هنا في «البلوغ»، وهذا فيه نظر، فإنه قال عن أبي الأحوص في «التقريب»: (مقبول)، يعني عند المتابعة، ولم يتابع على هذا الحديث، فيكون ليِّن الحديث، ويدل على ذلك أنه خولف فيه، فقد أخرجه أحمد (٣٥/ ٣٥١) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أخيه، عن أبيه (^٣) عن أبي ذر ﵁ قال: (سألت النبي ﷺ عن كل شيء حتى سألته عن مسح الحصى؟ فقال: «واحدةً أو دع»).\nومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى سيئ الحفظ، لكنه حَفِظَهُ، بدليل الحديث الذي بعده، وهو ما أخرجه البخاري في كتاب «العمل في الصلاة»، باب: «مسح الحصى في الصلاة» (١٢٠٧) ومسلم (٥٤٦) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: (حدثني معيقيب أن النبي ﷺ قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد: «إن كنت فاعلًا فواحدة»، والحديث له طريق أخرى عند الطيالسي (١/ ٣٧٧) فقد رواه من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي ذر به، دون قوله: (أودَعْ) وعلى هذا فهو حديث صحيح، كما قال الألباني (^٤).\nوقول المصنف: وزاد أحمد: (واحدة أو دع)، ظاهره أنه زاد على اللفظ\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٥/ ٥٦٤).\n(^٢) ص (٢٠٦).\n(^٣) أخوه هو عيسى بن عبد الرحمن، وأبوه هو عبد الرحمن.\n(^٤) انظر: \"إرواء الغليل\" (٢/ ٩٩).","vol":"2","page":438},{"text":"السابق، وهذا غير مراد، لأن لفظه عند أحمد يختلف عن لفظه السابق، وقد تقدم سياق لفظه عند أحمد، ولو قال: وفي رواية لأحمد … لكان أوضح.\n\nقوله: (بغير تعليل) أي: إن حديث معيقيب فيه النهي، دون التعليل بأن الرحمة تواجهه.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (إذا قام أحدكم في الصلاة) هذا لفظ النسائي، والمثبت في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه (إلى الصلاة). والمعنى: إذا شرع في الصلاة ليتفق اللفظان.\n\nقوله: (فلا يمسح الحصى) أي: يسويه للسجود، والحصى: الحجارة الصغيرة، والتقييد بذلك خرج مخرج الغالب، لكونه الغالب على فَرْشِ مساجدهم، وإلا فلا فرق بينه وبين التراب والرمل، ويؤيد ذلك حديث معيقيب الآتي.\n\nقوله: (فإن الرحمة تواجهه) هذا تعليل للنهي عن مسح الحصى، وقد ورد في رواية أبي داود وابن ماجه تقديم التعليل، ولفظهما: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه، فلا يمسح الحصى)، والمعنى: أن الرحمة تقابله وتنزل عليه فلا ينبغي أن يشتغل عنها بذلك.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أنه لا ينبغي للمصلي أن يمسح موضع سجوده من الأرض، بل عليه أن يقبل على صلاته ويخشع فيها، فيسجد على الأرض بدون مسح، قال الصنعاني: (إن النهي ظاهر في التحريم) (^١).\nلكن إن كان هناك حاجة لتسوية موضع السجود وهو التراب أو الحصى فليكن ذلك مرة واحدة، وقد أخرج مالك بإسناد صحيح عن أبي جعفر القارئ أنه قال: (رأيت عبد الله بن عمر إذا أهوى ليسجد مسح الحصباء لموضع جبهته مسحًا خفيفًا) (^٢)، فإن سَوّى ذلك قبل دخوله في الصلاة فهو أفضل، لئلا يحتاج ذلك أثناء الصلاة، ولئلا ينشغل باله في الصلاة.\n_________\n(^١) \"سبل السلام\" (٢/ ١٦٦).\n(^٢) \"الموطأ\" (١/ ١٥٧).","vol":"2","page":439},{"text":"الوجه الخامس: دلَّ الحديث على أن حكمة النهي عن مسح الحصى أن الرحمة تواجهه وتكون تلقاء وجهه، والحديث الذي فيه التعليل فيه المقال المتقدم، وقيل: إن علة ذلك المحافظة على الخشوع والبعد عن العبث، ولعل المصنف لحظ هذا المعنى فذكر الحديث في هذا الباب، ولا مانع من إرادة الأمرين، ويدخل في ذلك كراهة مسح الجبهة والأنف أثناء الصلاة، فإنه من العبث وعدم الخشوع، لأن الاستغراق في الصلاة والخشوع فيها يُنسي ذلك ويُشغل عنه، وقد قال ﷺ: «إن في الصلاة لشغلًا» (^١)، قال القاضي عياض: (كره السلف مسح الجبهة في الصلاة وقبل الانصراف مما يتعلق بها من الأرض) (^٢).\nوقد سجد النبي ﷺ في ماء وطين وبقي أثر ذلك في جبهته، ولم يكن ينشغل في كلّ رفعٍ من السجود بإزالة ما علق (^٣)، فإقبال المصلي على صلاته وعنايته بها ينسي ذلك، والله المستعان.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه عند الحديث (٢٢٥).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٤٨٢).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٣٢٢).","vol":"2","page":440},{"text":"<span data-type='title' id=toc-206>النهي عن الالتفات في الصلاة</span>\n٢٤٣/ ٦ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ عَنِ الالْتِفَاتِ في الصَّلاةِ؟ فَقَالَ: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n٢٤٤/ ٧ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ: عَنْ أَنس - وَصَحَّحَهُ - «إيَّاكَ وَالالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ، فَإنَّهُ هَلَكَةٌ، فَإنْ كَانَ لَا بُدَّ ففي التَّطُّوعِ».\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان» باب «الالتفات في الصلاة» (٧٥١)، من طريق أشعث بن سليم، عن أبيه - أبي الشعثاء المحاربي - عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: …\nوهذا الحديث من أفراد البخاري، وقد ذكر الحاكم في «المستدرك» (١/ ٢٣٧) أن الشيخين اتفقا على إخراجه، وهذا وهم منه، ﵀.\nأما حديث أنس ﵁ فقد أخرجه الترمذي (٥٨٩) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أبيه، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن أنس ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا بني إياك والالتفات في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان لا بد ففي التطوع لا في الفريضة»، وهذا إسناد ضعيف لأمرين:\n١ - لأنه من رواية علي بن زيد، المعروف بابن جُدْعان، وهو ضعيف، ضعفه أحمد وابن معين والنسائي، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: (ليس بقوي) (^١).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢٨٣).","vol":"2","page":441},{"text":"٢ - أن رواية سعيد عن أنس ﵁ لا تُعرف، قال المنذري: (رواية سعيد عن أنس غير مشهورة) (^١).\nوقول الحافظ والمجد ابن تيمية - أيضًا (^٢) ـ: إن الترمذي صححه ..، هذا ذكره المزي في «التحفة» (١/ ٢٢٦) والموجود في نسخ الترمذي: (هذا حديث حسن غريب) وفي بعضها: (هذا حديث غريب) قال الشيخ أحمد شاكر: (ولم نجد تصحيحه في أية نسخة من سنن الترمذي)، وقد حسن الترمذي هذا الإسناد نفسه في موضع آخر من «جامعه» (^٣).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\nقولها: (عن الالتفات) هو تحويل الوجه عن القبلة يمينًا أو شمالًا.\n\nقوله: (هو اختلاس)، مصدر اختلس الشيء أي: استلبه في خفية، واختطفه بسرعة عن غفلة، والمعنى: أن الالتفات انتقاص ينتقصه الشيطان من صلاة العبد على وجه السرعة والخفية، فاعتبر التفاتة المصلي وذهاب الخشوع عنه اختلاسة ينتقصها الشيطان من صلاة العبد، لأنه يفرح بإعراض المصلي عن صلاته.\nيقول الطيبي: (من التفت يمينًا وشمالًا ذهب عنه الخشوع المطلوب بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]، فاستعير لذهاب الخشوع اختلاس الشيطان، تصويرًا لقبح تلك الفعلة، أو أن المصلي حينئذٍ مستغرق في مناجاة ربه، وأنه تعالى مقبل عليه، والشيطان كالراصد ينتظر فوات تلك الفرصة عنه، فإذا التفت المصلي اغتنم الفرصة فيختلسها منه) (^٤).\n\nقوله: (إياك والالتفات في الصلاة) هذا أسلوب تحذير، و(إياك) ضمير منفصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به لفعل محذوف وجوبًا، والتقدير: إياك أحذر، و(الالتفات) مفعول به لفعل محذوف وجوبًا تقديره: احذرْ، والجملة معطوفة على ما قبلها لا محل لها.\n_________\n(^١) \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٣٧١)، \"زاد المعاد\" (١/ ٢٤٨ - ٢٤٩).\n(^٢) \"المنتقى\" (١/ ٤٨٨).\n(^٣) انظر: رقم (٢٦٧٨).\n(^٤) \"شرح المشكاة\" (٢/ ٣٩٩).","vol":"2","page":442},{"text":"قوله: (فإنه هلكة) بفتح الهاء واللام والكاف، أي: هلاك، لأنه طاعة للشيطان وهو سبب الهلاك، والهلاك: استحالة الشيء وفساده، والصلاة بالالتفات تستحيل من الكمال إلى الاختلاس المذكور في الحديث المتقدم.\n\nقوله: (فإن كان لا بد ..) أي: لا مفر ولا محيد عن الالتفات فليكن في التطوع، لأنه مبني على المساهلة والمسامحة.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن المصلي منهي عن الالتفات في صلاته؛ لأنه وُصِفَ بأنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد، والمراد بذلك: التفاته بالوجه، فإن كان بجملة البدن بأن استدار إلى غير جهة القبلة حرم وبطلت الصلاة باتفاق العلماء (^١).\nوحكمة النهي عن الالتفات ما يلي:\n١ - أنه نقص في الصلاة، لأنه دليل على عدم الخشوع، ولهذا ذكره المصنف هنا.\n٢ - أنه إعراض عن الله تعالى، وإقبال على غيره، والله تعالى قِبَلَ عبده.\n٣ - أنه حركة لا داعي لها، والأصل في الحركات أنها مكروهة مخلة بالخشوع.\nوقد نقل الحافظ الإجماع على أن الالتفات في الصلاة مكروه، والجمهور على أنها كراهة تنزيه، وحكى عن الظاهرية وبعض الشافعية التحريم، إلا للضرورة (^٢).\nوالالتفات في الصلاة نوعان:\nالأول: التفات القلب إلى غير الله ﷿.\nالثاني: التفات البصر.\nوكلاهما منهي عنه، والالتفات لا يبطل الصلاة بهذه الصفة، ولكن\n_________\n(^١) انظر: \"المنهل العذب المورود\" (٦/ ١٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٣٥).","vol":"2","page":443},{"text":"ينبغي للمصلي أن يخشع في صلاته، ويصمد في وجهه إلى موضع سجوده، ويقبل على الله تعالى في صلاته، فلا يلتفت يمينًا ولا شمالًا ولا يحقق مقاصد الشيطان.\n\nالوجه الرابع: إذا وجد حاجة للالتفات فلا بأس به، كترقب عدو أو سقوط شيء أو نحو ذلك، وقد ورد في حديث سهل بن سعد ﵁ أن أبا بكر ﵁ التفت في الصلاة حينما تقدم يصلي بالصحابة ﵃، فجاء النبي ﷺ ووقف خلفه، فأكثر الناس من التصفيق فالتفت. وهو حديث طويل (^١).\nوعن سهل بن الحنظلية قال: ثُوب بالصلاة - يعني صلاة الصبح - فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشِّعْبِ (^٢)، قال أبو داود: (وكان أرسل فارسًا إلى الشعب من الليل يحرس)، وهذا فيه بيان لسبب التفاته ﷺ (^٣).\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على حرص عائشة ﵂ على العلم ورغبتها في التفقه في الدين، ولهذا أدركت بتوفيق الله تعالى علمًا جمًا، وخيرًا كثيرًا، وحفظت عن رسول الله ﷺ ألوانًا من الأحاديث على صغر سنها، لأنه ﷺ توفي وسنّها ثماني عشرة سنة ﵂ وعن الصحابة أجمعين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٤) ومسلم (٤٢١).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٩١٦) والحاكم (١/ ٣٦٣) والبيهقي (٢/ ٣٤٨) واسناده صحيح على شرط مسلم.\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٢٣٥).","vol":"2","page":444},{"text":"<span data-type='title' id=toc-207>نهي المصلي عن البصاق وبيان صفته عند الحاجة</span>\n٢٤٥/ ٨ - وعَنْ أَنس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ في الصَّلَاةِ فَإنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنَ يَمِينِهِ، وَلكِنْ عَنْ شِمالِهِ؛ تَحْتَ قَدَمِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوفي رِوايَةٍ: «أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ».\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «العمل في الصلاة» باب «ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة» (١٢١٤) ومسلم (٥٥١) من طريق شعبة، قال: سمعت قتادة، عن أنس ﵁ … فذكره.\nوهذا لفظ مسلم، وعند البخاري: (تحت قدمه اليسرى).\nوفي رواية للبخاري (٤١٣) بهذا الإسناد: (إن المؤمن إذا كان في الصلاة فإنما يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه)، وكان الأولى بالمصنف أن يبين أن الرواية للبخاري، وسأذكر غرض الحافظ من إيرادها، إن شاء الله.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (فإنه يناجي ربه) أصل المناجاة: المسارَّة، تقول: ناجيته أي: ساررته، والاسم النجوى، والمراد هنا: الإقبال على الله تعالى، فالمصلي يناجي ربه بذكره ودعائه وتلاوة آياته، فاللائق به الخشوع والإقبال على ربه.","vol":"2","page":445},{"text":"وقد علل النهي في هذا الحديث عن البصاق أمامه بكونه مناجيًا لله، وفي حديث ابن عمر ﵄: (.. بأن الله قِبَلَ وجهه إذا صلى) (^١)، أي: مواجهه، ولا منافات بين ذلك لأن المراد إقبال الله تعالى على عبده في أثناء صلاته.\n\nقوله: (فلا يبزقن). يقال: بزق يبزُق بُزاقًا من باب «قتل» وهو بمعنى بصق، وهو إبدال منه، قال الأزهري: (البصق والبزق والبسق واحد) (^٢)، والبزق: لفظ ماء الفم، وما دام فيه فهو ريق (^٣).\n\nقوله: (فلا يبزقنّ بين يديه) أي أمامه، وقد جاء في رواية للبخاري: (فإن ربه بينه وبين القبلة) (^٤). وفي حديث ابن عمر ﵄: (فإن الله قبل وجهه إذا صلى).\nولا يبصق عن يمينه، لما ورد عند البخاري من حديث أبي هريرة ﵁: (ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكًا) (^٥)، وهذا التعليل بشقيه يفيد أن المصلي لا يبصق أمامه ولا عن يمينه مطلقًا، لا في المسجد ولا في غيره، كما سيأتي، فإن قيل: إن مقتضى التعليل بكونه عن يمينه ملكًا يقتضي ألا يبصق عن يساره، لأن عن يساره ملكًا، لقوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]. فالجواب:\n١ - أن المصلي لا يبصق في الصلاة إلا عند الحاجة، وعليه أن يبصق في ثوبه ما استطاع.\n٢ - أنه إذا بصق تحت قدمه اليسرى لم يبصق في جهة الملك.\n٣ - أن الملك المقيم في جهة اليمين أشرف من المقيم في جهة الشمال، فاحتُرم بما لم يُحترم به غيره، وقيل غير ذلك، والله أعلم.\n\nقوله: (ولكن عن شماله تحت قدمه) أي: اليسرى، كما في رواية البخاري، وكذا جاء في حديث أبي سعيد ﵁ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٠٦) ومسلم (٥٤٧).\n(^٢) \"تهذيب اللغة\" (٨/ ٤١٨).\n(^٣) \"المعجم الوسيط\" ص (٦٠).\n(^٤) برقم (٤٠٥) (٤١٧).\n(^٥) برقم (٤١٦).\n(^٦) أخرجه البخاري (٤١٤) ومسلم (٥٤٨).","vol":"2","page":446},{"text":"والمعنى: أنه إذا بدره البصاق فإنه لا يبصق عن يمينه، ولكن عن شماله تحت قدمه اليسرى، وهذا إذا كان الإنسان خارج المسجد، كأن يصلي في بيته في أرض غير مفروشة أو في الصحراء، وأما في المسجد فلا يبصق تحت قدمه، وإنما في ثوبه أو منديله، كما سيأتي.\nوفي رواية: (ولكن عن يساره أو تحت قدمه) والظاهر أن الحافظ ذكر هذه الرواية لأنها أعم من قوله: (ولكن عن شماله تحت قدمه) لأن الرواية المذكورة تشمل ما تحت القدم وغير ذلك من جهة اليسار، فإن الظاهر أن (أو) للإباحة أو التخيير، ففي أيهما بصق لم يكن به بأس.\nأما رواية (ولكن عن شماله تحت قدمه) فهي مقيدة، فهي أخص، ويرى القرطبي أن الرواية الأولى ترجع إلى الرواية الثانية (^١).\nثم إن قوله: (عن يساره) مطلق، لكنه محمول على ما إذا كانت جهة يساره خالية من المصلين، لما ورد في حديث طارق بن عبد الله المحاربي ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة أو إذا صلّى أحدكم فلا يبزقن أمامه، ولا عن يمينه، ولكن تلقاء يساره إن كان فارغًا أو تحت قدمه») (^٢).\nوفي بعض طرق حديث أبي هريرة ﵁: (… فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا، ووصف القاسم - أحد رواته - فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه على بعض) (^٣).\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٢/ ١٦٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٧٨) والترمذي (٥٧١) والنسائي (٢/ ٥٢) وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) ولم يذكر الترمذي: إن كان فارغًا.\nوورد في هذا الحديث عند الترمذي زيادة: (ولكن خلفك أو تلقاء شمالك أو تحت قدمك اليسرى) وقد أنكر الإمام أحمد هذه اللفظة في هذا الحديث وهي قوله: (ولكن خلفك) قال في \"المسند\" (٤٥/ ١٩٧): (لم يقل وكيع ولا عبد الرزاق: وابصق خلفك).\n(^٣) أخرج مسلم (٥٥٠) (٥٣).","vol":"2","page":447},{"text":"الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي المصلي عن البصاق بين يديه، وعن يمينه، سواء أكان ذلك في المسجد أم خارج المسجد، لما تقدم من التعليل من أن الله تعالى قبل وجه المصلي وأنه يناجي ربه وأن عن يمينه ملكًا.\nوالظاهر أن النهي للتحريم، لأن النبي ﷺ غضب لما رأى البصاق في جهة القِبلة، ونهى وبين علة النهي.\nفإذا اضطر الإنسان إلى البصاق وهو يصلي فإنه يبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى إذا كان يصلي في صحراء، أو في مكان في بيته فيه تراب.\nوأما البصاق في المسجد فسيأتي الكلام عليه في «أحكام المساجد» إن شاء الله تعالى.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أنه ينبغي للمصلي أن يخشع في صلاته وذلك بإخلاص قلبه وحضوره وتفريغه لذكر الله تعالى وتمجيده وتلاوة كتابه وتدبره، لأن المصلي واقف بين يدي ربه يناجيه.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن الله تعالى قِبَلَ وجه المصلي، أي: مواجهه مواجهة تليق بالله تعالى، ولا يلزم من ذلك أنه سبحانه مختلط بخلقه، فهو تعالى فوق سمواته مستو على عرشه، وهو قريب من خلقه، ومحيط بهم، فالنصوص جمعت بين كون الله تعالى قِبَلَ وجه المصلي، وأنه على عرشه، والنصوص لا تجمع بين متناقضين بحال، لأن ذلك محال، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن الحديث حق على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش، وهو قِبَلَ وجه المصلي، بل هذا الوصف يثبت للمخلوق، فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء أو يناجي الشمس والقمر لكانت السماء والشمس والقمر فوقه، وكانت - أيضًا - قبل وجهه) (^١)، والمعنى: أنه إذا كان هذا ممكنًا في المخلوق، ففي الخالق أولى بلا شك، والنص إذا كان محتملًا وجب أن يفسّر بما يوافق النصوص المحكمة الصريحة، والواجب على المسلم أن يؤمن بهذه النصوص ولا يسأل عن كيفيتها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (٥/ ١٠٧).","vol":"2","page":448},{"text":"<span data-type='title' id=toc-208>اجتناب المصلي ما يلهيه في صلاته</span>\n٢٤٦/ ٩ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ ﵂ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا فَقَالَ النَّبيّ ﷺ: «أَمِيطي عَنَّا قِرَامَكِ هذَا، فَإنَّهُ لَا تَزَالُ تَصاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي في صَلَاتِي». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n٢٤٧/ ١٠ - وَاتَّفَقَا عَلَى حَدِيثِها فِي قِصَّةِ أَنْبِجَانِيَّةِ أبي جَهْمٍ، وَفِيهِ: «فَإنَّها ألْهَتْنِي عَنْ صَلَاتِي».\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أنس ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «إن صلّى في ثوب مُصَلَّبٍ أو تصاوير هل تفسد صلاته؟ وما يُنهى عن ذلك» (٣٧٤) من طريق عبد الوارث قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي ﷺ: «أميطي عنا قرامكِ هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي».\nوأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه البخاري في باب «إذا صلّى في ثوب له أعلام، ونظر إليها» (٣٧٣) ومسلم (٥٥٦) من طريق ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ صلّى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: (اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي).\nوأخرجه مسلم (٥٥٦) (٦٣) من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂:","vol":"2","page":449},{"text":"(أن النبي ﷺ كانت له خميصة لها عَلَمٌ، فكان يتشاغل بها في الصلاة، فأعطاها أبا جهم، وأخذ كساء له أنبجانيًا).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (قرام) بكسر القاف، هو ستر رقيق من صوف ذي ألوان.\n\nقوله: (أميطي) أمر من الفعل (أماطَ يُميط) والثلاثي من باب «باع يبيع» أي: أزيلي.\n\nقوله: (تعرض لي في صلاتي) أي: تلوح وتظهر.\n\nقوله: (في خميصة) أي: كساء رفيع يلبسه أشراف العرب، وقد يكون له عَلَمٌ وقد لا يكون.\n\nقوله: (لها أعلام) جمع عَلَمٍ، وهو الخط.\n\nقوله: (فلما انصرف) أي: فرغ من صلاته، أو انصرف إلى بيته.\n\nقوله: (بخميصتي هذه) أضافها إلى نفسه تحقيقًا لقبولها، وتملكها، وكان أبو جهم قد أهداها إليه، والإشارة للتعيين.\n\nقوله: (أبي جهم) هو عبيد أو عامر بن حذيفة القرشي العدوي، أسلم عام الفتح، وعُمِّر حتى أدرك ابن الزبير، فأدرك بناء الكعبة في زمنه وفي الجاهلية أيضًا، كان معظمًا في قريش ومقدمًا فيهم، وهو أحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم علم النسب، روي عنه أنه قال: (تركت الخمر في الجاهلية وما تركتها إلا خوفًا على عقلي) توفي في آخر خلافة ابن الزبير، ﵁ (^١).\n\nقوله: (بأنبجانية) بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الباء، ويجوز فتحها: كساء غليظ ليس فيه خطوط، وطلبه ﷺ أنبجانية أبي جهم عوضًا عن الخميصة التي ردها لئلا ينكسر قلبه برد النبي ﷺ هديته، فأخذ بدلها الأنبجانية، وعلل ذلك بأنها ألهته عن الخشوع في الصلاة، ولا يلزم من ذلك أن أبا جهم كان يصلي فيها.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١١/ ١٧٧)، \"الإصابة\" (١١/ ٦٦).","vol":"2","page":450},{"text":"قوله: (فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي) أي: فإنها شغلتني قريبًا عن الخشوع في صلاتي، والمراد: بعض الصلاة، لأنه ﷺ لم ينظر إلى أعلامها إلا نظرة واحدة.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أنه ينبغي للمصلي أن يجتنب كل ما يشغله ويلهيه عن صلاته من نقوش أو تصاوير أو كتابات، لأن الصلاة يطلب فيها الخشوع بحضور القلب وسكون البدن، والإقبال على الله تعالى، ولهذا استحب العلماء أن ينظر المصلي إلى موضع سجوده ولا يتجاوزه، كما سيأتي إن شاء الله.\nقال ابن رجب: (في الحديث دليل على استحباب التباعد عن الأسباب الملهية عن الصلاة، ولهذا أخرج النبي ﷺ تلك الخميصة عنه بالكلية، فينبغي لمن ألهاه شيء من الدنيا عن صلاته أن يخرجه عن ملكه (^١».\nولا يفهم من الحديث البعد عن الثوب الحسن في الصلاة، بل يستحب ذلك للآية، إلا إن خشي من ثوبه الحسن الالتهاء عن الصلاة أو حدوث الكبر أو نحو ذلك.\n\nالوجه الرابع الحديث دليل على أنه ينبغي أن تصان المساجد عما يشوش على المصلين من الزخرفة أو كتابات شيء من الآيات أو تعليق الساعات ونحو ذلك مما يكون في قبلة المصلي.\nقال الإمام مالك ﵀: (أكره أن يكتب في قبلة المسجد شيء من القرآن والتزويق). وقال: (إن ذلك يشغل المصلي) (^٢)، وحكاه ابن رجب (^٣) عن أحمد، ولا يفهم من كلام الإمام مالك أنه يرى جواز كتابة القرآن في غير جهة القبلة، وإنما خص القبلة لأنها أهم ما يشغل المصلي لكونه يستقبلها.\nوكذا فُرُشُ المسجد فينبغي العناية بها وأن تكون خالية من التصاوير\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢٠).\n(^٢) \"الحوادث والبدع\" ص (١٠٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢٩).","vol":"2","page":451},{"text":"والزخارف، لأن صور الصلبان والآدميين والحيوانات تكثر في الفرش التي تصنع للمساجد، فينبغي تركها وعدم شرائها، معاملةً لصانعيها بنقيض قصدهم.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أنه لا يجوز تعليق الصور لا على الأبواب ولا على الجدران، بل يجب هتكها، سواء أكانت من صور بني آدم أم صور حيوانات من السباع أو الطيور ونحو ذلك، لأن هذه الصور فيها مشابهة لعباد الأصنام، وقد يفضي تعليقها إلى عبادتها من دون الله تعالى، كما وقع لقوم نوح ولليهود والنصارى، والله تعالى أعلم ..","vol":"2","page":452},{"text":"<span data-type='title' id=toc-209>النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة</span>\n٢٤٨/ ١١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَيَنْتَهِينَّ أَقْوامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلى السّماءِ في الصَّلَاةِ أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِم». رَوَاهُ مُسْلمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم (٤٢٨) في كتاب «الصلاة» باب «النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة» من طريق الأعمش عن المسيب - وهو ابن رافع الأسدي - عن تميم بن طَرَفَة، عن جابر بن سمرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء … الحديث».\nوأخرجه أيضًا (٤٢٩) من طريق عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم».\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لينتهين) مضارع مؤكد بالنون واللام الواقعة في جواب القسم المقدر، وذلك لتأكيد النهي، وهو خبر بمعنى الأمر.\n\nقوله: (أو لا ترجع إليهم) (أو) للتخيير المقصود به التهديد، والمعنى: ليكونن منهم الانتهاء عن رفع الأبصار أو خطف الأبصار عند الرفع فلا تعود إليهم.","vol":"2","page":453},{"text":"الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم رفع البصر إلى السماء حال الصلاة، سواء أكان ذلك في حال القيام أم في حال الرفع من الركوع أم غير ذلك، وكذا في حال الدعاء، كما في حديث أبي هريرة ﵁، لأن الرسول ﷺ حذر من ذلك، واشتد قوله فيه، وذكر عقوبة من فعل ذلك، وهذا هو الراجح في حكم رفع البصر إلى السماء وهو التحريم، لأن مثل هذا الوعيد لا يكون إلا على محرَّم.\nوعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟!» فاشتد قوله في ذلك حتى قال: «لينتهُنَّ عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم» (^١).\nوالجمهور على أن ذلك لا يبطل الصلاة، وذهب ابن حزم الظاهري إلى بطلان صلاة من رفع بصره إلى السماء (^٢)، بناء على أن النهي يقتضي الفساد والبطلان. وإنما نُهي عن رفع البصر - والله أعلم - لأنه ينافي الخشوع والإقبال على الله تعالى، ولأنه إعراض عن القبلة، لأن القبلة ما يقابل الإنسان، لا ما يرفع إليه بصره؛ ولأنه خروج عن هيئة الصلاة، لأن الصلاة لها حالة معينة غير حالات الإنسان التي يعتادها في غير الصلاة.\nقال ابن رجب: (والمعنى في كراهة ذلك؛ خشوع المصلي وخفض بصره، ونظره إلى محل سجوده، فإنه واقف بين يدي الله ﷿ يناجيه، فينبغي أن يكون منكسًا رأسه ومطرقًا إلى الأرض) (^٣).\n\nالوجه الرابع: اختلف العلماء في رفع البصر خارج الصلاة حال الدعاء فكرهه أناس، وأجازه الأكثرون، كما قال الحافظ، لأن السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة. والراجح المنع؛ لأن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة؛ لوجوه ثلاثة:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٠).\n(^٢) \"المحلى\" (٤/ ١٦ - ١٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٤٢).","vol":"2","page":454},{"text":"الأول: أن القول برفع البصر حال الدعاء لا دليل عليه، ولم يقل به أحد من سلف الأمة، وهذا من الأمور الشرعية، فلا يجوز أن يخفى على جميع سلف الأمة وعلمائها.\nالثاني: أن رسول الله ﷺ كان يستقبل القبلة في دعائه، كما ثبت عنه ذلك في مواطن كثيرة، ففي حديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: (خرج النبي ﷺ إلى هذا المصلى يستسقي، فدعا واستسقى، ثم استقبل القبلة) (^١)، وترجم له البخاري في كتاب «الدعوات» باب «الدعاء مستقبل القبلة».\nالثالث: أن القبلة هي ما يستقبله العابد بوجهه، كما تُستقبل الكعبة في الصلاة والذكر والدعاء والذبح، وليست القبلة ما يُرفع إليه البصر، ولا ما تُرفع إليه الأيدي (^٢).\n\nالوجه الخامس: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن المصلي ينظر إلى موضع سجوده، سواء أكان إمامًا أم مأمومًا أم منفردًا، إلا عند المالكية، فقالوا: إن المصلي ينظر أمامه، لا إلى موضع سجوده (^٣)، مستدلين بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].\nووجه الدلالة: أن المصلي مأمور بأن يولي وجهه شطر المسجد الحرام، وإذا نظر إلى موضع سجوده احتاج إلى نوع من الانحناء، والمنحني إلى موضع سجوده لم يولّ وجهه شطر المسجد الحرام.\nوقد استدل الجمهور بما يلي:\n١ - أن الله تعالى أثنى على المؤمنين ومدحهم بالخشوع في الصلاة، ومن صفات الخاشع أن ينظر إلى موضع سجوده، قال ابن تيمية: (إن خفض البصر من تمام الخشوع) (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٣٤٣).\n(^٢) \"شرح الطحاوية\" (٣١٧).\n(^٣) \"الجامع لأحكام القرآن\" (٢/ ١٦٠).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٦/ ٥٧٨).","vol":"2","page":455},{"text":"٢ - حديث عائشة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ الكعبة وما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها (^١).\n٣ - أنه ورد مراسيل عن ابن سيرين وعطاء وغيرهما أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فلما نزلت: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم (^٢).\nوعن أبي قلابة الجرمي قال: حدثني عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ عن صلاة رسول الله ﷺ في قيامه وركوعه وسجوده بنحو من صلاة أمير المؤمنين، يعني عمر بن عبد العزيز ﵀ قال سليمان: فرمقت عمر في صلاته فكان بصره إلى موضع سجوده …، وذكر باقي الحديث (^٣).\nويستثنى من ذلك حال التشهد فإن المصلي ينظر إلى سبَّاحته، لحديث عبد الله بن الزبير في صفة صلاة النبي ﷺ، وفيه: (وكان لا يجاوز بصره إشارته) (^٤)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (٤/ ٣٣٢) والحاكم (١/ ٤٧٩) وعنه البيهقي (٥/ ١٥٨) وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين) وسكت عنه الذهبي، والحديث قال عنه أبو حاتم: (منكر) كما في \"العلل\" (٨٩٥) وفيه: أحمد بن عيسى، عن عمرو بن سلمة، قال ابن عدي عنه كما في \"الكامل\" (١/ ١٩١): (له عن عمرو بن سلمة بواطيل) ثم إن الحديث ليس فيه دلالة على مسألة الصلاة، ولهذا ذكره ابن خزيمة في \"الحج\" وبوب عليه بما لا يدل على الصلاة.\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٤٥٦).\n(^٣) أخرجه البيهقي (٢/ ٢٨٣) وابن عساكر في \"تاريخه\" (٢٢/ ٣٠٤)، وفيه صدقة بن عبد الله السمين، قال عنه في \"التقريب\": (ضعيف).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٩٩٠) والنسائي (٣/ ٣٩) وأحمد (٢٦/ ٢٥) وابن خزيمة (٧١٨، ٧١٩) وهو حديث صحيح.","vol":"2","page":456},{"text":"<span data-type='title' id=toc-210>حكم الصلاة عند حضور الطعام أو مدافعة الأخبثين</span>\n٢٤٩/ ١٢ - وَلَهُ: عَنْ عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبثَانِ».\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم (٥٦٠) في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب «كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال، وكراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثين»، من طريق يعقوب بن مجاهد، عن ابن أبي عتيق قال: (تحدثت أنا والقاسم عند عائشة ﵂ حديثًا، وكان القاسم رجلًا لَحّانَةً (^١)، وكان لأمِّ ولد، فقالت له عائشة: ما لك لا تحدث، كما يتحدث ابن أخي هذا؟ أما إني قد علمت من أين أُتيت، هذا أدبته أمه، وأنت أدبتك أمك، قال: فغضب القاسم، وأضبَّ عليها، فلما رأى مائدة عائشة قد أُتي بها قام، قالت: أين؟ قال: أُصلي، قالت: اجلس، قال: إني أُصلي، قالت: اجلس غُدَر، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: … فذكرت الحديث.\nوابن أبي عتيق: هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، يعرف بابن أبي عتيق، والقاسم هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، ومعنى: أضب عليها، بالضاد أي: حقد، ومعنى غُدَر: يا غادر، والغدر في الأصل: تركُ الوفاءِ. وأكثر ما يستعمل هذا اللفظ في النداء\n_________\n(^١) هو بفتح اللام وتشديد الحاء: كثير اللحن في كلامه.","vol":"2","page":457},{"text":"بالشتم، وإنما قالت له: غُدَر؛ لأنه مأمور باحترامها، لأنها أم المؤمنين وعمته وأكبر منه وناصحة له ومؤدبة، فكان حقه أن يحتملها ولا يغضب عليها.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا صلاة) لا: نافية، والنفي هنا يتضمن النهي، أي: لا يصلِّ إنسان، والنفي عند البلاغيين أبلغ من النهي؛ لأن فيه تقريرًا لاجتنابه، كأنه أمر لا يمكن أن يكون، وتقدم ذلك في «المواقيت».\nوالجمهور على أن هذا النفي نفي للكمال، وأنه يكره أن يصلي في هذه الحال، ولو صلّى فصلاته صحيحة (^١)، قال الشيخ عبد العزيز بن باز: (وهذا أظهر)، لأنَّ له نظائر، مثل: (لا إيمان لمن لا صبر له)، ومثل: (والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه)، ونحو ذلك مما يراد به نفي الكمال، فهذا مثله.\nوقال بعض أهل العلم: إنه نفي للصحة، فلو صلّى في هذه الحال فصلاته محرمة، فتكون باطلة، لأن الأصل في نفي الشرع أن يكون لنفي الصحة، وهذا هو قول الظاهرية (^٢).\n\nقوله: (بحضرة طعام) الباء للمصاحبة، أي: مع حضور طعام، والمراد به: وضعه وتقديمه للأكل.\n\nقوله: (ولا وهو يدافعه الأخبثان) أي: البول والغائط، وقد ورد التصريح بهما عند ابن حبان من حديث عائشة ﵂ بالإسناد المذكور، ولفظه: (لا يقوم أحدكم إلى الصلاة، وهو بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان: الغائط والبول) (^٣).\nومعنى يدافعه: أنه يدفعهما عن الخروج، وهما يدفعانه عن الشغل بغيرهما ليخرجا.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح النووي\" (٥/ ٤٨).\n(^٢) انظر: \"المحلى\" (٤/ ٤٦).\n(^٣) \"صحيح ابن حبان\" (٥/ ٤٢٩).","vol":"2","page":458},{"text":"الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن الصلاة حال حضور الطعام الذي يريد أكله، لما تقدم من أن الصلاة صلة بين العبد وربه، ولا يتم ذلك إلا بحضور القلب وتفريغه من الشواغل، فيقدم الطعام لتؤدى الصلاة بخشوع وحضور قلب، ولو فات أول الوقت أو فاتت الجماعة.\nوحضور الطعام قيد معتبر، فإن كان غير حاضر فلا تؤخر، إلا إن تيسر حضوره عن قرب، كأن توجد أمارات تقديمه، فلا يبعد أن يكون كالحاضر.\nوقال بعض العلماء: إذا كان الطعام غير حاضر ونفسه تتوق إليه فالحكم فيه كما لو حضره، لوجود المعنى، وهو ترك الخشوع.\nوالأول أظهر، فإن الحضور قيد معتبر لا ينبغي إهداره، لأن حضور الطعام يوجب زيادة تشويق وتطلع إليه، فقد يكون الشارع اعتبر هذا الوصف وهو زيادة التشويق بسبب حضوره، فلا يلحق به ما لا يساويه للقاعدة الأصولية: أن محل النص إذا اشتمل على وصف يمكن أن يكون معتبرًا لم يُلْغَ (^١).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن الصلاة حال مدافعة البول والغائط، لأنه يكون مشغولًا بهما حتى ينتهي من صلاته ليفرغ منهما مع ما في ذلك من مضرة البدن، بل عليه أن يقضي حاجته ويتوضأ ولو فاتته الجماعة، لأن صلاته وحده بحضور قلب وخشوع أهم من صلاته مع الجماعة في حال مدافعة الأخبثين.\nأما إذا كان شيئًا يسيرًا لا يشغله، أو أحسَّ بالبول والغائط ولم يصل إلى حد المدافعة فلا بأس في الصلاة، لأن المدافعة تقتضي أن هناك شدة بحيث إن البول والغائط يؤذيه تأخره.\nفإن ترتب على قضاء حاجته خروج الوقت فهل يصلي مع المدافعة أو يتوضأ ويصلي ولو خرج الوقت؟ قولان:\n_________\n(^١) انظر: \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (٢/ ٦٧).","vol":"2","page":459},{"text":"القول الأول: أنه يصلي ولو مع مدافعة الأخبثين حفاظًا على الوقت، ولا يجوز له تأخيرها؛ وهو قول الجمهور.\nالقول الثاني: أنه يقضي حاجته ويصلي ولو خرج الوقت، وهو قول ابن حزم، وحكاه النووي عن بعض الشافعية (^١)، وهذا هو الأقرب إلى قواعد الشريعة وتيسيرها على المكلفين.\n\nالوجه الخامس: ألحق العلماء بمدافعة الأخبثين كل ما يشغل بال المصلي من ريح في جوفه، أو حر أو برد شديدين لا يخشع معهما، أو جوع أو عطش كذلك، لأن المعنى المراد موجود في الجميع، وهو حضور القلب وسكون الجوارح.\nهذا ولو أن المصنف ذكر هذا الحديث مع حديث أنس المتقدم أول الباب، (إذا قُدم العَشاء …)، في موضع واحد لكان أنسب، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٤/ ٤٧)، \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٥/ ٤٩)، \"فتح الباري\" (٢/ ١٦١).","vol":"2","page":460},{"text":"<span data-type='title' id=toc-211>كراهة التثاؤب في الصلاة</span>\n٢٥٠/ ١٣ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ: «فِي الصَّلَاةِ».\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم (٢٩٩٤) في كتاب «الزهد والرقائق»، باب «تشميت العاطس وكراهة التثاؤب»، من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ به. وأخرجه الترمذي (٣٧٠) بالإسناد نفسه، ولفظه: (التثاؤب في الصلاة من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع) وقال: (حديث حسن صحيح).\nوذكر الحافظ زيادة الترمذي لمناسبتها لكتاب الصلاة، لكنه ذكر حديث مسلم لأنه مقدم، ثم أشار إلى الزيادة، ولم يبين موضعها من الحديث، وقد بينتها بسياق اللفظ عند الترمذي.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (التثاؤب) مصدر تثاءب، مثل: تقاتل تقاتلًا، وهو بالهمز، وتثاوب: بدون همز، عامي، ذكره الجوهري (^١) وتبعه صاحب «المصباح المنير» وآخرون، وقيل: هما لغتان (^٢)، والتثاؤب: حركة للفم ليست إرادية، وتكون هذه الحركة من كسل أو نوم.\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (١/ ٩٢).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٦١١).","vol":"2","page":461},{"text":"قوله: (من الشيطان) جعله من الشيطان كراهية له، لأنه يكون مع ثقل البدن وامتلائه واسترخائه وميله إلى الكسل والنوم، فأُضيف إليه، لأنه الداعي إلى إعطاء النفس شهواتها وتوسعها في المآكل والمشارب.\n\nقوله: (فليكظم) بفتح ياء المضارعة وكسر الظاء المشالة من باب «ضرب يضرب» أي: ليحبسه وليمسكه، والكظم: سَدُّ الفم بإطباق الشفتين، وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ الآتي: (فليردَّه ما استطاع) فإما أن المراد الأخذ بأسباب رده، لا أنه يرده إذا وقع، أو أن المراد: إذا أراد أن يتثاءب فليرده.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أنه ينبغي للمتثائب أن يرد تثاؤبه ما استطاع، وذلك بإطباق فمه وضم شفتيه.\nوهذا هو الأمر الأول المشروع الذي دلت عليه السنة، ودليله حديث الباب.\nوالأمر الثاني: أن يضع يده على فيه، لأن فَغْرَ الفم شيء مستقبح، وربما وقع في فمه شيئ كذباب ونحوه، وقد دلّ على ذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخل» (^١)، والأفضل أن تكون اليد اليسرى، لأنه في أمر مستقذر.\nفأمر بوضع يده على فمه لئلا يبلغ الشيطان مراده من تشويه صورته ودخوله فمه، وضحكه منه، وفي حديث أبي هريرة ﵁: (… فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان) (^٢).\nوالأمر الثالث: أن يلزم الصمت، ولا يقول: (ها) لأنه صوت مستقبح، ليس بواضح، فالسنة ألا يتكلم في هذه الحال حتى ينتهي التثاؤب.\nوقد دل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «التثاؤب\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٩٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٢٢٦).","vol":"2","page":462},{"text":"من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها، ضحك الشيطان» (^١)، فهذه أمور ثلاثة دلت عليها السنة، وأما ما يفعله بعض الناس من الاستعاذة من الشيطان ظنًا منهم أنه مستحب، فهذا لا أصل له، ولو كان مشروعًا لجاء النقل فيه عن النبي ﷺ، كما نقل في هذه الأمور الثلاثة، بل إن بعضهم يُقَصّرُ في هذه الأمور المشروعة، ويأتي بأمر غير مشروع، والله المستعان.\n\nالوجه الرابع: تبين من أحاديث التثاؤب أن بعضها مطلق وبعضها مقيد في حالة الصلاة، كما في رواية الترمذي، والظاهر أن التثاؤب مكروه مطلقًا لأنه من الشيطان، لكن كراهته في حال الصلاة أشد، لأن للشيطان غرضًا قويًا في التشويش على المصلي وإذهاب خشوعه، وحالة الصلاة أولى بدفع التثاؤب، لبعده عن الخشوع وأدب الصلاة، وللخروج عن اعتدال الهيئة واعوجاج الخلقة، فيتأكد في حق المصلي دفعه ما استطاع، فإن غلبه وَضَعَ يده على فيه، وعليه أن يمسك عن القراءة حتى يذهب عنه، لئلا يتغير نظم القرآن، وكذلك إذا كان يقرأ خارج الصلاة (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٨٩).\n(^٢) انظر: \"التذكار في أفضل الأذكار\"، للقرطبي ص (١٠٩).","vol":"2","page":463},{"text":"<span data-type='title' id=toc-212>باب المساجد</span>\nالمساجد: جمع مسجد، على وزن مَفْعِل بكسر العين، اسم لمكان السجود وهو بهذا الاعتبار لا يختص بموضع معين، وبالفتح: اسم للمصدر، قال في «تثقيف اللسان»: (ويقال للمسجد: مَسْيد، بفتح الميم، حكاه غير واحد) (^١).\nولما كان السجود أشرف أفعال الصلاة لقرب العبد من ربه اشتق اسم المكان منه، فقيل: مسجد، ولم يقولوا: مركع (^٢).\nوالمسجد شرعًا: هو كل موضع من الأرض، لقوله ﷺ «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (^٣) وفي عرف الفقهاء: بقعة من الأرض تحررت عن التملك الشخصي، وخصصت للصلاة والعبادة (^٤).\nومصلى العيد مسجد، على الراجح من قولي أهل العلم، وهو قول جماعة من أهل العلم، كالقاضي عياض والدارمي (^٥)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة، قال صاحب «الفروع»: (والصحيح أن مصلى العيد مسجد) (^٦)، ودليل ذلك أن الرسول ﷺ أمر الحُيَّض باعتزاله، والمرأة الحائض لا تعتزل إلا المسجد، على الخلاف المتقدم في باب «الغسل».\nوالمساجد أفضل البقاع في الأرض، وذلك لما يقام فيها من ذكر الله تعالى وعبادته بإقامة الصلاة، وتلاوة القرآن، وتعليم الدين، وغير ذلك مما يدل على أن المسجد هو مدرسة الإسلام الأولى.\n_________\n(^١) ص (١٨٦).\n(^٢) \"إعلام الساجد بأحكام المساجد\" ص (٢٨).\n(^٣) تقدم تخريجه أول باب \"التيمم\".\n(^٤) \"إعلام الساجد\" ص (٢٨).\n(^٥) \"المجموع\" (٢/ ١٨٠).\n(^٦) (١/ ٢٠٢).","vol":"2","page":464},{"text":"وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ، قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» (^١).\nوللمساجد أحكام كثيرة عُني بها العلماء وبحثوها في كتب الحديث والتفسير والفقه، وألفوا فيها مؤلفات مستقلة، وقد جاء في هذه الأحكام أدلة من الكتاب والسنة، وقد ذكر المصنف في هذا الباب جملة من الأحاديث المتعلقة بذلك.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٧١).","vol":"2","page":465},{"text":"<span data-type='title' id=toc-213>الأمر ببناء المساجد وتنظيفها</span>\n٢٥١/ ١ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُنظَّفَ، وَتُطَيَّبَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَ إرْسَالَهُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (٤٥٥) في كتاب «الصلاة»، باب «اتخاذ المساجد في الدور» والترمذي (٥٩٤) وابن ماجه (٧٥٩) وأحمد (٤٣/ ٣٩٦) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂.\nوقد اختلف في وصل هذا الحديث وإرساله، فقد رواه موصولًا عامر بن صالح الزبيري، عند أحمد والترمذي، وزائدة بن قدامة عند أبي داود وابن ماجه، ومالك بن سُعير عند ابن ماجه - أيضًا - ثلاثتهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ أمر ببنيان المساجد … الحديث.\nوعامر بن صالح متروك، وكذبه ابن معين، ووثقه أحمد (^١)، لكنه توبع، وزائدة ثقة، ومالك بن سُعير لا بأس به، وهو من رجال البخاري ومسلم، كما في «التقريب».\nورواه مرسلًا وكيع وعَبْدة بن سليمان عند الترمذي (٥٩٥) قال: حدثنا هناد، حدثنا عبدة ووكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن النبي ﷺ أمر … فذكر نحوه ..\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٦٢).","vol":"2","page":466},{"text":"قال الترمذي: (وهذا أصح من الحديث الأول).\nوتابعهما سفيان بن عيينة عند الترمذي أيضًا (٥٩٦) فلذا رجح الترمذي الإرسال على الوصل، بناء على القاعدة عند المحققين، وهي أنه إذا تعارض الوصل والإرسال قُدِّمَ الأوثق والأكثر ولو في الإرسال، ورواة الإرسال هنا أوثق، فوكيع ثقة حافظ عابد، وعبدة بن سليمان الكلابي ثقة ثبت، وسفيان بن عيينة ثقة حافظ فقيه إمام حجة، كما رجح الإرسال أبو حاتم كما في «العلل» (٤٨١).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ببناء المساجد في الدور) أي: في القبائل، وهي الآن المحلّة أو الأحياء السكنية، وقد كان للأنصار وغيرهم دور تجتمع فيها جماعتهم ويكون فيها نخيلهم وزروعهم، فيقال: دار بني ساعدة، ودار بني النجار، وغير ذلك، وقد فسر سفيان بن عيينة أحد رواة الحديث الدور بالقبائل، كما نقله عنه الترمذي.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على شرعية بناء المساجد في الدور، وهي الآن الأحياء السكنية، فيشرع بناء المساجد فيها، ليجتمع أهل الحي كل يوم وليلة خمس مرات، فيتم في ذلك عبادة الله تعالى وتعليم الجاهل، وتنشيط العاجز، والتعاون على البر والتقوى؛ إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة، وعلى هذا فيجب على المسؤولين عن تخطيط الأراضي والأحياء السكنية ألا يُغفلوا موضوع بيوت الله تعالى، ولتكن مقدمة على غيرها من المرافق.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب تهيئة المساجد للمصلين، وذلك بتنظيفها من كل قذر يقع في أرضها أو فرشها أو حيطانها، كما يجب أن تصان عن الأقذار كالمخاط وتقليم الأظافر وقص الشارب ونتف الإبط ونحو ذلك.\nوكذلك ينبغي تطييبها وتحسين رائحتها، لتيسير الإقامة فيها، والتشجيع على التردد عليها، والبقاء فيها للقراءة والذكر والصلاة وطلب العلم، وغير ذلك.","vol":"2","page":467},{"text":"وقد بوب البخاري في «صحيحه» في كتاب «الصلاة» فقال: (باب كَنْسِ المسجد والتقاط الخِرَقِ والقذى والعيدان) ثم ساق حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا أسود، أو امرأة سوداء كان يَقُمُّ المسجد فمات، فسأل النبي ﷺ عنه فقالوا: مات، قال: «أفلا كنتم آذنتموني به؟ دلوني على قبره - أو قال: قبرها ـ» فأتى قبره فصلى عليه (^١).\nففي هذا دليل على فضل تنظيف المسجد، لأن صلاة النبي ﷺ على قبر من يكنس المسجد دليل على تعظيم عمله، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٤٥٨).","vol":"2","page":468},{"text":"<span data-type='title' id=toc-214>حكم بناء المساجد على القبور</span>\n٢٥٢/ ٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «قَاتَلَ الله الْيَهُودَ: اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجدَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَزَادَ مُسْلِمٌ: «وَالنَّصَارَى».\n٢٥٣/ ٣ - وَلَهُمَا: مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: «كَانَوا إذَا مَات فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَالحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا»، وَفِيهِ: «أُولئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ».\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «الصلاة في البيعة» (٤٣٧) ومسلم (٥٣٠) من طريق الزهري قال: حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ﵁ قال: فذكره مرفوعًا.\nوأخرجه مسلم من طريق يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».\nوأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه البخاري في الباب المذكور (٤٣٤) ومسلم (٥٢٨) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله - ﷺ -: «أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله».","vol":"2","page":469},{"text":"الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (قاتل الله اليهود) هذا لفظ «الصحيحين» أي: قتلهم الله، وقيل: لعنهم، وقيل: عاداهم، والمراد هنا: لعنهم، كما في الرواية الأخرى - كما ذكر النووي وغيره - ولا يخرج اللفظ عن هذه المعاني، وقد ترد بمعنى التعجب نحو: ما أشعره قاتله الله!\nوأصل (فاعل) أن يكون بين اثنين في الغالب، وقد يجيء من واحد كقولك: سافرت، وطارقت النعل. ذكره ابن الأثير (^١).\nوفي اللفظ الآخر عندهما: (لعن الله) أي: طرد وأبعد عن رحمته، والجملة خبرية يحتمل أن تكون على حقيقتها، وهو أن النبي ﷺ يخبر أن الله لعن اليهود والنصارى، ويحتمل أن تكون على غير حقيقتها، وأن المراد بها الدعاء من النبي ﷺ عليهم بأن يطردهم الله من رحمته، فتكون خبرية لفظًا إنشائية معنىً.\n\nقوله: (اليهود والنصارى) اليهود هم الذين ينتسبون في ديانتهم إلى شريعة موسى ﵊، سموا بذلك إما نسبة إلى يهودا أكبر أولاد يعقوب ﵊، أو لأنهم هادوا، أي: رجعوا وتابوا من اتخاذ العجل إلهًا.\nوالنصارى: من ينتسبون في ديانتهم إلى شريعة عيسى ﵊، سموا بذلك إما لأنهم نزلوا قرية تُسمى ناصرة، أو لأن الحواريين منهم قالوا: نحن أنصار الله.\n\nقوله: (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) جملة مستأنفة لبيان سبب اللعن، والضمير في السياق الأول واضح أنه يعود على اليهود، أما في لفظ مسلم فالضمير يعود على اليهود والنصارى باعتبار مجموع الطائفتين، لا كل طائفة، لأن النصارى نبيهم عيسى ﵊ وليس له قبر اتخذوه مسجدًا،\n_________\n(^١) \"النهاية\" (٤/ ١٢).","vol":"2","page":470},{"text":"فيكون المراد: الأنبياء وكبار أتباعهم، فاكتفى بذكر الأنبياء، ويؤيد ذلك حديث جندب بن عبد الله ﵁ الآتي، ولفظه: (كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد) كما يؤيده حديث عائشة ﵂ المتقدم؛ واتخاذ القبور مساجد يشمل بناء المساجد عليها، أو اتخاذها مكانًا للصلاة عندها ولو لم يبن المسجد، فمن تردد على قبر يصلي عنده فقد اتخذه مسجدًا، لأن كل موضع قصدت الصلاة فيه فهو مسجد، كما قال ﷺ: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (^١).\n\nقوله: (بنوا على قبره مسجدًا) أي: مكانًا للصلاة، ويُسمى عند النصارى كنيسة.\n\nقوله: (أولئِك شرار الخلق) بكسر الكاف، لأن الخطاب للمؤنث والمشار إليه بانو المساجد على القبور وواضعو الصور فيها.\nومعنى (شرار الخلق): أعظمهم شرًا عند الله تعالى، لما يحصل بفعلهم من الفتنة والشرك بالله تعالى، وكل ما كان وسيلة إلى الشرك فصاحبه جدير بهذا الوصف.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم بناء المساجد على القبور، وأن هذا من كبائر الذنوب، وهو من فعل شرار الخلق عند الله تعالى، وهو من عمل اليهود والنصارى - وهم الغلاة في أنبيائهم وصالحيهم - والبناء على القبور من وسائل تعظيمها وعبادتها من دون الله تعالى، ويدخل في ذلك قصد القبور للصلاة عندها، فإن ذلك من اتخاذها مساجد، لأن العلة في بناء المساجد عليها موجودة في الصلاة عندها، فإن ذلك ذريعة إلى نوع من الشرك، بقصدها والعكوف عندها، وقد نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢).\nوقد تبع اليهودَ والنصارى ضُلاّلُ هذه الأمة وغلاتُها في بلدان كثيرة،\n_________\n(^١) تقدم في أول باب \"التيمم\".\n(^٢) \"اقتضاء الصراط المستقيم\" ص (٣٣٧).","vol":"2","page":471},{"text":"كمصر والشام وغيرهما، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (بسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد) (^١) وذكر ﵀ أنهم شر أهل البدع، وقد كان ذلك موجودًا في مكة في المعلاة، وفي المدينة في البقيع، فقيض الله تعالى لها من هدمها وأزالها، وكذا كانت القبور موجودة في بلاد نجد، فجاء الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب فسعى في إزالة الشرك ومعالمه، وتحقق على يديه خير كثير، ولا زال أناس يدعون إلى الشرك ويريدون أن تعود الحال إلى ما كانت عليه، وكما هو في الأمصار الأخرى، وهذا لجهلهم وضلالهم الذي أدى بهم إلى الغلو والتعلق بالقبور وأهلها.\nوقد ورد عن جندب بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ، قال قبل أن يموت بخمس: «… ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (^٢).\nوهذا من حرصه ﷺ على أمته وإبعادهم عن جميع وسائل الشرك وأسبابه، حتى نهى عن ذلك في آخر حياته، بل إنه نهى عن ذلك وهو في حال الموت وفراق الدنيا، كما في حديث عائشة ﵂ قالت: (لما نُزل برسول الله ﷺ طَفِقَ يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا (^٣». فالنبي ﷺ حذر من اتخاذ القبور مساجد ثلاث مرات: الأولى: في سائر حياته، الثانية: قبل موته بخمس، الثالثة: وهو في السياق.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على عظم ذنب من يسهلون للناس الوقوع في الشرك والبدع عن طريق البناء على القبور والعكوف عندها والصلاة والدعاء ونحو ذلك، لأن الرسول ﷺ وصفهم بأنهم شرار الخلق عند الله تعالى، لأنهم جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور والبناء عليها، وفتنة التماثيل، نسأل الله تعالى السلامة، والثبات على صحة المعتقد حتى الممات.\n_________\n(^١) \"فتح المجيد\" ص (٢٤٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٣٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٣٣٠) ومسلم (٥٣١).","vol":"2","page":472},{"text":"<span data-type='title' id=toc-215>حكم دخول الكافر المسجد</span>\n٢٥٤/ ٤ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبيُّ ﷺ خَيْلًا، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوارِي المَسْجِدِ … الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيِهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري مختصرًا في كتاب «الصلاة» باب «دخول المشرك المسجد» (٤٦٩) وأخرجه في كتاب «المغازي» باب: «وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال» (٤٣٧٢) ومسلم (١٧٦٤)، من طريق ابن أبي سعيد المقبري، أنه سمع أبا هريرة ﵁ قال: (فذكره بطوله). وقد تقدم سياقه بتمامه في باب «الغسل» عند الحديث «السادس» منه.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على جواز إدخال الكافر المسجد، لأن الرسول ﷺ أقر الصحابة ﵃ على ربط ثمامة بن أثال في المسجد، وكان يمر به ثلاثة أيام، ويقول: (ما عندك يا ثمامة …؟).\nوقيده أكثر العلماء بقيود؛ منها: أن يكون ذلك لغرض نافع، كسماع قرآن، أو علم، أو يرجى إسلامه، أو يدخل للمحاكمة ونحو ذلك مما يستفاد من الأدلة، ومنها: أن يكون ذلك بإذن المسلمين، وإلا فلا يجوز دخوله، وهذا قول بعض الشافعية والمالكية والحنابلة في رواية هي المذهب (^١).\nوالقول الثاني: أنه يجوز دخول الكافر جميع المساجد، إلا المسجد\n_________\n(^١) \"حاشية الدسوقي \" (١/ ١٣٩)، \"روضة الطالبين\" (١٠/ ٣١٠)، \"المغني\" (١٣/ ٢٤٥)، \"فتاوى ابن تيمية\" (٢٢/ ١٩٤).","vol":"2","page":473},{"text":"الحرام، وهذا ما نص عليه الشافعي (^١)، وبه قال ابن حزم (^٢)، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] بناء على أن نجاسة المشرك نجاسة بدنية.\nوالقول الأول أظهر، لقوة أدلته، ولأن فيه عملًا بجميع النصوص، ولما يترتب على دخول الكافر من المصالح إذا رأى المسلمين وصلاتهم وقراءتهم، كما وقع من ثمامة ﵁، لكن لا بد من تقييده بالمصلحة والإذن، لأن كل تصرف يحدث من المسلمين في عهد رسول الله ﷺ بما يتعلق بشؤونهم العامة فإنه لا بد أن يأذن فيه الرسول ﷺ، كما وقع في ربط ثمامة، والله أعلم.\nومن أدلة ذلك ما ورد في حديث جبير بن مطعم - وكان ممن قدم في فداء أسارى بدر - أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور (^٣).\nوورد - أيضًا - قصة الأعرابي الذي دخل المسجد وعقل بعيره فيه وسأل النبي ﷺ عن الإسلام ثم أسلم (^٤).\nوأما الآية الكريمة فأجاب الأولون عنها بأن المراد بها: منعهم من الحج، كما ورد أن الرسول ﷺ بعث عليًّا ﵁ أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذّن معنا عليٌّ في أهل منى يوم النحر: (لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان). وهذا كان سنة تسع من الهجرة (^٥).\nوالذي يظهر لي قوة الاستدلال بعموم الآية على منع الكافر من دخول المسجد الحرام، والله أعلم.\n\nالوجه الثالث: إذا كان دخول الكافر المسجد مقيدًا بالمصلحة أو بالحاجة، فإنه يستفاد من ذلك أنه لا ينبغي أن يتولى الكفار تعمير المساجد أو\n_________\n(^١) \"الأم\" (٤/ ٣٩٠).\n(^٢) \"المحلى\" (٤/ ٢٤٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٦٥)، ومسلم (٤٦٣) وسيأتي شرحه في \"صفة الصلاة\" رقم (٢٨٩) إن شاء الله.\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٣).\n(^٥) أخرجه البخاري (٣٦٩) ومسلم (١٣٤٧).","vol":"2","page":474},{"text":"وضع مخططات لها، لأنه يوجد من يقوم بذلك من المسلمين، ولأن الكفار لا يؤمنون من الغش عند تصميم مخطط المسجد أو عند تنفيذه، فقد يصممون المسجد على هيئة قريبة من هيئة الكنائس أو يغشون في التنفيذ والبناء، لأنهم أعداء لهذا الدين وأهله (^١)، ثم إن في ذلك تكثيرًا لسوادهم في بلاد المسلمين، وعلى أصحاب المؤسسات أن يتقوا الله تعالى في أنفسهم وأموالهم ومجتمعهم فلا يستقدموا الأيدي العاملة غير المسلمة، بحجة أنهم أتقن للعمل من المسلمين، فإن الله تعالى يقول ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فالعمالة المسلمة مهما كانت خير من العمالة غير المسلمة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"أبحاث هيئة كبار العلماء بالمملكة\" (٧/ ٥١٩).","vol":"2","page":475},{"text":"<span data-type='title' id=toc-216>حكم إنشاد الشعر في المسجد</span>\n٢٥٥/ ٥ - وَعَنْهُ ﵁؛ أَنَّ عُمَرَ ﵁ مَرَّ بِحَسَّانَ ﵁ يُنْشِدُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَحَظَ إلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ، وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ.\nمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتابه «بدء الخلق» باب «ذكر الملائكة» (٣٢١٢) ومسلم (٢٤٨٥) من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن عمر مرَّ بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه: فقال: قد كنت أُنشد، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: «أجب عني، اللهم أيده بروح القدس»؟ قال: اللهم نعم.\nوهذا السياق لمسلم، وساقه البخاري ومسلم - أيضًا - عن ابن المسيب قال: مَرَّ عمر في المسجد وحسان ينشد …\nوالحديث بهذا الإسناد مرسل، لأن سعيد بن المسيب لم يدرك مرور عمر بحسان، قال الحافظ: (ورواية سعيد لهذه القصة مرسلة، لأنه لم يدرك زمن المرور، ولكن يحمل على أن سعيدًا سمع ذلك من أبي هريرة بعدُ أو من حسان، أو وقع لحسان استشهاد أبي هريرة مرة أخرى فحضر ذلك سعيد، ويقويه حديث الباب) (^١) ويعني بذلك ما رواه البخاري في كتاب الصلاة «باب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٤٨).","vol":"2","page":476},{"text":"الشعر في المسجد» (٤٥٣) ومسلم (٢٤٨٥) (١٥٢) من طريق شعيب، عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنه سمع حسان بن ثابت يستشهد أبا هريرة: أنشدك الله … فذكره.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (مرّ بحسان) هو حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو الأنصاري الخزرجي النجاري، شاعر رسول الله ﷺ، قال أبو عبيدة: فُضّل حسان على الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي ﷺ في أيام النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام.\nوقد روى عن النبي ﷺ أحاديث، وروى عنه سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وآخرون.\nواشتهر عند المؤرخين أنه كان جبانًا، قال ابن عبد البر: (ذكروا من جبنه أشياء .. كرهت ذكرها لنكارتها، ومن ذكرها قال: إن حسانًا لم يشهد مع رسول الله ﷺ شيئًا من مشاهده لجبنه، وأنكر بعض أهل العلم بالخبر ذلك، وقالوا: لو كان حقًا لَهُجِيَ به).\nوهذا هو الصواب إن شاء الله، فإنه أحد الصحابة المشهورين، وأشعاره تدل على شجاعته، أما ما قيل في قصته مع صفية مما يدل على جبنه فلا أصل لها.\nمات ﵁ سنة أربعين أو قبلها، وقيل غير ذلك، وعمّر مئة وعشرين سنة (^١).\n\nقوله: (فلحظ إليه) أي: نظر إليه، قال في «المصباح المنير»: (لحظته بالعين، ولحظت إليه: نظرت إليه بمؤخر العين عن يمين ويسار، فاللِّحاظ بالكسر مؤخر العين مما يلي الصِّدْغ) (^٢) والمراد هنا: نظر إليه نظر عتب وإنكار.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٣/ ٢٦)، وانظر: \"الإصابة\" (٢/ ٣٣٧).\n(^٢) \"المصباح\" ص (٥٥٠).","vol":"2","page":477},{"text":"الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز إنشاد الشعر في المسجد، وذلك إذا كان مباحًا، فإن كان مناصرة للسنة ودفاعًا عنها فهو مشروع، وإلقاؤه في المسجد مباح، وكذا إذا كان الشعر علمًا نافعًا أو وعظًا فهذا جائز في المسجد. بل يثاب عليه قائله إن شاء الله تعالى وكذا قارئه.\nوقد ورد في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (نهى رسول الله ﷺ عن تناشد الأشعار في المسجد …) الحديث (^١).\nوهذا لا يعارض حديث الباب، لأنه محمول على تناشد الأشعار الباطلة، أما الأشعار التي تمدح الإسلام أو فيها علم نافع فإنها جائزة، ذكر ذلك البيهقي، والقرطبي (^٢) غير أنه يكره تشاغل جماعة المسجد بتناشد الأشعار والإكثار منه حتى يكون ذلك هو الغالب على أمرهم، وذلك لأنه إذا أُكْثِرَ منه يُذْهِبُ وقار المسجد وتزول حرمته.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على قوة عمر ﵁ في الحق، وحرصه على الخير، حيث أنكر على حسان إنشاد الشعر في المسجد، لكن لما قال له حسان ما قال كفّ عنه ولم يقل شيئًا، وهذا فيه بيان وجوب الوقوف عند الدليل وعدم تجاوزه، وكان عمر ﵁ وقافًا عند كتاب الله تعالى.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على شجاعة حسان وقوته في الصدع بالحق، لأنه صاحب حق، فإنه رد على عمر إنكاره عليه، لاعتماده على الدليل، ولم يمنعه من ذلك قوة عمر وصلابته وهيبته، لأن صاحب الحق أقوى، وفي هذا درس لأهل العلم أن يبلغوا عن الله تعالى شرعه، وأن يصدعوا بالحق، وألا يخافوا في الله لومة لائم، ليتوارث الناس الحق وينقله جيل عن جيل، لكن إذا تركوا إظهاره اندثر، وذهب بموت أهله، والله المستعان.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٠٧٩) والترمذي (٣٢٢) والنسائي (٢/ ٤٧) وابن ماجه (٧٤٩)، وأحمد (١١/ ٢٥٧)، وقال الترمذي: (حديث حسن).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٤٨)، \"الجامع لأحكام القرآن\" (١٢/ ٢٧١).","vol":"2","page":478},{"text":"<span data-type='title' id=toc-217>حكم إنشاد الضالة في المسجد</span>\n٢٥٦/ ٦ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ؛ فَإنَّ المسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهذَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب «النهي عن نَشْدِ الضالة في المسجد، وما يقوله من سمع الناشد» (٥٦٨) من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن أبي عبد الله مولى شداد بن الهاد، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول .. فذكره مرفوعًا.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من سمع رجلًا يَنْشُدُ ضالة) بفتح الياء وسكون النون وضم الشين من باب «نصر» من نَشَدَ الضالة: إذا طلبها وسأل عنها.\nوالضالة: كل ما ضلّ، والجمع ضوال، من ضل الشيء: خفي وغاب. قال أهل اللغة: الضالة لا تقع إلا على الحيوان، وأما الأمتعة فتسمى لقطة، ولا تسمى ضالة، لكن يشكل على ذلك حديث الباب، فإنَّ حَمْلَ الضالة فيه على المعنى الأعم أولى من تخصيصها بالحيوان، كما هو مدلولها في اللغة (^١).\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٣٦٣).","vol":"2","page":479},{"text":"قوله: (لا ردها الله عليك) جملة دعائية، وهي دعاء عليه بنقيض قصده، وهو نوع من التعزير.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن نَشْدِ الضالة في المسجد، وهذا الحكم عام، سواء كانت حيوانًا أو متاعًا أو نقدًا أو غير ذلك، وأن من سمع من ينشد ضالة في المسجد فليدع عليه جهرًا بقوله: (لا ردها الله عليك). وهذا من باب التعزير، لأنه لما تساهل وأتى بأمر لا يناسب المسجد عوقب بأن يدعى عليه بألا تُرَدّ ضالته.\nوقد ورد عن بريدة ﵁ أن رجلًا نشد في المسجد فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر، فقال النبي ﷺ: «لا وَجَدْتَ، إنما بنيت المساجد لما بنيت له» (^١)، فإن خرج عند باب المسجد فنشدها جاز، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٦٩).","vol":"2","page":480},{"text":"<span data-type='title' id=toc-218>حكم البيع والشراء في المسجد</span>\n٢٥٧/ ٧ - وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أَو يَبْتَاعُ في المَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ الله تِجَارَتَكَ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، والترمذيُّ وَحَسَّنَهُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الترمذي في أبواب «البيوع» باب «النهي عن البيع في المسجد» (١٣٢١) والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٥٢) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، أخبرنا يزيد بن خصيفة، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: .. فذكره، وفي آخره: «وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة، فقولوا: لا ردّ الله عليك» وقال الترمذي: (حديث حسن غريب).\nوالحديث أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٢٧٤) والحاكم (٢/ ٦٥) وابن حبان (٤/ ٥٢٨) وقال الحاكم: (حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن البيع والشراء في المسجد، وقد ورد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: نهى النبي ﷺ عن الشراء والبيع في المسجد .. وتقدم تخريجه قريبًا، وهل هو للتحريم أو للكراهة؟ قولان:\nالأول: أنه للكراهة، فيكره البيع والشراء في المسجد، ويصح إن وقع","vol":"2","page":481},{"text":"فيه، وهذا قول الجمهور، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، قالوا: لأن النبي ﷺ أمر بالدعاء عليه، وهذا يدل على كراهة البيع، ولم يبين بطلانه، ولو كان البيع باطلًا لبيّنه؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وكونه منهيًا عنه لا يقتضي بطلانه، كالغش والتدليس والتصرية، وقد نقل الماوردي الإجماع على أن ما عُقِدَ من البيع في المسجد لا يجوز نقضه، ومثله قال العراقي (^٢).\nالثاني: أنه للتحريم فإن وقع لم يصح، وهذا مذهب الحنابلة (^٣)، قالوا: لأن النبي ﷺ دعا على البائع والمشتري في المسجد بألا تربح تجارته، وهذه عقوبة له، لأنه فعل أمرًا محرمًا، وما كان محرمًا فهو باطل.\nوالقول الأول أظهر، وهو صحة البيع، لأن فيه عملًا بجميع الأدلة، لكنّ صَرْفَ النهي من التحريم إلى الكراهة يحتاج إلى دليل، وما نقل من الإجماع على عدم جواز نقضه وصحة العقد لا ينافي القول بالتحريم، فقد يأتي النهي للتحريم ويكون العقد صحيحًا، كما في بيع التصرية، وعلى هذا فلا يصح جعل الإجماع قرينة لحمل النهي على الكراهة، والله أعلم (^٤).\n_________\n(^١) \"الإنصاف\" (٣/ ٣٨٦).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ١٧٧).\n(^٣) \"الإنصاف\" (٣/ ٣٨٥).\n(^٤) انظر: \"نيل الأوطار\" (٢/ ١٧٧).","vol":"2","page":482},{"text":"<span data-type='title' id=toc-219>النهي عن إقامة الحد في المسجد</span>\n٢٥٨/ ٨ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تُقَامُ الحُدُود فِي الْمَسَاجِدِ، وَلَا يُسْتَقَادُ فِيها». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العُزّى بن قصي الأسدي، ابن أخي خديجة زوج النبي ﷺ، ولد قبل الفيل بثلاث أو اثنتي عشرة سنة، وكان من سادات قريش، ومن العلماء بأنسابها وأخبارها، وكان صديق النبي ﷺ قبل البعثة، وكان يواده ويحبه بعد البعثة، لكنه تأخر إسلامه حتى عام الفتح، وكان من المؤلفة قلوبهم، وممن حسن إسلامه منهم، له ستون حديثًا، أربعة منها في «الصحيحين» كما ذكر الذهبي، روى عنه: ابنه حزام وعبد الله بن الحارث بن نوفل وسعيد بن المسيب وعروة وغيرهم، مات سنة خمسين، وقيل أربع، وقيل ثمان، وقيل غير ذلك، وعمره مائة وعشرون، نصفها في الجاهلية، ونصفها في الإسلام، كما ذكر البخاري (^١)، وتعقبه الذهبي بأنه لم يعش في الإسلام إلا بضعًا وأربعين سنة (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٢٤/ ٣٤٦) وأبو داود (٤٤٠٩) في كتاب «الحدود»\n_________\n(^١) \" التاربخ الكبير\" (٣/ ١١).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٣/ ٥٣)، \"السير\" (٣/ ٤٤)، \"الإصابة\" (٢/ ٢٧٨).","vol":"2","page":483},{"text":"بابٌ «في إقامة الحد في المساجد» من طريق محمد بن عبد الله المهاجر الشُّعيثي، عن زُفر بن وَثِيمة، عن حكيم بن حزام أنه قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يُستقاد في المسجد، وأن تُنشد فيه الأشعار، وأن تُقام فيه الحدود) هذا لفظ أبي داود.\nوقد ضعف الحافظ هذا الحديث، لأنه أُعل بثلاث علل:\n١ - أن فيه انقطاعًا، كما نص على ذلك ابن عبد الهادي (^١)، لأن زفر بن وثيمة لم يلق حكيم بن حزام على ما ذكره الحافظ (^٢)، ونقله عن دُحيم القاضي.\n٢ - أن محمد بن عبد الله الشعيثي مختلف فيه، فقد وثقه ابن معين، ودحيم القاضي. وقال أبو حاتم: (ضعيف الحديث، ليس بقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به) (^٣).\n٣ - أن زفر بن وثيمة مجهول الحال، فإنه لم يروِ عنه إلا الشعيثي، على ما ذكره ابن القطان (^٤).\nلكن الحديث له شواهد ذكرها الألباني، وهي وإن كانت ضعيفة لكنها باجتماعها تقوى، إضافة إلى المعنى، كما سيأتي إن شاء الله، وقد قال الحافظ في «التلخيص» عن حديث الباب (إسناده لا بأس به) (^٥). ولعله نظر إلى شواهده، وحسنه الألباني (^٦).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أن يستقاد في المسجد) أي: لا يؤخذ القصاص فيها، والقود:\n_________\n(^١) \"المحرر\" (١/ ٢٧٢).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢٨٣).\n(^٣) معنى يكتب حديثه: أنه من جملة الضعفاء، ولكن حديثه يكتب ليعتبر به، وليس ضعفه بالشديد، ويستثنى من ذلك أن الإمام مسلمًا يقول: (أكتب عنه). يريد بذلك التوثيق، قال مكي بن عبدان: (سألت مسلم بن الحجاج عن أبي الأزهر؟) فقال: (أكتب عنه).\nقال الحاكم: (هذا رسم مسلم في الثقات)، ذكره في \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٠).\n(^٤) \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٣٤٤).\n(^٥) (٤/ ٨٦).\n(^٦) \"الإرواء\" (٧/ ٣٦١).","vol":"2","page":484},{"text":"بفتح القاف والواو: القصاص، وقتل القاتل بدل القتيل، وسمي القَوَد قَوَدًا، لأن الجاني يقاد إلى أولياء المقتول فيقتلونه به إن شاؤوا.\n\nقوله: (وأن تُقام فيه الحدود) أي: تُنفذ، والحدود هي العقوبات البدنية المقدرة شرعًا لحق الله تعالى، كحد الزنى، وحد القذف، وحد الشرب.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن استيفاء القصاص أو تنفيذ الحدود في المسجد، وظاهر النهي أنه للتحريم، والحديث وإن كان فيه المقال المتقدم إلا أن معناه صحيح، فإن إقامة الحد في المسجد وإن كان إجراء لحكم الله تعالى إلا أنه يؤدي إلى تلويث المسجد، فإنه إذا ضرب الجاني أو قُطعت يده أو اقتص منه لوث المسجد، مع ما في ذلك من اللغط ورفع الأصوات فيه، وكل ذلك غير لائق بالمسجد، لأن الله تعالى يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، وهذا الرفع يشمل الرفع الحسي بالبناء والتطهير من الأذى والقذر وكل ما لا يليق بالمسجد، والرفع المعنوي بإقامة ذكر الله تعالى وطاعته من الذكر والتلاوة والصلاة والابتعاد عن معصيته من اللغو وقول الزور وكل فعل يخل بتشريفها.\nولم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أنهم أقاموا الحدود في المسجد، ولما جاء ماعز ﵁ إلى الرسول ﷺ وهو في المسجد وأقرّ عنده بالزنى قال: «اذهبوا به فارجموه» (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٢٧١) ومسلم (١٦٩١) (١٦) وسيأتي شرحه في كتاب \"الحدود\" إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":485},{"text":"<span data-type='title' id=toc-220>جواز نصب الخيمة في المسجد لحاجة</span>\n٢٥٩/ ٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ، لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع، أولها في كتاب «الصلاة» باب «الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم» (٤٦٣) ومسلم (١٧٦٩)، من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: (أصيب سعد يوم الخندق في الأَكْحَل، فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلم يَرُعْهُم - وفي المسجد خيمة من بني غفار - إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جُرحه دمًا، فمات فيها) أخرجه البخاري مطولًا في كتاب «المغازي» (٤١٢٢).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أصيب سعد ..) هو أبو عمرو، سعد بن معاذ الأوسي، أسلم في المدينة بين العقبة الأولى والثانية على يدي مصعب بن عمير، وأسلم بإسلامه بنو عبد الأشهل، وسماه رسول الله ﷺ سيد الأنصار، شهد بدرًا وأحدًا، وأصيب يوم الخندق في أَكْحَلِهِ - وهو عرق في الذراع يفصد - فلم يرقأ دمه حتى مات بعد شهر، وذلك في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة، وقد ورد في «صحيح البخاري» (٣٨٠٣) ومسلم (٢٤٦٦) عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اهتز العرش لموت سعد بن معاذ» وفي لفظ: «اهتز عرش الرحمن»، قال ابن عبد البر: (وهو حديث رُوي من وجوه عديدة كثيرة","vol":"2","page":486},{"text":"متواترة، رواها جماعة من الصحابة) (^١).\n\nقوله: (يوم الخندق) أي: في شوال سنة خمس من الهجرة.\n\nقوله: (يغذو) بغين وذال معجمتين، أي: يسيل.\n\nقوله: (فمات فيها) أي: في الخيمة، أو في تلك المرضة.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على جواز نصب الخيمة في المسجد للمريض وإن كان جريحًا إذا كان هناك مصلحة، كأن يكون الرجل ذا شأن فيحتاح أن يعوده الناس من قريب، أو لأنه لا سكن له، أو توضع الخيمة في المسجد لقصد الاعتكاف، فكل ذلك جائز بشرط ألا يضيق على المصلين، وبشرط الصيانة والنظافة، وغالب المساجد اليوم فيها غرف صالحة للإقامة فيها، فتقوم مقام الخيمة.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أنه ينبغي تقدير أهل الفضل والسابقة في الإسلام وتنزيلهم منازلهم من الشفقة والعناية، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٤/ ١٦٣) \"سير أعلام النبلاء\" (١/ ٢٧٩)، \"الإصابة\" (٤/ ١٧١).","vol":"2","page":487},{"text":"<span data-type='title' id=toc-221>جواز اللعب بالحراب في المسجد</span>\n٢٦٠/ ١٠ - وَعَنْهَا قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتُرُنِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إلى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ … الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع كثيرة من «صحيحه» ومنها: كتاب «الصلاة» باب «أصحاب الحراب في المسجد» (٤٥٤) ومسلم (٨٩٢) (١٧) من طريق الزهري، عن عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ قالت: (لقد رأيت رسول الله ﷺ يومًا على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد ورسول الله ﷺ يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم).\nوفي رواية لها: (والحبشة يلعبون بحرابهم) ولفظ البلوغ هو لفظ البخاري في كتاب «المناقب» رقم (٣٥٣٠).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (والحبشة) هم الحبش، وهم جنس من السودان وسكان بلاد الحبشة، الواحد حبشي، والجمع حُبْشان، وبلادهم هي أثيوبيا - الآن - في أفريقيا الشرقية.\n\nقوله: (يلعبون) فسِّر ذلك برواية: (يلعبون بحرابهم) والحراب: جمع حربة، وهي آلة قصيرة من الحديد، محددة الرأس، تستعمل في الحرب.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على جواز اللعب بالسلاح ونحوه من آلات الحرب في المسجد، ويلحق بذلك كل ما في معناه من الأسباب المعينة","vol":"2","page":488},{"text":"على الجهاد وأنواع البر، لأن ذلك ليس لعبًا مجردًا، وإنما هو وسيلة لغاية سامية، وهي التدريب على الشجاعة والقتال، مع ما في ذلك من تأليف القلوب، وبيان سماحة الإسلام، ولهذا لما أراد عمر ﵁ أن ينكر عليهم قال له رسول الله ﷺ: «دعهم يا عمر» كما ثبت في «الصحيحين».\nوشرط ذلك ألا يكون بصفة دائمة بحيث يتخذ المسجد ملعبًا، وألا يؤذي أحدًا من المصلين أو الذاكرين أو حلقات العلم، وألا يكون فيه أصوات وسب وشتم ونحو ذلك مما يذهب معه وقار المسجد.\nوكأنّ عمر ﵁ بنى إنكاره هذا على الأصل من تنزيه المساجد واحترامها، فبين له النبي ﷺ أن التعمق والتشديد ينافي سماحة الإسلام ويسره، لا سيما فيما يترتب عليه مصلحة.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على جواز نظر المرأة إلى جملة الرجال دون تفصيل لأفرادهم، كما تنظر إلى الرجال في الأسواق أو المساجد، وليس في الحديث ما يدل على أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنما نظرت إلى لعبهم وحرابهم، فالمقصود بالنظر ذات اللعب، ولا يلزم من ذلك تعمد النظر إلى البدن؛ ولذا جاء في لفظ مسلم: (يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم) قال القاضي عياض: (فيه جواز نظر النساء إلى فعل الرجال، مثل هذا، لأنه إنما يكره لهن من النظر إلى الرجال ما يكره للرجال فيهن من تحديق النظر لتأمل المحاسن، والالتذاذ بذلك والتمتع به ..) (^١).\nوقد نقل النووي: الاتفاق على تحريم نظر المرأة إلى وجه الرجل الأجنبي إذا كان مقرونًا بشهوة (^٢).\n\nالوجه الخامس: حسن خلق النبي ﷺ وكريم معاشرته لأهله، فينبغي على المسلم امتثال ذلك والاقتداء بنبيه ﷺ، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"إكمال المعلم\" (٣/ ٣٠٩).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٤٣٥).","vol":"2","page":489},{"text":"<span data-type='title' id=toc-222>جواز إقامة المرأة في المسجد ونومها فيه</span>\n٢٦١/ ١١ - وَعَنْهَا: أَنَّ وَلِيدَةً سَوْدَاءَ كَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَتْ تَأْتِيني، فَتَحَدَّثُ عِنْدِي … الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «نوم المرأة في المسجد» (٤٣٩) من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن وليدة كانت سوداء لحيّ من العرب، فأعتقوها، فكانت معهم، قالت: فخرجت صبية لهم، عليها وِشاحٌ أحمر من سيور، قالت: فوضعته، أو وقع منها، فمرت به حُدَيّاةٌ وهو ملقى، فحسبته لحمًا فخطفته، قالت: فالتمسوه فلم يجدوه، قالت: فاتهموني به، قالت: فطفقوا يفتشونني، حتى فتشوا قُبُلَها، قالت: والله إني لقائمة معهم، إذ مرت الحدياةُ فألقته، قالت: فوقع بينهم، قالت: فقلت: هذا الذي اتهمتموني به، زعمتم وأنا منه بريئة، وهو ذا هو، قالت: فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت، قالت عائشة: فكان لها خباء في المسجد أو حِفْشٌ، قالت: فكانت تأتيني فَتَحَدّثُ عندي، قالت: فلا تجلس عندي مجلسًا إلا قالت:\nويومَ الوِشَاحِ من تعاجيب ربِّنا\nألا إنه من بلدة الكفر أنجاني\nقالت عائشة: فقلت لها: ما شأنك لا تقعدين معي مقعدًا إلا قلت هذا؟ قالت: فحدثتني بهذا الحديث.\nوالحديث تفرد البخاري بإخراجه، وعزوه لمسلم وهم من الحافظ ﵀.","vol":"2","page":490},{"text":"والوليدة: هي الأمة، وهي في الأصل المولودة ساعة تولد، ثم أطلق على الأمة وإن كانت كبيرة.\nوالوشاح، بكسر الواو ويجوز ضمها: خيطان من لؤلؤ وجوهر منظومان يخالف بينهما، معطوف أحدهما على الآخر، تشده المرأة بين عاتقها وكشحها.\nوالحديّاةُ: بضم الحاء، تصغير: حدأة، وهي الطائر المعروف.\nوالخباء: بالكسر الخيمة.\nوالحفش: بالكسر - أيضًا - البيت الصغير.\nوتعاجيب: أي: أعاجيب، واحدها أعجوبة.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على جواز إقامة المرأة في المسجد ونومها فيه، لأن هذه المرأة كان لها خباء في المسجد تقيم فيه وتنام، وينبغي تقييد ذلك بأمن الفتنة منها أو عليها، وفي زماننا هذا لا يجوز للمرأة أن تسكن المسجد، لأن الفتنة غير مأمونة.\n\nالوجه الثالث: استدل طائفة من أهل الظاهر بهذا الحديث على جواز مكث الحائض في المسجد، لأن المرأة لا تخلو من الحيض كل شهر غالبًا.\nوهذا فيه نظر، لأنها قضية عين لا عموم لها، ويحتمل أن هذه السوداء كانت عجوزًا قد يئست من الحيض، وقد تقدم ذكر ذلك في باب «الغسل» (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح الحديث\" رقم (١٢٢).","vol":"2","page":491},{"text":"<span data-type='title' id=toc-223>حكم البزاق في المسجد</span>\n٢٦٢/ ١٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nأخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «كفارة البزاق في المسجد» (٤١٥) ومسلم (٥٥٢) من طريق شعبة قال: حدثنا قتادة قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ: .. فذكره.\nوفي رواية لمسلم: (حدثنا شعبة قال: سألت قتادة عن التفل في المسجد فقال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (التفل في المسجد خطيئة ..) الحديث.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أنه يحرم على المسلم أن يبصق في المسجد، استهانة بالمسجد أو بمن فيه، لأن النبي ﷺ عدّ ذلك خطيئة، تكتب على ابن آدم، والخطيئة هي السيئة والإثم، وقد ورد عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «عُرضت عليّ أعمال أمتي، حَسَنُها، وسَيّئُها، فوجدت في محاسن أعمالها: الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها: النخامة تكون في المسجد لا تدفن» (^١).\nوليس معنى ذلك أن يبصق ويدفن، فإنه جعل البصاق معصية، ولا يجوز لأحد أن يعمل ذنبًا ويتبعه بما يكفره من الحسنات الماحية.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٥٣).","vol":"2","page":492},{"text":"لكن إن بدر المصلي بصاق فإنه يبصق في منديل أو في طرف ردائه أو ثوبه ويحك بعضه ببعض، لما ورد في حديث أبي هريرة ﵁: (… فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا، ووصف القاسم - أحد رواته - فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه على بعض). أخرجه مسلم، وتقدم.\nفإن بصق في أرض المسجد مضطرًا وكانت أرض المسجد ترابًا وجب عليه دفنها وتغييبها في التراب، لئلا تعلق بثوب مسلم أو رجله فتؤذيه، ولذا أمر بدفنها ولا كفارة لها إلا ذلك، وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تنخم أحدكم في المسجد فليغيِّب نخامته، أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه» (^١).\nقال ابن رجب: (وهذا مما يدل على أن قرار المسجد وباطنه يجوز أن يجعل مدفنًا للأقذار الطاهرة) (^٢).\nفإن كان المسجد مفروشًا - كحال المساجد الآن - لم يجز البصق فيه بحال من الأحوال، لا سيما وقد تيسرت - ولله الحمد - المناديل بأنواعها وشاع استعمالها بين الناس، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣/ ١٢١) وابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٧) وابن خزيمة (١٣١١) وحسنه الألباني في\"الصحيحة\" (١٢٦٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٣٧).","vol":"2","page":493},{"text":"<span data-type='title' id=toc-224>ذمُّ التباهي بالمساجد وأنه من أشراط الساعة</span>\n٢٦٣/ ١٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ». أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إلاَّ التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» باب «بناء المساجد» (٤٤٩) والنسائي (٢/ ٣٢) وابن ماجه (٧٣٩) وأحمد (١٩/ ٣٧٢) وابن خزيمة (١٣٢٢) و(١٣٢٣) من طرق، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس مرفوعًا، وهذا لفظ أبي داود وابن ماجه وأحمد، ولفظ النسائي وابن خزيمة (من أشرط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد) وإسناده صحيح على شرط مسلم، ورجاله ثقات، رجال الشيخين غير حماد بن سلمة، فمن رجال مسلم.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا تقوم الساعة ..) الساعة في اللغة: هي جزء من أجزاء الليل والنهار، والمراد بها هنا: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، فإذا أطلقت الساعة في القرآن فالمراد بها القيامة الكبرى، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١]، سميت بذلك لسرعة الحساب فيها، أو لأنها تفجأ الناس في ساعة فيموت الخلق كلهم بصيحة واحدة.","vol":"2","page":494},{"text":"قوله: (حتى يتباهى الناس في المساجد) أي: يتفاخرون في بنائها، فيفاخر كل أحد بمسجده، ويقول: مسجدي أرفع أو أوسع أو أَحسن؛ رياءً وسمعة واجتلابًا للمدحة، مما وقع فيه الناس اليوم.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل عى ذم التباهي والتفاخر في بناء المساجد، لأن ذلك من أشراط الساعة وعلامة قربها، وهو دليل على تغير الأحوال من غلبة الجهل ونقص الدين وضعف الإيمان، وغلبة المقاصد الدنيوية على المقاصد الأخروية، ولهذا قال أنس ﵁: (يتباهون بها، ثم لا يعمرونها إلا قليلًا) (^١).\nوقد حصل ما أخبر به ﷺ حيث تباهى الملوك والخلفاء في بناء المساجد وتزويقها حتى أتوا في ذلك بالعجب، ولا زالت هذه المساجد قائمة حتى الآن في بلاد الشام ومصر، وبلاد المغرب والأندلس وغيرها.\nوفي عصرنا الحاضر اتضحت ظاهرة التباهي بالمساجد، لما تقدم، ولتفنن الناس في البناء تخطيطًا وتنفيذًا، ووجود الوسائل المعينة على ذلك.\nولا ريب أن التباهي في المساجد يقود إلى الإسراف في بنائها وصرف الهمة إلى تزويقها، والله المستعان.\n_________\n(^١) علَّقه البخاري (١/ ٥٣٩)، ووصله أبو يعلى (٣/ ١٩٧)، وابن خزيمة (٢/ ٢٨١)، وضعفه الألباني في تعليقه على \"صحيح ابن خزيمة\". وما الواقع عن معنى هذا الحديث ببعيد.","vol":"2","page":495},{"text":"<span data-type='title' id=toc-225>تشييد المساجد ليس من الأمور المشروعة</span>\n٢٦٤/ ١٤ - وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ المَسَاجِدِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة» في باب «بناء المساجد» (٤٤٨) وابن حبان (٤/ ٤٩٣) من طريق محمد بن الصباح، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن سفيان الثوري، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أمرت بتشييد المساجد» قال ابن عباس: (لتُزَخْرِفُنّها كما زخرفت اليهود والنصارى) وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، كما قال النووي (^١).\nوقول ابن عباس ﵄ هذا علقه البخاري في «صحيحه» بصيغة الجزم في كتاب «الصلاة»، باب «بنيان المسجد» (^٢).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (بتشييد) المراد بذلك رفع البناء وتطويله، يقال: شاد الرجل بناءه يشيده، وشيَّده يُشَيّده: طوَّله ورفعه، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] على أحد التفسيرين، وقال في «القاموس»: (شاد الحائط يشيده: طلاه بالشِّيد، وهو ما طلي به حائط من جص ونحوه)، وعلى هذا فرفع البناء ليس من مسمى هذا اللفظ، لكنه قال: (المُشَيَّد: المطوَّل) (^٣).\n_________\n(^١) \"الخلاصة\" (١/ ٣٠٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٣٩).\n(^٣) \"ترتيب القاموس\" (٢/ ٧٨٤).","vol":"2","page":496},{"text":"وعلى هذا فالتشييد تطويل البناء ورفعه، أو طليه بالشيد، وهو الجص، وقد ذكر المفسرون هذا عند الآية الكريمة.\n\nقوله: (لتزخرفنها) بفتح اللام - وهي لام القسم - وضم التاء، وفتح الزاي، وسكون الخاء المعجمة، وكسر الراء، وضم الفاء، وتشديد النون؛ والزخرفة: الزينة، وأصل الزخرفة: الذهب، ثم استعمل في كل ما يتزين به.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن تشييد المساجد وزخرفتها ليس أمرًا مشروعًا وليس من القُرَبِ، لأنه قال: (ما أمرت) وهذا فيه إشعار بأن ذلك أمر لا يحسن ولا ينبغي، فإنه لو كان حسنًا لأمر الله تعالى به نبيه ﷺ.\nولا يدل ذلك على التحريم، وإلا لقال: نهيت عن تشييد المساجد، وفرق بين اللفظين، لكنه يدل على أنه عمل غير مشروع، وقال الشوكاني: (والحديث يدل على أن تشييد المساجد بدعة) (^١) لأن المطلوب في بناء المساجد الاقتصار على ما أكنّ من الحر والبرد والمطر، ولكن لما طال العهد شيد الناس المساجد وزخرفوها، ورفعوا بنيانها فوق الحاجة، والمطلوب البعد عن ذلك، لأن هذا مما يشغل المصلين ويجعلهم ينظرون ويتأملون، فتحصل الغفلة عن الخشوع في الصلاة والإقبال عليها.\nوقد ورد عن نافع أنَّ عبد الله بن عمر ﵄ أخبره أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيًا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر ﵁ وبناه على بنيانه في عهد رسول الله ﷺ باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبًا، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقَصّة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج (^٢).\nقال ابن بطال، بعد أن ذكر آثارًا تدل على كراهة المغالاة في تشييد المساجد قال: (وهذه الآثار مع ما ذكر البخاري في هذا الباب تدل على أن\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (٢/ ١٤٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٤٦).","vol":"2","page":497},{"text":"السنّة في بنيان المساجد القصد وترك الغلو في تشييدها خشية الفتنة والمباهاة ببنائها.\nوكان عمر ﵁ قد فتح الله الدنيا على أيامه، ومكنه من المال، فلم يغير المسجد عن بنيانه الذي كان عليه في عهد النبي ﷺ ثم جاء الأمر إلى عثمان، والمال في زمانه أكثر، فلم يزد أن جعل في مكان اللبن حجارة وقَصَّة (^١)، وسقفه بالساج مكان الجريد، فلم يقصِّر هو وعمر عن البلوغ في تشييده إلى أبلغ الغايات إلا عن علم منهما من الرسول ﷺ بكراهة ذلك، وليُقتدى بهما في الأخذ من الدنيا بالقصد والكفاية، والزهد في معالي أمورها وإيثار البلغة منها) (^٢).\nفعمر ﵁ أبقى المسجد على صفته التي كان عليها زمن الرسول ﷺ، بل نهى عن زخرفة المسجد، لأن ذلك يشغل الناس عن صلاتهم، وقال عندما أمر بتجديد المسجد النبوي: (أَكِنَّ الناس من المطر، وإياك أن تُحَمِّرَ أو تُصَفِّرَ فتفتن الناس) (^٣).\nوأما عثمان ﵁ فقد حسّن المسجد النبوي بما لا يقتضي الزخرفة، ولعله فعل ذلك، لأنه لما رأى الناس قد حسنوا بيوتهم بما أعطاهم الله رأى أن من المناسب تحسين مسجد رسول الله ﷺ، ومع ذلك فقد أنكر عليه بعض الصحابة ﵃.\nفقد ورد عن عبيد الله الخولاني أنه سمع عثمان بن عفان يقول - عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول ﷺ: (إنكم أكثرتم، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من بنى مسجدًا - قال بكير: حسبتُ أنه قال - يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنة» (^٤».\nوعن محمود بن لبيد - وهو من صغار الصحابة - أن عثمان بن عفان ﵁\n_________\n(^١) القصة: بالفتح: الجص بلغة الحجاز.\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٢/ ٩٧).\n(^٣) البخاري (١/ ٥٣٩) \"فتح\".\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٥٠) ومسلم (٥٣٣) وفي رواية له (بيتًا في الجنة).","vol":"2","page":498},{"text":"أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك، فأحبوا أن يدعه على هيئته فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من بنى مسجدًا لله بنى الله له في الجنة مثله» (^١).\nفالمطلوب في بناء المسجد هو توسيعه وإحكام البناء وتجهيزه بكل ما هو من مستلزمات العصر مما يرغِّب في المساجد والبقاء فيها للصلاة وتلاوة القرآن وحلق العلم، مع الحذر من الإسراف والمباهاة، سواء في بنائه أو في توابعه ومكملاته من محراب وأبواب ونوافذ وفرش وإنارة ومكبرات صوت ووسائل تبريد وغير ذلك، لما في ذلك من إضاعة المال، والتسبب في إشغال المصلين، لأن عمارة المساجد إنما تكون بالطاعة والذكر، كما يجب البعد عن الإسراف في تطويل المنائر - أو تعددها - كما يوجد في بعض المساجد، مما يكلف مبالغ عظيمة، قد تكفي لبناء مساجد أخرى، ومكبرات الصوت تغني عن رفع المنائر أو تعددها، ولا نقول بإلغائها لأن وجودها له فائدة، وهو إبلاغ الصوت، والاستدلال بها على المسجد، وليتميز المسجد بها عن بقية بيوت الحي (^٢)، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٣٣) (٢٥).\n(^٢) انظر: \"أحكام المساجد في الشريعة الإسلامية\" (١/ ٣٥٩).","vol":"2","page":499},{"text":"<span data-type='title' id=toc-226>فضل إخراج القذر من المسجد</span>\n٢٦٥/ ١٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتي، حَتَّى الْقَذاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ المَسْجِدِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، والتِّرْمِذيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (٤٦١) في كتاب «الصلاة» بابٌ «في كنس المسجد» والترمذي (٢٩١٦) وابن خزيمة (١٢٩٧) من طريق عبد الوهاب بن عبد الحكيم الخزاز، أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن ابن جريج، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «عرضت عليَّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليّ ذنوب أمتي فلم أر أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها». وهذا الحديث معلول سنده ومتنه، أما السند فهو ضعيف لعلتين:\nالأولى: أنه من رواية المطلب بن عبد الله، عن أنس، وهو صدوق، كثير التدليس والإرسال، قال أبو حاتم: (روايته عن الصحابة مرسلة) (^١)، وقال الترمذي بعد سياق حديثه: (قال محمد: لا أعرف للمطلب بن عبد الله بن حنطب سماعًا من أحد من أصحاب النبي ﷺ)، وعليه ففي السند انقطاع.\nالثانية: فيه ابن جريج، وهو ممن يدلس عن الضعفاء والمجهولين، وقد عنعنه.\n_________\n(^١) \"المراسيل\" ص (٢٠٩).","vol":"2","page":500},{"text":"ولهذا ضعفه البخاري، والترمذي، والقرطبي، والحافظ ابن حجر (^١). وقوله: (استغربه الترمذي): أي: قال: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه)، أي انفرد بروايته راوٍ واحد، وليس له إلا هذا الإسناد.\nوأما إعلاله من جهة المتن فلأن المكلف غير مؤاخذ بالنسيان، فكيف يكون نسيان السورة أو الآية من أعظم الذنوب، وقد نسي النبيُّ ﷺ آية، كما ثبت في «الصحيح»، إلا إن كان المراد بالنسيان الإعراض عنها وعدم الإيمان بها، أو المراد ترك القرآن عمدًا إلى أن يفضي هذا الترك إلى النسيان، والمقصود أنه إن كان عن إهمال ففيه مؤاخذة وإلا فلا.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (عرضت عليَّ) الظاهر أنه في ليلة المعراج، لأنه المتبادر عند الإطلاق.\n\nقوله: (حتى القذاة) هي ما يقع في العين من تراب أو تبن أو وسخ، ثم استعمل في كل شيء يقع في البيت وغيره إذا كان يسيرًا، ولا بد في الكلام من تقدير مضاف أي: عرضت عليّ أجور أعمال أمتي وأجر القذاة، أي: أجر إخراج القذاة.\nويجوز فيها الرفع والجر، فالرفع على أن (حتى) حرف عطف، والقذاة مبتدأ، وجملة (يخرجها) خبر، ويجوز الجر، و(حتى) حرف جر بمعنى (إلى) وتكون جملة (يخرجها) للبيان.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على فضل تنظيف المساجد وإخراج القمامة منها، لأنه إذا حصل الأجر لمن يخرج القذاة منه وهو شيء يسير فالذي يكنسه ويزيل ترابه وغباره وينظفه عن الأقذار والأوساخ الكثيرة بالطريق الأولى له أجور كثيرة، وعَدّ إخراج القذاة التي لا يؤبه لها من الأجور تعظيمًا لبيت الله ﷿، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٨٦).","vol":"2","page":501},{"text":"<span data-type='title' id=toc-227>حكم تحية المسجد</span>\n٢٦٦/ ١٦ - وعَنْ أَبي قَتَادَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «التهجد»، باب «التطوع مثنى مثنى» (١١٦٣) ومسلم (٧١٤) من طريق عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزُّرقي، عن أبي قتادة ﵁ مرفوعًا.\nوفي رواية للبخاري (٤٤٤) ومسلم (٧١٤) (٦٩) (فليركع ركعتين قبل أن يجلس). ولمسلم أيضًا (٧١٤) (٧٠): (فلا يجلس حتى يركع ركعتين).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على نهي داخل المسجد عن الجلوس حتى يصلي ركعتين تعظيمًا لله ﷿، وهي تحية المسجد، لأن داخله يبتدئ بهذه الصلاة كما يبتدئ الداخل على القوم بالتحية، وقد وردت تسميتها تحية المسجد في حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يا أبا ذر إن للمسجد تحية، وإن تحيته ركعتان ..» (^١).\nوالجمهور من العلماء على أن تحية المسجد من السنن المندوب إليها، وليست واجبة، ونقل بعضهم الإجماع على ذلك، لكن هذا فيه نظر، فقد نقل ابن بطال عن أهل الظاهر أنهم قالوا بالوجوب (^٢)، وحكى ذلك القاضي\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٢/ ٧٦) ضمن حديث طويل، وهو حديث ضعيف جدًا.\n(^٢) \"شرح صحيح البخاري\" (٢/ ٩٣).","vol":"2","page":502},{"text":"عياض عن داود وأصحابه (^١)، وقد نقل ابن عبد البر الإيجاب عن أهل الظاهر (^٢)، مع أن ابن حزم صرح بخلاف ذلك (^٣)، ودليلهم حديث الباب، فقد ورد بلفظ الأمر: (فليركع ركعتين) وبلفظ النهي: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) والأمر عند الإطلاق للوجوب، والنهي عند الإطلاق للتحريم.\nوأما الجمهور فاستدلوا بحديث طلحة بن عبيد الله ﵁ في قصة الأعرابي الذي سأل رسول الله ﷺ عما يجب عليه من الصلاة فأجابه: «الصلوات الخمس»، فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع» (^٤). قالوا: فلو قلنا بوجوب تحية المسجد للزم أن تكون المفروضات أكثر من خمس.\nكما استدلوا بحديث عبد الله بن بُسْر ﵁ قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال له رسول الله ﷺ: «اجلس فقد آذيت»، وفي رواية: «وآنيت» (^٥).\nوالقول بالوجوب قوي، وهو الذي رجحه ابن دقيق العيد (^٦) والصنعاني (^٧) والشوكاني (^٨)؛ وذلك لأن سبب الوجوب هو دخول المسجد، فلا معارضة بين هذا وبين ما يدل على أن ما عدا الصلوات الخمس تطوع.\nوأما حديث «اجلس فقد آذيت» فلا دلالة فيه صريحة على عدم الوجوب؛ لاحتمال أن المراد (اجلس) أي: لا تتخط، ولم يقصد ترك التحية، أو لأنه صلاها في مكان آخر، أو قبل الأمر بها، ونحو ذلك من الاحتمالات التي تضعف الاستدلال بالحديث.\n_________\n(^١) \"إكمال المعلم\" (٣/ ٤٩).\n(^٢) \"التمهيد\" (٢٠/ ١٠٠).\n(^٣) \"المحلى\" (٢/ ٢٣١).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٦) ومسلم (١١).\n(^٥) أخرجه أبو داود (١١١٨)، والنسائي (٣/ ١٠٣)، وأحمد (٢٩/ ٢٢١) والزيادة له، والحديث إسناده حسن، صححه ابن خزيمة (٣/ ١٥٦) وله شواهد، ومعنى (آنيت): أخَّرت المجيئ وأبطات.\n(^٦) \"شرح العمدة\" (٤/ ٤٦٨).\n(^٧) \"سبل السلام\" (١/ ٣٠٨) وفي حاشيته على \"شرح العمدة\" (٤/ ٤٦٨).\n(^٨) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٧٩).","vol":"2","page":503},{"text":"لكن قد يشكل على ذلك أن القول بالاستحباب هو قول الجمهور، بل نُقِلَ فيه الإجماع، وما نقل عن الظاهرية، صرح ابن حزم في «المحلى» بخلافه، وعلى هذا فتحية المسجد سنة مؤكدة لا ينبغي تركها.\n\nالوجه الثالث: عموم الحديث يدل على أن الداخل يصلي ولو في وقت النهي، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وقد نصر ابن تيمية هذا القول (^١)، ووجه ذلك أن حديث النهي «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس» قد ثبت تخصيصه بقضاء الفائتة وإعادة الجماعة وركعتي الطواف - كما تقدم في أوقات النهي - وحديث تحية المسجد عام محفوظ لم يدخله التخصيص، والعام الذي لم يدخله التخصيص مقدم على العام الذي دخله التخصيص، ومما يؤيد ذلك أن النبي ﷺ أمر بتحية المسجد حال الخطبة، والنهي عن الصلاة في وقت الخطبة أشد، لأن السامع منهي عن كل ما يشغله عن الاستماع حتى الصلاة، حيث أمر الشرع بتخفيفها، فإذا فُعلت تحية المسجد وقت الخطبة ففعلها في سائر الأوقات أولى.\n\nالوجه الرابع: ظاهر الحديث أنه تستحب التحية لكل مرة إذا تكرر دخوله، قال النووي: (وهو الأقوى والأقرب لظاهر الحديث) (^٢) وأفتى به الشيخ عبد الرحمن السعدي (^٣).\nوالقول الثاني: أنه يكفيه ركعتان، وهو قول الحنفية (^٤)، ونقله المرداوي عن ابن عقيل الحنبلي، وعلل ذلك بالمشقة لو صلّى كل مرة (^٥).\nوهذا هو الأظهر، لأن من خرج من المسجد وعاد إليه عن قرب لم\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٣/ ١٧٨ - ١٩٩، ٢١٠ - ٢١٧).\n(^٢) \"المجموع\" (٤/ ٥٢).\n(^٣) \"الفتاوى السعدية\" ص (١٦١).\n(^٤) \"حاشية ابن عابدين\" (٢/ ١٩).\n(^٥) \"تصحيح الفروع\" (١/ ٥٠٢).","vol":"2","page":504},{"text":"يخرج خروجًا منقطعًا، فلا يعد خروجًا، بدليل أن مثل ذلك لا يقطع اعتكاف المعتكف، أما من خرج خروجًا منقطعًا ولم ينوِ الرجوع فهذا تشرع له التحية مرة أخرى إن رجع (^١)، والله أعلم.\nانتهى الجزء الثاني، ويليه - بعون الله وتوفيقه - الجزء الثالث\nوأوله: باب «صفة الصلاة»\n_________\n(^١) انظر: \"فتاوى ابن عثيمين\" (١٤/ ٣٥٣).","vol":"2","page":505},{"text":"<span data-type='title' id=toc-228>باب صفة الصلاة</span>\nالمراد بصفة الصلاة: الكيفية التي ينبغي أن تكون عليها، وذلك بتحقيق أركانها وواجباتها، وسننها القولية والفعلية.\nوالنبي ﷺ قد بيَّن للأمة صفة الصلاة بالقول والفعل، وقال: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (^١).\nولهذا حرص الصحابة ﵃ على التأسي بالنبي ﷺ في الصلاة حتى سألوه عن أشياء، ونقلوا هذه الصفة للأمة، ومن الملاحظ في أحاديث صفة صلاة النبي ﷺ أنه لم يستوعب أحد من الصحابة صفة الصلاة كاملة، وإنما أخذ مجموعها من مجموعهم، كما سيتبين ذلك إن شاء الله.\nوحريٌّ بالمكلف أن يتأسى بنبيه ﷺ في صفة صلاته، فإن ذلك أقوى في إيمانه، وأدل على اتباعه لرسول الله ﷺ، وأكمل في عبادته، وكثير من الناس يُخِلُّون في الصلاة بأشياء، إما جهلًا وإما تهاونًا.\nوقد عقد المصنف هذا الباب لسياق الأحاديث الدالة على صفة الصلاة، وهي في صفة صلاة النبي ﷺ، وقد رتبها ترتيبًا مناسبًا، فذكر في أول الباب حديث المسيء في صلاته، وفيه بيان صفة الصلاة بالقول، ثم ذكر حديث أبي حميد الساعدي ﵁ في صفة صلاة النبي ﷺ، ثم ساق بعد ذلك أحاديث كثيرة في جزئيَّات الصلاة ابتداء من أدعية الاستفتاح إلى نهاية الصلاة.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه إن شاء الله.","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type='title' id=toc-229>صفة الصلاة بالقول</span>\n٢٦٧/ ١ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُم ارْكَعْ حَتَّى تَطمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثمَّ افْعَلْ ذلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ، وَاللّفْظُ لِلْبُخَاريِّ.\nوَلاِبنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادِ مُسْلِمٍ: «حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا».\n٢٦٨/ ٢ - وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ.\nوَفي لفظٍ لأحْمَدَ: «فَأَقِمْ صُلْبَكَ حَتَّى تَرْجِعَ الْعِظَامُ».\nوَلِلنَّسَائِيِّ، وَأَبي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ: «إنَّهَا لَنْ تَتِمَّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، ثمَّ يُكَبِّرَ اللهَ، وَيَحْمَدَهُ، وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ».\nوَفِيهَا: «فَإنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ وَإلاَّ فَاحْمَدِ اللهَ، وَكَبِّرهُ، وَهَلِّلْهُ».\nوَلأبي دَاوُدَ: «ثمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقرآن وَبِمَا شَاءَ اللهُ».\nوَلاِبْنِ حِبَّانَ: «ثمَّ بِمَا شِئْتَ».\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو رفاعة - بكسر الراء وتخفيف الفاء - بن رافع بن مالك بن العجلان","vol":"3","page":6},{"text":"الأنصاري الخزرجي الزُّرَقي، أبو معاذ، وأمه أم مالك بنت أُبيّ ابن سلول، أخت عبد الله بن أُبي رأس المنافقين. شهد بدرًا وأُحدًا وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ، وشهد معه بدرًا أخواه: خلاّد ومالك ابنا رافع، واختلف في شهود أبيهم رافع بن مالك بدرًا، مع الاتفاق على أنه شهد العقبتين.\nروى رفاعة عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعبادة بن الصامت ﵄ وروى عنه ابناه: عبيد ومعاذ، وابن أخيه يحيى بن خلاد وابنه علي بن يحيى بن خلاد، مات رفاعة في أول إمارة معاوية، سنة إحدى أو اثنتين وأربعين ﵁ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث حديث جليل القدر، عظيم الفائدة، يعرف عند العلماء بحديث (المسيء في صلاته)، وتظهر أهمية الحديث من جهة أنه تضمَّن أحكامًا كثيرة من صفة صلاة النبي ﷺ، بيَّنها بالقول، ومعلوم أن القول مقدم على مجرد الفعل، وفي ذلك بيان لمجمل الأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله: «صلُّوا كما رأيتموني أصلي».\nوهذا الحديث له طرق وألفاظ، وقد رواه اثنان من الصحابة:\n١ - أبو هريرة ﵁.\n٢ - رفاعة بن رافع ﵁.\nأما حديث أبي هريرة ﵁، فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «وجوب القراءة للإمام والمأموم» (٧٥٧) وفي باب «أمر النبي ﷺ الذي لا يتم ركوعه بالإعادة» (٧٩٣) وفي مواضع أخرى، وأخرجه مسلم (٣٩٧) وأبو داود (٨٥٦) والترمذي (٣٠٣) والنسائي (٢/ ١٢٤) وابن ماجه (١٠٦٠) وأحمد (٢/ ٤٣٧) كلهم من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر، قال:\n_________\n(^١) \" الاستيعاب\" (٣/ ٢٦٨)، \"الإصابة\" (٣/ ٢٨١).","vol":"3","page":7},{"text":"حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.\nوقد ذكر الحافظ أن هذا لفظ البخاري، مع أن فيه بعض الاختلاف، وله طرق أخرى عن عبيد الله بن عمر، في «الصحيحين» وغيرهما.\nوجاء من طريق عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري - وليس فيه عن أبيه - أخرجه البخاري في كتاب «الاستئذان» (٦٢٥١) ومسلم (٣٩٧) والترمذي (١/ ٣٣٤) وابن ماجه (١٠٦٠) ولفظ ابن ماجه: (ثم ارفع حتى تطمئن قائمًا ..).\nويعني الحافظ بذلك أن لفظ (تطمئن) جاء في رواية ابن ماجه عوضًا عن قوله (تعتدل) في لفظ البخاري، وبينهما فرق.\n\nوقوله: (بإسناد مسلم)، أي: بإسنادٍ رجاله رجال مسلم، وقد تبين من هذا التخريج أنه بإسنادٍ رجاله رجال الشيخين، لا رجال مسلم فقط.\nأما حديث رفاعة ﵁ فهو حديث مهم، لأنه كان حاضرًا للقصة بنفسه، ولأن مسيء الصلاة وهو خلاد - كما سيأتي - أخو رفاعة، فيكون فيه مزيد ضبط وإتقان، ولهذا جاءت روايته للحديث كثيرة الزيادات والفوائد، وأكثر من استوفى ألفاظ الحديث: أبو داود، والنسائي، وقد أخرج حديثه أبو داود (٨٥٩) والنسائي (٢/ ٢٢٦) وأحمد (٤/ ٣٤٠) وابن حبان (١٧٨٧) من طريق علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه يحيى، عن عمه رفاعة، وقد رواه عن علي بن يحيى: محمد بن عجلان، وإسحاق بن عبد الله، ومحمد بن إسحاق، وإسماعيل بن جعفر، وغيرهم.\nوقد اقتصر الحافظ من هذه الروايات على القدر الزائد على ما في حديث أبي هريرة، ولم يسق حديث رفاعة بلفظه، ولولا خشية الإطالة لذكرت لفظ الحديث عند أبي داود والنسائي وأحمد وابن حبان.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا قمت إلى الصلاة ..) هذا الخطاب للمسيء في صلاته، وهو خلاد بن رافع، جد علي بن يحيى، أحد رواة الحديث - كما تقدم - وقد جاء","vol":"3","page":8},{"text":"ذلك صريحًا في رواية ابن أبي شيبة، كما ذكر الحافظ (^١)، وقد حذف الحافظ أول الحديث: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: «ارجع فصلّ فإنك لم تصل»، فصلى ثم جاء فسلّم على النبي ﷺ فقال: «ارجع فصلّ فإنك لم تصلّ» ثلاثًا، فقال: (والذي بعثك بالحق فما أحسِنُ غيره فعلِّمني)، فقال: «إذا قمت …» الحديث.\nوإنما ردده النبي ﷺ ثلاث مرات ليتذكر إن كان ناسيًا، أو ليشتدّ شوقه إلى العلم إن كان جاهلًا، فيكون أدعى لقبوله، وليس ذلك من باب التعزير على الخطأ، بل من باب تحقق الخطأ.\n\nقوله: (فأسبغ الوضوء) هذه الجملة وقعت عند البخاري من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، به. وعند مسلم من طريق عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، به (^٢).\nوالإسباغ لغة: الإتمام، ومنه: درع سابغ، والمراد به: إبلاغه مواضعه، وقد ورد عن ابن عمر ﵄ أنه قال: إسباغ الوضوء: (الإنقاء) (^٣)، وهو من تفسير الشيء بلازمه، إذ الإتمام يستلزم الإنقاء عادة.\n\nقوله: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) لم تختلف الروايات في هذا عن أبي هريرة، وإنما جاء الاختلاف في روايات حديث رفاعة، كما أشار إليه الحافظ.\n\nقوله: (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا) أي: احنِ ظهرك حتى تستقرّ راكعًا، والطمأنينة: هي السكون وإن قلّ، واصطلاحًا: هي استقرار الأعضاء زمنًا ما.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٧٧).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٦٦٦٧)، ومسلم (٣٩٧) (٤٦).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" بإسناد صحيح، كما قال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٢٤٠)، وقد علقه البخاري، في كتاب \"الوضوء\" (١/ ٢٣٩)، وانظر: \"تغليق التعليق\" (٢/ ٩٩).","vol":"3","page":9},{"text":"قوله: (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) أي: ارفع ظهرك حتى تنتصب قائمًا، وإنما ذكر الاعتدال هنا دون الطمأنينة، لأن القائم يعتدل ويستوي، وذلك مستلزم للطمأنينة، وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ وأحمد من حديث رفاعة ﵁: (حتى تطمئن قائمًا)، وعند أحمد وابن حبان من حديث رفاعة ﵁: (فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها)، والصُّلب: بضم الصاد وسكون اللام وقد تُضم: هو فقار الظهر، وأورد الحافظ رواية ابن ماجه، لأن الطمأنينة أبلغ من الاعتدال، لأنها اعتدال وزيادة، أو يقال: إن القائم يعتدل ويستوي، وذلك مستلزم للطمأنينة، وأما رواية أحمد وابن حبان فلعله أوردها، لأنها تفسير لكمال الاعتدال.\n\nقوله: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) أي: افعل كل ما سبق عدا تكبيرة الإحرام، (في صلاتك كلها): يحتمل أن المراد ما بقي من ركعات صلاته، أو أن المراد صلواته المستقبلة.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب الوضوء للصلاة، وأن المكلف مأمور بإسباغه، وهو إكماله وإتمامه، وتقدم ذلك في «الوضوء».\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على وجوب استقبال القبلة في الصلاة، وتقدم ذلك.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على وجوب تكبيرة الإحرام، بلفظ: (الله أكبر)، لقوله: (فكبر)، وعند الطبراني (ثم يقول: الله أكبر) وهي ركن لا تنعقد الصلاة إلا بها، ولو قال: الله أجلّ، أو أعظم، لم يصح، خلافًا لمن قال: تنعقد الصلاة بكل ما يدل على التعظيم، والحديث يرد ذلك، مع ما سيأتي من أحاديث في صفة صلاة النبي ﷺ، كحديث عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير …)، وظاهر الحديث أن دعاء الاستفتاح لا يجب، إذ لو وجب لأمره به، وقيل: إن رواية أبي داود تفيد ذلك، (ثم يكبر الله ويحمده ويثني عليه، ويقرأ بما شاء من القرآن ..)، وقيل: إن المراد بذلك: الفاتحة، ومع الاحتمال لا يثبت شيء من ذلك.","vol":"3","page":10},{"text":"الوجه السابع: الحديث دليل على وجوب قراءة ما تيسر من القرآن، والقراءة ركن في الصلاة، وتتعين الفاتحة لمن يحسنها، لأن قوله في رواية أبي داود: (ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله)، وفي رواية ابن حبان: (ثم بما شئت) بيان لما أُجمل في رواية الصحيحين: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)، فيكون هذا مرادًا به الفاتحة، لأنها كانت المتيسرة، لحفظ المسلمين لها، أو ما زاد على الفاتحة، جمعًا بينه وبين الروايات الأخرى من جهة، وبينه وبين أدلة إيجاب الفاتحة من جهة أخرى، ويؤيد ذلك حديث أبي سعيد ﵁: (أُمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر) (^١). فإذا جمع بين ألفاظ الحديث كان تعين الفاتحة هو الأصل لمن معه قرآن، فإن عجز عن تعلمها وكان معه شيء من القرآن قرأ ما تيسر، وإلا انتقل إلى الذكر، فالمراحل ثلاث بالتدريج، وبهذا يتضح وجه إيراد الحافظ للروايات في حديث رفاعة ﵁ وقد دلّ على أن من لا يحسن شيئًا من القرآن فإنه يجزئه الحمد والتكبير والتهليل، دون أن يتعين عليه لفظ معين أو قدر معين، وسيأتي ذلك إن شاء الله في حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ رقم (٢٨٥).\n\nالوجه الثامن: وجوب الركوع والقيام منه والسجود مرتين والجلوس بينهما، وهي أركان لا تصح الصلاة إلا بها؛ لأن الرسول ﷺ علمها المسيء بلفظ الأمر الدال على الوجوب، وقال له: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها).\n\nالوجه التاسع: وجوب الطمأنينة في هذه الأركان كلها، وهي ركن لا تصح الصلاة بدونها على قول الجمهور من الشافعية والحنابلة والمالكية والظاهرية، لأن الرسول ﷺ ذكرها هنا في الركوع والرفع والسجود والرفع منه. ولما أخلّ بها قال له: «ارجع فصلّ فإنك لم تصل»، فأمره بالإعادة وأخبره بأنه لم يصلِّ، مع أنه كان جاهلًا، فدل ذلك على أن من ترك الطمأنينة فإنه لم يصلِّ (^٢)، ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية إجماع الصحابة على وجوب\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٨١٨) بسند قوي، كما في \"فتح الباري\" (٢/ ٢٤٣).\n(^٢) انظر: \"الإفصاح\" (١/ ١٣٠)،\"المحلى\" (٣/ ٢٥٤)، \"الفتاوى\" (٢٢/ ٥٣٠).","vol":"3","page":11},{"text":"السكون والطمأنينة في الصلاة (^١).\nوالقول الثاني: أنها واجبة وليست بفرض، فتصح الصلاة بدونها مع الإثم، وقد نقل هذا عن أبي حنيفة ومحمد، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] ولم يذكر الطمأنينة، لأن الركوع هو الانحناء، والسجود هو الانخفاض، فتتعلق الركنية بالأدنى فيهما (^٢).\nوالصحيح الأول؛ لقوة دليله، فإنه نص صحيح صريح في هذا الباب، يؤيد ذلك حديث أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته»، قالوا: (يا رسول الله، وكيف يسرق من صلاته؟)، قال: «لا يتم ركوعها وسجودها»، أو قال: «لا يقيم صلبه في الركوع والسجود» (^٣).\nوأما الآية فهي مطلقة بينت السنة المراد بها، فإن النبي ﷺ فسَّر الركوع والسجود بفعله وقوله، على أن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: (إن الركوع والسجود في لغة العرب لا يكون إلا إذا سكن حين انحنائه، وحين وضع جبهته على الأرض، فأما مجرد الخفض والرفع عنه فلا يسمى ذلك ركوعًا ولا سجودًا، ومن سماه ركوعًا وسجودًا فقد غلط على اللغة …) (^٤).\nوقد اختلف العلماء في حد الاطمئنان المطلوب على قولين:\nالأول: أن المطلوب هو السكون وإن قلّ، وكأن هؤلاء نظروا إلى المعنى اللغوي.\nالثاني: أن المطلوب الاطمئنان بقدر الذكر الواجب بلا عجلة، ففي الركوع يطمئن بقدر ما يقول: سبحان ربي العظيم، وفي الاعتدال بقدر ما يقول: ربنا ولك الحمد، وهكذا، وهذا هو الأقوى، والفرق بين القولين: أنه إذا نسي التسبيح في ركوعه أو سجوده، أو التحميد في اعتداله، أو سؤال المغفرة في جلوسه وقلنا: إن الطمأنينة هي السكون فصلاته صحيحة، ويسجد\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٥٦٩).\n(^٢) \"الهداية\" (١/ ٤٩).\n(^٣) أخرجه أحمد (٣٧/ ٣١٩) وإسناده صحيح.\n(^٤) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٥٦٩).","vol":"3","page":12},{"text":"لترك الواجب مما ذكر، وعلى القول الثاني تكون صلاته غير صحيحة، لأنه لم يستقر بقدر الذكر الواجب حيث لم يأت به (^١).\n\nالوجه العاشر: الحديث دليل على وجوب الترتيب بين هذه الأركان على الصفة المذكورة في الحديث، لأن الرسول ﷺ ذكر هذه الأفعال مرتبة بـ (ثم) وهي نص في الترتيب، وهو ركن لا تصح الصلاة إلا به، وقد واظب النبي ﷺ على هذا الترتيب في جميع صلاته، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي».\n\nالوجه الحادي عشر: تبين مما تقدم أن هذا الحديث دليل على وجوب ما ذكر فيه، لأن النبي ﷺ أمر هذا الرجل بأداء الصلاة على هذا الوصف الذي علمه إياه، وهذا دليل على وجوب ما ذكر فيه.\nأما ما لم يذكر فيه فلا ريب أن الحديث لم يشتمل على واجبات أخرى في الصلاة، كأذكار الركوع والسجود وركني الاعتدال، والتشهد، والصلاة على النبي ﷺ والتسليم وغير ذلك، والحديث تطرقه احتمالات، منها: أن النبي ﷺ لم يُعَلِّم الرجل كل الواجبات، بل يحتمل أنه اقتصر في تعليمه على ما رآه أساء فيه، أو أن الواجبات الأخرى وجبت بعد ذلك، أو أنه علمه معظم الأركان وأهمها وأحال بقية تعليمه على مشاهدة النبي ﷺ في صلاته أو نحو ذلك، ومع هذه الاحتمالات فالحديث من قبيل المشتبه المجمل المعارض لأدلة صحيحة صريحة في واجبات أخرى.\nوعلى هذا فما جاء بصيغة الأمر في غير هذا الحديث فالقول بوجوبه ظاهر، ما لم يأت دليل صارف له عن الوجوب، لأن الأخذ بالزائد واجب، ولأن الحديث الذي جاء بصيغة الأمر إثبات لزيادة، فيعمل بها، وحديث المسيء لا يدل على عدم وجوب ما لم يذكر فيه.\nلكن لا بد للباحث المستدل أن يتتبع روايات الحديث ويجمع طرقه، لئلا ينفي شيئًا، وهو قد ورد فيه كما وقع لبعض الشراح، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الإنصاف\" (٢/ ١١٣).","vol":"3","page":13},{"text":"<span data-type='title' id=toc-230>من صفة صلاة النبي - ﷺ </span>-\n٢٦٩/ ٣ - وَعَنْ أَبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ إذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإذَا رَفَعَ رَأَسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قابضِهما، واستقبلَ بِأَطْرَافِ أَصابعِ رجلَيْهِ القِبْلةَ، وإذا جَلَسَ في الرَّكْعَتيْنِ جَلَسَ على رِجْلِه اليُسرى ونَصَبَ اليُمنى، وَإذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الأخِيرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو أبو حميد - بصيغة التصغير - بن سعد الأنصاري الخزرجي الساعدي، نسبة إلى ساعدة، وهو أبو الخزرج، مشهور بكنيته، مختلف في اسمه، فقيل: المنذر بن سعد، وقيل: عبد الرحمن، وقيل غير ذلك، روى عنه من الصحابة: جابر بن عبد الله ﵁ ومن التابعين: عروة بن الزبير، والعباس بن سهل، وولد ولده سعيد بن المنذر بن أبي حميد، ومحمد بن عمرو بن عطاء. مات في آخر خلافة معاوية في حدود سنة ستين ﵁ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nحديث أبي حميد الساعدي حديث عظيم جليل القدر، لأنه وصف صلاة\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١١/ ١٩٩)، \"الإصابة\" (١١/ ٨٩).","vol":"3","page":14},{"text":"النبي ﷺ وصفًا دقيقًا، وصفها بالقول، ووصفها بالفعل حيث صلّى كما شاهد النبي ﷺ يصلي، واشتمل على جملة كبيرة من صفة الصلاة، وأقره على هذا الوصف تسعة من أصحاب النبي ﷺ وهو عاشرهم.\nوقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة»، باب «سنة الجلوس في التشهد» (٨٢٨) وأبو داود (٧٣١) من طريق محمد بن عمرو بن طلحة، عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبي ﷺ، فذكرنا صلاة النبي ﷺ فقال أبو حميد الساعدي ﵁: (أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ، رأيته إذا كبر …) الحديث باللفظ المذكور هنا.\nوالحديث له طرق كثيرة وألفاظ متعددة، لكن يلاحظ أن الحافظ ما ذكر شيئًا من رواياته وألفاظه، كما هي عادته في مثل ذلك، لأن الحديث باللفظ المذكور لم يرد فيه شيء من أركان الصلاة، مع أنها وردت في روايات أخرى من حديث أبي حميد ﵁، ولعله اكتفى بسياق الأحاديث الآتية، ومنها؛ حديث أبي حميد الساعدي في إحدى رواياته مختصرًا، والله أعلم.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبي ﷺ) جاء في رواية أبي داود عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: (سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو قتادة ..) الحديث - وسيأتي - وجاء في طرق أخرى: أبو أُسيد الساعدي، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، وأبو هريرة، وأبو حميد الساعدي، فيكون المجموع ستة صحابة.\n\nقوله: (إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه)، أي: قال: الله أكبر، وهي تكبيرة الإحرام، و(جعل) بمعنى: رفع يديه، وقد جاء ذلك في حديث ابن عمر ﵄ وغيره، ومعنى: (حذو منكبيه)، أي: مقابلهما، والمنكب: رأس الكتف، وفي «القاموس»: أنه مجتمع رأس الكتف والعضد (^١).\n\nقوله: (وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه) يفسر ذلك رواية أبي داود من\n_________\n(^١) (٤/ ٤٣٥).","vol":"3","page":15},{"text":"طريق فليح بن سليمان: (ثم ركع، فوضع يديه على ركبتيه، كأنه قابض عليهما، ووتّرَ يديه، فتجافى عن جنبيه، لم يصبّ رأسه، ولم يقنعه).\nومعنى (وتَّر يديه) أي: عوجهما؛ من التوتير، وهو جعل الوتر على القوس، فشبه يد الراكع إذا مدها قابضًا على ركبتيه بالقوس إذا أوترت.\n\nقوله: (ثم هصر ظهره) أي: ثناه في استواء من غير تقويس، وأصل الهصر: أن تأخذ برأس العود فتثنيه إليك وتعطفه، وقد جاء في رواية أبي داود: (لم يصبّ رأسه ولم يقنعه).\n\nقوله: (حتى يعود كل فَقَارٍ إلى مكانه)، الفقار: بفتح الفاء والقاف، واحدتهما: فَقَارَةٌ، وهي مفاصل عظام الصلب والعنق (^١).\n\nقوله: (غير مفترش ولا قابضهما)، الافتراش عائد على الذراعين، وقد ورد عند ابن حبان: (غير مفترش ذراعيه)، وهو بسطهما على الأرض في السجود؛ والذراع: هو العظم الذي بين العضد والكف، وقوله: (ولا قابضهما)، أي: لا يضمهما إليه.\n\nقوله: (وقعد على مقعدته) المقعدة: هي السافلة من الشخص.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية رفع اليدين إلى حذو المنكبين عند تكبيرة الإحرام، وسيأتي في حديث ابن عمر ﵄ وغيره مواضع أخرى في الصلاة لرفع اليدين.\nوظاهر هذا الحديث أن الرفع يكون إلى حذو المنكبين، وقد ورد في حديث وائل بن حجر ﵁ الآتي: (حتى يحاذي بهما فروع أذنيه). وبهذا يتبين أن ما يفعله بعض الناس من رفع يديه إلى سرَّته أو فوقها بقليل أن هذا تقصير في تطبيق السنة.\nوظاهر الحديث - أيضًا - أنه يُكبر ثم يرفع، لقوله: (إذا كبر جعل ..) وفي حديث مالك بن الحويرث ﵁: (كبر ثم رفع يديه) (^٢)، وفي رواية لأبي\n_________\n(^١) انظر: \"خلق الإنسان في اللغة\" ص (١٢٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٩١).","vol":"3","page":16},{"text":"داود من طريق يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد ﵁: (كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يُكبر) (^١). وظاهر هذا أنه يرفع يديه ثم يكبر.\nوفي حديث ابن عمر ﵄ قال: (رأيت النبي ﷺ افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه حين يُكبر ..) (^٢).\nوهذا يدل على أن الرفع يقارن التكبير، وفي رواية: (كان رسول الله ﷺ إذا قام للصلاة رفع يديه … ثم كبر) (^٣). وهذا يدل على تقديم رفع اليدين، والأظهر - والله أعلم - أن هذا من العمل المخير فيه، لورود الأدلة بذلك كله.\nوالأفضل أن يبدأ التكبير مع رفع يديه، وينهيه مع انتهاء الرفع، لأن الرفع للتكبير.\n\nالوجه الخامس: الحديث مع رواية أبي داود المذكورة دليل على أن الركوع الموافق للسنة ما اجتمع فيه صفات أربع:\n١ - أن يمكن كفيه من ركبتيه، كأنه قابض عليهما.\n٢ - أن يهصر ظهره ويمده، فلا يقوسه.\n٣ - أن يجعل رأسه حيال ظهره، فلا يرفعه عن مستوى ظهره ولا يخفضه.\n٤ - أن يجافي مرفقيه عن جنبيه ما لم يؤذ أحدًا وإلا ترك ذلك.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على صفة الرفع من الركوع وهو أن يرفع رأسه من الركوع مكبرًا رافعًا يديه، ويعتدل قائمًا حتى يرجع كل عضو إلى موضعه، وفي قوله: (حتى يعود كل فقار مكانه) دليل على وجوب الطمأنينة في الرفع من الركوع، كما تقدم في حديث المسيء.\n_________\n(^١) \"السنن\" (٧٣٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٣٥) ومسلم (٣٩٠).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٣٩٠) (٢٢).","vol":"3","page":17},{"text":"الوجه السابع: الحديث دليل على صفة السجود وقد جاء في رواية أبي داود: (ثم سجد فأمكن أنفه وجبته، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه)، وقد دل على أن السجود الموافق للسنة ما اجتمع فيه هذه الصفات:\n١ - أن يبسط كفيه على الأرض مضمومتي الأصابع إلى القبلة.\n٢ - لا يفترش ذراعيه، بل يرفعهما ويجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ما لم يؤذ أحدًا، وأن يثني أصابع رجليه بحيث تكون في اتجاه القبلة، وسيأتي زيادة تفصيل في الأحاديث الآتية إن شاء الله.\n\nالوجه الثامن: الحديث دليل على صفة الجلوس في التشهد الأول، وهي أن يجلس مفترشًا رجله اليسرى ناصبًا اليمنى، ولم يذكر في رواية البخاري صفة اليدين حال التشهد، وقد ورد ذلك في رواية لأبي داود، وسيأتي بيان ذلك في حديث ابن عمر ﵄ إن شاء الله.\n\nالوجه التاسع: الحديث دليل على صفة الجلوس في التشهد الأخير، وهي التورك؛ ومعناه: أن يفرش رجله اليسرى ويخرجها عن يمينه، وينصب اليمنى، جاعلًا مقعدته على الأرض.\nوفي ذكره كيفية الجلوسين دليل على تغايرهما، وكأن الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن التشهد الأول أخف، فيكون الجالس فيه متهيئًا للقيام، بخلاف التشهد الأخير، فإنه لطوله يكون الجالس مستقرًا.\nوقد جاء عند أبي داود في حديث أبي حميد ﵁: (فإذا كانت الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة)، وفي لفظ آخر: (فإذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخرج رجله اليسرى، وقعد متوركًا على شقه الأيسر) (^١).\nوهذا دليل لمالك والشافعي وأحمد على مشروعية التورك في التشهد الأخير، وله صفتان، كما في لفظ البخاري، ورواية أبي داود المذكورة.\nلكن الشافعي ومالك يقولان بأنه يتورك في التشهد الأخير مطلقًا، سواء\n_________\n(^١) \"السنن\" (٩٦٣) و(٩٦٥).","vol":"3","page":18},{"text":"كانت الصلاة فيها تشهدان، كالرباعية والثلاثية، أم لا كالفجر (^١).\nوقال أحمد: يتورك في كل صلاة فيها تشهدان، استدلالًا بحديث أبي حميد بلفظ البخاري، لأنه ذكر التورك في الجلسة التي في التشهد الثاني، وقد ذكر قبله صفة جلوسه في التشهد الأول (^٢).\nوأما لفظ أبي داود: (حتى إذا كانت الجلسة التي فيها التسليم ..)، فإنه وإن كان ظاهره أن التورك في كل تشهد يليه سلام لكنه ليس بصريح في الدلالة، لأن قائل ذلك ذكر صفة جلوسه في التشهد الأول.\nفإن كانت الصلاة ثنائية كالفجر جلس مفترشًا، وقد جاء في «مسائل الإمام أحمد» لابن هانئ: سألت أبا عبد الله عن التورك في الصلاة؟ قال: في الظهر والعصر والمغرب وعشاء الآخرة (^٣).\nوفي «مسائله» لابنه عبد الله قال: سألت أبي عن التورك في الصلاة؟ فقال: حديث أبي حميد عن النبي ﷺ أنه كان يتورك في الرابعة، قلت لأبي: ففي الفجر وفي صلاة الجمعة يتورك؟ قال: لا يتورك في الفجر ولا في الجمعة، إنها جلسة واحدة، قلت لأبي: فإن الشافعي يقول: يتورك، لأن التورك إنما جعل من طول القعود؟ قال أبي: ليس هو عندي كذا، لا يتورك الرجل إلا في الصلاة التي يجلس فيها جلستين (^٤).\nوقد ذكر الألباني في صفة الصلاة أنه ﷺ كان يجلس مفترشًا إذا كانت الصلاة ركعتين كالصبح، كما كان يجلس بين السجدتين، وعزاه للنسائي بإسناد صحيح (^٥)، وأما أبو حنيفة فإنه يرى الافتراش مطلقًا، فيفترش رجله اليسرى، وينصب اليمنى في القعدتين جميعًا (^٦)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المهذب\" (١/ ١١٣) \"بداية المجتهد\" (١/ ٣٣٠).\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ٢٢٥).\n(^٣) \"المسائل\" ص (٧٩)، \"المغني\" (٢/ ٢٢٧).\n(^٤) ص (٨٠).\n(^٥) \"سنن النسائي\" (٢/ ٢٣٦) وانظر: \"أصل صفة صلاة النبي -ﷺ-\" للألباني (٣/ ٨٢٩).\n(^٦) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٥٨)، \"بدائع الصنائع\" (١/ ٢١١).","vol":"3","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-231>أدعية الاستفتاح في الصلاة</span>\n٢٧٠/ ٤ - وَعَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّموَاتِ» … إلَى قَوْلِهِ: «مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ المَلِكُ لَا إلهَ إلاَّ أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ …» إلَى آخِرِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَفي رِوَايَةٍ لَهُ: أَنَّ ذلِكَ في صَلَاةِ اللَّيْلِ.\n٢٧١/ ٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيَّةً، قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ والثَّلْجِ وَالْبَرَدِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n٢٧٢/ ٦ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إلهَ غَيْرُكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ، والدَّارَقُطْنِيُّ مَوْصُولًا وَهو مَوقُوفٌ.\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث علي ﵁ فقد أخرجه مسلم في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» باب «الدعاء في صلاة الليل وقيامه» (٧٧١) من طريق عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال:","vol":"3","page":20},{"text":"«وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. اللهم، أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت. واصرف عني سَيِّئَهَا، لا يصرف عني سيئها إلا أنت. لَبَّيْكَ! وسعديك! والخير كله في يديك. والشر ليس إليك. أنا بك وإليك. تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك». وإذا ركع قال: «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي وعصبي». وإذا رفع قال: «اللهم، ربنا لك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد». وإذا سجد قال: اللهم، لك سجدت. وبك آمنت. ولك أسلمت. سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين». ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم «اللهم، اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلاّ أنت».\nوقول الحافظ: (وفي رواية له: أن ذلك في صلاة الليل)، وهم منه ﵀، فليس عند مسلم ما يدل على أن ذلك في صلاة الليل مع أنه أخرجه من وجهين، صحيح أنه أخرجه في أحاديث صلاة الليل، لكن هذا لا يدل على أنه ﷺ كان يقوله في التهجد، وقبل ذلك ذكر ابن القيم (^١) أن المحفوظ أن هذا الاستفتاح إنما كان يقوله في صلاة الليل، وكذا ذكر ابن دقيق العيد (^٢)، ولعل ذلك الوهم كان بسبب طول هذا الاستفتاح، وأنه يناسب صلاة الليل، والله أعلم.\nوقد روى الترمذي (٣٤٢٣) وأبو داود (٧٦١) هذا الحديث، ولم يقع عندهما أن ذلك في صلاة الليل، بل وقع في بعض طرقه عندهما (إذا قام إلى الصلاة المكتوبة) وكذا وقع عند غيرهما.\nوأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة»،\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (١/ ٢٠٣).\n(^٢) \"الإلمام\" ص (٩٧).","vol":"3","page":21},{"text":"باب «ما يقول بعد التكبير» (٧٤٤) ومسلم (٥٩٨) من طريق عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو، عن أبي هريرة ﵁ قال: فذكر الحديث بتمامه، وفيه اختلاف يسير في أوله عما في «الصحيحين».\nوأما حديث عمر ﵁ فقد أخرجه مسلم (٣٩٩) (٥٢) في كتاب «الصلاة»، باب «عدم الجهر بالبسملة» من طريق الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يقول: سبحانك اللهم وبحمدك.\nوهذا سند منقطع - كما قال الحافظ - لأن عبدة لم يسمع من عمر ﵁ قال ابن كثير: (عبدة بن أبي لبابة لم يدرك عمر بن الخطاب، وإنما لقي ابنه عبد الله بن عمر كما قال الإمام أحمد بن حنبل، وهو من ثقات المسلمين وأئمتهم، وهذا الأثر ثابت عن أمير المؤمنين من غير وجه) (^١).\nوقد أخرجه مسلم استطرادًا، لأن مقصوده الأصلي هو الحديث الذي أخرجه بعد هذا الأثر، في عدم الجهر بالبسملة، وهو صحيح متصل، وإنما لم يقتصر على الحديث المتصل، لأنه سمعه هكذا فأداه كما سمعه، ولهذا نظائر ولا إنكار في هذا كله.\nوقد رواه الدارقطني في سننه (١/ ٢٢٩ - ٣٠٠) موصولًا من طريق عبد الله بن شبيب، حدثني إسحاق بن محمد، عن عبد الرحمن بن عمر بن شيبة، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، به مرفوعًا.\nقال الدارقطني عقبه: (رفعه هذا الشيخ - يعني عبد الرحمن - عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر عن النبي ﷺ، والمحفوظ عن عمر من قوله، كذلك رواه إبراهيم عن علقمة والأسود عن عمر، وكذلك رواه يحيى بن أيوب، عن عمر بن شيبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر من قوله، وهو الصواب)، ثم ساق هذه الروايات بأسانيدها.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (سكت هنية) بضم الهاء وفتح النون بعدها ياء مشددة ثم هاء،\n_________\n(^١) \"مسند الفاروق\" (١/ ١٦٧).","vol":"3","page":22},{"text":"تصغير: هَنَةً، والهنة والهَنُ كناية عن كل شيء، وأصله: هَنَوَةٌ، فلما صُغّرَ صار هُنيوة، فاجتمعت الواو والياء في كلمت وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ثم أُدغمت الياء في الياء، فصارت: هُنية، وهذه رواية الأكثرين كما قال القاضي عياض (^١).\nوذكر القرطبي أن أكثر رواة مسلم قالوه بالهمز: هُنَيئة - على وزن حُطيئة (^٢) - وقد حكم النووي على الهمز بأنه خطأ (^٣) ولا داعي للتخطئة، إذ لا مانع من قلب الياء همزة (^٤)، وهي رواية الجمهور، كما قال القرطبي، وقد وقع في رواية الكشميهني للبخاري: «هنيهة» بإبدال الياء هاء (^٥).\n\nقوله: (فسألته)، هكذا في «البلوغ»، ولفظ «الصحيحين»: (فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟) والجار والمجرور (بأبي أنت وأمي) متعلق بمحذوف خبر مقدم، والتقدير: أنت مفدَّى بأبي وأمي.\n\nقوله: (اللهم) أي: يا الله، فحذفت ياء النداء وعوض عنها الميم.\n\nقوله: (باعد بيني وبين خطاياي)، أي اجعلها بعيدة عني، فلا أقربها، والخطايا: جمع خطيئة، وهي المعصية إما بترك ما يجب أو بفعل ما يحرُم.\n\nقوله: (كما باعدت بين المشرق والمغرب) الكاف للتشبيه، و(ما): مصدرية، والمباعدة بين المشرق والمغرب هي غاية ما يبالغ فيه الناس، والمعنى: باعد بيني وبين خطاياي مثل مباعدتك بين المشرق والمغرب.\n\nقوله: (اللهم نقني) أي: خلصني ونظفني.\n\nقوله: (كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس) أي: كما يُغسل الثوب الأبيض إذا أصابه الدنس، فيرجع أبيض، وخُصَّ الأبيض، لأن النقاء فيه أبلغ حيث إن أقل دنس يتبين فيه بخلاف الأسود، والدنس: الوسخ.\n_________\n(^١) \"إكمال المعلم\" (٢/ ٥٥٠).\n(^٢) \"المفهم\" (٢/ ٢١٦).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ١٠٠).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٢٢٩).\n(^٥) \"المصدر السابق\".","vol":"3","page":23},{"text":"قوله: (اللهم اغسلني من خطاياي)، أي: طهرني بعد التنقية، فكأنه يسأل ألا يفعل الخطايا، ثم إن فعلتها فنقني منها، ثم سأله أن يزيل آثارها بزيادة التطهير بالماء والثلج والبرد.\n\nقوله: (بالماء والثلج والبرد) الثلج: الماء المتجمد، البرد: المطر المتجمد، ومعلوم أن الغسل بالماء الحار أبلغ في الإزالة، ولكن جِيءَ هنا بالثلج والبرد، ليناسب حرارة الذنوب التي يراد إزالتها، نقل ذلك وبسطه ابن القيم عن شيخه ابن تيمية (^١).\n\nقوله: (سبحانك اللهم) سبحان: اسم مصدر منصوب بفعل محذوف ومعناه: تنزيهًا لك يا رب عن كل نقص، إما في الصفات، أو في مماثلة المخلوقات.\n\nقوله: (وبحمدك) الحمد: هو ذكر أوصاف المحمود الكامل، وأفعاله الحميدة مع محبته وتعظيمه، والواو للمعية، فيكون المصلي جمع بين التنزيه والوصف بالكمال الذاتي والفعلي، أي: نزهتك تنزيهًا مقرونًا بالحمد.\n\nقوله: (تبارك اسمك) أي: إن اسم الله تعالى كله بركة، فإذا صاحب شيئًا صارت فيه البركة، وإذا كان الاسم بركة فالمسمى أعظم بركة وأشد وأولى، هذا إن تعلق بالاسم، فإن وصف بها الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان: ١] صار معناه: تعالى وتعاظم، وهذا اللفظ لا يطلق إلا على الله تعالى.\n\nقوله: (وتعالى جدك) أي: ارتفع، والجد: العظمة، والمعنى: أن عظمتك عظمة عالية.\n\nقوله: (ولا إله غيرك) هذه كلمة عظيمة، لأنها كلمة التوحيد، وقد تقدم إعرابها في آخر باب «الوضوء».\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية استفتاح الصلاة بعد تكبيرة\n_________\n(^١) \"إغاثة اللهفان\" (١/ ٥٧).","vol":"3","page":24},{"text":"الإحرام بهذه الاستفتاحات أو بغيرها مما ورد في السنة، وهي كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ثلاثة أنواع: ثناء على الله تعالى متضمن للإخبار عن صفات كماله، ونعوت جلاله مثل: سبحانك اللهم وبحمدك ..، والثاني: ما كان إنشاء من العبد أو اعترافًا بما يجب لله عليه من العبودية مثل حديث علي ﵁، والثالث: ما كان دعاء من العبد، مثل حديث أبي هريرة ﵁ (^١).\nوالأفضل أن يأتي بهذا تارة وبهذا تارة أخرى، لأن في ذلك إحياء للسنة، وهو أحضر للقلب وأدعى لفهم ما يقول، كما أن في ذلك تحصيل مصلحة كل واحد من تلك الأنواع، فإن كل نوع لا بد له من خاصية، ثم إن في المداومة على نوع دون غيره هجرانًا لبعض المشروع، وهذا سبب لنسيانه والإعراض عنه، وهذه قاعدة عامة في كل عبادة جاءت على وجوه متعددة، وهذا كثير في الصلاة، وهو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، وقد تكلم على ذلك الحافظ ابن رجب في قواعده (القاعدة الثانية عشرة) (^٣)، وبسط الكلام على ذلك ابن تيمية بسطًا قد لا تجده لغيره.\nوقد ذكر ابن القيم اختيار الإمام أحمد لحديث عمر ﵁ (سبحانك اللهم وبحمدك) وذلك لعشرة أوجه، منها؛ أن عمر ﵁ جهر به يعلمه الصحابة ﵃، ومنها أنه ثناء على الله تعالى (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٣٧٦).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٤/ ٢٤٢ - ٢٥٢).\n(^٣) \"القواعد\" (١/ ٧٣).\n(^٤) \"زاد المعاد\" (١/ ٢٠٥).","vol":"3","page":25},{"text":"<span data-type='title' id=toc-232>مشروعية الاستعاذة في الصلاة</span>\n٢٧٣/ ٧ - وَنَحْوُهُ عَنْ أَبي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ الْخَمْسَةِ.\nوَفِيهِ: وَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ: «أَعُوذُ بِالله السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ».\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك» (٧٧٥) والترمذي (٢٤٢) والنسائي (٢/ ١٣٢) وابن ماجه (٨٠٤) وأحمد (٨/ ٥١) من طرق، عن جعفر بن سليمان، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك»، ثم يقول: «لا إله إلا الله» ثلاثًا، ثم يقول: «الله أكبر كبيرًا» ثلاثًا «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه» ثم يقرأ. هذا لفظ أبي داود، وعند الترمذي والنسائي وابن ماجه: (كان إذا قام إلى الصلاة) وهذا الإسناد فيه مقال.\nجعفر بن سليمان هو الضُّبَعي، تفرد بهذا الحديث، وهو مختلف فيه، فقد وثقه ابن معين، وقال أحمد: (لا بأس به)، وقال ابن سعد: (كان ثقة وبه ضعف، وكان يتشيع)، وضعفه يحيى بن سعيد القطان، وكان لا يكتب عنه، وقال البخاري: (يخالف في بعض حديثه) (^١).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٨١).","vol":"3","page":26},{"text":"وعلي بن علي الرفاعي، مختلف فيه - أيضًا - فقد وثقه ابن معين وأبو زرعة ووكيع، وقال الشافعي: (لا بأس به)، وقال أحمد: (لم يكن به بأس إلا أنه رفع أحاديث)، وقال ابن حبان: (كان ممن يخطئ كثيرًا على قلة روايته، وينفرد عن الأثبات بما لا يشبه حديث الثقات، لا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد) (^١)، ثم ساق حديثه هذا، وقال الترمذي: (كان يحيى بن سعيد يتكلم في عليّ بن علي الرفاعي)، وبهذا يكون الإسناد ضعيفًا، فإنه مما انفرد به، وقد ضعفه الأئمة كالإمام أحمد وابن خزيمة (^٢).\nوأعل أيضًا بالإرسال؛ قال أبو داود عقبه: (وهذا الحديث يقولون: هو عن علي بن علي عن الحسن مرسلًا، الوهم من جعفر)، وقد ذكره أبو داود في «المراسيل» من رواية الحسن البصري مرسلًا، مع اختلاف عما هنا (^٣).\nوقد أشار العقيلي إلى تقوية الحديث فإنه لما ذكر حديث عائشة ﵂ في هذا الموضوع قال: (وقد روي من غير هذا الوجه بأسانيد جياد) (^٤)، وحسنه الحافظ (^٥) وصححه أحمد شاكر، وقال: (علي بن علي الرفاعي اليشكري ثقة، وثقه ابن معين وأبو زرعة ووكيع، وقال شعبة: (اذهبوا بنا إلى سيدنا وابن سيدنا علي بن علي الرفاعي) (^٦».\nأما الألباني (^٧) فيرى أن الحديث حسن، لأن رجاله كلهم ثقات، وعليٌّ وإن تكلم فيه ابن القطان فقد وثقه جماعة، كما تقدم، ومثل هذا لا يوجب إهدار حديثه، بل يحتج به حتى يظهر خطؤه، وهنا ما روى شيئًا منكرًا، بل تابعه عليه غيره، كما في حديث عائشة ﵂ عند أبي داود (٧٧٦) والترمذي (٢٤٣) وابن ماجه (٨٠٦) وغيرهم، وله شاهد من حديث أنس ﵁ عند الدارقطني (١/ ٣٠٠) والطبراني في «الدعاء» (٢/ ١٠٣٤).\n_________\n(^١) \"المجروحين\" (٢/ ٨٨)، \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٣١٩).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢/ ١١)، \"صحيح ابن خزيمة\" (١/ ٢٣٩).\n(^٣) \"المراسيل\" ص (١٣٧).\n(^٤) \"الضعفاء\" (١/ ٢٨٩).\n(^٥) \"نتائج الأفكار\" (١/ ٤٠٢).\n(^٦) \"جامع الترمذي\" (٢/ ١١).\n(^٧) \"إرواء الغليل\" (٢/ ٥١).","vol":"3","page":27},{"text":"وبالجملة فمن عَوَّلَ على شواهده رأى ثبوت الحديث، وأن إسناده حسن، وأن الاستفتاح بما ذكر فيه ثابت، فإنه وإن تُكُلِّمَ في علي بن علي الرفاعي فقد وثقه من ذكر، ومثل ذلك لا ينزل حديثه عن درجة الحسن، ومن قدح فيه وطعن في شواهده رأى عدم ثبوته، ويكفي في هذا ما تقدم عن الإمام أحمد وابن خزيمة.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أعوذ بالله)، مضارع (عاذ) وهذا اللفظ وما تصرف منه يدور على معنى التحرز والتحصن والنجاة، ومعنى ذلك: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك ويحميك منه.\n\nقوله: (من الشيطان الرجيم) من: لابتداء الغاية ولو لم توجد (إلى) الدالة على انتهاء الغاية، كما ذكر ذلك ابن مالك وابن الحاجب، لأن الغرض ابتداء الاستعاذة من الشيطان مع استمرارها وعدم انقطاعها.\nوالشيطان: اسم مفرد أريد به جنس الشياطين، بدليل الجمع في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]، وأل فيه للعموم، لأن الشياطين كثيرة، من الإنس والجن والدواب المرئية وغير المرئية، وهو مأخوذ من (شَطَنَ) إذا بَعُدَ، سمي بذلك لبعده من الحق والخير وتمرده، وقيل: من شاط يشيط، إذا هلك واحترق، والأول أظهر، بل إنه أصح (^١).\nالرجيم: فعيل بمعنى مفعول، أي: مرجوم، وصف بذلك إما لأنه رُجم عن استراق السمع، أو لأنه رجم باللعنة والمقت وعدم الرحمة، أو بمعنى: فاعل، أي يرجم الناس بالإغواء ويُزين لهم الشر ويحبب لهم الفساد.\n\nقوله: (من همزه)، بدل اشتمال من الشيطان، وقد ورد تفسير هذه الكلمات الثلاث في رواية أبي داود وابن ماجه من حديث عمرو بن مرة، عن عاصم العنزي، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه .. وفيه قال عمرو بن مرة: نفثه: الشعر، ونفخه: الكِبْر، وهمزه: المُوتَةُ.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١/ ١٤٠).","vol":"3","page":28},{"text":"فهمزه: الموتة بضم الميم وسكون الواو بدون همز، وفتح المثناة الفوقية، نوع من الجنون والصرع يعتري الإنسان فإذا أفاق عاد إلى عقله، وأصل الهمز، النخس والغمز والغيبة بين الناس، وسمي به الجنون لأنه سببه، فهو من إطلاق اسم المسبب على السبب.\nونفخه: الكبر، لأن الشيطان ينفخ في الشخص بالوسوسة فيعتقد عظم نفسه وحقارة غيره.\nونفثه: هو الشعر، لأنه كالشيء ينفثه الإنسان من فيه، وذلك لأن الشيطان يحمل الشعراء على المدح والذم والتعظيم والتحقير في غير موضعها.\nقال العيني: (إن كان هذا التفسير من متن الحديث فلا معدل عنه، وإن كان من قول بعض الرواة فلعله يراد منه السِّحْرُ، فإنه أشبه، لما شهد له التنزيل، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]) (^١).\n\nالوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: بمشروعية الاستعاذة في الصلاة قبل القراءة بهذه الصيغة، وله شاهد من حديث جبير بن مطعم وعمر بن الخطاب وأبي أمامة وابن مسعود وغيرهم ﵃ وفي أسانيدها مقال، والقرآن قد دل على صيغة الاستعاذة بدون هذه الزيادة.\nوالاستعاذة مندوبة قبل كل قراءة في الصلاة وخارجها، وهذا مذهب الجمهور، وقالت الظاهرية بوجوبها (^٢)، وهو قول قوي، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، وصيغة (افعل) إذا تجردت عن القرائن فهي للوجوب. ولأن النبي ﷺ واظب عليها، ولأنها تدرأ الشيطان وتبعده، وهذا واجب وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب، وهذا هو الأحوط، قال الإمام أحمد في رواية حنبل: لا يقرأ في صلاة ولا غير صلاة إلا استعاذ، للآية (^٣).\n_________\n(^١) \"العَلَمُ الهَيِّب\" ص (٢٦١).\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ١٤٥) \"المحلى\" (٣/ ٢٤٧).\n(^٣) \" إغاثة اللهفان\" (٩٤).","vol":"3","page":29},{"text":"ويرى بعض العلماء أن القرينة التي صرفت الأمر في الآية إلى الندب هي أن النبي ﷺ لم يعلِّم المسيء في صلاته الاستعاذة، وقد تقدم الجواب عن مثل هذا، وأنه لا يصلح دليلًا لمثل هذا الاستدلال.\nومحل الاستعاذة قبل القراءة في الركعة الأولى، لهذا الحديث وغيره، لأن الاستعاذة للقراءة، وليست للصلاة، إذ لو كانت للصلاة لكانت تلي تكبيرة الإحرام أو قبل تكبيرة الإحرام، وأما الآية الكريمة: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، فالمراد بها: إذا أردت القراءة، جمعًا بين الأدلة، وهذا التأويل له نظائر كثيرة في القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وفي الحديث: (إذا توضأ أحدكم فليستنثر) وكان النبي ﷺ يستنثر في أول وضوئه لا في آخره، وفعل الرسول ﷺ مفسر للآية، ولأن الاستعاذة قبل القراءة مراد بها الالتجاء إلى الله تعالى والاعتصام به من الشيطان ليكون بعيدًا عن قلب القارئ حين يتلو كتاب الله، حتى يحصل له تدبر القرآن وتفهم معانيه والانتفاع به.\nوأما صيغة الاستعاذة فالأمر فيها واسع، فكيفما تعوذ فهو حسن، لإطلاق الآية، واختار بعض العلماء صيغة الآية: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أو يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، فكل ذلك وارد، وإن تعوذ بهذا تارة وبهذا تارة على قاعدة العبادات الواردة على وجوه متنوعة فحسن.\n\nالوجه الرابع: يرى أبو حنيفة وأحمد في رواية عنه، وهو قول للشافعي أن الاستعاذة تختص بالركعة الأولى (^١)، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح للقراءة بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت (^٢)، وعدم السكوت دليل على أنه لا يستعيذ، ولأن\n_________\n(^١) \"الهداية\" (١/ ٥١)، \"الإنصاف\" (٢/ ٧٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٩٩).","vol":"3","page":30},{"text":"الصلاة عمل واحد مفتتح بقراءة، فالقراءة فيها كلها كالقراءة الواحدة، فإذا استعاذ في أولها كفى، واختاره ابن القيم (^١)، والشوكاني (^٢).\nوالقول الثاني: يستعيذ في كل ركعة، وهذا قول للشافعي وصفه النووي بأنه الأصح في مذهب الشافعية (^٣)، لكنه ذكر أنه في الركعة الأولى آكد (^٤)، وهذا القول رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية (^٥)، وبه قال ابن حزم الظاهري (^٦)، واستدلوا بعموم الآية المتقدمة.\nوالقول الأول أظهر، فإن الآية ليست بصريحة في تكرار الاستعاذة في كل ركعة، لأن قراءة الصلاة قراءة واحدة، وقد حصل امتثال الأمر بالاستعاذة عند القراءة، ومع ذلك فلو استعاذ المصلي في كل ركعة فحسن، ولو اقتصر على الركعة الأولى أجزأ، فإن المسألة ليس فيها أدلة قاطعة، وفي الاستعاذة فوائد عظيمة تقدم بعضها (^٧)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (١/ ٢٤٢).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٢١، ٣٠٢).\n(^٣) \"المجموع\" (٣/ ٣٢٦).\n(^٤) \"الأذكار\" ص (٤٥).\n(^٥) \"الاختيارات\" ص (٥٥).\n(^٦) \"المحلى\" (٣/ ٢٤٧).\n(^٧) انظر: \"إغاثة اللهفان\" (١/ ٩٢).","vol":"3","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-233>شيء من صفة صلاة النبي </span>- ﷺ -\n٢٧٤/ ٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةَ: بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَكَانَ إذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلكِنْ بَيْنَ ذلِكَ. وَكَانَ إذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا. وَإذَا رَفَعَ مِنَ السُّجودِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَويَ جَالِسًا.\nوَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ. وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى. وَكَانَ يَنْهى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطانِ، وَيَنْهى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ. وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتسْلِيمِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلَهُ عِلَّةٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة»، باب «ما يجمع صفة الصلاة» (٤٩٨) من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة ﵂، به.\nوهذا الإسناد ظاهره الصحة، إلا أنه معلول، فإن أبا الجوزاء واسمه أوس بن عبد الله الرَّبَعي، لم يسمع من عائشة ﵂، ذكر ذلك ابن عدي وابن عبد البر وغيرهما (^١).\nوذكر ابن حجر عن أبي الجوزاء أنه قال: أرسلت رسولًا إلى عائشة\n_________\n(^١) \"الكامل\" (١/ ٤١١)، \"التمهيد\" (٢٠/ ٢٠٥).","vol":"3","page":32},{"text":"يسألها … فذكر الحديث، فهذا ظاهره أنه لم يشافهها، فرجع الحديث إلى أنه عن مجهول (^١).\nلكن لا مانع من جواز كونه توجه إليها بعد ذلك فشافهها - كما قال ابن حجر - فإنه مات سنة ثلاث وثمانين، كما في «التقريب»، أي: بعد ست وعشرين سنة من وفاة عائشة ﵂، ومعلوم حرص التابعين على السماع من الصحابة، يقول الحافظ أبو الحسين القرشي (^٢): (إدراك أبي الجوزاء هذا لعائشة ﵂ معلوم لا يُختلف فيه، وسماعه منها جائز ممكن، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وهذا ومثله محمول على السماع عند مسلم ﵀، كما نص عليه في مقدمة كتابه «الصحيح» إلا أن تقوم دلالة بينة على أن ذلك الراوي لم يلق من روى عنه أو لم يسمع منه شيئًا فحينئذ يكون الحديث مرسلًا، والله أعلم).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كان يفتتح الصلاة بالتكبير)، كان: فعل ماض ناقص، وإذا كان خبرها فعلًا مضارعًا دل على الاستمرار ما لم تقم قرينة على خلافه، وتقدم ذلك، والمراد بالتكبير: تكبيرة الإحرام، لحديث: (تحريمها التكبير).\n\nقوله: (والقراءةَ بالحمد لله ..) بالنصب عطفًا على (الصلاة)، والحمد: بضم الدال على الحكاية، فلا يؤثر فيه حرف الجر، أي: بهذه السورة.\n\nقوله: (لم يُشْخص رأسه ولم يصوبه) يشخص: بضم الياء وسكون الشين، ماضيه: أشخص الرباعي، أي: لم يرفعه. ولم يصوِّبه: بضم الياء وفتح الصاد وكسر الواو المشددة، أي: ينزله.\n\nقوله: (ولكن بين ذلك) أي: بين الرفع والتنزيل، ليكون مستويًا مع الظهر.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٣٣٦).\n(^٢) هو الشهير برشيد الدين العطار المتوفى سنة (٦٢٢)، قال ذلك في كتابه: \"غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة\" ص (٣٦٤).","vol":"3","page":33},{"text":"قوله: (في كل ركعتين التحية) أي: التشهد كله، وهو من باب إطلاق لفظ البعض على الكل.\n\nقوله: (وكان يفرش رجله اليسرى) بضم الراء على الأشهر من باب (قتل) وفي لغة بكسرها من باب (ضرب) ومعناه: يبسط رجله.\n\nقوله: (وكان ينهى عن عقبة الشيطان)، بضم العين وسكون القاف وفي رواية لمسلم: (وكان ينهى عن عَقِب الشيطان)، وهي أن يفرش قدميه، فيجعل ظهورهما نحو الأرض، ويجلس على عقبيه، ذكر ذلك ابن دقيق العيد (^١).\nوالقول الثاني: أن عقبة الشيطان أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه وفخذيه، ويضع يديه على الأرض، وهذا تفسير أبي عبيدة معمر بن المثنى وغيره (^٢).\nوالقول الثالث: أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو الذي ذكره أبو عبيد (^٣)، والزمخشري (^٤) وقال: (هو الذي يجعله بعض الناس الإقعاء)، وهذا المعنى لا شك أنه إقعاء، كما ثبت في الصحيح (^٥)، لكنه غير منهي عنه، ولعل مرادهم الأول، وأضيفت العُقْبة للشيطان إما تقبيحًا لها، أو لأنها من فعله أو أمره.\n\nقوله: (أن يفترش الرجل ذراعيه) أي: يبسطهما على الأرض في السجود.\n\nقوله: (افتراش السبع) أي: كافتراش السبع، وأضيفت إلى السبع تقبيحًا وتنفيرًا، والسبع: كل حيوان مفترس.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب افتتاح الصلاة بالتكبير، وهو لفظ (الله أكبر) فلا تكفي النية، ولا غير التكبير من ألفاظ التعظيم، كما تقدم.\n_________\n(^١) \"إحكام الأحكام\" (٢/ ٢٩٢)، \"الإعلام\" لابن الملقن (٣/ ٤٨).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٥٨).\n(^٣) \"غريب الحديث\" (١/ ٢٦٦).\n(^٤) \"الفائق\" (٣/ ١١)، \"المفهم\" (٥/ ٢٢).\n(^٥) \"صحيح مسلم\" (٥٣٦).","vol":"3","page":34},{"text":"والحكمة من استفتاح الصلاة بالتكبير: استحضار المصلي عظمة من يقف بين يديه، وأنه أكبر من كل شيء يخطر بباله، فيخشع ويستحي أن يشتغل بغيره أو يحدث نفسه بسواه ﷾.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن القراءة في الصلاة تُبدأ بالفاتحة، فلو قرأ قبلها شيئًا من القرآن لم يعتد به.\nوليس في ذلك ما يدل على أنه يترك الاستفتاح بين التكبير والقراءة، وأنه لو تخلل بينهما ذكر لم يكن الاستفتاح بالحمد، لأن المراد استفتاح القراءة لا الاستفتاح المطلق.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن من صفة الركوع الموافق للسنة التسوية بين الرأس والظهر حال الركوع، فلا يرفع رأسه عن مستوى ظهره ولا ينزله عنه، وتقدم بيان ذلك.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على مشروعية الاستقرار في القيام بعد الركوع والجلوس بين السجدتين، والمراد بذلك الطمأنينة، وقد ثبت بالسنة قولًا وفعلًا، كما تقدم.\n\nالوجه السابع: الحديث دليل على مشروعية قراءة التحيات في آخر كل ركعتين، فإن كانت الصلاة ثنائية أتم التشهد وسلم، وإن كانت أكثر قام بعد التشهد الأول فأتى بما بقي من صلاته ثم تشهد وسلم.\n\nالوجه الثامن: الحديث دليل على مشروعية افتراش القدم اليسرى ونصب اليمنى حال الجلوس، وهذا يشمل التشهد الأول والجلوس بين السجدتين، وأما في التشهد الأخير فقد ورد في حديث أبي حميد ﵁ - المتقدم - أنه كان يقدم اليسرى وينصب اليمنى ويقعد على مقعدته، وهذا قول الشافعي، وقول أحمد في الصلاة التي فيها تشهدان، وقد مضى بيان ذلك.\n\nالوجه التاسع: الحديث دليل على أن المصلي منهي عن الجلوس على العقبين وافتراش القدمين، وكذا منهي عن أن ينصب فخذيه وساقيه ويضع يديه","vol":"3","page":35},{"text":"على الأرض ويلصق أليتيه بالأرض، بناء على تفسير (عقبة الشيطان) بهذين المعنيين ولا ريب أن المصلي في الصفة الأولى غير مستقر في جلوسه.\n\nالوجه العاشر: الحديث دليل على النهي عن افتراش الذراعين في السجود، وذلك بأن يضعهما على الأرض، لأن السنة أن يرفعهما، ويكون الموضوع على الأرض كفيه.\nوإنما نهي المصلي عن ذلك، لأنها صفة المتكاسل، والمطلوب من المصلي أن يكون على أكمل هيئة من النشاط والتباعد عما يحدث الكسل في جميع أركان الصلاة، ولأن في ذلك تشبهًا بالسباع والكلاب ولا يليق بالإنسان الذي كرمه الله تعالى وفضله أن يتشبه بالحيوان، لا سيما في حال الصلاة، وقد ورد في حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» (^١).\n\nالوجه الحادي عشر: الحديث دليل على أن ختم الصلاة والخروج منها بقول: السلام عليكم ورحمة الله، فلا تختتم بالنية، ولا بلفظ غير التسليم، لحديث: (وتحليلها التسليم)، وسيأتي زيادة كلام في هذا إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٢٢) ومسلم (٤٩٣).","vol":"3","page":36},{"text":"<span data-type='title' id=toc-234>حكم رفع اليدين ومواضعه في الصلاة</span>\n٢٧٥/ ٩ - وَعَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افتَتَح الصَّلاةَ، وَإذَا كَبَّرَ للرُّكوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكوعِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n٢٧٦/ ١٠ - وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، عنْد أبي دَاوُدَ: يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثمَّ يُكَبِّرُ.\n٢٧٧/ ١١ - وَلِمُسْلِم عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِث ﵁ نَحْوُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، ولكِنْ قَالَ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ.\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث ابن عمر ﵄ فقد أخرجه البخاري في مواضع من كتاب «الصلاة» منها: باب «رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء» (٧٣٥) ومسلم (٣٩٠) من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يرفع حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضًا، وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود.\nوأما حديث أبي حميد الساعدي ﵁ فقد أخرجه أبو داود (٧٣٠) في كتاب «الصلاة» باب «افتتاح الصلاة» من طريق عبد الحميد - يعني ابن جعفر - أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ، منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: أنا أعلمكم","vol":"3","page":37},{"text":"بصلاة رسول الله ﷺ، قالوا: فَلِمَ؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعًا ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر .. الحديث بطوله.\nوأما حديث مالك بن الحويرث ﵁ فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة»، باب «استحباب رفع اليدين …» (٣٩١) (٢٦) من طريق قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: سمع الله لمن حمده، فعل مثل ذلك، وفي لفظ آخر لمسلم: (أنه رأى النبي ﷺ، وقال: حتى يحاذي بهما فروع أذنيه).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (حذو منكبيه) تقدم بيانه.\n\nقوله: (إذا افتتح الصلاة) أي: وقت افتتاحه إياها، وذلك عند تكبيرة الإحرام.\n\nقوله: (وإذا كبر للركوع)، المراد بالتكبير: الشروع فيه.\n\nقوله: (لا يفعل ذلك في السجود) أي لا يرفع يديه لا في ابتداء السجود ولا عند الرفع منه، وفي رواية للبخاري: (ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود) (^١).\n\nقوله: (فروع أذنيه) أي: عوالي أذنيه.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية رفع اليدين في ثلاثة مواضع من الصلاة: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وذلك تعظيم لله تعالى وزينة للصلاة، وقد أخرج البخاري بسنده في «جزء رفع اليدين»، عن عبد الملك بن سليمان قال: سألت سعيد بن جبير عن رفع اليدين في الصلاة فقال: (هو شيء تزين به صلاتك) (^٢).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٧٣٨).\n(^٢) ص (١٣٠) وإسناده صحيح. كما قال النووي في \"المجموع\" (٣/ ٤٠٥).","vol":"3","page":38},{"text":"والقول برفع الأيدي في هذه المواضع هو قول الجمهور من أهل العلم، قال البخاري: (قال الحسن وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أيديهم، لم يُستثن أحد من أصحاب النبي ﷺ دون أحد) (^١).\nوقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وسائر أصحاب الرأي: لا يرفع المصلي يديه إلاّ لتكبيرة الإحرام (^٢)، واستدلوا بأدلة غير ناهضة، منها: حديث البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود (^٣)، وهذا حديث ضعيف، ضعفه البخاري وأحمد والشافعي وابن عيينة، فلا تقوم به حجة، فكيف يقوم في مقابلة ما ثبت في «الصحيحين»؟ وقد طعن الحفاظ في لفظة (ثم لا يعود) واتفقوا على أنها مدرجة من يزيد بن أبي زياد أحد رواته، لأنه كان قد اختلط.\nوبقي موضع رابع تُرفع فيه اليدان، وهو إذا قام من الجلسة للتشهد الأول، لحديث نافع، عن ابن عمر أيضًا ﵄ وفيه: (كان إذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي ﷺ) (^٤).\nوورد - أيضًا - في حديث أبي هريرة ﵁ - الآتي - كما ورد في حديث أبي حميد الساعديرضي الله عنه: (ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما كبر عند افتتاح الصلاة ..) (^٥).\nقال الخطابي: (حديث أبي حميد في رفع اليدين عند النهوض من التشهد حديث صحيح، وقد شهد له بذلك عشرة من الصحابة، منهم: أبو قتادة\n_________\n(^١) جزء \"رفع اليدين\" ص (٨).\n(^٢) \"الهداية\" (١/ ٥١)، \"المغني\" (٢/ ١٧٢).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٧٤٩)، وأحمد (٣٠/ ٤٤١) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن أبي ليلى، عن البراء -﵁- به. وهذا سند ضعيف، لضعف يزيد بن أبي زياد.\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٣٩) وبوب عليه باب \"رفع اليدين إذا قام من الركعتين\"، وأخرجه النسائي (٣/ ٣) مرفوعًا.\n(^٥) أخرجه أبو داود (٧٣٠).","vol":"3","page":39},{"text":"الأنصاري، وقد قال به جماعة من أهل الحديث، ولم يذكره الشافعي، والقول به لازم على أصله في قبول الزيادات) (^١).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن لرفع اليدين صفتين:\nالأولى: حذو المنكبين، أي: يرفعهما إلى كتفه.\nالثانية: إلى فروع أذنيه.\nوتقدم أن العبادات الواردة على وجوه متعددة الأفضل أن تفعل كلها في أوقات مختلفة، فمرة يرفع إلى حذو منكبيه ومرة إلى فروع أذنيه.\nوهذا الرفع مشروع في حق المرأة - أيضًا - لأن الأصل أن ما ثبت في حق الرجال يثبت في حق النساء، وكذا العكس، إلا ما دل الدليل على استثنائه، فإن وجد مانع من الرفع رفع حسب استطاعته، فإن كان لا يستطيع رفعهما معًا، رفع واحدة.\n\nالوجه الخامس: استدل أهل العلم بقول ابن عمر ﵄: (وكان لا يفعل ذلك في السجود)، على أنه لا يشرع للمصلي رفع يديه عند الهوي إلى السجود، ولا عند القيام منه، ونسب الحافظ ابن رجب هذا القول إلى الجمهور، وقال: (قد نص عليه الشافعي وأحمد ..) (^٢).\nوذهب فريق من أهل العلم إلى أن المصلي يرفع يديه في هذين الحالين، واستدلوا بحديث مالك بن الحويرث ﵁ (أنه رأى النبي ﷺ يرفع يديه في صلاته إذا ركع، وإذا رفع رأسه من ركوعه، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من سجوده حتى يحاذي بهما فروع أذنيه) (^٣).\nقال الحافظ: (إنه أصح ما وقفت عليه من الأحاديث في الرفع في\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (١/ ٣٥٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٥١).\n(^٣) أخرجه النسائي (٢/ ٢٠٥) وأحمد (٢٤/ ٣٦٦) من طريق قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث -﵁-. قال الألباني: (هذا سند صحيح على شرط مسلم)، لكن فيه عنعنة قتادة، وقوله: (وإذا سجد … إلخ) شاذ، ولذا أعرض الشيخان عن هذه الزيادة.","vol":"3","page":40},{"text":"السجود) (^١)، وورد - أيضًا - في حديث وائل بن حجر ﵁: (أنه صلّى مع النبي ﷺ فكان يُكبر إذا خفض وإذا رفع، ويرفع يديه عند التكبير) (^٢).\nوقد ذكر الألباني أن الرفع للسجود روي عن عشرة من الصحابة (^٣).\nوأجابوا عن حديث ابن عمر بأنه نافٍ، والأدلة في هذه المسألة مثبتة، والمثبت مقدم على النافي.\nورُدَّ ذلك بأن هذه المسألة ليست من هذا الباب، لأن النفي هنا في قوة الإثبات، فإن ابن عمر ﵄ بَيَّنَ وفَصَّلَ، فذكر مواضع الرفع، ونفى الرفع في السجود، وعند القيام منه، فبيّن ما ثبت فيه الرفع، وما لم يثبت فيه الرفع، فنفيه للرفع في السجود ليس لعدم علمه بالرفع، بل لعلمه بعدم الرفع، وقد أعرض الشيخان عن أحاديث الرفع في السجود والقيام منه، والقول باستحباب الرفع في هذين الحالين يحتاج إلى أدلة قوية.\nثم إنه في هذين الحديثين يمكن أن يكون اشتبه لفظ الرفع بالتكبير، أضف إلى ذلك أن مالك بن الحويرث ووائل بن حجر ﵄ ليسا من أهل المدينة، وابن عمر ﵄ من الملازمين للنبي ﷺ وممن عُرف شدة حرصه على حفظ أفعال الرسول ﷺ والاقتداء به، فيدل ذلك على أن أكثر أمر النبي ﷺ ترك الرفع فيما عدا المواضع الثلاثة والقيام من الركعتين، والعلم عند الله تعالى.\n_________\n(^١) \"صفة الصلاة\" ص (١٤٠)، وانظر: \"الأصل\" (٢/ ٧٠٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣١/ ١٤٥) وحسنه الألباني.\n(^٣) \"صفة صلاة النبي -ﷺ-\" ص (١٤٠)، وانظر: \"الأصل\" (٢/ ٧٠٦).","vol":"3","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-235>موضع اليدين حال القيام في الصلاة</span>\n٢٧٨/ ١٢ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ، فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمنى على يَدِهِ اليُسْرَى على صَدْرِه. أَخْرَجَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة راويه:\nهو وائل بن حُجر - بضم الحاء - بن ربيعة الحضرمي، أبو هنيدة، كان أبوه من ملوك حضرموت، وهو أحد الأشراف، كان سيد قومه، وفد على النبي ﷺ فأسلم وروى عنه، أخرج له الجماعة إلا البخاري، وقد اشتهر حديثه في صفة صلاة النبي ﷺ عند مسلم وأصحاب السنن، حدَّث عنه ابناه: علقمة وعبد الجبار، ووائل بن علقمة، وكليب بن شهاب وآخرون، وقيل: لم يسمع عبد الجبار من أبيه، بينهما وائل بن علقمة (^١)، مات في أوائل خلافة معاوية ﵁ (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه ابن خزيمة (١/ ٢٤٣) والبيهقي (٢/ ٣٠) من طريق مؤمل بن إسماعيل، نا سفيان، عن عاصم بن كليب الجرمي، حدثني أبي، عن وائل بن حجر ﵁ قال. فذكر الحديث.\nومؤمل: صدوق سيِّئ الحفظ، وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: (صدوق شديد في السنة، كثير الخطأ)، وكذا وصفه بسوء الحفظ وكثرة الخطأ\n_________\n(^١) انظر: \"سنن أبي داود\" حديث (٧٢٣).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (١١/ ٤٤)، \"السير\" (٢/ ٥٧٢)، \"الإصابة\" (١٠/ ٢٩٤).","vol":"3","page":42},{"text":"الدارقطني وجماعة (^١).\nوأصل الحديث في «صحيح مسلم» (٤٠١) من حديث وائل بن حجر ﵁ بدون لفظ الصدر، وهي زيادة منكرة تفرد بها مؤمل بن إسماعيل، وقد جاء الحديث من طرق كثيرة عن عاصم بن كليب بدون هذه الزيادة، وقد تابعه محمد بن حجر الحضرمي من غير طريق سفيان كما عند البيهقي (٢/ ٣٠) وإسناده ضعيف جدًا (^٢).\n\nالوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال بمشروعية وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى على الصدر أثناء القيام في الصلاة.\nوقد ورد في وضع اليمنى على اليسرى بدون تحديد محل وضعها أحاديث أخرى منها: حديث أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة)، قال أبو حازم: (لا أعلمه إلا يَنْمِي ذلك إلى النبي ﷺ)، وقد ترجم البخاري هذا الحديث بقوله: (باب وضع اليد اليمنى على اليسرى)، قال الحافظ ابن حجر: أي: (في حال القيام، وقوله: (كان الناس يؤمرون) هذا حكمه الرفع، لأنه محمول على أن الآمر لهم بذلك هو النبي ﷺ ..) (^٣). ومعنى (ينمي ذلك) يرفع الحديث ويسنده.\nوعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر سُحُورنا، ونعجل فطرنا، وأن نمسك بأيماننا على شمائلنا في صلاتنا» (^٤).\nفهذا كله يدل على أن السنة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، وأن هذا هدي نبينا هو والأنبياء قبله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٣٣٩ - ٣٤٠).\n(^٢) انظر: \"الإعلام بتخيير المصلي بمكان وضع اليدين بعد تكبيرة الإحرام\" (٢٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٢٤).\n(^٤) أخرجه ابن حبان (٥/ ٦٧) والطبراني في \"الكبير\" (١١٤٨٥) وإسناده صحيح على شرط مسلم، كما ذكر ذلك الحافظ ابن رجب (٦/ ٣٦٠).","vol":"3","page":43},{"text":"قال ابن عبد البر: (لم يأت عن النبي ﷺ فيه خلاف، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين، وهو الذي ذكره مالك في (الموطأ) ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره ..) (^١).\nوأما إرسال اليدين حال القيام فهو هيئة مخالفة للسنة، فإنه لم يرد حديث صحيح في ذلك، وقد نسب الإرسال إلى الإمام مالك في رواية عنه، والمحققون من أتباع مذهبه على أنه قصد الإرسال في حالات معينة، لا مطلقًا، وذلك أنه أراد أن يحارب عملًا غير مسنون، وهو أن يمسك المصلي معتمدًا لقصد الراحة، أو يقضي على اعتقاد فاسد، وهو ظن العامي وجوب ذلك، وإلا فهو لم يقل بالإرسال مطلقًا، كيف وهو قد روى أحاديث القبض، وبوب بقوله: (باب وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة) (^٢).\nيقول الباجي - من كبار المالكية ـ: (وقد يحمل قول مالك بكراهة قبض اليدين على خوفه من اعتقاد العوام أن ذلك ركن من أركان الصلاة تبطل الصلاة بتركه) (^٣).\nوقال ابن عبد البر: (وليس هذا بخلاف؛ لأن الخلاف كراهية ذلك، وقد يرسل العالم يديه ليُريَ الناس أن ليس ذلك بحكمٍ واجب .. ثم قال: والحجة في السنة لمن اتبعها، ومن خالفها فهو محجوج بها، ولا سيما سنة لم يثبت عن واحد من الصحابة خلافها) (^٤).\nوالحكمة من وضع إحدى اليدين على الأخرى أن هذه صفة السائل الذليل، وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع، بخلاف صفة الإرسال فليس فيها شيء من ذلك، وقد روى ابن المبارك عن صفوان بن عمرو، عن مهاجر النبال أنه ذكر عنده قبض الرجل يمينه على شماله، فقال: (ما أحسنه، ذلٌّ بين يدي عزيز) (^٥).\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٢٠/ ٦٨).\n(^٢) \"الموطأ\" (١/ ١٥٨).\n(^٣) \"المنتقى\" (١/ ٢٨١).\n(^٤) \"التمهيد\" (٢٠/ ٧٦).\n(^٥) \"كتاب الزهد\" ص (٤٠٤).","vol":"3","page":44},{"text":"وأخرج أبو يعلى مثله عن الإمام أحمد، قال علي بن محمد المصري الواعظ: (ما رأيت في العلم أحسن من هذا) (^١).\nوأما كيفية الوضع ففيها صفتان:\nالأولى: وضع اليد اليمنى على كف اليسرى ورسغها (^٢) وساعدها، لحديث وائل بن حجر ﵁ قال: لأنظرن إلى رسول الله كيف يصلي، قال فنظرت إليه، قال: فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد (^٣).\nالصفة الثانية: يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى، ودليل ذلك حديث سهل بن سعد المتقدم قريبًا، وفي حديث وائل بن حجر ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله) (^٤)، وظاهر هذا القبض.\nوإذا كانت السنة قد ثبتت بكل منهما، فللمصلي أن يفعل هذا تارة وهذا تارة، على القاعدة في العبادات المتنوعة على وجوه متعددة.\nوأما محل الوضع، فحديث الباب يدل على أن السنة وضعهما على الصدر.\nوقد ورد - أيضًا - حديث قبيصة بن هُلْب عن أبيه ﵁: (رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه وعن يساره، ورأيته يضع يده على صدره) (^٥).\n_________\n(^١) \"طبقات الحنابلة\" (١/ ٨٤).\n(^٢) الرسغ: بالضم مفصل ما بين الكف والساعد، والساعد: ما بين المرفق والكف، واليد: من المرفق إلى أطراف الأصابع.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٧٢٧) والنسائي (٢/ ٩٨) وابن ماجه (١/ ٢٦٦) وأحمد (٣١/ ١٦٠) وغيرهم، وإسناده صحيح.\n(^٤) أخرجه أبو داود (٧٢٣) والنسائي (٢/ ٩٧) وصححه الألباني.\n(^٥) رواه أحمد (٣٦/ ٢٩٩) ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، ثنا سماك بن حرب، عن قبيصة بن هُلب، عن أبيه به، ورواه الترمذي (٢٥٢)، وابن ماجه (١/ ٢٦٦)، من طريق أبي الأحوص، عن سماك به، بدون ذكر وضع اليد على الصدر، وقال الترمذي: (حديث حسن)، ونقل تحسينه النووي، وأقره كما في \"المجموع\" (٣/ ٣١٢)، وفي سنده قبيصة بن هلب، وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٣١٩)، مع أنه =","vol":"3","page":45},{"text":"وفي مرسل لطاووس قال: (كان رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشدهما على صدره وهو في الصلاة) (^١).\nوالقول بوضع اليدين على الصدر هو قول الشافعي في رواية عنه، وروي عن علي ﵁ ولا يصح.\nوهو اختيار الشوكاني فإنه قال: (ولا شيء في الباب أصح من حديث وائل المذكور) (^٢).\nوالقول الثاني: أن موضع اليدين تحت الصدر فوق السرة، وهذا رواية في مذهب مالك والشافعي وأحمد، قال أبو داود في «مسائله»: (سمعت أحمد سئل عن وضعه، فقال: فوق السرة قليلًا، وإن كانت تحت السرة فلا بأس) (^٣)، وقد رجحها النووي في مذهب الشافعي، وعزاه إلى سعيد بن جبير وداود (^٤).\nودليل ذلك ما رواه غزوان بن جرير الضبي عن أبيه قال: (رأيت عليًّا ﵁ يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة) (^٥).\nوالقول الثالث: أن محلهما تحت السرة، وهذا مذهب الحنفية، ورواية عن الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، ذكر المرداوي أنها هي المذهب، وهو\n_________\n= تفرد بالرواية عنه سماك بن حرب، ولذا جهله علي بن المديني والنسائي، وقال في التقريب: (مقبول)، وقد أُعِلَّ هذا الحديث بأن زيادة الوضع على الصدر تفرد بها يحيى بن سعيد عن بقية الرواة عن سفيان، كما تفرد بها عن بقية الرواة عن سماك، وعليه فهي شاذة، وأما تحسين الترمذي فلأنه لم يرو هذه الزيادة في \"جامعه\" كما تقدم.\n(^١) رواه أبو داود في سننه (٧٥٩)، وفي \"المراسيل\" ص (١٣٨) من طريق الهيثم بن حميد، عن ثور، عن سليمان بن موسى، عن طاوس به. ورواة هذا المرسل متكلم فيهم، ولو صح فهو بحاجة إلى ما يعضده!.\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢١١).\n(^٣) ص (٣١).\n(^٤) \"سنن البيهقي\" (٢/ ٣١)، \"المجموع\" (٣/ ٣١٣)، \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢١١).\n(^٥) رواه البيهقي (٢/ ٢٩، ٣٠) وقال: (إسناده حسن)، وعلقه البخاري مختصرًا مجزومًا به، وفي سنده شجاع بن الوليد بن قيس، قال عنه الحافظ: (صدوق ورع له أوهام)، وجرير وابنه لم يوثقهما إلا ابن حبان، ثم إن النقل عن علي -﵁- مختلف كما رأيت، والظاهر أنه لم يثبت عنه شيء. والله أعلم.","vol":"3","page":46},{"text":"قول إسحاق (^١)، ودليل ذلك ما ورد عن عليّ ﵁ أنه قال: (إن من السنة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرة) (^٢).\nلكنه حديث ضعيف، ولهذا لم يأخذ الإمام أحمد به، فقد جاء في «مسائل الإمام أحمد لابنه عبد الله» قال: (رأيت أبي إذا صلى وضع يديه إحداهما على الأخرى فوق السرة) (^٣).\nوالقول الرابع: أن المصلي مخير بأن يضعهما فوق السرة أو تحتها أو عليها، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، كالقولين قبله (^٤)، وقال الترمذي: (رأى بعضهم أن يضعهما فوق سرته، ورأى بعضهم أن يضعهما تحت سرته، كل ذلك واسع عندهم) (^٥)، ومثل ذلك قال ابن المنذر (^٦)، وهذا أظهر الأقوال، لأنه قد ثبت أن السنة وضع اليمنى على اليسرى أثناء القيام، ولم يثبت دليل في مكان الوضع، فيكون المصلي مخيرًا، والله تعالى أعلم.\n\nالوجه الرابع: ظاهر حديث الباب مع ما ذكر معه كحديث سهل بن سعد ﵁: (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة). أن السنة وضع اليمنى على اليسرى حال القيام في الصلاة، سواء أكان ذلك في القيام قبل الركوع أم بعده، وليس في السنة ما يدل على التفريق وأن السنة الوضع قبل الركوع، وأما بعده فالإرسال، ومن ادعى ذلك فعليه الدليل، والحكم الأول مبني على الأصل، فإن السنة للمصلي\n_________\n(^١) \"مسائل الإمام أحمد وإسحاق\" (٢/ ٥٥١)، \"الإنصاف\" (١/ ٤٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٧٥٦) وعبد الله بن أحمد (٢/ ٢٢٤) \"زوائد المسند\" عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن زياد بن زيد السُّوائي، عن أبي جحيفة، عن علي -﵁-.\nوهذا إسناد ضعيف، لأن مداره بجميع طرقه على عبد الرحمن بن إسحاق، وهو الواسطي، وهو ضعيف باتفاق أئمة الجرح والتعديل، ثم هو مضطرب في إسناده، وزياد بن يزيد السوائي مجهول، ومما يدل على ضعفه أنه روي عن علي -﵁- خلافه، كما تقدم.\n(^٣) \"المسائل\" ص (٧٢).\n(^٤) \"فتح الباري\" لابن رجب (٦/ ٣٦٣).\n(^٥) \"جامع الترمذي\" (٢/ ٣٣).\n(^٦) \"الأوسط\" (٣/ ٩٤).","vol":"3","page":47},{"text":"في حال الركوع أن يضع يديه على ركبتيه، وفي حال السجود يضعهما على الأرض، وفي حال الجلوس يضعهما على فخذيه وركبتيه، فلم يبق إلا حال القيام، ولم يرد فيه تفصيل، فيكون حكمه في الحالين واحدًا (^١).\nوذكر ابن مفلح عن الإمام أحمد أنه قال: (إذا رفع رأسه من الركوع، إن شاء أرسل يديه، وإن شاء وضع يمينه على شماله) (^٢)، ولعل الإمام أحمد يرى أن القيام الذي ورد فيه الوضع هو ما كان قبل الركوع، وأما ما بعد الركوع فلم يرد فيه شيء، فيكون المصلي مخيرًا، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتاوى ابن باز\" (١١/ ١٣١).\n(^٢) \"النكت على المحرر\" (١/ ٦٢)، \"الإنصاف\" (٢/ ٦٣).","vol":"3","page":48},{"text":"<span data-type='title' id=toc-236>حكم قراءة الفاتحة في الصلاة</span>\n٢٧٩/ ١٣ - عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لا صَلَاةَ لِمَنْ لمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ، لابْنِ حِبَّان وَالدَّارقُطْنِيِّ: «لَا تُجْزي صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».\nوَفِي أُخْرَى، لأحْمَدَ، وَأبي دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَأونَ خَلْفَ إمَامِكُم؟»، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «لَا تَفْعَلُوا إلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا».\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عُبادة - بضم العين - بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد ﵁. كان من النقباء (^١) الذين بايعوا النبي ﷺ ليلة العقبة، وشهد بدرًا وما بعدها، بعثه عمر ﵁ مع معاذ وأبي الدرداء إلى الشام ليعلمهم القرآن، ويفقههم في الدين، فأقام في فلسطين وكان أول من تولى القضاء فيها.\nروى عنه من الصحابة ﵃ أنس بن مالك وجابر بن عبد الله وفضالة بن\n_________\n(^١) جمع نقيب، وهو العريف، والنقباء: هم العرفاء على قبائلهم ليلة العقبة عن أمر النبي -ﷺ- لهم بذلك، وهم الذين قاموا بالمبايعة والمعاقدة عن قومهم للنبي -ﷺ- على السمع والطاعة، ذكر ذلك ابن كثير في \"تفسيره \" (٣/ ٦٠ - ٦١).","vol":"3","page":49},{"text":"عبيد وغيرهم، وروى عنه محمود بن الربيع، وبنوه: الوليد وعبد الله وداود، وآخرون، مات في الرملة في فلسطين، سنة أربع وثلاثين (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الأذان» باب «وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها» (٧٥٦) ومسلم (٣٩٤) والدارقطني (١/ ٣٢١).\nكلهم من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وهذا لفظ البخاري ومسلم، ولفظ البلوغ هو لفظ مسلم.\nولفظ الدارقطني: (لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها الرجل بفاتحة الكتاب) وهذا لفظ زياد بن أيوب، انفرد به عن بقية الرواة عن سفيان ابن عيينة، ثنا الزهري به، وقال الدارقطني: (هذا إسناد صحيح).\nقال ابن عبد الهادي: (انفرد زياد بن أيوب دلُّويه بلفظ: «لا تجزئ ..» ورواه جماعة: «لا صلاة لمن لم يقرأ» وهو الصحيح، وكأن زيادًا رواه بالمعنى، وقد صحح الحديث ابن القطان، وقال: زياد أحد الثقات) (^٢).\nوقد وقع هذا اللفظ عند ابن حبان (٥/ ٩١ - ٩٦) من طريق عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحُرْقَة، عن أبي هريرة ﵁ به، وزاد من قول عبد الرحمن لأبي هريرة (قلت: وإن كنت خلف الإمام؟ قال: فأخذ بيدي، وقال: اقرأ في نفسك).\nوبهذا يتبين أن لفظ ابن حبان مثل لفظ الدارقطني بلفظ: (لا تجزئ) لكن لفظ الدارقطني من حديث عبادة ﵁، ولفظ ابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁ خلافًا لظاهر صنيع الحافظ، فإنه يشعر أن اللفظين من حديث عبادة ﵁.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٥/ ٣٢٣)، \"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٥) \"الإصابة\" (٥/ ٣٢٢).\n(^٢) \"التنقيح\" (٢/ ٨٣٧).","vol":"3","page":50},{"text":"وأخرج حديث عبادة البخاري في «جزء القراءة خلف الإمام» ص (١٨) وأحمد (٣٧/ ٣٦٨) وأبو داود (٨٢٣) والترمذي (٣١١) وابن خزيمة (٣/ ٣٦) وابن حبان (٥/ ٨٦) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: (كنا خلف رسول الله ﷺ في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله ﷺ فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: «لعلكم تقرأون خلف إمامكم»، قلنا: (نعم هذا يا رسول الله)، قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها».\nوقال الترمذي: (حديث حسن)، وقال الدارقطني (١/ ٣١٨): (إسناده حسن) ولعل تحسينه من أجل محمد بن إسحاق، وقال الخطابي: (إسناد جيد لا طعن فيه) (^١).\nوقد أعلَّ هذا الحديث بعلل ومنها: أن محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعنه، ورُدَّ ذلك بأنه صرح بالسماع في رواية أحمد (٣٧/ ٤٠٩) والبيهقي (٢/ ١٦٤) ثم إنه لم ينفرد به، فقد تابعه في الرواية عن مكحول زيد بن واقد القرشي عند البخاري في «جزء القراءة» ص (١٨)، وأبي داود (٨٤٧)، والدارقطني (١/ ٣١٩) والبيهقي (٢/ ١٦٤) وزيد بن واقد وثقه الإمام أحمد وابن معين ودحيم والدارقطني وابن حبان وآخرون (^٢).\nوبهذا تبين أن حديث عبادة مروي من طريق الزهري، ومن طريق مكحول، قال الترمذي عن الأول: (وهذا أصح) بينما رجح ابن خزيمة وابن حبان الوجهين جميعًا، كما يفهم مما تقدم. حيث أخرجا رواية مكحول في «صحيحيهما»، وقد نقل ابن تيمية تضعيف الإمام أحمد لحديث مكحول والأخذ برواية الزهري (^٣).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا صلاة ..) هذا نفي للصحة، أي: لا صلاة مجزئة، ونفي\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (١/ ٣٩٠).\n(^٢) انظر: \"التنقيح\" (١/ ٨٥٥).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٣/ ٢٨٦، ٣١٣).","vol":"3","page":51},{"text":"الصحة نفي للوجود الشرعي، فيكون قوله: (لا صلاة) نفيًا للصلاة الشرعية، ومن ثمَّ فلا حاجة للإضمار، ويؤيد ذلك رواية: (لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب) لأن ما لا يجزئ فليس بصلاة شرعية، والظاهر أن الحافظ أورد هذه الرواية لهذا الغرض، وقد حملته الحنفية على نفي الكمال، وسيأتي ردُّ ذلك إن شاء الله.\n\nقوله: (لمن لم يقرأ) أي: للذي لم يقرأ، و(من) اسم موصول، وهو من صيغ العموم، فيشمل الإمام والمأموم والمنفرد.\n\nقوله: (بأم القرآن) المراد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى آخر السورة سميت بذلك لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى بما هو أهله، ومن التعبد بالأمر والنهي، والوعد والوعيد.\n\nقوله: (بفاتحة الكتاب) سميت بذلك لأن القرآن افتتح بها كتابة ويفتتح بها تلاوة، لأن القراءة في الصلاة تفتتح بها، فلا يقرأ في الصلاة بشيء من القرآن قبل الفاتحة، وقد ذكر معنى ذلك البخاري في أول كتاب «التفسير» من «صحيحه».\nوالكتاب: القرآن، سمي به لأنه مكتوب في السماء، ويكتب في الأرض، ولهذه السورة الكريمة أسماء كثيرة، ومن المعروف أن كثرة الأسماء دليل على شرف المسمى (^١).\n\nقوله: (لعلكم تقرأون خلف إمامكم) لعل هنا: تفيد الاستفهام، وقد ذكر هذا المعنى ابن هشام (^٢)، بدليل قوله: (نعم) والمعنى: أتقرأون خلف إمامكم؟\n\nالوجه الرابع: أجمع الأئمة الأربعة وأتباعهم على وجوب قراءة الفاتحة على الإمام والمنفرد، وأن الصلاة لا تصح بدونها، إلا عند أبي حنيفة ورواية الإمام أحمد فلا تلزم الفاتحة، فلو قرأ غيرها من القرآن أجزأ (^٣)،\n_________\n(^١) انظر: \"المجموع\" (٣/ ٣٣١).\n(^٢) \"مغني اللبيب\" (١/ ٢٨٨).\n(^٣) \"الإفصاح\" (١/ ١٢٨) \"الإنصاف\" (٢/ ١١٢).","vol":"3","page":52},{"text":"لعموم قوله تعالى؛ ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وحديث المسيء (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)، لكن أجابهم الجمهور بالأحاديث الدالة على تعيين الفاتحة.\nثم حصل الخلاف بينهم في حكم قراءة الفاتحة وراء الإمام أي في حق المأموم على ثلاثة أقوال:\nالأول: وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة السرية والجهرية، وأنها ركن لا تصح الصلاة إلا بها، وهذا قول عبادة بن الصامت وابن عباس ﵃، والأوزاعي والليث، وبه قال الشافعي، وعليه أكثر أصحابه، واختاره الصنعاني (^١)، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (هذا أرجح الأقوال وأظهر في الدليل).\nواستدلوا بحديث الباب وهو حديث عبادة بن الصامت ﵁، فإنه نص صريح لا يقبل التأويل، بأن الصلاة لا تقبل ولا تجزئ إذا لم يقرأ المصلي فيها بفاتحة الكتاب، وهذا شامل للفرض والنفل، وللإمام والمأموم والمنفرد.\nكما استدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاجٌ، ثلاثًا، غير تمام»، فقيل لأبي هريرة: (إنا نكون وراء الإمام)، فقال: (اقرأ بها في نفسك) (^٢).\nوالخداج: بالكسر النقصان، أي: ذات خداج، يقال: خدجت الناقة: إذا ألقت ولدها قبل أوانه وإن كان تام الخلق، وأخدجته: إذا ولدته ناقصًا وإن كان لتمام الولادة (^٣).\nفدل الحديث على وجوب قراءة الفاتحة، لأن الرسول ﷺ وصف الصلاة بدون الفاتحة بالنقصان، والمراد به: النقصان الذي لا تجزئ معه الصلاة، بدليل رواية: (لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، واسم\n_________\n(^١) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٣/ ٣٤٤) \"سبل السلام\" (١/ ٣٣١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٩٥) ولأبي داود (٨٢١): (اقرأ بها يا فارسي في نفسك).\n(^٣) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٣/ ٣٤٣).","vol":"3","page":53},{"text":"الصلاة ينطبق على المجزئ منها، وغير المجزئ يقال فيه: صلاة فاسدة.\nقال البخاري: (تواتر الخبر عن رسول الله ﷺ: «لا صلاة إلا بقراءة أم القرآن» (^١».\nوقال الخطابي عند حديث (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب): (هذا الحديث نص بأن قراءة فاتحة الكتاب واجبة على من صلّى خلف الإمام، سواء جهر الإمام بالقراءة أو خافت بها، وإسناده جيد لا طعن فيه) (^٢).\nوقال المباركفوري: (الأمر كما قال الخطابي، لا شك أن هذا الحديث نص صريح بأن قراءة فاتحة الكتاب واجبة على من صلّى خلف الإمام في جميع الصلوات سرية كانت أو جهرية، وهو القول الراجح المنصور عندي) (^٣).\nثم صار هؤلاء فريقين بالنسبة للجهرية:\n١ - فريق قالوا يقرأ المأموم الفاتحة في سكوت إمامه، فإن لم يتيسر قرأها ولو في حال قراءة إمامه، ثم ينصت لأنه مأمور بقراءتها، ولأن الرسول ﷺ لم ينكر على الصحابة القراءة مطلقًا، وإنما قال: («لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب» وعليه فتكون هذه الأحاديث مُخَصِّصَة لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقوله ﷺ: «وإذا قرأ الإمام فأنصتوا» وهذا تأويل أصحاب الشافعي كما ذكره اللكنوي (^٤)، وبه قال الشيخ عبد العزيز بن باز (^٥)، وقد ذكره ابن المنذر وعزاه لبعض العلماء، منهم ابن عون والأوزاعي وأبو ثور وغيرهم من أصحاب الشافعي (^٦).\n٢ - وفريق آخر قال: يقرأ في سكتات الإمام، وإذا سمع قراءة الإمام أنصت، وإذا لم يسمعها قرأ لنفسه، لأن قراءته أفضل من سكوته، والاستماع\n_________\n(^١) \"جزء القراءة خلف الإمام\" ص (٧).\n(^٢) \"معالم السنن\" (١/ ٣٩٠).\n(^٣) \"تحفة الأحوذي\" (٢/ ٢٢٧).\n(^٤) \"إتمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام\" ص (٦٣).\n(^٥) \"الفتاوى\" ص (٢١/ ٢١٨).\n(^٦) \"الأوسط\" (٣/ ١٠٧ - ١٠٨).","vol":"3","page":54},{"text":"لقراءة الإمام أفضل من القراءة، ومن هؤلاء ابن المنذر (^١) وابن تيمية، ونسبه لأكثر السلف (^٢).\nقال ابن المنذر: (إن معنى حديث عبادة: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) إلا صلاة أمر النبي ﷺ المأموم إذا جهر الإمام بقراءته أن يستمع لقراءته، فيكون فاعل ذلك مستعملًا للحديثين جميعًا).\nويستثنى من ذلك ما لو دخل والإمام راكع أو عند الركوع فإنه يركع مع إمامه وتسقط الفاتحة عنه، ودليل ذلك حديث أبي بكرة ﵁ أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فركع معه قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «زادك الله حرصًا ولا تعد» (^٣)، فلم يأمره النبي ﷺ بقضاء تلك الركعة التي لم يقرأ فيها الفاتحة، فدل على أنه معذور إذا لم يدرك القيام مع الإمام الذي هو محل قراءة الفاتحة، فسقطت عنه.\nالقول الثاني: وجوب القراءة على المأموم في السرية دون الجهرية، وهذا قول مالك (^٤) وقول قديم للشافعي (^٥)، وهو قول لأحمد في رواية عنه (^٦) ورجحه بعض الحنفية، وبه قال سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، وابن شهاب، وابن المبارك، وإسحاق (^٧)، وعلى قول هؤلاء لا يقرأ إذا جهر إمامه، بل يستمع لقراءته.\nواستدلوا بقول تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قالوا: (فأمر الله تعالى بالاستماع والإنصات عند قراءة القرآن، فدل على أن المأموم لا يقرأ إذا جهر إمامه).\nكما استدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ وفيه: (إنما جعل الإمام ليؤتم به\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (٣/ ١١١).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٣/ ٢٦٥) و\"الاختيارات\" (٥٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٥٠) وسيأتي شرحه -إن شاء الله- برقم (٤١٨).\n(^٤) \"الموطأ\" (١/ ٨٦).\n(^٥) \"المجموع\" (٣/ ٣٦٤).\n(^٦) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٢٧)، \"الإنصاف\" (٢/ ٢٢٨).\n(^٧) \"التمهيد\" (١١/ ٢٨).","vol":"3","page":55},{"text":"فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا ..) الحديث (^١).\nكما استدلوا بحديث أبي هريرة - أيضًا - ﵁ أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: «هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟»، فقال رجل: (نعم يا رسول الله)، قال: «إني أقول ما لي أنازع القرآن؟»، قال: (فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه النبي ﷺ بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ (^٢).\nوالقول الثالث: وجوب السكوت على المأموم في الجهرية والسرية، فلا تجب القراءة على المأموم فيهما، وهو قول الحنفية (^٣).\nواستدلوا بحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» (^٤).\nوأجيب عنه بجوابين:\nالأول: أنه حديث ضعيف، قال ابن كثير: (في إسناده ضعف، وقد روي من طرق، ولا يصح شيء منها عن النبي ﷺ والله أعلم) (^٥)، وقال الحافظ: (مشهور من حديث جابر، وله طرق عن جماعة من الصحابة، وكلها معلولة) (^٦).\nالثاني: على القول بصحته فهو محمول على غير الفاتحة، جمعًا بين\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٦٠٤)، والنسائي (١/ ١٤١)، وابن ماجه (٨٤٦)، والحديث في مسلم (٤٠٤) بدون هذه الجملة.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٨٢٦) والترمذي (٣١٢) والنسائي (٢/ ١٠٤) وابن ماجه (٨٤٨) وذكر أبو داود وغيره: أن قوله: (فانتهى الناس) مدرج من كلام الزهري.\nوالحديث متكلم فيه، لأنه من رواية ابن أُكيمة الليثي، وعليه يدور الحديث في جميع رواياته، وهو مختلف فيه.\n(^٣) انظر: \"إتمام الكلام\" ص (٧١).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٨٥٠) وأحمد (٢٣/ ١٢) وهو حديث مروي عن عدد من الصحابة -﵃-.\n(^٥) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٢٧).\n(^٦) \"التلخيص\" (١/ ٢٤٧).","vol":"3","page":56},{"text":"الأدلة، لا سيما وأن الأدلة التي تفيد وجوب قراءة الفاتحة على المأموم أقوى سندًا من هذا الحديث، فمثله لا يقف في مقابل الأحاديث الصحيحة، كحديث عبادة ﵁.\nوأجابت الحنفية عن حديث عبادة ﵁: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) بأن النفي فيه للكمال لا للصحة، وهذا مردود؛ لأن حمل الحديث على نفي الكمال بعيد، لأنه إذا أمكن حمل الكلام على المعنى الأقرب امتنع حمله على المعنى الأبعد، وهو هنا محمول على نفي الذات، لأن المراد بالصلاة معناها الشرعي، كما تقدم، ولأن نفي الإجزاء هو السابق إلى الفهم، ثم هو يستلزم نفي الكمال، من غير عكس.\nوالقول الأول - وهو وجوب الفاتحة على المأموم في السرية والجهرية - هو أرجح الأقوال، لقوة أدلته وصراحتها في الدلالة على المراد، بل إن هذا القول تجتمع به الأدلة، فلا يترك منها شيء، وتجب الفاتحة في كل ركعة، لأن أمر الرسول ﷺ أمر المسيء بها ثم قال: «افعل ذلك في صلاتك كلها».\nوهذه المسألة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (للعلماء فيها نزاع واضطراب مع عموم الحاجة إليها) (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٣/ ٢٦٥).","vol":"3","page":57},{"text":"<span data-type='title' id=toc-237>حكم الجهر بالبسملة في الصلاة</span>\n٢٨٠/ ١٤ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْر وَعُمَرَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nزَادَ مُسْلِمٌ: لَا يَذْكُرُونَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] في أَوَّل قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا.\nوَفِي رِوَايَةٍ، لأحْمَدَ، وَالنَّسَائيِّ وَابْنِ خُزَيمَةَ: لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.\nوَفِي أُخْرَى لَابْنِ خُزَيْمَةَ: (كَانُوا يُسِرُّونَ). وَعَلى هذَا يُحْمَلُ النّفْيُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِم، خِلَافًا لِمَنْ أَعَلَّهَا.\n٢٨١/ ١٥ - وَعَنْ نُعَيْمٍ المُجْمِرِ ﵀ قَالَ: (صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبي هُرَيْرَةَ فَقَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]. ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، حَتى إذَا بَلَغَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قالَ: (آمين) وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ، وإذَا قَامَ مِنَ الجُلُوسِ: اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَقولُ إذَا سلَّمَ: وَالَّذِي نفسي بِيَدِهِ إنِّي لأشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ)، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو نُعيم - بضم النون - بن عبد الله المُجْمر - بضم الميم وسكون الجيم وكسر الميم وبالراء، ويقال: بتشديد الميم الثانية - لُقِّبَ هو وأبوه بالمجمر،","vol":"3","page":58},{"text":"لأن كل واحد منهما كان يُجَمِّرُ مسجد رسول الله ﷺ، أي: يبخره، وهو مولى آل عمر بن الخطاب ﵁، سمع من أبي هريرة وابن عمر وجابر وجماعة من الصحابة ﵃ وهو ثقة.\nحدّث عنه العلاء بن عبد الرحمن، وسعيد بن هلال، ومالك بن أنس وآخرون، روي عنه أنه قال: (جالست أبا هريرة ﵁ عشرين سنة)، قال الذهبي: (عاش إلى قريب سنة عشرين ومائة) (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث أنس ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان» باب «ما يقول بعد التكبير» (٧٤٣) ومسلم (٣٩٩) من طريق شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁ به، وهذا لفظ البخاري، وفي رواية لمسلم من طريق الأوزاعي، عن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه قال: (صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة ولا في آخرها).\nوقد أعلَّ بعض العلماء - كما أشار الحافظ - هذه الزيادة بأن الأوزاعي رواها عن قتادة مكاتبة.\nوأجيب عن ذلك بأن الأوزاعي لم ينفرد بها، بل قد رواها غيره رواية صحيحة، ذكر ذلك الحافظ (^٢).\nوفي رواية له - أيضًا - من طريق شعبة، قال: (سمعت قتادة يحدث عن أنس)، وفيه: (فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم).\nوأخرجه أحمد (٢١/ ٣٦٨) وابن خزيمة (١/ ٢٥٠) من طريق شعبة، والنسائي (٢/ ١٣٥) من طريق شعبة وابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قال:\n_________\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٢٢٧)، \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٤١٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٢٨).","vol":"3","page":59},{"text":"(صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم) وهذا لفظ أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.\nوأخرجه أحمد - أيضًا - (٢١/ ٣٠٢) من طريق الأعمش، عن شعبة، عن ثابت، عن أنس ﵁ بهذا اللفظ، والمحفوظ في لفظ الحديث هو ما تقدم (^١).\nوأخرجه ابن خزيمة (١/ ٢٥٠) من طريق سويد بن عبد العزيز، حدثنا عمران القصير، عن الحسن، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة وأبو بكر وعمر.\nوهذا إسناد ضعيف، لأن سويد بن عبد العزيز ضعفه الإمام أحمد، وقال: (متروك الحديث)، وقال ابن معين: (ليس ثقة)، وقال مرة: (ليس بشيء)، وقال الذهبي: (واهٍ جدًا) (^٢)، وفي إسناده - أيضًا - الحسن وهو ابن ذكوان البصري، قال عنه في التقريب: (صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وكان يدلس).\nوأما حديث نعيم المجمر ﵀ فقد أخرجه النسائي في كتاب «الافتتاح» باب «قراءة بسم الله الرحمن الرحيم» (٢/ ١٣٤) وابن خزيمة (٤٩٩) من طريق الليث بن سعد قال: (أخبرني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر قال: (صليت وراء أبي هريرة ﵁ … فذكره».\nقال الدارقطني: (هذا حديث صحيح، ورواته كلهم ثقات) (^٣)، وقال البيهقي في «الخلافيات»: (رواته كلهم ثقات، مجمع على عدالتهم، محتج بهم في الصحيح) (^٤)، وقال في «سننه»: (إسناده صحيح، وله شواهد) (^٥).\nولما ساق ابن حزم هذا الحديث قال عن سعيد بن أبي هلال: (ليس بالقوي) (^٦)، وقد رده الحافظ في «التقريب»، فقال: (لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفًا، إلا أن الساجي حكى عن أحمد أنه اختلط).\n_________\n(^١) انظر: \"سنن الدارقطني\" (١/ ٣١٦)، \"سنن البيهقي\" (٢/ ٥١).\n(^٢) \"الميزان\" (٢/ ٢٥٢)، \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٢٤٢).\n(^٣) \"السنن\" (٢/ ٤٦).\n(^٤) انظر: \"نصب الراية\" (١/ ٣٣٥).\n(^٥) \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٠٦).\n(^٦) \"المحلى\" (٢/ ٢٦٩).","vol":"3","page":60},{"text":"وقال في «هدي الساري»: (ذكره الساجي بلا حجة، ولم يصح عن أحمد تضعيفه) (^١).\nوقد أعل هذا الحديث بأن ذكر البسملة فيه شاذ ومخالف لجميع الثقات الذين رووا الحديث عن أبي هريرة ﵁ ولم يذكروها، وهم ثمانمائة، ما بين صاحب وتابع، ولا يثبت عن ثقة من أصحاب أبي هريرة ﵁ أنه حدّث عنه أنه ﷺ كان يجهر بالبسملة، وقد أعرض عن ذكر البسملة صاحبا الصحيح وغيرهما، فأخرج الحديث البخاري من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ في عدة مواضع، ليس فيها ذكر البسملة (٧٨٥) (٧٨٩) (٧٩٥) (٨٠٣) وأخرجه مسلم أيضًا (٣٩٢) من عدة طرق.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (صليت مع أبي بكر وعمر وعثمان ..) أي: خلفهم في صلاة الجماعة حال خلافتهم، وفائدة ذكره بيان استقرار هذه السنة، وأنه أمر لم ينسخ، وأنه سنة النبي ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين ﵃ وإلا فالحجة قائمة بفعل النبي ﷺ.\n\nقوله: (لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم) أي: لا يذكرونها جهرًا فالنفي محمول على ذلك، لا على أنهم لا يقرأونها، بل يقرأونها ولا يجهرون بها، بدليل رواية مسلم: (فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم) ورواية أحمد والنسائي وابن خزيمة (لا يجهرون)، ورواية ابن خزيمة (يسرون) وهذا غرض الحافظ من إيراد هذه الروايات.\n\nقوله: (بسم الله الرحمن الرحيم) الجار والمجرور متعلق بمحذوف يقدر متأخرًا، والقاعدة في متعلق الجار والمجرور أن يقدر متقدمًا، هذا هو الأصل، لكن في البسملة يقدر متأخرًا ليحصل التبرك بالبدء بالبسملة، وأما نوعية المقدر فهو بما يناسب المقام، فالذي يقرأ يكون التقدير: بسم الله أقرأ، والذي يكتب يكون التقدير: بسم الله أكتب … وهكذا.\n_________\n(^١) ص (٤٦٢).","vol":"3","page":61},{"text":"والمراد بسم الله - هنا - كل اسم من أسماء الله تعالى، ولفظ (الله) اسم من أسماء الله تعالى الخاصة به، ومعناه: المعبود المألوه حبًا وتعظيمًا.\n\nقوله: (الرحمن) هذا اسم من أسماء الله الخاصة به، ومعناه: ذو الرحمة الواسعة.\n\nقوله: (الرحيم) هذا اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه: موصل رحمته إلى من يشاء من عباده.\n\nقوله: (لا يذكرون بسم الله في أول قراءة ولا في آخرها) أي: آخر القراءة، وهذا من باب المبالغة، فإنه لا يتوهم أحد أن البسملة تكون في آخر القراءة حتى ينفي ذلك، إلا أن يريد بآخر القراءة: السورة التي بعد الفاتحة، لأنها آخرها بالنسبة للفاتحة، أو يريد قراءة أول الصلاة وآخرها، فيكون المعنى لا في أول ركعة ولا في آخر ركعة.\n\nالوجه الرابع: اختلف العلماء في حكم الجهر بالبسملة في الصلاة على ثلاثة أقوال:\nالأول: عدم شرعية الجهر بها، بل تقرأ قبل الفاتحة سرًا، وهذا هو المروي عن الخلفاء الراشدين، وذكره ابن المنذر عن جماعة من الصحابة والتابعين (^١)، وهو قول أصحاب الرأي وأحمد، وقال ابن قدامة: (لا تختلف الروايات عن أحمد أن الجهر بالبسملة غير مسنون) (^٢)، واختاره ابن تيمية ونصره (^٣).\nواستدلوا بحديث أنس المذكور هنا، وقد أخرجه الشيخان وأصحاب السنن وغيرهم بألفاظ متقاربة يصدِّق بعضها بعضًا.\nوذلك أن أنسًا ﵁ كان ممن يخدم النبي ﷺ ويلازمه حضرًا وسفرًا، وهو ينفي سماع جهره بالبسملة نفيًا مبنيًا على علم، لا على كونه لا يسمع،\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (٣/ ١٢٧).\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ١٤٩).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٣/ ٤١٠).","vol":"3","page":62},{"text":"مع إمكان الجهر بلا سماع، ولا يمكن مع هذا القرب والصحبة الطويلة ألا يسمع النبي ﷺ يجهر بها مع كونه يجهر بها، ومما يؤيد ذلك أن النبي ﷺ لو كان يجهر بها دائمًا لكانت الهمم والدواعي متوفرة على نقل ذلك، كجهره بسائر الفاتحة.\nومن أدلة ذلك ما ورد عن ابن عبد الله بن مغفل قال: (سمعني أبي وأنا أقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: (أَيْ بُنَيَّ إياك والحدث، قال: ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ كان أبغض إليه الحدث في الإسلام يعني منه، قال: وصليت مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر ومع عثمان فلم أسمع أحدًا يقولها فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل: الحمد لله رب العالمين (^١».\nالقول الثاني: أنه يسن الجهر بها، وبه قال الشافعي ومن وافقه، واستدلوا بحديث نعيم المجمر المذكور هنا، وهو من أقوى أدلتهم (^٢)،\nالقول الثالث: أنه يخير بينهما، وهو قول إسحاق بن راهويه، وابن حزم (^٣)، وكأن هؤلاء أرادوا العمل بجميع الأدلة، ما يدل على الجهر وما يدل على الإسرار، ذكر ذلك ابن المنذر.\nوالقول الأول هو الراجح، لأن حديث أنس ﵁ برواياته صحيح صريح في المسألة لا يقبل أي تأويل، وأما حديث نعيم المجمر فعنه جوابان:\nالأول: أنه معلول بما تقدم.\nالثاني: على القول بصحته - وهذا متوجه - فهو ليس صريحًا في الجهر، وإنما فيه أنه قرأ البسملة، وهذا يصدق بقراءتها سرًا، وعلى تقدير أنه جهر بها\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٤٤) والنسائي (٢/ ١٣٧) وابن ماجه (٨١٥) وأحمد (٢٧/ ٣٤٢) وحسنه الترمذي، ووافقه الزيلعي في \"نصب الراية\" (١/ ٣٣٣) وأحمد شاكر في تعليقه على الترمذي، وقد أعل بجهالة ابن عبد الله بن مغفل، والصواب عدم ذلك، فإنه روى عنه ثلاثة، مع تحسين الترمذي حديثه.\n(^٢) \"المجموع\" (٣/ ٣٣٣، ٣٤٢).\n(^٣) انظر: \"الأوسط\" (٣/ ١٢٩)، \"رسالة الزبيدي في حكم الجهر بالبسملة\" ص (١٧).","vol":"3","page":63},{"text":"فهو محمول على أن النبي ﷺ كان يجهر بها في بعض الأحيان، ليعلم الناس استحباب قراءتها في الصلاة، أو جهر بها جهرًا يسمعه من قرب منه، والمأموم إذا قرب من الإمام أو حاذاه سمع منه ما يخافت به، ولا يسمى ذلك جهرًا، وقد كان النبي ﷺ يسمعهم الآية أحيانًا، كما سيأتي، وبمثل ذلك تجتمع الأحاديث، ويستفاد من مجموعها أن السنة عدم الجهر بالبسملة، لكن لو جهر بها بعض الأحيان فلا حرج ليعلم المأموم أنه يسمِّي، وأن التسمية مشروعة.\nقال ابن تيمية: (اتفق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس في الجهر بها حديث صريح، ولم يرو أهل السنن المشهورة شيئًا من ذلك ..) (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٣/ ٤١٥).","vol":"3","page":64},{"text":"<span data-type='title' id=toc-238>ما جاء في أن البسملة آية من سورة الفاتحة</span>\n٢٨٢/ ١٦ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إذَا قَرَأْتُمُ الفَاتِحَةَ فَاقْرَأُوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، فَإنَّهَا إحْدَى آيَاتِها». رَوَاهُ الدَّارَقُطْني، وَصَوَّبَ وَقْفَهُ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٣١٢) من طريق أبي بكر الحنفي، ثنا عبد الحميد بن جعفر، أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قرأتم الحمد فاقرءوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾ إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾ إحداها».\nقال أبو بكر الحنفي: (ثم لقيت نوحًا فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة بمثله، ولم يرفعه).\nوقال الدارقطني عن هذا الموقوف: (وهو أشبهها بالصواب) (^١).\nوقال عبد الحق في «أحكامه الوسطى»: (رفع هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر، وهو ثقة، وثقه أحمد وابن معين، ويحيى بن سعيد، وأبو حاتم يقول فيه: «محله الصدق»، وكان سفيان الثوري يضعفه، ويحمل عليه، ونوح ثقة مشهور) (^٢).\n_________\n(^١) \"العلل\" (٨/ ١٤٨ - ١٤٩).\n(^٢) (١/ ٣٧٥).","vol":"3","page":65},{"text":"وتابعه الألباني فقال: (هذا إسناد صحيح مرفوعًا وموقوفًا، فإن نوحًا ثقة، وكذا من دونه، والموقوف لا يُعِلُّ المرفوع، لأن الراوي قد يوقف الحديث أحيانًا، فإذا رواه مرفوعًا - وهو ثقة - فهو زيادة يجب قبولها منه، والله أعلم) (^١)، وما قاله الدارقطني هو المعتبر، والموقوف في مثل هذا يُعِلُّ المرفوع، وحكم المتقدمين من الأئمة الكبار مقدم على من بعدهم، وقد تقدم مثل هذا.\n\nالوجه الثاني: قال النووي: (اعلم أن مسألة البسملة عظيمة مهمة، ينبني عليها صحة الصلاة، التي هي أعظم الأركان بعد التوحيد) (^٢)، وقد اتفق العلماء على أن البسملة بعض آية من سورة «النمل» (^٣)، ثم اختلفوا هل هي آية من الفاتحة وكل سورة على قولين:\nالأول: أن البسملة آية من سورة الفاتحة، وهو قول قراء مكة والكوفة وفقهائهما، وعليه الشافعي وأصحابه، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض الحنابلة، واستدلوا بهذا الحديث (^٤).\nالقول الثاني: أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وإنما هي آية مستقلة، كتبت للفصل والتبرك والابتداء بها، ما عدا سورة (براءة).\nوهذا عليه قراء المدينة والبصرة والشام وفقهائهما، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهي المذهب (^٥)، وهو اختيار ابن تيمية (^٦) وقال: (إن هذا القول به تجتمع الأدلة).\nواستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n_________\n(^١) \"السلسلة الصحيحة\" (٣/ ١٨٠).\n(^٢) \"المجموع\" (٣/ ٣٣٤).\n(^٣) \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٧).\n(^٤) \"المجموع\" (٣/ ٣٣٣)، \"المغني\" (٢/ ١٥١).\n(^٥) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٢٠٣)،\"المغني\" (٢/ ١٥١)، \"الإنصاف\" (٢/ ٤٨).\n(^٦) \"الفتاوى\" (٢٣/ ٤٢١، ٢٧٦).","vol":"3","page":66},{"text":"«قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» (^١).\nووجه الدلالة: أن الحديث دليل على قسمة الصلاة، والمراد بها هنا الفاتحة بين العبد وربه، والمراد قسمتها من جهة المعنى، والفاتحة سبع آيات بالإجماع، كما ذكر ذلك ابن كثير وغيره (^٢)، فثلاث في أولها ثناء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] وثلاث (^٣) في آخرها دعاء: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، والسابعة متوسطة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فلم يذكر: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾ في أولها مما يدل على أن البسملة ليست من القراءة الواجبة ولا من القراءة المقسومة.\n\nقوله: (هذا بيني وبين عبدي) يعني من العبد العبادة، ومن الله العون، ذكره ابن العربي (^٤).\nوهذا القول هو الراجح إن شاء الله، لقوة دليله، قال النووي: (إن هذا الحديث أوضح ما يُحتج به على أن البسملة ليست من الفاتحة) (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٩٥).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٢١)، \"فتح الباري\" (٨/ ١٥٩).\n(^٣) هذا على اعتبار أن ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ آية، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آية، و﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ آية.\n(^٤) \"أحكام القرآن\" (١/ ٥).\n(^٥) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٣٤٦).","vol":"3","page":67},{"text":"ويؤيد ذلك حديث عائشة ﵂ المتقدم: (كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين).\nأما ما يوجد في المصاحف الآن من أنها أول آية في الفاتحة وأعطيت رقمًا، فهذا مبني على أحد القولين في المسألة، كما تقدم، وعلى هذا تكون الآية السابعة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.\nوأما في بقية السور فلم تُعد من آيات السورة، ولذا تركت بلا ترقيم، وثمرة الخلاف في هذه المسألة: أن من قال: إن البسملة آية من الفاتحة قال: يقرأُها ويجهر بها كسائر آيات الفاتحة، وبعضهم قال: يخفيها، ومن قال إنها ليست آية من الفاتحة قال: لا تلزم قراءتها.\nوقد ذكر ابن عبد البر أن مذهب مالك وأصحابه أنها ليست آية مطلقًا، لا من الفاتحة ولا من غيرها، وإنما هي استفتاح لِيُعْلَمَ بها مبتدؤها، إلا في سورة النمل، ولهذا لا تقرأ عندهم في أول الفاتحة لا سرًا ولا جهرًا، ودليلهم حديث عائشة المتقدم، وحديث أنس هذا (^١).\nوالصواب أنها آية من القرآن، بدليل أن الصحابة ﵃ كتبوها وتواتر عنهم ذلك بدون نكير، مع العلم بأنهم كانوا لا يكتبون في المصحف ما ليس من القرآن، وكونهم فصلوها عن السورة التي بعدها دليل على أنها ليست منها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"الإنصاف فيما بين العلماء في بسم الله الرحمن الرحيم من الاختلاف\" لابن عبد البر، \"مجموعة الرسائل المنيرية\" (٢/ ١٥٦)، \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٣).","vol":"3","page":68},{"text":"<span data-type='title' id=toc-239>مشروعية رفع الإمام صوته بالتأمين</span>\n٢٨٣/ ١٧ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآن رَفَعَ صَوْتَه وَقَالَ: «آمِين». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n٢٨٤/ ١٨ - وَلأبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِي مِنْ حَدِيثِ وَائِل بْنِ حُجْرٍ نَحْوُهُ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه الدارقطني (١/ ٣٣٥) والحاكم (١/ ٢٢٣) من طريق إسحاق بن إبراهيم الزُّبيدي، أخبرني عمرو بن الحارث، ثنا عبد الله بن سالم، عن الزبيدي - هو محمد بن الوليد الزبيدي - قال أخبرني الزهري، عن أبي سلمة وسعيد أن أبا هريرة قال: … فذكره.\nوقال الدارقطني: (هذا إسناد حسن)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ) وسكت عنه الذهبي، وتعقب ابن عبد الهادي ومن بعده الألباني كلام الحاكم هذا (^١)، وذلك من وجهين:\n١ - أن الإسناد ليس على شرط الشيخين، فإن إسحاق بن إبراهيم ليس من رجال الشيخين، وهو متكلم فيه، وعبد الله بن سالم وهو الأشعري الوُحَاظي الحمصي لم يخرج له مسلم، وهو ثقة، أما بقية الرجال فهم ثقات من رجال الشيخين.\n_________\n(^١) انظر: \"التنقيح\" (٢/ ٨٣٤)، \"السلسلة الصحيحة\" (٤٦٥).","vol":"3","page":69},{"text":"٢ - أن إسحاق بن إبراهيم أورده الذهبي في «الضعفاء» وقال: (كذبه محمد بن عوف، وقال أبو داود: ليس بشيء) (^١)، وقال أبو حاتم: (شيخ لا بأس به، ولكنهم يحسدونه، سمعت يحيى بن معين أثنى عليه خيرًا) (^٢).\nوقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق يهم كثيرًا)، وقال الألباني: (ضعيف جدًا، وكذبه محدث حمص محمد بن عوف الطائي، وهو أعرف بأهل بلده) (^٣).\nوعلى هذا فالحديث ضعيف، لكن يشهد له ما بعده، ولعل الحافظ جمع بينهما لذلك.\nوأما حديث وائل بن حجر ﵁، فقد أخرجه أبو داود (٩٣٢) والترمذي (٢٤٨) من طريق سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس الحضرمي، عن وائل بن حجر قال: (سمعت رسول الله ﷺ قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: «آمين» ومدَّ بها صوته)، وهذا لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود: (ورفع بها صوته).\nوقال الترمذي: (حديث حسن)، وقال الحافظ: (سنده صحيح) (^٤)، وقال الألباني: (هذا إسناد جيد، ورجاله رجال الشيخين غير حجر بن عنبس، وهو صدوق كما قال في «التقريب») (^٥).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (آمين) اسم فعل أمر معناه: اللهم استجب - عند الجمهور - فهو أمر بالتأمين عند خاتمة الفاتحة للدعاء الذي فيها، وفيها لغتان المدّ على وزن: فاعيل، والقصر على وزن: فعيل، قال الجوهري: (وتشديد الميم خطأ) (^٦).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية تأمين الإمام بعد قراءة\n_________\n(^١) ص (٢٦).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٢٩).\n(^٣) \"السلسلة الضعيفة\" (٢/ ١٨١).\n(^٤) \"التلخيص\" (١/ ٢٥٢).\n(^٥) \"السلسلة الصحيحة\" (٤٦٥).\n(^٦) \"الصحاح\" (٥/ ٢٠٧٢).","vol":"3","page":70},{"text":"الفاتحة، ورفعه صوته بذلك، وهذا قول الجمهور من الشافعية والحنابلة وغيرهم (^١).\nوقال أبو حنيفة وأتباعه، وهو قول عند المالكية: يستحب خفض الصوت بها، لأن الأصل في الذكر خفض الصوت (^٢)، والعمل بالحديث مقدم على مثل هذا التعليل.\nوهذا الحديث ليس فيه تعرض لتأمين المأموم والمنفرد، ولم يذكر الحافظ شيئًا يتعلق بذلك.\nوقد ورد حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه» (^٣).\nفهذا الحديث فيه أمر المأمومين بالتأمين، وهو للندب عند الجمهور (^٤)، وظاهر الحديث أن تأمين المأموم يتأخر عن تأمين الإمام، لأنه رُتِّب عليه بالفاء، لكن في حديث آخر لأبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (^٥)، وهذا يدل على اقتران تأمين المأموم بتأمين الإمام ليقارن تأمين الملائكة، وذلك لأن التأمين لقراءة الإمام لا لتأمينه، فلذلك لا يتأخر عنه، ويكون معنى قوله: (إذا أمَّن الإمام فأمنوا) أي: إذا شرع في التأمين، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٢/ ١٦٢)، \"المجموع\" (٣/ ٣٧١).\n(^٢) \"الهداية\" (١/ ٤٩)، \"الاستذكار\" (٥/ ٢٥٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٨٠)، ومسلم (٤١٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٦٤).\n(^٥) أخرجه البخاري (٧٤٩)، ومسلم (٤١٠).","vol":"3","page":71},{"text":"<span data-type='title' id=toc-240>حكم المصلي الذي لا يحسن شيئًا من القرآن</span>\n٢٨٥/ ١٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي أَوْفَى ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآن شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْهُ، قَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إلهَ إلاَّ اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ..» الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عبد الله بن أبي أوفى، واسم أبي أوفى: علقمة بن قيس بن الحارث الأسلمي، كان أبوه صحابيًا - أيضًا ـ، وهو وأبوه من أهل بيعة الرضوان، شهد الحديبية وخيبر وما بعدهما، ولم يزل في المدينة حتى قبض النبي ﷺ، ثم تحول إلى الكوفة، ومات بها، وهو خاتمة من مات بالكوفة من الصحابة ﵃.\nوقد ورد عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللهم صلّ على آل فلان»، فأتاه أبي بصدقته، فقال: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى» (^١)، مات عبد الله سنة سبع وثمانين، وقد قارب مائة سنة ﵁ (^٢).\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في باب \"الزكاة\" إن شاء الله.\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٦/ ١١٠)، \"السير\" (٣/ ٤٣٠)، \"الإصابة\" (٧/ ٢٠١).","vol":"3","page":72},{"text":"الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٣١/ ٤٥٥، ٤٧٨ - ٤٧٩) وأبو داود (٨٣٢) في كتاب «الصلاة» باب «ما يجزئ الأمي والأعجمي من القراءة» والنسائي (٢/ ١٤٣) وابن حبان (٥/ ١١٤) والدارقطني (١/ ٣١٣) والحاكم (١/ ٢٤١) من طريق إبراهيم السكسكي، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: فذكر الحديث .. بزيادة: قال: (يا رسول الله! هذا لله ﷿، فما لي؟) قال: «قل: اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني»، فلما قام قال هكذا بيده، فقال رسول الله ﷺ: «أما هذا فقد ملأ يده من الخير»، وهذه الزيادة لغير النسائي، ولابن حبان إلى قوله: (وعافني) لكن وقعت عنده من الطريق الآتي، وقد ذكر الحافظ أن الدارقطني صحح الحديث، ولم أجد ذلك في «سننه».\nوإبراهيم السكسكي متكلم فيه، فضعفه أحمد، وشعبة على ما نقله عن ابن القطان، وقال النسائي: (ليس بذاك القوي، يكتب حديثه) (^١).\nلكن روى له البخاري في «صحيحه»، فقد ذكر الحافظ أن البخاري روى له حديثين أحدهما: في التفسير، والثاني: في الرقاق، وهو ينتقي من حديث الضعيف المعتبر في مثل هذه الأبواب (^٢)، وقال ابن عدي: (لم أجد له حديثًا منكر المتن، وهو إلى الصدق أقرب منه إلى غيره، ويكتب حديثه، كما قال النسائي (^٣»، وقال ابن عبد الهادي: (صالح الحديث) (^٤)، وعلى هذا فهو حسن الحديث إن شاء الله.\nوقد صحح الحديث شمس الحق آبادي (^٥)، وحسنه الألباني (^٦)، وقد تابع إبراهيمَ السكسكي طلحةُ بن مصرف عند ابن حبان (٥/ ١١٦) وفي إسناده الفضل بن موفَّق، ضعفه أبو حاتم وقال: (كان شيخًا صالحًا، وكان يروي أحاديث موضوعة) (^٧)، وإذا كان في سند هذا الحديث من يروي أحاديث\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٢٠).\n(^٢) \"هدي الساري\" ص (٣٨٨).\n(^٣) \"الكامل\" (١/ ٢١٠).\n(^٤) \"التنقيح\" (٢/ ٨٦٦).\n(^٥) \"التعليق المغني\" (١/ ٣١٤).\n(^٦) \"تمام المنة\" ص (١٧٠).\n(^٧) \"الجرح والتعديل\" (٧/ ٦٨).","vol":"3","page":73},{"text":"موضوعة لم يصلح للتقوية، لكن يشهد لحديث الباب حديث المسيء كما تقدم أول «صفة الصلاة»، وقد احتج به الإمام أحمد على هذه المسألة، كما في «مسائل ابنه» (^١).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن من عجز عن قراءة الفاتحة في الصلاة لضيق الوقت عن تعلمها، أو فقد معلم، أو نحو ذلك من الأعذار، فإنه يأتي بدلها بالأذكار الواردة في هذا الحديث، وليس في الحديث ما يقتضي التكرار، فالظاهر أنها تكفي مرة، ثم يركع، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"مسائل الإمام أحمد\" رواية ابنه عبد الله ص (٨١).","vol":"3","page":74},{"text":"<span data-type='title' id=toc-241>كيفية القراءة في الصلاة</span>\n٢٨٦/ ٢٠ - عَنْ أَبي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا، فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ - في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَينِ - بِفَاتِحَة الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا، ويُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى، ويَقْرَأُ في الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع من كتاب «الأذان»، منها: باب «القراءة في الظهر» (٧٥٩) ومسلم (٤٥١) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (في الأوليين ..) بيائين تثنية الأُولى، والمراد الركعة الأولى والثانية، وكذا الأخريين مثنى الأخرى، والمراد الركعة الثالثة والرابعة من صلاة الظهر والعصر.\n\nقوله: (بفاتحة الكتاب وسورتين) أي: في الركعتين، في كل ركعة سورة، لما ورد في رواية البخاري: (بفاتحة الكتاب وسورة سورة) (^١)، والسورة: طائفة من القرآن الكريم مسماة باسم خاص، ذات أول وآخر.\n\nقوله: (ويسمعنا الآية أحيانًا) أي: يجهر بها حتى يُسمعها من خلفه،\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٧٦٢).","vol":"3","page":75},{"text":"والآية لغة: العلامة، وسُمي بها الجزء من القرآن، لأنه علامة على أن القرآن كلام الله، أو لأنها علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها عن الذي بعدها وانفصاله، أي: أنها علامة على أن الكلام له ابتداء وانتهاء، وقوله: (أحيانًا) جمع حين، والحين هو الزمان قَلَّ أو كثر.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة حتى الصلاة السرية، لأن أبا قتادة ﵁ ذكرها في كل الركعات الأربع، وقد تقدم في أول «صفة الصلاة» أن النبي ﷺ أمر بها المسيء في صلاته، وقال له: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها».\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية قراءة سورة مع الفاتحة في كل ركعة من الركعتين الأوليين في صلاتي الظهر والعصر، وفي حكمهما المغرب والعشاء، وكذلك الصبح، وقراءة السورة مع الفاتحة سنة على قول جمهور أهل العلم، لأنه لا يجب إلا الفاتحة، قال ابن قدامة: (لا نعلم خلافًا أن قراءة السورة بعد الفاتحة مسنونة) (^١)، لكن لا ينبغي الاقتصار عليها.\nقال في «الإقناع وشرحه»: (ويكره الاقتصار في الصلاة على الفاتحة، لأنه خلاف السنة المستفيضة) (^٢).\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على مشروعية تطويل الركعة الأولى على الثانية في صلاتي الظهر والعصر، وكذا صلاة الفجر.\nولعل هذا - والله أعلم - مقصود به أن يدرك الصلاة من لم يأت بَعْدُ، ولكون المصلين أقوى نشاطًا، وقد ورد في آخر حديث أبي قتادة بالإسناد المقدم: (فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى) (^٣).\nوقد عارض ذلك حديث أبي سعيد الآتي الذي يدل على أن الركعتين الأوليين سواء في مقدار القراءة، وسيأتي بيان ذلك وتوجيهه إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٢/ ٢٧٢).\n(^٢) \"كشاف القناع\" (١/ ٣٤٢).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٨٠٠) وعبد الرزاق (٢/ ١٠٤) وكذا ابن خزيمة (١٥٨٠) وابن حبان (٥/ ١٦٥). بمعناه.","vol":"3","page":76},{"text":"وتطويل الركعة الأولى على الثانية سنة أَخَلَّ بها كثير من الأئمة في هذا الزمان، لأنهم يقرأون بقصار السور، فتكون الركعتان الأوليان متقاربتين.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على جواز الجهر ببعض الآيات في الصلاة السرية أحيانًا، وذلك لتنبيه الغافل، أو لبيان أن الإمام يقرأ وأنه ليس بساكت، ويحتمل أن إسماعه ﷺ من خلفه ليس مقصودًا، وإنما كان يحصل بسبق اللسان للاستغراق في التدبر، وقوله: (أحيانًا) يدل على تكرر ذلك منه.\n\nالوجه السابع: الحديث دليل على مشروعية الاقتصار على الفاتحة في الركعتين الأخريين من صلاة الظهر والعصر وكذا العشاء وثالثة المغرب.\nوقد ورد في حديث أبي سعيد الآتي ما يفيد جواز الزيادة على الفاتحة، وسيأتي إن شاء الله الكلام على ذلك.\n\nالوجه الثامن: استدل بالحديث من قال: إن قراءة سورة كاملة أفضل من قراءة بعض سورة طويلة، وذلك لارتباط بعضها ببعض في ابتدائها وانتهائها، بخلاف قدرها من سورة طويلة.\nقال ابن القيم: (وكان من هديه ﷺ قراءة السورة كاملة، وربما قرأها في الركعتين، وربما قرأ أول السورة، وأما قراءة أواخر السور وأوساطها فلم يحفظ عنه) (^١).\nولعل ابن القيم يقصد أنه لا يقرأ من أثناء السورة في الفريضة، وإلا فقد ثبت عنه أنه قرأ في سنة الفجر آيات من السور، فكان أحيانًا يقرأ في الركعة الأولى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ التي في سورة البقرة [١٣٦]، وفي الثانية: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ التي في آل عمران [٥٢]، وقد ورد ذلك في حديث ابن عباس ﵄ (^٢).\nوالقاعدة أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض ما لم يرد مخصص، وقد يؤيد ذلك عموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (١/ ٢١٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٢٧).","vol":"3","page":77},{"text":"لكن السنة والأفضل أن يقرأ سورة كاملة في كل ركعة، ليبقى ارتباط الآيات بعضها ببعض، ولئلا يقف الإمام على ما لا ينبغي الوقوف عليه، فإن شق فلا حرج أن يقسمها بين الركعتين، فقد ورد عن عبد الله بن السائب ﵁ قال: (صلى لنا النبي ﷺ الصبح بمكة، فاستفتح سورة المؤمنين حتى جاء ذكر موسى وهارون، أو ذكر عيسى - شك أحد الرواة - أخذت النبي ﷺ سَعْلة فركع، وعبد الله بن السائب حاضر (^١».\nوثبت أن الرسول ﷺ قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين (^٢)، وعلى الإمام أن يختار الموضع المناسب للوقف، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٥٥) وعلقه البخاري (٢/ ٢٥٥ فتح) في باب \"الجمع بين السورتين في ركعة\" والسعلة: بفتح أوله من السعال ويجوز الضم، ولابن ماجه (شرقة) بالقاف، \"فتح الباري\" (٢/ ٢٥٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٦٤) عن زيد بن ثابت -﵁-، ولفظه: أن زيد بن ثابت قال لمروان: مالك تقرأ في المغرب بقصارٍ؟ وقد سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ بطولى الطوليين، وأخرجه النسائي (٢/ ١٧٠) من حديث عائشة -﵂- بسند صحيح. انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٢٤٧، ١٤٩).","vol":"3","page":78},{"text":"<span data-type='title' id=toc-242>مقدار القراءة في الصلاة</span>\n٢٨٧/ ٢١ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَحْزُرُ قِيَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ: ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢]. وَفِي الأُخْريَينِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ. وَفِي الأُولَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى قدْرِ الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، والأُخْرَيَينِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ.\nرَوَاهُ مُسْلمٌ.\n٢٨٨/ ٢٢ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ﵀ قَالَ: كَانَ فُلَانٌ يُطِيلُ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي المغْرِبِ بِقِصَارِ المُفَصَّل وَفِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِهِ وفِي الصُّبْحِ بِطِوَالِهِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: (مَا صَلَّيْتُ وَرَاء أَحَدٍ أَشْبَهُ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ هذَا). أَخْرَجَهُ النَّسَائيُّ بِإسْنَادٍ صَحِيح.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو سليمان بن يسار الهلالي، مولى ميمونة أم المؤمنين ﵂، وأخو عطاء بن يسار، من أهل المدينة، ومن كبار التابعين، كان فقيهًا فاضلًا، ثقة عابدًا، ورعًا حجة، هكذا وصفه العلماء، كأبي زرعة والعجلي وغيرهما، روى عن عدد من الصحابة، وهو أحد الفقهاء السبعة، مات سنة مائة وثلاث، على أحد الأقوال، وكان مولده سنة سبع وعشرين، ﵀ (^١).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ١٩٩، ٢٠٠).","vol":"3","page":79},{"text":"الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث أبي سعيد، فأخرجه مسلم في كتاب «الصلاة»، باب «القراءة في الظهر والعصر» (٤٥٢) من طريق منصور، عن الوليد بن مسلم، عن أبي الصديق، وهو بكر بن عمرو الناجي، عن أبي سعيد ﵁ به.\nوأما حديث سليمان بن يسار، فقد أخرجه النسائي في كتاب «الافتتاح» باب «القراءة في المغرب بقصار المفصل» (٢/ ١٦٧ - ١٦٨) من طريق الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ قال: (ما صليت وراء أحد أشبه برسول الله ﷺ من فلان، فصليت وراء ذلك الإنسان، وكان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف في العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بالشمس وضحاها وأشباهها، ويقرأ في الصبح بسورتين طويلتين)، هذا لفظ النسائي، وبه يتبين أن الحافظ تصرف في بعض ألفاظه.\nوأخرجه أحمد (١٤/ ١٠٢) بهذا الإسناد، أن أبا هريرة ﵁ قال: (ما رأيت رجلًا أشبه صلاةً برسول الله ﷺ من فلان)، لإمام كان بالمدينة، قال سليمان بن يسار: (فصليت خلفه، فكان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل، ويقرأ في الغداة بطوال المفصل ..)، ويظهر أن الحافظ لفق لفظ البلوغ من هذا وذاك، والله أعلم.\nوالحديث إسناده قوي، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير الضحاك بن عثمان، فقد روى له مسلم، وقد تكلم فيه بعض الأئمة من قبل حفظه، ولخص الحافظ حاله في التقريب فقال: (صدوق يهم)، فيكون حديثه من قبيل الحسن إن شاء الله تعالى.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (كنا نحزر) بفتح النون وسكون الحاء المهملة وضم الزاي ماضي حزر، من باب «نصر»، ومعناه: نَخْرُصُ ونقدر ونقيس، قال في «المصباح","vol":"3","page":80},{"text":"المنير»: (حزرت الشيء: قدرته، وحزرت النخل: خرصته» (^١).\n\nقوله: (قدر ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢]): قدرها ثلاثون آية، في كل ركعة من الأوليين في الظهر، كما ورد في حديث أبي سعيد عند مسلم بلفظ آخر، وسيأتي.\n\nقوله: (قدر النصف من ذلك) أي: خمس عشرة آية في كل ركعة من الأخريين في الظهر، وظاهر هذا أنه كان يقرأ غير الفاتحة في الأخريين، كما سيأتي.\n\nقوله: (كان فلان ..) يريد به أميرًا كان على المدينة، كما ورد في رواية أحمد المتقدمة.\n\nقوله: (المفصل) أي: سور المفصل، وهو يبدأ من سورة (ق) إلى نهاية سورة (الناس) على أرجح الأقوال (^٢)، وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز (^٣)، سمي المفصل لكثرة الفواصل بين سوره بالبسملة على الصحيح، وطوال المفصل من (ق) إلى (عبس)، وأوسطه منها إلى (الضحى) وقصاره منها إلى آخر المصحف، ويقابل المفصل المطوَّل، وهو من أول القرآن إلى الحجرات.\n\nالوجه الرابع: حديث أبي سعيد ﵁ دليل على مشروعية تطويل القراءة في الأوليين من الظهر، وعلى استحباب التخفيف في العصر، وذلك بأن تكون القراءة في الأوليين على النصف من الظهر، وقد ورد حديث أبي سعيد: (كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، أو قال: نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك) (^٤).\n_________\n(^١) ص (١٣٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٥٩).\n(^٣) تعليقه على \"فتح الباري\" (٢/ ٢٤٩).\n(^٤) أخرجه مسلم (٤٥٢).","vol":"3","page":81},{"text":"وظاهر الحديث يقتضي أن الركعة الأولى والثانية سواء، وهذا يخالف حديث أبي قتادة ﵁ المتقدم: (ويطول الركعة الأولى)، وفي رواية أن النبي ﷺ (كان يطول الركعة الأولى من صلاة الظهر، ويقصر في الثانية ..) (^١)، وقد اختلف العلماء في الإجابة عن ذلك:\nفمنهم من سلك مسلك الترجيح فرجَّح حديث أبي قتادة على حديث أبي سعيد لأمرين:\nالأول: أنه متفق عليه، وحديث أبي سعيد في مسلم فقط.\nالثاني: أن حديث أبي قتادة جاء بصيغة الجزم، وحديث أبي سعيد قال: (حزرنا قيامه)، وفرق بين الجزم بالشيء وبين حزره وتقديره، على أنه قد يقال: إن التقدير بقراءة الآيات تقدير زمني، لا يلزم منه الفعل.\nوسلك آخرون مسلك الجمع وهو أن الرسول ﷺ يفعل هذا أحيانًا، ويفعل هذا أحيانًا، وهذا وجيه جدًا لأمرين:\nالأول: أن القاعدة في الأصول أنه متى أمكن الجمع بين الدليلين فهو أولى من الترجيح، لأن الجمع عمل بكلا الدليلين، أما الترجيح ففيه ترك لأحدهما.\nالثاني: أن الصلاة تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، وقد تنوعت كثير من أقوالها وأفعالها، كما تقدم، وكما سيأتي، فيكون تنوع مقدار القراءة من هذا الباب، والله أعلم.\n\nالوجه الخامس: حديث أبي سعيد ﵁ فيه دليل على أنه ﷺ كان يقرأ زيادة على الفاتحة في الأخرين، لأن الفاتحة سبع آيات، وقد ذكر أن قراءته فيها قدر خمس عشرة آية، وقد تقدم في حديث أبي قتادة أنه يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب، فيؤخذ منه أنه لا يزيد على فاتحة الكتاب، قال ابن قدامة: (أكثر أهل العلم يرون أن لا تسن الزيادة على فاتحة الكتاب في غير\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٧٧٩) و\"مسلم\" (٤٥١).","vol":"3","page":82},{"text":"الركعتين الأوليين …) (^١) وهذا قول أصحاب الرأي ومالك وأحد قولي الشافعي، واعتبره النووي قولًا قديمًا (^٢)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (^٣).\nوالقول الثاني: أنه يقرأ بسورة مع الفاتحة في الأخريين، وهو القول الآخر للشافعي، وهو المنصوص عليه في «الأم» (^٤)، ورواية عن أحمد، وعبر عنها صاحب «الإنصاف» بالسنية، ودليل هؤلاء حديث أبي سعيد هذا.\nوالظاهر أن يقال في الجمع بينهما مثل ما تقدم، بأنه ﷺ كان يفعل هذا تارة، ويقتصر فيها على الفاتحة تارة، لكن ينبغي التنبه إلى أن المأموم إذا فرغ من الفاتحة قبل ركوع إمامه في الأخريين فإنه يقرأ سورة، لأن الصلاة لا سكوت فيها في مثل هذه الحال.\n\nالوجه السادس: في حديث سليمان بن يسار إيضاح وتفصيل لهدي النبي ﷺ في القراءة في الصلوات الخمس، وأنه في الظهر يطيل، كما تقدم في حديث أبي قتادة، وفي العصر يخفف، كما في حديث أبي سعيد، وكان في العشاء يقرأ في الأوليين من أوساط المفصل، أما المغرب فكان يقصر فيها، فيقرأ مع الفاتحة بقصار المفصل، وهذا في بعض الأحيان، وليس يديم ذلك كما يوهمه ظاهر هذا الحديث، فإنه لم تكن سنته المداومة على القصار، بل كان يقرأ تارة بقصاره، وتارة بأوساطه، وقرأ بطواله، فقرأ بالطور، والمرسلات، وقرأ بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد: ١]، وقرأ بالأعراف في الركعتين، كما تقدم.\nوفي الفجر كان يقرأ من طوال المفصل، والإطالة فيها - والله أعلم - ليدركها المتأخر بنوم أو غفلة، ولأنها ركعتان، ولأن الناس بعد نوم وراحة فعندهم نشاط لسماع كلام الله تعالى والاستفادة منه - والله المستعان ـ، ولأن\n_________\n(^١) \"المغني\" (٢/ ٢٨١).\n(^٢) \"المجموع\" (٣/ ٣٨٦).\n(^٣) \"الإنصاف\" (٢/ ٨٨).\n(^٤) \"الأم\" (١/ ١٣١) وانظر: \"أصل صفة صلاة النبي - ﷺ -\" (٢/ ٤٦٨).","vol":"3","page":83},{"text":"الملائكة تشهدها؛ ولهذا عبَّر الله تعالى عن صلاة الفجر بالقرآن في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وذلك - والله أعلم - لمزيد العناية به فيها وإطالته.\nفينبغي للإمام أن يتحرى الاقتداء بالنبي ﷺ ويصلي مثل صلاته التي كان يصليها بأصحابه، وقد قال ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وعلى الإمام أن يراعي حال من خلفه ممن يحتاج إلى التخفيف من كبير السن أو ضعيف القوة أو صاحب الحاجة، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-243>القراءة في صلاة المغرب</span>\n٢٨٩/ ٢٣ - عَن جُبَيْرِ بْنِ مُطعِم ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بالطُّور. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «الجهر في المغرب» (٧٦٥) ومسلم (٤٦٣) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه ﵁ قال: … فذكره.\nوقد رواه عن ابن شهاب - أيضًا - جمع، منهم: سفيان، وابن وهب، ومعمر، كما عند مسلم.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الجهر في صلاة المغرب، وبهذا بوب البخاري، كما تقدم.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية تطويل القراءة في صلاة المغرب في بعض الأحيان، لأن الرسول ﷺ قرأ في المغرب بالطور، وهي من طوال المفصل، وفيه دليل على أنه لا ينبغي للإمام المداومة على قصار المفصل - كما تقدم - وقد ذكر ابن القيم أن المداومة خلاف السنة (^١)، وهو فعل مروان بن الحكم، ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت ﵁ فقال: (ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد سمعت النبي ﷺ يقرأ بطولى الطوليين) (^٢).\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (١/ ٢١١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٦٤) وأخرجه أبو داود (٨١٢) والنسائي (٢/ ١٧٠) بزيادة: (قال: =","vol":"3","page":85},{"text":"وعن ابن عباس ﵁ قال: إن أم الفضل بنت الحارث سمعته يقرأ بـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] فقالت: (يا بني لقد ذكرتني بقراءة هذه، إنها لآخر ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب (^١».\nوعن عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف فرَّقها في ركعتين (^٢).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على صحة أداء ما تحمله الراوي في حال الكفر، وكذا الفسق إذا أداه في حال العدالة، وذلك لأن جبير بن مطعم حينما سمع قراءة النبي ﷺ سورة الطور كان كافرًا، وبَلَّغَها وهو مسلم، لأن العبرة بحال الأداء لا بحال التحمل، والله تعالى أعلم.\n_________\n= قلنا: ما طولى الطوليين؟ قال: (الأعراف والأخرى الأنعام)، هذا لفظ أبي داود، وعند النسائي: (الأعراف فقط) والحديث سنده صحيح، وهذا هو الأرجح في تفسير الطوليين على ما ذكر الحافظ في \"فتح الباري\" (٢/ ٢٤٧).\n(^١) أخرجه البخاري (٧٦٣)، ومسلم (٤٦٢).\n(^٢) أخرجه النسائي (٢/ ١٧٠) وسنده صحيح، ورواه البخاري (٧٦٤) من حديث زيد بن ثابت - ﵁ - بلفظ آخر. انظر: آخر شرح الحديث (٢٨٦) وقد مضى قريبًا.","vol":"3","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-244>ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة</span>\n٢٩٠/ ٢٤ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ في صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ: ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢]، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n٢٩١/ ٢٥ - وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «يُدِيمُ ذلِكَ».\n\nالكلام عليهما من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي هريرة ﵁، فقد أخرجه البخاري في كتاب «الجمعة» باب «ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة» (٨٩١) ومسلم (٨٨٠) من طريق سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ به.\nوأما حديث ابن مسعود ﵁، فقد رواه الطبراني في «الصغير» (٢/ ٨٠) قال: (حدثنا محمد بن بشر بن يوسف الأموي الدمشقي، حدثنا دحيم عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ثور بن يزيد، عن عمرو بن قيس المُلائي، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢]، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]، يديم ذلك).\nقال الطبراني: (لم يروه عن عمرو بن قيس إلا ثور، ولا عن ثور إلا الوليد بن مسلم، تفرد به دحيم، ولا كتبناه إلا عن محمد بن بشر)، ورواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٢/ ١٥٠) من طريق الطبراني بدون هذه الزيادة.","vol":"3","page":87},{"text":"قال الهيثمي: (رجاله موثقون) (^١)، وشيخ الطبراني محمد بن بشر، له ترجمة في «تاريخ دمشق» وغيره، قال ابن عدي: (كان أروى الناس عن هشام بن عمار، كان عنده كتبه كلها وراقة)، وقال الدارقطني: (صالح) (^٢)، وبقية رجاله ثقات، وفي بعضهم كلام من جهة التدليس أو الاختلاط، كما يؤخذ من «التقريب».\nوقد أخرجه ابن ماجه (١/ ٢٧٠) من طريق عمرو بن أبي قيس، عن أبي فروة، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود ﵁، وليس فيه (يديم ذلك) والنفس لا تطمئن لثبوت هذه الزيادة، ثم إن أبا حاتم والدارقطني قد صوَّبا إرساله (^٣).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية قراءة هاتين السورتين في صلاة الفجر يوم الجمعة، كل سورة بكمالها، وذلك - والله أعلم - لاشتمالهما على ذكر مبدأ الخلق وغايته، وهو كائن في يوم الجمعة، فإن فيه تَمَّ خلق السماوات والأرض، وفيه خلق آدم، وفيه أُخرج من الجنة ليكون نسله في الأرض، وفيه تقوم الساعة، فيكون البعث والجزاء، فالمقصود أن يتذكر الناس بما كان في ذلك اليوم، وفي ذلك اعتبار، ويتذكروا ما سيكون، وفي ذلك استعداد.\nوإذا كانت قراءتهما سنة ثابتة فينبغي للأئمة أن يحافظوا عليها، فإن من الأئمة من يتساهل بذلك فلا يقرؤها، بحجة أنها طويلة، وبعضهم يفرِّق سورة السجدة في الركعتين، وبعضهم يفرِّق سورة (هل أتى) في الركعتين، وكل هذا خلاف السنة.\nوسياق الحديث عن أبي هريرة يشعر بمواظبة النبي ﷺ على قراءتهما أو الإكثار من ذلك، وفي حديث ابن مسعود الذي أشار إليه الحافظ التصريح\n_________\n(^١) \"مجمع الزوائد\" (٢/ ١٦٨).\n(^٢) انظر: \"سؤالات حمزة السهمي\" للدارقطني ص (٨٠) وفيه تحريف، \"تاريخ دمشق\" (٥٢/ ٨٥٠)، \"تاريخ الإسلام\" (٢٣/ ٧٤ - ٧٥).\n(^٣) انظر: \"علل ابن أبي حاتم\" (٥٨٦)، \"العلل\" للدارقطني (٥/ ٣٣٢).","vol":"3","page":88},{"text":"بمداومة النبي ﷺ على ذلك، لكن زيادة (يديم ذلك) غير محفوظة، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أنه لا ينبغي المداومة على قراءتهما، بحيث يتوهم الجهال أنها واجبة وأن تاركها مسيء، بل ينبغي تركها أحيانًا لعدم وجوبها (^١) وهذا مطلب صالح، لكن المحافظة على السنة كما حافظ عليها النبي ﷺ أولى، وفي الإمكان التنبيه على أنها غير واجبة بالكلام والتذكير.\nوَذَكَرَ - أيضًا - أنه لا يستحب أن يقرأ في فجر الجمعة بسورة فيها سجدة أخرى باتفاق الأئمة، لأن استحباب قراءة (الم) السجدة، و(هل أتى)، ليس لأجل السجدة، بل لأجل ما جاء في هاتين السورتين كما تقدم، والسجدة جاءت اتفاقًا، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٤/ ٢٠٥).","vol":"3","page":89},{"text":"<span data-type='title' id=toc-245>مشروعية السؤال عند آية الرحمة في صلاة النفل</span>\n٢٩٢/ ٢٦ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ فَمَا مَرّتْ بِهِ أَيَةُ رَحْمَةٍ إلاَّ وَقَفَ عِنْدَهَا يَسْأَلُ، وَلَا آيَةُ عَذَابٍ إلاَّ تَعَوَّذَ مِنْهَا. أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَحَسَّنَه الترْمِذِيُّ. الكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده» (٨٧١) والنسائي (٣/ ٢٢٥) والترمذي (٢٦٢) وابن ماجه (١٣٥١) وأحمد (٣٨/ ٢٧٥ - ٣٦٩) من طريق الأعمش قال: (سمعت سعد بن عبيدة، عن المستورد، عن صِلَةَ بن زُفَر، عن حذيفة ﵁ قال: (صليت مع النبي ﷺ فكان يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم»، وفي سجوده: «سبحان ربي الأعلي»، قال: «وما مرَّ بآية رحمة إلا وقف عندها فسأل، ولا آية عذاب إلا تعوذ منها»)، وهذا لفظ أحمد، وإنما ذكرته لأنه قريب من لفظ «البلوغ».\nوهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير مستورد - وهو ابن الأحنف - فإنه من رجال مسلم.\nوالحديث أصله في مسلم (٧٧٢) مختصرًا ومطولًا بهذا الإسناد، ولفظه: (قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت يصلي بها في الركعة فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مرَّ بآية فيها","vol":"3","page":90},{"text":"تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذ تعوَّذ، ثم ركع فجعل يقول: «سبحان ربي العظيم»، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: «سمع الله لمن حمده»، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: «سبحان ربي الأعلى» فكان سجوده قريبًا من قيامه).\nوكان الأولى أن يشير الحافظ إلى أن الحديث أصله في مسلم، كما هي عادته في مثل ذلك، لا سيما أن الإسناد واحد.\n\nوقوله: (وحسنه الترمذي)، الموجود في جامع الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وكذا نقله المزي في «تحفة الأشراف» (٣/ ٤١).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أنه ينبغي للمصلي أن يتدبر ما يقرأه في الصلاة، وأن يسأل إذا مرَّ بآية فيها سؤال، وأن يتعوذ إذا مرَّ بآية فيها تعوُّذ.\nوهذا كان في تهجده ﷺ في صلاة الليل، لأنه كان يطيل الصلاة، ويكثر القراءة، فكان يفعل ما ذكر، وهذا يدل على حضور القلب، والمبالغة في تدبر القرآن، ولم يحفظ عنه هذا الدعاء في الفرائض، ومن هنا اختلف العلماء في ذلك.\nفذهب بعض العلماء إلى أن الفرض والنفل سواء، لأن ما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل.\nوالقول الثاني: أن هذا لا يشرع في صلاة الفرض، لا سيما في حق الإمام، لأن عدم نقله في الفرض يدل على أن الأَولى تركه لأمرين:\nالأول: أنه لم ينقل فيما نعلم، ولو كان سنة لنُقل، لأن الصحابة ﵃ نقلوا صفة صلاة النبي ﷺ نقلًا دقيقًا، وقد نقلوا ذلك في النفل، ولم ينقلوه في الفرض، مع توفر الهمم والدواعي على نقله في الفرض أكثر من النفل، وقد سأل أبو هريرة ﵁ النبي ﷺ عن سكوته بين التكبير والقراءة، فلو كان يسكت عن القراءة للسؤال والتعوذ لنقل ذلك، لكن مع هذا فليس فيه دليل ينص على المنع، لأن غاية ما فيه أنه دعاء وتسبيح، وقد قال النبي ﷺ: «إن","vol":"3","page":91},{"text":"هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (^١).\nالثاني: أن الدعاء في الفريضة لا سيما من الإمام قد يسبب التطويل على المأمومين، فيشق عليهم، والمطلوب هو التخفيف، كما سيأتي - إن شاء الله - في باب «الإمامة».\nهذا بالنسبة للإمام والمنفرد.\nأما المأموم فإن كان في صلاة السر فهو كالإمام والمنفرد، وإن كان في صلاة الجهر فإن أشغله السؤال والتعوذ عن الإنصات المأمور به كما لو كانت آية السؤال أو العذاب في أثناء قراءة الإمام فإنه يترك ذلك، وينصت لإمامه، إلا إن كان إمامه يسكت بحيث يتمكن من السؤال، فيكون حكمه كما تقدم، وإن لم يشغله بل أعانه على تدبر قراءة إمامه ولم يشغل من كان معه لم يكره له بل يستحب على أحد القولين، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في باب \"شروط الصلاة\" حديث رقم (٢٢٠).","vol":"3","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-246>النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود</span>\n٢٩٣/ ٢٧ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلَا وَإني نُهيتُ أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة»، باب «النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود» (٤٧٩) من طريق سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كشف رسول الله ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: «أيها الناس: إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له، ألا وإني نُهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم».\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (فعظموا فيه الرب) التعظيم: وصف الرب بصفات العظمة والإجلال والكبرياء، والمراد هنا: سبحان ربي العظيم.\n\nقوله: (فقمن أن يستجاب لكم) بفتح القاف وكسر الميم بعدها نون صفة مشبهة أي: حقيق وجدير أن يستجاب دعاؤكم، ويجوز فتح الميم (قَمَنٌ) ويكون مصدرًا فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، ومن كسر الميم ثَنَّى وجمع وأنَّث، لأنه صفة مشبهة، كما تقدم، ومثله: قمين، فإنه وصف.","vol":"3","page":93},{"text":"الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن قراءة القرآن في حال الركوع والسجود، وفي معنى ذلك - أيضًا - حديث علي ﵁ قال: (نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا)، وفي رواية: (نهاني رسول الله ﷺ عن القراءة في الركوع والسجود، ولا أقول: نهاكم) (^١).\nوذلك لأن القراءة محلها القيام أو القعود في حق من يعجز عن القيام، والقرآن أشرف الكلام، فناسب أن يكون في حال القيام، وهي حال الرفعة تعظيمًا لكلام الله تعالى وتكريمًا للقارئ القائم مقام الكليم، أما الركوع والسجود فحالتا ذل وانكسار وانخفاض، فيناسب فيه تعظيم الرب ودعاؤه والتضرع بين يديه.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب تعظيم الرب في حال الركوع ويكون ذلك بالصيغة الواردة في حديث حذيفة ﵁ المتقدم: (.. ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم …، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى …). وقد ورد عن عقبة بن عامر ﵁ قال: (لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، قال رسول الله ﷺ: «اجعلوها في ركوعكم»، فلما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال: «اجعلوها في سجودكم» (^٢».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٨٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٨٦٩) وابن ماجه (٨٨٧) وأحمد (٢٨/ ٦٣٠)، من طريق موسى بن أيوب الغافقي، قال: (سمعت عمي إياس بن عامر يقول سمعت عقبة بن عامر يقول: فذكره …) وإسناده فيه مقال، لأن فيه موسى بن اْيوب وثقه ابن معين وأبو داود، وقال الحافظ في \"التقريب\": (مقبول)، وفيه إياس بن عامر مختلف فيه، قال الذهبي في \"تلخيص المستدرك\" (١/ ٢٢٥): (ليس بالمعروف)، وذلك لأنه لم يرو عنه غير ابن أخيه موسى بن أيوب، وقال العجلي: (لا بأس به)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٣/ ٣٣ - ٣٥)، وقال في \"صحيحه\" (٥/ ٢٢٦): (إياس بن عامر من ثقات المصريين)، وصحح له ابن خزيمة كما في \"التهذيب\"، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق)، وقد حسن الحديث النووي في \"الخلاصة\" (١٢٥٥) وفي \"المجموع\" (٣/ ٤١٣)، وضعفه الألباني في \"الإرواء\" (٢/ ٤٠) والحديث له شواهد، انظر: \"أصل صفة الصلاة\" (٢/ ٦٥٠).","vol":"3","page":94},{"text":"وظاهر الحديث أن ذلك واجب، وهو قول الإمام أحمد، وذهب الجمهور إلى أن ذلك سنة، وليس بواجب، بدليل حديث المسيء صلاته، لأن الرسول ﷺ لم يعلمه التسبيح، ولو كان واجبًا لأمره به، والقول بالوجوب هو الراجح، وأما دليل الجمهور فقد تقدم الجواب عن مثله في الكلام على حديث المسيء فراجعه.\n\nالوجه الخامس: مشروعية الدعاء في السجود والإكثار منه لأنه محل إجابة، وظاهر إطلاق لفظ: (الدعاء) أنه لا يختص بالمأثور، بل يدعو في صلاته في حال سجوده بأي دعاء كان من طلب خيري الدنيا والآخرة والاستعاذة من شرهما.\nوقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» (^١)، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - في دعاء التشهد (ثم يدعو بما شاء). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٨٢).","vol":"3","page":95},{"text":"<span data-type='title' id=toc-247>من أدعية الركوع والسجود</span>\n٢٩٤/ ٢٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع من «صحيحه»، منها: في كتاب «الأذان» باب «التسبيح والدعاء في السجود» (٨١٧) ومسلم (٤٨٤) من طريق منصور، عن أبي الضُّحَى (^١)، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن»)، وهذا لفظ الصحيحين.\nومعنى: (يتأول القرآن) أي: يعمل ما أُمر به فيه، ويدل على ذلك لفظ الصحيحين بالسند المذكور: (ما صلّى النبي ﷺ صلاة بعد أن نزلت عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إلا يقول فيها: «سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» (^٢».\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية قول المصلي في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) وأنه ينبغي الإكثار منه، وهو يدل على جواز الدعاء في الركوع من المأثور، وإن كان الدعاء في السجود أكثر، لأنه أمر فيه بالاجتهاد في الدعاء، وهذا يشعر بتكثير الدعاء، بخلاف الركوع فالكثير فيه تعظيم الرب ﷾، كما تقدم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) هو مسلم بن صبيح.\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٤٦٦٧) و\"صحيح مسلم\" (٢١٩) (٤٨٤).","vol":"3","page":96},{"text":"<span data-type='title' id=toc-248>حكم التكبير ومواضعه من الصلاة</span>\n٢٩٥/ ٢٩ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثمَّ يَقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوع، ثُمَّ يَقُولُ وهو قَائمٌ: «رَبَّنا ولكَ الحَمْدُ»، ثمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثمَّ يُكَبِّر حِينَ يَسْجُدُ، ثمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ، ثمَّ يَفْعَلُ ذلِكَ في الصَّلَاةِ كُلِّهَا، وَيُكَبِّر حِينَ يَقُومُ مِنَ اثْنَتَيْنِ بَعْدَ الجُلُوسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «التكبير إذا قام من السجود» (٧٨٩) ومسلم (٣٩٢) من طريق الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: (… فذكره).\nوهذا لفظ الصحيحين، إلا أن لفظ البخاري بهذا الإسناد: (ربنا لك الحمد) بدون واو، ومن طريق عبد الله بن صالح، عن الليث بالإسناد المذكور (ربنا ولك الحمد)، وقد أشار إليها البخاري.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يكبر حين يقوم) أي يقول: الله أكبر، وقت قيامه للصلاة، وهي تكبيرة الإحرام.\n\nقوله: (سمع الله) أي: استجاب، والأصل في الفعل (سمع) أن يتعدى بنفسه، كقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]،","vol":"3","page":97},{"text":"وقد يتعدى باللام إذا ضُمِّنَ معنى فعل آخر يتعدى باللام، وهو الفعل (استجاب) قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، ولأن مجرد السمع لا يستفيد منه الحامد، فإن الله تعالى يسمع من حَمِدَهُ ومن لم يحمده، وإنما يستفيد بالاستجابة، لأن الذي يحمد الله تعالى يرجو الثواب، فإذا استجاب الله له فقد أثابه، وقد أشار ابن القيم إلى شيء من هذا (^١).\n\nقوله: (لمن حمده) أي: لمن وصفه بصفات الكمال حبًا وتعظيمًا.\n\nقوله: (ربنا ولك الحمد) أي: يا ربنا، فهو منادى بحرف نداء مقدر، والواو عاطفة على مقدر، أي: يا ربنا أطعنا، ولك الحمد، فيكون في تقدير جملتين.\nوهذا لفظ الصحيحين - كما تقدم - والصيغة الثانية: ربنا لك الحمد، وقد أخرجها البخاري وهي في حديث أبي هريرة، كما تقدم، وأخرجها مسلم في حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وسيأتي بعد حديث أبي هريرة هذا.\nوالصيغة الثالثة: اللهم ربنا لك الحمد، بزيادة (اللهم) وهي في حديث أبي هريرة ﵁ وسيأتي، وفي حديث ابن عباس ﵄ (^٢).\nوالصيغة الرابعة: اللهم ربنا ولك الحمد، وهي في حديث أبي هريرة ﵁ (^٣) وفيها من البلاغة تكرار النداء، فكأنه قال: يا الله يا ربنا.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية التكبير عند الدخول في الصلاة، وهو ركن لا تنعقد الصلاة إلا به، وعلى مشروعية التكبير حين الركوع، والسجود، والرفع منه، والقيام من التشهد الأول.\nوبهذا يتبين أن النبي ﷺ كان يكبر الله تعالى عند الافتتاح، وفي كل خفض ورفع، ما عدا الرفع من الركوع، وهذه التكبيرات واجبة على قول أحمد وجماعة من السلف والخلف (^٤)، وهو الراجح لما يلي:\n١ - قوله ﷺ: «إذا كبر الإمام فكبروا»، فتدخل تكبيرات الانتقال في عمومه.\n_________\n(^١) \"بدائع الفوائد\" (٣/ ٧٥ - ٧٦).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٤٧٨).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٧٩٥).\n(^٤) \"المغني\" (٢/ ١٨٠، ٣٨٦).","vol":"3","page":98},{"text":"٢ - مواظبة النبي ﷺ عليه في كل صلاته فرضًا ونفلًا، وقد قال: «صلُّوا كما رأيتموني أصلي»، فتكون هذه التكبيرات من تفسير الصلاة التي أمرنا بها.\n٣ - أن التكبير شعار الانتقال من ركن إلى آخر، لأن أفعال الصلاة هيئات، فلا بد من شعار يدل على الانتقال من هيئة إلى هيئة.\nالقول الثاني: أن التكبيرات ليست بواجبة بل هي مستحبة، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك والشافعي ورواية عن أحمد (^١)، لحديث المسيء، والراجح ما تقدم، وحديث المسيء تقدم الجواب عنه.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية قول: سمع الله لمن حمده حين الرفع من الركوع، وهذا في حق الإمام والمنفرد، وأما المأموم فإنه يقول: ربنا ولك الحمد، لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (^٢)، وإنما عُدل عن التكبير إلى هذا الذكر عند الرفع من الركوع، لأن القيام الذي بعده محل تحميد لله ﷿ يصدر من الإمام والمأموم.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على مشروعية قول: ربنا ولك الحمد بعد القيام من الركوع، وهذا في حق الإمام والمنفرد، إلا المأموم فيقولها حين الرفع من الركوع بدلًا عن: سمع الله لمن حمده.\nوبهذا يتبين أن الإمام والمنفرد يقولان الجملة الأولى حين الرفع من الركوع والثانية بعد القيام، وأما المأموم فيقول الجملة الثانية فقط حين الرفع من الركوع، وهذا على أحد القولين لأهل العلم، وهو الراجح، لأن حديث أبي هريرة نص في الموضوع: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد ..)، ولم يقل فقولوا: سمع الله لمن حمده، كما قال: إذا كبر الإمام فكبروا ..، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٢/ ١٨٠)، \"المجموع\" (٣/ ٣٩٧)، \"الاستذكار\" (٤/ ١١٧)، \"الفتاوى الهندية\" (١/ ٧٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٩٦) ومسلم (٤٠٩).","vol":"3","page":99},{"text":"<span data-type='title' id=toc-249>ما يقوله بعد الرفع من الركوع</span>\n٢٩٦/ ٣٠ - عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّموَاتِ ومِلْءَ الأرْضِ، وَمِلءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ - وَكلُّنَا لَكَ عَبْدٌ - اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِي لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ» رَوَاهُ مُسْلمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة»، باب «ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع» (٤٧٧) من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قَزَعَةَ، عن أبي سعيد الخدري قال: … فذكر الحديث.\nوقد ورد ذلك - أيضًا - من حديث ابن عباس ﵄ عند مسلم (٤٧٨) من طريقين أحدهما مختصر، والآخر مثل حديث أبي سعيد ﵁، دون قوله: (أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد)، ومن حديث علي ﵁ عند مسلم أيضًا (٧٧١) لكنه مختصر إلى قوله: (وملء ما شئت من شيء بعد).\nوقد تقدم هذا الحديث في أدعية الاستفتاح، وورد الحديث أيضًا من طريقين عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ مختصرًا، كحديث علي ﵁، وله طريق ثالث، وفيه زيادة: (اللهم طهرني بالثلج والماء والبرد …).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ملء السماوات وملءَ الأرض) ملء: بالنصب والرفع، والنصب","vol":"3","page":100},{"text":"أشهر، على أنه صفة لموصوف محذوف، وهذا الموصوف منصوب على المصدر، والعامل فيه المصدر قبله، والتقدير: حمدًا ملءَ السماوات.\nوالمعنى: حمدًا لو كان أجسامًا لملأ السماوات والأرض، والمقصود به التمثيل والتقريب، لا حقيقة ذلك، لأن الكلام لا يقدر بالمكاييل ولا تحشى به الظروف، وإنما المراد به: تكثير العدد وتعظيم الحمد وتفخيم شأنه، وأن الله تعالى محمود على كل فعل أو خلق في السماوات والأرض وما بينهما، ذكر معنى هذا الخطابي (^١).\nوأما الرفع فعلى أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو.\nوالسماوات بلفظ الجمع، وقد جاء في حديث ابن أبي أوفى بلفظ الإفراد (ملء السماء والأرض)، وفي حديث ابن عباس: (ملء السماوات وملء الأرض وما بينهما) بزيادة: (بينهما)، ولعل تركها في الأحاديث الأخرى لإرادة العلويات والسفليات منهما، وهي شاملة لما بينهما، لأنه لا يخلو عنهما، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق: ٣٨].\n\nقوله: (وملء ما شئت من شيء بعدُ) ظرف مبني على الضم لقطعه عن الإضافة مع إرادة المضاف إليه، وهو السماوات والأرض.\nوهذا إشارة إلى أن حمد الله تعالى لا منتهى له ولا يحصيه عاد، ولا يجمعه كتاب، فأحال الأمر فيه على مشيئة الله تعالى، وليس وراء ذلك للحمد منتهى.\n\nقوله: (أهلَ الثناء والمجد) بالنصب على الاختصاص، أو على النداء ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي: أنت أهل الثناء والمجد.\nوالثناء: هو المدح بالأوصاف الكاملة، والمجد: هو العظمة ونهاية الشرف.\n_________\n(^١) \"شأن الدعاء\" ص (١٥٥، ١٥٦).","vol":"3","page":101},{"text":"قوله: (أحقُّ ما قال العبد) بالرفع إما أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك أحق ما قال العبد، والمراد ما سبق من الثناء والحمد، أحق ما قال العبد: أي: أصدقه وأثبته، وإنما جعل خبرًا ليكون ما بعده مستأنفًا يتم الكلام بدونه، أو مبتدأ وجملة (لا مانع لما أعطيت) خبره، وجملة (وكلنا لك عبد) معترضة، لتأكيد التفويض لله تعالى.\nو(أل) في العبد إما للجنس، أو للعهد، والمراد الرسول ﷺ، والأول أظهر، لقوله: (وكلنا لك عبد).\n\nقوله: (وكلنا لك عبد) فيها التنبيه على أنه تعالى مالك لجميع العباد، فإليه يرجع الأمر كله، ولم يقل: عبيد، مع عود الضمير على جمع، لأن القصد أن يكون الخلق بمنزلة عبد واحد وقلب واحد، قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَانِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].\n\nقوله: (لا مانع لما أعطيت) أي: أردت إعطاءه، فإن من أعطى شيئًا لا مانع له، إذ الواقع لا يرتفع، ولا معطي لمن منعه الله، لأن قضاءه نافذ ﷾، فما قَدَّرَ عطاءه وُجِدَ، وما قدر منعه لا يوجد، فلا يستطيع أحد أن يغير شيئًا من ذلك، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢].\n\nقوله: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) الجد: بفتح الجيم، هو الحظ والغنى والبَخْتُ، و(من) بمعنى: عند، والمعنى: لا ينفع صاحب الغنى عندك غناه ولا حظه، وإنما ينفعه العمل بطاعتك، وإنما كان هذا أحق ما قال العبد لأن فيه التفويض إلى الله تعالى والإذعان له، والاعتراف بوحدانيته، وأن الحول والقوة والخير وغيره منه تعالى.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية هذا الذكر بعد الرفع من الركوع، للإمام والمنفرد والمأموم، في الفرض والنفل، لما فيه من حمد الله تعالى والثناء عليه، وكمال التفويض له سبحانه، والاعتراف بكمال قدرته وعظمته وانفراده بالوحدانية وتدبير مخلوقاته، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":102},{"text":"<span data-type='title' id=toc-250>الأعضاء التي يُسجد عليها</span>\n٢٩٧/ ٣١ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أنفِهِ - وَالْيَدَيْنِ، والرُّكْبَتَينِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْن». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «السجود على الأنف» (٨١٢) ومسلم (٤٩٠) (٢٣٠) من طريق عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: (قال النبي ﷺ: فذكره ..، وفيه زيادة: ولا نَكْفِتُ الثياب ولا الشعر).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أُمرت) أي: أمرني الله ﷿، وفي رواية للبخاري (^١): (أُمر النبي ﷺ)، وفي رواية له - أيضًا ـ: (أمرنا) (^٢)، قال الحافظ: (لما كان هذا السياق يحتمل الخصوصية عَقَّبَهُ المصنف بلفظ آخر دال على أنه لعموم الأمة) (^٣).\n\nقوله: (على سبعة أعظم) جمع عظم، وفي رواية للبخاري (أعضاء) (^٤)، جمع عضو، وهو الجزء المستقل من الجسد.\nوقد ذكرها النبي ﷺ إجمالًا، ثم فصلها ليكون أبلغ في حفظها وأشوق إلى تلقيها.\n_________\n(^١) برقم (٨٠٩).\n(^٢) برقم (٨١٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٩٦).\n(^٤) برقم (٨٠٩).","vol":"3","page":103},{"text":"قوله: (على الجبهة) هي أعلى الوجه، وقال الأصمعي: (هي موضع السجود) (^١).\n\nقوله: (وأشار بيده إلى أنفه) أي: ولم يقل: والأنف، إشارة أنه ليس عضوًا مستقلًا، بل تابع للجبهة وأنهما عضو واحد، وإلا لكانت الأعضاء ثمانية، وقد ورد في حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ عند مسلم: (الجبهة والأنف) وسيأتي.\n\nقوله: (واليدين) أي: الكفين، كما في رواية مسلم (^٢).\nوهذا التفسير متعين، لئلا يعارضه حديث: (لا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب)، كما سيأتي.\n\nقوله: (ولا نكفت الثياب ولا الشعر)، الكفت: هو الضم والكف والجمع، يقال: كفت الشيء يكفته، من باب «ضرب»: ضمه وقبضه، وفي رواية: (ولا أكف ثوبًا ولا شعرًا) (^٣)، والمراد: شعر الرأس، والمعنى: لا نضمها ولا نجمعها، وذلك بأن يرفع ثوبه من أسفل عند السجود، أو يطويه حتى يحزمه على بطنه.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب السجود على هذه الأعضاء السبعة وهي: الجبهة، ويتبعها الأنف، والكفان، والركبتان، وأطراف القدمين، وهذا على الراجح من قولي أهل العلم.\nلأن الله تعالى أمر نبيه ﷺ بذلك، والأمر يقتضي الوجوب، والأمة تبع له في ذلك، ويؤيده رواية (أُمرنا) - كما تقدم - وهذا هو الأصل، أن الأوامر والنواهي توجه إليه، والأمة تبع له في ذلك، إلا ما دل الدليل على تخصيصه به.\nوالحكمة من السجود على هذه الأعضاء لأجل أن يشمل السجود أعالي\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٩١).\n(^٢) (٤٩٠) (٢٢٧).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٨١٦) و\"صحيح مسلم\" (٤٩٠) (٢٢٨).","vol":"3","page":104},{"text":"الجسد وأسافله، وأعضاء كسبه وسعيه، فيكمل ذل العبد وعبادته لله ﷿، لأن السجود عليها إذلال لها لله رب العالمين.\nويستثنى من ذلك من عجز عن السجود ببعض الأعضاء كإحدى يديه أو أنفه ونحو ذلك فإنه يسجد على بقية الأعضاء، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\n\nالوجه الرابع: دل الحديث بمفهومه أنه لا يجوز للمصلي أن يرفع عضوًا من أعضائه حال سجوده، كاليد والرجل أو الأنف ونحو ذلك، فإن فعل لم يصح سجوده؛ لأنه لم يسجد على هذا العضو الذي رفعه، وبه يتبين خطأ من يسجد على جبهته ويرفع أنفه، أو يرفع قدميه أو أحدهما، أو يضع أحدهما على الأخرى.\nوهذا إن كان الرفع من ابتداء السجدة إلى آخرها، فإن رفع العضو ثم وضعه في أثناء السجدة فقد أدى الركن، لكن لا ينبغي له ذلك، لأن الأصل أن تبقى الأعضاء على الأرض مدة السجود.\nوقد ورد في حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أُمرت أن أسجد على سبع: الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين» (^١).\nوعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يَمُسَّ أنفُه الأرض» (^٢).\n\nالوجه الخامس: ظاهر الحديث أنه لا يجب على المصلي كشف شيء من هذه الأعضاء لو كان مستورًا، بل يسجد على العضو ولو مع الساتر، كشراب الرجلين أو اليدين، أو ما يلبس في الشتاء غطاء للرأس والجبهة ونحو ذلك، لأمرين:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٩١).\n(^٢) أخرجه الدارقطني (١/ ٣٤٨) والحاكم (١/ ٢٧٠) وقال: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، وصححه الألباني كما في \"تمام المنة\" ص (١٧٠).","vol":"3","page":105},{"text":"الأول: أن مسمى السجود يحصل بوضع الأعضاء على الأرض دون كشفها.\nالثاني: ما ذكره البخاري معلقًا بصيغة الجزم عن الحسن أنه قال: (كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في كمه) (^١).\nأما سجود المصلي على حائل من غير أعضاء السجود فلا يخلو:\n١ - إما أن يكون منفصلًا، كسجادة فلا بأس به ولا كراهة فيه، لما ورد عن ميمونة ﵂ أن النبي ﷺ صلّى على الخُمْرة (^٢)، والخمرة: بالضم، على وزن غرفة، مصلى صغير يعمل من سعف النخل، سميت بذلك لسترها الوجه والكفين من حر الأرض وبردها (^٣).\nلكن يستثنى من ذلك أن يخص جبهته بشيء يسجد عليه دون بقية بدنه، فهذا ينهى عنه لأمرين:\nالأول: أن في ذلك موافقة للرافضة وتشبهًا بهم؛ لأنهم يسجدون على قطعة من المَدَرِ، كالفخار.\nالثاني: رفع التهمة، والذي ينبغي للمسلم اتقاء مواضع التهم.\n٢ - وإن كان الحائل متصلًا بالمصلي كثوبه أو طرف عمامته أو طرف غطاء رأسه، فهذا يكره السجود عليه، إلا لحاجة كشدة حر، ونحوه، لحديث أنس ﵁ قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود.\nوفي لفظ: (كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه) (^٤)، قال الحافظ ابن\n_________\n(^١) وصله عبد الرزاق (١/ ٤٠٠) وابن أبي شيبة (١/ ٥٦٦)، انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٤٩٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣٣) ومسلم (٦١٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٣٠).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٨٥) وبوب عليه باب \"السجود على الثوب فى شدة الحر\"، وأخرجه مسلم (٦٢٠).","vol":"3","page":106},{"text":"حجر: (فيه إشارة إلى أن مباشرة الأرض عند السجود هو الأصل، لأنه علق بسط الثوب بعدم الاستطاعة) (^١).\nوبهذا تبين أن ما يفعله بعض المصلين من بسط طرف غطاء رأسه على الأرض عند السجود مع وجود الفرش في المساجد أن هذا لا ينبغي، لعدم الحاجة إليه، مع ما فيه من كثرة الحركة كلما أراد أن يبسط ذلك، ولأن الصحابة ﵃ لم يفعلوا ما ذكروا إلا عند الحاجة، ولا حاجة مع فرش المساجد، اللهم إلا أن تكون الفرش فيها غبار والمصلي عنده حساسية فمثل ذلك عذر إن شاء الله تعالى.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على أن المصلي منهي عن كفّ ثوبه عند السجود، وذلك بأن يرفعه من أسفل، أو يطويه حتى يربطه على بطنه، لأن ذلك ليس من تمام الزينة التي تطلب من المصلي، وقد يكون من باب الكبر، لئلا يتلوث ثوبه إذا باشر التراب.\nوقد ذكر النووي أن هذا النهي يراد به التنزيه، فلو صلّى كذلك فقد أساء، وصحت صلاته، وذكر أن الطبري احتج على ذلك بالإجماع (^٢)، لكن حكى ابن المنذر عن الحسن البصري أن عليه الإعادة (^٣).\nولا يدخل في ذلك كف الغترة حول العنق يمينًا أو شمالًا، لأنها تلبس على هذه الصفة، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٩٣).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٤٥٤).\n(^٣) \"الأوسط\" (٣/ ١٨٤).","vol":"3","page":107},{"text":"<span data-type='title' id=toc-251>بيان ما يفعل باليدين عند السجود</span>\n٢٩٨/ ٣٢ - عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ أَنَّ النبي ﷺ كَانَ إذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبطَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n٢٩٩/ ٣٣ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا سَجَدْتَّ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ» رَوَاهُ مُسْلمٌ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عبد الله بن مالك بن جندب الأزدي ﵁ وبحينة اسم أمه، بنت الحارث بن عبد المطلب، فإذا قيل: عن عبد الله بن مالك ابن بحينة، فإنه يقرأ مالك بالتنوين، وابن بحينة بدل من عبد الله لا من مالك، ويكتب ابن بحينة بالألف، لأنه نُسب إلى أمه، ولأنه ليس صفة لمالك، بل صفة لعبد الله، وهو صحابي، وأبوه صحابي، وأمه صحابية، أسلم قديمًا، وكان ناسكًا فاضلًا، وهو ممن روى صفة صلاة النبي ﷺ، ذكر ابن سعد إنه نزل بطن «ريم» على ثلاثين ميلًا من المدينة، وذكر أن رسول الله ﷺ في سفر الهجرة هبط بطن «ريم» ثم قدم قباء (^١)، مات ابن بحينة في بطن «ريم» سنة ست وخمسين، على أحد الأقوال (^٢).\nوالراوي الثاني هو: البراء - بفتح الباء فراء مخففة ثم همزة ممدودة ـ\n_________\n(^١) \"الطبقات\" (٤/ ٣٤٢).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٦/ ١١٢)، \"الإصابة\" (٦/ ١٠٤).","vol":"3","page":108},{"text":"ابن عازب بن الحارث الأوسي الأنصاري ﵄، له ولأبيه صحبة، شهد غزوة أحد وما بعدها، ولم يحضر غزوة بدر لصغر سنه.\nروى عن النبي ﷺ جملة من الأحاديث، وروى عن أبيه وأبي بكر وعمر وغيرهما من أكابر الصحابة ﵃، وروى عنه من الصحابة: أبو جحيفة، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وعبد الله بن إياد، نزل الكوفة، ومات فيها سنة اثنتين وسبعين (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما الأول فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «يبدي ضَبْعيه (^٢) ويجافي في السجود» (٨٠٧)، ومسلم (٤٩٥) من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن عبد الله بن مالكٍ ابن بحينة، أن رسول الله ﷺ … فذكره.\nوأما حديث البراء، فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة»، باب «الاعتدال في السجود، ووضع الكفين على الأرض، ورفع المرفقين عن الجنبين، ورفع البطن عن الفخذين في السجود» (٤٩٤) من طريق عبد الله بن إياد، عن البراء بن عازب ﵄ قال: (قال رسول الله ﷺ … فذكره).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (إذا صلّى) أي: إذا سجد، وقد ورد بهذا اللفظ عند مسلم من طريق آخر.\n\nقوله: (فرج بين يديه) بتشديد الراء، أي: باعد بين يديه، أي: عضديه مثنى عضد، وهو ما بين المرفق إلى الكتف، والمراد فرَّج بينهما وبين جنبيه، فنحى كل يد عن الجانب الذي يليها، بدليل ما بعده.\n\nقوله: (حتى يبدو بياض إبطيه) أي: يظهر، وقوله: (إبطيه) مثنى:\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١/ ٢٨٨)، \"الإصابة\" (١/ ٢٣٤).\n(^٢) ضبعيه: بفتح المعجمة وسكون الموحدة تثنية ضبع، وهو وسط العضد من داخل، وقيل: لحمة تحت الإبط.","vol":"3","page":109},{"text":"إبط، بكسر الهمزة وسكون الباء، وهو باطن المنكب، ويكون لونه أبيض من لون بقية الجلد غالبًا لاختفائه عن المؤثرات الخارجية من الهواء والشمس، وإنما كان يرى بياضهما، لاحتمال أن شعر إبطيه ﷺ كان خفيفًا، فلا يتضح للناظر من بُعْدٍ سوى بياض الإبطين، أو أنه كان ﷺ ينتف إبطيه حتى تبقى بيضاء.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على هيئة السجود الموافقة للسنة، وهو ما اجتمع فيه ثلاث صفات:\nالأولى: إبعاد العضدين عن الجنبين حال السجود والمبالغة في ذلك، وذلك لتنال اليدان حظهما من الاعتماد والاعتدال في السجود، ويبتعد الساجد عن مظاهر الكسل والفتور.\nوهذه السنة مشروعة ما لم يؤذ من بجانبه، فإن حصل ذلك ترك المجافاة، لأن درء المفاسد بإشغال المصلين أو إيذائهم أولى من جلب المصالح بهذه الصفة.\nوقد ورد في حديث ميمونة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ إذا سجد لو شاءت بَهْمَةٌ أن تمر بين يديه لمرَّت) (^١).\nالصفة الثانية: وضع الكفين على الأرض، وهما من أعضاء السجود، كما تقدم، وقد دلّت السنة على بسطهما مضمومتي الأصابع إلى القبلة، كما سيأتي.\nالصفة الثالثة: رفع الذراعين عن الأرض، لأن الرسول ﷺ أمر برفعهما ونهى عن بسطهما، وقال: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» (^٢).\nوقد ذكر بعض الفقهاء أنه إذا طال السجود وراء الإمام فله أن يعتمد\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٩٦)، والبهمة: بفتح الباء: أولاد الغنم \"إكمال المعلم\" (٢/ ٤٠٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٢٢) ومسلم (٤٩٣).","vol":"3","page":110},{"text":"بمرفقيه على فخذيه، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: اشتكى أصحاب النبي ﷺ إلى النبي ﷺ مشقة السجود عليهم إذا تفرجوا، فقال: «استعينوا بالرُّكَبِ» (^١)، والصواب أنه مرسل، لكن يعضده عموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] (^٢) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٩٠٢) والترمذي (٢٨٦) وأحمد (١٤/ ١٨٢) من طريق الليث، عن ابن عجلان، عن سُمَيِّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nورواه سفيان بن عيينة وغير واحد، عن سُمي، عن النعمان بن أبي عياش، عن النبي - ﷺ - نحو هذا، مرسلًا. أخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٢٠٣) و\"الصغير\" ص (١٤٩) والبيهقي (٢/ ١١٧) وصحح البخاري إرساله، وقال الترمذي: (كأن رواية هؤلاء أصح من رواية الليث). وصححٍ المرسل -أيضًا- أبو حاتم كما في \"العلل\" (٥٤٦) والدارقطني كما في \"العلل\" أيضًا (١٠/ ٨٥ - ٨٦).\n(^٢) انظر: \"المجموع\" (٣/ ٤٣١)، \"الشرح الممتع\" (٣/ ١٧٠ - ١٧١).","vol":"3","page":111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-252>هيئة أصابع اليدين في الركوع والسجود</span>\n٣٠٠/ ٣٤ - عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ أَنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَكَعَ فَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَإذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ. رَوَاهُ الحَاكِمُ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه الحاكم مفرقًا في موضعين من المستدرك:\nالأول: (١/ ٢٢٤) من طريق عمرو بن عون، ثنا هشيم، عن عاصم بن كليب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه ﵁: (أن النبي ﷺ كان إذا ركع فرَّج بين أصابعه).\nوالثاني: (١/ ٢٢٦) من طريق الحارث بن عبد الله الخازن، ثنا هشيم به، بلفظ: (أن النبي ﷺ كان إذا سجد ضم أصابعه).\nوقال الحاكم عن كلا الإسنادين: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه).\nوأخرجه بهذه الصفة ابن خزيمة (٥٩٤، ٦٤٢) من طريق الحارث بن عبد الله بهذا الإسناد.\nوأخرجه ابن حبان (٥/ ٢٤٧، ٢٤٨) في موضع واحد من طريق الحارث بن عبد الله بهذا الإسناد، وعلى هذا فلفظ «البلوغ» مثل لفظ ابن حبان، ولو عزاه إليه الحافظ لكان أحسن، أو جمع بينهما فقدم ابن حبان ثم الحاكم.\nوقول الحاكم: (صحيح على شرط مسلم …) صحيح بالنسبة للإسناد الأول، وفيه نظر بالنسبة للإسناد الثاني، فإن الحارث بن عبد الله لم يخرج له","vol":"3","page":112},{"text":"مسلم، ولا أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: (مستقيم الحديث) (^١)، وقال الذهبي: (صدوق) (^٢).\nوفي الإسناد هشيم، وهو ابن بشير، مدلس، وقد عنعنه، وقد نقل الحافظ عن الإمام أحمد أنه قال: (لم يسمع هشيم من عاصم بن كليب وذكر جماعة آخرين، وقد حدث عنهم) (^٣).\nوقد حسن هذا الحديث الهيثمي (^٤) وقال الألباني: (صحيح، لولا عنعنة هشيم) (^٥)، وسكت عنه الحافظ هنا في «البلوغ».\nوله شاهد من حديث أبي مسعود البدري ﵁ في صفة صلاة النبي ﷺ وفيه: (ثم ركع فجافى يديه، ووضع يديه على ركبتيه، وفرج بين أصابعه) (^٦).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن السنة في أصابع اليدين حال الركوع تفريجهما فوق الركبة كالقابض عليها، لأن ذلك أمكن من الركوع وأثبت لحصول تسوية ظهره برأسه، وهي سنة مطلوبة، كما تقدم.\nأما في حال السجود فالسنة ضم الأصابع مع بسطها، ليحصل بذلك كمال استقبال القبلة بها، وهو أعون على تحملها في أثناء السجود، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) (٨/ ١٨٣).\n(^٢) \"الميزان\" (١/ ٤٣٧).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٥٥).\n(^٤) \"مجمع الزوائد\" (٢/ ١٣٥).\n(^٥) تعليق الألباني على \"صحيح ابن خزيمة\" (١/ ٣٢٤).\n(^٦) أخرجه النسائي (٢/ ١٨٦) وأحمد (٢٨/ ٣١١) والبيهقي (٢/ ١٢١) من طريق زائدة، عن عطاء بن السائب، عن سالم أبي عبد الله قال: (قال عقبة بن عمرو … وذكر الحديث). وسنده حسن من أجل عطاء بن السائب، فقد قال عنه الحافظ في \"التقريب\": (صدوق اختلط) وزائدة هو ابن قدامة، وروايته عن عطاء قبل اختلاطه كما في ترجمته من \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ١٨٣).","vol":"3","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-253>صفة قعود من صلى جالسًا</span>\n٣٠١/ ٣٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُول اللهِ ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا. رَوَاهُ النَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه النسائي في كتاب «قيام الليل وتطوع النهار»، باب «كيف صلاة القاعد» (٣/ ٢٢٤) وابن خزيمة (١٢٣٨) من طريق أبي داود الحَفَري (^١) عن حفص، عن حميد، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة ﵂، قالت: … فذكرته.\nقال النسائي عقبه: (لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث غير أبي داود، وهو ثقة، ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأ، والله تعالى أعلم).\nوهذا الحديث صححه الحاكم (١/ ٢٧٥) وسكت عنه الذهبي، وأخرجه ابن حبان (٦/ ٢٥٦ - ٢٥٧) وصححه الألباني (^٢).\nأما كلام النسائي فليس فيه الجزم بتضعيفه لأمرين:\nالأول: أن حكمه بالخطأ ظني، وأبو داود الحفري - وهو عمر بن سعيد بن عبيد - ثقة، ثم إن هذه الجملة الأخيرة لا توجد في «السنن الكبرى» (٢/ ١٤٣) الذي هو أصل الصغرى «المجتبى»، بل قال مغلطاي: إنها في بعض النسخ من «المجتبى».\n_________\n(^١) بفتح الحاء والفاء نسبة إلى حَفَر السَّبيع -بفتح السين وكسر الباء- موضع بالكوفة \"معجم البلدان\" (٢/ ٢٧٥).\n(^٢) \"أصل صفة الصلاة\" (١/ ١٠٦).","vol":"3","page":114},{"text":"الثاني: أن أبا داود الحفري لم ينفرد به، فقد تابعه محمد بن سعيد الأصبهاني، ثنا حفص بن غياث به، أخرجه الحاكم (١/ ٢٥٨) وعنه البيهقي (٢/ ٣٠٥)، قال الحافظ: (وفي هذا تعقب على النسائي في دعواه تفرد أبي داود الحفري) (^١) والأصبهاني ثقة، وحفص بن غياث ثقة - أيضًا - إلا أنه في الآخر ساء حفظه، فقد يكون هذا الحديث مما أخطأ فيه (^٢)، وحميد هو الطويل كما في «الكبرى» وعند ابن حبان والبيهقي (^٣).\n\nالوجه الثاني: استدل الفقهاء بهذا الحديث على أن الأفضل للمصلي إذا كان يصلي جالسًا أن يتربع في محل القيام (^٤).\nوصفة التربع: أن يجعل باطن القدم اليمنى تحت الفخذ اليسرى، وباطن القدم اليسرى تحت الفخذ اليمنى، ويضع الكفين على الركبتين، لأجل التفريق بين قعود القيام والقعود الذي في محله، إذ لو كان مفترشًا لم يكن هناك فرق بين الجلوس في محله وبين الجلوس الذي هو بدل من القيام.\nقالوا: ولأن التربع أكثر راحة وخشوعًا، بخلاف ما إذا جلس على رجله اليسرى مفترشًا فقد يتعب، ولا سيما إذا طالت القراءة، كما في صلاة الليل، وهذا قول الجمهور.\nولو صلّى على غير هذه الحال أجزأ، لأن التربع - كما يقول المروزي - لم يأت في شيء من الأخبار إلا في هذا الحديث وفيه ما تقدم، ولم يثبت في كيفية جلوس المصلي قاعدًا عن النبي ﷺ شيء، وفي حديث عمران بن حصين ﵄: (صلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا)، وسيأتي إن شاء الله في باب «صلاة المسافر والمريض».\n_________\n(^١) \"النكت الظراف\" (١١/ ٤٤٣).\n(^٢) \"مختصر قيام الليل\" للمروزي ص (١٨٤)، \"شرح العلل\" لابن رجب (٢/ ٥٩٣)، \"هدي الساري\" ص (٣٩٨) \"التلخيص\" (١/ ٢٤١).\n(^٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٣٨).\n(^٤) انظر: شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٢/ ٦٩).","vol":"3","page":115},{"text":"ولم يذكر فيه صفة صلاته قاعدًا، فدل على أنه يصلي قاعدًا على أيّ حال شاء متوركًا أو مفترشًا أو متربعًا أو متوكئًا (^١)، والنبي ﷺ قد ثبت أنه صلى جالسًا ولم يرد في ذلك بيان كيفية جلوسه (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"مختصر قيام الليل\" ص (١٨٥).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٥٨٨).","vol":"3","page":116},{"text":"<span data-type='title' id=toc-254>ما يقول المصلي بين السجدتين</span>\n٣٠٢/ ٣٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي». رَوَاهُ الأرْبَعَةُ إلاَّ النَّسَائيَّ، وَاللَّفْظُ لأبي دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (٨٥٠) في كتاب «الصلاة»، باب «الدعاء بين السجدتين» والترمذي (٢٨٤) وابن ماجه (٨٩٨) والحاكم (١/ ٢٦٢، ٢٧١) من طريق كامل أبي العلاء، حدثني حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ .. فذكره، وهذا لفظ أبي داود إلا أن فيه: (وعافني واهدني وارزقني) وعند الترمذي وابن ماجه: (واجبرني) بدل (عافني) وعند ابن ماجه: (وارفعني) بدل (اهدني) فتكون الكلمات بمجموع الروايات سبع كلمات.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وكامل بن العلاء التميمي ممن يجمع حديثه).\nوقد تفرد أبو العلاء بهذا الحديث، وهو مختلف فيه، فقد وثقه ابن معين، ويعقوب بن سفيان، وقال ابن عدي: (أرجو أن لا بأس به)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال في موضع آخر: (ليس به بأس) (^١)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق يخطئ)، وبقية رجاله رجال الشيخين.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٣٦٦).","vol":"3","page":117},{"text":"الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (اغفر لي) فعل دعاء من: غفر يغفر غفرًا، من باب «ضرب» وأصل الغفر: الستر والتغطية، والمغفرة من الله تعالى ستره للذنوب، ووقاية العبد آثامها، بعفوه عنها بفضله ورحمته.\n\nقوله: (وارحمني) فيه طلب رحمة الله ﷿ التي يتم بها حصول المطلوب، بعد أن سأل المغفرة التي يتم بها زوال المرهوب.\nوالرحمة صفة من صفات الله تعالى تقتضي إنعامه وإحسانه على عبده من إيجاده، ثم هدايته في الدنيا إلى ما يصلحه، ثم إسعاده في الآخرة إن آمن واتقى، وكل ما لله تعالى على خلقه من الإحسان والإنعام فهو شاهد برحمة تامة وسعت كل شيء، فلا حدود ولا منتهى لرحمة الله تعالى.\n\nقوله: (واهدني) فعل دعاء يراد به طلب الهداية، والمعنى: دلني وألزمني، وهذا يشمل هداية الدلالة إلى طريق الحق والصواب، وهداية التوفيق للإيمان والعلم النافع والعمل الصالح.\n\nقوله: (وعافني) فعل دعاء يراد به طلب العافية، وذلك بأن يرفع الله عنه الأسقام والبلايا، فإن كان مريضًا في بدنه فعليه أن يستحضر ذلك حال الدعاء، وأعظم الأمراض وأكثرها مرض القلوب إما بالشهوات المهلكة، أو بالشبهات المضلة، وذلك - والعياذ بالله - سبب شقاوة العبد، فعلى العبد أن يستحضر ذلك - أيضًا ـ.\n\nقوله: (وارزقني) فعل دعاء يراد به طلب الرزق، وهو اسم عام لما يقوم به الدين من العلم والإيمان والعمل الصالح، وما يقوم به البدن من طعام وشراب ولباس وسكن، فعلى العبد أن يستحضر هذه المعاني العظيمة عند هذا الدعاء.\n\nقوله: (واجبرني) الجبر: مأخوذ من جبرت الوهن والكسر إذا أصلحته، فالجبر يكون من النقص الذي يعتري العبد في جميع أحواله، وهذا دعاء بالجبر الذي حقيقته إصلاح العبد ودفع جميع المكاره عنه، والله جل وعلا","vol":"3","page":118},{"text":"يجبر ضعف الضعفاء من عباده، ويجبر كسر القلوب المنكسرة من أجله، الخاضعة لعظمته وجلاله، بما يفيض عليها من أنواع كراماته وأصناف المعارف والأحوال الإيمانية، ويجبر المصاب فيوفقه للثبات والصبر ويعوضه من مصابه أعظم الأجر إذا قام بواجب ذلك.\n\nقوله: (وارفعني) دعاء بطلب الرفعة، وهذا شامل للرفعة في الدنيا بعلو المنزلة والذكر الحسن، والرفعة في الآخرة بعلو المنزلة في الجنة.\n\nالوجه الثالث: استدل الفقهاء بهذا الحديث على مشروعية هذا الدعاء في الجلسة بين السجدتين، وقد ورد في حديث حذيفة ﵁ أنه ﷺ كان يقول بين السجدتين: «رب اغفر لي، رب اغفر لي» (^١)، فالجلوس بين السجدتين محل دعاء، فينبغي للمصلي أن يدعو بهذا الدعاء المأثور، وإن أضاف إليه دعاء بسؤال الجنة أو النجاة من النار أو صلاح قلبه أو عمله أو صلاح المسلمين وما أشبه ذلك فلا بأس به.\nوقد جاء في بعض الروايات تقييده بصلاة الليل، وهذا لا ينفي مشروعية هذا الدعاء في الفريضة، لما تقدم من أن ما جاز في النفل جاز في الفرض، إلا ما دل الدليل على تخصيصه به، وقد حكى الترمذي ذلك عن الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال: (إنهم يرون هذا جائزًا في المكتوبة والتطوع) (^٢).\nوقد نص الفقهاء - ومنهم الحنابلة - على أن الواجب من ذلك مرة واحدة، والأفضل أن يكررها، لحديث حذيفة ﵁.\nوالدعاء بما جاء في هذا الحديث يتضمن جلب خير الدنيا والآخرة، ودفع شر الدنيا والآخرة، فإن الرحمة تُحصِّل الخير، والمغفرة تقي الشر، والهداية توصل إلى هذا وهذا، والرزق ما به قوام البدن والروح والقلب، كما تقدم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٨٧٤) والنسائي (٢/ ١٩٩ - ٢٠٠) وابن ماجه (٨٩٧) وأحمد (٣٨/ ٣٩٢ - ٣٩٣) وسنده حسن.\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢/ ٧٧) \"مسائل الإمام أحمد وإسحاق\" برواية المروزي (٢/ ٥٧٥).\n(^٣) \"الصلام وحكم تاركها\" لابن القيم ص (١٨١).","vol":"3","page":119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-255>حكم الجلوس بعد السجود قبل النهوض للثانية أو الرابعة</span>\n٣٠٣/ ٣٧ - عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ أَنَّهُ رأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، فَإذَا كَانَ فِي وَتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا. رَوَاهُ الْبُخَاريُّ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «من استوى قاعدًا في وتر من صلاته ثم نهض» (٨٢٣) من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، قال: (أخبرنا مالك بن الحويرث الليثي .. فذكره).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الجلوس قليلًا إذا نهض من السجود إلى القيام عقب الفراغ من الركعة الأولى والثالثة، وهو المراد بقوله: (فإذا كان في وتر من صلاته ..)، وتسمى هذه الجلسة جلسة الاستراحة، وهي جلسة لطيفة تسكن فيها حركة الجوارح سكونًا بينًا، كالجلوس بين السجدتين، وليس فيها ذكر ولا دعاء.\nوقد اختلف العلماء فيها هل هي من سنن الصلاة وهيئاتها كالتجافي وغيره، أو أنها لا تشرع إلا عند الحاجة، على قولين:\nالأول: أنها سنة من سنن الصلاة، وهذا هو المشهور عن الإمام الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد (^١) وانتصر له النووي (^٢)، واختاره الشيخ\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٣/ ٤٤١)، \"الإنصاف\" (٢/ ٧٢).\n(^٢) \"المجموع\" (٣/ ٤٤٣).","vol":"3","page":120},{"text":"عبد العزيز بن باز (^١) لحديث مالك هذا، ولحديث أبي حميد الساعدي عندما وصف صلاة النبي ﷺ في عشرة من الصحابة، فقد ورد فيه ثم عاد فسجد، ثم رفع رأسه، وقال: (الله أكبر، ثم ثنى رجله اليسرى، ثم قعد عليها حتى رجع كل عظم إلى موضعه، ثم قام …) (^٢).\nفتكون هذه الجلسة ثبتت في المعنى عن أحد عشر صحابيًا، أبو حميد وتسعة معه، ورواية مالك بن الحويرث التي معنا.\nوقد ورد ذكر جلسة الاستراحة في حديث المسيء صلاته من طريق ابن نمير، في حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) (^٣).\nولو أخذ على ظاهره لدلَّ على وجوب جلسة الاستراحة، وهذا لم يقل به أحد - كما ذكر الحافظ - لكن نبه البخاري على وهم هذه اللفظة، فإنه عقبه بقوله: قال أبو أسامة في الأخير: (حتى تستوي قائمًا) (^٤)، وأخرجه البيهقي من طريق أبي أسامة بهذا اللفظ، وأشار إلى الوهم (^٥)، ثم إن جلسة الاستراحة ليس فيها طمأنينة، فهذا مما يدل على ضعفها، وعلى فرض أن هذه اللفظة محفوظة فإنها تحمل على الجلوس للتشهد، فهو الذي يناسبه الطمأنينة، والله أعلم.\nالقول الثاني: أنها ليست بسنة من سنن الصلاة، وإنما السنة أن ينهض على صدر قدميه ولا يجلس، وهذا القول حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس ﵃ (^٦)، وهؤلاء من أحرص الناس على مشاهدة أفعال\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (١١/ ٩٩).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٠٦١)، وابن حبان (٥/ ١٨٧ - ١٨٨) والبيهقي (٢/ ١١٦) وإسناده صحيح، وانظر: \"جزء حديث أبي حميد الساعدي\" ص (٤٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٢٥١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٧).\n(^٥) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٧٢).\n(^٦) \"الأوسط\" (٣/ ١٩٤).","vol":"3","page":121},{"text":"النبي ﷺ وهيئاته في الصلاة، وقد ساق ابن المنذر، ومن قبله ابن أبي شيبة ما ورد عن هؤلاء الصحابة ﵃ بأسانيد صحيحة (^١).\nقال النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من أصحاب النبي ﷺ، فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة والثالثة قام هو ولم يجلس (^٢).\nوهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والمشهور من مذهب أحمد، وعزاه النووي إلى الكثيرين أو الأكثرين (^٣).\nوحملوا الأحاديث الواردة فيها على أنها فُعِلَتْ بسبب الضعف للكبر، لا لأنها مقصودة للقربة، لأن مالك بن الحويرث إنما قدم على النبي ﷺ بعد أن كبر ﷺ، وذلك أثناء تجهزه لغزوة تبوك، وهي سنة تسع، فكان يجلس هذه الجلسة لكبره، فمع هذا الاحتمال لا تثبت المشروعية على وجه الإطلاق.\nقالوا: ولأنها لو كانت سنة دائمة لذكرها كل من وصف صلاة النبي ﷺ لتوفر الهمم والدواعي على نقلها، ومن هؤلاء صحابة ملازمون للنبي ﷺ، كما تقدم.\nوقد ذكر الأصوليون في مبحث الأفعال النبوية أن النبي ﷺ قد يفعل العبادة بأجزائها الواجبة والمندوبة كالصلاة - مثلًا - بيانًا لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ويفعل في أثنائها بعض الأفعال المباحة، كما وقع في الحج، ولذا قال أبو الحسن التميمي: (الذي انتهى إليَّ من قول أبي عبد الله - يعني الإمام أحمد - أن فعل النبي ﷺ موقوف على ما يضامه من الدليل) (^٤).\nوهذا كلام دقيق، فقد تكون جلسة الاستراحة مما فعله ﷺ بيانًا، وقد تكون من الأفعال المباحة للحاجة إليها - كما تقدم - ويكون دليل ذلك ما انضم إليه من أن واصفي صلاة النبي ﷺ لم يذكروها.\n_________\n(^١) \"المصنف\" (١/ ٣٩٤ - ٣٩٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٩٥).\n(^٣) \"المجموع\" (٣/ ٤٤٣)، \"المغني\" (٢/ ٢١٢).\n(^٤) انظر: \"العدة\" لأبي يعلى (٣/ ٧٣٧).","vol":"3","page":122},{"text":"قال القاضي عياض بعد حكايته قول الشافعي المتقدم: (وقال مالك في كافة الفقهاء .. لا يجلس ولكن ينهض كما هو، وحملوا حديث ابن الحويرث على أنه كان من فعله ﵇ ليدل على الجواز أو لشكوى) (^١).\nقال الحافظ قاسم بن قُطْلُوبُغا لما ذكر ما ورد عن الصحابة أنهم ينهضون على صدور أقدامهم: قال الشيخ الإمام مجد الدين عبد السلام بن تيمية الحراني في شرح «هداية أبي الخطاب»: (وقد أجمع الصحابة على ذلك، فلا جرم حمل حديث مالك بن الحويرث وما في معناه على ما ذكر القاضي ﵀ عن كافة الفقهاء ﵏) (^٢).\nوقد اختار هذا القول جمع من أهل العلم منهم ابن القيم (^٣)، والشيخ عبد الرحمن السعدي (^٤)، والشيخ محمد بن إبراهيم (^٥).\nلكن من أخذ بالقول الأول وهو أنها سنة فله ذلك، إلا إذا كان مأمومًا فإنه لا يجلس جلسة الاستراحة، بل يتابع إمامه فيقوم معه، لأن أفعال المأموم تقع بعد أفعال الإمام بدون مهلة، لقوله ﷺ: «إذا ركع فاركعوا وإذا سجد فسجدوا وإذا كبر فكبروا …».\nولهذا إذا ترك الإمام التشهد الأول وجب على المأموم متابعته في ترك الواجب، ولا يجوز له أن يتأخر عنه ليفعله، فإذا كان يتابعه في ترك الواجب فلأن يتابعه في ترك المستحب من باب أولى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الأقوى أن متابعة الإمام أولى من التخلف لفعل مستحب، والله أعلم) (^٦).\n_________\n(^١) \"إكمال المعلم\" (٢/ ٤٦٠).\n(^٢) \"الأسوس في كيفية الجلوس\" ص (٢٩).\n(^٣) انظر: كتاب \"الصلاة\" ص (٢٠٩)، و\"زاد المعاد\" (١/ ٢٤١).\n(^٤) \"الفتاوى السعدية\" ص (١٤٦).\n(^٥) \"الفتاوى\" (٢/ ٢١٨).\n(^٦) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٤٥٢).","vol":"3","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-256>مشروعية القنوت في النوازل</span>\n٣٠٤/ ٣٨ - عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا، بَعْدَ الرُّكُوعِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مَنَ أحياء الْعَرَبِ، ثمَّ تَرَكَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n٣٠٥/ ٣٩ - وَلأحْمَدَ وَالدَّارَقُطْنيِّ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَزَادَ: فَأَمَّا فِي الصُّبْحِ فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا.\n٣٠٦/ ٤٠ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ لَا يَقْنُتُ إلا إذَا دعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ. صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n٣٠٧/ ٤١ - وعَنْ سَعد بْنِ طَارقٍ الأشْجَعِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لأبِي: يَا أَبَتِ! إنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَبِي بكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَليٍّ، أَفَكانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، مُحْدَثٌ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، إلاَّ أَبَا دَاوُدَ.\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي الكوفي، وثقه أحمد وابن معين والعجلي، وقال ابن عبد البر: (لا أعلمهم يختلفون في أنه ثقة عالم)، روى له البخاري في التعاليق، وروى له مسلم والأربعة، مات في حدود الأربعين بعد المائة.\nوأبوه طارق بن أشيم بن مسعود الأشجعي، قال البخاري: (له","vol":"3","page":124},{"text":"صحبة) (^١)، سكن الكوفة، قال مسلم: (تفرد ابنه بالرواية عنه)، وله عنده حديثان: أحدهما في كتاب «الإيمان»، والثاني في «الدعوات» (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجها:\nأما الحديث الأول فقد أخرجه البخاري في كتاب «المغازي»، باب «غزوة الرجيع، ورِعْلٍ وذكوان …» (٤٠٨٩)، ومسلم في كتاب «المساجد»، باب «استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزل بالمسلمين نازلة» (٦٧٧) (٣٠٤) من طريق هشام، عن قتادة، عن أنس ﵁، وهذا لفظ مسلم.\nوالحديث الثاني: أخرجه أحمد (٢٠/ ٩٥) والدارقطني (٢/ ٣٩) من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك ﵁ به، ولفظ أحمد: (ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا).\nوعند الدارقطني: قال الربيع بن أنس: (كنت جالسًا عند أنس بن مالك فقيل له: إنما قنت رسول الله ﷺ شهرًا، فقال: ما زال رسول الله يقنت الغداة حتى فارق الدنيا)، وهذا الحديث ضعيف، لأن فيه ثلاث علل:\nالأولى: سوء حفظ أبي جعفر الرازي، وهو عيسى بن ماهان، قال عنه أحمد والنسائي: (ليس بالقوي)، وقال أبو زرعة: (شيخ يهم كثيرًا)، وقال ابن حبان: (يحدث بالمناكير عن المشاهير) (^٣)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق سيئ الحفظ).\nالثانية: أن الربيع بن أنس البكري صدوق له أوهام، كما قال الحافظ في «التقريب»، قال ابن حبان: (الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه، لأن في حديثه اضطرابًا كثيرًا) (^٤).\nالثالثة: نكارته لمخالفته ما ثبت في الصحيحين، كما في اللفظ الأول\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٣٥٢).\n(^٢) \"تحفة الأشراف\" (٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، \"الإصابة\" (٥/ ٢١١)، \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٤١٠).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٥٩).\n(^٤) \"الثقات\" (٤/ ٢٢٨).","vol":"3","page":125},{"text":"الدال على أنه ﷺ قنت شهرًا يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه، فيكون متنه مخالفًا لرواية الثقات ممن هم أكثر عددًا، وأوثق رواية، وهم الذين نفوا قنوته ﷺ على الدوام.\nوأما الحديث الثالث فقد أخرجه ابن خزيمة (٦٢٠) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس ﵁ .. فذكره.\nقال ابن عبد الهادي: (هذا إسناد صحيح، والحديث نص في أن القنوت مختص بالنازلة) (^١)، وصححه أيضًا الألباني (^٢).\nوأما الحديث الرابع، فقد أخرجه النسائي في كتاب «التطبيق»، باب «ترك القنوت» (٢/ ٢٠٣) والترمذي (٤٠٢) وابن ماجه (١٢٤١) وأحمد (٢٥/ ٢١٤) من طريق يزيد بن هارون، عن أبي مالك الأشجعي، سعد بن طارق قال: قلت لأبي .. فذكره، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (قنت شهرًا) القنوت في اللغة يطلق على عدة معانٍ منها: دوام الطاعة، وطول القيام، والسكوت، والدعاء، وهو أشهرها.\nوعند الفقهاء: القنوت: الدعاء في الصلاة قائمًا، وهذا معنى (قنت) هنا.\n\nقوله: (يدعو على أحياء من أحياء العرب) الأحياء: جمع حي، والحي: القبيلة من العرب، والمراد بهم ما ورد في حديث أنس ﵁ قال: (بعث النبي ﷺ سبعين رجلًا لحاجة، يقال لهم: القراء، فعرض لهم حيَّان من بني سُليم: رِعْلٌ وذكوان عند بئر يقال لها: بئر معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا، إنما نحن مجتازون في حاجة للنبي ﷺ، فقتلوهم، فدعا النبي ﷺ عليهم شهرًا في صلاة الغداة، وذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت) (^٣)، وقد ذكر\n_________\n(^١) \"التنقيح\" (٢/ ١٠٦٧).\n(^٢) \"التعليق على صحيح ابن خزيمة\" (٦٢٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٠٨٨) ومسلم (٦٧٧).","vol":"3","page":126},{"text":"ابن هشام أن سرية بئر معونة سنة أربع من الهجرة (^١).\n\nقوله: (يا أبتِ) منادى حذفت منه ياء المتكلم، وعوض عنها تاء التأنيث، وبنيت على الكسر لتدل على الياء المحذوفة، والأصل: يا أبي، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ﴾ [مريم: ٤٢] فقد قرأ السبعة إلا ابن عامر بالكسر، وهذا هو الأكثر في هذا المنادى، وهو كلمة (أب) المضاف للياء.\n\nقوله: (أي بني) منادى بـ (أي)، والأصل أنها لنداء البعيد، لكن قد ينزل القريب منزلة البعيد للإشعار بأنه رفيع القدر ذو مكانة عالية.\n\nقوله: (محدث) أي: أمر مبتدع في الدين لم يرد به الشرع، والظاهر أن المراد بذلك المداومة على القنوت وأن ذلك محدث، لأنه إنما يشرع عند الحاجة إليه في بعض الأحيان كما سيأتي، ويحتمل أنه ما صلى خلفهم في الوقائع فسماه محدثًا، والعلم عند الله تعالى.\n\nالوجه الرابع: الأحاديث الثلاثة دليل على مشروعية القنوت في النوازل، وقد نقل ابن منظور عن ابن سيده أنه قال: النازلة: الشدة من شدائد الدهر تنزل بالناس (^٢)، نسأل الله العافية، وقد مثل لها العلماء بالزلازل والجدب والسيول والمجاعات ونحو ذلك، والظاهر أن هذه لا قنوت فيها، لأنها أمر نزل من الله تعالى، بل يشرع له ما دلَّت عليه السنة من صلاة الاستسقاء عند الجدب، وما ورد من بعض الآثار عن الصحابة ﵃ في الصلاة عند الزلزلة، كما سيأتي ذلك إن شاء الله.\nوإنما يشرع القنوت عند تسلط الأعداء على المسلمين وديارهم، فيدعو لهم ويدعو على أعدائهم، لفعل النبي ﷺ، فقد دعا النبي ﷺ على من قتل القراء في بئر معونة، ودعا للمستضعفين من أهل مكة، كما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، ثم يقول\n_________\n(^١) \"السيرة\" (٣/ ١٩٣).\n(^٢) \"لسان العرب\" (١١/ ٦٥٩).","vol":"3","page":127},{"text":"وهو قائم: «اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لَحيان ورِعْلًا وذكوان» (^١».\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وينبغي للقانت أن يدعو عند كل نازلة بالدعاء المناسب لتلك النازلة، وإذا سَمَّى من يدعو لهم من المؤمنين ومن يدعو عليهم من الكافرين المحاربين كان ذلك حسنًا) (^٢).\nفعلى الإمام في قنوت النازلة أن يلزم الاختصار وأن يدعو بالدعاء المناسب لذلك، وأن يبتعد عن الإطالة أو التفاصيل التي لا داعي لها، لأن ذلك أجمع للقلب، وأقرب إلى المراد، وأبعد عن المشقة على المأمومين.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن القنوت يكون بعد الرفع من الركوع، وعلى هذا أكثر الأحاديث، ويجوز القنوت قبل الركوع، لما ورد عن أنس بن مالك ﵁ وقد سئل عن القنوت بعد الركوع أو عند فراغه من القراءة؟ قال: (لا، بل عند الفراغ من القراءة) (^٣).\nوعن أنس أنه سئل عن القنوت فقال: (قبل الركوع وبعده) (^٤)، ومن أبواب البخاري باب (القنوت قبل الركوع وبعده).\nولعل الحكمة - والله أعلم - في كون القنوت في حال الاعتدال دون حال السجود الذي هو مظنة الإجابة، لأن المطلوب في قنوت النازلة أن يشارك المأموم إمامه في الدعاء ولو بالتأمين، ولهذا اتفقوا على أنه يجهر به، أفاد ذلك الحافظ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٠٦) ومسلم (٦٧٥).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٢٧١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٠٨٨) ومسلم (٦٧٧).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (١/ ٣٨٤). قال الحافظ في \"فتح الباري\" (٢/ ٤٩١): (إسناده قوي).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٩١).","vol":"3","page":128},{"text":"الوجه السادس: المتتبع للسنة يجد أن أكثر الأحاديث تدل على أنه ﷺ كان يقنت عند الحاجة والنازلة في صلاة الفجر، وقد تقدم في حديث أنس في قصة القراء الذين قتلوا في بئر معونة (فدعا النبي ﷺ شهرًا في صلاة الغداة).\nوكذا ورد في حديث ابن عمر ﵄ (^١)، وحديث أبي هريرة (^٢) ﵁.\nوقد وقع الخلاف بين العلماء في هذه المسألة، وهي تعيين الصلاة التي يقنت فيها، والتحقيق في ذلك أنه يقنت بعد الرفع من الركوع في آخر ركعة من كل فريضة من الصلوات الخمس التي ورد القنوت فيها، لا سيما أول نزول النازلة، لأن الناس أحوج إلى كثرة الدعاء، فإذا خَفَّتِ النازلة قنت في الفجر والمغرب، فإذا خفت قنت في الفجر، فإذا أقلعت أمسك عن القنوت.\nفقد ورد في حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يقنت في صلاة المغرب والفجر (^٣)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: (لأقربن لكم صلاة رسول الله ﷺ، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر والعشاء الأخيرة، وصلاة الصبح بعدما يقول: «سمع الله لمن حمده»، فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار (^٤».\n\nالوجه السابع: حديث أبي مالك الأشجعي فيه دليل على أن الاستمرار في القنوت في صلاة الفجر محدث وليس بمشروع، وإنما يفعل ذلك عند الحاجة في بعض الأحيان، لأن أباه قد صلّى خلف النبي ﷺ وهو ابن عشر سنين، وصلّى وراء الخلفاء الراشدين ﵃ ولم يسمع أحدًا منهم يقنت في الفجر بغير سبب، ولو كان سنة راتبة لكانت الهمم والدواعي متوفرة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٥٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٠٦) ومسلم (٦٧٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٠٠٤) وأخرجه مسلم (٦٧٨) من حديث البراء - ﵁ -.\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٩٧) ومسلم (٦٧٦).","vol":"3","page":129},{"text":"على نقله، ولم يتركه الصحابة ﵃، ولا سيما الخلفاء الراشدون الذين يؤمون الناس، فمثل ذلك لا يخفى.\nوما ورد من أحاديث تدل على المداومة فهي ضعيفة لا تقوم بها حجة، ثم هي معارضة بما هو أقوى منها، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":130},{"text":"<span data-type='title' id=toc-257>ما يقال في قنوت الوتر</span>\n٣٠٨/ ٤٢ - عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَليٍّ ﵄ قَالَ: عَلّمَنِي رسُولُ اللهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيما أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.\nوَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: «وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ».\nزَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي آخِرِهِ: «وَصَلَّى اللهُ عَلَى النَّبِيِّ».\n٣٠٩/ ٤٣ - وَلِلْبَيْهَقيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا دُعَاءً نَدْعُو بِهِ في الْقُنُوتِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ. وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، سِبْطُ رسول الله ﷺ وريحانته، ولد في النصف من شهر رمضان، سنة ثلاث من الهجرة على الصحيح، وأمه فاطمة بنت رسول الله ﷺ، وكان سِنُّهُ وقت وفاة النبي ﷺ ثمان سنوات، ومع ذلك حفظ عن النبي ﷺ أحاديث، وكان حليمًا ورعًا فاضلًا، وعن أبي بكرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة، وإليه مرة، ويقول: «ابني هذا","vol":"3","page":131},{"text":"سيد، ولعل الله أن يصلح به فئتين من المسلمين» (^١)، وقد وقع ذلك عندما بايعه الناس بعد أبيه، فبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالعراق وما وراء خراسان، ثم جمع الجيوش العظيمة وخرج إلى الشام لقتال معاوية الذي كان واليًا عليها وقت ولاية أبيه علي ﵁ على العراق، فالتقى الجيشان في موضع يقال له: (مَسْكِن)، فهال الحسن أن يقتتل المسلمون، فخلع نفسه من الخلافة، وسَلَّمَ الأمر لمعاوية، حقنًا للدماء، وجمعًا للكلمة، وشرط على معاوية شروطًا للصلح، وصار ذلك من مناقبه العظيمة، وتحقق بذلك ما قاله النبي ﷺ، وانصرف الحسن إلى المدينة، وبقي بها إلى أن مات، سنة خمسين على أحد الأقوال (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث الحسن بن علي ﵄ فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «القنوت في الوتر» (١٤٢٥) والترمذي (٤٦٤) والنسائي (٣/ ٢٤٨) وابن ماجه (١١٧٨) وأحمد (٣/ ٢٤٥) من طريق أبي إسحاق، عن بُريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء السعدي قال: (قال الحسن بن علي: … فذكره).\nوإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات، قال الترمذي: (هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه .. ولا نعرف عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر شيئًا أحسن من هذا).\nوصححه الحاكم على شرط الشيخين، وصححه النووي، والألباني (^٣)، لكن طعن بعض الحفاظ كابن خزيمة في لفظة: (في قنوت الوتر) وذلك لأن شعبة رواه عن بُريد بن أبي مريم كما في «المسند» (٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩) ولم يذكر القنوت ولا الوتر، ولفظه: (كان يعلمنا هذا الدعاء: اللهم اهدني فيمن هديت …)، وشعبة أوثق من كل من رواه عن بُريد، كأبي إسحاق وابنه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٧٤٦).\n(^٢) \"الإصابة\" (٢/ ٢٤٢).\n(^٣) \"الخلاصة\" (١/ ٤٥٥)، \"الإرواء\" (٢/ ١٧٢)","vol":"3","page":132},{"text":"يونس، وعلى قاعدة المحققين في زيادة الثقة يحكم على هذه اللفظة بالشذوذ، ولا يكون هذا الدعاء مختصًا بالقنوت (^١).\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ٧٣) رقم (٢٧٠٧) وفي «الدعاء» (٧٤٤) من طريق عمرو بن مرزوق، عن شعبة به، بزيادة: (ولا يعز من عاديت)، وهي زيادة شاذة تفرد بها عمرو بن مرزوق عن جميع من رووه عن شعبة (^٢).\nوأخرجه النسائي من وجه آخر - كما قال الحافظ - فقال في «السنن»: (٣/ ٢٤٨) حدثنا ابن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن علي، عن الحسن بن علي قال: (علمني رسول الله ﷺ هؤلاء الكلمات في الوتر قال: قل: «اللهم اهدني فيمن هديت ..»، وفي آخره قال: «تباركت ربنا وتعاليت، وصَلَّى الله على النبي محمد»).\nوإسناد هذه الزيادة ضعيف، قال الحافظ ابن حجر: (هذه الزيادة في هذا السند غريبة لا تثبت، لأن عبد الله بن علي لا يعرف، وقد جوَّز الحافظ عبد الغني أن يكون هو عبد الله بن علي بن الحسين بن علي، وجزم المزي بذلك، فإن يكن كما قال فالسند منقطع (^٣) …)، وجزم في «التلخيص» بأن السند منقطع (^٤)، وذلك لأن عبد الله بن علي بن الحسين بن علي، والده علي بن الحسين المعروف بزين العابدين، وقد أدرك من حياة عمه الحسن ﵁ نحو عشر سنين، فكيف يكون عبد الله قد سمع من الحسن بن علي، فالسند ضعيف إما لانقطاعه بهذا الاعتبار، أو لجهالة راويه على الاعتبار الأول.\nوقد رواه الحاكم (٣/ ١٧٢) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن الحسن به، ولم يذكر الصلاة على النبي ﷺ، وإسماعيل بن إبراهيم وثقه ابن معين، والنسائي، وقال أبو حاتم (لا بأس به)، وقال الدارقطني: (ما علمت إلا\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح ابن خزيمة\" (٢/ ١٥٢ - ١٥٣)، \"التلخيص\" (١/ ٢٦٤).\n(^٢) انظر: \"القول الجلي في تخريج وتحقيق حديث القنوت للحسن بن علي\" ص (٢٨).\n(^٣) \"نتائج الأفكار\" (٢/ ١٥٤).\n(^٤) (١/ ٢٦٤).","vol":"3","page":133},{"text":"خيرًا، أحاديثه صحاح نقية) وهذا بخلاف يحيى بن عبد الله بن سالم فقد قال فيه النسائي: (مستقيم الحديث) وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: (ربما أغرب) (^١) ووثقه الدارقطني، ونقل الساجي عن ابن معين أنه قال فيه: (صدوق، ضعيف الحديث) (^٢).\nوأما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٢٠٩) من طرق عن عبد المجيد بن أبي روَّاد، عن ابن جريج، عن عبد الرحمن بن هرمز أن بُريد بن أبي مريم أخبره قال: (سمعت ابن عباس ومحمد بن علي وهو ابن الحنفية بالخيف يقولان: كان النبي ﷺ يقنت في صلاة الصبح وفي وتر الليل بهؤلاء الكلمات: «اللهم اهدني فيمن هديت …»).\nوأخرجه البيهقي أيضًا (٢/ ٢١٠) من طريق الوليد بن مسلم، ثنا ابن جريج به، عن عبد الله بن عباس قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمنا دعاء ندعو به في القنوت من صلاة الصبح: «اللهم اهدنا فيمن هديت ..»)، فجعله من مسند ابن عباس وحده.\nوهذا إسناد ضعيف، قال الحافظ: (ابن هرمز المذكور شيخ مجهول، والأكثر أن اسمه عبد الرحمن، وليس هو الأعرج الثقة المشهور، وصاحب أبي هرمز) (^٣)، وقال الألباني: (لم أجد من ذكر عبد الرحمن هذا، أما الأعرج فهو ثقة معروف) (^٤)، وعلى هذا فالقنوت في صلاة الصبح بهذا الدعاء لم يثبت، والله أعلم.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (اللهم اهدني فيمن هديت) أي: يا الله، دلني وألزمني الهداية، وهذا شامل لهداية الإرشاد التي ضدها الضلال، وهداية التوفيق التي ضدها الغي، وتقديم بيان ذلك في الدعاء بين السجدتين.\n_________\n(^١) (٩/ ٢٤٩).\n(^٢) انظر: \"زيادة الثقة\" ص (١٠١).\n(^٣) \"نتائج الأفكار\" (٢/ ١٥٢)، \"التلخيص\" (١/ ٢٦٤).\n(^٤) \"إرواء الغليل\" (٢/ ١٧٤).","vol":"3","page":134},{"text":"قوله: (فيمن هديت) أي: اجعلني معدودًا في جملة من هديت مندرجًا في زمرتهم، وهذا فيه توسل إلى الله تعالى بفعله ﷿، فكأنه قال: كما هديت غيري فاهدني.\n\nقوله: (وعافني فيمن عافيت) أي: ارزقني العافية عن كل نقص في الدنيا أو الدين، يؤثر على صلاح العبد وسيره إلى الله تعالى، فهو يسأل ربه العافية من أسقام الدين، وهي أمراض القلوب التي مدارها على الشهوات المهلكة والشبهات المضلة، وأن يعافيه من أمراض الأبدان التي تؤدي إلى اعتلال البدن، وفقد قوته ونشاطه الذي هو قوام عمله لدينه ودنياه.\n\nقوله: (وتولني فيمن توليت) أي: كن لي وليًا ومعينًا وناصرًا، تحفظني عن كل مخالفة ونظر إلى غيرك.\n\nقوله: (وبارك لي فيما أعطيت) أي: أنزل البركة فيما أعطيتني من العلم والمال والجاه والولد وغير ذلك، وحذف المتعلق لإرادة التعميم، والله تعالى إذا بارك لعبده في شيء فليس لبركته منتهى.\n\nقوله: (وقني شر ما قضيت) (ما) موصولة: أي: شر الفعل الذي قضيت به علي، أو مصدرية، أي: شر قضائك، والمراد: المقضي، لا نفس القضاء الذي هو فعل الله تعالى لأنه خير مطلقًا، والمعنى: اجعل لي وقاية من عندك تقيني شر ما قضيته عليَّ ودبرته، وذلك بأن تحفظني من شر الفعل الذي قضيت به عليَّ وشر ما يقترن به من السخط والجزع الذي يمنع الثواب، لأن ما قضاه الله تعالى على عبده قد يكون خيرًا، إذا كان يلائم العبد من العلم والصحة والمال والولد الصالح وما أشبه ذلك، وقد يكون شرًا إذا كان لا يلائم العبد من الجهل والمرض والفقر والولد غير الصالح ونحو ذلك، وهذا وإن كان شرًا فهو في الحقيقة خير، لأنه ينطوي تحته حكم عظيمة، ومصالح كثيرة للعبد، ولهذا قال النبي ﷺ: «والشر ليس إليك» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٧١) في حديث طويل تقدم في أدعية الاستفتاح.","vol":"3","page":135},{"text":"ومعناه: أن ما يقدره الله تعالى على عبده قد يكون شرًا إذا كان لا يلائمه، لكن فعل الله تعالى ليس بشر، لأن أفعاله كلها خير وحكمة، وفيها مصالح عظيمة علمها من علمها وجهلها من جهلها، فباعتبار نسبتها إلى العبد قد تكون شرًا، وباعتبار نسبتها إلى الله تعالى لكونه قضاها وقدرها ليست بشر بل هي خير.\n\nقوله: (فإنك تقضي ولا يقضى عليك) جملة تعليلية، والفاء قد ثبتت في رواية الترمذي وإحدى روايات النسائي.\nوالمعنى: إنه لا يعطي تلك الأمور العظام إلا من كملت قدرته وقضاؤه ولم يوجد منها شيء في غيره، والله تعالى يقضي بما أراد ولا أحد يقضي على الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠].\n\nقوله: (إنه لا يذل من واليت) الضمير للشأن، ويذل: بفتح الياء وكسر الذال المعجمة، من باب «ضرب» أي: لا يضعف ولا يهون من واليت، وهي الدلالة الخاصة.\n\nقوله: (ولا يعز من عاديت) هذه الجملة عند الطبراني والبيهقي، و(يعز) بفتح الياء وكسر العين، من باب «ضرب» من العز، وهو ضد الذل، والمعنى: لا يَغْلِبُ من عاديته ولا ينتصر بل هو ذليل، لأن من والاه الله فهو منصور، ومن عاداه فهو مغلوب ومقهور.\nوهذا ليس على عمومه، بل قد يعرض أحوال يَعِزّ فيها الكفار، ويذل فيها المؤمنون، كما حصل للنبي ﷺ وأصحابه في غزوة أحد، ويكون في ذلك مصالح عظيمة، أو يكون معنى الحديث: عزًا كاملًا أو عزًا مطردًا، فإن ما يحصل لغير المؤمنين عزٌّ مؤقت ثم يزول.\n\nقوله: (تباركت ربنا وتعاليت) تباركت: أي تعاظمتَ وتزايد برك وإحسانك، وتعاليت: من التعالي وهو العلو، وزيدت التاء للمبالغة، والمعنى: لك علو الذات وعلو الصفة، فالله تعالى فوق كل شيء، وهو موصوف بصفات الكمال.","vol":"3","page":136},{"text":"ولعل الحكمة - والله أعلم - في الإتيان بضمير الجمع في قوله: (ربنا) دون ما تقدم من قوله: (اهدني .. إلخ) أن ذلك مقام سؤال ودعاء، وهو مناسب للتذلل والانكسار، وهذا مقام ثناء على الرب ﷾، فناسب الإتيان بضمير الجمع، إما إشارة إلى العجز عن قيام المرء بمفرده بأداء حق ثنائه، أو إشارة إلى الرفعة بهذه الإضافة الشريفة إلى الرب جل وعلا.\n\nالوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال: بمشروعية القنوت في صلاة الوتر واستحبابه فيه، وأن يدعو بهذا الدعاء الجامع لخيري الدنيا والآخرة، ويدعو به الإمام بصيغة الجمع، مراعاةً لحال المأمومين وتأمينهم عليه.\nويصلي على النبي ﷺ في آخر دعائه، وهذا وإن لم يثبت في دعاء القنوت متصلًا به - كما تقدم - فقد ثبت ذلك عن بعض الصحابة ﵃.\nفقد أخرج إسماعيل القاضي بسنده عن عبد الله بن الحارث أن أبا حليمة - معاذ الأنصاري - كان يصلي على النبي ﷺ في القنوت (^١).\nوكذا ورد عن أُبَيِّ بن كعب عندما صلّى بالناس قيام رمضان في عهد عمر ﵁ أنه صلّى على النبي ﷺ في آخر القنوت (^٢).\nوإن زاد الإمام بعض الأدعية المأثورة فحسن، وإن دعا بما يناسب بعض الأحوال العارضة، كالاستغاثة حال الجدب، أو الدعاء بنصرة المسلمين عند تسلط الأعداء، ونحو ذلك جاز، لكن على الإمام في دعاء القنوت في رمضان مراعاة ثلاثة أمور:\nالأول: أن يحرص على الأدعية الواردة في الكتاب والسنة، وأن يجتنب\n_________\n(^١) قال الألباني: (إسناده موقوف صحيح، وأبو حليمة: هو معاذ بن الحارث الأنصاري القارئ، ورواه ابن نصر بلفظ: كان يقوم في القنوت في رمضان، يدعو، ويصلي على النبي - ﷺ -، ويستسقي الغيث) \"فضل الصلاة على النبي - ﷺ -\" ص (٨٨).\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢/ ١٥٥) وسنده حسن.","vol":"3","page":137},{"text":"السجع والتكلف، والدعاء المخترع، والتفاصيل الدقيقة التي تجعل الدعاء إلى الوعظ والترهيب أقرب، وعليه أن يختار الجوامع من الأدعية، لقول عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك) (^١)، وإن بدأه بحمد الله تعالى والثناء عليه، ثم الصلاة على النبي ﷺ فهو أولى (^٢)، لحديث فضالة بن عبيد ﵁ قال: (سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته لم يُمَجِّد الله تعالى، ولم يصلِّ على النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «عَجَّلَ هَذَا»، ثم دعاه فقال له أو لغيره: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَليَبْدَأْ بِتَحْمِيد ربِّهِ جَلَّ وعَزَّ وَالثَّنَاءِ عَلَيهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ» (^٣).\nالثاني: ألاّ يطيل إطالة تشق على المأمومين، تؤدي إلى فتورهم وتسبب شكواهم، وقد قال النبي ﷺ لمعاذ ﵁ لما أطال في صلاة الفريضة: «أفتَّان أنت يا معاذ» (^٤)؟ فكيف بالإطالة في دعاء القنوت، بل في أدعية مخترعة وأساليب مسجوعة؟!.\nالثالث: أن يدعو الإمام بصوته المعتاد؛ فإنه أقرب إلى الإخلاص والتضرع، وأعظم في الأدب والتعظيم، وأدل على إحساس الداعي بقربه من ربه، وعليه أن يبتعد عن كل ما ينافي الضراعة والابتهال، أو يدعو إلى الرياء والإعجاب وتكثير المصلين خلفه من التلحين والتطريب أو التمطيط أو تصنع البكاء ونحو ذلك مما ظهر على بعض الأئمة في هذا الزمان، والله المستعان.\nواعلم أنه لم يصح عنه ﷺ أنه قنت في الوتر. وإنما أُخذت سُنية\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٤٨٢)، وأحمد (٤٢/ ٧٦)، والطبراني في \"الدعاء\" (٥٠)، والحاكم (١/ ٥٣٩)، من طريق الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل، عن عائشة - ﵂ - به، وهذا سند صحيح، الأسود من رجال مسلم، وأبو نوفل من رجالهما.\n(^٢) انظر: \"الوابل الصيب\" ص (١١٥).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٤٨١)، والترمذي (٣٤٧٧)، والنساني (٣/ ٤٤)، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وسيأتي شرحه برقم (٣١٦) إن شاء الله.\n(^٤) سيأتي الكلام عليه -إن شاء الله- في باب \"صلاة الجماعة والإمامة\" رقم (٤٠٩).","vol":"3","page":138},{"text":"القنوت من تعليم النبي ﷺ الحسن بن علي ﵄ الدعاء المأثور، كما تقدم - على القول بثبوت لفظة: (قنوت الوتر) - ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يداوم عليه.\nقال الحافظ ابن حجر: (قال الخلال عن أحمد: لا يصح فيه عن النبي ﷺ شيء، ولكن عمر كان يقنت) (^١)، وقال الإمام ابن خزيمة: (ولست أحفظ خبرًا ثابتًا عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر …) (^٢).\nوعلى هذا فمداومة أئمة المساجد على القنوت في رمضان بحيث لا يتركونه إلا قليلًا يحتاج إلى دليل، لأنه مخالف للسنة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (٢/ ١٩).\n(^٢) \"صحيح ابن خزيمة\" (٢/ ١٥١).","vol":"3","page":139},{"text":"<span data-type='title' id=toc-258>كيفية الهوي إلى السجود</span>\n٣١٠/ ٤٤ - عَنْ أَبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قبل ركبتيه». أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ.\nوَهُوَ أَقْوَى مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ:\n٣١١/ ٤٥ - رَأَيْتُ رسول الله ﷺ: إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبلْ يَدَيْه. أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ.\nفإنَّ لِلأَوَّلِ شَاهِدًا مِنْ حدِيثِ:\n٣١٢/ ٤٦ - ابْنِ عُمَرَ ﵁ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَذَكَرَهُ الْبُخَاريُّ مُعلَّقًا مَوْقُوفًا.\n\nالكلام عليها من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «كيف يضع ركبتيه قبل يديه؟» (٨٤٠) والترمذي (٢٦٩) والنسائي (٢/ ٢٠٧) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.\nوقد اختلف العلماء في هذا الحديث فصحَّحه قوم، وضعفه آخرون، فممن صحَّحه عبد الحق، والسيوطي، وأحمد شاكر، والألباني (^١) والحافظ كما هنا في «بلوغ المرام».\n_________\n(^١) انظر: \"جامع الترمذي\" (٢٦٩) \"إرواء الغليل\" (٢/ ٧٨).","vol":"3","page":140},{"text":"وضعفه الأئمة الكبار أمثال: البخاري والترمذي والدارقطني والبيهقي، وأعلُّوه بتفرد الدراوردي، عن شيخه محمد بن عبد الله بن الحسن، المعروف بالنفس الزكية، وتفرد شيخه به، نصَّ على ذلك الدارقطني، والبيهقي وغيرهما (^١).\nفأما الدراوردي ففيه كلام لأهل العلم، وأعدل الأقوال فيه أنه ثقة، فإن حدَّث من كتابه فهو صحيح، وإن حدَّث من حفظه أو من كتب غيره فإنه يهم ويجيء ببواطيل من القلب وغيره، ذكر ذلك الإمام أحمد وغيره (^٢)، وعليه فما تفرد به فهو محل نظر.\nوأما محمد بن الحسن فقد وثقه النسائي (^٣)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٤)، لكن قال البخاري بعد أن ساق حديثه هذا: (ولا يتابع عليه، ولا أدري أسمع من أبي الزناد أم لا؟) (^٥)، وقال ابن عدي: (لا يتابع عليه، لم يسمع، سمعت ابن حماد يذكره عن البخاري) (^٦)، وذكر ابن سعد أنه كان قليل الحديث، وكان يلزم البادية (^٧)، ومن هذه صفته فإنه يُتوقف في حديثه، فلا يقبل عند التفرد.\nفإن قيل: إنه لم يتفرد به، فقد تابعه عبد الله بن نافع، عن محمد بن عبد الله به، أخرجه أبو داود (٨٤١) والترمذي (٢/ ٥٦) والنسائي (٢/ ٢٠٧) ولفظه عند أبي داود والنسائي: (يَعْمِدُ أحدكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل)، وعند الترمذي: (يعمد أحدكم فيبرك في صلاته بَرْكَ الجمل).\nفالجواب: أن هذا الحديث ليس فيه ذكر تقديم اليدين على الركبتين من هذا الطريق، والمتابعة في علم المصطلح هي رواية الحديث بلفظه أو معناه، وهذا غير متحقق في رواية عبد الله بن نافع، ثم إن غاية ما يدل عليه هو النهي\n_________\n(^١) انظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ١٠٠).\n(^٢) \"المغني في الضعفاء\" (١/ ٦٣٣).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٢٢٥).\n(^٤) (٧/ ٣٦٣).\n(^٥) \"التاريخ الكبير\" (١/ ١٣٩).\n(^٦) \"الكامل\" (٢/ ٢٣٨).\n(^٧) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٢٢٥).","vol":"3","page":141},{"text":"عن بروك كبروك الجمل، وبروكه معروف عنه الجميع بالمعاينة، وهو أنه يقدم يديه في البروك قبل رجليه، بدليل أنه يثني خفيه أولًا قبل ركبتيه، فإذا قدم المصلي يديه قبل ركبتيه في السجود - كما في رواية الدراوردي - فقد شابه البعير.\nوأما الشاهد الذي ذكره الحافظ هنا، فقد أخرجه ابن خزيمة (٦٢٧) والدارقطني (١/ ٣٤٤) والحاكم (١/ ٢٦٦) والبيهقي (٢/ ١٠٠) وذكره البخاري تعليقًا (٢/ ٢٩٠ فتح) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه، وقال: كان النبي ﷺ يفعل ذلك، قال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم)، وسكت عنه الذهبي.\nوهذا الشاهد فيه نظر من وجهين:\nالأول: أنه جاء من طريق الدراوردي، ورواية الدراوردي عن شيخه عبيد الله بن عمر ضعيفة، بل منكرة، كما نص على ذلك الحفاظ، كالإمام أحمد، وأبي حاتم، والنسائي، وابن رجب وغيرهم (^١)، وقد نقل المزي عن أبي داود أنه قال: (روى عبد العزيز عن عبيد الله أحاديث منكرة) (^٢)، ثم إن هذا المروي عن ابن عمر قد روي عنه خلافه، كما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه، ويرفع يديه إذا رفع قبل ركبتيه (^٣).\nالثاني: أن رفع الحديث إلى النبي ﷺ ضعفه أهل العلم، كالبيهقي وغيره، فإنه قال بعد أن ذكر حديث أبي هريرة بسنده: (ولعبد العزيز الدراوردي إسناد آخر ولا أراه إلا وهمًا) (^٤)، وبهذا يتبين أن حديث أبي هريرة\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (١٨/ ١٩٤)، \"العلل\" (٢/ ٢٦٩)، \"شرح العلل\" (٢/ ٦٦٥ - ٦٦٧).\n(^٢) \"تحفة الأشراف\" (٦/ ١٥٦).\n(^٣) \"المصنف\" (١/ ٢٦٣) ورجاله ثقات رجال الصحيح، غير محمد بن أبي ليلى، فإِنه صدوق، سيء الحفظ.\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٠٠).","vol":"3","page":142},{"text":"لا شاهد له، ثم إن متنه فيه اضطراب، فقد روي باللفظ المذكور، وروي بلفظ: (إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الفحل) (^١).\nأما الحديث الثاني: وهو حديث وائل بن حجر، فقد أخرجه أبو داود (٨٣٨) في كتاب «الصلاة» باب «كيف يضع ركبتيه قبل يديه؟» والترمذي (٢٦٧) والنسائي (٢/ ٢٠٧) وابن ماجه (٨٨٢) من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: (رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه).\nوقد ضعَّف هذا الحديث قوم، وصحَّحه آخرون، فممَّن ضعفه البيهقي والدارقطني والألباني وغيرهم (^٢)، وحجتهم: تفرد شريك بن عبد الله القاضي به، وليس هو بالقوي، وممن صححه الترمذي والطحاوي والخطابي والبغوي وابن القيم وغيرهم (^٣)، وهذا هو الأظهر إن شاء الله، فإن شريك بن عبد الله تكلم فيه علماء الجرح والتعديل ما بين مضعف له وهم قلة، وموثق له مطلقًا، أو موثق له مع جواز الغلط والوهم عليه، فيكون ثقة ضعيف الضبط، والأكثرون على هذا، وخلاصة ما قيل فيه: أنه ثقة صدوق يهم، فإن حدَّث من كتابه فصحيح، وإن حدث من حفظه فإن كان قبل ولايته القضاء فصحيح أيضًا إذا لم يُعنعن، وإن كان بعدها ففي حديثه تخليط واضطراب، لأنه تغير وساء حفظه (^٤)، لكن ما ذكر في هذا الحديث ليس مما يضيَّع، فإنه يتردد عليه في اليوم والليلة خمس مرات غير النوافل، فمثل هذا يحفظ، على أنه قد روى هذا الحديث عنه يزيد بن هارون الواسطي - كما تقدم - وسماعه منه قديم قبل ولايته القضاء، كما صرح بذلك ابن حبان (^٥) وغيره، وقد رواه بالعنعنة، لكن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٦٣) والبيهقي (٢/ ١٠٠).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٩٩) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٤٥) \"الإرواء\" (٢/ ٧٥).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢/ ٥٦) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٥٦) \"معالم السنن\" (١/ ٥٢٥) \"شرح السنة\" (٣/ ١٣٣) \"زاد المعاد\" (١/ ٢٢٣).\n(^٤) \"شرح العلل\" لابن رجب (٢/ ٥٨٩) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٢٩٣).\n(^٥) \"الثقات\" (٦/ ٤٤٤).","vol":"3","page":143},{"text":"تابعه همام بن يحيى البصري من ثلاث طرق عند أبي داود (٨٣٩) والبيهقي (٢/ ٩٨ - ٩٩) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٥٥) والطريق الثالث مرسل صحيح.\nوالحديث له شاهد من حديث أنس ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ كبر فحاذى بإبهامه أذنيه، ثم ركع حتى استقر كل مفصل منه، وانحطَّ بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه)، أخرجه الدارقطني (١/ ٣٤٥) والحاكم (١/ ٢٢٦) والبيهقي (٢/ ٩٩) وقال الحاكم: (هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولا أعرف له علة) وسكت عنه الذهبي، وقد أخرجه ابن حزم في المحلى (٤/ ١٢٩) محتجًا به في مقام المعارضة لمذهبه - وهو وجوب تقديم اليدين قبل الركبتين - ولم يذكر له علة، ولو علمها لبادر بذكرها، لأن ذلك ينفعه في مقام تضعيف الدليل المعارض (^١).\nوقد ضعفه بعض العلماء بجهالة العلاء بن إسماعيل، وقد تفرد به، وبقية رجاله رجال الصحيح، فالحديث فيه مقال، ولحديث وائل شاهدان آخران عن أبي هريرة وسعد بن أبي وقاص ﵄، وهما ضعيفان.\n\nالوجه الثاني: هذه الأحاديث فيها بيان صفة الهوي في السجود، وهي من المسائل التي كثر فيها الكلام، حتى قال الشوكاني: (إن المقام من معارك الأنظار، ومضايق الأفكار) (^٢)، وقال النووي: (ولا يظهر ترجيح أحد المذهبين من السنة) (^٣)، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالأول: أن المصلي يهوي إلى السجود بتقديم الركبتين ثم اليدين، وقد عزاه ابن المنذر إلى عمر بن الخطاب ﵁ وإلى إبراهيم النخعي، ومسلم بن يسار، وسفيان الثوري، وإلى الشافعي، وأحمد، وإسحاق وأصحاب الرأي (^٤)، واستدلوا بحديث وائل بن حجر ﵁.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح المعبود بصحة تقديم الركبتين قبل اليدين في السجود\" ص (٣٥).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٢٨٤).\n(^٣) \"المجموع\" (٣/ ٤٢١).\n(^٤) \"الأوسط\" (٣/ ١٦٥)، \"الهداية\" (١/ ٣٠٢)، \"روضة الطالبين\" (١/ ٢٥٨).","vol":"3","page":144},{"text":"والقول الثاني: أن المصلي يهوي إلى السجود بتقديم يديه قبل ركبتيه، وهو قول مالك، والأوزاعي، ورواية عن أحمد (^١)، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁.\nالقول الثالث: أنه مخير في تقديم أيهما شاء، وهو مروي عن مالك، كما ذكر النووي (^٢)، وقد أجمعوا على أن الصلاة بكلتا الصفتين جائزة، وإنما الخلاف في الأفضل.\nوالذي يظهر - والله أعلم - هو القول الأول، وقد اختاره جمع من أهل العلم، منهم ابن المنذر، فإنه قال: (وحديث وائل بن حجر ثابت، وبه نقول) وقال الطحاوي: (فلما اختلف عن النبي ﷺ فيما يبدأ بوضعه في ذلك، نظرنا في ذلك، فكان سبيل تصحيح معاني الآثار: أن وائلًا لم يختلف عنه، وإنما الاختلاف عن أبي هريرة ﵁، فكان ينبغي أن يكون ما روي عنه لما تكافأت الروايات فيه ارتفع، وثبت ما روى وائل، فهذا حكم تصحيح معاني الآثار في ذلك …) (^٣)، وكذا اختار هذا القول الخطابي (^٤)، وابن القيم (^٥)، والشيخ عبد العزيز بن باز (^٦) إضافة إلى ما تقدم من أنه قول أكثر أهل العلم.\nووجه ذلك ما يلي:\n١ - أن الحديث له متابع وشواهد، وإن كان فيها مقال فأقل أحوالها أن تفيد أن هذا الحكم له أصل مع تعدد الطرق والرواة، وحديث أبي هريرة ﵁ فيه ضعف، ولا متابع له على التحقيق.\n٢ - أن حديث وائل يوافق حديث أبي هريرة الذي فيه نهي المصلي عن بروك كبروك الجمل، لأن المصلي إذا قدم ركبتيه لم يشابه الجمل الذي يقدم\n_________\n(^١) \"الشرح الصغير\" (١/ ٣٢٨) \"الإنصاف\" (٢/ ٦٥).\n(^٢) \"المجموع\" (٣/ ٤٢١)، \"حاشية الدسوقي\" (١/ ٢٥٠).\n(^٣) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦).\n(^٤) \"معالم السنن\" (١/ ٣٩٧).\n(^٥) \"زاد المعاد\" (١/ ٢٣٠).\n(^٦) \"الفتاوى\" (١١/ ١٥٩).","vol":"3","page":145},{"text":"يديه، والنهي في الحديث عن الكيفية، لأنه قال: (كما يبرك الجمل)، وفي رواية: (كبروك البعير)، والبعير إذا برك يقدم يديه، بدليل أنه يثني خفيه أولًا قبل ركبتيه، فيبرك مقدمه قبل مؤخره، وهذا مشاهد، وركبتا البعير وكل ذوات الأربع في اليدين، ولو كان المراد بالحديث نَهْيَ المصلي أن يقدم ركبتيه وأمْرَهُ بأن يقدم يديه لكان لفظه: (فلا يبرك على ركبتيه اللتين في رجليه كما يبرك البعير على ركبتيه اللتين في يديه)، وبهذا يكون حديث أبي هريرة موافقًا لحديث وائل من حيث المعنى، فكل منهما دال على النهي عن الكيفية والصفة، لا عن العضو الذي يسجد عليه، ولا ريب أن الجمع بين الروايات أولى من اختلافها وتضادها، أما آخر حديث أبي هريرة وهو قوله: (وليضع يديه قبل ركبتيه) فقد ذكر ابن القيم أنه انقلب على بعض الرواة، وأنَّ صحته (وليضع ركبتيه قبل يديه) (^١) حتى يوافق آخره أوله وحتى يتفق الحديثان، وقد ورد بهذا اللفظ كما تقدم.\n٣ - أن تقديم الركبتين أرفق بالمصلي، وأقرب إلى الوضع المناسب للبدن، فإن أول ما يلي الأرض منه ركبتاه ثم يداه ثم جبهته وأنفه، والنهوض بعكس ذلك، قال الخطابي: (هذا أرفق بالمصلي وأحسن في الشكل، وفي رأي العين) (^٢)، ومن المقرر أن أفعال الصلاة وهيئاتها لا تخالف الجبلة ولا طبيعة البدن.\n٤ - أن هذا هو الموافق للمنقول عن الصحابة ﵃ كعمر بن الخطاب وابنه وعبد الله بن مسعود، وكذا جماعة من التابعين، كما تقدم فيما نقله ابن المنذر، وقد روى ابن أبي شيبة شيئًا من ذلك، أكثرها بأسانيد صحيحة (^٣).\nوهذا مع القدرة على تقديم الركبتين، فإن كان عاجزًا لكبر أو مرض قدَّم ما هو أهون عليه، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (١/ ٢٢٦).\n(^٢) \"معالم السنن\" (١/ ٣٩٧).\n(^٣) \"المصنف\" (١/ ٢٦٣ - ٢٦٤).","vol":"3","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-259>صفة اليدين حال جلوس التشهد</span>\n٣١٣/ ٤٧ - عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إذَا قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَالْيُمْنَى عَلَى الْيُمْنَى وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِين، وَأَشَارَ بِإصْبعِهِ السَّبَّابَةِ. رَوَاهُ مُسْلمٌ.\nوَفي رِوَايَةٍ لَهُ: وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وأَشَارَ بِالّتِي تَلِي الإبْهَامَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب «صفة الجلوس في الصلاة، وكيفية وضع اليدين على الفخذين» (٥٨٠) (١١٥) من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا قعد في التشهد … الحديث.\nوالرواية المذكورة من طريق مالك، عن مسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن المعاوي، أنه قال: (رآني عبد الله بن عمر وأنا أعبث بالحصى في الصلاة، فلما انصرف نهاني، فقال: اصنع كما كان رسول الله ﷺ يصنع، فقلت: وكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قال: كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (وعقد ثلاثة وخمسين) صورة هذا العقد أن يقبض الخنصر مع البنصر إلى الراحة قبضًا متساويًا، ويحلق حلقة بالوسطى مع الإبهام، وهذه","vol":"3","page":147},{"text":"طريقة حسابية معروفة عند العرب، فالثلاثة لها حلقة بين الإبهام والوسطى، والخمسين يقبض لها الخنصر والبنصر.\n\nقوله: (وأشار بإصبعه السبابة) الإصبع: بكسر الهمزة وفتح الباء على المشهور، والسبابة: هي الإصبع التي تلي الإبهام، سميت بذلك لأنهم كانوا يشيرون بها عند السب والمخاصمة، وتسمى أيضًا: المسبحة والسبَّاحة؛ لأنه يشير بها المسبح عند التهليل إشارة إلى التوحيد.\n\nقوله: (وقبض أصابعه كلها) أي: أصابع يده اليمنى، والمراد قبضها على الراحة.\n\nقوله: (وأشار بالتي تلي الإبهام) أي: الإصبع التي تلي الإبهام، وهي السبابة، وهذا وصف كاشف لتحقيق السبابة.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على صفة اليدين حال جلوس التشهد، وأن المصلي يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على اليسرى، أما هيئة الأصابع فإن أصابع اليمنى لها صفتان، كما في حديث ابن عمر ﵄ بروايتيه:\nالأولى: أن يقبض الخنصر والبنصر، ويحلق حلقة بالوسطى مع الإبهام ويرفع السبابة يدعو بها.\nالثانية: أن يقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويضم إليها الإبهام، وتبقى السبابة مرفوعة يدعو بها.\nأما أصابع اليسرى فإنها تكون مبسوطة مضمومة غير مفرجة، وأطرافها إلى القبلة، وقد ورد في حديث ابن عمر ﵄ من طريق معمر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وفي آخره: (ويده اليسرى على ركبتيه اليسرى باسطها عليها) (^١).\nوالصفة الثانية لأصابع اليسرى: أن يعطف أصابعها على الركبة، لحديث\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٨٠).","vol":"3","page":148},{"text":"عبد الله بن الزبير قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفه اليسرى على ركبته) (^١).\nوقد أغفل الحافظ هذه الروايات التي تدل على صفة اليد اليسرى، وليته أشار إليها كعادته في تتبع روايات الحديث وألفاظه.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن المصلي يرفع سبابته يشير بها، ولعل الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن يجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد، وقد روى نافع قال: كان ابن عمر ﵄ إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، وأشار بإصبعه، وأشبعها بصره، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: «لهي أشد على الشيطان من الحديد» يعني السبابة (^٢).\nلكن إذا أشار بها هل يحركها أو لا؟ اختلفت الأحاديث في هذا، ففي حديث وائل بن حجر: (ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها، يدعو بها) (^٣).\nوقد نص ابن خزيمة على أنه ليس في شيء من الأخبار يحركها، إلا في هذا الخبر، زائدة ذكره (^٤)، وعليه فهو لفظ شاذ، انفرد به زائدة بن قدامة من\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٣ - ٥٧٩).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٠/ ٢٠٤) والبزار (٥٦٣) والطبراني في \"الدعاء\" (٦٤٢) (٦٤٣) من طريق أبي أحمد الزبيري، حدثنا كثير بن زيد، عن نافع به، وهذا سند رجاله كلهم ثقات، رجال الستة غير كثير بن زيد، فهو متكلم فيه، قال الإمام أحمد في \"العلل\" (١/ ٣٦٦): (ما أرى به بأسًا)، وقال ابن المديني: (صالح، وليس بالقوي) وقريب منه قال أبو حاتم، وقال ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٦٩) بعد ذكر شيء من مروياته: (لم أر بحديثه بأسًا، وأرجو أن لا بأس به) ووثقه ابن حبان (٧/ ٣٥٤) فال البزار: (تفرد به كثير بن زيد عن نافع، وليس [له] عنه إلا هذا)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق يخطئ) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٣٧٠)، \"أصل صفة الصلاة\" (٣/ ٨٣٩).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٧١٣)، والنسائي (٢/ ١٢٦) (٣/ ٣٧)، وأحمد (٣١/ ١٦٠) من طريق زائدة بن قدامة، عن عاصم بن كليب، قال: أخبرني أبي أن وائل بن حجر قال: … الحديث بطوله.\n(^٤) \"صحيح ابن خزيمة\" (١/ ٣٤٥).","vol":"3","page":149},{"text":"بين أصحاب عاصم بن كليب، وعدها بعض العلماء من زيادة الثقة، وقد قال عنه الحافظ في «التقريب»: (ثقة ثبت)، ومن هؤلاء الألباني (^١)، وهذا هو الذي يشعر به صنيع الإمام البيهقي، فإنه قال: (يحتمل أن المراد بالتحريك: الإشارة، لا تكرير تحريكها) (^٢)، ومعلوم أن التأويل فرع التصحيح، وإلا لبادر بالحكم عليها بالشذوذ، وقد أفتى بمقتضاها الشيخ عبد العزيز بن باز (^٣).\nلكن قد يقال: إن زائدة بن قدامة قد انفرد بهذه اللفظة من بين أصحاب عاصم بن كليب، وهم ثقات أثبات، يزيدون على عشرة أنفس، كلهم يقتصر على ذكر الإشارة بالسبابة دون تحريكها، مما يدل على أن زائدة وَهِمَ فيها، ثم إن روايتهم مؤيدة بالأحاديث الصحيحة التي فيها الإشارة بالسبابة بدون تحريك، وفي حديث ابن الزبير: (وكان يشير بإصبعه إذا دعا، ولا يحركها) (^٤)، وكذا ورد في حديث ابن عمر عند مسلم بلفظ: (ورفع إصبعه\n_________\n(^١) \"تمام المنة\" ص (٢١٩).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٣٢).\n(^٣) \"الفتاوى\" (١١/ ١٨٥).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٩٨٩) والنسائي (٣/ ٣٧) وغيرهما من طريق حجاج بن محمد المِصِّيصي الأعور، عن ابن جريج قال: أخبرني زياد بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير به، وقد صححه النووي في \"المجموع\" (٣/ ٣٩٨) وابن الملقن في \"خلاصة البدر المنير\" (١/ ٣٩) لكن هذا فيه نظر، كما قال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (١/ ٢٣٨) وذلك لأن الإمام مسلمًا أخرج الحديث بطوله، وليس فيه هذه الزيادة: (ولا يحركها)، وكذا أخرج الحديث بدونها ابن خزيمة (١/ ٣٣٥) وابن حبان (٥/ ٢٧١)، فالظاهر أنها زيادة كير محفوظة، تفرد بها ابن جريج، فإِن ستة من الحفاظ الثقات رووا الحديث عن محمد بن عجلان، ولم يذكرها واحد منهم. وهم: سفيان بن عيينة، عند أبي يعلى (٦٨٠٦)، وروح بن القاسم، عند الطبراني في \"الكبير\" (١٣/ ١٠١)، والليث بن سعد، عند مسلم (١١٣/ ٥٧٩)، ويحيى بن سعيد القطان، عند أحمد (٢٦/ ٢٥)، وأبي داود (٩٩٠)، والنسائي (٣/ ٣٩)، وابن خزيمة (٧١٨)، وابن حبان (١٩٤٤) وغيرهم، وأبو خالد الأحمر عند مسلم (٥٧٩)، (١١٣) وكيره، وسليمان بن بلال، عند الطبراني في \"الكبير\" (١٣/ ١٠)، وعلي هذا فهي زيادة غير محفوظة، وللشيخ فريح بن صالح البهلال بحث في هذا الحديث، وقد أطلعني عليه -أثابه الله- وهو لم يطبع وقت تحرير هذا الكلام، والله أعلم.","vol":"3","page":150},{"text":"اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها) (^١)، وعليه فالثابت هو رفع السبابة أو الإشارة بها، كما في صحيح مسلم، وأما التحريك نفيًا أو إثباتًا فلم يثبت منه شيء، إلا على قول من أخذ بزيادة (يحركها) في حديث وائل كما تقدم، بناء على قاعدة المثبت مقدم على النافي، وعلى قاعدة الأخذ بزيادة الثقة مطلقًا، ولو خالف العدد الكثير.\nوقد قال بعدم تحريكها الحنابلة - في الصحيح من المذهب - وكذا الشافعية، وهو قول الحنفية، واختاره بعض المالكية، ومنهم: ابن رشد، وابن العربي، واختاره ابن حزم (^٢).\nوالقول الثاني: مشروعية تحريك الإصبع، وهو قول بعض الشافعية والحنابلة، والمالكية، وبه قال ابن القيم، والألباني، وابن باز، وابن عثيمين (^٣)، واستدلوا بحديث وائل، وأيَّدوا ذلك بأمور ثلاثة:\n١ - أن وائل بن حجر له عناية خاصة بنقل صفة صلاة النبي ﷺ، ولا سيما جلوس التشهد، فإنه ذكر مكان المرفق على الفخذ وصفة أصابع اليد اليمنى ورَفْعَ السبابة وغير ذلك.\n٢ - أن زائدة بن قدامة ثقة ثبت شديد التثبت في روايته عن شيوخه، قال عنه ابن حبان: (كان من الحفاظ المتقنين، وكان لا يَعُدُّ السماع حتى يسمعه ثلاث مرات، وكان لا يحدث أحدًا حتى يشهد عنه عدل أنه من أهل السنة) (^٤)، وقال الدارقطني: (من الأثبات الأئمة) (^٥)، وهو وإن خالفه الأكثر\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٥٨٠).\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ٢١٩)، \"الإنصاف\" (٢/ ٧٦)، \"المجموع\" (٣/ ٤٥٤)، \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٨٥)، \"بداية المجتهد\" (١/ ٣٣٤)، \"المحلى\" (٤/ ٢٠٨)، \"تزيين العبارة\" لعلي القاري ص (٤٨)، (٨٩).\n(^٣) انظر: \"زاد المعاد\" (١/ ٢٣٨)، \"فتاوى ابن باز\" (١١/ ١٨٥)، \"فتاوى ابن عثيمين\" (١٣/ ٢٢٣)، \"الشرح الممتع\" (٣/ ١ ٢٠)، \"صفة صلاة النبي - ﷺ -\" للألباني ص (١٥٨)، \"تمام المنة\" ص (٢٢١).\n(^٤) \"الثقات\" (٦/ ٣٤٠)، \"تمام المنة\" ص (٢٢٢).\n(^٥) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢٦٤).","vol":"3","page":151},{"text":"فقد تكون هذه الزيادة منه تفسيرًا للإشارة الواردة في الروايات الأخرى.\n٣ - أن التعبير بالمضارع (يشير بها) قد يستفاد منه التحريك، لأنه يفيد التجدد والحدوث، ثم إن الإشارة نفسها لا تنافي التحريك كما يفهم من معاجم اللغة (^١).\nوالقول الثالث: جواز الأمرين: التحريك، أو الإشارة بدون تحريك، لأن كلاًّ منهما ورد في الآثار الصحاح المسندة عن النبي ﷺ، واختار ذلك القرطبي (^٢) والصنعاني (^٣).\nوالذي تبين من بحث هذه المسألة أن تحريك السبَّاحة تفرد به زائدة بن قدامة، فمن أخذ بها مشى على قاعدة قبول الزيادة إذا كانت من عدل حافظ متقن ضابط، كزائدة بن قدامة، ومن ردها مشى على قاعدة: قبولُ الزيادة وردُّها متوقف على القرائن، ومنها: كثرة العدد (^٤)، وقد خالف - هنا - زائدة بن قدامة الجمَّ الغفير من الأئمة الثقات عن عاصم بن كليب، فلم يذكرها أحد منهم، مما يدل على أنه قد وَهِمَ فيها، على أن من يرى التحريك يقول: حتى على فرض عدم ثبوت رواية (يحركها) فإن الإشارة تجامع تحريك الإصبع، والله تعالى أعلم.\n\nالوجه الخامس: دلَّ قوله: (كان إذا قعد للتشهد …)، أن هذه الصفة في اليد اليمنى، وهي القبض والتحليق خاصة بجلوس التشهد، دون الجلسة بين السجدتين، وهذا هو الذي فهمه العلماء المتقدمون، فلم يقل بمشروعيتها فيها أحد من السلف، ولم يعقد لها أي ترجمة في كتب الحديث، ولم يرد لها ذكر في كتب الفقه (^٥)، وهذا يدل على أنه لم يرد نصٌّ صريح في مشروعيتها،\n_________\n(^١) انظر: \"المصباح المنير\" ص (٣٢٦)، \"المعجم الوجيز\" ص (٣٥٤)، \"أصل صفة الصلاة\" (٣/ ٨٥٦).\n(^٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" (١/ ٣٦١).\n(^٣) \"سبل السلام\" (١/ ٣٦٨)، وانظر: أصل \"صفة الصلاة\" للألباني (٣/ ٨٥٦).\n(^٤) انظر: \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" (٢/ ٦٨٨)، \"توضيح الأفكار\" (١/ ٣١٢).\n(^٥) انظر: \"لا جديد في أحكام الصلاة\" لبكر أبو زيد ص (٣٨).","vol":"3","page":152},{"text":"وما ورد من نصوص عامة فهي من العام الذي أريد به الخصوص، أو أنها من باب حمل المطلق على المقيد، وما أحسن ما قاله ابن رُشَيد ﵀: (إذا أطلق في الأحاديث الجلوس في الصلاة من غير تقييد فالمراد جلوس التشهد) (^١)، ويؤيد ذلك بعض روايات حديث ابن الزبير ﵁ قال: (كان إذا جلس في اثنتين أو في الأربع يضع يديه على ركبتيه، ثم أشار بإصبعه) (^٢)، فقيد الإشارة في جلسة التشهد الأول والأخير، فدل على عدم الإشارة في غير ذلك.\nومن قال بها من المتأخرين أَخَذَ بظاهر كلام لابن القيم (^٣)، واستدل بعموم الأحاديث التي ورد فيها تحريك السبابة في الجلوس في الصلاة، كما في حديث وائل، وفيه: (ثم جلس، فافترش رجله اليسرى، ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، وذراعه اليمنى على فخذه اليمنى، ثم أشار بسبابته ووضع الإبهام على الوسطى، حلق بها، وقبض سائر أصابعه، ثم سجد …) (^٤) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣١٠).\n(^٢) أخرجه النسائي (٢/ ٢٣٧)، والبيهقي (٢/ ١٣٢) وإسناده صحيح على شرط مسلم.\n(^٣) \"زاد المعاد\" (١/ ٢٣٨)، \"فتاوى ابن عثيمين\" (١٣/ ١٩١ - ٢١١).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٦٨ - ٦٩) وعنه أحمد (٣١/ ١٥٠ - ١٥١) والطبراني في \"الكبير\" (٢٢ رقم ٣٣) عن سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر به، وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٢٢ رقم ٧٨) من طريق محمد بن يوسف الفريابي، ثنا سفيان به، ولم يذكر لفظة: (ثم سجد) وقد تابعه عبد الله بن الوليد، حدثني سفيان به، أخرجه أحمد (٣١/ ١٦٣ - ١٦٤) ولم يذكر السجدة بعد الإشارة، وهو صدوف ربما أخطأ، لكن روايته بمتابعة الفريابي له أرجح من رواية عبد الرزاق عن سفيان، ويتأيد هذا بأمور ثلاثة:\nالأول: أن الفريابي كان ملازمًا للثوري، كما ذكر الحافظ في \"تهذيبه\" (٩/ ٤٧٣).\nالثاني: أن العلماء استنكروا على عبد الرزاق أحاديث، أحدها: رواها عن الثوري، كما ذكر الحافظ - أيضًا - (٦/ ٢٨١) فلعل هذه الزيادة من أوهامه.\nالثالث: أنه تابع الثوري في روايته المحفوظة جمع من الثقات الحفاظ، منهم عبد الواحد بن زياد، وشعبة، وزائدة بن قدامة … وغيرهم، ولم يذكروا لفظ: (ثم سجد) بل إن بعضهم ذكرها قبيل الإشارة، كما ذكر الألباني في \"الصحيحة\" (٥/ ٣٠٦) و\"تمام المنة\" ص (٢١٥)، وعليه فهذه اللفظة (ئم سجد) شاذة، كما قرر الشيخان ابن باز والألباني، ولا دليل على ثبوت الإشارة في هذا الموضع، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":153},{"text":"<span data-type='title' id=toc-260>كيفية التشهد</span>\n٣١٤/ ٤٨ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: الْتَفَتَ إلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ للهِ، والصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعجَبَهُ إليْهِ، فَيَدْعُو». مُتَّفَقٌ عَلَيْه، وَاللّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.\nوَلِلنَّسَائيِّ: كُنَا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ.\nوَلأحْمَدَ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ.\n٣١٥/ ٤٩ - وَلِمُسْلمٍ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ: «التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ الصَّلَواتُ الطَّيِّبَاتُ للهِ ..» إلَى آخِرِهِ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن مسعود ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان» باب «التشهد في الآخرة» (٨٣١) ومسلم (٤٠٢) من طريق الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود به.\nوأخرجه النسائي في الكبرى (١/ ٣٧٨) بهذا الإسناد، ولفظه: (كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل، فقال رسول الله ﷺ: لا تقولوا هكذا، فإن الله هو السلام، ولكن","vol":"3","page":154},{"text":"قولوا التحيات لله …»، والحديث في الصحيحين بهذا اللفظ، دون قوله: (قبل أن يفرض علينا التشهد) فهي التي عند النسائي، كما قال الحافظ، ولعل غرض الحافظ من إيرادها الاستدلال بها على فرضية التشهد، والله أعلم.\nوأخرجه أحمد (٦/ ٢٨) من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن عبد الله قال: (علمه رسول الله ﷺ التشهد وأمره أن يعلمه الناس، التحيات لله …)، وهذا إسناد ضعيف، لانقطاعه، فإن أبا عبيدة بن عبد الله ابن مسعود لم يسمع من أبيه، وفيه - أيضًا - خُصيف الجزري، قال عنه في «التقريب»: (صدوق سيء الحفظ).\nوأما حديث ابن عباس، فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة» باب «التشهد في الصلاة» (٤٠٣) من طريق الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير وعن طاوس، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: فذكره.\nوحديث التشهد من الأحاديث المتواترة، وقد ذكر الكتاني أنه روي عن أربعة وعشرين صحابيًا، ثم ذكرهم (^١).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (التحيات لله) جمع تحية، والتحية التعظيم، وهي كل قول أو فعل دال على التعظيم، وتفيد العموم، وجمعت لاختلاف أنواعها من التحيات القولية والفعلية، فإنه سبحانه أولى بجمع التحيات من كل من سواه، واللام في لفظ (لله) للاستحقاق، والمعنى: أن جميع التعظيمات وكل ما يدل على السلام والملك والبقاء فهو لله تعالى مختص به لا يستحقه سواه، ومن ذلك الخضوع والركوع والسجود والخشوع، فكله لله تعالى وحده.\n\nقوله: (والصلوات) أي: جميع الصلوات لله تعالى لا أحد يستحقها، فرضها ونفلها.\n\nقوله: (والطيبات) أي: جميع الأقوال والأفعال له تعالى، وكل ما طاب\n_________\n(^١) \"نظم المتناثر\" ص (٩٣ - ٩٤).","vol":"3","page":155},{"text":"من صفة أو قول أو فعل فهو ثابت لله تعالى، لأن الله طيب وصفاته وكلماته وأفعاله طيبة، وله - أيضًا - من أعمال العباد القولية والفعلية الطيب، كما قال النبي ﷺ: «لا يقبل الله إلا طيبًا» (^١).\nفعلى المصلي أن يستحضر هذه المعاني، ولا يقول هذا اللفظ على أنه ذكر وثناء فحسب.\n\nقوله: (السلام عليك أيها النبي) أي: السلامة من كل آفة ومكروه، وهي جملة خبرية متضمنة معنى الدعاء، ولهذا اختير لفظ السلام الذي هو اسم الله الذي يذكر على الأعمال، لاجتماع معاني الخيرات فيه وانتفاء عوارض الشر عنه، فيكون مصدرًا بمعنى السلامة.\nوأتى بلفظ الخطاب للحاضر، تنزيلًا له بمنزلة المواجه، لقربه من القلب وقوة استحضارك له حين السلام عليه، كأنه حاضر أمامك تخاطبه، وهذا خاص بالنبي ﷺ وإلا فإن خطاب الآدمي في الصلاة مبطل لها، لأن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وهذا الدعاء شامل للسلامة من مخاوف الدنيا والآخرة، ولهذا شرع حتى بعد وفاة النبي ﷺ.\n\nقوله: (ورحمة الله) الرحمة من صفات الله اللائقة بجلاله، ومن آثارها إنعامه وإحسانه على مخلوقاته الذي لا يعد ولا يحصى، كما تقدم، وهذا دعاء للنبي ﷺ بحصول المطلوب وهي الرحمة بعد الدعاء له بالسلامة من المرهوب.\n\nقوله: (وبركاته) جمع بركة، وهي خيراته الكثيرة المستمرة، وأصل البركة: النماء والزيادة، وبركاته على نبيه ﷺ في حياته ما يبارك له في مطعمه ومشربه، وكل شأن من شؤون حياته، وبعد مماته بكثرة أتباعه وانتشار شريعته.\n\nقوله: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) علينا: أي معشر الأمة الإسلامية، ومنهم المصلي نفسه ومن معه من المصلين إن كان في جماعة،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠١٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"3","page":156},{"text":"والعباد: جمع عبد، وهو المتذلل لله تعالى بالطاعة، والصالحين: جمع صالح، وهو القائم بما عليه من حقوق الله وحقوق عباده، قال الترمذي الحكيم: (من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة فليكن عبدًا صالحًا، وإلا حرم هذا الفضل العظيم) (^١).\n\nقوله: (أشهد أن لا إله إلا الله …) تقدم شرح الشهادتين في آخر باب «الوضوء».\n\nقوله: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه) اللام لام الأمر، وأصلها: الكسر، لكنها تسكن بعد حروف العطف، وهذا أمر إباحة لا إيجاب، والمعنى: فليقل ما يختار من الدعاء مما يحبه من خيري الدنيا والآخرة، وظاهر ذلك أن الأمر بالدعاء قبل فرض الصلاة على النبي ﷺ في التشهد.\n\nقوله: (قبل أن يفرض علينا التشهد) أصل التشهد: قول: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله) والمراد به هنا: التحيات لله والصلوات … إلخ، وأطلق عليه اسم التشهد من باب إطلاق البعض على الكل، لكون التشهد أهمَّ ما فيها، لأنه أشرف الأذكار.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب التشهد في آخر الصلاة، لقوله: (إذا صلّى أحدكم فليقل التحيات ..) وهذا أمر، والأصل فيه الوجوب، ولقول ابن مسعود ﵁: (قبل أن يفرض علينا التشهد) وهو ركن من أركان الصلاة، وهذا بالنسبة للتشهد الأخير، أما الأول فليس بركن، بدليل أن النبي ﷺ عندما نسيه جبره بسجود السهو، وهذا هو المشهور عند الفقهاء.\n\nالوجه الرابع: ورد في السنة صيغ كثيرة للتشهد، عن ابن مسعود وابن عباس وعائشة وابن عمر وغيرهم ﵃ وليس بينها إلا اختلاف يسير، وبأي تشهد تشهد مما صح عن النبي ﷺ جاز، نص الإمام أحمد على ذلك، وقد أثنى العلماء على تشهد ابن مسعود، لأنه متفق عليه، قال البزار: (أصح\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣١٤).","vol":"3","page":157},{"text":"حديث في التشهد عندي حديث ابن مسعود، روي عنه من نيف وعشرين طريقًا …) ثم سرد أكثرها، وقال: (لا أعلم في التشهد أثبت منه ولا أصح أسانيد ولا أشهر رجالًا …)، قال الحافظ: (ولا خلاف بين أهل الحديث في ذلك) (^١).\nوقد اعتنى النبي ﷺ بهذا التشهد وعلمه ابن مسعود ولقنه إياه كما يلقنه السورة من القرآن، كما ورد في بعض الروايات، وذلك لما يشتمل عليه من تعظيم الله تعالى وتمجيده والإخلاص له والشهادة بوحدانيته وصدق رسوله ﷺ والتسليم والترحم والتبريك عليه ﷺ وما يتضمنه من السلام الخاص بالمصلي والأمة الإسلامية وجميع عباد الله الصالحين في السماء والأرض.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن للمصلي أن يدعو في آخر التشهد بما أحب لقوله: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه) فهو إطلاق للداعي أن يدعو بما أراد، وأفضلُ ذلك الأدعيةُ الواردة في هذا الموضع، وله أن يدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة، فإن الدعاء عمومًا عبادة.\n\nالوجه السادس: ظاهر الحديث أن الأمر بالدعاء بعد التشهد قبل فرض الصلاة على النبي ﷺ في التشهد، لأن الأحاديث دلت على أن الصلاة مقدمة على الدعاء، كما سيأتي إن شاء الله، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣١٥)، ونقله الكتاني في \"نظم المتناثر\" ص (٩٤) ولم أجده في \"مسند البزار\" في مظانه.","vol":"3","page":158},{"text":"<span data-type='title' id=toc-261>من آداب الدعاء في التشهد</span>\n٣١٦/ ٥٠ - عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ قَالَ: سَمعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ، لَمْ يَحْمَدِ اللهَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبيِّ، فَقَالَ: «عَجِلَ هذَا» ثمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاء عَلَيْهِ، ثمَّ يُصَلِّي عَلى النَّبيِّ ﷺ، ثمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكمُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو فضالة - بفتح الفاء - بن عبيد الأنصاري الأوسي ﵁، أسلم قديمًا، وأول مشاهده أحد، ثم شهد ما بعدها، وكان ممن بايع تحت الشجرة، سكن الشام، وولاه معاوية قضاء دمشق، ومات في خلافة معاوية ﵁، سنة ثلاث وخمسين، على أحد الأقوال (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nأخرجه أبو داود (١٤٨١) في كتاب «الصلاة» باب «الدعاء» والترمذي (٣٤٧٧) والنسائي (٣/ ٤٤ - ٤٥) وأحمد (٣٩/ ٣٦٣) وابن حبان (١٩٦٠) والحاكم (١/ ٢٣٠ - ٢٦٨) كلهم من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، ثنا حيوة، أخبرني أبو هانئ حميد بن هانئ أن أبا عليٍّ عمرو بن مالك حدثنا أنه سمع فضالة بن عبيد صاحب رسول الله - ﷺ - يقول: … فذكره، وفي ألفاظه\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (٨/ ٩٧).","vol":"3","page":159},{"text":"اختلاف بين هذه المصادر، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وهذا فيه نظر، فإن عمرو بن مالك لم يخرج له مسلم، وهو ثقة، روى له أصحاب السنن والبخاري في «الأدب المفرد»، وحيوة: هو ابن شريح بن صفوان.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (عجل هذا) أي: في الدعاء حيث أتى به قبل الحمد والصلاة، وحقه أن يكون بعدهما.\n\nقوله: (تحميد ربه والثناء عليه) إما عطف تفسيري، لأن الحمد والثناء بمعنى واحد، أو يراد بالثناء ما هو أعم من الحمد بأي عبارة، فيكون من عطف العام على الخاص.\n\nقوله: (ثم يصلي) بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: ثم هو يصلي، فيكون من باب عطف جملة خبرية على جملة إنشائية، وليس من عطف الفعل على الفعل بدليل أنه لم يُجزم.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أدب من آداب الدعاء، وهو تقديم الحمد والثناء على الله تعالى، والصلاة على النبي ﷺ ثم الدعاء بما شاء، وهذا الأدب متحقق في التشهد، كما في حديث ابن مسعود وغيره، فإن أحاديث التشهد تتضمن ما ذكر من الحمد والثناء في أول التشهد، ثم الصلاة على النبي ﷺ، ثم الدعاء بعد ذلك، والدعاء بهذه الصفة أفضل وأقرب إلى الإجابة.\nوظاهر سياق الحافظ لهذا الحديث في هذا الموضع أن هذا الدعاء الذي سمعه الرسول الله ﷺ من هذا الرجل كان في جلوس التشهد، قال ابن القيم: (لأنه ليس في الصلاة موضع يشرع فيه الثناء على الله ثم الصلاة على رسوله، ثم الدعاء إلا في التشهد آخر الصلاة، فإن ذلك لا يشرع في القيام ولا في الركوع ولا السجود اتفاقًا، فعلم أنه إنما أراد به آخر الصلاة حال الجلوس في التشهد) (^١).\n_________\n(^١) \"جلاء الأفهام\" ص (١٨٩).","vol":"3","page":160},{"text":"ولا مانع من الأخذ بعمومه في كل دعاء سواء كان ذلك في الصلاة أو خارجها، ولا سيما حال السجود إذا طال كما في صلاة التهجد.\nوقد ذكر المجد ابن تيمية أن في هذه الأحاديث حجة لمن لا يرى الصلاة على النبي ﷺ فرضًا في التشهد (^١)، حيث لم يأمر تاركها بالإعادة، ويعضده قوله - في حديث ابن مسعود بعد ذكر التشهد - (ثم ليتخير من المسألة ما شاء) لكن قد يقال: إنه لا يلزم من وجوبها الأمر بإعادة الصلاة لمن تركها، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"المنتقى\" (١/ ٤٥٢).","vol":"3","page":161},{"text":"<span data-type='title' id=toc-262>كيفية الصلاة على النبي </span>- ﷺ -\n٣١٧/ ٥١ - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأنصاري ﵁ قَالَ: قَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَمَرَنَا اللهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ، ثمَّ قَالَ: «قُولُوا: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَالسَّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَزَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِيهِ: فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ، إذَا نَحُنُ صَلَّيْنَا عَلَيْكَ فِي صَلَاتِنَا؟\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو أبو مسعود، عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي البدري، ﵁، شهد العقبة الثانية وهو صغير، وجزم البخاري بأنه شهد غزوة بدر (^١)، وقيل: لم يشهدها، وإنما نزلها فنسب إليها، وشهد غزوة أحد وما بعدها، نزل الكوفة ومات بها في خلافة أمير المؤمنين علي ﵁ سنة أربعين، وقيل: بعدها (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة» باب «الصلاة على النبي ﷺ بعد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٢٦ - ٣٢٧).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٨/ ١٠٢)، \"الإصابة\" (٧/ ٢٤).","vol":"3","page":162},{"text":"التشهد» (٤٠٥) من طريق مالك، عن نُعيم بن عبد الله المجمر، أن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري (^١) أخبره عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: (أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال بشير بن سعد: …) فذكر الحديث.\nوأما زيادة ابن خزيمة فقد أخرجها (٧١١) من طريق محمد بن إسحاق قال: (وحدثني في الصلاة على رسول الله ﷺ إذا المرء المسلم صلّى عليه في صلاته، محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو به).\nوأخرجه - أيضًا - أبو داود (٩٨١) والنسائي في الكبرى (٩/ ٢٦) وأحمد (٢٨/ ٣٠٤) وابن حبان (١٩٥٩) والدارقطني (١/ ٣٥٤) والحاكم (١/ ٢٦٨) والبيهقي (٢/ ١٤٦) بهذا الإسناد، منهم مَنْ ذكر هذه الزيادة، ومنهم من لم يذكرها، وقال الدارقطني: (هذا إسناد حسن متصل).\nوقد دافع ابن القيم عما أعلت به هذه الزيادة، وهو تفرد ابن إسحاق (^٢)، ولعل الحافظ أورد زيادة ابن خزيمة هذه لمناسبتها هنا، حيث دلت على أن مراد الصحابة كيفية الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة، ليتم الاستدلال بذلك على أن المراد في قعود التشهد.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (قال بشير بن سعد) وهو بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي والد النعمان بن بشير ﵄ شهد بيعة العقبة وما بعدها، وقد وقع السؤال من صحابة آخرين غير بشير بن سعد، كأبي هريرة، وكعب بن عجرة، وزيد بن خارجة، وغيرهم (^٣) ﵃.\n\nقوله: (أمرنا الله أن نصلي عليك) أي: في قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وكأن هذا السؤال منهم عن كيفية الصلاة عليه\n_________\n(^١) عبد الله بن زيد هو الذي أُري النداء بالصلاة، كما تقدم في \"الأذان\".\n(^٢) \"جلاء الأفهام\" ص (٥ - ٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ١٥٤).","vol":"3","page":163},{"text":"حصل بعد نزول الآية، فهم سألوا عن كيفية الصلاة عليه وصفتها، لأنه لما تقدم لهم أن السلام بلفظ مخصوص فهموا منه أن الصلاة - أيضًا - لها لفظ مخصوص.\n\nقوله: (فسكت) لفظ مسلم: (فسكت رسول الله حتى تمنينا أنه لم يسأله) وفي رواية الطبراني: (فسكت حتى جاء الوحي) وإنما تمنى الصحابة أنه لم يسأله خشية أن يكون ﷺ كره سؤاله لما تقرر عندهم من النهي عن ذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].\n\nقوله: (اللهم صَلِّ على محمد) أي: أثنِ عليه بالذكر الجميل في الملأ الأعلى، وهذا أحسن ما قيل في معنى صلاة الله على نبيه، كما قاله أبو العالية، وذكره عنه البخاري في «صحيحه» (^١).\n\nقوله: (وآل محمد) أي: أتباعه على دينه، ويدخل فيهم دخولًا أوليًا أتباعه من قرابته لأنهم آل من جهتين: من جهة الاتباع، ومن جهة القرابة.\n\nقوله: (كما صليت على آل إبراهيم) الكاف للتشبيه، وهذا هو المشهور عند كثير من أهل العلم، لكن يرد عليه القاعدة البلاغية، وهي أن المشبه به أقوى من الشبه وهنا بالعكس، لأن محمدًا ﷺ وآله أفضل من إبراهيم وآله، وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة كثيرة، أوصلها الحافظ إلى عشرة (^٢)، وقد ذكرها قبله ابن القيم وزيف أكثرها، ثم قال: (والأحسن منه أن يقال هو ﷺ من آل إبراهيم، فإبراهيم أبوه، فكأنه سئل للرسول ﷺ الصلاة مرتين مرة باعتبار الخصوص ومرة باعتبار العموم) (^٣).\nوالأحسن أن تكون الكاف للتعليل، وما مصدرية، أي: كصلاتك على آل إبراهيم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، أي: لهدايته إياكم. والمعنى: كما أنعمت بالصلاة على آل إبراهيم فأنعم بالصلاة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٣٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ١٦١).\n(^٣) \"جلاء الأفهام\" ص (١٥٠).","vol":"3","page":164},{"text":"على محمد وآل محمد، فهو من باب التوسل إلى الله تعالى بنعمه السابقة على نعمه المطلوبة، ومجيء الكاف للتعليل مقرر في كتب النحو (^١)، وقد ذكر الحافظ هذا المعنى (^٢).\n\nقوله: (وبارك على محمد وعلى آل محمد) هذا فعل دعاء، فهو دعاء بإنزال البركة على الرسول ﷺ وعلى آله، وتقدم معنى البركة.\n\nقوله: (في العالمين) جمع عالم، وهو كل من سوى الله تعالى، والمعنى: أظهر الصلاة والبركة على محمد وعلى آله في العالمين، كما أظهرتها على إبراهيم وآله في العالمين، وقد ذكر ابن القيم بعض خصائص بيت إبراهيم ﵇.\n\nقوله: (إنك حميد مجيد) الجملة تعليلية، وحميد: فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، فعلى الأول: بمعنى حامد لعباده وأوليائه الذين قاموا بأمره، وعلى الثاني: بمعنى محمود، فيحمد ﷿ لما له من صفات الكمال وجزيل الإفضال، ومجيد: فعيل بمعنى فاعل، أي: ماجد، والمجد: كمال العظمة والسلطان.\nومناسبة ختم الدعاء بهذين الاسمين العظيمين: أن المطلوب تكريم الله لنبيه، وثناؤه عليه، وزيادة تقريبه، وذلك مما يلزم طلب الحمد والمجد، ففي ذلك إشارة إلى أنهما كالتعليل للمطلوب، أو هو كالتذييل له، والمعنى: أنك فاعل ما تستوجب به الحمد والمجد من النعم المترادفة، كريم بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك (^٣).\n\nقوله: (والسلام كما علمتم) بفتح العين مبنيًا للمعلوم، وبضمها وتشديد اللام مكسورة مبنيًا لما لم يُسَمَّ فاعله (^٤)، والمراد بذلك قوله في التشهد: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته).\n_________\n(^١) انظر: \"مغني اللبيب\" (١/ ١٧٦) وغيره.\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ١٦١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ١٦٣).\n(^٤) انظر: \"إكمال المعلم\" (٢/ ٣٠٥).","vol":"3","page":165},{"text":"الوجه الرابع: الحديث دليل على كيفية الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة، وقد ورد في ذلك أحاديث اشتملت على صيغ متنوعة، فإن أمكن للمصلي أن يأتي بهذه الصيغ وينوع في صلاته فيأتي بهذه الصفة تارة وبغيرها تارة أخرى فهذا أفضل، لما تقدم في قاعدة العبادات الواردة على وجوه متعددة، وإن اقتصر على صيغة واحدة فلا بأس، لكن على المسلم أن يتقيد بالوارد دون زيادة أو نقصان، وقد نقل ابن القيم إجماع المسلمين على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، وقال: (هو أهم مواطن الصلاة وآكدها) (^١).\n\nالوجه الخامس: استدل بهذا الحديث من قال بوجوب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد الأخير، لقوله: (قولوا: اللهم صلِّ على محمد) وهذا أمر، والأمر للوجوب، وهذا قول الشافعي (^٢)، ورواية عن أحمد، اختارها الخرقي (^٣)، وهو قول أبي عوانة حيث بوَّب بما يفيد الوجوب (^٤)، وهو اختيار ابن العربي (^٥)، وقد نصره ابن القيم (^٦)، كما اختار ذلك الصنعاني (^٧)، ورجحه الألباني (^٨)، والشيخ عبد العزيز بن باز، والمشهور في مذهب الحنابلة أنها ركن (^٩).\nواعترض على الاستدلال بهذا الحديث بأن فيه الأمر بمطلق الصلاة عليه وهو يقتضي الوجوب في الجملة، فيحصل الامتثال ولو خارج الصلاة، وأجيب عنه: بأن رواية ابن خزيمة المذكورة تعيَّن فيها محل الصلاة عليه ﷺ، وهو مطلق الصلاة، لكن ليس فيها ما يفيد إيقاعها بعد التشهد.\nوأجاب عن ذلك الحافظ البيهقي، فقال: (وقوله في الحديث: «قد علمنا كيف نسلم عليك» إشارة إلى السلام على النبي ﷺ في التشهد، فقوله: «كيف نصلي عليك» أيضًا يكون المراد به في القعود للتشهد) (^١٠)، وكذا قال ابن\n_________\n(^١) \"جلاء الأفهام\" ص (١٨٠).\n(^٢) \"الأم\" (١/ ١٤٠).\n(^٣) انظر: \"المغني\" (٢/ ٢٢٨).\n(^٤) \"مسند أبي عوانة\" (١/ ٥٢٥).\n(^٥) \"أحكام القرآن\" (٣/ ١٥٨٤).\n(^٦) \"جلاء الأفهام\"، ص (١٨٠ - ٢٠١).\n(^٧) \"سبل السلام\" (٢/ ٣٢٤).\n(^٨) \"صفة الصلاة\" ص (١٨١).\n(^٩) \"الإنصاف\" (٢/ ١١٦).\n(^١٠) \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٤٧).","vol":"3","page":166},{"text":"القيم، ومما يؤيد ذلك أن الإمام مسلمًا ساق هذا الحديث في أحاديث صفة الصلاة مما يدل على أن المراد سؤالهم عن كيفية الصلاة في الصلاة، ولذا قال القاضي عياض: (هذا هو الأظهر) (^١)، وهذا الحديث من أقوى أدلة القائلين بالوجوب، ولهم أدلة أخرى كلها معلولة.\nالقول الثاني: أن الصلاة على النبي ﷺ لا تجب بعد التشهد، بل هي سنة، وهذا قول مالك، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد (^٢)، وحكاه النووي عن الجمهور (^٣) واختاره ابن المنذر (^٤)، والشوكاني (^٥).\nواستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم في بيان التشهد، وفي آخره قال: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه) ولو كانت الصلاة عليه ﷺ بعد التشهد واجبة لعلمهم إياها، ولم يتركهم حتى يسألوا عنها، لأن هذا موضع تعليم وبيان، وموضع التعليم لا يؤخر فيه بيان الواجب، كما أشار إلى معنى ذلك ابن المنذر.\nفالأقوال ثلاثة: أنها واجبة، وقيل: ركن، وقيل: سنة، ومعلوم اصطلاح الفقهاء في التفريق بين واجبات الصلاة وأركانها، والقول بالوجوب قوي - في نظري - فإنه يتحصل من مجموع الأدلة الأمر بالصلاة على النبي ﷺ في الصلاة؛ لصحة رواية ابن خزيمة المبينة للمراد، بناء على أن المراد بالصلاة الحقيقة الشرعية، وقد تقدم في حديث فضالة بن عبيد الأمر بالدعاء والصلاة على النبي ﷺ قبل، والأدلة إذا اجتمعت شد بعضها بعضًا.\n\nالوجه السادس: ظاهر هذا الحديث يدل على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول - أيضًا - لقول الصحابة ﵃: (فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا)، فقال: (قولوا اللهم صلِّ على محمد …) فلم يخص تشهدًا دون تشهد.\n_________\n(^١) \"إكمال المعلم\" (٢/ ٣٠٢).\n(^٢) \"الإنصاف\" (٢/ ١١٧).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٣٦٦).\n(^٤) \"الأوسط\" (٣/ ٢١٣).\n(^٥) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٣٢١).","vol":"3","page":167},{"text":"وبه قال الإمام الشافعي (^١)، وهو الصحيح عند أصحابه، كما صرح به النووي (^٢)، واختاره الوزير ابن هبيرة الحنبلي (^٣)، ورجحه الشيخ عبد العزيز بن باز (^٤)، والألباني (^٥).\nوالقول الثاني: أن الصلاة على النبي ﷺ لا تشرع في التشهد الأول، وهو القول القديم للشافعي، وهو الذي صححه كثير من أصحابه، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد (^٦)، واستدلوا بما تقدم في حديث ابن مسعود من عدم ذكر الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد.\nوقد ورد في حديث ابن مسعود في التشهد، وفي آخره: (ثم إن كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده، وإن كان في آخرها دعا بعد تشهده بما شاء الله أن يدعو ثم يسلم) (^٧).\nوالقول الأول قوي، فإن التشهد الأول وإن كان مبنيًا على التخفيف، كما في حديث ابن مسعود ﵁ لا سيما في حق الإمام، لكن التخفيف قد يحصل مع الاتيان بالتشهد، ومن تركه فلا حرج عليه أخذًا بقول الجمهور، فإن فرغ المأموم من التشهد الأول قبل قيام إمامه تأكد في حقه الصلاة على النبي ﷺ، لأن الصلاة ليس فيها سكوت إلا في حال قراءة الإمام، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"الأم\" (١/ ١٤٠).\n(^٢) \"المجموع\" (٣/ ٤٦٠) \"روضة الطالبين\" (١/ ٢٦٣).\n(^٣) \"الإفصاح\" (١/ ١٣٣)، \"ذيل طبقات الحنابلة\" (١/ ٢٨٠).\n(^٤) \"الفتاوى\" (١١/ ٢٠٢ - ٢٠٣).\n(^٥) انظر: \"أصل صفة الصلاة\" (٣/ ٩٠٤).\n(^٦) \"الهداية\" (١/ ٥٢) \"حاشية الدسوقي\" (١/ ٢٤٣) \"الإنصاف\" (٢/ ٧٦).\n(^٧) أخرجه أحمد (٧/ ٣٩٢) وابن خزيمة (٧٠٢) (٧٠٨) والطحاوي (١/ ٢٦٢) من طريق ابن إسحاق قال: (حدثني عن تشهد رسول الله - ﷺ - في وسط الصلاة وفي آخرها: عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود به)، وهذا سند حسن من أجل ابن إسحاق، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين.","vol":"3","page":168},{"text":"<span data-type='title' id=toc-263>ما يستعاذ منه في الصلاة</span>\n٣١٨/ ٥٢ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ومِنْ عَذَابِ القَبْرِ ومِنْ فِتْنَةِ المَحْيا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيْحِ الدَّجَالِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِيْ رِوَايَة لِمُسْلِم: (إِذَا فَرغَ أَحَدُكُم مِنَ التَّشَهُّدِ الأْخِيرِ).\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة»، باب «ما يستعاذ منه في الصلاة» (٥٨٨) من طريق حسان بن عطية، عن محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة، وعن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ: … فذكره).\nوعزوه للبخاري وهم من الحافظ، فإن البخاري لم يخرج هذا الحديث من قوله ﷺ، وإنما من فعله، فقد أخرجه البخاري في كتاب «الجنائز»، باب «التعوذ من عذاب القبر» (١٣٧٧) من طريق يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يدعو: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر …) الحديث، وأخرجه مسلم - أيضًا - (١٣٢ - ٥٨٨) بهذا الإسناد وهذا السياق، وأخرجه البخاري في كتاب «الصلاة»، باب «الدعاء قبل السلام» (٨٣٢) ومسلم (٥٨٩) من طريق عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة.","vol":"3","page":169},{"text":"وأما الرواية المذكورة فهي عند مسلم من طريق الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية، حدثني محمد بن أبي عائشة، أنه سمع أبا هريرة يقول: (قال رسول الله ﷺ: …) فذكره، ولعلَّ غرض الحافظ من إيراد هذه الرواية تفسير المراد بالتشهد في الرواية الأولى، وأنه التشهد الأخير، وليس الأول.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا تشهد أحدكم) أي: قرأ التشهد، وهو التحيات لله … إلخ، والمراد به: التشهد الأخير، كما في رواية مسلم، وهذا ظاهر، لبناء التشهد الأول على التخفيف، كما تقدم، ولما تقدم في حديث ابن مسعود ﵁ عند أحمد أن النبي ﷺ كان يدعو في آخر صلاته.\n\nقوله: (فليستعذ بالله من أربع) أي: فليطلب العوذ، وأصل العوذ والعياذ: الالتجاء والاعتصام.\n\nقوله: (من أربع) في رواية: (استعيذوا بالله من خمس: … فذكرها) (^١)، وهذا على اعتبار المحيا والممات اثنتين، وفي حديث الباب واحدة.\n\nقوله: (يقول: اللهم إني أعوذ بك) هذه الجملة بيان لما يستعاذ منه، فهي من التفصيل بعد الإجمال.\n\nقوله: (من عذاب جهنم) أي: النار العظيمة البعيدة القعر، ولفظ (جهنم) من أسماء النار.\nوهذه الاستعاذة تشمل الاستعاذة من الأسباب المؤدية إلى عذاب جهنم من الكفر والمعاصي، والاستعاذة من العقوبة والنكال، نسأل الله السلامة.\n\nقوله: (ومن عذاب القبر) أصل القبر: مدفن الميت، والمراد به هنا: ما هو أعم من ذلك، وهو ما بين الموت وقيام الساعة وإن لم يدفن الميت، كالذي يحترق ويكون رمادًا، أو تأكله السباع، ونحو ذلك.\n_________\n(^١) \"سنن النسائي\" (٨/ ٢٧٦) و\"مسند أحمد\" (١٥/ ٢٢٦) وإسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"3","page":170},{"text":"والمراد بعذاب القبر: ما يحصل للميت في قبره من أليم النكال مما يحصل للبدن والروح معًا، والروح قد تتصل بالبدن وقد تنفصل عنه.\n\nقوله: (ومن فتنة المحيا والممات) الفتنة: الامتحان والابتلاء، والمحيا والممات: أي الحياة والموت، ويحتمل زمان ذلك، لأن ما كان معتل العين من الثلاثي قد يأتي منه المصدر والزمان والمكان بلفظ واحد، وفتنة المحيا: ما يعرض للإنسان في حال الحياة من فتن وابتلاء بالشبهات التي يلتبس عليه بسببها الحق بالباطل، أو بالشهوات التي ينهمك بسببها في حب الدنيا والتعلق بها، حتى يكون ذلك سببًا في زيغه وضلاله وانهماكه في الملذات.\nوأما فتنة الممات ففيها قولان:\nالأول: ما يكون عند الموت ساعة الاحتضار، وأضيفت إلى الموت لقربها منه، ونص عليها وإن كانت من فتنة الحياة، لعظيم خطرها حيث إن الشيطان يكون أحرص على إغواء بني آدم في تلك الساعة الحرجة، لأنها خاتمة الحياة، وعليها مدار سعادته أو شقائه.\nالقول الثاني: أن المراد بفتنة الممات: ما يحصل للميت بعد موته حين يسأل في قبره عن ربه ودينه ونبيه، وعلى ذلك مدار تنعيم الميت في قبره أو تعذيبه.\n\nقوله: (ومن شر فتنة المسيح الدجال) المراد بفتنة المسيح الدجال: صده الناس عن شرع الله تعالى بما يأتي به من أسباب الفتنة، وخصَّها بالذكر وإن كانت من فتنة المحيا، لأنها أعظم فتنة على وجه الأرض، كما ورد عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال» (^١).\nوالمسيح الدجال: رجل أعور يخرج في آخر الزمان يدَّعي الربوبية، مكتوب بين عينيه: ك ف ر، أي كافر، يقرؤها المؤمن وإن لم يكن قارئًا، سُمِّيَ مسيحًا: لأنه ممسوح العين، أو لأنه يمسح الأرض بسيره فيها.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٤٦).","vol":"3","page":171},{"text":"وسُمي دجالًا: لكثرة دجله، فهي صيغة مبالغة، والدجل: الكذب والتمويه، وقد وردت الأخبار الصحيحة بخروجه في آخر الزمان من ناحية المشرق، وخروجه من أشراط الساعة العظام، نسأل الله أن يعيذنا ويعصمنا منه.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن المصلي مأمور بالاستعاذة بالله تعالى من هذه الأربع في التشهد الأخير من كل صلاة فرضًا ونفلًا، وقد كان النبي ﷺ يستعيذ من هذه الأربع، وأَمَرَ الأمة بها، فاجتمع فيها القول والفعل.\nوالأمر بالدعاء بالاستعاذة منها في الصلاة دليل العناية بها، فإن وقاية العبد منها سبب للفلاح في الدنيا والآخرة، فإنها أمور عظيمة يشتد البلاء، ويعظم الخطر في وقوعها.\nوالجمهور من أهل العلم على استحباب هذا الدعاء، فيكون الأمر للندب، والنبي ﷺ قد علم الأمة دعوات كثيرة يدعون بها بعد التشهد الأخير.\nوقالت الظاهرية بالوجوب (^١)، وبه قال طاوس بن كيسان اليماني؛ لفعل النبي ﷺ وأمره به، وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، واختار هذا القول الشيخ عبد العزيز بن باز، وقال: (إن القول بالوجوب قول قوي للأمر بها).\nوقد أخرج مسلم من طريق أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، يقول «قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم …» الحديث)، قال مسلم بن الحجاج: (بلغني أن طاوسًا قال لابنه: أدعوت بها في صلاتك؟ فقال: لا، قال: أعد صلاتك، لأن طاوسًا رواه عن ثلاثة أو أربعة أو كما قال) (^٢).\nوظاهر ذلك أن طاوسًا يعتقد وجوب هذا الدعاء، وكأنه تمسك بظاهر الأمر به، كما تقدم، ويحتمل أن يكون أمر ابنه بالإعادة تغليظًا عليه، لئلا يتهاون بتلك الدعوات فيتركها، فيحرم فائدتها وثوابها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٣/ ٢٧١).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٥٩٠).","vol":"3","page":172},{"text":"<span data-type='title' id=toc-264>بيان شيء من أدعية الصلاة</span>\n٣١٩/ ٥٣ - عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيق ﵁ أَنهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي قَالَ: قلْ: «اللهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيْمُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو أبو بكر عبد الله بن عثمان بن عامر القرشي التيمي ﵁، ولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر، أول خلفاء هذه الأمة بعد نبيها ﷺ، وصاحبه قبل البعثة وبعدها، سبق إلى الإيمان برسول الله ﷺ، وكان معه طول إقامته في مكة، وهاجر بصحبته، وشهد غزواته كلها، ومناقبه كثيرة، بايعه الصحابة ﵃ بالخلافة فقام بها خير قيام، من النصح والحزم والجد والجهاد، حتى أتاه اليقين بعد أن أتم في الخلافة سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، فتوفي في المدينة سنة ثلاث عشرة، عن ثلاث وستين سنة، ودفن مع النبي ﷺ في حجرة عائشة ابنته ﵂ خلف النبي ﷺ، ورأسه بحذاء صدر النبي ﷺ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «الدعاء قبل السلام» (٨٣٤) ومسلم (٢٧٠٥) من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو، عن أبي بكر ﵄، أنه قال لرسول الله ﷺ: … فذكره.\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (٦/ ١٥٥).","vol":"3","page":173},{"text":"وفي هذا الحديث رواية صحابي عن صحابي، وظاهر رواية الليث عن يزيد أنه من مسند الصديق ﵁، وخالف عمرو بن الحارث الليث، فجعله من مسند عبد الله بن عمرو .. أخرجه مسلم (٢٧٠٥) (٤٨) من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني رجل سماه، وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول إن أبا بكر الصديق قال لرسول الله ﷺ: (علمني يا رسول الله دعاء أدعو به في صلاتي …) ولا يقدح هذا الاختلاف في صحة الحديث.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (علمني …) أمر بمعنى الاسترشاد.\n\nقوله: (أدعو به في صلاتي) ظاهره عموم الصلاة في السجود أو في جلوس التشهد، وظاهر صنيع البخاري أن المراد: الدعاء في آخر التشهد، فإنه بوب عليه بقوله: (باب الدعاء قبل السلام) - كما تقدم - وهو ظاهر صنيع الحافظ هنا.\n\nقوله: (إني ظلمت نفسي) أصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، والمعنى: نقصت نفسي حقها بالذنوب، وهو إما تقصير في أداء ما أُمر به أو ارتكاب ما نُهي عنه.\n\nقوله: (ظلمًا كثيرًا) أي: عدده، وفي رواية لمسلم (كبيرًا) أي: قدره.\n\nقوله: (فاغفر لي مغفرة) أمر بمعنى الدعاء، والمعنى فاستر وتجاوز.\n\nقوله: (مغفرة) بالتنكير لغرض التعظيم.\n\nقوله: (من عندك) وصفت بذلك للزيادة في تعظيمها، لأن الذي من عند الله عظيم لا يحيط به وصف، أو لبيان محض فضل الله تعالى بهذه المغفرة، وأنها تفضل من الله تعالى وإن لم يكن العبد أهلًا بعمل ولا غيره.\n\nقوله: (وارحمني) أي: أدخلني في رحمتك.\n\nقوله: (إنك أنت الغفور الرحيم) هذه الجملة تعليل لما قبلها وثناء على الله تعالى بما يناسب المطلوب.","vol":"3","page":174},{"text":"الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية الدعاء بهذا الدعاء في الصلاة، إما في السجود، أو في آخر التشهد قبل السلام، وهو دعاء عظيم علَّمه النبي ﷺ الصديق ﵁.\nوهو دعاء شامل جامع لأنواع الأدعية، ففيه الاعتراف بالذنب وأن جميع الخلق عاجزون عن مغفرته، ثم إظهار الافتقار إلى الله بسؤال المغفرة والرحمة منه، ثم الثناء عليه تعالى بما يناسب المطلوب، وهذا كمال الدعاء.\nومع كون الصديق ﵁ أفضل الصحابة ﵃ وأكملهم علمًا وعملًا، وهو من العشرة المشهود لهم بالجنة ومع ذلك يقال له قل: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا)، فهذا يدل على أنه ينبغي للمؤمن أن يعترف بالتقصير وظلمه لنفسه وأن يقوم مقام الذل والانكسار بين يدي ربه، فإن هذا من أعظم الأسباب في قبول دعائه وتوبة الله عليه ونجاته وإصلاح قلبه، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-265>كيفية السلام من الصلاة</span>\n٣٢٠/ ٥٤ - عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ، فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ»، وَعَنْ شِمَالِهِ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بسندٍ صَحِيحٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، بابٌ «في السلام» (٩٩٧) من طريق موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل، عن علقمة بن وائل، عن أبيه ﵁ قال: (صليت مع النبي ﷺ …) الحديث.\nوقد اختلفت كلمة العلماء في ثبوت لفظة: (وبركاته) في التسليمة الثانية، فلم يذكرها عبد الحق وابن الأثير والزيلعي (^١)، وليست في طبعة محمد محيي الدين لسنن أبي داود، وثبتت في النسخة الهندية، وفي طبعة الدعاس، وقد تكون عن الهندية.\nوقد عزاها لأبي داود الحافط في «البلوغ» - في بعض الطبعات (^٢) - وفي «التلخيص»، كما عزاها له ابن دقيق العيد، وابن عبد الهادي، فكل هؤلاء عزوا الحديث لأبي داود بإثبات اللفظة (^٣).\n_________\n(^١) \"الأحكام الوسطى\" (١/ ٤١٣)، \"جامع الأصول\" (٥/ ٤١٠)، \"نصب الراية\" (١/ ٤٣٢).\n(^٢) ومنها الطبعة التي عليها شرح صديق حسن على \"بلوغ المرام، وهو مأخوذ من \"سبل السلام\" كما في مقدمته.\n(^٣) \"الإلمام\" ص (٢٦٠) \"المحرر\" (١/ ١٩٥)، \"التلخيص\" (١/ ٢٨٩).","vol":"3","page":176},{"text":"وقد وردت - أيضًا - في حديث ابن مسعود ﵁ عند ابن ماجه، كما ذكر الحافظ (^١)، وليست في طبعة محمد فؤاد عبد الباقي، وذكر الأرنؤوط في تعليقه على «شرح السنة» للبغوي (^٢) أنها ثابتة في نسخة خطية لسنن ابن ماجه في دار الكتب الظاهرية، وقد حكم الألباني عليها بالشذوذ (^٣)، ووردت - أيضًا - عند ابن خزيمة (١/ ٣٥٩).\nوروى الحديث ابن حبان (٥/ ٣٣٣) بإسقاطها من التسليمة الأولى، وإثباتها في الثانية، لكنها ثبتت في كلتا التسليمتين في «موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان» (^٤).\nوأخرج حديث ابن مسعود ﵁ عبد الرزاق (٢/ ٢١٩) موقوفًا عليه بإثباتها، وأخرج - أيضًا - (٢/ ٢٢٠) عن عمار بن ياسر موقوفًا عليه بإثباتها، ولما ذكر الحافظ طرقًا عدة لزيادة (وبركاته) ردًا على النووي الذي قال: (إنها زيادة فردة)، قال: (فهذه عدة طرق ثبت فيها (وبركاته) بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ - يعني النووي - إنها رواية فردة) (^٥).\nوهذا الحديث صححه الحافظ - هنا - مع أنه ذكر في «التقريب» أن علقمة بن وائل لم يسمع من أبيه، وقد نَقَلَ ذلك عن العسكري عن ابن معين (^٦)، فيكون في هذا السند انقطاع، وصححه النووي، وقال: (وأشار بعضهم إلى تضعيفه) (^٧).\nوالصواب تصحيحه، وأما قول الحافظ: (إن علقمة لم يسمع من أبيه) ففيه نظر، فقد نص البخاري والترمذي على أنه سمع منه (^٨)، والدليل على ذلك تصريحه بالتحديث في أحاديث رواها عن أبيه، منها في «صحيح مسلم»\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (١/ ٢٨٩)، \"نتائج الأفكار\" (٢/ ٢٣٨).\n(^٢) \"شرح السنة\" (٣/ ٢٠٥).\n(^٣) \"الإرواء\" (٢/ ٣١).\n(^٤) \"الموارد\" ص (١٣٨).\n(^٥) \"نتائج الأفكار\" (٢/ ٢٣٨).\n(^٦) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢٤٧).\n(^٧) \"الخلاصة\" (١/ ٤٤٥) \"المجموع\" (٣/ ٤٧٩).\n(^٨) \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٤١) \"جامع الترمذي\" (٤/ ٦٤).","vol":"3","page":177},{"text":"(٤٠١) (١٦٨٠) و«في سنن النسائي» (٢/ ١٩٤) (^١)، ولذا علق الشيخ عبد العزيز بن باز على كلام الحافظ في «التقريب» وصوب سماعه من أبيه (^٢).\n\nالوجه الثاني: دلت السنة على أنه ﷺ كان يسلم تسليمتين عن يمينه وعن شماله، وهذا مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، كما ذكر ذلك ابن المنذر (^٣)، وهو قول ابن المبارك والإمام أحمد وإسحاق.\nوقد بلغت الأحاديث في إثبات التسليمتين مبلغ التواتر، حيث روى ذلك تسعة عشرة صحابيًا، كما ذكر ذلك في «نظم المتناثر» (^٤) وسرد أسماءهم، وأوصلها المعلق على «سبل السلام» إلى تسعة وعشرين (^٥)، ومن ذلك حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يسلم عن يمينه وعن يساره: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله (^٦)».\nوعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (كنت أرى رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خديه) (^٧).\nوعند الطبراني من حديث المغيرة، وفيه: (.. وكان يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن، وعن يساره حتى يرى بياض خده الأيسر) (^٨)، والمشهور في مذهب الحنابلة أن التسليمتين من أركان الصلاة.\nوالقول الثاني: أن التسليمة الثانية ليست بواجبة، وهذا قول المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها الموفق ابن قدامة، وصاحب «الشرح\n_________\n(^١) انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٥٧٣).\n(^٢) انظر: \"النكت على تقريب التهذيب\" ص (١٣٤).\n(^٣) \"الأوسط\" (٣/ ٢٢٠).\n(^٤) ص (٩٧).\n(^٥) \"سبل السلام\"، تحقيق: صبحي حلاق (٢/ ٣٣٠).\n(^٦) أخرجه أبو داود (٩٩٦) والترمذي (٣٩٥) والنسائي (٣/ ٦٣)، وابن ماجه (٩١٤) وأحمد (١/ ٣٩٠) وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وأحرجه مسلم مختصرًا من طريق أخرى (٥٨١).\n(^٧) أخرجه مسلم (٥٨٢).\n(^٨) \"المعجم الكبير\" (٢٠/ ٣٩٣).","vol":"3","page":178},{"text":"الكبير» عبد الرحمن بن قدامة (^١)، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة أنها جائزة (^٢).\nواستدلوا بأحاديث عن عائشة وسلمة بن الأكوع وسهل بن سعد وغيرهم ﵃ فيها الاقتصار على تسليمة واحدة، وقد طعن العلماء في بعض هذه الأحاديث (^٣)، وهي لا تصل إلى درجة أحاديث التسليمتين، فإن رواتها أكثر عددًا - كما تقدم - وهي أصح سندًا.\nفالقول بأن المصلي يسلم تسليمتين أحوط وأبرأ للذمة، فإن من سلم تسليمتين فصلاته جائزة على جميع الأقوال، والنبي ﷺ قد واظب عليهما، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وقد تكون أحاديث التسليمة الواحدة محمولة على بيان الجواز، وأحاديث التسليمتين لبيان الأكمل والأفضل، كما قال النووي (^٤). والله أعلم.\n\nالوجه الثالث: صيغة السلام: (السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله)، هذا هو المحفوظ الذي نقله عدد من الصحابة ﵃ كما تقدم عن ابن مسعود ﵁.\nوعن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كنا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله .. الحديث)، وفي رواية عنه قال: (صليت مع رسول الله ﷺ فكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم، السلام عليكم … الحديث) (^٥).\nوهذا فيه دليل على جواز الاقتصار على قول: (السلام عليكم)، وهو\n_________\n(^١) \"الكافي\" (١/ ٢٠٥)، \"المجموع\" (٣/ ٣٨١)، \"المغني\" (٢/ ٢٤٣)، \"الشرح الكبير\" (٣/ ٥٦٤).\n(^٢) \"الاجماع\" ص (٣٩).\n(^٣) انظر: \"زاد المعاد\" (١/ ٢٥٨) \"المجموع\" (٣/ ٤٨٠).\n(^٤) \"المجموع\" (٣/ ٤٨٠).\n(^٥) أخرجه مسلم (٤٣١).","vol":"3","page":179},{"text":"قول الجمهور من أهل العلم، وجاء في حديث الباب زيادة: (وبركاته)، وفيها قولان:\nالأول: أن الأفضل عدم زيادتها، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، لأن أكثر الرواة لم يذكروها، كابن مسعود وجابر بن سمرة وغيرهما ﵄.\nالثاني: أنه يجوز زيادتها، بناء على ثبوتها في رواية أبي داود من حديث وائل، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":180},{"text":"<span data-type='title' id=toc-266>الذكر بعد الصلاة</span>\n٣٢١/ ٥٥ - عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ أَنَّ النّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: «لَا إلهَ إلاَّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع، أولها في كتاب «الأذان» باب «الذكر بعد الصلاة» (٨٤٤) ومسلم (٥٩٣) من طريق ورَّاد كاتب المغيرة بن شعبة قال: (أملى عليَّ المغيرة بن شعبة في كتابه إلى معاوية أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة …) ثم ذكر الحديث، وعند مسلم: (أن رسول الله ﷺ إذا فرغ من الصلاة وسلم ..).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (في دبر كل صلاة مكتوبة) بضم الدال والباء، ويجوز إسكانها، كعُشُر وعُشْر، وهذا هو المشهور، أعني ضم الدال، والدبر من كل شيء عقبه ومؤخره وطرفه، ويطلق على ما له صلة بالشيء بعده، ولفظة: (دبر الصلاة) قد يراد به آخر جزء من الصلاة، وهو ما قبل السلام، وقد يراد به ما يلي آخر جزء من الصلاة، وهو ما بعد السلام، فإن كان دبر الصلاة صالحًا لآخرها فتفسيره به أولى، وإلا فهو لما بعد السلام، والمراد هنا: الثاني، بدليل رواية مسلم المتقدمة: (كان إذا فرغ من الصلاة وسلم قال: لا إله إلا الله …) وإلا","vol":"3","page":181},{"text":"فدبر الصلاة ما قبل السلام، كما في دبر الحيوان فإنه متصل به، إذ هو آخر جزء منه، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (^١).\n\nقوله: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) تقدم معنى ذلك في آخر باب «الوضوء».\n\nقوله: (له الملك) أي: ملك جميع الأشياء في ذواتها وصفاتها والتصرف فيها خلقًا وتدبيرًا، وقدم الخبر (له) على المبتدأ لإفادة الحصر والاختصاص، والمعنى: أن الملك لله وحده.\n\nقوله: (وله الحمد) أي: له الوصف بالكمال حبًا وتعظيمًا لعلو صفاته وجزيل هباته.\nزاد الطبراني من طريق أخرى عن المغيرة (يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير …) (^٢)، وقد سقطت جملة (يحيي ويميت) من «المعجم الكبير»، وأثبتها ابن حجر (^٣) في نقله عن الطبراني بالسند نفسه، وقال: (رواته موثقون) (^٤)، والظاهر أنها زيادة غير محفوظة (^٥).\n\nقوله: (وهو على كل شيء قدير) صيغة عموم، تشمل كل شيء في السماء والأرض، ومعنى (قدير) أي: ذو قدرة كاملة لا يعتريها عجز.\n\nقوله: (اللهم لا مانع لما أعطيت …) تقدم معنى ذلك في دعاء الرفع من الركوع، حديث (٢٩٦).\nوقد وقع بعد قوله: (لا مانع لما أعطيت) زيادة: (ولا راد لما قضيت) عند عبد بن حميد (^٦)، والطبراني (^٧)، وقد ذكرها الحافظ ابن حجر بسنده، عن شيخه أبي الفضل بن الحسين الحافظ، ثم قال: (سمعت شيخنا يقول: (هذا حديث صحيح، رواته ثقات) (^٨)، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (هذا سند\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٤٩٩).\n(^٢) \"المعجم الكبير\" (٢٠/ ٣٩٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٣٢).\n(^٤) \"نتائج الأفكار\" (٢/ ٢٦١).\n(^٥) انظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٧/ ٤١٨).\n(^٦) \"المنتخب\" (٣٩١).\n(^٧) \"الدعاء\" (٦٨٦).\n(^٨) \"نتائج الأفكار\" (٢/ ٢٥٨).","vol":"3","page":182},{"text":"جيد) وقد فاتت هذه الزيادة الألباني، فلم يذكرها مع الزيادة الأولى التي تقدمت (^١)، إلا إن كان لا يرى صحتها، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن هذه اللفظة اشتهرت في هذا الذكر، ولم تقع في الطرق المشهورة (^٢).\nوقد جاء في رواية: (ثلاث مرات) (^٣)، لكن قال الحافظ ابن رجب: (هذه زيادة غريبة) (^٤).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية ذكر الله تعالى بعد الصلاة المكتوبة بهذا الذكر، وظاهر الحديث أنه لا يأتي به إلا مرة واحدة، لكن دلت الرواية المتقدمة عند أحمد والنسائي وابن خزيمة أنه يقول ذلك ثلاث مرات، وقد يشكل على هذا إعراض الشيخين عنها مع روايتهما للحديث، فالظاهر أنها غير محفوظة، كما أفاده الحافظ ابن رجب.\nومن الذكر بعد الصلاة ما جاء في حديث أبي الزبير قال: (كان ابن الزبير ﵁ يقول دبر كل صلاة حين يسلم: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون) وقال: كان رسول الله ﷺ يهلِّل بهنَّ دبر كل صلاة) (^٥».\nوللذكر بعد الصلاة شأن عظيم، حثَّ عليه النبي ﷺ ورغَّب فيه قولًا وفعلًا، وقد دل على ذلك مجمل قوله تعالى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠]، قال ابن عباس ﵁: (أمره أن يسبح في أدبار الصلوات كلها) (^٦)، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]،\n_________\n(^١) \"السلسلة الصحيحة\" رقم (١٩٦).\n(^٢) \"نتائج الأفكار\" (٢/ ٢٥٨).\n(^٣) أخرجه النسائي (٣/ ٧١) وأحمد (٣٠/ ١٢٧) وابن خزيمة (١/ ٣٦٥) وصححها الألباني في \"الصحيحة\" (١٩٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤١٨/ ٧).\n(^٥) أخرجه مسلم (٥٩٤).\n(^٦) أخرجه البخاري (٤٨٥٢).","vol":"3","page":183},{"text":"وهذا الذكر جاء بيانه بالسنة، وقال النووي: (أجمع العلماء على استحباب الذكر بعد الصلاة، وجاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة في أنواع منه متعددة) (^١)، وذكر ابن رجب أن ما بعد الصلاة من المواضع التي يتأكد فيها الذكر (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الأذكار\" ص (٦٦).\n(^٢) \"جامع العلوم والحكم\" ص (٤٢١).","vol":"3","page":184},{"text":"<span data-type='title' id=toc-267>بيان نوع من الأدعية في أدبار الفريضة</span>\n٣٢٢/ ٥٦ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ ﵁ قَال: إنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ الصَّلَاةِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إلَى أَرْذَل الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو سعد بن مالك بن أُهَيْب القرشي الزهري المكي، أبوه مالك مشهور بكنيته، أحد السابقين الأولين، شهد بدرًا وما بعدها، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وآخرهم موتًا، وأحد الستة من أهل الشورى الذين اختارهم عمر ﵁، وكان جيد الرمي، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، قال ﵁: (ما جمع رسول الله ﷺ أبويه لأحد قبلي، لقد رأيته يقول لي: «يا سعدُ ارمِ فداك أبي وأمي، وإني لأول المسلمين رمى المشركين بسهم …» الحديث) (^١).\nومناقبه كثيرة، وكان مجاب الدعوة، وقصته في ذلك مع أهل الكوفة مشهورة، وهي في الصحيحين.\nوهو قائد القادسية، والذي بنى الكوفة، وسماها باسمها، وافتتح مدائن فارس، وطرد الأعاجم، مات سنة خمس وخمسين على الراجح، بالعقيق في قصره، وحمل إلى المدينة، ودفن في البقيع (^٢) ﵁ وأرضاه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٧٢٨) ومسلم (٢٩٦٦) وأحمد (١/ ١٧٤).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٤/ ١٧٠)، \"سير أعلام النبلاء\" (١/ ٩٢)، \"الإصابة\" (٤/ ١٦٠).","vol":"3","page":185},{"text":"الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع من «صحيحه»، أولها كتاب «الجهاد»، باب «ما يُتعوذ من الجبن» (٢٨٢٢) قال: (حدثنا موسى بن اسماعيل، حدثنا أبو عوانة، حدثنا عبد الملك بن عمير، سمعت عمرو بن ميمون الأودي قال: كان سعد يعلم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة، ويقول: إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ منهن دبر الصلاة …)\nلفظ البلوغ هو لفظ البخاري في كتاب الدعوات (٦٣٧٠)، أما لفظه في «الجهاد» فليس فيه الجملة الأولى.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يتعوذ بهن) لفظ البخاري في «الجهاد»: (منهن).\n\nقوله: (دبر كل صلاة) بالنصب على الظرفية، ويراد به آخر التشهد، أو ما بعد السلام، والأول هو المراد هنا، وكان الأولى بالمصنف أن يورد هذا الحديث في أدعية آخر التشهد المتقدمة، فيقدمه على حديث المغيرة حتى يكون مع الدعوات الماضية، كحديث أبي بكر ﵁ والمؤلف جمع الأحاديث في هذا الباب، وهي أحاديث الأدعية والأذكار لكنه لم يرتبها، ولعله قصد جمعها فقط، والله أعلم.\n\nقوله: (أعوذ بك من البخل) بضم الباء وإسكان الخاء مصدر بَخُلَ - بالضم - بُخْلًا، من باب «قَرُبَ» وهو في اللغة: منع الفضل والإمساك عن البذل، ويقابله الجود، وفي الشرع: منع الواجب، أي: منع الرجل القادر العطاء بالمعروف من ماله.\n\nقوله: (وأعوذ بك من الجبن) بضم الجيم وإسكان الباء، مصدر جَبُنَ - بالضم - جبنًا، من باب «قرب» وهو ضَعْفٌ في القلب يمنع صاحبه من الإقدام في المواضع الشريفة، كالجهاد، والنطق بكلمة الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك مما فيه عز الإسلام وأهله.\n\nقوله: (وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العلم) يقال: رَذُلَ الشيء","vol":"3","page":186},{"text":"ـ بالضم - رذالة، والوصف أرذل، بمعنى أردأ، وأرذل العمر هو بلوغ الهرم والخَرَفِ. فيكون بمنزلة الطفل، ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل الإدراك.\n\nقوله: (وأعوذ بك من فتنة الدنيا) المراد بها: الإنهماك في شهواتها وملذاتها بحيث يكون همه جمعها والحرص عليها، حتى تلهيه عن القيام بالواجبات التي خلق لها، وتصده عن ذكر الله تعالى وما فيه سعادته وفلاحه.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على فضل الدعاء والاستعاذة بالله تعالى من هذه الأخلاق الذميمة والأحوال السيئة، وهي البخل والجبن والرد إلى أرذل العمر وفتنة الدنيا وعذاب القبر، وهي أمور عظيمة في السلامة منها سعادة العبد وفلاحه.\nويكون ذلك في دبر الصلاة، والمراد هنا: ما قبل السلام، لأن دبر الشيء ما اتصل به - كما تقدم - ولأن هذا هو الأليق بقوله ﷺ: «ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه»، فكل نص في الدعاء مقيد بدبر الصلاة فإنه يحمل على آخرها قبل السلام؛ ليكون الدعاء في المحل الذي أرشد النبي ﷺ إلى الدعاء فيه.\nوهذا هو الأظهر إن شاء الله، وهو أن ما ورد من الدعاء في دبر الصلاة فيراد به ما قبل السلام، لأن هذا هو اللائق بحال المصلي فإنه مقبل على ربه يناجيه. ويتضرع إليه، ولا سيما قرب إنهاء هذه العبادة العظيمة التي شرع له فيها الثناء على ربه بكلمات التحية، ثم اتباع ذلك بالصلاة على النبي ﷺ، ثم أُمر بالدعاء بما يحب من خيري الدنيا والآخرة.\nأما ما بعد السلام فهو حال انصراف، فالثناء والذكر أولى في هذه الحال، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، فكل نص في الذكر مقيد بدبر الصلاة فإنه يحمل على ما بعدها؛ ليطابق الآية الكريمة.\nوهذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، ونقله عنه تلميذه ابن القيم (^٢)، واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٥١٨ - ٥١٩).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (١/ ٢٥٧ - ٣٠٥).","vol":"3","page":187},{"text":"لكن يستثنى من ذلك ما ورد من الأدعية معيَّنًا بعد السلام، وهذا قليل، فهذا يعمل به في محله، مثل الاستغفار ثلاثًا، فإنه دعاء بطلب المغفرة.\nومثل ما ورد عن البراء ﵁ قال: (إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: «ربِّ قني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك (^١)»، فإن ظاهره أن هذا الدعاء بعد السلام؛ لقوله: (يقبل علينا بوجهه)، لكن حكم الألباني على هذه الرواية بالشذوذ، لأن الحديث بجميع طرقه ورد فيه أن هذا الدعاء عند النوم.\nوهذه الرواية من طريق ثابت بن عبيد، عن عبيد بن البراء، عن البراء به، وعبيد هذا ليس بالمشهور (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٠٩).\n(^٢) راجع: \"الصحيحة\" (٦/ ١/ ٥٨٩).","vol":"3","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-268>ما يقوله المصلي بعد انصرافه من الصلاة</span>\n٣٢٣/ ٥٧ - عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ اللهَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: «اللهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإكْرَامِ»، رَوَاهُ مُسْلمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة»، باب «استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته» (٥٩١) من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن أبي عمار - اسمه شداد بن عبد الله - عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان ﵁، قال: (كان رسول الله ﷺ …) فذكره، وفي آخره، قال الوليد: (فقلت للأوزاعي كيف الاستغفار؟) قال: (تقول: أستغفر الله، أستغفر الله).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا انصرف من صلاته) أي: سلم منها، وقد دل حديث عائشة ﵂ الآتي على أن هذا الذكر محله بعد السلام.\n\nقوله: (أستغفر الله ثلاثًا) الاستغفار: طلب المغفرة، وذلك دليل الشعور بالخطأ والتقصير، والاستغفار هنا في غاية المناسبة، كما سيأتي إن شاء الله.\n\nقوله: (اللهم أنت السلام) هذا اسم من أسماء الله تعالى، كما ورد في القرآن، ومعناه: الذي سلم من كل عيب، وبريء من كل آفة ونقص يلحق المخلوقين، فهو الذي سلمت ذاته وصفاته من كل عيب ونقص، وسلمت","vol":"3","page":189},{"text":"أفعاله عن كل شر وظلم، وهو السلام الحق من كل وجه.\n\nقوله: (ومنك السلام) أي: السلامة، والمعنى: منك يرجى السلام ويستفاد، لأنك واهب ذلك في الدنيا والآخرة.\n\nقوله: (تباركت) تقدم في شرح دعاء الاستفتاح، عند الحديث (٢٧٢).\n\nقوله: (يا ذا الجلال والإكرام) في حديث عائشة الآتي: (تباركت ذا الجلال والإكرام) والجلال مصدر الجليل، يقال: جليلٌ بَيِّنُ الجلالة، والجلال: عِظَمُ القدر والتناهي في ذلك، والمعنى: أن الله تعالى هو المستحق أن يُجَلَّ ويكرم، فلا يجحد ولا يكفر به.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يشرع للمصلي إذا سلم من صلاته أن يقول: (أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام). وظاهر الحديث أن هذا الذكر هو أول ما يبدأ به المصلي بعد الانصراف، وهذا الذكر بعد السلام في غاية المناسبة، فإن فيه إشارة إلى أن المصلي لم يقم بحق عبادة ربه، لأنه لا يخلو غالبًا من الوساوس والخواطر في صلاته، فشرع له الاستغفار بعد انتهاء صلاته، تداركًا لما فاته من الخشوع، وجبرًا لما حصل فيها من الخلل.\nوقد دلت السنة على أن الإمام يقول ذلك قبل أن يستقبل المأمومين، كما في حديث عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام»، وفي رواية: «يا ذا الجلال والإكرام» (^١».\nوأما زيادة لفظ: (وتعاليت) بعد لفظ: (تباركت)، فهي وإن كانت من ألفاظ الثناء على الله تعالى ووردت في أحاديث أخرى - كما تقدم في دعاء القنوت - إلا أنه لا أصل لها في هذا الموضع، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٩٢).","vol":"3","page":190},{"text":"ب<span data-type='title' id=toc-269>يان نوع من الأذكار بعد الفريضة</span>\n٣٢٤/ ٥٨ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَبَّحَ اللهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ المائَةِ: لَا إلهَ إلاَّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ لَهُ خَطَايَاهُ، وإن كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ». رَوَاهُ مُسْلمٌ، وَفِي روَايةٍ أُخْرَى: أَنَّ التّكْبِيرات أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «المساجد»، باب «استحباب الذكر بعد الصلاة» (٥٩٧) من طريق أبي عبيدٍ المَذْحِجيِّ، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة ﵁ به.\nوأما الرواية المذكورة فليست من حديث أبي هريرة، كما هو ظاهر صنيع الحافظ، وإنما هي في حديث كعب بن عجرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة» (^١).\nومعنى (معقبات) أي: تفعل مرة بعد أخرى في أعقاب الصلاة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٩٦) من طريق حمزة الزيات، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة به.","vol":"3","page":191},{"text":"الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية هذا الذكر بعد الصلاة المفروضة، وظاهر الحديث الإطلاق، لكنه محمول على الصلاة المفروضة، بدليل حديث كعب بن عجرة من باب حمل المطلق على المقيد، وصفته أن يقول: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين، والله أكبر ثلاثًا وثلاثين، وتمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.\nالصفة الثانية: أن يقول سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين، والله أكبر أربعًا وثلاثين، وهاتان في صحيح مسلم.\nوالصفة الثالثة: وردت في حديث أبي هريرة ﵁ في قصة فقراء المهاجرين، وفيه: (تسبحون، وتكبرون، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة .. الحديث) (^١).\nوالصفة الرابعة: ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: (تسبحون في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا) (^٢)، وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (قال: رسول الله ﷺ: «خلَّتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، ألا وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل: يسبح الله في دبر كل صلاة عشرًا، ويحمده عشرًا، ويكبره عشرًا»، قال: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يعقد بيده، قال: «فتلك خمسون ومئة باللسان، وألف وخمس مئة في الميزان …») الحديث (^٣).\nومعنى (خلتان) خصلتان، ومعنى (خمسون ومئة باللسان) أي: في يوم وليلة (وألف وخمس مئة في الميزان) أي: لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٤٣) ومسلم (٥٩٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٣٢٩).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٥٠٦٥) والترمذي (٣٤٨٦)، والنسائي (٣/ ٧٤)، وابن ماجه (٩٢٦) وأحمد (١١/ ٤٠) من طريق عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو - ﵄ -، وإسناده صحيح.","vol":"3","page":192},{"text":"والصفة الخامسة: ما ورد في حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: أُمروا أن يسبحوا دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، ويحمدوا ثلاثًا وثلاثين، ويكبروا أربعًا وثلاثين، فأُتي رجل من الأنصار في منامه فقيل له: (أمركم رسول الله ﷺ أن تسبحوا دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمدوا الله ثلاثًا وثلاثين، وتكبروا ثلاثًا وثلاثين؟ قال: نعم، قال: فاجعلوها خمسًا وعشرين، واجعلوا فيها التهليل، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له)، فقال: (اجعلوها كذلك) (^١).\nوالأفضل أن يأتي المصلي بهذه الصفة تارة، وبهذه تارة أخرى؛ لما تقدم في العبادات الواردة على صفات متعددة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٣/ ٧٦) وأحمد (٥/ ١٨٤ - ١٩٠) والحاكم (١/ ٢٥٣) وقال: صحيح الإسناد، وسكت عنه الذهبي، وله شاهد من حديث ابن عمر - ﵄ - عند النسائي (٣/ ٧٦) وسنده حسن.","vol":"3","page":193},{"text":"<span data-type='title' id=toc-270>بيان نوع من الأدعية في أدبار الصلاة</span>\n٣٢٥/ ٥٩ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتكَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائيُّ بِسَنَدٍ قَويٍّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٣٦/ ٤٢٩) وأبو داود (١٥٢٢) في كتاب «الصلاة» باب «في الاستغفار» والنسائي (٣/ ٥٣) من طريق عقبة بن مسلم، حدثني أبو عبد الرحمن الحُبُلي، عن الصُّنابحي، عن معاذ بن جبل ﵁ به.\nوإسناده صحيح، صححه النووي (^١)، والحافظ ابن حجر (^٢)، والشيخ عبد العزيز بن باز.\nوالحديث له شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أتحبون أن تجتهدوا في الدعاء؟ قولوا: اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، أخرجه أحمد (١٣/ ٣٦٠) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٢٣)، وإسناده صحيح.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا تدعن) أي: لا تتركن، يقال: ودع الشيء يدعه ودعًا إذا\n_________\n(^١) \"الأذكار\" ص (٦٩).\n(^٢) \"نتائج الأفكار\" (٢/ ٢٩٨).","vol":"3","page":194},{"text":"تركه، والمشهور عند النحاة أن العرب أماتوا ماضي (يدع) ومصدره، واستغنوا عنه بـ (ترك)، لكن ورد في الحديث عنه ﷺ: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين» (^١)، فيحمل قول النحاة على قلة الاستعمال، وإلا فقد ورد في هذا الحديث مصدر الفعل (^٢).\n\nقوله: (على ذكرك) هذا شامل لجميع أنواع الذكر، من قراءة القرآن والثناء على الله تعالى والاشتغال بالعلم النافع ونحو ذلك، وقدم الذكر على الشكر، لأن العبد إذا لم يكن ذاكرًا لم يكن شاكرًا، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢].\n\nقوله: (وشكرك) الشكر: أن تظهر آثار نعمة الله تعالى على لسان عبده ثناءً، وعلى قلبه اعترافًا، وعلى جوارحه انقيادًا، ويصرف نعمه فيما يحبه ويرضاه، ويستعين بها على طاعته، ويحذر من صرفها في معصيته.\n\nقوله: (وحسن عبادتك) العبادة الحسنة هي العبادة الخالصة لله تعالى الموافقة للشرع.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية هذا الدعاء في دبر الصلاة، وهو دعاء جامع شامل مع إيجازه وقلة ألفاظه، فإن من رزقه الله الإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته فقد تَمَّ أمره، وكملت أسباب سعادته، لأن الدين متضمن ذلك كله، فإنه ذكرٌ لله تعالى، وثناءٌ عليه، وشكر لإنعامه وجزيل إفضاله، ومن تمام ذلك أن يحسن عبادة ربه ويؤديها على الوجه الأكمل.\nوالدبر في هذا الحديث يحتمل أن يكون مرادًا به ما قبل السلام، أو ما بعد السلام، والأفضل أن يكون ما قبل السلام لأمرين.\nالأول: ما تقدم أن الدبر هو آخر الشيء وطرفه ومؤخرته، وطرف الصلاة هو التشهد الأخير ما قبل السلام.\n_________\n(^١) سيأتي الكلام عليه - إن شاء الله - في أول باب \"صلاة الجمعة\" وهو في صحيح مسلم (٨٦٥).\n(^٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢١٠).","vol":"3","page":195},{"text":"الثاني: أن ما قبل السلام موضع دعاء، كما تقدم في حديث ابن مسعود ﵁، فيكون الأنسب لهذا الدعاء ما قبل السلام، ويؤيد ذلك رواية النسائي: (فلا تدع أن تقول في كل صلاة …) فإن نسيه قبل السلام وأتى به بعده فلا بأس؛ لأن كلاًّ منهما يسمى دبرًا، كما تقدم.\n\nالوجه الرابع: في الحديث فضيلة ومنقبة لمعاذ ﵁ حيث خصه الرسول ﷺ بهذا الدعاء، وقبل ذلك قال له: «والله إني لأحبك»، ففيه مزيد تشريف منه ﷺ لمعاذ وترغيب له في ما يريد أن يلقي عليه من هذا التوجيه.\nووصية النبي ﷺ لواحد من الصحابة وصية للأمة كلها، لأن شريعته عامة، ولكن ذلك يدل على مزية لهذا الشخص حيث خصه بهذا العلم حتى يعمل به ويحمله ويبلغه الناس، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":196},{"text":"<span data-type='title' id=toc-271>فضل آية الكرسي بعد المكتوبة</span>\n٣٢٦/ ٦٠ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَا الْمَوْتُ». رَوَاهُ الْنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو أبو أمامة، إياس بن ثعلبة الحارثي الأنصاري الخزرجي، مشهور بكنيته، مختلف في اسمه، والصحيح ما ذكر، على ما قرره ابن عبد البر، وذكر أنه لم يشهد بدرًا، لأن أمه قد مرضت، فرده النبي ﷺ، فلما رجع النبي ﷺ وجدها قد ماتت، فصلى عليها، وإذا أُطلق أبو أمامة فالمراد به هذا، وإن أريد الباهلي قُيِّد به، كما صنع الحافظ هنا حيث أطلق، وفي ثالث أحاديث كتاب «الطهارة» حيث قيده (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه النسائي في «الكبرى» (٩/ ٤٤) وعزاه المنذري في «الترغيب» (٢/ ٤٥٣) إلى ابن حبان في كتاب «الصلاة» المفرد، ولم يخرجه في «صحيحه» وهو من طريق محمد بن حِمْيَر، حدثني محمد بن زياد الألهاني، قال: (سمعت أبا أمامة يقول: …) فذكره.\nوالحديث تفرد به النسائي من بين أصحاب الكتب الستة، ولم يذكره في «الصغرى» ومحمد بن حمير: وثقه ابن معين، وقال النسائي والدارقطني: (لا\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١١/ ١٢٩)، و\"الإصابة\" (١١/ ١٨).","vol":"3","page":197},{"text":"بأس به)، وقال أبو حاتم: (يكتب حديثه، ولا يحتج به)، وقال يعقوب بن سفيان: (ليس بالقوي) (^١).\nوالحديث مروي عن محمد بن حمير من عدة طرق، وله شواهد ذكرها الألباني (^٢)، وقد صححه المنذري (^٣)، وابن عبد الهادي (^٤)، وابن القيم، وابن كثير (^٥)، والألباني، وضعفه ابن تيمية (^٦)، وعبد الرحمن المعلمي (^٧)، ولعلَّ من ضعفه نظر إلى تفرد محمد بن حمير به، وأن شواهده معلولة.\nوقد ذكر ابن الجوزي هذا الحديث في «الموضوعات» (^٨) فأخطأ خطأ فاحشًا، ولذا انتقده العلماء كابن حجر، وابن عبد الهادي (^٩).\nوأخرجه الطبراني في «الكبير» (٨/ ١١٤) من طريق محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن حمير به، وزاد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وهي زيادة منكرة تفرد بها محمد بن إبراهيم الحمصي - كما ذكر الطبراني - وهو متهم، كما يستفاد من «الكامل» لابن عدي (^١٠)، و«المقتنى» للذهبي (^١١)، وغيرهما. وأما قول المنذري: (وإسناده بهذه الزيادة جيد) (^١٢)، وكذا قول الهيثمي (^١٣) فهو مردود، لما تقدم.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على فضل قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة، وهي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وأن قراءتها سبب من أسباب دخول الجنة، ومع أن الدبر\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ١١٧).\n(^٢) \"السلسلة الصحيحة\" (٩٧٢).\n(^٣) \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٤٥٣).\n(^٤) \"المحرر\" (١/ ١٩٨).\n(^٥) \"زاد المعاد\" (١/ ٣٠٣)، \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٥٤).\n(^٦) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٥٠٨).\n(^٧) انظر: تعليقه على \"الفوائد المجموعة\" للشوكاني ص (٢٩٩).\n(^٨) \"الموضوعات\" (١/ ٢٤٤).\n(^٩) \"نتائج الأفكار\" (٢/ ٢٩٥)، \"المحرر\" (١/ ١٩٨).\n(^١٠) (٦/ ٢٨٨).\n(^١١) (٨٣٢).\n(^١٢) \"الترغيب والترهيب\" (٢/ ٤٥٣).\n(^١٣) \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ١٠٢).","vol":"3","page":198},{"text":"يحتمل ما قبل السلام أو ما بعد السلام - كما تقدم - إلا أن المراد هنا ما بعد السلام، لأن ما قبل السلام ليس محلًا للقرآن، وإنما محله القيام، فهذه قرينة على أن المراد ما بعد السلام.\nوكذا يشرع قراءة المعوذتين ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]، لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: (أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة) (^١).\nقال العيني: (والحكمة في هذا أن الشيطان - عليه اللعنة - لم يزل يوسوس به وهو في الصلاة، وما قدر على قطعه عن الصلاة، ثم لما فرغ يقبل إليه إقبالًا كليًا حتى يرفعه في معصميه، فأمر عند ذلك أن يستعيذ بالمعوذات من الشيطان حتى لا يظفر عليه، ولا يتمكن منه) (^٢)،\nو(المعوِّذات) بالكسر جمع معوِّذة بصيغة اسم الفاعل، أي: محصنة، ونسبة التحصين إليها مجاز، والمراد: سورة الفلق وسورة الناس، - كما مرَّ - فالمراد بالجمع ما فوق الواحد، أو جمعهما باعتبار أن ما يستعاذ منه كثير فيهما (^٣)، أو باعتبار آيات السورتين وأما على رواية الترمذي: (بالمعوذتين) فلا إشكال، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٥٢٣) والترمذي (٢٩٠٣) والنسائي (٣/ ٦٨) من طريق حنين بن أبي حكيم، عن عُليِّ بن رباح، عن عقبة بن عامر مرفوعًا، وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ: حديث غريب، إلا أن لفظ الترمذي (بالمعوذتين) بالتثنية. وقال الألباني في \"السلسلة الصحيحة\" (٦٤٥): (وهذا إسناد جيد، ورجاله ثقات رجال مسلم غير حنين بن أبي حكيم، فهو صدوق)، وذكر في \"الصحيحة\" - أيضًا - (١٥١٤) أن يزيد بن محمد القرشي تابعه، فرواه عن عُليِّ بن رباح، به، وهذا عند أحمد (٢٨/ ٦٣٣ - ٦٣٤) وسنده حسن، فالحديث صحيح بهذين الطريقين.\n(^٢) \"العَلَمُ الهيِّب\" ص (٣٢٧).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ١٨١)، \"المنهل العذب المورود\" (٨/ ١٨٦).","vol":"3","page":199},{"text":"<span data-type='title' id=toc-272>وجوب الاقتداء به - ﷺ - في صلاته</span>\n٣٢٧/ ٦١ - عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، رواه البخاري.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث تقدم تخريجه في باب «الأذان» الحديث (١٩٦)، وقد أخرجه أصحاب الكتب الستة وأحمد، لكن هذه الجملة المذكورة هنا انفرد بها البخاري عن بقية أصحاب الكتب الستة، وجاءت عند أحمد (٣٤/ ١٥٧ - ١٥٨) بلفظ: (وصلوا كما تروني أصلي).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب الاقتداء به ﷺ في صلاته، وأننا نصلي مثل ما كان يصلي في الأفعال والأقوال، لأنها أتم هيئات الصلاة، وكل فعل فعله ﷺ في محل ما من الصلاة فهو المشروع في ذلك المحل، ولا يجوز إحداث شيء في الصلاة يخالف ما فعله ﷺ.\nوالأصل في الأوامر الوجوب، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا ما دل الدليل على أنه غير واجب، فما داوم عليه دل على أنه واجب، وما تركه في بعض الأحيان دل على أنه غير واجب.\nويؤكد وجوب الاقتداء به ﷺ كون صلاته ﷺ بيانًا لمجمل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وهو أمر قرآني يفيد الوجوب، وبيان المجمل الواجب واجب، كما تقرر في الأصول، وتقدم شيء من ذلك عند أول حديث في باب «صفة الصلاة» فارجع عليه.","vol":"3","page":200},{"text":"وظاهر الحديث أنه خاص بما شاهدوه من الأفعال، كالقيام والركوع والسجود ونحو ذلك، لأنه قال: (كما رأيتموني)، إلا أن تفسَّر الرؤية بالعلم، أي: صلوا كما علمتموني أصلي.\nوصلاته ﷺ قد اشتملت على أفعال وأذكار، ويكون المعنى: افعلوا وقولوا ما علمتم أني أفعله وأقوله، بأي طريق من طرق العلم، لأن من الأقوال ما لا يعلمونه بالصلاة خلفه، كالأقوال السرية من القراءة والأذكار، لأن ذلك لا يعلم إلا بالتعليم منه ﷺ أو من غيره من الصحابة الذين نقلوا للأمة ذلك.\nوقد بيَّن النبي ﷺ صفة الصلاة للأمة بالقول، كما تقدم في أحاديث الباب وبالفعل، فقد صلى مرة على المنبر ثم قال: «إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولِتَعَلَّموا صلاتي» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩١٧) ومسلم (٥٤٤) من حديث سهل بن سعد - ﵁ -.","vol":"3","page":201},{"text":"<span data-type='title' id=toc-273>صفة صلاة المريض</span>\n٣٢٨/ ٦٢ - عَنْ عِمْرَانَ بِنْ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: قَالَ لِي الْنَّبيُّ ﷺ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»، رَوَاهُ الْبُخَارِي.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «تقصير الصلاة»، باب «إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنبه»، (١١١٧) من طريق الحسين المكتب، عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين ﵄ قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: «صَلِّ قائمًا …» الحديث.\nوقد وقع في بعض نسخ «بلوغ المرام» زيادة: (… فعلى جنب وإلا فأومئ)، ولا أصل لها من رواية البخاري، وإنما هي في روايات أخرى.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على صفة صلاة المريض وأن لها ثلاث مراتب:\nالأولى: أن يصلي قائمًا إن قدر عليه ولو كهيئة الراكع أو معتمدًا على عصا أو جدار ونحوهما.\nالثانية: أن يعجز عن القيام أو يلحقه مشقة شديدة، كأن يتألم ألمًا شديدًا يؤدي إلى فوات الخشوع وعدم الطمأنينة، فيصلي قاعدًا يومئ بالركوع والسجود، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، ولم يبين صفة القعود فدل على أنه كيفما قعد جاز، سواء تربع أو افترش أو اتكأ أو احتبى، واستحب الفقهاء","vol":"3","page":202},{"text":"أن يكون متربعًا على أليتيه، ويكف ساقيه إلى فخذيه، لما تقدم من حديث عائشة ﵂ قالت: (رأيت رسول الله ﷺ يصلي متربعًا) (^١).\nولأن التربع في الغالب أكثر ارتياحًا من الافتراش، وليحصل التفريق بين قعود القيام، والقعود الذي في محله.\nفإن قدر على الصلاة قائمًا منفردًا وجالسًا مع الجماعة، فقيل: يخيَّر بينهما، ومال إليه ابن قدامة (^٢)، وقيل: صلاته في الجماعة أولى، وقيل: يصلي منفردًا قائمًا، قال صاحب «الإنصاف»: (هو الصواب) (^٣)، لأن القيام ركن لا تصح الصلاة إلا به مع القدرة عليه، وهذا قادر، والجماعة واجبة تصح الصلاة بدونها.\nوالأظهر هو القول الثاني، وهو أنه يحضر الجماعة ويصلي جالسًا، لأن مصالح حضور الجماعة لا يوازيها شيء من المصالح، وأيضًا إذا وصل إلى محل الجماعة وصار عاجزًا عن القيام لم يكن واجبًا عليه، وكان جلوسه في حقه بمنزلة القيام في حق القادر، فيكون حَصَّلَ مصلحة الجماعة، ولم تفته مصلحة القيام، والله أعلم (^٤).\nالمرتبة الثالثة: إذا عجز عن القعود صلّى مضطجعًا على جنبه، وإطلاق الحديث يدل على أنه مخير بين الجنب الأيمن والأيسر، والأفضل أن يفعل ما هو أسهل له، فإن تساويا فالأيمن أفضل، ويكون وجهه إلى القبلة، وإن لم يكن عنده من يوجهه إلى القبلة صلّى على حسب حاله، ويومئ برأسه إلى صدره قليلًا للركوع، ويومئ أكثر للسجود.\nالمرتبة الرابعة: أن يصلي مستلقيًا على ظهره ورجلاه إلى القبلة، والأفضل أن يرفع رأسه قليلًا، ليتجه إلى القبلة، لأن في ذلك نوع استقبال، ولأن هذا أقرب ما يكون إلى صفة القائم، إذ لو قام تكون القبلة أمامه، ودليل\n_________\n(^١) تقدم الكلام عليه برقم (٣٠١).\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ٥٧٢).\n(^٣) (٢/ ٢٠٩).\n(^٤) \"المختارات الجلية\" ص (٤٦).","vol":"3","page":203},{"text":"هذه الصفة عموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (^١)، فإذا استطاع شيئًا مما يفعل في الصلاة وجب عليه، لأنه مستطيع له.\nوقد ورد في هذه الصفة حديث علي ﵁ وفيه: (فإن لم يستطع صلى مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة) (^٢).\nالمرتبة الخامسة: إذا لم يستطع الإيماء برأسه فالمذهب عند الحنابلة أنه يوميء بطرفه، فيغمض عينه قليلًا للركوع، فإذا قال: (سمع الله لمن حمده)، فتح طرفه، فإذا سجد أغمض أكثر (^٣)، ودليلهم عبارة وردت في حديث علي المتقدم: (فإن لم يستطع أومأ بطرفه)، وهذه الجملة لا وجود لها في حديث علي ﵁ لا عند الدارقطني ولا عند البيهقي، والظاهر أنها لا تثبت، والحديث ضعيف، كما تقدم.\nوالقول الثاني: أنه إذا عجز عن الإيماء سقطت عنه الصلاة لعجزه عنها، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وهو قول أبي حنيفة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: (هذا القول أصح في الدليل، لأن الإيماء بالعين ليس من أعمال الصلاة، ولا يتميز فيه الركوع من السجود ولا القيام من القعود، بل هو نوع من العبث الذي لم يشرعه الله تعالى، وأما الإيماء بالرأس فهو خفضه، وهذا بعض ما أمر الله به المصلي) (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٥٨) ومسلم (١٣٣٧).\n(^٢) أخرجه الدارقطني (٢/ ٤٢ - ٤٣) والبيهقي (٢/ ٣٠٧) وإسناده ضعيف، وقد عزى المجد ابن تيمية في \"المنتقى\" (٣/ ٢٢٤) ومن بعده الحافظ ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٢٤٠) وتبعه الصنعاني في \"سبل السلام\" (٢/ ٣٤٩) زيادة (فإن لم تستطع فمستلق، لا يكلف الله نفسأ إلا وسعها) في حديث عمران للنسائي، ولم أقف عليها عند النسائي في مظانها، فإنه لم يخرج حديث عمران بلفظ البخاري، ولهذا فإِن المزي في \"تحفة الأشراف\" (٨/ ١٨٥) لم يعزه إلى النسائي بهذا اللفظ، فالله أعلم.\n(^٣) \"الإنصاف\" (٢/ ٣٠٨).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٢٣/ ٧٣).","vol":"3","page":204},{"text":"والقول الثالث: أنه تسقط عنه الأفعال لعجزه عنها دون الأقوال لقدرته عليها، والله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وعلى هذا ينوي القيام بقلبه فيكبر ويقرأ، ثم ينوي الركوع فيكبر ويسبح، ثم ينوي القيام ويقول: (سمع الله لمن حمده … إلخ)، وهذا القول ذكره صاحب «الإنصاف» (^١)، وهو وجيه جدًا.\nوأما قول العامة: إنه يومئ بالإصبع فهذا لا أصل له في السنة، ولم يقل به أحد من أهل العلم فيما أعلم، والله أعلم.\n_________\n(^١) (٢/ ٣٠٨)، \"الشرح الممتع\" (٤/ ٤٦٩).","vol":"3","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-274>حكم المريض العاجز عن السجود</span>\n٣٢٩/ ٦٣ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ الْنَّبيَّ ﷺ قَالَ لِمَرِيضٍ - صَلَّى عَلَى وِسَادَةٍ، فَرَمَى بِهَا - وَقَالَ: «صَلِّ عَلَى الأَرْضِ إِنْ اسْتَطَعْتَ، وَإِلا فَأَوْمِ إِيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ». رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، وَلَكِنْ صَحَّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَقْفَهُ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٣٠٦) وفي «معرفة السنن والآثار» (٣/ ٢٢٥) والبزار (١/ ٢٧٥ مختصر الزوائد) من طريق أبي بكر الحنفي، حدثنا سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ به.\nقال البزار: (لا نعلم رواه أحد عن الثوري إلا الحنفي، هذا الإسناد صحيح)، وقال البيهقي: (هذا الحديث يُعَدُّ في أفراد أبي بكر الحنفي عن الثوري) وهذا الحديث أعله أبو حاتم (^١) بالوقف على جابر ﵁ فإنه سئل عنه فقال عن رفعه: (هذا خطأ، إنما هو: عن جابر ﵁، قوله: «إنه دخل على مريض» فقيل له: فإن أبا أسامة قد روى عن الثوري هذا الحديث مرفوعًا، فقال: ليس بشيء، هو موقوف).\nوقد ذكر الحافظ (^٢) متابعًا ثالثًا عند البزار، وهو عبد الوهاب بن عطاء، ثنا سفيان به، ورواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٣٠٦)، ولهذا قال في\n_________\n(^١) \"العلل\" (١/ ١١٣).\n(^٢) \"التلخيص\" (١/ ٢٤١).","vol":"3","page":206},{"text":"«المعرفة»: (وهذا الحديث يعد في أفراد أبي بكر الحنفي، وقد تابعه عبد الوهاب بن عطاء عن الثوري) (^١) وللحديث طريق أخرى عند أبي يعلى في مسنده (٢/ ٣٢٩) قال: (حدثنا حفص بن أبي داود، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن جابر ﵁ قال: عاد رسول الله ﷺ مريضًا وأنا معه … وذكر الحديث بمعناه) وإسناده ضعيف جدًا، لأن فيه حفص بن أبي داود، وهو حفص بن سليمان الأسدي صاحب عاصم، وهو حجة في القراءة، لكن متروك الحديث.\nوللحديث شاهد من حديث ابن عمر ﵄ أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٢/ ١٦٩) وقال الألباني: (هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات) (^٢).\nوله طريق أخرى عند الطبراني في «الأوسط» (٨/ ٤٢) قال عنه الهيثمي: (رجاله موثقون، ليس فيهم كلام يضر، والله أعلم) (^٣).\nوقد أعل حديث الباب بعنعنة أبي الزبير، فإنه كان مدلسًا، وقد أعله بذلك عبد الحق (^٤) وتبعه على ذلك الألباني، وقال: (والذي لا شك فيه أن الحديث بمجموع طرقه صحيح) (^٥).\nفمن صحَّح الحديث فذلك لما له من الطرق والشواهد، وقال: إن إعلاله بالوقف ليس بقادح فيه، فإن مثل ذلك له حكم الرفع، كما قال الشيخ عبد العزيز بن باز، فيكون الموقوف مؤيدًا للمرفوع، ثم إن الأصل أن الرفع زيادة من ثقة، فتقبل في مثل ذلك.\nوأما إعلاله بعنعنة أبي الزبير عن جابر ففيه نظر، فإن الصواب فيها الاتصال إلا في أحاديث قليلة، والذي يظهر أنها صحيفة كتبها سليمان بن قيس اليشكري عن جابر، سمع بعضها أبو الزبير، وحدث ببعضها عن جابر مباشرة، وسليمان بن قيس ثقة، فعلى التسليم بعدم سماع أبي الزبير من جابر\n_________\n(^١) (٣/ ٢٢٥).\n(^٢) \"الصحيحة\" (٣٢٣).\n(^٣) \"مجمع الزوائد\" (٢/ ١٤٩).\n(^٤) \"الأحكام الوسطى\" (٢/ ١٩).\n(^٥) \"الصحيحة\" (٣٢٣).","vol":"3","page":207},{"text":"فالساقط هو سليمان، وهو ثقة، ولهذا أخرج مسلم في «صحيحه» أحاديث أبي الزبير عن جابر بالعنعنة، ويقوِّي قبول روايته أنه أعرف بضبط أحاديث جابر، أثنى عليه العلماء بذلك، وأما من اعتمد تضعيفه فقد مشى على قاعدة: الموقوف يُعِلُّ المرفوع، ولا يكون مؤيدًا له.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن المريض العاجز عن السجود على الأرض يسجد في الهواء، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، ولا حاجة إلى أن يضع شيئًا يسجد عليه من وسادة أو غيرها، وهذا هو الراجح من قولي أهل العلم أخذًا بهذا الدليل، كما أنه إذا لم يستطع السجود على الأرض فلا يضع يديه على الأرض، وإنما يضعهما على ركبتيه كهيئة جلوس الصلاة، لحديث ابن عمر ﵄ رفعه قال: (إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفع فليرفعهما) (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٨٩٢)، والنسائي (٢/ ٢٠٧) وأحمد (٨/ ٩٢) والحاكم (١/ ٢٢٦) والبيهقي (٢/ ١٠١ - ١٠٢) من طرق عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر - ﵁ - مرفوعًا، قال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين) وسكت عنه الذهبي. وأخرجه مالك (١١/ ٦٣) موقوفًا على ابن عمر -﵄-. انظر: \"الإرواء\" (٢/ ١٧ - ١٨).","vol":"3","page":208},{"text":"<span data-type='title' id=toc-275>باب سجود السهو وغيره</span>\nهذا الباب ذكر فيه الحافظ ﵀ أحاديث سجود السهو، وأحاديث سجود التلاوة والشكر.\nوإضافة السجود إلى السهو وما ذكر معه من إضافة الشيء إلى سببه، أي: باب السجود الذي سببه السهو، أو التلاوة، أو الشكر، والإضافة بمعنى اللام، والسهو لغة: نسيان الشيء والغفلة عنه، قال في «القاموس»: (سها في الأمر: نسيه وغفل عنه)، والمراد هنا: نسيان شيء من الصلاة.\nقال ابن الأثير: (السهو في الشيء: تركه عن غير علم، والسهو عنه: تركه مع العلم، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾) [الماعون: ٥] (^١).\nوسجود السهو: سجدتان يأتي بهما المصلي لجبر الخلل في صلاته سهوًا بزيادة أو نقصان أو شك.\nوقد ورد في سجود السهو أحاديث كثيرة، وأهمها: حديث عبد الله ابن بحينة، وحديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد، وحديث عمران، وحديث ابن مسعود ﵃، وكلها مذكورة هنا، وهي أربعة أنواع:\nالأول: في النقص، وفي ذلك حديث عبد الله ابن بحينة، أول أحاديث الباب.\nالثاني: في الزيادة، وفي ذلك حديث ابن مسعود ﵁ ومن الزيادة أن يسلم قبل تمام صلاته، ثم يذكر فيتمها، وفيه حديث أبي هريرة وحديث عمران بن حصين ﵄.\n_________\n(^١) \"النهاية\" (٢/ ٤٣٠)، \"القاموس\" (٢/ ٦٤٠).","vol":"3","page":209},{"text":"الثالث: الشك في الزيادة أو النقصان إذا لم يترجح عنده أحدهما، وهذا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\nالرابع: الشك في الزيادة والنقصان إذا ترجح عنده أحدهما، وذلك في حديث ابن مسعود - أيضًا ـ.\nومشروعية سجود السهو من محاسن هذه الشريعة، فإن النسيان لا يسلم منه أحد، ولا بد من وقوعه في هذه العبادة العظيمة، وقد وقع من النبي ﷺ، ففيه جبر للنقصان الذي حصل في الصلاة، وفيه إرضاء للرحمن بإتمام عبادته وتدارك طاعته، وفيه إرغام للشيطان الذي هو سبب النسيان والسهو، وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك في حديث أبي سعيد ﵁ كما سيأتي إن شاء الله.","vol":"3","page":210},{"text":"<span data-type='title' id=toc-276>حكم من نسي التشهد الأول في الصلاة</span>\n٣٣٠/ ١ - عَنْ عَبْدِ الله ابن بُحَيْنَةَ ﵁ أَنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَييْنِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وهُو جَالِسٌ. وَسَجَدَ سَجْدَتَيْن، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.\nوَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ، وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الجُلوسِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع من «صحيحه»، أولها في كتاب «الأذان»، باب «من لم ير التشهد واجبًا؛ لأن النبي ﷺ قام من الركعتين ولم يرجع» (٨٢٩) ومسلم (٥٧٠) وأبو داود (١٠٣٤) والترمذي (٣٩١) والنسائي (٣/ ١٩) وابن ماجه (١٢٠٦) وأحمد (٣٨/ ٧) كلهم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن عبد الله ابن بحينة الأسدي به.\nوأما زيادة مسلم فهي عند البخاري - أيضًا - في كتاب «السهو»، باب «من يكبر في سجدتي السهو» (١٢٣٠)، وعند مسلم (٥٧٠) (٨٦) من طريق الليث عن ابن شهاب به، ولعل غرض الحافظ من إيرادها أمران:\nالأول: دلالتها على أن الإمام يكبر في كل سجدة، وهي تكبيرة الانتقال، بخلاف اللفظ الأول فإنه لا يدل على ذلك.\nالثاني: أن فيها بيان أن السجود خاص بالسهو، كما سيأتي إن شاء الله.","vol":"3","page":211},{"text":"الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (فقام ولم يجلس) زاد الضحاك بن عثمان، عن الأعرج: (فسبحوا به فمضى حتى فرغ من صلاته) (^١).\n\nقوله: (ولم يجلس) لفظ الصحيحين (فلم يجلس)، وفي رواية للبخاري: (فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس) وهذا تأكيد لقوله: (فقام).\n\nقوله: (كبر وهو جالس) جملة حالية متعلقة بقوله: (كبر) أي: أنشأ التكبير وهو جالس.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن من نسي التشهد الأول حتى قام إلى الثالثة أنه لا يرجع إليه، ويجبره بسجود السهو قبل السلام، لقوله: (قبل أن يسلم) وقد دلت زيادة ابن خزيمة - عند من يرى صحتها - على أن الإمام لا يرجع ولو سبح به المأموم، وهذا كله إذا ذكر التشهد بعد أن استتم قائمًا، سواء شرع في القراءة أم لا، لأنه انتقل إلى الركن الذي يليه وهو القيام، لكن إن ذكره قبل أن ينهض، أي: قبل أن تفارق فخذاه ساقيه فإنه يجلس ويتشهد، وليس عليه شيء.\nوقد خص الفقهاء - ﵏ - سجود السهو في باب النقص، بنقص الواجبات، وأما نقص الأركان كنسيان سجدة فلا تجبر بسجود السهو، بل لا بد من الإتيان بها على تفصيل في كتب الفقه.\nوأما ترك السنن كالاستفتاح والتعوذ ونحوهما أو رفع اليدين، فإن كان من عادته أن يأتي به سُنَّ له أن يسجد على أحد القولين، لعموم: (فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) (^٢)، وإن لم يكن من عادته الإتيان به ولم يخطر بباله فلا يسجد لتركه، إذ لا موجب لهذه الزيادة، والله أعلم.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن المأموم يتابع إمامه إذا قام عن التشهد الأول ناسيًا ولا يجلس، وإن لم يكن المأموم ناسيًا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (٢/ ١١٥) وفي حديث معاوية عند النسائي (٣/ ٣٣) وعقبة بن عامر عند الحاكم (١/ ٣٢٥) نحوه بهذه الزيادة، انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٩٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٧٢).","vol":"3","page":212},{"text":"الوجه الخامس: استدل بهذا الحديث من قال: إن التشهد الأول واجب، لأن النبي ﷺ لما تركه سجد له، وليس بركن، لأن الركن لا يجبره سجود السهو، وهذا قول الإمام أحمد في ظاهر مذهبه، وطائفة منهم إسحاق والثوري وأبو ثور وداود، وحكى الطحاوي مثله عن مالك (^١).\nوعكس آخرون، فقالوا: إن الحديث دليل على عدم وجوب التشهد الأول، لأنه لو كان واجبًا لرجع إليه، وقد أشار البخاري إلى هذا (^٢)، وهذا فيه نظر، والصواب الأول، أخذًا بظاهر الحديث.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على وقوع السهو من النبي ﷺ لأنه من النسيان، والنسيان من طبيعة البشر، ولذا قال النبي ﷺ: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني»، متفق عليه من حديث ابن مسعود ﵁ وسيأتي.\nقال ابن القيم: (وكان سهوه في الصلاة من تمام نعمة الله على أمته، وإكمال دينهم، ليقتدوا به فيما شرعه لهم عند السهو) (^٣).\nوأما حديث: (إني لأنسى أو أُنَسَّى لأَسُنَّ) (^٤)، فقد جاء عن مالك أنه بلغه أن الرسول ﷺ قال: … فذكره.\nوهو حديث لا أصل له، وإنما هو من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة، كما نص على ذلك الحفاظ، كابن عبد البر والعراقي وابن حجر وغيرهم (^٥)، وهي ضعيفة؛ لأنها معضلة أو منقطعة، ثم إن ظاهره معارض لحديث ابن مسعود الثابت في الصحيحين، لأنه يدل على أنه ﷺ لا ينسى بباعث البشرية وإنما ينسيه الله ليشرع، والصواب أنه ينسى لأنه بشر، ولا ينافي هذا أنه يترتب على نسيانه فوائد وأحكام كما ذكر ذلك ابن القيم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢١٠)، \"الإنصاف\" (٢/ ١١٥).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٧/ ٣١٧).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (١/ ٢٨٥).\n(^٤) \"الموطأ\" (١/ ١٠٠).\n(^٥) انظر: \"التمهيد\" (٢٤/ ٣٧٥)، \"تخريج إحياء علوم الدين\" (٤/ ٤٣)، \"فتح الباري\" (٣/ ١٠١).","vol":"3","page":213},{"text":"<span data-type='title' id=toc-277>حكم من سلَّم ناسيًا قبل تمام صلاته</span>\n٣٣١/ ٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صلَّى النَّبيُّ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَي العَشِيِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِي الْقَوْم أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلَاةُ، وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبيُّ ﷺ ذَا الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَنَسيْتَ؟ أَمْ قُصِرَت؟ فَقَالَ: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَر»، فَقَالَ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمْ، ثُمَّ كَبَّر، فَسَجَدَ مِثلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، فَكَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَو أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّر. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: صَلَاةَ الْعَصْرِ.\nوَلأَبِي دَاوُدَ، فَقَالَ: «أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟»، فَأَوْمَأَوا: أَيْ نَعَمْ.\nوَهِيَ فِي «الْصَّحِيحَيْن» لكِن بِلَفْظِ: فَقَالُوا.\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَلَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَقَّنَهُ الله ذلِكَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع من «صحيحه»، أولها في كتاب «الصلاة»، باب «تشبيك الأصابع في المسجد وغيره»، وفي كتاب «السهو» باب «من يكبر في سجدتي السهو» (١٢٢٩)، ومسلم (٥٧٣) من طريق أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة به، وله طرق","vol":"3","page":214},{"text":"كثيرة وألفاظ عديدة في الصحيحين وغيرهما، وقد أشار الحافظ هنا إلى شيء من ذلك.\nورواه مسلم (٥٧٣) (٩٩) من طريق داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد أنه قال: (سمعت أبا هريرة يقول: صلَّى لنا رسول الله ﷺ صلاة العصر فسلم في ركعتين …) الحديث.\nورواه أبو داود (١٠٠٨) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب به، ولفظه: (فأقبل رسول الله ﷺ على القوم فقال: «أصدق ذو اليدين؟»، فأومأوا، أي: نعم …) قال أبو داود: ولم يذكر (فأومأوا) إلا حماد بن زيد، وهذه الرواية عند البخاري (١٢٢٨) ومسلم (٥٧٣) من طريق مالك، عن أيوب به، بلفظ قال رسول الله ﷺ: «أصدق ذو اليدين؟»، فقال الناس: (نعم).\nوفي رواية أخرى لأبي داود (١٠١٢) من طريق محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سلمة وعبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة بهذه القصة، قال: (ولم يسجد سجدتي السهو حتى يقنه الله ذلك).\nوهذا حديث منكر بهذه الزيادة، لأن محمد بن كثير بن أبي عطاء يروي المناكير خاصة عن الأوزاعي، وهذا منها (^١).\nواعلم أن هذا الحديث له طرق كثيرة بألفاظ متعددة، وقد اشتمل على فوائد كثيرة، أوصلها بعضهم إلى مائة وخمسين فائدة، وقد جمع طرقه وألفاظه وتكلم عليها الحافظ العلائي في كتابه: «نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد» وهو مطبوع، وقد أثنى عليه الحافظ ابن حجر (^٢).\nوسأقتصر - هنا - على الفوائد المتعلقة بهذا الباب دون غيرها خشية الإطالة.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إحدى صلاتي العشي) بفتح العين المهملة وكسر الشين وتشديد الياء، أصله من العَشَاءِ، وهو الظلمة، وهو من زوال الشمس إلى غروبها، وقيل: من زوال الشمس إلى الصباح، وهو الأقرب.\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٣٦٩).\n(^٢) \"التلخيص\" (٢/ ٣).","vol":"3","page":215},{"text":"وقد جاء في رواية الصحيحين: (صلَّى بنا النبي ﷺ الظهر أو العصر …) بلفظ الشك، وفي رواية للبخاري بلفظ: (الظهر) بغير شك، وعند مسلم: (العصر) والظاهر أن هذا الاختلاف من الرواة، أو من أبي هريرة ﵁ ويدل لذلك رواية النسائي من طريق ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: (صلّى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي، قال أبو هريرة: لكني نسيتها …) (^١)، وفي رواية أن الذي نسي هو ابن سيرين، ومثل هذا لا يؤثر في الحديث، لأن المقصود أنها رباعية، وكلها صلاة عَشِيٍّ.\n\nقوله: (ثم قام إلى خشبة) هي ما غلظ من العيدان، وفي رواية لمسلم: (ثم أتى جذعًا في قبلة المسجد).\n\nقوله: (فوضع يده عليها) في رواية (فاتكأ عليها كأنه غضبان) أي: يشبه الغضبان في انقباضه وتشوش فكره، وكأن هذا - والله أعلم - من أجل نقصان صلاته، أو أنه كان في حال صلاته مشغول البال بأمر أوجب له ذلك الغضب، وحمله على أن صلى ركعتين وسلم (^٢)، ولعل الصحابة ﵃ عبروا بالغضب عما ظهر عليه، وإلا فلا موجب له في هذا الوقت.\n\nقوله: (فهابا أن يكلماه) الهيبة: إجلال ومخافة ناشئة عن إعظام، يقال: رجل مهيب ومهوب، أي: يهابه الناس، وإنما هاب أبو بكر وعمر تكليم النبي ﷺ لشدة معرفتهما بعظمته وحقوقه، وقوة المعرفة توجب الهيبة (^٣).\n\nقوله: (وخرج سَرَعَانُ الناس) بفتح السين والراء، هم الأوائل الذين يسرعون الخروج من المسجد بعد انقضاء الصلاة، ويجوز إسكان الراء، كما نقله القاضي عياض (^٤)، ويجوز ضم السين وإسكان الراء، فيكون جمع سريع كقضيب وقضبان وكثيب وكثبان.\n\nقوله: (قُصرت الصلاة) بضم القاف وكسر الصاد، بلفظ الخبر، أي:\n_________\n(^١) \"سنن النسائي\" (٣/ ٢٠).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٩/ ٤٤٣).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٩/ ٤٤٢).\n(^٤) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢١٣).","vol":"3","page":216},{"text":"أن الله تعالى قصرها، على اعتقاد وقوع قصرها إلى ركعتين، لأنهم في زمان الوحي والنسخ، والذي في البخاري - هنا - (أقصرت الصلاة؟) بلفظ الاستفهام، أما لفظ الكتاب فهو رواية للبخاري من طريق ابن عون، عن ابن سيرين به (^١)، ويجوز في ضبطها فتح القاف وضم الصاد، كما ذكره النووي (^٢).\n\nقوله: (ذا اليدين) وفي رواية (يقال له: ذو اليدين)، وقد جاء في بعض روايات الصحيحين: (وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له ذو اليدين …) والمشهور أنه الخرباق بن عمرو، وهو سُلميٌّ من بني سليم.\n\nقوله: (أنسيت أم قصرت؟) أي: أذهلت فسلَّمت قبل تمام الصلاة، أم أن الصلاة قصرت وردت إلى ركعتين؟\nفذو اليدين غلب عليه حرصه على تعلم العلم واعتنائه بأمر الصلاة، وأبو بكر وعمر غلب عليهما احترام النبي ﷺ وتعظيمه، مع علمهما بأنه سيبين أمر ما وقع.\n\nقوله: (لم أنس ولم تقصر) نفى ﷺ النسيان بناء على ظنه أنه أتم صلاته، ونفى القصر بناء على يقينه أن حكم إتمام الصلاة لم يتغير، فلما انتفى القصر عن يقين تعين أن يكون ناسيًا، ولهذا قال ذو اليدين: بلى، قد نسيت.\nوظاهر هذا السياق أنه رجع إلى قول ذي اليدين وحده، لكن ورد روايات أخرى: (فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم)، وفي رواية أبي داود المذكورة: (فقال: أصدق ذو اليدين؟)، وإنما لم يأخذ النبي ﷺ بقول ذي اليدين، لأنه يعارض ما كان يظنه من إتمام الصلاة، فطلب النبي ﷺ ما يرجح قوله.\n\nقوله: (ولم يسجد حتى يقنه الله ذلك) أي: لم يسجد ﷺ سجدتي السهو حتى يقنه الله تعالى أنه سلم من ركعتين، إما بوحي أو بتذكيره إياه لما سأل القوم عما قاله ذو اليدين، وعلم أبو هريرة ذلك إما من قرائن الأحوال، أو بإخباره ﷺ، وهذه زيادة منكرة، كما تقدم.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٤٨٢).\n(^٢) شرح صحيح مسلم (٥/ ٧١).","vol":"3","page":217},{"text":"الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من سلم ناسيًا قبل تمام صلاته ثم ذكر أو ذُكّر قريبًا وجب عليه إتمامها فورًا، ولا يمنع من ذلك كلامه أو انتقاله من موضعه، لأن ذلك مبني على اعتقاده تمام صلاته، لقوله: (فقال: أصدق ذو اليدين؟؟ فقالوا: نعم) فهو كلام عمد، لكنه لإصلاح الصلاة.\nوأما رواية: (فأومأوا) فيحتمل أنها من تصرّف بعض الرواة، لأنه ظن أنه لا يتكلم لأنه في صلاة، ورواية: (فقالوا) لا غرابة فيها، لأنهم ظنوا أن الصلاة قد انتهت أو أنهم تكلموا لمصلحتها.\nأما من يتيقن أن الإمام قد سها وأن الصلاة لم تتم فإنه يبقى في محل الجلوس ولا يتكلم ولا ينصرف.\nوهكذا لو زاد الإمام ونبهوه ولم يرجع فإنهم لا يتابعونه في الزيادة، بل يجلسون وينتظرون حتى يسلِّم بهم أو يسلِّمون قبله، والانتظار أحسن، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، لكن الصحابة ﵃ التبس عليهم الأمر فخشوا أن يكون قد جاء تغيير في الحكم، فلذا سلموا معه وخرج من خرج، لأن الزمان زمن وحي ونسخ، وأما الآن فقد انتهى الأمر فلم يبق إلا السهو.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن الإمام لا يرجع إلى قول واحد من المأمومين إذا كان يظن خلافه حتى يتثبت من غيره، لأن النبي ﷺ لم يقبل قول ذي اليدين وحده، وإنما أقبل على الصحابة فسألهم، ولولا أنه سيرجع إلى قولهم لما سألهم، وكذا يدل عليه حديث ابن مسعود الآتي لما صلّى النبي ﷺ خمسًا فقالوا: (أحدث في الصلاة شيء؟) قال: «وما ذاك؟»، قالوا: (صليت خمسًا …) الحديث.\nوالقول برجوع الإمام إلى قول المؤتمِّين به هو قول مالك وأحمد، وقد نص الفقهاء على أنه لو سبح به اثنان لزمه الرجوع ما لم يجزم بصواب نفسه. فإن جزم بصواب نفسه لم يرجع إلى قول من خالفه ولو كثروا.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٣/ ٥٣).","vol":"3","page":218},{"text":"والقول الثاني: أنه إن سبح به واحد وغلب على ظنه صدقه أخذ بقوله، على القول بجواز البناء على غلبة الظن؛ لأنه خبر ديني فيقبل فيه خبر واحد ثقة، كوقت الصلاة وطهارة الماء ونجاسته، وهذا قول أبي حنيفة وإسحاق، وهو وجه في مذهب الحنابلة في الزيادة فقط (^١)، والله أعلم.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن من سلَّم ناسيًا قبل تمام صلاته فإنه يسجد سجدتي السهو بعد السلام، فيكبر عند السجود والرفع منه، ثم يسلم بعدهما، وأما التشهد ففيه خلاف سيأتي إن شاء الله.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على أن الأفعال الكثيرة التي ليست من جنس الصلاة إذا وقعت سهوًا أو مع ظن تمام الصلاة لا تفسد بها الصلاة، بل ينبني بعضها على بعض ولا يستأنفها، وقد جاء في حديث عمران ﵁: (أنه قام فدخل الحجرة) (^٢).\nقال الحافظ ابن رجب: (هذه الرواية تدل على أن الخروج من المسجد لا يمنع البناء على الصلاة لمن سلم عن نقص) (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٢/ ٤١٢)، \"فتح الباري\" لابن رجب (٦/ ٢٥٦) (٩/ ٤٣٨)، \"المدونة\" (١/ ١٣٦)، \"الإنصاف\" (٢/ ١٢٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٧٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٠٨).","vol":"3","page":219},{"text":"<span data-type='title' id=toc-278>حكم التشهد بعد سجدتي السهو</span>\n٣٣٢/ ٣ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بِهِمْ، فَسَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (١٠٣٩) في كتاب «الصلاة»، باب «سجدتي السهو فيهما تشهد وتسليم» والترمذي (٣٩٥) والحاكم (١/ ٣٢٣) من طريق محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، حدثني أشعث، عن محمد بن سيرين، عن خالد - يعني الحذاء - عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين به.\nوهذا إسناد صحيح، قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وإنما اتفقا على حديث خالد الحذاء، عن أبي قلابة، وليس فيه ذكر التشهد لسجدتي السهو) وسكت عنه الذهبي.\nوهذا فيه نظر، فإن أشعث وهو ابن عبد الملك الحمراني وإن كان ثقة إلا أنه لم يُخَرَّجْ له في الصحيحين، كما ذكر الذهبي نفسه (^١)، وقد تفرد أشعث بذكر التشهد وخالف غيره من الثقات، فقد رواه جماعة آخرون عن خالد الحذاء، ولم يذكروا التشهد، كما ذكر ذلك البيهقي، فهذه الزيادة مخالفة للثقات الحفاظ المتقنين، أمثال شعبة ووهيب بن خالد وإسماعيل بن علية وغيرهم، وأشعث ليس مقاومًا لهؤلاء، بل هو دونهم في الإتقان والحفظ\n_________\n(^١) \"الميزان\" (١/ ٢٦٧).","vol":"3","page":220},{"text":"بكثير، ومما يؤيد ذلك أن محمد بن سيرين قيل له: (فالتشهد؟) قال: (لم أسمع في التشهد شيئًا).\nوقد أخرج مسلم هذا الحديث (٥٧٤) من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ صلّى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له: (الخرباق)، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال: (أصدق هذا؟) قالوا: (نعم)، فصلى ركعة ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم.\nوليس في هذا السياق ذكر التشهد، وعليه: فهي زيادة شاذة، كما قال ابن المنذر، والبيهقي، وابن حجر (^١).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن سجود السهو إذا كان بعد السلام فإنه يتشهد له ثم يسلم، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة والمالكية والحنفية (^٢).\nوالقول الثاني: أنه إذا سجد بعد السلام، سلم بعد سجوده بدون تشهد، وهذا قول الأوزاعي والشافعي وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، لحديث عمران عند مسلم: (فصلى ركعة ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم) وتقدم بتمامه، فلم يذكر التشهد، ولو فعله النبي ﷺ لنقل إلينا، وأما إثبات التشهد في حديث الباب فهو زيادة شاذة، قال ابن عبد البر: (أما التشهد في سجدتي السهو فلا أحفظه من وجه صحيح عن النبي ﷺ) (^٤)، وقال النووي: (إنه لم يصح عن النبي ﷺ منه شيء) (^٥)، وهذا هو الراجح، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (٣/ ٣١٧)، \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٥٥)، \"فتح الباري\" (٣/ ٩٩).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ١٧٤)، \"الاستذكار\" (٤/ ٣٨١)، \"المغني\" (٢/ ٤٠٣).\n(^٣) \"المجموع\" (٤/ ١٥٧)، \"نظم الفرائد\" ص (٣٤٨)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٣/ ٤٩).\n(^٤) \"الاستذكار\" (٤/ ٣٨٢).\n(^٥) \"المجموع\" (٤/ ١٥٧).","vol":"3","page":221},{"text":"<span data-type='title' id=toc-279>حكم من شك ولم يترجح عنده شيء</span>\n٣٣٣/ ٤ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْن عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإنْ كَانَ صَلَّى تمامًا كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم (٥٧١) في كتاب «المساجد»، باب «السهو في الصلاة والسجود له» من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: … فذكره.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن المصلي إذا شك في صلاته ولم يترجح عنده أحد الأمرين فإنه يطرح الشك ويعمل باليقين، وهو الأقل، فيتم صلاته ويسجد للسهو قبل أن يسلم ثم يسلم، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، وقد نقل النووي الإجماع على ذلك (^١).\nوورد - أيضًا - عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدةً صلّى أو اثنتين فليبن على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثًا فليبن على ثنتين، وإن لم يدر ثلاثًا صلّى أو أربعًا\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٤/ ١٢٨).","vol":"3","page":222},{"text":"فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم» (^١).\nفإذا شك في الركعة الثانية هل هي الثانية أو الثالثة ولم يترجح عنده شيء جعلها الثانية، ثم أكمل صلاته وسجد للسهو.\nوقد بيَّن النبي ﷺ الحكمة من ذلك وهو أنه إن كان صلّى خمسًا فإن السجدتين يشفعن له صلاته، أي: تكون صلاته شفعًا بهاتين السجدتين، لأن المطلوب بالظهر والعصر والعشاء الشفع فكأنهما قاما مقام ركعة، ولو زاد ذلك على أربع.\nوإن كان صلّى تمامًا ولم يحصل له نقص كانتا إرغامًا للشيطان، أي: إغاظة وإذلالًا له، لأنه لبَّس على المصلي صلاته وأراد إفسادها، فجعل الله تعالى هاتين السجدتين طريقًا إلى جبر صلاته، وردًّا للشيطان خاسئًا ذليلًا مبعدًا عن مراده، وكملت صلاة العبد وامتثل أمر الله تعالى بالسجود الذي عصى به إبليس ربه.\nوالإرغام من الرَّغام - بالفتح - وهو التراب، يقال: (أرغم الله أنفه)، أي: ألصقه بالتراب، وهو كناية عن الذل والهوان.\n\nالوجه الثالث: دل هذا الحديث مع حديث ابن بحينة - المتقدم - على أن سجود السهو قبل السلام محفوظ في حالين:\nالأولى: إذا كان عن نقص، كما في حديث ابن بحينة لما قام النبي ﷺ عن التشهد الأول قبل السلام.\nالثانية: إذا كان عن شكٍّ لم يترجح فيه أحد الأمرين، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٩٨)، وابن ماجه (١٢٠٩)، وأحمد (٣/ ١٩٤) من طريق محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - به، قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب صحيح). وفي هذا نظر، فإن في إسناده مكحولًا وابن إسحاق، وهما مدلسان وقد عنعناه، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث في رواية لأحمد (٣/ ٢١٠) ثم إن في إسناده اختلافًا على ابن إسحاق من جهة وصله وإرساله، ذكر ذلك الدارقطني في \"العلل\" (٤/ ٢٥٧ - ٢٦٠) وبيَّن الصواب في هذا الحديث.","vol":"3","page":223},{"text":"<span data-type='title' id=toc-280>حكم من زاد أو شك وترجح عنده أحد الأمرين</span>\n٣٣٤/ ٥ - عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ. فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: «وَمَا ذَلكَ؟» قَالوا: صَلَّيْتَ كَذَا، قَالَ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَينِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «إنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنسَى كَمَا تَنْسُونَ، فَإذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُوني، وَإذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَلْيُتِمَّ، ثُمَّ يُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ»، وَلِمُسْلِمٍ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ سَجَدَ سَجْدَتَي السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع، أولها كتاب «الصلاة»، باب «التوجه نحو القبلة حيث كان» (٤٠١) ومسلم (٥٧٢) من طريق منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قال عبد الله: … فذكره، وهذا لفظ مسلم، وأما رواية البخاري التي ذكر الحافظ فهي بهذا الإسناد في الباب المذكور، ولعله ذكرها، لأنها صريحة في أن السجود بعد السلام، بخلاف اللفظ الأول: (فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين) فليس فيه موضع السجود.\nورواه مسلم (٥٧٢) (٩٥) من طريق الأعمش، عن إبراهيم به، وفيه: (أن النبي ﷺ سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام)، وغرض الحافظ من هذه الزيادة بيان أن الكلام الذي بعد السلام وقبل السجود لا يؤثر، لأنه من","vol":"3","page":224},{"text":"مصلحة الصلاة، وذلك أنهم قالوا: (يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟)، قال: «وما ذلك؟»، قالوا: (صليت كذا).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن المصلي إذا زاد في صلاته ركعة فصلى الظهر - مثلًا - خمسًا أنه يسجد للسهو بعد السلام، وصلاته صحيحة، وهذا مبني على ما إذا لم يذكر الزيادة حتى فرغ منها، والصحابة ﵃ لم ينبهوا النبي ﷺ لهذه الزيادة مع علمهم بها، لظنهم أن الصلاة قد طرأ عليها تغيير بالزيادة، ولهذا لما سلم قالوا له: (يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟).\nفإذا ذكر المصلي الزيادة في أثنائها وجب عليه الرجوع عنها، ووجب عليه سجود السهو، وصلاته صحيحة.\nومثل زيادة الركعة القيام أو القعود أو السجود، ونحو ذلك.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن المصلي إذا شك في صلاته وترجح عنده أحد الأمرين فإنه يتحرى الصواب، وقد فُسِّر الصواب بالأخذ بغالب الظن وأن يتحرى ما هو الأرجح، وهو الأقرب إلى فهمه وضبطه، فيبني عليه، سواء أكان زيادة أم نقصانًا، ثم يسجد للسهو بعد السلام، كأن يشك في عدد الركعات أصلى ثلاثًا أم أربعًا فيتم ويسجد للسهو.\nوظاهر الحديث أنه يبني على غالب ظنه إمامًا كان أو منفردًا، وهذا رواية عن أحمد (^١).\nوذهب آخرون إلى أن الإمام يبني على غالب ظنه، لأن عنده من ينبهه إذا أخطأ، وأما المأموم والمنفرد فيبني على اليقين وهو الأقل (^٢)، والأول أظهر لدلالة الحديث.\n\nالوجه الرابع: دلَّ هذا الحديث مع حديث أبي هريرة المتقدم على أن سجود السهو بعد السلام يكون في حالين:\n_________\n(^١) \"المغني\" (٢/ ٤٠٦).\n(^٢) \"المصدر السابق\".","vol":"3","page":225},{"text":"الأولى: إذا سلم قبل تمام صلاته ثم أتمها، كما في حديث أبي هريرة لما سلم عن ركعتين، وكما في حديث عمران لما سلم عن ثلاث، وكذا إذا كان عن زيادة، كما في حديث ابن مسعود هذا.\nوقد اعتبر العلماء السلام قبل إتمام الصلاة من باب الزيادة، لأنه زاد سلامًا في أثناء صلاته.\nالثانية: إذا كان السجود عن شكٍّ ترجح فيه أحد الأمرين، كما دل على ذلك حديث ابن مسعود هذا.\n\nالوجه الخامس: دل قوله: (إذا شك أحدكم في صلاته) وكذا غيره من الأحاديث المتقدمة على أن سجود السهو مشروع في صلاة النافلة، كما هو مشروع في صلاة الفريضة، لأن الجبران وإرغام الشيطان يحتاج إليه في صلاة النفل، كما يحتاج إليه في صلاة الفرض، وقد ترجم البخاري في كتاب «السهو» بقوله: باب «السهو في الفرض والتطوع» (^١).\nوذكر عن ابن عباس أنه سجد سجدتين بعد وتره، وذكر حديث أبي هريرة الآتي في شرح حديث عبد الله بن جعفر، وهذا قول الجمهور، وقد خالف بعض السلف، كما ذكر الحافظ، فقالوا: لا يسجد في صلاة التطوع، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ١٠٤).","vol":"3","page":226},{"text":"<span data-type='title' id=toc-281>ما جاء في السجود للشك بعد السلام</span>\n٣٣٥/ ٦ - وَلأحْمَدَ، وَأَبي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ»، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (١٠٣٣) في كتاب «الصلاة»، باب «من قال بعد التسليم» والنسائي (٣/ ٣٠) من طريق حجاج بن محمد، وأخرجه أحمد (٣/ ٢٧٥) والنسائي - أيضًا - (٣/ ٣٠) وابن خزيمة (١٠٣٣) من طريق روح بن عبادة كلاهما عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن مسافع، أن مصعب بن شيبة أخبره، عن عتبة بن محمد بن الحارث، عن عبد الله بن جعفر به.\nوهذا إسناد ضعيف، عبد الله بن مسافع هو المكي الحجبي، روى له أبو داود والنسائي والترمذي هذا الحديث لا غير، وقد ذكره البخاري، وأبو حاتم والمزي ومن بعدهم الحافظ ابن حجر ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا (^١)، وكذا الذهبي (^٢). وذكر الشيخ أحمد شاكر أن تصحيح ابن خزيمة لحديثه هذا توثيق له، وقال: (ولم يذكره البخاري والنسائي في الضعفاء) (^٣).\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٢١٠) \"الجرح والتعديل\" (٥/ ١٧٦)، \"تهذيب الكمال\" (١٦/ ١١٩)، \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٢٤).\n(^٢) \"الكاشف\" (٢٩٧٨).\n(^٣) \"تحقيق المسند\" (١٧٤٧).","vol":"3","page":227},{"text":"أما مصعب بن شيبة فهو ضعيف، قال أحمد: (روى أحاديث مناكير)، وقال أبو حاتم: (لا يحمدونه، وليس بالقوي) وقال النسائي: (منكر الحديث) وقد وثقه ابن معين والعجلي (^١).\nوأما شيخ مصعب، عتبة بن محمد بن الحارث بن نوفل الهاشمي فقد قال عنه النسائي: (ليس بمعروف)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٢) وقال عنه في «التقريب»: مقبول، وقد نقل ابن قدامة عن الأثرم أن هذا الحديث لا يثبت (^٣)، وقد ضعفه الألباني (^٤).\nثم إن الحديث في سنده ومتنه اضطراب، أما سنده فقد أخرجه النسائي (٣/ ٣٠) من طريق ابن المبارك، والوليد بن مسلم، عن ابن جريج، عن عبد الله بن مسافع، عن عتبة به، ولم يذكر فيه مصعب بن شيبة.\nوأما اضطراب متنه، فقد روي: (فليسجد سجدتين بعد ما يسلم) كما هو لفظ البلوغ، وروي عند أحمد: (فليسجد سجدتين وهو جالس) دون قوله: (بعد ما يسلم)، وظاهره أنه قبل التسليم.\nوقد ورد في معنى هذا الحديث، حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطان فلبس عليه حتى لا يدري كم صلّى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس» (^٥).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن سجود السهو للشك يكون بعد السلام، وقد تقدم ما يعارض ذلك في حديثي أبي سعيد وابن مسعود ﵄ وفيهما أن السجود للشك قبل السلام إن بنى على اليقين، وبعده إن بنى على غالب ظنه.\nوقال بعض العلماء: لا معارضة بين هذه الأحاديث؛ لأن الأمر في ذلك واسع والكل جائز.\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٣٠٥)، \"تاريخ الثقات\" (١٥٨٠).\n(^٢) (٥/ ٢٤٩).\n(^٣) \"المغني\" (٢/ ٤١٧).\n(^٤) \"ضعيف الجامع\" (٥٦٥٩).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٢٣٢).","vol":"3","page":228},{"text":"ثم إن ظاهر هذا الحديث أن المصلي إذا شك فليس عليه إلا سجدتان، وقد أخذ بذلك طائفة من السلف، ومنهم الحسن البصري، وقال الجمهور من أهل العلم: إن من شك في صلاته ولم يترجح عنده شيء بنى على اليقين وهو الأقل، وأكمل صلاته ثم سجد للسهو، لحديث أبي سعيد المتقدم الذي دل على أن الواجب على الساهي أمران:\nالأول: البناء على الأقل.\nالثاني: سجود السهو.\nوعلى هذا فليس في حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن جعفر أكثر من أن رسول الله ﷺ أمر بسجدتين عند السهو في الصلاة، وليس فيهما بيان ما يصنعه من وقع له ذلك، وإنما هذا مستفاد من أحاديث أخرى بينت الواجب على من حصل له شك، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":229},{"text":"<span data-type='title' id=toc-282>حكم رجوع من قام عن التشهد الأول</span>\n٣٣٦/ ٧ - عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَاسْتَتَمَّ قَائِمًا، فَلْيَمْضِ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَإنْ لَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، والدارَقُطْنيُّ وَاللّفْظُ لَهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (١٠٣٦) في كتاب «الصلاة»، باب «من نسي أن يتشهد وهو جالس»، وابن ماجه (١٢٠٨) والدارقطني (١/ ٣٧٨) من طريق جابر - يعني الجعفي - قال: ثنا المغيرة بن شبيل الأحمسي، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا.\nوهذا إسناد ضعيف كما قال الحافظ - هنا (^١) - كما ضعفه النووي (^٢)، لأن فيه جابر بن يزيد الجعفي، وهو رافضي متروك، كما قال الدارقطني وغيره، وقال البيهقي: (لا يحتج به)، وقال أبو داود: (وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث)، ولعله يشير بذلك إلى ضعف جابر الجعفي، وهذا الحديث مداره عليه (^٣).\nوقد ذكر الألباني متابعًا لجابر الجعفي، عند الطحاوي، من طريق\n_________\n(^١) انظر: \"التلخيص\" (٢/ ٤).\n(^٢) \"الخلاصة\" (٢/ ٦٣٤)، \"المجموع\" (٤/ ١٢٢).\n(^٣) انظر: \"التلخيص\" (٢/ ٤).","vol":"3","page":230},{"text":"إبراهيم بن طهمان، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبي حازم قال: صلّى بنا المغيرة بن شعبة … وذكر تمام الحديث (^١).\nوهذا الإسناد إن كان على ظاهره فهو متابع صحيح، كما ذكر الألباني، وإلا فيحتمل أنه سقط بعد ابن طهمان اسم شيخه، وهو جابر الجعفي، لأن مدار الحديث عليه، كما تقدم، وهو سَقْطٌ إما من الناسخ، أو الطابع، أو من شيخ الطحاوي إبراهيم بن مرزوق، فإن الدارقطني قال عنه: (ثقة، إلا أنه كان يخطئ، فيقال له، فلا يرجع) (^٢)، وقد صرح شعيب الأرنؤوط ومن معه في تحقيق «المسند» (^٣): أن اسم جابر الجعفي قد سقط من مطبوع الطحاوي، ثم رجعت إلى «إتحاف المهرة» وليس فيه إثبات جابر.\nومما يؤيد ذلك أن كتب الرجال تذكر جابرًا في شيوخ ابن طهمان، وفي تلاميذ المغيرة بن شبيل ولا تذكر المغيرة من شيوخ ابن طهمان، ولا ابن طهمان من تلاميذ المغيرة (^٤)، كما هو ظاهر هذا الإسناد، ولهذا ضعَّف الحافظ هذا الحديث - هنا - وفي «التلخيص»، ولم يذكر له طريقًا أخرى، وكذا ضعفه العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن من سها عن القعود للتشهد الأول فقام واستتم قائمًا أنه يمضي ولا يعود إليه، لاشتغاله بفرض القيام، ويأتي مكان ذلك بسجود السهو، وتقدم ذلك في حديث ابن بحينة أول الباب، ولم يبين في هذا الحديث محل سجدتي السهو، لكن تقدم أن محلهما قبل السلام.\nوإن ذكر قبل أن ينتصب قائمًا فإن عليه الرجوع والإتيان بالتشهد، سواء كان إلى القيام أقرب أو إلى القعود - على أحد القولين - وهو ظاهر الحديث، ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يرجع مطلقًا (^٥).\n_________\n(^١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٤٠).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢٤٢).\n(^٣) \"المسند\" (٣٠/ ١٦).\n(^٤) \"تهذيب الكمال\" (٢/ ١٠٩) (٢٨/ ٣٦٨).\n(^٥) \"الفتاوى\" (٢٣/ ٥٢).","vol":"3","page":231},{"text":"وظاهر الحديث أنه لا سجود عليه إذا رجع، لأنه استدرك الواجب فأتى به، وهذا مبني على صحة الحديث بالمتابعة المتقدمة، وعليه ذَكَرَ كثير من الفقهاء - ومنهم فقهاء الحنابلة - الحالات الثلاث لمن قام عن التشهد الأول (^١).\nالقول الثاني: أنه يجب عليه سجود السهو لهذه الزيادة، وهي مفارقة محل الجلوس إلى القيام، ويؤيد ذلك آثار عن الصحابة كأنس ﵁ كما ذكر الحافظ (^٢).\nوقد رجح الشيخ عبد العزيز بن باز وجوب السجود في هذه الحال، وقال: (إن هذا يدل على ضعف حديث المغيرة هذا، لأن السهو لازم لمن قام ولو رجع وأتى بالتشهد).\nوهذا هو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (^٣)، وهذا كله في حق الإمام والمنفرد، أما المأموم فلو ترك التشهد ناسيًا وجلس إمامه، وجب عليه الرجوع مطلقًا، سواء استتم قائمًا أم لا؟ لوجوب متابعة الإمام كما تقدم أول الباب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" (٢/ ٤١٩).\n(^٢) \"التلخيص\" (٢/ ٦).\n(^٣) \"الإنصاف\" (٢/ ١٤٥).","vol":"3","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-283>سهو المأموم يتحمله الإمام</span>\n٣٣٧/ ٨ - عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النّبِيِّ ﷺ قال: «لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الإمَامِ سَهْوٌ، فَإنْ سَهَا الإمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ». رَوَاهُ البزَّار وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الدارقطني (١/ ٣٧٧) من طريق خارجة بن مصعب، عن أبي الحسين المديني، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه السهو، وإن سها من خلف الإمام فليس عليه سهو، والإمام كافيه».\nوهذا إسناد ضعيف جدًا، لأن فيه خارجة بن مصعب، قال عنه الإمام أحمد: (لا يكتب حديثه)، وقال ابن معين: (ليس بشيء) (^١)، وقال عنه الحافظ في «التقريب»: (متروك، وكان يدلس عن الكذابين، ويقال: إن ابن معين كذبه).\nوفيه أبو الحسين المديني، وهو مجهول (^٢)، وأما عزو الحديث للبزار فلم أقف عليه فيه، ولا عزاه الحافظ له في «التلخيص»، وأما عزوه للبيهقي فإنه لم يروه مسندًا، كما عند الدارقطني، وإنما ذكره معلقًا، وضَعَّفَهُ.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٦٧).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٢/ ٣٥٢).","vol":"3","page":233},{"text":"وقد وقع عزو الحديث إلى الترمذي في طبعة «محمد حامد الفقي» «للبلوغ»، وكذا في نسخ «سبل الإسلام»، والظاهر أن ذلك من النساخ، فإن الحافظ نفسه عزاه في «التلخيص» إلى الدارقطني فقط (^١)، وقال الطيب آبادي في «التعليق المغني»: (أخرجه البيهقي والبزار، كما في بلوغ المرام) فلم يذكر الترمذي.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن الإمام يتحمل عن المأموم السهو، فإذا سها المأموم دون إمامه، كأن يجلس في قيام أو يقوم في جلوس سهوًا ونحو ذلك، فلا سجود عليه، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، بل حكى ابن المنذر عن إسحاق أنه إجماع أهل العلم (^٢).\nوهذا الحديث وإن كان ضعيفًا في سنده، لكن معناه صحيح، ومعلوم من سنة النبي ﷺ وهديه في صلاته، فإنه عَلَّمَ الصحابة ﵃ أحكام سجود السهو، ولم يأمر المأمومين إذا سهوا أن يسجد الواحد منهم، مع أن وقوع السهو منهم أمر لا يمكن لأحد إنكاره، ومع ذلك فلم ينقل أن أحدًا منهم سجد بعد سلامه ﷺ، ولو كان مشروعًا لفعلوه، ولو فعلوه لنقلوه، فلما لم ينقل دل على أنه لم يشرع، ولم يقع، ويدل لذلك عموم قوله ﷺ: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه …» (^٣)، فهذا يدل على أن المأموم يتابع إمامه، حتى إن متابعة الإمام مقدمة على الإتيان بالتشهد الأول إذا قام عنه الإمام، كما تقدم.\nوقد حكى الصنعاني عن الهادي - من أئمة الزيدية - أن المأموم إذا سها في صلاته فإنه يسجد للسهو، خلافًا للجمهور - ومنهم إمامه زيد بن علي - ورجح الصنعاني هذا القول (^٤)، وهو قول ضعيف، لا يعول عليه، ويرده ما تقدم، وبه يأخذ بعض الوافدين، كما نشاهدهم في الحرم المكي إذا سلم الإمام أتى الواحد منهم بسجدتين، فإذا سئل عن ذلك قال: إنه سها، والله المستعان.\n_________\n(^١) (٢/ ٦).\n(^٢) \"الأوسط\" (٣/ ٣٢١).\n(^٣) سيأتي إن شاء الله برقم (٤٠٦).\n(^٤) \"سبل السلام\" (١/ ٤٠٧).","vol":"3","page":234},{"text":"الوجه الثالث: استثنى العلماء - ﵏ - من تَحَمُّلِ السهو عن المأموم مسألة، وهي ما إذا كان المأموم مسبوقًا بركعة فأكثر فإنه يسجد للسهو إذا سها مع الإمام أو سها فيما انفرد به، وذلك ليجبر صلاته، لأن له حكم الانفراد بسبب الركعة أو الركعات التي فاتته، ولأنه إذا سجد بعد قضاء ما فاته لا يحصل منه مخالفة لإمامه.\nأما المأموم الذي دخل مع إمامه من أول صلاته، فصلاته تامة ومنجبرة بصلاة إمامه.\n\nالوجه الرابع: دل الحديث على أن سهو الإمام يوجب السجود على المأموم ولو لم يسهُ المأموم، وهذا دلت عليه الأحاديث الصحيحة، وحكي فيها الإجماع.\nوظاهر الحديث أن المأموم يتابع إمامه في سجود السهو ولو كان بعد السلام، وهذا ظاهر إذا كان المأموم قد دخل مع إمامه من أول الصلاة فإنه يسجد معه ولو بعد السلام.\nفإن كان المأموم مسبوقًا وسجد الإمام بعد السلام فالمشهور عند الفقهاء أنه يسجد مع إمامه ولو بعد السلام، حتى قالوا: (إذا قام ولم يستتم قائمًا لزمه الرجوع ليسجد مع إمامه).\nوالقول الثاني: أن الإمام إذا سجد للسهو بعد السلام لا يلزم المأموم متابعته، لأنها متعذرة، لأن الإمام سيسلم، ولو تابعه في السلام لبطلت الصلاة لوجود الحائل دونها وهو السلام، فإذا أتم المأموم قضاء ما فاته سجد للسهو بعد السلام إذا كان السهو فيما أدركه مع الإمام، وأما إذا كان السهو فيما مضى من صلاة الإمام قبل أن يدخل معه المأموم لم يجب عليه السجود في هذه الحال، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":235},{"text":"<span data-type='title' id=toc-284>السجود يتكرر بتكرر السهو</span>\n٣٣٨/ ٩ - عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ عَنْ النّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بعدما يُسَلِّمُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (١٠٣٨) في كتاب «الصلاة»، باب «من نسي أن يتشهد وهو جالس» وابن ماجه (١٢١٩) من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عبيد الكَلاعي (^١)، عن زهير بن سالم العنسي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن ثوبان، به.\nوهذا إسناد ضعيف، كما قال الحافظ، وضعفه البيهقي (^٢) وعبد الحق وقال: (ليس إسناده مما تقوم به حجة) (^٣)، وقال النووي: (هذا حديث ضعيف ظاهر الضعف) (^٤).\nوعلة الحديث أنه من رواية زهير بن سالم العنسي، وقد قال عنه الدارقطني: (حمصي منكر الحديث، روى عن ثوبان ولم يسمع منه)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق فيه لين، وكان يرسل).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل بظاهره على أن سجود السهو يتكرر بتكرر السهو في الصلاة، وأن كل سهو له سجدتان.\n_________\n(^١) بفتح الكاف، نسبة إلى كلاع، إقليم بالأندلس، ومحلة بنيسابور. وانظر: \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٣٢).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٣٧).\n(^٣) \"الأحكام الوسطى\" (٢/ ٢٩).\n(^٤) \"المجموع\" (٤/ ١٥٥).","vol":"3","page":236},{"text":"والحديث ضعيف - كما مضى - ومخالف لظواهر الأدلة في هذا الباب من أن السجود لا يتعدد ولو تعدد السهو، لأنه لو لم يتداخل لسجد عقب السهو، فلما أُخِّرَ السجود إلى نهاية الصلاة دل على أنه إنما أخر ليجمع كل سهو في الصلاة، ويؤيد ذلك عموم قوله ﷺ: «إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» (^١)، ولأن النبي ﷺ في حديث ذي اليدين سها فسلم وتكلم بعد صلاته، وسجد لذلك سجودًا واحدًا.\nفلو ترك المصلي قول (سبحان ربي العظيم)، وقام عن التشهد الأول، وترك قول (سبحان ربي الأعلى) فهذه ثلاث أسباب توجب سجود السهو، فيكفي سجدتان.\nوقيل إن الحديث يراد به العموم، والمعنى أن كل من سها في صلاته بأي سهو كان يشرع له سجدتان، ولا يختص ذلك بالمواضع التي سها فيها النبي ﷺ.\nلكن إذا اجتمع سببان أحدهما يقضي أن يكون السجود قبل السلام كما لو قام عن التشهد الأول، والثاني يقتضي أن يكون السجود بعد السلام، كما لو زاد في هذه الصلاة ركعة، أو ركع في ركعة ركوعين، فالمذهب عند الحنابلة أنه يغلب ما قبل السلام على ما بعده (^٢)، لأن المبادرة بجبر الصلاة قبل إتمامها أولى من تأخير الجابر، ويكون السجود قبل السلام آكد، وهذا هو القول الأول.\nوالقول الثاني: أنه ينظر إلى الأكثر فيغلب جانبه.\nوالقول الثالث: أنه يغلب أسبقهما وقوعًا، لأنه بمجرد وجوده اقتضى السجود وما بعده تابع له، وهذا كله مبني على القول بأنه يجزئه سجدتان ولو اختلف محلهما، وهذا هو المذهب.\nوالقول الرابع: لكل سهو سجدتان، ويسجد لكل سهو في محله،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٧٢).\n(^٢) \"الفروع\" (١/ ٥١٧ - ٥١٨).","vol":"3","page":237},{"text":"صححه في «الفائق»، وقدمه في «المحرر» (^١)، وعزاه الموفَّق إلى الأوزاعي وجماعة، واستدل لهم بهذا الحديث (^٢).\nوما دام أن المسألة ليس فيها نص، والاختلاف فيها مبني على الاجتهاد، فيكون الأمر فيه سعة، وأن من سجد بعد السلام أو قبله فلا بأس إن شاء الله، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الإنصاف\" (٢/ ١٥٧).\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ٤٣٧).","vol":"3","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-285>ما جاء في سجود التلاوة في المفصل</span>\n٣٣٩/ ١ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم (٥٧٨) (١٠٨) في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة»، باب «سجود التلاوة» من طريق أيوب بن موسى، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة ﵁ به مرفوعًا.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية سجود التلاوة عند وجود سببه، وسيأتي حكمه إن شاء الله، ودليل - أيضًا - على ثبوت سجود التلاوة في المفصل، ومنه سورة الانشقاق والعلق، وهذا قول الجمهور من أهل العلم (^١).\nوذهب مالك في الرواية المشهورة عنه، والشافعي في قوله القديم إلى أن المفصل لا سجود فيه وأنه منسوخ، وهذا قول جماعة من الصحابة والتابعين، كما ذكر ابن عبد البر وأن ذلك ثابت عنهم بأسانيد صحيحة (^٢)، جاء في «الموطأ»: (الأمر عندنا أن عزائم السجود إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء) (^٣).\n_________\n(^١) \"الهداية\" (١/ ٧٨) \"الكافي\" (١/ ٢٦٢) \"المهذب\" (٢/ ٩٢) \"المغني\" (٢/ ٣٥٣).\n(^٢) \"التمهيد\" (١٩/ ١١٨)، \"المغني\" (٢/ ٣٥٢).\n(^٣) \"الموطأ\" (١/ ٢٠٧).","vol":"3","page":239},{"text":"واستدلوا على ذلك بحديث أبي قدامة، عن مطر الوراق، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة (^١)، وحديث زيد بن ثابت قال: (قرأت على رسول الله ﷺ النجم فلم يسجد فيها) وسيأتي.\nوالقول الأول هو الصواب، لأن الأصل بقاء الحكم وعدم النسخ، ويؤيد ذلك حديث أبي رافع قال: (صليت مع أبي هريرة صلاة العتمة فقرأ إذا السماء انشقت فسجد فيها، فقلت له: ما هذه السجدة؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم ﷺ فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه) (^٢) وفي رواية: (قلت: يا أبا هريرة هذه سجدة ما كنا نسجدها، قال: سجد بها أبو القاسم ﷺ وأنا خلفه، فلا أزال أسجد بها حتى ألقى أبا القاسم ﷺ) (^٣).\nوظاهر قوله: (ما هذا؟) أنه استفهام إنكار من أبي رافع، ومثله ورد عن أبي سلمة مع أبي هريرة ﵁ في الصحيحين - أيضًا - وهو يشعر بأن العمل مستمر على خلاف ذلك، وأنه قد تُرِكَ السجود فيها، وهذا فيه نظر، كما قال الحافظ (^٤): فإن أبا سلمة وأبا رافع لم ينازعا أبا هريرة، بل سكتا، لأن الحجة قد لزمتهما، لما أعلمهما بالسنة، ولم يحتجا عليه بأن العمل على خلاف ذلك، وهو يرى أن الحجة في السنة لا فيما خالفها، وأن مخالفها محجوج بها، وما أحسن قول ابن عبد البر: (فأيُّ عمل يدعى في خلاف رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين بعده؟) (^٥).\nوقد أجمع العلماء على أن إسلام أبي هريرة ﵁ كان سنة سبع من الهجرة، فدل على أن السجود في المفصل بعد الهجرة، وأما حديث ابن عباس فعنه جوابان:\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٤٠٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٧٨) ومسلم (٥٧٨).\n(^٣) \"سنن النسائي\" (٢/ ١٦٢ - ١٦٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٥٦).\n(^٥) \"التمهيد\" (١٩/ ١٢٥).","vol":"3","page":240},{"text":"الأول: أنه حديث ضعيف، ضعفه البيهقي، وعبد الحق، والنووي، وابن حجر (^١)، وغيرهم، لأن في إسناده أبا قدامة، واسمه الحارث بن عبيد، وهو لا يحتج به.\nقال الإمام أحمد: (أبو قدامة مضطرب الحديث)، وفيه أيضًا مطر الوراق، وهو ضعيف، قال الحافظ في «التقريب»: (صدوق كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف)، فالأكثرون على تضعيفه من جهة حفظه، ولذا قال ابن عبد البر: (هذا عندي حديث منكر، يرده حديث أبي هريرة) (^٢).\nالثاني: على فرض صحته، فهذا الحديث نافٍ، وحديث أبي هريرة مثبت، والمثبت مقدم على النافي، لأن مع المثبت زيادة علم، فيقدم قوله، وأما حديث زيد فسيأتي الجواب عنه إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٦٣)، \"نصب الراية\" (٢/ ١٨٢)، \"المجموع\" (٤/ ٦٣)، \"الدراية\" (٢/ ٢١١).\n(^٢) \"التمهيد\" (١٩/ ١٢٠).","vol":"3","page":241},{"text":"<span data-type='title' id=toc-286>حكم سجدة سورة (ص)</span>\n٣٤٠/ ٢ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ﴿ص﴾ لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري (١٠٦٩) في كتاب «سجود القرآن»، باب «سجدة ص» من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ به.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية السجود في سورة (ص) وأنها سجدة مسنونة باقية، ولكنها ليست من عزائم السجود، أي: ليست من السجدات المؤكدات التي ورد في السجود فيها أمر أو تحضيض أو حث كغيرها من سجدات القرآن، وإنما وردت بصيغة الإخبار عن داود ﵊ أنه سجدها، وسجدها نبينا ﷺ اقتداء به، وقد ورد عن مجاهد أنه سأل ابن عباس من أين سجدت في (ص)؟ فقال: (أو ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠]، فكان داود ممن أُمِرَ نبيكم ﷺ أن يقتدي به، فسجدها داود، فسجدها رسول الله ﷺ) (^١).\nوعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ سجد في (ص) وقال: «سجدها داود توبة، ونسجدها شكرًا» (^٢)، ومعنى (نسجدها شكرًا) أي: على قبول التوبة، وتوفيق الله تعالى إياه عليها، قاله السندي.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٨٠٧).\n(^٢) أخرجه النسائي (٢/ ١٥٩) وإسناده صحيح.","vol":"3","page":242},{"text":"الوجه الثالث: اختلف العلماء في سجدة (ص) داخل الصلاة، وسبب الخلاف: هل هي سجدة تلاوة أو سجدة شكر؟\nفعند الشافعية في أصح الوجهين، والحنابلة على الصحيح من المذهب أنها سجدة شكر، فلا تشرع في الصلاة (^١)، ولو سجد فيها بطلت صلاته، لأنه زاد في صلاته فعلًا مثله يبطل الصلاة.\nالقول الثاني: أنها سجدة تلاوة، كسائر السجدات في القرآن، فتسجد داخل الصلاة وخارجها، وهو قول الحنفية، والمالكية، وقول في مذهب الشافعية، وذكره ابن قدامة احتمالًا في مذهب الإمام أحمد (^٢)، واختاره ابن حزم (^٣).\nوهذا هو الراجح إن شاء الله، لأن سبب السجود فيها القراءة المتعلقة بالصلاة، وقد رجح ذلك الشيخ عبد الرحمن السعدي، والشيخ عبد العزيز بن باز عليهما رحمة الله (^٤).\nويجاب عن حديث ابن عباس بأن كونها توبة وشكرًا لا ينافي كونها سجدة تلاوة وعزيمة، لأن العبادات كلها شكر لله تعالى، فلا يستلزم كونها شكرًا ألا تكون للتلاوة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٤/ ٦٠) \"المغني\" (٢/ ٣٥٥).\n(^٢) \"الاستذكار\" (٨/ ١٠٤)، \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٢٥٥)، \"المغني\" (٢/ ٣٧٣)، \"المجموع\" (٤/ ٦١).\n(^٣) \"المحلى\" (٥/ ١٠٧).\n(^٤) \"المختارات الجلية\" ص (٣٧).","vol":"3","page":243},{"text":"<span data-type='title' id=toc-287>حكم السجود في سورة النجم</span>\n٣٤١/ ٣ - وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n٣٤٢/ ٤ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابتٍ ﵁ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي ﵁، ولد قبل مقدم النبي ﷺ إلى المدينة بإحدى عشرة سنة، فلما هاجر النبي ﷺ أسلم زيد، فأمره النبي ﷺ أن يتعلم خطَّ اليهود، وقال له: «تعلم لي كتاب يهود، فإني والله ما آمنهم على كتابي»، قال: فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته، وكنت أكتب للرسول ﷺ إذا كتب اليهم (^١).\nشهد زيد غزوة الخندق، وهي أول مغازيه، وقيل: شهد غزوة أحد. وكان ممن جمع القرآن في عهد النبي ﷺ، وقال له أبو بكر: (إنك رجلٌ شاب عاقل لا نتهمك قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فتتبع القرآن فاجمعه (^٢». وعهد عثمان ﵁ إليه مع ثلاثة نفر من قريش لجمع القرآن لتوحيده في مصحف واحد (^٣).\nتوفي في المدينة سنة خمس وأربعين (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٦٤٥)، والترمذي (٢٧١٦)، وأحمد (٣٥/ ٤٩٠)، وعلقه البخاري (٧١٩٥) بصيغة الجزم، وسنده حسن.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٩٨٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٩٨٧).\n(^٤) \"الاستيعاب\" (٤/ ٤١)، \"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٤٢٦)، \"الإصابة\" (٤/ ٤١).","vol":"3","page":244},{"text":"الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عباس فقد أخرجه البخاري في كتاب «سجود القرآن»، باب «سجود المسلمين مع المشركين» (١٠٧١) من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والأنس.\nوأما حديث زيد بن ثابت فقد أخرجه البخاري في الكتاب المذكور، باب «من قرأ السجدة ولم يسجد» (١٠٧٢) (١٠٧٣) ومسلم (٥٧٧) من طريق يزيد بن خصيفة عن ابن قسيط، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت ﵁ به.\n\nالوجه الثالث: حديث ابن عباس دليل على ثبوت السجود في سورة (النجم) وتقدم ذلك، أما حديث زيد بن ثابت فقد استدل به من لا يرى السجود في سورة (النجم) كما تقدم، ويجاب عنه بأن تركه ﷺ للسجود في هذه الحالة لا يدل على تركه مطلقًا، لاحتمال أن يكون لبيان الجواز، قال الحافظ: (وهذا أرجح الاحتمالات، وبه جزم الشافعي) (^١)، ومن قبل ابن حجر قال النووي بمثل هذا الاحتمال (^٢).\nوقيل: يحتمل أن ترك السجود فيها لأن زيدًا هو القارئ ولم يسجد ولو سجد لسجد النبي ﷺ، وقد ذكر هذا الجواب أبو داود (^٣) والترمذي (^٤)، وذكره - أيضًا - شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٥٥).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٧٧).\n(^٣) \"السنن\" (٢/ ٥٨).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٢/ ٤٦٦).\n(^٥) \"الفتاوى\" (٢٣/ ١٨٥)، وانظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٥٢).","vol":"3","page":245},{"text":"<span data-type='title' id=toc-288>حكم سجدتي سورة الحج</span>\n٣٤٣/ ٥ - عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ﵀ قَالَ: فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي «المراسيل».\n٣٤٤/ ٦ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَزَادَ: «فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهما، فَلَا يَقْرَأْهَا» وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو عبد الله خالد بن معدان - بفتح الميم وسكون العين - الشامي الكَلاعي - بفتح الكاف - تابعي من أهل حمص، ثقة، ذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: (لقي سبعين رجلًا من أصحاب النبي ﷺ … وكان من خيار عباد الله)، مات سنة أربع ومائة رحمه الله تعالى (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما الأول فقد رواه أبو داود في «المراسيل» (٧٦) من طريق معاوية بن صالح، عن عامر بن جَشِيب، عن خالد بن معدان، أن رسول الله ﷺ قال: (فضلت سورة الحج على القرآن بسجدتين).\nقال أبو داود عقبه: (وقد أُسند هذا ولا يصح) ونقله عنه البيهقي (^٢) وهو مرسل حسن رجاله ثقات، إلا معاوية بن صالح، فقد قال عنه الحافظ في «التقريب»: (صدوق له أوهام)، ويقصد أبو داود بالمسند حديث عقبة الذي يليه.\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٤/ ١٩٦)، \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ١٠٢).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣١٧).","vol":"3","page":246},{"text":"أما الحديث الثاني فقد أخرجه أحمد (٢٨/ ٥٩٣) وأبو داود (١٤٠٢) في كتاب «الصلاة» باب «تفريع أبواب السجود» والترمذي (٥٧٨) من طريق ابن لهيعة، عن مِشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر قال: (قلت: يا رسول الله فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين؟)، قال: «نعم، ومن لم يسجد فلا يقرأهما»، قال الترمذي: (هذا حديث ليس إسناده بالقوي)، وقد ضعفه الحافظ - هنا - في «البلوغ»، ومن قبله النووي (^١).\nوسبب ضعفه أمران:\nالأول: أنه من رواية ابن لهيعة وهو ضعيف، لاختلاطه بسبب احتراق كتبه سنة (١٧٠ هـ) على ما ذكره البخاري وغيره، ولتدليسه كما قال ابن حبان وغيره، ولكنه صرح بالتحديث كما عند أحمد وغيره، وقد رواه عنه عبد الله بن وهب كما عند أبي داود، وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط، ولهذا فإن ابن كثير لما ذكر هذا الحديث وذكر قول الترمذي المتقدم، قال: (وفي هذا نظر، فإن ابن لهيعة قد صرح بالسماع، وأكثر ما نَقَمُوا عليه تدليسه) (^٢)، والأئمة قد اختلفوا في رواية ابن لهيعة، فمنهم من ضعفها مطلقًا، ومنهم من قبلها مطلقًا، ومنهم من استثنى رواية العبادلة فقبلها وردَّ ما عداها، بحجة أنهم رووا عنه قبل احتراق كتبه (^٣).\nالثاني: أن فيه مِشرح بن هاعان، وقد وثقه ابن معين، كما نقله عنه عثمان الدارمي، ثم أردف ذلك بقوله: (ومشرح ليس بذاك، وهو صدوق) (^٤)، وقال ابن حبان: (يخطئ ويخالف) (^٥)، وقال أيضًا: (يروي عن عقبة بن عامر أحاديث مناكير لا يتابع عليها، والصواب في أمره ترك ما ينفرد به من الروايات، والاعتبار بما وافق الثقات منها) (^٦)، ومع أنه يروي أحاديث مناكير إلا أن البيهقي يرى أن حديثه يعتضد بالمرسل الذي قبله، وأن كلاًّ منهما يقوي الآخر، فإنه قال: (هذا المرسل إذا انضم إلى رواية ابن لهيعة صار قويًا) (^٧)،\n_________\n(^١) \"الخلاصة\" (٢/ ٦٢٥).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٤٠٠).\n(^٣) انظر: \"شرح العلل\" لابن رجب (١/ ١٣٦ - ١٣٩).\n(^٤) \"تاريخ عثمان الدارمي\" ص (٢٠٤).\n(^٥) \"الثقات\" (٥/ ٤٥٢).\n(^٦) \"المجروحين\" (٢/ ٣٦٧).\n(^٧) \"معرفة السنن والآثار\" (٣/ ٢٤٧).","vol":"3","page":247},{"text":"قال الشيخ عبد العزيز بن باز عن كلام البيهقي: (هذا جيد) (^١)، كما يعتضد بحديث عمرو بن العاص عند أبي داود (١٤٠١) وابن ماجه (١٠٥٧) من طريق الحارث بن سعيد العُتَقي عن عبد الله بن مُنين، عن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان.\nوقد حسَّنه النووي (^٢)، وضعفه عبد الحق (^٣) والحافظ (^٤) لأن فيه عبد الله بن مُنين، وهو مجهول كما قال ابن القطان، والراوي عنه وهو الحارث بن سعيد العتقي، وهو مجهول أيضًا، كما قال ابن القطان والذهبي.\nكما يؤيد الحديث آثار عن الصحابة ﵃، ومن ذلك ما ورد عن عبد الله بن ثعلبة أنه صلى مع عمر ﵁ الصبح فسجد في الحج سجدتين (^٥).\nوأخرج عبد الرزاق، عن مالك، عن عبد الله بن دينار قال: (رأيت ابن عمر يسجد في الحج سجدتين) (^٦).\nوفي الباب آثار أخرى، وكلها تؤيد حديث الباب (^٧)، أو تكون الحجة في مرسل خالد بن معدان، مع عمل الصحابة ﵃.\nوالحديث صححه الألباني في تخريج «المشكاة»، ثم رجع عن ذلك وضعفه في «ضعيف الترمذي» (^٨).\nوقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (إن الحديث يتقوى بما ذكر، لكن في قوله: (ومن لم يسجد فلا يقرؤهما نكارة) (^٩)، وهكذا حسَّن الحديث شعيب الأرنؤوط ومن معه في التعليق على «المسند» دون قوله: (فمن لم يسجد فلا\n_________\n(^١) \"التبيان في سجدات القرآن\" ص (٨٣).\n(^٢) \"المجموع\" (٤/ ٦٠)، و\"الخلاصة\" (١/ ٦١٠).\n(^٣) \"الأحكام الوسطى\" (٢/ ٩٢).\n(^٤) \"التلخيص\" (٢/ ١٠).\n(^٥) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٢/ ٣١٧) واسناده صحيح.\n(^٦) \"المصنف\" (٣/ ٣٤١) واسناده صحيح، وانظر: \"المغني\" (٢/ ٣٥٦).\n(^٧) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١١)، و\"المستدرك\" (١/ ٣٩٠، ٣٩١).\n(^٨) \"تخريج المشكاة\" (١/ ٣٤٢)، \"ضعيف الترمذي\" (٦٤).\n(^٩) انظر: \"التبيان\" ص (٨٢).","vol":"3","page":248},{"text":"يقرؤهما) (^١)، ولعل وجه النكارة: مخالفة هذه الجملة لحديث زيد المتقدم، وحديث عمر الآتي بعد هذا.\n\nالوجه الثالث: هذا الحديث وما ذكر معه من أحاديث وآثار دليل على أن سورة الحج فضلت على غيرها من سور القرآن بأن فيها سجدتين، ولا خلاف بين العلماء في ثبوت السجدة الأولى فيها، على ما نقله النووي (^٢) وابن حجر (^٣) وغيرهما.\nوإنما الخلاف في السجدة الثانية وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].\nفذهب مالك في رواية عنه والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر وجماعة آخرين إلى أنها من مواضع السجود، للأدلة المتقدمة (^٤).\nوذهب أبو حنيفة، ومالك في رواية عنه، وهي المذهب، وأحمد في رواية عنه، وابن حزم وجماعة (^٥) إلى أنها ليست من مواضع السجود، لأن الله تعالى جمع بينها وبين الركوع فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، فلم تكن سجدة، كقوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَّبِكِ واسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، والأصل براءة الذمة ولم يثبت السجود فيها من طريق صحيح.\nوالقول الأول أرجح، لقوة أدلته، كما تقدم، وذكر الركوع في الآية لا يقتضي ترك السجود، كما ذُكِرَ البكاء في قوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، وقد سجد النبي ﷺ في سورة النجم، مع أنه قُرن السجود فيها\n_________\n(^١) \"المسند\" (٢٨/ ٥٩٣).\n(^٢) \"المجموع\" (٤/ ٦٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٥١).\n(^٤) \"المغني\" (٢/ ٣٥٥)، \"المجموع\" (٤/ ٦٢)، \"مواهب الجليل\" (٢/ ٦١).\n(^٥) \"بدائع الصنائع\" (١/ ١٩٣)، \"المنتقى\" (١/ ٣٤٩)، \"الإنصاف\" (٢/ ١٩٦)، \"المحلى\" (٥/ ١٥٦).","vol":"3","page":249},{"text":"بالعبادة، كما قرنه بالعبادة في سورة الحج، والركوع لم يزده إلا توكيدًا (^١).\nثم إن السجود فيها أوكد من السجدة الأولى، لورودها بلفظ الأمر، وورود الأولى بلفظ الإخبار، وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الحج: ١٨] فتكون السجدة الثانية أولى، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٣٨٩).","vol":"3","page":250},{"text":"<span data-type='title' id=toc-289>حكم سجود التلاوة</span>\n٣٤٥/ ٧ - عَنْ عُمَر ﵁ قَالَ: يَا أَيُّها النَّاسُ إنَّا نَمُرُّ بالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوفيه: «إنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَفْرِض السُّجُودَ إلاَّ أن نَشَاءَ»، وَهُوَ فِي «المُوطَّإ».\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «سجود القرآن»، باب «من رأى أن الله ﷿ لم يوجب السجود» (١٠٧٧) من طريق ابن جريج، قال: (أخبرني أبو بكر بن أبي مليكة، عن عثمان بن عبد الرحمن التيمي، عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدير التيمي قال: قرأ عمر بن الخطاب يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس، إنما نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر ﵁ وزاد نافع عن ابن عمر ﵄ إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء).\nوروى مالك في «الموطأ» (١/ ٢٠٦) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه: (أن عمر بن الخطاب قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة فنزل فسجد وسجد الناس معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود، فقال: (على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء، فلم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا).\nوهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا أنه منقطع بين عروة بن الزبير وبين","vol":"3","page":251},{"text":"عمر بن الخطاب (^١).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن سجود التلاوة ليس بواجب، بل هو سنة، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه (^٢).\nووجه الدلالة من وجهين:\nالأول: أن قوله: (ومن لم يسجد فلا إثم عليه) واضح في عدم الوجوب، لأن نفي الإثم عن ترك الفعل مختارًا يدل على عدم وجوبه، وكذلك قوله (إلا أن نشاء).\nالثاني: أن هذا كان بحضرة الجمع الكثير من الصحابة من المهاجرين والأنصار ﵃ فلم ينكر ذلك عليه أحد، ولا نُقِلَ خلافه، فهذا يدل دلالة ظاهرة على إجماع الصحابة ﵁ على أنه ليس بواجب.\nومن الأدلة - أيضًا - على عدم وجوب سجود التلاوة حديث زيد المتقدم عندما قرأ سورة النجم على النبي ﷺ فلم يسجد فيه، ولم يأمره النبي ﷺ بالسجود، ولو كان واجبًا لأمره به، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\nالقول الثاني: أن سجود التلاوة واجب، وهذا مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، وعن أحمد رواية أنه واجب في الصلاة، سنة خارجها (^٤).\nودليل الوجوب حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله، وفي رواية:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٥٩).\n(^٢) \"المنتقى\" (١/ ٣٤٩)، \"المجموع\" (٤/ ٦١)، \"المغني\" (٢/ ٣٤٦)، \"الإنصاف\" (٢/ ١٩٣).\n(^٣) \"الهداية\" (١/ ٧٨)، \"الفتاوى\" (٢٣/ ١٣٩)، \"الإنصاف\" (٢/ ١٩٣).\n(^٤) \"الإنصاف\" (٢/ ١٩٣).","vol":"3","page":252},{"text":"(يا ويلي) أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» (^١).\nووجه الدلالة: أن قوله: (أُمر ابن آدم) دليل على أن سجود التلاوة مأمور به، كما كان السجود لآدم، لأن كليهما فيه أمر، فمن سجد كان متشبهًا بالملائكة، ومن أبى تشبه بإبليس، بل هذا سجود لله، فهو أعظم من السجود لآدم، وقوله: (أُمر ابن آدم) وإن كان حكاية لقول إبليس، لكن النبي ﷺ أخبر بذلك ولم ينكره.\nوالقول الأول هو الراجح، لقوة أدلته وصراحتها في المراد، وضعف ما يرد عليها من اعتراض.\nوأما حديث أبي هريرة فهو غير ناهض على القول بالوجوب، لأنه إخبار عن السجود الواجب، كما قال ابن العربي (^٢)، ثم إن الأمر إما وجوب أو استحباب، وقد صرف عن الوجوب بما ورد في حديث عمر وزيد ﵄، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٣).\n(^٢) \"أحكام القرآن\" (٢/ ٨٢٠).","vol":"3","page":253},{"text":"<span data-type='title' id=toc-290>حكم التكبير لسجود التلاوة</span>\n٣٤٦/ ٨ - عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا القُرْآنَ، فإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ، كَبَّرَ، وَسَجَدَ، وسَجَدْنَا مَعَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ فِيهِ لِينُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «في الرجل يسمع السجدة وهو راكب وفي غير الصلاة» (١٤١٣) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ به.\nقال أبو داود عقبه: (قال عبد الرزاق: وكان الثوري يعجبه هذا الحديث، قال أبو داود: يعجبه لأنه كبَّر).\nوهذا إسناد فيه لين (^١)، لأنه من رواية عبد الله العمري، وقد تفرد بهذا اللفظ، وهو قوله: (كبر) وعبد الله هذا ضعيف، ضعفه ابن المديني، وكان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، قال ابن حبان: (كان ممن غلب عليه الصلاح والعبادة، حتى غفل عن حفظ الأخبار، وجودة الحفظ للآثار، فوقع المناكير في روايته، فلما فحش خطؤه استحق الترك) (^٢)، وبقية رجال السند ثقات.\n_________\n(^١) الإسناد الذي فيه لين: هو الذي فيه راوٍ مجروح في حفظه جرحًا لا يخرجه عن دائرة الاعتبار بحديثه، ولا يتعدى إلى عدالته.\n(^٢) \"المجروحين\" (١/ ٤٩٩).","vol":"3","page":254},{"text":"وقد ضعف الحديث النووي وقال: (رواه البخاري ومسلم، إلا قوله: (كبر) وليس في روايتهما، وهذه اللفظة في رواية أبي داود، وإسنادها ضعيف) (^١).\nوله طريق أخرى عند الحاكم (١/ ٢٢٢) من رواية عيسى بن يونس، ثنا عبيد الله بن عمر به، بلفظ: (كنا نجلس عند النبي ﷺ فيقرأ القرآن، فربما مرَّ بسجدة فيسجد ونسجد معه)، وهذا إسناد صحيح، عبيد الله هذا هو المصغر، وهو أخو عبد الله المكبر، وهو ثقة، لكن ليس فيه لفظ: (التكبير) وهو موضع الشاهد من الحديث، وهو يدل على أن ذكر التكبير في رواية عبد الله المكبر منكر، كما تدل على ذلك رواية الصحيحين، كما تقدم.\n\nالوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال بمشروعية التكبير لسجود التلاوة إذا سجد، فيقول: الله أكبر، ثم يسجد، وظاهره أنه لا يكبر للرفع من السجود، لأنه لم يذكر في الحديث، وهذا قول أبي حنيفة في رواية عنه، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة (^٢).\nوالقول الثاني: أنه يكبر للسجود ويكبر للرفع منه، وهذا قول الجمهور (^٣)، لهذا الحديث، ولأنه سجود منفرد، فشرع التكبير في ابتدائه والرفع منه، كسجود السهو بعد السلام.\nوالقول الثالث: أنه لا يشرع في سجود التلاوة تكبير مطلقًا، وهذا قال به أبو حنيفة، ومالك في رواية عنهما، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤).\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٤/ ٥٨)، وانظر: \"التلخيص\" (٢/ ١٠).\n(^٢) \"حاشية ابن عابدين\" (٢/ ١٠٦) \"المجموع\" (٤/ ٦٥) \"الإنصاف\" (٢/ ١٩٧).\n(^٣) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ٢٧) \"المنتقى\" (٢/ ٣٥٣)، \"المجموع\" (٤/ ٦٥) \"الإنصاف\" (٢/ ١٩٧).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٢٣/ ١٦٥ - ١٦٩).","vol":"3","page":255},{"text":"وهذا هو الراجح إن شاء الله، لعدم الدليل الصريح الصحيح في ذلك، وحديث ابن عمر المذكور ضعيف، لا تقوم به حجة لما تقدم، ثم إنه لم يذكر فيه التكبير للرفع، وهم يقولون به.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية سجود المستمع إذا سجد القارئ، وهو سنة على الراجح من قولي أهل العلم، وقد ثبت هذا الحكم في حديث ابن عمر في الصحيحين، قال: كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا موضعًا لجبهته (^١).\n\nالوجه الرابع: لا يشرع رفع اليدين عند سجود التلاوة، لأن المأمور به هو السجود، ولم يرد عن الرسول ﷺ أنه رفع يديه، فلا يزاد على السجود شيء بمجرد الرأي، وقياسًا على سجدات الصلاة فإنه لا رفع فيها، ولا يشترط فيه تسليم، فإنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه سلم بعد السجود.\nويجوز السجود في كل وقت حتى أوقات النهي، لأن السجود ليس بصلاة، والأحاديث الواردة في النهي مختصة بالصلاة.\nويجوز السجود على غير طهارة، إذ لا دليل على اشتراطها إلا على اعتبار سجود التلاوة صلاة، وهذا فيه نظر، فإن السجدة لا تسمى صلاة في لسان الشرع، وقد كان يسجد مع النبي ﷺ من حضر تلاوته، ولم ينقل أنه أمر أحدًا منهم بالوضوء.\nوكل هذه التفريعات وغيرها من مسائل سجود التلاوة مبنية على أنه ليس بصلاة، وهو الصواب، ومن قال: إنه صلاة، أوجب التسليم والاستقبال وعدم السجود أوقات النهي وغير ذلك من التفريعات.\nولا ريب أن سجود التلاوة بشروط الصلاة أفضل وأكمل، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١٠٧٥) ومسلم (٥٧٥).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٣/ ١٦٥).","vol":"3","page":256},{"text":"الوجه الخامس: إذا سجد للتلاوة قال في سجوده ما يقوله في سجود الصلاة، وإن أضاف بعض الوارد فحسن، ومن ذلك:\nما روته عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل: «سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوَّته» (^١).\nوالحديث فيه مقال، لكن يشهد له حديث علي ﵁ الطويل المتقدم في أدعية الاستفتاح في وصف صلاة النبي ﷺ وفيه: «وإذا سجد قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين».\nوله شاهد آخر عند ابن أبي شيبة من طريق ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، وإسناده ضعيف (^٢).\nولذا حسَّن الحديث الحافظ وقال: (وإنما قلت: حسن، لأن له شاهدًا من حديث علي كما تقدم، وإن كان في مطلق السجود، والله أعلم) (^٣).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: رأيتني الليلة وأنا نائم، كأني كنت أصلي خلف شجرة، فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها تقول: (اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وتقبَّلها مني، كما تقبَّلتها من عبدك داود)، قال: قال\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٤١٤) والترمذي (٥٨٠، ٣٤٢٥) والنسائي (٢/ ٢٢٢) والحاكم (١/ ٢٢٠) من طريق خالد الحذاء، عن أبي العالية، عن عائشة، وزاد الحاكم (فتبارك الله أحسن الخالقين) وهذا الحديث رجاله ثقات، لكن وقع عند أبي داود وأحمد (٢١/ ٤٣) من رواية خالد الحذاء قال: حدثني رجل عن أبي العالية، وقد ذكر ذلك ابن خزيمة في صحيحه، وصوب ذلك الدارقطني في \"العلل\" (١٤/ ٣٩٥)، وذكر الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ١٠٥) في ترجمة خالد الحذاء عن الإمام أحمد أنه قال: (لم يسمع خالد من أبي العالية).\nقال الحافظ ابن حجر في \"نتائج الأفكار\" (٢/ ١١٧): (خفيت علته على الترمذي فصححه).\n(^٢) \"المصنف\" (٢/ ٢١).\n(^٣) \"نتائج الأفكار\" (٢/ ١١٨).","vol":"3","page":257},{"text":"ابن عباس: فرأيت رسول الله ﷺ قرأ السجدة فسمعته وهو ساجد يقول مثل ما قال الرجل عن كلام الشجرة (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٥٧٩)، وابن ماجه (١٠٥٣)، والحاكم (١/ ٢١٩) من طريق الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: قال لي ابن جريج: يا حسن، أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس .. فذكره.\nوقال الترمذي: (هذا حديث حسن)، وحسنه النووي في \"الأذكار\" ص (٥٦)، والحافظ ابن حجر في \"نتائج الأفكار\" (٢/ ١١٣) وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح)، وسكت عنه الذهبي.\nوالحديث أخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (١/ ٢٤٣) في ترجمة الحسن بن محمد، وقال: (لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به) ثم قال بعد سياقه الحديث: (لهذا الحديث طرق فيها لين).\nوعلى أي حال فالإسناد ضعيف، لكنه ورد من طريق آخر عن أبي سعيد - ﵁ - أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٢/ ٢٢) وفي سنده ضعف، وله شاهد مرسل بإسناد صحيح، أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٣٣٧) ولعل الحديث بهذه الطرق يقوى ويرتقي إلى درجة الحسن لغيره، كما حسنه من تقدم ذكرهم، والله أعلم.","vol":"3","page":258},{"text":"<span data-type='title' id=toc-291>مشروعية سجود الشكر عند وجود سببه</span>\n٣٤٧/ ٩ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا جَاءَهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ سَاجِدًا لله. رَواهُ الْخَمْسةُ إلاَّ النّسائيَّ.\n٣٤٨/ ١٠ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: سَجَدَ النَّبيُّ ﷺ، فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَه، وقَالَ: «إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَبَشَّرَنِي، فَسَجَدْتُ للهِ شُكْرًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ.\n٣٤٩/ ١١ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ أَنَّ النّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَلِيًّا إلى الْيَمَنِ - فَذَكَرَ الحَدِيثَ - قَالَ: فَكَتَبَ عَليٌّ ﵁ بِإسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكِتَابَ خَرَّ سَاجِدًا، رَوَاهُ الْبَيْهقِيُّ.\nوَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ.\n\nالكلام عليها من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث أبي بكرة فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الجهاد» باب «في سجود الشكر» (٢٧٧٤) والترمذي (١٥٧٨) وابن ماجه (١٣٩٤) وأحمد (٣٤/ ١٠٦) من طريق بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه، عن أبي بكرة، به.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث بكار بن عبد العزيز، وبكار بن عبد العزيز مقارب الحديث) وهذا الإسناد ضعيف، ضعفه النووي (^١) وابن عبد الهادي (^٢)، وعلّة الحديث: بكار بن\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٤/ ٦٨)، \"الخلاصة\" (٢/ ٦٢٩).\n(^٢) \"التنقيح\" (٢/ ٩٧٣).","vol":"3","page":259},{"text":"عبد العزيز، فإنه متكلم فيه، كما ذكر ابن عبد الهادي، قال ابن معين: (ليس بشيء) وفي رواية عنه: (صالح)، وقال البزار: (ليس به بأس) وقال مرة: (ضعيف) وكذا قال يعقوب بن سفيان (^١).\nوأما والده عبد العزيز فقد روى عنه جمع، وذكره ابن حبان والعجلي في الثقات (^٢)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق).\nوأما حديث عبد الرحمن بن عوف فقد أخرجه الحاكم (١/ ٥٥٠) من طريق سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الرحمن بن عوف … ورجاله ثقات غير عبد الواحد بن محمد، فلم يوثقه سوى ابن حبان (^٣).\nوأعلَّه الألباني بجهالة حال عبد الواحد هذا (^٤)، وقد ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا (^٥).\nوأخرجه أحمد (٣/ ٢٠١) من طريق سليمان بن بلال به، دون ذكر عاصم بن عمر.\nوأخرجه - أيضًا - (٣/ ٢٠٠) من طريق يزيد بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن عبد الرحمن بن عوف به.\nورجاله «ثقات عدا» أبا الحويرث، وهو عبد الرحمن بن معاوية، فقد قال عنه الحافظ في «التقريب»: (صدوق سيئ الحفظ)، ومحمد بن جبير لا يصح سماعه من عبد الرحمن بن عوف، ورواه سعيد بن أبي سلمة والدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الواحد، عن عبد الرحمن بن عوف (^٦).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٤١٩).\n(^٢) \"الثقات\" لابن حبان (٥/ ١٢٢)، \"تاريخ الثقات\" للعجلي ص (٣٠٤).\n(^٣) \"الثقات\" (٥/ ١٢٧).\n(^٤) \"الإرواء\" (٢/ ٢٢٩).\n(^٥) \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٥٥)، \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٢٣).\n(^٦) انظر: \"فضل الصلاة على النبي - ﷺ -\" ص (٢٧) رقم (٧).","vol":"3","page":260},{"text":"وقد أعلّ الألباني الحديث - أيضًا - بالاختلاف في إسناده على الوجه المذكور، والظاهر أنه لا يضر - إن شاء الله - لأن عمرو بن أبي عمرو قد يكون رواه من طريق أبي الحويرث، ومن طريق عاصم بن عمر، عن عبد الواحد بن محمد، فحدث به عنهما، ثم رواه عن عبد الواحد مباشرة، فحدث به عنه (^١)، وقد رجح الدارقطني أن الصواب رواية من قال: عن عمرو بن أبي عمرو عن عبد الواحد (^٢).\nوأما حديث البراء بن عازب، فقد أخرجه البيهقي (٢/ ٣٦٩) من طريقين: أحدهما: صحيح، عن أبي عبيدة بن أبي السفر قال: سمعت إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي اسحاق، عن البراء قال: (بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه، ثم إن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب - فذكره بطوله إلى أن قال في آخره ـ: فأسلمت همدان جميعًا، فكتب علي ﵁ إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خرَّ ساجدًا، ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان، السلام على همدان).\nوإسناده حسن، أبو عبيدة بن أبي السفر - بفتح الفاء - واسمه أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي السفر، قال عنه في «التقريب»: (صدوق يهم)، ومثله شيخه إبراهيم بن يوسف، وأبو إسحاق وهو السبيعي قيل: إنه اختلط بأخرة، وذكر ذلك الذهبي فقال: (شاخ ونسي، ولم يختلط) (^٣).\nوقد أخرج البخاري هذا الحديث في صحيحه (٤٣٤٩) من طريق شريح بن مسلمة، حدثنا إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، حدثني أبي، عن أبي إسحاق، سمعت البراء ﵁: (بعثنا رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد إلى اليمن، قال: ثم بعث عليًا بعد ذلك مكانه … الحديث)، وهو سياق مختصر\n_________\n(^١) انظر: \"سجود الشكر\" للجبرين ص (٣٢).\n(^٢) انظر: \"العلل\" (٤/ ٢٩٨).\n(^٣) انظر: \"الميزان\" (٣/ ٢٧٠)، \"الكواكب النيرات\" ص (٣٤١).","vol":"3","page":261},{"text":"ليس فيه تمام الحديث المتقدم، لذا لم يرد فيه ذكر سجود الشكر، لكن قال البيهقي: (وسجود الشكر في تمام الحديث صحيح على شرطه).\nوالمقصود أن هذه الأحاديث في هذا الباب يقوي بعضها بعضًا، وفيه أحاديث أخرى وآثار عن الصحابة ﵃ تقوم بها الحجة.\n\nالوجه الثاني: هذه الأحاديث تدل على مشروعية سجود الشكر وأنه سنة يستحب فعلها عند وجود سببه، وهو تجدد نعمة أو اندفاع نقمة، سواء أكان ذلك خاصًا بالساجد كما يأتي، أم عامًا لجميع المسلمين، كانتصار المسلمين وهزيمة أعدائهم.\nوهو إنما شرع عند النعم المتجددة، أما النعم المستمرة كنعمة الإسلام ونعمة العافية والغنى عن الناس ونحو ذلك فهذه لا يشرع السجود لها، لأن نعم الله دائمة لا تنقطع، فلو شرع السجود لذلك لاستغرق الإنسان عمره في السجود، وإنما يكون شكر هذه النعم وغيرهما بالعبادة والطاعة لله تعالى.\nولا يلزم أن تكون النعمة عامة بل يجوز - على الراجح من قولي أهل العلم - السجود عند حدوث نعمة خاصة أو اندفاع نقمة عنه، كأن يرزقه الله ولدًا، أو يجد ضالته، أو ينجيه الله تعالى من هلكة، ونحو ذلك.\nوقد ورد في الصحيحين أن كعب بن مالك ﵁ سجد شكرًا لله لما بُشر بتوبة الله عليه (^١)، وكان ذلك في عهد النبي ﷺ والقرآن ينزل، فدل على مشروعيته.\nوسجود الشكر من السنن المهجورة بين الناس في هذا الزمان، فينبغي للمسلم إحياؤها عند حصول سببها.\nوالراجح من قولي أهل العلم أن سجود الشكر لا تشترط له الطهارة إذ لا دليل على ذلك، ولأن سبب السجود قد يأتي فجأة والإنسان غير متطهر، ويسجد الإنسان على حاله من قيام أو جلوس، فإن كان قائمًا خَرَّ ساجدًا من قيام، وإن كان جالسًا سجد على حاله، ولا يلزمه أن يقوم فيسجد، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٨/ ٤٤) ومسلم (٢٧٦٩).","vol":"3","page":262},{"text":"<span data-type='title' id=toc-292>باب صلاة التطوع</span>\nصلاة التطوع: مركب إضافي، من إضافة الشيء إلى نوعه، لأن الصلاة قد تكون فرضًا، وقد تكون تطوعًا.\nوالتطوع لغة: تكلف الطاعة والتبرع بما لا يلزم من الخير أو الزيادة التي ليست لازمة، ولا يقال تَطَوَّعَ إلا في باب الخير والبر.\nوشرعًا: كل طاعة ليست بواجبة، والمراد بقولنا: (ليست واجبة) أي: بحق الإسلام، كالصلوات الخمس الواجبة، وإلا فقد تكون صلاة التطوع واجبة بأسبابها، كدخول المسجد سبب لوجوب تحية المسجد - على أحد القولين - ووجوب الوفاء بالنذر سبب لوجوب الصلاة المنذورة، وهكذا.\nوالحكمة من مشروعية التطوع:\n١ - جبر ما قد يكون في أداء الفريضة من خلل وتقصير، فإن الفرائض يعتريها النقص، إما في شروطها أو أركانها أو واجباتها، وقد دل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، يقول ربنا جل وعزَّ لملائكته - وهو أعلم - انظروا في صلاة عبدي، أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئًا قال: انظروا هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٨٦٤) والنسائي (٢/ ٢٣٢) والترمذي (٤١٣) وابن ماجه (١٤٢٥) وأحمد (٢/ ٢٩٠) من طرق، عن أبي هريرة - ﵁ -، وصححه الألباني في \"صحيح سنن الترمذي\" (١/ ١٣٠)، راجع: \"مسند الإمام أحمد\" (١٣/ ٢٧٨) وكلام المحققين على هذا الحديث.","vol":"3","page":263},{"text":"٢ - تهيئة المسلم للترقي في درجات القرب من الله تعالى حتى يصل إلى درجة محبة الله ﷿ له، وقد جاء في ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يقول الله ﵎: ما تقرب إلي عبدي بأفضل مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه …» الحديث (^١).\n٣ - ومن فوائد صلاة التطوع ما أشار إليه الإمام الشاطبي ﵀ من أن المندوبات بمنزلة الحمى والحارس للواجبات إذ هي رياضة للنفس، يستدعى القيام بها أداء الفرائض، فمن أدى النوافل فإنه لا محالة يؤدي الواجب، ومن قصر في أداء النوافل، فهو عرضة لأن يقصر في أداء الواجبات (^٢)، وهذا بيِّن مشاهد.\n٤ - ومن فوائد التطوع: تحصيل الثواب والأجر المرتب على فعل الصلوات، كما دلت السنة على ذلك، مما سيأتي بعضه إن شاء الله.\n٥ - ومن فوائد التطوع: توطين النفس وتمرينها على العبادة لتعتاد على ذلك ويسهل عليها فعل الطاعة فتلتذ بها، ويحصل لها الخشوع والخضوع، فتسهل عليها الفرائض وتتهيأ لها.\n٦ - أن العناية بالنوافل من أعظم الأسباب في صلاح القلب واستقامته وطهارته، وبذلك تصلح أموره وتستقيم أحواله.\n٧ - ومن فوائدها: شغل الوقت بأفضل الطاعات وأجل القربات، وهي الصلاة.\n٨ - الاقتداء بالنبي ﷺ بأداء النوافل، وكذا السابقين المقربين من سلف هذه الأمة الذين هم في أعلى المراتب عند الله تعالى. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢).\n(^٢) \"الموافقات\" (١/ ١٥١).","vol":"3","page":264},{"text":"<span data-type='title' id=toc-293>فضل صلاة التطوع</span>\n٣٥٠/ ١ - عَنْ رَبيعَة بْنِ كعب الأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قالَ لِي النبي ﷺ: «سَلْ»، فقُلْتُ: أَسَأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ، فَقَالَ: «أَوَ غَيْرَ ذلِكَ؟»، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: «فَأعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». رَوَاهُ مُسلم.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو ربيعة بن كعب بن مالك، أبو فراس الأسلمي، صحب النبي ﷺ قديمًا، ولازمه حضرًا وسفرًا، وخدمه، وكان من أهل الصُّفَّة، وبقي في خدمة النبي ﷺ إلى أن قُبض، ثم خرج من المدينة، فنزل في بلاد أَسْلَمَ على بريد منها، ومات سنة ثلاث وستين، وليس له في الكتب الخمسة إلا هذا الحديث (^١)، وقد نص على ذلك المنذري (^٢)، وأما البخاري فلم يخرج له شيئًا (^٣)، وقد وقع في بعض نسخ البلوغ: (ربيعة بن مالك)، فإما أن يكون وهمًا من الحافظ، أو من بعض النساخ، والله أعلم.\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم (٤٨٩) في كتاب «الصلاة» باب «فضل السجود والحث عليه» من طريق الأوزاعي قال: (حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة، حدثني ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سل …» الحديث).\n_________\n(^١) \"تحفة الأشراف\" (٣/ ١٦٨).\n(^٢) \"مختصر السنن\" (٢/ ٩٤).\n(^٣) \"الاستيعاب\" (٣/ ٢٦٤) \"الإصابة\" (٣/ ٢٧٠).","vol":"3","page":265},{"text":"الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل صلاة التطوع، وأنها من أعظم الطاعات، وأقوى الأسباب لعلو الدرجات في جنات النعيم، والمراد بالسجود هنا: صلاة التطوع، ولهذا ذكر الحافظ هذا الحديث في أول هذا الباب، وكأن الذي صرف اللفظ عن ظاهره هو أن السجود بغير صلاة أو لغير سبب غير مرغَّب فيه على انفراده، والسجود وإن كان يصدق على صلاة الفرض لكن الإتيان بالفرائض لا بد منه لكل مسلم، وإنما أرشده النبي ﷺ إلى شيء يختص به، ينال به ما طلبه.\nوالتعبير بالسجود عن الركعة وقع في بعض الأحاديث، كما تقدم في «المواقيت» وكما سيأتي هنا، وقد يعبر عن الشيء ببعضه، لا سيما إذا كان هذا البعض أهم ما فيه، والسجود أهم ما في الصلاة، لما فيه من كمال الخضوع والذل والاستكانة لله تعالى، والقرب منه، لأنه غاية التواضع والعبادة لله تعالى، وفيه تمكين أعز أعضاء الإنسان وأعلاها وهو وجهه من التراب الذي يداس ويمتهن.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على سُمُوِّ نفس ربيعة ﵁ وعلى شرف مطلبه، وعلو همته عن الدنيا الفانية، وشهواتها الزائلة، فلم يطلب جاهًا ولا مالًا، وإنما تاقت نفسه إلى أعلى المراتب، حيث سأل مرافقة النبي ﷺ في الجنة، فصارت همته متعلقة بالمنازل العالية في الدار الآخرة، لا بالدنيا وشهواتها ولذاتها العاجلة، وقد ذكر القرطبي أن المراد بذلك: الزيادة من القرب ورفعة الدرجات، حتى يقرب من منزلة النبي ﷺ وإن لم يساوه فيها (^١).\nومثل هذا الحديث حديث ثوبان ﵁ عندما سأل النبي ﷺ عن عمل يدخله الله به الجنة، فقال ﷺ: «عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحَطَّ عنك بها خطيئة» (^٢).\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٢/ ٩٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٨٨).","vol":"3","page":266},{"text":"فعليك أخي المسلم بالاستكثار من الطاعات، ولا سيما نوافل الصلاة، فإن أحبَّ الخلق إلى الله تعالى أعظمهم استكثارًا من طاعته.\nقال عبد الله بن مسعود ﵁: (ما دمت في صلاة، فأنت تقرع باب الملك، ومن يقرع باب الملك يفتح له) (^١).\n_________\n(^١) \"حلية الأولياء\" (١/ ١٣٠).","vol":"3","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-294>بيان السنن الراتبة التابعة للفرائض</span>\n٣٥١/ ٢ - عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: حَفِظْتُ مِنَ النَّبيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايةٍ لَهُمَا: وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمعَةِ فِي بَيْتِهِ.\n٣٥٢/ ٣ - وَلِمُسْلِمٍ: كَانَ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَا يُصَلِّي إلاَّ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْن.\n٣٥٣/ ٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵄: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث ابن عمر ﵄ فقد أخرجه البخاري في كتاب «التهجد»، باب «الركعتين قبل الظهر» (١١٨٠) ومسلم في كتاب «صلاة المسافرين»، باب «فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن وبيان عددهن» (٧٢٩) من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر به، وهذا لفظ البخاري.\nوالرواية المذكورة عند البخاري في كتاب «الجمعة»، باب «الصلاة بعد الجمعة وقبلها» (٩٣٧)، ومسلم في الباب المذكور (٧٢٩) من طريق مالك، عن نافع عن ابن عمر، ولفظ البخاري: (وكان لا يصلي الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين)، ولفظ مسلم: (… وبعد الجمعة سجدتين، فأما المغرب","vol":"3","page":268},{"text":"والعشاء والجمعة فصليت مع النبي ﷺ في بيته)، وبهذا يتبين أن الحافظ ساق هذه الرواية بالمعنى، ولعل الحافظ ذكرها لأنها أفادت فائدتين:\nالأولى: أنها أفادت سنة الجمعة البعدية، وهي زائدة على العشر.\nالثانية: أنه ﷺ كان يصليها في بيته.\nوعلى هذا فيكون قوله: (حفظت عشر ركعات) منظورًا فيه إلى التكرار كل يوم.\nوأما الحديث الثاني فقد رواه مسلم (٧٢٣) (٨٨) من طريق زيد بن محمد قال: سمعت نافعًا يحدث عن ابن عمر، عن حفصة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين)، وهو عند البخاري - أيضًا - (١١٧٣) (١١٨١) بلفظ: (أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر صلّى ركعتين).\nولعل الحافظ أورد هذه الرواية من حديث حفصة لأنها أفادت تخفيف ركعتي الفجر - كما سيأتي - وأنه لا يصلي بعد طلوعه سواهما، وإلا فهما معدودتان في العشر في حديث ابن عمر ﵄ كما تقدم.\nوأما حديث عائشة فقد أخرجه البخاري في كتاب «التهجد»، باب «الركعتين قبل الظهر» (١١٨٢) من طريق شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن عائشة ﵂ به.\nوظاهر الحديث لا يطابق تبويب البخاري، لكن يحتمل أنه أراد بذكره في هذا الباب بيان أن الركعتين قبل الظهر ليستا حتمًا بحيث تمتنع الزيادة عليهما، وقد ذكر قبله حديث ابن عمر المتقدم في أنه ﷺ كان يصلي قبل الظهر ركعتين.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية التنفل بهذه الرواتب، وهي ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد صلاة الجمعة، وركعتان بعد صلاة المغرب، وركعتان بعد صلاة العشاء، وركعتان خفيفتان قبل صلاة الفجر.","vol":"3","page":269},{"text":"فالرواتب عشر، كما عدها ابن عمر ﵄ فإن راتبة الجمعة تحل محل راتبة الظهر، ثم هي لا تتكرر كل يوم، وقد حفظها ابن عمر ﵄ من مشاهدة النبي ﷺ في المسجد أو في بيت أخته حفصة ﵂ زوج النبي ﷺ أو في مواطن أخرى، لأن ابن عمر ليس في بيت النبي ﷺ وإنما هو في بيت أبيه عمر ﵁.\nوقد ورد في حديث عائشة ﵂ لما سئلت عن تطوع النبي ﷺ قالت: (كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعًا، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين … الحديث) (^١).\nوهذا يفيد أن الرواتب ثنتا عشرة ركعة، ويؤيد ذلك حديث أم حبيبة الآتي: (من صلَّى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُني له بهن بيت في الجنة) (^٢).\nفابن عمر ذكر ما اطلع عليه وهو عشرة ركعات، وحديث عائشة فيه زيادة، وكذا حديث أم حبيبة، فمن فعل ذلك حصل على خير كثير وثواب عظيم، مع ما في ذلك من التأسي بالنبي ﷺ.\nويحتمل أنه ﷺ كان يصلي مرة عشرًا على ما في حديث ابن عمر، واثنتي عشرة على ما في حديث عائشة، وهذا قريب، لأن عائشة ﵂ إنما تطلع على ما يفعله النبي ﷺ إذا كان في بيتها، وهو ليس عندها إلا يومان من تسعة أيام منذ وهبت سودة يومها لعائشة ﵄، وابن عمر قد يطلع على بقية الأيام في المسجد أو في بيت حفصة أو في مواضع أخرى كما تقدم.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الأفضل في راتبة الجمعة والمغرب والعشاء أن تصلى في البيت، وقد سكت عن مكان راتبة الفجر، ولعل ذلك لشهرة كونه ﷺ يصليها في بيته، وقد وقع في رواية للبخاري عن ابن عمر قال: (وحدثتني أختي حفصة أن النبي ﷺ كان يصلي سجدتين\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٣٠). وعند البخاري من حديثها: (كان لا يدع أربعًا قبل الظهر).\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٢٨).","vol":"3","page":270},{"text":"خفيفتين بعد ما يطلع الفجر، وكانت ساعة لا أدخل على النبي ﷺ فيها).\nوقد سكت عن بيان مكان راتبتي الظهر، وقد دل حديث عائشة المتقدم أنه ﷺ كان يصليها في بيته.\nوقد ورد في الحث على صلاة النافلة في البيت وبيان فضلها أحاديث كثيرة، منها: حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورًا» (^١).\nوعن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»، وسأذكره بتمامه في «الإمامة» - إن شاء الله - حيث ذكره الحافظ هناك.\nوعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا» (^٢).\nوصلاة النافلة في البيت فيها فوائد عظيمة، منها:\n١ - تمام الخشوع والإخلاص والبعد عن الرياء.\n٢ - تحقيق الخيرية الموعود بها، ومن ذلك نزول الرحمة، وطرد الشيطان، ومضاعفة الأجر، ووجود القدوة الصالحة، وتربية أهل البيت من النساء والصغار.\n٣ - أن فعلها في المنزل يخرج البيت عن كونه كالمقبرة.\n٤ - امتثال أمر الرسول ﷺ الذي حثنا على صلاة النافلة في البيت. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٢) ومسلم (٧٧٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٧٨).","vol":"3","page":271},{"text":"<span data-type='title' id=toc-295>بيان ما تختص به راتبة الفجر</span>\n٣٥٤/ ٥ - وَعَنْهَا قَالَتْ: (لَمْ يَكُنِ النَّبيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n٣٥٥/ ٦ - وَلِمُسْلِمٍ: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما الأول فقد أخرجه البخاري في كتاب «التهجد»، باب «تعاهد ركعتي الفجر» (١١٦٩) ومسلم (٧٢٤) (٩٤) من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة ﵂ به، واللفظ للبخاري.\nوأما حديثها الثاني فقد أخرجه مسلم (٧٢٥) من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة ﵂ به.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (على شيء من النوافل) أي: نوافل الصلاة، والنفل: الزيادة، والمراد هنا: الرواتب التابعة للفرائض، سميت بذلك لأنها زائدة على الفرائض.\n\nقوله: (أشد تعاهدًا) أي: أقوى وأكثر محافظة، وهو يفيد أنه ﷺ كان يتعاهد النوافل ويحافظ عليها، لكن راتبة الفجر أكثر تعاهدًا.\n\nقوله: (على ركعتي الفجر) أي: راتبة الفجر، لأن الفريضة ليست من النوافل.","vol":"3","page":272},{"text":"قوله: (خير من الدنيا) أي: أكثر غنيمة من كل شيء قبل يوم القيامة، وفي رواية لمسلم: (لهما أحب إلي من الدنيا جميعًا).\n\nقوله: (وما فيها) أي: ما في الدنيا من المال والأهل والبنين وغيرها من زينة الدنيا وزهرتها.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على اختصاص راتبة الفجر بشدة محافظة النبي ﷺ عليها وأنها خير من الدنيا وما فيها، وقد اجتمع في هذه الراتبة القول منه ﷺ في الترغيب فيها، والفعل منه ﷺ في المحافظة عليها، ولهذا كان النبي ﷺ لا يدعها حضرًا ولا سفرًا (^١) بخلاف الرواتب الأخرى فكان لا يصليها في السفر، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٨٠)، وانظر: \"زاد المعاد\" (١/ ٤٧٣).","vol":"3","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-296>ثواب من صلى في اليوم والليلة من النوافل اثنتي عشرة ركعة</span>\n٣٥٦/ ٧ - عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رَكْعَةً فِي يَومٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: «تَطَوُّعًا».\n٣٥٧/ ٨ - وَلِلتِّرْمِذِي نَحْوُهُ، وَزَادَ: «أَربَعًا قَبلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ».\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهي رملة بنت أبي سفيان - صخر بن حرب - أم المؤمنين، تكنى بأم حبيبة، وهي بها أشهر من اسمها، ولدت قبل البعثة بسبعة عشر عامًا، وهي من السابقات إلى الإسلام، أسلمت بمكة، وهاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة، ثم تنصر زوجها وارتد عن الإسلام ففارقته، ثم تزوجها النبي ﷺ وهي بالحبشة، خطبها له النجاشي، وأصدقها عنه وبعثها إليه، وكان ذلك سنة ست أو سبع من الهجرة، ولعل الرسول ﷺ تزوجها لأمرين:\n١ - تأليف أبيها أبي سفيان وترغيبه في الدخول في الإسلام، وتخفيف الأذى عن المسلمين، ولذا افتخر أبو سفيان بالرسول ﷺ ولم ينكر كفاءته له إلى أن هداه الله للإسلام.","vol":"3","page":274},{"text":"٢ - تكريم أم حبيبة على إيمانها وهجرتها، وجبر خاطرها، وإنهاء وحشتها بسبب فراق زوجها وهي في تلك البلاد.\nروت عن النبي ﷺ أحاديث، وروت عنها بنتها حبيبة، وأخواها عنبسة ومعاوية، ماتت بالمدينة سنة أربع وأربعين ﵂ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما الأول فقد أخرجه مسلم (٧٢٨) (١٠١) في كتاب «صلاة المسافرين»، باب «فضل السنن الراتبة» من طريق النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس قال: (حدثني عنبسة بن أبي سفيان في مرضه الذي مات فيه بحديث يَتَسارُّ إليه (^٢)، قال سمعت أم حبيبة تقول: فذكرته، وفي آخره: قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ، وقال عنبسة: فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة، وقال عمرو بن أوس: ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة، وقال النعمان بن سالم: ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو ابن أوس). وفي رواية (١٠٢): (من صلى في يوم ثنتي عشرة سجدة تطوعًا …).\nوفي رواية - أيضًا - (١٠٣): (ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير فريضة إلا بنى الله له بيتًا في الجنة).\n\nوقوله: (تطوعًا) تمييز للاثنتي عشرة، زيادة في البيان، وإلا فإنه معلوم أن المراد التطوع لا الفريضة.\nوأما الحديث الثاني، فقد أخرجه الترمذي (٤١٥) في أبواب «الصلاة»، باب «ما جاء فيمن صلّى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة من السنة وما له من الفضل»، والنسائي (٣/ ٢٦٢) من طريق سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن المسيب بن رافع، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة ﵂ قالت: قال\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٣/ ١٣)، \"الإصابة\" (١٢/ ٢٦٠).\n(^٢) يتسار إليه -بفتح الياء وضمها- أي: يُسرُّ به، من السرور لما فيه من البشارة مع سهولته.","vol":"3","page":275},{"text":"رسول الله ﷺ: «من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة بُنِيَ له بيت في الجنة: أربعًا قبل الظهر …» الحديث، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).\nوذكر الحافظ حديث الترمذي؛ لأن فيه تفصيلًا لما أجملته رواية مسلم، حيث بين أوقات هذه النوافل.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على عظم ثواب من صلى في يوم وليلة من النوافل ثنتي عشرة ركعة، وأن ذلك من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار مع أداء الفرائض وترك المحارم، وهي أربع قبل الظهر، واثنتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل صلاة الصبح. كما ورد تفصيل ذلك في رواية النسائي والترمذي، وهي التي كان النبي ﷺ يصليها كما مر في حديث ابن عمر وعائشة ﵃، فاجتمع فيها القول والفعل من النبي ﷺ.\nفإذا أضيف إليها قيام الليل إحدى عشرة ركعة مع الفرائض سبع عشرة ركعة فهذه أربعون ركعة، من حافظ عليها حاز خيرًا كثيرًا وفضلًا عظيمًا، وما أسرع الإجابة وأعجل فتح الباب لمن يقرعه كل يوم وليلة أربعين مرة، نسأل الله من فضله. والله أعلم.","vol":"3","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-297>فضل الأربع قبل الظهر وبعدها</span>\n٣٥٨/ ٩ - وَلِلْخَمْسَة عَنْهَا: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ».\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (١٢٦٩) في كتاب «الصلاة»، باب «الأربع قبل الظهر وبعدها» والترمذي (٤٢٧) والنسائي (٣/ ٢٦٦) وابن ماجه (١١٦٠) وأحمد (٤٤/ ٣٤٧ - ٣٥٨) من طريق عنبسة بن أبي سفيان، قال: قالت أم حبيبة زوج النبي ﷺ، قال رسول الله ﷺ: … فذكرته، وهذا الحديث له طرق، وهو حديث صحيح.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على فضل أربع ركعات قبل صلاة الظهر وأربع بعدها، وأن ذلك مع أداء الفرائض واجتناب المحارم من أسباب النجاة من النار، وما أخَفَّها وأسهلها إذا اعتادها المسلم ورَوَّضَ نفسه عليها.\nوالأربع التي قبل الظهر تقدم ما يدل على فضلها - أيضًا - وأن النبي ﷺ كان يصليها كما روته عائشة ﵂، وأما الأربع التي بعدها فاثنتان من السنة المؤكدة كما مر، والأخريان غير مؤكدتين. والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":277},{"text":"<span data-type='title' id=toc-298>حكم الأربع قبل صلاة العصر</span>\n٣٥٩/ ١٠ - عَنْ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «رَحِمَ اللهُ امْرَءًا صَلَّى أرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَهُ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (١٠/ ١٨٨) وأبو داود (١٢٧١) في كتاب «الصلاة» باب «الصلاة قبل العصر» والترمذي (٤٣٠) وابن خزيمة (١١٩٣) من طريق سليمان بن داود الطيالسي، قال: حدثنا محمد بن مسلم بن مهران القرشي، قال: حدثني جدي أبو المثنى، عن ابن عمر ﵄ به.\nقال الترمذي: (هذا حديث غريب حسن) وفي بعض النسخ (حسن غريب) وهو الذي نقله المزي (^١)، وهذا الحديث مختلف فيه، فقد صححه ابن خزيمة - كما ذكر الحافظ ـ، وابن حبان (٦/ ٢٠٦) وحسنه الترمذي، لكنه قال: (غريب)، وصححه - أيضًا - النووي (^٢)، والألباني (^٣).\nوأعلَّه غيرهم، فقد قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: سألت أبا الوليد الطيالسي عن حديث محمد بن مسلم بن المثنى، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «رحم الله امرءًا صلّى قبل العصر أربعًا»، فقال: دع ذا، فقلت: إن أبا داود قد رواه، فقال أبو الوليد: كان ابن عمر يقول:\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (٢٤/ ٣٣٣).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٢٥٢)، \"رياض الصالحين\" (٩٨٠).\n(^٣) \"صحيح الترغيب\" (١/ ٣١٢)، \"صحيح سنن أبي داود\" (١/ ٢٣٧).","vol":"3","page":278},{"text":"(حفظت عن النبي ﷺ عشرة ركعات في اليوم والليلة) فلو كان هذا لعدَّه، قال أبي: يعني كان يقول: حفظت اثنتي عشرة ركعة (^١).\nوقد ذكر ابن القيم أنّ هذا ليس بعلة؛ لأن ابن عمر ﵄ إنما أخبر عن فعل النبي ﷺ ولم يخبر عن غير ذلك، ولذا أخبرت عائشة أنه كان يصلي قبل الظهر أربعًا، ولم يذكر ذلك ابن عمر، فكذا هنا، وعليه فلا تنافي بين الحديثين البتة (^٢).\nوهذا الحديث جاء من رواية محمد بن مسلم بن مهران عن ابن عمر، وهو متكلم فيه، فقد قال عنه أبو زرعة: واهٍ، وليَّنه ابن مهدي (^٣)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٤) وقال: (يخطئ)، وقال ابن عدي: (ليس له من الحديث إلا اليسير، ومقدار ما له من الحديث لا يتبين فيه صدقه من كذبه) (^٥)، وقال ابن معين والدارقطني: (لا بأس به) (^٦)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق يخطئ).\nوأما جده أبو المثنى، وهو مسلم بن المثنى، فقد روى عنه جمع، وقال أبو زرعة: (ثقة)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٧).\nوالظاهر - والله أعلم - أنه لا يقبل تفرد محمد بن مسلم بهذا الحديث، فإن إعلال أبي الوليد وجيه، ثم أين سالم ونافع - رواة ابن عمر - عن هذا الحديث؟! والترمذي لما حسنه استغربه، كما تقدم.\n\nالوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: باستحباب أربع ركعات قبل صلاة العصر وأنه ينبغي المحافظة عليها رجاء الدخول في دعوة النبي ﷺ على القول بأن قوله: (رحم الله امرأً) دعاء، أو يدخل في ضمن من ﵏ على القول بأنه خبر، كما ذكر ذلك العراقي ﵀.\n_________\n(^١) \"العلل\" (١/ ٣٦٠)، \"زاد المعاد\" (١/ ٣١١).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (١/ ٣١١).\n(^٣) \"الميزان\" (٤/ ٢٦).\n(^٤) (٧/ ٣٧١).\n(^٥) \"الكامل\" (٦/ ٢٤٣).\n(^٦) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ١٥).\n(^٧) (٧/ ٣٩٢).","vol":"3","page":279},{"text":"ولم تكن الأربع من السنن المؤكدة، لأنه لم يرو أن النبي ﷺ واظب عليها، ولهذا لم يذكرها ابن عمر ولا عائشة ﵄.\nوقد جاء في حديث علي ﵁ في وصف تطوع النبي ﷺ بالنهار قال فيه: (وأربعًا قبل العصر، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين) (^١).\nوعلى هذا الحديث تكون الأربع قبل العصر وردت فيها السنة القولية والفعلية، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنها من الرواتب، كما نقل ذلك ابن قدامة عن أبي الخطاب الحنبلي (^٢)، وهي من المسائل التي انفرد بها (^٣)، ونقل المجد ابن تيمية وجهين للحنابلة (^٤)، وصرح صاحب «المهذب» من الشافعية بأنها من الرواتب، ووافقه على ذلك النووي (^٥).\nوذهب آخرون من أهل العلم إلى أن حديث علي ﵁ لا يصح، وأن النبي ﷺ لم يكن يصلي قبل العصر (^٦)، وهذا هو الذي تقتضيه الصناعة الحديثية، فإن تفرد عاصم بهذا الحديث - وهو متكلم فيه - مع مخالفته\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٩٨)، والترمذي (٤٢٩)، والنسائي (٢/ ١١٩)، وابن ماجه (١١٦١)، وأحمد (٢/ ٧٩) من طريق أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة قال: (سألنا عليًا عن صلاة رسول الله -ﷺ- من النهار .. الحديث).\nوالحديث حسنه الألباني في \"الصحيحة\" (٢٣٧)، وقال محققو المسند: (إسناده قوي) وعاصم بن ضمرة متكلم فيه، وقد روى له أصحاب السنن، ووثقه ابن المديني والعجلي، وقال النسائي: (ليس به بأس)، وقال الترمذي: (ثقة عند أهل الحديث)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق).\nوضعفه ابن عدي (٥/ ٢٢٥) والجوزجاني، وابن حبان كما في \"المجروحين\" (٢/ ١٠٧)، وقد جاء في \"مسند الإمام أحمد\" في نهاية هذا الحديث، قال حبيب بن أبي ثابت لأبي إسحاق حين حدثه: (يا أبا إسحاق، يَسْوى حديثك هذا ملءَ مسجدك ذهبًا)، أي: يساوي، وقد يكون أراد بذلك تصحيح هذا الحديث وتقويته، لكن لا يلزم منه ذلك، فقد يكون لغرابته وتفرده، لكونه ليس عند غيره.\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ٥٣٩).\n(^٣) \"ذيل الطبقات\" (١/ ١٢٠).\n(^٤) \"المحرر\" (١/ ٨٨).\n(^٥) \"المجموع\" (٤/ ٨).\n(^٦) انظر: \"فتاوى ابن تيمية\" (٢٣/ ٢٣ - ٢٦).","vol":"3","page":280},{"text":"للأحاديث الصحيحة، وللملازمين من صحابته، كل هذه قرائن على ضعف الحديث، والعلم عند الله تعالى.\nقال ابن القيم: (وأما الأربع قبل العصر فلم يصح عنه ﵇ في فعلها شيء، إلا حديث عاصم بن ضمرة عن علي … ثم ذكره، وقال: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ينكر هذا الحديث ويدفعه جدًا، ويقول: إنه موضوع، ويذكر عن أبي إسحاق الجوزجاني إنكاره …) (^١)، وقد ذكر ابن حجر في «تهذيب التهذيب» كلام الجوزجاني، ورد عليه، ودافع عن عاصم (^٢).\nوالظاهر أنه أنكره لذكر الركعات الأربع قبل العصر، وأما ألفاظ الحديث الأخرى التي فيها نوافل الظهر … إلخ، فلها شواهد في الصحيحين وغيرها، كما تقدم.\nوقد ورد عند أبي داود بلفظ: (ركعتين قبل العصر) (^٣)، وقد حكم الألباني عليها بالشذوذ؛ لأن جميع الروايات اتفقت على الأربع، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (١/ ٣١١)، وإنكار الجوزجاني موجود في كتابه: \"أحوال الرجال\" ص (٤٣ - ٤٥).\n(^٢) (٥/ ٤١).\n(^٣) \"السنن\" (١٢٧٢).","vol":"3","page":281},{"text":"<span data-type='title' id=toc-299>حكم الركعتين قبل صلاة المغرب</span>\n٣٦٠/ ١١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلِ المُزَنِيِّ ﵁ عَنْ النّبيِّ ﷺ: قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ»، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَن شَاءَ» كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَفي روايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى قَبْلَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ.\n٣٦١/ ١٢ - وَلِمُسْلِمٍ عَنِ أنس ﵁ قَالَ: كنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْن بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَكَان ﷺ يَرَانَا، فَلَمْ يَأمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه لأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عبد الله بن مغفل - بالمعجمة والفاء المشددة - بن غَنْم المزني، بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان يمسك بأغصانها عن وجه رسول الله ﷺ، وكان أحد العشرة الذين بعثهم عمر ﵁ إلى البصرة ليفقهوا الناس، سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، وبها مات سنة تسع وخمسين ﵁ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث عبد الله بن مغفل، فقد أخرجه البخاري (١١٨٣) في كتاب «التهجد»، باب «الصلاة قبل المغرب» من طريق عبد الوارث، عن الحسين، عن ابن بريدة قال: حدثني عبد الله المزني عن النبي ﷺ قال: «صلوا قبل صلاة المغرب - قال في الثالثة - لمن شاء، كراهية أن يتخذها الناس سنة»، وفي رواية له (٧٣٦٨): «خشية أن يتخذها الناس سنة».\n_________\n(^١) \"الإستيعاب\" (٧/ ٣٨)، \"الإصابة\" (٦/ ٢٢٣).","vol":"3","page":282},{"text":"وأخرجه ابن حبان (٤/ ٤٥٧) بلفظ: (أن رسول الله ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين، ثم قال: «صلوا قبل المغرب ركعتين …») وإسناده صحيح على شرط مسلم، وهذا السياق فيه الفعل مع القول، وقد أعرض مسلم عن حكاية الفعل، ويشكل عليه حديث أنس الآتي، فإن ظاهره أن الرسول ﷺ لم يكن يصليهما، والله أعلم.\nوأما حديث أنس: فقد أخرجه مسلم (٨٣٦) في كتاب «صلاة المسافرين»، باب «استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب» من طريق محمد بن فضيل، عن مختار بن فلفل قال: سألت أنس بن مالك عن التطوع بعد العصر، فقال: كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر، وكنا نصلي على عهد النبي ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فقلت له: أكان رسول الله ﷺ صلاهما؟ قال: (كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا).\nولعل الحافظ أورد رواية ابن حبان مع حديث أنس في موضوع الصلاة قبل المغرب لبيان أن هاتين الركعتين اجتمعت فيهما السنة القولية والفعلية والتقريرية، والله تعالى أعلم.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب صلاة ركعتين قبل صلاة المغرب، والذي صرف الأمر في قوله: (صلوا) عن الوجوب قوله: (لمن شاء)، ولذا قال الراوي: (كراهية أن يتخذها الناس سنة) أي: طريقة لازمة أو سنة راتبة يكره تركها، وقد كان كثير من الصحابة ﵃ يصلون هاتين الركعتين، كما حكى ذلك أنس ﵁.\nوهما داخلتان في عموم قوله ﷺ: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، (ثم قال في الثالثة) لمن شاء» (^١).\nوالمراد بـ (الأذانين): الأذان والإقامة، لأن الكل إعلام، فالأذان إعلام بدخول الوقت، والإقامة إعلام بالصلاة والدخول فيها.\nوالركعتان قبل المغرب ليستا من السنن الرواتب، فلا تستحب المداومة عليهما؛ لئلا تأخذا حكم الرواتب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٢٨).","vol":"3","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-300>تخفيف راتبة الفجر وما يقرأ فيها</span>\n٣٦٢/ ١٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْن قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، حَتَّى إنِّي أَقُول: أَقَرَأَ بِأُمِّ الكِتَابِ؟». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n٣٦٣/ ١٤ - وعنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَي الفَجْرِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه لأول: في تخريجهما:\nأما الأول فقد أخرجه البخاري (١١٧١) في كتاب «التهجد»، باب «ما يُقرأ في ركعتي الفجر»، ومسلم (٧٢٤) من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني لأقول: هل قرأ بأمِّ الكتاب؟)، وهذا لفظ البخاري.\nوأما الثاني فقد أخرجه مسلم (٧٢٦) في كتاب «صلاة المسافرين»، باب «استحباب ركعتي الفجر … وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما» من طريق مروان بن معاوية، عن يزيد - هو ابن كيسان - عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ به.\n\nالوجه الثاني: الحديث الأول دليل على استحباب تخفيف راتبة الفجر، فلا يطيل القراءة فيها، ولا يطيل - أيضًا - الركوع والسجود، قال القرطبي: (ليس معنى هذا أنها شكت في قراءته ﷺ فيها بأمِّ القرآن … وإنما","vol":"3","page":284},{"text":"معنى ذلك أنه كان في غيرها من النوافل يقرأ بالسورة يرتلها حتى تكون أطول من أطول منها، بخلاف فعله في هذا، فإنه كان يخفف أفعالها وقراءتها، حتى إذا نُسبت إلى قراءته في غيرها كانت كأنها لم يقرأ فيها …) (^١)، وهذا الأمر الأول الذي اختصت به راتبة الفجر، وهو تخفيفها، والحكمة في ذلك - والله أعلم - المبادرة لصلاة الصبح أول وقتها، وبه جزم القرطبي (^٢).\nوقيل: ليستفتح صلاة النهار بركعتين خفيفتين، كما كان يستفتح قيام الليل بركعتين، للتفرغ للفرض أو لقيام الليل الذي هو أفضل النوافل المطلقة.\n\nالوجه الثالث: الحديث الثاني دليل على استحباب قراءة سورة «الكافرون» في الركعة الأولى، وسورة «الإخلاص» في الثانية من ركعتي الفجر، وهذا الأمر الثاني الذي اختصت به راتبة الفجر، والحكمة من قراءة هاتين السورتين - والله أعلم - أنهما تضمنتا نوعي التوحيد، فسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تضمنت إثبات كل كمال لله تعالى، ونفي كل نقص عنه ﷾، فإن فيها وصف الله تعالى بالوحدانية والصمدية، ونفي الكفؤ عنه والمثل، وهذا هو توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.\nوسورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تضمنت إيجاب عبادته وحده لا شريك له، والتبرئ من عبادة كل ما سواه، وهذا هو التوحيد الطلبي الإرادي، وهو توحيد الألوهية، وتوحيد العبادة.\nوكل من السورتين مشتمل على النوع المذكور نصًا، وعلى النوع الآخر لزومًا.\nوإذا أضيف إلى ذلك استحباب قراءتهما في الوتر - كما سيأتي - اتضح أن من مقاصد ذلك - والله أعلم - أن يكون التوحيد فاتحة عمل العبد وخاتمته.\nكما يستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بالآية من سورة البقرة: ﴿قُولُوا\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٢/ ٣٦٢).\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"3","page":285},{"text":"آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٣٦]، ويقرأ في الثانية التي في آل عمران: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] (^١).\nفينبغي للمسلم أن يقرأ بهذا أحيانًا، وبهذا أحيانًا، ليكون عاملًا بالسنة، فإن القراءة الثانية أشبه ما تكون بالمهجورة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٢٧)، (٩٩) وتقدم -أيضًا- عند شرح الحديث (٢٨٦).","vol":"3","page":286},{"text":"<span data-type='title' id=toc-301>حكم الاضطجاع بعد ركعتي الفجر</span>\n٣٦٤/ ١٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ إذَا صَلَّى رَكْعَتَي الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n٣٦٥/ ١٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ الركْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْصُّبْحِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ». رَوَاهُ أَحْمَد، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِي وَصَحَّحَهُ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث عائشة فقد أخرجه البخاري (١١٦٠) في كتاب «التهجد»، باب «الضِّجعة على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر» من طريق عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني أبو الأسود، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ به.\nوأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه أحمد (١٥/ ٢١٧)، وأبو داود (١٢٦١) في كتاب «الصلاة»، باب «الاضطجاع بعد ركعتي الفجر»، والترمذي (٤٢٠) من طريق عبد الواحد بن زياد، ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ به مرفوعًا.\nوقال الترمذي: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه)، وهذا الإسناد ظاهره الصحة، وهو على شرط الشيخين، لكن له علتان:\nإحداهما: أن عبد الواحد تكلم فيه بعض الحفاظ، فقد تفرد بهذا الحديث عن الأعمش، وهو وإن كان ثقة واحتجَّا به في الصحيحين، إلا أن","vol":"3","page":287},{"text":"في حديثه عن الأعمش مقالًا، كما ذكر ذلك الحافظان الذهبي وابن حجر، وغيرهما، ولما ترجم له الذهبي عدَّ هذا الحديث من مناكيره التي نُقمت عليه، وتجنبها الشيخان (^١).\nالعلة الثانية: أن الأعمش مدلس، وصفه بالتدليس النسائي والدارقطني والذهبي والعلائي وغيرهم، وقد احتمل العلماء تدليسه إذا كان في الصحيحين، كما نص على ذلك الحافظ ابن حجر في رسالته في «التدليس» لأن الشيخين اعتنيا بروايته وانتقيا منها ما ثبت سماعه، وأما غيرهما فلم يعتن بذلك، فلذا تُعلُّ روايته إذا لم يصرح بالسماع، ولكن ذكر الذهبي أنه إذا قال في روايته (عن) تطرق احتمال التدليس، إلا في شيوخ له أكثر عنهم، كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح السمان فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال (^٢)، وقد صحح الحديث جماعة من المتقدمين، منهم الترمذي كما ذكر الحافظ، وابن خزيمة (١١٢٠) وابن حبان (٦/ ٢٢٠) والنووي (^٣) وابن حجر في «الفتح» (^٤)، كما صححه الألباني (^٥).\nوقد حكم الحافظ البيهقي على هذا الحديث بالشذوذ، فإنه لما ذكر حديث أبي هريرة حكايةً عن فعل النبي ﷺ قال: (وهذا أولى أن يكون محفوظًا، لموافقته سائر الروايات عن عائشة وابن عباس) (^٦)، ومعلوم أن مقابل المحفوظ هو الشاذ كما في علوم الحديث، وقد ذكر السيوطي هذا الحديث وجعله مثالًا للشاذ حيث انفرد به عبد الواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش (^٧).\nوقال أبو الطيب محمد شمس الحق: (إن وروده من فعله ﷺ لا ينافي\n_________\n(^١) \"الميزان\" (٢/ ٦٧٢).\n(^٢) \"الميزان\" (٢/ ٢٢٤).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٢٦٥).\n(^٤) (٣/ ٤٤).\n(^٥) \"صحيح الجامع\" (٦٥٥).\n(^٦) \"السنن الكبرى\" (٣/ ٤٥).\n(^٧) \"تدريب الراوي\" (١/ ٢٣٥).","vol":"3","page":288},{"text":"كونه ورد من قوله، فيكون عن أبي هريرة حديثان، حديث الأمر به، وحديث ثبوته من فعله …) (^١).\nوقد ضعف الحديث - أيضًا - شيخ الإسلام ابن تيمية فيما نقله عنه ابن القيم، حيث قال ابن تيمية: (هذا باطل وليس بصحيح، وإنما الصحيح عنه الفعل لا الأمر بها، والأمر تفرد به عبد الواحد بن زياد وغلط فيه …) (^٢)، وممن ضعفه ابن العربي (^٣).\nوعلى هذا فالحديث معلول، وهو الذي رجحه الشيخ عبد العزيز بن باز، لكن على فرض صحته فالأمر فيه للاستحباب، كما سيأتي إن شاء الله.\n\nالوجه الثاني: حديث عائشة ﵂ دليل على مشروعية الاضطجاع على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر، وكذا حديث أبي هريرة ﵁ فإن فيه الأمر بذلك، على القول بصحته.\nوحكمة هذا الاضطجاع الراحة والنشاط لصلاة الصبح، وعلى هذا فتختص بالمتهجد، وقيل: الفصل بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، وعلى هذا فلا تختص.\nوقد جاء في بعض الروايات لحديث عائشة قالت: (إن النبي ﷺ كان إذا صلى سنة الفجر فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع حتى يُؤذَّنَ بالصلاة) (^٤)، فدل ذلك على عدم وجوبها وأنها سنة مستحبة، وأنه إذا تركها بعض الأحيان فلا بأس، كما كان الرسول ﷺ يتركها إذا تحدث مع عائشة، ويكون الأمر في حديث أبي هريرة ﵁ للاستحباب لهذه القرينة، وظاهر الحديث أن الاضطجاع سنة مطلقًا، سواء أقام الليل أم لا، وهذا هو المذهب عند الشافعية والحنابلة (^٥)، وقد روى ابن أبي شيبة فعله عن أبي موسى\n_________\n(^١) \"إعلام أهل العصر بأحكام ركعتي الفجر\" ص (٧٥).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٢/ ٣١٩).\n(^٣) \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٢١٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (١١٦١)، ومسلم (٧٤٣) واللفظ للبخاري.\n(^٥) \"المغني\" (٢/ ٥٤٢)، \"طرح التثريب\" (٣/ ٥١).","vol":"3","page":289},{"text":"ورافع بن خديج وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر وأبي هريرة، وابن سيرين وعروة بن الزبير (^١).\nوالقول الثاني: التفصيل بين من يقوم الليل، فيستحب له الاضطجاع، لأنه يحتاج إلى راحة حتى ينشط لصلاة الفجر، دون غيره، وبه جزم ابن العربي (^٢)، وهذا الاضطجاع لم يرد فيه إلا الفعل المجرد، بناءً على أن حديث أبي هريرة في الأمر به شاذ، وهذا الفعل تعارض فيه الأصل والظاهر، إذ الأصل عدم التشريع في مثل ذلك، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى القول بالإباحة، منهم مالك وجماعة (^٣).\nوالظاهر أن فعله ﷺ مقصود به التشريع لصلته بالعبادة، ولأن الغالب على أفعاله التشريع، إذ هو مبعوث لبيان الشرعيات، ويقوي هذا الظاهر مواظبة النبي ﷺ على هذه الضجعة إن لم يتحدث مع عائشة ﵂ كما تقدم، كما يقوي ذلك حديث أبي هريرة ﵁ عند من يقول بثبوته.\nوفي الاضطجاع أقوال أخرى، والظاهر - والله أعلم - استحباب هذه الضجعة مطلقًا (^٤)، وبه قال أكثر أهل العلم، منهم النووي، والصنعاني، وأبو الطيب محمد شمس الحق (^٥)، وهي تتأكد في حق من صلى بالليل أكثر من غيره.\nوالحكمة من كونها على الجنب الأيمن ما قاله العلامة ابن القيم من أن القلب معلق في الجنب الأيسر، فإذا نام الرجل على الجنب الأيسر استثقل نومًا، لأنه يكون في دعة واستراحة فيثقل نومه، فإذا نام على شقه الأيمن فإنه\n_________\n(^١) \"المصنف\" (٢/ ٢٤٧ - ٢٤٨) \"المحلى\" (٣/ ١٩٨).\n(^٢) \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٢١٦).\n(^٣) \"المدونة\" (١/ ٢١٢).\n(^٤) شذَّ ابن حزم الظاهري في هذه الضجعة فاعتبرها شرطًا في صحة صلاة الصبح لمن صلى ركعتي الفجر، وقد ردَّ عليه الحافظ العراقي. فانظر: \"المحلى\" (٣/ ١٩٦) \"طرح التثريب\" (٣/ ٥٢).\n(^٥) شرح \"صحيح مسلم\" (٥/ ٢٦٤ - ٢٦٥)، \"سبل السلام\" (١/ ٤٢٧) \"إعلام أهل العصر\" ص (٥٥/ ٧٣).","vol":"3","page":290},{"text":"يقلق ولا يستغرق في النوم، لقلق قلبه، وطلبه مستقره وميله إليه، ويمكن أن يضاف إلى ذلك أنه ﷺ كان يحب التيامن في شأنه كله. والعلم عند الله تعالى (^١).\n\nالوجه الثالث: روى مسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن، فيصلي ركعتين خفيفتين (^٢».\nوهذا يدل على أن الاضطجاع بعد صلاة الليل، لا بعد راتبة الفجر، وقد خالف مالك جميع أصحاب الزهري أمثال معمر وعقيل ويونس بن يزيد وشعيب بن أبي حمزة وابن أبي ذئب والأوزاعي وغيرهم في ذكر الاضطجاع، فهم يذكرونه بعد راتبة الفجر، وهو يذكره بعد صلاة الليل.\nفمن أهل العلم من رجح رواية مالك، لأنه أثبت أصحاب الزهري وأحفظهم، ومنهم من قال: بل الصواب في هذا مع من خالف مالكًا، وأن الاضطجاع بعد راتبة الفجر هو المحفوظ، وأما بعد صلاة الليل فهو من أوهام مالك.\nقال البيهقي بعد ذكر الروايتين: (والعدد أولى بالحفظ من الواحد، وقد يحتمل أن يكونا محفوظين، فنقل مالك أحدهما، ونقل الباقون الآخر …) (^٣)، ويحتمل أن يكون المراد بالاضطجاع بعد صلاة الليل في رواية مالك هو نومه ﷺ بين صلاة الليل وصلاة الفجر، الواردة في حديث ابن عباس ﵄ (^٤).\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (١/ ٣٢١)، \"فيض القدير\" (٥/ ١٨٨).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٧٣٦).\n(^٣) انظر: \"السنن الكبرى\" (٣/ ٤٤) \"زاد المعاد\" (١/ ٣٢٠) \"فتح الباري\" لابن رجب (٩/ ١٢٩)، \"فتح الباري\" (٣/ ٤٤) \"إعلام أهل العصر\" ص (٥٦).\n(^٤) انظر: \"التمهيد\" (٨/ ١٢٢).","vol":"3","page":291},{"text":"الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن النبي ﷺ كان يضطجع في بيته، لأنه ﷺ كان يصلي راتبة الفجر فيه، ويؤيد هذا حديث عائشة ﵂ المتقدم: (أن النبي ﷺ كان إذا صلى سنة الفجر فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع حتى يؤذن بالصلاة)، وعلى هذا فلا يشرع فعلها في المسجد إن صلى فيه راتبة الفجر، فإن صلاها في بيته استحب له الاضطجاع، ولم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أنهم فعلوها في المسجد، بل قال ابن حجر: (إنه صَحَّ عن ابن عمر ﵄ أنه كان يحصب من يفعله في المسجد (^١».\nوقال بعض أهل العلم: إن هذه الضجعة تابعةٌ لركعتي الصبح، فإن ركعهما في البيت اضطجع فيه، وهذا أفضل وأكمل، وإن ركعهما في المسجد اضطجع فيه، وإن خالف لا يضره، لأنه ليس فيها تحديد بموضع دون موضع (^٢).\nوالذي يظهر لي - والله أعلم - أنه لا يشرع الاضطجاع في المسجد، لما تقدم من أنه لم يثبت عن الرسول ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أنهم فعلوها في المسجد، ولأن الناس في المسجد يتمون الصف الأول فالأول ويتقاربون حتى قبل إقامة الصلاة، فيكون الاضطجاع في المسجد في مثل هذه الحال غير لائق، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ٣٤٨)، \"فتح الباري\" (٣/ ٤٤).\n(^٢) انظر: \"إعلام أهل العصر\" ص (٧٣).","vol":"3","page":292},{"text":"<span data-type='title' id=toc-302>بيان كيفية صلاة الليل</span>\n٣٦٦/ ١٧ - عَن ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صَلَاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلّى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n٣٦٧/ ١٨ - وَلِلْخَمْسَةِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى». وَقَالَ النَّسَائيُّ: هذَا خَطَأٌ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما الحديث الأول فقد أخرجه البخاري (٩٩٠) في كتاب «الوتر»، باب «ما جاء في الوتر» ومسلم (٧٤٩) من طريق مالك، عن نافع وعبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن صلاة الليل، فقال رسول الله ﵇: «صلاة الليل مثنى مثنى … الحديث»، وفي رواية لمسلم من طريق عقبة بن حريث قال: (سمعت ابن عمر …) فذكر الحديث، وفي آخره: فقيل لابن عمر: (ما مثنى مثنى؟ قال: أن تسلم في كل ركعتين).\nوأما الثاني فقد أخرجه أبو داود (١٢٩٥) في كتاب «الصلاة»، باب «في صلاة النهار» والترمذي (٥٩٧) والنسائي (٣/ ٢٢٧) وابن ماجه (١٣٢٢) وأحمد (٨/ ٤١٠) من طريق شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن علي بن عبد الله البارقي، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا.\nوجاء الحديث - أيضًا - من طريق إسحاق بن إبراهيم الحنيني، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، أخرجه الطحاوي في «شرح معاني","vol":"3","page":293},{"text":"الآثار» (١/ ٣٣٤)، والحنيني ضعيف كثير الوهم والخطأ، وكذا العمري، وهو عبد الله بن عمر، فإنه ضعيف ليس بحجة (^١). كما تقدم.\nوقال النسائي بعد ذكره الحديث: (هذا الحديث عندي خطأ) يعني ذكر (النهار) وقد اختلف العلماء في هذا الحديث بهذه الزيادة اختلافًا شديدًا، فقد صححه جماعة منهم البخاري، فيما نقله عنه البيهقي، وابن خزيمة، وابن حبان، والنووي (^٢)، والشيخ الألباني، والشيخ عبد العزيز بن باز، بناء على أنها زيادة من ثقة فتقبل (^٣).\nوضعفه آخرون، منهم النسائي، كما ذكر الحافظ، والإمام أحمد، وقد ذكر أن شعبة كان يتهيب هذا الحديث (^٤)، والدارقطني في «العلل» (١٣/ ٣٥)، والحاكم، وابن معين (^٥)، والطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٣٣٤)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٦).\nولعل هؤلاء يستدلون على ضعف هذه الزيادة بما يلي:\n١ - أن الحديث رواه عن ابن عمر أكثر من خمسة عشرة نفسًا، وأغلبهم جبال في الحفظ، سرد منهم ابن عبد البر تسعة، منهم: سالم، ونافع، وعبد الله بن دينار، وغيرهم (^٧)، ولم يذكر واحد منهم هذه الزيادة سوى البارقي الأزدي، كما تقدم، وهو صدوق كما قال الذهبي (^٨)، ولم يشتهر في الحفظ والإتقان، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، مع قلة حديثه كما قال ابن عدي، وقد أخرج له مسلم حديثًا واحدًا في الدعاء إذا استوى على الراحلة\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (١٣/ ٢٤٠).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٨٧) \"صحيح ابن خزيمة\" (٢/ ٢١٤)، \"صحيح ابن حبان\" (٦/ ٢٣١)، \"المجموع\" (٤/ ٩٤).\n(^٣) \"تمام المنة\" ص (٢٤٠) \"فتاوى ابن باز\" (١١/ ٣٨٩).\n(^٤) \"مسائل الإمام أحمد لأبي داود\" (٢٩٤).\n(^٥) \"معرفة علوم الحديث\" ص (٥٨)، \"التمهيد\" (١٣/ ٢٤٤).\n(^٦) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٢٨٩).\n(^٧) \"التمهيد\" (١٣/ ٢٤٢).\n(^٨) \"الميزان\" (٣/ ١٤٢).","vol":"3","page":294},{"text":"للسفر، فتكون هذه الزيادة زيادة شاذة، يقول شيخ المفسرين الحافظ محمد بن جرير الطبري: (الحفاظ الثقات إذا تتابعوا على نقل شيء بصفة، فخالفهم واحد منفرد ليس له حفظهم كانت رواية الجماعة الأثبات أحقَّ بصحة ما نقلوا من الفرد الذي ليس له حفظهم) (^١)، وهذا معنى مقرر في علوم الحديث.\n٢ - أنه ورد عن ابن عمر أنه كان لا يرى بأسًا أن يصلي بالنهار أربعًا، ذكره أبو داود في «مسائله عن الإمام أحمد»، وورد عن ابن عمر أنه كان يصلي بالنهار أربعًا أربعًا (^٢)، ولو كان ابن عمر حفظ أن صلاة النهار مثنى مثنى لم يكن يرى أن يصلي بالنهار أربعًا مع شدة اتباعه، فدل على أنه عمل بمفهوم ما روى (^٣). قال الطحاوي: (وقد روي عن ابن عمر ﵄ من فعله بعد رسول الله ﷺ ما يدل على فساد هذين الحديثين …) (^٤)، يقصد حديث الأزدي والحنيني.\n٣ - أن هذه الزيادة لا تناسب سياق الحديث، لأن السائل إنما سأله عن صلاة الليل، والنبي ﷺ وإن كان قد يجيب عن السؤال وزيادة - كما تقدم في أول حديثٍ في هذا الكتاب - لكن هذه الزيادة لا ينتظم بها الكلام، لأنه ذكر فيه قوله: (فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة)، فهذا يناسب تفريعه على ذكر الليل قبله، لا ذكر النهار أيضًا، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (مثنى مثنى) بفتح الميم، وإسكان الثاء المثلثة أي: اثنين اثنين، وهو ممنوع من الصرف، للوصفية والعدل، والتكرار للتأكيد. وقد جاء في رواية مسلم عن عقبة بن حُريث … فقيل لابن عمر: ما مثنى مثنى؟ قال: (أن تسلم في كل ركعتين).\n_________\n(^١) \"تفسير الطبري\" (٩/ ٥٦٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٧٤) وإسناده صحيح، كما قال الألباني.\n(^٣) انظر: \"مسائل الإمام أحمد لأبي داود\" ص (٢٩٤)، و\"فتح الباري\" لابن رجب (٩/ ٩٧).\n(^٤) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٣٤).\n(^٥) \"الفتاوى\" (٢١/ ٢٨٩).","vol":"3","page":295},{"text":"قوله: (فإذا خشي أحدكم الصبح) على حذف مضاف، أي: فإذا خاف أحدكم طلوع الصبح، أي: طلوع الفجر.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن صلاة الليل مثنى مثنى، يسلم من كل ركعتين - كما ورد تفسير الحديث عن ابن عمر ﵄، في رواية مسلم - ويختمها بركعة واحدة توتر له ما صلى إذا خشي طلوع الفجر، وسيأتي إن شاء الله أن النبي ﷺ أوتر بخمس وبسبع وبغير ذلك، وقد أخذ العلماء ومنهم مالك بحديث الباب مستدلًا به على تَعَيُّنِ الفصل بين كل ركعتين من صلاة الليل، لأن هذا ظاهر السياق، لحصر المبتدأ في الخبر، فهو في قوة: ما صلاة الليل إلا مثنى مثنى، لكن يرد على ذلك فعل النبي ﷺ كما سيأتي، وذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن ذلك لا يلزم، وإنما الحديث لبيان الأفضل، لما سيأتي من فعله ﷺ بخلافه، أو يقال: إنه مراد به الإرشاد إلى الأخف، لأن السلام من كل ركعتين أخف على المصلي من الأربع فما فوقها، لما فيه من الراحة غالبًا، وقضاءِ ما يعرض من أمر مهم، ولو كان الوصل لبيان الجواز فقط لما واظب عليه الرسول ﷺ، وقد صح عنه الفصل والوصل.\nويدل بمفهومه على أن صلاة النهار ليست كذلك، وأنه يجوز أن تُصَلَّى أربعًا، كما فعل ابن عمر ﵄ وهو قول ابي حنيفة وصاحبيه، وإسحاق، وصححه الموفق في «المغني» (^١)، واختاره الصنعاني (^٢)، وكأنهم قالوا بذلك للاختلاف في ثبوت لفظة: (صلاة الليل «والنهار» مثنى مثنى).\nوذهب الجمهور إلى أن صلاة النهار كصلاة الليل مثنى مثنى (^٣)، أخذًا بهذه الزيادة، ولأنه أبعد من السهو، وأشبه بصلاة الليل وتطوعات النبي ﷺ، فإن الصحيح في تطوعاته ركعتان، قالوا: وكل حديث ورد فيه ذكر الأربع فالمراد أن يصليها مثنى مثنى.\n_________\n(^١) (٢/ ٥٣٨).\n(^٢) \"طرح التثريب\" (٣/ ٧٥)، \"الأوسط\" (٥/ ٢٣٦)، \"سبل السلام\" (١/ ٤٣٠).\n(^٣) \"الأوسط\" (٣/ ٢٣٥).","vol":"3","page":296},{"text":"والذي يظهر - والله أعلم - أن صلاة النهار موسَّع فيها، فإن صلى الأربع أحيانًا بسلام واحد جاز، وإن سلم من كل ركعتين فهو أفضل، لما تقدم، وأما صلاة الليل فهي مثنى مثنى، لكن لو سرد خمسًا أو سبعًا جاز، كما سيأتي إن شاء الله.\n\nالوجه الرابع: في الحديث دليل على أن وقت الوتر ينتهي بطلوع الصبح، لقوله: (فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة) أي: طلوع الفجر، وسيأتي لذلك مزيد بيان. والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":297},{"text":"<span data-type='title' id=toc-303>فضل صلاة الليل</span>\n٣٦٨/ ١٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم (١١٦٣) في كتاب «الصيام» باب «فضل صوم المحرم» من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل».\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على فضل صلاة الليل وأنها أفضل الصلاة بعد الصلاة المفروضة، وهي أفضل من صلاة النهار، وذلك - والله أعلم - لما فيها من صفاء المناجاة، وتواطؤ القلب واللسان، وقلة الشواغل، والإخلاص، والبعد عن الرياء، لأنها في وقت الراحة والسكون ومحبة النوم، فهو شاقٌّ، إلا على الخاشعين، الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون، قيام الليل كما يقول المنادي:\nيا رجالَ الليل جِدُّوا … رُبَّ داعٍ لا يُردُّ\nما يقومُ الليلَ إلا … من له عَزْمٌ وجِدُّ\nقيام الليل ولو كان قليلًا من أهم المولدات الإيمانية، بما يضفي على صاحبه من نور الوجه، ويقظة القلب، وحلاوة الإيمان، وهو سبب من أسباب دخول الجنة كما ثبت في السنة، وقد ذكر الله في كتابه الكريم عن عباده الصالحين تهجدهم بالليل، قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾","vol":"3","page":298},{"text":"[الذاريات: ١٧]، وقال تعالى في صفة عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦].\nوعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله - ﷺ -، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنتُ وجه رسول الله ﷺ عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلُّوا والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام» (^١).\nفينبغي للمؤمنين أن يكون لهم نصيب من قيام الليل، لأن دقائق الليل غالية، فلا تُرْخَصُ بالغفلة، قال ابن عبد البر: (قيام الليل سنة مسنونة، لا ينبغي تركها، فطوبى لمن يُسِّرَ لها، وأُعينَ عليها، فإن رسول الله ﷺ قد عمل بها، وندب إليها) (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٤٨٥) وابن ماجه (١٣٣٤) وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وانظر: \"السلسلة الصحيحة\" للألباني (٥٦٩).\n(^٢) \"التمهيد\" (١٣/ ٢٠٩).","vol":"3","page":299},{"text":"<span data-type='title' id=toc-304>حكم الوتر</span>\n٣٦٩/ ٢٠ - عَنْ أبي أيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ». رَوَاهُ الأرْبَعَةُ إلاَّ التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَرَجَّحَ النَّسَائيُّ وَقْفَهُ.\n٣٧٠/ ٢١ - وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: «لَيْسَ الْوِتْرُ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ المَكْتُوبَةِ، وَلكِنْ سُنَّةٌ سَنَّها رَسُولُ اللهِ ﷺ». رَوَاهُ النَّسَائيُّ والتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، والحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.\n٣٧١/ ٢٢ - وعَنْ جَابِرِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ انْتَظَرُوه مِنَ الْقَابِلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ، وَقَالَ: «إنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمُ الْوِتْرُ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث أبي أيوب، فقد أخرجه أبو داود (١٤٢٢) في كتاب «الصلاة»، باب «كم الوتر؟» من طريق بكر بن وائل، والنسائي (٣/ ٢٣٨) وابن ماجه (١١٩٠) وابن حبان (٦/ ١٧٠) من طريق الأوزاعي، كلاهما عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، به مرفوعًا.\nورواه النسائي (٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩) من طريق أبي مُعَيْدٍ، ومن طريق الحارث بن مسكين، عن سفيان، كلاهما عن الزهري موقوفًا.","vol":"3","page":300},{"text":"ولما ساقه النسائي في «الكبرى» مرفوعًا وموقوفًا (١/ ٤٤٠ - ٤٤١) قال: (الموقوف أولى بالصواب، والله أعلم)، وهذه العبارة ليست موجودة في «المجتبى»، مع أنه ساق الحديث فيه مرفوعًا وموقوفًا.\nوهذا الحديث رجاله ثقات، رواه عن الزهري جماعة من الثقات، منهم من رفعه، ومنهم من وقفه، منهم: الأوزاعي، وبكر بن وائل، وسفيان بن عيينة، وأبو مُعَيْدٍ - حفص بن غيلان - وغيرهم، لكنه أُعِلَّ بالوقف. وقد ذكر الدارقطني الاختلاف في رفعه ووقفه، ورجح وقفه، قال الحافظ: (صحح أبو حاتم والذهلي والدارقطني في «العلل» والبيهقي، وغير واحد وقفه، وهو الصواب) (^١)، قال الصنعاني: (وله حكم الرفع، إذ لا مسرح للاجتهاد فيه، أي: في المقادير) (^٢)، ووافقه على ذلك الشيخ عبد العزيز بن باز، وقد رجح الألباني الرفع وقال: (ترجيح البيهقي وغيره وقفه مما لا وجه له، لأنه قد رفعه جماعة من الثقات، والرفع زيادة يجب قبولها، كما تقرر في المصطلح) (^٣)، والوقف هو الراجح من جهة الصناعة الحديثية.\nأما حديث علي ﵁ فقد أخرجه النسائي (٣/ ٢٢٩) في كتاب «قيام الليل وتطوع النهار»، باب «الأمر بالوتر» والترمذي (٤٥٣ - ٤٥٤) والحاكم (١/ ٣٠٠) من طريق أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب، به موقوفًا، وقال الترمذي: (حديث حسن).\nوقد رواه عن أبي إسحاق - وهو السبيعي - سفيان الثوري، عند النسائي والترمذي، وسماعه منه قديم، وهو أحفظ من كل من رواه عن أبي إسحاق، كما رواه عنه أبو بكر بن عياش عند الحاكم، ورواه عنه - أيضًا - إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عند الطيالسي (٨٩) وهو من أثبت الناس في جده.\n_________\n(^١) \"علل ابن أبي حاتم\" (٤٩٠)، \"علل الدارقطني\" (٦/ ٩٨)، \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٣/ ٢٤) \"التلخيص\" (٢/ ١٤).\n(^٢) \"سبل السلام\" (٣/ ٢١).\n(^٣) \"صلاة التراويح\" ص (٨٤).","vol":"3","page":301},{"text":"وقد رواه زكريا بن أبي زائدة، وأبو بكر بن عياش كلاهما عن أبي إسحاق مرفوعًا بلفظ: «أوتروا يا أهل القرآن» وسيأتي.\nوقد تقدم الكلام على أبي إسحاق، وعاصم بن ضمرة قريبًا، فالحديث حسن، وقد صححه الألباني (^١).\nأما حديث جابر فقد أخرجه ابن حبان (٦/ ١٦٩ - ١٧٠) في باب «الوتر»: (ذكر الخبر الدال على أن الوتر ليس بفرض) من طريق يعقوب بن عبد الله القُمِّي قال: حدثنا عيسى بن جارية، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في شهر رمضان ثمان ركعات وأوتر، فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد، ورجونا أن يخرج إلينا، فلم ينزل حتى أصبحنا، ثم دخلنا فقلنا: يا رسول الله اجتمعنا في المسجد ورجونا أن تصلي بنا، فقال: (إني خشيت أو كرهت أن يكتب عليكم الوتر).\nوإسناده ضعيف لأن فيه عيسى بن جارية، وعليه مدار الحديث، وهو ضعيف، قال ابن معين: (عنده مناكير، حدث عنه يعقوب القُمِّيُّ وعنبسة قاضي الري). وقال النسائي: (منكر الحديث)، وجاء عنه: (متروك)، وقال ابن عدي: (أحاديثه غير محفوظة)، وقال أبو زرعة: (لا بأس به)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٢).\nقال الصنعاني عن حديث جابر ﵁: (أبعد المصنف النُّجْعَةَ، والحديث في البخاري إلا أنه بلفظ: (أن تفرض عليكم صلاة الليل» (^٣) وهذا فيه نظر، فإن الحديث الذي في البخاري ليس فيه ذكر الوتر، وليس هو من حديث جابر ﵁ وإنما هو من حديث عائشة ﵂.\n\nالوجه الثاني: حديث أبي أيوب دليل للقائلين بوجوب الوتر، وهو اسم للركعة المنفصلة عما قبلها، واسم للثلاث والخمس والسبع والتسع إذا جمعن بسلام واحد، فإن كانت الثلاث بسلامين كان الوتر اسمًا للركعة المنفصلة (^٤).\n_________\n(^١) \"صحيح سنن الترمذي\" (١/ ١٤١).\n(^٢) (٥/ ٢١٤)، \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ١٨٥).\n(^٣) \"سبل السلام\" (١/ ٤٣٤).\n(^٤) انظر: \"إعلام الموقعين\" (٣/ ١٤).","vol":"3","page":302},{"text":"والقول بوجوبه هو قول أبي حنيفة في المشهور عنه وبعض أصحابه، وبه قال بعض السلف (^١)، ووجه الدلالة أن قوله: (الوتر حق) بمعنى ثابت فيفيد الوجوب.\nومن الأدلة - أيضًا - حديث بريدة ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ: «الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا») قال ذلك ثلاثًا، وحديث أبي هريرة بنحوه، ووجه الدلالة منهما: أن هذا السياق وعيد شديد، ولا يكون مثله إلا لترك فرض أو واجب، لا سيما وقد تأكد بالتكرار، ومنها: حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أوتروا يا أهل القرآن ..»، وكلها ستأتي إن شاء الله تعالى.\nوذهب الجمهور من أهل العلم، ومنهم الشافعية والمالكية والحنابلة، وأكثر الحنفية إلى أن الوتر ليس بواجب، وإنما هو سنة مؤكدة (^٢)، واستدلوا بحديث علي المذكور، فإنه نص في محل النزاع، وهو صالح للاستدلال به، كما تقدم.\nكما استدلوا بحديث جابر - أيضًا - مع ما فيه من ضعف، كما استدلوا بحديث طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: جاء رجل من أهل نجد فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: «خمس في اليوم والليلة»، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع»، وسأله عن الزكاة والصيام، وقال في آخره: والله لا أزيد ولا أنقص، فقال النبي ﷺ: «أفلح إن صدق» (^٣). فهذا نص صريح في عدم وجوب الوتر، وأنه لا يجب إلا ما دل عليه منطوق الحديث، وهي الخمس، وما زاد عليها فهو تطوع.\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٢٧٠)، \"المغني\" (٢/ ٥٩١)، \"شرح الزرقاني على الموطأ\" (١/ ٢٣٠).\n(^٢) \"المغني\" (٢/ ٥٩١)، \"المجموع\" (٣/ ٤٦٥)، \"تبيين الحقائق\" (١/ ١٦٨)، \"شرح الزرقاني على الموطأ\" (١/ ٢٢٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٦)، ومسلم (١١).","vol":"3","page":303},{"text":"وهذا القول هو الراجح لقوة دليله، ولأنه فيه جمعًا بين الأدلة كلها، وهو أولى متى أمكن، وأما أدلة القائلين بالوجوب، فيجاب عنها بأن حديث أبي أيوب مختلف في رفعه ووقفه - كما تقدم - وعلى القول بصحة رفعه فليست دلالته على الوجوب بصريحة، لأن لفظة (حق) لا يفهم منها الوجوب؛ لأن كل حكم ثابت بأصل الشرع فهو حق، فيدخل فيه الواجب والمسنون، ولو سلمنا دلالته على الوجوب فهو مصروف بالأدلة الأخرى، وأما أدلتهم الباقية فسيأتي الجواب عنها في مواضعها الآتية قريبًا إن شاء الله.\n\nالوجه الثالث: حديث أبي أيوب ﵁ دليل على جواز الإيتار بركعة واحدة، ويؤيد ذلك حديث ابن عمر المتقدم (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح، صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى)، وظاهره جواز الإيتار بركعة واحدة ولو لم يتقدمها شفع، كأن يصلي شخص العشاء وبعدها يأتي بركعة واحدة، لأن الحديث قد خير المكلف بين الثلاث والواحدة والخمس، وقد أخرج البخاري في «صحيحه» أنه قيل لابن عباس: (هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة، قال: إنه فقيه (^١».\nوهذا هو الراجح، أعني أنه لا يشترط تقدم شيء من صلاة النافلة قبل الركعة، لكن الأفضل أن يتقدمها شفع، وأقله ركعتان، تأسيًا بالنبي ﷺ كما سيأتي إن شاء الله.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على جواز الإيتار بثلاث ركعات لا يسلم إلا في آخرها، وله أن يسلم من ركعتين ويوتر بواحدة، لما ورد عن ابن عمر ﵄ أنه كان يفصل بين شفعه ووتره بتسليمة، وأخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٠٣).\n(^٢) أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٧٨) وابن حبان (٢٤٣٥)، وقال الحافظ في \"فتح الباري\" (٢/ ٤٨٢): (إسناده قوي).","vol":"3","page":304},{"text":"وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن) (^١).\nوظاهر قوله: (ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل) أنه معارض لقوله: (لا توتروا بثلاث، وأوتروا بخمس أو بسبع، ولا تَشَبَّهُوا بصلاة المغرب) (^٢).\nوالجمع بينهما أن يحمل النهي في حديث أبي هريرة ﵁ على صلاة الثلاث بتشهدين، لأنه في هذه الصورة يشبه الوتر صلاة المغرب، وأما إذا سردها ولم يقعد إلا في آخرها فلا مشابهة، والأبعد عن المشابهة أن يصلي الركعتين، ثم يسلم، ثم يصلي واحدة، وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى هذا المعنى (^٣)، واستحسنه الصنعاني (^٤).\n\nالوجه الخامس: دل الحديث - أيضًا - على جواز الإيتار بخمس ركعات، وذلك بأن تكون متصلة لا يجلس إلا في آخرهن، وقد ثبت ذلك من فعل النبي ﷺ، كما في حديث عائشة الآتي إن شاء الله تعالى، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٣/ ٢٣٤)، ومالك (٤٦٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٩٥)، والحاكم (١/ ٣٠٤) وساقه الحافظ في \"فتح الباري\" (٢/ ٤٨١)، وسكت عنه، وصححه النووي في \"المجموع\" (٤/ ٧).\n(^٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٩٢) من حديث أبي هريرة -﵁- وابن حبان (٦/ ١٨٥)، والحاكم (١/ ٣١٤)، وصححه على شرطهما، وصححه الألباني في \"صلاة التراويح\" ص (٨٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٨١).\n(^٤) \"سبل السلام\" (١/ ٤٢٨).","vol":"3","page":305},{"text":"<span data-type='title' id=toc-305>وقت الوتر</span>\n٣٧٢/ ٢٣ - عَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ اللهَ أَمدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ»، قُلْنَا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الْوِتْرُ، مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلى طُلُوعِ الْفَجْرِ». رَوَاهُ الخمسة إلاَّ النَّسَائيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ.\n٣٧٣/ ٢٤ - وَرَوَى أَحْمَدُ: عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ نَحْوَهَ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nأما الأول فهو خارجة بن حذافة بن غانم القرشي العدوي ﵁، كان أحد فرسان قريش، يقال: إنه كان يُعدل بألف فارس، ولي القضاء في مصر لعمرو بن العاص، وقيل: بل كان على شرطة عمرو، وهو معدود في المصريين، لأنه شهد فتح مصر، ولم يزل فيها إلى أن قتل فيها سنة أربعين، قتله أحد الخوارج الثلاثة الذين كانوا انتدبوا لقتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص ﵃، فتم أمر الله في أمير المؤمين علي ﵁ دون الآخرين، حيث قتل الخارجيُّ خارجةَ هذا يظنه عمرو بن العاص، وذلك أنه استخلفه عمرو على صلاة الصبح ذلك اليوم، وأما معاوية فضربه الخارجي فجاءت الضربة في وركه فجرحت أليته.\nله حديث واحد، وهو الحديث الذي معنا (^١).\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٣/ ١٤٩)، \"البداية والنهاية\" (١١/ ١٢)، \"الإصابة\" (٣/ ٤٧).","vol":"3","page":306},{"text":"أما الثاني فهو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي القرشي، وهو من التابعين الصغار، مات سنة (١١٨ هـ)، سمع من الرُّبَيِّعِ بنت مُعَوِّذ، وزينب بنت أبي سلمة، ولهما صحبة، ورأى ابن عمر وابن عباس ﵃.\nوحديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده فيه خلاف بين أهل العلم، والأظهر صحة الاحتجاج بحديثه إذا سلم من الانقطاع والإرسال، وروى عنه الثقات، وأما المناكير في حديثه فهي من جهة الضعفاء الذين يروون عنه، كما قرر ذلك أبو زرعة الرازي ويعقوب بن شيبة والذهبي وغيرهم، وأحاديثه صحيفة، مما كتبه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وحديثه ليس من الصحيح لذاته ولا من الضعيف، بل هو من الحسن لذاته الذي يحتج به، عدا ما تقدم، والضمير في (أبيه) يعود إلى شعيب بلا خلاف.\nوأما الضمير في (جده) فالراجح أنه يعود على شعيب - أيضًا - وجد شعيب هو الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو ﵄، وقد ورد التصريح باسم جده في بعض مروياته كما في المسند وغيره (^١)، وقد صح سماع عمرو بن شعيب من أبيه شعيب، وصح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو ﵄ (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث خارجة، فقد أخرجه أبو داود (١٤١٨) في كتاب «الصلاة»، باب «استحباب الوتر» والترمذي (٤٥٢) وابن ماجه (١١٦٨) وأحمد (٣٩/ ٤٤٤) والحاكم (١/ ٣٠٦) من طريق الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن راشد الزَّوفي، عن عبد الله بن أبي مرة الزوفي، عن خارجة بن حذافة به مرفوعًا.\nوهذا إسناد ضعيف، فإن عبد الله بن راشد وعبد الله بن أبي مرة في\n_________\n(^١) \"المسند\" (١١/ ٢٨٨).\n(^٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٤٣)، \"صحائف الصحابة\" ص (٧٢)، \"مجلة البحوث الإسلامية\" العدد (٣٢) ص (٢٩٩).","vol":"3","page":307},{"text":"عداد المجهولين، قال البخاري: في ترجمة «عبد الله بن راشد»: (لا يعرف سماعه من ابن أبي مرة، وليس له إلا حديث الوتر) (^١)، وقال في ترجمة «عبد الله بن أبي مرة»: (لا يعرف إلا في حديث الوتر، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض) (^٢)، ويدل هذا - أيضًا - على أن في السند انقطاعًا، والحديث قال عنه الحاكم: (صحيح الإسناد)، وسكت عنه الذهبي، مع أنه قال في ترجمة: (عبد الله بن راشد) لما ذكر حديثه هذا: (رواه عنه يزيد بن أبي حبيب وخالد بن يزيد، قيل: لا يعرف سماعه من ابن أبي مرة، قلت: ولا بالمعروف، وذكره ابن حبان في «الثقات») (^٣)، وقال في ترجمة «ابن أبي مرة» (له عن خارجة في الوتر، لم يصح) (^٤).\nلكن للحديث شواهد، ومنها حديث عمرو بن العاص ﵁ قال: (أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ يقول: إن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ﷿ زادكم صلاة، فصلوا فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح، الوترَ الوترَ …» الحديث) (^٥).\nأما حديث عمرو بن شعيب، فقد أخرجه أحمد (١١/ ٢٩٢، ٥٣١ - ٥٣٢) قال: (حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ قد زادكم صلاة هي الوتر»).\nوإسناده ضعيف، لأن فيه الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس، كما وصفه بذلك الأئمة المتقدمون، وذكره كل من صنف في التدليس، وقد روى الحديث\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٨٨).\n(^٢) \"التاريخ الكبير\" (٥/ ١٩٢ - ١٩٣).\n(^٣) \"الميزان\" (٢/ ٤٢٠).\n(^٤) \"الميزان\" (٢/ ٥٠١).\n(^٥) أخرجه أحمد (٣٩/ ٢٧١)، والطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (٢/ ٢٩١)، والطبراني في \"الكبير\" (٢/ ٢٧٩) من طرق عن ابن المبارك، عن سعيد بن يزيد، حدثني ابن هبيرة، عن أبي تميم الجيشاني، عن عمرو به. قال الحافظ ابن رجب في \"فتح الباري\" (٩/ ١٤٦): (إسناده جيد)، وتابع ابن هبيرة عبد الله بن لهيعة، عند أحمد (٤٥/ ٢٠٥) وغيره، وتقدم الكلام على ابن لهيعة، والحديث ذكره الألباني في \"الصحيحة\" (١٠٨).","vol":"3","page":308},{"text":"بالعنعنة، قال ابن المبارك: (كان حجاج بن أرطاة يدلس، وكان يحدثنا بالحديث عن عمرو بن شعيب مما يحدثه محمد العرزمي، والعرزمي متروك لا تقربه) (^١)، وللحديث طرق أخرى: ذكرها الألباني وكلها ضعيفة (^٢)، والحاصل أن حديث خارجة فيه مجاهيل وانقطاع، وحديث عمرو بن شعيب فيه من يدلس عن الهلكى والمتروكين.\n\nالوجه الثالث: استدل العلماء بهذا الحديث على مشروعية الوتر، والترغيب فيه، حيث بيَّن النبي ﷺ أن الله تعالى أنعم به على هذه الأمة، ليزداد ثوابها، وضرب المثل لذلك بحمر النعم، وهي الإبل الحمر، لأنها أعز أموال العرب، وصلاة الوتر أعظم خيرًا منها، وإنما قال ذلك تقريبًا للأفهام، وإلا فالوتر خير من الدنيا وما فيها، لأن متاع الدنيا زائل وقليل بجانب نعيم الآخرة.\n\nالوجه الرابع: استدل بهذه الأحاديث من قال: إن ما بين الفراغ من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الثاني وقت للوتر، وهذا أمر مجمع عليه، قال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم على أن ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر) (^٣)، وفي حديث أبي سعيد ﵁ الآتي: «أوتروا قبل أن تصبحوا».\nوأما نهاية وقته فالجمهور على أنه طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر انتهى وقت الوتر (^٤)، ويعتمد في ذلك على المؤذن إذا كان ممن يتحرى الصبح، واستدلوا بالأحاديث المتقدمة وهي صريحة في ذلك، فإن ما بعد (إلى) يخالف ما قبلها، قال ابن رشد: (لا خلاف بين أهل الأصول أن ما بعد (إلى) بخلاف ما قبلها، إذا كانت غاية ..) (^٥)، وقد تقدم ضعفها، لكن تقدم حديث ابن عمر ﵄: (فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة ..).\n_________\n(^١) \"الضعفاء\" (١/ ٢٧٨).\n(^٢) \"الإرواء\" (٢/ ١٥٩).\n(^٣) \"الأوسط\" (٥/ ١٩٠).\n(^٤) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٢٧٢)، \"مغني المحتاج\" (١/ ٢٢١)، \"المغني\" (٢/ ٥٩٥).\n(^٥) \"بداية المجتهد\" (١/ ٤٧٣).","vol":"3","page":309},{"text":"والقول الثاني: أنه يمتد إلى صلاة الصبح، فيكون ما بعد طلوع الفجر وصلاة الصبح وقتًا للوتر، وهو قول المالكية والشافعية في أحد الوجهين، ورواية عن أحمد (^١)، ويعتبرونه وقت ضرورة، لا وقت اختيار، واستدلوا بآثار عن السلف من الصحابة والتابعين أنهم أوتروا بعد طلوع الفجر كعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وحذيفة، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس ﵃ (^٢)، ولعلها محمولة على من نام عن وتره أو نسيه (^٣)، لا أن يتعمد الإنسان ذلك، لحديث أبي سعيد الآتي: (من نام عن وتره أو نسيه فليصلِّه إذا ذكره).\nقال ابن نصر: (والذي اتفق عليه أهل العلم أن ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر، واختلفوا فيما بعد ذلك إلى أن يصلي الفجر، وقد روي عن النبي ﷺ أنه أمر بالوتر قبل طلوع الفجر) (^٤)، وسيأتي زيادةُ بيانٍ لحكم من طلع عليه الفجر ولم يوتر إن شاء الله.\nومن صلى العشاء مع المغرب جمع تقديم دخل وقت الوتر بالنسبة له بعد فراغه من صلاة الجمع، وهو قول الشافعي وأحمد، وهو الراجح إن شاء الله، لأن وقت الصلاة المجموعة وقت لما يجمع إليها (^٥)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"حاشية الدسوقي\" (١/ ٣١٧)، \"المجموع\" (٤/ ١٤)، \"المبدع\" (٢/ ٤)، \"فتح الباري\" لابن رجب (٩/ ١٥٢).\n(^٢) انظر: \"الموطأ\" (١/ ١٢٦)، \"الأوسط\" (٥/ ١٩٠ - ١٩١).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٩/ ١٥٢).\n(^٤) \"قيام الليل\" ص (٢٥٥).\n(^٥) انظر: \"إسعاف أهل العصر بما ورد في أحكام الوتر\" ص (٣٢)، \"الشرح الممتع\" (٤/ ١٥).","vol":"3","page":310},{"text":"<span data-type='title' id=toc-306>حكم من لم يوتر</span>\n٣٧٤/ ٢٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا»، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ.\n٣٧٥/ ٢٦ - وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عبد الله بن بريدة - بضم الباء - ابن الحصيب - بضم الحاء - الأسلمي أخو سليمان، وكانا توأمين، روى عن أبيه بريدة وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وصحابة آخرين ﵃، وروى عنه ابناه سهل وصخر، وقتادة ومحارب بن دثار، وأبو المنيب عبيد الله العتكي وآخرون، وهو ثقة أخرج له البخاري (^١) ومسلم، وهو أوثق من أخيه سليمان، والراجح أنه سمع من أبيه خلافًا لمن نفى ذلك، قال الذهبي: (الحافظ الإمام، حدث عن أبيه فأكثر) وقال: (روى عن أبيه وعمران بن حصين، وهو ثقة)، ومثله في «التقريب»، مات سنة (١١٥ هـ) ﵀ (^٢).\nوأما أبوه بريدة بن الحصيب فقد تقدمت ترجمته عند الحديث (١٥٢).\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٦٦، ١٥٣).\n(^٢) \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٥٠)، \"الكاشف\" (١/ ٤٥٠)، \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ١٣٧)، \"معجم أسامي الرواة الذين ترجم لهم الألباني\" (٢/ ٥٦٤).","vol":"3","page":311},{"text":"الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث بريدة ﵁ فقد أخرجه أبو داود (١٤١٩) في كتاب «الصلاة» باب «فيمن لم يوتر» والحاكم (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦) من طريق أبي المنيب عبيد الله بن عبد الله العتكي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، به مرفوعًا.\nوالمثبت في أبي داود وغيره أنه قال ذلك (ثلاثًا)، قال الحاكم: (هذا حديث صحيح، وأبو المنيب العتكي مروزي، ثقة يُجمع حديثه، ولم يخرجاه) وهذا فيه نظر، فهو مختلف فيه، ولذا تعقب الذهبي الحاكم، فقال: (قال البخاري: عنده مناكير) ولما ترجم له في «الميزان» عَدَّ هذا الحديث من مناكيره (^١).\nونقل ابن أبي حاتم (^٢) عن أبيه أنه قال: (هو صالح الحديث)، وأنكر على البخاري إدخاله في الضعفاء (^٣). وقد وثقه يحيى بن معين في رواية، وقال ابن عدي: (هو عندي لا بأس به) (^٤).\nوقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق يخطئ)، وعلى هذا فهو حسن الحديث بالمتابعات والشواهد.\nوأما حديث أبي هريرة ﵁، فقد أخرجه أحمد (١٥/ ٤٤٧) قال: حدثنا وكيع قال: حدثني خليل بن مرة، عن معاوية بن قرة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يوتر فليس منا»، وهذا إسناد ضعيف، فيه علتان:\nالأولى: ضعف الخليل بن مرة، قال البخاري: (منكر الحديث)، وقال في موضع آخر: (لا يصح حديثه)، وقال أبو حاتم: (ليس بقوي)، وقال النسائي: (ضعيف) (^٥).\nالثانية: الانقطاع، لأن معاوية بن قرة لم يسمع من أبي هريرة، كما قال ذلك الإمام أحمد (^٦).\n_________\n(^١) (٣/ ١١).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٥/ ٣٢٢).\n(^٣) انظر: \"الضعفاء الصغير\" ص (٣٦٧).\n(^٤) \"الكامل\" (٤/ ٣٢٩ - ٣٣٠).\n(^٥) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ١٤٦).\n(^٦) \"نصب الراية\" (٢/ ١١٣).","vol":"3","page":312},{"text":"الوجه الثالث: تقدم أن الحديثين من أدلة القائلين بوجوب الوتر، وتقدم بيان وجه الدلالة، وأجيب عن ذلك بجوابين:\nالأول: أن في إسناد كل واحد من الحديثين مقالًا، كما تقدم.\nالثاني: على فرض صحته، فهو محمول على تأكيد سنية الوتر، جمعًا بينه وبين الأحاديث الدالة على عدم الوجوب، وهي أصح منه سندًا وأصرح دلالة، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":313},{"text":"<span data-type='title' id=toc-307>كيفية صلاة النبي - ﷺ - في الليل</span>\n٣٧٦/ ٢٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ علَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n٣٧٧/ ٢٨ - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْهَا: كَانَ يُصَلِّي مِنَ الليل عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ، وَيرْكَعُ رَكْعَتَي الْفَجْرِ، فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ.\n٣٧٨/ ٢٩ - وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلاَّ فِي آخِرِهَا.\n٣٧٩/ ٣٠ - وَعَنْهَا قَالتْ: مِنْ كُلِّ اللّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَانْتَهى وِتْرُهُ إلَى السَّحَر. مُتَّفَقٌ عَلَيْهما.\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث عائشة ﵂ الأول، فقد أخرجه البخاري (١١٤٧) في كتاب «التهجد»، باب «قيام النبي ﷺ في الليل في رمضان وغيره»، ومسلم (٧٣٨) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أنه سأل عائشة زوج النبي ﷺ كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: … فذكرت الحديث.","vol":"3","page":314},{"text":"وأما حديثها الثاني، فقد أخرجه البخاري (١١٤٧) في كتاب «التهجد»، باب «كيف صلاة النبي ﷺ، وكم كان يصلي من الليل؟»، ومسلم (٧٣٨) (١٢٨) من طريق حنظلة، عن القاسم بن محمد، قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: فذكرت الحديث.\nوأما حديثها الثالث، فقد أخرجه مسلم (٧٣٧)، في كتاب «صلاة المسافرين» باب «صلاة الليل»، من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: فذكرت الحديث.\nوأما عزوه للبخاري، فالظاهر أنه وهم، إذ أن الحديث ليس في البخاري في مظانه من كتاب «التهجد»، ولا عزاه إليه أحد، وقد عزاه ابن عبد الهادي لمسلم فقط، وكذا فعل ابن دقيق العيد (^١).\nوأما حديثها الرابع، فقد أخرجه البخاري (٩٩٦) في كتاب «الوتر»، باب «ساعات الوتر» ومسلم (٧٤٥) من طريق أبي الضحى - مسلم بن صبيح - عن مسروق، عن عائشة قالت: … فذكرت الحديث.\n\nالوجه الثاني: في هذه الأحاديث بيان لصلاة النبي ﷺ بالليل كيفية وعددًا، في رمضان وغيره، وكانت صلاته ﷺ متساوية في جميع السنة لا فرق بين رمضان وغيره، وأما ما ورد من أنه ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان يجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره، فهو محمول على التطويل في الركعات دون الزيادة في العدد، وقد كان ﷺ يصلي ثلاث عشرة، ويصلي إحدى عشرة، وجاء أنه يصلي أقل من ذلك، وسيأتي الكلام على قيام رمضان في آخر كتاب «الصيام» إن شاء الله تعالى.\n\nالوجه الثالث: دلَّ حديث عائشة الأول على أنه إذا صلى إحدى عشرة، صلاها أربعًا أربعًا ثم صلى ثلاثًا، وقولها: (فلا تسأل عن حسنهن وطولهن) أي: أنهن في النهاية من كمال الحسن والطول، مستغنيات بظهور ذلك عن السؤال عنه.\n_________\n(^١) \"المحرر\" (١/ ٢٣٣)، \"الإلمام\" (٣٧٠).","vol":"3","page":315},{"text":"وقولها: (أربعًا ثم أربعًا) ظاهر أن الأربع بسلام واحد، وبه قال جماعة، وقال آخرون: بل كان يجلس في كل ركعتين ويسلم، لقوله: (صلاة الليل مثنى مثنى) وهو اختيار ابن عبد البر (^١)، ويؤيد ذلك حديثها عند مسلم بلفظ: (كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء [وهي التي يدعو الناس العتمة] إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة …) الحديث (^٢).\nولعلها جمعت بين الأربع والأربع لأنه كان لا يمكث بعد التسليم من الركعتين الأوليين، بل كان يقوم للركعتين الأخريين، فإذا أتم أربع ركعات مكث طويلًا، وفصل بينها وبين الأربع الآتية، أو أنه كان ينام بعد الأربع الأولى والأربع الثانية، وبين الوتر، وبه جزم ابن عبد البر (^٣).\nوهكذا يقال في معنى: (ثم يصلي ثلاثًا) أي: ركعتين، ثم يوتر بواحدة، كما تبين من روايتها عند مسلم، وقد أفتى بمقتضى ذلك الإمام أحمد، وقال: بأن الأحاديث فيه أقوى وأكثر عن النبي ﷺ (^٤).\nودل حديثها الثاني أنه ﷺ كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي عشر ركعات ويوتر بواحدة، ثم ذكرت ركعتي الفجر، فصار الجميع ثلاث عشرة، وعلى هذا فلا يعارض ذلك قولها المتقدم: (ما كان يزيد على إحدى عشرة …)، لأنها أضافت إلى صلاة الليل ركعتي الفجر، لكن يشكل عليه حديثها عند البخاري من طريق عروة، عنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين) (^٥)، ولعلها ذكرت الركعتين اللتين كان يفتتح بهما صلاة الليل، لقولها كما في حديثها عند مسلم: (كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل ليصلي، افتتح صلاته بركعتين خفيفتين) (^٦)، وهذا محمل قوي، لأن رواية الحصر\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٢١/ ٧٠).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٧٣٦).\n(^٣) \"التمهيد\" (٢١/ ٧٢).\n(^٤) \"زاد المعاد\" (١/ ٣٣٠ - ٣٣١).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (١١٧٠).\n(^٦) \"صحيح مسلم\" (٧٦٧).","vol":"3","page":316},{"text":"بإحدى عشرة جاء في صفتها أنه كان يصلي أربعًا ثم أربعًا ثم ثلاثًا، فدل على أنها لم تتعرض للركعتين الخفيفتين، وتعرضت لهما في رواية عروة المذكورة (^١).\nوقد تذكر أحيانًا الركعتين اللتين بعد الوتر، كما في حديثها عند مسلم قالت: (كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح) (^٢).\nودل حديثها الثالث على أنه كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، ويصلي ثمان، والظاهر أنه يصليها ركعتين ركعتين، على ما تقدم، ثم يوتر بخمس، لا يجلس إلا في آخرها.\nوهذه الصفات الثلاث وهي الإيتار بواحدة، أو بثلاث، أو بخمس ذكر الحافظ أحاديثها، وقد ورد أنه أوتر بسبع يسردها، فلا يتشهد إلا في آخرها، لحديث أم سلمة قالت: كان النبي ﷺ يوتر بخمس وبسبع لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام (^٣)، كما ورد أنه أوتر بتسع ركعات لا يقعد إلا في الثامنة للتشهد، ثم يصلي التاسعة ثم يسلم (^٤).\nوالذي يستفاد من مجموع الأدلة أنه يجوز العمل بكل ما ورد عنه ﷺ في صلاة الليل، لأن اختلاف الصفات محمول على أوقات متعددة وأحوال مختلفة بحسب النشاط، وبيان الجواز والتوسعة على الأمة، وقد روى صفة\n_________\n(^١) انظر: \"شرح الزرقاني على الموطأ\" (١/ ٢٤٧).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٧٣٨) (١٢٦).\n(^٣) أخرجه النسائي (٣/ ٢٣٩) وابن ماجه (١١٩٢) وأحمد (٤٤/ ٨٨) وإسناده ضعيف، لأنه من رواية مِقْسم بن بجرة، عن أم سلمة، وقد قال البخاري في \"التاريخ الأوسط\" ص (١٣٤): (لا يعرف لمقسم سماع من أم سلمة ولا ميمونة ولا عائشة)، وقال ابن سعد في \"الطبقات\" (٥/ ٢٩٥): (قد روى عن أم سلمة سماعًا)، ولهذا -والله أعلم- قال صاحب \"بلوغ الأماني\" (٤/ ٢٩٧): (سنده جيد).\n(^٤) أخرجه مسلم (٧٤٦) (٧٣٨) (١٢٦) من حديث عائشة -﵂-.","vol":"3","page":317},{"text":"صلاة النبي ﷺ بالليل عدد من الصحابة كابن عباس وزيد بن خالد وعائشة ﵃ وبعضهم يذكر ما لا يذكره الآخر، كافتتاحه صلاة الليل بركعتين خفيفتين، فإما أن يكون ﷺ يفعل هذا تارة وهذا تارة، وإما أن تكون عائشة حفظت ما لم يحفظه غيرها، لملازمتها له ولمراعاتها ذلك ولكونها أعلم الخلق بقيامه بالليل.\nوالأفضل للمصلي أن يسلم من كل ركعتين، لأن هذا هو الذي اختاره ﷺ لأمته، كما في حديث: «صلاة الليل مثنى مثنى»، وهو الأكثر من فعله ﷺ فإنه كان يصلي إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ويسلم من كل اثنتين، ومن اقتدى به ففعل مثل فعله فسرد ثلاثًا أو خمسًا أو غير ذلك، مما تقدم جاز، لأنه لم يرد عنه نهي عن ذلك، والأفضل فيمن يَؤُمُّ الناس في رمضان أن يسلم من كل ركعتين، ولا يسرد خمسًا أو سبعًا، لأن التسليم أرفق بالناس، وقد يكون لبعض المأمومين حاجة تدعو إلى الإنصراف بعد ركعتين أو تسليمتين، أو بعد ثلاث تسليمات، ونحو ذلك، وإن سرد في بعض الأحيان لبيان السنة فلا بأس بذلك.\n\nالوجه الرابع: ظاهر قولها: (أتنام قبل أن توتر) أنه ﷺ كان ينام بعد الأربع الثانية قبل أن يوتر فسألته عن ذلك، فأجابها بقوله: «إن عيني تنامان ولا ينام قلبي»، وقد ورد في حديث أنس ﵁ الطويل في قصة الإسراء بالنبي ﷺ أنه ﵁ قال: (وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم) (^١)، قال الحافظ: (ومثله لا يقال من قبل الرأي، وهو ظاهر أن ذلك من خصائصه ﷺ، لكنه بالنسبة للأمة) (^٢).\nوقد بنى على ذلك جمع من أهل العلم حكمًا شرعيًا، وهو عدم انتقاض وضوئه ﷺ بالنوم، بناء على أن النوم مظنة الحدث، والرسول ﷺ لا ينام قلبه، فيحس بما خرج منه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٧٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٧٩).","vol":"3","page":318},{"text":"وأما ما ورد في قصة الوادي لما نام ﵊ هو والصحابة ﵃ عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، وأنه لو كانت حواسه باقية مدركة مع النوم لأدرك الشمس وطلوع النهار، فقد أجيب عنه بأجوبة، لعل من أظهرها، أن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، وأما طلوع الفجر والشمس، فإنما يدرك بالعين لا بالقلب.\n\nالوجه الخامس: دل حديثها الأخير على أن الليل كله وقت للوتر، من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر - كما تقدم - سواء أوتر في أوله أو وسطه أو آخره.\nوقد ورد عند أبي داود وغيره عنها لما سئلت متى كان يوتر ﷺ؟ قالت: (كل ذلك قد فعل، أوتر أول الليل، ووسطه، وآخره، ولكن انتهى وتره حين مات إلى السحر) (^١).\nوهذا صريح في أن آخر عمله ﷺ تأخير الوتر إلى آخر الليل، لأنه الأفضل - كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ.\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (١٤٣٥).","vol":"3","page":319},{"text":"<span data-type='title' id=toc-308>كراهة ترك قيام الليل لمن كان يقوم</span>\n٣٨٠/ ٣١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِي (^١) ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا عَبْدَ اللهِ! لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري (١١٥٢) في كتاب «التهجد»، باب «ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه» ومسلم في كتاب «الصيام»، باب «النهي عن صوم الدهر» (١١٥٩) (١٨٥) من طريق الأوزاعي قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، به مرفوعًا.\n\nالوجه الثاني: هذا الحديث فيه الحث على قيام الليل والترغيب فيه، ووصية الإنسان بألا يتشبه بأهل الكسل الذي يزهدون في القُرَبِ والأعمال الصالحة، بل يتشبه بأهل الجد والنشاط والعمل الصالح، وإن كان قيام الليل نافلة، لكنه من أعظم الطاعات وأفضل القرب.\nوقد اشتد حرص عبد الله بن عمرو ﵄ بعد هذه الوصية على الخير وعَظُمَ إقباله على العبادة، فصار يصلي كثيرًا، ويتهجد كثيرًا، حتى إنه كان لا\n_________\n(^١) قوله: (العاصي) هكذا بالياء، وهو الموافق لقواعد اللغة، مثل القاضي، والداعي، من الأسماء المنقوصة، والأكثرون على حذفها، وهي لغة قرئ بها، كما في قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾، ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ انظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٣٠).","vol":"3","page":320},{"text":"ينام الليل، فأوصاه النبي ﷺ بالاقتصاد، وقال له: (ألم أُخبر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي ولا تنام؟ فصم وأفطر، وقم ونَمْ، فإن لعينيك عليك حقًا، وإن لنفسك وأهلك حقًا …) الحديث (^١).\n\nالوجه الثالث: في الحديث دليل على استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من أعمال الخير والطاعة من غير تفريط، وأنه لا ينبغي للإنسان قطع العبادة، لأن هذا قد يشعر بالزهد فيها والرغبة منها.\nوينبغي للمسلم أن يحذر من التشدد في العبادة وتكليفه النفس ما لا تطيق من الطاعات، ومن فَعَلَ ذلك غلبه الدِّين لكثرة الأعمال والطاعات، فيكون آخر أمره العجز والانقطاع، لأن الله تعالى أوجب على عباده وظائف من الطاعات في وقت دون وقت، تيسيرًا ورحمة، ولأن الإنسان إذا أخذ بالقصد دام عمله، وتمكن من أداء الحقوق كلها، حقِّ الله تعالى، وحقِّ النفس، وحقِّ الأهل والأصحاب برفق وسهولة، وقد قال النبي ﷺ: «إن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» (^٢).\nفينبغي للإنسان أن يكون له ورد بالليل قدر استطاعته، قال ابن عبد البر: (لا خلاف بين المسلمين أن صلاة الليل ليس لها حد محدد، وأنها نافلة، وفعل خير، وعمل بر، فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر) (^٣)، والله تعالى هو الموفق ولا إله غيره ولا ربَّ سواه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٧٧) ومسلم (١١٥٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٦٤).\n(^٣) \"التمهيد\" (٢١/ ٧٠).","vol":"3","page":321},{"text":"<span data-type='title' id=toc-309>استحباب الوتر</span>\n٣٨١/ ٣٢ - عَنْ عليٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَوْتِرُوا يا أَهْلَ القُرآنِ، فَإنَّ الله وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (١٤١٦) في كتاب «الصلاة»، باب «تفريع أبواب الوتر» باب «استحباب الوتر» وأحمد (٢/ ٢٢٣) من طريق زكريا بن أبي زائدة، وأخرجه الترمذي (٤٥٣) والنسائي (٣/ ٢٢٨) وابن ماجه (١١٦٩) وأحمد (٢/ ٤١٣) من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ به مرفوعًا، وقد تقدم أن الحديث جاء من طريق سفيان الثوري وغيره موقوفًا بلفظ: (الوتر ليس بحتم ..) وهذا هو المحفوظ، ولهذا قال الترمذي: (وهذا أصح من حديث أبي بكر بن عياش) (^١).\n\nالوجه الثاني: تقدم أن هذا الحديث من أدلة القائلين بوجوب الوتر، لأن قوله: (أوتروا) أمر، والأصل في الأمر الوجوب، لكن تقدم أن هذا اللفظ بصيغة الأمر ليس بمحفوظ، ولو صَحَّ فهو محمول على تأكيد الاستحباب، جمعًا بين الأدلة.\n\nالوجه الثالث: المراد بأهل القرآن: المؤمنون عامة، من قرأ ومن لم يقرأ، وإن كان من قرأ أولى بالخطاب لحفظه إياه، وقال الخطابي: المراد بهم: القراء والحفاظ (^٢)، وخصوا بالذكر، لمزيد شرفهم والاهتمام\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢/ ٣١٧).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٢/ ١٢١).","vol":"3","page":322},{"text":"بهم، فينبغي أن يكون لأهل القرآن عناية بالوتر، وإن كان مطلوبًا من الجميع، لكن لأهل القرآن مزية على غيرهم، لأنهم قدوة، ولأن عندهم من العلم ما يدعوهم إلى المسارعة إلى فعل الطاعات والقربات ما ليس عند غيرهم، فيكون الأمر في حقهم آكد.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن الوتر من أسماء الله تعالى، وأنه تعالى يحب ما وافق أسماءه وصفاته، فهو عليم يحب العلم والعلماء العاملين، كريم يحب الكرم والجود، صبور يحب الصابرين، وهكذا في كل ما يوافق أسماءه مما يناسب مقام العبد.\nومعنى الوتر: الفرد، فالله تعالى واحد لا شريك له ولا نظير له، لا في أسمائه ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وهو سبحانه وتر، وجميع خلقه شفع، خلقوا أزواجًا، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":323},{"text":"<span data-type='title' id=toc-310>استحباب ختم صلاة الليل بالوتر</span>\n٣٨٢/ ٣٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عن النّبيِّ ﷺ قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري (١٩٩٨) في كتاب «الوتر» باب «ليجعل آخر صلاته وترًا»، ومسلم (٧٥١) (١٥١) من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، به مرفوعًا.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن السنة في صلاة الليل أن تختم بالوتر - كما تقدم - سواء أوتر الإنسان في أول الليل، أو في وسطه، أو في آخره.\nوقد حمل الجمهور من أهل العلم الأمر في هذا الحديث على الاستحباب وأنه لا يجب ختم صلاة الليل بالوتر، بل يجوز أن يصلي بعد وتره شيئًا، لما تقدم في حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ صلى بعد وتره ركعتين، وسيأتي حديث ثوبان ﵁ وفيه أمر الأمة بذلك، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":324},{"text":"<span data-type='title' id=toc-311>الوتر لا يتكرر في ليلة</span>\n٣٨٣/ ٣٤ - عَنْ طَلْقِ بْنِ عَليٍّ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لَا وِتْرَانِ في لَيْلةٍ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلَاثةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٢٦/ ٢٢٢) وأبو داود (١٤٣٩) في كتاب «الصلاة» باب في «نقض الوتر» والترمذي (٤٧٠) والنسائي (٣/ ٢٢٩) وابن حبان (٢٤٤٩) من طريق ملازم بن عمرو، ثنا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، قال: (زارنا طلق بن علي في يوم من رمضان، وأمسى عندنا وأفطر، ثم قام بنا تلك الليلة وأوتر بنا، ثم انحدر إلى المسجد، فصلى بأصحابه، حتى إذا بقى الوتر قدم رجلًا)، فقال: (أوتر بأصحابك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا وتران في ليلة»).\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب)، وحسَّن إسناده الحافظ ابن حجر (^١)، وتحسينه لأنه فيه قيس بن طلق، وهو متكلم فيه، قال الشافعي: (قد سألنا عن قيس بن طلق، فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره)، ونقل الخلال عن الإمام أحمد أنه قال: (غيره أثبت منه)، وقال ابن معين: (قد أكثر الناس في قيس وأنه لا يحتج بحديثه)، وفي رواية عنه: أنه وثقه، كما وثقه العجلي وابن حبان (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٨١). ورسالة الحافظ \"حكم الصلاة بعد الوتر\" ص (٤٧ - ٤٩).\n(^٢) انظر: \"تاريخ الثقات\" ص (٣٩٣) \"الثقات\" (٥/ ٣١٣) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٣٥٦).","vol":"3","page":325},{"text":"الوجه الثاني: في ألفاظه:\n\nقوله: (لا وتران في ليلة) نفي بمعنى النهي، فكأنه قال: (لا توتروا مرتين في ليلة)، ولا: عاملة عمل ليس، و(وتران) اسمها، و(في ليلة) خبرها، ويحتمل أن (لا) عاملة عمل (إنَّ)، و(وتران) اسمها جاء بالألف على لغة من يُلزم المثنى الألف في جميع أحواله، أو أنه مرفوع بفعل محذوف، أي: لا يجتمع وتران في ليلة.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الوتر لا يتكرر في الليلة الواحدة مرتين، فمن أوتر أول الليل ثم يسَّر الله له القيام آخر الليل فإنه يصلي ما كتب له، ويكفي وتره الأول، ولا ينقضه، والمراد بنقضه: أن الإنسان إذا أوتر أول الليل ثم قام من آخر الليل يتهجد بدأ صلاته بركعة واحدة لتشفع الركعة الأولى، وهي ركعة الوتر، ثم يصلي ركعتين، ركعتين، ثم يوتر في آخر صلاته.\nونقض الوتر موضع خلاف بين أهل العلم، فذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة وجمع من الصحابة والتابعين، منهم أبو بكر وأبو هريرة وطلق بن علي راوي الحديث ﵃ وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي وآخرون إلى أنه لا يجوز نقض الوتر، ومن أراد أن يتنفل صلى شفعًا ولا يوتر مرة أخرى (^١).\nوذهب بعض الصحابة والتابعين، ومنهم عثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس ﵃ وابن سيرين إلى جواز نقض الوتر، لحديث: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا) (^٢).\nوالذي يظهر - والله أعلم - أنه لا يلزم نقض الوتر، بل يصلي الإنسان ما كتب له ويبقي وتره الأول، ولا يوتر مرة أخرى لأمرين:\nالأول: أن النبي ﷺ صلى ركعتين بعد الوتر، كما تقدم في حديث عائشة ﵂.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٢/ ٥٩٧).\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"3","page":326},{"text":"وهذا دليل واضح على أن قوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» أنه أمر ندب وإرشاد إلى الأفضل وأن الإنسان لا يهمل الإيتار في آخر صلاته، ويؤيد ذلك حديث ثوبان ﵁ قال: كنا مع الرسول ﷺ في سفر، فقال: «إن هذا السفر جهد وثقل، فإذا أوتر أحدكم، فليركع ركعتين، فإن استيقظ وإلا كانتا له» (^١)، وهذا يدل على أن الركعتين بعد الوتر ليستا من خصوصيات النبي ﷺ، لأنه أمر بهما أمته أمرًا عامًا.\nالأمر الثاني: أن الإنسان إذا أوتر أول الليل فقد قضى وتره، فإذا هو نام بعد ذلك ثم قام وتوضأ، وصلى ركعة أخرى، فهذه صلاة غير تلك الصلاة، ولا يصيران صلاة واحدة؛ لما بينهما من النوم والحدث والوضوء والكلام.\nوعلى هذا فإن صلى إنسان التراويح فإنه لا ينصرف قبل إمامه، بل يوتر معه، ليحصل على الأجر المستفاد من قوله ﷺ: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» (^٢).\nفإذا رغب أن يصلي ما كتب له وقت السحر، فإنه لا يوتر في آخر صلاته مرة أخرى، بل يكتفي بوتره مع إمامه في صلاة التراويح أول الليل.\nوأجاز أهل العلم لمن صلى مع الإمام التراويح أن ينقض وتره، وذلك بأن يقوم بعد سلام إمامه ويأتي بركعة يشفع بها صلاته مع الإمام، ذكر ذلك ابن قدامة وقال: (إن الإمام أحمد نص على ذلك) (^٣).\nولا يؤثر في ذلك اختلاف النية، لأن الإمام نيته الوتر، والمأموم نيته الشفع، فيجب عليه أن يتم صلاته حسب ما نوى أن يصلي، فإذا سلم إمامه انقضت متابعته له، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الدارمي (١/ ٣٧٤) وابن خزيمة (٢/ ١٥٩)، وابن حبان (٢٥٧٧) وذكره الألباني في \"الصحيحة\" (٤/ ٦٤٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٣٧٥)، والترمذي (٨٠٦)، والنسائي (٣/ ٢٠٣)، وابن ماجه (١/ ٤٢٠) وأحمد (٣٥/ ٣٥٢)، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).\n(^٣) \"المغني\" (٢/ ٥٩٨ - ٥٩٩).","vol":"3","page":327},{"text":"<span data-type='title' id=toc-312>ما يقرأ في الوتر</span>\n٣٨٤/ ٣٥ - عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُوتِرُ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ. وَزَادَ: وَلَا يُسَلِّمُ إلاَّ في آخِرهِنَّ.\n٣٨٥/ ٣٦ - وَلأبِي دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ وَفيهِ: كُلُّ سُورَةٍ فِي ركْعَةٍ، وَفِي الأخيرَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَالمُعَوِّذَتَيْنِ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أُبي بن كعب بن قيس بن عبد الله بن النجار الأنصاري الخزرجي، أبو المنذر، المدني، سيد القراء ﵁، كَتَبَ الوحي، وكان من السابقين إلى الإسلام، شهد العقبة، وبدرًا وما بعدها، روى عنه ابن عباس وأنس وسهل ابن سعد، وخلق كثير.\nوهو أحد المشهورين بحفظ القرآن من الصحابة وبإقرائه، وقد روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأُبي: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾» [البينة: ١] قال: وسماني؟ قال: (نعم)، فبكى (^١).\nوقال عمر ﵁: (أُبيٌّ أقرؤنا) (^٢)، وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا المنذر، أتدري أيُّ آية من كتاب الله معك أعظم؟»، قال قلت: الله ورسوله\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٤٩٥٩).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٥٠٠٥).","vol":"3","page":328},{"text":"أعلم، قال: «يا أبا المنذر، أتدري أيُ آية من كتاب الله معك أعظم؟»، قال قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، قال: فضرب في صدري، وقال: «والله ليهنك العلم أبا المنذر» (^١).\nمات في زمن عثمان ﵁ سنة ثلاثين، وصَلَّى عليه، وقيل: في خلافة عمر ﵁، والله أعلم (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث أُبي، فقد أخرجه أحمد (٣٥/ ٧٨) وأبو داود (١٤٢٣) في كتاب «الصلاة»، باب «ما يقرأ في الوتر»، والنسائي (٣/ ٢٣٥) من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب، به.\nوقد وقع عند أحمد والنسائي في آخره زيادة: (فإذا سلم قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات)، وهي عند أبي داود (٤٣٠) دون قوله: (ثلاث مرات)، وعند النسائي (يطيل في آخرهن)، وعند أحمد (٢٤/ ٧٢): (ويرفع بها صوته).\nوهذا الحديث إسناده صحيح، صححه الحاكم، والنووي (^٣)، وله طرق أخرى عن سعيد بن عبد الرحمن، ومنها رواية النسائي بالزيادة المذكورة: (ولا يسلم إلا في آخرهن)، وقد تفرد بها عبد العزيز بن خالد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن عبد الرحمن، به، ولم يوثقه أحد، وقال في «التقريب»: (مقبول)، يعني عند المتابعة وإلا فلين الحديث.\nوقد خالفه عيسى بن يونس، وهو ثقة، فرواه عن سعيد بدونها، كما عند النسائي أيضًا، وعنده أيضًا من طريق زُبيدٍ، عن سعيد بن عبد الرحمن بدونها، فتكون زيادة منكرة، على ما قرره الألباني (^٤)، لكنه صحح الحديث في «صحيح سنن النسائي» (^٥) بدون استثنائها، وهذا أقرب فإنه تقدم ما يؤيد ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨١٠).\n(^٢) \"الإصابة\" (١/ ٢٦).\n(^٣) \"المستدرك\" (٢/ ٢٥٧)، \"الخلاصة\" (١/ ٥٥٦).\n(^٤) \"صلاة التراويح\" ص (٩٦).\n(^٥) (١/ ٢٧٣).","vol":"3","page":329},{"text":"وأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه أبو داود (١٤٢٤) في الباب المذكور، والترمذي (٤٦٣) والحاكم (٢/ ٥٢٠ - ٥٢١) وابن ماجه (١/ ٣٥٧) من طريق محمد بن سلمة الحراني، ثنا خصيف، عن عبد العزيز بن جريج، قال: سألنا عائشة أم المؤمنين: بأيِّ شيء كان يوتر رسول الله ﷺ؟ قالت: (كان يقرأ في الأولى بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وفي الثانية بـ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين).\nهذا لفظ الترمذي، وهو نحو حديث أُبي كما ذكر الحافظ، إلا أن فيه تفصيل ما يقرأ في كل ركعة، وساقه أبو داود مختصرًا، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب)، وقال الحاكم: (إسناده صحيح)، وقد تعقب الشارحُ المباركفوريُّ الترمذيَّ على تحسينه الحديث (^١) فضلًا عن تصحيح الحاكم، وذلك لأن فيه خُصيفًا، وهو عبد الرحمن الجزري، وهو ضعيف، ضعفه أحمد وغيره من جهة حفظه، ووثقه ابن معين وأبو زرعة وابن سعد وغيرهم، قال في «التقريب»: (صدوق، سيء الحفظ، خَلَط بأخَرَةَ، ورُمي بالإرجاء).\nولأن فيه - أيضًا - عبد العزيز بن جريج المكي مولى قريش، ذكره البخاري، وذكر حديثه هذا، وقال: (لا يتابع في حديثه) (^٢)، وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: (لم يسمع من عائشة) (^٣)، وكذا قال العجلي (^٤)، وقال في «التقريب»: (أخطأ خصيف، فصرح بسماعه من عائشة).\nفيكون في الحديث ثلاث علل ضُعِّفَ بسببها، وقد نقل ابن الجوزي عن الإمام أحمد، ويحيى بن معين أنهما أنكرا زيادة المعوذتين (^٥).\nوقد حسَّن الحديث الحافظ ابن حجر (^٦)، ولعل تحسينه لكونه جاء بإسناد آخر، عن يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، بذكر\n_________\n(^١) \"تحفة الأحوذي\" (٢/ ٥٦١)، وانظر: \"أصل صفة الصلاة\" (٢/ ٥٤٢).\n(^٢) \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٢٣).\n(^٣) (٧/ ١١٤).\n(^٤) \"تاريخ الثقات\" ص (٣٠٤).\n(^٥) \"التحقيق\" (٣/ ١٨٢).\n(^٦) \"نتائج الأفكار\" (١/ ٤٩٧).","vol":"3","page":330},{"text":"المعوذتين، أخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٢٨٥) والدارقطني (٢/ ٣٥) والحاكم (١/ ٣٠٥) (٢/ ٥٢٠) وابن حبان (٦/ ١٨٨، ٢٠١).\nويحيى بن أيوب مختلف فيه، قال في «التقريب»: (صدوق ربما أخطأ)، وقد حسَّن الحديث الحافظ ابن حجر (^١)، وتبعه شعيب الأرناؤوط (^٢)، وقال العقيلي بعد سياقه الحديث: (أما المعوذتين فلا يصح) (^٣).\nوالحديث له شواهد، منها: حديث أبي بن كعب الذي قبله، لكن ليس في شيء منها ذكر المعوذتين مع سورة الإخلاص.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية قراءة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ في الركعة الأولى من صلاة الوتر، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في الثانية، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في الثالثة، وإن قرأ أحيانًا في الثالثة مع ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فقد قال به من ذهب إلى تحسين الرواية بزيادتهما، وقد اعتمد الألباني ذلك (^٤)، مع أن الأئمة الكبار على إعلال الحديث، كما تقدم، وقد ذهب إلى مشروعية القراءة بهما الشافعية، وروي عن مالك واستحبه أكثر أصحابه (^٥).\n\nالوجه الرابع: ظاهر الحديث أن النبي ﷺ كان يسرد ركعات الوتر الثلاث ولا يسلم إلا في آخرهن، وهذا جاء في رواية النسائي كما تقدم، وقد مضى ما يؤيدها، وهو أنه يجوز سرد الثلاث بسلام واحد، والأولى أن يسلم بعد ركعتين، ثم يوتر بواحدة، كما يدل له قوله ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى …»، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"نتائج الأفكار\" (١/ ٤٩٧ - ٤٩٨).\n(^٢) \"الإحسان\" (٦/ ١٨٨).\n(^٣) \"الضعفاء\" (٤/ ٣٩٢).\n(^٤) انظر: \"أصل صفة الصلاة\" (٢/ ٥٤١ - ٥٤٢).\n(^٥) \"إكمال المعلم\" (٣/ ٩٣)، \"المجموع\" (٤/ ٢٣).","vol":"3","page":331},{"text":"<span data-type='title' id=toc-313>لا يشرع الوتر بعد الصبح</span>\n٣٨٦/ ٣٧ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n٣٨٧/ ٣٨ - وَلاِبْنِ حِبَّانِ: «مَنْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَلَمْ يُوِتِرْ فَلَا وِتْرَ لَهُ».\n\nالكلام عليهما من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما الأول: فقد أخرجه مسلم (٧٥٤) في كتاب «صلاة المسافرين»، باب «صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل» من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁، مرفوعًا.\nوأما الثاني: فقد أخرجه ابن حبان (٦/ ١٦٨) والحاكم (١/ ٣٠١ - ٣٠٢) من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁، مرفوعًا.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرِّجاه)، وسكت عنه الذهبي.\n\nالوجه الثاني: الحديثان دليلان على أن وقت الوتر قبل طلوع الصبح، فإذا طلع الصبح لم يشرع الوتر لخروج وقته، لأن الوتر عمل الليل فلا يجعل في النهار، فعلى المسلم أن يتحرى بوتره الوقت المناسب الذي يستطيعه أول الليل أو وسطه أو آخره، فإن تيسر له آخر الليل فهو أفضل، كما سيأتي إن شاء الله.\nوالذي يظهر من صنع الحافظ ﵀ بإيراده حديث أبي سعيد الآتي بعد","vol":"3","page":332},{"text":"هذا في قضاء الوتر أن هذين الحديثين محمولان على من ترك الوتر متعمدًا حتى طلع الصبح، فهذا قد فاتته السنة العظمى والخير الكثير، حيث فرط بالوتر، فلا يمكنه تداركه، ولا يقضيه على أحد الأقوال في المسألة.\nوأما من نام عنه أو نسيه، فهذا جاء فيه الحديث الآتي، ويؤيده حديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) (^١)، واختار ذلك ابن حزم وقال: (هذا عموم يدخل فيه كلُّ صلاةِ فرضٍ ونافلةٍ، فهو بالفرض أمر فرض، وهو بالنافلة أمر ندب وحض، لأن النافلة لا تكون فرضًا) (^٢).\nولعل هذا غرض الحافظ من إيراد هذه الأحاديث الثلاثة مجتمعة في هذا الموضع، وإلا فالأولى جمعها مع الأحاديث المتقدمة في وقت الوتر في موضع واحد، والله أعلم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه عند الحديث (١٦٤).\n(^٢) \"المحلى\" (٣/ ١٠٣).","vol":"3","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-314>حكم قضاء الوتر</span>\n٣٨٨/ ٣٩ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ نَامَ عَن الْوِتْرِ أَو نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ النَّسَائيَّ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود (١٤٣١) (^١) والترمذي (٤٦٥) في «أبواب الصلاة» باب «ما جاء في الرجل ينام عن الوتر أو ينساه»، وابن ماجه (١١٨٨) وأحمد (١٧/ ٣٦٦ - ٤٨٥) من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا، وقد روي عند الترمذي (٤٦٦) من طريق عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه مرسلًا. قال الترمذي: (وهذا أصح من الحديث الأول).\nوقد روى المرفوع عن زيد بن أسلم ابنه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهذه عند الترمذي وابن ماجه وأحمد، وهذا الإسناد ضعيف، لضعف عبد الرحمن بن أسلم، فقد ضعفه الإمام أحمد وابن المديني والنسائي وأبو زرعة وابن حبان، قال ابن خزيمة: (ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه، لسوء حفظه، وهو رجل صناعته العبادة والتقشف، ليس من أحلاس\n_________\n(^١) لم أذكر موضعه عند أبي داود -كما هي عادتي- لأنه ذكره تحت باب \"الدعاء في الوتر\" وهو غير مطابق للترجمة، ولذا قال صاحب \"المنهل العذب المورود\" (٨/ ٦٨): لعل المصنف وضعه تحت ترجمة باب \"من نام عن وتره أو نسيه\" فسقطت من النساخ.","vol":"3","page":334},{"text":"الحديث (^١»، وقد مضى الكلام فيه عند الحديث (١٣) في «أبواب الطهارة».\nلكنه لم ينفرد به، فقد تابعه أبو غسان محمد بن مطرف المدني، عن زيد بن أسلم، به، كما هو عند أبي داود، لكن ليس فيه (إذا أصبح)، وإنما لفظه: (من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره).\nوأبو غسان ثقة من رجال الجماعة، ولهذا قال الحاكم عن حديثه (١/ ٣٠٢): (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن الإنسان إذا نام عن وتره أو نسيه فإنه يصليه إذا ذكره، ويدخل في عمومه ما لو استيقظ بعد طلوع الفجر، فإنه يصليه، وعليه يحمل ما تقدم عن السلف.\nوظاهر الحديث أنه يصلي وتره في النهار كما كان يصليه في الليل، لكن ورد في حديث عائشة ﵂ قالت: (… كان - أي النبي ﷺ - إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة …) (^٢).\nفهذا يدل على أنه إذا قضاه في النهار لا يقضيه على صفته وترًا، بل يشفعه بركعة، لفعله ﷺ، فقد كان وتره إحدى عشرة ركعة، فإذا غلبه نوم أو وجع صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة، وهكذا يفعل من عادته أن يصلي تسعًا فيصلي بالنهار عشرًا، ومن كان يصلي بالليل سبعًا فيصلي بالنهار ثماني ركعات، وهذا هو الأظهر، فإن حديث أبي سعيد مجمل، وحديث عائشة مفسر له، ثم إنه أصح وأثبت من حديث أبي سعيد، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أي: الملازمين لحفظه ومذاكرته، قال في القاموس: (هو حِلْسُ بيته: إذا لم يبرح مكانه) \"ترتيب القاموس\" (١/ ٦٩١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٤٦).","vol":"3","page":335},{"text":"<span data-type='title' id=toc-315>فضل تأخير الوتر لمن يقوم آخر الليل</span>\n٣٨٩/ ٤٠ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ خَافَ أَلاَّ يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللّيْلِ فَليُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللّيْلِ، فَإنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْل مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم (٧٥٥) في كتاب «صلاة المسافرين»، باب «من خاف ألا يقوم في آخر الليل فليوتر أوله» من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر ﵁ مرفوعًا.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن تأخير الوتر إلى آخر الليل أفضل لمن وثق من نفسه بالاستيقاظ آخر الليل، وأما من لا يثق بذلك فالتقديم له أفضل، وهذه الحالة هي حالة الحزم والاحتياط، والأولى هي حالة العزم والقوة.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: (أوصاني خليلي رسول الله ﷺ بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام (^١».\nومثل ذلك ورد عن أبي الدرداء ﵁ (^٢) - وكذا أبي ذر ﵁ (^٣) - فهؤلاء\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٨١)، ومسلم (٧٢١).\n(^٢) أخرج حديثه مسلم (٧٢٢).\n(^٣) أخرج حديثه النسائي (٤/ ٢١٧ - ٢١٨)، وأحمد (٣٥/ ٤٠٧) من طريق عطاء بن يسار عن أبي ذر -﵁-.","vol":"3","page":336},{"text":"الثلاثة أوصاهم النبي ﷺ بالوتر قبل النوم، ولعل ذلك لعلم النبي ﷺ بحالهم، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن أبا هريرة كان يراجع حفظه من الأحاديث في أول الليل، ولا يطمع في الاستيقاظ آخره، فأمره النبي ﷺ بتقديم الوتر (^١).\nوقد ورد عن أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال لأبي بكر ﵁: «متى توتر؟»، قال: (أوتر من أول الليل)، وقال لعمر ﵁: «متى توتر؟»، قال: (آخر الليل)، فقال لأبي بكر: «أَخَذَ هذا بالحذر [أي بالحزم]»، وقال لعمر: «أَخَذَ هذا بالقوة» (^٢).\nأما من وثق بالقيام فآخر الليل أفضل، لأن صلاة الليل تشهدها الملائكة، فتكون أقرب إلى القبول وحصول الرحمة، ولأن هذا وقتُ تَنَزُّلِ الله تعالى، ووقت إجابة الدعاء، وقد قال النبي ﷺ: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له حتى ينفجر الفجر» (^٣).\nولأن الوتر آخر الليل هو التهجد الذي ذكر الله تعالى في كتابه الكريم، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].\nقال الراغب: (المتهجد: المصلي ليلًا)، وقال ابن كثير: (التهجد: ما كان بعد نوم، قاله علقمة، والأسود، وابراهيم النخعي، وغير واحد، وهو المعروف في لغة العرب، وكذلك ثبتت\n_________\n(^١) \"فتح الباري\"، وانظر: \"الفتاوى\" (٢٢/ ٢٨٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٤٣٤) وصححه الألباني، وأخرجه ابن ماجه (١/ ٣٨٠) من حديث ابن عمر -﵄-، وقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٣٩٨): (إسناده صحيح، رجاله ثقات)، ومن حديث جابر -﵁- عند ابن ماجه -أيضًا- (١/ ٣٧٩) وأحمد (٢٢/ ٤٠٥) وإسناده حسن، كما قال البوصيري -أيضًا- في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٣٩٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨).","vol":"3","page":337},{"text":"الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه كان يتهجد بعد نومه …) (^١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] وناشئة الليل: قيام الليل، من نشأ: إذا قام، كما ذكر البخاري عن ابن عباس معلقًا بصيغة الجزم (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ناشئة الليل عند أكثر العلماء هو إذا قام الرجل بعد نوم، وليس هو أول الليل، وهذا هو الصواب، لأن النبي ﷺ هكذا كان يفعل، والأحاديث بذلك متواترة عنه، كان يقوم بعد النوم، لم يكن يقوم بين العشاءين) (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المفردات\" ص (٥٣٦)، \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ١٠٠).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٢١).\n(^٣) \"الفتاوى\" (١٧/ ٤٧٤).","vol":"3","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-316>آخر وقت الوتر</span>\n٣٩٠/ ٤١ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَن النّبيِّ ﷺ قالَ: «إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَدْ ذَهَبَ كُلُّ صَلَاةِ اللَّيْل وَالْوِتْرِ، فَأَوْتِرُوا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الترمذي (٤٦٩) في «أبواب الصلاة»، باب «ما جاء في مبادرة الصبح بالوتر» من طريق ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ به مرفوعًا.\nقال الترمذي: (سليمان بن موسى قد تفرد به على هذا اللفظ)، والمراد أن سليمان بن موسى - وهو الدمشقي، ابن الأشدق - جعل هذا الحديث مرفوعًا بهذا اللفظ، مع أن فيه مرفوعًا وفيه موقوفًا، وهو قد اضطرب فيه، فإنه مرة يرويه مرفوعًا كما هنا، ومرة يرويه موقوفًا كما وقع عند أحمد (١٠/ ٤٣٨) وغيره، وسليمان بن موسى في حديثه اضطراب.\nقال أبو حاتم: (محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدًا من أصحاب مكحول أفقه منه، ولا أثبت منه) (^١)، وقال البخاري: (عنده مناكير) (^٢)، وقال الحافظ ابن رجب: (سليمان بن موسى الدمشقي، الفقيه،\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ١٤٢).\n(^٢) \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٣٨ - ٣٩).","vol":"3","page":339},{"text":"يروي الأحاديث بألفاظ مستغربة) (^١)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق فقيه، في حديثه لين، وخلط قبل موته بقليل).\nوالذي يظهر - والله أعلم - أن الأمر كما قال الشيخ أحمد شاكر: (إنه قد وهم، فأدخل الموقوف من كلام ابن عمر، وهو قوله: (فإذا كان الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر) في المرفوع وهو قوله: (أوتروا قبل طلوع الفجر)، أو يحتمل أن يكون قد حفظ، وأن ابن عمر كان يذكره مرة هكذا ومرة هكذا) (^٢).\nوسياقه موقوفًا قد صححه الحاكم (١/ ٣٠٢) وسكت عنه الذهبي، وصححه الألباني (^٣).\nولعل الحافظ أورد هذا الحديث مع أن معناه مستفاد من الأحاديث المتقدمة، لأنه أوضح منها في المعنى، حيث إن فيه ذكر صلاة الليل، وهي النوافل المشروعة فيه، ثم عطف عليها الوتر من باب عطف الخاص على العام لمزيد العناية والاهتمام به.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن صلاة الليل ومنها الوتر ينتهي وقتها بطلوع الفجر، كما تقدم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح العلل\" (٢/ ٧١٤).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢/ ٣٣٣).\n(^٣) \"الإرواء\" (٢/ ١٥٤).","vol":"3","page":340},{"text":"<span data-type='title' id=toc-317>استحباب صلاة الضحى</span>\n٣٩١/ ٤٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ الله). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n٣٩٢/ ٤٣ - وَلَهُ عَنْهَا: أَنَّها سُئِلَتْ: «هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟»، قَالَتْ: «لَا، إلاَّ أَنْ يَجيء مِنْ مَغِيبِهِ».\n٣٩٣/ ٤٤ - وَلَهُ عَنْهَا: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإنِّي لأُسَبِّحُهَا».\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث عائشة الأول، فقد أخرجه مسلم (٧١٩) (٧٩) في كتاب «صلاة المسافرين»، باب «استحباب صلاة الضحى» من طريق قتادة أن معاذة العدوية حدثتهم عن عائشة ﵂ قالت: … فذكرته.\nوأما حديثها الثاني: فقد أخرجه مسلم - أيضًا - (٧١٧) في الباب المذكور من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد الجُريري، عن عبد الله بن شقيق، قال: قلت لعائشة: (هل كان النبي ﷺ يصلي الضحى؟)، قالت: (لا، إلا أن يجيء من مغيبه).\nوأما حديثها الثالث، فقد أخرجه البخاري (١١٢٨) (١١٧٧) في كتاب «التهجد»، باب «تحريض النبي ﷺ على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب»، ومسلم (٧١٨) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها،","vol":"3","page":341},{"text":"وإن كان رسول الله ﷺ ليدعُ العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم) وهذا لفظ مسلم، وعزوه لمسلم فقط سهو من الحافظ ﵀، والأولى أن يقول: (ولهما عنها)، أو (وفي المتفق عليه) أو نحو ذلك.\nوذكر المصنف هذه الأحاديث الثلاثة، لأن الأول فيه الإثبات مطلقًا، والثاني فيه تقييد النفي بغير المجيء من مغيبه، والثالث فيه نفي رؤيتها لصلاة الضحى مطلقًا، وكأن مراده بذلك أن يبحث طالب العلم في تعارض حديثي الإثبات والنفي، فإن ذلك مما اختلفت فيه كلمة أهل العلم، كما سيأتي إن شاء الله.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (يصلي الضحى) بضم الضاد مقصورة، ما بعد ارتفاع الشمس إلى قبيل الزوال، والضّحى بالضم والقصر، والضَّحاء: بالفتح، والمد بمعنى واحد، وقيل: الضحى - بالضم ـ: من طلوعها إلى أن يرتفع النهار وتبيض الشمس جدًا، ثم بعد ذلك الضَّحاء - بالفتح - إلى قريب من نصف النهار.\n\nقوله: (سبحة الضحى) بضم السين، والمراد، صلاة الضحى، وأصل التسبيح: التنزيه والتقديس والتبرئة من النقائص، والمراد هنا: صلاة التطوع، وتسمية صلاة التطوع بالسبحة هو الغالب، وذلك من تسمية الشيء باسم بعضه، وخصت النافلة بذلك مع أن الفريضة تشاركها في معنى التسبيح، لأن التسبيحات في الفرائض نوافل، كذا في «النهاية» (^١).\n\nالوجه الثالث: في الأحاديث دليل على مشروعية صلاة الضحى، وأنها سنة مؤكدة، لأن النبي ﷺ فعلها، وأوصى بها أبا هريرة وأبا ذر وأبا الدرداء ﵃ وتقدمت أحاديثهم، والنبي ﷺ إذا أوصى أحدًا بشيء، فهي وصية للأمة كلها، وليس خاصًا بذلك الموصى، وهكذا إذا نهى أو أمر فالحكم\n_________\n(^١) \"النهاية\" لابن الأثير (٢/ ٣٣١).","vol":"3","page":342},{"text":"عام، إلا أن يقوم دليل على الخصوصية، وبهذا تكون صلاة الضحى ثبت فيها القول والفعل.\nوكونه ﷺ لم يداوم عليها وإنما يفعلها بعض الأحيان لا ينافي سنيتها، لأن النبي ﷺ قد يفعل الشيء لبيان مشروعيته، وقد يتركه لبيان عدم وجوبه، وقد يترك الشيء وهو يحب أن يفعله لئلا يشق على أمته، ولهذا قالت عائشة ﵂: (وإن كان ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم) كما تقدم.\nوعلى هذا فالظاهر استحبابها مطلقًا، لما ورد من الأدلة الكثيرة في الترغيب فيها، لا ترك المداومة عليها، كما هو المذهب عند الحنابلة (^١)، لأنه ﷺ لم يداوم عليها خشية أن تفرض على الأمة، فيغلب جانب الأدلة التي تدل على فضلها.\nوذهب فريق من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن من كان عادته قيام الليل فإنه لا يسن له أن يصلي الضحى، ومن لم تكن عادته قيام الليل سن في حقه أن يصلي الضحى (^٢).\nوذهب فريق ثالث إلى أنها لا تشرع إلا لسبب، كالقدوم من سفر ونحوه، إلى غير ذلك من الأقوال، وقد أوصلها ابن القيم إلى ستة أقوال (^٣)، ولخصها الشوكاني (^٤).\nوالقول الأول هو الأظهر، وهو استحبابها مطلقًا، وقد اختار ذلك الشوكاني (^٥)، والشيخ عبد العزيز بن باز، فقال: (صلاة الضحى سنة مؤكدة، فعلها النبي ﷺ، وأرشد إليها أصحابه) وقال: (لو صليتها يومًا وتركتها يومًا فلا بأس، ولكن الأفضل المداومة، لأن الرسول ﷺ قال: «إن أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه وإن قل») (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) \"الإنصاف\" (٢/ ١٩١).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٢٨٤).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (١/ ٣٥٢).\n(^٤) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٧١).\n(^٥) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٧١).\n(^٦) \"الفتاوى\" (١١/ ٣٩٩).\n(^٧) أخرجه البخاري (٥٩٨٣)، ومسلم (١٩٥٨) واللفظ له.","vol":"3","page":343},{"text":"ومما يؤيد سنيتها مطلقًا، حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يصبح على كل سُلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» (^١).\nوالسُّلامى: بضم السين، مفرد، جمعه: سُلاميات، وهي مفاصل الأصابع، ثم استعمل في جميع عظام البدن ومفاصله، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «إن الله خلق ابن آدم على ستين وثلاثمائة مفصل» (^٢).\nفهذا دليل على عِظم فضل صلاة الضحى، وأنها باب عظيم من أبواب شكر الله تعالى على نعمه، ومنها نعمة البدن، وأن هاتين الركعتين تجزيان عن ثلاثمائة وستين صدقة، وما كان كذلك فهو حقيق بالمواظبة وجدير بالمداومة.\nوعن أبي الدرداء وأبي ذر (^٣) ﵄ عن رسول الله ﷺ عن الله ﷿ أنه قال: (ابن آدم اركع لي من أول النهار أربع ركعات أَكْفِكَ آخره) (^٤).\n\nالوجه الرابع: اختلف العلماء في الجمع بين حديثي عائشة المذكورين في إثبات صلاة الضحى ونفيها.\nفمنهم من سلك مسلك الترجيح، فرجح أحاديث الإثبات عنها وعن غيرها من الصحابة، لأنه اتفق عليها الشيخان على حديث نفيها الذي انفرد به مسلم، ولأن المثبت مقدم على النافي، ومن حفظ حجةٌ على من لم يحفظ، وهذا قول جماعة من أهل العلم، منهم ابن خزيمة (^٥)، وابن جرير الطبري، وابن عبد البر، بل إنه بالغ فقال عن حديث النفي: إنه منكر (^٦)، مع أنه ثابت في صحيح مسلم، كما تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٢٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠٠٧) عن عائشة -﵂-.\n(^٣) في \"تحفة الأشراف\" (٨/ ٢١٩): (أو أبي ذر).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٤٧٥)، وأحمد (٤٥/ ٤٧٣)، وقال الترمذي: (حسن غريب)، والحديث له شواهد.\n(^٥) \"صحيح ابن خزيمة\" (٢/ ٢٣٢).\n(^٦) \"التمهيد\" (٨/ ١٤٥).","vol":"3","page":344},{"text":"وسلك آخرون مسلك الجمع، على خلاف بينهم في كيفية الجمع، على طرق ستة، ذكرها العراقي (^١)، ومن ذلك أن المنفي هو المداومة عليها، والمثبت هو فعلها أحيانًا، كالقدوم من سفر، أو الفتح، أو زيارته لقوم، أو نحو ذلك، وممن قال بذلك البيهقي (^٢)، وأيد ذلك بقول عائشة ﵂: (وإن كان ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم)، وحكاه النووي عن العلماء، وقال: (بهذا يجمع بين الأحاديث) (^٣).\nوعندي أن هذا هو أظهر الأجوبة، لقوة ما عُلِّلَ به، فإن الأحاديث القولية ثابتة في سنيتهما، فهي مقدمة في دلالتها على الأحاديث الفعلية التي تدل على أنه ﷺ لم يداوم عليها، ولا ينافي ذلك قول عائشة المتقدم: (كان يصلي الضحى أربعًا ويزيد ما شاء الله)، فإنه لا يلزم من هذا التعبير المداومة، بل هي للدلالة على مجرد الوقوع، ولا سيما أنه وجد هنا قرائن تصرف الفعل عن دلالته على المداومة، عند من يقول بذلك، وتقدم بيان هذه القرائن، وقد يكون مرادها بيان هذا العدد إن صلى الضحى وأنه قد يزيد، والله أعلم.\nوأما قولها: (ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط …) فلعله محمول على المداومة، بدليل قولها: (كان يصلي الضحى أربعًا)، وبدليل حديثها الثاني لتتفق الأدلة، ثم إنه لا يلزم من عدم رؤيتها له عدم الوقوع، لأن النبي ﷺ لا يكون عندها وقت الضحى إلا نادرًا، فقد يكون في المسجد، وقد يكون مسافرًا، وقد يكون في موضع آخر، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"طرح التثريب\" (٣/ ٦٢ - ٦٤).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٣/ ٤٩).\n(^٣) \"الخلاصة\" (١/ ٥٧).","vol":"3","page":345},{"text":"<span data-type='title' id=toc-318>أفضل الأوقات لصلاة الضحى</span>\n٣٩٤/ ٤٥ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ أَنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الأَوَّابِين حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم (٧٤٨) في كتاب «صلاة المسافرين» باب «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» من طريق القاسم الشيباني، أن زيد بن أرقم ﵁ رأى قومًا يصلون من الضحى، فقال: (أما لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل، إن رسول الله ﷺ قال: … فذكره).\nوعزوه للترمذي وهمٌ من الحافظ، وقد عزاه المزي في «تحفة الأشراف» إلى مسلم، ولم يعزه للترمذي (^١).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الأوابين) جمع أواب، صيغة مبالغة، والأواب: الرجاع إلى الله تعالى بفعل المأمور واجتناب المحظور.\n\nقوله: (حين تَرْمَضُ) بفتح التاء، وسكون الراء، وفتح الميم، من باب «تعب»، يقال: رَمِضَتْ الفصال: إذا وجدت حر الرمضاء فاحترقت أخفافها، والرمضاء: شدة حرارة الأرض من وقوع الشمس على الرمل وغيره عند ارتفاعها.\n_________\n(^١) \"تحفة الأشراف\" (٣/ ٢٠١).","vol":"3","page":346},{"text":"قوله: (الفِصال) بكسر الفاء، جمع فصيل، وهو ولد الناقة، سمي بذلك لفصله عن أمه، فهو فعيل بمعنى مفعول، وهو يجمع على فصلان - بضم الفاء وكسرها - وأما جمعه على (فصال) فكأنهم توهموا فيه الصفة.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن أفضل وقت لصلاة الضحى، هو وقت اشتداد حرارة الشمس، وأن هذه صلاة الأوابين، وسميت بذلك لأنهم آبوا ورجعوا إلى طاعة الله وعبادته حينما اشتغل الناس بأمور دنياهم من زراعة وتجارة ونحوهما، وأخلد آخرون إلى الراحة، فيقوم هؤلاء يصلون ويذكرون الله تعالى.\nوأما بداية وقت صلاة الضحى فهو من ارتفاع الشمس بعد طلوعها، لحديث عمرو بن عبسة الطويل، وفيه أن النبي ﷺ قال له: «صَلِّ صلاة الصبح، ثم اقعد عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع …» (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٣٢).","vol":"3","page":347},{"text":"<span data-type='title' id=toc-319>عدد ركعات صلاة الضحى</span>\n٣٩٥/ ٤٦ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى الضُّحى ثنتي عَشْرَةَ رَكْعةً بَنَى اللهُ لَهُ قَصْرًا في الْجَنةِ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ.\n٣٩٦/ ٤٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ النَّبي ﷺ بَيْتِي، فَصَلَّى الضُّحى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ»، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ في «صَحِيحِهِ».\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أنس، فقد أخرجه الترمذي (٤٧٣) في «أبواب الصلاة»، باب «ما جاء في صلاة الضحى» من طريق موسى بن فلان بن أنس، عن عمه ثمامة بن أنس بن مالك، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصرًا في الجنة».\nقال الترمذي: (حديث أنس حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه)، وهذا إسناد ضعيف، لأن موسى بن فلان مجهول، كما في «التقريب»، وفي اسمه اضطراب (^١)، وقد ضعفه الحافظ في «التلخيص» (^٢).\nوأما حديث عائشة، فقد أخرجه ابن حبان (٦/ ٢٧٢) في كتاب «الصلاة»، فصل «في صلاة الضحى» (ذكر عدد الركعات التي كان يصليها ﷺ\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٣٣٨).\n(^٢) (٢/ ٢١).","vol":"3","page":348},{"text":"صلاة الضحى) من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي، قال: (حدثني المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن عائشة ﵁ قالت: … فذكرته).\nوهذا إسناد ضعيف - أيضًا - لأن المطلب بن عبد الله بن حنطب وثقه أبو زرعة ويعقوب بن سفيان، إلا أنه لم يسمع من عائشة، فقد قال أبو حاتم: (لم يدرك عائشة ﵂ وعامة حديثه مراسيل) (^١)، وقال أبو زرعة: (نرجو أن يكون سمع منها) (^٢).\n\nالوجه الثاني: الحديث الأول دليل على فضل صلاة الضحى، وهي ثنتا عشرة ركعة، ولكنه حديث ضعيف، وكذا حديث عائشة، وتغني عنهما الأحاديث الصحيحة الدالة على أنها ركعتان، كما في حديث أبي ذر المتقدم: (ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) أو يصليها أربع لحديث عائشة المتقدم، الذي أخرجه مسلم، أو يصليها ستًا لحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يصلي الضحى ست ركعات (^٣).\nوله أن يصليها ثمان ركعات لحديث أبي مرة مولى عقيل أن أم هانئ حدثته أنه لما كان عام الفتح، أتت رسول الله ﷺ وهو بأعلى مكة، فقام رسول الله ﷺ إلى غُسْله، فسترت عليه فاطمة، ثم أخذ ثوبه، فالتحف به، ثم صلى ثمان ركعات سُبحة الضحى (^٤)، ويدل على ذلك كله قول عائشة ﵂ كما تقدم: (كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى، أربعًا، ويزيد ما شاء الله).\nوالمقصود أن صلاة الضحى ليس لها عدد معين، وأقلها ركعتان، فيصلي المسلم ما شاء الله، لأن الضحى وقت للصلاة، وشَغْلُ الوقت بالصلاة من أفضل الأعمال وأجل الطاعات.\n_________\n(^١) \"المراسيل\" لابنه ص (٢١٠).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٣٥٩).\n(^٣) أخرجه الترمذي في \"الشمائل\" (٢٧٣) وهو حديث صحيح لغيره، له طرق وشواهد ذكرها الألباني في \"الإرواء\" (٢/ ٢١٦).\n(^٤) أخرجه البخاري (١١٧٦)، ومسلم (٣٣٦).","vol":"3","page":349},{"text":"وقد دل على ذلك قوله ﷺ لعمرو بن عبسة: «صَلِّ صلاة الصبح، ثم اقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع … ثم صَلِّ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقلَّ الظل بالرمح …» الحديث (^١)، فأمره ﷺ أن يصلي بعد ارتفاع الشمس إلى أن تقف الشمس، ولم يحدد له ركعات معينة، فدل ذلك على أن صلاة الضحى لا حد لأكثرها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم قريبًا.","vol":"3","page":350},{"text":"<span data-type='title' id=toc-320>باب صلاة الجماعة والإمامة</span>\nالجماعة في اللغة: من الجمع، وهو تأليف المتفرِّق، وضم الشيء بتقريب بعضه من بعض.\nوفي اصطلاح الفقهاء: الجماعة اسم لأقل ما يتحقق به الاجتماع، وهو اثنان: إمام ومأموم.\nوالإمامة: في اللغة من الأَمِّ، وهو القصد.\nوفي اصطلاح الفقهاء: تطلق على معانٍ متعددة، والمراد بها هنا: إمامة الصلاة، وهي: ربط صلاة المؤتمِّ بالإمام.\nفالإمام لا يصير إمامًا إلا إذا ربط المأموم صلاته بصلاته، فهذا الربط هو حقيقة الإمامة.\nوالمراد بالجماعة في نصوص الشريعة هي: جماعة المسجد، لا جماعة البيوت، حتى لو قلنا بصحة الجماعة في البيوت، لقوله ﷺ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ في الجماعة تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا» (^١).\nولهذا قال عبد الله بن مسعود ﵁: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ» (^٢).\nو«حَيْثُ» ظرف مكان، أي: فليحافظ عليهن في المكان الذي ينادى لهن فيه، وهو المساجد، ولأن النبي ﷺ هَمَّ بتحريق بيوت المتخلِّفين - كما سيأتي إن شاء الله - ومعلوم أن البيوت فيها جماعة، فدل على أن المراد جماعة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٧)، ومسلم (٦٤٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (٦٥٤).","vol":"3","page":351},{"text":"المسجد، ولهذا كان الواحد من سلف هذه الأمة إذا فاتته الجماعة في مسجده ذهب إلى مسجد آخر، ولم يذهب إلى بيته ويصلي بأهله ليكونوا جماعة (^١).\nوأما الحكمة من مشروعية صلاة الجماعة، فهي ما يترتب عليها من فوائد كثيرة ومصالح عظيمة، فردية واجتماعية، دينية ودنيوية، فيجتمع أهل المحلة الواحدة كل يوم وليلة خمس مرات، فيتم بذلك إظهار شعيرة من أعظم شعائر الإسلام، فيظهر عز الإسلام وقوة المسلمين.\nوفي صلاة الجماعة يتم التعارف بين أهل الحي، ويحصل تعليم الجاهل، وتنشيط العاجز، والسؤال عن الغائب، وزيارة المريض، والتنافس في أعمال الخير، من العطف على الفقير، ومساعدة العاجز.\nكما أن في صلاة الجماعة تعويد الأمة على الاجتماع وعدم التفرق، وإشعارهم بالمساواة حينما يقفون صفًّا واحدًا خلف إمامهم، لا فرق بين غني وفقير، ولا شريف ولا وضيع، ولا صغير ولا كبير، إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ١٣١).","vol":"3","page":352},{"text":"<span data-type='title' id=toc-321>فضل صلاة الجماعة</span>\n٣٩٧/ ١ - عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n٣٩٨/ ٢ - وَلَهُمَا عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: «بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا».\n٣٩٩/ ٣ - وَكَذَا لِلْبُخَارِيِّ: عَنْ أَبي سَعِيدٍ، وَقَالَ: «دَرَجَةً».\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجها:\nأما الأول: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «فضل الجماعة» (٦٤٥)، ومسلم (٦٥٠) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، به مرفوعًا.\nوأما حديث أبي هريرة: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «فضل صلاة الفجر جماعة» (٦٤٨)، ومسلم (٦٤٩) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا»، وفي لفظ: «بخمس وعشرين جزءًا» وهذا لفظ مسلم.\nوأما الثالث: فقد أخرجه البخاري في الباب المذكور أولًا (٦٤٦) من طريق الليث، حدَّثني ابن الهاد، عن عبد الله بن خبَّاب، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة»، وهو عند مسلم (٦٤٩) (٢٤٦) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"3","page":353},{"text":"الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (صلاة الجماعة أفضل) بلفظ أفعل التفضيل، أي: أكثر وأزيد، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: «تفضُل».\nوالمراد بالجماعة هنا: قيل: مطلق الجماعة في أي مكان؛ لأن الجماعة وصف عُلِّق عليه الحكم، فيؤخذ به.\nوالقول الثاني: أن المراد: جماعة المسجد لا جماعة البيوت ونحوها؛ لِمَا وَرَدَ من أوصاف أخرى تختص بالمساجد، كإكثار الخُطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة، ودعاء الملائكة. وعندي أن هذا القول أقرب، ويؤيده ما سيأتي من أن الصلاة في البيوت مِن فِعل المنافقين، فكيف يثبت فيها التفضيل؟\n\nقوله: (صلاة الفذ) أي: المنفرد الذي لم يصلِّ مع الجماعة، وجمعه: فذوذ، وأفذاذ، قال ابن منظور: (فَذَّ الرجل عن أصحابه: إذا شَذَّ عنهم وبقي منفردًا) (^١)، وعند مسلم بسياق أوضح: «صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده سبعًا وعشرين».\n\nقوله: (بسبع وعشرين) وفي رواية له: «بخمس وعشرين»، قال الترمذي: (عامة مَن روى عن النبي ﷺ إنما قالوا: خمس وعشرون، إلا ابن عمر فإنه قال: بسبع وعشرين) (^٢).\nوقد اختلف العلماء في الجمع بينهما على أوجه كثيرة، ذكرها الحافظ، وأقربها أن النبي ﷺ أخبر أولًا بالقليل، ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل فأخبر بها، ولا يُقال: إن ذلك يحتاج إلى معرفة أن السبع والعشرين هي المتأخرة؛ لأن الظاهر تقديم الخمس على السبع، من جهة أن الفضل من الله تعالى يقبل الزيادة لا النقص، فلا يحتمل أن السبع متقدمة على الخمس.\nومنهم مَن سلك مسلك الترجيح، فرجَّح رواية السبع؛ لأن فيها زيادة من عدل حافظ فتكون مقبولة، والجمع أحسن.\n_________\n(^١) \"اللسان\" (٣/ ٥٠٢).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١/ ٤٢٠).","vol":"3","page":354},{"text":"قوله: (درجة) أي: مرة، والمعنى أن الرجل إذا صلّى في جماعة كانت صلاته أزيد ثوابًا مما إذا صلاَّها وحده بسبع وعشرين مرة.\nوقوله في الرواية الأخرى: «جزءًا»، إما أن يكون من تصرف الرواة، أو من باب التفنن في العبارة، وقد جاء في بعضها: «ضِعفًا».\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على فضل الصلاة في الجماعة، وأنها أكثر ثوابًا من الصلاة بغير جماعة سبعًا وعشرين مرة، والقصد من هذا الإخبار: حث الناس وترغيبهم في صلاة الجماعة، طلبًا لهذه الزيادة في الثواب.\n\nالوجه الرابع: حديث الباب محمول على المنفرد الذي صلَّى في بيته بدون عذر، وأما مَن صلَّى في بيته لعذر، كمرض ونحوه، ففيه قولان:\nالأول: أن أجره تام؛ لأن المعذور يكتب له ثواب عمله كله، فدلَّ على أن المراد بالحديث غير المعذور، وقد ورد في حديث أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا مرض العبد أو سافر كُتِبَ له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (^١).\nالقول الثاني: أن المعذور له أجر، ولكن ليس كأجر مَن صلَّى في جماعة، إذ ليس هناك دليل يدل على أن صلاة المنفرد المعذور مثل صلاة الرجل في جماعة، وعلى هذا القول فلا تضعيف في صلاة الفذ مطلقًا، سواء أكان معذورًا أم غير معذور إلا أن المعذور يسقط عنه الإثم، ويكتب له الأجر إذا كان من عادته الصلاة في جماعة ثم مرض ولم يستطع أن يصلي معهم، ولكن أجره ليس كأجر مَن صلَّى مع الجماعة.\nوأما مَن لم تكن عادته الصلاة في الجماعة فمرض فصلَّى وحده فهذا لا يكتب له مثل صلاة الصحيح، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، والحافظ ابن رجب (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٩٦).\n(^٢) \"مجموع الفتاوى\" (٢٣/ ٢٣٢ - ٢٣٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٠).","vol":"3","page":355},{"text":"الوجه الخامس: استدل بالحديث مَن قال: إن صلاة الجماعة سُنَّة، وهم أكثر المالكية، ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ فاضَل بين صلاة الجماعة وصلاة المنفرد، والمفاضلة تقتضي مشاركة المنفرد للجماعة في الفضل وأصل الثواب، ولو كانت الجماعة واجبة لم يجعل الرسول ﷺ للمنفرد أجرًا؛ لأنه إما آثم إن كانت الجماعة في حقه واجبة، أو صلاته باطلة إن كانت شرطًا.\nوأُجيب عن ذلك: بأن المفاضلة بين صلاة الجماعة وصلاة المنفرد ليس فيها دلالة على عدم الوجوب، وإنما فيها دلالة على أن صلاة المنفرد صحيحة وناقصة الثواب، ثم إن الحديث ما سيق لبيان الوجوب أو عدمه، وإنما سِيق لبيان المفاضلة.\nلكن يصح أن يكون الحديث دليلًا على أن الجماعة ليست شرطًا في صحة الصلاة؛ لأن تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ يدل على أن في صلاة الفذ فضلًا، وهذا لا يتحقق إلا إذا كانت صحيحة.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على أن أقل الجماعة اثنان؛ إمام ومأموم؛ لأنه جعل هذا الفضل لغير الفذ، فدلَّ على أن ما زاد على الفذ فهو جماعة، وقد دلَّ على ذلك حديث مالك بن الحويرث، وفيه: «إذا حضرت الصلاة فأذِّنا وأقيما، ثم ليؤمكما أكبركما»، وتقدم في باب «الأذان»، وقد بوَّب عليه البخاري بقوله: بابٌ «اثنان فما فوقهما جماعة» (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٤٢).","vol":"3","page":356},{"text":"<span data-type='title' id=toc-322>حكم صلاة الجماعة</span>\n٤٠٠/ ٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤذَّن لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيؤمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفُ إِلَى رِجَالٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ. وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «وجوب صلاة الجماعة» (٦٤٤)، ومسلم (٦٥١) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، به.\nوهذا لفظ البخاري كما قال الحافظ؛ إلا أن قوله: «لا يشهدون الصلاة» ليس عند البخاري، وإنما هو عند مسلم فقط، من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وليس في لفظ البخاري، كما هو ظاهر سياق الحافظ.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (والذي نفسي بيده) هذا قسم كان النبي ﷺ يقسم به كثيرًا، ومعناه: أن أمر نفوس العباد بيد الله تعالى؛ لأنه سبحانه مالكها والمتصرف فيها.\nوأما قول الشرَّاح: أي: بتقديره وتدبيره، وأن المراد باليد القدرة؛ فهو","vol":"3","page":357},{"text":"تأويل فاسد؛ لأن اليد ثابتة لله تعالى على حقيقتها، واليد غير القدرة.\n\nقوله: (لقد هممت) أي: أردت وعزمت، والهمُّ: انبعاث النفس إلى تحصيل أمرٍ ما، وقد جاء في رواية مسلم أن رسول الله ﷺ فقد ناسًا في بعض الصلوات، فقال: «لقد هممت …» فبين بذلك سبب الحديث.\n\nقوله: (ثم أخالف إلى رجال) أي: آتيهم من خلف، قال الجوهري: (خالف إلى فلان؛ أي: أتاه إذا غاب عنه) (^١).\n\nقوله: (لا يشهدون الصلاة) هذه اللفظة عند مسلم فقط، كما تقدم، وهي صفة لرجال، والمعنى: لا يحضرون، من شهد بمعنى حضر، وفيها بيان سبب ذلك، وهو أن العقوبة على ذنب ظاهر، وهو تخلفهم عن الصلاة في المسجد، لا على أنها لنفاقهم، كما قيل؛ لأن النبي ﷺ لا يعاقب المنافقين على نفاقهم؛ لأنه أمر باطن، بل كان يكل سرائرهم إلى الله تعالى، ويعاملهم معاملة المسلمين في الظاهر، وقوله: «لا يشهدون الصلاة» لم يبين المراد بهذه الصلاة، لكن آخر الحديث يشعر بأنها العشاء، وهذا لا يقتضي التخصيص.\n\nقوله: (فأحرق عليهم بيوتهم)، في رواية لمسلم: «فأحرق بيوتًا على من فيها»، وهذا يُشعر بأن العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد: تحريقهم، وبيوتهم تبع لهم.\n\nقوله: (والذي نفسي بيده) أعاد النبي ﷺ اليمين للمبالغة في التأكيد والاهتمام.\n\nقوله: (عَرْقًا سمينًا) بفتح المهملة، وسكون الراء، ثم قاف، هو العظم الذي أُخِذَ أكثر ما عليه من الهبر، ويؤيد ذلك رواية مسلم: «عظمًا سمينًا» فَيُكسر العظم ويُطبخ، ويُؤكل ما عليه من اللحم، ثم يُتَمَشْمَشُ العظم.\n\nقوله: (أو مِرماتين حسنتين) تثنية مِرماة، بكسر الميم، ويجوز فتحها،\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (٢/ ١٣٥٨).","vol":"3","page":358},{"text":"وفي تفسيرها اختلاف، فقيل: المرماة ظلف الشاة، كما ذكر الزمخشري (^١)، وبه صَدَّرَ ابن الأثير تفسير هذه الكلمة (^٢)، وقيل: ما بين ظلفيها، ذكر هذا أبو عبيد، ثم قال: (وهذا حرف لا أدري ما وجهه، إلا أنه هكذا يفسَّر، والله أعلم) (^٣).\nوقيل: سهمان يرمى بهما، وهذا تفسير أبي زرعة الرازي جاء في سياق الحديث (^٤)، وضعف ذلك الزمخشري، لذكر العَرْقِ معه، قلت: ويؤيد ما قاله الزمخشري حديث أبي هريرة ﵁: «لو أن رجلًا ندب الناس إلى عَرْقٍ أو مرماتين لأجابوا …» الحديث (^٥). فهذا يؤيد أن المرماة ظلف الشاة.\nوقد جُمع بين السِّمَنِ في العَرْق والحسن في المرماتين ليوجد الباعث النفسي في تحصيلهما، وذكر العرق والمرماتين على وجه ضرب المثال بالأشياء التافهة الحقيرة من الدنيا، وفيه توبيخ لمن رغب عن فضل صلاة الجماعة، مع أنه لو طمع في إدراك يسيرٍ من عرض الدنيا لبادر إليه، وهو يسمع منادي الله فلا يجيبه، ذكر ذلك الحافظ ابن رجب ﵀ (^٦).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على جواز الحلف من غير استحلاف، وقد ذكر ابن القيم أن النبي ﷺ حلف في أكثر من ثمانين موضعًا، وذكر أنه يجوز الحلف، بل يستحب على الخبر الديني الذي يريد تأكيده (^٧).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على إثبات صفة اليد لله تعالى على ما\n_________\n(^١) \"الفائق\" (٢/ ٨٤) وقال: (لأنه يرمى به).\n(^٢) \"النهاية\" (٢/ ٢٦٩).\n(^٣) \"غريب الحديث\" (٣/ ٥٨).\n(^٤) \"العلل\" لابن أبي حاتم (٥٢٩).\n(^٥) أخرجه أحمد (١٥/ ٢٢٤) وغيره، وسنده حسن، وقوله: (ندب) هكذا في الطبعة الأخيرة للمسند، وذكر المحققون أنه هو الصواب، وقد رواه الطحاوي من طريق شيخ الإمام أحمد بهذا اللفظ، وفي طبعة دار صادر وغيرهما: (بدا الناس)، وانظر تفسيره في: \"بلوغ الأماني\" (٥/ ١٨٠)، وفي لفظٍ ثانٍ: (نادى الناس)، وفي لفظٍ ثالثٍ: (دعا الناس).\n(^٦) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٤٥٢).\n(^٧) \"زاد المعاد\" (١/ ١٦٣) (٢/ ٣٠٢) ذكر ذلك في فوائد قصة الحديبية.","vol":"3","page":359},{"text":"يليق بجلاله وعظمته، إثباتًا بلا تكييف ولا تمثيل، وتنزيهًا بلا تحريف ولا تعطيل، كسائر أسمائه وصفاته ﷾.\n\nالوجه الخامس: استدل بالحديث من قال بوجوب صلاة الجماعة، وهم أكثر الحنفية وابن خزيمة وابن المنذر من الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة (^١)، ووجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ همَّ بتحريق بيوت المتخلفين عنها عليهم، ولا يهم بهذه العقوبة إلا من أجل ترك واجب، وهو حضور الجماعة، ولا يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله، ولو كانت فرض كفاية لكان أداء الرسول ﷺ ومن معه الصلاة كافيًا عن الجميع، ولو كانت سنة لم يهدد النبي ﷺ تاركها بذلك، وسيأتي مزيد من الأدلة إن شاء الله.\nوقد ورد عند أحمد وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِيَّةِ لأَقَمْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ وَأَمَرْتُ فِتْيَانِي يُحْرِقُونَ مَا فِي الْبُيُوتِ بِالنَّارِ» (^٢). وهو حديث ضعيف؛ لأنه من رواية أبي معشر - وهو نجيح بن عبد الرحمن السندي - عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وأبو معشر ضعيف.\nولكن المعنى صحيح، فإن امتناع الرسول ﷺ من تنفيذ ما هَمَّ به له أسباب، فإنه قد يفضي إلى أشياء مضرتها عظيمة، كإصابة امرأة أو طفل، أو يَذْهَبُ بأموال عظيمة أو ما شابه ذلك مما قد يضر بالجيران، فالحاصل أن التخلف عن التنفيذ له أسباب، فلا يدل على أن فعلهم ذلك جائز أو أنه لا يجوز عقابهم.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على جواز مباغتة الفساق في أماكن فسقهم وعلى معصيتهم، لقبضهم متلبسين بجريمتهم، وأن هذا أمر مناسب للقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لتقوم الحجة عليهم ويسقط اعتذارهم، ولا يبقى لهم شيء آخر يدرأ عنهم العقوبة.\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح ابن خزيمة\" (٢/ ٣٦٨)، \"الأوسط\" (٤/ ١٣٢)، \"بدائع الصنائع\" (١/ ١١٥)، \"الإنصاف\" (٢/ ٢١٠).\n(^٢) \"المسند\" (١٤/ ٣٩٨).","vol":"3","page":360},{"text":"الوجه السابع: استدل بهذا الحديث من أجاز التعزير بالمال، كأن يُغَرَّمَ شخص مبلغًا من المال أو يتلف شيء من ماله، وذلك لأن تحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة من العقوبة المالية، وهذا قول ابن تيمية (^١)، وتلميذه ابن القيم (^٢)، ونُقل عن إسحاق، وأبي يوسف تلميذ أبي حنيفة، وبه قال ابن فرحون من المالكية (^٣)، وقد انتصر له ابن القيم، وذكر أنه ورد فيه قضايا عديدة، كأمره ﷺ بتحريق الثوب المعصفر بالنار، وأمره بتحريق متاع الغال، وإضعاف الغُرم على من سرق ما لا قطع فيه من الثمر، وفعله الخلفاء الراشدون، فحرق عمر وعلي ﵄ بيت خمَّار، وغير ذلك مما يدل على بقاء هذا الحكم.\nوقد رجح هذا القول ابن رجب (^٤)، والشيخ عبد العزيز بن باز (^٥).\nوذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه لا يجوز التعزير بالمال (^٦)؛ لأن في ذلك مخالفة للنصوص الدالة على حرمة مال المسلم وعدم جواز أخذه بغير حق، وقد كانت العقوبة المالية في أول الإسلام ثم نسخت، لكن رد ابن رجب دعوى النسخ، وقال: إنها لا تصح، والشريعة طافحة بجواز ذلك …\nأما نهيه ﷺ عن التحريق بالنار (^٧)، فإنما أراد به تحريق النفوس وذوات الأرواح، وأما حديث الباب فمراد به تحريق دار المتخلف عن الصلاة ومتاعه، فإن أتى على نفسه لم يكن بالقصد بل تبعًا.\n\nالوجه الثامن: الحديث دليل على أن الأمر بإقامة الصلاة موكول إلى الإمام، لقوله: «ثم آمر بالصلاة فتقام»، فإذا كان الإمام حاضرًا أو قريبًا من المسجد فهو أحق بالأمر بإقامة الصلاة، وعليه فلينتبه أولئك الذين يوجدون في\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٨/ ١١٣ - ١١٨).\n(^٢) \"الطرق الحكمية\" ص (٢٧٣).\n(^٣) \"شرح فتح القدير\" (٥/ ٣٤٥)، \"تبصرة الحكام\" لابن فرحون (٢/ ٢٩٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٤٦٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" لابن حجر (٢/ ١٣٠).\n(^٦) \"شرح فتح القدير\" (٥/ ٣٤٥)، \"حاشية الدسوقي\" (٤/ ٣٥٥)، \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٨/ ٢٧٩)، \"المغني\" (١٢/ ٥٢٦).\n(^٧) أخرجه البخاري (١٢/ ١٠٤).","vol":"3","page":361},{"text":"بعض المساجد ويضايقون المؤذن ويطالبونه بإقامة الصلاة بمجرد أن الإمام تأخر بضع دقائق، بل ينبغي الأدب مع الأئمة والصبر والاحتساب في انتظار الصلاة، ففي ذلك ثواب عظيم.\n\nالوجه التاسع: أن الإمام إذا عرض له شغل فإنه يستخلف من يصلي بالناس، وله أن يستصحب معه بعض الجماعة إذا كان هناك مصلحة، لقوله في رواية: «ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب» (^١)؛ لأن مصلحة متابعة المتخلفين مقدمة على الصلاة في أول وقتها، وبهذا يستدل على أنه لا بأس بفعل أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا بقوا يوجهون الناس للصلاة ويتابعون المتخلفين ولو تأخروا عن الجماعة في المسجد؛ لأن هذا مصلحة عامة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه أول الباب.","vol":"3","page":362},{"text":"<span data-type='title' id=toc-323>التحذير من التخلف عن العشاء والفجر</span>\n٤٠١/ ٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ: صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «فضل العشاء في جماعة» (٦٥٧)، ومسلم (٦٥١) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ أَثْقَل صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمَتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَام …» الحديث، وهذا لفظ مسلم، وهذه الزيادة: «وَلَقَدْ هَمَمْتُ» عند البخاري أيضًا، لكن المؤلف اقتصر على أوله؛ لأنه ساق آخره من طريق آخر، كما تقدم بلفظ أتم.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أثقل الصلاة) أي: أشدها ثقلًا، والمراد بذلك ثقل شهودهما في المسجد، بدليل السياق، والمراد بالصلاة: الصلوات كلها، فـ (أل) فيها لاستغراق الجنس، وهذا على لفظ البلوغ، أما لفظ الصحيحين فهو بدونها، كما تقدم.\n\nقوله: (على المنافقين) أي: الذين يظهرون أنهم مسلمون وهم كفار، وهم جمع منافق، اسم فاعل من نافق الرجل نفاقًا، والنفق: سرب في الأرض مشتق إلى موضع آخر، ومنه النافقاء، وهو جُحْرٌ يصنعه الحيوان","vol":"3","page":363},{"text":"المعروف باليربوع، ويخفيه ليهرب منه إذا طُلب من قبل القاصعاء الذي يظهره.\nوحقيقة النفاق: إظهار الإيمان وإخفاء الكفر.\n\nقوله: (ولو يعلمون ما فيهما) أي: ولو يعلمون علم إيمان ويقين ما في فضلهما مع الجماعة في المسجد من الثواب والفضل.\n\nقوله: (ولو حبوًا) أي: ولو كان إتيانهما حبوًا، وهو المشي على الأيدي والركب.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على ثقل الصلوات كلها على المنافقين، كما قال تعالى: ﴿… ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ …﴾ [النساء: ١٤٢] وأثقلها عليهم صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولعل السبب في ذلك - والله أعلم - أمران:\nالأول: أن صلاة العشاء وقت الراحة بعد تعب النهار، وصلاة الفجر في وقت لذة النوم صيفًا وشتاءً.\nالثاني: أن المراءاة فيهما مفقودة غالبًا حيث لا يراهم الناس في الظلام، فلا يُفقد المتخلف عنهما، فمن أجل المانع وقلة الدافع كانتا أثقل الصلوات عليهم؛ لأن المرائي إنما ينشط للعمل إذا رأى الناس، فإذا لم يشاهدوه ثقل عليه العمل.\nفليحذر ذلك من يتساهلون في صلاة الفجر وينامون عنها أن يكون فيهم صفة من صفات المنافقين، نسأل الله السلامة.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن التخلف عن الصلاة مع الجماعة من صفات أهل النفاق؛ لأن الصلاة ثقيلة عليهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالله تعالى، ولا بفائدة الصلوات، فإذا صلوا فإنهم لا يصلون رغبة في ثواب الله تعالى وخوفًا من عقابه، وإنما ليراؤوا الناس ويستروا نفاقهم.\nوصفات المنافقين مذمومة يجب على كل مسلم الحذر منها والبعد عنها، قال عبد الله بن مسعود ﵁: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق","vol":"3","page":364},{"text":"معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) (^١).\nفأفاد ذلك أن تخلُّفَ الإنسان عن الجماعة يدل على ثقل الصلاة عليه، وثقلها يدل على أن في قلبه نفاقًا، فليبادر بالتخلص منه، وذلك بالمحافظة على صلاة الجماعة والحرص عليها.\nوقد ورد عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (كنا إذا فقدنا الإنسان في صلاة العشاء الآخرة والصبح أسأنا به الظن) (^٢).\nوقال إبراهيم النخعي: (كفى عَلَمًا على النفاق أن يكون الرجل جار المسجد لا يُرى فيه) (^٣).\nوقد كثر في زماننا هذا التخلف عن صلاة الجماعة، ولا سيما صلاة الفجر، وهذا بسبب ضعف الإيمان، ومرض القلب، والزهد في الطاعات، والإعراض عن الله تعالى وما أعدَّ للطائعين، وتقديم مراد النفس على مراد الله، مع ضعف الرادع أو عدمه، والله المستعان.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٥٤)، وتقدم أول الباب.\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٣٧٠)، والحاكم (١/ ٢١١) بإسناد صحيح، كما قال الحافظ ابن رجب (٦/ ٣٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" لابن رجب (٥/ ٤٥٨)، \"معالم السنن\" (١/ ١٦٠).","vol":"3","page":365},{"text":"<span data-type='title' id=toc-324>وجوب الجماعة على من سمع النداء</span>\n٤٠٢/ ٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: أَتى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى المَسْجِدِ، فَرَخَّص لَهُ، فَلَمَّا وَلّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَجِبْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة»، باب «يجب إتيان المسجد على من سمع النداء» (٦٥٣) من طريق مروان الفزاري، عن عبيد الله بن الأصم، قال: حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة ﵁، به.\nوقد أخرجه أبو داود (٥٥٢) من طريق حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي رزين، عن ابن أم مكتوم أنه سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: «هل تسمع النداء؟»، قال: نعم، قال: «لا أجد لك رخصة».\nوهذا الحديث رجاله ثقات، وسنده صحيح أو حسن، كما قال النووي (^١)، وهو يبين المراد بالرجل الأعمى في حديث الباب.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل صريح على وجوب الصلاة جماعة في\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٤/ ١٩١).","vol":"3","page":366},{"text":"المسجد؛ لأن النبي ﷺ لم يجد رخصة لرجل أعمى بعيد الدار ليس له قائد يأتي به إلى المسجد، وقال له: «أجب»، فكيف حال من كان بصيرًا قريب الدار يستطيع الحضور؟!\nقال الخطابي: (وفي هذا دليل على أن حضور الجماعة واجب، ولو كان ذلك ندبًا لكان أولى من يسعه التخلف عنها أهل الضرر والضعف، ومن كان في مثل حال ابن أم مكتوم ﵁) (^١).\nوالجمهور على أن العمى ليس عذرًا في التخلف عن الجماعة إذا وجد قائدًا ولو بأجرة لا تجحف به، وقال أبو حنيفة: إنه عذر ولو وجد من يقوده أو يحمله، لأنه لا عبرة بقدرة الغير (^٢).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن من سمع النداء بالأذان للصلاة فعليه الإجابة، ولو كان منزله بعيدًا، لقوله في رواية أبي داود: (شاسع الدار) ومع هذا قال له النبي ﷺ: «أجب».\nوأما من كان قريبًا من المسجد فإنه تجب عليه الإجابة مطلقًا سمع النداء أم لا؛ لأنه في مكان يسمع فيه النداء، لكن الحديث ورد فيمن كان بعيدًا عن المسجد، فلذا قُيِّدَ بسماع النداء.\nوالمرجع في سماع النداء إلى ما كان معروفًا في عهد النبي ﷺ وعند الناس إلى زمن قريب، قبل مكبرات الصوت، وأما مكبرات الصوت فلا يترتب عليها حكم الإجابة؛ لأنها لا تنضبط، فقد يكون صوتها عاليًا يسمع من أماكن بعيدة، وقد يكون دون ذلك، ولو رُبط الحكم بمكبر الصوت لصار في ذلك مشقة؛ لأنه قد يُسمع من مكان بعيد يشق الوصول إليه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (١/ ١٦٠)، وانظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٣/ ١٨٥) (٥/ ٤٥٠)، \"شرح علل الترمذي\" لابن رجب (١/ ١٣).\n(^٢) \"جواهر الأكليل\" (١/ ٩٩)، \"تحفة المحتاج\" (٢/ ٢٧٧)، \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣٤٥)، شرح المنتهى\" للبهوتي (١/ ٥٨٩).","vol":"3","page":367},{"text":"<span data-type='title' id=toc-325>حكم من سمع النداء فلم يجب</span>\n٤٠٣/ ٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النّبيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وإسْنَادُه عَلَى شَرْطِ مُسْلِم، لكِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ وَقْفهُ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه ابن ماجه في كتاب «المساجد والجماعات»، باب «التغليظ في التخلف عن الجماعة» (١/ ٢٥٩)، والدارقطني (١/ ٤٢٠)، وابن حبان (٥/ ٤١٥) والحاكم (١/ ٢٤٥) من طريق هشيم بن بشير، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ، به.\nقال الحاكم: (هذا حديث قد أوقفه غندر، وأكثر أصحاب شعبة، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهشيم وقراد أبو نوح - وهو عبد الرحمن بن غزوان ـ: ثقتان، فإذا وصلاه فالقول قولهما).\nوالمراد أن هذا الحديث مختلف في رفعه ووقفه، فقد رواه عن شعبة مرفوعًا هشيم كما تقدم، وعبد الرحمن بن غزوان عند الدارقطني (١/ ٤٢٠) والحاكم (١/ ٢٤٥)، وغيرهما.\nورواه عن شعبة موقوفًا غندر ووكيع وهما من أكبر تلاميذه، وقد أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١/ ٣٤٥) عن وكيع، عن شعبة به موقوفًا، ووكيع قال عنه الحافظ في «التقريب»: (ثقة حافظ عابد) فهو من الثقات المتقنين خصوصًا في حديثه عن شعبة، ومثله غندر في روايته عن شعبة.","vol":"3","page":368},{"text":"وأما رواية الرفع، فهشيم وإن كان ثقة إلا أن رواية غندر ووكيع مقدمة، لما مضى. وأبو نوح عبد الرحمن بن غزوان المعروف بقراد ثقة - أيضًا ـ، إلا أن الأئمة ذكروا أن له أفرادًا، وقد يكون رفعه لهذا الحديث من أفراده، قال الدارقطني: (ثقة وله أفراد)، وهكذا قال الحافظ في «التقريب».\nوبهذا يتبين وجه رجحان رواية الوقف، قال الحافظ ابن رجب: (وقفه هو الصحيح عند الإمام أحمد وغيره) (^١) وقد رجَّح وقفه البيهقي في «سننه» (٣/ ٥٧)، وقال الحافظ: (إسناده صحيح، لكن قال الحاكم: وقفه غندر وأكثر أصحاب شعبة) (^٢)، وهذا يشعر بعدم جزم الحافظ برفعه.\n\nالوجه الثاني: استدل بالحديث من قال: إن صلاة الجماعة شرط لصحة الصلاة، فمن صلّى في بيته من غير عذر لم تصح صلاته، ووجه الدلالة: أن الحديث دل على أن من لم يُجب النداء فلا صلاة له إلا من عذر، وهذا النفي يرجع إلى مسمى الصلاة، وهي الحقيقة الشرعية، فتكون صلاته غير صحيحة.\nوهذا رواية عن الإمام أحمد اختارها بعض الأصحاب (^٣)، وهو قول ابن حزم الظاهري (^٤).\nوأجيب عن هذا الحديث بجوابين:\nالأول: أنه مختلَف في رفعه ووقفه، كما تقدم، وحتى على القول برفعه لا يعارض ما اتفق عليه الشيخان، وهو حديث المفاضلة الذي يدل على أن الجماعة ليست بشرط، كما تقدم.\nالثاني: سلَّمنا معارضته لأحاديث الوجوب، لكنه محمول على نفي الكمال لا نفي الصحة؛ لأن حمله على نفي الكمال يحصل به جمع بين الأدلة، ليوافق الأحاديث التي هي أصح منه؛ كحديث المفاضلة، وحمله على نفي الصحة يُبقي معارضته، والجمع أولى، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٤٤٩).\n(^٢) \"التلخيص\" (٢/ ٣٢).\n(^٣) \"الإنصاف\" (٢/ ٢١٠).\n(^٤) \"المحلى\" (٤/ ٢٩٥).","vol":"3","page":369},{"text":"<span data-type='title' id=toc-326>حكم من صلّى ثم دخل مسجدًا</span>\n٤٠٤/ ٨ - عَنْ يَزِيْدَ بْنِ الأَسْوَدِ ﵁ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ، إذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا، فَدَعَا بِهِمَا، فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟»، قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلا، إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُم، ثُمَّ أَدْرَكْتُم الإمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَصَلِّيَا مَعَهُ، فَإِنَّهَا لَكُمْ نَافِلَةٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، والثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْن حِبَّانَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو جابر يزيد بن الأسود الخزاعي السوائي، ويقال: العامري، عداده في أهل الطائف، روى عنه ابنه جابر، روى عن النبي ﷺ أنه صلى خلفه، كما في حديث الباب، وساقه ابن عبد البر في «الاستيعاب» (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٢٩/ ١٨)، وأبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «فيمن صلَّى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم» (٥٧٥ - ٥٧٦)، والترمذي (٢١٩)، والنسائي (٢/ ١١٢)، وابن حبان (١٥٦٤ - ١٥٦٥) من طريق يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه، به مرفوعًا.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١١/ ٦٠)، \"الإصابة\" (١٠/ ٣٣٩).","vol":"3","page":370},{"text":"وقد رواه عن يعلى ما يزيد عن عشرة من الحفاظ، منهم: شعبة، وسفيان، والثوري، وهشام بن حسان، وأبو عوانة، وآخرون.\nوقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وصححه - أيضًا - ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم.\nونقل الحافظ البيهقي في «السنن» (٢/ ٣٠٢) عن الشافعي في القديم أنه قال: (إسناده مجهول)، ولعله يريد - كما قال البيهقي - أن جابر بن يزيد ليس له راوٍ غير يعلى بن عطاء، والظاهر أن هذا لا يؤثر؛ لأن يعلى بن عطاء من رجال مسلم، وهو ثقة، وجابر بن يزيد وثقه النسائي وابن حبان، وصحح الترمذي ومن ذكر معه حديثه، وعليه فلا يضر تفرد يعلى بالرواية عنه.\nعلى أن يعلى بن عطاء تابعه في الرواية عن جابر بن يزيد عبد الملك بن عمير عنه، وهي عند ابن منده في «معرفة الصحابة» كما ذكر الحافظ (^١)، وعند الدارقطني (١/ ٤١٤)، والحديث له شواهد تؤيده، منها حديث أبي ذر ﵁ عند مسلم (٦٤٨) قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخِّرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟» قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلِّ فإنها لك نافلة».\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (صلّى مع رسول الله ﷺ صلاة الصبح) ورد في بعض الروايات عند أحمد وغيره: (بمنى) وفي رواية: (شهد مع رسول الله ﷺ حجته، قال: فصليت معه صلاة الفجر في مسجد الخيف).\n\nقوله: (تُرْعَدُ فرائصهما) بضم أوله وفتح ثالثه، مبنيًا لما لم يُسَمَّ فاعله، على ما ذكره السندي وغيره (^٢)، وضبطه آخرون بفتح التاء من باب «قتل» (^٣)، أي: ترجف وتضطرب من الخوف، والفرائص: بالصاد المهملة، جمع\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (٢/ ٢٩).\n(^٢) حاشية السندي على \"سنن النسائي\" (٢/ ١١٣).\n(^٣) انظر: \"سبل السلام\" (٢/ ١١).","vol":"3","page":371},{"text":"فريصة، وهي اللحمة التي بين الجنب والكتف، تهتز عند الفزع والخوف، والكلام كناية عن الفزع.\n\nقوله: (صلينا في رحالنا) لأن ذلك كان بمنى، وفيها يتفرق الناس، ولذا لم ينكر عليهما الرسول ﷺ صلاتهما في رحالهما.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن من دخل مسجدًا فوجدهم يصلون، وهو قد صلَّى، أنه يشرع له أن يصلي معهم، إدراكًا لفضل الجماعة، وتكون هذه الصلاة له نافلة، وظاهر الأمر في قوله: «فصليا» أنه أمر إيجاب، وهو رواية عن الإمام أحمد (^١)، وقد أجمع العلماء على استحباب الإعادة، وإنما الخلاف بينهم في الوجوب، ومنهم من يفرق بين من صلّى منفردًا فالإعادة في حقه واجبة، وبين من صلى في جماعة ثم أدرك أخرى فتستحب (^٢)، والأحوط للمكلف أن يمتثل ما أمره به الرسول ﷺ، فيصلي إذا دخل مسجدًا والناس يصلون.\nوهذه الإعادة سببها حضور الجماعة، ولا فرق بين أن يصلي الأولى وحده، أو يصلي مع جماعة، لعموم الحديث، ولتحصيل الأجر إذا صلى مرة أخرى، ولئلا يكون حضوره والناس يصلون ذريعة إلى إساءة الظن به، والوقوع في عرضه، ولئلا يتعلق بذلك من يتكاسل، ويقول: صليت، وهو لم يصلِّ، مع ما في ذلك من مراعاة فضل الإلفة، ولزوم الجماعات، وترك الخلاف، وافتراق الكلمة (^٣).\n\nالوجه الخامس: ظاهر الحديث دليل على أن الإعادة جائزة في جميع الصلوات كالصبح والعصر، ولو كان الوقت بعدهما وقت نهي؛ لأن الصلاة المعادة من ذوات الأسباب، ولأن النبي ﷺ أطلق الأمر بإعادة الصلاة ولم يفرق بين صلاة وصلاة، وقد أمر الرجلين بإعادة الصبح مع الجماعة مع أنه وقت نهي بالنسبة لهما، ونسب ابن تيمية هذا القول إلى الجمهور (^٤).\n_________\n(^١) \"الإنصاف\" (٢/ ٢١٨).\n(^٢) انظر: \"التمهيد\" (٤/ ٢٥٢).\n(^٣) انظر: \"إكمال المعلم\" (٢/ ٦١٤).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٢٣/ ١٨٨).","vol":"3","page":372},{"text":"الوجه السادس: دل الحديث بعمومه على أنه لا فرق في إعادة الصلاة بين المغرب وغيرها، وهذا قول الجمهور، ومنهم أكثر الصحابة والتابعين، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وداود ومالك في رواية عنه (^١)، خلافًا لمن منع إعادة المغرب، لئلا تصير شفعًا: لأنها وتر النهار، فلو أعادها صارت شفعًا، فبطل كونها وترًا، وهذا قول ابن عمر وابن مسعود وبعض التابعين وأبي حنيفة ومالك ورواية عن أحمد (^٢).\nوالصواب الأول؛ لأن الرسول ﷺ لم يستثن صلاة من صلاة، ولأنها لا تصير شفعًا وقد فصل بين الصلاتين بالسلام والمشي وغير ذلك، قال ابن رشد: (والتمسك بالعموم أقوى) (^٣).\nثم إن المشهور من مذهب الحنابلة أنه إذا أعاد المغرب شفعها برابعة (^٤)؛ لأن هذه الصلاة نافلة، ولا يشرع التنفل بوتر غير الوتر، فكان زيادة ركعة أولى من نقصانها، لئلا يفارق إمامه قبل إتمام صلاته.\nوالقول الثاني: أنها تعاد على صفتها ولا تشفع بركعة، وهو قول الشافعي (^٥)؛ لأن الرسول ﷺ أمر بالإعادة أمرًا عامًّا ولم يستثن صلاة من صلاة، فدل على أن المغرب تعاد على صفتها، والله أعلم.\n\nالوجه السابع: دل قوله: «ثم أتيتما مسجد جماعة» على أن الإعادة مختصة بالجماعة التي تقام في المسجد، لا التي قد تقام في غيره، فمن حضر جماعة يصلون في منزل أو مُسْتَراحًا ونحوهما لعذر وكان هو قد صلّى لم يصلِّ معهم، ويحمل المطلق الوارد في بعض الروايات على هذا المقيد، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٤/ ١٠٩)، \"المغني\" (٢/ ٥٢١)، \"المحلى\" (٢/ ٣٥٦).\n(^٢) \"الموطأ\" (١/ ١٣٣)، \"الاستذكار\" (٥/ ٣٥٩)، \"الإنصاف\" (٢/ ٢١٨).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (١/ ١٧٩).\n(^٤) \"المغني\" (٢/ ٥٢١).\n(^٥) \"المجموع\" (٤/ ١٠٩).","vol":"3","page":373},{"text":"<span data-type='title' id=toc-327>الحكمة من الإمام وكيفية الائتمام به</span>\n٤٠٥/ ٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فاسْجُدُوا، وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَهذَا لَفْظُهُ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «الإمام يصلي من قعود» (٦٠٣) من طريق مصعب بن محمد، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا.\nوالحديث - كما قال الحافظ - أصله في «الصحيحين»، لكن لفظ أبي داود أتم، ولفظه عند البخاري (٧٣٤) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعِينَ».\nوأخرجه أيضًا (٧٢٢) من طريق معمر، عن همام، عن أبي هريرة، بلفظ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ …» الحديث.\nوأخرجه مسلم من طريقين (٤١٦) (٤١٧) وأحدهما قريب من لفظ البخاري.","vol":"3","page":374},{"text":"ولعل الحافظ اختار لفظ أبي داود مع أن أصل الحديث في «الصحيحين» لأمرين:\nالأول: أن سياقه أشمل وأتم.\nالثاني: أن لفظ النهي الوارد في سياق أبي داود: «وَلَا تُكَبِّرُوا … وَلَا تَرْكَعُوا …» إلخ، لم يرد في «الصحيحين».\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إنما جُعِلَ الإمام) أي: جعله الله تعالى، وإنما: أداة قصر، تثبت الحكم للمذكور وتنفيه عما عداه، أي: قصر وظيفة الإمام على الائتمام به في كل شيء في الأفعال والنية، وسيأتي بيان ذلك.\nوالإمام: نائب فاعل في محل المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف تقديره: إنما جُعِلَ إمامًا.\n\nقوله: (لِيُؤْتَمَّ به) أي: ليُقتدى به ويتابع، فلا يسبقه المأموم ولا يقارنه، ويؤيد ذلك رواية البخاري: «فلا تختلفوا عليه»، أي: تخالفوه بالخروج عن الائتمام به، واللام للتعليل.\n\nقوله: (فإذا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) الفاء الأولى استئنافية، والثانية واقعة في جواب الشرط، وتستلزم التعقيب؛ لأن وظيفة الشرط التقدم على الجزاء، ويؤيد هذا المعنى قوله: «وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ».\n\nقوله: (وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ) هذه الجملة مؤكدة لما قبلها، وذلك بإبراز المفهوم بصورة المنطوق، وكذا يقال في الجمل الآتية بلفظ النهي.\n\nقوله: (وَإِذَا رَكَعَ) أي: وصل الركوع وتمكّن منه، وكذا قوله: (وَإِذَا سَجَدَ).\n\nقوله: (وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أي: استجاب الله تعالى لمن وصفه بصفات الكمال محبة وتعظيمًا.\n\nقوله: (فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) أي: يا ربنا، وهذه إحدى الصيغ الأربع الواردة فيما يقال بعد الرفع، وهذه الصيغة ثابتة في «الصحيحين»، وفيها","vol":"3","page":375},{"text":"من البلاغة تكرار النداء، فكأنه قال: يا الله، يا ربنا، وقد مضى الكلام في هذه الصيغة مستوفىً عند الحديث رقم (٢٩٥)، ولله الحمد.\n\nقوله: (فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ) هكذا بالنصب في نسخ «البلوغ»، والذي في «سنن أبي داود»: «أجمعون» بالرفع، ولكلٍّ وجه؛ فالنصب على الحال من ضمير (فصلوا)، والتقدير: فصلوا قاعدين مجتمعين، وأما بالرفع فهو تأكيد لضمير (صلوا)، وفائدة هذا التأكيد بيان أنه لا يكفي جلوس البعض عن الباقين.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الحكمة من جعل الإمام إمامًا هي الاقتداء به ومتابعته، وبناءً على ذلك فإن المأموم منهيٌّ عن الاختلاف عليه، ويكون ذلك بواحد من أمور ثلاثة، وهي:\nمسابقته، أو موافقته، أو التأخر عنه.\nأما الأمر الأول وهو مسابقة الإمام، فمعناها أن يأتي بأفعال الصلاة قبل إمامه؛ كأن يكبر قبله أو يركع قبله، فهذا محرم باتفاق الأئمة، وصلاته باطلة إن كان عامدًا عالمًا بالحكم على الراجح من قولي أهل العلم.\nوقد ورد عن أنس ﵁ قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال: «أيها الناس، إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف، فإني أراكم أمامي ومن خلفي …» (^١).\nوعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «أما يخشى أحدكم - أو لا يخشى أحدكم - إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو يجعل الله صورته صورة حمار» (^٢).\nوإن كان ساهيًا أو جاهلًا بالحكم فصلاته صحيحة، لكن عليه أن يرجع ليأتي بما سبق به إمامه بعد إمامه؛ لأنه فعله في غير محله.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٢٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٩١)، ومسلم (٤٢٧).","vol":"3","page":376},{"text":"ويرى الإمام أحمد ﵀ بطلان صلاة من سبق إمامه مطلقًا، سواء كان عامدًا أم ساهيًا أم جاهلًا، لعموم الأدلة (^١).\nوأما الأمر الثاني فهو الموافقة والمقارنة، ومعناها أن يأتي بالأفعال مع إمامه فيكبر معه، ويركع معه، فإن كانت في تكبيرة الإحرام بأن كبر مع إمامه لم تنعقد صلاته؛ لأنه ائتم بمن لم تنعقد صلاته، وإن قارنه في غيرها؛ كركوع أو سجود، فهي مكروهة.\nوأما الأمر الثالث فهو التخلف والتأخر عنه، فإن كان لعذر؛ كسهو أو غفلة، فإنه يأتي بما تخلَّف به ويتابع الإمام، إلا أن يصل الإمام إلى المكان الذي هو فيه فإنه لا يأتي بما فاته، وإنما يستمر مع الإمام وتلغو هذه الركعة التي تخلف فيها، وتَحِلُّ التي بعدها محلها، ويقضيها بعد سلام إمامه، وإن كان التخلف لغير عذر فصلاته باطلة.\n\nالوجه الرابع: اختلف العلماء في تفسير معنى الاقتداء على قولين:\nالأول: أن المراد به الاقتداء به في الأفعال الظاهرة لا في النيات، وهذا قول الشافعي، ورواية عن أحمد، وهو قول الظاهرية (^٢)، واستدلوا بسياق الحديث، ووجود مسائل دلت عليها النصوص اختلفت فيها نية الإمام عن المأموم، قالوا: إنما أمرنا أن نأتم بالإمام فيما يظهر لنا من أفعاله، فأما النية فمغيَّبة عنا، ومحال أن نؤمر باتباعه فيما يخفى من أفعاله علينا.\nالثاني: أن المراد به الاقتداء به في الأفعال الظاهرة وفي النيات، وهذا قول مالك، وأبي حنيفة، والمشهور من مذهب أحمد (^٣)، قالوا: من خالفت نيته نية الإمام فإنه لم يأتم به، إذ لا اختلاف أشد من اختلاف النيات التي\n_________\n(^١) \"رسالة الصلاة\" ص (١٤٨)، وفي صحة نسبتها للإمام أحمد نظر.\n(^٢) \"الاستذكار\" (٥/ ٣٨٨)، \"مغني المحتاج\" (١/ ٢٥٣)، \"المغني\" (٣/ ٦٧)، \"المحلى\" (٤/ ٢٢٣).\n(^٣) \"الاستذكار\" (٥/ ٣٨٦)، \"فتح القدير\" (١/ ٢٦١)، \"المغني\" (٣/ ٦٧).","vol":"3","page":377},{"text":"عليها مدار الأعمال، وقد ترتب على هذا الخلاف مسائل كثيرة مذكور بعضها في هذا الباب.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن كمال الائتمام مبادرة المأموم بمتابعة إمامه بلا فاصل ولا تأخر؛ لأن الفاء توجب التعقيب والاستعجال، وقد بيّن البراء بن عازب ﵁ حسن متابعة الصحابة ﵃ للنبي ﷺ في صلاته وأنهم لا ينتقلون عن الركن حتى يصل النبي ﷺ إلى الذي يليه، فقال: (كنا نصلي خلف النبي ﷺ فإذا قال: «سمع الله لمن حمده»، لم يحن أحد منا ظهره حتى يضع النبي ﷺ جبهته على الأرض) (^١)، وإذا كان هذا شأنهم في السجود الذي يكون الناس فيه أشد مسابقة من غيره فهم في غيره من الأركان أبلغ وأولى.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على أن المأموم يقتصر على قوله: «ربنا ولك الحمد» في الرفع من الركوع، دون قوله: «سمع الله لمن حمده» وأما الإمام - ومثله المنفرد - فإنه يجمع بين التسميع والتحميد، لحديث أبي هريرة ﵁ كان النبي ﷺ إذا قال: «سمع الله لمن حمده» قال: «اللهم ربنا ولك الحمد» (^٢).\n\nالوجه السابع: الحديث دليل على أن المأموم يصلي جالسًا إذا صلى إمامه جالسًا، ويصلي قائمًا إذا صلى إمامه قائمًا، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - تفصيل القول في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨١١)، ومسلم (٤٨٤) وهذا لفظ البخاري.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٩٥)، ومسلم (٣٩٢).","vol":"3","page":378},{"text":"<span data-type='title' id=toc-328>استحباب الدنوِّ من الإمام</span>\n٤٠٦/ ١٠ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ: «تَقَدَّمُوا فَائْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم (٤٣٨) في كتاب «الصلاة»، باب «الأمر بتسوية الصفوف ومن يلي الإمام» من طريق أبي الأشهب - جعفر بن حيان ـ، عن أبي نضرة العبدي، عن أبي سعيد الخدري ﵁، به مرفوعًا، وفي آخره: «لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله».\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب الدنو من الإمام وقرب الصف الأول منه، لما في ذلك من الفوائد والمصالح، ومنها: أنه ينوب عن الإمام إذا عرض له عارض، ومنها: أنه يقتدي بصلاة إمامه ويستفيد منه، لا سيما إذا كان الإمام فقيهًا، ومنها: أنه ينبه الإمام إذا سها، وسيأتي - إن شاء الله - مزيد كلام في هذه المسألة عند الحديث (٤١٥).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على جواز اعتماد المأموم في متابعة إمامه الذي لا يراه ولا يسمعه على صف قدامه يراه متابعًا للإمام.\nوعلى هذا إذا كثرت الجماعة وتعددت الصفوف فلا تشترط رؤية الإمام، بل يكفي سماع صوته للاقتداء به، وهذا كما لو كان الإمام داخل البناء والمأموم في ساحة المسجد أو في الدور الثاني، كما في المساجد التي تتألف من دورين.","vol":"3","page":379},{"text":"وهذا إذا كانت الصفوف متصلة، فإن كانت غير متصلة صحَّت الصلاة، وعبر بعضهم بالكراهة، لمخالفة السنة في إتمام الصف الأول فالأول (^١)، وإنما صحت لأن المسجد مبني للجماعة، فكل من وجد فيه فهو في محل الجماعة.\nفإن كان المأموم خارج المسجد، فإن اتصلت الصفوف - كما في الساحات التابعة للمساجد الكبيرة - صحَّت صلاة المأموم بلا خلاف، نقل ذلك ابن تيمية وغيره (^٢)؛ لأن ذلك الموضع ملحق بالمسجد بسبب اتصال الصفوف، وأما إذا لم تتصل الصفوف بأن وجد فاصل من طريق ونحوه، فهو موضع خلاف بين أهل العلم:\nالقول الأول: أن الصفوف إذا لم تتصل بسبب فاصل من طريق أو نحوه فإن الصلاة لا تصح، لاختلاف المكان، فيمنع الاقتداء، وهذا قول بعض الحنابلة، وظاهر اختيار ابن تيمية، واختاره ابن عثيمين (^٣). فإن لم يوجد فاصل فلا بد من رؤية الإمام أو سماع صوته، ليتحقق الاقتداء، وهذا قول الحنفية، والحنابلة في المشهور عندهم، إلا أن الحنابلة يرون الاكتفاء برؤية الإمام إما في كل الصلاة أو في بعضها (^٤).\nالقول الثاني: صحة الصلاة مع وجود الفاصل من طريقٍ أو نحوه، وهذا قول الشافعية والمالكية، لكن الشافعية يشترطون رؤية الإمام أو بعض المأمومين (^٥)، وهو رواية عن أحمد (^٦)، والمالكية يشترطون الرؤية أو سماع الصوت (^٧)؛ لأن المقصود الاقتداء، وهو حاصل بذلك ولو مع الفاصل، وهذا رواية عن أحمد، اختارها ابن قدامة (^٨) وابن سعدي (^٩) وابن باز (^١٠).\n_________\n(^١) \"المغني\" (٣/ ٤٤)، \"الفتاوى\" (٢٣/ ٤٠٨).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٣/ ٤٠٧).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٣/ ٤١٠)، \"الإنصاف\" (٢/ ٢٩٣)، \"الشرح الممتع\" (٤/ ٤٢١).\n(^٤) \"حاشية ابن عابدين\" (١/ ٦١٠ - ٦١١)، \"الإنصاف\" (٢/ ٢٩٣).\n(^٥) \"المجموع\" (٤/ ٣٠٧ - ٣٠٨).\n(^٦) \"الإنصاف\" (٢/ ٢٩٣).\n(^٧) \"الخرشي على خليل\" (٢/ ٣٦).\n(^٨) \"المغني\" (٣/ ٤٦).\n(^٩) \"المختارات الجلية\" ص (٤٥).\n(^١٠) \"فتاوى ابن باز\" (١٢/ ٢١٢، ٢١٥).","vol":"3","page":380},{"text":"والأظهر - والله أعلم - أنه لا بد من اتصال الصفوف إذا كان المأموم خارج المسجد وله في المسجد مكان يمكن أن يصلي فيه، وذلك لأن المقصود من الجماعة الاجتماع والاتفاق في المكان وفي الأفعال، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":381},{"text":"<span data-type='title' id=toc-329>جواز الجماعة في صلاة النافلة</span>\n٤٠٧/ ١١ - عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حُجْرَةً بِخَصَفَةٍ، فَصَلَّى فِيهَا، فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ، وَجَاءوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ … الحَدِيثَ، وَفِيهِ: «أَفْضَلُ صَلَاةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلا المَكْتُوبَةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع أولها كتاب «الأذان»، باب «صلاة الليل» (٧٣١)، ومسلم (٧٨١) من طريق سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت قال: احتجر رسول الله ﷺ حجيرة بخصفة أو حصير، فخرج رسول الله ﷺ يصلي فيها، قال: فتتبع إليه رجال، وجاءوا يصلون بصلاته، قال: ثم جاءوا ليلة، فحضروا، وأبطأ رسول الله ﷺ عنهم، قال: فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم، وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول الله ﷺ مغضبًا، فقال لهم: «ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» هذا لفظ مسلم، وهو أقرب إلى لفظ «البلوغ».\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (احتجر حُجْرةً بخصفة …) أي: اتخذ وحوَّط موضعًا من المسجد يستره ليصلي فيه، ولفظ (حجرة) هو لفظ البخاري في «أبواب الإمامة» كما تقدم، وفي كتاب «الاعتصام» (^١).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٧٢٩٠).","vol":"3","page":382},{"text":"وحجيرة: بالضم، تصغير حجرة، لفظ مسلم، كما تقدم، وهو عند البخاري - أيضًا - في «الأدب» (^١)، والخَصَفَةُ - بالفتح - والحصير: ما نسج من سعف النخل، والشك من الراوي.\n\nقوله: (فتتبع إليه رجال) أي: تطلبه رجال وجاءوا إلى موضعه، ليقتدوا به في صلاته.\n\nقوله: (وحصبوا الباب) أي: رموه بالحصباء، وهي الحصى الصغار تنبيهًا له؛ لأنهم ظنوا أنه نسي، وعند البخاري في «الاعتصام»: «ثم فقدوا صوته ليلة، فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم …» (^٢).\n\nقوله: (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) هذا لفظ البخاري في «الاعتصام» أعني قوله: «أفضل»، وأما رواية مسلم والبخاري في بقية المواضع فهو: «خير صلاة المرء».\nوظاهره عموم النوافل؛ لأن المراد بالمكتوبة المفروضة، لكنه محمول على ما لا تشرع فيه الجماعة؛ كالرواتب وقيام الليل وصلاة الضحى، والمراد بالمرء: جنس الرجال.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على جواز حجز المكان في ناحية من المسجد والاختصاص به للعبادة والراحة، إذا كان هناك حاجة، بشرط ألا يضيق على المصلين، وقد تقدم شيء من ذلك عند الحديث (٢٥٩).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على جواز الجماعة في صلاة النافلة، وقد كان ذلك في صلاة الليل، وهو مبدأ صلاة التراويح، فقد ورد في حديث عائشة أن النبي ﷺ صلّى في رمضان ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس ثم صلّى من الثانية، فترك ذلك خشية أن تفرض على الأمة (^٣).\nوالأظهر - والله أعلم - أن صلاة التراويح تؤدى جماعة في المساجد لفعله ﷺ، ولفعل الخليفة الراشد عمر ﵁ ومن بعده، فإنه ﷺ فعلها، ولم\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٦١١٣).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٧٢٩٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (١١٢٩).","vol":"3","page":383},{"text":"يتركها إلا خشية أن تفرض، وقد أصبحت - ولله الحمد - من شعائر الإسلام الظاهرة في شهر رمضان.\nأما صلاة نافلة النهار جماعة فإنها تجوز في بعض الأحيان ما لم تتخذ عادة راتبة - إذا وجد لذلك سبب ـ، وأما اتخاذها عادة راتبة فهو غير مشروع، بل هو من البدع، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)؛ لأن النبي ﷺ والصحابة والتابعين لم يكونوا يعتادون الاجتماع للنوافل غير ما تشرع له الجماعة؛ كالاستسقاء والكسوف ونحو ذلك، وعامة تطوعاته ﷺ كان يصليها منفردًا، وإنما تطوع في جماعة قليلة لأمور عارضة.\nويدل لذلك حديث عتبان بن مالك لما صلّى النبي ﷺ في بيته، وفيه: (قال: «أين تحب أن أصلي من بيتك؟» فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه، فقام رسول الله ﷺ فكبر وصففنا وراءه، فصلى ركعتين ثم سلَّم، وسلمنا حين سلَّم …) (^٢). وقد بوّب عليه البخاري «باب صلاة النوافل جماعة» (^٣).\nوجاء في حديث أنس ﵁ أنه ﷺ صلّى به وبجدته مليكةَ بنتِ مالكٍ واليتيمِ لما زارهم في منزلهم، والحديث أخرجه البخاري ومسلم، وسيأتي - إن شاء الله - بعد عشرة أحاديث.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على صحة نية الإمامة في أثناء الصلاة، وذلك لأن النبي ﷺ صلّى منفردًا ثم صلّى معه أصحابه.\nوالصحيح جواز ذلك في الفرض والنفل، فإذا أحرم إنسان بالصلاة منفردًا ثم جاء إنسان صح أن يدخل معه، ويكون الأول إمامًا للثاني.\nومما يدل على ذلك - أيضًا - حديث ابن عباس في صلاته مع النبي ﷺ في قيام الليل، فإنه ﷺ صلّى منفردًا، ثم قام ابن عباس ووقف عن يساره،\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٣/ ٤١٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٨٦)، ومسلم (٣٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٦٠).","vol":"3","page":384},{"text":"فنقله ﷺ إلى جهة اليمين، ففيه إشارة إلى أنه ﷺ نوى الإمامة في أثناء الصلاة، وسيأتي - إن شاء الله - بعد تسعة أحاديث.\nوكذا حديث أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ أبصر رجلًا يصلي وحده، فقال: «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه» (^١).\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على فضل صلاة النوافل في البيت، والمراد بذلك ما لا تشرع فيه الجماعة، كما تقدم، وقد مضى في أول صلاة التطوع ذكر الأدلة على فضل النوافل في البيت، وما في ذلك من الفوائد العظيمة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٧٤)، والترمذي (٢٤٠) وحسّنه، وأحمد (٣/ ٥)، وابن حبان (٦/ ١٥٧).","vol":"3","page":385},{"text":"<span data-type='title' id=toc-330>مشروعية قراءة هذه السور ونحوها في صلاة العشاء </span>(^١)\n٤٠٨/ ١٢ - عَنْ جَابِرٍ قَالَ: صَلّى مُعَاذٌ بِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ، فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ يَا مُعَاذُ فَتَّانًا؟ إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ فَاقْرَأْ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع منها: كتاب «الأذان»، باب «من شكا إمامه إذا طوَّل» (٧٠٥) من طريق شعبة، قال: حدثنا محارب بن دثار قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄، قال: … فذكر الحديث.\nوأخرجه مسلم في كتاب «الصلاة»، باب «القراءة في العشاء» (٤٦٥) (١٧٩) من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر أنه قال: صلى معاذ بن جبل الأنصاري لأصحابه العشاء فطوَّل عليهم، فانصرف رجل منا فصلى، فأُخبر معاذ عنه، فقال: إنه منافق، فلما بلغ ذلك الرجل دخل على رسول الله ﷺ فأخبره بما قال معاذ، فقال له النبي ﷺ: «أتريد أن تكون فتَّانًا يا معاذ؟ إذا أممت الناس فاقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]\n_________\n(^١) هذا الحديث يحتمل أن يكون موضوعه ما ذكر، ويحتمل: حكم انفراد المأموم لعذر، أو حكم اقتداء المفترض بالمتنفل، لكن ظاهر صنيع الحافظ هو الأول، لاقتصاره على هذا القدر من الحديث.","vol":"3","page":386},{"text":"و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، و﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾» [الليل: ١].\nوأخرجاه من طرق، عن عمرو بن دينار، عن جابر، وبعض روايات البخاري مختصرة، وجاء في بعض رواياته أنه كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء ثم يرجع فيصلي بقومه.\n\nالوجه الثاني: استدل بهذا الحديث - في بعض رواياته - من قال بجواز اقتداء المفترض بالمتنفل، وقد حكى ابن المنذر هذا القول عن عطاء وطاووس والأوزاعي (^١)، وهو قول الشافعي وأصحابه، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن قدامة (^٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٣).\nوذلك أن معاذًا ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ ثم يرجع فيؤم قومه - كما ثبت في «الصحيحين» - والرسول ﷺ قد اطلع على ذلك ولم ينكر عليه، فإنه ﷺ يعلم الأئمة الذين كانوا يصلون في مساجد المدينة، وعلى فرض أنه ﷺ لم يعلم بذلك فإن الزمن زمن وحي، ولا يقع فيه التقرير على ما لا يجوز، ولهذا استدل أبو سعيد وجابر ﵄ على جواز العزل بكونهم فعلوه في زمن النبي ﷺ، ولو كان منهيًّا عنه لنُهي عنه في القرآن (^٤).\nوذهب آخرون إلى أن ذلك لا يجوز، حكاه ابن المنذر عن بعض السلف، وذكره عبد الرزاق في «مصنفه» عنهم، وهو قول الحنفية، والمالكية، وأحمد في المشهور عنه، واختار ذلك أكثر أصحابه (^٥).\nواستدلوا بحديث أبي هريرة المتقدم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه …»، قالوا: فنهى النبي ﷺ عن الاختلاف على الإمام، وكون الإمام متنفلًا والمأموم مفترضًا اختلاف، فلا يجوز.\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (٤/ ٢١٩).\n(^٢) \"المغني\" (٣/ ٦٧)، \"المجموع\" (٤/ ١٥٢)، \"نهاية المحتاج\" (٢/ ٢٠٦).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٣/ ٣٨٩).\n(^٤) سيأتي الكلام على ذلك في كتاب \"النكاح\" إن شاء الله تعالى.\n(^٥) \"مصنف عبد الرزاق\" (٢/ ٨)، \"الأوسط\" (٤/ ٢١٩)، \"الهداية\" (١/ ٣٢٣، ٣٢٥)، \"مختصر خليل\" ص (٣٣)، \"المغني\" (٣/ ٦٧).","vol":"3","page":387},{"text":"وأجابوا عن قصة معاذ بأنها ليست صريحة في الاستدلال، فإنه يحتمل أنه كان يصلي مع النبي ﷺ فريضة، ويحتمل أن ينويها نافلة، وليس أحد هذا الاحتمالين بأولى من الآخر، ذكر ذلك الطحاوي (^١).\nوذكر الحافظ ابن رجب أجوبة أخرى ومنها: أن بعض الرواة لم يذكروا أن معاذًا كان يصلي خلف النبي ﷺ، وإنما ذكروا أنه كان يصلي بقومه ويطيل بهم، ومنها: أن النبي ﷺ لم يعلم بذلك، وكلها اعتذارات غير ناهضة، ولهذا قال: (ولم يظهر عنه جواب قوي، فالأقوى جواز اقتداء المفترض بالمتنفل …) (^٢).\nوالقول الأول أرجح، فإن الحديث صريح في المسألة، ويقويه ما ثبت أن النبي ﷺ صلّى صلاة الخوف بطائفتين، بكل طائفة ركعتين (^٣).\nوأما حديث أبي هريرة، فعنه جوابان:\nالأول: أن المراد بالاختلاف المنهي عنه اختلاف الأفعال الظاهرة، بدليل سياق الحديث، كما تقدم.\nالثاني: سلَّمنا أنه عام في اختلاف النيات والأفعال، لكنه مخصوص بأدلة جواز اختلاف النية، ومنها قصة معاذ ﵁.\nوأما اعتذارهم عن قصة معاذ فهو مردود، فإنه قد ورد في بعض الروايات عن جابر ﵁ أنه قال: «وهي له تطوع، ولهم مكتوبة العشاء» (^٤).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على جواز خروج المأموم من الصلاة لعذر، كأن يطيل الإمام إطالة زائدة عن المشروع تشق على المأموم، ولو كان العذر من أمور الدنيا؛ لأن النبي ﷺ علم بحال هذا الرجل ولم ينكر عليه\n_________\n(^١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٠٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٤٢).\n(^٣) سيأتي ذلك في باب \"صلاة الخوف\" إن شاء الله.\n(^٤) أخرجه الشافعي (١/ ١٤٣ ترتيب مسنده)، والدارقطني (٢/ ١٣)، والبيهقي (٣/ ٨٦) وهي زيادة صحيحة كما ذكر الحافظ في \"فتح الباري\" (٢/ ١٩٥ - ١٩٦)، وانظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٤/ ١٥٣ - ١٥٤).","vol":"3","page":388},{"text":"انفراده عن معاذ، ولو كان مثل ذلك لا يجوز لبيَّنه له؛ لأن المقام مقام بيان، وإنما أنكر على معاذ، وحثّه على التخفيف.\nوظاهر رواية مسلم: (فانحرف رجل فسلم ثم صلّى وحده وانصرف) أنه سلم وقطع الصلاة ثم استأنفها، وليس المراد أنه بنى على صلاته مع معاذ.\n\nالوجه الرابع: أنه يشرع للإمام مراعاة من خلفه من المأمومين، فلا يطوِّل عليهم بما يشق ويورث السآمة والملل إذا لم يرضوا بذلك، ولا يخفف تخفيفًا يخل بالصلاة، وسيأتي مزيد بيان لذلك إن شاء الله.\nوإنكار النبي ﷺ على معاذ؛ لأنه كان يتأخر عليهم بالصلاة بسبب صلاته مع النبي ﷺ أولًا، فإذا جاء وصلّى بهم أطال القراءة حتى إنه قرأ بسورة البقرة في العشاء، وهم أصحاب عمل وحرث، فهم بحاجة إلى النوم والراحة، وقد جاء في حديث جابر عند مسلم في قصة الرجل الذي نال منه معاذ: (… فقال: يا رسول الله إنا أصحاب نواضح نعمل بالنهار، وإن معاذًا صلّى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة …) الحديث، ولهذا قال له الرسول ﷺ: «أفتان أنت؟»، ومعنى الفتنة هنا: أن التطويل يكون سببًا للخروج من الصلاة أو التخلف عن صلاة الجماعة.\n\nالوجه الخامس: أن المشروع في صلاة العشاء أن يقرأ فيها بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، و﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾» ونحوها من السور، وأن الصلاة بمثل هذه السور تخفيف، وقد يَعُدُّ من لا رغبة له في الطاعة ذلك تطويلًا.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على جواز الوقوع في حق من وقع في محذور ظاهر وإن كان له عذر باطن، فإن معاذًا ﵁ وصف الرجل بسبب ما فعل بأنه نافق، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، وإنما أنكر عليه التطويل، وهذا يدل على أن التخلف عن صلاة الجماعة من صفات المنافقين، كما تقدم عن عبد الله بن مسعود ﵁، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":389},{"text":"<span data-type='title' id=toc-331>حكم الصلاة وراء العاجز عن القيام وكيفيتها</span>\n٤٠٩/ ١٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ - فِي قِصَّةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالنَّاسِ وَهُوَ مَرِيضٌ - قَالَتْ: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بكْرٍ، فَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا وَأَبُو بكْرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِي أَبُو بكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بكْرٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، بابٌ «الرجلُ يأتمُّ بالإمام ويأتم الناس بالمأموم»، ومسلم (٤١٨) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂، بطوله، وهذا الحديث روي عن عائشة ﵂ من عدة طرق، مطولًا ومختصرًا.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على جواز إمامة العاجز عن القيام بالقادرين عليه، وخص الحنابلة ذلك بالإمام الراتب المرجو زوال علته، قصرًا للحديث على أضيق مدلولاته.\nوالقول الثاني: أن الحكم عام لا فرق فيه بين الإمام الراتب أو غيره، لعموم الحديث: «إذا كبَّر فكبروا …» الحديث، والتخصيص يحتاج إلى دليل، وليس هناك دليل على ذلك، وهذا رواية عن الإمام أحمد (^١)، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي (^٢).\n_________\n(^١) \"الإنصاف\" (٢/ ٢٦٢).\n(^٢) \"المختارات الجلية\" ص (٤٢).","vol":"3","page":390},{"text":"وهذا إنما يتم إذا كان النبي ﷺ هو الإمام، وهذا هو الراجح لقول عائشة ﵂: (فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ)، فإن هذا هو موقف الإمام مع المأموم، ولقولها: (يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ)، ولقولها في رواية مسلم: (كان النبي ﷺ يصلي بالناس، وأبو بكر يُسمعهم التكبير) (^١).\nوقد اختلف العلماء في هذه المسألة فمنهم من قال: لا تصح الصلاة خلف إمام قاعد، وهو قول الإمام مالك، واستدلوا بما روى الشعبي أن النبي ﷺ قال: «لا يؤمّنَّ أحد بعدي جالسًا» (^٢).\nوقال آخرون: تصح الصلاة خلفه، ولكن اختلفوا في كيفية ذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنهم يصلون خلفه قيامًا، وهو قول أبي حنيفة والشافعي (^٣)، واستدلوا بحديث الباب حيث إنه ﷺ صلّى قاعدًا وصلّى من خلفه قيامًا، وذلك في مرض موته، فيكون ناسخًا لحديث عائشة الآتي في صلاتهم خلفه جلوسًا؛ لأنه إنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أفعاله ﷺ.\nقالوا: ولأن القيام في الصلاة فرض، فإذا سقط عن الإمام لعذر، فلا يسقط عن المأموم إلا لعذر.\nالقول الثاني: أنهم يصلون خلفه قعودًا، وهو رواية عن الإمام أحمد (^٤)، ويستدل لذلك بعموم: «إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به»، والائتمام به - كما تقدم - متابعته، فإذا صلَّى قائمًا تصلي قائمًا، وإذا صلَّى قاعدًا تصلي قاعدًا، وهو ما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم بلفظ أبي داود.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٤١٨) (٩٦).\n(^٢) \"أخرجه الدارقطني\" (١/ ٣٩٨)، والبيهقي (٣/ ٨٠).\n(^٣) انظر: \"الاختيار لتعليل المختار\" (١/ ٦٠)، \"المجموع\" (٤/ ٢٦٤).\n(^٤) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٢/ ١١٤).","vol":"3","page":391},{"text":"كما استدلوا بحديث عائشة الآتي، حيث أشار إليهم في أثناء الصلاة بالجلوس، فدل على أنه لا بد منه.\nالقول الثالث: أنه إذا ابتدأ الإمام الصلاة قاعدًا صلَّى من خلفه قعودًا، وإذا ابتدأ الإمام الصلاة قائمًا، ثم عجز في أثناء الصلاة عن القيام صلَّى من خلفه قيامًا، وهذا التفصيل قال به الإمام أحمد وبعض الشافعية (^١)، واستدلوا على الجزء الأول بحديث عائشة ﵂ أنها قالت: صلَّى النبي ﷺ في بيته وهو شَاكٍ فصلَّى جالسًا، وصلَّى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف قال: «إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلَّى جالسًا فصلوا جلوسًا» (^٢)، وتقدم أيضًا حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: «وإذا صلَّى قاعدًا فصلُّوا قعودًا أجمعين».\nواستدلوا على الجزء الثاني بهذا الحديث، فإن أبا بكر ﵁ ابتدأ بهم الصلاة قائمًا، ثم جاء النبي ﷺ فصلى بهم من حيث انتهى أبو بكر فصلى قاعدًا، والصحابة صلوا خلفه قيامًا، فدل ذلك على أن الإمام إذا ابتدأ الصلاة قائمًا ثم عجز عن القيام بعد ذلك صلَّى من خلفه قيامًا.\nوهذا القول هو الأظهر؛ لأن فيه جمعًا بين الأدلة وعملًا بها، ولا يعدل إلى النسخ مع إمكان الجمع.\nوأما حديث الشعبي فقد قال عنه الدارقطني: (لم يروه غير جابر الجعفي عن الشعبي، وهو متروك، والحديث مرسل لا تقوم به حجة) (^٣).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على جواز كون المبلِّغ عن الإمام عن يمينه، لا في الصف، إذا كان فيه مصلحة، ليراه الناس، أو لأنه أبلغ لصوته، أو لفوائد أخرى، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" (٢/ ٦٠)، \"فتح الباري\" (٢/ ١٧٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٨٨)، ومسلم (٤١٢).\n(^٣) انظر: \"الاستذكار\" (٥/ ٤٠٠)، \"فتح الباري\" (٢/ ١٧٥).","vol":"3","page":392},{"text":"<span data-type='title' id=toc-332>أمر الأئمة بالتخفيف</span>\n٤١٠/ ١٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهمُ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الحَاجَةِ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء» (٧٠٣)، ومسلم (٤٦٧) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا.\nوقد ورد الحديث من عدة طرق، وفي ألفاظها اختلاف بالنسبة لأوصاف المأمومين، كما سيأتي.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (فليخفف) أي: القراءة والركوع والسجود وغير ذلك من الأقوال والأفعال الذي لا يبلغ حد الإخلال بالصلاة.\nوهذا الأمر للاستحباب، وعليه الشافعية وجماعة، وقال آخرون: للوجوب، تمسكًا بظاهر الأمر، وهو قول ابن حزم (^١).\n\nقوله: (والضعيف) أي: المريض، وفي رواية عند مسلم: «فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض»، وفي رواية: «فإن في الناس الضعيف\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٤/ ٩٨)، \"مغني المحتاج\" (١/ ٢٣٢).","vol":"3","page":393},{"text":"والسقيم»، فيفسَّر الضعيف هنا بضعيف الخلقة لهزال أو كبر أو صغر أو مرض، لأن الضعف خلاف القوة، والسقيم: المريض، فيكون من باب عطف الخاص على العام، لأن الضعف أعمُّ من السقم، فقد يكون الإنسان قليل القوة من أصل الخلقة، لا من سقم عرض له (^١).\n\nقوله: (وذا الحاجة) أي: صاحب الحاجة، وهو المحتاج للتخفيف لحاجة له، والغالب أنها أمور الدنيا، كما في قصة الرجل.\n\nقوله: (فليصل كيف شاء) اللام للأمر، والمراد الإباحة، لقوله: «كيف شاء».\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الإمام مأمور بأن يخفف الصلاة بالناس مراعاة لذوي الأعذار، وذلك لئلا يشق على من وراءه، فإن وراءه ضعيف البنية والمريض وصاحب الحاجة، فالتطويل في حق هؤلاء وأمثالهم يؤدي إلى المشقة والملل والسأم، وهذا أمر ينبغي للإمام مراعاته، فقد ورد عن عمر ﵁ أنه قال: «لا تُبَغِّضِوا الله إلى عباده، يكون أحدكم إمامًا فيطول على القوم الصلاة حتى يبغض إليهم ما هم فيه» (^٢).\nقال ابن عبد البر: (لا أعلم بين أهل العلم خلافًا في استحباب التخفيف لكل من أمَّ قومًا، على ما شرطنا من الإتيان بأقل ما يجزئ، والفريضة والنافلة عند جميعهم سواء في استحباب التخفيف فيما إذا صليت جماعة بإمام، إلا ما جاء في صلاة الكسوف على سنتها …).\nومن هنا يتبين أن التخفيف فيه مصالح منها:\n١ - الرفق بمن وراء الإمام.\n٢ - تأليف الناس وتحبيب الصلاة إليهم.\n٣ - دعوتهم إلى المواظبة على صلاة الجماعة.\n_________\n(^١) انظر: \"طرح التثريب\" (٢/ ٣٥١).\n(^٢) أخرجه البيهقي في \"الشعب\" (١٤/ ٢٩٢ - ٢٩٣) بإسناد صحيح، كما قال الحافظ في \"فتح الباري\" (٢/ ١٩٥)، وأخرجه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٩/ ١١ - ١٢).","vol":"3","page":394},{"text":"الوجه الرابع: اختلف العلماء في ضابط التخفيف المأمور به، فقيل: ليس لذلك ضابط معين؛ لأن التخفيف والتطويل أمر نسبي ليس له حد في اللغة ولا في العرف؛ لأنه يختلف باختلاف الأئمة والمأمومين، فقد يقرأ بعض الأئمة آيات قراءة مرتلة خفيفة على السامع، ويقرأها آخر بوقت أطول من الأول، وكذا المأمومين فقد يناسبهم التطويل في مكان ولا يناسبهم في آخر، وعلى هذا فيرجع إلى سنة النبي ﷺ وإلى حاله في صلاته، فيفعل الإمام في الغالب ما كان يفعله النبي ﷺ غالبًا، ويزيد وينقص لمصلحة، كما كان النبي ﷺ يزيد وينقص للمصلحة، يقول أنس ﵁: (ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي ﷺ) (^١).\nفمن صلى مثل صلاة النبي ﷺ فقد خفَّف وإن ثَقُلَ ذلك على بعض الناس، وما زاد على فعله ﷺ زيادة بينة فهو تطويل.\nوقيل: ضابط التخفيف الاقتصار على أدنى الكمال، فيقتصر على ثلاث تسبيحات، وكذا سائر أجزاء الصلاة، وهذا هو المشهور عن الشافعي.\nوردَّ هذا شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه لا دليل عليه من السنة بل الأحاديث المستفيضة الثابتة تبين أنه ﷺ كان يسبح في أغلب صلاته أكثر من ذلك.\nوقيل: حد التخفيف مأخوذ من قوله ﷺ لعثمان بن أبي العاص: «أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم …» الحديث، وتقدم في باب «الأذان» (١٩٥).\nفأرشده النبي ﷺ إلى أن يراعي حال الضعيف من المأمومين، وعبر عن المراعاة بالاقتداء، مشاكلةً لاقتدائهم به، فكأنه قال: كما أن الضعيف يقتدي بصلاتك، فاقتد أنت - أيضًا - بضعفه.\nوهذا قول ابن حزم (^٢)، واختاره الحافظ ابن حجر (^٣)، وهذا هو الأقرب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٠٨)، ومسلم (٤٧٣).\n(^٢) \"المحلى\" (٤/ ٩٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١٩٩).","vol":"3","page":395},{"text":"ـ إن شاء الله - وهو الذي يدل عليه هدي النبي ﷺ في صلاته، لكن على الإمام مراعاة أمور دلت عليها السنة منها:\nالأول: أن التخفيف المأمور به هو الذي لا يصل إلى حد الإخلال بمقاصد الصلاة وأركانها وسننها، أو إلى سرعة تشق على من خلفه من كبار السن وغيرهم في أثناء القيام أو الركوع أو السجود.\nالثاني: أن الصلوات ليست على قدر واحد في القراءة والقيام وبقية الأفعال؛ لأن منها ما يشرع فيه التطويل كالفجر، ومنها ما هو دون ذلك، والإمام الموفق هو الذي يضع الأمور مواضعها، فيطول أحيانًا تطويلًا لا يخرج إلى حد التنفير، ويخفف أحيانًا تخفيفًا لا يخرج إلى حد الإخلال، كما تقدم، ويُغَلِّبُ جانب التخفيف على جانب التطويل.\nالثالث: لا بد للإمام من أن يقيم وزنًا للأمور الطارئة، فيخفف الصلاة فيها؛ كشدة حر أو برد عارض، كما خفف النبي ﷺ لبكاء الصبي.\nالرابع: إذا كان الجماعة محصورين وآثروا التطويل فلا بأس، لانتفاء العلة الموجبة للتخفيف، وقد دل على ذلك حديث أبي قتادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوَّز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه» (^١)، فإرادته ﷺ التطويل أولًا يدل على جواز مثل ذلك، لكنه تركه لعارض.\nالخامس: أنه يجب على الإمام أن يتحرَّى الرفق بالمأمومين، وجمع كلمتهم على محبته، والرضا عنه، وعدم اختلافهم عليه؛ لأن اختلافهم عليه يسبب مفاسد عظيمة وأمورًا لا تحمد.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن الإنسان إذا صلى وحده فله أن يطيل ما شاء؛ لأنه لا يشق على أحد بذلك، ما لم يخرج الوقت، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٠٧).","vol":"3","page":396},{"text":"<span data-type='title' id=toc-333>حكم ائتمام البالغ بالصبي</span>\n٤١١/ ١٥ - عَنْ عَمْرو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: قَالَ أَبِي: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًّا، قَالَ: «فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا»، قَالَ: فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي، فَقَدَّمُونِي، وَأَنَا ابْنُ سِتِّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو يزيد، أو أبو بُريد - بالباء المضمومة - عمرو بن سلِمة، - بكسر اللام - ابن قيس الجَرْمي - بالجيم - أدرك زمن النبي ﷺ وكان يؤم قومه في حياة النبي ﷺ وهو صبي؛ لأنه كان أكثرهم قرآنًا، ولأبيه صحبة ووفادة، وقد قيل: إنه وفد مع أبيه، وله رؤية، وعلى هذا فهو صحابي صغير، لكن سياق حديثه الآتي يدل على أنه لم يفد مع أبيه - والله أعلم ـ، روى عنه أبو قلابة، وأيوب السختياني، وآخرون، مات سنة خمس وثمانين (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «المغازي» بدون باب (٤٣٠٢)، وأبو داود (٥٨٥) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة .. وساق الحديث عن إسلام أبيه ووفادته على النبي ﷺ إلى أن قال: (جئتكم والله من عند رسول الله ﷺ حقًّا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٨/ ٣١١)، \"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ٥٢٣)، \"الإصابة\" (٧/ ١١٦).","vol":"3","page":397},{"text":"كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا، فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدَّموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت عليَّ بردة كنت إذا سجدت تقلَّصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا استَ قارئكم، فاشتروا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص) وهذا لفظ البخاري.\nوأخرجه النسائي (٢/ ٨٠) من طريق زائدة، عن سفيان، عن أيوب، قال: حدثني عمرو بن سلمة … بنحوه.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يقدم في الإمامة من كان أكثر حفظًا للقرآن؛ لقوله: «وليؤمكم أكثركم قرآنًا»، وعلى هذا فيكون الحديث مفسرًا للحديث الآتي: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، ويكون المراد بالأقرأ: الأكثر قرآنًا، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على صحة إمامة الصبي في صلاة الفرض إذا كان أهلًا لذلك بقراءته وعلمه وتميزه، فيؤم غيره وإن كانوا كبارًا وإن كانوا شيوخًا؛ لأن هؤلاء الصحابة ﵃ قدموا عمرو بن سلمة وعمره ست أو سبع سنين ولو كانت إمامته غير جائزة لنزل الوحي بإنكار ذلك، لا سيما في الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام، وهذا قول الشافعي ورواية عن الإمام أحمد (^١).\nوالقول الثاني: أن إمامته لا تصح، وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو قول ابن حزم الظاهري (^٢)، واستدلوا بحديث أبي هريرة المتقدم بلفظ البخاري: «إنما جُعِلَ الإمام ليؤتمَّ به فلا تختلفوا عليه …» قالوا: وصلاة الصبي نفل، فصلاة البالغ خلفه الفرض اختلاف على الإمام،\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٤/ ٢٤٨)، \"الإنصاف\" (٢/ ٢٦٦).\n(^٢) \"المحلى\" (٤/ ٢١٧)، \"فتح القدير\" (١/ ٣٠٩)، \"بداية المجتهد\" (١/ ٣٥٢)، \"المغني\" (٢/ ٧٠).","vol":"3","page":398},{"text":"وقد نهينا عنه، ولأن الشرع قد رَفَعَ عنه القلم، ولا تصح الصلاة خلف من رُفِعَ القلم عنه؛ كالمجنون.\nولهم أدلة أخرى غير ناهضة، وأجابوا عن حديث عمرو بن سلمة بأنه لم يرو أن إمامته لهم كانت عن أمر النبي ﷺ ولا عن تقريره، فلا حجة فيها (^١).\nوالراجح هو القول الأول، لقوة دليله، وإذا جازت إمامته في الفرض جازت إمامته في النفل من باب أولى؛ لأن النفل يدخله التسامح، ولأنه لا فرق في ذلك بين النفل والفرض، والأصل تساويهما في الأحكام، خلا ما استثنى الدليل.\nوأما جواب أصحاب القول الثاني عن حديث الباب فهو مردود من وجهين:\nالأول: أن دليل الجواز وقوع ذلك في زمن الوحي، ولا يقع فيه التقرير على ما لا يجوز، لا سيما في الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام، وقد نُبِّهَ النبي ﷺ بالوحي على القذى الذي كان في نعله أثناء الصلاة - كما تقدم في شروط الصلاة في حديث أبي سعيد ﵁ - فلو كانت إمامة الصبي لا تصح لنزل الوحي بذلك، وقد استدل جابررضي الله عنه على جواز العزل بأنه لم ينزل فيه شيء (^٢).\nالثاني: أن الوفد الذين قَدَّموا عمرًا كانوا جماعة من الصحابة، قال ابن حزم: (ولا يعرف لهم من الصحابة ﵃ مخالف) (^٣)، بل ورد أنه كان يؤمهم في كل المجامع، فقد روى عنه أبو داود أنه قال: (فما شهدت مجمعًا من جَرْمٍ إلا كنت إمامهم …) (^٤).\nوأما أدلتهم فإن حديث أبي هريرة ﵁ تقدم أن المراد به الاختلاف في\n_________\n(^١) انظر: \"المحلى\" (٤/ ٢١٨).\n(^٢) سيأتي شرح هذا الحديث في كتاب \"النكاح\" إن شاء الله تعالى.\n(^٣) \"المحلى\" (٤/ ٢١٨).\n(^٤) \"السنن\" (٥٨٧).","vol":"3","page":399},{"text":"الأفعال، وأما رفع القلم عنه فمعناه رفع التكليف والإيجاب، لا نفي صحة الصلاة، بدليل حديثنا هذا.\nوأما إمامة الصبي في النفل - كالتراويح مثلًا - فأجازها الشافعي لما تقدم، وأجازها - أيضًا - مالك وأحمد في رواية عنه اختارها أكثر أصحابه، قالوا: لأن النافلة يدخلها التخفيف، ولذا تنعقد الجماعة به فيها إذا كان مأمومًا، وقالت الحنفية: لا تصح إمامة الصبي في النفل كما تقدم في الفرض (^١)، والقول بالجواز أصح؛ لأنها إذا صحت في الفرض صحَّت في النفل من باب أولى، لما تقدم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر المصادر السابقة.","vol":"3","page":400},{"text":"<span data-type='title' id=toc-334>الأحقُّ بالإمامة</span>\n٤١٢/ ١٦ - عَنْ أبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا - وَفِي رِوَايَةٍ: سِنًّا - وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «المساجد»، باب «مَن أحق بالإمامة» (٦٧٣) من طريق الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج، عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: … فذكره.\nوأخرجه من طريق شعبة عن إسماعيل به، إلا أن فيه «سنًّا» بدل «سلمًا».\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يؤم القوم) هذا خبر بمعنى الأمر.\n\nقوله: (أقرؤهم لكتاب الله) أي: أكثرهم حفظًا، فمن حفظ القرآن كاملًا مقدم على من حفظ نصفه - مثلًا - بدليل حديث عمرو بن سلمة المتقدم، وفيه: «وليؤمكم أكثركم قرآنًا» فيكون هذا الحديث مبينًا للمراد بحديث أبي مسعود، كما تقدم.\nوالقول الثاني: أن المراد بالأقرأ: الأحسن قراءة؛ لأن هذا هو المراد في اللغة، والرسول ﷺ يتكلم باللغة العربية، والأول أظهر؛ لأن فيه تفسير السنة بالسنة، وهو أولى من تفسيرها باللغة (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"أحكام الإمامة والائتمام\" ص (١٥٧).","vol":"3","page":401},{"text":"قوله: (فأعلمهم بالسنة) أي: أحكام الشريعة من صلاة وصيام وحج، ونحو ذلك.\n\nقوله: (فأقدمهم هجرة) الهجرة معناها: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي باقية إلى قيام الساعة، والمعنى: أن من هاجر إلى رسول الله ﷺ أولًا يقدم على من هاجر بعده؛ لأنه أكثر منه علمًا.\n\nقوله: (فأقدمهم سِلمًا) - بكسر السين المهملة وسكون اللام ـ، أي: إسلامًا، وأما رواية «سنًّا» فلا تعارض الأولى، بل إحداهما تفسر الأخرى؛ لأن من كان أكبر سنًّا فهو مقدم سلمًا؛ لأن المقصود أكبرهم سنًّا في الإسلام.\n\nقوله: (في سلطانه) المراد به: محل ولايته، سواء كانت ولاية عامة، أي: الولاية العظمى، أو ولاية خاصة؛ كصاحب البيت.\n\nقوله: (تكرمته) بفتح التاء وسكون الكاف وكسر الراء، المراد به: الفراش ونحوه مما يوضع لصاحب المنزل ويختص به، والغالب أن ذلك يكون في صدر المجلس كما هو الملاحظ الآن.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن المقدَّم في إمامة الصلاة هو الأقرأ، بمعنى الأكثر حفظًا لكتاب الله تعالى - كما تقدم - لكن لا بد أن يكون عالمًا بأحكام صلاته؛ إذ ليس للجاهل بأحكام الصلاة أن يؤم الناس، قال الحافظ ابن حجر: (ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو حيث يكون عارفًا بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة، فأما إذا كان جاهلًا بذلك فلا يقدم اتفاقًا، والسبب فيه أن أهل ذلك العصر كانوا يعرفون معاني القرآن، لكونهم أهل اللسان، فالأقرأ منهم بل القارئ كان أفقه في الدين من كثير من الفقهاء الذين جاؤوا بعدهم) (^١).\nفهذا بالنسبة لمن بعد الصحابة ﵃، أما الصحابة ﵃ فقد جمعوا بين القراءة والعلم، يقول عبد الله بن مسعود ﵁: (كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٧١).","vol":"3","page":402},{"text":"نعرف أمرها ونهيها وأحكامها) (^١)، وقال ﵁: (من أراد العلم فليقرأ القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين) (^٢).\nوالغالب أن من كان أكثر قرآنًا كان أكثر علمًا بالأحكام الشرعية، كما أن الغالب عليهم أنهم كانوا يعتنون بالجَودة ويعتنون بالكثرة، ومن الأدلة على ذلك حديث ابن عمر ﵄ أنه قال: (لما قدم المهاجرون الأولون نزلوا العَُصْبة - موضع بقباء - قبل مقدم رسول الله ﷺ فكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنًا) (^٣).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن الأئمة إذا تساووا في القراءة فإنه يقدم أعلمهم بالسنة، وهو أفقههم في دين الله تعالى، فإن تساووا يقدم أقدمهم هجرة إلى الرسول ﷺ في زمنه، أو أقدمهم هجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام بعد زمن الرسول ﷺ؛ لأن المتقدم أسبق إلى الخير وأقرب إلى معرفة الشرع ممن تأخر، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم إسلامًا وهو أكبرهم سنًا، كما جاء في الرواية الأخرى، فإن من كان أكبر سنًا فهو أقدم إسلامًا.\nوهذا الترتيب من محاسن الشريعة وكمالاتها، حيث راعت هذه الأمور وجعلت الناس مراتب بحسب علمهم.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن الإمام الأعظم أو الوالي من قِبَلِهِ أحق بالإمامة من غيره من المذكورين، فإذا حضر في محل ولايته قدم على جميع الحاضرين حتى صاحب البيت وإمام المسجد، إلا إذا أذن، فيقدم من يصلح للإمامة.\n_________\n(^١) هذا الأثر ذكره ابن قدامة في \"المغني\" (٣/ ١٣) ولم أقف عليه عند غيره، ولعله المذكور في \"تفسير ابن جرير\" (١/ ٨٠) فقد ذكر بسنده عن ابن مسعود -﵁- قال: (كان الرجل منا إذا تعلَّم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن) قال الحاكم (١/ ٥٥٧): \"صحيح الإسناد\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٨٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٩٢).","vol":"3","page":403},{"text":"وإمام المسجد أحق في مسجده بالإمامة من غيره، إلا من الإمام الأعظم أو نائبه إلا إذا أذن بتقديم غيره فالحق له، وكذا صاحب البيت لو صلى فيه لعذر فهو أولى بالإمامة من غيره ممن يحضر في منزله، إلا الإمام الأعظم؛ لأن ولايته عامة، وشرط ذلك أن يكون صاحب البيت أهلًا للإمامة، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":404},{"text":"<span data-type='title' id=toc-335>من لا تصح إمامته</span>\n٤١٣/ ١٧ - وَلاِبْنِ مَاجَهْ: مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: «وَلَا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رَجُلًا، وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا». وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه ابن ماجه في كتاب «إقامة الصلاة»، باب «في فرض الجماعة» (١٠٨١) من طريق عبد الله بن محمد العدوي، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيها الناس! توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تُشْغَلُوا …»، وساق الحديث بطوله إلى أن قال: «ألا لا تُؤَمَّنَّ امرأة رجلًا …» الحديث.\nوهذا إسناد ضعيف؛ لأن فيه عبد الله بن محمد العدوي، متروك الحديث، قال عنه وكيع: (يضع الحديث)، وقال عنه ابن حبان: (منكر الحديث جدًّا، على قلة روايته، لا يشبه حديثه حديث الأثبات، ولا روايته رواية الثقات، لا يجوز الاحتجاج بخبره، وهو صاحب حديث الجمعة …)، ثم ذكر حديثه هذا (^١).\nوفيه - أيضًا - علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، قال عنه الإمام أحمد: (ليس بالقوي، وقد روى عنه الناس) (^٢).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا تصح إمامة المرأة للرجل،\n_________\n(^١) \"المجروحين\" (١/ ٥٠٢).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢٨٣).","vol":"3","page":405},{"text":"وهو قول الجمهور من أهل العلم على تفصيل في بعض المذاهب في الفرض أو النفل، وهذا الحكم ليس مأخوذًا من هذا الحديث فقط فإنه ضعيف، ولكن هذه الجملة منه دلت عليها أدلة أخرى، يأتي بيانها إن شاء الله عند الكلام على حديث أم وَرَقَة ﵂ بعد عشرة أحاديث.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا تصح إمامة الأعرابي وهو ساكن البادية للمهاجر؛ لأن الغالب على أهل البادية الجفاء وقلة المعرفة بحدود الله تعالى وأحكام الصلاة، لبعدهم عمَّن يتعلمون منه، قال تعالى في حق الأعراب: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧]، وهذا يؤدي إلى تقليل الجماعة المطلوب تكثيرها، لقلة رغبة الناس في الاقتداء بهم، فيكون المنع من إمامة الأعرابي لهذا السبب، أما حديث الباب على إطلاقه فهو ضعيف، فإذا كان الأعرابي أقرأ من المهاجر قدم عليه، لما تقدم.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أنها لا تصح إمامة الفاسق؛ لأن الرسول ﷺ نهى أن يؤم الفاجر المؤمن، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، وهذا رواية عن الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها أكثر أصحابه (^١).\nوذهب الجمهور من أهل العلم إلى صحة الصلاة خلف الفاسق (^٢)؛ لعموم قوله ﷺ: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، ولحديث أبي ذر ﵁ في أئمة الجَور الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وفيه: «صَلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فَصَلِّ، فإنها لك نافلة» (^٣)، وتقدم بتمامه.\nووجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أَذِنَ بالصلاة خلفهم، وجعلها نافلة؛ لأنهم أخَّروها عن وقتها، وظاهره أنهم لو صلّوها في وقتها لكان مأمورًا\n_________\n(^١) \"مختصر خليل\" ص (٣٥)، \"الإنصاف\" (٢/ ٢٥٢).\n(^٢) \"المبسوط\" (١/ ٤٠)، \"المدونة\" (١/ ٨٣)، \"المجموع\" (٤/ ٢٥٣)، \"المغني\" (٢/ ٢٠).\n(^٣) أخرجه مسلم (٦٤٨).","vol":"3","page":406},{"text":"بالصلاة معهم فريضة، ولا شك أن من أخَّر الصلاة وفعلها في غير وقتها فهو غير عدل.\nولأن الصحابة ﵃ صلوا خلف من لا يُحمد فعله، ومنهم ابن عمر ﵄ فقد كانوا يصلون خلف الحجَّاج (^١)، وابن عمر من أشد الصحابة تحريًا لاتباع السنة، والحجاج معروف بالفسق، وصلى أبو سعيد الخدري ﵁ خلف مروان بن الحكم (^٢)، وصلى خلفه - أيضًا - الحسن والحسين (^٣).\nوهذا القول هو الراجح، لقوة أدلته وصراحتها، ولأنها مؤيدة بالأصل، وهو أن كل من صحَّت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره، ولا دليل على التفريق بين صحة الصلاة وصحة الإمامة.\nوأما دليل الأولين فهو حديث الباب، وتقدم أنه ضعيف لا تقوم به حجة، لكن ينبغي أن يعلم أنه يجب على المسؤولين عن تعيين أئمة المساجد أن يختاروا للإمامة الأفضل دينًا وعلمًا وورعًا، وألا يكون هناك محاباة في هذا الأمر العظيم، وسيأتي - إن شاء الله - زيادة كلام عند الحديث (٤٢٧)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١٦٦٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٩٥٦)، ومسلم (٨٨٩).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٨٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩).","vol":"3","page":407},{"text":"<span data-type='title' id=toc-336>الأمر بتسوية الصفوف وكيفيتها</span>\n٤١٤/ ١٨ - عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالأَعْنَاقِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «تسوية الصفوف» (٦٦٧)، من طريق مسلم بن إبراهيم، والنسائي (٢/ ٩٢) من طريق أبي هشام المغيرة بن سلمة المخزومي، كلاهما عن أبان بن يزيد العطار، ثنا قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: … فذكره، وفي آخره: «فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خَلَلِ الصف كأنها الحَذَفُ».\nوأخرجه ابن حبان (٥/ ٥٣٩ - ٥٤٠) من طريق مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبان وشعبة، قالا: حدثنا قتادة، به، إلا أن عنده: «وحاذوا بالأكتاف» وفي آخره الزيادة المذكورة.\nوإسناده صحيح على شرط مسلم، ذكر ذلك النووي (^١).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (رصُّوا صفوفكم) أي: ضموا بعضها إلى بعضها، مثل لبنات الجدار حتى لا يكون بينكم فُرَج.\n_________\n(^١) \"رياض الصالحين\" ص (٣٨٤).","vol":"3","page":408},{"text":"قوله: (وقاربوا بينها) أي: بين الصفوف، بحيث يكون كل صف قريبًا مما قبله، ولم يرد في الشرع تحديد لذلك، كما سيأتي.\n\nقوله: (وحاذوا بالأعناق) أي: اجعلوا الأعناق على سَمْتٍ واحد، فلا يكون عنق أحدكم خارجًا عن محاذاة عنق الآخر، والأعناق: جمع عنق، وهي الرقبة.\n\nقوله: (إني لأرى الشيطان) أل فيه للجنس، والمراد: جنس الشيطان، فيصدق بالواحد والمتعدد، ولفظ النسائي: «إني لأرى الشياطين» وأنث الضمير في قوله: «كأنها» باعتبار الخبر، أو لأن المراد بالشيطان الجنس، وهو جمع في المعنى.\n\nقوله: (الحَذَفُ) - بحاء مهملة وذال معجمة مفتوحتين ـ، الغنم الصغار الحجازية، واحدها حَذَفَةٌ بالتحريك؛ كقصب وقصبة، وقيل: هي غنم صغار سود جُرْدٌ ليس لها أذناب، يؤتى بها من اليمن.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على الأمر بتسوية الصفوف وكيفية ذلك، وقد ورد في الأمر بتسوية الصفوف أحاديث كثيرة، منها: حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة»، وفي رواية للبخاري: «من إقامة الصلاة» (^١).\nوعن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لتسونَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم» (^٢).\nوعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: «أقيموا صفوفكم، فإني أراكم من وراء ظهري» وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه (^٣).\nوقد اختلف العلماء في حكم تسوية الصفوف على قولين:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٩٠)، ومسلم (٤٣٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٨٥)، ومسلم (٤٣٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٢٣)، ومسلم (٤٣٤).","vol":"3","page":409},{"text":"الأول: أنها سنة مؤكدة تقارب الواجب، وهذا قول الجمهور من السلف والخلف، واستدلوا بما تقدم من قوله: «فإن تسوية الصف من تمام الصلاة» أي: كمالها، وفوات الكمال لا يستلزم البطلان.\nالقول الثاني: أن تسوية الصفوف واجبة، وهو قول ابن حزم الظاهري (^١)، وظاهر كلام ابن تيمية (^٢)، وهو اختيار الصنعاني (^٣).\nواستدلوا بما تقدم من قوله: «فإن تسوية الصف من إقامة الصلاة»، قال ابن حزم: (تسوية الصف إذا كان من إقامة الصلاة فهو فرض؛ لأن إقامة الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو فرض) (^٤)، والقول بالوجوب هو الذي فهمه الحافظ ابن حجر من تبويب البخاري: «باب إثم من لا يتم الصفوف» حيث قال: (يحتمل أن يكون أخذ الوجوب من صيغة الأمر في قوله: «سووا صفوفكم»، ومن عموم قوله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ومن ورود الوعيد على تركه …) (^٥).\nثم إن الوعيد في حديث النعمان المتقدم يدل على الوجوب؛ لأن النبي ﷺ توعّد على ترك التسوية بأن يخالف الله بين قلوبهم، فتختلف وجهات نظرهم، ويحصل التفرق والاختلاف؛ لأن الجزاء من جنس العمل، ومعلوم أن مثل هذا الوعيد لا يكون إلا على ترك واجب.\n\nالوجه الرابع: تتحقق تسوية الصفوف بأمور ثلاثة مستفادة من عموم الأدلة في هذا الباب، وهي كما يلي:\n١ - إتمام الصف الأول فالأول، وسد الفرج بالتراص.\n٢ - استقامة الصف وتعديله بالمحاذاة والمساواة بين الأعناق والمناكب والأكعب، بحيث لا يتقدم عنق على عنق، ولا كعب على كعب، والكعب هو العظم الناتئ في مؤخر القدم.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٤/ ٥٢).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٣٢/ ٣٩٤).\n(^٣) \"سبل السلام\" (٣/ ١٠١).\n(^٤) \"المحلى\" (٤/ ٥٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠٩).","vol":"3","page":410},{"text":"وأما التسوية بالنظر إلى رؤوس أصابع القدمين فهذا لا أصل له؛ لأن الإنسان إنما يستقيم مع من بجانبه إذا ساوى منكبه منكبه، وكعبه كعبه، فتستوي بقية أجزاء البدن، أما المساواة بأطراف الأصابع فلا تمكن، لاختلاف الأقدام طولًا وقصرًا.\n٣ - التقارب بين الصفوف، وبين الصف الأول والإمام، ولم يرد في السنة تحديد لذلك، ولعل المراد - والله أعلم - أن يجعل بين كل صف وما يليه مقدار ما يمكن فيه السجود براحة وطمأنينة.\nوأما إلزاق القدم بالقدم - كما يفعله بعض الناس - فهذا فيه أذية للآخرين، وفيه اشتغال وإشغال، اشتغال بما لم يُشرع، وإكثار من الحركة، واهتمام بعد القيام من السجود لملء الفراغ، وفيه إشغال للجار بملاحقة قدمه، كما أن فيه توسيعًا للفُرج، ويظهر ذلك إذا هوى المأموم للسجود، كما أن فيه اقتطاعًا لمحل قدم غيره بغير حق (^١).\nولا دليل على ذلك في قول أنس ﵁ المتقدم: (وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه)، وقول النعمان بن بشير ﵁: (فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه) (^٢)؛ لأن المراد بذلك - كما يقول الحافظ (^٣) - المبالغة في تعديل الصف وسد الخلل والتراص، بدليل أن إلزاق الركبة بالركبة مستحيل، وإلزاق الكتف بالكتف فيه تكلف، وإلزاق الكعب بالكعب كذلك، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر كتابي: \"أحكام حضور المساجد\" ص (١٣٦)، ط. الثالثة.\n(^٢) علَّقه البخاري (٢/ ٢١١ \"فتح\").\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٢١١).","vol":"3","page":411},{"text":"<span data-type='title' id=toc-337>بيان الأفضل من صفوف الرجال والنساء</span>\n٤١٥/ ١٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة»، باب «تسوية الصفوف وإقامتها، وفضل الصف الأول فالأول …» (٤٤٠) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على فضل الصف الأول من صفوف الرجال لقوله: (خير صفوف الرجال أولها) أي: أكثرها أجرًا، وهو دليل على أنه ينبغي الحرص عليه، وذلك بالتبكير إلى المسجد والمبادرة لحضور الصلاة، ليحصل الصف الأول والدنو من الإمام.\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا …» الحديث (^١)، وتقدم حديث أبي سعيد: «تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم …».\nوالمراد بالصف الأول: هو ما يلي الإمام، سواء جاء صاحبه متقدمًا أو متأخرًا، إلا أن المتقدم قد حاز فضيلة التبكير.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٠)، ومسلم (٤٣٧).","vol":"3","page":412},{"text":"وفي الصف الأول مزايا عظيمة ينبغي للمسلم أن يهتم بها ويحرص عليها، ومن ذلك المسارعة إلى خلاص الذمة، والسبق إلى دخول المسجد، والقرب من الإمام، واستماع قراءته، والتعلم منه - ولا سيما إذا كان فقيهًا ـ، والفتح عليه، والسلامة من اختراق المارة بين يديه، وسلامة البال من رؤية من يكون قدامه، وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلين، إلى غير ذلك من المصالح (^١).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن شر صفوف الرجال آخرها، فهي أقلها ثوابًا، لبعدها عن الإمام، ولترك الفضيلة الحاصلة بالتقدم إلى الصف الأول، ولقربها من النساء، ويغلب على أهل الصفوف المتأخرة الكسل والتهاون في أداء الصلاة، كما يغلب عليهم فوات الصلاة أو شيء منها، فيكون طمع الشيطان فيهم أكثر.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن أفضل صفوف النساء وأكثرها ثوابًا آخرها؛ لبعدها عن الرجال، لئلا يحصل الاختلاط إذا كثرت الصفوف، ولئلا تسمع النساء كلام الرجال أو ترى حركاتهم، فيتعلق القلب بهم وتحصل الفتنة، ولأن مرتبتهن متأخرة عن مرتبة الرجال، فيكون آخر الصفوف أليق بهن، وأقل صفوف النساء ثوابًا أولها؛ لقربهن من الرجال.\nوظاهر الحديث أن التفضيل في حق صفوف النساء مطلق، سواء صلين مع الرجال في مكان واحد، أو صلين في مكان منفرد، كما هو الحال الآن، فخير صفوفهن آخرهن على الإطلاق.\nوقال آخرون: إن الحديث ليس على إطلاقه، وإنما هو حيث يكن مع الرجال كما عليه الحال قديمًا، وأما إذا صلين منفردات في مكان خاص فهن كالرجال، خير صفوفهن أولها، وشرها آخرها، وهؤلاء نظروا إلى علة الحكم، كما تقدم، فقالوا: إن العلة لا تتم إلا إذا كانت صلاتهن مع الرجال،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٠٨).","vol":"3","page":413},{"text":"وأما إذا صلين منفردات فلا تأتي هذه العلة، فتكون صفوفهن كصفوف الرجال، ذكر هذا الصنعاني (^١)، وسبقه إلى هذا القول النووي (^٢)، وهكذا من جاء بعده من الشراح، وبه أفتى الشيخ عبد العزيز بن باز (^٣).\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن النساء يقفن في الصلاة صفوفًا كالرجال، لا منفردات تصلي كل امرأة أو كل مجموعة وحدها، كما عليه كثير من النساء، بل عليهن أن يقفن صفوفًا، ويسوين صفوفهن، ويكملن الصف الأول فالأول، لعموم الأدلة في هذا الباب، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"سبل السلام\" (٣/ ١٠٥).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٤٠٣).\n(^٣) \"الفتاوى\" (١٢/ ١٩٦).","vol":"3","page":414},{"text":"<span data-type='title' id=toc-338>موقف المأموم الواحد</span>\n٤١٦/ ٢٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع كثيرة في «صحيحه»، وذلك في تسعة عشر موضعًا، ومنها في كتاب «الأذان»، باب «إذا قام الرجل عن يسار الإمام، وحوَّله الإمام خلفه إلى يمينه تمت صلاته» (٧٢٦)، ومسلم (٧٦٣) من طريق كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵄، به.\nوالحديث له طرق كثيرة عن ابن عباس في «الصحيحين» وغيرهما، مطولًا ومختصرًا، وقد اشتمل على فوائد كثيرة، وهي أكثر من خمسين مسألة فقهية، زيادة على الفوائد الحديثية والأصولية واللغوية، جمعتها في مؤلَّف - يسَّر الله إتمامه وطبعه ـ.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن موقف المأموم الواحد إذا كان ذكرًا عن يمين الإمام؛ لأن الرسول ﷺ أدار ابن عباس ﵄ من يساره، وجعله عن يمينه، ومثل ذلك حصل لجابر ﵁ (^١)، وفيه: (قام رسول الله ﷺ يصلي فقمت عن يساره فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر، فأخذ بأيدينا جميعًا فدفعنا حتى أقامنا خلفه) وهذا قول جمهور العلماء بل حُكي فيه الإجماع.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٠٠٦).","vol":"3","page":415},{"text":"وإذا وقف عن يمينه فإنه يقف مساويًا لإمامه فلا يتأخر عنه، كما يفعله بعض الناس؛ لأن قول ابن عباس: (وقفت إلى جنبه) ظاهره أنه مساوٍ له، وهو الذي فهمه البخاري (^١)، ومشى عليه الشراح؛ كابن رجب وابن حجر، وفي رواية عند أحمد (^٢): «ما شأني أجعلك حذائي فَتَخْنِسُ؟ …»، وفي حديث عائشة في صلاة النبي ﷺ بالصحابة في مرض موته: (فجلس رسول الله ﷺ حذاء أبي بكر، إلى جنبه) (^٣).\nفإن وقف المأموم عن يسار الإمام ركعة فأكثر، فقد اختلف العلماء في صحة صلاته على قولين:\nالأول: لا تصح صلاته، وهذا هو المشهور عن الإمام أحمد، وعليه جماهير أصحابه (^٤)، واستدلوا بما تقدم، قالوا: فلو كانت الصلاة صحيحة لأقر النبي ﷺ ابن عباس وجابرًا ﵄ على موقفهما، فيحمل على الوجوب، لا سيما وأنه يلزم منه المشي والعمل لغير حاجة، ومثل هذا لا يرتكب لمخالفة فضيلة.\nالقول الثاني: أن صلاته صحيحة مع الكراهة، وكون المأموم الواحد عن يمين الإمام إنما هو على سبيل الأفضلية، لا على سبيل الوجوب، وهذا مذهب الحنفية والمالكية والشافعية ورواية الإمام أحمد (^٥)، قال صاحب «الفروع»: (هي أظهر) (^٦)، وقال صاحب «الإنصاف»: (وهو الصواب) (^٧)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (… وحيث صحت الصلاة عن يسار الإمام كرهت إلا لعذر …) (^٨).\nقالوا: لأن النهي إنما ورد عن الفذية، وأما إدارة النبي ﷺ لابن عباس\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ١٩٠).\n(^٢) \"المسند\" (٥/ ١٧٨) وإسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(^٣) تقدم تخريجه عند الحديث (٤٠٩).\n(^٤) \"الإنصاف\" (٢/ ٢٨٢).\n(^٥) \"بدائع الصنائع\" (١/ ١٥٩)، \"الشرح الصغير\" (١/ ١٦٤)، \"المجموع\" (٤/ ٢٩٣).\n(^٦) \"الفروع\" (٢/ ٣٠).\n(^٧) \"الإنصاف\" (٢/ ٢٨٢).\n(^٨) \"الاختيارات\" ص (٧١).","vol":"3","page":416},{"text":"وجابر فإنه يدل على الأفضلية لا على الوجوب؛ لأنه فعل مجرد لم يقترن بقول، فإنه لم ينه عنه، بدليل أنه ﷺ لم يأمر ابن عباس باستئناف صلاته، فإنه كبر تكبيرة الإحرام عن يساره ﷺ ثم نقله عن يمينه، فدل على صحة صلاته.\nوهذا القول فيه وجاهة كما ترى، فالظاهر صحة صلاة من صلى يسار الإمام مع خلو يمينه مع الكراهة؛ لأنه ترك المقام المختار وهو يمين الإمام، والقول ببطلان صلاته يحتاج إلى دليل تطمئن إليه النفس.\nوقد ورد عن الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله أنه قال: (لو أن رجلًا جاهلًا صلى برجل فجعله يساره كان مخالفًا للسنة، وَرُدَّ إليها، وجازت صلاته) (^١).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على صحة نية الإمامة في أثناء الصلاة؛ لأنه ﷺ صلى منفردًا، ثم دخل معه ابن عباس، وهذا على الراجح من قولي أهل العلم في الفرض والنفل، وقد مضى الكلام على ذلك.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على جواز الجماعة في صلاة التطوع للمصلحة إذا لم يتخذ ذلك عادة راتبة، وقد مضى الكلام على ذلك - أيضًا ـ.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن الإمام إذا أدار المأموم الواقف عن يساره إلى يمينه من وراء ظهره لم تفسد صلاتهما، أما الإمام فلا تفسد صلاته بِمَدِّ يده له وتحويله من جانب إلى جانب، وأما المأموم فلا تفسد صلاته بمشيه من أحد جانبي الإمام إلى جانبه الآخر؛ لأن هذا عمل يسير، وقد جاء تفسير هذه الإدارة بأنها كانت من وراء ظهره - ﵊ - ففي رواية عند مسلم: (فأخذني من وراء ظهره)، وفي رواية: (فتناولني من خلف ظهره) (^٢)، وإنما أخذه من وراء ظهره لئلا يمر بين يديه، والمرور بين يدي المصلي منهي عنه، مع أنه لو أخذه من أمامه لكان أيسر وأسهل.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على حرص ابن عباس ﵄ على الفقه\n_________\n(^١) \"بدائع الفوائد\" (٣/ ٨٢).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٧٦٣).","vol":"3","page":417},{"text":"في الدين، حيث اغتنم فرصة الليلة التي يكون فيها النبي ﷺ عند خالته ميمونة ﵂ زوج النبي ﷺ، فبات عندها وحرص على القيام مع النبي ﷺ وعزم على السهر ليطلع على كيفية صلاة النبي ﷺ، ووصف صلاته وصفًا دقيقًا، لم يترك شيئًا مما فعله النبي ﷺ أو قاله تلك الليلة إلا نقله للأمة بأفصح عبارة وأتم بيان، كل ذلك وهو غلام لم يبلغ الحلم، فاستفاد ابن عباس في تلك الليلة فوائد عظيمة، لعل في مقدمتها أنه حظي بدعوة النبي ﷺ له تلك الليلة عندما وضع له وضوءه بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلّمه التأويل» (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المسند\" (٥/ ١٥٩ - ١٦٠).","vol":"3","page":418},{"text":"<span data-type='title' id=toc-339>موقف المأموم إذا كان أكثر من واحد</span>\n٤١٧/ ٢١ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع من «صحيحه»، منها: كتاب «الأذان»، باب «المرأة وحدها تكون صفًّا» (٧٢٧)، وفي باب «صلاة النساء خلف الرجال» (٨٧٠)، ومسلم (٦٥٨) من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس ﵁، قال: … فذكر الحديث.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن المأموم إذا كان أكثر من واحد فإن موقفه خلف الإمام، وهو قول الجمهور من أهل العلم.\nوتقدم في حديث جابر بن عبد الله ﵁ أنه لما صلى مع الرسول ﷺ ومعه جبار بن صخر أقامهما النبي ﷺ خلفه، فدل على أن موقف الاثنين وراء الإمام.\nوقد ورد في «صحيح مسلم» من طريق إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود أنهما دخلا على عبد الله بن مسعود، فقال: أَصَلَّى من خلفكم؟ قالا: نعم، فقام بينهما، وجعل أحدهما على يمينه والآخر عن شماله، ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا، ثم طبق بين يديه، ثم جعلهما بين فخذيه، فلما صلى قال: (هكذا فعل رسول الله ﷺ) (^١)، فهذا يدل على أن الاثنين يكونان عن يمين الإمام وشماله.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٥٣٤) (٢٨).","vol":"3","page":419},{"text":"وقد أجيب عن ذلك بأجوبة منها:\n١ - أن هذا منسوخ؛ لأن ابن مسعود ﵁ ذكر التطبيق، وقد نسخ بالمدينة، وحديث جابر وجبار ﵄ بالمدينة؛ لأن جابرًا إنما شهد المشاهد بعد بدر، وحديث أنس الذي معنا بالمدينة - أيضًا ـ، ذكر ذلك الحازمي (^١)، فيكون الناسخ قد خفي على ابن مسعود ﵁، وليس ببعيد، فإنه لم يكن من عادة النبي ﷺ إلا إمامة الجمع الكثير، أما إمامة اثنين فهذه نادرة، ولعل ابن مسعود لم يطلع عليه، فبقي على مقتضى علمه الأول.\n٢ - أن فعل ابن مسعود ﵁ كان لضيق المكان، ذكر ذلك الطحاوي عن محمد بن سيرين (^٢).\n٣ - أن فعل ابن مسعود محمول على الجواز، وما تقدم يدل على الأفضل (^٣).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن المرأة لا تقف مع الرجال، بل تكون خلفهم، قال ابن رشد: (لا خلاف في أن المرأة الواحدة تصلي خلف الإمام، وأنها إن كانت مع الرجل صلى الرجل إلى جانب الإمام والمرأة خلفه) (^٤).\nولا فرق في ذلك بين أن تكون المرأة من محارم الرجل كزوجته، أو ليست من محارمه إذا لم يكن خلوة، فإذا صلى الرجل بزوجته - مثلًا - فإنها تقف خلفه، لعموم الأدلة، فإن خالفت ووقفت في صف الرجل فصلاتها صحيحة، ولا تُبطل على أحد صلاته، على الأظهر من قولي أهل العلم؛ لأن الأصل صحة الصلاة، ولا يحكم بالبطلان إلا بدليل قوي سالم من الاحتمال، وحديث الباب لا يدل على البطلان، بل يدل على أنها تتأخر وأن هذا موقفها.\n_________\n(^١) \"الاعتبار\" ص (٢٠٦ - ٢٠٩).\n(^٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٠٧).\n(^٣) \"المغني\" (٣/ ٥٣).\n(^٤) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٣٦١ - ٣٦٢).","vol":"3","page":420},{"text":"الوجه الرابع: الحديث دليل على صحة مصافة البالغ للصبي، وأن من صلى بجانبه صبي فليس فذًّا، وهذا قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية (^١)، واختاره ابن عقيل الحنبلي، ذكر ذلك ابن اللحام، واختار هو ذلك حيث قال: (وما قاله أصوب) (^٢).\nووجه الدلالة: أن اليتيم - وهو من مات أبوه ولم يبلغ - وقف مع أنس ﵁ خلف النبي ﷺ، فدل على جواز ذلك، ولا فرق بين مصافته في صلاة الفرض أو النفل إلا بدليل.\nوتقدم حديث عمرو بن سلمة في صلاته بقومه وهو ابن ست أو سبع، فإنه إذا دل على جواز إمامة الصبي دل على جواز مصافته من باب أولى.\nوذهب أحمد في المنصوص عنه إلى أنه لا تصح مصافة الصبي في الفرض، لعدم صحة إمامته، ولأنه يخشى أن لا يكون متطهرًا فيكون البالغ فذًّا، وتصح مصافته في النفل، لهذا الحديث فإن هذه الصلاة كانت نفلًا (^٣).\nوالقول الأول أرجح لقوة دليله، وما صح في الفرض صح في النفل، وأما التعليل بعدم صحة إمامته فهو مردود من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن الراجح صحة إمامته، كما تقدم، فيكون الأصل المقيس عليه غير صحيح.\nالثاني: أن المصافة ليست كالإمامة؛ لأن الإمامة أعظم من المصافة، فلا يصح القياس لاختلاف العلة.\nالثالث: أن هذا تعليل في مقابلة نص، وهو حديث الباب.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على جواز الجماعة في صلاة التطوع للمصلحة، وقد مضى بيان ذلك.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على عناية الإسلام بمنع اختلاط المرأة بالرجل حتى في العبادات، فجعلها تقف وحدها ولا تقف مع الرجل، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"البحر الرائق\" (١/ ٣٧٤)، \"المهذب\" (١/ ١٠٦)، \"حاشية الخرشي\" (٢/ ٤٥).\n(^٢) \"القواعد\" لابن اللحام ص (٢٠).\n(^٣) \"الإنصاف\" (٢/ ٢٨٧).","vol":"3","page":421},{"text":"<span data-type='title' id=toc-340>حكم صلاة المنفرد خلف الصف</span>\n٤١٨/ ٢٢ - عَنْ أَبِي بكْرَةَ ﵁ أنَّهُ انْتَهى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\nوَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِيهِ: «فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشى إِلَى الصَّفِّ».\n٤١٩/ ٢٣ - عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n٤٢٠/ ٢٤ - وَلَهُ عَنْ طَلْقٍ: «لَا صَلَاةَ لمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ».\n٤٢١/ ٢٥ - وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَابِصَةَ: «أَلَا دَخَلْتَ مَعَهُمْ أَوِ اجْتَرَرْتَ رَجُلًا؟».\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو وابصة - بفتح الواو وكسر الباء - ابن معبد - بفتح الميم والباء على ما ذكره الأكثرون - ابن مالك من بني أسد بن خزيمة، وفد على النبي ﷺ سنة تسع في عشرة رهط من قومه فأسلموا، ورجع إلى بلاده، ثم نزل الجزيرة، وسكن الرَّقة (^١)، ومات بها، كان قارئًا كثير البكاء لا يملك دمعته، وروى عنه\n_________\n(^١) مدينة مشهورة على الفرات من الجانب الشرقي \"معجم البلدان\" (٣/ ٥٨).","vol":"3","page":422},{"text":"ابناه عمرو وسالم، وعمرو بن راشد، وزياد بن أبي الجعد وغيرهم (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجها:\nأما حديث أبي بكرة، فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «إذا ركع دون الصف» (٧٨٣) من طريق زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة ﵁، به مرفوعًا.\nوقد أعلَّ هذا الحديث بأن الحسن - وهو البصري - عنعنه، وهو لم يسمع من أبي بكرة، على ما قاله يحيى بن معين، والدارقطني، وعزاه ابن رجب إلى الإمام أحمد والأكثرين من المتقدمين (^٢)؛ لأنه أدخل بينه وبين أبي بكرة الأحنف بن قيس في حديث: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما».\nوأجيب عن ذلك بجوابين:\nالأول: أن البخاري لما روى حديث قصة الحسن بن علي مع معاوية في سَنَةِ الجماعة نقل عن شيخه علي بن المديني أنه قال: (إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث) (^٣)، وإدخال البخاري حديثه عنه في «صحيحه» في هذا الباب وفي غيره يدل على ذلك، وإدخال الأحنف بن قيس غير مطرد (^٤).\nالثاني: أن الحسن صرَّح بالتحديث في ظاهر الإسناد كما في رواية أبي داود (٦٨٣)، والنسائي (٢/ ١١٨).\nوأما زيادة أبي داود التي ذكر الحافظ فهي بالطريق المذكور (٦٨٤) وفيه - أيضًا ـ: (فلما قضى النبي ﷺ صلاته قال: «أيكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف؟» فقال أبو بكرة: أنا …) الحديث.\nوأما الحديث الثاني، وهو حديث وابصة، فقد أخرجه أحمد (٢٩/ ٥٢٤)،\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١١/ ٤٦)، \"الإصابة\" (١٠/ ٢٨٩)، \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٨٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٤٣٢)، (٧/ ١٠٨).\n(^٣) انظر: الحديث (٢٧٠٤)، \"فتح الباري\" (٥/ ٣٠٧)\n(^٤) راجع: \"روايات المدلسين في صحيح البخاري\" ص (١٤٤).","vol":"3","page":423},{"text":"وأبو داود (٦٨٢)، والترمذي (٢٣٠)، وابن حبان (٥/ ٥٧٥ - ٥٧٧) من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة، به.\nوهذا الحديث حسّنه الترمذي، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٣٧٨)، والحديث رجاله ثقات، غير عمرو بن راشد، فهو مجهول العدالة، ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا (^١)، وقال الذهبي في «الكاشف»: (ثقة)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٢)، وقد توبع في روايته، فقد تابعه زياد بن أبي الجعد، فرواه عن وابصة عند أحمد (٢٩/ ٥٢٩)، وابن حبان (٥/ ٥٧٧).\nورجاله ثقات غير زياد بن أبي الجعد الغطفاني، فقد روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٣).\nوقد جعل بعضهم هذا الاختلاف اضطرابًا في الحديث يوجب التوقف، ومنهم الشافعي (^٤)، والبزار كما نقله عنه الزيلعي (^٥)، وابن عبد البر (^٦).\nوالذي يظهر - والله أعلم - أن الروايتين محفوظتان، وأن هلال بن يساف سمع الحديث على الوجهين، مرة من عمرو بن راشد، ومرة من قراءة زياد بن أبي الجعد على وابصة، وهذا رأي ابن حبان حيث يقول: (سمع هذا الخبر هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة بن معبد، وسمعه من زياد بن أبي الجعد عن وابصة، والطريقان محفوظان) (^٧)، وهكذا قال ابن حزم (^٨).\nبينما رجح أبو حاتم والإمام أحمد الطريق الأول، فقال ابن أبي حاتم: (قلت لأبي: أيهما أشبه؟ قال: عمرو بن مرة أحفظ) (^٩)، ونقل الدارمي\nعن\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٣٣٠)، \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٣٢).\n(^٢) (٥/ ١٧٥).\n(^٣) (٤/ ٢٥٣).\n(^٤) \"المعرفة\" للبيهقي (٤/ ١٨٣).\n(^٥) \"نصب الراية\" (٢/ ٣٨).\n(^٦) \"التمهيد\" (١/ ٢٦٩).\n(^٧) \"الإحسان\" (٥/ ٥٧٨).\n(^٨) \"المحلى\" (٤/ ٥٣).\n(^٩) \"العلل\" (١/ ١٠٠).","vol":"3","page":424},{"text":"الإمام أحمد أنه كان يثبت حديث عمرو بن مرة، ثم قال: (وأنا أذهب إلى حديث يزيد بن زياد بن أبي الجعد) (^١).\nوأما الحديث الثالث وهو حديث طلق بن علي، فهذا وَهْمٌ من الحافظ وإنما هو حديث علي بن شيبان، فقد أخرجه ابن ماجه (١٠٠٣)، وابن حبان (٥/ ٥٧٩) من طريق ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، قال: حدثني عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه، علي بن شيبان، قال: قدمنا على رسول الله ﷺ فصلينا خلف رسول الله ﷺ، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته إذا رجل فرد، فوقف عليه نبي الله ﷺ حتى قضى صلاته، ثم قال له نبي الله ﷺ: «استقبل صلاتك، فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف».\nقال البوصيري: (إسناده صحيح ورجاله ثقات) (^٢)، ولعل الحافظ ذكره لأنه شاهد قوي لحديث وابصة.\nوأما حديث وابصة عند الطبراني في «الكبير» (٢٢/ ١٤٥ - ١٤٦) فهو من طريق السَّرِيِّ بن إسماعيل، عن الشعبي، عن وابصة قال: رأى رسول الله ﷺ رجلًا يصلي خلف الصفوف وحده، فقال: «أيها المصلي وحده، ألا تكون وصلت صفًا فدخلت معهم، أو اجتررت رجلًا إليك إن ضاق بك المكان، أعد صلاتك، فإنه لا صلاة لك».\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا؛ لأنه فيه السري بن إسماعيل، قال عنه الحافظ في «التقريب»: (متروك)، وقد تفرّد بهذ الزيادة: «أو اجتررت رجلًا إليك» فتكون زيادة منكرة.\nقال ابن عدي: (أحاديثه التي يرويها لا يتابعه أحد عليها، وخاصة عن الشعبي، فإن أحاديثه عنه منكرات، لا يرويها عن الشعبي غيره، وهو إلى الضعف أقرب) (^٣)، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: (ترك الناس حديثه)، وقال يحيى بن سعيد: (استبان لي كذبه في مجلس)، وعلى هذا فمثله لا يحتج بحديثه.\n_________\n(^١) \"سنن الدارمي\" (١/ ٢٣٧)، وقوله: (يزيد بن زياد …) هكذا أُثبت في \"السنن\".\n(^٢) \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٣٣٩).\n(^٣) \"الكامل\" (٣/ ٤٥٩).","vol":"3","page":425},{"text":"الوجه الثالث: استدل بحديث أبي بكرة من قال بصحة صلاة المنفرد خلف الصف، وهم الجمهور - كما حكاه عنهم ابن رشد (^١) ـ، ووجه الدلالة من قوله في رواية أبي داود: (فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف) فإنه يدل على أن أبا بكرة ركع خلف الصف فأتى بجزء من الصلاة خلف الصف، ولم يأمره النبي ﷺ بإعادة الصلاة وإنما أرشده في المستقبل إلى ما هو أفضل، بقوله: «ولا تَعُدْ» وهو بفتح التاء وضم العين على المشهور، نهي عن العود إلى ما فعل - كما سيأتي ـ، وأجابوا عن حديث وابصة بأنه مضطرب، كما تقدم، فحديث أبي بكرة مقدم عليه.\nوالقول الثاني في المسألة: أن صلاة المنفرد خلف الصف باطلة، وهذا مذهب الإمام أحمد، ورواية عن الإمام مالك (^٢)، وبه قال جمع من الفقهاء والمحدثين، ذكرهم ابن رجب (^٣).\nواستدلوا بحديث وابصة، فإن الرسول ﷺ أمر من صلى خلف الصف وحده بالإعادة، ويشهد له حديث علي بن شيبان: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف».\nوأجابوا عن حديث أبي بكرة بأنه لا دليل فيه على صحة صلاة المنفرد خلف الصف؛ لأنه ليس فيه أنه صلى منفردًا خلف الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به ما يكون به مدركًا للركعة، فهذا بمنزلة أن يقف وحده، ثم يجيء آخر فيصافه، فإن هذا جائز باتفاق الأئمة، ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤).\nوالقول الثالث: التفصيل، وهو أنه إن وجد محلاًّ في الصف فصلى وحده خلف الصف لم تصح صلاته، ومن اجتهد ولم يجد مكانًا جاز له أن يقف وحده، وبه قال الحسن البصري، كما رواه عنه ابن أبي شيبة (^٥)، وابن قدامة (^٦)، ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٧)، وابن القيم (^٨).\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (١/ ٣٦٢).\n(^٢) \"الإفصاح\" (١/ ٥٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ١٢٠).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٢٣/ ٣٩٧).\n(^٥) \"المصنف\" (٢/ ١٩٣).\n(^٦) \"المغني\" (٣/ ٥٦).\n(^٧) \"الفتاوى\" (٢٣/ ٣٩٧).\n(^٨) \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٢١ - ٢٢).","vol":"3","page":426},{"text":"وهذا القول هو المختار في هذه المسألة لما يلي:\nالأول: أن فيه جمعًا بين الأدلة، فيحمل حديث: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» على ما إذا قَصَّرَ في سد الفرجة والانضمام إلى الصف، وأما إذا لم يجد فرجة فتصح صلاته؛ لأنه ليس بمقصر.\nالثاني: أن العلماء مجمعون على أن واجبات الصلاة وأركانها تسقط عند عدم القدرة، فلا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة، ولا ريب أن العجز عن المصافة عذر.\nالثالث: أن عمومات الشريعة تؤيد ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (^١).\nواعلم أن ضابط الانفراد هو ما إذا رفع الإمام رأسه من الركوع ولم يدخل معه أحد، فإن دخل معه أحد قبل أن يرفع الإمام رأسه أو حصل له مكان في الصف فدخل فيه قبل ذلك زالت فذيِّته، وصحت صلاته.\nوالأظهر أن النهي في حديث أبي بكرة في قوله: «ولا تعد» راجع إلى الإسراع والسعي الشديد، وكذا الركوع دون الصف، ويؤيد الأول الحديث الآتي في النهي عن الإسراع في المجيء إلى الصلاة، ويؤيد الثاني قوله: «أيكم الذي ركع دون الصف»، فإن ظاهر ذلك أن النهي متوجه إلى هذه الجملة، وهذا قول جماعة من أهل العلم منهم الطحاوي (^٢)، ويؤيده حديث أبي هريرة: «إذا دخلت والإمام راكع فلا تركع حتى تأخذ مصافك من الصف» (^٣)، وأجاز آخرون الركوع دون الصف إذا أدرك الإمام راكعًا، وهو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧).\n(^٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٩٥).\n(^٣) أخرجه الطحاوي، وروي مرفوعًا، ووقفه أصح، ذكر ذلك ابن رجب (٧/ ١١٩)، وذكر أن أحمد احتج به.","vol":"3","page":427},{"text":"رواية عن أحمد، لفعل بعض الصحابة ﵃ قالوا: والحديث نهي عن الإسراع، لا عن الركوع دون الصف، والأول أحوط.\n\nالوجه الرابع: دلت رواية الطبراني في حديث وابصة: «أو اجتررت رجلًا» على جواز جذب الرجل من الصف ليقف معه، والصواب عدم جواز ذلك، والحديث منكر بهذه الزيادة - كما تقدم - وذلك لما يلي:\n١ - أن الجذب يفضي إلى إيجاد فرجة في الصف، والمطلوب سَدُّ الفرج.\n٢ - أن الجذب تصرف في المجذوب، وتشويش عليه، وتفويت لفضيلة الصف الأول وكونه خلف الإمام؛ لأن الغالب في الجذب أن يكون لمن هو خلف الإمام.\n٣ - أن الجذب فيه تأثير على أكثر المصلين؛ لأن الصف سيتحرك لسد هذه الفرجة التي فتحت فيه، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":428},{"text":"<span data-type='title' id=toc-341>آداب المشي إلى الصلاة</span>\n٤٢٢/ ٢٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُم الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار» (٦٣٦)، ومسلم (٦٠٢) من طريق الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: … فذكره.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا سمعتم الإقامة) أي: إقامة الصلاة، وإنما ذكرت الإقامة تنبيهًا على ما سواها؛ لأنه إذا نُهي عن إتيان الصلاة مسرعًا في حال الإقامة مع خوف فوات بعضها فما قبل الإقامة أولى، وحكمة التقييد بالإقامة أنه إذا أسرع وقت الإقامة فإنه يدخل الصلاة ثائر النَّفَسِ، فلا يحصل له تمام الخشوع في قراءته، وقال آخرون: إن هذا القيد لإخراج ما قبل الإقامة، فلا مانع من الإسراع فيه، والأول وجيه جدًّا، كما سيأتي.\n\nقوله: (وعليكم السكينة والوقار) في رواية البخاري: «بالسكينة» وبدون الباء يجوز رفعها على أنها مبتدأ مؤخر، والجار والمجرور خبر مقدم.","vol":"3","page":429},{"text":"ويجوز نصبها على الإغراء، كما ذكر القرطبي (^١)، ولم يتضح لي وجه الإغراء، والظاهر أنه من باب اسم الفعل؛ كقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فيكون منصوبًا باسم الفعل قبله؛ أي: الزموا السكينة.\nوالسكينة والوقار اسمان لمسمى واحد، فيكون ذكر الوقار من باب التأكيد، وقيل: بينهما فرق، فالسكينة: التأني في الحركات واجتناب العبث بيد أو رجل، والوقار: في الهيئة؛ كغض البصر، وخفض الصوت، وعدم الالتفات.\n\nقوله: (ولا تسرعوا) زيادة تأكيد، ولا منافاة بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] الذي قد يشعر بالإسراع؛ لأن المراد بالسعي في الآية المضيُّ والذهاب، يقال: سعيت إلى كذا؛ أي: ذهبت إليه.\n\nقوله: (فما أدركتم فصلوا) الفاء واقعة في جواب شرط مقدر؛ أي: إذا بينت لكم ما هو أولى بكم فما أدركتم فصلوا.\n\nقوله: (وما فاتكم فأتموا) أي: أكملوا، وفي رواية: «فاقضوا» وذكر الحافظ أن أكثر الروايات بلفظ: «فأتموا» (^٢)، واللفظان بمعنى واحد؛ لأن القضاء هو الإتمام في عُرف الشرع، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠].\nوأما تخصيص القضاء بمعنى: فعل شيء فات ومضى، فهو اصطلاح للفقهاء، وسيأتي ما يترتب على ذلك من الأحكام.\n\nالوجه الثالث: الحديث بيان لأدب الحضور لأداء الصلاة، وهو أن المصلي يمشي إليها بسكينة ووقار، فما أدركه صلاَّه مع الإمام، وما فاته أتمه وقضاه، وبهذه الهيئة يحقق لنفسه ثلاث فوائد:\nالأولى: الراحة والطمأنينة، فيدخل الصلاة هادئًا مرتاحًا، فيحصل له الخشوع والتدبر.\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٢/ ٢٢٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ١١٨ - ١١٩).","vol":"3","page":430},{"text":"الثانية: امتثال قول النبي ﷺ: «فإن أحدكم إذا كان يَعْمِدُ إلى الصلاة فهو في صلاة» (^١)، والمعنى: أنه في حكم المصلي، فينبغي له اعتماد ما ينبغي للمصلي اعتماده، واجتناب ما ينبغي للمصلي اجتنابه.\nالثالثة: كثرة الخُطا إلى المساجد، وهذا لا يتأتّى مع السرعة، وتكثير الخطا مقصود لذاته، ورد فيه أحاديث؛ كقوله ﷺ: «إن لكم بكل خطوة درجة» (^٢).\nواعلم أن الأحاديث التي فيها الأمر بالمشي والنهي عن الإسراع عامة في جميع الأحوال، لا فرق بين أن يخاف فوات تكبيرة الإحرام أو فوات ركعة أو فوات الجماعة بالكلية، أو لا يخاف شيئًا من ذلك، كما أنه لا فرق بين الجمعة وغيرها؛ لأن النصوص عامة لم تستثن حالة واحدة، ولا يجوز التخصيص إلا بدليل، وهذا قول جماعة من الصحابة ﵃، وهو قول لأحمد، وهو قول الثوري وعطاء، وابن المنذر، وحكاه ابن عبد البر عن جمهور العلماء (^٣).\nوأجاز بعض العلماء الإسراع الذي لا ينافي الوقار لمن خاف فوات تكبيرة الإحرام أو فوات الركعة، لأن بعض الصحابة ﵃ أسرعوا لإدراك التكبيرة الأولى، وهم أعلم من غيرهم بمعنى ما سمعوا من نبيهم ﷺ، وهذا رواية عن أحمد (^٤)، وقد نقل إسحاق بن منصور عن إسحاق بن راهويه أنه قال: (إن خاف فوت التكبيرة الأولى فلا بأس أن يسرع في المشي) (^٥).\n\nالوجه الرابع: استدل بالحديث من قال بمشروعية الدخول مع الإمام ولو لم يدرك إلا قليلًا من الصلاة؛ كإدراكه في التشهد، لقوله: «فما أدركتم فصلوا» إلا أن القول بالتفصيل أولى على ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٦)،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٠٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٦٦٤).\n(^٣) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ٢٥٨) \"الأوسط\" (٤/ ١٤٦) \"التمهيد\" (٢٠/ ٢٣٣) \"فتح الباري\" لابن رجب (٥/ ٣٩٣).\n(^٤) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ٢٥٧) \"الأوسط\" (٤/ ١٤٦) \"المغني\" (٢/ ١١٦ - ١١٧).\n(^٥) \"مسائل أحمد وإسحاق\" (٢/ ٦٠٠ - ٦٠١)، \"جامع الترمذي\" (٢/ ١٤٩)، وانظر: \"شرح العمدة\" لابن تيمية (٢/ ٥٩٦) \"فتح الباري\" لابن رجب (٥/ ٢٩٤).\n(^٦) \"الفتاوى\" (٢٣/ ٢٥٧).","vol":"3","page":431},{"text":"وهو أن يقال: إن كان يرجو وجود جماعة - كما في المساجد التي على الطرق - لم يدخل مع الإمام؛ لأن صلاته تامة مع جماعة أفضل، وكذا لو طمع في إدراك ركعة من الصلاة في مسجد آخر، وإن كان لا يرجو دخل معه، أخذًا بظاهر هذا الحديث.\n\nالوجه الخامس: استدل بالحديث من قال: إن الجماعة تدرك بإدراك جزء من الصلاة، فمن كبر قبل سلام الإمام فقد أدرك الجماعة؛ لقوله: «فما أدركتم فصلوا»، ومن أدرك الإمام ساجدًا أو جالسًا في التشهد الأخير يسمى مدركًا، فَيُتِمُّ ما فاته، ويكون مدركًا للجماعة، وهذا قول الحنفية، والشافعية، وهي الرواية المشهورة عن أحمد، اختارها أكثر الأصحاب (^١).\nوالقول الثاني: أن الجماعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة فأكثر، وهو قول المالكية، ورواية عن أحمد، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢).\nواستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (^٣).\nفهذا نص صريح يدل بمنطوقه على أن من أدرك ركعة من صلاة الإمام فقد أدرك صلاة الجماعة؛ لأنه عام في جميع صور إدراك الركعة من الصلاة، سواء كان إدراك جماعة أم إدراك وقت.\nويدل بمفهومه على أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة، سواء كان إدراك جماعة أم إدراك وقت.\nوهذا القول هو الراجح لقوة دليله، ويؤيده أمران:\nالأول: أنه لا يعرف في نصوص الشرع تعليق الإدراك بالتكبير قبل سلام الإمام لا في الوقت ولا في الجمعة ولا في الجماعة، فهو وصف مُلغى في نظر الشرع، فلا يجوز بناء الحكم عليه.\n_________\n(^١) \"حاشية ابن عابدين\" (٢/ ٥٩)، \"المجموع\" (٤/ ٢١٩)، \"الإنصاف\" (٢/ ٢٢١).\n(^٢) \"مختصر خليل\" ص (٣٤ - ٣٥)، \"الإنصاف\" (٢/ ٢٢٢)، \"الفتاوى\" (٢٣/ ٣٣١).\n(^٣) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":432},{"text":"الثاني: أن ما دون الركعة لا يعتد به في الصلاة؛ لأن المأموم يستقبل جميع صلاته منفردًا، فلم يدرك مع إمامه شيئًا يحتسب له به.\nوأما استدلال أصحاب القول الأول بحديث أبي هريرة: «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» فهو من باب المفهوم، وحديث الإدراك من باب المنطوق، ودلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم.\n\nالوجه السادس: اختلف العلماء فيما يدركه المأموم مع الإمام هل هو أول صلاته أو آخرها؟ قولان:\nالأول: أن ما يدركه المأموم هو أول صلاته، وما يقضيه هو آخرها، وهو مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، ذكرهم ابن المنذر (^١)، وهذا قول الشافعي، ورواية عن مالك، ورواية عن الإمام أحمد (^٢)، واستدلوا بقوله: «وما فاتكم فأتموا» وهي رواية الأكثرين، قالوا: والتمام هو الآخر، قالوا: ولا ينافي ذلك رواية: «وما فاتكم فاقضوا»؛ لأن القضاء هنا يراد به الإتمام، فالروايتان متفقتان، ورجح هذا ابن المنذر وابن حجر (^٣).\nالقول الثاني: أن ما يدركه المأموم هو آخر صلاته، وما يقضيه هو أولها، وهذا هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن مالك، وهو المذهب عند الحنابلة (^٤).\nواستدلوا برواية: «وما فاتكم فاقضوا» قالوا: والقضاء لا يكون إلا لشيء قد فات، وقد فاته أول الصلاة، فيأتي به قضاء.\nوبهذا يتبين أن سبب الخلاف اختلاف روايات الحديث، وتفسير القضاء بالمعنى الفقهي.\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (٤/ ٢٣٨).\n(^٢) \"المجموع\" (٤/ ٢٢٠)، \"المدونة\" (١/ ٩٧)، \"التمهيد\" (٢٠/ ٢٣٤)، \"الإنصاف\" (٢/ ٢٢٥).\n(^٣) \"الأوسط\" (٤/ ٢٤٠)، \"فتح الباري\" (٢/ ١١٩).\n(^٤) \"حاشية ابن عابدين\" (١/ ٦٢٢)، \"التمهيد\" (٢٠/ ٢٣٤)، \"الإنصاف\" (٢/ ٢٢٥).","vol":"3","page":433},{"text":"والراجح هو القول الأول، لما تقدم من أن الإتمام والقضاء بمعنى واحد، لا سيما وأن مخرج الحديث واحد، وقد أمكن رد الاختلاف في الروايات إلى معنى واحد (^١)، وعلى هذا يترتب فوائد منها:\n١ - إذا أدرك من المغرب أو العشاء ركعتين صلى الباقي سرًّا؛ لأن ما يقضيه هو آخر صلاته.\n٢ - إذا أدرك ركعة من جهرية وقام يقضي ما فاته أتى بالثانية جهرًا خفيفًا لا يؤذي من حوله، ثم يصلي الباقي سرًّا.\n٣ - إذا أدرك ركعة ثم قام يأتي بالثانية قرأ الفاتحة وسورة، ثم يصلي الباقيتين بالفاتحة فقط.\n٤ - إذا أدرك مع الإمام ركعة من الثلاثية أو الرباعية جلس للتشهد الأول بعد أول ركعة يقضيها (^٢).\n\nالوجه السابع: عموم الحديث يدل على أن ما يدركه المأموم من صلاة الجنازة هو أول صلاته، وما يقضيه هو آخرها، وسأذكر ذلك في كتاب «الجنائز» إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ١١٩).\n(^٢) انظر: \"القواعد لابن رجب\" (٣/ ٢٧٠).","vol":"3","page":434},{"text":"<span data-type='title' id=toc-342>فضل كثرة الجماعة</span>\n٤٢٣/ ٢٧ - عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ ﷿». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «فضل الجماعة» (٥٥٤)، والنسائي (٢/ ١٠٤ - ١٠٥)، وأحمد (٣٥/ ١٨٨، ١٩٢)، وابن حبان (٥/ ٤٠٥) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق السبيعي، أنه أخبرهم عن عبد الله بن أبي بصير، عن أبيه، قال شعبة: وقال أبو إسحاق: وقد سمعته منه ومن أبيه، قال: سمعت أُبي بن كعب يقول: صلى رسول الله - ﷺ - يومًا صلاة الصبح فقال: «أَشَهِدَ فلان الصلاة؟»، قالوا: لا، قال: «ففلان؟»، قالوا: لا، قال: «إن هاتين الصلاتين من أثقل الصلاة على المنافقين، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، والصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو تعلمون فضيلته لابتدرتموه، وصلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده …» الحديث، وهذا السياق للنسائي سندًا ومتنًا، وفيه أن أبا إسحاق صرح بأنه سمع الحديث من عبد الله بن أبي بصير ومن أبيه، ورواية أبي داود وإحدى روايات أحمد ليس فيها (ومن أبيه).\nوهذا سند حسن، رجاله ثقات، إلا عبد الله بن أبي بصير العبدي الكوفي، فقد تفرد بالرواية عنه أبو إسحاق السبيعي، ولم يوثقه غير ابن","vol":"3","page":435},{"text":"حبان (^١)، والعجلي (^٢)، لذا وصفه بعضهم بالجهالة، وقد رواه أبو إسحاق عن أبي بصير، كما في رواية النسائي ورواية عند أحمد (^٣) وغيرهما، وأبو بصير روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٤).\nوالحديث صححه ابن حبان كما قال الحافظ هنا، وصححه ابن خزيمة (^٥)، ونقل الحافظ تصحيحه عن ابن السكن والعقيلي والحاكم (^٦)، وقال النووي: (أشار علي بن المديني والبيهقي وغيرهما إلى صحته) (^٧)، ومثل هذا كافٍ في رفع الجهالة عن عبد الله بن أبي بصير.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على فضل كثرة الجماعة، وأن هذا أمر محبوب لله تعالى، لما فيه من المصالح العظيمة من تكثير سواد المسلمين في بيوت الله وتعاونهم وتعارفهم، وبعدهم عن التفرق والاختلاف، لا سيما أهل الحي الواحد.\nولهذا ينبغي عدم تعدد المساجد مهما أمكن؛ لأن تعددها يفضي إلى قلة الجماعة وتفرقهم، وانتحال الأعذار للكسالى والمتخلفين، وإذا صلى أهل الحي في مسجد واحد فهو أفضل وأكمل، لما في ذلك من المصالح، فإن دعت الحاجة إلى تعدد المساجد فلا بأس.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب تحري المسجد الذي هو أكثر جماعة، وأنه أفضل من المسجد الذي هو أقل جماعة، ما لم يكن في حضور المسجد الأقل جماعة مصالح كأن يُقتدى به، أو أنه يذكِّرهم أو أنه يفيدهم، ونحو ذلك، وقد نص الفقهاء - ﵏ - على ذلك، لكنهم ذكروا - أيضًا - أن المسجد العتيق أفضل من الجديد إذا تساويا في الكثرة؛\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٥/ ١٥).\n(^٢) \"تاريخ الثقات\" ص (٢٥١).\n(^٣) \"المسند\" (٣٥/ ١٩٤).\n(^٤) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٢٦).\n(^٥) \"صحيح ابن خزيمة\" (٢/ ٣٦٦).\n(^٦) \"التلخيص\" (٢/ ٢٧)، والنقل عن العقيلي يحتاج إلى تأمل، انظر: \"الضعفاء\" (٢/ ١١٦).\n(^٧) \"الخلاصة\" (٢/ ٦٥٠).","vol":"3","page":436},{"text":"لأن العبادة في العتيق أكثر وأقدم، وهذا لا دليل عليه، وإنما هو من المسائل الاجتهادية.\n\nالوجه الرابع: استدل بالحديث من قال بجواز إقامة جماعة ثانية لمن فاتتهم الجماعة الأولى في مسجد له إمام راتب، وأن هذا أولى من تفرقهم وصلاة كل إنسان وحده، فإن الحديث دل بعمومه على أن من صلى مع رجل فهو أفضل وأكثر ثوابًا من صلاته وحده، فيدخل في ذلك إقامة جماعة ثانية لمن فاتتهم الجماعة مع الإمام الراتب، وهذا هو الراجح في هذه المسألة، ولها أدلة أخرى (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر كتابي: \"أحكام حضور المساجد\".","vol":"3","page":437},{"text":"<span data-type='title' id=toc-343>حكم إمامة المرأة للنساء</span>\n٤٢٤/ ٢٨ - عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْل دَارِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهي أم ورقة - بفتح الأحرف الثلاثة - بنت عبد الله بن الحارث بن عويمر بن نوفل الأنصارية، ويقال: أم ورقة بنت نوفل، نسبة إلى جدها الأعلى، مشهورة بكنيتها، كان النبي ﷺ يزورها، ويسميها الشهيدة، وكانت قد قرأت القرآن، وقد روى أبو داود حديثها بطوله، وفيه شيء عن حياتها وعن سبب وفاتها ﵂ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «إمامة النساء» (٥٩١) من طريق وكيع بن الجراح، ثنا الوليد بن عبد الله بن جُميع، قال: حدثتني جدتي وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري، عن أم ورقة بنت نوفل .. وساق حديثها بطوله.\nوأخرجه - أيضًا - (٥٩٢) من طريق محمد بن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن عبد الرحمن بن خلاد، عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث .. وساق حديثها مختصرًا، وفيه الجملة المذكورة في «البلوغ».\nوأخرجه ابن خزيمة (٣/ ٨٩) من طريق عبد الله بن داود، عن الوليد بن\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٣/ ٣٠٧)، \"الإصابة\" (١٣/ ٣٠٤).","vol":"3","page":438},{"text":"جميع، عن ليلى بنت مالك، عن أبيها وعن عبد الرحمن بن خلاد، عن أم ورقة، به.\nوهذا السند فيه مقال، الوليد بن جميع متكلَّم فيه، قال المنذري: (فيه مقال، وقد أخرج له مسلم) (^١)، والحق أنه حسن الحديث، قال أحمد وأبو زرعة وأبو داود: (لا بأس به)، ووثقه ابن معين والعجلي وابن سعد (^٢)، قال الحاكم: (قد احتج مسلم بالوليد بن جميع، وهذه سنة غريبة، لا أعرف في الباب حديثًا مسندًا غير هذا …) (^٣)، وسكت عنه الذهبي، وقال عنه الحافظ في «التقريب»: (صدوق يهم) لكنه قد تفرد به عن شيخيه: ليلى بنت مالك، وعبد الرحمن بن خلاد.\nوعبد الرحمن بن خلاد مجهول الحال، كما قال ابن القطان (^٤)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٥)، وكذا جدة الوليد: ليلى بنت مالك فهي لا تعرف، كما قال ابن القطان أيضًا، ثم إنه لم يثبت سماع ابن خلاد من أم ورقة (^٦).\nوالحديث حسّنه الألباني (^٧)، ونقل الحافظ هنا تصحيحه عن ابن خزيمة، وأقره، مع أنه قال: (وفي إسناده عبد الرحمن بن خلاد، وفيه جهالة) (^٨)، وقال أيضًا: (وقد حسَّن الدارقطني حديث أم ورقة في كتاب «السنن»، وأشار أبو حاتم في «العلل» إلى جَودته) (^٩)، وقد رجعت إلى «سنن الدارقطني» ولم أجد له كلامًا عليه، كما أني لم أقف على ما ذكره عن أبي حاتم.\nولعل من حسَّنه رأى أن رواية ابن خلاد مقرونة برواية ليلى بنت مالك، كما تقدم في الإسناد، يقوي أحدهما الآخر، لا سيما أن الذهبي قال في فصل\n_________\n(^١) \"مختصر السنن\" (١/ ٣٠٧).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ١٢٢).\n(^٣) \"المستدرك\" (١/ ٢٠٣).\n(^٤) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٢٣).\n(^٥) \"الثقات\" (٥/ ٩٨).\n(^٦) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٥٣) (١٢/ ٥٠٨)، مع \"تهذيب الكمال\" (١٧/ ٨٢)، و\"تحفة الأشراف\" (١٣/ ١١٠).\n(^٧) \"الإرواء\" (٢/ ٢٥٦).\n(^٨) \"التلخيص\" (٢/ ٢٨).\n(^٩) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٩٧)، و\"الإكمال\" لمغلطاي (٣/ ٢٣٩).","vol":"3","page":439},{"text":"«النسوة المجهولات»: (ما علمت في النساء من اتُّهِمَتْ، ولا من تركوها) (^١).\nثم إن الحديث له شواهد تؤيد معناه كما سيأتي إن شاء الله.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على جواز إمامة المرأة للنساء، وظاهر الحديث أن ذلك في الفريضة، لرواية الحاكم: (وأمر أن يُؤَذَّنَ لها ويقام، وتؤم أهل دارها في الفرائض)، وهذا قول عطاء وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، كما حكاه ابن المنذر (^٢).\nقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (والحديث وإن كان في سنده كلام لأهل العلم، لكن مثله يعمل به، ويعضده ما جاء عن عائشة وأم سلمة: (أنهما أمَّتا نساء في صلاة مكتوبة) (^٣)، وفي ذلك من المصالح ما فيه؛ لأن المرأة\n_________\n(^١) \"الميزان\" (٤/ ٦٠٤).\n(^٢) \"الأوسط\" (٤/ ٢٢٧)، وانظر: \"المحلى\" (٤/ ٢٢٠).\n(^٣) أما أثر عائشة -﵂-، فقد أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٤١)، ومن طريقه الدارقطني (١/ ٤٠٤)، والبيهقي (٣/ ١٣١)، وابن حزم في \"المحلى\" (٤/ ٢١٩) عن الثوري، عن ميسرة بن حبيب النهدي، عن ريطة الحنفية أن عائشة -﵂- أمَّتهن، وقامت بينهن في صلاة مكتوبة.\nوهذا الأثر صحَّحه النووي في \"الخلاصة\" (١/ ٦٧٩ - ٦٨٠) لكن ذكر المحقق أنه لم يقف على ترجمة دقيقة لريطة الحنفية.\nوللأثر طريق آخر من طريق ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة -﵂- بنحوه، أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٨٩) وله طرق أخرى -أيضًا- يقوى بها.\nوأما أثر أم سلمة -﵂- فقد رواه الشافعي (١/ ١٢٩ - ١٣٠ ترتيب مسنده)، وعبد الرزاق (٣/ ١٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٥)، والدارقطني (١/ ٤٠٥)، والبيهقي (٣/ ١٣١)، وابن حزم (٤/ ٢٣٠) كلهم من طريق ابن عيينة، عن عمار الدهني، عن امرأة من قومه يقال لها: حُجيرة بنت حصين، عن أم سلمة -﵂- أنها أمتهن، فقامت وسطًا.\nوهذا الأثر صححه النووي في \"الخلاصة\" (١/ ٦٨٠) وقد ذكر المحقق أنه لم يقف على ترجمة لحجيرة.\nوالأثر له شاهد أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٨٨)، وابن حزم (٤/ ٢١٩ - ٢٢٠) من طريق قتادة عن أم الحسن أنها رأت أم سلمة زوج الرسول -ﷺ- تؤم النساء، تقوم معهن في الصف. وقد صرح قتادة بتحديث أم الحسن له على ما ذكره في \"المحلى\" قال ابن حزم في أم الحسن: (هي خَيْرة، ثقة الثقات، وهذا إسناد كالذهب)، وقال: (وهي خيرة، هو اسمها، ثقة مشهورة). \"المحلى\" (٣/ ١٢٧) (٤/ ٢٢٠).","vol":"3","page":440},{"text":"الفقيهة إذا أمَّت النساء تعلَّمْنَ منها كيفية الصلاة؛ لأن التعليم بالفعل له أثر كبير، أكثر من التعليم بالقول بالنسبة لكثير من الناس …).\nومما يؤيد القول بالجواز العمومات الواردة في فضل صلاة الجماعة، ولم يرد بالمنع قرآن ولا سنة - كما يقول ابن حزم - مع فعل بعض الصحابيات - كما تقدم - مع عدم المخالف (^١)، لكن لا ينبغي أن تكون إمامتها لنسائها بصفة دائمة، وإنما في بعض الأحيان، لما تقدم من كلام العلماء على الإسناد.\nوأما إمامتها للرجال فهذا لا يجوز؛ لأن الإمامة نوع من الإمرة، والنبي ﷺ يقول: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» (^٢).\nولأن المرأة عورة، فإذا أمَّت الرجال حصل بذلك فتنة عظيمة، ثم إنه لم ينقل عن نساء النبي ﷺ - مع علمهن وورعهن - أن واحدة منهن أمَّت الرجال حتى وإن كان من محارمها، حتى وإن كان أقل منها حفظًا للقرآن وفقهًا في الدين.\nثم إن المرأة منهية عن تنبيه الإمام بقولها: (سبحان الله)، فكيف وهي ستقرأ القرآن في الصلاة وترفع صوتها بالتكبيرات، إن هذا كله يؤيد القول بالمنع من إمامتها مطلقًا.\nوأما من أجاز من أهل العلم؛ كأبي ثور، والمزني، وابن جرير الطبري (^٣) إمامتها للرجال مستدلاًّ بهذا الحديث وأن من ضمن أهل دارها المؤذن الذي يؤذن لها، فهذا مردود من وجهين:\n١ - أنه لم يثبت أن مؤذنها يصلي معها مقتديًا بها، فقد يكون يؤذن لها ثم يذهب إلى أحد المساجد فيصلي بها، وصلاة المرأة بالرجال أمر كبير يحتاج إلى دليل قاطع ليس كهذا.\n_________\n(^١) انظر: \"جامع أحكام النساء\" للعدوي ص (٣٥١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٤٢٥)، وسيأتي شرحه -إن شاء الله- في كتاب \"القضاء\".\n(^٣) انظر: \"المنتقى\" للباجي (١/ ٢٣٥)، \"المجموع\" (٤/ ٢٥٥).","vol":"3","page":441},{"text":"٢ - أنه جاء الحديث عند الدارقطني بلفظ: (أن رسول الله ﷺ أذن أن يؤذن لها، ويقام، وتؤم نساءها) (^١).\nوإذا أمَّت المرأة النساء ﵂ قامت وسطهن، ولا تبرز أمامهن كإمام الرجال، لما ورد عن أم سلمة وعائشة ﵄ أنهما لما أمّتا نساء قامتا بينهن - كما تقدم تخريجه - ولأن ذلك أستر، والمرأة مطلوب منها الستر، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٢٧٩).","vol":"3","page":442},{"text":"<span data-type='title' id=toc-344>حكم إمامة الأعمى</span>\n٤٢٥/ ٢٩ - عَنْ أَنَس ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، يَؤُمُّ النَّاسَ، وَهُوَ أَعْمى. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.\n٤٢٦/ ٣٠ - وَنَحْوُهُ لاِبْنِ حِبَّانَ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂.\n\nالكلام عليهما من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أنس ﵁، فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «إمامة الأعمى» (٥٩٥)، وأحمد (١٩/ ٣٤٩) (٢٠/ ٣٠٧) من طريق أبي العوام القطان - وهو عمران بن داوَر، وهو أعمى - حدثنا قتادة عن أنس بن مالك ﵁، به.\nوإسناده حسن، رجاله ثقات، غير عمران بن داوَر القطان فهو متكلَّم فيه، قال ابن معين: (ليس بالقوي) وقال مرة: (ليس بشيء، لم يرو عنه يحيى بن سعيد)، وقال النسائي: (ضعيف) (^١)، وقال أحمد: (أرجو أن يكون صالح الحديث) (^٢) وقال الدارقطني: (كثير الوهم والمخالفة) (^٣). وقال الحافظ: (صدوق يهم)، فمثله يصل حديثه إلى درجة الحسن.\nوروى الطبراني في «الكبير» (١١/ ١٨٣) من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ بنحوه، وحسن الحافظ إسناده (^٤).\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (٢٢/ ٣٢٨).\n(^٢) \"العلل ومعرفة الرجال\" (٣/ ٢٥).\n(^٣) \"سؤالات الحاكم للدارقطني\" رقم (٤٤٥).\n(^٤) \"التلخيص\" (٢/ ٣٦).","vol":"3","page":443},{"text":"وأما حديث عائشة ﵂، فقد أخرجه ابن حبان (٥/ ٥٠٦ - ٥٠٧) وأبو يعلى (٤٤٥٦) والطبراني في «الأوسط» (٢٧٤٤) من طريق حبيب المعلم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة يصلي بالناس.\nوإسناده صحيح على شرط الشيخين، فهو شاهد قوي لحديث أنس ﵁.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على صحة إمامة الأعمى حتى بالمبصرين، ويقدم عليهم ما دام أنه أعلم الحاضرين بالقرآن والسنة، وأفضلهم بالتقى والصلاح، قال ابن المنذر: (إمامة الأعمى كإمامة البصير، لا فرق بينهما، وهما داخلان في ظاهر قول النبي ﷺ: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» فأيهم كان أقرأ كان أحق بالإمامة) (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (٤/ ١٥٤).","vol":"3","page":444},{"text":"<span data-type='title' id=toc-345>صحة إمامة الفاسق</span>\n٤٢٧/ ٣١ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِله إِلاَّ اللهُ، وَصَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلاَّ اللهُ». رَوَاهُ الدَّارقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٥٦) من طريق عثمان بن عبد الرحمن، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر ﵄، به مرفوعًا.\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا؛ لأن فيه عثمان بن عبد الرحمن الزهري الوقاصي، قال عنه ابن معين: (لا يكتب حديثه، كان يكذب) وقال مرة: (ضعيف)، وقال ابن المديني: (ضعيف جدًّا)، وقال البخاري: (تركوه) (^١).\nوأخرجه الدارقطني (٢/ ٥٦) - أيضًا - من طريق أبي الوليد المخزومي، ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، به.\nوهذا أضعف من الأول، فإن أبا الوليد - وهو خالد بن إسماعيل - قال عنه ابن عدي: (كان يضع الحديث على ثقات المسلمين) (^٢)، وللحديث طرق أخرى كلها واهية جدًّا، وقد جاء بمعناه حديث مكحول عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم، برًّا كان أو فاجرًا، وإن عمل الكبائر» أخرجه أبو داود (٥٩٤) وفيه انقطاع، فقد قال\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ١٢٢).\n(^٢) \"الكامل\" (٣/ ٤١).","vol":"3","page":445},{"text":"الترمذي والدارقطني والذهبي وغيرهم: (لم يسمع مكحول من أبي هريرة ﵁).\nولا يصح في هذا الباب شيء، قال الدارقطني: (ليس فيها ما يثبت) (^١)، وقال العقيلي: (ليس في هذا المتن إسناد يثبت)، وسئل الإمام أحمد عن حديث ابن عمر هذا فقال: (ما سمعنا بهذا) (^٢)، وإذا كان الحديث بهذه الصفة فلا تقوم به حجة، وإنما ذكره الحافظ لبيان حاله.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن المسلم يُصَلَّى خلفه؛ لأن هذا هو المراد بقوله: «صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله»، والحديث وإن كان ضعيفًا - كما تقدم - لكنه معمول به لأدلة أخرى، وظاهر ذلك جواز الصلاة خلف الفاسق؛ لأن كلمة الإخلاص تدل على إسلامه، ولا تدل على عدالته، والمراد بالحديث: من قال: «لا إله إلا الله» عارفًا بمعناها عاملًا بمقتضاها، أما من ظهر منه ما يقتضي كفره فإنها لا تنفعه لا إله إلا الله، كما لم تنفع عبد الله بن أُبي وأشباهه من المنافقين، وهذا أمر معلوم بإجماع المسلمين أن من وجد عنده ناقض من نواقض الإسلام لم تنفعه الشهادتان وإن قال: لا إله إلا الله، وإن صلى وصام، ومثل ذلك عبَّاد الأصنام وعبَّاد القبور لا تنفعهم لا إله إلا الله.\nوقد مضى ذكر الخلاف في حكم الصلاة خلف الفاسق وأن الراجح صحتها، مع اعتبار أنه لا ينبغي أن يكون إمامًا راتبًا؛ لأنه يحرم على من كان مسؤولًا عن اختيار الأئمة تنصيب الفاسق إمامًا في الصلوات؛ لأنه مأمور بمراعاة المصالح.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يُصَلَّى على من مات وهو يقول: «لا إله إلا الله»؛ لأنها تدل على أنه مات مسلمًا، وفي المسألة استثناءات يذكرها الفقهاء، ولعله يأتي شيء من ذلك في كتاب الجنائز - إن شاء الله ـ، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٥٦).\n(^٢) \"التحقيق\" (٣/ ٣٠٢).","vol":"3","page":446},{"text":"<span data-type='title' id=toc-346>مشروعية الدخول مع الإمام على أي حال</span>\n٤٢٨/ ٣٢ - عَنْ عَليٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُم الصَّلَاةَ وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ، فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الترمذي في أبواب «الصلاة»، باب «ما ذكر في الرجل يدرك الإمام وهو ساجد كيف يصنع؟» (٥٩١) من طريق الحجاج بن أرطاة، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يَرِيمَ، عن علي ﵁، وعن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل قالا - أي علي ومعاذ ـ: قال النبي ﷺ: … فذكر الحديث.\nقال الترمذي: (هذا حديث غريب لا نعلم أحدًا أسنده إلا ما روي من هذا الوجه) (^١).\nوذكر الحافظ في «التلخيص» أن في هذا السند ضعفًا وانقطاعًا، فالضعف يتعلق بالحجاج بن أرطاة، قال ابن معين: (صدوق ليس بالقوي، يدلس)، وكذا قال أبو زرعة وأبو حاتم، وقال ابن المديني: (تركت الحجاج عمدًا، ولم أكتب عنه حديثًا قط) (^٢)، وأما الانقطاع فإن ابن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، كما قال ابن المديني والترمذي وابن خزيمة (^٣).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢/ ٤٤).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ١٧٢).\n(^٣) المرجع السابق (٦/ ٢٣٥).","vol":"3","page":447},{"text":"لكن الحديث له شواهد منها حديث أبي هريرة المتقدم: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا …» وفيه: «فما أدركتم فصلوا»، وإنما ذكر الحافظ ﵀ حديث علي ﵁ لبيان ضعفه والتنبيه على أن الحكم صحيح وأنه مأخوذ من أدلة أخرى.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن المصلي إذا دخل المسجد والإمام في الصلاة فإنه يدخل معه على أي حال كان الإمام في القيام أو الركوع أو السجود أو بين السجدتين، والحديث وإن كان ضعيفًا لكن له شواهد، منها حديث أبي هريرة وفيه: «فما أدركتم فصلوا ..».\nقال الحافظ ابن حجر: (استدل به على استحباب الدخول مع الإمام في أي حال وجد عليها) (^١).\nفإن كان الإمام قائمًا يقرأ الفاتحة دخل معه بتكبيرة الإحرام، ثم سكت حتى يفرغ من الفاتحة؛ لأنه مأمور بالإنصات، فإذا فرغ الإمام من الفاتحة استفتح واستعاذ وقرأ الفاتحة، فإن لم يمكنه ذلك وشرع الإمام في القراءة اقتصر على الاستعاذة وقراءة الفاتحة دون الاستفتاح؛ لأنه سنة.\nوإن كان الإمام في صلاة سرية دخل معه كما تقدم وقرأ، فإن ركع إمامه ترك بقية الفاتحة وركع معه؛ لعموم: «وإذا ركع فاركعوا»، وإن أدركه في الركوع كبَّر تكبيرة واحدة للإحرام وتجزئ عن تكبيرة الركوع وركع معه، وتحسب له ركعة إذا اجتمع مع إمامه في حدِّ أقل الركوع، وهو قدر ما يَمَسُّ وَسَطُ الخلقة ركبتيه بيديه ولو لم يطمئن، ثم يطمئن ويتابع إمامه، وتجزئه الركعة ولو لم يقرأ الفاتحة، وهذا قول الجمهور، لحديث أبي هريرة: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» وتقدم، ولحديث أبي بكرة المتقدم، فإنه لو لم يكن إدراك الركوع مجزئًا لإدراك الركعة مع الإمام لأمره النبي ﷺ بقضاء تلك الركعة التي لم يدرك القراءة فيها.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ١١٨).","vol":"3","page":448},{"text":"وإن أدرك الإمام ساجدًا سجد معه بتكبيرة الإحرام، وينحط بغير تكبير؛ لأنه لم يدرك محل التكبير، وقيل: بل يكبر لانحطاطه موافقة لإمامه، وكذا لو أدركه بين السجدتين، لكن لا تحسب له هذه الركعة؛ لأنه لم يدرك الركوع مع إمامه، فإن أدرك إمامه في التشهد فقد مضى ما يفعله المأموم، والله أعلم.","vol":"3","page":449},{"text":"<span data-type='title' id=toc-347>بَابُ صَلَاةِ المسَافِرِ وَالمريضِ</span>\nهذا الباب عقده الحافظ ﵀ للأحاديث المتعلقة بصلاة المسافر والمريض؛ لأن لصلاة المسافر أحكامًا تخصُّها، ولصلاة المريض أحكامًا تخصُّها، فذكر أحاديث القصر والجمع بالنسبة للمسافر، وأحاديث صفة صلاة المريض، وإن كان قد ذكر الأخيرة في باب «صفة الصلاة» لكنه أعادها هنا كما في بعض نسخ «البلوغ».\nوقصر الصلاة وجمعها للمسافر من محاسن الدين الإسلامي الذي بُنيت أحكامه على اليسر والسهولة، ورفع الحرج والتخفيف عن المكلف متى حصل ما يدعو إلى ذلك، والسفر سبب من أسباب التخفيف؛ لأن السفر قطعة من العذاب (^١)، يمنع العبد نومه وراحته وقراره مهما تحسنت وسائل النقل وكان المسافر من أرفه الناس، فإنه في مشقة وجهد في جسمه.\nومن أحاديث هذا الباب وغيره استنبط العلماء قاعدة: «المشقة تجلب التيسير».\nومن حكمة الله تعالى أنه لم يفوّت على عباده مصلحة العبادة بإسقاطها في السفر جملة، ولم يلزم بها كإلزامه بها في الحضر، فجاءت محققة للغرض وافية بالمقصود، مع تخفيفها وتيسيرها.\nوينبغي أن يعلم أن رخص السفر ليست منوطة بالمشقة ولا معلقة بها؛ لأن المشقة وصف غير منضبط، وإنما هي معلقة بالسفر، سواء أكان في سيارة، أم طائرة، أم باخرة، أو غير ذلك.\n_________\n(^١) ورد هذا في حديث أبي هريرة -﵁-، أخرجه البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧).","vol":"3","page":450},{"text":"والسفر في اللغة: قطع المسافة، وسمي السفر سفرًا؛ لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيظهر ما كان خافيًا منها.\nوأما في الاصطلاح: فهو لا يختلف عن معناه اللغوي إلا في تحديد أقلِّ مدةٍ يصدق عليها أن صاحبها مسافر شرعًا، ليأخذ بأحكام السفر، وفي المسألة خلاف سيأتي إن شاء الله.\nوكذلك المرض فإنه أحد أسباب التخفيف الظاهرة في الشريعة؛ لأن المرض من أسباب العجز والضعف عن القيام بالتكاليف على الوجه المعتاد في أيام الصحة.","vol":"3","page":451},{"text":"<span data-type='title' id=toc-348>حكم القصر في السفر</span>\n٤٢٩/ ١ - عَنْ عَائشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَلِلْبُخَارِيِّ: ثُمَّ هَاجَرَ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَأُقرَّتْ صَلَاةُ السَّفَر عَلَى الأَوَّلِ.\n٤٣٠/ ٢ - زَادَ أَحْمَدُ: إِلاَّ المَغْرِبَ فَإنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ، وَإلاَّ الصُّبْحَ، فَإِنَّهَا تُطَوَّلُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديثها الأول، فقد أخرجه البخاري في مواضع، أولها: كتاب «الصلاة»، باب «كيف فرضت الصلوات في الإسراء؟» (٣٥٠)، ومسلم (٦٨٥) (١) من طريق مالك، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: (فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأُقرّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر).\nوأخرجه البخاري (١٠٩٠) في كتاب «تقصير الصلاة»، ومسلم (٦٨٥) (٣) من طريق ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، به، بلفظ: «وأتمت» مع زيادة: قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم في السفر؟ قال: (إنها تأوَّلت كما تأوَّل عثمان) وسيأتي - إن شاء الله - وجه إتمام عائشة ﵂ وأنها كانت تتم؛ لأن ذلك لا يشق عليها.\nوأخرجه البخاري (٣٩٣٥) من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة،","vol":"3","page":452},{"text":"به، بلفظ: (فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي ﷺ ففرضت أربعًا، وتركت صلاة الفجر على الأول).\nولعل غرض الحافظ من إيراد هذه الرواية أنها صريحة في أن الزيادة في صلاة الحضر كانت بعد الهجرة وأن النبي ﷺ كان يصلي ركعتين ركعتين منذ أن فرضت الصلاة عليه قبل الهجرة بثلاث سنين إلى أن هاجر، ويؤيد ذلك رواية أحمد الآتية.\nوأما حديثها الثاني، فقد أخرجه أحمد (٤٣/ ١٦٧): حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، عن عائشة ﵂ قالت: (قد فرضت الصلاة ركعتين ركعتين بمكة، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب، فإنها وتر النهار، وصلاة الفجر لطول قراءتها، قال: وكان إذا سافر صلّى الصلاة الأولى)، فهذا فيه زيادة على أصل الحديث الثابت في «الصحيحين» فيما يخص المغرب والفجر.\nوهذا الإسناد رجاله ثقات، كما قال الهيثمي (^١)، إلا أنه منقطع بين الشعبي وعائشة، فقد قال ابن معين: (ما روى الشعبي عن عائشة فهو مرسل) (^٢)، وكذا قال أبو حاتم والعلائي (^٣)، ورواه أحمد - أيضًا - (٤٣/ ٣١٧) عن عبد الوهاب بن عطاء، عن داود، عن الشعبي، عن عائشة ﵂ بنحوه.\nوقد جاء من طريق موصول، أخرجه ابن خزيمة (٣٠٥)، وابن حبان (٢٧٣٨) من طريق محبوب بن الحسن، حدثنا داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂، به.\nومحبوب ضعيف، ضعَّفه النسائي وأبو حاتم، فقال: (ليس بالقوي)، وقال ابن معين: (ليس به بأس)، وقد أخرج له البخاري حديثًا واحدًا متابعةً في كتاب «الأحكام» (^٤).\n_________\n(^١) \"مجمع الزوائد\" (٢/ ١٥٤).\n(^٢) \"تاريخ ابن معين\" (٢/ ٢٨٦).\n(^٣) \"المراسيل\" ص (١٥٩ - ١٦٠)، \"تحفة التحصيل\" ص (١٦٣ - ١٦٤).\n(^٤) \"هدي الساري\" ص (٤٤٣).","vol":"3","page":453},{"text":"لكنه لم ينفرد بوصله، فقد تابعه مرجَّى بن رجاء، أخرجه الطحاوي (^١)، ورجاله ثقات غير مرجَّى بن رجاء، وقد علق له البخاري (^٢)، ووثقه أبو زرعة، والدارقطني، وضعفه ابن معين.\nوقد أجمع أهل العلم على القول بما في هذه الزيادات على أصل الحديث الثابت في الصحيحين مع إعراض الشيخين عنهما.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أول ما فرضت الصلاة ركعتين) الفرض في اللغة: القطع والحز والتقدير، يقال: فرض القاضي النفقة: قدرها وحكم بها، وفرضتُ الخشبة: حززتها، واصطلاحًا: بمعنى الواجب عند الجمهور، إلا أن تأثير الفرضية أكثر من تأثير الوجوب وأقوى.\nوالمعنى أن الصلاة أول ما فرضها الله تعالى ليلة الإسراء كانت ركعتين ركعتين إلا المغرب فهي ثلاث منذ فرضت.\n\nقوله: (فأقرت صلاة السفر) أي: بقيت صلاة السفر على الحالة الأولى التي فرضها الله تعالى ركعتين ركعتين، وظاهر هذا أن صلاة السفر لم تكن مقصورة من الأربع، لكن ظاهر القرآن خلاف ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] والقصر لا يكون إلا من تمام، وكذا حديث أنس بن مالك الكعبي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة …» الحديث (^٣).\nوالجواب عن ذلك: أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلا\n_________\n(^١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤١٥)، و\"شرح مشكل الآثار\" (١١/ ٢٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٤٦).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٤٠٨)، والترمذي (٧١٥)، والنسائي (٤/ ١٩٠)، وابن ماجه (١٦٦٧) و(٣٢٩٩)، وأحمد (٣١/ ٣٩٢) من طريق عبد الله بن سوادة، عن أنس بن مالك، رجلٍ من بني عبد الله بن كعب -﵁-، مرفوعًا. وقال الترمذي: (حديث حسن)، وقد نقل الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢٣): أن الترمذي صححه.","vol":"3","page":454},{"text":"المغرب، ثم زيدت عقب الهجرة إلا الصبح - كما تقدم - ولما استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول آية القصر، ويكون معنى قول عائشة ﵂: (فأقرَّت صلاة السفر) أي: باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف، لا أنها استمرت منذ فرضت (^١).\n\nقوله: (وأتمت صلاة الحضر) وفي رواية لهما: «وزيد في صلاة الحضر» وهي أوضح في الدلالة على المراد، والمراد بذلك الزيادة في عدد ركعات الظهر والعصر والعشاء، كما يدل عليه حديث عائشة - كما تقدم ـ.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن صلاة السفر والحضر قبل الهجرة كانت ركعتين ركعتين، ثم زيد في صلاة الحضر، فصارت الظهر والعصر والعشاء أربعًا؛ لأن الحضر موضع الراحة والاستقرار، ومن فضل الله على عباده أن زادهم ركعتين، لما فيهما من الأجر العظيم والخير الكثير.\nأما المغرب فهي ثلاث منذ فرضت لتكون وتر النهار، والفجر ركعتان، وقد ثبتت على ما فرضت عليه، لطول القراءة فيها.\n\nالوجه الرابع: استدل بحديث عائشة ﵂ من قال بوجوب القصر في السفر، ووجه الاستدلال: أن قولها: (فرضت) بمعنى: وجبت، فإذا كانت صلاة السفر مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها؛ لأن الله تعالى زاد صلاة الحضر دون صلاة السفر. وهذا قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهو قول ابن حزم (^٢)، وآخرين، واختاره الصنعاني (^٣) والشوكاني (^٤).\nكما استدلوا بحديث ابن عباس ﵄ قال: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة) (^٥).\nكما استدلوا بحديث يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٦٤).\n(^٢) \"المحلى\" (٤/ ٢٦٤)، \"الهداية\" (١/ ٨٠)، \"الإنصاف\" (٢/ ٣٢١).\n(^٣) \"سبل السلام\" (٢/ ٤٧).\n(^٤) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٤٨).\n(^٥) أخرجه مسلم (٦٨٧).","vol":"3","page":455},{"text":"﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فقد أَمِنَ الناس، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» (^١).\nفهذا يدل على وجوب القصر؛ لأنه أمر بقَبول هذه الصدقة، وهي القصر، وهذا أمر مطلق فيحمل على الوجوب.\nوالقول الثاني: أن القصر مستحب وليس بواجب، وهو قول عامة أهل العلم - كما يقول ابن تيمية - ومنهم الشافعي، ومالك، وأحمد في المشهور عنه (^٢)، واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز، وقال ابن تيمية: (القصر أفضل، والإتمام مكروه)، وهو رواية عن الإمام أحمد (^٣).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].\nووجه الدلالة: أن الآية نفت الجناح - وهو الإثم - عمن قصر الصلاة، وهذا دليل على الإباحة، كما يستفاد من الآيات الأخرى التي ورد فيها نفي الجناح.\nكما استدلوا بحديث يعلى المتقدم، ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ سَمَّى التخفيف من عدد الركعات: صدقة، فدل على أنها صدقة وفضل وتخفيف من الله تعالى، والصدقة لا يجب قبولها، بل يجب قَبول العزمات، ولو كان القصر واجبًا لما قال عنه: إنه صدقة، بل قال: عزمة من عزمات ربنا أو نحو ذلك مما يدل على وجوب القبول، ثم إن أول الحديث يدل على ذلك، وهو قوله: «صدقة تصدَّق الله بها عليكم»، أي: تفضّل بإباحة ما كان ممنوعًا قبل ذلك، فيكون آخره تأكيدًا لأوله (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٨٦).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (١/ ٤٠٠)، \"المجموع\" (٤/ ٣٢١)، \"المغني\" (٣/ ١٢٥)، \"الإنصاف\" (٢/ ٣٢١).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٤/ ٩).\n(^٤) انظر: \"قصر الصلاة للمغتربين\" للدكتور إبراهيم الصبيحي ص (٣٢).","vol":"3","page":456},{"text":"القول الثالث: أن المسافر مخير إن شاء أتم وإن شاء قصَّر، وعزاه ابن المنذر للشافعي وأبي ثور، وقال ابن الملقن: (إنه وجه للشافعية) (^١).\nواستدلوا بما سيأتي من فعل عائشة ﵂ أنها كانت تتم وتقصر، كما استدلوا بفعل عثمان ﵁ حيث كان يقصر صدرًا من خلافته، ثم أتمها أربعًا (^٢)، وكذا من خلفه كابن مسعود ﵁.\nوهذا القول لا يخلو من ضعف؛ لأن التسوية بين القصر والإتمام منقوضة باستمرار الرسول ﷺ على القصر، ولم ينقل عنه أنه أتم - كما تقدم - ثم إن ابن مسعود ﵁ لما بلغه أن عثمان صلّى بمنى أربع ركعات قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون، صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان) (^٣).\nولو كان المسافر مخيرًا لما استرجع ابن مسعود ﵁ من الأمر الجائز، لكنه استرجع لما شاهده من مداومة النبي ﷺ وخلفائه على صلاة ركعتين في السفر، أو يقال: إنه استرجع لترك الأَوْلى.\nهذا وقد ذكر ابن القيم عدة أعذار لإتمام عثمان ﵁، وتعقبها، ثم ذكر أن من أحسنها أن عثمان كان قد تأهَّل بمنى، والمسافر إذا أقام في موضع وتزوج فيه أو كان له به زوجة فإنه يتم (^٤).\nوالناظر في الأدلة المتقدمة يتبين له أن الأحوط للمسافر ألا يدع القصر، اقتداءً بالنبي ﷺ وخروجًا من خلاف من أوجبه، فإن القول بالوجوب قوي، لكنه قد يشكل عليه إتمام بعض الصحابة، كما تقدم، فإنه لو كان القصر واجبًا ما أتم أحد منهم، ولأنكر بعضهم على بعض ترك الواجب، مما يدل على أنهم ما فهموا الوجوب، ولهذا رجَّح الشيخ عبد العزيز بن باز القول بالاستحباب بناءً على ذلك، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (٤/ ٣٣٥)، \"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام\" (٤/ ٩٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٨٢) (١٦٥٥)، ومسلم (٦٩٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٠٨٤)، ومسلم (٦٩٥).\n(^٤) \"زاد المعاد\" (١/ ٤٦٩).","vol":"3","page":457},{"text":"<span data-type='title' id=toc-349>جواز القصر والإتمام في السفر لأفراد الأمة</span>\n٤٣١/ ٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْصُرُ في السَّفَرِ وَيُتِمُّ، وَيَصُومُ وَيُفْطِرُ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، إِلاَّ أَنَّهُ مَعْلُولٌ.\nوَالمَحْفُوظُ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ فِعْلِهَا، وَقَالَتْ: إنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيَّ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الدارقطني (٢/ ١٨٩) من طريق سعيد بن محمد بن ثواب، حدثنا أبو عاصم، حدثنا عمرو بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة ﵂، به.\nوقال الدارقطني: (هذا إسناد صحيح)، وذكر الحافظ - هنا - أن رواته ثقات، وابن ثواب لم يوثقه إلا ابن حبان (^١)، وقول الحافظ: (إلا أنه معلول) أي: مع أن رجاله ثقات إلا أنه معلول، أي: فيه سبب خفي طرأ على الحديث فقدح فيه، قال الحافظ: (قد استنكره أحمد (^٢)، وصحته بعيدة، فإن عائشة كانت تتم، وذكر عروة أنها تأولت كما تأول عثمان، كما في الصحيح، فلو كان عندها عن النبي رواية - أي في الإتمام كما هنا - لم يقل عروة عنها: إنها تأولت، وقد ثبت في «الصحيحين» خلاف ذلك) (^٣)، أي إن عندها رواية أن الصلاة فرضت ركعتين ركعتين … كما تقدم.\nوقال ابن القيم عن حديث الباب: (لا يصح، وسمعت شيخ الإسلام\n_________\n(^١) ذكره في \"الثقات\" (٨/ ٢٧٢) وقال: (مستقيم الحديث).\n(^٢) \"مسائل الإمام أحمد\" رواية ابنه عبد الله ص (١١٩).\n(^٣) \"التلخيص\" (٢/ ٤٦).","vol":"3","page":458},{"text":"ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله ﷺ) (^١)، فيكون ذكر الإتمام في هذا الحديث شاذًّا، وما يقابله هو المحفوظ، والمحفوظ أن الإتمام كان من فعل عائشة ﵂، لما أخرجه البيهقي في «سننه» (٣/ ١٤٣) من طريق شعبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها كانت تصلي في السفر أربعًا، فقلت: لو صليتِ ركعتين؟ فقالت: (يا ابن أختي، إنه لا يشق عليَّ).\nوهذا إسناد صحيح (^٢)، وهو يدل على أن عائشة ﵂ تأولت أن القصر رخصة، وأن الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل، فيكون إتمامها باجتهاد منها، ولو كان النبي ﷺ قد أتم لكان إتمامها اتباعًا لسنة النبي ﷺ، ولم تكن بحاجة إلى تأويل إتمامها. وقد خالفها أكثر الصحابة، فرأوا القصر مشروعًا مع المشقة وعدمها، على أن شيخ الإسلام ابن تيمية رد ذلك وقال: (هذا باطل ما كانت أم المؤمنين لتخالف رسول الله ﷺ وجميع أصحابه فتصلي خلاف صلاتهم …) (^٣)، وقد تقدم ما يدل على أنها أتمَّت بعد موت النبي ﷺ.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن النبي ﷺ كان يقصر الصلاة الرباعية وكان يتمها أربعًا، وأنه كان يصوم رمضان في السفر، وكان يفطر.\nوتقدم أن ذكر الإتمام شاذ مخالف لما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من أن النبي ﷺ ما أتم الرباعية في السفر قط، ويؤيد ذلك حديث ابن عمر ﵄ قال: (إني صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]) (^٤)، وفي رواية: (وعثمان ركعتين صدرًا من خلافته، ثم أتمها أربعًا)، وقد تقدم الإشارة إلى وجه إتمام عثمان ﵁، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: قاعدة الأحكام التي \"تختلف بالسفر والإقامة\" ص (٢٤٤)، \"زاد المعاد\" (١/ ٤٦٤ - ٤٦٥).\n(^٢) انظر: \"المحرر\" (٤٠١)، \"فتح الباري\" (٢/ ٥٧١).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (١/ ٤٦٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (١١٠٢)، ومسلم (٦٨٩).","vol":"3","page":459},{"text":"<span data-type='title' id=toc-350>استحباب إتيان الرخص ومنها القصر</span>\n٤٣٢/ ٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حبَّانَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: «كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ».\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (١٠/ ١١٢)، وابن خزيمة (٩٥٠)، وابن حبان (٦/ ٤٥١) من طريق عمارة بن غزية، عن حرب بن قيس، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄، مرفوعًا.\nوأخرجه أحمد (١٠/ ١٠٧) بهذا الإسناد، بإسقاط حرب بن قيس، مع أن ابن حبان رواه من طريق قتيبة بن سعيد شيخ أحمد فيه، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمارة بن غزية، عن حرب بن قيس، عن نافع، كما تقدم.\nوالحديث صحيح على شرط مسلم، إلا حرب بن قيس، وقد نقل البخاري عن عمارة بن غزية أنه قال: إنه كان رِضَى (^١)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٢)، وأما الرواية المذكورة فقد أخرجها ابن حبان (٨/ ٣٣٣) بالإسناد المذكور.\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٦١).\n(^٢) (٦/ ٢٣٠).","vol":"3","page":460},{"text":"والحديث له شواهد منها: حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» (^١).\nوله شواهد أخرى من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وأنس وأبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع، ﵃ أجمعين (^٢).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إن الله يحب) المحبة من صفات الله تعالى الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، وهي محبة حقيقية تليق بالله تعالى، قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وأما تفسيرها بالثواب أو بالرضا ونحو ذلك، فهذا تعطيل؛ لأنه خلاف ظاهر النصوص، وخلاف طريقة السلف، وليس عليه دليل.\n\nقوله: (أن تؤتى رخصه) أي: تُفعل، والرخص: جمع رخصة، وهي تخفيف الحكم الأصلي، دون إبطال العمل به؛ كالقصر والفطر في حق المسافر - مثلًا ـ.\n\nقوله: (كما يكره) الكراهة من الله تعالى لمن يستحقها ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦]، وهي كراهة حقيقية من الله تليق به، على ما تقدم.\n\nقوله: (أن تؤتى معصيته) أي: مخالفة أمره وارتكاب نهيه.\nوقد شبه الرسول ﷺ محبةَ اللهِ إتيانَ رخصه بكراهته إتيانَ المعصية، وذلك - والله أعلم - دليل على أن في ترك إتيان الرخصة تركَ طاعةِ الله تعالى، كالترك للطاعة الحاصل بإتيان المعصية، فيكون ترك الطاعة بعدم الأخذ بالرخصة كترك الطاعة بفعل المعصية.\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان بإسناد صحيح (٢/ ٦٩).\n(^٢) انظر: \"إرواء الغليل\" (٣/ ١٠).","vol":"3","page":461},{"text":"قوله: (عزائمه) جمع عزيمة، وهي الحكم الثابت أصلًا دون ملاحظة التخفيف؛ كالصوم في السفر، وإتمام الصلاة، ونحو ذلك.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على إثبات الرخصة في الشريعة الإسلامية، وهي مبنية على العذر والتخفيف واليسر والسهولة ورفع الحرج والإثم عن المكلف، وحكمها الإباحة مطلقًا، إذ لو كانت مأمورًا بها لكانت عزائم، والحاصل أنها رخص، وما ورد من الأمر ببعض الرخص كالأكل من الميتة في المخمصة فذلك من دليل آخر.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن الله تعالى يحب من عباده أن يأخذوا برخصه، لما فيها من التيسير والتسهيل عليهم، كما يكره أن تؤتى معصيته بترك واجب أو فعل محرم، لما في ذلك من الاستهانة بأحكام شرعه، وكلها عزائم، فالواجبات عزائم من الله تعالى لفعلها، والمحرمات عزائم من الله تعالى لتركها، ومن الرخص رخص السفر من القصر، والفطر، والجمع عند الحاجة إليه.\n\nالوجه الخامس: استدل بهذا الحديث من قال: إن القصر رخصة وليس بعزيمة، ولعل الحافظ ساقه مع أحاديث القصر لهذا الغرض، وهو تابع في ذلك لابن خزيمة، فإنه ساقه مع أحاديث القصر، وهكذا ابن بلبان في ترتيبه «صحيح ابن حبان»، كما سبقه إلى ذلك المجد ابن تيمية (^١)، وابن عبد الهادي (^٢)، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"المنتقى\" (١/ ٦٦٥).\n(^٢) \"المحرر\" (١/ ٢٥٨).","vol":"3","page":462},{"text":"<span data-type='title' id=toc-351>المسافة التي تقصر فيها الصلاة</span>\n٤٣٣/ ٥ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ فَرَاسِخَ، صَلّى رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم (٦٩١) في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» من طريق شعبة، عن يحيى بن يزيد الهُنائي، قال: سألت أنس بن مالك ﵁ عن قصر الصلاة، فقال: (كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ - شعبة الشاك - صلّى ركعتين).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا خرج …) أي: إذا توجه من المدينة مسافرًا قاصدًا هذه المسافة، وليس المراد أنه لا يقصر في سفره الطويل إلا إذا بلغ هذه المسافة؛ لأن أنس بن مالك ﵁ أجاب به من سأله عن خروجه من البصرة إلى الكوفة: أيقصر الصلاة؟ وقد نقل الحافظ ابن حجر عن ابن المنذر إجماع أهل العلم على أن لمريد السفر أن يقصر إذا خرج عن جميع بيوت قريته؛ يعني وإن لم يتجاوز ثلاثة أميال أو فراسخ (^١).\n\nقوله: (ثلاثة أميال) جمع ميل، وهو مسافة مد البصر، وسميت الأعلام التي توضع في الطرق أميالًا؛ لأنها توضع على مقادير مدّ البصر من الميل إلى الميل، والميل: أربعة آلاف ذراع، والذراع: ٤٦. ٢ سم، وأما الفرسخ: فهو ثلاثة أميال، وثلاثة فراسخ: تسعة أميال.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٦٧).","vol":"3","page":463},{"text":"فعلى القول بأن الميل أربعة آلاف ذراع، يكون الميلُ = ١٨٤٨ مترًا، وثلاثةُ الأميال = ٥. ٥٤٤ كيلومتر.\nوقد حصل الشك من الراوي وهو شعبة، والاحتياط هو الأخذ بالفراسخ؛ لأنها أكثر، ولحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ صلّى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلّى العصر بذي الحليفة ركعتين (^١)، وذو الحليفة: تبعد عن المدينة حوالي ستة أميال، كما ذكر الحافظ (^٢).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن النبي ﷺ إذا خرج مسافة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ قصر الصلاة، وقد نسب الحافظ الأخذ بهذا الحديث إلى الظاهرية (^٣)، مع أن ابن حزم ذكر أن مسافة القصر ميل واحد (^٤)، وأجاب عن هذا الحديث بأنه ليس فيه دليل على المنع من القصر فيما هو أقل من ثلاثة أميال.\nوقد اختلف العلماء في المسافة التي يصدق على صاحبها أنه مسافر شرعًا ليأخذ برخص السفر، على أقوال كثيرة، بلغت قريبًا من عشرين قولًا.\nولعل سبب الخلاف أمران:\nالأول: إطلاق لفظ السفر في القرآن والسنة حيث لم يحدد ذلك في مسافة معينة.\nالثاني: اختلاف المسافات والمدد التي قصر فيها النبي ﷺ، وكذلك الاختلاف الوارد عن الصحابة ﵃.\nفذهب الجمهور، ومنهم: المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى أن مسافة القصر أربعة برد (^٥)، وهي مسافة يومين، واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄ الآتي - إن شاء الله ـ، وبفعل ابن عمر وابن عباس ﵃ (^٦)، لكن ورد عنهما\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٨٩)، ومسلم (٦٩٠) (١١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٧٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٠٧).\n(^٤) \"المحلى\" (٥/ ٢، ٢٠)، \"فتاوى ابن تيمية\" (٢٤/ ١٣٢).\n(^٥) \"بداية المجتهد\" (١/ ٤٠٣)، \"المجموع\" (٤/ ٣٢٢)، \"المغني\" (٣/ ١٠٥).\n(^٦) أخرجه البيهقي (٣/ ١٣٧).","vol":"3","page":464},{"text":"ما يخالف ذلك، كما ذكر ابن قدامة (^١)، ثم إن ذلك مخالف لظاهر القرآن وسنة النبي ﷺ، واختلف في تحديدها بالكيلو، لكن على القول بأن الميل = ١٨٤٨ مترًا، والبريد أربعة فراسخ، ٤ × ٤ = ١٦ × ٣ ميل = ٤٨ ميلًا × ١٨٤٨ = ٨٨. ٧٠٤ كيلومتر.\nوالقول الثاني: أن مسافة القصر ثلاثة أميال، كما تقدم.\nوالقول الثالث: أن السفر لا يحدد بمسافة معينة، بل كل ما يسمى سفرًا في العرف تقصر فيه الصلاة، وما ورد من ذكر مسافات معينة - كحديث الباب - فهو من باب التمثيل لا التحديد، قال ابن تيمية: (وهذا قول كثير من السلف والخلف، وهو أصح الأقوال في الدليل) (^٢)، واختاره ابن قدامة (^٣)، وابن القيم (^٤)، ومما يؤيد ذلك:\n١ - أن الله تعالى قال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، فدلت الآية على إباحة القصر لمن كان ضاربًا في الأرض - والضرب في الأرض: هو المشي فيها لقطع المسافة - والشرع لم يحدد مقدار الضرب في الأرض مع حاجة الناس إلى ذلك، وليس له حد في اللغة يرجع إليه، فدل على أنه يرجع فيه إلى العرف.\n٢ - أن التقدير بابه التوقيف، فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد، لا سيما وأنه ليس له أصل يرد إليه، ولا نظير يقاس عليه، وما ورد في ذلك مختلف، وبعضه يعارض بعضًا، وما كان كذلك فلا حجة فيه، إذ ليس الأخذ ببعضه بأولى من البعض الآخر.\n٣ - أن تحديد السفر بمسافة معينة يستلزم تكليف الناس بمعرفة مسافات الطرق التي يسلكونها، وهذا فيه مشقة على كثير من الناس، لا سيما الطرق التي لم تسلك من قبل، ومقدار المسافات لا يعرفه إلا خاصة الناس.\nفالمقصود أنه ليس هناك نص صريح في تحديد المسافة التي تقصر فيها\n_________\n(^١) \"المغني\" (٣/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٤/ ١٥).\n(^٣) \"المغني\" (٢/ ٢٥٧).\n(^٤) \"زاد المعاد\" (١/ ٤٨١).","vol":"3","page":465},{"text":"الصلاة، فتكون من الأمور الاجتهادية التي يرجع فيها إلى العرف، طالت المسافة أم قصرت.\nإلا أنه قد يشكل على ذلك اختلاف الناس فيما بينهم فيما يعد سفرًا، لكن قد يقال: إن المسافات الطويلة كمائتي كيل ونحوها لا إشكال فيها، إذ لا يختلف الناس أن ذلك سفر، حتى ولو رجع المسافر من هذه المسافة من يومه، فإن من قطع مسافة طويلة ثم رجع في يومه فهو مسافر، كما لو سافر من بريدة إلى الرياض - مثلًا - ورجع من يومه.\nوعلى هذا فلا عبرة بطول الزمن وقصره في ضابط السفر، وإنما المعتبر المسافة التي تعد في العرف سفرًا؛ لأن من وسائل النقل في هذا الزمان ما يقطع المسافات الطويلة في زمن يسير.\nوأما ما هو أقل من ذلك فيمكن أن يضبط ببعض الأوصاف العرفية مثل حمل الزاد والمزاد إذا ضرب في الأرض، قال ابن سيرين: (كانوا يقولون: السفر الذي تقصر فيه الصلاة الذي تحمل فيه الزاد والمزاد) (^١)، مع أن هذا الوصف لا يكفي وحده لإثبات السفر، ولا سيما في زماننا هذا، حيث انتشرت مراكز التسوُّق على الطرق الطويلة، إلا أن أهل العرف يستدلون به مع أوصاف أخرى على السفر، ومنها الانقطاع والغَيبة إذا كان سببها بُعد الطريق أو وعورته أو اضطرار المسافر إلى المبيت في المكان الذي قصده.\nفإن أشكل الأمر، فإما أن يؤخذ بتقدير المسافة وهي بضعة وثمانون كيلًا، أو يؤخذ بالأصل، وهو الإتمام على القول بأن القصر رخصة.\n\nالوجه الرابع: لا فرق في السفر المبيح بين سفر الطاعة؛ كالحج والعمرة، وطلب العلم، ونحو ذلك، والسفر المباح؛ كالخروج لنزهة أو صيدٍ أو نحو ذلك، على ما اختاره ابن قدامة (^٢)، وذلك لأنه سفر مباح، فهو داخل في عموم النصوص الدالة على مشروعية قصر الصلاة للمسافر.\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٤٦)، وابن حزم (٥/ ٣).\n(^٢) \"المغني\" (٣/ ١١٧).","vol":"3","page":466},{"text":"الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه لا يجوز قصر الصلاة لمن أراد السفر قبل الخروج من بلده، لقوله: (إذا خرج) فدل على أن القصر مبدؤه من بعد الخروج من البلد بالنسبة لأهل العمران، أو من مفارقة خيام قومه إن كان من أهل الخيام، وهو ما عبر عنه الفقهاء بقولهم: (إذا فارق العمران)، وقد ورد عن أنس ﵁ قال: (صليت مع النبي ﷺ الظهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعيتن) (^١)، وقد بوّب عليه البخاري: «بابٌ يقصر إذا خرج من موضعه».\nقال ابن المنذر: (لا نعلم أن النبي ﷺ قصر في شيء من أسفاره إلا بعد خروجه عن المدينة) (^٢).\nوعلى هذا فلا يجوز القصر في البلد ولو كان ناويًا السفر، ولا في أطراف البلد، وهذا قول جمهور العلماء؛ لأن الأصل هو الإتمام، فيبقى على ما كان عليه حتى يثبت له القصر؛ لأن هذا الشخص ليس مسافرًا بل يريد السفر، والقصر مشروط بالضرب في الأرض، كما في الآية الكريمة، والضرب في الأرض معناه: المشي في الأرض لقطع المسافة، ومن لم يخرج من البلد لم يضرب في الأرض؛ لأنه لم يسافر؛ لأن السفر هو البروز والظهور، كما تقدم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٢) \"الأوسط\" (٤/ ٣٥٤).","vol":"3","page":467},{"text":"<span data-type='title' id=toc-352>ما جاء في أن المسافر يقصر حتى يرجع ما لم يعزم على الإقامة</span>\n٤٣٤/ ٦ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ؛ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «تقصير الصلاة»، باب «ما جاء في التقصير وكم يقيم حتى يقصر؟» (١٠٨١)، ومسلم (٦٩٣) من طريق يحيى بن أبي إسحاق، قال: سمعت أنسًا ﵁ يقول: … فذكره، وفي آخره قال: (أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا)، وفي رواية لمسلم: (خرجنا من المدينة إلى الحج …) وذكر مثله.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن المسافر يقصر الصلاة بعد خروجه من بلده ويستمر على ذلك حتى يرجع إلى بلده، ما لم يقطع ذلك السفر ويعزم على الإقامة.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الحجاج يقصرون بمكة ومنى وعرفة وإن كانت إقامتهم في هذه النواحي المتجاورة أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن أنسًا ﵁ ذكر إقامتهم عشرة أيام، ومعلوم أن العشرة أيام لم تكن كلها بمكة، كما هو ظاهر اللفظ، وإنما مراده: مكة وما حواليها.\nوقد نقل المجد ابن تيمية عن الإمام أحمد أنه قال: (إنما وجه حديث","vol":"3","page":468},{"text":"أنس أنه حَسَبَ مقام النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم بمكة ومنى، وإلا فلا وجه له غير هذا، واحتج بحديث جابر …) (^١).\nوهذا القصر بالنسبة للآفاقيين واضح؛ لأنهم مسافرون، وإنما الإشكال في قصر أهل مكة، والصواب كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (أنهم إنما قصروا لأجل سفرهم لا لأجل النسك، ولهذا لم يكونوا يقصرون بمكة وإن كانوا محرمين) (^٢).\nوذلك لأنهم برزوا وقطعوا تلك المسافة وتزوَّدوا وباتوا وغابوا، وهذه من أوصاف السفر، وإلا فإن الإنسان قد يذهب من مكة إلى عرفة في ذلك الوقت لغرض ويرجع من ساعته أو يومه ولا يُعدُّ مسافرًا.\nوقد وقع الخلاف بين العلماء في مدة الإقامة التي إذا أقامها أثناء سفره يأخذ حكم السفر وسبب الخلاف - كما يقول ابن رشد (^٣) - أن الزمن أمر مسكوت عنه في الشرع، ولهذ استدل كل فريق بحال من الأحوال التي نقلت عن الرسول ﷺ أنه أقام فيها وقصر الصلاة.\n\nالوجه الرابع: استدل جمهور العلماء ومنهم: مالك، والشافعي، وأحمد (^٤) بهذا الحديث على أن المسافر إذا أقام لانتظار حاجة مقيدة بمدة معينة أنه يقصر إذا كانت إقامته أربعة أيام فما دونها أو إحدى وعشرين صلاة، وما زاد عن ذلك فإنه يتم لخروجه عن حكم المسافر، وهذا هو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز.\nووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قدم مكة صبيحةَ رابعةٍ من ذي الحجة؛ لأنه صلّى الفجر بذي طوى قبل إقامته بالأبطح، فأقام بها اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلّى الصبح في اليوم الثامن ثم خرج إلى منى وصلّى بها الظهر، وخرج من مكة متوجهًا إلى المدينة بعد أيام التشريق كما\n_________\n(^١) \"المنتقى\" (١/ ٦٦٩).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٤/ ١٢).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (١/ ٤٠٦ - ٤٠٧).\n(^٤) المصدر السابق، \"المجموع\" (٤/ ٣٥٩)، \"المغني\" (٣/ ١٤٧).","vol":"3","page":469},{"text":"ثبت في «الصحيحين»، فيكون أقام بالأبطح خمسة أيام متوالية منها ثلاثة تامة، ويومان ناقصان، وهما يوم الدخول وهو الرابع، ويوم الخروج وهو الثامن، وبهذا يتبين أن الجمهور يعدون اليوم الرابع من ذي الحجة مع أيام الإقامة، فتكون أربعة، ولا يعدون اليوم الثامن مع أن صلاة الفجر في اليوم الرابع وصلاة الظهر في اليوم الثامن فُعلتا في غير مكان الإقامة، وعليه فالأظهر أن الأيام ثلاثة لا أربعة، والصلوات عشرون لا إحدى وعشرون.\nقالوا: فإقامته ﷺ بالأبطح قبل الحج إقامة مقصودة قبل فعلها، ومحددة البداية والنهاية، وهي أطول إقامة فعلها رسول الله ﷺ بهذا الوصف، فيكون عليها مدار الحكم في تحديد مدة إقامة المسافر في سفره.\nوذلك أن القصر لا يجوز إلا لمن ضرب في الأرض، ومفهوم ذلك أن من توقف ضربه فقد امتنع قصره؛ لأنه لما فُقد الشرط فُقد المشروط، لكن هذه المدة - وهي الثلاثة الأيام - وجد لها مخصص من حكم الإقامة، فثبت جواز القصر فيها.\nقالوا: ويؤيد ذلك ما رواه العلاء بن الحضرمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث للمهاجر بعد الصَّدَر» (^١)، قال ابن حجر: (يستنبط من ذلك أن إقامة ثلاثة أيام لا تخرج صاحبها عن حكم المسافر) (^٢)، فدل ذلك على أن ثلاثة الأيام في حكم السفر، وما زاد على ذلك فهو في حكم الإقامة.\nوهذا القول بالتحديد فيه احتياط، وقد سئل الإمام أحمد: لِمَ لم يقصر من زاد على ذلك - أي على أربعة أيام ـ؟ قال: (لأنهم اختلفوا، فيؤخذ بالأحوط).\nونوقش هذا التحديد بأمرين:\nالأول: أنه لو كانت هذه هي مدة القصر لبيَّنها النبي ﷺ أوضح بيان،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٩٣٣)، ومسلم (١٣٥٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٦٧).","vol":"3","page":470},{"text":"كما جاء بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالأيام؛ كمدة المسح على الخفين، والعِدَدِ، وأيام الصيام، والكفارات، وغير ذلك مما حاجة الناس إليه أقل بكثير من الحاجة لمدة القصر، فهذا يدل على أن أعداد الأيام غير مراد، قال ابن تيمية: (ولو كان هذا حدًّا ناقلًا بين المقيم والمسافر لبيَّنه للمسلمين) (^١).\nالثاني: أن النبي ﷺ لم يأمر من جاء قبله بيوم أو أكثر بالإتمام؛ لكونه زاد على أربعة أيام (^٢)، مع حاجة الجمع الكثير معه إلى فقه هذه المسألة، وقد يقال: إن من المقرر في الأصل أن الأفعال لا عموم لها، فيجب الاقتصار على دلالة ما فعله، دون أن يُحتج به على ما لم يفعله.\nالقول الثاني: أن الإقامة تحدد بعشرة أيام (^٣)، أخذًا بهذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ أقام عشرة أيام في مكة في حجة الوداع، فأدخلوا إقامته ﷺ في منى وفي عرفة، وهذا القول وإن كان له قوته وله وجاهته - كما قال الشيخ عبد العزيز بن باز (^٤) ـ، لكن الجمهور جعلوا توجهه من مكة إلى منى شروعًا في السفر؛ لأنه توجه إلى منى ليؤدي مناسك الحج، ثم يسافر إلى المدينة.\nوالقول الثالث: أن المرجع في ضابط الإقامة التي ينقطع بها حكم السفر إلى العرف، فمن أقام إقامة عرفية فقد انقطع سفره وانتهى ترخّصه، ودليل ذلك أنه لم يأت في الكتاب والسنة ما يدل على التحديد، وما ورد من ذلك مختلف لا يصلح لتحديد معين؛ لأنها وقائع عينية غير مقصودة، بل وقعت اتفاقًا، لا تصلح أن يستدل بها على التحديد.\nوهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥)، وهو الذي يفهم من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب (^٦).\nيقول ابن تيمية: (ومن ذلك أنه علق الحكم بمسمى الإقامة كما علقه بمسمى السفر، ولم يفرق بين مقيم ومقيم)، وقال: (ما أطلقه الشارع يُعمل\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٤/ ١٣٨).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) انظر: \"المجموع\" (٤/ ٣٦٥).\n(^٤) \"فتاوى ابن باز\" (١٢/ ٢٧٨).\n(^٥) \"الفتاوى\" (١٩/ ٢٣٥) (٢٤/ ٣٦).\n(^٦) \"الدرر السنية\" (٣/ ٢٠٩).","vol":"3","page":471},{"text":"بمطلق مسماه ووجوده، ولم يجز تقديره بمدة) (^١)، وقال: (وأما من تبينت له السنة وعلم أن النبي ﷺ لم يشرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين، ولم يحدَّ السفر بزمان أو مكان، ولا حد الإقامة أيضًا بزمن محدد لا ثلاثة ولا أربعة ولا اثنا عشر ولا خمسة عشر، فإنه يقصر كما كان غير واحد من السلف يفعل …) (^٢).\nويؤيد ذلك ما يلي:\n١ - أن الشيخ ذكر أن المرجع إلى العرف في كل شيء لم يرد له حد في الشرع ولا في اللغة، ولا ريب أن الإقامة من هذا النوع إن لم نأخذ بحديث الباب.\n٢ - أنه اعتبر في فتاواه أمورًا عرفية، فقد أفتى ملاّح السفينة إذا كان معه امرأته وجميع مصالحه، وكذا الأعراب الذين يشتّون في مكان ويصيِّفون في مكان، أن هؤلاء لا يترخّصون حال إقامتهم.\nوعلى هذا فالقول بإرجاع الإقامة إلى العرف وجيه جدًّا، لما تقدم من أن كل اسم ليس له حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف؛ ولأن الصحابة ﵃ كانوا يسافرون مع النبي ﷺ ولا يسألون عن سبب ترخّصه في أوقات مسيره ونزوله، ولم يضع لهم ضابطًا معينًا مما يدل على أنه أمر معروف عندهم عرفًا.\nثم إن هذه المسألة من المسائل الاجتهادية - كما يظهر من الخلاف - لعدم وجود نص صريح سالم من المعارض، وعليه فمن أخذ بتحديد الإقامة بأربعة أيام فله سلف في ذلك وهم الجمهور، وفي ذلك احتياط كما تقدم، ومن رأى أن المرجع في ضابط الإقامة إلى العرف كضابط السفر فحسن، ولا يؤثر على هذا الاعتبار أن الناس قد يختلفون عرفًا في تحديد الإقامة؛ لأننا نقول:\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٤/ ٤٣٤).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٤/ ١٨).","vol":"3","page":472},{"text":"١ - أن اختلاف الناس لا يلغي الاعتداد بالعرف، وإلا لم يردَّ الشارع الناس إليه بمسائل كثيرة.\n٢ - أن أهل العلم بالشرع وواقع الحياة هم الذين يحددون ما يُختلف فيه.\n٣ - وما قد يشكل يرجع فيه إلى تحديد المدة بأربعة أيام، كما هو قول الجمهور، أو إلى الأصل وإلغاء الوصف الطارئ.\nأما الذين يقيمون خارج بلادهم للدراسة أو لغيرها مما يستدعي إقامتهم في تلك البلاد مدة طويلة فهؤلاء على القول الراجح يجب عليهم الإتمام والصيام، وليس لهم حكم المسافر.\nأما على القول بأن مدة الإقامة أربعة أيام فالأمر واضح، وهذا رأي الشيخ عبد العزيز بن باز (^١):\nوأما على القول بأن المرجع في تحديد الإقامة إلى العرف فلا ريب أن هؤلاء مقيمون بقطع السفر، ووجود نية الإقامة المستمرة مدة طويلة، ولصلاحية المكان الذي قصدوه للإقامة، وكل منهم معه جميع مصالحه مما يحتاجه المقيم، ومنهم من تكون معه زوجته وأولاده، وهذه أوصاف المقيم لا المسافر، وعلى هذا فالقول بأنهم يتمون ولا يقصرون، ويصومون ولا يفطرون قوي جدًّا، بل هم أكثر استقرارًا ممن كان في البحر معه امرأته وجميع مصالحه، ومع ذلك قال الإمام أحمد عنه: (إنه عندي لا يقصر) (^٢)، وكذلك أفتاه شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه لا يقصر ولا يفطر، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (١٢/ ٢٧٤).\n(^٢) \"مسائل الإمام أحمد\" لأبي داود ص (٧٤).","vol":"3","page":473},{"text":"<span data-type='title' id=toc-353>حكم من أقام لحاجته ولم يُجْمِعْ إقامة معينة</span>\n٤٣٥/ ٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ. وَفِي لَفْظٍ: بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ. وَفِي لَفْظٍ: بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لأَبِي دَاوُدَ: سَبْعَ عَشْرَةَ.\nوَفِي أُخْرَى: خَمْسَ عَشْرَةَ.\n٤٣٦/ ٨ - وَلَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ.\n٤٣٧/ ٩ - وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ ﵁: «أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يقْصُرُ الصَّلَاةَ». وَرُوَاتُهُ ثِقاتٌ؛ إِلاَّ أَنَّهُ اختُلِفَ فِي وَصْلِهِ.\n\nالكلام عليها من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه البخاري في كتاب «تقصير الصلاة» باب «ما جاء في تقصير الصلاة، وكم يقيم من يقصر؟» (١٠٨٠) من طريق عاصم وحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ … فذكره، وقال: (فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا).\nواللفظ الثاني عنده في كتاب «المغازي»، باب «مقام النبي ﷺ بمكة زمن الفتح» (٤٢٩٨)، من طريق عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، ولعل الحافظ أورد هذا اللفظ؛ لأن فيه تعيين محل الإقامة وأنه بمكة.","vol":"3","page":474},{"text":"وأما رواية أبي داود الأولى فهي من طريق حفص، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ بلفظ: (سبع عشرة)، وإسنادها صحيح على شرط البخاري، لكن رواية البخاري: (تسع عشرة) أرجح منها، وإلى هذا أشار أبو داود بعد سياق هذه الرواية، أو يصار إلى الجمع بينهما، فيكون من قال: سبعة عشر يومًا لم يعدَّ يوم الدخول ويوم الخروج (^١).\nوأما روايته الثانية فهي من طريق محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄ بلفظ: (خمس عشرة).\nوهذه الرواية ضعّفها النووي، وذلك لأن فيها محمد بن إسحاق، وهو صدوق مدلس، وقد عنعن (^٢)، لكن رد عليه الحافظ بأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي (^٣) من رواية عراك بن مالك، عن عبيد الله كذلك (^٤)، ومع ذلك فرواية البخاري أرجح على ما تقدم.\nوأما حديث عمران ﵁، فقد أخرجه أبو داود (١٢٢٩) من طريق علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين، قال: (غزوت مع رسول الله ﷺ وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، ويقول: «يا أهل البلد، صلوا أربعًا، فإنا قوم سَفْر»).\nوهذا إسناد ضعيف؛ لأن فيه علي بن زيد بن جُدْعان، قال عنه الإمام أحمد: (ليس بشيء) (^٥)، وقد ضعف الحديث النووي (^٦)، والحافظ ابن حجر (^٧).\nوأما حديث جابر ﵁ فقد أخرجه أبو داود (١٢٣٥) من طريق معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر ﵁، به.\nوقول الحافظ: (رواته ثقات إلا أنه اختلف في وصله) يشير إلى قول\n_________\n(^١) \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٤/ ٢٧٣).\n(^٢) \"الخلاصة\" (٢/ ٧٢٣).\n(^٣) \"السنن\" (٣/ ١٢١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٦٢).\n(^٥) \"بحر الدم\" ص (١١١).\n(^٦) \"الخلاصة\" (٢/ ٧٣٣).\n(^٧) \"التلخيص\" (٢/ ٤٨).","vol":"3","page":475},{"text":"أبي داود عَقِبَهُ: (غَيْرُ مَعْمَرٍ لا يُسنده)، والمعنى أنه لم يرو هذا الحديث متصلًا إلا معمر بن راشد، وقد خالفه علي بن المبارك فرواه عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن ثوبان، عن النبي ﷺ، مرسلًا، رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٤).\nقال النووي: (الحديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم، ولا يقدح فيه تفرد معمر، فإنه ثقة حافظ، فزيادته مقبولة) (^١).\nوهذا فيه نظر؛ لأمرين:\nالأول: أن أبا داود أراد بقوله: (غير معمر لا يسنده) إعلال الحديث، ولا يخفى على مثله - وهو من أئمة هذا الفن - أن معمرًا ثقة، ومع ذلك أعله بالتفرد بالوصل، فالرد عليه بأن معمرًا ثقة لا يكفي.\nالثاني: أن الظاهر عند التأمل ترجيح رواية علي بن المبارك وهي الإرسال؛ لأن روايته عن يحيى بن أبي كثير مقدمة على رواية غيره، حاشا رواية هشام الدستوائي والأوزاعي، قال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح: (عليُّ بن المبارك ثقة، كانت عنده كتب، بعضها سمعها من يحيى بن أبي كثير، وبعضها عرض) (^٢)، وقال ابن عدي: (ولعليٍّ أحاديث، وهو ثبت في يحيى مقدم فيه) (^٣).\n\nالوجه الثاني: هذه الأحاديث فيها دليل على أن المسافر إذا أقام في مكانٍ ما إقامة غير مقصودة ولا يعلم نهايتها، بل إن حاله وواقعه اقتضى أن يقيم فله أن يقصر ما أقام أبدًا، ولا يتقيد ذلك بمدة معينة.\nوهذا مذهب مالك، والشافعي - في أحد الأقوال - وأحمد وأبي ثور، والقول الثاني للشافعية: أنه يقصر إلى ثمانية عشر يومًا فقط، وهو المشهور عندهم، والقول الثالث: إلى تمام أربعة أيام فقط (^٤).\nوالظاهر أن التحديد في مثل هذه الأحوال والأوصاف غير وجيه، فإن\n_________\n(^١) \"الخلاصة\" (٢/ ٧٣٤).\n(^٢) \"مسائل الإمام أحمد\" (٢/ ٤٣٩).\n(^٣) \"الكامل\" (٥/ ١٨١ - ١٨٢).\n(^٤) \"المجموع\" (٤/ ٣٦٢)، \"المغني\" (٣/ ١٥٣)، \"حاشية الدسوقي\" (١/ ٣٦٤).","vol":"3","page":476},{"text":"النبي ﷺ أقام في مكة عام الفتح وفي تبوك إقامة طارئة غير مقصودة، وغير معلومة البداية ولا محددة النهاية، وإنما اقتضتها مصالح الجهاد وتأسيس قواعد الإسلام وإزالة آثار الشرك، فهو ﷺ لم ينو مدة معلومة، وعليه فلا يصح في ما ورد في ذلك أن يقال فيه: إنه أقل مدة للقصر أو أقصى مدة للإقامة، بل يقال: كل من أقام مدة غير معلومة فإن إقامته لا تكون قاطعة للسفر.\nويقاس على ذلك كل من قدم إلى بلد لقضاء عمل معين لا يدري متى ينتهي؛ كمن نزل بلدًا لتجارة أو مرافعة أو ملازمة غريم أو زيارة أو نزهة أو مراجعة الجهات الحكومية أو الأهلية، ونحو ذلك مما لا يعتبر المسافر معها قاطعًا لسفره.\nفالذي يظهر من مجموع الأحاديث أنه لا توقيت للقصر بشيء من المدة المختلفة التي أقامها الرسول ﷺ في أسفاره في بعض المواطن، مثل إقامته في مكة وتبوك، فإن ذلك واقع على ما اقتضاه الحال من الحاجة إلى تلك المدة التي أقامها، ولو دعت الحاجة إلى الزيادة عليها لاستمر القصر إلى فراغه، فهي إقامات وقعت اتفاقًا، وما وقع اتفاقًا لا يصح أن يكون حدًّا كما هو معلوم، وهذا ما فهمه عنه بعض أصحابه ﵃، فهذا ابن عمر ﵄ أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، وكان يقول: (إذا أزمعت إقامة أُتم) (^١).\nفقد بقي ابن عمر هذه المدة يقصر؛ لأنه لم يقصد الإقامة بل كان مكرهًا عليها؛ لأنه حاصره الثلج فمنعه من السفر، ودلَّ قوله ذلك على أن المسافر يقصر ما لم يعزم على الإقامة.\nوبهذا يتم الجمع بين ما اختلف من الروايات في مدة إقامته ﷺ، وأن الصواب أن مدة الإقامة غير محددة بأيام معينة، كما تقدم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٣٣)، وسنده ليِّن، ورواه البيهقي (٣/ ١٥٢) من طريق آخر، وقال الحافظ في \"الدراية\" (١/ ٢١٢): (إسناده صحيح)، وانظر: \"الخلاصة\" (٢/ ٧٣٤).","vol":"3","page":477},{"text":"<span data-type='title' id=toc-354>حكم الجمع بين الظهر والعصر في السفر</span>\n٤٣٨/ ١٠ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايَة الْحَاكِمِ فِي «الأَرْبَعِينَ» بِإِسْنَاد الصَّحِيح: صلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، ثُمَّ رَكِبَ.\nوَلأَبِي نُعَيْمٍ فِي «مُسْتَخْرَجِ مُسْلِمٍ»: كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ، فَزَالَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ ارْتَحَلَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «تقصير الصلاة»، باب «يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس» (١١١١، ١١١٢)، ومسلم (٧٠٤) من طريق المفضل بن فضالة، عن عُقيل بن خالد بن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس ﵁، به.\nوالحديث بهذا السياق (صلّى الظهر ثم ركب) يدل على أنه ﷺ لم يكن يجمع بين الصلاتين في وقت الأولى جمع تقديم، وإنما في وقت الثانية، وهو دليل من منع جمع التقديم - كما سيأتي ـ.\nلكن جاء في كتاب «الأربعين» للحاكم، عن أبي العباس محمد بن يعقوب، عن محمد بن إسحاق الصنعاني - وهو أحد شيوخ مسلم ـ، عن حسان بن عبد الله، عن المفضل بالإسناد المذكور بلفظ: (صلّى الظهر والعصر","vol":"3","page":478},{"text":"ثم ركب)، وقد ذكر الحافظ - هنا - أن هذه الزيادة بإسناد الصحيح؛ أي بإسنادِ صحيحِ البخاري ومسلم، وفي أكثر نسخ «البلوغ»: (بإسنادٍ صحيح)، وهذا هو الأقرب والموافق لما في «التلخيص» (^١)، وممن صححها - أيضًا - المنذري والعلائي (^٢)، مع أن الحافظ تردد في ثبوتها في شرح الصحيح (^٣)، والذي يظهر أنها زيادة منكرة؛ لإعراض البخاري ومسلم عنها مع أنهما قد أخرجا أصل الحديث، فيدل ذلك على أنها زيادة معلولة، قال ابن تيمية لما تكلم عن شرط البخاري ومسلم: (وقد يترك من حديث الثقة ما علم أنه أخطأ فيه، فيظن من لا خبرة له أن كل ما رواه ذلك الشخص يحتج به أصحاب الصحيح، وليس الأمر كذلك) (^٤).\nوقال ابن رجب في أثناء كلامه على «الصحيحين»: (فَقَلَّ حديث تركاه إلا وله علة خفية، لكن لعزة من يعرف العلل كمعرفتهما وينقده، وكونه لا يتهيأ الواحد منهم إلا في الأعصار المتباعدة، صار الأمر في ذلك إلى الاعتماد على كتابيهما والوثوق بهما والرجوع إليهما، ثم بعدهما إلى بقية الكتب المشار إليها) (^٥).\nوهذا الحديث أخرجه أبو نعيم في «مستخرجه» (^٦): حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ومخلد بن جعفر، قالا: ثنا جعفر الفريابي، ثنا إسحاق بن راهويه، ثنا شبابة … إلخ إسناد مسلم (٧٠٤) (٤٧)، وشيخ مسلم عمرو الناقد قال: حدثنا شبابة …\nوأُعلَّت هذه الرواية بتفرد إسحاق عن شبابة، وبتفرد الراوي عن إسحاق، وهو جعفر الفريابي، لكن قال الحافظ: (ليس ذلك بقادح، فإنهما إمامان حافظان) (^٧).\n_________\n(^١) (٢/ ٥٢).\n(^٢) \"التلخيص\" (٢/ ٥٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٨٣).\n(^٤) \"الفتاوى\" (١٨/ ٤٢).\n(^٥) \"الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة\" ص (٢٥).\n(^٦) (٢/ ٢٩٤)، والمستخرج: هو أن يأتي المصنف إلى كتاب من كتب الحديث فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه أو من فوقه.\n(^٧) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٨٣).","vol":"3","page":479},{"text":"ومع أن هذه الزيادة في جمع التقديم ضعيفة إلا أن جمع التقديم ثبت في أحاديث أخرى، ومنها حديث جابر ﵁ في جمع النبي ﷺ في عرفات جمع تقديم (^١)، وكذا حديث ابن عباس ﵄ الآتي، وورد في حديث معاذ ﵁ الآتي - أيضًا - من رواية أبي داود والترمذي وأحمد في غزوة تبوك.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على جواز الجمع بين الظهر والعصر جمع تأخير في وقت العصر إذا غادر المسافر مكانه قبل الزوال؛ لأنه لم يدخل وقت الظهر، فيؤخرها مع العصر.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على جواز الجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم في وقت الظهر إذا ارتحل المسافر بعد الزوال من مكانه، وهذا إنما يتم بالنسبة لهذا الحديث إن صحت زيادة: (صلّى الظهر والعصر جميعًا ثم ارتحل) وإلا فهو خاص بجمع التأخير، كما تقدم.\nوأما جمع التقديم فقد دل عليه أحاديث أخرى، كما تقدم في الجمع بعرفة بين الظهر والعصر في وقت الظهر، وكذا حديث ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ جمع بين الصلاتين في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء …) (^٢)، فهو يدل بعمومه على جمع التقديم وجمع التأخير، وكذا حديث معاذ ﵁: (أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخَّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجَّل العصر إلى الظهر وصلّى الظهر والعصر جميعًا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخَّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب) (^٣).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٢١٨).\n(^٢) رواه مسلم (٧٠٥)، وعلقه البخاري (١١٠٧).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٢٢٠)، والترمذي (٥٥٣)، واْحمد (٣٦/ ٤١٣) من طريق قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن معاذ، به، وقد أعله كبار المحدثين كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود والترمذي وغيرهم بتفرد قتيبة به عن الليث، وأشار البخاري إلى أن بعض الضعفاء أدخله على =","vol":"3","page":480},{"text":"وقد أجمع العلماء على مشروعية الجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم بعرفة، والجمع بين المغرب والعشاء ليلة مزدلفة، وممن حكى الإجماع ابن المنذر، وابن قدامة، والنووي، وابن رشد، وغيرهم (^١)، ثم اختلفوا فيما عدا ذلك، فمنهم من منع الجمع إلا فيما ذُكِرَ، وهم الحنفية وبعض التابعين (^٢)، واحتجوا بأن المواقيت ثبتت بالتواتر، فلا يجوز تركها بخبر واحد، وحملوا أحاديث الجمع على الجمع الصوري، وهو أن يصلي الأولى في آخر وقتها، والأخرى في أول وقتها.\nوهذا مذهب ضعيف لا يعوّل عليه، فإن الجمع ليس تركًا لأدلة المواقيت، لكنه تخصيص لها في بعض الحالات بسنة الرسول ﷺ، وأما قولهم بالجمع الصوري فهو ضعيف أيضًا؛ لأن الجمع رخصة، وإيقاع كل صلاة في وقتها أهون مما ذكروه وضيقوا به.\nومن أهل العلم من قال بالجمع ثم اختلفوا على أقوال:\nالأول: جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بعذر السفر جمع تقديم أو جمع تأخير، وهذا قول الشافعي، وأحمد في المشهور، ومالك في رواية (^٣)، واستدلوا بحديث أنس على جمع التأخير، وحديث معاذ (^٤) على جمع التقديم.\nوالقول الثاني: أن الجمع مختص بحالة الجد في السفر، وهو المشهور عن مالك في رواية ابن القاسم عنه (^٥)، لحديث ابن عمر ﵄ قال: (كان\n_________\n= قتيبة، كما أُعلَّ بعنعة يزيد بن أبي حبيب، وقد رد ذلك ابن القيم في \"زاد المعاد\" (١/ ٤٧٨ - ٤٨١) وتبعه الألباني، لكن حكم الأئمة الكبار مقدم على كلام من جاء بعدهم، لأنهم أهل الرواية، ولهم المعرفة التامة بعلل الحديث ورجاله، وقد سبق مثل هذا، وليس الاعتماد على هذا الحديث في جمع التأخير.\n(^١) \"المغني\" (٥/ ٢٦٤)، \"بداية المجتهد\" (١/ ٤١٠).\n(^٢) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ٤٥٨)، \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٦٢).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (١/ ٤١٢)، \"المجموع\" (٤/ ٣٧٠)، \"المغني\" (٣/ ١٢٧).\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) \"شرح الزرقاني على الموطأ\" (١/ ٢٩٥).","vol":"3","page":481},{"text":"النبي ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدَّ به السير) (^١)، وهذا قول مرجوح.\nوالقول الثالث: جواز جمع التأخير ومنع جمع التقديم، وهذا رواية عن أحمد (^٢)، وهو قول ابن حزم الظاهري (^٣)، بشرط الجد في السفر، واستدلوا بحديث أنس المذكور في «الصحيحين»، وليس فيه ذكر جمع التقديم.\nوالقول الأول هو الراجح في هذه المسألة، لقوة أدلتهم، فإن أدلة جمع التقديم وإن كان فيها مقال لكن باجتماعها تقوى، وتؤيدها أدلة أخرى؛ كجمع عرفة، وعمومات جاءت في الجمع، إضافة إلى حكمة التشريع، وذلك مما يتمشى مع يسر الشريعة الإسلامية ورفع الحرج عن المكلفين.\nوعلى المسافر أن يفعل الأرفق به، فإن كان الأرفق جمع التقديم قدم العصر مع الظهر والعشاء مع المغرب، وإن كان الأرفق به جمع التأخير أخر الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء، فإن استويا فالتأخير أفضل؛ لأن أحاديثه أصح، ولأن تأخير الصلاة عن وقتها لعذر أخف من تقديمها على وقتها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٠٦)، ومسلم (٧٠٣).\n(^٢) \"المغني\" (٣/ ١٢٩ - ١٣٠).\n(^٣) \"المحلى\" (٣/ ١٦٥).","vol":"3","page":482},{"text":"<span data-type='title' id=toc-355>حكم جمع المسافر سائرًا أو نازلًا</span>\n٤٣٩/ ١١ - عَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ؛ فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم (٧٠٦) في كتاب «صلاة المسافرين»، باب «جواز الجمع بين الصلاتين في السفر» من طريق زهير، حدثنا أبو الزبير، عن أبي الطفيل عامر، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: … فذكره.\nوأخرجه من طريق قرة بن خالد، حدثنا أبو الزبير، حدثنا عامر بن واثلة أبو الطفيل، حدثنا معاذ بن جبل، بنحوه، وفي آخره قال: (فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال: فقال: أراد ألا يحرج أمته).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على جواز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في السفر، سواء أكان المسافر سائرًا أم نازلًا، وتستفاد دلالته على جمع النازل من أن الرسول ﷺ مكث في تبوك عشرين ليلة، كما تقدم.\nوقد رواه مالك (١/ ١٤٣) ومن طريقه مسلم (٤/ ١٧٨٤) ولفظه: (فأخر الصلاة يومًا، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا).\nوهذا يدل على أنه جَمَعَ وهو نازل غير سائر؛ لأن قوله: (دخل ثم خرج) لا يكون إلا في حال النزول.","vol":"3","page":483},{"text":"وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الجمع على ثلاث درجات:\nالأولى: إذا كان سائرًا في وقت الأولى ونزل وقت الثانية، فهذا هو الجمع الذي ثبت في «الصحيحين» - يعني جمع التأخير - من حديث أنس وابن عمر ﵃، وهو نظير جمع مزدلفة.\nالثانية: إذا كان وقت الثانية سائرًا أو راكبًا فجمع في وقت الأولى، فهذا نظير الجمع بعرفة، وعليه يدل حديث معاذ ﵁.\nالثالثة: إذا كان نازلًا في وقتهما جميعًا نزولًا مستمرًا، فهذا - كما يقول عنه ابن تيمية ـ: (ما علمت عليه دليلًا إلا حديث معاذ هذا، فإن ظاهره أنه كان نازلًا، وهذا في تبوك، وهي آخر غزوات النبي ﷺ ولم يسافر بعدها إلا حجة الوداع، ولم ينقل أنه جمع إلا في عرفة ومزدلفة، وأما منى فكان يقصر الصلاة ولا يجمع، فهذا يدل على أنه كان يجمع أحيانًا في السفر، وأحيانًا لا يجمع، وهو الأغلب على أسفاره) (^١).\nوعلى هذا فالجمع مشروع عند الحاجة إليه، سواء أكان المسافر سائرًا أم نازلًا، والغالب أن المحتاج للجمع هو السائر، أما النازل فالأفضل ألا يجمع، إلا إن احتاج لذلك؛ كأن يحتاج لنوم أو استراحة أو أكل فله الجمع؛ لأن المسافر وإن كان نازلًا قد يعرض له أحوال يحتاج معها إلى الجمع بين الصلاتين.\nوينبغي أن يعلم أن الجمع ليس خاصًّا بالسفر، بل يجوز في الحضر عند الحاجة إليه؛ كمريض احتاج للجمع، أو برد شديد نزل بالناس، ونحو ذلك مما يتحقق به رفع الحرج عن الأمة، وقد دل على ذلك حديث ابن عباس: (أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر)، قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: (أراد ألا يحرج أمته)، وفي رواية: (من غير خوف ولا سفر) (^٢)، قال الشيخ عبد العزيز بن\n_________\n(^١) انظر: \"الفتاوى\" (٢٤/ ٦٣ - ٦٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٠٥).","vol":"3","page":484},{"text":"باز: (الصواب حمل الحديث على أنه ﷺ جمع بين الصلوات المذكورة لمشقة عارضة ذلك اليوم من مرض غالب، أو برد شديد، أو وحل ونحو ذلك، ويدل على ذلك قول ابن عباس ﵄ لما سئل عن علة هذا الجمع قال: (لئلا يحرج أمته)، وهو جواب عظيمٌ سديدٌ شافٍ، والله أعلم) (^١).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٤).","vol":"3","page":485},{"text":"<span data-type='title' id=toc-356>تحديد مسافة القصر</span>\n٤٤٠/ ١٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ؛ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفانَ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، كَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الدارقطني (١/ ٣٨٧) ومن طريقه البيهقي (٣/ ١٣٧ - ١٣٨) من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه وعطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﵄، مرفوعًا.\nوإسناده ضعيف جدًّا لأمرين:\nالأول: أن إسماعيل بن عياش إذا روى عن غير الشاميين كالحجازيين فروايته ضعيفة، وهذا منها.\nالثاني: عبد الوهاب بن مجاهد: متروك الحديث.\nولا يصح هذا الخبر إلا موقوفًا، كما قال البيهقي، والحافظ ابن حجر.\nوقد ذكره البخاري معلقًا موقوفًا في باب «كم يقصر الصلاة؟» فقال: (وكان ابن عمر وابن عباس ﵃ يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخًا) (^١)، وقد وصله البيهقي (٣/ ١٣٧) بإسناد صحيح، وأخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٢٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٤٥) عن عطاء عن ابن عباس\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٥٦٥).","vol":"3","page":486},{"text":"قال: (لا تقصر إلى عرفة وبطن نخلة، واقصر إلى عُسفان والطائف وجُدَّة) قال الحافظ: (إسناده صحيح) (^١).\n\nالوجه الثاني: تقدم أن الجمهور استدلوا بهذا الحديث على أن مسافة القصر أربعة برد فصاعدًا، وهي بضعة وثمانون كيلًا.\nوقد تقرر أن الحديث ضعيف جدًّا، وصح موقوفًا على ابن عباس وابن عمر ﵃، لكن له ما يعارضه، كما تقدم في حديث أنس: (أنه ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ قصر الصلاة).\nكما أن ما ورد عن ابن عباس وابن عمر ﵃ في أربعة برد، ورد عنهما ما يخالف ذلك، فقد ورد عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (إذا كان سفرك يومًا إلى العتمة فلا تقصر الصلاة، فإن جاوزت ذلك فاقصر) (^٢) وورد عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (لو خرجت ميلًا لقصرت الصلاة) (^٣)، وورد عنه روايات كثيرة مختلفة، ولهذا رجحنا أن السفر يُرجع في تحديده إلى عرف الناس، والعلم عند الله تعالى.\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (٢/ ٤٩).\n(^٢) رواه عبد الرزاق (٢/ ٥٢٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٤٥)، وانظر: \"الاستذكار\" (٦/ ٨٦)، \"المغني\" (٣/ ١٠٦).\n(^٣) هذا الأثر علقه ابن حزم في \"المحلى\" (٥/ ٨) ونقله عنه ابن تيمية في \"الفتاوى\" (٢٤/ ١٢٨) وذكره الحافظ في \"فتح الباري\" (٢/ ٥٦٧) وقال: (إسناده صحيح)، وانظر: \"السلسلة الصحيحة\" رقم (١٦٣).","vol":"3","page":487},{"text":"<span data-type='title' id=toc-357>القصر في السفر أفضل من الإتمام</span>\n٤٤١/ ١٣ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «خَيْرُ أُمَّتي الَّذِينَ إِذَا أَسَاءوا اسْتَغْفَرُوا، وَإِذَا سَافَرُوا قَصَرُوا وَأَفْطَرُوا». أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الأوْسَطِ» بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.\nوَهُوَ في مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مُخْتَصَر.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٧/ ٢٨٦) وفي «الدعاء» (٣/ ١٦٠٥) من طريق عبد الله بن يحيى بن معبد المرادي، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «خير أمتي الذين إذا أساءوا استغفروا، وإذا أحسنوا استبشروا، وإذا سافروا قصروا وأفطروا».\nقال الطبراني: (لم يَروِ هذا الحديث عن أبي الزبير إلا ابن لهيعة، تفرد به عبد الله بن يحيى بن معبد المرادي).\nوهذا إسناد ضعيف؛ لحال ابن لهيعة، فإنه سيئ الحفظ، وتلميذه عبد الله بن يحيى لم أجد له ترجمة.\nوقد أخرجه أبو حاتم كما في «العلل» لابنه (١/ ٢٥٥) من طريق خالد العبد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ، به.\nوهذا سند ضعيف جدًّا؛ لأن خالد العبد ترجم له ابن عدي، وذكر أنه متهم بالوضع (^١).\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٣/ ٢٣).","vol":"3","page":488},{"text":"وقد ذكر البخاري في «تاريخه» هذا الحديث بهذا الإسناد، ثم قال عن خالد: (منكر الحديث) (^١).\nوقول الحافظ: (وهو في مرسل سعيد عند البيهقي مختصر)، لعله يقصد أنه عند البيهقي في «المعرفة» (^٢)، فقد أخرجه من طريق الربيع، أخبرنا به الشافعي، عن ابن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ: «خياركم الذين إذا سافروا قصروا وأفطروا» أو قال: «لم يصوموا»، وهو في مسند الشافعي (^٣).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على فضل الاستغفار بعد الإساءة، وعلى أن القصر في السفر أفضل من الإتمام، وأن الفطر فيه أفضل من الصيام، والحديث ضعيف جدًّا كما تقدم، وهذه المسائل الثلاث دل عليها أدلة أخرى صحيحة.\nأما الاستغفار بعد الإساءة فقد دل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وقد تكرر في القرآن الكريم ذكر التوبة والاستغفار والأمر بهما والحث عليهما ومدح المستغفرين، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وقال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧] ووعد بالمغفرة لمن استغفره، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].\nوفي «صحيح مسلم» من حديث أبي ذر ﵁: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم …» (^٤)، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مئة مرة» (^٥).\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١٦٥).\n(^٢) \"معرفة السنن والآثار\" (٤/ ٢٥٩).\n(^٣) \"المسند\" (١/ ١١٤ - ١١٥).\n(^٤) \"الصحيح\" (٢٥٧٧).\n(^٥) أخرجه البخاري (٦٣٠٧).","vol":"3","page":489},{"text":"وكثيرًا ما يُقرن الاستغفار بالتوبة، فيكون الاستغفار حينئذٍ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع عن الذنوب بالقلب والجوارح.\nوأما الاستغفار باللسان مع إصرار القلب على الذنب فهو دعاء مجرد، إن شاء الله أجابه، وإن شاء ردَّه، وقد يكون الإصرار مانعًا من الإجابة.\nوالاستغفار: طلب المغفرة؛ لأن السين والتاء للطلب، وسيد الاستغفار: أي سيد صيغ طلب المغفرة.\nوالمغفرة: الستر للذنب، والتجاوز عن الخطايا، والمراد: الاستغفار المقرون بعدم الإصرار، كما دلت عليه الآية الكريمة، وهو الاستغفار التام الموجب للمغفرة.\nوأما تفضيل القصر على الإتمام فقد تقدم.\nوأما تفضيل الفطر في السفر على الصيام، فسيأتي - إن شاء الله تعالى - في كتاب «الصيام»، والله تعالى أعلم.\nانتهى الجزء الثالث،\nويليه بعون الله وتوفيقه الجزء الرابع،\nوأوله: باب «صلاة الجمعة»","vol":"3","page":490},{"text":"<span data-type='title' id=toc-358>باب صلاة الجمعة</span>\nالجمعة: بضم الجيم والميم، ويجوز تسكين الميم تخفيفًا، والأولى هي قراءة الجمهور في الآية الكريمة: ﴿… إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: ٩] وهي مشتقة من الجمع، بمعنى الاجتماع والتأليف ضد التفرق، وسمي بذلك لأن الله تعالى جمع فيه من الأمور الكونية والشرعية ما لم يجمعه في غيره، ففيه كمل خلق السماوات والأرض، وخلق آدم، وفيه تقوم الساعة، ويبعث الناس، وفيه صلاة الجمعة، واجتماع الناس عليها.\nويوم الجمعة من أفضل الأيام عند الله تعالى، ادخره الله لهذه الأمة لشرفها وكرمها على الله تعالى، وفيه من الفضائل، وله من الخصائص ما جعل النبي ﷺ يعظمه ويخصه بعبادات ليست لغيره (^١).\nوقد ورد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"نحن الآخرون، ونحن السابقون يوم القيامة، بيد أن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا اليوم الذي كتبه الله علينا، هدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد\" (^٢).\nوعنه أيضًا ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة\" (^٣).\nوإذا كان الله تعالى فضلنا على سائر الأمم بهذا اليوم فعلينا أن نشكره\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (١/ ٣٧٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٧٦)، ومسلم (٨٥٥) واللفظ له.\n(^٣) أخرجه مسلم (٨٥٤).","vol":"4","page":5},{"text":"على هذه النعمة العظيمة، ومن شكره أن نهتم بهذا اليوم وأن نستشعر عظم هذا العطاء الذي هو زيادة في ثوابنا ورفعة في درجاتنا، وذلك بأن نخص هذا اليوم بمزيد من الطاعة، والإقبال على العبادة بالصلاة، وتلاوة القرآن، والمبادرة إلى حضور الجمعة، وغير ذلك من طرق الخير وسبل الطاعات.\nوأكثر الناس في زماننا هذا لا يرون يوم الجمعة إلا أنه يوم نوم وكسل، وصار من آثار ذلك السهر في الليل، والنوم في النهار، والتأخر عن الحضور إلى الجمعة كما هو مشاهد، وقد استقر في أذهان الناس أنه أفضل أيام الأسبوع، لكنهم لا يعملون بمقتضى علمهم، وهذا من علامات الحرمات، فالله المستعان.\n\n* * *","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-359>الترهيب من ترك الجمعة</span>\n٤٤٥/ ١ - [*] عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة ﵁ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: \" لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين\". رواه مسلم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"الجمعة\"، باب \" التغليظ في ترك الجمعة\" (٨٦٥) من طريق معاوية وهو ابن سلام عن زيد يعني أخاه أنه سمع أبا سلام قال: حدثني الحكم بن ميناء، أن عبد الله بن عمر وأبا هريرة حدثاه أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: … الحديث.\nووقع عند النسائي في \"سنته\" (٣/ ٨٨) (ابن عباس) بدل (أبي هريرة)، ورواه ابن خزيمة (٣/ ١٧٥) من طريق الحكم بن ميناء، عن أبي هريرة وأبي سعيد، ولعل الحكم سمعه من الجميع، فأنه قد روى عن المذكورين (^١)، وقد تكلم عليه الدارقطني، وذكر الاختلاف في إسناده (^٢).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (على أعواد منبره) المنبر: اسم آلة، مأخوذ من النبر وهو الرفع؛ لأنه يتخذ للارتفاع عليه، وتعلية الصوت، وكان منبره ﷺ من أعواد الطرفاء، وهو نوع من الأثل.\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩).\n(^٢) انظر: \"العلل\" (١٣/ ١٥٢)، \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٣/ ١٧١ - ١٧٢).\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: كذا بالمطبوع، قفز في الترقيم","vol":"4","page":7},{"text":"قوله: (عن ودعهم) أي: تركهم، من ودع الشيء: إذا تركه، يقال: ودعته أدعه ودعًا، وزعم النحاة أن العرب أماتت ماضي \"يدع\" ومصدره، واسم الفاعل، وفي هذا الحديث رد عليهم، فقد ثبت المصدر عن أفصح العرب، وثبت الماضي واسم الفاعل في بعض الأشعار (^١)، فلو عبروا بالقلة بدل الإماتة لكان أحسن.\n\nقوله: (الجمعات) بضم الجيم والميم، جمع جمعة.\n\nقوله: (أو ليختمن الله على قلوبهم) الختم: الطبع والتغطية، وأصل الختم: الاستيثاق من الشيء بوضع الخاتم عليه حتم لا يعلم ما فيه، ومثله الطبع، والقلب إذ ختم عليه لو يع ما ينفعه، ولم يسمع ما يفيده، فلا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، وهذا من أكبر الخذلان عياذًا بالله وقد ورد عن أبي الجعد الضمري وكانت له صحبة أن رسول الله ﷺ قال: \" من ترك ثلاث جمع تهاونًا بها طبع الله على قلبه\" (^٢).\nوالمراد بالتهاون: الترك من غير عذر، وقيل: التكاسل وعدم الجد في أداء الجمعة لا الاستهانة والاستخفاف فإنه كفر، والمراد بيان كونها معصية عظيمة.\nقال العراقي: (والمراد بالطبع: أنه يصير قلبه قلب منافق) (^٣)، وكأنه أخذه من قوله تعالى: ﴿فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾ [المنافقون: ٣].\n\nقوله: (ثم ليكونن من الغافلين) أي: إذا ختم على القلب وطبع عليه صار صاحبه من الغافلين اللاهين الذين غفلوا عن اكتساب ما ينفعهم وترك ما يضرهم.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على عظم شأن صلاة الجمعة وشدة فرضيتها وأن تاركها قد تعرض لعقوبة عظيمة، وهي الختم والطبع على قلبه،\n_________\n(^١) \"اللسان\" (٨/ ٣٨٣ - ٣٨٤) مادة \"ودع\".\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٠٥٢)، والترمذي (٥٠٠)، والنسائي (٣/ ٨٨)، وابن ماجه (١١٢٥)، وقال الترمذي: (حديث حسن).\n(^٣) \"تحفة الأحوذي\" (٣/ ١٣).","vol":"4","page":8},{"text":"فلا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، ولا يعي خيرًا، ولا تغشاه رحمة الله، ولا ألطافه، فلا يزكيه ولا يطهره، بل يبقى دنسًا تغشاه ظلمات الذنوب والمعاصي، ثم يكون من الغافلين الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم.\nقال القاضي عياض: (هذا الحديث حجة بينة في وجوب الجمعة وكونها فرضًا، إذ العقاب والوعيد والطبع والختم إنما يكون على الكبائر) (^١).\nفعلى من كان متساهلًا بهذه الفريضة العظيمة أن يبادر بالتوبة النصوح، وأن يحرص على أدائها والاهتمام بها بالتبكير وسماع الخطبة، والاستفادة منها، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"إكمال المعلم\" (٣/ ٢٦٥).","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-360>وقت الجمعة زمن النبي ﷺ</span>\n٤٤٦/ ٢ - عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به. متفق عليه. واللفظ للبخاري.\nوفي لفظ لمسلم: كنا نجمع معه إذا زالت الشمس، ثم نرجع، نتتبع الفيء.\n٤٤٧/ ٣ - وعن سهل بن سعد ﵁ قال: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة. متفق عليه، واللفظ لمسلم.\nوفي رواية: في عهد رسول الله ﷺ.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nفالأول: هو سلمة بن عمرو بن سنان الأسلمي ﵁، وهو منسوب إلى جده سنان، ولقبه: الأكوع، كان سلمة ﵁ شجاعًا عداءً يسبق الخيل، وأول مشاهده غزة الحديبية، وقد بايع النبي ﷺ فيها على الموت مرتين أو ثلاثا (^١)، واستنقذ لقاح النبي ﷺ من أربعين رجلًا من غطفان أغاروا عليها فأخذوها، فلحقهم حتى أدركهم وجعل يرميهم ويرتجز:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٦٠) (٤١٦٩)، ومسلم (١٧٠٧)، وتكررت بيعة سلمة إما لأنه كان مقدامًا في الحرب فأكد عليه العقد احتياطًا، أو لأنه يقاتل قتال الفارس والراجل فتعددت البيعة بتعدد الصفة. (\"فتح الباري\" ٦/ ١١٩).","vol":"4","page":10},{"text":"أنا ابن الأكوع … واليوم يوم الرضع (^١)\nحتى افتكها واستلب منهم ثلاثين بردة ورمحًا، فأعطاه النبي ﷺ سهمين: سهم الفارس، وسهم الراجل (^٢)، توفي ﵁ بالمدينة سنة أربع وسبعين (^٣).\nوالثاني: هو أبو العباس سهل بن سعد بن مالك الأنصاري الخزرجي ﵁ كان اسمه حزنًا، فسماه النبي ﷺ سهلًا (^٤).\nروى عنه ابن عباس، وأبو حازم الأعرج، وابن شهاب الزهري، وآخرون، وروى عن النبي ﷺ أحاديث، وهو من مشاهير الصحابة، كان عمره حين توفي النبي ﷺ خمس عشرة سنة، ومات بالمدينة سنة إحدى وتسعين، وهو آخر من توفى منهم بالمدينة على قول بعض المحدثين (^٥).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث سلمة فقد أخرجه البخاري في كتاب \"المغازي\"، باب \"غزوة الحديبية\" (^٦) (٤١٦٨)، ومسلم في كتاب \"الجمعة\"، باب \"صلاة الجمعة حين تزول الشمس\" (٨٦٠) من طريق يعلى بن الحارث المحاربي، حدثنا إياس بن سلمة بن الأكوع، قال: حدثني أبي وكان من أصحاب الشجرة، قال: … فذكره.\n_________\n(^١) أي: يوم هلاك اللئام، وهم الرضع، من قولهم: لئيم راضع، أي: رضع اللؤم في بطن أمه، وقيل غير ذلك. (شرح النووي ١١/ ٤١٥).\n(^٢) القصة بطولها في \"صحيح مسلم\" (١٨٠٧).\n(^٣) \"الاستيعاب\" (٤/ ٢٢٧)، \"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ٣٢٦)، \"الإصابة\" (٢٣٣)، \"تنبيه الأفهام\" (٢/ ١٠٨).\n(^٤) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٦/ ١٢٢)، وفي إسناده عبد المهيمن ابن عباس وهو ضعيف.\n(^٥) \"الاستيعاب\" (٤/ ٢٢٧)، \"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ٤٢٢)، \"الإصابة\" (٤/ ٢٧٥).\n(^٦) لعله أخرجه في \"المغازي\" لقوله: (وكان من أصحاب الشجرة)، كما ذكر الحافظ (٧/ ٤٥٠ \"فتح الباري\").","vol":"4","page":11},{"text":"وهذا لفظ البخاري، كما قال الحافظ، ولفظ مسلم: (فنرجع وما نجد للحيطان فيئًا نستظل به).\nوفي رواية لمسلم (٨٦٠) (٣١): (كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء)، وسأذكر إن شاء الله غرض الحافظ من إيراد هذه الرواية.\nوأما حديث سهل، فقد أخرجه البخاري في كتاب \" الجمعة\"، باب \"قول الله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ [الجمعة: ١٠] \" (٩٣٩)، ومسلم في الباب المذكور في الحديث قبله (٨٥٩) من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد، به.\n\nوقوله: (واللفظ لمسلم) لا داعي له؛ لأن اللفظ المذكور لهما معًا، لا فرق بينهما فيه.\nورواه مسلم (٨٥٩) من طريق علي بن حجر، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه، به، وزاد: (في عهد رسول الله ﷺ).\nولعل الحافظ ذكر هذه الرواية لبيان أن قيلولتهم وغداءهم بعد الجمعة إنما كان في زمن النبي ﷺ؛ لأن الرواية الأولى لم تبين ذلك، فيكون إخبارًا عن وقت صلاة النبي ﷺ؛ لأنه لا يصلي الجمعة في عهده أحد سواه.\n\n• الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ثم ننصرف) أي: إلى بيوتنا بعد الصلاة.\n\nقوله: (وليس للحيطان ظل يستظل به) أي: ليس للجدران ظل نتقي به الشمس، وإنما ظلها قصير لا يقي من الشمس، وليس المراد نفي الظل مطلقًا، وإنما المراد نفي ظل طويل يستظل به، بسبب صلاتهم الجمعة في أول وقتها قبل أن يستطيل الظل، بدليل الرواية الثانية التي عند مسلم: (ثم نرجع نتتبع الفيء)، ولعل هذا غرض الحافظ من إيرادها، وهو تأييد أن النفي للقيد، وهو قوله: (نستظل به) لا لأصل الظل، خلافًا لمن حمله على ذلك، كما سيأتي إن شاء الله.","vol":"4","page":12},{"text":"قوله: (كنا نجمع) بضم النون وتشديد الميم مكسورة: نصلي الجمعة.\n\nقوله: (إذا زالت الشمس) أي: مالت عن وسط السماء نحو المغرب.\n\nقوله: (نتتبع الفيء) أي: نتطلبه لنمشي فيه، والفيء: الظل بعد زال الشمس، سمي بذلك لرجوعه.\n\nقوله: (ما كنا نقيل) من القيلولة، وهي الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن معها نوم.\n\nقوله: (إلا بعد الجمعة) أي: بعد انصرافنا من صلاة الجمعة.\n\n• الوجه الرابع: اختلف العلماء في وقت صلاة الجمعة على قولين:\nالأول: أن وقتها وقت صلاة الظهر، أي: بعد زال الشمس إلى آخر وقت الظهر، فيجب أن تقع الخطبة والصلاة بعد الزوال.\nوهذا مذهب الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، اختارها الآجري، ورجحها ابن قدامة والمرداوي (^١).\nواستدلوا بحديث الباب على أن النفي في قوله: (وليس للحيطان ظل نستظل به) نفي للقيد، وهي الظل الذي يستظل به، وليس نفيًا للظل من أصله، وإذا ثبت أن هناك ظلًا دل على أنه ﷺ صلاها بعد الزوال.\nكما استدلوا بحديث أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة حين تميل الشمس) (^٢).\nوهذا يشعر بمواظبته ﷺ على صلاة الجمعة إذا زالت الشمس، كما قال الحافظ، وهو دليل صريح على أن وقت الجمعة عند زوال الشمس، مع أنه يحتمل أن المراد: يفرغ من صلاة الجمعة حين الزوال.\n_________\n(^١) \"الهداية\" (١/ ٨٣)، \"بداية المجتهد\" (١/ ٣٨١)، \"الأم\" (٢/ ٣٨٦)، \"المغني\" (٣/ ١٥٩)، \"الإنصاف\" (٢/ ٣٧٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٩٠٤) وبوّب عليه \"باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس\".","vol":"4","page":13},{"text":"كما استدلوا بأن الجمعة بدل من صلاة الظهر، والبدل يقوم مقام المبدل منه.\nالقول الثاني: أنه يجوز فعلها قبل الزوال، وهذا مذهب الحنابلة، والمنصوص عن أحمد، والذي عليه الأكثرون منهم أن أول وقتها وقت صلاة العيد، أي: بعد ارتفاع الشمس قدر رمح (^١).\nواستدلوا بحديث الباب على أن النفي راجع لأصل الظل، وليس للقيد الذي هو الاستظلال، والمعنى: وليس للحيطان ظل فنستظل به، فيدل على أنهم فعلوها قبل الزوال.\nوهذا الاستدلال فيه نظر، والأظهر ما تقدم، وهو أن المراد نفي الظل الطويل الذي يكفي في الاستظلال، بدليل اللفظ الثاني، على أن الحديث لا يدل على الصلاة في أول النهار، بل ضعف ابن قدامة هذا القول، فقال: (وأما فعلها في أول النهار فالصحيح أنه لا يجوز، لما ذكره أكثر العلماء، ولأن التوقيت لا يثبت إلا بدليل) (^٢).\nكما استدلوا بحديث سهل بن سعد المذكور، فإنه يدل على أنهم صلوا قبل الزوال؛ لأنه لم يكن الغداء ولا القيلولة بعد الزوال في ذلك الوقت، قال علماء اللغة: القيلولة: النوم نصف النهار، والغداء: هو الطعام الذي يؤكل أول النهار، وهذا فيه نظر، فإنه ليس بصريح على أنهم صلوها قبل الزوال، بل غاية ما يدل عليه أنهم كانوا يؤخرون القيلولة والغداء في هذا اليوم إلى ما بعد الجمعة؛ لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فواتها أو فوات التبكير إليها.\nكما استدلوا بحديث جابر ﵁ قال: (كنا نصلي مع رسول الله ﷺ ثم نرجع فنريح نواضحنا) (^٣)، وفي رواية: (حين تزول الشمس)، والنواضح: جمع ناضح، وهو الجمل الذي ينضح الماء من البئر.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٣/ ٢٣٩).\n(^٢) \"المغني\" (٣/ ٢٤١).\n(^٣) أخرجه مسلم (٨٥٨).","vol":"4","page":14},{"text":"فظاهر هذا أنهم يريحونها حين الزوال، فدل على أنهم صلوا الجمعة قبل الزوال، وهذا من أقوى الأدلة للقائلين بأن صلاة الجمعة قبل الزوال؛ لأنه ﷺ كان يخطب خطبتين ويجلس بينهما، وثبت عنه قراءة (ق)، وكان يصلي بـ ﴿سبح﴾ و﴿الغاشية﴾، وأحيانًا بـ ﴿الجمعة﴾ و﴿المنافقون﴾، ولو كانت خطبته وصلاته بعد الزوال ما كانت إراحة النواضح عند الزوال بل بعده بكثير.\nوعن أحمد رواية ذكرها الخرقي في \"مختصره\" (^١) أنه يجوز فعلها في الساعة السادسة، أي: قبيل الزوال، واختارها أيضًا أبو بكر عبد العزيز، وابن شاقلا، والموفق ابن قدامة صاحب \"المغني\"، والشارح عبد الرحمن بن قدامة صاحب \"الشرح الكبير\" (^٢)، وهذه الرواية أظهر مما قبلها، فتصلى قرب الزوال لا أول النهار، ويؤيد ذلك حديث جابر المذكور، فإنه يدل على أنهم صلوها قبيل الزوال.\nوهذا القول قوي جدًا؛ لأن الرسول ﷺ لما ذكر الساعات الخمس في حضور الناس إلى الجمعة، قال بعدها: \"فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر\" (^٣)، فظاهر هذا أن الإمام يخرج في الساعة السادسة (^٤).\nويؤيد ذلك حديث جابر المذكور فهو صريح في صلاتها قبل الزوال، وحديث سلمة يدل بظاهره على صلاتها قريب من الزوال، ولا داعي لتأويل هذه الأحاديث، فإن الأدلة التي تدل على صلاتها بعد الزوال لا تنافي أدلة جواز صلاتها قبل الزوال.\nعلى أن الأفضل والأحوط صلاتها بعد الزوال مع المبادرة بها رفقًا بالناس؛ لأنهم ينتظرونها فيشق عليهم التأخير؛ لأمرين:\n_________\n(^١) \"المغني\" (٣/ ٢٣٩)، \"شرح الزركشي\" (٢/ ٢٠٨).\n(^٢) \"الشرح الكبير\" (٥/ ١٨٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٨٤١)، ومسلم (٨٥٠).\n(^٤) انظر: \"الشرح الممتع\" (٥/ ٣٣).","vol":"4","page":15},{"text":"الأول: اتفاق الجميع على أن الأفضل بعد الزوال، حتى من يقول: إن وقتها قبل الزوال.\nالثاني: أن هذا هو الوقت الذي كان النبي ﷺ يفعلها فيه غالبًا.\nقال ابن قدامة: (الأولى أن لا تصلى إلا بعد الزوال، ليخرج من الخلاف، ويفعلها في الوقت الذي كان النبي ﷺ يفعلها فيه في أكثر أوقاته، ويعجلها في أول وقتها؛ لأن النبي ﷺ كان يعجلها، ولأن الناس يجتمعون لها في أول وقتها، فلو انتظر الإبراد بها لشق على الحاضرين …) (^١)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"المغني\" (٣/ ٢٤١).","vol":"4","page":16},{"text":"<span data-type='title' id=toc-361>صحة الجمعة باثني عشر رجلًا</span>\n٤٤٨/ ٤ - عن جابر أن النبي ﷺ كان يخطب قائمًا، فجاءت عير من الشام، فانفتل الناس إليها، حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا. رواه مسلم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع منها: كتاب \" الجمعة\" باب \"إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة فصلاة الإمام ومن بقي جائزة\" (٩٣٦)، ومسلم (٨٦٣) من طريق حصين بن عبد الرحمن، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ كان يخطب … فذكره.\nوفي آخره قال: فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضوا إليها وتركوك قائمًا﴾ [الجمعة: ١١].\nوقد وهم الحافظ في عزو الحديث لمسمل فقط، فإنه عند البخاري أيضًا كما تقدم، وقد قال في \"التلخيص\": (متفق عليه من حديث جابر) (^١).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كان يخطب) رواية البخاري في الباب المذكور: (بينما نحن نصلي)، وفي رواية: (ونحن نصلي) وهذا ظاهر في أن انفضاضهم وقع بعد دخولهم في الصلاة، لكن الأظهر أن انفضاضهم كان في الخطبة بدلالة الآية.\nوقد جمع الحافظ بين الروايتين بأن قوله: (نصلي) أي: ننتظر الصلاة، أو يكون المراد بالصلاة الخطبة، من تسمية الشيء بما يقاربه.\n_________\n(^١) (٢/ ٦١).","vol":"4","page":17},{"text":"قوله: (عير) بكسر العين، اسم جمع لا مفرد له من لفظه، وهي الإبل التي تحمل التجارة من طعام أو غيره، وقد ورد عند البخاري: (غير تحمل طعامًا)، وقد دلت الروايات في غير \" الصحيحين\" أن التجارة كانت لعبد الرحمن بن عوف، وكان دحية الكلبي هو السفير فيها (^١).\n\nقوله: (فانفتل الناس إليها) أي: انصرفوا وانفضوا إليها وخرجوا من المسجد لينالوا من هذه التجارة، والراجح أن هذا الانفضاض كان في الخطبة كما تقدم، لقوله تعالى: ﴿وتركوك قائما﴾.\nوالظاهر أن انصرافهم هذا كان قبل أن يعلموا الحكم الشرعي بوجوب البقاء في المسجد وسماع الخطبة فظنوا أن هذا جائز، مع ما هم عليه من الحاجة وضيق العيش، وما لقدوم التجارات من وقع في نفوسهم، ومع هذا فإن الله تعالى عاتبهم عتابًا لينًا فقال: ﴿وإذا رأوا﴾ أي: أبصروا، والضمير للصحابة ﵁، ﴿تجارة﴾ أي: سلعة يتجر بها، ﴿أو لهوًا﴾ أي: عملًا يلهي من التصفيق ودق الطبول عند قدوم عير التجارة، ﴿انفضوا إليها﴾ أي: تفرقوا ذاهبين إليها، وأفرد الضمير مع تقدم التجارة واللهو إما لأن التجارة هي المقصود فعاد الضمير إليها، أو يعود الضمير إلى ما رأوه، ﴿وتركوك قائمًا﴾ أي: واقفًا تخطب، وقد جاء في \"مراسيل أبي داود\" بإسناده عن مقاتل أن خروجهم إنما كان بعد الصلاة؛ لأن الرسول ﷺ كان يصلي الجمعة قبل الخطبة، ولكنه مرسل لا تقوم به حجة، قال الحافظ: (إن ثبت هذا أزال الإشكال، لكنه مع شذوذه معضل) (^٢).\n\nقوله: (لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا) بالرفع على أنه فاعل؛ لأن الاستثناء مفرغ، وفي رواية لمسلم: (فيهم أبو بكر وعمر)، وفي رواية له أيضًا من حديث جابر: (أنا فيهم). وقد ورد في رواية العقيلي عن ابن عباس: (أن منهم الخلفاء الأربعة وابن مسعود وأناسًا من الأنصار)، قال الحافظ: (وهذا\n_________\n(^١) انظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي (١٤/ ٤٨٢).\n(^٢) \"المراسيل\" ص (١٦٨)، \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢٥).","vol":"4","page":18},{"text":"أقوى وأشبه بالصواب) (^١).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية كون الخطيب قائمًا، وسيأتي ذلك إن شاء الله في حديث جابر بن سمرة ﵁ بعد حديث.\n\n• الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث المالكية على أن العدد الذي تنعقد به الجمعة اثنا عشر رجلًا (^٢)، وهذا فيه نظر، فإن هذه واقعة عين لا حجة فيها، وأكثر ما فيها هو أنهم انفضوا وبقي اثنا عشر، وتمت بهم الجمعة، وليس فيها أنه لو بقي أقل من هذا العدد لم تتم بهم، وسيأتي الكلام في هذه المسألة إن شاء الله.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢٤)، وانظر: \"الضعفاء\" للعقيلي (١/ ٢٤).\n(^٢) \"حاشية الدسوقي\" (١/ ٣٧٦)، \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢٥).","vol":"4","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-362>حكم من أدرك ركعة من صلاة الجمعة</span>\n٤٤٩/ ٥ - عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها فليضف إليها أخرى، وقد تمت صلاته\".\nرواه النسائي، وابن ماجه، والدارقطني، واللفظ له، وإسناده صحيح، لكن قوي أبو حاتم إرساله.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه النسائي في كتاب \"المواقيت\"، باب \"من أدرك ركعة من الصلاة\" (١/ ١٧٤ - ٢٧٥)، وابن ماجه (١١٢٣)، والدارقطني (٢/ ١٢) من طريق بقية بن الوليد، ثنا يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: … فذكر الحديث.\nقال الدارقطني: (قال لنا ابن أبي داود: لم يروه عن يونس إلا بقية)، والحديث رجاله ثقات، إلا بقية بن الوليد فهو صدوق مدلس، وإن سلم الحديث من تدليسه حيث صرح بالتحديث، ففيه تدليس التسوية؛ لأنه عنعن لشيخه.\nوالحديث ذكره ابن عبد الهادي وقال: (إسناده جيد) (^١)، وقد خالف بقية سليمان بن بلال، فروى الحديث مرسلًا عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم أن رسول الله ﷺ قال: \"من أدرك ركعة من صلاة من الصلوات فقد\n_________\n(^١) \"المحرر\" (١/ ٢٨٢).","vol":"4","page":20},{"text":"أدركها إلا أنه يقضي ما فاته\" رواه النسائي (١/ ٢٧٥)، فهذا المرسل يدل على خطأ بقية في وصل الحديث، كما يدل على خطئه في ذكر لفظة: \"الجمعة\"، ولهذا أعله أبو حاتم باختلاف السند والمتن، فقال: (هذا خطأ المتن والإسناد) (^١)، فاختلاف السند هو: وصله، واختلاف المتن: ذكر لفظة: \"الجمعة\".\nوالمحفوظ في هذا ما أخرجه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة\" (^٢)، ولا ريب أن الجمعة مندرجة تحت لفظ: \" الصلاة\"، وقد تقدم في المرسل عند النسائي: \"من أدرك ركعة من صلاة من الصلوات فقد أدركها\".\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على أن من أدرك ركعة من صلاة الجمعة مع الإمام فقد أدرك الجمعة، وعليه أن يضيف إليها أخرى، وتتم جمعته وإن لم يدرك من الخطبة شيئًا، وهذا قول جمهور الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة وجماعة من الصحابة والتابعين.\nوذهب جماعة من التابعين منهم عطاء وطاوس ومجاهد ومكحول كما ذكر ابن المنذر إلى أن إدراك شيء من الخطبة شرط لا تصح الجمعة إلا به، فمن لم يدرك الخطبة صلى أربعًا (^٣)، وهذا قول مرجوح لأمرين:\nالأول: أنه مخالف لعموم حديث أبي هريرة: \" من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة\".\nالثاني: أن اشتراط الخطبة لصحة الصلاة يحتاج إلى دليل؛ لأن الأصل عدم اشتراطه حتى يقوم عليه دليل.\n_________\n(^١) \"العلل\" (١/ ١٧٢).\n(^٢) البخاري (٥٥٥)، ومسلم (٦٠٧).\n(^٣) \"الأوسط\" (٤/ ١٠٠).","vol":"4","page":21},{"text":"الوجه الثالث: مفهوم الحديث أن من أدرك من الجمعة أقل من ركعة لم يكن مدركًا للصلاة، كأن يدرك الإمام بعد الرفع من الركوع أو في السجود من الثانية أو في التشهد فهذا يصليها ظهرًا أربع ركعات، وينويها ظهرًا بعد سلام الإمام، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد (^١).\nوقال أبو حنيفة وجماعة منهم: الحكم، وحماد، وابن حزم (^٢): إذا أدرك الإمام في التشهد صلى ركعتين، واستدلوا بحديث: \"فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا أو فأتموا\" (^٣).\nقالوا: ومن أدرك الإمام ساجدًا أو جالسًا أو في التشهد يسمى مدركًا، فيقضي ما فاته أو يتمه وهو ركعتان، فكيف يؤمر بأربع؟\nوأجابوا عن حديث: \"من أدرك ركعة\" بأن الاستدلال به وبأمثاله هو من باب المفهوم، وهو ليس بحجة عند الأكثرين، ذكر هذا ابن التركماني (^٤).\nوالصواب قول الجمهور؛ لأن العمل بالمفهوم طريق من طرق الاستدلال عند الكثيرين، ويؤيد هذا أنه قول جماعة من الصحابة ﵃؛ كابن عمر وابن مسعود وغيرهما، ولا مخالف لهم في عصرهم، وقد أخرج عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: \" إذا أدرك الرجل يوم الجمعة ركعة صلى إليها أخرى، وإن وجدهم جلوسًا صلى أربعًا\" (^٥).\nوأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن المنذر من طريق أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: \"من أدرك الركعة فقد أدرك\n_________\n(^١) \"المدونة الكبرى\" (١/ ٢٢٩)، \"الأم\" (٢/ ٤٢٥)، \"المغني\" (٣/ ١٨٤).\n(^٢) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١٣١)، \"الهداية\" (١/ ٨٤)، \"المحلى\" (٥/ ١١١).\n(^٣) تقدم تخريجه رقم (٤٢٢).\n(^٤) \"الجوهر النقي\" (٣/ ٢٠٢).\n(^٥) \"مصنف عبد الرزاق\" (٣/ ٢٣٤).","vol":"4","page":22},{"text":"الجمعة، ومن لم يدرك الجمعة فليصل أربعًا\" (^١)، وله طريق أخرى عند ابن أبي شيبة (^٢).\nلكن من فاتته الجمعة اشترط في حقه دخول وقت الظهر، لاحتمال أن يكون إمامه صلى الجمعة قبل الزوال، فإن لم يدخل الوقت أتمها مع إمامه نفلًا، ثم إذا دخل وقت الظهر صلى الظهر، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"مصنف عبد الرزاق\" (٣/ ٢٣٢)، \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١٢٨)، \"الأوسط\" (٤/ ١٠١).\n(^٢) (٢/ ١٢٩).","vol":"4","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-363>مشروعية قيام الخطيب وجلوسه بين الخطبتين</span>\n٤٥٠/ ٦ - عن جابر بن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يخطب قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائمًا، فمن أنبأك أنه كان يخطب جالسًا، فقد كذب. أخرجه مسلم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"الجمعة\"، باب \"ذكر الخطبتين وما فيهما من الجلسة\" (٨٦٢) (٣٥) من طريق سماك بن حرب، قال: أنبأني جابر بن سمرة أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائمًا … الحديث، وفي آخره: (فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة)، وقد جاء في \"صحيح مسلم\" (نبأك) بدل (أنبأك).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية خطبتين لصلاة الجمعة؛ لأن صلاة الجمعة يجتمع لها الناس فكان من الحكمة أن يكون فيها خطبة توجه الناس لما فيه الخير، وتعظهم بالتزامه، وتحذرهم من الشر وتعظهم بالبعد عنه، وقد واظب النبي ﷺ عليهما فلم يتركهما أبدًا.\nوقد ذهب فريق من أهل العلم إلى أنه يشترط للجمعة خطبتان، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وجماعة من التابعين، قال القاضي عياض: (وإليه ذهب كافة العلماء) (^١)، وقال ابن قدامة: (لا نعلم فيه مخالفًا إلا الحسن) (^٢)، والمراد أنه لا يرى الاشتراط، كما عزاه إليه ابن\n_________\n(^١) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٣/ ٢٢٢)، \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٩٥)، \"إكمال المعلم\" (٣/ ٢٥٦).\n(^٢) \"المغني\" (٣/ ١٧١).","vol":"4","page":24},{"text":"المنذر (^١)، وقد رواه عنه عبد الرزاق (^٢)، لكن أخرج ابن أبي شيبة من طريق يونس عنه قال: (الإمام إذا لم يخطب صلى أربعًا) (^٣)، وهذه الرواية عنه توافق مذهب الجمهور، لكن لا نعلم أيهما المتأخر.\nوقد استدل القائلون بشرطية الخطبتين بما يلي:\n١ - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩]، وقد ذكر المفسرون أن المراد بـ ﴿ذكر الله﴾: الخطبة والصلاة.\nووجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بالسعي إلى ذكره، ومنه الخطبة، وهذا يتضمن الأمر بها من باب أولى؛ لأن ما كان السعي إليه واجبًا يكون واجبًا، فإذا وجبت الوسيلة وجبت الغاية.\n٢ - أن النبي ﷺ واظب عليهما مواظبة غير منقطعة، وهذا قد يكو بيانًا للآية الكريمة، وعلى هذا فلا يقال: إنه لا دليل على الوجوب إلا الفعل المجرد، وهو لا ينتهض لإثبات الوجوب، بل الدليل الآية والفعل البياني.\nوالقول الثاني: أن الخطبة ليست شرطًا، فتصح الجمعة بدونها، وهذا أحد قولي الحسن، وقول داود، ورواية عن مالك، لعدم الدليل على شرطيتها (^٤).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية كون الخطيب يوم الجمعة قائمًا؛ لأن ذلك أشد في وعظه، وأشمل في صوته.\nقال ابن عبد البر: (أجمع العلماء على أن الخطبة لا تكون إلا قائمًا لمن قدر على القيام …) (^٥)، وقال ابن رجب: (لعله أراد إجماعهم على استحباب ذلك، فإن الأكثرين على أنها تصح من الجالس مع القدرة على القيام مع الكراهة، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والمشهور عن أحمد، وعليه\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (٤/ ٥٩).\n(^٢) \"المصنف\" (٣/ ١٧٢).\n(^٣) \"المصنف\" (٢/ ١٢١ - ١٢٢).\n(^٤) انظر: \"إكمال المعلم\" (٣/ ٢٥٦)، \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٠١).\n(^٥) \"الاستذكار\" (٥/ ١٢٩).","vol":"4","page":25},{"text":"أصحابه، وقول إسحاق أيضًا) (^١).\nوقد دل حديث جابر بن سمرة على وجوب القيام في الخطبة وهو قول الشافعي، ومالك في رواية (^٢) من وجهين:\nالأول: مشروعية الجلوس بينهما، ولو كان القعود مشروعًا في الخطبتين ما احتيج إلى الفصل بينهما بجلوس.\nالثاني: قول جابر: (فمن نبأك أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي مرة).\nوقد روى ابن عمر ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يخطب خطبتين يقعد بينهما)، وفي رواية: (كان النبي ﷺ يخطب قائمًا، ثم يقعد، ثم يقوم كما تفعلون الآن) (^٣).\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية الجلوس بين الخطبتين؛ ليحصل الفصل بين الخطبتين، ولئلا يتعب الخطيب، ويمل السامع.\nوهذا الجلوس سنة عند الجمهور؛ لأن مجرد الفعل لا يفيد إلا الندب، وقالت الشافعية بوجوبه (^٤)، والواجب الفصل بين الخطبتين ولو بغير الجلوس، لكن الجلوس أفضل.\nوليس في هذا الجلوس ذكر مشروع، وليس له مقدار معين على القول الراجح، وإنما يحصل المقصود بمقدار ما يحصل الفصل، وقيل: بقدر سورة الإخلاص (^٥)، ولا دليل عليه، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٢٤٦)، وانظر: \"الهداية\" (١/ ٨٣)، \"المغني\" (٣/ ١٧٠)، \"حاشية الدسوقي\" (١/ ٣٧٩).\n(^٢) \"المجموع\" (٤/ ٥١٥).\n(^٣) أخرجهما البخاري (٩٢٠ - ٩٢٨)، وأخرج مسلم (٨٦١) الرواية الثانية.\n(^٤) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ٣٩٩).\n(^٥) \"المجموع\" (٤/ ٥١٤).","vol":"4","page":26},{"text":"<span data-type='title' id=toc-364>بعض صفات الخطبة والخطيب</span>\n٤٥١/ ٧ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب، احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: \" أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة\". رواه مسلم.\nوفي رواية له: كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة: يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك، وقد علا صوته.\nوفي رواية له: \" من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له\".\nوللنسائي: \" وكل ضلالة في النار\".\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب \" الجمعة\"، باب \"تخفيف الصلاة والخطبة\" (٨٦٧) من طريق عبد الوهاب بن حميد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: … فذكر الحديث.\nإلا أن الحافظ حذف منه بعض الجمل وهي: (ويقول: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\"، ويقرن بين إصبعية السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد … \").\nورواه مسلم أيضًا من طريق سليمان بن بلال، حدثني جعفر بن","vol":"4","page":27},{"text":"محمد، عن أبيه قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵁ يقول: (كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة يحمد الله …) الحديث.\nورواه أيضًا من طريق وكيع، عن سفيان، عن جعفر بن حمد، عن أبيه، عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ يخطب الناس، يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: \" من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله\".\nورواه النسائي (٣/ ١٨٨ - ١٨٩) من طريق ابن المبارك، عن سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، وفيه: \" وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار\".\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (صبحكم ومساكم) أي: نزل بكم العدو صباحًا ومساءً، فاحتفظوا منه.\n\nقوله: (أما بعد) أما: كلمة يؤتى بها عند الدخول في الموضوع الذي يقصد، وهي حروف متضمنة للشرط، ولهذا تدخل الفاء في جوابها، وحذفها كثير إذا دخلت على قول محذوف، وقليل فيما عدا ذلك، وهي قائمة مقام أداة الشرط وفعل الشرط، ولهذا قدرها النحويون بـ (مهما يكن من شيء)، والتقدير: مهما يكن من شيء بعد حمد الله فخير الحديث كتاب الله.\nوبعد: ظرف مبني على الضم في محل نصب، وهو ملازم للإضافة منصوب بالفتحة، فإذا قطع عن الإضافة لفظًا لا معنى بني على الضم.\n\nقوله: (خير الهدي هدي محمد) خير: بالنصب عطفًا على اسم إن، وبالرفع عطفًا على محل إن واسمها (^١).\nوالهدى: ضبط بضم الهاء وفتح الدال بمعنى: الدلالة والإرشاد، وضبط بفتح الهاء وسكون الدال، بمعنى: أحسن الطريقة والأخلاق، والأول هو\n_________\n(^١) انظر: \"شرح المشكاة\" للطيبي (١/ ٢٩٦)، \"النحو الوافي\" (١/ ٦٦٦).","vol":"4","page":28},{"text":"الذي يضاف إلى الرسل والقرآن، قال تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ [الشورى: ٥٢] وقال تعالى: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ [الإسراء: ٩].\n\nقوله: (وشر الأمور محدثاتها) الأمور: جمع أمر، وهو الحال والشأن، والمحدثات: بفتح الدال، جمع محدثة، والمراد: كل ما أحدث في دين الله على خلاف ما شرع الله، وهي المسماة بالبدع.\n\nقوله: (وكل بدعة ضلالة) البدعة في اللغة: اسم من الابتداع، يقال: بدع الشيء يبدعه وابتدعه: أنشأه وبدأه.\nوأما في الاصطلاح: فهي طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشريعة، يقصد بها التقرب إلى الله تعالى، ولم يقم على صحتها دليل شرعي صحيح (^١)، وهي التي قال فيها النبي ﷺ: \" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (^٢)، وعلى هذا فما كان له أصل يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة؛ كقول عمر ﵁ في صلاة التراويح خلف إمام واحد: (نعمت البدعة هذه) (^٣)، فهذه هي البدعة اللغوية، وليست الشرعية؛ لأن قيام رمضان مشروع بنص حديث رسول الله ﷺ كما ثبت في \"الصحيحين\"، وقد بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤)، ولكن تسميتها بدعة لغوية فيه نظر، وذكر الشاطبي أن تسميتها بدعة باعتبار ظاهر الحال؛ لأن الرسول ﷺ تركها، ولم تقع في زمان أبي بكر ﵁ (^٥).\nوأما ما ليس له أصل من أصول الشرع فهو بدعة؛ كالاجتماع في الذكر على صوت واحد، والاحتفال بيوم مولد النبي ﷺ، أو بليلة الإسراء والمعراج، أو التزام صيام النصف من شعبان، أو قيام ليلته، والتلحين في\n_________\n(^١) انظر: \"الاعتصام\" (١/ ٢٨).\n(^٢) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٠١٠).\n(^٤) \"الاقتضاء\" (٢/ ٩٣).\n(^٥) \"الاعتصام\" ص (١٤١).","vol":"4","page":29},{"text":"القراءة والأذان، وزخرفة المساجد، ونحو ذلك، وعلى هذا فالبدعة اللغوية أعم من البدعة الشرعية.\nوالضلالة: ضد الهداية، وهي البعد عن الحق؛ لأن الحق ما جاء به الشرع نصًا أو استنباطًا، فما لا يرجع إليه يكون بدعة وضلالة، قال تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ [يونس: ٣٢].\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على ما ينبغي أن يتصف به الخطيب، وما ينبغي أن تكون عليه خطبته، لأجل أن يؤثر في السامعين ويستفاد منه، وذلك بمراعاة أمور كثيرة منها:\nأولًا: صفته حال إلقاء الخطبة: وذلك بأن يكون جيد الإلقاء، بعيدًا عن الأخطاء النحوية، بعيدًا عن السجع المتكلف، والعبارات المترادفة، والألفاظ الغريبة.\nوعليه أن يشد انتباه الحاضرين، ويثير حماسهم لمتابعته حتى يستفيدوا منه، وذلك بأن يكون حال الإلقاء متحمسًا، ليكون لكلامه وقع، فيصل إلى المسامع ويهز القلوب.\nثانيًا: انتفاء الموضوع، فعلى الخطيب أن يُعنى بما ينفع الناس في دينهم ودنياهم، وذلك بأن يكثر من حثهم على العمل بكتاب الله تعالى الذي أنزله الله هداية للعباد إلى ما فيه صلاحهم في دينهم ودنياهم وفلاحهم وسعادتهم، وبحثهم على تحقيق التوحيد، واتباع هدي النبي ﷺ، فهي التي تصل بسالكها إلى سعادة الدنيا والآخرة، ويحذرهم من البدع في الدين، سواء ابتدع الإنسان عبادة لم يشرع الله ورسوله جنسها أصلًا؛ كأذكار أو صلوات، وكالتقرب بسجدة منفردة، كما تفعل بعض الفرق الضالة، أو ابتدعها على وجه يغير به ما شرعها الله ورسوله؛ كالذكر الجماعي، والتكبير الجماعي، ونحو ذلك.\nويذكرهم بالموت والقبر وأهوال يوم القيامة والجنة والنار والثواب والعقاب، فإن ذلك من أعظم الأسباب لترغيب الناس في فعل الطاعات رجاء الثواب، وترهيبهم من المعاصي خوف العقاب.\nويحسن بالخطيب مراعاة المناسبات؛ كرمضان والحج أو الأمور","vol":"4","page":30},{"text":"العارضة التي تستدعي معالجة ما يعانيه الناس؛ لأن ملاءمة الخطبة للأحداث الجارية والملابسات التي قد تقع في دنيا الناس له أثر كبير على نفوس السامعين وشد انتباههم واستفادتهم.\nثالثًا: عدم تطويل الخطبة، والكلام على ذلك في الحديث الآتي.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية حمد الله تعالى والثناء عليه في خطبة الجمعة، وقد ذهب الجمهور إلى وجوب الحمد في الخطبة، كما ذكر ذلك الشوكاني (^١).\nوقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" الخطبة التي ليس فيها شهادة كاليد الجذماء\" (^٢).\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على ذم البدع والتحذير منها، حيث وصف البدعة بأنها ضلالة وأنها في النار، وهذا نص صريح لا يقبل التأويل ولا يدخله التخصيص، قال الحافظ ابن حجر: (وهذه الجملة قاعدة شرعية كلية بمنطوقها ومفهومها، أما منطوقها فكأن يقال: (حكم كذا بدعة، وكل بدعة ضلالة)، فلا تكون من الشرع؛ لأن الشرع كله هدى، فإن ثبت أن الحكم المذكور بدعة صحت المقدمتان، وأنتجتا المطلوب) (^٣).\nوأما تقسيم البدعة إلى حسنة وقبيحة، أو محمودة ومذمومة، أو تقسيمها إلى أقسام الأحكام التكليفية فهو تقسيم مخترع، وليس عليه دليل شرعي، فإن الأدلة جاءت عامة، وليس فيها استثناء شيء من ذلك البتة، ومن القواعد الأصولية المقررة أن النصوص العامة يجب العمل بها على عمومها، وليس لأحد أن يخصصها إلا بدليل من كتاب أو سنة.\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٠٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٨٤١)، والترمذي (١١٠٦)، وأحمد (١٣/ ٣٩١) من طريق عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا. وسنده حسن، عاصم بن كليب وأبوه صدوقان، كما في \"التقريب\".\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٤/ ٢٥٤).","vol":"4","page":31},{"text":"ثم إن هذا التقسيم نفسه متدافع؛ لأن البدعة لا يدل عليها دليل شرعي، ولو كان هناك دليل على الوجوب أو الندب لما كان ذلك بدعة! وقد أخرج اللالكائي عن ابن عمر ﵁ قال: (كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة) (^١)، وقال عبد الله بن مسعود ﵁: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم) (^٢).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله ﷺ الكلية، وهي قوله: \" كل بدعة ضلالة\" بسلب عمومها، وهو أن يقال: ليست كل بدعة ضلالة، فإن هذه إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل …) (^٣)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"شرح اعتقاد أهل السنة\" (١/ ٩٢) وإسناده صحيح.\n(^٢) أخرجه الدارمي (١/ ٦١) وإسناده صحيح.\n(^٣) \"الاقتضاء\" (٢/ ٥٩١) ط. الأولى.","vol":"4","page":32},{"text":"<span data-type='title' id=toc-365>استحباب تقصير الخطبة وإطالة الصلاة</span>\n٤٥٢/ ٨ - عن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنة من فقهه\". رواه مسلم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \" الجمعة\"، باب \"تخفيف الصلاة والخطبة\" (٨٦٩) من طريق عبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر، عن أبيه، عن واصل بن حيان قال: (قال أبو وائل خطبنا عمار فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحرًا\"). وكان الولى بالحافظ أن يذكر بقية الحديث؛ لأنه بصيغة الأمر.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لو كنت تنفست) أي: أطلت قليلًا.\n\nقوله: (مئنة) بفتح الميم ثم همزة مكسورة ثم نون مشدودة، أي: علامة ودليل.\n\nقوله: (وإن من البيان لسحرًا) من: للتبعيض، والبيان هنا يراد به: الفصاحة التامة والبلاغة القوية، وشبهه بالسحر لميل القلوب إليه، والسحر: هو الصرف والعطف، والبيان من حيث هو لا مدح فيه ولا ذم، ولكن ينظر","vol":"4","page":33},{"text":"إلى أثره ومقصوده، فإن قصد به رد الحق وإثبات الباطل فهو مذموم، وإن قصد به إثبات الحق وإبطال الباطل فهو ممدوح.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية تقصير خطبة الجمعة وعدم إطالتها، وذلك لئلا يمل الناس ويسأموا، ويضعفوا عن مواصلة الاستماع والاستفادة؛ لأنهم إذا ملوا وضعفوا لم يستفيدوا من الخطبة، بل تضيع عليهم، أما إذا كانت قصيرة فإنهم يحفظونها ويستفيدون منها.\nوهذه صفة خطبة النبي ﷺ كما قال جابر بن سمرة ﵁: (كنت أصلي مع النبي ﷺ، فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا) (^١)، قال الحافظ ابن حجر: (القصد: الوسد، أي: لا قصيرة، ولا طويلة) (^٢).\nوعنه قال: (كان رسول الله ﷺ لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هي كلمات يسيرات) (^٣).\nوتقصير الخطبة مع الإتيان بالمقصود وهو الوعظ والإرشاد دليل على فقه الخطيب وفهمه، حيث استطاع أن يأتي بمعاني الخطبة في ألفاظ قليلة، قال الشافعي: (وأحب أن يكون كلامه أي الخطيب قصدًا بليغًا جامعًا) (^٤).\nأما إطالة الخطبة فهي دليل على عدم فقه الخطيب، وليست دليلًا على علمه ولا بلاغته؛ لأن البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال ومراعاة حال المخاطب.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية إطالة صلاة الجمعة، وذلك بالتأسي بالنبي ﷺ فيما يقرأ فيها مع الطمأنينة، والمراد أنها طويلة بالنسبة إلى الخطبة، لا أنه طول يشق على المأمومين، لئلا يكون ذلك مخالفًا للأحاديث الصحيحة في الأمر بتخفيف الصلاة.\nوقد كان ﷺ يقرأ يوم الجمعة بـ (سبح) و(الغاشية)، أو بـ (الجمعة) و(المنافقين)، كما سيأتي إن شاء الله.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٦٦).\n(^٢) \"التلخيص\" (٢/ ٦٨).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١١٠٧)، والحاكم (١/ ٢٨٩)، والبيهقي (٣/ ٢٠٧)، وقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم) وسكت عنه الذهبي.\n(^٤) \"الأم\" (١/ ٤٠٩).","vol":"4","page":34},{"text":"<span data-type='title' id=toc-366>استحباب قراءة سورة ﴿ق﴾ في خطبة الجمعة</span>\n٤٥٣/ ٩ - عن أم هشام بنت حارثة ﵂ قالت: ما أخذت: ﴿ق والقرآن المجيد﴾ إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس. رواه مسلم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهي أم هشام بنت حارثة بن النعمان الأنصارية، صحابية مشهورة -كما قال الحافظ في \"التقريب\" وهي مذكورة في الكنى؛ لأنه لم يشتهر اسمها، نقل ابن عبد البر عن أحمد بن زهير (^١)، قال: (سمعت أبي يقول: أم هشام بنت حارثة بايعت بيعة الرضوان) (^٢)، وقد روى مسلم في حديثها المذكور في إحدى روايته أنها قالت: (وكان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحدًا، سنتين أو سنة وبعض سنة) (^٣).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجه:\nأخرجه مسلم في كتاب \" الجمعة\"، باب \"تخفيف الصلاة والخطبة\" (٨٧٣) (٥٢) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن أم\n_________\n(^١) انظر: \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٥١ - ٥٢).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (١٣/ ٣٠٣).\n(^٣) \"الاستيعاب\" (١٣/ ٣٠٣)، \"الإصابة\" (١٣/ ٣٠٢).","vol":"4","page":35},{"text":"هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: (لقد كان تنورنا وتنتور رسول الله ﷺ واحدًا سنتين أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ﴿ق والقرآن المجيد﴾ إلا عن لسان رسول الله ﷺ …) الحديث.\nورواه من طريق يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن أخت لعمرة بنحوه، ولعل المراد بذلك أنها أخت لها من أمها كما ذكر البيهقي، وقيل غير ذلك (^١)، والله أعلم.\nوقولها: (لقد كان تنورنا … إلخ) قصدت به الإشارة إلى حفظها ومعرفتها بأحوال النبي ﷺ وقربها من منزله، ذكره النووي.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب قراءة سورة ﴿ق﴾ في خطبة الجمعة، وذلك والله أعلم لما اشتملت عليه من ذكر ابتداء الخلق، والموت وسكراته، والبعث وما فيه من الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار، وما اشتملت عليه من المواعظ الشديدة والزواجر الأكيدة، ومن ذلك ما يتعلق بحفظ اللسان، فهي خير ما يوعظ به السامعون؛ لأن أنفع ما يوعظ به عامة الناس هو ذكر الموت وسكراته، وذكر البعث وما فيه من الأهوال، وذكر الجنة والنار.\n\n• ولم يبين في هذا الحديث محل قراءتها هل هو في الخطبة الأولى أو الثانية، لكن لو قرأها في الأولى وفسرها تفسيرًا موجزًا في الثانية لكان حسنًا؛ لأن الناس بحاجة إلى تفسيرها، لا سيما في مثل زماننا هذا.\n\n• الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن سورة ﴿ق﴾ تقرأ كل جمعة؛ لأن قولها: (كل جمعة) صيغة عموم، لكن الظاهر أن هذا محمول على الغالب، أو أنه من العام المخصوص؛ لأنه ورد ما يدل على أن النبي ﷺ كان لا يلازم سورة معينة أو آية مخصوصة، يدل على ذلك حديث جابر بن سمرة ﵁ الآتي أن النبي ﷺ كان في الخطبة يقرأ آيات من القرآن، ويذكر الناس (^٢).\n_________\n(^١) \"السنن\" (٣/ ٢١١)، \"عون المعبود\" (٣/ ٤٥٢).\n(^٢) انظر: \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، \"الشامل في فقه الخطيب والخطبة\" ص (٢٦٠).","vol":"4","page":36},{"text":"الوجه الخامس: اختلف العلماء في حكم القراءة في خطبة الجمعة على قولين:\nالأول: وجوب قراءة القرآن في الخطب ولو آية واحدة إذا كانت تستقل بالمعنى، وهذا قول الشافعي، وأحمد، واستدلوا بحديث جابر بن سمرة قال: (كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكر الناس) (^١).\nالقول الثاني: أن القراءة غير واجبة في الخطبة، وهذا قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، اختارها ابن قدامة (^٢)، وهذا هو الراجح؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك لا تفيد الوجوب، وإنما الاستحباب؛ لأنها من قبيل الفعل المجرد، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، ورجح ذلك الشوكاني (^٣).\n\n• الوجه السادس: الحديث دليل على أن تكرير بعض المواعظ من كتاب الله تعالى شيء مستحسن، لقولها: (يقرؤها كل جمعة)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٦٢).\n(^٢) \"المغني\" (٣/ ١٧٥ - ١٧٦)، \"المجموع\" (٤/ ٥١٦)، \"الهداية\" (١/ ٨٣)، \"فتح الباري\" لابن رجب (٥/ ٤٩١ - ٤٩٢).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٠٢).","vol":"4","page":37},{"text":"<span data-type='title' id=toc-367>وجود الإنصات لخطبتي الجمعة</span>\n٤٥٤/ ١٠ - عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له: أنصت، ليست له جمعة\". رواه أحمد، بإسناد لا بأس به، وهو يفسر.\n٤٥٥/ ١١ - عن أبي هريرة ﵁ في \" الصحيحين \" مرفوعًا: \" إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب، فقد لغوت\".\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما الأول فقد أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٥) من طريق مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ … فذكره.\nوإسناده ضعيف، لضعف مجالد بن سعيد الهمداني، ضعفه يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد، وابن معين، والنسائي، وغيرهم، قال البخاري: (كان يحيى القطان يضعفه، وكان ابن مهدي لا يروي عنه …)، وقال أحمد: (مجالد ليس بشيء) (^١).\nوأما قول الحافظ: (بإسناد لا بأس به) ففيه نظر، لما تقدم، وقد أورده ابن عبد الهادي في (التنقيح) وقال: (هذا الحديث لم يخرجه أصحاب السنن، ومجالد ليس بالقوي) (^٢)، وبه أعله أيضًا في كتابه \"المحرر\" (^٣)، وقد ذكر الحافظ أنه مفسر لحديث أبي هريرة المذكور بعده.\n_________\n(^١) \"الضعفاء الصغير\" ص (٣٢٢)، \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٣٦).\n(^٢) \"التنقيح\" (٢/ ١٢١٥).\n(^٣) (٢/ ٢٨٧).","vol":"4","page":38},{"text":"أما الثاني فقد أخرجه البخاري في كتاب \"الجمعة\"، باب \"الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب (٩٣٤)، ومسلم (٨٥١) من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة ﵁ أخبره أن رسول الله ﷺ قال: … فذكره.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كمثل الحمار يحمل أسفارًا) الأسفار: جمع سفر - بكسر السين وإسكان الفاء - وهو الكتاب، وقيل: الكتاب الكبير، وقد شبه من حضر وتكلم والإمام يخطب بالحمار الذي يحمل كتبًا؛ لأنه قد فاته الانتفاع وسماع الذكر مع تكلفه مشقة التهيؤ للجمعة والحضور إليها، وهو تشبيه تمثيلي؛ لأن وجه الشبه منتزع من صور متعددة.\n\nقوله: (ليست له جمعة) قيل: ليس له جمعة كاملة، فيأثم بالكلام لكن لا تبطل جمعته، ولا يؤمر بإعادتها، ذكره النووي (^١)، وقال ابن حزم: (معناه: بطلت وعليه إعادتها في الوقت؛ لأنه لم يصلها) (^٢)، ويؤيد الأول حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرًا\" (^٣)، ومعناها: أن صلاته هذه مثل صلاة الظهر في الثواب، فيحرم فضيلة الجمعة، لكن هذا إذا جمع بين اللغو والتخطي.\n\nقوله: (إذا قلت لصاحبك) أي: من بينك وبينه صحبة وملازمة، وذكره هنا للتغليب؛ لأن غير الصاحب مثل الصاحب في ذلك.\n\nقوله: (أنصت) فعل أمر من أنصت الرباعي، ومعناه: اسكت عن الكلام.\n\nقوله: (يوم الجمعة) ظرف متعلق بـ (قلت).\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٥/ ٥٢٤).\n(^٢) \"المحلى\" (٥/ ٦٣).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٤٧)، وحسّنه الألباني في \"صحيح سنن أبي داود\" (١/ ٧١).","vol":"4","page":39},{"text":"قوله: (والإمام يخطب) جملة في محل نصب على الحال، مشعرة بأن ابتداء الإنصات من الشروع في الخطبة لا من خروج الإمام.\n\nقوله: (فقد لغوت) أي: وقعت في اللغو، وهو الكلام الباطل الذي تفوت به فضيلة الجمعة، وقد دل على هذا التفسير حديث ابن عباس الذي قبله؛ لأن قوله: \" ليست له جمعة \" يفسر قوله: \"فقد لغوت\" كما ذكر الحافظ.\n\n• الوجه الثالث: دل الحديثان على وجوب الإنصات لخطبتي الجمعة وتحريم الكلام والإمام يخطب؛ لأن الخطبة شرعت لمصلحة الحاضرين وإفادتهم وتذكيرهم، ولا يحصل ذلك إلا بالاستماع للخطيب والإصغاء له، وعلى هذا فلا يليق بأحد أن يتكلم أو يتشاغل بشيء في هذه الحال، بل عليه أن ينصت ويحضر قلبه للاستفادة.\nوالإنصات للخطيب واجب إذا سمعه على الصحيح من قولي أهل العلم، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في المشهور عنه، ورواية في مذهب الشافعي، وهو قول ابن حزم (^١)، واستدلوا بهذا الحديث.\nوالقول الثاني: أنه لا يجب الإنصات بل يستحب، وهذا هو الراجح من مذهب الشافعي، كما ذكر النووي (^٢)، ورواية عن أحمد حكاها ابن قدامة (^٣)، واستدلوا بقصة الرجل الذي قال للنبي ﷺ: (ادع الله أن يسقينا …) الحديث بطوله في \" الصحيحين\"، وقول الآخر له: (متى الساعة؟) كما ثبت في \" الصحيحين\" أيضًا.\nقالوا: ولم ينكر عليهم النبي ﷺ كلامهم، ولو كان حرامًا لأنكره عليهم.\nوالراجح هو الأول كما تقدم لقوة دليلهم، وأما دليل القول الثاني فإنه مختص بمن كلمهم الإمام أو كلم الإمام؛ لأنه لا يشغل بذلك عن\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٥/ ٦١)، \"الهداية\" (١/ ٨٤)، \"المدونة\" (١/ ٢٣٠)، \"المغني\" (٣/ ١٩٣).\n(^٢) \"المجموع\" (٤/ ٥٢٣).\n(^٣) \"المغني\" (٣/ ١٩٤).","vol":"4","page":40},{"text":"سماع خطبته، وبهذا تجتمع الأخبار وتتفق الأدلة، فإن قدر التعارض فحديث الباب أقوى؛ لأنه قول ونص، وذلك سكوت، والنص أقوى من السكوت.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم جميع أنواع الكلام والإمام يخطب ولو كان أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر، كقوله لصاحبه: أنصت، وإذا كان من يتكلم بمثل ذلك يعد لاغيًا، فغيره من باب أولى.\nلكن استثنى العلماء الكلام الواجب كتحذير الضرير من البئر أو من يخاف عليه نارًا أو حية أو نحو ذلك، فهذا يجوز؛ لأنه إذا جاز في الصلاة مع إفسادها به فجوازه حال الخطبة من باب أولى.\nوقد اختلف العلماء في رد السلام وتشميت العاطس أثناء الخطبة على قولين:\nالأول: أن ذلك يجوز، وهو قول لبعض الشافعية، وأبي يوسف من الحنفية، وابن حزم (^١)، ورواية عن أحمد هي الصحيح في المذهب (^٢)، واستدلوا بالأدلة التي توجب رد السلام وتشميت العاطس، وكل ذلك واجب بالإجماع، قالوا: والإنصات لاستماع الخطبة فيه خلاف كما تقدم؛ ولأنه يجوز تكليم الخطيب وإجابته، ويجوز صلاة التحية للداخل، فصح أن الكلام المأمور به مغلب على الإنصات فيها.\nالقول الثاني: أن المستمع للخطبة لا يرد السلام ولا يشمت العاطس، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، ورواية عن أحمد (^٣)، واستدلوا بحديث الباب، ووجه الدلالة: أن المستمع منهي حتى عن إنكار المنكر، فكذا رد السلام وتشميت العاطس، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٥/ ٦١)، \"المجموع\" (٤/ ٥٢٤)، \"شرح فتح القدير\" (١/ ٤٢١).\n(^٢) انظر: \"مسائل أحمد وإسحاق\" (٢/ ٨٧٠ - ٨٧١)، \"المغني\" (٣/ ١٩٨)، \"الإنصاف\" (٢/ ٤١٨).\n(^٣) \"المغني\" (٣/ ١٩٨)، \"شرح فتح القدير\" (١/ ٤٢١)، \"المدونة\" (١/ ٢٣٠).","vol":"4","page":41},{"text":"وقد نقل ابن القيم عن \" مسائل أحمد وإسحاق\" قلت: (إذا عطس الرجل يوم الجمعة؟ قال: لا تشمته) (^١)، وهكذا نقله عنه أبو داود (^٢)، وأبو طالب (^٣).\nأما من أراد الإنكار على من يتكلم أو نحوه فإنه يشير إليه بالسكوت، قال أبو داود: (سمعت رجلًا قال لأحمد: أرى الرجل يتكلم والإمام يخطب؟ قال: أشر إليه أو أوح إليه) (^٤).\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز الكلام بين الخطبتين؛ لأن قوله: \"والإمام يخطب\" تقيد للنهي في حال الخطبة، فدل على أن الكلام بين الخطبتين جائز، وكذا الكلام قبل شروعه في الخطبة، والإنصات أحسن؛ لأنه ربما تكلم قبل الشروع في الخطبة فاستمر به الكلام والإمام قد بدأ في خطبته، فالسكوت أولى.\nولا يجوز الكلام حتى لو شرع الخطيب في الدعاء؛ لأن الخطبة اسم لمجموع ذلك كله، والدعاء ما دام متصلًا بالخطبة فهو منها، والمذهب عند الحنابلة جواز الكلام حال دعاء الخطيب (^٥)، لأن الدعاء ليس من أركان الخطبة، والصواب الأول، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"بدائع الفوائد\" (٣/ ٢٧٨)، والمثبت في \"المسائل\" خلاف هذا كما تقدم.\n(^٢) \"مسائل الإمام أحمد\" لأبي داود ص (٥٨).\n(^٣) \"المغني\" (٣/ ١٩٩).\n(^٤) \"مسائل الإمام أحمد\" لأبي داود ص (٥٨).\n(^٥) \"الإنصاف\" (٢/ ٤١٨).","vol":"4","page":42},{"text":"<span data-type='title' id=toc-368>حكم تحية المسجد وقت الخطبة</span>\n٤٥٦/ ١٢ - عن جابر قال: دخل رجل يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال: \"صليت؟ \"، قال: لا، قال: \"قم فصل ركعتين\". متفق عليه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الجمعة\"، باب \" إذا رأى الإمام رجلًا جاء وهو يخطب أمره أن يصلي ركعتين\" (٩٣٠)، ومسلم (٨٧٥) (٥٥) من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله ﵁، به، وأخرجاه أيضًا من طريق سفيان، عن عمرو، عن جابر، به.\nوأخرجه مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، وفيه تسمية الرجل يسليك الغطفاني.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية صلاة ركعتين لمن دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب؛ لأن الخطبة لا تمنع من التحية، وقد ورد عند الإمام مسلم من طريق آخر: \"وليتجوز فيهما\"، فهذا يدل على أنه يستحب له أن يخففهما ليفرغ لسماع الخطبة.\nوهذا قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن حزم (^١)، وفقهاء المحدثين، وجماعة من السلف.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٥/ ٦٨)، \"المجموع\" (٤/ ٥٥٢)، \"المغني\" (٣/ ١٩٢).","vol":"4","page":43},{"text":"وقال أبو حنيفة، ومالك، وجماعة من الفقهاء، إن الداخل في هذه الحال يجلس ولا يركع أثناء خطبة الإمام (^١)، واستدلوا بحديث عبد الله بن بسر ﵁ قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال له رسول الله ﷺ: \"اجلس فقد آذيت\"، وفي رواية: \"وآنيت\" (^٢).\nووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أمره بالجلوس ولم يأمره بتحية المسجد، فدل على أنها غير واجبة.\nواعتذروا عن حديث الباب بأعذار غير ناهضة، لا داعي لشغل الأوقات والأوراق بها، والراجح هو القول الأول، لقوة دلالته؛ فإن أمر الرسول ﷺ سليكًا بتحية المسجد بعدما جلس وقطع الخطبة لأجل سؤاله وأمره بالصلاة دليل واضح على أن الداخل يصلي ولا يجلس، ولو سقطت تحية المسجد في حال لكان هذا الحال أولى بها، فإنه مأمور باستماع الخطبة، فلما ترك لها استماع الخطبة دل على تأكيدها، ولذا قال النووي: (هذا نص صريح لا يتطرق إليه تأويل، ولا أظن عالمًا يبلغه هذا اللفظ ويعتقده صحيحًا فيخالفه) (^٣).\nوأما حديث عبد الله بن بسر فلا دلالة فيه على أن التحية لا تشرع حال الخطبة؛ لاحتمال أن المراد اجلس؛ أي: لا تتخط، ولم يقصد ترك التحية، أو أن المراد اجلس بشرط الجلوس المفهوم في قوله: \" فلا يجلس حتى يصلي ركعتين\"، ولاحتمال أنه صلاها في مكان آخر من المسجد قبل وقوع التخطي منه، ولهذا سأله الرسول ﷺ هل صلى أو لا؟ أو أن ذلك قبل الأمر بها، وعلى أي حال فحديث جابر أصح وأقوى دلالة؛ لأن حديث عبد الله بن بسر يدل على عدم وجوبها، وحديث جابر يدل على مشروعيتها، فتكون دلالته\n_________\n(^١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٤٢١)، \"المدونة\" (١/ ٢٢٩)، \"المجموع\" (٤/ ٥٥٢).\n(^٢) رواه أبو داود (٣/ ٤٦٧)، والنسائي (٣/ ١٠٣)، وأحمد (٤/ ١٨٨)، والزيادة له، والحديث سنده حسن، وله شواهد ومتابعات.\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٤١٢).","vol":"4","page":44},{"text":"مقدمة، ثم إن حديث جابر فيه بيان عام للأمة وهو قوله: \" إذا جاء أحدكم والإمام يخطب أو قد خرج فليصل ركعتين\" (^١).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز تكلم الخطيب يوم الجمعة مع غيره للحاجة أو المصلحة؛ كالإنكار على سائل يتخطى رقاب الناس ويشوش عليهم، أو رجل دخل ولم يصل تحية المسجد، أو انقطع مكبر الصوت فأمر المسؤول بإصلاحه، أو انقطع التيار الكهربائي والناس في شدة الحر، ونحو ذلك مما قد يعرض، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٦٦)، ومسلم (٨٧٥) (٥٧) (٥٩).","vol":"4","page":45},{"text":"<span data-type='title' id=toc-369>ما يقرأ في صلاة الجمعة</span>\n٤٥٧/ ١٣ - عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة، والمنافقين. رواه مسلم.\n٤٥٨/ ١٤ - وله: عن النعمان بن بشير: كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾.\n\n• الكلام عليهما من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عباس، فقد أخرجه مسلم في كتاب \" الجمعة\"، باب \"ما يقرأ في يوم الجمعة\" (٨٧٩) من طريق مخول بن راشد، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ﴿ألم * تنزيل﴾ السجدة، و﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾، وأن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقون).\nوأما حديث النعمان، فقد أخرجه أيضًا في الكتاب المذكور، باب \"ما يقرأ في صلاة الجمعة\" (٨٧٨) من طريق إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير، عن النعمان بن بشير ﵁ به مرفوعًا، وفي آخره قال: \" وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما في الصلاتين\"، وليت أن الحافظ ذكر هذه الزيادة لفائدتها.\n\n• الوجه الثاني: دل الحديثان على استحباب قراءة سورة الجمعة وسورة المنافقين في صلاة الجمعة بعد الفاتحة، أما سورة الجمعة فمناسبتها ظاهرة، وذلك لما فيها من أمر الله تعالى لعباده المؤمنين بالمبادرة إلى الخطبة والصلاة","vol":"4","page":46},{"text":"لما فيهما من ذكر الله تعالى والتذكير بآياته وترك البيع والشراء عند النداء الثاني، وذلك خير لهم، لما فيه من الثواب الجزيل والأجر العظيم، كما أن فيها ذكر من حملوا التوراة ولم يعملوا بها، وفيه تحذير المسلمين من أن يتركوا العمل بكتاب ربهم.\nأما سورة المنافقين فلعل مناسبتها توبيخ حاضريها من المنافقين وتنبيههم على التوبة، وغير ذلك مما جاء فيها؛ لأنهم ما كانوا يجتمعون في مجلس أكثر من اجتماعهم فيها، كما أن فيها التحذير من النفاق والمنافقين، وقج جاءت الإشارة إلى هذه الحكمة فيما أخرجه الطبراني بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ مما يقرأ في صلاة الجمعة بالجمعة، فيحرض به المؤمنين، والثانية بسورة المنافقين فيفزع به المنافقين) (^١).\nوكذلك يستحب أن يقرأ في بعض الأحيان في الركعة الأولى بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ وفي الثانية ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ كما دل على ذلك حديث النعمان ﵁، وفي رواية عند مسلم مفادها: في الأولى بالجمعة، والثانية بالغاشية، وذلك والله أعلم لأن سورة الأعلى فيها تقرير التوحيد وتعظيم الرب وتنزيهه وإثبات كمال قدرته، كما أن فيها حث الناس على الاستفادة من الخطبة، وأن هذا شأن من يخشى الله تعالى، كما أن فيها حث الناس على الإقبال على الدار الآخرة، لأن نعيمها لا يزول، بخلاف نعيم الدنيا.\nوأما الغاشية فلأن فيها ذكر يوم القيامة وأحوال أهلها من السعداء والأشقياء، وفيها الحث على التفكر في مخلوقات الله تعالى المشاهدة، كما أن فيها بيان مهمة الداعية إلى الله تعالى وطريق الدعوة، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (١٠/ ١٢٩) وإسناده حسن، كما قال الهيثمي (٢/ ١٩١).","vol":"4","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-370>سقوط الجمعة عمن صلى العيد إذا اجتمعا</span>\n٤٥٩/ ١٥ - عن زيد بن أرقم ﵁ قال: صلى النبي ﷺ العيد، ثم رخص في الجمعة، فقال: \" من شاء أن يصلي فليصل\". رواه الخمسة إلا الترمذي، وصححه ابن خزيمة.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في أبواب الجمعة، باب \" إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد\" (١٠٧٠)، والنسائي (٣/ ١٩٤)، وابن ماجه (١٣١٠)، وأحمد (٣٢/ ٦٨)، وابن خزيمة (٢/ ٣٥٩) من طريق إسرائيل، حدثنا عثمان بن المغيرة، عن إياس بن أبي رملة الشامي قال: شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم، قال: أشهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد، ثم رخص في الجمعة، فقال: \" من شاء أن يصلي فليصل\".\nوهذا الحديث رجاله ثقات، إلا إياس بن أبي رملة، فهو مجهول، كما قاله ابن المنذر، ونقله عنه الذهبي (^١)، وكذا ابن القطان (^٢)، ثم قال: (وهو كما قال)، وكذا قال الحافظ في \" التقريب\".\nوذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٣)، ونقل الحافظ في \"التلخيص\" (^٤) عن\n_________\n(^١) \"الميزان\" (١/ ٢٨٢).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٤/ ٢٠٤).\n(^٣) (٤/ ٣٦).\n(^٤) (٢/ ٩٤).","vol":"4","page":48},{"text":"علي بن المديني أنه صحح الحديث، وقد نقل ابن عبد البر عن علي بن المديني أنه قال: (في هذا الباب غيرما حديث عن النبي ﷺ بإسناد جيد) (^١). وقال النووي: (إسناده حسن) (^٢).\nوالحديث له شواهد، ومنها: ما رواه أبو داود (١٠٧٣)، وابن ماجه (١/ ٤١٦) من طريق بقية، حدثنا شعبة، عن المغيرة الضبي، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون). وفي سنده ضعف، ورواه عبد الرزاق (٣/ ٣٠٤) وغيره من طريق الثوري وغيره عن ابن رفيع، عن ذكوان مرسلًا. وقد صحح إرساله أحمد والدارقطني (^٣) ومن شواهده ما أخرجه أبو داود (١٠٧٢) من طريق ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح قال: (اجتمع يوم الجمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير، فقال: عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعًا فصلاهما ركعتين بكرة، فلم يزد عليهما حتى صلى العصر). وإسناده صحيح، وفي متنه اضطراب.\nوفي رواية لأبي داود: وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له، فقال: (أصاب السنة)، وأخرجه الفريابي في \"العيدين\" (١٥٣) بلفظ: فذكر ذلك لابن عباس وقال: (أصاب) ولم يذكر (السنة).\nوعلى هذا فأحاديث الباب كلها معلولة - كما يقول ابن عبد البر - ومن يستدل بها يرى أنها باجتماعها يقوي بعضها بعضًا، ويرى أن تصحيح ابن المديني لحديث الباب - على ما نقله الحافظ - يرفع جهالة إياس بن أبي رملة، على ما هو مقرر في \"علوم الحديث\".\nوأما قول الحافظ: (وصححه ابن خزيمة) ففيه نظر، فإن ابن خزيمة لم يصحح الحديث، وإنما علق صحته بعدالة إياس، فقال: (إن صح الخبر، فإني لا أعرف إياس بن أبي رملة بعدالة وجرح).\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (٧/ ٢٩).\n(^٢) \"الخلاصة\" (٢/ ٨١٦).\n(^٣) \"التلخيص\" (٢/ ٩٤) \"العلل\" (١٠/ ٢١٥).","vol":"4","page":49},{"text":"الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن صلاة الجمعة بعد صلاة العيد تصير رخصة يجوز فعلها ويجوز تركها، لقوله: \" من شاء أن يصلي فليصل\" وهذا في حق من صلى العيد، وذلك إذا اجتمعا في يوم واحد؛ لأنهما عيدان اجتمع فيهما عبادتان من جنس واحد، فدخلت إحداهما في الأخرى، ولأن في إيجابهما على الناس تفويتًا لمقصود عيدهم وما سن لهم فيه من السرور والانبساط (^١).\nلكن من لم يصل الجمعة وجب عليه أن يصلي ظهرًا، على قول جمهور أهل العلم؛ لأن الأدلة مستفيضة في أن صلاة الجمعة إذا فاتت أقيمت مكانها صلاة الظهر، فإن حضر جماعة فذاك وإلا صلى وحده، وإن حضر الجمعة فهو أفضل.\nوقاء عطاء: تسقط صلاة الظهر، ولا صلاة بعد العيد إلا العصر، واعتمد في ذلك على روايته لفعل ابن الزبير حين قال: (لم يزد عليهما حتى صلى العصر)، ورجح هذا الشوكاني (^٢)، وهذا فيه نظر، فإن الحديث قد سكت عن صلاة الظهر، ولعل ابن الزبير صلاها في بيته، فالجزم بأن مذهب ابن الزبير سقوط صلاة الظهر في هذه الحال غير صحيح (^٣).\nوأما من لم يصل العيد فإن الجمعة تلزمه، ولا تقوم الظهر مقامها في حقه؛ لأنه لم يصل العيد، والقول بأن العيد يجزئ عن الجمعة هو قول الحنابلة، وهو مروي عن الشعبي والنخعي (^٤).\nوالقول الثاني: أن الجمعة تسقط عمن هو خارج المصر، لأنه يشق عليهم العود لبعد منازلهم، وهذا مذهب عثمان ﵁، وتبعه الشافعي (^٥)، لما روى أبو عبيد مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عثمان بن عفان، وكان\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٤/ ٢١٠ - ٢١١).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٢١) ..\n(^٣) انظر: \"التمهيد\" (١٠/ ٢٦٨) \"سبل السلام\" (٢/ ٨٤).\n(^٤) \"الأوسط\" (٤/ ٢٩٠)، \"المغني\" (٣/ ٢٤٢).\n(^٥) \"المجموع\" (٤/ ٤٩١).","vol":"4","page":50},{"text":"ذلك يوم الجمعة، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب فقال: (يا أيها الناس إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت) (^١).\nوالقول الثالث: أن الجمعة واجبة على من صلى العيد، ولا تسقط عنه بحضور العيد، وهذا قول مالك وأبي حنيفة (^٢)، وهو ظاهر اختيار ابن المنذر وجزم به ابن حزم (^٣)؛ لعموم الأدلة في وجوب الجمعة، وحملوا أدلة الترخيص على ما فيها من مقال على من حضر العيد من أهل البوادي (^٤).\nوينبغي لأئمة الجوامع إقامة الجمعة ليحضرها من لم يصل العيد، وكذا من صلى العيد وأراد زيادة الخير بحضور الجمعة؛ لأن بعض العلماء أوجب الجمعة على الإمام (^٥)، وقد ذكر ابن رجب روايتين عن الإمام أحمد في سقوطها عن الإمام، وفي إقامة الإمام لها اقتداء بالنبي ﷺ حيث أقام الجمعة.\nوذهب فريق من أهل العلم إلى أن الجمعة تسقط عن الإمام أيضًا؛ لأن الترخيص عام لكل أحد، وقد ترك ابن الزبير الجمعة وهو الإمام كما تقدم ورجح هذا الشوكاني (^٦)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٥٧٢).\n(^٢) \"المدونة\" (١/ ١٤٢) \"الهداية\" (١/ ٤٢٣).\n(^٣) \"الأوسط\" (٤/ ٢٩١)، \"المحلى\" (٥/ ٨٩).\n(^٤) \"شرح مشكل الآثار\" (٣/ ١٨٧).\n(^٥) \"القواعد\" (١/ ١٥٦).\n(^٦) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٢١).","vol":"4","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-371>الصلاة بعد الجمعة</span>\n٤٦٠/ ١٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعًا\". رواه مسلم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \" الجمعة\"، باب \" الصلاة بعد الجمعة\" (٨٨١) من طريق خالد بن عبد الله، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية أربع ركعات بعد صلاة الجمعة، وظاهر الحديث الوجوب، لقوله: \" فليصل\"، لكن روى مسلم من طريق جرير وسفيان، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" من كان منكم مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا\"، فهذا دليل على أن الأمر في حديث الباب للاستحباب، وليس للوجوب.\n\n• الوجه الثالث: ظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن تكون الأربع في المسجد أو في البيت، وقد تقدم في حديث ابن عمر ﵁ في باب \" التطوع\" - ذكر صلاة النبي ﷺ، وفيه: \" وركعتين بعد الجمعة في بيته\" (^١)، وعن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلي بعدها ركعتين في بيته، ويحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك (^٢)، وقد اختلف أهل العلم في ذلك:\n_________\n(^١) متفق عليه.\n(^٢) أخرجه أبو داود (١١٢٨)، ونقل في \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣١٨)، عن العراقي أنه قال: (إسناده صحيح).","vol":"4","page":52},{"text":"فمنهم من قال: إن صليت سنة الجمعة في المسجد فهي أربع، وإن كانت في البيت فهي ركعتان، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (^١)، وكأن هذا لأجل العمل بالحديثين.\nوقال آخرون: أقلها ركعتان، وأكثرها أربع، سواء صلاها في المسجد أم في البيت، وهذا قول الشافعي وأحمد، واختاره الشوكاني (^٢)، والأربع أفضل؛ لأنها أكثر عملًا، ولأنه تعلق بها الأمر، كما في حديث الباب، ولأن القول مقدم على الفعل، واختار هذا الشيخ عبد العزيز بن باز.\nوعموم الأدلة في فضل النافلة في البيت يدل على أن الأفضل أن تكون سنة الجمعة في البيت، وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يصلي النوافل في بيته كما تقدم لكن لو صلاها في المسجد أحيانًا فلا بأس، أخذًا بظاهر حديث أبي هريرة الذي في هذا الباب.\n\n• الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن الأربع تصلى بسلام واحد، وهو قول أهل الرأي وإسحاق بن راهويه، واختاره الشوكاني (^٣)؛ لأنه ورد في الأربع بدون فصل في الظاهر دليل خاص، وبناء العام على الخاص واجب.\nوقال الشافعي والجمهور: يفصل بين كل ركعتين بسلام، واستدلوا بحديث: \" صلاة النهار مثنى مثنى\"، وقد تقدم في باب \" التطوع\".\nوالذي يظهر أن الأمر فيه سعة؛ فإن صلاها بسلام واحد فله أن يتشهد تشهدًا واحدًا أو تشهدين؛ لأن الحديث مطلق، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"زاد المعاد\" (١/ ٤٤٠).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣١٩).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ٣٢٠).","vol":"4","page":53},{"text":"<span data-type='title' id=toc-372>مشروعية الفصل بين الفريضة والنافلة</span>\n٤٦١/ ١٧ - عن السائب بن يزيد، أن معاوية قال له: إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة، حتى تكلم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك: أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج. رواه مسلم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي\nوهو أبو يزيد السائب بن يزيد الكندي في الأشهر؛ ولد في السنة الثانية من الهجرة، وروى البخاري من طريق محمد بن يوسف عن السائب قال: حج بي مع النبي ﷺ وأنا ابن سبع سنين (^١)، قال الذهبي: (له نصيب من صحبة ورواية)، وروى البخاري أيضًا عن الجعيد بن عبد الرحمن قال: سمعت السائب بن يزيد يقول: (ذهبت بن خالتي إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي وقع، وفي رواية: (وجع)، فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، وتوضأ، فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه) (^٢).\nقال ابن عبد البر: كان عاملًا لعمر على سوق المدينة مع عبد الله بن عتبة بن مسعود، وقد اختلف في وفاته، فقيل: سنة اثنتين وثمانين، وقيل: إحدى وتسعين، وقيل غير ذلك (^٣).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١٨٥٨).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٣٥٤١).\n(^٣) \"الاستيعاب\" (٤/ ١١٦)، \"السير\" (٣/ ٤٣٧)، \"الإصابة\" (٤/ ١١٧).","vol":"4","page":54},{"text":"* الوجه الثاني، في تخريجه:\nأخرجه مسلم في كتاب \"الجمعة\"، باب \"الصلاة بعد الجمعة\" (٨٨٣) من طريق ابن جريج قال: أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخُوار أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب بن يزيد بن أخت نور يسأله عن شيءٍ رآه منه معاوية في الصلاة (^١)، فقال: نعم صليت معه الجمعة في المقصورة فلما سلم الإمام قمت في مقامي فصليت، فلما دخل أرسل إلي فقال: لا تَعُدّ لما فعلت، إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج، فإن رسول الله - ﷺ - أمرنا بذلك، أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج.\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (معاوية) تقدمت ترجمته عند الحديث (٨٠).\n\nقوله: (في المقصورة) هي الحجرة التي تكون في المسجد للإمام، وأول من أحدثها من الخلفاء معاوية حين طعنه الخارجي، ثم استمر العمل عليها تحصينًا للأمراء.\n\nقوله: (قمت في مقامي) أي: فصليت النافلة في مقامي من غير فاصل بينها وبين الفرض\n\nقوله: (فلا تصلها بصلاة) بفتح التاء من المضارع، من الوصل، والمعنى: لا تصل صلاة الجمعة بصلاة بعدها بدون فاصل.\n\nقوله: (أمرنا بذلك أن لا نصل) هكذا لفظ \"البلوغ\": (أن لا نصل) بالنون، والذي في مسلم كما تقدم: (أن لا توصل) بالتاء المثناة من فرق، وأن ما دخلت عليه في تأويل مصدر بدل أو عطف بيان الاسم الإشارة قبله.\n\nقوله: (حتي نتكلم أو نخرج) بيان للفاصل، وهو إما كلام كالأذكار المشروعة أو خروج من المسجد.\n_________\n(^١) أي: أرسل نافع بن جبير عمر بن عطاء إلى السائب بن يزيد يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة فأنكره معاوية عليه.","vol":"4","page":55},{"text":"الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية الفصل بين صلاة الفريضة وصلاة النافلة، وذلك إما بالكلام وهي الأذكار المشروعة بين الصلاة، أو بأي كلام آخر يحصل فيه الفصل، أو بالتحول، والانتقال من مكان إلى مكان آخر وذلك ليحصل تمييز الفريضة عن النافلة، لئلا يزاد في الفريضة ما ليس منها، وقد أخرج ابن المنذر (^١)، والبيهقي (^٢) - بإسناد صحيح - عن ابن عمر أنه رأى رجلًا يصلي بعد الجمعة ركعتين في مقامه، فدفعه، وقال: (تصلي الجمعة أربعًا؟)، وهذا له نظائر في الشريعة، كتعجيل الإفطار وتأخير السحور، والأكل يوم الفطر قبل الصلاة، والنهي عن استقبال رمضان بيوم أو يومين، فهذا كله للفصل بين المأمور به وغير المأمور به، والفصل بين العادة وغيرها.\nوقد ذكر العلماء حكمة أخرى وهي تكثير مواضع العبادة، نسب ذلك الشوكاني إلى البخاري والبغوي (^٣)؛ لأن مواضع العبادة تشهد للعابد، أخذًا من عموم قوله تعالى: ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾ [الدخان: ٢٩]؛ أي: إن الأرض تبكي على صاحب الطاعة، كما ذكر ابن كثير (^٤)، وكذا قوله تعالى: ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾ [الزلزلة: ٤]؛ لأن الأرض من جملة الشهود على العباد بأعمالهم، كما أخرجه الترمذي وأحمد من حديث أبي هريرة وإسناده ضعيف (^٥)، وورد في آية سورة \"الدخان\" أحاديث؛ كحديث أنس عند الترمذي وإسناهد ضعيف (^٦) أيضًا.\nوأكمل أنواع الفصل أن يتحول الإنسان إلى بيته فيصلي فيه النافلة، لحديث زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال: \" صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة؛ صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة\" متفق عليه، وتقدم في صلاة \"التطوع\".\nوصلاة المرء في بيته النافلة فيها مصالح عظيمة تقدم ذكرها في الباب\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (٤/ ١٢٤).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٤٠).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٢٤).\n(^٤) \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٢٣٩).\n(^٥) \"جامع الترمذي\" (٢٤٢٩) (٣٣٥٣)، \"مسند الإمام أحمد\" (١٤/ ٤٥٥).\n(^٦) \"جامع الترمذي\" (٣٢٥٥).","vol":"4","page":56},{"text":"المذكور، إلا ما شرع له الجماعة؛ كالتراويح، والكسوف، والاستسقاء، وإذا صلى النافلة في المسجد، كراتبة الظهر أو المغرب عند قوم يجهلون هذه الأمور ليعملوا أنها مشروعة، فهذا قد يؤجر عليه أكثر من صلاته في البيت.\nوليست مشروعية الفصل خاصة بصلاة الجمعة، وإنما ذلك عام في جميع الصلوات، ولهذا استدل الراوي على تخصيصه بذكر الجمعة بحديث يعمها وغيرها، وفي هذا دليل على أن الصحابة ﵃ يستدلون بالعام على الخاص.\nأما وصل النافلة بنافلة فمن أهل العلم من خصه بالفريضة والنافلة، استنادًا إلى التعليل المتقدم، وهو لئلا يزاد في الفريضة ما ليس منها، وعلى هذا فيجوز وصل النافلة بالنافلة ولا يلزم الفصل بينهما بكلام ولا تحول.\nوقال آخرون: يشرع الفصل حتى في النوافل وذلك بالانتقال من مكان إلى آخر، والعلة في هذا تكثير مواضع العبادة، كما تقدم، وقد يستدل عليه بعموم حديث الباب، لكن الجمهور خصوا ذلك بالفريضة والنافلة، كما تقدم، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":57},{"text":"<span data-type='title' id=toc-373>فضل يوم الجمعة</span>\n٤٦٢/ ١٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" من اغتسل، ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدر له، ثم أنصت، حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم يصلي منعه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام\". رواه مسلم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \" الجمعة\"، باب \" فضل من استمع وأنصت للخطبة\" (٨٥٧) (٢٦) من طريق يزيد يعني ابن زريع، حدثنا روح، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الغسل يوم الجمعة، وأنه من الأوصاف التي ترتبت عليها المغفرة الموعود بها، ولا خلاف بين العلماء في استحباب الغسل يوم الجمعة، وإنما الخلاف في وجوبه، إما على الإطلاق، وهذا هو القول الثاني، وإما على من به رائحة يحتاج إلى إزالتها، وهذا هو القول الثالث، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في باب \" الغسل\" من كتاب \"الطهارة\"، والقول بالاستحباب هو قول الجمهور من أهل العلم.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يستحب لمن دخل المسجد يوم الجمعة قبل الصلاة أن يتنفل حتى يخرج الإمام، وأن هذا التنفل ليس له عدد محدود، لقوله: \" فصلى ما قدر له\"، وفي حديث سلمان: \" ثم يصلي ما","vol":"4","page":58},{"text":"كتب له\" (^١)، وهذا من النفل المطلق، إذ ليس للجمعة سنة راتبة قبلية مقدرة بعدد معين، كما في الصلوات الأخرى؛ لأن السنن إنما تثبت بقول النبي ﷺ أو فعله، وهو لم يسن للأمة في ذلك شيئًا لا بقوله ولا بفعله، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم (^٢).\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المغفرة الموعودة بها مرتبة على هذه الأمور؛ وهي: الغسل، والتنفل، والإنصات، والصلاة مع الإمام، وهي مغفرة ما بين الجمعة والجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها، وصار يوم الجمعة الذي تفعل فيه هذه الأفعال الجليلة في معنى الحسنة التي تجعل بعشر أمثالها، وقد ورد في أحاديث أخرى زيادة أوصاف مثل: التطيب، وعدم التفريق بين اثنين، وذلك بالقعود بينهما، أو إخراج أحدهما والقعود في مكانه، كما في حديث سلمان ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \" لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى\" (^٣)، وجاء في حديث أبي أيوب: \" وليس من أحسن ثيابه، ولم يؤذ أحدًا\" (^٤).\nفينبغي للمسلم أن يحرص على جميع ما وردت به الأحاديث، فيأتي بما طلب منه الغسل والطيب ولبس أحسن الثياب والتبكير والتنفل والإنصات والصلاة مع الإمام، ويبتعد عما نُهي عنه من التفرقة بين الاثنين والأذية وتخطي الرقاب، ويجتنب الكبائر.\n\n• الوجه الخامس: الجمهور من أهل العلم على أن المراد بالمغفرة؛ مغفرة الصغائر دون الكبائر، فهذه لابد فيها من التوبة، لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٨٣).\n(^٢) \"مجموع الفتاوى\" (٢٤/ ١٨٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٨٨٣).\n(^٤) أخرجه أحمد (٣٨/ ٥٤٧)، وابن خزيمة (١٧٧٥)، والطبراني في \"الكبير\" (٤/ ١٦١) وسنده حسن.","vol":"4","page":59},{"text":"رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر\" (^١)، فهذا نص صريح في أن المراد مغفرة الصغائر لا الكبائر.\nويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن الكبائر تغفر بالأعمال الصالحة، كالطهارة، والصلاة، والصيام ونحوها (^٢)، وسأذكر هذا في آخر كتاب \" الصيام\" إن شاء الله تعالى.\nوقال النووي: إن المراد الصغائر، فإن لم يوجد صغائر رجي أن يخفف من الكبائر، فإن لم تكن رفعت له درجات (^٣)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٣٣).\n(^٢) \"مجموع الفتاوى\" (٧/ ٤٨٩).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ١١٦).","vol":"4","page":60},{"text":"<span data-type='title' id=toc-374>ساعة الإجابة التي في يوم الجمعة</span>\n٤٦٣/ ١٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: \"فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي، يسأل الله ﷿ شيئًا إلا أعطاه إياه\"، وأشار بيده يقللها. متفق عليه.\nوفي رواية لمسلم: \" وهي ساعة خفيفة\".\n٤٦٤/ ٢٠ - وعن أبي بردة، عن أبيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة\". رواه مسلم، ورجح الدارقطني أنه من قول أبي بردة.\n٤٦٥/ ٢١ - وفي حديث عبد الله بن سلام عند ابن ماجه.\n٤٦٦/ ٢٢ - وجابر عند أبي داود، والنسائي: أنها ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس.\nوقد اختلفت فيها على أكثر من أربعين قولًا، أمليتها في \"شرح البخاري\".\n\n• الكلام عليها من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو أبو بردة بضم الباء الموحدة، وسكون الراء عامر بن عبد الله بن قيس، وأبوه عبد الله، هو أبو موسى الأشعري الصحابي الجليل، ولد لما كان أبوه أميرًا في البصرة في خلافة عمر أو عثمان ﵁.","vol":"4","page":61},{"text":"حدث عن أبيه، وعلي بن أبي طالب، وأبي هريرة ﵁ وآخرين، قال ابن سعد: (كان ثقة كثير الحديث)، وقال العجلي: (كوفي تابعي ثقة)، وقال الذهبي: (كان من أوعية العلم، حجة باتفاق) مات سنة أربعة ومائة، وقيل: ثلاث ومائة (^١)، وأما أبوه فقد تقدمت ترجمته في \"مواقيت الصلاة\".\nوأما عبد الله بن سلام، فهو أبو يوسف عبد الله بن سلام بتخفيف اللام الخزرجي الإسرائيلي الأنصاري، أسلم وقت قدوم النبي ﷺ المدينة، كما أخرج ذلك البخاري في قصة طويلة (^٢)، وهو أحد من شهد له النبي ﷺ بالجنة، كما ثبت في صحيح البخاري أيضًا (^٣).\nروى عنه ابناه: يوسف ومحمد، وأنس بن مالك وأبو هريرة ﵁ وآخرون، مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين ﵁ (^٤).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجها:\nأما حديث أبي هريرة، فقد أخرجه البخاري في كتاب \" الجمعة\"، باب \" الساعة التي في الجمعة\" (٩٣٥)، ومسلم (٨٥٢)، من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا.\nورواه مسلم من طريق الربيع يعني ابن مسلم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: \" إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه قال: وهي ساعة خفيفة\".\nأما حديث أبي بردة عن أبيه، فقد أخرجه مسلم في الباب المذكور (٨٥٣) من طريق (^٥) ابن وهب، أخبرنا مخرمة، عن أبيه، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: قال لي عبد الله بن عمر، أسمعت إباك يحدث عن\n_________\n(^١) \"السير\" (٥/ ٥)، \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٢١).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٣٩١١).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٣٨١٢).\n(^٤) \"الاستيعاب\" (٦/ ٢٢٨)، \"السير\" (٢/ ٤١٣)، \"الإصابة\" (٦/ ١٠٨).\n(^٥) هذا الإسناد وقع عند مسلم في مواضع، انظر: \"غرر الفوائد المجموعة\" لرشيد الدين العطار ص (٣٢٣)، ومنها حديث في المذي (٣٠٣) (١٩)، والزكاة (٩٨٢) (١٠).","vol":"4","page":62},{"text":"رسول الله ﷺ في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة\"، وهذا الحديث معلول بعلتين:\nالأولى: الانقطاع فإن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه شيئًا، وإنما كان يري من كتب أبيه، قال أبو طالب: سألت أحمد عنه فقال: (ثقة لم يسمع من أبيه شيئًا، إنما كان يروي من كتاب أبيه)، وكذا قال ابن معين.\nوقال أبو داود: لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا، وهو حديث الوتر، وقال سعيد بن أبي مريم، عن خاله موسى بن سلمة: أتيت مخرمة فقلت: حدثك أبوك؟ فقال: لم أدرك أبي، هذه كتبه.\nفإن قيل: مسلم يكتفي في المعنعن بإمكان اللقاء مع المعاصرة وهو موجود هنا؟ فالجواب: أن هذا صحيح، ولكن وجود التصريح من مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه شيئًا كافٍ في دعوى الانقطاع، ثم إن مسلمًا لا يخرج حديث من ثبت عدم سماعه، ومخرمة بشهادته على نفسه لم يسمع من أبيه، ولهذا استدرك الدارقطني على مسلم هذا الحديث.\nالعلة الثانية: أنه موقوف على أبي بردة من قوله، وقد تفرد برفعة بكير بن الأشج، وهو مدني ثقة كما في \" التقريب\"، لكن أبا بردة كوفي، وقد روى أهل الكوفة هذا الخبر عن أبي بردة من قوله موقوفًا عليه، ومنهم أبو إسحاق السبيعي، وواصل الأحدب، ومعاوية بن قرة، وغيرهم، فهم أعلم بحديثه من بكير المدني؛ لأن رواية الكوفي عن الكوفي أثبت من رواية المدني عن الكوفي، ثم إن هؤلاء عدد وكبير واحد، ولهذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب (^١)، كما ذكر الحافظ هنا.\nوخالف في هذا الإمام بناء على قاعدته وهي أن ما وصله الثقات فهو مقدم، وتبعه على هذا الشيخ عبد العزيز بن باز؛ لأن الزيادة من الثقة\n_________\n(^١) انظر: \"التتبع\" ص (١٦٧)، \"العلل\" (٧/ ٢١٢).","vol":"4","page":63},{"text":"تقبل، فيقدم قول من رفعه على من وقفه، ثم إن هذا ليس مما يدخله الرأي إذ لا مسرح للاجتهاد في تعيين أوقات العبادات، فجزمه بهذا يدل على تأييد رواية الرفع، وهذا إنما يتم على رأي من يقول: إن قول التابعي مما لا مجال للاجتهاد فيه مرفوع.\nوأما حديث عبد الله بن سلام، فقد أخرجه ابن ماجه (١١٣٩)، وأحمد (٣٩/ ١٩٨) من طريق الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال: قلت ورسول الله ﷺ جالس: إنا لنجد في كتابنا في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي، يسأل الله فيها شيئًا إلا قضى له حاجته، قال عبد الله: فأشار إلي رسول الله ﷺ: \" أو بعض ساعة\"، فقلت: صدقت، أو بعض ساعة، قلت: أي ساعة هي؟ قال: \" هي آخر ساعات النهار\"، قلت: إنها ليست ساعة صلاة، قال: \" بلى، إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يحبسه إلا الصلاة فهو في صلاة\".\nقال البوصيري: (إسناده صحيح، ورجاله ثقات) (^١)، والضحاك هو ابن عثمان بن عبد الله الحزامي، وثقه أحمد وابن معين، وغيرهما، وقال أبو حاتم: (يكتب حديثه ولا يحتج به، وهو صدوق) (^٢)، وأبو النضر: هو سالم بن أبي أمية.\nوأما حديث جابر، فقد أخرجه أبو داود (١٠٤٨)، والنسائي (٣/ ٩٩ - ١٠٠) من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو - يعني ابن الحارث - عن الجلاح مولى عبد العزيز حدثه أن أبا سلمة يعني عبد الرحمن حدثه عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \" يوم الجمعة ثنتا عشرة - يريد ساعة - لا يوجد مسلم يسأل الله ﷿ شيئًا إلا آتاه الله ﷿، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر\"، قال النووي: (إسناده صحيح) (^٣)، وقال الحافظ: (إسناده حسن) (^٤)، ولعل هذا هو الصواب؛ لأن في إسناده الجلاح الأموي مولاهم المصري، قال عنه الحافظ في \"القريب\": (صدوق).\n_________\n(^١) \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٣٨٠).\n(^٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٩٢).\n(^٣) \"الخلاصة\" (٢/ ٧٥٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢٠).","vol":"4","page":64},{"text":"وأما قول الحافظ - هنا -: (وفي حديث جابر أنها ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس)، فليس في شيء من ألفاظ الحديث كما تقدم، فلعله عبر بالمعنى.\n\n• الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (فيه ساعة) المراد بالساعة هنا: الجزء من الزمان، وفي حديث جابر: \"يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة\" أي: إن النهار ثنتا عشرة ساعة، والمراد بها: الجزء، طال أو قصر، ومن ذلك حديث أبي هريرة: \" ثم راح في الساعة الأولى\" فالمراد بذلك: الزمن، فيقسم ما بين طلوع الشمس ودخول الإمام إلى خمسة أجزاء صيفًا وشتاءً.\nوقد جاءت الساعة في هذه الرواية مبهمة، بل جميع روايات \" الصحيحين\" من حديث أبي هريرة، ولعل الحكمة من إخفائها ليجتهد الناس في هذا اليوم ويستوعبوه بالدعاء، ولو عرفت لخصوها بالدعاء وأهملوا ما سواهما، ومثل ذلك إخفاء ليلة القدر.\nوجاء تعيينها في روايات أخرى - كما تقدم في التخريج - ولا معارضة في ذلك فتحمل الأحاديث المطلقة على المقيدة، وهذا متعين، كما في الأصول.\n\nقوله: (لا يوافقها عبد مسلم) أي: يصادفها، وهذه اللفظة تشمل ما إذا قصدها وتحراها، أو وقع له الدعاء فيها اتفاقًا بدون قصد.\n\nقوله: (وهو قائم يصلي يسأل الله) هذه الجمل كلها أحوال من قوله: \"عبد\" الموصوف بـ \"مسلم\"، وهي أحوال مترادفة أو متداخلة.\nوقد استشكل بعض الصحابة ﵃؛ كأبي هريرة (^١) على القول بأنها آخر ساعة بعد العصر أو وقت الخطبة أنه جاء في الحديث: \"وهو قائم يصلي\" وهذا الوقت ليس وقت صلاة، وكذا وقت الخطبة، فسأل عبد الله بن سلام\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (٣٩/ ٢٠٢).","vol":"4","page":65},{"text":"وقال له: (كيف تكون آخر ساعة من يوم الجمعة) وقد قال رسول الله ﷺ: \"لا يصادفها عبد مسلم يصلي\"، وتلك ساعة لا يصلي فيها؟)، وكذا سأل عبد الله بن سلام أحد رواة الحديث، كما في رواية عند أحمد.\nوالجواب: أن قوله: \" وهو قائم\" ليس المراد به القيام حقيقة، وإنما المراد به ملازمة الطاعة والمواظبة عليها، مثل قوله تعالى: ﴿ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما﴾ ﴿آل عمران: ٧٥] أي: ملازمًا له تطالبه به ليل نهار.\nومعنى: \" يصلي\": يدعو؛ لأن الصلاة تطلق على الدعاء لغة، أو أن منتظر الصلاة في صلاة، كما مر في حديث عبد اللن بن سلام، ومما يدل على صحة هذا التأويل أن أبا هريرة سلم لابن سلام تأويله ولم يعترض عليه، قاله ابن عبد البر (^١).\nوعلى هذا فالصلاة محمولة على مدلول شرعي وهو الانتظار، لكنه ليس المدلول الحقيقي، وإنما هو مجاز شرعي، أو مدلول لغوي وهو الدعاء، وظاهر سياق الحديث عند ابن ماجه يدل على أن السائل هو عبد الله بن سلام، والمسؤول هو النبي ﷺ؛ لأن الحديث على لسان عبد الله بن سلام من أوله إلى آخره.\n\nقوله: (شيئًا) أي: مما يليق أن يدعو به المسلم، وفي رواية للبخاري (^٢) وكذا مسلم كما تقدم: \"يسأل خيرًا\" (^٢)، فيخرج بذلك الشر؛ كالدعاء بالإثم، وقطيعة الرحم.\n\nقوله: (وأشار بيده يقللها) كذا في هذه الرواية بإبهام الفاعل، وفي رواية: (وأشار رسول الله ﷺ) والمعنى أن وقتها قليل، والغرض من ذلك الترغيب فيها والحث على اغتنامها، ولم يبين في هذه الرواية كيفية الإشارة، وقد جاء في رواية عند البخاري: (وقال بيده ووضع أنملته على بطن الوسطى،\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (١٩/ ٢٤).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٥٢٩٤) (٦٤٠٠).","vol":"4","page":66},{"text":"والخنصر، قلنا: يزهدها) (^١).\n\nقوله: (وهي ساعة خفيفة) أي: قصيرة غير طويلة، كما جاء في رواية (يزهدها) أي: يقللها.\n\n• الوجه الرابع: في هذه الأحاديث دليل على أن الله تعالى قد خص يوم الجمعة من بين سائر الأسبوع بساعة شريفة يستجاب فيها الدعاء، فلا يوافق هذه الساعة عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله خيرًا من أمور الدنيا أو الآخرة إلا أعطاه إياه عاجلًا أو آجلًا.\nوقد وقع الخلاف في تعيين هذه الساعة على أقوال كثيرة، ذكر ابن القيم بعضها (^٢)، وأوصلها الحافظ ابن حجر (^٣) إلى ثلاثة وأربعين قولًا، وذكر أنها أقوال متداخلة ويمكن ضم بعضها إلى بعض، وقد لا تزيد على عشرة أقوال، وسبب الخلاف تعدد الروايات والآثار، ومعظم هذه الأقوال استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف، وأرجح هذه الأقوال كما قال ابن القيم قولان تضمنتهما الأحاديث الثابتة، وأحدهما أرجح من الآخر، ويلاحظ أن الحافظ في \"البلوغ\" اقتصر على أحاديث هذين الوقتين، وكأنهما الأرجح دليلًا.\nالأول: أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة، ودليل هذا حديث أبي بردة المتقدم بناءً على سلامته مما علل به، وإلا فلا يصح الاستدلال به؛ لأنه قول تابعي.\nوقد رجح هذا القول الإمام مسلم، فقد أخرج البيهقي عن أحمد بن سلمة (^٤) قال: (سمعت مسلم بن الحجاج يقول: وذاكرته بحديث مخرمة هذا، فقال: هذا أجود حديث وأصحه في بيان الجمعة) (^٥).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٥٢٩٤).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (١/ ٣٨٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٤١٦).\n(^٤) هو: أحمد بن سلمة النيسابوري البزاز، أبو الفضل، حافظ من علماء الحديث، كان رفيق الإمام مسلم في رحلته إلى بلخ وبصرة، مات سنة (٢٨٦ هـ).\n(^٥) \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٥).","vol":"4","page":67},{"text":"وهذا القول موافق لظاهر لفظ \"الصحيحين\"، كما تقدم: \" وهو قائم يصلي\" فلا يحتاج إلى تأويل.\nوقال القرطبي: (وحديث أبي موسى نص في موضع الخلاف، فلا يلتفت إلى غيره، والله أعلم) (^١)، وقال أيضًا: (إن رواية: \"وهي ساعة خفيفة\" يدل على أنها ليست من بعد العصر إلى غروب الشمس لطول هذا الوقت)، وقال النووي: (والصحيح بل الصواب ما رواه مسلم من حديث أبي موسى …) (^٢).\nوصحح هذا ابن العربي وقال: (وبه أقول؛ لأن ذلك العمل من ذلك الوقت كله صلاة، فينتظم به الحديث لفظًا ومعنى) (^٣).\nوالقول الثاني: أنها آخر ساعة بعد العصر لحديث عبد الله بن سلام وما جاء في معناه، وهذا قول عبد الله بن سلام، وأبي هريرة، والإمام أحمد، فقد نقل عنه الترمذي أنه قال: (أكثر الأحاديث في الساعة التي ترجى فيها إجابة الدعوة أنها بعد صلاة العصر) (^٤)، وهو قول أكثر السلف.\nوقد روى سعيد بن منصور عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ اجتمعوا، فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة، فتفرقوا ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة (^٥).\nفإن قيل بالترجيح فلا شك أن الأحاديث الدالة على أنها آخر ساعة بعد العصر أرجح لقوتها، ولأنه لم يختلف في رفعها، ولأنه قول جمهور الصحابة والتابعين، كما قال ابن القيم، ورجح هذا الشوكاني (^٦).\nوأما حديث أبي موسى ففيه مرجح واحد، وهو كونه في أحد \"الصحيحين\" دون بقية الأحاديث، لكن عارض ذلك ما تقدم من إعلاله\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٢/ ٤٩٤).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٣٨٩).\n(^٣) \"العارضة\" (٢/ ٢٧٥).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٢/ ٣٦١).\n(^٥) قال الحافظ في \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢١): (إسناده صحيح).\n(^٦) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٨٠).","vol":"4","page":68},{"text":"بالانقطاع والوقف على أبي بردة، والترجيح بما في \"الصحيحين\" أو أحدهما إنما هو حيث لا يكون مما انتقده الحفاظ؛ كحديث أبي موسى هذا، وإن قيل بالجمع وهو مسلك ابن القيم وتبعه على ذلك الشيخ عبد العزيز بن باز (^١) - فيقال: إن ساعة الإجابة منحصرة في أحد هذين الوقتين، وأن أحدهما لا يعارض الآخر، لاحتمال أن يكون النبي ﷺ دل على أحدهما في وقت، وعلى الآخر في وقت آخر.\nقال ابن عبد البر: (والذي ينبغي لكل مسلم الاجتهاد في الدعاء للدين والدنيا في الوقتين المذكورين رجاء الإجابة، فإنه لا يخيب إن شاء الله) (^٢).\nيقول العراقي: (إن من كان مطلبه خطيرًا عظيمًا كسؤال المغفرة والنجاة من النار ودخول الجنة ورضى الله تعالى عنه لجدير أن يستوعب جميع عمره بالطلب والسؤال، فكيف لا يسهل على طالب مثل ذلك سؤال في يوم واحد، كما قال عبد الله بن عمر ﵁: إن طلب حاجة في يوم يسير …) (^٣).\nفعلى المسلم من رجل أو امرأة أن يعتني بهذه الساعة وأن يجتهد في الدعاء في جميع يوم الجمعة، ويكثر من ذلك لعله أن يصادف هذه الساعة، ويخص ما بعد العصر ووقت جلوس الخطيب إلى نهاية الصلاة بمزيد عناية؛ لأنها أخص الأوقات وأرجاها، فإن فاتته ساعة الصلاة فعليه أن يحرص على ما بعد العصر، والله الموفق.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (١٢/ ٤٠٣).\n(^٢) \"التمهيد\" (١٩/ ٢٤).\n(^٣) نقله عنه ابنه في \"طرح التثريب\" (٣/ ٢١٤).","vol":"4","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-375>اشتراط العدد في الجمعة</span>\n٤٦٧/ ٢٣ - عن جابر ﵁ قال: مضت السنة أن في كل أربعين فصاعدا جمعة. رواه الدارقطني بإسناد ضعيف.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٣ - ٤) من طريق إسحاق بن خالد البالسي، ثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن، ثنا خصيف، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (مضت السنة أن في كل ثلاثة إمام (^١)، أو في كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطرًا، وذلك أنهم جماعة).\nوهذا إسناد ضعيف جدًا؛ لأن فيه عبد العزيز بن عبد الرحمن القرشي، قال عنه أحمد: (اضرب على أحاديثه، هي كذب، أو قال: موضوعة)، وقال النسائي وغيره: (ليس بثقة) (^٢).\nوقال ابن حبان: (يأتي بالمقلوبات عن الثقات فيكثر، والملزقات بالأثبات فيفحش)، ثم ذكر حديث هذا، ثم قال: (كتبناه عن عمر بن سنان، عن إسحاق بن خالد البالسي، عنه بنسخ شبيهًا بمائة حديث مقلوبة، منها ما لا أصل له، ومنها ما هو ملزق بإنسان، ليس يروي ذلك الحديث البتة، لا يحل الاحتجاج به بحال) (^٣).\n_________\n(^١) هكذا بالرفع، وحقها بالنصب، وقد كتبت على الصواب في طبعة الرسالة.\n(^٢) \"العلل ومعرفة الرجال\" (٣/ ٣١٩)، \"الميزان\" (٢/ ٦٣١).\n(^٣) \"المجروحين\" (٢/ ١٢١).","vol":"4","page":70},{"text":"الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث فقهاء الشافعية والحنابلة على أن صلاة الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين رجلًا (^١)، واستدلوا أيضًا بما رواه أبو داود وابن ماجه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك وكان قائد أبيه بعد ما ذهب بصره، عن أبيه كعب بن مالك أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة، فقلت: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة، قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال: نقيع الخضمات (^٢)، قلت: كم أنتم يؤمئذ؟ قال: أربعون (^٣).\nومسألة العدد في الجمعة فيها خلاف بين أهل العلم إلى أربعة عشر قولًا أو تزيد، وأكثرها ليس عليه حجة قائمة.\nوأرجح الأقوال في هذه المسألة أن الجمعة تنعقد بأقل عدد يطلق عليه الجمع، وهو ثلاثة على الراجح، أو اثنان على القول الثاني، لعموم الأدلة وعدم وجود نص يدل على اشتراط عدد معين.\nوالقول بأنها تنعقد بثلاثة رواية عن الإمام أحمد، كما في مسائل ابن هانئ، فقد نقل عن أحمد قوله: (إذا فاتت الرجل الجمعة فأدرك رجلين، فيصلون جميعًا، ويؤمهم واحد، ويقوم وسطهم، كذا فعل ابن مسعود بعلقمة والأسود) (^٤).\nوهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥)، والشيخ عبد العزيز بن باز، ومما يؤيد ذلك ما يلي:\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٤/ ٥٠٢)، \"المغني\" (٣/ ٢٠٢).\n(^٢) هزم النبيت: موضع من حرة بني بياضة، وأصل الهزم: المنخفض من الأرض، والنبيت أبو حيٍّ من اليمن، والنقيع: بطن الأرض يستنقع فيه الماء مدة، والخضمات -بفتح الخاء وكسر الضاد، وقيل بفتحهما-: موضع بنواحي المدينة.\n(^٣) رواه أبو داود (١٠٦٩)، وابن ماجه (١٠٨٢)، وسنده حسن؛ لأنه من رواية محمد بن إسحاق، وهو وإن كان مدلسًا لكنه صرح بالتحديث عند الدارقطني (٢/ ٥)، والحاكم (١/ ٢٨١) (٣/ ١٨٧)، والبيهقي (٣/ ١٧٦)، فإن صحَّ ذلك وإلا فالحديث معلول.\n(^٤) \"مسائل ابن هانئ\" (١/ ٩٠).\n(^٥) \"الاختيارات\" ص (٧٩).","vol":"4","page":71},{"text":"١ - أنه لو كان الأربعون أو غيره من الأعداد شرطًا لبينه النبي ﷺ للأمة بيانًا عامًا، لحاجة الناس إليه، إذا كانت الصلاة لا تنعقد إلا به.\n٢ - أن اسم الجمع يتناول الثلاثة، وقد قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩] وهذه صيغة جمع، وقد ورد في حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم\" (^١)، وهذا نص عام.\nوأما حديث كعب بن مالك، فعنه جوابان:\nالأول: أنه واقعة عين، فلا تدل على أنهم لو كان أقل من هذا العدد لم يقيموا الجمعة؛ لأن هذا العدد وقع لهم صدفة لا قصدًا، وقد تقرر عند الأصوليين أن وقائع الأعيان لا يحتج بها على العموم.\nالثاني: أن هذا الحديث معارض بما تقدم أول الباب من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا، فدل على أن الجمعة تنعقد بمثل هذا العدد (^٢)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٧٢).\n(^٢) في \"الدرر السنية\" (٥/ ٢٨) أحد عشر جوابًا عن هذا الحديث، جمعها الشيخ سليمان بن عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحم الله الجميع.","vol":"4","page":72},{"text":"<span data-type='title' id=toc-376>مشروعية الدعاء في خطبة الجمعة</span>\n٤٦٨/ ٢٤ - عن سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات كل جمعة. رواه البزار بإسناد لين.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البزار (٤٥١) \"مختصر زوائده\": حدثنا خالد بن يوسف السمتي، حدثني أبي يوسف بن خالد حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة، عن خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات كل جمعة. قال البزار: (لا نعلمه عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد).\nوهذا إسناد ضعيف جدًا، بل هو إلى الوضع أقرب؛ لأنه حديث مسلسل بالضعفاء والمجاهيل، فخالد بن يوسف السمتي ضعيف، ووالده يوسف بن خالد ضعيف، بل متهم بالوضع والكذب (^١).\nوجعفر بن سعد جزم ابن حزم بأنه مجهول (^٢)، وذكره ابن حبان في \" الثقات\" (^٣)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (ليس بالقوي).\nوخبيب بن سليمان مجهول، كما قال ابن حزم (^٤)، وقال عبد الحق: (ليس بقوي)، وقال الذهبي: (لا يعرف، وقد ضعف) (^٥).\n_________\n(^١) \"الميزان\" (١/ ٦٤٨).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٨٠).\n(^٣) (٦/ ١٣٧).\n(^٤) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ١١٦).\n(^٥) \"الميزان\" (٢/ ٦٤٩).","vol":"4","page":73},{"text":"وسليمان بن سمرة قال عنه الحافظ أبو الحسن القطان: (لا تعرف له حال) (^١)، وقال الحافظ بن \" التقريب\": (مقبل) أي: في المتابعات.\nفالحديث ضعيف جدًا.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الدعاء في خطبة الجمعة، وقد ذهب فريق من أهل العلم إلى أن الدعاء في الخطبة واجب، ولم يذكر هؤلاء دليلًا على الوجوب.\n\n• القول الثاني: أن الدعاء مستحب وليس بواجب، وهذا قول في مذهب الشافعية، وبه قال فقهاء الحنابلة (^٢)، واستدلوا بحديث الباب، قالوا: لأنه فعل النبي ﷺ، والفعل يدل على الاستحباب في مثل ذلك لا على الوجوب.\nولكن تقدم أن الحديث ضعيف جدًا، والأولى الاستدلال بحديث عمارة بن رؤيبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه، فقال: (قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة) (^٣)، وفي رواية عند أحمد: (رأيت رسول الله ﷺ وهو يخطب إذا دعا يقول هكذا، ورفع السبابة وحدها) (^٤).\nوقد ذكر البيهقي هذا الحديث في \"سننه\" وبوب عليه: \" باب ما يستدل به على أن يدعو في خطبته\"، ثم ذكر حديث سهل بن سعد ﵁ قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ شاهرًا يديه قط على منبره، ولا على غيره، ولكن رأيته يقول: هكذا، وأشار بالسبابة، وعقد الوسطى بالإبهام)، وفيه ضعف، ثم قال: (والقصد من الحديثين إثبات الدعاء في الخطبة، ثم فيه من السنة أن لا يرفع يديه في حال الدعاء في الخطبة، ويقتصر على أن يشير بإصبعه) (^٥).\nفالدعاء في الخطبة للإسلام والمسلمين أمر مشروع، تأسيًا بالنبي ﷺ،\n_________\n(^١) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ١٣٨).\n(^٢) \"المجموع\" (٤/ ٥٢١)، \"المغني\" (٣/ ١٨١).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٨٧٤).\n(^٤) \"المسند\" (٢٨/ ٤٥٨).\n(^٥) \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢١٠).","vol":"4","page":74},{"text":"وإن لم يرد في السنة بيان ما كان يدعو به، فيكفي ثبوت الأصل، وكذا الدعاء بنصرة المجاهدين في سبيل الله، وكذا الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق والقيام بالعدل، مشروع أيضًا.\nوإذا دعا الخطيب على المنبر فإن السامع يؤمن سرًا لا جهرًا، وأما الدعاء في الخطبة على سبيل التخصيص كتخصيص الخلفاء الراشدين أو غيرهم فهذا لا أصل له ولا دليل عليه، بل نص جمع من أهل العلم كالشاطبي (^١) ومن قبله العز بن عبد السلام (^٢) وغيرهما على أنه بدعة، إذ لم يكن ذلك شأن السلف، بل يدعو للمسلمين عامة.\nلكن إذا كان في المكان شيعة فالدعاء للخلفاء الراشدين أمر حسن، لإغاظة الرافضة وبيان اعتقاد الفرقة الناجية نحو صحابة رسول الله ﷺ، وهو الترحم عليهم والترضي عنهم (^٣)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الاعتصام\" (١/ ٢١).\n(^٢) \"فتاويه\" ص (٤٨)، وانظر: \"المنار\" للمقبلي (١/ ٢٣٥).\n(^٣) انظر: \"مختصر منهاج السنة\" (١/ ٢١٦ وما بعدها).","vol":"4","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-377>مشروعية القراءة والوعظ في الخطبة</span>\n٤٦٩/ ٢٥ - عن جابر بن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ كان في الخطبة يقرأ آيات من القرآن، ويذكر الناس. رواه أبو داود.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في أبواب \"الجمعة\"، باب \" الرجل يخطب على قوس\" (١١٠١) من طريق أبي الأحوص، ثنا سماك، عن جابر بن سمرة ﵁، قال: (كانت صلاة رسول الله ﷺ قصدًا وخطبته قصدًا، يقرأ آيات من القرآن، ويذكر الناس).\nوهذا إسناد صحيح، سماك بن حرب ثقة، لكن تكلم فيه علي بن المديني ويعقوب بن سفيان وغيرهما في روايته عن عكرمة، وقال ابن المبارك: (سماك ضعيف في الحديث)، وقال أبو طالب عن أحمد: (مضطرب الحديث) وقال يعقوب بن شيبة: (قلت أبو طالب عن أحمد: (مضطرب الحديث) وقال يعقوب بن شيبة: (قلت لابن المديني: رواية سماك عن عكرمة؟ فقال: مضطربة)، وقال يعقوب بن سفيان: (روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديمًا مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم، والذي قال ابن المبارك إنما نرى أنه فيمن سمع منه بأخرة) (^١)، وقال الدارقطني: (سماك بن حرب إذا حدث عنه شعبة والثوري وأبو الأحوص، فأحاديثهم عنه سليمة، وما كان عن شريك بن عبد الله وحفص بن جميع ونظرائهم ففي بعضها نكارة) (^٢).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٢٠٤).\n(^٢) \"موسوعة أقوال الدارقطني\" (١/ ٣٠٤).","vol":"4","page":76},{"text":"وهذا الحديث ليس من روايته عن عكرمة، وإنما هو عن الصحابي الجليل جابر بن سمرة ﵁.\nوأصل هذا الحديث في مسلم (٨٦٢) بهذا الإسناد عن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كنت أصلي مع النبي ﷺ فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا) وتقدم هذا الحديث في باب \"استحباب تقصير الخطبة\".\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية قراءة آيات من القرآن في خطبة الجمعة، وهل ذلك واجب أو مستحب؟ تقدم الخلاف في ذلك، وترجيح الاستحباب؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك من قبيل الفعل المجرد، ومثل ذلك لا يدل على الوجوب.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه ينبغي أن يكون قصد الخطيب وعظ الناس وتذكيرهم، وذلك بتعليم قواعد الدين، وذكر الجنة والنار، والأمر بتقوى الله، وبيان مواقع غضبه، وأسباب رضاه، وما في اليوم الآخر من الحساب والجزاء، فهذا هو الذي ينفع الناس ويصلح حالهم، وقد تقدم الكلام على ذلك. والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-378>بيان من لا تلزمهم الجمعة</span>\n٤٧٠/ ٢٦ - عن طارق بن شهاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: مملوك، وامرأة، وصبي، ومريض\". رواه أبو داود، وقال: لم يسمع طارق من النبي ﷺ.\nوأخرجه الحاكم من رواية طارق المذكور عن أبي موسى.\n٤٧١/ ٢٧ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" ليس على مسافر جمعة\". رواه الطبراني بإسناد ضعيف.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو طارق بن شهاب بن عبد شمس الأحمسي (^١) البجلي الكوفي، أدرك الجاهلية، ورأى النبي ﷺ وهو رجل، لكنه لم يسمع منه شيئًا، فيكون حديثه مرسل صحابي، ومراسيل الصحابة حجة، بل حكى غير واحد إجماع أهل العلم على ذلك؛ لأنهم إنما يرسلون عن صحابة، وقد أخرج الإمام أحمد بسنده عن قيس بن مسلم، قال: سمعت طارق بن شهاب يقول: (رأيت رسول الله ﷺ وغزوت في خلافة أبي بكر وعمر بضعًا وأربعين أو بضعًا\n_________\n(^١) الأحمسي: نسبة إلى الأحمس، والجمع الحُمْس، وهم قريش ومن ولدت قريش وكنانة وجديلة قيس، سموا بذلك: لأنهم تحمسوا في دينهم، أي: تشددوا، ومن ذلك أنهم يقفون بمزدلفة ولا يقفون بعرفة، ولا يدخلون البيوت من أبوابها وهم محرمون. \"النهاية\" (١/ ٤٤٠).","vol":"4","page":78},{"text":"وثلاثين من بين غزوة وسرية) وسنده حسن (^١)، مات سنة اثنتين وثمانين (^٢).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث طارق، فقد أخرجه أبو داود في أبواب \" الجمعة\"، باب \" الجمعة للملوك والمرأة\" (١٠٦٧) من طريق هريم، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن النبي ﷺ، به مرفوعًا.\nقال أبو داود عقبه: (طارق بن شهاب قد رأى النبي ﷺ، ولم يسمع منه شيئًا) وغرضه بذلك بيان أن الحديث مرسل؛ لأنه مرسل صحابي، وهو حجة عند الجمهور.\nوغرض الحافظ من ذكر رواية الحاكم (١/ ٢٨٨) بيان أن الإرسال قد اندفع وصار الحديث موصولًا برواية الحديث من طريق هريم بن سفيان، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ بمثله، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد اتفقا جميعًا على الاحتجاج بهريم، ولم يخرجاه).\nولكن هذا الإسناد ضعيف؛ لأن أبا داود قد رواه عن إبراهيم من دون ذكر أبي موسى، فالاختلاف على إبراهيم.\nولهذا قال البيهقي: (هذا هو المحفوظ، مرسل، وهو مرسل جيد، وله شواهد ذكرناها في السنن …) (^٣).\nوعلى هذا فالحديث صحيح، صححه الحافظ ابن حجر (^٤)، ولا يضر إرساله؛ لأنه مرسل صحابي، وطارق بن شهاب ممن رأى النبي ﷺ وإن لم يسمع منه، ولحديثه شواهد تؤيده، كما ذكر البيهقي، لكنها ضعيفة.\nوأما حديث ابن عمر ﵁ فقد أخرجه الطبراني في \" الأوسط\" (٨٢٢) من طريق عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، به مرفوعًا.\n_________\n(^١) \"مسند الإمام أحمد\" (٣١/ ١٢٥).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٥/ ٢١٣)، \"الإصابة\" (٥/ ٢١٣).\n(^٣) \"المعرفة\" (٤/ ٣٣٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٥٧).","vol":"4","page":79},{"text":"وهذا إسناد ضعيف جدًا، لضعف عبد الله بن نافع، قال البخاري وأبو حاتم وابن حبان: (منكر الحديث)، وقال البخاري مرة: (يخالف في حديثه)، وقال النسائي: (متروك الحديث)، وقال في موضع آخر: (ليس بثقة) (^١).\nوقد خالف الثقات في رفع هذا الحديث، قال البيهقي: (الصحيح أنه موقوف على ابن عمر) (^٢).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الجمعة حق لازم على كل مسلم، وأن تؤدى جماعة لا أفرادًا، ويستثنى من هذا الوجوب هؤلاء المذكورون في الحديثين فليس عليهم جمعة، إلا أن حضروها فصلوا مع الناس أجزأتهم، وليس عليهم صلاة ظهر.\nفالأول: المملوك، وهو الرقيق، فلا تجب عليه جمعة لهذا الحديث، ولأنه محبوس على خدمة سيده، وهذا مذهب الجمهور، وهو المذهب عند الحنابلة (^٣).\nلكن تعليلهم هذا فيه نظر؛ لأن حق الله تعالى مقدم على حق السيد، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\nوالقول الثاني: أن الجمعة تلزم المملوك؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩]، والحديث الوارد في إسقاطها عنه لا تقوم به حجة، ويؤيد ذلك عموم قوله ﷺ: \" رواح الجمعة واجب على كل محتلم\" (^٤)، وهذا قول الظاهرية (^٥)، ورواية عن أحمد (^٦)، واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي (^٧).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٤٨).\n(^٢) \"السنن\" (٣/ ١٧٤).\n(^٣) \"المغني\" (٣/ ٢١٦).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٣٤٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٦٦٠)، وابن خزيمة (١٧٢١) من حديث عبد الله بن عمر، عن حفصة -﵄-، مرفوعًا، وإسناده صحيح على شرط مسلم. قاله النووي في \"الخلاصة\" (٢/ ٧٥٨).\n(^٥) \"المحلى\" (٥/ ٤٩ - ٥١).\n(^٦) \"المغني\" (٣/ ٢١٧).\n(^٧) \"المختارات الجلية\" ص (٥٠).","vol":"4","page":80},{"text":"والقول الثالث: أن الجمعة تجب على المملوك، إلا أن منعه سيده، فإن أذن له فذاك، وإن منعه أثم السيد وسقط الوجوب عن المملوك، وهذا قال به طائفة، وهو رواية ثالثة عن الإمام أحمد (^١)، وهذا القول هو الأقرب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (وجوبها على العبد قوي إما مطلقًا، وإما إذا أذن له سيده) (^٢)؛ لأن حال الرقيق حال شخص ضعيف مملوك، لا يمكن أن يذهب إلا بإذن سيده، فإلزامه بشيء لا يستطيعه فيه حرج، قد قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]، فهذا القول وسط بين رأي من يلزمه مطلقًا، ورأي من لا يلزمه مطلقًا، وحديث الباب محمول على ذلك.\nوأما الأجير فيجب عليه حضور الجمعة؛ لأنه وقت الصلاة مستثنى زمن الأجرة، وليس للمستأجر أن يمنعه.\nويستثنى من ذلك الحارس ومن في حكمه ممن يخشى على حراسته من الضياع أو الاعتداء، فهذا يعذر بترك الجمعة والجماعة.\nوالثاني: المرأة فليس عليها جمعة؛ لأنها ليست من أهل حضور مجامع الرجال، قال ابن المنذر: (أجمعوا على أنه لا جمعة على النساء، وعلى أنهن إن حضرن الإمام فصلين معه أن ذلك يجزئ عنهن) (^٣).\nوالثالث: الصبي: وهو من دون البلوغ من الذكور، فلا تجب عليه الجمعة؛ لأنه غير مكلف، لكن ينبغي إحضار الصبي إلى الجمعة، ليتعلم ويستفيد ويعتاد الصلاة ويرغب في حضورها.\nوالرابع: المريض: وهو من اعتلت صحته، فلا تجب عليه الجمعة لعذر المرض، وكذا ممرض المريض الذي لا يستطيع مفارقته يأخذ حكم مريضه في جواز التخلف عن صلاة الجمعة وكذا صلاة الجماعة، لكن إن تيسر للمريض الحضور وتحامل على نفسه وحضر ليستفيد فهذا خير له، لما ورد في حديث\n_________\n(^١) \"الإنصاف\" (٢/ ٣٦٩).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٤/ ١٨٤).\n(^٣) \"الإجماع\" ص (٤١).","vol":"4","page":81},{"text":"الأسود، قال: كنا عند عائشة ﵂ فذكرنا الموظبة على الصلاة والتعظيم …\nثم ذكرت مرض النبي ﷺ إلى أن قالت: (فوجد النبي ﷺ من نفسه خفة، فخرج يهادي بين رجلين، كأني أنظر رجليه تخطان من الوجع …) الحديث (^١).\nقال الحافظ ابن حجر: (وفيه تأكيد أمر الجماعة، والأخذ فيها بالأشد وإن كان المرض يرخص في تركها) (^٢).\nوفي حديث ابن مسعود ﵁: \" ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف\" (^٣)، فإذا كان هذا في صلاة الجماعة فالجمعة أولى بذلك، لعظم شأنها.\nوالخامس: المسافر، فليس عليه إقامة جمعة؛ لأن من شرطها الإقامة، ولأن النبي ﷺ كان يسافر هو وأصحابه ﵁ ولم يصل بهم جمعة، ووافق يوم عرفة في حجة الوداع يوم الجمعة فصلى بهم الظهر والعصر جميعًا، ولم يصل الجمعة، وكذا خلفاؤه الراشدون كانوا يسافرون في الحج وغيره ولم يصل أحد منهم الجمعة في سفره.\nأما كون المسافر يلزمه أن يصلي الجمعة أو لا يصلي فهذا فيه تفصيل؛ فإن كان المسافر سائرًا في طريقه فهذا لا يلزمه أن يقف ويصلي الجمعة؛ لأن السائر يأخذ ح كم المسافر من كل وجه؛ ولأن المسافر لو حضر الجمعة لتخلف عن رفقته؛ ولأنه بحضورها يحتاج إلى دخول البلد وانتظار الإمام فيلحقه بذلك مشقة وحرج.\nأما إن كان المسافر نازلًا فالأظهر أن الجمعة تلزمه إذا سمع النداء، لعموم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩] ولعموم الأخبار (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ١٥٦).\n(^٣) تقدم تخريجه عند الحديث (٤٠١).\n(^٤) انظر: \"المحلى\" (٥/ ٤٩)، \"الشرح الممتع\" (٥/ ١٤ - ١٥).","vol":"4","page":82},{"text":"وقد روي عن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه قال: \" الجمعة على كل من سمع النداء\" (^١)، وروى مرفوعًا، وقد يقال: إن الموقوف في قوة المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي.\nوأخرج ابن أبي شيبة بسنده عن ابن عباس ﵁ قال: \" من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له\" (^٢)، والظاهر أن السفر ليس بعذر، إذا أقام المسافر في بلد تقام فيه الجمعة؛ لأن ظاهر السنة أن الصحابة ﵃ الذين كانوا يفدون على النبي ﷺ ويدركون الجمعة كانوا يصلونها مع النبي ﷺ (^٣)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٥٦)، ومن طريقه البيهقي (٣/ ١٧٣) وسنده حسن.\n(^٢) \"المصنف\" (١/ ٣٤٥) وإسناده صحيح إلى ابن عباس -﵄-.\n(^٣) انظر: \"الشرح الممتع\" (٥/ ١٥).","vol":"4","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-379>استحباب استقبال الإمام حال الخطبة</span>\n٤٧٢/ ٢٨ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا. رواه الترمذي، بإسناد ضعيف.\n٤٧٣/ ٢٩ - وله شاهد من حديث البراء عند ابن خزيمة.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الترمذي في أبواب \" الصلاة\"، باب \" ما جاء في استقبال الإمام إذا خطب\" (٥٠٩) من طريق محمد بن الفضل بن عطية، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: … فذكره.\nقال الترمذي: (حديث منصور لا نعرفه إلا من حديث محمد بن الفضل بن عطية، ومحمد بن الفضل بن عطية ذاهب الحديث عند أصحابنا).\nفالحديث ضعيف جدًا؛ بل لو قيل موضوع أو كذب لكان أقرب؛ لأن محمد بن الفضل كذبه ابن معين وغيره، وضعفه أحمد، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: (ليس بشيء، حديثه حديث أهل الكذب) (^١).\nقال الجوزجاني: (كان كذابًا، سألت ابن حنبل عنه، فقال: ذاك عجب، يجيئك بالطامات (^٢)، هو صاحب حديث ناقة ثمود، وبلال المؤذن) (^٣).\n_________\n(^١) \"العلل\" (٢/ ٥٤٩)، \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٣٥٦).\n(^٢) جمع طامة، ومعناها: وضاع كذاب، ويقتضي أن يتهم بالكذب.\n(^٣) \"أحوال الرجال\" ص (٢٠٢).","vol":"4","page":84},{"text":"أما الشاهد من حديث البراء عند ابن خزيمة فلم أقف عليه في مظانه من \"صحيح ابن خزيمة\"، وقد أخرجه البيهقي (٣/ ١٩٨) من طريق ابن خزيمة، ثنا إسماعيل بن إسحاق - أصله كوفي - بالفسطاط، ثنا محمد بن علي بن غراب، ثنا أبي، عن أبان بن عبد الله البجلي، عن عندي بن ثابت، عن البراء بن عازب ﵁، قال: (كان النبي ﷺ إذا صعد المنبر أو قال: قعد على المنبر استقبلناه، بوجوهنا) ثم نقل البيهقي عن ابن خزيمة أنه قال: (هذا الخبر عندي معلول) (^١).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب استقبال الحاضرين الخطيب بوجوههم إذا شرع في الخطبة، سواء كانوا محاذين له أم لا، وليس معنى ذلك أنهم يحقلون حوله، وإنما يبقون على صفوفهم ولو كانت طويلة ويعطي كل واحد منهم وجهه إلى الإمام؛ لأن استقبال الخطيب تهيؤ لسماع كلامه، وسلوك الأدب معه في الاستماع، ولأن ذلك أدعى للفهم، وأحضر للقلب، وأبعد عن الانوم وهو أيضًا أشجع للخطيب إذا رأى المستمع له مصغيًا ومستفيدًا.\nقال الترمذي بعد حديث الباب: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، يستحبون استقبال الإمام إذا خطب، وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ولا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء).\nقال الشوكاني: (وأحاديث الباب وإن كانت غير بالغة إلى درجة الاعتبار، فقد عضدها عمل السلف والخلف على ذلك) (^٢).\nقال البخاري: \" باب يستقبل الإمام القوم، واستقبال الناس الإمام إذا خطب\" واستقبل ابن عمر وأنس ﵁ الإمام، ثم ساق حديث أبي سعيد ﵁ قال: (إن النبي ﷺ جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله) (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"إتحاف المهرة\" (٢/ ٤٩١).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٩٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٠٢).","vol":"4","page":85},{"text":"ومن هنا يتبين أن ما يفعله بعض الناس من الاعتماد على جدار أو عمود مستدبرين القبلة ووجه الخطيب، أن هذا خلاف الأولى، وانظر كيف أذن الشرع للخطيب أن يستدبر القبلة ليواجه الحاضرين، فكيف ينصرف بعض الناس ويستدبر القبلة والخطيب؟!","vol":"4","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-380>حكم اعتماد الخطيب على عصا أو قوس</span>\n٤٧٤/ ٣٠ - عن الحكم بن حزن ﵁ قال: شهدنا الجمعة مع النبي ﷺ، فقام متوكئًا على عصًا أو قوسٍ. رواه أبو جاود.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو الحكم بن حزن - بفتح المهملة وسكون الزاي فنون - الكلفي - بفتح اللام على قول السمعاني - وكلفة بطن من تميم، قال ابن عبد البر: (له حديث واحد، ليس له غيره) (^١)، والمراد حديث الباب.\n\n• الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في أبواب \" الجمعة\"، باب \" الرجل يخطب على قوس\" (١٠٩٦) من طريق شهاب بن خراش، حدثني شعيب بن رزيق الطائفي قال: جلست إلى رجل، له صحبة من رسول الله ﷺ يقال له: الحكم بن حزن الكلفي، فأنشأ يحدثنا قال: وفدت إلى رسول الله ﷺ سابع سبعة، أو تاسع تسعة، فدخلنا عليه، فقلنا: يا رسول الله ﷺ زرناك، فادع لنا بخير، فأمر بنا، أو أمر لنا بشيء من التمر، والشأن إذ ذاك دون فأقمنا بها أيامًا شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله ﷺ فقام متوكئًا على عصا أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه، كلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم قال: \" أيها الناس، إنكم لن تطيقوا أو لن تفعلوا كل ما أمرتم به، ولكن سددوا وأبشروا\".\nوهذا الحديث حسن إسناده الحافظ (^٢)، وفي ابن خراش وشعيب كلام\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٤/ ٥٢).\n(^٢) \"التلخيص\" (٢/ ٦٩).","vol":"4","page":87},{"text":"يسير لا ينزل الحديث به عن رتبة الحسن، فشهاب بن خراش، ثقة، وثقة ابن المبارك، وابن عمار، وابن معين، والعجلي، وأبو زرعة، وقال أبو حاتم: (صدوق ليس به بأس)، وشعيب بن رزيق قال ابن معين: (ليس به بأس)، وقال أبو حامت: (صالح) (^١).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الاعتماد على عصا أو قوس حال الخطبة، وهذا من باب التأسي بالنبي ﷺ لا أن ذلك سنة دائمة، إذ لم يثبت ذلك في يوم الجمعة في سوى حديث الباب، ولم ينقل ذلك أكابر الرواة؛ كأبي هريرة، وأنس بن مالك، وجابر بن سمرة ﵁، ولو كان هذا مما لازمه النبي ﷺ لنقلوه كما نقلوا صفات خطبته، وعلى هذا فالظاهر أنه لم يقع على صفة الدوام.\nولع السر في الاتكاء والله أعلم أنه أثبت قيام الخطيب، وأجمع لليدين، وهي عادة عربية عند الخطباء في العصر الجاهلي فما بعده.\nوليس في الحديث ما يدل على أنه ﷺ كان يأخذ ما يتكئ عليه باليد اليمنى أو اليسرى، فمن أهل العلم من قال: إنه مخير، ومنهم من قال: يأخذه باليد اليسرى، وأما الأخرى فيعتمد بها على حرف المنبر، أو يرسلها (^٢).\nوهذا إذا كان الخطيب يخطب ارتحالًا بدون قراءة ورقة، أما إذا كان يحمل الأوراق بيده، فتكون العصا باليد اليسرى والأوراق باليد اليمنى، فإن لم يعتمد على شيء وضع اليمنى على اليسرى أو أرسلهما، لأن المقصود الخشوع والمنع من العبث (^٣). والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٠٧، ٣٢١).\n(^٢) \"المجموع\" (٤/ ٥٢٨) \"الإنصاف\" (٥/ ٢٤٠).\n(^٣) \"المجموع\" (٤/ ٥٢٨).","vol":"4","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-381>باب صلاة الخوف</span>\nالخوف: ضد الأمن. وأصله: الفزع والذعر، قال ابن فارس: (الخاء والواو والفاء أصل واحد يدل على الذعر والفزع، يقال: خفت الشيء خوفًا وخيفة …) (^١).\nوالمراد بصلاة الخوف: كيفية أداء الصلاة حال الخوف من العدو، لا أنها صلاة جديدة تشرع بسبب الخوف.\nوقد أنزل الله تعالى مشروعية صلاة الخوف سنة ست من الهجرة، وأول غزوة صلاها فيها رسول الله ﷺ غزوة ذات الرقاع في قول بعضهم.\nوالقول الثاني: أن أول غزوة صلاها فيها رسول الله ﷺ غزوة عسفان وهي سنة ست، وكانت قبل خبير، أما غزة ذات الرقاع فكانت بعد خيبر وخيبر سنة سبع، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.\nومشروعية صلاة الخوف تخفيف من الله تعالى على عباده ورحمة بهم وتحصيل لمصلحتي الصلاة في وقتها وأخذ الحذر من العدو، وهذا يدل على عظم أمر الصلاة وشدة الاهتمام بها والحرص على أدائها في وقتها مع جماعة المسلمين، فإنه إذا لم يعذر المسلم في أدائها جماعة في حال الخوف والكر والفر، فكيف يتخلف عنها من هو آمن في سربه معافى في بدنه! والله المستعان.\nوصلاة الخوف ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا\n_________\n(^١) \"معجم مقاييس اللغة\" (٢/ ٢٣٠).","vol":"4","page":89},{"text":"أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابًا مهينا﴾ [النساء: ١٠٢].\nوأما السنة فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ صلاها بأصحابه مرات متعددة على صفات متنوعة، كما سيأتي.\nوقد أجمع الصحابة ﵃ على فعلها، وصلوها بعد نبيهم ﷺ، قال الإمام أحمد: (كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز) (^١).\nوقال: (ستة أوجه أو سبعة يروى فيها) (^٢).\n\n* * *\n_________\n(^١) \"المغني\" (٣/ ٣١١).\n(^٢) \"مسائل أبي داود\" ص (٧٧).","vol":"4","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-382>كيفية صلاة الخوف\nإذا كان العدو في غير جهة القبلة</span>\n٤٧٥/ ١ - عن صالح بن خواتٍ عمن صلى مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: \" أن طائفة صلت معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصلوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم، ثم سلموا بهم\". متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.\nووقع في \" المعرفة \" لابن منده: عن صالح بن خوات عن أبيه.\n٤٧٦/ ٢ - عن ابن عمر ﵁ قال: \" غزوت مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فوازينا العدو فصاففناهم، فقام رسول الله ﷺ فصلى بنا، فقامت طائفة معه، وأقبلت طائفة على العدو، وركع بمن معه، وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل، فجاؤوا، فركع بهم ركعة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة، وسجد سجدتين\". متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو صالح بن خوات بفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو تابعي مشهور، سمع من جماعة من الصحابة، والحافظ في \"التقريب\": (ثقة من","vol":"4","page":91},{"text":"الرابعة) أي: من صغار الطبقة الوسطى من التابعين، وقال في \" فتح الباري\": (ليس له في البخاري إلا هذا الحديث الواحد) (^١).\nوأما أبوه خوات، فهو صحابي جليل، أول مشاهده غزوة أحد، روى له البخاري في \" الأدب المفرد\"، مات سنة أربعين (^٢).\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث صالح بن خوات، فقد أخرجه البخاري في كتاب \" المغازي\"، باب \" غزوة الرقاع\" (٤١٢٩)، ومسلم (٨٤٢) من طريق مالك، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمن صلى مع رسول الله ﷺ .. فذكره.\nوأما حديث ابن عمر، فقد أخرجه البخاري في كتاب \" الخوف\"، باب \" صلاة الخوف\" (٩٤٢)، ومسلم (٨٣٩) من طريق الزهري، عن سالم أن عبد الله بن عمر ﵁ قال: (غزوت …) فذكر الحديث (^٣).\n\n• الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\n• قوله: (عمن صلى مع رسول الله صىل الله عليه وسلم) اختلف العلماء في صحابي هذا الحديث، فقد ورد عند البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوات بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة … الحديث.\nوأخرج ابن منده في \" معرفة الصحابي\" (١/ ٥٢٦ - ٥٢٧) عن صالح بن خوات، عن أبيه، فيكون خوات والد صالح هو المبهم، واختار هذا الحافظ في \" فتح الباري\" (^٤)، وذكره هنا في \" البلوغ\" تفسيرًا لقوله: (عمن صلى مع رسول الله ﷺ)، ووجه ذلك أن سهل بن أبي حثمة كان صغيرًا، فقد جزم الطبري وابن حبان وابن السكن وغير واحد بأن سنة وقت وفاة النبي ﷺ ثمان سنين، وذكر ابن عبد البر وغيره أنه ولد سنة ثلاث من الهجرة، وهذا يبعد معه\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٤٢٢).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) \"البخاري\" (٤١٣١)، و\"مسلم\" (٨٤١).\n(^٤) (٧/ ٤٢٥).","vol":"4","page":92},{"text":"أن يخرج في غزوة ذات الرقاع، وهي سنة ست أو بع - كما تقدم - لكن هذا لا يؤثر، فإنه قد يرويها عن غيره، وتكون من مراسيل الصحابة ﵁.\nوالأقرب هو الأول، لأنه لفظ الصحيحين، وهو الذي صوبه أبو زرعة وأبو حاتم (^١)؛ لكن تعيين كونها ذات الرقاع إنما هو في رواية صالح عن أبيه، وليس في رواية صالح عن سهل أنه صلاها مع النبي ﷺ، وكان هذا يؤيد ما تقدم من أن سهلًا كان وقت الغزوة صغيرًا.\nويحتمل كما قال الحافظ أن صالح بن خوات سمعه من أبيه ومن سهل بن أبي حثمة، فلذلك يبهمه تارة، ويعينه أخرى.\n\nقوله: (يوم ذات الرقاع) أي: غزوة ذات الرقاع، سميت بذلك: لأن الصحابة ﵁ رقت أقدامهم من الحفاء، فجعلوا يلفون عليها الخرق كالترقيع لها، هذا هو الصحيح في سبب التسمية، وهو الذي ورد في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ (^٢)، وكانت سنة سبع بعد خيبر، على القول الراجح الذي جزم به البخاري في \"صحيحه\" (^٣)، وكانت لغزوة بني محارب وبني ثعلبة من غطفان في أعالي نجد.\nوالمشهور عند أهل السير أنها بعد بني النضير، وقبل الخندق، سنة أربع، وقيل: في المحرم سنة خمس.\nوالأظهر أنها بعد الخندق؛ لأن صلاة الخوف لم تكن شرعت في غزوة الخندق، بدليل أن النبي ﷺ أخر الصلاة عن وقتها، كما ثبت في \" الصحيحين\"، وقد ثبت فعلها في غزوة ذات الرقاع، فدل على تأخرها عن الخندق (^٤).\n_________\n(^١) \"العلل\" (٢٠٩)، (٣٥٢).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٤١٢٨)، \"صحيح مسلم\" (١٨١٦)، وانظر: \"البداية والنهاية\" (٤/ ٨٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٧/ ٤١٦).\n(^٤) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٢٥٢)، \"البداية والنهاية\" (٤/ ٨٣).","vol":"4","page":93},{"text":"قوله: (وجاه العدو) بكسر الواو، أي: قبل وجهه، والعدو: لفظ يقع على الواحد والاثنين والجماعة، المذكر والمؤنث بلفظ واحد، قال تعالى: ﴿فإنهم عدو لي﴾ وهو ضد الولي، ويجمع على أعداء، وعدى، وغيرهما.\n\nقوله: (وأتموا لأنفسهم) أي: أتم كل واحد الركعة الباقية وحده.\n\nقوله: (قبل نجد) بكسر القاف وفتح الباء الموحدة؛ أي: جهة نجد، والمراد بها: نجد اليمامة، لا نجد العراق التي منها تظهر الفتن.\n\nقوله: (فوازينا العدو) أي: قابلنا العدو.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية صلاة الخوف عند وجود سببها، تخفيفًا على الأمة، ومعونة لهم على الجهاد، وأداء للصلاة في جماعة، وفي وقتها المحدد، وهذا يدل على أن صلاة الجماعة تجب على الرجال حضرًا وسفرًا في حال الأمن والخوف، إذا كانوا يتمكنون من أداء الصلاة على الكيفيات الواردة في السنة.\n\n• الوجه الخامس: أن من أنواع صلاة الخوف إذا كان العدو في غير جهة القبلة أن يقسم القائد الجيش إلى طائفتين: طائفة تصلي معه، وأخرى تحرس، فإذا قام للركعة الثانية ثبت قائمًا واستمر على ذلك، وانفردوا عنه، وأتموا صلاتهم، فأتوا بالركعة الثانية ثم سلموا، وانصرفوا فقاموا في وجه العدو، ثم تأتي الطائفة التي كانت تحرس، فتصلي معه الركعة التي بقيت من صلاته، فإذا جلس للتشهد قاموا فصلوا الركعة التي بقيت من صلاتهم، ثم جلسوا للتشهد مع الإمام، ثم سلم بهم، وهذه الصفة هي الموافقة لظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من وارئكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾ [النساء: ١٠٢]، ولهذا اختار الإمام أحمد هذه الصفة.\nودل حديث ابن عمر ﵁ على صفة أخرى وهي أنه يقسمهم طائفتين: طائفة تقف أمام العدو تحرس، والأخرى تصلي معه ركعة، ثم تذهب فتقف","vol":"4","page":94},{"text":"أمام العدو تحرس، وهي على صلاتها، ثم تأتي الطائفة التي كانت تحرس فتصلي معه الركعة التي بقيت من صلاته، فإذا سلم قضت ما بقي من صلاتها ثم ذهبت تحرس أمام العدو، ثم ترجع الطائفة الأخرى فتكمل ما بقي من صلاتها ثم تسلم.\nوسمح لهم بهذا العمل الكثير في الصلاة للضرورة، ولا يخفى أن النوع الأول أرفق وأقرب إلى ضبط الحراسة وإتقان الصلاة، والنوع الثاني جائز.\nواعلم أنه لم يقع في شيء من الأحاديث المروية في صفة صلاة الخوف تعرض لصلاة المغرب، وقد أجمعوا على أنه لا يدخلها قصر، فيصلي بالطائفة الأولى ركعتين فإذا جلس قاموا فأتموا لأنفسهم ركعة، وسلموا، ويصلي بالطائفة الأخرى الركعة الباقية، فإذا قعد أتموا لأنفسهم ركعتين، ثم يسلم ويسلمون (^١).\n\n• الوجه السادس: في الحديث دليل على حسن تنظيم الإسلام وعدالته، ووجوب اتخاذ الحذر من الأعداء بكل وسيلة، فإن النبي ﷺ صلى بهم، فاختصت الطائفة الأولى في حديث صالح بن خوات بتحريم الصلاة، وهو تكبيرة الإحرام، واختصت الثانية بتحليل الصلاة، وهو السلام، فحصلت صلاة الجماعة، وفوت الفرصة على الأعداء، والحمد لله رب العالمين.\n\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"الإقناع\" لابن المنذر (١/ ١٢٣) \"المغني\" (٣/ ٣٠٩) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢٤).","vol":"4","page":95},{"text":"<span data-type='title' id=toc-383>كيفية صلاة الخوف\nإذا كان العدو في جهة القبلة</span>\n٤٧٧/ ٣ - عن جابر ﵁ قال: \" شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصفنا صفين: صف خلف رسول الله ﷺ، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي ﷺ وكبرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود، والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى السجود قام الصف الذي يليه … \" فذكر الحديث.\nوفي رواية: \" ثم سجد وسجد معه الصف الأول، فلما قدموا سجد الصف الثاني، ثم تأخر الصف الأول، وتقدم الصف الثاني\" وذكر مثله، وفي آخره: \" ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعًا\". رواه مسلم.\n٤٧٨/ ٤ - ولأبي داود عن أبي عياش الزرقي، مثله، وزاد: \" أنها كانت بعسفان\".\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو عياش: بالشين المعجمة الزرقي الأنصاري نسبة إلى زريق أحد أجداده، مشهور بكنيته، مختلف في اسمه، قال ابن عبد البر: (أكثر أهل الحديث يقولون: زيد بن الصامت)، وقيل غير ذلك، شهد أحدًا وما بعدها، روى عن النبي ﷺ هذا الحديث في باب صلاة الخوف، أخرج حديثه أبو داود","vol":"4","page":96},{"text":"والنسائي، يقال: إنه عاش إلى خلافه معاوية في حدود سنة أربعين (^١).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث جابر ﵁، فقد أخرجه مسلم في باب \" صلاة الخوف\" (٨٤٠) (٣٠٧) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف … فذكر الحديث.\nوتمامه: (فلما قضى النبي ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود، وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحور العدو، فلم قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعًا، قال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم).\nوأما رواية مسلم المذكورة: فقد أخرجها من طريق زهير، حدثنا أبو الزبير، عن جابر، قال: غزنا مع رسول الله ﷺ قومًا من جهينة … وذكر الحديث، وفيه تعيين الصلاة وأنها صلاة العصر.\nولعل الحافظ أشار إلى هذه الرواية؛ لأن فيها تعيين القوم الذين حاربوهم، وهم من جهينة، ثم أكمل الحافظ المقصود من ألفاظ هذه الرواية، وإلا فهي كذلك في الرواية الأولى.\nوأما حديث أبي عياش الزرقي: فقد أخرجه أبو داود في باب \" صلاة الخوف\" (١٢٣٦) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن مجاهد،\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٨/ ٧٤)، \"الإصابة\" (٧/ ٢٧٣).","vol":"4","page":97},{"text":"عن أبي عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة، لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصر قام رسول الله ﷺ مستقبل القبلة والمشركون أمامه … وذكر الحديث بمثل حديث جابر ﵁.\nوهذا الحديث إسناده صحيح، صححه الدارقطني (^١)، والبيهقي (^٢)، وقال الحافظ: (سنده جيد) (^٣)، وقد تكلم بعضهم في سماع مجاهد من أبي عياش الزرقي، والصواب أنه سمع منه، كما ذكر ذلك البيهقي في \" السنن\" وفي \" المعرفة\" (^٤).\nثم إن مجاهدًا لا يعرف بالتدليس، ولا يجوز وصفه به، وسماعه من أبي عياش ممكن، فإنه ولد في خلافة عمر سنة إحدى وعشرين، وأبو عياش مات في خلافة معاوية سنة أربعين، كما تقدم، ولعل الحافظ أورد حديث أبي عياش؛ لأن فيه تعيين محل الصلاة، وهو عسفان.\n\n• الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (شهدت مع رسول الله ﷺ) أي: حضرت، وكان ذلك في غزو النبي ﷺ لقوم من جهينة، والصلاة صلاة العصر، كما مر في الرواية الثانية لمسلم.\n\nقوله: (والعدو بيننا وبين القبلة) جملة حالية تبين مكان العدو حينئذ، وأنه كان في جهة القبلة.\n\nقوله: (والصف الذي يليه) بالرفع عطفًا على الناس، وهو الضمير المستتر في قوله: (انحدر) وجاز العطف على الضمير المتصل من دون تأكيد لوجود الفاصل.\n_________\n(^١) \"السنن\" (٢/ ٥٩).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٥٤ - ٢٥٥).\n(^٣) \"الإصابة\" (١١/ ٢٧٣).\n(^٤) \"معرفة السنن والآثار\" (٥/ ٢٩).","vol":"4","page":98},{"text":"قوله: (في نحر العدو) أي: أمام العدو.\n\nقوله: (بعسفان) بضم العين وإسكان السين المهملتين، قرية عامرة بين مكة والمدينة، وتقع الآن على الطريق السريع، وتبعد عن مكة شمالًا بـ (٨٠) كيلًا.\nوقول المشركين: (قد أصبنا غرة …)، أي: أدركنا من المسلمين غفلة في صلاة الظهر، فلو حملنا عليهم لكان أحسن والمعنى: أنهم يتمنون أنهم حملوا على المسلمين أثناء صلاتهم.\n\nقوله: (فنزلت آية القصر) أي: صلاة الخوف من قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة …﴾ إلى قوله: ﴿عذابًا مهينًا﴾ [النساء: ١٠٢]، وعند النسائي: (فنزلت، يعني صلاة الخوف …) (^١).\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على صفة صلاة الخوف إذا كان العدو في جهة القبلة، وذلك بأن يصف القائد الجيش صفين، فيصلي بهم جميعًا، يكبر ويركع ويرفع بهم جميعًا، فإذا سجد سجد معه الصف الأول، وبقي الصف الثاني واقفًا يحرس، فإذا قام الإمام والصف الأول من السجود سجد الصف الثاني، فإذا قاموا من السجود تقدموا مكان الصف الأول، وتأخر الصف الأول إلى مكانهم، فيركع بهم الإمام جميعًا، ويرفع بهم جميعًا، ثم يسجد هو والصف الذي يليه، فإذا جلسوا للتشهد سجد الصف المتأخر، ثم سلم بهم جميعًا.\nوهذه هي الصفة الثالثة من صفات صلاة الخوف، وهذا التقدم والتأخر لمراعاة العدل بين الصفين حتى لا يكون الصف الأول في مكانه في جميع الصلاة، وهذه حركة من غير جنس الصلاة، لكنها لمصلحة الصلاة، ولمصلحة الحراسة أيضًا.\nوليس في هذه الصفة شيء من الحركة أو التنفلات؛ لأن العدو أمامهم، والحراسة إنما هي في حال السجود فقط، دون حال الركوع؛ لأن حال الركوع لا يمتنع معه إدراك أحوال العدو، وإذا بقي في حال السجود طائفة قائمة وأختها تصلي ركعتها مع الإمام حصل المقصود، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"السنن\" (٣/ ١٧٧).","vol":"4","page":99},{"text":"<span data-type='title' id=toc-384>صلاة الإمام بكل طائفة ركعتين\nصلاة منفردة</span>\n٤٧٩/ ٥ - وللنسائي من وجه آخر عن جابر: \" أن النبي ﷺ صلى بطائفة من أصحابه ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بآخرين أيضًا ركعتين، ثم سلم\".\n٤٨٠/ ٦ - ومثله لأبي داود، عن أبي بكرة.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول في تخريجهما:\nأما حديث جابر ﵁، فقد أخرجه النسائي في كتاب \" صلاة الخوف\" (٣/ ١٧٨) من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ صلى بطائفة من أصحابه ركعتين … الحديث.\nوهذا الحديث رجاله ثقات، حماد بن سلمة: ثقة عابد، إلا أنه تغير حفظه بأخرة، وقتادة: ثقة ثبت، وكان يدلس، وعنعنته هنا لا تؤثر؛ لأنه لقي الحسن، وروى عنه (^١) والحسن وهو البصري ثقة، يرسل كثيرًا، ويدلس، لكن قال ابن المديني وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم: أنه لم ير جابرًا ولم يسمع منه (^٢).\nوهذا الحديث علقه البخاري (^٣)، فقال: (وقال أبان: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر قال: …) فذكر الحديث.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٣١٥).\n(^٢) \"المراسيل\" ص (٣٦، ٣٧).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٤١٣٦).","vol":"4","page":100},{"text":"ووصلاه مسلم (^١) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عثمان، حدثنا أبان بن يزيد به.\nوأخرجه أيضًا من طريق معاوية بن سلام، أخبرني يحيى، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابرًا أخبره … الحديث.\nوظاهر السياق عند البخاري وعند مسلم على كلا الروايتين أن النبي ﷺ لم يسلم بعد صلاته بالطائفة الأولى، ورواية النسائي صريحة في أنه سلم في كل ركعتين، وكذا حديث أبي بكرة الآتي.\nوقد فات الحافظ عزة الحديث إلى من هو أعلى من النسائي مع سعة حفظه ﵀، إلا أن يكون المقصود من قوله: (من وجه آخر) هذا الإسناد.\nأما حديث أبي بكرة، فقد أخرجه أبو داود (١٢٤٨)، والنسائي (٣/ ١٧٨)، وأحمد (٣٤/ ٥٠) من طريق الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة ﵁ بمثل حديث جابر ﵁ أنه صلى بكل طائفة ركعتين، فكانت لرسول الله ﷺ أربعًا، وعلى هذا فحديث أبي بكرة أصله في مسلم.\nوهذا الحديث إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وقد تكلم العلماء في سماع الحسن من أبي بكرة، فقد نقل العلائي عن الدارقطني أنه قال: (الحسن لم يسمع من أبي بكرة) (^٢)، وكذا نقل الحافظ عن أبي حاتم (^٣).\nلكن ظاهر صنيع البخاري أنه سمع منه، فقد أورد عدة أحاديث في \" صحيحه\" من طريق الحسن، عن أبي بكرة ﵁ (^٤).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على نوع رابع من أنواع صلاة الخوف، وهو أن يصلي الإمام بكل طائفة صلاة منفردة، فيصلي بالطائفة الأولى ركعتين ثم يسلم بها، ثم تأتي الطائفة الثانية فيصلي بها ركعتين، ثم يسلم بهم.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٨٤٣).\n(^٢) \"جامع التحصيل\" ص (١٦٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٢٧).\n(^٤) انظر: \"صحيح البخاري\" رقم (١٠٤٠).","vol":"4","page":101},{"text":"وهذا في الصلاة الرباعية، أما المغرب فإنه يصلي بكل طائفة ثلاثًا.\nوالسلام بعد الركعتين في صلاته بالطائفة الأولى جاء صريحًا في رواية أبي داود والنسائي، أما رواية \"الصحيحين\" فلم يذكر فيهما السلام، ولهذا ظن بعض الفقهاء أن هذا نوع خامس من أنواع صلاة الخوف غير النوع الذي قبله، فذكره مستقلًا، ومنهم ابن قدامة (^١).\nقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (إن ذكر السلام هو الصواب، ومن قال: إنه صلى بدون سلام فقد غلط، ومن أهم شيء عند طالب العلم إذا أشكل عليه بعض الأحاديث أن يجمع الروايات وطرقها حتى يتضح له الأمر) (^٢).\n\n• الوجه الثالث: صلاة النبي ﷺ بكل طائفة ركعتين دليل على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل؛ لأن صلاة النبي ﷺ بالأولى فرض وبالطائفة الثانية نفل.\nوفيه دليل على أن العدل مطلوب حسب الإمكان؛ لأن الذين صلى بهم الفرض أفضل من الطائفة الذين صلى بهم وهي نافلة، ولكن هذا غاية ما يملكه النبي ﷺ من إمكان العدل بينهم، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"المغني\" (٣/ ٣١٣).\n(^٢) انظر: \"صلاة الخوف\" للقحطاني ص (٣٢).","vol":"4","page":102},{"text":"<span data-type='title' id=toc-385>جواز الاقتصار في صلاة الخوف\nعلى ركعة واحدة لكل طائفة</span>\n٤٨١/ ٧ - عن حذيفة ﵁: \" أن النبي ﷺ صلى في الخوف بهؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة، ولم يقضوا\". رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان.\n٤٨٢/ ٨ - ومثله عند ابن خزيمة عن ابن عباس ﵁.\n٤٨٣/ ٩ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" صلاة الخوف ركعة على أي وجه كان\". رواه البزار بإسناد ضعيف.\n\n• الكلام عليها من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث حذيفة فقد أخرجه أحمد (٣٨/ ٣٠٢)، وأبو داود (١٢٤٦)، والنسائي (٣/ ١٦٧ - ١٦٨)، وابن خزيمة (٢/ ٢٩٣)، وابن حبان (٤/ ٣٠٢) (٦/ ١٨٢) من طريق الأشعث بن سليم بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زهدم قال: (كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقام، فقال: أيكم صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعة، وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا). هذا لفظ أبي داود، وهذا الحديث إسناده صحيح، صححه ابن خزيمة وابن حبان.\nوطبرستان بفتح الطاء والباء وكسر الراء: اسم بلاد واسعة تقع ضمن دولة إيران اليوم، وتسمى إقليم: (مازندران) فتحت في خلافة عثمان ﵁ على يد سعيد بن العاص ﵁ سنة تسع وعشرين من الهجرة.","vol":"4","page":103},{"text":"وأما حديث ابن عباس ﵁ فقد أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٢٩٣) كما قال الحافظ، وأخرجه النسائي (٣/ ٢٦٩)، وأحمد (٣/ ٤٩٣)، وابن حبان (٧/ ٢٢) من طريق سفيان قال: حدثني أبو بكر بن أبي الجهم، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عبد الله بن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى بذي قرد وصف الناس خلفه صفين، صفًا خلفه، وصفًا موازي العدو، وصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا.\nوهذا لفظ النسائي، أما ابن خزيمة فلم يذكر لفظه، وإنما أحال على لفظ حديث حذيفة الذي قبله، وهذا الحديث إسناده صحيح.\nوعبيد الله بن عبد الله: هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، كما ورد التصريح به عند أحمد (٣/ ٤٩٣) (٣٨/ ٣٠١)، والحاكم (١/ ٣٣٥)، وهو ثقة ثبت.\nوورد مثل ذلك في حديث جابر ﵁ (^١).\n\nوقوله: (بذي قرد) بفتحتين، موضع على ليلتين من المدينة، بينهما وبين خبير (^٢).\nوأما حديث ابن عمر فقد أخرجه البزار (١/ ٢٩٦) \" مختصر زوائده\" من طريق محمد بن عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \" صلاة المسايفة ركعة على أي وجه كان الرجل، يجزئ عنه … \".\nقال البزار: (محمد بن عبد الرحمن أحاديثه مناكير، وهو ضعيف عند أهل العلم) وعلى هذا فالحديث منكر؛ لأن البيلماني هذا متروك، قال ابن معين: (ليس بشيء)، وقال البخاري، وأبو حاتم، والنسائي: (منكر الحديث) (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٣/ ١٧٤)، وأحمد (٣/ ٢٩٨)، وابن خزيمة (١٣٤٧)، وابن حبان (٧/ ١٢٠).\n(^٢) \"معجم البلدان\" (٤/ ٣٢١).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٢٦١).","vol":"4","page":104},{"text":"ولعل الحافظ ذكر حديث ابن عمر ﵁؛ ليعلم ضعفه، أو يكون شاهدًا لما قبله وإلا ففي الأحاديث المتقدمة ما يغني عنه، بل ويغني عن الجميع حديث ابن عباس ﵁ قال: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة) (^١)، وتقدم في \"قصر الصلاة\"، وكان الأولى بالحافظ أن يذكره هنا، كما فعل ابن عبد الهادي في \" المحرر\" وغيره.\n\n• الوجه الثاني: هذه الأحاديث دليل على أن صلاة الخوف ركعة واحدة، وذلك بأن يصلي الإمام بإحدى الطائفتين ركعة، ثم تذهب ولا تقضي شيئًا، ثم تأتي الطائفة الأخرى فتصف خلفه ويصلي بهم ركعة، ثم يسلم، ولا تقضي شيئًا، فتكون لكل طائفة ركعة، وللإمام ركعتان، وهذا على أن صلاة الخوف تقصر كمية وكيفية، وتكون هذه صفة خامسة، وقد قال بذلك ابن عباس وجابر وأبو هريرة وأبو موسى ﵁ وجماعة من التابعين، قال الموفق ابن قدامة: (وكلام أحمد يقتضي كون هذا الوصف من الوجوه الجائزة، إلا أن أصحابه قالوا: لا تأثير للخوف في عدد الركعات، فيدل على أن هذا ليس بمذهب له) (^٢)، وذكر المرداوي أنهم حملوا هذه الصفة على شدة الخوف (^٣).\n\n• وقال أكثر أهل العلم منهم: ابن عمر ﵁، والنخعي، والثوري، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وغيرهم ﵏: لا تأثير للخوف في عدد الركعات، فلا تنقص عن ركعتين (^٤) وحملوا هذه الأحاديث على أن المراد ركعة مع الإمام وركعة أخرى يأتي بها المصلي منفردًا، كما جاء في الأحاديث الأخرى، ذكر ذلك النووي، ثم قال: (وهذا التأويل لابد منه للجمع بين الأدلة، والله أعلم) (^٥).\nوهذا التأويل فيه نظر، فإن قوله: (لم يقضوا) نص صريح على أنهم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٨٧).\n(^٢) \"الكافي\" (١/ ٤٧٢).\n(^٣) \"الإنصاف\" (٢/ ٣٥٦).\n(^٤) \"المغني\" (٣/ ٣١٥).\n(^٥) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٢٠٣).","vol":"4","page":105},{"text":"اقتصروا على ركعة واحدة، ويؤيده قوله: (فكانت للنبي ﷺ ركعتان، ولهم ركعة واحدة)، كما يرد هذا التأويل حديث ابن عباس ﵁: (صلاة الخوف ركعة)، وعلى هذا فلا داعي لهذا التأويل، فيؤخذ الحديث على ظاهره، وتحمل الأحاديث الدالة على الركعتين على أنها الأكمل، وتجزئ ركعة واحدة؛ لأن صلاة الخوف وردت بكيفيات مختلفة، ومنها الاقتصار على ركعة واحدة، أو يحمل حديث ابن عباس ﵁ على شدة القتال، وهذا أولى (^١) والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"المغني\" (٣/ ٣١٦).","vol":"4","page":106},{"text":"<span data-type='title' id=toc-386>سقوط سجود السهو في صلاة الخوف</span>\n٤٨٤/ ١٠ - وعن ابن عمر ﵁ مرفوعًا: \" ليس في صلاة الخوف سهو\". أخرجه الداري قطني بإسناد ضعيف.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٥٨) من طريق بقية ثنا عبد الحميد بن السري الغنوي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: … فذكره.\nقال الدارقطني: (تفرد به عبد الحميد بن السري، وهو ضعيف)، وقال أبو حاتم: (هو مجهول، روى عن عبيد الله بن عمر حديثًا موضوعًا) (^١).\nوذكره الذهبي في \"الميزان\" وقال: (من المجاهيل، والخبر منكر)، ثم ذكر حديثه هذا، ونقل كلام أبي حاتم وتضعيف الدارقطني (^٢).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على سقوط سجود السهو في صلاة الخوف، والحديث وإن كان لا يثبت، لكن المعنى يؤيد ذلك؛ لأن الله تعالى يسر في صلاة الخوف في ترك أشياء كثيرة، منها: الاكتفاء بركعة، ومنها: التأخر في السجود عن الإمام، ومنها: جواز القضاء قبل سلام الإمام، فإذا جاز مثل ذلك فسقوط سجود السهو وجيه، وليس ببعيد.\nويرى الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ مشروعية سجود السهو في صلاة\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ١٤).\n(^٢) \"الميزان\" (٢/ ٥٤١).","vol":"4","page":107},{"text":"الخوف حيث يقول: (الأصل بقاء سجود السهو، ولا تكون هذه التجاوزات كافية في إسقاطه، فالأصل بقاؤه مع القدرة؛ لعموم الأدلة، فإذا سهى الإمام في صلاة الخوف شرع له سجود السهو، وإذا كان يخشى من سجودهم جميعًا تمكن العدو سجد الصف الأول، ثم سجد الصف الثاني، كما فعلوا في أصل الصلاة، إلا أن يثبت دليل في إسقاطه)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-387>باب صلاة العيدين</span>\nأي: صفتها وأحكامها، وما يتعلق بذلك.\nوالعيدين: مثنى عيد، وهما عيد الفطر من رمضان: وهو أول يوم من شوال، وعيد الأضحى: وهو العاشر من ذي الحجة.\nسميا عيدين؛ لأنهما يعودان ويتكرران كل عام، وكل منهما له مناسبة شرعية ومرتبط بعمل جليل وركن من أركان الإسلام، فعيد الفطر مناسبته فراغ المسلمين من صيام شهر رمضان، وعيد الأضحى مرتبط بحج بيت الله الحرام وختام عشر ذي الحجة والتقرب إلى الله تعالى بذبح القربان.\nوليس في دين الإسلام عيد يتكرر كل عام سوى هذين العيدين، لا عيد ميلاد، ولا عيد معراج، ولا عيد انتصار ولا عيد جلوس على كرسي الملك أو الرئاسة؛ بل كل ذلك مما ابتدعه الناس نتيجة التشبه بالأمم الأخرى، فصار ندًا للأعياد الشرعية.\nوقد مر بالأمة مناسبات عظيمة من ولادة النبي ﷺ، وغزوة بدر، والمعراج، وغيرها، ولم يكن لها أعياد مشروعة، فما دونها من باب أولى، ويكفي في ذلك هدي النبي ﷺ فهو خير الهدي.\nويوم العيد يوم عبادة وشكر وفرح وسرور، فيه الصلاة وذكر الله تعالى ودعاؤه، وفيه موعظة الناس وتوجيههم، وفيه من الفوائد الاجتماعية والصلات الأسرية والأخوية والفرح والسرور هو المنهج الإلهي الذي جاء من عند الله تعالى لإسعاد البشرية.","vol":"4","page":109},{"text":"<span data-type='title' id=toc-388>ما جاء من أن الفطر والصوم مع جماعة الناس</span>\n٤٨٥/ ١ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \" الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس\". رواه الترمذي.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الترمذي (٨٠٢) في كتاب \" الصوم\" باب \" ما جاء في الفطر والأضحى متى يكون؟ \" من طريق يحيى بن اليمان، عن معمر، عن محمد بن المنكدر، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: … فذكرت الحديث.\nوهذا الحديث لا بأس برجاله، غير يحيى بن يمان العجلي، فإنه متكلم فيه، قال أحمد: (ليس بحجة)، وقال ابن معين: (أرجو أن يكون صدوقًا)، ومرة قال: (ليس به بأس) (^١).\nوقال ابن عدي: (عامة ما يرويه غير محفوظ، وهو في نفسه لا يتعمد الكذب، إلا أنه يخطئ ويشتبه عليه) (^٢).\nوقد اختلف في سماع ابن المنكدر من عائشة، لكن قال الترمذي بعد الحديث المذكور: سألت محمدًا يعني البخاري قلت له: محمد بن المنكدر سمع من عائشة؟ قال: (نعم، يقول في حديثه: سمعت عائشة).\nوقد ورد حديث الباب عند أبي داود (٢٣٢٤) من طريق أيوب، عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة ﵁ (^٣)، وفيه انقطاع، قال ابن معين وأبو\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٢٦٧ - ٢٦٨).\n(^٢) \"الكامل\" (٧/ ٢٣٥).\n(^٣) راجع: \"العلل\" للدارقطني (١٠/ ٦٢).","vol":"4","page":110},{"text":"بكر البزار: (لم يسمع ابن المنكدر من أبي هريرة)، وقال أبو زرعة: (لم يلقه)، وروى الترمذي (٦٩٧) من طريق عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \" الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون\"، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب)، وفي الأخنس كلام يسير، وقد حسنه أيضًا النووي (^١)، فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الصوم والفطر مع الجماعة ومعظم الناس، وعلى هذا فلو رأى الهلال وحده وردت شهادته، فإنه لا يصوم إلا مع الناس، ولا يفطر إلا مع الناس.\nوهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢) لحديث الباب؛ ولأن الشهر هو ما اشتهر وظهر، والهلال ما استهل به وأعلن، وليس ما يظهر في السماء من غير رؤية ولا اشتهار.\nوالقول الثاني: أنه يصوم إذا رأى هلال رمضان، ولا يفطر إذا رأى هلال شوال إلا مع الناس، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو قول مالك وأبي حنيفة (^٣)، ووجه ذلك أنه رأى هلال رمضان فلزمه العمل بما رأى، ولأنه يثبت بشهادة واحد، وأما الفطر فلا يفطر؛ لأنه لا يثبت إلا بشاهدين.\nوالقول الثالث: أنه يصوم إذا رأى هلال رمضان، ويفطر إذا رأى هلال شوال سرًا، وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه رأى الهلال فيلزمه العمل بما يتقن، ولكن يلزمه سرًا، لئلا يخالف الجماعة (^٤).\nوالقول الأول أظهر لقوة دليله، ولأن فيه جمع كلمة المسلمين وعدم تفرقهم، وهذا من أعظم المقاصد الشرعية، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الخلاصة\" (٢/ ٨٣٩).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٥/ ١١٤ - ١١٧).\n(^٣) انظر: \"الهداية\" (١/ ١٢٠)، \"مختصر خليل\" ص (٥٨)، \"المغني\" (٤/ ٤١٦، ٤٢٠).\n(^٤) انظر: \"المهذب\" (١/ ٢٤٣).","vol":"4","page":111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-389>حكم الصلاة إذا لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال</span>\n٤٨٦/ ٢ - عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من الصحابة: \" أن ركبًا جاؤوا فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم النبي ﷺ أن يفطروا، وإذا أصبحوا يغدو إلا مصلاهم\". رواه أحمد وأبو داود وهذا لفظه؛ وإسناد صحيح.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو عمير بن أنس بن مالك، يقال: إن اسمه: عبد الله، وهو أكبر ولد أنس ﵁ كما ورد في \"سنن البيهقي\" (^١) وهو من صغار التابعين، روى له أصحاب السنن غير الترمذي، وتفرد بالرواية عنه أبو بشر جعفر بن إياس أبي وحشية، وصحح حديثه غير واحد من أهل العلم، قال ابن سعد: \"كان ثقة قليل الحديث\" وذكره ابن حبان في \" الثقات\"، تفرد ابن عبد البر بتجهيله، ولم يتابع على ذلك؛ لأن من وثقد فقد عرفه، وقد جزم الحافظ في \" التقريب\" بأنه ثقة (^٢).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أحمد (٣٤/ ١٨٦)، وأبو داود (١١٥٧) في كتاب \" الصلاة\"، باب \" إذا لم يخرج الإمام للعيد من يومه يخرج من الغد\"، والنسائي\n_________\n(^١) (٣/ ٣١٦).\n(^٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٢٠٦).","vol":"4","page":112},{"text":"(٣/ ١٨٠) من طريق محمد بن جعفر، ثنا شعبة عن جعفر بن أبي وحشية، عن أبي عمير بن أنس، به.\nوأخرجه ابن ماجه (١٦٥٣) وفيه: (فجاء ركب من آخر النهار …).\nوهذا الحديث إسناده صحيح، صححه إسحاق بن راهويه، والخطابي، والبيهقي، واحتج به أحمد (^١)، ونقل الحافظ تصحيحه عن ابن السكن وابن حزم (^٢).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الناس إذا لم يعلموا بعيد الفطر إلا بعد الزوال فإنهم يفطرون، ويصلون العيد من الغد في وقتها، وهذا قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق (^٣)، وقال الشافعي: إن عدل الشاهدان قبل الزوال صلوا العيد، وإن عدلا بعد الزوال لم يصلوا يومهم بعد الزوال ولا من الغد (^٤)، وقال مالك: تصلي إذا ذهب وقتها (^٥).\nوالراجح القول الأول؛ لأن سنة النبي ﷺ أحق أن تتبع، قال ابن المنذر: (حديث أبي عمير بن أنس ثابت، والقول به يجب) (^٦)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" لابن رجب (٨/ ٤٦٢)، \"معرفة السنن والآثار\" (٥/ ١١٢)، \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣١٦).\n(^٢) \"التلخيص\" (٢/ ٩٣).\n(^٣) انظر: \"الهداية\" (١/ ٨٦)، \"المغني\" (٣/ ٢٨٦)، \"المجموع\" (٥/ ٢٧).\n(^٤) \"الأم\" (١/ ٤٨٢).\n(^٥) \"بداية المجتهد\" (١/ ٥١٠).\n(^٦) \"الأوسط\" (٤/ ٢٩٥).","vol":"4","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-390>الأكل يوم الفطر قبل الخروج</span>\n٤٨٧/ ٣ - عن أنس ﵁ قال: \" كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات\". أخرجه البخاري.\nوفي رواية معلقة - ووصلها أحمد -: \"ويأكلهن أفرادًا\".\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" العيدين\"، باب \" الأكل يوم الفطر قبل الخروج\" (٩٥٣) من طريق سعيد بن سليمان، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن أنس ﵁ قال: … فذكره.\nوقال البخاري عقبه: (وقال مرجى بن رجاء: حدثني عبيد الله، قال: حدثني أنس عن النبي ﷺ: \" ويأكلهن وترًا\").\nوهذه الرواية المعلقة وصلها الإمام أحمد (١٩/ ٢٨٧) فقال: حدثني حرمي بن عمارة، قال: حدثني مرجى بن رجاء به، إلا أنه قال: \" يأكلهن أفرادًا\".\nوبهذا يتبين وهم الحافظ ﵀ في عزو اللفظ المذكور في \" البلوغ\" إلى البخاري وأحمد، وإنما هو لأحمد فقط، وأما لفظ البخاري فكما تقدم.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب أكل تمرات يوم عيد الفطر قبل الخروج إلى مصلى العيد، هذا هو الأفضل في وقتها أخذًا بظاهر الحديث، فإن أكلها قبل أن يصلي الفجر حصل المقصود؛ لأنه أكلها في النهار، ويستحب أن تكون وترًا، ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أكثر من ذلك","vol":"4","page":114},{"text":"يقطعها على وتر؛ لأن الله تعالى وتر يحب الوتر، كما ثبت في \" الصحيحين\"، ولعل الحكمة من ذلك والله أعلم إظهار المبادرة إلى فطر هذا اليوم الذي أوجب الله فطره، وشكر لله تعالى على إنعامه وفضله، كما أن في ذلك تمييز هذا اليوم بالأكل عن الأيام التي قبله التي كان المسلم فيها صائمًا.\nوفي ذلك فوائد صحية، فإن المعدة بعد النوم تكون فارغة من الطعام، والجسم قد تحللت مواد عناصره، ويحتاج إلى سرعة إسعاف بما يرد إليه قوته ونشاطه، واسرع مفعول لذلك هو التمر، ولهذا ينبغي الاقتصار عليه، فإن لم يجد تمرًا أكل غيره لتحصل السنة بالأكل قبل الخروج، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":115},{"text":"<span data-type='title' id=toc-391>حكم الأكل يوم الأضحى قبل الخروج</span>\n٤٨٨/ ٤ - عن ابن بريدة عن أبيه قال: \" كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي\". رواه أحمد، والترمذي، وصححه ابن حبان.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٣٨/ ٨٧)، والترمذي (٥٤٢) في أبواب \" الصلاة\"، باب \" ما جاء في الأكل يوم الفطر قبل الخروج\"، وابن حبان (٢٨١٢) من طريق ثواب بن عتبة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: … فذكره.\nوهذا الحديث إسناده حسن؛ لأن ثواب بن عتبة صدوق حسن الحديث، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح، والحديث صححه ابن حبان، والحاكم (^١)، وابن القطان (^٢)، قال الحاكم: (هذه سنة عزيزة من طريق الرواية، مستفيضة في بلاد المسلمين).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه يستحب في يوم الفطر أن يأكل قبل الخروج إلى المصلى كما تقدم؛ وأما في يوم الأضحى فيستحب ألا يأكل شيئًا حتى يصلي.\nقال ابن القيم: (وكان ﷺ يأكل قبل خروجه في عيد الفطر تمرات، ويأكلهن وترًا، وأما في عيد الأضحى فكان لا يطعم حتى يرجع من المصلى،\n_________\n(^١) \"المستدرك\" (١/ ٢٩٤).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٣٥٦).","vol":"4","page":116},{"text":"فيأكل من أضحيته) (^١)، وقال الشوكاني: (والحكمة في تأخير الفطر يوم الأضحى أنه يوم تشرع فيه الأضحية، والأكل منها، فشرع له أن يكون فطره على شيء منها) (^٢)، لكن شرعية أن يكون فطره على شيء منها يحتاج إلى دليل.\nوقيده كثير من الفقهاء بما إذا كان له أضحية فإنه لا يأكل حتى يضحي، فإن لم يكن لديه أضحية لم يشرع له الإمساك عن الأكل قبل الصلاة، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (١/ ٤٤١).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٢٩).","vol":"4","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-392>حكم خروج النساء لصلاة العيد</span>\n٤٨٩/ ٥ - عن أم عطية ﵁ قالت: \" أمرنا أن نخرج العواتق والحيض في العيدين؛ يشهدن الخير ودعوة المسلمين، ويعتزل الحيض المصلى\". متفق عليه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع من \" صحيحه\"، منها: كتاب \" العيدين\"، باب \"خروج النساء والحيض إلى المصلى\" (٩٧٤)، ومسلم (٨٩٠) من طريق أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية ﵂ قالت: (أمرنا تعني النبي ﷺ أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين) وهذا لفظ مسلم.\nوالحديث له عدة طرق بألفاظ متعددة، ويبدو أن الحافظ قد تصرف في لفظ الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (العواتق) جمع عاتق، وهي الأنثى التي قاربت البلوغ.\n\nقوله: (وذوات الخدور) أي: صاحبات الخدور، وهي جمع خدر، وهو ستر يجعل ناحية البيت للبكر تستتر به.\n\nقوله: (الحيض) بضم الحاء وتشديد الياء، جمع حائض، وهي التي أصابها الحيض.","vol":"4","page":118},{"text":"قوله: (يعتزلن مصلى المسلمين) أي: يتنحين عن مصلى المسلمين، وهو مكان صلاتهم العيد.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية خروج النساء لصلاة العيد، وظاهره أنه لا فرق بين العجائز والشابات، بشرط أن يكون ذلك على وجه تؤمن معه الفتنة بهن ومنهن، فيخرجن غير متطيبات، ولا متبرجات بزينة، بعيدات عن أماكن الرجال.\nوخروجهن لصلاة العيد سنة بالشرط المذكور وليس بواجب؛ لأن من جملة من أمر بالخروج من ليس بمكلف وهن الحيض، ولا أعلم أحدًا قال بوجوبها على النساء، ولو قيل بذلك لحصل حرج عظيم، ولا سيما في زماننا هذا.\n\n• الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال بوجوب صلاة العيد على الرجال.\nووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر النساء بحضور صلاة العيد وإخراج العواتق وذوات الخدور، بل أمر من لها جلباب أن تلبس من لا جلباب لها، كما في بعض روايات حديث أم عطية في \" الصحيحين\"، قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلبات، قال: \"لتلبسها أختها من جلبابها\"، وإذا ثبت هذا في حق النساء فالرجال من باب أولى.\nوهذا مذهب الحنفية (^١)، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، وابن القيم (^٣)، واختار هذا القول الصنعاني (^٤)، والشوكاني (^٥)، وابن سعدي (^٦)، والشيخ عبد العزيز بن باز (^٧).\nوقد نوزع في هذا الاستدلال من وجهين:\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٤/ ١٨٣).\n(^٣) \"كتاب الصلاة\" ص (٢٩).\n(^٤) \"سبل السلام\" (٣/ ٢٢٨).\n(^٥) \"نيل الأوطار\" (١/ ٣١٥).\n(^٦) \"المختارات الجلية\" ص (٧٢).\n(^٧) \"الفتاوى\" (١٣/ ٧).","vol":"4","page":119},{"text":"الأول: أن الحديث لا يدل على وجوب صلاة العيد؛ لأن من جملة من أمر بذلك من ليس بمكلف، فظهر أن المقصود منه إظهار شعائر الإسلام بالمبالغة في الاجتماع، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر (^١).\nالثاني: سلمنا أن الأمر للوجوب لكنه مصروف إلى الاستحباب بحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" خمس صلوات كتبهن الله على العباد … \" الحديث (^٢)، وكذا حديث أنس ﵁ في قصة الأعرابي، وهو ضمام بن ثعلبة، لما سأل رسول الله ﷺ عما يجب عليه من الصلاة، فأجابه ﷺ: \" الصلوات الخمس\"، فقال: هل علي غيرها؟ قال: \" لا، إلا أن تطوع\" (^٣)، ومثله حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ (^٤).\nوالقول الثاني: أن صلاة العيد فرض كفاية، فإذا حضرها بعد الناس سقط الإثم عن الباقين، وهو الصحيح من مذهب الإمام أحمد، وهو من المفردات.\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢]، فقد ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالصلاة: صلاة العيد، والأمر للوجوب؛ ولأن النبي ﷺ داوم على فعلها، وهي من أعلام الدين الظاهرة؛ كالجمعة، وأما كونها غير واجبة على الأعيان فدليله ما تقدم من حديث عبادة وأنس ﵁.\nوالقول الثالث: أن صلاة العيد سنة، وهذا ظاهر قول المالكية والشافعية ورواية عن أحمد، واستدلوا بحديث عبادة وحديث أنس ﵁، وهما يدلان على أنه لا واجب إلا الصلوات الخمس.\nوالذي يظهر والله أعلم أن صلاة العيد سنة مؤكدة في حق الرجال ينبغي حضورها إلا لعذر شرعي، لمواظبة النبي ﷺ عليها وعدم تركها، إذ ليس مع القائلين بالوجوب دليل قوي، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٧٠).\n(^٢) أخرجه مالك (١/ ١٢٣)، وأبو داود (٤٢٥)، والنسائي (١/ ٢٣٠)، وهو حديث صحيح بطرقه.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٣)، ومسلم (١٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٦) ومسلم (١١).","vol":"4","page":120},{"text":"الوجه الخامس: استدل بهذا الحديث من قال: إنه لا يجوز للحائض المكث في المسجد؛ لأن الرسول ﷺ أمر الحيض أن يعتزلن المصلى، وهذا يدل على أن مصلى العيد مسجد، له حكم المساجد، ولو لم يكن كذلك لما منعت منه الحائض. وأجيب عن ذلك بأن أمر الحيض باعتزال المصلى إنما هو حال الصلاة؛ ليتسع على النساء الطاهرات مكان صلاتهن، فإذا جلست الحائض خلفهن أو قريبًا منهن فلا حرج، ما دام أنها لم تأخذ مكانًا من أمكنة المصلين، وعلى هذا فالاستدلال به على أنه مصلي العيد مسجد غير ظاهر (^١)، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"المجموع\" (٢/ ١٨٠)، \"فتح الباري\" لابن رجب (٢/ ١٤١ - ١٤٢).","vol":"4","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-393>تقديم الصلاة على الخطبة يوم العيد</span>\n٤٩٠/ ٦ - عن ابن عمر ﵁ قال: \" كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة\". متفق عليه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" العيدين\" باب \" الخطبة بعد الصلاة\" (٩٦٣)، ومسلم (٨٨٨) من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ قال: … فذكر الحديث.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على أن سنة النبي ﷺ وخليفتيه أبي بكر وعمر ﵁ تقديم صلاة العيد على الخطبة، وقد استمر العمل على ذلك حتى جاء مروان فخرج وخطب قبل الصلاة كما سيأتي إن شاء الله، قال ابن قدامة: (وجملته أن خطبتي العيدين بعد الصلاة، لا نعلم فيه خلافًا بين المسلمين، إلا عن بني أمية … ولا يعتد بخلاف بني أمية؛ لأنه مسبوق بالإجماع الذي كان قبلهم، ومخالف لسنة رسول الله ﷺ الصحيحة، وقد أنكر عليهم فعلهم، وعد بدعة، ومخالفًا للسنة) (^١).\nوفائدة ذكر أبي بكر وعمر ﵁، بيان أن الحكم لم ينسخ وأنه سنة النبي ﷺ وخليفته ﵁.\n\n• الوجه الثالث: قد يأخذ بظاهر هذا الحديث من يقول بأن خطبة العيد واحدة (^٢)؛ لقوله: (بعد الخطبة)؛ لأن النبي ﷺ بعد أن أنهى خطبته توجه إلى\n_________\n(^١) \"المغني\" (٣/ ٢٧٦).\n(^٢) انظر: \"الشرح الممتع\" (٥/ ١٩١).","vol":"4","page":122},{"text":"النساء ووعظهن، إما لعدم وصول الخطبة إليهن، أو لأنه أراد أن يخصهن بأمور تناسبهن، أو لكلا الأمرين.\nوالمشهور عند الفقهاء أن للعيد خطبتين، ويستدلون على ذلك بحديث جابر ﵁ قال: (خرج النبي ﷺ يوم فطر أو أضحى فخطب قائمًا ثم قعد قعدة ثم قام) (^١)، وبما أخرجه الشافعي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أحد الفقهاء السبعة زمن التابعين أنه قال: (السنة أن يخطب الإمام في العيدين خطبتين، يفصل بينهما بجلوس) (^٢).\nكما استدلوا بالقياس على الجمعة، قالوا: والقياس يقوي مرسل عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ذكر ذلك الشوكاني (^٣).\nوظاهر الأحاديث الصحيحة أن خطبة العيد واحدة، لكن مضى سلف هذه الأمة على أنهما خطبتان، وقد نقل ابن حزم أن هذا مما لا خلاف فيه (^٤).\nوأما ما استدل به الفقهاء فهو غير ناهض على مشروعية الخطبة الثانية؛ لأن حديث جابر منكر سندًا ومتنًا، فإن المحفوظ أن ذلك في خطبة الجمعة، وفي سنده إسماعيل بن مسلم، وقد أجمعوا على ضعفه، كما قال البوصيري (^٥)، وفيه أبو الزبير، وهو مدلس، وقد عنعن.\nوأما المرسل فقد قال عنه النووي: إنه ضعيف (^٦)، ومع ضعفه فلا دلالة فيه على الصحيح؛ لأن عبيد الله تابعي كما تقدم والتابعي إذا قال: من السنة كذا، فهو من قبيل الموقوف، لا من قبيل المرفوع، فيكون قول صحابي لم يثبت انتشاره، فلا يحتاج به على الصحيح، وحتى على القول بأنه مرفوع مرسل لا يحتج به.\nوأما القياس، ففيه نظر، وعلى هذا فالمعول في أن للعيد خطبتين على ما نقله ابن حزم، وما فهمه فقهاء سلف هذه الأمة من النصوص الصحيحة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٢٨٩).\n(^٢) \"مسند الشافعي\" (١/ ١٧٦ ترتيبه).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦٠٦).\n(^٤) \"المحلى\" (٥/ ٨٢).\n(^٥) انظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٤٥٣)، \"الزوائد\" (١/ ٤٢٢).\n(^٦) \"المجموع\" (٥/ ٢٢)، \"تنوير العينين\" ص (٢٤٣).","vol":"4","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-394>حكم النافلة قبل صلاة العيد وبعدها</span>\n٤٩١/ ٧ - عن ابن عباس ﵁: \" أن النبي ﷺ صلى يوم العيد ركعتين، لم يصل قبلها ولا بعدها\". أخرجه السبعة.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"العيدين\" في عدة مواضع، منها: باب \" الصلاة قبل العيد وبعدها\" (٩٦٩)، ومسلم (٨٨٤)، وأبو داود (١١٥٩)، والترمذي (٥٣٧)، والنسائي (٣/ ١٩٣)، وابن ماجه (١٢٩١)، وأحمد (٥/ ٢٤٥) من طريق شعبة، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁، وفي آخره زيادة: (ثم أتى النساء ومعه بلال، فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تلقي خرصها وتلقي سخابها).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية صلاة النافلة قبل صلاة العيد ولا بعدها؛ لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك ولا أمر به، فليس بمشروع في حقه فلا يكون مشروعًا في حقنا.\nوهذا قول جماعة من الصحابة والتابعين، منهعم: ابن عمر وعلي وابن مسعود ﵁، والحسن وسعيد رحمهما الله، وغيرهم، كما حكاه ابن المنذر (^١).\nوالقول الثاني: جواز الصلاة في مصلى العيد قبل الصلاة وبعدها إذا دخل المصلي بعد ارتفاع الشمس؛ لأن الصلاة مباحة في كل وقت إلا في\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (٤/ ٢٦٥).","vol":"4","page":124},{"text":"أوقات النهي، ولم يثبت في المنع دليل، وهذا مروي عن أنس بن مالك وأبي هريرة ﵁ كما حكاه ابن المنذر، وهو منصوص الإمام الشافعي (^١)، واختيار ابن المنذر (^٢)، وابن حزم (^٣).\nوهذا هو الراجح، فإن المنع ليس عليه دليل، والنبي ﷺ لم ينه عن التنفل في المصلى، والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، فمن دخل مصلى العيد صلى تحية المسجد مطلقًا، فإن لم يكن وقت نهي جاز له أن يتنفل.\nوأما حديث الباب فلا حجة فيه؛ لأنه وارد في حق الإمام، فإن ابن عباس ﵁ إنما نفى صلاة النبي ﷺ وقبلها أو بعدها، وقد أجمع العلماء على أنه ﷺ لم يكن يصلي قبل العيد ولا بعدها في موضعها، وأما المأموم فلم يرد في حقه على منعه من التنفل فيبقى على الأصل.\nفإن صليت العيد في بعض المساجد كما يحصل في زماننا هذا شرع للداخل أن يؤدي تحية المسجد، كما لو دخل لغير صلاة العيد قولًا واحدًا، بناءً على القول بجواز ذوات الأسباب في أوقات النهي، كما تقدم في \" المواقيت\" والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الأم\" (١/ ٢٦٨).\n(^٢) \"الأوسط\" (٤/ ٢٧٠).\n(^٣) \"المحلى\" (٥/ ٩٠).","vol":"4","page":125},{"text":"<span data-type='title' id=toc-395>ترك الأذان والإقامة لصلاة العيد</span>\n٤٩٢/ ٨ - وعنه ﵁: \" أن النبي ﷺ بلا أذان ولا إقامة\". أخرجه أبو داود، وأصله في البخاري.\n\n• الكلام على وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الصلاة\"، باب \" ترك الأذان في العيد\" (١١٤٧) من طريق يحيى، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى العيد بلا أذان ولا إقامة وأبا بكر وعمر أو عثمان. شك يحيى، وهو ابن سعيد القطان، قال الحافظ: (إسناده صحيح) (^١).\nوهذا الحديث أصله في البخاري (٩٥٩)، ومسلم (٨٨٦) من طريق ابن جريج أخبرني عطاء أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير أول ما بويع له، أنه لم يكن يؤذن للصلاة يوم الفطر، فلا يؤذن لها، قال: فلم يؤذن لها ابن الزبير، وأرسل مع ذلك، إنما الخطبة بعد الصلاة …\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا يشرع لصلاة العيد أذان ولا إقامة، ولا نداء بأي لفظ كان، وقد نقل غير واحد من أهل العلم الاتفاق على أنه لم يفعل شيء من ذلك في عهد النبي ﷺ وعهد الخلفاء الراشدين، وقد حكى ذلك الإمام مالك في \" موطئه\"، وقد قدم في باب الأذان حديث جابر بن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٥٢).","vol":"4","page":126},{"text":"سمرة ﷺ قال: صليت مع النبي ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين، بغير أذان ولا إقامة (^١)، وقد مضى الكلام على هذه المسألة في باب \"الأذان\"، والحمد لله رب العالمين.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٨٧).","vol":"4","page":127},{"text":"<span data-type='title' id=toc-396>جواز التطوع بركعتين\nبعد الرجوع من المصلى</span>\n٤٩٣/ ٩ - عن أبي سعيد ﵁ قال: \" كان النبي ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين\". رواه ابن ماجه بإسناد حسن.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه ابن ماجه في كتاب \" إقامة الصلاة\"، باب \" ما جاء في الصلاة قبل العيد وبعدها\" (١٢٩٣) وأحمد (١٧/ ٣٢٣ - ٣٢٤) وابن خزيمة (١٤٦٩) والحاكم (١/ ٢٩٧) من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁، به.\nوهذا سند حسن كما قال الحافظ؛ لأن فيه ابن عقيل وهو متكلم فيه، كما تقدم (^١)، وخلاصة ما قيل فيه: إنه صدوق، في حديثه لين، وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن إذا لم يخالف، لكن يبدو أنه قد اضطرب في هذا الحديث، فقد رواه أحمد بن عبد الملك بن واقد، عن عبيد الله به، ولفظه (كان رسول الله ﷺ يأكل يوم الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى) (^٢)، وأحمد ثقة، فترجح روايته على رواية ابن عقيل؛ لما تقدم، ولما قال الحاكم: (سنة\n_________\n(^١) انظر: باب \"التيمم\"، عند حديث (١٢٨).\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة (٢/ ١٦٢) ومن طريقه ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (٧/ ٣٨).","vol":"4","page":128},{"text":"عزيزة بإسناد صحيح) قال الحافظ ابن رجب: (كذا قال وابن عقيل مختلف فيه) (^١).\n\n• الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال بمشروعية التطوع بصلاة ركعتين في البيت بعد الرجوع من مصلى العيد، وهذا لا يعارض ما تقدم من حديث ابن عباس أنه ﷺ لم يصل قبل العيد ولا بعدها؛ لأن الصلاة المنفية هي ما كانت في مصلى العيد، وفي هذا الحديث أنه صلى في منزله، فإذا رجع الإنسان إلى منزله وأراد أن يصلي فلا بأس؛ لهذا الحديث، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٩٤)، وانظر: \"تنوير العينين\" ص (٩٤).","vol":"4","page":129},{"text":"<span data-type='title' id=toc-397>مشروعية صلاة العيد في المصلى\nوخطبة الناس</span>\n٤٩٤/ ١٠ - وعنه؛ قال: \" كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس على صفوفهم فيعظهم ويأمرهم\". متفق عليه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" العيدين\"، باب \" الخروج إلى المصلى بغير منبر\"، (٩٥٦)، ومسلم (٨٨٩) من طريق عياض بن عبد الله بن سعيد، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم، ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثًا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف).\nقال أبو سعيد: (فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان - وهو أمير المدينة - في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإن مروان يريد أن يرتقيه أن يصلي، فجبذت بثوبه، فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله، فقال أبا سعيد: قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة). هذا لفظ البخاري.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على أن السنة في صلاة العيد أن تكون","vol":"4","page":130},{"text":"في المصلى لا في المسجد؛ لأن النبي ﷺ خرج إلى المصلى وترك مسجده مع ما ثبت فيه من الأجر العظيم، وكان مصلى العيد في عهده ﷺ إلى الجهة الشرقية من المسجد النبوي، كما يفيده حديث البراء ﵁ (^١)، بينه وبين المسجد ألف ذراع، ولا شقة في الخروج لها العدم تكررها.\nولعل من حكمة هذا الخروج والله أعلم إظهار شعائر الإسلام، وكثرة المسلمين في صعيد واحد خلف إمام واحد، يكبرون ويهللون ويدعون الله تعالى فرحين مستبشرين بهذه النعم العظيمة.\nوسن في هذا الاجتماع الصلاة والخطبة، لئلا يكون شيء من اجتماعهم بغير ذكر الله تعالى وتنويه بشعائر الدين.\nوظاهر الحديث أنه عام في جميع البلدان، إلا أن الجمهور استثنوا مكة شرفها الله تعالى، فقالوا: تصلى العيد في المسجد الحرام؛ لأنه خبر بقاع الأرض، ولأنه لا يوجد ساحة قريبة من المساكن أقرب من ساحة البيت الحرام؛ لأن مكة جبال وأودية فيشق على الناس أن يخرجوا، ولهذا لم ينقل أن أهل مكة خرجوا عن المسجد الحرام لصلاة العيد، وقد أشار الشافعي ﵀ إلى هذا المعنى (^٢).\nفإن وجد عذر يمنع من الخروج إلى المصلى من مطر أو خوف أو ريح شديدة أو شدة برد أو نحو ذلك من الأعذار صليت في المسجد، كما سيأتي إن شاء الله.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية صلاة العيد، وقد قام الإجماع على أنها ركعتان، كما تقدم في حديث ابن عباس ﵁.\nأما من فاتته صلاة العيد فمن أهل العلم من قال: تقضي ركعتين كهيئتها؛ لأن القضاء يحكي الأداء، وبه قال أنس بن مالك ﵁، كما ذكر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٧٦).\n(^٢) انظر: \"الأم\" (٢/ ٤٩٦).","vol":"4","page":131},{"text":"البخاري عنه معلقًا (^١)، ووصله ابن أبي شيبة (^٢)، وحكاه ابن المنذر (^٣) عن النخعي وابن سيرين وعطاء ومجاهد وعكرمة، وذكر ابن أبي شيبة بعض هذه الآثار (^٤)، وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور، وهو رواية عن أحمد (^٥).\nوالقول الثاني: أنها تصلى أربعًا، وبه قال جماعة: منهم عبد الله بن مسعود ﵁، فقد روي عنه ذلك بأسانيد صحيحة، وهو قول الإمام أحمد (^٦).\nوالقول الثالث: أنها تصلى أربعًا، وبه قال جماعة: منهم عبد الله بن مسعود ﵁، فقد روي عنه ذلك بأسانيد صحيحة، وهو قول الإمام أحمد.\nوالقول الثالث: أنها لا تصلى إذا فاتت، وبه قالت الحنفية (^٧)، وهو قول المزني (^٨)، واختاره ابن عثيمين، وعزاه إلى ابن تيمية (^٩)، إذا لم يرد دليل عليه قضائها، ولأنها صلاة ذات اجتماع معين، فلا تشرع إلا على هذا الوجه.\nوالقول الأول اختاره ابن المنذر، وفيه وجاهة.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية خطبة العيد؛ لأن الناس يجتمعون لصلاة العيد أكثر من اجتماعهم لصلاة الجمعة، لكونهم في مكان واحد، فناسب أن يقوم الإمام بوعظ الناس وتذكيرهم بأوامر الله تعالى ونواهيه، وتحذيرهم من المنكرات والمحدثات التي انتشرت بين المسلمين، كما ينبغي أن تكون الخطبة مناسبة للوقت والحال، فيذكر في كل وقت وحال ما يناسبها.\nوخطبة العيد كسائر الخطب، تفتتح بالحمد والثناء على الله تعالى، فإنه لم ينقل أنه ﷺ كان يفتتح خطبة العيد بالتكبير، كما ذكر ذلك ابن القيم (^١٠).\nوينبغي للخطيب تخصيص النساء بخطبة إذا لم يسمعن خطبة الرجال، تأسيًا بالنبي ﷺ، أما إذا سمعن بواسطة مكبرات الصوت فلا داعي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٧٤).\n(^٢) \"المصنَّف\" (٢/ ١٨٣).\n(^٣) \"الأوسط\" (٤/ ٢٩٢).\n(^٤) \"المصنَّف\" (٢/ ١٨٤).\n(^٥) \"المغني\" (٣/ ٢٨٥)، \"فتح الباري\" لابن رجب (٩/ ٧٥).\n(^٦) \"مسائل أبي داود\" ص (٦٠)، و\"ابن هانئ\" (١/ ٩٣).\n(^٧) \"الهداية\" (١/ ٨٦).\n(^٨) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٧٥).\n(^٩) \"الشرح الممتع\" (٥/ ٢٠٨).\n(^١٠) \"زاد المعاد\" (١/ ٤٤٧).","vol":"4","page":132},{"text":"لتخصيصهن بخطبة، لكن يشير في خطبته إلى بعض ما يتعلق بالنساء من آداب وأحكام.\nوحضور الخطبة ليس واجبًا، لكن ينبغي للمسلم أن يحضرها وأن يستفيد منها علمًا وعملًا، وقد روى عبد الله بن السائب ﵁ قال: شهدت العيد مع رسول الله ﷺ فلما قضى الصلاة، قال: \" إنا نخطب فمن أحب أن يجلس فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب\" (^١)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١١٥٥)، والنسائي (٣/ ١٨٥)، وابن ماجه (١٢٩٠)، وإسناده صحيح.","vol":"4","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-398>التكبير في صلاة العيد وعدده</span>\n٤٩٥/ ١١ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال نبي الله ﷺ: \"التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما\". أخرجه أبو داود، ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الصلاة\"، باب \" التكبيرات في العيدين\" (١١٥١) من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، يحدث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال نبي الله ﷺ: … فذكره.\nوأخرجه أيضًا (١١٥٢) على أنه سنة فعلية من طريق سليمان بن حيان، عن عبد الله الطائفي به، بلفظ: أن النبي ﷺ كان يكبر في الفطر في الأول سبعًا، ثم يقرأ، ثم يكبر، ثم يقوم فيكبر أربعًا، ثم يقوم ثم يركع، قال أبو داود: (رواه وكيع وابن المبارك قالا: سبعًا وخمسًا).\nومقصود أبي داود بهذا بيان ضعف رواية سليمان بن حيان التي فيها أن التكبير في الثانية أربع.\nوحديث الباب سنده حسن، وعبد الله الطائفي مختلف فيه، قال فيه أبو حاتم: (ليس بالقوي)، وقال ابن معين: (ضعيف)، وقال في موضع آخر: (صويلح)، وقال ابن عدي: (يروي عن عمرو بن شعيب أحاديثه مستقيمة،","vol":"4","page":134},{"text":"وهو ممن يكتب حديثه) (^١)، وقال الحافظ في \" التقريب\": (صدوق، يخطئ، ويهم)، وقد نقل الترمذي عن البخاري أنه صحح هذا الحديث. (^٢)\nونقل الحافظ تصحيحه أيضًا عن أحمد وعلي بن المديني (^٣).\nويشهد له عمل الصحابة ﵃، ومن ذلك ما أخرجه مالك، عن نافع مولى عبد الله بن عمر أنه قال: (شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة ﵁ فكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة خمس تكبيرات قبل القراءة)، وإسناد صحيح، قال الإمام مالك عقبة: (وهو الأمر عندنا) (^٤).\nوكذا ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عباس ﵁: (أنه كان يكبر في العيد في الأولى سبع تكبيرات بتكبيرة الافتتاح، وفي الآخرة ستًا بتكبيرة الركعة، كلهن قبل القراءة) (^٥).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية افتتاح صلاة العيد بالتكبير، فيقول: (الله أكبر) في الركعة الأولى ست مرات غير تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمس مرات غير تكبيرة الانتقال من السجود إلى القيام، ثم يتعوذ ويقرأ الفاتحة، وهذه التكبيرات سنة إجماعًا؛ لأنه ذكر مشروع بين تكبيرة الإحرام والقراءة، أشبه دعاء الاستفتاح.\nويرفع يديه مع كل تكبيرة هذا هو المذهب عند الحنابلة، وهو قول أبي حنيفة، وعزاه ابن المنذر إلى عطاء والأوزاعي والشافعي، ثم اختار القول به (^٦)؛ لعموم الأحاديث الدالة على أنه ﷺ يرفع يديه في تكبيرات الصلاة، ولا سيما في حالة القيام، وقال مالك: لا يرفع إلا عند تكبيرة الإحرام (^٧)، ولأنها تكبيرات في أثناء الصلاة فأشبهت تكبيرات السجود، وقال الباجي:\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٤/ ١٦٨)، \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٢٦١).\n(^٢) \"العلل الكبير\" (١/ ٢٨٨).\n(^٣) \"التلخيص\" (٢/ ٩٠).\n(^٤) \"الموطأ\" (١/ ١٨٠).\n(^٥) \"المصنف\" (٢/ ١٧٣) وإسناده صحيح، كما قال الألباني، \"الإرواء\" (٣/ ١١١).\n(^٦) \"الأوسط\" (٤/ ٢٨٢).\n(^٧) حكاه عنه ابن القاسم، كما في \"المدونة الكبرى\" (١/ ٢٤٦).","vol":"4","page":135},{"text":"وقد روي عن مالك أنه خير في رفع اليدين مع كل تكبيرة من الزوائد) (^١).\nوالأول أرجح، وأما تشبيهها بتكبيرات السجود ففيه نظر؛ لأن شبهها بتكبيرات القيام أقرب؛ لأنها بمنزلة تكبيرة الافتتاح.\nوليس في الحديث ما يدل على شرعية ذكر معين بين التكبيرات، لكن ورد عن ابن مسعود ﵁ ما يدل على أنه بين كل تكبيريتن حمد لله ﷿ وثناء على الله (^٢)؛ كأن يقول: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، والأمر في هذا واسع، فإن فعل فهو خير، وإن ترك فلا بأس؛ لأن الإمام قد يوالي بين التكبيرات فلا يكون هناك محل لذكر بينهما، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"المنتقى\" (١/ ٣١٩).\n(^٢) أخرجه البيهقي (٣/ ٢٩١)، وإسناده جيد، كما في \"الإرواء\" (٣/ ١١٥).","vol":"4","page":136},{"text":"<span data-type='title' id=toc-399>ما يقرأ به في صلاة العيد</span>\n٤٩٦/ ١٢ - عن أبي واقد الليثي ﵁ قال: \" كان النبي ﷺ يقرأ في الأضحى والفطر بـ ﴿ق﴾، و﴿اقتربت﴾. أخرجه مسلم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو أبو واقد بالقاف بعدها دال مهملة الليثي، مشهور بكنيته، مختلف في اسمه واسم أبيه، فقيل: الحارث بن عوف، وقيل: عوف بن الحارث، ذكر ابن سعد أنه أسلم قديمًا، قيل: إنه شهد بدرًا، وقيل: لم يشهدها وأنه أسلم عام الفتح أو قبيل لك، بدليل قوله يوم خيبر: (ونحن حديثو عهد بكفر)، وقد رجح هذا أبو نعيم، ورد على من قال: إنه شهد بدرًا (^١)، يعد في أهل المدينة، وجاور بمكة سنة، ومات بها سنة ثمان وستين ﵁ (^٢).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \" صلاة العيدين\"، باب \" ما يقرأ به في صلاة العيدين\" (٨٩١) من طريق مالك، عن ضمرة بن سعد المازني، عن عبيد الله بن عبد الله أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما بـ ﴿ق والقرآن المجيد﴾ و﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾.\nوهذا سند منقطع؛ لأن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود لم يدرك\n_________\n(^١) \"معرفة الصحابة\" (٢/ ٧٢).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (١٢/ ١٨٠)، \"الإصابة\" (١٢/ ٨٨).","vol":"4","page":137},{"text":"أيام عمر ومسألته أبا وقد، لكن أخرجه مسلم من طريق ضمرة بن سعد، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي واقد الليثي قال: سألني عمر بن الخطاب عما قرأ به رسول الله ﷺ في العيد … (^١).\nوهذا سند متصل؛ لأن عبيد الله أدرك أبا واقد بلا شك، وسمعه بلا خلاف.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية القراءة بهاتين السورتين في صلاة العيد، وهما سورة ﴿ق﴾ و﴿اقتربت الساعة﴾، ولعل الحكمة في ذلك والله أعلم ما اشتملت عليه السورتان من الإخبار عن ابتداء الخلق وذكر البعث والنشور وأحوال القيامة، كما أن فيهما الإخبار عن القرون الماضية وإهلاك المكذبين، وفي قراءتهما أيضًا تشبيه بروز الناس للعيد وخروجهم إلى المصلى ببروزهم للبعث وخروجهم كأنهم جراد منتشر، وكل ذلك فيه عظة للسامعين، وتوجيههم إلى الخير، وتذكيرهم بأهوال يوم القيامة.\nوقد تقدم في باب \" الجمعة\" حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضًا في الصلاتين) (^٢).\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من تواضع العالم الكبير أن يسأل من هو دونه؛ لأن عمر ﵁ سأل أبا واقد الليثي مع أن عمر ﵁ أقدم منه إسلامًا وأعلم منه وأكثر ملازمة للنبي ﷺ، وقد ذكر العلماء؛ كالقرطبي والنووي وغيرهما احتمالات عديدة لسؤال عمر أبا واقد، فمنها: أن عمر شك في ذلك فاستثبته من أبي واقد، أو أراد إعلام الناس بذلك، أو أنه نسي فاستذكر بسؤاله، وقيل غير ذلك (^٣)، والعلم عند الله تعالى.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٨٩١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٨٧٨).\n(^٣) \"المفهم\" (٢/ ٥٣٢)، \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٥/ ٤٣٢).","vol":"4","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-400>مشروعية مخالفة الطريق إذا خرج للعيد</span>\n٤٩٧/ ١٣ - عن جابر ﵁ قال: \" كان رسول الله صلى الله عليه إذا كان يوم العبيد خالف الطريق\". أخرجه البخاري.\n٤٩٨/ ١٤ - ولأبي داود؛ عن ابن عمر … نحوه.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث جابر ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب \" العيدين\"، باب \"من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد\" (٩٨٦) من طريق أبي تميلة يحيى بن واضح، عن فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، عن جابر ﵁، به.\nوفليح بن سليمان متكلم فيه، فقد قال الحافظ: (إنه مضعف عند ابن معين والنسائي وأبي داود، ووثقة آخرون، فحديثه من قبيل الحسن، لكن له شواهد … يعضد بعضها بعضًا، فعلى هذا من القسم الثاني من قسمي الصحيح) (^١)، ويقصد الصحيح لغيره.\nوقد ذكر الحافظ (^٢) أن البخاري لا يخرج لمن تكلم العلماء فيهم، أمثال: فليح بن سليمان، وإسماعيل بن أبي أويس بعد تتبع مروياتهم وانتفاء ما تبين أنه ضبطه وشارك فيه الثقات.\nوقد أخرج الترمذي هذا الحديث (٥٤١) وابن ماجه (١٣٠١) وأحمد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٧٢).\n(^٢) انظر: \"هدي الساري\" ص (٣٨٤ - ٣٩١)، \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢٧٣).","vol":"4","page":139},{"text":"(١٤/ ١٦٦) والدارمي (١/ ٣١٧) وابن خزيمة (١٤٦٨) وابن حبان (٧/ ٥٤) من طريق محمد بن الصلت، عن فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، عن أبي هريرة ﵁، به.\nقال البخاري: (وحديث جابر أصح)، وقال الترمذي: (وحديث جابر كأنه أصح). ومنهم من رجح حديث أبي هريرة؛ كأبي مسعود الدمشقي والبيهقي، قال الحافظ: (ولم يظهر لي ترجيح) (^١)، ولماذا لا يكون سعيد بن الحارث روى الحديث عن أبي هريرة وجابر؟ ومما يقوي ذلك اختلاف اللفظين، كما أشار إلى ذلك الحافظ، وقد ذكر الحافظ ابن رجب الاختلاف على فليح في إسناد هذا الحديث (^٢).\nوأما حديث ابن عمر ﵁، فقد أخرجه أبو داود (١١٥٦) من طريق عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: (أن رسول الله ﷺ أخذ يوم العيد في طريق، ثم رجع من طريق آخر).\nوهذا الحدي رجاله ثقات إلا عبد الله بن عمر العمري المكبر فهو ضعيف، وقد أعله الإمام أحمد وغيره بالوقف، وضعفه النووي (^٣)، لكن يشهد له الحديث الذي قبله، ولعل الحافظ ذكره؛ لأنه مفسر للحديث الذي قبله وإن لم يذكر بلفظه خشية لإطالة.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية مخالفة الطريق يوم العيد، وذلك بأن يذهب للمصلى من طريق ويرجع من آخر، وقد ذكر العلماء لهذا حكمًا كثيرة، فقيل: ليسلم على أهل الطريقين، وقيل: ليظهر شعائر الإسلام، وقيل: لإغاظة المنافقين، وقيل: ليشهد له الطريقان، وقيل غير ذلك، والأقرب أنه خالف الطريق لحكم كثيرة؛ لأن حكم الشارع لا تعد ولا تحصى، قال النووي: (وإذا لم يعم السبب استحب التأسي مطلقًا، والله أعلم) (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٧٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٩).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٩/ ٧١ - ٧٢)، \"المجموع\" (٥/ ١١).\n(^٤) \"روضة الطالبين\" (٢/ ٧٧)، \"زاد المعاد\" (١/ ٤٤٨).","vol":"4","page":140},{"text":"الوجه الثالث: الظاهر أن مخالفة الطريق تشريع عام، فيكون مستحبًا للإمام والمأموم، وهذا قول جمهور العلماء (^١).\n\n• وهل يلحق بالعيد الجمعة وجميع الصلوات؟ قولان، والأظهر أن المخالفة في العيد شرعت لمعنى خاص فلا يلحق به غيره، فإنه لو كان النبي ﷺ يخالف في الجمعة لنقل إلينا، والترك حجة شرعية، ثم إن المخالفة في الجمعة غير واردة؛ لقرب منزله ﷺ، بخلاف العيد، فإنه ﷺ كان يخرج إلى المصلى، فتمكن المخالفة، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"المغني\" (٣/ ٢٨٣)، \"تحفة الأحوذي\" (٣/ ٩٦).","vol":"4","page":141},{"text":"<span data-type='title' id=toc-401>استحباب إظهار السرور في العيدين</span>\n٤٩٩/ ١٥ - عن أنس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: \" قد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر\". أخرجه أبو داود، والنسائي بإسناد صحيح.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الصلاة\"، باب \" صلاة العيدين\" (١١٣٤) قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن حميد …، وأخرجه النسائي (٣/ ١٧٩ - ١٨٠) قال: حدثنا علي بن حجر، قال: أنبأنا إسماعيل، قال: حدثنا حميد، به.\nوهذا الحديث إسناده صحيح، ورواته كلهم ثقات حفاظ، وقد اتلف حماد بن سلمة وإسماعيل بن جعفر في الرواية عن حميد الطويل، وحميد رواه عن أنس ﵁.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (قدم رسول الله ﷺ) أي: لما هاجر ﷺ إلى المدينة.\n\nقوله: (ولهم يومان) أي: لأهل المدينة قبل مجي الرسول ﷺ إليهم، وهما: يوم النيروز، والمهرجان، والنيروز أول يوم تتحول فيه الشمس إلى برج الحمل، وهو أول السنة الشمسية، كما أن غرة محرم أول السنة القمرية، والمهرجان: أول يوم من برج الميزان، كما يظهر من مقابلته بالنيروز؛ لأن بينهما ستة أشهر.","vol":"4","page":142},{"text":"قوله: (أبدلكم الله بهما) أي: في مقابلتهما، والمعنى: أن الله تعالى أبطل ما كانوا يعملون في هذين اليومين من أعمال الجاهلية، وشرع في مقابلتهما يومي العيدين.\n\nقوله: (خيرًا منهما) هذا أفعل تفضيل ليس على بابه، إذ لا خيرية في يوميهما، وهذا يقتضي الاعتياض بما شرع لنا عما كان في الجاهلية.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الله تعالى جعل يوم الفطر ويوم الأضحى يومي بهجة وفرح وسرور واجتماع على طاعة الله تعالى بدلًا من أعياد الجاهلية القائمة على اللعب واللهو والغفلة.\nفيوما الفطر والأضحى يومان عظيمان، فيهما شكر الله تعالى على ما من به من صيام رمضان وقيامه، وأداء ما تيسر من المناسك والأضاحي، وذلك كله خير عظيم.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن إظهار السرور في العيدين أمر مندوب إليه، وذلك من يسر الشريعة التي شرعها الله تعالى لعباده، فإن النبي ﷺ لما أبطل عيدي الجاهلية ذكر البديل عنهما لئلا تبقى النفوس متطلقة إليهما، ويأتي من يروج لهما، وذلك أن كل قوم لهم يوم يتخذونه عيدًا يتجملون فيه ويخرجون من بلادهم بزينتهم، العرب والعجم في ذلك سواء، فشرع الله تعالى للمسلمين هذين العيدين العظيمين.\nوإظهار الفرح والسرور في العيدين مقيد بما ليس بمحظور أو شاغل عن طاعة الله تعالى، مما عليه كثير من الناس في هذا الزمان، وقد ورد عن عائشة ﵁ قالت: (دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار به يوم بعاث، وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ: \" يا أبا بكر إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا\") (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٤٩)، ومسلم (٨٩٢).","vol":"4","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-402>مشروعية الخروج إلى العيد ماشيًا</span>\n٥٠٠/ ١٦ - عن علي ﵁ قال: \" من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيًا\". رواه الترمذي وحسنه.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الترمذي في كتاب \" العيدين\"، باب \" ما جاء في المشي يوم العيد\" (٥٣٠) من طريق شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب، قال: (من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيًا، وأن تأكل شيئًا قبل أن تخرج).\nوهذا إسناد ضعيف جدًا من أجل الحارث هذا، وهو الأعور الهمداني فهو ضعيف جدًا، واتهمه بعضهم، ونقل الجوزجاني أن الشعبي كذبه، ثم قال: (سألت عليًا - يعني ابن المديني - عن عاصم والحارث؟ فقال لي: يا أبا إسحاق، مثلك يسأل عن ذا؟ الحارث كذاب) (^١)، والمراد بعاصم: عاصم بن ضمرة.\nوفيه أيضًا شريك بن عبد الله القاضي، وهو سيء الحفظ، وقد تقدم ذكره.\nوقد ورد في الباب أحاديث أخرى؛ كحديث ابن عمر، وسعد القرظ، وسعد بن أبي وقاص ﵁، وغيرها، وكلها أحاديث ضعيفة.\n_________\n(^١) \"أحوال الرجال\" ص (٤٦).","vol":"4","page":144},{"text":"الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب المشي إلى مصلى العيد، قال الترمذي: (والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشيًا، وأن يأكل شيئًا قبل أن يخرج لصلاة الفطر، وألا يركب إلا من عذر).\nودليل مشروعية المشي، عموما لأدلة؛ كحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار … \" (^١)، وصلاة العيد داخلة في هذا العموم، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١٠)، ومسلم (٦٠٣).","vol":"4","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-403>جواز صلاة العيد في المسجد لعذر</span>\n٥٠١/ ١٧ - عن أبي هريرة ﵁: \" أنهم أصابهم مطر في يوم عيد فصلى بهم النبي ﷺ صلاة العيد في المسجد\". رواه أبو داود بإسناد لين.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الصلاة\"، باب \" يصلي با لناس العيد في المسجد إذا كان يوم مطر\" (١١٦٠) من طريق الوليد بن مسلم، ثنا رجل من الفرويين - وسماه الربيع في حديثه عيسى بن عبد الأعلى بن أبي فروة - سمع أبا يحيى عبيد الله التيمي يحدث عن أبي هريرة … ثم ذكره.\nوهذا إسناد ضعيف؛ لأن عيسى بن عبد الأعلى مجهول، ولم يرو عنه سوى الوليد بن مسلم، والوليد كثير الرواية عن الضعفاء والمتروكين، قال الذهبي: (لا يكاد يعرف)، ولما ذكر حديثه هذا قال: (وهذا حديث فرد منكر) (^١)، وقال ابن القطان: (لا أعلم عيسى هذا مذكورًا في شيء من كتب الرجال ولا في غير هذا الإسناد) (^٢).\nوكذا أبو يحيى التيمي، واسمه عبيد الله بن وهب بن موهب مجهول، كما قال الشافعي وابن القطان وغيرهما.\nوالحديث (^٣) حسنه النووي، وقال في موضع آخر: (إسناده جيد) (^٤)، وهذا فيه نظر، قال الألباني: (وكأنه اعتمد على سكوت أبي داود عليه، وهذا\n_________\n(^١) \"الميزان\" (٣/ ٣١٥).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ١٤٥).\n(^٣) \"الخلاصة\" (٢/ ٨٢٥).\n(^٤) \"المجموع\" (٥/ ٥).","vol":"4","page":146},{"text":"ليس بشيء، فإن أبا داود كثيرًا ما يسكت على ما هو بين الضعف) (^١).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه إذا وجد عذر يمنع من الخروج إلى مصلى العيد جاز أن تصلى في المسجد، وذلك كوجود مطر أو رياح شديدة أو خوف، ونحو ذلك، كما تقدم، وحديث الباب وإن كان ضعيفًا لكن العمل عليه عند أهل العلم، وقواعد الشريعة وعموماتها تدل على ذلك.\nقال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]، وقال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال النبي ﷺ: \" وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم\" (^٢)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"صلاة العيدين في المصلى\" ص (٣٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧).","vol":"4","page":147},{"text":"<span data-type='title' id=toc-404>باب صلاة الكسوف</span>\nصلاة الكسوف: صلاة تفعل حدوث الكسوف، فإضافتها إليه من إضافة الشيء إلى سببه.\nوالكسوف والخسوف بمعنى واحد؛ فالكسوف مأخوذ من كسفت حاله؛ أي: تغيرت، والخسوف من خسف الشيء: ذهب إلى الأرض، وقال بعضهم: الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، ولعل هذا إذا اجتمعت الكلمتان، فيقال: كسوف وخسوف، وقيل: الخسوف في الجميع، والكسوف في بعض (^١).\nوالكسوف: أن ينحجب ضوء الشمس أو القمر كليًا أو جزئيًا، ولا يقع الكسوف إلا بأمر الله تعالى، وقد جعل الله تعالى له سببين:\nأحدهما: كوني، يدركه علماء الفلك بالحساب، كما ذكر ذلك ابن تيمية وابن القيم وغيرهما، فسبب خسوف القمر: توسط الأرض بينه وبين الشمس؛ لأن القمر يكتسب ضوءه من الشمس، ولهذا لا يقع خسوف القمر إلا في وسط الشهر القمري، حيث يكون القمر مقابلًا للشمس من الناحية الأخرى، فيمكن أن تحول الأرض بينهما.\nوأما كسوف الشمس فسببه حيلولة القمر بين الأرض والشمس، ولهذا لا يقع كسوف الشمس إلا في آخر الشهر القمري، حيث يدنو القمر من مدار الشمس، فيمكن أن يحول بينهما وبين الأرض (^٢)، ومع ذلك فلا يترتب على خير الفلكيين حكم شرعي؛ لأنها لا تصلي إلا برؤية الكسوف (^٣)، كما سيأتي إن شاء الله.\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (٤/ ١٣٥٠، ١٤٢١)، \"فتح الباري\" (٢/ ٥٣٥).\n(^٢) انظر: \"الفتاوى\" (٣٥/ ١٧٥)، \"مفتاح دار السعادة\" (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٤/ ٢٥٨).","vol":"4","page":148},{"text":"السبب الثاني: شرعي لا يدركه الناس، وإنما يعلم عن طريق الوحي، وهو إرادة الله تخويف عباده بذلك، إذ قد يكون إيذانًا بعقوبة، فإن الذنوب سبب للبلايا والعقوبات العاجلة والآجلة، قال تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾ [الإسراء: ٥٩]، نسأل الله تعالى رحمته وعفوه وغفرانه، ولهذا بين النبي ﷺ ما ينبغي فعله عند حدوث الكسوف.\nوقد ضعف شأن الكسوف عند كثير من الناس، وصار شيئًا عاديًا لا بسبب خوفًا ولا يدعو إلى الفزع، لما صاروا يعلمونه قبل وقوعه، وهذا جهل ناشئ من اعتقاد أنه لا يمكن اجتماع السبب الكوني والشرعي للكسوف، أو أنه ناشئ عن ضعف الإيمان، وقلة الخوف من الله تعالى، ولا تنافي بين الأسباب الكونية والشرعية، فإن عقوبات الله تعالى لعباده لها أسباب؛ فالزلازل لها أسباب، والصواعق لها أسباب، وثوران البراكين لها أسباب، وهكذا.\nلقد صار الاهتمام في هذا الزمان بالسبب الكوني وإهمال السبب الشرعي، عكس ما ورد في سنة المصطفى ﷺ، فإنه لم يرد في السنة بيان السبب الكوني، ولا عنيت الشريعة بتفاصيل ذلك، إذ لا فائدة للأمة من العلم به، والاطلاع عليه، بل نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أن هذا علم قليل المنفعة (^١)، وقال ابن القيم ﵀: (فشرع النبي ﷺ للأمة عند انعقاد هذا السبب، ما هو أنفع لهم وأجدى عليهم في دنياهم وأخراهم من اشتغالهم بعلم الهيئة وشأن الكسوف وأسبابه) (^٢).\nلا ريب أن للكسوف أسبابًا، تدرك بالحساب، كما أن الصواعق والعواصف والزلازل المدمرة لها أسباب معلومة عند أهل المعرفة بها، لكن هذا لا يعني إبطال السبب الشرعي الذي هو تخويف العباد، أو محاولة إهماله ونسيانه وإبعاده عن أذهان الناس وعن العمل بمقتضاه، وأنه لا داعي للخوف\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٣٥/ ١٧٥).\n(^٢) \"مفتاح دار السعادة\" (٢/ ٢١٣).","vol":"4","page":149},{"text":"عند حدوثه، إن في هذا ردًا للشرع، وإبطالًا لما أمر به الرسول ﷺ من الفزع إلى أسباب النجاة عند انعقاد أسباب العقوبات.\nثم لماذا هذا الاهتمام بوقت الكسوف والجزم بوقوعه والمبادرة بالإخبار به؟\nإن مثل هذا لا نفع فيه، والجزم به من الخطأ البين؛ لأن الحساب يخطئ ويصيب، وقد كان علماء الدعوة في نجد ينكرون الجزم بوقت الكسوف، وينكرون نشره وإفشاءه، وينكرون على من يتوضأ ويستعد لصلاة الكسوف وهو لم يقع بعد (^١)، وإذا ترتب على إفشائه مفاسد كما هو واقع الآن كان تركه متعينًا، ولا سيما في حق عامة الناس.\n\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"فتاوى ابن إبراهيم\" (١/ ١٦٩)، ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أنه: إذا استعد لرؤية الكسوف بناءً على غلبة ظن المخبر كان هذا حثًا من باب المسارعة إلى طاعة الله تعالى وعبادته \"الفتاوى\" (٢٤/ ٢٥٨)، ولعل الأول أقرب إلى الصواب؛ لأنه لو استعدَّ لها ما صارت صلاة رهبة، بل صارت صلاة ركبة، والله أعلم. انظر: \"فتاوى ابن عثيمين\" (١٦/ ٣٠٠).","vol":"4","page":150},{"text":"<span data-type='title' id=toc-405>الحكمة من الكسوف\nوماذا يصنع إذا وقع</span>\n٥٠٢/ ١ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ: \" إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا، حتى تنكشف\". متفق عليه.\nوفي رواية للبخاري: \" حتى تنجلي\".\n٥٠٣/ ٢ - وللبخاري؛ من حديث أبي بكرة: \" فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم\".\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث المغيرة ﵁، فقد أخرجه البخاري في كتاب \" الكسوف\"، باب \" الصلاة في كسوف الشمس\" (١٠٤٣) من طريق شيبان أبي معاوية، ومسلم (٩١٥) من طريق زائدة، كلاهما عن زياد بن علاقة، قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: … فذكره، وهذا لفظ البخاري إلا قوله: \"حتى تنكشف\" فقد تفرد به مسلم.\nوأما الرواية المذكورة فهي عند البخاري في باب \" الدعاء في الخسوف\" (١٠٦٠) من طريق زائدة قال: حدثنا زياد به، لكن بلفظ: \" حتى ينجلي\".","vol":"4","page":151},{"text":"وأما حديث أبي بكرة ﵁: فقد أخرجه البخاري في الباب المذكور أولًا (١٠٤٠) من طريق خالد، عن يونس، عن الحسن، عن أبي بكرة قال: (كنا عند رسول الله ﷺ فانكسفت الشمس، فقام النبي ﷺ يجر رداءه حتى دخل المسجد فدخلنا، فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس، فقال ﷺ: \" إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتموهما فصلوا، وادعوا، حتى يكشف ما بكم\".\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\n• قوله: (انكسفت الشمس) المحققون من أهل العلم على أن الكسوف لم يقع في زمن النبي ﷺ إلا مرة واحدة، وهذا قول ابن تيمية وابن القيم وآخرين، وذهب الإمام الشافعي وابن حزم وجماعة إلى تعدد الكسوف في زمنه ﷺ، وسيأتي ذلك.\n\nقوله: (يوم مات إبراهيم) أي: ابنه ﷺ إبراهيم، وهو من مارية القبطية ﵂، وكان ميلاده في ذي الحجة سنة ثمان، مات وهو ابن ستة عشر شهرًا أو ثمانية عشر شهرًا (^١).\n\nقوله: (فقال الناس) أي: بعض الناس.\n\nقوله: (انكسفت الشمس لموت إبراهيم) أي: لعظم المصيبة، وهذا كان من معتقدات الجاهلية، وهو أن الشمس لا تنكسف إلا لموت عظيم، فجاء كسوفها في الوقت المناسب لإبطال هذه العقيدة، وهذا من حكمة الله تعالى.\n\nقوله: (آيتان من آيات الله) أي: علامتان على كمال الله وقدرته وحكمته، وتصرفه في هذا الكون، وقد ورد في حديث أبي مسعود الأنصاري: \" يخوف الله بهما عباده\".\n\nقوله: (لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته) اللام للتعليل، وذكر الحياة لأجل التعميم، وهذا إبطال لاعتقاد الجاهلية، وفيه بيان أن الحوادث الأرضية\n_________\n(^١) \"البداية والنهاية\" (٨/ ٢٤٤).","vol":"4","page":152},{"text":"لا توثر في الشمس والقمر شيئًا، فلا ينكسفان لموت عظيم، وإنما ينكسفان بأمر الله تعالى تخويفًا للعباد.\n\nقوله: (فإذا رأيتموهما) وفي رواية: \" فإذا رأيتموها\" بإفراد الضمير الذي يعود إلى الآية، وأما ضمير التثنية فمعناه: إذا رأيتم كسوف كل واحد منهما، لاستحالة وقوع ذلك فيهما معًا في حالة واحدة عادة.\n\nقوله: (فادعوا الله) أي: بسؤاله الرحمة وكشف ما نزل بكم.\n\nقوله: (وصلوا) أي: صلاة الكسوف، وهذا لفظ مجمل جاء بيانه بفعله ﷺ.\n\nقوله: (حتى تنكشف) هذا اللفظ لمسلم فقط كما تقدم؛ أي: حتى تنكشف الآية، لكن المثبت في مسلم: \" ينكشف\" بالياء؛ أي: يرتفع ويزول ما حل بكم من الكسوف.\n\nقوله: (حتى تنجلي) هكذا في نسخ \" البلوغ\"، والذي في البخاري: \" حتى ينجلي\" بالياء.\nو(حتى) يحتمل أن تكون للتعليل، والمعنى: صلوا وادعوا لينكشف ما بكم، ويحتمل أن تكون للغاية، والمعنى: صلوا وادعوا إلى أن ينكشف، ولا مانع من حملها على المعنيين؛ إذ لا منافاة بينهما، والسياق صالح لهما.\n\nقوله: (حتى يكشف ما بكم) أي: ما حلبكم، وأبهمه تفخيمًا لشأنه وتهويلًا لأمره، ولعل الحافظ ذكر هذا القدر من حديث أبي بكرة لهذا الغرض، والله أعلم.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى الدالة على عظم قدرته وكمال تصرفه وواسع علمه ورحمته، وأنهما لا ينكسفان لموت أحد، وإنما حكمة كسوفهما تخويف العباد من آثار ذنوبهم وعقوباتها.\n\n• الوجه الرابع: مشروعية صلاة الكسوف عند رؤيته، ولا يعتمد فيها على حساب الفلكيين؛ لقوله: \" فإذا رأيتموهما\"، وعلى هذا فلو أخبر بوقوع","vol":"4","page":153},{"text":"خسوف للقمر، ولكننا لم نره لتراكم السحب فإنها لا تصلى صلاة الخسوف لمجرد قولهم.\nوصلاة الكسوف سنة مؤكدة على قول جمهور أهل العلم، بل حكى النووي الإجماع على ذلك (^١)، وصرح أبو عوانة بوجوبها (^٢).\n\n• الوجه الخامس: ظاهر الإطلاق في قوله: \"صلوا\" أنها تفعل كل وقت حتى في أوقات النهي، كما لو حصل بعد العصر مثلًا؛ لأنه موضع تشريع وبيان للأمة، ولو كانت لا تفعل في أوقات النهي لبين ذلك لأمته، وهذا قول الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد (^٣).\nوالقول الثاني: أن الكسوف لا تصلى في أوقات النهي، وإنما يشتغلون بالدعاء والاستغفار والصدقة والعتق، وهذا قول أبي حنيفة ومالك، والمشهور عن أحمد (^٤)، واستدلوا بأحاديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي.\nوالقول الأول أرجح؛ لأن الحديث في الكسوف خاص، فيقدم على النهي العام؛ لأن حديث النهي ضعف عمومه بتخصيصه بأحاديث أخرى، كما تقدم في \" أوقات النهي\"؛ ولأن صلاة الكسوف من ذوات الأسباب.\n\n• الوجه السادس: ظاهر الحديث الأمر بالصلاة والدعاء عند رؤية الكسوف حتى ينكشف ما وقع، ولذا شرعت إطالة صلاة الكسوف، كما سيأتي إن شاء الله، فإن فرغ من الصلاة قبل انجلاء الكسوف، فالمشهور عند أهل العلم أنها لا تعاد؛ بل ينبغي الاشتغال لم يزد على ركعتين؛ ولأن قوله: \" فصلوا، وادعوا، حتى يكشف ما بكم\" يفيد ذلك، فإن جعل الغاية لمجموع الأمرين من الصلاة والدعاء.\n\n• الوجه السابع: مشروعية الفزع إلى الدعاء عند رؤية الكسوف، لما في\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٥/ ٤٤).\n(^٢) \"مسنده\" (٢/ ٩٢).\n(^٣) \"الأم\" (١/ ٥٢٧)، \"المغني\" (٢/ ٥٣٣) (٣/ ٣٣٢).\n(^٤) \"الاستذكار\" (٧/ ١٠٥)، \"بدائع الصنائع\" (١/ ٢٨٢)، \"المغني\" (٣/ ٣٣٢).","vol":"4","page":154},{"text":"ذلك من جلب الرحمة ورفع العقوبة، وفي حديث أبي موسى الأشعري ﵁: \"فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره\" (^١)، وفي حديث عائشة ﵁: \" فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا، وصلوا وتصدقوا\" (^٢).\nوتأمل قوله: (فافزعوا) فإنه يدل على أمور ثلاثة:\nالأول: الشعور بالخوف، فإن الأمر بالفزع يعني: أن نشعر بالخوف، وأن ندرك عظم الأمر حتى يتحقق الفزع، إذ لا يمكن فزع بدون خوف، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على قوله ﷺ: \" يخوف الله بهما عباده\": (هذا بيان منه ﷺ أنهما سبب لنزول عذاب الناس، فإن الله إنما يخوف عباده بما يخافونه إذا عصوه، وعصوا رسله، وإنما يخاف الناس مما يضرهم، فلولا إمكان حصول الضرر بالناس عند الخسوف ما كان في ذلك تخويفًا، قال تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا﴾ (^٣).\nالثاني: المبادرة بأداء المأمور به من الصلاة والدعاء والذكر والصدقة وغيرها.\nالثالث: أن الالتجاء إلى الله تعالى والفرار إليه عند حصول المخاوف بالدعاء والاستغفار سبب للرضا ومحو ما فرط من العصيان وزوال المخاوف؛ لأن الذنوب سبب البلايا، والعقوبات العاجلة والآجلة، نسأل الله تعالى أن يلطف بنا (^٤).\nوتحقيق ما دلت عليه هذه اللفظة لا يكون إلا لمن كمل إيمانه بالله تعالى وبما قاله الرسول ﷺ قلبه من أمراض الشهوات وأمراض الشبهات، واستقامت حاله، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٥٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٤٤).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٤/ ٢٥٩).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٥٣٤).","vol":"4","page":155},{"text":"<span data-type='title' id=toc-406>مشروعية النداء لصلاة الكسوف\nوالجهر فيها بالقراءة</span>\n٥٠٤/ ٣ - عن عائشة ﵂: \" أن النبي ﷺ جهر في صلاة الكسوف بقراءته، فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات\". متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.\nوفي رواية له: فبعث مناديا ينادي: \" الصلاة جامعة\".\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الكسوف\" باب \" الجهر بالقراءة في الكسوف\" (١٠٦٥)، ومسلم (٩٠١) (٥) من طريق ابن شهاب الزهري، يخبر عن عروة، عن عائشة ﵂.\nوأما الرواية المذكورة فهي عند مسلم (٩٠١) (٤) بلفظ: (فبعث مناديًا: الصلاة جامعة).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (جهر في صلاة الكسوف) هكذا في نسخ \"البلوغ\"، والذي في \"الصحيحين\": (صلاة الخسوف).\n\nقوله: (الصلاة جامعة) يجوز رفعهما على أنهما مبتدأ وخبر، ويجوز نصبهما، الأول بفعل محذوف؛ أي: احضروا الصلاة، والثاني: حال.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الجهر في صلاة الكسوف، سواء أكانت في النهار لكسوف الشمس أم في الليل لخسوف","vol":"4","page":156},{"text":"القمر، لأنها نافلة شرعت لها الجماعة، فكان من سنتها الجهر؛ كصلاة الاستسقاء، والعيد والتراويح.\nوالحديث وإن كان واردًا في كسوف الشمس فالقمر مثله، لجمعه ﷺ بينهما في الحكم، حيث قال: \" فإذا رأيتموهما\"، والأصل استواؤهما في كيفية الصلاة ونحوها.\nوهذا قول الإمام أحمد، وإسحاق، وابن حزم، وابن المنذر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من أهل الحديث (^١).\nوالقول الثاني: أنه لا يشرع الجهر في صلاة الكسوف إن كانت نهارية، ويشرع فيها إذا كانت ليلية، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي ومالك (^٢)، واستدلوا بحديث ابن عباس الآتي: \" فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة … \"، قالوا: ولو كان النبي ﷺ جهر بالقراءة لذكر ابن عباس ما قرأ به، ولم يقدر ذلك بغيره.\nكما احتجوا بحديث سمرة ﵁: (صلى بنا النبي ﷺ في كسوف لا نسمع له صوتًا) (^٣).\nوالراجح الأول لقوة دليله، وصراحته في المراد، فإنه صريح في الجهر في صلاة كسوف الشمس وهي صلاة نهارية، والقياس على الاستسقاء والعيدين قياس قوي، فقد نقل ابن المنذر قول إسحاق بن راهوية: (لو لم يأت في ذلك سنة لكان أشبه الأمر من الجهر تشبيهًا بالجمعة والعيدين والاستسقاء، وكل ذلك نهارًا) (^٤).\nوأما حديث ابن عباس ﵁ فليس صريحًا في نفي الجهر، بل يطرقه\n_________\n(^١) \"المغني\" (٣/ ٣٢٥)، \"المحلى\" (٥/ ١٠١ - ١٠٢)، \"الاختيارات\" ص (٨٤).\n(^٢) \"الهداية\" (١/ ٨٨)، \"المهذب\" (١/ ١٦٩)، \"مختصر خليل\" ص (٤٣).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١١٨٤)، والترمذي (٥٦٢)، والنسائي (٣/ ١٤٠)، وابن ماجه (١٢٦٤)، وأحمد (٣٣/ ٣٣٠) من طريق الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عِبَاد، عن سمرة - ﵁ -.\n(^٤) \"الأوسط\" (٥/ ٢٩٨).","vol":"4","page":157},{"text":"احتمالات عديدة، منها: أنه يحتمل أن ابن عباس نسي ما قرأ به، وحفظ قدر قراءته، فقدرها بالبقرة، فإن الرجل ينسى ما قرأ به الإمام في صلاة يومه، أو يقال: إنه لا يصح الاستدلال به فإنه ما سبق لموضوع الإسرار، وإنما أراد بيان مقدار قيام النبي ﷺ، فكيف يقدم هذا اللفظ المجمل على الصريح الذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا.\nوأما حديث سمرة ﵁ فهو حديث ضعيف؛ لأنه من رواية ثعلبة بن عباد، وهو مجهول، تفرد بالرواية عنه الأسود بن قيس، كما ذكر الذهبي (^١)، ولم يوثقه إلا ابن حبان، ونقل الحافظ أن ابن المديني ذكره في المجاهيل الذين يروي عنهم الأسود بن قيس (^٢)، وبه أعله ابن حزم (^٣).\nومثل هذا الحديث لا يصح أن يقف في معارضة ما ثبت في \" الصحيحين\"، ثم لو صح لم يكن فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أنه ﷺ لم يجهر، وإنما فيه: (لا نسمع له صوتًا)، ولا يلزم من نفي سماع الصوت نفي الجهر، ولو كان بحيث يسمعه لسمعه كما سمعته عائشة ﵂ التي كانت قريبًا من القبلة في حجرتها، وكلاهما صادق (^٤).\nوعلى هذا فأحاديث الجهر صحيحة صريحة، فلا يقدم عليها ما فقد هذين الوصفين.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية النداء لصلاة الكسوف بلفظ: \" الصلاة جامعة\"، وقد ورد في \" الصحيحين\" حديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال: (لما كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي: إن الصلاة جامعة)، ولم يرد في السنة تحديد عدد مرات النداء، فالظاهر أنه ينادي لها بقدر ما يحصل به إسماع الناس، وليس لها أذان ولا إقامة ولا ينادي لغيرها من النوافل؛ كالعيدين ولا الاستسقاء؛ لأنه لم يرد النداء بهذا اللفظ عن النبي ﷺ إلا في صلاة الكسوف، فيكون النداء لغيرها من البدع المحدثة، وتقدم ذلك في باب \"صلاة العيدين\"، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الميزان\" (١/ ٣٧١).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢٢).\n(^٣) \"المحلى\" (٥/ ١٠٢).\n(^٤) انظر: \"المحلى\" (٥/ ١٠٢).","vol":"4","page":158},{"text":"<span data-type='title' id=toc-407>كيفية صلاة الكسوف</span>\n٥٠٥/ ٤ - عن ابن عباس رصي الله عنه قال: \" انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى، فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت الشمس فخطب الناس\". متفق عليه، واللفظ للبخاري.\n٥٠٦/ ٥ - وفي رواية لمسلم: \" صلى حين كسفت الشمس ثماني ركعات في أربع سجدات\".\n٥٠٧/ ٦ - وعن علي ﵁، مثل ذلك.\n٥٠٨/ ٧ - وله، عن جابر ﵁: \" صلى ست ركعات بأربع سجدات\".\n٥٠٩/ ٨ - ولأبي داود، عن أبي بن كعب ﵁: \" صلى، فركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، وفعل في الثانية مثل ذلك\".\n\n• الكلام عليها من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث ابن عباس ﵁، فقد أخرجه البخاري في كتاب \" الكسوف\"،","vol":"4","page":159},{"text":"باب \"صلاة الكسوف جماعة\" (١٠٥٢)، ومسلم (٩٠٧) من طريق مالك قال: حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس ﵁.\nوهذا لفظ البخاري كما ذكر الحافظ إلا أن قوله في آخره: (فخطب الناس) ليس من نص الحديث، وإنما هو من كلام الحافظ؛ لأن الذي ورد في مسلم: (ثم انصرف، وقد انجلت الشمس فقال: \"إن الشمس والقمر آيتان … \" إلخ، فعبر عن ذلك بقوله: فخطب الناس.\nوأما رواية مسلم فهي من طريق سفيان، عن حبيب، عن طاوس، عن ابن عباس ﵁.\nوهذه الرواية ضعفها ابن حبان، فإنه قال: (خبر حبيب بن أبي ثابت عن طاوس عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى كسوف الشمس ثماني ركعات وأربع سجدات، ليس بصحيح؛ لأن حبيبًا لم يسمع من طاوس هذا الخبر) (^١).\nوضعفه أيضًا البيهقي، فإنه قال: (وحبيب بن أبي ثابت وإن كان من الثقات فقد كان يدلس، ولم أجده ذكر سماعه في هذا الحديث عن طاوس، ويحتمل أن يكون حمله عن غير موثوق به عن طاووس …) (^٢).\nوالمقصود أن المحفوظ عن ابن عباس ﵁ في صفة صلاة الكسوف أن النبي ﷺ صلاها أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات، وهو الذي اتفق عليه الشيخان، وهو الموافق لحديث عائشة المتفق عليه أيضًا وما عدا ذلك من حديث ابن عباس فهو شاذ.\nوأما حديث علي ﵁، فقد أشار إليه مسلم في آخر سياق حديث ابن عباس الذي قبل هذا، فإنه قال في آخره: (وعن علي مثل ذلك).\nفلم يذكر إسناده ولا لفظه، وإنما أحال على ما قبله، وقد أخرجه الإمام أحمد (٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠) من طريق حنش، عن علي ﵁، وساقه بتمامه.\nوهو حديث ضعيف؛ لأن حنش بن المعتمر متكلم فيه، قال ابن حبان:\n_________\n(^١) \"صحيح ابن حبان\" (٧/ ٩٨).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٢٧).","vol":"4","page":160},{"text":"(كان كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن علي ﵁ بأشياء لا تشبه حديث الثقات، حتى صار ممن لا يحتج به) (^١)، وذكره العقيلي في \" الضعفاء\" (^٢)، وقد تفرد بهذا الخبر عن علي ﵁ فيكون ضعيفا.\nوأما حديث جابر ﵁، فقد أخرجه مسلم (٩٠٤) (١٠) من طريق عبد الملك، عن عطاء، عن جابر ﵁، به.\nوأخرجه مسلم أيضًا (٩٠٤) (٩) من طريق إسماعيل بن علية، عن هشام الدستوائي، قال: حدثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله … وساق الحديث إلى أن قال: (فكانت أربع ركعات وأربع سجدات)، وهذا هو المحفوظ عن جابر؛ لأمرين:\nالأول: أن رواية هشام أولى، لكونه مع أبي الزبير أحفظ من عبد الملك بن أبي سليمان الذي أخذ عليه الغلط في غير حديث.\nالثاني: أن رواية هشام في عدد الركعات موافقة لحديث عائشة وابن عباس ﵁، كما تقدم.\nوأما حديث أبي بن كعب، فقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الصلاة\"، باب \"من قال: أربع ركعات (١١٨٢) من طريق الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، به.\nوهذا إسناد ضعيف؛ لأن فيه أبا جعفر الرازي، واسمه عيسى بن أبي عيسى التميمي، قال عنه الإمام أحمد: (ليس بقوي في الحديث)، وقال أبو زرعة: (شيخ يهم كثيرًا)، وقال ابن حبان: (كان ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير، لا يعجبني الاحتجاج بخبره إلا فيما وافق الثقات، ولا يجوز الاعتبار بروايته فيما يخالف الأثبات) (^٣).\n\n• الوجه الثاني: دل حديث ابن عباس ﵁ المتفق عليه أن صلاة\n_________\n(^١) \"المجروحين\" (١/ ٣٣٣).\n(^٢) (١/ ٢٨٨).\n(^٣) \"المجروحين\" (٢/ ١٠١)، \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٥٩).","vol":"4","page":161},{"text":"الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان وسجودان، يطيل فيهما القيام والركوع والسجود والقعود، كل واحد من ذلك أطل مما بعده.\nودل على هذه الصفة أيضًا حديث عائشة ﵂ المتفق عليه، وقد تقدم قبل هذا.\nولا خلاف بين العلماء أن صلاة الكسوف ركعتان، ولم تختلف الأحاديث في ذلك، وإنما اختلف في عدد الركوع في كل ركعة، ففي بعضها في كل ركعة ركوعان، كما في حديث ابن عباس وحديث عائشة ﵂، وفي بعضها في كل ركعة أربع ركوعات، كما في رواية مسلم من حديث ابن عباس وحديث علي ﵁، وفي بعضها: في كل ركعة خمس ركوعات، كما في حديث أبي بن كعب، وهذا أكثر ما ورد، وللعلماء في هذه الأحاديث مسلكان:\nالأول: القول بتعدد الكسوف، وأن الرسول ﷺ صلاها عدة مرات بصفات مختلفة، وقد عزى الحافظ القول بالتعدد إلى إسحاق (^١)، مع أنه لم يثبت عنه الزيادة على أربع ركوعات، والذي نقله عنه ابن المنذر يفيد أن زيادة الركوعات عند عدم الانجلاء (^٢).\nلكن يشكل على ذلك أنه ورد في هذه الروايات ذكر موت إبراهيم ابن النبي ﷺ وهو لم يتعدد، فعلم أن الواقعة واحدة.\nالثاني: القول بعدم تعدد الكسوف وترجيح ما عند البخاري ومسلم على ما عند مسلم فقط، فما اتفق عليه الشيخان في صفة صلاة الكسوف مقدم على ما انفرد به مسلم، كما تقدم، فيحكم عليه بالشذوذ؛ لأن الثقة خالف من هو أوثق منه، وتخطئة من دون الأثبات مقدم على تخطئة الأثبات.\nومما يؤيد القول بعدم التعدد أن أحاديث الكسوف دلت بسياقها على أن هذه الصلاة كانت لأول مرة، وأن الصحابة ﵃ لم يكونوا يعلمون ماذا يصنع الرسول ﷺ في وقتها، والمدة بين كسوفها وموت إبراهيم وبين موت النبي ﷺ\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٣٢).\n(^٢) \"الأوسط\" (٥/ ٣٠٣).","vol":"4","page":162},{"text":"لا تزيد على أربعة أشهر ونصف، فلو كان الكسوف وقع مرة أخرى وصلي لتواترت الهمم والدواعي على نقل ذلك، كما نقل ما قبله بأسانيد كثيرة.\nوأصح حديث في صفة صلاة الكسوف هو حديث عائشة ﵁ الثابت في \"الصحيحين\"؛ لأنه لم يختلف عليه فيه، وهو الذي ساقه صاحب \" العمدة\"، أما حديث ابن عباس ﵁ فهو ثابت في \" الصحيحين\" أيضًا، لكن ورد فيه اختلاف، كما تقدم في رواية مسلم.\n\n• الوجه الثالث: استدل بعض العلماء بقول عائشة ﵂: (ثم قام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: \"هما آيتان … \" الحديث (^١)، وفي رواية قالت: (فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه …) الحديث (^٢)، على مشروعية الخطبة بعد صلاة الكسوف، وهذا قول الشافعي، ورواية عن أحمد، وقول إسحاق، وأكثر أصحاب الحديث (^٣).\nوالقول الثاني: أنه لا يشرع للكسوف خطبة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وقول أبي حنيفة، ومالك (^٤)؛ لأن الخطبة لم تنقل، وما ورد عنه ﷺ فليس بخطبة، وإنما أراد أن يبين للناس الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس، قالوا: ولأن الرسول ﷺ إنما أمر الناس بالصلاة والدعاء والصدقة والاستغفار، ولم يأمرهم بخطبة، ولو كانت سنة لأمرهم بها.\nوالقول الأول أظهر، وهو استحباب خطبة بعد الكسوف، أو يلقي الإمام كلمة في وعظ الناس وحثهم على التقوى والاستغفار والصدقة وبيان أن المعاصي أسباب لغضب الله وعقوبته وأن الطاعة سبب للخير، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٤٦)، ومسلم (٩٠١) (٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٤٤)، ومسلم (٩٠١) (١).\n(^٣) \"الإنصاف\" (٢/ ٤٤٨)، \"المهذب\" (١/ ١٦٩).\n(^٤) \"المغني\" (٣/ ٣٢٨)، \"مختصر خليل\" ص (٤٣)، \"الهداية\" ص (٨٨).","vol":"4","page":163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-408>ما يقال عند هبوب الريح</span>\n٥١٠/ ٩ - عن ابن عباس ﵁ قال: ما هبت ريح قط إلا جثا النبي ﷺ على ركبتيه، وقال: \" اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا\". رواه الشافعي، والطبراني.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الشافعي في \"مسنده\" (١/ ١٩٩ ترتيبه) وفي \"الأم\" (١/ ٢٨٩) قال: أخبرني من لا أتهم، قال: حدثني العلاء بن راشد، وأخرجه الطبراني في \" الكبير\" (١١/ ٢١٣ - ٢١٤) من طريق الحسين بن قيس، وفي \"الدعاء\" (٩٧٧) من طريق حسن بن عبد الله، ثلاثتهم عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ قال: (ما هبت ريح إلا جثا النبي ﷺ على ركبتيه وقال: \" اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا، اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا\").\nوهذا الحديث ضعيف جدًا، أما إسناد الشافعي ففيه شيخ الشافعي، وهو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، قال الربيع بن سليمان: إذا قال الشافعي: (أخبرني من لا أتهم) فإنه يريد بذلك إبراهيم بن أبي يحيى، وإبراهيم هذا متهم عند الأئمة، وقواه الشافعي.\nقال يحيى بن سعيد القطان: (سألت مالكًا عنه: أكان ثقة؟ قال: لا، ولا ثقة في دينه)، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: (كان قدريًا معتزليًا جهميًا، كل بلاء فيه)، وفي رواية عنه قال: (لا يكتب حديثه، ترك الناس حديثه، كان يروي أحاديث منكرة لا أصل لها، وكان يأخذ أحاديث الناس","vol":"4","page":164},{"text":"ويضعها في كتبه) (^١).\nوأما إسناد الطبراني في \" الكبير\" ففيه الحسين بن قيس الرحبي، ضعيف جدًا، قال عنه أحمد: (ليس حديثه بشيء، لا أروي عنه شيئًا)، وفي رواية قال: (متروك الحديث)، وضعفه ابن معين وأبو زرعة والنسائي، وقال أبو حاتم: (ضعيف الحديث، منكر الحديث) (^٢)، وقال البخاري: (أحاديثه منكرة جدًا، ولا يكتب حديثه)، وقال مسلم: (منكر الحديث)، وأما إسناده في \"الدعاء\" ففيه حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس وهو ضعيف، كما في \" التقريب\".\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على ما ينبغي أن يقال عند هبوب الريح، لأن الريح بلفظ الإفراد لا تأتي إلا بالعذاب، قال تعالى: ﴿إنا أرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا﴾ [القمر: ١٩]، وقال تعالى: ﴿… إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ [الذاريات: ٤١]، وأما الرياح فإنها بشائر خير، قال تعالى: ﴿وأرسلنا الريح لواقح …﴾ [الحجر: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات …﴾ [الروم: ٤٦].\nوالحديث ضعيف كما تقدم، لكن ورد عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ إذا عصفت الريح قال: \" اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به\") (^٣)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٣٧).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٣١٣).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٨٩٩).","vol":"4","page":165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-409>حكم الصلاة عند الزلزلة وصفتها</span>\n٥١١/ ١٠ - وعنه: \" أنه صلى في زلزلة ست ركعات وأربع سجدا، وقال: هكذا صلاة الآيات\" رواه البيهقي.\n٥١٢/ ١١ - وذكر الشافعي؛ عن علي بن أبي طالب ﵁ مثله؛ دون آخره.\n\n• الكلام عليهما من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عباس ﵁، فقد أخرجه البيهقي في \" السنن الكبرى\"، في كتاب \" صلاة الكسوف\"، باب \" من صلى في الزلزلة بزيادة عدد الركوع والقيام قياسًا على صلاة الخسوف\" (٣/ ٣٤٣) من طريق معمر، عن قتادة وعاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس أنه صلى في الزلزلة بالبصرة، فأطال القنوت ثم ركع، ثم رفع رأسه، فأطال القنوت ثم ركع، ثم رفع رأسه فأطال القنوت، ثم ركع ثم سجد، ثم صلى الثانية، ثم قام في الثانية ففعل كذلك، فصارت صلاته ست ركعات وأربع سجدات، ثم قال: (هكذا صلاة الآيات)، وهذا الأثر صححه البيهقي، وقال: (هو عن ابن عباس ثابت) وله طرق أخرى عن ابن عباس عند عبد الرزاق (^١).\nأما حديث علي ﵁، فقد أخرجه البيهقي أيضًا من طريق الإمام الشافعي، حيث ذكره بلاغًا عن عباد بن عاصم الأحول، عن قزعة عن\n_________\n(^١) \"المصنف\" (٣/ ٩٨ - ١٠٤).","vol":"4","page":166},{"text":"علي ﵁ أنه صلى في زلزلة ست ركعات في أربع سجدات، خمس ركعات وسجدتين، وركعة وسجدتين في ركعة.\nوهذا الأثر ضعيف؛ لأن فيه من لم يسم، فهو منقطع، ولهذا قال البيهقي عقبه: (قال الشافعي: ولو ثبت هذا الحديث عندنا عن علي ﵁ لقنا به)، وضعفه أيضًا النووي، وقال: (إنه لم يثبت عن علي ﵁) (^١).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الصلاة عند حدوث الآيات كالزلزلة، وهي رجفة الأرض واضطرابها، والريح الشديدة غير المعهودة، ونحو ذلك، ويؤيد هذا أن النبي ﷺ علل الكسوف بأنه من آيات الله يخوف بها عباده، فإذا كانت الصلاة تشرع عند الكسوف؛ لأنه آية، فإنها تشرع عند حدوث الآيات، وظاهر فعل ابن عباس أنه صلى بهم جماعة.\nوقد أخرج أبو داود والترمذي من طريق سلم بن جعفر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: (قيل لابن عباس بعد صلاة الصبح: ماتت فلانة، لبعض أزواج النبي ﷺ فسجد، قيل له: أتسجد هذه الساعة؟ فقال: أليس قد قال رسول الله ﷺ: \"إذا رأيتم آية فاسجدوا\"، فأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي ﷺ\") (^٢).\nوهذا الحديث إسناده حسن، قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه)، وقال النووي: (رواه أبو داود والترمذي في كتاب \"المناقب\" بإسنادين صحيحين) (^٣).\nوهذا مشكل على قول الترمذي: (إنه غريب)؛ إلا أن يراد به من رواه عن سلم بن جعفر، وهما شيخا أبي داود والترمذي؛ وإلا فليس له إسناد واحد، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"الخلاصة\" (٢/ ٨٦٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١١٩٧)، والترمذي (٣٨٩١) وحسَّنه، وحسَّنه -أيضًا- البغوي (١١٥٦)، والألباني في \"صحيح سنن الترمذي\" (٣/ ٢٤٤).\n(^٣) \"الخلاصة\" (٢/ ٨٦٦).","vol":"4","page":167},{"text":"والقول بالصلاة عند الزلزلة هو المذهب المنصوص عليه عند الحنابلة، وهو قول الحنفية والظاهرية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^١).\nوالقول الثاني: أن لا يصلي للزلزلة ولا لغيرها من الآيات سوى الكسوف، وهو قول المالكية والشافعية (^٢)، مستدلين بأن هذه الآيات قد كانت، ولم ينقل أن النبي ﷺ صلى لها جماعة غير الكسوف، والقول الأول أرجح؛ لقوة مأخذه، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٥/ ٩٦)، \"المغني\" (٣/ ٣٣٢)، \"الاختيارات\" ص (٨٤).\n(^٢) \"الاستذكار\" (٧/ ١٠٩)، \"المجموع\" (٥/ ٥٥).","vol":"4","page":168},{"text":"<span data-type='title' id=toc-410>باب صلاة الاستسقاء</span>\nصلاة الاستسقاء من إضافة الشيء إلى سببه؛ أي: الصلاة لأجل الاستسقاء.\nوالاستسقاء طلب السقيا، سواء أكان من الله تعالى أم من مخلوق، كما لو قلت لشخص: اسقني ماء؛ لأن السين والتاء للطلب، والمراد هنا: سؤال الله تعالى إنزال المطر عند التضرر بفقده.\nوهي مشروعة إذا أجدبت الأرض وامتنع المطر، وتضرر الناس، وكذا إذا ضرهم غور ماء العيون أو الأنهار.\nوالاستسقاء ثلاثة أنواع:\n١ - السؤال من كل واحد من الناس، وقد استسقى النبي ﷺ بدون صلاة، كما ورد في حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ استسقى فقال: \" اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا غدقًا طبقًا عاجلًا غير رائث نافعًا غير ضار\" (^١).\n٢ - سؤال الخطيب حال الخطبة يوم الجمعة، وهذا دل عليه حديث أنس ﵁ الآتي.\n٣ - سؤال الخطيب حال خطبة صلاة الاستسقاء، وهذا النوع هو المراد بهذا الباب.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٢٦٩)، والطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ١٣٠)، وفي \"الدعاء\" (٢١٩٥).","vol":"4","page":169},{"text":"<span data-type='title' id=toc-411>مشروعية صلاة الاستسقاء\nوكيفية الخروج لها</span>\n٥١٣/ ١ - عن ابن عباس ﵁ قال: \" خرج النبي صلى الله عيه وسلم متواضعًا، متبذلًا، متخشعًا، مترسلًا، متضرعًا، فصلى ركعتين كما يصلي في العيد، لم يخطب خطبتكم هذه\". رواه الخمسة، وصححه الترمذي، وأبو عوانة، وابن حبان.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الصلاة\"، باب \"جماع أبوب الاستسقاء وتفريعها\" (١١٦٥)، والترمذي (٥٥٨ - ٥٥٩)، والنسائي (٣/ ١٦٣)، وابن ماجه (١٢٦٦)، وأحمد (٣/ ٤٧٨)، وأبو عوانة (٢/ ١٢٢ - ١٢٣)، وابن حبان (٢٨٦١) كلهم من طريق هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة، عن أبيه قال: أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس أسأله عن الاستسقاء، فقال ابن عباس: (ما منعه أن يسألني؟ خرج رسول الله ﷺ متواضعًا متبذلًا متخشعًا متضرعًا فصلى ركعتين، كما يصلي في العيدين، ولم يخطب خطبتكم هذه).\nهذا لفظ النسائي، ووقع التصريح باسم الأمير عند أبي داود، فقال إسحاق بن عبد الله: (أرسلني الوليد بن عقبة، وهو أمير المدينة).\nوهذا الحديث قال عنده الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وصححه أبو عوانة (^١)، وابن خزيمة (^٢)، وابن حبان، وكذا النووي (^٣).\n_________\n(^١) \"مسند أبي عوانة\" (٢/ ١٢٢).\n(^٢) \"صحيح ابن خزيمة\" (١٠٤٥).\n(^٣) \"المجموع\" (٣/ ١٣٤).","vol":"4","page":170},{"text":"الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (خرج النبي ﷺ) ظاهر هذا أن المراد خرج إلى الصحراء، وصلاة الاستسقاء تجوز في المساجد، لكنها في الصحراء أبلغ في الخشوع وأقوى من التذلل.\n\nقوله: (متواضعًا) أي: مظهرًا للتواضع.\n\nقوله: (متبذلًا) بمثناة ثم موحدة ثم ذال معجمة، من التبذل: وهو ترك التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع، على خلاف عادته في الجمعة والعيدين.\n\nقوله: (متخشعًا) التخشع: هو التذلل ورمي البصر إلى الأرض وخفض الصوت وسكون الأعضاء، قال الراغب: (أكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب) (^١).\n\nقوله: (مترسلًا) من الترسل في المشي؛ أي: متأنيًا في مشيته، عليه سيما السكينة والوقار.\n\nقوله: (متضرعًا) التضرع: هو المبالغة في السؤال والرغبة، والابتهال إلى الله تعالى في الدعاء مع حضور القلب وامتلائه بالهيبة والخوف من الله.\n\nقوله: (لم يخطب خطبتكم هذه) أي: إنه ﷺ لم يخطب في الاستسقاء مثل خطبة الجمعة والعيد، بل خطب خطبة أخرى أكثر فيها من الدعاء والاستغفار والتضرع، كما سيأتي في الحديث الثاني.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية صلاة الاستسقاء عند وجود سببها، وهي ركعتان عند جمهور العلماء، وخالف في هذا الحنيفة على المشهور عندهم فقالوا: لا صلاة في الاستسقاء، إنما فيه الدعاء، قالوا: ولو كانت الصلاة ثابتة لاشتهر نقلها عن النبي ﷺ، ولم يبلغنا إلا حديث واحد شاذ لا يؤخذ به (^٢).\n_________\n(^١) \"المفردات\" ص (١٤٩).\n(^٢) \"الهداية\" (١/ ٨٨).","vol":"4","page":171},{"text":"وهذا كلام لا يعول عليه ولا يلتفت إليه، فإن حديث الباب حجة عليهم، وحديث عبد الله بن زيد الذي وصفوه بالشذوذ ثابت في \" الصحيحين\"، كما سيأتي.\nوصفتها كصفة صلاة العيد، فتبدأ بالتكبير، على ما تقدم.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن صلاة الاستسقاء تكون في مصلى العيد في الصحراء. هذا هو الأفضل، ليكون أبلغ في إظهار الافتقار والضراعة إلى الله ﷿.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على صفة الخروج إلى الاستسقاء، فيخرج على الصفة المذكورة في الحديث، فلا يلبس ثياب الزينة ولا يتطيب، ويكون متخشعًا في مشيته وجلوسه في خضوع وتضرع إلى الله تعالى، الإمام والمأموم في ذلك سواء، والله تعالى أعلم.","vol":"4","page":172},{"text":"<span data-type='title' id=toc-412>كيفية صلاة الاستسقاء وخطبته</span>\n٥١٤/ ٢ - عن عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر، فوضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال: \" إنكم شكوتكم جدب دياركم وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم\".\nثم قال: \" الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت علينا قوة وبلاغًا إلى حين\".\nثم رفع يديه، فلم يزل حتى رثي بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل، وصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة، فرعدت، وبرقت، ثم أمطرت. رواه أبو داود وقال: غريب، وإسناده جيد.\n٥١٥/ ٣ - وقصة التحويل في \"الصحيح\" من حديث عبد الله بن زيد، وفيه: \"فتوجه إلى القبلة يدعو، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة\".\n٥١٦/ ٤ - وللدار قطني من مرسل أبي جعفر الباقر: \" وحول رداءه ليتحول القحط\".","vol":"4","page":173},{"text":"الكلام عليها من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث عائشة ﵂، فقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الصلاة\"، باب \" رفع اليدين في الاستسقاء\" (١١٧٣) من طريق خالد بن نزار، قال: حدثني القاسم بن مبرور، عن يونس بن يزيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂.\nوأخرجه أيضًا ابن ح بان (٧/ ١٠٩)، والطحاوي في \" شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٢٥)، والطبراني في \"الدعاء\" (٣/ ١٧٦٩ - ١٧٧٠ - ١٧٧١ - ١٧٨٠)، والحاكم (١/ ٣٢٨)، والبيهقي (٣/ ٣٤٩).\nقال أبو داود عقبه: (هذا حديث غريب، إسناده جيد)، وغرضه بذلك بيان حال الحديث وأنه صالح للاحتجاج به، وقد، تفرد به خالد بن نزار، وهو يغرب، وقد ذكره ابن حبان في \" الثقات\"، وقل عنه: (يغرب ويخطئ) (^١)، وأخرج له حديثه هذا في \" صحيحه\" كما تقدم.\nوأما حديث عبد الله بن زيد ﵁، فقد أخرجه البخاري في عشرة مواضع من كتاب \"الاستسقاء\" منها: باب \" الجهر بالقراءة في الاستسقاء\" (١٠٢٤)، ومسلم (٨٩٤) (٤) من طريق الزهري، عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد به، وليس عند مسلم ذكر الجهر بالقراءة.\nوأما مرسل أبي جعفر، فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٦٦) من طريق حفص بن غياث، عن جعفر بن محمد، عن أبيه … وذكره.\nوأبو جعفر الباقر هو محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وبينه وبين النبي ﷺ رجلان فأكثر، فخبره هذا مرسل على اصطلاح المتقدمين، ومعضل على اصطلاح بعض المتأخرين، والمرسل ليس بحجة عند الأكثرين، والمعضل أولى منه بذلك، لكن يستأنس به، إذ ليس في قبوله إثبات حكم شرعي.\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٨/ ٢٢٣).","vol":"4","page":174},{"text":"الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (شكا الناس) أي: أخبروا النبي ﷺ عن مكروه أصابهم لأجل أن يستسقي لهم.\n\nقوله: (قحوط المطر) بضم القاف والحاء المهملة، مصدر قحط، من باب (خضع) كالقحط، أو هو جمع قحط، وهو انحباس المطر وانقطاعه، وأضيف إلى المطر للإشارة إلى عمومه في بلدان شتى.\n\nقوله: (فأمر بمنبر) من النبر: وهو الرفع؛ لأنه يتخذ للارتفاع عليه وتعلية الصوت، وكل شيء مرتفع فهو منبر، وقد شكك ابن القيم في ثبوت لفظه: (فأمر بمنبر) ولعل وجه ذلك أنه لم يثبت إخراج المنبر، والحديث وإن صححه الحاكم ومن ذكر فإن أبا داود قال: (هذا الحديث غريب، إسناده جيد) كما تقدم، وقد أخرج البخاري في \"صحيحه\" صلاة عبد الله بن يزيد الأنصاري وخرج معه البراء بن عازب وزيد بن أرقم ﵁ فقام لهم على رجليه على غير منبر، ولو كان إخراجه سنة لما تركه، ولو تركه لأنكر عليه الصحابة، ثم إن الاستسقاء فيه زيادة تواضع وتضرع، كما تقدم، وهذا ينافيه الترفع على المنبر.\n\nقوله: (حين بدا حاجب الشمس) بدا: بالألف لا بالهمز؛ أي: ظهر ولاح، وحاجب الشمس: أول ما يبدو من الشمس، والمراد: ظهر شعاعها من الأفق، وسمي حاجبًا لأنه أول ما يبدو منها؛ كحاجب الإنسان، ففيه استعارة.\n\nقوله: (فكبر الله وحمده) هكذا في رواية أبي داود، وكذا البيهقي بذكر التكبير، وعند ابن حبان: (فحمد الله وأثنى عليه)، وعند الطحاوي والطبراني: (فحمد الله)، ولعل هذا هو الأقرب.\n\nقوله: (جدب دياركم) الجدب بإسكان الدال المهملة ضد الخصب، وفي \"سنن أبي داود\" زيادة: (واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم)، والإبان بكسر الهمزة وتشديد الباء: أول الشيء أو حينه؛ والمعنى: تأخر المطر عن أول وقته.","vol":"4","page":175},{"text":"قوله: (الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم) تقدم معنى ذلك في \" صفة الصلاة\".\n\nقوله: (ملك يوم الدين) ملك: بدون ألف، نص على ذلك أبو داود، فإنه قال عقب هذا الحديث: (أهل المدينة يقرأون: \"ملك يوم الدين\"، وإن هذا الحديث حجة لهم) وعلى هذه القراءة أكثر السبعة، وقرأ عاصم والكسائي \"مالك\" بالألف، فهما قراءتان سبعيتان ثابتتان عن رسول الله ﷺ بالتواتر، ولا يتوقف ثبوت أحدهما على الاحتجاج بدليل ظنه كحديث الباب، وقراءة \"ملك\" أبلغ؛ لأنها أكثر شمولًا من \" مالك\"؛ لأن الملك يتصرف فيما يملك وفيما لا يملك، بخلاف المالك (^١).\n\nقوله: (قوة وبلاغًا إلى حين) أي: أنزل علينا المطر النافع الذي يكون سببًا لنبات الأرزاق، والأرزاق سبب لقوة بني آدم والبهائم، وقوله: \" وبلاغًا إلى حين\" أي: اجعله كافيًا لنا مدة احتياجنا إليه، والبلاغ: هو ما يتواصل به إلى المطلوب، وفي بعض نسخ أبي داود: \"وبلاغًا إلى خير\"، أي: إلى خير الدنيا والآخرة.\n\nقوله: (حتى رؤي بياض إبطيه) تقدم معناه في \"صفة الصلاة\" والذي في \" سنن أبي داود\": (حتى بدا بياض إبطيه).\n\nقوله: (ثم حول إلى الناس ظهره) أي: صار وجهه إلى القبلة وهو على المنبر، بدليل ما بعده.\n\nقوله: (وقلب رداءه) أي: جعل أيمنه أيسره، وكأن هذا والله أعلم من باب التفاؤل بأن يحول الله الجدب إلى الخصب، والشدة إلى رخاء، كما يدل على ذلك مرسل أبي جعفر الباقر.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه إذا عزم الإمام على الخروج إلى الاستسقاء فإنه يعد الناس يومًا يخرجون فيه، ليتأهبوا للخروج.\n_________\n(^١) انظر: \"فوائد في مشكل القرآن\" للعز بن عبد السلام ص (٤٩).","vol":"4","page":176},{"text":"* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن شكاية الناس إلى الإمام قحوط المطر لا ينافي التوكل على الله تعالى؛ لأنهم لم يقصدوا الشكوى لذاتها، وإنما قصدوا طلب الاستسقاء من الإمام يصح جماعة وفرادى، ويوم الجمعة على المنبر بدون إذن الإمام.\nأما الخروج إلى المصلى فلا يجوز إلا بإذن من الإمام على الأظهر؛ لأن هذا لم يقع في عهد النبي ﷺ ولا عهد أصحابه إلا بإذن الإمام الأعظم، وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى ميمون بن مهران: (إني كتبت إلى أهل الأمصار أن يخرجوا يوم كذا من شهر كذا يستسقوا …) (^١)، وهذا رواية عن أحمد، والمذهب أنه لا يشترط لها إذن الإمام، لكن إذا كانوا في بلد قد أمات حكامها الاستسقاء فإنه يشرع لهم أن يصلوها في الصحراء إن تيسر أو في المساجد؛ لأن الرسول ﷺ شرع ذلك لأمته (^٢).\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على أن وقت صلاة الاستسقاء كوقت صلاة العيد، وذلك حين ترتفع الشمس.\n\n• الوجه السادس: هذا الحديث نص صريح في تقديم خطبة الاستسقاء على الصلاة، ودل على ذلك أيضًا حديث عبد الله بن زيد المذكور بعد حديث عائشة، وفيه: (فتوجه إلى القبلة يدعو، ثم صلى ركعتين)، وفي حديث ابن عباس المذكور أول الباب من طريق الثوري، عن عشان بلفظ: (فدعا ولم يخطب خطبتكم هذه، ثم صلى ركعتين كما يصلي العيد).\nوهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وبه قال الليث بن سعد وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهم (^٣).\nوالقول الثاني: أن الخطبة بعد الصلاة، وهذا هو المذهب عند الحنابلة،\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٨٧) وإسناده صحيح.\n(^٢) \"فتاوى ابن باز\" (١٣/ ٨٥).\n(^٣) \"الأوسط\" (٤/ ٣١٨)، \"المغني\" (٣/ ٣٣٨).","vol":"4","page":177},{"text":"وهو قول الشافعي، ومالك (^١)، ونسبه ابن حجر إلى الجمهور (^٢)، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ قال: (خرج نبي الله يستسقي، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ودعا الله ﷿) (^٣).\nوالقول الثالث: أن الإمام مخير إن شاء قدم الصلاة، وإن شاء قدم الخطبة، وهذا رواية عن الإمام أحمد (^٤)، لورود الأخبار بكلا الأمرين.\nوالقول الأول أظهر؛ لأنه أصح دليلًا.\n\n• الوجه السابع: الحديث دليل على مشروعية خطبة واحدة في الاستسقاء، وينبغي أن تشتمل على تنبيه الناس إلى الحاجة التي خرجوا لها، ليجتهدوا في تحريها وتحقيقها، وأن تبدأ الخطبة بالحمد والثناء على الله تعالى مع الاستغفار، وإظهار الافتقار إلى اله تعالى، والمبالغة في التضرع، ثم يشرع في الدعاء ويرفع يديه، وينبغي أن يبالغ في هذا الرفع؛ لحديث أنس الآتي في آخر الباب.\n\n• الوجه الثامن: الحديث دليل على مشروعية تحويل الرداء في الاستسقاء وما يقوم مقامه من الملابس الظاهرة، وقد ورد في حديث عبد الله بن زيد ﵁: (وحول رداءه، فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن، ثم دعا الله ﷿) (^٥).\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (٧/ ١٣٣)، \"المجموع\" (٥/ ٧٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥١٣).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١٢٦٨)، وأحمد (١٤/ ٧٣)، وابن خزيمة (١٤٠٩) (١٤٢٢)، والبيهقي (٣/ ٣٤٧) من طريق النعمان - وهو ابن راشد - يحدث عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، به، وهذا إسناد ضعيف، لضعف النعمان بن راشد، فقد قال عنه البخاري: (في حديثه وهم كثير)، وقال أحمد: (مضطرب الحديث)، وضعفه ابن معين، وابن خزيمة لما أخرج حديثه قال: (في القلب من النعمان بن راشد، فإن في حديثه عن الزهري تخليطًا كثيرًا).\n(^٤) \"المغني\" (٣/ ٣٣٩).\n(^٥) أخرجه أبو داود (١١٦٣)، ومن طريقه البيهقي (٣/ ٣٥٠)، وصححه الألباني في \"صحيح سنن أبي داود\" (١/ ٢١٥).","vol":"4","page":178},{"text":"قال أبو داود: (قلت لأحمد: تقليب الرداء أعني في صلاة الاستسقاء هكذا، وجعلت طرف ردائي الأيمن على اليسار على اليمين؟ قال: نعم (^١».\nوهذا قول مالك والشافعي في القديم وهو قول سفيان بن عيينة، وأبي ثور، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهوية (^٢).\nوالقول الثاني: أن تحويل الرداء يكون بتنكيسه، وذلك بجعل أعلاه أسفله، ويزيد على ذلك بأن يجعل ما على الأيمن على الأيسر والعكس، وهذا قول الشافعي في الجديد، مستدلًا بما أخرجه في \"الأم\" قالت: أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمارة بن غزية، عن عباد بن تميم قال: (استسقى رسول الله ﷺ وعليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت قلبها على عاتقه) (^٣).\nوالقول الأول هو الراجح في صفة تحويل الرداء، ثم إن جعل الأسفل هو الأعلى مناسب في الرداء لكن هذا غير مناسب في ألبسة الناس اليوم، كما هو معلوم، وإنما يناسبها جعل ما على الأيمن على الأيسر.\nقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (إن الحديث بذلك أصح وأصرح؛ ولأن فعله أيسر وأسهل، والله أعلم) (^٤).\n\n• الوجه التاسع: ظاهر حديث عائشة ﵂ أن تحويل الرداء كان بعد الدعاء، وكذا في حديث عبد الله بن زيد ﵁: (فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه …) (^٥)، وفي حديث عبد الله بن زيد عند\n_________\n(^١) \"مسائل الإمام أحمد\" لأبي داود ص (٧٤).\n(^٢) \"الأوسط\" (٤/ ٣٢٣)، \"الاستذكار\" (٧/ ١٣٧).\n(^٣) \"الأم\" (١/ ٥٥٠) وهذا مرسل، وأخرجه موصولًا أبو داود (١١٦٤)، والنسائي (٣/ ١٥٦)، وأحمد (٢٦/ ٣٨٦)، وسنده حسن من أجل الدراوردي؛ لأنه مختلف فيه، وقد خالف بقية الرواة لحديث عبد الله بن زيد، فإنهم لم يذكروا أنه أراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، وقد يكون هذا ظنًا من الراوي، وإنما المعروف ما تقدم في القول الأول.\n(^٤) تعليقه على \"فتح الباري\" (٢/ ٤٩٨).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٠٢٥).","vol":"4","page":179},{"text":"أبي داود كما تقدم: (وحول رداءه … ثم دعا الله ﷿)، وظاهره أن التحويل قبل الدعاء، فإن قيل بالترجيح فتقديم الدعاء على التحويل أرجح؛ لأنه رواية البخاري، وإن قيل بجميع الروايات فالأمر في هذا واسع إن شاء الله تعالى.\n\n• الوجه العاشر: هل تحويل الرداء خاص بالإمام أو عام لجميع الحاضرين؟ ذهب الإمام مالك والشافعي وأحمد إلى مشروعية تحويل المأمومين أرديتهم كالإمام (^١)، واستدلوا بحديث عبد الله بن زيد من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر به وفيه: (ثم تحول إلى القبلة، وحول رداءه فقلبه ظهرًا لبطن، وتحول الناس معه) (^٢).\nالقول الثاني: أن تحويل الرداء خاص بالإمام، وهذا مذهب الحفية (^٣)، وحكي عن سعيد بن المسيب وعررة والثوري، وهو قول الليث وأبي يوسف ومحمد بن الحسن (^٤).\nمستدلين بأنه لم ينقل أن النبي ﷺ أمر الناس بقلب أدرتيهم؛ ولأن الاستسقاء دعاء، فلا يستحب تحويل الداء فيه، كسائر الأدعية.\nوقد حكم الألباني على رواية ابن إسحاق بالشذوذ (^٥)، وهذا جار على طريقة المحدثين، فإن حديث عبد الله بن زيد ﵁ جاء في \" الصحيحين\" من رواية سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد، عند البخاري ومسلم (^٦)، وكذا جاء في غيرهما، ومن رواية مالك عن عبد الله بن\n_________\n(^١) \"الأم\" (٢/ ٥٤٩)، \"الاستذكار\" (٧/ ١٣٧)، \"المغني\" (٣/ ٣٣٩).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٦/ ٣٨٨)، والحديث في \"الصحيحين\" وغيرهما بنسبة التحويل إلى النبي - ﷺ - وحده -كما تقدم- أي دون قوله: (وتحول الناس معه)، وهذا سند حسن من أجل محمد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث، فانتفت شبهة تدليسه، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين.\n(^٣) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ٩٥).\n(^٤) \"المغني\" (٣/ ٣٤٠).\n(^٥) \"تمام المنة\" ص (٢٦٤).\n(^٦) \"البخاري (١٠٠٥)، ومسلم (٨٩٤) (٢).","vol":"4","page":180},{"text":"أبي بكر عند مسلم (^١)، وليس فيه تحويل الناس أرديتهم، وإنما فيه الاقتصار على تحويل النبي ﷺ رداء، وهذا هو المحفوظ، ورواية ابن إسحاق شاذة، لا تقف في مقابلة رواية واحد من هذين الإمامين، فكيف باجتماع روايتهما؟.\nوالقول الأول لا بأس به؛ لأن القاعدة أن ما ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حق غيره، ما لم يقم دليل على اختصاصه، كيف وقد عقل المعنى؟\nوهو التفاؤل بقلب ما بهم من الجدب إلى الخصب (^٢).\nفإذا ضم إلى ذلك رواية ابن إسحاق قوي هذا القول، ويؤيده أيضًا قول أنس ﵁ في استسقاء النبي ﷺ يوم الجمعة على المنبر: (فرفع رسول الله ﷺ يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون) (^٣)، فإذا شاركوا الإمام في رفع الأيدي في الدعاء فما المانع من مشاركته في تحويل الرداء؟.\nوقد ذكر ابن مفلح أنهم يتركون الرداء محولًا حتى ينزعوه مع ثيابهم، لعدم نقل إعادته (^٤).\nوهل يسحب للنساء تحويل الرداء؟ هذا مفرع على القول الأول، قال الشوكاني باستحباب ذلك (^٥)، لعموم (وتحول الناس معه) وقال بعض فقهاء المالكية: لا يستحب ذلك في حقهن (^٦)، والقول بالتفصيل جيد، وهو أن المرأة إذا كانت تنكشف عند تحويلها للرداء وينظر إليها الرجال فإنها لا تفعل؛ لأن قلب الرداء سنة، والكشف أمام الرجال فتنة ومحرم.\nوأما إذا كانت لا تنكشف أو أنها في مكان خاص، كما يوجد في بعض الجوامع لو صليت فيه صلاة الاستسقاء، فالظاهر أن حكمها حكم الرجال؛ لأن هذا هو الأصل، وهو تساوي الرجال والنساء في الأحكام، إلا ما دل الدليل على الاختلاف بينهما فيه، وهذا رأي الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (^٧)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٨٩٤) (١).\n(^٢) \"المغني\" (٣/ ٣٤١).\n(^٣) ذكره البخاري تعليقًا (١٠٢٩)، وسيأتي.\n(^٤) \"الفروع\" (٢/ ١٦٢).\n(^٥) \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٤).\n(^٦) \"حاشية الدسوقي\" (١/ ٤٠٦).\n(^٧) \"الفتاوى\" (١٣/ ٨٤).","vol":"4","page":181},{"text":"<span data-type='title' id=toc-413>حكم الاستسقاء في خطبة الجمعة</span>\n٥١٧/ ٥ - عن أنس ﵁ أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة، والنبي ﷺ قائم يخطب، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا. فرفع يديه، ثم قال: \" اللهم أغثنا، اللهم أغثنا … \"\nفذكر الحديث، وفيه الدعاء بإمساكها. متفق عليه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع من \" صحيحه\"، ومنها في كتاب \" الاستسقاء\" في عشرة مواضع منها باب \" الاستيفاء\" في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة\" (١٠١٤)، ومسم في كتاب \"الاستسقاء\" (٨٩٨) من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبل رسول الله ﷺ قائمًا، ثم قال: يا رسول الله ﷺ هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: \" اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا\".\nقال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس ستًا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائمًا، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنها، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسم يديه، ثم قال: \" اللهم حوالينا ولا","vol":"4","page":182},{"text":"علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر\"، قال: فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس، قال شريك: سألت أنس بن مالك ﵁: أهو الرجل الأول؟ فقال: ما أدري.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أن رجلًا) أي: أعرابيًا، كما ورد في بعض الروايات عند النسائي وغيره.\n\nقوله: (هلكت الأموال) أي: تلفت المواشي، وقد ورد ذلك في بعض الروايات عند البخاري، وعند البخاري ومسلم: \" هلكت البهائم\"، والمراد بهلاكها: عدم وجود ما تعيش به من الأقوات المفقودة بحبس المطر.\n\nقوله: (انقطعت السبل) أي: توقف السير فيها، لقلة الإبل أو ضعفها، والسبل: الطرق.\n\nقوله: (يغيثنا) أي: يزيل الشدة بإنزال المطر علينا، وهو بالرفع على الاستئناف؛ أي: فهو يغيثنا، وهي رواية الأكثر، وفي رواية: (يغثنا) بالجزم جوابًا للطلب، وفي رواية: (أن يغيثنا).\n\nقوله: (فرفع يديه) وفي رواية: (حتى رأيت بياض إبطيه).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز الاستسقاء في خطبة الجمعة وأن الخطيب يرفع يديه غير مستقبل القبلة بدون تحويل الرداء، وأما المأمومون فقد ورد في حديث أنس ﵁: (… فرفع رسول الله ﷺ يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون) (^١).\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب تكرار الدعاء ثلاث مرات؛ لقوله: \" اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا\"، وقد ورد عند عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعجبه أن يدعو ثلاثًا ويستغفر ثلاثًا (^٢).\n\n• الوجه الخامس: أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكل؛ لأن\n_________\n(^١) علقه البخاري (١٠٢٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٥٢٤) بسند صحيح.","vol":"4","page":183},{"text":"الرسول ﷺ أجاب الرجل، ودعا الله تعالى، لكن مقام التفويض إلى الله تعالى أفضل؛ لأن النبي ﷺ كان عالمًا بما وقع لهم من الجدب، وأخر السؤال في ذلك تفويضًا لربه، ثم أجابهم إلى الدعاء لما سألوه لبيان الجواز، ولتقرير سنة الاستسقاء.\n\n• الوجه الخامس: الحديث آية عظيمة للنبي ﷺ دالة على صدقه وكرامته على ربه، وأنه رسول الله ﷺ حقًا حيث أجاب الله دعوته في الحال، ونزل المطر الكثير ثم أجاب الله دعوته في الاستصحاب حتى خرجوا يمشون في الشمس.\n\n• الوجه السابع: الحديث دليل على جواز الدعاء بالاستصحاء، وهو الدعاء بإمساك المطر حيث يكون به ضرر، لكن ينبغي أن يكون بدعاء النبي ﷺ فإن دعا ربه بإمساك المطر عما فيه الضرر، وإبقائه على ما لا ضرر فيه، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":184},{"text":"<span data-type='title' id=toc-414>حكم الاستسقاء بدعاء الصالحين</span>\n٥١٨/ ٦ - عن أنس ﵁ أن عمر ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال: \" اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا؛ فيسقون). رواه البخاري.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الاستسقاء\"، باب\" سؤال الناس الإمام والاستسقاء إذا قحطوا\" (١٠١٠) من طريق ثمامة بن عبد الله بن أنسو عن أنس، أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: … الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (قحطوا) بضم القاف وكسر المهملة، أي: أصابهم القحط، وهو إمساك المطر عنهم.\n\nقوله: (يستسقي بالعباس …) الاستسقاء: طلب السقيا كما تقدم، والمعنى: أن عمر ﵁ طلب من العباس ﵁ أن يدعو الله بإنزال الغيث، ولعل عمر ﵁ كان يستسقي بالعباس لقرابته من النبي ﷺ من ناحية، ولصلاحه ودينه وتقواه من ناحية أخرى.\nوظاهر قوله: (كان إذا قحطوا) أنه فعل ذلك مرارًا كثيرة، كما يدل عليه لفظ (كان)، فإن صح أنه لم يقع منه ذلك إلا مرة واحدة، كانت (كان) مجردة عن معناها الذي هو الدلالة على الاستمرار.","vol":"4","page":185},{"text":"والعباس بن عبد المطلب: هو أحد أعمام النبي ﷺ، ولد قبله بسنتين، وهو من أكابر قريش في الجاهلية والإسلام، وكانت له السقاية، حضر بيعة العقبة قبل أن يسلم ليتوثق للنبي صلى اله عليه وسلم وألقى كلمته المذكورة في كتب السير، وشهد بدرًا مع المشركين، وأسر فافتدى نفسه ورجع إلى مكة فبقي فيها، أسلم عام الفتح فهاجر، والتقى بالنبي ﷺ في الجحفة، فرجع معه إلى مكة، وشهد الفتح، وثبت في حنين، وكان سديد الرأي، واسع العقل، يشاوره الصحابة ﵃ ويأخذون برأيه، مات في شعبان سنة اثنتين وثلاثين ﵁.\n\nقوله: (وإنا نتوسل إليك بعم نبينا) أصل التوسل: التقرب إلى الشيء المطلوب، والوصول إليه برغبة، يقال: وسل: إذا رغب، والواسل: الراغب إلى الله ﷿، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة …﴾ [المائدة: ٣٥] أي: اطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه.\nوالتوسل الشرعي: هو التقرب إلى الله تعالى بوسيلة مشروعة؛ كأسماء الله وصفاته والأعمال الصالحة.\nوالتوسل البدعي: هو التوسل إلى الله تعالى بوسيلة غير مشروعة؛ كالتوسل بالذات أو بالجاه، ونحو ذلك.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز التوسل بدعاء الرجل الصالح، وهذا أمر مجمع عليه بين المسلمين؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يتوسلون بدعاء النبي ﷺ في حال حياته، ويقولون: ادع الله أن يغثنا، فكان يدعو وهم يؤمنون على دعائه، فلما مات جاءوا إلى العباس ﵁ وطلبوا منه أن يدعو الله ﷿ أن يغيثهم.\nوقد أخرج يعقوب بن سفيان عن سليم بن عامر الخبائري: أن السماء قحطت، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر، قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فناداه الناس، فأقبل يتخطى الناس، فأمره معاوية، فصعد المنبر، فقعد معاوية عند رجليه، فقال معاوية:","vol":"4","page":186},{"text":"اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع يزيد يديه، ورفع الناس أيديهم، فما كان أوشك أن فارت سحابة في الغرب كأنها ترس، وهبت لها ريح فسقينا، حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم (^١).\n\n• الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث أهل البدع وأرباب التوسل على جواز التوسل بذوات الصالحين، وهذا استدلال باطل من وجهين:\nالأول: أن التوسل في هذا الحديث ليس من التوسل بالذوات، وإنما هو توسل بدعاء العباس ﵁؛ لأن عمر ﵁ قال: (اللهم إنا كانا نستسقي بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا) ولا شك أن هذا التوسل من نوع واحد، فإذا كان التوسل بدعاء النبي ﷺ فكذا التوسل بالعباس ﵁.\nالثاني: أنه لو كان التوسل بالذوات جائزًا لكان النبي ﷺ أولى بذلك من العباس؛ لأن حرمة النبي ﷺ ميتًا كحرمته حيًا، فلما عدلوا إلى التوسل بالعباس علم من ذلك أنهم لا يريدون التوسل بذات النبي ﷺ.\n\n• الوجه الخامس: اعلم أن التوسل نوعان:\n١ - توسل مشروع.\n٢ - توسل ممنوع.\nوالتوسل المشروع ثلاثة أقسام:\n١ - التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله، فيتوسل بالاسم المقتضي لمطلوبه، أو الصفة المقتضية له، نحو: يا رحمن ارحمني، يا رزاق ارزقني، قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوا بها﴾ [الأعراف: ١٨٠].\n٢ - التوسل إلى الله تعالى بالإيمان به وبطاعته وطاعة رسوله ﷺ، فيذكر من الأعمال الصالحة التي فعلها ابتغاء وجه الله تعالى، قال تعالى عن أولي\n_________\n(^١) \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٣٨٠ - ٣٨١) قال الحافظ في \"الإصابة\" (١٠/ ٣٨٢): (إسناده صحيح).","vol":"4","page":187},{"text":"الألباب: ﴿ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا﴾ [آل عمران: ١٦]، ومن ذلك توسل أصحاب الغار الثلاثة الذين سدت عليهم الصخرة باب الغار، فتوسل أحدهم إلى الله تعالى ببر الوالدين، والثاني بعفته عن الزنا، والثالث بأدائه الأمانة، ففرج الله عنهم (^١).\n٣ - التوسل إلى الله تعالى بدعاء رجل صالح ترجى إجابته؛ كطلب الصحابة ﵃ من النبي ﷺ أن يستسقي لهم، كما في حديث أنس ﵁ المتقدم، وقول عكاشة للنبي ﷺ: (ادع الله أن يجعلني منهم)، ومنه التوسل بالعباس، كما في حديث الباب.\nوشرط هذا أن يكون في حياة الداعي لا بعد موته؛ لأن الصحابة ﵃ لم يلجأوا إلى النبي ﷺ بعد وفاته ليدعو لهم، كما كان يدعو في حال حياته، بل طلبوا من العباس أن يدعو لهم بالسقيا؛ لأنه حي حاضر يدعو لهم ويؤمنون على دعائه.\nعلى أن بعض العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية منع طلب الدعاء من الرجل الصالح (^٢)، لما فيه من ضعف النفس، وقلة التوكل على الله تعالى، ومفسدة الافتقار إلى غير الله تعالى وإيذاء المسؤول، كما أن فيه فتحًا لباب الغرور على من يطلب منه الدعاء، فالأولى أن يسأل الإنسان ربه تعالى بنفسه دون أن يجعل بينه وبين ربه واسطة؛ لأن ذلك أقوى في الرجاء وأقرب إلى الخشية.\nوأما التوسل الممنوع فهو نوعان:\n١ - توسل إلى الله تعالى بوسيلة أبطلها الشرع، وذلك كالاستغاثة بالأموات والأولياء، وتوسل المشركين بآلهتهم، بطلان هذا النوع ظاهر.\n٢ - توسل إلى الله بوسيلة غير مشروعة، كالتوسل بذات النبي ﷺ أو بجاهه أو بغيره من الأنبياء أو التوسل بذوات الصالحين أو بجاه فلان، فهذا\n_________\n(^١) الحديث اْخرجه البخاري (٥٩٧٤)، ومسلم (٢٧٤٣).\n(^٢) \"التوسل والوسيلة\" ص (٦٦).","vol":"4","page":188},{"text":"توسل بدعي ووسيلة من وسائل الشرك؛ لأمرين:\nالأول: أنه إثبات لسبب لم يجعله الشرع.\nالثاني: أن الوسيلة إلى الشيء ما كان موصلًا إليه، والتوسل بالشيء الذي لا يوصل إلى المطلوب نوع من العبث، وذات الرجل الصالح ليست وسيلة للشيء، إذ لا علاقة بين الدعاء وذات الصالح، فلا يليق بالعبد أن يتخذه فيما بينه وبين الله تعالى، ولو كان مثل هذا النوع جائزًا لفعله الصحابة ﵃، لكن لم يفعلوه كما تقدم، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":189},{"text":"<span data-type='title' id=toc-415>استحباب التعرض للمطر</span>\n٥١٩/ ٧ - عن أنس ﵁ قال: أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر، قال: فحسر ثوبه، حتى أصابه من المطر، وقال: \" إنه حديث عهد بربه\". رواه مسلم.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \" صلاة الاستسقاء\"، باب \" الدعاء في الاستسقاء\" (٨٩٨) من طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، عن أنس ﵁، به.\nوهذا الحديث أعله أبو الفضل الشهيد بتفرد جعفر بن سليمان به من بين أصحاب ثابت، وجعفر متكلم فيه، قال ابن المديني: (أما جعفر بن سليمان، فأكثر عن ثابت، وكتب مراسيل، وكان فيها أحاديث مناكير) وقال الذهبي: (هو صدوق في نفسه، وينفرد بأحاديث عدت مما ينكر، واختلف في الاحتجاج بها …) وذكر هذا منها (^١).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب التعرض لأول المطر، وذلك بأن يحسر ثوبه ويكشف عن بعض بدنه؛ كرأسه أو ذراعه أو ساقه ونحو ذلك، ليصيبه المطر، وذلك من الفرح بنعمة الله تعالى؛ ولأن المطر لا يزال على طهارته ونقاوته لم تصبه الأرض ولم يختلط بغيره، وهذا معنى قوله: \" إنه حديث عهد بربه\"، أي: إنه قريب العهد بتكوين ربه وخلقه له، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"علل الأحاديث في كتاب الصحيح\" ص (٨٦)، \"العلل\" لابن المديني ص (٧٢) \"الميزان\" (١/ ٤٠٨).","vol":"4","page":190},{"text":"<span data-type='title' id=toc-416>استحباب الدعاء عند نزول المطر</span>\n٥٢٠/ ٨ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: \"اللهم صيبًا نافعًا\". أخرجاه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الاستسقاء\"، باب \" ما يقال إذا أمطرت\" (١٠٣٢) من طريق نافع، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، به مرفوعًا.\nوعزو الحافظ الحديث إلى \" الصحيحين\" وهم منه ﵀، وإنما هو عند البخاري فقط، كما فعل المزي في \" تحفة الأشراف\" (^١).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (صيبًا) اسم على وزن (فيعل) أصله: صيوب، اجتمعت الياء والواو وسبقت الأولى بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء؛ لأنه من صاب يصوب، إذا نزل، ومعناه: منهمرًا متدفقًا، وهو منصوب بفعل محذوف تقديره: اجعله صيبًا.\n\nقوله: (نافعًا) صفة، واحترز به من الصيب الضار، ويجوز أن يكون احترازًا عن مطر لا يترتب عليه نفع، فيكون أعم من أن يترتب عليه ضرر (^٢).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب الدعاء عند نزول المطر بهذا الدعاء الجامع، وهو أن يجعله الله تعالى مطر رحمة ونفع، لا مطر عذاب ولا هدم ولا غرق، وهذا هو الصيب النافع، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) (٢/ ٢٨٧).\n(^٢) \"شرح الأذكار\" لابن علَّان (٤/ ٢٨٧).","vol":"4","page":191},{"text":"<span data-type='title' id=toc-417>حكم الاستسقاء بدون صلاة</span>\n٥٢١/ ٩ - عن سعد ﵁ أن النبي ﷺ دعا في الاستسقاء: \" اللهم جللنا سحابًا، كثيفًا قصييفًا، دلوقًا، ضحوكًا، تمطرنا منه رذاذًا، قطقطًا، سجلًا، يا ذا الجلال والإكرام\". رواه أبو عوانة في \" صحيحه\".\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو عوانة في \" صحيحه\" (٢/ ١١٩) من طريق عبد الله بن محمد الأنصاري، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني الزهري، عن عائشة بنت سعد، حدثته أن أباها حدثها: أن رسول الله ﷺ نزل واديًا دهسًا لا ماء فيه، وسبقه المشركون إلى القلاب، فنزلوا عليها، وأصاب العطش المسلمين، فشكوا إلى رسول الله ﷺ، ونجم النفاق، فقال بعض المنافقين: لو كان نبيًا كما يزعم لاستسقى لقومه، كما استسقى موسى لقومه.\nفبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: \" أو قالوها؟! عسى ربكم أن يسقيكم\"، ثم بسط يديه، وقال: \" اللهم جللنا سحابًا كثيفًا قصيفًا دلوقًا حلوقًا ضحوكًا زبرجًا تمطرنا فيه رذاذًا قطقطًا سجلًا بعاقًا، يا ذا الجلال والإكرام\"، فما رد يديه من دعائه حتى أظلتنا السحابة التي وصفت، تتلون في كل صفة وصف رسول الله ﷺ من صفات السحاب، ثم أمطرنا كالغروب التي سألها رسول الله ﷺ، فأفعم السيل الوادي، فشرب الناس من الوادي وارتووا.\nوهذا سند فيه نظر، عبد الله بن محمد بن عبد الله الأنصاري ذكره ابن","vol":"4","page":192},{"text":"حبان في \" الثقات\"، وقال الحافظ في \" التقريب\": (مقبول) (^١).\nوإبراهيم بن سعد: هو ابن إبراهيم بن عوف الزهري، قال عنه في \" التقريب: (ثقة، حجة، تكلم فيه بلا قادح).\nومحمد بن إسحاق: صرح بالسماع من الزهري، وهو صدوق، وقد زال ما يخشى من تدليسه، لكنه تفرد به عن أصحاب الزهري.\nوعائشة بنت سعد: ذكرها ابن حبان في \" الثقات\" (^٢)، وقال العجلي: (تابعية ثقة) (^٣).\nوقد سكت الحافظ هنا عن هذا الحديث، وضعفه في \" التلخيص\" حيث قال: (وفيه غريبة كثيرة، أخرجه أبو عوانة بسند واهٍ) (^٤).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (جللنا) بالجيم، من التجليل. يقال: جلل المطر الأرض، بالتثقيل: عمها وطبقها فلم يدع شيئًا إلا غطى عليه، ومنه يقال: جللت الشيء: إذا غطيته.\n\nقوله: (كثيفًا) أي: متكاثفًا متراكمًا بعضه فوق بعض.\n\nقوله: (قصيفًا) بالقاف، هو ما كان رعده شديد الصوت، وقد يكون ذلك من أمارات قوة المطر وكثرته.\n\nقوله: (دلوقًا) بفتح الدال وضم اللام وسكون الواو فقاف، هو المنهمر بغزارة والمندفع بشدة، يقال: خيل دلوق، أي: مندفعة شديدة الدفعة، ويقال: دلق السيل على القوم: هجم.\n\nقوله: (ضحوكًا) بفتح أوله، أي: ذا برق.\n\nقوله: (رذاذًا) الرذاذ: بفتح الراء، كسحاب: المطر الضعيف أو الساكن الدائم الصغير كأنه الغبار.\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٧/ ٥٣).\n(^٢) \"الثقات\" (٥/ ٢٨٨).\n(^٣) \"تاريخ الثقات\" ص (٥٢١).\n(^٤) \"التلخيص\" (٢/ ١٠٦).","vol":"4","page":193},{"text":"قوله: (قطقطًا) بكسر القاف وإسكان الطاء، أصغر من الرذاذ، قال أبو زيد: القطقط أصغر المطر، ثم الرذاذ، وهو فوق القطقط، ثم الطش وهو فرق الرذاذ.\n\nقوله: (سجلًا) مصدر سجلت الماء سجلًا، إذا صببته صبًا، وصف به السحاب مبالغة في كثرة ما يصب منها من الماء حتى كأنها نفس المصدر، والمعنى أنه سأل أنواع المطر؛ لأنه أبلغ في نفع الأرض.\n\nقوله: (يا ذا الجلال والإكرام) هذا توسل بهذين الاسمين العظيمين.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز الاستسقاء بدون صلاة؛ لأن الظاهر من سياق الحديث أنه ﷺ استسقى في هذا الوادي بدون صلاة، وقد تقدم في أول الباب أنواع الاستسقاء، وهذا واحد منها.\n\nالوجه الرابع: في الحديث ظهور آية عظيمة للنبي ﷺ دالة على صدقه وكرامته على ربه ﷿، وأن الله تعالى يستجيب دعاءه، لكن هذا ليس على إطلاقه، فقد يستجاب دعاؤه وقد لا يستجاب والله عليم حكيم، وقد ثبت أن النبي ﷺ دعا في الصلاة على أناس من كفار قريش وخلفه الصحابة يؤمنون على دعائه، وهو أشرف الخلق، وهم صفوة الخلق بعد الرسل ومع ذلك أنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ [آل عمران: ١٢٨] فلم يستجب دعاؤه فيهم، وأسلموا وحسن إسلامهم.\nوعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ أقبل ذات يوم من العالية حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل، فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلًا، ثم انصرف إلينا، فقال ﷺ: \" سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني ثنتين، ومنعني واحدة … \" الحديث (^١). والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٩٠).","vol":"4","page":194},{"text":"<span data-type='title' id=toc-418>وجود الاستسقاء في الأمم السابقة</span>\n٥٢٢/ ١٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" خرج سليمان ﵇، فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن سقياك، فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم\". رواه أحمد، وصححه الحاكم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٦٦)، والحاكم (١/ ٣٢٥ - ٣٢٦) من طريق محمد بن عون، عن أبيه، قال: حدثنا ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا.\nوهذا سند فيه، محمد بن عون، وقد سكت عنه البخاري ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (^١)، وقال أحمد: (رجل معروف) (^٢)، وذكره ابن حبان في \" الثقات\" (^٣).\nووالده عون مولى أم حكيم بنت يحيى بن الحكم ذكره ابن أبي حاتم ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا (^٤)، وذكره ابن حبان في \" الثقات\" (^٥)، وذكره البخاري في \" التاريخ الكبير\" (^٦)، وأعل روايته عن الزهري فقال: (… عن الزهري مرسل، روى عنه الماجشون).\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (١/ ١٩٧).\n(^٢) \"العلل\" (٢/ ٢١١).\n(^٣) \"الثقات\" (٧/ ٤١١).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٣٨٦).\n(^٥) \"الثقات\" (٧/ ٢٨١).\n(^٦) \"التاريخ الكبير\" (٧/ ١٦).","vol":"4","page":195},{"text":"وظاهر الإسناد الذي معنا يرد هذا، فإنه قد صرح عون بسماعه من الزهري، فإن أخذ بهذا الظاهر وإلا فالمعول على ما قاله البخاري.\nثم إن للحديث طريقًا آخر، فقد رواه الطحاوي (^١)، والخطيب (^٢)، وأبو الشيخ (^٣)، من طريق محمد بن عزير، حدثنا سلامة بن روح، عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة عن أبي هريرة ﵁، به.\nوإسناده ضعيف، لضعف سلامه، وهو ابن روح بن خالد، قال أبو حاتم: (ليس بالقوي، محله عندي الغفلة)، وقال أبو زرعة: (ضعيف منكر الحديث)، وقال الآجري عن أبي داود: (كان أحمد بن صاح كتب عنه ثم تركه) (^٤)، وقال الحافظ في \" التقريب\": (صدوق له أوهام، وقيل: لم يسمع من عمه عقيل بن خالد، وإنما يحدث من كتبه).\nومحمد بن عزيز مختلف فيه، وفي سماعه من ابن عمه سلامة نظر، كما ذكر الحافظ في \"التقريب\" وله طريق ثانٍ رواه ابن حبان (^٥)، وابن أبي حاتم (^٦)، وأبو نعيم (^٧)، والطبراني (^٨) من طريق مسعر بن كدم عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي، قال: خرج سليمان … فذكره.\nوهذا سند ضعيف، لضعف زيد العمي.\nوله طريق ثالث مرسل أخرجه عبد الرزاق (^٩)، ومن طريقه الطبراني (^١٠)، عن معمر، عن الزهري أن سليمان بن داود …\nوإسناده صحيح إلى الزهري، ولعل هذا الصواب في الحديث، أنه من مرسل الزهري، ومراسيله ضعيفة، قال ابن معين ويحيى بن سعيد القطان والشافعي مرسل الزهري ليس بشيء (^١١).\n_________\n(^١) \"شرح مشكل الآثار\" (٢/ ٣٣١).\n(^٢) \"التاريخ\" (١٢/ ٦٥).\n(^٣) \"العظمة\" (١٢٤٦).\n(^٤) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٢٥٣).\n(^٥) \"الثقات\" (٨/ ٤١٤).\n(^٦) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٩/ ٢٨٥٨).\n(^٧) \"حلية الأولياء\" (٣/ ١٠١).\n(^٨) \"الدعاء\" (٩٦٨).\n(^٩) \"المصنف\" (٣/ ٩٥ - ٩٦).\n(^١٠) \"الدعاء\" (٩٦٧).\n(^١١) \"تدريب الراوي\" (١/ ٢٠٥).","vol":"4","page":196},{"text":"وقد عزى الحافظ هذا الحديث في \" البلوغ\" وعزاه في \" التلخيص\" (^١) إلى أحمد، والمراد \" المسند\" عند الإطلاق، ولم أجده فيه عن طريق الفهارس، وإنما هو في كتاب \" الزهد\" (^٢)، وعزاه الحافظ ابن كثير (^٣) إلى ابن أبي حاتم، ولو كان في \" المسند\" لكان عزوه إليه أهم.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الاستسقاء كان موجودًا في الأمم الماضية، فهو شريعة من قبلنا، وذلك لأن الاستسقاء عند حصول القحط والجدب هو لجميع الخلق، فهو رحمة للجميع من الإنسان والحيوان والطير، وقد جاء القرآن، ﴿وإذ استسقى موسى لقومه …﴾ [البقرة: ٦٠]، أي: طلب لقومه ماء يشربون منه.\n\n• الوجه الثالث: استدل بعض الفقهاء من الشافعية والحنابلة وغيرهم بهذا الحديث على مشروعية إخراج البهائم إلى المصلى للاستسقاء، وكذا قال الصنعاني (^٤)، وعللوا لذلك بأن الجدب قد أصابها.\nوالقول الثاني: أنه لا يسن إخراجها؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله، ولأن فيه إتعابها واشتغالًا بها وانشغالًا بأصواتها.\nوأما حديث الباب فلا حجة فيه، لما تقدم من الكلام في إسناده، ولأن سليمان ﵇ لم يخرج بالنمل تستسقي، وإنما مر على نملة تستسقي.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على إثبات علو الله على خلقه، لقوله: \" رافعة قوائمها إلى السماء\"، والله تعالى فطر الخلق كلهم العرب والعجم حتى البهائم على الإيمان بالله تعالى وبعلوه، فما من عبد يتوجه إلى ربه بدعاء أو عبادة إلا وجد من نفسه ضرورة بطلب العلو وارتفاع قلبه إلى السماء، لا يلتفت إلى غيره يمينًا ولا شمالًا، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من اجتالته الشياطين والأهواء، وهذه الحشرة التي رفعت قوائمها إلى السماء\n_________\n(^١) (٢/ ٩٧).\n(^٢) راجع: \"التكميل لما فات تخريجه من إرواء الغليل\" ص (٢٩).\n(^٣) \"تفسير ابن كثير\" (١٦/ ٩٤).\n(^٤) \"سبل السلام\" (٣/ ٢٨٣).","vol":"4","page":197},{"text":"تدعو الله تعالى، عندها فطرة غريزية أن الله تعالى في السماء، فهذه النملة أعقل وأسلم فطرة من الجهمية الذين ينكرون علو الله على خلقه، ويقولون: إن الله ليس في السماء، ولا داخل العالم ولا خارجه، ولو وصف العدم لم يوصف بأكثر من هذا.\nوهدى الله تعالى سلف هذه الأمة، فأجمعوا على ثبوت علو الله تعالى على خلقه وكونه في السماء فوق جميع مخلوقاته على ما يليق بجلاله، والحمد لله رب العالمين.\n\n* * *","vol":"4","page":198},{"text":"<span data-type='title' id=toc-419>مشروعية رفع اليدين في دعاء الاستسقاء</span>\n٥٢٣/ ١١ - عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء. أخرجه مسلم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \" صلاة الاستسقاء\" باب \" رفع اليدين بالدعاء في الاستسقاء\" (٨٩٦) من طريق الحسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية رفع اليدين في دعاء الاستسقاء، وكذلك المأمومون كما تقدم.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على المبالغة في رفع اليدين في دعاء الاستسقاء، وهو المراد بقوله: (فأشار بظهر كفيه إلى السماء)، وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث على قولين:\nالأول: أن الحديث على ظاهره، وأن معناه: أنه جعل ظهورهما نحو السماء، قالوا: وهذا يدل على أن كل دعاء لرفع بلاء كالقحط ونحوه، فإن الداعي يجعل باطنهما إلى الأرض وظاهرهما إلى السماء، وكل دعاء لسؤال شيء وتحصيله يجعل ظاهر كفيه إلى الأرض، وباطنهما إلى السماء.\nالثاني: أن المراد بالحديث المبالغة في رفعهما، وأنه لشدة الرفع انحنت يداه؛ لأن الرفع إذا قوي صارت أصابع اليدين نحو السماء مع نوع من","vol":"4","page":199},{"text":"الانحناء، حتى كأن الرائي يرى ظهورهما نحو السماء لا أنه قصد ذلك، والله تعالى أعلم.\nولفظ الحديث ليس بصريح فيما ذكره الأولون؛ لأن النصوص إذا جمعت تدل على أن الدعاء ببطون الأكف لا بظهورها، وقد أخرج أبو داود (^١) عن مالك بن يسار السكوني ثم العوفي أن النبي ﷺ قال: \" إذا سألتم الله، فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها\" (^٢).\nثم إن الداعي إنما يرفع يديه يستجدي ويطلب، ومعلوم أن الطلب إنما يكون بباطن الكف لا بظاهره.\nوهذا المعنى اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، وكذا الشيخ عبد العزيز بن باز، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"السنن\" (١٤٨٦).\n(^٢) وإسناده جيد، وله شواهد يصح بها، كما قرره الألباني في \"الصحيحة\" (٥٩٥).\n(^٣) \"مختصر الفتاوى\" للبعلي، ص (١٥٧).","vol":"4","page":200},{"text":"<span data-type='title' id=toc-420>باب اللباس</span>\nاللباس: بكسر اللام اسم لما يلبس، وأصله اسم مصدر من قولك: لبس الثوب لبسًا ولباسًا، أي: استتر به.\nواللباس: ما يلبس على الجسم ليستره أو يدفئه.\nوهو من نعم الله تعالى على عباده؛ لأنه يستر أعضاء مخصوصة من بدن الإنسان ويحفظه من عاديات الجو وتقلباته، إضافة إلى أنه زينة وجمال، قال تعالى: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا ولباس التقوى ذلك خير﴾ [الأعراف: ٢٦].\nفذكر تعالى اللباس البدني الضروري: ﴿لباسًا يواري سوءاتكم﴾، واللباس التكميلي الذي هو زينة وجمال: ﴿وريشًا﴾ أي: وأنزلنا عليكم ريشًا: وهي ثياب الزينة والجمال، واللباس المعنوي، ﴿ولباس التقوى﴾ وهو: التخلق بتقوى الله تعالى، وهو طاعته بفعل المأمور واجتناب المحظور، سمي لباسًا؛ لأنه يستر عورات الذنوب، ﴿ذلك خير﴾ أي: أفضل وأنفع من لباس البدن.\nوهذا الباب عقده الحافظ لبيان ما يحل وما يحرم من اللباس، ومناسبته بعد أبواب الصلاة من جهة أن ستر العورة شرط من شروط الصلاة، فناسب ذكره لذلك.\nوالأصل في اللباب: الحل كغيره من أنواع المباحات، كالمآكل والمشارب والمراكب والمساكن، ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢].","vol":"4","page":201},{"text":"وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال: \" كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا، في غير إسراف ولا مخيلة\" (^١).\nوالإسلام لم يقرر نوعًا من اللباس لا يجوز تخطيه، بل أجاز كل لباس ما دام متفقًا مع القواعد والضوابط التي حددها الإسلام في موضع اللباس والتي جاءت النصوص الشرعية ببيانها.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٥/ ٧٩)، وابن ماجه (٢/ ١١٩٢)، وأحمد (٢/ ١٨١)، وعلَّقه البخاري (١٠/ ٢٥٢)، وحسَّنه الألباني في \"صحيح سنن النسائي\" (٢/ ٥٤٠).","vol":"4","page":202},{"text":"<span data-type='title' id=toc-421>تحريم الحرير والديباج على الرجال</span>\n٥٢٤/ ٤ - عن أبي عامر الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير\". رواه أبو داود، وأصله في البخاري.\n٥٢٥/ ٢ - وعن حذيفة ﵁ قال: \" نهى رسول الله ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه\". رواه البخاري.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو عامر الأشعري، مختلف في اسمه، فقيل: عبد الله بن هانئ، وجزم البخاري بأنه عبيد بن وهب، وقيل غير ذلك، ذكره خليفة بن خياط في من نزل الشام من الصحابة من قبائل اليمن، بقي إلى خلافة عبد الملك بن مروان (^١).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث أبي عامر، فقد أخرجه أبو داود في كتاب \" اللباس\"، باب \" ما جاء في الخز\" (٤٠٣٩) من طريق عطية بن قيس قال: سمعت عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك، والله ما كذبني، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \" ليكونن من أمتي قوم يستحلون الخز والحرير\"، وذكر كلامًا قال: \" يمسخ آخرون قردة وخنازير إلى يوم القيامة\".\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (١١/ ٢٣٦)، \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ١٦٠).","vol":"4","page":203},{"text":"وهذا الحديث إسناده صحيح، ولا يضر التردد في اسم الصحابي لثبوت عدالتهم مطلقًا، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري من كبار التابعين، ثقة جليل كبير القدر.\nوالحديث أصله في البخاري معلقًا من طريق عطية بن قيس الكلابي، حدثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري، والله ما كذبني سمع النبي ﷺ يقول: \" ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم يعني الفقير لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة\" (^١).\nوقد علقه البخاري عن شيخه هشام بن عمار قال: وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية …\nفهذا السياق سياق تعليق؛ لأن البخاري لم يذكر صيغة (قال فلان) في \"صحيحه\" إلا في التعاليق، لكن يشكل على ذلك أن هشام بن عمار من شيوخ البخاري، لقيه وسمع منه، وخرج عنه حديثين غير هذا محتجًا به، يقول فيهما: حدثنا هشام بن عمار (^٢).\nوقد التمس الحافظ سبب تعليق البخاري لهذا الحديث على الرغم مما ذكر، فقال: (والذي يظهر لي أنه لقصور في سياقه، وهو هنا تردد هشام في اسم الصحابي).\nولا ضير في ذلك ما دام أن الحديث ورد موصولًا من طرق عن هشام بن عمار عن أبي داود وغيره، وبهذا يتبين أن إعلال ابن حزم لهذا الحديث بأن البخاري قد علقه، قول مردود (^٣).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٥٥٩٠).\n(^٢) انظر: \"هدي الساري\" ص (٤٤٨ - ٤٤٩)، وانظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٣٠٨) (٧/ ١٨).\n(^٣) انظر: \"إغاثة اللهفان\" (١/ ٢٧٧)، \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٣)، \"مجموع رسائل ابن رجب\" (٢/ ٤٤٩).","vol":"4","page":204},{"text":"وأما حديث حذيفة، فقد أخرجه البخاري في كتاب \" اللباس\"، باب \" افتراش الحرير\"، (٥٨٣٧) من طريق وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن حذيفة ﵁، مرفوعًا.\nلكن ذكر الحافظ أن حديث حذيفة قد جاء في \" الصحيحين\" من عدة أوجه، وليس فيها لفظة: (وأن نجلس عليه) (^١)، وتوضيح ذلك أن الحديث ورد عند مسلم (٢٠٦٧) من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، وليس فيه هذه اللفظة، وسفيان أوثق من جرير بن أبي حازم، فتقدم روايته على رواية جرير، ثم إن الحديث له طرق أخرى في \" الصحيحين\" ليس فيه لفظة: (وأن نجلس عليه) فتكون شاذة على قواعد المحدثين.\n\n• الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون) الظاهر أن المراد أمة الإجابة، وهذا الاستحلال إما أن المراد به أنهم يعتقدون حلهما، لا أنهم يستحلونهما؛ لأن من استحل محرمًا مجمعًا عليه فهو كافر، فلما صاروا يداومون عليها صاروا كالمستحلين لها، أو أن المراد الاسترسال في استعمالهما والتساهل كالاسترسال في الحلال، وذلك لضعف إيمانهم، وقلة مبالاتهم في آخر الزمان، لقلة العلم وغلبة الجهل والإعراض عن دين الله (^٢).\n\nقوله: (الحر) هكذا بالحاء المهملة المكسورة بعدها راء مخففة، وأصله: جرح بكسر الحاء المهملة وسكون الراء، وجمعه: أحراح، وهو الفرج (^٣)، يريد أن يكثر فيهم الزنا.\nووقع في بعض نسخ أبي داود (الخز) بالخاء والزاي المعجمتين مع التشديد، قال الحافظ: (كذا هو في معظم الروايات من \" صحيح البخاري\"، ولم يذكر عياض ومن تبعه غيره، وقال: إنه هو الراجح) (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٩٢).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٥).\n(^٣) \"النهاية\" (١/ ٣٦٦) \"تاج العروس\" (٦/ ٢٥٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٥).","vol":"4","page":205},{"text":"قال ابن الأثير: (الخز: ثياب تنسج من صوف وإبريسم …) (^١).\n\nقوله: (والحرير) على رواية: \" الخز\" بالخاء يكون هذا من عطف العام على الخاص؛ لأن الحرير أعم من الخز، أما على رواية: \" الحر\" بالحاء، فهو من عطف المغاير.\nوالحرير: اسم عربي، والمراد الحرير الأصلي، وهو خيط دقيق تفرزه دودة القز، وهي دودة الحرير (^٢)، سمي بذلك: لأنه من خالص الإبريسم، وكل خالص فهو محرر، ومنه طين حر؛ لأنه لم يخالطه رمل.\n\nقوله: (والديباج) بكسر الدال على المشهور، عجمي معرب، وهو ما غلظ من ثياب الحرير، وذكره بعد الحرير وإن كان نوعًا منه هو من باب ذكر الخاص بعد العام.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الأمور المذكورة في الحديث من الحرير والزنا والخز والمعازف، وأن هذه المعاصي العظيمة سبب للعقوبات البالغة.\nولقد كثر في آخر الزمان تعاطي هذه المنكرات، فانتشر الزنا، وشربت الخمور، واستعملت المعازف، ولا سيما في زماننا هذا، لضعف الإيمان، وقلة الوازع، وكثر الجهل، وهذا من دلائل نبوته ﷺ، نسأل الله السلامة.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على تحريم الحرير وأنه لا يجوز لبسه، وهو مختص بالرجال دون النساء، كما سيأتي إن شاء الله، ولا فرق في تحريم لبس الحرير بين الصغير والكبير (^٣)؛ لأن الصغير الذكر داخل في قوله ﷺ: \" هذان حرام على ذكور أمتي\" وسيأتي إن شاء الله، والمراد الحرير الخالص، فإن كان مشوبًا بغيره فسيأتي أيضًا إن شاء الله.\n_________\n(^١) \"النهاية\" (٢/ ٢٨).\n(^٢) ذكر صفة ذلك في \"الموسوعة العربية الميسرة\" (١١/ ٨٤).\n(^٣) \"المغني\" (٢/ ٣١٠).","vol":"4","page":206},{"text":"وهذا قول الجمهور، وحكى النووي وابن قدامة، وغيرهما الإجماع على ذلك (^١)، وفيه نظر.\nوقد ورد حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة\" (^٢).\nوعن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: سمعت عمر ﵁ يقول: قال النبي ﷺ: \" من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة\" (^٣).\nفهذه الأحاديث وغيرها تدل دلالة ظاهرة على تحريم لبس الحرير على الرجال، لما فيها من الوعيد الشديد الذي لا يكون إلا في محرم شديد الحرمة.\nوالحكمة من تحريمه والله أعلم:\n١ - أن في لبسه تشبهًا بالكفار، كما في حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" الذهب والفضة والحرير والديباج هي لهم في الدنيا، ولكن في الآخرة\" (^٤).\n٢ - أن في لبسه تشبهًا بالنساء.\n٣ - أنه شعار النعومة واللين، والمبالغة في ذلك ليس من صفات الرجال، بل المطلوب من الرجال التزين بما لا مبالغة فيه، حتى يكون أهلًا لتحمل مشاق الأمور.\n\n* الوجه السادس: الحديث دليل على تحريم افتراش الحرير والديباج، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وبعض الحنفية (^٥).\n_________\n(^١) \"المغني\" (٢/ ٣٠٤)، \"المجموع\" (٤/ ٣٤٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٨٣٢)، ومسلم (٢٠٧٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٨٣٤)، ومسلم (٢٠٦٩) (١١).\n(^٤) متفق عليه، وتقدم في باب \"الآنية\" من \"كتاب الطهارة\".\n(^٥) \"الفتاوى الهندية\" (٥/ ٣٣١)، \"المجموع\" (٤/ ٤٣٥)، \"المنتقى\" (٧/ ٢٢٢)، \"مجموع فتاوى ابن تيمية\" (٢١/ ٨٤)، \"الإنصاف\" (١/ ٤٧٥).","vol":"4","page":207},{"text":"واستدلوا بقوله: (وأن نجلس عليه)، وهذا اللفظ وإن كان فيه المقال المتقدم فإن جمهور أهل العلم على العلم على العمل به، يدل لذلك حديث معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" لا تركبوا الخز ولا النمار\" (^١).\nويؤيد ذلك ما يلي:\n١ - أن سبب تحريم اللبس موجود في الافتراش.\n٢ - أنه إذا حرم اللبس مع الحاجة فغيره أولى.\n٣ - أنه ليس من المعقول أن يحرم الشرع لبس ما زاد على أربع أصابع كما يأتي ثم يجيز الافتراش الذي هو أكثر من ذلك بكثير، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤١٢٩)، وصحَّحه الألباني في \"صحيح سنن أبي داود\" (٢/ ٧٧٨).","vol":"4","page":208},{"text":"<span data-type='title' id=toc-422>مقدار ما يباح من الحرير</span>\n٥٢٦/ ٣ - عن عمر ﵁ قال: \" نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين، أو ثلاث، أو أربع\". متفق عليه، واللفظ لمسلم.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" اللباس\"، باب \" لبس الحرير للرجال وقدر ما يجوز منه\" (٥٨٢٨)، ومسلم في \" اللباس والزينة\" (٢٠٦٩) (١٤) من طريق شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أبا عثمان النهدي، قال: (جاءنا كتاب عمر ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فرقد أو بالشام؛ أما بعد: فإن رسول الله ﷺ نهى عن الحرير إلا هكذا: إصبعين) وهذا لفظ مسلم.\nوأخرجه مسلم أيضًا (١٥) من طريق معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن عامر الشعبي، عن سويد بن غفلة، أن عمر بن الخطاب خطب الجابية فقال: (نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم الحرير على الرجال، إلا الشيء اليسير كموضع إصبع أو إصبعين أو أربعة فهذا يباح؛ لأن صاحبه لا يعد لابسًا للحرير، وذلك كالعلم في الثوب أو القطعة يرقع بها الثوب أو تطريز جيب القميص أو الأكمام، ونحو ذلك، وذلك من سماحة الشريعة وتوسعتها؛ لأن الرجل قد يحتاج الشيء القليل مما ذكر ونحوه، والله تعالى أعلم.","vol":"4","page":209},{"text":"<span data-type='title' id=toc-423>جواز لبس الحرير للتداوي به</span>\n٥٢٧/ ٤ - عن أنس ﵁: \" أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في قميص الحرير في سفر من حكة كانت بهما\". متفق عليه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الجهاد\"، باب \" الحرير في الحرب\" (٢٩١٩)، وفي \" اللباس\"، باب \"ما يرخص للرجال من الحرير للحكة\" (٥٨٣٩)، ومسلم (٢٠٧٦) من طريق قتادة، عن أنس ﵁، مرفوعًا.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (رخص) الترخيص معناه: التسهيل في الأمر والتيسير، والرخصة: هي الحكم الذي ثبت على خلاف الدليل لعذر.\n\nقوله: (لعبد الرحمن بن عوف) هو أبو محمد، عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف الزهري القرشي، أحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام، أسلمت أمه الشفاء بنت عوف بن عبد الحارث وهاجرت، وأسلم هو على يد أبي بكر الصديق ﵁، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وشهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ، وثبت معه يوم أحد، وصلى خلفه النبي ﷺ في غزوة تبوك، وأتم ما فاته، وهو أحد المشهور لهم بالجنة، وكان من أغنياء المسلمين الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، مات سنة إحدى وثلاثين، وقيل: اثنتين، ﵁ (^١).\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٦/ ٦٨)، \"الإصابة\" (٦/ ٣١١).","vol":"4","page":210},{"text":"قوله: (والزبير) هو الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي الصحابي الشجاع، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ، أسلمت وأسلم هو قديمًا على يد أبي بكر الصديق ﵁، وهو ابن ست عشرة سنة، وعذب ليترك دينه، فلم يفعل، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وشهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ، وثبت معه في أحد، قتل يوم الجمل قرب البصرة، سنة ست وثلاثين ﵁ (^١).\n\nقوله: (في سفر) جاء في بعض الروايات: (فرأيته عليهما في غزاة).\n\nقوله: (من حكة …) من: للتعليل؛ أي: لأجل حكة حصلت بأبدانهما، والحكة: بكسر الحاء، التهاب في الجلد يحمل صاحبه على كثرة حكه، وهي أنواع أشدها الجرب، نسأل الله العافية.\nوقد ورد في رواية: (أنهما شكوا إلى رسول الله ﷺ القمل، فرخص لهما في قميص الحرير في غزاة لهما) (^٢)، ويجمع بينهما بأن الحكة حصلت من القمل، فنسبت العلة تارة إلى المسبب وهي الحكة، وتارة إلى السبب (^٣)، وهو القمل.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الحرير على الرجال؛ لأن المشهور عند الأصوليين أن الترخيص لا يكون إلا في مقابل عزيمة.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز لبس الحرير للتداوي به من الحكة أو القمل، ونحو ذلك؛ لأن ما ثبت في حق صحابي ثبت في حق غيره ما لم يقل دليل على اختصاصه، وهذا مذهب الجمهور، والمشهور عندهم أنه ليس خاصًا بالسفر، بل يجز في الخصر.\nوقد ذكر النووي وغيره أن الحكمة في لبس الحرير للحكة لما فيه من البرودة (^٤)، وتعقب بأن الحرير حار، والصواب: أن الحكمة لخاصة فيه، وهي دفع ما تنشأ عنه الحكة كالقمل، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٣/ ٣٠٩)، \"الإصابة\" (٤/ ٧).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٢٩٢٠)، ومسلم (٢٠٧٦) (٢٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٠١).\n(^٤) \"شرح صحيح مسلم\" (١٣/ ٢٩٦).","vol":"4","page":211},{"text":"والقول بالإباحة يدخل تحت قاعدة: \" الضرورات تبيح المحظورات\"، فإن قيل: قد نهي عن التداوي بالمحرمات؛ لأنها مستخبثة لا علاج فيها؟\nفالجواب من وجهين:\nالأول: أن النبي ﷺ لم يحرم لبس الحرير لخبث في ذاته، بل هو من أفضل الألبسة، ولذا أحل للنساء كما سيأتي، وجاز لمسه وبيعه والانتفاع بثمنه (^١).\nالثاني: أن المراد بالنهي عن التداوي بالمحرمات ما يدخل إلى الجوف، وأما الأمور الظاهرة فلا تدخل في هذا، وبهذا أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^٢)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٩١)، \"الإحكام فيما يختلف فيه الرجال والنساء من الأحكام\" (١/ ٣٠١).\n(^٢) انظر: \"الفتاوى\" (٢١/ ٨٢).","vol":"4","page":212},{"text":"<span data-type='title' id=toc-424>إباحة الحرير للنساء</span>\n٥٢٨/ ٥ - عن علي ﵁ قال: \" كساني النبي ﷺ حلة سيراء، فخرجت فيها، فرأيت الغضب في وجهه، فشققتها بين نسائي\". متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" اللباس\"، باب \" الحرير للنساء\"، (٥٨٤٠)، ومسلم (٢٠٧١) (١٩) من طريق غندر، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهب، عن علي بن أبي طالب ﵁، مرفوعًا.\nوقول الحافظ: (وهذا لفظ مسلم) لا فائدة فيه؛ لأن لفظ الحديث واحد عندهما.\nوأخرجه مسلم أيضًا (٢٠٧١) (١٧) من طريق شعبة، عن أبي عون قال: سمعت أبا صالح يحدث عن علي قال: … فذكره.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كساني) أي: ألبسني، والمراد: أعطاني.\n\nقوله: (حلة سيراء) الحلة: بضم الحاء المهملة، ثوبان إزار ورداء ساترًا لجميع البدن، والسيراء بكسر السين المهملة آخره ألف ممدودة: هي برود مضلعة بالحرير، وقيل: حرير خالص، وعليه أكثر الشراح، وقال الصنعاني: (هو الأقرب)، وقال الحافظ ابن حجر: إن السيراء قد تكون حريرًا صرفًا، كالتي","vol":"4","page":213},{"text":"في قصة عمر ﵁ كما سيأتي، وقد تكونه حريرًا غير خالص كالتي في قصة علي ﵁، ولهذا لم يقع الوعيد على لبسها، كما في قصة عمر ﵁ (^١).\nويجوز في (حلة) التنوين، ويكون قوله: (سيراء) عطف بيان أو نعتًا، كقولهم: ناقة عشراء، ويجوز تركه على الإضافة، من إضافة الشيء لصفته، كقولهم: ثوب خز، وعزاه النووي إلى المحققين (^٢).\n\nقوله: (فخرجت فيها) يظهر من ذلك أن عليًا ﵁ فهم من إهداء هذه الحلة له أنه يلبسها، مع أن ذلك غير مراد؛ لما ورد في بعض الروايات عند مسلم من طريق شعبة، عن أبي عون به بلفظ: (فقال: إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرًا بين النساء)، وفي لفظ: (شققه خمرًا بين الفواطم).\n\nقوله: (فشققتها بين نسائي) أي: قطعتها ففرقتها وقسمتها بين نسائي، والمراد بهن: الفواطم كما في الرواية المتقدمة وهي فاطمة بنت النبي ﷺ زوج علي، وفاطمة بنت أسد بن هشان والدة علي، وفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب بنت عمه، وفاطمة بنت شيبة بن ربيعة امرأة عقيل أخيه (^٣).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الحرير على الرجال؛ بناء على أن الحلة المذكورة حرير خالص.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على إباحة الحرير للنساء، وقد انعقد الإجماع على ذلك، كما نقله غير واحد، ومنهم: ابن عبد البر (^٤)، والنووي (^٥).\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على أن النبي ﷺ إذا أرسل إلى شخص لباسًا، فإنه لا يدل على حل لبسه إذا كان الشرع قد حرمه، ولا يلزم من ذلك أن يلبسه؛ لأنه يمكن أن ينتفع به بوجوه أخرى؛ كإعطائه زوجته إذا كان يباح لها، أو بيعه والانتفاع بثمنه، ونحو ذلك.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٠٠)، \"سبل السلام\" (٢/ ١٥٧).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (١٣/ ٢٨١).\n(^٣) انظر: \"إكمال المعلم\" (٦/ ٥٧٨)، \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٩٧).\n(^٤) \"المجموع\" (٤/ ٤٤٠).\n(^٥) \"التمهيد\" (١٧/ ٩٧).","vol":"4","page":214},{"text":"ومثل هذا الحديث حديث ابن عمر ﵁ أن عمر رأى على رجل من آل عطارد قباء من ديباج أو حرير، فقال لرسول الله ﷺ: لو اشتريته، فقال: \" إنما يلبس هذا من لا خلاق له\"، فأهدي إلى رسول الله ﷺ حلة سيراء، فأرسل بها إلي، قال: قلت: أرسلت بها إلي، وقد سمعتك قلت فيها ما قلت؟ قال: \" إنما بعثت بها إليك لتستمع بها\"، وفي رواية: \"تبيعها وتصيب منها حاجتك\" (^١).\nومثل ذلك الذهب لو أهدي لرجل فليس معنى هذا أنه يلبسه، وإنما يعطيه من يباح له أو يبيعه، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٠٦٨).","vol":"4","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-425>إباحة الحرير والذهب للنساء\nوتحريمهما على الذكور</span>\n٥٢٩/ ٦ - عن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورهم\". رواه أحمد، والنسائي، والترمذي وصححه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٣٢/ ٢٧٦)، والترمذي (١٧٢٠) في أبواب \" اللباس\" باب \" ما جاء في الحرير والذهب\" من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى ﵁، ورواه النسائي (٨/ ١٦١) من طريق أيوب، عن نافع به.\nوقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).\nوهذا الحديث صحيح لما له من الشواهد كما سيأتي، أما هذا الإسناد ففيه انقطاع؛ لأن سعيد بن أبي هند لم يلق أبا موسى، على ما ذكره أبو حاتم، فقد قال ابنه: سمعت أبي يقول: (لم يلق سعيد بن أبي هند أبا موسى الأشعري) (^١).\nومن شواهده حديث علي ﵁ قال: إن النبي ﷺ أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في شماله، ثم قال: \" إن هذين حرام على ذكور أمتي\" (^٢).\n_________\n(^١) \"المراسيل\" ص (٧٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٠٣٩)، والنسائي (٨/ ١٦٠)، وابن ماجه (٢/ ١١٨٩)، وزاد: =","vol":"4","page":216},{"text":"الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم الذهب والحرير على الذكور، أما الحرير فتقدم ما يتعلق به، وأما الذهب فقد نقل ابن عبد البر (^١)، والنووي (^٢)، وغيرهما الإجماع على تحريم لبس الذهب على الرجال للأحاديث الصحيحة.\nوقد ورد عن البراء بن عازب ﵁ قال: (نهانا النبي ﷺ عن سبع؛ نهى عن خاتم الذهب، أو قال: حلقة الذهب …) (^٣).\nويحرم إلباس الصبي شيئًا من الحرير أو الذهب؛ لأن النبي ﷺ أدار الحكم على الذكورة، ولفظ الذكر شامل للصغير والكبير من هذا الجنس، ولا يجوز إخراج الصبي من هذا العموم إلا بدليل، ولا دليل على ذلك.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على إباحة الحرير والذهب للنساء، أما الحرير فتقدم الكلام عليه، وأما الذهب فقد قال البيهقي: (واستدللنا بحصول الإجماع على إباحته لهن على نسخ الأخبار الدالة على تحريمه فيهن خاصة) (^٤).\nوقال ابن عبد البر: (لا خلاف أن لباس الحرير والذهب للنساء حلال) (^٥)، وقال النووي: (أجمع المسلمون على أنه يجوز للنساء لبس أنواع الحلي والفضة، والذهب جميعًا؛ كالطوق والعقد والخاتم والسوار والخلخال، ولا خلاف في شيء من هذا) (^٦).\n_________\n= \"حل لإناثهم\"، وأخرجه أحمد (٢/ ٢٥٠)، وابن حبان (٧/ ٣٩٦) وفي إسناده: أبو أفلح الهمداني، قال عنه ابن القطان: (مجهول)، وقد روى عنه اثنان، ووثقه العجلي في \"تاريخ الثقات\" ص (٤٩٠)، وقال الذهبي في \"الكاشف\": (صدوق)، وقال الحافظ: (مقبول)، فالحديث لا بأس بإسناده، وله شواهد تؤيده، قال النووي: (حديث حسن يحتج به) \"المجموع\" (٤/ ٤٤٠)، وصحَّحه الألباني في \"غاية المرام\" ص (٦٤)، وفي \"الإرواء\" (١/ ٣٠٥).\n(^١) \"التمهيد\" (١٧/ ٩٧).\n(^٢) \"المجموع\" (٤/ ٤٤١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٨٦٣)، ومسلم (٢٠٦٦).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٤٢).\n(^٥) \"التمهيد\" (١٧/ ٩٧).\n(^٦) \"المجموع\" (٦/ ٤٠).","vol":"4","page":217},{"text":"ومما يؤيد القول بالعموم في المحلق وغير المحلق، قوله تعالى: ﴿أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين﴾ [الزخرف: ١٨]، فقد أخرج ابن أبي شيبة بسنده عن مجاهد أنه قال: (رخص للنساء في الحرير والذهب، ثم قرأ: ﴿أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين﴾) (^١).\nوقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة تدل على الإباحة، ومنها حديث ابن عباس ﵁ في صلاة النبي ﷺ يوم الفطر وخطبته بالرجال ثم بالنساء وحثهن على الصدقة، وفيه: (قال: \"فتصدقن\" وبسط بلال ثوبه، فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال) (^٢).\nوقد استمر الإجماع على ذلك حتى جاء الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني ﵀ وقال: (إنه يحرم على النساء لبس الذهب المحلق خاصة)، ولم ينسب ذلك لأحد من السلف أو الخلف، وأنكر دعوى النسخ، بحجة أن شروطه غير متحققة، وأن الجمع ممكن، والصواب القول بالنسخ، كما حكاه البيهقي وابن شاهين والنووي وغيرهم، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ١٩٤) بسند صحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٨٩٥)، ومسلم (٨٨٤).","vol":"4","page":218},{"text":"<span data-type='title' id=toc-426>استحباب إظهار نعمة الله تعالى\nمن اللباس وغيره</span>\n٥٣٠/ ٧ - عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله يحب إذا أنعم على عبد نعمة أن يرى أثر نعمته عليه\". رواه البيهقي.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٣٣/ ١٥٩)، والبيهقي (٣/ ٢٧١) من طريق شعبة، عن الفضيل بن فضالة، عن أبي رجاء العطاردي قال: خرج علينا عمران بن حصين، وعليه مطرف (^١) خز، فقلنا: يا صاحب رسول الله ﷺ تلبس هذا؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: \" إن الله يحب … \" فذكر الحديث.\nوالحديث إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير فضيل بن فضالة، فقد روى له النسائي، وهو ثقة، والحديث له شواهد منها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده\" (^٢).\nوعن أبي الأحوص الجشمي عن أبيه، قال: أتيت النبي ﷺ في ثوب دون، فقال: \" ألك مال؟ \"، قال: نعم، قال: \" من أي المال؟ \" قال: قد أتاني\n_________\n(^١) مطرف -بكسر الميم وفتحها وضمها مع فتح الراء-: ثوب في طرفيه علمان، وقيل: رداء مربع من خز له أعلام.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٨٢٠) وقال: (هذا حديث حسن).","vol":"4","page":219},{"text":"من الإبل والغنم والخيل والرقيق، قال: \" فإذا أتاك الله مالًا فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته\" (^١).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب إظهار نعمة الله على عبده إذا أعطاه الله تعالى ووسع عليه، فيظهر أثر النعمة في لباسه ومأكله ومسكنه، وهذا نوع من شكر الله تعالى على نعمه، ولهذا كان محبوبًا لله تعالى، ولا يتشبه بالفقراء والمعدمين؛ لأن هذا نوع جحد لنعمة الله تعالى وإظهار شكوى، ودعوى للفقر؛ لأن لسان الحال كلسان المقال، وهذا الإظهار المطلوب مقيد بقيدين دلت عليهما نصوص الشريعة:\nالأول: ألا يصل إلى حد الإسراف.\nالثاني: ألا يكون بقصد الفخر والخيلاء وكسر قلوب الفقراء واحتقارهم.\nوقد دل قوله: (إذا أنعم على عبد نعمة) أن المراد بالحديث من عنده سعة من المال، أما من ليس عنده مال فلا يبنغي أن يقترض ويتظاهر أمام الناس بما ليس له حقيقة، فإن هذا من الزور.\nوأما حديث أبي أمامة بن ثعلبة الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"إن البذاذة من الإيمان، إن البذاذة من الإيمان\" (^٢)، والمراد بالبذاذة: رثاثة الهيئة والتواضع في اللباس، وأن ذلك من أخلاق أهل الإيمان، فلا تعارض بين هذا الحديث وحديث الباب؛ لأن معنى هذا الحديث والله أعلم أنه إذا ترك التجمل في بعض الأحيان وأظهر البذاذة فلا بأس به من باب التواضع وكسر النفس عن تكبرها وترفعها على غيرها، فإذا فعله من هذا الباب كان حسنًا، لكن لا يكون عادة دائمة.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٠٦٣)، وأحمد (٢٥/ ٢٢٦)، والحاكم (٤/ ٢٠١)، وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤١٦١)، وابن ماجه (٤١١٨) وغيرهما، وفي سنده اختلاف، وقد صحَّحه الحافظ في \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٦٨)، وتكلم عليه الألباني في \"الصحيحة\" رقم (٣٤١).","vol":"4","page":220},{"text":"وقال الطحاوي: إن المراد: البذاذة التي لا تبلغ بصاحبها نهاية البذاذة التي لا يعرف بها صاحب النعمة من غيره.\nوأما حديث الباب فمراد به النعمة التي ترى على صاحبها بلا خيلاء ولا إسراف، فاللباس المحمود هو البذاذ التي لا بذاذة أقل منها ولا يدخل صاحبه في أكمل اللباس، فيكون داخلًا في قوله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا﴾ [الفرقان: ٦٧] (^١)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"شرح مشكل الآثار\" (٨/ ٤٠).","vol":"4","page":221},{"text":"<span data-type='title' id=toc-427>النهي عن لبس القسي والمعصفر</span>\n٥٣١/ ٨ - عن علي ﵁: \" أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس القسي والمعصفر\". رواه مسلم.\n٥٣٢/ ٩ - وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: رأى علي النبي ﷺ ثوبين معصفرين، فقال: \" أملك أمرتك بهذا؟ \". رواه النسائي.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث علي ﵁ فقد أخرجه مسلم في كتاب \" اللباس والزينة\"، باب \" النهي عن لبس الرجل الثوب المعصفر\" (٢٠٧٨) من طريق مالك، عن نافع، عن إبراهيم بن حنين، عن أبيه، عن علي ﵁، مرفوعًا، وتمامه: (وعن تختم الذهب، وعن قراءة القرآن في الركوع).\nوأما حديث عبد الله بن عمرو ﵁ فأخرجه مسلم أيضًا في الباب المذكور (٢٠٧٧) من طريق سليمان الأحول، عن طاوس، عن عبد الله بن عمرو، وفي آخره: قلت: أغسلهما؟ قال: \" بل أحرقهما\".\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (القسي) بفتح القاف وتشديد السين المكسورة بعدها ياء النسبة، ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير، منسوبة إلى القس: موضع بمصر على الساحل من جهة الشام، وذكر أبو عبيد أن أهل الحديث يقولونه بكسر القاف، وأهل مصر يفتحونها (^١).\n_________\n(^١) \"غريب الحديث\" (١/ ١٣٧).","vol":"4","page":222},{"text":"قوله: (المعصفر) بصيغة اسم المفعول من الرباعي، وهو الثوب المصبوغ بالعصفر، وهو بضم العين والفاء، نبات يستخرج من أزهاره صبع أحمر، يصيغ به الحرير ونحوه.\n\nقوله: (أمك أمرتك بهذا؟) استفهام إنكاري، ومعناه: أن هذا من لبس النساء وزيهن أخلاقهن.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم بس الثياب المضلعة بالحرير على الرجال، وهذا مراد به إذا كان أكثره حريرًا.\n\n• الوجه الرابع: في الحديثين دليل على أن الرجل منهي عن لبس الثوب المعصفر، وهذا قول للحنفية، والصحيح من مذهب الحنابلة (^١)، لكنهم يعبرون عن النهي بالكراهة، وهي كراهة التنزيه، كما هو اصطلاح المتأخرين.\nوالصواب القول بالتحريم لما ورد في حديث عبد الله بن عمرو ﵁: \" إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسهما\" (^٢)، فعلل ذلك بأنها من لباس الكفار، ولأنه أمره بإحراقهما.\nوذهب الجمهور، ومنهم: الشافعية والحنفية والمالكية إلى جواز لبس المعصفر، واستدلوا بأنه ﷺ لبس حلة حمراء، كما ورد في حديث أبي جحيفة (^٣)، وقال البراء ﵁: (كان النبي ﷺ مربوعًا، وقد رأيته في حلة حمراء، ما رأيت شيئًا أحسن منه) (^٤).\nوقد نقل البيهقي عن الشافعي ما يفيد أن النهي خاص بعلي ﵁ لما جاء في بعض الروايات أنه قال: (نهاني ولا أقول: نهاكم) (^٥).\nوالصواب القول الأول، وهو الذي رجحه البيهقي في \" المعرفة\"، وقال بعد أن حكى قول من كرهه ومن أجازه: (والسنة ألزم) (^٦)؛ لأنه قد تقرر في\n_________\n(^١) \"مجمع الأنهر\" (٢/ ٥٣٢)، \"الإنصاف\" (١/ ٤٨١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٠٧٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٨٧)، ومسلم (٥٠٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٨٤٨).\n(^٥) أخرجه مسلم (٤٨٠) (٢١١).\n(^٦) \"معرفة السنن والآثار\" (٢/ ٤٥١)، \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (١٣/ ٢٩٨).","vol":"4","page":223},{"text":"الأصول أن خطاب النبي ﷺ لواحد من الصحابة خطاب لبقية الأمة على الصحيح، ما لم يدل دليل على التخصيص، وقد تقدم ذلك.\nوأما حديث أبي جحيفة فلا دليل فيه على لبس المعصفر؛ لأمرين:\nالأول: أن الحلة لم تكن حمرتها خالصة، وإنما هي منسوجة بخطوط حمر مع الأسود، وهذا جواب ابن القيم (^١)، وقد تعقبه الشوكاني (^٢).\nالثاني: أن النهي مختص بما صبغ بالعصفر، ولا يلحق به غيره كاللون الأحمر؛ لأنه ﷺ لبس الحلة الحمراء، وهذا جواب الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، وقد ذكره من قبل الحافظ ضمن الأقوال السبعة في حكم لبس الأحمر (^٣)، واختاره الشوكاني (^٤).\nقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (وقد أخذ أهل العلم من ذلك حل الألوان من أسود وأخضر وأحمر وغيرها).\nوالذي يظهر لي القول بالإباحة كما قال الشيخ ما لم يكن ثوب شهرة يخالف زي أهل بلده، فيترك لذلك.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز العقوبة بالمال؛ لأن الرسول ﷺ أمر عبد الله بن عمرو بإحراق ثوبيه، وهذا من باب التعزير بالمال، ذكر ذلك ابن تيمية (^٥)، قال القاضي عياض: (لعل ذلك على وجه التغليظ والعقوبة في المال) (^٦).\n\n• الوجه السادس: الحديث دليل على تحريم التشبه بالكفار، وأنه يقع في اللباس وفي غيره. والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (١/ ١٣٧).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٢/ ١٠٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٠٦).\n(^٤) \"نيل الأوطار\" (٢/ ١٠٨).\n(^٥) \"الحسبة\" ص (٥٤).\n(^٦) \"إكمال المعلم\" للقاضي عياض (٦/ ٥٨٩).","vol":"4","page":224},{"text":"<span data-type='title' id=toc-428>جواز لبس الثوب الذي فيه يسير الحرير</span>\n٥٣٣/ ١٠ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵂: \" أنها أخرجت جبة رسول الله ﷺ مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج\". رواه أبو داود.\nوأصله في مسلم وزاد: \" كانت عند عائشة حتى قبضت، فقبضتها، وكان النبي ﷺ يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى نستشفى بها\".\nوزاد البخاري في \" الأدب المفرد\": \" وكان يلبسها للوفد والجمعة\".\n\n• الكلام عليه من وجوه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \" اللباس\"، باب \" الرخصة في العلم وخيط الحرير\" (٤٠٥٤) من طريق عيسى بن يونس، ثنا المغيرة بن زياد، ثنا عبد الله أبو عمر مولى أسماء بنت أبي بكر، قال: رأيت ابن عمر في السوق اشترى ثوبًا شاميًا، فرأى فيه خيطًا أحمر فرده، فأتيت أسماء فذكرت ذلك لها، فقالت: يا جارية، ناوليني جبة رسول الله ﷺ، فأخرجت جبة طيالسة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج.\nوهذا الحديث في سنده المغيرة بن زياد، وهو متكلم فيه، قال ابن حبان: (كان ممن ينفرد عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات، فوجب مجانبة ما انفرد من الروايات، وترك الاحتجاج بما خالف الأثبات، والاعتبار بما وافق الثقات من الروايات (^١»، وقال الحافظ في \" التقريب\": (صدوق له\n_________\n(^١) \"المجروحين\" (٢/ ٣٣٩)، \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٢٣١).","vol":"4","page":225},{"text":"أوهام)، وقال الألباني: (لا يحتج به عند المخالفة) (^١)، وفي روايته هنا مخالفة لغيره بالزيادة التي ذكرها.\nوالحديث أصله في مسلم (٢٠٦٩) من طريق خالد بن عبد الله، عن عبد الملك، عن عبد الله مولى أسماء، وساق الحديث بنحوه وزاد: (فقالت: هذه كانت عند عائشة حتى قبضت، فلما قبضت قبضتها، وكان النبي ﷺ يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها) (^٢).\nورواه البخاري في \" الأدب المفرد\" (٣٨٤)، قال: حدثنا مسدد، عن يحيى، عن عبد الملك العرزمي، قال: حدثنا عبد الله مولى أسماء، وساق الحديث، وفيه: (كان يلبسها للوفود ويوم الجمعة) (^٣)، وهذا سند حسن؛ لأن عبد الملك العرزمي صدوق له أوهام، كما في \" التقريب\".\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (جبة طيالسة) الجبة: ثوب واسع مفتوح من الأمام، يلبس فوق الثياب، وهي بدون تنوين للإضافة، والطيالسة: جمع طيلسان، وهو كساء غليظ، والمرد أن الجبة غليظة كأنها من طيلسان.\n\nقوله: (مكفوفة الجيب …) الكف عطف أطراف الثوب، والمراد أن الجبة في أطرافها وجوانبها علم من الديباج، وهو من غلظ من الحرير، فيكون ما استدار حول الذيل والأكمام والجيب من الديباج.\n\nقوله: (والجيب) بفتح فسكون، هو الشق الذي يكون حول العنق في القميص ليسهل خلعه في الرأس.\n\nقوله: (والكمين) تثنية كم، وهو مدل اليد ومخرجها من القميص ونحوه.\n_________\n(^١) \"معجم أسامي الرواة الذين ترجم لهم الألباني\" (٤/ ١٧٢).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٢٠٦٩).\n(^٣) \"الأدب المفرد\" (٣٨٤).","vol":"4","page":226},{"text":"قوله: (والفرجين) تثنية فرج، والفرج في الثوب هو الشق الذي يكون أمام الثوب وخلفه في أسفله.\n\nقوله: (للوفد) بفتح الواو وسكون الفاء، جماعة الكرام تذهب إلى أمير أو كريم.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا بأس أن يخاط جيب القميص أو الجبة بشيء من الديباج وهو ما غلظ من الحرير، وكذا الكم ونحوه، وهذا محمول على ما تقدم من أنه لا يباح من الحرير إلا بمقدار أربعة أصابع فأقل، جمعًا بين النصوص، وحملًا للمطلق والمجمل على المقيد والمبين.\n\n• الوجه الرابع: استحباب التجمل لصلاة الجعة واستقبال الوفود وحضور المحافل والاجتماعات العامة، وهذا أمر دلت عليه النصوص.\n\n• الوجه الخامس: جواز التبرك والاستشفاء بآثار النبي ﷺ وما مس جسده حتى بعد وفاته، لما جعل الله فيه من البركة، وقد وقع ذلك في أحاديث كثيرة، لكن لا يقاس عليه غيره من الصحابة، فضلًا عمن دونهم ممن يظن به الصلاح، كما جرى عليه كثير من الشراح كالنووي وغيره، فصاروا يذكرون في مثل هذا الموضع التبرك بآثار الصحابة، وهذا غير صحيح؛ لأمرين:\nالأول: أن الصحابة ﵁ وهو أعلم الناس ما فعلوه مع غير النبي ﷺ، فلم يفعلوه مع أبي بكر ولا عمر ﵁ ولا غيرهما، فلو كان مثل ذلك جائزًا لفعلوه مع هؤلاء الأخيار والبررة الأطهار.\nالثاني: أن فتح هذا الباب قد يفضي إلى الغلو والشرك.\nنسأل الله تعالى السلامة، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":227},{"text":"<span data-type='title' id=toc-429>كتاب الجنائز</span>\nالجنائز: بفتح الجيم لا غير، جمع جنازة بالفتح والكسر، وهو الميت، وقيل: الجنازة بفتح الجيم للميت، وبكسرها للنعش وعليه الميت، فالفتح للأعلى والكسر للأسفل.\nقال ابن دريد: (جنزت الشيء، أجنزه جنزًا: إذا سترته، وزعم قوم أن منه اشتقاق الجنازة، ولا أدري ما صحته) (^١).\nوهذا الكتاب عقده المؤلف للأحاديث الواردة في أحكام الأموات من الغسل، والتكفين، والصلاة، والحمل، والدفن، وما يتبع ذلك كالتعزية، وزيارة القبور، وسب الأموات، وغير ذلك مما سيأتي إن شاء الله، وذكر في أوله الأحاديث المتعلقة بذكر الموت وتمنيه، وما يفعله حاضر الميت.\nوقد سرد الحافظ في كتاب \" الجنائز\" خمسة وستين حديثًا دون أن يذكر أي باب في أثناء ذلك، إلا أن ذلك في قوة المبوب؛ لأنه راعى في سرد الأحاديث الترتيب الفعلي الذي يصنع بالميت، وإن كان وجد في ثنايا ذلك أحاديث ليست في محلها.\nوذكر الجنائز في آخر كتاب \" الصلاة\"؛ لأن الصلاة على الميت أهم ما يفعل به، وأنفع ما يكون له؛ لأن فائدتها أخروية، وهي الدعاء له والشفاعة، لعل الله تعالى أن يرحمه ويتجاوز عنه، كما سيأتي إن شاء الله وإلا فحقه أن يذكر بين الوصايا والفرائض.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الجمهرة\" (١/ ٤٧٢).","vol":"4","page":229},{"text":"<span data-type='title' id=toc-430>الأمر بإكثار ذكر الموت</span>\n٥٣٤/ ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" أكثروا ذكر هادم اللذات: الموت\". رواه الترمذي، والنسائي، وصححه ابن حبان.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الترمذي في أبواب \" الزهد\"، باب \" ما جاء في ذكر الموت\" (٢٣٠٧)، والنسائي (٤/ ٤)، وابن حبان (٧/ ٢٥٩) من طريق الفضل بن موسى، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا، وقد جاء عند ابن حبان زيادة: \" فما ذكره عبد قط وهو في ضيق إلا وسعه عليه، ولا ذكره في سعة إلا ضيقه عليه\".\nوقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب).\nوذلك لأن محمد بن عمرو بن علقمة مختلف فيه، فقد وثقه النسائي، ومرة قال: (لا بأس به). وقال عنه الذهبي: (شيخ مشهور حسن الحديث، مكثر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قد أخرج له الشيخان متابعة) (^١)، وقال عنه الحافظ في \" التقريب\": (صدوق له أوهام). وهذا هو الذي استقر عليه رأي المحدثين من المحققين الذين درسوا أقوال الأئمة فيه. فالرجل صدوق لكنه يهم ويخطئ، فحديثه في رتبة الحسن.\n_________\n(^١) \"الميزان\" (٣/ ٦٧٣).","vol":"4","page":230},{"text":"وروى الحديث ابن أبي شيبة: حدثنا محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة مرسلًا. وقد أنكر الإمام أحمد توصيله كما في \" المسائل\" وقال الدارقطني: (والصحيح المرسل) (^١).\nوقد ورد في الباب حديث أنس ﵁ قال: مر النبي ﷺ بقوم من الأنصار يضحكون، فقال: \" أكثروا ذكر هادم اللذات\" (^٢).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أكثروا) هذا أمر بالإكثار. والأصل فيه الوجوب ما لم توجد قرينة تصرفه عن ذلك.\n\nقوله: (هاذم اللذات) بالذل المعجمة بمعنى: قاطعها؛ لأن ذكر الموت يقطع لذائذ الدنيا ويزهد الرجل فيها، ويروى بالمهملة (هادم) من هدم البناء، ففيه تشبيه للذائذ الدنيا بالبناء المنهدم، ومزيلها هو الموت. ويروى: (هازم) بالزاي. ومعناه: القهر والغلبة.\n\nقوله: (الموت) بالجر عطف بيان، وبالرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو الموت، وبالنصب على تقدير: أعني، وهو بيان للهاذم.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه ينبغي للمؤمن أن يكثر من ذكر الموت ولا يغفل عنه؛ لأن الموت حق، ولا بد منه، فينبغي أن يكون على بال المؤمن دائمًا، حتى يستعد له؛ لأن تذكره يزهد في الدنيا، ويرغب في الآخرة، فيستكثر القليل، ويستقل الكثير، ويتخفف من تعلقه بالدنيا وشهواتها والإسراف في طلبها، بخلاف ما إذا غفل عن ذكر الموت فإنه تشتد نهمته في\n_________\n(^١) \"المصنف\" (١٣/ ٢٢٥)، \"مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود\" ص (٣٠٣) \"العلل\" (٨/ ٤٠).\n(^٢) أخرجه البزار (٢/ ٤٦٦) \"مختصر زوائده\"، والطبراني في \"الأوسط\" (١/ ٣٩٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ٢٥٢)، وحسَّنه المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ٢٣٦)، ونقل الحافظ في \"التلخيص\" عن ابن السكن تصحيحه. وقد أنكره أبو حاتم فقال في \"العلل\" (٢/ ١٣١): (هذا حديث باطل)، وذلك لأنه من رواية مؤمل بن إسماعيل، وهو متكلَّم فيه. قال عنه البخاري: (منكر الحديث).","vol":"4","page":231},{"text":"طلب الدنيا ويرغب في جمعها وإنفاق الوقت والجهد في طلبها، وذكر الموت يحث العبد على الطاعة واجتناب المعصية خشية أن يفجأه الأجل.\nقال ثابت البناني: (طوبى لمن ذكر ساعة الموت، وما أكثر عبد ذكر الموت إلا رؤي ذلك في عمله) (^١).\nوعن شرحبيل: (أن أبا الدرداء ﵁ كان إذا رأى جنازة قال: اغدوا؛ فإنا رائحون، أو: روحوا؛ فإنا غادون، موعظة بليغة، وغفلة سريعة، كفى بالموت واعظًا، يذهب الأول فالأول، ويبقى الآخر لا حلم له) (^٢).\n\n* * *\n_________\n(^١) \"حلية الأولياء\" (٢/ ٣٢٦).\n(^٢) \"حلية الأولياء\" (١/ ٢١٧).","vol":"4","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-431>حكم تمني الموت</span>\n٥٣٥/ ٢ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" لا يتمنين أحدكم الموت لضر ينزل به، فإن كان لابد متمنيًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي\". متفق عليه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع منها: كتاب \" المرضى\"، باب \"تمني المريض الموت\" (٥٦٧١)، ومسلم (٢٦٨٠) من طريق إسماعيل بن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك ﵁، به مرفوعًا.\nورواه البخاري (٥٦٧١)، ومسلم (٢٦٨٠) أيضًا من طريق عن ثابت البناني، عن أنس رض الله عنه، به.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا يتمنين) بنون التوكيد. وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم: \" لا يتمنين أحدكما لموت ولا يدع به قبل أن يأتيه\" (^١)، فجمع في النهي عن ذلك بين القصد والنطق بالدعاء به.\n\nقوله: (أحدكم) الخطاب للصحابة ﵁، والمراد: هم ومن بعدهم من المسلمين عمومًا.\n\nقوله: (لضر ينزل به) الضر بضم الضاد المعجمة: الفقر والفاقة\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٦٨٢).","vol":"4","page":233},{"text":"وهو اسم، وبفتحها مصدر ضره يضره من باب (قتل) إذا فعل به: مكروهًا.\n\nقوله: (فإن كان لابد متمنيًا) أي: فإن كان لا محالة ولا غنى له عن فعل التمني لغلبة نفسه وهواه حتى منعاه من اجتناب المنهي عنه.\n\nوقوله: (لابد) لا: نافية للجنس، وبد: اسمها، وخبرها محذوف، أي: لابد موجود. و(متمنيًا) خبر كان.\n\nقوله: (فليقل) هذا أمر إباحة؛ لأنه بعد حظر.\n\nقوله: (ما كانت الحياة خيرًا لي) أي: مدة كونها خيرًا لي من الموت، وهو أن تكون الطاعة غالبة على المعصية، والأزمنة شبه خالية عن الفتنة والمحنة.\n\nقوله: (ما كانت الوفاة خيرًا لي) أي: من الحياة إذا كان الأمر على ما تقدم.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المسلم منهي عن تمني الموت بسبب ضر ينزل به من فقر أو فاقة أو دين أو مرض أو جراحات وغير ذلك؛ لأمرين:\nالأمر الأول: أن هذا يدل على الجزع من البلاء وعدم الرضا بالقضاء، وفيه اعتراض على القدر المحتوم، والواجب الرضا بالقضاء والتسليم لأمر الله تعالى.\nالأمر الثاني: أنه ليس في الدعاء بالموت مصلحة، بل فيه مفسدة ظاهرة، وهي طلب إزالة نعمة الحياة وما يترتب عليها من الفوائد، وقد قال النبي ﷺ: (لا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يستعتب\" (^١)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" لا يتمنين أحدكم الموت ولا يدع به قبل أن يأتيه، إنه إذا مات انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٦٧٣) من حديث أبي هريرة -﵁-.\n(^٢) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"4","page":234},{"text":"الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن الضر عام في الدنيوي والأخروي، وقد حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوي، فإن وجد الضر الأخروي بأن خشي الفتنة في دينه لم يدخل في النهي.\nوقد ورد حديث أنس عند النسائي من طريق حميد عنه بلفظ: \" لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا\" (^١). والاستدلال به على أن (في) سببية، أي: بسبب أمر من أمور الدنيا (^٢).\nوقد ورد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه\" (^٣). وفي حديث معاذ الطويل عن النبي ﷺ وفيه: \" اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني غير مفتون\" (^٤).\n\n• الوجه الخامس: النهي عن تمني الموت مقيد بما إذا لم يكن على هذه الصيغة: \" اللهم أحيني … \" إلخ؛ لأن في هذه الصيغة المأمور بها نوع تفويض وتسليم للقضاء، والله تعالى هو العالم بحقائق الأمور وعواقبها، وقد دعا النبي ﷺ بذلك كما في حديث عمار بن ياسر ﵁ وفيه: \" اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي … \" الحديث (^٥).\n\n• الوجه السادس: قد امتثل الصحابة ﵃ هذا النهي، فهذا أنس ﵁\n_________\n(^١) \"سنن النسائي\" (٤/ ٣)، وأخرجه -أيضًا- ابن حبان (٧/ ٢٣٢)، وإسناده قوي على شرط مسلم.\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ١٢٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧١١٥)، ومسلم في \"الفتن\" (٥٣) (١٥٧).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٣٢٣٥)، وأحمد (٣٦/ ٤٢٢) وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: \"هذا حديث صحيح\").\n(^٥) أخرجه أحمد (٣٠/ ٢٦٤ - ٢٦٥) وهو حديث صحيح.","vol":"4","page":235},{"text":"يقول: (لولا أني سمعت رسول الله ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به) (^١).\nوعن قيس بن حازم قال: أتينا خباب بن الأرت نعوده وقد اكتوى سبعًا، فقال: (لولا أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به) (^٢)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٣٤)، ومسلم (٢٦٨٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٦٦٢)، ومسلم (٢٦٨١).","vol":"4","page":236},{"text":"<span data-type='title' id=toc-432>موت المؤمن بعرق الجبين</span>\n٥٣٦/ ٣ - عن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" المؤمن يموت بعرق الجبين\". رواه الثلاثة، وصححه ابن حبان.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الترمذي في أبواب \" الجنائز\"، باب \" ما جاء أن المؤمن يموت بعرق الجبين\" (٩٨٢)، والنسائي (٤/ ٥ - ٦)، وابن ماجه (١٤٥٢) وابن حبان (٧/ ٢٨١) من طريق المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: … فذكره.\nوقد أعل هذا الحديث بأنه لا يعرف لقتادة سماع من عبد الله بن بريدة.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن، قال بعض أهل الحديث: لا نعرف لقتادة سماعًا من عبد الله بن بريدة)، وهذا قول البخاري (^١)، مع أن عبد الله بن بريدة قد تأخرت وفاته إلى سنة (١١٥ هـ)، وقتادة سنة (١١٧ هـ) فعاصره جل عمره. فاحتمال اللقاء بينهما وارد، لكن هذا فيه نظر من وجهين:\n\nالوجه الأول: أن البخاري نفى سماعه، والبخاري من أعلم خلق الله بالرواة وعصورهم، وقد يؤيد ذلك بعد البلدين، فقتادة بصري، وابن بريدة خراساني.\n\nالوجه الثاني: أن قتادة مدلس، ومن يقول: يكتفى بإمكان اللقاء، بشترط سلامة الراوي من التدليس.\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٤/ ١٢)، \"المراسيل\" لابن أبي حاتم (١٦٨).","vol":"4","page":237},{"text":"وقد توبع قتادة في روايته، فرواه كهمس، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، به، أخرجه النسائي (٤/ ٦)، وكهمس هو ابن الحسن التميمي، ثقة من رجال الجماعة، والحديث إسناده صحيح.\nوقد مر في مقدمة \" البلوغ\" أن مراد الحافظ بالثلاثة: أبو داود والترمذي والنسائي، وهذا الحديث رواه ابن ماجه، ولم يروه أبو داود.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المؤمن يموت بعرق الجبين.\nوالعرق بالفتح: الماء الذي يخرج من الجسد عند المشقة أو الحرارة. وقد عد الألباني (^١) ذلك من علامات حسن الخاتمة، وقد فسر الحديث بمعنيين:\nالمعنى الأول: أن الحديث كناية عن كد المؤمن ومشقته في طلب الحلال وأداء الصوم والصلاة ومراعاة أحكام الدين حتى الموت.\nالمعنى الثاني: أنه كناية عن الشدة والمشقة التي يلقاها المؤمن عند الموت وسكراته تطهيرًا له من الذنوب، وهذا هو الأقرب.\nوقد ورد الحديث عند أحمد (^٢) وغيره بالطريق المذكور عن ابن بريدة عن أبيه، أنه كان بخراسان، فعاد أخًا له وهو مريض، فوجده بالموت؛ وإذا هو يعرق جبينه، فقال: (الله أكبر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" موت المؤمن بعرق الجبين\"). فهذا يؤيد المعنى الثاني؛ ولأن شدة النزع أمر ثابت.\nوقد ورد في حديث عائشة ﵂ قالت: (لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه؛ فإذا اغتم بها كشفها …) الحديث (^٣).\nفالموت له سكرات لكنها قد تخفف على إنسان وتشدد على آخر، نسأل الله أن يعيننا على الموت، ويخفف عنا سكراته. والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"أحكام الجنائز\" ص (٣٥).\n(^٢) \"المسند\" (٣٨/ ١٢٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٣٥)، ومسلم (٥٣١).","vol":"4","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-433>مشروعية تلقين المحتضر \"لا إله إلا الله</span>\"\n٥٣٧/ ٤ - عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵁ قالا: قال رسول الله ﷺ: \"لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله\" رواه مسلم، والأربعة.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا المتن عبارة عن حديثين بإسنادين: الأول: حديث أبي سعيد ﵁.\nوقد أخرجه مسلم في كتاب \" الجنائز\"، باب \" تلقين الموتى لا إله إلا الله\" (٩١٦)، وأبو داود (٣١١٧)، والترمذي (٩٧٦)، والنسائي (٤/ ٥)، وابن ماجه (١٤٤٥) من طريق عمارة بن غزية، حدثنا يحيى بن عمارة، قال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: … فذكره مرفوعًا.\nوأما حديث أبي هريرة ﵁، فقد أخرجه مسلم (٩١٧)، وابن ماجه (١٤٤٤) من طريق زيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: … فذكره.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية تلقين المحتضر (لا إله إلا الله) والمراد بقوله: (لقنوا) أي: ذكروا الميت: لا إله إلا الله.\nوقد حمل الجمهور من أهل العلم الأمر في هذا الحديث على الاستحباب، كما ذكره النووي وغيره، وظاهر الوجوب؛ لأنه الأصل، ولا صارف له، ولهذا قال الشوكاني بعد أن ذكر القول بالندب: (ولكن ينبغي أن ينظر ما القرينة الصارفة للأمر عن الوجوب؟) (^١).\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٣).","vol":"4","page":239},{"text":"وهذا التلقين إنما هو عند الاحتضار. والمراد بقوله: (موتاكم): من حضره الموت، لا من مات. وأما التلقين بعد الموت ووضعه في القبر فهذا بدعة، وسيأتي في موضعه إن شاء الله.\nوحكمة هذا التلقين لأجل أن تكون هذه الكلمة العظيمة آخر كلامه من الدنيا فيدخل الجنة.\nوقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ زيادة عند البزار وابن حبان: (فإنه من كان آخر كلمته: لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يومًا من الدهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه\" (^١).\nوالمراد بالتلقين: أن يأمر المحتضر بقول: لا إله إلا الله، وهذا إذا كان قويًا يتحمل؛ فإن كان لا يستطيع لضعفه فإنه يقولها عنده بحيث يسمعها ويكفي، وقد ورد عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ عاد رجلًا من الأنصار، وفي رواية: من بني النجار، فقال: \" يا خال، قل: لا إله إلا الله\"، فقال: أخال أم عم؟ فقال: \" لا، بل خال\"، قال: فخير لي أن أقول: لا إله إلا الله. فقال ﷺ: \"نعم\" (^٢).\nوالتلقين يكون مرة واحدة لحصول المقصود، ولئلا يضجره فيقول: لا أقول، أو يتكلم بغيرها مما لا يليق، لضيق حاله وشدة كربه.\nفإن تكلم بعد التلقين أعاد تلقينة مرة أخرى، لحديث معاذ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة\" (^٣).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب حضور المحتضر لتذكيره وتأنيسه وإماض عينيه والقيام بحقوقه. وقد يكون واجبًا بناءً على ما تقدم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البزار (١/ ٦١) \"مختصر زوائده\"، وابن حبان (٧/ ٢٧٢)، وفي سند ابن حبان: محمد بن إسماعيل الفارسي، ذكره في \"الثقات\" (٩/ ٧٨) وقال: (يُغرب)، وقد روي موقوفًا كما في \"مصنف عبد الرزاق\" (٦٠٤٥).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٠/ ١٨)، وإسناده صحيح على شرط مسلم.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣١١٦)، وأحمد (٣٦/ ٣٦٣)، والحاكم (١/ ٣٥١)، وحسنه الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ١٥٠)، وصححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي، وله شاهد من حديث أبي هريرة -﵁- عند البزار وابن حبان، وتقدم.","vol":"4","page":240},{"text":"<span data-type='title' id=toc-434>حكم قراءة ﴿يس﴾ على المحتضر</span>\n٥٣٨/ ٥ - عن معقل بن يسار ﵁ أن النبي ﷺ قال: \" اقرأوا على موتاكم ﴿يس﴾. رواه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو معقل بفتح الميم وسكون العين وكسر القاف ابن يسار بن عبد الله المزني. ومزينة المنسوب إليها: هي والدة أحد أجداده، وهو عثمان بن عمرو، نسبوا إليها، وكنيته أبو علي، وقيل: أبو عبد الله، وقيل غير ذلك. أسلم قبل الحديبية، وشهد بيعة الرضوان، وهو الذي حفر في البصرة نهر معقل بأمر من عمر ﵁ فنسب إليه (^١). روى عنه عمران بن حصين، والحسن البصري، والحكم بن الأعرج، وآخرون، نزل البصرة، وبني بها دارًا، ومات بها في خلافة معاوية ﵁ (^٢).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الجنائز\"، باب \"القراءة عند الميت\" (٣١٢١)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (١٠٧٤)، وابن حبان (٧/ ٢٦٩) من طريق سليمان التيمي، عن أبي عثمان، وليس بالنهدي، عن أبيه، عن معقل بن يسار، قال: قال النبي ﷺ: … فذكره، ولم يقل النسائي وابن حبان: عن أبيه.\n_________\n(^١) انظر: \"معجم البلدان\" (٥/ ٣٢٣).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (١٠/ ١٧٢)، \"الإصابة\" (٩/ ٢٥٩).","vol":"4","page":241},{"text":"وهذا الإسناد ضعيف لأمرين:\n١ - الاضطراب في إسناده، فقد روي عن أبي عثمان، عن أبيه، عن معقل مرفوعًا، وروي عن أبي عثمان، عن معقل مرفوعًا، بإسقاط (عن أبيه)، وروي عن رجل، عن أبيه، عن معقل مرفوعًا، وروي عن معقل موقوفًا.\nوقد نقل الحافظ عن ابن القطان أنه أعله بالاضطراب، والوقف، وجهالة أبي عثمان وأبيه (^١).\n٢ - أن أبا عثمان هذا مجهول، وكذا أبوه، كما ذكر الذهبي (^٢)، وقال ابن المدين في أبي عثمان هذا: (لم يرو عنه غير سليمان التيمي، وهو مجهول)، وقد ذكره ابن حبان في \" الثقات\" (^٣).\nوالتنصيص في الإسناد على أن أبا عثمان ليس هو النهدي ملحظ دقيق؛ لأن سليمان التيمي معروف بالرواية عن أبي عثمان النهدي، وهو عبد الرحمن بن مل، وهو ثقة، ثبت، عابد، كما في \"التقريب\"، وقد نقل الحافظ في \" التلخيص\" (^٤) عن ابن العربي عن الدارقطني أنه قال: (هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث)، وهذا مقالة يوقف عندها؛ لأنها من إمام نقاد وبصير بالعلل وأحوال الرجال.\n\n• الوجه الثالث: هذا الحديث يستدل به الفقهاء على استحباب قراءة سورة ﴿يس﴾ عند المحتضر، ولهذا يذكرونه في أول \" الجنائز\"، وقد فسر ابن حبان هذا الحديث بهذا المعنى، لا أن الميت يقرأ عليه، وقد أيد ابن القيم هذا القول من خمسة أوجه (^٥)، لكن الصواب أن قراءتها غير مشروعة، لضعف الحديث، ويقتصر في ذلك على ما ثبت في السنة، وهو تلقينه لا إله إلا الله، كما تقدم.\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (٢/ ١١٠)، وانظر: \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٤٩ - ٥٠) ففيه التصريح بالأخير فقط.\n(^٢) \"الميزان\" (٤/ ٥٥٠).\n(^٣) (٧/ ٦٦٤).\n(^٤) (٢/ ١١٠).\n(^٥) \"الروح\" ص (١٨).","vol":"4","page":242},{"text":"وقد ذكر العلماء أن حكمة قراءتها لما فيها من التوحيد والمعاد، وذكر البشري بالجنة لأهل التوحيد وغبطة من مات عليه، بقوله تعالى: ﴿يا ليت قومي يلعمون (٢٦) بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين (٢٧)﴾ [يس: ٢٦، ٢٧]، ذكر ذلك ابن القيم (^١)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الروح\" ص (١٨).","vol":"4","page":243},{"text":"<span data-type='title' id=toc-435>ما ينبغي فعله لحاضر الميت</span>\n٥٣٩/ ٦ - عن أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة ﵂ وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: \" إن الروح إذا قبض اتبعه البصر\"، فضج ناس من أهله، فقال: \" لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون\"، ثم قال: \"اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وافسح له في قبره، ونور له فيه، واخلفه في عقبة\". رواه مسلم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \" الجنائز\"، باب \" في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر\" (٩٢٠) من طريق أبي إسحاق الفزاري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أم سلمة قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة … الحديث، وفي سياقه اختلاف، ولفظه كما في \" الصحيح\": \" … فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون\" ثم قال: \" اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابربن، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه\".\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (على أبي سلمة) هو عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، مشهور بكنيته، من السابقين الأولين إلى الإسلام، وأول من هاجر بظعينته (^١) إلى\n_________\n(^١) الظعينة: المرأة.","vol":"4","page":244},{"text":"أرض الحبشة ثم إلى المدينة، وكان أخًا للنبي ﷺ من الرضاعة، كما في الصحيحين، وتزوج أم سلمة، ثم صارت بعده إلى النبي ﷺ، أصابه سهم في أحد، ثم انتقض جرحه سنة أربع من الهجرة فمات منه ﵁ (^١).\n\nقوله: (وقد شق بصره) بفتح الشين وبصره برفع الراء فاعل، والمعنى: شخص وانفتح؛ لأنه يتبع الروح وينظر أين نذهب؟.\nقال النووي: (هكذا الرواية فيه باتفاق الحفاظ وأهل الضبط) (^٢)، ويجوز ضبط (بصره) بالنصب وهو صحيح أيضًا يقال: شق الميت بصره: إذا شخص.\n\nقوله: (فأغمضه) أي: أطبق أجفانه لئلا يتشوه منظره.\n\nقوله: (إن الروح إذا قبض اتبعه البصر) أي: إذا خرج الروح من الجسد تبعه البصر ناظرًا أين يذهب؟ وفي (الروح) لغتان: التذكير والتأنيث، وهذا الحديث دليل التذكير.\nوالروح: جسم نوراني علوي خفيف متحرك ينفذ في الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في العود (^٣)، وهذا الحديث يدل على ذلك، فإن القبض لا يكون إلا لجسم، والبصر لا يتبع إلا شيئًا مرئيًا هو الجسم.\n\nوقوله: (اتبعه) هذا لفظ البلوغ، والمثبت في مسلم المطبوع: \" تبعه\".\n\nقوله: (فضج ناس) أي: صرخ ناس جزعًا على موته، لما قال لهم الرسول ﷺ ذلك. قال ابن الأثير: (الضجيج: الصياح عند المكروه والمشقة والجزع) (^٤).\n\nقوله: (فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير) هذا يشعر بأنه وقع منهم دعاء على أنفسهم من هول ما سمعوا.\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (٦/ ١٤).\n(^٢) \"الأذكار\" للنووي ص (١٣١).\n(^٣) انظر: \"التعريفات\" للجرجاني ص (١١٢).\n(^٤) \"النهاية\" (٣/ ٧٤).","vol":"4","page":245},{"text":"قوله: (فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون) أي: فإن الملائكة الحاضرين حينئذ (تؤمن) أي: يقولون: آمين، أي: استجب، على ما تقولون من الدعاء فلا تدعو إلا بخير ليحصل تأمينهم عليه فيستجاب.\n\nقوله: (اللهم اغفر لأبي سلمة) ذكره بكنيته دون اسمه؛ لأنه اشتهر بها، كما تقدم، والمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه.\n\nقوله: (وارفع درجته في المهديين) أي: اجعل له درجة علية عندك في المهديين، وهم الذين هداهم الله بالإسلام سابقًا وبالهجرة إلى خير الأنام لاحقًا. وهذا الدعاء مع ما قبله في غاية المناسبة والترتيب؛ لأن الأول من باب التخلية بالمعجمة والثاني من باب التحلية بالمهملة.\n\nقوله: (واخلفه) بهمزة الوصل، وضم اللام، أي: كن له خلفًا وخليفة.\n\nقوله: (في عقبه) بفتح فكسر، ويجوز إسكانها للتخفيف: هو الولد وولد الولد.\n\nقوله: (في الغابرين) أي: الباقين، وهو بدل بإعادة العامل، والمعنى: كن خليفة له في ذريته بحفظك لهم وبركتك فيهم.\n\nقوله: (واغفر لنا وله) بتقديم النفس قبل الدعاء للآخر.\n\nقوله: (يا رب العالمين) مناسبة ختم الدعاء بذلك أن من كان خالق العالمين ومالكهم ومدبر شؤونهم هو الذي يطلب منه ذلك.\nوالعالمين: كل من سوى الله تعالى، وصفوا بذلك؛ لأنهم علم على خالقهم ﷺ.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يستحب لحاضر الميت إغماض عينيه، لئلا تبقى مفتوحة فيتشوه منظره، وكذا ينبغي شد لحييه بعصابة عريضة تربط فوق رأسه؛ لأنه لو ترك لصار كربه المنظر.\n\n• الوجه الرابع: النهي عن الضجيج والصراخ ورفع الصوت عند مصيبة الموت؛ لأن الملائكة تؤمن على ما يقال، فالواجب في هذه الحال الدعاء بكل خير، ليحظى الداعي بتأمين الملائكة واستجابة الدعاء.\n\n•","vol":"4","page":246},{"text":"الوجه الخامس: أنه يستحب لحاضر الميت أن يشتغل بالدعاء لنفسه وللميت بالرحمة والمغفرة ورفع الدرجات في الجنة، وصلاح أهله وذريته؛ لأن الدعاء له عند أهله وبحضرتهم مما يخفف المصيبة، ويسلي المصابين، ويدل على مشاركتهم في مصيبتهم، فالدعاء في هذا الموطن في غاية المناسبة.\n\n• الوجه السادس: استحباب البدء بالنفس قبل الغير في الدعاء لقوله: \" واغفر لنا وله يا رب العالمين\"، وقد ورد في حديث أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه (^١)، ولكن هذا ليس عادة لازمة، كما ذكر العلماء (^٢).\n\n• الوجه السابع: إثبات نعيم القبر من اتساعه للميت وتنويره له، فيكون عليه روضة من رياض الجنة، نسأل الله الكريم من فضله.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٩٨٤)، والترمذي (٣٣٨٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠/ ١٦٥)، وأحمد (٣٥/ ٦٤، ٦٥)، وإسناده صحيح على شرط مسلم.\n(^٢) انظر: \"تحفة الأحوذي\" (٩/ ٣٢٧).","vol":"4","page":247},{"text":"<span data-type='title' id=toc-436>استحباب تغطية الميت قبل تجهيزه</span>\n٥٤٠/ ٧ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ حين توفي سجي ببرد حبرة. متفق عليه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nالحديث أخرجه البخاري في كتاب \"اللباس\"، باب \" البرود والحبر والشملة\" (٥٨١٤)، ومسلم (٩٤٢) من طريق الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف؛ أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ … الحديث. وهذا لفظ البخاري.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (سجي) بضم السين وكسر الجيم المشددة، مبني للمجهول، أي: غطي جميع بدنه ﷺ.\n\nقوله: (ببرد) البرد: بضم الباء الموحدة وسكون الراء المهملة ثم دال مهملة، كساء له أعلام، جمعه: برود وأبراد.\n\nقوله: (حبرة) بالإضافة لما قبلها، أو بالوصف، وهي بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وفتح الراء المهملة وتاء التأنيث، وهي برود اليمن تصنع من قطن، وكانت أشرف الثياب عندهم.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب تغطية جسد الميت كله، وعدم ترك وجهه وأطرافه مكشوفة، صيانة للميت عن الانكشاف والاطلاع على صورته المتغيرة بوفاته، وهذا يكون قبل تغسيله وتكفينه، ويستثنى من ذلك المحرم، كما سيأتي إن شاء الله.","vol":"4","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-437>جواز تقبيل الميت</span>\n٥٤١/ ٨ - عن عائشة ﵂ أن أبا بكر الصديق ﵁ قبل النبي ﷺ بعد موته. رواه البخاري.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الجنائز\"، باب \"الدخول على الميت إذا أدرج في أكفانه\" (١٢٤١) من طريق عبد الله بن المبارك، قال: أخبرني معمر ويونس، عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته قالت: (أقبل أبو بكر ﵁ على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ﵂ فتيم النبي ﷺ وهو مسجى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله، ثم بكى …) الحديث.\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز تقبيل الميت لمن يجوز له تقبيله في حال الحياة والنظر إلى وجهه.\nوالظاهر من السياق أن أبا بكر ﵁ قبل النبي ﷺ تقبيل المحب لحبيبته، وهذا دليل واضح على شدة محبة أبي بكر الصديق ﵁ للنبي ﷺ، ولم يفعله أبو بكر ﵁ تبركًا، كما يقول بعض الشراح؛ ليأخذوا منه جواز تقبيل الميت تبركًا؛ فإن هذا لا دليل عليه، بل السياق يدل على أنه محبة لا تبرك، ولو كان تبركًا لفعله بقية الصحابة ﵃، ولو سلمنا أنه فعله تبركًا لكان خاصًا بالنبي ﷺ، وليس لأحد غيره، تقول عائشة ﵂: (ثم أكب عليه فقبله، ثم بكى، فقال: بأبي وأمي يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين: أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها …) الحديث.","vol":"4","page":249},{"text":"<span data-type='title' id=toc-438>وجوب المبادرة بقضاء دين الميت</span>\n٥٤٢/ ٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" نفس المؤمن معلقة بدينه، حتى يقضي عنه\". رواه أحمد، والترمذي وحسنه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (١٥/ ٤٢٥)، والترمذي (١٠٧٨) (١٠٧٩) من طريق سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا.\nوقال الترمذي: (هذا حديث حسن)، وذلك لأن في إسناده عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المخزومي. قال ابن الميدني عن يحيى بن سعيد: (كان شعبة يضعف عمر بن أبي سلمة)، وقال أحمد: (صالح)، وقالا بن معين: (ليس به بأس) وفي رواية: (ضعيف الحديث)، وقال البخاري: (ليس بالقوي)، وكذا قال النسائي، ونقل الحافظ عن البخاري أنه قال: (صدوق إلا أنه يخالف في حديثه) (^١). وقريب منه قول أبي حاتم، وقال الحافظ في \" التقريب\": (صدوق يخطئ).\nوعلى هذا فيقبل حديثه ما لم يخالف؛ فإن خالف ترك، وهنا يقبل حديثه؛ لأنه لم يتفرد به، فقد أخرجه ابن حبان (٧/ ٣٣١) من طريق عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا،\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٤٠٢).","vol":"4","page":250},{"text":"وهذا إسناد رواته كلهم ثقات، لكن قد يعل بتفرد عبد الله بن محمد الأزدي شيخ ابن حبان لأنه وإن كان ثقة، لكن عنده غرائب (^١).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على عظم شأن الدين أن نفس المؤمن محبوسة ومرهونة به مهما كان صلاحها واستقامتها حتى يقضى عنه، وهذا والله أعلم لأن حقوق الآدميين مبنية على الشح ودم السماح بها.\nويستفاد من هذا أنه ينبغي التخلص من الدين قبل الموت، ومما يؤسف عليه أن نجد بعض الناس عليه ديون، وله رصيد من المال في أحد المصارف يستفيد منه صاحب المصرف، وهو محروم من الانتفاع به، وأي نفع أعظم من قضاء الدين منه؟!\nقال العراقي في معنى الحديث: (أي: إن أمرها موقوف، لا حكم لها بنجاة ولا هلاك حتى ينظر هل يقضى ما عليها من الدين أم لا؟) (^٢).\nومما يدل على عظم شأن الدين ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين\"، وفي رواية له: \" القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين\" (^٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين، فيسأل: هل ترك لدينه من قضاء؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال: \"صلوا على صاحبكم\"، فلما فتح الله عليه الفتوح، قال: \" أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفى وعليه دين فعلى قضاؤه، ومن ترك مالًا فهو لورثته\" (^٤).\nوإذا كان هذا في الدين المأخوذ برضا صاحبه، وعن طريق المعاملة المباحة، فكيف بما أخذ نهبًا أو غصبًا أو سلبًا؟!\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب المبادرة بقضاء دين الميت\n_________\n(^١) انظر: \"زوائد رجال صحيح ابن حبان\" (٣/ ١٥٢٣).\n(^٢) \"تحفة الأحوذي\" (٤/ ١٩٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٨٨٦).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٧٣١)، ومسلم (١٦١٩)، وهذا لفظ مسلم، وسيأتي شرحه في كتاب \"البيوع\" -إن شاء الله تعالى-.","vol":"4","page":251},{"text":"وتخليص ذمته منه، وهذا من أهم ما يفعل عنه بعد وفاته، سواء كان هذا الدين لله؛ كالزكاة والكفارة والنذر وما أشبه ذلك، أو للآدميين، كالقرض وثمن المبيع والأجرة ونحو ذلك.\nوالظاهر أن هذا محمول على من له مال يقضى منه دينه؛ وأما من لا مال له ومات عازمًا على القضاء فقد ورد ما يدل على أن الله تعالى يقضي عنه، وهو ما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله\" (^١)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٨٧)، وسيأتي شرحه -أيضًا- في كتاب \"البيوع\" -إن شاء الله تعالى-.","vol":"4","page":252},{"text":"<span data-type='title' id=toc-439>ما يصنع بالميت إذا كان محرمًا</span>\n٥٤٣/ ١٠ - عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال في الذي سقط عن راحلته فمات: \" اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين\". متفق عليه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع من \"صحيحه\"، ومنها: كتاب \" الجنائز\"، في عدة أبواب، أولها: باب \" الكفن في ثوبني\" (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦) (٩٤) من طريق حماد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁ قال: بينما رجل واقف مع رسول الله ﷺ بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته، أو قال: فأوقصته. فقال النبي ﷺ: \" اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا\" هذا لفظ البخاري في الباب المذكور، ورواه البخاري (١٨٥١) ومسلم (١٢٠٦) (٩٩) من طريق أبي بشر، ورواه مسلم أيضًا (١٢٠٦) (٩٣) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو كلاهما عن سعيد، عن ابن عباس بلفظ: \" وكفنوه في ثوبيه\".\nوجاء في رواية عند مسلم \" في الحج\" (٩٨) من طريق سفيان، عن عمر بن دينار، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵁: \" ولا تخمروا رأسه ولا وجهه\".\nوهذه الزيادة ضعفها الإمام البخاري فقال: (والصحيح لا تخمروا رأسه) (^١)، كما ضعفها البيهقي، فقال بعد ذكر رواية أبي الزبير عن سعيد\n_________\n(^١) انظر: \"غرائب شعبة\" من مجموع \"أحاديث الشيوخ الكبار\" ص (١٩٢).","vol":"4","page":253},{"text":"بلفظ: \" وأن يكشفوا وجهه حسبته قال: ورأسه\": (ذكر الوجه فيه غريب ورواية الجماعة الذين لم يشكوا، وساقوا المتن أحسن سياقة، أولى بأن تكون محفوظة) (^١)، وممن ضعفها الحاكم (^٢)، وتعقبه الزيلعي (^٣)، وصحح الزيادة الحافظ (^٤)، والألباني (^٥).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب تغسيل الميت، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل ذلك.\n\n• الوجه الثالث: استدل العلماء بقوله: \" وكفنوه في ثوبيه\" على أن الكفن مقدم على الميراث وعلى الدين؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك ولم يسأل عن وارثه ولا عن دين عليه، ولو اختلف الحال لسأل.\n\n• الوجه الرابع: في الحديث دليل على جواز الاقتصار في الكفن على ثوبين، وهما إزار ورداء، ويكون التكفين بالثلاثة كما سيأتي محمولًا على الاستحباب (^٦).\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الميت إذا كان محرمًا يصنع به ما يصنع في الميت غير المحرم من التغسيل والتكفين، إلا أنه يجنب ما يجتنبه المحرم من الطيب وتغطية الرأس، ويشرع تكفينه بثوبي إحرامه، لرواية: \" وكفنوه في ثوبيه\" ولا يزاد على ذلك، تكرمةً له.\n\n• الوجه السادس: مشروعية خلط الماء بالسدر في تغسيل الميت، والسدر: شجر النبق. والمراد هنا: ورقه، فيدق ويخلط بالماء، وذلك لأن السدر أبلغ في التنظيف وتصليب بدن الميت.\n\n• الوجه السابع: الحديث دليل على مشروعية تحنيط الميت، والحنوط: أخلاط من طيب تعد للأموات خاصة، يذر بين الأكفان ويجعل منه في قطن على منافذ وجهه ومواضع سجوده.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٩٣).\n(^٢) \"علوم الحديث\" ص (١٤٨).\n(^٣) \"نصب الراية\" (٣/ ٢٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٥٤).\n(^٥) \"الإرواء\" (٤/ ١٩٧ - ٢٠٠).\n(^٦) انظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٤٠ - ٢٤١).","vol":"4","page":254},{"text":"ووجه الاستدلال: أن نهي النبي ﷺ عن تحنيط المحرم دليل على أن تحنيط الميت أمر متبع.\n\n• الوجه الثامن: اختلف العلماء في حكم تغطية وجه المحرم على قولين:\nالأول: أن تغطية الوجه ليس من محظورات الإحرام، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وهو قول الشافعي، وعزاه ابن حجر إلى الجمهور (^١)، واختاره ابن حزم، وابن القيم (^٢).\nالقول الثاني: أن تغطية الوجه من محظورات الإحرام، وهو قول أبي حنيفة ومالك (^٣)، ورواية عن أحمد، واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز (^٤)، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي (^٥)، استدلالًا برواية: \" ولا تخمروا رأسه ولا وجهه\".\nوسبب الخلاف اختلاف العلماء في صحة هذه اللفظة: \" ولا وجهه\"، فمن صححها أخذ بها، واستدل أيضًا بقول ابن عمر ﵂: (ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم) (^٦)، ومن ضعفها وقال: إنها غير محفوظة (^٧)، قال: يجوز للمحرم أن يغطي وجهه، وأن يغطي أنفه، وأن يلبس الكمامة\n_________\n(^١) \"الأم\" (٧/ ٢٥٥)، \"المغني\" (٥/ ١٥٣)، \"المجموع\" (٧/ ٢٦٨)، \"شرح العمدة\" لابن تيمية (٢/ ٥٢)، \"فتح الباري\" (٤/ ٥٤)، \"الإنصاف\" (٣/ ٤٦٣).\n(^٢) \"المحلى\" (٧/ ٩١ - ٩٢)، \"إعلام الموقعين\" (١/ ٢٢٣)، (٢/ ١٩٨)، \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٤٤).\n(^٣) \"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ٣٨٨)، \"المغني\" (٥/ ١٥٣)، \"المبسوط\" (٤/ ٧).\n(^٤) \"الفتاوى\" (١٧/ ١١٧).\n(^٥) \"أضواء البيان\" (٥/ ٣٥٨).\n(^٦) أخرجه مالك (١/ ٣٢٧)، وابن أبي شيبة (٣٠٨)، والبيهقي (٥/ ٥٤) عن نافع، عن ابن عمر، وإسناده صحيح، كما قال النووي في \"المجموع\" (٧/ ٢٦٨) لكن أجاب عنه المجيزون بأنه معارض بفعل عثمان وموافقيه -﵃-.\n(^٧) وعلى فرض صحتها أجيب عنها: بأنه إنما نهي عن تغطية وجه المحرم الذي وقع عن راحلته لصيانة رأسه، لا لقصد كشف وجهه، فإنهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطوا رأسه، ذكره في \"المجموع\" (٧/ ٢٦٨).","vol":"4","page":255},{"text":"المعروفة التي تغطي الفم والأنف، والمحرم قد يحتاج إلى تغطية وجهه إذا نام عن الضوء، أو عن الذباب ونحو ذلك (^١).\nواستدل أيضًا بمفهوم قوله ﷺ: \" ولا تخمروا رأسه\"، فإنه لو كان تغطية الوجه حرامًا لنهى عنه؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، كما استدل بآثار عن الصحابة ﵃، فقد ورد عن عثمان ﵁ أنه غطى وجهه وهو محرم (^٢).\nكما ورد أيضًا عن جابر (^٣)، وزيد بن ثابت، وابن الزبير ﵃ (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"الشرح الممتع\" (٧/ ١٨٨).\n(^٢) أخرجه مالك (١/ ٣٥٤)، وعنه الشافعي كما في \"مسنده\" (٢٢٦)، ومن طريقه أخرجه البيهقي (٥/ ٥٤)، وابن حزم (٧/ ٩١) من طريق عبد الله بن عامر بن ربيعة عن عثمان … وعبد الله هذا ولد على عهد رسول الله -ﷺ-، ووثقه العجلي رقم (٨٣١)، وإسناده صحيح كما قال النووي في \"المجموع\" (٨/ ٢٦٨)، وله طريق آخر رواه مالك (١/ ٣٢٧)، وابن أبي شيبة (٣٠٧ الجزء المفرد)، والبيهقي (٥/ ٤٥) من طريق يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن الفرافصة بن عمير، قال: رأيت عثمان مغطيًا وجهه وهو محرم.\nوالفرافصة هذا لم يعرف بتوثيق إلا عند ابن حبان (٥/ ٢٩٩)، والعجلي رقم (١٣٤٧)، وقد روى عنه جماعة، وله ترجمة في \"تعجيل المنفعة\" ص (٢١٨).\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة ص (٣٠٨)، والبيهقي (٥/ ٥٤)، وابن حزم (٧/ ٩١)، وأبو داود في \"مسائله\" ص (١١٠) عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، به، يقول: (يغتسل المحرم، ويغسل ثيابه، ويغطي أنفه من الغبار، ويغطي وجهه وهو نائم).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ص (٣٠٨) -ومن طريقه ابن حزم (٧/ ٩١) - وأبو داود في \"مسائله\" ص (١١٠)، من طريق ابن جربج، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن الفرافصة، قال: رأيت عثمان وزيدًا وابن الزبير يغطون وجوههم وهم محرمون إلى قصاص الشعر.\nورواه الشافعي في \"الأم\" (٧/ ٢٥٥) -ومن طريقه البيهقي (٥/ ٥٤) - عن سفيان ابن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ومروان بن الحكم كانوا يخمِّرون وجوههم وهم محرمون.\nقال النووي في \"المجموع\" (٨/ ٢٦٨): (هذا إسناد صحيح). وهذا الأثر رواته ثقات، والقاسم بن محمد أدرك عثمان ومروان، ولكنه لم يدرك زيدًا، كما ذكر ابن المديني في \"العلل\" ص (٤٤ - ٤٥، ٤٩)، ونقله عنه العراقي في \"تحفة التحصيل\" ص (٢٦١)، وذكر النووي أنه لم يدرك عثمان، والله أعلم.","vol":"4","page":256},{"text":"الوجع التاسع: الحديث دليل على أن الإحرام لا يبطل بالموت؛ لأنه ﷺ نهاهم أن يقربون طيبًا أو يغطوا رأسه، وقال: \" إنه يبعث يوم القيامة ملبيًا\".\n\n• الوجه العاشر: الحديث دليل على أن المحرم بحج أو عمرة إذا مات قبل إتمام نسكه أنه لا كمل عنه لو كان فرضًا، لأنه ﷺ لم يأمر أحدًا بإتمام نسكه، ولأنه لو قضي عنه لانتهى منه، فلم يبعث يوم القيامة ملبيًا، فكونه يبعث ملبيًا دليل على أنه باق على نسكه، وقد ذهب الجمهور إلى القول بعموم الحديث لكل من مات محرمًا، وهو قول عثمان وعلي وابن عباس وغيرهم ﵃، وهو مذهب أحمد والشافعي وإسحاق.\nوذهب أبو حنيفة ومالك والأوزاعي إلى أن هذا الحديث خاص بذلك الرجل لقوله: \" فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا\"، ولم يقل: فإن المحرم، وأما غيره فإن إحرامه ينقطع بموته، ويصنع به كما يصنع بالحلال؛ لأنه بالموت انقطع التكليف.\nوأجاب الجمهور بأن العلة هي الإحرام، وهي عامة لكل محرم، والتلبية شعار الإحرام، ولو كان مختصًا بذلك الرجل لم يشر إلى العلة، ولا سيما إن قيل: لا يصح التعليل بالعلة القاصرة، والأصل أن ما ثبت لشخص في زمنه ﷺ فهو ثابت لغيره إلا بدليل يدل على تخصيصه به (^١). ويدل لذلك حديث جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" يبعث كل عبد على مات عليه\" (^٢).\n\n• الوجه الحادي عشر: أن من شرع في عمل طاعة ثم حال بينه وبين إتمامه الموت رجى له أن الله يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٤٥)، \"الإعلام\" لابن الملقن (٤/ ٤٥٢).\n(^٢) رواه مسلم (٢٨٧٨).","vol":"4","page":257},{"text":"<span data-type='title' id=toc-440>حكم تجريد الميت عند غسله</span>\n٥٤٤/ ١١ - عن عائشة ﵂ قالت: لما أرادوا غسل النبي ﷺ قالوا: والله ما ندري، نجرد رسول الله ﷺ كما نجرد موتانا، أم لا؟ … الحديث.\nرواه أحمد، وأبو داود.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٤٣/ ٣٣١)، وأبو داود في كتاب \"الجنائز\"، باب \"في ستر الميت عند غسله\" (٣١٤١) من طريق محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير، قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: لما أرادوا غسل النبي ﷺ قالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابه؟\nفلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجلًا إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو؟ أن اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله ﷺ فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم.\nوكانت عائشة ﵂ تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه. وهذا إسناد جيد. محمد بن إسحاق صرح بالتحديث، فانتفت شبهة تدلسه، وبقية رجاله ثقات.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على أن تغسيل الميت أمر معروف عند الصحابة ﵃، وأن الميت يجرد عن الثياب عند غسله؛ لأن تجريده أمكن في تغسيله وأبلغ في تطهيره، وتلف خرقة على فرجه.","vol":"4","page":258},{"text":"ووجه الاستدلال: أن قوهم: (أنجرد رسول الله ﷺ كما نجرد موتانا؟) دلل على أنهم كانوا يجردون موتاهم.\nوأما ستر عورته فلقوله ﷺ: \" لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة … \" (^١)، والأولى أن يكون تغسيله تحت سقف ونحوه.\n\n• الوجه الثالث: أن الصحابة ﵃ وقع بينهم اختلاف في تغسيل النبي ﷺ هل يجرد من ثيابه كغيره من الموتى أو لا؟ فألقى الله عليهم النعاس فسمعوا من ينادي بتغسيله في ثيابه، فاتفقوا على ذلك، مما يدل على أن النبي ﷺ ليس كغيره من الموتى، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد -﵁- (٣٣٨).","vol":"4","page":259},{"text":"<span data-type='title' id=toc-441>حكم تغسيل الميت وصفته</span>\n٥٤٥/ ١٢ - عن أم عطية ﵂ قالت: دخل علينا النبي ﷺ ونحن نغسل ابنته، فقال: \" اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا، أو شيئًا من كافور\". فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوه. فقال: \" أشعرنها إياه\" متفق عليه.\nوفي رواية: \" ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها\".\nوفي لفظ للبخاري: \" فضفرنا شعرها ثلاثة قرون، فألقيناه خلفها\".\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الوضوء\"، ثم في كتاب \" الجنائز\" في أحد عشر بابًا متوالية، أولها باب \" غسل الميت ووضوئه\" (١٢٥٣)، ومسلم (٩٣٩) (٣٦) من طريق أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية ﵂ قالت: … فذكرت الحديث.\nوأخرجه البخاري في كتاب \" الوضوء\"، باب \" التيمن في الوضوء والغسل\" (١٦٧)، ومسلم (٩٣٩) (٤٢ - ٤٣) من طريق إسماعيل بن علية، قال: حدثنا خالد، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية ﵂، وذكرت الحديث. وفيه \" ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها\". وأخرجه البخاري في \" الجنائز\"، باب \" يلقى شعر المرأة خلفها\" (١٢٦٣) من طريق يحيى بن سعيد، عن هشام بن حسان، قال: حدثنا حفصة، عن أم عطية ﵂ وذكرت الحديث، وفيه \" فضفرنا شعرها … \".","vol":"4","page":260},{"text":"وهذا الحديث هو الأصل في أحكام تغسيل الميت، قال ابن المنذر: (ليس في غسل الميت حديث أعلى من حديث أم عطية) (^١). وقال ابن عبد البر: (كان جماعة من الصحابة وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون عن أم عطية غسل الميت) (^٢). وقال ابن حجر: (ومدار حديث أم عطية على محمد وحفصة ابني سيرين، وحفظت منه حفصة ما لم يحفظه محمد) (^٣).\n\nقوله: (ونحن نغسل ابنته) لم يرد تسميتها في جميع روايات البخاري، وقد وردت تسميتها في إحدى روايات مسلم (^٤)، وأنها زينب، وهي امرأة أبي العاص، وقد مضى ذكرها في آخر باب \" شروط الصلاة (^٥).\n\nقوله: (اغسلنها) أمر لأم عطية ومن معها، ومنهن صفية بنت عبد المطلب، وأسماء بنت عميس ﵅.\n\nقوله: (ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر) منصوب على المفعول المطلق، أي: غسلًا ثلاثًا. وقوله: (أو أكثر) أي: من خمس، وقد وقع في إحدى الروايات: \" اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أكثر من ذلك … \" (^٦).\n\nقوله: (إن رأيتن ذلك) أي: أكثر من خمس، ومفعول رأى الثاني محذوف، تقديره: إن رأيتن ذلك لازمًا أو نحوه.\n\nقوله: (بماء وسدر) الجار والمجرور متعلق بالفعل (اغسلنها)، وتقدم معنى السدر، وفائدته في غسل الميت.\n\nقوله: (في الآخرة) أي الغسلة الآخرة، وهي آخر الغسلات.\n\nقوله: (كافورًا) نوع من الطيب أبيض زجاجي، يدق ويجعل في الإناء الذي يغسل به آخر غسلة.\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (٥/ ٣٣٣).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٤/ ٤٥٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٦٢٧).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٩٣٩) (٤٠).\n(^٥) انظر: الحديث رقم (٢٢٦).\n(^٦) \"صحيح البخاري\" (١٢٥٩)، و\"مسلم\" (٦٤٧).","vol":"4","page":261},{"text":"قوله: (أو شيئًا من كافور) أو: للشك من الراوي هل قال: كافورًا أو قال: شيئًا من الكافور، والفرق بينهما أن الثاني يشعر بقلة الكافور المجعول، وقيل: لا فرق بينهما؛ لأن الأول نكرة في سياق الإثبات ويصدق بكل شيء منه.\n\nقوله: (فألقى إلينا حقوه) بفتح الحاء وكسرها، وهو ما فوق الورك، والمراد به هنا: الإزار، وإطلاق الحقو عليه للمجاورة، وقد جاء في رواية البخاري: \" فنزع من حقوه إزاره\" (^١).\n\nقوله: (أشعرنها إياه) أي: اجعلنه شعارًا لها، والشعار: الثوب الذي يلي الجسد. والمعنى: اجعلنه يلي جسدها ثم فوقه الأكفان.\n\nقوله: (ابدأن بميامنها) جمع ميمنة، وهو الجانب الأيمن، والمعنى: اغسلن الأيمن من جسدها قبل الأيسر.\n\nقوله: (ثلاثة ثرون) جمع قرن، وهو الشعر المفتول. وفي رواية \"نقضنه ثم غسلنه ثم جعلنه ثلاثة قرون\"، وفي رواية: \"ناصبتها وقرنيها\"، وفي رواية: \" ألقيناها خلفها\".\nوظاهر الحديث أن أم عطية ﵂ مشطت ابنة النبي ﷺ من تلقاء نفسها، وعند ابن حبان من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب: \" … واجعلن لها ثلاثة قرون\" (^٢)، وظاهر هذا أنه بأمر النبي ﷺ، والمحفوظ الأول، وأما هذا اللفظ فلعله وهم من حماد بن سلمة، فإنه وإن كان ثقة إلا أن له بعض الأوهام، ولعل هذا منها.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب تغسيل الميت، وقد نقل النووي الإجماع على أن تغسيل الميت فرض كفاية (^٣)، مع أنه روي عن الإمام مالك بأنه سنة مؤكدة (^٤)، كما نقله القرطبي ورجحه (^٥)، فيكون القول بأنه\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١٢٥٧).\n(^٢) \"الإحسان\" (٧/ ٣٠٤ - ٣٠٥).\n(^٣) \"المجموع\" (٥/ ١٢٨).\n(^٤) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٩).\n(^٥) \"المفهم\" (٢/ ٥٩٢).","vol":"4","page":262},{"text":"فرض كفاية هو مذهب الجمهور، وهو الصواب بلا ريب.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على صفة تغسيل الميت، وذلك بأن يبدأ بغسل أعضاء الوضوء مقدمًا اليمنى من اليدين والرجلين على اليسرى، ثم بغسل سائر جسده مقدمًا اليمين على اليسار، ويستعمل أثناء الغسل السدر أو ما يقوم مقامه في التنظف كالصابون، قال ابن قدامة: (فإن لم يجد السدر غسله بما يقوم مقامه ويقرب منه، كالخطمي (^١) ونحوه؛ لأن المقصود يحصل منه، وإن غسله بذلك مع وجود السدر جاز؛ لأن الشرع ورد بهذا لمعنى معقول، وهو التنظيف، فيتعدى إلى كل ما وجد فيه المعنى) (^٢).\nويكرر التغسيل حسبما تقتضيه المصلحة، ويرجع ذلك إلى نظر الغاسل، لقوله: \" إن رأيتن ذلك\"، والموتى يختلفون، فقد يكون في الجسد أوساخ لطول المرض أو أثر لصوقات أو نحو ذلك فيحتاج إلى مزيد من العناية، وقد يكون جسده طيبًا نظيفًا فلا يحتاج إلى زيادة بينة.\nويقطعه على وتر ثلاث أو خمس أو سبع أو أكثر، ولا ينبغي الاقتصار على غسلة واحدة لقوله: \"اغسلنها ثلاثًا\"، ولأنه لا يحصل بها كمال الإنقاء.\nوقد ذهب فريق من أهل العلم وهم الكوفيون وأهل الظاهر والمزني إلى وجوب الثلاث أخذًا بظاهر اللفظ وذهب الجمهور إلى أن الثلاث مستحبة، وأن الواجب مرة واحدة (^٣).\nويجعل في الغسلة الأخيرة كافورًا يدق ويخلط بالماء لتطييب رائحة بدن الميت وتصليبه وطرد الهوام عنه في قبره، ولذا جعل في الأخيرة لأجل أن يبقى، وإنما اختير من بين سائر الأطياب لأنه بارد ولخصائصه المذكورة.\n_________\n(^١) الخطمي -بكسر الخاء وفتحها، والكسر أكثر-: نبات من الفصيلة الخبازية، كثير النفع، يدق ورقه يابسًا ويجعل غِسْلًا للرأس فَيُنَقِّيه. \"المصباح المنير\" ص (١٧٤)، \"المعجم الوسيط\" ص (٢٤٥).\n(^٢) \"المغني\" (٣/ ٣٧٧).\n(^٣) \"المحلى\" (٥/ ١٢١)، \"المغني\" (٣/ ٣٧٨)، \"المجموع\" (٥/ ١٧٣).","vol":"4","page":263},{"text":"فإن كان الميت امرأة نقض رأسها وغسل، ثم جعل ثلاثة قرون الناصبة والجانبين، وألقي خلفها، وفائدة النقض تبليغ الماء البشرة، وتنظيف الشعر من الأوساخ.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن النساء لا يغسلن إلا النساء، ويستثنى من ذلك الزوج فيجوز أن يغسل زوجته، وسيأتي بحث هذه المسألة في موضعها إن شاء الله تعالى.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز التعاون في تغسيل الميت، وقد ذكر أهل العلم أنه لا يحضر عند التغسيل سوى الغاسل ومن يعاونه في تقليب الميت أو صب الماء أو نحو ذلك، لعدم الحاجة إلى حضور غير معين الغاسل، ولأنه ربما كان في الميت ما لا يحب اطلاع أحد عليه، فيتحدث به، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":264},{"text":"<span data-type='title' id=toc-442>ما يكفن فيه الرجل</span>\n٥٤٦/ ١٣ - عن عائشة ﵂ قالت: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة. متفق عليه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع من كتاب \" الجنائز\"، وأولها: باب \" الثياب البيض للكفن\" (١٢٦٤)، ومسلم (٩٤١) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، به، وهذا لفظ مسلم.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أثواب) جمع ثوب، وهو ما يلبس من إزار أو رداء أو غيرهما، وقد يطلق على المخيط كالقميص وغيره (^١). والمراد هنا: قطعة القماش قبل تفصيلها وخياطتها.\n\nقوله: (سحولية) بالفتح: نسبة إلى سحول قرية باليمن، وقد ضبطها البكري بفتح أوله وضم ثانيه، قال: وإليها تنسب الثياب السحولية … ثم ذكر الحديث (^٢)، ويروى بضم السين، وهي الثياب البيض النقية، ولا تكون إلا من القطن، وسحول: مفردها سحل بالفتح كفلس وفلوس، وقد نسبت إلى الجمع (^٣).\n\nقوله: (من كرسف) بضم الكاف والسين المهملة بينهما راء ساكنة، هو: القطن.\n_________\n(^١) انظر: \"الإعلام\" لابن الملقن (٦/ ٣٣).\n(^٢) \"معجم ما استعجم\" (٣/ ٧٢٧).\n(^٣) \"المصباح المنير\" ص (٢٦٨)، \"فتح الباري\" (٣/ ١٤٠).","vol":"4","page":265},{"text":"(قوله: ليس فيها قميص ولا عمامة) الجملة صفة لثلاثة: أي: قد انتفى عنها القميص والعمامة، فلم يكفن فيهما، والقميص: ثوب ذو أكمام والعمامة: ما يلبس على الرأس دائرًا عليه.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية تكفين الرجل في ثلاثة أثواب، أي: ثلاث لفائف، تبسط بعضها فوق بعض، تحتها ثلاثة أحزمة من قبل الرأس والوسط والأرجل؛ لتعقد على الكفن؛ لئلا تنتشر اللفائف وتتفرق، وتحل في القبر، ويجعل الحنوط فيما بين اللفائف كما تقدم.\nفيؤتى بالميت مستورًا وجوبًا من السرة إلى الركبة، ويوضع فوق اللفائف مستلقيًا؛ لأنه أسهل لإدراجه فيها؛ إذ لو وضع على جنبه لانقلب، وصار في إدراجه شيء من الصعوبة، ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ويرد طرفها الأيمن على شقه الأيسر، ثم تسحب السترة، حيث يصبح جسد الميت قط غطي، وهذا هو الأفضل في عدد الأثواب التي يكفن فيها الرجل، فإن كفن في ثوب واحد يستر جميعه أجزأ ذلك، وقد تقدم في حديث الذي وقع عن راحلته في عرفة أنه كفن في ثوبين، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":266},{"text":"<span data-type='title' id=toc-443>جواز التكفين في القميص</span>\n٥٤٧/ ١٤ - عن ابن عمر ﵁ قال: لما توفى عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى رسول الله ﷺ فقال: أعطني قميصك أكفنه فيه، فأعطاه إياه. متفق عليه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الجنائز\"، باب \" الكفن في القميص\" (١٢٦٩)، ومسلم (٢٤٠٠) من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ أن عبد الله بن أبي لما توفي جاء ابنه إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أعطني قميصك أكفنه فيه، وصل عليه، واستغفر له، فأعطاه النبي ﷺ قميصه، فقال: \" آذني أصلي عليه\"، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر ﵁ فقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال: \" أنا بين خيرتين\" قال تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم﴾ فصلى عليه، فنزلت: ﴿ولا تصلي على أحد منهم مات أبدا﴾.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز التكفين في القميص لغرض شرعي، وإلا فالأولى تركه؛ لأن النبي ﷺ لم يكفن في قميص، والقميص كما تقدم ثوب ذو أكمام.\nوقد أخرج البخاري بسنده عن جابر ﵁ قال: أتى النبي ﷺ بعد الله بن أبي بعدما دفن، فأخرجه فنفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه (^١).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١٢٧٠).","vol":"4","page":267},{"text":"وظاهر هذا أنه معارض لحديث ابن عمر ﵁، فإن حديث ابن عمر يدل على أن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلب من النبي ﷺ قميصه، ليكفن فيه أباه فأعطاه إياه، وحديث جابر يدل على أن النبي ﷺ ألبسه قميصه بعدما دفن حيث نبشه ونفث فيه من ريقه، ثم ألبسه قميصه.\nوالجواب كما قال الحافظ (^١) أن معنى قوله في حديث ابن عمر: (فأعطاه)، أي: أنعم له بذلك، فأطلق على العدة اسم العطية مجازًا لتحقق وقوعها، وكذا قوله في حديث جابر: (بعدما دفن) أي: دلي في حفرته، فأمر بإخراجه إنجازًا لوعده في تكفينه في قميصه، وقيل: أعطاه ﷺ أحد قميصيه أولًا: ثم لما حفر أعطاه الثاني لسؤال ولده.\nوسبب ذلك ما أخرجه البخاري من حديث جابر ﵁ قال: لما كان يوم بدر أتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي ﷺ له قميصًا، فوجدوا قميص بعد الله بن أبي يقدر (^٢) عليه فكساه النبي ﷺ إياه، فلذا نزع النبي ﷺ قميصه الذي ألبسه. قال ابن عيينة أحد رواة الحديث: (كانت له عند النبي ﷺ يد، فأحب أن يكافئه) (^٣)، فيكون الغرض من تكفينه في قميص أمرين:\nالأمر الأول: مكافأة ابن سلول لما أحسن إلى عمه العباس بكسائه له.\nالأمر الثاني: تطييب خاطر ابنه عبد الله الصحابي الجليل ﵁ لما طلب ذلك من النبي ﷺ، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٣٩).\n(^٢) بضم الدال بمعنى المماثلة، وإنما كان ذلك لأن العباس كان بَيِّنَ الطول، وكذلك كان عبد الله بن أُبي.\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٣٠٠٨).","vol":"4","page":268},{"text":"<span data-type='title' id=toc-444>استحباب التكفين في الثوب الأبيض</span>\n٥٤٨/ ١٥ - عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: \" البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم\". رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٥/ ١٦١)، وأبو داود في كتاب \" اللباس\"، باب \"في البياض\" (٤٠٦١)، والترمذي (٩٩٤)، وابن ماجه (٣٥٦٦) كلهم من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁ مرفوعًا، وتمامه: \"وإن خير أكحالكم الإثمد: يجلو البصر، وينبت الشعر\". هذا لفظ أبي داود وأحمد. وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).\nوهذا الحديث إسناده حسن، ورجاله ثقات، وعبد الله بن خثيم متكلم فيه، فقد قال عنه ابن معين: (ثقة حجة)، وعنه: (أحاديثه ليست بالقوية) وقال العجلي: (ثقة)، وقال أبو حاتم: (ما به بأس، صالح الحديث)، وقال النسائي: (ثقة) (^١)، وقال مرة: (ليس بالقوي في الحدث)، وذلك عند سياق حديثه في كتاب \"الحج\"، ثم قال: (إن علي بن المديني قال: ابن خثيم منكر الحديث، وكأن علي ابن المديني خلق للحديث) (^٢). وقد ذكره ابن حبان في\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٤/ ١٦١)، \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٢٧٥).\n(^٢) \"سنن النسائي\" (٥/ ٢٤٧ - ٢٤٨).","vol":"4","page":269},{"text":"\" الثقات\" وقال: (وكان يخطئ) (^١)، وقال عنه الحافظ في \" التقريب\": (صدوق).\nوقد أعل هذا الحديث بالوقف (^٢)، وله شاهد من حديث سمرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" البسوا من ثيابكم البياض، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم\" (^٣).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب لبس الثوب الأبيض في حال الحياة، فيدخل في ذلك لبس القميص الأبيض والغترة البيضاء، لقوله: \" فإنها من خير ثيابكم\" وهذه صيغة تفضيل، وفي حديث سمرة ﵂: \" فإنها أطهر وأطيب\"، وذلك لأنه يظهر فيها أدنى وسخ فيزال، فتكون أطهر، ولكن هذا لا يعني كراهاة اللباس غير الأبيض، فقد لبس النبي ﷺ غير الأبيض، كما تقدم في باب \" اللباس\"، وهذا هو الذي صرف الأمر في قوله: \" البسوا\" عن الوجوب إلى الندب، وإلا فظاهره الوجوب.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب تكفين الميت بالثوب الأبيض وأنه أفضل من غيره؛ لأنه أطيب وأطهر؛ ولأن الله تعالى اختاره في ثلاثة أثواب بيض. ولو كفن الميت في غير الأبيض فلا حرج، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٥/ ٣٤).\n(^٢) انظر: \"الكامل\" (٤/ ١٦١).\n(^٣) أخرجه النسائي (٤/ ٣٤) (٨/ ٢٠٥)، وابن ماجه (٣٥٦٧)، وأعلَّه أبو حاتم، كما في \"العلل\" (١٠٩٣) وصححه الحافظ في \"فتح الباري\" (٣/ ١٣٥).","vol":"4","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-445>استحباب تحسين الكفن</span>\n٥٤٩/ ١٦ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه\" رواه مسلم.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"الجنائز\"، باب \" في تحسين كفن الميت\" (٩٤٣) من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث أن النبي ﷺ خطب يومًا، فذكر رجلًا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل، وقبر ليلًا، فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال النبي ﷺ: \" إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه\".\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن تحسين كفن الميت أمر مطلوب، وذلك بأن يكون حسنًا في ذاته، فيكون أبيض نظيفًا ساترًا لجميع بدن الميت، ويكون حسنًا في صفة إدراج الميت فيه على الصفة المتقدمة. قال البغوي: (المراد من هذا التحسين هو البياض والنظافة لا كونه مرتفعًا ثمينًا) (^١).\nوقال النووي: (المراد بإحسان الكفن: نظافته ونقاؤه وكثافته وستره وتوسطه، وليس المراد بإحسانه: السرف والمغالاة) (^٢)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) شرح السنة\" (٥/ ٣١٥).\n(^٢) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٧/ ١٥).","vol":"4","page":271},{"text":"<span data-type='title' id=toc-446>جواز تكفين الاثنين في ثوب\nودفنهما في قبر واحد</span>\n٥٥٠/ ١٧ - عن جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: \" أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ \"، فيقدمه في اللحد، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم. رواه البخاري.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الجنائز\" في عدة مواضع، وأولها باب: \" الصلاة على الشهيد\" (١٣٤٣) من طريق الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن جابر بن عبد الله ﵁ قال: … وذكر الحديث. وآخره كما في البخاري: (فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: \" أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة\"، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز دفن الاثنين في القبر الواحد إذا دعت الحاجة إلى ذلك، مثل كثرة الموتى وقلة من يدفنهم، أو ضعف من يدفنهم لمرض أو جراحات أو نحو ذلك؛ أما إذا لم يوجد حاجة فالأصل أن يدفن كل ميت في قبر مستقل، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية كراهة دفن اثنين فأكثر في قبر واحد، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (^١).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز جمع الاثنين في ثوب واحد\n_________\n(^١) \"الاختيارات\" ص (٨٩).","vol":"4","page":272},{"text":"عند التكفين، وهذا أحد الاحتمالين في الحديث، وعليه يدل قول جابر ﵁: \"فكفن أبي وعمي في نمرةٍ واحدة\" (^١).\nوالاحتمال الثاني: أن المراد قطع الثوب الواحد بينهما نصفين، ويكفن كل واحد على حدة؛ لأن في ذلك ستر العورة، وعدم التقاء بشرة الميتين.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب تقديم أصحاب الفضل على غيرهم إذا جمعوا في قبر واحد، ويكون التقديم إلى جهة القبلة، فيقدم قارئ القرآن على غيره، وهذا يدل على أن القرآن يرفع مقام الإنسان ويعلي مرتبته إذا تعلمه لوجه الله تعالى، وهذا لا يلزم منه الأفضلية في الدار الآخرة، فقد يكون المؤخر أفضل عند الله تعالى من المقدم، وإنما هذا اترتيب حسب المنزلة في دار الدنيا.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على أن شهيد المعركة لا يغسل، والمرد به شهيد المعركة في حرب الكفار، وهذا مذهب الجمهور. والحكمة من كونه لا يغسل: ما ورد في حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في قتلى أحد: \" لا تغسلوهم، فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكًا يوم القيامة\" ولم يصل عليهم (^٢).\nوأما غير شهيد المعركة كالمبطون والمطعون والمرأة تموت في نفاسها وصاحب الهدم والغريق والحريق (^٣) فإنه يغسل كسائر موتى المسلمين، وهذا قول الجمهور من أهل العلم (^٤)؛ لأن هؤلاء شهداء في ثوب الآخرة، لا في أحكام الغسل والصلاة، لاختلاف أحكامهم عن أحكام شهيد المعركة.\n\n* الوجه السادس: الحديث دليل على أن الشهيد لا يصلى عليه، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٤٨)، والنمرة -بفتح النون وكسر الميم-: بردة من صوف أو غيره مخططة. [\"فتح الباري\" (٣/ ٢١٣)].\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٢/ ٩٧)، وإسناده صحيح.\n(^٣) انظر: \"أحكام الجنائز\" ص (٣٨).\n(^٤) المغني (٣/ ٤٧٦).\n(^٥) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤١)، \"المجموع\" (٥/ ٢٦٠).","vol":"4","page":273},{"text":"والقول الثاني: أنه يصلى عليه، وهذا قول أبي حنيفة (^١)، ورواية عن أحمد، ذكرها ابن قدامة وقال: (إنها محمولة على الاستحباب؛ لأن كلام أحمد يشير إلى ذلك) (^٢).\nواستدلوا بحديث عقبة بن عامر ﵁: \" خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت … \" الحديث (^٣).\nوفي رواية للبخاري: \" صلى رسول الله صلى الله عله وسلم على قتلى أحد بعد ثماني سنين؛ كالمودع للأحياء والأموات … \" للحديث (^٤).\nوعن عبد الله بن الزبير ﵁: أن رسول الله ﷺ أمر يوم أحد بحمزة فسجى ببردة، ثم صلى عليه تسع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى يصفون، يصلي عليهم وعليه معهم (^٥).\nوالأظهر في هذه المسألة أن الإمام مخير بين الصلاة على الشهيد وتركها، لمجيء الآثار بكل واحد من الأمرين، وهذه إحدى الروايات عن الإمام أحمد، وهي الأليق بأصوله ومذهبه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة (^٦).\nوأما حديث عقبة فهو ظاهر في أن الرسول ﷺ صلى عليهم مثل صلاته على الميت، لكن الأظهر أنها صلاة مودع، لا الصلاة على الجنازة، لأنها تكون قبل الدفن؛ وأما القول بأن المراد الدعاء فظاهر الحديث يرده، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الهداية\" (١/ ٩٤).\n(^٢) \"المغني\" (٣/ ٤٦٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٣٤٤)، ومسلم (٢٢٩٦).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٤٠٤٢).\n(^٥) أخرجه الطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٥٠٣)، قال الألباني في \"أحكام الجنائز\" ص (٨٢): (إسناده حسن، ورجاله كلهم ثقات معروفون، وفيه ابن إسحاق وقد صرح بالتحديث، وله شواهد).\n(^٦) \"تهذيب مختصر السنن\" (٤/ ٢٩٥)، \"المجموع\" (٥/ ٢٦٠)، \"الاختيارات\" ص (٨٧)، \"الإنصاف\" (٢/ ٥٠٠).","vol":"4","page":274},{"text":"<span data-type='title' id=toc-447>النهي عن المغالاة في الكفن</span>\n٥٥١/ ١٨ - عن علي ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \" لا تغالوا في الكفن، فإنه يسلب سريعًا\" رواه أبو داود.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الجنائز\"، باب \"كراهية المغالاة في الكفن\" (٣١٥٤) من طريق عمرو بن هاشم أبي مالك الجنبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر الشعبي، عن علي ﵁ قال: لا تغال لي في كفن، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" لا تغالوا في الكفن، فإنه يسلبه سلبًا سريعًا\".\nوهذا إسناد ضعيف للأمرين:\nالأمر الأول: ضعف عمرو بن هاشم. قال فيه البخاري: (فيه نظر) (^١)، وقال مسلم: (ضعيف الحديث) (^٢). وقال أحمد: (صدوق، ولم يكن صاحب حديث) (^٣). وقال ابن حبان: (كان ممن يقلب الأسانيد، يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج بخبره) (^٤).\nالأمر الثاني: الانقطاع، ذكر ذلك الحافظ في \" التلخيص\" ونقل عن الدارقطني أنه قال: (إن الشعبي لم يسمع من علي سوى حرف واحد) (^٥).\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٣٨١)، وإذا قال البخاري: \"فيه نظر\" فهي من أشد الجرح عنده، كما ذكر المعلمي في \"التنكيل\" (١/ ٢٧٨).\n(^٢) \"الكنى\" (٢/ ٧٥٥).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٩٨).\n(^٤) \"المجروحين\" (٢/ ٤٢).\n(^٥) \"العلل\" للدارقطني (٤/ ٩٧)، \"التلخيص\" (٢/ ١١٦).","vol":"4","page":275},{"text":"الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن المغالاة في الكفن، وهي المبالغة في زيادة قيمته وتجاوز الحد فيه، واختياره من الثياب الفاخرة والأقمشة الغالية، وذلك لأن الكفن يبلى في الأرض سريعًا ويضيع، فيكون ذلك من باب إضاعة المال، ومن باب السرف والخيلاء.\nوقد جاء في حديث عائشة ﵂ أن أبا بكر ﵁ نظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه، به ردع (^١)، من زعفران، فقال: (اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيهما، قلت: إن هذا خلق، قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو اللمهلة …) الحديث (^٢).\nقال الحافظ ابن حجر: (وظاهره أن أبا بكر كان يرى عدم المغالاة في الكفن، ويؤيده قوله بعد ذلك: \" إنما هو للمهلة\" (^٣».\nولا يعارض ذلك حديث تحسين الكفن فقد تقدم معناه، وقد حمل بعض العلماء حديث أبي بكر ﵁ على ما إذا أوصى أن يكفن بغير الجديد فإنها تنفذ وصيته، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أي: لَطْخٌ لم يعمَّه كله.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٨٧).\n(^٣) قال أبو عبيد: المهل: الصديد والقيح، وروي بلا هاء، وبالهاء صحيح فصيح، وبعضهم بكسر الميم. \"غريب الحديث\" (٢/ ٧).","vol":"4","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-448>جواز تغسيل الرجل زوجته</span>\n٥٥٢/ ١٩ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: \" لو مت قبلي فغسلتك\" الحديث. رواه أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن حبان.\n٥٥٣/ ٢٠ - وعن أسماء بنت عميس ﵁ أن فاطمة ﵍ أوصت أن يغسلها علي ﵁. رواه الدارقطني.\n\n• الكلام عليهما من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث عائشة ﵂، فقد أخرجه أحمد (٤٣/ ٨١)، والنسائي في \" الكبرى\" (٦/ ٣٨١)، وابن ماجه (١٤٦٥)، وابن حبان (١٤/ ٥٥١) من طريق محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن الزهري، عن عبدي الله بن عبد الله، عن عائشة ﵂ قالت: (رجع إلى رسول الله ﷺ ذات يوم من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعًا في رأسي، وأنا أقول: وارأساه، قال: \"بل أنا وارأساه\"، ثم قال: \" ما ضرك لو مت قبل، فغسلتك، وكفنتك، ثم صليت عليك ودفنتك\"، قلت: لكني أو لكأني بك والله لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك، قالت: فتبسم رسول الله ﷺ، ثم بدئ في وجعه الذي مات فيه) هذا لفظ أحمد، والحافظ ساق القدر المراد.\nوهذا إسناد حسن، كما قال الألباني (^١)، ومحمد بن إسحاق صرح بالتحديث عند ابن هشام في \"السيرة\" (^٢) والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (^٣) فانتفت شبهة تدليسه على ما يظهر.\n_________\n(^١) \"الإرواء\" (٣/ ١٦٠ - ١٦١).\n(^٢) (٤/ ٢٩٣).\n(^٣) (٧/ ١٦٨ - ١٦٩).","vol":"4","page":277},{"text":"والحديث أخرجه البخاري (٥٦٦٦) من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت القاسم بن محمد، قال: قالت عائشة ﵂: وارأساه … وساق الحديث، وليس فيه ذكر التغسيل، وهذا يشعر بإعلال هذه اللفظة، لما تقدم من إعراض الشيخين عم المعلول من الأحاديث والروايات، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن رجب وغيرهما.\nقال ابن الجوزي: (لم يق: \"وغسلتك\" إلا محمد بن إسحاق) (^١)، وقد رواه صالح بن كيسان عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ بلفظ: \" فهيأتك ودفنتك … \"، أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٦/ ٣٨١ - ٣٨٢) وأحمد (٤٢/ ٥٠) وإسناده صحيح على شرط الشيخين، كما قال الألباني.\n\nوقوله: \"فهيأتك\" لفظ عام يشمل كل ما يلزم الميت قبل الدفن من الغسل وتوابعه، لكن لا تطمئن النفس لتفرد هؤلاء عن أصحاب الزهري بهذه الألفاظ.\nوأما حديث أسماء، فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٧٩) من طريق عبد الله بن نافع المديني، عن محمد بن موسى، عن عون بن محمد، عن أمه، عن أسماء ﵂، به.\nوهذا إسناد ضعيف لأمرين:\nالأمر الأول: ضعف عبد الله بن نافع المدني، ضعفه ابن معين، ومرة قال: (يكتب حديثه). وقال ابن المديني: (روى أحاديث منكرة). وقال البخاري: (يخالف في حديثه)، وقال مرة: (فيه نظر) (^٢). وقد أعل الحديث ابن الجوزي بابن نافع، وذكر أن الإمام أحمد أنكر هذا الحديث (^٣)، لكن قال الحافظ: (قد احتج بهذا الحديث أحمد وابن المنذر، وفي جزمهما بذلك دليل على صحته عندهما) (^٤).\n_________\n(^١) \"التحقيق\" (٤/ ٢١٨).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٤٨ - ٤٩).\n(^٣) \"التحقيق\" (٤/ ٢٢٠).\n(^٤) \"التلخيص\" (٢/ ١٥١).","vol":"4","page":278},{"text":"الأمر الثاني: أن أم عون بن محمد ويقال لها: أم جعفر غير معروفة. ولذا قال ابن التركماني: (في سنده من يحتاج إلى كشف حاله …) (^١)، وقد تابع عبد الله بن نافع: قتيبة بن سعيد، ثنا محمد بن موسى به.\nأخرجه البيهقي (٣٩٦٣)، وقد حسن الحافظ هذا الحديث، وتابعه الألباني (^٢).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز تغسيل الزوج زوجته، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، ومنهم: الإمام مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وجماعة من السلف (^٣)، كما استدلوا بالقياس على غسل المرأة زوجها، لأنهما زوجان.\nوالقول الثاني: ليس للزوج غسل زوجته، وهذا قول أبي حنيفة، والثوري، ورواية عن أحمد (^٤)، لبطلان النكاح بينهما؛ لأن الموت فرقة تبيح له أختها، وأربعًا سواها، فحرمت النظر واللمس، فلا يغسلها، والراجح قول الجمهور، لقوة ما استدلوا به.\nوأما تغسيل الزوجة زوجها فهو جائز، لما ت قدم من قول عائشة ﵂: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول ﷺ إلا نساؤه) (^٥). قال البيهقي: (فتلهفت على ذلك، ولا يتلهف إلا على ما يجوز) (^٦).\nوقد ورد آثار كثيرة تصح بمجموعها أن نساء أبي بكر ﵁ وعنهن قمن يتغسيله بوصية منه (^٧).\n_________\n(^١) \"الجوهر النقي\" (٣/ ٣٩٦).\n(^٢) \"التلخيص\" (٢/ ١٥١)، \"الإرواء\" (٣/ ١٦٢).\n(^٣) \"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ٢٧١)، \"المجموع\" (٥/ ١٣٠ - ١٣١)، \"المغني\" (٣/ ٤٦١).\n(^٤) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١١١)، \"المغني\" (٣/ ٤٦١)، \"الإنصاف\" (٢/ ٤٨٩).\n(^٥) أخرجه أبو داود بسند حسن، وتقدم برقم (٤٥٥).\n(^٦) \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٩٨).\n(^٧) انظر: \"الغسل والكفن\" للشيخ مصطفى العدوي ص (٤٠).","vol":"4","page":279},{"text":"وقد نقل ابن المنذر، وكذا ابن عبد البر الإجماع على جواز غسل المرأة زوجها (^١)، إثر كلامهما على حديث أسماء في تغسيلها أبا بكر ﵁ (^٢)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الإجماع\" ص (٤٦)، \"الاستذكار\" (٨/ ١٩٨).\n(^٢) أخرجه مالك (١/ ٢٢٣)، وعبد الرزاق (٦١١٧) (٦١١٩)، وابن أبي شيبة (٣/ ٢٤٩).","vol":"4","page":280},{"text":"<span data-type='title' id=toc-449>حكم الصلاة على من قتل في حد</span>\n٥٥٤/ ٢١ - عن بريدة ﵁ - في قصة الغامدية التي أمر النبي ﷺ برجمها في الزنا - قال: ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت. رواه مسلم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"الحدود\"، باب \"من اعترف على نفسه بالزنا\" (١٦٩٥) من طريق بشير بن المهاجر، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه … وساق الحديث بطوله.\nوبشير بن المهاجر وثقه جماعة؛ كابن معين والعجلي، وقال البخاري: (يخالف في بعض حديثه) (^١). وقال الذهبي: (ثقة فيه شيء) (^٢). وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق الحديث، لين الحديث)، وقد أخرج له مسلم في المتابعات لا في الأصول.\nوقد خولف في هذا الحديث، فإن مسلمًا أخرج الحديث بطوله من طريق غيلان بن جامع المحاربي، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبه، وليس فيه ذكر الصلاة عليها. وقد ذكره أولًا، ثم أردفه بحديث بشير بن المهاجر بناء على منهجه كما في أول \" الصحيح\". وغيلان بن جامع ثقة، كما في \"التقريب\".\nوله شاهد من حديث عمران بن حصين ﵁ أن امرأة من جهينة أتت\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٢/ ١٠٢).\n(^٢) \"الكاشف\" (١/ ٢٧٢)، وانظر: \"الميزان\" (١/ ٣٢٩).","vol":"4","page":281},{"text":"النبي ﷺ وهي حبلى من الزنا … الحديث، وفيه: ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها … الحديث (^١).\n\n• الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال بمشروعية الصلاة على من أقيم عليه حد الرجم، وعلى جوازها من الإمام كبقية موتى المسلمين. قال الإمام أحمد: (ما نعلم أن النبي ﷺ ترك الصلاة على أحد، إلا على الغال وقاتل نفسه) (^٢)، وهذا قول الشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي، واختاره ابن المنذر (^٣).\nوالقول الثاني: أنه لا يصلي الإمام على من أقيم عليه الحد، ويصلي على الناس غير الإمام، وهذا قول مالك (^٤)؛ لأن الرسول ﷺ لم يصل على ماعز ﵁ ولم ينه عن الصلاة عليه (^٥).\nقالوا: ولأن في ترك الصلاة عليه من قبل الإمام ردعًا وزجرًا لأمثاله ممن تسول له نفسه أن يقترف هذا الفعل.\nوالراجح القول الأول لقوة دليله، وإن أخذنا بظاهر الحديث فإن الإمام لا يصلي إلا على من جاء تائبًا. وأما كون النبي ﷺ لم يصل على ماعز ﵁ فقد ضعفه المنذري فقال: (في إسناده مجاهيل) (^٦) وقد جاء في بعض الروايات أنه صلى عليه، ولهذا الموضوع زيادة تأتي في كتاب \" الحدود\" إن شاء الله. والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٦٩٦)، وسيأتي شرحه في \"الحدود\" -إن شاء الله تعالى-.\n(^٢) \"المغني\" (٣/ ٥٠٨).\n(^٣) \"الأوسط\" (٥/ ٤٠٨)، \"المغنى\" (٣/ ٥٠٨).\n(^٤) \"المدونة الكبرى\" (١/ ٢٥٤).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٣١٨٦) من حديث أبي برزة الأسلمي -﵁- وهو حديث ضعيف.\n(^٦) \"مختصر السنن\" (٤/ ٣٢٠).","vol":"4","page":282},{"text":"<span data-type='title' id=toc-450>حكم الصلاة على من قتل نفسه</span>\n٥٥٥/ ٢٢ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: أتى النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه. رواه مسلم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \" الجنائز\"، باب \"ترك الصلاة على القاتل نفسه (١٩٧٨) من طريق زهير، عن سماك، عن جابر بن سمرة ﵁، به.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (بمشاقص) جمع مشقص بكسر الميم وفتح القاف، وهو نصل عريض، والنصل: حديدة الرمح والسهم والسكين.\n\nقوله: (فلم يصل عليه) لفظ أبي داود بعد سياق قصة الرجل: \" إذن لا أصلي عليه\"، وعند النسائي: \" أما أنا فلا أصلي عليه\".\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يشرع للإمام ومن هو قدوة للناس ترك الصلاة على من قتل نفسه، لعصيانه بهذا الفعل، وليكون ردعًا لغيره من الإقدام على هذه الجريمة العظيمة. وقد دلت رواية أبي داود والنسائي على أنه لا مانع من الصلاة عليه؛ لأنه بعمله هذا من العصاة الذين هم أحوج وأحق بشفاعة المسلمين بصلاتهم عليهم من غيرهم. والظاهر أن هذا الحكم وهو امتناع الإمام من الصلاة على قاتل نفسه يتعدى إلى غير الإمام ممن يكون في امتناعه من الصلاة عليه ردع ونكال، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٤/ ٢٩٠).","vol":"4","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-451>حكم الصلاة على الميت بعد دفنه</span>\n٥٥٦/ ٢٣ - عن أبي هريرة ﵁ في قصة المرأة التي كانت تقم المسجد - قال: فسأل عنها النبي ﷺ فقالوا: ماتت، فقال: \" أفلا كنتم آذنتموني\"؟ فكأنهم صغروا أمرها، فقال: \" دلوني على قبرها\"، فدلوه فصلى عليها. متفق عليه.\nوزاد مسلم: ثم قال: \" إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم\".\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الصلاة\" (٤٥٨) ثم أخرجه في كتاب \" الجنائز\"، باب \" الصلاة على القبر بعدما يدفن\" (١٣٣٧)، ومسلم (٩٥٦) من طريق حماد بن زيد، عن ثابت البناني، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁، به.\nوأما زيادة مسلم، فقد جاءت من طريق أبي كامل عن حماد به، وقد ذكر الدارقطني أن هذه الجملة مدرجة في الحديث من كلام ثابت البناني (^١)، وذكر الحافظ أن البخاري أعرض عنها؛ لأنها مدرجة في الإسناد، وهي من مراسيل ثابت (^٢)، وعلى هذا فهي زيادة شاذة؛ لأن الحديث عند البخاري رواه\n_________\n(^١) \"العلل\" (١١/ ٢٠٣) وانظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ٤٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٥٣).","vol":"4","page":284},{"text":"سليمان بن حرب (٤٥٨)، وأحمد بن واقد (٤٦٠)، ومحمد بن نفيل (١٣٣٧) ثلاثتهم عن حماد.\nورواه عنه أبو كامل وأبو الربيع وروايتهما عند مسلم، ولم يذكر أحد من هؤلاء هذه الزيادة، إلا ما تقدم في رواية أبي كامل.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز الصلاة على القبر لمن فاتته الصلاة على الميت، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، فإن كان الميت رجلًا وقف عند رأسه؛ وإن كانت أنثى وقف عند وسط القبر. ومنع من الصلاة على القبر أصحاب مالك، والمشهور عندهم المنع فيمن صلى عليه، والجواز فيمن لم يصل عليه (^١)، واستدل ابن القيم للمانعين بحديث أبي مرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال: \" لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها\" (^٢).\nواعتذروا عن حديث الباب بأعذار ضعيفة، لا حاجة إلى الاشتغال بها، وقد ذكرها القاضي عياض (^٣).\nوالصواب الجواز مطلقًا، لحديث الباب ولأحاديث أخرى، ومنها: حديث ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى على قبر بعدما دفن، فكبر عليه أربعًا (^٤)، وحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ صلى على قبر بعدما دفن (^٥). ومنها مرسل سعيد بن المسيب أن أم سعد ماتت والنبي ﷺ غائب، فلما قدم صلى عليهما، وقد مضى لذلك شهر (^٦). وليس فيه تحديد للمدة، وقد احتج به أحمد (^٧).\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٢/ ٦١٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٩٧٢)، انظر: \"إعلام الموقعين\" (٤/ ٢٠٠).\n(^٣) \"إكمال المعلم\" (٣/ ٤١٨).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٣٤٠)، ومسلم (٩٥٤).\n(^٥) أخرجه مسلم (٩٥٥).\n(^٦) أخرجه الترمذي (١٠٣٨)، وابن أبي شيبة (٣/ ٢٣٩)، والبيهقي (٤/ ٤٨)، وقال: (هو مرسل صحيح)، وضعَّفه الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ١٨٦).\n(^٧) \"مسائل الإمام أحمد لأبي داود\" ص (١٥٧).","vol":"4","page":285},{"text":"وأما التفصيل بين من صلي عليه ومن لم يصل عليه فإن الأحاديث ترده؛ لأنها وردت في حق من صلي عليه قبل أن يدفن (^١). وأما حديث: \" لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها\"، فلا يعارض هذه الأحاديث، فإنه لا يراد به صلاة الجنازة، بدليل فعل النبي ﷺ، وإنما يراد به الصلاة ذات الركوع والسجود؛ فإنها لا تجوز في القبور؛ لأنها ذريعة إلى الشرك، وتقدم ذلك في \" الصلاة\".\nوقد اختلف العلماء في تحديد المدة التي تجوز فيها الصلاة على الميت بعد دفنه على أقوال منها:\nالقول الأول: أنها تجوز إلى شهر من دفنه، وهذا مذهب الحنابلة وبعض الشافعية (^٢)، واستدلوا بمرسل سعيد بن المسيب المذكور.\nالقول الثاني: عدم التحديد بشهر وأنه يصلى عليه أبدًا، وهو اختيار ابن عقيل الحنبلي، وهو قول عند الشافعية (^٣).\nالقول الثالث: أن يصلى عليه أبدًا، بشرط أن يكون المصلي من أهل الصلاة على هذا الميت يوم موته، أما من ولد بعد موته أو كان حين موته ليس من أهل الصلاة عليه كالصغير والمجنون فلا يصلي على قبره. وهذا قول عند الشافعية، اعتبره النووي هو الأصح (^٤)، وفيه وجاهة.\nوينبغي أن يعلم أن الأصل عدم الصلاة على القبر؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يصلي على كل قبر، ولم يكن أصحابه ﵁ يفعلون ذلك، وقد دل حديث الباب على أن الإنسان لا يصلي على القبر إلا إذا كان له علاقة بالميت من صداقة أو قرابة ونحو ذلك، وهو ممن يحرص على الصلاة عليه لو كان موجودًا. وأما ما عليه بعض الناس الآن من كونه يصلي على قبر\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٠٥).\n(^٢) \"المغني\" (٣/ ٤٥٥)، \"روضة الطالبين\" (٢/ ١٣٠).\n(^٣) \"المجموع\" (٥/ ٢٤٧)، \"الإنصاف\" (٢/ ٥٣٢).\n(^٤) \"المجموع\" (٥/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، \"روضة الطالبين\" (٢/ ١٣٠).","vol":"4","page":286},{"text":"فلان أو فلان وهو لا يعرفه، وقد لا يحرص على الصلاة عليه من الناس، فلا أصل له، وقد يكون من البدع؛ لأن النبي ﷺ لم يرشد زائر المقبرة إلى الصلاة، وإنما أرشده إلى الدعاء (^١).\nوالقول بتحديد ذلك بشهر فيه ضعيف؛ لأن الدليل المذكور لا يدل على التحديد؛ لأن فعل وقع اتفاقًا لا قصدًا، وما فعل اتفاقًا لا يصح دليلًا لأنه لم يقصد، والنبي ﷺ لم يثبت عنه تحديد المدة التي تجوز فيها الصلاة على الميت بعد دفنه.\n\n• الوجه الثالث: ظاهر الحديث أن الصلاة على القبر غير محددة بوقت معين، فيصلى على القبر ولو في أوقات النهي، لعموم: \" دلوني على قبرها\"، فيصلى على القبر في أوقات النهي الطويلة، أما الأوقات المضيقة التي وردت في حديث عقبة بن عامر ﵁ المتقدم في باب \"المواقيت\" فلا يصلى فيها على الميت، ولا يدفن فيها، لهذا الحديث (^٢).\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن احتقار المسلم مهما كان وضعه بين المسلمين لقوله: \"دلوني على قبرها\"، فإن هذا يتضمن الرد عليهم لما صغروا أمرها؛ إذ لا عبرة بالمظاهر؛ وإنما العبرة بالصلاح والتقوى، قال تعالى: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم …﴾ [الكهف: ٢٨]، وفي هذا أحاديث كثيرة.\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على استحباب السؤال عن الخادم أو الصديق إذا غاب، فلعله يكون مريضًا فيزار، أو مسافرًا فيطمأن على حاله.\nوفي السؤال عن حال المرء فوائد عظيمة، منها:\nفرح المسؤول عنه إذا علم أن فلانًا يسأل عنه، لا سيما إذا كان السائل من أولي الفضل كالعالم أو طالب العلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتاوى ابن عثيمين\" (١٧/ ١٤٤ - ١٤٥).\n(^٢) انظر: \"فتاوى ابن باز\" (١٣/ ١٥٧).","vol":"4","page":287},{"text":"ومنها: تطييب خاطر أهله إذا علموا أن فلانًا يسأل عن ابنهم أو والدهم ونحو ذلك.\n\n• الوجه السادس: في الحديث بيان لما كان عليه النبي ﷺ من التواضع والرفق بأمته وتفقد أحوالهم، ولا سيما من كان يقوم بعمل صالح يزهد فيه الأكثرون، فإنه جدير بأن يشجع ويرفع من شأنه ويسأل عنه إذا فقد، حتى لا يزهد الناس في أعمال الخير التي يترفع عنها كثير من الناس مثل: تنظيف المسجد أو تنظيف الطرقات، ونحو ذلك مما فيه نفع للمسلمين.\n\n• الوجه السابع: في الحديث دليل على استحباب إعلام أقارب الميت وأصدقائه ومن له صلة به بوفاته، لقوله: \" أفلا كنتم آذنتموني\"، وهذا ليس من النعي المنهي عنه، كما سيأتي قريبًا.\n\n• الوجه الثامن: الحديث دليل على فضل تنظيف المسجد وأنه عمل حسن مندوب إليه؛ فإن هذه المرأة التي كانت تقم المسجد في عهد النبي ﷺ لم يكن حالها يخفى على النبي ﷺ (^١).\n\n• الوجه التاسع: ورد في حديث ابن عباس ﵁ في الصحيحين أن الرسول ﷺ صلى على قبر وصفوا خلفه (^٢)، ففيه دليل على جواز الصلاة على القبر ممن صلى عليها في المسجد؛ لأن ذلك من زيادة الخير للمصلي وللميت؛ لأن الصحابة هم الذين أخبروا النبي ﷺ بموت هذا الرجل وقيامهم على شأنه، ولأن القاعدة الفقهية: \" يصح تبعًا ما لا يصح استقلالًا\" تؤيد ذلك.\n\n• الوجه العاشر: اختلف العلماء في حكم الصلاة على الميت في المقبرة قبل دفنه على قولين:\nالقول الأول: أنها تصح مع الكراهة، وهو رواية عند أحمد، اختارها\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" لابن رجب (٣/ ٣٥٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٣٦)، ومسلم (٩٥٤).","vol":"4","page":288},{"text":"ابن عقيل، وبه قال جماعة من الحنفية والمالكية، وهو مذهب الشافعية، لعموم النهي عن الصلاة في المقبرة (^١).\nالقول الثاني: تصح من غير كراهة، وهو المذهب عند الحنابلة، وهو قول جماعة من الحنفية والمالكية، وهو قول الظاهرية (^٢). ودلي لذلك ما رواه ابن جريج، قال: قلت لنافع: أكان ابن عمر يكره أن يصلي وسط القبور؟ قال: لقد صلينا على عائشة وأم سلمة ﵂ وسط البقع، والإمام يوم صلينا على عائشة ﵂ أبو هريرة ﵁، وحضر ذلك ابن عمر (^٣)، وقال ابن المنذر: (وكان عمر بن عبد العزيز يفعل ذلك) (^٤).\nكما استدلوا بالقياس على صلاته ﷺ على القبر، قالوا: فلا فرق بين أن يصلى على جنازة مدفونة أو غير مدفونة لأن العلة واحدة، وهو أن هذا الميت الذي يصلى عليه في المقبرة (^٥)، وقد أشار ابن القيم إلى ذلك فقال: (لا فرق بين كون الميت على النعش وعلى الأرض وبين كونه في بطنها) (^٦).\nوهذا القول وجيه في نظري، لقوة مأخذه؛ ولأن فيه مصلحة للميت بكثرة المصلين عليه، وهو تأخير يسير، وينبغي التنبيه على أنه لا ينبغي للناس أن يعتادوا الصلاة على جنائزهم في المقبرة؛ وإنما المقصود بهذا البحث أنه لو فات بعض الناس الصلاة عليها في المسجد فلا بأس أن يصلوا عليها في المقبرة، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٣١٠)، \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٨)، \"المجموع\" (٥/ ٢٦٨)، \"فتح الباري\" لابن رجب (٣/ ٢٠١)، \"الإنصاف\" (١/ ٤٩٠).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٨١)، \"المحلى\" (٤/ ٣٢)، الأصل (١/ ٣٧٢)، \"المغني\" (٣/ ٤٢٣).\n(^٣) رواه عبد الرزاق (٦٥٧٠)، وابن المنذر في \"الأوسط\" (٢/ ١٨٥)، والبيهقي (٢/ ٤٣٥)، وإسناده صحيح.\n(^٤) \"الأوسط\" (٥/ ٤١٧).\n(^٥) انظر: \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧)، \"الشرح الممتع\" (٢/ ٢٣٦).\n(^٦) \"زاد المعاد\" (٤/ ٢٠٠)، \"فتح الباري\" لابن رجب (٣/ ٢٠٢).","vol":"4","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-452>النهي عن النعي</span>\n٥٥٧/ ٢٤ - عن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ كان ينهى عن النعي. رواه أحمد، والترمذي وحسنه.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٣٨/ ٣٠٤) والترمذي في أبواب \" الجنائز\"، باب \" ما جاء في كراهية النعي\" (٩٨٦) من طريق حبيب بن سليم العبسي، عن بلال بن يحيى العبسي، عن حذيفة قال: إذا مت فلا تؤذنوا بي، إني أخاف أن يكون نعيًا، فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي.\nوقال الترمذي: (هذا حديث حسن)، وهذا هو الذي نقله المزي والمنذري عن الترمذي (^١)، وكذا الحافظ هنا وفي \" فتح الباري\" (^٢)، ووقع في بعض النسخ: (حسن صحيح).\nوالحديث في إسناده، حبيب بن سليم، ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (^٣)، وقد روى عنه جمع من الثقات، منهم: عبد الله بن المبارك، ووكيع، وأبو نعيم، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٤)، وقال الحافظ في \" التقريب\": (مقبول).\nوله شاهد عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"إياكم والنعي، فإن النعي من عمل الجاهلية\".\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (٥/ ٣٧٧)، \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ٣٥٢).\n(^٢) (٣/ ١١٧).\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ١٠٢).\n(^٤) (٦/ ١٨٢).","vol":"4","page":290},{"text":"أخرجه الترمذي (٩٨٤) مرفوعًا، وأخرجه موقوفًا، ورجح الموقوف، وكذا رجحه الدارقطني (^١)، ومدار الإسنادين على أبي حمزة ميمون الأعور.\nقال الترمذي: (وليس بقوي عند أهل الحديث). وقد ضعفه ابن معين وأبو حاتم والبخاري والدارقطني؛ بل إنه ضعيف جدًا ذاهب الحديث (^٢).\n\n• الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال بالنهي عن النعي وهو الإخبار بموت الشخص كما سيأتي، وهو الذي كان يفعله أهل الجاهلية من الصياح على أبواب البيوت والأسواق أو فوق الأماكن العالية، وكذا إذا كان لفعل محرم كالمآتم وإظهار الحزن على الميت أو الغلو فيه ونحو ذلك.\nوقد ذكر الحافظ ﵀ بعد هذا حديث أبي هريرة ﵁ في النعي الجائز، وهذا ف غاية المناسبة ليعلم ما يتعلق بالأحاديث التي ظاهرها التعارض، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"العلل\" (٥/ ١٦٥).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٣٥٣).","vol":"4","page":291},{"text":"<span data-type='title' id=toc-453>حكم الصلاة على الميت الغائب وكيفيتها</span>\n٥٥٨/ ٢٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف عنهم، وكبر عليه أربعًا. متفق عليه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الجنائز\" في عدة أبواب، أولها باب \" الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه\" (^١) (١٢٤٥)، ومسلم (٩٥١) (٦٢) من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، به.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (نعي) أي: أخبر بموت النجاشي، تقول: نعيت الميت نعيًا من باب نفع: أخبرت بموته، فهو منعي.\n\nقوله: (النجاشي) علم جنس لكل من ملك الحبشة. والمرد به هنا: أصحمة. كما ورد في بعض الروايات، ومعناه في اللغة العربية: عطية، وكان النجاشي ملكًا على الحبشة من أوائل عهد النبوة، وآمن بالنبي ﷺ، وهاجر إليه المسلمون المضطهدون في مكة في أول الإسلام، فأحسن إليهم وآواهم، توفي في رجب سنة تسع من الهجرة.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز نعي الميت، وهو الإخبار\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ١١٦).","vol":"4","page":292},{"text":"بموته ووقت ومكان الصلاة عليه، لما في ذلك من المصلحة بالمبادرة لشهود جنازته، والصلاة عليه، والدعاء له وتشييعه وحضور دفنه؛ لأن في ذلك أجرًا للمصلين، ونفعًا للميت، كما أن في ذلك تنفيذ وصاياه وإظهار ديونه وغير ذلك من المصالح والأحكام.\nوعلى هذا تحمل أحاديث جواز النعي، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم في قصة المرأة التي تقدم المسجد فقال ﷺ: \" أفلا كنتم آذنتموني\"، أي: أعلمتموني.\nوقد يكون النعي واجبًا إذا كان لتحصيل أمر واجب كتغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز الصلاة على الميت الغائب، وأن كيفيتها مثل كيفية الصلاة على الميت الحاضر في التكبير أربعًا وغيره، وهذا هو قول الشافعي وأحمد (^١).\nقالوا: ولأن الصلاة على الميت دعاء له، فكيف لا يدعى له وهو غائب.\nوالقول الثاني: أن الصلاة على الغائب غير مشروعة مطلقًا، وصلاة النبي ﷺ على النجاشي خاصة به، وليس ذلك لغيره؛ لأنه توفي كثير من أصحابه ﷺ، من أعزهم عليه: القراء، ولم ينقل عنه أنه صلى عليهم، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، ورواية عن أحمد (^٢).\nوالقول الثالث: أن الصلاة على الميت غير مشروعة إلا لمن لم يصل عليه، وهذا قول في مذهب أحمد، وبه قال الخطابي، وصوبه شيخ الإسلام ابن تيمية، وصححه ابن القيم (^٣).\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٥/ ٢٥٠)، \"الإنصاف\" (٢/ ٥٣٣).\n(^٢) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١١٧)، \"شرح الزرقاني\" (٢/ ١١٢)، \"الإنصاف\" (٢/ ٥٣٣)، \"أحكام الجنائز\" للألباني ص (٩٣).\n(^٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٢٢)، \"زاد المعاد\" (١/ ٥٢٠)، \"الإنصاف\" (٢/ ٥٣٣).","vol":"4","page":293},{"text":"قالوا: لأنه إذا صلي عليه سقط الفرض بصلاة المسلمين عليه.\nوالقول الرابع: أنه يصلى على الغائب إذا كان قد نفع المسلمين بعلمه أو جاهه أو ماله أو كان له أياد بيضاء في الدفاع عن الإسلام وأهله، وهذه الأوصاف مأخوذة من قصة النجاشي، وقد جاء هذا القول عن الإمام أحمد، فقد نقل ابن تيمية عن الإمام أحمد أنه قال: إذا مات رجل صالح صلي عليه (^١)، واحتج بقصة النجاشي، ورجح هذا القول بعض المتأخرين، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن باز (^٢).\nوالراجح هو القول الثالث، وهو التفصيل بين من صلي عليه في بلده فلا يصلى عليه، وبين من لم يصل عليه فيصلى عليه، وذلك لقوة مأخذه، والصلاة على النجاشي ليست شرعًا عامًا، وإنما هي قضية عينية مكافأة للنجاشي على صنيعه. والقول بأن النجاشي لم يصل عليه ليس عليه دليل؛ بل هو بعيد جدًا؛ لأن من المعلوم أن الملوك إذا أسلموا يتبعهم أناس، ولا سيما المقربون إليهم.\nويؤيد هذا القول أن كبار الصحابة ﵃ ومنهم الخلفاء الأربعة لم ينقل أنه صلي عليهم في الأمصار الإسلامية صلاة الغائب، والظاهر أن هذا لو وقع لكانت الهمم والدواعي متوفرة على نقله.\n\n• الوجه الخامس: في الحديث معجزة ظاهرة وآية من آيات النبي ﷺ الدالة على نبوته حيث أخبر بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وقد ذكر بعض العلماء أنه بينه وبين النجاشي مسيرة شهر، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الاختيارات\" ص (٨٧).\n(^٢) \"الفتاوى\" (١٣/ ١٥٩).","vol":"4","page":294},{"text":"<span data-type='title' id=toc-454>استحباب كثرة الجمع على الجنازة</span>\n٥٥٩/ ٢٦ - عن ابن عباس ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول: \" ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلًا، لا يشركون بالله شيئًا، إلا شفعهم الله فيه\". رواه مسلم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخرجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \" الجنائز\"، باب \" من صلى عليه أربعون شفعوا فيه\" (٩٤٨) من طريق أبي صخر، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس ﵁ أنه مات ابن له بقديد أو بعسفان فقال: يا كريب، انظر ما اجتمع له من الناس، قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له فأخبرته. فقال: تقول هم أربعون؟ قال: نعم، قال: أخرجوه، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: … وذكر الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ما من رجل مسلم) من: مزيدة لتأكيد الاستغراق، والمعنى: أي رجل مسلم، والتعبير بالرجل خرج مخرج الغالب، وإلا فالمرأة كذلك.\n\nقوله: (لا يشركون بالله شيئًا) نكرة في سياق النفي، فيعم الشرك الأكبر والشرك الأصغر؛ لأن صاحب الشرك الأكبر لا تصح صلاته، وصاحب الشرك الأصغر لا تصح شفاعته هنا؛ لأن الشافع لابد أن يكون سالمًا من كل شائبة تخل بعقيدته.\n\nقوله: (إلا شفعهم الله فيه) بفتح الشين وتشديد الفاء، أي: قبل شفاعتهم فيه.\n\n•","vol":"4","page":295},{"text":"الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب تكثير المصلين على الجنازة وأن من صلى عليه هذا العدد وهم أربعون بالوصف المذكور وهو أنهم لا يشركون بالله شيئًا فإن الله تعالى يقبل شفاعتهم فيه، وهذا من فضل الله تعالى ورحمته بعباده.\nوقد ورد في حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قالت: \" ما من ميت صلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مئة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه\" (^١).\nوقد ذكر القاضي عياض أن هذه الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين سألوا ذلك فأجاب كل واحد عن سؤاله (^٢).\nوذكر النووي أنه يحتمل أن النبي ﷺ أخبر بقبول شفاعة مائة فأخبر به، ثم بقبول شفاعة أربعين فأخبر به. أو يقال: إن هذا من باب مفهوم العدد، فلا تنافي بينها، ويعمل بجميع الأحاديث، وتقبل الشفاعة بأدناها، فيكون الأقل من العددين متأخرًا عن الأكثر، لأن الله تعالى منعم متفضل إذا وعد المغفرة لمعنى لم يكن من سنته النقصان من الفضل الموعود بعد ذلك بل يزيد تفضلًا، فيدل على زيادة تفضل الله وكرمه على عباده، ولعل الحافظ نظر إلى هذا المعنى عندما ذكر حديث ابن عباس ﵁ وترك حديث عائشة ﵂ في المائة، وكلاهما في \" صحيح مسلم\".\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على إثبات الشفاعة للمؤمنين، وأن شفاعة المصلين للميت مقبولة ونافعة بإذن الله تعالى بالوصف المذكور وهو أن يكون الشافع لا يشرك بالله شيئًا والمشفوع فيه كذلك والشفاعة في رفع درجات المؤمنين نوع من أنواع الشفاعة التي يذكرها أهل العلم.\nوالشفاعة لابد فيها من إذن الله تعالى للشافع أن يشفع، لكن لما أمر الله تعالى المسلم أن يدعو لأخيه الميت، صار هذا الأمر إذنًا بالشفاعة وزيادة (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٤٧).\n(^٢) \"إكمال المعلم\" (٣/ ٤٠٧).\n(^٣) \"القول المفيد على كتاب التوحيد\" (١/ ٣٣٥).","vol":"4","page":296},{"text":"<span data-type='title' id=toc-455>بيان موقف الإمام من جنازة المرأة</span>\n٥٦٠/ ٢٧ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: صليت وراء النبي ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسطها. متفق عليه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الجنائز\"، باب \" أين يقوم من المرأة والرجل؟ \" (١٣٣٢)، ومسلم (٩٦٤) من طريق عبد الله بن بريدة، حدثنا سمرة بن جندب ﵁ قال: … وذكر الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (في نفاسها) في: للظرفية؛ أي: ماتت في مدة النفاس، ويجوز كونها سببية، أي: ماتت بسبب نفاسها. والنفاس: دم عادي يخرج بسبب الولادة، وتقدم في آخر باب \" الحيض\".\n\nقوله: (فقام وسطها) بسكون السين؛ أي: عند منتصف جسمها، هكذا قيده الحفاظ واقتصر عليه النووي (^١)، وقيده بعضهم بالفتح أيضًا.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية وقوف الإمام في الصلاة على جنازة المرأة عند وسطها، وأما الرجل فيقف الإمام عند رأسه، وهذا القول بالتفريق قول أحمد وإسحاق، والصحيح من مذهب الشافعية (^٢)، لحديث أنس ﵁ أنه صلى على جنازة رجل فقام عند رأسه، وعلى جنازة امرأة فقام\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٣٥).\n(^٢) \"المجموع\" (٥/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، \"المغني\" (٣/ ٤٥٢).","vol":"4","page":297},{"text":"وسطها، فقيل له: أهكذا كان النبي ﷺ يفعل، فقال: (نعم) (^١).\nوالقول الثاني: أنه لا فرق بين الرجل والمرأة في موقوف الإمام، فيقف الإمام في وسط الميت مطلقًا، وهذا قول مالك (^٢)، وهو رأي البخاري، كما يفهم من الترجمة المذكورة، وكأنه يشير بها إلى ضعف حديث أنس (^٣)، وقال أبو حنيفة: يقف عند صدر الرجل والمرأة لأنهما سواء (^٤).\nوالقول الأول أرجح، لثبوت التفريق، وهذا الخلاف إنما هو في الأفضل، وإلا فحيثما وقف الإمام أجزأ، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣١٩٤)، والترمذي (١٠٣٤)، وابن ماجه (١٤٩٤)، وأحمد (١٩/ ٢١٩)، من طرق عن همام، قال: حدثنا أبو غالب، عن أنس به. ورجاله ثقات، وإسناده قوي، وحسَّنه الترمذي.\n(^٢) \"المدونة\" (١/ ١٧٥).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٢٠١) قال الشيخ عبد العزيز بن باز في تعليقه عليه: (إسناده جيد، وهو حجة قائمة على التفرقة).\n(^٤) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١٢٦ - ١٢٧)، \"حاشية ابن عابدين\" (٢/ ٤١٦).","vol":"4","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-456>جواز الصلاة على الجنازة في المسجد</span>\n٥٦١/ ٢٨ - عن عائشة ﵂ قالت: والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد. رواه مسلم.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \" الجنائز\"، باب \" الصلاة على الجنازة في المسجد\" (٩٧٣) من طريق الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة ﵁ لما توفى سعد بن أبي وقاص ﵁ قالت: (ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه). فأنكر ذلك عليها، فقالت: (والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد: سهيل وأخيه)، وفي رواية عنها قالت: (ما أسرع ما نسي الناس، ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بين البيضاء إلا في المسجد).\nوقولها: (ابني بيضاء) هما: سهل وسهيل، وأمهم البيضاء، واسمها دعد، والبيضاء وصف، وأبوهم وهب بن ربيعة القرشي الفهري.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز الصلاة على الميت في المسجد، وهذا قول الشافعي وأحمد وجمهور العلماء (^١)، وإنكار الصحابة ﵃ ذلك على عائشة ﵂ لأنه لم يكن معروفًا على صفة الدوام.\nقال ابن القيم: (ولم يكن من هديه الراتب الصلاة على الميت في المسجد، وإنما كان يصلي على الجنازة خارج المسجد، وربما كان يصلي\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٦/ ٣٤٤)، \"المجموع\" (٥/ ٢١٣)، \"الإنصاف\" (٢/ ٥٣٨).","vol":"4","page":299},{"text":"أحيانًا على الميت في المسجد …) (^١).\nوقد ذكر ابن المنذر وغيره أن أبا بكر وعمر ﵃ صلي عليهما في المسجد (^٢)، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه لا يصلى على الميت في المسجد (^٣)، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له\" (^٤).\nوالراجح القول الأول لقوة دليله. وأما حديث أبي هريرة ﵁ فعنه ثلاثة أجوبة:\nالأول: أنه ضعيف؛ لأنه مما تفرد به صالح مولى التوأمة، والأئمة يتقون ما تفرد به. وقد نقل ابن القيم عن الإمام أحمد أنه قال: (هو مما تفرد به صالح مولى التوأمة)، وكذا قال ابن المنذر والبيهقي والبغوي وجماعة (^٥).\nالثاني: أن هذا الحديث مختلف في لفظه، ففي النسخ المشهورة المحققة المسموعة في سنن أبي داود \"فلا شيء عليه\"، وعند ابن ماجه وأحمد \"فليس له شيء\" لوجب تأويله على معنى: \"فلا شيء عليه\" لتتفق الأحاديث ولا تتعارض (^٦).\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (١/ ٥٠٠).\n(^٢) \"الأوسط\" (٥/ ٤١٥). أما الصلاة على عمر -﵁- في المسجد فهذا رواه مالك (١/ ٢٣٠)، وعنه عبد الرزاق (٦٥٧٧)، ومن طريقه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٦٤)، عن نافع عن ابن عمر قال: صلي على عمر في المسجد. وإسناده صحيح. وأما الصلاة على أبي بكر -﵁- فقد رواه عبد الرزاق (٦٥٧٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣٦٤).\n(^٣) \"حاشية ابن عابدين\" (٢/ ٢٢٤)، \"المدونة الكبرى\" (١/ ١٧٧).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٣١٩١)، وابن ماجه (١٥١٧)، وأحمد (١٥/ ٤٥٤) من طريق ابن ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة -﵁-، به.\n(^٥) \"الأوسط\" (٥/ ٥٢١)، \"السنن الكبرى\" (٤/ ٥٢)، \"شرح السنة\" (٥/ ٣٥٢)، \"زاد المعاد\" (١/ ٥٠٠).\n(^٦) انظر: \"المجموع\" (٥/ ٢١٤)، \"تهذيب مختصر السنن\" (٤/ ٣٢٥).","vol":"4","page":300},{"text":"الثالث: أن هذا الحديث بلفظ: \"فلا شيء له\" معارض بما هو أصح منه، وهو حديث عائشة المذكور، فلا يقف في مقابلة الحديث الصحيح السالم من الاحتمال (^١)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ٥٢).","vol":"4","page":301},{"text":"<span data-type='title' id=toc-457>عدد تكبيرات صلاة الجنازة</span>\n٥٦٢/ ٢٩ - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعًا، وإنه كبر على جنازة خمسًا، فسألته فقال: كان رسول الله ﷺ يكبرها. رواه مسلم والأربعة.\n٥٦٣/ ٣٠ - وعن علي ﵁ أنه كبر على سهل بن حنيف ستًا، وقال: إنه بدري. رواه سعيد بن منصور.\nوأصله في \" البخاري\".\n٥٦٤/ ٣١ - وعن جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يكبر على جنائزنا أربعًا بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى. رواه الشافعي بإسناد ضعيف.\n\n• الكلام عليها من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد اختلف في اسم أبيه أبي ليلى، فقيل: يسار، وقيل: بلال، وقيل غير ذلك. وجده الأعلى مالك بن أوس الأنصاري الأوسي، ولد لست بقين من خلافة عمر ﵁، وذكر الذهبي أنه ولد في خلافة الصديق ﵁ أو قبل ذلك. وقد روى عن أبيه وعمر وعثمان وعلي وعدد كثير من الصحابة ﵁، وروى عنه ابنه عيسى وابن ابنه عبد الله بن عيسى والشعبي وعمرو بن مرة وآخرون. قال عنه الحافظ الذهبي: (الإمام العلامة الحافظ). مات سنة ثلاث وثمانين (^١)، رحمه الله تعالى.\n\n•\n_________\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٢٦٢)، \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٢٣٤).","vol":"4","page":302},{"text":"الوجه الثاني: في تخريجها:\nأما حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، فقد أخرجه مسلم في كتاب \"الجنائز\"، باب \" الصلاة على القبر\" (٩٥٧)، وأبو داود (٣١٩٧)، والترمذي (١٠٢٣)، والنسائي (٤/ ٧٢)، وابن ماجه (١٥٠٥) كلهم من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: … الحديث.\nوأما حديث علي ﵁، فقد أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٤٨٠) من طريق ابن عيينة، عن يزيد بن أبي زياد، قال: سمعت ابن معقل يقول: صلى علي على سهل بن حنيف فكبر ستًا.\nويزيد بن أبي زياد هو القرشي الهاشمي متكلم فيه.\nورواه عبد الرزاق (٣/ ٤٨١) ومن طريقه البيهقي (٤/ ٣٦)، وابن حزم (٥/ ١٢٦)، عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عبد الله بن معقل، أن علي بن أبي طالب ﵁ صلى على سهل بن حنيف فكبر عليه ستًا، ثم التفت إلينا فقال: (إنه بدري).\nزاد ابن حزم: قال الشعبي: وقدم علقمة من الشام فقال لابن مسعود: إن إخوانك بالشام يكبرون على جنائزهم خمسًا، فلو وقتم لنا وقتًا نتابعكم عليه. فأطرق عبد الله ساعة، ثم قال: (انظروا جنائزكم، فكبروا عليها ما كبر أئمتكم، لا وقت ولا عدد).\nقال ابن حزم: (هذا إسناد في غاية الصحة؛ لأن الشعبي أدرك علقمة، وأخذ عنه وسمع منه).\nوأخرج الطحاوي (١/ ٤٩٧)، والدارقطني (٢/ ٧٣) ومن طريقه البيهقي (٤/ ٣٧) عن عبد خير، قال: (كان علي ﵁ يكبر على أهل بدر ستًا، وعلى أصحاب النبي ﷺ خمسًا وعلى سائر الناس أربعًا) وسنده صحيح، كما قال الألباني (^١).\n_________\n(^١) \"أحكام الجنانز\" ص (١١٣).","vol":"4","page":303},{"text":"وأصل هذا الحديث في البخاري في كتاب المغازي (٤٠٠٤) عن ابن معقل أن عليًا ﵁ كبر على سهل بن حنيف فقال: (إنه شهد بدرًا) وليس فيه ذكر العدد، وهذا قد يستفاد منه إعلال التنصيص على العدد المذكور.\nوأما حديث جابر ﵁، فقد أخرجه الشافعي (١/ ٢١٤ ترتيب مسنده) قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر ﵁، به مرفوعًا.\nوإسناده ضعيف جدًا من أجل شيخ الشافعي إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو رافضي كذاب كل بلاء فيه، كما تقدم (^١)، وقد أعله الصنعاني بابن عقيل (^٢)، وهذا فيه نظر، فإن الصواب في ابن عقيل أن حديثه لا ينزل عن رتبة الحسن إذا لم يخالف؛ لأن الكلام فيه إنما هو من قبل حفظه، وهو في نفسه صدوق، وقد مضى ذكره (^٣)، وقد ساق الحافظ هذا الحديث لبيان حاله، وأنه ليس هو العمدة في الباب؛ بل العمدة الحديث الذي بعده.\n\n• الوجه الثالث: اختلف العلماء في عدد التكبير في صلاة الجنازة على قولين:\nالقول الأول: أن التكبير أربع ولا يزاد عليها، وقد عزاه ابن المنذر إلى أكثر أهل العلم، بل نقل ابن عبد البر الاتفاق على ذلك (^٤). واستدلوا بما أخرجه عبد الرزاق بسنده عن أبي وائل، قال: كانوا يكبرون في زمن النبي ﷺ سبعًا وخمسًا وأربعًا حتى كان زمن عمر فجمعهم، فسألهم، فأخبره كل رجل منهم بما رأى، فجمعهم على أربع تكبيرات كأطول الصلاة، يعني الظهر (^٥).\nوالقول الثاني: جواز الزيادة على الأربع؛ لأنه أمر فعله النبي ﷺ،\n_________\n(^١) انظر: شرح الحديث (٤٤١).\n(^٢) \"سبل السلام\" (٣/ ٣٥٢).\n(^٣) انظر: شرح الحديث (١٢٨).\n(^٤) \"الأوسط\" (٥/ ٤٢٩)، \"الاستذكار\" (٨/ ٢٣٩).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٤٧٩)، قال الحافظ في \"فتح الباري\" (٣/ ٢٠٢): (إسناده حسن).","vol":"4","page":304},{"text":"وفعله بعض أصحابه بمحضر بقيتهم ولم ينكر عليه، ولا سيما في حق أهل العلم ومن له جهود في مصالح المسلمين، مثل: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونحو ذلك.\nوهذا القول وجيه جدًا، وفيه عمل بجميع الأدلة؛ فإن النبي ﷺ لم يرد عنه المنع مما زاد على أربع؛ بل فعله هو وأصحابه من بعده كما تقدم، فكيف يترك مع ثبوته؟! وما فعله الصحابة ﵃ هو في حكم المرفوع؛ لأن بعض كبار الصحابة أتى بها على مشهد من الصحابة دون أن يعترض عليه أحد منهم.\nوأما ما ورد عن عمر ﵁ فلا يعد إجماعًا؛ بل هو من باب تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأحوال بناءً على المصحلة، ولا يعني ذلك تغيير الحكم الثابت أو إلغاءه بصفة دائمة، ومثل ذلك ما فعله عمر ﵁ عندما أمضى الطلاق الثلاث على الناس لما رآهم تتابعوا على إيقاعه.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن صلاة الجنازة أربع تكبيرات، فيقرأ في الأولى الفاتحة، كما سيأتي، وفي الثانية يصلي على النبي ﷺ كالصلاة عليه في التشهد، وبعد الثالثة يدعو للميت، وإنما كان في الثالثة؛ لأن الدعاء يحتاج إلى ثناء وصلاة على النبي ﷺ، فناسب ذلك في الثانية ثم يكبر الرابعة ويسلم (^١)، وقد ورد عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: السنة في الصلاة على الجنازة: أن يكبر، ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يصلي على النبي ﷺ، ثم يخلص الدعاء للميت، ولا يقرأ إلا في التكبيرة الأولى، ثم يسلم في نفسه عن يمينه (^٢).\n\n• الوجه الخامس: من فاتته بعض التكبيرات دخل مع الإمام فيما أدركه فيه، معتبرًا ذلك أول صلاته، وما يقضيه بعد سلام إمامه هو آخر صلاته، لعموم: \" فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا\" (^٣)، فإذا أدرك الإمام في\n_________\n(^١) انظر: \"أحكام الجنائز\" ص (١٢٧).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (٦٤٢٨)، والنسائي (٤/ ٧٥)، وصححه ابن حجر في \"الفتح\" (٣/ ٢٠٤) وهو مرسل صحابي.\n(^٣) تقدم تخريجه وشرحه برقم (٤٢٢).","vol":"4","page":305},{"text":"التكبيرة الثانية مثلًا كبر معه وقرأ الفاتحة، فإذا كبر الإمام الثالثة كبر هو وصلى على النبي ﷺ، فإذا كبر الإمام الرابعة كبر ودعا للميت دعاء موجزًا، فإذا سلم الإمام كبر الرابعة ثم سلم (^١).\nوالقول الثاني: أنه يدخل مع الإمام فيما هو فيه، فإذا أدرمه في الثالثة مثلًا كبر ودعا للميت، فإذا سلم الإمام قضى ما فاته، فكبر متواليًا إن بقيت الجنازة، وإن رفعت فله أن يسلم مع إمامه، ولا يجب عليه القضاء (^٢). والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"المجموع\" (٥/ ٢٤٠)، \"فتاوى ابن باز\" (١٣/ ١٤٩ - ١٥٠).\n(^٢) \"المغني\" (٣/ ٤٢٤)، \"الإنصاف\" (٢/ ٥٢٩)، \"فتاوى ابن عثيمين\" (١٧/ ١٣٥)، \"الشرح الممتع\" (٥/ ٣٤٢).","vol":"4","page":306},{"text":"<span data-type='title' id=toc-458>وجوب الفاتحة بعد التكبيرة الأولى</span>\n٥٦٥/ ٣٢ - عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ فاتحة الكتاب، فقال: \" لتعلموا أنها سنة\". رواه البخاري.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري المدني قاضي المدينة زمن يزيد، روى عن عمه عبد الرحمن بن عوف الزهري، وعثمان بن عفان، وسعيد بن زيد، وابن عباس، وآخرين، قال ابن معين وأبو زرعة والنسائي والعجلي: (ثقة). وكان شريفًا جوادًا حجة إمامًا، يقال له: طلحة الندى، وكان يكتب الوثائق بالمدينة، مات بها سنة تسع وتسعين ﵀ (^١).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الجنائز\"، باب \" قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة\" (١٣٣٥) من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: … وذكر الحديث.\nوقد أخرجه النسائي (٤/ ٧٤)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٥٣٧) من طريق إبراهيم بن سعد، قال: حدثني أبي، عن طلحة، بلفظ: (فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة فجهر حتى سمعنا …)، وقد جود ابن المنذر هذه الزيادة (^٢)،\n_________\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ١٧٤)، \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ١٨).\n(^٢) \"الأوسط\" (٥/ ٤٤٠).","vol":"4","page":307},{"text":"وقال البيهقي: (ذكر السورة فيه غير محفوظ) (^١)، ورد عليه ابن التركماني فقال: (بل هو محفوظ) (^٢).\nوقد اقتصر البخاري على رواية شعبة، عن سعد، وليس فيها ذكر السورة، وترك رواية إبراهيم بن سعد، عن أبيه التي فيها ذكر السورة؛ لأن شعبة أوثق من إبراهيم بن سعد، ومع هذا فقد جودها ابن المنذر، وأثبتها ابن التركماني، وصحح إسنادها النووي (^٣)، والألباني (^٤)، لكن إعراض البخاري عنها يشعر بضعفها.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى من تكبيرات صلاة الجنازة، لقول ابن عباس ﵁: (لتعلموا أنها سنة) أي: طريقة متبعة وشرع ثابت، وليس المراد بذلك المندوب أو المستحب، فإن هذا اصطلاح حادث عند الفقهاء، واسم السنة يطلق على الواجب وما ليس بواجب (^٥).\nوالسنة في قراءة الفاتحة: المخافتة، وإنما جهر بها ابن عباس لتعليم الناس، كما جهر عمر ﵁ بدعاء الاستفتاح لتعليم الناس.\nوليس في صلاة الجنازة دعاء استفتاح لعدم ثبوته، وفي مسائل الإمام أحمد لأبي داود فقال: (سمعت أحمد سئل عن الرجل يستفتح على الجنازة: سبحانك، قال: ما سمعت) (^٦).\n\n• الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال: باستحباب قراءة سورة بعد الفاتحة، بناءً على ثبوت زيادة ذكر السورة، واستحب النووي (^٧) أن تكون قصيرة، ولعله بنى ذلك على كون صلاة الجنازة مبنية على التخفيف والاستعجال بالجنازة إلى قبرها؛ وإلا فالحديث ليس فيه ما يدل على كونها قصيرة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٨).\n(^٢) \"الجوهر النفي\" (٤/ ٣٨).\n(^٣) \"المجموع\" (٥/ ٢٣٤).\n(^٤) \"أحكام الجنائز\" ص (١١٩).\n(^٥) انظر: \"رسالة في أصول الفقه\" للعكبري ص (٤٢).\n(^٦) \"مسائل الإمام أحمد\" لأبي داود ص (١٥٣)، وانظر: \"الأوسط\" (٥/ ٤٣٦).\n(^٧) \"المجموع\" (٥/ ٢٣٤).","vol":"4","page":308},{"text":"<span data-type='title' id=toc-459>ما يدعى به في صلاة الجنازة</span>\n٥٦٦/ ٢٣ - عن عوف بن مالك ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازة، فحفظت من دعائه: \" اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وأدخله الجنة، وقه فتنة القبر وعذاب النار\". رواه مسلم.\n٥٦٧/ ٣٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى على جنازة يقول: \" اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وشاهدنا، وغائبنا، وصغيرنا، وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده\". رواه مسلم، والأربعة.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث عوف بن مالك، فقد أخرجه مسلم في كتاب \" الجنائز\"، باب \" الدعاء للميت في الصلاة\" (٩٦٣) من طريق ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن حبيب بن عبيد، عن جبير بن نفير، سمعه يقول: سمعت عوف بن مالك يقول: … وذكر الحديث، وفي آخره قال: (حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت).\nأما الثاني: فقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الجنائز\"، باب \" الدعاء","vol":"4","page":309},{"text":"للميت\" (٣٢٠١)، والترمذي (١٠٢٤)، والنسائي في \" عمل اليوم والليلة\" (١٠٨٠) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁.\nوهذا قد أعل بالإرسال، فقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن وصله، فقال: (هذا خطأ، الحفاظ لا يقولون: أبا هريرة، إنما يقولون: أبا سلمة، أن النبي ﷺ) (^١).\nوقال الترمذي: (روى هشام الدستوائي وعلي بن المبارك (^٢) هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن النبي ﷺ مرسلا) (^٣)، وصحح الإرسال أيضًا الدارقطني (^٤).\nوأخرجه الترمذي (١٠٢٤)، والنسائي (٤/ ٧٤)، وأحمد (٢٩/ ٨٧) طريق يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو إبراهيم الأشهلي، عن أبيه قال: … فذكر الحديث.\nوقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وقال: (سمعت محمدًا يقول: أصح الروايات في هذا: حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم الأشهلي، عن أبيه، وسألته عن اسم أبي إبراهيم فلم يعرفه). وكذا قال الدارقطني والبيهقي (^٥)، وقال أبو حاتم: (لا يدرى من هو ولا أبوه) (^٦)، قال الشوكاني: (ولكن جهالة الصحابي غير قادحة) (^٧)، وهذا بناء على أنه صحابي.\nوأخرجه ابن ماجه (١٤٩٨) من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، وهذا معلول، ابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه، ثم هو أيضًا على خلاف المحفوظ عن أبي سلمة.\n_________\n(^١) \"العلل\" (١٠٤٧)، وانظر: (١٠٥٨).\n(^٢) عند ابن أبي شيبة (٣/ ٢٩٢).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣/ ٤٠٠).\n(^٤) \"العلل\" (٩/ ٣٢١ - ٣٢٥).\n(^٥) \"جامع الترمذي\" (٣/ ٣٤٤)، وانظر: \"العلل\" للدارقطني (٩/ ٣٢٥)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ٤١).\n(^٦) \"الجرح والتعديل\" (٩/ ٣٣٢).\n(^٧) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٧٢).","vol":"4","page":310},{"text":"ورواه أحمد في المسند (٢٩/ ٨٨) من طريق همام بن يحيى، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه مرفوعًا، ورجاله ثقات (^١).\nومن هذا البيان الموجز يتبين أن الرواة قد اختلفوا في إسناد هذا الحديث اختلافًا ظاهرًا، وهذا من الاضطراب في الإسناد، ولهذا قال البخاري: (حديث أبي سلمة عن أبي هريرة وعائشة وأبي قتادة في هذا الباب غير محفوظ، وأصح شيء في هذا الباب حديث عوف بن مالك) (^٢).\nوقد أخرجه النسائي في \" عمل اليوم والليلة\" (١٠٨٧) من طريق عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂. قال الترمذي: (حديث عكرمة بن عمار غير محفوظ). وذلك لأن أضعف روايات عكرمة روايته عن يحيى بن أبي كثير، كما قال ذلك الإمام أحمد وابن المديني وابن القطان والبخاري وآخرون.\nوالحديث له شواهد عن ابن عباس عند الطبراني (^٣)، وعبد الرحمن بن عوف عند البزار (^٤)، وكلها ضعيفة.\nوأما عزو الحافظ هذا الحديث لمسلم فالظاهر أنه خطأ من النساخ، لا من الحافظ؛ لأنه لما ذكره في \" التلخيص\" عزاه إلى السنن ومسند أحمد فقط (^٥)، وقد فات الصنعاني أن ينبه على ذلك.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (فحفظت من دعائه) لعله ﷺ جهر به ليحفظ عنه. وقال النووي: (أي: علمنيه بعد الصلاة فحفظته) (^٦). لكن يرد هذا رواية الترمذي وغيره: (وسمعت رسول الله ﷺ …) فالأول أظهر.\n\nقوله: (اللهم اغفر له) المغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، وتقدم ذلك \" صفة الصلاة\".\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (١٠٧٦).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ٤٢).\n(^٣) \"المعجم الكبير\" (١٢/ ١٢٦٨٠).\n(^٤) \"مختصر زوائد البزار\" (١/ ٣٨٦).\n(^٥) \"التلخيص\" (٢/ ١٣٠).\n(^٦) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٣٤).","vol":"4","page":311},{"text":"قوله: (وارحمه) الرحمة صفة تقتضي الإنعام والإحسان إلى المرحوم برفعة درجاته وتحقيق مطلوبه، فهي أبلغ من المغفرة؛ لأن فيها حصول المطلوب بعد زوال المكروه.\n\nقوله: (وعافه) أي: من المؤذيات في القبر من فتنته ووحشته وظلمته وعذابه.\n\nقوله: (واعف عنه) أي: تجاوز عما وقع له من تقصير في الطاعة حال حياته.\n\nقوله: (وأكرم نزله) النزل: بضمتين: ما يهيأ للضيف من الإكرام، أي: اجعل نزله وضيافته عندك كريمة، وأحسن نصيبه من الجنة. وأكرم: بقطع الهمزة.\n\nقوله: (ووسع مدخله) بفتح الميم: مكان الدخول وهو القبر، وبضمها: الإدخال في القبر، والفتح أولى لأنه المناسب للمقام، ليكون المعنى: ووسع مكان الدخول، بأن يفسح له في قبره ويفتح له بابًا إلى الجنة.\n\nقوله: (واغسله بالماء والثلج والبرد) أي: طهره، وليس المراد بالغسل هنا على ظاهره، وإنما هو استعارة بديعة للطهارة العظيمة من الذنوب، والماء معروف، والثلج: الماء المتجمد، والبرد: بالتحريك المطر المنعقد، وجمع بينهما مبالغة في التطهير.\nوقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن مناسبة تنقية الذنوب بالثلج والبرد مع أن الماء الحار أبلغ في الإزالة؟ فقال: (إن حرارة الذنوب يناسبها شدة برودة الثلج والبرد) (^١).\n\nقوله: (ونقه من الخطايا) أي: خلصه ونظفه. والخطايا: آثارها، وهي جمع خطيئة وهي المعصية؛ إما بترك ما يجب أو بفعل ما يحرم.\n\nقوله: (كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس) خص الأبيض لأن النقاء\n_________\n(^١) \"إغاثة اللهفان\" (١/ ٥٧).","vol":"4","page":312},{"text":"فيه أبلغ، حيث إن قل دنس يبين فيه. والدنس: هو الوسخ. وهذه الجمل تقدم شرحها في \"صفة الصلاة\".\n\nقوله: (وأبدله دارًا خيرًا من داره) أبدله: بصيغة الدعاء من الإبدال، أي: عوضه دارًا في الجنة، من القصور ومن سعة القبور خيرًا من داره في الدنيا الفانية.\n\nقوله: (وأهلًا خيرًا من أهله) هذا التبديل إما بالأعيان بأن يعوضه الله عنهم في دار كرامته، أو تبديل أوصاف بأن تكون العجوز شابة، وسيئة الخلق حسنة الخلق، وهو الأقرب لقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم …﴾ [الطور: ٢١].\n\nقوله: (وزوجًا خيرًا من زوجه) هذه الجملة غير موجودة في نسخ البلوغ، وهو في مسلم ضمن الحديث، والمعنى: أبدله زوجًا من الحور العين أو من نساء الدنيا؛ فإن كانت معه زوجته في الجنة فالظاهر أن المراد إبدال الأوصاف لا إبدال الذوات، لقوله تعالى: ﴿جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آباءهم وأزواجهم وذريتهم …﴾ [الرعد: ٢٣]، فالمؤمن إذا دخل الجنة وكانت زوجته صالحة فهي زوجته في الجنة، وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" المرء لآخر أزواجها\" (^١)؛ وإن كان الميت امرأة فالمعنى: إبدالها زوجًا من طائفة من الفقهاء أن هذا الدعاء خاص بالرجل، ولا يقال في المرأة: أبدلها زوجًا خيرًا من زوجها، لجواز أن تكون لزوجها في الجنة؛ لأن المرأة لا يمكن الاشتراك فيها، والرجل يقبل ذلك (^٢).\nوزوج: بغير هاء يقال للذكر والأنثى، وقد يقال للمرأة زوجة بالهاء. وقد جاءت كذلك عند أحمد (^٣) والبيهقي (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"السلسلة الصحيحة\" (٣/ ٢٧٥).\n(^٢) \"شرح السيوطي على سنن النسائي\" (٤/ ٧٣).\n(^٣) \"المسند\" (٦/ ٢٣).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٤٠).","vol":"4","page":313},{"text":"قوله: (وأدخله الجنة) أي: ابتداء مع الناجين الفائزين.\n\nقوله: (وقه فتنة القبر) والمراد بها: ما يحصل بعد الموت حين يسأل الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه. والقبر: ما بين الموت وقيام الساعة وإن لم يدفن الميت.\n\nقوله: (وعذاب النار) أي: وقه عذاب النار بعد البعث، إما بإعاذته منها ابتداءً، أو بإنجائه من الخلود فيها.\n\nقوله: (وشاهدنا) أي: حاضرنا.\n\nقوله: (وصغيرنا) إن كان المراد به المكلف فلا إشكال؛ لأن المكلف أنواع منهم الصغير والكهل والشيبة، وهذا أولى أن يفسر به الحديث، وإن كان المراد من دون التكليف فيرد عليه إشكال، وهو كيف يستغفر للصغير مع أنه غير مكلف ولا ذنب له؟ فإما أن يقال: إن المراد بالألفاظ في الحديث الدلالة على الشمول والاستيعاب، كأنه قال: اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات كلهم أجمعين، أو أنه عام مخصوص بمن سيكبر، أو أنه لا يلزم من طلب المغفرة تقدم ذنب؛ بل قد يكون لرفع الدرجات.\n\nقوله: (فتوفه على الإيمان) أي: التصديق القلبي واليقين. فالإسلام: هو العبادات كلها، والإيمان شرط فيها، ووجودها في الحياة ممكن، بخلاف حالة الموت فإن وجودها متعذر، فلهذا اكتفى بالموت على الإيمان خاصة. وطلب الحياة على الإسلام الذي الإيمان جزء منه.\n\nقوله: (اللهم لا تحرمنا أجره) أي: أجر تجهيزه والصلاة عليه ودفنه وتشييعه، وأجر صبرنا على المصيبة فيه؛ فإن المسلمين في المصيبة كالشيء الواحد، وأما أجر عمله فهو له وليس لنا في شيء.\n\nقوله: (ولا تضلنا بعده) وفي رواية: (ولا تفتنا) أي: بتسليط الشيطان علينا حتى ينال منا مطلوبه. وهذا شامل لفتنة الشبهات وفتنة الشهوات.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الدعاء للميت؛ لأن هذا هو المقصود من الصلاة عليه. وقد ورد في الدعاء للميت أحاديث كثيرة،","vol":"4","page":314},{"text":"ومنها ما ذكره الحافظ. وقد تقدم قول البخاري: (أصح شيء في هذا الباب حديث عوف بن مالك). واستحب كثير من الفقهاء أن يبدأ بحديث عوف؛ لأنه دعاء خاص. والأفضل أن يكون بالأدعية المأثورة، ويجوز الدعاء بكل ما يناسب المقام، ومن ذلك الدعاء له بالمغفرة والرحمة، وتنقيته من الذنوب، وإعاذته من عذاب القبر وفتنته، وعذاب النار، وقد جاء الدعاء في حديث عوف بن مالك بلفظ المفرد المذكر، فبغير الدعاء ما يلزم تغييره في حال التأنيث والتثنية والجمع.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الميت ينتفع بالدعاء له إذا تحققت فيه شروط القبول، ولولا أنه ينتفع ما كان لدعائنا له فائدة.\n\n• الوجه الخامس: إذا كان الميت طفلًا قال بعد الدعاء العام: \" اللهم اجعله فرطًا لوالديه وذخرًا، وشفيعًا مجابًا، اللهم ثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم ﵊، وقه برحمتك عذاب الجحيم\"، وهذا ذكره الفقهاء، وليس في ذلك سنة عن الرسول ﷺ، إلا ما ورد في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ مرفوعًا: \" … والطفل يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة\" (^١).\nوذكر البخاري عن الحسن أنه قال: يقرأ على الطفل بفاتحة الكتاب، ويقول: \" اللهم اجعله لنا فرطًا وأجرًا وسلفًا\" (^٢).\nوعن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ أنه صلى على المنفوس، ثم قال: \" اللهم أعذه من عذاب القبر\" (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٣١٨٠)، والترمذي (١٠٣١)، والنسائي (٤/ ٥٥)، وابن ماجه (١٤٨١) وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٩)، وانظر: \"الدعاء\" للطبراني (٣/ ١٣٦٣).\n(^٣) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٢٨)، وعبد الرزاق (٣/ ٥٣٣)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣١٧)، والطبراني في \"الدعاء\" (٣/ ١٣٦٣)، والبيهقي (٤/ ٩). قال الألباني في \"أحكام الجنائز\" ص (١٢٧): (إسناده حسن)، والمنفوس: المولود.","vol":"4","page":315},{"text":"<span data-type='title' id=toc-460>الأمر بإخلاص الدعاء للميت</span>\n٥٦٨/ ٣٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \" إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء\". رواه أبو داود، وصححه ابن حبان.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الجنائز\"، باب \" الدعاء للميت\" (٣١٩٩)، وابن حبان (٧/ ٣٤٥ - ٣٤٦) من طريق محمد بن سلمة الحراني، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا.\nوهذا سند جيد، ومحمد بن إسحاق صرح يالتحديث عند ابن حبان من طريق أخرى (^١).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على انه ينبغي في الصلاة على الميت إخلاص الدعاء له؛ لأنها صلاة مقصودة له، سواء أكان الميت محسنًا أم مسيئًا؛ لأن ملابس المعاصي أحوج الناس إلى دعاء إخوانه المسلمين وشفاعتهم له. ومعنى إخلاصه للميت: أي تخصيصه بالدعاء، فلا يدعى لغيره على وجه الخصوص، وإنما يدعى له مفردًا أو مع غيره، كما في حديث: \" اللهم اغفر لحينا … \". وقال المناوي: (أي: ادعوا له بإخلاص وحضور قلب؛ لأن المقصود بهذه الصلاة إنما هو الاستغفار للميت، وإنما يرجى قبولها عند توفر الإخلاص والابتهال) (^٢).\n_________\n(^١) \"الإحسان\" (٧/ ٣٤٦).\n(^٢) \"فيض القدير\" (١/ ٥٠٥).","vol":"4","page":316},{"text":"قلت: ولا مانع من اعتبار المعنيين: تخصيص الميت بالدعاء، والدعاء له بإخلاص وحضور قلب، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":317},{"text":"<span data-type='title' id=toc-461>مشروعية الإسراع بالجنازة</span>\n٥٦٩/ ٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم\". متفق عليه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الجنائز\"، باب \" السرعة بالجنازة\" (١٣١٥)، ومسلم (٩٤٤) (٥٠) من طريق سفيان بن عيينة، قال: حفظناه من الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، قال: … وذكر الحديث.\nوأخرجه مسلم (٥١) من طريق ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبي هريرة ﵁ وفيه: \" فإن كانت صالحة قربتموها إلى الخير … \".\nقال الحافظ: (وهو محمول على أن للزهري فيه شيخين) (^١).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أسرعوا بالجنازة) بفتح الجيم؛ أي: الميت، وهذا الإسراع يفسر بمعنيين:\nالمعنى الأول: المبادرة بتجهيزها والصلاة عليها، ويؤيد ذلك قوله ﷺ: \" لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله\" (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٨٤).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣١٥٩)، وسنده ضعيف.","vol":"4","page":318},{"text":"المعنى الثاني: الإسراع بالسير فيها إلى قبرها. قال ابن الملقن: (وهو أطهر، وعليه الجمهور) (^١)، ويؤيد هذا ما رواه عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه أنه كان في جنازة عثمان بن أبي العاص، وكما نمشي مشيًا خفيفًا، فلحقنا أبو بكرة ﵁ ورفع سوطه فقال: (لقد رأيتنا ونحن مع رسول الله ﷺ نرمل رملًا) (^٢).\nوقد رجح النووي هذا المعنى، وقال: إنه الصواب، وأبطل المعنى الأول بقوله: \" فشر تضعونه عن رقابكم\".\nوالظاهر أنه لا مانع من حمل الإسراع على المبادرة بتجهيزها، والإسراع بالسير فيها إلى قبرها. قال القرطبي: (لا يبعد أن يكون كل واحد منهما مطلوبًا؛ إذ مقتضاه: مطلق الإسراع؛ فإنه لم يقيده بقيد، والله أعلم) (^٣)، وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز، (^٤) وذلك لأنه إذا كان الإسراع أثناء حملها مأمورًا به، فالإسراع في تجهيزها والصلاة عليها من باب أولى؛ لأن تأخير هذه الأمور يطول أكثر من تأخير الإسراع أثناء الحمل (^٥).\nوأما رد النووي للمعنى الأول وإبطاله بقوله: \" فشر تضعونه عن رقابكم\" ففيه نظر، والظاهر أنه لا يفهم منه رد المعنى الأول، لأمرين:\nالأمر الأول: أنه قد يعبر بالحمل على الظهر أو العنق عن المعاني دون الذوات، فيقال: حمل فلان على عنقه موضوع كذا. فيصير معنى الحديث: إنكم تستريحون من هذا الأمانة التي حملتم إياها بالإسراع في تجهيزها ودفنها.\nالأمر الثاني: أنه ليس كل حاضري الميت يحملونه، وإنما يحمله القليل منهم.\n_________\n(^١) \"شرح العمدة\" (٤/ ٤٧٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣١٨٢)، والنسائي (٤/ ٤٢)، وصححه الحاكم (١/ ٣٥٥)، وسكت عنه الذهبي، وصححه النووي في \"المجموع\" (٥/ ٢٧٢).\n(^٣) \"المفهم\" (٢/ ٦٠٣).\n(^٤) \"الفتاوى\" (١٣/ ١٨٢).\n(^٥) \"من أحكام الجنائز\" للزومان ص (٤٩).","vol":"4","page":319},{"text":"قوله: (فإنها إن تك صالحة) الجملة تعليل للأمر بالإسراع.\n\nقوله: (فخير تقدمونها إليه) الفاء رابطة لجواب الشرط، و(خير) مبتدأ.\nوالخير محذوف؛ أي: فلها خير، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: فذلك خير.\nوجملة (تقدمونها) صفة لخير، والمراد بالخير: نعيم القبر.\n\nقوله: (وإن تك سوى ذلك) أي: غير صالحة، وعبر عنه بـ (سوى ذلك) تحاشيًا لبشاعة اللفظ.\n\nقوله: (فشر تضعونه) الفاء كما تقدم. و(شر): خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: فهي شر.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الإسراع في تجهيز الميت والمبادرة بتغسيله والصلاة عليه ودفنه، وذلك لأن الميت إن كان صالحًا فالإسراع بتجهيزه ودفنه من مصلحته، للمبادرة بإيصاله إلى ما أعد الله له من النعيم والسرور في قبره؛ لأن القبر للميت الصالح خير من الدنيا؛ وإن كان الميت غير صالح فالإسراع بتجهيزه ودفنه من مصلحة حامليه ومشيعيه حيث يضعون عن رقابهم شرًا، ويتخلصون منه؛ إذ لا مصلحة لهم فيه.\n\n• الوجه الرابع: أن الإسراع المأمور به في حمله هو ما كان في رفق ولطف لا في هيئة مزرية تؤدي إلى الإضرار بالميت أو سقوطه أو تؤدي إلى إتعاب من يشيعه، وقد يضعف عن مواصلة تشييعه، فالمطلوب مراعاة السنة بالإسراع ومراعاة الرفق بالميت والمشيعين.\nوأما ما يفعله كثير من الناس في هذا الزمان من تأخير الميت يومًا أو يومين من أجل حضور بعض أقاربه أو لنقله من بلد إلى آخر فهذا فيه مخالفة واضحة للأمر بالإسراع بتجهيزه ودفنه، وفيه جناية على الميت كما دل عليه الحديث، فينبغي المبادرة به، فمن حضر من أقاربه فذاك، وإلا صلى بعد مجيئه على القبر.\nأما تأخير وقتًا يسيرًا كساعة أو ساعتين أو يموت أول النهار فيؤخر إلى الظهر أو إلى صلاة الجمعة مثلًا ليكثر المصلون عليه فلا مانع إن شاء الله","vol":"4","page":320},{"text":"أو يؤخر لغرض آخر كالبحث في سبب موته إن كان بسب بجناية عليه فلا حرج إن شاء الله؛ لأن في ذلك مصلحة ظاهرة، لا سيما مع وجود أماكن مبردة تحفظ بها الأجساد من الفساد.\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن السنة حمل الميت على الأعناق، ويجوز حلمه على دابة أو سيارة لغرض صحيح؛ كبعد المقبرة أو وجود مطر غزير ونحو ذلك. وأما ما اعتاده الناس اليوم من حملها على سيارة مع قرب المقبرة فينبغي تركه لأمرين:\nالأمر الأول: أن فيه مخالفة للسنة.\nالأمر الثاني: أن حملها على سيارة يفوت الغاية من حملها وتشييعها، وهي تذكرة الآخرة ومآل الإنسان؛ فإن حمل الميت على الأعناق والذهاب به إلى المقبرة فيه أبلغ عظة وأعظم تذكرة لمن كان له قلب، وقد ورد عنه ﷺ أنه قال: (عودوا المريض، واتبعوا الجنائز، تذكيركم الآخرة\" (^١).\nوسيأتي إن شاء الله ما يتعلق باتباع الجنائز، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧/ ٣٧٢) من حديث أبي سعيد -﵁-، وسنده صحيح.","vol":"4","page":321},{"text":"<span data-type='title' id=toc-462>أجر من اتبع الجنازة</span>\n٥٧٠/ ٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان\".\nقيل: وما القيراطان؟ قال: \" مثل الجبلين العظيمين\". متفق عليه.\nولمسلم: \" حتى توضع في اللحد\".\nوللبخاري: \" من تبع جنازة مسلم إيمانًا، واحتسابًا، وكان معه حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين، كل قيراط مثل أحد\".\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الجنائز\"، باب \" من انتظر حتى تدفن\" (١٣٢٥)، ومسلم (٩٤٥) (٥٢) من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ … الحديث.\nوأما رواية مسلم، فقد أخرجها من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁.\nوأما رواية البخاري، فقد أخرجها في كتاب \" الإيمان\"، باب \" اتباع الجنائز من الإيمان\" (٤٧) من طريق روح، قال: حدثنا عوف، عن الحسن ومحمد، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: … فذكر الحديث. وتمامه: \" ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط\"، وقد قرن البخاري فيه بين الحسن وهو البصري، ومحمد هو ابن سيرين، لأنهما حدثا","vol":"4","page":322},{"text":"به عوفًا، عن أبي هريرة ﵁، إما مجتمعين وإما متفرقين. فأما ابن سيرين فسماعه من أبي هريرة صحيح، وأما الحسن فمختلف في سماعه منه، والأكثرون على نفيه، وهو من ذلك كثير الإرسال. فلا تحمل عنعنته على السماع، وعلى هذا فالاعتماد على ابن سيرين، وقد أورده البخاري كما سمع.\nولعل الحافظ أورد رواية البخاري لاشتمالها على فوائد ليست في الرواية الأولى، وذكر رواية مسلم ليعرف الجمع بينها وبين غيرها، كما سيتبين إن شاء الله تعالى.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من شهد الجنازة) أي: من حضر الجنازة، وهي بفتح الجيم: الميت.\n\nقوله: (حتى يصلى عليها) يصلى: بفتح اللام، وهي رواية الأكثر، كما ذكر الحافظ، وبكسرها في بعض الروايات، ويؤيد رواية الكسر رواية البخاري في الباب المذكور، فإنها بلفظ: \" حتى يصلي\"، وأما لفظ البلوغ فهو عند مسلم.\nو(حتى) للغاية، والمعنى: امتداد شهوده إياها إلى الفراغ من الصلاة عليها.\n\nقوله: (فله قيراط) بكسر القاف: معيار في الوزن وفي القياس، يختلف وزنه بحسب الأمكنة. والمراد هنا: مقدار عظيم من الأجر مثل الجبل، وفي رواية البخاري المذكورة: \" كل قيراط مثل أحد\"، وعند مسلم: \" أحدهما مثل أحد\".\n\nقوله: (ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان) المراد بذلك: تمام القيراطين، لا أنه يحصل بالصلاة مع حضور الدفن ثلاثة قراريط، والدليل على أن المراد تمام القيراطين رواية البخاري المذكورة: \" وكان معه حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين\"، وعند مسلم: \" من خرج مع جنازة من بيتها، وصلى عليها، ثم اتبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر … \"، فتكون الأحاديث المطلقة والمحتملة محمولة على الرواية الصريحة (^١).\n_________\n(^١) \"شرح النووي على صحيح البخاري\" ص (٢٣٧)، \"فتح الباري\" (٣/ ١٩٧).","vol":"4","page":323},{"text":"قوله: (وما القيراطان) سأل عن تعيينها لذكرهما مبهمين، ولم يعين في هذه الرواية القائل ولا المقول له، وأراد بذكر الجبل تعظيم الثواب، فمثله بالجبلين العظيمين.\n\nقوله: (ومن شهدها حتى تدفن) أي: حضرها، والمراد من صلى عليها ثم استمر معها حتى (تدفن) أي: حتى يفرغ من دفنها بدليل رواية البخاري، ورواية مسلم (حتى توضع في اللحد) محمولة على ذلك (^١).\n\nقوله: (من تبع) وفي رواية: \" من اتبع\" والمعنى: لحق الجنازة ومشى خلفها.\n\nقوله: (إيمانًا واحتسابًا) مفعول لأجله أو حال، أي: تصديقًا بوعد الله تعالى الوارد في اتباع الجنائز. (واحتسابًا) أي: طلبًا لثواب الله وتقربًا إليه بأن يتبع الجنازة إخلاصًا لوجه الله تعالى، لا مكافأة ولا مخافة.\n\nقوله: (وكان معه) أي: مع المسلم، وهذه المعية تفيد أنه لابد أن يكون مع الميت في جميع الطريق هذا هو الظاهر، لكن لو كان مع الجنازة جمع كثير وتأخر بسبب كثرة المشيعين حصل له القيراط إذا كان ممن ينتسب إلى المشيعين (^٢).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل اتباع الجنازة والصلاة عليها وحضور دفنها، وظاهر الحديث أن الأجر المرتب على ذلك مشروط بقوله: \" إيمانًا واحتسابًا\" وعلى هذا فمن تبع الجنازة على سبيل المكافأة المتبادلة أو على سبيل المجاملة أو نحو ذلك فقد يؤجر على ذلك، لكن لا ينال الأجر المذكور لفوات ما رتب عليه.\nوفي اتباع الجنائز فوائد عظيمة ومصالح جمة منها:\n١ - الحصول على هذا الفضل العظيم.\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٥/ ٢٧٨)، \"الإعلام\" لابن الملقن (٤/ ٥٣٣).\n(^٢) \"شرح النووي على صحيح البخاري\" ص (٢٣٧).","vol":"4","page":324},{"text":"٢ - القيام بحق الميت من الدعاء له والصلاة عليه.\n٣ - أداء حق أهله وجبر خاطرهم عند مصيبتهم في ميتهم ومشاركتهم في ذلك؛ فإن هذا له تأثير ملحوظ.\n٤ - إعانة أهل الميت على حمله وحفر قبره والإعانة على دفنه.\n٥ - حصول العظة والعبرة بمشاهدة الموتى والمقابر، ففي ذلك ترقيق القلوب وتذكيرها بالآخرة، وتذكر الموت.\nفعلى المسلم أن يحرص على تشييع الجنائز مطلقًا، عرفهم أو لم يعرفهم حسب الإمكان، وغالب الناس في هذا الزمان لا يشيعون إلا إذا كانوا يعرفون الميت، لقرابة أو صداقة ونحو ذلك.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من اتبع الجنازة حتى يصلى عليها فله من الأجر قيراط، ومن استمر معها حتى تدفن فله قيراط آخر، وفي رواية البخاري: \" ويفرغ من دفنها\"، ولمسلم: \"حتى يفرغ منها\"، وهذا يفيد أن حصول قيراط الدفن متوقف على الفراغ من دفنها، وهو تسوية القبر، ورجح هذا النووي، ومن بعده الحافظ ابن حجر (^١)، قال النووي: (وأكمل مراتب الانصراف عن الجنازة أن يمكث عقب الفراغ من دفنها، ويستغفر للميت، ويدعو له، ويسأل له التثبيت) (^٢).\n\n• الوجه الخامس: ظاهر رواية البخاري: \" من تبع جنازة مسلم … وكان معه حتى يصلى عليها\" أن حصول القيراط يختص بمن شيعها وصلى عليها، وفي رواية عند مسلم: \" من خرج مع جنازة من بيتها … \".\nوجاء عند مسلم من طريق سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \" من صلى على جازة ولم يتبعها فله قيراط … \" الحديث (^٣)، وظاهر ذلك أن القيراط يحصل بمجرد الصلاة عليها ولو لم يتبعها قبل ذلك،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٩٧).\n(^٢) \"المجموع\" (٥/ ٢٧٨).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٥٣).","vol":"4","page":325},{"text":"وهو صنيع أكثر الناس اليوم، حيث يحضرون إلى المسجد يصلون، ثم يتبعونه.\nوالجواب كما ذكره ابن الملقن (^١) ومن بعده الحافظ (^٢) أن القيراط يحصل لمن صلى فقط ولو لم يتبعها من عند أهلها ولم يتبعها قبل الصلاة، لكن قيراط من تبعها وشيعها قبل الصلاة ثم صلى عليها أكمل وأعظم، وذلك لأن القراريط تتفاوت، كما تقدم في رواية مسلم: \" أصغرهما مثل أحد\".\n\n• الوجه السادس: في الحديث دليل على أن القيراط الثاني مقيد لمن اتبعها وكان معها في جميع الطريق حتى تدفن لقوله: \" وكان معها\".\nقال النووي: (فلو صلى وذهب إلى القبر وحده، ومكث حتى جاءت الجنازة بعد ذلك وحضر الدفن لم يحصل لها القيراط الثاني، وكذا لو حضر الدفن ولم يصل، أو اتبعها ولم يصل، فليس في الحديث حصول القيراط له، إنما جعل القيراط لمن تبعها بعد الصلاة، لكن له أجر في الجملة) (^٣).\n\n• الوجه السابع: الحديث دليل على عظيم فضل الله تعالى وتكريمه للمسلم حيث أثاب من اتبع جنازته حتى يصلى عليها أو تدفن بهذا الأجر العظيم، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الإعلام\" (٤/ ٥٣٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٩٧).\n(^٣) \"شرح صحيح البخاري\" ص (٢٣٧).","vol":"4","page":326},{"text":"<span data-type='title' id=toc-463>مكان المشاة مع الجنازة</span>\n٥٧١/ ٣٨ - عن سالم، عن أبيه ﵁: أنه رأى النبي ﷺ وأبا بكر وعمر، يمشون أمام الجنازة، رواه الخمسة. وصححه ابن حبان، وأعله النسائي وطائفة بالإرسال.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو عمر أو أبو عبد الله سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني، الإمام الزاهد، الحافظ، مفتي المدينة، مولده في خلافة عثمان ﵁، قال ابن سعد: (كان سالم ثقة، كثير الحديث، عاليًا من الرجال، ورعًا) وقال ابن حبان: (كان يشبه أباه في السمت والهدي)، وقال ابن المسيب: (كان عبد الله أشبه ولد عمر به، وكان سالم أشبه ولد عبد الله به) وقد أخرج له الستة، مات في آخر سنة ست ومائة على الصحيح (^١).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الجنائز\"، باب \" المشي أمام الجنازة\" (٣١٧٩)، والرمذي (١٠٠٧ - ١٠٠٨)، والنسائي (٤/ ٥٦)، وابن ماجه (١٤٨٢)، وابن حبان (٧/ ٣١٧) كلهم من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، به.\n_________\n(^١) \"الطبقات\" (٥/ ٢٠٠)، \"الثقات\" (٤/ ٣٠٥)، \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٤٥٧)، \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٣٧٨).","vol":"4","page":327},{"text":"وهذا الحديث رواه ابن جريج وزياد بن سعد وابن عيينة وغير واحد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، هكذا موصولًا.\nورواه معمر ويونس بن يزيد ومالك وغير واحد من الحفاظ، عن الزهري، أن النبي ﷺ كان يمشي أمام الجنازة … هكذا مرسلًا.\nقال الترمذي: (أهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح)، وممن رجح إرساله: ابن المبارك، والإمام أحمد، والبخاري، وأبو حاتم، والنسائي، والدارقطني (^١).\nوقد ذكر البيهقي أن علي بن المديني قال لسفيان: (يا أبا محمد، إن معمرًا وابن جريج يخالفانك في هذا أي: يرسلان الحديث فقال: استيقن، الزهري حدثنيه، سمعته من فيه، يعيده ويبديه، عن سالم عن أبيه …) وقصده بذلك تأكيد أن الحديث موصول وليس بمرسل. وقد رجح البيهقي الموصول؛ لأنه من رواية ابن عيينة، قال: (وهو حجة ثقة) (^٢).\nوممن رجح الموصول الألباني فإنه قال: (إن توهيم سفيان بن عيينة لا وجه له عندي؛ لأنه لم يتفرد بوصله) (^٣)، ثم ذكر من وصله مع ابن عيينة. لكن يقال: إن الأئمة الكبار من علماء هذا الفن حكموا بأن المرسل أصح، وهم أعلم بعلل الأحاديث، فإنهم عاصروا الرواية وعرفوا الشيوخ وأحاديثهم.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الماشي مع الجنازة يكون أمامها وهذا مذهب جماعة من الصحابة، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، وأبو هريرة ﵃ (^٤)، وهو قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم: مالك، والشافعي، وأحمد، وجماعة من السلف (^٥).\nوالقول الثاني: أن الماشي يكون خلف الجنازة، وهذا قول أبي حنيفة\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" للدارقطني (١٢/ ٢٨٠)، \"التلخيص\" (٢/ ١١٨).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٣ - ٢٤).\n(^٣) \"الإرواء\" (٣/ ١٨٧).\n(^٤) \"الأوسط\" (٥/ ٣٨١).\n(^٥) \"المدونة\" (١/ ١٧٧)، \"الأم\" (٢/ ٦١٣)، المغني (٣/ ٣٩٧).","vol":"4","page":328},{"text":"وأصحابه (^١)، وحكاه الترمذي عن سفيان الثوري وإسحاق (^٢)، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي (^٣)، واستدلوا بما تقدم من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: \" من تبع جنازة مسلم\"، ولا يقال: تبعه إلا إذا صار خلفه.\nوالقول الثالث: أن الماشي مخير بين أن يمشي أمامها أو خلفها أو عن يمينها أو عن يسارها، وهذا قول أنس ﵁، فقد ذكر البخاري عنه تعليقًا أنه قال: (… أنتم مشيعون، وامش بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن يسارها) (^٤)، وقد وصله ابن المنذر وغيره، وروي هذا القول عن إسحاق وجماعة.\nودليل ذلك حديث المغيرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبًا منها … \" (^٥)، وهذا هو الأظهر إن شاء الله تعالى لأمور ثلاثة:\nالأول: أنه ورد الدليل بهذا وهذا، فقد ورد في حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها (^٦).\nالثاني: أن فيه توسعة على الناس؛ لأن الناس يتفاوتون في المشي، وإلزامهم بجهة معينة قد يكون فيه مشقة على بعضهم.\nالثالث: أن ذلك يوافق سنية الإسراع بالجنازة وأنهم لا يلزمون مكانًا واحدًا يمشون فيه، وهذا هو ظاهر اختيار البخاري، فإنه لما بوب للسرعة بالجنازة ذكر أثر أنس ﵁ المتقدم.\nوأما الراكب فإنه لا يسير إلا خلفها لحديث المغيرة ﵁، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٣٠٩).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣).\n(^٣) \"الأوسط\" (٥/ ٣٨٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ١٨٢).\n(^٥) تقدم تخريجه ص (٣١٥).\n(^٦) أخرجه الطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٤٨١) بسند صحيح على شرط الشيخين، كما قال الألباني في \"أحكام الجنائز\" ص (٧٤)، وهذا فيه نظر، فإن فيه وهب الله بن راشد أبا زرعة المصري، وهو متكلم فيه، وليس هو من رجال الشيخين. انظر: \"اللسان\" (٨/ ٤٠٥) والحديث مداره على الزهري، ولا يصح عنه إلا مرسلًا، كما تقدم.","vol":"4","page":329},{"text":"<span data-type='title' id=toc-464>نهي النساء عن اتباع الجنائز</span>\n٥٧٢/ ٣٩ - عن أم عطية ﵂ قالت: نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا. متفق عليه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الجنائز\"، باب \" اتباع النساء الجنائز\" (١٢٧٨)، ومسلم (٩٣٨) من طريق حفصة، عن أم عطية ﵂.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\nقولها: (نهينا) أي: معشر النساء، والناهي هو النبي ﷺ؛ لأن هذه الصيغة لها حكم الرفع، والنهي: طلب الكف عن المنهي عنه ممن هو أعلى من المنهي حقيقة أو حكمًا.\nقولها: (عن اتباع الجنائز) أي: تشييع الجنائز والمشي معها.\nقولها: (ولم يعزم علينا) بضم الياء وفتح الزاي: لم يؤكد علينا النهي، وهذا من فهمها ﵂. فقد فهمت أن النهي ليس من عزائم المنهيات التي لابد من اجتنابها، وإنما هو نهي تنزيه.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي النساء عن اتباع الجنائز، سواء إلى مكان الصلاة أو إلى المقبرة، وقد اختلف في هذا النهي هل هو للتحريم أو للكراهة؟ على قولني:\nالقول الأول: أنه نهي تنزيه، فيكره لهن اتباع الجنائز، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، وهو قول","vol":"4","page":330},{"text":"الشافعية والحنابلة وابن حبيب من المالكية (^١). واستدلوا بما فهمته أم عطية ﵂ في قولها: (ولم يعزم علينا) فكأنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم.\nوالقول الثاني: أنه نهي تحريم، وهذا قول الحنفية (^٢)، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن الأصل في النهي هو التحريم، ولا صارف له.\nوأما قولها: (ولم يعزم علينا) فهذا شيء فهمته إما لأنه لم يرد فيه وعيد، أو لكونه لم يشدد عليهن فيه، أو نحو ذلك، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما قول أم عطية: (ولم يعزم علينا) فقد يكون مرادها لم يؤكد النهي، وهذا لا يقتضي التحريم. وقد تكون هي ظنت أنه ليس بنهي تحريم، والحجة في قول النبي ﷺ لا في ظن غيره) (^٣)، فالقول بالتحريم قوي جدًا، لأمرين:\nالأمر الأول: أن خروجهن يؤدي إلى الفتنة والهلع والحزن بما يشاهدن من الجنازة حال حملها ودفنها والانصراف عنها.\nالأمر الثاني: ما يترتب على ذلك من مخالطة الرجال ومزاحمتهم، فإن هذا أمر واقع ولابد، إما في الطريق أو في المقبرة لضيق المكان، ولا ريب أن مخالطة النساء الرجال منكر عظيم، وكل ما كان وسيلة إليه فهو محرم، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٥/ ٢٧٧ - ٢٧٨)، \"المغني\" (٣/ ٤٠١)، \"المنتقى\" للباجي (٢/ ١٨).\n(^٢) \"بداية الصنائع\" (١/ ٣١٠)، \"حاشية ابن عابدين\" (٢/ ٢٣٢).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٤/ ٣٥٥)، \"تهذيب مختصر السنن\" (٤/ ٣٥٠)، وانظر: \"فتاوى ابن باز\" (١٣/ ١٧٨ - ١٧٩).","vol":"4","page":331},{"text":"<span data-type='title' id=toc-465>حكم القيام للجنازة</span>\n٥٧٣/ ٤٠ - عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع\". متفق عليه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الجنائز\"، باب \" من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال\" (١٣١٠)، ومسلم (٩٥٩) (٧٧) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري ﵁، مرفوعًا.\nوهذا لفظ مسلم، ومثله لفظ البخاري إلا أن عنده: \" فلا يقعد\" يدل \" فلا يجلس\".\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب القيام عند رؤية الجنازة، لقوله: \" فقوموا\" وهذا أمر، والأمر للوجوب.\nوقد ورد عن جابر ﵁ قال: مرت جنازة فقام لها رسول الله ﷺ وقمنا معه، فقلنا: يا رسول الله! إنها يهودية فقال ﷺ: \" إن الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا\" (^١). وفي حديث أنس ﵁ فقيل: إنها جنازة يهودي، فقال: \" إنما قمنا للملائكة\" (^٢).\nوهذا القيام للجنازة مراد به تهويل أمر الموت وأنه فزع، وأنه أمر جدير\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣١١)، ومسلم (٩٦٠) واللفظ له.\n(^٢) أخرجه النسائي (٤/ ٤٧ - ٤٨)، وقال النووي في \"الخلاصة\" (٢/ ٧٠١): (بإسناد صحيح على شرط مسلم). انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ١٨٠).","vol":"4","page":332},{"text":"بأن يقام له. والقيام للفزع من الموت فيه تعظيم لله تعالى وتعظيم للقائمين بأمره وهم الملائكة، كما ورد في بعض الروايات.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من تبع جنازة وشيعها فإنه لا يجلس حتى توضع الجنازة على الأرض، وهذا قول جماعة من الصحابة؛ كابن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد ﵁، وجماعة من التابعين؛ كالنخعي، والشعبي، وابن سيرين، والأوزاعي (^١)، وهو قول الحنفية، وهو المذهب عند الحنابلة. وقد عبروا باستحباب القيام وكراهة الجلوس (^٢).\nوالقول الثاني: أن الجلوس جائز، وهو قول المالكية والشافعية، وقالوا: إن الحديث الوارد بالأمر بالقيام منسوخ، سواء في ذلك قيام مشيعها، أو قيام من مرت به، أو قيام المشيع على القبر (^٣)، وذلك بما أخرجه مسلم عن علي ﵁ قال: رأينا رسول الله ﷺ قام فقمنا، وقعد فقعدنا؛ يعني في الجنازة (^٤).\nفقالوا: إن القعود كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ، فيكون ناسخًا للأمر بالقيام، كما في حديث أبي سعيد وحديث جابر ﵁.\nوالأظهر والله أعلم أن الأمر بالقيام مراد به الاستحباب، وأن القعود في حديث علي ﵁ محمول على بيان الجواز، وهذا اختيار ابن حزم، والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وجماعة آخرين (^٥)، وهذا القول فيه جمع بين الأدلة، وهو مطلوب متى أمكن، وأما القول بالنسخ فهو قول مرجوح؛ لأن النسخ له شرطان:\nالشرط الأول: عدم إمكان الجمع، وهنا قد أمكن، فيكون هو المتعين.\nالشرط الثاني: معرفة التاريخ: وهو تقدم المنسوخ وتأخر الناسخ، وهذا غير ممكن.\n_________\n(^١) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٣/ ٣٠٨)، \"الأوسط\" (٥/ ٣٩٢).\n(^٢) \"المبسوط\" (٢/ ٧٧)، \"المغني\" (٣/ ٤٠٤) (٢/ ٢٦٢).\n(^٣) \"الاستذكار\" (٨/ ١٩٩)، \"المجموع\" (٥/ ٢٨٠).\n(^٤) أخرجه مسلم (٩٦٢).\n(^٥) \"المحلى\" (٥/ ١٥٣)، \"المجموع\" (٥/ ٢٨٠)، \"الاختيارات\" ص (٨٨)، \"تهذيب مختصر السنن\" (٤/ ٤١٢ - ٣١٤).","vol":"4","page":333},{"text":"وقد استثنى بعض الفقهاء من تقدم الجنازة فلا بأس أن يجلس قبل أن تنتهي إليه (^١)، قال الترمذي: (قد روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، أنهم كانوا يتقدمون الجنازة فيقعدون قبل أن تنتهي إليهم الجنازة) (^٢).\n\n• الوجه الرابع: جاء في حديث الباب (حتى توضع)، وجاء من طريق أبي معاوية، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: \" حتى توضع في اللحد\" وجاء من طريق الثوري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: \" حتى توضع على الأرض\" (^٣).\nوقد رجح أبو داود هذه الرواية على ما قبلها؛ لأن الثوري أحفظ من أبي معاوية، وتبويب البخاري الذي تقدم في التخريج يدل على ذلك، فإنه قال: \" حتى توضع عن مناكب الرجال\".\nويؤيد ذلك عمل الصحابة ﵁ مع النبي ﷺ فقد كانوا يجلسون إذا وضعت الجنازة على الأرض ولو لم توضع في اللحد. كما في حديث البراء بن عازب ﵁ قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولم يلحد، فجلس رسول الله ﷺ مستقبل القبلة وجلسنا حوله، كأن على رؤوسنا الطير …) الحديث (^٤)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" (٣/ ٤٠٥).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣/ ٣٦١).\n(^٣) أخرجه البيهقي (٤/ ٢٦) بإسناد صحيح.\n(^٤) أخرجه أبو داود (٤٧٥٣)، والنسائي (٤/ ٧٨)، وابن ماجه (١٥٤٨)، وهو حديث صحيح. انظر: \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٣٠٨).","vol":"4","page":334},{"text":"<span data-type='title' id=toc-466>كيفية إدخال الميت قبره</span>\n٥٧٤/ ٤١ - عن أبي إسحاق، أن عبد الله بن يزيد ﵁ أدخل الميت من قبل رجلي القبر، وقال: هذا من السنة. أخرجه أبو داود.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عمرو بن عبد الله الهمداني أبو إسحاق السبيعي بفتح السين وكسر الباء الكوفي، من مشاهير التابعين، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ﵁، قال الذهبي: (حديث أبي إسحاق محتج به في دواوين الإسلام)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (ثقة، مكثر، عابد، اختلط بأخرة)، وقد وصفه بالتدليس جماعة من الأئمة المتقدمين كالنسائي، والذهبي، والعلائي وغيرهم. مات سنة مائة وتسعة وعشرين (^١).\nوأما عبد الله بن يزيد فهو عبد الله بن يزيد بن زيد الخطمي الأنصاري من الأوس، مختلف في صحبته، قال أبو حاتم: (كان صغيرًا على عهد النبي ﷺ فإن صحت رؤيته فذاك) وقال الدارقطني: (له ولأبيه صحبة)، شهد بيعة الرضوان وهو صغير، وكان كثير الصلاة، سكن الكوفة، وكان أميرًا عليها في عهد ابن الزبير ﵁، ومات في ذلك العهد (^٢).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الجنائز\"، باب \" في الميت يدخل من\n_________\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٣٩٩)، \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٥٦).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٥/ ٩٧)، \"الإصابة\" (٦/ ٢٤٤).","vol":"4","page":335},{"text":"قبل رجليه\" (٣٢١١) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، قال: (أوصى الحارث (^١) أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد ﵁، فصلى عليه، ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر، وقال: (هذا من السنة).\nوهذا إسناد صحيح كما قال البيهقي (٤/ ٨٩)، وله حكم الرفع؛ لأن القائل: (هذا من السنة) هو عبد الله بن يزيد، وهو صحابي، كما تقدم.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يستحب أن يدخل الميت في قبره سلًا من جهة رجلي القبر، والمراد به: موضع رجلي الميت منه عند وضعه فيه (^٢)، فيجعل رأس الميت في المواضع الذي تكون فيه رجلاه إذا دفن، ثم يسل سلًا رفيقًا.\n\n• وقال بعض العلماء: يدخل من جهة القبلة، معترضًا إذ هو أيسر، واستدلوا بأن عليًا ﵁ أدخل يزيد من المكفف من قبل القبلة (^٣)، وقال آخرون: يسل من قبل رأس القبر.\nوالذي يظهر أن الأمر فيه سعة، وقد جاء في \" مسائل الإمام أحمد لأبي داود\" قال: (قلت لأحمد: في الميت يسل أو يؤخذ من قبل القبلة، قال: كل لا بأس به إن شاء الله تعالى) (^٤). والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) هو الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الخارفي. انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ١٢٦).\n(^٢) \"عون المعبود\" (٩/ ٣٠).\n(^٣) رواه عبد الرزاق (٣/ ٤٩٩)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣٢٨)، وابن المنذر في \"الأوسط\" (٥/ ٤٥٣)، وانظر: \"المحلى\" (٥/ ١٧٨).\n(^٤) المسائل ص (١٥٨).","vol":"4","page":336},{"text":"<span data-type='title' id=toc-467>ما يقال عند إدخال الميت قبره</span>\n٥٧٥/ ٤٢ - عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" إذا وضعتم موتاكم في القبور، فقولوا: بسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ\".\nأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان، وأعله الدارقطني بالوقق.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٨/ ٤٣٠)، وأبو داود في كتاب \" الجنائز\"، باب \" الدعاء للميت إذا وضع في قبره\" (٢٣١٣)، والنسائي في \" عمل اليوم والليلة\" (١٠٨٨)، وابن حبان (٧/ ٣٧٦) من طريق همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر ﵁، مرفوعًا، وهذا لفظ أحمد، ولفظ أبي داود وابن حبان: \" وعلى سنة رسول الله\"، لكن أبا داود ما ساق الحديث على أنه قول، وإنما على أنه فعل، ولفظه: (أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر قال: …) الحديث.\nوقد أعله الدارقطني بالوقف، وقال: (إنه هو المحفوظ) وتبعه على ذلك البيهقي فقال: (الحديث يتفرد برفعه همام بن يحيى بهذا الإسناد، وهو ثقة إلا أن شعبة وهشام الدستوائي روياه موقوفًا على ابن عمر ﵄) (^١).\nوقد أخرجه النسائي في \" عمل اليوم والليلة\" (١٠٨٩) من طريق شعبة،\n_________\n(^١) \"العلل\" (١٢/ ٤٠٩ - ٤١٠)، \"السنن الكبرى\" (٤/ ٥٥).","vol":"4","page":337},{"text":"عن قتادة، به موقوفًا. ووجه ترجيح الوقف أن شعبة وهشامًا أوثق في الرواية عن قتادة من همام بن يحيى.\nويرى آخرون أن القول برفعه قوي، كما هو رأي ابن حبان وجماعة، لأمرين:\nالأمر الأول: أنه قد رواه ابن أبي شيبة (^١) من طريق هشام الدستوائي، وأخرجه ابن حبان (^٢) من طريق شعبة كلاهما، عن قتادة، به مرفوعًا، فشعبة وهشام روياه تارة مرفوعًا وتارة موقوفًا، لكن ينبغي النظر في الرواية الراجحة عنهما، فلا يعنى ذلك الاستدلال برفعه.\nالأمر الثاني: أن مثل هذا لا يقال بالرأي، فيكون له حكم الرفع.\n\n• الوجه الثاني: أن مثل هذا لا يقال بالرأي، فيكون له حكم الرفع.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب الدعاء المذكور عند وضع الميت في القبر، وهو أن يقول عند مواراة الميت: (بسم الله وعلى ملة رسول الله) أو (وعلى سنة رسول الله) أي: شريعته وطريقته. والملة: اسم لما شرعه الله تعالى على لسان أنبيائه، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"المصنَّف\" (٣/ ٣٢٩).\n(^٢) \"الإحسان\" (٧/ ٣٧٥).","vol":"4","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-468>تحريم كسر عظم الميت</span>\n٥٧٦/ ٤٣ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: \" كسر عظم الميت ككسره حيًا\". رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم.\n٥٧٧/ ٤٤ - وزاد ابن ماجه من حديث أم سلمة: \" في الإثم\".\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الجنائز\"، باب \"الحفار يجد العظيم هل يتنكب ذلك المكان؟ \" (٣٢٠٧) من طريق عبد العزيز بن محمد، عن سعد يعني ابن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂، به مرفوعًا.\nوفي إسناده سعد بن سعيد الأنصاري أخو يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو وإن كان من رجال مسلم إلا أنه سيئ الحفظ، وقد ضعفه الإمام أحمد، وابن معين في رواية، وفي رواية أخرى قال: (صالح). وقال النسائي: (ليس بالقوي). وقال الترمذي: (تكلموا فيه من قبل حفظه) (^١). وقد حكى النووي توثيقه عن الأكثرين وقال: (روى له مسلم في صحيحه، وهو كاف في الاحتجاج به، ولم يضعفه أبو داود) (^٢). ثم إنه لم يتفرد به، فقد تابعه أخوه يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن به، أخرجه ابن حبان (٧/ ٤٣٧) وإسناده صحيح، لكن وقع في إسناد هذا الحديث اختلاف كثير، بسطه الدارقطني (^٣).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٤٠٨).\n(^٢) \"المجموع\" (٥/ ٢٦٧).\n(^٣) \"العلل\" (١٤/ ٤٠٨).","vol":"4","page":339},{"text":"وأما الحديث الثاني، فقد أخرجه ابن ماجه (١٦١٧) من طريق عبد الله بن زياد، أخبرني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، عن أمه، عن أم سلمة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"كسر عظم الميت ككسر عظم الحي في الإثم\".\nوهذا إنساد ضعيف، عبد الله بن زياد قال عنه البوصيري: (مجهول، ولعله عبد الله بن زياد بن سمعان المدني أحد المتروكين) (^١). والمحفوظ في هذا هو رواية يحيى بن سعيد، عند ابن حبان، كما تقدم.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم كسر عظم الميت؛ لأنه شبهه بعظم الحي في الحرمة والاحترام وعدم التعرض له؛ لأنه معصوم في حياته وبعد مماته ولو كان لا حياة فيه.\n\nوقوله: (في الإثم) إشارة إلى أن كسر عظم الميت لا يوجب القصاص أو الدية، ولكنه يوجب الإثم، ويستحق صاحبه التعزيز إذا فعل ذلك عند عمد.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنه لا يجوز تشريح الميت المسلم للأغراض العلمية، لما في ذلك من امتهان كرامته. وإذا كان المقصود يتم بتشريح جثة الميت غير المعصوم كالمرتد والحربي تعين ذلك.\nأما التشريح لغرض التحقق من دعوى جنائية لمعرفة أسباب الموت أو الجريمة التي أدت إلى القتل، فهذا يجوز؛ لأن المصلحة المقصودة مقدمة على المفسدة الناتجة عن التشريح.\nوكذا يجوز التشريح للتحقق من أمراض وبائية فتاكة لوقاية المجتمع منها واتخاذ الدواء المناسب له، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الزوائد\" (١/ ٥٣٩).","vol":"4","page":340},{"text":"<span data-type='title' id=toc-469>صفة القبر والدفن</span>.\n٥٧٨/ ٤٥ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: الحدوا لي لحدًا، وانصبوا على اللبن نصبًا، كما صنع برسول الله ﷺ. رواه مسلم.\n٥٧٩/ ٤٦ - وللبيهقي عن جابر نحوه، وزاد: ورفع قبره عن الأرض قدر شبر. وصححه ابن حبان.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، فقد أخرجه مسلم في كتاب \" الجنائز\"، باب \"في اللحد ونصب اللبن على الميت\" (٩٦٦) من طرق عن عبد الله بن جعفر المسوري، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، أن سعد بن أبي وقاص قال في مرضه الذي هلك فيه: (الحدوا لي لحدًا، وانصبوا علي اللبن نصبًا، كما صنع برسول الله ﷺ).\nوأما حديث جابر ﵁ فقد أخرجه ابن حبان (١٤/ ٦٠٢) والبيهقي (٣/ ٤١٠)، من طريق الفضيل بن سليمان، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ ألحد له ونصب عليه اللبن نصبًا، ورفع قبره من الأرض نحوًا من شبر.\nوإسناده صحيح على شرط مسلم، لكنه روي مرسلًا من طريق عبد العزيز، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن النبي ﷺ رش على قبره الماء، ووضع عليه حصباء من حصباء العرصة (^١)، ورفع قبره قدر شبر. أخرجه البيهقي.\n_________\n(^١) العرصة: كل بقعة ليس فيها بناء.","vol":"4","page":341},{"text":"الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما\n\nقوله: (الحدوا لي لحدًا) يجوز أن تكون الهمزة همزة وصل، وتفتح الحاء من لحد الثلاثي يقال: لحد يلحد كذهب يذهب، ويجوز أن تكون همزة قطع مفتوحة وتكسر الحاء من ألحد الرباعي: إذا حفر اللحد. واللحد: هو الشق الذي يعمل في جانب القبر من جهة القبلة لوضع الميت، سمي بذلك لأنه أميل عن وسط القبر إلى جانبه.\n\nقوله: (وانصبوا علي اللبن) بفتح اللام وكسر الباء جمع لبنة: وهو المضروب من الطين يبنى به دون أن يطبخ.\n\nقوله: (قدر شبر) بكسر الشين وسكون الباء، ما بين طرفي الإصبع الخنصر والإبهام بالتفريج المعتاد.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الأفضل في القبر أن يكون ملحدًا، وذلك بأن يحفر للميت حفرة في قرار القبر في جانبه مما يلي القبلة؛ لأن قبر النبي ﷺ كان هكذا، وهو الذي اختاره الله تعالى لنبيه ﷺ على يد أصحابه ﵃، ولا يختار الله لنبيه إلا الأفضل، وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" اللحد لنا والشق لغيرنا\" (^١).\nقال النووي: (أجمع العلماء على أن الدفن في اللحد والشق جائزان، لكن إذا كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها فاللحد أفضل لما سبق من الأدلة، وإن كانت رخوة تنهار فالشق أفضل) (^٢). والشق: أن يحفر حفرة في وسط القبر ويوضع فيه الميت.\n\n• الوجه الرابع: في كيفية دفن الميت، وذلك بأن يدخل من رجلي القبر كما تقدم، ويقول عند إدخاله ما تقدم أيضًا، ثم يوضع على جنبه\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٢٠٨)، والترمذي (١٠٤٥)، والنسائي (٤/ ٨٠)، وابن ماجه (١٥٥٤)، وإسناده ضعيف؛ لأنه من رواية علي بن عبد الأعلى بن عامر التغلبي، عن أبيه، وهو متكلم فيه، وأبوه ضعيف.\n(^٢) \"شرح المهذب\" (٥/ ٢٨٧).","vol":"4","page":342},{"text":"الأيمن؛ لأنه يشبه النائم، وهذه سنته، ويكون موجهًا إلى القبلة، ثم ينصب عليه اللبن نصبًا؛ لئلا يسقط في اللحد، ويتعاهد خلال اللبن بالطين؛ لئلا ينهال التراب على الميت، ثم يهال عليه التراب، إسراعًا بتكميل الدفن.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على انه ينبغي أن يرفع القبر عن الأرض قليلًا بنحو شبر؛ ليعرف أنه قبر، فيحترم ولا يهان بوطء أو غيره، أما الزيادة على ذلك فهي لا تجوز. ولا يزاد على تراب القبر الذي خرج منه؛ لأن الزيادة عليه بمنزلة البناء، والبناء محرم، كما سيأتي إن شاء الله.\n\n• الوجه السادس: أجاز العلماء رش تراب القبر بالماء ووضع الحصباء أو الخرسانة على ظهره، كما في المرسل المتقدم؛ لأن ذلك أثبت للقبر وأبعد لدروسه، وأمنع لترابه من أن تذهب به السيول والرياح، ولا بأس أن يعلم القبر بحجر ونحوه مما لا محذور فيه، لمعرفته عند الزيارة أو لدفن قريبه بجانبه، لفعله ﷺ في قبر عثمان بن مظعون عندما وضع حجرًا عند رأسه وقال: \" أتعلم بها قبر أخي، أدفن إليه من مات من أهلي\" (^١).\nوظاهره أنه يكتفى بحجر واحد عند رأسه تأسيًا بالنبي ﷺ. وهذه هي السنة كما قال النووي (^٢)، وإن عرف القبر بدون وضع حجر كفى، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٢٠٦) ومن طريقه البيهقي (٣/ ٤١٢) بسند حسن، كما قال الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ١٤١).\n(^٢) \"المجموع\" (٥/ ٢٩٨).","vol":"4","page":343},{"text":"<span data-type='title' id=toc-470>النهي عن تجصيص القبر والبناء والقعود عليه</span>\n٥٨٠/ ٤٧ - ولمسلم عن جابر: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \" الجنائز\"، باب \" النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه\" (٩٧٠) من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، أنه سمع جابرًا ﵁ يقول: … فذكره.\nورواه أيضًا من طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ، بمثله.\nوالحديث أخرجه أبو داود (٣٢٢٥)، والترمذي (١٠٥٢)، والنسائي (٤/ ٨٦) من طريق ابن جريج، عن سليمان بن موسى وأبي الزبير، عن جابر، بزيادة: \" وأن يكتب عليها\". إلا أن الترمذي لم يذكر سليمان بن موسى، وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، وقد صرح أبو داود والنسائي بأن الكتابة من زيادة سليمان بن موسى، وروايته عن جابر مرسلة (^١).\nوفيه عنعنة أبي الزبير، وقد تكلم العلماء في تدليسه، لكنه صرح بالسماع عند مسلم، فانتفت شبهة تدليسه مع أنه قليل التدليس، بل منهم من نفاه عنه، وأبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، حافظ مكثر، وثقة متقن، وهو من أحفظ أصحاب جابر ﵁ وأكثر من روى عنه.\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ٩٣).","vol":"4","page":344},{"text":"وأخرجه الحاكم (١/ ٣٧٠) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم؛ عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور والكتاب فيها والبناء عليها والجلوس عليها.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم تجصيص القبور، وهو وضع الجص عليها. والجص بكسر الجيم: مادة بيضاء تزخرف بها المباني، وإنما كان النهي للتحريم؛ لأن هذا هو الأصل ولا صارف له، ومن قال: للتنزيه، فلا وجه له.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم القعود على القبر؛ لما في ذلك من الاحتقار والامتهان وعدم المبالاة.\nوقد ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر\" (^١). وهذا يدل على أن الجلوس على القبر من كبائر الذنوب لثبوت هذا الوعيد فيه.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم البناء على القبور لما في البناء عليها من المفاسد العظيمة، ومنها:\n١ - أن البناء على القبور من أعظم الوسائل إلى عبادتها؛ لأن البناء يعني تعظيم صاحب القبر والغلو فيه، وهذا من أسباب الشرك والإلحاد.\n٢ - أن البناء على القبور فيه تشبه بعباد الأصنام وعباد القبور من الروافض والصوفية الذين يضعون القباب على قبور الأولياء والصالحين.\n٣ - أن هـ ذا الفعل فيه مخالفة صريحة لما بعث الله به أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام من نشر التوحيد ومحاربة الشرك ووسائل الشرك.\nوقد ورد في حديث أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٧١).","vol":"4","page":345},{"text":"أبي طالب ﵁: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ ألا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته) (^١).\n٤ - أن البناء على القبور فيه إسراف وتضييع للمال في غير فائدة، وهذا أمر محرم شرعًا.\n٥ - أن في البناء تضييقًا في المقابر وتغييرًا لها عن هيئتها.\n\n• الوجه الخامس: ورد في بعض الروايات، كما تقدم النهي عن الكتابة على القبر، وهذه الزيادة غير محفوظة، كما تقدم، والقول بتحريم الكتابة على القبر وجيه جدًا من باب سد الذرائع، فإن المكتوب إن كان اسمًا لصاحب القبر وكان محبوبًا فقد يكون ذلك من أسباب الغلو فيه، وإن كان مكروهًا فقد يذم ويمتهن، فلا وجه لكتابة الأسماء على القبور وإن كان المقصود معرفة القبر أمكن ذلك بوضع حجر عند رأسه كما تقدم أو الاستدلال عليه بعلامة.\nولا فرق في النهي عن الكتابة على القبر وبين الكتابة على الحجر الذي يوضع عند رأس الميت، أو الكتابة في لوحة، أو إيجاد صبة إسمنتية ثم الكتابة عليها، كل ذلك لا يجوز لما فيها من المفاسد العظيمة، وكذا لا يجوز كتابة شيء من الآيات لما في ذلك من امتهان القرآن واستعماله في غير ما أنزل له.\nويرى الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ أنه لا ينبغي كتابة دعاء دخول المقبرة عند بوابة المقبرة؛ لأنه لا أصل له، ولأنه يخشى أن يكون ذلك وسيلة إلى الكتابة على القبور (^٢)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٦٩).\n(^٢) \"الفتاوى\" (١٣/ ٢٤٤).","vol":"4","page":346},{"text":"<span data-type='title' id=toc-471>حكم الحثو في القبر</span>\n٥٨١/ ٤٨ - عن عامر بن ربيعة ﵁ أن النبي ﷺ صلى على عثمان بن مظعون، وأتى القبر، فحثى عليه ثلاث حثيات، وهو قائم. رواه الدارقطني.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٧٦) من طريق القاسم بن عبد الله العمري، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: (رأيت النبي ﷺ حين دفن عثمان بن مظعون صلى عليه وكبر عليه أربعًا، وحتى على قبره بيده ثلاث حثيات من التراب وهو قائم عند رأسه).\nوهذا إسناد ضعيف جدًا، لأمرين:\n١ - القاسم العمري؛ فقد قال عند أحمد: (أف، أف، ليس بشيء)، ومرة قال: (هو عندي كذاب). وقال أبو زرعة وأو حاتم والنسائي: (متروك) (^١).\n٢ - عاصم بن عبيد الله؛ قال عنه أحمد: (ليس بذاك). وقال ابن معين: (ضعيف). وقال البخاري وأبو حاتم: (منكر الحديث) (^٢).\nولعل الحافظ ذكره ليعلم حاله. ويغني عنه ما أخرجه ابن ماجه من طريق سلمة بن كلثوم، ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة،\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٢٨٧).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٤٢).","vol":"4","page":347},{"text":"عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثًا (^١).\nوهذا الحديث حسنه ابن القطان (^٢)، وصححه النووي (^٣)، والبوصيري (^٤). وقال الحافظ: (إسناده ظاهره الصحة) (^٥).\nوصححه الألباني (^٦)، وقال في \" أحكام الجنائز\": (الحديث قوي بما له من الشواهد) (^٧). وسئل عنه أبو حاتم فقال: (هذا حديث باطل) (^٨).\nولعل وجه بطلانه أمران:\nالأمر الأول: أن الأوزاعي إمام، فكيف يتفرد بالرواية عنه سلمة بن كلثوم الشامي، وأين بقية الرواة عن الأوزاعي عن هذا الحديث؟!\nوقال الدارقطني: (رواه سلمة بن كلثوم، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، وزاد فيه ألفاظًا لم يأت بها غيره، وهو قوله: (إنه أتى القبر فحثى عليه ثلاثًا، وكبر على الجنازة أربعًا)، ووافقه محمد بن كثير عن الأوزاعي على الإسناد، ولم يذكر هذه الألفاظ) (^٩).\nوقد نقل الحافظ عن الدارقطني أنه قال عن سلمة: (شامي يهم كثيرًا) (^١٠).\nالأمر الثاني: عنعنة الأوزاعي، وعنعنة شيخه يحيى بن أبي كثير، وهذا ذكره الحافظ في \"التلخيص\" (^١١).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (عثمان بن مظعون) هو أبو السائب عثمان بن مظعون الجمحي\n_________\n(^١) \"سنن ابن ماجه\" (١٥٦٥).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٣٧).\n(^٣) \"الخلاصة\" (٢/ ١٠١٩).\n(^٤) \"الزوائد\" (١/ ٥١١).\n(^٥) \"التلخيص\" (٢/ ١٣٩).\n(^٦) \"الإرواء\" (٧٥١).\n(^٧) \"أحكام الجنائز\" ص (١٥٣).\n(^٨) \"العلل\" (٤٨٣).\n(^٩) \"العلل\" (٩/ ٣٢٢).\n(^١٠) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٣٦).\n(^١١) (٢/ ١٩٢).","vol":"4","page":348},{"text":"القرشي، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، وكان قد حرم الخمر في الجاهلية، وهو أول من مات من المهاجرين في المدينة، وكان عابدًا مجتهدًا، مات بعد ثلاثين شهرًا أو اثنين وعشرين شهرًا من الهجرة ﵁ (^١).\n\nقوله: (وحثا على قبره) حثا الرجل التراب يحثوه حثوًا، ويحثيه حثيًا من باب \"رمى\": إذا هاله بيده، وبعضهم يقول: قبضه بيده ثم رماه (^٢).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الحثو في القبر ثلاث حثيات من تراب القبر اقتداءً بالنبي ﷺ ومشاركة في أجر دفن الميت، وفي ذلك أقوى عبرة وأعظم تذكر للموت ومآل الإنسان لمن كان له قلب، وقد قال أكثر الفقهاء باستحباب الحثو من تراب القبر بعد سد اللحد، استنادًا لما ورد في هذا الباب من الأحاديث، ورأوا أن بعضها يقوي بعضًا، مع ما ورد من الآثار عن الصحابة ﵃ (^٣)، لكن من الملاحظ أن الناس يزدحمون على القبر من أجل الحثو مع ما فيه ويتركون أشياء من السنة الثابتة، ومن أهمها: الوقوف على القبر للدعاء للميت بالثبات، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٧/ ٦٠)، \"الإصابة\" (٦/ ٣٩٥).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (١٢١).\n(^٣) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٣/ ٣٣١).","vol":"4","page":349},{"text":"<span data-type='title' id=toc-472>استحباب الدعاء للميت بعد الفراغ من دفنه</span>\n٥٨٢/ ٤٩ - عن عثمان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من فدن الميت وقف عليه وقال: \" استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل\". رواه أبو داود، وصححه الحاكم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الجنائز\"، باب \" الاستغفار عند القبر للميت\" (٣٢٢١)، والحاكم (١/ ٣٧٠) من طريق هشام بن يوسف، عن عبد الله بن بحير، عن هانئ مولى عثمان، عن عثمان ﵁، به.\nوقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الإسناد، ولم يخرجاه).\nوسكت عنه الذهبي. وقال النووي: (إسناده جيد) (^١). وقال: (رواه أبو داود بإسناد حسن) (^٢).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب الوقوف على القبر بعد إكمال دفن الميت والدعاء له بالمغفرة والثبات عند السؤال؛ فيقول: اللهم اغفر له، اللهم ثبته، ونحو ذلك، وينبغي أن يؤمر الحاضرون بذلك، والميت في تلك الحال أحوج إلى الدعاء منه قبل الدفن؛ لأنه معرض للسؤال والفتنة (^٣)، وليس لهذا الدعاء مدة معينة، أما ما ورد في \" صحيح مسلم\" عن\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٥/ ٢٩٢).\n(^٢) \"الخلاصة\" (٢/ ١٠٢٨ - ١٠٢٩)، \"الأذكار\" (١٤٧).\n(^٣) انظر: \"إغاثة اللهفان\" (١/ ٢٠٢).","vol":"4","page":350},{"text":"عمرو بن العاص ﵁ أنه قال: (… إذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما ينحر الجزور ويقسم لحمها …) (^١)، فهذا كما قال الشيخ عبد العزيز بن باز قاله باجتهاده ﵁ ولم يرد عن الرسول ﷺ تحديد مدة في ذلك، والتقدير بابه التوقيف.\nوقد دل على مشروعية الوقوف على القبر القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره﴾ [التوبة: ٨٤]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ودل تخصيصهم بالنهي على أن غيرهم يصلى عليه ويقام على قبره؛ إذ لو كان هذا غير مشروع في حق أحد لم يخصوا بالنهي، ولم يعلل ذلك بكفرهم، ولهذا كانت الصلاة على الموتى من المؤمنين والقيام على قبورهم من السنة المتواترة …) (^٢).\nوقد سئل الشيخ عبد الله أبا بطين عن رفع اليدين حال القيام على القبر بعد الدفن، فأجاب بأنها: لا ترفع؛ لعدم وروده (^٣)، وقد ورد في \"صحيح مسلم\" من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ زار قبور أهل البقيع رفع يديه ودعها لأهلها (^٤)، فإن أخذ هذا الحديث على عمومه (^٥) وإلا فالأمر كما قال الشيخ عبد الله أبا بطين.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على إثبات سؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، والصحيح أن السؤال عام للمؤمن والكافر، لقوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾ [إبراهيم: ٢٧] وقد ورد عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، فذلك قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا …﴾ \" (^٦).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٢١).\n(^٢) \"الفتاوى\" (١/ ١٦٥)، (٢٧/ ٣٣٠).\n(^٣) \"الدرر السنية\" (٣/ ٢٤٩).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٩٧٤) (١٠٣).\n(^٥) انظر: \"فتاوى ابن باز\" (١٣/ ٣٣٧).\n(^٦) أخرجه البخاري (٤٦٩٩)، ومسلم (٢٨٧١).","vol":"4","page":351},{"text":"وعن أنس ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ: \" إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم، قال: يأتيه ملكان فيقعدانه … \" الحديث (^١). والقول بأن السؤال عام هو اختيار جمع من المحققين؛ كالقرطبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وآخرين (^٢).\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الميت ينتفع بالدعاء والاستغفار له، ولو كان لا ينتفع بذلك لما كان في الأمر بالدعاء والاستغفار له معنى، وقد نقل النووي إجماع أهل العلم على أن الدعاء للأموات بنفعهم ويصلهم ثوابه (^٣)، وكذا نقل الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية، ووصف من خالف ذلك بأنه من أهل البدع (^٤)، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ [الحشر: ١٠]، وقوله: تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [محمد: ١٩]. وحديث: \" إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث … أو ولد صالح يدعو له\" (^٥).\nوالناس اليوم أو أكثرهم في غفلة عن ذلك، فتراهم يهتمون بتعزية قريب الميت ويتزاحمون على ذلك، ثم ينصرفون دون أن يقفوا على القبر، والميت في هذه اللحظات أحوج ما يكون للدعاء كما تقدم فصار ترك السنة سببًا لاندراسها ونسيانها إلا من القليل.\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على إثبات الأخوة الإسلامية بين المسلمين القائمة على رابطة الدين والعقيدة، قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة …﴾ [الحجرات: ١٠]، ومن ثمار هذه الأخوة الحث على الدعاء للميت حتى يخلصوا له الدعاء والاستغفار، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠).\n(^٢) \"التذكرة\" للقرطبي ص (٦٢).\n(^٣) \"الأذكار\" ص (١٥٠).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٧/ ٤٩٩) (٢٤/ ٣٠٦).\n(^٥) أخرجه مسلم (١٦٣١)، وسيأتي شرحه في باب \"الوقف\" -إن شاء الله-.","vol":"4","page":352},{"text":"<span data-type='title' id=toc-473>حكم تلقين الميت بعد دفنه</span>\n٥٨٣/ ٥٠ - عن ضمرة بن حبيب أحد التابعين قال: كانوا يستحبون إذا سوى على الميت قبره، وانصرف الناس عنه، أن يقال عند قبره: يا فلان! قل: لا إله إلا الله، ثلاث مرات، يا فلان! قل: ربي الله، وديني الإسلام ونبي محمد ﷺ. رواه سعيد بن منصور موقوفًا.\n٥٨٤/ ٥١ - وللطبراني نحوه من حديث أبي أمامة مرفوعًا مطولًا.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو ضمرة بن حبيب بن صهيب الزبيدي الحمصي، قال عثمان الدارمي، عن ابن معين: (ثقة). وقال أبو حاتم: (لا بأس به). وكان مؤذن المسجد الجامع بدمشق، مات سنة (١٣٠ هـ) (^١).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما أثر ضمرة بن حبيب فقد عزاه الحافظ إلى \" سنن سعيد بن منصور\"، ولم أقف على إسناده، وهو كلام تابعي، فيكون من قبيل المقطوع الذي لا يحتج به، وما ذكره فهو من صنيع أهل الشام، فلا يعل عليه، وقول الحافظ: (موقوفًا) مخالف للمشهور من أن الموقوف ما أسند إلى الصحابي، وأما ما أضيف إلى التابعي فهو مقطوع، إلا إذا قيد فإنه يطلق على التابعي فيقال: هذا حديث وقفه فلان على الزهري أو على عطاء، ونحو ذلك.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٤٠٢).","vol":"4","page":353},{"text":"أما حديث أبي أمامة ﵁، فقد أخرجه الطبراني في \" الدعاء\" (١٢١٤) و\"المعجم الكبير\" (٧٩٧٩) من طريق إسماعيل بن عياش، حدثنا عبد الله بن محمد القرشي، عن يحيى بن أبي كثير، عن سعيد بن عبد الله الأودي قال: شهدت أبا أمامة ﵁ وهو في النزع قال: (إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله ﷺ أن نصنع بموتانا، أمرنا رسول الله ﷺ: \" إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان ابن فلان، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان ابن فلان، فإنه يستوي قاعدًا، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يستوي قاعدًا، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشد رحمك الله. ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا وبالقرآن إمامًا، فإن منكرًا ونكيرًا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق، ما نقعد عند من قد لقن حجته، فيكون الله ﷿ حجيجه دونهما\".\nفقال رجل: يا رسول الله! فإن لم يعرف أمه؟ قال: \" ينسبه إلى حواء ﵍ يا فلان ابن حواء\".\nوهذا الحديث إسناده ضعيف (^١)، وقال ابن الصلاح: (ليس إسناده بالقائم)، وقال ابن القيم: (هذا الحديث متفق على ضعفه) (^٢).\nإسماعيل بن عياش: ضعيف في روايته عن غير أهل بلده، والظاهر أن عبد الله القرشي حجازي وليس شاميًا، وقد تفرد به عن يحيى بن أبي كثير، ويحيى له أصحاب أئمة، وهذا مظنة النكارة، ثم هو ليس بالمشهور في الرواية، وقد سمي بهذا الاسم كثير من الرواة، وقول الهيثمي: (في إسناده جماعة لم أعرفهم) (^٣) يدل على ذلك.\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٥/ ٣٠٤).\n(^٢) \"تهذيب مختصر السنن\" (٧/ ٢٥٠).\n(^٣) \"مجمع الزوائد\" (٣/ ٤٥).","vol":"4","page":354},{"text":"ويحيى بن أبي كثير: معروف بالإكثار من التدليس على ثقته، كما قال ذلك الحافظ (^١)، والعلائي (^٢)، وقد ورى الحديث بالعنعنة.\nوسعد بن عبد الله الأودي في حكم المجهول؛ لأن ابن أبي حاتم ذكره في \" الجرح والتعديل\" وقال: (سعيد الأزدي)، فلم ينسبه لأبيه، فضلًا عن جده، وذكر روايته عن أبي أمامة، وبيض له (^٣).\nفالحديث ضعيف، وفي متنه نكارة من وجوه عديدة، ولهذا قال العز بن عبد السلام: (لم يصح في التلقين شيء، وهو بدعة) (^٤)، وقال الصنعاني: (ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه حديث ضعيف، والعمل به بدعة، ولا يغتر بكثرة من يفعله) (^٥).\nوقد ذكره الشوكاني ضمن كتابه: \" الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة\" (^٦).\nوأما قول الحافظ في \" التلخيص\": (إسناده صالح … وله شواهد) (^٧)، فإنه يعارضه قوله في \"نتائج الأفكار\": (حديث غريب، وسند الحديث من الطريقين ضعيف جدًا) (^٨). ولا ريب أن هذا هو المعول عليه لأمرين:\nالأمر الأول: أن هذا هو الموافق لقواعد النقد وأصول الجرح والتعديل وكلام الأئمة، كما تقدم.\nالأمر الثاني: أن كلامه في \" النتائج\" متأخر، فإنه فرغ من \" التلخيص\" سنة (٨٢٠ هـ) بينما استمر في \" أمالي الأفكار\" إلى سنة (٨٥٢)، وأما قوله: إن الحديث له شواهد، ففيه تسامح واضح، فإن الأحاديث التي ذكرها ليست\n_________\n(^١) \"النكت على ابن الصلاح\" (٢/ ٦٤١).\n(^٢) \"جامع التحصيل\" (١٢٨).\n(^٣) (٤/ ٧٦).\n(^٤) \"الفتاوى\" للعز بن عبد السلام ص (٩٥، ٩٦).\n(^٥) \"سبل السلام\" (٢/ ٢١٨).\n(^٦) ص (٢٦٨).\n(^٧) (٢/ ١٤٣).\n(^٨) \"الفتوحات الربانية\" (٤/ ١٩٦).","vol":"4","page":355},{"text":"من باب التلقين، وإنما هي من باب الدعاء، إلا ما ورد عن ضمرة بن حبيب، وتقدم أنه مقطوع لا يحتج به.\n\n• الوجه الثالث: استدل بالحديث بعض الفقهاء على استحباب تلقين الميت بعد دفنه؛ لأنه وإن كان ضعيفًا فإنه يؤخذ في فضائل الأعمال.\nوذهب جمع من المحققين إلى أن التلقين لا يجوز بل هو من البدع؛ لأن الرسول ﷺ لم يفعله ولا فعله خلفاؤه من بعده؛ فإنه لو كان ثابتًا لسارع الصحابة ﵃ إلى العمل به، لأن الموت واقعة حاصلة كل يوم في الغالب، والهمم والدواعي تتوفر على نقل مثل ذلك لو حصل، فالحاصل أنه من البدع التي يجب نبذها وإنكارها، ومما يدل على بطلانه:\nأولًا: أنه مخالف للنصوص الشرعية الدالة على أن الأموات لا يسمعون، إلا ما ورد في الحديث المتقدم أنهم يسمعون قرع النعال إذا تولى الناس عنهم.\nثانيًا: أن الميت قد انقطع عمله وختم عليه، فلا يمكنه استدراك التثبت بعد الموت، وإنما المعول على ما قدمه في حياته مما يكون سببًا في ثباته.\nثالثًا: أن النبي ﷺ علمنا الدعاء للميت بعد وضعه في قبره، ولو كان التلقين مشروعًا لعلمه الأمة، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":356},{"text":"<span data-type='title' id=toc-474>استحباب زيارة القبور للرجال</span>\n٥٨٥/ ٥٢ - عن بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها\". رواه مسلم.\nزاد الترمذي: \" فإنها تذكر الآخرة\".\n٥٨٦/ ٥٣ - زاد ابن ماجه من حديث ابن مسعود: \" وتزهد في الدنيا\"؟\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما\"\nأما حديث بريدة ﵁ فقد أخرجه مسم في كتاب \" الجنائز\"، باب \"استئذان النبي ﷺ ربه ﷿ زيارة قبر أمه\" (٩٧٧) من طريق محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ … وذكر الحديث وتمامه: \"ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرًا\".\nوأخرجه الترمذي (١٠٥٤) من طريق علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \" قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه، فزوروها؛ فإنها تذكر الآخرة\". وقال الترمذي: (حديث بريدة حديث حسن صحيح).\nوأما حديث ابن مسعود ﵁ فقد أخرجه ابن ماجه (٥١٧١) من طريق ابن جريج، عن أيوب بن هانئ، عن مسروق بن الأجدع، عن ابن مسعود ﵁، مرفوعًا بلفظ: \" فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر بالآخرة\".","vol":"4","page":357},{"text":"وهذا الحديث رجاله ثقات، إلا أيوب بن هانئ فهو متكلم فيه، قال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق فيه لين).\nوفيه تدليس ابن جريج، فإنه لم يصرح بالتحديث.\nوقد أخرجه مسلم في \" صحيحه\" (٩٧٦) (١٠٨) من طريق يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: \"استأذنت ربي في أن استغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزورا القبور فإنها تذكر الموت\".\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه قد نهى في أول الإسلام عن زيارة القبور، وهذا والله أعلم خشية أن تكون زيارتها سببًا في التعلق بالأموات والأضرحة، فيؤدي ذلك إلى عبادتها كما وقع في الجاهلية، فلما رسخت العقيدة في القلوب وفقه الناس دينهم وعرفوا معنى الزيارة الشرعية والغرض منها نسخ النهي، وهذا من باب نسخ السنة بالسنة، وفي هذا النص اجتمع الناسخ والمنسوخ معًا.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب زيارة القبور. وقد نقل النووي وغيره الإجماع على استحبابها في حق الرجال دون النساء، كما سيأتي إن شاء الله.\nوقد قرن الأمر بزيارة القبور ببيان الحكمة من ذلك وما فيه من الفوائد الكثيرة والمصالح العظيمة، ولا ريب أن الحكم إذا قرن بالعلة زاد المسلم طمأنينة، وعرف بذلك سمو الشريعة وموافقتها للحكمة، إضافة إلى أن النفس العاملة تزداد نشاطًا وإقبالًا على الطاعة. ومن هذه المصالح:\n١ - أنها تذكر الآخرة، فيعلم الإنسان أنه مرتحل لا محالة عن دار الدنيا؛ وأنه سائر إلى الآخرة، والقبر أول منازل الآخرة.\n٢ - أنها تذكر الموت؛ فإن الإنسان إذا رأى الموتى وقد صاروا تحت أطباق الثرى علم أن الموت نهاية كل حي.","vol":"4","page":358},{"text":"٣ - أنها تزهد في الدنيا؛ لأن الإنسان إذا رأى الموتى وما صاروا إليه بعد جمع الدنيا وحطامها قلت رغبته في الدنيا، فلم يحرص عليها أو ينهمك في الانقطاع إليها؛ لأنه رأى أنها إلى زوال.\n\n• الوجه الرابع: هذه الزيارة المأمور بها هي الزيارة الشرعية التي قصد بها الشارع أمرين:\nالأمر الأول: يرجع إلى الزائر، وهو ما نص عليه الحديث من تذكر الآخرة وتذكر الموت والزهد في الدنيا.\nالأمر الثاني: يرجع إلى الميت، وهو السلام عليه والدعاء له، كما سيأتي إن شاء الله.\nوشرط هذه الزيارة ألا يلزم منها شد رحل، فإن لزم لم يجز ذلك؛ لقول ﷺ: \" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد\" (^١).\nولأن الزيارة الشرعية لا تحتاج إلى شد رحل؛ وإنما يفعل ذلك ضعاف الإيمان أو أهل التوسل الذين يقصدون قبورًا معينة.\nأما النوع الثاني: فهي الزيارة البدعية، وهي زيارتها لأجل الصلاة عندها والطواف بها وتقبيلها واستلامها ودعاء أهلها والاستعانة بهم في تفريج الكربات وقضاء الحاجات، وغير ذلك مما هو بدعة أو شرك على حسب الفعل والقصد، وهذا من جنس ما يفعله عباد الأوثان، نسأل الله العافية.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٩٧)، ومسلم (٤١٥) (٨٢٧)، وسيأتي شرحه في آخر باب \"الاعتكاف\" -إن شاء الله تعالى- حيث ذكره الحافظ هناك، وأعاده في \"الأيمان والنذور\".","vol":"4","page":359},{"text":"<span data-type='title' id=toc-475>تحريم زيارة القبور للنساء</span>\n٥٨٧/ ٥٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ لعن زائرات القبور. أخرجه الترمذي، وصححه ابن حبان.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الترمذي في أبواب \" الجنائز\"، باب \" ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء\" (١٠٥٦)، وابن حبان (٧/ ٤٥٢) من طريق قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ لعن زوارات القبور. هذا لفظ الترمذي.\nوقال: (حديث حسن صحيح). ولفظ ابن حبان: \" لعن الله زائرات القبور\"، وهو لفظ البلوغ.\nوهذا الحديث سنده حسن، فيه عمر بن أبي سلمة، وهو مختلف فيه كما تقدم في غير موضع وحديثه لا يرقى إلى درجة الصحة، بل هو من قبيل الحسن، لا سيما أن هذا الحديث له شواهد؛ كحديث ابن عباس عند أبي داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، والنسائي (٤/ ٩٥)، وابن ماجه (١٥٧٥)، وأحمد (١/ ٢٢٩) كلهم من طريق محمد بن جحادة قال: سمعت أبا صالح يحدث عن ابن عباس قال: \" لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج\".\nوهذا الحديث على شهرته فهو بهذا التمام ضعيف جدًا؛ لأن فيه أبا صالح وهو مولى أم هانئ، واسمه باذام، ضعفه جمهور النقاد، قال الإمام مسلم: (هذا الحديث ليس بثابت، وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه،","vol":"4","page":360},{"text":"ولا يثبت له سماع من ابن عباس) (^١).\nومن شواهد حديث الباب حديث حسان بن ثابت ﵁ أخرجه ابن ماجه (١٥٧٤)، والحاكم (١/ ٣٧٤)، والبيهقي (٤/ ٧٨) من طريق عبد الله بن خثيم، عن عبد الرحمن بن بهمان، عن عبد الرحمن بن حسان، عن أبيه قال: \" لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور\".\nقال البوصيري: (إسناده صحيح، ورجاله ثقات) (^٢). لكن فيه عبد الرحمن بن بهمان، قال ابن المديني (لا نعرفه) (^٣)، وذكر ابن حبان في \"الثقات\" ووثقه العجلي (^٤). وقال الحافظ في \" التقريب\" (مقبول).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لعن رسول الله) اللعن: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومعنى: (لعن رسول الله) أي: دعا عليهم باللعنة.\n\nقوله: (زائرات القبور) جمع زائرة، والزيارة هنا: الخروج إلى المقابر.\nوالرواية الثانية: \" زوارات\" بضم الزاي أو فتحها مع تشديد الواون. أما الضم فهو جمع زوار، جمع زائرة سماعًا وزائر قياسًا، مثل: كاتب وكتاب (^٥)، وأما بالفتح فهي إما صيغة مبالغة، لكن لا يراد بها المبالغة، وهو الإكثار من الزيارة؛ لأن الرواية الأخرى تحدد المراد، فإننا لو حملناها على المبالغة ما كان للرواية الثانية فائدة في حين أنها أفادت أن المحذور يحصل بزيارة واحدة، ففيها زيادة علم.\nوقد يحمل التضعيف على كثرة الفاعلين وتعددهم، لا على كثرة الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿جنات عدن مفتحة لهم الأبواب﴾ [ص: ٥٠]، والأبواب لا تفتح إلا مرة واحدة (^٦)، أو تكون بالفتح صيغة نسب، أي: ذوات زيارة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" لابن رجب (٣/ ٢٠١)، وانظر: \"فتاوى ابن تيمية\" (٢٤/ ٣٥٠).\n(^٢) \"الزوائد\" (١/ ٥١٦).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٣٥).\n(^٤) \"الثقات\" (٧/ ٦٨)، \"تاريخ الثقات\" ص (٢٨٩).\n(^٥) \"شرح المنهاج\" للمحلي (١/ ٣٥١)، وذكره السيوطي ونقله عنه السندي في \"شرحه لابن ماجه\" (١/ ٤٧٨).\n(^٦) \"الفتاوى\" (٢٤/ ٣٥٤).","vol":"4","page":361},{"text":"القبور، والمقصود أن رواية: \" زائرات\"نص صريح في أن زوارات ليست للمبالغة، لأنها تدل على أن النهي يحصل بزيارة واحدة.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم زيارة القبور للنساء وأن ذلك من كبائر الذنوب لثبوت اللعن على ذلك، ولا فرق في ذلك بين قبر النبي ﷺ أو غيره من القبور؛ لعموم الأدلة، وهذا قول المحققين من أهل العلم، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب بعض المالكية والشافعية والحنفية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والنووي والشيخ محمد بن عبد الوهاب وجماعة (^١).\nوذهب أكثر الحنفية والمالكية إلى أن زيارة القبور للنساء مباحة بلا كراهة، وهو رواية عن الإمام أحمد (^٢). واستدلوا بحديث بريدة المتقدم: \" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها\"، قالوا: فهذا خطاب عام فيتناول النساء، ولأنه علل زيارتها بأمر يشترك فيه الرجال والنساء وهو تذكر الآخرة.\nوبما أخرجه مسلم من حديث عائشة ﵂ وساق الحديث، وفي آخره: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: \" قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المتقدمين منا والمتأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون\" (^٣).\nكما استدلوا بحديث أنس ﵁ قال: مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: \" اتق الله واصبري … \" (^٤).\nوذهب فريق من أهل العلم إلى أن زيارة القبور للنساء مكروهة من غير تحريم، وهذا هو منصوص الإمام أحمد، وبه قال أكثر الشافعية، وبعض\n_________\n(^١) \"المغني\" (٣/ ٥٢٣)، \"المجموع\" (٥/ ٣٠٩)، \"الفتاوى\" (٢٤/ ٣٤٤)، \"تهذيب مختصر السنن\" (٤/ ٣٤٢، ٣٤٧ - ٣٥٠).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٣٢٠)، \"المغني\" (٣/ ٥٢٣).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٩٧٤) (١٠٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٢٨٣)، ومسلم (٩٢٦).","vol":"4","page":362},{"text":"الحنفية، وبعض المالكية (^١). واستدلوا بحديث أم عطية ﵂ المتقدم: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) والزيارة من جنس الاتباع، فيكون كل منهما مكروهًا غير محرم.\nوالراجح القول بالتحريم لما يلي:\nأولًا: أن أحاديث النهي صريحة في المراد، فإن الرسول ﷺ لعن النساء على الزيارة، وهذا من أوضح الأدلة على التحريم؛ لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة.\nثانيًا: أن سد الذرائع ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وإذا كان المقصود من الزيارة تذكر الآخرة والدعاء للميت، وهذا أمر مظنون من المرأة، ومن المؤكد حصول الجزع وقلة الصبر، وقد تشق الجيب وتلطم الخد وما أشبه ذلك، والدعاء يحصل في البيت كما يقول ابن تيمية (^٢) وتذكر الآخرة يحصل بأمور أخرى؛ كالوعظ وذكر الموت ونحو ذلك، فما يحصل لهن بالزيارة من المفاسد أعظم مما يحصل من مصلحة يسيرة، والشريعة تحرم الفعل إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته.\nثالثًا: أن الأحاديث التي يستدل بها يجيز الزيارة ليست صريحة في دلالتها كصراحة أحاديث النهي، وبيان ذلك فيما يلي:\nأما حديث: \" فزوروها\" وأنه عام يشمل الرجال والنساء، فعنه جوابان:\nالجواب الأول: سلمنا أنه عام، لكنه دخله التخصيص بمثل حديث ابن عباس ﵁ فتخرج النساء من هذا الإذن، وأحاديث التحريم من أظهر القرائن على ذلك.\nالجواب الثاني: أن الظاهر عدم دخول النساء لأمرين:\n_________\n(^١) \"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ٢٨٣)، \"رد المحتار\" (٢/ ٢٤٢)، \"المجموع\" (٥/ ٣١٠)، \"المغني\" (٥/ ٥٢٣)، \"فتح الباري\" (٣/ ١٤٨).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٤/ ٣٥٦).","vol":"4","page":363},{"text":"الأمر الأول: أن قوله: \" فزوروها\" صيغة تذكير، فتتناول الرجال بالوضع، ولا يدخل فيه النساء.\nالأمر الثاني: أن الرسول ﷺ علل الأمر بشيء لا يكون من المرأة، وهو تذكر الموت وترقيق القلب، وإنما يكون منها الجزع وقلة الصبر.\nوأما حديث عائشة ﵂ فليس في ألفاظه ما يدل على التصريح بالزيارة، بل إنه محمول على ما إذا اجتازت في طريقها بمقبرة جاز لها أن تدعو بهذا الدعاء في هذه الحالة، ولا تسمى زائرة حينئذ، ويحتمل أنه كان قبل النهي عن زيارة النساء وأنه كان على البراءة الأصلية، والمقصود أن الحديث ليس بصريح، فلا يقدم على ما هو صريح.\nوأما حديث أنس ﵁ فدلالته على المنع أقرب من دلالته على الجواز؛ لأن النبي ﷺ لم يقر المرأة؛ بل أمرها بتقوى الله التي هي فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، ومن جملتها النهي عن زيارة النساء القبور، وقال لها: \" اصبري\" ومعلوم أن مجيئها للقبر وبكاءها مناف للصبر، فهذا منه ﷺ إنكار لحالها من الزيارة والبكاء، ويدل عليه أنها لما علمت أن الآمر لها من تجب طاعته انصرفت مسرعة وجاءت تعتذر إليه، ثم إن القضية قد تكون قبل لعن زائرات القبور، وعلى هذا فلا يعارض بها أحاديث المنع (^١)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) انظر: رسالة \"جزء في زيارة النساء للقبور\" بقلم: بكر أبو زيد.","vol":"4","page":364},{"text":"<span data-type='title' id=toc-476>تحريم النياحة على الميت</span>\n٥٨٨/ ٥٥ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ النائجة، والمستمعة. أخرجه أبو داود.\n٥٨٩/ ٥٦ - وعن أم عطية ﵂ قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ أا ننوح. متفق عليه.\n٥٩٠/ ٧٥ - وعن عمر ﵂ عن النبي ﷺ قال: \" الميت يعذب في قبره بما نيح عليه\" متفق عليه.\n٥٩١/ ٥٨ - ولهما: نحون عن المغيرة بن شعبة.\n\n• الكلام عليها من وجوه:\nأما حديث أبي سعيد ﵁ فقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الجنائز\"، باب \" في النوح\" (٣١٢٨) من طريق محمد بن الحسن بن عطية، عن أبيه، عن جده، عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا.\nوهذا إسناد ضعيف جدًا، آفته آل عطية الثلاثة وهم:\nمحمد بن الحسن، فقد قال عنه أبو زرعة: (لين الحديث)، وقال أبو حاتم: (ضعيف الحديث)، وقال البخاري: (لم يصح حديثه). وقال ابن حبان: (كوفي منكر الحديث جدًا) (^١).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ١٠٣).","vol":"4","page":365},{"text":"وأبوه الحسن بن عطية، قال عنه أبو حاتم: (ضعيف الحديث)، وقال ابن حبان: (أحاديثه ليست بنقية)، وقال البخاري: (ليس بذاك) (^١).\nوجده عطية العوفي، قال عنه الإمام أحمد وأبو حاتم والنسائي: (ضعيف الحديث)، وقال أبو زرعة: (لين) (^٢).\nوأما حديث أم عطية ﵂ فقد أخرجه البخاري في كتاب \" الجنائز\"، باب \" ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن ذلك\" (١٣٠٦)، ومسلم (٩٣٦) من طريق أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية ﵂ قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ عند البيعة ألا ننوح، فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سيرة امرأة معاذ، وامرأتين، أو ابنة أبي سيرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى.\nوأما حديث عمر ﵁ (^٣)، فقد أخرجه البخاري في كتاب \" الجنائز\"، باب \" ما يكره من النياحة على الميت\" (١٢٩٢)، ومسلم (٩٢٧) (١٧) من طريق شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن عمر ﵁، به مرفوعًا.\nوأما حديث المغيرة ﵁، فقد أخرجه البخاري في الباب المذكور (١٢٠١)، ومسلم (٩٣٣) من طريق سعيد بن عبيد، عن علي بن ربيعة، عن المغيرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\"، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" من نبح عليه يعذب بما نبح عليه\"، وعند مسلم: \" فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة\".\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لعن رسول الله ﷺ) اللعن: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله،\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢٥٥).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢٠٠).\n(^٣) في بعض النسخ: (ابن عمر) وهو صحيح، فإن الحديث أخرجه البخاري عن ابن عمر -﵄- (٣٩٨)، ومسلم (٩٣١) (٩٣٢) ولكن لفظ البلوغ مطابق لحديث عمر -﵁-.","vol":"4","page":366},{"text":"وتقدم ذلك، ومعنى (لعن رسول الله) أي: دعا على النائحة والمستمعة بذلك.\n\nقوله: (النائحة) اسم فاعل من ناح على الميت ينوح نياحة. والنياحة: رفع الصوت بالندب وتعديد محاسن الميت على سبيل النوح كنوح الحمام، وهو من أعمال الجاهلية، كأن تقول: واجبلاه، واناصراه، واكاسياه، ونحو ذلك.\n\nقوله: (والمستمعة) أي: القاصدة لسماع النياحة.\n\nقوله: (آخذ علينا رسول الله ﷺ) أي: عند البيعة كما تقدم في سياق الحديث، وذلك لما بايعهن رسول الله ﷺ على الإسلام، ولعل ذكر النياحة مع البيعة والله أعلم لأنهن اعتدن ذلك؛ لقلة صبرهن وجزعهن، فكان النهي عنها عند البيعة من الأهمية بمكان، ولهذا لم يف أغلبهن بذلك، كما تقدم في سياق الحديث، إما لمجاملة أو لمحبة أو نحو ذلك.\n\nقوله: (الميت يعذب) استشكل العلماء ذلك لأنه تعذيب بفعل غيره، والله تعالى يقول: ﴿ولا تزر وازرة وز أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقد تنوعت طرقهم في الخروج من هذا الاستشكال، فمنهم من أنكر الحديث، وغلط الرواة، ومن هؤلاء عائشة ﵂، فقد روى البخاري ومسلم أنها قالت: (رحم الله أبا عبد الرحمن، سمع شيئًا فلم يحفظه، إنما مرت على رسول الله ﷺ جنازة يهودي وهم يبكون عليه، فقال: \" أنتم تبكون وإنه ليعذب\"، وهذا اللفظ لمسلم (^١).\nومنهم من أول الحديث بتأويلات كثيرة، ومنها: أنه خاص بمن أوصى أن يناح عليه، فيكون النوح بسبب فعله، وهذا ضعيف؛ لأن اللفظ عام؛ ولأن الصحابة ﵃ فهموا من الحديث حصول التعذيب وإن لم يوص الميت بالنوح. وقيل غير ذلك (^٢). ولعل أقربها ما ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية وتبعه ابن القيم وهو أن المراد بقوله: \"يعذب\"، أي: يتألم ويتأذى بنوحهم عليه، بدل دعائهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٩٧٨)، ومسلم (٩٣١ - ٩٣٢).\n(^٢) راجع: \"تهذيب مختصر السنن\" (٤/ ٢٩٠).","vol":"4","page":367},{"text":"واستغفارهم له. ولم يقل: يعاقب. والعذاب أعم من العقاب، ولهذا قال النبي ﷺ: \" السفر قطعة من العذاب\" (^١)، فسمى السفر عذابًا، وليس هو عقابًا على ذنب (^٢).\nوأما تخطئة عائشة ﵂ لابن عمر ﵁ فهو ليس في محله، فإن الحديث لم ينفرد به ابن عمر، بل رواه أبوه عمر والمغيرة بن شعبة، كما تقدم، وأبو موسى، وحفصة بنت عمر، وصهيب ﵁، وهذه الأحاديث لا ترد بمثل قول عائشة ﵂، فإنه من المحال أن يكون كل هؤلاء وهموا في الحديث. ولها نظائر من تأويلاتها واجتهاداتها ﵂ (^٣).\n\n• والوجه الثالث: هذه الأحاديث دليل على تحريم النياحة على الميت برفع الصوت بتعديد شمائله ومحاسن أفعاله، وهي من أمر الجاهلية، وهي من كبائر الذنوب، لما فيها من المفاسد العظيمة، ومنها:\n١ - أنها لا تزيد النائح إلا شدة وحزنًا.\n٢ - أنها تسخط من قضاء الله وقدره واعتراض عليه، وقلة صبره، وكأن النائحة تقول: لا ينبغي أن يموت من كان كذا، وكان كذا.\n٣ - أنها تهيج الأحزان.\n٤ - أنها تؤذي الميت، كما دل عليه الحديث.\n٥ - أنها مع هذه المفاسد لا ترد القضاء ولا ترفع ما نزل.\nوعن أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: \" أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة\"، وقال: \" النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب\" (^٤)، وهذا يؤيد ما تقدم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٤/ ٣٦٩)، \"تهذيب مختصر السنن\" (٤/ ٢٩٣).\n(^٣) انظر: \"الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة -﵂- على الصحابة\" للزركشي.\n(^٤) أخرجه مسلم (٩٣٤).","vol":"4","page":368},{"text":"من أن النياحة من الكبائر؛ لأن هذا وعيد شديد لمن مات على النياحة، وكذا قوله: \"إذا لم تتب قبل موتها\" فهو دليل على أنها من الكبائر؛ لأن شرطها التوبة.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الاستماع إلى النائحة، وأن المستمعة شريكة للنائحة في اللعن. والحديث وإن كان ضعيفًا كما تقدم لكن عموم الشريعة وقواعدها تدل على ذلك، فهما كالمغتاب والمستمع، شريكان في الوزر، ويقابل ذلك القارئ والمستمع شريكان في الأجر.\nوقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثلهم﴾ [النساء: ١٤٠].\nقال القرطبي: (فدل بهذا على وجب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم … فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم ينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهله هذه الآية …) (^١).\nفالواجب على من حضر منكرًا إما الإنكار على الفاعل، أو الانصراف إذا لم يكن له قدرة على الإنكار، والله المستعان.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الميت يعذب بسبب النياحة عليه، بمعنى أنه يتأذى ويتألم، وهذا يفيد أنه يجب على أولياء الميت ترك النياحة والمنع من وقوعها، لئلا يعذب الميت بذلك.\nثم إنه إذا كان المقصود من النياحة محبة الميت والتأسف على فقده فكيف ترضى أن تفعل شيئًا يضره؟! فهذا مما ينفر من النياحة.\nوأما كيفية تعذيبه بالنياحة فالله أعلم بها، وقد ورد عن النعمان بن\n_________\n(^١) \"تفسير القرطبي\" (٥/ ٤١٨).","vol":"4","page":369},{"text":"بشير ﵁ قال: (أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي: واجبلاه، واكذا، واكذا، تعدد عليه. فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي: آنت كذلك؟)، وفي رواية: (فلما مات لم تبك عليه) (^١)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٢٦٧).","vol":"4","page":370},{"text":"<span data-type='title' id=toc-477>جواز البكاء على الميت بدون رفع صوت</span>\n٥٩٢/ ٥٩ - عن أنس ﵁ قال: شهدت بنتًا للنبي ﷺ تدفن، ورسول الله ﷺ جالس عند القبر؛ فرأيت عينيه تدمعان. رواه البخاري.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الجنائز\"، باب \" قول النبي ﷺ: \" يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته\" (١٢٨٥)، وفي باب \" من يدخل قبر المرأة\" (١٣٤٢) من طريق فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن أنس بن مالك ﵁ قال: (شهدنا بنتًا لرسول الله ﷺ، قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان. قال: فقال: \" هل منكم رجل لم يقارف الليلة؟ \"، فقال أبو طلحة: أنا، قال: \" فانزل\"، قال: فنزل في قبرها).\nوفليح بن سليمان متكلم فيه، وقد لخص الحافظ حاله في \" التقريب\" فقال: (صدوق كثير الخطأ). وقد تقدم أن البخاري يتتبع أحاديث أمثال فليح ممن طعن فيه أئمة الجرح والتعديل فلا يخرج له إلا ما وافقه عليه غيره أو علم أنه أتقنه.\n\nوقوله: \" لم يقارف الليلة\" نقل البخاري عن فليح أنه قال: (أراه يعني الذنب). وقيل: لم يقرب أهله، بدليل أنه ذكر الليل، وبهذا جزم ابن حزم، وقال: (معاذ الله أن يتبجح أبو طلحة عند رسول الله ﷺ بأنه لم يذنب تلك الليلة) (^١).\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٥/ ١٤٥).","vol":"4","page":371},{"text":"وقال الحافظ: (يقويه أن في رواية ثابت المذكورة في \" التاريخ الأوسط\" للبخاري، والحاكم في \"المستدرك\" بلفظ: \" لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة، فتنحى عثمان\" (^١).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دلي على جواز البكاء على الميت، بشرط ألا يصحب ذلك رفع الصوت أو شق الجيوب أو ضرب الخدود، ونحو ذلك مما يدل على الجزع والسخط وعدم الرضا بالقضاء مما هو صنيع أهل الجاهلية.\nلما ورد عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية\" (^٢).\nوذكر البخاري تعيقًا عن عمر ﵁ أنه قال: دعهن يبكين على أبي سليمان يعني خالد بن الوليد ما لم يكن نقع أو لقلقة. والنقع: التراب على الرأس، واللقلقة: الصوت (^٣).\nوفي حديث ابن عمر ﵁ أنه ﷺ قال: \" إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم\" (^٤).\nوفي حدي ثأنس ﵁ في موت ابنه ﷺ قال: \" تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون\" (^٥).\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن السنة أن ينزل المرأة قبرها من لم يقارف تلك الليلة، أي: لم يجامع أهله وإن كان أجنبيًا منها؛ لأن أبا طلحة هو الذي أنزل ابنة الرسول ﷺ في قبرها مع أنه ليس من محارمها.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٥٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٢٦)، ومسلم (١٠٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ١٦٠).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٣٠٤)، ومسلم (٩٢٤).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٣٠٣)، ومسلم (٢٣١٥).","vol":"4","page":372},{"text":"قال الحافظ ابن حجر: (وفي الحديث جواز إدخال الرجال المرأة قبرها، لكونهم أقوى على ذلك من النساء، وإيثار العهد عند الملاذ في مواراة الميت ولو كان امرأة على الأب والزوج) (^١)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٥٩).","vol":"4","page":373},{"text":"<span data-type='title' id=toc-478>حكم الدفن في الليل</span>\n٥٩٣/ ٦٠ - عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: \" لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا\". أخرجه ابن ماجه. وأصله في \" مسلم\"، لكن قال: زجر أن يقبر الرجل بالليل، حتى يصلى عليه.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه ابن ماجه (١٥٢١) من طريق إبراهيم بن يزيد المكي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ … وذكره.\nوهذا الحديث رجاله ثقات، إلا إبراهيم بن يزيد وهو الخوزي المكي، فقد قال عنه أحمد: (متروك الحديث). وكذا قال النسائي، وقال ابن معين: (ليس بثقة، وليس بشيء). وقال أبو زرعة وأبو حاتم والدارقطني: (منكر الحديث). وقال البخاري: (سكتوا عنه) (^١).\nوالحديث أصله في مسلم (٩٤٣) كما تقدم في أحاديث \"الكفن\"، من طريق ابن جريج، قال: (أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله ﵁ يحدث أن النبي ﷺ خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قبض، فكفن في كفن غير طائل، وقبر ليلًا، فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك …) الحديث. وكان الأولى بالمصنف أن يذكر هذه الزيادة: (إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن دفن الميت في الليل، وقد\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٥٧).","vol":"4","page":374},{"text":"أخذ بهذا ابن حزم الظاهري، وروى كراهة الدفن ليلًا عن سعيد بن المسيب، وأجاب بأن من دفن ليلًا كان لضرورة (^١).\nوالقول الثاني: أنه يجوز الدفن ليلًا ولا كراهة فيه، وهذا قول الجمهور من أهل العلم لحديث ابن عباس ﵁ في قصة الرجل الذي دفن في الليل، فقال النبي ﷺ: \"أفلا آذنتموني\" (^٢)، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ دفنهم إياه في الليل، وإنما أنكر عليهم عدم أعلامه بأمره.\nومما يؤيد ذلك أن الصحابة ﵃ دفنوا أبا بكر ﵃ ليلًا، كما ورد في صحيح البخاري من حديث عائشة ﵂ وفيه: \" ودفن أبو بكر قبل الصبح\".\nقال الحافظ: (وهذا كالإجماع عائشة ﵁ وفيه: \" ودفن أبو بكر قبل الصبح\" (^٣). قال الحافظ: (وهذا كالإجماع من الصحابة على الجواز) (^٤)، يعني بذلك أنه أمر مشهور بينهم، وليس فيه نكير.\nوأما حديث الباب فهو ضعيف لا تقوم به حجة، وأما حديث مسلم ففيه ذكر سبب النهي، وهو أن الدفن نهارًا يحضره كثير من الناس ويصلون عليه، ولا يحضره في الليل إلا أفراد، وأن الصحابي لما قبض كفن بكفن غير طائل، وعلى هذا فالأقرب ما حرره العلامة ابن القيم، وهو أنه إذا كان الدفن ليلًا لا يفوت به شيء من حقوق الميت، والصلاة عليه فلا بأس، وعليه تدل أحاديث الجواز، وإن كان يفوت بذلك حقوقه وتمام القيام عليه، نهي عن ذلك، وعليه يدل الزجر (^٥)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٥/ ١١٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٤٠)، ومسلم (٩٥٦)، وبوَّب عليه البخاري باب \"الدفن بالليل\".\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (١٣٨٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٠٨).\n(^٥) \"تهذيب مختصر السنن\" (٤/ ٣٠٩).","vol":"4","page":375},{"text":"<span data-type='title' id=toc-479>استحباب إعداد الطعام لأهل الميت</span>\n٥٩٤/ ٦١ - عن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: لما جاء نعي جعفر حين قتل قال النبي ﷺ: \" اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم\". أخرجه الخمسة، إلا النسائي.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمته الراوي:\nوهو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب القرشي الهاشمي، ولد في أرض الحبشة لما هاجر أبواه إليها، وعداده في صغار الصحابة، كفله النبي ﷺ بعد استشهاد أبيه في مؤتة سنة ثمان، ونشأ في حجرة. قال عنه الذهبي: (كان كبير الشأن كريمًا جوادًا يصلح للإمامة)، مات سنة ثمانين، وقيل بعدها (^١).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرج أبو داود في كتاب \" الجنائز\"، باب \" صنعة الطعام لأهل الميت\" (٣١٣٢)، والترمذي (٩٩٨)، وابن ماجه (١٦١٠)، وأحمد (٣/ ٢٨٠) من طريق سفيان بن عيينة، حدثني جعفر بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله ﷺ … وذكر الحديث.\nوقال الترمذي: (هذا حديث حسن)، وفي بعض نسخ الترمذي: (حسن صحيح) والصحيح الأول، وهو الذي نقله عنه الذهبي (^٢) ونفى تصحيحه، وكذا\n_________\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ٤٥٦، ٤٦٢)، \"الإصابة\" (٦/ ٣٨).\n(^٢) \"الميزان\" (١/ ٦٣٠).","vol":"4","page":376},{"text":"نقله الشوكاني (^١) والألباني (^٢)؛ لأن خالد بن سارة والد جعفر روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٣)، وحسن له الترمذي حديثه هذا، وقال الحافظ في \" التقريب\": (صدوق)، وحسن الحديث ابن كثير في \" الإرشاد\" (^٤).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لما جاء نعي جعفر) أي: خبر موته. وجعفر هو: جعفر بن أبي طالب أخو علي ابن أبي طالب ﵁، ذو الجناحين، وصاحب الهجرتين، أسلم قديمًا، وكان أشبه الناس خلقًا وخلقًا برسول الله ﷺ، زوجته أسماء بنت عميس، قتل شهيدًا يوم مؤتة سنة ثمان، ولد إحدى وأربعون سنة ﵁ (^٥).\n\nقوله: (حين قتل) أي: في غزوة مؤتة في السنة الثامنة من الهجرة.\n\nقوله: (اصنعوا لآل جعفر) هذا الخطاب لأهله ﷺ، ويتناول أقارب الميت أو جيرانه ونحوهم. والمراد بآله: زوجته أسماء بنت عميس وأولاده.\n\nقوله: (فقد أتاهم ما يشغلهم) لفظ أبي داود: \" فقد أتاهم أمر شغلهم\".\n\nوقوله:: ما يشغلهم\" بفتح الياء والغين، ماضية شغل من باب (نفع). ويجوز ضم الأول وكسر الثالث، والشغل والشغل: هو الأمر العارض الذي يذهل الإنسان، وهذا سيق مساق التعليل، والمعنى أنه نزل بهم أمر شغلهم وألهاهم عن صنع طعام ياكلونه، فيحصل لهم ضرر وهم لا يشعرون.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب تقديم الطعام لأهل الميت في يوم مصيبتهم رفقًا بهم مراعاة لحالهم، وهذا من محاسن الإسلام، ومؤكدات الإخوة بين المسلمين، ومشروعية المشاركات عند نزول الحاجات.\nولم يذكر في الحديث مدة الإطعام، فمن أهل العلم من قال: يوم وليلة؛ لأن الغالب أن الحزن الشاغل عن إعداد الطعام لا يستمر أكثر من\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٩٧).\n(^٢) \"أحكام الجنائز\" ص (١٦٧).\n(^٣) (٦/ ٢٦٤).\n(^٤) \"إرشاد الفقيه\" (١/ ٢٤٢).\n(^٥) \"الاستيعاب\" (٢/ ١٤٩)، \"الإصابة\" (٢/ ٨٥).","vol":"4","page":377},{"text":"يوم، ومنهم من قال: ثلاثة أيام، وهو المذكور في كتب الحنابلة وغيرهم (^١)، وكأنهم نظروا إلى مدة العزاء، وهي ثلاثة أيام حسب ما ذكروا.\nولا يجوز الإسراف في إعداد هذا الطعام، كما يفعله كثير من الناس اليوم، فإن الإسراف مذموم شرعًا، وليكن الطعام إلى أهل الميت بقدر حاجتهم، ويجوز لمن حضر أهل الميت أن يأكل معهم من هذا الطعام؛ لأنهم لم يصنعوه بأنفسهم وإنما صنع لهم.\nأما أهل الميت فلا يجوز لهم صنع الطعام للناس؛ لأن هذا من البدع، وفيه مفاسد عظيمة:\nأولًا: أنه عمل مخالف للسنة، فإن السنة أن الناس يصنعون لأهل الميت طعامًا، وما خالف السنة فهو بدعة.\nثانيًا: أن فيه إعانة على أمر نهى عنه أهل العلم، وهو اجتماع الناس عند أهل الميت، وقد قال جرير بن عبد الله البجلي ﵁: (كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة) (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"دقائق أولي النُّهى\" (٢/ ١٥٩).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٦١٢)، عن محمد بن يحيى، عن سعيد بن منصور، وأخرجه -أيضًا- عن شجاع بن مخلد، كلاهما عن هشيم بن بشير، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس ابن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله.\nوهُشيم من الحفاظ الثقات، إلا أنه كثير التدليس والإرسال الخفي، فقد روى عن جماعة لم يسمع منهم، ولعل هذا منه، وذكر هذا -أيضًا- الدارقطني في \"العلل\" (١٣/ ٤٦٢) فإنه قال: (… ورواه خالد بن القاسم المدائني -قيل: ثقة؟ قال: لا أضمن لك هذا، جرحوه- عن هشيم، عن شريك، عن إسماعيل …).\nوعليه فالحديث ضعيف؛ لأن مداره على هشيم، وقد دلَّسه، كما يدل على ذلك كلام الإمام أحمد والدارقطني، ولم يصرح بالتحديث في شيء من طرق الحديث، ورواه سريج بن يونس، والحسن بن عرفة، عن هشيم، كما ذكر الدارقطني في \"العلل\" وقد تابع هشيمًا نصر بن باب، عند أحمد (١١/ ٥٠٥)، ونصر بن باب ضعيف الحديث، بل رمي بالكذب.\nوهذا الحديث ضعفه الإمام أحمد، كما في \"مسائل أبي داود\" ص (٢٩٢)، فقال: (زعموا أنه -أي هشيمًا- سمعه من شريك، وما أرى لهذا الحديث أصلًا)، وقد =","vol":"4","page":378},{"text":"ثالثًا: أن هذا الصنيع فيه إنفاق للمال في أمر محرم، فيكون من باب الإسراف والتبذير، ويأثم الوالي إذا كان هذا الطعام من تركه الميت؛ لأنه إجحاف بالورثة وتعد على حقوقهم، لا سيما إذا كان فيهم سفهاء أو صغار.\nرابعًا: أن هذا العمل مع كونه بدعة فيه أيضًا تكليف أهل الميت وإتعابهم مع مصيبتهم، وهذا أمر لا يقره الشرع، ولا يرضى به العقل.\nومثل هذا ما يوجد في بعض الجهات من إرسال الذبائح إلى أهل الميت، فإن هذا خلاف السنة، وقد يكون وسيلة لكون أهل الميت يصنعون للناس طعامًا، فمن أراد إطعام أهل الميت فإنه يبعث إليهم طعامًا حتى يريحهم من تعب الطبخ، لا أن يرسل إليهم ذبائح يشق عليهم بذبحها وطبخها، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n= صححه البوصيري في \"الزوائد\" (١/ ٥٢٥)، والنووي في \"المجموع\" (٥/ ٣٢٠)، وابن كثير في \"الإرشاد\" (١/ ٢٤١)، والألباني في \"أحكام الجنائز\" ص (٢١٠)، والشيخ عبد العزيز بن باز، كما في \"الفتاوى\" (١٣/ ٣٨٤).","vol":"4","page":379},{"text":"<span data-type='title' id=toc-480>ما يقال عند دخول المقبرة</span>\n٥٩٥/ ٦٢ - عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر: \" السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، أسأل الله لنا ولكن العافية\". رواه مسلم.\n٥٩٦/ ٦٣ - وعن ابن عباس ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: \" السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكن، أنتم سلفنا ونحن بالأثر\". رواه الترمذي، وقال: حسن.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو سليمان بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، أخو عبد الله بن بريدة، وكان توأمين، والدا على عهد عمر بن الخطاب ﵁ لثلاث خلون من خلافته، روى عن أبيه وعن عمران بن حصين وعائشة وجماعة. روى له مسلم والأربعة، وهو ثقة، وفضله وكيع وابن عيينة والعجلي على أخيه عبد الله، وقالوا: (إنه أوثق منه). مات سنة خمس ومئة، وله تسعون عامًا (^١).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث بريدة ﵁ فقد أخرجه مسلم في كتاب \" الجنائز\"، باب \" ما يقال عند دخول القبر والدعاء لأهلها \" (٩٧٥) قال: حدثنا أبو بكر بن\n_________\n(^١) \"السير\" (٥/ ٥٢)، \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٥٣).","vol":"4","page":380},{"text":"أبي شيبة وزهير بن حرب، قالا: حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول في رواية أبي بكر: السلام على أهل الديار، وفي رواية زهير: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين …) الحديث.\nوأخرج مسلم أيضًا (٩٧٤) حديث عائشة ﵁ في خروج النبي ﷺ إلى البقيع وفيه: \" ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين\".\nوأما حديث ابن عباس ﵁ فقد أخرجه الترمذي (١٠٥٣) متفردًا به عن بقية أصحاب الكتب الستة، في أبواب \"الجنائز\"، باب \" ما يقول الرجل إذا دخل المقابر\" من طريق قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس ﵁، به مرفوعًا.\nوهذا الحديث حسنة الترمذي كما نقله الحافظ وهذا في بعض نسخ الترمذي، وفي بعضها: (حديث ابن عباس حديث غريب).\nوالحديث فيه قابوس بن أبي ظبيان، واسمه حصين بن جندب، وهو متكلم فيه وفي روايته عن أبيه، فقد قال أحمد عنه: (ليس بذاك)، وقال ابن معين: (ضعيف الحديث)، وروي عنه أنه ثقة، كما وثقه يعقوب بن سفيان، وقال أبو حاتم: (لا يحتج به)، وضعفه النسائي والدارقطني، وقال ابن حبان: (كان رديء الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له، فربما رفع المراسيل، وأسند الموقوف، وأبوه ثقة) (^١)، ولعل الحافظ لخص حاله في \"التقريب\" عندما قال: (فيه لين).\nوالفرق بين الحديثين أن الحديث الأول ليس فيه خطاب، والثانية فيه خطاب، وكأن غرض الحافظ أن الأول زيارة عامة، والثاني في زيارة خاصة (^٢).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٢٧٤).\n(^٢) راجع: \"شرح الأذكار\" لابن علَّان (٤/ ٢١٩ - ٢٢٠).","vol":"4","page":381},{"text":"الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (أهل الديار) بالنصب، منادى حذف منه حرف النداء، والتقدير: يا أهل الديار، والديار جمع دار، وهي محل الإقامة، والمراد: المقابر. وفيه جواز إطلاق الأهل على ساكني المكان من أحياء أو أموات.\n\nقوله: (من المؤمنين والمسلمين) هذا من عطف المغاير؛ لأنه إذا اجتمع وصف الإيمان ووصف الإسلام فسر الإيمان بالأعمال الباطنة من اعتقادات القلوب وأعمالها، والإسلام بالأعمال الظاهرة من أقوال اللسان وأعمال الجوارح، وإذا ذكر الإسلام وحده شمل الدين كله، فيدخل فيه الإيمان، وإذا ذكر الإيمان دخل فيه الإسلام، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ [الحجرات: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]. وكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنًا، وهذا قول المحققين، كما قال ابن رجب (^١).\nولما كانت المقبرة تجمع المسلمين والمؤمنين والدعاء لهما جميعًا ذكر الطائفتين بوصفيهما.\n\nقوله: (وإنا إن شاء الله بكم للاحقون) إنا: مبتدأ، للاحقون، خبره، واللام مؤكدة في خبر (إن) وقوله: \" إن شاء الله\" معترضة بين اسم إن وخبرها.\nوقد اختلف العلماء في وجه هذا الاستثناء، وهو أن الموت أمر محقق، فكيف يعلق بالمشيئة والمحقق لا يعلق بها؟ فقيل: المراد وقت الموت، والمعنى: إذا شاء الله، أي: سنحلق بكم في الوقت الذي يشاء الله أن نلحق، وقيل: المراد الاستثناء: في الوفاة على الإيمان، لقوله: \" دار قوم مؤمنين\". وقيل: المرد امتثال قول الله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، وقيل غير ذلك.\n_________\n(^١) انظر: \"جامع العلوم والحكم\" شرح الحديث الثاني.","vol":"4","page":382},{"text":"قوله: (أنتم سلفنا) بفتح السين المهملة واللام بعدها. وسلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وأقربائه وإخوانه وأقرانه، ولذا سمي الصدر الأول بالسلف الصالح، فهم متقدمون علينا في هذا السفر.\n\nقوله: (ونحن بالأثر) بفتحتين، أي: عقبكم تابعون لكم من ورائكم لاحقون بكم.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب زيارة القبور والسلام على أهلها والدعاء لهم بسؤال الله تعالى العاقبة للأحياء من أمراض الأبدان وأمراض القلوب التي هي أشد من أمراض الأبدان، وللأموات من عذاب القبر ومن عذاب النار، وهذه هي الحكمة من زيارة القبور، وهي تتعلق بالأموات.\nوأما الحكمة الثانية وهي المتعلقة بالأحياء فهي تذكر الموت لقوله: \" وإنا إن شاء الله بكم للاحقون\"، وفي هذا فائدة عظيمة وهي أن الإنسان إذا أيقن باللحاق بالأموات ولا يدري في أي وقت يكون ذلك، وجب عليه أن يستعد، ويتهيأ لئلا يفاجئه الموت على غرة وغفلة، فاللبيب من تفكر في مآله، والحازم من تزود لارتحاله، والعاقل على غرة وغفلة، فاللبيب من تفكر في مآله، والحازم من تزود لارتحاله، والعاقل من جد في أعماله، نظر في المصير، وجانب التقصير، نسأل الله أن يوقظنا من رقدة الغفلة، ويوفقنا للاستعداد قبل النقلة، ما دمنا في وقت المهملة.\nوليس للزيارة وقت معين، بل تستحب كل وقت، ليلًا ونهارًا، ولهذا ورد في صحيح مسلم حديث عائشة ﵂ في زيارة النبي ﷺ قبور البقيع ليلا.\nوأما تخصيص الزيارة بيوم الجمعة وأيام الأعياد فلا أصل له في دين الله تعالى.\n\n• الوجه الخامس: ورد في صحيح مسلم كما تقدم حديث عائشة ﵂ في زيارة الرسول ﷺ أهل البقيع، وفيه: (حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع ثلاث مرات …)، الحديث، ففيه دليل على استحباب رفع اليدين في الدعاء لأهل القبور، وأن دعاء القائم أكمل من","vol":"4","page":383},{"text":"دعاء الجالس في المقبرة (^١).\n\n• الوجه السادس: استدل العلماء بهذا الحديث على أن الميت ينتفع بدعاء الأحياء؛ إذا لو لم يكن ينتفع لما كان لهذا الدعاء فائدة، وقد مضت هذه المسألة ومضى نقل الإجماع فيها.\nكما استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن الميت ترد روحه عند السلام عليه، وأنه يسمع في الجملة كلام الحي، وليس سماعًا دائمًا؛ بل قد يسمع في حال دون حال، وهذا قول ابن تيمية وجماعة كابن القيم (^٢).\n\n• الوجه السابع: استدل الصنعاني بحديث ابن عباس ﵁ على أن المار بالمقبرة يسلم على الأموات وإن لم يقصد الزيارة (^٣)، وهذا فيه نظر، والحديث ضعيف، ولعل ما ذكره الصنعاني ومن قبله من أهل العلم باعتبار أن المقابر لم تكن في الزمن القديم مسورة، والمار بها يشاهد القبور ولم لم يقصد الزيارة، أما في زماننا هذا فالمقابر مسورة، فالظاهر أن السلام لا يشرع إلا للداخل، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (الأفضل أن يسلم ولو كان مارًا، ولكن قصد الزيارة أفضل وأكمل) (^٤). والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٨/ ٤٧)، \"فتاوى ابن باز\" (١٣/ ٣٣٧ - ٣٣٨).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٤/ ٣٣١ - ٣٦٤).\n(^٣) \"سبل السلام\" (٢/ ٢٢٨).\n(^٤) \"الفتاوى\" (١٣/ ٣٣٣)، وانظر: \"فتاوى ابن تيمية\" (١٧/ ٣٣٣).","vol":"4","page":384},{"text":"<span data-type='title' id=toc-481>النهي عن سب الأموات</span>\n٥٩٧/ ٦٤ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \" لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا\". رواه البخاري.\n٥٩٨/ ٦٥ - وروى الترمذي: عن المغيرة نحوه، لكن قال: \" فتؤذوا الأحياء\".\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه البخاري في آخر الكتاب \" الجنائز\"، باب \"ما ينهى من سب الأموات\" (١٣٩٣) من طريق الأعمش، عن مجاهد، عن عائشة ﵂، به مرفوعًا.\nوأما حديث المغيرة ﵁، فقد أخرجه الترمذي في أبواب \"البر والصلة\"، باب \"ما جاء في الشتم\" (١٩٨٢) من طريق أبو داود الحفري عن سفيان، عن زياد بن علاقة قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: قال رسول الله ﷺ: \" لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء\".\nوالحديث صحيح، قال النووي: (رواه الترمذي بإسناد حسن أو صحيح) (^١). وصححه الألباني (^٢). وقد ذكر الترمذي والدرقطني أن في إسناده اختلافًا، وذكر هذا الاختلاف. وكذا ذكره الدارقطني، وبين المحفوظ منه (^٣).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم سب الأموات والوقع في\n_________\n(^١) \"الخلاصة\" (٢/ ١٠٣٩).\n(^٢) \"صحيح سنن الترمذي\" (٢/ ١٩٠).\n(^٣) \"العلل\" (٧/ ١٢٦) وانظر: \"السلسلة الصحيحة\" (٢٣٩٧).","vol":"4","page":385},{"text":"أعراضهم؛ لأن النهي في قوله: \" لا تسبوا\" للتحريم، كما هو الأصل في النهي، وقد استدل بالحديث من منع سب الأموات مطلقًا، سواء أكان الميت مسلمًا أم كافرًا، عدلًا أم فاسقًا، بناء على أن (أل) للاستغراق.\nوقال آخرون: إن الحديث مختص بأموات المسلمين، وأن (أل) في (الأموات) عهدية وليست استغراقية؛ لأن الكفار مما يتقرب إلى الله بسبهم، ولأنه قال: \" قد أفضوا إلى ما قدموا\" وهذا فيه إشعار بأن المراد المسلم.\nوذهب فريق ثالث إلى التفصيل في المسألة، وهو أن أموات الكفار يجوز ذكر مساوئهم بشرط ألا يتأذى به قريبه الحي المسلم، فإن كان لا يتأذى بسبه أحد، أو كان الكافر مؤذيًا للمسلمين متعرضًا لحرماتهم فلا مانع من سبه.\nوأما المسلم فلا يجوز سبه والوقوع في عرضه؛ لأن له حرمة، وهذا من باب الغيبة؛ إلا أن كان فاسقًا وظهرت مصلحة راجحة في سبه؛ فإنه يجوز ذكر مساوئه للتحذير منه والتنفير عنه، لا لقصد سب الأموات، ولكن لقصد تنفير الأحياء عنه وتحذيرهم منه، وقد ورد ما يدل على ذلك كحديث أنس الآتي.\nوقد أجمع العلماء على جواز جرح المجروحين من الرواة أحياء أو أمواتًا؛ لأن المصلحة في حفظ السنة تقتضي ذلك. فإن لم يكن مصلحة وجب الكف عنه؛ لأنه أفضى إلى ما قدم\n\n• الوجه الثالث: أشار الحديث إلى الحكمة التي من أجلها نهي عن سب الأموات، وهي أنهم قد أفضوا ووصلوا إلى ما عملوا من خير أو شر، فلا ينفع سبهم فيهم، كما ينفع في الحي؛ لأن الحي ينزجر ويرتدع عن المعصية إذا انتقد فيها، ويحذر الناس منه، وأما بعد موته فقد أفضى إلى ما قدم.\nوالحكمة الثانية: أن سب الأموات قد يفضي إلى إيذاء الأحياء من أقاربهم، كما في حديث المغيرة. ولا يفهم من ذلك جواز سب الأموات عند عدم تأذي الأحياء؛ كمن لا قرابة له، أو له ولكن لا يبلغهم ذلك؛ لأن سب","vol":"4","page":386},{"text":"الأموات منهي عنه للحكمة الأولى فإذا أدى إلى أذية الأحياء كان محرمًا من جهتين.\nوالحكمة الثالثة: أن سب الأموات من باب الغبة التي وردت الآيات والأحاديث بتحريمها؛ لأن قوله ﷺ: \" الغيبة ذكرك أخاك بما يكره\" يدخل فيه الحي والميت، وقد بوب البخاري في كتابه \" الأدب المفرد\"، باب \" الغيبة للميت\" (^١). قال ابن بطال: (سب الأموات يجري مجرى الغيبة في الأحياء) (^٢).\n\n• الوجه الرابع: ورد في صحيح البخاري عن أنس ﵁ قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي ﷺ: \"وجبت\"، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًا، فقال: \"وجبت\". فقال عمر ﵁: ما وجبت؟ قال: \" هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض\" (^٣).\nوهذا فيه دليل على جواز ذكر المرء بما فيه من خير أو شر للحاجة، ولا يكون ذلك من الغيبة؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر عليهم ذلك، ولعل هذا الذي أثنى عليه شرًا كان مشهورًا بفسقه وفساده، فيخشى أن يقتدى بشره، فيكون ذلك من باب التحذير منه والتنفير عنه.\nقال البيهقي: (وكأن الذي أثنوا عليه شرًا كان معلنًا بشره، فأراد النبي ﷺ زجر أمثاله عن شرورهم وعن إطالة الألسنة في أنفسهم، فقال ما قال، والله أعلم) (^٤). ومثل ذلك قال الشراح؛ كالإمام النووي والقرطبي والحافظ ابن حجر وجماعة آخرين، واختاره الشيخ عبد العزيزبن باز وقال: (إن ذلك فيه جمع بين الأخبار)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الأدب المفرد\" (٢/ ٢٠٢).\n(^٢) \"شرح ابن بطال على صحيح البخاري\" (٣/ ٣٥٤).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (١٣٦٧).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٧٥).","vol":"4","page":387},{"text":"<span data-type='title' id=toc-482>كتاب الزكاة</span>\nالزكاة: في اللغة: النماء والطهارة وصفوة الشيء، يقال: زكا الزرع يزكو زكوا، من باب قعد، إذا نما وزاد وصلح.\nوشرعًا: قدر واجب في مال مخصوص، لطائفة أو جهة مخصوصة.\nوالحكمة من مشروعيتها: تطهير النفس من الشيح والبخل، وتطهير نفس الفقير من الحسد والضغينة على الأغنياء، وسد حاجة الإسلام والمسلمين، وتطهير المال، وحصول الآثار الطيبة على البلاد والعباد.\nوهي أحد أركان الإسلام، من جحد فريضتها فهو كافر إجماعًا، ومن أقر بها ومنعها بخلًا فليبشر بعذاب أليم، قال تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون خبير﴾ [آل عمران: ١٨٠].\nوقد دل مفهوم قوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ [التوبة: ١١] على أنه يكفر تاركها بخلًا، وهو دليل من قال بذلك، وهو رواية عن الإمام أحمد، قواها بعض الأصحاب (^١)، والأظهر أنه لا يكفر؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ لما ذكر عقوبة مانع الزكاة قال: \" فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار\" (^٢)، ولو كان كافرًا ما كان له سبيل إلى الجنة، فيكون منطوق هذا الحديث مقدمًا على مفهوم آية التوبة.\nوأظهر الأقوال في وقت فرضيتها ما ذكره ابن كثير من أن أصل الزكاة فرض في مكة، لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]،\n_________\n(^١) \"المغني\" (٤/ ٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٩٨٧).","vol":"4","page":389},{"text":"وقوله تعالى: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم﴾ [المعارج: ٢٤]، وقوله تعالى: ﴿والذين هم للزكاة فاعلون﴾ [المؤمنون: ٤] وهذه آيات مكية، وأما فرضها في المدينة فهو فرض ذات النصب والمقادير الخاصة، وأما في مكة فكانت زكاة مطلقة من القيود والحدود، موكولة إلى إيمان الأفراد وشعورهم بواجب الأخوة الإسلامية (^١)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٤٥٧)، \"فقه الزكاة\" للقرضاوي (١/ ٦٠).","vol":"4","page":390},{"text":"<span data-type='title' id=toc-484>ما جاء في وجوب الزكاة</span>\n٥٩٩/ ١ - عن ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ بعث معاذًا ﵁ إلى اليمن … فذكر الحديث، وفيه: \" أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم\". متفق عليه، واللفظ للبخاري.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\n\nفقد أخرجه البخاري في أول كتاب \" الزكاة\"،<span data-type='title' id=toc-483> باب </span>\" الزكاة\" (١٣٩٥)، ومسلم (١٩) من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد، عن عبد الله بن عباس ﵁ أن النبي ﷺ بعث معاذًا ﵁ إلى اليمن فقال: \" ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم\"، هذا أحد ألفاظ البخاري، والحديث له ألفاظ متعددة وطرق كثيرة.\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية بعث الدعاء إلى الإسلام في أطراف الأرض، لينشروا دين الله، ويعلموا الناس شريعة ربهم وأحكام دينه.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الداعية يبدأ في دعوته بالأهم فالأهم؛ وأنه لا ينتقل إلى مرتبة حتى يلتزم المدعوون بما قبلها، وقد ذكر في الحديث أن مراتب الدعوة هي:","vol":"4","page":391},{"text":"الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ لأن ذلك من أفرض الفرائض، فإن الشهادة أساس الدين الذي لا تصح العبادات إلا به.\n٢ - الدعوة إلى الصلاة الخمس؛ لأنها أكد العبادات البدنية.\n٣ - الدعوة إلى الزكاة؛ لأنها أوكد العبادات المالية.\nولم يرد في هذا الحديث ذكر للصيام والحج مع أنهما من أركان الإسلام، والأقرب والله أعلم أنه لما كان بعث معاذ في ربيع الأول سنة عشر، وليس وقتًا للصيام ولا للحج أخرت الدعوة لهما إلى وقتيهما؛ ليستقر الإيمان في قلوبهم، فيسهل عليهم القبول.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز صرف الزكاة إلى صنف واحد من الأصناف الثمانية، وهو قول الجمهور، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وإن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢٧١ [، فلم يذكر في الآية إلا مصرفًا واحدًا وهم الفقراء، والصدقة متى أطلقت في القرآن أو السنة فهي صدقة الفرض، وأما قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء ..﴾ التوبة: ٦٠] فهذا قد استدل به من قال: بوجوب تعميم الأصناف الثمانية.\nوالأول أظهر، وأما آية التوبة فإن معناها أن جنس الصدقات لجنس هذه الأصناف، ولو قيل بوجوب الاستيعاب لكان ذلك مع ما فيه من الحرج والمشقة مخالفًا لما عليه المسلمون سلفًا وخلفًا، وقد يكون الحاصل شيئًا قليلًا لو قسم عليهم لما حصل منه فائدة تذكر.\n\n• الوجه الخامس: استدل بالحديث من قال: بأنه لا يجوز نقل الزكاة من بلد المال إلى بلد آخر (^١)؛ لأن قوله: \"على فقرائهم\" أي: فقراء أهل اليمن على أحد القولين في مرجع الضمير، أما على القول بأن الضمير يعود على\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" (٤/ ١٣١)، \"المبدع\" (٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨).","vol":"4","page":392},{"text":"فقراء المسلمين فلا دليل فيه، قالوا: ولأن المقصود بالزكاة إغناء الفقراء، ولو جاز نقلها لأفضى ذلك إلى بقاء فقراء ذلك البلد محتاجين.\nوالقول الثاني: أنه يجوز نقل الزكاة من بلد المال إلى بلد آخر لمصلحة راجحة، كفقراء أشد حاجة، أو لقريب محتاج، أو طالب علم صاحب حاجة، أو نحو ذلك، وهذا قول الجمهور (^١)، وهو الأظهر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إنما الصدقات للفقراء …﴾ [التوبة: ٦٠] أي: لهم في كل مكان، كما يدل على ذلك حديث قبيصة بن المخارق ﵁ الآتي في آخر \" الزكاة\".\nوقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: (إن تحديد المنع من نقل الزكاة بمسافة القصر ليس عليه دليل شرعي) (^٢)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"الاختيار\" (١/ ١٢٢)، \"شرح فتح القدير\" (٢/ ٢٧٩)، \"بلغة السالك\" (١/ ٢٣٥)، \"المهذب\" (١/ ٢٣٤)، \"الإفصاح\" (١/ ٢٢٨).\n(^٢) \"الاختيارات\" ص (٩٩).","vol":"4","page":393},{"text":"<span data-type='title' id=toc-485>أحكام زكاة الإبل والغنم</span>\n٦٠٠/ ٢ - عن أنس ﵁؛ أن أبا بكر الصديق ﵁ كتب له: \" هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله:\nفي أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم: في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم تكن فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستًا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستًا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها.\nوفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة. فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها.\nولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان","vol":"4","page":394},{"text":"من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، إلا أن يشاء المصدق.\nوفي الرقة: ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة، فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين\" رواه البخاري.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري مفرقًا في عدة مواضع من كتاب \" الزكاة\"، وغيره، وأكثر ألفاظه في باب \"زكاة الغنم\" (١٤٥٤) من طريق محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري قال: حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس، أن أنسًا حدثه، أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم \"هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين … \" الحديث.\nوقد تتبع الحافظ روايات الحديث وجمعها في سياق واحد، وإلا فليس في البخاري رواية بهذا السياق والتمام.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب الزكاة في الإبل إذا بلغت خمسًا وأن فيها شاة، وفي العشرين أربع شياه، وإنما أوجب الشارع الحكيم فيما دون خ مس وعشرين من الإبل زكاة من الغنم، مع أن زكاة كل مال من جنسه، نظرًا لقلة الإبل عند صاحبها، فخمس من الإبل مال عظيم، ففي إخائه عن الواجب إضرار بالفقراء، وفي إيجاب منه إجحاف بأرباب الأموال، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء","vol":"4","page":395},{"text":"صاحبها، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين، ففيها بنت مخاض أنثى، وهي ما استكمل من الإبل السنة الأولى ودخل في الثانية، سميت بذلك لأن أمها غالبًا قد حملت، والماخض: الحامل التي دنت ولادتها، وليس كون أمها ماخضًا شرطًا، وإنما ذكر تعريفًا لها بغالب أحوالها، فإن لم تكن عنده فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين، ففيها بنت لبون أنثى؛ وهي من الإبل ما استكمل الثانية ودخل الثالثة، سميت بنت لبون لأن أمها وضعت غالبًا، فهي ذات لبن.\nفإذا بلغت ستًا وأربعين إلى ستين ففيها حقة، وهي التي أتت عليها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، سميت بذلك لأنها استحقت أن تركب وأن يحمل عليها، واستحقت أن يطرقها الفحل.\nفإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، وهي التي أتى عليها أربع سنين ودخلت في الخامسة، سميت بذلك لأنها تجذع إذا سقطت سنها، وهذا أعلى سن يجب في الزكاة، فهو غاية كمالها؛ لأنه غاية الحسن دار ونسلًا وقوة، واعتبر في الجميع الأنوثة لما فيها من رفق الدر والنسل.\nفإذا بلغت ستًا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان، فإذا زادت على عشرين ومائة استقرت الفريضة، في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ابتداء من مائة وثلاثين، ففيها حقة وبنتا لبون، وكلما زادت عشرًا تتغير الفريضة، وما دون العشر عفو، ففي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاثة حقاق، وهكذا …\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الزكاة في الغنم، وشرط ذلك: أن تكون سائمة، ولم يذكر السوم في الإبل في حديث أنس ﵁، ولعله ترك لأن الغالب أن الإبل لا تكون إلا سائمة، بخلاف الغنم، وقد رد في حديث بهز بن حكيم الآتي: \" وفي كل إبل سائمة\"، والسوم: معناه الرعي، أي: رعي الغنم في المراعي دون شراء العلف، أو دفع قيمة الزرع الذي ترعاه، وشرط الفقهاء أن ترعى أكثر الحول؛ كسبعة أشهر مثلًا؛ لأن الأكثر له حكم الكل، وهذا بخلاف المعلوفة فلا زكاة فيها إن لم تكن","vol":"4","page":396},{"text":"عرض تجارة لأنها تكثر مؤنتها فيشق على النفوس إخراج الزكاة منها، بخلاف السائمة.\nفإذا بلغت الغنم أربعين إلى عشرين ومائة فيها شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت استقرت الفريضة في كل مائة شاة.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على وجود الوقص في بهيمة الأنعام وهو بفتحتين وقد تسكن القاف، والوقف: هو ما بين الفريضتين، فما بين خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين وقص ليس فيه شيء، وكذا الغنم على ما تقدم، وذلك من باب الرفق بالمالك؛ لأن بهيمة الأنعام تحتاج إلى مؤنة كثيرة، من رعي وسقي وحفظ وعلاج وحلب ونحو ذلك، وهو خاص ببهيمة الأنعام، أما غيرها كالذهب والفضة والحبوب والثمار فما زاد زادت الزكاة، ولا وقص فيه.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على تحريم الحيل المفضية إلا إسقاط الزكاة أو تنقيصها بسبب الجمع والتفريق، وذلك بأن يكون لشخص أربعون شاة، فإذا علم بمجيء المصدق جعل عشرين في مكان وعشرين في مكان آخر، حتى لا تجب عليه الزكاة، وكذا لو كان لثلاثة أشخاص مائة وعشرون شاة، لكل واحد أربعون في مكان، فيجمعونها في مكان واحد ليكون فيه شاة واحدة بدل ثلاث شياه.\n\n• الوجه السادس: الحديث دليل على إثبات الخلطة، وهي الشركة في المواشي دون غيرها من الأموال، وأن لها تأثيرًا في الزكاة إيجابًا وإسقاطًا، وتغليظًا وتخفيفًا؛ لأنها تجعل الأموال كالمال الواحد في حكم الزكاة.\nفلو ورث شخصان أربعين من الغنم لكل واحد عشرون، ففيها شاة واحدة، إذا أخذت من أحدهما رجع على الآخر بقيمة نصيبه من الفرض، وهو نصف شاة، ولو اشترى شخصان أربعين من الغنم لأحدهما الثالث وللآخر الثلثان فأخذ الفرض من مالك صاحب الثلث، رجع بثلثي قيمة المخرج على صاحبه، وهكذا …\n\n•","vol":"4","page":397},{"text":"الوجه السابع: الحديث دليل على أنه لا يجوز إخراج الهرمة - بفتح الهاء وكسر الراء: وهي المسنة التي سقطت أسنانها من الكبر، ولا ذات عوار - بفتح العين المهملة وبضمها: وهي المعيبة والمريضة البين مرضها؛ كالجرب ونحوه، وفي البخاري: \" ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس، إلا ما شاء المصدق\".\nواختلف في ضبط \" المصدق\" فالأكثر على أنه بتشديد الصاد والدال المكسورة، والمراد به المزكي، وهو مالك الماشية؛ لأن المصدق أصله المتصدق، فحصل الإدغام، وتقدير الحديث: لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب أصلًا، ولا يؤخذ تيس، وهو فحل الغنم إلا برضا المالك، لكونه يحتاج إليه، وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث فقط، وهو التيس.\nومنهم من ضبطه بتخفيف الصاد \" المصدق\"، اسم فاعل من صدق، أي: آخذ الصدقة، والمراد به العامل والساعي، فيجتهد في الأصلح، فله أن يأخذ التيس إذا رأى فيه مصلحة، أو الهرمة إذا كانت سمينة وفيها مصلحة للفقراء، أو ذات العوار، وهذا أظهر؛ لأن المصدق وهو المالك، لا يؤمن في الغالب أن يجحف بالفقراء فلا يقبل قوله، أما الساعي فهو كالوكيل، وهو مظنة أن يسعى لهم ويحرص على مصلحتهم.\n\n• الوجه الثامن: الحديث دليل على وجوب الزكاة في الفضة، لقوله: \"وفي الرقة ربع العشر\" والرقة: بكسر الراء المهملة المشددة، وفتح القاف المخففة، هي الفضة الخالصة، سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة (^١)، ونصاب الفضة: مائتا درهم، لحديث: \" ليس فيما دون خمس أواق صدقة … \" وسيأتي، والأوقية: أربعون درهمًا بالاتفاق، وفيها ربع العشر، وما كان أقل من ذلك فلا زكاة فيه، لقوله: \" فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها\".\n\n• وليس معنى ذلك أنها إذا زادت على التسعين ومائة أن فيها زكاة، وإنما\n_________\n(^١) انظر: \"الزاهر\" ص (٢٤٣).","vol":"4","page":398},{"text":"ذكر التسعين لأنه آخر العقود قبل المائة، والحساب إذا جاوز الآحاد كان تركيبه بالعقود كالعشرات والمئين والألوف، فذكر التسعين ليدل على أنه لا صدقة فيما نقص على المائتين، ويدل على ذلك الحديث المتقدم: \"ليس فيما دون خمس أواق صدقة\".\n\n• الوجه التاسع: الحديث دليل على أن من وجب عليه سن معين وعدمه كمن وجبت عليه جذعة ولست عنده، وعنده أقل منها وهو الحقة؛ فإنها تقبل منه ويدفع جبرانًا؛ شاتين أو عشرين درهمًا، وكذا من عليه صدقة الحقة وليست عنده، وعنده أعلى منها وهي الجذعة، فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين.\nوالظاهر أن العشرين درهمًا تقويم مقابل الشاتين وليس تعيينًا، فلو كانت قيمة الشاتين مائتي درهم مثلًا أعطاه مائتي درهم، وليس في غير الإبل جبران بل هو خاص بها؛ لأن السنة وردت به فقط، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":399},{"text":"<span data-type='title' id=toc-486>ما جاء في زكاة البقر</span>\n٦٠١/ ٣ - عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن، فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالم دينارًا أو عدله معافر.\nرواه الخمسة، واللفظ لأحمد، وحسنه الترمذي، وأشار إلى اختلاف في وصله، وصححه ابن حبان، والحاكم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الزكاة\"، باب في \" زكاة السائمة\" (١٥٧٦)، والترمذي (٦٢٣)، والنسائي (٥/ ٢٥ - ٢٦)، وابن ماجه (١٨٠٣)، وأحمد (٣٦/ ٣٣٨ - ٣٣٩) من طرق عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ ﵁، به مرفوعًا.\nوالحديث حسنه الترمذي، كما قال الحافظ، وقد اختلف في وصله وإرساله، ورجح الترمذي إرساله، فقال: (هذا حديث حسن، وروى بعضهم هذا الحديث عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن، فأمره أن يأخذ … وهذا أصح)، وممن صحح المرسل الدارقطني (^١)، وقد أخرجه مرسلًا الطيالسي (١/ ٤٦١)، وأبو عبيد في \"الأموال\" ص (٣٨٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٢٦)، وغيرهم، من طريق شعبة، عن الأعمش، به مرسلًا.\n_________\n(^١) \"العلل\" (٦/ ٦٩).","vol":"4","page":400},{"text":"ورجح بعضهم الرواية المتصلة؛ لأنها من رواية جماعة من الحفاظ، منهم الثوري، وأبو معاوية، وهما أثبت أصحاب الأعمش (^١).\nقال الخلال: (أحمد لا يعبأ بمن خالف أبا معاوية في حديث الأعمش، إلا أن يكون الثوري) (^٢).\nوممن رجح الوصل ابن عبد البر، حيث قال: (روى عن معاذ هذا الخبر بإسناد متصل صحيح ثابت) (^٣)، كما رجح الوصل أيضًا الشيخ عبد العزيز بن باز.\nوقد اختلف في سماع مسروق عن معاذ، وسماعه من وارد؛ لإمكانه زمانًا ومكانًا، فمسروق من كبار التابعين، وهو ثقة، فقيه، عابد، لا يجزم بروايته عن معاذ إلا وقد سمعه، وقد ولد عام الهجرة، وكان في اليمن وقت وجود معاذ فيها، والله أعلم (^٤).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (بعثه إلى اليمن) وذلك في ربيع الأول سنة عشر، كما تقدم في أول حديث، وبقي فيها داعيًا ومعلمًا وقاضيًا، وعاد إلى المدينة في خلافة أبي بكر ﵁.\n\nقوله: (تبيعًا أو تبيعة) التبيع: هو الذي أتم الحول الأول ودخل في الثاني، والأنثى تبيعة، سمي بذلك لأنه لا يزال يتبعه أمه.\n\nقوله: (مسنة) هي التي أتمت الثانية ودخلت في الثالثة.\n\nقوله: (ومن كل حالم دينارًا) الحالم: اسم فاعل من حلم الصبي فهو حالم، ويقال: احتلم فهو محتلم، أي: بلغ مبلغ الرجال.\nوالدينار: اثنتان وسبعون حبة شعير عند المتقدمين، وهو ما يقارب ثلاث\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" لابن رجب (٢/ ٥٢٩).\n(^٢) \"شرح علل الترمذي\" (٢/ ٥٣٣).\n(^٣) \"التمهيد\" (٢/ ٢٧٥).\n(^٤) انظر: \"المحلى\" (٦/ ١١، ١٦)، \"بيان الوهم والإيهام\" (٢/ ٥٧٥ - ٥٧٦)، \"التلخيص\" (٢/ ١٦٠).","vol":"4","page":401},{"text":"جرامات ونصف الجرام، أو ثلاثة أرباع الجرام، بالأوزان المعروفة عند أصحاب الذهب، والمعنى: أن البالغ الذي لم يسلم يؤخذ منه الجزية دينار.\n\nقوله: (أو عدله معافر) العدل بفتح العين وسكون الدال: أي: ما يساوي قيمة الشيء ومقداره.\nوالمعافر بفتح الميم والعين وكسر الفاء: ثياب تنسج في اليمن، نسبت إلى معافر على وزن مساجد، وهم حي من همدان في اليمن.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الزكاة في البقر إذا بلغت ثلاثين، وفيها تبيع أو تبيعة على التخيير، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة، فإذا بلغت ستنين ففيها تبيعان، فإذا بلغت سبعين ففيها تبيع ومسنة، فإذا كانت ثمانين ففيها مسنتان، وهكذا، وإذا نقصت عن ثلاثين فليس فيها صدقة عند الجمهور.\nقال ابن عبد البر: (لا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر ما في حديث معاذ هذا؛ وأنه النصاب المجتمع عليه فيها) (^١).\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الذمي ليس بمطالب بالزكاة، وإنما تؤخذ منه الجزية إذا بلغ الحلم، عن كل رأس دينار أو ما يقابله من غير النقد كالثياب وغيرها، وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب \" الجهاد إن شاء الله. والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (٩/ ١٥٧).","vol":"4","page":402},{"text":"<span data-type='title' id=toc-487>مشروعية بعث السعاة لقبض الزكاة</span>\n٦٠٢/ ٤ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: \" تؤخذ صدقات المسلمين على مياهم\". رواه أحمد.\n٦٠٣/ ٥ - ولأبي داود: \" ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم\".\n\n• الكلام عليهما من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما الأول فقد أخرجه أحمد (١١/ ٣٤٣) من طريق عبد الله بن المبارك، حدثنا أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: … فذكر الحديث.\nوهذا الحديث سنده حسن، أسامة بن زيد، هو الليثي متكلم فيه كثيرًا، والذي يظهر أنه حسن الحديث (^١).\nوأخرجه أبو داود (١٥٩١)، وأحمد (١١/ ٢٨٨) من طريق ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو في حديث طويل، وفيه: \" ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في ديارهم\".\nوهذا إسناد حسن أيضًا، ومحمد بن إسحاق قد صرح بالتحديث عند أحمد (^٢)، وعند البيهقي (^٣)، والبغوي (^٤)، وقد توبع أيضًا، تابعه عبد الرحمن بن الحارث، عن أحمد (^٥)، وتابعه أسامة بن زيد، كما تقدم.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٨٣).\n(^٢) \"المسند\" (١١/ ٥٩٦).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٩).\n(^٤) \"شرح السنة\" (٢٥٤٢).\n(^٥) \"المسند\" (١١/ ٥٨٧).","vol":"4","page":403},{"text":"ولعل الحافظ أورد رواية أبي داود؛ لأن رواية أحمد خاصة بزكاة الماشية؛ لقوله: \" على مياههم\" ولفظ أبي داود عام لكل صدقة.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على أن عمال الزكاة يقصدون أرباب الأموال من الإبل والغنم ونحوهما على مياههم وفي دورهم لقبض الزكاة منهم، ولا يكلف صاحب المال أن يأتي بصدقته إلى بيت المال، لما في ذلك من المشقة. وقد كان النبي ﷺ يبعث عماله لقبض الزكاة، ثم تفريقها على مستحقيها.\nوهذا من أدلة القائلين بجواز نقل الزكاة من بلد إلى آخر للمصلحة، كما تقدم، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":404},{"text":"<span data-type='title' id=toc-488>حكم زكاة الرقيق والخيل</span>\n٦٠٤/ ٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة\". رواه البخاري.\nولمسلم: \" ليس في العب صدقة إلا صدقة الفطر\".\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الزكاة\"، باب \" ليس على المسلم في عبده صدقة\" (١٤٦٤)، ومسلم (٩٨٢) من طريق يحيى بن سعيد، عن خثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا.\nوأخرجه مسلم من طريق مخرمة، عن أبيه، عن عراك بن مالك قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يحدث عن رسول الله ﷺ قال: \" ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر\".\n\n• الوجه الثامن: الحديث دليل على عدم وجوب الزكاة فيما اختصه المسلم لنفسه، من الرقيق والخيل، قال ابن الملقن: (هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا تجب زكاتها) (^١)، وذلك لأنه اختصه لنفسه لا للنماء، وليس هو مما تجب الزكاة في عينه، فلم يكن محتملًا لأخذ الزكاة منه، وهذا دليل على يسر الإسلام، وسهولة تشريعاته.\nويدخل في الحديث كل ما اختصه الإنسان لنفسه إما لاستعماله؛\n_________\n(^١) \"الإعلام\" (٥/ ٥٣).","vol":"4","page":405},{"text":"كالسيارات، والأواني، والفرش، أو ما اختصه لنفسه ليستغله بما يحصل فيه من أجرة؛ كسيارات الأجرة، وسيارات النقل، وآلات النجارة والحدادة، وآلات المطابع، والمغاسل، وإنما تجب الزكاة في الأجرة وما ينتج عن هذه الآلات إذا تم عليه الحول.\nومفهوم الحديث أنه إذا كان الرقيق أو الخيل معدًا للتجارة ففيه الزكاة؛ لأنه نفي الزكاة فيما أضافه الإنسان إلى نفسه إضافة اختصاص، ومعلوم أن المعد للتجارة لم يختصه مالكه لنفسه، وليس له غرض في عينه، وإنما غرضه في قيمته وربحه.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب زكاة الفطر في الرقيق وإن لم يكن للتجارة؛ لأن زكاة الفطر زكاة بدن، وليست زكاة تجارة، فوجبت بكل حال، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":406},{"text":"<span data-type='title' id=toc-489>حكم مانع الزكاة</span>\n٦٠٥/ ٧ - عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: \" في كل سائمة إبل: في أربعين بنت لبون، لا تفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرًا بها فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمةً من عزمات ربنا، لا يحل لآل محمد منها شيء\". رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه الحاكم، وعلق الشافعي القول به على ثبوته.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة بفتح الحاء بن معاوية القشيري، روى عن أبيه وغيره، وروى عنه سليمان التيمي، وابن عون وآخرون، وهو متكلم فيه، فقال أبو حاتم: (شيخ يكتب حديثه، ولا يحتج به)، وقال الشافعي: (ليس بحجة)، وقال ابن معين: (ثقة)، وكذا قال النسائي (^١)، وقال ابن حبان: (كان يخطئ، فأما أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم رحمهما الله فهما يحتجان به، ويرويان عنه، وتركه جماعة من أئمتنا، ولولا حديث: \" إنا آخذوها وشطر إبله، عزمه من عزمات ربنا\" لأدخلناه في \" الثقات\"، وهو ممن أستخير الله ﷿ فيه) (^٢).\nوقال الذهبي: (ما تركه عالم قط، إنما توقفوا في الاحتجاج به) (^٣)،\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٤٣٧).\n(^٢) \"المجروحين\" (١/ ٢٢٢) وقوله: (إبله) هكذا أُثبتت.\n(^٣) \"الميزان\" (١/ ٣٥٤).","vol":"4","page":407},{"text":"وقال ابن كثير: (الأكثرون يحتجون به؛ كأحمد، وإسحاق، وعلي بن المديني، وابن معين، وأبي داود، والنسائي …) (^١)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق).\nأما أبوه حكيم بن معاوية، فهو تابعي، وثقه العجلي (^٢)، وقال النسائي: (ليس به بأس)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٣).\nوأما جده، وهو معاوية بن حيدة، فهو صحابي سمع النبي ﷺ، معدود في أهل البصرة، وغزا خراسان، ومات بها، روى عنه ابنه حكيم وعروة بن رويم اللخمي وحميد اليزني، أخرج له أصحاب السنن، وعلق له البخاري في \"الطهارة\" و\"النكاح\" (^٤).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب \"الزكاة\" باب \"في زكاة السائمة\" (١٥٧٥)، والنسائي (٥/ ١٥ - ٢٥، ١٧)، وأحمد (٣٣/ ٢٢٠)، والحاكم (١/ ٣٩٨) من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، به مرفوعًا.\nوهذا الحديث سنده حسن لما تقدم في الكلام على بهز بن حكيم وأبيه وهما صدوقان.\nوكل جملة في الحديث لها شاهد، بعضها مضى، وبعضها سيأتي، إلا قوله: \" ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله .. \"، ولهذا نقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: (لا يثبت أهل العلم بالحديث أن تؤخذ الصدقة وشطر إبل الغال لصدقته، ولو ثبت لقلنا به) (^٥).\n\n• الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون) هذا ليس على ظاهره\n_________\n(^١) \"الإرشاد\" (١/ ٢٦٦).\n(^٢) \"تاريخ الثقات\" ص (١٣٠).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٣٨٧)، \"الثقات\" (٤/ ١٦١).\n(^٤) \"الإصابة\" (٩/ ٢٣٠).\n(^٥) \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٠٥).","vol":"4","page":408},{"text":"لما تقدم في حديث أنس ﵁، وإنما هذا محمول على ما إذا زادت عن مائة وعشرين، كما تقدم.\n\nقوله: (لا تفرق إبل عن حسابها) أي: إن الخليطين لا يفرقان ماليهما خشية الصدقة، كما تقدم عند قوله: \"لا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة\"، أو أن المعنى: أن الكل تحسب في الأربعين، ولا يترك هزيل ولا سمين ولا صغير ولا كبير، والعامل لا يأخذ إلا الوسط.\n\nقوله: (مؤتجرًا بها) بالهمزة، أي: قاصدًا الأجر من الله تعالى بإعطائه الزكاة.\n\nقوله: (وشطر ماله) بالنصب عطفًا على ضمير (آخذوها) لأنه في محل نصب باسم الفاعل، ويجوز جره عطفًا على لفظ المضاف إليه؛ لأنه مجرور لفظًا منصوب محلًا.\n\nقوله: (عزمة من عزمات ربنا) عزمة: بالرفع، خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: ذلك عزمة، وبالنصب على المصدرية، وهو مصدر مؤكد لنفسه، والناصب له فعل محذوف يدل عليه جملة \" فإنا آخذوها\"، والعزمة: العزيمة والجد في الأمر الواجب المتحتم، والمعنى: إنا آخذون ذلك بجد وعزم؛ لأنه واجب مفروض وحق من حقوق ربنا.\n\nقوله: (لآل محمد) المراد بهم: من تحرم عليهم الصدقات من بني هشام، وهم: آل عباس، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب، وسيأتي ذلك إن شاء الله في آخر \" الزكاة\".\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن في كل أربعين سائمة من الإبل بنت لبون، وقد تقدم في حديث أنس ﵁ أن بنت اللبون تجب من ستة وثلاثين إلى خمس وأربعين، فهو يصدق على أنه يجب في الأربعين بنت لبون، ومفهوم العدد هنا متروك زيادة ونقصانًا؛ لأنه عارضه المنطوق الصريح، وهو حديث أنس ﵁، أو أنه محمول على ما زاد على مائة وعشرين، كما تقدم.\n\n•","vol":"4","page":409},{"text":"الوجه الخامس: تحريم التفريق بين المالين الخليطين من الماشية فرارًا من الزكاة، كما تقدم في حديث أنس ﵁.\n\n• الوجه السادس: الحديث دليل على أن من أدى الزكاة عن طيب نفس طالبًا الأجر من الله تعالى فله أجره، ومن منعها فعليه وزره؛ لأنه هدم ركنًا من أركان الإسلام وحسابه على الله تعالى.\n\n• الوجه السابع: جواز أخذ الزكاة قهرًا ممن منعها بإجماع أهل العلم.\n\n• الوجه الثامن: استدل بهذا الحديث من أجاز التعزيز بالمال، وذلك أن أخذ شطر مال مانع الزكاة هو من باب التعزير بالمال، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (^١)، وابن فرحون من المالكية (^٢).\nوذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه لا يجوز التعزير بالمال (^٣)؛ لأن في ذلك مخالفة للنصوص الدالة على حرمة مال المسلم، وعدم جواز أخذه بغير حق.\nقالوا: وهذا الحديث قد طعن فيه أئمة الجرح والتعديل، وتكلموا في بهز بن حكيم، كما تقدم، وليس لنا أن نأخذ شطر ماله؛ إلا بحجة قوية لا شبهة فيها؛ وإن كان بعض الأئمة قد وثق بهزًا، لكن المقام مقام عظيم، مخالف للأصول في حال مال المسلم، ولم يأت من تابع بهزًا في هذا حتى يقوى أمره، وقد يكون المال عظيمًا، فأخذ شطره لا يثبت بمثل هذا الحديث المقابل للأصول العظيمة في حرمة مال المسلم؛ بل قد يكون فيه شيء من الشبهة، والأقرب والله أعلم أنه يعاقبه ولي الأمر بما يردعه، وأما أخذ شطر المال فالأولى ألا يفعل، وهذا اختيار الصنعاني (^٤)، والشيخ عبد العزيز بن باز، ولهذه المسألة ذكر في باب \" السرقة\" من كتاب \" الحدود\" والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٨/ ١١٣ - ١١٨) (٢٩/ ٢٩٤)، \"تهذيب مختصر السنن\" (٢/ ١٩٢).\n(^٢) \"تبصرة الحكام\" مطبوع على حاشية \"فتح العلي المالك\" (٢/ ٢٩٨).\n(^٣) \"المغني\" (١٢/ ٥٢٦)، \"شرح فتح القدير\" (٥/ ٣٤٥)، \"حاشية الدسوقي\" (٤/ ٣٥٥).\n(^٤) \"سبل السلام\" (٢/ ٢٤٥).","vol":"4","page":410},{"text":"<span data-type='title' id=toc-490>اشتراط الحول لوجوب الزكاة</span>\n٦٠٦/ ٨ - عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون دينارًا، وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك، وليس في مال زكاة حتى يحول عليها الحول\". رواه أبو داود، وهو حسن، وقد اختلف في رفعه.\n٦٠٧/ ٩ - وللترمذي؛ عن ابن عمر: \" من استفاد مالًا، فلا زكاة عليه حتى يحول الحول\". والراجح وقفه.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث علي ﵁ فقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الزكاة\"، باب \" في زكاة السائمة\" (١٥٧٣) من طريق ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، وسمى آخر (^١)، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، والحارث الأعور، عن علي ﵁، به مرفوعًا.\nوهذا الحديث اختلف في رفعه ووقفه، فرواه أبو داود، وكذا البيهقي (٤/ ٩٥) مرفوعًا.\nورواه ابن أبي شيبة (٣/ ١٥٨ - ١٥٩) موقوفًا من طريق سفيان الثوري\n_________\n(^١) أي: إن شيخ أبي داود سليمان بن داود قال: إن ابن وهب روى الحديث عن شيخ آخر مع جرير لم أحفظه، وهو الحارث بن نبهان.","vol":"4","page":411},{"text":"وشريك، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي ﵁ قال: (ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول).\nوكذا رواه موقوفًا عبد الله في \" زوائد المسند\" (٢/ ٤١٤) من طريق عثمان بن أبي شيبة، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، به.\nوتابع سفيان وشريكًا على وقفه زكريا بن أبي زائدة. أخرجه الدارقطني (٢/ ٩١)، ونقل الحافظ في \" التلخيص\" وقفه أيضًا عن شعبة ومعمر، عن أبي إسحاق، عن عاصم، ثم قال: (وكذا كل ثقة رواه عن عاصم) (^١)، فهؤلاء الحفاظ خالفوا جريرًا، فرووه عن أبي إسحاق موقوفًا عن علي ﵁.\nولعل الحافظ نص على أنه حسن؛ لأن بعض العلماء ضعفه ظنًا منه أنه من رواية الحارث الأعور، وهو ضعيف، والصواب أنه ليس من روايته وحده، كما تقدم، بل رواه معه عاصم بن ضمرة، وقد وثقه أحمد، وابن معين، وابن المديني، والعجلي، والنسائي، وتكلم فيه ابن حبان، وابن عدي، والبيهقي (^٢)، فحديثه من قبيل الحسن، قال الزيلعي: (ولا يقدح فيه ضعف الحارث لمتابعة عاصم له) (^٣).\nوأما حديث ابن عمر ﵁ فقد أخرجه الترمذي (٦٣١) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر، به مرفوعًا.\nوهذا سند ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف الحديث، ضعفه أحمد، وابن المديني، والنسائي، وأبو زرعة، وقال ابن خزيمة: (ليس هو ممن يحتج أهل الحديث بحديثه لسوء حفظه، هو رجل صناعته العبادة والتقشف، ليس من أحلاس الحديث) (^٤).\nوقد أخرجه الترمذي (٦٣٢)، والبيهقي (٤/ ١٠٣) من طريق عبد الوهاب الثقفي، حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا.\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (٢/ ١٨٤).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٤٠).\n(^٣) \"نصب الراية\" (٢/ ٣٢٨).\n(^٤) وقد مضى ذكره عند الحديث الثالث عشر في \"الطهارة\".","vol":"4","page":412},{"text":"قال الترمذي: (هذا أصح من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم)، وكذا أخرجه الدارقطني (٢/ ٩٢) عن معتمر، عن عبيد الله، عن نافع به موقوفًا. وعلى هذا فالعمدة في هذا الباب على الموقوف.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على أن نصاب الفضة مائتا درهم، وهذا مجمع عليه؛ وإنما الخلاف في قدر الدرهم، وهو يزن عند المتقدمين إحدى وخمسين حبة شعير، وهي تساوي جرامين وثلاثة من عشرة؛ فإذا ضربت في مائتي درهم، كان الحاصل أربع مائة وستين جرامًا، وهذا نصاب الفضة؛ فإذا عرف قيمة جرام الفضة بالريالات المتداولة؛ سهل معرفة النصاب، يضرب هذا النصاب بقيمة جرام الفضة، والناتج هو النصاب، فيخرج ربع العشر منه؛ لأن العملة المتداولة مقومة بالفضة؛ لأنها نائبة عنها في التعامل.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن نصاب الذهب عشرون دينارًا، وهي تساوي: أحد عشر جنيهًا وثلاثة أسباع جنيه سعودي. والنصاب بالجرام: يساوي سبعين جرامًا من الذهب، حاصل ضرب عشرين مثقالًا بثلاثة جرامات ونصف الجرام؛ لأن هذا وزن المثقال، وهو الدينار، بالأوزان المعاصرة.\nلكن ينبغي أن يعلم أن الذهب الموجود بأيدي الناس ليس ذهبًا خالصًا، بل يضاف إليه شيء من النحاس، والذهب الخالص هو عيار (٢٤)، وما كان أقل ففيه إضافة، والطريقة أن تضرب النصاب الخالص (٧٠ × ٢٤) مقدار العيار، والناتج هو النصاب).\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن النقدين ليس فيهما وقص في الزكاة، فكل ما زاد فهو بحسابه، قليلًا كان الزائد أو كثيرًا.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على اشتراط الحول لوجوب الزكاة، وهو أن يمر على المال في ملك صاحبه اثنا عشر شهرًا، وهذا خاص ببهيمة الأنعام والنقود والسلع التجارية، أما الزروع والثمار، وكذا العسل على القول بأن فيه زكاة فلا يشترط لها حول.","vol":"4","page":413},{"text":"والحكمة من اشتراط الحول، هو أن ما اعتبر له الحول مرصد للنماء، والحول مظنة النماء في الماشية، وعروض التجارة، والأثمان، فيكون إخراج الزكاة من الربح؛ لأنه أيسر وأسهل؛ ولأن الزكاة وجبت مواساة.\nأما الزروع والثمار، فلا يشترط لها الحول؛ لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] فأثبت الوجوب وقت حصولها؛ لأن الحبوب والثمار نماء في نفسها، تؤخذ الزكاة عند وجودها، ثم لا تجب ثانية؛ لأنها تبدأ في انقص لا في النماء، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":414},{"text":"<span data-type='title' id=toc-491>ما جاء في أن الماشية التي أعدت للعمل لا زكاة فيها</span>\n٦٠٨/ ١٠ - عن علي ﵁ قال: ليس في البقر العوامل صدقه. رواه أبو داود، والدارقطني، والراجح وقفه أيضًا.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الزكاة\"، باب \" زكاة السائمة\" (١٥٧٢) والدارقطني (٢/ ١٠٣) من طريق زهير، ثنا أبو إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، وعن الحارث الأعور، عن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: \" ليس في البقر العوامل شيء\".\nوهذا الحديث سنده حسن، لما تقدم في الكلام على عاصم بن ضمرة، وأن حديثه من قبيل الحسن.\nوأبو إسحاق السبيعي اختلط بأخرة، وزهير بن معاوية سمع منه بعد الاختلاط، كما قال أبو زرعة (^١).\nواللفظ المذكور ليس من حديث علي ﵁، وإنما هو من حديث ابن عباس ﵁، أخرجه الدارقطني (٢/ ١٠٣) من طريق سوار بن مصعب، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، به مرفوعًا. وإسناده ضعيف، سوار بن مصعب: متروك، وليث: ضعيف.\n_________\n(^١) \"الكواكب النيرات\" ص (٣٥٠).","vol":"4","page":415},{"text":"الوجه الثاني: الحديث دليل على أن البقر العوامل التي تستعمل في حرث الزرع أو سقيه ليس فيها زكاة؛ لأنها آلة عمل، وليست من الأموال النامية حتى تجب فيها الزكاة.\nويدخل في ذلك ما تقدم من آلات النجارة، والحدادة، وآلات المطابع، والمغاسل، ونحو ذلك مما أعد للاستفادة من ريعه وإنتاجه، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":416},{"text":"<span data-type='title' id=toc-492>ما جاء في زكاة مال اليتيم</span>\n٦٠٩/ ١١ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ عبد الله بن عمرو ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \" من ولي يتيمًا له مال، فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة\". رواه الترمذي، والدارقطني، وإسناده ضعيف.\n٦١٠/ ١٢ - وله شاهد مرسل عند الشافعي.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث عمرو بن شعيب، فقد أخرجه الترمذي في أبواب \" الزكاة\"، باب \" ما جاء في زكاة مال اليتيم\" (٦٤١)، والدارقطني (٢/ ١٠٩ - ١١٠) من طريق المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، به مرفوعًا.\nوحديث عمرو بن شعيب من قبيل الحسن، كما تقدم، لكن في هذا الإسناد المثنى بن الصباح اليماني. قال عنه الترمذي: (يضعف في الحديث) وقد ضعفه الأكثرون. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه (لا يساوي حديثه شيئًا، مضطرب الحديث) (^١).\nوأما المرسل فقد أخرجه الشافعي (١/ ٢٣٥ ترتيب مسنده) من طريق ابن جريج، عن يوسف بن ماهك أن رسول الله ﷺ قال: \" ابتغوا في مال اليتيم أو في مال اليتامى لا تذهبها أو لا تستأصلها الصدقة\".\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٣٢).","vol":"4","page":417},{"text":"وهذا سند ضعيف، ابن جريج مدلس، وقد عنعنه، وأما يوسف بن ماهك فهو تابعي، ثقة، كما في \"التقريب\" لكنه مع ضعفه تعضده العمومات، وتقويه الشواهد وأقوال الصحابة ﵃.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية تنمية مال اليتيم بالتجارة وغيرها مما يظن الولي أنه يحقق له ربحًا وفائدة وزيادة في ماله.\nوالحديث وإن كان ضعيفًا لكن معناه صحيح؛ فإن هذا من الإصطلاح المأمور به لليتيم. قال تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾ [النساء: ٢].\nقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: (وفيه الأمر بإصلاح مال اليتيم؛ لأن تمام إيتائه ماله حفظه، والقيام بما يصلحه وينميه، وعدم تعريضه للمخاوف والأخطار) (^١).\nوقال تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وقال تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ [الأنعام: ١٥٢]، قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: (وفي هذا دلالة على أن اليتيم قبل بلوغ الأشد محجور عليه، وأن وليه يتصرف في ماله بالأحظ، وأن هذا الحجر ينتهي ببلوغ الأشد) (^٢).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الزكاة في مال اليتيم إذا بلغ نصابًا، وهذا قول الجمهور، ويدل على ذلك أيضًا عموم الأدلة في وجوب الزكاة في مال الأغنياء وجوبًا مطلقًا؛ كقوله تعالى: ﴿خذ من أمواله صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقد صح عن عمر وعلي وعبد الله بن عمر وعائشة وجابر بن عبد الله ﵁ وجوب الزكاة في مال اليتيم، كما يؤيد ذلك المعنى المقصود من شرعية الزكاة، وهو سد خلة الفقراء من مال الأغنياء شكرًا لله تعالى، وتطهيرًا للمال، ومال اليتيم قابل لذلك، وعلى هذا فالمخاطب بإخراجها هو وليه، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"تفسير ابن سعدي\" ص (١٦٣).\n(^٢) المصدر السابق ص (٢٨٠).","vol":"4","page":418},{"text":"<span data-type='title' id=toc-493>استحباب الدعاء للمزكي</span>\n٦١١/ ١٣ - عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: \" اللهم صل عليهم\". متفق عليه.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الزكاة\"، باب \" صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة\"، ومسلم (١٠٧٨) من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال: \" اللهم صل على آل فلان\" فأتاه أبي بصدقته، فقال: \" اللهم صل على آل أبي أوفى\".\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الدعاء لمن أخرج زكاة مال بصلاة الله تعالى عليه، فيقال: اللهم صل على آل أبي فلان، اللهم بارك لهم فيما أعطيتهم، اللهم أعنهم به على طاعتك، ونحو ذلك من الدعوات الطيبة، وليس في ذلك شيء محدود، وهذا يدل عليه صنيع البخاري في ترجمته السابقة عندما عطف الدعاء على الصلاة، وفائدة هذا الدعاء له تسكين نفسه ليهون عليه بذل المال المحبوب إليها، قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم﴾ [التوبة: ١٠٣].\nوقد امتثل النبي ﷺ أمر ربه أن يصلي على من زكى ماله عند دفعه الزكاة، فكان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: \" اللهم صل عليهم\" أي: اثن عليهم في الملأ الأعلى.","vol":"4","page":419},{"text":"والمراد بقوله: \" اللهم صل على آل أبي أوفى\"، هو اللهم صل على أبي أوفى نفسه، فقد ذكر الطحاوي أن العرب تجعل آل الرجل الرجل نفسه، ثم احتج بهذا الحديث (^١).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز الصلاة على غير الأنبياء، والجمهور على أن ذلك مكروه؛ لأن الصلاة شعار للأنبياء إذا ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم، وحملوا ما ورد في ذلك من الكتاب كقوله تعالى: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم﴾ ومن السنة كحديث الباب على الدعاء لهم، ولهذا لم تثبت الصلاة على آل أبي أوفى شعارًا لهم. قال ابن كثير: (وهذا مسلك حسن) (^٢)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"شرح معاني الآثار\" (٨/ ٦١).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٤٦٧).","vol":"4","page":420},{"text":"<span data-type='title' id=toc-494>حكم تعجيل الزكاة</span>\n٦١٢/ ١٤ - عن علي ﵁ أن العباس ﵁ سأل النبي ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك. رواه الترمذي، والحاكم.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الترمذي في أبواب \" الزكاة\"، باب \" ما جاء في تعجيل الزكاة\" (٦٧٨)، والحاكم (٣/ ٣٣٢) من طريق إسماعيل بن زكريا، عن الحجاج بن دينار، عن الحكم بن عتيبة، عن حجية (^١) بن عدي، عن علي ﵁، به مرفوعًا.\nوقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nوقد روى الحديث أيضًا أبو داود (١٦٢٤)، وابن ماجه (١٧٩٥)، وأحمد (٢/ ١٩٢) بهذا الإسناد.\nوالحديث حسنه البغوي (^٢)، والشيخ أحمد شاكر (^٣)، والألباني (^٤). وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (هو حديث جيد لا بأس بإسناده). مع أن في إسناده حجية بن عدي الكندي، قال فيه أبو حاتم: (شيخ لا يحتج بحديثه، شبيه بالمجهول) (^٥)، وقريب منه قول ابن معين (^٦). وقال العجلي: (تابعي\n_________\n(^١) بوزن (عُلية).\n(^٢) \"شرح السنة\" (١٥٧٧).\n(^٣) في تعليقه على \"المسند\" (٨٢٢).\n(^٤) \"الإرواء\" (٣/ ٣٤٦).\n(^٥) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٣١٤).\n(^٦) \"من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال\" رقم (٣٥٨).","vol":"4","page":421},{"text":"ثقة) (^١). وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٢). وقال الحافظ في (التقريب): (صدوق يخطئ).\nثم إن الحديث في إسناده اختلاف على الحكم بن عتيبة، كما ذكر الدارقطني، ومن بعده البيهقي، قال أبو داود: روى هذا هشيم، عن منصور بن زاذان، عن الحكم، عن الحسن بن مسلم، عن النبي ﷺ، وحديث هشيم أصح، وكذا رجح المرسل الدارقطني (^٣) والبيهقي (^٤).\n\n• الوجه الثاني: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على جواز تعجيل الزكاة قبل تمام الحول، وهذا قول أكثر العلماء، وقيده الفقهاء بما إذا كان هناك مصلحة تقتضي التعجيل؛ كأن يوجد مجاعة أو يوجد حاجة تنزل بالناس.\nوالتعجيل إحسان ومعروف من المعجل، فهو جدير بأن يكون عمله جائزًا ومقبولًا، لما فيه من طيب النفس في تقديم المال قبل وجوبه، وما فيه من الجود والكرم ومراعاة المصالح التي تعم المسلمين، فهذا شيء جيد، وصاحبه مشكور على عمله.\nوشرط التعجيل أن يكون بعد وجوب النصاب؛ لأنه سبب الوجوب، فإن عجلها قبل وجود النصاب لم يصح؛ لأن السبب هو الموجب للزكاة، وهو لم يوجد. وأما تقديمها قبل الحول، فهو من تقديم العبادة على شرط وجوبها، وهو جائز، وهذا مبني على قاعدة ذكرها ابن رجب، وهي أنه لا يجوز تقديم العبادة على سبب وجبها، ويجوز تقديمها على شرطها، وذكر من فروعها؛ هذه المسألة (^٥)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"تاريخ الثقات\" ص (١١٠).\n(^٢) (٤/ ١٨٦).\n(^٣) \"العلل\" (٣/ ١٨٧).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (٤/ ١١١).\n(^٥) \"القواعد\" (١/ ٢٤).","vol":"4","page":422},{"text":"<span data-type='title' id=toc-495>نصاب زكاة الحبوب والثمار</span>\n٦١٣/ ١٥ - عن جابر بن عبد الله ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: \"ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة\". رواه مسلم.\n٦١٤/ ١٦ - وله من حديث أبي سعيد: \" ليس فيما دون خمس أوساق من تمر ولا حب صدقة\".\nوأصل حديث أبي سعيد متفق عليه.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث جابر ﵁ فقد أخرجه مسلم في أول كتاب \" الزكاة\" (٩٨٠) من طريق ابن وهب، أخبرني عياض بن عبد الله، عن أبي الزبير، عن جابر، به مرفوعًا.\nوأما حديث أبي سعيد ﵁، فأخرجه مسلم أيضًا في أول \"الزكاة\" (٩٧٩) (٤) من طريق محمد بن يحيى بن حبان (^١)، عن يحيى بن عمارة، عن أبي سعيد الخدري، به مرفوعًا.\nولعل الحافظ ذكر حديث أبي سعيد؛ لأن فيه بيان المكيل بالأوسق، وأنه من التمر والحب، بخلاف رواية الصحيحين، فلفظها: \" ليس فيما دون\n_________\n(^١) بفتح الحاء كما في \"التقريب\".","vol":"4","page":423},{"text":"خمسة أوسق صدقة\" بدون بيان للمكيل، وهذه إحدى روايات البخاري الموافقة لرواية مسلم.\nوالحديث أصله عند البخاري (١٤٤٧)، ومسلم (٩٧٩) من طريق عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة\".\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\n• قوله: (أواق) جمع أوقية، وهي أربعون درهمًا بالاتفاق، ومما يدل على ذلك حديث أنس المتقدم في أول \"الزكاة\"، وفيه: \"وفي الرقة ربع العشر فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء … \"، فهذا الحديث مفسر لهذا الحديث.\n\nقوله: (من الورق) بفتح الواو وكسر الراء، ويجوز إسكان الراء مع فتح الواو وكسرها، قال الأكثرون من أهل اللغة: هي الدراهم المضروبة، وقال بعضهم: هي الفضة كانت مضروبة كالدرهم أو لا (^١).\n\nقوله: (صدقة) أي: زكاة، والصدقة إذا أطلقت في القرآن أو السنة فالمراد بها صدقة الفرض، كما تقدم أول \"الزكاة\".\n\nقوله: (ذود من الإبل) الذود: اسم لا واحد له من لفظه، وهو من الواحد إلى العشر من الإبل، والمعنى: ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة، بديل ما تقدم في حديث أنس أول \" الزكاة\".\n\nقوله: (أوسق) جمع وسق بفتح الواو (^٢) وإسكان السين ويجوز كسر الواو، وجمعه حينئذ على أوساق، كما في الرواية الأخرى؛ كحمل وأحمال، والوسق: الحمل من الحب والتمر. وقدره ستون صاعًا بصاع\n_________\n(^١) انظر: \"الأموال\" لأبي عبيد ص (٤٤٩)، \"الصحاح\" (٤/ ١٥٦٤)، \"اللسان\" (١٠/ ٣٧٥).\n(^٢) انظر: \"الدر النقي\" (٢/ ٣٣٥).","vol":"4","page":424},{"text":"النبي ﷺ بالاتفاق، كما ذكره علماء اللغة والشرع، وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن السعدي أن الصاع حرر تحريرًا تامًا، وهو ثمانون ريالًا فرنسيًا (^١)، وقد قمت بنفسي بوزن الريال الفرنسي عند باعة الذهب، وفكان وزنه (٢٨) جرامًا، والصاع أربعة أمداد إجماعًا، فيكون المد = ٢٠ × ٢٨ = ٦٥٠ جرامًا، ويكون الصاع بالجرامات (٥٦٠ × ٤=٢٢٤٠) أي: (٢، ٢٥ كيلو) ويكون نصاب الزروع والثمار (٣٠٠ × ٢، ٢٥= ٦٧٥ كيلو جرام).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الزكاة على من عنده الأنصبة المذكورة أو شيء منها، وذلك لأن الزكاة مبناها على المواساة بين الأغنياء والفقراء، فمن قصر ماله عن هذه التحديدات لم تجب عليه الزكاة؛ لأن الأقل من ذلك لا يحتمل أن تؤخذ منه الزكاة، فنصاب الفضة مائتا درهم، وفيها ربع العشر كما تقدم، ونصاب الإبل خمس وفيها شاة كما مضى، ونصاب الحبوب والثمار: خمسة أوسق، وهي ثلاثمائة صاع بالصاع النبوي، وتساوي بالكيلو (٦٧٥) كيلو جرام على ما تقدم، وسيأتي إن شاء الله مقدار الواجب في الحبوب والثمار.\nوإنما اشترط النصاب في الحبوب والثمار؛ لأن الزكاة شرعت لأجل المواساة، والقليل لا مواساة فيه.\nوتضم أنواع الحبوب بعضها إلى بعض في تكميل النصاب؛ كأنواع القمح مثلًا، بخلاف الأجناس فلا يضم جنس إلى آخر؛ كالشعير والحنطة، وتضم أنواع الثمار إلى بعضها؛ كالسكري مع الشقراء مثلًا في تكميل النصاب.\nوتجب الزكاة في النخيل الموجود في الأحواش أو المستراحات ونحو ذلك، بشرط أن يبلغ نصابًا، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الأجوبة السعدية عن المسائل الكويتية\" ص (١٠٣).","vol":"4","page":425},{"text":"<span data-type='title' id=toc-496>مقدار زكاة الحبوب والثمار</span>\n٦١٥/ ١٧ - عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: \" فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثريًا: العشر، وفيما سقي بالنضح، نصف العشر\". رواه البخاري.\nولأبي داود: \" أو كان بعلًا: العشر، وفيما سقي بالسواني أو النضح: نصف العشر\".\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الزكاة\"، باب \" العشر فيما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري\" (١٤٨٣) من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: … فذكره.\nوعند أبي داود (١٥٩٦): \" فيما سقت السماء والأنهار العيون أو كان يعلا العشر، وفيما سقي بالسواني أو النضح نصف العشر\".\nولعل الحافظ أورد هذا اللفظ؛ لأن فيه زيادة بيان على ما في لفظ البخاري.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\n• قوله: (فيما سقت السماء العشر) ما: اسم موصول يفيد العموم في القليل والكثير، وقد دخله التخصيص كما سيأتي، والجار والمجرور خبر مقدم، وقوله: (العشر) مبتدأ مؤخر، والسماء: المطر، من باب المجاز المرسل تسمية للحال باسم المحل؛ لأنه ينزل منها، قال تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورًا﴾ [الفرقان: ٤٨].","vol":"4","page":426},{"text":"قوله: (والعيون) جمع عين، وهي الينابيع التي تنبع من الأرض أو من سفوح الجبال.\n\nقوله: (أو كان عثريًا) العثري: بفتح المهملة والمثلثة، هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي؛ كأنه عثر على الماء عثرًا بلا عمل من صاحبه.\n\nقوله: (بالنضح) بفتح النون وسكون الضاد، مصدر نضح البعير الماء: حمله من نهر أو بئر لسقي الزرع فهو ناضح، والأنثى ناضحة، سمي ناضحًا؛ لأنه ينضح العطش، أي: يبله بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استعمل الناضح في كل بعير وإن لم يحمل الماء، ومنه قول جابر ﵁: (كنا مع النبي ﷺ في سفر فتخلف ناضحي …) أي: بعيري (^١)، وحديث: \" أطعمه ناضحك\"، أي: بعيرك، فالمراد بالنضح هنا: سقي الزرع بالماء الذي ينضحه الناضح، ويدخل في ذلك السقي بالآلات الحديثة المعروفة.\n\nقوله: (أو كان بعلًا) اسم كان يعود على السياق، أي: أو كان المسقي بعلًا، والبعل: بفتح فسكون، هو الشجر أو الزرع الذي ينبت بماء السماء من غير سقي، وهو مقارب لمعنى العثري ومرادف له.\n\nقوله: (السواني) جمع سانية، يقال: سنت الناقة تسنو: سقت الزرع، وهو سانية، وهو الدابة من الإبل أو الحمير ذاهبة وآيبة تخرج الماء من البئر بالغرب وأدواته.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الواجب في الحبوب والثمار التي سقيت بلا مؤنة وإنما سقتها الأمطار، أو العيون الجارية، أو البعل الشارب بعروقه، أن فيها العشر، وذلك لأن الثمرة حصلت بلا كلفة ولا مؤنة؛ لأن أصل الكلفة سقي الماء.\nوظاهر قوله: (فيما سقت السماء العشر) أن العشر واجب في كل ما سقته السماء قليلًا كان أو كثيرًا؛ لأن (ما) من صيغ العموم كما تقدم، لكنه\n_________\n(^١) رواه مسلم (٧١٥) (١١٢).","vol":"4","page":427},{"text":"خص بحديث أبي سعيد المتقدم: \" ليس فيما دون خمس أوسق صدقة\".\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الواجب في الحبوب والثمار التي تسقى بكلفة ومؤنة كالنواضح والآلات الحديثة التي ترفع الماء من باطن الأرض إلى ظاهرها بالكهرباء أو غيرها من وسائل الوقود، أن فيها نصف العشر؛ لأنها تحتاج إلى مؤنة، فتحتاج إلى كهرباء وصيانة، وتحتاج زيوت وأدوات، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":428},{"text":"<span data-type='title' id=toc-497>ما تجب فيه الزكاة من الحبوب والثمار</span>\n٦١٦/ ١٨ - عن أبي موسى الأشعري، ومعاذ ﵁؛ أن النبي ﷺ قال لهما: \" لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر\". رواه الطبراني، والحاكم.\n٦١٧/ ١٩ - وللدار قطني، عن معاذ: فإما القثاء، والبطيخ، والرمان، والقصب، فقد عفا عنه رسول الله ﷺ. وإسناده ضعيف.\n\n• الكلام عليهما من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي موسى ﵁ فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٩٨)، والحاكم (٤/ ٤٠١)، والبيهقي (٤/ ١٢٥) من طريق سفيان، عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى ومعاذ بن جبل ﵁ حين بعثهما رسول الله ﷺ إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم: \" لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة .. \" الحديث.\nقال الحاكم: (إسناده صحيح)، وسكت عنه اذهبي، وقال البيهقي: (رواته ثقات، وهو متصل).\nوأما حديث معاذ ﵁ فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٩٧) من طريق عبد الله بن نافع الصائغ، حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبدي الله، عن عمه موسى بن طلحة، عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" فيما سقت السماء والبعل والسيل العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر\" يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب، وأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب والخضر فعفو، عفا عنه رسول الله ﷺ.","vol":"4","page":429},{"text":"وهذا الحديث إسناده ضعيف - كما قال الحافظ - بل ضعيف جدًا، فيه عبد الله بن نافع، وهو متكلم فيه، قال عنه أحمد: (لم يكن صاحب حديث، كان ضعيفًا فيه)، وقال أبو حاتم: (ليس بالحافظ، هو لين في حفظه، وكتابه أصح)، وقال أبو زرعة والنسائي: (لا بأس به) (^١).\nوفيه إسحاق بن يحيى. قال عنه أحمد: (منكر الحديث)، ومرة قال: (متروك الحديث)، وقال ابن معين: (ضعيف ليس بشيء، ولا يكتب حديثه) (^٢)، قال ابن عبد الهادي: (إسحاق تركه غير واحد. وعبد الله بن نافع هو الصائغ: صدوق، في حفظه شيء، وقد روى له مسلم في \"صحيحه\") (^٣).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب الزكاة في هذه الأصناف الأربعة، وهي: الحنطة والشعير من الحبوب، والزبيب والتمر من الثمار، وهذا محل اتفاق في هذه الأربعة، وإنما الخلاف في غيرها.\nفمن أهل العلم من رأى عدم وجوب الزكاة في غيرها، وهذا مذهب ابن عمر (^٤)، وبه قال بعض التابعين، كالحسن وابن سيرين وجماعة، ورواية عن أحمد، واختاره أبو عبيد، والصنعاني (^٥)، والشوكاني (^٦)، والألباني (^٧).\nواستدلوا بهذا الحديث، وبأن غير هذه الأربعة ليس فيه نص ولا إجماع ولا هو في معناها في غلبة الاقتيات بها وكثرة نفعها ووجودها، فلم يصح قياسها عليها؛ ولأن الرسول ﷺ حين خص هذه الأصناف الأربعة وأعرض عما سواها يعلم أن الناس أموالًا وأقواتًا مما تخرج الأرض سواها، فتركه لها وإعراضه عنها دليل على أنه لا زكاة فيها.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٤٦).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢٢٢).\n(^٣) \"تنقيح التحقيق\" (٢/ ١٩٩ - ٢٠٠).\n(^٤) \"الأموال\" ص (٤٧٢) رقم (١٣٧٩)، وسنده صحيح، كما قال الألباني في \"تمام المنة\" ص (٣٧٢).\n(^٥) \"سبل السلام\" (٤/ ٤٣).\n(^٦) \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٦١).\n(^٧) \"تمام المنة\" ص (٣٦٩).","vol":"4","page":430},{"text":"والقول الثاني: أن الزكاة تجب في غير هذه الأربعة، وهذا مذهب الجمهور من الشافعية والمالكية والحنابلة، لكنهم يختلفون في العلة.\nفقالت المالكية والشافعية: كل ما يقتات ويدخر وييبس فيه الزكاة؛ كالحنطة والشعير والشافعية: كل ما يقتات ويدخر وييبس فيه الزكاة؛ كالحنطة والشعير والذرة والأرز، وما أشبه ذلك، بخلاف الجوز واللوز والفستق والترمس، ونحوها مما يدخر، ولكنه ليس يقوت، فلا زكاة فيه، وكذا الفواكه مثل: التفاح والرمان والكمثرى، ومثلها البصل؛ لأنها مما لا ييبس ولا يدخر (^١).\nوقالت الحنابلة: تجب الزكاة في كل ما يكال ويبقى وييبس من الحبوب والثمار مما ينبته الآدميون، سواء كان قوتًا؛ كالحنطة والشعير والأرز والذرة والفول والعدس والماش والحمص، أو من الأبازير كالكمون، أو حب البقول كالرشاد والحلبة والحبة السواداء، وكذا ما جمع هذه الأوصاف في الثمار كالتمر والزبيب ونحوهما، بخلاف سائر الفواكه والخضار التي تؤكل في الحال ولا تدخر ولا تكال، فهذه لا زكاة فيها إلا العنب إذا كان يتخذ منه الزبيب (^٢).\nواستدلوا بحديث: \" ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة\"، فدل الحديث على انتفاء الزكاة عما لا توسيق فيه، أي: لا كيل.\nوالقول الثالث: أن الزكاة تجب في كل ما يخرج من الأرض مما يزرعه الآدمي. وهذا قول أبي حنيفة وداود الظاهري وابن حزم (^٣).\nواستدلوا بالعمومات؛ كقوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقوله ﷺ: \" فيما سقت السماء العشر … \".\nوالقول بأن الزكاة تجب في كل ما يكل ويدخر قوي، لأمرين:\n_________\n(^١) \"الموطأ\" (١/ ٢٧٦)، \"تفسير القرطبي\" (٧/ ١٠٣)، \"المجموع\" (٥/ ٤٩٣).\n(^٢) \"المغني\" (٤/ ١٥٥).\n(^٣) \"الهداية\" (١/ ١٠٩)، \"المحلى\" (٥/ ٢١٢ - ٢١٣).","vol":"4","page":431},{"text":"الأول: أن قوله: \" ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة\" يشمل الحبوب التي توسق، أي: تكال.\nالثاني: أن القول بالعموم لا يخلو من المشقة، فإن الخضروات حاصلات عاجلة، ومنافعها حاضرة، فلا زكاة فيها؛ لأنها ليست محل مواساة، بخلاف ما يكال ويدخر؛ فإن النعمة به أبلغ وأكثر، ثم الخضروات ليست من الغذاء الضروري، وإنما هي للتنعم والتفكه، وهذا هو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز.\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن المعتبر لوجوب زكاة الخارج؛ هو الادخار، لوجود المعنى المناسب لإيجاب الزكاة (^١)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الاختيارات\" ص (١٠٠).","vol":"4","page":432},{"text":"<span data-type='title' id=toc-498>ما جاء في خرص الثمار\nوما يترك لأرباب الأموال</span>\n٦١٨/ ٢٠ - عن سهل بن أبي حثمة ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ: \"إذا خرصتم، فخذوا، ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث، فدعوا الربع\".\nرواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم.\n٦١٩/ ٢١ - وعن عتاب بن أسيد ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ: \" أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيبًا\". رواه الخمسة، وفيه انقطاع.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو سهل بن أبي حثمة بفتح الحاء وإسكان الثاء المثلثة اختلف في اسم أبيه فقيل: عبد الله بن ساعدة، وقيل: عامر بن ساعدة الأنصاري الأوسي، ولد سنة ثلاث من الهجرة، وكانت سنة عند وفاة النبي ﷺ سبع سنين أو ثمان، لكنه حفظ عنه، فروى وأتقن، سكن الكوفة، ومات في المدينة ﵁ (^١).\nالراوي الثاني: هو عتاب بتشديد التاء بن أسيد بفتح الهمزة وكسر السين ابن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، أسلم يوم الفتح، واستعمله النبي ﷺ على مكة عام الفتح حين خروجه إلى حنين، فأقام\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٤/ ٢٧٢)، \"الإصابة\" (٤/ ٢٧١).","vol":"4","page":433},{"text":"للناس الحجة تلك السنة، وهي سنة ثمان، وقبض النبي ﷺ وهو عامل عليها، وأقره أبو بكر ﵁ عليها إلى أن مات بها في سنة ثلاث عشرة يوم موت أبي بكر ﵁، كان من سادات قريش، صالحًا، خيرًا، فاضلًا ﵁ (^١).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث سهل بن أبي حثمة، فقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الزكاة\"، باب \" في الخرص\" (١٦٠٥)، والنسائي (٥/ ٤٢)، والترمذي (٦٤٣)، وأحمد (٢٤/ ٤٥٨)، وابن حبان (٣٢٨٠)، والحاكم (١/ ٤٠٢) من طريق شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن مسعود قال: جاء سهل بن أبي حثمة إلى مجلسنا قال: أمرنا رسول الله ﷺ [قال]: \" إذا خرصتم فخذا، ودعوا الثالث، فإن لم تدعوا أو تجدوا الثلث فدعوا الربع\" قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد).\nوهذا فيه نظر؛ لأن في إسناده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار، قال عنه ابن القطان: (لا يعرف حاله) (^٢)، وقال الذهبي: (لا يعرف، وقد وثقه ابن حبان على قاعدته) (^٣)، وقال عنه الحافظ: (مقبول). وخبيب بن عبد الرحمن، هو ابن خبيب بن يساف، ثقة.\nوالحديث له شواهد، ومنها حديث أبي حميد الساعدي ﵁ في خرص النبي ﷺ حدقة المرأة في طريقهم إلى تبوك (^٤).\nومنها بعثة ﷺ عبد الله بن رواحة ﵁ إلى خبير ليخرص على اليهود نخيلهم، كما ورد في حديث ابن عباس ﵁ (^٥)، وحديث عائشة ﵂ (^٦).\nوأما حديث عتاب بن أسيد ﵁، فقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الزكاة\"، باب \" في خرص العنب\" (١٦٠٣ - ١٦٠٤)، والنسائي (٧/ ١٠٩)،\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٨/ ٣)، \"الإصابة\" (٦/ ٣٧٢).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٤/ ٢١٥).\n(^٣) \"الميزان\" (٢/ ٥٨٩).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٤٨١)، ومسلم (١٣٩٢).\n(^٥) أخرجه ابن ماجه (١٨٢٠).\n(^٦) أخرجه أبو داود (١٦٠٦).","vol":"4","page":434},{"text":"والترمذي (٦٤٤)، وابن ماجه (١٨١٩) من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عتاب بن أسيد ﵁، قال: … وذكر الحديث.\nوهذا سند منقطع كما قال الحافظ، قال أبو داود عقبه: (سعيد لم يسمع من عتاب شيئًا). والحديث مداره على سعيد بن المسيب، عن عتاب، ووجه انقطاعه أن مولد سعيد ﵁ في خلافة عمر ﵁، وقد تقدم أن عتاب بن أسيد مات سنة ثلاث عشرة، يوم مات أبو بكر ﵁.\nوعزو الحديث إلى الخمسة، ومنهم: أحمد، وهم من الحافظ ﵀، فإنه ليس في \" المسند\"، وليس لعتاب مسند ضمن \"مسند الإمام أحمد\" المطبوع. وقد رجعت إلى كتاب ابن عساكر \"ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج حديثهم أحمد بن حنبل في المسند\" فلم أر مسند عتاب فيه، والله أعلم.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية خرص الثمار، كالنخل والعنب، وذلك إذا بدأ صلاح الثمار، فيأتي الخارص ويقدر ما على النخل من الرطب تمرًا، وما على شجر العنب زبيبًا، فيطوف بالنخل، ويرى جميع ثمرتها، ثم يقول: خرصها كذا وكذا رطبًا، ويجيء كذا وكذا يابسًا، وكذا العنب. فيقدر بذلك من غير وزن ولا كيل، ليعرف مقدار الزكاة فيه، فإذا جفت الثمار أخذت منها الزكاة التي سبقت تقدرها بالخرص. والعمل بالخرص ثابت، وليس هو ظنًا وتخمينًا؛ بل هو اجتهاد في معرفة مقدار الثمار من العارفين الثقات، ويكفي خارص واحد.\nوإدراك الثمر بالخرص نوع من المقادير والمعايير، كما يعلم ذلك بالمكاييل والموازين؛ وإن كان بعضها أحصر من بعض. وإن تركوا بلا خرص صح ذلك، لكن الخرص فيه فائدة عظيمة، وهي التوسعة على أهله بحيث يتصرفون، فيبيعون، ويتصدقون، ويهدون؛ لأنهم عرفوا ما فيه من الزكاة؛ لأنه لو منع أرباب الأموال من الانتفاع بثمارهم إلى أن تبلغ غايتها في الصلاح، لأضر ذلك بهم، ولو انبسطت أيديهم فيه لأخل ذلك بحق الفقراء، ولما كانت","vol":"4","page":435},{"text":"الأمانة غير متحققة عند كل واحد من أرباب الأموال جاءت مشروعية الخرص.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه يشرع ترك ثلث الثمرة أو ربعها للمالك، والمراد بذلك أن يترك الخارص ثلث الثمرة أو ربعها فلا يؤخذ عليه زكاة، رأفةً بأرباب الأموال، وتوسعة عيهم؛ لأنهم يحتاجون إلى الأكل هم وأضيافهم، ويطمعون جيرانهم، وأهلهم وأصدقاءهم، وسؤالهم، ويكون في الثمرة الساقطة، وينتابها الطير، ويأكل منه المارة، فلو استوفى العامل الكل منهم أضر بهم؛ فإذا ترك الثلث أو الربع نظر في الباقي؛ فإن بلغ نصابًا وإلا فلا زكاة فيه.\nوقيل: يترك الثلث أو الربع من العشر أو نصف العشر لأهل المال، ليتولوا توزيعه بأنفسهم على الفقراء المستحقين.\nوتخيير الخارص بين الثلث والربع راجع إلى نظر الخارص واجتهاده في تحقيق المصلحة على حسب كثرة الثمرة وقلتها، وعلى حسب حال أهلها وسخائهم، وكثرتهم وكثرة أضيافهم وأتباعهم، أو نحو ذلك. فالخارص يترك الثلث، فإن كان الثلث كثيرًا فيدع الربع.\nأما ما لم يخرص من الثمار وترك لأمانة أهله، فإنه يجوز لهم أن يأكلوا منه ما جرت العادة بأكله ولا يحتسب عليهم، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":436},{"text":"<span data-type='title' id=toc-499>حكم زكاة الحلي</span>\n٦٢٠/ ٢٢ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن امرأة أتت النبي ﷺ، ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فقال لها: \" أتعطين زكاة هذا؟ \"، قالت: لا، قال: \" أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ \"، فألقتهما. رواه الثلاثة، وإسناده قوي.\n٦٢١/ ٢٣ - وصححه الحاكم: من حديث عائشة.\n٦٢٢/ ٢٤ - وعن أم سلمة ﵂، أنها كانت تلبس أوضاحًا من ذهب فقالت: يا رسول الله! أكنز هو؟ فقال: \" إذا أديت زكاته، فليس بكنز\".\nرواه أبو داود، والدارقطني، وصححه الحاكم.\n\n• الكلام عليها من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث عمرو بن شعيب فقد أخرجه أبو داود في كتاب \"الزكاة\"، باب \" الكنز ما هو؟ وزكاة الحلي\" (١٥٦٣)، والنسائي (٥/ ٣٨) من طريق خالد بن الحارث، حدثنا حسين وهو المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، به.\nوأخرجه الترمذي (٦٣٧) من طريق ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وقد ضعف الترمذي هذا الإسناد؛ لأنه من رواية ابن لهيعة، وذكر أنه جاء من رواية المثنى بن الصباح، عن عمر بن شعيب به، وهذا","vol":"4","page":437},{"text":"أخرجه عبد الرزاق (^١). والمثنى بن الصباح ضعيف، كما تقدم. وظاهر صنيع الترمذي أنه لم يتعرض لرواية حسين المعلم، ولذا قال بعد ذكرها: (ولا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء). ولعله كما قال المنذري قصد الطريقين، اللذين ذكرهما، وإلا فطريق أبي داود من رواية حسين المعلم لا مقال فيه، ولا ينزل عن درجة الحسن، إلا أن النسائي أعله بالإرسال، فقد رواه في \" السنن الصغرى\" (٥/ ٣٨) من طريق المعتمر بن سليمان، قال: سمعت حسينًا قال: حدثني عمرو بن شعيب قال: جاءت امرأة … فذكره مرسلًا. قال في \"الكبرى\" (٣/ ٢٧ - ٢٨): (خالد بن الحارث أثبت عندنا من المعتمر، وحديث المعتمر أولى بالصواب) والجملة الثانية غير مثبتة في \" الصغرى\".\nوقد صحح الحديث جمع من أهل العلم، منهم: أبو الحسن بن القطان (^٢)، وابن الملقن (^٣)، والصنعاني (^٤)، وأحمد شاكر (^٥)، وحسن إسناده النووي (^٦)، والألباني (^٧).\nأما حديث عائشة ﵂، فقد أخرجه أبو داود (١٥٦٥)، والحاكم (١/ ٣٨٩) من طريق يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر، أن محمد بن عمرو بن عطاء أخبره، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، أنه قال: دخلنا على عائشة زوج النبي ﷺ فقالت: دخل علي رسول الله ﷺ فرأى في فتخات من ورق، فقال: \" ما هذا يا عائشة؟ \"، فقالت: صنعتهن أتزين لك فيهن يا رسول الله، فقالت: \" أتؤدين زكاتهن؟ \"، فقلت: لا، أو ما شاء الله من ذلك.\nقال: \" هي حسبك من النار\".\nوهذا الحديث صححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي، ورجاله ثقات غير يحيى بن أيوب الغافقي، فهو متكلم فيه، ولا ينزل حديثه عن رتبة الحسن.\n_________\n(^١) \"المصنَّف\" (٧٠٦٥).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٣٦٦).\n(^٣) \"المرقاة\" للقارئ (٢/ ٤٣٩).\n(^٤) \"سبل السلام\" (٢/ ٢٦٣).\n(^٥) \"تحقيق المسند\" (١٠/ ١٥٠).\n(^٦) \"المجموع\" (٥/ ٤٩٠).\n(^٧) \"آداب الزفاف\" ص (٢٥٦).","vol":"4","page":438},{"text":"وقد نقل ابن حجر عن ابن دقيق العيد أنه قال: (هو على شرط مسلم) (^١).\nوقال في \" التلخيص\": (إسناده على شرط الصحيحح) (^٢). وقال النووي: (رواه أبو داود بإسناد حسن) (^٣)، لكنه معلول بما ثبت عن عائشة ﵂ أنها كانت تلي بنات أخيها لهن الحلي فلا تزكية (^٤)، هكذا أعله البيهقي، وابن عبد البر (^٥).\nوالحافظ قد عز الحديث إلى الحاكم مع أنه عند أبي داود، كما تقدم، إلا إن كان مراده بيان تصحيح الحاكم، لكن هذا لا يمنع من عزوه لأبي داود.\nوأما حديث أم سلمة ﵂ فقد أخرجه أبو داود (١٥٦٤)، والدارقطني (٢/ ١٠٥)، والحاكم (١/ ٣٩٠) من طريق عتاب بن بشير، عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عن أم سلمة ﵂، وهذا لفظ الدارقطني والحاكم، ولفظ أبي داود: \" ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكى فليس بكنز\".\nوالحديث قوى إسناده جماعة، منهم: ابن دقيق العيد، وصححه ابن القطان، وحسنه النووي. وفيه: عتاب بن بشير، متكلم فيه، قال في \"التقريب\": (صدوق يخطئ). وفيه: ثابت بن عجلان. تفرد به كما قال البيهقي والذهبي، وهو متكلم فيه أيضًا، ثم إنه منقطع بين عطاء، وهو ابن أبي رباح، وأم سلمة، فإنه لم يسمع منها، كما نص على ذلك ابن المديني (^٦)، ونقله عنه ابن أبي حاتم (^٧)، لكنه صحيح بما له من شواهد، ومنها ما تقدم.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (مسكتان) بفتح الميم والسين المهملة، تثنية مسكة بفتح الميم والسين المهملة: وهي السوار من الذهب والخلاخيل.\n_________\n(^١) \"الدراية\" (١/ ٢٥٩).\n(^٢) (٢/ ١٨٩).\n(^٣) \"المجموع\" (٥/ ٩٤٠).\n(^٤) رواه مالك (١/ ٢٥٠)، وعبد الرزاق (٤/ ٨٣)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٥٤) وسنده صحيح.\n(^٥) انظر: \"معرفة السنن\" (٦/ ١٤٤)، \"الاستذكار\" (٩/ ٧٤ - ٧٥).\n(^٦) \"العلل\" ص (٦٦).\n(^٧) \"المراسيل\" ص (١٥٥).","vol":"4","page":439},{"text":"قوله: (فتخات) هذا لفظ أبي داود، وهي بالفتح جمع فتخة بسكون التاء وفتحها، وهي الخوام. والورق: الفضة، كما تقدم، وعند الحاكم: (سخابًا من ورق) والسخاب ككتاب: خيط ينضم فيه خرز ويلبس الجواري.\n\nقوله: (أوضاح) جمع وضح بفتحتين نوع من حلي الفضة، سمي بذلك لبياضه، ولكنه هنا مستعمل فيما عمل من الذهب.\n\n• الوجه الثالث: استدل بهذه الأحاديث من قال بوجوب الزكاة في الحلي إذا كان معدًا للاستعمال أو العارية، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، وداود (^١)، وابن حزم (^٢)، وجماعة من المتأخرين، منهم: الصنعاني (^٣)، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين (^٤).\nوهو ظاهر اختيار الحافظ، حيث اقتصر على أدلة هذا القول.\nومن أدلتهم أيضًا قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ [التوبة: ٣٤].\nوقول النبي ﷺ: \" ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار … \" (^٥).\nقالوا: فدلت الآية والحديث على وجوب زكاة الحلي، لعمومها لجميع أنواع الذهب والفضة، ومن ادعى خروج الحلي المباح من هذا العموم فعليه الدليل، وقالوا: إن المراد بالكنز في الآية ما لم تؤد زكاته، كما روي ذلك عن ابن عمر وغيره (^٦).\nوذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن الحلي المعد للاستعمال ليس فيه\n_________\n(^١) \"الاختيار\" (١/ ١١٠)، \"معالم السنن\" (٢/ ١٧٦).\n(^٢) ابن حزم لا يستدل بهذه الأحاديث، بل أنكر على مَن يحتج بها، وإنما احتج بالعمومات. انظر: \"المحلى\" (٦/ ٩٢).\n(^٣) \"سبل السلام\" (٢/ ٢٦٣).\n(^٤) رسالة \"وجوب زكاة الحلي\" ضمن \"الفتاوى\" (١٨/ ١٥٧).\n(^٥) تقدم تخريجه أول \"الزكاة\".\n(^٦) \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٣٠٢).","vol":"4","page":440},{"text":"زكاة، ومنهم: المالكية، والشافعية، والحنابلة، وهو ثابت عن سبعة من الصحابة: جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وأنس، وعبد الله بن مسعود، وعائشة، وأختها أسماء، وأسماء بنت عميس ﵃ (^١)، ولم يثبت لهم مخالف إلا ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ في قول آخر له، لكن قال الحافظ: إسناده ضعيف جدًا (^٢).\nواختار هذا القول ابن خزيمة (^٣)، وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤)، وتلميذه ابن القيم (^٥)، واختاره من المتأخرين الشيخ محمد بن عبد الوهاب (^٦)، والشوكاني (^٧)، والشيخ محمد بن إبراهيم (^٨)، والشيخ عبد الله بن حميد (^٩)، وآخرون.\nوألف عدد من المعاصرين رسائل نصروا فيها القول بأن الحلي المعد للاستعمال لا زكاة فيه، وهي رسائل مطبوعة.\nواستدلوا بما يلي:\n١ - حديث جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: \" ليس في الحلي زكاة\". أخرجه البيهقي (^١٠) والديلمي (^١١)، وابن الجوزري (^١٢)، من طريق إبراهيم بن أيوب، عن عافية بن أيوب، عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، به.\nوهذا الإسناد لا بأس به، يرتقي إلى درجة الحسن لغيره؛ لأن إبراهيم بن أيوب، وهو الحوراني مختلف فيه، ولعل ما قيل فيه من ثناء محمول على\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٥/ ٤٩٢)، \"المدونة الكبرى\" (١/ ٢١١)، \"المغني\" (٤/ ٣٢١).\n(^٢) \"الدراية\" (١/ ٢٥٩).\n(^٣) \"صحيح ابن خزيمة\" (٤/ ٣٤).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٢٥/ ٨).\n(^٥) \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١٠٠ - ١١٠).\n(^٦) مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب \"الفقه\" (١/ ٢٣٩).\n(^٧) \"السيل الجرار\" (٢/ ٢١).\n(^٨) \"فتاوى ابن إبراهيم\" (٤/ ٩٥).\n(^٩) \"القول الجلي في زكاة الحلي\" لابن بسام ص (١٦).\n(^١٠) \"المعرفة\" (٦/ ١٤٤).\n(^١١) \"فردوس الأخبار\" (٣/ ٤٣٩).\n(^١٢) \"التحقيق\" (٥/ ١٤٣).","vol":"4","page":441},{"text":"عدالته في دينه، وما قيل فيه من تضعيف محمول على ضعف حفظه وضبطه. وعافية بن أيوب، قال فيه أبو زرعة: (لا بأس به). وهو ليس بمجهول، كما قال البيهقي، ولا ثقة، خلافًا لمن توسع في التعبير، وقد أعله البيهقي بالوقف (^١)، فقد رواه ابن أبي شيبة موقوفًا على جابر ﵁ بإسناد صحيح على شرط مسلم (^٢). وهذا لا يؤثر عند من يستدل به، لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث مرة، ويفتي به مرة أخرى.\nلكن قد يعل الحديث بتفرد عافية، وأنه يبعد أن يتفرد به أصحاب القرن الخامس فمن بعدهم دون المتقدمين!\n٢ - أنه لم يرد في الحلي دليل صحيح بوجوب زكاته، والأصل براءة الذمة من الواجب حتى يثبت دليل ناقل عن ذلك، قال الحافظ ابن رجب: (وفي المسألة أحاديث من الطرفين لا يثبت منها شيء مرفوع إلى النبي ﷺ …) (^٣) ولا تكفي العمومات في زكاة الذهب والفضة؛ لأنها ليست نصًا في المسألة لما يطرقها من تخصيص.\n٣ - أن الزكاة فرضت في الأموال المعدة للنماء دون ما أعد للقنية والانتفاع؛ كمركون الإنسان وأثاب بيته، ونحو ذلك مما هو معد للاستعمال والقنية لا للتجارة والنماء كما تقدم والحلي داخل في ذلك، فإنه لا ينمو بل ينقص. وهذه قاعدة الزكاة فهي لا تجب إلا في الأموال النامية، فما خرج عن ذلك فلا زكاة فيه، وما ذلك إلا ليبقى الأصل وتؤخذ الزكاة من النماء والفضل، وهذا لا ينطبق على حلي المرأة.\nوأجابوا عن أدلة القائلين بالوجوب بما يلي:\nأولًا: أما الآية الكريمة، فعنها ثلاثة أجوبة:\n١ - لا نسلم أن الآية تدل على وجوب زكاة الحلي؛ لأن منطوقها يفيد\n_________\n(^١) \"المعرفة\" (٦/ ١٤٤).\n(^٢) \"المصنَّف\" (٤/ ٢٧).\n(^٣) \"أحكام الخواتم\" ص (١٩٦).","vol":"4","page":442},{"text":"تحريم اكتناز اذهب والفضة إذا لم تؤد زكاتهما؛ لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣] ومفهومها يدل على أن غير المكنوز منهما لا يجب إنفاق شيء منه، وما أعد للبس والاستعمال كالحلي والخاتم ونحوها لا يعد كنزًا؛ لأنه خرج بالاستعمال عن حد الاكتناز.\n٢ - أن المراد بالذهب والفضة في الآية: الدراهم والدنانير، وقد نقل ذلك عن ابن مسعود ﵁ (^١)، وذلك لأن النقود هي التي تكنز وتنفق، أما الحلي المعتاد المستعمل فلا يعتبر كنزًا، كما أنه ليس معدًا للإنفاق بطبيعته؛ بل هو معد للزينة.\n٣ - سلمنا أن الآية دلت بعمومها على زكاة الحلي، لكن دخلها التخصيص بحديث جابر: \" ليس في الحلي زكاة\"، وعلى فرض أن الحديث فيه مقال فهو مؤيد بعمل الصحابة ﵃، كما دخلها التخصيص بالقياس كما تقدم فإنه من مخصصات العموم، كما في الأصول.\nثانيًا: حديث أبي هريرة: \" ما من صاحب ذهب ولا فضة … \" عنه ثلاثة أجوبة:\n١ - أن الحق المطلوب تأديته مجمل، والمجمل لا يعمل به قبل بيانه، ولم يرد في السنة ما يبين نوع الحق الواجب في الحلي، وإنما البيان الوارد فيما يتعلق بالأثمان من الذهب وهي الدنانير، والفضة وهي الورق والرقة والدراهم. وأما الحلي فهو خارج عن ذلك؛ لأن المراد به الزينة والتحلي لا الثمنية.\n٢ - أن هذا الحديث جاء فيه ذكر الإبل والبقر والغنم، وهم لا يقولون بعمومه في ذلك وإلا لوجبت الزكاة في كل ما شمله بهيمة الأنعام من قليل أو كثير، سائمة ومعلوفة؛ لإطلاق الحديث وعدم تقييده، وعدم بيان القدر المطلوب، فقد ورد فيه لفظ: \" لا يؤدي حقها\" في الذهب والإبل … إلخ.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٨٣)، \"الدر المنثور\" (٧/ ٣٣٣).","vol":"4","page":443},{"text":"ثم قال في بيان حق الإبل والبقر والغنم: \" إطراق فحلها، وإعارة دلها، ومنيحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله\"، فهذا يدل على أن الحق أعم من الصدقة المفروضة شرعًا، وهو تقديم نوع من أنواع الانتفاع، والأولى أن يكون معنى الحق واحدًا في الذهب والفضة، وفي الإبل والبقر والغنم، أما التفريق فلا دليل عليه. ولا ريب أن إعارة الحلي فيها نفع كبير للفقراء والمحاويج، بل نفع إعارته قد يفوق نفع دفع جزء منه.\n٣ - أن الحديث على فرض شموله لزكاة الحلي فقد دخله التخصيص بما خصت به الآية، كما تقدم.\nأما الأحاديث الثلاثة، وهي أحاديث البلوغ فقد تكلم العلماء في صحتها بناء على ما تقدم من الكلام في رواتها، فمنهم من ضعفها؛ كالشافعي والترمذي وابن العربي وابن حزم وابن الجوزي وآخرين (^١). وقالوا: هذه الأحاديث لا تقوم بها حجة، ولا يصح في هذا الباب شيء. ومنهم من صححها، وعلى ذلك فتكون عدم دلالتها على وجوب زكاة الحلي متجهًا إلى متنها لا إلى سندها، وذلك كما يلي:\n١ - أن ما ذكر من المسكتين وهما السواران والفتخات والأوضاح لا يبلغ النصاب ولا يقاربه، فقد تقدم أن النصاب من عيار (٢١) مثلًا (٧٠ × ٢٤= ٨٠ غرامًا)، ولهذا روى أبو داود عن سفيان الثوري في حديث الفتخات، أنه سئل: كيف تزكي المرأة الخاتم وهو لم يبلغ النصاب؟ فقال: تضمه إلى غيره.\n٢ - أن هذه الأحاديث فيها إجمال فلم يبين فيها مقدار الزكاة المأمور بأدائها، ولم يذكر فيها اشتراط النصاب ولا حولان الحول؛ بل ظاهر حديث عائشة أن اتخاذها للفتخات كان قريبًا من رؤية النبي ﷺ فلم يحل عليها الحول.\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٥/ ٤٩٠)، \"جامع الترمذي\" (٣/ ٣٠)، \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٩١٨)، \"المحلى\" (٦/ ٩٧)، \"تنقيح التحقيق\" (٢/ ١٤٢٥).","vol":"4","page":444},{"text":"٣ - في حديث عمرو بن شعيب غرابة ونكارة في قوله: (فألقتهما) ولا يصح أن المال المزكى يدفع بكامله، والنبي ﷺ نهى معاذًا ﵁ عن أخذ كرائم الأموال.\nوالأظهر والله أعلم أن الحلي ليس فيه زكاة مفروضة لأمرين:\n١ - أنه قد انعقد الإجماع على أن الشرع قد عفا عن زكاة المنازل السكنية وأثاثها وعبيد الخدمة والبقر والإبل والعوامل، ومثلها سيارات الاستعمال ونحوها، والحلي داخل في ذلك، فيكون ملحقًا بثياب المرأة وأدوات زينتها، وملحق بالأواني التي تستعمل للطبخ والشرب وما أشبه ذلك لو كانت ثمينة، فالحلي متاع شخصي، وليس مالًا مرصدًا للنماء.\n٢ - أن الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لابد أن يبينها الرسول ﷺ بيانًا عامًا تنقله الأمة، ولو كانت زكاة الحلي واجبة ما اقتصر الرسول ﷺ على أن يقول ذلك لامرأة يخصها به عند رؤية الحلي عليها دون الناس، بل يكون حكمه حكم بقية الأموال الزكوية التي بينها لأمته، وبعث عماله لقبضها بعد بيان أنصبتها، وقد كان الحلي من فعل الناس في آباد الدهر، ومع ذلك لم يرد له ذكر في كتب الصدقات.\nوقد أفتى عدد من الأئمة على أن زكاة الحلي عاريته، منهم الإمام أحمد (^١)، ونقل ابن قدامة عن الإمام أحمد أنه قال: (خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: لسي في الحلي زكاة، ويقولون: زكاته عاريته) (^٢)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"مسائل ابنه عبد الله\" ص (١٦٤)، \"مسائل أبي داود\" ص (٧٨)، \"مسائل ابن هانئ\" ص (١/ ١١٣).\n(^٢) \"المغني\" (٤/ ٢٢١)، وانظر: \"امتنان العلي بعدم زكاة الحلي\" للشيخ: فريح بن صالح البهلال، \"فقه زكاة الحلي\" للدكتور: إبراهيم بن محمد الصبيحي.","vol":"4","page":445},{"text":"<span data-type='title' id=toc-500>زكاة عروض التجارة</span>\n٦٢٣/ ٢٥ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع. رواه أبو داود، وإسناده لين.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الزكاة\"، باب \" العروض إذا كانت للتجارة هل فيها زكاة؟ \" (١٥٦٢) من طريق جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب قال: حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان، عن سمرة بن جندب ﵁ قال: (أما بعد؛ فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا …) الحديث.\nوهذا سند ضعيف، انفرد به أبو داود عن بقية أصحاب الكتب الستة، وفي إسناده مجاهيل، وهم: جعفر بن سعد بن سمرة، وشيخه خبيب بن سليمان، وشيخ شيخه سليمان بن سمرة، وقد ذكر الذهبي هذا الإسناد، وقال: (وبكل حال هذا إسناد مظلم، لا ينهض بحكم) (^١)، وقال الحافظ: (في إسناده جهالة) (^٢)، وهو قريب من قوله هنا: (وإسناده لين).\nعلى أن ابن حبان ذكر هؤلاء الرواة الثلاثة في \" الثقات\"، وقد نقل الزيلعي تحسين الحديث عن ابن عبد البر (^٣)، وجاء في \" سنن الدارقطني\" (٢/ ١٢٧ - ١٢٨) ما يدل على أن هذا الحديث كان مكتوبًا مضبوطًا، ومعنى هذا أن سنده سند نسخة تداولها أهل بيت صاحبها، وهو الصحابي\n_________\n(^١) \"الميزان\" (١/ ٤٠٨).\n(^٢) \"التلخيص\" (٢/ ١٧٩).\n(^٣) \"نصب الراية\" (٢/ ٣٧٦).","vol":"4","page":446},{"text":"سمرة ﵁، ومن هنا رأى بعض الباحثين أنه لا يضر جهالة حالة رواتها؛ لأن الاعتماد حينئذ على النسخة لا على حفظ الصدر (^١)، فإن كان هذا وجيهًا وإلا فالمعول على ما تقدم، وللحديث ما يؤيده من إجماع الصحابة ﵁، وما ورد عنهم من آثار، كما سيأتي إن شاء الله.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب الزكاة في عروض التجارة، وهي كل ما أعد للبيع والشراء يقصد الربح إذا بلغ نصاب أحد النقدين، من أي نوع من أنواع التجارة، سواء في السيارات أو الأطعمة أو الملابس أو الأواني أو المجوهرات أو العقار أو الحيوان أو أسهم الشركات، أو غير ذلك مما يدخل تحت هذا المعنى.\nوالحديث وإن كان ضعيفًا، لكن يؤيده عمومات، كقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿والذين في أمواله حق معلوم﴾ [المعارج: ٢٤]، ومال التجارة أعم الأموال؛ لأنه يشمل كل مال يتجر فيه من حيوان وسيارات وأقمشة وأطعمة، ونحو ذلك، فكانت أولى بالدخول.\nكما يؤيده قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم …﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقد ذكر عامة أهل التفسير؛ كابن جرير الطبري والجصاص، وابن العربي، وغيرهم أن المراد بهذه الآية: زكاة العروض (^٢)، فإنها مما كسبه الإنسان، وأعظم الإنفاق وأوجبه هو الزكاة، وقد بوب البخاري في كتاب \" الزكاة\"، باب \"صدقة الكسب والتجارة\" ثم ذكر الآية (^٣).\nوقد ورد عن الصحابة ﵁ آثار تدل على وجوب زكاة العروض، فقد ورد عن عمر وابن عمر وابن عباس ﵁ بأسانيد صحيحة، والظاهر أن مثل\n_________\n(^١) انظر: \"الترجيح في مسائل الصوم والزكاة\" (٢/ ١٤١).\n(^٢) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٥٥٥)، \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٧٤)، \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٣٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٠٧).","vol":"4","page":447},{"text":"ذلك لا يقال بالرأي، ثم إنه لم ينقل ما يخالف ذلك عن صحابة آخرين، كما ذكر ابن عبد البر (^١)، وهذا أمر مشتهر تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فعدم نقل الإنكار يؤكد إجماعهم.\nونقل ابن المنذر الإجماع على أن في العروض التي تدار للتجارة الزكاة إذا حال عليها الحول (^٢). ونقله عنه ابن قدامة (^٣)، وأقره.\nوذهبت الظاهرية إلى أن عروض التجارة ليس فيها زكاة (^٤)، ووافقهم على ذلك الشوكاني (^٥)، وتبعهم على ذلك الألباني (^٦). وحجتهم أنه لم يثبت دليل في إيجاب زكاة العروض، والأصل براءة الذمة.\nوالصواب القول الأول؛ لقوة أدلته، وأما القول الثاني فقد ذكر أبو عبيد أنه ليس من مذاهب أهل العلم (^٧). قال الخطابي: (وزعم بعض المتأخرين من أهل الظاهرية أنه لا زكاة فيها، وهو مسبوق بالإجماع) (^٨).\nوعلى هذا فلا اعتبار بمخالفة الظاهرية في هذه المسألة، لأنهم سبقوا بالإجماع، وقد قرر أهل العلم أنه لا عبرة بخلافهم المبني على أصولهم التي يخالفون فيها عامة أهل العلم (^٩). وخلافهم هنا مبني على استصحاب براءة الذمة مع أنه وجد الدليل الناقل عنها، ثم إن القياس والاعتبار كما يقول ابن رشد يؤيد القول بوجوب زكاة العروض من وجهين:\nالأول: أن العروض المتخذة للتجارة مال مقصود به التنمية، فأشبه الماشية والحرث والنقدين، بل غالب أموال الناس تجارة، فلو قلنا: ليس فيها زكاة، لسقطت الزكاة في جزء كبير من أموال المسلمين (^١٠).\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (١٧/ ١٣٠).\n(^٢) \"الإجماع\" ص (٥١).\n(^٣) \"المغني\" (٤/ ٢٤٨).\n(^٤) \"المحلى\" (٥/ ٢٣٣).\n(^٥) \"الدرر البهية\" ص (٢٣)، \"السيل الجرار\" (٢/ ٢٦، ٢٧).\n(^٦) \"تمام المنة\" ص (٣٦٣).\n(^٧) \"الأموال\" ص (٤٣٤).\n(^٨) \"معالم السنن\" (٢/ ٢٢٣).\n(^٩) انظر: \"البحر المحيط\" (٤/ ٤٧١).\n(^١٠) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٧٥).","vol":"4","page":448},{"text":"الثاني: أن العروض المتداولة للاستغلال هي نقود في المعنى، لا فرق بينها وبين الدراهم والدنانير التي هي أثمانها، فلو لم تجب الزكاة في التجارة لأمكن لجميع الأغنياء أو أكثرهم الاتجار بنقودهم لئلا تلزمهم الزكاة.\nوعلى ذلك فتقوم العروض من عقارات، وسيارات، وأدوات كهربائية، وملابس، وأواني منزلية، وأدوات مدرسية، ونحو ذلك، ويكون تقويمها آخر الحول، وتعرف قيمتها ثم يخرج ربع العشر من قيمتها، قياسًا على النقدين، ويكون تقويمها بالأحظ لأهل الزكاة من ذهب أو فضة.\nوربح التجارة تابع للأصل، فلا يشترط له حولًا جديدًا؛ لأن المسلمين ما زالوا يخرجون زكاة تجارتهم دون أن يحذفوا ربح التجارة؛ ولأن الربح فرع، والفرع تابع للأصل.\nومثال ذلك: لو أن شخصًا اشترى أرضًا بمائة ألف، وعرضها للبيع، وقبل تمام الحول صارت تساوي مائة وخمسين، فيزكي عن مائة وخمسين، مع أن الربح ما حال عليه الحول؛ لأنه يتبع الأصل، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":449},{"text":"<span data-type='title' id=toc-501>زكاة الركاز</span>\n٦٢٤/ ٢٦ - عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: \" وفي الركاز: الخمس\". متفق عليه.\n٦٢٥/ ٢٧ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن النبي ﷺ قال في كنز وجده رجل في خربةٍ: \" إن وجدته في قربة مسكونة، فعرفه، وإن وجدته في قربة غير مسكونة، ففيه وفي الركاز: الخمس\".\nأخرجه ابن ماجه بإسناد حسن.\n\n• الكلام عليهما من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب \" الزكاة\"، باب \" في الركاز\" (١٤٩٩)، ومسلم (١٧١٠) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" العجماء جيار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس\" وهذا لفظ البخاري.\nوأما حديث عمرو بن شعيب، فقد أخرجه الشافعي (١/ ٢٣٨ ترتيب مسنده)، والحاكم (٢/ ٥٦)، والبيهقي (٤/ ١٥٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٦/ ٥٨) كلهم من طريق سفيان، عن داود بن سابور ويعقوب بن عطاء، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا.","vol":"4","page":450},{"text":"والحديث سنده حسن، قال الحافظ: (رواته ثقات) (^١)، وأما غزوه لابن ماجه فهو وهم، من الحافظ، فإن الحديث ليس عند ابن ماجه، ولهذا لم يخرجه المزي في \"تحفة الأشراف\"، والحافظ في \"التلخيص\" عزاه الشافعي، ولم يعزه لابن ماجه (^٢).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب الخمس في الركاز، وهو بكسر الراء، من ركزت الشيء: إذا دفنته.\nوقد اختلف الفقهاء في معناه فالجمهور من الشافعية، والمالكية، والحنابلة أنه المال المدفون في الجاهلية (^٣)، وهم من كانوا قبل الإسلام، سواء أكان ذهبًا أم فضة أم غيرهما، وذك بأن توجد عليه علامات الجاهلية؛ كاسم ملك، أو مدة زمنية، ونحو ذلك؛ فإن لم يكن كذلك فإن عرف صاحبه أعلم به، وإلا فهو لقطة يأخذ حكمها، فيجب تعريفه سنة، لقوله: \" وإن وجدته في قرية مسكونة فعرفه\".\nوعند الحنفية وآخرين، هو المال المركوز في الأرض، فيعم المعدم (^٤)، وعلى هذا فلا فرق عندهم بين الركاز والمعدن كما سيأتي إن شاء الله، لكن قوله: \" والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس\" يقتضي أن الركاز غير المعدن؛ لأن الرسول ﷺ فرق بينهما بالعطف المقتضي للمغايرة.\nفالركاز فيه الخمس في الحال في قليله وكثيره، سواء أكان واجده مسلمًا أم ذميًا، صغيرًا أم كبيرًا، عاقلًا أم مجنونًا؛ لأن الحديث الذي أوجب الخمس فيه لم يفرق بين واجد وواجد، ولا يشترط له النصاب، ولا يعتبر له حول، لعدم الكلفة فيه، وقد جرت عادة الشرع أن ما عظمت كلفته خفف عنه في قدر الزكاة، وما خفت زيد فيه؛ لقوله: \" وفي الركاز الخمس\" وباقيه ملك لواجده.\n_________\n(^١) \"الدراية\" (١/ ٢٦٢).\n(^٢) \"التلخيص\" (٢/ ١٩٣).\n(^٣) \"المنتقى\" للباجي (٢/ ١٠٤)، \"المجموع، (٦/ ٩١)، \"المقنع\" (٢/ ٣٦٣).\n(^٤) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ٢٣٣)، \"فقه الزكاة\" (١/ ٤٤٣).","vol":"4","page":451},{"text":"والظاهر أن مصرفه مصرف الفيء، مرجعه إلى رأي إمام المسلمين يضعه حيثما تقتضيه مصلحة الدولة، وهو اختيار أبي عبيد (^١)، وقيل: مصرفه مصرف الزكاة (^٢)، وعلى أي حال فالركاز أمر نادر الوقوع، فنكتفي بما ذكرنا، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الأموال\" ص (٣٥٠).\n(^٢) \"المغني\" (٤/ ٢٣٦)، \"فقه الزكاة\" ص (٤٥١).","vol":"4","page":452},{"text":"<span data-type='title' id=toc-502>زكاة المعادن</span>\n٦٢٦/ ٢٨ - عن بلال بن الحارث ﵁ أن رسول الله ﷺ: أخذ من المعادن القبلية الصدقة. رواه أبو داود.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو عبد الرحمن بلال بن الحارث المزني المدني، وفد على النبي ﷺ في وفد زينة سنة خمس، وسكن بالأشعر وراء المدينة وهو عبارة عن سلسلة جبلية مجاورة لينبع النخل من غريبه (^١)، ثم تحول إلى البصرة.\nوكان أحد من يحمل لواء مزينة يوم الفتح، روى عنه ابنه الحارث، وعلقمة بن وقاص، وعمرو بن عوف، مات سنة ستين، وله ثمانون سنة، ﵁ (^٢).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه مالك في \" الموطأ\" (١/ ٢٤٨)، ومن طريقه أبو داود في كتاب \"الخراج والإمارة والفيء\"، باب \"في إقطاع الأرض\" (٣٠٦١) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن غير واحد، أن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية، وهي من ناحية الفرع، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم.\nوهذا خير مرسل؛ لأن قوله: (عن غير واحد) لفظ عام يحتمل أن الذين حدثوه صحابة، ويحتمل أنهم غير صحابة. وقد ورد عند البغوي: (عن غير\n_________\n(^١) انظر: \"المغانم المطابة في معالم طابة\" ص (١٦).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٢/ ٣٦)، \"الإصابة\" (١/ ٣٧٣).","vol":"4","page":453},{"text":"واحد من علمائهم …) (^١)، فهذا يدل على أنهم ليسوا بصحابة. قال ابن عبد البر: (هكذا هو في الموطأ عند جميع الرواة مرسلًا، ولم يختف فيه عن مالك) (^٢).\nونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: (ليس هذا مما يثبت أهل الحديث، ولو أثبتوه لم تكن فيه رواية عن النبي ﷺ إلا إقطاعه، فأما الزكاة في المعادن دون الخمس، فليست مروية عن النبي ﷺ فيه) (^٣). وقال ابن حجر: (وفي الموطأ منقطعًا …) (^٤) ثم ذكره.\nوالحديث جاء موصولًا، كما ذكر ابن عبد البر، والبيهقي، لكنه ضعيف جدًا.\n\n• الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (اقطع بلال بن الحارث) أي: جعل له غلتها، يقال: قطع السلطان لفلان كذا، وأقطعه كذا، فتكون الهمزة معاقبة للام، والأشهر: قطعه.\n\nقوله: (معادن) جمع معدن، بفتح الميم وكسر الدال، وهو لغة: المكان والموضع الذي تستخرج منه جواهر الأرض، مأخوذ من الإقامة، من عدن بالمكان: أقام به، ثم اشتهر إطلاقه على نفس الأجزاء المستقرة في الأرض.\nوعند الفقهاء: كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة. وهذا تعريف الحنابلة (^٥)، وهو تعريف جيد، وبه يتبين الفرق بين الركاز وبين المعدن، فإن الركاز: ما كان بفعل آدمي، من ركزت الشيء إذا دفنته. والمعدن: نبات أنبته الله في الأرض وليس بوضع آدمي، وهذا التفريق هو رأي الجمهور. أما لحنفية ومن وافقهم فيرون أن المعدن ركاز، كما تقدم، ولذا يرون فيه الخمس.\n_________\n(^١) \"شرح السنة\" (٦/ ٦٠).\n(^٢) \"التمهيد\" (٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧).\n(^٣) \"السنن\" (٤/ ١٥٢).\n(^٤) \"الدراية\" (١/ ٢٦١).\n(^٥) \"المغنى\" (٤/ ٢٣٨).","vol":"4","page":454},{"text":"والمعدن قد يكون صلبًا يذوب بالإذابة وينطبع بالنار (^١)؛ كالذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس، ونحو ذلك، وقد يكون صلبًا لا يذوب؛ كالياقوت والكحل، ونحو ذلك، وقد يكون مائعًا، كالنفط والغاز (^٢).\n\nقوله: (القبلية) بفتح القاف والباء، مثل عربية؛ كأنه نسبة إلى القبل محركة وهو النشز من الأرض يستقبلك، موضع بناحية ساحل البحر الأحمر من منطقة الفرع في بلاد مزينة (^٣).\nوالفرع: بضم أوله وسكون ثانيه، وآخره عين مهملة، وقيل: بضم أوله وثانيه، اسم قرية ذات نخيل ومياه، بينها وبين المدينة ثمانية برد على طريق مكة (^٤)، ولا يزال معروفًا حتى اليوم على الطريق السريع بين مكة والمدينة.\n\n• الوجه الرابع: استدل بالحديث من قال بوجوب الزكاة في المعادن المستخرجة من الأرض، والحديث تقدم ضعفه، لكن يدل على وجوب زكاة المعدن قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٧]، قال القرطبي: (يعني: النبات، والمعادن، والركاز) (^٥)، وقد نقل النووي الإجماع على وجوب الزكاة في المعادن (^٦).\nفتجب الزكاة في كل أنواع المعادن المتقدمة، وهي كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة؛ لعموم الآية؛ ولأن هذا يتمشى مع أحكام الشريعة الصالحة لكل زمان ومكان، وقد حصل في هذا العصر من الثروات المعدنية التي يقوم عليها اقتصاد العالم الشيء الكثير الذي لم يكن معروفًا من قبل، ولا سيما المعادن السائلة؛ كالنفط (البترول) والغاز، وهذا مذهب الإمام أحمد، كما تقدم في تعريف المعدن، وعند مالك والشافعي\n_________\n(^١) معنى (ينطبع بالنار) أي: يقبل الطرق والسحب.\n(^٢) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٦٧).\n(^٣) انظر: \"المغانم المطابة\" ص (٣٣٢).\n(^٤) انظر: \"المغانم المطابة\" ص (٣١٥).\n(^٥) \"تفسير القرطبي\" (٣/ ٣٢١).\n(^٦) \"المجموع\" (٦/ ٧٣).","vol":"4","page":455},{"text":"والظاهرية لا يجب في شيء من المعدن زكاة غير الذهب والفضة (^١)، وعند أبي حنيفة تجب الزكاة في المعادن التي تذوب وتنطبع بالنار؛ كالذهب والفضة والحديد والرصاص، ولا تجب في السائلة، ولا في الصلبة التي لا تنطبع بالنار كالياقون والكحل (^٢).\nوقول الحنابلة أقوى؛ فإنه مؤيد بالمعنى اللغوي كما تقدم، كما أنه مؤبد بالاعتبار الصحيح؛ إذ لا فرق بين ما ينطبع وما لا ينطبع، فكلها أموال ذات قيمة، ولو عاش أئمتنا ﵏ حتى أدركوا هذه الثروات المعدنية العظيمة، لصار لها موقف آخر مغعاير لاجتهادهم الأول.\nوالراجح اعتبار النصاب في المعدن، وذلك بأن يبلغ الخارج ما قيمته نصاب النقود، لكن لا يشترط في نصاب المعدن أن يخرج دفعة واحدة؛ بل ما نيل بدفعات يضم بعضه إلى بعض في الجملة؛ لأن المعدن لا ينال إلا هكذا غالبًا، ويبعد استخراج النصاب دفعه واحدة، والواجب فيه ربع العشر قياسًا على الواجب في النقدين؛ ولأن في إخراجه كلفة ومؤنة، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"المنتقى\" (٢/ ١٠٣)، \"المجموع\" (٦/ ٧٧)، \"المحلى\" (٦/ ١٠٨).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٦٧)، \"شرح فتح القدير\" (٢/ ٢٣٩).","vol":"4","page":456},{"text":"<span data-type='title' id=toc-503>باب صدقة الفطر</span>\nالمراد بصدقة الفطر: الصدقة التي يخرجها المسلم عن نفسه أو عن غيره في نهاية شهر رمضان، وقد وردت تسميتها بصدقة الفطر في حديث ابن عمر ﵁ كما في بعض رواياته.\nوقد أضيفت إلى الفطر، من باب إضافة الشيء إلى وقته؛ لأنه وقت وجوبها، كما يقال: صلاة الفجر وصلاة المغرب، وليست الإضافة بسبب الفطر كما قيل لأن سبب الوجوب كأنها عبادة لله، وطهرة للصائم، وطعمة للمساكين، كما سيأتي في آخر أحاديث الباب.\nوتسمى زكاة الفطر، كما في حديث ابن عمر الآتي، وتسمى زكاة رمضان، كما في حديث أبي هريرة ﵁: \" وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان … \" الحديث (^١).\nويطلق عليها عموم الناس كلمة (الفطرة) بكسر الفاء ويرى النووي أنها كلمة اصطلاحية للفقهاء؛ وكأنها مأخوذة من الفطرة التي هي الخلقة؛ أي: زكاة البدن (^٢)، فليست الكلمة مما تحلن به العامة، كما قال بعضهم.\nويذكرها المحدثون والفقهاء في كتاب \" الزكاة\" دون كتاب \" الصيام\" مع ارتباطها به؛ لأنها من الوظائف المالية، لكنها تختلف عن بقية الزكوات؛ لأنها متعلقة بالأشخاص، وتلك متعلقة بالأموال، ولهذا لا يشترط لها ما يشترط للزكوات الأخرى من النصاب والحول، ونحو ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣١١).\n(^٢) \"المجموع\" (٦/ ١٠٣).","vol":"4","page":457},{"text":"وقد فرضت صدقة الفطر مع فرض الصيام في السنة الثانية من الهجرة (^١)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الإعلام\" لابن الملقن (٥/ ١٢٣).","vol":"4","page":458},{"text":"<span data-type='title' id=toc-504>حكم زكاة الفطر ومقدارها ونوعها</span>\n٦٢٧/ ١ - عن ابن عمر ﵁ قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير: على العبد والحر، والذكر، والأنثى، والصغير، والكبير، من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة. متفق عليه.\n٦٢٨/ ٢ - ولابن عدي من وجه آخر، والدارقطني بإسناد ضعيف: \" أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم\".\n٦٢٩/ ٣ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نعطيها في زمان النبي ﷺ صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب. متفق عليه.\nوفي وراية: أو صاعًا من أقط.\nقال أبو سعيد: \" أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه في زمن رسول الله ﷺ.\nولأبي داود: لا أخرج أبدًا إلا صاعًا.\n\n• الكلام عليها من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث ابن عمر ﵁، فقد أخرجه البخاري في كتاب \" الزكاة\"، باب \" فرض صدقة الفطر\" (١٥٠٣)، ومسلم (٩٨٤) من طريق نافع، عن ابن عمر، به مرفوعًا، وهذا لفظ البخاري.","vol":"4","page":459},{"text":"وأما الحديث الثاني، فقد أخرجه ابن عدي في \" الكامل\" (٧/ ٥٥) والدارقطني (٢/ ١٥٢)، والحاكم في \"معرفة علوم الحديث\" ص (١٣١)، من طريق أبي معشر، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن تخرج صدقة الفطر … وساق الحديث إلى أن قال: وكان رسول الله ﷺ يقسمها قبل أن ينصرف من المصلى، ويقول: \"أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم\".\nوهذا سند ضعيف كما قال الحافظ، ولعل المراد ضعف هذه الزيادة فيه، وإلا فالحديث أصله صحيح كما تقدم، نبه على ذلك ابن عدي، والحديث فيه أبو معشر، وهو نجيح السندي المدني، ضعفه غير واحد، قال الأثرم عن أحمد: (حديثه عندي مضطرب، لا يقيم الإسناد، ولكن أكتب حديثه أعتبر به)، وقال البخاري: (منكر الحديث)، وقال ابن معين: (كان أميًا ليس بشيء) (^١)، وهذه الزيادة معناها صحيح، كما سيأتي إن شاء الله.\nوأما حديث أبي سعيد ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب \" الزكاة\"، في مواضع منها باب \" صاع من زبيب\" (١٥٠٨)، ومسلم (٩٨٥) من طريق زيد بن أسلم، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري، أنه سمع أبا سعيد ﵁ يقول: … وذكر الحديث، وهذا لفظ البخاري.\nوأخرجه البخاري (١٥٠٦)، ومسلم (٩٨٥) من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، به، وفيه: (أو صاعًا من أقط)، وقول أبي سعيد: (أما أنا …) إلخ هو عند مسلم، من طريق داود بن قيس، عن عياض، به، ولفظه: (قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبدًا ما عشت)، وله من طريق ابن عجلان، عن عياض: (لا أخرج فيها إلا الذي كنت أخرج في عهد رسول الله ﷺ …).\nوعند أبي داود (١٦١٨) من طريق ابن عجلان سمع عياض قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: (لا أخرد أبدًا إلا صاعًا …) الحديث.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٣٧٤).","vol":"4","page":460},{"text":"الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (فرض) أي: أوجب إيجابًا مؤكدًا؛ لأن الفرض في اللغة معناه: القطع والحز والتقدير.\n\nقوله: (صاعًا من تمر) بدل أو عطف بيان من (زكاة الفطر)، والصاع: مكيال يسع أربعة أمداد، والمد: يزن خمسمائة وستين جرامًا من البر الجيد، فيكون الصاع كيلوين وربع الكيلو، وتقدم ذكر ذلك.\n\nقوله: (أن تؤدى) أي: أن توصل إلى مستحقيها قبل خروج الناس إلى صلاة العيد.\n\nقوله: (كنا نعطيها) أي: نعطي زكاة الفطر الفقرء.\n\nقوله: (صاعًا من طعام) أي: مما يطعمه الناس، وهو مجمل يفسره ما بعده.\n\nقوله: (من زبيب) هو العنب الجاف بمنزلة التمر في ثمر النخل.\n\nقوله: (اقط) بفتح الهمزة وكسف القاف أو سكونها: لبن الغنم المطبوخ المجفف.\n\nقوله: (لا أخرج أبدًا إلا صاعًا) أي: إن أبا سعيد التزم ألا يخرج إلا صاعًا، سواء أكان من بر أم من غيره، وغرضه بذلك بيان أنه لا يوافق معاوية على ما رآه من إجزاء نصف صاع من قمح، كما ورد في الصحيحين من حديث أبي سعيد وفيه: (فلما جاء معاوية وجاءت السمراء، قال: أرى مدًا من هذه يعدل مدين …)، والمعنى: أنه لما جاء معاوية إلى المدينة حاجًا أو معتمرًا أثناء خلافته، وكثرت السمراء، وهي حنظة تأتي من الشام لونها أسمر رأى معاوية أن مدًا من هذه الحنطة يعادل مدين من غيرها؛ لكوها نفيسة عند الناس، فيكون نصف الساع منها مجزئًا في الفطرة، لكن أبا سعيد ﵁ أنكر هذا … والتزم بالاستمرار على إخراج صاع من أي طعام كان، كما كان يخرجه على عهد رسول الله ﷺ.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن زكاة الفطر فرض على كل","vol":"4","page":461},{"text":"مسلم، ذكرًا كان أم أنثى، حرًا أو عبدًا، صغيرًا أو كبيرًا، وهذا أمر مجمع عليه، كما نقله ابن المنذر (^١).\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن مقدار زكاة الفطر صاع من طعام، سواء كان تمرًا أو شعيرًا، أو زبيبًا، أو أقطًا.\nويجزئ كل طعام يقتاته الناس كالأرز، وإنما خصت الأصناف الأربعة بالذكر؛ لأنها كانت طعام الناس في عهد النبي صلى الله عله وسلم، لما روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر صاعًا من طعام، قال أبو سعيد: وكان طعامنا من الشعير، والزبيب، والأقط، والتمر) (^٢).\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على أن إخراج غير الطعام من الدراهم وغيرها لا يجزئ في الفطرة، وهذا مذهب الجمهور؛ لأنه خلاف ما أمر به رسول الله ﷺ من الأصناف المذكورة أو من الطعام عمومًا؛ ولأن إخراج القيمة مخالف لعمل الصحابة ﵃؛ ولأن ذلك يخرج زكاة الفطر عن كونها شعرية من شعائر الإسلام الظاهرة إلى كونها شعيرة خفية؛ ولأن الرسول ﷺ ذكر أشياء مختلفة القيمة، فدل على أن المراد بها الأعيان لا ثمنها (^٣).\nوقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز إخراج القيمة في زكاة الفطر، وقد روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري (^٤)؛ لعموم: \" أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم\"، والإغناء يتحقق بالقيمة كما يتحقق بالطعام.\n\n• الوجه السادس: الحديث دليل على وجوب إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد؛ لقوله: \" وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة\"، والأفضل أن تكون في صباح يوم العيد؛ لأن المقصود الأعظم منها استغناء\n_________\n(^١) \"الإجماع\" ص (٤٩).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (١٥١٠).\n(^٣) \"معالم السنن\" (٢/ ٢١٩).\n(^٤) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٣/ ١٤٧)، \"الاختيار\" (١/ ١٠٢)، \"المغني\" (٤/ ٢٩٥).","vol":"4","page":462},{"text":"الفقراء بها عن السؤال يوم العيد، ومشاركة الأغنياء في الفرح بهذا اليوم.\nويجوز إخراجها قبل العيد بيومين، لحديث ابن عمر ﵁ المتقدم، وفيه: (وكان ابن عمر يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":463},{"text":"<span data-type='title' id=toc-505>بيان الحكمة من زكاة الفطر ووقت إخراجها</span>\n٦٣٠/ ٤ - عن ابن عباس ﵁ قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر؛ طهرة للصائم من اللغو، والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات. رواه أبو داود، وابن ماجه، وصححه الحاكم.\n\n• الكلام عله من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الزكاة\"، باب \"زكاة الفطر\" (١٦٠٩)، وابن ماجه (١٨٢٧)، والحاكم (١/ ٤٠٩) من طريق، مروان بن محمد، ثنا أبو يزيد الخولاني، وكان شيخ صدق (^١)، وكان ابن وهب يروي عنه، ثنا سيار بن عبد الرحمن، قال محمود: الصدفي (^٢)، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁، به مرفوعًا، ورواه ابن ماجه (١٨٢٧)، والحاكم (١/ ٤٠٩) من طريق مروان بن محمد، به.\nوهذا سند حسن، كما قال ابن قدامة (^٣)، والنووي (^٤)،\n_________\n(^١) القائل: هو مروان بن محمد، كما يدل على ذلك رواية الحاكم من طريق محمود بن خالد، ثنا مروان، ثنا يزيد بن مسلم، وكان شيخ صدق، وليس من كلام عبد الله بن عبد الرحمن؛ إذ لو كان كذلك لما ذكر في رواية محمود بن خالد.\n(^٢) أي إن محمود بن خالد شيخ أبي داود، وصف ابن سيار بأنه الصَّدَفِي، وكذا وُصِفَ عند ابن ماجه، نسبة إلى صَدَفَ، قرية في تونس قرب القيروان. \"معجم البلدان\" (٣/ ٣٩٧).\n(^٣) \"المغني\" (٤/ ٢٨٤).\n(^٤) \"المجموع\" (٦/ ١٢٦).","vol":"4","page":464},{"text":"وابن الملقن (^١)، ورجاله لا بأس بهم، قال الدارقطني: (ليس فيهم مجروح) (^٢).\nوأما قول الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه) ففيه نظر؛ لأن أبا يزيد الخولاني وسيار بن عبد الرحمن لم يخرج لهما الشيخان.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على الحكمة من مشروعية زكاة الفطر، وهما حكمتان عظيمتان:\nالأولى: تتعلق بالصائم، وهي تطهيره من اللغو، وهو كل ما لا فائدة فيه من القول أو الفعل تعود على الشخص في الدين أو الدنيا، مكروهًا كان أو مباحًا؛ كالهزل واللعب والمبالغة في الشهوات، وغير ذلك.\nوتطهيره من الرفث: وهو الفحش في القول، وهو المراد هنا، ويطلق على الجماع أيضًا. وكانت زكاة الفطر طهرة للصائم مما ذكره؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات.\nالثانية: تتعلق بالمجتمع، وهي قوله: \" طعمة للمساكين\" وطعمة بضم الطاء وسكون العين: وهو الطعام الذي يؤكل. وفي هذا إشاعة المحبة والفرح بين أفراد المجتمع، ولا سيما المساكين وأهل الحاجة.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن وقت إخراج زكاة الفطر هو ما قبل صلاة العيد، فمن أخرجها فهي زكاة مقبولة يثاب عليها ثوابًا كاملًا؛ لأنه امتثل أمر النبي ﷺ، كما تقدم في قوله: \"وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة\". وأما من أداها بعد الصلاة فليست بزكاة فطر؛ وإنما هي صدقة من سائر الصدقات، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الإعلام\" (٥/ ١١٨).\n(^٢) \"السنن\" (٢/ ١٣٨).","vol":"4","page":465},{"text":"<span data-type='title' id=toc-506>باب صدقة التطوع</span>\nصدقة التطوع: مركب إضافي، من إضافة الشيء إلى نوعه؛ لأن الصدقة قد تكون فرضًا، وهي الزكاة المفروضة، وقد تكون تطوعًا، وقد جرت عادة أهل العلم بذكر الصدقات النافلة بعد الفريضة.\nوالتطوع لغة: فعل الطاعة.\nوشرعًا: كل طاعة ليست بواجبة، والمراد بصدقة التطوع: ما يخرجه الإنسانا من ماله على وجه القربة، وهي أعم من الزكاة، وقد تطلق عليها أيضًا.\nوالصدقة فضلها عظيم، وثوابها جزيل، كما سياتي في أحاديث الباب، ويترتب عليها من الفوائد والمصالح الشيء الكبير، ولهذا حث الله تعالى عليها وأمر بها ورغب فيها. قال تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له أضعفًا كثيرة﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وقال تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [البقرة: ٢٨٠].\nوصدقة التطجوع تكون في الفقراء والمحاويج، وتكون في المعسرين من الغرماء، وتكون في مشاريع الخير؛ من تعمير المساجد، والمدارس، وإصلاح الطرقات، ونحو ذلك.\nولها فوائد عظيمة:\n١ - أنها باب عظيم من أبواب التكافل الاجتماعي كما تقدم.\n٢ - أنها دليل على كمال الإيمان، وحسن الإسلام، والطاعة لله تعالى وللرسول ﷺ، والزهد في الدنيا، والرغبة فيما عند الله تعالى.\n٣ - أنها سبب لحفظ الإنسان في ماله وبدنه.\n٤ - أنها كغيرها من التطوعات طريق موصل إلى محبة الله ورضوانه.","vol":"4","page":466},{"text":"<span data-type='title' id=toc-508>إخفاء صدقة التطوع</span>\n٦٣١/ ١ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \" سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله … \" فذكر الحديث، وفيه: \" ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه\". متفق عليه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخرجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع من \"صحيحه\"، منها كتاب \" الزكاة\"، باب \" الصدقة باليمين\" (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١) من طريق خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \" سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمنيه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عينها\". وقد اقتصر الحافظ على موضع الشاهد من الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (سبعة) أي: سبعة أشخاص أو سبعة أنفس، فهو على حذف مضاف إليه، ولذا صح الابتداء به، ومفهوم العدد ليس بحجة على الصحيح، بدليل أن الذين يظلهم الله أكثرمن ذلك، كما في حديث أبي اليسير ﵁ أن النيبي ﷺ قال: \" من أنظر معسرًا أو وضع له، أظله الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٠٠٦).","vol":"4","page":467},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي\" (^١).\n\nقوله: (يظلهم الله في ظله) هذه الإضافة للتشريف؛ كبيت الله، وهذا ظل حقيقي حيث يكون هؤلاء السعداء تحت ظل الله تعالى، فلا يمسهم حر الشمس ولا وهجها؛ لأن الله تعالى يظلهم في ظله؛ إذ لا أحد يملك الظل غيره في ذلك اليوم. وقد ورد تقييد هذا الظل بانه ظل العرش في حديث أبي هريرة ﵁ (^٢)، وكذا ورد من حديث سلمان: \" سبعة يظلهما لله في ظل عرشه\" (^٣)، وبهذا جزم القرطبي (^٤)، ورجحه الحافظ ابن حجر (^٥).\n\nقوله: (إمام عادل) المراد به: الحاكم أو السلطان، ويشمل أيضًا القاضي، وكل من له ولاية على غيره. وقدمه في الذكر؛ لعموم النفع به وتعديه إلى غيره، والعادل: اسم فاعل من عدل، والعدل: هو وضع الشيء في موضعه بدون إفراط ولا تفريط، فالعادل من يحكم بين الناس بالعدل فلا يميل مع هوى ولا يرتشي بمال.\n\nقوله: (وشاب نشأ في عبادة الله) أي: نبت وابتدأ، خص الشاب لكونه مظنة غلبة الشهوة، لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى، فإذا لازم العبادة مع ذلك كان أدل على غلبة التقوى.\n\nقوله: (معلق في المساجد) أي: محب لها حبا شديدا، فهو ينتظر الصلاة بعد الصلاة، فيحافظ عليها ويصليها مع الجماعة في المسجد، وهذا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٦٦).\n(^٢) رواه الطحاوي في \"شرح المشكل\" (١٥/ ٧١) وفي سنده انقطاع. وانظر كلام الطحاوي في هذه المسألة.\n(^٣) عزاه الحافظ في \"فتح الباري\" (٢/ ١٤٤) إلى \"سنن سعيد بن منصور\" وقال: (بإسناد حسن) وقد ساق السيوطي إسناده عند سعيد، وحسنه في رسالته: \"تمهيد الفرش في الخصال الموجبة لظل العرش\" ص (٣٥).\n(^٤) \"المفهم\" (٣/ ٧٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٢/ ١٤٤).","vol":"4","page":468},{"text":"فيه كناية لطيفة، فقد كنى عن ملازمته للمسجد وتردده عليه ومحافظه على الصلاة بالجماعة بتعلق قلبه في المساجد، وهذه كناية عن صفة.\n\nقوله: (ورجلان تحابا في الله) أي: اشتركا في جنس المحبة، وأحب كل منهما صاحبه حقيقة لا ظاهرًا فقط، و(في) تعليلية؛ أي: لأجل الله تعالى، لا لغرض دنيوي.\n\nقوله: (اجتمعا عليه وتفرقا عليه) الضمير يعود إلى الحب في الله، والمراد أنهما داما على المحبة لم يقطاعها لعارض دنيوي بل بقيا على ذلك حتى الموت. وعدت هذه الخصلة واحدة مع أن متعاطيها اثنان؛ لأنها لا تتم إلا باثنين. والغرض عد الخصال لا عد جميع المتصف بها.\n\nقوله: (ذات منصب وجمال) أي: أصل وشرف ومال وجمال، ومعنى \"دعته\": أي: طلبته إلى الفاحشة والزنا بها، فهي كناية عن صفة، وخص النبي ﷺ ذات الشرف والجمال لشدة رغبة الناس فيها وحرصهم عليها.\n\nقوله: (إني أخاف الله) الخوف من الله: هو الرهبة من عذابه؛ وكأنه قال ذلك ليزجرها عن الفاحشة بتذكيرها بالله، أو ليعتذر إليها، ولا يصدر ذلك إلا عن خوف من الله تعالى، ومتين تقوى وحياء.\n\nقوله: (تصدق بصدقة) التنكير يشمل كل ما يتصدق به، من قليل وكثير، وهل يشمل ذلك الصدقة الواجبة والمندوبة؟ يأتي ذلك إن شاء الله.\n\nقوله: (لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) هذا من مجاز التشبيه، فقد شبه اليد اليمنى بإنسان، واليد اليسرى بإنسان آخر، والمراد بذلك: التدليل على شدة إخفائه الصدقة والإسرار بها بحيث لو فرض أن الشمال رجل متيقظ وتصدق الإنسان بيمينه لما شعر ذلك الرجل عن شماله.\nوقد جاء في رواية مسلم: \" حتى لا تعلم يمنيه ما تنفق شماله\" وهذا قلب في المتن وقع من بعض الرواة. قال القاضي عياض: (كذا روي عن مسلم هنا في جميع النسخ الواصلة إلينا، والمعروف الصحيح: \"حتى لا تعلم شماله ما","vol":"4","page":469},{"text":"تنفق يمينه\"، وكذا وقع في الموطأ والبخاري، وهو وجه الكلام؛ لأن النفقة المعهود فيها اليمين، ويشبه أن يكون الوهم فيها من الناقلين عن مسلم، بدليل إدخاله بعده حديث مالك …) (^١).\n\nقوله: (ذكر الهل) إما من الذكر بكسر الذال فهو باللسان، أو من التذكر بالفكر والقلب، أي: تذكر عظمة الله … فبكى من خشية الله تعالى.\n\nقوله: (خاليًا) حال من فاعل ذكر. أي: في موضع خالٍ بعيدًا من الناس؛ ليكون أبعد من الرياء، والسمعة، وأقرب إلى الإخلاص.\n\nقوله: (ففاضت عيناه) أي: سالت منها الدموع؛ كأنها فيض لغزارتها، وهذا دليل على الخوف من الله تعالى، وقوة اليقين به سبحانه.\nوهذا فيه مجاز مرسل؛ أي: فاضت عينينه؛ لأن العين لا تفيض؛ إنما يفيض الدمع فيها، فأسند الفيض إلى العين مبالغة، كأنها هي التي فاضت.\nواعلم أن ذكر الرجل في هذا الحديث لا مفهوم له فيما ذكر من الأوصاف، إلا أن أريد بالإمام العادل: الإمامة العظمى، وإلا فيمكن دخول المرأة، حيث تكون ذات عيال فتعدل فيهم، ويخرج خصلة ملازمة المسجد؛ لأن صلاتها في بيتها أفضل، وما عدا ذلك فالمشاركة حاصلة لهن.\n\n• الوجه الثالث: هذا الحديث عظيم القدر، كثير الفوائد، ولهذا شرحت ألفاظه، وقد بين فيه أحوال هؤلاء السعداء يوم القيامة، ولعل في ذلك دروسًا تربوية لكل مسلم يسعى لنيل هذه الكرامة الإلهية والسعادة الأبدية، فيقدم من الأعمال الصالحة ما يكون سببًا لنيل هذه المكانة.\nيقول ابن عبد البر: (هذا أحسن حديث يروى في فضائل الأعمال، وأعمها وأصحها إن شاء الله، وحسبك به فضلًا؛ لأن العلم محيط بأن من كان في ظل الله يوم القيامة لم ينله هول الموقف ..) (^٢).\n_________\n(^١) \"إكمال المعلم\" (٣/ ٥٦٣).\n(^٢) \"التمهيد\" (٢/ ٢٨٢).","vol":"4","page":470},{"text":"ولهذا أفرد هذا الحديث بمؤلفات مستقلة، فالحافظ ابن حجر له كتاب \" معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال\"، ذكره في \" فتح الباري\" وللسيوطي كتابان مطبوعان: \" تمهيد الفرش في الخصال الموجبة لظل العرش\"، ثم اختصره وسماه: \" بزوغ الهلال في الخصال الموجبة للظلال).\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على فضل الإمام العادل، والشاب الناسك الذي نشأ في طاعة الله تعالى، وفضل المشي إلى المسجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وفضل المتاحبين في الله تعالى، وفضل العفة والبعد عن مواقعة الفاحشة، وفضل البكاء من خشية الله.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على فضل الصدقة، والحرص على إخفائها؛ لأن ذلك أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء، كما أن في إخفائها احترامًا لشعور الفقير الذي يرغب غالبًا في إخفاء ما يعطى خشية احتقار الناس له، أو نسبته إلى أنه يأخذ مع الغنى، أو نحو ذلك، وقد خص كثير من أهل العلم الإسرار بصدقة التطوع، وأما الزكاة الواجبة فإعلانها أفضل.\nوالظاهر والله تعالى أعلم أن حال الصدقة يختلف باختلاف الأحوال، فإذا كان المتصدق ممن يقتدى به ويتبع، وتتبعث الهمم على التطوع بالإنفاق إذا رأته ينفق، فالإظهار أولى كما يحصل في بعض المشاريع الخيرية، عندما يدعى بعض من يقتدى به إلى الإنفاق، ويحصل ذلك فائدة إظهار السنة وثواب القدوة، وهذا لمن قويت حاله، وحسنت نيته، وأمن على نفسه الرياء، وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسر له أفضل، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":471},{"text":"فضل صدقة التطوع\n٦٣٢/ ٢ - عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس\". رواه ابن حبان، والحاكم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه ابن حبان (٨/ ١٠٤)، والحاكم (١/ ٤١٦) من طريق عبد الله بن المبارك، عن حرملة بن عمران، أنه سمع يزيد بن أبي حبيب يحدث أن أبا الخير (^١) قد حدثه أنه سمع عقبة بن عامر ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس\" أو قال: \" حتى يحكم بين الناس\".\nقال يزيد: فكان أبو الخير لا يخطئه يوم لا يتصدق فيه بشيء ولو كعكة ولو بصلة. هذا لفظ ابن حبان، وعند الحاكم: \"يفصل\".\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل صدقة التطوع، وأن لها شأنًا، وأنها من أسباب الظل والوقاية من حر الشمس يوم القيامة؛ لأن الشمس تدنو من الناس يوم القيامة، وحرها شديد، وهي بعيدة، فكيف إذا دنت؟!\n_________\n(^١) هو مرثد بن عبد الله اليزنى.","vol":"4","page":472},{"text":"وقد روى مسلم من طريق سليم بن عامر، حدثني المقداد بن الأسود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل\"، قال سليم بن عامر: فوالله ما أدري ما يعني بالميل أمسافة الأرض، أم الميل الذي تكتحل به العين … الحديث (^١).\nولكن الله تعالى بقي أولياءه، وأهل طاعته حرها وأذاها بالأعمال الصالحة التي دلت عليها نصوص الشريعة، ومن ذلك الصدقة.\n\n• الوجه الثالث: ظاهر الحديث أن هناك ظلًا غير ظل العرش على الرواية المتقدمة، لقوله: \" في ظل صدقته\" وأجيب عنه بجوابين:\nالأول: أن هناك ظلالًا بحسب الأعمال، تظل صاحبها حر الشمس وأنفاس الخلائق، ولكن ظل العرش أعظمها وأشرفها بخص الله به من شاء من عباده.\nالثاني: أنه ليس هناك إلا ظل العرش يستظل به المؤمنون أجمع، لكن لما كانت تلك الظلال لا تنال إلا بالأعمال، وكانت الأعمال تختلف، حصل لكل عامل ظل يخصه من ظل العرش بحسب عمله، وسائر المؤمنين شركاء في ظله (^٢)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٦٤).\n(^٢) \"شرح الموطأ\" للزرقاني (٤/ ٣٣٢).","vol":"4","page":473},{"text":"ب<span data-type='title' id=toc-509>بيان أن أفضل الصدقة\nما وافق حاجة المتصدق عليه</span>\n٦٣٣/ ٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: \" أيما مسلم كسا مسلمًا ثوبًا على عري كساه الله من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلمًا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلمًا على ظمإ سقاه الله من الرحقيق المختوم\". رواه أبو داود، وفي سنده لين.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الزكاة\"، باب \" فضل سقي الماء\" (١٦٨٢) من طريق أبي خالد الدالاني، عن نبيح، عن أبي سعيد ﵁، به مرفوعًا.\nوهذا إسناد ضعيف، أبو خالد الدالاني - نسبة إلى بني دالان بطن من همدان - صدوق يخطئ كثيرًا، وكان يدلس (^١).\nونبيح، وهو ابن عبد الله العنزي، ذكره علي بن المديني في جملة المجهولين الذين يروي عنهم الأسود بن قيسٍ. وقال أبو زرعة: (ثقة، لم يرو عنه غير الأسود بن قيس). وقال العجلي: (كوفي، ثقة). وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٢). وصحح الترمذي حديثه، وكذا ابن خزيمة، والحاكم، وابن حبان.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٨٩).\n(^٢) \"الثقات\" (٥/ ٤٨٤)، \"تاريخ الثقات\" ص (٤٤٨)، \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٣٧٢).","vol":"4","page":474},{"text":"والحديث ضعفه الألباني (^١). وقد جاء من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد ﵁ موقوفًا ومرفوعًا. ورجح الترمذي وقفه. وذكره ابن أبي حاتم في \" العلل\" ونقل عن أبيه قوله: (الصحيح موقوف، الحفاظ لا يرفعونه) (^٢).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على الحث على التحلي بهذه المكارم العظيمة، الدالة على محبة البذل والعطاء ابتغاء الأجر والثواب، وعلى أن من فعل شيئًا يجازى بمثله يوم القيامة، ﴿جزاء من ربك عطاء حسابًا﴾ [النبأ: ٣٦]، ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠]، فمن كسا كسي من ثياب الجنة الخضر، وهي أنفس ثيابها وأغلاها، ومن أطعم أطعم من ثمار الجنة، ومن سقى سقي من الرحيق المختوم بالمسك، والرحيق: صفوة الخمر الذي لا غش فيه.\nوالحديث وإن كان إسناده ضعيفًا، لكن معناه صحيح؛ لأن الجزاء من جنس العمل والجنة دار الكرامة ودار النعيم، ودار الجزاء والإحسان، والله تعالى يجازي العامل بعمله وأكثر من عمله تفضلًا منه ﷿.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن أفضل الصدقة ما وافق حاجة في المتصدق عليه، كأن يكسو مسلمًا على عري، وهي الحاجة إلى الثوب لدفع حر أو برد أو لتجمل؛ وإن لم يكن مكشوف العورة، أو يطعم مسلمًا محتاجًا إلى الأكل، أو يسقي مسلمًا على ظمًا فيعطيه ما يشربه أو يتسبب له بوسيلة من سائل التبريد المعروفة، فإنه كلما كانت الحاجة أشد كان النفع أعظم.\nوعلى المسلم أن يتحرى ذلك وينظر ما يناسب كل وقت من الصدقات، فإذا كان وقت الشتاء ناسب التصدق بالأغذية والأغطية والألبسة التي تدفئ الجسم؛ وإن كان صيفًا ناسب التصدق بوسائل التبريد من مكيف وبرادة ماء، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"تخريج المشكاة\" (١/ ٥٩٧).\n(^٢) \"العلل\" (٢٠٠٧).","vol":"4","page":475},{"text":"<span data-type='title' id=toc-510>بيان أي الصدقة أفضل</span>\n٦٣٤/ ٤ - عن حكيم بن حزام ﵁، عن النبي ﷺ قال: \" اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله\". متفق عليه، واللفظ للبخاري.\n٦٣٥/ ٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: \" جهد المقل، وابدأ بمن تعول\". أخرجه أحمد، وأبو داود، صححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث حكيم بن حزام ﵁، فقد أخرجه البخاري في كتاب \" الزكاة\"، باب \" لا صدقة إلا عن ظهر غنى\" (١٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٤) من طريق وهيب (^١)، حدثنا هشام، عن أبيه، عن حكيم بن حزام ﵁، عن النبي ﷺ قال: … فذكره.\nوأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه أحمد (١٤/ ٣٢٤)، وأبو داود في كتاب \" الزكاة\"، باب \"في الرخصة في التصدق بجميع المال\" (١٦٧٧)، وابن خزيمة (٢٤٤٤)، وابن حبان (٣٣٣٥)، والحاكم (١/ ٤١٤) من طريق الليث بن سعد، عن أبي الزبير يحيى بن جعدة، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا.\n_________\n(^١) وهيب بن خالد بن عجلان الباهلي.","vol":"4","page":476},{"text":"وهذا إسناد صحيح. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، لكن تعقبه ابن عبد الهادي فقال: (ليس كذلك فإن يحيى بن جعدة لم يرو له مسلم، ولكن وثقه أبو حاتم وغيره) (^١).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (اليد العليا) هي يد المعطي.\n\nقوله: (اليد السفلى) هي يد السائل، وقد ورد هذا التفسير وما قبله في عدد من الأحاديث مرفوعًا إلى النبي ﷺ.\n\nقوله: (وابدأ بمن تعول) أي: في الإعطاء والإنفاق ابدأ (بمن تعول) وهم أهل بيتك الذين تنفق عليهم.\n\nقوله: (عن ظهر غنى) أي: ما كان المتصدق به غير محتاج إليه لنفقة عياله وأهله، ولا يحتاجه لسداد دين عن نفسه، وقد ذكر الخطابي أن لفظ (الظهر) يزاد في مثل هذا إشباعًا للكلام.\n\nقوله: (ومن يستعفف يعفه الله) أي: من يطلب العفة واجتناب السؤال (يعفه الله) أي: يوفقه للعفاف ويغنيه عما في أيدي الناس، وييسر له حاجته.\n\nقوله: (ومن يستغن يغنه الله) أي: ومن يستغن بما عنده قل أو كثر ويقتنع به، ويقطع الطمع من نفسه، ويظهر الغنى، فإن الله تعالى يرزقه الغنى عن الناس فلا يحتاج إلى أحد، بل يسد حاجته ويقنعه؛ لأن النفس إن أرسلتها استرسلت؛ وإن فطمتها وقفت وانفطمت.\n\nقوله: (جهد المقل) الجهد بالضم: الوسع والطاقة، وبالفتح: المشقة، والمراد هنا الأول، ومعناه: ما يحتمله حال القليل المال. والمقل بضم الميم وكسر القاف: قليل الماء.\nوهذا لا ينافي ما قبله من أن خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى؛ لأن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس في الصبر على الفاقة والشدة والاكتفاء\n_________\n(^١) \"المحرر\" (١/ ٣٨٨).","vol":"4","page":477},{"text":"بأقل الكفاية، وذلك أن من كان ماله أقل ثم جاد فهو أفضل ممن كان ماله كثيرًا، فمن اتسعت أمواله وتصدق بألف دينار فإنها لا تقاس بمن تصدق بدينار يكون هو الفاضل عن حاجته، فإنه كلما دعت الحاجة إلى المال وجاد به كان ذلك دليلًا على رغبته فيما عند الله تعالى وطلب ثوابه ورضوانه.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل الصدقة، والترغيب في البذل والإنفاق.\n\n• الوجع الرابع: الحديث دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يبدأ بنفقة عياله وأهله ومن تجب عليه نفقتهم.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على أن أفضل الصدقة ما كان عن سعة وفضل وغنى بعد أن يؤدي ما يلزمه نحو أهله وأولاده ثم يجود بعد ذلك على البعيدين. قال تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العقو﴾ [البقرة: ٢١٩].\nوالعفو: ما فضل وزاد عن الحاجة، كما قاله غير واحد من السلف (^١).\n\n• الوجه السادس: الحديث دليل على استحباب التعفف عما في أيدي الناس، فلا يطلبه بمقاله ولا بلسان حاله؛ بل يثق بربه ويتوكل عليه، ومن استعف عما في أيدي الناس وجاهد نفسه فإن الله تعالى يغنيه بأن يسد حاجته وخلته، ويجعل في قلبه القناعة والغنى، ومن دعاء النبي ﷺ: \" اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى\" (^٢).\nوالهدى: هو العلم النافع. والتقى: العمل الصالح وترك المحرمات كلها، وهذا صلاح الدين، وتمام ذلك بصلاح القلب وطمأنينته بالعفاف عن الخلق والغنى بالله تعالى، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٧٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٢١) من حديث عبد الله بن مسعود -﵁-.","vol":"4","page":478},{"text":"<span data-type='title' id=toc-511>ما جاء في أن النفقة الواجبة\nمقدمة على التطوع</span>\n٦٣٦/ ٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: \" تصدقوا\"، فقال رجل: يا رسول الله، عندي دينار؟ قال: \" تصدق به على نفسك\" قال: عندي آخر، قال: \" تصدق به على ولدك\"، قال: عندي آخر، قال: \" تصدق به على خادمك\"، قال: عندي آخر، قال: \" أنت أبصر\". رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \" الزكاة\"، باب \" في صلة الرحم\" (١٦٩١)، والنسائي (٥/ ٦٢)، وابن حبان (٨/ ١٢٦)، والحاكم (١/ ٤١٥) من طريق محمد بن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: أمر النبي ﷺ بالصدقة، فقال رجل: يا رسول الله، عندي دينار. فقال: … فذكر الحديث.\nوهذا لفظ أبي داود، ولفظ \" البلوغ\" هو لفظ أحمد (١٢/ ٣٨١)، وفي جميع المصادر جملة سقطت من \"البلوغ\": (قال: عندي آخر. قال: \"تصدق به على زوجك\". لكن في \" المسند\" بعد قوله: \" على نفسك\"، وعند أبي داود بعد قوله: \" على ولدك\".\nوهذا سند حسن. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي.","vol":"4","page":479},{"text":"وهذا فيه نظر، فإنه ليس على شرط مسلم؛ لأن ابن عجلان لم يحتج به مسلم في الأصول، وإنما في الشواهد، وقد نقل الذهبي نفسه عن الحاكم أنه قال عن ابن عجلان: (أخرج له مسلم في كتابه ثلاثة عشر حديثًا كلها شواهد) (^١). وقد ذكر الذهبي أنه صدوق متوسط الحفظ، فهو حسن الحديث.\nوقال الحافظ في \" التقريب\": (صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ﵁).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل النفقة على الزوجة والأولاد ومن تحت يد الإنسان من الخدم ونحوهم ممن يمونهم الإنسان، وأن هذه النفقة بمثابة الصدقة، وأن صاحبها مأجور عليها إذا استحضر النية في ذلك؛ لأن مثل هذه النفقات تكون غابًا بدافع المودة والشفقة، والدافع الغريزي.\nوعن أبي مسعود البدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة\" (^٢).\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك (^٣) \"، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"الميزان\" (٣/ ٦٦٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٥)، ومسلم (١٠٠٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (٩٩٥).","vol":"4","page":480},{"text":"<span data-type='title' id=toc-512>بيان أجر المرأة إذا تصدقت من بيت زوجها</span>\n٦٣٧/ ٧ - عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ: \" إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها، غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما اكتسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئًا\".\nمتفق عليه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع منها: كتاب \" الزكاة\"، في عدة أبواب منها: باب \" من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه\" (١٤٢٥)، ومسلم (١٠٤٢) من طريق شقيق، عن مسروق، عن عائشة ﵂، به مرفوعًا، والحديث ورد بعدة ألفاظ.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه يجوز للزوجة أن تنفق من طعام بيتها ولو لم تستأذن زوجها في ذلك؛ لأن الموضع موضع بيان، ولو كان الإذن شرطًا لبينه الرسول ﷺ.\nوهذا محمول عند الفقهاء من الحنفية والشافعية، والمذهب عند الحنابلة على الشيء اليسير الذي جرت العادة بالسماح به، مثل: الرغيف، وزائد الطعام المطهي، وبقية الفاكهة، ونحو ذلك مما يتسامح فيه الناس، وجرى العرف برضا الزوج في مثله، فيكون إذنه في ذلك حاصلًا ولو لم يتكلم.\nوشرط ذلك أن تكون غير مفسدة؛ أي: بلا إسراف ولا تبذير؛ كإعطاء ما لم تجر العادة بإعطائه، فهذا لا يجوز؛ لأنه قد يخل بنفقة زوجها ومن يعوله.","vol":"4","page":481},{"text":"وقد قيد بالطعام؛ لأن الذي يتسامح به عادة بخلاف النقود؛ فإن إنفاق المرأة منها لا يكون إلا بعد إذن صريح من الزوج.\n\n• الوجه الثالث: ظاهر الحديث أن المرأة إذا أنفقت من طعام بيتها فلها الأجر كاملًا كما أن لزوجها الأجر كاملًا لأن المشارك في الطاعة مشارك في الأجر، فالزوج له نصيب بكسبه، والمرأة لها نصيب بعملها وتصدقه، ومثل ذلك الخادم، ولا يزاحم أحدهما الآخر؛ لأن فضل الله عظيم.\nلكن ورد حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \" إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها عن غير أمره، فلها نصف أجره\" (^١)، وهذا يدل على أن لها نصف الأجر.\nولعل المراد والله أعلم أنها إذا أنفقت بإذن زوجها صار لها الأجر كاملًا، وعلى هذا يحمل حديث عائشة ﵂، وإذا أنفقت بدون إذنه صار لها نصف الأجر؛ فإن عرفت منه عدم الإذن أو صدر منه نهي صريح فليس لها أن تنفق، وليس لها أجر بل عليها وزر؛ لأنها تصرفت في مال غيرها بلا إذنه، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٦٦) واللفظ له، وأخرجه مسلم (١٠٢٦) بزيادة في أوله.","vol":"4","page":482},{"text":"<span data-type='title' id=toc-513>حكم إعطاء الزوجة صدقتها لزوجها</span>\n٦٣٨/ ٨ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاءت زينب امرأة ابن مسعود، فقالت: يا رسول الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي ﷺ: \" صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم\". رواه البخاري.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الزكاة\"، باب \" الزكاة على الأقارب\"، (١٤٦٢) من طريق محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى، ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة، فقال: \" أيها الناس تصدقوا\" فمر على النساء فقال: \" يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار\"، فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟ قال: \"تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء؟ ثم انصرف، فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه، فقيل: يا رسول الله، هذه زينب، فقال: \" أي الزيانب؟ \" فقيل: امرأة ابن مسعود، قال: \" نعم ائذنوا لها\" فأذن لها، قالت: يا نبي الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة … الحديث.\n\n• الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال بجواز صرف الزوجة","vol":"4","page":483},{"text":"زكاتها إلى زوجها المحتاج. وهذا قول الشافعي، وأحمد في الرواية المعتمدة في المذهب، وصاحبي أبي حنيفة، والثوري، وابن المنذر، واختاره الشوكاني. وحملوا هذا الحديث على الصدقة الواجبة، لقولها: (أفيجزئ عني؟) (^١)، كما في رواية البخاري (^٢).\nوحمل آخرون الصدقة في هذا الحديث على صدقة التطوع؛ لقولها: (كان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به) ولم تقل: أتصدق منه أو أزكية؛ ولأن فعلها هذا كان بعد أن سمعت النبي ﷺ يحث على عموم الصدقة، فبادرت ﵂ بما عندها.\nوأما قولها: (أفيجزئ عني) فالمراد به في الوقاية من النار؛ كأنها خافت أن صدقتها على زوجها لا تحقق لها المقصود من تحصيل الثواب ودرء العقاب.\nقال ابن الهمام: (المعنى: هل يكفي التصدق عليه في تحقيق مسمى الصدقة وتحقيق مصودها من التقرب إلى الله تعالى) (^٣).\nوهذا اختيار ابن قدامة، والنووي، وابن حجر، وآخرين. قالوا: المراد بالحديث صدقة التطوع (^٤).\nوالقول الثاني: أنه لا يجوز للزوجة أن تدفع زكاة مالها لزوجها المحتاج، وهذا قول أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد (^٥)؛ لأن الرجل من امرأته كالمرأة من زوجها، فإذ لم يجز له دفع زكاته لامرأته لم يجز لها دفع زكاتها لزوجها.\nوالذي يظهر والله أعلم جواز صرف المرأة زكاتها إلى زوجها لأمرين:\n_________\n(^١) \"الاختيار\" (١/ ١٢٠)، \"المغني\" (٤/ ١٠١)، \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢٩)، \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٩٩).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (١٤٦٦).\n(^٣) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ٢٧١).\n(^٤) \"المغني\" (٤/ ١٠٢)، \"فتح الباري\" (٣/ ٣٣٠)، \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٨٧).\n(^٥) \"المغني\" (٤/ ١٠٠).","vol":"4","page":484},{"text":"١ - عموم قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء …﴾ [التوبة: ٦٠] والزوج إذا كان فقيرًا داخل في هذا العموم؛ لأنه إذا وجد السبب ثبت الحكم إلا بدليل، ومن قال: إن الزوج مستثنى فعليه الدليل، وليس هناك دليل من القرآن ولا من السنة على أن المرأة لا تدفع زكاتها لزوجها.\n٢ - أن ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم، والنبي ﷺ لم يستفصل هذه المرأة عن الصدقة هل هي تطوع أو واجبة؟ فكأنه قال: يجزئ عنك فرضًا كان أم تطوعًا.\nوأما حديث الباب فالظاهر أنه في صدقة التطوع لا في الصدقة الواجبة؛ لأن السياق يرجح ذلك؛ ولأنه ورد في بعض الروايات: \" تصدقن ولو من حليكن\"؛ كما أن قوله: \" زوجك وولدك أحق من تصدقن به عليهم\" يؤيد ذلك؛ لأن الولد لا يعطى من الزكاة الواجبة إذا كان والده ينفق عليه؛ فإن كان الولد فقيرًا والأب عاجز عن نفقه جاز صرف الزكاة إليه على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكر أنه أحد القولين في مذهب أحمد (^١).\n\n• الوجه الثالث: اختلف العلماء في جواز صرف الزوج زكاته إلى زوجته على قوليه:\nالأول: أنه لا يجوز للزوج دفع زكاته إلى زوجته المحتاجة، وهذا قول الجمهور، ومنهم: أبو حنيفة وأصحابه، ومالك وأصحابه، وهو مذهب الحنابلة، والشافعية، بل نقل ابن المنذر فيه الإجماع (^٢)، واستدلوا بأن الزوجة غنية بما على زوجها من النفقة، فتستغني بها عن الزكاة، فإذا دفع إليها الزكاة أغنتها عن النفقة الواجبة، فعاد إليه نفع الزكاة، فكأنه دفعها إلى نفسه.\nوالقول الثاني: أنه يجوز للزوج صرف زكاته إلى زوجته، وهذا وجه مرجوح في مذهب الشافعية، ورواية مرجوحة في مذهب الإمام أحمد (^٣)،\n_________\n(^١) \"الاختيارات\" ص (١٠٤).\n(^٢) \"الإجماع\" ص (٥٢)، \"الاختيار\" (١/ ١٢٠)، \"المغني\" (٤/ ١٠٠)، \"المجموع\" (٦/ ٢٢٩)، \"الخرشي على خليل\" (٢/ ٥٢٢).\n(^٣) \"المجموع\" (٦/ ٢٣٠).","vol":"4","page":485},{"text":"واستدلوا بأنه إذا صرف الزكاة إليها، لا يدفع عن نفسه النفقة؛ لأن نفقتها عوض لازم، سواء أكانت غنية أم فقيرة، لإصار كمن استأجر فقيرًا فإن له دفع الزكاة إليه مع الأجرة.\nوالقول الأول قوي. لكن قد يقال: إن غنى المرأة بوجوب النفقة على زوجها لا يصيرها غنيةً الغنى الذي يمنع من حل الزكاة، فإذا أعطاها شيئًا لا يسقط به حقًا واجبًا جاز، مثل ما لو أعطاها لقضاء دين عليها، فالظاهر الإجزاء؛ لأن قضاء الدين عن زوجته غير واجب عليه، وهذا اختيار بعض فقهاء الحنابلة، والله تعالى أعلم (^١).\n\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"الإنصاف\" (٣/ ٢٦١ - ٢٦٢)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٢٦٨).","vol":"4","page":486},{"text":"<span data-type='title' id=toc-514>ذم المسألة وما فيها من الوعيد</span>\n٦٣٩/ ٩ - عن ابن عمر ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \" ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم\". متفق عليه.\n٦٤٠/ ١٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" من سأل الناس أموالهم تكثرًا، فإنما يسأل جمرًا، فليستقل أو ليستكثر\". رواه مسلم.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عمر ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب \" الزكاة\"، باب \" من سأل الناس تكثرًا\" (١٤٧٤)، ومسلم (١٠٤٠) (١٠٤) من طريق الليث بن سعد، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، أنه سمع أباه يقول: قال رسول الله ﷺ: … وذكر الحديث.\nوأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه امسلم في كتاب \" الزكاة\"، باب \" كراهة المسألة للناس\" (١٠٤١) من طريق محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا.\n\n• الوجه الثاني: في الحديثين دليل على تحريم سؤال الناس وطلبهم أن يتصدقوا عليه من دون حاجة إلى ذلك. وقد ثبت الوعيد العظيم فيمن سأل بلا فقر ولا حاجة؛ وإنما سأل ليكثر ماله ويزيده، وذلك بأنه يعقاب يوم القيامة بأن يأتي وليس في وجهه مزعة لحم؛ أي: قطعة لحم، للدلالة على أنه كان يسأل الناس من دون حاجة، والجزاء من جنس العمل، فحيث كان وجهه هو الذي يسأل ويقابل الناس عند السؤال صار العذاب منصبًا عليه.","vol":"4","page":487},{"text":"كما دل حديث أبي هريرة ﵁ على أن من سأل المال تكثيرًا وجمعًا؛ فإنما يجمع جمرًا يعذب به يوم القيامة من نار جهنم؛ لأنه جمع مالًا حرامًا، ولهذا قال على سبيل التهديد: \" فليستقل أو ليستكثر\".\n\n• الوجه الثالث: مفهوم قوله: \" تكثرًا\" يفيد أنه لو سأل من فقر وحاجة أن ذلك مباح ولا يعاقب عليه؛ لأنه يطلب حقه الذي أباحه له الشرع من زكاة وصدقة تطوع وكفارة، وغير ذلك.\n\n• الوجه الرابع: حرم الإسلام السؤال واتخاذ التسول مهنة وحرفة لمن كان غنيًا بماله الحاضر، أو بغلة عقار يدر عليه ما يكفيه، أو بصنعة تقوم بكفايته، أو بقوة بدنه على العمل إذا تحققت أسبابه؛ لأن في السؤال مع عدم الحاجة آثارًا سيئة ومفاسد عظيمة، منها:\n١ - أن السؤال ذل ومهانة وإهدار لكرامة الإنسان، والسؤال يذهب الحياء حتى لو أعطي السائل، فكيف لو منع؟!\n٢ - أن السؤال تعطيل للقوى والمواهب عن أن تجد وتكدح وتبتكر ما ينفع المجتمع المسلم.\n٣ - أن السؤال وسيلة للخداع والاحتيال؛ لأنه يحمل صاحبه على أن يتزيا بزي الفقراء والمساكين، ويتظاهر بالعاهات والأمراض، ليستثير بذلك عواطف الناس استدرارًا لبرهم وإحسانهم ورحمتهم (^١).\n٤ - أن السؤال فيه جحد لنعمة الله تعالى على عبده وإنكار لها، حيث تشبه بالفقراء والمعدمين، وهذا جحد لنعمة الله وإظهار شكوى؛ لأن لسان الحال كلسان المقال، والمطلوب من العبد إظهار نعمة الله عليه، كما تقدم في باب \" اللباس\".\nفعلى المسلم أن يحذر هذه العادة الذميمة، وأن يتربى على علو الهمة وعزة النفس، والترفع عن الدنايا، ولا يعرض نفسه للهوان والمذلة مع قدرته على العمل والتكسب، وأن يشكر ربه على سلامة البدن وتمام الخلقة وقوة الجوارح، وأن يستغلها فيما ينفع ويفيد، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"من قضايا العمل والمال في الإسلام\" ص (٢٥ - ٢٦).","vol":"4","page":488},{"text":"<span data-type='title' id=toc-515>الحث على العمل وذم المسألة</span>\n٦٤١/ ١١ - عن الزبير بن العوام ﵁ عن النبي ﷺ قال: \" لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة الحطب على ظهره، فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه\". رواه البخاري.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \" الزكاة\"، باب \" الاستعفاف عن المسألة\"، (١٤٧١) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير بن العوام ﵁، عن النبي ﷺ قال: … وذكر الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في الحديث الحث على الكسب والعمل والاستغناء به عن سؤال الناس؛ لأن هذا خير وأفضل من سؤال الناس أعطوه أو منعوه؛ لأن السؤال ذل ومهانة وانكسار، فلا يليق بالمسلم أن يذل نفسه للناس وهو قادر على أن يترفع عن ذلك بالجد والعمل ولو أتعب نفسه وحصلت له المشقة.\nوعلى هذا فقوله: (خير له) أفعل تفضيل ليس على بابه، إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب، بل يرى بعض أهل العلم أن سؤال من هذا حالة حرام، ويحتمل أن أفعل التفضيل على بابه بناءً على اعتقاد السائل، وتسمية الذي يعطاه خيرًا.\nوذكر الاحتطاب في الحديث ليس مرادًا؛ وإنما المقصود طلب الكسب بأي طريق مباح، وكل ميسر لما خلق له، كما هو مشاهد في حياة الناس.\n\n•","vol":"4","page":489},{"text":"الوجه الثالث: اختلف العلماء في أفضل المكاسب على أقوال، ستأتي إن شاء الله تعالى في كتاب \"البيوع\"، والأظهر والله أعلم أن هذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فقد قال النبي ﷺ: \"احرص على ما ينفعك، واستعن بالله\" (^١).\nفعلى المسلم أن يمشي في مناكب الأرض ويبتغي من فضل الله تعالى؛ وأن يدرك تمام الإدراك أن العمل وإن نظر إليه بعض الناس نظر استهانة فهو أفضل من تكفف الناس، وإراقة ماء الوجه بالسؤال، ولا سيما من شاب يتدفق حيوية ونشاطًا، فالعمل والتكسب هو طريق المرسلين، ومنهج الصحابة والتابعين، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٦٤) من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"4","page":490},{"text":"<span data-type='title' id=toc-516>ما يستثنى من ذم السؤال</span>\n٦٤٢/ ١٢ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله صىل الله عليه وسلم: \"المسألة كد يكد بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطانًا، أو في أمر لا بد منه\". رواه الترمذي وصححه.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الترمذي في أبواب \" الزكاة\"، باب \" ما جاء في النهي عن المسألة\" (٦٨١) من طريق عبد الملك بن عمير، عن زيد بن عقبة، عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: … فذكره.\nوقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على ذم المسألة وأنها كد وتعب ونصب يلبسها الرجل وجهه أمام الناس حين يسألهم، فيؤدي ذلك إلى ذهاب ماء الوجه وبهائه، مع ما يحدث للسائل حين السؤال من تقيض وتغير عند المسألة.\nوقد جاء الحديث عند أبي داود (١٦٣٩)، والنسائي (٥/ ١٠٠) بهذا الإسناد بلفظ: \" المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأل ذا سلطان أو في أمر لا يجد منه بدًا\"، وعند النسائي: \" فمن شاء كدح وجهه، ومن شاء ترك\".\nوالكدوح: جمع كدح، وهو كل أثر من خدش أو عض، والمراد هنا ما تقدم من أن السؤال يريق ماء الوجه، ويذهب بهاءه وكرامته، فهو شين في","vol":"4","page":491},{"text":"العرض كالجراحة شين في الوجه، وذلك بما يظهر على السائل من أمارات الذل والهوان.\n\n• الوجه الثالث: استثنى الحديث حالتين يجوز فيهما السؤال:\nالأولى: سؤال السلطان، وهو الإمام الأعظم، فإنه يجوز سؤاله؛ لأنه إنما يسأل مما هو حق له في بيت المال، ولا منة للسلطان على السائل؛ لأنه وكيل، فهو كسؤال الإنسان وكيله أن يعطيه من حقه الذي لديه.\nالثانية: السؤال عند الضرورة، وهو أن يكون ذلك في أمر لابد منه، إما بسبب حمالة تحملها، أو جائحة اجتاحت ماله، أو فاقة أصابته، كما سيأتي في حديث قبيصة بن المخارق ﵁، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":492},{"text":"<span data-type='title' id=toc-517>باب قسم الصدقات</span>\nوفي بعض النسخ: قسمة الصدقات.\nوالغرض من هذا الباب بيان مصارف الزكاة، ومن يعطى منها ومن لا يعطى، وهذا من الأبواب المهمة في كتاب \"الزكاة\"، لمسيس الحاجة إلى معرفة ما يجوز أخذه وما لا يجوز أخذه.\nوقد بين الله تعالى المستحقين للزكاة بنفسه، ولم يكلها إلى أحد سواه، حتى لا تكون هذه الشعيرة العظيمة ألعوبة للعواطف والأهواء، فحصرها الله تعالى في ثمانية أصناف، لا تصرف في سواها.\nقال تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ [التوبة: ٦٠].\nولعل مناسبة ختم الآية بهذين الاسمين من أسمائه الحنسى، هو التنبيه على أن فريضة دفع الزكاة في هذه الأصناف صادر عن علم بمن يستحق، وحكمة في وضعها مواضعها، حتى يطمئن القلب، ولا يبقى محل لاجتهاد مجتهد في دفعها في غير هذه الأصناف.\nوما ذكر المصنف من الأحاديث في هذا الباب هو لبيان الأصناف الذي لا تصرف لهم الزكاة، ومنهم: الأغنياء إلا ما استثنى، والأقوياء المكتسبون، وآل النبي ﷺ، مع ما يأتي في هذا الباب من أحاديث أخرى.\n\n* * *","vol":"4","page":493},{"text":"<span data-type='title' id=toc-518>الغني الذي تحل له الصدقة</span>\n٦٤٣/ ١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها، فأهدى منها لغني\". رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الحاكم، وأعل بالإرسال.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (١٨/ ٩٧)، وأبو داود في كتاب \" الزكاة\"، باب \" من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني\" (١٦٣٦)، وابن ماجه (١٨٤١)، والحاكم (١/ ٤٠٧) كلهم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد ﵁، به مرفوعًا.\nوقد صححه ابن خزيمة (٤/ ٧١)، والحاكم (١/ ٤٠٧)، والبيهقي (٧/ ١٥)، وابن عبد البر (٥/ ٩٦)، والذهبي، والألباني (^١).\nوقد روى هذا الحديث مرسلًا مالك (^٢)، ومن طريقه أبو داود (^٣)، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ مرسلًا. وقد رجح المرسل أبو حاتم، وأبو زرعة (^٤)، والدارقطني (^٥).\n_________\n(^١) \"الإرواء\" (٣/ ٣٧٧ - ٣٧٨).\n(^٢) \"الموطأ\" (١/ ٢٦٦).\n(^٣) \"السنن\" (١٦٣٥).\n(^٤) \"العلل\" (٦٤٢).\n(^٥) \"العلل\" للدارقطني (١١/ ٢٧٠).","vol":"4","page":494},{"text":"الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الغني ليس من أهل الزكاة، ولكن قد تحل له بطرق شرعية نص عليها هذا الحديث، وهي:\n١ - أن يكون من العاملين عليها، وهم الولاة على الزكاة؛ كالساعي، والجابي، والحافظ، والقاسم، ومن معهم من كتبة وحاسبين، فهؤلاء يعطون من الزكاة ولو كانوا أغنياء، لأنهم يعطون للحاجة إليهم لعملهم فيها.\n٢ - غني اشترى الزكاة من المتصدق عليهم بماله، فتحل له لأنه اشتراها بماله، فإن كانت زكاة غيره فشراؤه لها جائز اتفاقًا، وأما شراؤه زكاة نفسه، فالجمهور على كراهته.\n٣ - الغارم، وأصل الغرم في اللغة: اللزوم. وسمي غارمًا؛ لأن الدين قد لزمه. فالغارم من لحقه الغرم، وهو الضمان والإلزام بالمال، وهو نوعان:\nالأول: غارم لإصلاح ذات البين، وذلك بأن يقع بين جماعة عظيمة شر وفتنة، فيتوسط الرجل للإصلاح بينهم، ويلتزم في ذمته مالًا لإطفاء الفتنة، فهذا قد أسدى نفعًا عظيمًا، فكان من المعروف حمله عنه من الصدقة، لئلا يجحف ذلك بسادات القوم المصلحين، أو يوهن عزائمهم عن تسكين الفتن وكف المفاسد.\nالثاني: الغارم لنفسه، وهو من نزلت به مصيبة في المال لا يستطيع احتمالها؛ كوجوب دين عليه في نفقة أو زواج أو علاج أو بناء مسكن، أو أتلف شيئًا لغيره خطأ، أو نزل بماله جائحة، فهذا يعطى وفاء دينه، بشرط أن يكون غير قادر على السداد بنقود أو مرتب أو عروض تجارة؛ وألا يكون مسرفًا بالإنفاق على نفسه.\n٤ - الرابع ممن يعطى ولو غنيًا: الغازي في سبيل الله، ومن يقاتل مجاهدًا لإعلاء كلمة الله تعالى، فيعطى من الزكاة ولو كان غنيًا، ويشترى له السلاح وكل ما يقوم به الجهاد دفاعًا أو هجومًا.","vol":"4","page":495},{"text":"٥ - الغني إذا زار مسكينًا قد تصدق عليه من الزكاة، فأهدى منها لهذا الغني، أو أكل من طعامه، فهذا جائز؛ لأنه هدية من هذا المسكين لهذا الغني، وليست بصدقة عليه، ولولا هذا لامتنع الأغنياء عن زيارة الفقراء، ولكن من رحمة الله تعالى أنه أباح ذلك، وسيأتي ضابط الغنى الذي تحرم معه الزكاة في الحديث الآتي، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":496},{"text":"<span data-type='title' id=toc-519>حكم الصدقة للغني والقوي المكتسب</span>\n٦٤٤/ ٢ - عن عبيد الله بن عدي بن الخيار؛ أن رجلين حدثاه أنهما أتيا رسول الله ﷺ يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر، فرآهما جلدين، فقال: \" إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب\". رواه أحمد وقواه، وأبو داود، والنسائي.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو عبيد الله بالتصغير بن عدي بن الخيار بكسر الخاء بعدها ياء مخففة بن عدي القرشي النوفلي، ولد في حياة النبي ﷺ، وهو من كبار التابعين، ولم يذكره أحد من الصحابة سوى ابن سعد على ما ذكره الذهبي، ولعل ذلك لما قيل من أنه كان عام الفتح صغيرًا مميزًا، قال ابن سعد: (كان ثقة، قليل الحديث). وقال العجلي: (تابعي ثقة من كبار التابعين).\nوفي صحيح البخاري: (أن عثمان ﵁ قال له: أدركت رسول الله ﷺ؟ قال: لا، ولكن خلص إلى من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها) (^١).\nقال الحافظ: (ومراده أنه لم يدرك السماع من النبي ﷺ، ولم يره رؤية المميز له، وإن كان قد ولد في حياته ﷺ)، روى عن عمر وعثمان وعلي والمقدار ووحشي بن حرب وغيرهم ﵃، وقد روى البخاري في \" صحيحه\" قصة رؤيته وحشي بن حرب قاتل حمزة ﵁ وذلك في حمص من بلاد الشام (^٢)،\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٤٠٧٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٥٣).","vol":"4","page":497},{"text":"كانت وفاته بالمدينة سنة خمس وتسعين على ما ذكره ابن حبان (^١).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٣٨/ ١٦٢)، وأبو داود في كتاب \" الزكاة\"، باب \" من يعطى من الصدقة؟ وحد الغنى\" (١٦٣٣)، والنسائي (٥/ ٩٩ - ١٠٠) من طرق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي ﷺ في حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه، فرآنا جلدين فقال: … وذكر الحديث.\nوهذا إسناد صحيح، كما قال النووي (^٢)، وابن عبد الهادي (^٣) ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: (ما أجوده من حديث)، وقال: (هو أحسنها إسنادًا)، وهذا مراد الحافظ بقوله: (وقوه أحمد).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الغني لا تحل له الزكاة؛ لأن أخذ الغني منها من وصوله إلى أهلها، ويخل بحكمة وجوبها، وهو إغناء الفقراء بها، والغنى وصف يختلف باختلاف الزمان والمكان، ولا يمكن تحديده بقدر معلوم من المال، خلافًا لمن حدده بملك ربع النصاب، وهو خمسون درهمًا (^٤)؛ وإنما الغني وجود ما يكفيه ويكفي من يعول، إما من ريصد مال موجود، أو صنعة نافعة، أو تجارة دارة، أو مرتب يتقاضاه، أو نحو ذلك مما يتحقق به اليسار وتحصل به الكفاية، وهذا قول الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية، وابن حزم (^٥).\nفإن لم يكن له مال ولا دخل يكفيه، فهذا من الفقراء والمساكين الذين تحل لهم الزكاة.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن القوي المكتسب لا تحل له الزكاة؛ لأنه غني بكسبه؛ فإن كان قويًا لكنه غير مكتسب لوجود موانع منعته\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٥/ ٦٤)، \"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ٥١٤)، \"الإصابة\" (٧/ ٢٢٣).\n(^٢) \"المجموع\" (٦/ ١٨٩).\n(^٣) \"التنقيح\" (٢/ ١٥٢٢).\n(^٤) انظر: \"معالم السنن\" (٢/ ٢٢٦).\n(^٥) \"فقه الزكاة\" (٢/ ٥٥٤).","vol":"4","page":498},{"text":"من الكسب، كمرض عارض، أو قلة أعمال، أو لأسباب أخرى منعته من الكسب، فإنه يعطى من الزكاة ما يكفيه، وكذا لو كان مكتسبًا ولكنه كسب ضعيف لا يسد حاجته وحاجة من يعول فإنه يعطى أيضًا.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على أن من ظهر منه ما يدل على أنه ليس أهلًا للزكاة لجلادته وقوته ونشاطه، أنه يوعظ ويبين له أن الزكاة لا يحل أخذها مع الغنى والقوة على الكسب؛ لأن النبي ﷺ قلب النظر في هذين الرجلين (فرآهما جلدين) تثنية جلد بفتح فسكون: وهو القوي، مأخوذ من الجلد بفتح الجيم واللام: وهو القوة، ثم قال: \" إن شئتما أعطيتكما\" أي: من الزكاة، ووكلت الأمر إلى ما تعلمانه ما حالكما، ويكون عليكما إثم الأخذ إن كنتما غنيين أو قادرين على الكسب.\nوهذا يدل على مسألتين:\nالأولى: أن المزكي يتحرى ويتحقق ممن يطلب الزكاة، وينظر هل هو يستحقها أو لا؟\nالثانية: أنه يقبل قول الإنسان فيما يخير به عن نفسه من إعسار أو يسار؛ لأن ذلك أمر راجع إليه، فمن أصر على طلبها وأنه من أهلها ونحن لا نعلم خلاف ما يدعي فإننا نعطيه، أما إذا أصر على طلبها ونحن نعلم خلاف ما يدعي فإننا لا نعطيه، والله تعالى أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":499},{"text":"<span data-type='title' id=toc-520>جواز المسألة عند الحاجة</span>\n٦٤٥/ ٣ - عن قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك. ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة؛ فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتًا\".\nرواه مسلم، وأبو داود، وابن خزيمة، وابن حبان.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو قبيصة بفتح القاف بن مخارق بضم الميم الهلالي البصري ﵁، روى عن النبي ﷺ، وروى عنه ابنه قطن، وكنانة بن نعيم، وأبو عثمان النهدي، وغيرهم. قال البخاري وابن حبان: (له صحبة). وقال ابن خزيمة بعد أن ساق حديثه في الكسوف: (ولا أقف ألقبيصة البجلي صحبة أم لا؟) (^١)، قال الحافظ: (وفي الذي وقع عنده من نسبته نظر، فكأنه ظن أنه آخر وليس كذلك)، ثم ساق حديثه عند النسائي، من طريق أبي قلابة، عن قبيصة قال: (كسفت الشمس، ونحن إذا ذاك مع رسول الله ﷺ بالمدينة …) الحديث (^٢).\n_________\n(^١) \"صحيح ابن خزيمة\" (٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠).\n(^٢) \"السنن\" (٣/ ١٤٤)، وانظر: \"الإصابة\" (٨/ ١٣٢).","vol":"4","page":500},{"text":"الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \" الزكاة\"، باب \" من تحل له المسألة\" (١٠٤٤)، وأبو داود (١٦٤٠)، وابن خزيمة (٢٣٦١)، وابن حبان (٨/ ١٩٠) من طريق هارون بن رئاب، حدثني كنانة بن نعيم العدوي، عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة، فأتيت رسول الله ﷺ اسأله فيها، فقال: \" أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها\"، قال: ثم قال: \" يا قبيصة إن المسألة … \" وذكر تمام الحديث، وهذا الحديث قد أعاده الحافظ في كتاب \" البيوع\" آخر باب \" التفليس والحجر\"، وسيأتي هناك بيان مناسبته إن شاء الله.\n\n• الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (حمالة) بفتح لاحاء كسحابة، هي المال الذي يتحمله الإنسان فيستدينه ويدفعه لإصلاح ذات البين، ودفع نزاع قائم بين طائفتين.\n\nقوله: (جائحة) بفتح الجيم، هي الآفة السماوية التي لا صنع للآدمي فيها كالبرد، والسيل، والنار، والفيضان، ونحو ذلك.\n\nقوله: (قوامًا من عيش) وعند مسلم وغيره زيادة: \" أو قال: سدادًا من عيش\" والقوام بكسر القاف، والسداد بكسر السين المهملة: ما يقوم بحاجة الإنسان ويسد به خلته. و\"أو\" للشك.\n\nقوله: (فاقة) أي: فقر شديد اشتهر به بين قومه بعد الغنى.\n\nقوله: (حتى يقوم ثلاثة) أي: يقومون بهذا الأمر فيقولون: لقد أصابت … إلخ.\n\nقوله: (من ذوي الحجا) بكسر الحاء المهملة والقصر: هو العقل، والمعنى: حتى يشهد ثلاثة من قومه من أرباب العقول الراجحة أنه أصابت فلانًا حاجة وفقر، وصارت حالته تدعو إلى العطف.\nواعتبار العقل للتنبيه على أنه ينبغي في المخبر أن يكون متيقظًا عالمًا بما يقول؛ لأن غير المتيقظ لا يوثق بخبره.","vol":"4","page":501},{"text":"واعتبار الثلاثة للاحتياط والمبالغة في إثبات الفاقة، وليكون قولهم أدل على براءة السائل من التهمة في ادعائه الحاجة، وأدعى إلى سرعة إجابته.\n\nقوله: (من قومه) إنما خصوا بكونهم من قومه؛ لأنهم هم العالمون بحاله وهم أخبر بباطن أمره.\n\nقوله: (سحت) بضم السين المهملة، وإسكان الحاء المهملة، هو الكسب الحرام، وسمي سحتًا؛ لأنه يسحت البركة، أي: يذهبها.\nورواية مسلم: \" فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتًا\" بالنصب. قال النووي: (هكذا هو في جميع النسخ: \"سحتًا\"، ورواية غير مسلم: \" سحت\" وهذا واضح، ورواية مسلم صحيحة، وفيه إضمار، أي: اعتقده سحتًا، أو يؤكل سحتًا). ولعل هذا من أسباب إضافة الحافظ أبي داود وابن حبان إلى مسلم، وأما إضافة ابن خزيمة فتفهم مما تقدم.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المسألة لا تحل إلا لأحد هؤلاء الثلاثة:\nالأول: من تحمل حمالة دين عن غيره؛ كمال أصلح بن بين طائفتين، فهذا يعطى من الصدقة تسديد ذلك الدين وإن كان غنيًا، لما في ذلك من الترغيب في مكارم الأخلاق، وكانت العرب إذا تحمل أحدهم حمالة بادروا إلى معونه، وإذا سأل لم يعدوا ذلك نقصًا في قدره، بل هو من مفاخره.\nالثاني: من أصابت ماله جائحة أهلكت ماله، من سيل أو نار أو نحو ذلك، فهذا يحل له السؤال ويجب إعطاؤه ما يقوم به حاله ويسد خلته، ولا يتوقف ذلك على بينة يقيمها على ثبوت حاجته؛ لأن مثل هذه الأشياء لا تخفى آثارها عند وقوعها.\nالثالث: من ادعى أنه أصابته فاقة وحاجة شديدة بعد أن كان غنيًا فإذا شهد له ثلاثة رجال من قومه من ذوي العقول المتيقظة بذلك حلت له المسألة.\nوظاهر الحديث أنه لابد من ثلاثة، وبه استدل من قال: إن الإعسار لا","vol":"4","page":502},{"text":"يثبت إلا بشهادة ثلاثة، وهذا قول ابن خزيمة وبعض أصحاب الشافعي، وذكر ابن قدامة أنه نقل عن أحمد ما يدل عليه (^١).\nوذهب الجمهور إلى أنه يقبل في ذلك عدلان كسائر الشهادات غير الزنا، وحملوا الحديث على الاستحباب (^٢).\n\n• الوجه الخامس: هذا الحديث مخصص بما تقدم في حديث سمرة بن جندب ﵁ من جواز السؤال لداع آخر غير ما ذكر هنا؛ كسؤال الرجل السلطان، ومثل ذلك سؤال المستحق للزكاة حقه منها.\n\n• الوجه السادس: استدل بهذا الحديث بعض العلماء؛ كأبي عبيد على جواز نقل الزكاة من بلد إلى آخر (^٣)، لأن قوله: (أقم حتى تأتينا الصدقة …) يشمل ما يأتي من المدينة وما يأتي من خارج المدينة، لأن عمال الصدقات كانوا يرجعون إلى المدينة بما بقي في أيديهم، فيضعها النبي ﷺ فيما يرى من المصلحة. وتقدم الكلام على ذلك أول كتاب \" الزكاة\"، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٤/ ١٢٨)، \"الطرق الحكمية\" ص (١٧٢).\n(^٢) \"سبل السلام\" (٢/ ٢٨٨).\n(^٣) \"الأموال\" ص (٥٩٢).","vol":"4","page":503},{"text":"<span data-type='title' id=toc-521>حكم الصدقة على بني هاشم وبني المطلب</span>\n٦٤٦/ ٤ - عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد؛ إنما هي أوساخ الناس\".\nوفي رواية: \" وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد\". رواه مسلم.\n٦٤٧/ ٥ - وعن جبير بن مطعم ﵁ قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان ﵁ إلى النبي ﷺ فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله ﷺ: \" إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد\". رواه البخاري.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي القرشي، وقد اختلف هل غير النبي ﷺ اسمه؟ فابن عبد البر يرى أن النبي ﷺ لم يغير اسمه، ورد ذلك الحافظ ابن حجر، ونقل عن الزبير بن بكار، وهو أعلم من غيره ينسب قريش؛ أنه لم يذكر أن اسمه إلا المطلب بن ربيعة، وصوبه أبو القاسم الطبراني، واقتصر عليه ابن عساكر في \" تاريخه\".\nسكن المطلب المدينة، وانتقل إلى الشام في خلافة عمر ﵁، وتوفى في دمشق سنة اثنتين وستين، وله في الصحيحين وغيرهما ثمانية أحاديث، ﵁ (^١).\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٠/ ١٠٣)، \"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ١١٢)، \"الإصابة\" (٦/ ٣٣٦)، \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٣٤١).","vol":"4","page":504},{"text":"الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث عبد المطلب فقد أخرجه مسلم في كتاب \" الزكاة\"، باب \" ترك استعمال آل النبي على الصدقة\" (١٠٧٢) (١٦٧) من طريق مالك، عن الزهري أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حدثه، قال: اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا: والله لو بعثنا هذين الغلامين قالا: لي وللفضل بن العباس إلى رسول الله ﷺ فكلماه، فأمرهما على هذه الصدقات … وساق الحديث بطوله …، وفيه \" إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس … \" الحديث.\nوأخرجه مسلم أيضًا من طريق يونس بن يزيد، عن الزهري، به بنحو حديث مالك، وفيه: \" إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولآل محمد … \" الحديث.\nوأما حديث جبير بن مطعم ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب \" فرض الخمس\"، باب \"ومن الدليل على أن الخمس للإمام\" (٣١٤٠) من طريق الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن جبير بن مطعم، قال: … وذكر الحديث.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الزكاة لا تحل لآل النبي ﷺ الذين هم بنو هاشم. وهاشم: هو الجد الثاني للنبي ﷺ، وذلك لأن عبد مناف له أربعة أولاد: هاشم، والمطلب، وعبد شمس، ونوفل. وبنو هاشم، هم: آل عباس بن عبد المطلب، وآل أبي طالب بن عبد المطلب، وآل الحارث بن عبد المطلب، وآل أبي لهب بن عبد المطلب.\nقال عبد الرحمن بن قدامة: (لا نعلم خلافًا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة …) (^١).\nوقد بين النبي ﷺ الحكمة من ذلك في قوله: \" إنما هي أوساخ الناس\"،\n_________\n(^١) \"الشرح الكبير\" (٧/ ٢٨٩).","vol":"4","page":505},{"text":"والمعنى: أن الزكاة شرعت لتطهير أموال الناس ونفوسهم، فهي كغسالة أوساخهم وما نظف من أدرانهم.\n\n• الوجه الرابع: استدل الشافعي وأتباعه بحديث جبير بن مطعم على أن بني المطلب كبني هاشم لا يعطون من الزكاة، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وذلك لأن لهم نصيبًا من الخمس فيغنيهم عن الزكاة (^١).\nوذهب الجمهور إلى أن بني المطلب يعطون من الزكاة لما يلي:\n١ - عموم الأدلة.\n٢ - أنهم ليسوا من آل محمد، وإنما آل محمد هم بنو هاشم، فلا يدخلون في عموم: \" إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد\".\nوإما إعطاؤهم من الخمس فهو مبني على المناصرة والمؤازرة، لا لمجرد القرابة (^٢)، بدليل أن بني عبد شمس وبني نوفل يساوونهم في القرابة ولم يعطو شيئًا، ولهذا قال عثمان بن عفان ﵁ وهو من بني عبد شمس، وجبير بن مطعم وهو من بني نوفل للنبي ﷺ: أعطيت بني المطلب من الخمس وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة، أي: في قرابتنا لك؛ لأن الجميع من بني عبد مناف كما تقدم، فبين لهم السر في إعطاء بني المطلب، وهو أنهم مع بني هاشم شيء واحد في الجاهلية والإسلام، بخلاف بني نوفل وبني عبد شمس فإنهم صاروا حربًا على بني هاشم لما بعث الله نبيه ﷺ فلم يكن لهم من الفضل والنصرة ما كان لبني المطلب.\nوالنصرة لا تقتضي المنع من الزكاة، ولهذا قال النبي ﷺ: \" إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد\"، وقال: \" إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام\" (^٣).\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٦/ ٢٢٧).\n(^٢) \"المغني\" (٤/ ١١١ - ١١٢).\n(^٣) رواه أبو داود (٢٩٨٠)، والنسائي (٧/ ١٣١)، وابن ماجه (٢٨٨١)، وأحمد (٢٧/ ٣٠٤ - ٣٠٥) من طريق محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن ابن المسيّب، عن جبير بن مطعم -﵁-، وهذا سند حسن. ومحمد بن إسحاق قد صرَّح بالتحديث عند البيهقي في \"السنن\" (٦/ ٣٤١)، فإن صحَّ هذا الظاهر، وإلا فالمعوَّل على ما عند المتقدمين.","vol":"4","page":506},{"text":"وذلك أنه لما حصر بنو هاشم في الشعب وتعاهدت قريش على مقاطعتهم في البيع والشراء والنكاح وغيرها دخل معها بنو المطلب، وقالوا: أنتم إخواننا ولا نرضى نتخلى عنكم، فلهذا جعلهم النبي ﷺ من ذوي القربى، وأعطاهم من الخمس، ولم يعط بني نوفل ولا بني عبد شمس؛ لأنهم لم يناصروهم.\nوهذا هو القول الراجح، فإن النص ورد في بني هاشم، وهم أقرب إلى النبي ﷺ وأشرف، وهم آله، كما تقدم.\n\n• الوجه الخامس: ظاهر قوله ﷺ: \" إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد\" أنه يشمل الصدقة الواجبة، وهي الزكاة، ويشمل صدقة التطوع، إلا أن قوله: \" إنما هي أوساخ الناس\" يدل على أن المراد الصدقة الواجبة لا صدقة التطوع؛ لأنها ليست كذلك، فيجوز لهم أخذها، باستثناء النبي ﷺ؛ فإنه لا يأكل الزكاة ولا صدقة التطوع، وهذا هو مذهب الجمهور (^١).\nويرى بعض أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعض الحنابلة، وبعض الشافعية، وبعض الحنفية، أنه لا بأس بأعطائهم الآن من الزكاة، إذا حرموا من الخمس؛ دفعًا لضرورتهم إذا كانوا فقراء؛ فإن كثيرًا منهم قد يعتريه غرامات وديون، فيعطون عند الحاجة، والجمهور على أنهم لا يعطون مطلقًا؛ لعموم الأدلة، والله تعالى أعلم (^٢).\n\n* * *\n_________\n(^١) \"المغني\" (٤/ ١١٣، ١١٥).\n(^٢) انظر: \"الاختيارات\" ص (١٠٤)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٥٥)، \"فقه الزكاة\" (٢/ ٧٣٢).","vol":"4","page":507},{"text":"<span data-type='title' id=toc-522>حكم الصدقة على موالي بني هاشم</span>\n٦٤٨/ ٦ - عن أبي رافع ﵁؛ أن النبي ﷺ بعث رجلًا على الصدقة من بني مخزوم، فقال لأبي رافع: اصحبني، فإنك تصيب منها، قال: حتى آتي النبي ﷺ فأسأله. فأتاه فسأله، فقال: \"مولى القوم من أنفسهم، وإنا لا تحل لنا الصدقة\". رواه أحمد، والثلاثة، وابن خزيمة، وابن حبان.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو رافع، مولى رسول الله ﷺ، كان من القبط، وقد غلبت عليه كنيه، فلذا اختلف في اسمه، فقال يحيى بن معين: اسمه إبراهيم. وقال ابن عبد البر: أشهر ما قيل في اسمه: أسلم. قيل: إنه كان للعباس فوهبه للنبي ﷺ، وأعتقه لما بشره بإسلام العباس، أسلم أبو رافع قبل قدوم بدر ولم يشهدها، وشهد أحدًا وما بعدها. روى عنه ابناه عبيد الله والحسن، وعطاء بن يسار. توفي بالمدينة قبل.\nعثمان بيسير أو بعده. وقال ابن حبان: مات في خلافة علي ﵁ (^١).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٣٩/ ٣٠٠)، وأبو داود في كتاب \"الزكاة\"، باب \" الصدقة على بني هاشم\" (١٦٥٠)، والترمذي (٦٥٧)، والنسائي (٥/ ١٠٧)،\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١/ ١٥٨) (١١/ ٢٥٠)، و\"الإصابة\" (١١/ ١٢٩).","vol":"4","page":508},{"text":"وابن خزيمة (٢٣٤٤)، وابن حبان (٨/ ٨٨) كلهم من طريق شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن ابن أبي رافع، عن أبي رافع ﵁ أن النبي ﷺ بعث رجلًا على الصدقة … الحديث.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح … وابن أبي رافع هو عبيد الله بن أبي رافع كاتب علي بن أبي طالب ﵁).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الزكاة لا تدفع لموالي بني هاشم، وأن حكمهم حكم أسيادهم في المنع من الزكاة، وذلك لقوله: \" مولى القوم من أنفسهم\".\nوالمعنى: أن احكم عتيق القوم كحكمهم، وشرف أسيادهم يسري إليهم، وهذا مذهب الجمهور، بل نقل ابن عبد البر الإجماع على ذلك (^١)، والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٣/ ٩٠).","vol":"4","page":509},{"text":"<span data-type='title' id=toc-523>جواز أخذ المال إذا جاء من غير إشراف ولا سؤال</span>\n٦٤٩/ ٧ - عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ كان يعطي عمر العطاء، فيقول: أعطه أفقر مني، فيقول: \" خذه فتموله، أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك\". رواه مسلم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \" الزكاة\"، باب \" إباحة الأخذ لمن أعطي من غير مسألة ولا إشراف\" (١٠٤٥) من طريق الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه أن رسول الله صلى لله عليه وسلم كان يعطي عمر بن الخطاب ﵁ العطاء …\nالحديث، وتمامه: قال سالم: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدًا شيئًا، ولا يرد شيئًا أعطيه (^١).\nوقد رواه البخاري (١٤٧٣)، (٧١٦٣)، ومسلم (١٠٤٥) (١١١) على أنه من مسند عمر ﵁.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز أخذ المال إذا جاء لصاحبه من بيت المال من غير إشراف نفس ولا سؤال ما دام أنه من وجه شرعي؛ كأن يكون أعطيه على صفة هدية أو مكافأة على عمل أو على نشاط في العمل، ونحو ذلك، ولو كان الآخذ غنيًا، فيأخذه ويصرفه في وجه الخير فيأكل منه ويتصدق ونحو ذلك.\n_________\n(^١) انظر: \"تحفة الإشراف\" (٥/ ٣٥٨) (٨/ ٥٥)، \"المسند\" (١/ ٢٥٨).","vol":"4","page":510},{"text":"الوجه الثالث: في الحديث منقبة لعمر ﵁ وما هو عليه من الزهد في الدنيا والبعد عن شهواتها وإيثاره غيره على نفسه.\n\n• الوجه الرابع: يحتمل أن هذا الحديث مراد به ما يأتي النبي ﷺ من أموال زائدة كخراج أو جزية أو صدقات تطوع، فيعطي بعض أصحابه منها، ويعطي عمر ﵁ من جملة من يعطيه.\nويحتمل أن المراد بالعطاء أجر عمر ﵁ على عمله على الصدقات، ويؤيد ذلك رواية مسلم: (… إني عملت على عهد رسول الله ﷺ فعملني، فقلت مثل قولك فقال لي رسول الله ﷺ: \" إذا أعطيت شيئًا من غير أن تسأل فكل وتصدق\"، والله تعالى أعلم.\nانتهى الجزء الرابع ويليه بعون الله وتوفيقه\nالجزء الخامس، وأوله: كتاب \"الصيام\"","vol":"4","page":511},{"text":"<span data-type='title' id=toc-524>كتاب الصيام</span>\nالصيام لغة: الإمساك، قال أبو عبيدة: (يقال لكل ممسك عن شيء من طعام أو كلام أو عن أعراض الناس وعيبهم: فهو صائم) (^١)، ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أي: صمتًا، كما قال ابن عباس وغيره (^٢).\nوقال الشاعر:\nخيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ … تحتَ العَجاجِ وأُخرى تَعْلُكُ اللُّجُما\nوالمراد: ممسكة عن السير.\nوشرعًا: الإمساك بنية عن المفطرات، من شخص مخصوص، في وقت مخصوص.\nفقولنا: «الإمساك بنية»، فيه بيان أن الصيام لا بدَّ له من النية، كما سيأتي.\n\nوقولنا: «عن المفطرات» هي الأكل والشرب والجماع، وهذه متفق عليها، وما عداها ففيه خلاف سيأتي - إن شاء الله - في أحاديث الكتاب.\n\nوقولنا: «من شخص مخصوص» هو المسلم المكلف، وتزيد المرأة: غير حائض ولا نفساء.\n\nوقولنا: «في وقت مخصوص» هو من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.\n_________\n(^١) \"مجاز القرآن\" (٢/ ٤)، \"معجم مقاييس اللغة\" (٣/ ٣٢٣).\n(^٢) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٢٢٠).","vol":"5","page":5},{"text":"وقد فرض صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة بالإجماع، وكان فرض الصيام تدريجيًّا، حيث أوجب الله تعالى الصيام على التخيير بينه وبين الإطعام عن كل يوم مسكينًا مع تفضيل الصيام، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] ثم أوجب الله تعالى الصيام في حق غير المريض والمسافر، وقضاءً في حقهما إذا زال العذر.\nوللصوم فوائد عظيمة وحكم كثيرة، منها:\n١ - أن الصيام من أكبر العون على تقوى الله تعالى؛ لأن له تأثيرًا عجيبًا في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة.\n٢ - التعبُّد لله تعالى بترك شهوات النفس ومألوفاتها، وفي هذا يتجلى صدق محبة العبد لربه وتعظيمه له، والتماس رضوانه حيث قدم ما يحبه الله ويرضاه على ما تشتهيه نفسه وهواه.\n٣ - الصوم تربية للإرادة، وجهاد للنفس، وتعويد على الصبر والتحمُّل فيما يعود عليها بالنفع.\n٤ - في الصوم فوائد صحية عظيمة، فهو يطهر البدن من الأخلاط الرديئة، ويكسبه صحة وقوة، وذلك بترتيب أوقات الوجبات، وإراحة جهاز الهضم مدة معينة، كما شهد بذلك الأطباء المختصون، فعالجوا مرضاهم بالصيام.\nوقد ثبت في صيام رمضان فضائل عظيمة، دلت عليها النصوص الصحيحة، وفيه من جزيل الأجر وعظيم الثواب ما لو تصورته نفس صائمة لطارت فرحًا، وتمنَّت أن تكون السنة كلها رمضان.\nولهذه الحِكم وغيرها فرض الله تعالى الصوم على جميع الأمم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].\nلكن لا تحصل هذه الفوائد إلا لمن صام صيامًا كاملًا عن كل ما حرم الله، فصام عن الطعام والشراب والنكاح، وصام عن السماع المحرم، والنظر المحرم، والكلام المحرم، والكسب المحرم، وحفظ وقته واستفاد من أيام الشهر في طاعة ربه، فهذا هو الذي يستفيد من الصيام.","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-526>النهي عن تقدم رمضان بالصوم</span>\n٦٥٠/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلاَّ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا، فَلْيَصُمْهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «لا يُتقدَّم رمضان بصوم يوم ولا يومين» (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢) من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا، وهذا لفظ مسلم.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا تقدموا) أي: لا تسبقوا، وأصله: لا تتقدموا، بتاءين، فحذفت إحداهما تخفيفًا؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧].\n\nقوله: (رمضان) أي: شهر رمضان، سمي بذلك لشدة الرمضاء فيه حين تسميته به، وقيل غير ذلك (^١).\n\nقوله: (يوم ولا يومين) «أو» للتنويع، وليست للشك، ولهذا جاء في مسلم: «بصوم يوم ولا يومين».\n\nقوله: (إلا رجل) بالرفع بدل من الضمير في قوله: «لا تقدموا»، وتخصيص الرجل تغليب، وإلا فالمرأة مثله.\n\nقوله: (يصوم صومًا) أي: معتادًا معينًا؛ كصوم الاثنين - مثلًا ـ.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن الصيام قبل ثبوت دخول رمضان بأن يصوم يومًا أو يومين بقصد الاحتياط لرمضان أو بقصد التطوع،\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٣/ ١٢٦).","vol":"5","page":7},{"text":"وهذا النهي محمول على التحريم - على القول الراجح ـ؛ لأن هذا هو الأصل فيه، إلا بدليل يصرفه عن ذلك، والاقتصار في الحديث على يوم أو يومين؛ لأنه هو الغالب فيمن يقصد ذلك، أما صيام أكثر من ذلك فسيأتي.\nويستثنى من ذلك من كان له عادة بصوم يوم معين؛ كالاثنين أو الخميس، أو يصوم يومًا ويفطر يومًا، فيصادف ذلك قبل رمضان بيوم أو يومين فلا بأس، لزوال المحذور، وكذلك من يصوم واجبًا؛ كنذر، أو كفارة، أو قضاء رمضان الماضي، فكل ذلك جائز؛ لأنه ليس من استقبال رمضان.\nوقد بحث العلماء عن حكمة هذا النهي، فقيل: تمييز فرائض العبادات عن نوافلها، والاستعداد لرمضان برغبة ونشاط، وقيل: لأن حكم الصيام معلَّق برؤية الهلال فالمتقدم عليه مخالف للشرع، ورجح هذا الحافظ ابن حجر (^١).\n\nالوجه الرابع: ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا …»، وظاهره معارض لحديث الباب؛ لأن حديث الباب فيه النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين، فيفهم منه جواز ما قبل ذلك، وهذا الحديث فيه النهي عن الصيام إذا انتصف شعبان، وهو حديث مختلف في صحته - كما سيأتي إن شاء الله في آخر الصيام - وعلى القول بصحته فهو محمول على من يصوم نفلًا مطلقًا ابتداءً من النصف من شعبان، أما من له عادة بصيام الاثنين والخميس، أو صوم يوم وإفطار يوم، أو كان يصل النصف الثاني بالنصف الأول، أو عليه قضاء فلا يدخل في النهي كما تقدم.\nوذكر الطحاوي جمعًا آخر، وهو أن هذا الحديث محمول على من يضعفه الصوم، بحيث يطرأ عليه ضعف يؤثر على صيامه رمضان، وحديث الباب محمول على من يحتاط بزعمه لرمضان (^٢)، وقد نقله عنه الحافظ، وقال: (إنه جمع حسن) (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٢٨).\n(^٢) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٨٤ - ٨٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ١٢٩).","vol":"5","page":8},{"text":"<span data-type='title' id=toc-527>حكم صوم يوم الشك</span>\n٦٥١/ ٢ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ: مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ.\nذَكَرَهُ البُخَارِيُّ تَعْليقًا، وَوَصَلَهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد علَّقه البخاري بصيغة الجزم (٤/ ١١٩ «فتح»)، عن صِلَةَ بن زُفَرَ، عن عمار ﵁، ووصله أبو داود في كتاب «الصيام»، باب «كراهية صوم يوم الشك» (٢٣٣٤)، والنسائي (٤/ ١٣٥)، والترمذي (٦٨٦)، وابن ماجه (١٦٤٥)، وابن خزيمة (١٩١٤)، وابن حبان (٨/ ٣٥١) كلهم من طريق عمرو بن قيس المُلائي، عن أبي إسحاق السبيعي، عن صِلَةَ بن زُفَرَ، قال: كنا عند عمار في اليوم الذي يُشك فيه، فأُتي بشاة مصلية، فتنحى بعض القوم، فقال عمار ﵁: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ».\nقال الترمذي: (حديث عمار حديث حسن صحيح)، وكذا صحَّحه ابن خزيمة، وقال الدارقطني: (هذا إسناد حسن صحيح، ورواته كلهم ثقات) (^١)، كما صححه ابن حبان، والحاكم، وآخرون، ولم أجده في\n_________\n(^١) \"السنن\" (٢/ ١٥٧).","vol":"5","page":9},{"text":"«المسند»، فعزوه للخمسة وهْمٌ من الحافظ ﵀، وقد عزاه ابن عبد الهادي في «المحرر» (^١) لأصحاب «السنن»، وقد أُعلَّ هذا الحديث بما لا يقدح، وهو الانقطاع في بعض رواياته (^٢)، وقد أشار إلى هذا الإعلال ابن عبد الهادي، وقال الحافظ ابن حجر: (وللحديث علة خفية، ذكر الترمذي في «العلل» أن بعض الرواة قال فيه: عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن صلة) (^٣).\nلكن ما دلَّ عليه هذا الحديث من النهي عن صيام يوم الشك قد جاء عن جماعة من الصحابة ﵃، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ في النهي عن تقدم رمضان.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم صيام يوم الشك؛ لأن صيامه معصية للنبي ﷺ، وهذا الحديث له حكم الرفع؛ فإن عمارًا ﵁ لن يحكم بهذا الحكم إلا وعنده علم من النبي ﷺ، ثم هو مؤيد بأحاديث النهي عن استقبال رمضان بالصوم، وأحاديث الأمر بالصوم لرؤيته.\nوالمراد بيوم الشك - على قول الجمهور ـ: يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر، أو غيرهما، فهذا لا يصام؛ لقول النبي ﷺ: «فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» (^٤).\nوهذا نص صريح في أن يوم الثلاثين لا يصام؛ ولأن الأصل بقاء شعبان فلا تكون تلك الليلة من رمضان إلا بيقين، ومن فرَّق بين الغيم والصحو فقال: يصام إذا حال دونه غيم احتياطًا، ولا يصام إذا كان صحوًا، وهذا هو يوم الشك فليس بصحيح، وهذا مذهب الحنابلة، وهو المنصوص عليه في كثير من متونهم، ودليلهم فعل ابن عمر ﵄، كما سيأتي - إن شاء الله ـ.\n_________\n(^١) رقم (٦٤٩).\n(^٢) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٤/ ١٥٩)، \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ٣٢٣).\n(^٣) \"تغليق التعليق\" (٤/ ١٤١).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٩٠٩).","vol":"5","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-528>تعليق الصوم والفطر بالرؤية</span>\n٦٥٢/ ٣ - عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَلِمُسْلِمٍ: «فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ».\nوَلِلْبُخَارِيِّ: «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ».\n٦٥٣/ ٤ - وَلَهُ في حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ».\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عمر ﵄ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «هل يقال: رمضان أو شهر رمضان؟» (١٩٠٠)، ومسلم (١٠٨٠) (٨) من طريق ابن شهاب قال: أخبرني سالم أن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: … وذكر الحديث.\nورواه مسلم (١٠٨٠) (٤) من طريق أبي أسامة، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ بلفظ: «فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ»، ولعل الحافظ أوردها تفسيرًا لقوله: «فاقدروا» على معنى: أبلغوه قدره، وهو تمام الثلاثين يومًا.\nورواه البخاري (١٩٠٧) من طريق مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵄ بلفظ: «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» وهي أوضح.","vol":"5","page":11},{"text":"وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه البخاري في باب (قول النبي ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا …») (١٩٠٩) من طريق شعبة، حدثنا محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة ﵁ …، وذكر الحديث، وفيه: «فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ».\nوقد تكلم العلماء في هذه الزيادة: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» وقالوا: تفرد بها البخاري عن شيخه آدم، وأكثر الرواة عن شعبة قالوا فيه: «فعدوا ثلاثين» قال الإسماعيلي: فيجوز أن يكون آدم رواه على التفسير من عنده (^١).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا رأيتموه) أي: الهلال، فالضمير عائد إلى مفهوم من السياق؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقد ورد في الصحيحين: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلالَ»، والمراد: إذا رآه من تثبت به الرؤية.\n\nقوله: (فإن غُمَّ) بضم الغين المعجمة وتشديد الميم، أي: سُتِرَ الهلال وغُطي بغيم أو قَتَرٍ ونحو ذلك، وفي حديث أبي هريرة ﵁: «فَإِنْ غُبِّي عَلَيْكُمْ» مأخوذ من الغباوة وهي عدم الفطنة، وهي استعارة لخفاء الهلال، وضبطه ابن الملقن بفتح الغين وكسر الباء (^٢).\n\nقوله: (فاقدروا له) بضم الدال أو كسرها، أي: أبلغوه قدره؛ وهو تمام ثلاثين يومًا بدليل الروايات المذكورة، وله تفسير ثانٍ: وهو أن معناه: ضيقوا له، من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]، وتضييق العدد أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يومًا، وسيأتي ذلك.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب صيام رمضان إذا ثبتت رؤية هلاله، وعلى وجوب الفطر إذا ثبتت رؤية هلال شوال، وأن حكم الصوم والفطر معلَّق بالرؤية ولو كانت بواسطة المراصد والآلات التي تكبر المرئيات؛ لأن ذلك رؤية بالعين المشاهدة.\n_________\n(^١) انظر: \"سنن البيهقي\" (٤/ ٢٠٥)، \"نصب الراية\" (٢/ ٤٣٧)، \"فتح الباري\" (٤/ ١٢١).\n(^٢) \"الإعلام\" (٥/ ١٧٢).","vol":"5","page":12},{"text":"الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه لا عبرة بالحساب في إثبات دخول الشهر وخروجه، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره إجماع الصحابة على ذلك (^١)؛ لأن النبي ﷺ علَّق الحكم بالرؤية لا بالحساب، والرؤية يدركها الخاص والعام، والجاهل والعالم، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده، وتيسيره عليهم.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أنه إذا غُمَّ الهلال وسُتِرَ ليلة الثلاثين بغيم أو قتر أنه تكمل عدة شعبان ثلاثين يومًا، ولا يصام يوم تلك الليلة، ويكون معنى قوله: «فاقدروا له» أي: قدروا عدد الشهر، فكملوا شعبان ثلاثين يومًا، لما تقدم من حديث أبي هريرة ﵁: «فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ»، وهذا نص صريح لا يقبل التأويل.\nوذهب جماعة من الحنابلة إلى وجوب الصوم يوم الثلاثين إذا حال دون الهلال غيم أو قتر احتياطًا (^٢)، وفسَّروا قوله: «فاقدروا له» بمعنى: ضيقوا له العدد، من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضُيِّقَ عليه، والتضييق: أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يومًا.\nقالوا: وقد فسر ابن عمر ﵄ هذا الحديث بفعله، وهو راويه، وأعلم بمعناه، وقد روى نافع فقال: (كان عبد الله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يومًا بعث من ينظر، فإن رئي فذاك، وإن لم يُرَ ولم يَحُلْ دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائمًا) (^٣).\nوالقول الأول: هو الصحيح، وهو أنه يجب فطر يوم الثلاثين إذا حال دون الهلال غيم أو قتر لما تقدم، وتفسير الحديث بالحديث أولى، وأما فعل ابن عمر فقد خالف نصًّا، وقول الصحابي إذا خالف نصًّا يُرَدُّ، وهو اجتهاد منه، والاجتهاد يخطئ ويصيب، وتفسير الشارع وبيانه مقدم على تفسير غيره، وابن عمر ﵄ له أفعال انفرد بها، كما ذكر ذلك ابن القيم وغيره، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"الفتاوى\" (٢٥/ ٢٠٧)، \"فتح الباري\" (٤/ ١٢٧).\n(^٢) انظر: \"المغني\" (٤/ ٣٣٠)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٦٩).\n(^٣) هذه الزيادة عند أبي داود (٢٣٢٠)، وأحمد (٨/ ٧١)، والحديث إسناده صحيح.","vol":"5","page":13},{"text":"<span data-type='title' id=toc-529>الاكتفاء بشهادة الواحد في دخول رمضان</span>\n٦٥٤/ ٥ - عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِم.\n٦٥٥/ ٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ، فَقَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلاَّ اللهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟»، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَذِّنْ فِي النَّاسِ يَا بِلَالُ: أَنْ يَصُومُوا غَدًا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عمر ﵄ فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصيام»، باب «في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان» (٢٣٤٢)، وابن حبان (٨/ ٢٣١)، والحاكم (١/ ٤٢٣) من طريق يحيى بن عبد الله بن سالم، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄، به.\nوالحديث رجاله ثقات، إلا يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقد ضعفه ابن معين، وقال النسائي: (مستقيم الحديث) (^١)، وقال الدارقطني: «ثقة مدني، حديثه بمصر» (^٢)، وقال الذهبي: (صدوق) (^٣). ومثله قال ابن حجر في «التقريب».\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٢١٠).\n(^٢) \"سؤالات البرقاني للدارقطني\" (٥٣٠).\n(^٣) \"الكاشف\" (٢/ ٣٦٩).","vol":"5","page":14},{"text":"وقد صحح الحديث ابن حزم (^١)، والنووي (^٢)، والألباني (^٣)، لكن قال الدارقطني في «السنن» (٢/ ١٥٦): (تفرد به مروان بن محمد، عن ابن وهب، وهو ثقة). وقد رواه الحاكم (١/ ٤٢٣)، والبيهقي (٤/ ٢١٢) من طريق هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب به بنحوه. قال الحافظ ابن حجر: (إن كان محفوظًا - أي هذا الطريق - فهو وارد على دعوى الدارقطني في تفرد مروان بن محمد، فيحرر) (^٤).\nوأما حديث ابن عباس فقد أخرجه أبو داود في الباب المذكور، والترمذي (٦٩١)، والنسائي (٤/ ١٣٢)، وابن ماجه (١٤٥٢)، وابن خزيمة (١٩٢٣)، وابن حبان (٨/ ٢٢٩ - ٢٣٠) كلهم من طريق زائدة بن قدامة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، به.\nورواه النسائي (٤/ ١٣٢) من طريق سفيان، وابن أبي شيبة (٣/ ٦٧) من طريق إسرائيل، وأبو داود (٣٤١) من طريق حماد بن سلمة، ثلاثتهم عن سماك، عن عكرمة، عن النبي ﷺ، هكذا مرسلًا.\nوقد رجَّح النسائي رواية الإرسال، وقال: (هذا أولى بالصواب)، ووجه ذلك أن سماك بن حرب مضطرب الحديث، إلا ما انتقاه مسلم من حديثه، ثم هو قد تغير بأخرة، فكان يقبل التلقين (^٥)، وقد اختلف عليه في هذا الحديث، فتارة رواه موصولًا، وتارة رواه مرسلًا، وهذا هو الذي رجَّحه غير واحد من الأئمة؛ كأبي داود والنسائي والدارقطني وغيرهم، لكن يشهد له حديث ابن عمر ﵄ الذي قبله، وهو حديث صحيح، فيتقوى به هذا المرسل.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أنه يكتفى بشخص واحد يخبر برؤية هلال رمضان، سواء أكان ذكرًا أم أنثى، بشرط أن يكون مسلمًا، وهو قول\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٦/ ٢٣٦).\n(^٢) \"المجموع\" (٦/ ٢٧٦).\n(^٣) \"الإرواء\" (٤/ ١٦).\n(^٤) \"إتحاف الخيرة\" (٩/ ٣٨٥)، وانظر: \"نصب الراية\" (٢/ ٤٤٤).\n(^٥) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٢٠٤).","vol":"5","page":15},{"text":"عمر وعلي وابن عمر ﵃ وابن المبارك وهذا هو المشهور عن الإمام أحمد، والصحيح عن الشافعي.\nوالقول الثاني: أنه لا يقبل إلا اثنان، وهو قول عثمان ﵁، والإمام مالك والليث والأوزاعي وإسحاق (^١)، مستدلين بما روى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب الناس في اليوم الذي يُشَكُّ فيه، فقال: (إني جالست أصحاب رسول الله ﷺ وساءلتهم وإنهم حدَّثوني أن رسول الله ﷺ قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَانْسُكُوا لَهَا (^٢)، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» (^٣).\nقالوا: فهذا يدل بمفهومه على أنه لا يكفي الواحد. قالوا: ولأن هذه شهادة على رؤية هلال الصيام، فأشبهت الشهادة على هلال شوال.\nوالقول الأول أرجح، فإن حديث ابن عمر ﵄ نَصٌّ صريح فيجب العمل بمقتضاه، وأما دليلهم فهو عن طريق المفهوم، وحديث ابن عمر ﵄ أشهر منه، وهو دليل بمنطوقه، فيجب تقديمه.\nوأما القياس فهو مع الفارق؛ فإن هلال شوال خروج من العبادة، وهذا دخول فيها، والمطلوب فيه الاحتياط، ومن الاحتياط قبول الواحد.\nوأما الخروج من الصيام فلا يقبل فيه إلا شهادة اثنين عدلين في قول الجمهور؛ لما تقدم في خبر عبد الرحمن بن زيد.\nوالقول الثاني: أنه يقبل قول واحد؛ لأنه أحد طرفي شهر رمضان، أشبه الأول، وهذا قول أبي ثور، وابن المنذر، وابن حزم، ونسبه الخطابي إلى\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (١٠/ ٢٦)، \"المغني\" (٤/ ٤١٦)، \"المجموع\" (٦/ ٢٧٥).\n(^٢) أي: حُجُّوا للرؤية أيضًا، قاله السندي.\n(^٣) أخرجه النسائي (٤/ ١٣٣)، وأحمد (٣١/ ١٩١) وزاد (مسلمان)، والدارقطني (٢/ ١٦٧ - ١٦٨)، وفي سنده عند غير النسائي الحجاج بن أرطاة، قال المزي: (والصواب ذكره)، وهو ضعيف، لكن له شاهد عن بعض أصحاب النبي -ﷺ-، أخرجه أبو داود (٢٣٣٩)، وأحمد (٣١/ ١٢٠)، وقد اختلف في وصله وإرساله.","vol":"5","page":16},{"text":"بعض أهل الحديث (^١). ومال إليه الصنعاني (^٢)، واختاره الشوكاني (^٣).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب ترائي الهلال ليلة الثلاثين من الشهر، لقوله: (تراءى الناس الهلال) ولا سيما من رزقهم الله تعالى حدة في البصر، وهو يدل على أن ذلك هدي أصحاب النبي ﷺ؛ لأن فيه مصلحة عظيمة للمسلمين لما يترتب على رؤيته من الأحكام.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن من رأى الهلال فإنه يخبر برؤيته الإمام أو من ينيبه الإمام في هذا الشأن لإعلانه للناس.\nثم من رأى هلال رمضان وَرُدَّ قوله، فهل يلزمه الصوم؟ قيل: يلزمه، وهو قول أكثر الفقهاء، لقوله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، وهذا قد رآه فيصوم (^٤).\nوالقول الثاني: أنه لا يلزمه الصوم؛ لأن الهلال ما هلَّ واشتهر لا ما رئي، وهذا رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية (^٥).\nفإن رأى هلال شوال وَرُدَّ قوله فإنه لا يفطر؛ لأن هلال شوال لا يثبت شرعًا إلا بشاهدين، وهنا رآه واحد. وهذا قول أحمد، وأبي حنيفة، ومالك (^٦).\nوالقول الثاني: أنه يفطر سرًّا، وهو قول الشافعي، وابن حزم (^٧).\nوالأول أرجح، وهو أنه لا يفطر؛ تبعًا للجماعة، واحتياطًا في باب الصوم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (٣/ ٢٢٦)، \"المحلى\" (٦/ ٢٣٥)، \"المغني\" (٤/ ٤١٩).\n(^٢) \"سبل السلام\" (٤/ ١١٢).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢١٠ - ٢١١).\n(^٤) \"الاستذكار\" (١٠/ ٢٤)، \"المغني\" (٤/ ٤١٦)، \"المجموع\" (٦/ ٢٧٦)، \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٨٠)، \"المدونة\" (١/ ١٩٣).\n(^٥) \"الفتاوى\" (٢٥/ ١١٤).\n(^٦) \"تبيين الحقائق\" (١/ ٣١٨)، \"مختصر خليل\" ص (٥٨)، \"المغني، (٤/ ٤١٦).\n(^٧) \"المحلى\" (٦/ ٢٣٥)، \"المجموع\" (٦/ ٢٨٠).","vol":"5","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-530>بيان أن الصيام لا بدّ له من نية</span>\n٦٥٦/ ٧ - عَنْ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤمِنِينَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَمَالَ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ، وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ.\nوَلِلدَّارَقُطْنِيِّ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اللّيْلِ».\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصيام»، باب «النية في الصيام» (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، والنسائي (٤/ ١٩٦)، وابن ماجه (١٧٠٠)، وأحمد (٤٤/ ٥٣) من طريق عبد الله بن أبي بكر، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن حفصة ﵂، مرفوعًا.\nوليس عند ابن ماجه ذكر ابن شهاب الزهري، وهذا اللفظ لفظ النسائي، وعند الباقين - عدا ابن ماجه ـ: «من لم يُجْمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له»، وهو رواية للنسائي، وأما لفظ ابن ماجه فهو كلفظ الدارقطني الآتي تمامًا. ومعنى: «يُجْمِعْ» أي: يعزم وينوي.\nوهذا الحديث في سنده اضطراب شديد، وقد روي مرفوعًا، رفعه يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن أبي بكر، وتابعه ابن لهيعة عند أحمد (^١)، وأبي داود، ورواه موقوفًا جمع من الثقات، وهم: معمر، والزُّبيدي،\n_________\n(^١) \"المسند\" (٤٤/ ٥٣).","vol":"5","page":18},{"text":"وابن عيينة، ويونس الأيلي، عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن حفصة ﵂، به، وهذا إسناد صحيح.\nوقد رجَّح الموقوف الإمام البخاري، وقال عن رفعه: (إنه خطأ، والصحيح أنه موقوف) (^١)، كما رجح وقفه الدارقطني فقال: (رفعه غير ثابت) (^٢). ونقل ابن تيمية عن الميموني أنه سأل الإمام أحمد عنه، فقال: (أخبرك ما له عندي ذاك الإسناد، إلا أنه عن ابن عمر وحفصة إسنادان جيدان) (^٣).\nوقال النسائي: (الصواب عندنا موقوف، ولم يصح رفعه - والله أعلم ـ؛ لأن يحيى بن أيوب ليس بذاك القوي، وحديث ابن جريج، عن الزهري غير محفوظ، والله أعلم) (^٤).\nكما رجح وقفه الترمذي، وأبو حاتم (^٥)، وابن عبد البر (^٦)، والزيلعي (^٧)، وآخرون.\nووجه ذلك أن مدار الطرق المرفوعة على يحيى بن أيوب، وهو ليس بذاك، كيف وقد خالف الثقات المذكورين.\nورجح رفعه جماعة من الأئمة، منهم: ابن خزيمة (^٨)، وابن حبان (^٩)، والبيهقي (^١٠)، والنووي (^١١).\nوقد جاء وقفه على ابن عمر ﵄ - أيضًا ـ، رواه مالك (^١٢)، عن نافع، عن ابن عمر، به، ومن طريق مالك رواه النسائي (^١٣)، والبيهقي (^١٤)، وإسناده صحيح.\n_________\n(^١) نقله عنه الترمذي في \"العلل\" (١/ ٣٤٩).\n(^٢) \"العلل\" (١٥/ ١٩٤).\n(^٣) \"شرح العمدة\" (١/ ١٨٣).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٧٢).\n(^٥) \"العلل\" رقم (٦٥٤).\n(^٦) \"الاستذكار\" (١٠/ ٣٧).\n(^٧) \"نصب الراية\" (٢/ ٤٣٤).\n(^٨) \"صحيح ابن خزيمة\" (٣/ ٢١٢).\n(^٩) انظر: \"المجروحين\" (٢/ ١٠)، \"فتح الباري\" (٤/ ١٦٩).\n(^١٠) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٠٢).\n(^١١) \"المجموع\" (٦/ ٢٨٩).\n(^١٢) \"الموطأ\" (١/ ١٨٨).\n(^١٣) \"السنن\" (٤/ ١٩٨).\n(^١٤) \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٢٧).","vol":"5","page":19},{"text":"وأما حديث الدارقطني: «لا صِيَام لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اللَّيْلِ»، فقد أخرجه في «السنن» (٢/ ١٧٢) من طريق إسحاق بن حازم، عن عبد الله بن أبي بكر، به، وهو لفظ ابن ماجه - أيضًا ـ.\nولعلَّ الحافظ ذكر هذه الرواية لقوله: «من الليل»، فهو أصرح من قوله: «قبل الفجر».\n\nالوجه الثاني الحديث دليل على أن الصيام لا بدّ له من نية؛ كسائر العبادات، وهذا أمر مجمع عليه، والنية معناها: القصد والإرادة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (اتفق العلماء على أن العبادة المقصودة لنفسها؛ كالصلاة، والصيام، والحج، لا تصح إلا بنية) (^١).\nوذلك لأن الصيام ترك مختص بزمن معلوم؛ ولأن الإمساك قد يكون لمنفعة بدنية، فاحتاج الصيام إلى نية.\nوالصيام الذي لا بدّ له من النية؛ هو صيام رمضان، أو قضاء رمضان، أو صيام النذر، ذكر ذلك الترمذي في «جامعه»، وأما صيام التطوع فسيأتي - إن شاء الله تعالى - بعد هذا.\nوالنية محلها القلب، فمن خطر بباله أنه صائم غدًا فقد نوى، وتصح النية في أي جزء من أجزاء الليل، لقوله: «قبل الفجر» والقبلية تصدق على كل جزء من أجزاء الليل، ويؤيد ذلك رواية ابن ماجه والدارقطني: «من الليل»، ومن دلائل النية قيام الصائم للسحور وتهيئته له وإن لم يقم.\n\nالوجه الثالث: اختلف العلماء هل يلزم لكل يوم نية أو يكفي نية واحدة أول يوم من رمضان؟ على قولين:\nالأول: أنه يجزئ الصائم نية واحدة لجميع الشهر، ما لم يقطع صومه بسفر أو مرض، وهذا مذهب مالك وإسحاق ورواية عن أحمد (^٢)؛ لأن صوم\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (١٨/ ٢٥٧).\n(^٢) \"الاستذكار\" (١٠/ ٣٥)، \"المغني\" (٤/ ٣٣٧).","vol":"5","page":20},{"text":"الشهر عبادة واحدة لا بد منها، والرسول ﷺ يقول: «ولكل امرئ ما نوى» وهذا نوى صيام الشهر والتتابع، فله ما نوى.\nالقول الثاني: أنه يلزم الصائم نية مستقلة لكل يوم، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه (^١)، واستدلوا بحديث الباب؛ بقوله: «قبل الفجر»، وقوله: «من لم يبيت»، وظاهر ذلك أن لكل ليلة نية مستقلة؛ لأن صوم كل يوم عبادة مستقلة، يدل على ذلك أن فساد صيام بعض أيام الشهر لا يفسد بعضها الآخر؛ ولأنه يتخلل صوم أيام الشهر ما ينافيها؛ إذ يباح في الليل الطعام والشراب والجماع.\nوثمرة الخلاف تظهر فيمن نام بعد العصر في رمضان، ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر من الغد، فعلى القول الأول يصح صومه لهذا اليوم؛ لأن النية الأولى في أول الشهر كافية، والأصل بقاؤها، وعلى القول الثاني لا يصح صومه؛ لأنه لم يبيِّت صيام هذا اليوم من الليل، والله تعالى أعلم (^٢).\n_________\n(^١) \"الهداية\" (١/ ١١٨)، \"المغني\" (٤/ ٣٣٧)، \"المجموع\" (٦/ ٣٠٢).\n(^٢) انظر: \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٧٠).","vol":"5","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-531>حكم نية صوم التطوع من النهار، وحكم قطعه</span>\n٦٥٧/ ٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟»، قُلْنَا: لَا، قَالَ: «فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ»، ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: «أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا»، فَأَكَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «الصيام»، باب «جواز النافلة بنية من النهار قبل الزوال، وجواز فطر الصائم نفلًا من غير عذر» (١١٥٤) (١٧٠) من طريق وكيع، عن طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين ﵂، به.\nورواه - أيضًا - من طريق عبد الواحد بن زياد، حدثنا طلحة، بلفظ: أن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ ذات يوم: «يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» قالت: فقلت: يا رسول الله، ما عندنا شيء، قال: «فَإِنِّي صَائِمٌ»، قالت: فخرج رسول الله ﷺ فَأُهْدِيَتْ لنا هدية أو جاءنا زَوْرٌ (^١)، قالت: فلما رجع رسول الله ﷺ، قلت: يا رسول الله، أهديت لنا هدية أو جاءنا زور، وقد\n_________\n(^١) الزور: -بفتح الزاي-: الزُوَّار، وهو يطلق على الواحد والاثنين والجمع. والمعنى: جاءنا زائرون ومعهم هدية خبأت لها منها، أو جاءنا زور فأُهدي لنا بسببهم هدية. انظر: \"شرح النووي\" (٩/ ٢٨٢).","vol":"5","page":22},{"text":"خبأت لك شيئًا، قال: «مَا هُوَ؟» قلت: حَيْسٌ، قال: «هَاتِيهِ» فجئت به فأكل، ثم قال: «قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا».\n\nالوجه الثاني الحديث دليل على أن صوم التطوع لا يلزم فيه تبييت النية من الليل، وإنما يجوز بنية من النهار، لقوله: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟»، قلنا: لا، قال: «فَإِنِّي صَائِمٌ …»، وظاهره أنه أنشأ الصيام في الحال، بدليل رواية البيهقي الآتية.\nوهذا مذهب الجمهور، وهو قول جماعة من الصحابة؛ كعلي وابن مسعود ﵄، ونقله البخاري عن أبي الدرداء وأبي طلحة وأبي هريرة وابن عباس وحذيفة، بل رواه ابن حزم عن عشرة من الصحابة ﵃ (^١). وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وجمهور السلف (^٢).\nوشرط صحة صيام النفل من النهار ألا يأتي بمنافٍ للصوم قبل أن ينوي، من أكل أو شرب أو جماع؛ فإن فعل شيئًا من ذلك لم يصح صومه؛ لأنه تناول مفطرًا بعد الفجر.\nوذهبت المالكية، وداود الظاهري، وابن حزم، والمزني - من الشافعية - إلى أنَّ تبييت النية شرط في صحة صوم النفل، ومال إلى هذا القول الصنعاني (^٣)، مستدلين بعموم الحديث المتقدم: «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له».\nوأجاب ابن حزم عن حديث الباب بأن النبي ﷺ قد نوى الصيام قبل الفجر، لقوله ﷺ: «قد كنت أصبحت صائمًا»، ولمَّا لم يجد طعامًا واصل صيامه، فلما أُخبر بوجود الطعام أفطر.\nوالقول الأول أرجح؛ لما تقدم من الحديث؛ ولأنه ورد عن الصحابة\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٦/ ١٧٢).\n(^٢) \"الاستذكار\" (١٠/ ٣٥)، \"المحلى\" (٦/ ١٧٠)، \"المجموع\" (٦/ ٢٩٢)، والغريب أن ابن حزم لا يرى صوم النفل من النهار مع أنه روى حديث عائشة -﵂-، ورواه عن عشرة من الصحابة -﵃- كما تقدم.\n(^٣) \"الأم\" (٢/ ٣٥)، \"الهداية\" (١/ ١١٩)، \"المغني\" (٦/ ٣٤٠)، \"المجموع\" (٦/ ٣٠٢)، \"سبل السلام\" (٢/ ٣٠٤).","vol":"5","page":23},{"text":"الذين ذكرهم البخاري، وروى ابن حزم أقوالهم أنهم كانوا يصومون بنية من النهار، وهم أعلم منا بالتنزيل وبمراد الرسول ﷺ؛ ولأنه ورد في رواية البيهقي من حديث عائشة المذكور: «إذن أصوم» (^١). فهذه تكاد تكون صريحة في أن الرسول ﷺ صام بنية من النهار.\nلكنهم اختلفوا في وقت النية من النهار، فورد عن ابن عباس، وابن عمر، وأنس، وابن مسعود ﵃ تحديد منتصف النهار كحد أقصى، ولا يجوز أن ينوي الصوم بعده، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه (^٢).\nوذهب الشافعي في الجديد وأحمد إلى صحة صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده؛ لأن النصوص الدالة على جواز الصوم بالنية من النهار لم تفرق بين إحداث النية قبل الزوال وبعده.\nوقد اختلف العلماء: هل يثاب ثواب يوم كامل، أو لا يثاب إلا من النية؟ قولان:\nالأول: أنه لا يثاب إلا من وقت النية فقط، وهذا قول الشافعية والحنابلة (^٣)، لقوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا لم ينو الصوم إلا بعد مضي جزء من النهار، فليس له من الثواب إلا المقدار الذي نواه.\nوالقول الثاني: أنه يثاب على النهار كله، وهذا قول الحنفية، وبعض فقهاء الحنابلة (^٤)؛ لأن هذا أمسك النهار كله وأخَّر النية.\nوالأول أقوى من جهة الدليل، والثاني أقرب إلى سعة فضل الله، والله تعالى أعلم.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على جواز قطع صوم التطوع وأنه لا يجب إتمامه ولو بدون عذر، لكن ينبغي للصائم مراعاة المصلحة في إمضاء صومه أو فطره؛ فإن حقق فطره مصلحة أفطر، كما أفطر النبي ﷺ لما وجد\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٠٣)، وقال: (هذا إسناد صحيح).\n(^٢) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٣/ ٢٨).\n(^٣) \"المغني\" (٦/ ٣٤٢)، \"النيات في العبادات\" ص (١٩٣).\n(^٤) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ٣١٢)، \"الهداية\" لأبي الخطاب (٢/ ٥١)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٩٨).","vol":"5","page":24},{"text":"من الأكل ما يعينه على طاعة الله تعالى، وكما لو نزل به ضيف، أو دعاه أخوه المسلم إلى وليمة والمصلحة تقتضي إفطاره؛ فإن لم يوجد مصلحة فالأفضل إتمام الصوم.\nوقد ورد عن أم هانئ ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر» (^١).\nوقد أخرج النسائي حديث عائشة ﵂ المذكور في الباب، بزيادة: «إنما مثل صوم المتطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها» (^٢) والظاهر أنها زيادة غير محفوظة، وقد جاءت عند مسلم من كلام مجاهد إثر حديث الباب.\nوالقول بجواز قطع صوم التطوع وأنه لا يلزم القضاء هو مذهب أحمد والشافعي وإسحاق (^٣)، لما تقدم من الأدلة.\nوقال النخعي وأبو حنيفة ومالك: يلزم بالشروع فيه، ولا يقطعه بلا عذر، فإن قطعه بلا عذر قضى، وعن مالك لا قضاء عليه (^٤)، واستدلوا بحديث عائشة ﵂ قالت: (كنت أنا وحفصة صائمتين، فعرض لنا طعام فاشتهيناه، فأكلنا منه، فجاء رسول الله ﷺ، فقالت حفصة: يا رسول الله إنا كنا صائمتين، فعرض لنا طعام فاشتهيناه فأكلنا منه، قال: «اقضيا يومًا آخر مكانه» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٣/ ٣٦٥)، وذكر أنه مضطرب، ورواه البيهقي (٤/ ٢٧٦)، وصححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي، وحسنه الحافظ العراقي في \"تخريج أحاديث الإحياء\" (٢/ ٢٣١)، والحديث له طرق يقوي بعضها بعضًا، على ما ذكره الألباني في \"آداب الزفاف\" ص (٨٤).\n(^٢) \"سنن النسائي\" (٤/ ١٩٣).\n(^٣) \"المغني\" (٦/ ٤١٠)، \"المجموع\" (٦/ ٣٩٢).\n(^٤) \"الهداية\" (١/ ١٢٧)، \"بداية المجتهد\" (٢/ ١٩٩).\n(^٥) أخرجه الترمذي (٧٣٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٣/ ٣٦٢)، وأحمد (٤٢/ ٢٠) من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة، به، وهذا الحديث قد اختلف فيه على الزهري كما ذكر الدارقطني في \"العلل\" (١٥/ ٤٠)، قال الترمذي: (ورواه مالك بن أنس، ومعمر، وعبيد الله بن عمر، وزياد بن سعد، وغير واحد من الحفاظ عن الزهري، عن عائشة -﵂- مرسلًا، ولم يذكروا فيه عن عروة، وهذا أصح؛ لأنه روي عن =","vol":"5","page":25},{"text":"والقول الأول أرجح لقوة دليله، وأما حديث عائشة فعنه جوابان:\n١ - أنه حديث ضعيف، والحفاظ على إعلاله.\n٢ - أن القضاء فيه محمول على الاستحباب، كما يقول ابن القيم؛ لأن بدل الشيء في أكثر أحكام الأصول يَحُلُّ محل أصله، والصيام كان في الأصل مخيرًا فيه، فكذلك في البدل، وهو القضاء (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n= ابن جريج قال: (سألت الزهري؛ قلت له: أحدَّثك عروة، عن عائشة؟ قال: لم أسمع من عروة في هذا شيئًا، ولكني سمعت في خلافة سليمان بن عبد الملك من ناس عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث).\nوقد أخرجه مرسلًا النسائي في \"الكبرى\" (٣/ ٣٦٤)، وفيه علة أخرى، وهو أنه عند أبي داود (٢٤٥٧)، والنسائي (٣/ ٣٦١) من رواية ابن شريح، عن يزيد بن الهاد، عن زُميل مولى عروة، عن عروة، عن عائشة، وقد قال البخاري في \"تاريخه\" (٣/ ٤٥٠): (لا يعرف لزميل سماع من عروة، ولا ليزيد من زميل، ولا تقوم به حجة).\n(^١) \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ٣٣٦).","vol":"5","page":26},{"text":"<span data-type='title' id=toc-532>استحباب تعجيل الإفطار</span>\n٦٥٨/ ٩ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n٦٥٩/ ١٠ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ: مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللهُ ﷿: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا».\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول في تخريجهما:\nأما حديث سهل بن سعد ﵄، فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «تعجيل الإفطار» (١٩٥٧)، ومسلم (١٠٩٨)، من طريق مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵄، به.\nوأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه الترمذي في أبواب «الصوم»، باب «ما جاء في تعجيل الإفطار» (٧٠٠) من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، به.\nوهذا الحديث تفرد به الترمذي عن بقية أصحاب السنن، وقال: (حديث حسن)، وقد رواه الإمام أحمد (١٢/ ١٨٢).\nوإسناده ضعيف؛ لأن الجمهور على تضعيف قرة بن عبد الرحمن شيخ الأوزاعي، قال الإمام أحمد: (منكر الحديث جدًّا)، وقال ابن معين: (ضعيف الحديث)، وقال أبو زرعة: (الأحاديث التي يرويها مناكير). وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (^١).\n_________\n(^١) (٧/ ٣٤٢).","vol":"5","page":27},{"text":"الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب تعجيل الإفطار والمبادرة به حين حلول وقته، وهو غروب الشمس، وهذا هو هدي النبي ﷺ، فيجب اتباع هديه والتمسك بسنته.\nوفي تعجيل الإفطار تيسير على الناس، وبُعد عن صفة التنطع والغلو في الدين، وقد امتثل هذا الأدب خير القرون صحابة رسول الله ﷺ، قال البخاري: (وأفطر أبو سعيد حين غاب قرص الشمس) (^١).\nوقال عمرو بن ميمون الأودي ﵀: (كان أصحاب محمد ﷺ أسرع الناس إفطارًا، وأبطأهم سحورًا) (^٢).\nفعلى المسلم أن يحرص على تطبيق هذه السنة، وهي تعجيل الإفطار، ومن وسائل ذلك أن يتفرغ الصائم آخر النهار لتلاوة القرآن والذكر والدعاء، ولا يخرج من منزله إلا لما لا بدَّ منه، لئلا يفوِّت على نفسه هذه الخيرات، وقد يؤذن المؤذن للإفطار وهو في الطريق إلى منزله، فيأتي ثائر النَّفَسِ، قد أضاع وقت الدعاء، وفوَّت المبادرة بالإفطار. والله المستعان.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٩٦).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٢٢٦)، وقال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" (٤/ ١٩٩): (إسناده صحيح).","vol":"5","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-533>الترغيب في السُّحور</span>\n٦٦٠/ ١١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «بركة السحور من غير إيجاب» (٦٦٠)، ومسلم (١٠٩٥) من طريق شعبة، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، قال: سمعت أنس بن مالك ﵁، به.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن الصائم مأمور بالسُّحور؛ لأن فيه خيرًا كثيرًا وبركة عظيمة دينية ودنيوية، وذِكْره ﷺ للبركة من باب الحض على السحور والترغيب فيه.\nوالسَّحور: بفتح السين؛ ما يؤكل وقت السحر، وهو آخر الليل، وبضم السين: الفعل، وهو أكل السحور.\nوهذا الأمر في هذا الحديث أمر استحباب لا أمر إيجاب، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك (^١)، بدليل أن النبي ﷺ واصل وواصل أصحابه معه، والوصال: أن يصوم يومين فأكثر ولا يفطر، بل يصوم النهار مع الليل، كما سيأتي - إن شاء الله ـ.\n\nالوجه الثالث: أن في السحور بركة دينية ودنيوية، وهي امتثال أمر\n_________\n(^١) \"الإجماع\" ص (٥٢)، \"المجموع\" (٦/ ٣٣٠).","vol":"5","page":29},{"text":"النبي ﷺ والاقتداء به، والمتسحِّر إذا نوى بسحوره امتثال أمر النبي ﷺ والاقتداء به كان سحوره عبادة، ويحصل له به أجر بهذه النية.\nوفي السحور مخالفة أهل الكتاب - اليهود والنصارى - قال النبي ﷺ: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور» (^١).\nومن بركة السُّحور التَّقَوِّي على العبادة وحفظ قوة البدن ونشاطه، فإن المتسحِّر أقوى على وظائفه اليومية من غير المتسحر.\nومن بركة السُّحور القيام آخر الليل للذكر والدعاء والصلاة، وذلك مظنة الإجابة.\nوعلى هذا فينبغي الحرص على السُّحور وعدم تركه ولو كان الإنسان لا يشتهيه؛ فإنه يحصل بأقل ما يتناوله الإنسان من مأكول أو مشروب، ولو بجرعة لبن، ليحصل على هذه البركة والفوائد العظيمة، والله المستعان.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠٩٦).","vol":"5","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-534>ما يستحب الإفطار عليه</span>\n٦٦١/ ١٢ - عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرِ الضَّبِّيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو سلمان بن عامر بن أوس بن حُجْر الضَّبي، له صحبة، ونقل ابن الأثير عن الإمام مسلم أنه ليس في الصحابة ضبي غيره، وكذا قال ابن عبد البر، ورد ذلك الحافظ ابن حجر بأنه قد وجد من الصحابة جماعة ممن لهم صحبة أو اختلف في صحبتهم من بني ضبة، منهم يزيد بن نعامة، وذكر آخرين. عاش سلمان ﵁ إلى خلافة معاوية (^١) ﵁.\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصيام»، باب «ما يفطر عليه» (٢٣٥٥)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٣٧٠)، والترمذي (٦٥٨ - ٦٩٥)، وابن ماجه (١٦٩٩)، وأحمد (٢٦/ ١٦٣ - ١٦٤)، وابن خزيمة (٣/ ٢٧٨)، وابن حبان (٨/ ٢٨١ - ٢٨٢)، والحاكم (١/ ٤٣١) كلهم من طريق حفصة بنت سيرين، عن الرَّبَاب الضبية، عن سلمان بن عامر الضبي ﵁، به.\nوفي هذا الإسناد اختلاف، فمنهم من ذكر الرباب، ومنهم من أسقطها،\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٨/ ٣١٣)، \"الاستيعاب\" (٤/ ٢٢٠)، \"أسد الغابة\" (٢/ ٤١٦)، \"الإصابة\" (٤/ ٢٢٢).","vol":"5","page":31},{"text":"كما عند النسائي (^١)، وهي إحدى روايات الإمام أحمد (^٢)، وابن حبان (^٣)، فيكون السند منقطعًا؛ لأن حفصة بنت سيرين لم تسمع من سلمان بن عامر، بينهما الرباب، كما في الروايات الأخرى.\nوالرباب هي ابنة صُليع - بالضم - الضبية العدوية، روت عن عمها سلمان بن عامر، وروت عنها حفصة بنت سيرين، ولم يوثقها إلا ابن حبان (^٤)، وقد صحح الترمذي حديثها في موضع (^٥)، وحسنه فقط في موضع آخر (^٦)، كما صحح بعض أوجه الاختلاف أبو حاتم (^٧)، وصحح حديثها - أيضًا - ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وعلَّق لها البخاري (^٨)، فلعل حالها تقوى بهذه الاعتبارات، ولحديثها شاهد من حديث أنس ﵁.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الإفطار على تمر، وهو يابس ثمر النخل، وقد ورد في حديث أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يفطر على رُطَبَاتٍ قبل أن يصلي؛ فإن لم يكن رطبات فتمرات؛ فإن لم يكن تمرات حسا حسوات من ماء) (^٩).\nفهذا يدل على أن الأفضل هو الرُّطَب إن تيسر؛ لأنه أشهى وأنفع في وقته، ثم التمر عند عدم الرطب، ثم الماء عند عدم التمر، لقوله ﷺ: «فإنه طهور».\nوقد أثبت الطب الحديث الفائدة العظمى من كون الصائم يفطر على\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٧٠).\n(^٢) \"المسند\" (٢٦/ ١٧٦).\n(^٣) \"صحيح ابن حبان\" (٨/ ٣٨١).\n(^٤) \"الثقات\" (٤/ ٢٤٤).\n(^٥) \"جامع الترمذي\" (٦٩٥).\n(^٦) \"جامع الترمذي\" (٦٥٨).\n(^٧) \"العلل\" (٦٨٧).\n(^٨) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٥٠٤).\n(^٩) أخرجه أبو داود (٢٣٥٦)، والترمذي (٦٩٦)، وأحمد (٣/ ١٦٤) من طريق عبد الرزاق، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا ثابت، عن أنس -﵁-. قال الترمذي: \"هذا حديث حسن\" وفال الدارقطني في \"السنن\" (٢/ ١٨٥): (هذا إسناد صحيح)، وأعله أبو حاتم كما في \"العلل\" (١/ ٢٢٤)، وابن عدي كما في \"الكامل\" (٢/ ١٤٩) (٥/ ٧٥) بتفرد عبد الرزاق به عن جعفر، وتفرد جعفر به عن ثابت، وقد روي عن أنس -﵁- من طرق أخرى، ولعلها باجتماعها يشد بعضها بعضًا.","vol":"5","page":32},{"text":"تمر؛ بل قبل ذلك العلامة ابن القيم، فذكر أن فطر النبي ﷺ على الرطب أو التمر أو الماء تدبير لطيف جدًّا (^١)، ذلك أن الصائم يستنفد في نهاره عادةً معظم وقود جسده، ويكون قد انخفض عنده سكر الدم، ولا سيما في آخر نهار الصيام، الذي من أدلته ما يشعر به الصائم من ضعف وكسل، وبالفطر على الرطب أو التمر يعود البدن إلى نشاطه؛ لأن المعدة تستطيع هضم المواد السكرية في التمر، فيستفيد الجسم منها في أقصر وقت، مع ما في التمر من الفوائد العظيمة، والمواد اللازمة للجسم، وفي هذا - أيضًا - فائدتان أخريان:\nالأولى: أن المعدة لا ترهق بما يقدم إليها فجأة من صنوف الأطعمة الحارة بعد نهار الصيام، بل يرد عليها بالتدريج، وذلك بالإفطار على الرطب أو التمر، ثم الفصل بصلاة المغرب، ثم تناول الطعام بلا إسراف.\nالثانية: أن الاقتصار على التمر عند الإفطار يحدُّ من جشع الصائم فلا يُقبل على طعامه يلتهمه دون مضغ أو تذوق (^٢)، فإن هذا مع أنه خلاف السنة - أيضًا - يشغل كذلك عن المبادرة بحضور صلاة المغرب مع الجماعة، بل قد تفوت بالكلية.\nفإن لم يجد الصائم تمرًا أفطر على الماء، والماء يطفئ لهيب المعدة وحرارة الصوم، وينظفها، كما قرر ذلك الطب الحديث.\n_________\n(^١) انظر: \"زاد المعاد\" (٤/ ٣١٣).\n(^٢) انظر: \"الغذاء لا الدواء\" ص (١٢٦).","vol":"5","page":33},{"text":"<span data-type='title' id=toc-535>حكم الوصال في الصوم</span>\n٦٦٢/ ١٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تُوَاصِلُ؟ قَالَ: «وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِيني»، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُم يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ، فَقَالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُّكُمْ» كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «التنكيل لمن أكثر الوصال» (١٩٦٥)، ومسلم (١١٠٣)، من طريق الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ﵁ قال .. وذكر الحديث.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (نهى) النهي: طلب الترك ممن دون الطالب.\n\nقوله: (الوصال) هو وصال الصائم بين يومين لا يفطر في الليل.\n\nقوله: (إنك تواصل) جملة تعليلية لوصالهم، أي: أننا واصلنا لأنك تواصل، وأنت أسوتنا.\n\nقوله: (يطعمني ربي ويسقيني) جملة تعليلية لبيان الفرق بينهم وبينه، المانع من الأسوة فيه، والمراد بالطعم والسقي: ما يعطيه الله تعالى له من قوة الطاعم والشارب لاستغنائه عن الطعام والشراب بما فيه قلبه من ذكر الله تعالى والأنس بمناجاته فلا يتأثر بالوصال، وأما غيره ﷺ فلا يحصل له ذلك، وليس","vol":"5","page":34},{"text":"الحديث على ظاهره وهو أنه طعام وشراب حسي؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلًا.\n\nقوله: (لو تأخر لزدتكم) أي: لو تأخر الشهر لزدتكم في الوصال إلى أن تعجزوا عنه فتسألوا التخفيف عنكم بتركه.\n\nقوله: (كالمنكل لهم) أي: كالمعاقب لهم، وقد ورد في حديث أنس ﵁، قال: واصل النبي ﷺ آخر الشهر وواصل أناس من الناس، فبلغ النبي ﷺ، فقال: «لَوْ مُدَّ بي الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ …» الحديث (^١).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الوصال في الصيام منهي عنه، والحكمة من النهي عنه؛ ما فيه من الضرر الحاصل أو المتوقع، وإنهاك البدن، وإحداث الملل، والتعرض للتقصير في بعض وظائف الدين من إتمام الصلاة والإكثار من تلاوة القرآن، أو الوظائف الأخرى، وهي الأعمال اليومية التي كلف بها الإنسان.\nوقد اختلف العلماء في حكم الوصال على ثلاثة أقوال:\nالأول: أن الوصال محرم، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة؛ أبي حنيفة ومالك والشافعي (^٢)، وعزاه ابن الملقن إلى الجمهور (^٣)، وصرح ابن حزم بتحريمه (^٤). واستدلوا بدليلين:\n١ - ظاهر النهي، قالوا: ومواصلة النبي ﷺ بأصحابه قَصَدَ بها التنكيل وليس التقرير، لقوله: (كالمنكل لهم) وما كان طريقه العقوبة لا يكون من الشريعة.\n٢ - حديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٤١)، ومسلم (١١٠٤).\n(^٢) \"الإستذكار\" (١٠/ ١٥٣) \"المجموع\" (٦/ ٣١٨).\n(^٣) \"الإعلام\" (٥/ ٣٢٦).\n(^٤) \"المحلى\" (٧/ ٢١).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٩٥٤)، ومسلم (١١٠٠).","vol":"5","page":35},{"text":"ووجه الدلالة: أن الشرع لم يجعل الليل محلاًّ لسوى الفطر وانتهاء وقت الصيام، فالوصال فيه مخالفة لوضعه؛ كيوم الفطر.\nالقول الثاني: أن الوصال جائز إن قدر عليه، وهذا مروي عن عبد الله بن الزبير، فقد روى ابن أبي شيبة عنه أنه واصل خمسة عشر يومًا (^١)، وروى - أيضًا - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، وهذه أختي تواصل وأنا أنهاها) (^٢).\nوذهب إليه طائفة من السلف؛ كعبد الرحمن بن أبي نُعْم، وإبراهيم بن يزيد التيمي، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وأبو الجوزاء، وغيرهم (^٣). وهؤلاء استدلوا بأن النبي ﷺ واصل بأصحابه يومًا ثم يومًا حتى رأوا الهلال، ولو كان النهي للتحريم لم يواصل بهم ولم يقرهم، بل أنكر عليهم.\nوقد أخرج أبو داود من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ نهى عن الحجامة والمواصلة، ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه … (^٤).\nفصرح الصحابي بأنه لم يحرم الوصال، فهذا يدل على أن النهي عن الوصال ليس للتحريم وأنه مصروف إلى كراهة التنزيه، رحمة بهم وتخفيفًا عليهم، قالت عائشة ﵂: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم …) الحديث (^٥)، وهذا مثل ما نهاهم عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم، ولم ينكر على من بلغه أنه فعله ممن لم يشقَّ عليه.\nوالقول الثالث: التفصيل، وهو جواز الوصال إلى السحَر، مع أن المبادرة بالفطر أفضل، وما زاد على ذلك فهو مكروه. وهذا قول الإمام أحمد، وإسحاق، وبعض المالكية، وابن خزيمة - من الشافعية ـ، وطائفة من\n_________\n(^١) \"المصنف\" (٣/ ٨٤) وإسناده صحيح، كما في \"فتح الباري\" (٤/ ٢٠٤).\n(^٢) \"المصنف\" (٣/ ٨٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٠٤).\n(^٤) \"السنن\" (٢٣٧٤)، وسنده صحيح.\n(^٥) أخرجه البخاري (١٩٦٧)، ومسلم (١١٠٥).","vol":"5","page":36},{"text":"أهل الحديث (^١).\nواستدلوا بحديث أبي سعيد ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ …» الحديث (^٢).\nورجَّح هذا القول ابن القيم، فقال: (إنه أعدل الأقوال وأسهله على الصائم، وهو في الحقيقة بمنزلة عشائه إلا أنه تأخر، فالصائم له في اليوم والليلة أكلة، فإذا أكلها في السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره، والله أعلم) (^٣).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على حرص الصحابة ﵃ على الخير والتأسي بالنبي ﷺ؛ لأنه لما نهاهم عن الوصال، قالوا: إنك تواصل؛ أي: فنحن نتأسى بك ونواصل.\n\nالوجه الخامس: أن الأصل التأسي بالنبي ﷺ حتى يقوم دليل على خصوصية الحكم.\n\nالوجه السادس: ظاهر قوله: «إني لست كهيئتكم»، وفي آخر حديث الباب: «وأيكم مثلي؟»، أن جواز الوصال خاص بالنبي ﷺ دون أمته لوجود الفارق بينه وبينهم، وهو أن الله تعالى يطعمه ويسقيه فلا يتأثر بالوصال، وليس ذلك الأمر بحاصل لهم.\nلكن الذي يظهر مما تقدم أن النبي ﷺ ما نهاهم عن الوصال لأنه خاص به؛ وإنما نهاهم رحمة بهم وتخفيفًا عليهم لئلًا يشق عليهم، فيدل على أن من لا يشق عليه الوصال أنه لا مانع منه، وهذا هو ظاهر قوله: «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني»، وهذا ما فهمه الصحابة ﵃، كما تقدم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (١٠/ ١٥١)، \"المغني\" (٤/ ٤٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٦٣).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (٢/ ٣٨).","vol":"5","page":37},{"text":"<span data-type='title' id=toc-536>ما يجب على الصائم تركه</span>\n٦٦٣/ ١٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَاللفْظُ لَهُ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم» (١٩٠٣)، وفي كتاب «الأدب»، باب «قول الله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾» (٦٠٥٧)، وأبو داود (٢٣٦٢) من طريق ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، به.\nوقول الحافظ: (إن اللفظ لأبي داود) وهم منه ﵀، فإن هذا لفظ البخاري في الموضع الثاني، وأما أبو داود فليس عنده كلمة: «والجهل» كما في المطبوع؛ إلا إن كان الحافظ وقف على نسخة فيها ذلك، وعند أبي داود: «حاجة أن يدع» بدون «في».\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أنه يجب على الصائم أن يحفظ صومه مما يؤثر عليه وينقص ثوابه، وذلك بالتحلي بمكارم الأخلاق، والبعد عن سيئها من قول الزور والعمل به والجهل؛ فإن هذه الأخلاق وإن كان منهيًّا عنها كل وقت، لكن يزداد قبحها في الصيام، ولهذا ذكرت فيه، وحصولها من الصائم يدل على أن صيامه ناقص المعنى، قليل الأجر؛ لأنه ليس صومًا تامًّا كاملًا؛ إذ لو كان كذلك لصان صيامه عن الأقوال المحرمة، والأفعال السيئة،","vol":"5","page":38},{"text":"وإن وقت الصائم لأَنفسُ وأغلى من أن ينفق في هذه المهلكات، التي تؤثر على ثواب الصيام أو تذهب حقيقته وتلغي آثاره التربوية والخلقية؛ لأن قوله: «فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» يشعر بأنه يخشى على من ارتكب شيئًا من ذلك وهو صائم ألا يُقبل منه صيامه، وفي هذا دليل على أن الصيام ليس مجرد الامتناع عن المفطرات الحسية؛ بل لا بدّ فيه من صيام الجوارح عما حرم الله تعالى، والتحلي بالأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، ليؤدي الصوم دوره في تربية النفس وتهذيب الأخلاق، وأولى الناس بذلك من لهم علاقة بالآخرين؛ كالقاضي، والمعلم، والطالب، والموظف، ونحوهم.\nوقول الزور: كل قول مائل عن الحق إلى الباطل، فيدخل فيه كل كلام محرم من الكذب، والسبِّ، والشتم، والغيبة، والنميمة، وشهادة الزور.\nوالعمل بالزور: هو العمل بكل فعل محرم فيه عدوان على الناس من الظلم، والخيانة، والغش، وأخذ المال، وإيذاء الناس، ونحو ذلك، كما يدخل فيه الاستماع أو النظر إلى ما حرم الله تعالى من الأغاني وآلات اللهو والطرب.\nوالجهل: هو السَّفَهُ، وهو مجانبة الرشد في القول والعمل.\nإن الصيام مدرسة تربوية تعلِّم الحِلْم والصبر والصدق، وتحث على مكارم الأخلاق وفضائل الأقوال والأعمال، والصيام الشرعي صيام الجوارح عن الآثام، والبطن عن الطعام والشراب، والفرج عن الرَّفَث ومباشرة النساء، فإذا تمَّ ذلك أدَّى الصوم ثمراته وفوائده، وترتب عليه المغفرة الموعود بها.","vol":"5","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-537>حكم القبلة والمباشرة للصائم</span>\n٦٦٤/ ١٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم.\nوَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: فِي رَمَضَانَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «المباشرة للصائم» (١٩٢٧)، ومسلم (١١٠٦) (٦٥) من طريق إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂، به.\nورواه مسلم من طريق زياد بن عِلاقَةَ، عن عمرو بن ميمون، عن عائشة ﵂ قالت: (كان الرسول ﷺ يُقَبِّل في شهر الصوم)، وفي لفظ: (في رمضان).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أنه يجوز للصائم أن يقبّل زوجته وأن يباشرها، ولا يؤثر ذلك على الصيام ولا ينقص ثوابه.\nوالمراد بالمباشرة: التقاء البشرتين باللمس ونحوه، فهي أعم من التقبيل، وتطلق على الجماع، لكنه غير مراد هنا.\nوقد أخرج الطحاوي بسنده عن حكيم بن عِقَالٍ، قال: سألت عائشة ما يحرم عليَّ من امرأتي وأنا صائم؟ قالت: (فرجها) (^١).\n_________\n(^١) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٩٥)، قال في \"فتح الباري\" (٤/ ١٤٩): (إسناده إلى حكيم صحيح).","vol":"5","page":40},{"text":"وأخرج عبد الرزاق بسنده عن مسروق قال: سألت عائشة ما يَحِلُّ للرجل من امرأته صائمًا؟ قالت: (كل شيء إلا الجماع) (^١).\n\nالوجه الثالث: دل قولها ﵂: (وكان أملككم لإربه) على أن الصائم إذا خشي من المباشرة تَحَرُّكَ شهوته، أو تَدَرُّجَهُ إلى الجماع أنه يجب عليه ترك التقبيل والمباشرة، سدًّا للذريعة؛ ولأن حفظ الصيام من الإفساد واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nوالأَرَبُ: بفتح الهمزة والراء، هو الشهوة وحاجة النفس.\nوالإِرْبُ: بكسر الهمزة وسكون الراء، هو العضو وهو الذكر، وقد يطلق على حاجة النفس أيضًا (^٢).\nفالضابط في الجواز هو أن يملك الصائم أربه، ويقدر على ضبط نفسه، فإن خاف من الوقوع في المحذور لم يجز له أن يقبّل ولا أن يباشر.\nفإن قبّل الصائم أو باشر فأنزل فسد صومه، قال ابن قدامة: (بغير خلاف نعلمه) (^٣)، وهذا فيه نظر، فقد ذهب ابن حزم إلى أنه لا يفطر بالقبلة والمباشرة ولو أنزل، وقوَّى ذلك (^٤)، وجاء عن جماعة من الصحابة والتابعين جواز المباشرة للصائم (^٥)، وكذا لو استمنى فأنزل فسد صومه، لأنه في معنى القبلة في إثارة الشهوة، وذهب ابن حزم إلى أنه لا يفسد صومه، مستدلًا بأنه لم يأت نص بأنه ينقض الصوم (^٦)، فإن قبَّل أو باشر فخرج منه مذي لم يفسد صومه في أصح قولي العلماء؛ لأنه خارج أشبه البول، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المصنف\" (٤/ ١٩٠)، قال في \"فتح الباري\" (٤/ ١٤٩): (إسناده صحيح).\n(^٢) ذكره الخطابي في \"إصلاح غلط المحدثين\" ص (٢٤).\n(^٣) \"المغني\" (٤/ ٣٦١).\n(^٤) \"المحلى\" (٦/ ٢٠٥)، \"فتح الباري\" (٤/ ١٥١).\n(^٥) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٣/ ٦٣).\n(^٦) \"المحلى\" (٦/ ٢٠٥)، \"المغني\" (٤/ ٣٦٣).","vol":"5","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-538>حكم الحجامة للصائم</span>\n٦٦٥/ ١٦ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n٦٦٦/ ١٧ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى عَلَى رَجُلٍ - بِالْبَقِيعِ - وَهُوَ يَحْتَجِمُ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلاَّ التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ.\n٦٦٧/ ١٨ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَوَّلُ مَا كُرِهَتْ الحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ؛ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَفْطَرَ هَذَانِ»، ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ فِي الحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ، وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَوَّاهُ.\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «الحجامة والقيء للصائم» (١٩٣٨) من طريق وهيب، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، وأخرجه (١٩٣٩) من طريق عبد الوارث، حدثنا أيوب، ولفظه: (احتجم النبي ﷺ وهو صائم).\nوأما حديث شداد بن أوس ﵁ فقد أخرجه أبو داود في «الصيام» بابٌ «في الصائم يحتجم» (٢٣٦٩)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٣١٩)، وابن ماجه (١٦٨١)، وأحمد (٢٨/ ٢٣٥)، وابن حبان (٣٥٣٤)، كلهم من طريق أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس ﵁، به.","vol":"5","page":42},{"text":"وأخرجه ابن ماجه (١٦٨٠) من طريق أبي قلابة أن أبا أسماء حدثه عن ثوبان ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ …) فجعله من مسند ثوبان.\nوهذا الحديث في إسناده اختلاف، وفي متنه اضطراب، وقد اختلفت فيه كلمة أهل العلم، والأكثرون على تصحيحه، فممن صححه الإمام البخاري، فقد قال الإمام الترمذي: (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح من حديث شداد بن أوس وثوبان، فقلنا له: كيف بما فيه من الاضطراب؟ فقال: كلاهما عندي صحيح؛ لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان، وعن أبي الأشعث عن شداد بن أوس، روى الحديثين جميعًا) (^١).\nوممن صحَّحه ابن المديني، وإسحاق بن إبراهيم، وعثمان الدارمي، والعقيلي، والنووي، وآخرون (^٢)، وممن ضعفه الحافظ أبو حاتم، والإمام الشافعي (^٣).\nوأما حديث أنس ﵁ فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ١٨٢) من طريق خالد بن مخلد القطواني، ثنا عبد الله بن المثنى، عن ثابت البناني (^٤)، عن أنس بن مالك ﵁، به.\nوقال الدارقطني عن رجاله: (كلهم ثقات، ولا أعلم له علة)، وقد تعقبه ابن عبد الهادي بكلام نفيس، مفاده أن هذا حديث منكر، شاذ الإسناد، وفي متنه نكارة، لما يلي:\n١ - أن هذا الحديث غير معروف في المصنفات المشهورة، لا في\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" (١/ ٣٦٢).\n(^٢) \"الضعفاء\" للعقيلي (٢/ ١٦٩) (٤/ ٣٥٦)، \"المستدرك\" (١/ ٤٢٨)، \"المجموع\" (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠)، \"تنقيح التحقيق\" (٢/ ٣١٩).\n(^٣) \"الأم\" (٢/ ٢٤٠ - ٢٤٢)، \"علل الأحاديث\" (٦٥٧) (٦٩٣) (٧٢٩)، \"معرفة السنن والأثار\" (٦/ ٣١٨).\n(^٤) سقط اسم ثابت من \"السنن\" بتصحيح: عبد الله هاشم، واستدركته من الطبعة التي أشرف عليها الدكتور: عبد الله التركي.","vol":"5","page":43},{"text":"الصحاح ولا في السنن ولا في المسانيد مع أن الأمة تحتاج إليه أشد الاحتياج، ولا يعرف أحد رواه في الدنيا إلا الدارقطني.\n٢ - أن خالد بن مخلد وعبد الله بن المثنى، وإن كانا من رجال الصحيح، فقد تكلم فيهما غير واحد من الأئمة، فخالد قال عنه الإمام أحمد: (له أحاديث مناكير)، وقال ابن سعد: (منكر الحديث، مفرط التشيع) (^١)، وابن المثنى قال عنه أبو داود: (لا أخرج أحاديثه)، وقال النسائي: (ليس بالقوي) (^٢).\n٣ - أن في متنه نكارة؛ لأن جعفر بن أبي طالب ﵁ قتل في غزوة مؤتة وهي قبل الفتح، وحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» كان عام الفتح بعد قتل جعفر ﵁ (^٣).\n\nالوجه الثاني: حديث ابن عباس ﵄ دليل على جواز الحجامة للصائم، وأنها لا تؤثر على الصيام؛ لأن النبي ﷺ احتجم وهو صائم، وهذا قول الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة ومالك والشافعي، وهو ظاهر اختيار البخاري، ورجَّحه ابن حزم (^٤).\nويؤيد ذلك ما تقدم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ نهى عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه …\nوقد روى البخاري بسنده عن شعبة قال: (سمعت ثابتًا البناني قال: سئل أنس بن مالك ﵁: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ - وفي رواية: على عهد رسول الله ﷺ - قال: لا، إلا من أجل الضعف) (^٥).\n\nالوجه الثالث: حديث شداد بن أوس دليل على أن الحجامة تفسد\n_________\n(^١) \"تهذيب الهذيب\" (٣/ ١٠١).\n(^٢) \"تهذيب الهذيب\" (٥/ ٣٣٨).\n(^٣) انظر: \"تنقيح التحقيق\" (٣/ ٢٧٦).\n(^٤) \"المحلى\" (٦/ ٢٠٤ - ٢٠٥)، \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٠٧)، \"بداية المجتهد\" (٢/ ١٥٤)، \"المجموع\" (٦/ ٣٤٩).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (١٩٤٠).","vol":"5","page":44},{"text":"الصيام؛ لقوله: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فالمحجوم يفطر بسبب خروج الدم؛ لأنه يضعفه، وأما الحاجم فلأنه يمص الدم.\nوهذا مذهب الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (^١).\nوقد طعن في حديث ابن عباس الدال على الجواز كبار الحفاظ، كالإمام أحمد، وابن المدني، وابن معين، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو حاتم (^٢)، وقالوا: إن لفظة «وهو صائم» غير محفوظة، وقال مهنا: (سألت أحمد عن الحديث، فقال: ليس فيه «للصائم» إنما «وهو محرم») (^٣).\nوالذي يظهر - والله أعلم - هو قول الجمهور، وأن الحجامة كانت تفطِّر في أول الأمر ثم نسخ هذا الحكم.\nويدل ذلك حديث أبي سعيد ﵁ قال: (رَخَّصَ رسول الله - ﷺ - في القبلة للصائم، ورخص في الحجامة) (^٤).\nقال الحافظ: «قال ابن حزم: إسناده صحيح، فوجب الأخذ به؛ لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة، سواء أكان حاجمًا أو محجومًا» (^٥)، وظاهر أحاديث الجواز أنها متأخرة عن أحاديث النهي، وقد روي موقوفًا بلفظ: (رُخِّص للصائم في الحجامة والقبلة) (^٦).\n_________\n(^١) \"المغني\" (٤/ ٣٥٠)، \"حقيقة الصيام\" لابن تيمية ص (٨١ وما بعدها)، \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ٢٤٢).\n(^٢) \"تنقيح التحقيق\" (٢/ ٣٢٥)، \"التلخيص\" (٢/ ٢٠٣).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٥/ ٢٥٣).\n(^٤) أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٣/ ٣٤٥)، وابن خزيمة (٣/ ٢٣٠)، وابن حزم (٦/ ٢٠٤)، وغيرهم، وصححه الألباني كما في \"الإرواء\" (٤/ ٧٥).\n(^٥) \"المحلى\" (٦/ ٢٠٥)، \"فتح الباري\" (٤/ ١٧٨).\n(^٦) أخرجه ابن خزيمة (٣/ ٢٣١)، والدارقطني (٢/ ١٨٢)، والبيهقي (٤/ ٢٦٤)، ورجح وقفه أبو حاتم كما في \"العلل\" (٦٧٦)، وابن خزيمة، والترمذي كما في \"العلل\" (١/ ٣٦٧)، وآخرون.","vol":"5","page":45},{"text":"وهذا له حكم الرفع؛ لأن الترخيص في الأحكام الشرعية من الرسول ﷺ، وهذا المرفوع حكمًا يفسره مجيئه مرفوعًا صريحًا، فيدل على نسخ حديث شداد بن أوس ﵁ الدال على أن الحجامة تفطر الصائم، كما يدل على ذلك حديث أنس ﵁، على ما تقدم فيه من مقال.\n\nالوجه الرابع: يتفرع على مسألة الحجامة مسألة أخذ الدم للتحليل، فعلى القول بأن الحجامة تفطر الصائم يكون أخذ الدم الكثير للتحليل يفطر الصائم؛ فإن كان يسيرًا لم يؤثر.\nوأما على القول بأن الحجامة لا تفطر فأخذ الدم لا يفطر مطلقًا، سواء أكان كثيرًا أم قليلًا.\nأما الرعاف وخروج الدم من الجرح والسن إذا لم يبلعه فهذا لا يفطر مطلقًا، سواء أكان كثيرًا أم قليلًا؛ لأنه خرج بغير اختياره، والأصل صحة الصوم إلا بدليل صحيح يدل على فساده، والله تعالى أعلم.","vol":"5","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-539>حكم الكحل للصائم</span>\n٦٦٨/ ١٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.\nقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه ابن ماجه (١٦٧٨) من طريق بقية بن الوليد، حدثنا الزُّبيدي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: (اكْتَحَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ) وليس فيه: (في رمضان).\nوهذا حديث ضعيف، فيه الزبيدي، وهو سعيد بن عبد الجبار الزبيدي الحمصي، قال فيه ابن المديني: (لم يكن بشيء، كان يحدثنا بالشيء، فأنكرنا عليه بعد ذلك، فجحد)، وقال مسلم: (متروك الحديث)، وقال البيهقي: (سعيد الزبيدي من مجاهيل شيوخ بقية، يتفرد بما لا يتابع عليه) (^١). قال النووي: (اتفق الحفاظ على أن رواية بقية عن المجهولين مردودة، واختلفوا في روايته عن المعروفين، فلا يحتج بحديثه هذا بلا خلاف) (^٢).\nوهذا الحديث من أفراد ابن ماجه عن بقية أصحاب الكتب الستة، وأفراده يغلب عليها الضعف. قال الترمذي: (لا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء) (^٣)؛ أي: لا يصح عن النبي ﷺ حديث يدل على حكم الكحل\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٤٧).\n(^٢) \"المجموع\" (٦/ ١٤٨).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣/ ١٠٥).","vol":"5","page":47},{"text":"للصائم، فلم يصح عن النبي ﷺ أنه اكتحل، ولا أنه نهى الصائم عنه.\n\nالوجه الثاني: اختلف العلماء في حكم اكتحال الصائم على قولين:\nالأول: أن الصائم ممنوع من الاكتحال وأنه يُفَطِّرُ، وهذا مذهب الإمام أحمد، ونقله الترمذي عن سفيان وابن المبارك وإسحاق (^١).\nواستدلُّوا بما أخرجه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ أنه أمر بالإثمد المُروَّح عند النوم، وقال: «ليتقه الصائم» (^٢).\nكما استدلوا بأن العين منفذ، بدليل أنه يجد طعم الكحل في الحلق.\nوالقول الثاني: جواز اكتحال الصائم وأنه لا يؤثر على صيامه مطلقًا، سواء وجد طعمه في حلقه أم لا، وهو قول الحنفية والشافعية، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣).\nواستدلوا بحديث الباب، ولأن العين ليست منفذًا، فلم يفطر بالداخل منها.\nوهذا هو الراجح؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ في ذلك شيء، والأصل صحة الصيام إلا بدليل صحيح صريح يدل على فساده، والكحل لا يفطر ولو وجد طعمه في حلقه؛ لأنه ليس بأكل ولا شرب، ولا بمعنى الأكل والشرب، والعين ليست منفذًا لهما.\nوالكحل مما تعم به البلوى ويحتاج الناس إلى معرفة حكمه، فلو كان يفطر الصائم لبيَّنه النبي ﷺ كما بيَّن غيره من المفطرات، فلما لم يبينه دلَّ على أنه لا يؤثر على الصائم.\nوقد روى أبو داود بسنده عن أنس ﵁ أنه كان يكتحل وهو صائم، وروى - أيضًا - عن الأعمش أنه قال: (ما رأيت أحدًا من أصحابنا يكره\n_________\n(^١) المصدر السابق، \"المغني\" (٤/ ٣٥٣).\n(^٢) \"السنن\" (٢٣٧٧).\n(^٣) \"الهداية\" (١/ ١٢٦)، \"المجموع\" (٦/ ٣٤٨)، \"حقيقة الصيام\" ص (٣٧).","vol":"5","page":48},{"text":"الكحل للصائم، وكان إبراهيم - يعني النخعي - يرخص أن يكتحل الصائم بالصَّبِر) (^١).\nوقد نقل النووي أن ابن المنذر حكى ذلك عن عطاء والحسن البصري والنخعي والأوزاعي، وحكاه غيره عن ابن عباس وأنس وابن أبي أوفى ﵃، وعزاه إلى داود الظاهري (^٢).\nوأما حديث: «لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ»، فقد قال أبو داود عقبه: (قال لي يحيى بن معين: هو حديث منكر)، وكذا قال الإمام أحمد فيما نقله عنه أبو داود (^٣)، وعلَّة الحديث والد عبد الرحمن: وهو النعمان بن معبد فإنه مجهول، كما في «التقريب» وغيره، وأما عبد الرحمن فقد ضعَّفه ابن معين، وقال أبو حاتم: (صدوق)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٤).\nويُقاس على الكحل قطرة العين؛ لأنها في معنى الكحل، ومثل ذلك قطرة الأذن، لما تقدم.\nوأما قطرة الأنف فإنها تفطر إذا دخل ذلك في جوفه؛ لأن الأنف منفذ يصل إلى المعدة، ولحديث لقيط بن صبرة: «وبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (^٥)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"السنن\" (٢٣٧٨ - ٢٣٧٩)، وقد حسنهما الألباني في \"صحيح سنن أبي داود\" (٢/ ٤٥٢).\n(^٢) \"المجموع\" (٦/ ٣٤٨).\n(^٣) \"المسائل\" ص (٩٨).\n(^٤) (٧/ ٨١)، \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٢٥٧).\n(^٥) تقدم تخريجه في باب \"الوضوء\" حديث (٣٩).","vol":"5","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-540>حكم صوم مَن أكل أو شرب ناسيًا</span>\n٦٦٩/ ٢٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فإنما أَطْعَمَهُ اللهُ، وَسَقَاهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n٦٧٠/ ٢١ - وَلِلْحَاكِم: «مَنْ أَفْطَرَ في رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ». وَهُوَ صَحِيحٌ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما الأول، فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا» (١٩٣٣)، ومسلم (١١٥٥)، من طريق هشام، حدثنا محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، به.\nوأما حديثه الثاني، فقد أخرجه ابن خزيمة (١٩٩٠)، وابن حبان (٨/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، والحاكم (١/ ٤٣٠) من طريق محمد بن مرزوق، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁.\nوهذا سند حسن، من أجل محمد بن عمرو بن علقمة؛ فإن فيه كلامًا من قبل حفظه، قال عنه في «التقريب»: (صدوق، يخطئ)، وهو حسن الحديث ما لم يخالف، كما تقدم.\nوأورد الحافظ هذه الرواية لأنها أعم مما قبلها، فيدخل فيها الأكل والشرب والجماع، ونحو ذلك مما يفطر.","vol":"5","page":50},{"text":"لكن أعلَّه ابن عدي والدارقطني بتفرد ابن مرزوق به، عن الأنصاري، ثم قال: (هذا حديث غريب المتن والإسناد) (^١). وقد تابع ابن مرزوق أبو حاتم الرازي عند الحاكم، والبيهقي (٤/ ١٢٩)، وقال ابن عبد الهادي: (المشهور في هذا الحديث هذا اللفظ المخرج في الصحيح، وهذا مروي بالمعنى، والله أعلم) (^٢).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن من أكل أو شرب فصومه صحيح لا نقص فيه، ولا إثم عليه؛ إذ لا قصد له في ذلك؛ بل هو رزق ساقه الله إليه، ولهذا أضاف النبي ﷺ إطعامه وسقيه إلى الله تعالى، وليس عليه قضاء؛ لأنه أُمر بالإتمام، وسُمِّي الذي يُتِمُّ صومًا، فدل على أنه صائم حقيقة، وهذا أمر مجمع عليه، لولا خلاف الإمام مالك، وربيعة الرأي، وابن أبي ليلى، حيث قالوا ببطلان صومه ولزوم القضاء؛ لأن الإمساك عن المفطرات ركن الصوم؛ كمن نسي ركنًا من أركان الصلاة، ومعنى: «فليتم صومه» أي: فليتم إمساكه عن المفطرات.\nوالصواب صحة صومه وأنه لا قضاء عليه، والحديث حجة ظاهرة، وقد خالف جمهور المالكية المتأخرين الإمام مالكًا. وقد ورد عن أبي هريرة ﵁ - أيضًا - قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أَكَلَ الصَّائِمُ نَاسِيًا أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ» (^٣)، فهذا نص صريح في صحة صومه وعدم قضائه له، لكن الظاهر أن لفظة: (ولا قضاء عليه) شاذة.\n\nالوجه الثالث: قاس الفقهاء على الأكل والشرب بقية المفطرات، لقوله في الرواية الثانية: «من أفطر في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٦/ ٢٩١)، \"سنن الدارقطني\" (٢/ ١٧٨).\n(^٢) \"التنقيح\" (٣/ ٢٣١ - ٢٣٢).\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة (١٩٩٠)، والدارقطني (٢/ ١٧٨)، وابن حبان (٨/ ٢٨٨)، والحاكم (١/ ٤٣٠) وقال الدارقطني: (إسناده صحيح)، لكن الحديث عند مسلم (١١٥٥) بدون قول: (ولا قضاء عليه) انظر: \"شرح العمدة\" لابن تيمية. وكلام المحقق على هذا الحديث (١/ ٤٥٩).","vol":"5","page":51},{"text":"كفارة». وتخصيص الأكل والشرب في الحديث إنما هو باعتبار الغالب، والتخصيص بالغالب لا يقتضي مفهومًا، فلا يدل ذلك على نفي الحكم عما عداه.\nوهذا الحكم في الصائم فرد من أفراد القاعدة العظيمة التي دل عليها قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقد صحَّ أن الله تعالى قال إجابة لهذا الدعاء: (قد فعلت)، وفي رواية: (قال: نعم) (^١)، وهذا من رحمة الله تعالى ولطفه بعباده وتيسيره عليهم ورفع الحرج والمشقة عنهم.\nومثل ذلك ما لو اغتسل الصائم أو تمضمض أو استنشق فدخل الماء إلى حلقه بلا قصد لم يفسد صومه، وكذا لو طار إلى حلقه ذباب أو غبار من طريق أو دقيق، أو نحو ذلك؛ أنه لا يفسد صومه؛ لأنه كالناسي في ترك العمد وسلب الاختيار.\nومن رأى صائمًا يأكل أو يشرب في نهار رمضان ناسيًا وجب عليه إعلامه وتذكيره؛ لأنه هذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأكل والشرب في نهار رمضان منكر، والناسي معذور فوجب إعلامه في الحال، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٩ - ٢٠٠).","vol":"5","page":52},{"text":"<span data-type='title' id=toc-541>أثر القيء على الصيام</span>\n٦٧١/ ٢٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ ذَرَعَهُ القَيءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَأَعَلَّهُ أَحْمَدُ، وَقَوَّاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصيام»، باب «الصائم يستقيء عامدًا» (٢٣٨٠)، والترمذي (٧٢٠)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٣١٧)، وابن ماجه (١٦٧٦)، وأحمد (١٦/ ٢٨٣) من طريق عيسى بن يونس، ثنا هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، به.\nوإسناده ظاهره الصحة، قال الدارقطني: (رواته كلهم ثقات) (^١)، لكنه معلول، فقد قال البخاري: (لا أُراه محفوظًا) (^٢)، نقله عنه الترمذي (^٣). وقال أحمد: (ليس من هذا شيء). قال الخطابي: يريد أنه غير محفوظ (^٤)، وقال مهنا عن أحمد: (حدث به عيسى، وليس هو في كتابه، وليس هو من حديثه) (^٥).\nوممن أَعلَّه الدارمي، فإنه قال: (قال عيسى - يعني ابن يونس ـ: زعم أهل البصرة أن هشامًا أوهم فيه، فموضع الخلاف هاهنا) (^٦)، ومعنى ذلك أن\n_________\n(^١) \"السنن\" (٢/ ٨٤).\n(^٢) بضم الهمزة؛ أي: لا أظنه.\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢/ ٩١).\n(^٤) \"معالم السنن\" (٣/ ٢٦٠).\n(^٥) \"التلخيص\" (٢/ ٢٠١).\n(^٦) \"سنن الدارمي\" (١/ ٣٤٦ - ٣٤٧).","vol":"5","page":53},{"text":"الوهم من هشام بن حسان، وكذا أعله أبو داود والنسائي والترمذي، وآخرون.\nوقول الحافظ: (وقواه الدارقطني) أي: قال: (رواته ثقات) - كما تقدم - ولا يلزم من ذلك صحة الإسناد، كما هو معلوم، وقد نقل ابن مفلح عن الدارقطني تضعيف الحديث (^١).\nومما يدل على ضعفه أن الإمام البخاري روى عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (إذا قاء فلا يفطر، إنما يُخرج ولا يُولج ..) (^٢)، ولو كان هذا الحديث ثابتًا ما أفتى أبو هريرة ﵁ بخلافه، فكأن البخاري يرى صحة الموقوف على أبي هريرة ﵁ دون المرفوع.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن الصائم إذا تقيَّأ مستدعيًا للقيء فسد صومه وعليه القضاء، وهذا مذهب الجمهور، وقد علل شيخ الإسلام ابن تيمية - وهو ممن يرى الفطر بالقيء - بأن القيء يضعف البدن ويخرج المادة التي يتغذى بها.\nواستدل الجمهور - أيضًا - بحديث أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قاءَ فأفطر … الحديث (^٣).\nلكن أجيب عنه بأجوبة:\nالأول: أنه حديث مختلف في إسناده، كما قاله البيهقي وغيره من الحفاظ (^٤)، وقد ذكره المجد في «المنتقى» بلفظ: (قاء فتوضأ …) ونسبه لأحمد والترمذي، وليس فيهما، كما ذكر أحمد شاكر (^٥).\nالثاني: أن هذا كان في صوم التطوع وأنه ﷺ قاء فضعف فأفطر، هكذا روي في بعض الحديث مفسَّرًا، ذكر ذلك الترمذي. وقال ابن بطال: (وليس فيه دليل على أن القيء كان مفطرًا له؛ وإنما فيه أنه قاءَ فأفطر بعد ذلك) (^٦).\n_________\n(^١) \"الفروع\" (٣/ ١٤٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٧٣)، وهذا الأثر سنده صحيح.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٣٨١)، والنسائي في \"الكبرى\" (٣/ ٣١٤)، وأحمد (٤٥/ ٤٩٢).\n(^٤) انظر: \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٢٠)، و\"المجموع\" (٦/ ٥٤ - ٥٥).\n(^٥) \"جامع الترمذي\" (١/ ١٤٣).\n(^٦) \"شرح ابن بطال\" (٤/ ٨١).","vol":"5","page":54},{"text":"الثالث: أن هذا مجرد فعل، وهو لا يدل على الإيجاب.\nوأما إذا ذرعه القيء وغلبه وخرج منه من غير اختياره فصومه صحيح ولا شيء عليه. قال الخطابي: (لا أعلم بين أهل العلم فيه اختلافًا) (^١). وقال ابن قدامة: (هذا قول عامة أهل العلم) (^٢)، وقد روى مالك عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: (من استقاء وهو صائم، فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فليس عليه القضاء) (^٣).\nوذهب بعض أهل العلم إلى أن القيء لا يفطر، وهو قول ابن عباس وأبي هريرة وابن مسعود ﵃ (^٤)، وقال به عكرمة، وهو ظاهر اختيار البخاري، فإنه ساق بعض الآثار الدالة على ذلك، وحكاه ابن حجر رواية عن مالك (^٥).\nودليل ذلك أنه لم يصح عن النبي ﷺ في ذلك شيء مع أن القيء مما تعم به البلوى، وتحتاج الأمة إلى معرفة حكمه، وتقدم قول أبي هريرة ﵁ في ذلك.\nوقد نقل ابن المنذر الإجماع على بطلان الصوم بتعمد القيء (^٦)، ونقله عنه ابن قدامة (^٧)، وفيه نظر، لثبوت الخلاف، كما تقدم، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (٣/ ٢٦١).\n(^٢) \"المغني\" (٤/ ٣٦٨).\n(^٣) \"الموطأ\" (١/ ٣٠٤) وسنده صحيح.\n(^٤) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (١/ ١٧٠)، \"المغني\" (٤/ ٣٦٨)، \"موسوعة فقه ابن مسعود\" ص (٤٢٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٤/ ١٧٣ - ١٧٤).\n(^٦) \"الإجماع\" ص (٥٣).\n(^٧) \"المغني\" (٤/ ٣٦٨).","vol":"5","page":55},{"text":"<span data-type='title' id=toc-542>حكم الصيام في السفر</span>\n٦٧٢/ ٢٣ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، قَالَ: «أُولئِكَ الْعُصَاةُ، أُولئِكَ الْعُصَاةُ».\nوَفِي لَفْظٍ: فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْظُرونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَشَرِبَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n٦٧٣/ ٢٤ - وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِي ﵁، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n٦٧٤/ ٢٥ - وَأَصْلُهُ فِي «المُتفَقِ» مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، أَنَّ حَمْزَةَ بن عَمْرٍو سَأَلَ.\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو حمزة بن عمرو بن عويمر الأسلمي، روى عن النبي ﷺ، وعن أبي بكر وعمر ﵄، وروى عنه ابنه محمد، وسليمان بن يسار، وأبو مراوح الغفاري، وغيرهم.","vol":"5","page":56},{"text":"وروى البخاري في «تاريخه» بسنده عن محمد بن حمزة الأسلمي، عن أبيه، قال: (كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة ظلماء دُحْمُسَةٍ (^١) فأضاءت أصابعي، حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم، وإن أصابعي لتنير) (^٢)، بَشَّرَ أبا بكر الصديق ﵁ بفتح أجنادين، وقيل: إنه الذي بشر كعب بن مالك ﵁ بتوبة الله تعالى عليه، فأعطاه كعب ثوبيه، ذكر هذا الحافظ في شرح قصة كعب ﵁ (^٣).\nمات سنة إحدى وستين، وهو ابن (٧١) سنة، وقيل: بلغ ثمانين (^٤).\n\nالوجه الثاني: في تخريجها:\nأما حديث جابر ﵁ فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصيام»، باب «جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر …» (١١١٤) (٩٠) من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد، حدثنا جعفر، عن أبيه، عن جابر ﵁، به.\nوأما الرواية الثانية فهي من طريق عبد العزيز الدراوردي، عن جعفر بهذا الإسناد (١١١٣) (٩١)، ولكن لفظة (فشرب) ليست في «الصحيح».\nوأما حديث حمزة بن عمرو، فقد أخرجه مسلم - أيضًا - في باب «التخيير في الصوم والفطر في السفر» (١١٢١) (١٠٧) من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن الأسود، عن عروة بن الزبير، عن أبي مراوح، عن حمزة بن عمرو، به.\nوأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «الصوم في السفر والإفطار» (١٩٤٢) (١٩٤٣)، ومسلم (١١٢١) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: سأل حمزة بن عمرو الأسلمي رسول الله ﷺ عن الصيام في السفر، فقال: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ».\nولعل الحافظ قدم رواية مسلم، لكونها من رواية حمزة نفسه، أو لما\n_________\n(^١) أي: مظلمة، كما في \"القاموس\".\n(^٢) \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٤٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ١٢٢).\n(^٤) \"الاستيعاب\" (٣/ ٨٣)، \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢٨).","vol":"5","page":57},{"text":"فيها من الفوائد الزائدة على رواية «الصحيحين»؛ لأنه في لفظ مسلم قال: «هِي رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ …»، ولفظ «الصحيحين»: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ»، لكن قد يقال: إن الحديث واحد.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (كراع الغميم) بضم الكاف، وفتح الراء المهملة، ثم ألف، آخره عين مهملة، هو الطرف من كل شيء، والمراد هنا: جبل أسود طويل على يسار الطريق، شبيه بالكراع.\nوالغميم: بفتح الغين، اسم وادٍ على طريق مكة إلى المدينة، يبعد عن مكة (٦٤) كيلًا، ويعرف عند أهل تلك الجهة ببرقاء الغميم، وهو وادي عُسفان، وينتهي مصبه في البحر الأحمر.\n\nقوله: (على الصيام في السفر) لم يبين ما المراد بالصوم، إلا أنه ورد عند البخاري من حديث عائشة: (وكان كثير الصيام)، فهذا قد يرجح أنه صوم التطوع، لكن قوله في رواية مسلم: «هي رخصة من الله» يفيد أن المراد صوم رمضان؛ لأن الرخصة إنما تطلق في مقابلة ما هو واجب، وقد جاء عند أبي داود بلفظ: «إِنِّي صاحب ظَهْرٍ أُعَالِجُهُ، أُسَافِرُ عَلَيْهِ وأَكْرِيهِ، وَإِنَّهُ صَادَفَنِي هَذَا الشَّهْرُ - يَعْنِي رَمَضَانَ - وَأَنَا أَجِدُ الْقُوَّةَ، وَأَنَا شَابٌّ …» الحديث (^١)، وعلى هذا ففائدة قوله: (وكان كثير الصيام) بيان قوته على الصوم، وأن الصوم يسير في السفر عليه.\n\nقوله: (فصم … فأفطر) أمر للإباحة.\n\nالوجه الرابع: في هذه الأحاديث دليل على أن المسافر له أن يصوم، وله أن يفطر، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، واستدلوا - أيضًا - بحديث أنس ﵁ قال: (كنا في سفر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم) (^٢).\n_________\n(^١) \"السنن\" (٢٤٠٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٤٧)، ومسلم (١١١٨).","vol":"5","page":58},{"text":"وذهب داود الظاهري وابن حزم إلى أنه لا يجزئ المسافر الصوم؛ وإنما فرضه الفطر (^١)؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ولقوله ﷺ في حق الذين صاموا: «أُولَئِكَ العُصَاةُ، أُولَئِكَ العُصَاة»، ولحديث جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه، فقال: «ما هذا؟»، قالوا: صائم، قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ») (^٢).\nوالصواب هو القول الأول؛ لقوة أدلته، وأما الآية فليس فيها دليل على عدم إجزاء صوم المسافر لو صام؛ وإنما فيها أن المسافر إذا أفطر فعليه عدة من أيام أُخر، والسنة تبين القرآن، ولو كان الصيام في السفر لا يجزئ ما فعله النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه، وهم أعلم منا بمراد الله تعالى في كتابه، وقد جاء عن بعض السلف من الصحابة والتابعين وجوب الصوم في السفر، لظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ (^٣).\nوأما قوله: (أولئك العصاة) فإنما قاله النبي ﷺ في حق المخالفين الذين لم يمتثلوا أمره لهم بالإفطار حين شق الصيام على الناس، ولا ريب أن الفطر متعين في هذه الحالة، وعدم الامتثال معصية.\nوأما حديث: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ»، فإنما قاله فيمن شق عليه الصيام، بدليل السياق؛ لأن النبي ﷺ صام في السفر، وهو لا يفعل ما ليس ببر.\nوالحق أن القول بوجوب الفطر في السفر إعراض عن الأحاديث الدالة على جواز الصيام، وهي كثيرة.\nثم اختلف الجمهور أيهما أفضل في السفر الصوم أو الفطر؟\nفذهب أبو حنيفة والشافعي - ونسبه ابن حجر إلى الجمهور (^٤) - إلى أن\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٦/ ٢٤٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥).\n(^٣) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٤/ ٢٦٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ١٨٣).","vol":"5","page":59},{"text":"الصوم أفضل حيث لا مشقة ولا ضرر؛ ولأن هذا هو فعل النبي ﷺ، كما في حديث أبي الدرداء ﵁ حيث صام ﷺ هو وعبد الله بن رواحة ﵁ (^١). ولأنه أسرع في إبراء الذمة، وأيسر إذا صام والناس صائمون. وقد رجح هذا القول ابن حجر.\nوذهب الإمام أحمد وأصحابه إلى أن الفطر أفضل ولو لم يلحقه مشقة. ودليلهم حديث الباب، فإن قوله: «هِيَ رُخْصَةٌ مِن اللهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ» يدل على أن الفطر أفضل؛ لأن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه (^٢)؛ ولأنه قال في الصيام: «وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْه».\nوالقول الثالث: أن الأفضل هو الأيسر، فمن كان الفطر أيسر عليه وأسهل له فهو أفضل في حقه، ومن كان الصوم أسهل عليه فهو أفضل. وهذا قول عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وقتادة، واختاره ابن المنذر (^٣).\nوهذا قول قوي تجتمع به الأدلة الكثيرة في موضوع الصيام في السفر ويعمل بها كلها.\nواعلم أنه لا فرق في جواز الفطر في السفر بين طول المدة وقصرها، ولا بين السفر الطارئ لغرض، أو المستمر كسائقي الطائرات وسيارات الأجرة، لعموم الأدلة، والرخصة في الإفطار منوطة بالسفر؛ لأنه مظنة المشقة، ولا يشترط حصول المشقة، فلو سافر على الطائرة - مثلًا - فله الفطر؛ لأنه مسافر فارق بلده، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٤٥)، ومسلم (١١٢٢).\n(^٢) تقدم تخريج ذلك في باب \"صلاة المسافر\" رقم (٤٣٢).\n(^٣) \"الإشراف\" (٤/ ١٤٣).","vol":"5","page":60},{"text":"<span data-type='title' id=toc-543>حكم الكبير الذي لا يطيق الصيام</span>\n٦٧٥/ ٢٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: رُخِّصَ للشيخ الكبير أَنْ يُفْطِرَ، وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَاهُ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٠٥)، والحاكم (١/ ٤٤٠) من طريق خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄.\nقال الدارقطني: (وهذا الإسناد صحيح) وقال الحاكم: (حديث صحيح على شرط البخاري).\n\nالوجه الثاني: هذا الأثر دليل على أن الشيخ الكبير الذي لا يستطيع أن يصوم أن له أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا، وليس عليه قضاء.\nومثل ذلك المرأة الكبيرة العاجزة عن الصيام؛ وكذا من يشق عليه الصيام؛ كالمريض الميؤوس من برئه، وهو لا يقدر على الصيام، فهذا ملحق بالشيخ الكبير؛ لأنه لن يتمكن من القضاء ما دام مرضه ملازمًا له على الدوام.\nوقول ابن عباس ﵄ هو المعتمد في هذه المسألة، والظاهر أنه لا مخالف له من الصحابة ﵃، ويحتمل أنه سمعه من النبي ﷺ لما يتبادر من قوله: (رُخِّص)، ويحتمل أنه استنبطه من قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وأشباهها.","vol":"5","page":61},{"text":"وقد نقل ابن المنذر، وابن حزم الإجماع على ذلك (^١).\nوقد أخرج البخاري بسنده عن عطاء، أنه سمع ابن عباس يقرأ: (وعلى الذين يطوقونه (^٢) فدية طعام مسكين) قال ابن عباس: (ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا) (^٣).\nوهذا رأي ابن عباس ﵄ وهو أن الآية ليست منسوخة، بل هي محكمة في حق من يشق عليه الصيام؛ كالكبير والمريض الذي امتد به المرض، كما ورد عنه في رواية أخرى، وقد ورد عنه ما يدل على أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] (^٤)، وهذا مذهب الجمهور، وهو أنه في أول فرض الصيام من شاء أفطر وأطعم، ومن شاء صام، ثم نُسخ ذلك.\nولا تعارض فيما ورد عن ابن عباس ﵄؛ لأن النسخ المنفي هو إزالة الحكم بالكلية، والنسخ المثبت هو تخصيص بعض أفراد العام، والمتقدمون يطلقون النسخ على التخصيص أحيانًا - كما ذكر القرطبي (^٥) ـ، فتكون الآية نسخ حكمها في حق من يطيق الصيام، وبقي فيمن لا يطيقه إلا بمشقة.\nويخير الكبير العاجز عن الصيام ومن في حكمه في الإطعام بين أن يفرقه حبًا على المساكين، لكل واحد مُدٌّ من البر، ومقداره (٥٦٣) جرامًا تقريبًا - كما تقدم في الزكاة - وبين أن يصنع طعامًا ويدعو إليه من المساكين بقدر الأيام التي أفطرها، لما ورد عن أنس ﵁ أنه ضعف عن الصوم عامًا فصنع جَفْنَةَ ثَريدٍ، ودعا ثلاثين مسكينًا فأشبعهم (^٦)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الإجماع\" ص (٥٣)، \"مراتب الإجماع\" ص (٤٧).\n(^٢) أي: يكلفون إطاقته.\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٤٥٠٥).\n(^٤) أخرجه ابن الجارود (٣٨١)، وابن جرير (٣/ ٤٢٥).\n(^٥) \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٢٨٨).\n(^٦) أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٠٧)، وسنده صحيح.","vol":"5","page":62},{"text":"<span data-type='title' id=toc-544>حكم جماع الصائم في نهار رمضان</span>\n٦٧٦/ ٢٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟»، قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: «هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟»، قَالَ: لَا، ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهذَا»، فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ».\nرَوَاهُ السَّبْعَةُ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nأخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، بابٌ «إذا جامع في نهار رمضان ولم يكن له شيء فتُصدق عليه فليكفّر» (١٩٣٦)، ومسلم (١١١١)، وأبو داود (٢٣٩٠)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٣١١)، والترمذي (٧٢٤)، وابن ماجه (١٦٧١)، وأحمد (١١/ ٥٣٣) كلهم من طريق الزهري قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ﵁ قال: … فذكره.\nوقد ذكر ابن القيم أن هذا الحديث رواه عن الزهري ما يزيد على أربعين نفسًا (^١).\n_________\n(^١) \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ٢٧٣).","vol":"5","page":63},{"text":"وهو حديث كثير الفوائد، وقد أفرده بعضهم في مصنف مستقل - وهو الحافظ العراقي - واستنبط منه ألف مسألة ومسألة.\nوقد أخرجه أبو داود من طريق هشام بن سعد، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، وزاد: «وَصُمْ يَوْمًا وَاسْتَغْفِرِ اللهَ» (^١).\nوقد طعن في هذه الزيادة غير واحد من الحفاظ؛ لأن أصحاب الزهري الأثبات الثقات أمثال: مالك، والليث، وعُقيل بن خالد، ومعمر، وغيرهم، لم يذكروا هذه اللفظة؛ وإنما رواه هشام بن سعد وأخطأ فيه، وقد تابعه من لا يعتد به؛ لأنهم خالفهم من هو أوثق منهم وأكثر عددًا، ولو كان هشام بن سعد ثقة لَحُكِمَ على روايته بالنكارة لمخالفته من ذكر، فكيف وهو سيئ الحفظ، كما قال الحافظ: (صدوق له أوهام)، وقد تقدم له ذكر في كتاب الصلاة (^٢).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (هلكت) أي: وقعت في الإثم الذي يهلكني.\n\nقوله: (هل تجد ما تعتق رقبةً) بالنصب بدل من (ما) التي هي مفعول (تجد).\n\nقوله: (بعرق) بفتح العين والراء: هو الزبيل، وقد ورد في رواية عند البخاري: (فأُتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر، وهو الزبيل) ويقال: الزنبيل، ويسمى: القفة والسفيفة، كما ذكر ابن الملقن، وذكر - أيضًا - أن العرق عند الفقهاء ما يسع خمسة عشر صاعًا، وذلك ستون مدًّا، لكل مسكين مدّ.\n\nقوله: (أعلى أفقر منا؟) الهمزة داخلة على محذوف يفهم من السياق، يتعلق به الجار والمجرور، والتقدير: أأتصدق به على أفقر منا؟\n\nقوله: (ما بين لابتيها) أي: ما وسط لابتيها، أي: لابتي المدينة، وهما حرَّتاها الشرقية، شرقي البقيع، وتسمى: حَرَّة واقم، والغربية غربي سلع، وتسمى: حرة الوبرة، والحرة: أرض تعلوها حجارة سود.\n_________\n(^١) \"السنن\" (٢٣٩٣).\n(^٢) انظر: الحديث (٢٢٥).","vol":"5","page":64},{"text":"قوله: (بدت أنيابه) أي: ظهرت، والأنياب: جمع ناب، وهي السن التي خلف الرباعية.\n\nقوله: (فأطعمه) أمر بمعنى الإباحة.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على عظم الإثم في جماع الصائم في نهار رمضان، لقول الرجل: (هَلَكْتُ)، وقوله ﷺ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟»، فأقره النبي ﷺ على أن فعله هذا مهلك، ولو لم يكن كذلك لهوَّن عليه الأمر، وفي حديث عائشة ﵂ قال: (احْتَرَقْتُ) (^١)، وهذا الرجل كان جاهلًا لما يجب عليه، وليس جاهلًا أن الجماع في رمضان حرام، ولهذا قال: (هَلَكْتُ).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن من جامع في نهار رمضان وجب عليه أغلظ الكفارات، وهي على الترتيب:\n١ - عتق رقبة، وظاهر الحديث أنه لا يشترط كونها مؤمنة؛ لأنه أطلق ولم يقيدها بالإيمان، وهذا قول الحنفية، والجمهور على اشتراط الإيمان، من باب حمل المطلق على المقيد؛ لأن الله تعالى اشترط الإيمان في كفارة القتل، مع أن السبب مختلف.\n٢ - فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين لا يتخللهما فطر، إلا لعذر كمرض ونحوه.\n٣ - فإن لم يستطع، فإطعام ستين مسكينًا.\nوهذا قول الجمهور من أهل العلم سلفًا وخلفًا، وأما ما حُكي عن الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير من وجوب القضاء على المجامع بدون كفارة، فهو مبني على أن الحديث لم يبلغهم، كما قال البغوي (^٢)، وهذه الكفارة مختصة بالجماع في رمضان.\nفإن جامع في قضاء رمضان فسد صومه، وعليه القضاء ولا كفارة؛ لأن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١١٢).\n(^٢) \"شرح السنة\" (٦/ ٢٨٤).","vol":"5","page":65},{"text":"الكفارة خاصة برمضان؛ لأن له حرمة خاصة، فالفطر انتهاك لها، بخلاف القضاء؛ فإن الأيام متساوية بالنسبة له.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على جواز الأكل من طعام الكفارة لمن وجبت عليه إذا كان معسرًا والتصدق على أهله، وهذا بناءً على أن العرق الذي أخذه أنه كفارة وليس صدقة، وهذا ظاهر الحديث، كما يقول الحافظ، بشرط أن يكون الإنسان قد أُعطيها كما في هذا الحديث، أما إذا كان هو الذي دفعها فليس له أن يأكل منها، بل يدفعها إلى مستحقها.\nوالقول الثاني للجمهور وهو: أن ما أخذه ليس كفارة وإنما هو صدقة، والكفارة لا تسقط بالإعسار، بل تبقى دينًا في الذمة، قياسًا على سائر الكفارات والديون.\nقالوا: وليس في الحديث ما يدل على سقوطها، بل ظاهره عدم سقوطها؛ لأنه لما سأله عن أنزل درجات الكفارة - وهي الإطعام - وقال: لا أجد، سكت النبي ﷺ، ولم يبرئ ذمته منها.\nوالقول الثالث: أن الكفارة تسقط مع العجز عنها، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وأحد قولي الشافعي؛ لأن النبي ﷺ رخص للرجل أن يطعم التمر أهله، ولو كان كفارة عنه ما جاز ذلك، ولم يبين له بقاء الكفارة في ذمته إلى حين يساره، وتأخر البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\nوالقول الأول هو الأقرب، فإنه ﷺ قال: «خذ هذا تصدق به»، أي: أطعمه المساكين عنك، ثم لما أخبره بفقره، أذن له أن يطعمه أهله، ولم يقل: إن الكفارة باقية في ذمته، ولو كانت باقية في ذمته لأخبره بذلك.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على أن من وقع في أمر محرم ولم يعرف حكم الشرع؛ أن يسأل أهل العلم عما وقع فيه مخالفًا للشريعة، وأن يخاف من سوء عاقبته، وهذا له نظائر كما في قصة العسيف، وقصة ماعز ﵁ (^١)، وغيرهما.\n_________\n(^١) سيأتي ذكرهما في الحدود، إن شاء الله تعالى.","vol":"5","page":66},{"text":"الوجه السابع: استدل الجمهور بقوله: (هَلَكْتُ) على أنه كان عامدًا عارفًا بالتحريم، وكذا ما جاء في حديث عائشة ﵂ في الصحيحين من قوله: (احْتَرَقْتُ)؛ لأن الهلاك والاحتراق مجاز عن العصيان المؤدي إلى ذلك.\nقالوا: ولا يدخل في ذلك الناسي ولا الجاهل، فمن جامع ناسيًا أو جاهلًا، فلا قضاء عليه ولا كفارة، قال البخاري في «صحيحه»: (وقال الحسن ومجاهد: إن جامع ناسيًا فلا شيء عليه) (^١).\nوالقول الثاني: أن الناسي كالعامد تجب عليه الكفارة والقضاء؛ لأن الجماع أعظم المفطرات، ولأنه لا يتصور وقوع النسيان في الجماع، ولأن الرسول ﷺ ترك استفسار المجامع في نهار رمضان هل كان عن عمد أو نسيان؟ وترك الاستفصال في الفعل ينزل منزلة العموم في القول.\nوالقول الأول أرجح لقوة دليله، ولعموم: «من أفطر في رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة» وتقدم.\n\nالوجه الثامن: اختلف العلماء في حكم المرأة: هل عليها كفارة؟ قولان:\nالأول: أنه ليس عليها كفارة، وهذا هو الأصح عند الشافعية، ومذهب داود وأهل الظاهر، ورواية عن الإمام أحمد، ورجحه النووي، ومال إليه ابن قدامة (^٢)؛ إذ ليس في الحديث ما يدل على أن الكفارة تلزمها.\nوالقول الثاني: أن الكفارة تلزمها إذا كانت مطاوعة، وهذا قول مالك، وأصحاب الرأي، وأحمد في أصح الروايتين، وقول للشافعي (^٣)؛ لأنها هتكت صوم رمضان بالجماع، فوجب عليها الكفارة كالرجل، وبيان الحكم له بيان في حقها، لاشتراكهما في تحريم الفطر، وانتهاك حرمة الصوم.\nوهذا القول هو الأظهر، وهو أن المرأة إن كانت مطاوعة فعليها\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ١٥٥ - ١٥٦)، \"تغليق التعليق\" (٣/ ١٥٦ - ١٥٧).\n(^٢) \"الأم\" (٣/ ٢٥١)، \"المحلى\" (٦/ ١٩٢)، \"المغني\" (٤/ ٣٧٥)، \"المجموع\" (٦/ ٣٣٩).\n(^٣) \"الاستذكار\" (١٠/ ١٠٨)، \"بداية المجتهد\" (٢/ ١٨٣)، \"المغني\" (٤/ ٣٧٥).","vol":"5","page":67},{"text":"الكفارة، لقوة مأخذ هذا القول، وإن كانت مكرهة فلا كفارة عليها، وكونها لم تذكر في الحديث؛ لأنها لم تأت ولم تسأل، وحالها تحتمل أن تكون مكرهة؛ وأن تكون مطاوعة، فلذا سكت عنها النبي ﷺ، وقد اختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن كفارة المكرهة على الجماع تلزم زوجها (^١).\n\nالوجه التاسع: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى وجوب قضاء اليوم الذي حصل فيه الجماع؛ لأنه أفسد يومًا من رمضان، فلزمه قضاؤه، كما لو أفسده بالأكل، فالكفارة عقوبة الذنب الذي ركبه، والقضاء بدل اليوم الذي أفسده (^٢).\nوذهب ابن حزم وطائفة إلى أنه لا قضاء عليه، وذكر الموفَّق ابن قدامة أنه قول للشافعي (^٣)؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر هذا الرجل بالقضاء؛ ولأن هذا متعمد، فلا يقضي من باب التغليظ، وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية: أن كل من تعمد ترك صلاة أو صوم بلا عذر فإنه لا يقضي ولا تصح منه (^٤). ورواية: «فصم يومًا مكانه» شاذة، كما تقدم. ولا ريب أن القضاء أحوط وأبرأ للذمة.\n\nالوجه العاشر: جواز وصف الإنسان نفسه بشدة الفقر إذا كان صادقًا ولم يقصد التسخط من قدر الله تعالى؛ لأن الرسول ﷺ أقرّ هذا الرجل على ما قال ولم ينكر عليه.\n\nالوجه الحادي عشر: جواز حلف الإنسان على ما يغلب على ظنه؛ لأن الرجل أقسم للنبي ﷺ أنه ليس بين لابتي المدينة أهل بيت أفقر من أهل بيته، فأقره النبي ﷺ، مع أن هذا الأمر لا يدرك باليقين غالبًا، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الاختيارات\" ص (١٠٩).\n(^٢) \"التمهيد\" (٧/ ١٥٧)، \"الاستذكار\" (١٠/ ٩٨).\n(^٣) \"المحلى\" (٦/ ٢٦٤)، \"المغني\" (٤/ ٣٧٢).\n(^٤) \"الاختيارات\" ص (١٠٩)، \"منهاج السنة\" (٥/ ٢٢٣ - ٢٢٤).","vol":"5","page":68},{"text":"<span data-type='title' id=toc-545>حكم صوم من أصبح جنبًا</span>\n٦٧٧ و٦٧٨/ ٢٨، ٢٩ - عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nزَادَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: ولَا يَقْضِي.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «الصائم يصبح جنبًا» (١٩٢٦)، ومسلم (١١٠٩) من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ أن أباه عبد الرحمن أخبر مروان أن عائشة وأم سلمة أخبرتاه أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم … الحديث، وفي آخره قصة رجوع أبي هريرة عندما كان يفتي أن من أصبح جنبًا فلا صيام له، ولما بلغه الحديث قال: (كذلك حدثني الفضل بن عباس، وهن أعلم). وهذا سياق البخاري.\nوأخرجه مسلم من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن عائشة وأم سلمة زوجَي النبي ﷺ أنهما قالتا: إن كان رسول الله ﷺ ليصبح جنبًا من جماع غير احتلام في رمضان، ثم يصوم.\nوبهذا السياق للمتن يتضح أن الحافظ ساق الحديث بالمعنى لا باللفظ.\nولم يذكر في هذا الإسناد «عن أبيه» وهذا غير مؤثر؛ لأن الحديث سمعه الأب والابن معًا من عائشة وأم سلمة ﵄، كما ثبت في رواية البخاري، ولهذا قال ابن عبد البر: (لا معنى لذكر أبيه فيه؛ لأنه شهد القصة مع أبيه كلها","vol":"5","page":69},{"text":"عند أبي هريرة وعند عائشة وأم سلمة …) (^١).\nوهذا الحديث روي من مسند عائشة وأم سلمة جميعًا، وروي مفرقًا، كما عند البخاري (^٢) ومسلم (^٣)، من حديث عائشة ﵂، وعند مسلم من حديث أم سلمة (^٤) ﵂، وذلك من طريق عبد الله بن كعب الحميدي؛ أن أبا بكر حدثه أن مروان أرسله إلى أم سلمة ﵂ يسألها عن الرجل يصبح جنبًا أيصوم؟ فقالت: (كان رسول الله ﷺ يصبح جنبًا من جماع لا من حلم ثم لا يفطر ولا يقضي). وهذه الرواية فيها زيادة فائدة عما قبلها، وهي نفي القضاء.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (كان يصبح) تقدم أن (كان) إذا كان خبرها فعلًا مضارعًا أنها تدل على الاستمرار غالبًا، ما لم يوجد قرينة.\n\nقوله: (جنبًا) أي: ذو جنابة، وهي شرعًا: كل ما أوجب الغسل من إنزال أو جماع.\n\nقوله: (من جماع) (من) للسببية، وفي رواية مسلم المذكورة: (من جماع غير احتلام).\nوتقييده بالجنابة من الجماع لبيان أن تأخير الغسل عن اختيار منه حيث لم يفاجأ بما يوجب الغسل.\nوأما قولهما: (من جماع لا من حلم) فمعناه: أنه يصبح جنبًا من جماع، ولا يجنب من احتلام، لامتناعه منه؛ لأنه من تلاعب الشيطان، والأنبياء منزهون عن ذلك، خلافًا لمن قال بجواز الاحتلام على الأنبياء أخذًا بقولهما: (من غير احتلام). قال: ولو كان الاحتلام لا يقع من النبي ﷺ لما كان لهذا الاستثناء معنى، والجواب ما تقدم.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على صحة صوم الجنب وإن لم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر. وقد حكى الوزير ابن هبيرة، ومن بعده النووي إجماع\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٢٢/ ٤٧).\n(^٢) (١٩٣٠).\n(^٣) (١١٠٩) (٧٦) (١١١٠).\n(^٤) (١١٠٩) (٧٧).","vol":"5","page":70},{"text":"العلماء على ذلك (^١)، وقد وقع الخلاف في هذه المسألة في الصدر الأول من هذه الأمة، لما ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا نُودِيَ للصَّلَاةِ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَأَحَدُكُمْ جُنُبٌ فَلَا يصومنَّ يَوْمَهُ» (^٢)، وكان أبو هريرة يفتي بذلك، وقال به قوم من التابعين، كما ذكر الترمذي (^٣).\nثم ارتفع الخلاف واستقر الإجماع على ما تقدم، ورجع أبو هريرة عن الفتوى بذلك، كما ثبت في «الصحيحين»، وأما الحديث فهو منسوخ بحديثي أم سلمة وعائشة ﵄، نقل ذلك البيهقي عن ابن المنذر، وكذا قاله الخطابي (^٤). وقيل: إنه مرجوح قد عارضه ما هو أصح منه، فيقدم عليه. وهذا رأي البخاري؛ فإنه لما روى حديثي عائشة وأم سلمة، وذكر ما ورد عن أبي هريرة، قال: (والأول أسند)؛ أي: أقوى إسنادًا؛ لأنه ورد عنهما ذلك من طرق كثيرة جدًّا، حتى قال ابن عبد البر: (إنه صح وتواتر)، وأما ما ورد عن أبي هريرة فقد ورد أنه لم يسمعه من النبي ﷺ وإنما سمعه بواسطة الفضل وأسامة.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على جواز تأخير الغسل من الجنابة، وأنه لا تجب المبادرة بذلك، وتقدم ذلك في «الطهارة».\n\nالوجه الخامس: يقاس على الجنب الحائض إذا انقطع دمها ورأت الطهر قبل الفجر؛ فإنها تصوم مع الناس ولو لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر؛ لأنها حينئذٍ من أهل الصوم، وعليها أن تبادر بالغسل لتصلي الفجر في وقتها؛ والنفساء مثل الحائض في ذلك.\nوإذا احتلم الصائم في نهار رمضان فإنه يغتسل وصومه صحيح؛ لأنه ليس له اختيار في ذلك ولا إرادة، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الإفصاح\" (١/ ٢٤٤)، \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٢٣١).\n(^٢) علقه البخاري (٤/ ١٤٣ \"فتح\")، ووصله أحمد (١٣/ ٤٩٠)، وابن حبان (٣٤٨٥) بإسناد صحيح.\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣/ ١٤٩).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢١٥)، \"معالم السنن\" (٣/ ٢٦٦).","vol":"5","page":71},{"text":"<span data-type='title' id=toc-546>حكم قضاء الصوم الواجب على الميت</span>\n٦٧٩/ ٣٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الصوم»، باب «من مات وعليه صوم» (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧)، من طريق عبيد الله بن أبي جعفر، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة ﵄، به مرفوعًا.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من مات) من: شرطية من صيغ العموم؛ أي: أيُّ إنسان مات، وقد ورد عند الإمام أحمد بسند آخر بلفظ: «أيُّما مَيْتٍ مات …» (^١).\n\nقوله: (وعليه صيام) على: تفيد الوجوب، كما في الأصول، والمعنى: وفي ذمته صيام واجب.\n\nقوله: (صام عنه وليه) هذه جملة خبرية لفظًا إنشائية معنى؛ لأن معناها الأمر، أي: فليصم، وسرُّ التعبير بها: تأكيد فعل المأمور به حتى كأنه أمر واقع يُتحدث عنه؛ كصفة من صفات المأمور.\nوالمراد بالولي: القريب. والوارث أولى القرابة به.\n_________\n(^١) \"المسند\" (٤٠/ ٤٦٦)، وهو من طريق حيوة بن شريح قال: أخبرني سالم أنه عرض هذا الحديث على يزيد فعرفه، أن عروة قال: أخبرتني عائشة … وسالم هو ابن غيلان التجيبي، ويزيد هو ابن رومان. وهو صحيح بحديث الباب.","vol":"5","page":72},{"text":"الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من مات وعليه صوم واجب فإنه يشرع لوليه أن يقضي الصوم عنه؛ لأنه إحسان إليه وبر وصلة.\nوالحديث مختص بمن كان معذورًا لمرض أو سفر أو حيض أو نفاس، ثم زال عذره وتمكن من القضاء ولم يقض حتى مات، فهذا هو الذي يتناوله الحديث، أما من مات قبل إمكان الصيام، كما لو امتد به المرض أو السفر، أو امتد بها الحيض أو النفاس إلى الموت ولم يجد وقتًا للقضاء، فهذا لا شيء عليه ولا على وليه.\nولا يختص ذلك بالولي، بل كل من صام عنه قضى ذلك عنه وأجزأ؛ لأنه تبرع، فأشبه قضاء الدين عنه، وأما ذكر الولي في الحديث فقد خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب وقوع ذلك من ولي الميت وقريبه، لا من البعيد عنه.\nوالقول بأنه يجزئ صوم الولي عن الميت، هو قول أصحاب الحديث، وأبي ثور، وجماعة (^١).\nوالقول الثاني: أنه لا يصام عن الميت، وإنما يطعم عنه، على تفاصيل في كتب الفقه، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، والشافعي في الجديد (^٢).\n\nالوجه الرابع: الجمهور من أهل العلم على أن الأمر في الحديث محمول على الاستحباب.\nوذهب أهل الظاهر إلى أن الأمر للوجوب (^٣)، أخذًا بظاهره. والصواب مع الجمهور؛ لأنه لو قيل بالوجوب للزم أن يأثم الولي بعدم القضاء، لكونه ترك واجبًا، وهذا لا يصح، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨].\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٦/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، \"فتح الباري\" (٤/ ١٩٣).\n(^٢) \"الاستذكار\" (١٠/ ١٦٧)، \"الهداية\" (١/ ١٢٧)، \"المغني\" (٤/ ٣٩٨)، \"المجموع\" (٦/ ٣٦٨).\n(^٣) \"المحلى\" (٧/ ٢).","vol":"5","page":73},{"text":"الوجه الخامس: اختلف القائلون بأنه يصام عن الميت في نوع ما يصام عنه على قولين:\nالأول: أنه يصام عنه كل صيام واجب، سواء أكان واجبًا بأصل الشرع؛ كصوم رمضان، أم واجبًا بالنذر، وهذا قول الشافعية، وابن حزم (^١). واستدلوا بعموم الحديث.\nوالقول الثاني: أنه لا يصام عنه إلا النذر، وما عداه فالإطعام، وهذا مذهب الإمام أحمد؛ بل نص عليه، قال أبو داود: (سمعت أحمد بن حنبل قال: (لا يصام عن الميت إلا في النذر» (^٢). وهو قول الليث وإسحاق.\nودليل ذلك حديث ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال ﷺ: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَكَانَ ذَلِكَ يُؤَدِّي عَنْهَا؟» قالت: نعم، قال: «فَصُومي عَنْ أُمِّكِ».\nوفي رواية: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال ﷺ: «لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟»، قال: نعم، قال: «فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» (^٣).\nقالوا: فيحمل المطلق وهو حديث عائشة، على المقيد وهو حديث ابن عباس الدال على قضاء صيام النذر.\nكما استدلوا بآثار وردت عن الصحابة ﵃؛ كعائشة وابن عباس بالإطعام عنه، وقاسوا الصيام على سائر العبادات؛ فإنه لا يقوم بها أحد عن أحد، إلا الحج فإنه مخصوص، ولأن الصوم المفروض قد جعل الله له بدلًا في الحياة، وهو الإطعام، فوجب أن يكون له بدلًا بعد الموت، مثل الحياة.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٧/ ٢)، \"المجموع\" (٦/ ٣٧٠).\n(^٢) \"المسائل\" ص (٩٦)، \"المغني\" (٤/ ٣٩٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤/ ١٩٢ فتح)، ومسلم (١١٤٧).","vol":"5","page":74},{"text":"والذين قالوا: إن قضاء الصوم عن الميت عام في كل صيام واجب، سواء كان بأصل الشرع؛ كرمضان، أو بالنذر، أيدوا قولهم بأمرين:\nالأول: أن حديث عائشة ﵂ جاء في تقرير قاعدة كلية لجميع الأمة، بأن من مات وعليه صيام صام عنه وليه، وأما حديث ابن عباس ﵄ فهو فرد من أفراد هذه القاعدة، وعليه فلا تعارض بينهما حتى يحمل المطلق على المقيد؛ بل إن في حديث ابن عباس ﵄ ما يدل على دخوله في عموم حديث عائشة ﵂، وهو قوله: «فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» (^١).\nالثاني: كيف يحمل حديث عائشة على صوم النذر فقط، وتُمنع دلالته على الواجب بأصل الشرع، مع أن الواجب بأصل الشرع أكثر وقوعًا، فإنك لو قارنت بين من يموت وعليه قضاء رمضان، ومن يموت وعليه صوم نذر لوجدت الأول أكثر بكثير، أليس هذا من رفع دلالة الحديث على ما هو غالب، وحملها على ما هو نادر؟ وهذا ما يؤدي إلى تعطيل أكثر موارد النص وأغلبها (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ١٩٣).\n(^٢) انظر: \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٥٠)، \"فتاوى ابن باز\" (١٥/ ٣٧٢ - ٣٧٣).","vol":"5","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-547>باب صوم التطوع، وما نهي عن صومه</span>\nهذا الباب عقده المؤلف لذكر الأحاديث الواردة في صوم التطوع، والأحاديث الواردة فيما نهى عن صومه، وذلك أنه ورد في السنة أن لبعض الأيام مزيد فضل، فحث الشرع على صيامها، كما ورد النهي عن صيام بعض الأيام، لحكمٍ عظيمة، كما سيأتي إن شاء الله.\nوقد جاء في السنة الترغيب في الصيام، وبيان عظيم ثوابه، ففي حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْر أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ ﷿: إلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعَ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ …» (^١).\nفالله تعالى أضاف الصوم إلى نفسه من بين سائر الأعمال، وكفى بهذه الإضافة شرفًا، وهذا - والله أعلم - لأمرين:\nالأول: أن الصيام يستوعب النهار كله، فيجد الصائم فقد شهوته لا سيما في نهار الصيف، لطوله وشدة حره.\nالثاني: أن الصيام سر بين العبد وربه لا يطلع عليه إلا الله تعالى، فهو عمل باطن، لا يراه الخلق، ولا يدخله الرياء، كما قال الإمام أحمد ﵀: (ليس في الصوم رياء) (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١) (١٦٤).\n(^٢) \"كتاب الصيام من شرح العمدة\" لابن تيمية (٢/ ٦٠٠).","vol":"5","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-548>أيام يستحب صيامها</span>\n٦٨٠/ ١ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، قَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ»، وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، قَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ»، وَسُئِلُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ، قَالَ: «ذاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب «الصيام»، باب «استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم عرفة، وعاشوراء، والاثنين، والخميس» (١١٦٢) (١٩٧) من طريق غيلان بن جرير، سمع عبد الله بن معبد الزِّمَّاني، عن أبي قتادة الأنصاري ﵁. وساق الحديث إلى أن قال: (وسئل عن صوم يوم الاثنين، قال: «ذاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ فِيهِ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ»، قال: فقال: «صَوْمُ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ؛ صَوْمُ الدَّهْرِ»، قال: وسئل عن صوم يوم عرفة، فقال: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ»، قال: وسئل عن صوم يوم عاشوراء، فقال: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ».\nوبهذا يتبين أن الحافظ ﵀ ساق الحديث بتقديم وتأخير.\nوهذا الحديث أعلَّه البخاري بعدم سماع عبد الله بن معبد من أبي قتادة (^١)، ولهذا أعرض في «صحيحه» عن هذا الحديث، ولم يورد شيئًا يدل\n_________\n(^١) انظر: \"التاريخ الكبير\" (٥/ ١٩٨)، \"الكامل\" (٤/ ٢٢٤).","vol":"5","page":77},{"text":"على فضل صوم يوم عرفة، وروى حديثين في عدم صيامه (^١).\n\nالوجه الثاني: استدل الفقهاء بهذا الحديث على فضل صيام يوم الاثنين من كل أسبوع؛ لأن هذا يوم عظيم، ولد فيه النبي ﷺ، وبعث إلى الناس بشيرًا ونذيرًا، وأنزل الله فيه القرآن، وهذه نعم عظيمة، خص الله بها هذا اليوم.\nكما استدلوا على فضل صيام يوم الخميس، بحديث أسامة بن زيد ﵁ وفيه: (قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس. قال: «ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وأحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ») (^٢).\n\nالوجه الثالث: يتعلق بعض المبتدعة من الصوفية وأشباههم بهذا الحديث على مشروعية الاحتفال بمولد النبي ﷺ؛ لأنه شرع فيه الصيام، ولا ريب أن هذا الاستدلال عن الصواب بمعزل، ولا تمسك للمبتدعة بهذا الحديث لأمور:\n١ - أن الرسول ﷺ لم يحتفل بيوم مولده في حياته، ولم يحتفل به أصحابه من بعده ﵃ ولا التابعون لهم بإحسان، ولو كان مشروعًا لسبقونا إليه؛ فإنهم أكثر الأمة محبة لنبيهم ﷺ وأكثرها تعظيمًا، أفيكونون ضيعوا هذا الأمر، وتركوا ما هو فاضل ومطلوب تساهلًا أو عدم مسارعة إلى الخير؟! كلا.\n٢ - أن العبادات توقيفية، والشارع عيَّن العبادة المشروعة يوم الاثنين، وهي الصيام، فيقتصر على الوارد، ولا يُتعدى إلى غيره.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٢٣٦).\n(^٢) أخرجه النسائي (٤/ ٢٠١)، وأحمد (٣٦/ ٨٥ - ٨٦) من طريق ثابت بن قيس أبي غصن، حدثني أبو سعيد المقبري، حدثني أسامة بن زيد -﵁-. وهذا الحديث معلول، فيه ثابت بن قيس: قال عنه ابن حبان في \"المجروحين\" (١/ ٢٣٩): \"كان قليل الحديث، كثير الوهم فيما يروي، لا يحتج بخبره إذا لم يتابعه غيره عليه\" وقد اضطرب في هذا الحديث سندًا ومتنًا.\nوعرض الأعمال على الله تعالى يوم الاثنين ويوم الخميس ورد في \"صحيح مسلم، (٢٥٦٥)، لكن رجَّح الدارقطني في \"العلل\" (١٠/ ٨٧) وقفه، قال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٣/ ١٩٨): (ومعلوم أن هذا ومثله لا يجوز أن يكون رأيًا من أبي هريرة، وإنما هو توقيف لا يشك في ذلك أحد له أقل فهم)، وانظر: \"التتبع\" رقم (١٨).","vol":"5","page":78},{"text":"٣ - أن علة الصوم ليست منحصرة بكونه يوم المولد؛ بل الرسول ﷺ ذكر علة أخرى: وهي إنزال الوحي، وعلة ثالثة: وهي عرض الأعمال على الله، فلماذا تؤخذ علة واحدة فقط وتُعدى إلى أمر لم يشرعه الله ولا رسوله ﷺ؟!\nولا ريب أن الاحتفال بالموالد من البدع المحدثة في الدين، ومن التشبه بأعداء الله من اليهود والنصارى، وهذا بصرف النظر عما يقع في هذا الاحتفال من المنكرات العظيمة، والغلو بالرسول ﷺ الذي يصل إلى حدّ الشرك بالله تعالى.\nوقد ذكر بعض أهل العلم أن أول من أحدث الاحتفال بالموالد الشيعة الفاطميون، في المائة الرابعة، ثم تبعهم بعض من ينتسبون إلى السنة في هذه البدعة جهلًا وتقليدًا، والله المستعان!\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على فضل صيام يوم عرفة وجزيل ثوابه عند الله تعالى، حيث إن صيامه يكفّر ذنوب سنتين.\nوإنما يستحب صيامه لأهل الأمصار، أما الحاج فلا يسن له صيامه، بل يفطر تأسيًا بالنبي ﷺ وبخلفائه من بعده، وسيأتي ذلك إن شاء الله.\nوقد قال بعض العلماء: (إن معنى تكفير ذنوب السنة الآتية؛ أنه يوفق لترك المعاصي فلا يأتي بذنب)، وهذا فيه نظر، والأظهر أن الحديث على ظاهره، وهو أنه تكفّر عنه ذنوبه التي فعلها.\nوقد اختلف العلماء في هذا التكفير، هل هو شامل للصغائر والكبائر، أو أنه خاص بالصغائر؟ قولان:\nالأول: أنه خاص بالصغائر، وأما الكبائر؛ كالزنا وأكل الربا والسحر، وغير ذلك، فلا تكفرها الأعمال الصالحة، بل لا بدّ لها من توبة، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، فدلت الآية الكريمة على أن تكفير الصغائر مشروط باجتناب الكبائر، واجتنابها هو التوبة منها.","vol":"5","page":79},{"text":"كما استدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» (^١).\nووجه الدلالة: أن الصلوات الخمس والجمعة ورمضان، وهي عبادات عظيمة لا تكفر الكبائر، فما دونها من الأعمال الصالحة؛ كصوم يوم عرفة، من باب أولى.\nوالقول الثاني: أن التكفير شامل للصغائر والكبائر، وهذا قول ابن المنذر - في قيام ليلة القدر - وابن حزم، وقد نصر ابن تيمية هذا القول، واحتج له بالعمومات، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وبالأدلة التي رتبت فيها المغفرة على بعض الطاعات، كالوضوء، وصوم يوم عرفة، وعاشوراء وغيرها.\nوقد ضعف هذا القول ابن عبد البر، وردَّ على قائله، ونقل ابن رجب كلامه، وأقرَّه، ونصر القول بأن التكفير خاص بالصغائر، وأما الكبائر فلا بد لها من توبة (^٢).\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على فضل صيام يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وقد ورد عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: (ما علمت أن رسول الله ﷺ صام يومًا يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم، ولا شهرًا إلا هذا الشهر، يعني رمضان) (^٣).\nوعن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يأمر بصيام يوم عاشوراء، ويحثنا عليه، ويتعاهدنا عليه ..) الحديث (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه عند الحديث (٤٦٢).\n(^٢) انظر: \"الإشراف\" (٣/ ١٧٢)، \"التمهيد\" (٤/ ٤٤) (٧/ ١٠٦)، \"جامع العلوم والحكم\" شرح الحديث (١٨)،\"مجموع الفتاوى\" (٧/ ٤٨٩)، \"فتح الباري\" (٤/ ٢٥١) (٨/ ٣٥٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٠٠٦)، ومسلم (١١٣٢).\n(^٤) أخرجه مسلم (١١٢٨).","vol":"5","page":80},{"text":"والحكمة من الحث على صيامه مع ما فيه من الأجر، هي تعظيم هذا اليوم، وشكر الله تعالى على نجاة موسى ﵇ وبني إسرائيل، وإغراق فرعون وقومه؛ ولهذا صامه موسى ﵇ شكرًا لله تعالى، وصامته اليهود، وأمة محمد ﷺ أحق بأن تقتدي بموسى من اليهود.\nويستحب صيام التاسع مع العاشر، لحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما صام عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ: «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ - إِنْ شَاءَ اللهُ - صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ»، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ. وفي رواية: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِل لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» (^١).\nوقد صح عن ابن عباس موقوفًا: (صوموا التاسع والعاشر خالفوا اليهود) (^٢)، وهذا هو المحفوظ عن ابن عباس، أما ما ورد عنه مرفوعًا بلفظ: (صوموا قبله يومًا أو بعده يومًا) فهذا حديث ضعيف (^٣)، وكذا ما جاء بلفظ: (صوموا قبله يومًا وبعده يومًا).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٣٤).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٢٨٧)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٧٨)، والبيهقي (٤/ ٢٧٨) عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، وإسناده صحيح.\n(^٣) أخرحه أحمد (٤/ ٥٢)، وابن خزيمة (٣/ ٢٩٠)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٧٨)، والبيهقي (٤/ ٢٨٧) من طرق، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن داود بن علي، عن أبيه، عن جده ابن عباس، به مرفوعًا، وهذا إسناد ضعيف، ولا يصح رفعه، لما يلي:\n١ - محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، سيء الحفظ جدًا، كما قال الحافظ في \"التقريب\".\n٢ - داود بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٦/ ٢٨١) وقال: (يخطئ)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (مقبول) أي: عند المتابعة وإلا فليِّن الحديث، وليس له في الكتب الستة إلا حديث واحد عند الترمذي (٣٤١٩)، ولعل الحافظ الذهبي لخص القول فيه، كما في \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٤٤٤) حيث قال: (ما هو بحجة، ولم يُقَحِّم أولو النقد على تليين هذا الضرب لدولتهم).\n٣ - علة الرفع، فقد تقدم أن الموقوف جاء من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، وهم أوثق وأحفظ من رجال طريق الرفع، ولعل كلمة ابن حبان في =","vol":"5","page":81},{"text":"وعلى هذا فلم يثبت صوم الحادي عشر، ولا صيام ثلاثة أيام، إلا إن كان من باب فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر، لا سيما أنها في شهر حرام، ورد الحث على صيامه.\nوأما إفراد العاشر بالصوم، فمن أهل العلم مَن كَرِهَه، لأنه تَشَبُّهٌ بأهل الكتاب، وهو قول ابن عباس ﵄ على ما هو مشهور عنه، وهو مذهب الإمام أحمد، وبعض الحنفية، وقال آخرون: لا يكره، لأنه من الأيام الفاضلة، فيستحب إدراك فضيلتها بالصوم (^١)، والأكثرون على أنه مكروه في حق مَن استطاع أن يجمع معه غيره، ولا ينفي ذلك حصول الأجر لمن صامه وحده، بل هو مثاب إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم.\n_________\n= داود بن علي فيها إشارة إلى ذلك، ومما يؤيد رواية الوقف ما أخرجه الشافعي في \"مسنده\" (١/ ٢٧٢ ترتيبه): عن سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس موقوفًا، كذلك، وإسناده صحيح.\n(^١) انظر: \"شرح العمدة\" لابن تيمية (٢/ ٥٨٥)، \"فتح الباري\" (٤/ ٢٤٦).","vol":"5","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-549>فضل صيام الست من شوال</span>\n٦٨١/ ٢ - عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «الصيام»، باب «استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعًا لرمضان» (١١٦٤) من طريق سعد بن سعيد بن قيس، عن عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي، عن أبي أيوب ﵁ مرفوعًا.\nوقد تكلم بعض العلماء في هذا الحديث؛ لأنه من رواية سعد بن سعيد الأنصاري، أخي يحيى بن سعيد الأنصاري، وقد ضعفه الإمام أحمد، والنسائي، وقال: (هم ثلاثة إخوة: يحيى بن سعيد بن قيس، الثقة المأمون، أحد الأئمة؛ وعبد ربه بن سعيد، لا بأس به؛ وسعد بن سعيد ثالثهم، ضعيف) (^١).\nلكن توبع، فدل على أنه لم يخطئ في هذا الحديث، وكذا روى مسلم حديثه هذا. فقد تابعه صفوان بن سليم، عن عمر بن ثابت، به (^٢)، وصفوان بن سليم ثقة أخرج له الجماعة، ثم سعد بن سعيد، قد وثقه جماعة، والجرح المذكور فيه ليس بغليظ العبارة؛ كقولهن: متروك، وكذاب، أو نحوهما. بل الظاهر أن من تكلم فيه فهو لسوء حفظه، كما صرح به الحافظ الترمذي، وكما\n_________\n(^١) \"العلل\" للإمام أحمد (١/ ٥١٣)، \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٤٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٤٣٣)، والنسائي (٣/ ٢٣٩).","vol":"5","page":83},{"text":"نبه عليه ابن حبان (^١).\nوأخرجه النسائي (^٢)، والطحاوي (^٣) من طريق شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب موقوفًا، وعبد ربه: لا بأس به، كما تقدم.\nوقد تكلم العلماء في وقف هذا الحديث، وإليه يميل الإمام أحمد، كما ذكر ابن رجب (^٤).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على فضل صيام ستة أيام من شوال، وأن صيامها مع رمضان كصيام الدهر، والمراد: السنة؛ أي: كأنما صام السنة كلها، وذلك ثلاثمائة وستون يومًا. وقد ورد في حديث ثوبان ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «جعل الله الحسنة بعشر، فشهر بعشرة أشهر، وستة أيام بعد الفطر تمام السنة» (^٥).\nوالقول باستحباب صيامها، هو قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم: الأئمة الثلاثة أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وذهب الإمام مالك إلى كراهة صيامها (^٦)؛ لأنه لم ير أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولئلا يلحق برمضان ما ليس منه.\nوقد اعتذر ابن عبد البر عن الإمام مالك بأنه لم يبلغه حديث أبي أيوب مع أنه حديث مدني؛ وأنه إنما كره صيامها خشية أن يضاف إلى رمضان ما ليس منه، أما من صامها لطلب الفضل، وعلى المعنى الذي ورد في حديث ثوبان؛ فإن مالكًا لا يكره ذلك إن شاء الله (^٧).\nولا ريب أن ما خشيه الإمام مالك لا يقع؛ فإن الإضافة إلى رمضان إنما\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣/ ١٣٢)، \"الثقات\" (٦/ ٣٧٩).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٤٠).\n(^٣) \"شرح مشكل الآثار\" (٢٣٤٧).\n(^٤) \"اللطائف\" ص (٢٥٦).\n(^٥) أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٣/ ٢٣٩)، وابن ماجه (١٧١٥)، وأحمد (٣٧/ ٩٤) وهو حديث حسن.\n(^٦) \"الموطأ\" (١/ ٣١١).\n(^٧) \"الاستذكار\" (١٠/ ٢٥٩).","vol":"5","page":84},{"text":"تكون لو أنه لم يفصل بينها وبين رمضان بشيء، أما إذا كان الفصل يقع بيوم الفطر؛ فإنه لا يتوهم ذلك.\nوالأفضل أن يكون صيامها متتابعًا، ويجوز تفريقها أثناء الشهر؛ لأن (ثم) للتراخي، وكل صوم يقع في شوال فهو مُتْبَعٌ لرمضان؛ وإن كان هناك مهلة، ولكن صيامها بعد العيد فيه مزية على غيره من وجوه:\nالأول: أن في ذلك مسارعةً إلى فعل الخير.\nالثاني: أن المبادرة بها دليل على الرغبة في الصيام، وعدم الملل منه.\nالثالث: لئلا يعرض للإنسان ما يمنعه من صيامها إذا أخرها.\nومن عليه قضاء فإنه يبدأ به، ثم يصوم هذه الأيام، لقوله ﷺ: «من صام رمضان»، ومن عليه أيام من رمضان فإنه لا يصدق عليه أنه صام رمضان حتى يقضيها؛ ولأن المسارعة إلى أداء الواجب وبراءة الذمة مطلوب من المكلف.\nوالظاهر من قولي أهل العلم أنه إذا انتهى شهر شوال ولم يصمها أنها لا تقضى؛ لأنها سنة فات محلها، والشارع خصّها بشوال، فلا يحصل فضلها لمن صامها في غيره، لفوات مصلحة المبادرة بها والمسارعة المحبوبة لله تعالى.\nفإن كان ذلك لعذر، من مرض أو حيض أو نفاس، فمن أهل العلم من قال: يجوز قضاؤها بعد صيام ما عليه، واختار ذلك الشيخ عبد الرحمن السعدي (^١)، ومنهم من قال: إنه لا يشرع قضاؤها بعد شوال لما تقدم، سواء تركت لعذر أو لغير عذر، وهذا اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى السعدية\" ص (٢٣٠).\n(^٢) \"الفتاوى\" (١٥/ ٣٨٨ - ٣٨٩).","vol":"5","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-550>فضل الصوم في سبيل الله تعالى</span>\n٦٨٢/ ٣ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ إِلاَّ بَاعَدَ اللهُ بِذلِكَ الْيَوْمِ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ سَبْعِينَ خَرِيفًَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الجهاد»، باب «فضل الصوم في سبيل الله» (٢٨٤٠)، ومسلم في كتاب «الصيام»، باب «فضل الصوم في سبيل الله لمن يطيقه بلا ضرر ولا تفويت حق» (١١٥٣) من طريق يحيى بن سعيد وسهيل بن أبي صالح، أنهما سمعا النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا.\nوأخرجه مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن النعمان، به، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ما من عبد) وفي لفظ لهما: (من صام) وكلاهما من صيغ العموم.\n\nقوله: (في سبيل الله) اختلف في المراد به على قولين:\nالأول: أن المراد به: الجهاد في سبيل الله، وهذا قول ابن الجوزي؛ لأن لفظ: «في سبيل الله» إذا أطلق فالمراد به الجهاد (^١).\n_________\n(^١) \"كشف المشكل من حديث الصحيحين\" لابن الجوزي (٣/ ١٥٣).","vol":"5","page":86},{"text":"الثاني: أن المراد به: طاعة الله، بأن يصوم قاصدًا وجه الله تعالى، سواء في الجهاد أو في غيره، وهذا قول القرطبي (^١). قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (وهذا قول قوي).\n\nقوله: (باعد الله وجهه عن النار) أي: جعل الله وجهه بعيدًا، ومتى بَعُدَ الوجه بعد جميع البدن، لكن خصه بالذكر لشرفه.\n\nقوله: (سبعين خريفًا) أي: مسافة سبعين خريفًا. والخريف: هو الفصل الثالث من فصول السنة الأربعة، وهي: الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء. وبروج الخريف ثلاثة: الميزان، والعقرب، والقوس. والمراد هنا: السنة كلها، من باب تسمية الكل باسم بعضه؛ أي: سبعين عامًا؛ لأن السنة لا يكون فيها إلا خريف واحد، فإذا مرَّ الخريف مرت السنة كلها. وخص الخريف بالذكر؛ لأن الخريف أزكى الفصول، فهو أوان جدادهم وقِطَافهم، وإدراك غلاتهم.\nوذكر السبعين على وجه المبالغة في البعد العظيم عن النار، وكثيرًا ما تجيء السبعين عبارة عن التكثير. قال تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]. وقد ورد في حديث عقبة بن عامر ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿ بَاعَدَ اللهُ مِنْهُ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ مِائَةِ عَامٍ» (^٢).\nقال السندي: (والتوفيق بين الحديثين بحمل أحد العددين أو كليهما على التكثير، أو أنه تعالى زاد للصوم الأجر) (^٣).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على فضل الصيام في سبيل الله تعالى،\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٣/ ٢١٧)، \"فتح الباري\" (٦/ ٤٨).\n(^٢) أخرجه النسائي (٤/ ١٧٣) من طريق القاسم بن عبد الرحمن صاحب أبي أمامة، عن عقبة، به. قال الألباني في \"الصحيحة\" (٦/ ١/ ١٣٨): (هذا إسناد جيد، رجاله ثقات، وفي القاسم كلام لا ينزل به حديثه عن رتبة الحسن) ثم ذكر شواهد للحديث.\n(^٣) \"حاشية السندي على النسائي\" (٤/ ١٧٤).","vol":"5","page":87},{"text":"وأن جزاءه أن يبعد الله وجهه عن النار سبعين عامًا؛ لأنه جمع بين مشقة الجهاد والمرابطة، ومشقة الصيام.\nوهذا محمول على ما إذا لم يضعفه الصيام عن مهمة الجهاد، كما إذا كان في حال المسير إلى العدو أو في حال الرباط.\nأما عند ملاقاة العدو فقد أمر الرسول ﷺ بالإفطار في الغزو، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلًا، فقال رسول الله ﷺ: «إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ» فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلًا آخر، فقال: «إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ، فَأَفْطِرُوا» وكانت عزمة، فأفطرنا …) الحديث (^١).\nوقد نقل ابن القيم عن شيخه ابن تيمية أنه أجاز الفطر للتَّقوِّي به على الجهاد وفَعَلَهُ، وأفتى به لما نزل العدوُّ دمشق في رمضان، فأنكر عليه بعض المتفقهة، معللًا لذلك بأنه ليس بسفر طويل، فقال الشيخ: إن هذا الفطر ليس للسفر؛ وإنما هو للتقوِّي على جهاد العدو، وهو أولى من الفطر لسفر يومين سفرًا مباحًا أو معصية.\nوذكر ابن القيم أنه إذا جاز فطر الحامل والمرضع لخوفهما على ولديهما، وفطر من يخلِّص غريقًا ففطر المقاتلين أولى بالجواز، وهذا من باب قياس الأَوْلى، ومن باب دلالة النص وإيمائه (^٢).\n\nالوجه الرابع: في الحديث دليل على فضل صوم التطوع - باعتبار المعنى الثاني - وعظيم أجره عند الله تعالى.\nوالصيام من أفضل الأعمال - كما تقدم - ومن ثمار صوم النفل - كغيره من التطوعات - أنه يجبر ما عسى أن يكون في أداء الفرض من نقص أو\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٢٠).\n(^٢) انظر: \"بدائع الفوائد\" (٤/ ١٣٥٨ - ١٣٥٩).","vol":"5","page":88},{"text":"تقصير، وفي ذلك قال النبي ﷺ في شأن الصلاة: «قال الرب ﵎: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمّل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله كذلك» (^١).\nكما أن صوم النفل يهيئ المسلم للرقي في درجات القرب من الله تعالى، والظفر بمحبته، كما في الحديث القدسي: «ما تقرّب إليَّ عبدي بأفضل مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه … الحديث» (^٢)، وتقدم شيء من ثمار النوافل في باب «صلاة التطوع».\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في باب \"صلاة التطوع\".\n(^٢) تقدم تخريجه في باب \"صلاة التطوع\".","vol":"5","page":89},{"text":"<span data-type='title' id=toc-551>هدي النبي - ﷺ - في صيام التطوع</span>\n٦٨٣/ ٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ حَتّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلاَّ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «صوم شعبان» (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦) (١٧٥) من طريق مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂، به.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن النبي ﷺ كان يسرد الصوم في بعض الأحيان، ويسرد الإفطار في بعض الأحيان.\nولعل السر في هذا - والله أعلم - أنه ﷺ كان يراعي المصلحة، فإذا كثرت أشغاله وتوالت أعماله أخَّر الصيام، فيشتغل بمصالح الناس، والصوم قد يضعفه عن ذلك، فإذا خفت الأعمال وقلَّت المشاغل سرد الصوم، وعلى هذا فلم يكن لصومه أو فطره وقت خاص.\nوهكذا ينبغي للمسلم أن يتحرى الأوقات المناسبة للصوم حتى لا يعطله عن أمر أهم، ويتحرى الأوقات المناسبة للإفطار حتى يشتغل فيها بما يلزم وما يحتاج إلى النشاط والقوة؛ فالمسلم طبيب نفسه، يلاحظ ما هو الأولى للصوم وما هو أولى للإفطار؛ لأن توزيع الأوقات وتنظيم الأعمال مما تحث عليه","vol":"5","page":90},{"text":"الشريعة في أصولها وقواعدها، وعليه أن يسوس نفسه ويمرنها على طاعة الله تعالى، حتى تألف ذلك وتصبح العبادة عليها سهلة؛ بل محبوبة تجد فيها الأُنس ولذة المناجاة.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا يشرع صيام شهر كامل إلا رمضان، لقولها: (ومَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قط إِلاَّ رَمَضَانَ)، قال النووي: (قال العلماء: وإنما لم يستكمل غير رمضان؛ لئلا يظن وجوبه) (^١).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على فضل الإكثار من الصيام في شهر شعبان؛ لأنه ﷺ كان يكثر الصيام فيه، وقد ورد في حديث عائشة ﵂: (لم يكن النبي ﷺ يصوم شهرًا أكثر من شعبان؛ فإنه كان يصوم شعبان كله …) (^٢)، والمراد بالكل: الأكثر، وهو مجاز قليل الاستعمال، والدليل على ذلك حديث الباب فهو مفسِّر لهذا الحديث ومخصص له؛ فإنه صريح أنه ﷺ لم يستكمل صيام شهر إلا رمضان، وقد نقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: (جائز في كلام العرب - إذا صام أكثر الشهر - أن يقول: صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره) (^٣).\nوقد اختلف العلماء في حكمة إكثاره ﷺ من صوم شعبان، وقد ورد ما يدل على شيء من ذلك، فعن أسامة بن زيد ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» (^٤).\nوقيل: الحكمة في ذلك: تعظيم رمضان، فيشبه سنة فرض الصلاة قبلها، تعظيمًا لحقها.\n_________\n(^١) \"شرح النووي\" (٨/ ٢٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٧٠)، ومسلم (١١٥٧).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣/ ١١٤).\n(^٤) تقدم تخريجه عند شرح الحديث (٦٨٠) من حديث أسامة -﵁-.","vol":"5","page":91},{"text":"وقيل: الحكمة: توطين النفس وتهيئتها للصيام، لتكون مستعدة لصيام رمضان، سهلًا عليها أداؤه (^١)، ويحتمل أنه يصومه لهذه الحكم كلها.\nفإن قيل: ورد عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ …» (^٢).\nوهذا يدل على أن الإكثار من الصيام في المحرم أفضل من الصيام في شعبان؛ لأن الرسول ﷺ جعل المحرم يلي رمضان في الأفضلية، فلماذا كان الرسول ﷺ يكثر من صيام شعبان دون المحرم؟ فالجواب ما ذكره النووي: (من أنه يحتمل أن يكون ﷺ ما علم ذلك إلا في آخر عمره، فلم يتمكن من كثرة الصوم في المحرم، أو اتفق له من الأعذار بالسفر ونحوه ما منعه من كثرة الصوم فيه) (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتاوى ابن عثيمين\" (٢٠/ ٢٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٦٣).\n(^٣) \"شرح النووي على مسلم\" (٧/ ٢٨٦).","vol":"5","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-552>فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر</span>\n٦٨٤/ ٥ - عَنْ أَبي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَصُومَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَ عَشَرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشَرَةَ، وَخَمْسَ عَشَرَةَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه النسائي (٤/ ٢٢٢)، والترمذي (٧٦١)، وابن حبان (٨/ ٤١٤ - ٤١٥) من طريق يحيى بن سام، عن موسى بن طلحة، عن أبي ذر ﵁، به.\nوقال الترمذي: (حديث حسن)، ولما نقل الألباني تحسين الترمذي قال: (وهو كما قال - إن شاء الله تعالى ـ، ويحيى بن سام، لا بأس به، وقد توبع عليه، وخولف في سنده) (^١).\nوقد صحح الحديث ابن خزيمة (٣/ ٣٠٢)، وابن حبان، ولعل ذلك لكثرة طرقه وشواهده.\nويحيى بن سام - بسين مهملة - ترجم له البخاري في «تاريخه» (^٢)، وابن أبي حاتم (^٣)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال الذهبي: (وُثق) (^٤)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٥)، وقال الحافظ: (مقبول).\n_________\n(^١) \"الإرواء\" (٤/ ٢٠١).\n(^٢) \"التاريخ الكبير\" (٨/ ٢٧٧).\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" (٩/ ١٥٥).\n(^٤) \"الميزان\" (٤/ ٣٧٧).\n(^٥) (٧/ ٦٠٦).","vol":"5","page":93},{"text":"وقد تكلم أبو حاتم عن طرق هذا الحديث في «العلل» (٧٨٦) كما تكلم عليه الدارقطني في «علله» أيضًا (٥/ ٢٢٩) (٦/ ٢٦٣).\nوقد ذكر النسائي الاختلاف في إسناده على موسى بن طلحة، فأخرجه من طريق أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة ﵁، وفيه قصة الأعرابي الذي أتى إلى رسول الله ﷺ بأرنب مشوية، واعتذر عن الأكل بالصيام، وفي آخره قال أبو هريرة: (إن كنت صائمًا فصم الغُرَّ)، أي: أيام البيض، والمراد: أيام الليالي البيض.\nوهذا الحديث إسناده صحيح، لكنه معلول، والأظهر أن الحديث بالنص على أيام البيض ليس عن أبي هريرة ﵁؛ وإنما هو عن أبي ذر ﵁، وذلك لما ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ: «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْر، صَوْمُ الدَّهْر كُلِّهِ»، فقد صمتُ ثلاثة أيام من أول الشهر …) الحديث بتمامه (^١).\nولو كان حديث الباب محفوظًا عن أبي هريرة ﵁، ما خالفه وترك صيام أيام البيض، وصام الثلاثة من أول الشهر، والله أعلم.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وهذه هي أيام البيض، سميت بذلك: لبياض لياليها بنور القمر.\nوقد ورد حديث أبي هريرة ﵁ قال: (أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام) (^٢).\nوعن معاذة العدوية أنها سألت عائشة ﵂: أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: (نعم)، فقلت لها: من أيِّ أيام\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٤/ ٢٨٠ - ٢٨١) (١٦/ ٣٨٨) الأول: بإسناد صحيح على شرط مسلم، كما قال الألباني في \"الإرواء\" (٤/ ٩٩)، والثاني: بإسناد صحيح على شرط الشيخين.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٨١)، ومسلم (٧٢١).","vol":"5","page":94},{"text":"الشهر كان يصوم؟ قالت: (لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم) (^١).\nفالأحاديث الصحيحة تدل على فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وليس فيها تحديد ذلك بأيام البيض، كما ورد في حديث الباب (^٢)، وقد روى الحارث بسنده، عن موسى بن سلمة قال: سألت ابن عباس عن صيام ثلاثة أيام البيض، فقال: «كان عمر يصومهن» (^٣) وقد بوب البخاري في «صحيحه» باب «صيام البيض» وكأنه أشار بذلك إلى أنه ينبغي أن تكون الثلاثة المطلقة في حديث أبي هريرة ﵁ الذي ذكره هي أيام البيض (^٤)، ويمكن ان يستفاد من ذلك مذهبه.\nقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن الرسول ﷺ، ليس فيه ذكر البيض، بل يصوم متى شاء، كما في حديث عبد الله بن عمرو في «الصحيحين»، وأبي هريرة في «الصحيحين» - أيضًا ـ، وحديث أبي الدرداء في «مسلم»، وهي أصح بكثير من حديث أبي ذر، فإذا صام ثلاثة أيام من كل شهر في العشر الأول، أو في العشر الأوسط، أو في العشر الأخيرة، حصل له الأجر، وإذا وافق أيام البيض فذلك أفضل جمعًا بين الأحاديث كلها). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٦٠).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٢٢٦).\n(^٣) \"بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث\" (١/ ٤٢٥).\n(^٤) انظر: \"مناسبات تراجم البخاري\" ص (٥٨)، \"فتح الباري\" (٤/ ٢٢٦).","vol":"5","page":95},{"text":"<span data-type='title' id=toc-553>حكم تطوع المرأة بالصوم وزوجها شاهد</span>\n٦٨٥/ ٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.\nزَادَ أَبُو دَاوُدَ: «غَيْرَ رَمَضَانَ».\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «النكاح»، باب «لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه» (٥١٩٥) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، به، وتمامه: «وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَدَّى إِلَيْهِ شَطْرُهُ» أي: نصف أجره - كما في رواية أخرى ـ، وجاء ذلك في رواية مسلم الآتية.\nوأخرجه مسلم في «الزكاة»، باب «ما أنفق العبد من مال مولاه» (١٠٢٦) من طريق معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁، عن محمد رسول الله ﷺ، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ: «لَا تَصُم الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنْ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلاَّ بإِذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ».\nوأما زيادة أبي داود فهي من هذا الطريق (٢٤٥٨) والظاهر أنه تفرد بها شيخ أبي داود الحسن بن علي، وقد ترجم البخاري على ضوئها فقال: باب «صوم المرأة بإذن زوجها تطوعًا» (^١)، ولعل الحافظ ذكرها زيادة في الإيضاح؛\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٢٩٣، ٢٩٥).","vol":"5","page":96},{"text":"وإلا فهي زيادة معلومة من الشرع؛ لأن رمضان ليس فيه إذن لأحد؛ ولأن الصيام واجب عليه هو إلا من عذر؛ كسفر، أو مرض، ونحو ذلك.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا يحل للمرأة أن تصوم تطوعًا وزوجها حاضر إلا بإذنه وموافقته؛ لأن حق الزوج واجب على زوجته، ومن حقوقه الاستمتاع بها، والصوم قد يمنعه من ذلك، وصيام غير الفرض مستحب، والقيام بالواجب مقدم على القيام بالمستحب.\nويدخل في ذلك صيام الاثنين والخميس، والست من شوال، وغير ذلك، مما يستحب صيامه، على ما قيل في أحاديثها، كما تقدم.\nوالإذن من الزوج لا يشترط فيه التصريح؛ بل إذا علمت من قرائن الحال ما يدل على الرضا بذلك كفى؛ لأن الإذن العرفي كالإذن اللفظي.\nفإذا صامت بلا إذنه صح صيامها وأثمت، لاختلاف الجهة؛ فإن طلب منها أن تفطر وجب عليها ذلك، فإن أبت فهي عاصية.\nفإن كان غائبًا جاز لها أن تصوم، ولا تحتاج إلى إذنه، لمفهوم قوله: «وزوجها شاهد»، ولأن صيامها في حال غيبته لا يضيع عليه حقًّا من حقوقه.\nأما الصوم الواجب؛ كرمضان أداءً أو قضاءً، فلا يحتاج إلى إذن الزوج، فتصومه ولو كره ذلك؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\nلكن إن كان حاضرًا وقد هجرها ولا يستمتع بها، كما يقع من بعض الأزواج، أو عنده زوجة أخرى استغنى بها ولا يقيم لهذه وزنًا ولا يلتفت إليها، فالأظهر أنها لا تستأذنه نظرًا إلى المعنى؛ فإن العلة التي من أجلها منعت من صوم التطوع وهي مراعاة حقوقه، ومنها حق الاستمتاع، مفقودة هنا، وهذا اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، والله تعالى أعلم.","vol":"5","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-554>حكم صوم العيدين</span>\n٦٨٦/ ٧ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «صوم يوم الفطر» (١٩٩١)، ومسلم (٢/ ٨٠٠) رقم (١٤١) من طريق عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁، به مرفوعًا. وهذا لفظ مسلم.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن صوم يومي عيد الفطر والأضحى، وهذا النهي للتحريم، بإجماع أهل العلم، سواء أصامهما عن نذر أم تطوع أم كفارة أم غير ذلك؛ بل لا يجوز نذر صوم العيدين؛ لأن هذا نذر معصية لا يجوز الوفاء به؛ لأن النبي ﷺ يقول: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ الله فَلَا يَعْصِهِ» (^١). لكن هل يقضى في غير العيدين؟\nمن أهل العلم من قال: يقضى، ومنهم من قال: إن النذر المقيد يفوت بفوات وقته، وعلى هذا فعليه كفارة يمين، لعموم حديث عقبة بن عامر: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينِ» (^٢).\nوالحكمة من هذا النهي أن يوم عيد الفطر هو اليوم الذي تنتهي فيه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧٠٠) من حديث عائشة -﵂-، وسيأتي شرحه في كتاب \"الإيمان والنذور\" إن شاء الله تعالى.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦٤٥)، وسيأتي شرحه إن شاء الله.","vol":"5","page":98},{"text":"فريضة الصيام، فتتميز به أيام الفطر من أيام الصيام، وتتضح به معالم الحدود.\nوأما الفطر في يوم الأضحى فإنه اليوم الذي يضحي فيه الناس، ويهدون، ويظهرون شعائر الله تعالى بالأكل من ذلك.\nوقد ورد عن أبي عبيد مولى ابن أزهر - واسمه سعد بن عبيد - قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب ﵁ فقال: (هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم) (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٩٠)، ومسلم (١١٣٧).","vol":"5","page":99},{"text":"<span data-type='title' id=toc-555>حكم صيام أيام التشريق</span>\n٦٨٧/ ٨ - عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ، وَشُرْبٍ، وَذِكْرٍ للهِ ﷿». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n٦٨٨/ ٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلاَّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو نبيشة - بضم النون، مصغرًا - بن عمرو بن عوف الهذلي. وقيل ابن عبد الله، وقيل: غير ذلك. روى عن النبي ﷺ أحاديث قليلة، وأحاديثه في السنن، إلا هذا الحديث. يقال: إنه دخل على النبي ﷺ وعنده أسارى بدر فقال: يا رسول الله، إما أن تفاديهم، وإما أن تمنَّ عليهم. فقال: «أمرت بخير، أنت نبيشة الخير». سكن البصرة (^١)، ﵁.\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث نبيشة ﵁ فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصيام»، باب «تحريم صوم أيام التشريق» (١١٤١) من طريق هُشيم، أخبرنا خالد، عن أبي المليح، عن نبيشة الهذلي، قال: قال رسول الله ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ».\nورواه من طريق خالد الحذاء، قال: حدثني أبو قلابة، عن أبي المليح، عن نبيشة، قال خالد: فلقيت أبا المليح فسألته، فحدثني به، وذكر عن\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٠/ ٣٦٢)، و\"الإصابة\" (١٠/ ١٤٢).","vol":"5","page":100},{"text":"النبي ﷺ بمثل حديث هشيم، وزاد فيه: «وَذِكْرٍ للهِ». وليس في صحيح مسلم لفظ: «﷿».\nوأما حديث عائشة وابن عمر ﵃ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «صيام أيام التشريق» (١٩٩٧ - ١٩٩٨) من طريق عبد الله بن عيسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وعن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قالا: … فذكره.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن أيام التشريق أيام أكل وشرب وإظهار للفرح والسرور، فهي أيام عيد لا أيام إمساك. قال النبي ﷺ: «يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ» (^١).\nوأيام التشريق: هي اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة. سميت بذلك: لأن الناس يشرِّقون فيها لحوم الأضاحي والهدايا، أي: يقددونها وينشرونها لتجف في الشمس.\nوهي من الأيام الفاضلة، والمواسم العظيمة، وهي الأيام المعدودات المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] ولا خلاف في ذلك، كما نقله غير واحد (^٢).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن هذه الأيام أيام ذكر لله تعالى، وذلك بالتكبير عقب الصلوات، وفي كل الأوقات والأحوال الصالحة لذكر الله تعالى.\nفعلى المسلم أن يحذر الغفلة عن ذكر الله تعالى، فيكون قد أخذ أول الحديث وترك آخره، وعليه أن يعمر هذه الأوقات الفاضلة بالطاعة وفعل الخير، ولا يضيعها باللهو واللعب، كما عليه كثير من الناس في هذا الزمان.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٤١٩)، والترمذي (٧٧٣)، والنسائي (٥/ ٢٥٢)، وأحمد (٢٨/ ٦٠٥) من حديث عقبة بن عامر -﵁-. وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، لكن ذكر يوم عرفة غير محفوظ. انظر: \"التمهيد\" (٢١/ ١٦٣).\n(^٢) انظر: \"تفسير القرطبي\" (٣/ ٣).","vol":"5","page":101},{"text":"الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه لا يجوز صيام أيام التشريق مطلقًا، لا للحاج ولا لغيره؛ لأن هذه الأيام ليست أيام صيام؛ لأنها أيام عيد، فلا يجوز صيامها ولو وافق ذلك عادة الإنسان؛ كيوم الاثنين أو الخميس، أو أول أيام البيض؛ فإنه لا يصوم، ويستثنى من ذلك المتمتع الذي لم يجد الهدي؛ فإنه يجوز له صيام أيام التشريق الثلاثة على الراجح من أقوال أهل العلم، ومنهم من أجاز صومها مطلقًا، ومنهم من منع صومها مطلقًا، وهي أقوال نسبت لبعض الصحابة والتابعين (^١).\nوالقول بجواز صيامها للمتمتع أرجح؛ لأن قول الصحابي: (رُخِّص، أو لم يُرَخَّصْ) له حكم الرفع.\nوقال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقوله: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ أي: في أيام الحج، وابتداؤها من الإحرام بالعمرة، وانتهاؤها بآخر أيام التشريق، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٢٤٢).","vol":"5","page":102},{"text":"<span data-type='title' id=toc-556>حكم صوم يوم الجمعة</span>\n٦٨٩/ ١٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخْتَصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةَ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n٦٩٠/ ١١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِلاَّ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما الحديث الأول: فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصيام»، باب «كراهة صيام يوم الجمعة منفردًا» (١١٤٤) (١٤٨) من طريق هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، به.\nوقد وقع في نسخ «البلوغ» «لا تختصوا» في الموضعين، والذي في مسلم - في طبعة محمد عبد الباقي - بإثبات التاء في الأول، وحذفها في الثاني: «لا تخصوا» وقد ذكر النووي ذلك.\nوالحديث أعله أبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني وأبو مسعود الدمشقي بالإرسال (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (١/ ١٥٨)، \"العلل\" للدارقطني (١٠/ ٤٢)، \"التتبع\" ص (١٤٥)، \"الأجوبة\" لأبي مسعود ص (١٧٧).","vol":"5","page":103},{"text":"وأما الثاني: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «صوم يوم الجمعة» (١٩٨٥) ومسلم (١١٤٤) (١٤٧) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِلاَّ يَوْمًا قَبْلَهُ أَو يَوْمًا بَعْدَهُ»، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلاَّ أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ»، وبهذا يتبين أن الحافظ ما روى الحديث بلفظه.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام دون غيرها من الليالي إذا لم يكن له عادة بقيام كل ليلة؛ فإن هذا من البدع، يقول أبو شامة ﵀: (ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها بها الشرع، بل يكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان، ليس لبعضها على بعض فضل، إلا ما فضله الشرع وخصَّه بنوع من العبادة؛ فإن كان ذلك اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها؛ كصوم يوم عرفة وعاشوراء، والصلاة في جوف الليل، والعمرة في رمضان، ومن الأزمان ما جعله الشرع مفضلًا فيه جميع أعمال البر؛ كعشر ذي الحجة وليلة القدر - التي هي خير من ألف شهر ـ؛ أي: العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، فمثل ذلك يكون أي عمل من أعمال البر حصل فيها كان له الفضل على نظيره في زمن آخر.\nفالحاصل أن المكلف ليس له منصب التخصيص بل ذلك إلى الشارع، وهذه كانت صفة عبادة رسول الله ﷺ) (^١).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصيام، وهذا النهي للكراهة عند جمهور العلماء، والصارف للنهي من التحريم إلى الكراهة قوله: «إلا أن يصوم قبله أو بعده»، فدل ذلك على أن النهي عن صومه ليس للحتم، كما هو لعيدي الفطر والأضحى اللذين لا يجوز صيامهما بحال.\n_________\n(^١) \"الباعث على إنكار البدع والحوادث\" ص (٧٧).","vol":"5","page":104},{"text":"وحكمة النهي عن صيام يوم الجمعة - والله أعلم - أنه يوم عظيم جمع الله فيه من الأمور الكونية ما لم يجمعه في غيره - كما تقدم في موضعه ـ، فهو مظنة أن يعظمه الناس بالصيام أو ليلته بالقيام، فبيَّن النبي ﷺ أنه لا يجوز تخصيصه، حتى يكون يوم عيد، فيه النشاط والقوة على العمل الصالح والتبكير إلى الجمعة.\nقال الطيبي: (سبب النهي: أن الله استأثر يوم الجمعة بعبادة، فلم ير أن يخصه العبد بسوى ما يخصه الله به) (^١). ويؤخذ من هذا أن الأيام والليالي سواء، ولا يخص منها شيء إلا بدليل، والعبادات توقيفية.\nوتزول الكراهة بأمرين:\nالأول: أن يصوم قبله يومًا أو بعده يومًا مواليًا له، واشتراط أن يكون مواليًا له هو ظاهر اللفظ، ويدل له حديث جويرية بنت الحارث ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: «أصمتِ أمس؟»، قالت: لا، قال: «أتريدين أن تصومي غدًا؟»، قالت: لا، قال: «فأفطري» (^٢).\nالثاني: إذا صادف يوم الجمعة عادة للإنسان، لقوله: «إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» كما لو كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، فصادف يوم صيامه يوم الجمعة، ومثل ذلك لو صادف يوم الجمعة يوم عرفة فإنه يصومه؛ لأنه لم يصمه لكونه يوم جمعة، وإنما لكونه يوم عرفة.\nوإنما زالت الكراهة في هذين الأمرين؛ لأنه لم يحصل للجمعة تخصيص، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٨٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٨٩).","vol":"5","page":105},{"text":"<span data-type='title' id=toc-557>حكم الصوم إذا انتصف شعبان</span>\n٦٩١/ ١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، واسْتَنْكَرَهُ أَحْمَدُ.\n\nالكلام عليه من وجه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب «الصيام»، باب «كراهية من يصل شعبان برمضان» (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٢٥٤)، وابن ماجه (١٦٥١)، وأحمد (١٥/ ٤٤١) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، به.\nوقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).\nوقد ضعف الحديث الإمام أحمد، فقد نقل البيهقي عن أبي داود، عن أحمد أنه قال: (هذا حديث منكر) (^١)، وكذا نقل الحافظ عن ابن معين أنه قال ذلك (^٢)، كما ضعفه عبد الرحمن بن مهدي، ونقل عنه أبو داود أنه كان لا يحدِّث به (^٣)، وممن ضعفه أبو زرعة الرازي (^٤).\nوعلة تضعيفه عندهم أن العلاء تفرَّد به، وهو ممن لا يقبل تفرده، قالوا: وأين بقية أصحاب أبي هريرة ﵁ عن هذا الحديث، مع أنه في أمر تعم به البلوى ويتصل به العمل؟ والأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ على خلافه، كما تقدم أول كتاب «الصيام»: «لا تقدموا رمضان بصوم يومٍ ولا يومين»، فإن هذا\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٠٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ١٢٩).\n(^٣) \"السنن\" (٢/ ٣٠١).\n(^٤) انظر: \"لطائف المعارف\" ص (١٥٩).","vol":"5","page":106},{"text":"يدل على النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين، وأما أكثر فلا بأس، وحديث الباب هذا فيه النهي عن الصيام ابتداء من النصف من شعبان.\nوقال آخرون: إن الحديث صحيح، منهم: الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والطحاوي، وابن عبد البر، والشيخ عبد العزيز بن باز، وقال: (لا أعلم وجهًا قادحًا لاستنكار الإمام أحمد لهذا الحديث) لأن العلاء وثقه جمع من الحفاظ، وقد أخرج له مسلم في «صحيحه»، وتَفَرُّدُ العلاء به تفرد ثقة بحديث مستقل، ومثل ذلك لا يضر، وله نظائر.\nوقد ردَّ أبو داود مخالفته للأحاديث الصحيحة فقال: (وليس هذا عندي خلافه) ولعل مراده أن حديث العلاء يدل على المنع من تعمد الصيام بعد النصف ليصله برمضان، أما من صام بعد النصف لعادة له بصوم يوم وإفطار يوم، أو له عادة يستكثر من الصيام في شعبان، أو عليه قضاء، أو نذر فكل ذلك لا مانع له، وإنما المقصود تحري الصيام وتعمده بعد النصف دون أن يكون له عادة (^١).\nوبهذا تزول المخالفة إن شاء الله تعالى، فينهى عن الصيام بعد النصف، ويتأكد النهي إذا كان قرب نهاية الشهر، كما تقدم، لكن كما قال الحافظ ابن رجب: (إنه تكلم في هذا الحديث من هو أكبر من هؤلاء وأعلم) (^٢).\nفيكون قولهم مقدمًا على قول من هو دونهم، وقد ذكره الحافظ ابن رجب ضمن الأحاديث التي أُجمع على ترك العمل بها، وعزا هذا الإجماع إلى الطحاوي (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ٢٢٤).\n(^٢) انظر: \"اللطائف\" ص (١٥٩).\n(^٣) انظر: \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٢٥).","vol":"5","page":107},{"text":"<span data-type='title' id=toc-558>النهي عن صيام يوم السبت</span>\n٦٩٢/ ١٣ - عَنِ الصَّمَّاءِ بِنْتِ بُسْرٍ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ، إِلاَّ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلاَّ لحاء عنبٍ، أو عود شجرة، فليمضغها» رواه الخمسة، ورجاله ثقات، إلا أنَّهُ مُضْطَرِبٌ.\nوَقَدْ أَنْكَرَهُ مَالِكٌ.\nوَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ مَنْسُوخٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهي الصَّمَّاء - بالصاد المهملة مع التشديد - بنت بُسْر، واسمها: بُهية - بضم الباء ـ، وقيل: بُهيمة، بزيادة ميم، وهي أخت عبد الله بن بسر، وقيل: عمته، وقيل: خالته، وقيل: أمه. والروايات وردت بذلك كله، وأكثرها على أنها أخت لعبد الله بن بسر. وصحبتها ثابتة، وإنما الاختلاف في قرابتها لعبد الله بن بسر، وهذا لا يضر عند من يرى صحة الحديث (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب «الصيام»، باب «النهي أن يخصَّ يوم السبت بصوم» (٢٤٢١)، والترمذي (٧٤٤)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٢١٠)، وابن ماجه (١٧٢٦)، وأحمد (٤٥/ ٧) كلهم من طريق ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن بسر السلمي، عن أخته الصماء، به.\n_________\n(^١) انظر: \"الاستيعاب\" (١٢/ ٢٢٨) (١٣/ ٦٨)، \"الإصابة\" (١٢/ ١٦٠) (١٣/ ٢٣).","vol":"5","page":108},{"text":"وقال الترمذي: (هذا حديث حسن)، وصححه ابن خزيمة (٣/ ٣١٧)، وابن حبان (٨/ ٣٧٩)، والحاكم (١/ ٤٣٥) والألباني (^١).\nوضعفه آخرون للاضطراب في سنده، ونكارة متنه، ومنهم: الزهري، ومالك، والأوزاعي، ويحيى بن سعيد، والإمام أحمد، والنسائي، والطحاوي، وابن القيم، وابن حجر.\nأما الاضطراب في سنده؛ فإن الحديث مداره على الصحابي عبد الله بن بسر ﵁، وقد اضطرب الرواة عنه فيه، فتارة روي عنه، عن أخته، كما هنا، وتارة عن عبد الله بن بسر، عن عمته، كما عند ابن خزيمة (^٢)، والنسائي (^٣)، والبيهقي (^٤)، وتارة عن خالته الصماء، كما عند النسائي (^٥)، وتارة عن عبد الله بن بسر، عن أمه، كما في «الفوائد» لتمام الرازي (^٦)، وتارة عن عبد الله بن بسر، عن النبي ﷺ، كما عند النسائي (^٧)، وابن ماجه (^٨)، وأحمد (^٩)، وجاء - أيضًا - عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء، عن عائشة، به، فصار من مسند عائشة ﵂، كما عند النسائي (^١٠).\nولهذا ضعَّف العلماء هذا الحديث، فضعَّفه الإمام مالك، فنقل عنه أبو داود أنه قال: (هذا كذب) (^١١). ونقل - أيضًا - عن الزهري، أنه قال: (هذا حديث حمصي) ونقله عنه الطحاوي (^١٢)، ومعناه: أنه تفرد به أهل حمص، وهذا يقتضي تضعيفه عنده.\nونقل أبو داود عن الأوزاعي أنه قال: (ما زلت كاتمًا له حتى رأيته انتشر)، وضعفه الإمام النسائي؛ فإنه قال بعد هذا الحديث وطرقه: (هذه\n_________\n(^١) \"إرواء الغليل\" (٤/ ١١٨).\n(^٢) (٢١٦٤).\n(^٣) \"الكبرى\" (٣/ ٢١١).\n(^٤) (٤/ ٣٠٢).\n(^٥) \"الكبرى\" (٣/ ٢١٢).\n(^٦) (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨) (٦٥٤).\n(^٧) \"الكبرى\" (٣/ ٢١٢).\n(^٨) \"سنن ابن ماجه\" (١٧٢٦).\n(^٩) \"المسند\" (٢٩/ ٢٣٠).\n(^١٠) \"الكبرى\" (٣/ ٢١٢).\n(^١١) \"السنن\" (٢/ ٣٢١).\n(^١٢) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٨١).","vol":"5","page":109},{"text":"أحاديث مضطربة) (^١). كما ضعفه الطحاوي، ووصفه بأنه شاذ. وضعفه ابن القيم، فقال: (وهذا يدل على أن الحديث غير محفوظ، وأنه شاذ)، وكذا ضعفه الحافظ (^٢).\nأما نكارة متنه، فإن ظاهره يدل على النهي عن صوم السبت إلا أن يكون في صيام الفريضة، وهذا يدل على المنع من صيامه ولو كان قبله يومًا أو بعده يومًا، فعارضه أحاديث أصح منه وأشهر، ومنها حديث جويرية بنت الحارث المتقدم؛ أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: «أَصُمْتِ أمس؟»، قالت: لا، قال: «أتريدين أن تصومي غدًا؟ …» الحديث. فهذا صريح في جواز صيام يوم السبت في غير الفريضة.\nومنها: حديث أبي هريرة المتقدم - أيضًا - «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِلاَّ يَوْمًا قَبْلَهُ أَو يومًا بَعْدَهُ» واليوم الذي بعد الجمعة هو السبت.\nومنها: حديث أبي قتادة في صيام الست من شوال، فإنها قد يكون منها يوم السبت، وصيامها في غير فريضة.\nقال العلامة ابن مفلح المقدسي عن إفراد يوم السبت: (قال الأثرم: قال أبو عبد الله - أحمد بن حنبل ـ: قد جاء فيه حديث الصماء، وكان يحيى بن سعيد يتقيه، وأبى أن يحدثني به. قال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر، منها حديث أم سلمة - الآتي - …)، ثم نقل اختيار شيخه ابن تيمية، وهو أنه لا يكره صومه (^٣).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن صيام يوم السبت، وهذا\n_________\n(^١) لم أجد هذه العبارة في \"السنن الكبرى\"، وإنما نقلها عنه المنذري في \"مختصر السنن\" (٢/ ٣٠٠).\n(^٢) \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ٢٩٨)، \"التلخيص\" (٢/ ٢٢٩).\n(^٣) انظر: \"ناسخ الحديث ومنسوخه\" للأثرم (١٨٣)، \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (٢/ ٥٧٢)، \"الفروع\" (٣/ ١٢٣ - ١٢٤).","vol":"5","page":110},{"text":"على رأي من يقول بصحة الحديث، كما تقدم، وهؤلاء طائفتان، طائفة قالوا بأن الحديث منسوخ، وهذا قول أبي داود، كما نص على ذلك في «سننه»، وقد يكون أخذ ذلك من كونه ﷺ كان يحب موافقة أهل الكتاب في أول الأمر، ثم في آخر أمره قال: «خالفوهم»، فالنهي عن صومه يوافق الحالة الأولى، وصيامه يوافق الحالة الثانية، ذكر هذا الحافظ وقال: (لا يتبين وجه النسخ فيه) (^١).\nوطائفة أخرى قالوا: الحديث محكم غير منسوخ، وهو محمول على ما إذا أفرده بالصيام، فإن صام معه غيره جاز، وهذا قول الترمذي، وابن خزيمة، والبغوي، وعزاه ابن القيم إلى أكثر أصحاب الإمام أحمد (^٢).\nلكن يشكل على ذلك قوله: «إلا فيما افترض عليكم»، فإن هذا نص صريح على المنع من صيامه في غير الفريضة، فردًا كان أو مضافًا؛ لأنه لم يخصص إلا الفرض بالجواز، فيبقى ما عداه على المنع (^٣)، ولو كانت صورة الإضافة غير منهي عنها لكان استثناؤها أولى من استثناء الفرض، فلما اقتصر على استثناء الفرض دل على عدم استثناء غيره.\nفالذي يظهر أن الحديث لا يصح وأنه غير محفوظ؛ لأنه عارضه أحاديث أصح منه وأشهر، والعلم عند الله تعالى.\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (٢/ ٢٢٩).\n(^٢) \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩).\n(^٣) انظر: \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (٢/ ٥٧٢).","vol":"5","page":111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-559>الرخصة في صيام يوم السبت والأحد</span>\n٦٩٣/ ١٤ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ أَكْثَرَ مَا كانَ يَصُومُ مِنَ الأَيَّامِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَيَوْمُ الأَحَدِ، وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّهُمَا يَوْمُ عِيدٍ لِلمُشْرِكِينَ، وَأَنَّا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَهُمْ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وهذَا لَفْظُهُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه النسائي في «الكبرى» (٣/ ٢١٤)، وأحمد (٤٤/ ٣٣٠ - ٣٣١)، وابن خزيمة (٢١٦٧)، وابن حبان (٨/ ٣٨١) من طريق عبد الله بن المبارك، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن كريب، عن أم سلمة ﵂.\nوالحديث في سنده عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، ترجم له البخاري في «تاريخه»، وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا (^١)، وقال ابن معين: (وسط)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٢)، وقال ابن سعد: (قليل الحديث)، وقال ابن القطان: (روى عنه ابن المبارك، والدراوردي، وابن أبي فديك، وأبو أسامة، ولا تعرف - أيضًا - حاله) (^٣)، وقال: (أرى الحديث حسنًا فاعلم ذلك) (^٤)، وقال الذهبي في «الكاشف»: (ثقة)، وأما والده محمد بن عمر فقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (^٥)، وقال ابن سعد: (كان قليل\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٨٧)، \"الجرح والتعديل\" (٥/ ١٥٥).\n(^٢) (٧/ ٢).\n(^٣) \"بيان الوهم والإيهام\" (٤/ ٢٦٩).\n(^٤) هذه العبارة تحتاج مزيد تأمل، بسبب ما قبلها.\n(^٥) (٥/ ٣٥٣).","vol":"5","page":112},{"text":"الحديث)، وقال ابن المديني: (وسط)، وقال الذهبي في «الكاشف»: (ثقة)، وفي «الميزان»: (ما علمت به بأسًا)، وقال الحافظ: (مقبول).\nوقد صحح لهما ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وقد نقل الحافظ تصحيح ابن حبان لهذا الحديث، ولم يعقّب عليه بشيء (^١)، والذي يظهر أن الحديث معلول، وذلك لتفرد عبد الله بن محمد بن عمر به، وهو من لا يقبل تفرده؛ لما تقدم. ولم يتابع عليه، كما قال العقيلي.\n\nالوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال بجواز صيام يوم السبت ويوم الأحد؛ بل ظاهره يدل على الاستحباب؛ لأن صيامهما مخالفة لليهود والنصارى؛ لأن السبت عيد اليهود، والأحد عيد النصارى، فأحب النبي ﷺ أن يخالفهم، فيصوم هذين اليومين؛ لأن العيد في شرعنا لا يشرع صيامه، كما تقدم، ففي صيامهما مخالفة للمشركين، قالوا: وهذا الحديث يدل على نكارة حديث الصماء - المتقدم ـ، وأم سلمة أدرى بأحوال النبي ﷺ من الصماء.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن مخالفة الأمم الكافرة القديمة والمعاصرة أمر مقصود شرعًا، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث: «وأنا أريد أن أخالفهم»، والتشبه بهم في عباداتهم أو عاداتهم لا بدّ أن يورث عند المسلم نوع مودة لهم، أو هو على الأقل مظنة المودة، وموضوع التشبه من أخطر القضايا في حياة المسلمين، ولا سيما في زماننا هذا، حيث اتسعت علاقة المسلمين بغيرهم، وحصل من اختلاط البلدان وتقاربها ما لم يكن موجودًا من قبل، ومن هنا يتعين على كل مسلم أن يحصر مصدر التلقي في المنهج الرباني في عقيدته وعبادته وسلوكه وأخلاقه، ويعلم يقينًا أن الأفكار والمناهج الأخرى غير صالحة للتلقي منها واتباعها، وكفى بأهلها وأتباعها الضالين دلالة على فسادها، وبهذا تبقى الأمة المسلمة أمة متميزة لها شخصيتها ولها كيانها، والنبي ﷺ يقول: «من تشبه بقوم فهو منهم» (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٣٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٠٣١)، وأحمد (٩/ ١٢٣)، وابن أبي شيبة (١٢/ ٣٥١) وغيرهم،=","vol":"5","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-560>حكم صوم يوم عرفة بعرفة</span>\n٦٩٤/ ١٥ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: نَهى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ غَيرَ التِّرْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، واسْتَنْكَرَهُ الْعُقَيْلِيُّ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصيام»، بابٌ «في صوم عرفة بعرفة» (٢٤٤٠)، والنسائي (٣/ ٢٥٢)، وابن ماجه (١٧٣٢)، وأحمد (١٣/ ٤٠١)، وابن خزيمة (٢١٠١)، والحاكم (١/ ٤٣٤) كلهم من طريق حوشب بن عقيل، عن مهدي الهَجَري، ثنا عكرمة، عن أبي هريرة ﵁، به.\nوهذا الحديث صححه ابن خزيمة والحاكم، كما ذكر الحافظ، وقال الذهبي: (إسناده لا بأس به) (^١). لكن استنكره العقيلي، فقال بعد سياقه بهذا الإسناد: (لا يتابع عليه، وقد رُوي عن النبي ﷺ بأسانيدَ جيادٍ أنه لم يصم يوم عرفة، ولا يصح عنه أنه نهى عن صومه) (^٢).\nوالذين ضعَّفوا الحديث أعلوه بمهدي بن أبي مهدي الهجري. قال ابن معين: (لا أعرفه)، وقال أبو حاتم: (شيخ ليس بمنكر الحديث) (^٣) وقال\n_________\n= وله طرق لا ينزل بها عن درجة الحسن، وسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله- في آخر \"البلوغ\" في \"باب الزهد والورع\".\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ٦٨٣).\n(^٢) \"الضعفاء\" (١/ ٢٩٨).\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٣٣٥).","vol":"5","page":114},{"text":"ابن حزم: (مجهول) (^١)، وقال عبد الحق: (ليس بمعروف)، وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (^٢)، وقد روى عنه ثلاثة: حوشب بن عقيل، وعبد المؤمن السدوسي، ويعقوب الفسوي (^٣)، وعلى هذا فالحديث لا بأس به.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن صوم يوم عرفة بعرفة، وقد أخذ بظاهر الحديث بعض السلف، فقالوا: يحرم صومه ويجب فطره، وهو قول يحيى بن سعيد الأنصاري (^٤).\nويؤيد ذلك فطر النبي ﷺ في يوم عرفة، كما في حديث أم الفضل بنت الحارث أن ناسًا تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي ﷺ فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره، فشربه (^٥).\nوذهب جماعة من السلف إلى استحباب صيام يوم عرفة للحاج وغيره، فقد رُوي عن ابن الزبير، وأسامة بن زيد، وعائشة ﵃ أنهم كانوا يصومونه، واختاره ابن حزم، مستدلًا بعموم حديث أبي قتادة المتقدم في فضل صيامه وأنه يكفّر السنة الماضية والباقية، قال: (ولا حجة في عدم صيام الرسول ﷺ يوم عرفة؛ لأنه ﵇ قد حض على صيامه أعظم حض، وأخبر أنه يكفر ذنوب سنتين، وما علينا أن ننتظر بعد هذا أيصومه ﵇ أم لا) (^٦).\nوالقول الثالث: أنه يستحب فطره ولا يجب، وهذا قول أكثر أهل العلم، لفعل النبي ﷺ، كما تقدم في حديث أم الفضل بنت الحارث؛ ولأن الفطر يتقوى به على الدعاء، ولا سيما آخر النهار. والصوم يضعفه ويمنعه\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٧/ ١٨)، \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٢٨٨).\n(^٢) (٧/ ٥٠١).\n(^٣) \"المعرفة والتاريخ\" (٣/ ١٦٣)، \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٢٨٨)، رسالة: \"زهر الروض\" لعلي بن عبد الحميد ص (٧٨).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٢٣٨).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٩٨٨)، ومسلم (١١٢٤).\n(^٦) \"المحلى\" (٧/ ١٧ - ١٨).","vol":"5","page":115},{"text":"الدعاء في هذا اليوم العظيم، فيكون ترك الصيام أفضل، وعلل شيخ الإسلام ابن تيمية استحباب فطره بأنه يوم عيد (^١).\nوقد سئل ابن عمر ﵄ عن صوم يوم عرفة بعرفة؟ فقال: (حججت مع النبي ﷺ فلم يصمه، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه) (^٢).\nوالقول الرابع: التفصيل، وهو أن من يشق عليه الصيام أو يضعفه عن الدعاء فإنه يكره له أن يصومه، ومن كان يطيقه ولا يشق عليه فيستحب له أن يصومه، وهذا القول رواية عن أحمد، ذكرها الخطابي (^٣).\nوالأظهر - والله أعلم - قول الجمهور، وهو استحباب فطره، وكراهة صيامه، تأسيًا بالنبي ﷺ وبخلفائه من بعده، فإنهم وقفوا مفطرين، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٢/ ٧٧).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٧٥١)، والنسائي في \"الكبرى\" (٣/ ٢٢٨)، وأحمد (٢/ ٤٧)، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن).\n(^٣) \"معالم السنن\" (٣/ ٣٢١)، \"الإنصاف\" (٣/ ٣٤٤).","vol":"5","page":116},{"text":"<span data-type='title' id=toc-561>حكم صوم الدهر</span>\n٦٩٥/ ١٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n٦٩٦/ ١٧ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بِلَفْظِ: «لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ».\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث عبد الله بن عمرو ﵄ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصيام»، باب «حق الأهل في الصوم» (١٩٧٧)، ومسلم (١١٥٩) (١٨٦ - ١٨٧) من طريق حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت أبا العباس المكي، أنه سمع عبد الله بن عمرو، قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ، وَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ وَنَهِكَتْ (^١)، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ صَوْمُ الشَّهْرِ كُلِّهِ» قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك، قال: «فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى» (^٢). هذا لفظ مسلم.\nوأما حديث أبي قتادة ﵁ فهو طرف من حديثه الطويل، تقدم طرف منه في أول «صوم التطوع».\nوأول الحديث (عن أبي قتادة ﵁: رجلٌ أتى النبي ﷺ فقال: كيف\n_________\n(^١) هجمت: أي: غارت. ونهكت: ضعفت.\n(^٢) أي: لأنه كان يتقوى بالفطر لأجل الجهاد، فلا يوالي الصيام لئلا يضعف، فيؤدي ذلك إلى الفرار.","vol":"5","page":117},{"text":"تصوم؟ فغضب رسول الله ﷺ، فلما رأى عمر ﵁ غضبه، قال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، فجعل عمر يردد هذا الكلام حتى سكن غضبه، فقال عمر: يا رسول الله كيف بمن صام الدهر كله؟ قال: «لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ» …) الحديث.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا صام من صام الأبد) الأبد: بفتح الهمزة والباء، هو الدهر الطويل الذي ليس بمحدود. وقد اختلف العلماء في معنى هذه الجملة على قولين:\nالأول: أنه دعاء على الصائم الذي صام الدهر، زجرًا له عن مواصلة الصيام، فتكون الجملة خبرية لفظًا، إنشائية معنى، لقصد الدعاء.\nالثاني: أنه إخبار لا دعاء. ومعنى (لا صام)؛ أي: أنه لا يجد مشقة في الصيام، لكونه اعتاده حتى خفَّ عليه، فلم يفتقر إلى الصبر على الجهد الذي يتعلق به الثواب، فكأنه لم يصم، ولم تحصل له فضيلة الصيام.\n\nقوله: (لا صام ولا أفطر) قيل: معناه الدعاء، كما تقدم. وقيل: معناه الإخبار.\nوالمعنى: أنه لا صام فحصل أجر الصيام؛ لأن صيامه لم يكن بأمر الشرع، ولا أفطر حيث إنه لم يأكل ولم يشرب كفعل المفطرين.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن صيام الدهر، والمراد به: سرد الصوم متتابعًا في جميع الأيام، باستثناء الأيام التي نهي عن صيامها، وهي العيدان والتشريق. وقد حمله جماعة على التحريم، منهم ابن حزم فقال: (يحرم صوم الدهر) (^١)، كما استدلوا بحديث أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ هَكَذَا» وقبض كفه (^٢).\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٧/ ١٢).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣٢/ ٤٨٤)، وابن أبي شيبة (٣/ ٧٨) وغيرهما. وهو حديث مختلف في رفعه ووقفه، والظاهر أن الموقوف له حكم الرفع.","vol":"5","page":118},{"text":"ومعناه: أنه يدخل جهنم فتضيق عليه لتشديده على نفسه ورغبته عن سنة نبيه ﷺ واعتقاده أن غير سنته أفضلُ منها. وهذا وعيد شديد يدل على أن صيام الدهر حرام. وقيل: إنه لا يدخل جهنم، بل تضيق عليه من أجل صومه؛ لأن الصيام جنة (^١).\nوالقول الثاني: جواز صيام الدهر، وهذا قول ابن المنذر، وطائفة، واستدلوا بما رُوي أن جماعة من الصحابة والتابعين سردوا الصوم، منهم: عائشة، وأبو طلحة، وعبد الله بن عمر، وأبو أمامة وامرأته، وغيرهم ﵃.\nوتأولوا أحاديث النهي عن صيام الدهر بأن المراد من صامه مع الأيام المنهي عنها من العيدين وأيام التشريق.\nوالقول الثالث: أنه يستحب صيام الدهر لمن قوي عليه ولم يفوت فيه حقًّا. وعزاه ابن حجر إلى الجمهور (^٢).\nواستدلوا بحديث حمزة بن عمرو السلمي الذي مضى، فإن في بعض ألفاظه عند مسلم: (أنه قال: يا رسول الله، إني أسرد الصوم).\nووجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم ينه حمزة بن عمرو عن سرد الصوم، ولو كان غير جائز لبيَّنه له؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\nكما استدلوا بحديث أبي قتادة: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شوَّال، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْر»، قالوا: فدل على أن صوم الدهر أفضل مما شُبه به، وأنه أمر مطلوب.\nوالأظهر - والله أعلم - كراهة صوم الدهر، وهذا أقل ما يقال فيه، وهذا هو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، لما يلي:\n١ - أن صيام الدهر مخالف لهدي النبي ﷺ حيث اختار لنفسه من قدر العبادة غير القدر الذي سار عليه النبي ﷺ، حيث كان يصوم ويفطر، وقال: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٢٢٢ - ٢٢٣).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٢٢٢).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٣٠٢).","vol":"5","page":119},{"text":"٢ - أن النبي ﷺ جعل أفضل الصيام صيام داود - ﵊، وقال لعبد الله بن عمرو: «صُم يومًا وأفطر يومًا، فذلك صيام داود ﵇، وهو أفضل الصيام»، فدل على أن صيام الدهر ليس هو أفضل الصيام.\n٣ - أن قوله: «لا صام من صام الأبد»، فيه تغليظ وإخبار يمنع من صيام الدهر؛ لأنه إما دعاء وإما إخبار، قال ابن العربي: (قوله: «لا صام من صام الأبد» إن كان معناه الدعاء فيا ويح من أصابه دعاء النبي ﷺ؛ وإن كان معناه الخبر، فيا ويح من أخبر عنه النبي ﷺ أنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعًا لم يكتب له الثواب، لوجوب صدق قوله ﷺ؛ لأنه نفى عنه الصوم، وقد نفى عنه الفضل، كما تقدم، فكيف يطلب الفضل فيما نفاه النبي ﷺ؟!) (^١).\n٤ - أن المنع من صيام الدهر يتفق مع منهج الإسلام في ضرورة الاعتدال بين حق الله تعالى وحظ النفس، كما يتفق مع منهجه العام في التيسير على المكلفين والرفق بهم، ولهذا قال سلمان ﵁ لأبي الدرداء ﵁: (إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه). فذكر أبو الدرداء ذلك للنبي ﷺ فقال: «صدق سلمان» (^٢).\nوأما ما ورد عن بعض السلف أنهم صاموا الدهر، فهذا اجتهاد منهم نرجو ألا يحرموا أجر اجتهادهم إن شاء الله، وإلا فإن النبي ﷺ أنكر على عبد الله بن عمرو ذلك.\nوأما الاستدلال بحديث حمزة بن عمرو وأنه كان يسرد الصيام، فأجيب عنه بوجهين:\n١ - أن سؤال حمزة بن عمرو إنما كان عن الصوم في السفر لا عن صوم الدهر.\n_________\n(^١) انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٣/ ٢٩٩)، \"فتح الباري\" (٤/ ٢٢٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٦٨).","vol":"5","page":120},{"text":"٢ - أنه لا يلزم من سرد الصيام صوم الدهر، فقد تقدم قول عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم …).\nوأما حديث صيام الست من شوال فلا دليل فيه على استحباب صيام الدهر؛ لأن التشبيه في الأمر المقدر لا يقتضي جوازه، فضلًا عن استحبابه، وإنما المراد حصول الثواب على تقدير صيام ثلاثمائة وستين يومًا، ومن المعلوم أن المكلف لا يجوز له صيام هذا العدد لدخول العيدين وأيام التشريق فيها، والله تعالى أعلم.","vol":"5","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-562>باب الاعتكاف وقيام رمضان</span>\nالاعتكاف لغة: لزوم الشيء، يقال: عكف واعتكف: لزم المكان، قال تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨].\nوشرعًا: لزوم المسجد لعبادة الله تعالى.\nوللاعتكاف فوائد عظيمة، فهو عزلة مؤقتة عن أمور الحياة، وشواغل الدنيا، وإقبال على الله تعالى، وانقطاع عن الاشتغال بالخلق، ولا سيما في ختام شهر رمضان، حيث ترجى ليلة القدر.\nقال ابن رجب: (معنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق، للاتصال بخدمة الخالق، وكلما قويت المعرفة بالله، والمحبة له، والأنس به، أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كل حال) (^١).\nوالاعتكاف سنة بإجماع أهل العلم، والأفضل الاعتكاف في رمضان في العشر الأواخر تأسيًا بالنبي ﷺ كما سيأتي، ولم ينقل أنه ﷺ اعتكف في غير رمضان، إلا قضاءً لما اعتكف في شوال.\nوأما قوله: (وقيام رمضان) فالمراد به: قيام الليل وإحياؤه بالطاعة من صلاة، وتلاوة، وذكر، ودعاء، ويحصل قيام الليل في رمضان بالصلاة، سواء صلى في أول الليل أم في آخره، وسواء صلى منفردًا أم مع الجماعة، لكن قيام رمضان مع الجماعة أفضل، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"اللطائف\" ص (٢٠٣).","vol":"5","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-563>فضل قيام رمضان</span>\n٦٩٧/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «صلاة التراويح»، باب «فضل من قام رمضان» (٢٠٠٩)، ومسلم (٧٥٩) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، به.\nوقد جاء في روايات أخرى زيادة: «وما تأخر»، ومن ذلك ما أخرجه النسائي في «الكبرى» (٣/ ١٢٧) من طريق قتيبة بن سعيد قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بزيادة «وما تأخر»، قال ابن عبد البر: (إنها زيادة منكرة في حديث الزهري) (^١)، وذلك لأن الحديث رواه جماعة من الثقات من أصحاب سفيان بن عيينة عنه، عن الزهري، ولم يذكروا فيه «وما تأخر»، وهم أكثر عددًا وأجود حفظًا ممن ذكرها، ومن هؤلاء: معمر، ومالك، وصالح بن كيسان، والليث، ويونس بن يزيد، وغيرهم (^٢)، فتكون زيادة غير محفوظة.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على فضل قيام رمضان وأنه من أسباب مغفرة الذنوب، ومن صلى التراويح كما ينبغي فقد قام رمضان، والمغفرة\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٧/ ١٠٥).\n(^٢) انظر: \"معرفة الخصال المكفرة\" لابن حجر ص (٥٦).","vol":"5","page":123},{"text":"مشروطة بقوله: «إيمانًا واحتسابًا»، ومعنى «إيمانًا» أي: مصدقًا بوعد الله تعالى، وبفضل القيام وعظيم أجره عند الله تعالى، «واحتسابًا» أي: محتسبًا الثواب عند الله تعالى، فيطلب ثواب الله ويبتغي مرضاته، لا بقصد آخر من رياء، أو مدح، أو ثناء، ونحو ذلك.\nفعلى المؤمن أن يحرص على صلاة التراويح مع الإمام ولا يفرط في شيء منها، ولا ينصرف قبل إمامه، وقد ورد عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» (^١)، والمراد بانصراف الإمام: انقضاء الصلاة، لا انصراف الإمام الأول إذا صليت بأكثر من إمام.\n\nالوجه الثالث: تقدم في باب «صلاة التطوع» أن السنة في قيام رمضان أن يكون بإحدى عشرة ركعة.\nلقول عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا) (^٢).\nوفي رواية: (كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء - وهي التي يدعوها الناس: العتمة - إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة) (^٣).\nقال محمد بن نصر المروزي في بيان أفضلية ذلك: (لأن النبي ﷺ لما سئل عن صلاة الليل أجاب بأن صلاة الليل مثنى مثنى، فاخترنا ما اختار هو لأمته، وأجزنا فِعْلَ من اقتدى به، ففعل مثل فعله؛ إذ لم يُرو عنه نَهيٌ عن ذلك؛ بل قد روي عنه أنه قال: «مَنْ شَاءَ فَليُوتِر بِخَمسٍ، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة …») (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في أحاديث الوتر من باب \"صلاة التطوع\".\n(^٢) تقدم تخريجه في \"التطوع\".\n(^٣) أخرجه مسلم (٧٣٦).\n(^٤) \"مختصر قيام الليل\" ص (٨٣).","vol":"5","page":124},{"text":"وظاهر حديثها الأول أنه يصلي الأربع بتسليم واحد، لكنه ليس بصريح في ذلك، بل يحتمل أنه يصليها مفصولة، لقولها: (يُسلِّم من كل ركعتين)، وقد تقدم هذا في «التطوع» وفي حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة (^١)، وقد تكون الركعتان الزائدتان على الإحدى عشرة ما كان يفتتح به صلاة الليل، كما في حديث زيد بن خالد ﵁ الذي ساقه مسلم بعد هذا الحديث، أو سنة العشاء (^٢) والله أعلم.\nوصح عن عمر ﵁ أنه أمر تميمًا الداري وأُبي بن كعب أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة (^٣)، وأما ما ورد أن الناس على عهد عمر ﵁ كانوا يصلون ثلاثًا وعشرين (^٤)، فهو ضعيف لا تقوم به حجة، لوجوه ليس هذا محلها (^٥)، ولا متمسك فيه لمن ينتصر لهذا العدد.\nلكن من يفتي من أهل العلم بالثلاث والعشرين يستدل بما في حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ لما سئل عن صلاة الليل لم يحدد عددًا معينًا، مع أن المقام مقام بيان، وهذا الاستدلال لا بأس به، لكن الأفضل اتباع سنة النبي ﷺ التي داوم عليها، وعمل بها أصحابه من بعده، ومنهم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ وهو أفهم منا لنصوص الشرع، وأكثر إدراكًا لمقاصده، فجمع الناس على ما فعله النبي ﷺ في تهجده، وهو إحدى عشر ركعة، ووافقه الصحابة ﵃ في ذلك، ولم يجتهد في استنباط ما زاد على هذا العدد من حديث ابن عمر ﵄.\nفالاستدلال على الإحدى عشرة بفعله ﷺ أقوى من الاستدلال على الثلاث والعشرين بهذا الحديث أو غيره من العمومات.\n_________\n(^١) رواه البخاري (١١٣٨)، ومسلم (٧٦٤).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٣ - ٢١).\n(^٣) رواه مالك (١/ ١١٥) وسنده صحيح.\n(^٤) رواه مالك (١/ ١١٠)، والبيهقي (٢/ ٤٩٦).\n(^٥) انظر: \"صلاة التراويح\" للألباني ص (٤٨).","vol":"5","page":125},{"text":"لكن من زاد على إحدى عشر ركعة فهو مأجور - إن شاء الله - حسب نيته وقصده، والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملًا.\nيقول ابن عبد البر: (قد أجمع العلماء على أنه لا حدَّ ولا شيء مقدرًا في صلاة الليل وأنها نافلة، فمن شاء أطال فيها القيام وقلّت ركعاته، ومن شاء أكثر الركوع والسجود) (^١).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن الأعمال الصالحة سبب لغفران الذنوب وتكفير السيئات، بشرط صدق النية، لقوله: «إيمانًا واحتسابًا»، قال ابن عبد البر: (ومحال أن يزكو من الأعمال شيء لا يراد به الله، وفقنا الله لما يرضاه، وأصلح سرائرنا وعلانيتنا برحمته، آمين) (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (٥/ ٢٤٤).\n(^٢) \"التمهيد\" (٧/ ١٠٦).","vol":"5","page":126},{"text":"<span data-type='title' id=toc-564>فضل العمل في العشر الأواخر من رمضان</span>\n٦٩٨/ ٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ - أَي: الْعَشْرُ الأَخِيرُ مِنْ رَمَضَان - شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «فضل ليلة القدر»، باب «العمل في العشر الأواخر من رمضان» (٢٠٢٤)، ومسلم (١١٧٤) من طريق أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة ﵂، به.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر) كان: تفيد الدوام والاستمرار، وإن كان خبرها غير مضارع، لوجود قرائن تدل على ذلك، والمراد بالعشر: العشر الأواخر من رمضان، كما فسرها الحافظ، فتكون (أل) في العشر، للعهد الذهني.\n\nقوله: (شدَّ مئزره) أي: جدَّ واجتهد في العبادة، وقيل: اعتزل النساء، وهذا أظهر، لقوله بعده: (وأحيا ليله)، وفي رواية مسلم: (وجدَّ وشدَّ المئزر) والعطف يقتضي المغايرة.\n\nقوله: (وأحيا ليله) أي: سهره فأحياه بالطاعة، والمعنى: أحياه بالقيام والتعبد لله رب العالمين، ونسبة الإحياء إلى الليل مجاز؛ لأنه إذا سهر فيه للطاعة فكأنه أحياه؛ لأن النوم أخو الموت، وإحياء الليل يحتمل أن المراد","vol":"5","page":127},{"text":"إحياء الليل كله، ويحتمل أن المراد إحياء غالبه (^١)، وقد سبق مثل هذا في قول عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ يصوم شعبان كله، كان يصومه إلا قليلًا)، ويؤيد هذا قول عائشة ﵂: (ما أعلمه ﷺ قام ليلة حتى الصباح) (^٢)، كما يؤيد ذلك ما تقدم في كلام عبد الله بن المبارك من أن إطلاق البعض على الكل جائز في لغة العرب، وقد مال إلى هذا الاحتمال الحافظ ابن رجب ﵀.\n\nقوله: (وأيقظ أهله) أي: زوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين - ﵅ - ليشاركنه اغتنام الخير والذكر والعبادة.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على فضل العمل الصالح في العشر الأواخر من رمضان، وأن لها مزية على غيرها من أيام الشهر بمزيد الطاعة والعبادة، من صلاة، وذكر، وتلاوة قرآن. وسر هذا الاجتهاد في العشر الأواخر أمران:\nالأول: أن هذه العشر هي ختام الشهر المبارك، والأعمال بخواتيمها.\nالثاني: أن هذه العشر ترجى فيها ليلة القدر، ولعل الإنسان يدركها وهو قائم لله رب العالمين، فيغفر له ما تقدم من ذنبه.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية إيقاظ الأهل ليالي العشر، وحثهم على الصلاة، وترغيبهم في الطاعة، والإيقاظ أمر ميسور في هذا الزمان، ولا سيما ليالي العشر، لكن المطلوب توجيه الأهل وكذا الناشئة لما فيه الخير، والحذر من ضياعها في القيل والقال، وفي المجالس المحرمة والاجتماعات الآثمة.\nوالمراد بإيقاظ الأهل - هنا - تأكيد الاستحباب، وإلا فهذا أمر مسنون طوال الأيام، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، وَرَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ» (^٣)، والله الموفق.\n_________\n(^١) \"لطائف المعارف\" ص (٢١٧).\n(^٢) رواه مسلم (٧٤٦) (١٤١).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٣٠٨) (١٤٥٠)، والنسائي (٣/ ٢٠٥)، وابن ماجه (١٣٣٦)، وأحمد (١٢/ ٣٧٢)، وسنده قوي.","vol":"5","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-565>حكم الاعتكاف</span>\n٦٩٩/ ٣ - وَعَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الاعتكاف»، باب «الاعتكاف في العشر الأواخر» (٢٠٢٦)، ومسلم (١١٧٢) (٥) من طريق الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵁، به.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، وأن النبي ﷺ لازم ذلك في كل عام حتى توفاه الله ﷿.\nوالحكمة من تخصيصه ﷺ العشر الأواخر بالاعتكاف هو ما دل عليه حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط … ثم أطلع رأسه، فكلم الناس، فدنوا منه، فقال: «إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ، فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ» (^١).\nوالاعتكاف مشروع في كل وقت، لكن يتأكد في شهر رمضان، ويتأكد تأكيدًا آخر في العشر الأواخر منه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠١٨)، ومسلم (١١٦٧) (٢١٥).","vol":"5","page":129},{"text":"ومع أن النبي ﷺ قد لازم الاعتكاف، وكذا أزواجه من بعده، إلا أنه لم يثبت عنه ﷺ حديث صحيح في بيان فضله وثواب أهله، قال أبو داود: (قلت لأحمد: تعرف في فضل الاعتكاف شيئًا، قال: لا، إلا شيئًا ضعيفًا) (^١).\nوإنما يؤخذ فضله من مدح أهله، كما قال تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، ومن فعل النبي ﷺ ومواظبته عليه.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن حكم الاعتكاف باقٍ لم ينسخ، وليس خاصًّا بالنبي ﷺ؛ لأن أزواجه اعتكفن بعد وفاته.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية اعتكاف النساء، وقد قال الجمهور من أهل العلم بأنه يسن للمرأة، كما يسن للرجل، لكن بشرط أن تكون طاهرة؛ وألا يحصل بذلك فتنة، وأن يأذن لها زوجها، للحديث المتقدم: «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ»، والاعتكاف من باب أولى، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"مسائل الإمام أحمد\" لأبي داود ص (٩٦).","vol":"5","page":130},{"text":"<span data-type='title' id=toc-566>متى يدخل المعتكف معتكفه</span>\n٧٠٠/ ٤ - وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الاعتكاف»، باب «اعتكاف النساء» (٢٠٣٣)، ومسلم (١١٧٣) من طريق يحيى بن سعيد، عن عمرة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂، به. وهذا لفظ مسلم.\n\nالوجه الثاني: ظاهر الحديث دليل على أن المعتكف يدخل مكان اعتكافه بعد صلاة الفجر من اليوم الحادي والعشرين، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وبه قال الأوزاعي، ومال إليه الصنعاني (^١).\nوالقول الثاني: أنه يدخل معتكفه قبل غروب الشمس ليلة إحدى وعشرين، وهذا قول الجمهور من أهل العلم (^٢)، لحديث أبي سعيد ﵁ - المتقدم - وفيه: «… مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ».\nووجه الاستدلال: أن لفظ «العشر» بغير هاء عدد لليالي، وأول هذه الليالي ليلة إحدى وعشرين.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٧)، \"الإنصاف\" (٣/ ٣٦٩)، \"سبل السلام\" (١/ ٣٤٧).\n(^٢) انظر: \"الأم\" (٣/ ٢٦٥)، \"حاشية ابن عابدين\" (٢/ ٤٥٢)، \"بداية المجتهد\" (٢/ ٢٠٦)، \"الفروع\" (٣/ ١٧٠).","vol":"5","page":131},{"text":"وهذا هو الراجح لأمرين:\nالأول: أن من مقاصد الاعتكاف التماس ليلة القدر، وهي ترجى في أوتار العشر، وأولها ليلة إحدى وعشرين.\nالثاني: أن من دخل قبل الغروب صدق عليه أنه اعتكف العشر الأواخر بكاملها، أما إذا دخل بعد صلاة الفجر لم يصدق عليه أنه اعتكف العشر الأواخر كلها.\nوأما حديث عائشة ﵂ المذكور في الباب فمعناه: انقطع في معتكفه بعد صلاة الفجر للانفراد عن الناس بعد الاجتماع بهم في الصلاة، وكان قبل ذلك معتكفًا لابثًا في جملة المسجد، لا أن معناه أنه ابتدأ الاعتكاف بعد صلاة الفجر؛ إذ لو كان هذا هو المراد لما ذكرت معتكفه، وإنما تذكر المسجد؛ لأنه إذا دخل المسجد بدأ الاعتكاف بدخوله؛ لأن الاعتكاف يبدأ من دخول المسجد ونية الاعتكاف قبل صلاة الفجر.\nوأما وقت خروج المعتكف فاستحب كثير من أهل العلم أن يكون عند خروجه لصلاة العيد، لكي يصل عبادة بعبادة.\nوالقول الثاني: أنه يخرج إذا غربت الشمس ليلة العيد؛ لأن العشر الأواخر تنتهي بانتهاء الشهر، والشهر ينتهي بغروب الشمس من ليلة العيد (^١)، وهذا هو الأظهر؛ لقوة مأخذه، والله أعلم.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يجوز للمعتكف أن يخصص له مكانًا في المسجد يخلو به، سواء كان خباءً أو غيره، وشرط الفقهاء ألا يضيِّق بذلك على المصلين، وبشرط الصيانة والنظافة، وغالب المساجد اليوم فيها غرف صالحة للإقامة فيها، فتقوم مقام الخيمة، وقد تقدم ذلك في «باب المساجد».\n_________\n(^١) انظر: \"الاستذكار\" (١٠/ ٢٩٥)، و\"مجموع فتاوى ابن عثيمين\" (٢٠/ ١٧٠)، و\"فقه الاعتكاف\" ص (٦١).","vol":"5","page":132},{"text":"أما في مثل الحرمين الشريفين أو المساجد الكبيرة التي يعتكف فيها كثيرون، فإن الخلوة فيها متعذرة غالبًا، لكن إذا انتفت الخلوة الحقيقية أو الحسية فلا ينبغي تفويت الخلوة الحكمية أو المعنوية، بمعنى أن يحرص المعتكف على الانفراد بنفسه ولو كان معه غيره في المكان، ولا يتم هذا إلا بإدراك معنى الاعتكاف وحكمته ووظيفة المعتكف، ومنع النفس من الاسترسال في مخالطة الآخرين والرغبة في التحدث معهم.","vol":"5","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-567>حكم خروج المعتكف أو جزء من بدنه من المسجد</span>\n٧٠١/ ٥ - وَعَنْهَا قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ - وَهُوَ فِي المَسْجِدِ - فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةٍ، إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الاعتكاف»، باب «لا يدخل البيت إلا لحاجة» (٢٠٢٩)، ومسلم (٢٩٧) (٧) من طريق الليث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂.\nوقول الحافظ: (واللفظ للبخاري) لا فائدة فيه؛ لأن لفظ الصحيحين واحد.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على جواز إخراج المعتكف رأسه أو شيء من بدنه من المسجد، وأن هذا لا يؤثر على الاعتكاف؛ لأن الرسول ﷺ كان يمد رأسه إلى عائشة ﵂ وهي في حجرتها وهو معتكف في المسجد فترجِّله، أي: تسرِّح شعر رأسه، وتدهنه، وهي حائض، وإخراج النبي ﷺ رأسه من المسجد عند غسله، يحتمل أنه لقصد ترجيل عائشة ﵂، ويحتمل أنه فعل ذلك صيانة للمسجد، وهذا أمر مطلوب.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يجوز للمعتكف أن ينظف شعره، وأن هذا لا ينافي الاعتكاف، ويقاس على ذلك تنظيف بدنه وثيابه؛","vol":"5","page":134},{"text":"لأن النظافة مطلب شرعي ولو كان الإنسان معتكفًا، لعموم قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على جواز خروج المعتكف للحاجة، وقد ورد عند مسلم: (إلا لحاجة الإنسان)، وفسَّرها الزهري بالبول والغائط، وقد نقل ابن المنذر وابن هبيرة وغيرهما الإجماع على جواز ذلك (^١).\nويلحق بهما كل ما يحتاجه المعتكف، ومن ذلك خروجه لإحضار طعام أو شراب أو ملابس، أو نحو ذلك مما يشق عليه تركه ولم يكن عنده من يقوم بإحضاره، كما خرج النبي ﷺ من معتكفه مع صفية ليردها إلى بيتها تأنيسًا لها، حيث لم يكن بيتها لاصقًا بالمسجد، والحديث في «الصحيحين» (^٢). ومثل ذلك الخروج لصلاة الجمعة، كما سيأتي إن شاء الله.\nوقد قسم الفقهاء خروج المعتكف إلى ثلاثة أقسام:\n١ - خروج ينافي الاعتكاف، كما لو خرج لبيع أو شراء أو جماع، أو نحو ذلك، فهذا لا يجوز، ويُبطل الاعتكاف، سواء اشترطه أم لا.\n٢ - خروج لأمر لا بدّ له منه شرعًا، أو طبعًا، كما تقدم، فهذا يجوز ولو لم يشترطه؛ لأنه وإن لم يشترطه في اللفظ فهو مشترط في العادة.\n٣ - خروج لأمر له منه بد، مثل: الخروج لتشييع جنازة، أو عيادة مريض، أو زيارة قريب، وما أشبه ذلك من الطاعات وهذا قول الحنابلة (^٣). فهذا إن اشترطه جاز وإلا فلا، وسيأتي الكلام على موضوع الاشتراط - إن شاء الله - والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الإجماع\" (٥٤)، و\"الإفصاح\" (١/ ٢٥٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٣٥)، ومسلم (٢١٧٥).\n(^٣) \"فتاوى ابن عثيمين\" (٢٠/ ١٥٧ - ١٧٤).","vol":"5","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-568>من أحكام الاعتكاف</span>\n٧٠٢/ ٦ - وَعَنْهَا قَالَتْ: السُّنَّةُ عَلَى المُعْتَكِفِ أَلَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ، إِلاَّ لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلاَّ بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَا بَأْسَ بِرِجَالِهِ، إِلاَّ أَنَّ الرَّاجِحَ وَقْفُ آخِرِهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الأثر أخرجه أبو داود في كتاب «الصوم»، باب «المعتكف يعود المريض» (٢٤٧٣) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، به.\nقال أبو داود: (غير عبد الرحمن لا يقول فيه: (قالت: السنة …) جعله قول عائشة).\nوقد أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٣٢١) من طريق الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ: (كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده، والسنة في المعتكف …) إلخ.\nوقال في «معرفة السنن والآثار» (٦/ ٣٩٥): (قد أخرج البخاري ومسلم صدر هذا الحديث في الصحيح إلى قوله: «والسنة في المعتكف ألا يخرج …»، ولم يخرجا الباقي؛ لاختلاف الحفاظ فيه، منهم من زعم أنه من قول عائشة، ومنهم من زعم أنه من قول الزهري، ويشبه أن يكون من","vol":"5","page":136},{"text":"قول مَنْ دون عائشة …). وبهذا جزم - أيضًا - الدارقطني كما في «السنن» (٢/ ٢٠١) (^١).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أنه ليس للمعتكف أن يعود مريضًا أو يشهد جنازة في غير المسجد الذي هو معتكف فيه، بل يلزم مكانه حتى يتفرغ للعبادة، ولكن تقدم أن هذا الأثر فيه مقال، فلا يقوى الاستدلال به على منع المعتكف من الخروج لعيادة المريض أو شهود الجنازة، وقيد الفقهاء ذلك بمن له عليه حق كالوالدين أو القريب؛ لأن ذلك من باب صلة الرحم، أو عالم له أثر بارز في نفع المسلمين، فمثل هؤلاء يعاد مريضهم، وتشهد جنائزهم، أما عيادة كل مريض، أو شهود كل جنازة فهذا يؤثر على الاعتكاف، كما تقدم.\nفإن اشترط في ابتداء اعتكافه الخروج لأمر عارض، مثل: عيادة المريض، أو شهود الجنازة، أو حضور مجلس علم، أو نحو ذلك، فللعلماء في ذلك قولان:\nالأول: جواز الاشتراط. وهذا مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة، وبه قال جماعة من السلف (^٢).\nواستدلوا بحديث ضباعة بنت الزبير ﵂ في موضوع الاشتراط في الحج، فقد قال لها النبي ﷺ: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي» (^٣).\nووجه الدلالة: أنه إذا كان الشرط يؤثر في الإحرام، وهو ألزم العبادات بالشروع فيه، فالاعتكاف من باب أولى.\nوالقول الثاني: أنه لا يجوز الاشتراط. وهذا مذهب المالكية، وقد نص على ذلك الإمام مالك فقال: (لم أسمع أحدًا من أهل العلم يذكر في الاعتكاف شرطًا، وإنما الاعتكاف عمل من الأعمال مثل الصلاة والصيام\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" للدارقطني (١٥/ ١٦٧).\n(^٢) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٤/ ٣٥٥)، وابن أبي شيبة (٣/ ٨٩)، \"مغني المحتاج\" (١/ ٤٥٧)، \"الإنصاف\" (٣/ ٣٧٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٠٨٩)، ومسلم (١٢٠٧).","vol":"5","page":137},{"text":"والحج وما أشبه ذلك من الأعمال، ما كان من ذلك فريضة أو نافلة، فمن دخل في شيء من ذلك فإنما يعمل بما مضى من السنة، وليس له أن يحدث في ذلك غير ما مضى عليه المسلمون، لا من شرط يشترطه ولا يبتدعه) (^١).\nوهذا قول قوي - في نظري ـ؛ لأن الاعتكاف عبادة، والعبادات توقيفية، والمرجع في أحكام الاعتكاف إلى هدي النبي ﷺ، فقد اعتكف مرات عديدة ولم ينقل عنه ﷺ أنه اشترط، وقد كان يخرج لحاجته، ولم يرد أنه كان يشترط في ذلك، ثم إن الخروج الزائد على حاجة الإنسان التي لا بدّ منها بناءً على الشرط، ينافي الاعتكاف لغة وشرعًا، والله أعلم.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن المعتكف ممنوع من مباشرة النساء، وقد دل على ذلك القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أي: لا تلامسوهن بجماع أو تقبيل، أو نحو ذلك من الملامسة؛ لأن المعتكف منقطع لعبادة الله تعالى في بيت من بيوته، ومثل هذه المباشرة تحول بينه وبين المقصود من ذلك الانقطاع. وقال ابن عباس ﵄: (إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه واستأنف) (^٢)، ومعنى (استأنف): بدأ اعتكافه من جديد.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أنه يشترط في الاعتكاف أن يكون في (مسجد جامع) أي: تصلى فيه الجماعة، وليس المراد أن تصلى فيه الجمعة. أما كون الاعتكاف لا بدّ أن يكون في مسجد، فهذا شرط مجمع عليه، فلا يصح الاعتكاف الشرعي إلا فيه، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قال القرطبي: (أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد) (^٣)، وكذا حكى غيره الإجماع.\n_________\n(^١) \"الموطأ\" (١/ ٣١٤).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٩٢)، وعبد الرزاق (٤/ ٣٦٣)، وسنده صحيح.\n(^٣) \"الجامع لأحكام القرآن\" (٢/ ٣٣٣).","vol":"5","page":138},{"text":"وأما كونه تقام فيه صلاة الجماعة، فلأن الجماعة واجبة، واعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة الواجبة، وإما خروجه إليها، فيتكرر ذلك منه كثيرًا مع إمكان التحرز منه، وهذا ينافي الاعتكاف الذي هو لزوم المُعْتَكَفِ، والإقامة على طاعة الله فيه.\nلكن هل يلزم أن يكون المسجد تقام فيه صلاة الجمعة؟ قولان:\nالأول: أنه يلزم أن يعتكف في مسجد تقام فيه الجمعة إن تخلل اعتكافه جمعة، وهذا قول المالكية، وكذا الشافعية إن كان اعتكافه نذرًا متتابعًا، وهو ظاهر اختيار الصنعاني (^١).\nوالقول الثاني: أنه لا يلزم أن تقام فيه الجمعة؛ بل له أن يخرج لصلاة الجمعة، ولا يؤثر ذلك على اعتكافه، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، وبه قال ابن حزم (^٢)، واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، وهذا نص عام في كل مسجد، ولقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ …﴾ [الجمعة: ٩]، وهذا يدل على أن الجمعة مستثناة من عدم البطلان بالخروج.\nوهذا هو الراجح - إن شاء الله - لقوة دليله، لكن هل له التبكير إلى الجمعة؟ قولان:\nالأول: أن له التبكير فيخرج إلى الجمعة في الوقت الذي كان يخرج فيه، وهذا قول أبي الخطاب وابن عقيل (^٣)، لعموم الأحاديث الدالة على فضل التبكير إلى الجمعة، وهي تشمل المعتكف وغيره؛ ولأن هذا خروج جائز ومأذون فيه فجاز تعجيله؛ كالخروج لحاجة الإنسان، ولأنه قد انتقل من مكان عبادة إلى مكان عبادة، واللبث حاصل في مسجد اعتكافه أو في هذا المسجد الذي انتقل إليه.\n_________\n(^١) \"المدونة\" (١/ ٢٠٣)، \"المجموع\" (٦/ ٥١٣)، \"سبل السلام\" (٤/ ١٨٧).\n(^٢) \"المحلى\" (٥/ ١٧٩)، \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١١٤)، \"المغني\" (٤/ ٤٦٦).\n(^٣) \"الهداية\" لأبي الخطاب (١/ ٨٨)، \"المغني\" (٤/ ٤٦٧)، \"الإنصاف\" (٣/ ٣٧٣).","vol":"5","page":139},{"text":"الثاني: أنه لا يبكر بل يخرج متأخرًا، لئلا يطول زمن خروجه عن معتكفه، وقد رخص له للحاجة وهي حضور الجمعة، وهذا يتم إذا حضرها وصلى مع الناس، وهو مشغول بعبادة قد شرع فيها، فصارت أولى، وهذا قول الحنفية (^١)، والأول أظهر، لقوة مأخذه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١١٤)، \"فقه الاعتكاف\" ص (١٥٤).","vol":"5","page":140},{"text":"<span data-type='title' id=toc-569>هل الصوم شرط في الاعتكاف</span>؟\n٧٠٣/ ٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى المُعْتَكِفِ صِيَامٌ إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ أَيْضًا.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الدارقطني (٢/ ١٩٩)، والبيهقي (٤/ ٣١٩)، والحاكم (١/ ٤٣٩) كلهم من طريق عبد الله بن محمد الرملي، ثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن أبي سهيل عمِّ مالك بن أنس، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄، به مرفوعًا.\nوهذا الحديث اختلف في رفعه ووقفه، قال الدارقطني: (رفعه هذا الشيخ، وغيره لا يرفعه) ويعني بالشيخ: عبد الله بن محمد الرملي. وقال البيهقي: (هذا هو الصحيح، موقوف، ورفعه وَهْمٌ). وعبد الله الرملي، ترجم له ابن أبي حاتم وذكر أنه روى عنه الوليد بن محمد الموقري، وروى عنه موسى بن سهل الرملي (^١)، وقال عنه ابن القطان: (لا أعرفه)، وذكر أن المسمى بذلك أكثر من واحد، والحال في الجميع مجهولة (^٢).\nوقد أخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١٠/ ٣٥٠)، من طريق عبد الملك بن أبي الحواري، والبيهقي (٤/ ٣١٩) من طريق أبي بكر الحميدي، كلاهما عن عبد العزيز بن محمد، عن أبي سهيل، عن طاوس، عن ابن عباس موقوفًا، وهذا مما يرجح ما قاله الدارقطني والبيهقي، كما تقدم.\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٥/ ١٦١).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٤٤٢)، وانظر: \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٨).","vol":"5","page":141},{"text":"الوجه الثاني: استدل بهذا الأثر من قال: إن الصوم ليس شرطًا في الاعتكاف، فيصح بلا صوم، وهذا قول بعض المالكية، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وهو قول ابن حزم (^١).\nوالقول الثاني: أن الصوم شرط للاعتكاف مطلقًا، سواء أكان اعتكافًا واجبًا أم تطوعًا، وهذا مذهب المالكية، وبه قال بعض الشافعية، ورواية عن أحمد (^٢)، ورجح هذا القول ابن القيم، وقال: (إنه الذي كان يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية) (^٣)، وعند الحنفية أنه شرط في الاعتكاف الواجب دون التطوع (^٤).\nواستدل هؤلاء بأن النبي ﷺ لم يعتكف إلا صائمًا، إلا ما كان قضاءً، كما استدلوا بقول عائشة ﵂ - المتقدم ـ: «ولا اعتكاف إلا بصوم»، والصحابي إذا أطلق السنة انصرف إلى سنة النبي ﷺ.\nوالراجح القول الأول، وهو أن الصوم ليس بشرط في الاعتكاف؛ لأن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول من شوال قضاءً - كما ثبت في حديث عائشة ﵂ - ومن العشر الأول يوم العيد، ولا يمنع من اعتكافه اشتغاله بالصلاة والخطبة، فيعتكف بقية اليوم.\nولأن الاعتكاف عبادة مستقلة بنفسها، فلم يكن الصوم شرطًا فيه كالحج والجهاد، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه اشترط الصوم للاعتكاف.\nفإن قيل: ما الفائدة من قولنا: يصح بلا صوم، وقد تقدم أن أفضل الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؟\nفالجواب: تظهر الفائدة فيما لو كان الإنسان مريضًا يباح له الفطر، ولكن أحب أن يعتكف فلا بأس، ولو كان اعتكافه بلا صوم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٥/ ٢٦٨)، \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٣٣٤).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٢٠٧)، \"المهذب\" (١/ ٢٥٧)، \"الإنصاف\" (٣/ ٣٦٠).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (٢/ ٨٨)، والذي رأيته في \"الفتاوى\" (٢٥/ ٢٩٢) أن ابن تيمية ذكر القولين بدون ترجيح، فلعل هذا الترجيح في موضع آخر أو في كتاب آخر.\n(^٤) حاشية ابن عابدين (٢/ ٤٧٠)، \"فتاوى قاضي خان\" (١/ ٢٢١).","vol":"5","page":142},{"text":"<span data-type='title' id=toc-570>الزمن الذي تُلتمس فيه ليلة القدر</span>\n٧٠٤/ ٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُروا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي المَنَامِ، فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «فضل ليلة القدر»، باب «التماس ليلة القدر في السبع الأواخر» (٢٠١٥) ومسلم (١١٦٥) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، به مرفوعًا.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أُروا) بضم الهمزة، أي: أراهم الله تعالى، فالواو نائب فاعل.\n\nقوله: (ليلة القدر) أي: ليلة الشرف والتقدير؛ لأن القدر: بسكون الدال؛ إما من الشرف والمقام، كما يقال: فلان عظيم القدر، فتكون إضافة الليلة إليه من باب إضافة الشيء إلى صفته، أي: الليلة الشريفة. وإما من التقدير والتدبير، فتكون إضافتها إليه من باب إضافة الظرف إلى ما يحويه، أي: الليلة التي يكون فيها تقدير ما يجري في تلك السنة، كما قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، قال قتادة: (يفرق فيها أمر السنة) (^١)، ولا مانع من اعتبار المعنيين.\n_________\n(^١) \"تفسير الطبري\" (٢٥/ ٦٥)، \"فضائل الأوقات\" للبيهقي ص (٢١٦)، وإسناده صحيح.","vol":"5","page":143},{"text":"قوله: (في المنام) أي: وقت النوم، وتسمى الإراءة حينئذٍ: رؤيا، والمراد: أنه قيل لهم: إن ليلة القدر في السبع الأواخر من رمضان.\n\nقوله: (السبع الأواخر) أي: البواقي، وهي من ثلاث وعشرين إن كان الشهر ناقصًا ومن أربع وعشرين إن كان الشهر تامًّا.\n\nقوله: (أرى) إما بضم الهمزة، معناها: أظن، وإما بفتحها، ومعناها: أعلم، والمراد: أبصر مجازًا.\n\nقوله: (تواطأت) أي: توافقت، وزنًا ومعنى.\n\nقوله: (فمن كان متحريها) التحري: القصد والاجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول؛ أي: فمن كان طالبًا مصادفتها بالعمل الصالح والقيام فيها.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الله تعالى قد يكرم بعض المؤمنين فيريه في منامه ما ينفعه وغيره.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على جواز العمل بالرؤيا الصالحة إذا دلّت القرينة على صدقها ولم تخالف الشرع. ومن القرينة أن تتفق الرُّؤى على شيء، فهذا مما يدل على صدقها، وقد قال النبي ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ …» (^١).\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن ليلة القدر في رمضان، وأن من حرص عليها فإنه يتحراها في السبع الأواخر منه.\nوقد ورد في حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يجاور في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» (^٢).\nوهذا يدل على أن المطلوب تحريها في جميع العشر، ولا منافاة بينه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٧٩) من حديث ابن عباس -﵄-.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٢٠)، ومسلم (١١٦٩).","vol":"5","page":144},{"text":"وبين حديث الباب الدال على أن المطلوب تحريها في السبع الأواخر، ويجمع بينهما بما ورد عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي» (^١)، ووجه الجمع أن جميع ليالي العشر محل لتحري ليلة القدر، لكن أرجاها السبع البواقي.\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه ينبغي للمؤمن أن يتحرى ليلة القدر في جميع ليالي العشر؛ لأن جميع ليالي العشر قد تكون أوتارًا باعتبار نقصان الشهر أو تمامه.\nفالوتر باعتبار ما مضى من الشهر ليلة إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين.\nوقد يكون باعتبار ما بقي، كما قال النبي ﷺ: «لتاسعة تبقى، لسابعة تبقى، لخامسة تبقى، لثالثة تبقى» (^٢)، فإذا كان الشهر ثلاثين فتاسعة تبقى ليلة اثنين وعشرين، وسابعة تبقى ليلة أربع وعشرين، وخامسة تبقى ليلة ست، وثالثة تبقى ليلة ثمان (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٦٥) (٢٠٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٢١) من حديث ابن عباس -﵄- مرفوعًا ولفظه: \"التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر، في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى\".\nوفي حديث أبي بكرة -﵁- مرفوعًا: \"التمسوها في العشر الأواخر، لتسع يبقين، أو لسبع يبقين، أو لخمس، أو لثلاث، أو آخر ليلة\" أخرجه الترمذي (٧٩٤)، والنسائي في \"الكبرى\" (٣/ ٤٠٠)، وأحمد (٣٤/ ١١)، وإسناده صحيح.\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٥/ ٢٨٥).","vol":"5","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-571>تحديد ليلة القدر بليلة سبع وعشرين</span>\n٧٠٥/ ٩ - عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: «لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ.\nوَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَعْيينِهَا عَلَى أَرْبَعِينَ قَوْلًا، أَوْرَدْتُهَا فِي «فَتْحِ الْبَارِي».\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أبو داود في باب «تفريع أبواب شهر رمضان»، باب «من قال: سبع وعشرين» (١٣٨٦) من طريق معاذ بن معاذ العنبري، أخبرنا شعبة، قتادة، أنه سمع مطرِّفًا، عن معاوية بن أبي سفيان ﵁، به.\nوهذا الحديث جاء مرفوعًا - كما هنا - رفعه معاذ بن معاذ العنبري، وقد انفرد بهذا الحديث أبو داود عن بقية أصحاب الكتب الستة. ورواه مرفوعًا - أيضًا - الطحاوي (٣/ ٩٣)، وابن حبان (٨/ ٤٣٦ - ٤٣٧)، والطبراني في «الكبير» (١٩/ ٣٤٩) (٨١٣)، والبيهقي (٤/ ٣١٢) كلهم من طريق معاذ بن معاذ، به.\nوجاء موقوفًا على معاوية ﵁، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٧٦) عن عفان، عن شعبة، به موقوفًا.\nوأخرجه أبو داود الطيالسي (٢/ ٣١١) عن شعبة، به موقوفًا، ومن طريقه أخرجه البيهقي.\nوهذا هو المحفوظ. قال الدارقطني في «العلل» (٧/ ٦٥): (ولا يصح عن شعبة مرفوعًا)، ولما ذكره ابن رجب مرفوعًا، قال: (وله علة، وهي وقفه","vol":"5","page":146},{"text":"على معاوية، وهو أصح عند الإمام أحمد والدارقطني) (^١).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن ليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين؛ لأنه سيق مساق الجزم والحتم، وهذا قاله معاوية ﵁ حسب اجتهاده. وقد ورد عن أُبي بن كعب ﵁ أنه قال: (والله إني لأعلم أيُّ ليلة هي؟ هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين) (^٢).\nوقد اختلف في تعيين هذه الليلة، فذكر الحافظ ستة وأربعين قولًا، وأكثرها أقوال لا دليل عليها، ويمكن جعلها ثلاثة أقسام:\n١ - أقوال باطلة؛ كالقول بأنها رفعت أصلًا، أو القول بأنها في كل السنة، أو القول بأنها ليلة النصف من شعبان.\n٢ - أقوال ضعيفة؛ كالقول بأنها في أول رمضان، أو ليلة النصف من رمضان.\n٣ - أقوال راجحة وهي الأقوال المتعلقة بكونها في العشر الأواخر من رمضان.\nوأظهر الأقوال أنها في العشر الأواخر، وأوتارها آكد، وليلة سبع وعشرين آكد من غيرها، وكان أُبي بن كعب ﵁ يحلف أنها ليلة سبع وعشرين، كما تقدم.\nوذهب أبو قلابة وطائفة إلى أنها تنتقل في ليالي العشر، وروى عبد الرزاق بسنده عن أبي قلابة أنها تنتقل في وتر (^٣)، وقد نسب النووي هذا إلى المحققين، وقال: «هذا أظهر، وفيه جمع بين الأحاديث المختلفة» (^٤).\nوالحكمة في إخفاء هذه الليلة: أن يجتهد الناس في طلبها رجاءَ إصابتها، ويتبين بذلك من كان جادًّا في طلبها، حريصًا على إحيائها، ممن\n_________\n(^١) \"لطائف المعارف\" ص (٢٣٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٦٢).\n(^٣) \"المصنف\" (٤/ ٢٥٢)، \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٣/ ٧٦)، \"الاستذكار\" (١٠/ ٣٣٨)، \"اللطائف\" ص (٢٣٤).\n(^٤) \"شرح النووي\" (٥/ ٢٩٠).","vol":"5","page":147},{"text":"كان كسلان متهاونًا لا يقيم لها وزنًا، ولو تيقنَّا أيُّ ليلة هي، لتراخت العزائم واكتفي بإحياء تلك الليلة، فكان إخفاؤها مستدعيًا قيام كل الشهر، والاجتهاد في العشر الأواخر منه ليكثر الثواب وتعظم الأجور.\nوقد ورد في سياق حديث أُبي بن كعب - المتقدم - أن من علامة ليلة القدر أن تطلع الشمس صبيحتها بيضاء لا شعاع لها (^١).\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الله تعالى قد يكشفها لبعض الناس في المنام أو اليقظة، فيرى أنوارها، أو يرى من يقول له: هذه ليلة القدر، ونحو ذلك (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ذكر القاضي عياض في \"إكمال المعلم\" (٣/ ١١٦) احتمالين في معنى ذلك:\nالأول: أنها صفة خاصة بها في صبيحة تلك الليلة، لا أنها صفة في كلِّ ليلةِ قدرٍ، كما أعلمهم أنه يسجد صبيحتها في ماء وطين.\nالثاني: أنها صفة خاصة لها، وقيل في ذلك: لما حجبها من أشخاص الملائكة الصاعدة إلى السماء الذين أخبر الله بتنزلهم تلك الليلة، والله أعلم.\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٥/ ٢٨٦).","vol":"5","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-572>بم يدعو من وافق ليلة القدر</span>؟\n٧٠٦/ ١٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ، تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، غَيْرَ أَبِي دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه النسائي في «الكبرى» (٩/ ٣٢٢) في كتاب «عمل اليوم والليلة»، باب «ما يقول إذا وافق ليلة القدر»، والترمذي (٣٥١٣)، وابن ماجه (٣٨٥٠)، وأحمد (٤٢/ ٣١٧)، والحاكم (١/ ٥٣٠) كلهم من طريق كهمس، عن عبد الله بن بريدة، عن عائشة ﵂، به.\nوقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».\nوتابع عبدَ الله بن بريدة أخوه سليمان بن بريدة، من طريق علقمة بن مرثد، عن سليمان، عن عائشة، به، أخرجه النسائي (٩/ ٣٢٤)، وأحمد (٤٣/ ٢٧٧)، والطبراني في «الدعاء» (٩١٦) والحاكم (١/ ٥٣٠) وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي.\nوفيما قاله نظر؛ فإن سليمان بن بريدة ليس من رجال البخاري، وإنما هو من رجال مسلم، فالحديث صحيح على شرط مسلم، وعبد الله بن بريدة وأخوه سليمان ثقتان، إلا أن عبد الله أوثق من سليمان، كما مضى في «الجنائز» (^١).\n_________\n(^١) انظر: الحديث (٥٩٥).","vol":"5","page":149},{"text":"لكن أُعل هذا الحديث بالانقطاع بين عبد الله بن بريدة وعائشة ﵂، وقد أبان النسائي عن ذلك، وذكر الدارقطني في «السنن» (٣/ ٢٣٣) وكذا البيهقي (٧/ ١١٨) أن ابن بريدة لم يسمع من عائشة شيئًا، ثم إن الحديث قد اختلف فيمن رواه عن عائشة ﵂، فقد جاء من رواية مسروق عن عائشة موقوفًا، رواه النسائي (٩/ ٣٢٤)، ومن رواية شريح بن هانئ عنها موقوفًاـ أيضًا - رواه ابن أبي شيبة (١٠/ ٢٠٦).\n\nالوجه الثاني: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على فضل الدعاء في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر، وأنه يستحب لمن وفقه الله أن يكثر من الدعاء، ويدعو بما أرشد إليه النبي ﷺ أم المؤمنين عائشة ﵂؛ لأنه دعاء عظيم جامع، فيه إظهار الذل والانكسار بين يدي الله تعالى؛ وأن العبد محل للذنوب؛ ولأن نِعم الله عليه لا تحصى، وهو محل للتقصير، فهو لا يسأل إلا العفو، مهما كان اجتهاده وعمله الصالح. وهذه عائشة ﵂ قد شهد لها النبي ﷺ بالجنة ومع هذا علَّمها النبي ﷺ بأن تدعو ربها أن يعفو عنها، فغيرها من باب أولى.\nيقول البيهقي ﵀: (مسألة العفو من الله مستحبة في جميع الأوقات، وخاصة في هذه الليلة) (^١).\nوقال ابن رجب ﵀: (وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر؛ لأن العارفين يجتهدون في الأعمال، ثم لا يرون لأنفسهم عملًا صالحًا، ولا حالًا ولا مقالًا، فيرجعون إلى سؤال العفو؛ كحال المذنب المقصّر) (^٢).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الدعاء في ليلة القدر كان أمرًا معروفًا ومشهورًا عند الصحابة ﵃، فهذه عائشة أم المؤمنين ﵂ قد حرصت على أفضل الدعاء وأكمله في هذه الليلة العظيمة؛ لأنها تعلم أن الدعاء فيها مستجاب، والنداء مسموع، وهذا دليل على حرصها وفقهها.\n_________\n(^١) \"فضائل الأوقات\" ص (٢٥٨).\n(^٢) \"لطائف المعارف\" ص (٢٤٢).","vol":"5","page":150},{"text":"الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه يستحب للداعي إذا دعا أن يتوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه أو صفة من صفاته تناسب دعاءه؛ كأن يقول: يا رحمن أرحمني، يا غفور اغفر لي، ونحو ذلك.\n\nالوجه الخامس: في الحديث إثبات صفة العفو لله تعالى، ومعناها: الصفح عن الذنوب. والعفو: اسم لله تعالى، وكذا إثبات صفة المحبة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، والله تعالى أعلم.","vol":"5","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-573>جواز شد الرحال لأحد المساجد الثلاثة لقصد الاعتكاف</span>\n٧٠٧/ ١١ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة»، باب «مسجد بيت المقدس» (١١٩٧)، ومسلم (٨٢٧) (٤١٥) من طريق عبد الملك بن عمير، عن قَزَعَةَ، عن أبي سعيد ﵁، قال: سمعت منه حديثًا فأعجبني، فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: أفأقول على رسول الله ﷺ ما لم أسمع؟ قال: سمعته يقول: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةَ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى»، وسمعته يقول: «لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ مِنَ الدَّهْرِ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا أَوْ زَوْجُهَا» هذا لفظ مسلم، والحديث له ألفاظ أخرى.\nوهذا الحديث رواه عدد من الصحابة، منهم: أبو هريرة، وحديثه في «الصحيحين»، ومنهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعلي، وأبو أمامة، وبصرة بن أبي بصرة الغفاري، وأبو الجعد الضمري (^١) ﵃.\n_________\n(^١) انظر: \"إرواء الغليل\" (٣/ ٢٢٦).","vol":"5","page":152},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هو حديث مستفيض، متلقى بالقبول، أجمع أهل العلم على صحته، وتلقيه بالقبول والتصديق) (^١).\nوهذا الحديث من الأحاديث القليلة التي كررها الحافظ في «البلوغ»، فقد أعاده مرة أخرى ضمن أحاديث النذور، ولعله ذكره في الاعتكاف لبيان أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة مشروع لمن أراده، ولو لزم من ذلك شدُّ الرحال، لأن الرحال تشدُّ إليها، والله أعلم.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا تُشدُّ) بضم الدال على أن (لا) نافية، وهذا لفظ البخاري، وعند مسلم بلفظ النهي - كما تقدم ـ، والنفي أبلغ من النهي، ونكتة العدول عنه إلى النفي حمل السامع على الترك.\n\nقوله: (الرحال) جمع رحل، وهو سرج البعير الذي يركب عليه؛ لأن من أراد سفرًا شدَّ رحله ليركبه ويسير، فكنَّى بشد الرحال عن السفر؛ لأنه لازِمَهُ، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر وإلا فلا فرق في المعنى المذكور بين ركوب الرواحل أو الخيل أو السيارة، وغير ذلك. ويدل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ إِيليَاءَ» (^٢).\n\nقوله: (إلا إلى ثلاثة مساجد) هذا استثناء مفرغ؛ لأن المستثنى منه محذوف؛ أي: لا تشد الرحال إلى مسجد أو إلى موضع، إلا إلى ثلاثة مساجد، والثاني أعم.\n\nقوله: (المسجد الحرام) بالجر على البدلية، وبالرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هي المسجد الحرام … والحرام بمعنى: المحرم؛ كالكتاب بمعنى المكتوب.\n\nقوله: (ومسجدي هذا) اسم الإشارة للتعظيم، أو لإفادة أن الأحكام متعلقة بالمسجد النبوي دون غيره من مساجد المدينة، فتكون للتوكيد.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٧/ ٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣٩٧).","vol":"5","page":153},{"text":"قوله: (والمسجد الأقصى) أي: بيت المقدس، سمي الأقصى لبعده عن المسجد الحرام في المسافة، واقتصر عليه النووي (^١)، أو لأنه لم يكن وراءه مسجد، وهذا ذكره الزمخشري (^٢).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم السفر لأي بقعة تقصد لذاتها بقصد التعبد فيها لاعتقاد فضلها، إلا هذه المساجد الثلاثة، وإنما خصت بذلك لما لها من الخصائص التي ليست لغيرها، ومن ذلك مضاعفة الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وفي المسجد النبوي بألف صلاة، وفي بيت المقدس بخمسمائة صلاة، على أن حديث التضعيف في بيت المقدس ضعيف (^٣).\nومنها: أن هذه المساجد الثلاثة بناها أنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ومنها: أن المكي قبلة الناس، والمدني أُسِّسَ على التقوى، والأقصى قبلة الأنبياء السابقين، وفي المكي عبادة لا توجد في مكان آخر، وهي الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة (^٤).\nأما السفر للتجارة، وطلب العلم، وزيارة القريب أو الأخ في الله، فهذا جائز، ولا يدخل في هذا النهي باتفاق العلماء؛ لأمرين:\nالأول: أن المسافر في هذه الحالات وما شابهها لم يقصد المكان لذاته بل المراد ذلك المطلوب حيثما كان، ولو كان في غير هذا المكان لذهب إليه.\nالثاني: أنه ورد أدلة تدل على جواز ذلك، فهي مخصصة لعموم هذا الحديث؛ كقوله تعالى: ﴿يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ﴾ [المزمل: ٢٠] وكحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى … الحديث (^٥).\n_________\n(^١) \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٤/ ١٥٠).\n(^٢) \"الكشاف\" (٢/ ٣٥١).\n(^٣) انظر: \"الإرواء\" (٤/ ٣٤٢)، و\"تمام المنة\" ص (٢٩٢).\n(^٤) انظر: \"مختصر الفتاوى المصرية\" ص (٢٧١).\n(^٥) أخرجه مسلم (٢٥٦٧).","vol":"5","page":154},{"text":"الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم السفر لمسجد أو بقعة غير المساجد الثلاثة … ويدخل في ذلك شد الرحال للمواضع الفاضلة أو لزيارة القبور، فهذا محرم، كما قال المحققون من أهل العلم، ومنهم: أبو محمد الجويني، والقاضي عياض، وابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأبناؤه وأحفاده وتلاميذهم، رحم الله الجميع.\nوأما قول من قال: إن ذلك لا يحرم؛ وأن المراد بالحديث أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال لهذه المساجد الثلاثة، وأما غيرها فهو جائز وإن كان دونها في الفضيلة فهذا قول باطل، يدل على بطلانه ما يلي:\n١ - أن الحديث جاء بلفظ النفي وبلفظ النهي، وجاء بصيغة الحصر، وجاء بلفظ: «لا ينبغي».\n٢ - أنه يلزم على هذا القول جواز شد الرحال للقبور، وهذا يفضي إلى الغلو فيها وعبادتها، وعدم الاكتفاء بالزيارة الشرعية؛ إذ إن الرحال لا تشد للزيارة الشرعية؛ وإنما يفعل ذلك ضعاف الإيمان للدعاء عندها، أو دعاء أهلها، أو التمسح بها، أما الزيارة الشرعية فلا تحتاج - بحمد الله - إلى شد رحل.\n٣ - أن أبا هريرة ﵁ لما خرج إلى الطور أنكر عليه بصرة بن أبي بصرة الغفاري ﵁؛ فإنه قال له: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور، فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ …» الحديث (^١).\n٤ - أن الجاري على الأصول أن ما جاء بلفظ الحصر لا يخرج منه شيء إلا بنص صحيح يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ١٠٩) مطولًا، وأخرجه النسائي (٣/ ١١٣ - ١١٤)، وأحمد (٣٩/ ٥٦٧)، وهو حديث صحيح. انظر: \"الإرواء\" (٣/ ٢٢٦) (٤/ ١٤٢).\n(^٢) \"أضواء البيان\" (٦/ ٦٨٦).","vol":"5","page":155},{"text":"<span data-type='title' id=toc-574>كتاب الحج</span>\nالحج لغة: بفتح الحاء وكسرها، لغتان مشهورتان، ومعناه: القصد، وقال الخليل: (كثرة القصد إلى من يُعظَّم) (^١).\nوشرعًا: قصد مكة والمشاعر؛ لأداء النسك في زمن مخصوص.\nوالعمرة لغة: الزيارة، يقال: أتانا فلان معتمرًا، أي: زائرًا (^٢). وقيل: القصد. يقال: اعتمرت فلانًا، أي: قصدته (^٣).\nوشرعًا: زيارة البيت لأداء النسك.\nونسك العمرة: إحرام وطواف وسعي، ثم حلق أو تقصير، ونسك الحج: هو ذلك، مع ما يتعلق بالمشاعر من وقوف ومبيت ورمي.\nوالحج أحد أركان الإسلام، فُرض بعد فتح مكة في السنة التاسعة من الهجرة - على الراجح - (^٤).\nوقد فرض الحج بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وعدَّه النبي ﷺ من أركان الإسلام، فقال: «بُني الإسلام على خمس …»، وذكر منها: «الحج» (^٥).\nوالحكمة من فرضيته ما اشتمل عليه من المصالح العظيمة، والمنافع الجمَّة، الدينية والدنيوية، ففيه التعبُّد لله تعالى بأداء المناسك، وفيه بذل\n_________\n(^١) \"العين\" (٣/ ٩)، \"الصحاح\" (١/ ٣١٣)، \"الدر النقي\" (٢/ ٣٧٦).\n(^٢) \"تهذيب اللغة\" (٢/ ٣٨٣).\n(^٣) \"الزاهر\" ص (٢٦٠).\n(^٤) انظر: \"مجموع الفتاوى\" (٢٦/ ٧)، \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٦٧).\n(^٥) رواه البخاري (٨)، ومسلم (١٩).","vol":"5","page":156},{"text":"المال، وإتعاب البدن في طاعة الله تعالى، والتعوُّد على الكرم والبذل، وفيه اجتماع المسلمين، وتعارفهم وتعاونهم، وإرشاد بعضهم بعضًا.\nوفي الحج يكتسب من يحترف التجارة ما يكتسب في تجارته، إلى غير ذلك من مصالح الدين والدنيا، قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨].","vol":"5","page":157},{"text":"<span data-type='title' id=toc-576>باب فضله، وبيان مَنْ فرض عليه </span><span data-type='title' id=toc-577>فضل الحج والعمرة</span>\n٧٠٨/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في «أبواب العمرة»، باب «وجوب العمرة وفضلها» (١٧٧٣) ومسلم (١٣٤٩) من طريق سُمِّي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح السمَّان، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على فضل الإكثار من العمرة، لما فيها من الفضل العظيم، وهو أنها تكفِّر الذنوب وتمحوها، لكن قيَّد الجمهور التكفير بالصغائر دون الكبائر، كما تقدَّم في «الصيام».\nوالأكثرون من أهل العلم على جواز تكرار العمرة في السنة مرتين أو أكثر، وحديث الباب يفيد ذلك، كما يقول ابن تيمية، فإن هذا الحديث مع إطلاقه وعمومه يقتضي الفرق بين العمرة والحج؛ إذ لو كانت العمرة لا تفعل في السنة إلا مرة لكانت كالحج، فكان يُقال: الحج إلى الحج، فلمَّا قال: «العمرة إلى العمرة» دلَّ على تكرارها، وأنها ليست كالحج.\nولأن العمرة ليس لها وقت يفوت به، كوقت الحج، فإذا كان وقتها مطلقًا في جميع العام لم تشبه الحج في أنها لا تكون إلا مرة (^١).\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٦/ ٢٦٨ - ٢٦٩).","vol":"5","page":158},{"text":"وقال الإمام مالك: يكره أن يعتمر في السنة مرتين (^١)، وهو قول بعض السلف، كإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين.\nواستدلوا بأن النبي ﷺ وأصحابه لم يعتمروا في السنة إلا مرة واحدة.\nوهذا لا حجة فيه؛ لأن النبي ﷺ رغَّب أمَّته في العمرة وبيَّن فضلها، وحثَّهم على الاستكثار منها، فثبت بذلك الاستحباب من غير تقييد، وفِعْله لا ينافي قوله، فإنه قد يترك الشيء وهو يستحب فعله، لرفع المشقة عن أمته، وقد يكون صلوات الله وسلامه عليه مشغولًا بأمور المسلمين الخاصة والعامة، مما قد يكون أفضل من العمرة باعتبار النفع المتعدي للآخرين.\nومما يدل على فضل الاستكثار من العمرة حديث ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة» (^٢).\n\nالوجه الثالث: الحديث يدل على فضل الحج المبرور وأن جزاءه الجنة، والحج المبرور، قال عنه ابن عبد البر: (هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة، ولا رفث، ولا فسوق، ويكون بمال حلال …) (^٣). فالحج المبرور له أوصاف خمسة:\nالأول: أن يكون خالصًا لوجه الله تعالى، لا رياء فيه ولا سمعة.\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٢٣١).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٨١٠)، والنسائي (٥/ ١١٥)، وأحمد (٦/ ١٨٥) من طريق أبي خالد الأحمر، قال: سمعت عمرو بن قيس، عن عاصم، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود -﵁- مرفوعًا. وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن مسعود -﵁-)، والحديث فيه أبو خالد الأحمر، وهو سليمان بن حيان، وعاصم بن أبي النجود، وحديثهما من قبيل الحسن؛ لأن الأول: صدوق يخطئ، والثاني: صدوق له أوهام، وقد تقدم له ذكر.\n(^٣) \"التمهيد\" (٢٢/ ٣٩).","vol":"5","page":159},{"text":"الثاني: أن تكون النفقة من مال حلال، قال النبي ﷺ: «إن الله تعالى طيّب لا يقبل إلا طيبًا» (^١).\nالثالث: البُعد عن المعاصي والآثام، والبدع والمخالفات؛ لأن ذلك إذا كان يؤثر على أيَّ عمل صالح، وقد يكون سببًا في عدم قَبوله، ففي الحج أولى، لما ورد فيه من النصوص، قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nالرابع: حُسن الخُلق ولين الجانب، والتواضع في مركبه ومنزله وتعامله مع الآخرين؛ بل وفي كل أحواله.\nالخامس: تعظيم شعائر الله تعالى، فيتأكد في حق الحاج أن يعظم شعائر الله تعالى، ويستشعر فضل المشاعر وقيمتها، فيؤدي مناسكه على صفة التعظيم والإجلال والمحبة والخضوع لله رب العالمين، وعلامة ذلك: أن يؤدي شعائر الحج بسكينة ووقار، ويتأنى في أفعاله وأقواله، ويحذر من العجلة التي عليها كثير من الناس في هذا الزمان، ويُعَوِّد نفسه الصبر على طاعة الله تعالى، فإن هذا أقرب إلى القبول وأعظم للأجر.\nومن تعظيم شعائر الله تعالى أن يشغل هذا المشاعر العظيمة بالذكر والتكبير والتسبيح والتحميد والاستغفار، لأنه في عبادة، وفي مشاعر مفضلة.\nوقد حث الله تعالى عباده على تعظيم شعائره وإجلالها، وحفظ حرماته وصيانتها، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ ومَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].\nوالمراد بحرمات الله: كل ما له حرمة، وأُمِرَ باحترامه، من عبادة أو غيرها، ومن ذلك المناسك كلها، والحرم، والإحرام.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠١٥).","vol":"5","page":160},{"text":"وشعائر الله: أعلام الدين الظاهرة، ومنها المناسك كلها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨].\nوقد جعل الله تعالى تعظيم شعائره ركنًا من أركان التقوى وشرطًا للعبودية، وجعل تعظيم حرماته سبيلًا لنيلِ العبدِ ثوابَ الله تعالى وجزيلَ عطائه.\nومن تأمل في حجة النبي ﷺ ونظر فيها نظر المستفيد المتأسي لاح له تعظيم شعائر الله بأبرز صوره، وأوضح معانيه، في جميع أقواله وأفعاله صلوات الله وسلامه عليه (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"أحوال النبي -ﷺ- في الحج\"، تأليف: فيصل بن علي البعداني.","vol":"5","page":161},{"text":"<span data-type='title' id=toc-578>حكم العمرة</span>\n٧٠٩/ ٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ، وَالْعُمرَةُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وأصله في «الصحيح».\n٧١٠/ ٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَخْبِرْنِي عَنِ الْعُمْرَةِ، أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: «لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ.\nوَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ.\n٧١١/ ٤ - وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «الحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ».\n\nالكلام عليها من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه أحمد (٤٢/ ١٩٨)، وابن ماجه (٢٩٠١) من طريق محمد بن فضيل، قال: حدثنا حبيب بن أبي عمرة، عن عائشة ابنة طلحة، عن عائشة أم المؤمنين ﵂، به.\nوإسناده صحيح - كما قال الحافظ - ورجاله ثقات رجال الصحيحين. وقول الحافظ: (إن اللفظ لابن ماجه) لا فائدة فيه، فقد أخرجه أحمد في الموضع المذكور بنفس اللفظ. والحديث أصله في صحيح البخاري (١٥٢٠) من طريق خالد الواسطي، أخبرنا حبيب بن أبي عمرة، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: يا رسول الله! نرى الجهاد أفضل","vol":"5","page":162},{"text":"العمل أفلا نجاهد؟ قال: «لا، ولكُنَّ (^١) أفضلُ الجهاد: حجٌّ مبرور»، وفي رواية أخرى (١٨٦١): «لكُنَّ أحسن الجهاد وأجمله: الحج، حج مبرور».\nلكن لفظ الصحيح ليس فيه ذكر العمرة، وقد أخرج البخاري الحديث من رواية غير واحد عن حبيب بدونها، والظاهر أنه تفرد بها محمد بن فضيل، وخالفه عدد من الثقات، ومحمد بن فضيل قال عنه في «التقريب»: (صدوق، عارف، رمي بالتشيع)، ولعل هذا هو الذي دعا الحافظ إلى إيراد لفظ أحمد وابن ماجه، والإشارة إلى أن أصله في الصحيح، ليستفاد منه حكم العمرة.\nوأما حديث جابر ﵁ فقد أخرجه أحمد (٢٢/ ٢٩٠)، والترمذي (٩٣١) من طرق عن الحجاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁، مرفوعًا.\nوهذا إسناد ضعيف، فيه الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، مدلس، وقد عنعنه، ومدار الحديث عليه، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح!)، مع أن الترمذي رواه من طريق الحجاج. قال الدارقطني: «لا يحتج به»، وقال ابن حزم: (الحجاج بن أرطاة ساقط، لا يحتج به) (^٢)، ولما ساقه البيهقي بهذا الإسناد موقوفًا، قال: (هذا هو المحفوظ عن جابر، موقوف غير مرفوع) (^٣)، وقال الحافظ ابن حجر: (والصحيح عن جابر من قوله …) (^٤)، والموقوف ضعيف - أيضًا - لأنه من طريق ابن جريج والحجاج، عن محمد بن المنكدر، به (^٥).\nوأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٧/ ٤٣) من طريق أبي عصمة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر به، وهذا سند ضعيف جدًّا، فإن هذا الحديث يعرف بحجاج بن أرطاة - كما تقدم - عن محمد بن المنكدر، وأبو عصمة\n_________\n(^١) بضم الكاف خطاب للنسوة وتشديد النون، واللام حرف جر، خبر مقدم، (أفضل الجهاد) مبتدأ مؤخر، ويجوز كسر الكاف وتشديد النون حرف استدراك، و(أفضل) منصوب على أنه اسمها، ويجوز تسكين النون مخففة من الثقيلة و(أفضل) مبتدأ، خبره (حج مبرور) والأول أحسن، كما قال الحافظ في \"فتح الباري\" (٣/ ٣٨٢).\n(^٢) \"السنن\" (١/ ٣٢٧)، \"المحلى\" (٧/ ٦).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٤٩).\n(^٤) \"التلخيص\" (٢/ ٢٤٠ - ٢٤١).\n(^٥) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٢٨٥)، \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٤٩).","vol":"5","page":163},{"text":"ـ وهو نوح بن أبي مريم - رواه عن ابن المنكدر، فلعله سرقه منه، كما قال ابن عدي، وقال عنه الحافظ في «التقريب»: (كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع).\nوأما الحديث الثالث: فقد أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٤/ ١٥٠) من طريق ابن لهيعة، عن عطاء، عن جابر ﵁، به مرفوعًا، بلفظ: «الحج والعمرة فريضتان واجبتان».\nوهذا إسناد ضعيف، فيه ابن لهيعة، وهو سيئ الحفظ، قال ابن عدي بعد أن ذكر أحاديث بهذا الإسناد: (هذه الأحاديث عن ابن لهيعة، عن عطاء غير محفوظة).\n\nالوجه الثاني: استدل بحديث عائشة ﵂ من قال بوجوب العمرة، وهو مروي عن عمر وابن عباس وابن عمر وجابر ﵃، وجماعة من التابعين؛ لأن قوله: (عليهن) تفيد الوجوب؛ لأن (على) تفيد الإلزام والإيجاب - كما في الأصول - قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].\nوهذا القول هو الصحيح من مذهب الإمام أحمد، والصحيح من مذهب الشافعي، وهو اختيار البخاري، حيث ترجم في «صحيحه» (^١) بلفظ الوجوب، كما تقدم في الحديث الأول.\nوقال مالك وأبو حنيفة: إن العمرة سُنَّة وليست بواجبة، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، ورجَّح هذا القول الشوكاني (^٣).\nواستدلوا بحديث جابر ﵁: أواجبة هي؟ فقال: «لا، وأن تعتمر خير لك».\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح ابن خزيمة\" (٤/ ٣٥٦)، \"المغني\" (٥/ ١٣)، \"المجموع\" (٧/ ٣)، \"فتح الباري\" (٣/ ٥٩٧).\n(^٢) \"مختصر خليل\" ص (٦٤)، \"شرح فتح القدير\" (٣/ ١٣٩)، \"الفتاوى\" (٢٦/ ٧ - ٨).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٣١٤).","vol":"5","page":164},{"text":"كما استدلوا بحديث ابن عمر ﵄: «بني الإسلام على خمس …» وذكر منها «الحج»، ولم يذكر العمرة.\nوالذي يظهر - والله أعلم - أنه لا يوجد دليل صريح صحيح في إيجاب العمرة، ولفظة: (عليهن) ليست صريحة في الوجوب، فقد تطلق على ما هو سنة مؤكدة، ومع الاحتمال لا بد من طلب الدليل بأمر خارج، وقد وجد ما يدل على وجوب الحج، ولم يوجد ما يدل على وجوب العمرة (^١)، إلا ما ثبت عن بعض الصحابة ﵃، كما تقدم.\nوسبيل الاحتياط ألا يدع الإنسان العمرة مع القدرة عليها، لا فرق في ذلك بين مكي وغيره، لا سيما وأن القائلين بوجوب العمرة يرون صحة عمرة المتمتع، وأنها مجزئة عن العمرة الواجبة؛ بل قال ابن قدامة: (لا نعلم في إجزاء عمرة المتمتع عن العمرة الواجبة خلافًا) (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"أضواء البيان\" (٥/ ٦٥٥).\n(^٢) \"المغني\" (٥/ ١٥).","vol":"5","page":165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-579>من شروط وجوب الحج</span>\n٧١٢/ ٥ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلةُ»، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَالرَّاجِحُ إِرْسَالُهُ.\n٧١٣/ ٦ - وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.\n\nالكلام عليهما من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أنس ﵁ فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٢١٦)، والحاكم (١/ ٤٤٢) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس ﵁، به.\nوقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي.\nلكن أعله الدارقطني في «العلل» (١٥/ ١٦٤) فقال: «والمحفوظ عن الحسن مرسلًا، عن النبي ﷺ» وقال ابن عبد الهادي: (الصواب عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلًا، وأما رفعه عن أنس فهو وهم) (^١).\nولما رواه البيهقي (٤/ ٣٣٠) مرسلًا، قال: (هذا هو المحفوظ). وقد نقل الحافظ عن الدارقطني أنه قال: (مراسيل الحسن فيها ضعف) (^٢). ونقل السيوطي عن الإمام أحمد أنه قال: (مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات، ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها، وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء، فإنهما يأخذان عن كل واحد) (^٣).\n_________\n(^١) \"التنقيح\" (٢/ ٣٧٩).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢٧٠).\n(^٣) \"تدريب الراوي\" (١/ ١٧٦).","vol":"5","page":166},{"text":"وأما حديث ابن عمر ﵂، فقد أخرجه الترمذي (٨١٣) من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي، عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومي، عن ابن عمر، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: ما يوجب الحج؟ قال: «الزاد والراحلة»، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن).\nوقد انتقد العلماء تحسين الترمذي، وبيَّنوا أنه لا وجه له؛ لأنه من رواية إبراهيم الخوزي، وهو متروك، لا يحتج بحديثه، كما جزم به غير واحد. قال ابن حزم: (إبراهيم بن يزيد ساقط مطرح) (^١)، وعلى هذا فلا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء.\n\nالوجه الثاني: دلَّ القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] على أن الاستطاعة شرط في وجوب الحج، وهذا - والله أعلم ـ؛ لأن الحج عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة، فكان ذلك شرطًا فيها كالجهاد. وقد اختلف العلماء في تفسير الاستطاعة، فذهب الجمهور من أهل العلم، وهم الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الاستطاعة هي ملك الزاد والراحلة، وبه قال جماعة من السلف (^٢)، مستدلين بالأحاديث الواردة في هذا الباب، التي جاء فيها تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة. قالوا: وهذه الأحاديث وإن كان فيها المقال المتقدم، إلا أنها باجتماعها تقوى، ويشد بعضها بعضًا، فتصلح للاحتجاج بها على أن مناط الوجوب: وجود الزاد والراحلة. وقد ذكر الترمذي أن أكثر أهل العلم على العمل بها (^٣)، وقد روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس ﵄ في تفسير السبيل أنه قال: (أن يصح بدن العبد، ويكون له ثمن زادٍ وراحلة من غير أن يجحف به) (^٤).\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٧/ ٥٥)، \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٥٧).\n(^٢) \"حاشية ابن عابدين\" (٢/ ٤٥٩ - ٤٦٠)، \"المغني\" (٥/ ٨)، \"روضة الطالبين\" (٣/ ٣).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣/ ١٧٧)، \"نيل الأوطار\" (٤/ ٣٢٢)، \"أضواء البيان\" (٥/ ٩٢).\n(^٤) تفسير ابن جرير (٧/ ٣٨)، \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ٣٣١) وإسناده صحيح.","vol":"5","page":167},{"text":"وذهب الإمام مالك إلى أن الاستطاعة على قدر طاقة الناس، فقد يجد المرء الزاد والراحلة، ولا يقدر على المسير، وقد يستطيع آخر المشي على رجلين ولو لم يكن له راحلة (^١). وهذا قول ابن الزبير وعطاء، واختاره ابن جرير في تفسيره (^٢).\nوذلك أن الله تعالى لما ألزم الناس فَرْضَ الحج شرَطَ الاستطاعة، وهي لفظ عام ليس بمجمل، فلا يحتاج إلى بيان، فكل من استطاع بماله أو بدنه فهو داخل تحت هذا العموم.\nوهذا القول هو الصحيح؛ لقوة مأخذه، فإن السبيل في لغة العرب: الطريق، فمن كان واجدًا طريقًا إلى الحج لا مانع منه من مرض، أو عجز، أو عدو، أو ضعف عن المشي، أو قلة ماء في طريقه، أو زاد، فعليه فرض الحج، ومن لا فلا، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٨٨)، \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٦).\n(^٢) \"منسك عطاء\" ص (٢٦)، \"تفسير ابن جرير\" (٧/ ٤٣ - ٤٤).","vol":"5","page":168},{"text":"<span data-type='title' id=toc-580>حكم حج الصبي</span>\n٧١٤/ ٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: «مَنِ الْقَوْمُ؟»، قَالوا: المسلِمونَ. فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «رَسُولُ اللهِ»، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فَقَالَت: أَلِهذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «الحج»، باب «صحة حج الصبي، وأجر من حج به» (١٣٣٦) من طريق سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن علقمة، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵄، به.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ركبًا) اسم جمع، لا مفرد له من لفظه، أو جمع مفرده راكب، كصحب وصاحب، والركب: ركاب الإبل خاصة، من عشرة فما دونها، وقد يكون لركاب الخيل.\n\nقوله: (بالروحاء) بفتح الراء، اسم بئر على الطريق الساحلي بين مكة والمدينة، وتبعد عن المدينة (٧٣) كيلًا على الطريق القديم، لكن خفَّ شأنها الآن بعد الطريق السريع.\nوقد ورد عند النسائي في إحدى رواياته: «صَدَرَ رسول الله ﷺ، فلما كان بالروحاء لقي قومًا …» (^١)، فهذا يدل - كما يقول ابن القيم - على أن\n_________\n(^١) \"السنن\" (٥/ ١٢١).","vol":"5","page":169},{"text":"هذا كان حين رجوعه من مكة إلى المدينة بعد الحج (^١).\n\nقوله: (فقالوا: من أنت؟) يحتمل أن هذا اللقاء كان ليلًا فلم يعرفوه، أو نهارًا لكنهم لم يروه ﷺ قبل ذلك؛ لأنهم أسلموا في بلدانهم ولم يهاجروا.\n\nقوله: (صبيًّا) الصبي: هو الولد الصغير، قال في القاموس: (الصبي: من لم يفطم بعد) (^٢). ونقل السيوطي عن بعض علماء اللغة: أنه ما دام الولد في بطن أمه فهو جنين، فإذا ولد سمي صبيًّا ما دام رضيعًا، فإذا فُطم سمي غلامًا إلى سبع سنين … (^٣).\n\nقوله: (ولك أجر) أي: بسبب حمله ومنعه مما يمتنع منه المحرم، وفِعْل ما يفعله المحرم من طواف وغيره.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على صحة حج الصبي، ولو كان دون التمييز، لقوله: (فرفعت إليه امرأة صبيًّا)، فإن ظاهر السياق أنه كان صغيرًا؛ إذ لا ترفعه غالبًا إلا وهو بتلك الحال، وقد ورد عند أبي داود: «ففزعت امرأة فأخذت بعضد صبي، فأخرجته من مِحَفَّتها» (^٤). فإذا فعل عنه وليه ما يفعله الحاج صح حجه.\nوقد نقل الطحاوي الإجماع على أن للصبي حجًّا، كما أن له صلاة، وليست تلك الصلاة فريضة عليه (^٥).\nوقد ورد عن السائب بن يزيد قال: حُجَّ بي مع رسول الله ﷺ وأنا ابن سبع سنين (^٦).\nلكن اختلف العلماء: هل تجزئه هذه الحجة عن حجة الإسلام؟ قولان:\nالأول: أنها لا تجزئ عن حجة الإسلام، وهذا قول الجمهور من أهل\n_________\n(^١) انظر: \"إكمال المعلم\" (٤/ ٤٤١)، \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٩٩).\n(^٢) \"القاموس\" (٢/ ٧٩٦).\n(^٣) \"غاية الإحسان فى خلق الإنسان\" للسيوطى ص (١٧٧).\n(^٤) \"السنن\" (١٧٣٦).\n(^٥) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٢٥٧).\n(^٦) أخرجه البخاري (١٨٥٨).","vol":"5","page":170},{"text":"العلم؛ بل نقل ابن المنذر وابن عبد البر وغيرهما الإجماع على ذلك (^١).\nالقول الثاني: أن الصبي إذا حج قبل بلوغه أجزأته عن حجة الإسلام، حكى ذلك الطحاوي عن قوم، ووصفه القاضي عياض بالشذوذ (^٢)، واحتجوا بهذا الحديث.\nوالصحيح قول الجمهور، لما ورد عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى» ورفعه فيه نظر.\nوقد جاء موقوفًا من كلام ابن عباس، ولفظه: (احفظوا عني، ولا تقولوا: قال ابن عباس، أيما عبد …) الحديث، وهذا له حكم الرفع، وسنده صحيح، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.\nوأما حديث الباب فليس فيه دليل على أن حج الصبي يجزئه عن حجة الإسلام؛ لأن الحديث دل على أن له حجًّا ليس إلا، ولم يتعرض لكونها تجزئه، كما أن له صلاة وليست بفريضة عليه، فالحديث رد على من زعم أنه لا حج للصبي، وليس بدليل على أنها تجزئه عن الفريضة (^٣).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن الإنسان إذا طاف ومعه آخر يحمله كطفل مُحْرِمٍ، أنه يقع الطواف عن الحامل والمحمول، ولا يلزم الحامل أن يطوف لنفسه طوافًا مستقلًا، ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ أخبر هذه المرأة بصحة حج الصبي، ولم يأمرها أن تطوف به طوافًا مستقلًا، مع أن المقام مقام بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهذا اختيار ابن سعدي، وقول ابن باز.\nوذهب بعض العلماء إلى أن الصبي إذا كان غير مميز فلا بد لوليه أن يطوف عن نفسه، ثم يطوف بالصبي، أو يسلمه إلى ثقة يطوف به؛ لأن الصبي لم يحصل منه نية ولا عمل، وإنما النية من حامله، ولا يصح عمل واحد\n_________\n(^١) \"الإجماع\" لابن المنذر ص (٦٨)، \"الاستذكار\" (١٣/ ٣٣١).\n(^٢) \"إكمال المعلم\" للقاضي عياض (٤/ ٤٤٢).\n(^٣) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٢٥٧).","vol":"5","page":171},{"text":"بنيتين لشخصين وهذا اختيار ابن عثيمين (^١)، والسعي يأخذ حكم الطواف في هذا الحكم.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على جواز استفتاء المرأة الرجلَ الأجنبيَّ، بشرط ألا تخضع بالقول؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢].\nوالخضوع بالقول: اللين فيه، بترخيم الصوت وتَكَسُّرِه، مما قد يثير شهوة الرجال.\nوالقول المعروف: هو الصواب الذي لا تنكره الشريعة، وذلك بأن يكون قولها جزلًا، وكلامها فصلًا، ليس فيه ما يحرك شهوة مَن في قلبه مرضُ شهوةِ الحرام، والله المستعان!.\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" (٥/ ٥٢ - ٥٣)، \"الإنصاف\" (٤/ ١٤ - ١٥)، \"الفتاوى السعدية\" ص (٢٣٩ - ٢٤٠)، \"المنهج لمريد العمرة والحج\" لابن عثيمين ص (٥١)، \"فتاوى ابن باز\" (١٧/ ٢١٢).","vol":"5","page":172},{"text":"<span data-type='title' id=toc-581>حكم الحج عن العاجز ببدنه</span>\n٧١٥/ ٨ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رسول الله ﷺ. فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ.\nفَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَم»، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «وجوب الحج وفضله» (١٥١٣)، ومسلم (١٣٣٤) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عباس ﵄. وأخرجه البخاري في كتاب «جزاء الصيد»، باب «الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة» (١٨٥٤).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كان الفضل بن عباس) هو الفضل بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، ابن عم النبي ﷺ، غزا معه حُنينًا، وثبت معه فيمن ثبت، وشهد حجة الوداع، وحضر غَسل رسول الله ﷺ، وقد اختلف في سنة وفاته، فقيل: إنه خرج إلى الشام مجاهدًا، ومات بها سنة ثماني عشرة، وقيل: مات في خلافة أبي بكر ﵄ (^١).\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٩/ ١٣٢)، \"الإصابة\" (٨/ ١٠٢).","vol":"5","page":173},{"text":"قوله: (رديف) الرديف: هو الراكب خلف الراكب، يقال: رَدِفْتُهُ - بالكسر ـ: إذا ركبت خلفه، وأردفته: إذا أركبته خلفك.\n\nقوله: (من خثعم) قبيلة قحطانية، تقع ديارها على طريق الطائف إلى أبها.\n\nقوله: (شيخًا كبيرًا) شيخًا: حال، و(كبيرًا) صفة، وجملة (لا يثبت) حال، أو صفة لشيخ.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن القادر على الحج بماله، العاجز عنه ببدنه ينيب من يحج عنه؛ لأن النبي ﷺ أقر المرأة على قولها: (إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يثبت على الراحلة)، فدل على أن الشيخ الكبير الطاعن في السن الذي لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أنه لا يلزمه أداء الحج بنفسه، وإنما ينيب من يحج عنه؛ لأن الحج واجب عليه.\nومثل هذا من كان مريضًا مرضًا لا يرجى برؤه، ومعلوم أن الذي لا يمكنه الركوب نادر جدًّا في هذا الزمان، بسبب وجود السيارات والطائرات، لكن لو حصل له مشقة في ركوب هذه الوسائل كأن يصاب بإغماء أو غثيان أو نحو ذلك، فالظاهر أنه ملحق بمن نص عليه الحديث، فلا يلزمه المسير، وله أن ينيب غيره.\nوقد شرط الفقهاء أن يكون الحج عنه من بلده.\nوهذا فيه نظر ظاهر، فإن السفر إلى مكة ليس مقصودًا لذاته، ولو أن رجلًا جاء من الهند إلى مكة للتجارة، ثم بدا له أن يحج فهل يؤمر بالرجوع إلى الهند، ثم يأتي للحج من هناك؟ لا يقول بذلك أحد، فالظاهر أنه لو ناب عنه رجل من الميقات صح؛ بل لو حج عنه من مكة أجزأ؛ لأن الواجب على النائب إنما هو أعمال الحج، وما قبله وسيلة إليه.\nوأما ما استدلوا به من أنه كان يجب على المنوب عنه السعي من بلده إلى الحج وهذا مثله، فهذا استدلال ضعيف، كما قدمنا في المثال، ثم إن هذا مخالف للأدلة الشرعية، فإن النبي ﷺ أجاز النيابة في الحج ولم يشترط","vol":"5","page":174},{"text":"أن يكون من بلده، ولو كان شرطًا لَبَيَّنَه، والفرض في الحج هو الإحرام وما بعده من أفعال، وأما ما قبله فلا دليل على وجوبه (^١).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على جواز حج المرأة عن الرجل ونيابتها عنه في أداء المناسك؛ لأن النبي ﷺ أقرَّ هذه المرأة على أن تحج عن أبيها، وشرط ذلك عند الجمهور أن تحج عن نفسها أولًا، كما سيأتي إن شاء الله.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة لذلك، ولابن منده مصنَّف فيمن أردفهم النبي ﷺ، وقد ذكر ابن علان أن الذين أردفهم النبي ﷺ يزيدون على الأربعين (^٢).\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على مشروعية الاستفتاء والسؤال عن أمور الدين حتى يسلك المسلم طريق الاستقامة، ويسلم من الخطأ في عبادته ومعاملاته، ومن الناس من يؤدي مناسك الحج وهو لا يعلمها، ولا يسأل أهل العلم عنها، فإذا رجع من حجه قال: فعلت كذا، وفعلت كذا، يسأل من يخلصه مما وقع فيه، وهذا من الخطأ البين، ومن عدم تعظيم شعائر الله تعالى.\n\nالوجه السابع: جواز استفتاء المرأة الرجل، وجواز سماع كلامها للحاجة إذا لم يخشَ بذلك فتنة، وتقدم ذلك قبل هذا الحديث.\n\nالوجه الثامن: وجوب العناية بالشباب وإبعادهم عن مواقع الفتنة حتى لا تزل بهم القدم، وأن يوجهوا إلى الخير بالقول والفعل؛ لأن النبي ﷺ صرف وجه الفضل عن النظر إلى هذه المرأة، فهذا من باب الإنكار بالفعل، ولذا قال العيني: إن من فوائد الحديث: (إزالة المنكر باليد) (^٣).\n\nالوجه التاسع: الحديث دليل على تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية التي ليست بذات محرم، ووجوب غض البصر، وليس في الحديث دليل على\n_________\n(^١) انظر: \"فقه الشيخ ابن سعدي\" (٤/ ٧)، \"الشرح الممتع\" (٧/ ٣٩).\n(^٢) \"دليل الفالحين شرح رياض الصالحين\" (١/ ٢٢٩).\n(^٣) \"عمدة القاري\" (٨/ ٤٠٣).","vol":"5","page":175},{"text":"جواز النظر إلى الأجنبية؛ لأن النبي ﷺ لم يقر الفضل على ذلك؛ بل صرف وجهه إلى الشق الآخر.\nوأما الاستدلال به على عدم وجوب الحجاب، وأنه يجوز للمرأة كشف وجهها فليس بمستقيم لأمور ثلاثة:\nالأول: سلمنا أنها كانت كاشفة، وذلك لأنها محرمة، والمشروع في حقها ألا تغطي وجهها إذا لم يكن أحد ينظر إليها من الأجانب (^١)، مع أن مسألة إحرام المرأة في وجهها فيها نظر، والواجب على المرأة ستر وجهها عن الأجانب، سواء أكانت محرمة أم غير محرمة.\nالثاني: أنه ليس في الحديث أنها كانت كاشفة عن وجهها، وإنما فيه النظر، وهو ممكن حتى مع الحجاب، بأن ينظر إلى هيكلها وقوامها وتقاطيع جسمها ونحو ذلك.\nالثالث: يحتمل أن النبي ﷺ أمرها بالحجاب ولم ينقل ذلك؛ لأن عدم نقل أمره لها لا يدل على عدم الأمر؛ إذ عدم النقل ليس نقلًا للعدم، فيبعد كل البعد أن يراها الرسول ﷺ سافرة ويقرها على ذلك ولا يأمرها بالحجاب، والله ﷾ أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٧٠).","vol":"5","page":176},{"text":"<span data-type='title' id=toc-582>حكم الحج عمن نذره ثم مات قبل أدائه</span>\n٧١٦/ ٩ - عن ابن عباس ﵄: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللهَ، فَاللهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «الحج والنذور عن الميت» (١٨٥٢) من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أن امرأة من جهينة) بضم الجيم اسم قبيلة قضاعية قحطانية، منازلها حتى الآن على ساحل البحر الأحمر، وعاصمة قراها: أُملج.\n\nقوله: (نذرت) أي: أوجبت على نفسها أن تحج.\n\nقوله: (اقضوا الله) أي: اقضوا حق الله.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن من نذر أن يحج ثم مات قبل أن يفي بنذره فإنه يشرع لوليه أن يقضيه عنه، فإن كان خلف مالًا وجب قضاؤه من ماله ولو لم يوصِ به؛ لأنه دين على غني قادر فوجب الوفاء به، وإن لم يخلف مالًا فالجمهور على أنه يستحب لوليه قضاؤه، وقالت الظاهرية بالوجوب (^١)\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٨/ ٢٧، ٢٨)، \"فتح الباري\" (١١/ ٥٨٥).","vol":"5","page":177},{"text":"أخذًا بظاهر الأمر في قوله: «حجي عنها»، وقول الجمهور أرجح لأمرين:\nالأول: أنه يلزم من عدم القضاء الإثم، لترك الواجب، وهذا مخالف لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨].\nالثاني: أن الأمر إذا كان جوابًا لسؤال لا يحمل على الوجوب؛ لأن ظاهر قولها: (أفأحج عنها؟) أي: أفيجزئ أن أحج عنها؟ (^١).\nلكن لو قيل بوجوب ذلك على الولد من باب بر الوالدين لكان وجيهًا، فيكون الإيجاب خاصًّا بالولد دون غيره من الأولياء؛ لأن بر الوالدين واجب مطلقًا، سواء كان ذلك في حياتهما أم بعد مماتهما.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على انعقاد النذر في العبادات، وهو إلزام المكلف نفسه شيئًا غير واجب بأصل الشرع، وأنه يجب الوفاء به إذا كان طاعة، لقوله ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (^٢)، وقد أقر النبي ﷺ هذه المرأة على قضاء نذر أمها، وأنه ينفعها ذلك، ولو كان غير واجب، أو لا ينفعها لما أمرها ﷺ بالقضاء، وسيأتي الكلام على النذر وبيان حكمه في «بابه»، إن شاء الله.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على جواز القياس، وأنه أصل من أصول الشريعة؛ لأن فيه التنبيه على قياس دَيْن الله تعالى على دَيْن الخلق، وهذا يدل على أن وفاء الدين المالي عن الميت كان معلومًا عندهم مقررًا، ولهذا حَسُنَ جعله أصلًا يقاس عليه هذا الفرع، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" (١٣/ ٦٥٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٧٠٠).","vol":"5","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-583>ما جاء في أن حج الصغير والرقيق لا يجزئ عن الفريضة</span>\n٧١٧/ ١٠ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ، فَعَلَيْهِ أن يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى». رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلاَّ أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ، وَالمَحْفُوظُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه ابن خزيمة (٤/ ٣٤٩)، والطبراني في «الأوسط» (٣/ ٣٥٣)، والحاكم (١/ ٦٥٥)، والبيهقي (٤/ ٣٢٥)، من طريق محمد بن المنهال، ثنا يزيد بن زريع، ثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ، به.\nقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن شعبة مرفوعًا إلا يزيد، تفرد به محمد بن المنهال»، وقال البيهقي: (تفرد برفعه محمد بن المنهال، عن يزيد بن زريع، عن شعبة، ورواه غيره عن شعبة موقوفًا، وكذا رواه سفيان الثوري، عن الأعمش، موقوفًا، وهو الصواب).\nوقد رواه ابن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، به، موقوفًا (^١). وأبو معاوية - وهو محمد بن خازم الضرير - أوثق الناس في الأعمش.\nفوقفه أرجح؛ لأن سفيان مقدم على شعبة، وكذا أبو معاوية، لكن ورد\n_________\n(^١) \"المصنف\" (٤/ ٤٤٥).","vol":"5","page":179},{"text":"هذا الخبر عند ابن أبي شيبة قال: أنبأنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس ﵄ قال: احفظوا عني، ولا تقولوا: قال ابن عباس … فذكره (^١). وإسناده صحيح، وظاهر هذا - كما قال الحافظ ـ: (أنه أراد أنه مرفوع، فلذا نهاهم عن نسبته إليه) (^٢).\nفهذا يؤيد رواية الرفع، وأبو معاوية من أثبت الناس في الأعمش، كما تقدم، ولا بد أن ينظر إن كان هناك اختلاف على أبي معاوية في اللفظ، فيرجح ما رواه الحفاظ عنه.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على صحة حج الصبي الذي لم يبلغ، ولكن لا يجزئه ذلك عن حجة الإسلام، فإذا بلغ الحنث - وهو الوقت الذي يكلف فيه، ويكتب عليه إثم ذنبه - فعليه أن يؤدي فريضة الحج إذا كان مستطيعًا، وتقدم ذلك. لكن لو بلغ في أثناء الحج بالاحتلام - مثلًا - فإن كان قبل الإحرام، فلا خلاف بين العلماء في وقوع حجته هذه عن حجة الإسلام.\nوإن كان بعد إحرامه فإن كان قبل الوقوف بعرفة أجزأت حجته تلك عن حجة الإسلام على الراجح من أقوال أهل العلم؛ لقوله ﷺ: «الحج عرفة» (^٣)، وكذا لو بلغ ليلة مزدلفة وأمكنه الرجوع إلى عرفة فوقف بها بالغًا صحت فريضته على الراجح من أقوال أهل العلم، وإن كان بلوغه بعد فوات وقت الوقوف لم يجزئه عن الفريضة (^٤).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على صحة حج الرقيق قبل عتقه، ولكن لا يجزئه ذلك عن حجة الإسلام، فإذا عتق فعليه أن يؤدي فريضة الحج إذا كان مستطيعًا، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ص (٤٠٥) الجزء المفرد.\n(^٢) \"التلخيص\" (٢/ ٣٣٤).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩) (٢٩٧٥)، والنسائي (٥/ ٢٥٦)، وابن ماجه (٣٠١٥)، وأحمد (٣١/ ٦٤) من طريق سفيان، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر، مرفوعًا. وقال الترمذي: (حسن صحيح)، قال سفيان بن عيينة: (هذا أجود حديث رواه سفيان الثوري) وقال وكيع: (هذا الحديث أُمُّ المناسك) ذكر هذا الترمذي في \"جامعه\".\n(^٤) انظر: \"المغني\" (٥/ ٤٥).","vol":"5","page":180},{"text":"<span data-type='title' id=toc-584>حكم سفر المرأة بدون محرم</span>\n٧١٨/ ١١ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَخْطُبُ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٌ، وَلَا تُسَافِرُ المَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «انْطَلِقْ، فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «جزاء الصيد»، باب «حج النساء» (١٨٦٢)، ومسلم (١٣٤١) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵄، به.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية التي ليست من محارمه، ولو كانت امرأة الأخ أو امرأة العم أو امرأة الخال، فقد ورد في حديث عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والدخول على النساء»، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ قال: «الحمو الموت» (^١).\nولمسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب قال: سمعت الليث يقول: الحمو: أخو الزوج، وما أشبهه من أقارب الزوج، ابن العم، ونحوه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٣٢)، ومسلم (٢١٧٢).","vol":"5","page":181},{"text":"فالرسول ﷺ شبّه الحمو بالموت؛ لأن الخوف منه أكثر، والشر منه أقرب، لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة بها من غير أن ينكر عليه، بخلاف الأجنبي.\nوعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا لا يبيتنَّ رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحًا أو ذا محرم» (^١). وذِكْرُ الثيب خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له؛ لأنه خص الثيب لكونها التي يُدخل إليها غالبًا، وأما البكر فمصونة ممتنعة عن الرجال، فلم يحتج إلى ذكرها، ولأنه من باب التنبيه؛ لأنه إذا نهي عن الثيب التي يتساهل الناس في الدخول عليها في العادة فالبكر أولى.\nوالمقصود أن الإسلام يحرم الخلوة بالمرأة الأجنبية؛ لأن ذلك من أعظم ذرائع الفتنة، وأسباب الفساد، فإن النفوس ضعيفة، والدوافع قوية، والرجل إذا خلا بأجنبية وليس ثَمَّ مانع، فإن الشيطان له دور فعال في تزيين الجريمة وتحبيب الفاحشة، وقد قال رسول الله ﷺ: «… ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» (^٢).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم سفر المرأة مع غير ذي محرم ولو كان سفر عبادة كالحج، وهذا يدل على أنه لا يجب الحج على المرأة إلا إذا وجد لها محرم، فإن لم يوجد لم يجب عليها الحج؛ لأنها غير مستطيعة، والله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قال الإمام أحمد: (المحرم من السبيل) (^٣).\nوالمحرم: هو زوجها، أو من تحرم عليه على الأبد بنسب كالابن وإن نزل، والأب وإن علا، والأخ مطلقًا، والعم مطلقًا، والخال مطلقًا، وابن الأخ، وابن الأخت، أو بسبب مباح وهو الرضاع، كابنها من الرضاع\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢١٧١)، وسيأتي شرحه -إن شاء الله- في آخر باب (العدة).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢١٦٥)، وأحمد (١/ ٢٦٨) من حديث عمر -﵁-، وهو حديث صحيح [\"الصحيحة\" (٤٣١)].\n(^٣) \"المغني\" (٥/ ٣٠).","vol":"5","page":182},{"text":"وأخيها من الرضاع، والمصاهرة؛ كزوج أمها، ولا يكون محرمًا إلا بالدخول بالأم، وزوج ابنتها وإن نزل، وأبو زوجها وإن علا بمجرد العقد، وابن زوجها، ويكون مَحْرمًا بمجرد العقد.\nولا بد في المحرم أن يكون بالغًا عاقلًا؛ لأن الغرض منه حفظ المرأة، وهذا لا يتم إلا بالبلوغ والعقل.\n\nالوجه الرابع: حديث الباب جاء مطلقًا في قليل السفر وكثيره؛ لقوله: «ولا تسافر إلا مع ذي محرم»، وقد وردت أحاديث مقيدة لهذا الإطلاق، إلا أنها اختلفت ألفاظها، ففي لفظ: «ثلاثة أيام»، وفي لفظ: «مسيرة يوم وليلة»، وفي لفظ: «مسيرة يوم»، وفي لفظ: «مسيرة يومين»، وفي لفظ: «أكثر من ثلاث …».\nوالجواب ما ذكره المحققون من أهل العلم من أنه ليس المراد من التحديد ظاهره؛ بل كل ما يسمّى سفرًا فالمرأة منهية عنه إلا بمحرم، سواء كان بالسيارة أو بالطائرة أو بغير ذلك، وسواء أكانت شابة أم عجوزًا، وسواء أكان برفقتها نساء أم لا، وسواء أكان السفر للحج أم لغيره. وإنما وقع التحديد عن أمر واقع، لاختلاف السائلين، فلا يعمل بمفهومه؛ بل يؤخذ باللفظ المطلق، لأمور ثلاثة:\nالأول: أن الأخذ به أحوط.\nالثاني: أن دلالة المقيد كيومين - مثلًا - على جواز ما لم يدخل تحته كيوم دلالة مفهوم، ودلالة المطلق عليه دلالة منطوق، ودلالة المنطوق أولى.\nالثالث: أن اختلاف التقييد في المقيد دليل على عدم اعتبار القيد.\n\nالوجه الخامس: اشتراط المحرم في سفر المرأة دليل واضح على كمال هذه الشريعة وحرصها على صون الأعراض، ومنع الفساد، والمرأة ضعيفة الدين، ناقصة العقل، لينة العاطفة، قريبة الانخداع، يسهل التأثير عليها واللعب بعقلها، وللمسافر نفسية تقتضيها حال السفر، فقد يوجد في السفر أناس لا يترفعون عن الفاحشة لا سيما مع عدم الرقيب، وضعف الإيمان، والمرأة مظنة الطمع، وقد تتعرض لما يفسد خلقها، ويمس عرضها، فمن ثَمَّ كانت في","vol":"5","page":183},{"text":"ضرورة إلى من يحميها ويصونها حال سفرها من أن يُتعدى عليها أو تفعل ما لا ينبغي، والقول باشتراط المحرم هو قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وآخرين.\nوالقول الثاني: أنه لا يشترط المحرم، وأن المرأة يجب عليها الحج إذا وجدت رفقة من النساء الثقات، وعليهن قيّم مأمون، وهو قول مالك والشافعي وأحمد في رواية عنه وجماعة من السلف، وروي عن الشافعي: تخرج مع ثقة حرة مسلمة، وقال ابن سيرين: تخرج مع رجل من المسلمين لا بأس به، وقال الأوزاعي: تخرج مع قوم عدول (^١).\nواستدلوا بما رواه البخاري تعليقًا أن عمر ﵁ أذن لأزواج النبي ﷺ في آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ﵄ (^٢).\nوروى الطحاوي وابن حزم بسنديهما عن نافع مولى ابن عمر ﵄ قال: كان يسافر مع عبد الله مولياتٌ له، ليس معهن محرم (^٣).\nوسبب الخلاف: معارضة الأمر بالحج والسفر إليه، للنهي عن سفر المرأة إلا مع ذي محرم (^٤).\nوالقول باشتراط المحرم هو الصواب؛ لقوة دليله، ولا سيما في زماننا هذا؛ لما تقدم، قال ابن المنذر: (ظاهر الحديث أولى، ولا يعلم مع هؤلاء حجة توجب ما قالوا) (^٥). وأزواج النبي ﷺ لا يقاس عليهن غيرهن؛ لاعتبارات عديدة.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على أنه ينبغي تقديم الأهم من الأمور المتعارضة؛ لأنه لما تعارض سفر هذا الرجل في الغزو، مع الحج مع امرأته، رُجح الحج معها؛ لأن الغزو يقوم غيره في مقامه عنه، بخلاف الحج معها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الأم\" (٢٩١٣)، \"الإشراف\" (٣/ ١٧٦)، \"بداية المجتهد\" (٢/ ٢٢١)، \"المغني\" (٥/ ٣٠ - ٣١).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (١٨٦٠).\n(^٣) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١١٦)، \"المحلى\" (٧/ ٤٨).\n(^٤) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٢٢١).\n(^٥) \"الإشراف\" (٣/ ١٧٦).","vol":"5","page":184},{"text":"<span data-type='title' id=toc-585>شرط النيابة في الحج</span>\n٧١٩/ ١٢ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟» قَالَ: أَخٌ لِي، أَوْ قَرِيبٌ لِي، قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَقْفُهُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، باب «الرجل يحج عن غيره» (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣)، وابن حبان (٩/ ٢٩٩)، والبيهقي (٤/ ٣٣٦) من طريق عَبْدَةَ بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، به.\nقال البيهقي: (هذا إسناد صحيح، ليس في هذا الباب أصح منه) ورواه البيهقي - أيضًا - (٥/ ١٧٩ - ١٨٠) من طريق عمرو بن الحارث، عن قتادة، عن سعيد، عن ابن عباس موقوفًا، بإسقاط عزرة (^١). وقد أُعِلَّ هذا الحديث بالوقف على ابن عباس ﵄، فقد رجح وقفه الإمام أحمد والطحاوي وابن المنذر، كما نقل الحافظ ذلك عنهم (^٢).\nوقد رواه - أيضًا - الحسن بن صالح بن حَيّ، ومحمد بن جعفر، عن\n_________\n(^١) انظر: \"تحفة الأشراف\" (٤/ ٣٤٠).\n(^٢) انظر: \"شرح العمدة\" لابن تيمية (١/ ٢٨٨، ٢٩١)، \"التلخيص\" (٢/ ٢٣٧).","vol":"5","page":185},{"text":"سعيد بن أبي عروبة، عن ابن عباس موقوفًا، كما عند الدارقطني (٢/ ٢٧١)، كما جاء موقوفًا من طريق أبي قلابة، عن ابن عباس. أخرجه الشافعي (١/ ٢٨٦)، والبيهقي (٤/ ٣٣٧)، وسنده صحيح، وقد جاء الحديث موقوفًا في كتاب «المناسك» لابن أبي عروبة ص (٦٤) وهذا كله يقوي رواية الوقف.\nورجح رواية الرفع: ابن حبان، والبيهقي، وعبد الحق، وابن القطان، والنووي، وابن حجر، وابن باز، وغيرهم.\nوقد تابع عبدة بن سليمان على رفع الحديث محمد بن بشر، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، كما عند الدارقطني (^١).\nوقد أيَّد ابن القطان رفع الحديث بأن الرافعين له ثقات، فلا يضرهم وقف الواقفين، إما لأنهم حفظوا ما لم يحفظ أولئك، وإما لأن الواقفين رووا عن ابن عباس رأيه، والرافعين رووا عنه روايته، والراوي قد يفتي بما يروي (^٢).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن الإنسان لا يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه، وهذا قول الشافعية، والحنابلة. وقد ورد عند ابن ماجه وابن حبان: «فاجعل هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة»، وهذا فيه دليل لما ذكره الفقهاء من أنه إذا حج عن غيره من لم يحج عن نفسه أنه يقع الحج عنه دون الغير، ويرد ما أخذه من مال (^٣).\nوالقول الثاني: أن الحج يقع عن الغير، وهذا قول الحنفية والمالكية (^٤)؛ لأن الحج مما تدخله النيابة، فيجوز أن ينوب عن غيره من لم يُسقِط فرضه عن نفسه، كقضاء الديون وأداء الزكاة قبل أن يؤدي زكاة نفسه، ولأن الشرع شَبَّه النيابة في الحج بقضاء الدَّين، والرجل يجوز أن يقضي دَين غيره قبل دَينه، لكنه يأثم بالتأخير إن كان مستطيعًا.\n_________\n(^١) \"السنن\" (٢/ ٢٧٠).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٤٥٢)، \"نصب الراية\" (٣/ ١٥٥).\n(^٣) \"المغني\" (٥/ ٤٢)، \"المجموع\" (٧/ ١١٧).\n(^٤) انظر: \"المبسوط\" (٤/ ١٥١)، \"التمهيد\" (٩/ ١٣٦)، \"المغني\" (٥/ ٤٢).","vol":"5","page":186},{"text":"وقد استدل القائلون بصحة حج النائب عن غيره إذا لم يحج عن نفسه بحديث ابن عباس ﵄ المتقدم في قصة الخثعمية، وفيه قال: «حُجِّي عَنْه» (^١). وحديث بريدة ﵁: أنَّ امرَأةً سَأَلتْ رَسُول الله ﷺ: أنَّ أُمَّهَا لم تَحُجَّ، فَهَل تَحُجُّ عَنهَا؟ فقال ﷺ: «حُجِّي عَنْهَا» (^٢).\nووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ لم يسأل أحدًا من هؤلاء هل حج عن نفسه أو لا؟ ولا أمر واحدًا منهم أن يحج عن نفسه، والقاعدة في الأصول: أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنَزَّلُ منْزلة العموم في الأقوال، قالوا: وحديث ابن عباس ﵄ مُخْتَلَفٌ في رفعه ووقفه، فلا يصلح حُجَّة في هذا الباب.\nوالذي يظهر - والله أعلم - أنه ليس للإنسان أن يحُجّ عن غيره حتى يَحُجّ عن نفسه، عملًا بحديث ابن عباس ﵄؛ لأنه وإن كان موقوفًا، لكنه قول صحابي، لم يثبت خلافه، ثم هو حديث خاص، وتلك أحاديث عامة، ولا تعارض بين عام وخاص (^٣)، والله أعلم.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب ذكر اسم المحجوج عنه في التلبية، وكذا المُعْتَمَرُ عنه، لإقرار النبي ﷺ الرجل على ذلك، فيقول: لبيك عمرة عن فلان، أو لبيك حجًّا وعمرة، حسب النسك الذي طُلب منه، فإن نسي الاسم لم يضره، وتكفي النية.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على جواز حج الإنسان عن قريبه، سواء أكان حيًّا عاجزًا أم ميّتًا؛ لقوله: (أخ لي أو قريب لي).\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أنه ينبغي للمفتي أن يستفصل في مقام الاحتمال؛ لقوله: «من شبرمة؟»؛ لأنه يحتمل أن يكون هذا الملبي جاهلًا، فيقول: لبيك عن شبرمة، ويقصد نفسه، فلما تبين أن شبرمة رجل آخر بيّن له الحكم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) رواه مسلم (١١٤٩).\n(^٣) انظر: \"مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح\" (٢/ ١٣٩).","vol":"5","page":187},{"text":"الوجه السادس: إذا ناب الإنسان عن غيره في أداء الحج فلا ينبغي أن يكون قصده كسب المال؛ لأن الارتزاق بأعمال البر ليس من شأن الصالحين؛ بل ينبغي أن يكون قصده الإحسان إلى أخيه بإبراء ذمته مع قصد رؤية المشاعر والتعبد فيها، فهذا محسن، والله تعالى يحب المحسنين.\nوما يعطاه من مال فهو له، فينفق منه ما يليق به في أكله وشربه ومركبه، فإن بقي منه شيء أخذه.\nويجب على النائب أن يتقي الله تعالى فيما أُنيب فيه، ويحرص على تكميل النسك، ولا يتساهل في شيء منه؛ لأنه مؤتمن على ذلك، وعليه أن يستفصل من موكله عن نوع النسك الذي سيحرم به، هل هو التمتع أو القران أو الإفراد، وإن شرط أن العمرة له، والحج لموكله ووافقه على ذلك جاز، وما يفعله من المناسك القولية والفعلية فهو لموكله، وما زاد على ذلك من الطاعات؛ كالصلاة والصدقة والتلاوة والذكر والدعاء فهو له، والله أعلم.","vol":"5","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-586>وجوب الحج مرة في العمر</span>\n٧٢٠/ ١٣ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ»، فَقَامَ الأقْرَع بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ، الْحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ.\n٧٢١/ ١٤ - وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.\n\nالكلام عليهما من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، باب «فرض الحج» (١٧٢١)، وابن ماجه (٢٨٨٦)، وأحمد (٥/ ٣٣١) من طريق سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي سنان، عن ابن عباس ﵄: أن الأقرع بن حابس سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ قال: «بل مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع»، هذا لفظ أبي داود، والظاهر أنَّ الحافظَ ساق الحديث بالمعنى.\nوسفيان هو ابن حسين الواسطي، ثقة إلا في روايته عن الزهري، فهو سيء الحفظ (^١)، لكنه لم يتفرد به، فقد أخرجه النسائي (٥/ ١١١) من طريق عبد الجليل بن حميد، عن ابن شهاب، به مرفوعًا، وعبد الجليل لا بأس به. وتابعه - أيضًا - آخرون، لكنهم ليسوا من الحفاظ، فمن نظر إلى مجموع هذه\n_________\n(^١) \"المجروحين\" (١/ ٤٥٤)، \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٩٦).","vol":"5","page":189},{"text":"المتابعات صحح الحديث، كالألباني، وأحمد شاكر (^١).\nوالحديث أصله في «صحيح مسلم» من طريق الربيع بن مسلم القرشي، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا»، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ: «لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم …» الحديث (^٢).\nويبدو أن الحافظ قدم حديث ابن عباس ﵄ لما فيه من زيادة الفائدة في قوله: «فمن زاد فهو تطوع». الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الحج مرة واحدة في العمر على كل مكلف مستطيع، وما زاد على ذلك فهو نافلة، وقد دل قوله: «ولما استطعتم» على أن الحج لو كان كل سنة لحصل للناس من التعب والمشقة الشيء الكثير، وإذا كان هذا متوقعًا في زمان الصدر الأول وما بعده، فكيف الحال في زماننا هذا؟!\nولكن من تيسير الله تعالى ورحمته بعباده ولطفه بهم أن الحج مرة واحدة في العمر، فالحمد لله على ذلك حمدًا كثيرًا.\n_________\n(^١) انظر: \"الإرواء\" (٤/ ١٥٠)، \"صحيح سنن أبي داود\" (١/ ٣٢٤)، \"المسند\" بتحقيق: أحمد شاكر (٢٣٠٤).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١٣٣٧).","vol":"5","page":190},{"text":"<span data-type='title' id=toc-587>باب المواقيت</span>\nالمواقيت: جمع ميقات. والميقات: هو الزمان أو المكان المحدد لفعل العبادة. ومواقيت الحج نوعان:\nالأول: زمانية: وهي أشهر الحج، كما قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أي: وقت الحج أشهر معلومات مشهورات بين الناس، فلا يصح شيء من أعمال الحج إلا فيها، وأوله: الإحرام.\nوقد أجمع العلماء على أن أشهر الحج: شوال وذو القعدة، واختلفوا في ذي الحجة: هل هو بكامله من أشهر الحج؟ أو عشر منه؟ والجمهور على العشر منه.\nالثاني: مكانية، وهي المذكورة في حديث الباب.\nوالمقصود من هذه المواقيت إعلام القاصدين ببدء النسك ووجوب الإحرام منها، تعظيمًا للبيت الحرام، حيث ينطلق الحجاج والمعتمرين من هذه الأماكن معظمين خاضعين خاشعين.\nوفي تحديد المواقيت الزمانية والمكانية من اتفاق المسلمين واتحادهم في العمل ما هو بين ظاهر دال على حكمة الله البالغة في شريعته الكاملة، والله عليم حكيم.","vol":"5","page":191},{"text":"<span data-type='title' id=toc-588>المواقيت التي ثبت تحديدها نصًّا</span>\n٧٢٢/ ١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأهْلِ المَدِينَةِ: ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّامِ: الجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ: قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالْعُمرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع من كتاب «الحج» وأولها: باب «مُهَلِّ أهل مكة للحج والعمرة» (١٥٢٤)، ومسلم (١١٨١) من طريق طاوس، عن ابن عباس ﵄، به.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (وقَّت) أي: جعل ميقاتًا، وفي حديث ابن عمر ﵄ في الصحيحين: «يُهِلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة»؛ أي: يحرم، وهو خبر بمعنى الأمر. وهذه المواقيت حددها النبي ﷺ عام حجة الوداع، وقد ورد في حديث ابن عمر ﵄: أن رجلًا قام في المسجد، فقال: يا رسول الله، من أين تأمرنا أن نُهِلَّ؟ فقال رسول الله ﷺ: «يهلّ أهل المدينة من ذي الحليفة …» الحديث (^١)، قال الحافظ ابن حجر: (يستفاد منه أن السؤال عن مواقيت الحج كان قبل السفر من المدينة) (^٢).\n\nقوله: (ذا الحليفة) بضم الحاء وفتح اللام، تصغير الحلفاء، نبت معروف ينبت في هذا المكان، وهي قرية تعرف الآن بـ (أبيار علي)، قيل: إنها\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٣)، وهو عند مسلم (١١٨٢) ولكن بدون الجملة المذكورة.\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٣٠).","vol":"5","page":192},{"text":"سميت بذلك لوجود بئر فيها، تسميه العامة «بئر علي»، يزعمون أن عليًّا ﵁ قاتل الجن بها، وهذا كذب لا أصل له (^١).\nوهي أبعد المواقيت عن مكة، تبعد عن المدينة حوالي (١١) كيلًا، وعن مكة (٤٢٠) كيلًا تقريبًا، وقد ذكر الفقهاء أنها تبعد عن مكة عشر مراحل، والمرحلة تساوي (٤٠) كيلًا تقريبًا؛ لأن جدة من مكة مرحلتان، وهي (٨٠) كيلًا.\n\nقوله: (ولأهل الشام) هو إقليم معروف، يمتد من شمال نهر الفرات إلى شبه جزيرة سيناء شرقًا وغربًا، ومن شمال صحراء العرب إلى ساحل البحر الأبيض جنوبًا وشمالًا، فيدخل في ذلك سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، ومن جاء على طريق هذه البلاد.\n\nقوله: (الجحفة) قرية قديمة على الطريق بين مكة والمدينة، اجتحفها السيل، وتقع إلى الجنوب الشرقي من رابغ بما يقارب (١٥) كيلًا، وهي خراب الآن، ويُحرم الناس من رابغ، قبلها بمسافة يسيرة، وتبعد رابغ عن مكة (١٨٦) كيلًا تقريبًا، وهي قريبة من الطريق السريع بين مكة والمدينة، وقد بُني أخيرًا مسجد ميقات الجحفة ومرافقه سنة (١٤٠٦ هـ).\n\nقوله: (ولأهل نجد) نجد: إقليم يمتد من العراق إلى الحجاز شرقًا وغربًا، ومن اليمن إلى الشام جنوبًا وشمالًا.\n\nقوله: (قرن المنازل) اسم لجبل أو وادٍ ذي منازل ينسب إليها، ويسمى الآن: السيل الكبير، وهو يتصل بوادي محرم الذي هو أعلى وادي قرن المنازل، والذي يمر به الطريق المسمى: (كرا) المتجه إلى مكة، ويحرم من السيل الكبير حجاج المشرق الذين يسلكون الطريق السريع إلى الطائف، ويبعد السيل الكبير عن مكة (٧٨) كيلًا من بطن الوادي، و(٧٥) من المكان الذي يحرم منه الناس.\n\nقوله: (ولأهل اليمن) بلاد على الساحل الجنوبي من شبه جزيرة العرب، سمي بذلك لأنه عن يمين الكعبة.\n\nقوله: (يلملم) بفتح الياء، اسم جبل من جبال تهامة على ليلتين من مكة، ويسمّى الآن: (السعدية) باسم بئر فيها.\n_________\n(^١) انظر: \"مجموع الفتاوى\" (٢٦/ ٩٩ - ١٠٠)، \"وفاء الوفا\" (٤/ ١١٩٥).","vol":"5","page":193},{"text":"قوله: (هن لهن) أي: هذه المواقيت لهذه البلاد المذكورة، والمراد: أهل البلاد؛ لقوله في رواية: «هن لأهلهن …»، وفي رواية أخرى: «هن لهم».\n\nقوله: (ولمن أتى عليهن من غيرهن) أي: ولمن مرَّ عليهن وليس من أهلهن فإنه يحرم منهن، ولا يكلف الذهاب إلى ميقاته الأصلي، كأن يمر المدني بقرن المنازل.\n\nقوله: (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ) أي: ومن كان منزله دون هذه المواقيت، بأن كان بينها وبين مكة، فميقاته من حيث أنشأ السفر أو أنشأ النية للحج أو العمرة.\n\nقوله: (حتى أهل مكة من مكة) حتى: حرف ابتداء، وأهل مكة: مبتدأ، والخبر محذوف؛ أي: يحرمون، والجار والمجرور متعلق بالخبر، والمراد بأهل مكة: من كان فيها من ساكن وآفاقي.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على ثبوت هذه المواقيت الأربعة المكانية، فلا يحل تجاوزها بدون إحرام لمن يريد الحج أو العمرة؛ لأن ذلك من تعدي حدود الله تعالى، أما الإحرام قبل الوصول إلى الميقات، فقد نقل ابن المنذر الإجماع على صحته، وروي ذلك عن علي وجماعة من الصحابة ﵃، وقال ابن حزم: إنه لا يجوز. وروي عن إسحاق.\nواختلف القائلون بالجواز في الأفضل، وأرجح الأقوال: الإحرام من الميقات، اقتداءً بالنبي ﷺ؛ فإنه لم يحرم من المدينة، وإنما أحرم من ذي الحليفة (^١).\n\nالوجه الرابع: وتحديد هذه المواقيت من معجزات نبوته ﷺ، فإنه حددها قبل إسلام أهلها إشارة إلى أنهم سوف يسلمون ويحجّون ويعتمرون، وهكذا كان، ثم إن تحديدها من رحمة الله تعالى بعباده ويسر شريعته حيث لم يوجد الميقات في مكان واحد يشق على الناس قصده؛ بل جعل لكل أهل جهة ميقات في طريقهم إلى مكة.\n_________\n(^١) \"الإجماع\" ص (٤٥)، \"المحلى\" (٧/ ٦٩)، \"فتح الباري\" (٣/ ٣٨٣)، \"مواقيت الحج والعمرة المكانية\" ص (٣٢).","vol":"5","page":194},{"text":"الوجه الخامس: أن هذه المواقيت لتلك البلاد ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، فلو مرَّ العراقي على ذي الحليفة أحرم منه، أو مر أحد من أهل اليمن بقرن المنازل أحرم منه، ولا يكلف أن يذهب إلى ميقاته، وهذا لا إشكال فيه، وهذا تسهيل آخر.\nلكن الإشكال إذا مرَّ الشامي بذي الحليفة فهل يجب عليه أن يحرم منها أو له أن يؤخر إحرامه إلى الجحفة باعتبار أنها أمامه؟.\nفعند الشافعية والحنابلة يجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة (^١)؛ لأنها ميقاته حيث مرَّ بها، فلم يجز تجاوزه بلا إحرام لمريد النسك، كسائر المواقيت.\nوقالت الحنفية والمالكية: له أن يؤخر إحرامه إلى الجحفة، إلا أن الأفضل أن يُحرم من ذي الحليفة (^٢)، واستدلوا بأن النبي ﷺ وقَّت لأهل الشام الجحفة وهو أحرم من ميقاته، ولأن المقصود عدم تجاوز الميقات بلا إحرام، فإذا أحرم من أي ميقات فقد أدى ما عليه، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣).\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على أن من كان أقرب من المواقيت إلى مكة فميقاته مكانه، مثل أهل الشرائع بالنسبة للسيل الكبير، أو أهل بدر أو مستورة بالنسبة لذي الحليفة، وكذا القرى الواقعة على الطريق السريع بين مكة والمدينة، وهذا تسهيل ثالث في أحكام المواقيت، فلا يلزمه أن يذهب إلى الميقات.\n\nالوجه السابع: الحديث دليل على أن من كان في مكة، فإنه يُحرم منها ولا يخرج إلى الميقات، وظاهر الحديث أنه يحرم منها بالحج والعمرة.\nلكن في حديث عائشة ﵂ ما يدل على أنه يحرم بالعمرة من الحل، فقد قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن أبي بكر: «اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة» (^٤). وفي رواية: «اذهب بأختك فأعمرها من التنعيم»، وحديث عائشة متأخر عن حديث\n_________\n(^١) \"نهاية المحتاج\" (٣/ ٢٥٢)، \"المغني\" (٥/ ٦٤).\n(^٢) \"المبسوط\" (٢/ ١٧٣)، \"حاشية الخرشي\" (٣/ ١٣٧).\n(^٣) \"الاختيارات\" ص (١١٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٧٨٨)، ومسلم (١٢١١).","vol":"5","page":195},{"text":"ابن عمر ﵄؛ لأنه كان في المدينة، وحديث عائشة بعد ذلك في آخر حجة الوداع.\nفهذا يفيد أن المكي يخرج إلى الحل إذا أراد العمرة، ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم، قال ابن قدامة: (لا نعلم في هذا خلافًا) (^١). وقال المحب الطبري الشافعي: (لا أعلم أحدًا جعل مكة ميقاتًا للعمرة في حق المكي، بل عليه أن يخرج من الحرم إلى أدنى الحل) (^٢).\n\nالوجه الثامن: دل مفهوم قوله: «ممن أراد الحج أو العمرة» أن من مرَّ بهذه المواقيت قاصدًا مكة، وهو لا يريد الحج أو العمرة، أنه لا يجب عليه الإحرام، وذلك كمن قصد مكة لحاجة من زيارة قريب أو تجارة أو مكي قدم من سفره، ونحو ذلك، وهذا قول الشافعية (^٣)، ورواية عن الإمام أحمد، قال في «الفروع»: (وهي أظهر) (^٤)، واختاره ابن حزم (^٥).\nوالقول الثاني: يلزمه الإحرام بعمرة، بشرط ألا تكون حاجته متكررة، وهذا قول الحنفية، والمالكية، وبعض الشافعية، ورواية عن أحمد (^٦)، واستدلوا بقول ابن عباس: (لا يدخل أحد مكة إلا محرمًا) (^٧).\nوالقول الأول أرجح؛ لقوة دليله، ولأن الإيجاب من الشارع، ولم يرد إيجاب في مثل هذه الحال، فنستصحب البراءة الأصلية حتى يقوم دليل ينقل عنها، ولأن المرور على الميقات ليس موجبًا للإحرام، وإلا لبينه الرسول ﷺ، ولمّا سئل عن الحج: في كل سنة، أو مرة واحدة؟ قال: «بل مرة واحدة، فما زاد فهو تطوع» (^٨)، ولم يقل: إلا أن تمر بالميقات، فعلم أن المرور بالميقات ليس سببًا للوجوب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٥/ ٥٩).\n(^٢) \"القِرى لقاصد أم القِرى\" ص (٩٩).\n(^٣) \"المجموع\" (١/ ١٧).\n(^٤) (٣/ ٢٨١).\n(^٥) \"المحلى\" (٧/ ٢٦٦).\n(^٦) \"المبسوط\" (٢/ ١٦٧)، \"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ٣٨١)، \"المجموع \" (٧/ ١١)، \"الإنصاف\" (٣/ ٤٢٧ - ٤٢٨).\n(^٧) أخرجه الشافعي (١/ ٣٠٢)، والبيهقي (٥/ ٣٠)، وقد روي مرفوعًا من وجهين ضعيفين، قاله الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٢٦٠).\n(^٨) تقدم تخريجه قريبًا، وهذا لفظ أبي داود.","vol":"5","page":196},{"text":"<span data-type='title' id=toc-589>ما ورد في الميقات ذات عرق</span>\n٧٢٣/ ٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.\n٧٢٤/ ٣ - وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ إِلاَّ أَنَّ رَاوِيَهُ شَكَّ فِي رَفْعِهِ.\n٧٢٥/ ٤ - وَفِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ هُوَ الَّذِي وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ.\n٧٢٦/ ٥ - وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَشْرِقِ: الْعَقِيقَ.\n\nالكلام عليها من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث عائشة ﵂، فقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، بابٌ «في المواقيت» (١٧٣٩)، والنسائي (٥/ ١٢٥) من طريق المعافى بن عمران، عن أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، به.\nقال النووي: (إسناده صحيح) (^١). ونقل ابن العراقي تصحيحه عن الذهبي، وعن والده أنه قال: (إسناده جيد) (^٢). لكن نقل ابن عدي (^٣) عن الإمام أحمد أنه أنكر هذا الحديث، واعتبره من منكرات أفلح بن حميد. وممن أعله الإمام مسلم بأنه روي من طريق مَنْ لا يقبل تفرده. وذكر أن الأحاديث المرفوعة التي فيها توقيت ذات عرق ليس منها واحد يثبت (^٤)، وقال\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٧/ ١٩٤).\n(^٢) \"طرح التثريب\" (٥/ ١٣).\n(^٣) \"الكامل\" (١/ ٤١٧).\n(^٤) \"التمييز\" ص (٢١٤ - ٢١٥).","vol":"5","page":197},{"text":"ابن خزيمة: (قد روي أخبار في ذات عرق أنه ميقات أهل العراق، ولا يثبت عند أهل الحديث شيء منها) (^١).\nفهذا يدل على أن هذا الحديث غير محفوظ، كما قرر كبار الأئمة في هذا الفن. ولو كان النبي ﷺ هو الذي حدد ذات عرق لاشتهر ذلك، كما اشتهر تحديد المواقيت الأخرى. وأيضًا لو وقع تحديدها لما احتاج عمر ﵁ إلى تحديده لأهل العراق، ولا يقال: لعل ذلك من موافقات عمر ﵁؛ لأنه لو وقع تحديدها ما خفي ذلك على أحد من صحابة النبي ﷺ.\nوأما الحديث الثاني: فقد أخرجه مسلم (١١٨٣) من طريق أبي الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يُسأل عن المُهَلِّ؟ فقال: (سمعت (أَحْسَبه رَفَعَ إلى النبي ﷺ) فقال: مُهَلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الأخرى الجحفة، ومهل العراق من ذات عرق …) الحديث.\nلكن شك الراوي - وهو أبو الزبير، كما ذكر القاضي عياض - في هذا الحديث: هل هو مرفوع إلى النبي ﷺ؟ أم موقوف على جابر ﵁؟.\nومعنى (أحسبه): أظنه. وفي رواية: أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يُسأل عن المُهل؟ فقال: سمعت، ثم انتهى، فقال: أراه يعني النبي ﷺ. والمعنى: أنه انتهى عن تمام رفع الحديث. ثم قال: أُراه.\nوقد ورد في ذات عرق عدة أخبار - كما تقدم عن الإمام مسلم وابن خزيمة ـ، والمحفوظ هو الحديث الثالث، وهو ما أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «ذات عرق لأهل المشرق» (١٥٣١) من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: لما فُتِحَ هذان المصران أتوا عمر. فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ حدَّ لأهل نجد قرنًا، وهو جَوْرٌ عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنًا شقَّ علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عرق.\n_________\n(^١) \"صحيح ابن خزيمة\" (٤/ ١٦٠).","vol":"5","page":198},{"text":"وأما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٦)، وأبو داود (١٧٤٠)، والترمذي (٨٣٢) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن جده، به. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن).\nوهذا فيه نظر، فقد أعله الإمام مسلم بأن يزيد بن أبي زياد ممن اتقى الناس حديثه، ومحمد بن علي لا يعلم له سماع من ابن عباس (^١)، ولا أنه لقيه، أو رآه. وقد ذكر البيهقي أن يزيد بن أبي زياد قد تفرد به (^٢).\n\nالوجه الثاني: حديث ابن عمر ﵄ عند البخاري دليل على أن ذات عرق هو ميقات أهل العراق، وهو ميقات خاص بهم غير ميقات أهل نجد، وأن الذي وقَّته لهم هو عمر ﵁ عندما تأسس المصران: البصرة والكوفة، وأخبروه أن الإحرام من ميقات أهل نجد - وهو قرن - فيه مشقة عليهم، لكونه ليس على طريقهم. فقال: (فانظروا حذوها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عرق)، والمعنى: انظروا ما يقابل ميقات نجد من الأرض التي تسلكونها من غير مَيْل فاجعلوه ميقاتًا.\nوذات عِرق: بكسر العين وسكون الراء، سمّي بذلك لعرق فيه؛ أي: جبل صغير. ويسمّى: الضريبة، ويقع عن مكة شرقًا بمسافة (١٠٠) كيل. وهو الآن مهجور لعدم وجود الطريق عليه، وصار الحجاج القادمون من المشرق يسلكون الطريق المؤدي إلى مكة مرورًا بميقات قرن المنازل، وهو السيل الكبير.\nوأما العقيق فهو واد عظيم يقع شرق مكة محاذيًا لذات عرق شرقًا، يبعد عنها (٢٠) كيلًا، وعن مكة (١٢٠) كيلًا.\n\nالوجه الثالث: حديث ابن عمر ﵄ في توقيت عمر ذات عرق لأهل العراق، وقوله: (انظروا حذوها من طريقكم) هو الأصل في مسألة محاذاة\n_________\n(^١) \"التمييز\" ص (٢١٥).\n(^٢) \"معرفة السنن والآثار\" (٧/ ٩٦).","vol":"5","page":199},{"text":"الميقات، ومعناه: أن من سلك طريقًا لا ميقات فيه: برًّا أو بحرًا أو جوًّا، فميقاته إذا حاذى أقرب المواقيت إليه.\nوالمحاذاة لغة: الإزاء والمجاورة، وحاذى الشيء: وازاه وصار بجانبه، والمراد بها هنا: أن تكون مسافة البقعة التي فيها القاصد تساوي مسافة الميقات الأصلي إلى الحرم؛ لأن الإحرام مما يحاذي الميقات بمنزلة الإحرام من نفس الميقات.\nفمن قدم - مثلًا - من الشام ومصر من طريق البحر فإن ميقاتهم الجحفة، فالواجب عليهم أن ينزلوا في أرضها ويحرموا، فإن شق عليهم ذلك فلهم أن يحرموا إذا كان بينهم وبين مكة نفس المسافة التي بين الجحفة ومكة، وهي ما يقارب (١٨٠) كيلًا، وهكذا ..\nوينبغي أن يعلم أن مشروعية المحاذاة مختصة بمن ليس له ولا أمامه ميقات معين، فأما من له ميقات معين، كما لو مر المصري ببدر - مثلًا ـ، وهي تحاذي ذا الحليفة، فليس عليه أن يُحرم منها، بل له التأخير حتى يأتي ميقاته وهو الجحفة، والله أعلم.","vol":"5","page":200},{"text":"<span data-type='title' id=toc-590>باب وجوه الإحرام، وصفته</span>\n٧٢٧/ ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، أو جَمَعَ الحَجَّ وَالْعُمرَةَ فَلَم يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «التمتع والقِران والإفراد بالحج وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي» (١٥٦٢)، ومسلم (١٢١١) (١١٨) من طريق أبي الأسود: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، به.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (وجوه الإحرام) جمع وجه، والمراد بها: أنواع الإحرام الثلاثة الآتية. و(صفته) أي: كيفيته.\n\nقوله: (خرجنا مع رسول الله ﷺ) أي: من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة، بعد صلاة الظهر، كما ثبت في الصحيحين (^١).\n\nقوله: (عام حجة الوداع) سميت بذلك لأن النبي ﷺ ودَّع الناس فيها،\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١٥٤٥)، \"صحيح مسلم\" (١٢١١) (١٢٥).","vol":"5","page":201},{"text":"وقال: «لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا»، وهذه آخر حجة للنبي ﷺ، وكانت سنة عشر من الهجرة (^١)، كما سيأتي - إن شاء الله ـ.\n\nقوله: (فمنا من أهلَّ بعمرة) أصل الإهلال: رفع الصوت، ثم أطلق على الإحرام. فمعنى (أهلّ): أحرم، وذلك لأن المحرم يرفع صوته بالتلبية إذا أحرم.\nوهذا النوع الأول من أنواع النسك، وهو التمتع، ومعناه: أن يحرم من الميقات بالعمرة في أشهر الحج، فيقول: لبيك عمرة، ثم يَحِلُّ منها، ثم يُحرم بالحج في اليوم الثامن.\n\nقوله: (ومنا من أهلَّ بحج وعمرة) هذا النسك الثاني، وهو القِران، وهو أن يحرم بالعمرة والحج معًا من الميقات، فيقول: لبيك عمرة وحجًّا.\n\nقوله: (ومنا من أهلَّ بحج) هذا النسك الثالث وهو الإفراد، وهو أن يحرم بالحج وحده من الميقات، فيقول: لبيك حجًّا.\n\nقوله: (وأهلَّ رسول الله بالحج) أي: أحرم بالحج، وظاهره أن الرسول ﷺ حج مفردًا، وهذا ورد - أيضًا - في حديث جابر ﵁، وحديث ابن عمر ﵄ عند مسلم.\nوهذا يخالف ما ثبت من أنه ﷺ حج قارنًا، حتى قال الإمام أحمد: (ومن يشك في هذا؟)، فلعل قول عائشة ومن وافقها مراد به أنه أهلّ بالحج في أول الأمر، ثم أدخل العمرة على الحج، فصار قارنًا، لكن قد يشكل على ذلك ما ورد في حديث عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ بوادي العقيق يقول: «أتاني الليلة آت من ربي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةٌ في حجة» (^٢).\nفهذا يدل على أنه كان قارنًا من أول الأمر، وفي حديث أنس ﵁ قال: (… ثم أهلّ بحج وعمرة …) (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"حجة الوداع\" لابن كثير ص (٧)، وهو موجود ضمن \"البداية والنهاية\" (٧/ ٤٠٤ إلى نهاية الجزء).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٣٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٥٥١).","vol":"5","page":202},{"text":"فالمسألة لا زالت مشكلة، ولا بد من الجمع، وهو أن كل من رَوَى عنه الإفراد حُمل على ما أهلَّ به في أول الحال، وكل من رَوَى عنه القِران أراد ما استقر عليه أمره، ومما يؤيد القِران أن كل من روى الإفراد اختُلف عليه، فَرَوَى أنه اعتمر مع حجته، بخلاف من رووا عنه القران، ثم إن قوله ﷺ: «لولا أن معي الهدي لأحللت» دليل بيِّن على ذلك.\nوهذا ما اختاره ابن المنذر وابن حزم وابن حجر، وقال: (هذا هو الجمع المعتمد) (^١)، والأحاديث الصحيحة الدالة على أنه ﷺ كان قارنًا تزيد على عشرين حديثًا، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، وتبعه ابن القيم، أن من روى الإفراد قد روى أنه ﷺ حج تمتعًا وقِرَانًا، فيتعين الحمل على القران، وأنه أفرد أعمال الحج وحده، ولم يفرد للعمرة أعمالًا.\nأما من روى عنه التمتع، كما في حديث ابن عمر (تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج …) (^٢)، فمعناه: أتى بهما في سفر واحد حيث قرن بينهما؛ لأنه لم يتحلل بينهما قطعًا، وهذا يدل على أن القِران بين العمرة والحج يسمّى: تمتعًا (^٣).\n\nقوله: (وأما مَن أهلَّ بحج، أو جمع الحجَّ والعمرةَ … إلخ) هذا القدر من الحديث فيه اختصار من بعض الرواة؛ لأنه ثبت عنها في «الصحيحين» التفصيل بذكر الهدي، وأن الذين ساقوا الهدي لم يَحِلُّوا حتى كان يوم النحر، وأما الذين لم يسوقوا هديًا فإنهم حلوا عند قدومهم حيث جعلوها عمرة، ولا أدري كيف ساق الحافظ هذه الرواية المختصرة وترك ما هو أوضح منها؟!\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الأنساك الثلاثة - التمتع والقِران والإفراد ـ. وقد نقل ابن عبد البر وابن قدامة وغيرهما إجماع أهل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٢٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦٩١)، ومسلم (١٢٢٧).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٦/ ٦٦ - ٧٤) وفي مواضع أخرى، \"زاد المعاد\" (٢/ ١٢٠ - ١٢٢).","vol":"5","page":203},{"text":"العلم على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء، وإنما الخلاف في الأفضل (^١)، لكن نقل الإجماع في ذلك فيه نظر، فإنه قد ثبت عن ابن عباس وطائفة من السلف وجوب التمتع في حق من لم يسق الهدي، كما سيأتي (^٢)، وقد أحرم بهذه الأنساك الصحابة ﵃ بصحبة النبي ﷺ في حجته، فأحرمت كل طائفة بنسك منها، وهذا كان في أول الأمر، ثم لما قدم النبي ﷺ مكة قال للناس: «من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج …» (^٣).\nفهذا يدل على أن من أحرم بالحج من مفرد وقارن أنه يشرع له فسخ إحرامه إلى عمرة إذا لم يسق الهدي، ليصير متمتعًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (لم يختلف أحد من أهل العلم أن النبي ﷺ أمر أصحابه إذا طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة، وهذا مما تواترت به الأحاديث) (^٤)، وهذا محمول على الاستحباب، كما هو مذهب الإمام أحمد، وهو قول الحسن ومجاهد وداود، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥)، وذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوب الفسخ أخذًا بظاهر الأمر، وهو قول ابن عباس ﵄، واختاره ابن حزم، ونصره ابن القيم (^٦).\nوأفضل الأنساك هو التمتع في حق من لم يسق الهدي، أو يقال: بوجوبه، كما تقدم، أما من ساق الهدي فالقران في حقه أفضل؛ لأنه نسك النبي ﷺ، وما كان الله تعالى ليختار لنبيه ﷺ إلا الأفضل والأكمل.\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٨/ ٢٠٥)، \"المغنى\" (٥/ ٨٢).\n(^٢) انظر: \"الفتاوى\" (٢٦/ ٩٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٦٩١)، ومسلم (١٢٢٧) من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -.\n(^٤) \"الفتاوى\" (٢٦/ ٦١ - ٦٢).\n(^٥) \"المغني\" (٥/ ٢٥٢)، \"الفتاوى\" (٢٦/ ٥١ - ٥٢).\n(^٦) \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (٨/ ٢٢٩ - ٢٣٠)، \"المحلى\" (١٣/ ١٧ - ١١٤، ١٢٠)، \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٨٥).","vol":"5","page":204},{"text":"وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن النبي ﷺ لم يقل: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» لأجل أن الذي فعله مفضول، ففعله هو الأفضل، وإنما أراد تطييب قلوب أصحابه لما شَقَّ عليهم أن يحلوا من إحرامهم، وفي هذا تأليف للقلوب، فجمع الله له الأجرين: أجر فعل الأفضل، وأجر ما اختار من موافقتهم على ما أمرهم به لولا سوق الهدي، وذلك لأن في سوق الهدي من تعظيم شعائر الله ما ليس في التمتع والتحلل والإحرام ثانيًا، فيكون القارن الذي ساق الهدي أفضل من المتمتع الذي لم يسق الهدي (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٦/ ٨٩ - ٩٢).","vol":"5","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-591>باب الإحرام وما يتعلق به</span>\nالإحرام لغة: الدخول في التحريم، كأن المحرم يحرِّم على نفسه النكاح والطِّيب وأشياء من اللباس، كما يقال: أشتى: إذا دخل في الشتاء، وأربع: إذا دخل في الربيع، وأنجد: إذا دخل نجدًا.\nوشرعًا: نية الدخول في حجة، أو عمرة، أو هما معًا.\nوليس الإحرام هو لبس ثياب الإحرام، وإنما لبسهما تَهيُّؤٌ للإحرام الذي لا ينعقد إلا بالنية. وسمّي الدخول في النسك إحرامًا، لما تقدم.\nوالمشروع للمحرم أن يتلفظ بالنسك، فيقول: لبيك عمرة - مثلًا ـ، فإذا لبى قاصدًا للإحرام انعقد إحرامه.\nوأما التلفظ بالنية فهذا بدعة؛ لأن النبي ﷺ لم يشرع للمسلمين شيئًا من ذلك، ومنه قول كثير من الناس: (اللهم إني نويت الإحرام بالعمرة - مثلًا - فيسِّرها لي، وتقبَّلها مني إنك أنت السميع العليم).\nوهذا يذكره بعض الفقهاء، وهو استحسان من قائله؛ لأنه لم يثبت عنه ﷺ دعاء في هذا الموقف، فيكون من البدع، والواجب على المسلم الاتباع لا الابتداع، وذلك بمعرفة أحكام النسك، وصفة أدائه، ليعبد ربه على بصيرة، ويحقق متابعة النبي ﷺ وقد قال: «لتأخذوا مناسككم» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢٩٧).","vol":"5","page":206},{"text":"<span data-type='title' id=toc-592>موضع إهلال النبي - ﷺ </span>-\n٧٢٨/ ١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «الإهلال عند مسجد ذي الحليفة» (١٥٤١)، ومسلم (١١٨٦) من طريق موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله: أنه سمع أباه ﵁ يقول: بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله ﷺ فيها، ما أَهَلَّ رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد. يعني: ذا الحليفة.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن موضع إهلال النبي ﷺ من عند مسجد ذي الحليفة؛ لأن ابن عمر ﵄ قال ذلك ردًّا على من قال: إنه ﷺ أحرم من البيداء.\nوالبيداء: هي المفازة. والمراد بها هنا: أرض ملساء أمام ذي الحليفة في طريق مكة.\nوقد جاء في حديث ابن عمر ﵄ قال: أهلَّ النبي ﷺ حين استوت به راحلته قائمة (^١).\nولا منافاة بين هذا وما قبله - كما يقول ابن كثير - فإن الإحرام كان من عند المسجد، ولكن بعدما ركب راحلته (^٢). وهذا هو الأفضل أن يكون\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٥٢)، ومسلم (١١٨٧).\n(^٢) \"حجة الوداع\" ص (٢٦).","vol":"5","page":207},{"text":"إحرامه وتلبيته بعد ركوب الدابة أو السيارة، حتى يفرغ من شؤونه في الأرض من اغتسال وطيب ونحو ذلك، ويكون قد تهيَّأ بذلك التهيؤ الكامل، بخلاف ما إذا أحرم في الأرض فقد ينسى شيئًا.\nولو أهلَّ الإنسان عند المسجد أو بعد ركوب سيارته، أو من البيداء - إذا كان من عند ذي الحليفة - فكل ذلك جائز، وإنما الكلام في الأفضل، والله تعالى أعلم.","vol":"5","page":208},{"text":"<span data-type='title' id=toc-593>مشروعية رفع الصوت بالتلبية</span>\n٧٢٩/ ٢ - عَنْ خَلاَّدِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبيهِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْواتَهُمْ بِالإهْلَالِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو خلاد بن السائب بن خلاد، روى عن أبيه، وزيد بن خالد الجهني، وروى عنه ابنه خالد، وعبد الملك بن أبي بكر وغيرهما، وقد اختُلف في صحبته، حتى إن ابن حبان ذكره مرة في الصحابة، ومرة في التابعين، قال الحافظ في «التقريب»: (ثقة، من الثالثة، ووهم من زعم أنه صحابي).\nوأما أبوه فهو السائب بن خلاد بن سويد الأنصاري الخزرجي، ذُكر أنه شهد بدرًا، وولي لمعاوية اليمن، أحاديثه في السنن، وهي قليلة، مات سنة إحدى وسبعين ﵁ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، باب «كيف التلبية» (١٨١٤)، والترمذي (٨٢٩)، والنسائي (٥/ ١٦٢)، وابن ماجه (٢٩٢٢)، وأحمد (٢٧/ ٨٩ - ٩٠)، وابن حبان (٣٧٩١) من طريق عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث، عن خلاد بن السائب، عن أبيه.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٤/ ١١٠)، \"الإصابة\" (٤/ ١٠٩ - ١١٠)، \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ١٤٨).","vol":"5","page":209},{"text":"وقد رواه عن عبد الله بن أبي بكر: مالك، وسفيان بن عيينة. وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وصححه ابن حبان.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية رفع الصوت بالتلبية، والجمهور على أن الأمر في الحديث للاستحباب، وجعلوا القرينة الصارفة عن الوجوب هي المشقة، فإنه يشق على كل حاج أو معتمر أن يرفع صوته بالتلبية.\nوقالت الظاهرية بوجوب ذلك، أخذًا بظاهر الأمر. قال ابن حزم: (ويرفع الرجل والمرأة صوتهما بها ولا بد، وهو فرض ولو مرة) (^١).\n\nالوجه الرابع: دلَّ قوله: «أن آمر أصحابي» على أن رفع الصوت بالتلبية مختص بالرجال دون النساء، فالمرأة يسن لها خفض صوتها بالتلبية، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم؛ بل حكى الإجماع على ذلك ابن المنذر وابن عبد البر (^٢).\nوذهب ابن حزم إلى أنه يجب على المرأة رفع صوتها بالتلبية ولو مرة واحدة - كما تقدم ـ، مستدلاًّ بما رواه ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: خرج معاوية ليلة النفر، فسمع صوت تلبية، فقال: من هذا؟ قالوا: عائشة اعتمرت من التنعيم، فذُكِرَ ذلك لعائشة، فقالت: (لو سألني لأخبرته) (^٣).\nوقول الجمهور أرجح؛ لأن نصوص الشريعة دلت على أن المرأة لا ترفع صوتها بحضرة الأجانب في العبادة: كالصلاة، وقراءة القرآن؛ لأن صوتها فتنة، وقد جاء في «الصحيحين» من حديث سهل بن سعد وغيره: «التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء».\nثم إن في رفع المرأة صوتها بالتلبية مفسدة أعظم من الأجر الحاصل\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٧/ ٩٣).\n(^٢) \"التمهيد\" (١٧/ ٢٤٢).\n(^٣) \"المصنف\" ص (٣٦٨) [الجزء المفرد] وسنده صحيح؛ بل قال بدر الدين العيني: (سند كالشمس) [\"عمدة القاري\" (٧/ ٤٤٤)].","vol":"5","page":210},{"text":"برفع الصوت، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأما ما ورد عن عائشة ﵂ فهو محمول على ما إذا أُمنت الفتنة، كما لو كانت المرأة طاعنة في السن، أو لم يكن معها في السيارة - مثلًا - إلا زوجها أو ابنها أو غيرهما من محارمها، لأمن الفتنة في مثل هذه الأحوال، والله تعالى أعلم.","vol":"5","page":211},{"text":"<span data-type='title' id=toc-594>مشروعية الغسل عند الإحرام</span>\n٧٣٠/ ٣ - عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لإهْلَالِهِ واغْتَسَلَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الترمذي في أبواب «المناسك»، باب «ما جاء في الاغتسال عند الإحرام» (٨٣٠) من طريق عبد الله بن يعقوب المدني، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، به. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب).\nوهذا الحديث ضعفه العقيلي، فإنه لما رواه من طريق أبي غَزِيَّة محمد بن موسى، عن ابن أبي الزناد. قال عن ابن غزية: (قاضي عنده مناكير، ولا يتابع عليه إلا من طريق فيها ضعف» (^١). وقد أُعِلَّ سند الترمذي بأنه من رواية عبد الله المدني، وقد قال عنه ابن القطان: (لا يعرف) (^٢). وقال عنه الحافظ في «التقريب»: (مجهول الحال). وأُعل - أيضًا - بابن أبي الزناد، واسمه عبد الرحمن، فقد ضعفه ابن معين في رواية، وقال النسائي: (لا يحتج بحديثه) (^٣)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق، تغير حفظه لما قدم بغداد). وقد ورد في مشروعية الغسل أدلة أخرى غير هذا الحديث، كما سيأتي.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية التجرد من الملابس عند الإحرام ليلبس المحرم الإزار والرداء، وهذا في حق الرجال.\n_________\n(^١) \"الضعفاء\" (٤/ ١٣٨)، وقوله: (قاضي) هكذا في المطبوع.\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٤٤٩).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٥٧).","vol":"5","page":212},{"text":"الوجه الثالث: استدل الفقهاء بهذا الحديث على مشروعية الاغتسال عند الإحرام، لما فيه من النظافة وتنشيط البدن.\nويستحب أن يأخذ من شعره وأظفاره، ما يحتاج إلى أخذ، وليس هذا من خصائص الإحرام، ولكنه مطلوب عند الحاجة.\nوقد ذهب الجمهور إلى أن الغسل مستحب لكل من أراد الإحرام ولو كانت حائضًا أو نفساء (^١)، لحديث جابر - الآتي - وفيه: حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي، واستثفري بثوب، وأحرمي …». ووجه الاستدلال: أنه إذا كانت النفساء مأمورة بالغسل، وهي لا تستبيح به صلاة ولا غيرها؛ لأنها غير قابلة للطهارة، فالمحرم القابل للطهارة من باب أولى.\nوأخذ ابن حزم من ظاهر هذا الأمر وجوب الغسل على النفساء وحدها دون غيرها (^٢)، ولهذا فهو لا يقول بوجوبه على الحائض ولا على غيرهما. والحق هو قول الجمهور، وهو استحباب الغسل مطلقًا على الرجال والنساء، لعدم الدليل على الإيجاب. وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن الإحرام جائز بغير اغتسال (^٣).\nوعن ابن عمر ﵄ قال: (من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم، وإذا أراد أن يدخل مكة) (^٤). وقول الصحابي: (من السنة كذا) المراد به: سنة رسول الله ﷺ، كما في علوم الحديث.\nفإن لم يغتسل توضأ، فإن لم يجد ماء، أو كان الوقت شتاء والجو بارد، فالمشهور من مذهب الحنابلة أنه لا يسن له أن يتيمم، لأن الغسل\n_________\n(^١) \"المغني\" (٥/ ٧٥).\n(^٢) \"المحلى\" (٧/ ٨٢).\n(^٣) \"الإجماع\" ص (٥٥).\n(^٤) أخرجه البزار (١/ ٤٤٤ مختصر زوائده)، وقال الحافظ في تعليقه عليه: (إسناده صحيح)، والدارقطني (٢/ ٢٢٠)، والحاكم (١/ ٦١٥)، والبيهقي (٥/ ٣٣).","vol":"5","page":213},{"text":"يراد للتنظيف وقطع الرائحة، والتيمم لا يحصِّل هذا؛ بل يزيد شعثًا وتغبيرًا.\nوقال القاضي أبو يعلى: يتيمم؛ لأنه غسل مشروع، فناب عنه التيمم (^١). والقول الأول هو الصواب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" (٥/ ٧٦)، \"مفيد الأنام\" (١/ ٩٢ - ٩٣).","vol":"5","page":214},{"text":"<span data-type='title' id=toc-595>ما يحرم على المحرم لبسه</span>\n٧٣١/ ٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: «لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلاَّ أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَينِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «ما يلبس المحرم من الثياب» (١٥٤٢)، ومسلم (١١٧٧) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، به.\nوفي رواية للبخاري (١٨٣٨): «ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين»، وكان الأولى بالحافظ أن يذكرها على عادته بذكر الروايات، كما فعل المقدسي في «العمدة» وابن دقيق العيد، وابن عبد الهادي، لأن فيها بيانًا لما تجتنبه المرأة، كما سيأتي إن شاء الله، لكن للعلماء كلام في رفع هذه الزيادة ووقفها (^١)، وقد يكون هذا من أسباب ترك الحافظ لها.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أن رسول الله ﷺ سئل) كان ذلك في المدينة، والنبي ﷺ\n_________\n(^١) انظر: \"هداية السالك\" لابن جماعة (٢/ ٧١٤)، \"فتح الباري\" (٤/ ٥٣).","vol":"5","page":215},{"text":"يخطب الناس، والظاهر أنه قرب سفره للحج، كما ذكر الحافظ.\n\nقوله: (ما يلبس المحرم) أي: العاقد للإحرام بحج أو عمرة، والمراد: الرجل بالإجماع، لما ورد في بعض الروايات: «إلا أن يكون رجل ليس له نعلان».\n\nقوله: (فقال: «لا تلبسوا …») كان السؤال: عما يجوز للمحرم لبسه من الثياب، فأجابه النبي ﷺ ببيان ما لا يلبس؛ لأنه أقل وأحصر، وفيه بيان أن كل ما عدا هذه المذكورات وما يشابهها فإنه يلبسه المحرم، وهذا من جوامع الكلم، وبلاغة النبي ﷺ، وحسن جوابه.\n\nقوله: (القمص) بالضم، جمع قميص، هو الثوب ذو الأكمام.\n\nقوله: (ولا العمائم) جمع عمامة، وهي ما يلف على الرأس.\n\nقوله: (ولا السراويلات) جمع سراويل، وهو المئزر ذو الأكمام.\n\nقوله: (ولا البرانس) جمع برنس، وهو الثوب الشامل للرأس والبدن.\n\nقوله: (ولا الخفاف) جمع خف، وهو ما يلبس على القدم ساترًا لها من جلد.\n\nقوله: (إلا أحد) بالرفع بدل من الفاعل في قوله: «لا تلبسوا».\n\nقوله: (لا يجد النعلين) تثنية نعل، وهو ما يلبس على القدم للوقاية من الأرض من غير ستر للقدم.\n\nقوله: (فليلبس الخفين) اللام للأمر، وهو للإباحة؛ لأنه لرفع المنع.\n\nقوله: (وليقطعهما أسفل من الكعبين) أي: وليقطع الخفين حتى يكونا أنزل من الكعبين، ليقربا بذلك من مشاكلة النعلين.\n\nقوله: (ولا الورس) هو نبت طيب الرائحة، لونه أحمر.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن المحرم ممنوع من لبس خمسة أنواع، وهي:\n١ - القميص: ويلحق به ما يشابهه، مثل: الكوت، والفنيلة، والقباء: وهو ثوب يلبس فوق القميص مفتوح من الأمام.","vol":"5","page":216},{"text":"٢ - العمامة: ويقاس عليها الطاقية وما في معناها.\n٣ - السراويلات: ويقاس عليها التبان: وهو السراويل القصير.\n٤ - البرنس: ويلحق به العباءة.\n٥ - الخفاف: ويقاس عليها الجوارب، جمع جورب، وهو ما يلبس من القماش ونحوه بالقدمين إلى ما فوق الكعبين (^١).\nوهذه الأنواع الخمسة مختصة بالذكور بإجماع أهل العلم. والحكمة من منع المحرم من لبس هذه الأنواع ليبتعد عن الترف باللباس المعتاد، ويظهر بمظهر الخاشع الزاهد، وليتساوى المحرمون في اللباس، فلا يبقى بينهم موضع للتباهي والتكاثر، وليتذكر المحرم كلما لمح الإزار والرداء أنه في نسك وعبادة عظيمة، فيقبل على ربه ويكثر من ذكره، ويبتعد عن معصيته، إلى غير ذلك من الحِكم والأسرار.\nوضابط ما تقدم أن كل ما خيط على قدر البدن أو على جزء منه، أو عضو من أعضائه فالمحرم ممنوع منه.\nوقد عبر الفقهاء - ﵏ - عن هذه الأشياء بـ (المخيط) (^٢)، فإذا عدَّدوا محظورات الإحرام ذكروا منها: اجتناب المخيط، وهذا لم يرد في السنة، وإنما جرى على لسان بعض التابعين، وقد نسب هذا إلى إبراهيم النخعي (^٣)، وهو مات أوائل سنة ست وتسعين، ثم وجدت في «المبسوط» (^٤) للسرخسي: أن زُفَرَ بن الهذيل عبر بذلك، وهو من أصحاب أبي حنيفة، مات سنة (١٥٨).\nوقد كثر استعمال هذا اللفظ، فظن كثير من الناس أن المقصود به كل ما فيه خيط، وفهموا أنه لا يجوز لبس الرداء الموصَّل لقصره أو لضيقه، أو ما خيط لشق فيه، وكذا الأحزمة والأحذية التي فيها خيوط، وهذا غير صحيح؛\n_________\n(^١) \"معجم لغة الفقهاء\" ص (١٦٩).\n(^٢) وبعضهم يعبر بـ (المحيط) بالحاء المهملة. انظر: \"مغني المحتاج\" (١/ ٤٨٠)، \"الفواكه الدواني\" (١/ ٤١٢).\n(^٣) ذكره ابن عثيمين ﵀ في \"الشرح الممتع\" (٧/ ١٤٧).\n(^٤) (٤/ ١٣٨).","vol":"5","page":217},{"text":"بل المراد ما تقدم، ولو اقتصر الفقهاء على ما ورد في السنة وألحق به ما أشبهه لكان أوضح، وأبعد عن الإيهام.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على منع المحرم من الثياب المطيبة بزعفران أو ورس، ويقاس عليهما أنواع الطيب، وإلا فإن الورس ليس بطيب، وهذا عام للذكور والإناث، قال ابن العربي: (ليس الورس بطيب، ولكنه نبه به على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملاءمة الشم ..) (^١).\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على جواز لبس الخفين لعادم النعلين، إذا قطعهما من أسفل الكعبين، ولكن الأمر بالقطع منسوخ، والناسخ حديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يخطب بعرفات: «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس السراويل» (^٢).\nفهذا ناسخ لما في حديث ابن عمر ﵄؛ لأنه وقع في جمع عظيم لعل أكثرهم أو الكثير منهم لم يسمع حديث ابن عمر، ولا يقال: إن حديث ابن عباس مقيد بحديث ابن عمر؛ لأن الإطلاق وقع في عرفة، وهم في أمسِّ الحاجة إلى البيان، فلو قيل بالحمل لكان في ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو لا يجوز (^٣).\n\nالوجه السادس: دلت رواية البخاري التي ذكرنا على أن المرأة تحرم بما شاءت من الثياب من غير تقييد بلون معين، بشرط ألا تكون ملابس زينة تجلب النظر، والأفضل لها أن تحرم بشُرَّاب الرِّجلين؛ لأنه أستر لها، وتمتنع من شيئين:\nالأول: النقاب: وهو ما يُنقب فيه للعينين.\nالثاني: القفاز: وهو غلاف ذو أصابع تدخل فيه الكف.\n\nالوجه السابع: جاء في حديث ابن عباس ﵄ قال: خطبنا النبي ﷺ بعرفات فقال: «من لم يجد إزارًا فليلبس السراويل ..» (^٤)، وعنه - أيضًا - في\n_________\n(^١) \"عارضة الأحوذي\" (٤/ ٥٤)، \"فتح الباري\" (٣/ ٤٠٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٤٣)، ومسلم (١١٧٨).\n(^٣) انظر: \"بدائع الفوائد\" (٣/ ١٢٤٤)، \"القواعد الأصولية\" لابن اللحام ص (٢٨٤).\n(^٤) تقدم تخريجه.","vol":"5","page":218},{"text":"صفة إحرام النبي ﷺ: (ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه) (^١)، واستدل الفقهاء بذلك على أن السنة الإحرامُ في إزار ورداء، والإزار: ما يُشدُّ على الوسط من السرة فما دون، لستر العورة، والرداء: ما يوضع على الكتف.\nوقد نصَّ علماء اللغة على أن الإزار غير مخيط، وليس له حُجزة، فإن خيط وصنع له حُجزة، خرج عن كونه إزارًا، وسُمي نُقْبة، وهو خِرقة أعلاها كالسراويل، وأسفلها كالإزار.\nقال أبو عبيد: (النُّقْبَةُ: أن تؤخذ القطعة من الثوب قدر السراويل، فتجعل لها حُجْزة مخيطة من غير نَيفَقٍ (^٢)، وتُشَدُّ كما تُشَدُّ حجزة السراويل، فإن كان لها نَيفَقٌ وساقان فهي سراويل …) (^٣).\nوعلى هذا فما ظهر في الأسواق - في زماننا هذا - من لباس الإحرام المخيط ليس هو الإزار الذي يُسن الإحرام به، وإنما هو نقبة (^٤)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٥٤٥).\n(^٢) الحُجزة: هي مجمع السراويل، والنَّيفق: هو الموضع المتسع من السراويل. \"اللسان\" (٥/ ٣٣٢)، (١٠/ ٣٦٠).\n(^٣) \"غريب الحديث\" (٤/ ١٥٦)، وانظر: \"أساس البلاغة\" ص (٤٦٩)، \"النهاية\" (٥/ ١٠٢)، \"الإحرام بالإزار المخيط\" للشيخ إبراهيم الصبيحي.\n(^٤) أفتى الشيخ محمد العثيمين ﵀ بجواز لبسه، انظر: \"الشرح الممتع\" (٧/ ١٥٢).","vol":"5","page":219},{"text":"<span data-type='title' id=toc-596>استحباب الطيب عند الإحرام</span>\n٧٣٢/ ٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لإحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطوفَ بِالْبَيْتِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «الطيب عند الإحرام» (١٥٣٩)، ومسلم (١١٨٩) (٣٣) من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها قالت … فذكرته.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب الطيب عند الإحرام، ليبقى أثره أثناء إحرامه، وهذا عام للذكر والأنثى، إلا أن طيب المرأة ما ظهر لونه، وخفي ريحه.\nولا يضر استدامة الطيب بعد الإحرام ولو سال على البدن أو الملابس، لما ورد عن عائشة ﵂ قالت: (كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم) (^١)، والوبيص: البريق واللمعان.\nوعنها - أيضًا - ﵂ قالت: (كنا نخرج مع النبي ﷺ إلى مكة، فنضمِّد جباهنا بالسُّكِّ (^٢) المطيب عند الإحرام، فإذا عَرِقَتْ إحدانا سال على وجهها، فيراه النبي ﷺ فلا ينهاها) (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٣٨)، ومسلم (١١٩٠).\n(^٢) السُّك -بضم السين، وتشديد الكاف-: نوع من الطيب مخلوط بغيره. انظر: \"ترتيب القاموس\" (٢/ ٥٨٧).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٨٣٠). وقد صححه الألباني [\"صحيح سنن أبي داود\" ١/ ٣٤٤].","vol":"5","page":220},{"text":"الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب الطيب بعد التحلل الأول وقبل الطواف بالبيت، ويستفاد من ذلك استحباب التجمل والتطيب عند الذهاب إلى العبادات في المساجد، ولا سيما المجامع الكبيرة، قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، والله تعالى أعلم.","vol":"5","page":221},{"text":"<span data-type='title' id=toc-597>حكم نكاح المحرم وخطبته</span>\n٧٣٣/ ٦ - عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «النكاح»، باب «تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته» (١٤٠٩) من طريق نبيه بن وهب: أن عمر بن عبيد أراد أن يزوج طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير، فأرسل إلى أبان بن عثمان يحضر ذلك، وهو أمير الحج، فقال أبان: سمعت عثمان بن عفان ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ … وذكر الحديث.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن المحرم منهي أن يَنكح - بفتح الياء؛ أي: يتزوج ـ، أو يُنكح - بضم الياء، أي: يعقد النكاح لغيره ـ، أو يخطب - بضم الطاء، من الخِطبة بكسرها ـ، أي: يطلب زواج المرأة من نفسها أو من أهلها.\nوقد جاء الحديث بلفظ النفي، وهو بمعنى النهي، فيقتضي فساد العقد، وهذا مذهب الجمهور (^١)، والحكمة من هذا النهي هي إبعاد المحرم عن الترفه وشهوات الدنيا، ولأن الخِطبة وسيلة إلى الجماع المحرم حال الإحرام؛ لأن عادة المتزوج أن يكون شديد التوقان إلى الجماع، فقد لا يصبر فيقع في أعظم محظور من محظورات الإحرام، وهذا شاهد لمسألة سد الذرائع الموصلة إلى الحرام.\n_________\n(^١) انظر: \"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ٣٩٠)، المغني (٥/ ١٦٢)، \"المجموع\" (٧/ ٢٨٣).","vol":"5","page":222},{"text":"الوجه الثالث: ورد في حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم (^١)، وقد استدل بهذا من قال: يجوز للمحرم أن يتزوج أو يزوِّج، وهو قول ابن عباس ﵄، وجماعة من السلف (^٢)، وهو مذهب الحنفية (^٣). وقد أخذ الجمهور من أهل العلم بحديث الباب، وبما ورد عن ميمونة ﵂: أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال (^٤).\nومما يؤيد ذلك أن ميمونة صاحبة القصة، ولا شك أن صاحب القصة أدرى بما جرى له في نفسه من غيره، ومن قواعد الترجيح أن خبر صاحب الواقعة مقدم على خبر غيره؛ لأنه أعرف بالحال.\nومما يؤيد ذلك - أيضًا - أن ابن عباس كان صغيرًا وقت التحمّل، وقد لا يعرف حقائق الأمور، ولا يقف عليها (^٥)، ولهذا قال سعيد بن المسيب: (وَهِمَ ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم) (^٦)، وبنحو هذا قال الإمام أحمد (^٧). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٣٧)، ومسلم (١٤١٠).\n(^٢) انظر: \"المحلى\" (٧/ ١٩٨).\n(^٣) انظر: \"فتاوى قاضي خان\" (١/ ٣١٤).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٤١١).\n(^٥) انظر: \"شرح العمدة\" لابن تيمية (٢/ ١٩٤).\n(^٦) رواه أبو داود (١٨٤٥).\n(^٧) انظر: \"شرح العمدة\" (٢/ ١٩٥).","vol":"5","page":223},{"text":"<span data-type='title' id=toc-598>حكم أكل المحرم من صيد الحلال</span>\n٧٣٤/ ٧ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁، فِي قِصَّةِ صَيْدِهِ الحِمَارَ الْوَحْشِيَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ، وَكَانُوا مُحْرِمِينَ: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيءٍ؟»، قَالَوا: لَا، قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «جزاء الصيد»، باب «لا يشير المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال» (١٨٢٤)، ومسلم (١١٩٦) (٦٠) من طريق أبي عوانة، حدثنا عثمان - وهو ابن وهب - قال: أخبرني عبد الله بن أبي قتادة: أن أباه أخبره، أن رسول الله ﷺ خرج حاجًّا، فخرجوا معه … وساق الحديث.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على حِلِّ صيد الحلال للمحرم، وجواز أكله منه إذا لم يكن للمحرم أثر في صيده من إشارة أو طلب أو مناولة سلاح، ونحو ذلك.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الصيد على المحرم، لقول الصحابة ﵃: (أنأكل لحم صيد ونحن حرم؟)، وقد دلَّ على ذلك القرآن، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، والصيد: كل حيوان حلال متوحش طبعًا. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أي: محرمون أو في حرم، فالصيد محرم على المحرم بحج أو عمرة، ومحرم في الحرم.","vol":"5","page":224},{"text":"وليس هذا التحريم من أجل معنى يتعلق بنفس الصيد، ولا من أجل عدم قابلية المحرم لأكله، ولكن - والله أعلم - من أجل إبعاد المحرم عن الترفه وتعلق قلبه بالصيد، وإشغال بدنه في طلبه، فيتلهى بذلك عما هو بصدده من الإقبال على الله تعالى والاشتغال بمهام نسكه.\nأما تحريم قتل الصيد في الحرم، فلأن في صيده - والله أعلم - انتهاكًا لأمن الحرم الذي جعله الله آمنًا.\n\nالوجه الرابع: استدل بهذا الحديث فقهاء الكوفة، وطائفة من السلف: كعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير على جواز أكل المحرم مما صاده الحلال مطلقًا، سواء صاده لأجله أم لا (^١).\nووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يسأل أبا قتادة: هل صاده لأجل رفقته أو لا؟ وأقر الرفقة على أكلهم قبل أن يأتوا، وأمرهم بأكل ما بقي من لحمه.\nوذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن ما صاده الحلال لأجل المحرم فإنه يحرم على المحرم، لحديث الصعب بن جثَّامة الآتي، وما لم يصده لأجله ولا كان بدلالته أو إعانته حلَّ له؛ لحديث أبي قتادة هذا، وهذا هو الراجح؛ لأنه تجتمع به الأدلة (^٢)، وأما الاستدلال به على الإطلاق المتقدم ففيه نظر، فإن الحديث لا يدل على الجواز مطلقًا، وإنما يدل على أن من أعان على الصيد لم يحلَّ له أكله، وأما من لم يُعن على صيده، فلا يدل على الجواز، وإنما يستفاد حل أكله في هذه الحال من دليل آخر.\nوهذا في صيد البر، وأما صيد البحر فقد دلَّ القرآن على حلِّه، قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ …﴾ [المائدة: ٩٦]، والمراد بصيد البحر: المأخوذ منه حيًّا، ﴿وَطَعَامُهُ﴾: المأخوذ منه ميتًا (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٣٣).\n(^٢) \"شرح فتح القدير\" (٣/ ٩٣)، \"روضة الطالبين\" (٣/ ١٦٣)، \"المنتقى\" (٢/ ٢٤٨)، \"فتح الباري\" (٤/ ٣٣)، \"كشاف القناع\" (٢/ ٣٩١).\n(^٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (١١/ ٥٧، ٦١).","vol":"5","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-599>حكم أكل المحرم ما صيد من أجله</span>\n٧٣٥/ ٨ - عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ ﵁: أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًا، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانِ. فَرَدَّهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو الصعب بن جثّامة - بفتح الجيم وتشديد المثلثة - بن قيس الليثي ﵁ حليف قريش، أمه أخت أبي سفيان بن حرب، كان ينزل وَدَّان والأبواء، شهد فتح فارس، له أحاديث في الصحيح من رواية ابن عباس عنه، ومنها حديث الباب، وتوفي في أوائل خلافة عثمان ﵁، وذكر ابن عبد البر أنه مات في خلافة أبي بكر ﵁، قال يعقوب بن سفيان: (أخطأ من قال: إن الصعب بن جثّامة مات في خلافة أبي بكر خطأً بيِّنًا) (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «جزاء الصيد»، باب «إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا حيًّا لم يقبل» (١٨٢٥)، ومسلم (١١٩٣) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس ﵄، عن الصعب بن جثّامة ﵁، به.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أهدى) أي: وهب توددًا.\n_________\n(^١) \"المعرفة والتاريخ\" (٣/ ٣٩٦)، \"الاستيعاب\" (٥/ ١٧٦)، \"الإصابة\" (٥/ ١٣٩).","vol":"5","page":226},{"text":"قوله: (حمارًا وحشيًّا) الحمار الوحشي نوع من الصيد تشبه الحمر الأهلية، سميت حمر وحش؛ لأنها متوحشة غير أليفة.\nوقد ورد في بعض الروايات عند مسلم: (لحم حمار وحش)، وفي رواية: (رِجْلَ حمار وحش)، لكن ظاهر سياق الحديث من رواية مالك عن الزهري: أنه كان حيًّا، وعلى ذلك ترجم البخاري - كما تقدم - وكأنه يشير إلى أن الرواية التي تدل على أنه كان مذبوحًا موهمة (^١). قال الترمذي: (وقد روى بعض أصحاب الزهري، عن الزهري هذا الحديث، وقال: «أهدى له لحم حمار وحش» وهو غير محفوظ) (^٢).\n\nقوله: (وهو بالأبواء) أي: حال كون النبي ﷺ نازلًا بالأبواء، وذلك حين مروره به في سفره لحجة الوداع، والأبواء: اسم لوادٍ بين مكة والمدينة، لا يزال معروفًا، يقع شرقي بلدة (مستورة) بِمَيْلٍ نحو الجنوب، الواقعة على الطريق القديم بين مكة والمدينة، وتبعد عنها بما يقارب (٢٥) كيلًا، وتبعد الأبواء عن رابغ بما يقارب (٤٣) كيلًا (^٣).\n\nقوله: (أو بودان) شك من أحد الرواة، وقال ابن حجر: (الذي يظهر لي أن الشك من ابن عباس؛ لأن الطبراني أخرج الحديث من طريق عطاء عنه على الشك - أيضًا ـ) (^٤).\nوودان: اسم موضع بين مكة والمدينة، يقع شرق مستورة باثني عشر كيلًا، وذكر بعض الشراح والباحثين: أن ودان هي مستورة، لكن الشيخ عبد الله البسام ﵀ نفى ذلك (^٥).\n\nقوله: (وقال: «إنا لم نرده عليك …»)، هنا جملة تركها الحافظ، وهي قوله: (فلما رأى ما في وجهه) أي: فلما أبصر النبي ﷺ ما في وجه الصعب من التغير تأثُّرًا برد النبي ﷺ هديته، قال له: «إنا لم نرده عليك إلا أنَّا حُرُم»\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣١).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢/ ١٩٧).\n(^٣) \"المغانم المطابة في معالم طابة\" ص (٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٣).\n(^٥) \"توضيح الأحكام\" (٣/ ٣٠٩).","vol":"5","page":227},{"text":"أي: من أجل أننا محرمون، فأخبره عن سبب الرد ليزول ما في نفسه. وقوله: «لم نرده» بفتح الدال وضمها، أما الفتح فلأنه أخف الحركات، وأما الضم فعلى إتباع حركة اللام لحركة العين، وهكذا يقال في كل مضارع مضعف مجزوم (^١).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم أكل لحم الصيد على المحرم بحج أو عمرة؛ لأن النبي ﷺ بيَّن أن سبب رد الهدية كونهم محرمين، فدل على أن المحرم ممنوع من أكل الصيد، وبهذا الحديث استدل من قال: إن لحم الصيد يحرم على المحرم بكل حال، وهو قول علي وابن عمر وابن عباس ﵃، وهو قول طاوس وإسحاق والثوري (^٢)، وكأنهم أخذوا بحديث الصعب بن جثّامة لتأخره، ولأنه أحوط.\nكما استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦].\nوذهب الجمهور إلى التفصيل - كما تقدم - وهو أنه إن صيد لأجل المحرم حَرُمَ، أخذًا بحديث الصعب بن جثّامة، فإنَّ تَرْكَ النبي ﷺ الأكلَ مما أهدى له الصعب بن جثّامة يحتمل أن يكون لعلمه أنه صيد من أجله، ويتعين حمله على ذلك، أما إذا لم يصد من أجله ولا أعان عليه فإنه يجوز له أكله، أخذًا بحديث أبي قتادة ﵁، فإن النبي ﷺ أكل من صيده.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على وجوب رد الهدية إذا كانت لا تحل للمهدى إليه، وقد بوب البخاري على هذا الحديث بقوله: «باب من لم يقبل الهدية لعلة» (^٣) ولعل هذا محمول على ما إذا لم يمكن التصرف فيها على وجه يباح، مثل إهداء الحرير للرجل، فيعطيه نساءه، وقد تقدم في «اللباس» شيء من هذا.\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على مشروعية ذكر سبب رد الهدية على\n_________\n(^١) انظر: \"الإعلام\" (٦/ ٤١٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٢٠).","vol":"5","page":228},{"text":"المهدي، ليزول ما في نفسه، وتذهب الشكوك عنه، وذلك أنه إذا كانت الهدية لا محذور فيها في ذاتها، ولكنها لا تصلح للمهدى إليه، كما في هذا الحديث بيَّن له لتطيب نفسه، قال أبو علي النيسابوري - شيخ الحاكم ـ: «هذا أصح حديث في الاعتذار» (^١).\nأما إذا كان الرد لكون الهدية فيها محذور كأن يرد القاضي الهدية، وكذا الموظف أو المدرس ونحوهم، فإنه يبين السبب لتطيب نفس المهدي، وليكون من باب إنكار المنكر إذا كان في شيء يُنْكَرُ على المهدي، كأن تكون الهدية فيها حق للغير: كالمغصوب والمسروق والمختلس، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الإعلام\" (٦/ ٤١٩).","vol":"5","page":229},{"text":"<span data-type='title' id=toc-600>الدواب التي تُقْتَل في الحل والحرم</span>\n٧٣٦/ ٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَم: الغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ». مُتَّفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «جزاء الصيد»، باب «ما يقتل المحرم من الدواب» (١٨٢٩)، ومسلم (١١٩٨) من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، به مرفوعًا. وهذا لفظ البخاري، وفي رواية عند مسلم من طريق سعيد بن المسيب، عن عائشة ﵂، «خمس فواسق يقتلن في الحلِّ والحرم».\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (خمس) مبتدأ وهو نكرة، لكنه تخصص بالصفة بعده، وخبره جملة «كلهن فاسق»، ولا مفهوم لقوله: «خمس»، فقد جاء عند مسلم بلفظ: «أربع كلهن فاسق …» (^١) بإسقاط العقرب، وجاء في «مستخرج أبي عوانة على مسلم» بلفظ: «ست فواسق …» فأضاف الحية (^٢).\n\nقوله: (من الدواب) جمع دابة، وهي ما يدب على الأرض من طير وغيره.\n\nقوله: (فاسق) اسم فاعل من الفسق، وهو في الأصل العصيان\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١١٩٨) (٦٦).\n(^٢) (٢/ ٤١١ - ٤١٢).","vol":"5","page":230},{"text":"والخروج على الطاعة، ووصف هذه الدواب بالفسق، لفسق مخصوص، وهو خروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد.\n\nقوله: (يقتلن) الجملة خبر بمعنى الأمر، وقد جاء في «مسند أبي عوانة»: «ليقتل المحرم الفأرة …» الحديث (^١). وظاهر الأمر الوجوب، ويحتمل الندب والإباحة، والأخير أقرب.\n\nقوله: (في الحرم) وفي رواية: «في الحل والحرم» والحل: ما خرج عن حد الحرم. والحرم: أي حرم مكة، وما كان داخل الأميال التي تبعد عن الكعبة بنسب مختلفة، وفائدة ذكر (الحرم) نفي ما قد يتوهم من أن الجواز خاص بالحل دون الحرم.\n\nقوله: (الغراب) طائر معروف، وقيد في رواية مسلم بـ (الأبقع)، وهو ما في بطنه أو ظهره بياض.\n\nقوله: (الحدأة) بكسر الحاء وفتح الدال بوزن عِنَبَة، طائر من الجوارح يعيش على أكل الجيف وصغار الطيور والحيوان.\n\nقوله: (العقرب) دابة معروفة، تلسع بشوكة في طرف ذيلها، فتفرز مادة سامة، وهو لفظ يطلق على الذكر والأنثى، وقد مضى ذكر ذلك في آخر «شروط الصلاة».\n\nقوله: (والفأرة) بهمزة ساكنة، وقد تسهل، فيقال: فار؛ دابة معروفة، تخرق الأوعية لأكل ما فيها، وتحفر البيوت.\n\nقوله: (والكلب العقور) صيغة مبالغة من العقر، وهو العض والجرح، فالعقور: هو الذي يجرح بنابه أو ظفره.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على جواز قتل هذه الدواب الخمس في الحل والحرم للمحلّين والمحرمين، وعلة قتلها اتصافها بالفسق والعدوان، فيلحق بها ما اتصف بهذه الصفة وإن لم تكن من طبيعته، كالحية والأسد\n_________\n(^١) \"مسند أبي عوانة\" (٢/ ٤١١).","vol":"5","page":231},{"text":"والذئب، وظاهر الحديث أنها تقتل وإن كانت صغيرة اعتبارًا بمآلها.\nقال ابن قدامة: (إن الخبر نصَّ من كل جنس على صورة من أدناه، تنبيهًا على ما هو أعلى منها، ودلالةً على ما كان في معناها، فنصه على الحدأة والغراب تنبيه على البازي ونحوه، وعلى الفأرة تنبيه على الحشرات، وعلى العقرب تنبيه على الحية، وعلى الكلب العقور تنبيه على السباع التي هي أعلى منه، ولأن ما لا يضمن بمثله ولا بقيمته، لا يُضمن، كالحشرات) (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٥/ ١٧٧).","vol":"5","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-601>حكم الحجامة للمحرم</span>\n٧٣٧/ ١٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ». مُتَّفَقٌ عَليْهِ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «جزاء الصيد»، باب «الحجامة للمحرم» (١٨٣٥) من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، به.\nوأخرجه مسلم (١٢٠٢) من طريق سفيان، عن عمرو، عن طاوس وعطاء، عن ابن عباس ﵄، به.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على جواز الحجامة للمحرم مطلقًا لضرورة وغيرها، أخذًا بظاهر الحديث، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم: أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، وبعض السلف (^١)، واشترطوا ألا يقطع شعرًا، فإن قطع شعرًا فدى، لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ …﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولأنه حَلْقُ شعرٍ لإزالة ضررٍ غيره فلزمته، كما لو حلق لإزالة قمله.\nوذهب بعض المالكية إلى أنه لا يحتجم إلا من ضرورة (^٢)، وذهب\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٩١)، \"مغني المحتاج\" (١/ ٥٢١)، \"المغني\" (٥/ ١٢٦)، \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٦٠).\n(^٢) \"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ٣٨٦).","vol":"5","page":233},{"text":"الحسن البصري إلى أن في الحجامة فدية مطلقًا، ولو لم يقطع شعرًا (^١).\nوالقول الأول أرجح، وهو جوازها مطلقًا، أخذًا بظاهر الحديث، وأما إيجاب الفدية في قطع الشعر فهذا يحتاج إلى دليل، فإنه لم يثبت في السنة ما يدل على أنه ﷺ فدى لما احتجم أو أمر بالفدية، والمقام مقام بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\nثم إن الشعر الذي يزال من أجل المحاجم لا يُزال به الأذى، فهو قليل بالنسبة لبقية شعر الرأس، والذي فيه الفدية هو حلق جميعه، وأما حلق بعضه فهو محرم ولا فدية فيه، فإن كان لحاجة، كالحجامة فلا تحريم ولا فدية، وهذا ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢).\nومما ينبغي أن ينبه عليه أنه لا بأس بحك المحرم رأسه، ولو سقط منه شيء بغير قصد فإنه لا يضر، وقد اغتسل النبي ﷺ وهو محرم، وغسل الرأس قد يحصل منه تساقط بعض الشعر، وترى من الحجاج من إذا أراد أن يحك رأسه نقر بأصبعه على رأسه خوفًا من أن يتساقط شعر، وهذا من التنطع في الدين، والنبي ﷺ يقول: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثًا (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٥/ ١٢٦).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٦/ ١١٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٦٧٠).","vol":"5","page":234},{"text":"<span data-type='title' id=toc-602>فدية حلق المحرم رأسه</span>\n٧٣٨/ ١١ - عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أُرى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، تَجِدُ شَاةً؟»، قُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكينٍ نِصْفُ صَاعٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو كعب بن عجرة بن أمية القضاعي، حليف الأنصار، شهد غزوة الحديبية، ونزلت فيه قصة الفدية، وقد أخرج ابن سعد بسند جيد: أن يده قطعت في إحدى الغزوات، سكن الكوفة، ثم مات في المدينة سنة إحدى وخمسين، عن خمس وسبعين سنة (^١) ﵁.\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «جزاء الصيد»، باب «الإطعام في الفدية، نصف صاع» (١٨١٦)، ومسلم (١٢٠١) (٨٥) من طريق شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عبد الله بن معقل، قال: جلست إلى كعب بن عجرة ﵁ فسألته عن الفدية، فقال: نزلت فيَّ خاصة وهي لكم عامة، حُملت إلى رسول الله ﷺ … الحديث.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (فسألته عن الفدية) على حذف مضاف؛ أي: عن آية الفدية،\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٩/ ٢٤٧)، \"الإصابة\" (٨/ ٢٩٤).","vol":"5","page":235},{"text":"بدليل الجواب، والفدية في باب «المناسك»: ما يجب بسبب ترك واجب في الحج أو فعل محظور في الإحرام، سميت بذلك؛ لأنها فداء للنفس عن العقوبة.\n\nقوله: (نزلت فيَّ خاصةً) أي: نزلت في شأني، فهو سبب نزولها، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وخاصة: حال من الضمير في (نزلت).\n\nقوله: (وهي لكم عامة) أي: إن حكمها لجميع الناس، و(عامة) أي: شاملة، وهي حال من (هي).\n\nقوله: (حُملت) أي: حملني أهلي، وكان ذلك في غزوة الحديبية سنة ست من الهجرة.\n\nقوله: (والقمل يتناثر على وجهي) جملة حالية. والقمل: حشرة معروفة تنتشر في البدن بسبب كثرة الأوساخ غالبًا، ومعنى: (يتناثر على وجهي) أي: يتساقط من رأسه على وجهه لكثرته، وكان كعب ﵁ لا يقتله لكونه محرمًا.\n\nقوله: (أُرى) بضم الهمزة مبنيًا للمجهول: بمعنى أظن مبنيًا للمعلوم.\n\nقوله: (الوَجَع) بفتحتين اسم جامع لكل مرض أو ألم.\n\nقوله: (ما أَرى) بفتح الهمزة: ما أشاهد.\n\nقوله: (تجد شاة؟) بحذف همزة الاستفهام، والشاة: واحدة من الغنم ذكرًا أم أنثى، ضأنًا أم معزًا، والرسول ﷺ لم يسأله عن قدرته على الفدية إلا ليأذن له بالحلق، كما في بعض الروايات الأخرى: «احلق رأسك».\n\nقوله: (مساكين) جمع مسكين، وهو من لا يجد من النفقة ما يكفيه وعائلته.\n\nقوله: (نصف صاع) أي: مُدَّان، والصاع أربعة أمداد، كما تقدم في «الزكاة»، وظاهر الحديث الإطلاق؛ أي: سواء كان بُرًّا أو غيره، فتكون الآصع ثلاثة.","vol":"5","page":236},{"text":"الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المحرم إذا كان به أذى من رأسه لقمل أو نحوه، فإنه يجوز له أن يحلق رأسه، ولا إثم عليه؛ لأنه حلق لعذر، ولكن يجب عليه الفدية، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوقد جاءت السنة ببيان هذه الآية، وأن الصيام ثلاثة أيام، ولا يشترط فيها التتابع؛ لأن ما أطلقه الشرع عُمل به على إطلاقه، وأن الإطعام ثلاثة أصواع، لكل مسكين نصف صاع، وأن النسك ذبح شاة يتصدق بها على الفقراء، وهذه الفدية على التخيير كما دل عليه القرآن، وأما حديث الباب فليس فيه التخيير إلا بين الإطعام والصيام، لكن جاء في رواية عند مسلم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى: «فاحلق، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة …» (^١).\nوقد رجح بعض العلماء، كابن حزم رواية ابن أبي ليلى؛ لأنها موافقة للقرآن في التخيير، وقال ابن عبد البر: (عامة الآثار عن كعب بن عجرة وردت بلفظ التخيير، وهو نص القرآن، وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار وفتواهم، وبالله التوفيق) (^٢).\n\nالوجه الخامس: ظاهر الحديث أن فدية فعل المحظور حيث فُعِلَ؛ لأن قوله: «انسك شاة» عام غير مقيد بالحرم، فيدفعها إلى مستحقها في المكان الذي فعل فيه المحظور، وهذا بالنسبة إلى الشاة أو الإطعام، وهذا قول الإمام مالك، وأحمد (^٣).\nوقال الشافعي وأحمد في رواية: إن الفدية بمنزلة النسك، لا بد أن تكون لمساكين الحرم (^٤)، وعند الشافعية قول ثالث، وهو جواز الذبح في غير الحرم بشرط أن يبلغ اللحم طريًا بحيث تقع تفرقته في الحرم، وينصرف إلى\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٢٠١) (٨٠).\n(^٢) \"التمهيد\" (٢/ ٢٣٨).\n(^٣) \"مختصر خليل\" ص (٧٢)، \"المغني\" (٥/ ٤٥٠).\n(^٤) \"مغني المحتاج\" (١/ ٥٣٠)، \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٣٨٥)، \"المغني\" (٥/ ٤٥٠)، \"الإنصاف\" (٣/ ٥٣٢ - ٥٣٣).","vol":"5","page":237},{"text":"مساكينه قبل تغيره لحصول المقصود (^١). والأول أقرب، لظاهر الحديث، فإن النبي ﷺ أمر كعب بن عجرة بالفدية، وهذا في الحديبية - كما تقدم ـ، ولم يأمره ببعثه إلى الحرم (^٢).\n\nالوجه السادس: حلق الرأس هو المحظور الوحيد الذي دل النص على وجوب الفدية فيه، وأما غيره من محظورات الإحرام، كتغطية الرأس، أو الطيب، أو حلق بقية شعر البدن، ونحوها فإيجاب الفدية بطريق القياس على فدية حلق الرأس، وذكر العلماء أن العلة هي الترفه؛ لأن حلق شعر الرأس تحصل به النظافة، بدليل أنه كلما نما الشعر زاد وسخه وكثر فيه القمل والرائحة، لكن قد ينازع في هذا القياس بأن المحرم ليس ممنوعًا من الترفه، فله أن يترفه في الأكل، بأن يأكل من الطيبات ما شاء، وله أن يترفه في اللباس، وله أن يترفه بإزالة الأوساخ بالاغتسال ونحوه.\n\nالوجه السابع: دل الحديث على أن الفدية على التخيير بين الأمور الثلاثة: الإطعام، أو ذبح الشاة، أو الصيام، مع أن كثيرًا ممن يفتون الناس بما يجب على من فعل محظورًا، يلزمونه بالدم، وهذا فيه تضييق، وإنما هو مخير بين الأشياء المذكورة، فيختار واحدًا منها.\n\nالوجه الثامن: ورد النص بحلق شعر الرأس، وقد ذهب الجمهور من أهل العلم إلى تحريم أخذ شيء من شعر البدن قياسًا على شعر الرأس، وأن ذلك من محظورات الإحرام، على خلاف بينهم فيما يجب على من فعل ذلك؛ بل حكاه ابن المنذر وابن عبد البر وغيرهما إجماعًا (^٣).\nقال الإمام أحمد: (شعر الرأس، واللحية، والإبط، لا أعلم أحدًا فرق بينهما) (^٤)، وذهب داود الظاهري إلى جواز أخذ شعر البدن غير الرأس، وأنه\n_________\n(^١) انظر: \"المجموع\" (٧/ ٥٠٠).\n(^٢) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٨٢)، \"المغني\" (٥/ ٤٥٠).\n(^٣) \"الإجماع\" ص (٥٢) \"الاستذكار\" (١٢/ ٤٦).\n(^٤) \"شرح العمدة\" لابن تيمية (٢/ ٧). وقوله: (بينهما) لعلها: (بينها).","vol":"5","page":238},{"text":"لا فدية في ذلك، واختاره ابن حزم، مستدلًا بأنه لم يرد في المنع من ذلك دليل، وردَّ الإجماع الذي تقدمت حكايته (^١).\nقالوا: وهذا هو ظاهر القرآن، فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، فخصَّ شعر رأسه بالمنع، فوجب أن يختص به الحكم (^٢)، والله تعالى أعلم.\nوالقول بأن حلق الشعر من محظورات الإحرام قول وجيه، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، فقد قال ابن عباس ﵄: (التفث: الرمي والذبح والحلق والتقصير والأخذ من الشارب والأظفار)، وهذا يفيد أن المحرم كان ممنوعًا من ذلك وقت الإحرام، وهو قول مجاهد وعكرمة وغيرهما (^٣).\nويؤيد هذا كلام أهل اللغة. فقد قال الجوهري: (التفث في المناسك: ما كان من نحو قص الأظفار والشارب، وحلق الرأس والعانة، ورمي الجمار، ونحر البُدن، وأشباه ذلك) (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المحلى\" (٧/ ٢٤٦).\n(^٢) انظر: \"الحاوي\" (٤/ ١١٥).\n(^٣) روى ذلك ابن أبي شيبة (٤/ ٨٤ - ٨٥).\n(^٤) \"الصحاح\" (١/ ٢٧٤).","vol":"5","page":239},{"text":"<span data-type='title' id=toc-603>حرمة مكة</span>\n٧٣٩/ ١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّاسِ. فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْن».\nفَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلاَّ الإذْخِرَ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبيُوتِنَا، فَقَالَ: «إِلاَّ الإذْخِرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «اللقطة»، باب «كيف تُعرَّف لقطة أهل مكة؟» (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥) من طريق يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبو هريرة ﵁ … وذكر الحديث.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لما فتح الله على رسوله ﷺ مكة) أي: سنة ثمانٍ من الهجرة في شهر رمضان.\n\nقوله: (قام رسول الله ﷺ في الناس) ظاهره أن الخطبة وقعت عقب الفتح، وليس كذلك، فقد ورد الحديث عند البخاري في كتاب «العلم» من طريق شبيان، عن يحيى بلفظ: (إن خزاعة قتلوا رجلًا من بني ليث عام فتح","vol":"5","page":240},{"text":"مكة بقتيل منهم قتلوه، فأخبر النبي ﷺ بذلك فركب راحلته، فخطب فقال …) الحديث (^١).\n\nقوله: (إن الله حبس عن مكة الفيل) أي: منعه من الانبعاث، وفيه إشارة إلى القصة المشهورة للحبشة في غزوهم مكة لهدم البيت ومعهم فيلة، ويتقدمهم فيل عظيم، فنسبوا إليه، فحمى الله تعالى بيته منهم وأبطل كيدهم، وأضاع جهدهم، وأهلكهم الله تعالى بما قصه في القرآن.\n\nقوله: (وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين) سلَّط: بتشديد اللام، من التسليط، وهو التمكين والتغليب، فأخذوها عنوة، وبعث الله في قلوب أهلها الرعب فلم يستطيعوا المقاومة، ودخلها المسلمون بعشرة آلاف مقاتل، وحصل قتال يسير، وأمَّنهم النبي ﷺ.\n\nقوله: (ساعة من نهار) أي: وقتًا من نهار، وهي ساعة الفتح من طلوع الشمس إلى صلاة العصر.\n\nقوله: (فلا يُنفَّر صيدها) مبني لما لم يُسَمَّ فاعله، بتشديد الفاء؛ أي: لا يزعج من مكانه ولا يطرد.\n\nقوله: (ولا يُختلى شوكها) مبني لما لم يُسَمَّ فاعله، يقال: اختلى الحشيش أو الشجر: قطع الرطب من الكلأ، أما اليابس فيسمّى: حشيشًا. وقوله: (شوكها) أي: شجرها ذو الشوك أو الشوك نفسه، وخصه بالذكر، إما لأن غالب شجر مكة منه، وإما ليبين عموم الحكم فيما يؤذي وغيره.\n\nقوله: (ولا تحل ساقطتها) الساقطة: هي اللقطة، وهي المال الذي ضاع من صاحبه.\n\nقوله: (إلا لمنشد) وهو المعرّف للقطة، يقال: أنشد الضالة: عَرَّفَها، ونشد الضالة ينشدها - من باب (قتل) ـ: طلبها، ويطلق - أيضًا - على تعريفها.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١١٢).","vol":"5","page":241},{"text":"قوله: (فهو بخير النظرين) أي: يختار أحد الأمرين، إما الدية، أو قتل القاتل.\n\nقوله: (إلا الإذخر) بكسر الهمزة: هو نبت معروف له رائحة طيبة، قضبانه دقيقة تجتمع في أصل مندفن في الأرض.\n\nقوله: (فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا) تعليل قصد به بيان حاجة الناس إلى الإذخر في البيوت، حيث يجعلونه في السقوف تحت الطين وفوق الخشب، ليسد الخلل، ويمسك الطين فلا يسقط، وفي القبور حيث يسدون به خلل اللبِن.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الخطبة لموعظة الناس أو بيان حكم من الأحكام الشرعية.\n\nالوجه الرابع: مشروعية بدء الخطبة بحمد الله تعالى والثناء عليه، وهذه عادة النبي ﷺ، وتقدم بيان ذلك في باب «الجمعة».\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على عظم قدرة الله تعالى، حيث حمى بيته ممن أراد هدمه، مما يدل على حرمة هذا البيت وشرفه، ووجوب تعظيمه، وإذا كانت حماية الله تعالى لبيته مع كون أهل مكة إذ ذاك كانوا كفارًا، فحرمة أهلها بعد الإسلام آكد.\n\nالوجه السادس: تحريم القتل والقتال بمكة، والمراد بذلك جميع الحرم؛ لأنه لم يحل فيها القتال لأحد قبل النبي ﷺ، ولا للنبي ﷺ - أيضًا - سوى ساعة من نهار، لضرورة تخليصها من الشرك والمشركين.\nواستثنى العلماء شيئين:\n١ - القتال مدافعة، فيجوز لمن اعتدى عليه أحد بمكة أن يقاتله إذا لم يندفع بدون ذلك.\n٢ - قتل من جنى في مكة جناية تحل قتله، مثل: القاتل عمدًا، والزاني المحصن إذا تمت الشروط.","vol":"5","page":242},{"text":"الوجه السابع: تحريم تنفير صيد مكة أو إيذائه بما هو أعظم أو قتله، ويدخل في ذلك تنفيره ليخرج عن الحرم من أجل صيده.\n\nالوجه الثامن: تحريم قطع شجر مكة، والمراد جميع الحرم وإن كان مؤذيًا كالشوك، تأكيدًا لحرمة هذا المكان.\nوليس في قطع شجر الحرم جزاء على الراجح من قولي أهل العلم؛ لأنه ليس في السنة ما يدل على ذلك، وقد ورد عن بعض السلف إيجاب الجزاء، ويحتمل أنه من باب التعزير، وقال عطاء: (يستغفر الله ولا يعود، ولا شيء عليه) (^١).\nويستثنى من ذلك ما أنبته الآدمي؛ لأنه ملكه، والحديث فيه إضافة الشجر والحشيش إلى مكة لأنه قال: «شوكها»، وما ملكه الآدمي فإنه يضاف إليه، كذا يستثنى الإذخر.\n\nالوجه التاسع: تحريم التقاط لقطة مكة إلا لمن أراد أن يعرِّفها دائمًا، ولعل الحكمة من ذلك - والله أعلم - زيادة الأمن على الأموال بمكة، فإن الناس لا يلتقطون اللقطة إذا علموا أنهم لا يملكونها بالتعريف، فإذا تركوها عاد صاحبها فوجدها، والله المستعان!.\n\nالوجه العاشر: الحديث دليل على أن من قتل له قتيل، فهو مخيّر بين القصاص أو العفو عن القصاص وأخذ الدية، وفي المسألة تفاصيل محلها كتاب «القصاص».\n\nالوجه الحادي عشر: استدل بعض الأصوليين بقوله: «إلا الإذخر» على صحة الاستثناء، ولو كان منفصلًا ما دام الكلام واحدًا؛ لأن كلام العباس ﵁ جاء فاصلًا بين المستثنى والمستثنى منه، لكن لما كان كلامه في الموضوع نفسه صحَّ الاستثناء (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"منسك عطاء\" ص (١٠٣ - ١٠٤)، \"التلخيص\" (٢/ ٣٠٨).\n(^٢) انظر: \"إرشاد الفحول\" ص (١٤٨)، \"الأصول من علم الأصول\" ص (٢٦).","vol":"5","page":243},{"text":"<span data-type='title' id=toc-604>حرمة المدينة</span>\n٧٤٠/ ١٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ لأَهْلِ مَكَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «البيوع»، باب «بركة صاع النبي ﷺ ومُدِّه» (٢١٢٩)، ومسلم (١٣٦٠) من طريق عمرو بن يحيى، عن عباد بن تميم الأنصاري، عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم، أن رسول الله ﷺ قال: … الحديث.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن إبراهيم ﷺ حرّم مكة، ودعا لأهلها بالبركة وسعة الرزق، كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ …﴾ [البقرة: ١٢٦]. ولا منافاة بين هذا وما تقدم من أن الله تعالى حرم مكة، فإن تحريم إبراهيم لمكة بتحريم الله تعالى إياها.\nقال ابن عبد البر: (هذا من فصيح كلام رسول الله ﷺ وبلاغته، وفيه استعارة بينة؛ لأن الدعاء إنما هو للبركة في الطعام المكيل بالصاع والمدِّ، لا في الظروف، والله أعلم، وقد يحتمل - على ظاهر العموم - أن يكون في الطعام والظروف) (^١).\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (١/ ٢٧٨).","vol":"5","page":244},{"text":"الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن النبي ﷺ حرَّم المدينة وأنها حرم، وذلك بألا ينفَّر صيدها، ولا يقطع شجرها، وقد روى سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عِضَاهُها أو يقتل صيدها» (^١). والعِضَاهُ: كل شجر فيه شوك.\nولكن ليس في صيد المدينة جزاء على القول الراجح؛ لأن النبي ﷺ لم يجعل فيه جزاء، وقد نقل القاضي عياض، ومن بعده النووي عن جماعة من الصحابة ﵃ وعن الشافعي في قوله القديم أن من صاد في حرم المدينة أو قطع شجرها أُخذ سلبه (^٢) - وهو ما معه من ثياب وسلاح ودابة وغيرها ـ.\nوقد ورد عن سعد بن أبي وقاص ﵁: (أنَّهُ رَكِبَ إِلَى قَصرِهِ بِالعَقِيقِ، فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا، أَو يَخْبِطُهُ، فَسَلَبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ العَبْدِ فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلامِهِمْ، أَو عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلامِهِمْ، فَقَالَ: مَعَاذَ اللهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيهِمْ) (^٣).\nوعن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال في المدينة: «لا يختلى خلاها، ولا ينفّر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره» (^٤).\n\nالوجه الرابع: أن النبي ﷺ دعا لأهل المدينة بالبركة وسعة الرزق، لقوله: «وإني دعوت في صاعها ومدها بمثليْ ما دعا إبراهيم لأهل مكة»، وهذا لفظ مسلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٦٣).\n(^٢) انظر: \"إكمال المعلم\" (٤/ ٤٨٥)، \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٩/ ١٤٨)، \"الأحاديث الصحيحة في فضائل المدينة\" ص (٣٣).\n(^٣) رواه مسلم (١٣٦٤).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٢٠٣٥)، وأحمد (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨) واللفظ لأبي داود، وهو حديث حسن، وقد رواه البخاري (١٨٧٠)، ومسلم (١٣٧٠) بغير هذه الألفاظ، وله شواهد من حديث ابن عباس وأنس -﵄-. انظر: \"المسند\" (٥/ ٩٠) طبعة مؤسسة الرسالة.","vol":"5","page":245},{"text":"وفي رواية البخاري، ورواية أخرى لمسلم: «مثل»، فدلت الرواية الأولى على أن الدعاء كان بمضاعفة النماء والبركة، وقد ورد في «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة ﵁ وفي آخره: «اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة، ومثله معه …» (^١).\nوقد ذكر القاضي عياض عدة معانٍ في معنى الدعاء بالبركة في صاع أهل المدينة ومُدِّهم، ونقلها عنه النووي، ثم قال: (والظاهر من هذا كله أن البركة في نفس المكيل في المدينة، بحيث يكفي المدُّ فيها لمن لا يكفيه في غيرها. والله أعلم) (^٢).\nوقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (ومن سكن المدينة يعرف ذلك، يعرف ما فيها من البركة في طعامها وشرابها، وما يحصل لأهلها من الكفاية بالقليل، ولا سيما في حق أهل الإيمان والتقوى)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٣٧٣).\n(^٢) انظر: \"إكمال المعلم\" (٤/ ٤٨٨)، \"شرح النووي\" (٩/ ١٥٢).","vol":"5","page":246},{"text":"<span data-type='title' id=toc-605>حدود حرم المدينة</span>\n٧٤١/ ١٤ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلى ثَوْرٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الفرائض»، باب «إثم من تبرأ من مواليه» (٦٧٥٥)، ومسلم (١٣٧٠) من طريق الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: قال علي ﵁: (ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله، غير هذه الصحيفة، قال: فأخرجها فإذا فيها أشياء من الجراحات، وأسنان الإبل، قال: وفيها «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور …») الحديث بتمامه، وعزوه لمسلم فقط وَهْمٌ من الحافظ.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن حرم المدينة يحده من الناحية الجنوبية جبل عَيْرٍ، وهو جبل أسود بحمرة مستطيل من الشرق إلى الغرب يشرف على المدينة من الجنوب، قرب ذي الحليفة، ويحدها من الجهة الشمالية: جبل ثور، وهو جبل صغير مدوَّر خَلْفَ جبل أُحُدٍ من شماليه (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"المغانم المطابة في معالم طابة\" ص (٨١)، وقد حصل خطأ من بعض العلماء أمثال: البكري، وابن الأثير، وياقوت عندما نفوا وجود جبل ثور في المدينة وإنما هو في مكة، وتبعهم على ذلك جمع من المتأخرين، ثم إنه حصل خلاف بين المعاصرين في تعيين جبل ثور على أقوال ثلاثة، كلها مبنية على الاجتهاد، وبعضها أقرب إلى وصف المتقدمين لجبل ثور من بعض، ولعل سبب الخلاف وجود جبال كثيرة حول أُحد من جهة الشمال، والشمال الشرقي بحيث يصعب الجزم بواحد منها. انظر: \"الأحاديث الصحيحة في فضائل المدينة\" للرفاعي ص (٢٢).","vol":"5","page":247},{"text":"أما حدها الشرقي والغربي فهما الحرَّتان الشرقية والغربية، لما تقدم من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «إني أحرم ما بين لابتي المدينة …» ولابتاها: حرَّتاها: الشرقية شرقي البقيع، وتسمّى: حرة واقم، وحرة بني حارثة، وهي داخلة في الحرم، لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «حُرِّم ما بين لابتي المدينة على لساني» قال: وأتى النبي ﷺ بني حارثة، فقال: «أراكم يا بني حارثة قد خرجتم من الحرم»، ثم التفت فقال: «بل أنتم فيه» (^١).\nوالحرة الغربية غربي سلع، وتسمّى: حرة الوبرة، وتنتهي عند وادي العقيق، وهي داخلة في الحرم، بدليل حديث الباب؛ لأنها واقعة بين عير وثور، والحرة: أرض تعلوها حجارة سود، كما تقدم في «الصيام».\nوفائدة معرفة حدود حرم المدينة هي ما يترتب على ذلك من حصول البركة بدعاء النبي ﷺ، وتحريم الصيد، ومنع الدجال منها، وكونها لا يدخلها الطاعون، إلى غير ذلك مما ثبت في الأحاديث الصحيحة (^٢)، أما مضاعفة الصلاة فهي خاصة بالمسجد النبوي دون غيره من مساجد المدينة، كما سيأتي إن شاء الله (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٨٦٩).\n(^٢) انظر: \"الأحاديث الصحيحة في فضائل المدينة\" ص (٤٣).\n(^٣) انظر: \"شرح الحديث\" (٧٧٨).","vol":"5","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-606>باب صفة الحج، ودخول مكة</span>\nهذا الباب عقده الحافظ ﵀ لذكر الأحاديث في بيان صفة الحج.\nوما شرع فيه من أقوال وأفعال، ابتداء بالطواف، ثم السعي، والإحرام بالحج يوم التروية، والخروج إلى منى، ثم عرفة، والإفاضة إلى مزدلفة، والرمي، والمبيت بمنى، والوداع، كما ذكر الأحاديث في كيفية دخول مكة، من مشروعية الاغتسال، ومن أين يدخلها؟ إلى غير ذلك مما ورد في هذا الباب، وقد بدأ بحديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ ثم ذكر بعده، ستة وثلاثين حديثًا.","vol":"5","page":249},{"text":"<span data-type='title' id=toc-607>صفة حج النبي </span>- ﷺ -\n٧٤٢/ ١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَجَّ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَقَالَ: «اغْتَسِلي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي».\nوَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيد: «لَبَّيْكَ اللَّهُمْ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ».\nحَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ أَتَى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكن فَاسْتَلَمَهُ.\nثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ»، فَرَقِيَ الصَّفَا، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللهَ، وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ».\nثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى المَرْوَةِ، حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى إِلَى المَرْوَةِ، فَفَعَلَ عَلَى المَرْوَةِ، كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا … فَذَكَرَ الحَدِيث. وَفِيهِ:\nفَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلى مِنًى، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ،","vol":"5","page":250},{"text":"فَصَلَّى بِهَا الظُهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ.\nفَأَجَازَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ القُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَة فَنَزَلَ بِهَا.\nحَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ.\nثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيئًا.\nثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى المَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ المُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ القُرْصُ، وَدَفَعَ، وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ»، كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ.\nحَتَّى أَتَّى المُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَصَلَّى الْفَجْرَ حِيْنَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَّى المَشْعَرَ الحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ، وَكَبَّرَهُ، وَهَلَّلَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا.\nفَدَفَعَ قبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلًا.\nثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الجَمْرَةِ الكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلُ حَصَى الخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي.","vol":"5","page":251},{"text":"ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى المَنْحَرِ، فَنَحَرَ.\nثُمْ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُهْرَ. رَوَاهُ مُسْلِم مُطَوَّلًا.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «الحج»، باب «حجة النبي ﷺ» (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد الله، فسأل عن القوم، حتى انتهى إليَّ، فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين (^١)، فأهوى بيده إلى رأسي، فنزع زري الأعلى، ثم نزع زري الأسفل، ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذٍ غلام شاب، فقال: مرحبًا بك يا ابن أخي سلّ عمّا شئت، فسألته وهو أعمى، وحضر وقت الصلاة، فقام في نِسَاجة (^٢) ملتحفًا بها كلما وضعها على منكبيه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب (^٣)، فصلّى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ، فقال بيده، فعقد تسعًا، فقال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحجّ، ثم أذَّن في الناس في العاشرة: أن رسول الله ﷺ حاجّ، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه … وساق الحديث بطوله.\nوهذا الحديث من أفراد مسلم دون البخاري، وقد بدأ المؤلف أحاديث هذا الباب بحديث جابر ﵁ لاشتماله على مسائل كثيرة، ثم ساق بعده الأحاديث المتعلقة بمسائل لم ترد فيه، وهو حديث عظيم شامل لأكثر ما ورد في حجة النبي ﷺ، ويعتبر منسكًا مستقلًا، ولا سيما إذا جمعت رواياته وضم\n_________\n(^١) أي: ابن علي بن أبي طالب -﵁-، وهو أحد رواة حديث جابر -﵁-.\n(^٢) بكسر النون وتخفيف السين، ثوب كالطيلسان وشبهه.\n(^٣) المشجب: أعواد توضع عليها الثياب، ومتاع البيت.","vol":"5","page":252},{"text":"بعضها إلى بعض (^١)، فإنه ذكر صفة حجة النبي ﷺ ومعظم أفعاله من خروجه من المدينة إلى رجوعه، ولكن المؤلف اختصر في أثنائه، وسيذكر الحافظ طرفًا منه في باب «الوكالة» من كتاب «البيوع»، ثم في باب «النفقات».\nوسيكون الكلام - إن شاء الله - على مفرداته وجمله وفوائده، في كل جملة على حدة نظرًا لطوله، وأضيف أثناء ذلك من روايات الحديث ما أرى له أهمية.\n\nالوجه الثاني: قوله: (إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج) أي: مكث في المدينة، وأما في مكة فقد حج واحدة باتفاق (^٢)، كما ثبت في حديث أبي إسحاق قال: حدثني زيد بن أرقم: (أن النبي ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، وأنه حج بعدما هاجر حجة واحدة، لم يحجَّ بعدها: حجة الوداع)، قال أبو إسحاق: وبمكة أخرى (^٣).\nوقد ذكر الحافظ ابن كثير (^٤) أن النبي ﷺ كان بعد الرسالة يحضر مواسم الحج ويدعو الناس، وجزم الحافظ ابن حجر بأنه ﷺ لم يترك الحج وهو بمكة قط، وقد ثبت دعاؤه ﷺ قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متوالية، وقد اعتمر ﷺ بعد الهجرة أربع عُمَر، كلهن في ذي القعدة (^٥).\n\nالوجه الثالث: قوله: (إن رسول الله ﷺ حاجٌّ) وهي حجة الوداع كما تقدم، وهي سنة عشر، كما قال جابر ﵁، وكان خروجه ﷺ من المدينة يوم السبت (^٦)، لخمس بقين من ذي القعدة، كما تقدم، وقدم مكة يوم الأحد رابع ذي الحجة (^٧)، فيكون ﷺ مكث في الطريق ثمان ليال (^٨).\n_________\n(^١) انظر: \"حجة النبي - ﷺ -\" للألباني ﵀.\n(^٢) \"المفهم\" (٣/ ٣٢٢)، \"زاد المعاد\" (٢/ ١٠١)، \"فتح الباري\" (٣/ ٥١٥ - ٥١٦).\n(^٣) رواه البخاري (٣٩٤٩) (٤٤٠٤) (٤٤٧١)، ومسلم (١٢٥٤).\n(^٤) انظر: \"حجة الوداع\" لابن كثير ص (٩)، \"فتح الباري\" (٨/ ١٠٤، ١٠٧).\n(^٥) انظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ٩٢).\n(^٦) انظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ١٠٢)، \"فتح الباري\" (٣/ ٤٠٧).\n(^٧) انظر: \"صحيح البخاري\" (١٥٤٥)، \"حجة الوداع\" لابن حزم ص (١٠ - ١٣).\n(^٨) \"فتح الباري\" (٨/ ١٠٤).","vol":"5","page":253},{"text":"الوجه الرابع: قوله: (فخرجنا معه) في هذا دليل على حرص الصحابة ﵃ على العلم بأفعال النبي ﷺ لاتباعه والتأسي به ﵊. ويستفاد من ذلك الحث على صحبة أهل العلم والفضل في الأسفار ولا سيما في الحج، لما في ذلك من الخير الكثير من الاستفادة من علمهم وأخلاقهم، إضافة إلى حفظ الوقت وصرفه فيما ينفع ويفيد، وهذا شيء ملاحظ ومحسوس.\n\nالوجه الخامس: قوله: (فولدت أسماء بنت عميس) وهي زوجة أبي بكر الصديق ﵂، ولدت له محمدًا في الميقات، وكانت قبل ذلك تحت جعفر بن أبي طالب ﵁، وأولاده منها، وبعد وفاة أبي بكر تزوجها علي بن أبي طالب ﵃.\nوالعجيب في الأمر أنه لم يرد لأسماء ﵂ ذكر في حديث جابر ﵁ في غير هذا الموضع مع كثرة طرقه وتعدد ألفاظه، فلا يُدرى ماذا صنعت فيما بعد؟ هل طهرت قبل رجوعهم فطافت، وهذا فيه بعد؟ أم أنها بقيت على نفاسها؟ وهل أذن لها النبي ﷺ أن تطوف وهي نفساء من باب الضرورة؟ أم أنه أمر أحد محارمها أن يبقى معها؟ كل هذا مسكوت عنه، فالله تعالى أعلم بما كان من أمرها.\n\nالوجه السادس: قوله: (اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي) الاستثفار: أن تشد المرأة على وسطها شيئًا ثم تأخذ خرقة عريضة تجعلها في محل الدم وتشدها من ورائها وقدامها ليمتنع الخارج، وفي معناها الوسائل المعروفة الآن عند النساء.\nوفي هذا القدر دليل على أن النفساء وفي معناها الحائض إذا وصلت الميقات أنها تغتسل كالطاهرات - كما تقدم - وتتحفظ عن خروج الدم وتحرم، وتقدم الكلام على الاغتسال عند الإحرام.\n\nالوجه السابع: قوله: (ثم ركب القَصواء، حتى إذا استوت به على البيداء أهلَّ بالتوحيد) القصواء - بفتح القاف ـ: وهي الناقة التي قطع طرف أذنها، وناقة النبي ﷺ لم تكن مقطوعة الأذن، وإنما لقبها به حبًا. وفي هذا","vol":"5","page":254},{"text":"دليل لمن قال: إن النبي ﷺ أهلَّ من البيداء، وتقدم حديث ابن عمر ﵄ أنه ﷺ أهلَّ عندما استوت به راحلته عند المسجد.\nومعنى (أهلَّ) رفع صوته بالتلبية، التي تشتمل على توحيد الله بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، فالتلبية شعار التوحيد الذي هو ملة إبراهيم ﷺ، وهو روح الحج ومقصده؛ بل روح العبادات كلها؛ لأن قوله: (والملك) من توحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية مستلزم توحيد الألوهية، وفي قوله: (إن الحمد والنعمة) توحيد الأسماء والصفات، فإن الحمد: وصف المحمود بالكمال مع محبته وتعظيمه، والنعمة: من صفات الأفعال. وفي قوله: (أهلَّ) دليل على مشروعية رفع الصوت بالتلبية، كما تقدم.\n\nالوجه الثامن: قوله: (لبيك اللهم لبيك) أي: إجابة لك بعد إجابة، ولهذا المعنى كررت التلبية إيذانًا بتكرير الإجابة (^١)، وهو منصوب بالياء إلحاقًا له بالمثنى، والمراد به التكثير، والناصب له فعل محذوف تقديره: أجيبك إجابة بعد إجابة، وينبغي للمحرم أن يستحضر - وهو يقول: لبيك - دعاء الله تعالى له وإجابته إياه، لا أن تكون عبارات التلبية مجرد ألفاظ تُردد؛ بل عليه أن يستحضر ذلك منذ خروجه من بلده، قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]، فالتلبية تتضمن إجابة داعٍ دعاك ومنادٍ ناداك؛ إذ لا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه.\n\nوقوله: (لبيك لا شريك لك) التكرار للتأكيد، وهو أنه مجيب لربه، مقيم على طاعته، وقوله: (لا شريك) أي: فيما ذكر.\n\nوقوله: (إن الحمد …) بكسر الهمزة وفتحها، فالكسر على أنها جملة مستأنفة، معناها: الحمد لله على كل حال، والفتح على التعليل؛ أي: لبيك لأن الحمد والنعمة لك، فيرجع الحمد والنعمة إلى التلبية، والكسر أجود؛\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب مختصر السنن\" (٥/ ٢٥٢) حيث ذكر ابن القيم ثمانية أقوال في معنى \"التلبية\".","vol":"5","page":255},{"text":"لأنه أعم؛ لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معللة، وأن الحمد والنعمة لله على كل حال.\nو(الحمد): الوصف بالكمال مع المحبة والتعظيم، و(النعمة): الفضل والإحسان، ويدخل في هذا جميع النعم الظاهرة والباطنة، (لك) اللام الاختصاص؛ لأن الله وحده المحمود والمنعم.\n\nقوله: (والملك) أي: ملك الخلائق وتدبيرها لك وحدك، وهو بالرفع مبتدأ، وبالنصب على المشهور عطفًا على (إن)، والخبر محذوف، تقديره: لك.\n\nوقوله: (لا شريك لك) أي: لا شريك لك فيما ذكر من استحقاق الثناء، وإيصال النعمة. قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].\nوفي هذا دليل على مشروعية التلبية، وفيها التنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه ﷿، والتلبية تتضمن المحبة؛ لأنك لا تقول: (لبيك) إلا لمن تحبه وتعظمه، كما تتضمن التلبية التزام دوام العبودية، والخضوع، والذل، والإخلاص، كما أنها تتضمن الإقرار بسمع الربِّ؛ إذ يستحيل أن يقول الرجل: (لبيك) لمن لا يسمع دعاءه والتلبية جعلت في الإحرام شعار للانتقال من حال إلى حال، ومن منسك إلى منسك، فهي كالتكبير جعل في الصلاة للانتقال من ركن إلى ركن (^١).\nوقال جابر ﵁: (ولزم رسول الله ﷺ تلبيته)، وهذا يدل على أن الأفضل الاكتفاء بتلبيته ﷺ لملازمته لها، مع أنه ﷺ كان يسمع الناس يزيدون، فأقرهم رسول الله ﷺ، كما قال جابر ﵁، وهذا يدل على جواز الزيادة على التلبية النبوية.\n\nالوجه التاسع: قوله: (حتى إذا أتينا البيت استلم الركن) الاستلام: افتعال من السلام، وهو التحية، أو من السِّلام - بكسر السين - وهي\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب مختصر السنن\" (٥/ ٢٥٥).","vol":"5","page":256},{"text":"الحجارة، قال الجوهري: (استلم الحجر: لمسه بالقُبلة أو باليد) (^١). وقال ابن تيمية: (الاستلام: هو مسحه باليد) (^٢)، والمراد بالركن: الحجر الأسود؛ لأنه المراد عند الإطلاق، وسمي ركنًا؛ لأنه في ركن الكعبة.\nفهذا فيه مشروعية استلام الحجر الأسود قبل بدء الطواف إن تيسر وإلا بدأ بالطواف وتركه.\n\nالوجه العاشر: قوله: (فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا) أي: طاف بالبيت فرمل ثلاثة أشواط ومشى الأربعة الباقية، وهذا الطواف هو طواف القدوم، والرمل - بالفتح ـ: الإسراع في المشي من غير مباعدة للخطوات ولا وثب.\nوهذا فيه دليل على مشروعية الرَّمَلِ في الأشواط الثلاثة الأُول من طواف القدوم، وهو أول طواف يأتي به القادم إلى مكة، سواء أكان لحج أم لعمرة، وأما الأربعة الباقية فيمشي فيها.\nفإن نسي الرمل لم يقضه في الأربعة الباقية، لئلا يغير هيئتها. فإن لم يستطع الرمل مع القرب؛ لقوة الزحام، فمن أهل العلم من قال: يخرج إلى حاشية المطاف؛ لأن المحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بمكان العبادة أو زمانها، ومنهم من قال: يطوف قريبًا على حسب حاله؛ لأن الرمل هيئة، فهو كالتجافي في الركوع والسجود، ولا يترك الصف الأول لأجل تعذرها، فكذا هنا (^٣).\n\nالوجه الحادي عشر: قوله: (ثم أتى مقام إبراهيم فصلى) وفي «صحيح مسلم»: (فجعل المقام بينه وبين البيت)، ومقام إبراهيم: حجر كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه وهو يبني الكعبة حين ارتفع البناء، وهذا هو الصواب من عدة أقوال، لما ورد عن ابن عباس ﵄ في قصة بناء إبراهيم ﵇ البيت، وفيه: (فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة،\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (٣/ ٩١٤).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٦/ ١٢١).\n(^٣) انظر: \"شرح العمدة\" لابن تيمية (٢/ ٤٤٢).","vol":"5","page":257},{"text":"وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم …) الحديث (^١).\nوقد روى جابر ﵁: أنه ﷺ قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة: ١٢٥]، وفي رواية للنسائي: (ورفع صوته، يُسمع الناس) (^٢)، فصلى ركعتين قرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (^٣)، وفي رواية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (^٤).\nوفي هذا دليل على أن السُّنَّة في ركعتي الطواف كونهما خلف المقام، فإن تيسر القرب منه فهو أفضل، فإن وجد زحامًا صلى بعيدًا عن المقام، وتحصل السنة بذلك إذا جعله بينه وبين الكعبة، وإن صلاهما في أي مكان أجزأ.\nوالركعتان حكمهما الوجوب على قول أبي حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، والمشهور من مذهب المالكية، ورواية عن أحمد (^٥) لظاهر الأمر في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾، ولأن الرسول ﷺ تلا الآية عند المقام.\nوالقول الثاني: أنهما سنة، وهو الأصح في مذهب أحمد، وقول مالك في إحدى الروايتين عنه، والأصح في مذهب الشافعي (^٦)؛ لأن ما عدا الصلوات الخمس ليس بواجب، وإنما هي تَطَوُّع، كما في حديث طلحة بن عبيد الله ﵁: أن أعرابيًا قال: يَا رَسُولَ اللهِ، مَاذَا فَرَض الله عَلَى عِبَادِهِ مِنَ الصَّلاةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ»، فَقَالَ: هَل عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لا إِلا أَنْ تَطَّوَّعَ» (^٧).\nوعلى القول بأنهما سنّة، فإن صلَّى فريضة بعد الطواف أجزأت عنهما (^٨).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٣٦٤)، (٣٣٦٥).\n(^٢) \"السنن\" (٥/ ٢٣٥).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (١٢١٨).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٨٦٩)، \"سنن النسائي\" (٥/ ٢٣٦)، \"الفصل للوصل\" (٢/ ٦٦٨).\n(^٥) \"الهداية\" (١/ ١٤١)، \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٤٨)، \"المنتقى\" (٢/ ٢٨٨).\n(^٦) \"المغني\" (٥/ ٢٣٢)، \"المجموع\" (٨/ ١٤)، \"شرح الإيضاح\" للنووي ص (٢٢٧، ٢٧٩).\n(^٧) أخرجه البخاري (٤٦)، ومسلم (١١).\n(^٨) انظر: \"قواعد ابن رجب\" (١/ ١٤٢، ١٥٤).","vol":"5","page":258},{"text":"وهذا قول ابن عباس (^١) وابن عمر ﵄، ومجاهد وطاوس وعطاء وغيرهم (^٢)، ولأنهما ركعتان شرعتا للنسك، فأجزأت عنهما المكتوبة، كركعتي الإحرام (^٣). وأما على القول بوجوبهما فإنه لا يجزئ عنهما غيرهما؛ لأن الفريضة لا تجزئ عن الواجب، فإذا صلى المكتوبة صلى ركعتي الطواف بعدها. وقد ذكر البخاري تعليقًا عن نافع أنه قال: (كان ابن عمر ﵄ يصلي لكل سبوعٍ ركعتين)، وقال إسماعيل بن أمية: قلت للزهري: إن عطاء يقول: تجزئه المكتوبة من ركعتي الطواف، فقال: السنة أفضل، لم يطف النبي ﷺ أسبوعًا قط إلا صلى ركعتين (^٤).\nوالقول بالإجزاء قوي، لكن الأفضل عدم الاقتصار على الفريضة؛ لأن ركعتي الطواف عبادة مستقلة شرعت من أجل الطواف فالأولى الإتيان بهما، ويؤيد ذلك عموم ما تقدم. قال الزركشي: (المنصوص عن أحمد الإجزاء، مع أن الأفضل عنده فعلهما) (^٥).\n\nالوجه الثاني عشر: قوله: (ثم رجع إلى الركن فاستلمه)، فيه دليل على مشروعية استلام الحجر الأسود، بعد ركعتي الطواف، وقبل السعي إن تيسر وإلا تركه، وظاهر ذلك أنه لا يسن تقبيله ولا الإشارة إليه.\n\nالوجه الثالث عشر: قوله: (ثم خرج من الباب إلى الصفا) المراد بالباب: باب الصفا، كما ورد في رواية للطبراني: (ثم خرج من باب الصفا) (^٦)، وهذا فيه مشروعية الخروج إلى الصفا من بابه، وكان المسجد الحرام في الزمن القديم له أبواب دون المسعى يخرج منها الناس، وأما الآن فيتجه إلى المسعى من جهة الصفا، وهذا فيه دليل على أنه ينبغي المبادرة بالسعي بعد الطواف، ولو أخَّر السعي فلا بأس، فإن الموالاة بين الطواف والسعي غير واجبة.\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٨/ ٦٣).\n(^٢) \"مصنف عبد الرزاق\" (٥/ ٥٧ - ٥٩).\n(^٣) \"المغني\" (٥/ ٢٣٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٨٤)، \"مصنف عبد الرزاق\" (٥/ ٥٩).\n(^٥) \"شرح الزركشي\" (٣/ ٢٠٤).\n(^٦) انظر: \"حجة النبي - ﷺ -\" للألباني ص (٦٤).","vol":"5","page":259},{"text":"الوجه الرابع عشر: قوله: (فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾) الصفا: جمع مفرده صفاة، وهي الصخرة الصلبة الملساء، والمراد هنا: أسفل الجبل المعروف في أول المسعى. والمروة: الحجر الأبيض البَرَّاق الذي تقدح منه النار، والمراد هنا: أسفل الجبل المعروف في نهاية المسعى، ومعنى ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: من أعلام دينه وأماكن عبادته، المأمور بها في الحج، كالوقوف والرمي والطواف، سميت شعائر لما تُشعر به من أعمال الحج، أو لما يُستشعر هناك من تعظيم الله تعالى والقيام بوظائفه.\nوقد استحب بعض العلماء قراءة هذه الآية عند الدنو من الصفا، ويفهم من صنيع آخرين أنه لا يستحب قراءتها، ولذا لم يذكرها أكثر الفقهاء في هذا الموطن (^١)، وهذا أقرب؛ لأن الظاهر أن النبي ﷺ قرأها من أجل تعليم الناس، كما قرأ آية: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ عندما أراد صلاة ركعتي الطواف، فمن قال بقراءة الآية عند المسعى، لزمه أن يقول بقراءة الآية عند المقام، وظاهر رواية النسائي المتقدمة أن المقصود تعليم الناس.\n\nالوجه الخامس عشر: قوله: (أبدأ بما بدأ الله به)، هذه رواية مسلم بلفظ الخبر (أبدأ)، وقد جاء عند النسائي بلفظ: (ابدؤوا بما بدأ الله به) بلفظ الأمر، ولكنها رواية شاذة (^٢).\nوقد استدل الفقهاء بهذا على أن الترتيب شرط في السعي، وهو أن يبدأ بالصفا، فإن بدأ بالمروة لم يعتدَّ بذلك الشوط، فإذا صار على الصفا اعتدَّ بما يأتي به بعد ذلك (^٣).\n\nالوجه السادس عشر: قوله: (فَرَقِيَ الصفا …) رَقِيَ: من باب تَعِبَ؛ أي: صَعَدَ، يقال: رقي في السلّم: صعد فيه، ورقي الجبل ونحوه: علاه وصعده، وفي هذا دليل على مشروعية الصعود على الصفا واستقبال البيت، لقوله: (حتى رأى البيت فاستقبل القبلة)، وكانت رؤية البيت في الزمن القديم\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" (٥/ ٢٣٤).\n(^٢) تقدم ذلك في \"باب الوضوء\" حديث (٤٧).\n(^٣) \"المغني\" (٥/ ٢٣٧).","vol":"5","page":260},{"text":"ممكنة بسهولة، أما الآن فقد حال البناء دون ذلك، وتبقى سُنِّية استقبال البيت ولو لم يره.\n\nالوجه السابع عشر: قوله: (فوحَّد الله وكبَّره، وقال: … إلخ)، فيه أنه يسن على الصفا في بداية السعي أن يوحّد الله تعالى ويكبره، ويحمده، ويدعو، كما في حديث أبي هريرة ﵁ الآتي، ويقول ما ورد هنا.\n\nقوله: (ثم دعا بين ذلك ثلاث مرات) أي: يذكر الله تعالى ويثني عليه، ثم يدعو، ثم يذكر الله، ثم يدعو، ثم يذكر الله تعالى، فيكون الذكر ثلاثًا والدعاء مرتين، لقوله: (ثم دعا بين ذلك).\nويستحب رفع اليدين في هذا الموطن، لثبوته في حديث أبي هريرة ﵁ في فتح مكة، وفيه: (فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه، حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو) (^١)، وأما في بقية السعي - عدا الوقوف على الصفا والمروة - وكذا الطواف فلا يشرع رفع اليدين، لعدم ثبوت ذلك عن النبي ﷺ.\nوقد ذكر ابن القيم أن حجة النبي ﷺ تضمنت ست وقفات للدعاء: على الصفا، وعلى المروة، وفي عرفة، وفي مزدلفة، وعند الجمرة الأولى، وعند الجمرة الثانية (^٢).\nوفي حديث أبي هريرة ﵁ المذكور زيادة أخرى على ما في حديث جابر ﵁، وهي حمد الله تعالى في بداية الدعاء، وقد ذكر الفقهاء هذا (^٣)، فالعمل بالحديثين حسن، فيحمد الله ويكبره، ثم يقول: لا إله إلا الله … إلخ.\n\nقوله: (أنجز وعده) أي: بإظهار هذا الدين، وكون العاقبة للمتقين، وغير ذلك من وعده ﷾.\n\nوقوله: (ونصر عبده) أي: نبيه محمدًا ﷺ على أعدائه.\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٧٨٠).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٨٧).\n(^٣) انظر: \"مختصر الخرقي\" ص (٥٩).","vol":"5","page":261},{"text":"وقوله: (وهزم الأحزاب) أي: غلبهم وكسرهم، (وحده) أي: بلا قتال من الناس، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] والمراد بالأحزاب: القبائل الذين اجتمعوا حول المدينة وتحزبوا يوم الخندق، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].\n\nالوجه الثامن عشر: قوله: (ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه في بطن الوادي سعى …)، قوله: (حتى انصبت) في «صحيح مسلم»: (حتى إذا انصبت) (^١)، وهذا فيه بيان كيفية السعي، وهو أنه إذا انتهى من الدعاء والذكر نزل من الصفا ماشيًا متجهًا إلى المروة، فإذا انصبت قدماه في بطن الوادي، أي: انحدرت، سعى سعيًا شديدًا، وكان هذا الجزء من المسعى في الزمن السابق واديًا، أما الآن فالأرض كلها مستوية، وقد جُعل العلم الأخضر الأول والثاني علامة على ضفتي هذا الوادي، فيسعى بينهما سعيًا شديدًا، فإذا جاوزه مشى إلى المروة، وليس على المرأة أو حامل المعذور سعي شديد.\nوالحكمة من هذا السعي الشديد أنه كان واديًا، والوادي في الغالب يكون نازلًا، وقد كانت أم إسماعيل ﵂ تمشي فيما بين الصفا والمروة، فإذا وصلت الوادي أسرعت في مشيها؛ لأن ابنها يغيب عنها إذا هبطت بطن الوادي.\n\nالوجه التاسع عشر: قوله: (ففعل على المروة كما فعل على الصفا) أي: فيصعد المروة ويقول ما قاله على الصفا من الذكر والدعاء ثلاث مرات.\nوعلى الإنسان أن يحرص على العمل بهذه السنن، ولا تأخذه العجلة فيترك الدعاء والذكر، ويقول في سعيه ما أحب من ذكر، ودعاء، وتلاوة القرآن، وينبغي للإنسان - وهو يسعى - أن يستشعر أنه في ضرورة إلى\n_________\n(^١) انظر: \"المفهم\" (٣/ ٣٢٨).","vol":"5","page":262},{"text":"رحمة الله ﷿، كما كانت أم إسماعيل ﵂ في ضرورة إلى رحمة الله ﷿، ومعنى ذلك أن المسلم يفزع إلى الله تعالى، ويستغيث به من آثار الذنوب وعواقبها، وذلك بالإلحاح في الدعاء، وصدق الالتجاء إلى الله تعالى.\nوليس للسعي - كالطواف - دعاء معين، وأما تخصيص كل شوط بدعاء معين، فهذا لا أصل له، وإن دعا بين العلمين بقوله: (ربّ اغفر وارحم، إنك أنت الأعز الأكرم) فحسن، لثبوت ذلك عن ابن عباس وابن عمر (^١) ﵃.\n\nوقوله: (فذكر الحديث) هنا اختصار، فإن الحافظ حذف ما يتعلق بالأمر بفسخ الحج إلى العمرة، حيث أمر النبي ﷺ الصحابة ﵃ الذين ليس معهم هدي بالتحلل بعمرة بعد ما أتموا السعي، وقد تقدم الكلام على شيء من ذلك.\n\nالوجه العشرون: قوله: (فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى …) في «صحيح مسلم»: (فأهلوا بالحج)، وعلى هذا فمعنى (توجهوا): قصدوا وتهيأوا للرحيل من الأبطح، لا أنهم توجهوا بمشيهم إلى منى، فأحرموا منها، للإجماع على أنهم أحرموا في مكة (^٢). ويوم التروية: هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي بذلك لأنهم كانوا يرتوون من الماء لما بعده، أي: يسقون ويستقون.\nوكان ﷺ قد أقام بالأبطح حتى صبح اليوم الثامن، والأبطح: هو مسيل فيه دقاق الحصى، يقع شرقي مكة، فأحرم النبي ﷺ في هذا المكان ومعه أصحابه قبل الزوال، ثم توجهوا إلى منى، وكان ذلك يوم الخميس.\nوالسنّة أن يحرم الحاج من المكان الذي هو فيه، سواء أكان في الأبطح أم في منى، والمكي إذا أراد الحج يُحرم من أهله.\nوأما قول البهوتي شارح «الزاد»: (والأفضل من تحت الميزاب) (^٣)، أي:\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (٤/ ٦٨ - ٦٩) بإسنادين صحيحين، كما قال الألباني في \"مناسكه\" ص (٢٦).\n(^٢) \"المفهم\" (٣/ ٣٣٠).\n(^٣) \"الروض المربع\" (٤/ ١٢٧).","vol":"5","page":263},{"text":"ميزاب الكعبة الذي يصب في الحِجْرِ، فهذا اجتهاد منه، وهو مخالف للسنة، فإنه لم ينقل أن النبي ﷺ أحرم من تحت الميزاب ولا أحد من أصحابه ﵃.\n\nالوجه الحادي والعشرون: قوله: (وركب رسول الله ﷺ، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر)، أي: صلى كل صلاة في وقتها قصرًا من غير جمع، وإنما ذكر جابر ﵁ عدد هذه الصلوات الخمس هنا ليعلم الوقت الذي وصل فيه إلى منى، والوقت الذي خرج فيه منها إلى عرفة، والخروج إليها ومنها على هذه الصفة استحبه العلماء، استحبوا البيات في منى، وألا يخرج منها الحاج حتى تطلع شمس اليوم التاسع.\n\nالوجه الثاني والعشرون: قوله: (حتى طلعت الشمس فأجاز حتى أتى عرفة) عرفة: مشعر خارج حدود الحرم؛ لأنها واقعة في الحل، وهي اسم لمكان الوقوف في الحج، سميت عرفة لارتفاعها على ما حولها، ويقال: عرفات، كما في القرآن.\n\nوقوله: (فأجاز) يقال: جاز المكان: سار فيه، وأجازه؛ قطعه، والمعنى: جاوز المزدلفة ولم يقف بها؛ بل توجه إلى عرفات. وهذا فيه دليل على أنه يسن للحاج أن يبيت ليلة التاسع في منى إن تيسر، أما البيات قصدًا في عرفة ليلة التاسع فهذا خلاف السنة.\n\nالوجه الثالث والعشرون: قوله: (فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها) نَمِرَةُ: بفتح النون وكسر الميم، جبال صغار هي منتهى حد الحرم من الجهة الشرقية، فهي محاذية لأنصاب الحرم، ووادي عرنة يفصل بينها وبين عرفة. والقبة: خيمة صغيرة.\nوظاهر السياق يشعر بأن نمرة في عرفة، وبذلك قال بعض الفقهاء وعلماء اللغة.\nوالقول الثاني: أن نمرة ليست من عرفة، وبه جزم النووي، وابن تيمية، وابن القيم، وآخرون (^١)، ويترتب على هذا الخلاف حكم حَجِّ من وقف بنمرة\n_________\n(^١) انظر: \"المجموع\" (٨/ ١٠٦)، \"الفتاوى\" (٢٦/ ١٢٩)، \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٣٣)، \"مفيد الأنام\" ص (٢٩٣).","vol":"5","page":264},{"text":"إلى الغروب ثم دفع إلى مزدلفة (^١).\nوعلى القول بأنها ليست من عرفة يكون معنى قوله: (حتى أتى عرفة) قارَبَ عرفة، أو أن مراد جابر أن منتهى سيره عرفة، وأنه لم يفعل كما تفعل قريش في الجاهلية، فتنتهي بمزدلفة وتقف فيه يوم عرفة.\nوهذا القدر فيه فائدتان:\nالأولى: جواز الاستظلال بما ليس ملاصقًا للرأس، كالشمسية، والخيمة، وسقف السيارة، ونحوها.\nالثانية: استحباب الجلوس في نمرة إلى زوال الشمس إن تيسر - على أحد القولين - بناءً على أن الأصل التعبد في جميع أفعال الحج، إلا ما قام الدليل على أنه ليس كذلك، وإلا ذهب إلى عرفات واستقر بها ولو قبل الزوال.\n\nالوجه الرابع والعشرون: قوله: (حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي …)، المراد بالوادي: وادي عرنة الذي فيه مقدمة المسجد؛ لأن المسجد بعضه في عرفة وبعضه خارج عرفة، وبطن الوادي موضع متسع، ولذا خصَّه النبي ﷺ بخطبته، ولم يكن في هذا الموضع مسجد، وإنما بني في أول دولة بني العباس (^٢).\nوهذا فيه بيان ما يفعله الإمام في عرفة، وهو أن يخطب الناس خطبة واحدة، يعلمهم ما يحتاجون إليه من مسائل العقيدة وأحكام دينهم، ويحثهم على الاجتماع والائتلاف، ويحذرهم التفرق والاختلاف، ويبين لهم مكائد الأعداء ودسائس المتربصين، والمقصود أن الخطبة يراعى فيها ما يناسب الزمان، إضافة إلى ما تقدم.\nوليست خطبة النبي ﷺ يوم عرفة خطبة جمعة، وإنما هي خطبة تعليم، ولذا خطب قبل الأذان ولم يجهر بالقراءة، فدل على أنه لم يصلِّ جمعة، وقد ذكر جابر خطبة النبي ﷺ في عرفة.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح حديث جابر - ﵁ -\" للشيخ محمد بن عثيمين ﵀ ص (٥١، ١٠٧).\n(^٢) \"مجموع الفتاوى\" (٢٦/ ١٢٩).","vol":"5","page":265},{"text":"الوجه الخامس والعشرون: قوله: (ثم أذن ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر) هذا فيه دليل على أن الخطبة قبل الصلاة، وعلى أن الأذان بعد الخطبة، ثم يصلي الإمام بالناس الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، بأذان واحد وإقامتين. وهكذا يفعل الناس في سائر أنحاء عرفة، لا فرق في ذلك بين أهل مكة وغيرهم، وهذا الجمع قيل: إنه لأجل النسك، وقيل: لأجل السفر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والصحيح أنه لم يجمع بعرفة لمجرد السفر، كما قصر للسفر، بل لاشتغاله بالوقوف واتصاله عن النزول، ولاشتغاله بالمسير إلى مزدلفة، فكان جمع عرفة لأجل العبادة، وجمع مزدلفة لاجل السير الذي جدَّ فيه: وهو سير إلى مزدلفة …) (^١).\n\nالوجه السادس والعشرون: قوله: (ثم ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات …)، أي: ثم ركب من مكان خطبته وصلاته حتى أتى الموقف، وهو عند الجبل المعروف في شمال عرفة، ويسمى جبل (إلال) بوزن هلال، وتسميه العامة: جبل الرحمة (^٢).\nوالظاهر أنه ﷺ وقف عند الجبل من جهته الجنوبية، فيكون الجبل عن يمينه، ويستقبل القبلة، ويكون حبل المشاة أمامه، وحبل المشاة - بالحاء المهملة ـ: هو صفهم ومجتمعهم في مشيهم. وقيل: حبل المشاة: طريقهم الذي يسلكونه. والصخرات: هي صخرات مفترشة بالأرض، تقع خلف الجبل، والواقف عندها يستقبل الجبل والقبلة معًا.\n_________\n(^١) \"قاعدة في الأحكام التي تختلف بالسفر والإقامة\" لابن تيمية ص (٧١ - ٧٦).\n(^٢) تسميته بجبل الرحمة لا أصل لها؛ بل هي تسمية محدثة، لم تعرف إلا في أواخر القرن الرابع الهجري، ثم انتشرت في كتب التفسير والفقه والمناسك وغيرها، ولعل هذه التسمية بحكم ما يتفضل الله به على عباده في ذلك اليوم من الرحمة والمغفرة، لكن قد يكون في هذا الاسم مزيد إغراء لجهلة الحجيج بقصد الذهاب إليه والوقوف عليه، وفي ذلك إضرار عظيمٌ، لا سيما في شدة الحر، مع أن ذلك ليس من السنة؛ بل إذا صعده تعبدًا فهو بدعة؛ لأنه عمل غير مشروع. انظر: \"مجموع الفتاوى\" (٢٦/ ١٣٣)، رسالة \"جبل إلَالٍ بعرفات\" لبكر أبو زيد.","vol":"5","page":266},{"text":"وعرفة كلها موقف، لكن يجب على الواقف أن يتأكد من حدودها، وهي علامات يجدها من يطلبها؛ لأنها واضحة، ومن وقف خارجها لم يصح حجه؛ لأن الحج عرفة، كما تقدم.\n\nالوجه السابع والعشرون: قوله: (واستقبل القبلة)، فيه بيان أن الواقف بعرفة يستقبل القبلة؛ لأن الموقف موقف ذكر ودعاء، وعلى الحاج أن يستفيد من عشية هذا اليوم، فيكثر من الدعاء والاستغفار، متضرعًا مقبلًا مظهرًا الضعف والافتقار، وقد ذكر الفقهاء أن وقوفه راكبًا أفضل، لفعله ﷺ، ولأنه أعون على الدعاء، وهذا الإطلاق فيه نظر.\nوالذي يظهر - والله أعلم - أن الأفضل يختلف باختلاف أحوال الناس، فإن كان ممن إذا ركب رآه الناس لحاجتهم إليه، أو كان يشق عليه ترك الركوب وقف راكبًا، وإن كان جلوسه على الأرض أخشع له، وأحضر لقلبه جلس؛ لأن مراعاة الكمال الذاتي للعبادة أولى من مراعاة الكمال في المكان (^١).\n\nالوجه الثامن والعشرون: قوله: (فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس …) هذا فيه بيان وقت الانصراف من عرفة وكيفيته، فوقته بعد غروب الشمس. والصفرة: لون دون لون الحمرة، وهو شعاع الشمس بعد مغيبها، وقوله: (حتى غاب القرص) بيان لقوله: (غربت الشمس)؛ لأن هذا يطلق مجازًا على مغيب معظم القرص، فأزال الاحتمال بقوله: (حتى غاب القرص)، وهذا فيه دليل على مشروعية الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس وتحقق كمال غروبها، وسيأتي الكلام على هذه المسألة - إن شاء الله - عند حديث عروة بن مضرس ﵁.\nثم دفع إلى مزدلفة (وقد شنق للقصواء الزمام) أي: ضمَّ وضيَّق عليها الزمام، وذلك بالجذب، والزمام: بالكسر هو الخطام، وهو الخيط الذي يشد إلى الحلقة التي في أنف البعير ليقاد به ويمتنع به من الإسراع في المشي، وقد فسر ذلك بقوله: (حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله)، و(مورك رحله) بفتح الميم وكسر الراء وقيل بفتحها (^٢)، وهو الموضع الذي يجعل عليه الراكب رجله إذا ملَّ من الركوب.\n_________\n(^١) انظر: \"مجموع الفتاوى\" (٢٦/ ١٣٢)، \"الشرح الممتع\" (٧/ ٣٢٥).\n(^٢) انظر: \"إكمال المعلم\" (٤/ ٢٨١)، \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٧/ ٤٣٦).","vol":"5","page":267},{"text":"وقوله: (السكينة السكينة) منصوب على الإغراء بفعل محذوف؛ أي: الزموا.\n\nوقوله: (كلما أتى حبلًا …) في «صحيح مسلم» (من الحبال) وهو التل اللطيف من الرمل الضخم، والمعنى: أنه إذا أتى حبلًا من حبال الرمل أرخى لناقته قليلًا من أجل أن تصعد؛ لأن الناقة إذا شُدَّ زمامها شق عليها الصعود. وهذا فيه دليل على أنه ينبغي الدفع إلى مزدلفة بسكينة ووقار وخشوع وتكبير وتلبية، لئلا يضر الناس بعضهم بعضًا، وهذا يتأكد بالنسبة لسائقي السيارات، فإن عليهم السكينة والحرص على النظام ومراعاة خط السير، فإن وجد طريقًا مشى، وإلا انتظر حتى يمشي الذي أمامه، فهذا آمن له ولمن معه ولغيره من الحجاج.\n\nالوجه التاسع والعشرون: قوله: (حتى أتى المزدلفة، فصلى بها …) المزدلفة: أحد المشاعر المقدسة، بين عرفة ومنى، سُميت بذلك لاقتراب الناس إلى منى بعد الإفاضة من عرفات واجتماعهم فيها، والازدلاف: الاجتماع والاقتراب (^١)، وسيأتي بيان حدودها إن شاء الله، وهذا القدر من الحديث فيه بيان ما يفعله الحاج بعد وصوله المزدلفة، وهو كما يلي:\n١ - مشروعية الجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامة لكل صلاة، وذلك قبل حط الرحال أو عمل الطعام، سواء وصلوا إليها في وقت المغرب أم في وقت العشاء، وقد مضى في باب «الأذان» الكلام على مسألة الأذان والإقامة في مزدلفة، حيث ساق الحافظ هذا القدر من الحديث هناك.\n٢ - مشروعية ترك التنفل بين المجموعتين وإن كان الجمع تأخيرًا، وكذا راتبة المغرب والعشاء، أما راتبة الفجر فلا تترك حضرًا ولا سفرًا، وكون جابر ﵁ لم يذكرها، لا يدل على أنه ﷺ تركها؛ لأن جابرًا لم يذكر كل شيء فعله النبي ﷺ في حجه؛ بل ترك أشياء.\n٣ - أنه لا يشرع إحياء ليلة المزدلفة بصلاة ولا دعاء؛ لظاهر قوله: (ثم\n_________\n(^١) \"اللسان\" (٩/ ١٣٨).","vol":"5","page":268},{"text":"اضطجع حتى طلع الفجر) لكن يستثنى من ذلك الوتر، فقد كان ﷺ لا يدعه سفرًا ولا حضرًا، حتى كان يوتر على راحلته إذا جدَّ به السير، وأمر به أمته أمرًا عامًا بدون استثناء، وعدم النقل ليس نقلًا للعدم. فإما أن يكون جابر ﵁ سكت عن ذكره لأنه لا يدري، ولهذا لم ينفِ الوتر كما نفى التنفل في قوله: (ولم يسبح بينهما شيئًا)، أو أنه ترك ذكره للعلم به، ولأنه ليس من المناسك، والحديث في سياق المناسك، فالله أعلم.\nوقد جاء عن بعض الصحابة ﵃ أنهم قاموا في هذه الليلة، كما ورد عن أسماء ﵂، وحديثها في «الصحيحين»، وسأذكره - إن شاء الله - عند الكلام على انصراف الضعفة من مزدلفة.\n\nالوجه الثلاثون: قوله: (فصلى الفجر حين تبين الصبح …)، هذا فيه دليل على أن السنة في صلاة الفجر في مزدلفة المبادرة بها في أول وقتها، لكن عليه أن يتأكد من دخول الوقت، ولا يغترَّ بأذان غيره ممن قد يؤذن قبل دخول الوقت، ولعل هذه المبادرة ليتسع وقت الذكر والدعاء بعد الصلاة.\n\nالوجه الحادي والثلاثون: قوله: (ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام …) هذا فيه بيان ما يفعله في مزدلفة بعد الصلاة. والمشعر الحرام: من أسماء المزدلفة، وهو مكان أو جبيل في مزدلفة، وعليه المسجد الآن، ووصف بالحرام؛ لأنه داخل حدود الحرم.\nفالسنة للحاج بعد صلاة الفجر أن يستقبل القبلة، يذكر الله تعالى بالتكبير والتهليل، ويدعو، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقد ذكر الفقهاء أنه يسن رفع اليدين في الدعاء (^١)، ويستمر على ذلك حتى يسفر جدًّا.\nوعلى المسلم أن يحذر من إضاعة هذه الدقائق الغالية، فيشتغل بأمور لا داعي لها، فتطلع الشمس وهو في مكانه لم يتحرك، أو يبادر بالانصراف بعد الصلاة فيفوِّت على نفسه خيرًا كثيرًا.\n_________\n(^١) انظر: \"هداية السالك\" (٣/ ١٢٠٧).","vol":"5","page":269},{"text":"الوجه الثاني والثلاثون: قوله: (حتى أتى بطن محسر …) هذا فيه بيان كيفية الانصراف من مزدلفة، وهو أنه ﷺ لما دفع قبل طلوع الشمس وأتى بطن محسر حرك دابته قليلًا، وهذه هي السنة فيمن أتى بطن محسر أن يحرك دابته قليلًا، وكذا سيارته إن أمكن، وإن كان ماشيًا أسرع.\nومُحسِّر: بضم الميم، وفتح الحاء، بعدها سين مهملة مشددة مكسورة، بعدها راء: وادٍ بين مزدلفة ومنى، لا من هذه، ولا من هذه، وهو قول الجمهور (^١)، وقال بعض العلماء: إنه من منى، لما ورد عن الفضل بن عباس، وكان رديف النبي ﷺ أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: «عليكم بالسكينة، وهو كافٌّ ناقته حتى دخل محسرًا، وهو من منى …» الحديث (^٢).\nوقد ذكر الأزرقي أنه (٥٤٥) ذراعًا، قيل: سمي بذلك لأنه يحسِّر سالكه؛ أي: يُعْييه، وقيل: لأن فيل أصحاب الفيل حسَّر فيه؛ أي: أعيا، وهذا التعليل يؤيده إسراع النبي ﷺ فيه؛ لأن هذه عادته ﷺ في المواضع التي نزل بها بأس الله بأعدائه، لكن يشكل عليه أن الفيل لم يدخل الحرم أصلًا، وقيل: لأنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا الوادي ويذكرون أمجاد آبائهم، فأراد النبي ﷺ أن يخالفهم، كما خالفهم في الخروج من عرفة، وفي الإفاضة من مزدلفة، وكل هذه أمور اجتهادية، وليس في المسألة دليل قاطع، فالله أعلم بحكمة إسراعه ﷺ (^٣).\n\nالوجه الثالث والثلاثون: قوله: (ثم سلك الطريق الوسطى …)، هذا فيه بيان رميه ﷺ جمرة العقبة، وهو أنه ﷺ سلك (الطريق الوسطى) وهي الطريق القاصدة إلى الجمرات، ويبدو أن الطرق في منى ثلاثة: طريق شرقية، وغربية، ووسطى، وقوله: (الوسطى) مؤنث الأوسط، والطريق يذكَّر، في لغة نجد، وبه جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] ويؤنث\n_________\n(^١) انظر: \"هداية السالك\" (٣/ ١٢١٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٨٢).\n(^٣) \"أخبار مكة\" للأزرقي (٢/ ١٨٩)، \"مفيد الأنام\" (٢/ ٣٢٨)، \"الشرح الممتع\" (٧/ ٣٤٨).","vol":"5","page":270},{"text":"في لغة الحجاز، كما في هذا الحديث، وقد ذكر النووي أن هذا الطريق غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات.\n\nوقوله: (التي تخرج على الجمرة الكبرى) لعل وصفها بالكبرى باعتبار ما قبلها من الجمرتين الصغرى والوسطى، ولأنها تنفرد بالرمي يوم العيد.\n\nوقوله: (التي عند الشجرة) هذا في الزمن القديم، وهذا فيه دليل على أن السنة للحاج إذا دفع من مزدلفة فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة، ولا يفعل شيئًا قبل رميها، فيرميها بسبع حصيات كل حصاة (مثل حصى الخذف) وهي بالخاء المعجمة، وهو الرمي بحصاة تجعل بين السبابتين، وقدر حصى الخذف أكبر من حبة الحِمِّص قليلًا، وهذا يدل على صفة الحصى الذي يُرمى به، وأنه أكبر من حبة الحِمِّص قليلًا، وعلى هذا فلا يرمي بحجر كبير يؤذي المسلمين، ولا يجوز بالصغير الذي لا يمكن رميه؛ لأن الرمي عبادة لله تعالى، فلا بد أن يكون بما يمكن رميه. ويكبِّر مع كل حصاة: (الله أكبر)، وهذا من كمال التعبد لله تعالى، والتعظيم لأمره، ليحصل الجمع بين التعظيم بالقلب والتعظيم باللسان، وقد رماها ﷺ (من بطن الوادي) جاعلًا منى عن يمينه ومكة عن يساره، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nولم يذكر جابر ﵁ من أين أخذ النبي ﷺ حصى جمرة العقبة، وهذا يدل على أنه ليس لذلك مكان معين، فيلقطها الحاج من حيث شاء، وقد جاء في حديث ابن عباس - وفي رواية الفضل بن عباس - ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على راحلته: «هاتِ القط لي»، فلقط له حصيات نحوًا من حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال: «مثل هؤلاء - ثلاث مرات - وإياكم والغلوَّ في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلوِّ في الدين» (^١).\nوهذا كما ترى ليس فيه تحديد للمكان، وقد جزم ابن قدامة أن ذلك كان في منى (^٢)، ولعله أخذ ذلك من قوله: (غداة العقبة)، وذكر ابن حزم أنه\n_________\n(^١) رواه النسائي (٥/ ٢٦٨)، وابن ماجه (٣٠٢٩)، وأحمد (١/ ٢١٥، ٣٤٧)، وابن الجارود (٤٧٣) وإسناده صحيح.\n(^٢) \"المغني\" (٥/ ٢٨٨).","vol":"5","page":271},{"text":"التقطها له من موقفه الذي رمى فيه، وتبعه الألباني، وهذا فيه نظر، فقد ورد في «الصحيحين»: «أنه رمى الجمرة ضحى»، وهذا يفيد أن الالتقاط كان قبل وقت الرمي (^١)، وقد جاء في «صحيح مسلم» من حديث الفضل: (حتى إذا دخل محسرًا وهو من منى، قال: «عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة …») (^٢)، وظاهر هذا أنه أمر بلقطها في طريقه، وبه جزم ابن القيم (^٣). والمقصود أنه ليس للحصى مكان معين، ومن فهم أن السنة الالتقاط من مزدلفة - كما يفعله كثير من الحجاج - فقد غلط، لعدم الدليل على ذلك.\n\nالوجه الرابع والثلاثون: قوله: (ثم انصرف إلى المنحر فنحر)، هذا فيه دليل على استحباب التثنية بالنحر بعد رمي جمرة العقبة، وقد نحر النبي ﷺ ثلاثًا وستين بدنة بيده الشريفة، ثم أعطى عليًّا فنحر الباقي، وكان هديه ﷺ مائة بدنة.\nوالمتمتع والقارن كلاهما عليه هدي شكران لا جبران، أما المتمتع ففيه نص القرآن، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وأما القارن فوجوب الهدي عليه هو مذهب جمهور العلماء إما بالقياس على المتمتع أو لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾، وقد تقدم أن الصحابة ﵃ أطلقوا لفظ التمتع على نسك النبي ﷺ، وهو قارن.\nوقال ابن حزم: (لا هدي على القارن، إلا الذي كان معه عند إحرامه) (^٤) وقال ابن قدامة: (لا نعلم في وجوب الدم على القارن خلافًا، إلا ما حكي عن داود، أنه لا دم عليه، وروي ذلك عن طاوس، وحكى ابن المنذر أن ابن داود لما دخل مكة سئل عن القارن، هل يجب عليه دم؟ فقال: لا. فَجُرَّ برجله. وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم) (^٥).\nودم التمتع هو دم نسك وعبادة، فهو دم شكر حيث حصل للعبد نُسُكان\n_________\n(^١) انظر: \"هداية السالك\" (٣/ ١١٩٧ - ١١٩٨)، \"حجة النبي -ﷺ-\" ص (٩٠).\n(^٢) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٣) \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٥٤).\n(^٤) \"المحلى\" (٧/ ١١٩).\n(^٥) \"المغني\" (٥/ ٣٥٠).","vol":"5","page":272},{"text":"في سفر واحد وزمن واحد، وهو من تمام النسك وكماله، وهو من رحمة الله تعالى بعباده وإحسانه إليهم، حيث شرع لهم ما به كمال عبادتهم وزيادة أجرهم، وأباح لهم بسببه التحلل أثناء الإحرام، لما في استمراره عليهم من المشقة، ولهذا كان الدم فيه وفي القِران دم شكر لا دم جبران، إذ لا نقص في هذا النسك حتى يجبر، فيأكل منه الحاج، ويهدي، ويتصدق، فعليه أن يعرف هذه الفائدة، فإن في الدم أو بدله أجرًا، كما أن في التمتع أجرًا، فلا يَحْرِمُ الإنسان نفسه ذلك، فيحج مفردًا لئلا يلزمه الدم.\nوقد تقدم أن القارن إذا لم يكن معه هدي، فإنه يشرع له فسخ إحرامه إلى عمرة، وأن أفضلية القران إنما هي في حال سوق الهدي، كنسك النبي ﷺ.\nولم يرد ذكر الحلق في هذه الرواية، وقد جاء عند أحمد من حديث جابر ﵁: (نحر رسول الله ﷺ، فحلق) (^١)، وفي حديث أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: «خذ»، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس (^٢). وهذا يدل على أن السُّنَّة أن يكون الحلق بعد النحر، فتكون هذه الأعمال الثلاثة يوم النحر مرتَّبة، فإن قدم بعضها على بعض فلا بأس، كما سيأتي إن شاء الله.\n\nالوجه الخامس والثلاثون: قوله: (ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر) معنى (فأفاض) أي: طاف طواف الإفاضة، وهذا فيه دليل على استحباب طواف الإفاضة بعد الرمي والنحر والحلق إن تيسر، وإلا فالأمر فيه سعة، فإن لم يستطع الطواف في هذا الوقت لانشغاله بالرمي، أو بنحر هديه وتفريقه، فله تأخير الطواف إلى آخر يوم النحر أو أيام التشريق.\n_________\n(^١) انظر: \"حجة النبي -ﷺ-\" للألبانى ص (٩٣).\n(^٢) رواه مسلم (١٣٠٥).","vol":"5","page":273},{"text":"وقد ذكر الفقهاء أن وقت طواف الإفاضة يبدأ من مغيب القمر ليلة النحر، بشرط أن يسبقه الوقوف بعرفة ومزدلفة، فمن دفع من مزدلفة من الضعفة في هذا الوقت ورمى جمرة العقبة، فله أن يذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، ولا سيما من معه نساء يخاف عليهن الزحام، أو العادة الشهرية (^١).\nوأما آخر وقته فلم يرد فيه نص، والجمهور على جواز تأخيره ولو بعد نهاية شهر ذي الحجة، والأولى ألا يؤخره عن شهر ذي الحجة، إلا من عذر كمرض أو نفاس أو نحو ذلك (^٢)، لأن الحاج يبقى محرمًا، إذ لم يحصل له التحلل الأكبر بطواف الإفاضة، قال ابن قدامة: (والصحيح أن آخر وقته غير محدد، فإنه متى أتى به صح بغير خلاف، وإنما الخلاف في وجوب الدم) (^٣)، وانفرد ابن حزم بالقول بأن تأخير طواف الإفاضة إلى انتهاء شهر ذي الحجة مبطل للحج (^٤).\nوقول جابر ﵁ (فصلى بمكة الظهر) يعارضه قول عبد الله بن عمر ﵄: (إن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى بمنى) (^٥)، وجُمع بينهما بأنه ﷺ صلى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه (^٦) ﵃، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتاوى ابن باز\" (١٧/ ٢٨٤).\n(^٢) انظر: \"المدونة\" (١/ ٣١٩)، \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٣٢)، \"المجموع\" (٨/ ٢٢٤)، \"الإنصاف\" (٤/ ٤٣).\n(^٣) \"المغني\" (٥/ ٣١٣).\n(^٤) \"المحلى\" (٧/ ١١٩، ١٧٢).\n(^٥) أخرجه مسلم (١٣٠٨)، وانظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٥٦٧).\n(^٦) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٨/ ٤٤٣).","vol":"5","page":274},{"text":"<span data-type='title' id=toc-608>حكم الدعاء بعد التلبية</span>\n٧٤٣/ ٢ - عَنْ خُزَيْمةَ بنِ ثابت ﵁: أنَّ النّبيَّ ﷺ كانَ إذا فَرَغَ من تَلْبِيَتهِ في حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ سأَلَ اللهَ رِضْوَانَهُ وَالجَنَّةَ، واستعاذَ بِرَحْمَتِهِ منَ النَّارِ. رواهُ الشافعيُّ بإسناد ضعيف.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو أبو عمارة، خزيمة - بضم الخاء وفتح الزاي - بن ثابت بن الفاكه الخَطْمِي الأنصاري الأوسي، شهد بدرًا، وقيل: أول مشاهده أُحد، وصوَّبه الذهبي. يُعرف بذي الشهادتين (^١)، كانت معه رايةُ خَطْمَةَ يومَ الفتح، روى البخاري بسنده عن زيد بن ثابت ﵁ قال: لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب، كنت كثيرًا أسمع رسول الله ﷺ يقرأها، لم أجدها عند أحد إلا مع خزيمة الأنصاري، الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] (^٢).\nكان مع علي ﵁ يوم صفين كافًّا عن القتال، فلما قتل عمار بن ياسر ﵁ جرَّد سيفه، فقاتل حتى قتل سنة سبع وثلاثين ﵁ (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"سنن أبي داود\" (٣٦٠٧) ففيه سبب جعل النبي -ﷺ- شهادته بشهادة رجلين، وانظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٥١٨).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٤٧٨٤).\n(^٣) \"الاستيعاب\" (٣/ ١٩٧)، \"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٤٨٥)، \"الإصابة\" (٣/ ٩٣ - ٩٤).","vol":"5","page":275},{"text":"الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه الشافعي (١/ ٣٢٢ - ٣٢٣ ترتيب مسنده) قال: أخبرني إبراهيم بن محمد، عن صالح بن محمد بن زائدة، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه، به.\nوهذا إسناد ضعيف - كما قال الحافظ ـ؛ لأن مدار الحديث على صالح بن محمد بن زائدة المدني، قال البخاري: (منكر الحديث)، وقال أبو داود والنسائي: (ليس بالقوي). وقال الدارقطني: (ضعيف)، وضعفه ابن حبان. وقال أحمد: (ما أرى به بأسًا) (^١).\nوفي إسناده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى شيخ الشافعي، كان كذابًا - كما تقدم الكلام عليه ـ، إلا أنه تابعه عبد الله بن عبد الله الأموي، عن صالح بن زائدة، به. أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٣٨)، والبيهقي (٥/ ٤٦).\n\nالوجه الثالث: دل الحديث على فضل الدعاء بعد كل تلبية بسؤال الله تعالى رضوانه وجنته، والاستعاذة برحمته من النار، ولكن لا يثبت هذا الفضل لضعف الحديث، كما تقدم.\nفمن أخذ بالعمومات قال: إن الدعاء في حق الملبي مشروع؛ لأن النبي ﷺ لم ينه الملبي عن الدعاء، ولأن مقام المحرم ومقام التلبية مقام واسع، فيدعو ربه ويذكره ويصلي على النبي ﷺ ويلبي، فيستغل وقته بالخير، والنبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه، وقد كان يسمع الناس يزيدون في التلبية فيقرهم على ذلك، كما تقدم، ومن وقف عند الدليل قال بعدم مشروعية الدعاء في مثل هذا المقام، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٥١).","vol":"5","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-609>ما جاء في أن منى كلها منحر، وعرفة وجمع كلها موقف</span>\n٧٤٤/ ٣ - عن جابرٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «نَحَرْتُ ها هُنا، ومِنًى كُلُّها مَنْحرٌ، فانْحَرُوا في رِحالِكم، ووقَفْتُ هَا هُنا، وعَرَفَةُ كلُّها مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَا هُنَا، وجَمْعٌ كلُّها مَوْقِفٌ». رواهُ مُسلمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «الحج»، باب «ما جاء أن عرفة كلها موقف» (١٢١٨) (١٤٩) من طريق جعفر بن محمد: حدثني أبي، عن جابر بن عبد الله ﵁، به.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (نحرت ها هنا) هذا يدل على أن هذه الأحكام قالها النبي ﷺ يوم العيد.\n\nقوله: (ومنى) بكسر الميم وفتح النون مخففة بوزن رِبَى، هي أحد المشاعر المقدسة، تقع بين وادي محسر شرقًا، وجمرة العقبة غربًا، ومن الجنوب والشمال الجبلان المستطيلان، وكل ما كان على منى فهو منها، وسميت بذلك لكثرة ما يمنى؛ أي: يراق فيها من دماء الهدايا.\n\nقوله: (وعرفة كلها موقف) تقدم الكلام على عرفة في شرح حديث جابر ﵁.\n\nقوله: (وجمع كلها موقف) جمع: هي المزدلفة: وهذا اسم أطلقه","vol":"5","page":277},{"text":"النبي ﷺ عليها، سميت بذلك لاجتماع الناس فيها في الجاهلية والإسلام، ولها اسم ثالث - كما تقدم في شرح حديث جابر ﵁ - وهو: المشعر الحرام، وهذا جاء في القرآن في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، والمشعر: مَفْعَلٌ من شَعَرَ، أي: المَعْلَم. والحرام: لأنه ممنوع أن يفعل فيها ما نُهي عنه من محظورات الإحرام.\nوحدُّ مزدلفة من مأزِمَي عرفة شرقًا إلى وادي محسِّر غربًا، وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب. ومأزما عرفة: تثنية مأزِم، وهو المضيق بين جبلين أو عدوتي وادٍ، وثُنِّي لوقوعه بين شيئين، والمراد به هنا: وادي عُرنة؛ ولذا أضيف إلى عُرنة، لاتصاله بها وقربه منها، قال ﷺ: «ارفعوا عن بطن عرنة»، وقيل: المأزمان، الجبلان اللذان يسميان الأخشبين، وهما جبلان بين عرفة ومزدلفة، بينهما طريق (^١).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن النحر يصح في جميع الحرم، سواء في مكة أو منى أو مزدلفة؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، والمراد بذلك: الحرم كله، كما ذكر المفسرون، وفي لفظ لحديث جابر ﵁: «كل فِجَاج مكة طريق ومنحر» (^٢).\nوعن عطاء، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (مناحر البُدْن بمكة، ولكنها نُزِّهَتْ عن الدماء، ومنى من مكة) (^٣).\nوعلى هذا فلا ينحر هديه في عرفة أو غيرها من الحل ولو فرَّقه في الحرم؛ لأن عرفة خارج الحرم، فلا يجزئ على قول الجمهور، وبعض الناس قد يغفل عن ذلك، فينبغي التنبه له.\n_________\n(^١) انظر: \"الصحاح\" (٥/ ١٨٦١)، \"هداية السالك\" (٣/ ١١٧٤)، رسالة: \"المزدلفة: أسماؤها -حدودها- أحكامها\" للدكتور عبد العزيز الحميدي.\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٩٣٧)، وابن ماجه (٣٠٤٨)، وأحمد (٢٢/ ٣٨١)، وسنده حسن.\n(^٣) أخرجه البيهقي (٥/ ٢٣٩) وإسناده صحيح، كما قال الألباني.","vol":"5","page":278},{"text":"أما الفدية لفعل محظور، فإن كان داخل الحرم، ففي مكان وجود سببه من الحرم، وإن كان خارجه ففي محل فعل المحظور، ويجوز في الحرم، كما تقدم، والله تعالى أعلم.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن عرفة كلها موقف، ففي أي مكان وقف ودعا أجزأ، ولها علامات واضحة لمن طلبها، وهذا دليل على يسر هذه الشريعة حيث لم يجمع الناس في مكان معين، لكن إن تيسر الوقوف عند الجبل في موقف النبي ﷺ فهو أفضل.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن جمعًا كلها موقف، ففي أي مكان وقف أجزأ ذلك.\nوالرسول ﷺ قال ذلك تقريرًا لمن حج معه ممن لم يقف في موقفه، ولم ينحر في منحره؛ لأنه ﷺ حج معه أمم لا تحصى، ولا يتسع لها مكان وقوفه ولا مكان نحره، والله أعلم.","vol":"5","page":279},{"text":"<span data-type='title' id=toc-610>من أين يكون دخول مكة والخروج منها</span>؟\n٧٤٥/ ٤ - عَن عائِشةَ ﵂، أَنَّ النبيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إلى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا، وخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِها. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «من أين يخرج من مكة؟» (١٥٧٧)، ومسلم (١٢٥٨) من طريق سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، به.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن النبي ﷺ دخل مكة من أعلاها، وهي ثنية الحجون، وتسمّى: (كَداء) بفتح الكاف والمد، وهي الطريق الآتية بين مقبرتي المعلاة، وخرج من أسفلها، وهي ثنية (كُدى) بضم الكاف والقصر كهُدى، وهي عند باب الشبيكة، وتعرف الآن بريع الرسَّام، وقد سُهِّلَتْ، وهي الآن في الشارع العام المؤدي إلى جرول، وأهل مكة يقولون: ادخل وافتح، واخرج وضم، وأما (كُديّ) بلفظ التصغير كسُمَيِّ، فهي لمن خرج من مكة إلى اليمن، وبعض علماء اللغة كصاحب «القاموس» وقع في وهم في هذه المواضع (^١). والثنية: الطريق المرتفع بين جبلين.\nوقد روى عبد الله بن عمر ﵄: أن النبي ﷺ دخل مكة من كداء من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى (^٢). ولعل هذه المخالفة من\n_________\n(^١) انظر: \"القاموس\" (٤/ ٢٧ ترتيبه)، \"مفيد الأنام\" (١/ ٢٢٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٧٦)، ومسلم (١٢٥٧).","vol":"5","page":280},{"text":"أجل إظهار الشعائر وتعويد النفوس على التنقل في العبادة.\n\nالوجه الثالث: اختلف العلماء في استحباب الدخول من حيث دخل النبي ﷺ والخروج من حيث خرج على قولين:\nالقول الأول: أنه يستحب ذلك وأنه يَعْدِلُ إليه، وإن لم يكن طريقه عليه، وهذا رأي النووي من الشافعية (^١)، واعتمده المتأخرون منهم.\nوالقول الثاني: أنه لا يستحب؛ لأن النبي ﷺ لم يفعل هذا قصدًا، وإنما سلكه لأن طريقه عليه، وهذا رأي جماعة من الشافعية، والحنابلةُ أطلقوا استحباب الدخول من أعلاها (^٢)، ولكن تقييده بما إذا كانت ثنية كداء في طريقه قوي جدًا، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٦).\n(^٢) \"المغني\" (٥/ ٢١٠)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٦/ ١١٩)، \"هداية السالك\" (٣/ ٨٩٧)، \"الروض المربع بحاشية ابن قاسم\" (٤/ ٨٧).","vol":"5","page":281},{"text":"<span data-type='title' id=toc-611>استحباب الاغتسال لدخول مكة</span>\n٧٤٦/ ٥ - عنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كانَ لا يَقْدُمُ مَكَّةَ إلا باتَ بِذِي طُوَى حتى يُصْبحَ، ويغْتَسِلَ، وَيَذْكُرُ ذلك عنِ النبيِّ ﷺ. مُتفقٌ عليه.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «الاغتسال عند دخول مكة» (١٥٧٣)، ومسلم (١٢٥٩) من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، به.\nوهذا لفظ مسلم، وفيه زيادة: (ثم يدخل نهارًا).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب الاغتسال عند دخول مكة لتحصل له النظافة والنشاط قبل أن يبدأ بالطواف، وقد نقل ابن المنذر إجماع العلماء على استحباب الاغتسال عند دخول مكة (^١).\nوذو طوى: بضم الطاء أو فتحها أو كسرها، موضع في مكة في جرول، وبئر طوى لا تزال موجودة في جرول أمام مستشفى الولادة، وهي مشهورة عند أهل مكة، وليس المراد تخصيص أفضلية الاغتسال فيها؛ بل الاغتسال مستحب لكل داخل من أي جهة كان، وإنما كان الاغتسال منها لأنها واقعة في طريقه ﷺ، أما من أتى من جهة نجد أو اليمن ونحوهما، فإنه يغتسل من طريقه الذي ورد منه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٣٥).","vol":"5","page":282},{"text":"<span data-type='title' id=toc-612>حكم السجود على الحجر الأسود</span>\n٧٤٧/ ٦ - عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ كانَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ الأسودَ ويَسْجُدُ عليه. رواهُ الحاكم مرفوعًا، والبَيْهَقِيُّ موقوفًا.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الحاكم (١/ ٤٥٥) من طريق أبي عاصم النبيل، ثنا جعفر بن عبد الله - وهو ابن الحكم ـ، قال: رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبَّل الحجر وسجد عليه، ثم قال: رأيت خالك ابن عباس يُقبِّله ويسجد عليه، وقال ابن عباس ﵄: رأيت عمر بن الخطاب ﵄ قبّله وسجد عليه، ثم قال عمر: رأيت رسول الله ﷺ فعل هكذا ففعلت.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه). وهذا فيه نظر، فإن الحاكم صحح الحديث بناءً على أن جعفر بن عبد الله هو ابن الحكم، كما في سياق الإسناد، وليس كذلك، وإنما هو جعفر بن عبد الله بن عثمان، بدليل رواية الدارمي (^١)، فإنه أخرج الحديث عن جعفر بن عبد الله بن عثمان قال: رأيت محمد بن عباد … الحديث، وكذا أخرجه أبو داود الطيالسي (^٢)، إلا أنه قال: جعفر بن عثمان القرشي، فنسبه إلى جده.\nقال الحافظ: (وَهِمَ الحاكم في قوله: (إن جعفر بن عبد الله هو ابن الحكم) فقد نص العقيلي على أنه غيره، وقال: هذا في حديثه وهم واضطراب) (^٣).\n_________\n(^١) \"سنن الدارمي\" (١/ ٣٨١).\n(^٢) \"مسند أبي داود الطيالسي\" (١/ ٣٢).\n(^٣) \"الضعفاء\" (١/ ١٨٣)، \"التلخيص\" (٢/ ٢٦٤).","vol":"5","page":283},{"text":"وقد حسَّن الحديث الحافظ ابن كثير (^١).\nورواه الشافعي (١/ ٥٥٠)، ومن طريقه البيهقي (٥/ ٧٥) عن ابن جريج، عند أبي جعفر، عن ابن عباس، به موقوفًا. وقد صرح ابن جريج بالتحديث عند عبد الرزاق (٥/ ٣٧) ورجاله ثقات، وهو أقوى أحاديث الباب، وقد صححه الألباني (^٢)، فيكون الصواب في ذلك أنه موقوف.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب تقبيل الحجر الأسود عند بدء الطواف، وعند محاذاته أثناء الطواف إن تيسر، وهذا ثابت في أحاديث صحيحة، كما سيأتي إن شاء الله.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب السجود على الحجر الأسود بوضع الجبهة والأنف عليه، والحديث فيه الكلام المتقدم، والمحفوظ في الأحاديث الصحيحة عنه ﷺ: أنه كان يقبِّل الحجر ويستلمه؛ أما السجود فلم يثبت إلا بمثل هذا الحديث، فمن لم يأخذ به، قال: إنه لا ينهض على إثبات مثل هذا الحكم، والعبادات توقيفية، والأصل فيها المنع، إلا ما شرعه الله تعالى ورسوله ﷺ؛ ولذا قال الإمام مالك: (إنه بدعة)، وجاء في كتب المالكية كراهة السجود عليه (^٣).\nوقال فقهاء الحنابلة: يسجد عليه، وكأنهم أخذوا بفعل ابن عباس وعمر ﵄، قال في «كشاف القناع»: (ونصَّ أحمد في رواية الأثرم: ويسجد عليه، فعله ابن عمر وابن عباس) (^٤).\nوالأقرب في هذا - والله أعلم - القول بالجواز دون الاستحباب، أما القول بأنه بدعة ففيه نظر؛ لأن ابن عباس ﵄ فعله، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"حجة الوداع\" ص (٨٩).\n(^٢) \"الإرواء\" (٤/ ٣١١).\n(^٣) انظر: \"المدونة\" (١/ ٣٦٤)، \"الشرح الكبير بحاشية الدسوقي\" (٢/ ٤١).\n(^٤) \"كشاف القناع\" (٢/ ٤٣٠)، وانظر: \"الإرواء\" (٤/ ٣١٢).","vol":"5","page":284},{"text":"<span data-type='title' id=toc-613>مشروعية الرمل في الطواف وبيان موضعه</span>\n٧٤٨/ ٧ - عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قالَ: أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَن يَرْمُلُوا ثلاثَةَ أَشْوَاطٍ، ويمْشُوا أَرْبعًا ما بَيْنَ الرُّكنينِ. متفقٌ عليه.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «كيف كان بدء الرمل؟» (١٦٠٢)، ومسلم (١٢٦٦) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: (قدم رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي ﷺ أن يرمُلوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرمُلوا الأشواط كلها إلا الإبقاءُ عليهم).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الرمل في الأشواط الثلاثة الأُول من الطواف الذي يأتي به القادم إلى مكة، سوى ما بين الركن اليماني والحجر الأسود، فهذا يمشي فيه بدون رمل، وإنما أمروا بالمشي فيما بين الركنين، رفقًا بهم؛ لأنهم رملوا إظهارًا للقوة والشجاعة، وكان المشركون لا يرونهم إذا كانوا بين الركنين؛ لأن المشركين كانوا في جهة الحِجْرِ، عند جبل قُعَيْقِعَانَ (^١)؛ ولذا قال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا (^٢). فحصلت إغاظة المشركين بدون مشقة على المسلمين، والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٤٢٥٦).\n(^٢) هذا اللفظ عند مسلم (١٢٦٦).","vol":"5","page":285},{"text":"والرمَل: الإسراع في المشي من غير مباعدة للخطوات، وتقدم. وما ورد في هذا الحديث من المشي بين الركنين فهو منسوخ؛ لأن حديث ابن عباس ﵄ كان في عمرة القضاء سنة سبع قبل فتح مكة، والناسخ له ما ثبت: أن النبي ﷺ رمل في حجة الوداع جميع الأشواط الثلاثة حتى ما بين الركنين؛ لأن هذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ، فقد روى ابن عمر ﵄ قال: (رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثًا ومشى أربعًا) (^١).\nوعنه - أيضًا - ﵁ أنه كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خبَّ ثلاثًا ومشى أربعًا (^٢). وفي رواية: رأيت رسول الله ﷺ إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم، فإنه يسعى ثلاثة أطواف، ويمشي أربعة (^٣). وهذا الحديث بروايته المذكورة موجود في بعض نسخ «البلوغ»، ولا سيما القديمة، وهو يدل على ما تقدم في حديث جابر ﵁، إلا أن فيه التصريح بأن الرمل في طواف القدوم.\n\nالوجه الثالث: الحكمة من مشروعية الرمل هي ما يستفاد من هذا الحديث، وهي إغاظة المشركين بإظهار القوة، وبقيت مشروعيته وإن كان سببها قد زال، للتذكير بذلك السبب.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أنه ينبغي إغاظة المشركين والكفار بكل وسيلة، وأنه يتأكد على أهل الإسلام ولا سيما في مواقف الحرب واللقاء مع الكفار أن يتظاهروا بالقوة والنشاط، وأن يحذروا ما يدل على الضعف، لأجل إغاظة العدو، وبعث الوهن بين صفوفه، ولئلا يطمع بهم ويتشجع على قتالهم أو النيل منهم، نسأل الله تعالى أن ينصر دينه، ويذلَّ أعداءه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٦١٦)، ومسلم (١٢٦٢).\n(^٢) رواه البخاري (١٦٤٤)، ومسلم (١٢٦١).\n(^٣) رواه البخاري (١٦١٦)، ومسلم (١٢٦١) (٢٣١).","vol":"5","page":286},{"text":"<span data-type='title' id=toc-614>حكم استلام أركان الكعبة</span>\n٧٤٩/ ٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قالَ: لم أَرَ رسَولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ البيتِ غيرَ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَّيْنِ. رواهُ مسلمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «الحج»، باب «استحباب استلام الركنين اليمانيين في الطواف دون الركنين الآخرين» (١٢٦٩) من طريق أبي الطفيل البكري، أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول … وذكر الحديث، إلا أنه ليس فيه لفظ: (من البيت). وقد جاء هذا الحديث - أيضًا - من مسند عبد الله بن عمر ﵄ (^١).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية استلام الحجر الأسود والركن اليماني في الطواف. وتقدم في حديث جابر ﵁ أن الاستلام: اللمس باليد؛ فالحجر الأسود يشرع فيه الاستلام والتقبيل أو الإشارة إليه مع البعد، أما الركن اليماني فليس فيه إلا الاستلام، وأما الإشارة فلا يشار إليه - على الراجح من قولي أهل العلم ـ.\nويقول عند استلام الحجر أو الإشارة إليه: الله أكبر؛ مرة واحدة، وأما الركن اليماني فيستلمه بدون تكبير؛ إذ لم يرد فيه نص، وقد ورد عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحطُّ الخطايا حطًّا» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٠٩)، ومسلم (١٢٦٧) (٢٤٢).\n(^٢) أخرجه أحمد (٩/ ٤٤٢) من طريق سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن=","vol":"5","page":287},{"text":"وأطلق عليهما اليمانيان: لأنهما من جهة اليمن؛ فالحجر الأسود في الجنوب الشرقي للكعبة، والركن اليماني في الجنوب الغربي، وفي مقابلهما الركنان: الشامي في الشمال الشرقي للكعبة يلي الحجر الأسود، والثاني: في الغربي منها، ويليه الركن اليماني.\nوالحكمة - والله أعلم - في ترك استلام الركنين الآخرين: أن النبي ﷺ لم يستلمهما، ولأنهما ليسا على قواعد الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل ﵊، وذلك لأن قريشًا لما بنوها قَصُرَتْ بهم النفقة، فَحَطَمُوا منها الحِجْرَ، فخرج فيه من الكعبة نحو ستة أذرع ونصف.\nوعن الطفيل، قال: رأيت معاوية يطوف بالبيت عن يساره عبد الله بن عباس، وأنا أتلوهما في ظهورهما، أسمع كلامهما، فطفق معاوية يستلم ركن الحَجَر، فقال له عبد الله بن عباس: إن رسول الله ﷺ لم يستلم هذين الركنين. فيقول معاوية: دعني منك يا ابن عباس، فإنه ليس منها شيء مهجور، فطفق ابن عباس لا يزيده، كلما وضع يده على شيء من الركنين، قال له ذلك (^١).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن السنة كما تكون في الأفعال تكون كذلك في التروكات، فإذا وجد سبب الفعل في عهد النبي ﷺ فلم يفعل، دل هذا على أن السنة تركه، وهذا النوع من السنة أصل عظيم، وقاعدة جليلة، به تحفظ أحكام الشريعة، ويُوصد باب الابتداع في الدين.\n_________\n= عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، عن ابن عمر، به. وهذا إسناد صحيح، وسفيان الثوري ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط، وكذا رواه النسائي (٥/ ٢٢١) من طريق حماد بن زيد، عن عطاء، به. وهو ممن سمع منه -أيضًا- قبل الاختلاط. وللحديث طرق أخرى.\n(^١) أخرجه الترمذي (٨٥٨)، وأحمد (٤/ ٨٧) وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وعلقه البخاري (١٦٠٨)، وأخرج مسلم (١٢٦٩) المرفوع فقط من وجه آخر عن ابن عباس. وأخرجه أحمد (٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠) من طريق خُصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس … وفيه: فقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فقال معاوية: صدقت. وخصيف وهو ابن عبد الرحمن الجزري: صدوق سيء الحفظ، لكنه متابع.","vol":"5","page":288},{"text":"الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه لا يشرع استلام شيء من أركان الكعبة أو جدرانها سوى الركنين اليمانيين، باتفاق أهل العلم، وكذا مقام إبراهيم ﵇، فإنه لا يجوز استلام شيء منه أو التمسّح به؛ بل هو من البدع المحدثة في دين الله تعالى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولا يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين دون الشاميين، فإن النبي ﷺ استلمهما خاصة، لأنهما على قواعد إبراهيم، والآخران هما في داخل البيت .. وأما سائر جوانب البيت ومقام إبراهيم .. وحجرة نبينا محمد ﷺ فلا تستلم ولا تقبل باتفاق الأئمة) (^١).\nويقول ابن القيم: (ليس على وجه الأرض موقع يشرع تقبيله واستلامه، وتحط الخطايا والأوزار فيه غير الحجر الأسود والركن اليماني) (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (٢٦/ ١٢١)، وانظر: ص (٩٧) منه.\n(^٢) \"زاد المعاد\" (١/ ٤٨).","vol":"5","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-615>حكم تقبيل الحجر الأسود</span>\n٧٥٠/ ٩ - عن عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ قَبَّلَ الحَجَرَ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لا تضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولولا أَنِّي رأَيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ. مُتّفقٌ عليه.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «ما ذكر في الحجر الأسود» (١٥٩٧)، ومسلم (١٢٧٠) من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن عابس بن ربيعة، قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يقبّل الحجر … وذكره، وهذا لفظ البخاري، والحديث له طرق متعددة عن عمر ﵁ (^١)، وقد رواه ابن عمر، عن أبيه، بنحوه.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية تقبيل الحجر الأسود في الطواف. والحجر الأسود في ركن الكعبة الجنوبي الشرقي، وقد كان أبيض من اللبن، ثم سوَّدته الخطايا، وقد روي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم» (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"حجة الوداع\" لابن كثير ص (٨٦ - ٨٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٨٧٧)، والنسائي (٥/ ٢٢٦)، وأحمد (٥/ ١٣ - ١٤)، وهذا لفظ الترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح) مع أنه من رواية جرير، عن عطاء بن السائب، وهو قد اختلط، ورواية جرير عنه بعد الاختلاط، لكن الحديث له شواهد.","vol":"5","page":290},{"text":"وقد جرى على الحجر حوادث واعتداءات متعددة في الأزمنة الماضية، أثرت فيه بتصدع وتكسر، ولكن الله تعالى حفظه من الضياع.\nوقد جاء في رواية لمسلم عن سويد بن غَفَلَةَ، قال: رأيت عمر قبَّل الحجر والتزمه، وقال: رأيت رسول الله ﷺ بك حفيًا (^١). ومعنى (حفيًا): أي معتنيًا بشأنك بالتقبيل والمسح والكلام (^٢).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن تقبيل الحجر ليس لأنه حجر يخاف منه الضرر أو يرجى منه النفع، وإنما هو تسليم للشرع واتباع للنبي ﷺ تعبّدًا لله تعالى.\n\nالوجه الرابع: فضيلة عمر ﵁ بحرصه على حماية التوحيد، حيث خاف من تقبيله الحجر أن يغتر به بعض الجهال وحديثو العهد بالإسلام الذين ألفوا عبادة الأحجار وتعظيمها خوف الضرر منها أو رجاء نفعها، فبيّن ﵁ أن هذا الأمر في الإسلام ليس لشيء يطلب من الحجر، وإنما هو تعظيم لله ﷿ واتباع للنبي ﷺ، وأن ذلك من شعائر الحج التي أمر الله بتعظيمها؛ ليغرس هذا المعتقد في قلوب من يسمعه أو يُنقل إليه.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أن وظيفة المؤمن التسليم للشرع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيه ولم تعلم عين الحكمة فيه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٢٧١).\n(^٢) \"حاشية السندي على سنن النسائي\" (٥/ ٢٢٧).","vol":"5","page":291},{"text":"<span data-type='title' id=toc-616>مشروعية استلام الحجر بالعصا ونحوه</span>\n٧٥١/ ١٠ - عنْ أبي الطُّفَيْلِ ﵁ قالَ: رَأَيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يطُوفُ بالبيتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُكنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، ويُقَبِّلُ المِحْجَنَ. رواهُ مسلمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو الطفيل، عامر بن واثلة بن عبد الله الليثي الكناني، رأى النبي ﷺ وهو شاب، وحفظ عنه أحاديث، روى البخاري بسنده عن أبي الطفيل أنه قال: (أدركت ثماني سنوات من حياة النبي ﷺ، وولدت عام أُحد) نزل الكوفة، وشهد مع علي ﵁ مشاهده كلها، فلما استشهد علي ﵁ عاد إلى مكة، فأقام بها إلى أن مات سنة مائة، أو سنة مائة وعشر، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ على الإطلاق (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «الحج»، باب «جواز الطواف على بعير وغيره واستلام الحجر بمحجن ونحوه للراكب» (١٢٧٥) من طريق سليمان بن داود، حدثنا معروف بن خَرَّبُوذ، قال: سمعت أبا الطفيل ﵁ يقول … وذكر الحديث.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يطوف بالبيت) الطواف مصدر طاف يطوف طوافًا وطوافانًا بمعنى: دار.\n_________\n(^١) \"التاريخ الأوسط\" ص (١١٩)، \"الاستيعاب\" (١٢/ ١٣)، \"الإصابة\" (١١/ ٢١٥).","vol":"5","page":292},{"text":"وشرعًا: الدوران سبعة أشواط حول الكعبة بنيّة الطواف على صفة مخصوصة (^١).\n\nقوله: (ويستلم) تقدم في حديث جابر ﵁ معنى (الاستلام)، وأنه لمس الحجر باليد.\n\nقوله: (بمحجن) المحجن: بكسر الميم، عصا محنية الرأس، يحملها الراكب ليوجه بها راحلته، ويتناول بها المتاع أو غيره.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية استلام الحجر الأسود بالعصا ونحوه إذا لم يتمكن من استلامه بيده ولم يؤذِ أحدًا.\nوإنما استلمه النبي ﷺ بمحجن؛ لأنه كان قد طاف على بعير، لما روى جابر ﵁ قال: (طاف رسول الله ﷺ بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجن؛ لأن يراه الناس، وليشرف، وليسألوه، فإن الناس غشوه) (^٢).\nوهذا فيه بيان لعلة ركوبه، وهو أن الناس قد غشوه، ولم يكونوا يُطردون عنه، أو يُضْرَبون بين يديه، فطاف على بعير، وكان ذلك في طواف الإفاضة يوم العيد، ليشرف على الناس، ويشاهدوه فيتعلموا من سنته، ويسألوه صلوات الله وسلامه عليه.\n\nالوجه الخامس: يستفاد من مجموع الأحاديث الواردة في الحجر الأسود: أن للناس مع الحجر ثلاث حالات:\nالأولى: التمكّن من تقبيله، فهذا يقبِّل ويكبر عند التقبيل، وهذا هو الكمال، ولم يرد في الأحاديث تحديد عدد للتقبيل، فالأَوْلى مرة واحدة؛ إذ لو قَبَّلَ النبي ﷺ أكثر من مرة لنقل إلينا.\nالثانية: ألا يتمكن من التقبيل، ويتمكن من الاستلام باليد أو بالعصا\n_________\n(^١) \"المبسوط\" (٤/ ١٠)، \"المطلع على أبواب المقنع\" ص (١٨٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٧٣).","vol":"5","page":293},{"text":"ونحوه، فيشرع ذلك مع التكبير، ويقبل يده أو عصاه إذا استلم بها لكونها لامست الحجر؛ لأن النبي ﷺ لما طاف في حجة الوداع على بعير استلم الركن بمحجن، ثم قَبَّلَ المحجن الذي استلم به الركن.\nوقد روى مسلم بسنده، عن نافع، قال: رأيت ابن عمر ﵄ يستلم الحجر بيده، ثم قبَّل يده، وقال: (ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله) (^١).\nالثالثة: ألا يتمكن من الاستلام لكونه راكبًا أو لوجود زحام، فهذا يشير إلى الحجر ويكبر، ولا يقبل ما أشار به - على الراجح من قولي أهل العلم ـ؛ لأنه لا يُقَبَّلُ إلا الحجر أو ما مس الحجر، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٢٦٨) (٢٤٦).","vol":"5","page":294},{"text":"<span data-type='title' id=toc-617>حكم الاضطباع في الطواف</span>\n٧٥٢/ ١١ - عن يَعْلَى بن أُمَيَّة ﵁ قالَ: طافَ رسولُ اللهِ ﷺ مُضطبِعًا بِبُرْدٍ أَخضرَ. رواه الخمسة إلا النسائي، وصحّحهُ الترمذيُّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو يعلى بن أمية التميمي الحنظلي، ويقال: يعلى بن مُنْية، بضم الميم وسكون النون، وهي أمه، وقيل: أم أبيه. أسلم ﵁ يوم الفتح، وحسن إسلامه، وشهد حُنينًا والطائف وتبوك، قال ابن عبد البر: (كان يعلى بن أمية سخيًا معروفًا بالسخاء)، قتل سنة ثمان وثلاثين بصفِّين مع علي ﵁، وقيل: سنة سبع وأربعين، وقال الذهبي: (بقي إلى قريب الستين، فما أدري أتوفي قبل معاوية أو بعده) (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في «المناسك»، باب «الاضطباع في الطواف» (١٨٨٣)، وابن ماجه (٢٩٥٤)، وأحمد (٢٩/ ٤٧٥) من طريق سفيان، عن ابن جريج، عن ابن يعلى، عن أبيه. واللفظ لأبي داود.\nوهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا أنه منقطع، ابن جريج لم يسمعه من ابن يعلى، وقد دلَّسه عنه، والواسطة بينهما عبد الحميد بن جبير، وهو ثقة من رجال الشيخين. فقد أخرجه الترمذي (٨٥٩)، وأحمد (٢٩/ ٤٧٣) عن سفيان، عن ابن جريج، عن عبد الحميد، عن ابن يعلى، عن أبيه، إلا أنه\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١/ ٩٣١)، \"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ١٠٠)، \"الإصابة\" (١٠/ ٣٧٢).","vol":"5","page":295},{"text":"قد أُبهم اسم الرجل في إسناد أحمد. وابن يعلى: هو صفوان بن يعلى بن أمية.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (مضطبعًا) الاضطباع: افتعال من الضَّبَع، وهو العضد، وهو أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن، ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر، سمّي اضطباعًا لإبداء الضَّبَعين.\n\nقوله: (ببرد) البرد - بضم الباء وإسكان الراء ـ: كساء له أعلام، وتقدم في «الجنائز».\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب الاضطباع في طواف القدوم خاصة.\nوقد روى أبو داود من طريق حماد بن سلمة، عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجِعِرَّانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، قد قذفوها على عواتقهم اليسرى (^١).\nوالسنّة في الاضطباع أن يكون عند إرادة الطواف، فيكون عند بدايته وينتهي بنهايته، فإذا أنهى طوافه وأراد أن يصلي ركعتي الطواف سوى رداءه على كتفيه، وليس كما يفعله كثير من المحرمين، فيضطبع منذ أن يحرم إلى أن يخلع ثياب الإحرام، فهذا لا أصل له، وفيه مخالفة للسنة، فينبغي التنبه له، والتنبيه عليه، قال ابن عابدين: (والمسنون الاضطباع قبيل الطواف إلى انتهائه لا غير) (^٢).\nوالحكمة من هذا الاضطباع أنه يعين على الإسراع في المشي، فإن النبي ﷺ وأصحابه فعلوه في عمرة القضاء؛ ليستعينوا بذلك على الرمل؛\n_________\n(^١) \"السنن\" (١٨٨٤) وإسناده حسن، فيه عبد الله بن خثيم، وفيه كلام. والذي يتلخص من حاله أنه صدوق، كما قال الحافظ في \"التقريب\".\n(^٢) \"حاشية ابن عابدين\" (٢/ ٥١٢).","vol":"5","page":296},{"text":"ليرى المشركون قوتهم وجلدهم، كما تقدم، ثم صار سنة.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على جواز الإحرام بالثوب الأخضر وغيره من الألوان، والبياض أفضل؛ لعموم قوله ﷺ: «البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم» (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في \"الجنائز\" رقم (٥٤٨).","vol":"5","page":297},{"text":"<span data-type='title' id=toc-618>مشروعية التلبية والتكبير إذا غدا إلى عرفة</span>\n٧٥٣/ ١٢ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قالَ: كان يُهِلُّ مِنَّا المُهِلُّ فلا يُنْكَرُ عليهِ، وَيُكَبِّرُ مِنّا المُكَبِّرُ فلا يُنْكَرُ عليه. متفقٌ عليه.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة» (١٦٥٩)، ومسلم (١٢٨٥) من طريق مالك، عن محمد بن أبي بكر الثقفي: أنه سأل أنس بن مالك - وهما غاديان من منى إلى عرفة ـ: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ؟ فقال: كان يهل … الحديث.\nوبهذا السياق يتبين أن هذا كان في توجههم إلى عرفات، بخلاف سياق الحافظ للحديث، فإنه لا يدل على ذلك.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية التلبية والتكبير يوم عرفة، فإن لبى فحسن، وإن كبر فلا بأس، والتلبية شعار المحرم فإذا كبر معها فلا بأس، وهذا يدل على أن الأمر فيه سعة؛ لأن النبي ﷺ أقرّهم على ذلك.\n\nالوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الصحابة ﵃ ينكرون على من خالف المنهج المستقيم في قول أو فعل، وأنهم لا يقرّون مخطئًا على خطئه؛ لأن أنسًا ﵁ احتج على مشروعية التكبير والتلبية في هذا اليوم بأن الرجل منهم كان يلبي، وكان يكبر، ولم ينكر عليه ذلك أحد من الصحابة ﵃، والله تعالى أعلم.","vol":"5","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-619>جواز انصراف الضعفة من مزدلفة بليل</span>\n٧٥٤/ ١٣ - عن ابنِ عبّاسٍ ﵄ قالَ: بَعَثَنِي النبيُّ ﷺ في الثَّقَلِ - أَو قال: في الضَّعَفَةِ - من جَمْعٍ بِلَيْلٍ. مُتّفقٌ عليه.\n٧٥٥/ ١٤ - وعنْ عائِشَةَ ﵂ قالتْ: اسْتأذَنتْ سَوْدَةُ رَسولَ اللهِ ﷺ ليْلةَ المُزْدَلِفَةِ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَهُ، وكانَتْ ثَبْطَةً - تَعْنِي ثَقِيلَةً - فأَذِنَ لَهَا. مُتّفقٌ عليْهِ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عباس ﵄، فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «من قَدَّمَ ضعفة أهله بليل، فيقفون بالمزدلفة ويدعون، ويقدِّم إذا غاب القمر (^١)» (١٦٧٨)، ومسلم (١٢٩٣) من طريق سفيان، قال: أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس ﵄، به. وهذا لفظ مسلم.\nوأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه البخاري في الباب المذكور (١٦٨٠)، ومسلم (١٢٩٠) من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم، عن عائشة ﵂، به.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (في الثقل) بفتح الثاء المثلثة والقاف، وهو في الأصل متاع المسافر، والمراد هنا: الضعفة، بدليل الروايات الأخرى.\n_________\n(^١) يقدِّم: بضم الياء وفتح القاف وتشديد الدال مكسورة. والفاعل ضمير مستتر يعود على (مَنْ)؛ أي: يقدم أهله إذا غاب القمر [\"فتح الباري\" (٣/ ٥٢٧)].","vol":"5","page":299},{"text":"قوله: (أو قال: في الضعفة) بفتح الضاد المعجمة والعين المهملة والفاء، جمع ضعيف، وهم: النساء، والأطفال، وكبار السن، والمرضى.\n\nقوله: (من جمع) أي: مزدلفة.\n\nقوله: (بليل) أي: قبل الفجر، وهذا مطلق، لكن دلَّ حديث أسماء ﵂ الآتي على أن المراد به: بعد مغيب القمر، وقد تقدم ذلك في تبويب البخاري.\n\nقوله: (استأذنت سودة) هي سودة بنت زمعة، أم المؤمنين ﵂، أول زوجة تزوجها النبي ﷺ بعد خديجة ﵂، وهي التي وهبت يومها لعائشة ﵂ تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ (^١)، - كما سيأتي في كتاب «النكاح» إن شاء الله تعالى - توفيت سودة في آخر زمان عمر بن الخطاب ﵁، ذكره ابن عبد البر وغيره، ورجح الواقدي أنها ماتت سنة أربع وخمسين، ﵂ (^٢).\n\nقوله: (أن تدفع قبله) أي: تفيض من مزدلفة قبل النبي ﷺ.\n\nقوله: (وكانت ثبطة) بفتح الثاء المثلثة وسكون الباء أو كسرها؛ أي: بطيئة الحركة، كأنها تَثْبِطَ بالأرض؛ أي: تَشَبَّثُ بها.\n\nقوله: (تعني ثقيلة) هذا التفسير جاء في رواية مسلم من طريق القاسم راوي الخبر، ولفظه: (وكانت امرأة ثبطة. يقول القاسم: والثبطة: الثقيلة).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على جواز الإفاضة من مزدلفة بليل للضعفة من النساء والصبيان ونحوهم، وذلك إذا غاب القمر، سواء أكان الوقت صيفًا أم شتاء؛ لقول أسماء ﵂ لمولاها: (هل غاب القمر؟ قال: نعم. قالت: فارتحلوا …) الحديث، وسيأتي - إن شاء الله - بتمامه، ولم يجئ التوقيت إلا في هذا الحديث، والظاهر أن أسماء ﵂ عندها علم بهذا، وهي التي روت رخصة تعجيل الدفع من مزدلفة للضعفة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢١٢)، ومسلم (١٤٦٣).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (١٣/ ٥٣)، \"الإصابة\" (١٢/ ٣٢٣).","vol":"5","page":300},{"text":"وهكذا من كان برفقتهم من سائق ومحرم، وغيرهما ممن يلاحظهم ويقوم بأمورهم.\nوقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أن من يقوم بأمورهم فحكمه حكمهم (^١)؛ لأن هذا فيه رفق بهم، ودفع لمشقة الزحام عنهم، ولا سيما عند رمي جمرة العقبة، وفيه - أيضًا - اقتداء بالنبي ﷺ، حيث أذن للضعفة، وهكذا من كان تابعًا لحملة وليس معه ضعفة، ولكن الحملة لا تنتظره، فله أن ينصرف معهم.\nوقد قال ابن قدامة: (لا نعلم في دفع الضعفة من مزدلفة بليل مخالفًا)، والله تعالى أعلم (^٢).\n_________\n(^١) \"شرح العمدة\" (٢/ ٥٢٥).\n(^٢) \"المغني\" (٥/ ٢٨٦).","vol":"5","page":301},{"text":"<span data-type='title' id=toc-620>حكم رمي جمرة العقبة قبل الفجر</span>\n٧٥٦/ ١٥ - عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قالَ: قالَ لنا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا تَرْمُوا الجَمْرَةَ حتى تَطْلُعَ الشَّمسُ»، رواهُ الخمسةُ إلا النسائي، وفيه انقطاعٌ.\n٧٥٧/ ١٦ - وَعنْ عائِشَةَ ﵂ قالتْ: أَرسلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ الجَمْرَةَ قبْلَ الفَجْرِ، ثم مَضَتْ فأَفاضَتْ. رواهُ أَبو داودَ، وإسنادُهُ على شرط مسلمٍ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، باب «التعجيل من جمع» (١٩٤٠)، والنسائي (٥/ ٢٧٠ - ٢٧٢)، وابن ماجه (٢٠٢٥)، وأحمد (٣/ ٥٠٤) من طريق الحسن العرني، عن ابن عباس ﵄، قال: قدَّمنا رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أُغيلمةَ بني عبد المطلب على حُمُرات، فجعل يَلْطَحُ (^١) أفخاذنا ويقول: «أُبَيْنِيَّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس».\nوقد وهم الحافظ في استثناء النسائي، فقد رواه كما تقدم، وقد ذكر الحديث في «فتح الباري» وعزاه للنسائي (^٢).\nوهذا إسناد ضعيف لانقطاعه، فإن الحسن العرني وإن كان ثقة، إلا أنه لم يسمع من ابن عباس، كما قال الإمام أحمد (^٣)، وابن معين (^٤)، وقال\n_________\n(^١) اللطح: بالحاء المهملة، الضرب بالكفِّ، وليس بالشديد. انظر: \"النهاية\" (٤/ ٢٥٠).\n(^٢) (٣/ ٥٢٨).\n(^٣) \"العلل\" للإمام أحمد (١/ ١٤٣ - ١٤٤).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٤٥).","vol":"5","page":302},{"text":"أبو حاتم: (لم يدركه) (^١).\nوقد أخرجه الترمذي (٨٩٣)، وأحمد (٥/ ١٤٢) من طريق المسعودي، عن الحكم، عن مِقْسم، عن ابن عباس، به، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).\nوهذا الإسناد رواته ثقات، لكن أُعلَّ بالانقطاع، فإن شعبة قال: (لم يسمع الحكم من مقسم إلا خمسة أحاديث) وعدها، وليس هذا الحديث منها (^٢).\nوقد ضعف الإمام البخاري هذا الحديث ووصفه بالاضطراب، وقال: (لا ندري الحَكَمُ سمع هذا من مقسم أم لا؟) (^٣).\nوأخرجه أبو داود (١٩٤١)، والنسائي (٥/ ٢٧٢)، وغيرهما من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، به.\nقال الألباني: (إسناده صحيح، إن كان ابن أبي ثابت سمعه من عطاء، فإنه مدلس، لكن الحديث صحيح) (^٤).\nوالذي يظهر أن الحديث فيه اضطراب، كما قال البخاري، وفيه شذوذ أيضًا؛ لأن حديث ابن عباس ﵄ في «الصحيحين»، وليس فيه نهيهم عن الرمي حتى تطلع الشمس؛ ولذا قال البخاري: (إن الأحاديث في الرمي قبل طلوع الشمس - يعني للضعفة - أكثر وأصح). يعني من حديث ابن عباس هذا.\nوأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه أبو داود (١٩٤٢) من طريق ابن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، به.\n_________\n(^١) \"المراسيل\" لابن أبي حاتم ص (٤٦).\n(^٢) انظر: \"جامع الترمذي\" (٢/ ٢١٧ - ٢١٨، ٢٢٩).\n(^٣) \"التاريخ الأوسط\" ص (١٣٥).\n(^٤) \"الإرواء\" (٤/ ٢٧٤).","vol":"5","page":303},{"text":"والضحاك بن عثمان من رجال مسلم، لكنه صدوق سيئ الحفظ، وقد خولف في إسناده، فقد رواه الطحاوي من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه مرسلًا (^١). ورواه الشافعي من طريق الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه مرسلًا أيضًا، قال الدارقطني: «وهو الصحيح» (^٢).\nوقد ضعف الحديث الإمام أحمد، وذكر ابن التركماني أنه مضطرب سندًا، وكذلك مضطرب متنًا (^٣)، ففي بعض رواياته: أن النبي ﷺ أمر أم سلمة أن توافيه صلاة الصبح بمكة، مع أن النبي ﷺ صلى الصبح يومئذ في المزدلفة، قال ابن القيم: (حديث منكر، أنكره الإمام أحمد وغيره …) (^٤).\nوأما قول الحافظ: (وإسناده على شرط مسلم) فهذا لا يلزم منه صحة الحديث؛ لأنه لا يلزم من تخريج الإمام مسلم لهؤلاء الرواة أن يكون الخبر على شرطه؛ لأن الإمام مسلمًا يروي بهذا الإسناد أحاديث لم تعلَّ بمثل هذه العلل المذكورة في هذا الإسناد، وهي الاضطراب في سنده ومتنه وترجيح إرساله، ثم إن الإمام أحمد وغيره قد أنكر هذا الحديث، فكيف يقال: إنه على شرط مسلم؟!.\n\nالوجه الثاني: حديث ابن عباس ﵄ يدل على أن من دفع من مزدلفة بليل فإنه لا يرمي جمرة العقبة حتى تطلع الشمس، ولكن الحديث منكر لما تقدم، فلا يحتج به على ذلك، وقد ذكر الحافظ في «فتح الباري» (^٥) أن للحديث طرقًا يقوي بعضها بعضًا، وأنه صححه الترمذي وابن حبان، وقال: (إنه حديث حسن)، مع أنه هنا وصفه بالانقطاع مضعفًا له، والصواب أن الحديث لا يصح، ولو فرض أنه صحيح لكان محمولًا على الأفضلية والندب (^٦)، وعلى هذا فالصواب أن من دفع من مزدلفة بعد مغيب القمر من\n_________\n(^١) \" شرح معاني الآثار\" (٢/ ٢١٨).\n(^٢) \"مسند الشافعي\" (١/ ٣٧٣)، وانظر: \"العلل\" للدارقطني (١٥/ ٥٠ - ٥١).\n(^٣) \"الجواهر النقي\" (٥/ ١٣٢).\n(^٤) \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٤٩).\n(^٥) (٣/ ٥٢٩).\n(^٦) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٣٧).","vol":"5","page":304},{"text":"الضعفة والنساء والأطفال أنه يرمي ولو قبل الصبح، لأمور ثلاثة:\nالأول: أنه ورد في السنّة ما يدل على ذلك، ففي حديث ابن عمر ﵄: أنه كان يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بالليل فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفع، فمنهم من يَقْدَمُ منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ (^١).\nوعن عبد الله بن كيسان مولى أسماء ﵂ قال: قالت لي أسماء، وهي عند دار المزدلفة: هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلَّت ساعة، ثم قالت: يا بُني هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلَّت ساعة، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: ارحل بي، فارتحلنا حتى رمت الجمرة، ثم صلت في منزلها، فقلت لها: يا هَنتاه (^٢)، ما أُرانا إلا قد غلّسنا (^٣)، قالت: يا بني إن رسول الله ﷺ أذن للظُّعُن (^٤).\nالثاني: أنه لو كان رمي هؤلاء لا يجوز قبل الصبح لبيَّنه النبي ﷺ للأمة بيانًا عامًا؛ لأن هذا الوقت وقت البيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلما لم يقع شيء من ذلك عُلم الجواز، وهو ما فهم عبد الله بن عمر وأسماء ﵄.\nالثالث: أن تأخير رميهم إلى ما بعد طلوع الشمس مخالف لمقتضى الرفق بهم والحرص على سلامتهم قبل حطمة الناس، والترخيص لهم في الرمي قبل الناس أهم من مجرد انصرافهم من مزدلفة بلا رمي؛ لأن المشقة في الرمي أعظم من مشقتهم في الانصراف.\n\nالوجه الثالث: حديث عائشة ﵂ يدل على جواز دفع الضعفة من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٧٦)، ومسلم (١٢٩٥).\n(^٢) بفتح الهاء، أي: يا هذه.\n(^٣) أي: جئنا منى بغلس.\n(^٤) أخرجه البخاري (١٦٧٩)، ومسلم (١٢٩١)، والظُّعُنُ -بضم الظاء المشالة-: جمع ظعينة، وهي المرأة في الهودج، ثم أطلق على المرأة مطلقًا ولو كانت في بيتها.","vol":"5","page":305},{"text":"مزدلفة ليلًا، وجواز رمي جمرة العقبة قبل الفجر، وقد تقدم من الأحاديث الصحيحة ما يدل على ذلك، وعلى هذا فليس العمل على حديث عائشة هذا لضعفه، وإنما العمل على ما صح من الأحاديث؛ كحديث ابن عمر وأسماء ﵄.\nومن أهل العلم من جمع بين حديثي ابن عباس وعائشة فجعل لرمي جمرة العقبة وقتين: وقت فضيلة، وحمل عليه حديث ابن عباس ﵄ - كما تقدم ـ، ووقت جواز، وحمل عليه حديث عائشة ﵂، والله أعلم (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"أضواء البيان\" (٥/ ٢٨٠).","vol":"5","page":306},{"text":"<span data-type='title' id=toc-621>من أحكام الوقوف بعرفة والمبيت بجمع</span>\n٧٥٨/ ١٧ - عنْ عُرْوَةَ بنِ مُضَرِّسٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ شَهِدَ صَلاتَنا هذه - يعْنِي: بالمزدلفةِ - فوقَفَ مَعَنَا حتى نَدْفَعَ، وقدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قبلَ ذلك لَيْلًا أَو نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» رواه الخمسة، وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابنُ خُزَيْمَةَ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عروة بن مضرِّس - بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة - بن أوس بن حارثة بن لام الطائي، أسلم وصحب النبي ﷺ، وكان من بيت الرياسة في قومه، فقد كان جده سيدهم، وكذا أبوه، وقد ذكر علي بن المديني ومسلم وغير واحد أنه لم يرو عنه غير الشعبي، قال الحافظ: (له حديث واحد في الحج)، وكان عروة مع خالد بن الوليد حين بعثه أبو بكر ﵁ على الردة، وهو الذي بعث معه خالد عيينة بن حصن إلى أبي بكر ﵁، لما أسر يوم البُطاح (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، باب «من لم يدرك عرفة» (١٩٥٠)، والترمذي (٨٩١)، والنسائي (٥/ ٢٦٣)، وابن ماجه (٣٠١٦)، وأحمد (٢٦/ ١٤٢) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عروة بن مضرس الطائي، قال: أتيت رسول الله ﷺ بالموقف - يعني بجمع ـ\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (٦/ ٤١٨).","vol":"5","page":307},{"text":"قلت: جئت يا رسول الله من جبلي طيئ، أكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حبل (^١) إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ: «من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه»، هذا لفظ أبي داود.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وصحَّحه - أيضًا - ابن خزيمة (٢٨٢٠)، والحاكم (١/ ٤٦٣).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من شهد صلاتنا هذه) أي: صلاة الفجر بمزدلفة.\n\nقوله: (فقد تمّ حجّه) فاعل (تمَّ)، والمراد: معظم حجه، وهو الوقوف؛ لأنه هو الذي يخاف عليه الفوات، أما طواف الإفاضة فإنه وإن كان لا يتم الحج إلا به لأنه ركن، لكنه لا يخشى فواته.\n\nقوله: (وقضى تفثه) التفث - بالفتح ـ: هو الوسخ الحاصل بطول الأظفار ووفرة الشعر وغيرهما من شعث المحرم، ومعنى (قضى تفثه): أي انتهى وتخلص منه بإزالته.\n\nالوجه الرابع: استدل بهذا الحديث بعض التابعين، وهم: علقمة والأسود والشعبي والنخعي والحسن البصري على أن المبيت بمزدلفة ركن لا يتم الحج إلا به، فمن فاته تحلل من إحرامه بعمرة، ثم حج من قابل، وهذا قول لبعض الشافعية (^٢).\nووجه الاستدلال: أنه رتب الجزاء «فقد تم حجه» على الشرط «من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع …»، مما يدل على أن المبيت بها شرط لصحة الحج، كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].\n_________\n(^١) يروى بالجيم المعجمة، ويروى بالحاء المهملة: أحد حبال الرمل، وهو ما اجتمع منه واستطال.\n(^٢) \"المغني\" (٥/ ٢٨٤)، \"المجموع\" (٨/ ١٣٤ - ١٥٠).","vol":"5","page":308},{"text":"ووجه الاستدلال: أن الله تعالى أوجب ذكره عند المشعر الحرام، وهو المبيت بمزدلفة، مما يدل على أنه أمر لا بد منه.\nوالقول الثاني: أن المبيت واجب، يُجْبَرُ بدم إذا فات، وعزاه النووي للجمهور (^١)، واستدلوا بما تقدم من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي: «الحج عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع فتم حجه …» (^٢).\nووجه الاستدلال: أنه إذا لم يأت عرفة إلا قبل صلاة الصبح، يكون قد فاته المبيت بمزدلفة قطعًا، ومع ذلك فقد صرح الرسول ﷺ بأن حجه تام.\nوالقول الثالث: أن المبيت بمزدلفة سنّة وليس بواجب، وهذا قول الحنفية - والواجب عندهم هو الوقوف بعد الفجر - والقول بأنه سنة رواية عن أحمد، وهو قول لبعض الشافعية، وقد اشتهر عنهم، ولكن القول بالوجوب أصح منه (^٣)، ودليل هؤلاء أنه مبيت، فكان سنّة؛ كالمبيت بمنى ليلة عرفة.\nوقول الجمهور أظهر في هذه المسألة، وهو أن المبيت بمزدلفة واجب، وليس بركن يبطل الحج بتركه؛ لأن القول بأنه ركن مرجوح لأمور ثلاثة:\n١ - أن الإمام أحمد قال - في رواية ابن القاسم ـ: (ليس أَمْرُ جَمْعٍ عندي كعرفة، ولا أرى الناس جعلوها كذلك) (^٤)، فهو ينقل الاتفاق على أن المبيت ليس بركن كالوقوف بعرفة، ولم يرَ أحدًا سَوَّى بينهما مع معرفته بأقوال السلف، واطلاعه على مسائل الإجماع، لكن يشكل على هذا رأي من تقدم من السلف.\n٢ - أن الحديث الذي استدلوا به اشترط شهود الصلاة، والجمهور من أهل العلم على أن من وقف بمزدلفة ولم يشهد الصلاة، أن حجه تام (^٥)؛ بل إن أصحاب هذا القول لا يقولون بركنية الصلاة مع دخولها ضمن الشرط.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٥/ ٢٨٤)، \"المجموع\" (٨/ ١٣٤)، \"بداية المجتهد\" (٢/ ٢٧٧).\n(^٢) تقدم تخريجه عند الحديث (٧١٧).\n(^٣) \"الهداية\" (١/ ١٤٦)، \"حاشية ابن عابدين\" (٢/ ٥١١)، \"المجموع\" (٨/ ١٣٤، ١٥٠).\n(^٤) \"شرح العمدة\" (٢/ ٦٠٧).\n(^٥) انظر: \"الاستذكار\" (١٣/ ٣٩).","vol":"5","page":309},{"text":"٣ - ما روى إبراهيم، عن الأسود: أن رجلًا قدم على عمر ﵁، وهو بجمع بعدما أفاض من عرفات، فقال: يا أمير المؤمنين، قدمت الآن، فقال: أما كنت وقفت بعرفات؟ قال: لا، قال: فأت عرفة وَقِفْ بها هنيهة، ثم أَفِضْ، فانطلق الرجل، وأصبح عمر بجمع، وجعل يقول: أجاء الرجل؟ فلما قيل: قد جاء، أفاض (^١). فعمر ﵁ صَحَّحَ حج من فاته المبيت بمزدلفة، ولم يأمره بدم (^٢)، وهذا مبني على قول الجمهور في أن من ترك واجبًا - كالمبيت - وجب عليه دم.\n\nالوجه الخامس: استدل الإمام أحمد بهذا الحديث على أن يوم عرفة كله وقت للوقوف من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ لقوله ﷺ: «ليلًا أو نهارًا»، فإن هذا يدل على شمول الحكم لجميع الليل والنهار، ولأن ما قبل الزوال من يوم عرفة، فكان وقتًا للوقوف كما بعد الزوال.\nوذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن ما قبل الزوال من يوم عرفة ليس وقتًا للوقوف، وهو رواية عن الإمام أحمد (^٣)، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية. وحجتهم أن المراد بالنهار في هذا الحديث خصوص ما بعد الزوال، بدليل فعل النبي ﷺ وفعل خلفائه من بعده، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن ما قبل الزوال غير داخل في قوله: «نهارًا» (^٤)، وكأنه لم يستحضر رأي الإمام أحمد في ذلك، أو لم يطلع عليه.\nوقول الجمهور قوي؛ لأن النبي ﷺ ما وقف إلا بعد الزوال، وقد قال: «لتأخذوا مناسككم». وإن كان استدلال الإمام أحمد بالحديث له وجه من النظر - كما يقول الشنقيطي (^٥) - لكن قول الجمهور، وهو عدم الاقتصار على أول النهار أحوط وأبرأ للذمة.\nوفائدة الخلاف أنه لو وقف أول النهار ثم خرج من عرفة قبل الزوال\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح، واحتج به الإمام أحمد. انظر: \"شرح العمدة\" (٢/ ٦١٤).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) \"الإنصاف\" (٤/ ٢٩).\n(^٤) \"الاستذكار\" (١٣/ ٣٣).\n(^٥) \"أضواء البيان\" (٥/ ٢٦٠).","vol":"5","page":310},{"text":"ولم يعد إليها، صح حجه وعليه دم، هذا على المذهب عند الحنابلة، وعلى قول الجمهور إذا لم يعد إليها في وقت الوقوف لم يصح حجه (^١)؛ لأنه وقف قبل دخول وقت الوقوف.\n\nالوجه السادس: اختلف العلماء في حكم الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الوقوف إلى الغروب ركن، فمن انصرف قبل غروب الشمس لم يصح حجه، وهذا قول الإمام مالك (^٢)، وحجته حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج، فليحلَّ بعمرة، وعليه الحج من قابل» (^٣)، فكأن الإمام مالكًا لما رأى تعليق الإدراك بالليل أخذ منه أنه لا بد منه حتى في حق من وقف نهارًا.\nوقد نقل ابن قدامة عن ابن عبد البر أنه قال: (لا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال بقول مالك) (^٤).\nوالحديث ضعيف؛ لأنه من رواية محمد بن أبي ليلى، وهو سيء الحفظ، ثم إنه لا دليل فيه؛ لأنه خصَّ الليل بالذكر لأن الفوات يتعلق به، لكونه يأتي بعد النهار، فمن لم يقف ليلًا فاته الحج؛ لأنه آخر وقت الوقوف.\nوالقول الثاني: أن من انصرف قبل الغروب صح حجه، ولكن عليه دم؛ لأنه ترك واجبًا - على قاعدتهم في ترك الواجبات ـ، وهذا قول أبي حنيفة، وهو الصحيح من مذهب الإمام أحمد (^٥)؛ لأنه ركن لم يأت به على الوجه المشروع، فلزمه دم، كما لو أحرم دون الميقات.\nوالقول الثالث: أن البقاء إلى الغروب سنّة، فمن تركه لم يجب عليه شيء، وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعية، وحُكي رواية عن الإمام أحمد (^٦)، وهو\n_________\n(^١) \"مفيد الأنام\" (٢/ ٣١٠).\n(^٢) \"الاستذكار\" (١٣/ ٢٩).\n(^٣) أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٤١).\n(^٤) \"المغني\" (٥/ ٢٧٢).\n(^٥) \"المبسوط\" (٤/ ٥٦)، \"المغني\" (٥/ ٢٧٤)، \"المبدع\" (٣/ ٢٣٤)، \"الإنصاف\" (٤/ ٥٩).\n(^٦) \"المجموع\" (٨/ ١٠٢، ١١٩)، \"الإنصاف\" (٤/ ٥٩).","vol":"5","page":311},{"text":"قول ابن حزم، واختاره الشنقيطي (^١) مستدلين بحديث الباب؛ لأن قوله: «أو نهارًا» يفيد أن من وقف نهارًا ودفع قبل الغروب: أنه تم حجه، والتعبير بلفظ التمام ظاهر في جواز ذلك، وأنه لا يُحتاج إلى جبره بالدم، وهذا استدلال واضح، ولأنه أدرك من الوقوف ما أجزأه، أشبه ما لو أدرك الليل منفردًا.\nوهذا أظهر الأقوال، لقوة مأخذه، فإن حديث عروة بن مضرس تشريع عام للأمة، ولا تعارض بين القول والفعل، فيحمل فعله ﷺ على الاستحباب، وعلى هذا فمن دفع من عرفة قبل الغروب فحجه تام، ولا شيء عليه، والقول بإيجاب الدم عليه ليس عليه دليل، بل قوله: «فقد تمَّ حجه» يرد هذا الإيجاب.\nولعل من قال بوجوب البقاء إلى الغروب رأى أن هذا الفعل وإن كان دالًا على الاستحباب لكن وجد قرائن تقوى الوجوب، فإن النبي ﷺ رفيق بأمته حريص على ما ينفعهم ولا يشق عليهم، ولو كان الدفع قبل الغروب جائزًا لفعله، لتتأسّى به الأمة، وهو القائل: «لتأخذوا مناسككم»، والدفع في النهار أسهل من الدفع بالليل لا سيما في الزمن الماضي.\nثم إن الرسول ﷺ دفع من عرفة قبل أن يصلي المغرب، مع أن وقتها قد دخل، فلو كان الدفع قبل الغروب جائزًا لدفع وصلى المغرب في مزدلفة في أول وقتها.\nثم إن القرآن قد يدل على ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، أي: من عرفة، والمراد بالناس: من سوى قريش، وإفاضة النبي ﷺ بعد الغروب قد تكون بيانًا لما أمر الله به، فإن الرسول ﷺ لما أفاض بعد الغروب دل على أن إفاضة الناس التي أمر الله بها هي عين ما فعله رسول الله ﷺ امتثالًا لأمر الله تعالى؛ لأن الإفاضة المأمور بها هي المعتبرة شرعًا (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٧/ ١١٨)، \"أضواء البيان\" (٥/ ٢٥٩ - ٢٦٠).\n(^٢) انظر: \"شرح العمدة\" لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ٦٠٣)، \"الشرح الممتع\" (٧/ ٤١٨)، \"المسائل المشكلة من مناسك الحج والعمرة\" للدكتور إبراهيم الصبيحي ص (٢٠).","vol":"5","page":312},{"text":"<span data-type='title' id=toc-622>وقت الإفاضة من مزدلفة</span>\n٧٥٩/ ١٩ - عَنْ عُمَرَ ﵁ قالَ: إنّ المُشْرِكينَ كانوا لا يُفيضونَ حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ويقولونَ: أَشْرِقْ ثَبيرُ، وأنَّ النبيَّ ﷺ خالَفَهُمْ، ثمَّ أَفاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلعَ الشَّمْسُ. رواهُ الْبُخَاريُّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «متى يُدفع من جمع؟» (١٦٨٤) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق: سمعت عمرو بن ميمون، يقول: شهدت عمر ﵁ صلى بجمع الصبح، ثم وقف، فقال … وذكر الحديث.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أشرق) بفتح الهمزة، فعل أمر من الإشراق؛ أي: ادخل في وقت الإشراق.\n\nقوله: (ثبيرُ) بفتح الثاء، مبني على الضم؛ لأنه منادى بحرف نداء محذوف، وهو اسم جبل كبير شاهق يقع على حد مزدلفة من جهة الشمال، قيل: إنه عرف باسم رجل من هذيل اسمه ثبير دفن فيه. وقد جاء في إحدى روايات أحمد وابن ماجه: (يقولون: أشرق ثبير، كيما نُغير) (^١)، أي: لنذهب سريعًا إلى منى، كالمغيرين من سرعة الدفع.\n\nقوله: (ثم أفاض) يحتمل أن فاعله هو عمر بن الخطاب ﵁، ويحتمل أنه رسول الله ﷺ.\n_________\n(^١) \"المسند\" (١/ ٣٧٨)، \"سنن ابن ماجه\" (٣٠٢٢).","vol":"5","page":313},{"text":"الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المشركين كانوا يعظّمون البيت ويحجونه، وكانوا على إرث من أبيهم إبراهيم ﷺ، إلا أنهم غيّروا وبدلوا في صفة النسك، ومن ذلك أنهم كانوا يبقون في مزدلفة صبح يوم النحر حتى تشرق الشمس، ثم يُفيضون إلى منى.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على تأكد الإفاضة من مزدلفة وقت الإسفار قبل طلوع الشمس؛ لأن هذا هو هدي النبي ﷺ وهدي أصحابه ﵃، مخالفة لأهل الجاهلية.\nوقد ذهب بعض الحنفية إلى الوجوب (^١)، وهو قول قوي، لفعله ﷺ، ولما في ذلك من تحقيق المخالفة الواجبة لهدي الكفار، ومن تأخر عامدًا إلى طلوع الشمس فقد أساء وخالف هدي المصطفى ﷺ، وأما من تعذر عليه ذلك بعد أن أخذ في الإفاضة ولكن عاقه المسير لشدة زحام، أو خلل في مركوبه، أو نحو ذلك، فهو معذور.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على أنه يتأكد في حق المسلم مخالفة أهل الجاهلية ولا سيما في باب العبادات؛ لأن هذا مقصد عظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية، لتبقى هذه الأمة متميزة بدينها وعقيدتها وأخلاقها، ولا تكون تابعة لغيرها؛ بل يجب أن يكون غيرها تابعًا لها ومقتديًا بها، والله المستعان.\n_________\n(^١) انظر: \"المبسوط\" (٤/ ٢٠) (٤/ ٦٣).","vol":"5","page":314},{"text":"<span data-type='title' id=toc-623>متى يقطع الحاج التلبية</span>؟\n٧٦٠/ ٢٠ - عن ابنِ عَبَّاسٍ وأُسامَةَ بنِ زَيْدٍ ﵃ قالا: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلبِّي حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبةِ. رواهُ الْبُخَاريُّ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «التلبية والتكبير غداة النحر حين (^١) يرمي الجمرة» (١٦٨٦ - ١٦٨٧) من طريق الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄: أن أسامة بن زيد ﵄ كان رَدِفَ النبي ﷺ من عرفة إلى مزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، قال: فكلاهما قالا: لم يزلْ رسول الله ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة.\nوفي رواية لمسلم (١٢٨١) عن كريب قال: أخبرني ابن عباس عن الفضل: أن رسول الله ﷺ لم يزلْ يلبي حتى بلغ الجمرة.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن الحاج يستمر في تلبيته حتى يرمي جمرة العقبة، لكن وقع الخلاف بين العلماء في وقت قطعها، هل يقطعها عند الشروع في الرمي؟ أو يقطعها بعد الانتهاء من الرمي؟.\nفالقول الأول: أنه إذا شرع في الرمي قطع التلبية، أخذًا برواية: (حتى بلغ الجمرة)؛ لأن بلوغ الجمرة هو وقت الشروع في الرمي، وهذا قول\n_________\n(^١) في رواية لتراجم البخاري: (حتى يرمي)، وصوب الحافظ ما ذكر أولًا. انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٥٣٢).","vol":"5","page":315},{"text":"الجمهور (^١)، ويؤيده أمران:\nالأول: أنه إذا بدأ في الرمي شُرع له ذكر آخر، وهو التكبير عند كل حصاة، قائلًا: (الله أكبر)، ومعلوم أن ظرف الرمي لا يستغرق غير التكبير مع الحصاة، لتتابع رمي الحصيات، ولم ينقل أن الرسول ﷺ كان يلبي أثناء الرمي، فدل على أنه ﷺ كان يقطعها عند الشروع في الرمي.\nالثاني: أن التلبية شعار الحج وإجابة مناديه، وفي البدء برمي جمرة العقبة شروع في التحلل والانتهاء من أعمال الحج، فينتهي وقتها ومناسبتها.\nوالقول الثاني: أنه يلبي حتى ينتهي من رمي الجمرة، وهذا قول لبعض الشافعية، ورواية عند المالكية، وبه قال إسحاق، وأشار ابن المنذر إلى اختياره، واختاره ابن حزم (^٢). واستدلوا برواية: (لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة)، وقال الإمام مالك في رواية عنه: (يقطع التلبية إذا زالت الشمس يوم عرفة) (^٣).\nوالقول الأول أظهر، لقوة مأخذه - كما تقدم ـ، وتكون رواية: (حتى رمى) يراد به الشروع في رميها لا الانتهاء منه؛ أي: حتى أراد رمي الجمرة؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] أي: إذا أردت القراءة.\nهذا بالنسبة للحاج، أما المعتمر ففيه قولان:\nالأول: أنه يقطع التلبية إذا شرع في الطواف، وهذا قول ابن عباس ﵄، فقد روى الشافعي بسنده عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ في المعتمر يلبي حتى يستلم الركن (^٤)، وبه قال جماعة من التابعين، وهو قول الشافعي،\n_________\n(^١) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ٤٨٩)، \"المجموع\" (٨/ ١٥٤، ١٨١)، \"المغني\" (٥/ ٢٩٧).\n(^٢) \"الإشراف\" (١/ ٢٣٠)، \"المحلى\" (٧/ ١١٨)، \"المنتقى\" (٢/ ٢١٦)، \"فتح الباري\" (٣/ ٥٣٣).\n(^٣) \"الإشراف\" (١/ ٢٣٠)، \"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ٣٧١)، \"المفهم\" (٣/ ٣٨٧).\n(^٤) \"ترتيب مسند الشافعي\" (١/ ٣٢٣) وسنده صحيح، وقد روى الترمذي هذا عن ابن عباس مرفوعًا (٩١٩) من طريق ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس، وهذا سند ضعيف، لضعف ابن أبي ليلى.","vol":"5","page":316},{"text":"وإسحاق، وأصحاب، الرأي، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (^١)؛ لأن التلبية إجابة إلى العبادة وشعار الإقامة عليها، فلا يتركها إلا إذا شرع فيما ينافيها، وهو التحلل، وهو لا يحصل إلا بالطواف والسعي، فإذا شرع في الطواف فينبغي أن يقطع التلبية، كالحاج إذا شرع في رمي جمرة العقبة.\nوالقول الثاني: أنه يقطع التلبية إذا دخل أدنى الحرم، لأن الحرم هو مقصوده، وقد وصل إليه، وقد روى البخاري بسنده عن نافع، قال: «كان ابن عمر ﵄ إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ويحدث أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك» (^٢)، وهذا بالنسبة للمتمتع أو المعتمر، كما تقدم، وأما المفرد والقارن فإنه يعود إلى التلبية بعد الفراغ من السعي، وهذا اختيار الحافظ ابن خزيمة، فقد روى بسنده عن الأوزاعي أنه قال: قال عطاء بن أبي رباح: «كان ابن عمر يدع التلبية إذا دخل الحرم، ويراجعها بعد ما يقضي طوافه بين الصفا والمروة» (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٥/ ٢٥٥).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (١٥٥٣) (١٥٧٣).\n(^٣) \"صحيح ابن خزيمة\" (٤/ ٢٠٦).","vol":"5","page":317},{"text":"<span data-type='title' id=toc-624>المكان الذي ترمى منه جمرة العقبة</span>\n٧٦١/ ٢١ - عنْ عبدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَنَّهُ جَعلَ البيْتَ عَنْ يسارِهِ، وَمِنًى عنْ يمينِه، ورَمَى الجَمْرَة بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وقالَ: هذا مَقَامُ الذي أُنْزِلَتْ عليه سُورَةُ البقرةِ. متفقٌ عليه.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «من رمى جمرة العقبة فجعل البيت عن يساره» (١٧٤٩)، ومسلم (١٢٩٦) (٣٠٧) من طريق إبراهيم النخعي، عن عبد الرحمن بن يزيد: أنه حج مع ابن مسعود ﵁ فرآه يرمي الجمرة الكبرى بسبع حصيات، فجعل البيت … الحديث.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (رمى) الرمي: هو القذف والدفع، والمراد به: القذف بالحجارة الصغيرة، وأما مجرد وضعها فلا يسمى رميًا.\n\nقوله: (الجمرة) أي: مكان رمي الجمرة، سميت باسم الواحدة منه، والجمرة لها عدة معانٍ منها: الحصاة الصغيرة، وتطلق على مجتمع الحصا. وقد جعلت الجمرة على هيئة حوض في الأزمنة المتأخرة، وذلك سنة (١٢٩٣ هـ) (^١)، وإلا فالجمرة هي المرمى، ولهذا لم يذكر المتقدمون الحوض، ولعل وضعه لتخفيف الزحام، لئلا يتدافع الناس في مكان الرمي، فيضر بعضهم بعضًا.\n_________\n(^١) انظر: \"الاختيارات الجلية\" لابن بسام حاشية على \"نيل المآرب\" (٢/ ٤٣٢)، \"رمي الجمرات\" ص (٢٠).","vol":"5","page":318},{"text":"قوله: (الكبرى) وصف لجمرة العقبة، وهي أقرب الجمرات إلى مكة، وتقدم في شرح حديث جابر ﵁ معنى وصفها بالكبرى.\n\nقوله: (سورة البقرة) خصها بالذكر؛ لأن فيها ذكر كثير من أحكام الحج خصوصًا الإشارة إلى رمي الجمار في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، فإن رمي الجمرات يدخل فيه؛ لأنه من ذكر الله تعالى.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن المشروع في رمي جمرة العقبة أن يستقبلها عند الرمي، ويجعل الكعبة عن يساره، ومنى عن يمينه، وهذا هو الأفضل في مكان وقوف الرامي لجمرة العقبة، وقد كانت الجمرة قديمًا لاصقة بجبل، وتحتها وادٍ؛ فالنبي ﷺ رماها من بطن الوادي ولم يصعد على الجبل ليرمي من فوقه، فإذا رماها من بطن الوادي صارت مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم أزيل الجبل عام (١٣٧٦ هـ)، وبقيت جهة الجبل لا يرمى منها (^١)، ولو رماها من أي جهة أجزأ، وقد نقل ابن حجر الإجماع على أنه من حيث رمى جمرة العقبة جاز (^٢)؛ لأن المقصود أن يكون الرامي في مكان أيسر له، ليطمئن في رميه، ويكبر الله تعالى. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٨٢).\n(^٢) انظر: \"فتاوى ابن إبراهيم\" (٥/ ١٥٠).","vol":"5","page":319},{"text":"<span data-type='title' id=toc-625>وقت رمي الجمار</span>\n٧٦٢/ ٢٢ - عن جابرٍ ﵁ قالَ: رَمَى رسولُ اللهِ ﷺ الجَمْرَة يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وأَمّا بعدَ ذلك فإذا زالتِ الشّمْسُ. روَاهُ مُسلمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب «الحج»، باب «بيان وقت استحباب الرمي» (١٢٩٩) (٣١٤) من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: (رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعدُ فإذا زالت الشمس).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن أفضل وقت لرمي جمرة العقبة هو بعد طلوع الشمس يوم النحر، لفعل النبي ﷺ، وقد قال: «لتأخذوا مناسككم». ويجوز الرمي بعد الانصراف من مزدلفة إذا غاب القمر للضعفة، والمرضى، وكبار السن، ونحوهم، ومن يرافقهم من محرم، وسائق، كما تقدم.\nويمتد وقت رمي جمرة العقبة إلى غروب الشمس على قول جمهور العلماء، ولا سيما من معه نساء ولم ينصرف من مزدلفة في الليل، فالأولى في حقه أن يؤخر الرمي إلى الظهر أو إلى العصر؛ لأن رمي النساء ضحى يوم العيد فيه مشقة عظيمة، كما هو مشاهد. وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقتٍ لها (^١).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الجمار الثلاث في أيام التشريق\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٧/ ٢٦٨).","vol":"5","page":320},{"text":"لا ترمى إلا بعد الزوال لفعله ﷺ، وقد قال: «لتأخذوا مناسككم» فيكون الرمي داخلًا في هذا العموم. وكونه ﷺ رمى يوم النحر ضحى، ورمى أيام التشريق بعد الزوال دليل على اختلاف الحكم، وأن هذه عبادات لا مجال للرأي فيها، قال عبد الله بن عمر ﵄: (كنا نتحيَّن، فإذا زالت الشمس رمينا) (^١)، ثم لو كان الرمي قبل الزوال جائزًا لفعله النبي ﷺ، لما فيه من المبادرة بالعبادة في أول وقتها، ولما فيه من تطويل وقت الرمي، ولما فيه من التيسير على الناس، ولا سيما في أيام الصيف وشدة الحر، فإنه ﷺ رفيق بأمته حريص على ما ينفعهم ولا يشق عليهم.\nوالقول بأن الرمي بعد الزوال في جميع أيام التشريق، هو قول الإمام مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة في الرواية المشهورة، وهو قول جمهور أهل العلم، ومنهم عطاء بن أبي رباح (^٢)، قالوا: فمن رمى قبل الزوال وجب عليه أن يعيد؛ لأنه رمى قبل الوقت.\nوالقول الثاني: جواز الرمي قبل الزوال في يوم النفر، وهذا قول لأبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، وهو قول إسحاق وعكرمة؛ لأنه لما ظهر أثر التخفيف في هذا اليوم بأن ينفر ويترك الرمي، فلأن يجوز له الرمي قبل الزوال أولى (^٣).\nوالقول الثالث: جوازه قبل الزوال في جميع أيام التشريق، وهو أحد القولين عن عطاء (^٤)، وبه قال طاوس، وروي عن أبي حنيفة في غير الرواية المشهورة (^٥)، وقد روى الفاكهي بسنده (أنَّ ابن الزُّبير رَمَى قَبلَ\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٧٤٦).\n(^٢) انظر: \"الأم\" للشافعي (٢/ ٢٣٤)، \"التمهيد\" (٧/ ٢٧٢)، \"الاستذكار\" (١٣/ ٢١٤)، \"المنتقى\" للباجي (٣/ ٥١)، \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٣٧)، \"المغني\" (٥/ ٣٢٨)، \"فتاوى ابن عثيمين\" (٢٢٧/ ٢٣).\n(^٣) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٣٨).\n(^٤) \"منسك عطاء\" ص (١٨٢).\n(^٥) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٣٧)، \"العناية على الهداية\" (٢/ ١٨٥)، \"المغني، (٥/ ٣٢٨)، \"فتح الباري\" (٣/ ٥٨٠)، \"أبحاث هيئة كبار العلماء\" (٢/ ٣٦٥)، \"مجلة البحوث الإسلامية\" عدد (٧٢) ص (٣١٥)، \"فتاوى ابن عثيمين\" (٢٣/ ٢٧٠ - ٢٩٣).","vol":"5","page":321},{"text":"الزَّوالِ أَيَّامَ التَّشريقِ) (^١).\nوالرَّاجح هو القول الأول، وهو أنه لا يجوز الرمي قبل الزوال؛ لقوة دليله، فإن الأحاديث - كما تقدم - صحيحة وصريحة في المراد، ثم لو كان الرمي جائزًا قبل الزوال لشرعه الله لعباده، وفعله النبي ﷺ وأصحابه ﵃، لكنهم لم يرموا إلا بعد الزوال، كما قال ابن عمر ﵄، ولم يرد أن النبي ﷺ أذن لأحد أن يرمي قبل الزوال، كما أذن في ترك المبيت والدفع من مزدلفة.\nيقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (وقد تتبعت هذا كثيرًا، زمنًا طويلًا، فلم أجد عن صحابي واحد ما يدل على الرمي قبل الزوال، لا من قوله ولا من فعله، كلهم يرمون بعد الزوال، كما رمى النبي ﵊)، وليس مع من أجاز الرمي قبل الزوال دليل واضح، مع مخالفته لفعل النبي ﷺ، وقد قال: «لِتَأخُذُوا مَناسِكَكُم»، لكن من رمى قبل الزوال فله سلف من أهل العلم، ولا سيما من كان مضطرًا إلى ذلك كموعد رحلة طائرة ونحو ذلك، وإلا فالأحوط ألا يرمي قبل الزوال؛ تأسّيًا بالنبي ﷺ، ووقت الرمي فيه سعة - ولله الحمد ـ، فإنه يمتد من الزوال إلى طلوع الفجر من اليوم التالي، ولا موجب للرمي قبل الزوال إلا العجلة التي عليها غالب الناس في زماننا هذا، والله المستعان.\nوالرمي قبل الزوال ليس علاجًا لمشكلة الزحام وتوابعه التي يعلل بها من يقول بجواز الرمي قبل الزوال؛ لأن الزمان سينتقل إلى أول وقت يجوز الرمي فيه، سواء قبل الزوال أو بعده، لكن ما فعلته الدولة - وفّقها الله - في مشروع الجمرات عالج مشكلة الزحام معالجة واضحة، وذلك بتوسعة مكان الرمي، وتنظيم الناس ذهابًا وإيابًا، ومنع المفترشين، وقد رأينا في حج هذا العام (١٤٢٧ هـ) اليسر والسهولة في الرمي، مع أن المشروع لم يتم بعدُ.\n_________\n(^١) \"أخبار مكة\" (٤/ ٢٩٨ - ٢٩٩).","vol":"5","page":322},{"text":"<span data-type='title' id=toc-626>كيفية رمي الجمار</span>\n٧٦٣/ ٢٣ - عن ابنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كان يَرْمِي الجَمْرَةَ الدُّنْيا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكبِّرُ على إِثْرِ كلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ، ثُمَّ يُسْهِلُ، فَيقومُ فَيَسْتَقْبِلُ القِبْلةَ، فيقوم طويلًا، ويدعو، ويَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثمَّ يَرْمِي الوُسْطَى، ثم يأخُذُ ذاتَ الشِّمَالِ فيُسْهِلُ، ويَقُومُ مُستَقْبِلَ القِبْلَةِ، ثُمَّ يَدْعو فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طويلًا، ثمَّ يَرْمي جَمْرَةَ ذاتِ العَقَبَةِ من بَطْنِ الوادي، ولا يَقِفُ عنْدَها، ثمَّ يَنْصَرِفُ، فيقولُ: هكذا رأَيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ. رواه البخاريُّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «إذا رمى الجمرتين يقوم مستقبل القبلة ويُسهل» (١٧٥١) من طريق طلحة بن يحيى، حدثنا يونس، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر ﵄، به.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الجمرة الدنيا) أي: القريبة إلى جهة مسجد الخيف.\n\nقوله: (على إثر) بكسر الهمزة وسكون المثلثة؛ أي: عقب كل حصاة.\n\nقوله: (ثم يُسهل) بضم الياء، مضارع أسهل الرباعي؛ أي: يقصد المكان السهل من الأرض، حتى يوسع للرماة، فلا يؤذيهم ولا يؤذونه.\n\nقوله: (يقوم طويلًا) صفة لمصدر محذوف؛ أي: قيامًا طويلًا، وفي رواية: (وكان يطيل الوقوف).\n\nقوله: (ذات الشمال) أي: يمشي إلى جهة الشمال.","vol":"5","page":323},{"text":"قوله: (ذات العقبة) العقبة: جبل صغير فيه ثنية كانت الجمرة الكبرى في سفحه الجنوبي، فأزيلت تلك العقبة - كما تقدم - بإذن من مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀، لغرض توسعة شارع الجمرات (^١).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن رمي الجمار يكون بسبع حصيات لكل جمرة، وقد ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن ذلك شرط من شروط صحة الرمي، فإن نقص واحدة لم يصح الرمي، وعليه الرجوع لإتمام ما نقص؛ لأن النبي ﷺ رمى بسبع، ولا يعرف أنه أذن لأحد أن يرمي بأقل من سبع.\nوأما ما أخرجه النسائي وغيره، عن مجاهد، قال: قال سعد ﵁: (رجعنا في الحجة مع النبي ﷺ، وبعضنا يقول: رميت بسبع، وبعضنا يقول: رميت بست، فلم يعب بعضهم على بعض) (^٢)، فهذا أثر منقطع؛ لأن مجاهدًا لم يسمع من سعد بن أبي وقاص ﵁، كما قال الطحاوي وابن القطان وغيرهما، نقل ذلك ابن التركماني، وذكر أن الأخبار تظاهرت بوجوب السبع، ولم يثبت أن الرسول ﷺ أقر الصحابة ﵃ على ذلك، ولا اجتهاد في موضع النص (^٣).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن الجمار الثلاث ترمى في أيام التشريق، وأنه يُبدأ بالجمرة الدنيا، وهي التي تلي مسجد الخيف، ثم الثانية، ثم العقبة، والأكثرون من أهل العلم على أن هذا الترتيب شرط لصحة الرمي؛ لأن الرسول ﷺ رماها كذلك، فإن اختل لم يصح الرمي.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على مشروعية التكبير عقب كل حصاة، فيقول: الله أكبر، ولا يزيد على ذلك، وفي حديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ قال: (يكبر مع كل حصاة منها).\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على صفة رمي الجمار، وأنه إذا رمى\n_________\n(^١) انظر: \"فتاوى ابن إبراهيم\" (٥/ ١٥٠).\n(^٢) \"سنن النسائي\" (٥/ ٢٧٥).\n(^٣) \"الجوهر النقي\" (٥/ ١٤٩).","vol":"5","page":324},{"text":"الجمرة الأولى تقدم أمامها قليلًا، لئلا يضيق على الرماة، ولئلا يُؤْذِي أو يُؤْذَى، فيقف ويستقبل القبلة ويرفع يديه ويدعو طويلًا. ثم يرمي الوسطى، ويتقدم ذات الشمال، فيقف للدعاء، كما تقدم.\nوعن عطاء قال: كان ابن عمر ﵄ يقوم عند الجمرتين مقدار ما يقرأ سورة البقرة (^١).\nوأكثر الحجاج تركوا الوقوف للدعاء، إما جهلًا، وإما عجلة وتهاونًا، فليحرص المسلم على الوقوف للدعاء؛ لأن السنّة كلما ضيعت كان فعلها آكد، ليجمع العامل بها بين فضيلة العمل وإحياء السنة.\nثم يرمي الثالثة، وهي جمرة العقبة من بطن الوادي - كما تقدم - ولا يقف عندها؛ لأن النبي ﷺ رماها ولم يقف بعد الرمي، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح [\"فتح الباري\" (٣/ ٥٨٤)].","vol":"5","page":325},{"text":"<span data-type='title' id=toc-627>مرتبة التقصير من الحلق</span>\n٧٦٤/ ٢٤ - عن ابنِ عُمر ﵄: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «اللهمَّ ارْحَمْ المُحَلِّقِينَ» قالوا: والمُقَصِّرِينَ يا رسولَ اللهِ؟ قال في الثالثةِ: «والمُقصِّرين» مُتّفقٌ عَلَيه.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «الحلق والتقصير عند الإحلال» (١٧٢٧)، ومسلم (١٣٠١) من طريق مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄، به.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (قال) أي: هذا الدعاء، وكان ذلك في غزوة الحديبية، وفي حجة الوداع أيضًا.\n\nقوله: (ارحم) أي: أنزل رحمتك التي بها حصول المطلوب والنجاة من المرهوب. وجاء في حديث أبي هريرة ﵁: «اللهم اغفر للمحلقين …» قالها ثلاثًا (^١).\n\nقوله: (المحلقين) أي: الحالقين رؤوسهم في حج أو عمرة تعبدًا لله تعالى. والحلق: إزالة شعر الرأس كله بالموسى ونحوه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٢٨)، ومسلم (١٣٠٢).","vol":"5","page":326},{"text":"قوله: (قالوا: والمقصرين) معطوف على (المحلقين) ويسمّى: العطف التلقيني؛ أي: قل: المحلقين والمقصرين، والتقصير: قص أطراف شعر الرأس من جميع نواحيه.\n\nقوله: (قال في الثالثة) أي: إنه دعا للمحلقين مرتين، وفي الثالثة دعا للمقصرين.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الحلق والتقصير من مناسك الحج والعمرة وليس إطلاقًا من محظور. وهذا قول جمهور أهل العلم؛ لأنه لو لم يكن قربة لله تعالى لما استحق فاعله دعاء النبي ﷺ بالرحمة؛ لأنه لا يدعو إلا لشيء مطلوب شرعًا، ولقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، ووجه الدلالة: أن الله تعالى وصفهم بالحلق، ولو لم يكن من المناسك كاللبس، وقتل الصيد، لما وصفهم به.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن الحلق أفضل من التقصير؛ لأن النبي ﷺ كرر الدعاء للمحلقين، وذلك لأن التعبد والتعظيم لله تعالى بالحلق أظهر وأكمل، ولأن الله تعالى قدمه على التقصير، فقال: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ وإن كانت الواو لا تقتضي الترتيب في أصل وضعها، لكن وجد قرائن تفيد ذلك، ولأنه فعل النبي ﷺ.\nويستثنى من ذلك المتمتع الذي قدم مكة متأخرًا بحيث لا ينبت شعره قبل الحج، فإن التقصير في حقه أفضل، كما أمر النبي ﷺ أصحابه بذلك في حجة الوداع (^١)، ليجمعوا بين التقصير في العمرة، والحلق في الحج، ولو حلقوه في العمرة حينئذ لم يبق في الرأس شعر للحج.\nولا بد في التقصير من تقصير جميع الرأس على الراجح من أقوال أهل العلم، وذلك بأن يعم ظاهر الرأس، لا أن يأخذ من كل شعرة بعينها، ووجه ذلك أن الله تعالى أضاف الحلق والتقصير إلى الرأس، والفعل المضاف إلى\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٢١٦) (١٤٣).","vol":"5","page":327},{"text":"الرأس يشمل جميعه، ولأن التقصير يقوم مقام الحلق، والحلق لجميع الرأس، فكذا التقصير.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على كمال نصح النبي ﷺ ورحمته بأمته، حيث دعا لمن قام بالعبادة، حثًا له على الخير وزيادة في أجره وثوابه، والله تعالى أعلم.","vol":"5","page":328},{"text":"<span data-type='title' id=toc-628>حكم الترتيب بين مناسك الحج يوم العيد</span>\n٧٦٥/ ٢٥ - عنْ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ ﵄: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يسْأَلونَهُ، فقالَ رجُلٌ: لمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قبلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قالَ: «اذبحْ ولا حَرَجَ»، فَجَاءَ آخَرُ فقالَ: لمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قبلَ أَن أَرْمِيَ؟ قال: «ارْمِ ولا حَرَج»، فما سُئِلَ يوْمئذٍ عنْ شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلا قالَ: «افْعَلْ ولا حَرَجَ» مُتّفقٌ عليه.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع من «صحيحه»، وأولها في كتاب «العلم»، باب «الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها» (٨٣)، ثم في كتاب «الحج»، باب «الفتيا على الدابة عند الجمرة» (١٧٣٦)، ومسلم (١٣٠٦) من طريق الزهري، عن عيسى بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو ﵄، به.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (وقف في حجة الوداع) كان ذلك على بعيره عند جمرة العقبة بينها وبين الوسطى، بعد الزوال يوم العيد، وقد جاء في رواية: (وقف رسول الله ﷺ على ناقته …).\n\nقوله: (لم أشعر) بضم العين، والشعور: هو الإدراك والإحساس، يقال: شعرت بالشيء شعورًا: إذا فطنت به، والمعنى: لم أعلم، أو لم أفطن إما لجهل أو نسيان.","vol":"5","page":329},{"text":"قوله: (قبل أن أذبح) في تأويل مصدر مضاف إليه؛ أي: قبل الذبح، والمراد: ذبح الهدي.\n\nقوله: (اذبح) هذا أمر إباحة؛ لأن صيغة الأمر إذا وردت في مقام يتوهم فيه الحظر فهي للإباحة، كما في الأصول (^١).\n\nقوله: (ولا حرج) الحرج: الضيق، وخبر (لا) محذوف، وهذه الصيغة نكرة في سياق النفي، ركبت مع (لا) فبنيت على الفتح، وهي نص صريح في العموم، لنفي جميع أنواع الحرج، والمعنى: لا ضيقَ عليك بإثم ولا فدية.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الأفضل ترتيب شعائر الحج يوم العيد، وذلك بأن يُبدأ برمي جمرة العقبة، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الإفاضة، قال أنس ﵁: (أتى رسول الله ﷺ منى فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاّق: «خذ»، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس) (^٢).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن مخالفة هذا الترتيب بتقديم بعض الأعمال على بعض أنه لا حرج فيه، أما في حق الجاهل والناسي فهو موضع إجماع بين أهل العلم، وأما في حق العامد، ففيه قولان:\nالأول: جواز تقديم بعضها على بعض في حق العامد، وهو العالم الذاكر، وهذا قول الجمهور؛ لقوله: (فما سئل يومئذ عن شيء قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلا قال: «افعل ولا حرج»)، ولم يقيده بالناسي أو الجاهل.\nالقول الثاني: أن رفع الحرج إنما هو في حق الجاهل والناسي فقط، وهذا قول أبي حنيفة (^٣)؛ لقول السائل: (لم أشعر)، والمطلق يحمل على المقيد؛ لأن السائلين كانوا أعرابًا لا علم لهم بالمناسك.\nوالقول الأول أرجح؛ لأن توارد الأسئلة على النبي ﷺ، وقوة كلامه في\n_________\n(^١) انظر: \"الأصول من علم الأصول\" ص (١٧).\n(^٢) تقدم تخريجه عند شرح حديث جابر -﵁-.\n(^٣) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٥٨ - ١٥٩).","vol":"5","page":330},{"text":"نفي الحرج، وعدم النهي عن العود لمثلها، يدل على التسامح في ذلك، وهذا هو الموافق لمقاصد الدين الإسلامي، ولا سيما في مثل هذه الأزمان؛ لأن هذا أيسر للناس.\n\nالوجه الخامس: في الحديث دليل على مشروعية وقوف العالم في أيام المناسك لإفتاء الناس وتعليمهم مناسكهم، وكذا في المواسم العارضة؛ كشهر رمضان وعشر ذي الحجة، يبذل العالم نفسه للناس؛ لأنهم في حاجة إلى من يعلمهم، ويجيب على أسئلتهم.\n\nالوجه السادس: مما ينبغي أن يعلم أن الأصل في أحكام المناسك - كغيرها - هو التأسي بالنبي ﷺ ومتابعته في أقواله وأفعاله؛ لأنه ﷺ فعل المناسك أمام الأمة بيانًا لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وكان ﷺ يقول: «لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلّي لا أحج بعد حجتي هذه» (^١)، قال النووي: (هذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج) (^٢).\nواعتياد الأخذ بالرخص قد يؤدي إلى التساهل بالمناسك وانحلال عزائم المكلفين، ولا ريب أن المقصود من الترخيص للمكلفين هو الرفق بهم عن تحمل المشاق، فالأخذ بها موافق لمقاصد الشريعة، لكن هذا لا يعني اعتياد الترخيص حتى كأنه هو الأصل؛ لأن هذا يؤدي إلى اعتبار العزائم شاقةً حَرِجَةً، ومن ثم لن يقوم بها المكلف كما ينبغي.\nوالنبي ﷺ ما قال: «افعل ولا حرج» في جميع المناسك، وإنما قال هذا لما سئل عن التقديم والتأخير في مناسك يوم العيد. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٢٩٧).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٥٠).","vol":"5","page":331},{"text":"<span data-type='title' id=toc-629>مشروعية تقديم النحر على الحلق</span>\n٧٦٦/ ٢٦ - عن المِسورِ بنِ مَخْرَمَةَ ﵄: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَحَرَ قبْلَ أنْ يحْلِقَ، وأَمَرَ أَصْحابَه بذلك. رواه البخاري.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو المسور - بكسر الميم وسكون السين المهملة - بن مخرمة - بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة - بن نوفل القرشي الزهري، ولد بعد الهجرة بسنتين، وقدم به أبوه إلى المدينة سنة ثمان من الهجرة، وحفظ عن النبي ﷺ أحاديث، وروى عن الخلفاء الأربعة، ولازم عمر بن الخطاب ﵁، وكان فقيهًا، ذا فضل ودين، بقي في المدينة فلما قتل عثمان ﵁ تحوّل إلى مكة وبقي فيها، حتى قدم الجيش لقتال ابن الزبير، فأصابه حجر من المنجنيق وهو يصلي في الحِجْرِ فقتله، وذلك في سنة أربع وستين، ﵁ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «المحصر»، باب «النحر قبل الحلق في الحصر» (١٨١١) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن المسور ﵁، به.\n\nالوجه الثالث: هذا الحديث ليس من أحاديث الحج، خلافًا لما يُشعر به صنيع الحافظ، وإنما هو في عمرة الحديبية، سنة ست، حين منعت قريش النبي ﷺ وأصحابه من دخول مكة لأداء عمرتهم، فحصلت المصالحة بينهم\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٠/ ٩٥)، \"الإصابة\" (٩/ ٢٠٤).","vol":"5","page":332},{"text":"على أن يعود ويأتي من قابل، كما في القصة المشهورة التي أخرجها البخاري (^١)، وقد جاء فيها: (… فلما فرغوا من قضية الكتاب، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا …») الحديث، ثم تحلل النبي ﷺ بالذبح والحلق، وتابعه أصحابه على ذلك، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوعلى هذا فقوله: (وأمر أصحابه بذلك) ليس في الحج؛ لأن النحر والحلق في الحج إنما كان من فعله ﷺ وليس من أمره، أما الأمر فكان في الحديبية، ولو أن المؤلف جعل هذا الحديث في باب الإحصار لكان أولى، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٢٧٣١ - ٢٧٣٢).","vol":"5","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-630>بم يحصل التحلّل الأول</span>؟\n٧٦٧/ ٢٧ - وعن عائشة ﵂ قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «إذا رمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ، فَقدْ حَلَّ لكُمْ الطِّيبُ وَكُلُّ شيءٍ إلا النِّساء». رواهُ أحمد وأبو داود، وفي إسنادِه ضَعْفٌ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٤٢/ ٤٠)، وابن خزيمة (٤/ ٣٠٢)، والدارقطني (٢/ ٢٧٦)، والبيهقي (٥/ ١٣٦) من طريق الحجاج بن أرطاة، عن أبي بكر بن محمد، عن عمرة، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا رميتم وحلقتم، فقد حلَّ لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء».\nوأخرجه أبو داود (١٩٧٨) من طريق الحجاج، عن الزهري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء».\nوهذا الحديث ضعيف في سنده، مضطرب في متنه، أما السند فإن مداره على الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس، وقد عنعنه، واختلف عليه فيه، قال أبو داود عقبه: (هذا حديث ضعيف، الحجاج لم يرَ الزهري، ولم يسمع منه)، وقال البيهقي: (هذا من تخليطات الحجاج بن أرطاة)، ونقل الزيلعي عن الدارقطني أنه قال: (لم يروه غير الحجاج بن أرطاة) (^١).\nوأما اضطراب متنه، فقد ورد فيه: «وحلقتم»، كما عند أحمد ومن ذكر\n_________\n(^١) \"نصب الراية\" (٣/ ٨١).","vol":"5","page":334},{"text":"معه، وورد بدونها، كما عند أبي داود، وأشار إليه الطحاوي (^١)، والدارقطني (^٢).\n\nالوجه الثاني: استدل بحديث الباب فقهاء الشافعية - على تفصيل عندهم - والحنابلة في الصحيح المشهور في مذهبهم على أن التحلل الأول - ويسمى التحلل الأصغر - لا يحصل إلا برمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير (^٣)، فمن رمى وحلق حلَّ له كل شيء من محظورات الإحرام من اللبس والطيب وتغطية الرأس، ونحو ذلك، إلا النساء، فإذا طاف طواف الإفاضة حلَّ له كل شيء حتى النساء، ويسمّى التحلل الأكبر، وهذا أحد قولي عمر ﵁.\nوالقول الثاني: أن التحلل الأول يحصل برمي جمرة العقبة فقط، وهذا مروي عن عمر، وعائشة، وابن الزبير ﵃ (^٤)، وهو قول علقمة وعطاء وأبي ثور، وهو مذهب المالكية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن قدامة (^٥). واستدلوا بحديث عائشة ﵂ قالت: (طيبت رسول الله ﷺ بيديّ بِذَرِيرةٍ (^٦) لحجة الوداع، للحل والإحرام، حين أحرم، وحين رمى جمرة العقبة يوم النحر قبل أن يطوف بالبيت) (^٧) فإن ظاهر قولها: (وحين رمى جمرة العقبة) يفيد أن الطيب حصل بعد الرمي.\nكما استدلوا بحديث عائشة المذكور في هذا الباب من رواية أبي داود، وقد تقدم سياقها، وليس فيها إلا ذكر الرمي دون الحلق. كما استدلوا بحديث ابن عباس ﵄ أنه قال: «إذا رمى الجمرة فقد حلّ له كل شيء إلا النساء»،\n_________\n(^١) \"معاني الآثار\" (٢/ ٢٢٨).\n(^٢) \"السنن\" (٢/ ٢٧٦).\n(^٣) \"المجموع\" (٨/ ٢٢٤)، \"المغني\" (٥/ ٣٠٩).\n(^٤) روى ذلك ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (الجزء المفرد) ص (٢٤١ - ٢٤٢) بسند صحيح، وما ورد عن عمر -﵁- من القولين رواه مالك (١/ ٤١٠) بسند صحيح.\n(^٥) \"المصنف\" ص (٢٤٢)، \"المغني\" (٥/ ٣١٠).\n(^٦) الذريرة: -بفتح الذال المعجمة-: فتات قصب طيب يجاء به من الهند. انظر: \"أساس البلاغة\" ص (١٤٣)، \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٧١).\n(^٧) أخرجه أحمد (٤٣/ ١٩٠)، وأبو عوانة ص (٣٠٠ - القسم المفرد) من طريق روح بن عبادة: حدثنا ابن جريج، أخبرني عمر بن عبد الله بن عروة: أنه سمع عروة والقاسم يخبران عن عائشة -﵄- قالت … الحديث.","vol":"5","page":335},{"text":"فقال رجل: والطيب؟ فقال: أما أنا فقد رأيت رسول الله ﷺ يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟ (^١).\nوالقول الأول وجيه جدًا في نظري؛ لأنه مؤيد بفعل النبي ﷺ، حيث إنه رمى، ثم نحر، ثم حلق، ولم يتحلل النبي ﷺ بعد رمي الجمرة فقط، ومن قال بذلك فقد خالف السنّة، فإن حفصة ﵂ قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلّوا بعمرة، ولم تحْلِلْ أنت من عمرتك؟ قال: «إني لبَّدت رأسي، وقلّدت هديي، فلا أَحِلُّ حتى أنحر» (^٢).\nوأما حديث عائشة المقتصر على الرمي - كما في رواية أبي داود ـ، فهو حديث ضعيف كما تقدم.\nوأما حديثها الثاني: (طيبت رسول الله ﷺ … وحين رمى جمرة العقبة) فهو حديث ضعيف بهذا السياق، تفرد به روح عن ابن جريج، وقد خالفه جماعة، فرووه بلفظ: (طيبت رسول الله ﷺ بذريرة في حجة الوداع للحِلِّ والإحرام) (^٣). وفي لفظ: (… ولحله قبل أن يطوف بالبيت) وعليه فالاستدلال به على أن التحلل الأول يحصل بالرمي وحده غير مستقيم، لسببين:\nالأول: تفرد روح بهذه الزيادة (وحين رمى جمرة العقبة) عن غيره من الرواة عن ابن جريج، ولذا أعرض عنها الشيخان، كما تقدم.\nالثاني: حتى على القول بقبول هذه الزيادة، وأن هذا الحديث روي مطولًا، وروي مختصرًا، فليس صريحًا في أن الطيب وقع بعد رمي جمرة العقبة مباشرة؛ لأنها قالت: (قبل أن يطوف بالبيت) وهذه القبلية من الظروف الواسعة، وقد فعل النبي ﷺ في ذلك، الرمي والنحر والحلق؛\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٥/ ٢٧٧)، وابن ماجه (٢/ ٢٤٥) من طريق الحسن العرني، عن ابن عباس -﵄-، موقوفًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٧٢٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٩٣٠)، ومسلم (١١٨٩).","vol":"5","page":336},{"text":"لأنه رتب مناسك يوم العيد، كما في حديث أنس (^١) وغيره، وتقدم.\nويؤيد هذا الترجيح أمران:\n١ - أن قولها: (طيبت رسول الله ﷺ لحله حين أحلَّ قبل أن يطوف بالبيت) يفيد أن الحل حصل بالرمي والحلق قبل الطواف، ولولا أن الطيب بعد الرمي والحلق لما اقتصرت على الطواف، وقالت: (قبل أن يطوف بالبيت).\n٢ - أنه لا معنى للطيب قبل الحلق وقضاء التفث، فلولا أنه حلق بعد أن رمى لم يتطيب، وقد بوّب البخاري على حديث عائشة ﵂ بقوله: (الطيب بعد رمي الجمار والحلق قبل الإفاضة) (^٢).\nوأما حديث ابن عباس ﵄، فهو ضعيف لانقطاعه، لأن الحسن العرني وإن كان ثقة، إلا أنه لم يسمع من ابن عباس كما تقدم عند الحديث (٧٥٦).\nومما يؤيد أنه موقوف، استشهاد ابن عباس ﵄ بفعل النبي ﷺ، ولو كان الحديث عنده مرفوعًا لما احتاج إلى ذلك.\nوبهذا يتبين أن أدلة القائلين بأن التحلل الأول يحصل بالرمي وحده غير ناهضة؛ لأن الصريح منها غير صحيح، والصحيح يدل على خلاف ما استنبط منه (^٣)، ثم إنها مخالفة لفعل الرسول ﷺ. فالأولى والأحوط ألا يتحلل إلا بعد الرمي والحلق، تأسّيًا بالنبي ﷺ، ولأن العلماء أجمعوا على أن التحلل بعد الرمي والحلق تحلل صحيح، لكن من تحلل بالرمي وحده فله سلف، لما تقدم عن عمر، وعائشة، وابن الزبير ﵃، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٠٥).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٣٩٩، ٤٠٠، ٥٨٥).\n(^٣) انظر: \"المسائل المشكلة من مناسك الحج والعمرة\" ص (٤٥). \"مسألة التحلل الأول في الحج\" للشيخ: فريح البهلال.","vol":"5","page":337},{"text":"<span data-type='title' id=toc-631>مشروعية التقصير دون الحلق في حق المرأة</span>\n٧٦٨/ ٢٨ - عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: عن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَيسَ على النِّساءِ حَلْقٌ، وإنَّما يُقَصِّرْنَ». رواهُ أبو داود بإسْنَادٍ حَسَنٍ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، باب «الحلق والتقصير» (١٩٨٥) قال: حدثنا أبو يعقوب المدني، ثنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان، أن ابن عباس ﵄ قال … وذكر الحديث.\nوهذا إسناد حسن، أبو يعقوب المدني، شيخ أبي داود، وثّقه أحمد، وابن معين، والدارقطني وغيرهم، وضعّفه آخرون (^١)، وقال عنه الحافظ في «التقريب»: (صدوق تُكُلِّمَ فيه؛ لوقفه في القرآن).\nوقد توبع في روايته عن هشام بن يوسف، تابعه ابن معين عند أبي زرعة في «تاريخ دمشق» (^٢)، وعلي بن عبد الله المديني عند الدارمي (١/ ٣٩٠)، وعنعنة ابن جريج لا تضر؛ لأنه قد صرح بالتحديث عند الدارمي. وأم عثمان: صحابية، كما جزم بذلك ابن منده، وابن عبد البر، فإنه قال: (كانت من المبايعات، روت عنها صفية بنت شيبة) (^٣).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٩٥).\n(^٢) انظر: \"السلسلة الصحيحة\" رقم (٦٠٥).\n(^٣) \"الاستيعاب\" (١٣/ ٢٥٣).","vol":"5","page":338},{"text":"والحديث حسّنه الحافظ (^١)، ونقل عن أبي حاتم أنه قوَّاه (^٢).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن المشروع في حق المرأة عند التحلّل هو التقصير، وهو أن تأخذ من كل ظفيرة قدر أنملة، وهو رأس الأصبع، وذلك بأن تمسك كل ظفيرة بعينها، أو تقبض على جميع شعرها إن لم يكن لها ظفائر، فتأخذ منه.\nوأما الحلق فإنه لا يجوز في حقها، وقد أجمع أهل العلم على أنه ليس على النساء حلق، وذلك لأن شعر المرأة زينة لها وجمال في حقها، ولأن حلقه مُثْلة؛ لأنه حلق غير معتاد، كحلق الرجل لحيته.\nولو أن المؤلف قدّم هذا الحديث بعد حديث عبد الله بن عمر ﵄ في الحلق والتقصير لكان أولى؛ للمناسبة بينهما، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (٢/ ٢٨٠).\n(^٢) انظر: \"العلل\" (٨٣٤).","vol":"5","page":339},{"text":"<span data-type='title' id=toc-632>حكم المبيت بمنى</span>\n٧٦٩/ ٢٩ - عن ابنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ العَبَّاسَ بنَ عبدِ المُطَّلِبِ ﵁ استأذَنَ رسولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبيتَ بِمَكَّةَ ليالي مِنًى مِن أَجلِ سِقايَتِهِ، فَأَذِنَ لهُ. مُتّفقٌ عليه.\n٧٧٠/ ٣٠ - وعنْ عاصِمِ بنِ عَدِيٍّ: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أرْخَصَ لرُعَاة الإِبِلِ في الْبَيْتوتَةِ عَنْ مِنىً، يَرْمونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثمَّ يَرْمونَ الغَدَ لِيومَيْنِ، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ. رواهُ الخمسة، وصَحَّحَهُ الترمذي، وابنُ حِبَّان.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عاصم بن عدي البلوي العجلاني، حليف الأنصار، ذكروه في البدريين، وقيل: لم يشهدها، وإنما خَلَّفَهُ النبي ﷺ على قباء وأهل العالية لشيء بلغه عنهم، وضرب له بسهمه وأجره، فكان كمن شهدها، وشهد أُحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، وبعثه مع مالك بن الدُّخشم فأحرقا مسجد الضرار ببني عمرو بن عوف، بقباء. مات سنة خمس وأربعين في المدينة، وهو ابن خمس عشرة ومائة، وقيل: عشرين ومائة، ﵁ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عمر ﵄ فقد أخرجه البخاري في مواضع من كتاب «الحج»، أولها باب «سقاية الحاج» (١٦٣٤)، ثم في باب «هل يبيت أصحاب\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٥/ ٢٦٩)، \"الإصابة\" (٥/ ٢٧٠).","vol":"5","page":340},{"text":"السقاية وغيرهم بمكة ليالي منى؟» (١٧٣٤ - ١٧٤٥)، ومسلم (١٣١٥) من طريق عبيد الله، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر ﵄، به.\nوأما حديث عاصم، فقد أخرجه أبو داود (١٩٧٥)، والترمذي (٩٥٥)، والنسائي (٥/ ٢٧٣)، وابن ماجه (٣٠٣٧)، وأحمد (٣٩/ ١٩٣)، وابن حبان (٣٨٨٨) من طريق مالك، قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن أبي البدَّاح بن عاصم، عن أبيه ﵁، به.\nوقال الترمذي: (حديث حسن صحيح). وهذا الحديث له عدة روايات، وألفاظها متقاربة.\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (أن العباس بن عبد المطلب) هو عم النبي ﷺ، وقد تقدم ذكره في «الاستسقاء». قوله: (استأذن) أي: طلب الإذن، وهو الرخصة.\n\nقوله: (أن يبيت بمكة ليالي منى) في تأويل مصدر مجرور، أي: في المبيت، والمعنى: أنه طلب أن يأذن له أن يدع المبيت بمنى ليالي أيام التشريق ويبيت بمكة.\n\nقوله: (من أجل السقاية) تعليل لقوله: (استأذن) أي: من أجل ألا تنقطع مصلحة سقاية ماء زمزم.\nوالسقاية: بكسر السين، مهنة سقي الناس الماء، والمراد هنا: ما يسقيه الناسَ من ماء زمزم، وكان ينبذ فيه الزبيب، ويسقيهم إياه في الجاهلية والإسلام. وكانت السقاية من مآثر قريش، يتولاها بنو عبد المطلب، وكان العباس ﵁ هو القائم بها.\n\nقوله: (في البيتوتة) من مصادر بات، يقال: بات فلان بيتًا، وبياتًا، ومبيتًا، ومباتًا، وبيتوتة، أي: أدركه الليل، نام أو لم ينم.\n\nقوله: (يوم النفر) النفر: خروج الناس من منى بعد نهاية المناسك، واليوم الثاني عشر هو يوم النفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني.","vol":"5","page":341},{"text":"الوجه الرابع: اختلف العلماء في حكم المبيت بمنى الليلة الحادية عشرة والثانية عشرة من ليالي أيام التشريق على قولين بعد إجماعهم على أنه نسك:\nالأول: أنه واجب من واجبات الحج، وهذا قول المالكية، وأحد القولين عند الشافعية، وقد اعتبره النووي هو الأصح، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (^١)، واستدلوا بأن النبي ﷺ بات بها، وقال: «لتأخذوا مناسككم»، ولأنه ﷺ رخص لعمه ﵁ من أجل سقايته، ورخص لرعاة الإبل، والتعبير بالإذن كما هنا، وبالرخصة كما في رواية أخرى، يدل على وجوب المبيت، ولو كان المبيت غير واجب لما كان للترخيص في حق هؤلاء معنى. والواجب من ذلك معظم الليل، سواء من أول الليل أو من آخره.\nوالقول الثاني: أن المبيت بمنى سنّة، وهذا قول الحسن، وأبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، واختاره ابن حزم (^٢)، وقال أبو حنيفة: يكره تركها، واستدلوا بأن النبي ﷺ بات بمنى، ولم يأمر بالمبيت بها.\nوأجاب ابن حزم عن الإذن للرعاة والترخيص للعباس بأنه لا دليل فيه على الوجوب على غيرهم، إلا لو أنه تقدم من النبي ﷺ أمر بالمبيت، ثم رخص لهؤلاء، فإنهم يكونوا مستثنين من سائر مَنْ أُمروا، أما إذا لم يتقدم أمر فيبقى غيرهم على الإباحة (^٣).\nويترتب على هذا الخلاف: أن القائلين بالوجوب يُلزمون تاركه دمًا على قاعدتهم في ترك الواجبات، وعلى أنه سنّة فلا شيء عليه، لكنه خالف سنّة النبي ﷺ فقد بات بها ﷺ (^٤)، والظاهر - والله أعلم - أنه حتى على القول بالوجوب لا يلزمه دم؛ لأن الشرع لم يرد فيه بشيء، قال الإمام أحمد فيمن\n_________\n(^١) انظر: \"الاستذكار\" (١٣/ ١٩٤)، \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٦٩)، \"المغني\" (٥/ ٣٢٤)، \"الإنصاف\" (٤/ ٦٠).\n(^٢) انظر: \"المحلى\" (٧/ ١٨٤)، \"الاستذكار\" (١٣/ ١٩٥)، \"الهداية\" (١/ ١٥٠)، \"المبسوط\" (٤/ ٦٧ - ٦٨)، \"المغنى\" (٥/ ٣٢٤)، \"الإنصاف\" (٤/ ٦٠).\n(^٣) \"المحلى\" (٧/ ١٨٤ - ١٨٥).\n(^٤) \"المغني\" (٥/ ٣٢٥).","vol":"5","page":342},{"text":"ترك المبيت: (لا شيء عليه، وقد أساء) (^١).\nومن اجتهد ولم يجد مكانًا يليق به سقط عنه وله أن يبيت خارجها في أي مكان شاء ولا شيء عليه (^٢)، لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (^٣)، ومن قواعد الشريعة المجمع عليها: (أنه لا واجب مع العجز)، وهذا عاجز عن الوصول إلى منى؛ فسقط عنه المبيت.\nوليس من ذلك المبيت في الشوارع وعلى الأرصفة في طرق الناس والسيارات، ولا سيما من معه نساء، فإن في ذلك ضررًا عظيمًا، وخطرًا جسيمًا لا تأتي الشريعة بمثله، فإذا وجد العذر سقط الواجب، ولا يلزم البحث عن المكان إذا كان يغلب على ظنه عدم الحصول عليه، كما في زماننا هذا.\n\nالوجه الخامس: الحديث دليل على سقوط المبيت عن أهل السقاية ورعاة الإبل؛ لأنهم يحتاجون البعد عن منى ليجدوا مكانًا أحسن رعيًا من غيره، فيسقط عنهم المبيت، مراعاة للمصلحة العامة، وقد ألحق بهم أهل العلم من يماثلهم، وهو كل من اشتغل بمصلحة عامة، كرجال المرور، ورجال الإسعاف، والأطباء، ونحوهم.\nأما من له عذر خاص، كمريض نُقل للمستشفى خارج منى، أو مرافق مريض، أو من له أهل بمكة يخشى عليهم، ونحو هؤلاء، فقيل: يقاس على أهل السقاية بجامع العذر في كل منهم، وقيل: لا يقاس؛ لأن هذا عذر خاص، والأول عام لمصلحة الناس.\n\nالوجه السادس: ظاهر حديث عاصم بن عدي أن أهل السقاية يرمون كغيرهم من الحجاج، أما الرعاة فإنهم يرمون يوم النحر مع الناس، ثم يذهبون لرعي إبلهم، فإذا عادوا يوم النفر الأول رموا عن اليومين: الحادي عشر\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) انظر: \"فتاوى ابن باز\" (١٧/ ٣٦٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧).","vol":"5","page":343},{"text":"والثاني عشر، ثم يرمون اليوم الثالث عشر إذا لم يتعجلوا، وهذا يدل على أن تأخير الرمي أولى من التوكيل لرمي كلِّ يوم في وقته؛ لأن الرسول ﷺ رخص للرعاة في التأخير، ولو كان التوكيل مشروعًا لهم لأرشدهم إليه؛ لأنه أسهل.\n\nالوجه السابع: استدل بحديث عاصم بن عدي ﵁ فقهاء الشافعية، والحنابلة، وأبو ثور، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة، على أن أيام التشريق كاليوم الواحد بالنسبة إلى الرمي، فالرمي في جميعها أداء (^١)، فمن رمى عن يوم منها في يوم آخر منها أجزأه ولا شيء عليه، إلا أنه ترك السنة.\nووجه الاستدلال: أنه لو لم يكن اليوم الثاني وقتًا لرمي اليوم الأول لما جاز الرمي فيه.\nوالقول الثاني: أن كل يوم منها مستقل في رميه، فإن فات هو وليلته التي بعده، فات الرمي، وصار قضاءً في اليوم الذي بعده، وعليه دم، على تفصيل عندهم، وهذا قول الحنفية والمالكية (^٢)؛ لأن الرمي ناقص بتأخيره عن وقته إلى وقت القضاء، فيجبر النقص بالفدية.\nوالقول الأول أرجح، لقوة دليله.\nفإذا غابت الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق انتهى وقت الرمي، فمن رمى بعد ذلك صار رميه قضاءً لا أداءً.\n\nالوجه الثامن: اختلف العلماء في حكم الرمي ليلًا على قولين:\nالأول: أنه لا يجوز الرمي ليلًا؛ لأن اليوم ينتهي بغروب شمسه، فإذا غربت وهو لم يرمِ أخَّر الرمي إلى ما بعد الزوال من يوم غدٍ، وهذا قول الحنابلة، وإسحاق، وأحد الوجهين عند الشافعية (^٣).\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٣٩)، \"المغني\" (٥/ ٣٣٣)، \"نهاية المحتاج\" (٣/ ٣٠٥).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٣٨)، \"المنتقى\" للباجي (٣/ ٥٣، ٥٥).\n(^٣) \"المغني\" (٥/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، \"المجموع\" (٨/ ٢٤٠).","vol":"5","page":344},{"text":"والقول الثاني: أنه يجوز الرمي ليلًا، وهذا مروي عن طاوس وعروة بن الزبير والنخعي والحسن (^١)، وهو قول الحنفية، وابن حزم؛ لأن الرسول ﷺ وقَّتَ ابتداء الرمي وأنه بعد الزوال، ولم يُوَقت انتهاءه، ويكون الرمي نهارًا عزيمة، والرمي ليلًا رخصة.\nوهذا هو الراجح إن شاء الله، فإن الليل يتبع النهار في بعض المناسك مثل الوقوف بعرفة، فإن وقته يمتد إلى طلوع الفجر، ثم إن هذا القول يتمشى مع يسر الإسلام وسهولته، ولا سيما في زماننا هذا نظرًا لكثرة الحجاج وما يحصل من الزحام الشديد في أثناء النهار مما يتضرر معه بعض الناس من النساء وكبار السِّن، ويؤيد ذلك ما ورد عن عبد الرحمن بن سابط قال: (كانَ أصحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَقدمُونَ حُجَّاجًا، فَيَدَعُونَ ظَهرَهُم، فَيَجِيؤُنَ فَيَرمُونَ بِالليلِ) (^٢).\nوروى مالك عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه: أن ابنة أخ لصفية بنت أبي عبيدة نُفست بالمزدلفة، فتخلفت هي وصفية حتى أتتا منى بعد أن غربت الشمس من يوم النحر، فأمرهما عبد الله بن عمر أن ترميا الجمرة حين أتتا، ولم يرَ عليهما شيئًا (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٧/ ١٣٤)، \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٣٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٠)، وإسناده حسن.\n(^٣) \"الموطأ\" (١/ ٤٠٩) وإسناده جيد.","vol":"5","page":345},{"text":"<span data-type='title' id=toc-633>مشروعية الخطبة بمنى</span>\n٧٧١/ ٣١ - عن أَبي بَكْرَة ﵁ قال: خَطَبَنَا رسولُ اللهِ ﷺ يوْمَ النَّحْرِ .... الحديث. مُتَّفَقٌ عليه.\n٧٧٢/ ٣٢ - عن سَرَّاءَ بنتِ نَبْهَانَ ﵂ قالتْ: خَطَبَنَا رسُولُ اللهِ ﷺ يوْمَ الرُّؤُوسِ، فَقالَ: «أَلَيْسَ هذا أَوْسَطَ أَيَّامِ التِّشْريقِ؟ …» الحديث. رواه أبو داود بإسناد حسن.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهي سراء - بفتح السين، وتشديد الراء - بنت نبهان - بفتح النون - ابن عمرو الغنوي (^١)، قال ابن حبان: (لها صحبة)، لها حديث في حجة الوداع، وكانت ربة بيت في الجاهلية (^٢)، روى عنها ربيعة بن عبد الرحمن بن حصن الغنوي (^٣).\n\nالوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث أبي بكرة ﵁، فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «الخطبة أيام منى» (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩) من طريق محمد بن سيرين، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة، ورجل أفضل في نفسي من عبد الرحمن: حميدُ بن عبد الرحمن (^٤)، عن أبي بكرة ﵁ قال:\n_________\n(^١) نسبة إلى غني بن أعصر.\n(^٢) أي: صاحبة بيت من بيوت الأصنام.\n(^٣) \"الاستيعاب\" (١٣/ ٣٨)، \"الإصابة\" (١٢/ ٣٠٠).\n(^٤) هو حميد بن عبد الرحمن الحميري، وإنما كان عند ابن سيرين أفضل من عبد الرحمن بن =","vol":"5","page":346},{"text":"(خطبنا النبي ﷺ يوم النحر، قال: «أتدرون أيُّ يوم هذا؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس يوم النحر؟»، قلنا: بلى، قال: «أيُّ شهر هذا؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: «أليس ذو الحجة؟»، قلنا: بلى، قال: «أيُّ بلد هذا؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس بالبلد الحرام؟»، قلنا: بلى، قال: «فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، إلى يومِ تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟»، قالوا: نعم، قال: «اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فربّ مبلَّغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض») هذا لفظ البخاري. وأخرجه - أيضًا - من طريق أيوب، عن ابن سيرين، به، بنحوه (^١).\nوأما حديث سراء ﵂، فقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، بابٌ «أيَّ يومٍ يخطب بمنى» (١٩٥٣) من طريق ربيعة بن عبد الرحمن بن حصن: حدثتني جدتي سراءُ بنت نبهان - وكانت رَبَّةَ بيت في الجاهلية - قالت … وذكرت الحديث.\nوجاء عند البيهقي زيادة، وفي آخرها: (… فلما قدمنا المدينة لم يلبث إلا قليلًا حتى مات) (^٢).\nوالحديث حسّنه النووي (^٣)، مع أن في إسناده ربيعة بن عبد الرحمن، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا (^٤). وقال الذهبي: (تابعي فيه جهالة) (^٥). وقال الحافظ: (مقبول). وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٦). ولعل من حسَّن حديثه اعتمد على أنه تابعي، وهو وإن كان فيه جهالة لكنه من كبار التابعين.\n_________\n= أبي بكرة؛ لأن ابن أبي بكرة دخل في الولايات، وكان حميد زاهدًا. \"فتح الباري\" (٣/ ٥٧٥).\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٥٥٥).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٥١).\n(^٣) \"المجموع\" (٨/ ٩١).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٤٧٥).\n(^٥) \"الميزان\" (٢/ ٤٤).\n(^٦) (٤/ ٢٣١).","vol":"5","page":347},{"text":"الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الخطبة في منى، فيخطب الإمام، أو من ينيبه يوم النحر، ويخطب - أيضًا - ثاني أيام التشريق، وهو يوم (الرؤوس)، وسمي بذلك لأنهم يأكلون في هذا اليوم غالبًا رؤوس الأضاحي والهدي إذا ذبحت يوم النحر.\nوينبغي أن تشتمل هذه الخطبة على الوصايا العامة، والحث على الالتزام بأحكام شرع الله تعالى، والدعوة إليه، والعناية بمسائل العقيدة، والتحذير من البدع، وكل ما رأى الخطيب أن له مناسبة يستفيد منها الجمع العظيم من حجاج بيت الله الحرام، والله تعالى أعلم.","vol":"5","page":348},{"text":"<span data-type='title' id=toc-634>اكتفاء القارن بطواف واحد وسعي واحد</span>\n٧٧٣/ ٣٣ - عن عائشة ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لهَا: «طَوَافُكِ بالبيتِ، وَبينَ الصَّفا والمَرْوَةِ يَكْفيكِ لِحَجِّكِ وعُمْرَتِكِ». رواهُ مسلمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب «الحج»، باب «بيان وجوه الإحرام» (١٢١١) (١٣٢) من طريق عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أنها أهلّت بعمرة، فقدمت ولم تطفْ بالبيت حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها، وقد أهلَّت بالحج، فقال لها النبي ﷺ يوم النفر: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك» فأبت، فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج.\nوفي رواية له (١٣٣): «يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك».\nوأما اللفظ الذي ذكره الحافظ، فهو لأبي داود (١٨٩٧) من طريق ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن عائشة ﵂، به.\nوقد أعلَّ الشافعي هذه الرواية - كما نقله أبو داود - بأن ابن عيينة روى الحديث متصلًا بذكر عائشة ﵂، ومرسلًا بإسقاطها، وقد رجح أبو حاتم، والدارقطني رواية الإرسال (^١).\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن القارن يكفيه لحجه وعمرته\n_________\n(^١) \"العلل\" لابن أبي حاتم (١/ ٢٩٤)، و\"علل الدارقطني\" (١٥/ ١١٤)، وانظر: \"حجة الوداع\" لابن كثير ص (١٠٧).","vol":"5","page":349},{"text":"طواف واحد وسعي واحد، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم: مالك والشافعي وأحمد وإسحاق (^١)، ومما يدل على ذلك - أيضًا - حديث عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع … وفيه: (وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا …) (^٢). وهذا وما قبله نص صريح يدل على أن القارن يكتفي بطواف واحد لحجه وعمرته، وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (لم يطفِ النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا)، وفي رواية: (طوافه الأول) (^٣).\nوالقول الثاني: يلزم القارن طوافان: طواف لعمرته، وهو الذي بعد دخوله مكة، وطواف لحجه، وهو طواف الإفاضة، ويلزمه سعيان: أحدهما: لعمرته، والآخر: لحجته. وهذا مذهب أبي حنيفة (^٤)، وهو مروي عن علي، وابن مسعود ﵄، ومجاهد، والشعبي (^٥)؛ لأن القِران ضم عبادة الحج إلى عبادة أخرى، وهي العمرة، وذلك إنما يتحقق بأداء عمل كل واحد على الكمال، فلا تداخل في العبادت، فلذا يجب طوافان وسعيان.\nوالصواب الأول، لقوة أدلته، ولأن النبي ﷺ كان قارنًا ولم يطفْ بعد عرفة إلا طوافًا واحدًا، وأما طوافه الأول حين قدم، فهو طواف قدوم، والله تعالى أعلم.\n\nالوجه الثالث: اختلف العلماء في المتمتع: هل يكفيه سعي واحد؟ قولان:\nالأول: أنه لا يكفيه؛ بل عليه سعيان؛ سعي لعمرته التي سيفرغ منها، وسعي لحجه بعد إفاضته من عرفة، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم: مالك، والشافعي، وأحمد في أصح الروايات عنه، وهو قول ابن حزم (^٦)، ودليل ذلك\n_________\n(^١) \"المدونة\" (١/ ٣١٤)، \"المحلى\" (٧/ ١٧٣)، \"المجموع\" (٨/ ٦١)، \"الإنصاف\" (٤/ ٤٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٥٦)، ومسلم (١٢١١)، وقد تقدم الكلام عليه برقم (٧٢٧).\n(^٣) رواه مسلم (١٢١٥).\n(^٤) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ٥٢٥).\n(^٥) \"حجة الوداع\" لابن كثير ص (١٠٥).\n(^٦) \"المحلى\" (٧/ ١١٨)، \"المغني\" (٥/ ٣١٥)، \"الإنصاف\" (٤/ ٤٤).","vol":"5","page":350},{"text":"قول عائشة ﵂: (فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالعُمْرَةِ بِالَبيتِ وبَالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِم، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) (^١). تعني بذلك: الطواف بين الصفا والمروة على أصح الأقوال في تفسير الحديث.\nوأما قول من قال: إنها أرادت طواف الإفاضة؛ فليس بصحيح؛ لأن طواف الإفاضة ركن في حق الجميع وقد فعلوه، ويؤيد ذلك قول ابن عباس ﵄: فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «اجْعَلُوا إِهْلالَكُمْ بِالحَجِّ عُمْرَةً إِلا مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ»، فَطُفْنَا بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَقَالَ: «مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ»، ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ المَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا، وَعَلَيْنَا الهَدْيُ …) الحديث (^٢)، لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن هذا الحديث فيه علة (^٣).\nالقول الثاني: أن المتمتع يكفيه سعي واحد، وهو مروي عن ابن عباس ﵄، وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير (^٤)، وهو رواية عن الإمام أحمد، قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية: (إنها أصح الروايتين) وقد اختار الشيخ هذا القول (^٥)، وأَعَلَّ حديث عائشة ﵂ بما عزاه للمحققين من أهل الحديث من أن قولها: (فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة .. إلخ) مدرج من كلام الزهري، فلا يعارض الحديث الصحيح (^٦)، وهو ما رواه جابر ﵁ أن النبي ﷺ وأصحابه: (لَمْ يَطُوفُوا بَينَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ إلا طَوَافًا وَاحِدًا، طَوَافهُم الأوَّل) (^٧).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه برقم (٧٢٧) من أحاديث \"البلوغ\".\n(^٢) رواه البخاري (١٥٧٢) تعليقًا.\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٦/ ٤١).\n(^٤) \"الإشراف\" (٣/ ٣٦٦).\n(^٥) \"الفتاوى\" (٢٦/ ٣٦، ٣٨، ٣٩، ١٣٨، ١٣٩)، \"زاد المعاد\" (٢/ ١٤٩).\n(^٦) انظر: \"سنن أبي داود\" (٢/ ١٥٣)، \"الفتاوى\" (٢٦/ ٤١)، \"الإيماء بأطراف الموطأ\" (٤/ ١١ - ١٢)، \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٤٥١).\n(^٧) تقدم تخريجه.","vol":"5","page":351},{"text":"فهذا نص واضح في أن المتمتع يكفيه سعي واحد؛ لأن الصحابة ﵃ فيهم القَارِن وهو مَن كان معه هدي، وهؤلاء قلة (^١)، وفيهم المتمتع، وهو من لم يكن معه هدي.\nومن رجح الأول قال: لا معارضة بين حديث جابر ﵁ وحديثي عائشة وابن عباس ﵃ بل يجمع بينهما من وجهين:\n\nالوجه الأول: أن يحمل حديث جابر على من ساق الهدي من الصحابة؛ لأنهم بقوا على إحرامهم مع النبي ﷺ حتى حلوا من الحج والعمرة جميعًا؛ لأنهم كانوا قارنين، والقارن يكفيه سعي واحد، ومثله المفرد.\n\nالوجه الثاني: أن سعي المتمتع رواه ابن عباس وعائشة ﵃، وعدم سعيه رواه جابر ﵁، وما رواه اثنان أرجح مما رواه واحد، كما في مبحث الترجيح في الأصول (^٢).\nومن أخذ بالقول الثاني، واقتصر في تمتعه على سعي واحد، وهو ما فعله بعد طواف العمرة، فله سلف من صحابة رسول الله ﷺ ومن بعدهم، وفيه تيسير على الناس، وتخفيف للزحام، فإذا طاف بالبيت بعد الإفاضة فقد تمَّ حجه، قال الإمام أحمد في المتمتع: (إن طاف طوافين فهو أجود، وإن طاف طوافًا واحدًا فلا بأس) وقال: (إن طاف طوافين فهو أعجب إليَّ) (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٧٣).\n(^٢) \"أضواء البيان\" (٥/ ١٨٤).\n(^٣) \"المسائل\" رواية ابنه عبد الله ص (٢١٩ - ٢٢٠)، وتأمل دلالة كلام الإمام أحمد عليه رحمة الله. وانظر: \"الدرر السنية في الأجوبة النجدية\" (٥/ ٣٨٥).","vol":"5","page":352},{"text":"<span data-type='title' id=toc-635>عدم مشروعية الرمل في طواف الإفاضة</span>\n٧٧٤/ ٣٤ - عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لمْ يَرْمُلْ في السَّبْعِ الذي أَفاضَ فيهِ. رواه الخمسة إلا الترمذيَّ، وصحّحهُ الحاكِمُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، باب «الإفاضة في الحج» (٢٠٠١)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٢١٨)، وابن ماجه (٣٠٦٠)، والحاكم (١/ ٤٧٥) من طريق عبد الله بن وهب قال: حدثني ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﵄، به.\nوهذا إسناد ضعيف، فيه ابن جريج، وهو من المكثرين من التدليس، وقد عنعنه، وهو من الملازمين لعطاء، وقد روى أبو بكر بن أبي خثيمة بسنده عن ابن جريج أنه قال: إذا قلت: قال عطاء فأنا سمعته منه وإن لم أقل: سمعت (^١)، وذكر الدارقطني في «الأطراف» (^٢) أن الحديث أُعِلَّ بالإرسال، وأشار إلى ذلك ابن عبد الهادي، وصححه الألباني (^٣).\nوأما عزوه للمسند، فالظاهر أنه وهم من الحافظ، وقد ذكر الحديث في «التلخيص» ونسبه لهؤلاء، ولم يذكر معهم أحمد (^٤).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لم يَرْمُلْ) بفتح الياء وإسكان الراء وضم الميم مضارع رَمَل من\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٣٦٠).\n(^٢) انظر: \"أطراف الغرائب والأفراد\" (١/ ٤٨٧)، \"المحرر\" (٧٢٣).\n(^٣) \"صحيح سنن ابن داود\" (١/ ٣٧٦).\n(^٤) \"التلخيص\" (٢/ ٢٦٨).","vol":"5","page":353},{"text":"باب قصد. وتقدم تفسير الرَّمَل بأنه الإسراع في المشي مع تقارب الخطا.\n\nقوله: (في السبع الذي أفاض فيه) بفتح السين؛ أي: سبع مرات، وبضمها، وهو الجزء من السبعة، من إطلاق الجزء على الكل، والمراد: سبع مرات.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن الرمل لا يكون إلا في طواف القدوم - كما تقدم ـ، ولا يكون في طواف الإفاضة كما هو نص الحديث، وتقدم حديث ابن عمر ﵄: رأيت رسول الله ﷺ إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم، فإنه يسعى ثلاث أطواف بالبيت ويمشي أربعة. والله تعالى أعلم.","vol":"5","page":354},{"text":"<span data-type='title' id=toc-636>حكم النزول بالأبطح</span>\n٧٧٥/ ٣٥ - عن أَنسٍ ﵁: أنَّ النّبيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ والْعَصْرَ والمَغرِبَ والعِشاءَ، ثمَّ رقَدَ رَقْدَةً بالمُحَصَّبِ، ثمَّ رَكِبَ إلى البيتِ، فطافَ بِهِ. رواهُ البخاريُّ.\n٧٧٦/ ٣٦ - وعن عائِشَةَ ﵂: أَنَّها لم تَكُنْ تَفْعَلُ ذلك - أَي: النُّزولَ بالأَبْطَحِ - وتقُولُ: إنَّما نَزَلَهُ رسولُ اللهِ ﷺ؛ لأنّه كانَ مَنْزِلًا أَسْمحَ لِخُروجهِ. رواه مُسلمٌ.\n\nالكلام عليهما من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أنس ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «من صلى العصر يوم النفر بالأبطح» (١٧٦٤) من طريق ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن قتادة حدثه، عن أنس بن مالك ﵁، به.\nوأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه البخاري في باب «المحصَّب»، ومسلم (١٣١١) من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: (نزول الأبطح ليس بسنّة، إنما نزله رسول الله ﷺ …) الحديث، وهذا لفظ مسلم.\nورواه مسلم (١٣١١) (٣٤٠) من طريق الزهري، عن سالم: أن أبا بكر وعمر وابن عمر ﵃ كانوا ينزلون الأبطح، قال الزهري: وأخبرني عروة، عن عائشة أنها لم تكن تفعل ذلك، وقالت: إنما نزله … الحديث.\n\nالوجه الثاني: اختلف العلماء في نزول النبي ﷺ بالمحصَّب - وهو بطحاء مكة ـ: هل هو على وجه القربة والعبادة، فيكون سنّة يقتدى بها؟ أم أنه","vol":"5","page":355},{"text":"منزل وقع في طريقه فارتاح فيه، فلا يكون النزول فيه سنة؟ على قولين:\nفذهب الخلفاء الراشدون وجمهور العلماء إلى أنه سنّة إن تيسر ذلك (^١)، أخذًا بظاهر الأدلة، وبحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال لنا النبي ﷺ ونحن بمنى: «نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة»، حيث تقاسموا على الكفر، وذلك أن قريشًا وبني كنانة تحالفت على بني هاشم وبني المطلب ألاَّ يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ؛ يعني بذلك المحصّب (^٢).\nفهذا يؤيد أن النبي ﷺ نزله قصدًا لبيان عزِّ الإسلام وظهوره وإبطال ما عليه أهل الكفر من الشر، وما تعاقدوا عليه من الباطل، فصار سنّة كالرَّمَل في الطواف.\nوالقول الثاني: أن نزوله ليس بسنّة، وإنما نزله ﷺ لأنه أسمح لطريقه، وهذا قول ابن عباس وعائشة وبعض السلف كطاوس ومجاهد (^٣).\nوهذه المسألة لا يترتب عليها كبير فائدة، ولا سيما في زماننا هذا، لعدم وجود المحصَّب، حيث شمله البنيان وتخطيط الشوارع، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"إكمال المعلم\" (٤/ ٣٩٣)، \"المغني\" (٥/ ٣٣٥)، \"المجموع\" (٨/ ٢٥٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٩٠)، ومسلم (١٣١٤).\n(^٣) المصادر السابقة قبل التخريج.","vol":"5","page":356},{"text":"<span data-type='title' id=toc-637>حكم طواف الوداع</span>\n٧٧٧/ ٣٧ - عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يكونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بالبيتِ، إلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحائِضِ. مُتّفقٌ عليه.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «الحج»، باب «طواف الوداع» (١٧٥٥)، ومسلم (١٣٢٨) (٣٨٠) من طريق سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄، به.\nوفي رواية لمسلم (١٣٢٧) عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ: «لا يَنْفِرَنَّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت».\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب طواف الوداع إذا فرغ الحاج من المناسك، ووجه الاستدلال من وجهين:\nالأول: الأمر بطواف الوداع، لقوله: (أُمِرَ الناس) والآمر هو النبي ﷺ، بدليل رواية مسلم: «لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت»، ومثل هذه الصيغة لها حكم الرفع عند المحدثين.\nالثاني: أنه أُسقط عن الحائض وخُفف، والتعبير بالتخفيف في حقها لا يكون إلا من أمر مؤكد، ولو كان غير واجب لما كان لتخفيفه عن الحائض معنى.\nوالقول بوجوب طواف الوداع، هو قول الجمهور من أهل العلم،","vol":"5","page":357},{"text":"وقالوا: إن تركه فعليه دم (^١).\nوالقول الثاني: أن طواف الوداع سنّة، ولا يلزم بتركه شيء، وهذا قول مالك وأصحابه، وداود الظاهري، وأحد القولين عن مجاهد (^٢)، مستدلين بأن النبي ﷺ رخص للحائض في تركه، ولم يأمرها بدم ولا شيء، قالوا: فلو كان واجبًا لأمر بجبره.\nوالقول الأول أرجح، لقوة دليله، وإسقاطه عن الحائض لا يلزم منه سقوطه عن غيرها، وأما إيجاب الدم فيحتاج إلى دليل صالح لإثبات ذلك، وقد قال ابن المنذر بوجوبه إلا أنه لا يجب بتركه شيء (^٣)، فالظاهر أن من تركه أَثِمَ على قاعدة ترك الواجب، وأما إيجاب الدم فلا.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يجب أن يكون طواف الوداع آخر شيء، ومعنى ذلك أنه لا يجوز الوداع قبل إتمام المناسك، كرمي الجمار في اليوم الثاني عشر.\nولا يضر الانتظار بعد طواف الوداع لقضاء بعض حاجات السفر أو انتظار الرفقة، أو توديع الأقارب، أو إصلاح السيارة، أو حَبْسِ السير، ونحو ذلك مما لا يدل على البقاء اختيارًا.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على سقوط طواف الوداع عن الحائض؛ لأنها معذورة، لكونها ليست من أهل الطواف والصلاة، وهذا التخفيف دليل على أنها لا تنتظر الطهر، ولا يلزمها شيء بتركه؛ لأنه ساقط عنها من أصله.\nوإذا نفرت الحائض بغير وداع، فطهرت قبل مفارقة بنيان مكة، فإنها تغتسل وترجع للوداع، على قول جمهور أهل العلم؛ لأنها في حكم الإقامة، بدليل أنها لا تستبيح رخص السفر.\n_________\n(^١) \"الهداية\" (١/ ١٥١)، \"المغني\" (٥/ ٣٣٦)، \"المجموع\" (٨/ ٢٥٤).\n(^٢) \"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ٣٧٨)، \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٩/ ٨٦)، \"أضواء البيان\" (٥/ ٢١٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٨٥).","vol":"5","page":358},{"text":"فإن فارقت البنيان لم ترجع، على الراجح من قولي أهل العلم؛ لأنها خرجت عن حكم الحاضر (^١).\n\nالوجه الخامس: اختلف العلماء: هل طواف الوداع من المناسك؟ على قولين:\nالأول: أنه من المناسك، وهذا أحد القولين عند الشافعية والمالكية، وهو ظاهر مذهب الحنفية (^٢)، وقد نص الشافعي على أنه نسك (^٣)، ونقل ابن عبد البر الإجماع على ذلك (^٤)، واستدلوا بقول ابن عمر ﵄: (لا ينفر أحدكم حتى يطوف بالبيت، فإن آخر النسك الطواف بالبيت) (^٥)، فإخباره بأن طواف الوداع آخر المناسك دليل على أنه من مناسك الحج.\nالقول الثاني: أنه ليس من المناسك؛ بل هو عبادة مستقلة، يؤمر بها كل من أراد مفارقة مكة، سواء كان مكيًا أم آفاقيًا، وهذا هو القول الثاني في مذهب الشافعية والمالكية، وهو مذهب الحنابلة (^٦)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (^٧). واستدلوا بحديث العلاء بن الحضرمي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا» (^٨).\nووجه الدلالة: أن طواف الوداع يكون عند الرجوع، وسماه قاضيًا للمناسك قبل الوداع.\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" (٥/ ٣٤١)، \"المجموع\" (٨/ ٨٥٥).\n(^٢) \"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ٣٧٨)، \"بدائع الصنائع\" (٢/ ١٤٣)، \"المجموع\" (٨/ ٢٥٦)، \"المنتقى\" (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣).\n(^٣) \"الأم\" (٣/ ٤٥٨).\n(^٤) \"الاستذكار\" (١٢/ ١٨٤)، \"التمهيد\" (١٧/ ٢٦٩).\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة ص (٢١٣) \"الجزء المفرد\" من طريق أبي خالد الأحمر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-، وهذا سند حسن، وجاء عن عمر -﵁ - رواه مالك (١/ ٣٦٩) وعنه الشافعي في \"الأم\" (٣/ ٤٥٧)، وسنده صحيح.\n(^٦) \"المغني\" (٥/ ٣٣٦).\n(^٧) \"الفتاوى\" (٢٦/ ٦، ٨)، \"إعلام الموقعين\" (٣/ ٤٠).\n(^٨) رواه مسلم (١٣٥٢).","vol":"5","page":359},{"text":"والقول بأنه من مناسك الحج قول قوي، فإن الرسول ﷺ أمر به الحجاج دون غيرهم من المعتمرين أو المقيمين، ولم يرد أنه أمر به أمرًا مطلقًا، فدل على أنه نسك مختص بالحاج، ولا يلزم على القول بأنه من المناسك أنه يجب على المكي أو من أقام، بدليل أن طواف القدوم من المناسك، وهو لا يشرع لمن أحرم من مكة، فدل على أن هذه الملازمة غير لازمة، ومما يؤيد ذلك عموم قوله ﷺ: «لتأخذوا مناسككم»، فإنه يفيد أن ما أمر به الرسول ﷺ في هذه الحجة فهو مناسكها.\nوأما حديث العلاء فلا دلالة فيه؛ لأن المراد به قضاء المناسك المؤقتة بوقت معين كالوقوف والمبيت والرمي، أو يحمل على قضاء نسكه ومنها طواف الوداع (^١).\n\nالوجه السادس: الحديث دليل على أن طواف الوداع خاص بالحج، وأن العمرة ليس لها وداع، وذلك من وجهين:\nالأول: أن النبي ﷺ قال ذلك في حجة الوداع، وخاطب به الحجاج، كما تفيده رواية مسلم، ولم ينقل أنه قال ذلك في عمرة من عُمَرِهِ.\nالثاني: أن الأوصاف المذكورة لا تنطبق إلا على الحج؛ لأنه لولا الوداع لكان الناس ينفرون من منى بعد رمي الجمرات إلى حيث شاءوا، فَأُمروا أن يكون آخر عهدهم بالبيت.\nوقد نقل ابن رشد الإجماع على أنه ليس على المعتمر إلا طواف القدوم؛ أي: طواف العمرة (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"هداية السالك\" (٤/ ١٣٦٦)، \"مجلة البحوث الإسلامية\" عدد (٥٠)، \"المسائل المشكلة\" ص (٦٣).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٢٦٦).","vol":"5","page":360},{"text":"<span data-type='title' id=toc-638>مضاعفة الصلاة في مسجدي مكة والمدينة</span>\n٧٧٨/ ٣٨ - عن ابنِ الزُّبيْرِ ﵄ قالَ: قالَ رسُولُ اللهِ ﷺ: «صلاةٌ في مَسْجِدي هذا أَفضَلُ مِن أَلْفِ صَلاةٍ فيما سِوَاهُ إلا المَسجِدَ الحَرَامَ، وصلاةٌ في المسجدِ الحَرَامِ أَفضلُ من صلاةٍ في مسجدِي هذا بمائةِ صلاةٍ». رواهُ أحمدُ، وصحّحهُ ابنُ حبّان.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو بكر أو أبو خبيب، عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي، أمه أسماء بنت أبي بكر ﵄، ولد في السنة الأولى من الهجرة، وأتت به أمه إلى رسول الله ﷺ فوضعه في حجره، فدعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فمه، فكان أولَ شيء دخل جوفه ريقُ رسول الله ﷺ، ثم دعا له. وهو أحد الشجعان من الصحابة ﵃، وأحد من ولي الخلافة منهم، كان كثير الصلاة والصيام، بويع بالخلافة سنة أربع وستين، عقب موت يزيد بن معاوية، وقتله الحجاج بمكة في جمادى الأولى، سنة ثلاث وسبعين، ﵁ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٢٦/ ٤١ - ٤٢)، وابن حبان (١٦٢٠) من طريق حماد بن زيد، قال: ثنا حبيب المعلم، عن عطاء، عن عبد الله بن الزبير ﵄، به مرفوعًا.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٦/ ١٨٩)، \"الإصابة\" (٦/ ٨٣).","vol":"5","page":361},{"text":"وهذا إسناد صحيح، وحبيب المعلم، هو ابن أبي قريبة، واسم ابن أبي قريبة زائدة مولى معقل بن يسار، وقد نقل ابن أبي حاتم توثيقه عن الإمام أحمد وابن معين وأبي زرعة (^١)، وقال ابن عدي: (ولحبيب أحاديث صالحة، وأرجو أنه مستقيم الرواية) (^٢)، ونقل الحافظ تضعيفه عن الإمام أحمد. وقال النسائي: (ليس بالقوي) (^٣). وذكره ابن حبان في «الثقات» (^٤). وقد أخرج له البخاري متابعة، واحتج به مسلم.\nقال ابن عبد البر: (أسند حبيب المعلم هذا الحديث، وجوده ولم يَخْلِطْ في لفظه ولا معناه) (^٥).\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على فضل الصلاة في مسجدي مكة والمدينة، وأن الصلاة في مسجد مكة تضاعف بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجد المدينة تضاعف بألف صلاة. وقد روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (^٦). وهذه المضاعفة دليل على فضل المسجدين، وما جعل الله فيهما من الخير العظيم، ومن ذلك هذه المضاعفة العظيمة للصلاة، ولهذا أبيح السفر إليها للتعبد فيها، أما غيرها من البقاع فلا يجوز شد الرحل إليها ولو كانت المساجد، مع فضلها وأنها أحب البقاع إلى الله تعالى، وقد تقدم ذلك في آخر باب «الاعتكاف».\nوهذه المضاعفة خاصة بالصلاة، أما غيرها من العبادات كالصيام والصدقة فليس هناك ما يدل على مضاعفتها، لكن فضل المكان له مزية على غيره.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن المضاعفة في المدينة مختصة\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ١٠١).\n(^٢) \"الكامل\" (٢/ ٤١٠).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ١٧٠).\n(^٤) (٦/ ١٨٣).\n(^٥) \"التمهيد\" (٦/ ٢٥).\n(^٦) أخرجه البخاري (١١٩٠)، ومسلم (١٣٩٤).","vol":"5","page":362},{"text":"بالمسجد النبوي لا لكل المدينة، لقوله: «في مسجدي هذا»، ويدخل في ذلك ما زيد فيه؛ لأن عمر ﵁ زاد في المسجد من جهة القبلة أمام موقف النبي ﷺ إذا كان يصلي بأصحابه، والصحابة متوافرون، وكان عمر ﵁ يصلي بالصحابة ﵃ في تلك الزيادة، ولا يُظن بهم أنهم كانوا يعتقدون أن الصلاة في غير موضعهم أفضل.\nأما بالنسبة للمسجد الحرام، فقد اختلف العلماء: هل المضاعفة مختصة بالمسجد الذي يصلى فيه؟ أو أنها عامة لبيوت مكة وسائر بقاع الحرم؟ قولان:\nالأول: أن المضاعفة لكل ما هو داخل حدود الحرم، وهذا أحد قولي عطاء، فقد روى البيهقي من طريق عطاء، أنه قيل له: يا أبا محمد، هذا الفضل في المسجد وحده أو في الحرم؟ قال: لا؛ بل في الحرم، فإن الحرم كله مسجد (^١). وممن قال بذلك ابن حزم (^٢)، وقدم الحافظ ابن حجر هذا القول (^٣)، وصححه النووي، واختاره ابن القيم (^٤)، والشيخ عبد العزيز بن باز.\nودليل هذا القول أن لفظ المسجد الحرام ورد في القرآن خمس عشرة مرة، وله عدة اطلاقات، وقد جاء في بعضها مرادًا به الحرم كله، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، وقد ذكر ابن الجوزي: أن الإسراء كان من بيت أم هانئ عند أكثر المفسرين (^٥).\nكما استدلوا بحديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، وهو حديث\n_________\n(^١) انظر:\"منسك عطاء\" ص (١١٢) رقم (٥٣٢).\n(^٢) \"المحلى\" (٧/ ١٤٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٦٤).\n(^٤) \"الإيضاح في مناسك الحج\" ص (٤٦٤)، \"زاد المعاد\" (٣/ ٣٠٣).\n(^٥) \"زاد المسير\" (٧/ ١٤٠).","vol":"5","page":363},{"text":"طويل جدًا في قصة الحديبية، جاء فيه: (وكان رسول الله ﷺ يصلي في الحرم، وهو مضطرب (^١) بالحل …) (^٢).\nوالقول الثاني: أن الفضل خاص بالمسجد الذي يُصلَّى فيه دون البيوت وغيرها من أجزاء الحرم، وهو القول الثاني لعطاء (^٣)، وقد قرره المحب الطبري، واختاره الشيخ محمد العثيمين (^٤)، ولهم دليلان:\nالأول: حديث الباب، ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ جعل الفضل بالنسبة لمسجد المدينة للمسجد نفسه لا لكل المدينة، فينبغي أن يكون الأمر بمكة كذلك (^٥).\nالثاني: حديث ميمونة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة» (^٦).\nوالذي يظهر - والله أعلم - هو القول الأول، لقوة دليله، فإن الظاهر أن المسجد الحرام إذا أُطلق أُريد به العموم، كما ذكر ابن القيم.\nوأما حديث الباب فلا دلالة فيه، كما قال المحب الطبري؛ لأن المسجد الحرام له إطلاقات بخلاف مسجد المدينة، وأقربها العموم، كما تقدم، وأما حديث: «إلا مسجد الكعبة» فليس بصريح الدلالة على المراد، فإن\n_________\n(^١) أي: ضارب خيمته في الحل.\n(^٢) أخرجه أحمد (٣١/ ٢١٢، ٢٢٠، ٢٤٣) وهو من طريقين: الأول: من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، وابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه، إلا أنه صرح بالسماع من الزهري في أثناء الحديث، فانتفت شبهة تدليسه. والطريق الثاني: عن معمر، عن الزهري، به، ورواية معمر في \"البخاري\" (٢٧٣١) لكن هذا الطريق ليس فيه الجملة المذكورة، فيخشى من تفرد ابن إسحاق بها عن الزهري، وقد حَسَّنَ الألباني رواية ابن إسحاق. انظر: \"صحيح سنن أبي داود\" (٢/ ٥٢٩).\n(^٣) \"منسك عطاء\" ص (١١٣) رقم (٥٣٨).\n(^٤) انظر: \"فتاوى ابن عثيمين\" (٢٠/ ١٦٤ - ١٦٦)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٥١٦).\n(^٥) \"القرى لقاصد أم القُرى\" ص (٦٥٧).\n(^٦) أخرجه مسلم (١٣٩٦).","vol":"5","page":364},{"text":"مسجد الكعبة هو المسجد الحرام، والنصوص يفسِّر بعضها بعضًا، والنبي ﷺ لم يحدد مسجد الكعبة بحد معين؛ بل الظاهر من الإضافة هو التشريف (^١)، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المسائل المشكلة من مناسك الحج والعمرة\" ص (١٠٩).","vol":"5","page":365},{"text":"<span data-type='title' id=toc-639>باب الفوات والإحصار</span>\nالفوات: مصدر فات يفوت فوتًا وفواتًا: إذا سَبَقَ فلم يُدرك. والمراد هنا: عدم أداء الحج، لعدم التمكن من عرفة، لمرض منعه من الوقوف، أو لتأخر، أو لكونه ضل الطريق، ونحو ذلك، ولا فرق بين أن يكون لعذر أو لغير عذر، فلا يفترقان إلا في الإثم (^١)، ولا يكون الفوات إلا في الحج، وأما العمرة فلا تفوت إلا تبعًا لحج القارن.\nومع أن الحافظ بوَّب للفوات والإحصار إلا أنه لم يذكر شيئًا عن فوات الحج، وقد جاء في ذلك عدة آثار، منها ما روى مالك بسنده أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر أبا أيوب الأنصاري وهبار بن الأسود حين فاتهما الحج، وأتيا يوم النحر أن يَحِلاَّ بعمرة، ثم يرجعا حلالًا، ثم يحجّان عامًا قابلًا، ويهديان، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله (^٢).\nوالإحصار لغة: مصدر أحصره: إذا منعه، مرضًا كان الحاصر أو عدوًا، فهو محصر، وحصره - أيضًا - حكاه غير واحد، فهو محصور، ومن أهل اللغة من خص الإحصار بما كان من العدو، والحصر من المرض.\nوالمراد هنا: أن يحصل للإنسان مانع من إتمام النسك، من عدو، أو مرض، أو حبس، على أن بين الفقهاء خلافًا في الإحصار: هل هو خاص بالعدو؟ أو عام في كل مانع عن البيت وإتمام النسك؟ وهذا الخلاف سببه اختلاف أهل اللغة في معنى الإحصار، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) \"شرح العمدة\" لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ٦٥٦).\n(^٢) \"الموطأ\" (١/ ٣٨٣)، ورواه عنه الشافعي (١/ ٣٨٨)، ومن طريقه البيهقي (٥/ ١٧٤)، وصححه الألباني في \"الإرواء\" (٤/ ٣٤٤).","vol":"5","page":366},{"text":"<span data-type='title' id=toc-640>حكم من أحصر عن العمرة</span>\n٧٧٩/ ١ - عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قالَ: قَدْ أُحْصِرَ رسولُ اللهِ ﷺ فَحلَقَ، وَجَامَعَ نِساءَهُ، ونَحَرَ هَدْيَهُ، حتى اعتَمَرَ عامًا قابِلًا. رواه البُخاريُّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «المحصر»، باب «إذا أُحصر المعتمر» (١٨٠٩) من طريق يحيى بن صالح، حدثنا معاوية بن سلاَّم، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس ﵄ … وذكر الحديث، وفيه: فحلق رأسه.\n\nالوجه الثاني: الحديث دليل على أن من أحرم بعمرة ثم صده عن البيت عدو أنه يتحلل من عمرته، فيذبح هديًا إن تيسر، من شاة أو سُبْع بدنة أو سبع بقرة، ثم يحلق - على الراجح من قولي أهل العلم ـ، لفعله ﷺ ولأمره أصحابه بذلك ثم يلبس ثيابه، لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولا ريب أن الحاجة داعية إلى الحل؛ لأن البقاء على الإحرام فيه مشقة عظيمة، وهي منتفية شرعًا.\nوقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في حصر الحديبية سنة ست، حينما صد المشركون النبي ﷺ وأصحابه عن دخول مكة، فنحروا هديهم، ثم حلقوا رؤوسهم، وتحللوا، ثم رجعوا إلى المدينة، ثم اعتمروا عمرة القضاء في السنة التي بعدها.\nوالإحصار الذي وقع في زمن النبي ﷺ إنما هو في العمرة، فقاس العلماء الحج على ذلك، وهذا من الإلحاق بنفي الفارق، وهو من أقوى الأقيسة كما عُلم في الأصول.","vol":"5","page":367},{"text":"الوجه الثالث: أجمع العلماء على أن المحصر إذا كان معه هدي لزمه نحره، وإنما اختلفوا فيما إذا لم يكن معه هدي: هل يلزمه شراؤه؟ على قولين:\nالأول: وجوب الهدي عليه، وأنه يلزمه شراؤه، وهذا قول الجمهور (^١)، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: فعليكم ما استيسر من الهدي، ووجه الدلالة: أنه عُلِّق ما استيسر من الهدي على الإحصار تعليق الجزاء على الشرط، فدل على لزومه بالإحصار لمن أراد التحلل به.\nوالقول الثاني: أنه لا هدي على المحصر إن لم يكن ساقه معه قبل الإحصار، وهذا قول مالك، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن القيم (^٢). وذلك لأن الصحابة ﵃ الذين كانوا مع النبي ﷺ كانوا ألفًا وأربعمائة (^٣)، ولم يكن معهم كلهم هدي؛ بل كان هديهم سبعين بدنة. ولم ينقل أن النبي ﷺ أمرهم بالهدي، وإنما أمرهم بالتحلل مطلقًا.\nوعلى قول الجمهور إذا لم يجد المحصر هديًا صام عشرة أيام، ثم حلَّ قياسًا على هدي التمتع، ولكن هذا فيه نظر من وجوه:\nالأول: أن الصيام لم يذكر في القرآن.\nالثاني: أن ظاهر حال الصحابة ﵃ الذين كانوا مع النبي ﷺ أن فيهم الفقراء، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه أمر من لم يجد الهدي بالصيام، والأصل براءة الذمة.\nالثالث: أن هدي التمتع هدي شكر للجمع بين النسكين، وهذا حُرِم من نسك واحد، فكيف يقاس هذا على هذا؟ فالظاهر أنه إن كان معه هدي ذبحه، كما تدل عليه الآية وفعل الصحابة ﵃، وإلا فلا شيء عليه (^٤)، ويجزئ ذبح\n_________\n(^١) \"المغني\" (٥/ ١٩٦).\n(^٢) \"الإنصاف\" (٤/ ٦٨)، \"أضواء البيان\" (١/ ١٩٧).\n(^٣) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٢٨٧).\n(^٤) انظر: \"الشرح الممتع\" (٧/ ٤٤٧ - ٤٤٨).","vol":"5","page":368},{"text":"الشاة هديًا؛ لأن الله تعالى أوجب ذبح ما استيسر؛ أي: ما تيسر مما يسمّى هديًا.\n\nالوجه الرابع: لا خلاف بين أهل العلم أن المحصر يقضي إذا كان ما أحصر عنه حجًا واجبًا بأصل الشرع أو بنذر، وإنما اختلفوا في قضاء التطوع، والراجح من قولي أهل العلم أنه ليس عليه قضاء النسك الذي أُحصر عنه إن كان تطوعًا؛ لأن الذين كانوا مع النبي ﷺ في عمرة القضاء أقل من الذين كانوا في عمرة الحديبية (^١).\nوهذا - والله أعلم - يدل على أن النبي ﷺ لم يأمر الذين أحصروا معه بالقضاء، كما ذكر ذلك ابن القيم، وهذا هو ظاهر القرآن؛ لأن الله تعالى جعل الهدي هو جميع ما على المحصر، فدل على أنه يكتفى به منه (^٢).\nوأما تسمية عمرة سنة سبع بعمرة القضاء فليس لكونها قضاء للعمرة التي صُدُّوا عنها - كما يقول من أوجب القضاء - وإنما هي للعمرة التي قاضاهم عليها وصالحهم عليها، فأضيفت العمرة إلى مصدر هذا الفعل؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر من كان معه حينما صُدَّ عن البيت بالقضاء، ولو كانت قضاءً لم يتخلف منهم أحد (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٣/ ٣٠٧)، \"التلخيص\" (٢/ ٣١٣).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٣/ ٣٧٨).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (٢/ ٩١)، (٣/ ٣٠٧ - ٣٧٨).","vol":"5","page":369},{"text":"<span data-type='title' id=toc-641>حكم الاشتراط عند الإحرام</span>\n٧٨٠/ ٢ - عن عائِشَةَ ﵂ قالتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ على ضُبَاعَةَ بنتِ الزُّبَيْرِ بنِ عبدِ المطلبِ ﵂ فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إني أُريدُ الحَجَّ وأَنا شاكِيةٌ؟ فقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حُجِّي، واشْتَرِطي: أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي». مُتفقٌ عليه.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب «النكاح»، باب «الأكفاء في الدين» (٥٠٨٩)، ومسلم في كتاب «الحج»، باب «جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه» (١٢٠٧) من طريق أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂، به، بنحو حديث الباب، وفي آخره زيادة: «وكانت تحت المقداد بن الأسود».\nوهذه الجملة من الحديث هي التي من أجلها ذكر البخاري الحديث في كتاب «النكاح» ولم يذكره في كتاب «الحج»، ولهذا لم يتعرض البخاري لموضوع الاشتراط في الحج، ولم يذكر الحديث فيه على عادته في ذكر الحديث في كل موضع له فيه دلالة.\nوأما لفظ «البلوغ»، فهو لفظ مسلم من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة، به.\nوجاء موضوع الاشتراط في حديث ابن عباس ﵄ في قصة ضباعة - أيضًا - رواه مسلم من عدة طرق (١٢٠٨).\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (دخل النبي ﷺ على ضُبَاعَةَ ..) بضم الضاد المعجمة، بنت","vol":"5","page":370},{"text":"الزبير بن عبد المطلب، بنت عمِّ النبي ﷺ، تزوجها المقداد بن الأسود فولدت له عبد الله، وكريمة، مع أن المقداد كان من حلفاء قريش، وضباعة هاشمية، فهي فوقه في النسب، روت عن النبي ﷺ أحاديث يسيرة، وروت عن زوجها المقداد، وروى عنها ابن عباس وعائشة وبنتها كريمة وغيرهم، قال الذهبي: (بقيت ضباعة إلى ما بعد عام أربعين فيما أرى، ﵂) (^١).\n\nقوله: (وأنا شاكية) جملة حالية من فاعل (أريد)، (شاكية) أي: تشتكي المرض.\n\nقوله: (واشترطي) الاشتراط معناه: أن من أراد الإحرام اشترط على ربه في إحرامه أنه إن عاقه عائق دون البيت من مرض أو عدو أو ضياع نفقة أو نحو ذلك، أنه يَحِلُّ من إحرامه.\n\nقوله: (محلي) بفتح الميم، وكسر الحاء؛ أي: محل خروجي من الإحرام بالحج أو العمرة.\n\nقوله: (حيث حبستني) أي: المكان والزمان الذي يحصل لي فيه الحبس، وهو مكان وزمان حلّي من الإحرام.\n\nالوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن الاشتراط عند الإحرام مستحب مطلقًا؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك ضباعة بنت الزبير ﵂، وهذا قول جماعة من الصحابة ﵃، منهم: عمر وعلي وابن مسعود، وجماعة من التابعين، ومنهم: سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن أبي يسار، وبه قال الإمام الشافعي، وأحمد، ونصره ابن حزم (^٢).\nالقول الثاني: أن الاشتراط غير مشروع مطلقًا ولا يفيد في التحلل، وهو قول ابن عمر، وطاوس، وسعيد بن جبير، والزهري، ومالك، وأبي حنيفة (^٣)، ولهم دليل وتعليل؛ أما الدليل فما ورد عن ابن عمر ﵄ أنه كان ينكر\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٣/ ٦٩)، \"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٢٧٤)، \"الإصابة\" (١٣/ ٢٦).\n(^٢) \"المغني\" (٥/ ٩٢ - ٩٣)، \"المحلى\" (٧/ ٩٩ - ١١٣).\n(^٣) \"المغني\" (٥/ ٩٣).","vol":"5","page":371},{"text":"الاشتراط ويقول: (أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ، إن حُبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلَّ من كل شيء، حتى يحج عامًا قابلًا، فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديًا) (^١). ويعني بذلك: أن النبي ﷺ حج حجة الوداع واعتمر أربع مرات ولم ينقل أنه ﷺ اشترط، ولا أمر أصحابه بذلك أمرًا مطلقًا، وإنما أمر به من جاءت تستفتي؛ لأنها كانت شاكية، فخافت أن يصدها المرض عن البيت.\nوأما التعليل فهو لأن الحج عبادة تجب بأصل الشرع، فلم يُفِد الاشتراط فيها، كالصوم والصلاة، وأجابوا عن حديث ضباعة بأجوبة غير ناهضة (^٢)، وقد أطنب ابن حزم في الردِّ على من أنكر الاشتراط بما لا مزيد عليه (^٣).\nوالقول الثالث: أن الاشتراط مشروع في حق من يخاف مانعًا من إتمام النسك، وأما من لا يخاف فالسنّة تركه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤)، وهو أرجح الأقوال؛ لأنه به تجتمع الأدلة.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن من اشترط عند إحرامه ثم حصل له ما يمنعه من مرض أو عدو أو ذهاب نفقة، أنه يحلل ويخرج من إحرامه، ولا يلزمه شيء لا قضاء ولا غيره.\nووجه الاستدلال من الحديث: أن الرسول ﷺ أمر ضباعة بالاشتراط، ولو لم يكن فيه فائدة لما أمرها به، ولا فائدة له إلا ما ذُكر، وقد جاء في بعض روايات حديث ابن عباس في قصة ضباعة «… فإن لكِ على ربكِ ما استثنيتِ» (^٥)، وفي رواية: «فإن ذلك لكِ»، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨١٠)، والترمذي (٩٤٢)، والنسائي (٥/ ١٦٩)، وأحمد (٨/ ٤٨٧).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٩).\n(^٣) انظر: \"المحلى\" (٧/ ٩٩ - ١١٣).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٢٦/ ١٠٦).\n(^٥) أخرجه النسائي (٥/ ١٦٧ - ١٦٨)، والدارمي (١/ ٣٦٥)، وأبو نعيم (٩/ ٢٢٤) من طريق هلال بن خبَّاب، عن سعيد بن جبير، عن عكرمة، عن ابن عباس، به. وهذا سند حسن رجاله ثقات، رجال الصحيح، غير هلال بن خباب، فهو صدوق تغير بأخرة، كما قال في \"التقريب\". وله طريق أخرى عند أحمد (٥/ ٣٣٠) بسند صحيح، بلفظ: \"فإن ذلكَ لكِ\"، وقد صحح الألباني هاتين الزيادتين، كما في \"الإرواء\" =","vol":"5","page":372},{"text":"<span data-type='title' id=toc-642>من حصل له مانع من إتمام نسكه</span>\n٧٨١/ ٣ - عَنْ عِكْرِمَةَ، عنِ الحَجَّاجِ بن عَمْرٍو الأنصاريِّ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ كُسِر أَوْ عَرَجَ فَقَد حَلَّ، وعليه الحَجُّ مِنْ قابِل»، قال عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْتُ ابنَ عَبَّاسٍ وَأَبا هُرَيْرَةَ عنْ ذلكَ فقالا: صَدَقَ. رواهُ الخمسة، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nفأما عكرمة، فهو أبو عبد الله عكرمة مولى ابن عباس ﵄، أصله من البربر، وهو أحد فقهاء مكة وتابعيها، سمع ابن عباس وأبا هريرة وأبا سعيد وعائشة ﵃ وغيرهم، قال عنه الحافظ في التقريب: (ثقة، ثبت، عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا تثبت عنه بدعة …)، وقد أخرج له البخاري في «صحيحه» ولم يلتفت إلى ما اتهم به، مما يدل على أنه ثقة عنده.\nروى الواقدي عن أبي بكر بن أبي سبرة قال: باع علي بن عبد الله بن عباس عكرمة على خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فقال له عكرمة: ما خِيْرَ لك، بعتَ علم أبيك بأربعة آلاف دينار؟! فاستقاله، فأقاله، وأعتقه، مات سنة (١٠٥) على أحد الأقوال، وله ثمانون سنة (^١)، ﵀.\n_________\n= (٤/ ١٨٦)، لكن قد يشكل على ذلك إعراض الشيخين عنهما، مع أن قصة ضباعة - ﵂ - رواه ابن عباس -كما في مسلم-، وعائشة -كما في الصحيحين﵄، وليس فيهما هاتان الزيادتان.\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٢٢ - ٣٦)، \"هدي الساري\" ص (٤٢٥ - ٤٣٠).","vol":"5","page":373},{"text":"وأما الحجاج فهو ابن عمرو بن غزيَّة الأنصاري المازني ﵁، قال البخاري: (له صحبة). روى عنه كثير بن العباس، وعكرمة مولى ابن عباس، وعبد الله بن رافع، يُعَدُّ في أهل المدينة، روى له الأربعة حديثًا واحدًا في الحج، وهو يدل على سماعه من النبي ﷺ (^١).\n\nالوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب «المناسك»، باب «الإحصار» (١٨٦٢)، والترمذي (٩٤٠)، والنسائي (٥/ ١٨٩ - ١٩٩)، وابن ماجه (٣٠٧٧)، وأحمد (٢٤/ ٥٠٨ - ٥٠٩) من طريق الحجاج بن أبي عثمان الصواف، حدثني يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري، به.\nوقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).\nوقد أخرجه أبو داود (١٨٦٣)، وابن ماجه (٣٠٧٨) - أيضًا - من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع، عن الحجاج بمثله. وبمعناه رواه معاوية بن سلاَّم، عن يحيى، به.\nقال البخاري: (رواية معمر ومعاوية بن سلاَّم أصح) (^٢). ونقل البيهقي عن علي بن المديني قوله: (الحجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير أثبت) (^٣).\n\nالوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من كُسر) بضم الكاف وكسر السين، أي: أصابه كسر في يده أو رجله مثلًا.\n\nقوله: (أو عَرَجَ) بفتح الراء، أي: أصابه شيء في رجله وليس بخلقة، فإن كان خلقة قيل: عَرِج، بكسر الراء، وقد جاء في رواية أبي داود من طريق معمر، عن يحيى زيادة: «أو مَرِضَ».\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٣٧٠)، \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ١٧٩).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣/ ٢٧٨)، \"العلل الكبير\" (١/ ٣٩٤ - ٣٩٥).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢٢٠).","vol":"5","page":374},{"text":"قوله: (فقد حَلَّ) أي: حَلَّ من إحرامه، فيجوز له أن يرجع إلى بلده، ولا شيء عليه.\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن المحرم بحج أو عمرة إذا أصابه عذر منعه من إكمال نسكه من كسر أو مرض أو حادث، فإنه يحل من إحرامه بحصول ذلك المانع، وتقدم حكم القضاء.\n\nالوجه الخامس: استدل بالأثر من قال: إن الإحصار يتحقق بكل ما يمنع المحرم من المضي في نسكه من عدو، أو مرض، أو ذهاب نفقة، ونحو ذلك.\nوبه قال بعض الصحابة والتابعين؛ كابن مسعود ﵁ ومجاهد وعطاء وقتادة والنخعي وغيرهم (^١)، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد (^٢)، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، وابن القيم، وقال الزركشي: (لعلها أظهر) (^٤)، وهو اختيار البخاري، فإنه ساق بعد الآية - تعليقًا - قول عطاء: (الإحصار من كل شيء يحبسه) (^٥)، قال ابن القيم: (لو لم يأت نص بحلِّ المحصر بمرض لكان القياس على المحصر بالعدو يقتضيه، فكيف وظاهر القرآن والسنة والقياس يدل عليه؟) (^٦) واختار ذلك - أيضًا - الشيخ عبد العزيز بن باز.\nوالقول الثاني: أن الإحصار خاص بحصر العدو دون المرض ونحوه، وهذا قول ابن عمر، وابن عباس، وأنس، وابن الزبير ﵃، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه (^٧)، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٣٥).\n(^٢) \"الهداية\" (١/ ١٨٠)،\" الإنصاف\" (٤/ ٧١).\n(^٣) \"الاختيارات\" ص (١١٩ - ١٢٠).\n(^٤) \"شرح الزركشي\" (٣/ ١٦٩ - ١٧٠).\n(^٥) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٣)، \"منسك عطاء\" ص (١٠٧) رقم (٥٠٨)، وهذا الأثر وصله عبد بن حميد في \"تفسيره\" وسنده صحيح.\n(^٦) \"تهذيب مختصر السنن\" (٢/ ٣٧١).\n(^٧) \"الموطأ\" (١/ ٣٦٢)، \"المغني\" (٥/ ٢٠٣)، \"المجموع\" (٨/ ٣٥٥).","vol":"5","page":375},{"text":"اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وقد تقدم أنها نزلت في صدَّ المشركين النبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية، كما استدلوا بقول ابن عباس ﵄: (لا حصر إلا من العدو) (^١).\nكما استدلوا - أيضًا - بما ورد عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (من حُبس دون البيت بمرض، فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة) (^٢).\nوعلى هذا القول فالمحصر بالمرض ونحوه لا يتحلل من إحرامه - إن لم يكن قد اشترط ـ؛ بل يبقى محرمًا إلى أن يبرأ من مرضه، ثم يكمل النسك، فإن فاته الوقوف تحلل بعمرة.\nوحملوا حديث عكرمة المذكور في هذا الباب الدال على أنه يتحلل على ما إذا اشترط عند الإحرام، بدليل حديث عائشة ﵂ في قصة ضباعة بنت الزبير - كما تقدم - وهذا القول حكاه البغوي عن بعض العلماء (^٣)، وهو قول فقهاء الشافعية، كما حكاه النووي (^٤)، وهو اختيار الشنقيطي (^٥).\nوالقول الأول، وهو أن الإحصار عام قول قوي، فكل من عاقه عائق عن البيت، تحلل بذبح الهدي إن كان معه، ثم بالحلق أو التقصير، لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ …﴾ أي: منعتم عن إتمامها، ولم يقيد الله تعالى الحصر بعدو (^٦).\nوليس على المحصر إذا تحلل قضاء، إلا أن يكون الحج الذي أُحصر عنه واجبًا - كما تقدم ـ.\nلكن قد يشكل على ذلك حديث عائشة ﵂ في الاشتراط، فقد يقال: لو كان سيتحلل مطلقًا من الإحصار بالمرض - مثلًا - ما احتاجت ضباعة بنت\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي (٥/ ٢١٩) قال النووي في \"المجموع، (٨/ ٢٠٩ - ٢١٠): (إسناده صحيح، على شرط البخاري ومسلم). وصححه الحافظ ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ٣٠٩).\n(^٢) أخرجه مالك (١/ ٣٦١)، ومن طريقه البيهقي (٥/ ٢١٩) بإسناد صحيح على شرط مسلم، كما قال الألباني في \"الإرواء\" (٤/ ٣٤٨).\n(^٣) \"شرح السنة\" (٧/ ٢٨٨).\n(^٤) \"المجموع\" (٨/ ٢٠٩ - ٢١٠).\n(^٥) \"أضواء البيان\" (١/ ١٩١).\n(^٦) \"الشرح الممتع\" (٧/ ٤٥٠).","vol":"5","page":376},{"text":"الزبير إلى الاشتراط، وقد تولى ابن القيم الإجابة عن هذا الإشكال بأن الاشتراط يفيد جواز الإحلال، وسقوط الدم (^١). والله تعالى أعلم.\nانتهى الجزء الخامس ويليه - بعون الله وتوفيقه - الجزء السادس وأوله: كتاب «البيوع»\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب مختصر السنن\" (٢/ ٣٧٠).","vol":"5","page":377},{"text":"<span data-type='title' id=toc-643>كتاب البيوع</span>\n<span data-type='title' id=toc-644>باب شروطه وما نُهي عنه</span>\nالبيوع: جمع بيع، وهو مصدر يقع على القليل والكثير بلفظ واحد، لكن جَمَعَهُ المصنف لاختلاف أنواعه، كما سيأتي.\nوالبيع لغة: أخذ الشيء وإعطاء الشيء، وهو يطلق على بيع الشيء، الذي هو ضد شرائه، وهو أشهر إطلاقاته، ويطلق على الشراء، فتكون بعت بمعنى: اشتريت، وعلى هذا فهو من الأضداد (^١).\nوشرعًا: معاوضةُ عينٍ أو منفعةٍ بمثلهما ولو في الذمة على الوجه المشروع (^٢).\nفالعين: كالدار والسيارة والكتاب.\nوالمنفعة: كممر في دار.\n\nوقولنا: (بمثلهما) أي: عين بعين، أو عين بمنفعة، أو منفعة بمنفعة، أو منفعة بعين.\n\nوقولنا: (ولو في الذمة) مثل: كتاب صفته كذا أو سيارة صفتها كذا.\n\nوقولنا: (على الوجه المشروع) لإخراج الربا؛ فإن فيه معاوضة، لكنه ليس بمشروع، بل هو محرم، كما سيأتي إن شاء الله.\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٦٩).\n(^٢) انظر: \"فقه الدليل شرح التسهيل\" (٣/ ٢٣١).","vol":"6","page":5},{"text":"وجواز البيع ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، والنظر الصحيح يقتضيه، فإن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه، وهو لا يبذله له بغير عوض غالبًا.\nثم إن اتساع أمور المعاش وبقاء العالم يقتضيه؛ لأن المحتاج يميل إلى ما في يد غيره، فبغير المعاملة يفضي الأمر إلى التنازع والتقاتل، أو النهب والسرقة.\nفجاءت هذه الشريعة الكاملة الشاملة بإباحته وتنظيمه على أكمل الوجوه، وأيسر السبل، مع البعد عن الظلم والفوضى، وبذر العداوة والبغضاء.\nوالشروط: جمع شرط، وقد تقدم تعريفه في \"شروط الصلاة\"، وللبيع شروط ذكرها الفقهاء بالتتبع والاستقراء لنصوص الشريعة، وسيتضح ذلك -إن شاء الله تعالى- في أحاديث الباب.\n\nوقوله: (وما نُهي عنه) أي: ما ورد النهي عنه من أنواع البيوع.","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-645>فضل البيع المبرور</span>\n٧٨٢/ ١ - عَنْ رِفَاعَةَ بِنِ رَافعٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سُئِلَ: أَيُّ الكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَال: \"عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيعِ مَبْرُورٍ\"، رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nيحتمل أنه رفاعة بن رافع بن مالك الأنصاري الخزرجي الزُّرَقِي، أمه أخت عبد الله بن أُبي رأس المنافقين، شهد بدرًا وأُحدًا وسائر المشاهد مع رسول الله - ﷺ -، روى عن النبي - ﷺ - وعن أبي بكر الصديق وعبادة بن الصامت -﵄-، وروى عنه ابناه عبيد ومعاذ وغيرهما، توفي في أول إمارة معاوية سنة إحدى أو اثنتين وأربعين، - ﵁ - (^١).\nويحتمل أنه رفاعة بن رافع بن خديج، وهو تابعي، روى عن أبيه رافع، وعنه ابنه عباية، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال عنه الحافظ في \"التقريب\": (ثقة)، مات في ولاية الوليد بن عبد الملك (^٢).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه البزار (٩/ ١٨٣) من طريق إسماعيل بن عمر، قال: نا المسعودي، عن وائل بن داود، عن عبيد بن رفاعة، عن أبيه - ﵁ -. وأخرجه الحاكم (٢/ ١٠) من طريق المسعودي، عن وائل، عن عَباية بن رافع بن خديج، عن أبيه، به (^٣).\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (٣/ ٢٨١ - ٢٨٣).\n(^٢) \"الثقات\" (٤/ ٢٤٠)، \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢٤٣).\n(^٣) ذكر الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٣)، أنه عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج، وأن =","vol":"6","page":7},{"text":"وقول الحافظ في \"البلوغ\": (عن رفاعة بن رافع)، يحتمل أنه رفاعة بن رافع بن مالك، فرواه عنه ابنه عبيد، والحديث متصل لا إرسال فيه؛ لأن رفاعة صحابي، كما تقدم.\nويحتمل أنه رفاعة بن رافع بن خديج فيكون مرسلًا؛ لأنه تابعي، كما تقدم، وقد ساقه الحافظ في \"التلخيص\" (^١) على أنه من حديث رافع بن خديج، واعتبر رواية البزار من تخليط المسعودي؛ لأن إسماعيل بن عمر أخذ عنه بعد الاختلاط.\nوقد اختلف في هذا الحديث على وائل بن داود، فرواه الثوري، عن وائل، عن سعيد بن عمير، عن عمه، به، متصلًا أخرجه الحاكم، ورواه الثوري -أيضًا- عن وائل، عن سعيد بن عمير، به، مرسلًا. أخرجه يعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (٣/ ١٧٩ - ١٨٠)، ومن طريقه البيهقي في \"الشعب\" (١١٧١)، ورواه شريك، عن وائل، عن جُميع بن عمير، عن خاله أبي بردة، به، أخرجه الحاكم -أيضًا- (٢/ ١٠)، وأخرجه البزار (٩/ ٢٥٩)، وقال: (عن عمه) بدل (عن خاله).\nوهذا إسناد معلول غلط فيه شريك -وهو ابن عبد الله القاضي- من وجهين:\nالأول: في قوله: (جُميع بن عمير) وإنما هو سعيد بن عمير، كما ترجمه البخاري في \"تاريخه\" (^٢).\nالثاني: وَصْلُهُ، وإنما رواه غيره عن وائل بن داود مرسلًا، إضافة إلى أن شريكًا قد اختلف عليه، قال البخاري: (أسنده بعضهم، وهو خطأ)، وقال أبو حاتم بعد سياقه مرسلًا: (والمرسل أشبه) (^٣)، وقد ساقه البيهقي من طريق محمد بن عبيد. ثنا وائل بن داود، عن سعيد بن عبيد، قال: سئل النبي - ﷺ - … الحديث، ثم قال: (هذا هو المحفوظ مرسلًا) (^٤).\n_________\n= الصواب قول الطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٢٧٦، ٢٧٧)، عن عباية بن رفاعة، عن جده، عن النبي - ﷺ - … فيكون قول الحاكم: (عن أبيه) فيه تجوّز. ويكون صحابي الحديث رافع بن خديج جد عباية بن رفاعة.\n(^١) (٣/ ٣).\n(^٢) (٣/ ٥٠١، ٥٠٢).\n(^٣) \"العلل\" (٢٨٣٧).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢٦٣).","vol":"6","page":8},{"text":"وبهذا يتبين أن هذا الحديث قد أعله كبار المحدثين، وله شاهد من حديث ابن عمر - ﵄ - عند الطبراني (^١)، قال عنه أبو حاتم: (حديث باطل)، وآخر من حديث علي - ﵁ -، وهو كالذي قبله (^٢).\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أي الكسب أطيب) الكسب: هو السعي في طلب الرزق والمعيشة، وقال الشيباني: (الاكتساب: تحصيل المال بما يحل من الأسباب) (^٣).\n\nقوله: (أطيب) أي: أحل وأبرك؛ لأن الطيب هو الحلال (^٤).\n\nقوله: (عمل الرجل بيده) لفظ (الرجل) خرج مخرج الغالب؛ لأن الرجل هو المطالب بتهيئة القوت والمسكن وتوابع ذلك، والمرأة مثل الرجل في ذلك إذا احتاجت للإنفاق على نفسها أو أولادها. وعمل اليد: كالزراعة والصناعة والنجارة والحدادة والكتابة، ونحو ذلك.\n\nوقوله: (وكل بيع مبرور) هو ما توفرت فيه شروطه وأركانه، وانتفت موانعه ومفسداته، وقام على الصدق وبيان الحقيقة، وخلا من الغش والخداع.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن التكسب والسعي في طلب الرزق الحلال لا ينافي التوكل على الله تعالى، بل هو من فعل الأسباب المأمور بها شرعًا؛ لأن الرسول - ﷺ - أقر السائل عن أطيب الكسب، وأجابه عن سؤاله فأرشده إلى أطيب المكاسب.\nوالتكسب هو طريق المرسلين الذين أمرنا الله تعالى بالاقتداء بهديهم، قال تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقد كان زكريا - ﵇ - نجارًا (^٥)، وكان داود - ﵇ - لا يأكل إلا من عمل يده (^٦)، والنبي - ﷺ - رعى الغنم على قراريط لأهل مكة (^٧)، واتجر بمال خديجة - ﵂ - (^٨).\n_________\n(^١) \"الأوسط\" (٣/ ٨٢).\n(^٢) انظر: \"العلل\" (١١٦٨)، (١١٧٢).\n(^٣) \"الكسب\" ص (٣٤).\n(^٤) \"النهاية\" (٤/ ١٧١).\n(^٥) أخرجه مسلم (٢٣٧٩).\n(^٦) أخرجه البخاري (٢٠٧٣).\n(^٧) أخرجه البخاري (٢٢٦٢).\n(^٨) انظر: \"صحيح السيرة النبوية\" (١/ ١٦٤، ٣٢١).","vol":"6","page":9},{"text":"° الوجه الخامس: حرص الصحابة - ﵃ - على الكسب الحلال وعلو همتهم حيث لم يسألوا عن الأكثر، وإنما سألوا عن الأطيب، وهذا هو الواجب على كل مسلم يتعاطى البيع والشراء أن يكون هدفه المال الطيب الحلال فإن فيه بركة، لا أن تكون الكثرة هي همّه؛ لأنه قد لا يكون فيها بركة.\n\n° الوجه السادس: أن عمل الرجل بيده أصل المكاسب؛ لأن الرسول - ﷺ - قدمه على البيع المبرور، وقال - ﷺ -: \"ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده … \" (^١).\nوقد وقع الخلاف بين أهل العلم في أفضل المكاسب، فمنهم من فضَّل الزراعة والحراثة، ومنهم من فضل البيع والشراء، ومنهم من فضَّل الصناعات والحرف، ولكل قائل وجهة نظر، والذي يظهر -والله أعلم- أن هذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والنبي - ﷺ - قال: \"احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز\" (^٢).\nويرى الشيباني في كتابه \"الكسب\" أنه لا داعي لهذه المفاضلة؛ لأن المجتمع بحاجة إلى جميع الحِرَف والمِهَن من زراعة ونجارة وصناعة، والرسول - ﷺ - يقول: \"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا\" (^٣).\nلكن إن ثبت حديث الباب فهو نص واضح في أن أفضل المكاسب عمل الرجل بيده، وأفضل المكاسب وأشرفها ما يكتسب من أموال الكفار بالجهاد، وهو مكسب النبي - ﷺ - وأصحابه - ﵃ - لما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى (^٤).\n\n° الوجه السابع: في تمجيد الإسلام للعمل والترغيب فيه إعزاز للعمال أنفسهم، وإشادة بالجهد القيم الذي يبذلونه في سبيل طلب الرزق، وإكرام أنفسهم عن ذل السؤال ومنن الرجال.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٧٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦٦٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٨١)، ومسلم (٢٥٨٥).\n(^٤) انظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ٧٩٢، ٧٩٣).","vol":"6","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-646>ما نُهي عن بيعه</span>\n٧٨٣/ ٢ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -﵄-، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: \"إِنَّ اللهَ ورَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ\"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ شُحومَ الْمَيتَةِ، فَإِنَّهَا تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَال: \"لا، هُوَ حَرَامٌ\"، ثُمَّ قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عِنْدَ ذَلِكَ: \"قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع من \"صحيحه\"، أولها في كتاب \"البيوع\"، باب \"بيع الميتة والأصنام\" (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١) من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله - ﵄ -.\nوقد تكلم العلماء في هذا الحديث من جهة أن يزيد بن أبي حبيب لم يسمع من عطاء، وقد سئل أبو حاتم عن هذا الحديث فقال: \"يزيد بن أبي حبيب عن عطاء، هو من حديث محمد بن إسحاق، عن عطاء، عن جابر، عن النبي - ﷺ -، ولا أعلم يزيد بن أبي حبيب سمع من عطاء شيئًا\" (^١).\nلكن جاء ما يدل على أن عطاء قد كتب بهذا الحديث إلى يزيد -كما\n_________\n(^١) \"العلل\" (١/ ٣٨٢).","vol":"6","page":11},{"text":"في رواية أحمد (٢٢/ ٣٧٧ - ٣٨٨) من طريق أبي عاصم، حدثنا عبد الحميد، قال: وأخبرني يزيد بن أبي حبيب أن عطاء كتب إليَّ (^١) يذكر أنه سمع جابرًا … وهذا ينفي الواسطة بينهما، والكتابة من طرق التحمُّل المعتبرة عند جمهور المحدثين، ولهذا أخرج البخاري هذا الحديث في \"صحيحه\" وذكر إثره تعليقًا رواية أحمد المذكورة، وكذا رواه مسلم من طريق محمد بن المثنى، عن أبي عاصم، به.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (عام الفتح) أي: فتح مكة في رمضان سنة ثمان من الهجرة، وفيها بيان تاريخ التحريم، ويحتمل أن يكون التحريم قبل ذلك وأعاده - ﷺ - ليسمعه من لم يكن سمعه.\n\nقوله: (إن الله ورسوله حرَّم) هذه رواية \"الصحيحين\" بإسناد الفعل (حرَّم) إلى ضمير الواحد، وكان القياس (حرما)، وفي بعض الروايات: \"إن الله حرم\"، وعند ابن مردويه في \"تفسيره\" من طريق الليث: \"إن الله ورسوله حرَّما\".\nوالأظهر جواز إفراد الضمير في مثل هذا، إشارة إلى أن أمر النبي - ﷺ - وحكمه ناشئ وتابع لأمر الله تعالى وحكمه، كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] ونظيره حديث أنس - ﵁ - عن الحُمُر الأهلية: \"إن الله ورسوله ينهيانكم\"، وعند النسائي: \"ينهاكم\"، أو يكون من باب الحذف والاكتفاء، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢].\n\nقوله: (الخمر) هي ما أسكر العقل من عصير كل شيء أو نقيعه، سواء كان من العنب أو التمر أو الشعير أو غيرها، وسواء كان مطبوخًا أو غير مطبوخ، فالمدار على الإسكار وغيبوبة العقل، كما سيأتي في \"بابه\" إن شاء الله.\n\nقوله: (والميتة) اسم لكل حيوان خرجت روحه بغير ذكاة شرعية، وقد يسمى المذبوح في بعض الأحيان ميتة حكمًا كذبيحة المرتد.\n\nقوله: (والخنزير) حيوان نجس العين، قبيح الشكل، قذر، ومعظم غذائه القاذورات، ويأكل الجيف حتى جيف أقرانه.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٤٢٤).","vol":"6","page":12},{"text":"قوله: (والأصنام) جمع صنم -بالتحريك- وهو ما كان منحوتًا على شكل صورة البشر، أو على أيِّ صورة، والوثن: كل ما عبد من دون الله من قبر وغيره، فالفرق بينهما: أن الصنم يكون على شكل صورة وهيئة، وأما الوثن فهو جثة بلا صورة، وقال الجوهري: (الصنم هو الوثن) (^١).\n\nقوله: (أرأيت شحوم الميتة) أي: أخبرني عن حكم بيع شحوم الميتة، فهل يحل بيعها لما فيها من المنافع التي تقتضي صحة بيعها، أو أخبرني عن حكم الانتفاع بشحوم الميتة.\n\nقوله: (فإنها تطلى بها السفن) جملة تعليلية، والمعنى: تدهن السفن بالشحوم بعد أن تذاب، ليمنع ذلك تَشَرُّبَ الخشب للماء.\nوكأن السائل طلب من النبي - ﷺ - تخصيص الشحوم من جملة الميتة بالجواز؛ لما فيها من المنافع، كما طلب العباس - ﵁ - من الرسول - ﷺ - تخصيص الإذخر من جملة تحريم نبات الحرم بالجواز.\n\nقوله: (وتدهن بها الجلود) أي: بعد دبغ الجلود تدهن بالشحوم بعد إذابتها لتلين.\n\nقوله: (ويستصبح بها الناس) أي: يستضيؤن بها حيث يجعلون الشحم المذاب في المصابيح، وهي السرج.\n\nقوله: (فقال: لا) أي: لا يحل بيعها، أو لا تبيعوها، أو لا تنتفعوا بها.\n\nقوله: (هو حرام) جملة فيها معنى التعليل، أي: لا تبيعوها فإن بيعها حرام، على القول بأن الضمير يعود على البيع، وهو تفسير الشافعي، وعزاه ابن القيم إلى شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، لأن السائل سأل عن البيع، وقد ذكر الحافظ أنه في رواية أحمد: (فما ترى في بيع شحوم الميتة؟) (^٣)، ولأن الكلام\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (٥/ ١٩٦٩)، \"تيسير العزيز الحميد\" ص (١١٧، ٢٠٠).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٥/ ٧٤٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٢٥)، وقد ساق الحديث بسنده، ثم رجعت إلى \"المسند\" (٢٢/ ٣٧٧، ٣٧٨)، فوقفت على الحديث بالإسناد نفسه، وليس فيه كلمة (بيع)، فالله أعلم.","vol":"6","page":13},{"text":"مسوق لبيان حكم البيع، فإن النبي - ﷺ - لما ذكر تحريم بيع الميتة طلبوا منه أن يرخص لهم في بيع الشحوم لهذه المنافع التي ذكرها. ولقوله في آخر الحديث: \"جملوه، ثم باعوه\".\nوالقول الثاني: أن الضمير عائد على الانتفاع والأفعال المسؤول عنها، وقال: \"هو حرام\" ولم يقل: هي؛ لأنه أراد المذكور جميعه، ويؤيد ذلك أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، ومن جهة المعنى أن إباحة هذه الأشياء ذريعة إلى اقتناء الشحوم وبيعها.\nوالحديث محتمل لرجوع الضمير إلى البيع أو رجوعه إلى الانتفاع، والأول أقرب إلى السياق، كما تقدم.\n\nقوله: (قاتل الله اليهود) أي: أهلكهم؛ لأن من قاتله الله فقد هلك، وهذا دعاء عليهم بالهلاك، وقيل معناه: لعنهم الله وطردهم من رحمته، ذكر هذا المفسرون عند قوله تعالى في سورة براءة: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] (^١)، وقد ورد في حديث ابن عباس - ﵄ - قال: بلغ عمر أن سمرة باع خمرًا، فقال: قاتل الله سمرة، ألم يعلم أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لعن الله اليهود، حُرمت عليهم الشحوم فجملوها، فباعوها\" (^٢).\n\nقوله: (جملوه) بفتح الجيم والميم المخففة؛ أي: أذابوه حتى يصير وَدَكًا، فيزول عنه اسم الشحم، احتيالًا على الوقوع في المحرم، حيث حُرِّم عليهم الشحم، فباعوه وأكلوا ثمنه، وذلك لأن الشحم المذاب لا يطلق عليه لفظ الشحم في عرف العرب، بل يسمونه: الودك، والضمير في قوله: \"جملوه\" يعود على الشحوم بتأويله بلفظ: المذكور.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم بيع الخمر وعملها وشربها لما فيها من المفاسد وضياع العقل، ولنجاستها على قول الجمهور، كما تقدم في \"الطهارة\".\n_________\n(^١) \"فتح القدير\" (٢/ ٣٥٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٢٣)، ومسلم (١٥٨٢).","vol":"6","page":14},{"text":"والخمر تحتوي على مواد كيميائية كثيرة، وأهمها مادة \"الغَول الإيتيلي\" وهو السبب في جميع أضرار تعاطي الخمور بأنواعها، وتوجد في غيرها من المشروبات الأخرى بنسب متفاوتة، وأكثر الأجهزة تأثرًا بهذه المادة هو الدماغ، ثم بقية أجزاء البدن، حسب ما أفاده العلم الحديث (^١).\nويدخل في اسمها كل مسكر من سائل وجامد أُخذ من أي شيء، سواء كان من عنب أو تمر أو شعير أو غيرها مما ظهر في هذا العصر، كما يدخل في ذلك الحشيش والقات والدخان فكلها خبائث لا يحل بيعها ولا تعاطيها، وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: \"كل مسكر خمر\" (^٢)، ومن شروط البيع أن تكون العين مباحة النفع، وهذه غير مباحة.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم بيع الخنزير ولحمه وشحمه وجلده وجميع أجزائه؛ لأن عينه نجسة، وفيه مضار عظيمة، فقد أثبت العلم الحديث أن الخنزير ينقل بمفرده إلى الإنسان (٢٧) مرضًا، منها: تليف الكبد، وعسر الهضم، وتصلب الشرايين، والعقم، وكثرة الأكياس الدهنية …، وقد ذكر بعض الباحثين أن لحم الخنزير وشحمه له تأثير سيء على العفة والغيرة على العرض (^٣). قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] والرجس: هو الشيء القذر، والضمير يعود على الخنزير -على أحد القولين (^٤) -؛ لأنه أقرب مذكور، ولأنه ذكَّر الضمير وأتى بالفاء و(إنّ) تنبيهًا على علة التحريم لتنزجر النفوس عنه، فإن الخنزير يأكل النجاسات والجيف، وتحريمه يدل على خبثه وقذارته، وتخصيص اللحم في الآية لأنه هو المقصود في العادة بالأكل.\n\n° الوجه الخامس: تحريم بيع الميتة بجميع أجزائها، ويكون هذا الحديث مخصصًا لحديث: \"إنما حَرُمَ أكلها\" (^٥)، فإنه يدل بمفهومه على أن ما\n_________\n(^١) \"مع الطب في القرآن الكريم\" ص (١٤٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٠٠٣) وسيأتي شرحه في موضعه إن شاء الله.\n(^٣) راجع كتاب: \"الخنزير بين ميزان الشرع ومنظار العلم\" للدكتور: أحمد جواد.\n(^٤) \"فتح القدير\" (٢/ ١٧٢).\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٥٣١)، ومسلم (٣٦٣)، وقد تقدم في كتاب \"الطهارة\".","vol":"6","page":15},{"text":"عدا الأكل حلال، ويستثنى من ذلك السمك والجراد لحل ميتته، وما لا تدخله الحياة كالشعر والصوف والوبر والريش؛ لأنه لا يكتسب من خبثها، ولا يصدق عليه أنه ميتة، وهذا قول الجمهور (^١)، وانفرد الشافعي بالقول بنجاستها؛ لأن اسم الميتة يتناولها.\nوأما حكم الجلد فتقدم الكلام عليه في باب \"الآنية\" من كتاب \"الطهارة\".\nوقد اختلف العلماء في حكم الانتفاع بشحوم الميتة، وسبب الخلاف مرجع الضمير في قوله: \"هو حرام\" هل يعود على البيع أو على الانتفاع؟.\nفالقول الأول: أنه لا يجوز الانتفاع بشحوم الميتة، وعزاه النووي إلى الجمهور (^٢)، قالوا: لأن الضمير يعود على الانتفاع؛ لأنه أقرب مذكور، ولأن إباحة الانتفاع ذريعة إلى اقتناء الشحوم وبيعها، واختار هذا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀.\nوالقول الثاني: يجوز الانتفاع بشحوم الميتة في غير الأكل، كطلي السفن، والاستصباح، ونحو ذلك، وهذا قول الشافعي، ورواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (^٣)، واستدلوا بقول النبي - ﷺ -: \"إنما حَرُمَ من الميتة أكلها\"، ولأن الرسول - ﷺ - ثبت عنه أنه نهى الصحابة - ﵃ - عن الاستسقاء من آبار ثمود، وأباح لهم أن يطعموا ما عجنوا من تلك الآبار للبهائم (^٤).\nوهذا قول قوي؛ لأن الانتفاع بالشحوم في غير الأكل انتفاع محض لا مفسدة فيه، فيجوز الانتفاع بها في مثل ذلك دون بيعها، وقد ذكر ابن القيم أن باب الانتفاع أوسع من باب البيع، فليس كل ما حرم بيعه حرم الانتفاع به، إذ لا تلازم بينهما، فلا يؤخذ تحريم الانتفاع من تحريم البيع (^٥).\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٥/ ٧٥٣).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ١١).\n(^٣) \"مجموع الفتاوى\" (٢١/ ٨٣، ٥١١)، \"زاد المعاد\" (٥/ ٧٤٩).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٣٧٨)، ومسلم (٢٩٨١) من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -.\n(^٥) \"زاد المعاد\" (٥/ ٧٦١).","vol":"6","page":16},{"text":"° الوجه السادس: تحريم بيع الأصنام؛ لأنها تفسد الأديان وتدعو إلى الفتنة والشرك، فإن كان ينتفع بها بعد تكسيرها، فقد أجاز بيعها بعض العلماء، ومنعه آخرون، فمن منعه نظر لظاهر النهي وإطلاقه، ومن أجازه اعتمد على الانتفاع، وتأول الحديث على ما لم ينتفع برضاضه. ويدخل في الأصنام تماثيل الزعماء التي تنصب في الميادين والشوارع العامة، ففيها فتنة وغلو يَجُرُّ إلى الشرك، كما يدخل في ذلك الصليب الذي هو شعار النصارى، والكتب المشتملة على الشرك وعبادة غير الله تعالى، ذكر هذا ابن القيم (^١).\n\n° الوجه السابع: تحريم الحيل؛ لأن الرسول - ﷺ - نهى عنها، ولعن فاعلها، وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل\" (^٢).\n\n° الوجه الثامن: أن التحيل على محارم الله تعالى سبب لغضب الله ولعنه؛ لأن المتحيل عاصٍ معاندٌ مخادع لله تعالى، وهو متشبه باليهود المغضوب عليهم، ومن تشبه بقوم فهو منهم، وقد كثرت الحيل في عصرنا ولا سيما في أمور البيع والشراء، وذلك لضعف الإيمان والخوف من الله تعالى والاستهانة باحكام الشريعة، وافتتان الناس بالدنيا وحطامها.\n\n° الوجه التاسع: أن كل ما حرمه الله على العباد فبيعه حرام؛ لتحريم ثمنه، وقد دل على ذلك حديث ابن عباس - ﵄ -: \" … إن الله ﷿ إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه\" (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٥/ ٧٦١).\n(^٢) أخرجه ابن بطة في \"الحيل\" ص (١١٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في \"إقامة الدليل\": (هذا إسناد جيد، يصحح مثله الترمذي وغيره تارة، ويحسنه تارة)، انظر: \"الفتاوى الكبرى\" (٣/ ١٢٣) وجوده ابن كثير في \"تفسيره\" (٣/ ٤٩٢)، وحسنه ابن القيم في \"تهذيبه\" (٥/ ١٠٣)، وفي \"الإغاثة\" (١/ ٣٤٨).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٤٨٨)، وأحمد (٤/ ٩٥)، وإسناده صحيح، كما قال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٥/ ٧٤٦).","vol":"6","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-647>الحكم في اختلاف البائع والمشتري</span>\n٧٨٤/ ٣ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ، وَلَيسَ بَينَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ، أَوْ يَتَتَارَكَانِ\"، رَوَاهُ الخَمْسَة، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"البيوع\"، باب \"إذا اختلف البيعان والمبيع قائم\" (٣٥١١)، والنسائي (٧/ ٣٠٢، ٣٠٣)، والحاكم (٢/ ٤٥)، والبيهقي (٥/ ٣٣٢) من طريق عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث، عن أبيه، عن جده، قال: اشترى الأشعث رقيقًا من رقيق الخُمُسِ من عبد الله بعشرين ألفًا، فأرسل عبد الله إليه في ثمنهم، فقال: إنما أخذتهم بعشرة آلاف، فقال عبد الله: فاختر رجلًا يكون بيني وبينك، قال الأشعث: أنت بيني وبين نفسك، قال عبد الله: فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: … وذكر الحديث، وهذا السياق لأبي داود، والنسائي اقتصر على المرفوع منه فقط.\nقال البيهقي: (هذا إسناد حسن موصول، وقد روي من أوجه، بأسانيد مراسيل، إذا جمع بينها صار الحديث بذلك قويًّا)، وقال شيخه الحاكم: (صحيح الإسناد) وسكت عنه الذهبي.\nوتصحيح الحاكم فيه نظر؛ فإن ابن القطان قد أعل هذا الحديث بالجهالة في عبد الرحمن وأبيه وجده ذكر ذلك في \"بيانه\"، ونقله عنه الحافظ في \"التلخيص\" (^١).\n_________\n(^١) \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٥٢٥، ٥٢٦)، \"التلخيص\" (٣/ ٣٦)، وانظر: =","vol":"6","page":18},{"text":"وأخرجه الترمذي (١٢٧٠)، وأحمد (٧/ ٤٤٤) من طريق ابن عجلان، قال: حدثني عون بن عبد الله، عن ابن مسعود - ﵁ -، مرفوعًا.\nوهذا إسناد منقطع؛ لأن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود لم يدرك عبد الله بن مسعود، فقد ذكر الدارقطني أن روايته عن ابن مسعود مرسلة (^١)، ومحمد بن عجلان: صدوق، حسن الحديث.\nوأخرجه أبو داود (٣٥١٢)، وابن ماجه (٢١٨٦)، وأحمد (٧/ ٤٤٥) من طريق ابن أبي ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه أن ابن مسعود باع من الأشعث رقيقًا … الحديث.\nوهذا إسناد ضعيف؛ لضعف محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فإنه سيء الحفظ، كثير الخطأ في المتون والأسانيد، وقد خالف في هذا الحديث رواية الجماعة، حيث قال: \"عن أبيه\" والصواب: عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، وقد علقه الترمذي (٥٤٨) وهو منقطع بين القاسم وجده ابن مسعود، فإنه لم يدركه.\nوقد تابع ابن أبي ليلى على وصل الحديث عمر بن قيس الماصر، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، أخرجه ابن الجارود (٦٢٤) وعمر بن قيس ثقة احتج به مسلم، وقال عنه الحافظ في \"التقريب\": (صدوق ربما وهم).\nوأخرجه النسائي (٧/ ٣٠٣)، وأحمد (٧/ ٤٤٠) من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، بنحوه، وهذا منقطع -أيضًا-، فإن أبا عبيدة لم يدرك أباه، لكن الظاهر أنه في حكم الموصول، فإن أبا عبيدة كان شديد العناية بحديث أبيه وفتاويه، وعنده في ذلك من العلم ما ليس عند غيره (^٢).\nهذه طرق الحديث عند أصحاب السنن وأحمد، وهي كما ترى فيها مقال، لكن كما قال البيهقي: (إذا جمع بينها صار الحديث بذلك قويًّا)، وقال\n_________\n= \"إرواء الغليل\" (٥/ ١٦٦)، \"السلسلة الصحيحة\" (٧٩٨).\n(^١) انظر: \"العلل\" (٥/ ٢٠٣).\n(^٢) انظر: \"فتاوى ابن تيمية\" (٦/ ٤٠٤)، \"تهذيب مختصر السنن\" (٦/ ٣٥٠)، \"شرح العلل\" لابن رجب (١/ ٢٩٨)، \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٦٦).","vol":"6","page":19},{"text":"ابن عبد الهادي: (الذي يظهر أن حديث ابن مسعود في هذا الباب بمجموع طرقه له أصل، بل هو حديث حسن يحتج به، لكن في لفظه اختلاف) (^١).\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه إذا حصل خلاف بين البائع والمشتري، وليس لدى أحدهما بينة فإن القول قول البائع، ومن صور الاختلاف: الاختلاف في قدر الثمن، بأن يقول البائع: بعتها عليك بمائة ريال، ويقول المشتري: بل بثمانين، ولا بينة، فالقول قول البائع، وهو رب السلعة، \"أو يتتاركان\" أي: يتفاسخان؛ لأن اختلافهما يمنع تقدير العوض، فكأنه بيع لم يقدر فيه العوض.\nوظاهر الحديث أن القول قول البائع بدون يمينه، وهذا قول الشعبي، وحكاه ابن المنذر عن الإمام أحمد، كما قال ابن قدامة (^٢). وذلك لأن السلعة كانت للبائع، والأصل بقاء ملكه عليها، والأصل براءة ذمة المشتري من الثمن، فيبقى الأمر على ما كان: السلعة لصاحبها، لا تخرج منه إلا برضاه.\nوالقول الثاني: أنهما يتحالفان، لقوله - ﷺ -: \"البينة على المدعي، واليمين على من أنكر\" (^٣)، وكل منهما مدعٍ ومنكر، فإن البائع مدَّع أن الثمن مائة، ومنكِر أنه ثمانون، والمشتري مدع أنه ثمانون ومنكر أنه مائة، وعلى هذا فالقول باليمين مستفاد من دليل آخر، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي ومالك في رواية، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد (^٤).\nوالقول الأول أرجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه مؤيد بظاهر الحديث إذا قلنا بتحسينه، ولأن البائع غارم، فلا يمكن أن تخرج السلعة من ملكه إلا بثمن يرضاه، فإما أن يقبل المشتري بذلك، وإما أن يفسخ البيع، ولا حاجة للتحالف (^٥)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"التنقيح\" (٢/ ٥٦١)، وانظر: \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٢٣).\n(^٢) \"المغني\" (٦/ ٢٧٩).\n(^٣) أخرجه البيهقي (١٠/ ٢٥٢)، بإسناد صحيح على ما قاله الحافظ، وسيأتي -إن شاء الله- الكلام عليه في موضعه.\n(^٤) \"المغني\" (٦/ ٢٧٨)، \"الإنصاف\" (٤/ ٤٤٥).\n(^٥) انظر: \"نظرية العقد\" لابن تيمية ص (١٦٦، ١٦٧)، \"الشرح الممتع\" (٨/ ٣٥٧).","vol":"6","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-648>من المكاسب الخبيثة</span>\n٧٨٥/ ٤ - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: \"نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ\"، مُتَفَّقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"البيوع\"، باب \"ثمن الكلب\" (٢٢٣٧)، ومسلم (١٥٦٧) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي مسعود - ﵁ - به.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (نهى) النهي قول يتضمن طلب الترك على وجه الاستعلاء، والأصل فيه التحريم إلا لدليل، وهو يقتضي الفساد، فيكون بيع هذه الأشياء محرمًا والعقد فاسدًا.\n\nقوله: (عن ثمن الكلب) أل: للاستغراق، فيكون عامًّا في جميع الكلاب المعلم وغير المعلم، ما يقتنى وما لا يقتنى.\n\nقوله: (ومهر البغي) البغي: بفتح الباء وكسر الغين وتشديد الياء، فعول بمعنى فاعلة، من الأوصاف التي يستوي فيها المذكر والمؤنث، كركوب وحلوب، والبِغَاءُ: الطلب، وكثر استعماله في النساء، تقول العرب: بَغَتِ المرأة إذا زنت، تَبْغِي بِغَاءً، فهي بَغِيٌّ، وهن بغايا.\nومهرها: ما تعطاه على الزنا بها، سمي مهرًا: من باب التوسع، أو لكونه على صورة المهر.","vol":"6","page":21},{"text":"قوله: (وحلوان الكاهن) الحلوان: بضم الحاء، مصدر حلوته: إذا أعطيته، وحلوته: إذا رشوته، فالحلوان في أصل اللغة: العطية والرشوة، والمراد به هنا: ما يأخذه الكاهن مقابل كهانته، شبهه بالشيء الحلو من حيث إنه يؤخذ سهلًا بلا كلفة ولا مقابلة مشقة.\nوالكاهن: هو الذي يخبر عما يحصل في المستقبل.\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن بيع الكلب وتحريم ثمنه، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال ثلاثة:\nفالجمهور، ومنهم: مالك في المشهور، والشافعي، وأحمد على تحريم بيعه مطلقًا، لا فرق بين المعلم وغيره، ولا بين ما يجوز اقتناؤه، ككلب الزرع والماشية أو لا يجوز (^١).\nواستدلوا بعموم هذا الحديث، فإن الأصل في النهي التحريم، والنهي عن ثمن الكلب نهي عن البيع بطريق اللزوم.\nوالقول الثاني: أنه يجوز بيع الكلاب كلها، وهذا قول أبي حنيفة، وعنه رواية في الكلب العقور أنه لا يجوز بيعه، وإنما يجوز بيع كلب الصيد أو الكلب الذي فيه منفعة (^٢)، ودليله:\n١ - حديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - نهى عن ثمن الكلب والسِّنَّور إلا كلب صيد (^٣).\n٢ - أنه يباح الانتفاع به، ويصح نقل اليد فيه بالميراث والوصية والهبة، فصحَّ بيعه كالبغل والحمار.\nوالقول الثالث: أنه لا يجوز بيعه، لكن تجب القيمة على متلفه، وهذا قول مالك، وعنه: يجوز بيعه، وعنه: لا يجوز بيعه، ولا تجب القيمة على\n_________\n(^١) انظر: \"الخرشي على مختصر خليل\" (٥/ ١٦)، \"المجموع\" (٩/ ٢٧٢)، \"شرح الزركشي\" (٣/ ٦٧٠).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ١٤٢).\n(^٣) أخرجه النسائي، وسيأتي الكلام عليه قريبًا في موضعه.","vol":"6","page":22},{"text":"متلفه، ذكر هذا النووي (^١)، وقال ابن عبد البر: (والأول -أي تحريم بيعه- تحصيل مذهبه، وهو الصحيح إن شاء الله) (^٢).\nوالقول الأول هو الراجح لقوة دليله، فإن الحديث نص واضح في التحريم، ولم يثبت استثناء شيء، فتعين العمل بعموم الحديث.\nوأما حديث جابر - ﵁ - باستثناء كلب الصيد، فهو حديث ضعيف، كما سيأتي إن شاء الله.\nوأما إباحة الانتفاع فلا يلزم منه جواز بيعه؛ لأن باب الانتفاع أوسع من باب البيع، فليس كل ما حرم بيعه حرم الانتفاع به، وتقدم ذلك.\nوأما القياس على البغل والحمار فهو -كما يقول ابن القيم- من أفسد القياس؛ لأن قياس الكلب على الخنزير أصح من قياسه على البغل والحمار؛ لأن الخنزير أقرب شبهًا بالكلب (^٣). وأما وضع اليد عليه فإنما أجازه الشارع لذات المنفعة، واستثنى بيعه، فمنع منه.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم البغاء، وتحريم ما يؤخذ عليه، سواء كان من حرة أو أمة، فهو مال حرام؛ لأنه في مقابل ما حرم الله عليها من الزنا، فليس لها أكله أو الانتفاع به، ويرى ابن القيم أنه يجب التصدق به (^٤)، ولو قال: تخرجه بنية التخلص منه، لكان أولى، ولا يرد إلى الزاني؛ لأنه دَفَعَهُ باختياره في مقابل عوض لا يمكن صاحب العوض استرجاعه، فهو كسب خبيث، ولأنه لو رجع إلى دافعه لصار عونًا له على الاستمرار في جريمته، ولأنه بذلك يحصل له غرضه مع رجوع ماله.\n\n° الوجه الخامس: تحريم الكهانة، وتحريم ما يأخذه الكاهن؛ لأنه أكل للمال بالباطل، ولأن التكهن محرم، وما حرم في نفسه حرم عوضه، ولأن فيه إعانة له على كهانته.\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٤٩٢).\n(^٢) \"الكافي\" (٢/ ٦٧٥).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (٥/ ٧٧٢).\n(^٤) انظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ٧٧٩).","vol":"6","page":23},{"text":"ويدخل في ذلك تحريم إتيان العرَّافين والمنجمين والمشعوذين الدجَّالين، ولا يجوز دفع المال لرؤية ما يفعلون من السحر والشعوذة؛ لأن في ذلك إعانة لهم وتشجيعًا لهم على الاستمرار في عملهم السيء، وعلى ولاة الأمر منعهم من ذلك، قال الماوردي: (يَمْنَعُ المحتسب من التكسب بالكهانة واللهو، ويؤدب عليه الآخذ والمعطي) (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الأحكام السلطانية\" ص (٣٢١).","vol":"6","page":24},{"text":"<span data-type='title' id=toc-649>حكم اشتراط منفعة المبيع</span>\n٧٨٦/ ٥ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ، قَال: فَلَحِقَنِي النَّبيُّ - ﷺ -، فَدَعَا لي، وَضَرَبَهُ. فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، فَقَال: \"بِعْنِيهِ بِوقيَّةٍ\"، قُلْتُ: لَا، ثُمَّ قَال: \"بِعْنِيهِ\" فَبِعْتُهُ بِوقيَّةٍ، وَاشْتَرَطْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيتُهُ بِالْجَمَلِ، فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي، فَقَال: \"أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ فَهُوَ لَكَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَهَذَا السِّيَاقُ لِمُسْلِمٍ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في قريب من عشرين موضعًا، مطولًا ومختصرًا، وموصولًا ومعلقًا (^١). وهذا يدل على كثرة فوائده، قال القرطبي: (هو حديث عظيم، فيه أبواب من الفقه …) (^٢). وأول موضع رواه فيه كتابُ \"الصلاة\"، باب \"الصلاة إذا قدم من سفر\" (٤٤٣) حيث ساقه مختصرًا من طريق مِسْعر، قال: حدثنا محارب بن دثار، عن جابر - ﵁ -، به. ثم أخرجه في \"البيوع\" وغيره.\nوأخرجه مسلم في مواضع من \"صحيحه\"، ومنها: كتاب \"المساقاة\"، باب \"بيع البعير واستثناء ركوبه\" (١٠٩) من طريق زكريا، عن عمار، حدثني جابر بن عبد الله - ﵄ - .. باللفظ الذي ذكر الحافظ في \"البلوغ\"، وله طرق\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٥٣٧).\n(^٢) \"المفهم\" (٤/ ٥٠١).","vol":"6","page":25},{"text":"أخرى عند مسلم، وسيكون الكلام - إن شاء الله - على هذا اللفظ، ونذكر بعض الروايات الأخرى التي يستفاد منها بعض الأحكام المتصلة بمسائل البيع.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أنه كان يسير على جمل له) لم يحدد في هذه الرواية جهة السير، وقد جاء في إحدى روايات \"الصحيحين\": (كنا مع رسول الله - ﷺ - في غَزَاةٍ)، وعند مسلم: (أقبلنا من مكة إلى المدينة)، وعند أبي عوانة: (فأعطاني الجمل وثمنه وسهمي مع القوم)، فتبين بذلك أنه سفر غزوة، قيل: إنها تبوك، وقيل: ذات الرقاع، وهذا هو الظاهر على ما اختاره الحافظ ابن حجر نقلًا عن ابن إسحاق والواقدي، قال: (لأن أهل المغازي أضبط من غيرهم)، ومما يؤيد ذلك أن الرسول - ﷺ - سأل في تلك القصة جابرًا: \"هل تزوجت؟ \"، قال: نعم … الحديث، وفيه أنه اعتذر بتزوجه الثيب من أجل أخواته الصغار، والثيب أقوم عليهن، وذات الرقاع بعد أُحد بسنة واحدة على الأصح، وفيها استشهاد والد جابر -﵄-، وتبوك بعدها بسبع سنين، والله أعلم.\n\nقوله: (فأعيا) الإعياء: التعب والعجز عن السير، أي: تعب فلم يساير الجيش، يقال: أعيا الرجل أو البعير: إذا تعب وكل من المشي، يستعمل لازمًا ومتعديًا، تقول: أعيا الرجل، وأعياه الله.\n\nقوله: (أن يسيبه) أي: يتركه رغبة عنه، ليذهب على وجهه، وليس المراد أن يجعله سائبة لا يركبه أحد، كما كانت الجاهلية تفعل، فإن هذا محرم في الإسلام، ولا يفعله جابر - ﵁ -.\n\nقوله: (فلحقني رسول الله - ﷺ -) أي: لأنه - ﷺ - كان في آخر الجيش انتظارًا للعاجزين، ورفقًا بالمنقطعين.\n\nقوله: (فدعا لي وضربه)، هذا يفيد أن الدعاء كان لجابر - ﵁ -، وفي رواية: (فضربه برجله ودعا له) وهذا يفيد أن الدعاء كان للجمل، ويجمع بينهما بأنه - ﷺ - دعا له ولجمله.","vol":"6","page":26},{"text":"قوله: (بوقية) بحذف الهمزة، والأصل: أوقية، قال النووي: (هي لغة صحيحة، ويقال: أوقية، وهي أشهر) (^١)، وقال العيني: (ليست بلغة عالية) (^٢) والأوقية: معيار للوزن، جمعها: أواقٍ، ويختلف مقدارها شرعًا باختلاف الموزون، كما يختلف باختلاف البلاد، وكانت في ذلك الوقت أربعين درهمًا، وقد جاء في بعض الروايات: أنها أوقية ذهب، وفي رواية: أربعة دنانير، وهي لا تخالفها؛ لأن الأربعين أوقية على حساب الدينار بعشرة دراهم من الفضة.\nوقد ذكر البخاري اختلاف الروايات في ثمن الجمل، ثم قال: (وقول الشعبي بوقية أكثر) (^٣)؛ أي: أكثر موافقة لغيره من الأقوال، وهذا الاختلاف في ثمن الجمل لا يؤثر؛ لأن أصل المسألة -وهو البيع- ثابت.\n\nقوله: (قلت: لا) أي: لا أبيعه، قال ابن التين: (قوله: (لا) ليس بمحفوظ إلا أن يريد لا أبيعُكَهُ، هو لك بغير ثمن)، قال العيني: (كأن ابن التين نزَّه جابرًا عن قوله: لا، لسؤال النبي - ﷺ -) (^٤)، لكن هذه اللفظ ثابتة في \"الصحيحين\"، فلا مجال للقول بعدم ثبوتها، والنفي موجه لترك البيع، لا لكلام النبي - ﷺ -؛ لأن جابرًا أراد هبة الجمل لرسول الله - ﷺ - بدليل رواية \"الصحيحين\": (بل هو لك يا رسول الله) (^٥)، وفي رواية لأحمد: \"أتبيعني جملك هذا يا جابر؟ \"، قلت: بل أهبه لك، قال: \"لا، ولكن بعنيه\".\n\nقوله: (حُملانه) بضم الحاء وسكون الميم، مصدر مضاف إلى فاعله، والمفعول محذوف، أي: حمله إياي إلى المدينة، وفي رواية: (واستثنيت ظهره إلى أن نقدم).\n\nوقوله: (إلى أهلي) أي: في المدينة، بدليل رواية \"الصحيحين\": (حتى بلغ المدينة).\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (١١/ ٣٤)، \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٤/ ١٩٥).\n(^٢) \"عمدة القاري\" (٤/ ٤١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٣١٤).\n(^٤) \"عمدة القاري\" (١١/ ٢١٦).\n(^٥) البخاري (٢٣٠٩)، ومسلم (١١١).","vol":"6","page":27},{"text":"قوله: (فلما بلغت) أي: دخلت المدينة على هذا الجمل، بدليل الرواية المتقدمة: (أقبلنا من مكة إلى المدينة).\n\nقوله: (أتيته بالجمل) في رواية: (فجئت إلى المسجد فوجدته، فقال: \"الآن قدمت؟ \" قلت: نعم …).\n\nقوله: (فنقدني ثمنه) قال ابن الأثير: (نقدته كذا؛ أي: أعطيته نقدًا معجلًا) (^١)، وقد دلت رواية البخاري ومسلم أن الذي نقده الثمن هو بلال - ﵁ -، فقد جاء في بعض الروايات: (قال لبلال: \"أعطه أوقية من ذهب وزده\"، فأعطاني أوقية وزادني قيراطًا …).\n\nقوله: (فأرسل في أثري) بفتحتين، أو بكسر فسكون؛ أي: ورائي عن قرب، والمعنى: أرسل من يطلبني ويأتي بي إليه، وقد جاء في رواية: (فانطلقت حتى وَلَّيتُ، فقال: \"ادعوا لي جابرًا\"، قلت: الآن يرد عليَّ الجمل، ولم يكن شيء أبغض إليَّ منه، قال: خذ جملك، ولك ثمنه) (^٢)، ولعل جابرًا كره رده عليه؛ لأنه عرف أنه يمكن أن يشتري بثمنه أحسن منه ويبقى له بعض الثمن (^٣).\n\nقوله: (أتُراني) بضم التاء؛ أي: أتظنني كلمتك لأجل نقص ثمن الجمل، والاستفهام للإنكار.\n\nقوله: (ماكستك) من المماكسة، وهي المطالبة بالنقص من الثمن، وأصلها: النقص، ومنه: مكس الظالم، وهو ما ينتقصه ويأخذه من أموال الناس، قال الفقهاء: ماكس فلان في البيع ومكس بمعنى: استنقص الثمن، وضد المماكسة: الاسترسال. وهذا إشارة إلى ما وقع بينهما من المساومة عند البيع.\n\nقوله: (خذ جملك ودراهمك) هذا من أحسن التكرم؛ لأن الغالب أن من باع شيئًا فهو محتاج لثمنه، فإذا تعوض من الثمن بقي في قلبه من المبيع أسف على فراقه، كما قال الشاعر:\n_________\n(^١) \"النهاية\" (٥/ ١٠٣).\n(^٢) \"البخاري\" (٢٠٩٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٣١٧).","vol":"6","page":28},{"text":"وقد تُخْرِجُ الحاجاتُ يا أُمَّ مالكٍ … نفائسَ مِنْ رَبٍّ بِهِنَّ ضَنينُ\nفإذا رُد عليه المبيع مع ثمنه ذهب الهمُّ عنه، وثبت فرحه، وقُضيت حاجته، مع ما انضم إلى ذلك من الزيادة في الثمن.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الأفضل في حق القائد وأمير القوم أن يكون في مؤخرة الجيش والقافلة انتظارًا للعاجزين والمنقطعين، لقوله: (فلحقني رسول الله - ﷺ -).\n\n° الوجه الرابع: رحمة النبي - ﷺ - ورأفته بأمته، فإنه لم يدع جابرًا وجمله على تلك الحال، بل أعانه بالدعاء، وضَرَبَ الجمل الذي صار له قوة على السير بإذن الله.\n\n° الوجه الخامس: فيه معجزة للنبي - ﷺ - حيث ضرب هذا الجمل العاجز فسار سيرًا لم يسر مثله قط ولحق بالجيش، وفي رواية عند البخاري: (فقال لي: \"كيف ترى بعيرك؟ \"، قال: قلت: بخير، قد أصابته بركتك) (^١).\n\n° الوجه السادس: جواز المماكسة في البيع قبل استقرار العقد.\n\n° الوجه السابع: اختلف العلماء هل يجوز للبائع أن يشترط نفعًا معلومًا في المبيع، كركوب الدابة إلى موضع كذا، أو سكنى الدار مدة معلومة، ونحو ذلك؟ على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه لا يصح العقد، ولا يصح الشرط؛ لأن هذا الشرط ينافي مقتضى العقد، فأشبه ما لو شرط ألا يسلمه المبيع، وذلك لأنه شَرَطَ تأخير تسليم المبيع إلى أن يستوفي البائع المنفعة، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم: الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي، إلا أن مالكًا أجاز شرط حمل الدابة إلى المكان القريب لقصر الزمن، كثلاثة أيام، ولعله يأخذ بهذا الحديث، لقصر المدة بين مكان العقد والمدينة (^٢).\nواستدل هؤلاء بدليلين:\n_________\n(^١) البخاري (٢٩٦٧).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٣/ ٣٠٩).","vol":"6","page":29},{"text":"١ - حديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - نهى عن الثُّنيا (^١)، ومعنى (الثنيا): أن يبيع شيئًا ويستثني بعضه.\n٢ - حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع وشرط، وسيأتي تخريجه إن شاء الله.\nوأجابوا عن حديث جابر هذا بأجوبة، منها:\n١ - أن المبايعة ليست حقيقية، وإنما أراد النبي - ﷺ - أن ينفع جابرًا بالهبة، فاتخذ ثمن الجمل ذريعة إلى ذلك، بدليل: \"أتراني ماكستك لآخذ جملك\".\n٢ - اختلاف الرواة في ألفاظ الحديث يمنع الاحتجاج به على هذا المطلب، فإن في بعض ألفاظه: (بعته واشترطت حملانه)، وفي لفظ: (أن النبي - ﷺ - أعاره ظهره إلى المدينة) والأخير يدل على عدم الشرط.\nوالقول الثاني: أنه يجوز اشتراط شرط واحد فقط، وهو قول الأوزاعي والإمام أحمد، ووافقهما على ذلك إسحاق وابن المنذر، فإن جمع بين شرطين بطل البيع (^٢)، واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب المتقدم: \"لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا تبع ما ليس عندك\".\nوالقول الثالث: يصح البيع مع كل شرط عائد للبائع أو المشتري بمنافع معلومة، وهذا رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشيخ عبد الرحمن السعدي (^٣)، واستدلوا بما يلي:\n١ - حديث جابر هذا، فإن الرسول - ﷺ - أقر جابرًا على اشتراط منفعة الجمل، قال البخاري: باب \"إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى\n_________\n(^١) أخرجه مسلم من حديث جابر - ﵁ - (١٥٣٦) (٨٥).\n(^٢) \"المغني\" (٦/ ٣٢١).\n(^٣) \"الاختيارات\" ص (١٢٣)، \"تهذيب مختصر السنن\" (٥/ ١٤٦)، \"المختارات الجلية\" (ص ٧٢، ٧٣).","vol":"6","page":30},{"text":"جاز\" ثم أورد الحديث، قال الحافظ: (وهكذا جزم بهذا الحكم لصحة دليله عنده) (^١).\n٢ - حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده أن رسول الله - ﷺ - قال: \"المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا حرّم حلالًا أو أحل حرامًا، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.\nوهذا هو القول الراجح -إن شاء الله- لقوة دليله، ولأن هذه الشروط لا محذور فيها من ربا أو ظلم أو غرر أو ضرر، فكيف تكون محرمة مفسدة للعقد، وكما أنها لا مفسدة فيها فليست -أيضًا- وسيلة إلى مفسدة.\nوأما حديث نهى عن الثنيا، فليس بدليل للمانعين، بل هو دليل للمجيزين، فإنه بتمامه عند أصحاب السنن إلا ابن ماجه: (نهى عن الثنيا إلا أن تعلم) فإذا عُلِمَ القدر المستثنى صح البيع لعدم الجهالة، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله.\nوأما حديث: \"نهى عن بيع وشرط\"، فقد قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: (لا يوجد في شيء من دواو بن الحديث، وقد أنكره أحمد وغيره من العلماء، وذكروا أنه لا يعرف، وأن الأحاديث الصحيحة تعارضه …) (^٢).\nوقال ابن القيم: (لا يعلم له إسناد صحيح مع مخالفته للسنة الصحيحة والقياس، ولانعقاد الإجماع على خلافه) (^٣).\nوأما إجابتكم عن حديث جابر - ﵁ - فهي مردودة كما يلي:\n١ - قولكم: إن المقصود الهبة، خلاف الظاهر، فإن ألفاظ الحديث صريحة بوقوع البيع، كقوله: \"بعته منك بأوقية\"، وقوله: \"\"قد أخذته\"، ثم إن ظاهر الحديث يفيد أن اشتراط مثل ذلك معلومٌ لديهم جوازه؛ لأن جابرًا هو الذي ابتدأ شَرْطَ ظهرِ الجمل، فأقره النبي - ﷺ - على شرطه، ولو كان باطلًا لم يقره عليه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣١٤).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٩/ ١٣٢).\n(^٣) \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٣٢٧).","vol":"6","page":31},{"text":"٢ - وأما اختلاف الرواة في ألفاظه وأن ذلك يمنع الاحتجاج به، فهذا صحيح بشرط التكافؤ أو التقارب، أما إذا كانت إحدى الروايات أرجح فينبغي العمل بها (^١).\nوأما قول مالك بالجواز في الزمان القريب دون البعيد، فلا دليل عليه، فإن الحديث لا يمنع ما كان بعيدًا.\nوأما دليل أصحاب القول الثاني: \"ولا شرطان في بيع\"، فهذا دليل صحيح، ولكن الاستدلال به ليس في محله، فإن الحديث لا يتناول الشروط التي فيها مصلحة للبائع أو للمشتري، وهي مقدورة للمشروط عليه ولا محذور فيها، وإنما يتناول الشروط التي تترتب عليها مفسدة شرعية، كمسائل العينة وغيرها، كأن يقول: أبيعك هذه السلعة بألف ريال إلى سنة ثم يشتريها منه حالّة بسبعمائة، فإن مثل هذا لا بد فيه من المشارطة في الغالب لفظًا أو مواطأة، فحمل هذا الحديث على ما فيه محذور شرعي متعين؛ لأن حديث جابر فيه الجمع بين البيع وشرط، وإذا أُذن في شرط أُذن في شرطين لعدم الفارق في نظر الشرع، وسيأتي لذلك مزيد كلام إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) انظر: \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (٤/ ١٠٤).","vol":"6","page":32},{"text":"<span data-type='title' id=toc-650>حكم بيع المُدَبَّرِ</span>\n٧٨٧/ ٦ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَال: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيرُهُ، فَدَعَا بِهِ النَّبيُّ - ﷺ - فَبَاعَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع من \"صحيحه\"، أولها في كتاب \"البيوع\"، باب \"بيع المزايدة\" (٢١٤١) وفي باب \"بيع المدبَّر\" (٢٢٣٠) ثم أعاد الترجمة نفسها في كتاب \"العتق\" (٢٥٣٤) وساق الحديث بلفظ مختصر، وهو أقرب ألفاظه إلى لفظ \"البلوغ\"، وأخرجه في كتاب \"الاستقراض\"، باب \"من باع مال المفلس أو المعدم وقسمه بين الغرماء\" (٢٤٠٣).\nوأخرجه مسلم في كتاب \"الزكاة\"، باب \"الابتداء في النفقة بالنفس ثم أهله ثم القرابة\" (٩٩٧) كلاهما من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر - ﵁ -.\nوقد أعاد الحافظ هذا الحديث في كتاب \"العتق\" في أواخر \"بلوغ المرام\" بلفظ آخر.\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز بيع المدبر، والمُدَبَّرُ: بزنة اسم المفعول، هو الرقيق الذي عُلِّقَ عتقه بموت مالكه، بأن يقول السيد لرقيقه: أنت حر بعد موتي، سمي بذلك لأن عتقه جعل دُبُرَ حياة سيده، والموت دبر الحياة.","vol":"6","page":33},{"text":"وظاهر الحديث أن النبي - ﷺ - باع هذا المدبر لما علم أن صاحبه لا يملك شيئًا غيره، لما ورد في رواية للبخاري: (أن رجلًا أعتق غلامًا له عن دبر، فاحتاج …)، وفي رواية أخرى: (لم يكن له مال غيره)، والقول بأنه لا يباع إلا لحاجة من دين أو نفقة هو قول الحسن وعطاء، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره ابن دقيق العيد (^١).\nوالقول الثاني: جواز بيعه مطلقًا، سواء باعه لحاجة أم لا، وهذا قول الشافعي، والمشهور من مذهب الإمام أحمد (^٢)، قالوا: إنه لما جاز بيعه في صورة من صور البيع جاز في كل صوره، ولأنه شبيه بالوصية التي يجوز الرجوع عنها ما دام الموصي في حال الحياة.\nوأجابوا عن قوله: \"فاحتاج\" بأنه لا مدخل له في الحكم، وإنما ذكره لبيان السبب في المبادرة لبيعه، ليتبين للسيد جواز البيع، ولولا الحاجة لكان عدم البيع أولى، والقول الأول فيه وجاهة كما ترى؛ لأن فيه جمعًا بين الأدلة (^٣)، وسيأتي الكلام عن بقية أحكامه في الباب المشار إليه، إن شاء الله.\n_________\n(^١) \"إحكام الأحكام\" بحاشية الصنعاني (٤/ ٥٦٩).\n(^٢) \"المجموع\" (٩/ ٢٤٤)، \"المغني\" (١٢/ ٣١٦).\n(^٣) انظر: \"الأحاديث الواردة في البيوع المنهي عنها\" (١/ ١٧٠).","vol":"6","page":34},{"text":"<span data-type='title' id=toc-651>حكم السمن تقع فيه الفأرة</span>\n٧٨٨/ ٧ - عَنْ مَيمُونَةَ - ﵂ - زَوْجِ النَّبيِّ - ﷺ - أَنَّ فَارَةً وَقَعَتْ في سَمْنٍ، فَمَاتَتْ فِيهِ، فَسُئِلَ النَّبيُّ - ﷺ - عَنْهَا فَقَال: \"أَلفُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَزَادَ أَحْمَدُ، والنَّسَائِيُّ: في سَمْنٍ جَامِدٍ.\n٧٨٩/ ٨ - وعَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ في السَّمْنِ، فَإِنْ كَانَ جامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَايعًا فلا تَقْرَبُوهُ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وأَبُو دَاوُدَ، وَقَدْ حَكَمَ عَلَيهِ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ بِالْوَهْمِ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ميمونة - ﵂ - فقد أخرجه البخاري في مواضع من \"صحيحه\"، أولها في كتاب \"الوضوء\"، باب \"ما يقع من النجاسات في السمن والماء\" (٢٣٥) (٢٣٦)، وفي كتاب \"الذبائح والصيد\"، باب \"إذا وقعت الفارة في السمن الجامد أو الذائب\" (٥٥٤٠) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن ميمونة - ﵂ -.\nوأخرجه النسائي (٧/ ١٧٨) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بهذا الإسناد، ولفظه: (أن النبي - ﷺ - سئل عن فارة وقعت في سمن جامد …) ومع أن إسنادها صحيح إلا أن فيها نظرًا -كما يقول ابن عبد الهادي-؛ لأن أصحاب مالك لم يذكروها (^١).\n_________\n(^١) \"المحرر\" (٢/ ٥٣٦).","vol":"6","page":35},{"text":"وجاءت عند أحمد في إحدى رواياته (٤٤/ ٣٨٧) من طريق محمد بن مصعب، عن الأوزاعي، عن الزهري، به، ولفظه: (عن ميمونة زوج النبي - ﷺ - أنها استفتت رسول الله - ﷺ - في فأرة سقطت في سمن لهم جامد …) الحديث، وقد بيّن ابن عبد الهادي بأن هذه الزيادة من كيس محمد بن مصعب القرقساني، وقد ضعفه يحيى بن معين وجماعة (^١). ولخص الحافظ حاله بأنه صدوق كثير الغلط.\nوقد دلت هذه الرواية على أن السائلة هي ميمونة -﵂-، ووقع في بعض روايات مالك -أيضًا- أن ميمونة هي السائلة (^٢).\nوأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فقد أخرجه أحمد (١٢/ ١٠٠، ١٠١)، وأبو داود (٣٨٤٢) من طريق معمر: أخبرنا ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة - ﵁ -، به.\nومتن هذا الحديث صحيح، ورجال إسناده ثقات، رجال الشيخين، إلا أنه كما قال البخاري وأبو حاتم والترمذي والدارقطني وغيرهم (^٣): إن معمر بن راشد قد أخطأ في إسناده، فإنه رواه عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، وقد خالفه أصحاب الزهري أمثال الإمام مالك وابن عيينة فرووه عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ميمونة، قال البخاري: (هذا خطأ، أخطأ فيه معمر)، وقال أبو حاتم: (وَهْمٌ) (^٤).\nوقد جاء في \"صحيح البخاري\": (قيل لسفيان: فإن معمرًا يحدثه عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: ما سمعت الزهري يقول: إلا عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي - ﷺ -، ولقد سمعته منه مرارًا) (^٥).\n_________\n(^١) \"التنقيح\" (٢/ ٥٦٦)، \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٤٥٨، ٤٥٩).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٤٣، ٩/ ٦٧٠).\n(^٣) انظر: \"علل الترمذي\" (٢/ ٧٥٨، ٧٥٩)، \"الفتاوى\" (٢١/ ٤٩٠).\n(^٤) انظر: \"جامع الترمذي\" (٤/ ٢٢٦)، \"العلل\" لابن أبي حاتم (٢/ ١٢).\n(^٥) \"الصحيح\" (٥٥٣٨).","vol":"6","page":36},{"text":"وفي الحديث خطأ آخر وقع فيه معمر، وهو الزيادة التي تفرق بين السمن الجامد والذائب، فتكون مخالفة معمر حصلت في الإسناد والمتن، ومعمر معروف بالغلط، ولا سيما أحاديثه في البصرة، قال أبو حاتم الرازي: (ما حدَّث بالبصرة ففيه أغاليط، وهو صالح الحديث) (^١)، ومعظم الذين رووا عنه هذا الحديث بصريون. ويكون الحديث بهذا التفصيل غير محفوظ، وإنما المحفوظ أن الحديث من مسند ميمونة، لا من مسند أبي هريرة، كما أن المحفوظ هو عدم التفصيل بين الجامد والمائع.\nوظن طائفة من العلماء أن حديث معمر محفوظ، فعملوا به، وممن أثبته محمد بن يحيى الذهلي، فيما جمعه من أحاديث الزهري، وكذا احتج به أحمد لما أفتى بالفرق بين الجامد والمائع، وكان أحمد يحتج أحيانًا بأحاديث ثم يتبين له أنها معلولة (^٢).\n\n° الوجه الثاني: حديث ميمونة - ﵂ - دليل على أن الفأرة إذا وقعت في السمن وماتت فيه نَجَّست ما حولها مما وقعت فيه، فيجب إلقاؤها وإلقاء ما حولها، ويحكم على البقية بأنه طاهر، لا تسري النجاسة إلى كل أجزائه، فيجوز أكله، ولا فرق في ذلك بين كثير السمن وقليله.\nوظاهر الحديث أنه لا فرق بين الجامد والمائع، فإن النبي - ﷺ - أجاب من سأله جوابًا عامًّا مطلقًا بأن يلقوها وما حولها، وأن يأكلوا سمنهم، ولم يستفصلهم هل كان سمنهم مائعًا أو جامدًا مع أن الغالب على سمن الحجاز أنه مائع.\nوحد الجامد: ما إذا أُخذ منه شيء لم يترادَّ من الباقي مكانه، ولا يسيل إذا كسر إناؤه، وأما المائع، فهو عكسه: فإنه يتراد عند الأخذ منه، ويسيل إذا كسر إناؤه، وهذا قول بعض أهل الحديث كالبخاري، كما تشعر بذلك ترجمته على حديث ميمونة، وهو رواية عند الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣).\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٢٥٧)، وانظر: \"مرويات الزهري\" (٢/ ٩٨٠).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢١/ ٤٩٣).\n(^٣) انظر: \"الفتاوى\" (٢١/ ٤٨٨ - ٥٠٢).","vol":"6","page":37},{"text":"والقول الثاني: التفريق بين الجامد والمائع، وأن الجامد يحكم فيه بنجاسة ما جاور النجاسة وبطهارة الباقي، بل حكى ابن عبد البر الاتفاق على ذلك (^١)، وأما المائع فكله ينجس بملاقاة النجاسة، قلَّ أم كثر، تغير أم لم يتغير، وهذا مذهب الجمهور، مستندين إلى الزيادة المذكورة في رواية معمر.\nوبهذا يتبين أن سبب الخلاف هو الاختلاف في تصحيح الزيادة المذكورة في الحديث.\nوالقول الأول أرجح، وهو عدم تنجس المائعات إلا بالتغير، لقوة دليله، وقد أفتى بذلك عدد من الصحابة، كابن عباس وابن مسعود وغيرهما - ﵃ - (^٢).\nوهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز.\nوأما زيادة معمر عن الزهري التي تفرق بين المائع والجامد فهي ضعيفة، كما تقدم، إضافة إلى أن فيها اضطرابًا، وقد أفتى الزهري الذي مدار الحديث عليه بخلافها، فقد روى البخاري من حديث يونس أن الزهري سئل عن الدابة تموت في السمن الجامد وغيره، فأفتى بأن النبي - ﷺ - أمر بفارة ماتت في سمن فأمر بما قرب منها فطرح (^٣). فهذه فتيا الزهري الذي مدار الحديث عليه في الجامد وغير الجامد، وقد حكم عليهما باستواء الحكم، فيكيف يروي التفريق بينهما؟!. ولأن مائع الدهن وأشباهه قريب من الجامد؛ لأنه ليس له الميعان الكامل.\nثم إن القول بتنجس المائعات لا يخلو من حرج ومشقة لوجود القناطير المقنطرة من الزيت الذي يكون في معاصر الزيتون أو العسل أو غيرهما، ولا يمكن صيانتها عما يقع فيها، فالقول بنجاسة ذلك فيه حرج شديد، فإنه لو كان ماء لما أُتلف ما دون القلتين عند الجمهور، فكيف بالمائعات من الدهن والعسل ونحوهما؟!.\n\n° الوجه الثالث: أن الحكم بطهارة السمن ونحوه، مشروط بألا يتغير\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٩/ ٤٠).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢١/ ٤٩٧، ٤٩٨).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٥٥٣٩).","vol":"6","page":38},{"text":"بالنجاسة التي تظهر فيه ريحه أو طعمه أو لونه، فإن تغير بشيء من ذلك فإنه يكون نجسًا، فلا يجوز استعماله؛ لأن الماء وهو الطهور إذا تغير بشيء مما ذكر نَجِسَ، فكيف بالمائعات التي لا تدفع عن نفسها نجاسة؟!.\nومعلوم أن الجامد يكون فيه ما حول النجاسة قليلًا لجموده، وقد أخرج ابن أبي شيبة من مرسل عطاء بن يسار أنه يكون قدر الكف (^١). فإن كان مائعًا صار الذي حول النجاسة أكثر فيلقى أكثر من الجامد.\n\n° الوجه الرابع: يلحق بالسمن غيره من المائعات كالزيت والعسل واللبن ونحوها، وذكر السمن إنما هو واقعة عين لميمونة -﵂-، وإلحاق ما ذكر من القياس الواضح (^٢).\n\n° الوجه الخامس: دلَّ الحديث بمفهومه على أن الفأرة لو وقعت في السمن ثم خرجت وهي حية أن السمن لا ينجس، ولذا جعل الفقهاء الهرة وما دونها في الخلقة طاهرًا في حال الحياة.\n\n° الوجه السادس: اعلم أن الكلام في مسألة السمن المائع الذي وقعت فيه الفارة إنما هو باعتبار أنه يحل أو لا يحل، لكن لو كرهه الإنسان فلا بأس بإراقته، لا سيما وأن له شبهة قوية في كراهته؛ لأن الجمهور يقولون بتحريمه، كما تقدم.\nفإن كان جامدًا وكرهه فالأولى عدم إراقته، بل يعطيه أو يتصدق به، لئلا تكون إراقته من باب إضاعة المال، ولا يلزم أن يبين ما وقع فيه (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) قال في \"فتح الباري\" (٩/ ٦٧٠): (سنده جيد لولا إرساله).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٦٩).\n(^٣) سمعته من شرح الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ على \"البلوغ\".","vol":"6","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-652>حكم بيع الكلب والسِّنَّور</span>\n٧٩٠/ ٩ - عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ قَال: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمنِ السِّنَّوْرِ وَالْكَلْبِ فَقَال: زَجَرَ النَّبيُّ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ: إلَّا كَلبَ صَيدٍ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"المساقاة\"، باب \"تحريم ثمن الكلب … والنهي عن بيع السنور\" (١٥٦٩) من طريق الحسن بن أعين، حدثنا معقل، عن أبي الزبير، قال: سألت جابرًا … الحديث.\nوأخرجه النسائي (٧/ ١٩٠، ٣٠٩) من طريق حماد بن سلمة، عن أبي الزبير بالزيادة المذكورة، وقال النسائي: (ليس هو بصحيح) وقال في الموضع الثاني: (هذا منكر)، ووجه النكارة استثناء كلب الصيد من عموم الكلاب، ولم يرد هذا في الروايات الأخرى، ومنها رواية مسلم، والمراد تضعيف هذه الزيادة، وإلا فالحديث صحيح بدون هذا الاستثناء.\nوفي الحديث علة أخرى، وهي أنه قد اختلف على حماد بن سلمة في رفع هذا الحديث ووقفه، فرواه وكيع عن حماد عن جابر موقوفًا، ورواه الهيثم بن جميل وآخرون عن حماد مرفوعًا، وقد رجح الدارقطني الوقف (^١).\nقال البيهقي: (الأحاديث الصحاح عن النبي - ﷺ - في النهي عن ثمن\n_________\n(^١) انظر: \"سنن الدارقطني\" (٣/ ٧٣)، \"الأحاديث الواردة في البيوع المنهي عنها\" (١/ ١٣١).","vol":"6","page":40},{"text":"الكلب خالية من هذا الاستثناء، وإنما الاستثناء في الأحاديث الصحاح في النهي عن الاقتناء، ولعله شُبِّه على من ذكر في حديث النهي عن ثمنه من هؤلاء الرواة، الذي هم دون الصحابة والتابعين، والله أعلم) (^١).\n\n° الوجه الثاني: تقدم أن هذا الحديث من أدلة القائلين بجواز بيع الكلب، وبما أن هذه الزيادة غير صحيحة، فإن الاستدلال لا يتم.\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم ثمن السِّنَّور، وهو بكسر المهملة وتشديد النون: القط والهر، وتحريم ثمنه يدل باللزوم على تحريم بيعه؛ لأنه نجس العين، ولا ينتفع به إلا لحاجة كأكل الفأر والحشرات، ونحو ذلك، والقول بمنع بيع السنور قد أفتى به جابر بن عبد الله، وأبو هريرة -﵄-، وهو قول طاووس ومجاهد، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو بكر عبد العزيز، وابن القيم (^٢)، وصححها ابن رجب (^٣).\nوذهب الجمهور من أهل العلم إلى جواز بيعه (^٤)، وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه مشى الخرقي في \"مختصره\" (^٥)، واستدلوا بأن فيه منفعة كما تقدم، وحملوا الحديث في النهي عن بيعه على هرٍّ مملوك أو لا فائدة منه؛ لأن أكثر الهررة معتدٍ لا يمكن الانتفاع به، أو أن النهي مراد به الكراهة إلى غير ذلك مما قالوه (^٦).\nوالصواب الأول؛ لصحة الحديث بذلك، وعدم ما يعارضه، فوجب القول به، قال البيهقي: (متابعة ظاهر السنة أولى، ولو سمع الشافعي ﵀ الخبر الوارد فيه لقال به إن شاء الله) (^٧). وما قاله أصحاب القول الثاني صرف للحديث عن ظاهره بلا دليل (^٨)، فالعمل بالعموم أقوى، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٦/ ٦).\n(^٢) \"شرح الزركشي\" (٣/ ٦٧٧)، \"زاد المعاد\" (٥/ ٧٧٣).\n(^٣) \"القواعد\" ص (٢٢٧).\n(^٤) \"المجموع\" (٩/ ٢٨٤).\n(^٥) \"المغني\" (٦/ ٣٥٩).\n(^٦) انظر: \"شرح الزركشي\" (٣/ ٦٧٨)، \"زاد المعاد\" (٥/ ٧٧٣).\n(^٧) \"السنن الصغير\" (٢/ ٢٧٨).\n(^٨) انظر: \"شرح الزركشي\" (٣/ ٦٧٨)، \"زاد المعاد\" (٥/ ٧٧٣، ٧٧٤).","vol":"6","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-653>صحة الشروط المشروعة وبطلان غيرها</span>\n٧٩١/ ١٠ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، في كُلِّ عَامٍ أُوْقِيَّةٌ، فَأَعِينِينيِ، فَقُلْتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونُ وَلاؤُكِ لي فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا، فَقَالتْ لَهُمْ؛ فَأَبَوْا عَلَيها، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَالِسٌ، فَقَالتْ: إِني قَدْ عَرَضْتُ ذلِكَ عَلَيهِمْ فَأَبَوْا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبيُّ - ﷺ -، فأخبرت عائشةُ النبي - ﷺ -. فَقَال: \"خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاءَ، فَإِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ\"، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في النَّاسِ خطيبًا فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَال: \"أَمَّا بَعْدُ، مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيسَتْ في كِتَابِ اللهِ ﷿؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيسَ في كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَال: \"اشْتَريهَا، وَأَعْتِقِيهَا، وَاشْتَرِطي لَهُمْ الْوَلاءَ\".\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في أربعة وعشرين موضعًا من \"صحيحه\" أولها في كتاب \"الصلاة\"، باب \"ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد\" (٤٥٦) وأخرجه في \"البيوع\"، باب \"إذا اشترط شروطًا في البيع لا تحل\" (٢١٦٨) من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂-، بهذا اللفظ الذي","vol":"6","page":42},{"text":"ذكر الحافظ، وأخرجه في \"النكاح\" وسيأتي بيان ذلك هناك إن شاء الله تعالى.\nوأخرجه مسلم في كتاب \"العتق\"، باب \"بيان أنما الولاء لمن أعتق\" (١٥٠٤) من عدة طرق، واللفظ الذي ذكره الحافظ جاء من طريق أبي أسامة: حدثنا هشام بن عروة، أخبرني أبي، عن عائشة -﵂-، به.\nوهذا الحديث حديث عظيم، جليل القدر، كثير الفوائد، استنبط منه الحافظ ابن حجر قريبًا من مائة وعشرين فائدة (^١)، وذكر في \"الإصابة\" أن بعض الأئمة جمع فوائده في مصنف مستقل، فزادت على الثلاثمائة (^٢).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (جاءتني بريرة) هي مولاة عائشة -﵂-، اشترتها وأعتقتها، وكانت تخدمها قبل أن تشتريها، وكانت تحت مغيث مولى أبي أحمد بن جحش الأسدي، وكان عبدًا، فعتقت، فخيرها النبي - ﵁ -، فاختارت فراقه، وسيأتي ذلك في كتاب \"النكاح\" إن شاء الله، عاشت بريرة - ﵂ - إلى زمن معاوية - ﵁ - (^٣).\n\nقوله: (كاتبت أهلي) الكتابة: شراء العبد نفسه من سيده، وذلك بأن يقع عقد بين الرقيق وبين سيده على أن يدفع له مبلغًا من المال منجمًا -أي: أقساطًا محددة- ليصير بذلك حرًّا، والمراد بقولها: (أهلي) مواليها، وهم ناس من الأنصار.\n\nقوله: (على تسع أواقٍ) جمع أوقية، وتقدم أنها في ذلك الوقت أربعون درهمًا، وأواقٍ أصلها: أواقيّ: بتشديد الياء، ويجوز تخفيفها بحذفها.\n\nقوله: (أن أعدها لهم) أي: أدفعها لهم معدودة دفعة واحدة، كما في رواية البخاري: (أرأيت إن عددت لهم عدة واحدة أيبيعك أهلك؟ … (^٤».\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤١١ - ٤١٦).\n(^٢) \"الإصابة\" (١٢/ ١٥٧).\n(^٣) \"الإصابة\" (١٢/ ١٥٧)، \"فتح الباري\" (٥/ ١٨٨).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٢٥٦٠).","vol":"6","page":43},{"text":"قوله: (ولاؤك لي) أي: ولاء عتقك يكون لي، وولاء العتق: أن يرث المعتقُ أو ورثته العتيقَ إذا لم يكن له وارث من عصبته، وأصل الولاء: السلطة والنصرة، ويطلق الولاء على القرابة، والمراد هنا: ولاء العتاقة، أي: الذي سببه العتق، وهو عصوبة، سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق.\n\nقوله: (إنما الولاء لمن أعتق) أي: إن شرطهم هذا لا قيمة له؛ لأن الولاء لمن أعتق لا لمن باع، ومقتضى الحصر بـ (إنما) أن إثبات الولاء لمن أعتق يلزم منه نفيه عمن لم يعتق.\n\nقوله: (ما بال رجال) جواب (أما) والأصل أن يكون بالفاء، وحذفها هنا نادر، كما ذكر ابن هشام، ومثل بهذا الحديث (^١). ومعنى: \"ما بال\" ما شأن وما حال رجال، وقوله: \"رجال\" لا مفهوم له، وإنما لأن قصة المبايعة كانت مع رجال، وقد جاء في بعض الروايات: \"ما بال أقوام\".\n\nقوله: (ليست في كتاب الله) أي: ليست في شرع الله وقضائه، في كتابه أو سنة رسوله - ﷺ -، بل هي مخالفة لذلك. وليس المراد بكتاب الله: القرآن؛ لأن أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن، وإنما علمت من السنة.\n\nقوله: (فهو باطل) الباطل: ضد الصحيح، وهو لغة: الذاهب ضياعًا وخسرًا، واصطلاحًا: ما لا تترتب آثار فعله عليه، عبادة كان أم عقدًا.\n\nقوله: (قضاء الله أحق) أي: شرع الله تعالى وحكمه أولى بالاتباع من الشروط المخالفة للحق.\n\nقوله: (وشرط الله أوثق) أي: أقوى وأشد إحكامًا، فهو أحكم الشروط، وأوثقها، والظاهر أن اسم التفضيل في الموضعين ليس على بابه، إذ لا مشاركة بين الحق والباطل، وإنما هو من باب الصفة المشبهة، فالمعنى: أن قضاء الله هو الحق، وشرطه هو القوي.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية مكاتبة الرقيق؛ لأنها طريق\n_________\n(^١) \"أوضح المسالك\" (٤/ ٢٣٥).","vol":"6","page":44},{"text":"إلى تخليصه من الرق، فيتفق السيد مع رقيقه على عوض معين يدفعه إليه، ويطلق السيد الحرية للمكاتب في الكسب، فإذا دفع العوض صار حرًّا، وهذا يدل على حرص الإسلام على العتق، وذلك بمشروعية العديد من وسائله.\n\n° الوجه الرابع: أن الكتابة يكون دينها مؤجلًا يحل قسطًا قسطًا؛ لأن الرقيق حين عقد الكتابة لا يملك شيئًا، لكن ليس التأجيل شرطًا، فيجوز أن تكون حالَّة إذا كان المال من غير العبد، كما في هذا الحديث: (إنْ أحب أهلك أن أعدها لهم …)، وقد يحصل ذلك من العبد إذا كان قويًّا وله صنعة يستطيع بها أن يجمع الثمن في نجم واحد؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ [النور: ٣٣] ولم يذكر آجالًا، وإنما أمر بالكتابة.\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز بيع العبد المكاتب بشرط العتق؛ لأن النبي - ﷺ - لم ينكر اشتراط العتق، وإنما أنكر اشتراط الولاء؛ لأن بريرة كانت مكاتبة، وباعها أهلها على عائشة بثمن منقود لتعتقها، وقد بوّب البخاري في كتاب \"العتق\" باب \"بيع المكاتب إذا رضي\" (^١)، وإذا بيع المكاتب أدى نجوم الكتابة إلى مشتريه، فإن أدى إليه عتق، وولاؤه له، وإن عجز عاد قنًّا له.\n\n° الوجه السادس: الحديث دليل على أن الولاء لمن أعتق الرقيق لا لمن باعه، واشتراطه من قِبَل البائع باطل، ولا يؤثر في صحة العقد، بل يبطل الشرط وحده، ويصح العقد.\n\n° الوجه السابع: الحديث دليل على أن الشروط التي على خلاف مقتضى العقد شروط فاسدة بنفسها، غير مفسدة للعقد، وهي شروط محرمة لا يجوز اشتراطها؛ لأن ذلك من تعدي حدود الله تعالى، والنبي - ﷺ - قد أنكر على هؤلاء الذين اشترطوا شروطًا ليست من شرع الله تعالى وحكمه، قال ابن القيم: (الضابط الشرعي الذي دل عليه النص أن كل شرط خالف حكم الله وكتابه فهو باطل، وما لم يخالف حكمه فهو لازم) (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٩٤).\n(^٢) \"إعلام الموقعين\" (٣/ ٤٠٢).","vol":"6","page":45},{"text":"° الوجه الثامن: اختلف العلماء في قوله: \"اشترطي لهم الولاء\" حيث دل بظاهره أنه - ﷺ - أذن في البيع على شرط فاسد، فكيف يأذن لهم في وقوع البيع بناءً على شرط سيتم إبطاله؟. وللعلماء في الجواب عن ذلك مسلكان:\nالأول: إبطال هذه اللفظة وأنها لم تثبت؛ لأنه تفرد بها مالك، عن هشام، عن عروة، بدليل أنه وقع سقوطها في كثير من الروايات، وهذا مسلك ضعيف؛ لأن الأكثرين من أهل العلم على إثبات هذه اللفظة؛ للثقة برواتها.\nالثاني: أن يقال: إنهم قد علموا فساد الشرط؛ لأن المحاورة قد طالت في مسألة بريرة، فعلموا أن اشتراطهم الولاء لا يصلح إلا لمن أعتق، لكنهم أصروا على اشتراطه وأقدموا عليه، فتركهم النبي - ﷺ - يشترطونه، وكأنه قال: اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يفيدهم؛ لأن وجوده كعدمه، ثم أعلن فساده وعدم نفوذه، وبتن ذلك للأمة بيانًا عامًّا، وهو إلغاء كل شرط خالف حكم الله وشرعه.\n\n° الوجه التاسع: في الحديث دليل على جواز بيع التقسيط. وصورته: أن يبيع بضاعة إلى أجل، ويزيد في سعرها مقابل الأجل. وهو جائز في قول عامة أهل العلم، بل حكى الحافظ ابن حجر الإجماع على جوازه (^١)، والأدلة على جوازه كثيرة، ومنها حديث الباب، وحديث السلم الآتي في بابه وغيرها، ومن جهة المعنى أن بيع التقسيط فيه مصلحة للمتعاقدين، وليس فيه ضرر.\nلكن ينبغي لمن يبيع بالتقسيط أن يكون قنوعًا من ناحية الربح، فلا يزيد فيه بما يضر أخاه المسلم ويشق عليه سداده، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٠٢).","vol":"6","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-654>حكم بيع أمهات الأولاد</span>\n٧٩٢/ ١١ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: نَهَى عُمَرُ عَنْ بَيعِ أُمّهَاتِ الأَوْلَادِ، فَقَال: لَا تُبَاعُ، وَلا تُوهَبُ، وَلا تُورَثُ، لِيَسْتَمْتِعْ بِهَا مَا بَدَا لَهُ، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرّةٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالْبَيهَقِيُّ، وَقَال: رَفَعَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَوَهِمَ.\n٧٩٣/ ١٢ - وعَنْ جَابِرٍ بنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَال: كُنَّا نَبِيعُ سَرَارَينَا؛ أُمّهَاتِ الأَوْلادِ، وَالنَّبيُّ - ﷺ - حَيٌّ، لا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عمر -﵄-، فقد أخرجه مالك في \"الموطأ\" في كتاب \"العتق والولاء\"، باب \"عتق أمهات الأولاد\" (٢/ ٧٧٦) من طريق نافع، عن عبد الله بن عمر -﵄-، والبيهقي (١٠/ ٣٤٢، ٣٤٣) من طريق سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - ﵄ - قال البيهقي: (وغلط فيه بعض الرواة … فرفعه إلى النبي - ﷺ -، وهو وهم لا يحل ذكره)، وسبقه إلى هذا الدارقطني فقال عن وقفه: إنه هو الصواب (^١).\nأما حديث جابر - ﵁ -، فقد أخرجه النسائي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٥٦) (٥٠٢١) في كتاب \"العتق\"، باب \"في أم الولد\"، وابن ماجه (٢٥١٧)، والدارقطني (٤/ ١٣٥)، وابن حبان (١٠/ ١٦٥) من طريق ابن جريج، قال:\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" (٢/ ٤١) (١٣/ ١٩١ - ١٩٢)، \"الأحاديث الواردة في البيوع المنهي عنها\" (١/ ١٦١).","vol":"6","page":47},{"text":"أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله - ﵄ - يقول: … وذكر الحديث. وإسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه النووي (^١)، والألباني (^٢).\nوأخرجه أبو داود (٣٩٥٤)، وابن حبان (١٠/ ١٦٦)، والحاكم (٢/ ١٨، ١٩)، والبيهقي (١٠/ ٣٤٧) من طريق حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر - ﵁ - قال: (بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، فلما كان عمر انتهينا)، وإسناده صحيح على شرط مسلم، كما قال الحاكم، وسكت عنه الذهبي، وصححه الألباني (^٣).\n\n° الوجه الثاني: أثر عمر - ﵁ - فيه دليل على تحريم بيع أمهات الأولاد، والمراد بهن: الإماء اللائي ولدن من سادتهن، وقد وافق عمرَ - ﵁ - على ذلك المهاجرون والأنصار؛ لأن في بيعهن تفريقًا بينهن وبين أولادهن وتعريضًا لأولادهن الأحرار للاسترقاق والأذى، فرأى - ﵁ - ألا يُبعن، بل يُعْتِقُهن أولادهن بعد موت السيد، وتكون بعد موت سيدها حرة تامة الحرية تملك جميع تصرفاتها، وإنما منع بيعها لأنها استحقت أن تعتق بموته، وبيعها يمنع ذلك.\nوهذا قول الجمهور من أهل العلم، وحكاه بعضهم إجماعًا (^٤). والظاهر أنه لا يثبت لوجود الخلاف، لكن الذي عليه جمهور أهل العلم وهو كالإجماع أنهن لا يُبعن أخذًا بما رآه الصحابة -﵃-، وقد حكي ابن قدامة إجماع الصحابة على ذلك (^٥).\nوقد أراد علي - ﵁ - في خلافته أن يرجع عن ذلك، فقد أخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال: قال علي - ﵁ -: (ناظرني عمر بن الخطاب - ﵁ - في بيع أمهات الأولاد، فقلت: يُبعن، وقال: لا يُبعن، قال: فلم يزل عمر يراجعني حتى قلت بقوله، فقضى بذلك حياته، فلما أفضى الأمر إليّ رأيت أن يبعن، فقال عبيدة: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحبُّ إليّ من رأيك وحدك في الفرقة) (^٦).\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٢/ ٢٤٣).\n(^٢) \"الإرواء\" (٦/ ١٨٩).\n(^٣) \"إرواء الغليل\" (٦/ ١٨٩).\n(^٤) انظر: \"إرشاد الفقيه\" (٢/ ١٢٠).\n(^٥) \"المغني\" (١٤/ ٥٨٧).\n(^٦) \"المصنف\" (٧/ ٢٩١)، \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٣٤٣)، وإسناده صحيح، وقال الحافظ في =","vol":"6","page":48},{"text":"° الوجه الثالث: دلَّ حديث جابر - ﵁ - على جواز بيع أمهات الأولاد وأن النبي - ﷺ - كان يعلم ذلك ويقرهم عليه، وهذا القول روي عن علي وابن عباس وابن الزبير - ﵃ - (^١)، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن عقيل، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، وبه قال داود الظاهري، وقتادة، وجماعة آخرين (^٣).\nوذكر بعض العلماء أن حديث جابر - ﵁ - غير ناهض على الاستدلال به على الجواز لأمرين:\nالأول: أن الحافظ البيهقي قال: (ليس في شيء من هذه الأحاديث أن النبي - ﷺ - علم بذلك وأقرهم عليه) (^٤)، وهذا فيه نظر؛ لما تقدم.\nالثاني: أن قوله: (لا نرى بذلك بأسًا) قد ثبت بالنون التي للجماعة، ولو كان بالياء التحتية (لا يَرى) لكان فيه دلالة على التقرير.\nقالوا: وأما رواية: (بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، فلما كان عمر انتهينا) فليس بدليل على النسخ؛ لأن النسخ إنما يكون في زمن النبي - ﷺ -، وإنما معناه -والله أعلم-: أن البيع كان مباحًا، ثم نهى عنه في آخر حياته، ولم يظهر النهي لمن باعها، ولا علم أبو بكر - ﵁ - عمن باع في زمانه لقصر مدته، واشتغاله بأهم أمور الدين، فلما ظهر ذلك في زمان عمر - ﵁ - نهاهم، وأظهر النهي والمنع (^٥).\nوالقول بجواز البيع فيه وجاهة، لعمل الصحابة -﵃-، وقد يستدل على ذلك بإقرار الله تعالى لهم، وقال الشوكاني: (الأحوط اجتناب البيع؛ لأن أقل أحواله أن يكون من الأمور المشتبهة، والمؤمنون وقّافون عندها، كما أخبرنا بذلك الصادق المصدوق - ﷺ -، والله أعلم) (^٦).\n_________\n= \"التلخيص\" (٤/ ٢٤١) عن إسناد عبد الرزاق: (وهذا الإسناد معدود في أصح الأسانيد).\n(^١) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٧/ ٢٩٠ - ٢٩٢).\n(^٢) \"الفروع\" (٥/ ١٣٢)، \"الاختيارات\" (٢٠٠)، \"الإنصاف\" (٧/ ٣٩٥).\n(^٣) \"المغني\" (١٤/ ٥٨٥)، \"نيل الأوطار\" (٦/ ١١٢).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٣٤٧).\n(^٥) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" للمنذري، \"معالم السنن\" (٥/ ٤١٤).\n(^٦) \"نيل الأوطار\" (٦/ ١١٢).","vol":"6","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-655>النهي عن بيع فضل الماء وثمن عَسْبِ الفحل</span>\n٧٩٤/ ١٣ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عبد اللهِ - ﵄ - قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيعِ فَضْلِ الْمَاءِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَعَنْ بَيعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ.\n٧٩٥/ ١٤ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث جابر - ﵁ - فقد أخرجه مسلم في كتاب \"المساقاة\"، باب \"تحريم بيع فضل الماء الذي يكون بالفلاة ويُحتاج إليه لرعي الكلأ، وتحريم منع بذله وتحريم بيع ضراب الفحل\" (١٥٦٥) من طريق يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر - ﵁ -، به.\nوأخرجه -أيضًا- من طريق روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع ضراب الجمل، وعن بيع الماء، والأرض لتحرث، فعن ذلك نهى النبي - ﷺ -.\nوأما حديث ابن عمر -﵄-، فقد أخرجه البخاري في كتاب \"الإجارة\"، باب \"عَسْب الفحل\" (٢٢٨٤) من طريق علي بن الحكم، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-، به (^١).\n_________\n(^١) هذا الحديث أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٤٢)، وقد وهم في ذلك، انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٤٦٢).","vol":"6","page":50},{"text":"ولعل الحافظ أورد حديث ابن عمر -﵄-، لأنه أعم من حديث جابر - ﵁ -، لأن الأول خاص بالجمل، وهذا عام في كل فحل.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (فَضْلِ الماء) المراد به: الماء الزائد عن كفاية صاحبه، وهو الماء الذي في الفلاة، ويُحتاج إليه لرعي الكلأ.\n\nقوله: (ضراب الجمل) بكسر الضاد المعجمة، وهو نزوه على الناقة.\n\nقوله: (عسب الفحل) العسب: بفتح العين المهملة وسكون السين، هو ماء الفحل الذي يقذفه في رحم أنثاه، وقيل: هو طَرْقُ الفحل، أي: ضِرابه قال أهل اللغة: (عَسَبَ الفحلُ الناقةَ عَسْبًا من باب ضرب: طرقها) (^١).\nوالقول الثاني: أن عسب الفحل: الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل، يقال: (عَسَبْتُ الرجلَ عسبًا: أعطيته الكِراء على الضراب) وهذا هو الأقرب، وهو اختيار أبي عبيد (^٢)؛ لأن الضراب نفسه غير منهي عنه، بل هو مطلوب لذاته لمصالح العباد، وإلا لأدى ذلك إلى انقطاع النسل، فيكون المقصود النهي عن أخذ الأجرة على ضراب الفحل.\nوالفحل: هو الذكر من كل حيوان، جملًا كان أو خروفًا أو تيسًا أو فرسًا أو غير ذلك.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم بيع فضل الماء، وأن الواجب بذل الزائد منه لمحتاجه، والمراد بذلك: ما كان في الفلاة من مورد ونحوه، وكذا نقع البئر والعين الجارية، ونحو ذلك مما يفضل عن حاجة الإنسان ولا يلحق في بذله أذى، أما إذا كان الماء بقدر حاجته فله منعه.\nأما المياه التي حازها صاحبها في بركة أو خزان أو قربة أو إناء فهي مياه مملوكة يجوز بيعها، ولا يحل أخذها إلا بإذن صاحبها، قياسًا على جواز\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٤٠٨)، وانظر: \"اللسان\" (١/ ٥٩٧).\n(^٢) \"غريب الحديث\" (١/ ٩٧).","vol":"6","page":51},{"text":"بيع الحطب إذا أحرزه الحاطب، ولا يجب على صاحبه بذله إلا لمضطر. ومن مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال التسامح في ذلك وبذل الماء للناس من عين أو بئر إذا لم يكن ضرر، وقد ورد في حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ\" (^١)، وفسَّر سفيان بن عيينة الحديث بقوله: (يكون حول بترك الكلأ، فتمنعهم فضل مائك، فلا يعودون أن يرعوا) (^٢). ووجه هذا النهي أن العرب كانت تمنع فضل الماء لا لشحّ بالماء، ولكن لئلا ينزل عندهم بغنمه أو إبله فيأكل من الكلأ، فيمنعونه من فضل الماء لئلا ينزل بقربهم، فنهى النبي - ﷺ - عن ذلك؛ لأن في المنع عن فضل الماء منعًا عن فضل الكلأ، ولا يجوز شيء من ذلك.\nومما يؤيد المنع من بيع الماء قوله - ﷺ -: \"الناس شركاء في ثلاث: في الكلأ، والماء، والنار\"، وسيأتي الكلام عليه مع مزيد بحث -إن شاء الله- في باب \"إحياء الموات\".\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن بيع ضراب الفحل وأخذ الأجرة عليه، ووجوب بذله مجانًا، وهذا مذهب الجمهور؛ لأنه مما ينبغي التعاون والتسامح فيه بين الناس، وبذله ابتغاء وجه الله تعالى، لا لغرض من أغراض الدنيا.\nوقد علل الفقهاء المنع بأنه معدوم عند العقد، وغير مقدور على تسليمه، فإن صاحبه عاجز عن ذلك، قال ابن القيم: (إن النهي عن بيع عسب الفحل من محاسن الشريعة وكمالها، فإن مقابلة ماء الفحل بالأثمان وجعله محلًّا لعقود المعاوضات مما هو مستقبح ومستهجن عند العقلاء) (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٥٣)، ومسلم (١٥٦٦).\n(^٢) \"المسند\" (١٢/ ٢٧٦).\n(^٣) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ١٣٩)، \"الخرشي على خليل\" (٥/ ٧١)، \"مغني المحتاج\" (٥/ ٣٠)، \"المغني\" (٦/ ٣٠٢)، \"زاد المعاد\" (٥/ ٥٩٧).","vol":"6","page":52},{"text":"<span data-type='title' id=toc-656>من البيوع المنهي عنها</span>\n٧٩٦/ ١٥ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًا يتَبايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ: كَانَ الرّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إلَى أَنْ تنتجَ النَّاقَةُ، ثُم تُنتجُ الَّتي في بَطْنِهَا. مُتَفَق عَلَيهِ، وَالَّلفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.\n\n* الكلا عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"البيوع\"، باب \"بيع الغرر وحَبَلِ الحَبَلَةِ\" (٢١٤٣) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - بهذا السياق، وأخرجه مسلم (١٥١٤) من طريق الليث، عن نافع، عن عبد الله، عن رسول الله - ﷺ - أنه نهى عن بيع حبل الحبلة.\nوأخرجه مسلم -أيضًا- من طريق عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل الحبلة: أن تُنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت، فنهاهم رسول الله - ﷺ - عن ذلك.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (حبل الحبلة) بفتح الحاء والباء فيهما، والحبل: مصدر، أريد به الجنين الموجود في بطن أمه حين العقد، والحبلة: جمع حابل، مثل: كاتب وكتبة، وهو النتاج، والهاء للمبالغة، وقيل: للإشعار بالأنوثة، والأكثر استعمال الحبل للنساء خاصة، والحمل لهن ولغيرهن من إناث الحيوان، وحبل الحبلة: هو نتاج النتاج.\nوقد فسره في الحديث بأنه من بيوع الجاهلية، ومعناه: أن يشتري الناقة","vol":"6","page":53},{"text":"ويؤجل ثمنها إلى أن تلد الناقة ما في بطنها ثم تحمل التي نتجتها، وهذا التفسير مروي عن ابن عمر -﵄-، كما جاء صريحًا في رواية مسلم المذكورة.\nوالتفسير الثاني: البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة ما في بطنها، ثم تلد التي ولدتها، وهذا تفسير لابن عمر -أيضًا- عند البخاري، كما في حديث الباب.\nوالتفسير الثالث: البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة ما في بطنها، وهذا تفسير نافع، كما أخرجه البخاري (^١).\nوالبيع على هذه التفاسير الثلاثة بيع بثمن مؤجل، غير أنها مختلفة في الأجل، فعلى تفسير نافع هو ولادة الناقة، وعلى تفسير ابن عمر الأول ولادة الناقة وحمل ما ولدته، وعلى التفسير الثاني ولادة الناقة وولادة ما ولدته.\nالتفسير الرابع: أن يبيع ولد الناقة الحابل في الحال، وهذا تفسير أبي عبيدة معمر بن المثنى، وصاحبه أبي عبيد القاسم بن سلَّام وآخرين من أهل اللغة (^٢)، وهذا بيع قائم على الغرر.\nومن أهل العلم من قال: إن تفسير ابن عمر - ﵄هو المقدم؛ لأنه تفسير راوي الحديث، والراوي أعلم بمعنى ما روى، والمحققون من أهل الأصول أن تفسير الراوي مقدم إذا لم يخالف الظاهر، والأظهر أنه لا مانع من الأخذ بجميع هذه التفاسير؛ لأن بعضها من راوي الحديث، وبعضها تحتمله اللغة، ولا داعي للترجيح إذ لا تعارض، والله أعلم.\n\nقوله: (الجاهلية) هو اسم لما كانت عليه العرب قبل الإسلام من الشرك وعبادة الأوثان، مشتق من الجهل لغلبته عليهم.\n\nقوله: (يبتاع الجزور) أي: يشتريها، والجزور: بفتح الجيم، البعير ذكرًا كان أم أنثى، وذكر الجزور هنا إما لأنه كان فعل الجاهلية فيه خاصة،\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٢٢٥٦).\n(^٢) \"غريب الحديث\" لأبي عبيد (١/ ٢٦٣)، \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٣/ ٦١، ٦٢).","vol":"6","page":54},{"text":"وإما أن يكون ذكره على سبيل التمثيل، إذ لا فرق بين الجزور وغيرها من الحيوانات في ذلك.\n\nقوله: (تُنتج الناقة) أي: تلد، وتنتج: بضم أوله وفتح ثالثه، من الأفعال الملازمة للبناء للمجهول، يقال: نُتجت الناقة، بالبناء للمجهول دائمًا، تُنْتَجُ، بمعنى: تلد ولدًا، ويعرب ما بعد الفعل فاعلًا لا نائب فاعل، وهي قاعدة الأفعال الملازمة للبناء للمجهول.\n\nقوله: (ثم تنتج التي في بطنها) أي: تلد التي في بطن الناقة التي وقع عليها العقد، بمعنى: تعيش المولودة حتى تكبر ثم تلد.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن بيع حبل الحبلة، وهذا النهي للتحريم، ويفيد فساد العقد؛ لأنه على التفاسير الثلاثة الأوَلِ بيع إلى أجل مجهول؛ لأن أجل الثمن غير معلوم، والأجل له وقع في الثمن في طوله وقصره، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فدلت الآية على اشتراط كون الأجل معلومًا فيما كان بأجل، ولأن جهالة الأجل تفضي إلى الخصام والنزاع بين المتعاقدين، وهذا أمر لا يرضاه الإسلام.\nوأما على التفسير الرابع وهو أن المراد بيع الناقة الحامل في الحال فهي جهالة المبيع؛ لأنه لا يعلم قدره ونوعه، فلا يعلم هل هو أنثى؟ وهل هو واحد أو اثنان؟ وهل هو حي أو ميت؟ وفيه -أيضًا- جهالة الأجل؛ لأنه أجل غير محدد بزمن، فقد يطول، وقد يقصر، وقد يتخلف فلا يوجد أصلًا، فأبطل الشارع ذلك لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل، مع ما يصاحب ذلك من النزاع والخصام.\nوهذه البيوع تدل على تساهل أهل الجاهلية، وعدم عنايتهم بضبط أمور دنياهم، والسر في ذلك -والله أعلم- أن المبيع قد لا يكون له أهمية، فلهذا لا يبالون بهذه الآجال المجهولة، وبهذا الثمن المعدوم؛ لأن المبيع إما ناقة كبيرة جدًّا أو شبه ذلك مما لا يهمهم لو تأخر الثمن أو لم يحصل، والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":55},{"text":"<span data-type='title' id=toc-657>النهي عن بيع الولاء وهبته</span>\n٧٩٧/ ١٦ - عَنْ ابْنِ عُمَر - ﵄ - أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيعِ الْوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"العتق\"، باب \"بيع الولاء وهبته\" (٢٥٣٥) من طريق شعبة قال: أخبرني عبد الله بن دينار، سمعت عبد الله بن عمر - ﵄ - يقول: …\nوأخرجه في \"الفرائض\"، باب \"إثم من تبرأ من مواليه\" (٦٧٥٦) من طريق سفيان، عن عبد الله بن دينار، به، وأخرجه مسلم (١٥٠٦) من طريق سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، به، وقال مسلم بعد سياقه: (الناس كلهم عيال على عبد الله بن دينار في هذا الحديث)، أي: لأن هذا الحديث اشتهر عنه، ولذا قال الترمذي: (حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار …) (^١)، وقصد الترمذي أن هذا الحديث لا يصح إلا من طريق عبد الله بن دينار، لأن له طرقًا أخرى، وكلها ضعيفة.\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن بيع ولاء العتق، وهو التنازل عنه بثمن لشخص آخر، والنهي عن هبته، وهو التنازل عنه بغير ثمن لشخص آخر، وذلك لأن الولاء عصوبة تحصل للإنسان بسبب العتق، فلا تباع ولا توهب؛ لأنها أمر معنوي، كالنسب الذي لا يتأتى انتقاله، كالأبوة\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢/ ٥١٨).","vol":"6","page":56},{"text":"والأخوة، فلو قلت: يا فلان بعتك قرابتي من أخي أو وهبتك إياها ما صار أخًا لهذا الشخص، بل الحكم باقٍ، وهو الأخوة، فكذا ولاء العتق.\nوقد كانوا في الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع وغيره، فنهى عنه الشارع، وهذا مذهب الجمهور، وسيأتي -إن شاء الله- في كتاب \"العتق\" مزيد كلام، والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":57},{"text":"<span data-type='title' id=toc-658>النهي عن بيع الغرر</span>\n٧٩٨/ ١٧ - عَنْ أبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيعِ الْغَرَرِ، رَوَاهُ مسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في أول \"البيوع\"، باب \"بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر\" (١٥١٣) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ -، به.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (عن بيع الحصاة) هذا من إضافة المصدر إلى نوعه، كبيع الخيار، وليس من إضافة المصدر إلى مفعوله، كبيع الميتة والخمر؛ لأن البيع يقع على الميتة والخمر، وليس المقصود -هنا- وقوعه على الحصاة، والمعنى: نهى عن البيع الذي استعملت فيه الحصاة، وله صور ذكرها ابن القيم (^١)، ومنها:\n١ - أن يقول البائع للمشتري: إذا نبذت إليك بالحصاة فقد وجب البيع فيما بيني وبينك، وهذا تفسير المحدثين، ذكره الترمذي، ثم قال: (وهذا شبيه ببيع المنابذة، وكان هذا من بيوع الجاهلية) (^٢).\n٢ - أن يقول البائع للمشتري: ارم هذه الحصاة، فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بكذا.\n_________\n(^١) انظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ٨١٧).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢/ ٥١٣).","vol":"6","page":58},{"text":"٣ - أن يبيعه من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة.\n٤ - أن يبيعه سلعة ويقبض على كف من حصا، ويقول: لي بكل حصاة درهم.\n٥ - أن يعترض القطيع من الغنم فيأخذ حصاة، ويقول: أي شاة أصابتها فهي لك بكذا. وهذه الأربعة الأخيرة عند الفقهاء من أرباب المذاهب.\n\nقوله: (وعن بيع الغرر) هذا من عطف العام على الخاص؛ لأن بيع الحصاة من الغرر، والإضافة فيه من إضافة الموصوت إلى صفته، أو من إضافة المصدر إلى نوعه، ليعم كل بيوع الغرر -كما سيأتي-.\nوالغرر: بفتحتين، هو الخطر (^١)، وفي اصطلاح الفقهاء: ما كان مستور العاقبة، بمعنى أن البيع قائم على الجهل، بحيث لا تُعرف أوصافه ولا يُدرى هل يحصل أو لا؟. قال الخطابي: (أصل الغرر: هو ما طُوي عنك علمه، وخفي عليك باطنه وسِرُّه، وهو مأخوذ من قولك: طويت الثوب على غَرِّه؛ أي: على كسره الأول، وكل بيع كان المقصود منه مجهولًا غير معلوم، ومعجوزًا عنه غير مقدور عليه، فهو غرر\" (^٢).\nوالغرر قد يكون في العين، وقد يكون في الثمن، وقد يكون في الأجل، فالعين كبيع الحصاة والجمل الشارد، وبيع ما لم يتم ملك البائع عليه، وسيأتي لذلك زيادة أمثلة -إن شاء الله- في باب \"من مسائل الغرر\"، والثمن كان يبيع السلعة بقيمتها أو برقمها والمشتري لا يعرفه عند العقد، أو بما ينقطع به السعر، أو بما يُعطى فيها، ونحو ذلك. والأجل كأن يكون مجهولًا، مثل: إلى ميسرة أو إلى أن أبيع كذا.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن بيع الحصاة، وفساد العقد؛ لأنه مقتضى النهي، وقد اتفق الفقهاء على العمل بموجب هذا الحديث، ولكنهم اختلفوا في تفسيره كما تقدم، وهو من بيوع الجاهلية التي نهى عنها الإسلام؛ لما فيها من الغرر والجهالة.\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (٢/ ٧٦٨).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٥/ ٦٧٢).","vol":"6","page":59},{"text":"° الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن بيع الغرر، وفساد العقد، سواء كان الغرر في العقد أو في الثمن أو في الأجل، ويدخل تحته أنواع كثيرة.\nقال النووي: (النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ولهذا قدمه مسلم، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة …) (^١).\nوالحكمة من النهي عنه حفظ أموال الناس من أن تضيع؛ لأن البيع بهذه الصفة من أكل أموال الناس بالباطل، وأيضًا قطع الخصومة والنزاع بين الناس؛ لأن بيع الغرر يؤدي إلى ذلك قطعًا.\n\nالوجه الخامس: المراد بالغرر هنا ما كثر فيه الغرر وغلب عليه حتى صار يوصف ببيع الغرر، فهذا لا خلاف في منعه.\nوأما يسير الغرر وما يُتسامح فيه عادة أو يشق الاحتراز عنه فإنه لا يؤثر في فساد العقد؛ لأنه لا يكاد يخلو منه عقد من العقود، كبيع الدار وإن لم يرَ أساسها، وبيع السيارة نظرًا لظاهرها وظاهر محركها، وبيع الشاة التي فيها لبن، ونحو ذلك مما يدخل تبعًا ولا يصح لو أُفرد، وكذا كل ما لا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، ومثله بيع المغيبات في الأرض، كالجزر والفجل والبصل، ونحوها.\nوما يقع فيه الخلاف بين الفقهاء فمرجعه إلى تقدير الغرر، فمن يجعله يسيرًا يصحح البيع، ومن يراه كثيرًا يبطل البيع، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٤١١).","vol":"6","page":60},{"text":"<span data-type='title' id=toc-659>النهي عن بيع الطعام قبل قبضه</span>\n٧٩٩/ ١٨ - عَنْ أَبي هُرَيرَة - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتى يَكْتَالهُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"البيوع\"، باب \"بطلان بيع المبيع قبل القبض\" (١٥٢٨) من طريق الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (طعامًا) هو في اللغة: اسم لكل ما يؤكل، وربما خُصَّ بالبر (^١)، كما في حديث أبي سعيد - ﵁ - في زكاة الفطر: \" … صاعًا من طعام، أوصاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير … \" (^٢)، وهذا هو عرف أهل الحجاز، ويطلق الطعام على كل ما يطعم من مأكول أو مشروب، قال تعالى عن الماء: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (^٣) [البقرة: ٢٤٩]. والأظهر أنه يدخل فيه كل ما تعارف الناس على إطعامه، وعلى هذا فهو اسم لسائر المطعومات من القمح والرز والشعير والتمر، أو الأشربة كالزيت والعسل، وغيرهما.\n\nقوله: (فلا يبعه) هكذا بجزم المضارع على أن (لا) ناهية.\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (٥/ ١٩٧٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٠٥)، ومسلم (٩٨٥).\n(^٣) \"معجم مقاييس اللغة\" (٣/ ٤١١).","vol":"6","page":61},{"text":"قوله: (حتى يكتاله) أي: يستوفيه بالكيل، وقد جاء في حديث ابن عمر - ﵄ -: \"من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه\"، وفي لفظ: \"حتى يقبضه\" (^١). يقال: كال الدافع، واكتال الآخذ، قال تعالى: ﴿وَيلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ [المطففين: ١ - ٣]. وظاهر اللفظ: \"يكتال\" يشعر بأنه خاص بما يحتاج إلى كيل، لكن لفظ: \"يستوفيه\"، ولفظ: \"يقبضه\" يفيد العموم، كما سيأتي؛ لأن مجموع الألفاظ يفيد معنى القبض والحيازة.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي من اشترى طعامًا أن يبيعه قبل قبضه، وعبَّر بالكيل عن القبض، وذلك بأن يكتاله ويستوفيه؛ لأن قبض المكيل لا يحصل إلا بالكيل، وهذا النهي للتحريم؛ لأنه الأصل في صيغة النهي ما لم توجد قرينة تصرفها عن ذلك، وليس هنا قرينة صارفة عن التحريم، بل قد جاء في بعض الروايات ما يؤكد التحريم، فقد قال عبد الله بن عمر - ﵄ -: (لقد رأيت الناس في عهد رسول الله - ﷺ - يبتاعون جِزَافًا -يعني الطعام- يُضربون أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤوه إلى رحالهم) (^٢). والعقوبة بالضرب لا تكون إلا على أمر محرم.\n\n° الوجه الرابع: جعل الفقهاء هذا الحكم عامًّا في كل مبيع يحتاج قبضه إلى حق توفيةٍ من مكيل وموزون ومذروع ومعدود، وهذا من باب القياس، فلا يصح بيع شيء من ذلك إلا بعد استيفائها من البائع بما تقبض به، بواحد من هذه الطرق؛ لأن كلًّا منها معيار لتقدير الأشياء، فيجب أن يكون كل ما يحتاج إلى تقدير يجري القبض فيه باستيفاء قدره.\n\n° الوجه الخامس: ظاهر الحديث أن المنع من بيع الطعام قبل قبضه عام في كل طعام بيع كيلًا أو بيع جزافًا (^٣)، وهذا مذهب الجمهور، ورواية عن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٢٦)، ومسلم (١٥٢٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢١٣٧)، ومسلم (١٥٢٧).\n(^٣) الجزاف: -بكسر الجيم وفتحها وضمها-، شراؤه من غير كيل ولا وزن ولا عد.","vol":"6","page":62},{"text":"الإمام أحمد (^١)، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، وابن القيم (^٣).\nكما استدلوا بعموم الأدلة التي تفيد النهي عن بيع المشترَى قبل قبضه مطلقًا، فيدخل في عمومها بيع الطعام، سواء كان مقدرًا أو جزافًا، وسيأتي شيء منها إن شاء الله.\nوالقول الثاني: أن الطعام إذا بيع جزافًا جاز بيعه قبل قبضه، وإذا كان مقدرًا بكيل أو نحوه لم يجز بيعه قبل قبضه، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد (^٤). واستدلوا بدليلين:\n١ - حديث ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من اشترى طعامًا بكيل أو وزن فلا يبعه حتى يقبضه\" (^٥)، قالوا: فتخصيص الطعام بالكيل والوزن دليل على أن ما بيع جزافًا لا يشترط فيه قبض.\n٢ - قول ابن عمر - ﵄ -: (ما أَدْرَكَتِ الصفقة حيًّا مجموعًا (^٦) فهو من المبتاع) (^٧).\nوالمعنى: أنه من مال المشتري وفي ضمانه، فدل ذلك على جواز التصرف فيه قبل قبضه، قالوا: ولأنه كان متعينًا بالعقد لا يحتاج إلى توفية بكيل أو وزن ونحوهما بحيث يكون المشتري قد تمكن من قبضه، فهو من ضمانه، قبضه أو لم يقبضه (^٨).\nوالقول الأول أرجح لقوة دليله، وهو أنه لا بد من القبض، سواء بيع مقدرًا أو جزافًا، ووجه الترجيح أمور:\n_________\n(^١) \"المغني\" (٦/ ١٨٦).\n(^٢) \"الاختيارات\" ص (١٢٦).\n(^٣) انظر: \"تهذيب مختصر السنن\" (٥/ ١١٥، ١٣١).\n(^٤) \"المغني\" (٦/ ١٨٥، ١٨٦).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٣٤٩٥)، والنسائي (٧/ ٢٨٦)، وأحمد (١٠/ ١٣٩) من طرق، عن المنذر بن عبيد، عن القاسم بن محمد، عن ابن عمر -﵄-، وهو حديث صحيح.\n(^٦) قوله: (مجموعًا) صفة لقوله: (حيًّا) والمعنى: لم يتغير عن حالته. انظر: \"عمدة القاري\" (٩/ ٣٤٧).\n(^٧) علقه البخاري (٤/ ٣٥١) \"فتح الباري\".\n(^٨) \"الفتاوى\" (٢٩/ ٤٠٥).","vol":"6","page":63},{"text":"الأول: قوة الأدلة.\nالثاني: أنه قبل القبض عُرضة للتلف وهو في ضمان البائع.\nالثالث: أنه - ﷺ - نهى عن ربح ما لم يضمن، كما سيأتي.\nالرابع: أنه ما دام في حوزة البائع فهو في خطر؛ لأنه قد ينكر البيع، وقد يتحيل على إبطاله إذا رأى أنه مغبون، أو أن المشتري قد ربح فيه أو ما أشبه ذلك (^١)، والشريعة الإسلامية جاءت بما هو كفيل بقطع أسباب النزاع والخصومات والاختلاف والتباغض، ولا شك أن بيوع الغرر، ومنها بيع الطعام قبل قبضه من أسباب ذلك، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) راجع: \"تهذيب مختصر السنن\" (٥/ ١١٥).","vol":"6","page":64},{"text":"<span data-type='title' id=toc-660>حكم البيعتين في بيعة</span>\n٨٠٠/ ١٩ - عَنْ أَبِي هُرَيرَة - ﵁ - قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيعَتَينِ في بَيعَةٍ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائي، وَصححَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبّانَ.\nوَلأبي دَاوُدَ: \"مَنْ بَاعَ بَيعَتَينِ في بَيعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا، أَو الرِّبَا\".\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (١٥/ ٣٥٨)، والنسائي (٧/ ٢٩٥، ٢٩٦)، والترمذي (١٢٣١)، وابن حبان (١١/ ٣٤٧ من طرق، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، به.\nوهذا سند حسن؛ لأنه من رواية محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وفيه كلام يسير في حفظه، قال في \"التقريب\": (صدوق له أوهام)، وقد روى له البخاري مقرونًا، ومسلم في المتابعات.\nوأما رواية أبي داود (٣٤٦٠) فقد أخرجها -أيضًا- ابن حبان (١١/ ٣٤٨)، والحاكم (٢/ ٤٥)، وعنه البيهقي (٥/ ٣٤٣) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، به.\nقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم) وسكت عنه الذهبي، وصححه ابن حزم (^١)، لكن تعقبه الألباني بأن الحديث حسن؛ لما تقدم في محمد بن\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٩/ ١٦).","vol":"6","page":65},{"text":"عمرو، وأن حديثه لا يرقى إلى درجة الصحيح (^١)، وهذا فيه نظر، فإن يحيى بن زكريا وإن كان ثقة، فقد خالفه عدد من الحفاظ أمثال عبدة بن سليمان، ويحيى بن سعيد، ويزيد بن هارون، وعبد الوهاب بن عطاء وغيرهم، كلهم رووا الحديث باللفظ الأول، وهذا هو المحفوظ، وأما اللفظ الثاني فهو شاذ (^٢).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (بيعتين في بيعة) البيعة: هي صفقة البيع، والمراد: عقدان في عقد واحد، وقد اختلف العلماء في تفسير ذلك على أقوال:\nالأول: أن يقول: أبيعك هذا الثوب نقدًا بعشرة أو نسيئة بعشرين، وهذا تفسير سماك بن حرب راوي حديث ابن مسعود: (نهى رسول الله - ﷺ - عن صفقتين في صفقة واحدة (^٣» (^٤). وهو تفسير الإمام مالك، كما في \"الموطأ\"، وهو تفسير النسائي، كما في \"سننه\"، وهو أحد تفسيري الشافعي، كما نقله ابن عبد البر (^٥)، وهو تفسير سفيان الثوري، كما نقله عنه عبد الرزاق (^٦).\nالثاني: أن يشترط أحد المتعاقدين على الآخر عقدًا آخر، كسلف، أو بيع، أو إجارة، أو شركة، ونحو ذلك كأن يقول البائع: أبيعك هذه السيارة بكذا على أن تبيعني سيارتك بكذا، أو تؤجرني بيتك، وهذا تفسير الحنابلة، ونسبه ابن عبد البر إلى الشافعي أيضًا (^٧).\n_________\n(^١) \"إرواء الغليل\" (٥/ ١٥٠).\n(^٢) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" و\"معالم السنن\" (٥/ ٩٧ - ٩٨)، \"عون المعبود\" (٩/ ٣٣٤)، \"تحفة الأحوذي\" (٤/ ٤٢٩)، رسالة، \"الوهم والتخليط عند الألباني في البيع بالتقسيط\" ص (٥٢).\n(^٣) من أهل العلم من يقول: إن بيعتين في بيعة مثل صفقتين في صفقة لا فرق بينهما، والأظهر أن صفقتين في صفقة أعم، والله أعلم.\n(^٤) أخرجه أحمد (٦/ ٣٢٤)، والبزار (٥/ ٣٨٤) من طريق شريك، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عنه به مرفوعًا. وهذا سند ضعيف، وذكر في سياقه هذا التفسير.\n(^٥) \"التمهيد\" (٢٤/ ٣٩١).\n(^٦) \"المصنف\" (١٤٦٣٢).\n(^٧) \"التمهيد\" (٢٤/ ٣٩١)، \"المغني\" (٦/ ٣٣٢)، \"شرح الزركشي\" (٣/ ٦٥٩).","vol":"6","page":66},{"text":"الثالث: أن يبيعه سلعة بمائة إلى أجل ثم يشتريها منه حالًّا بأقل، وهذه مسألة العينة، كما سيأتي؛ لأن البيع بمائة عقد، والشراء بثمانين عقد آخر، وهذا هو الذي تدل عليه رواية أبي داود، وقد اختار هذا التفسير ابن تيمية، وابن القيم حيث قال: (هذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره) (^١).\n\nقوله: (فله أوكسهما أو الربا) قال في \"اللسان\": (الوكس: النقص). والمعنى: أن من باع سيارة -مثلًا- بمائة ألف مؤجلة، ثم اشتراها بثمانين نقدًا، فلا يخلو من أمرين: إما أن يمضي العقد وهذا هو الربا؛ لأن حقيقة الأمر أنه أعطاه ثمانين بمائة، وجعل السلعة واسطة، حيلة على الربا. وإما أن يأخذ الأقل وهي الثمانون، ويسلم من الربا، وهذا هو الأوكس، بمعنى: الأنقص.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن بيعتين في بيعة، وهذا يقتضي تحريم العقد وفساده، وقد اتفق الفقهاء على القول بموجب أحاديث النهي عن بيعتين في بيعة، ولكنهم اختلفوا في تفسير ذلك؛ كما تقدم (^٢).\nفأما التفسير الأول فليس فيه بيعتان، وإنما هي بيعة واحدة بثمن مبهم، فإن اتفقا على أحدهما قبل التفرق فالأمر واضح، وإن تفرقا على غير شيء بقي الثمن مجهولًا، واختل شرط من شروط البيع، فلا يصح، إلا إن كان بينهما خيار ليومين -مثلًا- فتكون العلة عدم استقرار الثمن، وهذا المعنى بعيد من هذا الحديث، لما تقدم (^٣).\nوأما على التفسير الثاني فهما عقدان لا محذور فيهما في الظاهر إلا تعليق البيع بشرط مستقبل يجوز وقوعه وعدم وقوعه، فلم يستقر الملك. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (الحديث لا يتناول هذه الصورة لا بلفظه ولا بمعناه، ولا محذور في ذلك) (^٤)، على أن الشوكاني ذكر أن هذا التفسير\n_________\n(^١) \"الفتاوى الكبرى\" (٣/ ١٣٩)، \"إعلام الموقعين\" (٣/ ١٦١)، \"تهذيب السنن\" (٥/ ١٠٦).\n(^٢) راجع: \"التمهيد\" (٢٤/ ٣٩٠).\n(^٣) \"المغني\" (٦/ ٣٣٣)، \"إعلام الموقعين\" (٣/ ١٦٢).\n(^٤) \"الفتاوى السعدية\" ص (٢٨١).","vol":"6","page":67},{"text":"يصلح لرواية: (نهى عن بيعتين في بيعة) لكنه لا يوافق الرواية الثانية، وهي رواية أبي داود، وقد تقدم ما فيها.\nأما الثالث فهو أظهر التفاسير وأقربها وهو ينطبق على الروايتين معًا، والنهي عن هذه الصورة لسد ذريعة الربا، كما تقدم.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث أوضح دليل على النهي عن الحيل التي هي في الظاهر بيع وفي الحقيقة ربا.\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دليل على قاعدة سد الذرائع وأن الأمور بمقاصدها، والله أعلم.","vol":"6","page":68},{"text":"<span data-type='title' id=toc-661>من مسائل البيع</span>\n٨٠١/ ٢٠ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" \"لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيعٌ، وَلَا شَرْطَانِ في بَيعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلَا بَيعُ مَا لَيسَ عِنْدَكَ\"، رَوَاهُ الْخمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيمَةَ، وَالحاكم.\nوأخْرَجَهُ في \"عُلُوم الحديثِ\" من روايةِ أبي حَنِيفَةَ، عن عَمروٍ المذكورِ بلفظِ: \"نَهى عن بَيعٍ وشَرْطٍ\" ومِنْ هذا الوجهِ أخْرَجَهُ الطَّبَراني في \"الأَوْسَطِ\" وَهُوَ غرِيبٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"البيوع\"، بابٌ \"في الرجل يبيع ما ليس عنده\" (٣٥٠٤)، والترمذي (١٢٣٤)، والنسائي (٧/ ٢٨٨)، وابن ماجه (٢١٨٨)، وأحمد (١١/ ٢٠٣، ٢٥٣، ٥١٦)، والحاكم (٢/ ١٧) من طرق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.\nوهذا سند حسن، بناءً على الراجح من أقوال أهل العلم في أحاديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وقد صححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم، قال ابن القيم: (هذا الحديث أصل من أصول المعاملات، وهو نص في تحريم الحيل الربوية) (^١).\nوأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٥/ ١٨٤)، والحاكم في \"معرفة علوم الحديث\" (^٢)، وابن حزم في \"المحلى\" (٨/ ٤١٥، ٤١٦) من طريق عبد الله بن\n_________\n(^١) \"تهذيب مختصر السنن\" (٥/ ١٤٤).\n(^٢) ص (١٢٨).","vol":"6","page":69},{"text":"أيوب الضرير، قال: حدثنا محمد بن سليمان الذهلي، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، فسألت أبا حنيفة، فقلت: ما تقول في رجل باع بيعًا وشرط شرطًا؟ قال: البيع باطل، والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي ليلى، فسألته، فقال: البيع جائز، والشرط باطل، ثم أتيت ابن شبرمة، فسألته فقال: البيع جائز، والشرط جائز، فقلت: يا سبحان الله! ثلاثة من فقهاء العراق اختلفتم عليَّ في مسألة واحدة! فأتيت أبا حنيفة فأخبرته، فقال: ما أدري ما قالا، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن نبي الله - ﷺ - نهى عن بيع وشرط، البيع باطل، والشرط باطل … وساق تمام الحديث.\nوهذا إسناد واهٍ؛ لأن فيه عبد الله بن أيوب الضرير القِربي، قال عنه الدارقطني: (متروك) (^١)، وشيخه محمد بن سليمان الذهلي، قال عنه الألباني: (لم أعرفه). ومحل الشاهد الذي ساقه الحافظ فيه أبو حنيفة، وهو ضعيف في الحديث، ضعّفه كبار الأئمة، كالإمام مسلم والإمام أحمد وعبد الله بن المبارك والنسائي والدارقطني وغيرهم، وذلك لسوء حفظه. قال ابن حبان: (كان رجلًا جَدِلًا، ظاهر الورع، لم يكن الحديث صناعته، حدَّث بمائة وثلاثين حديثًا مسانيد، ما له في الدنيا غيرها، أخطأ في مائة وعشرين حديثًا، إما أن يكون أقلب إسناده، أو غيَّر متنه من حيث لا يعلم، فلما غلب خطؤه على صوابه استحق ترك الاحتجاج به في الأخبار) (^٢). فهو ﵀ وإن كان فقيهًا ورعًا زاهدًا، لكن ليس من شأنه الرواية وضبط الأخبار، بل كان شغله في الفقه والعبادة، ثم إن هذا الحديث في لفظه نكارة، فإن قوله: (نهى عن بيع وشرط) مخالف لحديث جابر - ﵁ - المتفق عليه- وتقدم-، ثم هو مخالف لحديث: \"ولا شرطان في بيع\"، ومخالف للإجماع، كما ذكر شيخ الإسلام ابن (^٣) تيمية، وابن القيم (^٤).\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا يجوز الجمع بين سلف وبيع،\n_________\n(^١) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٣٩٤).\n(^٢) \"المجروحين\" (٢/ ٤٠٦).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٩/ ١٣٢).\n(^٤) \"إعلام الموقعين\" (٤/ ١٦٢).","vol":"6","page":70},{"text":"والمراد بالسلف: القرض (^١)، كأن يقول: أبيعك هذه السيارة على أن تقرضني كذا، وقد فسره الإمام مالك بهذا المعنى (^٢)، أو أقرضك كذا على أن تبيعني سيارتك، فهذا لا يجوز، وقد حكى ابن عبد البر وابن هبيرة وابن رشد اتفاق العلماء على ذلك (^٣). وقال ابن قدامة: (لا أعلم فيه خلافًا) (^٤).\nووجه المنع أن البيع صار وسيلة للقرض، فيكون قرضًا جرَّ منفعة؛ لأنه لم يقرضه إلا من أجل هذا البيع، والقرض يجب أن يكون إرفاقًا محضًا، لا يقصد به حاجة أخرى.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا يجوز الجمع بين شرطين في عقد البيع، وقد اختلف العلماء في تفسير ذلك، فمن أهل العلم من حمله على ظاهره، وفسره بأن يشترط المشتري على البائع شرطين، كأن يشتري الحطب ويشترط على البائع حمله إلى منزله وتكسيره، أو يشتري الثوب ويشترط تفصيله وخياطته، ونحو ذلك، فهذا لا يصح، وقد عزا هذا التفسير ابن المنذر إلى الإمام أحمد وإسحاق (^٥)، ونقل ابن قدامة عن أحمد أنه قال: (الشرط الواحد لا بأس به، إنما نُهي عن الشرطين) (^٦). واختار هذا الشيخ عبد العزيز بن باز، ووجه النهي: أن اشتراط شرطين يفضي إلى النزاع، بخلاف اشتراط شرط واحد فإن الحاجة تدعو إليه، وليس سببًا للنزاع.\nوالقول الثاني: أن المراد بالشرطين: أن يقول البائع: خذ هذه السلعة بعشرة نقدًا وآخذها منك بعشرين نسيئة، وهي مسألة العِينة. وهذا قول ابن القيم معلِّلًا لذلك: بأن الشرط يطلق على العقد نفسه؛ لأنهما تشارطا على الوفاء به، فهو مشروط.\nوَرَدَّ التفسير الأول بأنه بعيد عن مقصود الحديث؛ لأن اشتراط منفعة\n_________\n(^١) \"شرح السنة\" للبغوي (٨/ ١٤٥).\n(^٢) \"الموطأ\" (٢/ ٦٥٧).\n(^٣) \"التمهيد\" (٢٤/ ٣٨٥)، \"الإفصاح\" (١/ ٣٦٠)، \"بداية المجتهد\" (٣/ ٣١٢).\n(^٤) \"المغني\" (٦/ ٣٣٤).\n(^٥) \"تهذيب مختصر السنن\" (٥/ ١٤٤).\n(^٦) \"المغني\" (٦/ ٣٢١).","vol":"6","page":71},{"text":"البائع في البيع إن كان فاسدًا فسد الشرط والشرطان، وإن كان صحيحًا فأي فرق بين شرط أو شرطين أو أكثر؟!.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يربح في شيء لم يقبضه، وهو أن يبيع السلعة المشتراة قبل قبضها من البائع ويربح فيها، وذلك لأن السلعة قبل قبضها ليست من ضمان المشتري، وإنما هي من ضمان البائع، فلو تلفت تلفت من ماله، فإذا باعها قبل قبضها فقد ربح في سلعة ليس عليه ضمانها لو تلفت، وهذا لا يجوز، وهذا معنى الحديث الآخر: \"الخراج بالضمان\"، ومعناه: أن الفائدة التي تحصل من العين المبيعة مستحقة لمن تقع العين في ضمانه، وسيأتي -إن شاء الله- الكلام على هذا الحديث في موضعه.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يبيع ما ليس عنده؛ أي: ما ليس في ملكه وتحت تصرفه، وذلك بأن يبيع ما لا يملكه وقت العقد، على أن يمضي إلى السوق فيشتريه ويسلمه للمشتري، وقد دل على ذلك حديث حكيم بن حزام - ﵁ - قال: أتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي، أبتاع له من السوق، ثم أبيعه؟ قال: (لا تبع ما ليس عندك) (^١). قال ابن قدامة: (ولا نعلم فيه خلافًا) (^٢).\nوذكر الشيخ عبد العزيز بن باز أنه يدخل في الحديث ما لو باع أعيانًا اشتراها وهي في ذمم الناس، فليس له بيعها حتى يقبضها؛ لأنه يشملها قوله: \"لا تبع ما ليس عندك\"، وقد ذكر ذلك من قَبْلُ شيخ الإسلام ابن تيمية، وعلى هذا فمعنى: \"ما ليس عندك\" ما ليس في ملكك، وما ليس تحت يدك (^٣).\nوعلة المنع هي الغرر الناشيء عن عدم القدرة على تسليم المبيع وقت العقد، وما يترتب على ذلك من النزاع، فإن البائع قد لا يجد المبيع في\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٥٠٣)، والنسائي (٧/ ٢٨٩)، والترمذي (١٢٣٢)، وأحمد (٢٤/ ٢٥، ٢٦)، وهو حديث صحيح بطرقه.\n(^٢) \"المغني\" (٦/ ٢٩٦).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٩/ ٤٠٣).","vol":"6","page":72},{"text":"السوق، ولو كان البائع يثق بوجوده فقد يقع أمور بخلاف ذلك، والمشتري يطالب بالمبيع، ولا يرضى بإمهاله؛ لأن العقد تم على تسليم المبيع في الحال.\nوقد حمل العلماء، ومنهم: فقهاء الحنابلة، وغيرهم كالإمام الخطابي، والبغوي (^١)، هذا النهي على بيع الأعيان التي لا يملكها البائع حال العقد، أما لو باع شيئًا موصوفًا في الذمة فإن البيع يصح، وهذا هو السَّلَم الذي هو بيع موصوف في الذمة، وهو بيع ما ليس عند البائع، فتشترط له شروطه، ومنها: قبض الثمن في مجلس العقد، فإذا قُبِضَ الثمن وأُجِّل المثمن صار دَينًا كسائر الديون، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وسيأتي الكلام عليه في بابه، إن شاء الله، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح السنة\" (٨/ ١٤٠)، \"معالم السنن\" (٥/ ١٤٣).","vol":"6","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-662>حكم بيع العربون</span>\n٨٠٢/ ٢١ - عَنْ عَمْرَوَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّه، قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيعِ الْعُرْبَانِ، روَاهُ مَالِكٌ، قَال: بَلَغَنِي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، بِهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مالك في \"الموطأ\" في أول كتاب \"البيوع\"، باب\"ما جاء في بيع العربان\" (٢/ ٦٠٩) عن الثقة عنده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.\nوهذا إسناد ضعيف، لإبهام الثقة الذي رواه عنه مالك، قال ابن عدي: (ويقال: إن مالكًا سمع هذا الحديث من ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، ولم يسمِّه لضعفه، والحديث عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب مشهور) (^١).\nونقل ابن القيم أن الإمام أحمد سئل عن هذا الحديث، فقال: (ليس بشيء) (^٢).\nوقد روى الحديث أبو داود (٣٥٠٢)، وابن ماجه (٢١٩٢)، وأحمد (١١/ ٣٣٢) من طريق الإمام مالك أنه بلغه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، به.\nوهذا حديث ضعيف، فيه انقطاع؛ لأنه من رواية مالك أنه بلغه عن عمرو بن شعيب ولم يدركه، فبينهما راوٍ لم يُسمَّ.\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٤/ ١٥٣).\n(^٢) \"بدائع الفوائد\" (٤/ ١٨٤).","vol":"6","page":74},{"text":"° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (بيع العربان) العربان في اللغة: بضم العين، ويقال: عربون بضم العين وفتحها وتسكين الراء، وأصله في اللغة: التسليف والتقديم، يقال: عربنه: أعطاه العربون (^١).\nوعند الفقهاء: أن يشتري الرجل شيئًا أو يستأجره، ويدفع جزءًا من الثمن أو الأجرة، على أنه إن تم العقد حُسِبَ المبلغ المدفوع من ثمن المبيع أو قيمة الإجارة، وإلا فهو ملك للطرف الثاني، وهو البائع أو المؤجر.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن بيع العربان، والنهي يقتضي الفساد، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو الخطاب (^٢). قالوا: ولأنه من باب الغرر والمخاطرة، وفيه أكل المال بغير عوض ولا مقابل.\nوالقول الثاني: جواز بيع العربون، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو من مفردات المذهب (^٣)، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله -﵄-، كما روي عن بعض السلف، كابن سيرين ومجاهد (^٤)، واستدلوا بما يلي:\n١ - ما أخرجه ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم أن النبي - ﷺ - أحل العربان في البيع (^٥).\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٤٠١).\n(^٢) \"المغني\" (٦/ ٣٣١)، \"الشرح الصغير على أقرب المسالك\" (٣/ ١٠٠)، \"روضة الطالبين\" (٣/ ٣٩٧).\n(^٣) \"الإنصاف\" (٤/ ٣٥٨).\n(^٤) \"المغني\" (٦/ ٣٣١).\n(^٥) \"المصنف\" (٧/ ٣٠٤) من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، به، وهذا إسناد ضعيف، فإن بين هشام وبين زيد مفاوز [\"إعلام الموقعين\" (٥/ ٣٧٧)]. وأخرجه -أيضًا- (٧/ ٣٠٦) من طريق معتمر بن سليمان، عنه، وهو كالذي قبله، ورواه عبد الرزاق: أنا الأسلمي، عن زيد بن أسلم، به، وهو معضل [\"التلخيص\" (٣/ ١٩)].","vol":"6","page":75},{"text":"٢ - ما رواه سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن فرُّوخ، عن نافع بن الحارث -عامل عمر على مكة- أنه اشترى من صفوان بن أمية دارًا لعمر بن الخطاب - ﵁ - بأربعة آلاف درهم، واشترط عليه نافع إن رضي عمر فالبيع له، وإن لم يرض فلصفوان أربعمائة درهم (^١).\nوقد أخذ الإمام أحمد بظاهر هذه الرواية، قال الأثرم: قلت لأحمد: تذهب إليه؟ قال: (أي شيء أقول؟ هذا عمر - ﵁ -) يعني: هذا عمر - ﵁ - أخذ به وذهب إليه (^٢).\n٣ - ما علقه البخاري عن ابن سيرين قال: قال رجل لِكَرِيِّهِ: أَدْخِلْ ركابك، فإن لم أرحل معك في يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج، فقال شريح: من شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه (^٣).\nوالقول بالجواز فيه وجاهة، وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز، بشرط أن يقيد الاشتراط بزمن معين، لما يترتب على الإطلاق من ضرر؛ لأنه يكون بيعًا معلقًا، ولأنه يؤخذ بالاشتراط في خيار الشرط.\nوقولهم: إنه بغير مقابل، نقول: هو مقابل الإمهال والانتظار بالبيع وتوقيف السلعة حتى يختار المشتري، وتفويت فرصة البيع من شخص آخر، فلا يصح القول بأن العربون أمر قد شُرط للبائع بغير مقابل.\nلكن لو تركه البائع لكان أفضل، لعموم قوله - ﷺ -: \"من أقال مسلمًا أقاله الله عثرته يوم القيامة\"، وهو حديث صحيح سيأتي في موضعه. ولأن في تركه خروجًا من خلاف العلماء، وأخذًا بالاحتياط، وهو أسلم لدين المؤمن.\n_________\n(^١) علقه البخاري (٥/ ٧٥ فتح) ووصله ابن أبي شيبة (٧/ ٣٠٦)، وعبد الله بن أحمد في \"مسائله\" (١٠٤٤)، والبيهقي (٦/ ٣٤)، من طريق ابن عيينة، به، ورجاله ثقات، إلا عبد الرحمن بن فروخ فلم يوثقه إلا ابن حبان (٧/ ٨٧)، ولم يرو عنه إلا عمرو بن دينار، كما نقله الذهبي في \"الميزان\" (٢/ ٥٨٢) عن الحاكم.\n(^٢) \"المغني\" (٦/ ٣٣١)، \"إعلام الموقعين\" (٣/ ٤٠١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٤٥).","vol":"6","page":76},{"text":"وإلا فأدلة المانعين ليست قوية، فإذا أخذه البائع احتياطًا لنفسه فله ذلك، والمسلمون على شروطهم، وما ذكره أصحاب القول الثاني وقائع يمكن الاستدلال بها، والله أعلم (^١).\n_________\n(^١) انظر: رسالة\"حكم العربون في الإسلام\" للدكتور: ماجد أبو رخية.","vol":"6","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-663>النهي عن بيع السلعة قبل قبضها</span>\n٨٠٣/ ٢٢ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: ابْتَعْتُ زيتًا في السُّوقِ، فَلَمَّا اسْتَوْجَبْتُهُ، لَقِيَيني رَجُل فَأعْطَانِي بِهِ رِبْحًا حَسَنًا، فَأرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِ الرَّجُلِ، فَأخَذَ رَجلٌ مِنْ خَلْفِي بِذرَاعي، فَالْتَفَت، فَإذَا هُوَ زيدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَال: لا تَبِعْهُ حَيثُ ابْتَعْتَهُ حتَّى تَحُوزَهُ إلَى رَحْلِكَ، فَإن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى أَنْ تُبَاعَ السّلَعُ حَيثُ تُبْتَاعُ، حتى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأبو دَاوُدَ واللّفْظُ لَهُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ، وَالْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٣٥/ ٥٢٢)، وأبو داود في كتاب \"البيوع\"، بابٌ \"في بيع الطعام قبل أن يُستوفى\" (٣٤٩٩)، وابن حبان (١١/ ٣٦٠)، والحاكم (٢/ ٤٠) من طريق محمد بن إسحاق، عن أبي الزناد، عن عبيد بن حنين، عن عبد الله بن عمرو - ﵄ -.\nوهذا سند حسن من أجل ابن إسحاق، وهو صدوق، وقد صرح بالتحديث في رواية أحمد وابن حبان وغيرهما، فانتفت شبهة تدليسه، وهو متابع -أيضًا- فقد رواه الطبراني في \"الكبير\" (٥/ ١١٣) والدارقطني (٣/ ١٢)، من طريق جرير بن حازم، والدارقطني (٣/ ١٢) من طريق إسحاق بن حازم، كلاهما عن أبي الزناد، به.\nوأما قول الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه)، فهذا فيه نظر، فإن مسلمًا ما روى لابن إسحاق في الأصول، وإنما","vol":"6","page":78},{"text":"روى له في المتابعات مقرونًا بغيره، وهي خمسة أحاديث، كما ذكر الذهبي (^١). فهو حسن الحديث؛ لأن في حفظه شيئًا، فلا يرقى حديثه إلى درجة الصحة.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ابتعت) أي: اشتريت، يقال: ابتاع زيد الدار، أي: اشتراها، وتقدم هذا في أول \"البيوع\".\n\nقوله: (زيتًا) هو دهن الزيتون، وعند ابن حبان: (قدم رجل من الشام بزيت)، ويطلق على دهن غيره.\n\nقوله: (فلما استوجبته) أي: استحققته، وذلك بتمام عقد البيع بيني وبين البائع، وظاهر السياق أن ابن عمر باعه قبل قبضه.\n\nقوله: (فأردت أن أضرب على يد الرجل) أي: أعقد معه البيع؛ لأن من عادة المتبايعين أن يضرب أحدهما يده في يد الآخر عند عقد البيع إشعارًا بالموافقة.\n\nقوله: (حيث ابتعته) أي: حيث اشتريته، والمعنى: لا تبعه في المكان الذي اشتريته فيه.\n\nقوله: (حتى تحوزه) أي: تحرزه وتضمه إليك بنقله إلى مكانك والتصرف فيه، تقول: حزت الشيء أحوزه حوزًا وحيازة: إذا ضممته وجمعته، والحوز والحيازة والقبض ألفاظ مترادفة.\n\nقوله: (إلى رحلك) رحل الإنسان: مسكنه، وما يستصحبه من أثاث ومتاع.\n\nقوله: (حيث تبتاع) أي: نهى أن تباع الأمتعة في المكان الذي تشترى فيه.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا يجوز للمشتري أن يبيع ما\n_________\n(^١) \"الميزان\" (٣/ ٤٧٥).","vol":"6","page":79},{"text":"اشتراه قبل أن يقبضه ويحوزه إلى مكانه، وتقدم وجه النهي عن بيع السلعة قبل قبضها.\nوظاهر الحديث أنه عام في كل مبيع، سواء كان طعامًا أو غيره من المنقولات، كالأمتعة، والكتب، والمواد الغذائية، والحيوانات، وغير ذلك.\nفإن قوله: (السلع) لفظ عام يشمل الطعام وغيره، ومما يؤيد ذلك قول ابن عباس - ﵄ -: (أما الذي نهى عنه النبي - ﷺ - فهو الطعام أن يباع قبل أن يقبض)، قال ابن عباس: (ولا أحسب كل شيء إلا مثله) (^١). وهذا من تفقه ابن عباس، وهو راوي الحديث، وأعرف بمعناه.\nوهذا القول بمنع بيع المنقولات حتى تقبض، هو قول الجمهور من الحنفية والشافعية والظاهرية، ورواية عن الإمام أحمد (^٢)، وأضافوا -أيضًا- العقار؛ لأن القبض شرط في كل مبيع، إلا عند الحنفية فإنه إذا كان المبيع عقارًا لا يخشى هلاكه جاز بيعه قبل قبضه (^٣).\nوكيفية القبض إن كان منقولًا فإنه يختلف باختلاف المقبوض، فالمكيل وما يشابهه بالكيل، والصبرة والجزاف أو ما ينقل عادة كالأمتعة والكتب والمواد الغذائية والأخشاب ونحوها يكون بنقلها وتحويلها إلى مكان لا اختصاص للبائع به.\nوإن كان مما يتناول باليد كالحلي والجواهر ونحوها فقبضه بتناوله، وما عدا ذلك يرجع فيه إلى العرف.\nوأما قبض العقار كالأراضي والمساكن والمحلات التجارية، وكذا بيع الثمر على الشجر، فمانه يكون بالتخلية بينه وبين مشتريه يتصرف فيه، بلا مانع ولا حائل، وذلك بتسليم المفاتيح إن وجدت؛ لأن قبض العقار لا يتصور إلا بذلك فهو قبض له في العرف.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٣٥)، ومسلم (١٥٢٥).\n(^٢) \"روضة الطالبين\" (٣/ ٥١٥)، \"الإنصاف\" (٤/ ٤٧٠).\n(^٣) \"الإفصاح\" (١/ ٣٤٣)، \"حاشية ابن عابدين\" (٤/ ٥٦١)، \"الإنصاف\" (٤/ ٤٧١).","vol":"6","page":80},{"text":"ويلحق بالعقار الأشياء الثقيلة، كوسائل الري المعروفة الآن، أو البضائع الكثيرة في المواني، ونحو ذلك مما يترتب على نقله وتحويله من مكان إلى آخر تبعات مالية عظيمة، فالظاهر أن قبضها يحصل بالتخلية (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: رسالة \"القبض\" للدكتور: سعود الثبيتي.","vol":"6","page":81},{"text":"<span data-type='title' id=toc-664>حكمُ اقتضاءِ الذهبِ فضةً</span>\n٨٠٤/ ٢٣ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنّي أَبِيعُ الإبلَ بِالْبِقِيع، فَأبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذ هذَا مِنْ هذِهِ، وَأُعْطِي هذهِ مِنْ هذَا؛ فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا بَأسَ أَنْ تَأخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفرّقَا وَبَينَكُمَا شَيء\"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصحّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"البيوع\"، بابٌ \"في اقتضاء الذهب من الورق\" (٣٣٥٤) (٣٣٥)، والترمذي (١٢٤٢)، والنسائي (٢٨١، ٢٨٢، ٢٨٣)، وابن ماجه (٢٢٦٢)، وأحمد (٨/ ٤٨٩)، والحاكم (٢/ ٤٤) من طرق، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر -﵄-، به.\nوهذا إسناد ضعيف، تفرد سماك بن حرب برفعه، قال الترمذي: (هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، وروى داود بن أبي هند هذا الحديث عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر موقوفًا) (^١).\nوسماك بن حرب صدوق لا بأس به، لكن قال عنه النسائي: (إذا انفرد بأصل لم يكن حجة؛ لأنه كان يُلقن فيتلقن)، وقال ابن معين: (أسند أحاديث\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢/ ٥٢٣).","vol":"6","page":82},{"text":"لم يسندها غيره، وهو ثقة) (^١). وقال ابن حزم: (سماك بن حرب ضعيف يقبل التلقين، شهد عليه بذلك شعبة) (^٢).\nوقد جاء الحديث -كما ذكر الترمذي- من طريق داود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنه كان لا يرى بأسًا؛ يعني: في قبض الدراهم من الدنانير، والدنانير من الدارهم (^٣)، وجاء -أيضًا- من طريق أبي هاشم -وهو الرماني الواسطي- عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر - ﵄ - (^٤).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (بالبقيع) بالباء الموحدة، يطلق على مواضع منها: \"بقيع الغرقد\" نسبة إلى شجر ينبت فيه، وهو مدفن أهل المدينة الواقع شرقي المسجد النبوي، وكان قبل ذلك سوقًا للإبل في المدينة؛ لأن القبور لم تكن قد كثرت فيه.\nويطلق البقيع -أيضًا- على موضع يقع شمال شرقي المسجد النبوي وشمال بقيع الغرقد، يقال له: بقيع الأسواق أو بقيع الأصواف، وسماه السمهودي: بقيع الخيل، وقال: (إنه هو المراد بهذا الحديث)، ورد القول بأنه بقيع الغرقد، وقال: (إنه لم يذكر أحد من مؤرخي المدينة أنه كان فيه سوق مع عنايتهم بذكر أسواق المدينة) (^٥).\n\nقوله: (فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم) أي: يبيع الإبل بالدنانير ويأخذ بدلها دراهم، وكذا العكس.\n\nقوله: (آخذ هذا من هذه) هكذا في نسخة \"البلوغ\"، وفي \"سنن أبي داود\": (آخذ هذه من هذه) أي: آخذ الدراهم بدل الدنانير.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٢٠٤).\n(^٢) \"المحلى\" (٨/ ٥٠٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٣٣٢)، وإسناده صحيح.\n(^٤) أخرجه النسائي (٧/ ٢٨٢)، وقال الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ١٧٥): (هذا سند حسن).\n(^٥) \"وفا الوفاء\" (٢/ ٧٥٤).","vol":"6","page":83},{"text":"° الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يجوز أن يُقْضَى عن الذهب فضة، وعن الفضة ذهبًا، فإذا استقر في ذمة المشتري عند المبايعة ذهبًا فدفعها فضة أو بالعكس ورضي البائع جاز، بشرط أن يتقابضا قبل التفرق من مجلس العقد، فإذا اختل هذا الشرط لم تصح المعاملة، وتصير داخلة في ربا النسيئة؛ لأن الذهب والفضة مالان ربويان، فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر إلا بشرط التقابض بإجماع أهل العلم (^١)، فإن لم يقبض شيئًا بطل العقد كله، وإن قبض البعض صح العقد فيما قبِضَ لوجود شرطه، وبطل فيما لم يقبض لفوات شرطه. ويؤيد ذلك قوله - ﷺ -: \"إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد\"، وقوله - ﷺ -: \"ولا يباع غائب منها بناجز\"، وسيأتي الكلام على هذين الحديثين.\nومثل ذلك لو باع سلعة بالريال السعودي فله أن يعتاض عنه بالدينار الكويتي -مثلًا- بشرط التقابض.\n\n° الوجه الرابع: ظاهر قوله: (لا بأس أن تأخذ بسعر يومها) أن هذا شرط، فيكون اقتضاء الذهب فضة والعكس له شرطان، وهذا قول الإمام أحمد، واختيار الخطابي والشوكاني والشيخ عبد العزيز بن باز (^٢). واشتراط سعر الوقت لئلا يربح فيما لم يدخل في ضمانه.\nوالقول الثاني: أنه لا يشترط بل يجوز بسعر يومها وأغلى وأرخص، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ومال إليه الصنعاني (^٣).\nواستدلوا بعموم قوله: \"إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم\"، لكن قال الأولون: إن هذا حديث عام، وحديث الباب خاص، فيبنى العام على الخاص، ويخصص به، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٦/ ١١٢).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٥/ ٢٦)، \"نيل الأوطار\" (٥/ ١٧٧، ١٧٨).\n(^٣) \"سبل السلام\" (٥/ ٥٣).","vol":"6","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-665>النهي عن النجش</span>\n٨٠٥/ ٢٤ - عَنْ ابْنِ عُمَر - ﵄ - قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ النَّجْشِ، مُتَّفَق عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وحوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"البيوع\"، باب \"النجش، ومن قال: لا يجوز ذلك البيع\" (٢١٤٢)، ومسلم (١٥١٦) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-، به.\n\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (النجش) بفتح النون وسكون الجيم، أو بفتحهما، هو لغة: من نَجَشَ الصيدَ نجشا: أي استثاره واستخرجه ليمر على الصائد.\nوشرعًا: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، ولكن لقصد نفع البائع أو مضرة المشتري، أو يمدح السلعة ليروجها، سمي بذلك: لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة لتحصل الزيادة في ثمنها من المشتري.\nوالنجش يكثر حدوثه في الأسواق، ولا سيما في زماننا هذا؛ لفساد الذمم وانعدام النصح، والحرص على حطام الدنيا. وأكثر ما يقع النجش في سوق المزاد العلني \"الحراج\" أو في سوق الدلالين.\nويقع النجش من البائع نفسه، كأن يقول: أنا اشتريت هذه السلعة بكذا وهو كاذب، لكي يغتر به المشتري، ويشتريها بقيمة مرتفعة، أو يقول: دُفع لي بهذه السلعة مبلغ كذا، أو يقول: سيمت بكذا وهو كاذب.","vol":"6","page":85},{"text":"وقد ذكر الفقهاء من صور النجش أن يمدح الإنسان السلعة ويطلبها بثمن ثم لا يشتري بنفسه ولكن ليسمع غيره، فيزيد في ثمنها.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم النجش، للنهي عنه، وهو عند الإطلاق للتحريم، وقد ورد -أيضًا- في حديث أبي هريرة - ﵁ -: \"ولا تناجشوا\" (^١). قال ابن بطال: (أجمع العلماء على أن الناجش عاصٍ بفعله) (^٢). لما في النجش من الغش والغبن والخديعة لمن يرغب في شراء السلعة؛ لأنه يرى من يزايد في السلعة فيندفع معهم إلى المزايدة حتى يقف عليه السوم بابتعادهم، فيقع عليه البيع بثمن مرتفع ليس قيمة للسلعة في واقع الأمر. والواجب النصح للمسلم وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، والله المستعان.\nلكن إن وقع النجش من غير مواطأة مع البائع فإن الإثم على الناجش وحده، وإن كان بمواطأة كان الإثم عليهما.\n\n° الوجه الرابع: اتفق العلماء على تحريم النجش إذا كانت الزيادة فوق ثمن المثل لظهور الخديعة، والنبي - ﷺ - يقول: \"المكر والخديعة في النار\" (^٣).\nأما الزيادة لتصل السلعة إلى ثمن مثلها، ففيها قولان:\nالقول الأول: التحريم وأن النجش حكمه واحد، سواء أراد رفع ثمن السلعة أو نقصها أو الوصول بها إلى ثمن نظائرها. وهو قول بعض المالكية وبعض الشافعية (^٤)، واستدلوا بحديث الباب.\nوالقول الثاني: الجواز، بل قال بعضهم: إنه مأجور ومثاب على فعله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٥٠)، ومسلم (١٥١٥).\n(^٢) \"شرح ابن بطال على صحيح البخاري\" (٦/ ٢٧٠).\n(^٣) أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ١٦٢)، من طريق جراح بن مليح: ثنا أبو رافع، عن قيس بن سعد - ﵁ -، به مرفوعًا، وإسناده لا بأس به، وللحديث طرق تدل بمجموعها على أن له أصلًا، وقد علقه البخاري بصيغة الجزم بلفظ: \"الخديعة في النار\". انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٣٥٥، ٣٥٦)، و\"الصحيحة\" للألباني (١٠٥٧).\n(^٤) \"حاشية الدسوقي\" (٣/ ٦٨)، \"مغني المحتاج\" (٢/ ٣٧).","vol":"6","page":86},{"text":"هذا، وبه قال الحنفية، وأكثر المالكية، وبعض الشافعية (^١)، واستدلوا بحديث: \"الدين النصيحة\" (^٢)، والناجش في هذه الحالة إنما أراد نصح أخيه المسلم ونفعه من غير إضرار بغيره.\nوالقول الأول أرجح لقوة دليله، وأما الاستدلال بالحديث فهو مردود لأمرين:\nالأول: أن النصيحة إنما تطلب إذا كانت محققة للمصلحة ولا مضرة فيها على آخر.\nالثاني: أنه قد يحصل من إسدائها إيهام الغير بأن الناجش يريد الشراء، وليس الأمر كذلك، وإنما يريد رفع السلعة على من يريد شراءها.\n\n° الوجه الخامس: اختلف العلماء في أثر النجش على العقد على ثلاثة أقوال:\nالأول: أن البيع فاسد، وإليه ذهب من التابعين عمر بن عبد العزيز، وهو مذهب الظاهرية، ورواية عن مالك، ورواية عن أحمد (^٣)، ودليلهم نهي النبي - ﷺ - عن النجش، والنهي يقتضي الفساد، ونوقش ذلك بأن النهي لا يعود إلى ذات البيع ولا إلى شرطه، بل إلى أمر خارج عنه، وهو النجش، وهذا لا يقتضي الفساد، كالتصرية، والبيع مع الغش ونحوهما.\nوالقول الثاني: أن العقد صحيح، ولا خيار للمشتري؛ لأن البيع قد تم بأركانه وشروطه، فلم يرجع إليه النجش، وإنما عاد إلى الناجش، وما حصل فهو تفريط من المشتري حيث لم يتأمل ولم يراجع أهل الخبرة، وهذا مذهب الحنفية، والأصح عن الشافعية (^٤).\nوهذا مردود بأن استشارة أهل الخبرة في كل سلعة أمر بالغ الصعوبة لا\n_________\n(^١) \"فتح القدير\" (٥/ ٢٣٩)، \"حاشية الصاوي\" (٣/ ١٠٦)، \"فتح الباري\" (٤/ ٣٥٦).\n(^٢) رواه مسلم (٥٥).\n(^٣) \"المغني\" (٦/ ٣٠٥).\n(^٤) \"فتح القدير\" (٥/ ٢٣٩)، \"المهذب\" (١/ ٢٩١).","vol":"6","page":87},{"text":"تأت الشريعة بمثله، والشريعة جاءت برفع الضرر في مثل هذه الحالة، ولذا ثبت الخيار في التصرية، وتلقي الركبان ونحوهما.\nوالقول الثالث: أن العقد صحيح وللمشتري الخيار، وهذا مذهب المالكية والحنابلة (^١)، لكن قالت المالكية: إن النجش كالعيب فالمشتري بالخيار، وقالت الحنابلة: لا خيار إلا إذا غبن غبنًا يزيد عن العادة بزيادة الناجش، واستدلوا بهذا الحديث الذي ورد فيه النهي عن النجش، وقالوا: النهي يعود إلى الناجش لا إلى العاقد، فلم يؤثر في صحة البيع، وحيث إن النهي لحق آدمي معين يمكن تداركه كالبيع مع الغش وتلقي الركبان، فإنه يثبت الخيار.\nوهذا القول هو أظهر الأقوال، وفيه جمع بين الأدلة، وعمل بالقاعدة الشرعية: \"الضرر يزال\"، ولأن الرضا شرط من شروط العقد، والعاقد المتضرر بالنجش قد شاب رضاه شائبة، ولا يمكن تعويضه إلا بإعطائه حق الخيار، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير\" (٣/ ٦٨)، \"المغني\" (٦/ ٣٠٥).","vol":"6","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-666>النهي عن بعض المعاملات</span>\n٨٠٦/ ٢٥ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله - ﵄ - أَن النَّبي - ﷺ - نهي عنْ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَعَنِ الثنْيا، إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.\n٨٠٧/ ٣٦ - وعَنْ أنسٍ - ﵁ - قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُخَاضَرَةِ، وَالْمُلامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث جابر - ﵁ - فقد أخرجه أبو داود في كتاب \"البيوع\"، بابٌ \"في المخابرة\" (٣٤٠٥)، والترمذي (١٢٩٠)، والنسائي (٧/ ٣٧، ٣٨) من طريق عباد بن العوام، قال: أخبرني سفيان بن حسين، عن يونس بن عبيد، عن عطاء، عن جابر - ﵁ -.\nوأخرجه أحمد (٢٣/ ١٥٩) من طريق ابن جريج، عن عطاء وأبي الزبير، عن جابر - ﵁ -، وأخرجه -أيضًا- (٢٢/ ٢٥٨) من طريق أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، به.\nوقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وقال في \"العلل الكبير\": (سألت محمدًا -يعني: البخاري- عن هذا الحديث، فلم يعرفه من حديث سفيان بن حسين، عن يونس بن عبيد، عن عطاء، وقال: لا يعرف ليونس بن عبيد سماعًا من عطاء بن أبي رباح) (^١).\n_________\n(^١) \"العلل\" (١/ ٥١٩).","vol":"6","page":89},{"text":"والحديث ورد عن جابر - ﵁ - من غير هذا الطريق، ومن حديث أنس وأبي هريرة - ﵁ - وغيرهما، في \"الصحيحين\" أو في أحدهما، دون ذكر الثنيا.\nوأما حديث أنس - ﵁ -، فقد أخرجه البخاري في كتاب \"البيوع، بابٌ \"في بيع المخاضرة\" (٢٢٠٧) من طريق عمر بن يونس، قال: حدثنا أبي (^١)، قال: حدثني إسحاق بن أبي طلحة الأنصاري، عن أنس بن مالك - ﵁ -، به مرفوعًا.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (نهى عن المحاقلة) بالحاء المهملة والقاف، مأخوذة من الحقل، وهو الزرع وموضعه، والمراد بها هنا: بيع الحنطة بسنبلها، بحنطة صافية من التبن، وقد ورد هذا التفسير عن أبي عبيد القاسم بن سلّام (^٢).\n\nقوله: (والمزابنة) بضم الميم، مأخوذة من الزبن، وهو الدفع الشديد، والمراد بها: أن يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان نخلًا بتمر كيلًا، وإن كان عنبًا بزبيب كيلًا، وإن كان زرعًا بطعام كيلًا، سميت بذلك كأن كل واحد من المتعاقدين يزبن صاحبه عن حقه بما يزداد منه؛ أي: يدفعه.\nوهذا التفسير ورد في حديث ابن عمر -﵄-، وسيأتي الكلام عليه في باب \"الربا\" إن شاء الله، وأكثر الأحاديث قصرت تفسير المزابنة على النخل، وبعضها على النخل والكرم، وهذا أعم منها حيث جعلها في النخل والكرم والزرع، ولا منافاة؛ لأن عادة السلف أنهم يفسرون الشيء بمثاله، ولا يريدون به الحصر، ومن الفقهاء من وقف عند هذه التفاسير الواردة في الأحاديث؛ لأنها إن كانت من كلام النبي - ﷺ - فلا معدل عنها، وإن كانت من الصحابي فهو أعلم بما رواه، ومنهم من توسع في تفسيرها وهم المالكية، فقد فسَّرها\n_________\n(^١) هو يونس بن القاسم اليمامي من بني حنيفة، وثقه يحيى بن معين وغيره، وهو قليل الحديث، ليس له في البخاري إلا هذا الحديث [فتح الباري\" (٤/ ٤٠٤)].\n(^٢) \"غريب الحديث\" (١/ ٢٨٧).","vol":"6","page":90},{"text":"الإمام مالك بأنها بيع كل شيء لا يعلم كيله أو وزنه أو عدده بشيء من جنسه سواء كان يجري فيه الربا أم لا، فيدخل فيها بيع التمر بالرطب، والزبيب بالعنب، والقديد باللحم، واللبن بالجبن، وغير ذلك من كل مجهول بيع بمعلوم من جنسه (^١).\n\nقوله: (والمُخابرة) بضم الميم، مأخوذة من الخبار: وهي الأرض اللينة القابلة للزرع، أو من خبرت الأرض: شققتها للزراعة فأنا خبير. والمراد بها: زراعة الأرض بجزء مما يخرج منها، بأن يكون لصاحب الأرض جانب معين، وللمزارع جانب، أو يخصص لصاحب الأرض أطايب الزرع، كالذي على الأنهار والجداول، فكل مزارعة فيها جهالة فهي مخابرة.\n\nقوله: (وعن الثنيا) بالمثلثة المضمومة بعدها نون ساكنة على وزن (دُنيا): وهي أن يبيع شيئًا ويستثني منه شيئًا غير معلوم، يقول: بعتك هذه الكتب أو هذه الأشجار أو هذه الأغنام ونحوها إلا بعضها.\n\nقوله: (إلا أن تعلم) هذا الاستثناء عائد على (الثنيا)، والمعنى: إلا أن يكون معلومًا، كأن يقول: بعتك هذه الكتب إلا هذا الكتاب.\nوقد ورد الحديث في \"صحيح مسلم\" بلفظ: (نهى عن الثنيا) -كما تقدم (^٢) - وليس فيه الاستثناء، ولهذا اختار الحافظ هذه الرواية على رواية مسلم؛ لأن فيها الاستثناء، وعمومات الأدلة تؤيده، بغض النظر عن صحة هذه الزيادة أو عدم صحتها، ولو أن الحافظ ذكر رواية مسلم وأردفها بهذه لكان أحسن، قال النووي: (هذه الزيادة التي ذكرها الترمذي والنسائي حسنة، فإنها مبينة لرواية مسلم) (^٣).\n\nقوله: (والمخاضرة) هي بيع الثمار خضرًا قبل أن يبدو صلاحها، وقد ورد عند الإسماعيلي في روايته: (قال يونس بن القاسم: والمخاضرة: بيع\n_________\n(^١) انظر: \"الموطأ\" (٢/ ٦٢٥)، \"المنتقى\" للباجي (٤/ ٢٤٧)، \"القوانين الفقهية\" ص (٢٤٧).\n(^٢) انظر: ص (٣٠).\n(^٣) \"المجموع\" (٩/ ٣١٣).","vol":"6","page":91},{"text":"الثمار قبل أن تطعم، وبيع الزرع قبل أن يشتد ويفرك منه) (^١).\n\nقوله: (والملامسة) هي المبايعة بمجرد اللمس، كلمس الرجل ثوب الآخر؛ لأن المفاعلة هي المشاركة بين اثنين في الفعل، فيقول: إذا لمست ثوبي ولمست ثوبك فقد وجب البيع بغير تأمل، وهذا التفسير ورد في حديث أبي هريرة - ﵁ - عند مسلم (^٢)، والنسائي (^٣).\nوفسرت -أيضًا- بأن يقول البائع: أيّ ثوب لمسته فهو لك بكذا، وهذا التفسير يوافق ما في حديث أبي سعيد عند النسائي (^٤).\nولها تفاسير أخرى كلها تجتمع في أن المبيع غير معلوم للمشتري، وأن اللمس قد جعل أمارة على انعقاد البيع، فهو داخل في الغرر المنهي عنه، وإنما خُصَّت بالذكر؛ لأنه من بيوع الجاهلية المشهورة.\n\nقوله: (والمنابذة) هي مفاعلة من النبذ، وتستدعي الفعل بين اثنين، ومعناها: أن ينبذ كل واحد من المتبايعين ثوبه إلى الآخر ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه، وقد ورد هذا التفسير في حديث أبي هريرة - ﵁ - عند مسلم، وفي حديث أبي سعيد عند النسائي. وفسرت -أيضًا- بأن يقول البائع: أي ثوب نبذته إليك فهو لك بكذا.\n\n° الوجه الثالث: في هذين الحديثين سبع صور من صور المعاملات الجاهلية، ذكر هذا علماء الحديث والفقه (^٥)، فجاء الإسلام وأبطلها؛ لأنها مبنية على الغرر والجهالة والمخاطرة، وكل هذا يفضي إلى النزاع.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث الأول دليل على النهي عن المحاقلة، وهي بيع الحنطة بسنبلها بحنطة، ووجه النهي عنها أنها جمعت محذورين: الجهالة، والربا؛ أما الجهالة فلأن الحب في سنبله مستور بأوراقه وتبنه، فهو مجهول لا يعرف مقداره، ولا تعرف جودته ورداءته، وأما الربا فلأن الجهل بأحد العوضين\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٠٤).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١٥١١) (٢).\n(^٣) \"السنن\" (٧/ ٢٦٠).\n(^٤) \"سنن النسائي\" (٧/ ٢٦١).\n(^٥) انظر: \"جامع الترمذي\" (٣/ ٥٣٢).","vol":"6","page":92},{"text":"يوقع في ربا الفضل؛ لأن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في الحكمَ.\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على النهي عن المزابنة التي هي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه، كأن يبيع ثمر نخله بتمر كيلًا، أو يبيع العنب بزبيب كيلًا، أو يبيع زرعه بكيل طعام من جنسه، ووجه النهي في الربويات كالتمر والحنطة الغرر والتفاضل؛ لأن فيها الجهل بتساوي العوضين، وهذا يفضي إلى الربا لما تقدم، وأما في غير الربويات فلما فيها من الغرر الناشئ عن عدم تحقق قدر المبيع.\n\n° الوجه السادس: الحديث دليل على النهي عن المخابرة، والمراد بها المزارعة القائمة على تحديد جانب معين من الزرع لصاحب الأرض وللمزارع جانب آخر، ووجه النهي هو الجهالة والغرر والمخاطرة، فإن هذا من أبواب الميسر، إذ لا يعلم عاقبة الأمر، فربما صلح هذا الجانب وتلف الآخر.\nفإن كان لصاحب الأرض جزء مشاع معلوم كالنصف -مثلًا- جاز ليشتركا في الغنم والغرم ويسلما من الجهالة، وسيأتي لذلك مزيد بيان -إن شاء الله- في باب \"المساقاة\".\n\n° الوجه السابع: الحديث دليل على أنه لا يجوز استثناء شيء من المبيع إلا إذا عين، فلا يقول: أبيعك هذا القطيع من الغنم إلا عشرًا، وهي غير معينة، فإذا عينها بوصف أو إشارة ونحو ذلك جاز؛ لأن عدم التعيين نوع من الغرر، لجهالة المستثنى، وهذا يفضي إلى النزاع للتفاوت بين شاة وأخرى.\n\n° الوجه الثامن: حديث أنس - ﵁ - دليل على النهي عن المخاضرة، وهي بيع الزرع الأخضر والثمر الأخضر؛ لأنه إذا باعه على شرط البقاء فهو عرضة للآفات، فيكون وجه النهي ما فيه من الغرر والخطر، ولهذا جاء النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، كما سيأتي إن شاء الله. أما إذا باعه بشرط حصاده في الحال فلا بأس إذا كان ينتفع به علفًا للبهائم.\n\n° الوجه التاسع: في الحديث دليل على النهي عن بيع الملامسة والمنابذة، لما فيهما من الجهالة المفضية إلى الخصام، والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":93},{"text":"<span data-type='title' id=toc-667>النهي عن تلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي</span>\n٨٠٨/ ٢٧ - عَنْ طَاوسٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لا تَلَقَّوا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ\"، قُلْتُ لابْنِ عَبّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: \"وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟، قَال: لا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.\n٨٠٩/ ٢٨ - وعَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لا تَلَقَّوا الْجَلَبَ، فَمَنْ تُلُقِّيَ فَاشْتُرِيَ مِنْهُ، فَإذَا أتى سيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو عبد الرحمن طاوس بن كيسان الخولاني الهمداني، بالولاء، من أكابر التابعين تفقهًا في الدين، ورواية للحديث، وتقشفًا في العيش، وجرأة على وعظ الخلفاء والملوك، روى عن العبادلة الأربعة وغيرهم، قال الذهبي: (لازم ابن عباس مدة، وهو معدود في كبراء أصحابه)، ولد سنة (٣٣ هـ) ومات سنة (١٠٦ هـ) حاجًّا بالمزدلفة أو منى، ﵀ (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عباس -﵄-، فقد أخرجه البخاري في \"البيوع\"، باب \"هل يبيع حاضر لباد بغير أجر؟ \" (٢١٥٨)، ومسلم (١٥٢١) من طريق عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس - ﵄ -.\n_________\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٣٨)، \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٨).","vol":"6","page":94},{"text":"وأما حديث أبي هريرة - ﵁ -، فقد أخرجه مسلم في كتاب \"البيوع\"، باب \"تحريم تلقي الجلب\" (١٥١٩) (١٧) من طريق ابن جريج، أخبرني هشام القردوسي، عن ابن سيرين، قال: سمعت أبا هريرة يقول: … الحديث.\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (لا تلقوا) أصله: لا تتلقوا، بتاءين، فحذفت إحداهما، كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] أصله: تتلظى. والتلقي: أصله الاستقبال، والمعنى: لا تستقبلوا الذين يحملون السلع إلى البلد للشراء منهم قبل قدومهم ومعرفة السعر.\n\nقوله: (الركبان) جمع راكب، وهو في الأصل: راكب الإبل، ثم صار يطلق على راكب كل دابة، والمراد بهم: القادمون من السفر بالسلع لبيعها في أسواق البلد، والركوب وصف أغلبي لا مفهوم له، فيشمل المشاة، بدليل الحديث الذي بعده: \"لا تلقوا الجلب\"، كما أنه لا فرق بين أن يكونوا جماعة أو واحدًا، وإنما خرج الحديث على الأغلب في أن الجالب يكون عددًا.\n\nقوله: (ولا يبيعُ) هكذا لفظ \"البلوغ\"، والمثبت في البخاري: \"ولا يبع\" بالجزم بلا الناهية، وأصله: يبيع، فالتقى ساكنان بسبب الجزم، فحذفت الياء، وفي رواية: \"ولا يبيع\" بالرفع على أن (لا) نافية (^١).\n\nقوله: (حاضر لبادٍ) اسم فاعل من حضر، وجمعه حُضَّر وحضار وحضور: وهو المقيم في المدن والقرى، ضده البادي: وهو المقيم في البادية، وقوله: \"لبادٍ\"، اسم منقوص حذفت ياؤه، والمراد بالبادي: القادم لبيع سلعته بسعر وقتها، سواء كان بدويًّا أم حضريًّا، كما لو جاء من مدينة أو قرية إلى مدينة أخرى.\n\nقوله: (سمسارًا) بكسر أوله وسكون ثانيه، اسم فاعل من سمسر فلان:\n_________\n(^١) \"عمدة القارئ\" (٩/ ٣٧٧).","vol":"6","page":95},{"text":"توسط بين البائع والمشتري بجُعل. ومصدره: السمسرة، وهو فارسي معرَّب، ومعناه: الوسيط بين البائع والمشتري لتسهيل الصفقة (^١)، وهو الدلال، سواء كان متوليًا البيع للبائع أو الشراء للمشتري، قال البخاري: (قال ابن سيرين عن أنس: لا يبيع له شيئًا، ولا يبتاع له شيئًا).\n\nقوله: (الجلب) بالتحريك، هو في اللغة: الشيء المجلوب يجاء به من بلد إلى آخر للتجارة، و(تلقي الجلب) استقبال القادمين الذين يحملون البضائع والأقوات لشرائها منهم قبل أن يبلغوا السوق، و(تلقي الجلب) تعبير فقهاء الحنفية، ويسميه فقهاء الشافعية والحنابلة (تلقي الركبان)، والمالكية (تلقي السلع).\n\nقوله: (فمن تُلقي) لفظ مسلم: \"فمن تلقاه فاشترى منه\".\n\nقوله: (فإذا أتى سيده) المراد به جالب السلعة.\n\nقوله: (فهو بالخيار) أي: بين إمضاء البيع أو فسخه.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن تلقي القادمين لبيع سلعهم والشراء، منهم قبل أن يصلوا إلى السوق، والنهي للتحريم عند الجمهور؛ لأنه مقتضى النهي عند الاطلاق.\n\n° الوجه الخامس: الحكمة من النهي عن تلقي الركبان:\n١ - الرفق بصاحب السلعة، لئلا يُبخس في ثمن سلعته؛ لأنه لا يعرف الأسعار، فيشتري منه المشتري بدون القيمة، وهذا قول الشافعي، ويؤيده حديث أبي هريرة - ﵁ - الذي فيه إثبات الخيار للبائع لا لأهل السوق.\n٢ - الرفق بأهل السوق الذين جاءوا يبتغون من فضل الله، وفي تلقي الركبان إفساد عليهم، وهذا قول مالك، ويؤيده حديث ابن عمر -﵄-، وفيه: \" … ولا تلقوا السلع حتى يُهبط بها إلى السوق\" (^٢). ولا دلالة في ذلك؛ لأنه\n_________\n(^١) انظر: \"النهاية\" (٢/ ٤٠٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢١٦٥)، ومسلم (١٥١٧).","vol":"6","page":96},{"text":"يمكن أن يكون ذلك لمنفعة البائع؛ لأنه إذا هبط السوق عرف السعر، ولا مانع من الجمع بين العلتين، كما يقول الشوكاني (^١).\n\n° الوجه السادس: اختلف العلماء في حكم شراء متلقي الركبان على قولين:\nالأول: أن البيع مردود؛ لأنه بيع منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد مطلقًا، وقد جزم بذلك البخاري، فقال: (باب النهي عن تلقي الركبان، وأن بيعه مردود؛ لأن صاحبه عاص آثم إذا كان به عالمًا، وهو خداع في البيع، والخداع لا يجوز)، وذكره ابن قدامة رواية عن أحمد (^٢). ونسبه الشوكاني إلى بعض المالكية وبعض الحنابلة، قال الصنعاني: (وهو الأقرب).\nوالقول الثاني: أن البيع صحيح وللبائع الخيار، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، ومال إليه الحافظ، واختاره الشوكاني، واستدلوا بدليلين:\nالأول: حديث أبي هريرة المذكور، فإنه يدل على انعقاد البيع وصحته، ولو كان فاسدًا لم يجعل للبائع الخيار.\nالثاني: أن النهي في حديث الباب لا يعود إلى ذات العقد ولا إلى شرطه، وإنما يعود إلى أمر خارج عن المنهي عنه، وهو الإضرار بالركبان، وهذا لا يقتضي الفساد.\nوهذا القول وجيه -في نظري- فإن النبي - ﷺ - قال: \"لا تلقوا\"، ولم يقل: لا تشتروا، ثم إن الحديث الذي أثبت الخيار واضح الدلالة على المراد.\n\n° الوجه السابع: لا نزاع في ثبوت الخيار للبائع مع الغبن، حكى ذلك ابن القيم (^٣). وأما ثبوته بلا غبن بأن يشتري منه بمثل سعر البلد أو أكثر، ففيه روايتان عن أحمد:\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (٥/ ١٨٩).\n(^٢) \"المغني\" (٦/ ٣١٣)، \"سبل السلام\" (٥/ ٦٢)، \"نيل الأوطار\" (٥/ ١٨٨).\n(^٣) \"الطرق الحكمية\" ص (٢٥١).","vol":"6","page":97},{"text":"الأولى: أنه يثبت، وهو قول الشافعي، واختاره الشوكاني (^١). لظاهر قوله: \"فإذا أتى صيده السوق فهو بالخيار\"، فأطلق له - ﷺ - الخيار ولم يقيده.\nالثانية: أنه لا يثبت له الخيار، وهو وجه للشافعية، وقول الحنفية، نظرًا لانتفاء المعنى، وهو الغرر والضرر.\nوهذا القول له وجه إذ لا حاجة إلى الخيار ما دام أنه ليس فيه غبن، لكن القول الأول أظهر، وهو أن له الخيار مطلقًا غبن أو لم يغبن، لإطلاق الحديث، ولأمور ثلاثة:\n١ - قطع النزاع، فإن الغبن قد يختلف الناس فيه، فهذا يقول: مغبون، وهذا يقول: غير مغبون.\n٢ - أنه أطيب لقلبه.\n٣ - تعزير المتلقي وتأديبه حتى لا يعود لمثل ذلك.\n\n° الوجه الثامن: الحديث دليل على نهي بيع الحاضر للبادي، وصورة ذلك أن يأتي إلى البلد من يريد بيع سلعته فيتولى بيعها له أحد المقيمين في البلد، وعموم الحديث يدل على أنه لا فرق بين أن يكون البادي قريبًا للحاضر أو أجنبيًّا، وسواء كانت السلعة يحتاجها أهل البلد أم لا، وقد ورد عن أنس - ﵁ - أنه قال: (نهينا أن يبيع حاضر لباد وإن كان أخاه أو أباه) (^٢).\nولعل الحكمة في ذلك -والله أعلم- خشية إغلاء السلعة على المقيمين إذا باعها عليهم أحد منهم؛ لأنه لا يبيعها إلا بسعر البلد، بخلاف ما إذا باعها البادي فإنه ربما يبيعها برخص، وهو الغالب، فتحصل التوسعة على الناس، فترخص الأسعار، وتتوفر الخيرات، وقد أشار النبي - ﷺ - إلى ذلك بقوله: \"لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض\" (^٣).\n\n° الوجه التاسع: استدل بهذا الحديث من قال ببطلان بيع الحاضر\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (٥/ ١٨٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٥٢٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٥٢٢).","vol":"6","page":98},{"text":"للبادي، وهم المالكية والحنابلة في المشهور عندهم، وهو قول الظاهرية (^١).\nووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - نهى أن يبيع الحاضر للبادي، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، وعليه فيكون البيع باطلًا؛ لأنه بيع محرم من إنسانٍ منهي عنه.\nوذهبت الحنفية والشافعية وبعض المالكية إلى صحة بيع الحاضر للبادي، وهو رواية عن الإمام أحمد (^٢)، وقالوا: إن النهي يعود إلى معنى في غير البيع، وهو الإضرار بأهل البلد، والنهي إذا عاد إلى غير المنهي عنه فإنه لا يوجب بطلان العقد.\nواستدلوا بقوله - ﷺ - في حق المسلم على أخيه: \"وإذا استنصحك فانصح له\" (^٣). قالوا: هذا حديث عام، ناسخ لأحاديث النهي عن بيع الحاضر للبادي؛ لأن النهي إنما كان أول الإسلام؛ لما كانوا عليه من الضيق في ذلك.\nوهذا استدلال ضعيف، لأمرين:\n١ - أن دعوى النسخ لا تثبت بالاحتمال، بل لا بد من دليل.\n٢ - أن أحاديث النصيحة وإن كانت عامة، إلا أنها مُخَصَّصَةٌ بأحاديث النهي عن بيع الحاضر للبادي.\nوعلى هذا فالقول الأول هو الأظهر لقوة دليله، وهو ألا يبيع الحاضر للبادي، بل يُترك القادم يبيع سلعته بما يكفيه، والغالب أنه لا يستقصي جميع قيمتها، فيحصل بذلك السعة على المشترين، ويؤيد ذلك أمران:\nالأول: أن القول بصحة البيع فيه إضرار بأهل البلد في التضييق عليهم.\nالثاني: أن الحاضر قد لا يكون صادقًا مع البادي في إخباره بالسعر الحقيقي للسلعة مما قد يؤدي إلى الإضرار به.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٨/ ٤٥٣)، \"المغني\" (٦/ ٣٠٨).\n(^٢) \"الهداية\" (٣/ ٥٣)، \"المنتقى\" (٥/ ١٠٤)، \"المهذب\" (١/ ٢٩٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢١٦٢) (٥)، وعلقه البخاري \"فتح الباري\" (٤/ ٣٧٠) بلفظ: اإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له\".","vol":"6","page":99},{"text":"° الوجه العاشر: في الحديث دليل على تقديم المصالح العامة على المصالح الخاصة، فالإسلام يمنع مصلحة فرد واحد يتلقى الركبان؛ لأجل مصلحة أهل البلد الذين لهم الحق في أن ينتفعوا جميعًا من الشراء من الجالب مباشرة، وفي بيع الحاضر للبادي هو المستفيد، لكن الإسلام منع ذلك لينتفع أهل البلد بشرائهم السلعة رخيصة، والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":100},{"text":"<span data-type='title' id=toc-668>النهي عن البيع على بيع أخيه أو سومه على سومه</span>\n٨١٠/ ٢٩ - عَنْ أَبِي هُرَيرَة - ﵁ - قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَبِيعَ\nحَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيعِ أَخِيهِ، وَلا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ ما في إِنَائِهَا، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَلِمُسْلِم: \"لا يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْم الْمُسْلِمِ\".\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"البيوع\"، باب \"لا يبيع على بيع أخيه، ولا يسوم على سَوم أخيه حتَّى يأذن له أو يترك\" (٢١٤٠)، ومسلم مختصرًا (١٥٢٠) من طريق سفيان، عن الزُّهْريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة - ﵁ -. وهذا لفظ البخاري.\nوأخرجه مسلم (١٥١٥) (١٢) من طريق شعبة، عن عدي -وهو ابن ثابت-، عن أبي حازم، عن أبي هريرة - ﵁ - نحو لفظ البخاري.\nوأخرجه -أيضًا - (١٥١٥) (٩) من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يَسُمِ المسلمُ على سوم أخيه\".\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ولا يبيع) يروى برفع الفعل على أن (لا) نافية، وبالجزم (ولا يبع) على أنَّها ناهية.\n\nقوله: (ولا يَخْطُبُ) مضارع خطب، من باب \"قتل\" فالمضارع بالضم،","vol":"6","page":101},{"text":"يقال: خَطَبَ المرأة يَخْطُبُهَا خِطبة، بكسر الخاء في المصدر: إذا طلب الزواج منها أو من وليها فهو خاطب. وخَطَبَ يَخْطُبُ: بالضم -أيضًا- خُطبة بضم الخاء في المصدر: إذا وعظ الناس، فهما يتفقان في الماضي والمضارع، ويختلفان في المصدر.\n\nقوله: (طلاق أختها) أي: غيرها، سواء كانت أختها من النسب، أو أختها في الإسلام، أو كانت كتابية.\n\nقوله: (لتكفأ) مضارع كفأ الإناء: إذا قلبه وأفرغ ما فيه.\n\nقوله: (لا يسم) أصل السوم: الذهاب في ابتغاء شيء، يقال: سام البائع السلعة سومًا: أي عرضها للبيع وذكر ثمنها، وسام المشتري المبيع واستامه سومًا: طلب شراءه بالثمن الذي تقرر به البيع، والتساوم بين اثنين: أن يعرض البائع سلعته بثمن ما، ويطلبها صاحبه بثمن دونه.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أنَّه لا يجوز للرجل أن يبيع على بيع أخيه، وذلك بأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة أو أعطيك خيرًا منها بثمنها، أو يغريه بمدة سدادٍ طويلةِ الأجل، والغالب أن يقول: ذلك قبل لزوم العقد، مثل أن يكونا في المجلس أو يكون في العقد خيار شرط.\nومثل ذلك الشراء على شراء أخيه، فهو محرم؛ لأنه في معنى المنهي عنه، ولأن الشراء يسمى بيعًا فيدخل في النهي، وذلك بأن يقول لمن باع سلعة بتسعة: أنا أشتريها منك بعشرة.\nووجه النهي أن بيعه على بيع أخيه من أسباب العداوة والبغضاء والتقاطع بين المسلمين، حيث تعدى على حق أخيه، وأفسد المعاملة التي بينهما.\nوظاهر الحديث تحريم بيعه على بيع أخيه مطلقًا، سواء كان ذلك في زمن الخيارين: خيار الشرط وخيار المجلس، أو بعد انقضاء زمنهما، لعموم الحديث، ولأنه لو باع على بيع أخيه بعد انقضائهما لربما تحيل المشتري بأي سبب من الأسباب، كان يدعي عيبًا أو ما شابه ذلك مما يمكنه من الفسخ، ولأنه يورث العداوة بين البائع الأول والمشتري ويدعي أنَّه غبنه.","vol":"6","page":102},{"text":"والقول الثاني: أن محل النهي هو زمن الخيارين؛ لأن هذا هو الغالب في مسألة البيع على بيع أخيه، فإذا انقضى زمنهما جاز بيعه على بيع أخيه، وعللوا لذلك بأن عقد البيع قد تمَّ، فوجود البيع على بيعه أو الشراء على شرائه وعدمه سواء. والقول الأول هو الصواب، لما تقدم من بيان حكمة النهي.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن الخطبة على خطبة أخيه، بأن يتقدم لطلب زواج امرأة بعد أن تقدم إليها غيره، ووجه النهي أن هذا التصرف من أسباب الشحناء والعداوة، ولأنه ظلم لأخيك وتعدٍّ عليه فإنه قد سبق إلى ذلك، وفي حديث عقبة بن عامر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتَّى يذر\" (^١).\nوقد جاء تقييد ذلك في حديث ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يخطب بعضكم على خطبة أخيه، حتَّى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب\" (^٢). وسيأتي الكلام على هذا الحديث في كتاب \"النكاح\" إن شاء الله.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على نهي المرأة أن تسعى عند زوجها في طلاق أختها، وقد فسره النووي ﵀ ﵀ بأن تسأل المرأة الأجنبية رجلًا أن يطلق زوجته ويتزوجها مكانها، بحيث يكون لها من نفقته ومعروفه ومعاشرته ونحوها ما كان للمطلقة، فعبر عن ذلك بإكفاء ما في الصحفة مجازًا (^٣).\n\n• الوجه السادس: الحديث دليل على نهي المسلم أن يسوم على سوم أخيه، ومعناه: أن يتفق البائع والمشتري على البيع، ولم يعقداه، فيأتي إنسان ويقول للبائع: استرده، وأنا اشتريه منك بأكثر، أو يقول: للمستام: رده، وأنا أبيعك خيرًا منه بثمنه، أو مثله بأرخص.\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٤١٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥١٤٢)، ومسلم (١٤١٢).\n(^٣) \"شرح النووي على مسلم\" (٩/ ٢٠٤).","vol":"6","page":103},{"text":"والفرق بين بيعه على بيعه وسومه على سومه، أن الأول تم العقد إلَّا أن بينهما خيار شرط أو مجلس، أما في السوم على سومه فهذا بعد الاتفاق تمام وقبل العقد.\nوالسوم على السوم إنما يحرم إذا كانت السلعة معروضة بغير طريق المزايدة واستقر الثمن بالتراضي بين المتعاقدين، أما إذا كانت معروضة بطريق المزايدة فلا بأس بذلك باتفاق أهل العلم؛ لأن البائع يطلب المزايدة؛ لكونه لم يركن إلى أحد.\nومعنى بيع المزايدة: أن يعرض البائع سلعته في السوق، ويتزايد المشترون فيها، فتباع لمن يدفع الأكثر، وهو المعروف بـ (بيع المزاد العلني) (^١).\nوعلى هذا فالفرق بين بيع المزايدة وسوم المسلم على سوم أخيه أنَّه في بيع المزايدة لم يقع ركون ولا تقارب مع أحد من المشترين، وعلامة ذلك ألا يكفَّ المنادي على السلعة عن طلب الزِّيادة من الحاضرين، وهذا بخلاف السوم على سوم أخيه فإن الزِّيادة تحصل من الطرف الثالث بعد الكف عن المناداة والركون إلى التعاقد مع الراغب في السلعة.\nوالجمهور من أهل العلم على جواز بيع المزايدة إذا خلا من الغش والتدليس والاحتيال، قال ابن قدامة بعد أن ذكر جوازه واستدل له من السنة: (وهذا -أيضًا- إجماع المسلمين، يبيعون في أسواقهم بالمزايدة) (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ويعرف في بلاد نجد - وقد يكون في غيرها - بـ (بيع الحراج).\n(^٢) \"المغني\" (٦/ ٣٠٧).","vol":"6","page":104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-669>النهي عن التفريق بين الأقارب في البيع</span>\n٨١١/ ٣٠ - عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ - ﵁ - قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ فَرَّقَ بَين وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللهُ بَينَهُ وَبَينَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَلكِنْ في إسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ.\n٨١٢/ ٣١ - وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ - ﵁ - قَال: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَن أَبِيعَ غُلامَين أَخَوَينِ، فَبِعْتُهُمَا، فَفَرَّقْتُ بَينَهُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبيِّ - ﷺ - فَقَال: \"أَدْرِكْهُمَا، فَارْتَجِعْهُمَا، وَلا تَبِعْهُمَا إلَّا جَمِيعًا\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ، وَابْنُ الْجَارُود، وابْنُ حِبَّانَ، والْحَاكِمُ، والطَّبَرَانِيُّ، وابْنُ الْقَطَّانِ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي أيوب -﵁-، فقد أخرجه أحمد (٣٨/ ٤٨٥)، والتِّرمِذي في كتاب \"البيوع\" (^١)، باب \"ما جاء في كراهية أن يُفَرَّقَ بين الأخوين أو بين الوالدة وولدها في البيع\" (١٢٨٣)، والحاكم (٢/ ٥٥) من طريق حيي بن عبد الله المَعَافري، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن أبي أيوب - ﵁-، به مرفوعًا.\nوالحديث رجاله ثقات غير حُيي بن عبد الله المعافري فقد اختلف فيه،\n_________\n(^١) وأخرجه -أيضًا- في أَبواب \"السير\" (١٥٦٦)، بمتنه وإسناده.","vol":"6","page":105},{"text":"والأكثرون على تضعيفه، وهو مراد الحافظ بقوله: (ولكن في إسناده مقال). وقد حسَّنه التِّرمِذي، وهو الذي نقله عنه المزي (^١)، وأما قول الحافظ: (وصحَّحه التِّرمِذي) فلم أقف عليه في \"جامعه\"، والحافظ نفسه قال في \"التلخيص\": (… والتِّرمِذي وحسنه) (^٢)، بل إن ابن القطان لما نقل تحسين التِّرمِذي قال: (وإنَّما لم يصححه؛ لأنه من رواية ابن وَهْب، عن حيي بن عبد الله … قال البخاري: (فيه نظر)، وقال الإِمام أحمد: (أحاديثه مناكير)، وقال ابن معين: (ليس به بأس)، فلأجل الاختلاف فيه لم يصححه) (^٣).\nوأما الحاكم فإنه قال: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وهذا فيه نظر؛ لأن حيي بن عبد الله لم يخرج له مسلم شيئًا (^٤).\nوله شاهد -كما قال الحافظ - من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يفرق بين الأم وولدها، فقيل: يا رسول الله، إلى متى؟ قال: \"حتَّى يبلغ الغلام، وتحيض الجارية\" (^٥).\nوأما حديث علي - ﵁-، فقد أخرجه أحمد (٢/ ١٥٥) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي - ﵁ -.\nوهذا الإسناد رجاله ثقات -كما قال الحافظ - إلَّا أنَّه منقطع، فإن سعيد بن أبي عروبة لم يسمع من الحكم شيئًا، كما قال ذلك أحمد وأَبو حاتم والبزار والنَّسائي والدارقطني وغيرهم (^٦).\nومما يدل على ذلك أن الإِمام أحمد أخرجه -أيضًا - (٢/ ٣٠٨، ٣٠٩)\n_________\n(^١) \"تحفة الأشراف\" (٣/ ٩٣).\n(^٢) (٣/ ١٨).\n(^٣) \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٥٢١).\n(^٤) \"المحرر\" (٢/ ٥٤٨)، \"نصب الراية\" (٤/ ٢٣، ٢٤).\n(^٥) أخرجه الدَّارَقُطني (٣/ ٦٨)، والحاكم (٢/ ٥٥)، وفيه عبد الله بن عمرو بن حسان الواقفي، قال عنه الدَّارَقُطني: (ضعيف الحديث، رماه علي بن المديني بالكذب)، وقد صححه الحاكم، لكن تعقبه الذهبي بقوله: (موضوع، وابن حسان كذاب).\n(^٦) \"العلل\" للدارقطني (٣/ ٢٧٣)، \"جامع التحصيل\" ص (٢٢١، ٢٢٢).","vol":"6","page":106},{"text":"وكذا البيهقي (٩/ ١٢٧) عن سعيد بن أبي عروبة، عن رجل، عن الحكم بن عتيبة، به.\nوأخرجه ابن الجارود (٥٧٥) من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن الحكم، به.\nوله طرق أخرى عن الحكم، ومنها: طريق شعبة عنه، أخرجه الدَّارَقُطني (٣/ ٦٥، ٦٦)، والحاكم (٢/ ٥٤)، والبيهقي (٩/ ١٢٧) وقال الحاكم: (هذا حديث غريب، صحيح على شرط الشيخين) وسكت عنه الذهبي.\nوقد ذكر الدَّارَقُطني أن رواية شعبة هذه غير محفوظة، وأن المحفوظ رواية سعيد بن أبي عروبة، عن الحكم (^١)، كما تقدم، وهي رواية أحمد.\nوقال البيهقي: (هذا أشبه -يعني رواية أحمد-، وسائر أصحاب شعبة لم يذكروه عن شعبة، وسائر أصحاب سعيد قد ذكروه عن سعيد هكذا -يعني: عن رجل عن الحكم - وهذا أشبه) وقال أيضًا: (قيل عن شعبة عن الحكم، وهو وهم).\nولما نقل ابن القطان كلام الدَّارَقُطني، قال: (والمقصود أن نبين أن رواية شعبة صحيحة لا عيب فيها، وأنها أولى ما اعتمد في هذا الباب) (^٢).\nولعل هذا مراد الحافظ بقوله - هنا -: (وصححه ابن القطان)، لكنَّ كلام ابن القطان ليس بشيء أمام كلام الدَّارَقُطني والبيهقي.\nثم إنه قد اختلف على الحكم بن عتيبة، فمن الرواة من يرويه عنه، عن ميمون بن أبي شبيب، عن علي - ﵁ - رواه أَبو داود (٢٦٩٦)، والتِّرمِذي (١٢٨٤)، وابن ماجة (٢٢٤٩)، وأحمد (٢/ ١٨١)، وهذه رجحها أَبو حاتم، ومن الرواة من يرويه عنه، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، كما تقدم، ويرى الدَّارَقُطني أنَّه (لا يمتنع أن يكون الحكم سمعه منهما جميعًا، فرواه مرة عن هذا، ومرة عن هذا، والله أعلم) (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" (٣/ ٢٧٢).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٣٩٦).\n(^٣) \"علل ابن أبي حاتم\" (١١٥٤) \"علل الدَّارَقُطني\" (٣/ ٢٧٢).","vol":"6","page":107},{"text":"ولو أن الحافظ ضمَّ هذين الحديثين إلى حديث ابن عمر - ﵄ - المتقدم في بيع أمهات الأولاد لكان أحسن.\n\n• الوجه الثاني: حديث أبي أيوب - ﵁ - دليل على تحريم التفريق بين الوالدة وولدها في البيع، ونحوه كالهبة، والقسمة وغيرهما، وأن الأرقاء لا يفرق بينهم، بل يباعون جميعًا أو يبقون جميعًا، حرصًا على بقاء الرحم والتعاطف بينهما، وحديث الباب فيه وعيد شديد، وهو يدل على تحريم ذلك، ولا فرق بين البيع وغيره؛ لأن الحديث عام في التفريق بأي وجه من الوجوه لقوله: \"من فرق\".\nوظاهر الحديث أنَّه لا فرق بين حالة البلوغ وما قبلها، ولو صحَّ حديث عبادة - المتقدم - لكان صالحًا لتقييد الإطلاق في حديث أبي أيوب - ﵁-، ويكون النهي خاصًّا بما قبل البلوغ، وهذا رواية عن الإِمام أحمد.\nوالقول الثاني: جواز التفريق بعد البلوغ، وهي الرواية الصحيحة عن الإِمام أحمد، وهو قول الشَّافعي، لما ورد أن سلمة بن الأكوع أتى أبا بكر بامرأة وابنتها، فنفَّله أبو بكر ابنتها … الحديث (^١).\nقال النووي: (فيه جواز التفريق بين الأم وولدها البالغ، ولا خلاف في جوازه عندنا …) (^٢).\nولأن الولد بعد البلوغ يصير مستقلًا بنفسه، والعادة التفريق بين الأحرار، فإن المرأة تزوج ابنتها، ويفرق بين الحرة وولدها إذا افترق الأَبوان (^٣).\n\n• الوجه الثالث: حديث علي - ﵁ - دليل على تحريم التفريق بين الأخوين وأن العقد إذا تم بالتفريق فإنه لا يصح، بل يجب نقضه، وهذا الحديث نص في تحريم التفريق بالبيع، لكن ألحق به العلماء تحريم التفريق بأسباب أخرى كالهبة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧٥٥).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (١١/ ٣١٢).\n(^٣) \"المغني\" (٦/ ٣٧٢).","vol":"6","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-670>حكم التسعير</span>\n٨١٣/ ٣٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَال: غَلا السِّعْرُ بالْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَال النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ! غَلا السِّعْرُ، فَسَعِّرْ لَنَا. فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّ اللهَ هُوَ الْمُسعِّرُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الرَّازِقُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ تَعَالى وَلَيسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُني بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ وَلا مَالٍ\"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسائِيَّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أَبو داود في \"البيوع\"، باب \"التسعير\" (٣٤٥١)، والتِّرمِذي (١٣١٤)، وابن ماجة (٢٢٠٠)، وأحمد (٢٠/ ٤٦) (٢٢/ ٤٤٤، ٤٤٥) وابن حبان (١١/ ٣٠٧) كلهم من طريق حمَّاد بن سلمة، عن قَتَادة وثابت وحميد، عن أَنس - ﵁-، به مرفوعًا.\nوقال التِّرمِذي: (حسن صحيح)، وقال الحافظ: (إسناده صحيح على شرط مسلم) (^١).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (غلا السعر) الغلاء: ممدود، وهو ارتفاع السعر على معتاده.\nوالسعر: بكسر أوله وسكون ثانيه، جمعه أسعار، والمراد: الثمن.\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (٣/ ١٥).","vol":"6","page":109},{"text":"قوله: (سعر لنا) بتشديد العين، ومصدره التسعير، وهو تحديد أثمان الأشياء.\nوالمراد به: أن يأمر السلطان أو نائبه أهل السوق ألا يبيعوا أمتعتهم إلَّا بسعر كذا، فيمنع من الزِّيادة عليه أو النقصان منه لمصلحة.\n\nقوله: (إن الله هو المسعر) بتشديد العين المكسورة، قال ابن الأثير: (أي: إنه هو الذي يُرخص الأشياء ويغليها، فلا اعتراض لأحد، ولذلك لا يجوز التسعير) (^١).\n\nقوله: (القابض الباسط) أي: مضيق الرزق وغيره على من شاء، كيف شاء، وموسعه، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥].\n\nقوله: (الرازق) اسم فاعل من رزق، بمعنى: واهب العباد أرزاقهم، وهو ليس من أسماء الله، أما الرزاق فهو صيغة مبالغة، وهو من أسماء الله تعالى، والرزق: هو كل ما يُنْتَفَعُ به.\n\nقوله: (بمظلمة) مصدر ظلم، واسم ما أُخذ منك بغير حق، وما تطلبه عند الظالم، وجمعها مظالم، وهي بكسر اللام على الأشهر (^٢).\n\n• الوجه الثالث: الجمهور من أهل العلم، ومنهم: الأئمة الأربعة على أن التسعير لا يجوز في الأحوال العادية التي لا غلاء فيها، وذلك لأن الرسول - ﷺ - لم يسعّر وقت غلاء السعر، فمن باب أولى أن لا يكون تسعير في الأحوال العادية، ولأن التسعير في هذه الحال قد يكون سببًا للغلاء؛ لأن الجالبين إذا بلغهم التسعير لم يقدموا بسلعهم بلدًا يُكرهون فيه على بيعها بغير ما يريدون، ومن عنده بضاعة يخفيها فيطلبها أهل الحاجة فلا يجدونها، فيدفعون ثمنها ليصلوا إليها، فتغلوا الأسعار، ويحصل الإضرار بالملاك في منعهم من بيع أملاكهم، وبالمشتري من الوصول إلى غرضه.\n_________\n(^١) \"النهاية\" (٢/ ٣٦٨).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (٣٨٦).","vol":"6","page":110},{"text":"• الوجه الرابع: اختلف العلماء في حكم التسعير في حالة الغلاء على قولين:\nالأول: أنَّه لا يجوز التسعير، وبه قال كثير من المالكية والشَّافعية والحنابلة (^١)، واختاره الشوكاني (^٢)، واستدلوا بحديث الباب، ووجه الدلالة من وجهين:\nالأول: أن النبي - ﷺ - صلى لم يسعر، وقد سألوه ذلك، ولو كان التسعير جائزًا لأجابهم إليه.\nالثاني: أنَّه - ﷺ - علل امتناعه بكونه مظلمة؛ لأن الناس مسلَّطون على أموالهم، وفي التسعير حجر عليهم، والظلم حرام، فعليه يكون التسعير حرامًا.\nالقول الثاني: أنَّه يجوز التسعير عند الحاجة، وذلك إذا غلت الأسعار، وباع التجار بأكثر من الأسعار المعقولة، وهذا قول الحنفية، وبعض المالكية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (^٣).\nواستدلوا بحديث ابن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: \"من أعتق شركًا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد، قوّم عليه قيمة عدل، فأعْطَى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلَّا فقد عتق منه ما عتق\" (^٤).\nووجه الاستدال: أن جعل العبد على هوى صاحبه يتحكم في قيمته إضرار بالمعتق، فمن أعتق شركًا له في عبد فإنه لا يُترك صاحب الشرك الثاني يطلب من القيمة ما أراد، بل يُقَوَّم عليه قيمة عدل، فيسلم المعتِقُ قسطه من\n_________\n(^١) \"المنتقى\" (٥/ ١٨)، \"المهذب\" (١/ ٢٩٢)، \"الإنصاف\" (٤/ ٣٣٨).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٢٤٨).\n(^٣) \"الهداية\" (٤/ ٩٣)، \"المنتقى\" (٥/ ١٨)، \"الحسبة في الإسلام\" ص (٣٧)، \"الطرق الحكمية\" ص (٢٥٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٥٢٢)، ومسلم (١٥٠١)، وسيأتي - إن شاء الله - في كتاب \"العتق\".","vol":"6","page":111},{"text":"الثمن كالنصف - مثلًا - لصاحب النصف الثاني، فهذا التقويم نوع من التسعير للضرورة، إذ لو تُرك الشريك يتحكم لطمع في ظلم أخيه وإيذائه، والمعتق عمل عملًا يحبه الله، فلا ينبغي أن يضيق عليه ويؤذى.\nكما استدلوا بما تقدم من النهي عن بيع الحاضر للبادي، لىلا يزيد الثمن إذا باعها الحاضر عليهم.\nوهذا القول هو الراجح، وقد فصّل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في التسعير تفصيلًا وافيًا، وهذه خلاصته:\nالتسعير منه ما هو ظلم، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس، مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ومنعهم ما يحرم عليهم من أخذ الزِّيادة على عوض المثل، فهذا جائز بل واجب.\nوقد يحصل ذلك في الغالب من فئة خاصة كالجزارين والخبازبن ونحوهم، فيتفقون على إغلاء الأسعار بلا موجب، على ألا يبيعوا إلَّا بكذا، وهو شيء زائد على المعتاد، فلولي الأمر أن يمنعهم من ذلك، ويسعر لهم.\nوهذا لا يعارض حديث الباب؛ لأنه ليس لفظًا عامًّا، بل جاء في قضية معينة هي غلاء السعر في المدينة لقلة الجلب إليها (^١)، قال ابن العربي: (وما قاله النبي - ﷺ - حق، وما فعله حكم، لكن على قوم صح ثباتهم، واستسلموا لربهم، وأما قوم قصدوا أكل أموال الناس والتضييق عليهم، فباب الله أوسع، وحكمه أمضى) (^٢).\nولا بد من أن يستند التسعير إلى دراسات منضبطة، قائمة على أسس\n_________\n(^١) انظر: \"الحسبة\" ص (٢٣)، \"الطرق الحكمية\" ص (٢٥٢).\n(^٢) \"عارضة الأحوذي\" (٦/ ٥٣).","vol":"6","page":112},{"text":"علمية وموضوعية، تقوم بها عدة لجان من مختلف قطاعات الدولة التي يعنيها هذا الأمر.\nأما إذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، فارتفع السعر إما لقلة الشيء أو لكثرة الخلق، فهذا إلى الله تعالى، وإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها\" إكراه بغير حق؛ لأن الأصل في الشريعة الإسلامية حرية التعامل بين الناس، ما داموا متقيدين بأوامر الشرع، فلا ظلم ولا غش ولا احتكار ولا تلاعب بالأسعار، ولا ريب أن هذه الحرية تعتبر من أهم العوامل التي توفر المتاع وتزيد في الاقتصاد.\nوقد ذكر بعض الباحثين المعاصرين أن إخضاع أي سلعة إلى سياسة التسعير يعتبر أقصر الطرق نحو ارتفاع سعر السلعة أو اختفائها من الأسواق أو حدوث الأزمات التموينية، وقال: (لقد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك بأن التسعير الإجباري الرسمي لم يخدم المستهلكين ومحدودي الدخل، بل إن المحتكرين والقادرين على الضغط هم المستفيدون منه) (^١).\n_________\n(^١) \"حكم التسعير في الإسلام\"، للدكتور: ماجد أَبو رخية ص (٥٤، ٥٥).","vol":"6","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-671>النهي عن الاحتكار</span>\n٨١٤/ ٣٣ - عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵁-، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَال: \"لا يَحْتَكِرُ إلا خَاطئٌ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو معمر -بفتح الميم وسكون المهملة- بن عبد الله بن نضلة العدوي، ويقال له: معمر بن أبي معمر، أسلم - ﵁ - قديمًا، وهاجر الهجرتين، وروى عن النبي - ﷺ -، وعن عمر -﵁-، وروى عنه سعيد بن المسيب، وبشر بن سعيد وآخرون (^١).\n\n• الوجه الثاني: في تخرجه:\nفقد أخرجه مسلم في \"المساقاة\"، باب \"تحريم الاحتكار في الأقوات\" (١٦٠٥) (١٣٠) من طريق محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن المسيب، عن معمر بن عبد الله، به مرفوعًا.\nوأخرجه -أيضًا- من طريق يحيى بن سعيد، عن سعيد به، بلفظ: \"من احتكر فهو خاطئ\"، فقيل لسعيد: فإنك تحتكر، قال سعيد: إن معمرًا الذي كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر.\n\n• الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا يحتكر) الاحتكار في اللغة: مصدر احتكر يحتكر، وأصل معناه: الجمع والإمساك.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٠/ ١٧٥)، \"الإصابة\" (٩/ ٢٦٢)، \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٢٢١).","vol":"6","page":114},{"text":"وفي اصطلاح الفقهاء: حَبْسُ الطَّعام طَلَبَ غلائه، أو حبس ما يحتاج إليه الناس من السلع والمنافع حتَّى يغلو سعره أو ينقطع عن السوق، وهذا التعريف أحسن؛ لأنه أشمل من الأول، فإنه عام في الأقوات وغيرها فيما يشتريه أو تنتجه أرضه أو حيواناته أو مصنعه، وسيأتي مزيد إيضاح إن شاء الله.\n\nقوله: (إلَّا خاطئ) الخاطئ: المذنب، يقال: خَطِئَ يخطأ فهو خاطئ: إذا أذنب، وأخطأ يخطئ فهو مخطئ: إذا فعل ضد الصواب.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الاحتكار، وإثم المحتكر، ووجه الدلالة: التصريح بأن المحتكر خاطئ والخاطئ: هو العاصي الآثم، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩]، فدل على أن الاحتكار معصية وذنب يجب الاستغفار منه.\nوعن أبي أمامة - ﵁ - قال: (نهى رسول الله - ﷺ - أن يُحتكر الطَّعام) (^١).\nفهذا نهي، والأصل فيه التحريم.\nوالحكمة من النهي عن الاحتكار: دفع الضرر عن عامة الناس؛ لأن الاحتكار يؤدي إلى الإضرار بهم والتضييق عليهم، وإيقاعهم في الحرج، وفيه سوء معاشرة للمسلمين.\n\n• الوجه الخامس: اختلف العلماء هل الاحتكار عام في كل شيء أو أنَّه خاص بالطعام؟ على ثلاثة أقوال:\nالأول: أن الاحتكار محرم في كل شيء، سواء أكان قوتًا، أم إدامًا، أم لباسًا، أم غير ذلك من السلع التي يلحق الناس بحبسها ضرر، وهذا قول مالك، والثوري، وأبي يوسف من الحنفية، وهو ظاهر قول ابن حزم (^٢)، واختاره الصنعاني والشوكاني (^٣)، وهو قول علماء الاقتصاد، فإنهم يتفقون مع هذا القول الذي سبقهم إليه فقهاء المسلمين بمئات السنين.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٤٧)، والحاكم (٢/ ١١)، والبيهقي (٧/ ٥٤٢) وسنده صحيح.\n(^٢) \"الهداية\" (٤/ ٩٢)، \"المنتقى\" (٥/ ١٥)، \"المحلى\" (٩/ ٦٤).\n(^٣) \"سبل السلام\" (٥/ ٧٦)، \"نيل الأوطار\" (٥/ ٢٥٠).","vol":"6","page":115},{"text":"واستدلوا بحديث الباب. ووجه الاستدلال: أنَّه نص مطلق لم يقيد الاحتكار بشيء معين، فيتناول كل ما يحتكر؛ لأن المطلق يعمل به على إطلاقه، كما في الأصول.\nوالقول الثاني: أن الاحتكار خاص بالأقوات، سواء أكان قوت الآدميين، أم قوت البهائم، كالحنطة والشعير والتبن والبرسيم. وهذا قول الحنفية، والشَّافعية، وقد ألحق بعض الشَّافعية بالقوت كل ما يعين عليه كاللحم والفواكه (^١).\nواستدلوا: ١ - بحديث أبي أمامة المتقدم: \"نهى رسول الله - ﷺ - أن يحتكر الطَّعام\"، قالوا: فلما خُصَّ الطَّعام بالنهي عن احتكاره - وهو شامل للقوتين: قوت الآدمي وقوت البهائم - دل على أن غيره يجوز.\n٢ - أن غير الأقوات لا ضرر في احتكاره غالبًا، لعدم عموم الحاجة إليه، فكان احتكاره جائزًا.\nوالقول الثالث: أن الاحتكار خاص في قوت الآدمي دون غيره، وهذا هو الصحيح من مذهب الحنابلة (^٢)، وهو قول سعيد بن المسيب، كما سيأتي.\nواستدلوا بما يلي:\n١ - حديث أبي أمامة المتقدم: \"نهى أن يحتكر الطَّعام\"، قالوا: ومعلوم أن الطَّعام هو قوت الآدميين، وقد خُصَّ بالنهي فلا يتعداه إلى غيره.\n٢ - ما جاء في تتمة حديث الباب: (فقيل لسعيد: فإنك تحتكر، قال سعيد: إن معمرًا الذي كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر)، قال أَبو داود: (كان سعيد بن المسيب يحتكر النوى والخَبَط والبَزْرِ (^٣» (^٤)، فدل ذلك على أن الاحتكار المنهي عنه إنما هو في قوت الناس فقط.\n_________\n(^١) \"الهداية\" (٤/ ٩٢)، \"المهذب\" (١/ ٢٩٢)، \"الاحتكار وآثاره\" ص (٢٤).\n(^٢) \"المغني\" (٦/ ٣١٧).\n(^٣) النوى: عجم التمر، والخَبَط - بالتحريك -: ورق ينفض بالمخابط ويجفف ويخلط بدقيق أو غيره ويبل بالماء ويطعم الدواب، والبزر -بفتح الباء وكسرها والكسر أشهر -: كل حب يبذر للنبات.\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (٣٤٤٨).","vol":"6","page":116},{"text":"٣ - أن غير قوت الآدمي لا تعم الحاجة إليه، فأشبه الثياب والحيوانات.\nوالقول الأول هو الراجح، وهو أن الاحتكار يكون في كل شيء من أقوات الآدميين والبهائم وسائر السلع التي يحتاجها الناس. ووجه الترجيح: عموم الدليل الذي ينهى عن الاحتكار، ولأن القول بالعموم هو الذي يتفق مع العلة التي من أجلها نهى عن الاحتكار، فإن حاجة الناس قد لا تكون مقصورة على القوت، فقد تكون في الثياب كأيام الشتاء، أو في أدوية، أو نحو ذلك.\nوأما حديث: \"نهى أن يحتكر الطَّعام\"، فلا يصح الاستدلال به على تخصيص الاحتكار بالطعام لأمرين:\nالأول: أن ذكر الطَّعام من باب ذكر ما يقع فيه الاحتكار؛ لأن الطَّعام فرد من أفراده، وليس من باب تقييد المطلق.\nالثاني: أن أحاديث الاحتكار منها ما هو مطلق، ومنها ما هو مقيد بالطعام، والقاعدة في الأصول أن ما كان من الأدلة على هذا الأسلوب يعمل فيه بالمطلق على إطلاقه، ولا يقيد بالمقيد، لعدم التعارض بينهما، لكون حكمهما واحدًا.\nوأما التعليل بأن غير الأقوات لا ضرر فيه غالبًا فهو مردود، فإن حكمة النهي -كما تقدم- دفع الضرر عن عامة الناس فيما يحتاجون إليه من أقوات وغيِرها.\nوأما ما ورد عن احتكار معمر وسعيد، فالظاهر كما قال الحافظ البيهقي وغيره أنَّه محمول على احتكارٍ لا ضرر فيه، فلا يكون محرمًا (^١)، وإنما هو من قبيل الاحتكار للتوسعة على الناس وقت الحاجة، فإنه لا يجوز على سعيد بن المسيب في علمه وفضله أن يروي حديثًا عن النبي - ﷺ - ثم يخالفه، وهو على الصحابي أبعد إمكانًا، وعلى فرض التعارض وعدم القدرة على\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (٥/ ٩٠)، \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣٠).","vol":"6","page":117},{"text":"التوفيق بين الحديث وبين فعل راويه فإن العبرة عند الأصوليين في باب التعارض بما روى لا بما رأى؛ لأن الصحابي قد يطرأ عليه النسيان، ويجتهد فيخطئ، فلا يُترك المعلوم للمظنون (^١).\n\n• الوجه السادس: مذهب الجمهور على أن من حبس غلة مزرعته أو نتاج حيواناته أو إنتاج مصنعه لا يعد محتكرًا.\nقالوا: لأن ذلك خالص حقه، لم يتعلق به حق العامة، فكما أن له ألا يزرع، فكذلك له ألا يبيع.\nوالقول الثاني: أنَّه يكون محتكرًا، وبه قال بعض الحنفية (^٢)، وهؤلاء نظروا إلى وجود الضرر في حبسه.\nوالذي يظهر - والله أعلم - أن المسألة منوطة بما يترتب على ذلك من الضرر والتضييق الذي يحدده ظرف الناس ووضعهم الاقتصادي، ويؤيد ذلك ما ذكره القاضي عياض من أن الأصل في الاحتكار مراعاة الضرر، فكل ما أضر بالمسلمين وجب أن يُنفى عنهم (^٣).\nوقد رأى بعض الباحثين أن القول بالجواز محمول على زراعة مساحات قليلة قد لا تؤثر على حاجة القائم عليها، كما في الأزمنة القديمة، أما إذا كانت المساحة كبيرة والإنتاج كثيرًا، كما في عصرنا هذا بحيث يتضرر الناس بحبس الإنتاج فإنه يكون من الاحتكار (^٤)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"التبصرة\" للشيرازي ص (٣٤٣)، \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣٣٣)، \"أحاديث الاحتكار\" ص (٦٣ - ٦٤).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ١٢٩).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٣٠٩).\n(^٤) \"أحكام السوق في الإسلام\" ص (٣٤٦).","vol":"6","page":118},{"text":"<span data-type='title' id=toc-672>نهي البائع عن التصرية</span>\n٨١٥/ ٣٤ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: \"لا تُصَرُّوا الإِبِلَ والْغَنَمَ، فَمَن ابْتَاعَهَا بعدُ فَإِنَّهُ بخَيرِ النَّظَرَينِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْر، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَلمُسْلِمٍ: \"فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثلاثةَ أَيَّام\".\nوَفي رِوَايَةٍ لَهُ، عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ: \"رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَام، لا سَمْرَاءَ\"، قَال الْبُخَارِيُّ: وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ.\n٨١٦/ ٣٥ - وعَنْ ابْنِ مَسْعُود - ﵁ - قَال: مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً، فَرَدَّهَا، فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وزَادَ الإِسْمَاعِيليُّ: مِنْ تَمْرٍ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي هريرة -﵁-، فقد أخرجه البخاري في كتاب \"البيوع\"، باب \"النهي للبائع أن لا يحفِّل الإبل والبقر والغنم وكلَّ (^١) محفلة\" (٢١٤٨) من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج (^٢)، قال أَبو هريرة -﵁-، عن النبي - ﷺ - … الحديث. وأخرجه مسلم (١٥٢٤) (٢٣) من طريق داود بن قيس، عن موسى بن يسار، عن أبي هريرة -﵁-، بنحوه.\n_________\n(^١) بنصب (كلَّ) عطفًا على المفعول، من عطف العام على الخاص، إشارة إلى العموم في الأنعام وغيرها. [\"فتح الباري\" (٤/ ٣٦١)].\n(^٢) هو: عبد الرحمن بن هرمز.","vol":"6","page":119},{"text":"وأخرجه -أيضًا - (١٥٢٤) (٢٤) من طريق سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها، ورد معها صاعًا من تمر\".\nوأخرجه -أيضًا - (١٥٢٤) (٢٥) من طريق أبي عامر العقدي: حدَّثنا قرة، عن محمد، عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي - ﷺ - قال: \"من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها رد معها صاعًا من طعام لا سمراء\"، وعلقها البخاري فقال: (وقال بعضهم عن ابن سيرين صاعًا من طعام، وهو بالخيار ثلاثًا …) (^١).\nوأما أثر ابن مسعود -﵁-، فقد أخرجه البخاري في الباب المذكور (٢١٤٩) بعد حديث أبي هريرة بينه من طريق معتمر، قال: سمعت أبي (^٢) يقول: حدَّثنا أَبو عثمان، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: (من اشترى شاة محفلة فردَّها، فليرد معها صاعًا من تمر).\nوقول الحافظ: (وزاد الإسماعيلي: من تمر)، هذه اللفظة موجودة في سياق البخاري، كما تقدم، وليست من زيادة الإسماعيلي، وقد أخرج البخاري هذا الأثر مرة أخرى (٢١٦٤) وليس فيه هذه اللفظة، فلعله -﵀ - استحضر هذا الموضع، وغاب عنه ذاك، فظن أنَّها من زيادة الإسماعيلي.\nولم يظهر لي غرض الحافظ من إيراد أثر ابن مسعود - ﵁ - إلَّا أن يقال: إنه قصد به الرد على من اعتذروا عن العمل بحديث أبي هريرة - ﵁ - بأنه لم يكن في مستوى غيره من فقهاء الصحابة -﵃-، فلا يؤخذ بما رواه مخالفًا للقياس الجلي (^٣) -كما سيأتي- وهذا كلام قد آذى فيه قائله به نفسه، وفي حكايته غنى عن تكلف الرد عليه، فإن هذا الحكم لم ينفرد به أَبو هريرة -﵁-،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٦١).\n(^٢) سليمان التيمي. وأَبو عثمان هو النهدي.\n(^٣) \"المبسوط\" (٣/ ٣٩)، \"فتح الباري\" (٤/ ٣٦٤).","vol":"6","page":120},{"text":"فقد رواه غيره، كابن مسعود - ﵁ -، مما يدل على أنهما جميعًا يستضيئان بنور صادر من مشكاة النبوة، ولعل الحافظ تبع البخاري في ذلك، وكلامه في \"الفتح\" قد يستفاد منه ما تقدم. والله تعالى أعلم.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (لا تُصَروا) بضم أوله وفتح ثانيه بوزن لا تُزكوا، يقال: صَرَّى الشاة يُصَرِّيهَا تصرية فهي مصراة، مثل: غذى الطفلة يغذيها فهي مغذاة، والتصرية معناها: الجمع، تقول: صرَّيت الماء في الحوض، وصريته بالتخفيف: إذا جمعته، والمراد هنا: حبس اللبن في ضروع الإبل والغنم حتَّى يجتمع.\nوأجاز بعضهم فتح التاء وضم الصاد وتشديد الراء من الصَّرِّ بمعنى: الشد والربط، وظاهر كلام النَّسائي في ترجمته يشير إلى ذلك (^١).\n\nقوله: (الإبل والغنم) الظاهر أن ذكر الإبل والغنم دون غيرهما خرج مخرج الغالب فيما كانت العرب تصريه وتبيعه تدليسًا وغشًا؛ لأن البقر قليل في بلادهم، وغير الأنعام لا يقصد لبنها غالبًا، فلم يكونوا يصرون غير الإبل والغنم، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، وعلى هذا فالبقر داخل في الحكم، ولهذا ذكر البخاري البقر في التَّرجمة، مع أنَّها لم تذكر في الحديث.\n\nقوله: (فمن ابتاعها) أي: اشتراها.\n\nقوله: (بعد) ظرف مبني على الضم؛ لأن المضاف إليه محذوف، والتقدير: بعد التصرية.\n\nقوله: (فهو بخير النظرين) أي: يختار أحد الرأيين.\n\nقوله: (إن شاء أمسكها) أي: أبقاها في ملكه.\n\nقوله: (وإن شاء ردها وصاعًا من تمر) بنصب (صاعًا) عطفًا على\n_________\n(^١) \"سنن النَّسائي\" (٧/ ٢٥٣).","vol":"6","page":121},{"text":"الضمير في (.. ردها) بدليل رواية مسلم: \"ورد معها صاعًا\"، لكن لا بد من تأويل الفعل بفعل مناسب؛ أي: ردها وأعطى صاعًا من تمر؛ لأنه يصدق عليه أنَّه ردها، لكن ما ردَّ صاعًا وإنَّما أعطى.\n\nقوله: (من تمر) سواء كان التمر قوتًا لذلك البلد أم لا. وخصه بالتمر؛ لأنه كان غالب قوتهم في ذلك الوقت، فاستمر حكم الشرع على ذلك، وقدره الشرع بمقدار صاع من تمر لا يزيد ولا ينقص، لقطع الخصام والنزاع لو ترك تقدير ذلك إليهما بادعاءات متعددة.\nوهذا الصاع عوض عن اللبن في الضرع حال البيع، وإنَّما لم يجب مثل اللبن ولا قيمته بل وجب صاع في القليل والكثير ليكون ذلك حدًّا يرجع إليه، ويزول به التخاصم، وقد يكون في مكان لا تعرف فيه قيمة اللبن، وقد يتلف اللبن ويحصل التنازع في قلته وكثرته.\n\nقوله: (لا سمراءَ) السمراء: هي الحنطة الشامية، وذكر العيني أنَّها أغلى ثمنًا من البر الحجازي (^١)، ومعنى نفيها: أنَّه لا يلزم أن يعطي الحنطة؛ لأنها أغلى من التمر في الحجاز، وإنَّما يكفي الطَّعام الذي هو غالب قوت البلد، وهو التمر.\n\nقوله: (والتمر أكثر) أي: إن الروايات قد اختلفت فيما يرد مع المصراة، والروايات التي تنص على التمر أكثر عددًا من الروايات التي لم تنص عليه، أو أبدلته بذكر الطَّعام.\n\nقوله: (محفلة) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الفاء الموحدة، يقال: حَفَلَ اللبن في الضرع: اجتمع، وضرع حافل؛ أي: عظيم، واحتفل القوم: كثر جمعهم، ومنه سمي المحفل.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن تصرية اللبن في ضروع بهيمة الأنعام عند إرادة بيعها، وقد ورد التقييد بذلك في حديث أبي هريرة - ﵁ -\n_________\n(^١) \"عمدة القارئ\" (٩/ ٣٦٦).","vol":"6","page":122},{"text":"عند النَّسائي: \"إذا باع أحدكم الشاة أو اللقحة (^١) فلا يحفِّلها\" (^٢).\nأما التصرية لا للبيع وإنَّما ليجتمع الحليب للولد أو لعياله أو لضيف، فأجازه قوم، ومنعه آخرون، فمن منعه علل ذلك بما فيه من إيذاء الحيوان، ومن أجازه عمل بالنص المذكور آنفًا فإنه يقتضي أن التحريم مختص بحالة البيع، فيجوز فيما عداها، وأجاب عن التأذي بأنه يسير لا يحصل منه ضرر مستمر، فيغتفر لأجل المصلحة المتعلقة به، كما يغتفر تأذي الدابة في الركوب والحمل، لكن إن طالت المدة حرم لتحقق الضرر.\nوالحكمة من تحريم التصرية ما فيها من التدليس والتغرير بالمشتري جيث يظن أن هذا اللبن عادة لها، فهو من الغش والكذب وأكل أموال الناس بالباطل.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على صحة بيع المصراة، وهذا مجمع عليه، وذلك لقوله: \"إن رضيها أمسكها\" لأن الباطل لا يقره الشرع، فلما أقر الشرع البيع دل على صحته.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على ثبوت الخيار لمن اشترى بهيمة مصراة بين إمساكها وردها، وذلك إذا علم بالتصرية، سواء علم قبل الحلب أو بعده، وإنَّما ذكر الحلب قيدأ في قوله: \"بعد أن يحلبها\"؛ لأن التصرية لا تعرف غالبًا إلَّا بعد الحلب، ولو علم قبل الحلب بطريق أخرى كشهادة عدل أو اعتراف البائع، خيّر المشتري بين الإمساك والرد ولو لم يحلبها. وخياره يمتد ثلاثة أيام منذ علم بالتصرية، وهذا مذهب الجمهور مستدلين برواية مسلم.\nوالقول الثاني: أن الرد بالتصرية فوري، لقوله: \"فهو بخير النظرين\" لأن الفاء تدل على التعقيب من غير تراخٍ، ولقوله: \"وإن سخطها ردها\" وقياسًا على سائر العيوب، وهذا قول لبعض الشَّافعية، ذكر النووي أنَّه هو الأصح عندهم (^٣).\n_________\n(^١) بفتح اللام ويجوز كسرها بعدها قاف ساكنة، الناقة القريبة العهد باليج.\n(^٢) \"السنن\" (٧/ ٢٥٢).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٤٢٢).","vol":"6","page":123},{"text":"وأجابوا عن التقييد بثلاثة أيام بأنه محمول على ما إذا لم يعلم بالتصرية إلَّا في الثلاث، لكون الغالب أنَّها لا تعلم قبل مضي هذه المدة، لجواز نقصان اللبن باختلاف العلف ونحو ذلك، لكن لو علم بالتصرية قبل الثلاث فعليه أن يردها.\nوالقول الأول أرجح؛ لأن رواية مسلم: \"له الخيار ثلاثة أيام\" مقدمة على الإطلاق في قوله: كوإن سخطها ردهال، من باب حمل المطلق على المقيد، لاتحاد الحكم والسبب.\n\n• الوجه السادس: ذهب جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة، مالك والشَّافعي وأحمد إلى أن المشتري إذا رد المصراة على البائع رد معها صاعًا من تمر عوضًا عن اللبن الذي كان في ضرعها وقت البيع سواء كان قليلًا أو كثيرًا (^١)، ولو تراضيا على غير التمر من طعام البلد جاز؛ لأن الحق لهما.\nأما اللبن الحادث وهي عند المشتري فلا يرد عنه شيئًا للحديث الآتي: \"الخراج بالضمان\" فهي لما كانت في ضمان المشتري لو تلفت صار لبنها له.\nوالقول الثاني: أنَّه لا يرد شيئًا وللمشتري اللبن بدل علفها، ونسب الحافظ هذا القول لأكثر الحنفية (^٢). واعتذروا عن الحديث بأعذار لا حاجة لشغل الأوقات والأوراق بها، ومنها: أن الحديث مخالف لقياس الأصول، وهو أن اللبن مثلي فيضمن بلبن مثله، والضمان يكون بقدر المثل، وهذا ضُمِنَ بصاع مطلقًا قلَّ اللبن أو كثر.\nوهذا مردود فإن الحكم برد الصاع ثابت بالسنة، والسنة أصل، والقياس مردود إلى الكتاب والسنة، فالسنة أصل، والقياس فرع، فكيف يرد الأصل بالفرع؟! ثم إن الحديث الصحيح أصل بنفسه، فكيف يقال: إن الأصل يخالف نفسه؟! والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المدونة\" (٣/ ٢٨٧)، \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (١٠/ ٤٢٢)، \"المبسوط\" (١٣/ ٤٠)، \"الإنصاف\" (٤/ ٣٩٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٦٤).","vol":"6","page":124},{"text":"<span data-type='title' id=toc-673>النهي عن الغش</span>\n٨١٧/ ٣٦ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالتْ أَصَابِعُهُ بلَلًا، فَقَال: \"مَا هذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ \"، قَال: أَصَابَتْهُ السمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَال: \"أفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ؛ كَي يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيسَ مِنِّي\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"الإيمان\"، باب \"قول النبي - ﷺ -: \"من غشنا فليس منا\" (١٦٤) (١٠٢) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -.\nوأخرجه من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا\".\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (على صبرة) بضم الصاد وإسكان الباء هي: الكومة من الطَّعام، سميت بذلك لإفراغ بعضها على بعض، وجمعها صُبر، كغرفة وغرف.\n\nقوله: (فنالت بللًا) أي: أدركت، والبلل: بفتح الموحدة واللام، الرطوبة والنداوة، وهذا البلل كان مستورًا بالطعام اليابس.\n\nقوله: (ما هذا؟) استفهام إنكاري؛ أي: ما هذا البلل المنبئ غالبًا عن الغش.","vol":"6","page":125},{"text":"قوله: (يا صاحب الطَّعام) يحتمل أنَّه ترك نداءه باسمه لعدم العلم به، أو أنَّه للتسجيل عليه بإضافته إلى ما غش به زيادة في زجره وتوبيخه (^١).\n\nقوله: (أصابته السماء) أي: المطر، فسمَّاه باسم مكانه؛ لأنه نازل منها، وهذا من المجاز المرسل عند البلاغيين، وعلاقته المحلية.\n\nقوله: (أفلا جعلته فوق) استفهام يراد به النصح والإرشاد؛ أي: لتسلم من الغش الذي هو من أقبح الأوصاف.\n\nقوله: (كي يراه الناس) تعليل لما قبله.\n\nقوله: (من غشَّ) هذه الرواية بدون ضمير، وفي الرواية الأخرى، كما تقدم: \"من غشنا\" واللفظ الأول أعم؛ لأن الثاني معناه: من غشنا معشر المسلمين.\nوالغش: ضد النصح، مأخوذ من الغشش، وهو المشرب الكدر، والمراد هنا: كتم عيب المبيع أو الثمن، والمراد بالعيب هنا: كل وصف يعلم من حال آخذه أنَّه لو اطلع عليه لم يأخذه بذلك الثمن الذي بذله.\n\nقوله: (فليس مني) أي: ليس ممن اهتدى بهديي، واقتدى بعلمي وعملي وحسن طريقتي.\nوفي الرواية الأخرى: \"فليس منا\" أي: ليس على هدينا ومن أهل طريقتنا؛ لأن الفاعل لذلك ارتكب محرمًا وترك واجبًا. وإلَّا فذلك لا يخرجه عن الإسلام عند أهل الحق، وإنَّما هذا للمبالغة في الررع عن الوقوع في ذلك، كما يقول الرجل لولده عند معاقبته: لست مني ولست منك، فالمراد أن فاعل ذلك ليس من المؤمنين الذين قاموا بواجبات الإيمان.\nوجاء عن سفيان بن عيينة والإمام أحمد كراهة تأويله، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"دليل الفالحين\" (٤/ ٤٣٣).\n(^٢) انظر: \"تيسير العزيز الحميد\" ص (٥١٤).","vol":"6","page":126},{"text":"واعلم أن الإِمام مسلمًا -﵀ - ذكر هذا الحديث في كتاب \"الإيمان، ليبين - والله أعلم - أن الغش سبب في نقص الإيمان الواجب، الذي يستحق به صاحبه الثواب المطلق بلا عقاب، ولا يعني هذا أنَّه يخرج من الإيمان، كما تقول الخوارج، بل الصواب أن الاسم المضمر في قوله: \"منا\" ينصرف إطلاقه إلى المؤمنين الإيمان الواجب الذي به يستحقون الثواب بلا عقاب، ومن أخل بشيء من ذلك لم يجب أن يكون من غيرهم مطلقًا، بل معه من الإيمان ما يستحق به مشاركتهم في بعض الثواب، ومعه من الكبيرة ما يستحق به العقاب،\nكما يقول من استأجر قومًا ليعملوا عملًا، فعمل بعضهم بعض الوقت، فعند التوفية يصلح أن يقال: هذا ليس منا، فلا يستحق الأجر الكامل، وإن استحق بعضه (^١).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الغش في البيع والشراء، وأن الواجب على من يتعاطى البيع والشراء أن يتقي الله، وأن ينصح في المعاملة، وأن يحذر الخيانة والغش، فالغش مجمع على تحريمه شرعًا، ومذموم فاعله عقلًا.\nوقد حرم الإسلام كتم العيب؛ لأن البائع قد يعرف بسلعته عيبًا ولا يقوم بأي وسيلة من وسائل الغش لإخفائه، ولكنه لا يبينه للمشتري، بل يترك الأمر في كشف العيب لاجتهاد المشتري، وهذا لا يجوز، ومثل ذلك لو كان الغش في الثمن، وقد قال النبي - ﷺ - عن البائع والمشتري: \"فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما\" (^٢).\nوعن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"المسلم أخو المسلم، لا يحل لامرئ مسلم أن يغيِّب ما بسلعته عن أخيه، إن علم بها تركها\" (^٣).\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (١٩/ ٢٩٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢١١٠)، ومسلم (١٩٧٣).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٨/ ٦٥٣، ٦٥٤)، وابن ماجة (٢٢٤٦)، وحسنه الحافظ في فتح الباري\" (٤/ ٣١١)، وعلقه البخاري (٤/ ٣٠٩ فتح) عن عقبة بلفظ: \"لا يحل لامرئ يبيع سلعة يعلم أن بها داء إلا أخبره\".","vol":"6","page":127},{"text":"* الوجه الرابع: النهي في الحديث مرتبط بالغش في البيع؛ لأن ذلك سبب الحديث، ولكنه جاء بلفظ العموم، واللفظ العام إذا ورد على سبب خاص، وجب العمل بعموم اللفظ؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيكون الحديث دليلًا على تحريم الغش في البيع والشراء، وتحريم الغش في ذاتية البضاعة أو عناصرها أو كميتها أو وزنها أو مصدرها، ويدخل في ذلك غش العلامات التجارية، بأن يبيع نوعًا غير جيد على أنَّه جيد، والمقصود أن الغش أنواعه كثيرة، والشائع منها أن يكون المبيع أنواعًا فيه الطيب وفيه الرديء، كالتمر أو الفواكه أو الخضار ونحو ذلك، فيجعل الرديء أسفل والطيب فوق؛ لأن المشتري قد لا ينظر إلى الأسفل، أو لا يمكنه ذلك.\nوالضابط من سلامة الغش أن يكون المبيع ظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره، وأن يكون أخوك معك على بينة، ليس على غش ولا خيانة.\n\n* الوجه الخامس: كمال شريعة الرسول - ﷺ - حيث حذرت من الغش واعتبرت من يزاوله ليس على طريقة الرسول - ﷺ -، وحرص الإسلام على سلامة الكسب، وطيب المأكل، وذلك بطلب الرزق من وجوهه المشروعة، والبُعد عن المحرم من الغش والخداع والكذب، والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-674>تحريم بيع العنب ممن يتخذه خمرًا</span>\n٨١٨/ ٣٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بن بُرَيدَةَ، عَنْ أَبيهِ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ حَبَسَ الْعِنبَ أَيَّامَ الْقطَافِ، حَتى يَبيعَهُ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، فَقدْ تَقَحَّمَ النَّارَ عَلَى بَصِيرَةٍ\"، رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ في \"الأَوْسطِ\" بإِسْنَادٍ حَسَنٍ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٦/ ١٧٠، ١٧١) من طريق عبد الكريم بن أبي عبد الكريم، عن الحسن بن مسلم، عن الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من حبس العنب أيام القطاف حتَّى يبيعه من يهودي أو نصراني أو من يتخذه خمرًا … \"الحديث.\nقال الطبراني: (لا يروى عن بريدة إلَّا بهذا الإسناد). وهذا الحديث ضعيف جدًّا، بل قال أَبو حاتم: (حديث كذب باطل) (^١). وقال ابن حبان: (هذا الحديث منكر) (^٢). وقال الذهبي في ترجمة الحسن بن مسلم: (أتى بخبر موضوع في الخمر) (^٣). وساقه الحافظ ابن حجر ﵀ في \"اللسان\" ولم يعقب عليه (^٤).\nوآفة الحديث هو عبد الكريم بن أبي عبد الكريم، والحسن بن مسلم، فكلاهما لم يعرفهما أَبو حاتم، وقال في كل منهما: (حديثه يدل على الكذب) (^٥).\n_________\n(^١) \"العلل\" (١/ ٣٥٩).\n(^٢) \"المجروحين\" (١/ ٢٨٦).\n(^٣) \"الميزان\" (١/ ٥٢٢).\n(^٤) \"لسان الميزان\" (٣/ ١٢٤).\n(^٥) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٣٦ - ٣٧)، (٦/ ٦٢).","vol":"6","page":129},{"text":"أما تحسين الحافظ لهذا الحديث فهو وهم فاحش من مثله -﵀-، وقد سكت عنه في \"التلخيص\" (^١).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من حبس العنب) أي: أبقاه ومنع جنيه فلم يَقْطُفْه عند نضجه.\n\nقوله: (أيام القطاف) بكسر القاف وفتحها، وهو وقت قطف الثمر من الشجر، يقال: قطف العنب ونحوه يقطفه قطفًا، من باب ضرب وقتل: قطعه.\n\nقوله: (حتَّى يبيعه ممن يتخذه خمرًا) أي: لأجل أن يبيعه ممن يعصره خمرًا.\n\nقوله: (فقد تقحم النار على بصيرة) أي: رمى بنفسه في النار على علم بالسبب الموجب لدخوله.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم تأخير قطف العنب عن وقت استوائه إلى أن يصير زبيبًا من أجل بيعه على من يتخذه خمرًا، وأن فاعل ذلك قد عمل السبب الذي يوجب له النار، والبيع باطل؛ لأنه عَقَدَ على عيني لمعصية الله فيها، فلم يصح البيع، كما لو آجر الأمة للزنا والغناء.\nوالحديث ضعيف جدًّا كما تقدم، لكن معناه صحيح، وقد دل عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، ويدخل في ذلك نماذج كثيرة منها بيع السلاح لأهل الحرب، أو لقطّاع الطَّرِيق، أو زمن الفتنة.\nومنها تأجير المحلات للمصارف الربوية أو لمن يبيع فيها محرمًا، كالأشرطة الفاسدة، أو تاجيرها للحلاقة التي تشمل حلق اللحية، أو يؤجر منزله أو مستراحه من يجعل فيها آلات لهو، كالدشوش، والقنوات الفضائية التي تبث الخلاعة والمجون، أو يقيم فيها اجتماعات مذمومة ينتج عنها ترك الصلوات، أو فعل المحرمات.\n_________\n(^١) (٣/ ٢١).","vol":"6","page":130},{"text":"والأمر في ذلك مبني على ما علمه يقينًا أو غلب على ظنه بالقرائن القوية، ولا خلاف بين العلماء في تحريم ما ذكر مع القصد والتعمد (^١).\nفإن كان الأمر محتملًا، مثل أن يشتري الزبيب من لا تعلم حاله أو يستأجر المكان مَنْ ظاهره الصلاح فالبيع والتأجير جائزان، وقد أخرج النَّسائي بسنده عن مصعب بن سعد قال: كان لسعد كروم وأعناب كثيرة، وكان له فيها أمين، فحملت عنبًا كثيرًا، فكتب إليه: إني أخاف على الأعناب الضيعة، فإن رأيت أن أعصره عصرته، فكتب إليه سعد: إذا جاءك كتابي هذا فاعتزل ضيعتي، فوالله لا أئتمنك على شيء بعده أبدًا، فعزله عن ضيعته (^٢).\nوهذا - والله - من كمال الورع والتقوى، والحرص على الكسب الحلال، وعدم الاغترار بالدنيا ومتاعها، وهذا هو المتعين على كل مؤمن يتعاطى البيع والشراء، أو له ضيعة يبيع ثمرتها، أو مصنع يبيع إنتاجه، فرضي الله عن الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص، وعن جميع الصحابة أجمعين، ورحم الله امرءًا اتقى الله في بيعه وشرائه، والله المستعان.\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (٥/ ١٧٤).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (٩/ ٢١٨)، وابن أبي شيبة (٦/ ٥٩٨)، والنَّسائي (٨/ ٣٢٨)، وصححه الألباني في \"صحيح سنن النَّسائي\" (٣/ ١١٥٣).","vol":"6","page":131},{"text":"<span data-type='title' id=toc-675>ما جاء في أن الخراج بالضمان</span>\n٨١٩/ ٣٨ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الْخرَاجُ بالضَّمَانِ\"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وضَعَّفَهُ الْبخَارِيُّ، وأَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ، وابْنُ حِبَّانَ، والْحَاكِمُ، وابْنُ الْقَطَّانِ.\n\n* الكلام عليه علي من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أَبو داود في كتاب \"البيوع\"، بابٌ \"فيمن اشترى عبدًا فاستعمله ثم وجد به عيبًا\" (٣٥٠٨)، والتِّرمِذي (١٢٨٥، ١٢٨٦)، والنَّسائي (٧/ ٢٥٤)، وابن ماجة (٢٤٤٢)، وأحمد (٤٠/ ٢٧٢)، وابن حبان (١١/ ٢٩٩)، والحاكم (٢/ ١٥) كلهم من طريق ابن أبي ذئب، عن مَخْلد بن خُفاف، عن عروة، عن عائشة -﵂-، به مرفوعًا. وقال التِّرمِذي: (هذا حديث حسن صحيح).\nوالحديث رجاله ثقات غير مخلد بن خُفاف بن إيماء الغفاري، فقد وثقه ابن وضاح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^١). وقال البخاري: (فيه نظر) (^٢). وقال الحافظ في \"التقريب\": (مقبول) أي: عند المتابعة. وعلى هذا فمثله يقبل حديثه في المتابعات.\nلكن نقل التِّرمِذي في \"علله\" (^٣) أن البخاري قال: (هذا حديث منكر) وقال أَبو حاتم: (وليس هذا إسناد تقوم به حجة … غير أني أقول به، لأنه أصلح من آراء الرجال) وساق العقيلي طرق هذا الحديث، ثم قال: (وهذا الإسناد فيه ضعف).\n_________\n(^١) (٧/ ٥٠٥).\n(^٢) \"الضعفاء\" للعقيلي (٤/ ٢٣٠).\n(^٣) انظر: \"العلل الكبير\" (١/ ٥١٣ - ٥١٤)، \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٣٤٧)، \"الضعفاء\" (٤/ ٢٣٠).","vol":"6","page":132},{"text":"وقد تابع مخلدًا هشام بن عروة، عن أبيه، أخرجه أَبو داود (٣٥١٠)، وابن ماجة (٢٢٤٣)، وابن الجارود (٦٢٦)، وابن حبان (١١/ ٢٩٨)، والحاكم (٢/ ١٥) وقال: (صحيح الإسناد) وسكت عنه الذهبي، وهذا فيه نظر، فإن مسلم بن خالد وهو الزَّنجي ضعيف، ضعفه ابن المديني، والبخاري، وغيرهما، بل ضعفه الذهبي نفسه (^١)، وقال أَبو داود عقب الحديث: (هذا إسناد ليس بذاك) (^٢).\nوممن تابعه -أيضًا- خالد بن مهران، أخرجه الخطيب في \"تاريخه\" (٨/ ٢٩٧، ٢٩٨) من طريق إبراهيم بن عبد الله الهروي، حدَّثنا أَبو الهيثم خالد بن مهران -وكان مرجئًا-، عن هشام .. ونقل الخطيب توثيق ابن معين لخالد بن مهران، وإبراهيم بن عبد الله لا بأس به.\nولعل الحديث بهذه المتابعات وغيرها يصل إلى درجة الحسن، ولا سيما أن أهل العلم تلقوا هذا الحديث بالقبول -كما يقول الطحاوي (^٣) - وعملوا به، ومقتضى النظر الفقهي يقوي معناه.\nوالحديث صححه -أيضًا- ابن القطان (^٤)، كما ذكر الحافظ هنا، ونقله عنه -أيضًا- في \"التلخيص\" (^٥).\nوالحديث له سبب وهو أن رجلًا اشترى غلامًا، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبًا، فخاصمه إلى النبي - ﷺ - فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول الله قد استغل غلامي، فقال رسول الله - ﷺ -: \"الخراج بالضمان\".\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الخراج) بفتح الخاء المعجمة، ما يخرج ويحصل من الفوائد والمنافع الحاصلة من العين المباعة أو المؤجرة، مثل ثمرة الشجر، ولبن الحيوان ونسله، والانتفاع بالدار أو الدابة أو السيارة، وقد جاء الحديث بلفظ: \"الغلَّة بالضمان\" (^٦)، وهذا يفسر لفظ \"الخراج\" بما تقدم من المعنى.\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" (١/ ٥١٤)، \"الميزان\" (٤/ ١٠٢، ١٠٣)، \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١١٥).\n(^٢) \"السنن\" (٣/ ٥٨٤)، \"الإرواء\" (٥/ ١٥٩).\n(^٣) \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٢٢).\n(^٤) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٤٩٤).\n(^٥) (٣/ ٢٥).\n(^٦) \"مستدرك الحاكم\" (٢/ ١٥).","vol":"6","page":133},{"text":"قوله: (بالضمان) الباء للسببية، وهي مع مجرورها متعلقان بمحذوف خبر للمبتدأ، والتقدير: الخراج مستحق بالضمان، وقيل: إنها للمقابلة (^١)، وهذا أقرب؛ أي: الخراج مقابل الضمان، والضمان: الكفالة والالتزام، والمراد هنا: المؤونة، كالإنفاق والحفظ وتحمل التلف والهلاك، ونحو ذلك.\nوالمعنى: أن ما يحصل من فوائد ومنافع العين المباعة يكون للمشتري في مقابل ضمانه للعين المباعة، إذ لو تلفت العين كانت من ضمانه، ولم يكن له على البائع شيء، ومثل ذلك العين المؤجرة.\n\n• الوجه الثالث: هذا الحديث مع إيجازه من جوامع الكلم، لاشتماله على معانٍ كثيرة ومسائل عديدة، وهو عند الفقهاء من القواعد الثابتة المستقلة، ولذا أورده العلماء ضمن القواعد الفقهية التي ينطوي تحتها فروع كثيرة، ولهم في ذلك تعبيرات متعددة.\nفمن اشترى ماشية فحلبها، أو أرضًا فاستعملها، أو سيارة فركبها أو حمل عليها، ثم وجد بشيء من ذلك عيبًا فله أن يرد العين المباعة، ويأخذ الثمن، ولا شيء عليه فيما انتفع به، بل هو مقابل ضمانه المبيع؛ لأنه لو تلف في يده لكان من ضمانه.\nوقد فرَّع الفقهاء على هذه القاعدة مسائل كثيرة، منها:\n١ - أن مؤنة ردِّ العين المنتفع بها في الإجارة على المؤجر؛ لأن العين المستأجرة مقبوضة لمنفعته بأخذ الأجر، وأما مؤنة رد العارية فهو على المستعير؛ لأن منفعتها له.\n٢ - إذا احتاج ملك مشترك للتعمير، فعلى كل واحد من الشركاء أن يدفع النفقات بنسبة حصته في ذلك (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ذكر ذلك الونشريسي المالكي في كتابه \"المعيار المعرب\" (٤/ ٣٤٦) أثناء كلامه على معاني: \"الباء\".\n(^٢) انظر في هذه القاعدة: \"القواعد والضوابط الفقهية، للمعاملات المالية عند ابن تيمية\" تأليف: عبد السلام الحصين (٢/ ٢٥٤)، \"جمهرة القواعد الفقهية المالية\" تأليف: علي الندوي (١/ ١٨٣).","vol":"6","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-676>حكم تصرف الفضولي</span>\n٨٢٠/ ٣٩ - عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقيِّ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَري بهِ أُضْحِيةً، أَوْ شَاة، فَاشْتَرَى شَاتَينِ، فَبَاعَ إحْدَاهُمَا بدِينَارٍ، فَأَتَاهُ بشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ بالْبَركَةِ في بَيعِهِ، فَكَانَ لَوْ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسائيَّ.\nوَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِي ضِمْن حَدِيثٍ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ.\n٨٢١/ ٤٠ - وَأَوْرَدَ لَهُ التِّرْمذِيُّ شَاهِدًا: مِنْ حَدِيثِ حكيمِ بْنِ حِزَامِ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عروة بن الجعد، ويقال: ابن أبي الجعد البارقي -﵀-، قال ابن حبان: (بارق: جبل ينزله الأزد …) له أحاديث، استعمله عمر - ﵁ - على قضاء الكوفة، وحديثه عند أهلها، وكان فيمن حضر فتوح الشام ونزلها، قال شبيب بن غرقدة: رأيت في دار عروة بن الجعد سبعين فرسًا (^١) مربوطة، رغبة في رباط الخيل؛ لأنه هو راوي حديث: \"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (^٢) \" (^٣).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث عروة فقد أخرجه أَبو داود في كتاب \"البيوع\"، بابٌ \"في المُضارب يخالف\" (^٤) (٣٣٨٤)، والتِّرمِذي (١٢٥٨)، وابن ماجة (٢٤٠٢)،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٤٣)، وأحمد (٣٢/ ١٠٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣١١٩)، ومسلم (١٨٧٣).\n(^٣) \"الثقات\" (٣/ ٣١٤)، \"الاستيعاب\" (٨/ ٨٤)، \"الإصابة\" (٦/ ٤١٤).\n(^٤) الحديث لا يدل صريحًا على ما ترجم له أَبو داود -﵀ -؛ لأن القصة المذكورة فيه =","vol":"6","page":135},{"text":"وأحمد (٣٢/ ١٠٠) من طريق شبيب بن غرقدة أنَّه سمع الحيَّ يخبرون، عن عروة البارقي … وساق الحديث. وعند البيهقي (٦/ ١١٢): (عن شبيب بن غرقدة سمع قومه يحدثون عن عروة …).\nوإسناده صحيح على شرط البخاري، وقوله: (سمع الحيَّ يخبرون) يعني: قبيلة عروة، وقد تكلم بعض العلماء في صحة إسناد هذا الحديث، وحاولوا تضعيفه بدعوى أن الحي مجهولون، ومن هؤلاء البيهقي، فقد حكم على هذا الإسناد بالانقطاع (^١)، وتبعه آخرون. والصواب خلاف ذلك، فإن رواية الحديث عن أهل الحي يدل على تأكيد صحته؛ لأن الحي يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب، ولذا قال الحافظ: (الصواب أنَّه متصل، في إسناده مبهم) (^٢). وقال: (هذا يقتضي أن يكون سمعه من جماعة أقلُّهم ثلاثة …) (^٣)، وقال الألباني: (وهذا لا يضر؛ لأن المبهم جماعة من أهل الحي أو من قومه، كما في الرواية الأخرى، وهي للبيهقي، فهم عدد تنجبر به جهالتهم، وكأنه لذلك استساغ البخاري إخراجه في \"صحيحه\" …) (^٤).\nوقول الحافظ: (وقد أخرجه البخاري ضمن حديث، ولم يسق لفظه) هذا وهم منه، فإن البخاري روى الحديث، وساقه بلفظه من طريق شبيب بن غرقدة في كتاب \"المناقب\" (٣٦٤٢) والحافظ قد ساق هذا الحديث مرة أخرى في \"البلوغ\" في باب: (الشَّرِكة والوكالة) وقال هناك: (رواه البخاري في أثناء حديث) وسأسوق لفظه هناك، إن شاء الله تعالى.\nوأما حديث حكيم بن حزام فقد أخرجه التِّرمِذي (١٢٥٧) من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن حكيم بن حزام - ﵁ -.\nوهذا سند ضعيف، قال التِّرمِذي: (حبيب بن أبي ثابت لم يسمع عندي من حكيم بن حزام) وهو ثقة، لكنه كثير الإرسال والتدليس.\n_________\n= ليست من باب المضاربة. [\"عون المعبود\" (٩/ ٢٤٠)].\n(^١) \"السنن الصغير\" (٢/ ٣١٨).\n(^٢) \"التلخيص\" (٣/ ٥)، \"فتح الباري\" (٦/ ٦٣٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٦٣٤).\n(^٤) \"الإرواء\" (٥/ ١٢٨).","vol":"6","page":136},{"text":"• الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز تصرف الفضولي إذا رأى المصلحة في جانب موكله، وإن لم يعين له ذلك.\nوالفضولي عند الفقهاء: من يتصرف في حق الغير بلا إذن شرعي، من بيع أو إجارة أو رهن أو هبة ونحو ذلك من العقود والتصرفات، وهذا المعنى الشرعي راجع للمعنى اللغوي، فإن الفضولي في اللغة وصف يستعمل في حق من يشتغل بما لا يعنيه، نسبة إلى الفضول جمع فضل، وهو الزِّيادة.\nفإذا اشترى شيئًا لم يأذن فيه صاحبه، فإن الشراء صحيح، ويكون موقوفًا على إجازة صاحبه، فإن أمضى التصرف وأجازه صح، وإن لم يمضه لزمه هو؛ لأن صاحبه لم يأذن له فيه، فقد كان عروة - ﵁ - فضوليًّا في شرائه الشاة الثانية ثم بيعها بعد ذلك، ولو كان بيعه وشراؤه باطلًا ما أقره النبي - ﷺ - عليه، وما استحلَّ لنفسه الدينار، بل لأَمَره بإعادته إلى صاحبه وَرَدِّ الشاة، فدل ذلك على أن عقده كان صحيحًا موقوفًا على الإجازة، وقد أجازه النبي - ﷺ - ودعا له بالبركة في بيعه، وهذا عنوان الرضا.\nوهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه، وهو رواية عن الإِمام مالك، وعن الإِمام أحمد، اختارها الشيخ عبد الرحمن السعدي (^١)، والشيخ عبد العزيز بن باز.\nوالقول الثاني: أن تصرف الفضولي لا يصح؛ لأن الموكِّل لم يرضَ بخروج نقوده من ملكه على غير الوجه الذي يرتضيه، وهذا قول الشَّافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة (^٢). واستدلوا بحديث حكيم بن حزام: \"لا تبع ما ليس عندك\" (^٣) أي: ما ليس في ملكك وحيازتك، والفضولي يبيع ما ليس عنده، وهو بيع منهي عنه بهذا الحديث وأمثاله.\nوالقول الأول أرجح، فإن حديث الباب نص صريح في جواز ذلك؛\n_________\n(^١) \"المدونة\" (٢/ ١٥٥، ١٥٦)، \"المغني\" (٦/ ٢٩٥)، \"المختارات الجلية\" ص (٨٦).\n(^٢) \"المجموع\" (٩/ ٢٥٩)، \"الإنصاف\" (٤/ ٢٨٣).\n(^٣) تقدم تخريجه في باب \"من مسائل البيع\".","vol":"6","page":137},{"text":"لأن المخالفة إذا كان المقصود منها تحقيق النفع والمصلحة للموكل فينبغي أن تقبل، وأن يشكر المتصرف على ذلك، ولا يأبى مثل هذا إلَّا جاهل أو أحمق، والمسلم مرآة أخيه ينظر له وينصح له. وقد نقل الحافظ عن الشَّافعي أنَّه قال: (إن صح الحديث قلت به) (^١).\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الربح ليس له حد معين؛ لأنه رزق من الله تعالى، وله تأثر بظروف التجارة، وهو خاضع لنظام العرض والطلب، فقد يشتري البائع السلعة بثمن رخيص، ثم ترتفع الأسعار فيربح كثيرًا، وقد يشتريها في الغلاء بثمن مرتفع فتنزل قيمتها.\nووجه الاستدلال من الحديث: أن عروة - ﵁ - ربح في بيعه الضعف، فإنه اشترى شاتين بدينار، وباع إحداهما بدينار ولم ينكر عليه النبي - ﷺ -. لكن ينبغي للبائع ملاحظة الآداب الشرعية من الرفق بالناس، والتيسير عليهم، والرضا باليسير، والسماحة في البيع والشراء أخذًا بقول النبي - ﷺ -: \"رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى\" (^٢).\n\n• الوجه الخامس: استدل العلماء بهذا الحديث على أن شراء الأضحية ليس تعيينًا لها بحيث لا تبدل؛ لأن الشراء يراد لأمور كثيرة، وإنَّما تتعين باللفظ بأن يقول: هذه أضحية .. أو يذبحها بنية الأضحية وإن لم يتلفظ بذلك، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (٣/ ٥)، \"فتح الباري\" (٦/ ٦٣٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٧٦) من حديث جابر -﵁-، وقد أنكره أَبو حاتم، كما في \"العلل\" (١١٤٦).","vol":"6","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-677>من مسائل بيوع الغرر</span>\n٨٢٢/ ٤٢ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-، أَن النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ شِرَاءِ مَا في بُطُونِ الأَنْعَامِ حَتى تَضَعَ، وَعَنْ بَيعِ مَا في ضُرُوعِهَا، وَعَنْ شِراءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِق، وَعَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ حَتى تُقْسَمَ، وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ، وَعَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَة، والْبَزَّارُ، وَالدَّارَقُطْنيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيف.\n٨٢٣/ ٤٣ - وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁-، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لا تَشْتَرُوا السَّمَكَ في الْمَاءِ؛ فَإِنَّهُ غَرَرٌ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الصَّوَابَ وَقْفهُ.\n\n• الكلام عليهما من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجهما:\nحديث أبي سعيد - ﵁ - أخرجه التِّرمِذي (١٥٦٣)، وابن ماجة (٢١٩٦)، وأحمد (١٧/ ٤٧٠)، والدارقطني (٣/ ٤٤)، والبيهقي (٥/ ٣٣٨) من طريق جهضم بن عبد الله اليمامي، عن محمد بن إبراهيم الباهلي، عن محمد بن زيد العبدي، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد -﵁-، به مرفوعًا.\nوهذا سند ضعيف جدًّا، ضعفه ابن حزم (^١)، والبيهقي، والحافظ ابن حجر وغيرهم؛ لأن محمد بن يزيد العبدي مجهول كما في \"التقريب\"، وكذا محمد بن إبراهيم الباهلي (^٢)، وشهر بن حوشب متكلم فيه، فقد وثقه أحمد\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٨/ ٣٩).\n(^٢) انظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (١١٠٨، ١١٠٩).","vol":"6","page":139},{"text":"وابن معين والعجلي ويعقوب بن شيبة، وقال النَّسائي وغيره: (ليس بالقوي)، وقال ابن عدي: (لا يحتج به، ولا يتدين بحديثه) (^١). وجهضم اليمامي: ثقة، إلَّا أن حديثه منكر فيما روى عن المجهولين، وهذا منها (^٢).\nولكن مع ضعف سنده فإن متنه تعضده أحاديث أُخر صحيحة، ولهذا قال البيهقي: \"وهذه المناهي وإن كانت في هذا الحديث بإسناد غير قوي فهي داخلة في بيع الغرر الذي نُهي عنه في الحديث الثابت عن رسول الله - ﷺ -). ولعله يقصد بذلك حديث أبي هريرة - ﵁ - المتقدم في باب \"النهي عن بيع الغرر\".\nوأما حديث ابن مسعود - ﵁ -، فقد أخرجه أحمد (٦/ ١٩٧)، والبيهقي (٥/ ٣٤٠) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن المسيب بن رافع، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، به مرفوعًا.\nوهذا سند ضعيف، يزيد بن أبي زياد وهو الهاشمي الكوفي ضعيف، والمسيب بن رافع لم يسمع من ابن مسعود. وقد روي مرفوعًا، وموقوفًا. قال البيهقي: (هكذا روي مرفوعًا، وفيه إرسال بين المسيِّب وابن مسعود، والصحيح ما رواه هُشَيم، عن يزيد موقوفًا على عبد الله …)، وممن رجح وقفه: الدارقطني (^٣)، والخطيب، وابن الجوزي، وغيرهم.\nوقول الحافظ: (وأشار أحمد إلى وقفه) يعني به: قول عبد الله ابن الإِمام أحمد قال أبي: (حدَّثنا هُشَيم، عن يزيد، فلم يرفعه …)، وقد نقل ذلك الطبراني (^٤)، والخطيب (^٥).\n\n• الوجه الثاني: اشتمل الحديثان على سبعة أنواع من بيوع الغرر التي نهى عنها الإسلام لما فيها من أكل أموال الناس بالباطل، وما تفضي إليه من النزاع الذي يثمر العداوة والبغضاء بين المسلمين.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٥٤).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ١٠٣).\n(^٣) \"العلل\" (٥/ ٢٧٥).\n(^٤) \"المعجم الكبير\" (١٠/ ٢٥٨).\n(^٥) \"تاريخ بغداد\" (٥/ ٣٦٩).","vol":"6","page":140},{"text":"والحديثان وإن كان فيهما المقال المتقدم، لكن هذه البيوع منها ما ورد فيه أدلة أخرى صحيحة، ومنها ما هو داخل في عموم حديث أبي هريرة - ﵁ - المتقدم -: (نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الغرر) رواه مسلم.\nوبهذا يمكن أن نقول: بأن جميع ما ورد في الحديثين قد ثبت النهي عنه، إما صراحة بأدلة مستقلة، وإما ضمنًا لدخوله في عموم أحاديث النهي عن بيع الغرر، وهذه الأنواع هي:\nالأول: شراء ما في بطون الأنعام حتَّى تضع، والمراد بذلك بيع الحمل في بطن أمه، وهذا هو بيع الملاقيح المنهي عنه، على تفسير أكثر العلماء.\nوعلة النهي عنه ما فيه من الغرر من جهتين:\nالأولى: الجهالة، فإنها لا تعلم صفته ولا حياته، ولا يدرى هل يخرج أو لا يخرج، وإذا خرج لا يدرى أيكون تامًّا أم ناقصًا، ذكرًا أو أنثى؟! وهذا كله يتفاضل بالقيمة.\nالثانية: تعذر تسليمه في الحال. وأحد هذين الأمرين يفسد العقد، فإذا اجتمعا تأكد النهي وفساد العقد.\nالثاني: بيع ما في ضروع الأنعام، وهو اللبن، وعلة النهي ما فيه من الغرر بسبب جهالة المقدار، إذ قد يرى امتلاء الضرع من السِّمَن فيظن أنَّه من اللبن فيحصل النزاع، كما أن فيه الجهالة بصفته، لأن الألبان تختلف في جودتها وخفتها وحلاوتها.\nأما شراء اللبن وبيعه كيلًا أو وزنًا، بأن يتعامل المشتري مع صاحب أبقار على مقدار معين كل يوم مثل: مائة كيلو، فهذا جائز إذ لا غرر في ذلك من جهة المقدار؛ لأن البائع إذا لم يفِ بالمقدار المطلوب فإن المشتري يدفع من الثمن بمقدار ما أخذ.\nالثالث: بيع العبد وهو آبق، والآبق: هو العبد الهارب من سيده، فلا يجوز بيع العبد الآبق ونحوه كالجمل الشارد، والمال الضائع.\nوعلة المنع هي عدم القدرة على تسليمه، وظاهر الحديث أنَّه لا فرق بين","vol":"6","page":141},{"text":"أن يُعلم مكانه أو يجهل، وفي المسألة خلاف بين الفقهاء، فمنهم من أجاز بيعه إذا علم مكانه وكان المشتري قادرًا على رده؛ لأن الحكم يثبت بعلته ويزول بزوالها، ومنهم من منع بيعه مطلقًا (^١).\nالرابع: شراء المغانم حتَّى تقسم. والمغانم: جمع مغنم، وهو ما اسْتُولي عليه قهرًا من أموال الكفار المحاربين، فهذا لا يجوز بيعه. وعلة النهي: الجهالة؛ لأن نصيب الغانم مجهول المقدار، ثم إنه باع ما لا يملك.\nالخامس: شراء الصدقات حتَّى تقبض، فهذا لا يجوز للجهالة بالمقدار، ولأنه باع ما لا يملك، كالذي قبله.\nالسادس: النهي عن ضربة الغائص، فلا يجوز بيعها، ومعناها: أن يقول الغواص في البحر للتاجر: أغوص غوصة فما أخرجه من اللآلي فهو لك بكذا.\nوعلة النهي: هي الغرر بسبب الجهالة، فإنه قد يحصِّل شيئًا كثيرًا وقد يحصل شيئًا قليلًا، وقد لا يحصل شيئًا، وأيضًا لعدم ملك البائع للمبيع حين العقد.\nالسابع: شراء السمك في الماء، فلا يجوز بيع السمك وهو في الماء، وهذا يشمل بيعه قبل أن يُصطاد، وهذا لا يجوز باتفاق العلماء؛ لأنه قبل صيده مال مباح غير مملوك لأحد، فلا يكون محلًا للبيع.\nويشمل بيعه بعد أن يملك بالصيد أو غيره وهو لا يزال في الماء، كأن يحوزه في شبكة ونحوها، فهذا لا يجوز للجهل به، فإن السمك في الماء غير معروف المقدار، ومثل ذلك أن يقول: أصيد لك سمكة أو سمكتين بكذا، فلا يجوز للجهالة بالمقدار فقد تكون صغيرة وقد تكون كبيرة، وأيضًا لعدم القدرة على الحصول عليه وتسليمه للمشتري.\nوقد استثنى الفقهاء ما إذا كان السمك بماء مَحوزٍ كبركة يسهل أخذه\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" (٦/ ٢٨٩).","vol":"6","page":142},{"text":"ويعرف حجمه لصفاء الماء، فهذا يجوز لإمكان التسليم وانتفاء الجهالة بالمقدار.\nومثل ذلك بيع الطير في الهواء، فإنه لم يرد نص في هذه المسألة لكنها شبيهة ببيع السمك في الماء، فلا يجوز بيع الطير في الهواء - مثل الحمام - مطلقًا، سواء اعتاد الرجوع إلى مكانه أم لا، لما فيه من الغرر، ولأنه لا يوثق برجوعه، فقد يُرمى وقد يهلك، فهو غير مقدور على تسليمه، وهذا مذهب الحنابلة والشَّافعية والحنفية.\nوالقول الثاني: إن أَلِفَ الرجوع صح بيعه، وهو اختيار ابن عقيل الحنبلي وبعض الحنفية، فإن رجع وإلَّا للمشتري الفسخ (^١)، وهذا هو الأظهر، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٦/ ٢٩٠)، \"الإنصاف\" (٤/ ٢٩٣).","vol":"6","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-678>من مسائل بيوع الغرر أيضًا</span>\n٨٢٤/ ٤٤ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حَتى تُطْعِمَ، وَلا يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهرٍ، وَلا لَبَنٌ في ضَرْع، رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ في \"الأَوْسَطِ\"، وَالدَّارَقُطْنيُّ.\nوَأَخْرَجهُ أَبُو دَاوُدَ في \"الْمَرَاسِيل\" لِعِكْرِمَةَ، وَهُوَ الرَّاجِح.\nوأَخْرَجَهُ أَيضًا مَوْقُوفًا على ابنِ عباسٍ بإسنادٍ قَويٍّ، وَرَجَّحَهُ البيهقيُّ.\n٨٢٥/ ٤٥ - وعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁-، أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيعِ الْمَضَامِينِ، والْمَلاقِيحِ. رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَفي إسْنَادِهِ ضعْفٌ.\n\n* الكلام عليهما من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عبَّاس - ﵄ - فقد أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٤/ ٤٣٠) وفي \"الكبير\" (١١/ ٣٣٨)، وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ٦٥)، والدارقطني (٣/ ١٤، ١٥)، والبيهقي (٥/ ٣٤٠) من طريق عمر بن فروخ، حدثني حبيب بن الزُّبَير، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس -﵄-، به مرفوعًا، وزاد ابن عدي والدارقطني والبيهقي: (أو سمنٍ في لبن).\nوقد ذكر الطبراني أنَّه لم يروه عن حبيب بن الزُّبَير إلَّا عمر بن فروخ. وقال البيهقي: (تفرد برفعه عمر بن فروخ، وليس بالقوي)، فتعقبه ابن التركماني فقال: (عمر هذا يعرف بالقتاب (^١)، ولم يتكلم فيه أحد بشيء من جرح فيما\n_________\n(^١) القتاب: -بالباء-: صاحب الأقتاب وهي جمع قتب، وهي الإكاف الصغير على سنام البعير.","vol":"6","page":144},{"text":"علمت غير البيهقي، وذكره البخاري في \"تاريخه\" وسكت عنه، ولم يتعرض ابن عدي إلى ضعفه، بل وثقه ابن معين وأَبو حاتم، ورضيه أَبو داود). وقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^١). وقال الحافظ عن عمر هذا: (صدوق ربما وهم).\nوقد أخرجه أَبو داود في \"المراسيل\" (١٧١) من طريق ابن المبارك، عن عمر بن فروخ، عن عكرمة، عن النبي - ﷺ - بمعناه، ورواه ابن أبي شيبة (٥/ ٥٣٤)، ومن طريقه الدَّارَقُطني (٣/ ١٥) من طريق عمر، عن حبيب بن الزُّبَير، عن عكرمة به. ولا يبعد أن يكون الوهم من عمر بن فروخ هذا، حيث روى الحديث عن عكرمة، عن ابن عبَّاس موصولًا، ورواه عن عكرمة مرسلًا، ورواه مرة عن حبيب بن الزُّبَير عن عكرمة، وأخرى عن عكرمة من غير واسطة.\nوأخرجه -أيضًا - (١٧٥)، من طريق زهير بن معاوية، وابن أبي شيبة (٦/ ٤٣٣) من طريق أبي الأحوص، كلاهما عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس موقوفًا.\nوأَبو إسحاق وهو السبيعي اختلط بأخرة، والراوي عنه أَبو الأحوص، وهو ثقة، وزهير بن معاوية وهو ممن سمع منه بعد الاختلاط، لكن تابعه سفيان، كما أخرجه عبد الرزاق (٨/ ٧٥)، والدارقطني (٣/ ١٥)، والبيهقي (٥/ ٣٤٥)، والثوري ممن سمع من أبي إسحاق قبل اختلاطه، كما صرح بذلك الحافظ في مقدمة \"فتح الباري\" (^٢).\nلكن تبقى رواية أبي إسحاق عن عكرمة في جميع هذه الطرق بالعنعنة وهو مدلس، كما وصفه بذلك النَّسائي والذهبي والعلائي وابن حبان وغيرهم.\nفهذه ثلاثة أوجه لهذا الحديث، روي مسندًا، وروي مرسلًا، وروي موقوفًا، وقد رجح البيهقي الموقوف -كما ذكر الحافظ - وقال: (إنه هو المحفوظ).\nوقد أخرج الإِمام أحمد الجزء الأول من هذا الحديث فقط مرفوعًا بلفظ: \"لا يباع الثمر حتَّى يُطعِمَ\"، وإسناده صحيح على شرط الشيخين (^٣).\n_________\n(^١) (٦/ ١٨٦).\n(^٢) \"هدي الساري\" (٤٣١).\n(^٣) \"المسند\" (٤/ ١١٣).","vol":"6","page":145},{"text":"وأما حديث أبي هريرة - ﵁ -، فقد أخرجه البزار (١/ ٥٠٧ مختصر زوائده) من طريق صالح بن أبي الأخضر، عن الزُّهْريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة - ﵁ -، به مرفوعًا.\nقال البزار: (لا نعلم أحدًا رواه هكذا إلَّا صالح، ولم يك بالحافظ)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (ضعيف، يعتبر به) أي: يصلح للاعتبار والاستشهاد.\nوقال في كتابه \"الدراية\": (فيه صالح بن أبي الأخضر وهو ضعيف، والمعروف عن سعيد بن المسيب موقوف، أخرجه مالك في \"الموطأ\" (^١) عن الزُّهْريّ عنه) (^٢).\n\n• الوجه الثاني: في هذين الحديثين بعض من بيوع الغرر وقد تقدم سبعة منها، وهذه بقيتها:\nفالثامن: النهي عن بيع الثمرة حتَّى تُطْعِم، بضم التاء وسكون الطاء وكسر العين؛ أي: حتَّى يبدو صلاحها وتصير طعامًا يطيب أكلها، يقال: أطعمت الشجرة: إذا أثمرت، وأطعمت الثمرة: إذا أدركت؛ أي: صارت ذات طعم وشيئًا يؤكل منها، ويجوز فتح العين (حتَّى تُطْعَمَ) أي: تؤكل، ولا تؤكل إلَّا إذا أدركت (^٣).\nفلا يجوز بيع الثمار حتَّى يدخلها الطَّعَمُ ويبتدئ فيها النضج، وهذا إذا بيعت بشرط تركها، وعلة النهي ما فيه من الغرر؛ لأنه لا يدرى هل يبقى الثمر إلى أن ينضج أم تصيبه آفة فيهلك؛ وسيأتي - إن شاء الله - بحث هذه المسألة في باب \"بيع الأصول والثمار\"، أما بيعها بشرط قطعها في الحال فيصح إذا كان الثمر يُنْتَفَعُ به.\nالتاسع: بيع الصوف على الظهر، فلا يجوز بيع الصوف ما دام على ظهر\n_________\n(^١) \"الموطأ\" (٢/ ٦٥٤).\n(^٢) \"الدراية\" (٢/ ١٤٩).\n(^٣) \"النهاية\" (٣/ ١٢٥).","vol":"6","page":146},{"text":"الدابة؛ لأنه مجهول، فيفضي إلى الغرر والخصومة والنزاع في موضع قصه وجزه، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو قول الحنفية على ما في ظاهر الرواية، وهو قول الشَّافعية هاسحاق وابن المنذر (^١)، واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز، عملًا بهذا الحديث؛ لأن العلة ظاهرة في المنع.\nوالقول الثاني: جواز بيع الصوف على الظهر بشرط جزه في الحال. ووجه الجواز أنَّه معلوم مشاهد يمكن تسليمه في الحال، وهو قول مالك، ورواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (^٢).\nوالقول الأول وجيه في نظري، لوجود الغرر الذي من شأنه أن يفضي إلى النزاع؛ لأن تحديد موضع الجز غير واضح، كما أنَّه قد يفضي إلى إيذاء الحيوان، فإن المشتري يريد أن يستأصل الصوف، فيؤذي الحيوان ولا يبقى عليه شيء، والبائع يريد أن يرفع الجزَّ قليلًا ليبقى على الحيوان شيء منه. ثم إنه لا حاجة إلى البيع على هذه الصفة؛ لأنه من الممكن بيع الصوف بعد جزه.\nالعاشر: بيع المضامين، وقد فسره أكثر العلماء بما في أصلاب الفحول، بمعنى أن يحمل البائعُ الفحلَ على ناقته فما أنتجته كان للمشتري بكذا. وفسره بعضهم بما في أرحام الإناث أو ما في بطون الحوامل، وعلة النهي أن المبيع مجهول الصفة، ومتعذر التسليم.\nالحادي عشر: بيع الملاقيح، وقد فسره أكثر العلماء على أنَّه ما في أرحام الإناث، أو ما في بطون الحوامل، وفسره بعضهم بما في أصلاب الفحول، وهذا بيع كان متعارفًا عليه في الجاهلية.\nقال أَبو عبيد: (الملاقيح: ما في البطون، وهي الأجنة، والمضامين: ما في أصلاب الفحول) (^٣) وعلة النهي كما تقدم، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ١٤٨)، \"المهذب\" (١/ ٢٧٣)، \"الإنصاف\" (٤/ ٣٠١).\n(^٢) \"الكافي\"لابن عبد البر (٢/ ٦٨٠)، \"زاد المعاد\" (٥/ ٨٣٤)، \"الإنصاف\" (٤/ ٣٠١).\n(^٣) \"غريب الحديث\" (١/ ١٢٨).","vol":"6","page":147},{"text":"<span data-type='title' id=toc-679>باب الخيار</span>\nالخيار: اسم مصدر من اختار يختار اختيارًا وخيارًا، ومعناه: طلب خير الأمرين أو الأمور، والمراد هنا: طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه. والخيار له أنواع مذكورة في كتب الفقه بتفاصيلها، وتختلف المذاهب في عددها، وأشهرها:\n١ - خيار المجلس.\n٢ - خيار الغبن.\n٣ - خيار الشرط.\nوهذه الأنواع الثلاثة سيأتي الكلام عليها في أحاديث هذا الباب إن شاء الله.\n٤ - خيار العيب، والإضافة فيه من إضافة الشيء إلى سببه؛ أي: الخيار الذي سببه العيب، وهو أن يكون لأحد المتعاقدين حق الفسخ بسبب عيب يجده فيما تملَّك، ولم يطلع عليه وقت العقد.\n٥ - خيار الرؤية، والإضافة فيه من إضافة الشيء إلى سببه -أيضًا- أي: الخيار الذي سببه عدم الرؤية، وهو أن يكون للعاقد الذي عقد على شيء لم يره حق الفسخ إذا رآه.\n٦ - خيار التدليس، والإضافة فيه من إضافة الشيء إلى سببه؛ أي: الخيار الذي سببه تدليس البائع على المشتري.\nومعناه: أن يكون للعاقد على شيء حق الفسخ إذا كان المبيع على صفة، فإن للمشتري خلافها.\nوهذه الأنواع ليست محل اتفاق بين العلماء، بل الخلاف فيها ثابت في موضعه.","vol":"6","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-680>استحباب إقالة النادم في البيع</span>\n٨٢٦/ ١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ أقَال مُسْلِمًا بيعته، أَقَالهُ اللهُ عَثْرَتَهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَة، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (^١).\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أَبو داود في كتاب \"البيوع\"، باب \"في فضل الإقالة\" (٣٤٦٠)، وابن حبان (١١/ ٤٠٥)، والحاكم (٢/ ٤٥) من طريق يحيى بن معين، ثنا حفص بن غياث، ورواه ابن ماجة (٢١٩٩) من طريق مالك بن سُعير، كلاهما عن الأعمَش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -، به مرفوعًا، وزاد ابن ماجة وابن حبان: \"يوم القيامة\".\nوهذا الحديث ما رواه عن الأعمَش إلَّا حفص بن غياث ومالك بن سعير، وما رواه عن حفص إلَّا يحيى بن معين، ذكر هذا البزار والدارقطني وابن حبان وغيرهم (^٢)، وهذا التفرد مظنة الخطأ.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من أقال …) الإقالة في اللغة تعني: الرفع والإزالة، ومن ذلك قولهم: أقال الله عثرته؛ أي: رفعه من سقوطه، ومن ذلك الإقالة في البيع؛ لأنها رفع للعقد، ونقض وإبطال.\n_________\n(^١) هذا الحديث ورد في بعض طبعات \"البلوغ\"، وفي شرح المغربي، ثم الصنعاني قبل باب \"الخيار\"، وفي بعضها في باب \"الخيار\".\n(^٢) انظر: \"مسند البزار\" (١٥/ ٣٧٤)، \"العلل\" للدارقطني (١٠/ ١٨٥)، وانظر: \"الكامل\" لابن عدي (٢/ ٣٦٨)، \"تاريخ بغداد\" (٨/ ١٩٦ - ١٩٧).","vol":"6","page":149},{"text":"والإقالة في اصطلاح الفقهاء: رفع العقد وإلغاء حكمه وآثاره بتراضي الطرفين (^١).\n\nقوله: (مسلمًا) هذا خرج مخرج الغالب؛ لأن ثواب الإقالة ثابت في إقالة غير المسلم، وقد ورد عند البزار بلفظ: \"من أقال نادمًا\" (^٢).\n\nقوله: (عثرته) العثرة: الزلة والخطيئة، وهي اسم مرة، وقيل: للزلة عثرة؛ لأنها سقوط في الإثم.\n\n• الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على فضل الإقالة في البيع أو غيره، وهي إحسان ومعروف في حق المقيل؛ لأن الإنسان قد يندم إذا باع ويندم إذا اشترى، فقد يندم المشتري إما لظهور الغبن في المبيع، أو لزوال حاجته إليه، أو لكونه لا يجد الثمن أو نحو ذلك، فإذا أقال البائعُ المشتريَ أو أقال المشتري البائعَ، فقد أحسن إلى أخيه، وحظي بهذه الدعوة المباركة، وهي أن الله تعالى يقيل عثرته في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن الجزاء من جنس العمل ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠].\nوأما في حق المستقيل فهي مباحة لا حرج فيها، وليست من السؤال المذموم؛ لأن النبي - ﷺ - رتب الفضل على وقوعها.\nوالأصل في الإقالة أن تكون باللفظ، مثل: أقلتك، فسخت البيع، وقبلت ذلك. وقد تكون بالفعل، كأن يتراد المتعاقدان المبيع والثمن.\n\n• الوجه الرابع: اختلف العلماء في الإقالة هل هي فسخ أو بيع؛ على قولين:\nالأول: أنَّها فسخ وإلغاء للعقد وليست بيعًا، إذ هي ليست ابتداء عقد، وهذا رواية عن الإِمام أحمد، اختارها الخرقي والقاضي والأكثرون، وهي أصح الروايتين. ووجه هذا القول أن الإقالة هي الرفع والإزالة، كما تقدم، وهذا عين الفسخ.\n_________\n(^١) \"معجم المصطلحات الاقتصادية\" ص (٧٢).\n(^٢) انظر: \"التلخيص\" (٣/ ٢٧).","vol":"6","page":150},{"text":"الثاني: أنها بيع، وهو رواية عن أحمد، ومذهب الإمام مالك؛ لأن المبيع عاد إلى البائع الأول على الصفة التي خرج عليها منه، فكان بيعًا كالأول (^١).\nوهذا الخلاف له فوائد كثيرة ذكرها ابن رجب في \"ملحق القواعد\" (^٢)، ومنها:\n١ - من حلف لا يبيع، فأقال: لم يحنث على القول الأول، ويحنث على القول الثاني بأنها بيع، كسائر البيوع.\n٢ - على القول بأنها فسخ تجوز قبل القبض وبعده، وعلى الثاني لا تجوز قبل القبض، فيما يعتبر فيه القبض كالمكيل والموزون -مثلًا-؛ لأن بيعه على بائعه لا يجوز قبل قبضه، كما لا يجوز على غيره.\n٣ - على القول بأنها فسخ تصح بعد النداء الثاني يوم الجمعة، وعلى أنها بيع لا تصح.\n\n° الوجه الخامس: اختلف العلماء في حكم الإقالة بأقل أو أكثر من ثمن السلعة على قولين:\nالأول: أنها لا تجوز إلّا بالثمن، وقد نقل عن أحمد ما يدل على كراهة الزيادة؛ لأن مقتضى الإقالة رد الأمر على ما كان عليه، ورجوع كل واحد منهما إلى ماله، فلم تجز بأكثر من الثمن، ولأنه يخشى شبهها بمسالة العينة؛ لأن البائع يرجع إليه عين ماله، ويثبت له على المشتري فضل دراهم.\nوالقول الثاني: جواز الإقالة بأقل أو أكثر من الثمن، وقد نقل عن الإمام أحمد ما يدل على جواز ذلك، مستدلًا بمسالة بيع العربون -المتقدمة- وذلك لأنه من جنس الإقالة بربح.\nورجح ذلك الحافظ ابن رجب في \"القواعد\" وقال: (إن محذور الربا هنا بعيد جدأ؛ لأنه لا يقصد أحد أن يدفع عشرة ثم يأخذ نقدًا خمسة -مثلًا-، لا سيما والدافع هنا هو الطالب لذلك الراغب فيه) (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٦/ ١٩٩).\n(^٢) \"القواعد\" (٣/ ٣٠٩).\n(^٣) \"القواعد\" (٣/ ٣١٢).","vol":"6","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-681>ثبوت خيار المجلس للمتبايعين</span>\n٨٢٧/ ٢ - عَن ابْنِ عُمرَ - ﵄ -، عَنْ رَسُول اللهِ - ﷺ - قَال: \"إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا الاخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، ولَمْ يَتْرُكْ وَاحِد مِنْهُمَا الْبَيعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيعُ\"، مُتَّفَق عَلَيهِ، وَاللفْظُ لِمُسْلِمٍ.\n\n° الكلام عليه من وجوده:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"البيوع\"، باب \"إذا خير أحدهما الآخر بعد البيع فقد وجب البيع\" (١٢١٢)، ومسلم (١٥٣١) (٤٤) من طرق، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -، مرفوعًا.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا تبايع الرجلان) أي: أوقعا العقد بينهما لا تساوما من غير عقد، وذكر الرجلين باعتبار الغالب، وإلا فالمرأتان كذلك.\n\nقوله: (فكل واحد منهما بالخيار) أي: في إمضاء البيع أو فسخه، والمراد هنا: خيار المجلس، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر (كل) أي: كل واحد منهما محكوم له بالخيار على صاحبه.\n\nقوله: (ما لم يتفرقا) (ما) مصدرية ظرفية، والتقدير: فكل واحد منهما بالخيار مدة عدم تفرقهما، والمراد: تفرقهما بالأبدان من المجلس بدليل رواية الدارقطني والبيهقي الآتية: \"حتى يتفرقا من مكانهما\". ولأن راوي الحديث","vol":"6","page":152},{"text":"وهو ابن عمر فسره بذلك، ففي رواية البخاري: (وكان ابن عمر إذا اشترى شيئًا يعجبه فارق صاحبه).\nوالمراد بالمكان: مكان العقد.\n\nقوله: (وكانا جميعًا) هذا توكيد لما قبله في المعنى؛ لأن المراد: وكانا جميعًا في مكان واحد، وهو حال من الضمير في قوله: \"ما لم يتفرقا\".\n\nقوله: (أو يخير أحدهما الآخر) معناه: أن يقول أحدهما للآخر: اختر إمضاء البيع أو فسخه، فإذا اختار البيع وجب البيع، وإن اختار الفسخ انتهى الأمر، فينقطع خيارهما وإن لم يتفرقا. وقد نقل ابن المنذر هذا المعنى عن سفيان الثوري، والأوزاعي، وسفيان بن عيينة، والشافعي، وإسحاق (^١).\nويحتمل أن معناها: أن يشترط أحدهما أو كلاهما الخيار مدة معلومة، فإن الخيار لا ينقضي بالتفرق، بل يبقى حتى تمضي المدة التي شُرطت، وهذا المعنى حكاه ابن عبد البر عن أبي ثور (^٢)، والمعنى الأول أصح، لما ورد في إحدى الروايات: \"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر، وربما قال: أو يكون بيع خيار\" (^٣).\n\nقوله: (فتبايعا على ذلك) الإشارة ترجع على ما يفهم مما قبله؛ أي: تبايعا على إسقاط الخيار أو إثباته مدة معينة.\n\nقوله: (فقد وجب البيع) أي: ثبت ولزم.\n\nقوله: (وإن تفرقا) هذا تصريح بمفهوم الجملة السابقة: (ما لم يتفرقا) والمراد: تفرقا بابدانهما، بدليل رواية الدارقطني الآتية.\n\nقوله: (بعد أن تبايعا) أي: عقدا عقد البيع.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على إثبات خيار المجلس لكل من البائع والمشتري، وأن لكل منهما إمضاء البيع أو فسخه ما داما في مكان العقد، فإذا تفرقا انقضى الخيار وثبت البيع.\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (١٤/ ٢٣).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٢١٠٩).","vol":"6","page":153},{"text":"والحكمة من مشروعية خيار المجلس إعطاء؛ المتعاقدين فرصة للتأمل والنظر، وحصول تمام الرضا الذي لا بد منه في العقود؛ لأن البيع قد يقع بغتة من غير تروٍّ ولا نظر، فأثبت الشارع خيار المجلس لذلك ما دام المتعاقدان في مكانهما.\nولم يرد في الحديث ضابط التفرق، فيكون مرجعه إلى العرف، فما عده الناس تفرقًا لزم به العقد حسب اختلاف المكان الذي حصل به التبايع، فلو كانا في السوق فيحصل التفرق بمفارقة أحدهما للآخر، وذلك بأن يمشي قليلًا، وإن كانا في محل أو نحوه فبخروج أحدهما، أو في سيارة بنزول أحدهما منها، فإن كان البيع عن طريق الهاتف بقي خيارهما من صدور القبول من المشتري إلى نهاية المكالمة بينهما ولو طالت، فإذا انتهت لزم العقد، تنزيلًا لانقطاع الكلام منزلة التفرق بالأبدان (^١).\n\n° الوجه الرابع: القول بإثبات خيار المجلس، هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة وأرباب المذاهب، وبه قالت الظاهرية وابن حبيب، وابن عبد البر من المالكية (^٢). مستدلين بحديث ابن عمر هذا وغيره مما ورد في هذا الباب.\nوذهب أبو حنيفة ومالك وأكثر أصحابهما إلى عدم ثبوت خيار المجلس وأن العقد متى تمَّ في مجلسه بصدور القبول امتنع الرجوع إلا بعيب أو نحوه؛ لأن صفة العقد الإلزام، ولا إلزام إذا أجزنا لأيّ منهما الرجوع (^٣). وقد استدلوا بادلة لا علاقة لها بمحل النزاع، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، فقالوا: إن البيع عُقِدَ قبل التخيير، فيجب الوفاء به، وخيار المجلس يؤخر الوفاء به.\n_________\n(^١) \"خيار المجلس والعيب في الفقه الإسلامي\" ص (١٠١).\n(^٢) \"التمهيد\" (١٤/ ١١)، \"المحلى\" (٨/ ٣٥١).\n(^٣) \"فتح القدير\" (٥/ ٨١)، \"المدونة\" (٤/ ١٨٨).","vol":"6","page":154},{"text":"وعلى فرض شمول هذه الأدلة لخيار المجلس فهي أعم مطلقًا، وأحاديث الخيار خاصة، والخاص يقضي على العام.\nوقد اعتذروا عن العمل بالأحاديث بأعذار ضعيفة، ومنها قولهم: إن أحاديث الخيار منسوخة بقول النبي - ﷺ -: \"المسلمون على شروطهم\"، ومنها قولهم: إن الحديث من رواية مالك، وقد عمل مالك نفسه بخلافه، فدل على أنه عارضه ما هو أقوى منه، ومنها: أن المراد بالتفرق: التفرق بالأقوال.\nقال اين عبد البر المالكي: (قد أكثر المتأخرون من المالكيين والحنفيين من الاحتجاج لمذهبهما في رد هذا الحديث بما يطول ذكره، وأكثره تشغيب لا يُحصل منه على شيء لازم لا مدفع له) (^١).\nوقد عاب كثير من أهل العلم على مالك مخالفته الحديث مع روايته له في \"موطئه\" وثبوته عنده، حتى نُقل عن بعضهم الخشونة في الرد على مالك (^٢).\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على أن البائع والمشتري لو اتفقا على إسقاط الخيار بعد العقد وقبل التفرق وأنه لا خيار لهما لزم العقد وثبت البيع؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما، وكيفما اتفقا جار، فإن اشترط أحدهما الخيار مدة معلومة لم ينقض الخيار بالتفرق، بل لا بد من انقضاء المدة، فإذا انقضت ولم يحصل من أحدهما فسخ للبيع بطل الخيار ولزم العقد، وسيأتي -إن شاء الله- مزيد كلام على خيار الشرط، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) (التمهيد) (١١/ ١٤).\n(^٢) هو: الإمام المدني الفقيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، المتوفى سنة (١٥٨): ﵀. راجع: [\"سير أعلام النبلاء\" (٧/ ١٤٢، ١٤٣)] لتقف على المقولة المذكورة، ورأي الذهبي ﵀ فيها.","vol":"6","page":155},{"text":"<span data-type='title' id=toc-682>نهي المتعاقدين عن ترك المجلس خشية الاستقالة</span>\n٨٢٨/ ٣ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبي - ﷺ - قَال: \"الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ بالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرّقَا، إلا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ\"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلا ابْنَ مَاجَهْ، والدَّارَقُطْنيُّ، وابْنُ خُزَيمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ.\nوَفي روَايَة: \"حَتى يَتَفَرَّقَا مِنْ مَكَانِهمَا\".\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب \"البيوع\"، بابٌ \"في خيار المتبايعين\" (٣٤٥٦)، والترمذي (١٢٤٧)، والنسائي (٧/ ٢٥١، ٢٥٢)، وأحمد (١١/ ٣٣٠، ٣٣١)، والدارقطني (٣/ ١٥٠)، وابن الجارود (٦٢٠) كلهم من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص -ضي الله عنهما -.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن)، والمراد بذلك قوله: \"ولا يحل له … \" إلخ؛ لأنه من رواية عمرو بن شعيب وحديثه من قبيل الحسن، كما تقدم مرارًا، وأما أول الحديث فهو صحيح لغيره؛ لأن له شواهد، ومنها حديث ابن عمر - ﵄ -، كما تقدم.\nوأما رواية: (حتى يتفرقا من مكانهما) فهي عند الدارقطني، والبيهقي (٥/ ٢٧١)، ولعل غرض الحافظ من إيرادها أنها مفسرة للمراد من التفرق في","vol":"6","page":156},{"text":"حديث ابن عمر - ﵄ - المتقدم: \"ما لم يتفرقا\" وأن المراد التفرق بالأبدان، لا بالأقوال، كما يقول نفاة خيار المجلس.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إلا أن تكون صفقة خيار) برفع (صفقة) على الفاعلية على أَنَّ (تكون) تامة، والمعنى: إلا أن توجد أو تحدث صفقة خيار. وبنصبها على أن (تكون) ناقصة، واسمها محذوف يفهم من السياق، والتقدير: إلا أن تكون البيعة صفقة خيار، أو إلا أن تكون الصفقة صفقة خيار.\nوالصفقة لغة: اسم المرة من الصفق، وهو الضرب باليد على يد أخرى، ثم استعمل اللفظ في عقد البيع؛ لأن العرب إذا وجب البيع ضرب أحد المتبايعين يده على يد صاحبه. والإضافة للبيان؛ لأن الصفقة قد تكون للبيع أو للعهد.\nوالمعنى: أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا، إلا إذا قال أحدهما للآخر: اختر إمضاء البيع أو فسخه، فاختار الإمضاء، تم البيع وإن لم يتفرقا، وهذه هي صفقة الخيار.\n\nقوله: (ولا يحل له أن يفارقه) أي: لا ينبغي لأحد المتعاقدين أن يفارق صاحبه ويقوم مسرعًا من مكان العقد، وهذا مقيد لما تقدم من قوله: (ما لم يتفرقا) فيكون المراد التفرق الذي لم يقصد به إسقاط حق صاحبه.\n\nقوله: (خشية أن يستقيله) مفعول لأجله منصوب؛ أي: خشية أن يرجع صاحبه في بيعته معه ويفسخها، فالمراد بالإقالة هنا: فسخ النادم منهما للبيع، وليس المراد الاستقالة التي تقدمت، إذ لو كان هذا هو المراد لم تمنعه من المفارقة؛ لأنها لا تختص بمجلس العقد، بل تجوز بعده، فدل على أن المراد فسخ البيع.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على إثبات خيار المجلس للمتعاقدين ما لم يتفرقا بأبدانهما من مكان العقد، فإن تفرقا بطل الخيار ولزم البيع، وكذا لو قال أحدهما للآخر في مكان العقد بعد العقد: اختر إمضاء البيع أو فسخه، فاختار إمضاء البيع انقطع خيارهما وإن لم يتفرقا.","vol":"6","page":157},{"text":"° الوجه الرابع: الحديث دليل على نهي المتعاقدين عن التفرق والهرب من مجلس العقد لأجل أن يلزم العقد، بل ينبغي التريث وعدم العجلة؛ لأن هروبه تحيل على إسقاط حق الغير الواجب، فإن أخاه قد يندم على البيع، وهو قد يندم أيضًا، فلا حاجة إلى العجلة، والمسلم أخو المسلم، لا ينبغي له أن يعجل بشيء قد يحرم أخاه من مصلحته، بل ينتظر حتى يقوم القيام المعتاد. وإذا هرب أحدهما فقد اختلف العلماء على ثلاثة أقوال:\nالأول: يلزم العقد، وينقطع الخيار؛ لأنه فارقه باختياره، ولأنه متمكن من الفسخ بالقول، وهذا قول الحنابلة، وقول عند الشافعية، صححه النووي (^١).\nوالقول الثاني: أنه يبقى الخيار ولا ينقطع، معاملةً له بنقيض قصده.\nوالقول الثالث: التفصيل وهو أنه إن تمكن أن يتبعه ولم يتبعه بطل خيارهما؛ لأن تاخره عن اللحاق به رِضًى بالتفرق، وإن لم يتمكن بطل خيار الهارب، وبقي خيار الآخر (^٢).\n\n° الوجه الخامس: ورد عن نافع أنه قال: (وكان ابن عمر إذا اشترى شيئًا يعجبه فارق صاحبه)، وفي لفظ: (فكان ابن عمر إذا بايع رجلًا فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنيهة ثم رجع إليه) (^٣)، وقد حمله العلماء على أن ابن عمر - ﵄ - لم يبلغه حديث النهي هذا، ولو بلغه لما خالفه، ذكر هذا ابن قدامة (^٤)، وبه جزم الحافظ في \"التلخيص\" (^٥)، ولا ريب أن السنة إذا صحت لم يجز أن تُعارض باجتهاد صحابي ولا غيره؛ لأن الصحابي قد يخفى عليه الحديث، وقد يجتهد، فإذا ثبتت السنة وجب الرد إليها، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٦/ ١٣)، \"المجموع\" (٩/ ١٨٢).\n(^٢) \"المجموع\" (٩/ ١٨٢)، \"خيار المجلس والعيب\" ص (٨٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢١٠٧) واللفظ الأول له، ومسلم (١٥٣١) (٤٥) والثاني له.\n(^٤) \"المغني\" (٦/ ١٥).\n(^٥) (٣/ ٢٣).","vol":"6","page":158},{"text":"<span data-type='title' id=toc-683>حكم الخيار لمن يُخدع في البيع</span>\n٨٢٩/ ٤ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: ذَكَرَ رَجُلٌ لِلنبي - ﷺ - أنهُ يُخْدَعُ في الْبُيُوعِ. فَقَال: \"إذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ\"، مُتَّفَق عَلَيهِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"البيوع\"، باب \"ما يكره من الخداع في البيع\" (٢١١٧)، ومسلم (١٥٣٣) من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - ﵄ -، به.\nوقد جاء في رواية مسلم: (فكان إذا بايع يقول: لا خيابة)، أي: يقولها بالياء المثناة بدل اللام، وبالذال المعجمة بدل اللام أيضًا، قال النووي: (والصواب الأول) (^١) والظاهر أنه لا يفصح باللام للثغة في لسانه، وقد ورد عند أحمد: (وكانت في لسانه لُوثَة …).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ذكر رجل) اختلف في تعيينه، وقد جاء في رواية ابن الجارود من طريق ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر: أن حَبَّان بن منقذ سَفَعَ في رأسه مأمومة، فثقلت لسانه، وكان يخدع في البيع، فجعل رسول الله - ﷺ - مما ابتاع فهو بالخيار ثلاثًا … الحديث (^٢).\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (١١/ ٤٣٣).\n(^٢) \"المنتقى\" (٥٦٧) وسنده حسن، حسنه النووي في \"المجموع\" (٩/ ١٩٠)، وابن إسحاق صرح بالتحديث عند أحمد (١٠/ ٢٨٢)، والدارقطني (٣/ ٥٤، ٥٥)، والبيهقي (٥/ ٢٧٣). وانظر: \"المستفاد من مبهمات المتن والإسناد\" (٢/ ٧٧٣).","vol":"6","page":159},{"text":"قوله: (يخدع) أي: يغرُّ ويغبن.\n\nقوله: (لا خلابة) لا: نافية للجنس، وخلابة: اسمها مبني على الفتح. والخلابة: بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام: هي الخديعة. وخبر (لا) محذوف، والتقدير: لا خديعة في الدين؛ لأن الدين النصيحة، والمعنى: لا تحل لك خديعتي، أو لا تلزمني خديعتك. وقد لقنه النبي - ﷺ - هذا القول ليتلفظ به عند البيع، فيطلع به صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع وأثمانها.\n\n° الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: بإثبات خيار الغبن، وأن العاقد المغبون له حق الخيار حتى يستطيع رفع الغبن الواقع عليه، وهذا قول أحمد وبعض المالكية، بشرط أن يكون الغبن ثلث القيمة عند المالكية، وعند الحنابلة أن يكون فاحشًا يخرج عن العادة (^١)، والمرجع في تحديده إلى عرف الناس، ولعلهم أخذوا هذا التقييد مما علم أنه لا يكاد يسلم أحد من مطلق الغبن في غالب الأحوال، ولأن القليل يُتسامح به في العادة.\nوذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه لا يثبت الخيار لكل مغبون (^٢)، لعموم أدلة البيع ونفوذه، من غير تفرقة بين الغبن أو لا، إلا من كان مثل هذا الرجل في ضعف عقله، بشرط أن يقول هذه المقالة. وقد ورد في حديث أنس - ﵁ - أنه كان يبتاع وكان في عقدته -يعني: في عقله- ضعف … الحديث (^٣).\nوقالوا: لا يستدل به على ثبوت الغبن لكل مغبون وإن كان صحيح العقل، ولا على ثبوت الخيار لمن كان ضعيف العقل إذا غبن، ولم يقل هذه المقالة.\nوقد رجح النووي هذا القول، وقال: الأنه لم يثبت أن النبي - ﷺ - أثبت\n_________\n(^١) \"مواهب الجليل\" (٤/ ٤٧٢)، \"المغني\" (٦/ ٣٦).\n(^٢) \"البحر الرائق\" (٦/ ١٢٥)، \"تفسير القرطبي\" (٥/ ١٥٢)، \"المهذب\" (١/ ٢٨٧).\n(^٣) انظر: \"العلل\" للدارقطني (١٢/ ١٥٧) فقد رجح إرساله.","vol":"6","page":160},{"text":"له الخيار، وإنما قال له قل: \"لا خلابة\"؛ أي: لا خديعة، ولا يلزم من هذا ثبوت الخيار …) (^١). كما رجحه الشوكاني (^٢).\n\n° الوجه الرابع: استدل بعض الفقهاء، ومنهم فقهاء الشافعية والحنفية بهذا الحديث على إثبات خيار الشرط (^٣)، وهو أن يشترط أحد المتعاقدين أو كلاهما لنفسه حق الفسخ مدة معلومة، كأن يقول المشتري -مثلًا-: اشتريت منك هذه السيارة بكذا على أني بالخيار ثلاثة أيام.\nووجه الاستدلال بالحديث؛ أن الرسول - ﷺ - جعل لهذا الرجل الخيار ثلاثة أيام، كما تقدم في رواية ابن إسحاق عن نافع، عن ابن عمر، لكن قال النووي: (إن هذه الرواية ليست بثابتة، وإنها زيادة منكرة) (^٤)، وإن أقوى ما يحتج به على ثبوت خيار الشرط هو الإجماع، لكن هذا فيه نظر، فقد ذكر ابن رشد أن هذا قول الجمهور، وخالف فيه الثوري وابن شبرمة وطائفة من أهل الظاهر (^٥). وقد يستدل له بعموم: \"المسلمون على شروطهم\" (^٦).\nومدة الخيار عند أبي حنيفة والشافعي ثلاثة أيام ولا تزيد أخذًا بهذا النص، وقال أحمد ومالك: إذا كانت مدة معلومة جاز، ولو زادت على ثلاثة أيام، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٧)، إلا أن مالكًا يقيد الزيادة بالحاجة، ووجه ذلك أن الخيار شرع للتروي ودفع الغبن، والحاجة قد تدعو إلى الزيادة على ثلاثة أيام، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٤٣٤).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٢٠٧).\n(^٣) \"تكملة المجموع\" (١٢/ ٣٣٥)، \"فتح القدير\" (٥/ ٩٢).\n(^٤) \"المجموع\" (٩/ ١٩٠).\n(^٥) \"بداية المجتهد\" (٣/ ٣٩٩)، \"المحلى\" (٨/ ٣٧٠).\n(^٦) سيأتي تخريجه في باب \"الصلح\".\n(^٧) \"بداية المجتهد\" (٣/ ٤٠٠)، \"المغني\" (٦/ ٣٨)، \"الاختيارات\" ص (١٢٥).","vol":"6","page":161},{"text":"<span data-type='title' id=toc-684>باب الربا</span>\nالربا لغة: اسم مقصور من ربا يربو: إذا زاد ونما وعلا، قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] أي: علت وارتفعت، وقال تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢] أي: أكثر عددًا. وهو يكتب بالألف؛ لأن ألفه أصلها واو، وتثنيته ربوان.\nوشرعًا: الزيادة الحاصلة بمبادلة الربوي بجنسه، أو تأخير القبض فيما يلزم فيه التقابض من الربويات.\nوالربا نوعان: ربا البيع، وربا القرض، وربا البيع نوعان:\n١ - ربا الفضل؛ أي: الزيادة، وهو بيع شيء من الأموال الربوية بجنسه متفاضلًا، كأن يبيع صاعًا من البر بصاعين، أو يبيع خمسين غرامًا من ذهب بستين غرامًا، والغالب أنه لا يكون مثل هذا التعامل إلا للتفاوت الذي بين النوعين جودة أو رداءة ونحو ذلك.\n٢ - ربا النسيئة؛ أي: التأخير، وهو بيع الشيء بجنسه أو بغير جنسه مما يساويه في العلة بدون تقابض، وهذا النوع هو الذي كان مشهورًا في الجاهلية، كانوا إذا حل الدين قال طالبه للمدين: إما أن تَقضي وإما أن تُربي، فإن قضاه وإلا زاد في الدين ومدَّ في الأجل، ومعلوم أنه لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج، وهذا النوع هو الذي جاء القرآن بتحريمه، وأما ربا الفضل فهو الذي بينته السنة، كما سيأتي إن شاء الله.\nوأما ربا القرض (^١)، فهو القرض بفائدة، كأن يقرضه دراهم -مثلًا-\n_________\n(^١) انظر: \"مغني المحتاج\" (٢/ ٢١).","vol":"6","page":162},{"text":"ويشترط النفعَ بإيفاءِ أكثرَ مما أقرضه، أو أحسن، أو أن ينتفع بسيارته أو داره أو نحو ذلك، فهذا هو الربا بعينه، وليس قرضًا في الحقيقة؛ لأن المقصود بالقرض الإحسان والإرفاق، وهذه معاوضة ظاهرة.\nوالربا محرّم بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]. ففي الآية دليل على تحريم الربا، وفيها تهديد بأن من لم يترك الربا فقد أعلن الحرب مع الله ورسوله، وما أَذل المحاربَ لله ورسوله وأخذله وأعظم جرمه! ولم يجئ مثل هذا الوعيد في كبيرة غير الربا.\nوأما الدليل من السنة فسيأتي في الباب، وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على تحريم الربا وأنه من الكبائر، وإن كانوا قد يختلفون في شيء من مسائله.\nوأما الحكمة من تحريم الربا، فقد حرمه الإسلام لأغراض سامية ومقاصد عظيمة، ومنها:\n١ - أنه متضمن للظلم وأكل أموال الناس بالباطل؛ لأنه أَخْذُ فضل بلا مقابل، وهو بهذا -كما يقول ابن تيمية- أشد من الميسر الذي هو القمار؛ لأن المرابي قد أخذ فضلًا محققًا من محتاج، إذ هو لم يبع ولم يَتَجِرْ، وأما المقامر فقد يحصل له فضل وقد لا يحصل له.\n٢ - أن المرابي متصف بالغلظة في طبعه والشح في إنفاقه والعزوف عن الصدقات والبعد عن فعل الخيرات، يدل على ذلك أنه لا تكاد توجد آية من آيات الربا إلا وهي مسبوقة أو متبوعة بآيات الحض على الصدقة والإنفاق.\n٣ - تعطل المكاسب والتجارات والحرث والصناعات التي لا تنتظم مصالح العالم إلا بها، إذ من يحصِّل درهمين بدرهم بإيداع ماله في مصرف ربوي كيف يتجشم مشقة كسب أو تجارة؟!.","vol":"6","page":163},{"text":"٤ - انقطاع المعروف والإحسان في القرض، إذ لو حلَّ درهم بدرهمين ما سمح أحد بإعطاء درهم بمثله، كما في القرض (^١).\nوقد انتشر الربا في هذا العصر، وعمَّ التعامل به في كثير من المصارف وغيرها، وقد ورد بسند فيه ضعف حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يأتي على الناس زمان يكون فيه الربا\"، قال: قيل له: الناس كلهم؟ قال: \"من لم يأكل منهم، ناله من غُباره\" (^٢).\nوعنه -أيضًا - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أَخَذَ منه، أَمِنَ الحلال أم من الحرام؟ (^٣).\nوقد وقع مصداق ذلك في زماننا هذا، فإنك تجد الكثير من الناس لا يتحرى الحلال في مكسبه، بل همه جمع المال ولو بطريق الغش والكذب والتدليس، أو بعدم إتقان ما أُنيط به من عمل، وقد دخل الربا في الكثير من معاملات الناس، والله المستعان.\n_________\n(^١) انظر: \"الفتاوى\" (٢٠/ ٣٤١، ٣٤٩) (٣٢/ ٢٣٥)، \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١٣٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٣٣١)، والنسائي (٧/ ٢٤٣)، وابن ماجه (٢٢٧٨)، وأحمد (١٦/ ٢٥٨) من طريق سعيد بن أبي خيرة، قال: حدثنا الحسن منذ نحو من أربعين أو خمسين سنة، عن أبي هريرة - ﵁ -، به مرفوعًا، وهذا سند ضعيف، الحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة - ﵁ -، [انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢٣١)].\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٠٥٩).","vol":"6","page":164},{"text":"<span data-type='title' id=toc-685>تحريم الربا وما جاء فيه من الوعيد</span>\n٨٣٠/ ١ - عَنْ جَابر - ﵁ - قَال: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيهِ، وَقَال: \"هُمْ سَوَاءٌ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n٨٣١/ ٢ - وللْبُخَاريِّ نحوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبي جُحَيفَةَ.\n٨٣٢/ ٣ - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ -، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"الرِّبا ثَلاثةٌ وَسَبْعُون بَابًا، أيسَرُهَا مِثْلَ أَنْ يَنْكِحَ الرّجُلُ أمّهُ، وإنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرّجُلِ الْمُسْلِمِ\"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا، وَالْحَاكِمُ بِتَمَامِهِ وَصَحّحَهُ.\n\n° الكلام عليها من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث جابر - ﵁ - فقد أخرجه مسلم في كتاب \"المساقاة\"، باب \"لعن آكل الربا وموكله\" (١٥٩٨) من طريق هشيم، أخبرنا أبو الزبير، عن جابر - ﵁ -، به مرفوعًا.\nوأما حديث أبي جُحيفة - ﵁ -، فقد أخرجه البخاري في مواضع من \"صحيحه\"، ومنها في كتاب \"اللباس\"، باب \"مَنْ لَعَنَ المصوِّر\" (٥٩٦٢) من طريق شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه أنه اشترى غلامًا حجامًا، فقال: (إن النبي - ﷺ - نهى عن ثمن الدم، وثمن الكلب، وكسب البغي، ولعن أكل الربا وموكله، والواشمة والمستوشمة، والمصور).\nولعل الحافظ أشار إلى حديث أبي جحيفة - ﵁ - لبيان أن لَعْنَ آكل الربا وموكله قد جاء في \"الصحيحين\"، أما لعن الكاتب والشاهد فهذا مما انفرد به مسلم.","vol":"6","page":165},{"text":"وأما حديث ابن مسعود - ﵁ - فقد أخرجه ابن ماجه (٢٢٧٥) قال: حدثنا عمرو بن علي الصيرفي أبو حفص، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن زُبيد، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ - قال: \"الربا ثلاثة وسبعون بابا\"، وقد اقتصر ابن ماجه على هذه الجملة فقط، وهذا مراد الحافظ بقوله: (رواه ابن ماجه مختصرًا)، قال البوصيري: (هذا إسناد صحيح) (^١)، وصححه الألباني -أيضًا- (^٢).\nوأخرجه الحاكم (٢/ ٣٧)، وعنه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٤/ ٣٩٤) من طريق محمد بن غالب، حدثنا عمرو بن علي، به، وزاد: \"أيسرها … \" إلخ.\nوقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين) وسكت عنه الذهبي، والظاهر أن هذه الزيادة تفرد بها محمد بن غالب؛ لأنه وإن كان ثقة فقد وهم في أحاديث، كما قال الدارقطني، ومما يؤيد ذلك أربعة أمور:\n١ - أنه خالف ابن ماجه في متنه.\n٢ - أن الحديث أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٩/ ٣٧٤) من طريق سفيان، عن زُبيد، به، موقوفًا على ابن مسعود بلفظ: \"الربا بضع وسبعون بابا\"، فصح الحديث عن ابن مسعود - ﵁ - مرفوعًا وموقوفًا، بدون هذه الزيادة.\n٣ - أن الحديث اختلف في متنه، فقد روي بلفظ: \"سبعون بابا\"، ومرة: \"ثلاثة وسبعون\"، ومرة: \"خمسة وسبعون\"، ومرة: \"خمسة وثلاثون\" …\n٤ - أن الأئمة استنكروا متنه، فقد قال البيهقي: (هذا إسناد صحيح، والمتن منكر بهذا الإسناد، ولا أعلمه إلا وهمًا، وكأنه دخل لبعض رواته إسناد في إسناد).\nوما أحسن قول ابن الجوزي بعد أن ذَكَرَ عددًا من الأحاديث في هذا\n_________\n(^١) \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ١٩٨).\n(^٢) \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢/ ٢٧)، تخريج \"الإيمان\" لابن أبي شيبة ص (٩٤).","vol":"6","page":166},{"text":"الموضوع: (واعلم أن مما يردُّ صحة هذه الأحاديث أن المعاصي إنما يعلم مقاديرها بتأثيرها، والزنا يفسد الأنساب، ويصرف الميراث إلى غير مستحقه، ويؤثر من القبائح ما لا يؤثر أكل لقمة لا تتعدى ارتكاب نهي، فلا وجه لصحة هذا) (^١).\nوأما قوله - ﷺ -: \"وإن أربى الربا … \" إلخ، فقد صح من حديث سعيد بن زيد - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"إن أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق\" (^٢).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (لعن رسول الله) أي: دعا على المذكورين بالإبعاد عن الرحمة. وأصل اللعن من الله الطرد والإبعاد عن الرحمة، ومن الخلق: السب والدعاء.\n\nقوله: (آكل الربا) أي: آخذ الربا وإن لم يأكل، وخص الأكل من بين سائر الانتفاعات؛ لأنه أعظم المنافع، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠].\n\nقوله: (وموكله) بضم الميم وكسر الكاف، اسم فاعل، والمراد به: معطي الربا؛ لأنه ما حصل الربا إلا منه، فيكون داخلًا في الإثم.\n\nقوله: (وكاتبه) أي: كاتب عقد الربا ووثيقته بين الآكل والموكل.\n\nقوله: (وشاهديه) أي: حاضري توثيقه لإثبات وثيقته على آكله وموكله. وفي رواية أبي داود: \"وشاهده\" بالإفراد على إرادة الجنس، وإنما لُعِنَ هذان لإعانتهما على المحظور.\n\nقوله: (هم سواء) أي: هم في الإثم سواء.\n_________\n(^١) \"الموضوعات\" (٢/ ٢٤٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٨٧٦) وأحمد (٣/ ١٨٩، ١٩٠) وسنده صحيح، وله شواهد عن أبي هريرة وعائشة وغيرهما - ﵄ -.","vol":"6","page":167},{"text":"قوله: (ثلاثة وسبعون بابا) أي: شعبة.\n\nقوله: (مثل أن ينكح) بكسر الكاف وفتحها، مضارع نكح، من باب ضرب ومنع، وهو يطلق على الوطء وعلى العقد، والظاهر أن المراد هنا الأول؛ أي: يواقعها، بدليل الروايات الأخرى.\n\nقوله: (وإن أربى الربا) الربا: الزيادة والارتفاع -كما تقدم- فالمعنى: من أفحش الزيادة وأقبح الارتفاع وأشنعه.\n\nقوله: (عرض الرجل المسلم) العرض: هو موضع الذم والمدح من الإنسان، فيدخل في ذلك الأمور التي بذكرها يرتفع أو يسقط، ومن جهتها يذم أو يحمد.\nوقد جاء في بعض شواهد الحديث: \"من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق\"، وقد فسر العلماء الاستطالة بأن يتناول من عرض أخيه أكثر مما يستحقه على ما قيل له وأكثر مما رخص له فيه، وذلك بأن يتوسع في الذم ويستمر عليه، ولذا مثله بالربا وعده من عداده؛ لأنه إذا تناول أكثر مما يستحقه شابه مَنْ أخذ من المال أكثر من حقه، ثم فضله على جميع أفراده؛ لأنه أكبر مضرة، وأشد فسادًا، فإن العرض شرعًا وعقلًا أعز على النفس من المال (^١).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الربا، وأنه من كبائر الذنوب (^٢)، بل من أكبرها (^٣)؛ لأن الرسول - ﷺ - لعن المذكورين، واللعن لا يكون إلا على أمر محرم وكبيرة من الكبائر، وهذا أمر مجمع عليه، وإنما اختلف العلماء في بعض التفاصيل، وفي الحديث تغليظ شديد في أكل الربا؛ لأنه إذا لُعِنَ الكاتب والشاهدان مع أنهما لا يصيبهما منه شيء فلأن يلعن المباشر له من آخذ ومعطٍ بالأولى، لكن قال العلماء: إن لَعْنَ الكاتب والشاهد مقيد بما إذا علما ذلك، فأما من كتب أو شهد وهو غير عالم فلا يدخل في الوعيد.\n_________\n(^١) انظر: \"فيض القدير\" للمناوي (٤/ ٦٦).\n(^٢) \"إعلام الموقعين\" (٤/ ٤٣).\n(^٣) \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١٣٥).","vol":"6","page":168},{"text":"° الوجه الرابع: هذا الوعيد ليس خاصًّا بالآكل، وإنما هو حاصل لكل من أخذ الربا، سواء أكل منه أو لبس أو اشترى سكنًا أو سيارة أو غير ذلك من وجوه الانتفاع.\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"اجتنبوا السبع الموبقات\"، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: \"الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وكل الربا، وكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات\" (^١).\n\n° الوجه الخامس: تحريم كتابة عقود الربا بين المترابين والشهادة عليه، ويدخل في ذلك من يعمل بالبنوك الربوية ويكتب عقود الربا؛ لأن ذلك من إعانتها على الإثم والعدوان، والله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، فالله تعالى ينهى عن المعاصي وعن الإعانة عليها، ولا شك أن الكتابة والشهادة إعانة على الربا، يقول الشيخ عبد العزيز بن باز: (ويظهر من هذا أن جميع أنواع المساعدات على الربا داخلة في ذلك، سواء كان كاتبًا أو شاهدًا أو محاسبًا أو خازنًا أو ما أشبه ذلك مما يعين على أموال الربا، وبهذا يظهر أن الوظيفة في البنوك [الربوية] داخلة في هذا؛ لأنها من نوع المعاونة لأهلها على أعمالهم الربوية، فيدخل في ذلك الحارس وعامل القهوة والفرَّاش وأشباه ذلك ممن عمله نوع من المعونة لهم وتسهيل أمورهم ..) (^٢).\n\n° الوجه السادس: الحديث دليل على أن الوقوع في عرض المسلم والاستطالة فيه من أكبر الكبائر؛ لأن الشارع جعلها من أربى الربا وأشده.\nفعلى المسلم الحريص على صلاحه واستقامة أموره وسلامته من تبعات حقوق العباد أن يحذر أشد الحذر من الوقوع في عرض أخيه المسلم وأن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩).\n(^٢) من شرح \"البلوغ\" المسجل على الأشرطة، وانظر: \"الفتاوى\" له (١٩/ ١٥٠، ١٥١، ٣٧٤ - ٣٧٩).","vol":"6","page":169},{"text":"يحفظ لسانه مما تساهل فيه كثير من الناس في هذا الزمان، ومن استقام لسانه استقامت جوارحه وحسنت أعماله، ومن اعوج لسانه ظهر ذلك على سائر جوارحه، وساءت أعماله، والله الموفق، لا إله غيره، ﷾ أعلم.","vol":"6","page":170},{"text":"<span data-type='title' id=toc-686>الأصناف الربوية وكيفية المبادلة فيها</span>\n٨٣٣/ ٤ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ -، أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"لا تبيعوا الذهَبَ بِالذهَب إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، ولَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْض، وَلا تَبِيعوا الْوَرِقَ بِالْوَرِق إلا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِز\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n٨٣٤/ ٥ - وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصامِتِ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الذَّهَبُ بِالذهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالْفِضةِ، وَالْبُرُّ بِالبُرّ، وَالشعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإذَا اخْتَلَفَتْ هذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعوا كيفَ شئتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَد\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n٨٣٥/ ٦ - وعَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الذهَبُ بالذهبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْل، وَالْفِضةُ بِالْفِضةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْل، فَمَنْ زادَ أَو استَزَادَ فَهوَ رِبًا\"، رَوَاهُ مُسْلِم.\n\n° الكلام عليها من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث أبي سعيد - ﵁ -، فقد أخرجه البخاري في كتاب \"البيوع\"، باب \"بيع الفضة بالفضة\" (٢١٧٧)، ومسلم (١٥٨٤) من طريق نافع، عن أبي سعيد - ﵁ -، مرفوعًا.\nوأما حديث عبادة - ﵁ -، فقد أخرجه مسلم في كتاب \"المساقاة\"، باب \"الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا\" (١٥٨٧) (٨١) من طريق أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن عبادة - ﵁ -، مرفوعًا.","vol":"6","page":171},{"text":"وأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فقد أخرجه مسلم في الباب المذكور (١٥٨٨) (٨٤) من طريق أبي فضيل، عن أبيه، عن ابن أبي نعيم، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا.\nوتقديم الحافظ لحديث أبي سعيد لكونه متفقًا عليه، ولما كان مقتصرًا على الذهب والفضة أردفه بحديث عبادة عند مسلم، وهو جامع للأصناف الربوية الستة، وأما إيراد حديث أبي هريرة فلأن فيه إشارة إلى أن التساوي المطلوب في بيع الربوي بجنسه إنما يكون بالمعيار الشرعي، كما سيأتي إن شاء الله.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:\nقولي: (إلا مثلًا بمثل) هذا مستثنى من أعم الأحوال، والتقدير: لا تبيعوا الذهب بالذهب في حال من الأحوال إلا حال كونهما متماثلين؛ أي: متساويين، وقد جاء في حديث أبي هريرة - ﵁ - بيان أن التساوي يكون بالوزن.\n\nقوله: (ولا تشفوا) بضم المثناة الفوقية، فشين معجمة مكسورة، ففاء مشددة؛ أي: لا تفضلوا ولا تزيدوا بعضها على بعض، من أشف الرباعي، يقال: شف \"الشيء يشِفُّ شفًا من باب \"ضرب\": إذا زاد، وقد يستعمل في النقص -أيضًا- فيكون من الأضداد، يقال: هذا يَشِف قليلًا؛ أي: ينقص، وأشففت هذا على هذا؛ أي: فضلت. وفي هذه الجملة \"ولا تشفوا\" تصريح بمفهوم الجملة السابقة من باب التأكيد.\n\nقوله: (الورِق) بفتح الواو وكسر الراء هو الفضة مضروبة أو غير مضروبة، وتقدم ذلك في \"الزكاة\".\n\nقوله: (غائبًا بناجز) الغائب: ما لم يكن موجودًا عند العقد، سواء كان مؤجلًا أم لا، والناجز: الحاضر، وفي هذا إشارة إلى التقابض.\n\nقوله: (الذهب بالذهب) يجوز فيه الرفع على تقدير: بيعُ الذهب بالذهب، فحذف المضاف للعلم به وأقيم المضاف إليه مقامه، وأُعرب","vol":"6","page":172},{"text":"بإعرابه، أو يباع الذهبُ بالذهب، ويجوز النصب؛ أي: بيعوا الذهبَ بالذهب، ولفظ الذهب عام يدخل فيه جميع أصنافه، من مضروب، ومنقوش، وجيد، ورديء، وصحيح، ومكسر، وحلي، وتبر، وخالص، ومغشوش.\n\nقوله: (والبر بالبر) هو الحنطة والقمح، وهي ألفاظ مترادفة.\n\nقوله: (والشعير بالشعير) بفتح أوله، وحكي جواز كسره.\n\nقوله: (سواء بسواء) السواء: هو المثل والنظير؛ أي: مثلًا بمثل، وجُمِعَ مع ما قبله للتوكيد والمبالغة في الإيضاح.\n\nقوله: (يدًا بيد) حال؛ أي: متقابضين في مكان التبايع قبل أن يتفرقا.\n\nقوله: (فبيعوا كيف شئتم)؛ أي: من حيث الكمية متساويًا ومتفاضلًا، وهذا إطلاق مقيد بما بعده، وهو قوله: \"إذا كان يدًا بيد\".\n\nقوله: (فمن زاد أو استزاد …)؛ أي: فمن أعطى زيادة على قدر المبيع الآخر من جنسه، أو طلب الزيادة فهذا الزائد ربا.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الأموال الربوية ستة، وهي: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، وقد اتفق العلماء على تحريم الربا في هذه الأصناف الستة، واختلفوا فيما عداها، وسيأتي إن شاء الله.\nفإذا بيع الربوي بجنسه كبُرٍّ ببُرّ، أو تمر بتمر، أو ذهب بذهب، فلا يصح البيع إلا بشرطين:\nالأول: التساوي في المقدار، فلا يصح أن يبيع صاع بر بصاعين منه، وهذا الشرط قد دل عليه قوله: \"مثلًا بمثل سواء بسواء\" والغالب أنه لا يفعل مثل ذلك إلا للتفاوت الذي بين النوعين جودة أو رداءة أو غير ذلك، كما تقدم أول الباب.\nالثاني: التقابض قبل التفرق من مكان العقد، لقوله: \"يدًا بيد\"، فإذا اختل الشرط الأول صارت المعاملة من ربا الفضل، وإن اختل الثاني صارت المعاملة من ربا النسيئة، أو داخلة فيهما إن لم يتحقق الشرطان معًا.","vol":"6","page":173},{"text":"وإذا بيع الربوي بغير جنسه مما يساويه في العلة -كالكيل مع الطعم، أو الثمنية- فلا بد لصحة البيع من شرط واحد، وهو التقابض قبل التفرق، فإذا باع صاعين من الرز بصاع من البر صح البيع إذا تقابضا قبل التفرق، وكذا لو باع ريالات سعودية بدنانير، أو أي عملة بعملة أخرى صح البيع بشرط القبض، وقد دل على ذلك قوله: \"فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد\". فإن لم يتحقق هذا الشرط صارت المعاملة من ربا النسيئة.\nفإن بيع الربوي بغير جنسه مما لا يساويه في العلة كبيع بر بذهب، أو شعير بفضة صح البيع مطلقًا بدون شرط التساوي والتقابض.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن التقابض في مجلس العقد شرط في جميع الأموال الربوية التي تتساوى في العلة؛ لأن الرسول - ﷺ - ذكر قوله: \"يدًا بيد\" مع اتحاد الأصناف ومع اختلافها، كما في حديث عبادة - ﵁ -.\n\n° الوجه الخامس: استدل الجمهور من أهل العلم بحديث عبادة - ﵁ - على أن البر والشعير صنفان، لعطف أحدهما على الآخر (^١)، وذهب مالك والليث والأوزاعي إلى أنهما صنف واحد (^٢)، وسبقهم إلى ذلك معمر بن عبد الله - ﵁ - (^٣)، فأخرج مسلم عنه أنه أرسل غلامه بصاع قمح فقال: بعه، ثم اشتر به شعيرًا، فذهب الغلام فاخذ صاعًا وزيادة بعض صاع، فقال له معمر: لم فعلت ذلك؛ انطلق فرده، ولا تأخذن إلا مثلًا بمثل … الحديث، وسيأتي بتمامه، وما يترتب على هذا الخلاف إن شاء الله.\n\n° الوجه السادس: اختلف العلماء في إلحاق غير هذه الأصناف الستة بها، على قولين:\nالقول الأول: أن الربا مقصور على الأصناف الستة لا يتعداها إلى\n_________\n(^١) \"المغني\" (٦/ ٨٩).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٣/ ٢٦١).\n(^٣) هو راوي حديث الاحتكار، كما تقدم.","vol":"6","page":174},{"text":"غيرها، وهذا قول طاوس وقتادة والظاهرية (^١) وابن عقيل الحنبلي (^٢)، واختاره الصنعاني (^٣)، أما الظاهرية فقولهم مبني على إنكارهم القياس، وأما ابن عقيل فإنه وإن كان يرى القياس إلا أنه لم يقل به هنا؛ لأن علل القياسيين -على رأيه- ضعيفة، وإذا لم تظهر العلة امتنع القياس.\nالثاني: أنه يلحق بها ما شاركها في العلة، وهو مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة، مستدلين بما سيأتي من حديث معمر بن عبد الله - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"الطعام بالطعام مثلًا بمثل … \"، ولفظ (الطعام) أعم من الأصناف الأربعة المذكورة في حديث أبي سعيد وعبادة - ﵁ -.\nكما استدلوا بالمعنى، وذلك أن ما وافقها في العلة يجب أن يأخذ حكمها، مراعاة لمقصود الشارع في التحريم، فما دام أن العلة واضحة وموجودة في غير هذه الأصناف فليحكم بالإلحاق؛ لأن الشرع لا يفرق بين متماثلين، كما لا يجمع بين مختلفين، قالوا: وقد اقتصر الحديث على الأصناف الستة من باب الاكتفاء بالأشياء التي لا يستغني عنها الناس عادة.\nثم اختلف هؤلاء في علة التحريم على أقوال أرجحها: أن العلة في الذهب والفضة هي مطلق الثمنية؛ أي: إنهما أثمان للأشياء، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وقول للمالكية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (^٤).\nووجه ترجيح هذا القول أن التعليل بالثمنية فيه مناسبة لتحريم الربا فيهما؛ لأن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي يعرف به تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودًا لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان كذلك لصار كالسلع فلا يوجد ثمن تقوَّم به المبيعات.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٨/ ٤٦٧، ٤٦٨).\n(^٢) \"مجموع الفتاوى\" (٢٩/ ٤٧٠)، \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١٣٦).\n(^٣) \"سبل السلام\" (٣/ ١٥).\n(^٤) \"حاشية العدوي\" (٥/ ٥٦)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٩/ ٤٧٠)، \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١٣٧)، \"الإنصاف\" (٥/ ١١).","vol":"6","page":175},{"text":"وعلى هذا فيجري الربا في كل ما اتخذه الناس عملة وراج رواج النقدين، مثل الأوراق النقدية الآن، وعلى هذا فلا يجوز بيع خمسة عشر ريالًا سعوديًّا ورقًا بستة عشر ريالًا سعوديًّا ورقًا، ويجوز بيع بعضها ببعض من غير جنسها إذا كان يدًا بيد، كما لو باع ورق النقد السعودي بليرة سورية أو لبنانية مثلًا؛ لأن العملات الورقية أجناس متعددة بتعدد جهات إصدارها، فالورق النقدي السعودي -مثلًا- جنس، والكويتي جنس، والمصري جنس، وهكذا، ويكون حكمها حكم الذهب والفضة في جواز بيع بعضها ببعض من غير جنسها مطلقًا إذا كان يدًا بيد.\nوأما علة التحريم في الأصناف الأربعة، وهي البر والشعير والتمر والملح، فقد اختلف العلماء فيها على أربعة أقوال:\nالأول: أن علة الربا فيها الكيل والجنس، فيجري الربا في كل ما يكال مع اتحاد الجنس، كالأرز، والذرة، والعدس، ونحوها، وإن لم يكن مطعومًا كالحناء والأشنان، وغيرهما، أما غير المكيل فلا ربا فيه، كالمعدودات، مثل: البيض والرمان ونحوهما، وهذا مذهب أبي حنيفة (^١)، والمشهور من مذهب أحمد، وبه قال: النخعي والزهري وإسحاق (^٢).\nواستدلوا بحديث أبي هريرة وأبي سعيد - ﵁ - الآتي- وفيه: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، فقال: \"لا تفعلوا، ولكن مثلًا بمثل\".\nووجه الاستدلال: أنه - ﷺ - نهى عن التفاضل في التمر ببيع الصاع بالصاعين، فدلَّ على أن العلة هي الكيل مع الجنس.\nوأجيب عنه: بأنه لا يلزم من ذكر الصاع أن يكون هو العلة المؤثرة وحدها في الحكم، إذ لو كان الأمر كذلك لاقتصر النبي - ﷺ - على ذكره ولم ينص على الأصناف الأربعة أو على الطعم، كما في حديث معمر - ﵁ - الآتي.\n_________\n(^١) \"شرح فتح القدير\" (٧/ ٤).\n(^٢) \"الشرح الكبير\" (١٢/ ١٠)، \"الإنصاف\" (٥/ ١١).","vol":"6","page":176},{"text":"القول الثاني: أن العلة هي الطعم، فيجري الربا في كل طعام وإن لم يكن مكيلًا ولا موزونًا، كالحبوب والفواكه والبقول واللحوم والبيض والسمك والسمن وغيرها، وهذا مذهب الشافعي (^١) ورواية عن أحمد (^٢).\nواستدلوا بحديث معمر - ﵁ - الآتي-: \"الطعام بالطعام مثلًا بمثل\"، ووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ -، والحكم إذا علق على اسم مشتق دل على أنه علته، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].\nوأجيب عن ذلك بأجوبة:\nالأول: أن الحديث فيه \"مثلًا بمثل\"، فدل على أن العلة ليست هي الطعم وحده بل لا بد من المماثلة، وهي لا تتحقق إلا بالكيل أو الوزن.\nالثاني: أنه يلزم على هذا الحديث عدم بيع البر بالشعير متفاضلًا؛ لأن كلًّا منهما طعام مع أن حديث عبادة المتقدم صريح بجواز ذلك (^٣)، لقوله - ﷺ - بعد ذكر البر والشعير: \"فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم\".\nالثالث: لو كان الطعم وحده هو الوصف المقصود للشارع لاكتفى بذكر أحد هذه الأصناف الأربعة في حديث عبادة.\nالقول الثالث: أن العلة هي الاقتيات والادخار، أي: كون الطعام قوتًا يقتات به الإنسان غالبًا، ويدخره مدة من الزمن فلا يفسد، كالقمح والأرز والذرة ونحوها، وهذا مذهب مالك، واختاره ابن القيم (^٤).\nواستدلوا بحديث عبادة - ﵁ -، ووجه الاستدلال: أن الأصناف المذكورة في حديث عبادة - ﵁ - يجمعها وصف الاقتيات والادخار، وقد نبه الشارع بكل واحد منها على ما في معناه، فنبه بالبر والشعير على أصناف الحبوب المدخرة، كالأرز والدخن والذرة والفول والعدس ونحوها، ونبه بالتمر على\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٩/ ٣٩٥ - ٣٩٧).\n(^٢) \"الإنصاف\" (٥/ ١٢).\n(^٣) انظر: \"المفهم\" (٤/ ٤٨١).\n(^٤) \"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير\" (٣/ ٤٧)، \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١٣٧).","vol":"6","page":177},{"text":"أنواع الحلاوات المدخرة، كالسكر والعسل والزبيب، ونبه بالملح على أنواع التوابل (^١) المدخرة لإصلاح الطعام، مثل: الكمون وأنواع الأبزار (^٢).\nوأجيب عن ذلك بجوابين:\nالأول: أن التعليل بالادخار منتقض بالرطب، فإنه يجري فيه الربا وليس مدخرًا.\nالثاني: أن الحديث فيه الملح، وهو ليس قوتًا، فإن قيل: إنه مما يصلح به القوت، لزم القول بجريان الربا في الماء والحطب وغيرهما مما يصلح به القوت، وكذا الإدام، وأنتم لا تقولون به.\nالقول الرابع: أن العلة هي الطعم مع الكيل أو الوزن، فكل مطعوم مكيل أو موزون يجري فيه الربا، كالأرز والذرة والدهن واللبن واللحم ونحوها، ولا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالرمان والسفرجل والأُترج والبيض، ولا في غير مطعوم كالأشنان والحديد والنحاس، وهذا قول الشافعي في القديم، ورواية عن أحمد، رجَّحها ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، واستدلوا بما يلي:\n١ - أن الأصناف المذكورة في حديث عبادة - ﷺ - مطعومة مكيلة، فيلحق بها كل ما كان كذلك.\n٢ - حديث معمر: \"الطعام بالطعام مثلًا بمثل\"، ومعلوم أن الطعم وحده لا تتحقق به المماثلة، لعدم المعيار الشرعي فيه، وإنما تتحقق بالمعيار الشرعي، وهو الكيل والوزن، لحديث: (إنا نبيع الصاع من هذا بالصاعين)، فهذا فيه اعتبار الكيل، وحديث معمر فيه اعتبار الطعم والكيل، فيكون النهي عن بيع الطعام بالطعام مقيدًا بما فيه معيار شرعي،\n_________\n(^١) في \"القاموس\" (١/ ٣٥٨): (التوابل: أبزار الطعام).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٣/ ٢٥١).\n(^٣) \"المجموع\" (٩/ ٣٩٧)، \"الشرح الكبير\" (١٢/ ١٢)، \"المغني\" (٦/ ٥٦ - ٥٧)، \"الفتاوى\" (٢٩/ ٤٧٠)، \"الفروع\" (٤/ ٤٨).","vol":"6","page":178},{"text":"وهو الكيل أو الوزن (^١). وهذا أظهر الأقوال، وبه تجتمع الأدلة.\n\n° الوجه السابع: حديث أبي هريرة - ﵁ - فيه دليل على أن التساوي المشروط في بيع الربوي بجنسه إنما يكون بمعياره الشرعي، وهو الكيل في المكيلات وهي الأنواع الأربعة، والوزن في الموزونات كما في الذهب والفضة، والفرق بين الكيل والوزن أن الكيل تقدير الشيء بالحجم، والوزن تقديره بالثقل والخفة، وقد جاء عند البيهقي حديث عبادة - ﵁ - بلفظ: \"الذهب بالذهب وزنًا بوزن، والفضة بالفضة وزنًا بوزن، والبر بالبر كيلًا بكيل، والشعير بالشعير كيلًا بكيل … \" (^٢).\nفمثلًا: البر لا يجوز بيعه ببر إلا كيلًا ليحصل التساوي، ولا يباع وزنًا؛ لأنه يختلف في الخفة والثقل، فإذا وضع في الميزان حصل في كفة الخفيف أكثر من كفة الثقيل، فيفوت التساوي.\nوقد استثنى شيخ الإسلام ابن تيمية ما إذا كان الربوي لا يختلف وزنًا أو كيلًا كالأدهان والألبان فإنهما من المكيلات -على المذهب-؛ لأن كل مائع يجري فيه الربا فهو مكيل، لكن لو بيعت بمثلها وزنًا صح على ما اختاره الشيخ، وذكر عن أحمد ما يدل على ذلك (^٣)؛ لأن المثلية في قول النبي - ﷺ -: \"مثلًا بمثل\" متحققة هنا بالكيل أو الوزن لتساوي أجزائها.\nأما إذا بيع الجنس بغير جنسه كبُر بشعير فلا يشترط المعيار الشرعي وهو الكيل، بل يجوز بيعه وزنًا؛ لأن التساوي ليس بشرط، وهكذا لو باع بزًا أو شعيرًا أو تمرًا بدراهم، جاز بيعها وزنًا لعدم شرط التساوي، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الشرح الكبير\" (١٢/ ١٣).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢٩١).\n(^٣) \"الاختيارات\" ص (١٢٨).","vol":"6","page":179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-687>تحريم التفاضل بين نوعي الجنس الواحد</span>\n٨٣٦/ ٧ - عَنْ أبي سَعِيدٍ، وأبي هُرَيرَةَ - ﵁ -، أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيب، فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أكُلُّ تَمْرِ خَيبَرَ هَكَذَا؟ \" فَقَال: لا وَالله يَا رَسُولَ اللهِ، أنَّا لَنَأخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَينِ والثَّلاثةِ، فَقَال رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لا تَفْعل، بع الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالذَرَاهِمِ جَنِيبًاإ، وَقَال في الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ. مُتَّفَق عَلَيهِ.\nوَلمُسْلِمٍ: \"وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ\".\n\n° الكلام مع عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"البيوع\"، باب \"إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه\" (٢٢٠١، ٢٢٥٢)، ومسلم (١٥٩٣) (٩٥) من طريق عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد وأبي هريرة - ﵁ -.\n\nقوله: (ولمسلم: \"وكذلك الميزان\") ظاهر هذا أن مسلمًا تفرد بهذا اللفظ وليس كذلك، فهو عند البخاري -أيضًا- في كتاب \"الاعتصام\" (٧٣٥٠) من طريق سليمان بن بلال، عن عبد المجيد، به.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (استعمل رجلًا) أي: بعثه وجعله عاملًا وأميرًا على خيبر بعد فتحها، وهو سواد بن غزية -بوزن عطية- وهو من بني عدي بن النجار من الأنصار -﵃-، وقد ورد في رواية سليمان بن بلال المذكورة: (بعث أخا بني عدي من الأنصار إلى خيبر، فأمَّره عليها …).","vol":"6","page":180},{"text":"قوله: (على خيبر) بلدة معروفة، تبعد عن المدينة شمالًا بـ (١٦٥) كيلًا.\n\nقوله: (جنيب) بفتح الجيم، أي: طَيِّبٍ، قال الخطابي: هو أجود تمورهم، وقيل: هو الذي لا يخلط بغيره.\n\nقوله: (بالصاعين والثلاثة) في بعض الروايات: (بالثلاث) بلا تاء، وكلاهما جائز؛ لأن الصاع يذكّر ويؤنّث، وفي رواية للبخاري: (إنا نشتري الصاع بالصاعين من الجمع) (^١).\n\nقوله: (لا تفعل) أي: لا تبع التمر بتمر اخر متفاضلًا مهما اختلفت أنواعه. وفي رواية عند البخاري: \"لا تفعلوا، ولكن مثلًا بمثل، أو بيعوا هذا، واشتروا بثمنه من هذا\".\n\nقوله: (بع الجمع) بفتح الجيم، هو التمر المجموع من أنواع متفرقة ليس مرغوبًا فيها. وفي حديث أبي سعيد: (كنا نرزق تمر الجمع على عهد رسول الله - ﷺ - وهو الخِلْطُ من التمر … \" الحديث (^٢).\n\nقوله: (ثم ابتع بالدراهم جنيبًا) أي: ثم اشتر بالدراهم جنيبًا.\n\nقوله: (وقال في الميزان مثل ذلك) أي: قال فيما يباع وزنًا إذا بيع بجنسه مثل ما قال في المكيل؛ أي: إنه لا يجوز بيعه متفاضلًا، فالمراد بالميزان: الموزون؛ لأن الميزان نفسه ليس من أموال الربا.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم التفاضل بين نوعي الجنس الواحد من الأشياء الربوية، كالتمر والبر ونحوهما، فلا يجوز بيع صاع تمر بصاعين ولو كان أحدهما أجود من الآخر، بل لا بد فيه من التساوي والتماثل، لقوله -كما في رواية البخاري-: \"ولكن مثلًا بمثلًا.\nوالظاهر أن الحكمة في هذا -والله أعلم- سَدُّ الباب، وحسم مادة الربا؛ لأنه لو فتح في مسألة التنوع لأفضى إلى الربا في كل شيء، ثم إن ضبط الجودة والرداءة قد يختلف.\n_________\n(^١) \"الصحيح\" (٥٣٥٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٨٠)، ومسلم (١٥٩٥).","vol":"6","page":181},{"text":"والجنس: ما له اسم خاص يشمل أنواعًا، كالتمر جنس، وله أنواع كالسكري، والبرحي، والشقراء، والخِلَاصِ وغيرها. والبر جنس وله أنواع كاللقيمي، والمِعَية، والجريباء وغيرها مما هو معروف عند أهل التمور والحبوب، وهكذا ..\n\n° الوجه الرابع: في الحديث بيان شيء من آداب المفتي، وهو أنه إذا سئل عن مسألة محرمة، فنهى عنها المستفتي أن يفتح له بدلًا عنها أبواب الحلال، ويرشده إلى الطرق المباحة التي تغني عنها؛ لأن المستفتي يريد مخرجًا مشروعًا مباحًا، بدليل أنه جاء يسأل، وما جاء يسأل إلا وفي قلبه شيء من التقوى دعاه إلى الحرص على أمر دينه وإبراء ذمته.\nوقد بيّن النبي - ﷺ - لهذا الرجل الطريق المباح الذي يسلم به من الربا، وهو أنه إذا أراد استبدال الرديء من الأموال الربوية كالتمر فإنه يبيعه بدراهم، ثم يشتري بالدراهم تمرًا جيدًا، ومثل ذلك الحنطة الرديئة أو الذهب الرديء ونحوهما.\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على تحريم التفاضل بين نوعي الجنس الواحد من الأشياء الربوية التي معيارها الوزن، لقوله: \"وكذلك الميزان\"، وذلك كالذهب والفضة وغيرهما مما يوزن ويجري فيه الربا، فلا يصح بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلا وزنًا بوزن، ليحصل التساوي المشروط.\nوأما الاستدلال بهذه الجملة على أن كل موزون يجري فيه الربا -كما ذكر المجد ابن تيمية (^١) - ولا يجوز فيه التفاضل كالحديد والرصاص واللحم وسائر الموزونات فهذا غير ناهض؛ لأن لفظة: \"وكذلك الميزان\" مجملة، فتحمل على الذهب والفضة، ويكون معنى الحديث: وكذلك الميزان عند بيع الذهب والفضة -كما تقدم- جمعًا بين هذا الحديث وحديث عبادة وغيره (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٢٢١).\n(^٢) انظر: \"المحلى\" (٨/ ٤٨١)، \"المجموع\" (٩/ ٣٩٣).","vol":"6","page":182},{"text":"<span data-type='title' id=toc-688>الجهل بالتساوي في الربويات كالعلم بالتفاضل</span>\n٨٣٧/ ٨ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵁ - قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ -لا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا- بِالْكَيلِ الْمُسَمَّى مِنَ التَمْرِ، رَوَاهُ مُسْلِم.\n\n° الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"البيوع\"، باب \"تحريم بيع صبرة التمر المجهولة القدر بالتمر\" (١٥٣٠) من طريق ابن وهب: حدثني ابن جريج، أن أبا الزبير أخبره، قال: سمعت جابر بن عبد الله - ﵁ - يقول: … وذكر الحديث.\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن بيع الصبرة من التمر -وهي الكومة- التي لا يعلم كيلها بتمر آخر علم كيله؛ لأن الصبرة يُجهل كيلها ومقدارها، فالتساوي غير معلوم، وذلك مظنة للزيادة، فيكون ربا؛ لأن بيع التمر بالتمر يشترط فيه التساوي والتماثل -كما تقدم- وهذا لا يتحقق إلا بمعرفة قدر كل من العوضين، فإذا جهل قدرهما أو قدر أحدهما كان ذلك بمنزلة العلم بزيادة أحدهما على الآخر، وهذا ربا، وهكذا الحكم في بقية الأنواع الربوية.\nوهذا الحديث هو دليل القاعدة في هذا الباب، وهي أن الجهل بالتساوي فيما يشترط فيه التساوي كالعلم بالتفاضل (^١). وذلك أن الأحوال ثلاث:\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (١٥/ ٣٣٨)، (٢٠/ ٣٥٠)، (٢٩/ ٤٢٨، ٤٥٠).","vol":"6","page":183},{"text":"١ - التساوي بين العوضين، فهذا هو الواجب.\n٢ - التفاضل بين العوضين، فهذا محرم؛ لأنه ربا.\n٣ - الجهل بالتساوي، وهذا -أيضًا- محرم؛ لأن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، ولهذا جاء تحريم بيع المزابنة التي هي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه لهذا المعنى، وتقدم ذلك، وتَجَنُّبُ ذلك يكون بكيل المكيل، ووزن الموزون من كل واحد من البدلين. والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":184},{"text":"<span data-type='title' id=toc-689>حكم بيع الطعام بالطعام</span>\n٨٣٨/ ٩ - عَنْ مَعْمَرٍ بنِ عَبْدِ اللهِ - ﵁ - قَال: إِني كُنتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"الطَّعَامُ بِالطَّعَام مِثْلًا بِمِثْلٍ\"، وَكَانَ طَعامُنَا يَوْمَئِذٍ الشعِيرَ، رَوَاهُ مُسْلِم.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"المساقاة\"، باب \"بيع الطعام مثلًا بمثل\" (١٥٩٢) من طريق أبي النضر، أن بسر بن سعيد حدثه عن معمر بن عبد الله أنه أرسل غلامه بصاع قمح، فقال: بعه، ثم اشتر به شعيرًا، فذهب الغلام فأخذ صاعًا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمرًا أخبره بذلك، فقال له معمر: لِمَ فعلت ذلك؟ انطلق فرده، ولا تأخذن إلا مثلًا بمثل، فإني كنت أسمع رسول الله - ﷺ - يقول: … الحديث. قيل له: فإنه ليس بمثله. قال: إني أخاف أن يضارع.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الطعام بالطعام) بالرفع على تقدير مضاف؛ أي: بيعُ الطعامِ بالطعام، أو يباع الطعام بالطعام، ويجوز النصب كما تقدم.\n\nقوله: (مثلًا بمثل) أي: يجب فيه التماثل ويحرم التفاضل.\n\nقوله: (وكان طعامنا يومئذٍ الشعير) أي: فكأنه - ﷺ - قال: \"الشعير بالشعير\". وهذا لا نزاع فيه بين أهل العلم، غير أن القصة المتقدمة تفيد أن معمرًا كان يخشى أن هذا اللفظ النبوي ربما شمل بيع البر بالشعير وأنه لا بد فيهما من المماثلة.","vol":"6","page":185},{"text":"قوله: (أن يضارع) أي: يشابه.\n\n° الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن علة الربا في الأصناف الربوية الأربعة هي الطعم، لقوله: \"الطعام بالطعام مثلًا بمثل\"، وتقدم وجه الاستدلال، والجواب عنه، وظاهر الحديث أنه عام في كل مطعوم، وأنه لا يباع متفاضلًا ولو اختلف الجنس، لكن تقدم أن الطعام إذا كان من جنس واحد كالبر فإنه لا يباع إلا مثلًا بمثل، أما إذا كان من أجناس مختلفة كالبر والشعير فإنه لا يلزم التماثل -على أحد القولين-، أما التقابض فلا بد منه، لما تقدم في حديث عبادة - ﵁ -.\n\n° الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث مالك والأوزاعي -كما تقدم- على أن البر والشعير جنس واحد، لقوله: \"ولا تأخذن إلا مثلًا بمثل\".\nوالراجح قول الجمهور؛ لأن حديث عبادة - ﵁ - نص صريح في أنهما صنفان، حيث عُطِفَ أحدهما على الآخر، وأما حديث معمر هذا فلا حجة فيه؛ لأنه لم يصرح بأنهما جنس واحد، وإنما خاف من المشابهة فتورع احتياطًا، أو يقال: إن ظاهره أنه اجتهاد منه (^١)، وثمرة الخلاف: أنه على الأول يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا، وعلى الثاني: لا يجوز، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المفهم\" (٤/ ٤٨١).","vol":"6","page":186},{"text":"<span data-type='title' id=toc-690>حكم مبادلة الربوي بربوي ومعه غيره</span>\n٨٣٩/ ١٠ - عَنْ فَضَالةَ بْنِ عُبَيْدٍ - ﵁ - قَال: اشتريتُ يَوْمَ خَيبَرَ قِلادَةً بِاثْنَي عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَب وَخَرَز، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أكثَرَ مِنْ أثنَي عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبيِّ - ﷺ - فَقَال: \"لا تُبَاعُ حَتى تُفْصَّلَ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو فضالة -بفتح الفاء- بن عبيد بن نافذ الأنصاري العمري الأوسي، أسلم قديمًا، ولم يشهد بدرًا، وشهد أُحدًا وما بعدها، وبايع تحت الشجرة، وشهد فتح الشام ومصر، ثم سكن الشام، وولي قضاء دمشق بعد أبي الدرداء - ﵁ - بإشارة منه، ومات في خلافة معاوية - ﵁ - سنة ثلاث وخمسين، وحمل معاوية سريره - ﵁ - (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"المساقاة\"، باب \"بيع القلادة فيها خرز وذهب\" (١٥٩١) (٩٠) من طريق حنش الصنعاني، عن فضالة بن عبيد، قال: … وذكر الحديث.\nوقد تعددت الروايات في ثمن القلادة وما صَاحَبَ ذهبها من خرز أو جوهر، حتى قال بعضهم: إنه حديث مضطرب. لكن هذا لا يؤثر؛ فإن\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٩/ ١١٩)، \"الإصابة\" (٨/ ٩٧).","vol":"6","page":187},{"text":"المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه، وهو النهي عن بيع ما لم يفصَّل، أما جنس القلادة وقدر ثمنها فهذا لا يتعلق به ما يوجب الحكم بالاضطراب، ويؤخذ برواية الأحفظ، ويحكم على ما عداها بالشذوذ، ونظير ذلك ما تقدم في قصة جمل جابر - ﵁ - وما ورد في مقدار ثمنه، وهذا كلام حسن، ذكره الحافظ (^١)، وبه يجاب عن كل ما يشابه هذا الحديث.\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (اشتريت يوم خيبر) أي: يوم غزوة خيبر، وذلك بعد انتهاء المعركة وتقسيم المغانم، كما ورد في إحدى الروايات عند مسلم.\n\nقوله: (قلادة) بكسر القاف، ما يجعل في العنق من حلي وغيره.\n\nقوله: (خرز) بفتح الخاء والراء، جمع خرزة، وهي حبات مثقوبة تصنع من أي نوع، وتنظم في سلك، ويتزين بها.\n\nقوله: (ففصلتها) بتشديد الصاد، أي: ميزت خرزها من ذهبها، فجعلت الذهب وحده، والخرز وحده، وذلك بعد الشراء.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه لا يجوز بيع الذهب ومعه غيره بذهب إلا بعد نزع الذهب وتمييزه عن غيره ووزنه بمثله من الذهب، وهذا قول الشافعية، والحنابلة في قول (^٢)، وذلك لأن الذهب إذا كان معه غيره ولم يميز فإنه لا يعلم مقداره، فإن التساوي بين اثني عشر دينارًا من الذهب، وبين ما في القلادة من الذهب مجهول، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في الحكم، كما تقدم، فيكون هذا من عقود الربا، لما ورد في حديث فضالة: \"لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن\"، وفي رواية لمسلم من طريق حنش قال: (كنا مع فضالة بن عبيد في غزوة، فطارت لي ولأصحابي قلادة فيها ذهب وَوَرِقٌ وجوهر، فأردت أن أشتريها، فسألت فضالة بن عبيد، فقال: انزع ذهبها فاجعله في كفة، واجعل ذهبك في كفة، ثم لا تأخذن إلا مثلًا بمثل،\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (٣/ ١٠).\n(^٢) \"نهاية المحتاج\" (٣/ ٤٤١)، \"المغني\" (٦/ ٩٢).","vol":"6","page":188},{"text":"فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذنَّ إلا مثلًا بمثل\").\nوهكذا الحكم في بيع أيِّ ربوي بربوي ومعه غيره، كالفضة مع غيرها بفضة، وكذا سائر الأصناف الربوية، ولذا تقدم النهي عن بيع الصبرة من التمر بالكيل المسمى من التمر؛ لعدم معرفة التساوي على التحقيق.\nوالقول الثاني في المسألة: أنه يجوز بيع الذهب المخلوط بغيره إذا كان الذهب المنفرد أكثر من الذي في القلادة ونحوها، لا مثله ولا دونه، وهذا قول الحنفية، وقريب منه رأي ابن تيمية (^١).\nقالوا: لأنه لا حيلة على الربا حينئذ؛ لأنه حصل الذهب في مقابلة الذهب، والزائد من الذهب في مقابلة المصاحب له من خرز ونحوه، فيصير كعقدين.\nوأجابوا عن حديث فضالة بأن الذهب الذي في القلادة أكثر من اثني عشر دينارًا؛ لما جاء في بعض الروايات عند مسلم: (ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا ..) وهذا الاستدلال غير واضح في نظري.\nوالقول الثالث: جواز البيع بشرط أن يكون التابع الثلث فأقل، وهذا رأي المالكية (^٢). ومثّلوا لذلك بالسيف المحلى بالذهب ونحوه، قالوا: لأنه إذا كان قيمة الذهب الثلث فأقل فهو مغلوب ومكثور للجنس المخالف، والأكثر ينزل في غالب الأحكام منزلة الكل.\nوفيه قول رابع: وهو جواز بيعه بالذهب مطلقًا مثلًا بمثل أو أقل أو أكثر، ونسب لحماد بن أبي سليمان (^٣)، وهذا غلط مخالف لصريح الحديث،\nولعل قائله ما بلغه حديث القلادة.\nوالراجح هو القول الأول، وهو أنه لا يجوز بيع الذهب مع غيره\n_________\n(^١) \"حاشية ابن عابدين\" (٥/ ٢٧٣، ٣٢٦)، \"الفتاوى\" (٢٩/ ٤٥٣).\n(^٢) \"الكافي\" (٢/ ٦٧٢).\n(^٣) \"المغني\" (٦/ ٩٣).","vol":"6","page":189},{"text":"بذهب، وكذا الفضة، حتى يفصل ذلك الغير ويميز، ووجه ذلك أن الحديث نص على علة المنع، وهي عدم الفصل حيث قال: (لا، حتى تفصل) وهذا يفيد عدم الفرق بين المساوي والأقل والأكثر؛ لأن فصله هو الطريق إلى تساوي العوضين، وهو شرط كما تقدم.\n\n° الوجه الخامس: هذه المسألة التي يدور حولها الحديث اشتهرت عند الفقهاء باسم مسألة: (مُدُّ عجوة) والمد: مكيال معروف، ومقداره ربع صاع كما تقدم في \"الزكاة\"، والعجوة: ضرب من أجود أنواع التمر بالمدينة النبوية.\nوضابطها كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: بيع ربوي بجنسه ومعهما أو مع أحدهما صنف آخر من غير جنسه، مثل: لو باع صاع تمر ودرهم بصاع تمر ودرهم، أو باع صاعًا من التمر ودرهمًا بصاعين من التمر.\nوقد ذكر الشيخ لهذه المسألة ثلاثة أقسام:\nالأول: أن يكون المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلًا ويضم إلى الأقل من غير الجنس حيلة، مثل أن يبيع ألفي دينار بألف دينار في منديل، أو صاع حنطة بصاع حنطة وغِرارة (^١) أو في زنبيل فهذا محرم، والحيلة ظاهرة؛ لأنه أراد مبادلة الألفين بالألف وجعل المنديل ليكون هناك تغير في الجنس، وإلا فمن المعلوم أنه لا يعجز أحد في ربا الفضل أن يضم إلى أحد العوضين شيئًا آخر.\nالثاني: أن يكون المقصود بيع غير ربوي مع ربوي، وإنما دخل الربوي تبعًا وضمنًا كبيع شاة ذات لبن وصوف بشاة ذات لبن وصوف، فالربوي هنا -وهو اللبن والصوف، بناءً على أن العلة هي الوزن- دخل تبعًا وليس بمقصود، فهذا يجوز على الصحيح في مذهب مالك وأحمد (^٢)، فكأنه باع شاة بشاة.\n_________\n(^١) الغرارة: بالكسر شبه العِدْل، والجمع: غرائر.\n(^٢) \"حاشية الدسوقي\" (٣/ ٤٠، ٤١)، \"المغني\" (٦/ ٩٦).","vol":"6","page":190},{"text":"الثالث: أن يكون كلاهما مقصودًا، مثل مد عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم، فالمشهور من المذهب أنه لا يجوز نص عليه أحمد. وبه قال مالك، والشافعي، وآخرون (^١). واستدلوا بحديث الباب.\nوالقول الثاني: الجواز، وهذا مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢). واستدلوا بأن الأصل حمل العقود على الصحة، والحاجة داعية إلى مثل هذه المعاملة، فقد يكون شخص عنده تمر من السكري -مثلًا- بمقدار صاعين، وهذا عنده تمر من نوع آخر بمقدار صاع ومعه عشرة ريالات، فأراد بيعه، فلا باس، ويكون الصاع بمقابلة الصاع، والصاع الزائد بمقابلة الريالات، ولا حيلة على الربا في ذلك (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"حاشية الدسوقي\" (٣/ ٢٩)، \"المغني\" (٦/ ٩٢)، \"مغني المحتاج\" (٢/ ٢٨).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٦/ ١٩١) \"تصحيح الفروع\" (٤/ ١٦٠)، \"الاختيارات\" ص (١٢٨).\n(^٣) انظر: \"الفتاوى\" (٢٩/ ٤٦٣).","vol":"6","page":191},{"text":"<span data-type='title' id=toc-691>حكم بيع الحيوان بالحيوان نسيئة</span>\n٨٤٠/ ١١ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَب - ﵁ -، أَنَّ النَّبِي - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيعِ الْحَيَوانِ بالْحَيَوانِ نسيئةً. رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصححَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ الْجَارُودِ.\n٨٤١/ ١٢ - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَهُ أنْ يُجَهِّزُ جَيشًا فَنَفِدَتِ الإبلُ، فَأمَرَهُ أنْ يَأخُذَ علَى قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ قَال: فَكُنْتُ آخُذُ البَعِيرَ بِالبَعِيرَينِ إلى إِبْلِ الصدَقَةِ. رَوَاهُ الحَاكِمُ، والْبَيهَقِي، ورِجَالُهُ ثِقَات.\n\n° الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث سمرة - ﵁ -، فقد أخرجه أبو داود في كتاب \"البيوع\"، باب \"في الحيوان بالحيوان نسيئة\" (٣٣٥٦)، والترمذي (١٢٣٧)، والنسائي (٧/ ٢٩٢)، وابن ماجه (٢٢٧٠)، وأحمد (٣٣/ ٣٢٠)، وابن الجارود (٦١١) من طريق قتادة، عن الحسن، عن سمرة، به.\nوهذا إسناد ضعيف، فإن الحسن البصري مشهور بالتدليس، فلا يحتج بحديثه عن سمرة إلا ما صرح فيه بالسماع، وهنا قد روى بالعنعنة.\nوأما سماعه من سمرة فهو موضع خلاف بين أهل العلم، مضى ذكره في باب \"الغسل\" وترجيح صحة سماعه منه في الجملة.\nلكن للحديث شواهد، وإن كانت لا تخلو من مقال، لكنها باجتماعها وتعدد رواتها من الصحابة -﵃- يقوي بعضها بعضًا على رأي من يستدل بها.","vol":"6","page":192},{"text":"وقد روى البيهقي عن الشافعي أنه قال: (أما قوله: \"إنه نهى النبي - ﷺ - عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة\" فهذا غير ثابت عن رسول الله - ﷺ -) (^١).\nومن شواهد الحديث ما رواه أبو الزبير عن جابر بن عبد الله - ﵄ - أنه قال: \"نهى النبي - ﷺ - عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة .. \" (^٢).\nوعن ابن عمر - ﵄ -: \"أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة\" (^٣).\nوأما حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -، فقد أخرجه أبو داود في باب \"الرخصة في الحيوان بالحيوان نسيئة\" (٣٣٥٧)، وأحمد (١١/ ١٦٤)، والحاكم (٢/ ٥٦، ٥٧)، والبيهقي (٥/ ٢٨٧، ٢٨٨) من طريق مسلم بن جبير، عن أبي سفيان، عن عمرو بن حَرِيش (^٤)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -. وهذا سياق الإسناد عند أبي داود، وكذا البيهقي، وفي \"المسند\" اختلاف بتقديم بعض الرجال على بعض.\nوهذا حديث حسن، وفي إسناده ضعف، أبو سفيان قال عنه الذهبي: (لا يعرف)، وفي موضع آخر قال: (ثقة) (^٥)، وعمرو بن حريش قال عنه ابن القطان: (مجهول الحال)، واعتمده الحافظ في \"التقريب\". وفيه محمد بن إسحاق: صدوق حسن الحديث، إذا صرح بالتحديث. وفي إسناده اضطراب بزيادة بعض الرواة وتقديم بعضهم على بعض، وبه أعله ابن القطان (^٦).\nوالحديث له شواهد كما سيأتي.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢٨٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٢٣٨)، وابن ماجه (٢٢٧١)، وأحمد (٢٢/ ٢٣٤) وسنده ضعيف.\n(^٣) أخرجه الطحاوي في \"شرح المعاني\" (٤/ ٦٠)، والطبراني في \"الكبير\" كما في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ١٠٥) وإسناده حسن في الشواهد.\n(^٤) سقط (عمرو بن حريش) من مستدرك الحاكم.\n(^٥) \"الميزان\" (٤/ ٥٣١)، \"الكاشف\" (٢/ ٤٣٠)، وانظر: \"تاريخ عثمان الدارمي\" (٧٣٤).\n(^٦) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ١٦٢).","vol":"6","page":193},{"text":"° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (نسيئة) بإثبات الهمزة بعد الياء على وزن كريمة، والنسيئة والنسأ في اللغة واصطلاح الفقهاء يعني: التأخير والتأجيل، خلاف النقد والتعجيل، وبيع النسيئة: بيع الشيء مع تأخير بدله.\n\nقوله: (فَنَفِدَتِ الإبل) بفتح النون وكسر الفاء، من باب \"تعب\"؛ أي: فنيت وانتهت فلم يفِ الموجود منها بالمطلوب.\n\nقوله: (فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة) أي: أمر النبي - ﷺ - عبد الله بن عمرو - ﵄ - أن يبتاع أو يستلف إبلًا على أن يؤدى عوضها من إبل الصدقة عند تحصيلها من المزكين. والقلائص: جمع قلوص، وهي الناقة الشابة.\n\n° الوجه الثالث: حديث سمرة دليل على أنه لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، أي: (مؤخرًا) بل لا بد من التقابض في مجلس العقد، وأما التفاضل فإنه يجوز كبيع شاة بشاتين، لإطلاق الحديث، حيث إنه لا يدل على تفاضل أو تماثل، ولحديث عبد الله بن عمرو الذي بعده. وهذا مذهب الحنفية، ورواية عند الحنابلة (^١)، واختاره الشوكاني (^٢).\nوالقول الثاني: جواز بيع الحيوان بالحيوان مطلقًا، سواء كان من جنسه أم لا، متفاضلًا ونسيئة، وهذا قول الشافعية، وبعض المالكية، والصحيح من المذهب عن الحنابلة (^٣)، واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز، واستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو: (فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة).\nوقد ذكر البخاري تعليقًا أن ابن عمر اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالرَّبَذَةِ، وذكر -أيضًا- أن رافع بن خديج اشترى بعيرًا\n_________\n(^١) \"تبيين الحقائق\" (٤/ ٩١)، \"الإنصاف\" (٥/ ٤٣).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٢٣٢).\n(^٣) \"المجموع\" (٩/ ٤٠٠)، \"بلغة السالك\" (٢/ ٣٠٦)، \"المغني\" (٦/ ٦٤)، \"الإنصاف\" (٥/ ٤٢).","vol":"6","page":194},{"text":"ببعيرين، فأعطاه أحدهما وقال: آتيك بالآخر غدًا رهوًا (^١) إن شاء الله.\nوقال ابن المسيب: لا ربا في الحيوان: البعير بالبعيرين، والشاة بالشاتين إلى أجل (^٢).\nوهذا القول هو الراجح؛ لقوة دليله، فإن حديث عبد الله بن عمرو - ﵂ - نص صريح في الموضوع، ثم هو مؤيد بعمل الصحابة -﵃-، كما ذكر البخاري.\nوأما حديث سمرة فعنه جوابان:\nالأول: أنه حديث ضعيف كما تقدم، وقد مضى قول الشافعي ﵀.\nالثاني: أنه على فرض صحته بشواهده -كما تقدم- فهو محمول على ما إذا كان البيع نسيئة من الطرفين (^٣)؛ لأن اللفظ يحتمل ذلك كما يحتمل النسيئة من طرف واحد، فلو قال: أبيعك ناقة سِنُّها كذا، أسلمها لك بعد شهرين بخمس من الغنم سِنُّها كذا، تسلمها لي بعد شهر لم يجز؛ لأن ذلك من بيع الدَّين بالدَّين -كما سيأتي-، أما إذا كان أحدهما حالا والآخر نسيئة، فلا حرج في ذلك، كما تقدم، والله أعلم.\nوأما بيع اللحم بالحيوان، ففيه أربعة أقوال:\nالأول: أنه إن كان اللحم من جنس الحيوان كلحم شاة بشاة فإنه لا يجوز؛ لأنه من باب الغرر والقمار؛ لأنه لا يدري هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطى أو أقل أو أكثر، لحديث سعيد بن المسيب ﵀ \"أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع اللحم بالحيوان\" (^٤).\n_________\n(^١) رَهْوًا -بفتح الراء وسكون الهاء-؛ أي: سهلًا، والمعنى: أنه يأتيه بالبعير الآخر سريعًا من غير مطل. [\"فتح الباري\" (٤/ ٤٢٠)].\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٤١٩).\n(^٣) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٥/ ٢٨٨).\n(^٤) أخرجه مالك (٢/ ٦٥٥)، ومن طريقه الدارقطني (٣/ ٧١)، والحاكم (٢/ ٣٥)، والبيهقي (٥/ ٢٩٦)، وقال: \"هذا هو الصحيح -يعني مرسلًا- ورواه يزيد بن مروان الخلال عن مالك، عن الزهري، عن سهل بن سعد - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، وغلط فيه\"، وقال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٤/ ٣٢٢): \"لا أعلم هذا الحديث يتصل من =","vol":"6","page":195},{"text":"وقد ذكر ابن قدامة (^١) هذا الدليل، لكن الاستدلال به على ما ذُكر فيه نظر، فإنه عام فيما إذا كان الحيوان من جنس اللحم أو من غير جنسه (^٢)، فإن كان من غير جنسه كلحم إبل بشاة جاز، لعموم: \"إذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم\"، ولحم الإبل جنس، والشاة جنس، وهذا قول مالك وأحمد (^٣).\nوالقول الثاني: جواز بيع اللحم بالحيوان مطلقًا، سواء كان من جنسه أو من غير جنسه، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه (^٤)، وعللوا لذلك بأنه باع مال الربا بما لا ربا فيه، أشبه بيع اللحم بالدراهم أو بلحم من غير جنسه.\nوالقول الثالث: أنه لا يجوز بيع اللحم بالحيوان مطلقًا، وهذا قول الشافعي (^٥)، مستدلًّا بما روى ابن عباس - ﵄ -: (أن جزورًا نُحرت على عهد أبي بكر - ﵁ - فقسمت على عشرة أجزاء، فقال رجل: أعطوني جزءًا منها بشاة، فقال أبو بكر - ﵁ -: لا يصلح هذا) (^٦)، قال الشافعي: (لا أعلم لأبي بكر مخالفًا من الصحابة) (^٧).\nوالقول الرابع: التفصيل وهو إن أريد بالحيوان اللحم فهذا لا يجوز؛ لأنه باع لحمًا بلحم من غير تماثل، وإن أريد به الانتفاع بركوب أو تأجير أو حرث أو غير ذلك فلا بأس، وكذا لو كان من غير جنسه، وهذا رأي ابن تيمية وابن القيم (^٨).\n_________\n= وجه ثابت\"، وقال عن المرسل: \"هذا أحسن إسناده\"، وانظر: \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١٤٥)، والحديث حسنه الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ١٩٨).\n(^١) \"المغني\" (٦/ ٩٠).\n(^٢) \"الشرح الممتع\" (٨/ ٤٠٣).\n(^٣) \"الكافي\" (٢/ ٦٥٠)، \"المغني\" (٦/ ٩٠).\n(^٤) \"تبيين الحقائق\" (٤/ ٩١).\n(^٥) \"نهاية المحتاج\" (٣/ ٤٤٤).\n(^٦) أخرجه الشافعي (٢/ ٩٢)، والبيهقي (٥/ ٢٩٧) وإسناده ضعيف؛ لأن فيه أبا صالح مولى التوأمة وهو ضعيف، لكن له شواهد، انظر: \"الإرواء\" (٥/ ١٩٧).\n(^٧) انظر: \"مختصر المزني\" [المطبوع في آخر كتاب \"الأم\"] ص (١٧٦).\n(^٨) \"الإختيارات\" ص (١٢٨)، \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١٤٦)، \"الشرح الممتع\" (٨/ ٤٠٤، ٤٠٥).","vol":"6","page":196},{"text":"وأما بيع اللحم باللحم فإن اللحم أجناس، فلحم الإبل جنس، ولحم البقر جنس، ولحم الضأن جنس .. وهكذا، ولا يجوز بيع اللحم بلحم من جنسه إلا بالتساوي، لئلا يدخله ربا الفضل، فلا يباع كيلو من لحم الضأن بكيلوين منه، ويجوز كيلو من البقر بكيلوين من لحم الضأن لاختلاف الجنس، واللحم موزون، فيكون ملحقًا بالأصناف الستة بجامع الطعم والوزن، والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":197},{"text":"<span data-type='title' id=toc-692>حكم بيع العينة</span>\n٨٤٢/ ١٣ - عَن ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ:\n\"إِذَا تبَايَعْتُمْ بالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَركْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّط اللهُ عَلَيكُمْ ذُلًّا لا يَنْزِعُهُ حَتى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايةِ نَافِعٍ عَنْهُ، وَفي إسْنَادِهِ مَقَالٌ.\nوَلأَحْمَدَ نحوُهُ: مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وصَحّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"البيوع\"، باب \"في النهي عن العينة\" (٣٤٦٢) من طريق أبي عبد الرحمن الخرساني، أن عطاء الخرساني حدثه أن نافعًا حدثه، عن ابن عمر - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: … الحديث.\nوالحديث سكت عنه أبو داود، وذكر الحافظ -هنا- أن في إسناده مقالًا، وذلك لأن فيه إسحاق بن أَسِيد أبا عبد الرحمن الخرساني نزيل مصر لا يحتج بحديثه، قال أبو حاتم: (شيخ ليس بالمشهور، ولا يشتغل به) (^١) وقال أبو أحمد الحاكم: (مجهول) (^٢) ولما ترجمه الذهبي ذكر هذا الحديث من مناكيره (^٣)، وبه أعله الإشبيلي، وتبعه ابن القطان (^٤).\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٢١٣).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٩٨).\n(^٣) \"الميزان\" (١/ ١٨٤) (٤/ ٥٤٧).\n(^٤) \"الأحكام الوسطى\" (٣/ ٢٥٨)، \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٢٩٤).","vol":"6","page":198},{"text":"وفيه -أيضًا- عطاء الخراساني، وفيه مقال، قال في \"التقريب\": (يهم كثيرًا، ويرسل، ويدلس).\nوقد رواه أحمد (٨/ ٤٤٠)، والطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ٤٣٢) من طريق أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا -يعني ضَنَّ الناس بالدينار والدرهم- تبايعوا بالعِين، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء، فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم\".\nوهذا الحديث رجاله ثقات -كما قال الحافظ- وصححه ابن القطان، وسكت الحافظ هنا عن تصحيحه له، لكن تعقبه في \"التلخيص\": (بأن الإسناد معلول؛ لأنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحًا؛ لأن الأعمش مدلس، ولم يذكر سماعه من عطاء، وعطاء يحتمل أن يكون هو عطاء الخراساني، فيكون فيه تدليس التسوية بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر، فرجع الحديث إلى الإسناد الأول وهو المشهور) (^١). لكن قوله: (يحتمل أنه عطاء الخراساني) لم يتضح لي وجهه، فإن الذي في \"المسند\" و\"معجم الطبراني\" أنه عطاء بن أبي رباح -إن لم يكن خطأ- وهو لم يسمع من ابن عمر، وإنما رآه رؤية (^٢)، فيكون السند منقطعًا، أضعف إلى ذلك تفرد أبي بكر بن عياش دون علية أصحاب الأعمش، فهذا مما يؤثر على الإسناد.\nوالحديث له شواهد كثيرة، عقد لها البيهقي بابًا في \"سننه\" وذكرها وبيّن عللها، وقد صحح الحديث جمع من الأئمة منهم ابن القطان، كما ذكر الحافظ، وكذا شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، والألباني، وغيرهم (^٣).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا تبايعتم بالعينة) أي: اشتغلتم بالمعاملات الربوية، وحرصتم على المال بحيث لا يمنع منه ما نهى الله عنه، بسبب ضعف الإيمان، وشدة\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (٣/ ٢١).\n(^٢) \"المراسيل\" لابن أبي حاتم ص (١٥٤).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٩/ ٣٠)، \"تهذيب السنن\" (٥/ ١٠٤)، \"نيل الأوطار\" (٥/ ٢٣٤)، \"السلسلة الصحيحة\" رقم (١١).","vol":"6","page":199},{"text":"الطمع. والعينة: بكسر العين، تطلق على السلف -كما قال الجوهري (^١) -، وتطلق على شراء ما باع مؤجلًا باقل من ثمن البيع -كما قاله الفيروزآبادي (^٢) -، وتطلق على غير ذلك. قال الأزهري: (إن العينة اشتقاقها من العين، وهو النقد الحاضر يحصل له من فوره) (^٣).\nوعند الفقهاء: بيع سلعة بثمن مؤجل، ثم شراؤها بأقل منه نقدًا، وهذا تعريف الحنابلة، وهو المعروف عن الصحابة -﵃-، كعائشة - ﵂ -، كما سيأتي، وهو الذي ذكر الفقهاء الخلاف في العينة على ضوئه.\nوقال ابن عبد البر عن بيع العينة: (إنه تحيل في بيع دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل، بينهما سلعة محللة) (^٤). وهذا تعريف مختصر وشامل لجميع صور العينة التي منها ما تقدم، سميت بذلك لحصول العين - وهو النقد- فيها، والنقد هو المال الحاضر الذي يأخذه المشتري؛ لأنه يشتريها ليبيعها بعين حاضرة تصل إليه فورًا ليحصل على مقصوده، أو سميت بذلك لأنه يعود إلى البائع عين ماله.\n\nقوله: (وأخذتم أذناب البقر) هذا كناية عن الاشتغال بالحرث.\n\nقوله: (ورضيتم بالزرع) أي: اشتغلتم بالزرع ورضيتم به عن أمور الدين والجهاد في سبيل الله تعالى.\n\nقوله: (وتركتم الجهاد) أي: المتعين فعله.\n\nقوله: (سلّط الله عليكم ذلًّا) بضم الذال المعجمة وكسرها؛ أي: صَغارًا واستهانة وضعفًا، والذليل: هو الضعيف المهين.\n\nقوله: (لا ينزعه) بكسر الزاي من باب \"ضرب\"؛ أي: لا يرفعه ولا يزيله عنكم.\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (٦/ ٢١٧٢).\n(^٢) \"القاموس\" (٣/ ٣٦١ ترتيبه).\n(^٣) \"تهذيب اللغة\" (٣/ ٢٠٧).\n(^٤) \"الكافي في فقه أهل المدينة\" (٢/ ٦٧٢).","vol":"6","page":200},{"text":"قوله: (حتى ترجعوا إلى دينكم) أي: حتى ترجعوا إلى الاهتمام بأمور الدين والقيام بها، وتتركوا هذه الخصال المذمومة التي صارت سببًا في حلول البلاء، وفي هذا زجر بليغ؛ لأنه نَزَّلَ الوقوع في هذه الأمور منزلة الخروج من الدين.\n\n* الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على تحريم مسألة العينة، ووجه الدلالة: أن الرسول - ﷺ - نزَّل الوقوع في هذه الأمور المذكورة ومنها بيع العينة منزلة الخروج من الدين، لقوله: \"حتى ترجعوا إلى دينكم\"، وجعلها سببًا لإنزال البلاء وتسليط الذل عليهم، فدل على تحريم مسألة العينة؛ لأن ما كان سببًا في نزول البلاء فهو محرم.\n\n* الوجه الرابع: اختلف العلماء في حكم مسألة العينة، وهي أن يبيع -مثلًا- سيارة بمائة ألف مؤجلة إلى سنة، ثم يشتريها منه بثمانين حالّة، على قولين:\nالأول: أنه يحرم بيع العينة، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (^١)، واستدلوا بهذا الحديث.\nكما استدلوا بما ورد عن أبي إسحاق السبيعي، عن امرأته أنها دخلت على عائشة - ﵂ - ومعها أُمُّ ولدِ زيدِ بن أرقم الأنصاري وامرأةٌ أخرى، فأخبرت أمُّ ولدِ زيدِ بنِ أرقمَ عائشةَ - ﵂ - أنها باعت غلامًا من زيد بثمانمائة إلى العطاء، ثم اشترته منه بستمائة درهم، فقالت لها عائشة: (بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت، أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - ﷺ - إلا أن يتوب)، قالت: أرأيت إن أخذت رأس مالي ورددت عليه الفضل، قالت: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] أو قالت: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ\n_________\n(^١) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٥/ ١٩٨)، \"بداية المجتهد\" (٣/ ٢٧٣)، \"الفتاوى\" (٢٩/ ٤٣٠)، \"تهذيب مختصر السنن\" (٥/ ١٠٠)، \"الإنصاف\" (٤/ ٣٣٥).","vol":"6","page":201},{"text":"فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] (^١). والظاهر أن عائشة - ﵂ - لا تقول مثل هذا الكلام باجتهاد منها؛ لأن هذا التغليظ لا يكون إلا بتوقيف من النبي - ﷺ - (^٢).\nالقول الثاني: جواز بيع العينة، وهذا مذهب الشافعية، وأبي يوسف من الحنفية، وابن حزم، وبعض الشافعية يرى الكراهة (^٣).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ووجه الدلالة: أن العينة بيع، فهي حلال بنص القرآن، ولم يأتي تفصيل تحريمها في كتاب ولا سنة.\nكما استدلوا بحديث أبي سعيد وأبي هريرة - ﵄ - المتقدم، وفيه: \"بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا\"، ووجه الدلالة: أن الرسول - ﷺ - أمره أن يشتري بثمن الجمع جنيبًا، ويمكن أن يكون بائع الجنيب هو الذي اشترى منه الجمع، فيكون قد عادت إليه دراهمه التي هي عين ماله؛ لأن الرسول - ﷺ - لم يفصل، ولم ينه عن الشراء من الذي باع عليه الجمع.\nوالقول الأول هو الراجح، لقوة أدلته، فإن النهي في حديث ابن عمر وحديث عائشة - ﵂ - صريح في التحريم، ولأن العينة ذريعة إلى الربا، والربا حرام، والذريعة إلى الحرام حرام، فالعينة محرمة؛ لأن المتبايعين لم يعقدا على السلعة عقدًا يقصدان به تملكها، ولا غرض لهما فيها بحال، بل القصد دراهم بدراهم أكثر منها، وإدخال السلعة من باب التدليس، فليس فيها بيع ولا شراء حقيقة، وإنما هو قرض ربوي جاء بصورة البيع والشراء، فهو من الحيل التي يلجأ إليها المرابون.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٨/ ١٨٤، ١٨٥)، والدارقطني (٣/ ٥٢)، والبيهقي (٥/ ٣٣٠) وقد أعلَّ هذا الحديث بجهالة امرأة أبي إسحاق، وهي العالية بنت أيفع بن شراحيل، وقد رد حديثها الشافعي والدارقطني وابن حزم. وقال آخرون: إنها معروفة، وذكرها ابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ٢٨٩)، وقال في \"الجوهر النقي\": (العالية معروفة، روى عنها زوجها وابنها، وهما إمامان)، وقد جود ابن القيم حديثها في \"إعلام الموقعين\" (٣/ ١٦٧)، وسبقه شيخه ابن تيمية، كما في \"الفتاوى\" (٢٠/ ٢٥٩، ٢٦٠).\n(^٢) انظر: \"نيل الأوطار\" (٥/ ٢٣٣).\n(^٣) \"المحلى\" (٩/ ٦٨٦)، \"حاشية ابن عابدين\" (٥/ ٢٧٣)، \"نهاية المحتاج\" (٣/ ٤٦٠).","vol":"6","page":202},{"text":"أما الآية التي استدل بها القائلون بالجواز فهي عامة، وقد خُصص منها بيع العينة بالأحاديث الثابتة، كما خص منها بيع الغرر ونحوه، وأنتم تقولون بتحريمه. وأما حديث أبي سعيد - ﵁ - فهو مطلق قيدته الأحاديث التي تنهى عن العينة (^١).\nفإن اشترى السلعة وباعها على آخَرَ غيرِ من اشتراها منه لم تكن من مسألة العينة، وإنما هي مسألة التورق، وهي أن يشتري من يحتاج المال سلعةً مؤجلة بأكثر من قيمتها، ثم يبيعها على أجنبي نقدًا، كأن يحتاج خالد إلى مال لغرضٍ ما، ولم يجد من يقرضه، فيشتري من عليٍّ (٢٥) كيسًا من الرز -مثلًا- بخمسة آلاف ريال مؤجلة إلى سنة، ثم يبيعها على محمد بأربعة آلاف نقدًا ليسد حاجته، وبهذا يتبين أن الغرض من هذه المعاملة هو تحصيل الدراهم للحاجة إليها، وهذا محل النزاع، أما لو اشترى السلعة لقصد التجارة، أو لقصد الانتفاع بها كالأكل والشرب واللبس ونحوها فهذا يجوز بالإجماع (^٢).\nوالتورق في اللغة: مأخوذ من الوَرِقِ، والورِق له عدة معانٍ في اللغة، ومنها: الدراهم والمال بجميع أنواعه (^٣)، وسميت بهذا الاسم؛ لأن مشتري السلعة يبيعها بالورق، وهو الفضة.\nوأكثر الفقهاء يذكرونها ضمن صور العينة، إلا فقهاء الحنابلة فإنهم يفردونها بالذكر، ولا يجعلونها من صور العينة (^٤).\nوقد اختلف الفقهاء فيها على ثلاثة أقوال:\nالأول: أنها مكروهة، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، ورواية عن أحمد (^٥)؛ لأن فيها إعراضًا عن مبرة القرض التي حث عليها الإسلام.\n_________\n(^١) راجع: رسالة \"بيع العينة\" تأليف: حمد بن عبد العزيز الخضيري.\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٩/ ٤٤٢، ٤٤٦، ٤٤٧).\n(^٣) \"الصحاح\" (٤/ ١٥٦٥)، \"تهذيب اللغة\" (٩/ ٢٨٩).\n(^٤) \"الفروع\" (٤/ ١٧١)، \"رسالة بيع العينة\" ص (٧٦).\n(^٥) \"حاشية ابن عابدين\" (٥/ ٣٢٦)، \"حاشية الدسوقي\" (٣/ ٨٩)، \"الإنصاف\" (٤/ ٣٣٧).","vol":"6","page":203},{"text":"والقول الثاني: أنها محرمة، وهذا قول عمر بن عبد العزيز، ورواية عن أحمد، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، ومال إليه ابن القيم (^٢)؛ لأن الغرض منها أخذ دراهم بدراهم، ودخلت السلعة بينهما تحليلًا.\nوالقول الثالث: أنها جائزة، وهو قول إياس بن معاوية، ومذهب الحنابلة، واختار ذلك الشيخ محمد بن إبراهيم، وعبد العزيز بن باز، وأجازها الشيخ محمد بن عثيمين بشروط (^٣).\nواستدلوا على الجواز بأن الرجل يشتري السلعة ويكون غرضه إما عين السلعة وإما عوضها، وكلاهما غرض صحيح.\nوالأظهر -والله أعلم- القول بجوازها، بشرط أن يكون صاحبها محتاجًا إلى دراهم ولا يجد من يقرضه، فإذا اشترى من زيد سلعة -وهي في ملكه وحوزته- إلى أجل كسيارة أو أكياس من الرز أو الهيل أو غير ذلك ثم قبضها وحازها، ثم باعها في سوق من يزيد أو على من شاء بثمن معجَّل ليتزوج أو ليقضي دينًا أو ليعمر سكنًا أو ما أشبه ذلك، فالصواب أنه لا حرج في ذلك، لأمور ثلاثة:\n١ - النصوص العامة في الشريعة التي تدل على أن الأصل في المعاملات الحل، إلا ما ورد الدليل بتحريمه، وليس في الأدلة ما يمنع هذه المعاملة.\n٢ - عموم الأدلة على جواز المداينات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والتورق نوع من المداينات الداخلة في عموم الآية.\n٣ - وجود الحاجة إليها، فيكون في منعها تضييق على الناس، إذ ليس\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٩/ ٤٣٤، ٤٤٧).\n(^٢) \"تهذيب مختصر السنن\" (٥/ ١٠٨، ١٠٩).\n(^٣) \"تهذيب مختصر السنن\" (٥/ ١٠٨)، \"الإنصاف\" (٤/ ٣٣٧)، \"فتاوى ابن إبراهيم\" (٧/ ٦١)، \"فتاوى ابن باز\" (١٩/ ٩٦، ٩٩)، \"رسائل فقهية\" لابن عثيمين ص (١٠٧).","vol":"6","page":204},{"text":"كل أحد يجد من يقرضه، فما بقي إلا أن يشتري ويبيع حتى يحقق مطلوبه ويقضي حاجته.\nوهي ليست من مسألة العينة؛ لأن البيع فيها إلى أجل على شخص، والبيع بالنقد على شخص آخر، فليس فيها حيلة على الربا، ولا هي وسيلة إليه، فإن كان هناك تواطؤ بين الثلاثة على هذه المعاملة فإنها تحرم، كمسألة العينة (^١).\nفإن أمكن المسلم الاستغناء عن هذه المعاملة، والاقتصاد في كل ما يحتاج إليه، فهذا أحسن وأحوط، خروجًا من خلاف العلماء، واحتياطًا للدين، وابتعادًا عن إشغال الذمة بما قد يشق تخليصها منه (^٢).\nومما ينبغي أن يعلم أن المصارف اليوم توسعت في بيع التورق توسعًا أخرجه عن صورته المباحة عند من أباحه، وصورته: شراء سلعة من المصرف كحديد -مثلًا- دون القيام من مجلس العقد، بل في أوراق، ثم يقوم المشتري بتوكيل المصرف في بيعها، ثم في ساعات ينزل في حساب العميل السيولة المالية وهي بهذا حيلة ظاهرة على الربا، فبدل ما يدفع المصرف (١٠٠.٠٠٠) بـ (١٢٠.٠٠٠) مؤجلة، سيتعامل بهذه الصورة، وقد صدر قرار من مجلس مجمع الفقه الإسلامي في تحريم هذه الصورة بعينها، والمحاذير فيها متعددة، منها:\n١ - التحيل على الربا؛ لأن ما ذكر أشبه بالبيع والشراء الصوري.\n٢ - أن فيها شبهًا بمسألة العينة، سواء كان الالتزام بالتوكيل صراحة أو بالعرف.\n٣ - الإخلال بشروط القبض الشرعي (^٣).\n\n* الوجه الخامس: ذم الحرث والزرع في هذا الحديث محمول على ما\n_________\n(^١) \"فتاوى ابن باز\" (١٩/ ١٠٣).\n(^٢) \"فتاوى ابن باز\" (١٩/ ١٠٣).\n(^٣) \"مجلة الدعوة\" عدد (٢٠٤١) بتاريخ (٦/ ٤ / ١٤٢٧ هـ) ص (١٨).","vol":"6","page":205},{"text":"إذا شغل عن القيام بالواجبات كالجهاد ونحوه من الأمور المطلوبة، وقد بوّب البخاري ﵀ فقال: (باب ما يُحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع أو مجاوزة الحد الذي أُمِرَ به)، وبوَّب قبل ذلك فقال: (باب فضل الزرع والغرس إذا أُكِلَ منه) (^١)، فأحاديث الذم محمولة على الاستكثار والاشتغال بالدنيا عن أمور الدين، وأحاديث الإباحة محمولة على اتخاذها للكفاف أو لنفع المسلمين بها وتحصيل ثوابها.\n\n* الوجه السادس: الحديث دليل على أن إقبال الناس على البيع والشراء والزراعة وإعراضهم عن الجهاد من أسباب الذل وطمع الأعداء، كما وقع من أزمان طويلة وقرون متعددة، وأعظم ذلك ما وقع في زماننا هذا.\nوالواجب على أهل الإسلام أن تعلو همتهم، وأن يشمروا إلى الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته، ونصرة دينه، وقهر أعدائه، وألا يشغلهم عنه شاغل، وما ضعف المسلمون وتسلط عليهم الأعداء إلا يوم تركوا الجهاد، وقد جاء في حديث ثوبان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأَكَلَةُ إلى قَصْعتها\"، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: \"بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوَهَنَ\"، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: \"حب الدنيا وكراهية الموت\"، وفي رواية: \"وكراهيتكم القتال\" (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٣ - ٤).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٢٩٧)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ١٨٢)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٦/ ٥٣٤)، من طريق أبي عبد السلام صالح بن رستم الهاشمي الدمشقي، عن ثوبان - ﵁ - مرفوعًا. وأبو عبد السلام، قال عنه أبو حاتم كما في \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٤٠٣): (مجهول لا نعرفه)، وقال الذهبي في \"الميزان\" (٢/ ٢٩٥): (روى عنه الثقات، فخفت الجهالة) على أنه لم يتفرد به، فقد تابعه أبو أسماء الرحبي، عن ثوبان .. أخرجه أحمد (٣٧/ ٨٢) قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٢٨٧): (هذا سند جيد) لكن المحفوظ وقفه، كما في \"العلل\" (١١/ ١٥١) للدارقطني، وقد أخرجه أحمد -أيضًا- من حديث أبي هريرة - ﵁ - (١٤/ ٣٣١).","vol":"6","page":206},{"text":"<span data-type='title' id=toc-693>حكم الهدية في مقابل الشفاعة</span>\n٨٤٣/ ١٤ - عَنْ أَبِي أُمَامَة - ﵁ -، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"مَنْ شَفَعَ لأَخِيهِ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُوُ دَاوُدَ، وَفي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"البيوع\"، بابٌ \"في الهدية لقضاء الحاجة\" (٣٥٤١) من طريق عمر بن مالك، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم، عن أبي أمامة - ﵁ -، مرفوعًا.\nوأخرجه أحمد (٣٦/ ٥٨٨) من طريق ابن لهيعة: حدثنا عبيد الله بن أبي جعفر، به.\nوهذا الإسناد فيه مقال، عبد الله بن لهيعة ضعيف سيء الحفظ، لكن تابعه عمر بن مالك، كما في رواية أبي داود، وعمر بن مالك قال عنه الحافظ في \"التقريب\": (لا بأس به، فقيه). وعبيد الله بن أبي جعفر ضعفه أحمد في رواية، وعنه أنه قال: (ليس به بأس) (^١)، وقال أبو حاتم والنسائي وابن سعد: (ثقة)، واحتج به الشيخان.\nوالقاسم -وهو ابن عبد الرحمن الدمشقي- قال عنه في \"التقريب\": (صدوق يُغرب)، وقال الألباني: (فيه كلام يسير، لا ينزل به حديثه عن مرتبة\n_________\n(^١) \"الميزان\" (٣/ ٣٧٣)، \"هدي الساري\" ص (٤٢٣).","vol":"6","page":207},{"text":"الحسن) (^١). لكن له أفراد (^٢)، وهذا الحديث منها، فإن مداره عليه فلم يتابعه عليه أحد.\nوالحديث حسّنه الألباني في \"صحيح الجامع\" (^٣)، و\"صحيح سنن أبي داود\" (^٤)، كما حسّن الحديث الشيخ عبد العزيز بن باز في تعليقه على \"البلوغ\" (^٥).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من شفع) الشفاعة: مصدر شفعت في الأمر شفعًا وشفاعة فأنا شفيع وشافع: طالبت بوسيلة أو ذِمام، وأصل الشفع: جعل الشيء اثنين، فكأن الشفيع يضم صوته لصوت المشفوع له في قضاء حاجته.\nوالشفاعة اصطلاحًا: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.\n\nقوله: (لأخيه) المراد: أخوه في الإسلام.\n\nقوله: (فأهدى له هدية فقبلها) الهدية في اللغة: ما أُتحف به، وعند الفقهاء: ما بعثته لغيرك بقصد الإكرام أو التودد أو المكافأة. فالدافع للهدية إما المحبة أو الصداقة أو طلب حاجة. والفرق بينها وبين الهبة، أن الهدية ما يتقرب به المهدي إلى المُهدى إليه، وليس كذلك الهبة، وسيأتي مزيد بيان لذلك في باب \"الهبة\" إن شاء الله تعالى.\n\nقوله: (فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا) أي: فقد دخل مدخلًا عظيمًا من مداخل الربا وانغمس في الحرام.\nوتسميته ربا من باب الاستعارة للشبه بينهما، وذلك لأن الربا هو الزيادة لا في مقابل عوض، وهذا مثله، ولعل هذا غرض الحافظ من ذكر هذا الحديث في باب \"الربا\".\n_________\n(^١) \"معجم أسامي الرواة\" (٣/ ٤٣٠).\n(^٢) انظر: \"المجروحين\" (٢/ ٢١٤)، \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٢٩٠).\n(^٣) (٦١٩٢).\n(^٤) (٣٠٢٥).\n(^٥) (٢/ ٥٠٨).","vol":"6","page":208},{"text":"* الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يعتاض عن الشفاعة شيئًا، بل ينبغي أن تكون الشفاعة وقضاء حاجة الآخرين لله تعالى، من باب التعاون على البر والتقوى، ومن باب الإحسان، وهذا من أخلاق المسلمين الجميلة، ومن صفاتهم الحميدة، فمن وفّقه الله تعالى لقضاء حوائج إخوانه المسلمين فلا ينبغي له أن يقبل مكرمة مقابل ذلك ليخلص العمل لله تعالى، ويرجو ثوابه وجزاءه. قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، والمعنى: أن من سعى في أمر ترتّب عليه خير كان له نصيب من ذلك الخير عند الله تعالى.\nوعن أبي موسى - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أتاه السائل أو صاحب الحاجة، قال: \"اشفعوا فلتؤجروا، وليقض الله على لسان نبيه ما شاء\"، وفي رواية: \"ما أحبَّ\" (^١).\nوعلى هذا فمن شفع لأخيه أن يواسَى فقره، أو يعفى من ضريبة، أو يقضى دينه، أو شفع في أمور أخرى مما أباح الله، ثم أهدى له هذا المشفوع له، فلا ينبغي أن يقبل ذلك، يقول أبو الحارث: إن أبا عبد الله -يعني: الإمام أحمد- سئل عن الرجل يسأله الرجل حاجة فيسعى فيها، فيكافئه على ذلك بلطفه، ويهدي له، ترى له أن يقبلها؟ قال: (إذا كان شيء من البر وطلب الثواب كرهت له ذلك) (^٢). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما الهدية في الشفاعة مثل أن يشفع لرجل عند ولي أمر ليرفع عنه مظلمة، أو يوصل إليه حقه، أو يوليه ولاية يستحقها، أو يستخدمه في الجند المقاتلة -وهو مستحق لذلك-، أو يعطيه من المال الموقوف على الفقراء … ونحو هذه الشفاعة التي فيها إعانة على فعل واجب أو ترك محرم فهذه -أيضًا- لا يجوز فيها قبول الهدية، ويجوز للمهدي أن يبذل في ذلك ما يتوصل به إلى أخذ حقه أو دفع الظلم عنه، هذا هو المنقول عن السلف والأئمة الأكابر، وقد رخص\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٢٧)، ومسلم (٢٦٢٧).\n(^٢) \"الآداب الشرعية\" (١/ ٢٩٨)","vol":"6","page":209},{"text":"بعض المتأخرين من الفقهاء في ذلك، وجعل هذا من باب \"الجعالة\" (^١)، وهذا مخالف للسنة وأقوال الصحابة والأئمة، فهو غلط …؛ لأن المصالح العامة يكون القيام بها فرضًا إما على الأعيان وإما على الكفاية …) (^٢). وعلى هذا فالهدية للأمير أو العامل أو القاضي لا تجوز لهذا المعنى، ولأن له من رزق بيت المال ما يكفيه. وإذا شفع الإنسان لغيره في أمر من الأمور، فله ثلاث حالات:\nالأولى: أن يشفع لغيره بتحصيل شيء واجب أو يدفع مظلمة فهذه شفاعة واجبة من القادر عليها، فيحرم أخذ شيء عليها. يقول الحافظ ابن رجب: (الهدية لمن يشفع له شفاعة عند سلطان ونحوه لا تجوز، ذكره القاضي، وأومأ إليه أحمد؛ لأنها كالأجرة، والشفاعة من المصالح العامة، فلا يجوز أخذ الأجرة عليها، وفيه حديث صريح في السنن …) (^٣). وتقدم في كلام أبي الحارث أن الإمام أحمد يرى الكراهة، ولعل المراد: كراهة التحريم، ليتفق ذلك مع ما نقله عنه ابن رجب، والله أعلم.\nويرى ابن حزم الظاهري: (جواز قبول الهدية ممن نُصر في حق أو رفع عنه ظلم؛ لأنه من جملة شكر المنعم، وهدية بطيب نفس، ولا نعلم قرآنًا ولا سنة في المنع …) (^٤). وهذا رأي الغزالي، إلا أن الغزالي يرى الجواز والقياس على الجعالة إذا كان العمل فيه سعي وتَعَبٌ، وإلا فيحرم أخذ الهدية؛ لأنه عوض عن الجاه.\nوكلام ابن حزم له حظ من النظر؛ لعدم قوة الحديث، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنها من باب ردِّ المعروف، وليس فيها أيُّ تواطؤ. ويمكن حمل كلام الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية على الهدية مقدمًا، أو جعلها كالأجرة. أما إذا كان الشافع أخلص في ذلك والمشفوع له أهدى إحسانًا منه، فما المانع من ذلك؟\n_________\n(^١) انظر: \"إحياء علوم الدين\" (٢/ ١٥٥)، \"الآداب الشرعية\" لابن مفلح (١/ ٢٩٩).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٣١/ ٢٨٦، ٢٨٧).\n(^٣) \"القواعد\" (٣/ ١٠١).\n(^٤) \"المحلى\" (٩/ ١٥٨).","vol":"6","page":210},{"text":"الثانية: أن يشفع لغيره في الحصول على أمر لا يستحقه من وظيفة أو عمل، فهذه شفاعة محرمة؛ لأن فيها تعديًا على حقوق الآخرين الذين يستحقون هذا العمل، كما أن فيه إضرارًا بالعمل نفسه حيث تولاه من لا يستحقه، كما أن فيها ظلمًا للشخص نفسه حيث تولى ما ليس له، وما أخذ على هذا النوع فهو حرام، بل هو الرشوة بعينها المحرمة باتفاق، كما سيأتي. ويدخل في هذا الشفاعة في حدود الله تعالى فهي محرمة، وما دفع لأجلها فهو رشوة.\nالثالثة: أن تكون الشفاعة في أمر مباح ليس بواجب لكن فيه فائدة للمشفوع له، كما لو شفع له في نقل وظيفته من مكان لآخر، أو شفع له في إنجاز معاملته وليس في ذلك تعدٍّ على حق غيره، فإن بذل الشافع ذلك بلا مقابل وجعله من باب الإحسان فهذا أفضل، وإن أخذ عليه عوضًا فالظاهر جوازه، لعموم حديث ابن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: \" … من أدى إليكلم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه (^١) فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه\" (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) كذا في \"المسند\" بحذف النون، وهو مستقيم عربية، وفي بعض المصادر بإثبات النون.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥١٠٩)، والنسائي (٥/ ٨٢)، وأحمد (٩/ ٢٦٦) وإسناده صحيح.","vol":"6","page":211},{"text":"<span data-type='title' id=toc-694>تحريم الرشوة</span>\n٨٤٤/ ١٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَال: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"البيوع\"، بابٌ \"في كراهية الرشوة\" (٣٥٨٠)، والترمذي (١٣٣٧) من طريق ابن أبي ذئب، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو - ﵄ -.\nوقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).\nوهذا الحديث قد أعاده الحافظ في كتاب \"القضاء\" من رواية أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: \"لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي في الحكم\"، ثم ساق حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - هذا شاهدًا له.\nولعل الحافظ ذكر هذا الحديث في باب \"الربا\" لإفادة أن المال المستفاد من الرشوة كالمال المستفاد من الربا، وقد لعن رسول الله - ﷺ - آكل الربا وموكله، كما لعن آكل الرشوة وموكلها.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الراشي) هذا اسم فاعل من رشا يرشو فهو راشٍ، والمراد به: دافع الرشوة. قال في \"القاموس\": (الرشوة -مثلثة-: الجُعل، جمعه: رُشًا ورِشًا، ورشاه: أعطاه إياها …) (^١)، وقال ابن الأثير: (الرشوة:\n_________\n(^١) \"القاموس\" (٢/ ٣٤٣ ترتيبه).","vol":"6","page":212},{"text":"الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، وأصله من الرشاء الذي يتوصل به الماء) (^١).\nوعلى هذا فالرشوة مشتقة من الرشاء، وهو الحبل الذي يربط به الدلو ليصل إلى الماء في البئر، وهذا هو الأظهر؛ لأن وجه الشبه عليه أتم، من حيث إن إعطاء الراشي الرشوة ليصل إلى غرضه، يشبه ربط الدلو بالرشاء ليمتلئ بالماء.\nوأما حقيقة الرشوة فهي: ما يدفع من مال ونحوه كمنفعة، ليتوصل به إلى ما لا يحل.\nفالرشوة قد تكون مالًا، وهذا هو الغالب، وقد تكون منفعة يمكِّنه منها، أو يقضيها له.\n\nقوله: (والمرتشي) هو اسم فاعل من ارتشى، وهو آخذ الرشوة، وهو لفظ عام؛ لأن (أل) الموصولة من صيغ العموم، فيشمل كل من أخذ الرشوة من حاكم أو قاضٍ أو وزير أو وكيل أو موظف وغيرهم.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الرشوة وأنها من كبائر الذنوب؛ لأن النبي - ﷺ - قد توعد أكلة الرشوة والمتعاملين بها بالطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى.\nوالرشوة من أنواع السحت الذي ذم الله تعالى به اليهود، فقال: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، قال ابن مسعود - ﵁ - وغير واحد من السلف: السحت: الرشوة. نقله ابن جرير وغيره (^٢). وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، قال البغوي: (إن الآية شاملة لجميع وجوه الباطل، ومنها الرشوة) (^٣).\nوالرشوة مجالاتها متعددة، فقد تكون الرشوة في الحكم بأن يحكم له\n_________\n(^١) \"النهاية\" (٢/ ٢٢٦).\n(^٢) \"تفسير الطبري\" (١٠/ ٣١٨).\n(^٣) \"تفسير البغوي\" (١/ ١٥٩).","vol":"6","page":213},{"text":"بما لا يستحق، أو يلقنه الحجة، أو يتهاون في تنفيذ الحكم، ونحو ذلك، وهذا سيأتي -إن شاء الله- في كتاب \"القضاء\".\nوقد تكون الرشوة في غير الحكم، فتكون في الوظائف والمسابقات، وقد تكون في تنفيذ المشاريع، بأن يبذل أحد المنفذين رشوة للمسؤول فيرسو المشروع عليه مع أن غيره أحق به وأنصح له، وقد تكون الرشوة في تحقيق جناية أو حادث فيتساهل المحقق من أجل الرشوة، وقد تقع الرشوة في التعليم فينجح من أجلها من لا يستحق النجاح، أو تقدم له أسئلة الاختبار أو يشار إلى مواضعها من المقررات، أو نحو ذلك فيتقدم هذا الطالب مع ضعف مستواه العلمي، ويتأخر من هو أحق منه.\n\n* الوجه الرابع: جاء في \"المسند\" وغيره من طريق ليث بن أبي سليم، عن أبي الخطاب، عن أبي زرعة، عن ثوبان - ﵁ - قال: \"لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي والرائش: يعني الذي يمشي بينهما\" (^١).\nوهذا الحديث بهذه الزيادة وهي لعن الرائش، وهو الوسيط بين الراشي والمرتشي ضعيف، لضعف ليث بن أبي سليم واضطرابه في رواية هذا الحديث، وشيخه أبو الخطاب قال عنه البزار وتبعه المنذري: (لا يعرف). وقال الذهبي: (مجهول). وأبو زرعة -وهو يحيى بن أبي عمرو السيباني- روايته عن ثوبان مرسلة، فتكون زيادة منكرة (^٢).\nوالرائش ليس بركن أساسي في تعاطي الرشوة، لإمكان تحقيقها مباشرة بين الراشي والمرتشي بدونه، وإنما هو مجرد شريك، ولهذا -والله أعلم- لم يثبت لعنه مع الراشي والمرتشي، لكنه على خطر عظيم؛ لأن كل من أعان على باطل فهو آثم، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، وقد تقدم أن النبي - ﷺ - لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: \"هم سواء\"، فإذا لُعِنَ هؤلاء على تعاطي الربا والمشاركة فيه، فالمشارك في تعاطي الرشوة على خطر عظيم.\n_________\n(^١) \"المسند\" (٣٧/ ٨٥).\n(^٢) راجع \"السلسلة الضعيفة\" (٣/ ٣٨١).","vol":"6","page":214},{"text":"* الوجه الخامس: الحديث دليل على عناية الإسلام بالمجتمعات الإسلامية، وتطهيرها من أسباب الفساد وعوامل الظلم وأكل أموال الناس بالباطل، فحرم الإسلام الرشوة وتوعّد عليها؛ لأن آثارها سيئة، ومفاسدها عظيمة، ومن ذلك:\n١ - أنها من كبائر الذنوب، وسبب لمنع إجابة الدعاء، وتعرّض لغضب الله، والطرد من رحمته.\n٢ - تضييع حقوق العباد، والإعانة على الظلم والعدوان، وهدر كرامة الإنسان.\n٣ - الرشوة ظلم للنفس؛ لأن الراشي يظلم نفسه ببذل المال لأخذ ما ليس له، والمرتشي يظلم نفسه بأكل المال بالباطل وظلم الآخرين.\n٤ - الرشوة كسب خبيث، وأكل لأموال الناس بالباطل، ومنهج الإسلام في الأكل الحلال والكسب الطيب مما تواترت فيه النصوص.\n٥ - إذا انتشرت الرشوة في المجتمع، شاعت فيه روح النفعية، لا روح الواجب، فتتعطل مصالح المسلمين وتتأخر أعمالهم، فلا يتم إنجازها إلا بالرشوة، لا بمقتضى الواجب والتكليف من ولاة الأمور، والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-695>النهي عن بيع المزابنة</span>\n٨٤٥/ ١٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْمُزَابَنَةِ، أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرٍ كيلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيلًا، وَإِنْ كانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بكَيلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع من كتاب \"البيوع\"، ومنها باب \"بيع الزرع بالطعام كيلًا\" (٢٢٠٥)، ومسلم (١٥٤٢) (٧٦) من طريق نافع، عن ابن عمر - ﵄ -. وقد جاء عند مسلم زيادة: \"وعن كل ثمر بخرصه\".\nوقد تقدم ذكر المزابنة في باب \"النهي عن بعض المعاملات\" في حديث جابر وحديث أنس -﵄-، وفيهما تعداد بعض المعاملات المنهي عنها، ومنها المزابنة، ولعل الحافظ ذكر حديث ابن عمر - ﵄ - في باب \"الربا\"؛ لأن فيه تفسير المزابنة وأن بيعها من صور (ربا الفضل)، كما سيتبين إن شاء الله.\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن بيع المزابنة، وهي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه -كما تقدم-، كأن يبيع الثمر على رؤوس النخيل بتمر كيلًا، أو يبيع الزرع في سنبله بحنطة كيلًا، أو يبيع العنب بزبيب كيلًا، والعلة في النهي عن ذلك هي الجهل بالتساوي المشروط بمبادلة الربوي بجنسه، وهذا الجهل يفضي إلى الربا، كما تقدم من أن الجهل بالتساوي","vol":"6","page":216},{"text":"كالعلم بالتفاضل، وإذا باع الثمر على رؤوس النخل بتمر جاف فقد خفي التساوي من وجهين:\n١ - كون البيع خرصًا.\n٢ - كون أحدهما رَطْبًا والآخر جافًا، ويستثنى من ذلك مسألة (العرايا)، كما سيأتي إن شاء الله.\nوعلى هذا فكل ربويين جهل تساويهما حرم بيع أحدهما بالآخر، فيحرم بيع الحب بدقيقه، كصاع من البر بصاع من دقيق البر، وهو الطحين، وذلك لعدم التساوي؛ لأن الحب إذا طحن تنتشر أجزاؤه، وأجاز بعض العلماء بيعه وزنًا؛ لأنه يمكن التساوي بالوزن.\nفإن كان المبيعان ليسا من الأصناف الربوية فالعلة هي الغرر الناشئ عن عدم التحقق من قدر المبيع؛ لأنه بيع معلوم بمجهول، كما لو باع شيئًا من الخضار أو الفواكه وأحدهما معلوم القدر والآخر مجهول، والنهي في ذلك كله يقتضي الفساد.\n\n* الوجه الثالث: هذا الحديث من أدلة الجمهور على أن الربا يجري في الأصناف الأربعة في حديث عبادة - ﵁ - المتقدم- وما وافقها في العلة؛ لأن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الزبيب بالعنب، وهو ليس من الأصناف المذكورة في حديث عبادة، بل إن قوله في رواية مسلم: \"وعن كل ثمر بخرصه\" عام فيما ذُكر في حديث عبادة وغيره، والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":217},{"text":"<span data-type='title' id=toc-696>حكم مبادلة الرَّطْبِ باليابس من الربويات</span>\n٨٤٦/ ١٧ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - ﵁ - قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سُئِلَ عَن اشْتِرَاءِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ. فَقَال: \"أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ \"، قَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْ ذلِكَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِي، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"البيوع\"، بابٌ \"في التمر بالتمر\" (٣٣٥٩)، والترمذي (١٢٢٥)، والنسائي (٧/ ٢٦٨، ٢٦٩)، وابن ماجه (٢٢٦٤)، وأحمد (٣/ ١٠٠)، وابن حبان (١١/ ٣٧٢)، والحاكم (٢/ ٣٨) من طريق مالك، عن عبد الله بن يزيد، أن زيدًا أبا عياش (^١) أخبره، أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسّلْت (^٢). فقال له سعد: أيهما أفضل؟ قال: البيضاء، فنهاه عن ذلك، وقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يُسأل … وذكر الحديث.\nوقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).\nونقل الحافظ عن علي بن المديني: (أن أباه حدث به، عن مالك، عن داود بن الحصين، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن أبي عياش، قال: وسماع\n_________\n(^١) هكذا في بعض المصادر المذكورة، وفي بعضها: أن ابن عياش وفي بعضها: زيد بن أبي عياش. انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٣٦٥).\n(^٢) البيضاء: نوع من البُر أبيض اللون، وفيه رخاوة، يكون بمصر، والسلت: نوع غير البر وهو أدق حبًّا منه، وقيل: إن البيضاء هو الرطب من السلت، والأول أعرف، والثاني أليق بمعنى الحديث. [\"معالم السنن للخطابي] (٥/ ٣٢)].","vol":"6","page":218},{"text":"أبي من مالك قديم، قال: فكان مالكًا كان علقه عن داود، ثم لقي شيخه فحدثه به مرة عن داود، ثم استقر رأيه على التحديث به عن شيخه) (^١).\nوقال الحاكم: (هذا حديث صحيح، لإجماع أئمة النقل على إمامة مالك بن أنس، وأنه محكم في كل ما يرويه من الحديث، إذ لم يوجد في رواياته إلا الصحيح، خصوصًا في حديث أهل المدينة، ثم لمتابعة هؤلاء الأئمة في روايته عن عبد الله بن يزيد، والشيخان لم يخرجاه، لما خشياه من جهالة زيد بن أبي عياش). وقد صرح بجهالته ابن حزم (^٢) وعبد الحق الإشبيلي (^٣)، وهذا مردود لما يلي:\n١ - أن ابن حبان قد وثقه، وقال الدارقطني: (ثقة، ثبت) (^٤).\n٢ - أنه روى عنه ثقتان: عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، وعمران بن أبي أنس، وهما ممن احتج به مسلم.\n٣ - أن أئمة هذا الشأن قد عرفوه، فهذا الإمام مسلم قد ذكره في كتاب \"الكنى\" (^٥)، وهذا الإمام مالك قد أخرج حديثه في \"موطئه\" مع شدة تحرّيه في الرجال ونقده وتتبّعه لآرائهم (^٦).\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا يجوز بيع أحد نوعي الجنس بالآخر، وأحدهما رطب والآخر يابس، مثل بيع الرطب بالتمر، وبيع العنب بالزبيب، واللحم الرَّطْبِ بالقديد؛ لأن أحدهما أزيد من الآخر قطعًا، فإن الرَّطْبَ إذا يبس نقص كثيرًا، فلا يحصل التساوي، ومثل ذلك إذا لم يستويا في النشاف بأن كان أحدهما أكثر رطوبة من الآخر، مثل أن يبيع خبزًا من البر بخبز من البر وأحدهما أنشف من الآخر، فلا يجوز لعدم التساوي المشترط في قوله - ﷺ -: \"مثلًا بمثل، سواءً بسواء\".\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (٣/ ١٠).\n(^٢) \"المحلى\" (٨/ ٤٦٢).\n(^٣) \"الأحكام الوسطى\" (٣/ ٢٥٧).\n(^٤) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٣٦٥).\n(^٥) (١/ ٦٣٦).\n(^٦) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" للمنذري (٥/ ٣٤).","vol":"6","page":219},{"text":"وقوله - ﷺ - هنا: \"أينقص الرطب إذا يبس؟ \"، هذا السؤال لا يقصد منه المعرفة؛ لأن مسألة نقصان الرطب إذا يبس جلية مستغنية عن الاستكشاف؛ لأن من المعلوم لكل عاقل أن الرطب ينقص إذا يبس، لزوال الرطوبة الموجبة لزيادته وثقله. وإنما قصد - ﷺ - بذلك بيان مناط الحكم ووجه العلة بتحريم البيع، وهذا يحصل به اقتناع السائل بوقوفه على علة النهي.\nوقد حمل بعض العلماء هذا الحديث على ما إذا كان الرطب مقطوعًا على الأرض، وقالوا: ليس هذا من المزابنة؛ لأنه لم يرد في تفسيرها كما تقدم، فإن كان التمر على رؤوس النخل فهو بيع المزابنة كما مضى، وقد يكون هذا غرض الحافظ من ذكر حديث سعد - ﵁ - بعد حديث المزابنة، والله تعالى أعلم.\n\n* الوجه الثالث: يستدل بهذا الحديث علماء الأصول على نوع من أنواع مسالك العلة، وهو إثبات العلة بالأدلة النقلية بطريق التنبيه والإيماء، وهو أن يذكر الشارع مع الحكم وصفًا لو لم يعلل الحكم بهذا الوصف لكان ذكره في الكلام لغوًا لا فائدة فيه، فيعلل الحكم به صيانة لكلام الشرع عن اللغو، وذلك أن السؤال عن نقصان الرطب باليبس لو لم يقدر التعليل به، وأنه سبب المنع من بيع الرطب بالتمر ما دام أن الرطب ينقص عند اليبس لكان السؤال عنه غير مفيد؛ لأنه أمر ظاهر، كما تقدم، والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":220},{"text":"<span data-type='title' id=toc-697>النهي عن بيع الدين بالدين</span>\n٨٤٧/ ١٨ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ -: نَهَى عَنْ بَيعِ الكَالِيءِ بالْكَالِيءِ؛ يَعْنِي: الدَّينَ بالدَّينِ. رَوَاهُ إِسْحَاقُ، وَالْبَزَّارُ بإسْنَادٍ ضَعِيفٍ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البزار (^١) (١/ ٥٠٨ مختصر زوائده)، والدارقطني (٣/ ٧٢) من طريق موسى بن عُبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - ﵄قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن الشغار، وعن بيع المَجْرِ، وعن بيع الغرر، وعن بيع كالئ بكالئ، وعن بيع آجل بعاجل … \" الحديث بتمامه، وفيه تفسير لهذه المذكورات في هذا الحديث، ومنها بيع الكالئ بالكالئ حيث فسِّر ببيع الدَّين بالدَّين، وبهذا يتبين أن التفسير ليس من الحافظ ابن حجر، وإنما هو في سياق الحديث.\nقال البزار: (لا نعلم أحدًا رواه بهذا التمام إلا موسى، وهو ضعيف، وفي الصحيح طرف منه).\nوأخرجه الدارقطني (٣/ ٧١)، والحاكم (٢/ ٥٧)، والبيهقي (٥/ ٢٩٠) من طريق الخَصيب بن ناصح: نا الدراوردي، عن موسى بن عبيدة، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-، به.\nإلا أن الدارقطني سمَّاه موسى بن عقبة في الموضعين المذكورين، وكذا\n_________\n(^١) عزا الحافظ هذا الحديث -أيضًا- إلى إسحاق، وهو إسحاق بن راهويه في مسنده، وقد رجعت إلى \"المطالب العالية\" (١/ ٣٩٩) لابن حجر، فلم أجده من مسند إسحاق، وإنما من مسند أبي بكر بن أبي شيبة، ومسند أحمد بن منيع. فالله أعلم.","vol":"6","page":221},{"text":"الحاكم، وغلَّطهما البيهقي، لكن الظاهر أن الوهم ليس من الدارقطني، بل من غيره، بدليل أنه جزم في \"العلل\" بأن موسى بن عبيدة تفرد به (^١)، وقال الألباني: (أنا أظن أن الوهم من ابن ناصح، فهو الذي قال ذلك؛ لأن توهيمه أولى من توهيم حافظين مشهورين: الدارقطني، والحاكم، والله أعلم) (^٢).\nوموسى بن عبيدة وهو الرَّبذي ضعيف، نقل ابن عدي تضعيفه عن الإمام أحمد، فإنه قال: (منكر الحديث)، وقال: (لا تحل عندي الرواية عنه)، قال: فقيل لأحمد: إن شعبة روى عنه قال: (.. لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه) (^٣)، وقال الذهبي: (ضعفوه، وقال أحمد: لا تحل الرواية عنه) (^٤)، ونقل الحافظ عن الشافعي أنه قال: (أهل الحديث يوهنون هذا الحديث)، وعن الإمام أحمد قال: (ليس في هذا حديث يصح، لكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دَين بدَين) (^٥).\nوعلى هذا فالحديث ضعيف، وقد ضعّفه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه \"نظرية العقد\" (^٦)، وليس في المسألة إلا الإجماع، على أن شيخ الإسلام ابن تيمية نفى الإجماع في ذلك.\n\n* الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إنه لا يجوز بيع الكالئ بالكالئ، وهو بيع الدين بالدين، والكالئ بمعنى: المؤخر الذي لم يقبض في مجلس العقد، من كلأ الدين: أي تأخر.\nوبيع الدَّين بالدَّين له صور، منها:\n١ - بيع الحيوان بالحيوان نسيئة من الطرفين، وتقدم ذلك.\n٢ - بيع ما في الذمة بثمن مؤجل لمن هو عليه، مثال ذلك: أن يكون عند زيد لعمرو مائة صاع من البر قرضًا أو ثمنًا لمبيع مؤجل، فيقول زيد\n_________\n(^١) \"العلل\" (١٣/ ١٩٣).\n(^٢) \"الإرواء\" (٥/ ١٢٢).\n(^٣) \"الكامل\" (٦/ ٣٣٣).\n(^٤) \"ديوان الضعفاء والمتروكين\" ص (٤٠٢).\n(^٥) \"التلخيص\" (٣/ ٢٩).\n(^٦) ص (٢٣٥).","vol":"6","page":222},{"text":"لعمرو: أعطيك عن البر ألف ريال ولكنها مؤجلة، فهذا لا يجوز؛ لأن العوضين -وهما البر والريالات- مما يجري فيه ربا النسيئة، لقوله - ﷺ -: \"فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد\"، وعلى هذا فلا بد من التقابض، فإذا كان أحد العوضين لا يجري فيه الربا، فقولان، مثال ذلك: أن يبيع عاصم على خالد ثلاجة بألف ريال إلى سنة، فلما حَلَّ الأجل أعطاه خالد مقابل الألف عشرة أثواب إلى سنة، فالأكثرون على أنها لا تصح؛ لعموم الحديث وما ذكر من الإجماع، وقال بجوازها شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وآخرون. وقد نقل ابن القيم عن شيخه أنه نفى الإجماع في مسألة بيع الدَّين بالدَّين (^١).\nفمن أجاز ذلك قال: إن هذه المعاملة لا تدخل في معنى الحديث، فإن الكالئ هو المؤخر الذي لم يقبض -كما تقدم- وهنا ليس فيه بيع كالئ بكالئ، وإنما كانت ذمة المشتري مشغولة بشيء وهو الألف، فانتقلت إلى شاغل آخر وهي الأثواب، وهذا مثل ما لو كان لكل منهما عند الآخر وديعة فاشتراها بوديعته عند الآخر، والمقصود أنه نُهي عن بيع الدين بالدين؛ لئلا تبقى ذمة كل منهما مشغولة بغير فائدة حصلت، وأما في هذه المسألة فقد حصل بهذا العقد براءة كل منهما (^٢).\nوهذا قول وجيه، لكن بشرط ألا يربح في هذه المعاملة، لئلا يربح فيما لم يدخل في ضمانه، إضافة إلى ما تقدم وهو ألا يكون العوضان مما يجري فيهما ربا النسيئة، فإن تحقق هذان الشرطان جاز وإلا فلا.\nولعل الحكمة -والله أعلم- من النهي عن بيع الدين بالدين ما فيه من المضار الكثيرة، فإنه إذا باع دينًا بدين حصل بهذا التسامح والتساهل، فتكثر الديون في الذمم، وتعظم المشقة، ويعظم الحرج، فمن رحمة الله أن جاءت الشريعة بالنهي عن ذلك حتى لا يتساهل المعدمون بهذه البيوع التي تضرهم\n_________\n(^١) \"تفسير آيات أشكلت\" (٢/ ٦٣٧)، \"إعلام الموقعين\" (٣/ ١٧٣).\n(^٢) \"نظرية العقد\" ص (٢٣٥).","vol":"6","page":223},{"text":"وتشغل ذممهم بلا حاجة بينة، مع ما يصاحب ذلك من كثرة الخصومات، وانتشار العداوة والبغضاء.\nفإن باع الدين بعين؛ أي: بثمن حالٍّ جاز، كما لو كان لخالد على محمد عشرة آلاف مؤجلة، فلما حلَّ الأجل قال محمد: ليس عندي ريالات، عندي دنانير كويتية -مثلًا- صح البيع إذا تقابضا في مجلس العقد -كما تقدم- بشرط أن يكون ذلك بسعر يومه، لئلا يربح فيما لم يدخل تحت ضمانه، فيأخذ من الدنانير ما يقابل عشرة آلاف ريال بدون زيادة.\nودليل ذلك حديث ابن عمر المتقدم، وفيه: \"لا بأس أن تأخذ بسعر يومها، ما لم تفترقا وبينكما شيء\" وهذا على القول بأنه بيع، أما على القول بأنه من جنس الاستيفاء (^١) -وهو الأظهر- فإن الأمر واضح، فإن المشتري لم يملك شيئًا، وإنما سقط من ذمته عشرة آلاف ريال مقابل الدنانير التي دفعها.\n٣ - ومن صور بيع الدَّين بالدَّين: دَين السلم إذا لم يقبض في المجلس، كما لو أسلم حنطة في الذمة بدراهم في الذمة مؤجلة. وشرط صحة السلم قبض الثمن في مجلس العقد، وتسمى مسألة \"بيع الدين بالدين ابتداءً\"، ووجه النهي: أنه بيع دين بدين، والمقصود من العقود القبض، وهذا عقد لم يحصل به مقصود أصلًا بل هو التزام بلا فائدة (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٩/ ٥١٢).\n(^٢) \"نظرية العقد\" ص (٢٣٥)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٩/ ٤٧٢).","vol":"6","page":224},{"text":"<span data-type='title' id=toc-698>باب الرخصة في العرايا وبيع الأصول والثمار</span>\nهذا الباب اشتمل على ثلاث مسائل تتعلق بأحاديث الباب:\nالأولى: في بيع ثمر العرايا، والمراد به: بيع الرطب بالتمر.\nالثانية: في بيع الأصول والمراد بها: الأشياء الثابتة كالعقار، والأراضي، وبساتين النخل وغيرها، والبحث هنا فيما إذا حصل بيع النخل بعد تأبيره؛ أي: تلقيحه، فهل تدخل الثمرة في البيع أو لا تدخل؟\nالثالثة: في بيع الثمار؛ أي: في حكمه قبل بدو الصلاح.\nوهذه المسائل أفردت بباب مستقل؛ لأنه ورد فيها أحاديث خاصة بأحكامها، وإلا فهي داخلة ضمن أحاديث البيوع من جهة شروط البيع وموانعه، والتي ذكر شيء منها أول البيوع.","vol":"6","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-699>حكم العرايا</span>\n٨٤٨/ ١ - عَنْ زَيدِ بْنِ ثَابِتٍ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَّصَ في الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيلًا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَلِمُسْلِمٍ: رَخَّصَ في الْعَرِيَّةِ يَأَخُذُهَا أَهْلُ الْبَيتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأَكُلُونَهَا رُطَبًا.\n٨٤٩/ ٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَّصَ فِي بَيعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجهما:\nحديث زيد بن ثابت - ﵁ - أخرجه البخاري في كتاب \"البيوع\"، باب \"تفسير العرايا\" (٢١٩٢)، ومسلم (١٥٣٩) (٦٤) من طريق عبيد الله: حدثني نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت -﵃-، مرفوعًا.\nورواية مسلم (١٥٣٩) (٦١) جاءت من طريق يحيى بن سعيد، أخبرني نافع، أنه سمع عبد الله بن عمر يحدث أن زيد بن ثابت حدثه …\nولعل غرض الحافظ من إيراد رواية مسلم أنها بينت حكمة الترخيص في العرايا، كما سيأتي إن شاء الله.\nوأما حديث أبي هريرة - ﵁ -، فقد أخرجه البخاري في باب \"بيع الثمر على رؤوس النخل بالذهب والفضة\" (٢١٩٠)، ومسلم (١٥٤١) من طريق","vol":"6","page":226},{"text":"داود بن الحصين، عن أبي سفيان (^١) (مولى ابن أبي أحمد)، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا.\nقال البخاري (٢٣٨٢) ومسلم: (يشك داود، قال: خمسة أو دون خمسة).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (رخص) تقدم أن الترخيص في الأصل: هو السهولة والتيسير، وعند الأصوليين: التسهيل والتيسير في أمر ملزم به، إما بفعله، أو بتركه.\n\nقوله: (في العرايا) هذا على حذف مضاف دل عليه حديث أبي هريرة - ﵁ - الذي بعده؛ أي: في بيع ثمر العرايا.\nوالعرايا: جمع عرية، وهي النخلة التي يهب صاحبها ثمرها لأحد المحتاجين، وقد كانت العرب تفعل ذلك في الجدب، تتطوع بذلك على من لا ثمر له، سميت بذلك لانفرادها عن أخواتها، يقال: عَرَى النخلة، بفتح العين والراء، يعروها، إذا أفردها عن غيرها، بأن أعطاها لشخص يأكل ثمرها على سبيل الهدية، وتبقى الرقبة للمالك.\nوالمراد هنا: بيع رطب في رؤوس نخله بتمر كيلًا، وهذا التعريف قال به الإمام الشافعي وأحمد (^٢) وغيرهما، وهذا التفسير هو الذي يتمشى مع الأدلة الواردة في هذا الباب، وفي تفسيرها أقوال أخرى.\n\nقوله: (أن تباع) في تأويل مصدر مجرور بـ (في)؛ أي: في بيعها، والجار والمجرور بدل مما قبله.\n\nقوله: (بخرصها) الخرص هو الحزر والتقدير، وهو مصدر الفعل خَرَصَ يخرص، بضم الراء وكسرها، يقال: باعه خرصًا: أي تقديرًا من غير وزن ولا كيل.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٣٨٦).\n(^٢) \"الأم\" (٣/ ٦٥ - ٦٦)، \"المغني\" (٦/ ١٢٣).","vol":"6","page":227},{"text":"والمراد هنا: تقدير ما على النخيل من الرطب تمرًا، بأن يقول الخارص: هذا الرطب إذا صار تمرًا فهو يقارب خمسين صاعًا، أو مائة وخمسة عشر كيلو -مثلًا- فيدفع المشتري التمر بهذا المقدار، ويعطيه البائع النخلة التي عليها الرطب، ولا بد من التقابض في مجلس العقد، فالتمر على رأس النخلة بتخليته، وعوضه من التمر بكيله وقبضه.\n\nقوله: (كيلًا) تمييز، والمعنى: أنه رخص في بيع الرطب على رؤوس النخل خرصًا بقدر كيله من التمر؛ لأن التمر مكيل.\n\nقوله: (بخرصها تمرًا) أي: بقدر ما فيها إذا صار الرطب تمرًا، وهذا بيان لكيفية الخرص، وتمرًا: تمييز؛ أي: من التمر.\n\nقوله: (يأكلونها رطبًا) منصوب على الحال، والرطب: -بضم الراء وفتحها-، ما فيه رطوبة من جميع الثمار، من نخل وغيره كالعنب والتين وغيرهما، وهو ضد اليابس الجاف.\nوالرطب هنا: ما أدرك ونضج قبل أن يتتمَّر.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم بيع الثمر على النخل، وهو الرطب بتمر مثله، وهذا هو بيع المزابنة المنهي عنه بالاتفاق، وهو بيع التمر على رؤوس النخل بتمر كيلًا، كما تقدم. وقد نقل النووي الاتفاق على تحريمه وأنه ربا (^١) ومأخذ التحريم من قوله: (رخص).\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز بيع العرايا، وهو بيع رُطَبٍ بتمر يابس، وهذا مذهب الجمهور، وهو مستثنى من بيع المزابنة المنهي عنه، وقد ورد في حديث جابر - ﵁ -: \"نهى النبي - ﷺ - عن بيع الثمر حتى يطيب، ولا يباع شيء منه إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا\" (^٢).\nلأنه إذا باع الرطب على رؤوس النخل بتمر جاف فقد خفي التساوي من وجهين:\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (١٠/ ٤٤٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢١٨٩)، ومسلم (١٥٣٦).","vol":"6","page":228},{"text":"١ - كون البيع خرصًا.\n٢ - كون أحدهما رطبًا والآخر جافًا، وقد تقدم أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.\nوإباحة بيع العرايا دليل على يسر الإسلام وسماحته، وتلبية رغبات الناس فيما أباح الله لهم، فإن الأثمان قد تكون قليلة بأيدي الناس، فيأتي وقت الرطب والتفكه به، وليس عند كل واحد نقود يشتري بها رطبًا، وقد يكون عنده شيء من تمر العام الماضي، فرخص الشرع للناس أن يشتروا بهذا التمر الجاف ما يتفكهون به من الرطب، مع مراعاة التساوي في المقدارين: التمر والرطب، وذلك بتقدير الرطب تمرًا بالكيل أو الوزن (^١).\n\n* الوجه الخامس: الحديث دليل على أن هذه الرخصة لمن احتاج إلى أكل الرطب؛ لقوله في رواية مسلم: \"يأكلونها رطبًا\"، وعلى هذا فلا بد أن تؤكل العرية رطبًا، فإن لم يأخذها المشتري رطبًا تبينَّا عدم الحاجة، فيبطل العقد؛ لأن شراءها على هذه الصفة إنما جاء للحاجة إلى أكل الرطب، وقال الشافعي: لا يبطل؛ لأن العبرة بحال الشراء (^٢).\n\n* الوجه السادس: حديث زيد - ﵁ - مطلق لم يحدد مقدارًا معينًا في بيع العرايا، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - جاء التقييد بجواز العرايا فيما دون خمسة أوسق، وهذا لا خلاف فيه (^٣)؛ لأن الرخصة واحدة، رواها بعضهم مطلقة وبعضهم مقيدة، فيجب حمل المطلق على المقيد.\nوالوسق: ستون صاعًا، فيكون الجواز بما دون ثلاثمائة صاع، وبالتقدير العصري (٦٧٥) كيلو بناء على أن الصاع كيلوان وربع -كما تقدم تحريره في الزكاة- وما زاد على الخمسة فهو على الأصل، وهو التحريم، بلا خلاف (^٤)، وأما الخمسة ففيها قولان:\n_________\n(^١) انظر: \"الإفصاح\" لابن هبيرة (١/ ٣٢٨).\n(^٢) \"المغني\" (٦/ ١٢٨).\n(^٣) \"المغني\" (٦/ ١٦١).\n(^٤) \"تيسير العلام\" (٢/ ٢٧٠).","vol":"6","page":229},{"text":"الأول: أنها على الأصل وهو التحريم، وهو قول أحمد وابن المنذر، وقول للشافعي، فيؤخذ باليقين وهو ما دون الخمسة، ويترك المشكوك فيه، كما تقدم في رواية داود بن الحصين.\nالثاني: جواز العرايا في خمسة أوسق، وهذا قول مالك، والشافعي في أحد قوليه، ورواية عن الإمام أحمد (^١)، عملًا برواية الشك، ونظرًا إلى عموم الرخصة، فلا يضر الشك بالزيادة القليلة.\nفإن قيل: يلزم أن تجيزوا ما زاد على الخمسة إذا كان يسيرًا، فالجواب: أن الخمسة ورد بها النص، أما ما زاد عليها فلم يرد به النص أصلًا، وعليه فلا يجوز ما زاد على الخمسة، كما تقدم.\n\n* الوجه السابع: ظاهر الحديث أن العرايا خاصة بالتمر، فيقصر الجواز على النخل فقط دون غيرها من الثمار؛ لأن غير العرايا لا يساويها في كثرة الاقتيات وسهولة الخرص، وهذا قول الجمهور.\nويرى جمع من أهل العلم، منهم مالك في رواية عنه، والأوزاعي، ونسبه ابن قدامة إلى القاضي أبي يعلى (^٢) يرون التعميم في جميع الثمار، فإذا كان الإنسان عنده زبيب جاز أن يشتري به عنبًا يتفكه به؛ لأن الرطب فاكهة أهل المدينة، ولكل بلد فاكهة، والحكمة موجودة فيها، والرخصة عامة، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، قال صاحب \"الإنصاف\": (وهو الصواب عند من يعتاده) (^٤).\nوالقول الثالث: أنه يجوز في العنب وحده، وهو قول الشافعي، ومالك في رواية عنه، لوجود التشابه بين الرطب والعنب (^٥)، واختاره النووي (^٦).\n_________\n(^١) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١٠/ ٤٤٦)، \"المنتقى على الموطأ\" (٤/ ٢٣٠)، \"الإنصاف\" (٥/ ٣٠).\n(^٢) \"المغني\" (٦/ ١٢٩).\n(^٣) \"الإنصاف\" (٥/ ٣٣).\n(^٤) (٥/ ٣٢).\n(^٥) \"المغني\" (٦/ ١٢٨).\n(^٦) \"شرح صحيح مسلم\" (١٠/ ٤٤٧).","vol":"6","page":230},{"text":"والأقرب القول بالجواز، لما تقدم، وهذا خاص بما يجري فيه الربا، أما ما لا يجري فيه الربا فلا بأس ببيع رطبه بيابسه.\n\n* الوجه الثامن: اختلف العلماء في بيع الرطب على وجه الأرض بتمر كيلًا على قولين:\nالأول: أن البيع صحيح، ونسبه النووي إلى الجمهور (^١)، إلحاقًا له بما على رؤوس النخل، ولأن العلة هي الحصول على الرطب، فلا فرق بين أن يكون على الأرض أو على رؤوس النخل.\nالثاني: المنع، واختاره ابن دقيق العيد (^٢)؛ لأن الرخصة وردت للحاجة إلى تحصيل الرطب، ولأن المقصود الأكل على التدريج، وهذا لا يمكن فيما على وجه الأرض.\nوالظاهر قول الجمهور؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى شراء الرطب المقطوف حالًا، وإلحاق الرطب المقطوف بما على رؤوس النخل ليس بطريق القياس، وإنما بدخوله تحت عموم اللفظ.\n\n* الوجه التاسع: الحديث دليل على أن غلبة الظن تقوم مقام اليقين إذا تعذر اليقين أو تعسر، فإذا تعذر معرفة قدر ما على رأس النخلة من التمر بالمعيار الشرعي، وهو الكيل أو الوزن، فإنه يكتفى بالخرص.\nوالعمل بالخرص ثابت، وليس هو ظنًّا وتخمينًا، بل هو اجتهاد في معرفة مقدار الثمار من العارفين الثقات، وتقدم ذلك في \"الزكاة\".\n\n* الوجه العاشر: لما كانت العرايا على خلاف الأصل، اشترط العلماء فيها شروطًا، بعضها مأخوذ من أحاديثها، وبعضها من عموم أحاديث الربا، وهذه الشروط:\n١ - حاجة المشتري إلى أكل الرطب.\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٠/ ٤٤٦).\n(^٢) \"شرح العمدة\" (٤/ ٧٣٩).","vol":"6","page":231},{"text":"٢ - ألا يكون عنده نقود يشتري بها رطبًا، وإنما عنده تمر جاف؛ لأن العرية أبيحت للحاجة، ولا حاجة مع وجود النقود.\n٣ - أن يكون أقل من خمسة أوسق.\n٤ - التقابض قبل التفرق، فالتمر بكيله، والنخلة بتخليتها؛ لأنه بيع تمر بتمر، فاعتبرت فيه شروطه، ومنها التقابض.\n٥ - تقدير التمر بالكيل أو الوزن، أما بيع الرطب بالتمر جزافًا فلا يجوز لما يترتب عليه من كثرة الغرر، والأصل وجوب الكيل من الطرفين، ولكن ترك في أحدهما لتعذره، فيبقى في الآخر على الأصل.\n\n* الوجه الحادي عشر: في الحديث دليل على القاعدة الشرعية: \"ما حُرِّم تحريم الوسائل فإنه يباح عند الحاجة والمصلحة\"، وذلك أن بيع الرطب بالتمر لا يجوز -كما تقدم- لئلا يكون وسيلة إلى ربا الفضل، وهو بيع التمر بالتمر، لكن أبيح ذلك للمصلحة الراجحة، وقد مضى بيانها، يقول ابن القيم: (قاعدة باب سدِّ الذرائع إذا عارضه مصلحة راجحة قدمت عليه) (^١).\nومن فروع هذه القاعدة: إباحة الصلوات ذوات الأسباب بعد الفجر والعصر مع أن الوقت وقت نهي، وإباحة النظر للخاطب والشاهد والطبيب من جملة النظر المحرم، وغير ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٥/ ١٤٨)، وانظر: \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١٤٠).","vol":"6","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-700>النهي عن بيع الثمار قبل ظهور صلاحها</span>\n٨٥٠/ ٣ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بيعِ الثِّمَارِ حَتى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَفي رِوَايَةٍ: وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاحِهَا. قَال: حَتى تَذْهَبَ عَاهَتُهُ.\n٨٥١/ ٤ - وَعَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، أن النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيعِ الثِّمَارِ حَتى تُزْهِيَ. قِيلَ: وَمَا زَهْوُهَا؟ قال: \"تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.\n٨٥٢/ ٥ - وَعَنْ أَنَسِ بِنْ مَالِكٍ - ﵁ -، أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليها من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجها:\nحديث ابن عمر - ﵄ - أخرجه البخاري في \"البيوع\"، باب \"بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها\" (٢١٩٤)، ومسلم (١٥٣٤) من طريق نافع، عن ابن عمر -﵄-، مرفوعًا.\nوالرواية المذكورة هي للبخاري في كتاب \"الزكاة\" (١٤٨٦)، ومسلم (١٥٣٥) (٥٢) والمسؤول هو ابن عمر -﵄-، بيّنه مسلم في روايته من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة ولفظه: (فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته).","vol":"6","page":233},{"text":"وأما حديث أنس - ﵁ - فقد أخرجه البخاري في كتاب \"الزكاة\"، باب \"من باع ثماره أو نخله أو أرضه أو زرعه وقد وجب فيه العشر … \" (١٤٨٨)، ومسلم (١٥٥٥) من طريق حميد، عن أنس - ﵁ - مرفوعًا، وتمامه: \"أرأيتك إن منع الله الثمرة؟ بم تستحل مال أخيك؟ \" (^١).\nوفي سياق الحافظ للحديث وتخصيصه بالبخاري نظر، فإن الحديث عند البخاري في عدة مواضع، ليس منها هذا اللفظ.\nوأما حديث أنس - ﵁ - الثاني فقد أخرجه أبو داود في \"البيوع\"، بابٌ \"في بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها\" (٣٣٧١)، والترمذي (١٢٢٨)، وابن ماجه (٢٢١٧)، وأحمد (٢١/ ٣٧)، وابن حبان (١١/ ٣٦٩)، والحاكم (٢/ ١٩) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس - ﵁ -، مرفوعًا.\nوهذا الحديث إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين، غير حماد بن سلمة فمن رجال مسلم.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (حتى يبدو صلاحها) مضارع منصوب بـ (حتى)، وهو بفتح الواو، غير مهموز يقال: بدا يبدو، من غير همز، بمعنى: ظهر، وبدأ يبدأ -بالهمزة-: شرع في الشيء.\nوبدو الصلاح جاء تفسيره في الرواية المذكورة، وفي حديث أنس الذي بعده، وسيأتي بيانه إن شاء الله.\n\nقوله: (نهى البائع والمبتاع) المبتاع: هو المشتري، وهذه الجملة تأكيد للمنع، وفيها إيذان بأن المنع وإن كان احتياطًا لحق الإنسان، فليس له أن يتركه مع ارتكاب النهي.\n\nقوله: (حتى تذهب عاهته) أي: عاهة الثمر، وفي رواية الكُشْمِيهني: (عاهتها)، والعاهة: هي الآفة التي تصيب الثمر أو الزرع فتفسده أو تعيبه.\n_________\n(^١) هذا التمام أُعِلَّ بالإدراج، وهو أنه من كلام أنس - ﵁ -. انظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (١١٢٩)، \"الفصل\" للخطيب (١/ ١٢٠ - ١٢٩).","vol":"6","page":234},{"text":"قوله: (حتى تُزهي) بضم التاء من أزهى الرباعي، كأعطى يعطي؛ أي: تحمرَّ وتصفرَّ، والزهو: البسر الملوَّن، وأما زها يزهو فمعناه: ظهرت الثمرة، والظاهر أنهما بمعنى واحد لورود الروايات بهذا وهذا.\nوقد ضُبطت اللفظة في بعض كتب الحديث، وبعض نسخ \"البلوغ\": (تُزهَى) بضم التاء وفتح الهاء على وزن المضارع المبني للمجهول، والظاهر أنه غير صحيح، وقد رأيت ضبطها: (تُزهِيَ) بكسر الهاء في عدة طبعات من \"صحيح البخاري\" ومنها طبعة الناصر (٢/ ١٢٧)، وهي على قاعدة الفعل الرباعي: كأعطى يعطي، وهذا هو الأظهر حتى يثبت ما يدل على أنه من الأفعال الملازمة للبناء للمجهول، ولم أقف على ما يدل أنه من الأفعال المبنية للمجهول، وقد ضبطه الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ بكسر الهاء.\n\nقوله: (قيل: وما زهوها؟) لم يبين في هذه الروايات من السائل ومن المسؤول، لكن جاء في رواية أخرى في \"الصحيحين\" من طريق إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس وفيه: فقلنا لأنس: وما زهوها؟ قال: تحمرّ وتصفرّ.\nوجاء في رواية عند النسائي: قيل: يا رسول الله، وما تزهي؟ قال: \"حتى تحمرّ\" (^١). فأفاد ذلك أن التفسير مرفوع إلى النبي - ﷺ -.\n\nقوله: (تحمارَّ وتصفارَّ) بفتح التاء فيهما وسكون ثانيهما، آخرهما راء مشددة، من باب الافعيلال من الثلاثي الذي زيدت فيه الألف والتضعيف؛ لأن أصلهما: حمر وصفر، ومعنى ذلك أن يتغير لون الثمرة إلى الصفرة أو الحمرة، وهو لون غير خالص، وإنما فيه كمودة (^٢)، والكمودة تغير اللون وذهاب صفائه، وهذا عند ظهور أوائل الحمرة وأوائل الصفرة، وقد فرق بعض العلماء كالخطابي بين: تحمارَّ وتصفارّ، وتحمر وتصفر، وأن الأول كما تقدم، والثاني يطلق على اللون الخالص، والظاهر أنه لا فرق بينهما، كما قال بعض أهل اللغة؛ لأن الأحاديث وردت بهذا وهذا، كما تقدم في حديث أنس - ﵁ - لما سئل عن الثمرة: ما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر.\n_________\n(^١) \"السنن\" (٧/ ٢٦٤).\n(^٢) \"أعلام الحديث\" للخطابي (٢/ ١٠٨١).","vol":"6","page":235},{"text":"قوله: (حتى يسودَّ) بتشديد الدال المفتوحة؛ أي: يبدو صلاحه إذا اسودَّ بعد أن كان أخضر، وهذا في العنب المتلون، وأما غير المتلون، وهو العنب الأبيض، فبأن يتموه، ويتلين، ويؤكل غالبًا.\n\nقوله: (حتى يشتد) بتشديد الدال المفتوحة -أيضًا-، واشتداد الحب: قوته وصلابته.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن بيع الثمار والحبوب حتى يبدو صلاحها، وذلك بأن تظهر الحمرة أو الصفرة في ثمر النخل، ويسوَدَّ العنب، ويشتد الحب، ونحو ذلك، والضابط لبدو الصلاح هو ما يستفاد من مجموع الأحاديث، وهو أن يجتمع في الثمرة وصفان:\n١ - صيرورة الثمرة إلى الصفة التي تطلب فيها عادة للأكل، ففي المتلون بانقلاب اللون، وفي غيره بأن يتموه ويتلين، وفي نحو القثاء والباذنجان بأن يكبر ويجنى مثله غالبًا للأكل، وفي الحبوب باشتدادها.\n٢ - أن تؤمن العاهة على الثمار غالبًا، وهذا الوصف يستدل عليه بزهو بعض الثمرة، وبمعرفة أهل الخبرة بالثمار أن حصول الأمن من العاهة ببدو الصلاح.\nوهذا النهي عند الجمهور يقتضي الفساد، فيكون بيعها غير صحيح.\nوقد تعددت الروايات والألفاظ في هذا الباب، وكلها بمعنى واحد، تدل على منع بيعها حتى يبدو صلاحها وتَقِلُّ العاهة ويقل الخطر؛ لأن العاهة تؤمن غالبًا بعد بدو الصلاح، وقبله تسرع إليه لضعفه، ويستثنى من النهي عن بيعها قبل بدو صلاحها لو باعها بشرط القطع في الحال، فهذا يجوز بالإجماع، بشرط أن تكون الثمرة منتفعًا بها للعلف مثلًا، وكذا لو باعها مع أصلها، فهذا لا خلاف في جوازه.\nومفهوم الحديث جواز بيعها إذا بدا صلاحها مطلقًا بشرط القطع، أو بشرط الإبقاء، فإذا بيعت مطلقًا أو بشرط الإبقاء لزم البائع تبقيتها إلى وقت الجذاذ؛ لأن هذا هو العادة فيها.","vol":"6","page":236},{"text":"* الوجه الرابع: الحكمة من النهي عن بيعها:\n١ - أنها قبل بدو صلاحها لا منفعة فيها للمشتري، فيكون المشتري بذل ماله فيما لا نفع فيه، ويكون البائع أكل مال أخيه بالباطل، ويكون المشتري وافق البائع على أمر محرم وأضاع ماله، وقد نهينا عن ذلك.\n٢ - أنها قبل بدو صلاحها معرّضة لكثير من الآفات التي تنقص مقدارها، أو تقلل من جودتها، أو تتلفها، وهذا نوع من الغرر، وفي حديث جابر - ﵁ - الآتي: \"بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ \".\n٣ - قطع أسباب التنازع والتخاصم بين المتعاقدين، وإزالة أسباب العداوة والبغضاء بين المسلمين؛ لأن بيعها قبل صلاحها وسيلة لذلك.\n\n* الوجه الخامس: لا خلاف بين العلماء في أنه لا يجوز بيع جنس من الثمار إذا بدا الصلاح في جنس آخر، فإذا بدا الصلاح في النخيل لم يجز بيع العنب؛ لأنه جنس آخر، كما أنه لا خلاف بين العلماء أن الشجرة الواحدة إذا بدا صلاحها جاز بيعها.\nوإنما الخلاف في جواز بيع النوع الواحد والجنس الواحد إذا بدا الصلاح في بعض أشجاره.\nوأظهر الأقوال في هذه المسألة أنه إذا بدا الصلاح في شجرة جاز بيع سائر أنواعها في البستان دون الأنواع الأخرى، فإذا بدا الصلاح في شجر العنب جاز بيعه كله، وإذا بدا الصلاح في التين جاز بيعه كذلك، وإذا بدا في النخل السكري أو النخلة الشقراء جاز بيعه، لكن لو بدأ في السكري لم يجز بيع غيره مما لم يبد صلاحه، وهذا قول عند الشافعية، وأظهر الروايتين عن أحمد (^١).\nلأن اعتبار بدو الصلاح في جميع الأشجار يشق، ويؤدي إلى الاشتراك واختلاف الأيدي في النوع الواحد، وهذا فيه ما فيه، فوجب أن يتبع ما لم يبد\n_________\n(^١) \"المغني\" (٦/ ١٥٦)، \"تكملة المجموع\" (١١/ ٣٦٠ - ٣٦٢).","vol":"6","page":237},{"text":"صلاحه من نوعه ما بدا صلاحه، وقياسًا أيضًا على الشجرة الواحدة كما تقدم، ولأنه عرف بواسطة أهل الخبرة من الفلاحين أن الصلاح في النوع الواحد يتقارب زمنه عادة، ما لم تقع ظروف طارئة من عطش، أو شدة حر ونحو ذلك.\nوالقول الثاني: أنه لا بد أن يبدو الصلاح في كل شجرة من شجر الثمرة المبيعة، وهذا قول في مذهب الحنابلة، لدخول ما لم يبد صلاحه تحت عموم النهي (^١).\nوالقول الثالث: إذا بدا الصلاح في الشجرة جاز بيع سائر أنواعها من الجنس الواحد، فإذا بدا الصلاح في السكري -مثلًا- جاز بيع جميع النخيل في البستان مهما تعددت أنواعه، وهذا هو المشهور في مذهب الشافعية، وقول عند الحنابلة، ومذهب المالكية؛ لأن أنواع الجنس الواحد يتلاحق طيبها عادة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٦/ ١٥٦).","vol":"6","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-701>الأمر بوضع الجوائح</span>\n٨٥٣/ ٦ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخيكَ ثَمَرًا فأصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأَخُذَ مِنْهُ شَيئًا، بِمَ تَأَخُذُ مَال أَخِيكَ بِغَيرِ حَقٍّ؟ \"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَفي رِوَايَةٍ لَهُ: أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"المساقاة\"، باب \"وضع الجوائج\" (١٥٥٤) (١٤) من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله - ﵄ - … وذكر الحديث.\nوالرواية المذكورة عند مسلم (١٥٥٤) (١٧) من طريق سفيان بن عيينة، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق، عن جابر - ﵁ -، به.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (جائحة) هي اسم فاعل من جاح الشيء: استأصله، قال أبو عبيد: (الجائحة: المصيبة تحُلُّ بالرجل في ماله، فتجتاحه كله) (^١). وعند الفقهاء: كل آفة لا صنع للآدمي فيها، فيدخل في ذلك المطر الشديد، والحر والبرد، والريح، والجراد، والغبار المفسد، ونحو ذلك من الآفات السماوية، ولا خلاف عند القائلين بوضع الجوائح في اعتبار الآفات السماوية جوائح.\n_________\n(^١) \"غريب الحديث\" (٣/ ٤٣١).","vol":"6","page":239},{"text":"أما ما كان بفعل الآدمي فيطالب به الجاني، إلا أن العلماء اختلفوا في اعتبار الجيش الذي ينهب الثمار جائحة أم لا؟ والراجح اعتبار ذلك جائحة، وهو قول أكثر المالكية وأحد الوجهين عند الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)؛ لأن الجيوش هم خلق الله يسلطهم على من يشاء، كالجراد وسائر الآفات، ولأن العبرة بإمكان الضمان وعدمه، والجيوش في العادة يستحيل تضمينها.\nوأما السرقة فلا تعتبر جائحة على الراجح من قولي أهل العلم (^٢).\n\nقوله: (بم تأخذ مال أخيك) هذا استفهام إنكاري، لقوله: \"فلا يحل لك\" وذلك لأنه إذا تلفت الثمرة لا يبقى للمشتري شيء في مقابل ما دفعه، وحذفت ألف (ما) الاستفهامية لدخول حرف الجر عليها، كقوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]، وعلة الحذف كثرة الاستعمال، وما كثر استعماله التُمِسَ تخفيفه.\n\nقوله: (أمر بوضع الجوائح) مادة (وضع) تدل على الخفض للشيء وحَطِّه، والمراد هنا حَطُّ البائع بعض الثمن عن المشتري إذا تلف بعض الثمرة بما لا يستطاع دفعه، أو حطه كله إذا تلفت كلها به.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على وضع الجائحة، بمعنى: أن الثمار المبيعة إذا تلفت بجائحة، كمطر أو بَرْد أو بَرَدٍ، فهي من مال البائع، لا من مال المشتري، وهذا قول المالكية والحنابلة، وهو قول الشافعي في القديم، وجماعة من السلف (^٣)، ووجه الاستدلال بحديث الباب من ثلاثة أوجه:\n١ - أن النبي - ﷺ - نفى حِلَّ أَخْذِ شيءٍ من مشتري الثمرة إذا أصابتها جائحة.\n٢ - أن النبي - ﷺ - أكد حرمة أخذ مال المشتري بصيغة الاستفهام الإنكاري، ووصفه بأنه غير حق.\n_________\n(^١) \"شرح الخرشي\" (٥/ ١٩٣)، \"الشرح الكبير\" (١٢/ ١٩٧)، \"الفتاوى\" (٣٠/ ٢٧٨).\n(^٢) \"الجوائح وأحكامها\" ص (٣٥).\n(^٣) انظر: \"بداية المجتهد\" (٣/ ٣٥٧)، \"المغني\" (٦/ ١٧٧)، \"مغني المحتاج\" (٢/ ٩١ - ٩٢).","vol":"6","page":240},{"text":"٣ - أنه أمر أمرًا صريحًا بوضع الجوائح، والأمر يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على صرفه عن الوجوب، ولم يوجد شيء من ذلك.\nولا فرق عند القائلين بوضع الجوائح بين قليل الجائحة وكثيرها؛ لأن الأحاديث في وضع الجائحة عامة، فلا يجوز تقييدها بمجرد الرأي، إلا ما جرت العادة بتلف مثله، كالشيء اليسير الذي لا ينضبط كشجرة أو شجرتين -مثلًا- لأن مثل هذا لا يسمى جائحة لا لغة ولا شرعًا، أما ما ينضبط كالثلث أو الربع -مثلًا- فيوضع؛ لأنه يصدق عليه أنه جائحة في اصطلاح الفقهاء، وإن أشكل في هذا شيء يرجع إلى العرف.\nلكن لو تأخر المشتري في جذاذ النخل -مثلًا- عن وقته المعتاد فأصابته جائحة بمطر -مثلًا- فهو من ضمانه، لا من ضمان البائع؛ لتفريطه بترك نقل الثمرة في وقت نقلها مع قدرته، وهذا قول القاضي (^١).\nوالقول الثاني: أنه لا توضع الجوائح، فالثمار المبيعة إذا تلفت تكون من ضمان المشتري، لا من ضمان البائع، لكن يستحب للبائع أن يضع عن المشتري، وهذا قول الحنفية، والشافعي في الجديد، وابن حزم، وبعض السلف (^٢)، واستدلوا بحديث أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الثمار حتى تُزْهِيَ، فقيل له: وما تزهي؟ قال: \"حتى تحمرّ\"، فقال: \"أرأيت إن منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ \" وتقدم.\nووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها لحفظ مال المسلم من التلف، ولو كان الأمر بوضع الجوائح للوجوب لما كان لهذا النهي معنى، فدل ذلك على عدم وجوب وضع الجوائح.\nكما استدلوا بحديث أبي سعيد - ﵁ - قال: أصيب رجل في عهد رسول الله - ﷺ - في ثمار ابتاعها فكثر دَينه، فأفلس، فقال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(^١) \"المغني\" (٦/ ١٨٠)، \"مجموع الفتاوى\" (٣٠/ ٢٨١).\n(^٢) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٢٤٧)، \"مغني المحتاج\" (٢/ ٩١، ٩٢)، \"المحلى\" (٨/ ٣٨٩).","vol":"6","page":241},{"text":"\"تصدقوا عليه … \" الحديث (^١)، وسيأتي -إن شاء الله- في باب \"الحجر\".\nووجه الاستدلال: أن الرسول - ﷺ - أخرج الرجل من جميع ماله لأجل غرمائه، ولم يسقط عنه شيئًا لأجل الجائحة، فدل على عدم وجوب وضع الجوائح.\nوأجابوا عن حديث الباب، وهو حديث جابر - ﵁ -، بعدة أجوبة، ومنها: أن الأمر فيه محمول على الندب، بدليل حديث أنس - ﵁ - كما تقدم، ومنها: أنه محمول على ما لم يقبض، أو لم يبدُ صلاحه، وغير ذلك من الأجوبة، وكلها غير ناهضة لا تناسب ظاهر الحديث (^٢).\nوعلى هذا فالراجح هو القول الأول، لقوة دليله وصراحته في هذه المسألة.\nأما حديث أنس - ﵁ -، فليس فيه دليل على عدم وضع الجوائح، وإنما هو دليل على النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، ووضع الجوائح إنما هو بعد بدو الصلاح لا قبله، والنبي - ﷺ - قال: \"إذا بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة .. \"، والبيع المطلق لا ينصرف إلا إلى البيع الصحيح، لا البيع المنهي عنه.\nوأما حديث أبي سعيد - ﵁ - فهو حديث مجمل إذ ليس فيه أن الرجل أصيب بجائحة، وليس فيه أنه طلب وضع الجائحة، ولا أن النبي - ﷺ - منع وضع الجائحة، فالحديث يطرقه احتمالات عديدة، فلعل هذا الرجل أصيب في هذه الثمار بانحطاط سعرها، أو لعلها جائحة خاصة كسرقة، وعلى أي حال فالاستدلال بهذا الحديث من باب رد المحكم والأخذ بالمتشابه، والله تعالى أعلم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٥٦).\n(^٢) انظر: \"مجموع الفتاوى\" (٣٠/ ٢٧٣، ٢٧٤).\n(^٣) انظر: \"مجموع الفتاوى\" (٣٠/ ٢٧٣)، \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٣٣٩).","vol":"6","page":242},{"text":"<span data-type='title' id=toc-702>حكم ثمر النخل إذا بيع بعد التأبير</span>\n٨٥٤/ ٧ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ الَّذِي بَاعَها، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"البيوع\"، باب \"من باع نخلًا قد أُبِّرَتْ\" (٢٢٠٤)، ومسلم (١٥٤٣) (٨٠) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من ابتاع نخلًا) أي: اشترى، والمراد: أصل النخل.\n\nقوله: (بعد أن تؤبَّر) بضم التاء، وفتح الواو المهموزة، وتشديد الباء، مضارع أبَّر النخلة تأبيرًا، وأبَرَ النخل يأبُره -بالضم والكسر- أبْرًا وإبارًا وإبارة: إذا أصلحه، والتأبير: التلقيح، وذلك بأن يشق طلع النخلة ليوضع فيها شيء من طلع الفحل، وهو ذكر النخل.\n\nقوله: (إلا أن يشترط المبتاع) المبتاع هو المشتري، بقرينة ذكر البائع؛ أي: إلا أن يشترط المشتري أن الثمرة له، ويوافق البائع على ذلك، ومفعول يشترط محذوف للتعميم؛ أي: إلا أن يشترط الثمرة أو بعضها.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من باع نخلًا قد أُبِّر فإن ثمرته تكون لبائعه، ولا تدخل في البيع، ومفهومه أن الثمرة التي لم تؤبر تدخل في","vol":"6","page":243},{"text":"البيع وتكون للمشتري، وهذا من باب التخصيص بالصفة، وهذا قول الجمهور، ومنهم: الليث بن سعد، ومالك، والشافعي، وأحمد (^١).\nوالقول الثاني: أن الثمرة تكون للبائع مطلقًا قبل التأبير وبعده، وهذا مذهب الحنفية (^٢)، وليس لهم دليل إلا العمل بمنطوق الحديث، وإلغاء مفهوم الصفة على قاعدتهم.\nوالراجح هو القول الأول؛ لقوة دليله وصراحته في الدلالة على المراد، فإن الحديث برواياته قيد ملكية البائع للثمرة بالتأبير، مما يدل على أن ما لم يؤبر يخالفه في الحكم، وإلا لما كان للصفة المنصوص عليها فائدة.\nوالتأبير الذي جاء في السنة هو تأبير النخل، وأما غيره فهو مقيس عليه.\n\n* الوجه الرابع: اختلف القائلون بحديث الباب في الصفة المعتد بها في التأبير، فمنهم من قال: إن الصفة المعتد بها هي فعل التأبير لا مجرد التشقق، وهذا قول عند المالكية، ورواية عن أحمد، نصرها شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، مستدلين بقوله: (قد أبرت) والتأبير: هو التلقيح، ولا يكون إلا بفعل آدمي.\nومنهم من قال: إن الصفة المعتد بها هي تشقق الطلع ووقت الإبار وإن لم يلقح، وهذا قول عند المالكية، وقول الشافعي، والمشهور عند الحنابلة (^٤)، وحجتهم: أن العبرة بظهور الثمرة، فلا فرق بين أن تظهر بعلاج أو بغير علاج، وهي تتشقق وتكسب اللقاح بالرياح اللواقح.\nوالراجح هو الأول، وهو أنه لا بد من التلقيح، لأمرين:\n١ - أن هذا وصف نص عليه الحديث، فهو معتبر، ولا يجوز إلغاؤه.\n٢ - أن التأبير فيه كلفة ومشقة إن قام به الفلاح بنفسه، وفيه نفقة إن\n_________\n(^١) \"المنتقى\" للباجي (٣/ ٢١٥)، \"روضة الطالبين\" (٣/ ٥٤٨)، \"المغني\" (٦/ ١٣٣).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ١٦٤).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (٣/ ٣٦٥)، \"الشرح الكبير مع الإنصاف\" (١٢/ ١٥٦)، \"الإنصاف\" (٥/ ٦٠).\n(^٤) المصادر السابقة، \"تكملة المجموع\" (١١/ ٢٣٩).","vol":"6","page":244},{"text":"استأجر من يؤبر؛ لأن التأبير يحتاج إلى صعود النخلة، ويحتاج إلى إزالة الأشواك ليتمكن من تأبيرها، وهذا ليس بالأمر السهل، مما يؤدي إلى تعلق نفس البائع بهذه الثمرة.\n\n* الوجه الخامس: الحديث دليل على أن المشتري إذا اشترط الثمرة مع الأصل أن له ذلك، لقوله: \"إلا أن يشترط المبتاع\"، ولأن هذا استثناء تَبِعَ الأصل، سواء كانت الثمرة مؤبرة أم لا، كما أن البائع له أن يشترط الثمرة ولو قبل التأبير؛ لأن هذا استثناء لبعض ما وقع عليه العقد، وهو شيء معلوم فصحَّ، كما لو استثنى نخلة بعينها من المزرعة المبيعة، وهذا وإن كان فيه بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، لكنه رخص فيه؛ لأنه تابع للأصل وليس مستقلًا، والقاعدة: \"يصح تبعًا ما لا يصح استقلالًا\".\n\n* الوجه السادس: الراجح من قولي أهل العلم أن الثمرة إذا كانت للبائع بتأبيرها أو بكونه قد اشترطها على المشتري أن له إبقاءها على رؤوس الشجر إلى وقت الجذاذ، وهذا قول المالكية والشافعية والحنابلة؛ لأن المرجع في النقل والتفريغ للمبيع إلى العرف والعادة، وقد جرت العادة أن تفريغ ما في النخل هو وقت الجذاذ؛ لأنه هو وقت الانتفاع بها، ويكون للبائع حق الاستطراق في الأرض المبيعة ما دامت ثمرته فيها (^١)، ويستثنى من الإبقاء إلى الجذاذ ما جرت العادة بأخذه بسرًا أو ما بُسره خير من رطبه مثل البرحي، فإن كان كذلك فإنه يجدُّهُ حين استحكام حلاوة بسره، قاله الزركشي وغيره (^٢).\nوأما قول من قال: يجب على البائع قطعها في الحال، كما هو مذهب الحنفية فهو ضعيف؛ لأن إجبار البائع على قطعها ينافي المعنى الذي من أجله جعل النبي - ﷺ - الثمرة المؤبرة للبائع، وهو استفادته منها، فيكون حظه التعب والخسارة إذا أمر بقطعها (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"المنتقى\" للباجي (٤/ ٢١٥)، \"المغني\" (٦/ ١٥٥).\n(^٢) \"الشرح الكبير مع الإنصاف\" (١٢/ ١٥٨ - ١٦٠).\n(^٣) انظر: \"الجوائح وأحكامها\" ص (١٣٢).","vol":"6","page":245},{"text":"* الوجه السابع: اختلف العلماء فيما إذا أبر بعض النخل وبعضه لم يؤبر فلمن تكون الثمرة، على قولين:\nالأول: أن ما أُبر للبائع، وما لم يؤبر للمشتري، وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد، واستدلوا بهذا الحديث، فإن منطوقه أن ما أبر للبائع، ومفهومه أن ما لم يؤبر للمشتري، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.\nالقول الثاني: أن الكل للبائع، وهذا قول الشافعي دفعًا للضرر؛ لأنه إذا لم يجعل الكل للبائع أدى إلى الإضرار باشتراك الأيدي في البستان، وقياسًا على ثمرة النخلة الواحدة، فإنه لا خلاف أن تأبير بعض النخلة يجعل جميعها للبائع (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الشرح الكبير مع الإنصاف\" (١٢/ ١٥٩).","vol":"6","page":246},{"text":"<span data-type='title' id=toc-703>أبواب السَّلَم والقرض والرهن</span>\nالسَّلَم: بفتح السين واللام، هو السَّلَف وزنًا ومعنى، وهو في اللغة: الدفع والإعطاء والتسليم، فالسلم والسلف بمعنى واحد، إلا أن السلف أعم من السلم؛ لأن السلف قد يستعمل في القرض، فكلُّ سلمٍ سَلَفٌ، وليس كلُّ سلفٍ سلمًا.\nوالسلم شرعًا: عقد على موصوف في الذمة؛ أي: إنه عقد على شيء يمكن ضبطه بالوصف، وهو متعلق بالذمة لا بعين معينة. فقولنا: (على موصوف) يخرج العقد على معين، مثل: بعتك هذه السيارة. وقولنا: (في الذمة) يخرج الموصوف المعين، مثل: بعتك سيارتي التي صفتها كذا.\nمثال السلم: كأن يقول زيد لعمرو: أسلفتك ألف ريال بمائة كيلو تمر سكري صفته كذا بعد أربعة أشهر -مثلًا-.\nوالقرض لغة: مصدر قَرَضَ الشيء يَقْرِضُهُ: إذا قطعه.\nوشرعًا: دفع مال إرفاقًا لمن ينتفع به ويرد بدله.\nوالرهن: مصدر رهن يرهن رهنًا، ومعناه في اللغة: الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن؛ أي: راكد، ويطلق على الحبس، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨].\nوشرعًا: توثقة دَين أو عين مضمونة بعين أو دين أو منفعة.\nفمثال دين بعين: كأن يقترض منه ألف ريال ويعطيه ساعة رهنًا.\nومثال دين بدين: كأن يقترض منه ألف ريال ويرهنه ألف ريال في ذمة زيد.\nومثال توثقة دين بمنفعة: كأن يقترض منه ألف ريال ويرهنه منفعة بيت أو سيارة.","vol":"6","page":247},{"text":"ومثال توثقة عين بعين: كأن يستعير منه كتابًا ويعطيه ساعته رهنًا.\nومثال توثقة عين بدين: أن يقول لصاحب الكتاب: خذ ألف ريال لي عند زيد رهنًا.\nفالرهن وثيقة يأخذها من له دين على إنسان يستوفي منها إذا تعذر استيفاؤه ممن هو عليه، ويقال له: المرهون.","vol":"6","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-704>مشروعية السلم وبيان شروطه</span>\n٨٥٥/ ١ - عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَال: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ في الثِّمَارِ السّنَةَ وَالسَّنَتَينِ، فَقَال: \"مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ في كَيلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوللبخاري: \"مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيء\".\n٨٥٦/ ٢ - وَعَنْ عَبْدِ الرّحْمنِ بْنِ أَبْزَى، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي أَوْفَى -﵄-، قَالا: كُنَّا نُصِيبُ الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّام، فَنُسْلِفُهُمْ في الحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالزَّبِيبِ -وَفي رِوَايَةٍ: وَالزَّيتِ- إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، قِيلَ: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قَالا: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو عبد الرحمن بن أبزى -بفتح الهمزة وسكون الزاي- الخزاعي - ﵁ -، مولى نافع بن الحارث، وأحد صغار الصحابة، قال البخاري وجماعة: (له صحبة)، وقال الذهبي: (له صحبة، ورواية، وفقه، وعلم)، وقال أبو حاتم: (أدرك النبي - ﷺ - وصلى خلفه). وكان نافع قد استنابه حين لقي عمر - ﵁ - بعسفان، وكان عمر يستعمل نافع بن الحارث على مكة، فقال له: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ","vol":"6","page":249},{"text":"لكتاب الله ﷿، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم - ﷺ - قد قال: \"إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع آخرين\" (^١).\nسكن الكوفة، وذكر ابن الأثير أن عليًّا - ﵁ - استعمله على خراسان. روى عن النبي - ﷺ - وعن أبيه، وعن أبي بكر وعمر - ﵄ - وغيرهم، وروى عنه ابناه: عبد الله وسعيد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والشعبي وغيرهم، وأما أبوه أبزى - ﵁ - فإن له صحبة على القول الراجح (^٢).\nوأما عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - فقد سبقت ترجمته في أول \"صفة الصلاة\".\n\n* الوجه الثاني: في تخريجهما:\nحديث ابن عباس - ﵄ - أخرجه البخاري في مواضع من كتاب \"السلم\"، ومنها: باب \"السلم في كيل معلوم\" (٢٢٣٩)، ومسلم (١٦٠٤) من طريق عبد الله بن كثير، عن ابن المنهال، عن ابن عباس - ﵄ -.\nوهذا لفظ مسلم، وللبخاري من الطريق المذكور: \"من أسلف في شيء\" ولعل الحافظ ذكرها لأنها أعم مما قبلها، وهي قوله: \"في تمر\".\nوأما حديث عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى - ﵄ - فقد أخرجه البخاري في كتاب \"السلم\"، باب \"السلم إلى أجل معلوم\" (٢٢٥٤، ٢٢٥٥) من طريق سفيان، عن سليمان الشيباني، عن محمد بن أبي مجالد، قال: أرسلني أبو بردة وعبد الرحمن بن شداد إلى عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى فسألتهما عن السلف فقالا: … وذكر الحديث، وفيه: والشعير والزيت ..\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (قدم النبي - ﷺ - المدينة) أي: قدمها مهاجرًا، والمدينة عَلَم بالغلبة على المدينة النبوية.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨١٧).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٦/ ٢٥)، \"أسد الغابة\" (٣/ ٤٢٢)، \"السير\" (٣/ ٢٠١)، \"الإصابة\" (٦/ ٢٥٨)، \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣).","vol":"6","page":250},{"text":"قوله: (وهم يسلفون) جملة حالية لبيان أن السلف كان موجودًا في المدينة قديمًا.\n\nقوله: (السنة والسنتين) منصوبان على نزع الخافض؛ أي: إلى السنة والسنتين، وليس نصبهما على الظرفية؛ لأن الظرف يتضمن معنى (في)، ولفظ (السنة) -هنا- لم يتضمن معنى (في).\n\nقوله: (من أسلف في تمر) روي بالمثناة (تمر)، قال النووي: هكذا هو في أكثر الأصول، وروي بالمثلثة (ثمر) وهي أعم من الأولى، وقد ورد في حديث ابن عباس - ﵄ - عند البخاري ومسلم بلفظ: \"قدم النبي - ﷺ - المدينة وهم يسلفون في الثمار … \" (^١).\n\nقوله: (في كيل معلوم) أي: إذا كان مما يكال كالقمح وسائر الحبوب وغيرها.\n\nقوله: (ووزن معلوم) الواو بمعنى (أو) والمراد اعتبار الكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن، كالسمن، والقطن، أو التمر، كما قال الأثرم: (الناس ها هنا لا يعرفون الكيل في التمر) (^٢).\n\nقوله: (في شيء) هذه الرواية أعم مما قبلها؛ لأن الشيء يشمل الثمار وغيرها من كل شيء يمكن ضبط صفاته، فيدخل في ذلك ما تقدم من المكيل والموزون، وكذا الصناعات الحديثة التي يمكن ضبطها كالأواني المنزلية والأدوات المدرسية والملابس والفرش وغير ذلك مما يضبط ولا يختلف بواسطة المصانع.\n\nقوله: (المغانم) جمع مغنم، وهي الأموال التي يأخذها المسلمون من الكفار قهرًا.\n\nقوله: (أنباط) هم قوم من العرب دخلوا في العجم فاستعجموا فاختلطت أنسابهم، وفسدت ألسنتهم، سموا بذلك لكثرة معرفتهم بإنباط الماء؛ أي: استخراجه لكثرة معالجتهم الفلاحة.\n_________\n(^١) البخاري (٢٢٥٣)، ومسلم (١٦٠٤) (١٢٧).\n(^٢) \"المغني\" (٦/ ٤٠٠).","vol":"6","page":251},{"text":"قوله: (وفي رواية: والزيت) أي: في رواية عند البخاري من طريق جرير، عن سليمان الشيباني أنه قال: \"في الحنطة والشعير والزبيب\" (^١). وكان الأولى أن يقول الحافظ في السياق: (… والزيت، وفي رواية: والزبيب)؛ لأن رواية الزيت هي الأصل، كما تقدم سياق إسنادها.\n\nقوله: (قيل: أكان لهم زرع) لفظ البخاري: (قال: قلت: أكان لهم زرع) والقائل هو محمد بن أبي مجالد راوي الحديث عن عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز السلم؛ لأن النبي - ﷺ - أقر أهل المدينة على هذه المعاملة، ولأنه نوع من البيوع؛ لأنه بيع إلى أجل، فهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقد دل القرآن على جواز السلم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢] ووجه الدلالة من الآية: أن الآية أباحت الدين، والسلم نوع منه. قال ابن عباس - ﵄ -: (أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمَّى قد أحله الله في كتابه، وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية) (^٢).\nوقد أجمعت الأمة على جوازه، وهو على وفق القياس؛ لأن فيه مصلحة للبائع والمشتري، أما المشتري فلأنه ينتفع بشراء السلعة بأقل من ثمنها الحاضر؛ لأن المؤجل أرخص من الحال، وأما البائع فلأنه ينتفع بتعجيل الثمن، وليس فيه غرر، وليس هو من باب بيع ما ليس عندك المنهي عنه؛ لأن السلم لم يقع العقد فيه على شيء معين حتى نقول: إنه معدوم، وإنما وقع على شيء موصوف في الذمة لا بد من تسليمه إذا حلَّ الأجل، فالسلم متعلق بالذمم لا بالأعيان، كدار أو شجرة ونحوهما؛ لأن ذلك ربما يتلف قبل أوان\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٢٢٤٥).\n(^٢) أخرجه الشافعي (٢/ ٩٥)، والحاكم (٢/ ٢٨٦)، والبيهقي (٦/ ١٨)، وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين)، وتعقبه الذهبي، وردَّ عليه الشيخ أحمد شاكر في تخريج أحاديث \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤٥)، كما تعقب الحاكمَ الألبانيُّ بأن الحديث صحيح على شرط مسلم وحده، انظر: \"الإرواء\" (٥/ ٢١٣).","vol":"6","page":252},{"text":"التسليم، ولأنه يمكن بيعه في الحال، فلا حاجة إلى السلم فيه، بل يأخذ العين بدل دراهمه وينتهي الأمر.\nومما يدل على أن السلم متعلق بالذمة لا بالأعيان قوله: \"قيل: أكان لهم زرع؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك\"، فهذا يدل على أن السلم ليس متعلقًا بعين معينة، ولهذا لم يكونوا يسألونهم: هل لهم زرع أو لا؟.\nثم إن الحاجة داعية إلى السلم؛ لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات والصناعات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وعليها لتكمل، وقد تعوزهم النفقة، فيجوز لهم السلم ليرتفقوا، ويرتفق دافع مال السلم بالاسترخاص (^١).\n\n° الوجه الخامس: عناية الإسلام بمصالح العباد وما يتعلق ببيعهم وشرائهم، حيث أقرهم على السلم، ثم بيّن لهم أحكامًا تبعدهم عن الغرر والمنازعات.\n\n° الوجه السادس: يشترط في السلم ما يشترط في البيع؛ لأنه أحد أنواعه ويزيد السلم شروطًا قُصِدَ بها ضبطه وإبعاده عن الخصام والنزاع بسبب كونه مؤجلًا، وهذه الشروط دل عليها هذا الحديث، وهي ثلاثة:\nالأول: إمكان ضبط صفات المسلم فيه -وهو الشيء المبيع- والمراد الصفات التي لها أثر في اختلاف الثمن، لترتفع الجهالة، وتُسدُّ الأبواب التي تفضي إلى المنازعات عند التسليم، وهذا يكون فيما يمكن ضبط صفاته، ومنه المكيل والموزون، كمائة صاع من البر أو التمر أو الشعير ونحوها من المكيلات، أو مائة كيلو من السمك أو اللحم أو القطن ونحوها من الموزونات.\nوخص النبي - ﷺ - الكيل والوزن بالذكر لغلبتهما، وللتنبيه على غيرهما، والمقصود أن كل شيء يمكن ضبط صفاته يجوز السلم فيه، وكل شيء لا يمكن ضبط صفاته لا يجوز السلم فيه، وهو ما يختلف في الصغر والكبر\n_________\n(^١) انظر: \"إعلام الموقعين\" (١/ ٤٠٠).","vol":"6","page":253},{"text":"كالبقول والجلود ونحوها إلا إن أمكن ضبطها بالوزن أو بالوصف. ولو أسلم في المكيل وزنًا كَبُرٍّ وتمر صح على الراجح؛ لأن الغرض معرفة قدره فبأي شيء قدَّره جاز، وعمل الناس من أزمنة بعيدة إلى يومنا هذا على بيع التمر وزنًا، ويلحق بالموزون والمكيل: المعدود، كالفواكه والبقول والأسطال والأباريق ونحو ذلك مما يمكن ضبطه بالصفات، والمذروع كالثياب والخيوط والحبال ونحوها، بجامع ارتفاع الجهالة بمعرفة المقدار، خلافًا لابن حزم حيث خص السلم بالمكيل والموزون فقط اقتصارًا على النص (^١).\nالشرط الثاني: أن يكون مؤجلًا، ولا بد في الأجل أن يكون معلومًا، وهذا يدل عليه ظاهر الحديث؛ لأن عدم تحديد الأجل يفضي إلى الخصومة والنزاع والغرر؛ لأن صاحب الحق لا يدري متى يحصل له حقه، والمدين لا يدري متى يطالب؟.\nويتم العلم بالأجل بتقدير مدته بالأهلّة، مثل: أول شهر ربيع الأول، أو منتصف رجب، أو بعد سنة، أو بعد ستة أشهر، أو نحو ذلك. ولا خلاف بين العلماء أن السلم المؤجل لا بد فيه من ذكر أجل معلوم، إلا أن المالكية قالوا: إن الأيام المعلومة عند الناس كالمنصوصة، فيجوز التأجيل إلى وقت حصاد الزرع أو جذاذ النخل ونحو ذلك، وهذا رواية عن الإمام أحمد، اختارها صاحب الفائق، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٢).\nفإن كان السلم حالًّا، أوكان الأجل مجهولًا لم يصح، وهذا مذهب ابن عباس -كما تقدم- وأبي سعيد الخدري - ﵄ - والأسود بن يزيد النخعي، والحسن البصري، ذكر ذلك البخاري في \"صحيحه\" (^٣)، ونسب الشوكاني القول باشتراط الأجل إلى الجمهور (^٤).\nوقالت الشافعية: يجوز حالًّا؛ لأنه إذا جاز مؤجلًا مع الغرر فجوازه حالًّا أولى، فهم أجازوه بقياس الأَوْلَى.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٩/ ١٠٥).\n(^٢) \"حاشية الخرشي\" (٦/ ٧٧)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٩/ ٥٢)، \"الإنصاف\" (٥/ ٩٩ - ١٠٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣٤).\n(^٤) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٢٢٥).","vol":"6","page":254},{"text":"قالوا: وليس ذكر الأجل في الحديث لأجل اشتراطه، وإنما معناه: أنه إن كان السلم مؤجلًا فليكن الأجل معلومًا.\nورجح الشوكاني قول الشافعية لعدم ورود دليل يدل على اشتراطه، ولا يلزم التعبد بحكم شرعي إلا بدليل، والحديث ليس نصًّا في اشتراط الأجل، وإنما هو نص في اشتراط الأجل المعلوم، وبينهما فرق؛ لأنه على الثاني إن كان مؤجلًا فلا بد أن يكون الأجل معلومًا.\nومما يرجح قول الجمهور أن السلم شرع لأجل الإرفاق، وهو لا يظهر في السلم الحالِّ، وإنما في السلم المؤجل.\nالشرط الثالث: تسليم رأس المال في مجلس العقد، فلو تفرقا قبله بطل العقد، وهذا مأخوذ من قوله: \"فليسلف\" والسلف في اللغة: هو الإعطاء، فيكون معنى \"فليسلف\": فليعط؛ لأنه لا يقع اسم السلف فيه حتى يعطيه، وإلا يكون غير مسلي شيئًا. فالسلف: هو البيع الذي عُجِّلَ ثمنه وأُجِّلَ مثمنه، فاستنبطوا اشتراط قبض الثمن في المجلس من هذا الحديث، ولئلا يصير من باب بيع الدين بالدين، المنهي عنه، ولأنه إذا لم يقبض رأس المال في المجلس صار العقد عديم الفائدة للطرفين، لبقاء ذمة كل واحد من العاقدين مشغولة بغير فائدة (^١). وهذا الشرط مجمع عليه، إلا أن الإمام مالكًا يجيز التأجيل اليسير كيومين أو ثلاثة، وقد اختار ابن عبد البر المالكي مذهب الجمهور، فقال: (والذي به أقول: أنه لا يجوز فيه إلا تعجيل النقد، وإلا دخله الكالئ بالكالئ؛ أي: الدين بالدين) (^٢).\n\n° الوجه السابع: الحديث دليل على أنه لا يشترط كون المسلم فيه موجودًا حال العقد؛ لأنه ليس وقت وجوب التسليم، فيجوز أن يسلم في الرطب وقت الشتاء -مثلًا- مع أن الشتاء ليس فيه رطب.\nووجه الدلالة من الحديث: أنه - ﷺ - لم يذكر الوجود، ولو كان شرطًا\n_________\n(^١) \"نظرية العقد\" لابن تيمية ص (٢٣٥).\n(^٢) \"الكافي\" (٢/ ٦٩١).","vol":"6","page":255},{"text":"لذكره ولنهاهم عن السلف سنتين؛ لأنه يلزم منه انقطاع المسلم فيه أوسط السنة (^١).\nوأما ما كان منقطعًا عند حلول الأجل فإنه لا يجوز باتفاق، كما لو أسلمه في رطب يسلمه له في شهر شوال -مثلًا- وهو يأتي في وسط الشتاء؛ لأن الرطب لا يوجد في ذلك الشهر، إلا ما كان محفوظًا في البرادات.\n\n° الوجه الثامن: الحديث الثاني دليل على أنه لا يشترط أن يكون البائع في السلم له زرع وحرث، بل يجوز السلم مع الفلاح ومع غير الفلاح في كل شيء يمكن ضبطه؛ لأن المسلم إليه يمكن أن يشتري المسلم فيه من السوق ويوفي الدين الذي عليه، وهذا يدل عليه قوله: \"قلت: كان لهم زرع أو لم يكن لهم زرع؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك\"، وقد بوّب البخاري عليه فقال: \"باب السلم إلى من ليس عنده أصل\" والمراد به: أصل الشيء المسلم فيه، فالزرع أصل للحب، والشجر أصل للثمر، وهكذا. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" (٦/ ٤٠٧).","vol":"6","page":256},{"text":"<span data-type='title' id=toc-705>جزاء من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها</span>\n٨٥٧/ ٣ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"مَنْ أَخَذَ أَمْوَال النَّاسِ يُريدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلافَهَا، أَتْلَفَهُ الله\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الاستقراض\"، باب \"من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها\" (٢٣٨٧) من طريق سليمان بن بلال، عن ثور بن يزيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من أخذ أموال الناس) هذا عام في أخذ الأموال عن طريق القرض، أو البيع إلى أجل، أو الشركة، أو العارية، أو أي معاملة من وجوه المعاملات الأخرى.\n\nقوله: (يريد أداءها) أي: عند أخذه لها كانت نيته الوفاء والأداء مما يرزقه الله تعالى.\n\nقوله: (أدى الله عنه) تأدية الله عنه يشمل تيسيره تعالى لقضائها في الدنيا بأن يعينه الله ويوسع رزقه، ويسوق له من المال ما يقضي به دَينه لحسن نيته، ويشمل أداءها عنه في الآخرة بإرضائه غريمه بما شاء الله، فإن فاته الأول في دار الدنيا لم يفته الثاني -إن شاء الله- في الدار الآخرة لحسن نيته.","vol":"6","page":257},{"text":"قوله: (يريد إتلافها) أي: إنه عند أخذه لها لم تكن نيته الوفاء، بل يريد إتلاف ما أخذ على صاحبه، وهو يشمل ما إذا إدَّان وليس عنده نية الوفاء، أو أخذها بلا حاجة إليها وإنما يريد إتلافها على صاحبها.\n\nقوله: (أتلفه الله) الضمير يعود على (من) في قوله: \"ومن أخذها يريد اتلافها\" وعبر بـ (أتلفه)؛ لأن إتلاف المال كإتلاف النفس.\nوظاهر الحديث أن الإتلاف يقع له في الدنيا بإتلاف الشخص نفسه وإهلاكه، ويدخل فيه إتلاف ماله وجاهه وطيب عيشه وتضييق أموره وتعسير مطالبه، ولا مانع من تفسير الحديث بالمعنيين، والله أعلم.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث ترغيب في حسن النية عند الاستدانة من الناس، والترهيب من ضد ذلك، وأن من أخذ مال غيره بنية طيبة أوفى الله عنه وأعانه، ومن أخذها بنية فاسدة وخيانة أتلفه الله، قال العلماء: (وهذا وعيد شديد، يشمل من أخذ دينًا وتصدق به، وهو لا يجد وفاء؛ لأن الصدقة تطوع، ووفاء الدين واجب) (^١).\n\n° الوجه الرابع: في الحديث بشارة عظيمة من يستدين ونيته الوفاء، وقد روى النسائي بسنده عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن ميمونة زوج النبي - ﷺ - استدانت فقيل لها: يا أم المؤمنين، تستدينين وليس عندك وفاء؟ قالت: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من أخذ دينًا وهو يريد أن يؤدي أعانه الله -﷿-\" (^٢).\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنه - ﷺ - جعل مكان أداء الإنسان أداء الله عنه، ومكان إتلافه إتلاف الله له.\n_________\n(^١) \"بلوغ الأماني\" (١٥/ ٨٩).\n(^٢) أخرجه النسائي (٧/ ٣١٥) قال الألباني: (وهو إسناد صحيح على شرط الشيخين إذا كان عبيد الله بن عبد الله سمعه من ميمونة، فإن المعروف أنه يروي عنها بواسطة عبد الله بن عباس). والحديث صحيح بمجموع طرقه عند ابن ماجه (١١٥٧)، وأحمد (٤٤/ ٣٩٩)، وابن حبان (١١/ ٤٢٠). انظر: \"الصحيحة\" للألباني (٣/ ٢٦).","vol":"6","page":258},{"text":"° الوجه السادس: لا معارضة بين هذا الحديث وحديث: \"نفس المؤمن معلقة بدَينه حتى يقضى عنه\" (^١)، وحديث: \"ما فعل الديناران؟ \"، قال: قد قضيتهما يا رسول الله، قال: \"الآن بردت جلدته\" (^٢)، فإن هذا مقيد بمن له مال يُقضى منه دينه، وأما من لا مال له ومات عازمًا على القضاء فإن حديث الباب يدل على أن الله يؤدي عنه، والله تعالى أعلم (^٣).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في كتاب \"الجنائز\".\n(^٢) سيأتي -إن شاء الله- في أحاديث \"الضمان\".\n(^٣) انظر: \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٦).","vol":"6","page":259},{"text":"<span data-type='title' id=toc-706>حكم شراء السلعة بثمنٍ مؤجل</span>\n٨٥٨/ ٤ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ فُلانًا قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ، فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيهِ فَأَخَذْتَ مِنْهُ ثَوْبَينِ بنَسيئَة إلَى مَيسَرَة، فَأَرْسَلَ إِلَيهِ، فَامْتَنَعَ. أَخْرَجَهُ الحاكمُ، وَالْبَيهَقِيُّ، ورجَالُهُ ثِقِاتٌ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الترمذي في أبواب \"البيوع\"، باب \"ما جاء في الرخصة في الشراء إلى أجل\" (١٢١٣)، والنسائي (٧/ ٢٩٤)، وأحمد (٤٢/ ٧٠)، والحاكم (٢/ ٢٣، ٢٤)، والبيهقي (٦/ ٢٥) كلهم من طريق يزيد بن زريع، عن عُمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن عائشة - ﵂ - قالت: كان على رسول الله - ﷺ - ثوبان قِطْريان غليظان، فكان إذا قعد فَعَرِقَ ثَقُلا عليه، فقدمَ بزٌّ من الشام لفلان اليهودي، فقلت: لو بعثت إليه فاشتريت منه ثوبين إلى الميسرة، فأرسل إليه، فقال: قد علمتُ ما يريد، إنما يريد أن يذهب بمالي أو بدراهمي، فقال رسول الله - ﷺ -: \"كذب، قد علم أني من أتقاهم لله، وآداهم للأمانة\".\nوأخرجه أحمد (٤٢/ ٧٠) من طريق شعبة، عن عمارة، به.\nوقال الترمذي: (حديث حسن غريب صحيح)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه).\nوالحافظ قد عزى الحديث في \"التلخيص\" (^١) إلى الترمذي والنسائي، فلا أدري لما اقتصر -هنا- على الحاكم والبيهقي؟!.\n_________\n(^١) (٣/ ٣٧).","vol":"6","page":260},{"text":"° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (قِطْريان) مثنى قطري بكسر القاف: ضرب من البرود فيه حمرة، وله أعلام، فيها بعض الخشونة، وقيل: هي حلل جياد تحمل من قرية في أعراض البحرين يقال لها: قَطَر، فكسروا القاف للنسبة وخففوا.\n\nقوله: (فقدم بزٌّ) بفتح الباء والزاي المشددة نوع من الثياب الغليظة.\n\nقوله: (إلى ميسرة) أي: مؤجلًا إلى وقت اليسر والسعة والغنى. ولعلها - ﵂ - كانت متوقعة إلى أجل معلوم، وإلا فجهالة الأجل مفسدة للعقد.\n\nقوله: (وآداهم) بمد الهمزة؛ أي: أحسنهم وفاءً، قال الجوهري: (أدّى دينه تأدية، أي: قضاه، والاسم الأداء، وهو آدى للأمانة منك، بمد الألف) (^١).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز بيع النسيئة وصحة تأجيل الثمن إلى ميسرة، وهذا في غير الربويات، كالسيارات والعقارات والأمتعة من الملابس ونحوها، أما الربويات فما بيع بجنسه كَبُرٍّ ببر أو ما بيع بغير جنسه لكنه يساويه في العلة كَبُرٍّ بشعير فلا بد من الحلول والتقابض، أما إذا بيع الربوي بربوي لا يساويه في العلة كبُر بذهب، أو تمر بريالات لم يشترط الحلول والتقابض، فيجوز التأجيل بالإجماع -كما تقدم (^٢) -، وقد بوّب البخاري بقوله: \"باب شراء النبي - ﷺ - بالنسيئة\". قال الحافظ: (لعل المصنف تخيل أن أحدًا يتخيل أنه - ﷺ - يشتري بالنسيئة؛ لأنها دين، فأراد دفع ذلك التخيل) (^٣).\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الرسل عليهم الصلاة والسلام ممتحنون، ويحصل لهم ما يحصل لغيرهم حتى في المعاملة وشراء حوائجهم، وما ذلك إلا لأنهم بشر، يعتريهم ما يعتري غيرهم، وأن بعض الناس قد لا\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (٦/ ٢٢٦٦).\n(^٢) انظر: شرح الحديث (٧٩١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٠٢).","vol":"6","page":261},{"text":"يحترمهم ولا يبالي بهم؛ لكفره وضلاله، فإن هذا اليهودي امتنع من البيع بثمن مؤجل على النبي - ﷺ -، وهو يعلم أن النبي - ﷺ - من أوفى الناس وأكرم الناس، ولكن الحقد الذي ملأ قلبه جعله يعامل النبي - ﷺ - هذه المعاملة الجافية، ويقول هذه المقالة السيئة.\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز معاملة الكفار والشراء منهم والبيع عليهم وغير ذلك من التصرفات، وأن هذا لا يعتبر من موالاتهم ولا الركون إليهم، وعن عائشة - ﵂ -: \"أن النبي - ﷺ - اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل ورهنه درعًا من حديد\" (^١). قال الصنعاني: (وهو معلوم من الدين ضرورة، فإنه - ﷺ - وأصحابه أقاموا بمكة ثلاث عشرة سنة يعاملون المشركين، وأقام النبي - ﷺ - بالمدينة عشرًا يعامل هو وأصحابه أهل الكتاب، وينزلون أسواقهم كسوق بني قينقاع وغيره) (^٢).\n\n° الوجه السادس: حسن خلق النبي - ﷺ - وتواضعه وتحمُّله، وأنه لم يعاتب هذا اليهودي بل أعرض عنه امتثالًا لما أدبه ربه جل وعلا به في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وقد دلَّ ذلك على أن الناس أحرار في بيعهم وشرائهم ما داموا متقيدين بأحكام الشرع، وأنهم إذا اعتذروا عن البيع سواء كان معجلًا أو مؤجلًا فلا حرج، إلا إن وجد أسباب تقتضي إلزام من امتنع، مثل حالة الاحتكار وحاجة الناس إلى ما عند التجار فإنهم يلزمون بالبيع.\nومن الناس من يجد في نفسه شيئًا على بعض إخوانه ممن امتنع أن يبيع عليه إلى أجل، وهذا البائع قد لا يرى البيع عليه إما لأنه يتهمه بأنه مماطل، أو أنه يُعرف بذلك، أو لأسباب أخرى، فإذا امتنع من البيع عليه أمكن وجود ذلك عند غيره، ولا حاجة إلى المعاتبة، ففي فعله - ﷺ - أسوة صالحة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٦٨)، ومسلم (١٦٠٣).\n(^٢) \"حاشية الصنعاني على شرح العمدة\" (٤/ ١١٦).","vol":"6","page":262},{"text":"<span data-type='title' id=toc-707>حكم انتفاع المرتهن بالرهن</span>\n٨٥٩/ ٥ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الظَّهْرُ يُرْكَبُ بنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ\". رَوَاهُ الْبُخَارَيُّ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الرهن\"، بابٌ \"الرهنُ مركوبٌ ومحلوب\" (٢٥١٢) من طريق عبد الله بن المبارك: أخبرنا زكريا، عن الشعبي، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الظهر) المراد به: الحيوان المعدُّ للركوب من بعير وحصان وحمار وغيرها.\n\nقوله: (يُركب، ويُشرب) مبني لما لم يُسَمَّ فاعله، وفي آخر الحديث: \"وعلى الذي يركب ويشرب\" بالبناء للفاعل، لكن لم يبين الفاعل هل هو الراهن -وهو مالك الشيء المرهون- أو المرتهن -وهو صاحب الدين- فمن أجرى الحديث على ظاهره قال: الفاعل: المرتهن، ومن أولَّه قال: الفاعل: الراهن، وهو المالك، وسيأتي.\n\nقوله: (بنفقته) الباء هي باء المقابلة، وهي الداخلة على الأعواض، مثل: اشتريت الكتاب بعشرة، ومعنى في بنفقته\" أي: مقابل نفقته، والنفقة: هي المؤنة من علف وسقي ورعاية ونحو ذلك.","vol":"6","page":263},{"text":"قوله: (لبن الدَّرِّ) بفتح الدال المهملة وتشديد الراء، هو اللبن، أو الكثير منه، وهو من إضافة الشيء إلى نفسه، مثل: قَمْحِ بُرٍّ، وكقوله تعالى: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]، والدر: مصدر بمعنى اسم الفاعل؛ أي: الدارة، والمراد: ذات الضرع واللبن، يقال: در الضرع: امتلأ لبنًا، ودر الضرع: سال باللبن.\n\nقوله: (يشرب بنفقته) أي: يشرب لبن الحيوان المرهون كالبقرة أو الشاة -مثلًا- مقابل نفقته.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الرهن، وهو مجمع عليه في الجملة؛ لأنه من العقود الشرعية التي تحفظ به الحقوق، ويستحصل منها الدين إذا تعذر الحصول عليه من المدين.\nومن الأدلة على مشروعيته: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] والمعنى: وإن كنتم على سفر وهي حالة يعدم فيها الكاتب غالبًا فالوثيقة رهان، يقبضها من له الحق، ليستوثق بها، ومن الأدلة -أيضًا-: حديث عائشة - ﵂ - الذي تقدم قريبًا.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز رهن الحيوان؛ ويؤخذ من ذلك أن كل عين يجوز بيعها فإنه يجوز رهنها؛ لأن المقصود من الرهن -كما تقدم- توثقة الدين، بحيث إذا تعذر الاستيفاء من ذمة الراهن فإنه يستوفى من ثمن الرهن، وهذا يتحقق في كل عين يجوز بيعها.\n\n° الوجه الخامس: اختلف العلماء في استحقاق المرتهن الانتفاع بالرهن في مقابل نفقته على أقوال ثلاثة:\nالأول: أنه يجوز انتفاعه به إذا قام بنفقته، وهذا مختص بالمركوب والمحلوب من الحيوان، وعليه أن يتحرى العدل في الحلب والركوب، وهذا مذهب أحمد وإسحاق (^١)، واستدلوا بهذا الحديث. لكن اعترض على استدلالهم بأن الحديث مجمل لم يبيِّن من الذي يركب ويشرب، هل هو\n_________\n(^١) \"المغني\" (٦/ ٥١١).","vol":"6","page":264},{"text":"الراهن أم المرتهن؟ وقد أجابوا عن هذا الاعتراض بأن سياق الحديث دل على أن الفاعل هو المرتهن؛ لأنه جعل الانتفاع بالرهن في مقابل النفقة، وذلك يختص بالمرتهن، وأما الراهن فينتفع بالرهن لكونه ملكه، وهو ينفق عليه بكل حال.\nثم إنه جاء حديث أبي هريرة - ﵁ - عند أحمد من طريق هُشيم، عن زكريا، عن الشعبي، عنه بلفظ: \"إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشربه نفقته، ويَركب\" (^١). فتكون هذه الرواية مفسرة لحديث الباب.\nأما ما لا يحتاج إلى نفقة كالدار والمتاع والسيارة ونحوها فلا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن، قال ابن قدامة: (لا نعلم في هذا خلافًا؛ لأن الرهن ملك الراهن، فكذلك نماؤه ومنافعه، فليس لغيره أخذهما بغير إذنه) (^٢).\nفإن كان الحيوان لا يركب عادة كالبقر والغنم أو لا يصلح للركوب لكونه هزيلًا، أو ليس فيه لبن، فإن المرتهن ينفق على الحيوان، ويحسب ذلك على الراهن إذا لم يتبرع بذلك.\nالقول الثاني: أن المرتهن لا ينتفع بشيء من المرهون مطلقًا؛ لأنه ملك غيره لم يأذن له في الانتفاع به، ولا الإنفاق، فلم يكن له ذلك كغير الرهن، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد (^٣).\nوقالوا: إن الحديث مخالف للقياس من وجهين:\n_________\n(^١) \"المسند\" (١٢/ ٢٣)، وأخرجه أيضًا الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٩٩)، والدارقطني (٣/ ٢٤) لكن قال البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٨): (ورواه هشيم وسفيان بن حبيب، عن زكريا -وزادا في متنه: (المرتهن) - وليس بمحفوظ).\n(^٢) \"المغني\" (٦/ ٥٠٩).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٥٩)، \"المغني\" (٦/ ٥١١).","vol":"6","page":265},{"text":"١ - التجويز لغير المالك بأن يركب ويشرب بغير إذن المالك، والأصل أنه لا يجوز لغير المالك إلا بإذنه، ومن هذا الأصل حديث ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يحلبن أحدكم ماشية امرئ بغير إذنه\" (^١).\n٢ - تضمينه ذلك الانتفاع بالنفقة لا بالقيمة، والأصل أن المنفعة تقابل بقيمة.\nالقول الثالث: أن المراد بالحديث إذا امتنع الراهن من الإنفاق على الحيوان المرهون، ففي هذه الحالة يباح للمرتهن الإنفاق على الحيوان حفظًا لحياته، وله في مقابل ذلك الانتفاع به، وهذا قول الأوزاعي والليث وأبي ثور (^٢).\nوالراجح هو القول الأول لقوة دليله، ووضوح مأخذه.\nوقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الحديث موافق للقياس لأمرين:\nالأول: أن نفقة المرهون واجبة على الراهن، فإذا أنفق المرتهن عليه فقد أدى واجبًا عن غيره بغير إذنه فيما له حق فيه، فلو حُكِمَ على فعله بمثل ما حكم به على نظائره لاقتضى أن يرجع المنفق على من عليه الواجب، والركوب والشرب هو هذا الرجوع.\nالثاني: أن الركوب والشرب منفعة رضي بها المنفق عوضًا عن النفقة، وهي صالحة لتكون بدلًا، فلو حكم عليه بمثل ما حكم به على نظائره من الأعواض الصالحة للبدلية التي رضي بها المستعاض عوضًا مثل رزق وكسوة المرضعات لاقتضى القياس جواز كونهما عوضًا عن النفقة (^٣).\nولو فرضنا أن الحديث مخالف للأصول لم يقتض ذلك رده؛ لأنه إذا صح الحديث أصبح أصلًا بنفسه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٣٥)، ومسلم (١٧٢٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٤٤).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٠/ ٥٦٠، ٥٦١) \"المعدول به عن القياس\" ص (١٣٢).","vol":"6","page":266},{"text":"وأما القول الثالث فهو تقييد للحديث بما لم يقيده به الشرع.\nوهذا كله إذا لم يصطلح الراهن والمرتهن على شيء معين، فإن حصل اصطلاح على أن الراهن هو الذي ينفق على دابته المرهونة ويأخذ اللبن فلا بأس، فإن لم يحصل شيء من ذلك فالمعول على ما دل عليه الحديث، وأن المرتهن يركب بقدر النفقة، ويشرب بقدر النفقة، وهذا فيه مصلحة إراحة الراهن من تعب النفقة، وإراحة المرتهن من المطالبة بالدر، والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-708>المرتهن لا يستحق الرهن بعجز الراهن عن الأداء</span>\n٨٦٠/ ٦ - عن أبي هريرة - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذي رَهَنَه، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيهِ فُرْمُهُ\". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلا أَن الْمَحْفُوظَ عنْدَ أَبي دَاوُدَ وَغَيرِهِ إِرْسَالُهُ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث روي موصولًا بذكر أبي هريرة - ﵁ -، وروي مرسلًا، فجاء موصولًا من طرق كثيرة، ومنها: ما أخرجه الدارقطني في \"السنن\" (٣/ ٣٢)، وفي \"العلل\" (٩/ ١٦٤)، والحاكم (٢/ ٥١)، وعنه البيهقي (٦/ ٣٩) من طريق عبد الله بن عمران العابدي: ثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا.\nقال الدارقطني: (زياد بن سعد من الحفاظ الثقات، وهذا إسناد حسن متصل)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه لخلاف فيه على أصحاب الزهري)، وقال البيهقي: (قد رواه غيره، عن سفيان عن زياد مرسلًا، وهو المحفوظ).\nورواه الدارقطني (٣/ ٣٣)، والحاكم (٢/ ٥١ - ٥٢) من طريق كُدير أبي يحيى، حدثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nوللموصول طرق كثيرة كلها معلولة، ولو سلم بعضها من العلة لعُدَّ شاذًّا؛ لمخالفته الروايات الصحيحة الكثيرة التي ذكرت الحديث مرسلًا.\nفقد أخرجه أبو داود في \"المراسيل\" (١٧٥)، وعبد الرزاق (٨/ ٢٣٧)،","vol":"6","page":268},{"text":"ومن طريقه الدارقطني (٣/ ٣٣)، وفي \"العلل\" (٩/ ١٦٩)، والبيهقي (٦/ ٤٠) من طريق معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن النبي - ﷺ - مرسلًا، بلفظ: \"لا يَغْلَقُ الرهن\"، وإسناد هذا المرسل صحيح. وله طرق أخرى عن الزهري.\nوقد رجَّح جمع من الحفاظ إرساله، قال الحافظ: (صحح أبو داود والبزار والدارقطني وابن القطان إرساله، وله طرق في الدارقطني والبيهقي كلها ضعيفة، وصحح ابن عبد البر وعبد الحق وصله) (^١).\nثم إن الحديث إنما هو بلفظ: \"لا يغلق الرهن\"، وأما قوله: \"له غنمه وعليه غرمه\"، فالصحيح أنه ليس من الحديث، وإنما هو مدرج من قول سعيد بن المسيب، لأمرين:\nالأول: أن الحديث رواه جماعة كالإمام مالك (^٢) من طريق الزهري، ومن طريقه الخطيب (^٣) بدون هذه الزيادة.\nالثاني: أنه جاء التصريح بانها من كلام سعيد في رواية الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد، قال: قال النبي - ﷺ -: \"لا يغلق الرهن\" قال الزهري: قال ابن المسيب: (له غنمه، وعليه غرمه). ومثل ذلك في رواية يونس بن يزيد، عن الزهري.\nقال البيهقي: (ورواه أبو عمرو الأوزاعي، ويونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن ابن المسيب مرسلًا، إلا أنهما جعلا قوله: \"له غنمه، وعليه غرمه\" من قول ابن المسيب، والله أعلم).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا يغلق الرهن) بفتح الياء وسكون الغين المعجمة، ثم لام مفتوحة آخره قاف، مضارع غَلِقَ، يَغْلَق، غلوقًا، من باب \"تَعِبَ\" وأصل الغَلَق في اللغة: الانسداد والانغلاق، يقال: غَلِقَ الباب، وانغلق: إذا عَسُرَ، والغلق\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" للدارقطني (٩/ ١٦٤)، \"التمهيد\" (٦/ ٤٣٠)، \"التلخيص\" (٣/ ٤٢).\n(^٢) \"الموطأ\" (٢/ ٧٢٨)، وانظر: \"المراسيل\" لأبي داود ص (٢٧٣ - ٢٧٤)، \"التمهيد\" (٦/ ٤٢٦).\n(^٣) \"تاريخ بغداد\" (١٢/ ٢٤٢).","vol":"6","page":269},{"text":"في الرهن ضد الفكّ، فإذا فَكَّ الراهن الرهن فقد أطلقه من وثاقه عند مرتهنه، ويقال: غَلِقَ الرهن: إذا بقي في يد المرتهن لا يقدر راهنه على تخليصه، بسبب عدم قدرته على أداء الدين، وكان هذا من فعل الجاهلية، أن الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت المعين ملك المرتهنُ الرهنَ واستحله، فأبطله الإسلام (^١).\nفمعنى: (لا يغلق الرهن) أي: لا يستحقه المرتهن بمجرد حلول الأجل، فهو لا يزال في ملك الراهن وإن استمر محبوسًا بيد المرتهن حتى يَفُكَّهُ الراهن بقضاء الدين الذي عليه.\n\nقوله: (من صاحبه) أي: الراهن.\n\nقوله: (له غُنمه) بضم الغين المعجمة، وسكون النون؛ أي: للراهن زيادة الرهن وثمرته وكسبه مدة كونه مرهونًا، كان يكون حيوانًا أنسل، أو شجرًا أثمر، أو دارًا أُجِّرت، أو نحو ذلك.\n\nقوله: (وعليه غُرمه) بضم الغين المعجمة وسكون الراء المهملة؛ أي: وعلى الراهن ما يحصل على المرهون من نقص أو تلف أو نفقة أو غيرها، إذا تلف بدون تَعَدٍّ من المرتهن، كموت الحيوان أو نقصانه، أو انهدام الدار ونحو ذلك.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المرتهن لا يستحق الرهن إذا عَجَزَ الراهن عن أداء الدين؛ لأن الرهن ملك للراهن لا يزول ملكه عنه، وإنما هو وثيقة بيد المرتهن يتوثق ممن عليه الدين، فإذا حل الدين وجب على الراهن أداؤه وأخذ رهنه، فإن لم يتيسر ذلك أو امتنع باع الحاكم الرهن لتعينه طريقًا لأداء الواجب، وقضى دينه من ثمنه؛ لأنه حق تعين عليه، فقام الحاكم مقدمه فيه، ويُرد الباقي على صاحب الرهن.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن زيادة الرهن ونماءه ملك للراهن، وأن عليه نفقته، وليس على المرتهن شيء، وإن حصل له نقص أو تلف فهو من ملك الراهن، وليس على المرتهن شيء؛ لأنه أمين، فالتلف في يده كالتلف في يد المالك، إلا إن حصل منه تعد أو تفريط فإنه يضمن، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد (٤/ ١٧٠ - ١٧٣)، \"النهاية\" (٣/ ٣٧٩).","vol":"6","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-709>جواز القرض والزيادة في ردِّ البدل</span>\n٨٦١/ ٧ - عَنْ أَبي رَافِع - ﵁ -، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَسلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيهِ إِبِلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَقَال: لا أَجِدُ إلَّا خِيَارًا، قَال: \"أَعْطِهِ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"المساقاة\"، باب \"من استسلف شيئًا فقضى خيرًا منه\" (١٦٠٠) من طريق ابن وهب، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع - ﵁ -.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (استسلف) أي: اقترض، والعرب تسمي القرض: سلفًا، وهو الدارج على ألسنة الناس، إلا أن السلف أعم من القرض؛ لأن السلف يطلق على السلم، كما تقدم.\n\nقوله: (بكرًا) بفتح الباء: هو الصغير من الإبل، والأنثى بكرة.\n\nقوله: (فقال: لا أجد إلا خيارًا) لفظ مسلم: (فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًّا)، والخيار: هو الجيد، يطلق على الواحد والجمع.\nوالرَّبَاعِيُّ من الإبل -بفتح الراء وتخفيف الموحدة-: هو الذكر منها إذا أتى عليه ست سنين ودخل في السابعة حين طلعت رباعيته، والأنثى رباعية بالتخفيف.","vol":"6","page":271},{"text":"° الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز القرض وإباحته إذا علم المقترض من نفسه الوفاء، وأنه ليس من المسألة المذمومة؛ لأنه ارتفاق بالشيء يرد بدله، ولأنه - ﷺ - فعله، لكن ينبغي للمسلم ألا يقترض إلا عند الحاجة، لما جاء في نصوص الشريعة من تعظيم أمر الدين، وعلى الإنسان ألا يتساهل في الاقتراض لأمور يمكن الاستغناء عنها أو تأجيلها، كما عليه بعض الناس.\nوأما القرض من جهة المقرض فهو مندوب إليه، ومن القُرَب التي حث عليها الإسلام، لما فيه من إعانة المسلم وقضاء حاجته وتفريج كربته.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز اقتراض الحيوان كالإبل وغيرها، وقد بوّب البخاري في كتاب \"الاستقراض\": \"باب استقراض الإبل\" (^١).\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز الوفاء بما هو أفضل من الشيء المقترض، وأن هذا من الزيادة المستحبة شرعًا، لفعل النبي - ﷺ - وثنائه على حسن القضاء، ويدل على ذلك جواز قبول المقترض لهذه الزيادة؛ لأن بذلها دليل على جواز أخذها، وهذا من مكارم الأخلاق المحمودة شرعًا وعرفًا.\nوعلى الصحيح من قولي أهل العلم فإن الحديث يعم الزيادة في الصفة بأن يرد المقترض أجود مما أخذ، كان يعطيه بعيرًا أجود من بعيره أو يعطيه بُرًّا أحسن من بُرِّهِ، ويعم الزيادة في المقدار بأن يرد المقترض أكثر مما أخذ، أو بأن يزيده هدية من مال آخر، كأن يقترض منه صاعًا فيرد له صاعين، أو مائة ريال فيعطيه مائة وعشرة، أو يعطيه مع المائة كتابًا -مثلًا- لأن الحديث نص عام، يتناول حسن القضاء في الصفة، كما يتناول حسن القضاء في المقدار، وخصوص السبب في هذا الحديث وهو القضاء بالأجود صفة لا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٦).","vol":"6","page":272},{"text":"تخصص اللفظ العام، ولا تمنع من عمومه؛ لأنه تقرر في الأصول: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nومحل الجواز ألا تكون الزيادة مشروطة، وإلا فسد القرض ووجب فسخه -كما سيأتي إن شاء الله- ويرجع إلى المثل في ذوات الأمثال، وإلى القيمة في غيرها، والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-710>حكم القرض إذا جرَّ منفعة</span>\n٨٦٢/ ٨ - عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا\"، رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، وَإِسْنَادُهُ سَاقِطٌ.\n٨٦٣/ ٩ - وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ: عَنْ فَضَالةَ بْنِ عُبَيدٍ. عِنْدَ الْبَيهَقِيِّ.\n٨٦٤/ ١٠ - وآخَرُ مَوْقُوفٌ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَّامٍ. عِنْدَ الْبُخَارِيِّ.\n\n° الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث علي - ﵁ - فقد أخرجه الحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\" كما في \"بغية الباحث\" (١/ ٥٠٠) من طريق سوار بن مصعب، عن عمارة الهمداني، عن علي - ﵁ -، مرفوعًا.\nوهذا إسناد ساقط، سوار بن مصعب قال عنه ابن معين: (ليس بشيء)، وقال البخاري: (منكر الحديث)، وقال النسائي وغيره: (متروك)، وقال أبو داود: (ليس بثقة) (^١).\nوأما حديث فضالة بن عبيد - ﵁ -، فقد أخرجه البيهقي (٥/ ٣٥٠) من طريق إدريس بن يحيى، عن عبد الله بن عياش، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق التُّجِيبي (^٢)، عن فضالة بن عبيد أنه قال: (كل قرض جرَّ منفعة فوجه من وجوه الربا).\n_________\n(^١) \"الميزان\" (٢/ ٢٤٦).\n(^٢) بضم التاء وكسر الجيم. [\"الأنساب\" (١/ ٤٤٨)].","vol":"6","page":274},{"text":"وهذا إسناد متصل، رجاله ثقات، سوى عبد الله بن عياش، فقد قال فيه أبو حاتم: (ليس بالمتين، صدوق يكتب حديثه)، وقال أبو داود والنسائي: (ضعيف)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق يغلط). وإدريس بن يحيى وهو الخولاني المصري، قال فيه ابن أبي حاتم: (صدوق)، وكذا قال أبو زرعة، وقال ابن حبان: (مستقيم الحديث إذا كان دونه ثقة، وفوقه ثقات).\nوأما حديث عبد الله بن سلام - ﵁ - فقد أخرجه البخاري في كتاب \"مناقب الأنصار\"، باب: مناقب عبد الله بن سلام - ﵁ - \" (٣٨١٤) من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه قال: (أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام - ﵁ - فقال: ألا تجيءُ فأطعمَك سويقًا وتمرًا وتدخل في بيتٍ؟ ثم قال: إنك في أرضٍ (^١) الربا بها فاشٍ، إذا كان لك على رجل حق، فأهدي إليك حِمْلَ تبنٍ، أو حملَ شعير، أو حمل قَتٍّ، فإنه ربا).\nوأخرجه مختصرًا في كتاب \"الاعتصام\" من \"صحيحه\" (٧٣٤٢).\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على أن القرض إذا جرَّ منفعة للمقرض فهو محرم؛ لأنه ربًا، وقد حمله العلماء على اشتراط الزيادة في بدل القرض، سواء أكانت الزيادة في القدر أم في الصفة، كما تقدم؛ لأنها منفعة جرها القرض فتكون ربًا، وهذا ربا القرض، وهو من ربا الجاهلية، ومعناه: إقراض مال إلى أجل بشرط الزيادة، كأن يقرضه عشرة آلاف ريال على أن يرد له معها ألف ريال، وذلك لأن الغرض من القرض هو الإرفاق والقربة، فإذا شرط المقرض فيه الزيادة لنفسه خرج عن كونه قربة، فمنع صحته؛ لأنه يكون بذلك قرضًا للزيادة لا للإرفاق والقربة، ووجه كونه ربًا أن هذه الزيادة تشبه الربا؛ لأنها فضل لا يقابله عوض.\nوعلى هذا فالحديث ليس على عمومه، وأن كل منفعة يجرها القرض فهي ربًا محرم، فيخرج من عمومه المنفعة غير المشروطة للمقرض، فإنها\n_________\n(^١) أرض العراق.","vol":"6","page":275},{"text":"تجوز، بل هي من حسن القضاء كما تقدم، كما يخرج من عمومه المنفعة المشروطة للمقترض، كاشتراط الوفاء بالأقل، أو اشتراط أجل معين لوفاء القرض على القول بالجواز، ويبقى هذا النص أو الإجماع في المنفعة المشروطة للمقرض.\nوالحديث وإن كان ضعيفًا جدًّا كما تقدم، فإن ما ورد عن الصحابة - ﵃ - من موقوفات تشهد له، وتدل على أن معناه صحيح. وقد نقل ابن المنذر الإجماع على مقتضاه، فقال: (أجمع العلماء على أن المسلف إذا شرط عُشْرَ السلف هدية أو زيادة، فأسلفه على ذلك أن أخذه الزيادة ربًا) (^١).\nوقال ابن عبد البر: (كل زيادة في سلف أو منفعة ينتفع بها المسلف فهي ربًا، ولو كانت قبضة من علف، وذلك حرام إذا كان بشرط) (^٢).\nويدخل في الحديث اشتراط المقرض أيّ عمل يجر إليه نفعًا، كأن يسكنه المقترض داره مجانًا، أو يعيره سيارته، أو يعمل له كذا، أو غير ذلك من وجوه الانتفاع.\nأما الهدية للمقرض، فهي موضع خلاف بين أهل العلم، والأظهر أنه ليس للمقرض أن يقبل هدية من المقترض إلا إذا كان هناك عادة جارية بينهما بذلك قبل القرض، لقرابة أو صداقة بينهما، بحيث لا تكون الهدية بسبب القرض، فيجوز قبولها، والمنع من ذلك إذا لم تجرِ عادة من باب سد ذريعة أخذ الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل، أو يتخذ ذريعة إلى تأخير الدَّين فيكون ربًا؛ لأنه يعود إليه ماله مع أخذ الفضل الذي استفاده، وقد حكم عبد الله بن سلام - ﵁كما تقدم- على الهدية أنها ربًا، قال الحافظ: (يحتمل أن يكون ذلك رأي عبد الله بن سلام - ﵁ -، وإلا فالفقهاء على أنه إنما يكون ربًا إذا شرطه، نعم الورع تركه) (^٣).\n_________\n(^١) \"الإجماع\" ص (٩٩).\n(^٢) \"الكافي في فقه أهل المدينة\" (٢/ ٧٢٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٣١).","vol":"6","page":276},{"text":"ويستثنى من ذلك ما إذا نوى المقرض احتساب ما أعطاه المقترض من دينه، أو نوى مكافأته عليه، فإنه يجوز، وقد أخرج البيهقي عن سالم بن أبي الجعد، قال: (كان لنا جار سمَّاك، عليه لرجل خمسون درهمًا، فكان يهدي إليه السمك، فأتى ابن عباس - ﵄ - فسأله عن ذلك. فقال: قاصِّه بما أهدى إليك) (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٣٥٠)، قال في \"الإرواء\" (٥/ ٢٣٤): (إسناده صحيح).","vol":"6","page":277},{"text":"<span data-type='title' id=toc-711>باب التفليس والحجر</span>\nالتفليس: مصدر فلَّس الحاكم الرجل تفليسًا: حكم بإفلاسه ومنعه من التصرف في ماله.\nوالمفلس: من عنده مال لا يفي بكل ما عليه من الدين.\nوالحجر لغة: بفتح الحاء مصدر، ومعناه: المنع والتضييق.\nواصطلاحًا: منع الإنسان من التصرف في ماله. والحجر نوعان:\nالأول: حجر لحظ المحجور عليه، وهو الحجر على الصغير والسفيه والمجنون في ماله، وذلك بإقامة ولي عليه يتصرف في ماله بالأحسن.\nالثاني: حجر لحظ غيره، وهو المذكور -هنا-، وهو الحجر على المفلس لحق الغرماء، ولا يحجر عليه إلا بشروط ثلاثة:\n١ - أن يكون الدين الذي عليه حالًّا، فإن كان مؤجلًا لم يحجر عليه؛ لأنه لا يلزمه أداؤه قبل حلوله.\n٢ - أن يكون عنده مال لا يفي بكل ما عليه، فإن كان ماله يفي بكل ما عليه لم يحجر عليه، لعدم الحاجة إلى ذلك، وأُمِرَ بالوفاء إذا طلب غريمه.\n٣ - أن يطلب الحجر غرماؤه أو بعضهم؛ لأن الحق لهم، والحجر بسؤال بعض الغرماء إنما هو على أحد القولين في المسألة.\nوقد ذكر الحافظ في هذا الباب الأحاديث المتعلقة بالمحجور عليه لحظ غيره، وذكر ما يتعلق بالبلوغ في حق المحجور عليه لحظه.\nوجواز الحجر من محاسن الإسلام وعدالة أحكامه، لما يترتب على ذلك من المصالح العظيمة، فإن الحجر على الصغير والسفيه والمجنون له فيه","vol":"6","page":278},{"text":"مصلحة، من حفظ ماله من الضياع والتصرف فيه بما ينفع.\nوأما الحجر على المفلس ففيه مصلحة له ولغيره، ذلك أن الرجل إذا افتقر بعد غنى وكثرت ديونه، اختلطت أموره، وأصيب بشيء من التقلب والاضطراب، فيتصرف تصرفات فيها شيء من الحيف والجور، وربما يوفي بعض غرمائه، ويترك بعضهم، وقد يستولي أقوياء غرمائه على موجوداته، وربما أخفى أمواله أو بعضها، إلى غير ذلك من التصرفات التي قد تضره أو تضر غيره، فجاء الإسلام بمشروعية الحجر وتفريق موجودات المفلس بين غرمائه، تفريقًا عادلًا.","vol":"6","page":279},{"text":"<span data-type='title' id=toc-712>حكم من وجد ماله عند مفلس</span>\n٨٦٥/ ١ - عَنْ أَبِي بَكْرٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ -، قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ أَدْرَكَ مَالهُ بِعَينِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أفلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيرِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَمَالِكٌ: مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُرْسلًا، بِلَفْظِ: \"أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِض الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيئًا، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَينِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ\".\nوَوَصَلَهُ الْبَيهَقِيُّ، وَضَعَّفَهُ تبَعًا لأَبي دَاوُدَ.\nوَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ: مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ خَلْدَةَ، قَال: أتينَا أَبَا هُرَيرَةَ في صَاحِبٍ لنَا قَدْ أفلَسَ، فَقَال: لأقْضِيَنَّ فِيكُمْ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ أفلَسَ أَو مَاتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَينِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ\". وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَضَعَّفَ أَبُو دَاوُدَ هذِهِ الزِّيَادَةَ في ذِكْرِ الْمَوْتِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، اسمه وكنيته واحد، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة النبوية، كان ثقة فقيهًا عالمًا، شيخًا، محدثًا، مشهودًا له بكثرة الرواية، وكان يقال له: راهب قريش، لكثرة صلاته، روى عن أبي هريرة وعمار بن ياسر وأبي مسعود الأنصاري وعائشة","vol":"6","page":280},{"text":"وأم سلمة وغيرهم -﵃-، وقد حدث عنه عمر بن عبد العزيز وأبناؤه، وابن شهاب الزهري، وغيرهم ﵏، مات -﵀- سنة الفقهاء سنة أربع وتسعين، على أحد الأقوال (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الاستقراض\"، باب \"إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض والوديعة، فهو أحق به\" (٢٤٠٢)، ومسلم (١٥٥٩) من طريق يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أخبره أنه سمع أبا هريرة - ﵁ - يقول: … فذكره.\nوأخرجه مالك (٢/ ٦٧٨) ومن طريقه أبو داود (٣٥٢٠) عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، مرسلًا، به، وتابع مالكًا يونس، أخرجه أبو داود (٣٥٢١) فذكر معنى حديث مالك، وزاد: \"وإن قضى من ثمنها شيئًا، فهو أسوة الغرماء\".\nوأخرجه أبو داود (٣٥٢٢)، وابن الجارود (٦٣٢)، والدارقطني (٣/ ٣٠)، والبيهقي (٦/ ٤٧) من طريق إسماعيل بن عياش، عن محمد بن الوليد الزُّبيدي، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ -، هكذا موصولًا، بنحوه، وزاد: \"وأيما امرئ هلك وعنده متاع امرئ بعينه اقتضى منه شيئًا أو لم يقتض، فهو أسوة الغرماء\".\nوقد ضعفه أبو داود، فقال: (حديث مالك أصح) وتبعه البيهقي، فقال: (لا يصح) يعني موصولًا، وقال الدارقطني: (إسماعيل بن عياش، مضطرب الحديث، ولا يثبت هذا عن الزهري مسندًا، وإنما هو مرسل). وقال ابن عبد الهادي: (رواه مالك وأبو داود هكذا مرسلًا، وقد أُسند من وجه غير قوي) (^٢).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٣٤).\n(^٢) انظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (١١٦٢)، \"العلل\" للدارقطني (١١/ ١٦٦)، \"المحرر\" (٢/ ٤٩٧).","vol":"6","page":281},{"text":"وقد مال الحافظ في \"التلخيص\" (^١) إلى تصحيح الحديث، وصححه -أيضًا- الألباني (^٢). وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (وصله أبو داود … ولم يضعفه، ولكن قال: حديث مالك أصح (يعني: المرسل) ولا يقتضي هذا تضعيف الموصول، إذ لا يلزم من نفي الأصحية نفي الصحة، بل ذلك أدل على إثبات الصحة من نفيها، وهذا الإسناد جيد … والمرسل المذكور يعضد الموصول ويقويه، والله أعلم) (^٣) ولكن يبدو لي أن كلام الأئمة الكبار أمثال الدارقطني مقدم على كلام من جاء بعدهم.\nولعل الحافظ ذكر هذه الرواية عند أبي داود ومالك؛ لأن فيها بعض الشروط في مسألة من وجد ماله عند مفلس، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- بيانه.\nوأما الرواية الأخيرة فقد أخرجها أبو داود (٣٥٢٣)، وابن ماجه (٢٣٦٠)، والحاكم (٢/ ٥٠) من طريق ابن أبي ذئب، عن أبي المعتمر، عن عمر بن خَلْدة (^٤) قال: … وذكر الحديث.\nوهذا سند ضعيف؛ لأن أبا المعتمر، وهو ابن عمر بن رافع المدني مجهول الحال، كما في \"التقريب\" وغيره، وتعقبه الألباني بأنه مجهول العين؛ لأنه لم يرو عنه أحد غير ابن أبي ذئب (^٥).\nوقد حكى المنذري عن أبي داود أنه قال بعد هذا الحديث: (من يأخذ بهذا؟ أبو المعتمر: من هو؟ لا يعرف) (^٦).\nوأما تصحيح الحاكم لهذا الحديث ففيه نظر، لما عرفت من حال\n_________\n(^١) (٣/ ٤٥).\n(^٢) \"الإرواء\" (٥/ ٢٧٠).\n(^٣) \"حاشية ابن باز على البلوغ\" (٢/ ٥٢٠).\n(^٤) ضبطه في \"التقريب\" بفتح المعجمة، وسكون اللام.\n(^٥) \"الإرواء\" (٥/ ٢٧٢).\n(^٦) \"مختصر السنن\" (٥/ ١٧٧).","vol":"6","page":282},{"text":"أبي المعتمر، وكذا سكوت الذهبي عن تصحيح الحاكم مع أنه قال عنه: (لا يعرف) (^١).\nولعل غرض الحافظ من سياق هذه الرواية بيان أن الموت ملحق بالفلس في رجوع من وجد متاعه بعينه، كما سيأتي البحث فيه إن شاء الله.\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من أدرك ماله) هذا لفظ عام، يشمل من كان له مال عند آخر بقرض أو بيع أو وديعة أو غير ذلك، وترجمة البخاري على الحديث كما تقدم تفيد ذلك، وقد ورد في أحاديث أخرى التصريح بلفظ البيع، ومنها ما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان بالإسناد المتقدم عن أبي هريرة مرفوعًا، بلفظ: \"إذا ابتاع الرجل سلعة، ثم أفلس وهي عنده بعينها فهو أحق بها من الغرماء\" (^٢)، لكن هذا لا يقتضي تخصيص المسألة بالبيع؛ لأن الخاص الموافق للعام في الحكم لا يخصص العام، كما في الأصول.\n\nقوله: (بعينه) أي: لم يتغير ولم يتبدل بزيادة أو نقص.\n\nقوله: (عند رجل) في رواية أخرى: (عند رجل أو إنسان) وهذا قيد أغلبي، وإلا فالمرأة حكمها كذلك، ولعل تخصيص الرجل بالذكر؛ لأن أكثر من يتعامل بالمال هم الرجال.\n\nقوله: (قد أفلس) أي: افتقر، قال ابن الأثير: (أفلس الرجل: إذا لم يبق له مال) (^٣) والمفلس في عرف الفقهاء: من دينه أكثر من ماله، وخَرْجُهُ أكثر من دخله، سمي مفلسًا: لأنه صار إلى حالة لا يملك فيها فلسًا، أو لأنه لا مال له إلا الفلوس، وهي أدنى أنواع المال، أو لأنه يُمنع التصرف إلا في الشيء التافه كالفلوس؛ لأنهم ما كانوا يتعاملون بها إلا في الأشياء الحقيرة (^٤).\n_________\n(^١) \"الميزان\" (٤/ ٥٧٥).\n(^٢) \"صحيح ابن حبان\" (١١/ ٤١٤).\n(^٣) \"النهاية\" (٣/ ٤٧٠).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٦٢).","vol":"6","page":283},{"text":"قوله: (فهو) الضمير يعود إلى (من).\n\nقوله: (أحق به من غيره) أي: أحق بماله من غيره كائنًا من كان؛ لأنه وجد ماله بعينه فلا ينازعه فيه أحد، فإن ماله موجود، ومال غيره مفقود.\n\nقوله: (أسوة الغرماء) أي: حظ البائع من هذا المتاع كحظ سائر الدائنين، لا مزية له فيه عليهم.\nوالغرماء: جمع غريم، والغريم: هو الخصم، وهو من الأضداد يقال: غريم: من عليه الدين، ولمن له الدين، والمراد هنا الثاني.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من وجد ماله بعينه عند رجل قد أفلس، فله الرجوع فيه، وفسخ العقد إن كان بيعًا أو غيره، وهذا مذهب جمهور العلماء، ودلالة الحديث على هذا واضحة وقوية جدًّا، ولهذا قال الاصطخري من أصحاب الشافعي: (لو قضى القاضي بخلافه، نقضت حكمه) (^١).\nوقال أبو حنيفة والحسن والنخعي: البائع أسوة الغرماء (^٢)؛ لأن السلعة صارت بالبيع ملكًا للمشتري ومن ضمانه، قالوا: والحديث خبر واحد، مخالف للأصول.\nوهذا اعتذار مردود، فإن الحديث مشهور، ورد من حديث ابن عمر وأبي هريرة وسمرة، وقضى به عثمان -﵃-، وعمر بن عبد العزيز -﵀-، قال الشوكاني: (والاعتذار بأنه مخالف للأصول اعتذار فاسد، لما عرفناك من أن السنة الصحيحة هي من جملة الأصول، فلا يترك العمل بها إلا لما هو أنهض منها، ولم يرد في المقام ما هو كذلك) (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"المهذب\" (١/ ٤٢٦).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٢٧٤).\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"6","page":284},{"text":"° الوجه الخامس: اشترط العلماء في هذه المسألة شروطًا أخذوها من مجموع أحاديث هذه المسألة، وهي ثلاثة:\n١ - أن تكون عين المتاع موجودة عند المشتري المفلس لم تتغير بذهاب صفة من صفاتها بما يزيل اسمها، كخياطة الثوب، وخبز الحب، وجَعْلِ الخشب بابًا، ومثله لو تلف بعض الثوب، أو تضررت السيارة، أو انهدمت الدار أو بعضها، ونحو ذلك، وهذا الشرط مأخوذ من قوله: \"بعينه\" فإن تغيرت صفات المتاع أو تلف بعضه فصاحبه أسوة الغرماء؛ أي: مثل الغرماء، وهم أصحاب الديون على هذا المفلس، فيأخذ كما يأخذون، ويحرم كما يحرمون، وهذا قول الجمهور.\n٢ - ألا يتعلق بالمتاع حق من شفعة أو رهن، وأولى من ذلك ألّا يباع ولا يوهب ولا يوقف، ونحو ذلك، فلا رجوع للبائع على المشتري في شيء من ذلك، ما لم يكن تصرف المشتري حيلة لإبطال الرجوع، فالحِيَلُ باطلة، وهذا الشرط داخل في قوله: \"بعينه\" لأن المتاع بهذه التصرفات شبيه بالمتلف، حيث لم يجد متاعه بعينه.\n٣ - أن يكون الثمن غير مقبوض من المشتري، فإن قبض البائع شيئًا من الثمن فلا رجوع له على المفلس بعين ماله، بل هو أسوة الغرماء، وقد دل على هذا الشرط رواية مالك وأبي داود في قوله: \"ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا\" ولأن في الرجوع في قسط ما بقي تبعيضًا للصفقة على المشتري وإضرارًا به.\n٤ - أن يكون المشتري حيًّا، فإن مات فلا رجوع للبائع بل هو أسوة الغرماء، لقوله في رواية أبي بكر بن عبد الرحمن: \"وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء\"، ويمكن أن يستفاد هذا الشرط -أيضًا- من قوله: \"عند رجل\" فإن هذا ما وجد ماله عند رجل -وهو المشتري- وإنما وجده عند الورثة، ولأن الملك انتقل عن المفلس إلى الورثة، أشبه ما لو باعه، وهذا قول مالك وأحمد وإسحاق.","vol":"6","page":285},{"text":"وقالت الشافعية: إن الموت كالإفلاس (^١)، فللبائع الرجوع وأخذ عين ماله إذا مات المشتري، مستدلين برواية عمر بن خلدة.\nوالأول أرجح، لقوله في حديث أبي هريرة المتقدم: \"وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء\".\nوأما رواية عمر بن خلدة التي فيها التسوية بين الإفلاس والموت وأنه يثبت الرجوع فيهما فقد أجيب عنه بجوابين:\n١ - أنه حديث ضعيف كما تقدم، فلا تقوم به حجة.\n٢ - أنه غير معمول به إجماعًا؛ لأنه جَعَلَ المتاع لصاحبه بمجرد موت المشتري من غير شرط فلسه ولا تعذر وفائه، ولا عدم قبض ثمنه، والأمر بخلاف ذلك عند جميع العلماء (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الأم\" (٤/ ٤١٣ - ٤١٤)، \"المهذب\" (١/ ٤٣٢)، \"نيل الأوطار\" (٥/ ٢٧٥).\n(^٢) \"المغني\" (٦/ ٥٩٠).","vol":"6","page":286},{"text":"<span data-type='title' id=toc-713>تحريم مطل الواجد وما يباح في حقه</span>\n٨٦٦/ ٢ - عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ - ﵁ -، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائيُّ، وَعَلَّقَهُ الْبُخارِيُّ، وَصَحّحَهُ ابنُ حِبّانَ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عمرو بن الشريد -بفتح الشين بوزن الطويل- بن سُويد، أبو الوليد الثقفي الطائفي، روى عن أبيه، وأبي رافع، وابن عباس، وآخرين - ﵁ -، وروى عنه إبراهيم بن ميسرة، وعبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، ويعلي بن عطاء، ومحمد بن ميمون بن مسيكة، وغيرهم، قال العجلي: (حجازي، تابعي، ثقة). وأما أبوه فهو الشريد بن سُويد الثقفي - ﵁ -، قال ابن السكن: (له صحبة) حديثه في أهل الحجاز، سكن الطائف، وكان اسمه مالكًا، فسمي الشريد في قصة ذكرها عبد الرزاق في \"مصنفه\"، وقيل غير ذلك، وقال أبو نعيم: (شهد بيعة الرضوان) (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"الأقضية\"، بابٌ \"في الحبس في الدين وغيره\" (٣٦٢٨)، والنسائي (٧/ ٣١٦)، وابن ماجه (٣٦٢٧)، وأحمد (٢٩/ ٤٦٤، ٤٦٥)، وابن حبان (١١/ ٤٨٦) من طريق وبْرِ بن أبي دُليلة، شيخ من أهل الطائف، عن محمد بن ميمون بن مُسيكة -وأثنى عليه خيرًا-، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه، مرفوعًا.\n_________\n(^١) \"تاريخ الثقات\" للعجلي ص (٣٦٥)، \"الإصابة\" (٥/ ٧١).","vol":"6","page":287},{"text":"وقد علقه البخاري في كتاب \"الاستقراض\"، بابٌ \"لصاحب الحق مقال\" (^١).\nوالحديث حسنه الحافظ في \"فتح الباري\" (^٢)، ولعل تحسينه من أجل محمد بن ميمون، فإنه قد أثنى عليه وَبْرُ بن أبي دليلة، كما في سياق الإسناد، وقال الذهبي: (روى عنه وبرة بن أبي دليلة فقط، وقد قال أبو حاتم: روى عنه الطائفيون، وذكره ابن حبان في \"الثقات\") (^٣)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (مقبول)، والحديث حسّنه الألباني -أيضًا- (^٤).\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ليُّ الواجد) هو بفتح اللام، وتشديد الياء، مصدر لوى يلوي ليًا، وأصله: لويًا، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت الأولى بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأُدغمت الياء في الياء. ومعناه: التسويف والمطل بتأخير الأداء بلا عذر. والواجد: هو الغني القادر على الوفاء.\n\nقوله: (يحل عرضه) بضم الياء من أحلَّ الرباعي؛ أي: يبيح لدائنه أن يصفه بكونه ظالمًا وأنه مماطل.\nوالعرض: بكسر العين، موضع المدح والذم من الإنسان.\n\nقوله: (وعقوبته) أي: حبسه أو تأديبه حسب رأي الحاكم. قال سفيان: (عرضه: يقول: مطلتني، وعقوبته: الحبس) (^٥).\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن مطل الغني القادر على أداء الدين وتأخيره الأداء بلا عذر ظلم لصاحب الحق، وأن هذا المطل والتسويف يبيح لصاحب الحق عرضه، بأن يقول عند القاضي أو من يزيل ظلامته: ظلمني ومنعني حقي ونحو ذلك، ولا يكون ذلك من الغيبة، قال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إلا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] فكلُّ من ظُلِمَ فلا\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٦٢).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) \"الميزان\" (٣/ ٥٩٨).\n(^٤) \"الإرواء\" (٥/ ٢٥٩).\n(^٥) علقه البخاري (٥/ ٦٢ فتح).","vol":"6","page":288},{"text":"حرج عليه أن يشتكي ممن ظلمه. كما يبيح عقوبته من حبس أو تأديب أو بهما جميعًا على ما يراه القاضي، حتى يؤدي الحق الواجب عليه، إذا لم يؤد ما عليه إلا بذلك، وهذه إحدى حالات الغريم إذا حلَّ عليه الدين، وهي أن يكون موسرًا بجميع الدين، فيجب عليه المبادرة بوفائه، وتحرم عليه المماطلة، ويُلزم بالأداء إن لم يفعل.\n\n° الوجه الخامس: دل الحديث بمفهومه على أن تأخير المعسر أداء ما عليه لا يحل عرضه ولا عقوبته، وإنما الواجب إنظاره، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أي: وإن وُجِدَ صاحب عسرة لا يستطيع الوفاء فعليكم نظرة إلى ميسرة، وقد ورد أحاديث كثيرة في فضل إنظار المعسر، ومنها: ما رواه أبو قتادة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من سرَّه أن ينجيه الله من كُرَبِ يوم القيامة فلينفِّس عن معسر أو يضع عنه\" (^١) وهذه هي الحالة الثانية من حالات الغريم: وهي أن يكون معسرًا، وبقيت حالة ثالثة: وهي أن يكون معسرًا ببعض الدين، فيحجر عليه إذا طلب ذلك الغرماء أو بعضهم، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٦٣).","vol":"6","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-714>قسم مال المفلس ومشروعية الصدقة عليه</span>\n٨٦٧/ ٣ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَال: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - في ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَينُهُ، فَأَفْلَسَ، فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"تَصَدَّقُوا عَلَيهِ\"، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلك وَفَاءَ دَينِهِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِغُرَمَائِهِ: \"خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيسَ لَكُمْ إلا ذلِكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"المساقاة\"، باب \"استحباب الوضع من الدين\" (١٥٥٦) من طريق ليث، عن بكير، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أصيب رجل) أي: ابتلي ونزل به حادثة.\n\nقوله: (ابتاعها) أي: اشتراها.\n\nقوله: (تصدقوا عليه) أي: لقضاء دينه، وليتبين لغرمائه أنه ليس عنده شيء، فتطيب قلوبهم بما أخذوا، ويسهل عليهم ترك الباقي.\n\nقوله: (ولم يبلغ ذلك) في مسلم: (فلم يبلغ ذلك) والمعنى: أن ما جمع له من الصدقة لم يكف لوفاء دينه.\n\nقوله: (لغرمائه) جمع غريم، والمراد هنا: من له الدين.\n\nقوله: (وليس لكم إلا ذلك) أي: وليس لكم إلا ما وجدتم مما تصُدِّقَ به عليه، وليس لكم تعزيره أو عقوبته أو سجنه.","vol":"6","page":290},{"text":"° الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب مساعدة المدين وإعانته، وذلك بالصدقة عليه؛ لأن الدين من أهم الواجبات التي يسعى المسلم للتخلص منها، ومن تصدق على أخيه المدين فقد سعى في تخليص ذمته من المطالبة المستقبلة، أو من الإثم اللاحق بتأخير الأداء عند الإمكان إن كان وقع ذلك (^١).\nويجوز إعطاء المدين من الزكاة إذا كان عاجزًا عن وفاء دينه، لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠] أي: المدينين العاجزين عن الوفاء، ولعموم قوله هنا: \"تصدقوا عليه\" فإن الزكاة صدقة، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣].\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه يجب على المدين المفلس أن يسلم إلى الغرماء جميع ماله، ما لم يقض دينهم، لقوله: \"خذوا ما وجدتم\" وقد أخذ بظاهر الحديث شريح ومالك والشافعي، فقالوا: تباع داره التي يسكنها، ويكتري بدلها، واختاره ابن المنذر، لعموم \"خذوا ما وجدتم\"، وهذا مما وجدوا، ولأنه عين مال المفلس، فوجب صرفه كسائر ماله.\nوذهب أبو حنيفة وأحمد وإسحاق (^٢) إلى أنه لا تباع داره التي لا غنى له عن سكناها؛ لأنها بثيابه وقوته أشبه، وأما قوله: \"خذوا ما وجدتم\" فالظاهر أنه ليس على عمومه، وإنما معناه: خذوا ما وجدتم مما تصدق به عليه؛ لأنه المذكور قبل ذلك.\nوهذا القول هو الراجح، وهو أن المفلس لا تباع داره التي يسكنها ولا دابته أو سيارته التي يركبها، وكذا آلة صناعته وحرفته، كأدوات نجارة ونحوها، لحاجته إليها، كثيابه ومسكنه، ولوقيل: إنه ينظر إلى سعة الدار وقيمتها، وكذا قيمة السيارة، ويعتاض منهما بأقل من قيمتهما ما كان بعيدًا، ولا سيما في زماننا هذا، وقد نصَّ الفقهاء على ذلك (^٣).\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه ليس للغرماء أن ينالوا من\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٤/ ٤٢٧).\n(^٢) \"المغني\" (٦/ ٥٧٨).\n(^٣) المصدر السابق (٦/ ٥٧٩).","vol":"6","page":291},{"text":"عِرْضِ المدين المفلس ولا أن يطلبوا من الحاكم سجنه، لقوله: \"وليس لكم إلا ذلك\" وهذا مذهب الجمهور، وحكي عن القاضي شريح سجنه حتى يقضي دينه، والصواب الأول.\n\n° الوجه السادس: هذا الحديث من أدلة القائلين بعدم وضع الجوائح، وأن الثمار المبيعة إذا أجيحت فهي من ضمان المشتري.\nووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - أخرج هذا الرجل من جميع ماله وأعطاه غرماءه، ولم يسقط عنه شيئًا من الدين لأجل الجائحة، فدل على عدم وجوب وضع الجائحة.\nوأجيب عنه: بأن الحديث مجمل؛ لأنه لم يبين سبب كثرة ديون هذا الرجل، وليس فيه أنه أصيب بجائحة، ولا أن النبي - ﷺ - منع وضع الجائحة، ولا يتم الاستدلال به إلا بإثبات هاتين المقدمتين، وقد تقدم ذلك.\n\n° الوجه السابع: استدل أكثر العلماء بهذا الحديث على أن المفلس إذا قسم ماله وبقيت عليه بقية وله صنعة أن الحاكم لا يجبره على إيجار نفسه ليقضي دينه، وهذا قول مالك والشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، كما استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، ولأن هذا تكسُّب للمال، فلم يجبره الحاكم عليه، كقبول الهبة والصدقة.\nوالقول الثاني: أن الحاكم يجبره على التكسب، وهذا قول عمر بن عبد العزيز، ورواية عن الإمام أحمد، وهو قول إسحاق؛ لأن الإجارة عقد معاوضة، فجاز إجباره عليها، كبيع ماله في وفاء الدين، وهذا القول هو الأظهر، لقوة مأخذه، وهو اختيار الموفَّق، وعبد الرحمن بن قدامة، وأما الآية فالظاهر أنه لا يدخل في عمومها؛ لأنها محمولة على من لا صنعة له (^١)، وهذا فيه جمع بين الأدلة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"الشرح الكبير مع الإنصاف\" (١٣/ ٣٣٩)، \"المغني\" (٦/ ٥٨١)، \"الممتع شرح المقنع\" (٣/ ٣٢٠، ٣٢١).","vol":"6","page":292},{"text":"<span data-type='title' id=toc-715>مشروعية الحجر على المفلس</span>\n٨٦٨/ ٤ - عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ مَالهُ، وَبَاعَهُ في دَينٍ كَانَ عَلَيهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مُرْسَلًا، وَرُجِّحَ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وقد ورد تسميته عبد الرحمن في \"المصنف\" لعبد الرزاق وغيره، وكان لكعب بن مالك عبد الله وعبيد الله ومحمد ومعبد وعبد الرحمن، وكل واحد منهم قد روى عن أبيه كعب - ﵁ -.\nقال ابن سعد: (كان ثقة، وهو أكثر حديثًا من أخيه عبد الله، مات في خلافة سليمان بن عبد الملك) (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث روي موصولًا، وروي مرسلًا، فقد أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٣٠، ٢٣١)، والحاكم (٢/ ٥٨، ٣/ ٢٧٣) من طريق أبي إسحاق إبراهيم بن معاوية بن الفرات الخزاعي: حدثنا هشام بن يوسف -قاضي اليمن-، عن معمر، عن ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، به.\nوقال الحاكم: (.. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي.\n_________\n(^١) \"المصنف\" (٨/ ٢٦٨)، \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٢٣٣).","vol":"6","page":293},{"text":"وهذا خطأ فاحش، فإن إبراهيم بن معاوية ليس هو من رجال الصحيحين ولا السنن الأربعة، وقد تفرد به، قال الطبراني عقبه: (لم يروه موصولًا عن معمر إلا هشام، تفرد به إبراهيم). ثم إن الذهبي لما ذكر إبراهيم هذا قال عنه: (ضعفه زكريا الساجي (^١) وغيره) (^٢).\nوقد أخرجه عبد الرزاق (٨/ ٢٦٨) ومن طريقه أبو داود في \"المراسيل\" رقم (١٦١)، من طريق معمر، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، مرسلًا.\nوهذا المرسل إسناده صحيح، وقد صحح الإرسال جماعة من المحدثين، وهو الذي يفهم من صنيع البيهقي (٦/ ٤٨) وقال عبد الحق: (المرسل أصح) (^٣)، وقال ابن عبد الهادي: (المشهور في الحديث الإرسال)، وقال: (الصحيح أنه مرسل) (^٤).\nوترجيح الإرسال يؤكد ضعف إبراهيم بن معاوية، وأنه أخطأ على معمر في وصل الحديث، إن لم يكن الخطأ من هشام بن يوسف، خلافًا لعبد الرزاق عنه فإنه أرسله كما تقدم، وقد رواه سعيد بن منصور في \"سننه\" من طريق ابن المبارك: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك مرسلًا، نقل ذلك ابن عبد الهادي في \"التنقيح\".\nوقال ابن الطَّلَّاع: (هو حديث ثابت، وكان سنة تسع من الهجرة، وخَلَّصَهُ رسول الله - ﷺ - من ماله لغرمائه، وحصل لهم خمسةُ أسباعِ حقوقهم) (^٥).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من قل ماله عن الديون التي عليه وسأل غرماؤه الحجر عليه، أن الحاكم يحجر عليه، ومعناه: أن يمنعه من\n_________\n(^١) قال الذهبي عن زكريا بن يحيى الساجي: (الإمام الثبت الحافظ)، مات سنة (٣٠٧ هـ) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٤/ ١٩٧).\n(^٢) \"الميزان\" (١/ ٦٦).\n(^٣) \"الأحكام الوسطى\" (٢/ ٢٨٧).\n(^٤) \"التنقيح\" (٣/ ٢٦)، \"المحرر\" (٢/ ٤٩٦).\n(^٥) الأقضية النبوية\" لابن الطلاع ص (٩٨).","vol":"6","page":294},{"text":"التصرف في ماله الموجود، أو الحادث الذي يتجدد بعد الحجر كأرش جناية أو إرث أو هبة، ونحو ذلك، والغرض من هذا الحجر مصلحة الغريم، لئلا يتوسع في الدين، ومصلحة الغرماء لما فيه من حفظ أموالهم حتى لا تضيع حقوقهم، وإنما كان الحجر عن طريق الحاكم لأمرين:\nالأول: أن الحجر يحتاج إلى اجتهادٍ في الحكم به.\nالثاني: أن الحجر يحتاج إلى ولاية تشريعية تنفيذية، ولا يقوم بذلك إلا الحاكم، ومثله القاضي.\nثم يقسم الحاكم مال المفلس على الغرماء بقدر ديونهم الحالَّة، ويبيع ما ليس من جنس الدين، كمنزل، أو سيارة ونحو ذلك مما هو زائد عن حاجته، إلا إن رضي أحد الغرماء بأخذه عوضًا عن ماله أخذه إن كان بقدر دينه.\nوقسمة مال المفلس على الغرماء لا تكون بالتساوي، وإنما على قدر ديونهم؛ لأن في ذلك تسوية بينهم ومراعاة لمقدار حقوقهم، كما قال ابن الطلَّاع في قصة معاذ - ﵁ -: (إنه حصل لغرمائه خمسة أسباع حقوقهم).\nوكيفية القسمة: أن تُنسب الموجود من مال المفلس إلى الدين، ويُعطى كل واحد من الغرماء من دينه بقدر تلك النسبة، فلو كان دينه عشرة آلاف ريال، والموجود من ماله ثمانية آلاف، فإن نسبة الثمانية إلى العشرة أربعة أخماس، فيأخذ كل واحد من الغرماء أربعة أخماس ماله من الدين، فمن له على المفلس خمسة آلاف أخذ أربعة، ومن له ثلاثة أخذ ألفين وأربعمائة، ومن له ألفان أخذ ألفًا وستمائة … وهكذا. والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-716>من علامات البلوغ</span>\n٨٦٩/ ٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: عُرِضْتُ عَلَى النَّبيِّ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ، وَأنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَفِيي رِوَايَةٍ لِلْبَيهَقيِّ: فَلَمْ يُجِزْنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ. وَصَحَّحَهَا ابْنُ خُزَيمَةَ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الشهادات\"، باب \"بلوغ الصبيان وشهادتهم\" (٢٦٦٤)، ومسلم (١٨٦٨) من طريق عبيد الله بن عمر، قال: حدثني نافع، قال: حدثني ابن عمر - ﵄ - … وذكر الحديث … وزادا: قال نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة، فحدثته، فقال: إن هذا لحدٌّ بين الصغير والكبير، وكتب إلى عماله أن يفرضوا (^١) من بلغ خمس عشرة. وزاد مسلم: (ومن كان دون ذلك فاجعلوه في العيال).\nوأما زيادة البيهقي (٦/ ٥٥) فقد أخرجها -أيضًا- ابن حبان (١١/ ٣٠، ٣١) كلاهما من طريق محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبيد الله بن عمر، عن نافع، به. وقد نقل الحافظ هنا تصحيحها عن ابن خزيمة، وقال في \"الفتح\": (هي زيادة صحيحة لا مطعن فيها، لجلالة ابن جريج … وقد صرح\n_________\n(^١) أي: يقدروا لهم رزقًا في ديوان الجند.","vol":"6","page":296},{"text":"فيها بالتحديث، فانتفى ما يخشى من تدليسه) (^١)، ونقل البيهقي عن ابن صاعد (^٢) أنه قال: (في هذا الحديث حرف غريب، وهو قوله: \"ولم يرني بلغت\").\nولعل غرض الحافظ من ذكر رواية البيهقي أن فيها بيان السبب الذي جعل النبي - ﷺ - لم يجز ابن عمر - ﵄ - في أُحد، وهو أنه - ﷺ - لم يكن رآه قد بلغ، وأجازه في الخندق لقدرته الجسمية والطاقة على القتال (^٣).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (عرضت على النبي - ﷺ -) أي: قُدِّمْتُ إلى الرسول - ﷺ -، لينظر إليَّ ويعرف حالي ومقدرتي على القتال.\n\nقوله: (يوم أُحد) أي: في غزوة أُحد، وهي سنة ثلاث بلا خلاف.\n\nقوله: (فلم يُجزني) بضم الياء، من أجاز الرباعي، بمعنى: أنفذ، والمعنى: لم يأذن لي في الخروج إلى القتال في أُحد، وقوله: \"فأجازني\" أي: أمضاني وأذن لي في غزوة الخندق لما بلغت خمس عشرة؛ لأنه جعل لي حكم الرجال المقاتلين.\n\nقوله: (يوم الخندق) أي: في غزوة الخندق، سنة خمس على القول الراجح (^٤)، وعلى هذا يكون سِنُّ ابن عمر ست عشرة؛ لأن بين أُحد والخندق سنتين كاملتين، وقد أجاب ابن القيم عن هذا بجوابين:\nالأول: أن النبي - ﷺ - رده لما استصغره عن القتال، وأجازه لما وصل إلى السِّن التي رآها فيها مطيقًا.\nالثاني: لعله كان في أُحد في أول الرابعة عشرة، ويوم الخندق في آخر الخامسة عشرة (^٥).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٧٩).\n(^٢) قال الذهبي في \"السير\" (١٤/ ٥٠١) عن ابن صاعد: (عالم بالعلل والرجال)، ثم نقل عن الدارقطني أنه قال: (ثقة ثبت حافظ)، مات سنة (٣١٨ هـ).\n(^٣) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٢٧٠).\n(^٤) \"البداية والنهاية\" (٦/ ٩).\n(^٥) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٢٧٠).","vol":"6","page":297},{"text":"° الوجه الثالث: استدل بحديث ابن عمر - ﵄ - من قال: إن الخمس عشرة سنة بلوغ، يلزم به الفرائض والحدود وغيرها من الأحكام، وهذا قول الشافعي وأحمد، ورواية عن أبي حنيفة، وهو قول الأوزاعي (^١).\nوعن أحمد رواية: أن الخمس عشرة بلوغ للذكر وحده دون الجارية. قال أصحاب هذا المذهب: إن العادة الفاشية والغالب أن الاحتلام والحيض يكونان في هذا السن، ولا يتأخر عنه إلا قليل، والعبرة بالعام والغالب لا بالقليل (^٢).\nوالقول الثاني: أنه ليس للبلوغ من معين، لا خمس عشرة ولا غيرها، إلا بالاحتلام، وهذا قول داود الظاهري، ورواية عن الإمام أحمد، وقول للإمام مالك، وإليه مال ابن القيم وقوَّاه (^٣). مستدلين بما تقدم من حديث: \"رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم … \".\nووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - جعل غاية رفع التكليف: الاحتلام، وعلى هذا فإثبات التكليف بغير الاحتلام مخالفة للخبر.\nوأجابوا عن حديث ابن عمر - ﵄ - بأنه لا دلالة فيه على البلوغ، وإنما هو محمول على إرادة القدرة والطاقة على القتال، يؤيد ذلك حديث سمرة - ﵁ - قال: (كان رسول الله - ﷺ - يعرض غلمان الأنصار في كل عام، فيلحق من أدرك منهم. قال: فَعُرضت عامًا، فألحق غلامًا وردني، فقلت: يا رسول الله لقد ألحقته ورددتني، ولو صارعته لصرعته، قال: \"فصارعه\" فصارعته، فصرعته، فألحقني) (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١٣/ ١٥)، \"شرح فتح القدير\" (٩/ ٢٧٠)، \"الإنصاف\" (٥/ ٣٢٠).\n(^٢) \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٣٢٠).\n(^٣) \"المغني\" (٦/ ٥٩٧)، \"تحفة المودود\" ص (١٨١).\n(^٤) أخرجه الحاكم (٢/ ٦٠)، والبيهقي (٩/ ٢٢) وغيرهما، وإسناده صحيح.","vol":"6","page":298},{"text":"ثم إن حديث ابن عمر ليس بدليل واضح على أن البلوغ بخمس عشرة، لما تقدم من أن سِنَّ ابن عمر في الخندق يزيد على خمس عشرة، لوجود سنتين كاملتين بين أُحد والخندق، يقول ابن حزم: (ولا خلاف في أنه يقال في اللغة من بقي عليه من ستة عشر عامًا الشهر والشهران: هذا ابن خمسة عشر عامًا).\nوهذا القول وجيه، فإنه لم يرد في اعتبار السن بلوغًا حديث، سوى حديث ابن عمر - ﵄ - من إجازته ورده، ومما يؤيد ذلك اضطراب أقوال العلماء واختلافها في السن الذي يحكم للصبي عنده بالبلوغ، فقيل: أربع عشرة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: سبع عشرة، أو ثمان عشرة، أو تسع عشرة، والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":299},{"text":"<span data-type='title' id=toc-717>البلوغ بالإنبات</span>\n٨٧٠/ ٦ - عَنْ عَطِيّةَ الْقُرَظيِّ - ﵁ - قَال: عُرضْنَا عَلَى النَّبيِّ - ﷺ - يَوْمَ قُرَيظَةَ، فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلهُ، فَكُنْتُ مِمَّنْ لَمْ يُنْبِتْ، فَخُلِّيَ سَبِيلي. رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عطية القرظي -بضم القاف، وفتح الراء- نسبة إلى قريظة، وهم بطن من اليهود كانوا يسكنون المدينة النبوية، وكان بينهم وبين النبي - ﷺ - عهد، فنكثوا عهدهم، وأظهروا العداوة لما رأوا اجتماع القبائل يوم الخندق، وانضموا إلى الأحزاب، وأوقعوا المسلمين في أشد المواقف حرجًا، فلما هزم الله الأحزاب أمكن الله نبيه منهم، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ - ﵁ - بأن تقتل رجالهم، وتسبى نساؤهم وذراريهم، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت فإنه يسبى، ومن هؤلاء عطية القرظي، فخلي سبيله وأسلم، وصار من عداد الصحابة - ﵃ -. قال ابن عبد البر: (لم أقف على اسم أبيه، وأكثر ما يجيء هكذا: عطية القرظي)، روى عنه جماعة، أشهرهم عبد الملك بن عمير -الكوفي الثقة الفقيه- فقد اشتهر حديثه عنه، وبه عرف (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"الحدود\"، بابٌ \"في الغلام يصيب الحد\"\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٨/ ٩٧)، \"الإصابة\" (٧/ ١٥).","vol":"6","page":300},{"text":"(٤٤٠٤، ٤٤٠٥)، والترمذي (١٥٨٤)، والنسائي (٦/ ١٥٥)، وابن ماجه (٢٥٤١)، وأحمد (٣١/ ٦٧)، وابن حبان (١١/ ١٠٤)، والحاكم (٢/ ١٢٣) كلهم من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، أنه سمع عطية القرظي - ﵁ - يقول: … فذكره.\nوهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين، غير صحابيه، فإنهما لم يخرجا له. قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يوم قريظة) أي: غزوة قريظة، وكانت بعد الانتهاء من غزوة الأحزاب يوم الخندق سنة خمس.\n\nقوله: (من أنبت) الإنبات عند أهل اللغة: ظهور شعر العانة واستبانته، وهذا معناه عند الفقهاء، إلا إنهم يقيدون الشعر الثابت بكونه خشنًا، بحيث يحتاج في إزالته إلى الحلق أو ما يقوم مقامه، كما أنهم يقيدون ذلك بوقت يمكن فيه الاحتلام.\n\n* الوجه الرابع: استدل بحديث عطية من قال: إن الإنبات من علامات البلوغ، والمراد به -كما تقدم- الشعر الخشن حول ذكر الرجل أو قبل المرأة، وأما الزَّغَبُ الضعيف فلا اعتبار به؛ لأنه قد ينبت في حق الصغير، وهذا قول مالك، والشافعي في قول له، وأحمد في المشهور عنه، وابن حزم، وجماعة من السلف، وعند الشافعي أن الإنبات بلوغ في حق المشركين يميز به بين الذرية والمقاتلة، فَيُقتل من أنبت، ويترك من لم ينبت (^١).\nووجه الاستدلال من الحديث واضح، وهو أن الصحابة - ﵃ - كانوا يكشفون عانة من شكّوا فيه من بني قريظة، أهو من المقاتلة، أم من الذراري؟ فإن وجدوا عانته قد نبتت قتلوه، ومن وجدوه لم ينبت تركوه؛ لأنه ليس بالغًا، فيكون من الذرية ويسْتَرَقُّ.\n_________\n(^١) \"الإحكام\" لابن حزم (٥/ ٦٨٧)، \"المغني\" (٦/ ٥٩٧)، \"المهذب\" (١/ ٤٣٥).","vol":"6","page":301},{"text":"والقول الثاني: أن الإنبات ليس بلوغًا ولا من علامات البلوغ، وهذا قول أبي حنيفة، ورواية عن مالك، ورواية عن أحمد؛ لأنه نبات شعر، فأشبه نبات شعر سائر البدن، فلا ينبغي أن يكون دليلًا على البلوغ، أسوة بباقي الشعر في جسم الإنسان (^١).\nوأجاب الأولون بمنع هذا القياس، وذلك أن العادة جرت على أن نبات العانة يصاحب الاحتلام أو يقاربه، فيصح أن يكون علمًا على البلوغ.\nوالذي يظهر -والله أعلم- أن الحديث يدل صراحة على أن من أنبت من الكفار يقتل، ومن لم ينبت فلا يقتل، وأما دلالته على أن الإنبات دليل على البلوغ في حق المسلمين فليس بواضح، وإنما هو يدل على أن الإنبات من علامات البلوغ في حق الكفار؛ لأن الكفار لا يمكن الوقوف على احتلامهم؛ لأن أقوالهم غير مقبولة عندنا، لا سيما في الأمور التي يترتب عليها هلاكهم أو فرض الجزية عليهم، فيعدل إلى علامة لا يمكن إنكارها، وهي الإنبات، فأما في حق المسلمين فليس بدليل على البلوغ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] وقال النبي - ﷺ -: \"رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم\"، وفي رواية: \"حتى يبلغ\"، ولم يذكر الإنبات، فإثبات البلوغ والتكليف بغير الاحتلام مخالفة للخبر، والمسلمون يمكن الوقوف على مقادير أسنانهم لأنها محفوظة، وأوقات مواليدهم مؤرخة معلومة، ولا سيما في زماننا هذا، وأخبارهم في ذلك مقبولة (^٢).\nوالذي أجمع عليه العلماء من علامات البلوغ هو الاحتلام، وهو إنزال المني يقظة أو منامًا، وهو علامة في حق الذكر والأنثى، وكذا الحيض في حق الأنثى، وما عداهما من العلامات، كالسن والإنبات وغيرهما، فهو موضع خلاف بين أهل العلم، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"الإفصاح\" (١/ ٣٧٥)، \"المغني\" (٦/ ٥٩٧)، \"تفسير القرطبي\" (٥/ ٣٥ - ٣٦)، \"الإنصاف\" (٥/ ٣٢٠).\n(^٢) انظر: \"التعريف بعلامات بلوغ التكليف\" ص (٦٩)، \"ضوابط البلوغ عند الفقهاء\" ص (٣٣).","vol":"6","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-718>حكم تصرف المرأة في مالها بلا إذن زوجها</span>\n٨٧١/ ٧ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جدهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"لا يَجُوزُ لامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إلا بِإِذْنِ زَوْجِهَا\".\nوَفي لَفْظٍ: \"لا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَمرٌ في مَالِهَا إِذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عصْمَتَهَا\".\nرَوَاهُ أَحْمَدُ، وأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلا التِّرْمِذِيّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأولى: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"البيوع\"، بابٌ \"في عطية المرأة بغير إذن زوجها\" (٣٥٤٧)، والنسائي (٥/ ٦٥، ٦٦)، وابن ماجه (٢٣٨٨)، وأحمد (١١/ ٢٦٤، ٢٦٥)، والحاكم (٢/ ٤٧) كلهم من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، أن أباه أخبره عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\nوالحديث سنده حسن، على الراجح من كلام أهل العلم في أحاديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، كما قرر ذلك الذهبي وغيره (^١)، وقد رواه الإِمام أحمد مطولًا، ولبعض جُمَلِهِ شواهد يصح بها.\nواللفظ الثاني لأبي داود (٣٥٤٦)، والنسائي (٦/ ٢٧٨)، وأحمد (١١/ ٦٣٢، ٦٣٣) من طريق داود بن أبي هند وحبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، به.\n_________\n(^١) \"الموقظة\" ص (٣٢).","vol":"6","page":303},{"text":"والغرض من ذكر هذه الرواية بيان أن المراد بقوله في الرواية الأولى: \"لا يجوز لامرأة عطية … \" أي: من مالها، فتكون مفسرة للرواية الأولى، وقول السندي في شرح الرواية الأولى: أي: من مال الزوج، وإلا فالعطية من مالها لا يحتاج إلى إذن عند الجمهور (^١)، فيه نظر، ولعله غفل عن هذه الرواية المفسِّرة؛ لكونها في موضع آخر عند النسائي، كما تقدم.\nقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (هذا حديث مخالف للأحاديث الصحيحة الدالة على أن للمرأة التصرف في مالها مطلقًا إذا كانت رشيدة، كحديث جابر - ﵁ - وابن عباس - ﵄ - في حث النبي - ﷺ - النساء يوم العيد على الصدقة، فجعلن يتصدقن بأقراطهن وخواتيمهن .. الحديث. ولم يخبرهن بأن ذلك مقيد بإذن الزوج، وحديث ميمونة - ﵂ - في إعتاق الجارية من غير إذن زوجها، وهو النبي - ﷺ -.\nوالأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وعمرو بن شعيب حديثه حسن إذا لم يخالف الثقات، أما إذا انفرد بما يخالفهم فلا يحتج به، فكيف بمثل هذا؟ والله الموفق) (^٢).\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المرأة محجورة عن التصرف في مالها إذا كانت ذات زوج، إلا فيما أذن فيه زوجها، وهذا صريح في الرواية الثانية لزيادة لفظ: \"في مالها\".\nولم يأخذ بهذا الحديث إلا طاوس، كما نقله عنه ابن حزم (^٣)، وهو قول المالكية إذا كان التصرف بأكثر من الثلث، وهو رواية عن الإِمام أحمد (^٤).\nوذهب الجمهور من أهل العلم، ومنهم: الحنفية، والشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة، إلى أن للمرأة الرشيدة التصرف بمالها كله بالتبرع\n_________\n(^١) \"سنن النسائي\" (٥/ ٦٦).\n(^٢) \"حاشية ابن باز على البلوغ\" (٢/ ٥٢٣).\n(^٣) \"المحلى\" (٨/ ٣١١).\n(^٤) \"المغني (٦/ ٦٠٢).","vol":"6","page":304},{"text":"والمعاوضة، ولا يشترط إذن الزوج (^١)، واستدلوا بما يلي:\n١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾ [النساء: ٦] ووجه الاستدلال: أن الله تعالى أمر أولياء اليتامى بدفع أموالهم إليهم إذا بلغوا وعلم الرشد منهم، وهذا ظاهر في فَكِّ الحجر عنهم، وإطلاقهم في التصرف، والآية عامة في المذكور والإناث.\n٢ - حديث ابن عباس - ﵄ - في موعظة النبي - ﷺ - للنساء يوم العيد وأنه قال: \"يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن … \" (^٢) وأنهن تصدقن، فقبل صدقتهن، ولم يسأل عن إذن أزواجهن لهن في الصدقة، فدل على أنه لا يشترط.\n٣ - عن أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث - ﵄ - أنها أعتقت وليدة لها، ولم تستأذن النبي - ﷺ -، فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت: أشعرت يا رسول الله، أني أعتقت وليدتي، قال: \"أو فعلت؟ \" قالت: نعم، قال: \"أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك\" (^٣).\nووجه الاستدلال: أن ميمونة - ﵄ - أعتقت ولم تستأذن النبي - ﷺ -، ولم يستدرك ذلك عليها، بل أرشدها إلى ما هو الأولى، ولو كان لا ينفذ تصرفها في مالها إلا بإذن الزوج لأبطله النبي - ﷺ -.\nوهذا القول هو الراجح -إن شاء الله- لقوة أدلته، ولقياس المرأة على الغلام بجامع الرشد، فكما أن الغلام إذا رشد وجب دفع ماله إليه، وجاز له التصرف فيه من غير إذن، فكذلك المرأة.\nوأما حديث عمرو بن شعيب فأجيب عنه بجوابين:\n١ - أن مرويات عمرو بن شعيب من قبيل الحسن، لكن هذا الحديث مخالف للأحاديث الصحيحة المتقدمة الدالة على الجواز، فيكون شاذًّا، وقد\n_________\n(^١) \"المغني\" (٦/ ٦٠٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٩٧٨)، ومسلم (٨٨٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٥٩٢)، ومسلم (٩٩٩).","vol":"6","page":305},{"text":"ذكر العلماء أن حديث عمرو بن شعيب من قبيل الحسن إذا لم يخالف الثقات، أما إذا انفرد بما يخالفهم فلا يحتج به (^١).\n٢ - أن الحديث محمول على الأدب والاختيار، وحسن العشرة، وأن من ذلك أن تستشير المرأة زوجها وتستأذنه في التصرف في مالها ببيع أو شراء أو هبة ونحو ذلك، وهذا دليل على احترام المرأة زوجها، والثقة بعقله ورأيه ومشورته، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ١٦٩، ١٧٥).","vol":"6","page":306},{"text":"<span data-type='title' id=toc-719>كما جاء في أن الإعسار لا يثبت إلا بشهادة ثلاثة</span>\n٨٧٢/ ٨ - عَنْ قَبيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِي - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّ المَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إلا لأَحَدِ ثلاثة: رَجُلٍ تَحَمّلَ حَمَالةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَها، ثُمَّ يُمْسِك، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحةٌ اجْتَاحَتْ مَالهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتى يُصيبَ قِوَامًا مِنْ عَيشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأولى: في تخريجه:\nهذا الحديث تقدم الكلام عليه في آخر كتاب \"الزكاة\"، باب \"قسمة الصدقات\" رقم (٦٤٥) وهو من الأحاديث التي كررها الحافظ في \"البلوغ\".\n\n* الوجه الثاني: لعل الحافظ ذكر هذا الحديث في هذا الباب لبيان أن هذا الرجل الذي تحمل حمالة قد لزمه دين، فلا يكون له حكم المفلس في الحجر عليه، بل يترك حتى يسأل الناس فيقضي دينه، أو أن غرضه بيان أنه لا بد في ثبوت إفلاس المفلس من شهادة ثلاثة من ذوي الحجا من قومه أن فلانًا أصابته فاقة، وليكون ذلك مبيحًا له سؤال الناس.\nوظاهر الحديث أنه لا بد من ثلاثة، وأن الإعسار لا يثبت بأقل من ذلك، وهذا قول ابن خزيمة، وبعض أصحاب الشافعي، وذكر ابن قدامة أنه نُقِلَ عن أحمد ما يدل عليه (^١).\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٤/ ١٢٨).","vol":"6","page":307},{"text":"وذهب الجمهور إلى أنه يقبل في ذلك عدلان كسائر الشهادات، غير الزنا، وحملوا الحديث على الاستحباب.\nوالذي يظهر من لفظ الحديث أن شهادة الثلاثة لا تكون إلا فيمن أصابته فاقة بعد الغنى، أما من كان معروفًا بالفقر وعدم الغنى فلا تشترط شهادة الثلاثة لحِلِّ المسألة له.\nوالظاهر اعتبار العدد المذكور في حل المسألة وفي ثبوت الإعسار، بل قال ابن القيم: إذا كان يعتبر العدد في أخذ الزكاة وحِلِّ المسألة فاعتباره في دعوى الإعسار أولى وأحرى لتعلق حق العبد مسألة (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الطرق الحكمية\" ص (١٧٣).","vol":"6","page":308},{"text":"<span data-type='title' id=toc-720>باب الصلح</span>\nالصلح: اسم مصدر للفعل صالح، ومصدره المصالحةُ والصِلاحُ بالكسر، على وزن الفِعال والمفاعلة، ومعناه لغة: قطع المنازعة، وهو مأخوذ من صَلَحَ الشيء: إذا كمل، وهو خلاف الفساد، قال ابن فارس: (الصاد واللام والحاء أصل واحد، يدل على خلاف الفساد) (^١).\nواصطلاحًا: عقد يرفع النزاع بالتراضي. كالإصلاح بين قبيلتين أو متخاصمين أو بين زوجين أو طالبين أو نحو ذلك.\nوقد رغب الإِسلام في الصلح وحث عليه، لما فيه من حسم النزاع، وسلامة القلوب، وبراءة الذمم، فهو من أكبر العقود فائدة، ولهذا جاز الكذب فيه، كما دلت السنة على ذلك.\nوقد أمر الله تعالى بالصلح وبيّن فضله وأهميته، فقال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، وقال تعالى: ﴿لَا خَيرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَينَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].\nوحث عليه النبي - ﷺ - بقوله وفعله، فمن الفعل أنه - ﷺ - خرج إلى بني عمرو بن عوف في قباء ليصلح بينهم، كما في حديث سهل بن سعد - ﵁ - المتفق عليه.\nومن القول: حديث الباب، وحديث أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال\n_________\n(^١) \"معجم مقاييس اللغة\" (٣/ ٣٠٣).","vol":"6","page":309},{"text":"رسول الله - ﷺ -: \"ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ \".\nقالوا: بلى، قال: \"إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة\" (^١).\nوقد أجمع العلماء على مشروعية الصلح، وإن كان بينهم ثمة اختلاف في جواز بعض صوره.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٩١٩)، والترمذي (٢٥٠٩) وقال: (هذا حديث حسن صحيح).","vol":"6","page":310},{"text":"<span data-type='title' id=toc-721>جواز الصلح ما لم يخالف الشريعة</span>\n٨٧٣/ ١ - عَن عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنيِّ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"الصُّلْحُ جَائِزٌ بَينَ المُسْلِمِينَ، إلا صُلْحًا حَرَّمَ حَلالًا، وَأَحَل حَرَامًا، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حلالًا، وَأَحَلَّ حَرَامًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحّحَهُ. وَأَنْكَرُوا عَلَيهِ؛ لأَنَّ رَاويَهُ كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ضَعِيفٌ، وَكأَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِكَثْرَةِ طُرُقِهِ.\n٨٧٤/ ٢ - وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ: مِنْ حَدِيثِ أَبيِ هُرَيرَةَ - ﵁ -.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأولى: في ترجمة الراوي:\nوهو عمرو بن عوف بن زيد المزني، أبو عبد الله، كان قديم الإِسلام، ويقال: إنه قدم مع النبي - ﷺ - المدينة، وأول غزوة شهدها الأبواء، وقيل: إن أول مشاهده الخندق، وكان أحد البكائين الذين قال الله فيهم: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢] كما ذكر ذلك ابن جرير وابن كثير وغيرهما (^١). جاء عنه عدة أحاديث من رواية كثير بن عبد الله المزني، وهو ضعيف، كما سيأتي، ذكر ابن سعد وغيره أنه مات في آخر ولاية معاوية - ﵄ - (^٢).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث عمرو بن عوف - ﵁ - فقد أخرجه الترمذي في \"الأحكام\"،\n_________\n(^١) \"تفسير ابن جرير\" (١٤/ ٤٢١ - ٤٢٣)، \"تفسير ابن كثير\" (٤/ ١٣٨).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٨/ ٣٤٧)، \"الإصابة\" (٧/ ١٣٢).","vol":"6","page":311},{"text":"باب \"ما ذكر عن رسول الله - ﷺ - في الصلح بين الناس\" (١٣٥٢) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده.\nوقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح). وقد أنكر العلماء على الترمذي تصحيحه لهذا الحديث، قال الذهبي في ترجمة \"كثير بن عبد الله\": (وأما الترمذي فروى من حديثه: \"الصلح جائز بين المسلمين\" وصححه، فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي (^١» (^٢). قال ابن كثير: (وقد نوقش الترمذي في تصحيحه هذا الحديث وما شاكله من الأحاديث الضعاف) (^٣)، وقال ابن عبد الهادي: (لم يُتَابَعِ الترمذي على تصحيحه. . .) (^٤)، وذلك لأن الحديث كما تقدم من رواية كثير بن عبد الله المزني، وهو ضعيف جدًّا، بل رُمي بالكذب.\nقال ابن معين: (ليس بشيء)، وقال الشافعي وأبو داود: (ركن من أركان الكذب)، وقال الدارقطني وغيره: (متروك)، وقال النسائي: (ليس بثقة)، وقال عبد الله ابن الإِمام أحمد: (أمرني أبي أن أضرب على حديثه)، وقال ابن عدي: (كَثِيرٌ هذا عامة أحاديثه لا يتابع عليها) (^٥).\nوقول الحافظ: (كأنه اعتبره بكثرة طرقه) هذا اعتذار عن الترمذي لتصحيح الحديث، والحديث ليس له طرق أخرى، فالظاهر أن مراد الحافظ كثرة شواهده.\nومنها حديث أبي هريرة - ﵁ - الذي أشار إليه الحافظ، فقد أخرجه أبو داود (٣٥٩٤)، وأحمد (١٤/ ٣٨٩)، وابن حبان (١١/ ٤٨٨)، والحاكم (٢/ ٤٩) من طريق كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الصلح جائز بين المسلمين\" زاد ابن حبان: \"إلا صلحًا\n_________\n(^١) ردَّ الشيخ أحمد شاكر على الذهبي، وقال: (هذا غلوٌّ منه …) إلخ كلامه، تجده في (٢/ ٣٦٢) من تعليقه على \"جامع الترمذي\".\n(^٢) \"الميزان\" (٣/ ٤٠٧).\n(^٣) \"إرشاد الفقيه\" (٢/ ٥٤).\n(^٤) \"المحرر\" (٢/ ٥٧١).\n(^٥) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٣٧٧).","vol":"6","page":312},{"text":"أحل حرامًا، أو حرم حلالًا\" وزاد أبو داود والحاكم في أوله: \"المسلمون على شروطهم\".\nوهذا سند حسن، من أجل كثير بن زيد الأسلمي، فإنه مختلف فيه، وهو حسن الحديث، لا بأس به، قال ابن عدي: (كثير بن زيد الأسلمي لم أر بحديثه بأسًا، وأرجو أنه لا بأس به) (^١)، وقال الألباني: (فمثله حسن الحديث -إن شاء الله تعالى- ما لم يتبين خطؤه، كيف وهو لم يتفرد به) (^٢).\nوباقي رجال الإسناد ثقات غير الوليد بن رباح فهو صدوق، ولعل الحافظ لم يورد حديث أبي هريرة - ﵁ - واعتبره شاهدًا مع أنه أصح من حديث عمرو بن عوف؛ لأنه أخصر، وحديث عمرو أتم.\nوعلى هذا فلعل الترمذي صححه باعتبار شواهده، أو أن الترمذي يُقَوِّي أمر كثير بن عبد الله؛ لأن الحافظ قال: (كثير بن عبد الله ضعيف عند الأكثرين، لكن البخاري (^٣) ومن تبعه كالترمذي وابن خزيمة يُقَوُّوْنَ أمره) (^٤).\nقال ابن العربي: (قد روي من طرق عديدة ومقتضى القرآن وإجماع الأمة على لفظه ومعناه) (^٥) ولما ساق شيخ الإِسلام ابن تيمية هذا الحديث وبعض شواهده قال: (وهذه الأسانيد وإن كان الواحد منها ضعيفًا، فاجتماعها من طرق يشد بعضها بعضًا (^٦).\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (الصلح جائز) أي: ليس بحكم لازم يقضى به وإن لم يرض الطرف الآخر، وظاهر العبارة العموم، فيشمل جميع أنواع الصلح الجائزة في الأموال والأنفس والأنكحة والحروب، ونحو ذلك مما سيأتي.\n\nقوله: (بين المسلمين) خصهم لا لإخراج غيرهم، بل لدخولهم في ذلك دخولًا أوليًّا اهتمامًا بشأنهم، ولأنهم المنقادون لأحكام الشرع، فيكون مما\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٦/ ٦٩).\n(^٢) \"الإرواء\" (٥/ ١٤٣).\n(^٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٣٧٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٧١).\n(^٥) \"عارضة الأحوذي\" (٦/ ١٠٣).\n(^٦) \"الفتاوى\" (١٩/ ١٤٧).","vol":"6","page":313},{"text":"خرج مخرج الغالب؛ لأن الصلح جائز بين الكفار، وبين المسلم والكافر إن كان فيه مصلحة للمسلم.\n\nقوله: (إلا صلحًا حرم حلالًا) أي: تضمن تحريم ما أحله الله تعالى، وهذا تخصيص للعموم المتقدم، والصلح الذي يحرم حلالًا كمصالحة الزوجة زوجها على ألا يطلقها، أو لا يتزوج عليها.\n\nقوله: (وأحل حرامًا) هكذا بالواو في الموضعين في نسخ \"البلوغ\" والذي في \"السنن\" (أو) والصلح الذي أحلَّ حرامًا كأن يصالح صاحب الحق الذي يجهل مقداره والمدين عالم به، فيصالحه على ما يجحف بصاحب الحق، أو يصالح امرأة على مال لِتقرَّ له بالزوجية، أو يصالح على إسقاط الحد عنه بدفع شيء من المال.\n\nقوله: (والمسلمون على شروطهم) أي: ثابتون عليها لا يرجعون عنها بحكم إسلامهم، وفي تعديته بـ (على) ووصفهم بالإِسلام دلالة على علو مرتبتهم وأنهم لا يُخِلّونَ بشروطهم.\nوالشروط: مفرد شرط، والمراد هنا: إلزام أحد المتعاقدين الآخر بسبب العقد ما له فيه منفعة، كما في البيع، والإجارة، والنكاح، ونحو ذلك.\n\nقوله: (إلا شرطًا حرم حلالًا) أي: تضمن تحريم ما أحله الله تعالى، كأن يُشترط ألا يطأ زوجته، أو يشترط البائع على المشتري ألا يتصرف في المبيع، أو شرط على زوجته أن لا مهر لها، أو لا ينفق عليها، أو يقسم لها أكثر من ضرتها أو أقل، أو شرطت طلاق ضرتها، ونحو ذلك من الشروط المحرمة.\n\nقوله: (وأحل حرامًا) كأن يتزوج المرأة بشرط تحليلها لزوجها، أو يُوجِرَهُ محلًا على أن يبيع محرمًا كالدخان وآلات اللهو والطرب، ونحوهما.\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية الصلح وأنه جائز إذا اعتُمد فيه رضا الله تعالى، ورضا الخصمين، فهذا أعدل الصلح وأحقه، ولا يكون ذلك إلا بشرطين: العلم، والعدل؛ العلم بالوقائع، والمعرفة بالواجب، وقصد العدل بين المتصالحين.","vol":"6","page":314},{"text":"* الوجه الخامس: يدخل في الصلح الجائز الصلح المتعلق بالأموال، وذلك في صلح الإقرار بأن يقر له بدين، أو عين، أو حق، فيصالحه عنه ببعضه أو غيره.\nوصلح الإنكار: وهو أن يدعي شخص على آخر شيئًا، فينكره المدعى عليه، ثم يصالح عنه، قطعًا للخصومة والنزاع، بشرط أن يكون المدعي معتقدًا أن ما ادعاه حق، والمدعى عليه يعتقد أنه لا حق عليه، أما إذا كان أحدهما عالمًا بكذب نفسه، فالصلح باطل في حقه، وما أخذه العالم بكذب نفسه حرام عليه؛ لأنه من أكل المال بالباطل، كما يدخل في الصلح الجائز، الصلح عن الحقوق المجهولة، كأن يكون بين شخصين معاملة طويلة جَهِلَا فيها ما على أحدهما للآخر، أو جهلا ما بينهما من الحقوق، فاصطلحا على شيء معين، وتمام ذلك أن يسامح أحدهما الآخر.\nوكذلك الصلح عن الدين المؤجل ببعضه حالًا، فإنه يجوز على الراجح من قولي أهل العلم، وهو رواية عن الإِمام أحمد، واختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية وابن القيم والشوكاني (^١)؛ لأن فيه مصلحة للدائن، وهي أنه تعجل قبض حقه، ومصلحة للمدين وهي براءة ذمته، وإسقاط بعض الدين عنه، وقد يحتاج صاحب الحق إلى حقه لعذر من الأعذار، ولا دليل على المنع، وليس هذا من الربا؛ لأن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابل الأجل، وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابل سقوط الأجل، فسقط بعض العوض في مقابل سقوط بعض الأجل، فانتفع كل واحد منهما.\n\n* الوجه السادس: أن الصلح إذا تضمن تحريم الحلال أو تحليل الحرام فإنه فاسد؛ لأنه صلح محرم، وكذا الصلح الجائر الذي فيه ظلم لأحد الطرفين؛ لأن الله تعالى قيد الصلح بالعدل، فقال سبحانه: ﴿فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا\n_________\n(^١) \"المغني\" (٧/ ٢١)، \"الاختيارات\" ص (١٣٤) \"إعلام الموقعين\" (٣/ ٣٧١)، \"السيل الجرار\" (٣/ ١٤٧).","vol":"6","page":315},{"text":"بَينَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، ومن الناس من يصلح ولكنه يظلم ويجور، فيصلح بين ضعيف مظلوم وقادر ظالم بما يُرضي به القادر صاحب الجاه طمعًا في جاهه أو دنياه، فيجعل الحظ له، والإغماض والحيف على الضعيف، وقد يأتي بالعبارات والتحذيرات التي يقبل بها الضعيف الصلح مع الظالم، هذا ظلم وجور.\n\n* الوجه السابع: الحديث دليل على أنه إذا شرط أحد المتعاقدين على الآخر ما له فيه مصلحة أن ذلك جائز، وهو لازم إذا وافق الآخر عليه واعترف به، كأن يشترط البائع نفع المبيع مدة معلومة، كسكنى الدار، أو المحل التجاري مدة معلومة، أو يستعمل السيارة أو يسافر عليها إلى مكان معين مدة معلومة، أو يشترط المشتري في المبيع وصفًا مقصودًا، يكون الدابة لبونًا، أو أن الثمن أو بعضه مؤجل، وغير ذلك مما يذكره الفقهاء في كتاب \"البيوع\"، وقد تقدم شيء منه.\nومن ذلك شرط الزوجة على زوجها أن يكون معها أولادها من غيره، أو أن تبقى في بلدها، أو تسكن في دارها، ونحو ذلك، كما يدخل في ذلك شروط الواقفين والموصين في أوقافهم ووصاياهم ما فيه نفع ومصلحة.\n\n* الوجه الثامن: النهي عن الشروط التي تحل حرامًا، أو تحرم حلالًا، ولا يجوز الوفاء بها؛ لأنها شروط باطلة، لقوله على: \"كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل\" (^١) والمراد بكتاب الله: حكم الله وشرعه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه والكلام عليه برقم (٧٩١).","vol":"6","page":316},{"text":"<span data-type='title' id=toc-722>نهي الجار عن منع جاره من غَرْزِ خَشَبَةٍ في جداره</span>\n٨٧٥/ ٣ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ -، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَال: \"لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أنْ يَغْرِزَ خَشَبةً في جِدَارِهِ\" ثمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيرَةَ - ﵁ -: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ واللهِ لأرْمِيَنَّ بِهَا بَينَ كتَافِكُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه عن وجوه:\n\n* الوجه الأولى: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"المظالم\"، باب \"لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره\" (٢٤٦٣)، ومسلم (١٦٥٩) من طريق مالك، عن ابن لثهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا. وهذا لفظ البخاري.\nوهذا الحديث ذكره الحافظ في باب \"الصلح\" على عادة الفقهاء في ذكر مسائل تتعلق بالجوار في آخر باب \"الصلح\" ومنها مسألة الجدار.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا يمنع) بالجزم على أن (لا) ناهية، ويروى بالرفع على أن (لا) نافية، ويكون خبرًا بمعنى النهي، وعند أحمد: \"لا يمنعَنَّ\" بنون التوكيد، وهي تؤيد رواية الجزم، وقد وقع ذلك في \"عمدة الأحكام\" (^١) مع أن اللفظة ليست في \"الصحيحين\"!.\n\nقوله: (جار جاره) هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: \"لا يمنع أحدكم جاره\".\n_________\n(^١) \"العمدة\" حديث (٢٩٧).","vol":"6","page":317},{"text":"قوله: (خشبةً) أي: من خشب سقفه الذي يسقف به داره، وقد روي بالإفراد والتنوين، وروي بالجمع (خَشَبَهُ)، والمعنى واحد؛ لأن المراد بالمفرد الجنس؛ لأن المفرد يقوم مقام الجمع إذا أتى بلفظ النكرة عند أهل اللغة (^١).\n\nقوله: (في جداره) الضمير يعود على الجار؛ أي: في جدار جاره، وقيل: يعود إلى المالك؛ أي: في جدار نفسه ولو تضرر به الجار لأجل الضوء مثلًا، والأول هو الصواب.\n\nقوله: (ثم يقول أبو هريرة) جاء في رواية سفيان، عن الزهريّ، عند أبي داود: (فنكسوا رؤوسهم، فقال: ما لي أراكم قد أعرضتم) (^٢)، وعند أحمد من هذا الطريق: (فلما حدثهم أبو هريرة طأطأوا رؤوسهم …) (^٣)، فهذا فيه بيان سبب هذه المقالة.\n\nقوله: (عنها) (بها) الضميران يعودان إلى السنة المذكورة في كلامه، فيكون مرجع الضمير مذكورًا معنى لا لفظًا.\n\nقوله: (معرضين) أي: غير مسارعين للعمل بها وتطبيقها، أو غير مقبلين على سماع هذه السنة.\n\nقوله: (لأرمين بها بين أكتافكم) جمع كتف، بفتح الكاف وكسر التاء، وهو عظم عريض خلف المنكب، ويروى (أكنافكم) بالنون، جمع كَنَفٍ، بالفتح، وهو جانب الشيء، قال الخطابي: (معناه: إن لم تقبلوه فتتلقوه بأيديكم راضين، حملته على رقابكم كارهين، وهذا غاية الإيجاب والإلزام) (^٤).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي الجار أن يمنع جاره من غرز خشبة في جداره، بل عليه أن يوافق على طلبه ذلك؛ لأن هذا من حسن\n_________\n(^١) انظر: \"التمهيد\" (١٠/ ٢٢١)، \"المفهم\" (٤/ ٥٣١).\n(^٢) \"السنن\" (٣٦٣٤).\n(^٣) \"المسند\" (١٢/ ٢٢٢).\n(^٤) \"أعلام الحديث\" (٢/ ١٢٢٨).","vol":"6","page":318},{"text":"الجوار، ومراعاة حق الجار، لئلا يحتاج إلى نفقات بناء جدار آخر يضع عليه خشبه، وهذا مقيد بما إذا لم يكن ضرر من وضع الخشب على الجدار، وكان في الجار حاجة إلى ذلك؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر.\nويقاس على وضع الخشب غيره من الانتفاعات التي يستفيد منها الجيران عند الحاجة إليها وليس فيها مضرة.\n\n* الوجه الرابع: أجمع العلماء على أنه إذا وجد ضرر من وضع الخشب أن الجار لا يُلزم بالموافقة على وضعها إلا إذا أذن، كما أنهم أجمعوا على أنه ليس للجار أن يغرز خشبة في جدار جاره إن كان به غُنية عن ذلك.\nوإنما اختلفوا فيما إذا لم يكن هناك ضرر وكان بصاحب الخشب حاجة إلى وضعها بحيث لا يمكنه التسقيف إلا بالوضع على جدار جاره، على قولين:\nفذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي في الجديد، إلى أنه لا يجوز وضع الخشب على حائط الجار إلا بإذنه، وإن لم يأذن فلا يجبر عليه، لكن يستحب له بذله، وخرَّجه أبو الخطاب وجهًا من الرواية الثانية عن الإِمام أحمد في المنع من وضع الخشب على جدار المسجد (^١)، واستدلوا بأن الأصل المنع من حق الغير إلا برضاه، لقوله - ﷺ -: \"لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه\" (^٢)، وقوله: \"إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم .. \" (^٣)، وحملوا النهي في حديث أبي هريرة - ﵁ - على التنزيه لا على التحريم، جمعًا بينه وبين هذه الأدلة، كما تقدم.\nوذهب الإِمام أحمد والشافعي في القديم، وإسحاق، وجماعة من أهل الحديث وابن حزم إلى أنه يجب على الجار أن يبذل حائطه لجاره مع الحاجة\n_________\n(^١) \"المهذب\" (١/ ٣٣٥)، \"شرح الزرقاني على الموطأ\" (٤/ ٣٣)، \"الهداية\" (١/ ١٦١)، \"المغني\" (٧/ ٣٦).\n(^٢) سيأتي تخريجه قريبًا إن شاء الله.\n(^٣) أخرجه مسلم من حديث جابر - ﵁ -. وسيأتي شرحه من حديث أبي بكرة - ﵁ - في آخر باب \"الغصب\" إن شاء الله تعالى.","vol":"6","page":319},{"text":"وقلة الضرر، وأنه يجبر على ذلك إذا امتنع (^١)، وهذا مذهب عمر بن الخطاب - ﵁ -، كما سيأتي، واستدلوا بما يلي:\n١ - أن حديث الباب ورد بصيغة النهي، والنهي يقتضي التحريم، فإذا كان الامتناع محرمًا دل على أن البذل واجب.\n٢ - أن أبا هريرة - ﵁ - الذي روى الحديث استنكر عدم الأخذ به، وتوعد على ذلك، وهذا يدل على أنه فهم وجوب البذل وتحريم الامتناع، ولولا أنه فَهِمَ ذلك ما كان ليوجب عليهم غير واجب، وراوي الحديث أعرف بمعناه.\n٣ - ما ورد أن الضحاك بن خليفة مسألة محمَّد بن مسلمة أن يسوق خليجًا (^٢) له فيجريه في أرض محمَّد بن مسلمة، فامتنع، فقال عمر - ﵁ -: لم تمنع أخاك ما ينفعه؟ وهو لك نافع، تسقي به أولًا وآخرًا، وهو لا يضرك، فقال محمَّد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك، فأمره عمر أن يجريه، ففعل الضحاك (^٣).\nوالذي يظهر -والله أعلم -هو القول الأول، وهو أنه ينبغي للجار أن يبذل جداره لجاره، ولا يمتنع ما دام أن جاره يستفيد من شيء ليس فيه ضرر عليه، لكن ينبغي أن يضاف إليه قيد الاستئذان؛ لأن استئذان الجار قبل وضع الخشب على جداره مما يبعث روح المحبة والتعاون بين الجيران، وَيسْتَلُّ الأحقاد والضغائن؛ لأن حديث الباب دليل واضح على نهي الجار عن الامتناع، ثم إن هذا من حسن الجوار ومراعاة الحقوق، ومما يديم الألفة والمودة بين الجيران، بخلاف ما إذا امتنع فتنشأ الأحقاد والضغائن وتحصل القطيعة، وهذه أمور لا يرضاها الإِسلام.\nأما استدلال أصحاب القول الثاني، فعنه جوابان:\nالأول: أنها عمومات، والقاعدة تقديم الخاص على العام، يقول\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٨/ ٢٤٢)، \"تفسير القرطبي\" (٥/ ١٨٧)، \"روضة الطالبين\" (٤/ ٢١٢).\n(^٢) الخليج: امتداد من الماء متوغل في اليابس [\"المعجم الوسيط\" ص (٢٤٨)].\n(^٣) أخرجه مالك (٢/ ٧٤٦)، وصححه الحافظ في \"فتح الباري\" (٥/ ١١١).","vol":"6","page":320},{"text":"البيهقي: (لم نجد في السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكم إلا عمومات لا يستنكر أن يخصها) (^١).\nالثاني: أن النهي ينصرف إلى التمليك والاستملاك وليس الانتفاع كذلك، وكيف يكون الانتفاع منهيًا عنه والنبي - ﷺ - بينهما، فأوجب أحدهما ومنع الآخر؟! (^٢).\nوهذا الحديث يعمل به عندما كان الناس يحتاج بعضهم إلى بعض لتلاصق الجدران وتقارب البيوت، أما اليوم فقد تغيرت الحال في كثير من المدن والقرى، لكنه يبقى الاستدلال به في كل ما يحتاجه الجار من جاره من المنافع التي ينتفع بها الجار ولا ضرر في بذلها، وهي أمور تقع، ولأنهاية لها.\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على فضل أبي هريرة - ﵁ - حيث جهر بهذه السنة واستنكر على المخاطبين عدم الأخذ بها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١١١).\n(^٢) انظر: \"أحكام الجوار في الفقه الإسلامي\" ص (١٤٧).","vol":"6","page":321},{"text":"<span data-type='title' id=toc-723>النهي عن مال المسلم إلا بطيب نفس منه</span>\n٨٧٦/ ٤ - عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيٍّ - ﵁ -، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لا يَحِلُّ لامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ\". رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِم في \"صَحِيحَيهِمَا\".\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٣٩/ ١٨، ١٩)، وابن حبان (١٣/ ٣١٦)، والبزار (١٣٧٣)، والطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (٧/ ٢٥١)، والبيهقي (٩/ ٣٥٨) من طرق عن سليمان بن بلال، عن سهيل بن أبي صالح، عن عبد الرحمن بن سعد، عن أبي حميد الساعدي - ﵁ -، مرفوعًا.\nوالحديث إسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح، غير عبد الرحمن بن سعد، وهو ابن الصحابي أبي سعيد الخدري سعد بن مالك - ﵁ -، وهو ثقة.\nقال البزار: (لا نعلمه عن أبي حميد إلا بهذا الطريق، وإسناده حسن، وقد روي من وجوه عن غيره من الصحابة)، والقول بأن الراوي عن أبي حميد هو عبد الرحمن بن سعد قد جاء عند ابن حبان والطحاوي، وجاء كذلك عند البيهقي من رواية ابن وهب، عن سليمان بن بلال .. ثم قال: (ورواه أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان، فقال: عبد الرحمن بن سعيد) (^١) وهو كذلك في \"المسند\" (^٢)، ورجح هذا الألباني، لاتفاق جمع من الثقات عليه، ثم قال:\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٠٠).\n(^٢) انظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٥/ ٢٨٨).","vol":"6","page":322},{"text":"(هو عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع، أبو محمَّد المدني، وهو ثقة. . .) (^١).\nوقد جاء الحديث عند أحمد -أيضًا- بلفظ: (\"لا يحل لامرئ أن يأخذ مال أخيه بغير حقه\" وذلك لما حرم الله مال المسلم على المسلم). وأما عزوه للحاكم فالظاهر أنه وهم من الحافظ، والله أعلم.\nوإيراد هذا الحديث في باب الصلح لا تظهر مناسبته، إلا إن كان الحافظ قصد بيان أن النهي في الحديث الذي قبله محمول على التنزيه جمعًا بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا برضاه (^٢)، والله أعلم.\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم أخذ أموال الناس بغير حق مهما كانت قليلة، وقد جاء هذا المعنى في أحاديث كثيرة، ومنها: حديث جابر - ﵁ - أنه - ﷺ - قال في خطبة حجة الوداع في عرفة: \"إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا … \".\nومنها: حديث أبي بكرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال في خطبته يوم النحر بمنى: \"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا\" (^٣).\nومنها: حديث ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه … \" الحديث (^٤).\nومنها: حديث أبي حُرَّة الرقاشي، عن عمه، أن رسول الله - ﷺ - قال: \" … إنه لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه … \" (^٥).\n_________\n(^١) \"الإرواء\" (٥/ ٢٨٠).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ١١٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٧)، ومسلم (١٦٧٩) وسيأتي في باب \"الغصب\".\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٤٣٥)، ومسلم (١٧٢٦).\n(^٥) أخرجه أحمد (٣٤/ ٢٩٩) في حديث طويل، وسنده ضعيف؛ لأنه من رواية علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، إلا أنه يُستشهد به، ويتقوى حديثه بالأحاديث المذكورة.","vol":"6","page":323},{"text":"فهذه الأحاديث دلت على الأمور الآتية:\n١ - وجوب احترام الأموال كاحترام الدماء والأعراض؛ لأن النبي - ﷺ - قرن بينهما، وقد شبه النبي - ﷺ - تحريم الدم والمال والعرض بما هو مستقر في نفوسهم، وهو حرمة اليوم، وهو يوم النحر، والشهر، وهو شهر ذي الحجة؛ لأنه من الأشهر الحرم، والبلد، وهو البلد الحرام.\n٢ - أن الرسول - ﷺ - بيّن حرمة مال المسلم في أعظم مجمع على الإطلاق حيث خطب بذلك في عرفة وفي مني يوم النحر.\n٣ - في ذلك دليل على احترام الإِسلام للملكية الفردية وصيانتها من التعدي عليها، وذلك بما شرع من أحكام؛ كتحريم مال المسلم بغير إذنه، وتعظيم شأن الغصب والتعدي، وقطع يد السارق، ونحو ذلك، وهذا دليل قاطع على بطلان الاشتراكية؛ لأن النبي - ﷺ - أضاف الأموال إلى أربابها مما يدل على ملكيتهم لها واختصاصهم بها، وسيأتي لذلك زيادة في آخر باب \"الغصب\" إن شاء الله.\n٤ - ذكر العصا أو اللبن، كما في بعض الأحاديث لتساهل الناس فيهما، فَنُبِّهَ بهما على ما هو أعظم وأولى منهما، والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":324},{"text":"<span data-type='title' id=toc-724>باب الحوالة والضمان </span>(^١)\nالحوالة: بفتح الحاء، مأخوذة من التحول والانتقال؛ لأنها تحول الحق وتنقله من ذمة إلى ذمة.\nوشرعًا: نقل دين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.\nوهي مشروعة بالسنة والإجماع، أما السنة فحديث الباب، وأما الإجماع فقد حكاه النووي وابن قدامة وغيرهما (^٢).\nوفائدتها: تسهيل المعاملات بين الناس، ولا سيما إذا كان الغريم في بلد والمحال عليه في بلد آخر، ويسهل على المحال الاستيفاء منه، وفيها -أيضًا- حلٌّ للمشاكل التي قد تنشأ بين الناس بسبب ما بينهم من حقوق، وليست من باب بيع الدين بالدين؛ لجوازها بين الدينين المتساويين جنسًا وصفة، والتفرق قبل القبض، وإنما هي من جنس إيفاء الحق، فهي عقد إرفاق، ولذا أمر بها النبي - ﷺ - في معرض الوفاء.\nولها ثلاثة شروط:\n١ - اتفاق الدينين جنسًا، كذهب بذهب؛ وصفة، كَبُرٍّ جيد ببر جيد، إلا إن رضي المحال بأخذ الرديء عن الجيد.\n٢ - اتفاق الدينين حلولًا وتأجيلًا، إلا إذا سمح من عليه مؤجل أن يعجله.\n٣ - رضا المحيل، وهو الذي عليه الحق، قال ابن قدامة: (لا خلاف\n_________\n(^١) أي: والكفالة أيضًا، وهذا التقدير على قول من يرى أن الضمان غير الكفالة، ومن يرى أنهما واحد فلا داعي لهذا التقدير، وقد يكون هذا رأي الحافظ.\n(^٢) \"المجموع\" (١٠/ ٣٣٧)، \"المغني\" (٧/ ٥٦).","vol":"6","page":325},{"text":"في هذا) (^١).\nوالحوالة يتعلق بها ثلاثة أطراف:\n١ - المحال: وهو صاحب الحق، ويقال: المحتال.\n٢ - المحيل: وهو من عليه حق، وله حق.\n٣ - المحال عليه: وهو من عليه حق للمحيل.\nوالضمان: مصدر ضَمِنَ الشيء ضمانًا، فهو ضامن، وضمين، وهو مشتق من التضمن؛ لأن ذمة الضامن تتضمن الحق، أو من الضَمْن؛ لأن ذمة الضامن صارت في ذمة المضمون عنه.\nوشرعًا: التزام المرء ما وجب أو يجب على غيره من حق.\nفهو التزام إنسان يصح تبرعه ما وجب على غيره؛ كثمن مبيع، أو قرض، أو قيمة متلف مع بقائه على المضمون عنه، فلا يسقط عنه بالضمان، أو التزام ما قد يجب عنه مستقبلًا؛ كجُعْلٍ على عمل أو ثمن مبيع مستقبل، وعلى هذا فالضمان متعلق بالحقوق المالية، سواء أكان على حق حتى أم ميت؛ كما سيأتي.\nوالضمان جائز بالنسبة للمضمون عنه، بالكتاب والسنة والإجماع في الجملة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] أي: ولمن جاء بصواع الملك الذي فُقِدَ ﴿حِمْلُ بَعِير﴾ أي: ما يحمله من طعام ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أي: كفيل ضامن. ومن السنة: أحاديث الباب.\nوأما بالنسبة للضامن فهو مستحب؛ لأنه من \"الإحسان\" والله تعالى يقول: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].\nوالكفالة: مصدر كَفَلَ، بمعنى: التزم.\nوشرعًا: التزام إحضار بدن المكفول.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٧/ ٦٠).","vol":"6","page":326},{"text":"والكفالة صحيحة لقوله تعالى: ﴿قَال لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] فالآية دليل على جواز الكفالة بإحضار البدن لقوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾.\nوالفرق بين الكفالة والضمان:\n١ - أن الضمان التزام الدين، وهي التزام بإحضار البدن.\n٢ - لا يبرأ الضامن بموت المضمون عنه، ويبرأ الكفيل بموت المكفول.\n٣ - يصح ضمان دين الميت، ولا تصح كفالة الميت.\n٤ - يجوز مطالبة الضامن مع حضور المضمون عنه، ولا تجوز مطالبة الكفيل مع حضور المكفول.","vol":"6","page":327},{"text":"<span data-type='title' id=toc-725>مشروعية الحوالة وقبولها</span>\n٨٧٧/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ -، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لأَحْمَد: \"فَلْيَحْتَلْ\".\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع منها: في كتاب \"الحوالة\"، باب \"الحوالة، وهل يرجع في الحوالة؟ \" (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤) من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا.\nوأخرجه أحمد (١٦/ ٤٧، ٤٨) من طريق سفيان، عن أبي الزناد … ولفظه: \"مَطْلُ الغني ظلم، ومن أُحيل على مليء فليحتل\".\nولعل الحافظ أورد رواية أحمد لأنها مفسرة لقوله: \"فليتبع\" كما سيأتي إن شاء الله.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (مَطْل الغني) أصل المطل: المدُّ، تقول: مطلت الحديدة، أمطلها مطلًا: إذا مددتها لتطول، والمطل في الحق مأخوذ منه، وهو تطويل العِدَة التي يضربها الغريم للطالب (^١)، فيكون المراد هنا: تأخير ما استُحق أداؤه بغير عذر.\n_________\n(^١) \"تهذيب اللغة\" (١٣/ ٣٦٢)، \"معجم مقاييس اللغة\" (٥/ ٣٣١).","vol":"6","page":328},{"text":"ومطل مصدر مضاف إلى فاعله، والمفعول محذوف، والتقدير: مَطْلُ الغنيِّ غَرِيمَهُ، والمراد بالغني: من عنده موجودات مالية يقدر بها على الوفاء.\n\nقوله: (ظلم) أصل الظلم: أخذك ما ليس لك، ووضعك الشيء في غير موضعه، ويطلق على الجور ومنع الحق.\n\nقوله: (وإذا أُتبع أحدكم) أتبع: بضم الهمزة، وسكون التاء المثناة، وكسر الباء الموحدة، مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعله، ومعناه: أحيل، ومناسبة الجملة لما قبلها أنه لما دل على أن مطل الغني ظلم عقَّبه بأنه ينبغي قبول الحوالة على المليء، لما في قبولها من دفع الظلم الحاصل بالمطل، وروي بالفاء \"فإذا أُتبع\" فيكون ذلك كالتوطئة والعلة لقبول الحوالة؛ أي: إذا كان المطل ظلمًا، فليقبل من يحتال بدينه عليه، فإن المؤمن من شأنه أن يحترز عن الظلم فلا يمطل.\n\nقوله: (على مليء) بتسكين الياء المهموزة، مأخوذ من الملاءة بالهمز، يقال: مَلُؤَ الرجل، بضم اللام، من باب كرُم؛ أي: صار مليئًا. والمليء: هو الموسر غير المماطل، ويُروى (مليٍّ) بدون همز، والأول هو الأصل، كما ذكر الأزهري والخطابي وغيرهما، وقد جاءت نسخ \"البلوغ\" بهذا وهذا (^١).\n\nقوله: (فليتبع) بفتح الياء، وسكون التاء، بمعنى: فليحتل، كما في رواية أحمد، ومعناها: فليقبل الحوالة ولا يمتنع.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث أدب من آداب المعاملة الحسنة بأمر المدين بحسن القضاء، وأمر الدائن بحسن الاقتضاء.\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم مطل الغني غريمه، وأن من عليه حقًّا لغيره وطلبه فعليه أن يبادر إلى أدائه من غير أن يحوج صاحب الحق إلى طلب والحاح أو شكاية، ومن فعل ذلك مع قدرته على الوفاء فهو ظالم، والظلم ظلمات يوم القيامة على أهله، ويدخل في عموم الحديث كل من لزمه حق لغيره كالزوج لزوجته، والسيد في نفقة رقيقه، والحاكم لرعيته، ونحو ذلك.\n\n* الوجه الخامس: ظاهر الحديث أنه لا يجب الوفاء ويحرم التأخير إلا\n_________\n(^١) انظر: \"الزاهر\" ص (٣٣٠)، \"فتح الباري\" (٤/ ٤٦٥).","vol":"6","page":329},{"text":"إذا طلب صاحب الحق حقه، أو وجد ما يشعر برغبته في الاستيفاء، وهذا مأخوذ من لفظ المطل.\n\n* الوجه السادس: أن التحريم خاص بالغني المتمكن من الأداء، أما الفقير أو العاجز لشيء من الموانع فهو معذور، وقد أوجب الله تعالى على صاحب الحق إنظاره إلى الميسرة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وهذا بطريق المفهوم من الحديث، ومن لا يقول به يجيب بأن العاجز لا يسمى: ماطلًا.\n\n* الوجه السابع: في الحديث دليل على حسن الاقتضاء، وأن المدين إذا أحال صاحب الحق على قادر على الوفاء غير مماطل ولا ممانع فإنه يقبل الحوالة؛ لأن هذا من السماحة وحسن الاستيفاء، وفاعل ذلك يرجى له الخير في الدنيا والدين، لدخوله تحت دعوة النبي - ﷺ - بقوله: \"رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى\" (^١). وهذا مشاهد محسوس، والجزاء من جنس العمل، وجزاء التيسير التيسير.\nوإذا قبل صاحب الحق الحوالة على المليء برئت ذمة المحيل، وتحول حق الغريم إلى من أحيل عليه، في قول عامة الفقهاء، وعن الإِمام أحمد رواية أنه لا يبرأ المحيل مطلقًا، فللمحتال الرجوع إن لم يحصل له الوفاء ممن أحيل عليه، واختار ذلك الشيخ عبد الرحمن السعدي (^٢).\n\n* الوجه الثامن: دل الحديث بمفهومه على أن من أحيل على غير مليء فليس عليه أن يقبل الحوالة، لما فيه من الضرر عليه؛ لأن الرسول - ﷺ - أمر بقبول الحوالة على المليء.\n\n* الوجه التاسع: اختلف العلماء هل الأمر بقبول الحوالة إذا كانت على مليء للوجوب أو للاستحباب؟ على قولين:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٧٦).\n(^٢) \"المغني\" (٧/ ٦٠)، \"المختارات الجلية\" ص (٨٢، ٨٣).","vol":"6","page":330},{"text":"الأول: أن الأمر للاستحباب، وهذا قول الجمهور، ومنهم: مالك والشافعي وأبو حنيفة؛ لأن الحوالة معاوضة يشترط لها الرضا من المحيل والمحال، فلا يلزم قبولها بل يستحب؛ لأن حق المحال في ذمة المحيل، فلا يجوز نقله إلى غيرها بغير رضاه.\nالثاني: أن الأمر للوجوب، وهذا قول الإِمام أحمد وأهل الظاهر (^١)؛ لأن الأمر في قوله: \"فليتبع\" \"فليحتل\" أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فيتحتم على من أحيل بحقه على مليء أن يقبل الحوالة.\nوهذا القول هو الأظهر؛ لقوة مأخذه، وصَرْفُ الأمر من الوجوب إلى الاستحباب لا بد له من دليل، قال الصنعاني: (ولا أدري ما الحامل على صرفه عن ظاهره) (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٨/ ١٠٨)، \"المغني\" (٧/ ٦٢).\n(^٢) \"سبل السلام\" (٥/ ٢٠٠).","vol":"6","page":331},{"text":"<span data-type='title' id=toc-726>جواز ضمان دين الميت وأنه لا يبرأ إلا بالأداء</span>\n٨٧٨/ ٢ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ -، قَال: تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنَّا، فَغَسَّلْنَاهُ وَحَنَّطْنَاهُ وَكَفَنَّاهُ، ثُمَّ أتينَا بِهِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْنَا: تُصَلِّي عَلَيهِ؟ فَخَطَا خُطىً، ثُمَّ قَال: \"أَعَلَيهِ دَينٌ؟ \"، قُلْنَا: دِينَارَانِ. فَانْصَرَفَ، فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ، فَأَتَينَاهُ، فَقَال أَبُو قَتَادَةَ: الدِّينَارَانِ عَلَيَّ، فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"حَقَّ الْغَرِيمِ، وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ؟!، قَال: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيهِ. رَوَاهُ أحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٢٢/ ٤٠٥، ٤٠٦) من طريق زائدة بن قدامة، والحاكم (٢/ ٥٨) من طريق شريك بن عبد الله، كلاهما عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن جابر - ﵁ -، وتمامه: ثم قال بعد ذلك: \"ما فعل الديناران؟ \" فقال: إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد، فقال: قد قضيتهما، فقال رسول الله - ﷺ -: \"الآن برَّدت عليه جلده\" وهذا لفظ أحمد.\nوإسناده حسن من أجل عبد الله بن محمَّد بن عقيل؛ لأن في حفظه ضعفًا يسيرًا، كما تقدم في أحاديث مضت.\nثم إنه لم ينفرد فقد أخرجه أبو داود في كتاب \"البيوع\"، باب \"التشديد في الدين\" (٣٣٤٣)، والنسائي (٤/ ٦٥، ٦٦)، وابن حبان (٧/ ٣٣٤) من طريق عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن جابر - ﵁ -.","vol":"6","page":332},{"text":"وهذا سند صحيح على شرط الشيخين (^١)، ويختلف لفظ الحديث عند هؤلاء عن لفظ أحمد، وهو الذي سبق هنا بتمامه.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (وحنطناه) الحنوط: أخلاط من طيب تعد للأموات خاصة، يذر بين الأكفان، ويجعل في المغابن، وهي مجامع الوسخ، كطيِّ ركبتيه، وسُرّته، ونحو ذلك، وكذا في مواضع سجوده، وتقدم هذا في \"الجنائز\".\n\nقوله: (فخطا خُطىً) بضم الخاء، على وزن هدى، جمع خطوة؛ أي: مشى عدة خطوات ليتقدم بعض الشيء ليصلي على الميت.\n\nقوله: (فقلنا: ديناران) ورد في حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ -: (فقالوا: ثلاثة دنانير، قال: \"صلوا على صاحبكم\" قال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله، وعليَّ دينه، فصلى عليه) (^٢)، وجمع بين الحديثين بأنهما كانا دينارين وشطرًا، فمن قال: ثلاثة، جبر الكسر، ومن قال: ديناران، ألغاه، أو كان أصلهما ثلاثة فوفى قبل موته دينارًا، وبقي عليه ديناران، قال الحافظ: (والأول أليق) (^٣) ويحتمل أنهما قصتان، ويرى الصنعاني أن فيه بعدًا (^٤).\n\nقوله: (فتحملهما أبو قتادة) أي: فضمن أبو قتادة الدينارين عن الميت لصاحب الدين.\n\nقوله: (حقَّ الغريم وبرئ منهما الميت؟) جملة استفهامية، بدليل الجواب بقوله: (نعم) وهذه الجملة انفرد بها أحمد، كما تقدم، وحَقَّ: منصوب بفعل محذوف يستفاد من السياق ومن الروايات الأخرى، والتقدير: قد أوفى الله حَقَّ الغريم وبرئ الميت؟ أو قد التزمت حَقَّ الغريم أو أوفيت، ونحو ذلك، وذكر الشارح المغربي، وتبعه الصنعاني أنه منصوب على المصدرية مؤكد لمضمون قوله: (الديناران عليَّ)؛ أي: حَقَّ عليك الحق وثبت\n_________\n(^١) \"الإرواء\" (٥/ ٢٤٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٨٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٦٨).\n(^٤) \"سبل السلام\" (٣/ ٧٠).","vol":"6","page":333},{"text":"عليك وكنت غريمًا (^١). وقد ساق المجد ابن تيمية في \"المنتقى\" هذا الحديث بلفظ: وقد أوفى الله حَقَّ الغريم … \" وعزاه إلى أحمد، ولم أجد هذه الجملة في \"المسند\"، والله أعلم.\n\nقوله: (الآن برَّدت عليه جلده) أي: نجا من العذاب بسبب قضاء الدين (^٢).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على عظم خطر الدين، وأنه ينبغي للمؤمن أن يتخلص منه متى تحققت الأسباب التي تعين على الوفاء وإبراء الذمة منه قبل أن يفجأه الأجل، وقد تقدم في أول كتاب \"الجنائز\" ما يدل على أن نفس المؤمن محبوسة ومرهونة بالدين مهما كان صلاحها واستقامتها حتى يقضى عنه.\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب المبادرة بقضاء دين الميت لينتهي الميت من تبعات الدين، ولأن النبي - ﷺ - تأخر عن الصلاة على من عليه دين.\nوقد اختلف العلماء في الحكمة من امتناع النبي - ﷺ - من الصلاة على من عليه دين في أول الأمر، فقيل: تأديبًا لأصحاب الديون ليسعوا في أدائها ويرغبوا عن الاستكثار منها، ولئلا يتأكَّلوا أموال الناس فتذهب، وقيل: إن صلاته تطهر للميت، وحق الآدمي لا تطهر منه فيتنافيان.\n\n* الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز ضمان الحقوق المالية عن الميت؛ كالدين، وثمن المبيع، ونحوهما؛ لأن النبي - ﷺ - أقر أبا قتادة - ﵁ - على تحمل الدينارين عن الميت، وصلى عليه، فدل ذلك على صحة الضمان.\n\n* الوجه السادس: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن من ضمن دينًا عن الميت فإنه يلزمه قضاؤه، وليس له أن يرجع في هذا الضمان، مستدلين بهذا الحديث، ووجه الاستدلال: أنه لو كان لأبي قتادة أن يرجع لما صلى\n_________\n(^١) \"البدر التمام\" (٣/ ٢٧٤).\n(^٢) \"بلوغ الأماني\" (١٥/ ١٠١).","vol":"6","page":334},{"text":"النبي - ﷺ - على الرجل حتى يوفي أبو قتادة الدين، لاحتمال أن يرجع أبو قتادة عن ضمانه، فيكون النبي - ﷺ - صلى على مدين دينه باقٍ عليه، فدل على أنه ليس له أن يرجع. لكن يشكل على هذا الاستدلال بحديث جابر - ﵁ -؛ ما ورد في حديث أبي قتادة - ﵁ - أنه قال: (أرأيت إن قضيت عنه أتصلي عليه؟ قال: \"إن قضيت عنه بالوفاء صليت عليه\" قال: فذهب أبو قتادة فقضى عنه، فقال: \"أوفيت ما عليه؟ \" قال: نعم، فدعا به رسول الله - ﷺ - فصلى عليه) (^١). وظاهر هذا أنه قضى الدين قبل الصلاة، فإما أن تحمل القصة على التعدد، وهذا فيه بُعْد، أو يرجح حديث أبي قتادة على حديث جابر - ﵁ -؛ لأن فيه عبد الله بن عقيل، وهو حسن الحديث فيما لم يخالف فيه، أما مع المخالفة فليس بحجة (^٢)، وهناك وجه ثالث في الجمع: وهو أن أبا قتادة بعد أن قال: (على دينه) ذهب إلى الغريم وضمن له ما على الميت وإن لم يدفعه بالفعل، وبهذا الضمان برئ الميت من الدين، فصلى عليه النبي - ﷺ -، وهذا التأويل يؤيده سياق حديث جابر - ﵁ - (^٣).\nوقد ترجم البخاري في كتاب \"الكفالة\" بقوله: \"باب من تكفل عن ميت دينًا فليس له أن يرجع\" ثم ساق حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - المتقدم ذكره (^٤).\nوالقول الثاني: أنه يجوز للضامن أن يرجع على مال الميت إذا كان له مال ويأخذ ما ضمن من دينه؛ لأن الضامن حلَّ محل المدين في أداء دينه، وهذا قول مالك.\nوالقول الثالث: أنه لا يصح ضمان دين الميت إلا إن ترك وفاء لدينه، فإن لم يترك لم يصح الضمان، وقد نقل ابن بطال عن ابن المنذر أنه قال:\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١٠٦٩)، والنسائي (٤/ ٦٥، ٧/ ٣١٧)، وابن ماجه (٢٤٠٧)، وأحمد (٣٧/ ٣٢٨، ٣٢٩) وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).\n(^٢) \"أحكام الجنائز\" للألباني ص (١٧).\n(^٣) \"بلوغ الأماني\" (١٥/ ١٠٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٧٤).","vol":"6","page":335},{"text":"(إن أبا حنيفة قد خالف هذا الحديث، فإن النبي - ﷺ - قد صحح ضمان أبي قتادة - ﵁ - وأقره، مع أن الميت لم يترك وفاءً، كما في حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ -، وفيه: \"هل ترك شيئًا؟! قالوا: لا. . .) (^١).\n\n* الوجه السابع: الحديث دليل على أن خلوص الميت من الدين وبراءة ذمته من تبعاته ودفع العذاب عنه إنما يكون بالقضاء عنه، لا بمجرد تحمل الدين وضمانه (^٢)، قوم قوله - ﷺ -: \"نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه\" (^٣)، ولأن النبي - ﷺ - سارع إلى سؤال أبي قتادة في اليوم الثاني عن القضاء، ولما قال له أبو قتادة: إنما مات أمس، يريد أن الزمن قريب لم يتمكن فيه من قضائهما، مسألة من الغد، ولما أخبره بقضائهما، قال: \"الآن بَرَّدت عليه جلده\".\n\n* الوجه الثامن: الحديث دليل على أنه ينبغي للإمام وسائر المسلمين أن يحضوا من تحمل حمالة عن ميت على الإسراع بالقضاء؛ لأن هذا من المعاونة على الخير والمسارعة إلى إبراء ذمة الميت، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (٦/ ٤١٩، ٤٢٦).\n(^٢) انظر: \"شرح مشكل الآثار\" (١٠/ ٣٣٥).\n(^٣) تقدم تخريجه في أول \"الجنائز\".","vol":"6","page":336},{"text":"<span data-type='title' id=toc-727>جواز ضمان دين الميت المفلس من بيت المال</span>\n٨٧٩/ ٣ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُؤتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: \"هَلْ تَرَكَ لِدَينِهِ مِنْ قَضَاء؟ \" فَإنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيهِ، وإِلَّا قَال: \"صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ\"، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيهِ الْفُتُوحَ قَال: \"أَنَا أَوْلَى بالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيهِ دَينٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: \" .. فَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً .. \".\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأولى: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في عدة مواضع من \"صحيحه\" أولها في كتاب \"الكفالة\"، باب \"الدين\" (٢٢٩٨)، ومسلم (١٦١٩) من طرق، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، وتمامه: \"ومن ترك مالًا فلورثته\".\nوأخرجه البخاري في كتاب \"الفرائض\"، باب \"قول النبي - ﷺ -: \"من ترك مالًا فلأهله\"\" (٦٧٣١) من طريق يونس، عن ابن شهاب، به، ولفظه: \"أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاءً فعلينا قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته\".\nولعل الحافظ أورد رواية البخاري هذه لأنها مُقَيِّدَةٌ لما أُطلق في الرواية قبلها، وأن قضاء دين الميت من بيت المال مخصوص بمن لم يترك وفاء (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ١٠).","vol":"6","page":337},{"text":"* الوجه الثاني: لعل الحافظ ساق هذا الحديث بعد حديث جابر - ﵁ - لبيان أن الامتناع من الصلاة لمن كان عليه دين ولم يترك قضاء أنه منسوخ، وذلك أن الله تعالى لما فتح على المسلمين بلدان الكفار وصار في بيت المال من أموال الفيء، قال النبي - ﷺ -: \"فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه\" وظاهر هذا وجوب القضاء، كما أن ظاهر السياق يشعر بأنه كان يقضيه من مال المصالح؛ لقول الراوي: (فلما فتح الله الفتوح) وبهذا جزم ابن بطال، وقيل: بل كان يقضيه من خالص ماله، قال ابن بطال: (وهكذا يلزم السلطان أن يفعله لمن مات وعليه دين، فإن لم يفعله وقع القصاص منه في الآخرة، ولم يحبس الغريم عن الجنة بدين له مثله في بيت المال، إلا أن يكون الدين أكثر مما له في بيت المال. . .) (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (٦/ ٤٢٨).","vol":"6","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-728>حكم الكفالة في الحدود</span>\n٨٨٠/ ٤ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا كَفَالة فِي حَدٍّ\". رَوَاهُ الْبَيهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ٢٢)، والبيهقي (٦/ ٧٧) من طريق بقية، عن عمر الدمشقي: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - ﷺ - قال: … وذكره.\nوهذا سند ضعيف كما قال الحافظ، قال ابن عدي بعد سياق أحاديث من رواية عمر بن أبي عمر الكلاعي الحميدي الدمشقي، ومنها حديث الباب: (وهذه الأحاديث بهذه الأسانيد غير محفوظات، وعمر بن أبي عمر مجهول، ولا أعلم يروي عنه غير بقية، كما يروي عن سائر المجهولين).\nوقال البيهقي: (إسناده ضعيف، تفرد به بقية، عن أبي محمَّد عمر بن أبي عمر الكلاعي، وهو من مشايخ بقية المجهولين، ورواياته منكرة، والله أعلم).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا كفالة) الكفالة في اللغة: مصدر كفل، بمعنى: التزم، وشرعًا: التزام إحضار بدن المكفول.\nوعلى هذا فالكفالة غير الضمان، فالكفالة تكون للأبدان، والضمان","vol":"6","page":339},{"text":"يكون للأموال، كما تقدم، ومن الفقهاء من لا يفرق بين الكفالة والضمان، ويجعلهما بمعنى واحد، والظاهر أن الحافظ جرى على هذا، فإنه ذكر هذا الحديث في الكفالة مع أنه لم يذكر الكفالة ضمن الترجمة المتقدمة.\n\nقوله: (في حدّ) الحد في اصطلاح الفقهاء: عقوبة بدنية مقدرة شرعًا لحق الله تعالى، كعقوبة الزنا، والسرقة، والشرب، والقذف. والحد في لسان الشرع أعم منه في اصطلاح الفقهاء، فإنه يطلق على هذه العقوبات تارة، وتارة يراد به نفس المعاصي، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وتارة يراد به شرائع الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولهذا مزيد تفصيل في أول \"الحدود\" إن شاء الله تعالى.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الكفالة بالنفس لا تصح في الحد مطلقًا، سواء كان حقًّا لله تعالى كحد الزنا، أو لآدمي كحد القذف والقصاص، ووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - منع الكفالة في الحدود، ولم يفرق بين ما كان لله تعالى وما كان للعبد، ولأنه لا يجوز استيفاء الحد من الكفيل حال تعذر الاستيفاء من المكفول، ولأن الكفالة استيثاق، والحدود مبناها على الإسقاط والدرء بالشبهات، فلا يدخل فيها الاستيثاق، كذلك لا تصح الكفالة فيمن عليه عقوبة مطلقة على ترك وأجب أو فعل محرم، لما تقدم.\nوالقول بأن الكفالة لا تصح في الحد هو أحد القولين في مذهب المالكية والحنابلة، وقول للشافعية.\nوالقول الثاني: أن الكفالة بالنفس تصح مطلقًا في حدود الله تعالى وحقوق الآدميين، وهذا قول في مذهب الشافعية؛ لأن الحد حق لازم، فأشبه المال، ولأن الحضور مستحق على الجاني، فتصح الكفالة بإحضاره.\nوالقول الثالث: التفصيل، وهو أن الكفالة بالنفس لا تصح في حدود الله تعالى، وتصح في حقوق الآدميين كحد القذف والقصاص، وهو مذهب الحنفية، وقول ثالث في مذهب الشافعية، وقول شيخ الإسلام ابن تيمية،","vol":"6","page":340},{"text":"وصاحب الفائق (^١)؛ لأن هذا حق لآدمي فصحت الكفالة به، كسائر حقوق الآدميين، وذلك كما لو كان على المكفول دين؛ لأن الواجب فيهما هو حضور الأصيل، ولأن المضمون هو إحضار نفس من عليه القصاص أو حد القذف وهو ممكن بإحضار الكفيل، فتكون الكفالة به جائزة.\nوهذا القول -في نظري -هو الأظهر، لقوة مأخذه، وأما حديث الباب ففيه المقال المتقدم، وأما قولهم: إنه لا يمكن الاستيفاء من الكفيل، فيجاب عنهْ بأن الواجب عليه هو إحضار المكفول وهو قادر عليه، فإن بذل الأسباب وعجز عنه فلا شيء عليه، وتتولى الجهات المعنية إحضاره إلى مجلس الحكم (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح فتح القدير\" (٦/ ٢٩٥)، \"الخرشي على مختصر خليل\" (٦/ ٣٤)، \"نهاية المحتاج\" (٤/ ٤٤٦، ٤٤٧)، \"المغني\" (٦/ ٩٨)، \"الإنصاف\" (٥/ ٢١٠).\n(^٢) انظر: \"نظرية الضمان الشخصي\" (الكفالة) (١/ ٢٠١).","vol":"6","page":341},{"text":"<span data-type='title' id=toc-729>باب الشركة والوكالة</span>\nالشركة لغة: مصدر شَرِكْتُهُ في الأمر أَشْرِكُهُ من باب (تعب) شَرَكًا وشَرِكَةً -بفتح أوله وكسر ثانيه-، ويجوز كسر أوله وتسكين ثانيه: إذا صرت له شريكًا.\nوشرعًا: الاجتماع في استحقاق أو تصرف.\nفالأول: شركة الملك، وهي أن يشترك شخصان في ملك شيء حصلا عليه إما بشراء أو إرث أو وصية، ونحو ذلك.\nوالثاني: شركة العقود، وهي المراد بهذا الباب، وهي الاجتماع في التصرف.\nوالشركة لها أنواع مذكورة في كتب الفقه، وورد فيها بعض الأحاديث التي ذكرها الحافظ في هذا الباب.\nوقد أجمع المسلمون على جواز الشركة في الجملة، وإنما اختلفوا في أنواع منها (^١).\nوإباحة الشركة من محاسن الشريعة؛ لما فيها من التعاون والألفة والنصح، وكثرة العمل المثمر، ونحو ذلك؛ لأن من الناس من يملك المال، لكن ليس عنده المهارة الكافية لممارسة التجارة، فهو محتاج إلى من يقوم بذلك، كما أنه يوجد من لا يملك المال وعنده من المهارات والخبرات الشيء الكثير، فباجتماع أصحاب رؤوس الأموال وأهل القدرات والطاقات يستفيد المجتمع كله، وتسعد الأمة في بناء اقتصادها بناء سليمًا، يقوم على العمل وكسب الرزق بالطرق المشروعة.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٧/ ١٠٩).","vol":"6","page":342},{"text":"والوكالة لغة: بفتح الواو وكسرها، لغتان فصيحتان، ذكرهما ابن السكيت وغيره (^١)، وهي اسم مصدر بمعنى التوكيل؛ أي: التفويض، تقول: وكَلْتُ هذا الأمر إلى فلان وكلًا ووكولًا: إذا فوضته إليه وجعلته نائبًا، ووكَّل يوكل توكيلًا ووكالة فهو وكيل.\nوشرعًا: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة.\nوهي مباحة للموكِّل، مستحبة للوكيل إن توكل بقصد الإحسان إلى الموكل وإعانته في قضاء حاجته، أو ظن أنه إن تركه تولاه من لا يصلحه أو يضيعه، أو يكون الموكِّل له حق واجب عليه ولم يجد غيره.\nوإباحتها من محاسن الإِسلام، فهي من المعاملات التي يتجلى فيها التعاون بين المسلمين، فإن الإنسان قد يتعذر عليه أو يشق قضاء حوائجه وتحصيل أموره بنفسه، فكان من التيسير عليه أن يباح له استنابة غيره في ذلك.\nوقد دل على جوازها الكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: ١٩] وقال تعالى: ﴿قَال اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] وقال تعالى: ﴿وَقَال مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢].\nومن السنة الأحاديث الآتية في هذا الباب، وأما الإجماع فقد قال ابن قدامة: (أجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة) (^٢).\n_________\n(^١) \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٤/ ١٩٥).\n(^٢) \"المغني\" (٧/ ١٩٧).","vol":"6","page":343},{"text":"<span data-type='title' id=toc-730>الحث على المشاركة مع النصح وعدم الخيانة</span>\n٨٨١/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ -، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"قَال اللهُ: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَينِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ خَرَجْتُ مِنْ بَينِهِمَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"البيوع\"، بابٌ \"في الشركة\" (٣٣٨٣)، والحاكم (٢/ ٥٢) من طريق محمَّد بن الزِّبْرِقان، عن أبي حيان التيمي، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، رفعه، قال: … وذكر الحديث.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي. قال ابن كثير: (إسناده جيد) (^١). وهذا فيه نظر، فإن الحديث ضعيف؛ لأن فيه علتين:\nالأولى: جهالة والد أبي حيان التيمي، وهو سعيد بن حيان، قال ابن القطان: (أبو حيان هو يحيى بن سعيد بن حيان أحد الثقات، ولكن أبوه لا تعرف له حال، ولا يعرف من روى عنه غير ابنه) (^٢). وقد ذكره العجلي في \"تاريخه\" فقال: (ثقة) (^٣)، لكن هذا مردود، فإن العجلي معروف بالتساهل في التوثيق، ولهذا لم يجزم الحافظ بتوثيقه، وإنما قال في \"التقريب\": (وثقه العجلي) (^٤) فاكتفى بنقل كلامه، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٥).\n_________\n(^١) \"إرشاد الفقيه\" (٢/ ٦١).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٤/ ٤٩٠).\n(^٣) \"تاريخ الثقات\" ص (١٨٣).\n(^٤) انظر: \"الإرواء\" (٥/ ٢٨٨، ٢٨٩).\n(^٥) (٤/ ٢٨٠).","vol":"6","page":344},{"text":"العلة الثانية: أن الحديث اختلف في وصله إرساله، فقد رواه ابن الزبرقان موصولًا بذكر أبي هريرة - ﵁ - فيه، كما تقدم، وابن الزبرقان وثقه ابن الديني، وقال أبو حاتم: (صالح الحديث صدوق) وقال عنه الحافظ في \"التقريب\": (صدوق يهم).\nوخالفه جرير بن عبد الحميد الضبي، فقال: عن أبي حيان التيمي، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ - … هكذا مرسلًا. أخرجه الدارقطني (^١) وقال عن إرساله: (هو الصواب) (^٢).\nوجرير بن عبد الحميد، قال عنه الحافظ: (ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه).\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الشريكين ما داما على الصدق والأمانة فإن الله تعالى معهما بتوفيقه وتأييده وإعانته، وإنزال البركة في تجارتهما وعملهما، وهذه معية خاصة. فإذا خان أحدهما الآخر نزعت البركة ورفعت الإعانة والرعاية.\nوليس هذا من باب التأويل، بل من باب بيان المعنى والحقيقة؛ لئلا يتوهم من لا بصيرة له خلاف الحق في معنى المعية.\nوهذا فيه حض الشريكين على الصدق والأمانة ومحافظة كل منهما على حق صاحبه، وتحذيرهما من الخيانة والغش، ونصوص الشريعة وعموماتها كثيرة في هذا المعنى، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"السنن\" (٣/ ٣٥).\n(^٢) \"العلل\" (١١/ ٧).","vol":"6","page":345},{"text":"<span data-type='title' id=toc-731>ما جاء في أن الشركة معروفة قبل الإِسلام</span>\n٨٨٢/ ٢ - عَنْ السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ - ﵁ -، أَنَّهُ كَانَ شَرِيكَ الْنَّبِيِّ - ﷺ - قَبْلَ الْبِعْثَةِ، فَجَاءَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَال: \"مَرْحَبًا بِأَخِي وَشَرِيكِي\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو السائب بن أبي السائب المخزومي، واسم أبي السائب صيفي بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو والد عبد الله بن السائب قارئ أهل مكة، ولولده عبد الله هذا صحبة كأبيه - ﵄ -.\nكان السائب شريكًا للنبي - ﷺ - قبل البعثة -على أحد الأقوال- ثم أسلم وحسن إسلامه، وهو من المؤلفة قلوبهم، وكان من المعمرين، عاش إلى زمن معاوية - ﵁ - (^١).\nقال ابن عبد البر: (إن الحديث فيمن كان شريك النبي - ﷺ - مضطرب جدًّا، منهم من يجعل الشركة للسائب بن أبي السائب (^٢)، ومنهم من يجعلها لأبي السائب، ومنهم من يجعلها لقيس بن السائب (^٣)، ومنهم من يجعلها لعبد الله بن السائب، وهذا اضطراب لا يثبت به شيء، ولا تقوم به حجة).\nوقد ذكر الرافعي أن اسمه: السائب بن يزيد، فتعقبه الحافظ بأن هذا وهم، وإنما هو السائب بن أبي السائب (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"الاستيعاب\" (٤/ ١١١)، \"الإصابة\" (٤/ ١١١).\n(^٢) انظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (٣٥٠).\n(^٣) انظر: \"الإصابة\" (٨/ ١٨٧).\n(^٤) \"التلخيص\" (٣/ ٥٦).","vol":"6","page":346},{"text":"* الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٢٤/ ٢٦١)، وأبو داود في كتاب \"الأدب\"، بابٌ \"في كراهية المِراءِ\" (٤٨٣٦)، وابن ماجه (٢٢٨٧) من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن قائد السائب، عن السائب - ﵁ -.\nولفظ \"البلوغ\" هو لفظ أحمد (٢٤/ ٢٦٣)، والحاكم (٢/ ٦١) من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، عن السائب بن أبي السائب، به، وفيه: كان لا يداري ولا يماري … الحديث بتمامه. والمداراة: هي المدافعة، وأصلها لا يدارئ بالهمز، أي: لا يدافع ذا الحق عن حقه، ولا يماري؛ أي: لا يجادل.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، وصححه الذهبي، وصحح الحديث -أيضًا- الألباني (^١).\nوذكر المزي أن المحفوظ: عن مجاهد، عن قائد السائب، عن السائب (^٢).\nثم إن لفظ الحديث يختلف عند أحمد عن أبي داود وابن ماجه، فهو عند أحمد من قول النبي - ﷺ - في السائب، كما في سياقه في \"البلوغ\"، وعند أبي داود وابن ماجه من قول أبي السائب في النبي - ﷺ -، وهذا اضطراب في المتن، فالحديث فيه اضطراب في سنده ومتنه.\nومن الاضطراب في سنده -أيضًا- اختلاف أصحاب مجاهد، فإبراهيم بن مهاجر يقول: عن مجاهد، عن قائد السائب، عن السائب، وهذا هو المحفوظ -على ما قاله المزي- وإبراهيم بن ميسرة يقول: عن مجاهد، عن السائب، قال ابن مهدي: (وهو أثبت هذه الأحاديث) (^٣). وقال الأعمش: عن مجاهد، عن عبد الله بن السائب، وهذا لا إشكال فيه على قول الحافظ الآتي.\n_________\n(^١) \"صحيح سنن أبي داود\" (٣/ ٩١٧)، \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢٩١٢).\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (٢٧/ ٢٢٩).\n(^٣) \"تاريخ ابن أبي خثيمة\" (٥٠٤).","vol":"6","page":347},{"text":"وقائد السائب مجهول، ولا يعرف اسمه، وقال الحافظ ابن حجر: (إن الظاهر أن قائد السائب هو عبد الله بن السائب، فقد روى عنه مجاهد، وروى عن أبيه، لكن صنيع المزي يقتضي أنه غيره، حيث فرق بينهما في ذكر شيوخ مجاهد، وهذا موضع يحتاج إلى تحرير، ولم أرَ من سبقني إلى التنبيه على ذلك، والله الموفق) (^١).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الشركة كانت موجودة في الجاهلية قبل الإِسلام، ثم قررها الإِسلام وأثبتها، وقد كان السائب بن أبي السائب شريكًا للنبي - ﷺ - قبل الإِسلام، وقيل: بل في أول الإِسلام على ما قيل من الاختلاف فيمن كان شريكًا للنبي - ﷺ -.\nيقول الشيخ علي الخفيف: (وقد أقر الإِسلام هذا النوع من المعاملة والتجارة، لحاجة الناس إليها وتعارفهم إياها، فقد كانت الشركات -ولا تزال- ذات نشاط اقتصادي مرموق في الحياة والأعمال التجارية الهامة، وعليها تقوم أعظم الأعمال الصناعية وأهم المشاريع التجارية، حتى كان لها سلطان ونفوذ لا يفوقه إلا سلطان الحكومات ونفوذها، وذلك لما تقوم عليه الشركات من التضامن والتعاون بين أعضائها بما لهم من أموال وقوة ونظر وتدبير، لا يصل إلى مستواه ما للفرد من ذلك) (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تعجيل المنفعة\" ص (٣٥١).\n(^٢) \"الشركات في الفقه الإِسلامي\" ص (٢١).","vol":"6","page":348},{"text":"<span data-type='title' id=toc-732>حكم شركة الأبدان</span>\n٨٨٣/ ٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ -، قَال: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَعَمَّارٌ وَسَعْدٌ فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ … الْحَدِيثَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَغَيرُه.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"البيوع\"، بابٌ \"في الشركة على غير رأس مال\" (٣٣٨٨)، والنسائي (٧/ ٣١٩)، وابن ماجه (٢٢٨٨) من طريق أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود - ﵁ -، وتمامه: (فلم أجئ أنا وعمار بشيء، وجاء سعد بأسيرين).\nوهذا سند ضعيف؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، كما قال أبو حاتم والترمذي وغيرهما، وقال الترمذي: (قلت للبخاري: أبو عبيدة ما اسمه؟ فلم يعرف اسمه، وقال: هو كثير الغلط) (^١)، لكنه في حكم الموصول؛ لأن أبا عبيدة كان شديد العناية بحديث أبيه وفتاويه، كما تقدم أول \"البيوع\" (^٢)، وعليه فلا بأس أن يحتج به.\n\n* الوجه الثاني: استدل الفقهاء بهذا الحديث على جواز شركة الأبدان (^٣)، وهي أبي يشترك اثنان فأكثر فيما يكتسبون من صنائعهم كالحدادة والخياطة والنجارة وأعمال البناء ونحو ذلك، أو يشتركون فيما يكتسبون من المباح، كالاحتشاش والاحتطاب وسائر المباحات.\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" (١/ ٣١٠).\n(^٢) وتسمى: شركة الأعمال، وشركة الصنائع.\n(^٣) انظر: الكلام على الحديث (٧٨٤).","vol":"6","page":349},{"text":"والقول بجوازها هو مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة، إلا أن الحنفية لا يقولون بجواز الاشتراك فيما يُكتسب من المباح، بل هي عندهم شركة فاسدة، ويكون لكل من الشركاء ما اكتسبه دون صاحبه؛ لأن الشركة تتضمن الوكالة، والتوكيل في أخذ المباح باطل؛ لأن أمر الموكل به غير صحيح، والوكيل يملكه بدون أمره، فلا يصلح نائبًا عنه (^١)، والمالكية تشترط اتحاد الصنعة والمكان.\nوقالت الشافعية والظاهرية بعدم جواز شركة الأبدان وأنها إن وقعت فهي باطلة؛ لأن معنى الشركة هو الاختلاط، وهو لا يتحقق إلا في الأموال، أما شركة الأبدان فهي قائمة على الجهد البدني، وعمل كل إنسان ملك له يختص به ولا يشاركه فيه غيره (^٢).\nوأجاب ابن حزم عن حديث الباب بأنه منقطع، وعلى فرض صحته فإن غنائم بدر كانت للرسول - ﷺ - يدفعها إلى من شاء، لقوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] وهذا يدل على بطلان الشركة في الغنائم.\nوَرُدَّ هذا بأن غنائم بدر كانت لمن أخذها من قبل أن يُشَرِّكَ الله تعالى بينهم.\nوالقول بجواز شركة الأبدان هو الراجح، وليس ذلك لحديث الباب فإنه ضعيف، ولكن لأمور ثلاثة:\n١ - أن الأصل في العقود الجواز، ومنها الشركات، ما لم يقم دليل على المنع، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وهذا أمر بالتزام الوفاء بالعقود التي يعقدها المسلم ما لم تخالف الشرع.\n٢ - أن الناس ما زالوا يتعاملون بهذه الشركة من زمن النبي - ﷺ - إلى يومنا هذا من غير أن ينكر ذلك أحد، فيكون هذا إجماعًا سكوتيًّا.\n_________\n(^١) \"البحر الرائق\" (٥/ ١٩٧)، \"بداية المجتهد\" (٤/ ١٢)، \"المغني\" (٧/ ١١١).\n(^٢) \"المحلى\" (٨/ ٥٤٢)، \"مغني المحتاج\" (٢/ ٢١٢).","vol":"6","page":350},{"text":"٣ - أن شركة الأبدان فيها منافع كثيرة للفرد والمجتمع، ولا محذور فيها شرعًا، ففيها ازدهار الاقتصاد، والسعي في طلب الرزق، والقول بمنعها فيه تعطيل لذلك كله، وبعض الناس قد يتقن مهنة ما، ولكنه لا يملك الجرأة التي تحمله على تقبل الأعمال بمفرده؛ لأنه يخاف المسؤولية، فإذا اشترك معه آخر قويت عزيمته، فيحصل بذلك التكاتف والتعاون في إنجاح الأعمال التي تعود على المجتمع بالنفع والخير (^١).\nوأما القول بأن الشركة لا تتحقق إلا بالمال ففيه نظر؛ لأن مقصود الشركة هو تحصيل الربح على الاشتراك، وهو لا يقتصر على المال، بل يجوز بالعمل -أيضًا-كما في المضاربة، فيجوز بالتوكيل، وهو ما تقوم عليه شركة الأبدان، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"شركات الأشخاص\" ص (١٧٨).","vol":"6","page":351},{"text":"<span data-type='title' id=toc-733>مشروعية الوكالة</span>\n٨٨٤/ ٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -﵄-، قَال: أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيبَرَ، فَأَتَيتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَال: \"إذَا أتيتَ وَكِيلِي بِخَيبَرَ، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا … \". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ.\n\nالكلام عليه من وجوده:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"الأقضية\"، بابٌ \"في الوكالة\" (٣٦٣٢)، والدارقطني (٤/ ١٥٤، ١٥٥)، والبيهقي (٦/ ٨٠) من طريق عبيد الله بن سعد بن إبراهيم: حدثنا عمي، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن أبي نعيم وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله - ﵄ - … وتمامه: \"فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته\" وهذا لفظ أبي داود، وعند الدارقطني: \"خذ منه ثلاثين وسقًا\".\nوالحديث حسنه الحافظ في \"التلخيص\" (^١) مع أن في إسناده محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد عنعنه.\nولما ذكره عبد الحق الأشبيلي في \"أحكامه\" (^٢) وسكت عنه تعقبه ابن القطان بقوله: (سكت عنه، وهو من رواية ابن إسحاق ولم يبين ذلك) (^٣)، ونقله عنه الزيلعي، وأقره (^٤). وضعفه الألباني في \"ضعيف أبي داود\" (^٥).\nوقول الحافظ عن أبي داود إنه صححه لم أجده في \"السنن\"، إلا أن يكون قد استفاده من سكوته عنه، وقد عزاه ابن عبد الهادي في \"المحرر\" إلى\n_________\n(^١) (٣/ ٥٨).\n(^٢) \"الأحكام الوسطى\" (٣/ ٢٧٥).\n(^٣) \"بيان الوهم والإيهام\" (٤/ ٤٩١).\n(^٤) \"نصب الراية\" (٤/ ٩٤).\n(^٥) ص (٣٦٠).","vol":"6","page":352},{"text":"أبي داود وأبي بكر بن أبي عاصم، ولم يذكر تصحيح أبي داود.\nوقد علق البخاري طرفًا منه في كتاب \"فرض الخُمس\"، بابٌ \"ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين ما سأل هوازنُ النبيَّ - ﷺبرضاعه فيهم- فتحلل من المسلمين، وما كان النبي - ﷺ - يَعِدُ الناس أن يعطيهم من الفيء والأنفال والخمس، وما أعطى الأنصار، وما أعطى جابر بن عبد الله من تمر خيبر\" (^١).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (وسقًا) بفتح الواو، وسكون السين المهملة، آخره قاف، والوسق: ستون صاعًا نبويًّا، وتقدم في \"الزكاة\".\n\nقوله: (فإن ابتغى منك آية) أي: فإن طلب منك علامة تدل على صدقك.\n\nقوله: (ترقوته) بفتح المثناة الفوقية، وسكون المهملة، ثم ضم القاف، مقدم الحلق في أعلى الصدر حيثما يَتَرقَّى فيه النفس، قاله في \"القاموس\" (^٢)، وقال في \"المعجم الوسيط\": (عظمة مشرفة بين ثُغْرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان، وجمعه تراقٍ) (^٣).\n\n*الوجه الثالث: الحديث دليل على صحة الوكالة، وهذا أمر مجمع عليه كما تقدم أول الباب، والحديث صريح في جوازها حيث أفاد أن النبي - ﷺ - قد اتخذ لنفسه وكيلًا في خيبر يتولى تصريف أملاك الدولة هناك، وقد ورد أدلة أخرى تفيد ذلك بعمومها.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على استحباب اتخاذ أمارة بين الوكيل وموكله لا يطلع عليها غيرهما، ليعتمد الوكيل عليها في تنفيذ أوامر موكله، وهذا قد يُحتاج إليه في حالة تتعذر فيها الكتابة ونحوها، والعلامة أسهل من الكتابة، فقد لا يكون أحدهما ممن يحسنها، ولأن الخط يشتبه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٣٦).\n(^٢) \"القاموس\" (٢/ ٣٧٩ ترتيبه).\n(^٣) \"القاموس\" (٢/ ٣٧٩ ترتيبه)، \"المعجم الوسيط\" (١/ ٨٤).","vol":"6","page":353},{"text":"* الوجه الخامس: في الحديث دليل على جواز العمل بالقرينة في مال الغير، لتدل على صدق المرسَل، والقرينة: هي كل أمر ظاهر يصاحب شيئًا خفيًّا فيدل عليه. فمن طلب مالًا من وكيل -مثلًا- وأظهر له القرينة، جاز دفعه إليه، لقوله - ﷺ -: \"فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته\". ووجه الاستدلال: أنه لو لم يكن للقرينة والأمارة اعتبار ما أمر النبي - ﷺ - بالعمل بها (^١)، وفي السنة أدلة أخرى على اعتبار القرائن والعمل بها، وكذا ورد عن الصحابة - ﵃ - قضايا في مسائل عديدة كان اعتمادهم فيها على القرائن والأمارات (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"حجية القرائن في الشريعة الإسلامية\" ص (٣٦، ٨٨).\n(^٢) انظر: \"الطرق الحكمية\" ص (٥)، والمصدر السابق ص (٨٧ وما بعدها).","vol":"6","page":354},{"text":"<span data-type='title' id=toc-734>حكم تصرف الوكيل في مصلحة موكله</span>\n٨٨٥/ ٥ - عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقيِّ - ﵁ -، أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ، يَشْتَرِي لَهُ أُضْحِيَّةً … الْحَدِيثَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ في أثنَاءِ حَدِيثٍ، وَقَدْ تَقدَّمَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث تقدم تخريجه في كتاب \"البيوع\"، \"حكم تصرف الفضولي\" رقم (٨٢٠)، وهو حديث صحيح أخرجه أصحاب السنن إلا النسائي، وأخرجه البخاري في كتاب \"المناقب\" (٣٦٤٢) في أثناء حديث، من طريق سفيان بن عيينة: حدثنا شبيب بن غرقدة، قال: سمعت الحيَّ يتحدثون عن عروة، أن النبي - ﷺ - أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه.\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز تصرف الوكيل في حدود مقصود موكله، وبذل وسعه في تحصيل المنفعة للموكل، فإذا أوصى الموكل وكيله في شراء شيء معين بدينار -مثلًا- فاشترى الوكيل ضعفه بالدينار صح ذلك، وينبغي للموكل أن يقبل هذا التصرف، وأن يشكر وكيله ويدعو له؛ لأن مقصوده قد حصل، وزاده الوكيل خيرًا بلا محذور شرعي.\nوقد استدل بهذا الحديث من قال: إن الوكيل إذا اشترى شيئًا لم يأذن فيه صاحبه فإن الشراء صحيح، ويكون موقوفًا على إجازة موكله، فإن أمضى","vol":"6","page":355},{"text":"التصرف وأجازه صح، وإلا لزم الوكيل، وقد مضى الكلام على هذه المسألة.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنه ينبغي أن يُشكر الوكيل الناصح على تصرفه وأن يدعا له بما يناسب المقام، من باب مكافأته وتشجيعه وأمثاله على التصرف الذي ينفع الموكِّل. والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":356},{"text":"<span data-type='title' id=toc-735>جواز الوكالة في قبض الزكاة من أربابها</span>\n٨٨٦/ ٦ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ … الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nالكلام عليه من وجوده:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب \"الزكاة\"، باب \"قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] (١٤٦٨)، ومسلم كذلك (٩٨٣) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: بعث رسول الله - ﷺ - عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عمُّ رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا، قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي عليَّ، ومثلها معها، ثم قال: يا عمر أما شعرت أن عَمَّ الرجل صِنْوُ أبيه\". وهذا لفظ مسلم؛ لأن لفظ البخاري: \"أمر رسول الله - ﷺ - بالصدقة … \" وليس فيه ذكر عمر - ﵁ -، وسيذكر الحافظ طرفًا من هذا الحديث في \"باب الوقف\" وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على صحة الوكالة وجوازها في قبض الصدقة ممن هي عليه؛ لأن الراجح من قولي أهل العلم أن المراد بالصدقة هنا الزكاة الواجبة، وليست صدقة التطوع، كما قاله بعض أهل العلم، وذلك لأن صدقة التطوع لا يُبعث عليها السعاة لجمعها، وإنما تبعث السعاة لجباية صدقة الفرض.","vol":"6","page":357},{"text":"ومن قال: إنها صدقة التطوع، قال: لأنه لا يظن بهؤلاء الصحابة - ﵃ - أن يمنعوا الزكاة الواجبة.\nوأجيب عن ذلك: بأنهم ما منعوها جحدًا ولا عنادًا، إلا ابن جميل، فقد قيل: إنه كان منافقًا، ثم تاب بعد ذلك، وأما خالد - ﵁ - فكان متأولًا بإجزاء حَبْسِ أدراعه وأعتاده في سبيل الله تعالى، وأما العباس فقد التزم النبي - ﷺ - أن يدفع الزكاة عنه ويزيد مثلها تطوعًا، جبرًا لما حصل، ومبالغة في الكرم وصلة القرابة، ولهذا عذر النبي - ﷺ - خالدًا والعباس، ولم يعذر ابن جميل.\n\n* الوجه الثالث: يدخل في عموم الحديث جواز الوكالة في العبادات المالية أو التي لها تعلق بالمال كالزكاة -كما تقدم- وزكاة الفطر والصدقات والمنذورات والكفارات. فكل هذه وغيرها يجوز التوكيل في قبضها وتفريقها على مستحقها، لما عُلم من أنه - ﷺ - كان يبعث عماله إلى الأمصار لقبض الصدقات وتفريقها.\nأما العبادات البدنية المحضة كالوضوء والصلاة والصيام والاعتكاف ونحوها فلا تصح فيها الوكالة؛ لأنها تتعلق ببدن من هي عليه؛ لأن المقصود منها ابتلاء المكلف بعينه واختباره بإتعاب نفسه، وهذا لا يتحقق بالتوكيل فيها، إلا ركعتي الطواف فتصح فيهما الوكالة؛ لأنهما تبع للحج أو العمرة التي تجوز فيها الوكالة، ولو أفردهما بالتوكيل لم يصح ذلك.\nوأما الصوم عن الميت كما لو نذر صومًا، أوكان عليه أيام من رمضان -على أحد القولين- فإنه يُفعل عنه أداءً لما وجب عليه، وليس ذلك من باب الوكالة؛ لأن الميت لم يستنب الولي، وإنما أمره الشرع بذلك في قوله - ﷺ -: \"من مات وعليه صيام صام عنه وليه\" كما تقدم في \"الصيام\".\nوأما الحج والعمرة فتجوز الوكالة فيهما بإنابة من يؤديهما عن الإنسان، بشرط أن يكون ميتًا، أو عاجزًا عجزًا لا يرجى زواله، وتقدم هذا في \"الحج\".","vol":"6","page":358},{"text":"وأما حقوق الآدميين فهي قسمان:\nالأول: ما يتعلق بشخص الفاعل، فهذا لا تدخله النيابة، كالحدود والقصاص.\nالثاني: ما يتعلق بالفعل نفسه، فهذا تدخله النيابة في الجملة، سواء كان من العقود كالبيع والشراء والإجارة والإبراء والنكاح ونحوها، أوكان من الفسوخ كالإقالة والخلع والطلاق ونحو ذلك.\nوالخلاصة أن كل أمر يجوز أن يباشر التصرف فيه غير صاحبه فإنه يجوز له أن يوكل فيه غيره، وكل أمر لا يجوز أن يباشره سوى الشخص نفسه فإنه لا يجوز له أن يوكل فيه، والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":359},{"text":"<span data-type='title' id=toc-736>جواز الوكالة في نحر الهدي</span>\n٨٨٧/ ٧ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ -، أَن النَّبِيَّ - ﷺ - نَحَرَ ثَلاثًا وَسِتِّينَ، وَأَمَرَ عَلِيًّا أنْ يَذْبَحَ الْبَاقيَ … الْحَدِيثَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث تقدم تخريجه في كتاب \"الحج\" (٧٤٢) وقد ساقه الحافظ هناك، واختصر في أثنائه، ومن ذلك هذه الجملة، فإنه لم يذكرها هناك في سياقه للحديث.\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز التوكيل في نحر الهدي، وكذا الأضاحي، وتفريق لحومها وجلودها وجلالها على المساكين، لحديث علي - ﵁ - قال: أمرني النبي - ﷺ - أن أقوم على بُدْنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها، وألا أعطي الجزار منها شيئًا، وقال: \"نحن نعطيه من عندنا\" (^١).\nوسيأتي شرح حديث علي - ﵁ - في باب \"الأضاحي\" وفيه فوائد تتعلق بهذا الباب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧١٧)، ومسلم (١٣١٧) والأجلَّة: جمع جلال، وهو ما يطرح على ظهر البعير من كساء ونحوه وقاية له.","vol":"6","page":360},{"text":"<span data-type='title' id=toc-737>جواز الوكالة في الحدود إثباتًا واستيفاءً</span>\n٨٨٨/ ٨ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - في قِصَةِ الْعَسِيفِ، قَال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإنِ اعْتَرَفتْ فَارْجُمْهَا … \" الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nالكلام عليه منب وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع من \"صحيحه\"، أولها في كتاب \"الوكالة\"، باب \"الوكالة في الحدود\" (٢٣١٤، ٢٣١٥) وساقه مختصرًا، وهو لفظ الحافظ في \"البلوغ\" وساقه بتمامه في مواضع أخرى، وإنما اقتصر في الوكالة على القدر المحتاج إليه في الترجمة، وأخرجه مسلم (١٦٩٧، ١٦٩٨) كلاهما من طريق ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن زيد بن خالد وأبي هريرة - ﵄ -. وله طرق وألفاظ، وسيأتي ذلك إن شاء الله في كتاب \"الحدود\" حيث ساقه الحافظ هناك بتمامه.\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز الوكالة في إثبات الحدود واستيفائها، فإن قوله - ﷺ -: \"فإن اعترفت فارجمها\" دليل على أن الحد لم يثبت قبل التوكيل، وإنما كان التوكيل في إثباته أولًا ثم استيفائه ثانيًا، والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":361},{"text":"<span data-type='title' id=toc-738>باب الإقرار</span>\nالإقرار لغة: مصدر أقر بالشيء، يقر إقرارًا: إذا اعترف به، فهو مقر.\nوشرعًا: اعتراف الإنسان بما عليه للغير من حقوق.\nوالأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nومن السنة حديث الباب \"قُلِ الحقَّ ولوكانَ مُرًا\"، فإن الإقرار داخل في عموم قول الحق؛ لأنه يشمل قول الإنسان على نفسه وقوله على غيره، كما سيأتي، ولهذا ذكر الحافظ هذا الحديث في باب الإقرار تبعًا للرافعي (^١) في \"شرح الوجيز\" (^٢)، إلا أنه ذكر الحديث بلفظ حديث علي - ﵁ - الآتي في تخريج حديث الباب.\nوقول الحافظ: (فيه الذي قبله وما أشبهه) أي: ورد في الإقرار الحديث الذي قبله، وهو حديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة العسيف، وما أشبه هذا الحديث مما فيه إقرار الإنسان على نفسه كاقرار ماعز، والغامدية - ﵄ - على أنفسهما بالزنا، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في \"الحدود\".\nوقد أجمع المسلمون على صحة الإقرار؛ لأنه إخبار بالحق على وجه لا تهمة فيه، ولا ريبة؛ لأن العاقل لا يكذب على نفسه في شيء يَضُرُّ بها.\nوالإقرار له ارتباط بكثير من العقود، وأهمها البيوع، ولهذا جعله بعض الفقهاء والمحدثين أثناء أبواب البيوع أو بعدها، وبعضهم يختم به كتاب\n_________\n(^١) المتوفى سنة (٦٢٣ هـ).\n(^٢) انظر: \"فتح العزيز شرح الوجيز\"، المطبوع مع \"المجموع\" (١١/ ٨٩).","vol":"6","page":362},{"text":"الفقه؛ لأن من كان آخر كلامه من الدنيا \"لا إله إلا الله دخل الجنة\" (^١)، وبعضهم يختم بكتاب العتق تفاؤلًا بأن يعتقه الله من النار.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في أول \"الجنائز\".","vol":"6","page":363},{"text":"<span data-type='title' id=toc-739>وجوب قول الحق وإن كان مرًّا</span>\n٨٨٩/ ١ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ - ﵁ -، قَال: قَال لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"قُلِ الحَقَّ وَلَوْ كَانَ مُرًّا\". صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثٍ طَويلٍ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه ابن حبان (٢/ ٧٦) من طريق إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني، قال: حدثنا أبي، عن جدي، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر - ﵁ -، قال: دخلت المسجد، فإذا رسول الله - ﷺ - جالس وحده، قال: \"يا أبا ذر إن للمسجد تحية، وإن تحيته ركعتان، فقم فاركعهما … \" وساق الحديث بطوله، وفيه وصايا نبوية، وعدد الأنبياء، إلى أن قال: قلت: يا رسول الله! أوصني، قال: \"أوصيك بتقوى الله … \" إلى أن قال: قلت: يا رسول الله! زدني، قال: \"قل الحق وإن كان مرًا … \" الحديث.\nوإبراهيم بن هشام تكلم فيه أئمة الجرح والتعديل، فقد وثقه ابن حبان، والطبراني، وقال فيه أبو زرعة: (كذاب) ومثله قال أبو حاتم (^١)، واعتبره الذهبي من عداد المتروكين الذين مشَّاهم ابن حبان، فلم يصب (^٢).\nوهذا القدر الذي ساقه الحافظ هنا ورد عند الإمام أحمد (٣٥/ ٣٢٧) من طريق سلَّام أبي المنذر، عن محمد بن واسع، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر - ﵁ -، قال: (أمرني خليلي - ﷺ - بسبع: أمرني بحب المساكين،\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٢/ ١٤٢)، \"الميزان\" (١/ ٧٢)، \"لسان الميزان\" (١/ ٣٨١).\n(^٢) \"الميزان\" (٤/ ٣٧٨).","vol":"6","page":364},{"text":"والدنوِّ منهم، وأمرني أن أنظر إلى من دوني، ولا أنظر إلى من فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرًّا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش).\nوهذا الحديث فيه سلَّام أبو المنذر المقرئ المصري، وهو صدوق يهم، كما في \"التقريب\"، وقد توبع، تابعه الأسود بن شيبان، كما عند ابن حبان (٢/ ١٩٤)، وهشام بن حسان، والحسن بن دينار، عند البيهقي (١٠/ ٩١) ثلاثتهم عن محمد بن واسع.\nوقد اقتصر على القدر المذكور الشهاب القضاعي في \"مسنده\" (٦٥١)، والطبراني في \"مكارم الأخلاق\" (١)، من طريق إبراهيم بن هشام، به.\nوهذا القدر له شاهد من حديث علي - ﵁ -، رواه أبو عمرو بن السماك في \"حديثه\" -كما ذكر الألباني-: حدثنا جعفر بن محمد الزعفراني الرازي، ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا حسين بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي - ﵁ -، قال: لما ضممت إليّ سلاح رسول الله - ﷺ - وجدت في قائم سيف رسول الله رقعة فيها: \"صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحق ولو على نفسك\". قال الألباني: هذا إسناد صحيح (^١)، مع أن فيه حسين بن زيد ضعفه أبو حاتم وابن المدني، وله بعض مناكير عن جعفر، ذكرها ابن عدي (^٢).\n\n* الوجه الثاني: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على وجوب الإقرار بالحق، وأن الإنسان يخبر بجميع ما عليه لغيره من مال أو إتلاف، أو أي حق من الحقوق؛ لأن هذا من الصدق، وفيه إظهار الحق، وإبراء الذمة، ولا يثنيه عن إقراره ما قد يترتب عليه من تبعات مالية أو غيرها، ولهذا قال - ﷺ - \"وإن كان مرًّا\"، وهذا من باب التشبيه؛ لأن الحق قد يصعب\n_________\n(^١) انظر: \"التلخيص\" (٣/ ٥٩)، \"الصحيحة\" للألباني (٤/ ٥٤٢).\n(^٢) انظر: \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٥٣)، \"الكامل\" (٢/ ٣٥١)، \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢٩٣).","vol":"6","page":365},{"text":"إجراؤه على النفس خوفًا من عواقبه وتبعاته، كما يصعب عليها إساغة المرِّ لمرارته، والحديث شامل لما على المقر نفسه من الحقوق، وشامل لما على غيره من أداء الشهادة على إنسان، وإنكار المنكر إذا رآه أو سمعه، ونحو ذلك مما يتعلق بالآخرين.\nوالحديث فيه ما علمت، لكن مقتضى النصوص العامة، ومقاصد الشريعة تنص على هذا المعنى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَو الْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] قال ابن كثير: (وقوله: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: اشهد بالحق ولو عاد ضررها عليك، وإذا سئلت عن الأمر فقل الحق فيه، وإن كان مضرة عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجًا ومخرجًا من كل أمر يضيق عليه) (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٣٨٤).","vol":"6","page":366},{"text":"<span data-type='title' id=toc-740>باب العارية</span>\nالعارية: بتخفيف الياء وتشديدها، مشتقة من العُري، وهو التجرد، سميت عارية: لتجردها عن العوض.\nوشرعًا: دفع عين لمن ينتفع بها مجانًا ويردها.\nفقولنا: (لمن ينتفع بها) يخرج البيع؛ لأنه تمليك، وقولنا: (مجانًا) يخرج الإجارة؛ لأنها تمليك المنفعة بمال. وقولنا: (ويردها) فيه إشارة إلى أن العارية إنما تكون حال حياة المعير، ويخرج بذلك الوصية بالمنفعة؛ لأنها تمليك بعد الوفاة.\nومن أمثلة العارية: أن يعيره دارًا يسكنها، أو سيارة يركبها، أو نخلة يأكل ثمرتها، أو منيحة يشرب لبنها، أو كتابًا يقرأ فيه، أو شيئًا من متاع البيت؛ كالقدر ونحوه، ينتفع به.\nوالعارية مباحة للمستعير، مستحبة للمعير؛ لأن فيها عونًا للمسلم، وقضاءً لحاجته، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، وهي من الإحسان، والله يحب المحسنين.\nوقد تكون العارية واجبة أحيانًا، وقد حكى ابن قدامة الوجوب؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾، ولحديث جابر - ﵁ - الآتي، وقد قيد ابن تيمية ذلك بكون المعير غنيًّا، وذكر أنه أحد القولين في مذهب أحمد (^١).\n_________\n(^١) \"المغني\" (٧/ ٣٤٠)، \"الاختيارات\" ص (١٥٨)، \"الفتاوى\" (٢٨/ ٩٨)، \"عقد العارية\" ص (٥١).","vol":"6","page":367},{"text":"وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع والقياس، أما الكتاب فعموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٧] فقد ذكر جمهور المفسرين أن المراد بـ (الماعون) ما يستعيره الجيران بعضهم من بعض من الأواني أو الأمتعة، قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: \"كنا نَعُدُّ الماعون على عهد رسول - ﷺ -، عارية الدلو والقدر\" (^١).\nيقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: (أي: يمنعون إعطاء الشيء الذي لا يضر إعطاؤه على وجه العارية، أو الهبة؛ كالإناء والدلو، والفأس، ونحو ذلك مما جرت العادة ببذله والسماح به … ففيه الحث على فعل المعروف، وبذل الأمور الخفيفة؛ كعارية الإناء والدلو والكتاب، ونحو ذلك؛ لأن الله ذم من لم يفعل ذلك …) (^٢).\nوأما الأدلة من السنة فهي أحاديث الباب، ومنها -أيضًا- حديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها … \" الحديث قيل: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: \"إطراق فحلها، وإعارة دلوها ومنيحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله\" (^٣).\nوأما الإجماع فقد قال ابن قدامة: (أجمع المسلمون على جواز العارية واستحبابها) (^٤).\nوأما القياس فلأنه لما جازت هبة الأعيان كالثياب والأواني والكتب جاز هبة المنافع من هذه الأشياء وغيرها، ولهذا تصح الوصية بالأعيان والمنافع جميعًا، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٦٥٧) وإسناده صحيح، كما قال ابن كثير في \"الإرشاد\" (٢/ ٦٦).\n(^٢) \"تفسير ابن سعدي\" ص (٩٣٥).\n(^٣) أخرجه مسلم (٩٨٨) (٢٨).\n(^٤) \"المغني\" (٧/ ٣٤٠).","vol":"6","page":368},{"text":"<span data-type='title' id=toc-741>وجوب رد ما أُخذ من ملك الغير</span>\n٨٩٠/ ١ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ - ﵁ -، قال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ، والأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٣٣/ ٢٧٧)، وأبو داود في كتاب \"البيوع\"، بابٌ \"في تضمين العارية\" (٣٥٦١)، والترمذي (١٢٦٦)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٣٣٣)، وابن ماجه (٢٤٠٠) والحاكم (٢/ ٤٧) كلهم من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، زاد أبو داود والترمذي والحاكم: (قال قتادة: ثم إن الحسن نسي، فقال: هو أمينك لا ضمان عليه) (^١). وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).\nقال المنذري: (هذا يدل على أن الترمذي يصحح سماع الحسن من سمرة، وفيه خلاف تقدم) (^٢).\nوقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، على شرط البخاري، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي. قال ابن دقيق العيد: (وليس كما قال، وإنما هو على شرط الترمذي) (^٣). والحديث أعل بتدليس الحسن البصري، وقد عنعنه،\n_________\n(^١) انظر: \"عون المعبود\" (٩/ ٤٧٦)، \"تحفة الأحوذي\" (٤/ ٤٨٣).\n(^٢) \"مختصر السنن\" (٥/ ١٩٨).\n(^٣) \"الإلمام\" ص (٣٥٠)، وانظر: \"تهذيب مختصر السنن\" لابن القيم (٥/ ١٩٧).","vol":"6","page":369},{"text":"وفي سماعه من سمرة - ﵁ - خلاف تقدم ذكره في باب \"الغسل\" من كتاب \"الطهارة\"، عند الحديث (١١٥).\nوالحديث له شواهد تؤيد معناه، كحديث يعلى بن أمية الآتي، وفيه: \"بل عارية مؤداة\"، وحديث أبي أمامة - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع يقول: \"العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم\" (^١).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (على اليد ما أخذت) الجار والمجرور خبر مقدم، وعلى: للوجوب؛ أي: يجب على اليد، واليد: اسم لليد الجارحة، كالتي تأخذ العارية أو الوديعة ونحوهما، وكذا اليد المعنوية، والمراد بها المستولية على مال الغير بغير حق، كما لو استولى على أرض غيره أو نخله، أو نحو ذلك.\nوفي الكلام لفظ منوي من باب دلالة الاقتضاء، وهو ما يتوقف فهم المراد منه على مقدر، والتقدير: على اليد ضمان ما أخذت، أو حفظ ما أخذت (^٢)، فمن قدر الضمان أوجبه على المستعير، ومن قدر الحفظ أوجبه، ولم يوجب الضمان إذا وقع التلف مع الحفظ المعتبر.\n\nقوله: (ما أخذت) ما: اسم موصول مبتدأ مؤخر، والعائد محذوف، والتقدير: ما أخذته، والموصول صيغة عموم؛ أي: ما أخذته من مال الغير بحق كالرهن والإجارة والإعارة والوديعة، وغيرها، أو بغير حق كالغصب، وذُكِرَ الحديث في باب العارية لشموله لها.\n\nقوله: (حتى تؤديه) ي: إلى صاحبه أو من يقوم مقامه، فتؤديه من غير نقص عين ولا صفة، والإسناد إلى اليد للمبالغة؛ لأنها هي المتصرفة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣٦/ ٦٢٨)، وأبو داود (٣٥٦٥)، والترمذي (١٢٦٥)، وابن ماجه (٢٠٠٧)، وحسنه الترمذي، وليس عنده \"والمنحة مردودة\"، وسيأتي -إن شاء الله- في باب \"الوصايا\".\n(^٢) انظر: \"نيل الأوطار\" (٥/ ٣٣٦).","vol":"6","page":370},{"text":"* الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يجب على الإنسان رَدُّ ما أخذته يده من مال غيره إلى مالكه أو من يقوم مقامه، فالمرتهن والمستأجر والموح والمستعير كل منهم يرد ما أخذ متى انقضى الغرض من العين، إن كان قد أخذها لمصلحته، أو يردها إذا طلبها صاحبها إذا كان أخذها لحفظها كالوديعة.\nوما أُخذ يلزم رد عينه إن كانت موجودة، ورد المثل أو البدل إذا كانت قد استهلكت أو تلفت.\nوكذا الغاصب أو السارق أو من أخذ مال غيره بالدعاوى الباطلة أو اليمين الكاذبة يرد ما أخذه إلى أصحابه ولو غرم على رده أضعاف قيمته؛ لأنه هو الذي أدخل الضرر على نفسه.\nويقع كثير من الناس في أخطاء في موضوع العارية، أهمها ثلاثة:\nالأول: عدم إعادة العين إلى صاحبها متى انتهى منها المستعير، بل يهملها ويتركها، وقد ينساها صاحبها، أو لا يدري من المستعير إذا طال الزمن!.\nالثاني: الإساءة إلى العين وعدم ردها كما أُخذت، وهذا يقع كثيرًا في استعارة الكتب، وبعض الأمتعة.\nالثالث: إعارة المستعير ما استعاره لغيره.\nواعلم أن الراجح من قولي أهل العلم أنه لا يجوز للمستعير إعارة العارية لغيره بغير إذن مالكها، وهو قول الشافعية والحنابلة، قياسًا للمستعير على الضيف، بجامع عدم الملك، فكما أن الضيف الذي أبيح له الطعام لا يجوز له أن يبيحه لغيره، فكذلك المستعير لا يجوز له أن يعير غيره.\nوأما من أجاز ذلك قياسًا على المستأجر الذي يملك أن يعير، لملكه المنفعة، فهذا قول مرجوح، لاعتماده على قياس غير صحيح؛ لأن الإعارة ليست تمليكًا للمنفعة كالإجارة، وإنما هي إباحة انتفاع، ومن أبيح له منفعة فإنه لا يملك نقل ما أبيح له لغيره (^١).\n_________\n(^١) \"المغني\" (٧/ ٣٧٤)، \"مغني المحتاج\" (٢/ ٢٦٤).","vol":"6","page":371},{"text":"فإن أذن المعير للمستعير بإعارة ما استعاره منه جاز ذلك باتفاق الفقهاء؛ لأن الحق في العارية لمالكها، فإذا أن للمستعير بالإعارة فقد رضي بذلك وتنازل عن حقه.\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن مؤنة رد العارية على المستعير إن احتاجت إلى ذلك؛ لأن وجوب ردها لا يتم إلا بالمؤنة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولأن الإعارة مكرمة، فلو لم تجعل المؤنة على المستعير لامتنع الناس منها.\n\n* الوجه الخامس: هذا الحديث يعتبر قاعدة شرعية جليلة من قواعد الضمان في التشريع الإسلامي، وهو أصل في باب العارية والغصب والإتلاف (^١)، ولا يخفى ما في هذا الأصل وأمثاله من صيانة الأملاك وحفظ الحقوق، وإقامة العدل بين الناس، مما يؤكد تحريم أخذ أموال الآخرين بالباطل، وفي حالة التعدي عليها يتقرر الضمان، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"حجة الله البالغة\" (٢/ ٤١٨)، \"جمهرة القواعد الفقهية في المعاملات المالية\" (١/ ٢٠٣).","vol":"6","page":372},{"text":"<span data-type='title' id=toc-742>وجوب ردِّ الأمانات والعواري ونحوها</span>\n٨٩١/ ٢ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِي.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"البيوع\"، باب \"في الرجل يأخذ حقه من تحت يده\" (٣٥٣٥)، والترمذي (١٢٦٤)، والحاكم (٢/ ٥٣) من طريق طلق بن غنام، عن شريك وقيس، عن أبي حَصين (^١)، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nوقال الترمذي: (حديث حسن غريب)، وقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي.\nوهذا فيه نظر، فإن شريكًا وهو ابن عبد الله القاضي إنما أخرج له مسلم في المتابعات لا في الأصول، كما قال الذهبي نفسه (^٢)، وهو سيء الحفظ، كما تقدم في أحاديث.\nوحديثه هذا مقرون برواية قيس، وهو ابن الربيع (^٣)، وهو سيء الحفظ أيضًا (^٤).\n_________\n(^١) بفتح الحاء، واسمه عثمان بن عاصم بن حصين. \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ١١٦).\n(^٢) \"الميزان\" (٢/ ٢٧٤).\n(^٣) كان كاتب شريك القاضي.\n(^٤) انظر: \"المحلى\" (٨/ ١٨٢)، \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٥٣٤).","vol":"6","page":373},{"text":"وقد أعلَّ الحديث أبو حاتم، فقال: (إنه حديث منكر، لم يروه غير طلق بن غنام) (^١)، وتعقبه الألباني بقوله: (لا ندري ما وجهه؛ لأن طلقًا ثقة بلا خلاف، وثقه ابن سعد، والدارقطني، وابن شاهين وغيرهم. وقول ابن حزم فيه: (ضعيف) (^٢) مردود، لشذوذه، ولأنه جرح غير مفسَّر، ثم استدركت فقلت: لعل وجهه أن طلقًا لم يثبت عند أبي حاتم عدالته، فقد أورده ابنه في \"الجرح والتعديل\" وحكى عن أبيه أسماء شيوخه والرواة عنه، ثم لم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذلك مما لا يضره، فقد ثبتت عدالته بتوثيق من وثقه، لا سيما وقد احتج به الإمام البخاري في \"صحيحه\") (^٣).\nلكن قد يقال: إن الثقة قد ينكر عليه بعض أحاديثه التي لا توجب ضعفه، ولا يلزم أن يكون كل ما رواه محفوظًا، لا سيما أن طلقًا ذكره ابن شاهين في \"الثقات\"، وقال: (قال عثمان بن أبي شيبة: \"ثقة صدوق، لم يكن بالمتبحر في العلم\") (^٤).\nوالحديث له شواهد عن أنس وأبي أمامة وأُبي بن كعب وغيرهم -﵃-، وكلها معلولة، لا تفيد في تقوية الحديث، فإن أبا حاتم أنكره كما تقدم، وقال الإمام أحمد (هذا حديث باطل، لا أعرفه من وجه يصح) (^٥). وقال ابن الجوزي: (هذا الحديث من جميع طرقه لا يصح) (^٦).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أدِّ الأمانة) أي: أعطها ورُدَّها. والأمانة: ضد الخيانة، والمراد بها هنا: الشيء الذي يوجد عند الأمين، سواء أكان أمانة بقصد حفظه كالوديعة، أو كان أمانة ضمن عقد كالمال عند الوكيل أو عامل المضاربة أو الشريك ونحو ذلك، أو كان بدون عقد ولا قصد كما لو ألقت الريح في دار أحد مال جاره كثوب ونحوه.\n_________\n(^١) \"العلل\" (١/ ٣٧٥).\n(^٢) \"المحلى\" (٨/ ١٨٢).\n(^٣) \"السلسلة الصحيحة\" رقم (٤٢٤)، \"الإرواء\" (٥/ ٣٨١، ٣٨٢).\n(^٤) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٣٠).\n(^٥) \"التلخيص\" (٣/ ١١٢).\n(^٦) \"العلل المتناهية\" (٢/ ١٠٣).","vol":"6","page":374},{"text":"والأمين: هو الذي في يده مال لغيره برضى المالك، كالمودَعَ والوكيل والشريك، أو برضى الشارع كولي الصغير أو اليتيم، أو برضى من له الولاية عليه كأمين الحاكم ونحو ذلك.\n\nقوله: (إلى من ائتمنك) أي: إلى صاحبها الذي رضي بكونها عندك وجعلك أمينًا عليها.\n\nقوله: (ولا تخن من خانك) الخيانة: مصدر خان يخون، وهو مأخوذ من مادة (خ ون) التي تدل على التنقُّص يقال: خنت فلانًا، وخنت أمانة فلان بمعنى: نقصان الوفاء (^١)، والخيانة هنا: هي عدم الوفاء بالأمانة إما بالتفريط في حفظها، أو بجحدها وعدم أدائها، أو بالتصرف فيها بلا إذن صاحبها، أو بالنقص منها، فكل ذلك خيانة.\n\n* الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على أنه يجب على المؤتمن أن يرد الأمانة إلى صاحبها متى طلبها منه؛ لأنه قبض الأمانة على سبيل الحفظ والإحسان إلى صاحبها، فإذا طلبها وجب ردها إليه بأيسر الطرق وأسهلها، وليس له أن يؤذيه بردها أو يعوقه.\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب حفظ الأمانة والعناية بها وعدم التعدي عليها أو التفريط بحفظها؛ لأن هذا من لوازم أدائها، فإن الأداء لا يتم إلا بحفظها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وقوله: ﴿إِلَى أَهْلِهَا﴾ فيه دليل على أن الأمانة لا تدفع ولا تؤدى لغير صاحبها الذي ائتمنك عليها، ووكيله بمنزلته، ومثل ذلك لو أعطاها ابنه الذي جرت عادته بأن يتولى مال أبيه ونحو ذلك، ولو دفعها لغير ربها لم يكن مؤديًا لها.\nوالفرق بين التعدي والتفريط: أن التفريط ترك ما يجب من الحفظ، والتعدي فعل ما لا يجوز من التصرفات، فالتفريط أن يتساهل في حفظ الأمانة كان يضعها في غير حرز، والتعدي أن يستعملها أو يتصرف بها بلا إذن صاحبها كالقراءة في الكتاب، أو ركوب السيارة، ونحو ذلك.\n_________\n(^١) \"معجم مقاييس اللغة\" (٢/ ٢٣١).","vol":"6","page":375},{"text":"* الوجه الخامس: الحديث دليل على تحريم الخيانة، وأن المؤمن الحق لا يقابل الخيانة بخيانة مثلها، فإذا خان صاحبُ الأمانة -مثلًا- مَنْ عنده الأمانة، فليس للمؤتمن أن يخون خيانة تغضب الله عليه ويلحقه عارها، بل ياع الخائن يبوء بإثمه، ويسلم هو من الإثم، وللمخون أن يطالب بحقه بالطرق الشرعية.\nوقد عدَّ الإمام الذهبي وغيره الخيانة من كبائر الذنوب (^١) مستدلًا بهذا الحديث، وحديث: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان\" (^٢)، والخيانة قبيحة في كل شيء، وبعضها شر من بعض، فقد تكون الخيانة في الأمانات والودائع والعين المستأجرة، وقد تكون في أهل الإنسان، وهي من علامات النفاق، ودليل على فساد الطوية، وإضمار الشر، فهي من أسوأ ما يبطن الإنسان، ومفاسدها عظيمة، ولذا نهى الله عنها فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧].\n\n* الوجه السادس: استدل العلماء بهذا الحديث على أن من له حق على إنسان وامتنع من أدائه فإنه ليس لصاحب الحق الأخذ من ماله بغير إذنه، ووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - نهى عن الخيانة، وأخذ الإنسان قدر حقه من مال غيره بغير علمه خيانة فلا يجوز، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وهو قول للمالكية (^٣).\nوالقول الثاني: أنه يجوز الأخذ من ماله بغير إذنه، وهذا قول الشافعية، وعليه الفتوى عند الحنفية، وهو المعتمد عند المالكية، ووجه مُخَرَّجٌ عند الحنابلة، واستدلوا بدليلين:\nالأول: العمومات الدالة على جواز المعاملة بالمثل، كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وأيُّ سيئة أو اعتداء أعظم من أخذ أموال الناس ثم المماطلة في دفعها أو إنكارها.\n_________\n(^١) \"الكبائر\" ص (١٠٨)، \"الزواجر\" (٣٦٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣)، ومسلم (١٠٧) (١٠٩).\n(^٣) \"المغني\" (١٤/ ٣٤٠).","vol":"6","page":376},{"text":"الدليل الثاني: قول النبي - ﷺ - لهند بنت عتبة: \"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف\" (^١) وسيأتي -إن شاء الله- في باب \"النفقات\". ووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - أجاز لهند الأخذ بغير إذن أبي سفيان، ولو كان الإذن شرطًا لبينه النبي - ﷺ -.\nوالقول الثالث: التفصيل وهو أنه إن كان سبب الحق ظاهرًا لا يحتاج إلى بينة جاز الأخذ، وذلك مثل النفقة، فتأخذ المرأة من مال زوجها بلا علمه لأجل أن تنفق على نفسها وأولادها إذا امتنع عن النفقة أصلًا أو تكميلًا؛ لقصة هند، ومثل ذلك حق الضيف، وقد ورد في مسألة الضيافة، حديث عقبة بن عامر - ﵁ - قال: إنا نمر بأقوام لا يُقْرُوْنَنَا، فهل نأخذ من أموالهم؟ قال: \"إذا مررتم بأقوام لم يقروكم ما ينبغي للضيف، فخذوا منهم بقدر قِراكم\" (^٢)، وعن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: \"أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محرومًا، له أن يأخذ بقدر قراه ولا حرج عليه\" (^٣)، فيأخذ ما يكفيه من طعام من نزل عليه ولم يضيفه فهذا يجوز، لما تقدم؛ ولأن السبب إذا ظهر لم ينسب الآخذ إلى الخيانة، بل يحال آخذه إلى السبب الظاهر.\nوأما إن كان السبب خفيًّا، كأن يكون له دين على آخر من قرض أو ثمن مبيع أو نحو ذلك من الحقوق التي تخفى، فهذا لا يجوز له الأخذ من ماله بغير إذنه، لحديث الباب، ولئلا يعرض نفسه للتهمة، ولأن في المنع سدًا للباب، لئلا ينفتح باب الشر ويدعي الآخذ أن له حقًّا وهو مبطل. وهذا هو ظاهر المذهب عند الحنابلة، كما قال ابن رجب (^٤)، وهو اختيار ابن القيم، وابن سعدي (^٥)، وهذا أرجح الأقوال، وبه تجتمع الأدلة، كما تقدم. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٣٦٤)، ومسلم (١٧١٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٣٦١)، ومسلم (١٧٢٧).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢/ ٣٨٠) بسند صحيح.\n(^٤) \"القواعد\" (١/ ١٠١)، \"الروض المربع بحاشية العنقري\" (٣/ ٣٥٣).\n(^٥) \"إعلام الموقعين\" (٦/ ٤٨٠)، \"القواعد\" لابن سعدي ص (٩٧).","vol":"6","page":377},{"text":"<span data-type='title' id=toc-743>حكم ضمان العارية</span>\n٨٩٢/ ٣ - عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ - ﵁ - قَال: قال لي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا أَتتْكَ رُسُلِي فَأعطِهِمْ ثَلَاثينَ دِرْعًا\"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعَارِيةٌ مَضْمُونَةٌ، أوْ عَارِيةٌ مُؤَدَّاةٌ؟ قَال: \"بَلْ عَارِيةٌ مُؤَدَّاةٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبو دَاوُدَ، وَالنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n٨٩٣/ ٤ - وعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيةَ، أَن النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَعَارَ مِنْهُ دُرُوعًا يَوْمَ حُنَينٍ، فَقَال: أَغصْبٌ يَا مُحَمدُ؟ قَال: \"بَلْ عَارِيةٌ مَضْمُونَةٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.\n٨٩٤/ ٥ - وَأَخْرَجَ لَهُ شَاهِدًا ضَعِيفًا عَنِ ابْنِ عَبَّاس - ﵄ -.\n\n* الكلام عليها من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو صفوان بن أمية بن خلف القرشي الجمحي، يكنى أبا وهب، وقيل: أبو أمية. كان صفوان من أشراف قريش في الجاهلية، وكان من أفصح قريش لسانًا، وهو أحد المُطْعِمِينَ، وممن كان يملك مستودعات للأسلحة يخزنها لوقت الحاجة إليها، قتل أبوه يوم بدر كافرًا، وحضر هو وقعة حنين قبل أن يسلم، ثم أسلم وحسن إسلامه، وقد استعار منه النبي - ﷺ - سلاحه لما خرج إلى حنين، وأعطاه النبي - ﷺ - من المغانم فأكثر، فقال: (أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي) فأسلم، وعن المسيب، عن صفوان، قال: (والله لقد أعطاني رسول الله - ﷺ - ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني","vol":"6","page":378},{"text":"حتى إنه لأحبُّ الناس إليَّ) (^١). مات صفوان بمكة سنة اثنتين وأربعين في أول خلافة معاوية - ﵁ - على ما ذكره ابن عبد البر (^٢).\nوأما يعلى بن أمية فقد تقدمت ترجمته في كتاب \"الحج\" (^٣).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجها:\nأما حديث يعلى بن أمية - ﵁ - فقد أخرجه أحمد (٢٩/ ٤٧١، ٤٧٢)، وأبو داود في كتاب \"البيوع\"، بابٌ \"في تضمين العارية\" (٣٥٦٦)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٣٣١)، وابن حبان (١١/ ٢٢، ٢٣) من طريق همام بن يحيى: حدثنا قتادة، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه مرفوعًا.\nوهذا إسناد صحيح، قال ابن حزم: (حديث حسن، ليس في شيء مما روي في العارية خبر يصح غيره، وأما ما سواه فليس يساوي الاشتغال به) (^٤).\nوأما حديث صفوان بن أمية - ﵁ - فقد أخرجه أبو داود في الباب المذكور (٣٥٦٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٣٣٢)، والحاكم (٢/ ٥٤) من طريق شريك، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن أمية بن صفوان، عن أبيه مرفوعًا، وتمامه: (فضاع بعضها، فعرض عليه رسول الله - ﷺ - أن يضمنها له، قال: أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب) هذا لفظ النسائي وأحمد.\nوهذا إسناد ضعيف؛ لأمور ثلاثة:\nالأول: ضعف شريك، وهو ابن عبد الله القاضي، كما تقدم.\nالثاني: جهالة حال أمية بن صفوان، فإنه لم يوثقه أحد، ولم يرو عنه غير اثنين.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٣١٣).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٥/ ١٢٨)، \"الإصابة\" (٥/ ١٤٥).\n(^٣) حديث (٧٥٢).\n(^٤) \"المحلى\" (٩/ ١٧٣).","vol":"6","page":379},{"text":"الثالث: الاضطراب في إسناده، فقد قال الترمذي: (سألت محمدًا -يعني: البخاري- عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث فيه اضطراب، ولا أعلم أن أحدًا روى هذا غير شريك، ولم يقوِّ هذا الحديث).\nوقد جاء هذا الحديث من رواية شريك، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أمية كما تقدم، وجاء من رواية يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني، عن شريك، عن ابن رفيع، عن ابن أبي مليكة، عن أمية، به. بزيادة ابن أبي مليكة في الإسناد، أخرجه الطحاوي في \"شرح المشكل\" (١٢/ ٢٩١)، والطبراني في \"الكبير\" (٧٣٣٩).\nومن رواية قيس بن الربيع، عن ابن رفيع، عن ابن أبي مليكة، عن أمية به، أخرجه الدارقطني (٣/ ٤٠).\nومن رواية أبي الأحوص، عن ابن رفيع، عن عطاء بن أبي رباح، عن ناس من آل صفوان مرسلًا، أخرجه أبو داود (٣٥٦٤).\nومن رواية جرير، عن ابن رفيع، عن أناس من آل عبد الله بن صفوان، أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١٤٣) ومن طريقه أبو داود (٣٥٣٦) إلى غير ذلك من وجوه الاضطراب.\nوقد أشار إلى هذا الاضطراب الطحاوي، ووصفه بأنه اضطراب شديد، وما كان هذا سبيله لا تقوم به حجه (^١).\nلكن يشهد له حديث جابر - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - سار إلى حنين … فذكر الحديث، وفيه: ثم بعث رسول الله - ﷺ - إلى صفوان بن أمية فسأله أدراعًا، مائة درع، وما يصلحها من عدتها، فقال: أغصبًا يا محمد؟ قال: \"بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك\"، ثم خرج رسول الله - ﷺ - سائرًا.\nأخرجه الحاكم (٣/ ٤٨، ٤٩)، والبيهقي (٦/ ٨٩) من طريق ابن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه\n_________\n(^١) \"شرح مشكل الآثار\" (١١/ ٢٩٦).","vol":"6","page":380},{"text":"جابر - ﵁ -، وقال الحاكم: (صحيح الإسناد) وسكت عنه الذهبي، والصواب أنه حديث حسن؛ لأن فيه ابن إسحاق، وهو حسن الحديث إذا صرح بالتحديث (^١).\nولحديث صفوان شاهد آخر ضعيف، كما أشار إلى ذلك الحافظ، بل هو ضعيف جدًّا، وهو ما أخرجه الحاكم -أيضًا- (٢/ ٤٧) وعنه البيهقي (٦/ ٨٨) عن إسحاق بن عبد الواحد القرشي: ثنا خالد بن عبد الله، عن خالد الحذاء، عن ابن عباس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - استعار من صفوان بن أمية أدراعًا وسلاحًا في غزوة حنين، فقال: يا رسول الله أعارية مؤداة؟ قال: \"عارية مؤداة\"، وهذا سند ضعيف، علته إسحاق هذا، وقد نقل الذهبي عن أبي عليٍّ الحافظ أنه قال: (متروك الحديث)، وقال الخطيب: (لا بأس به)، فردَّه الذهبي بقوله: (قلت: بل هو واهٍ) (^٢).\nثم إن متن هذا الحديث مخالف لما قبله في قوله: \"عارية مؤداة\" وفي الذي قبله: \"عارية مضمونة\" وبينهما فرق، كما سيأتي إن شاء الله.\nقال البيهقي بعد سياق الأحاديث في هذا الباب: (وبعض هذه الأخبار وإن كان مرسلًا فإنه يقوى بشواهده مع ما تقدم من الموصول، والله أعلم).\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (درعًا) بكسر الدال هو قميص من حلقات الحديد متشابكة، يلبس للوقاية من السلاح، يغطي البدن حتى نصف الساق، وقد يلبس المقاتل درعين، كما فعل النبي - ﷺ - في غزوة أُحد.\n\nقوله: (أعارية مضمونة أو عارية مؤداة) العارية المضمونة: هي التي تضمن إن تلفت بمثلها أو بقيمتها. والعارية المؤداة: هي التي يجب أداؤها مع بقاء عينها، فإن تلفت لم تضمن.\n\nقوله: (أغصب) الغصب: أخذ الشيء أو الاستيلاء عليه ظلمًا وقهرًا، وغَصْبٌ: بالرفع عند أبي داود والنسائي، وهي خبر لمبتدإ محذوف؛ أي: أهو\n_________\n(^١) انظر: \"الصحيحة\" (٦٣١).\n(^٢) \"الميزان\" (١/ ١٩٤).","vol":"6","page":381},{"text":"غصب أو أذلك غصب. وعند أحمد (^١) بالنصب، فهي معمول لفعل محذوف؛ أي: أتأخذها غصبًا لا تردها عليَّ؟.\n\nقوله: (يا محمد) لم يقل: يا رسول الله لأنه لم يكن إذ ذاك مسلمًا.\n\nقوله: (عارية مضمونة) مضمونة: صفة يحتمل أنها كاشفة وموضحة لحقيقة العارية؛ أي: إن شأن العارية الضمان، فيدل على ضمانها مطلقًا، ويحتمل أنها صفة للتقييد فهي مُخَصِّصَةٌ؛ أي: أستعيرها منك متصفة بأنها مضمونة لا عارية مطلقة عن الضمان، وهذا هو الأظهر؛ لأن الصفة المقيِّدة تأسيس، والتأسيس أولى، ولأنها كثيرة في الكلام.\n\n* الوجه الرابع: لا خلاف بين العلماء في أن العارية إذا تلفت عند المستعير إما بتعدٍّ منه في استعمالها ونحوه، أو بتفريط في حفظها فإنه يضمنها بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال، والمراد بذلك كل شيء له مثل وشبيه ومقارب، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم (^٢)، وهذا التفسير للمثلي ينطبق على أشياء كثيرة في زماننا هذا، كالكتب والأقمشة والأواني المنزلية ونحوها، بعد ظهور المطابع والمصانع؛ لأن تقدم الصناعة جعل كثيرًا من الأموال القيمية في الماضي أموالًا مثلية، فإن كانت العارية ليس لها مثل ولا شبيه ضمنها المستعير بقيمتها يوم تلفها؛ لأن يوم التلف يتحقق فيه فوات العارية.\nفإن تلفت بلا تعدٍّ ولا تفريط فقد اختلف العلماء في ضمانها على أربعة أقوال:\nالقول الأول: أنها مضمونة مطلقًا، سواء شُرط عليه الضمان أم لا، وهذا قول ابن عباس وعطاء، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو قول الشافعي، وقول لمالك (^٣)، ونسبه الحافظ ابن حجر إلى الجمهور (^٤)،\n_________\n(^١) \"المسند\" (٢٤/ ١٣).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٣٠/ ٣١٣).\n(^٣) \"المغني\" (٧/ ٣٤١)، \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٠٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٤١).","vol":"6","page":382},{"text":"واستدلوا بحديث سمرة المتقدم: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) ووجه الاستدلال: أن اليد مطالبة برد ما أخذته، ولا يتم ذلك في حال التلف إلا بالضمان.\nالقول الثاني: أن العارية غير مضمونة مطلقًا؛ لأن المستعير أمين، ولا معنى للائتمان إلا انتفاء الضمان، وقد قال النبي - ﷺ -: \"ليس على المستعير غير المُغِلِّ ضمان … \" (^١). وهذا قول أبي حنيفة، واختاره ابن القيم (^٢).\nوالقول الثالث: إن كان تلف العارية بأمر ظاهر كالحريق والسيل وموت الحيوان وانقلاب السيارة فلا يضمن، وإن كان بأمر لا يُطلع عليه كدعوى سرقة الكتاب أو الحلي، أو ضياع القدر، ونحو ذلك فهذا يضمن، إلا أن يأتي ببينة تشهد على التلف، وهذا مذهب مالك (^٣)، وسر هذا التفريق أن العارية أمانة غير مضمونة، إلا أنه لا يقبل قول المستعير فيما يخالف التلف بأمر ظاهر.\nوالقول الرابع: أن العارية لا تضمن إلا بشرط التضمين، وذلك بطلب صاحبها من المستعير أن يضمنها إذا تلفت، أو بتبرع المستعير، وهذا رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، ورجح هذا القول الصنعاني، والشيخ عبد الرحمن السعدي (^٤).\nواستدلوا بقوله - ﷺ -: \"عارية مضمونة\" ووجه الاستدلال: أن وصفها بمضمونة للتقييد، والمعنى: أستعير منك عارية متصفة بأنها مضمونة لا عارية\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٨/ ١٧٨)، والدارقطني (٣/ ٤١)، والبيهقي (٦/ ٩١) من طريق عمرو بن عبد الجبار، عن عَبيدة بن حسان، عن عمرو بن شعيب، به. وإسناده ضعيف جدًّا؛ لأن ابن حبان ذكر في \"المجروحين\" (٢/ ١٨١): أن عبيدة بن حسان كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات. قال الدارقطني: (عمرو وعبيدة ضعيفان، وإنما يروى عن شريح القاضي غير مرفوع).\n(^٢) \"الهداية\" (٣/ ٢٢٠)، \"إعلام الموقعين\" (٣/ ٣٧٤)، \"زاد المعاد\" (٣/ ٤٨٢).\n(^٣) \"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير\" (٣/ ٣٩١)، \"الكافي \"لابن عبد البر (٢/ ٨٠٨).\n(^٤) \"الاختيارات\" ص (٢٣١)، \"الإنصاف\" (٦/ ١١٣)، \"سبل السلام\" (٥/ ٢٢٢).","vol":"6","page":383},{"text":"مطلقة عن الضمان، فهو دليل على ضمانها عند الشرط؛ لأن المستعير تعهد بذلك.\nوالراجح -والله أعلم- أن العارية غير مضمونة إذا لم يحصل تعدٍّ ولا تفريط كسائر الأمانات، إلا إذا حصل اشتراط لضمانها فالمسلمون على شروطهم؛ لأن أسباب الضمان إما تعد، دماما تقصير عن الواجب، وإما تصرف لم يؤذن له فيه، وهذا مفقود في العارية.\nوأما حديث: \"على اليد ما أخذت حتى تؤديه\" فليس فيه دليل على الضمان؛ لأن معناه: عليها رد ما قبضت لمالكه لا ضمانه؛ لأن الضمان شيء والأداء شيء آخر، ولأن اليد الأمينة أيضًا عليها ما أخذت حتى تؤدي وإلا ليست أمينة، ومعلوم أنه لا ضمان عليها.\nوهذا يدخل تحت القاعدة الفقهية: (التلف في يد الأمين غير مضمون إذا لم يتعد أو يفرط، وفي يد الظالم مضمون مطلقًا) ويدخل في ذلك الوديع والوكيل والمرتهن والأجير والشريك والمضارب وناظر الوقف والملتقط وولي الصغير والمجنون والسفيه، فكل هؤلاء ومن أشبههم لا يضمنون ما تلف بأيديهم؛ لأن هذا هو معنى الائتمان.\nوأما من بيده مال غيره بغير حق فهو ضامن مطلقًا، سواء أتلف بتعد أم تفريط أم لا؛ لأن يد الظالم يد عادية، فيدخل في هذا الغاصب والخائن في الأمانة، ومن عنده لقطة فسكت ولم يعرفها وما أشبه ذلك (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"القواعد والأصول الجامعة\" ص (٦١).","vol":"6","page":384},{"text":"<span data-type='title' id=toc-744>باب الغصب</span>\nالغصب لغة: مصدر غَصَبَهُ يَغْصِبُهُ، من باب (ضرب)، ويقال: اغتصبه أيضًا، وغصبته منه، وغصبته عليه، ومعناه: أخذ الشيء قهرًا وظلمًا.\nواصطلاحًا: الاستيلاء على حق غيره قهرًا بغير حق (^١).\n\nوقولنا: (الاستيلاء) يفيد أن الغصب تصرف فعلي، يقال: استولى عليه: ظهر عليه، وتمكن منه وصار في يده.\n\nوقولنا: (على حق غيره) هذا عام؛ أي: سواء أكان الحق مالًا كالدراهم والأمتعة ونحوها من العقارات أو المنقولات، أو اختصاصًا ككلب الصيد والسرجين -وهو السماد والزِّبل- فإنه ليس بمال، ولذا لا يباع على أحد الأقوال المتقدمة، ولكن صاحبه أخص به من غيره.\n\nوقولنا: (قهرًا) المراد به المجاهرة والمغالبة، وهذا يخرج السرقة؛ لأن السرقة هي الأخذ خفية على وجه الاستسرار، بخلاف الغصب فإنه يقع بعلم المجني عليه، ولهذا لا قطع على غاصب بخلاف السارق، كما سأتي في موضعه.\n\nوقولنا: (بغير حق) يخرج استيلاء الولي على مال الصغير، وعلى مال البالغ غير الرشيد أو المجنون، أو استيلاء الحاكم على مال المفلس، على ما هو مقرر في باب \"الحجر\".\nوالغصب محرم إجماعًا في الجملة وإن اختلفوا في فروع منه، والدليل على تحريمه الكتاب والسنة، أما الكتاب فعموم الآيات التي تنهى عن الظلم\n_________\n(^١) \"الدر النقي\" (٣/ ٥٢٣).","vol":"6","page":385},{"text":"والاعتداء على مال الغير، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] والغصب من جملة الباطل، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢].\nوأما السنة: فالأدلة كثيرة ومنها أحاديث الباب، ومن حيث النظر فإن في إباحة الغصب انتهاكًا لأموال المسلمين والتعدي عليها، وفي ذلك إشاعة الشر ونشر الفساد لما يترتب على التعدي من العداوة والبغضاء وحصول القتل وإزهاق النفوس كما يحصل بين الغاصب والمغصوب منه، والمال المأخوذ غصبًا محرم على غاصبه؛ لأن الغصب عدوان على ملك الغير، والعدوان لا يكون سببًا للتملك، ولهذا يجب على الغاصب رد المال المغصوب إلى صاحبه على التفصيل الآتي -إن شاء الله-، ولا يجوز له الانتفاع به مطلقًا.","vol":"6","page":386},{"text":"<span data-type='title' id=toc-745>إثم من ظلم شبرًا من الأرض</span>\n٨٩٥/ ١ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيدٍ - ﵁ -، أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرج البخاري في كتاب \"المظالم\"، باب \"إثم من ظلم شيئًا من الأرض\" (٢٤٥٢) من طريق طلحة بن عبد الله، أن عبد الرحمن بن عمرو بن سهل أخبره أن سعيد بن زيد - ﵁ -، قال: … وذكر الحديث.\nوأخرجه في كتاب\"بدء الخلق\"، باب \"ما جاء في سبع أرضين\" (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠) (١٣٩) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد - ﵁ -.\nوأخرجه -أيضًا- من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن سعيد بن زيد، بهذا اللفظ المذكور في \"البلوغ\".\nوله طرق أخرى عند مسلم.\nوللحديث قصة، وهي أن أروى بنت أويس ادعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئًا من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعت من رسول الله - ﷺ -؟ … ثم ساق الحديث. فقال مروان: لا أسألك (^١) بينة بعد هذا. فقال: اللهم إن كانت\n_________\n(^١) ذكر القرطبي في \"المفهم\" (٤/ ٥٣٥): أن فتح الكاف فيه إشكال، فراجعه.","vol":"6","page":387},{"text":"كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها، قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، ثم بينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت. هذا لفظ مسلم.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من اقتطع) أي: أخذ، وقد جاء بهذا اللفظ في \"الصحيحين\"، وجاء عند البخاري بلفظ: \"من ظلم\"، واقتطع افتعل، من القطع، كأنه قطع هذا الشبر عن صاحبه، أو أخذ قطعة من ماله، وهذا فيه استعارة حيث شبه من أخذ ملك غيره وأوصله إلى ملك نفسه بمن اقتطع قطعة من شيء يجري فيه القطع الحقيقي.\n\nقوله: (شبرًا) بكسر أوله وسكون ثانيه، جمعه أشبار، والشبر: ما بين رأسي الخنصر والإبهام من كف مفتوحة. وذكر الشبر إشارة إلى استواء القليل والكثير في الوعيد، وعند البخاري: \"شيئًا\" (^١) وهذا أعم. وفي رواية \"الصحيحين\" من حديث عائشة - ﵂ - (^٢): \"قيد شبر\" وهي بكسر القاف؛ أي: قدر شبر.\n\nقوله: (من الأرض) بيانية.\n\nقوله: (طوقه الله …) أي: جعله طوقًا في عنقه، وفيه معنيان:\nالأول: أنه يكلف يوم القيامة نقل ما ظلم منها إلى المحشر، ويكون كالطوق في عنقه، لا أنه طوق حقيقة، ويؤيده حديث يعلى بن مرة - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"أيما رجل ظلم شبرًا من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ سبع أرضين، ثم يُطَوَّقَهُ يوم القيامة، حتى يفصل بين الناس\" (^٣).\nالثاني: أنه يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين، فتكون كل أرض في تلك الحالة طوقًا في عنقه، ويؤيد هذا المعنى حديث ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا بلفظ:\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٢٤٥٢).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٢٤٥٣)، \"صحيح مسلم\" (١٦١٢).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٩/ ٩٩، ١١٠)، وابن حبان (١١/ ٥٦٧، ٥٦٨)، والطبراني (٢٢/ ٢٧٠). انظر: \"الصحيحة\" للألباني رقم (٢٤٠).","vol":"6","page":388},{"text":"\"من أخذ من الأرض شيئًا بغير حقه خُسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين\" (^١).\nوفيه أقوال أخرى ذكرها الحافظ، ثم قال: (ويحتمل أن تتنوع هذه الصفات لصاحب هذه الجناية، أو تنقسم أصحاب هذه الجناية فيعذب بعضهم بهذا، وبعضهم بهذا بحسب قوة المفسدة وضعفها) (^٢).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الغصب؛ لأنه من الظلم الذي حرمه الله تعالى على نفسه وجعله بين العباد محرمًا.\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الغصب في القليل والكثير، لقوله: \"شبرًا\" ولقوله: \"شيئًا\".\n\n* الوجه الخامس: تغليظ عقوبة الغصب، ولا سيما الأرض؛ لأن مدة الاستيلاء عليها تطول غالبًا، وقد ورد في حديث أبي مالك الأشعري - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: \"أعظم الغلول عند الله يوم القيامة ذراع أرض يسرقه رجل فيطوقه من سبع أرضين\" (^٣).\nوقد ذكر القرطبي أن أخذ شيء من الأرض من أكبر الكبائر، وكأنه فَرَّعَ ذلك على أن الكبيرة ما ورد فيه وعيد شديد، كما ذكر تعريف الكبيرة في أوائل شرحه على \"مختصر صحيح مسلم\" (^٤).\n\n* الوجه السادس: الحديث دليل على إمكان غصب الأرض، وهذا قول الجمهور، وغصبها يكون بالاستيلاء عليها على وجه يحول بينها وبين مالكها، والحديث نص في ذلك، ونُقل عن أبي حنيفة أنه لا يرى إمكان غصب الأرض (^٥)؛ لأن الغصب إثبات اليد بإزالة يد المالك بفعلٍ في العين، وهذا لا يتصور في العقار.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٥٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٠٤، ١٠٥).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شبية (٦/ ٥٦٧)، وحسنه الحافظ في \"فتح الباري\" (٥/ ١٠٥)، وانظر: \"المسند\" (٢٨/ ٤٩٤).\n(^٤) انظر: \"المفهم\" (١/ ٢٨٤، ٤/ ٥٣٤)، \"فتح الباري\" (٥/ ١٠٥).\n(^٥) انظر: \"الهداية\" (٤/ ١٢)، \"المحلى\" (٨/ ١٤٤).","vol":"6","page":389},{"text":"وهذا تعليل في مقابلة النص فلا يقبل، وغصب كل شيء بحسبه، فالمنقول بنقله وأخذه، وغير المنقول كالأراضي والدور والبساتين بالاستيلاء عليه.\n\n* الوجه السابع: الحديث دليل على أن من ملك أرضًا ملك باطنها إلى تُخُومها (^١)، فلا يجوز لأحد أن يحفر تحتها نفقًا، أو يضع تمديدات ماء أو كهرباء ونحو ذلك إلا بإذنه، ويكون مالكًا لما فيها من أحجار مدفونة أو معادن، وله هواؤها، وله أن يحفر ما شاء ما لم يضر بجاره، فإن ضَرَّ بجاره لم يجز، لأن الضرر يزال، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) جمع تُخُم: وهو الحد الفاصل بين أرضين، والمعالم يهتدى بها في الطريق.","vol":"6","page":390},{"text":"<span data-type='title' id=toc-746>حكم من أتلف شيئًا لغيره</span>\n٨٩٦/ ٢ - عَنْ أنَسٍ - ﵁ -، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ لَهَا بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ، فَضَمَّهَا وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ، وَقَال: \"كُلُوا\"، وَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ لِلرَّسُول، وَحَبَسَ المَكْسُورَةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَسَمَّى الضَّارِبَةَ عَائِشَةَ، وَزَادَ: فَقَال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"طَعَامٌ بِطَعَامٍ، وَإِنَاءٌ بإنَاءٍ\". وَصَحَحَهُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"المظالم\"، باب \"إذا كَسَرَ قصعةً أو شيئًا لغيره\" (٢٤٨١) من طريق يحيى بن سعيد، عن حميد، عن أنس - ﵁ -.\nوأخرجه الترمذي من طريق سفيان الثوري، عن حميد، عن أنس - ﵁ -، ولفظه: أهدت بعض أزواج النبي - ﷺ - إلى النبي - ﷺ - طعامًا في قصعة، فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ما فيها، فقال النبي - ﷺ -: \"طعام بطعام، وإناء بإناء\". قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).\nوهذا الحديث لا تعلق له بالغصب، ومع هذا فكل من ألَّف في أحاديث الأحكام ذكره هنا؛ وحقه أن يذكر في باب \"الضمان\" أو \"ضمان المتلفات\"، ولعل ذكره هنا؛ لأن إتلاف مال الغير مباشرة أو بسبب على وجه العدوان نوع من أنواع الغصب.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كان عند بعض نسائه) هي عائشة -﵂-، كما تدل له رواية","vol":"6","page":391},{"text":"الترمذي المذكورة، وكأنها أبهمت - ﵂ - تفخيمًا لشأنها وأنه مما لا يخفى ولا يلتبس أنها هي؛ لأن الهدايا إنما كانت تهدى إلى النبي - ﷺ - في بيتها (^١).\n\nقوله: (فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين) وصفت المرسلة بأم المؤمنين إيذانًا بشفقتها وكسرها غيرتَها وهواها، حيث أهدت إلى بيت ضرتها بالقصعة، قاله الطيبي (^٢).\nولم يبين في هذه الرواية من المرسلة؟ لكن ذكر ابن حزم رواية من طريق جرير بن حازم، عن حميد، عن أنس - ﵁ -، أن المرسلة هي زينب بنت جحش - ﵂ - (^٣)، وروى النسائي من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي المتوكل، عن أم سلمة أنها -يعني- أتت بطعام في صحفة لها إلى رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فجاءت عائشة متزرة بكساء ومعها فِهْرٌ، ففلقت به الصحفة، فجمع النبي - ﷺ - بين فلقتي الصحفة، وهو يقول: \"كلوا، غارت أمُّكم\" مرتين، ثم أخذ رسول الله - ﷺ - صحفة عائشة فبعث بها إلى أم سلمة، وأعطى صحفة أم سلمة عائشة. والحديث صححه الألباني (^٤).\nورجح الحافظ ابن حجر أنها زينب؛ لمجيء الحديث من مخرجه، وهو حميد، عن أنس - ﵁ -، وما في النسائي قصة أخرى (^٥).\n\nقوله: (مع خادم) الخادم لفظ يطلق على الذكر والأنثى، يقال: خدمه خدمة: قام بحاجته، فهو وهي خادم، قال في \"المصباح المنير\": (والخادمة بالهاء في المؤنث قليل …) (^٦).\n\nقوله: (بقصعة) بفتح القاف: إناء من خشب يؤكل فيه، وفي رواية أخرى عند البخاري: (بصحفة) (^٧).\n\nقوله: (فيها طعام) ورد في حديث أنس عند ابن حزم أن زينب بنت\n_________\n(^١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٢٨).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) \"المحلى\" (٨/ ١٤١).\n(^٤) \"الإرواء\" (٥/ ٣٦٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ١٢٥).\n(^٦) ص (١٦٥).\n(^٧) \"صحيح البخاري\" (٥٢٢٥).","vol":"6","page":392},{"text":"جحش أهدت إلى النبي - ﷺ - وهو في بيت عائشة يومها جفنة من حيس … الحديث. والحيس: تمر يخلط بسمن وأقط فيعجن شديدًا، ثم يُنْدَرُ منه نواه، وربما جعل فيه سويق.\n\nقوله: (فضمها) أي: جمع بين أجزاء القصعة المكسورة وشدها حتى تماسكت.\n\nقوله: (ودفع القصعة ..) في البخاري: (وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا، فدفع القصعة …).\n\nقوله: (طعام بطعام) أي: وضع في القصعة الصحيحة طعامًا وأرسله فيها إلى من كسرت قصعتها، ولعل الرسول - ﷺ - فعل ذلك تطييبًا لخاطرها، أو من باب المعونة والإصلاح.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من أتلف لغيره شيئًا أنه يضمنه، فإن كان مثليًّا ضمنه بمثله، وإن لم يكن مثليًّا ضمنه بقيمته، ولا يعدل إلى القيمة إلا إذا أعوز المثل أو تعذر.\nوقد تقدم أن المثلي كل شيء له مثل وشبيه ومقارب، سواء كان مكيلًا كالأرز والبر والشعير، أو موزونًا كاللحم، أو إناء، أو كتابًا، أو ثوبًا، أو نحو ذلك.\nووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - دفع القصعة الصحيحة للرسول عوضًا عن القصعة المكسورة، ومعلوم أن القصعة تعد من القيميات، ومع هذا أوجب النبي - ﷺ - فيها قصعة مثلها، مما يدل على أن القيمي يضمن بمثله من جنسه متى أمكن مع مراعاة التساوي في القيمة أو التقارب، حيث لا يوجد فرق يعتد به، ولأن الضمان بالشبيه والمقارب يجمع الأمرين: القيمة، وحصول مقصود صاحبه، وقد نُسب هذا القول إلى الشافعي، وهو رواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وهو قول ابن حزم (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٢١١)، \"الإنصاف\" (٦/ ١٩٣)، \"الفتاوى\" (٢٠/ ٥٦٣، ٣٠/ ٣٣٣)، \"إعلام الموقعين\" (١/ ٣٢٢، ٢/ ٢٥)، \"المحلى\" (٨/ ٥٧٦).","vol":"6","page":393},{"text":"* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن إرسال الطعام أو الشراب من زوجة لبيت زوجة أخرى فيه الزوج أنه جائز ولا يعتبر من الميل لزوجة أخرى؛ لأن النبي - ﷺ - لم ينكر إرسال الطعام إلى بيت عائشة - ﵂ - بل أقره، وأمر بأكله بعد أن جمعه.\n\n* الوجه الخامس: الحديث دليل على وجود الغيرة الشديدة بين النساء حتى ذوات العلم والفضل والشرف الكبير، زوجات النبي - ﷺ -، فيحصل بينهن من الغيرة ما يستغرب ويستنكر، وهذا شيء جعله الله تعالى في جبلَّتهن، بحيث إن المرأة لا تملك نفسها عند حدوثه مهما كان علمها وفضلها، فكيف بمن دون ذلك؟!.\n\n* الوجه السادس: الحديث دليل على حسن خلق النبي - ﷺ - وكريم معاملته لأزواجه، حيث لم يعاقب كاسرة القصعة بل اعتذر عنها بقوله: \"غارت أمكم\" لئلا يُحمل صنيعها على ما يذم، بل يجري على عادة الضرائر، كما تقدم.\nوهذا فيه إشارة إلى عدم مؤاخذة المرأة الغيور أو الغَيرى بما يصدر منها؛ لأنها في تلك الحالة يكون عقلها محجوبًا بشدة الغضب الذي أثمرته الغيرة.\nوالغيرة: بفتح المعجمة، وسكون التحتانية بعده راء: مشتقة من تغير القلب وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما فيه الاختصاص، وأشد ما تكون الغيرة بين الزوجات، وبين الزوجين (^١).\n\n* الوجه السابع: الحديث دليل على أنه ينبغي للزوج التلطف في معاملة النساء، ومعالجة ما قد يحدث من إحدى زوجاته على الأخرى بما يطيب خاطرها ويزيل ما قد يسيء إلى العشرة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٢٠).","vol":"6","page":394},{"text":"<span data-type='title' id=toc-747>حكم من زرع في أرض غيره</span>\n٨٩٧/ ٣ - عَنْ رَافعِ بْنِ خَدِيجٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ زَرَعَ في أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيرِ إِذْنِهِمْ فَلَيسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ، والأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائيَّ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَيُقَالُ: إنَّ البُخَارِيَّ ضَعَّفَهُ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أحمد (٢٥/ ١٣٨)، وأبو داود في كتاب \"البيوع\"، بابٌ \"في زرع الأرض بغير إذن صاحبها\" (٣٤٠٣)، والترمذي (١٣٦٦)، وابن ماجه (٢٤٦٦) من طريق شريك، عن أبي إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح، عن رافع بن خديج - ﵁ -، مرفوعًا.\nوهذا الحديث حسنه الترمذي، وقال: (سألت محمد بن إسماعيل -يعني: البخاري- عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن …) (^١).\nوالظاهر أن تحسين الحديث إنما هو باعتبار شواهده، كما ذكر الألباني (^٢). وأبو إسحاق: سمع منه شريك قبل الاختلاط (^٣).\nوأما قول الحافظ: (ويقال: إن البخاري ضعفه) فقد نقله الخطابي عن البخاري بصيغة الجزم (^٤)، وقال الترمذي في \"العلل\": (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث شريك الذي تفرد به عن أبي إسحاق) (^٥) فظاهر هذا أن البخاري أعله لكونه من أفراد شريك بن عبد الله القاضي، وهو كثير الخطأ، وهذا\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣/ ٦٤٨).\n(^٢) \"الإرواء\" (٣/ ٣٥١)، وانظر: \"الحديث الحسن\" للدريس (٢/ ٥٩٦ - ٦١٤).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٢٩٤).\n(^٤) \"معالم السنن\" (٥/ ٦٤).\n(^٥) (١/ ٥٦٤).","vol":"6","page":395},{"text":"محل نظر، فإن هذه العبارة قد تفيد تضعيف هذا الطريق، لا تضعيف الحديث إن ثبت تحسين البخاري، ولذا لم يجزم به الحافظ، بل ساقه بصيغة التمريض خلاف عادته، ومما يدل على النظر في هذا النقل، أن الترمذي نقل عن البخاري تحسينه، كما مضى، إلا إن كان تضعيف البخاري باعتبار طريق من طرق الحديث، وتحسينه باعتبار ما له من طرق وشواهد تقويه، كما قال أبو حاتم وغيره.\nثم إن شريكًا لم ينفرد به، فقد تابعه قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، به. أخرجه يحيى بن آدم (^١)، والبيهقي (^٢)، وهو في درجة شريك، فإنه سيء الحفظ أيضًا -كما تقدم-، فأحدهما يقوي الآخر، إلا أن البيهقي أعلَّ الحديث بعلتين غير ضعف شريك:\nالأولى: أن أبا إسحاق السبيعي كان يدلس، ومما يدل على تدليسه أن ابن عدي روى الحديث من طريق شريك، عن أبي إسحاق، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عطاء، به (^٣)، فزاد عبد العزيز بن رفيع.\nالعلة الثانية: الانقطاع؛ لأن عطاء بن أبي رباح لم يسمع من رافع بن خديج - ﵁ -، فيما ذكر الشافعي وأبو زرعة وابن أبي حاتم (^٤). وجزم أبو حاتم بأنه أدركه (^٥).\nوالحديث جاء من طريق يحيى القطان، عن أبي جعفر الخطمي، عن سعيد بن المسيب، عن رافع بن خديج - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - أتى بني حارثة، فرأى زرعًا في أرض ظُهير، فقال: \"ما أحسن زرع ظهير! \"، قالوا: ليس لظهير، قال: \"أليس أرض ظهير؟ \"، قالوا: بلى، ولكنه زرع فلان، قال: \"فخذوا زرعكم، وردوا عليه نفقته\"، قال رافع: فأخذنا زرعنا، ورددنا إليه النفقة.\nأخرجه أبو داود (٣٣٩٩)، والنسائي (٧/ ٤٠)، وهذا إسناد صحيح لا علة فيه (^٦)، قال ابن أبي حاتم: (قال أبي: هذا يقوي حديث شريك، عن أبي\n_________\n(^١) \"الخراج\" (٢٩٦).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٩٤).\n(^٣) \"الكامل\" (٤/ ١٩).\n(^٤) \"المراسيل\" لابن أبي حاتم ص (١٥٥)، \"السنن\" للبيهقي (٦/ ١٣٦، ١٣٧).\n(^٥) \"العلل\" رقم (١٤٢٧).\n(^٦) \"الإرواء\" (٥/ ٣٥٣).","vol":"6","page":396},{"text":"إسحاق، عن عطاء، عن رافع) (^١).\nوالحديث بمجموع طرقه صحيح، خلا لفظة: \"بغير إذنهم\" فقد تفرد بها أبو إسحاق السبيعي، كما ذكر ذلك الإمام أحمد (^٢). وحسن ابن القيم هذا الحديث، ورأى أن لفظة: \"بغير إذنهم\" صحيحة في النظر وإن لم تثبت في النقل، وقال: (فمثل هذا الحديث الحسن الذي له شاهد من السنة على مثله -وقد تأيد بالقياس الصحيح- من حجج الشريعة، وبالله التوفيق) (^٣).\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن من غصب أرضًا ثم زرعها فإن الزرع يكون لصاحب الأرض، ويدفع للغاصب قيمة الزرع من بذر وحرث وسقي، ونحو ذلك، ولصاحب الأرض أن يبقي الزرع للغاصب بأجرة مثله إلى الحصاد مع أرش نقص الأرض، وهذا إذا كان الزرع قائمًا، أما إذا كان الأمر بعد الحصاد فليس لصاحب الأرض إلا الأجرة، وهذا مذهب الإمام أحمد، وقول كثير من أهل المدينة، وأبي عبيد، وابن حزم (^٤).\nوعلى هذا فلا يجبر الغاصب على قلع زرعه؛ لأنه إتلاف للمال وإضاعة له، وقد أمكن رد الأرض المغصوبة إلى مالكها من غير إتلاف مال الغاصب على قرب من الزمان.\nوذهب الجمهور من العلماء إلى أن الزرع للغاصب (^٥)، وعليه أجرة الأرض، وأن لصاحب الأرض قلعه قبل الحصاد، وأما بعد الحصاد فليس له إلا الأجرة، واستدلوا بالحديث الآتي: \"ليس لعرق ظالم حق\"، وسيأتي مزيد كلام عند هذا الحديث، إن شاء الله.\nوالقول الأول أرجح لقوة دليله، وهو حديث الباب، ومن حيث المعنى -أيضًا-، ودليلهم قال عنه الصنعاني: (وهو لأهل القول الأول أظهر في الاستدلال)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"العلل\" (١/ ٤٧٥، ٤٧٦).\n(^٢) \"مسائل أبي داود\" ص (٢٠٠).\n(^٣) \"تهذيب مختصر السنن\" (٥/ ٦٤).\n(^٤) \"المحلى\" (٥/ ٢٥٠) (٨/ ١٤٤)، \"بداية المجتهد\" (٤/ ١٤٨)، \"الشرح الكبير مع الإنصاف\" (١٥/ ١٣٤).\n(^٥) \"المغني\" (٧/ ٣٧٦)، \"نيل الأوطار\" (٥/ ٣٦٠).","vol":"6","page":397},{"text":"<span data-type='title' id=toc-748>حكم من غرس نخلًا في أرض غيره</span>\n٨٩٨/ ٤ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ قَال: قَال رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: إنَّ رَجُلَينِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - في أَرْضٍ، غَرَسَ أَحَدُهُمَا فِيهَا نَخْلًا، والأرضُ للآخَرِ، فَقَضَى رَسُولُ الله - ﷺ - بالأَرْضِ لِصَاحِبَها، وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ، وَقَال: \"لَيسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.\n٨٩٩/ ٥ - وآخِرُهُ عِنْدَ أَصْحَابِ \"السُّنَنِ\" مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ زيدٍ، وَاخْتُلِفَ في وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَفِي تَعْيِينِ صَحَابِيِّهِ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو عبد الله، عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد القرشي الأسدي المدني، الفقيه، أحد الفقهاء السبعة، مولده سنة عشرين، وقيل ثلاث وعشرين، قال الذهبي: (هذا قول قوي، وقيل غير ذلك)، حدث عن أبيه بشيء يسير لصغره، وروى عن أخيه عبد الله، وأمه أسماء، وخالد، وعائشة، ولازمها وتفقَّه بها، وعن سعيد بن زيد، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم، وروى عنه أولاده: عبد الله، وعثمان، وهشام، وغيرهم، قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، فقيهًا، عاليًا، ثبتًا، مأمونًا، مات سنة أربع وتسعين على أحد الأقوال، ﵀ (^١).\n_________\n(^١) \"الطبقات\" (٣٠/ ٣١٣)، \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٤٢١)، \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ١٦٣).","vol":"6","page":398},{"text":"* الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما الأول فقد أخرجه أبو داود في كتاب \"الخراج والإمارة والفيء\"، بابٌ \"في إحياء الموات\" (٣٠٧٤) من طريق محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه.\nوهذا إسناد رجاله ثقات غير محمد بن إسحاق، وهو صدوق في ضبطه شيء، مع ما ذكروا من تدليسه، ولذا حسّن الحافظ حديثه هنا.\nوأما الثاني فقد رواه أبو داود (٣٠٧٣)، والترمذي (١٣٧٨)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٣٢٥) من طريق عبد الوهاب الثقفي، قال: أخبرنا أيوب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد، عن النبي - ﷺ -، قال: \"من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق\". قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب).\nوقد اختلف في هذا الحديث؛ فروي موصولًا عن عروة، عن سعيد بن زيد، كما ذكر الحافظ. قال البزار: (هذا الحديث قد رواه جماعة عن هشام بن عروة، عن أبيه مرسلًا، ولا نحفظ أحدًا قال: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد إلا عبد الوهاب، عن أيوب) (^١).\nوقد رواه الإمام مالك (٢/ ٧٤٣)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٣٢٥) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - مرسلًا، قال ابن عبد البر: (هذا الحديث مرسل عند جماعة الرواة عن مالك لا يختلفون في ذلك) (^٢). وقال الدارقطني بعد أن ذكر وصله وإرساله: (والمرسل عن عروة أصح) (^٣). وقال ابن عبد البر: (وهو أصح ما قيل فيه، إن شاء الله).\nولعل وجه ترجيح المرسل مخالفة عبد الوهاب الثقفي لرواية الجماعة الذين رووه مرسلًا، وما حصل من الاختلاف فيه على هشام بن عروة، كما فصله الدارقطني وابن عبد البر وغيرهما، قال ابن عبد البر بعد أن ذكر\n_________\n(^١) \"مسند البزار\" (٤/ ٨٧).\n(^٢) \"التمهيد\" (٢٢/ ٢٨٠).\n(^٣) \"العلل\" (٤/ ٤١٦).","vol":"6","page":399},{"text":"الاختلاف: (هذا الاختلاف عن عروة يدل على أن الصحيح في إسناد هذا الحديث عنه الإرسال)، وعلى هذا فرواية عبد الوهاب شاذة، وقد قال الحافظ في \"التقريب\" عن عبد الوهاب: (ثقة، تغير قبل موته بثلاث سنين) وقد روى هذا الحديث عبد الرزاق عن معمر، عن هشام بن عروة، قال: خاصم رجل إلى عمر بن عبد العزيز في أرض حازها، فقال عمر: (من أحيا من مَيْت الأرض شيئًا فهو له)، فقال له عروة: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أحيا شيئًا من ميت الأرض فهو له، وليس لعرق ظالم حق\" (^١).\nوقد اختلف في تعيين صحابي هذا الحديث، وسيأتي بيان ذلك في باب \"إحياء الموات\" حيث ذكر الحافظ هذا الحديث، وذكر هناك عدة أقوال في تعيين الصحابي.\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (قال رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ -) في إحدى روايات أبي داود أن عروة، قال: (وأكثر ظني أنه أبو سعيد) والصحابة - ﵃ - كلهم ثقات ذوو عدل، تقبل رواية الواحد منهم وإن كان مجهولًا؛ لأن جهالة من هذه صفته لا تضر.\n\nقوله: (ليس لعرق ظالم حق) يجوز فيه وجهان:\nالأول: تنوين عرق، ويكون قوله: \"ظالم\" نعتًا له، والمعنى: ليس لصاحب عرقٍ ظالمٍ حق، وسمي العرق: ظالمًا؛ لأنه لظالم، فيكون راجعًا لصاحب العرق، وهذا قول الأكثرين.\nالثاني: بدون تنوين، على إضافة عرق إلى ما بعده، ويكون الظالم صاحب العرق، وسمي ظالمًا؛ لأنه تصرف في ملك الغير بلا حق.\nوالعرق الظالم: من غرس، أو زرع، أو بنى، أو حفر في أرض غيره بلا حق ولا شبهة.\n_________\n(^١) انظر: \"التمهيد\" (٢٢/ ٢٨٠).","vol":"6","page":400},{"text":"والعرق الظالم قد يكون ظاهرًا كالبناء والغرس، وقد يكون باطنًا وهو ما احتفره الرجل من الآبار، أو استخرجه من المعادن (^١).\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من غرس نخلًا في أرض غيره فهو ظالم ولا حق له في ذلك، ويؤمر بقلع نخله وإخراجه، ومثل ذلك لو بنى في الأرض المغصوبة فإنه يلزمه إزالة البناء. وقد نقل ابن رشد الإجماع على ذلك، وقال الموفَّق: (لا نعلم فيه خلافًا) (^٢).\nقال ابن عبد البر عن هذا الحديث: (هو حديث متلقى بالقبول عند فقهاء الأمصار وغيرهم، وإن اختلفوا في بعض معانيه) (^٣).\nوإذا قلع النخل لزمه تسوية الحفر، وردّ الأرض إلى ما كانت عليه؛ لأنه ضرر حصل بفعله في ملك غيره، فلزمته إزالته، وعلى هذا ففيه فرق بين الغرس كما هنا والزرع كما في حديث رافع بن خديج الذي قبله، وهو أن الغرس يقلع، والزرع يبقى على التفصيل السابق.\nوأما قول الأكثرين: إن الحكم في الزرع كالحكم في الغرس وهو أنه يقلع فهو قول مرجوح؛ لأن الغرس مدته تطول، ولا يعلم متى ينقلع من الأرض، فانتظاره يؤدي إلى ترك ردِّ الأصل بالكلية، بخلاف الزرع فإن مدته لا تطول، والقول بالتفريق عمل بالدليلين معًا، وهو أولى من إبطال أحدهما (^٤)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٩).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٤/ ١٤٧)، \"المغني\" (٧/ ٣٦٥).\n(^٣) \"التمهيد\" (٢٢/ ١٨٤).\n(^٤) \"المغني\" (٧/ ٣٧٦).","vol":"6","page":401},{"text":"<span data-type='title' id=toc-749>تغليظ تحريم الدماء والأموال والأعراض</span>\n٩٠٠/ ٦ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَال فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْر بمِنًى: \"إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالكُمْ وأَعْرَاضَكُمْ عَلَيكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا، في بَلَدِكُمْ هذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع من \"صحيحه\"، أولها في كتاب \"العلم\"، باب \"قول النبي - ﷺ -: \"رُبَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع\"\" (٦٧)، ومسلم في كتاب \"القسامة\"، باب \"تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال\" (١٦٧٩) من طريق عبد الله بن عون، عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، ذكر النبيَّ - ﷺ - قعد على بعيره وأمسك بخطامه -أو بزمامه- قال: \"أيُّ يوم هذا؟ \" فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، قال: \"أليس هذا يوم النحر؟ \" قلنا: بلى. قال: \"فأيُّ شهر هذا؟ \" فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: \"أليس بذي الحجة؟ \" قلنا: بلى، قال: \"فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه\".\nولو أن الحافظ بدأ باب \"الغصب\" بهذا الحديث لكان أولى.\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على عظم شأن مال المسلم، ووجوب احترامه، والحذر من التعدي عليه، وقد أكد النبي - ﷺ - هذه المعاني في هذا الحديث من وجوه:","vol":"6","page":402},{"text":"الأول: أن النبي - ﷺ - بيّن حرمة مال المسلم في أعظم مجمع على الإطلاق حيث خطب بذلك في عرفة، كما في حديث جابر - ﵁ -، ثم أعاده في منى يوم النحر، كما في هذا الحديث، وهذا دليل على العناية والاهتمام بهذا الأمر.\nالثاني: أن النبي - ﷺ - قرن بين الأموال والأنفس والأعراض فدل على وجوب احترام الأموال وعدم التعدي عليها كوجوب احترام الدماء والأعراض.\nالثالث: أن النبي - ﷺ - شبه تحريم الدم والمال والعرض بما هو ظاهر عندهم ومستقر وثابت في نفوسهم، وهو تحريم البلد والشهر واليوم، وكانوا لا يرون استباحة هذا الأشياء وانتهاك حرمتها بحال، بخلاف الدماء والأموال والأعراض فإنهم كانوا في الجاهلية يستبيحونها، فشبه حرمة هذه بحرمة تلك لما تقدم من وجه الشبه.\nوقد نهى الله تعالى عن أكل أموال الناس بالباطل في أكثر من آية من كتابه الكريم، وهذا يشمل كل سبب محرم أو وسيلة محرمة لاكتساب المال تؤدي إلى التعدي على حقوق الآخرين، فيدخل في ذلك أكل الربا والغصب والتعدي على أملاك الآخرين من الأراضي أو البساتين وغيرها بمدِّ حدود أرضه إلى أرض جاره خلسة واغتصابًا، كما يدخل في ذلك السرقة والاختلاس والرشوة والغش وغير ذلك من صور أكل المال بالباطل.\nوقد حمى الإسلام مال المسلم وصانه من التعدي، فحرم أخذه بغير إذنه وطيب نفسه، وأوجب الضمان على من أتلف شيئًا منه، كما توعد بالعقاب الأليم من أخذ شبرًا من أرض أخيه، وأوجب قطع يد السارق، وتعزير المختلس والمنتهب، والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":403},{"text":"<span data-type='title' id=toc-750>باب الشفعة</span>\nالشفعة لغة: بضم المعجمة، وسكون الفاء، من الشفع، وهو الزوج قسيم الفرد، وتطلق على معانٍ منها: الضم والزيادة، فإذا ضممت فردًا إلى فرد فقد شفعته.\nوشرعًا: انتزاع الشريك شِقْصَ شريكه ممن انتقل إليه ببيع ونحوه.\nمثال ذلك: أن يشترك زيد وعمرو في أرض أو دار أو مزرعة لكل منهما نصيب معلوم مشاع كالنصف، فباع زيد حصته لخالد، فيجوز لعمرو أن ينتزع هذه الحصة من مشتريها، فيأخذها منه بما دفع من الثمن، طابت نفسه بذلك أم لا، وتكون الأرض أو الدار كلها لعمرو الذي لم يبع نصيبه.\nوقولنا في التعريف: (انتزاع) هو أخذ الشيء بالقوة، وكأن الشفيع يأخذ نصيب شريكه بغير رضي المشتري؛ لأنه أحق به، وعلى هذا فالشفعة ليست سببًا اختياريًّا، بل تُعَدُّ من نزع الملك جبرًا عن صاحبه، وذلك من أجل المصلحة المترتبة على ذلك، كما سيأتي.\n\nوقولنا: (شقص) بكسر السين: القطعة من الشيء.\n\nوقولنا: (ببيع ونحوه) أي: سواء باع شريكه نصيبه على طرف ثالث، أو صالح به عن عقار آخر، أو صالح به عن جناية موجبة للمال، ونحو ذلك.\nوقد ثبتت مشروعية الشفعة بالسنة والإجماع، أما السنة فأحاديث الباب.\nوأما الإجماع فقد نقل الموفق عن ابن المنذر أنه قال: (أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط) (^١).\n_________\n(^١) \"المغني\" (٧/ ٤٣٥).","vol":"6","page":404},{"text":"وأما حكمة مشروعيتها: فإن موضوع الشفعة هو العقارات المشتركة كالأراضي والبساتين، والشركة في الغالب منشأ الضرر والمشاكل؛ لأن كثيرًا من الخلطاء يبغي بعضهم على بعض، فجاءت هذه الشريعة الكاملة بدفع هذا الضرر: بالقسمة تارة، وانفراد كل من الشريكين بنصيبه، وبالشفعة تارة، وانفراد أحد الشريكين بالجملة، لدفع ما قد يكون من ضرر يصيب الشريك بسبب مشاركته شخصًا قد لا تؤمن عواقبه، على وجه لا يتضرر به صاحبه؛ لأن المشتري إلى الآن لم يثبت له من أحكام الاشتراك ما يتضرر بفقده، ثم هو يصل إلى حقه من الثمن، وهذا يصل إلى استبداده بالمبيع وانفراده به، بالإضافة إلى ما يحصل عليه الشفيع بالشفعة من سعة مسكنه، أو زيادة في مزرعته، أو بقعته، تمكنه من استغلالها وإنماء غلاتها.\nكما أن من حكمتها دفع ضرر مؤنة القسمة إذا طلبها الشريك؛ لأن للقسمة أضرارًا من نواحٍ شتى؛ كنقص الانتفاع بالشقص بسببها، وما يترتب على ذلك من إحداث مرافق لكل نصيب؛ كالسلَّم والبالوعة والطريق، وما يستلزم ذلك من نفقات.\nوبهذا يعلم أن الشفعة ليست على خلاف القياس -كما قد يُظن، لكون الشقص أُخذ من المشتري قهرًا، والأصل أنه لا يخرج المال إلا بطيب نفس من صاحبه- لأن هذا الأصل مراد به منع الظلم والإضرار بصاحب المال، أما ما لا يتضمن ظلمًا ولا إضرارًا، وإنما يتضمن مصلحة فهو على أصول الشريعة، وهي توجب المعاوضة للحاجة والمصلحة الراجحة وإن لم يرضَ صاحب المال (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١٢٠).","vol":"6","page":405},{"text":"<span data-type='title' id=toc-751>مشروعية الشفعة، وما تثبت فيه</span>\n٩٠١/ ١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَال: قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: بالشُّفْعَةِ في كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، واللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.\nوَفي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: \"الشُّفْعَةُ في كُل شِرْكٍ: في أَرْضٍ، أوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أنْ يَبيعَ حَتى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ\". وَفي رِوَايَةِ الطحَاويِّ: قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - بِالشُّفعَةِ في كُلِّ شَيءٍ. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الشفعة\"، باب \"الشفعة فيما لم يقسم\" (٢٢٥٧) من طريق معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر - ﵁ -، مرفوعًا.\nوقول الحافظ: (واللفظ للبخاري) أي: لأن مسلمًا ما رواه بهذا اللفظ، وإنما رواه بمعناه، كما ذكر الحافظ نفسه في \"التلخيص\" (^١) ولو اقتصر على عزوه للبخاري لكان أجود، كما فعل ابن عبد الهادي في \"المحرر\" (^٢).\nوقد رجح أبو حاتم أن قوله: (فإذا وقعت الحدود …) مدرج من كلام جابر - ﵁ - (^٣)، ويدل على هذا الإدراج عدم إخراج مسلم لتلك الزيادة (^٤).\nقال الحافظ: (وفيه نظر؛ لأن الأصل أن كل ما ذكر في الحديث فهو منه،\n_________\n(^١) (٣/ ٦٤).\n(^٢) (٢/ ٥٨٦ - ٥٨٧)، وانظر: \"الإعلام\" (٧/ ٤١٢).\n(^٣) \"العلل\" رقم (١٤٣١).\n(^٤) انظر: \"ضوء النهار\" (٣/ ١٤٢٩).","vol":"6","page":406},{"text":"حتى يثبت الإدراج بدليل، وقد نقل صالح بن أحمد عن أبيه أنه رجح رفعها) (^١).\nوقد تبع الشوكانيُّ ابنَ حجر في نفي الإدراج، وأجاب عن عدم إخراج مسلم لتلك الزيادة، بأن بعض الأئمة قد يقتصر على ذكر بعض الحديث، لا سيما وقد أخرجها البخاري، قال: ثم إن معنى هذه الجملة التي ادعي أنها مدرجة، هو معنى: \"في كل ما لم يقسم\" ولا تفاوت إلا أن يكون دلالة أحدهما على هذا المعنى بالمنطوق والآخر بالمفهوم (^٢).\nوأخرجه مسلم (١٦٠٨) (١٣٥) من طريق ابن جريج، أن أبا الزبير أخبره أنه سمع جابر بن عبد الله - ﵄ - يقول: … وذكر الحديث، وتمامه: \"فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه\".\nولعل الحافظ ذكر رواية مسلم لأنها أفادت فائدتين:\nالأولى: التفسير والتمثيل لما أجمل في قوله: \"ما لم يقسم\".\nالثانية: أن فيها زيادة حكم سكتت عنه الرواية الأولى، كما سيأتي.\nورواه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٢٦) فقال: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا يوسف بن عدي، قال: حدثنا ابن إدريس، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر - ﵁ -، مرفوعًا.\nوهذا الحديث قال عنه الحافظ: (رجاله ثقات). وقال في \"فتح الباري\": (لا بأس برواته) (^٣). ومعلوم أن كلا العبارتين لا تدل على تصحيح الحديث؛ لأن فيه عنعنة ابن جريج، وهو معروف بالتدليس عن الضعفاء والمتروكين، كما قال الدارقطني والذهبي وابن حجر وغيرهم. ثم إن الحديث قد جاء عند مسلم (١٦٠٨) (١٣٤) من رواية أبي بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، وإسحاق بن إبراهيم، حدثنا- وبعضهم قال: أخبرنا- ابن إدريس: حدثنا ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، ليس عن عطاء، عن جابر. وقد تابع ابنَ إدريس إسماعيلُ بن علية، عن ابن جريج، به. رواه أبو داود\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣٧)، وانظر: \"مسائل الإمام أحمد\" رواية ابنه صالح (٢/ ٢٨٢) ولم أر فيه ما فهمه الحافظ، وانظر: \"التمهيد\" (٧/ ٤٥).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٣٧٣).\n(^٣) (٤/ ٤٣٦).","vol":"6","page":407},{"text":"(٣٥١٣)، والنسائي (٧/ ٣٠١)، وأحمد (٢٢/ ٢٩٥) (^١).\nوذكر الحافظ رواية الطحاوي لإفادتها عموم الشفعة في كل شيء من العقار، والمنقول، ما تمكن قسمته وما لا تمكن، كما سيأتي إن شاء الله.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\nقولها: (قضى بالشفعة) أي: حكم وألزم بثبوت الشفعة.\n\nقوله: (فإذا وقعت الحدود) الحدود: جمع حد، والمراد به هنا: ما تميز به الأملاك بعضها عن بعض، ومعنى (وقعت الحدود) أي: قُسِّمَ الملك المشترى، ووضعت الحواجز والعلامات لكل ملك على حدة، وعرف كلٌّ نصيبه.\n\nقوله: (وصرفت الطرق) بضم الصاد، وكسر الراء وتشديدها، وتخفف، بمعنى: بينت مصارف الطرق وشوارعها، قال ابن مالك: معناه: خلصت وبانت. وهو مشتق من الصِّرْفِ بكسر المهملة، وهو الخالص من كل شيء (^٢).\n\nقوله: (فلا شفعة) أي: إذا كان بيع الشقص بعد تحديد نصيب كل شريك وتصريف الطرق فلا شفعة لمن كان شريكًا.\n\nقوله: (في كل شرك) بكسر الشين، وإسكان الراء؛ أي: شيء مشترك بين اثنين فأكثر.\n\nقوله: (أو ربع) بفتح، فسكون، هي الدار والمسكن. قال في \"المصباح المنير\": (الرَّبْعُ: محلة القوم ومنزلهم، وقد أطلق على القوم مجازًا …) (^٣).\n\nقوله: (أو حائط) أي: بستان ومزرعة، سمي حائطًا؛ لأنهم كانوا يجعلون حوله جدارًا في الغالب، والحائط: الجدار.\n\nقوله: (لا يصلح) بضم اللام، مضارع صَلَح، من باب (قعد)، وفتح اللام في المضارع لغة، وفي رواية لمسلم: (لا يحل).\n\nقوله: (أن يبيع) فاعل يبيع دل عليه السياق؛ أي: أن يبيع الخليط أو الشريك نصيبه أو شقصه.\n_________\n(^١) انظر: \"الضعيفة\" (٣/ ٦٢).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣٦).\n(^٣) ص (٢١٦).","vol":"6","page":408},{"text":"قوله: (حتى يعرض على شريكه) أي: يُعلم شريكه بأنه يريد بيع نصيبه من العقار -مثلًا- حتى إذا كانت له رغبة فيه كان أحق به من الأجنبي.\n\nقوله: (في كل شيء) صيغة عموم، يعني من عقار كأرض ودار ومزرعة، أو منقول ككتاب وحيوان، وغير ذلك مما تجري فيه الشركة.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الشفعة وثبوتها لكل شريك، وذلك في كل عقار مشترك بين اثنين فأكثر، قال الحافظ: (هذا الحديث أصل في ثبوت الشفعة) (^١). وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (يؤخذ من هذا الحديث أحكام الشفعة كلها، وما فيه شفعة، وما لا شفعة فيه) (^٢).\nوإذا كان الشركاء أكثر من واحد فالشفعة بينهم على قدر أملاكهم؛ لأن الشفعة حق يستفاد بسبب الملك، فكانت على قدر الأملاك، فإن ترك أحد الشركاء الشفعة لزم باقي الشركاء أخذ كل الشقص أو تركه؛ لأن في أخذ البعض إضرارًا بالمشتري، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك (^٣). فأرض بين ثلاثة أشخاص، واحد له نصفها، والثاني: له ثلثها، والثالث: له سدسها، فباع رب النصف نصيبه، فلشريكيه الشفعة بقدر ملكهما، فتكون المسألة من ثلاثة: لصاحب الثلث سهمان، ولصاحب السدس واحد، ولو باع رب الثلث فالمسألة من ستة، والثلث يقسم على أربعة، لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب السدس واحد، ولو باع رب السدس فالمسألة من خمسة لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب الثلث سهمان.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على ثبوت الشفعة في كل عقار مشترك لم تميز حدوده ولم تصرف طرقه، كالأراضي والدور والبساتين ونحو ذلك مما يكون مشاعًا بين اثنين فأكثر، وهذا منطوق الحديث، ومفهومه أنه إذا تم تقسيم الأنصبة المشتركة وحددت المعالم، بطل حق الشفعة لزوال ضرر الشراكة والاختلاط الذي من أجله ثبتت.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣٦).\n(^٢) \"بهجة قلوب الأبرار\" ص (١١٨).\n(^٣) \"المغني\" (٧/ ٥٠٠).","vol":"6","page":409},{"text":"° الوجه الخامس: أجمع العلماء على ثبوت الشفعة في العقار المشترك القابل للقسمة؛ كالدار الكبيرة والأرض والبستان ونحو ذلك، لقوله: (في كل ما لم يقسم).\nواختلفوا في حكم الشفعة فيما لا يقبل القسمة؛ كالحانوت الصغير والدار الصغيرة، والبئر ونحو ذلك مما لا تمكن قسمته على قولين:\nالأول: أن الشفعة تثبت فيما لا تمكن قسمته، وهو قول الحنفية، والظاهرية، والمشهور من مذهب مالك، ورواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ عبد الرحمن السعدي، وهو قول هيئة كبار العلماء في المملكة (^١).\nواستدلوا بما يلي:\n١ - قوله - ﷺ -: \"الشفعة في كل شرك: أرض، أو ربع … \". قالوا: هذا لفظ عام لم يقيد بما يقبل القسمة، فيبقى على عمومه إلا بدليل يخصصه بما يقبل القسمة.\n٢ - قوله: (قضى النبي - ﷺ - بالشفعة في كل شيء) فيدخل في ذلك ما يقبل القسمة وما لا يقبلها، لعمومه وعدم الاستثناء.\n٣ - أنه إذا أُثبتت الشفعة فيما تمكن قسمته، فما لا تمكن قسمته أولى بثبوت الشفعة؛ لأن الضرر فيما يقبل القسمة يمكن رفعه بالمقاسمة، وما لا تمكن قسمته يكون ضرر المشاركة فيه أشد لتأبده.\nالقول الثاني: أن الشفعة لا تثبت فيما لا يقبل القسمة، وهو قول الشافعي في الجديد، ومالك في أحد القولين، وأحمد في أصح الروايتين عنه (^٢).\nواستدلوا بما ذكره أبو عبيد في \"غريبه\": (أن النبي - ﷺ - قضى أن لا\n_________\n(^١) \"الكافي\" (٢/ ٨٥٢)، \"الاختيار\" (٢/ ٤٢)، \"المحلى\" (٩/ ٨٢، ٨٩)، \"فتاوى ابن تيمية\" (٣٠/ ٣٨١)، \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١٢٠)، \"الإنصاف\" (٦/ ٢٥٧)، \"الفتاوى السعدية\" (٤٣٦)، \"فتاوى ابن باز\" (١٩/ ٤٠٥).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٢١)، \"روضة الطالبين\" (٥/ ٧٠ - ٧١).","vol":"6","page":410},{"text":"شفعة في فناء، ولا طريق، ولا منقبة، ولا رُكْحٍ، ولا رَهْوٍ) (^١). والمنقبة: الطريق الضيق يكون بين الدارين الذي لا يمكن أن يسلكه أحد. والرُّكْح -بضم الراء، وسكون الكاف-: ناحية البيت من ورائه. والرهو: الجوبة تكون في محلة القوم يسيل فيها ماء المطر أو غيره.\nفنفى النبي - ﷺ - ثبوت الشفعة في هذه المذكورات التي لا تمكن قسمتها، ويلحق بها ما في معناها مما لا يمكن الانتفاع به مع قسمته.\nوالراجح هو القول الأول، لقوة مأخذه، وهو عموم الأدلة في هذا الباب، ولدخول ذلك تحت المعنى الذي لأجله شرعت الشفعة، وهو دفع الضرر عن الشريك.\nوأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فهو حديث ضعيف لا يعرف له إسناد، بحيث ينظر في رجاله، ومثل ذلك لا يقف في مقابلة الأحاديث الثابتة.\nوعلى فرض صحته فلا حجة فيه؛ لأن الأشياء المذكورة ليست مملوكة لشخص معين لتصح الشفعة فيها، وإنما هي مرافق مشتركة بين البيوت، يُنتفع بها حسبما جرت به عادة السكان.\n\n° الوجه السادس: استدل بعض العلماء بحديث الباب على أن الشفعة لا تثبت في المنقول؛ كالسيارات والكتب والحيوان وآلات الحراثة والسقي ونحو ذلك.\nقالوا: لأن النبي - ﷺ - قصر الشفعة على ما هو عقار وليس بمنقول بقرينة وقوع الحدود وتصريف الطرق، وهذا مما يختص بالعقار، قالوا: ولأن الضرر في المنقول ضرر يسير ثم هو عارض لا يتأبد، فهو كالمكيل والموزون، فيمكن التخلص منه بالقسمة أو البيع أو التأجير، بخلاف الضرر في العقار فهو ضرر كثير ويتأبد بتأبده.\nوهذا قول الحنفية، والشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة، وقول\n_________\n(^١) \"غريب الحديث\" (٢/ ٥٣٩).","vol":"6","page":411},{"text":"للمالكية، واختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي (^١). لكن إن كان المنقول تابعًا للعقار وبيع معه ثبتت فيه الشفعة، سواء أكان متصلًا بالعقار كالشجر والنخل، أم كان غير متصل به ولكن من لوازمه كآلات الحراثة والسقي، ونحوهما للأراضي الزراعية.\nوالقول الثاني: أن الشفعة تثبت في المنقول ولا تختص بالعقار، فكل جُزْءٍ بِيعَ مشاعًا في سيارة، أو ثوب، أو آنية، ونحو ذلك من المنقولات، ففيه الشفعة، وهو قول الظاهرية، وجماعة من السلف، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن عقيل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ عبد العزيز بن باز (^٢). واستدلوا بعموم: (قضى بالشفعة في كل شيء) فإنه يتناول العقار والمنقول، ولأن حق الشفعة لم يثبت إلا لدفع الضرر، والضرر كما يوجد ويتوقع في العقار، كذلك يوجد ويتوقع في المنقول، بل قد يكون في المنقول أشد.\nوهذا القول وجيه في نظري، لقوة مأخذه، وهو عموم الأدلة في هذا الباب مع المعنى الذي لأجله شرعت الشفعة، وهو دفع الضرر، والضرر في المنقول يحصل بسبب الشركة كغير المنقول، فقد يكون الشريك الأول في السيارة -مثلًا- ملائمًا في قرب مكانه، وكرم طبعه، بخلاف ما يتوقع من الشريك الثاني بعد بيعها؛ لبعد مكانه وما يتوقع من معاملته.\nوأما ما استدل به أصحاب القول الأول، فعنه جوابان:\nالأول: أن قوله: (فإذا وقعت الحدود …) لا يدل على أن الشفعة لا تكون إلا في العقار كالبناء والأرض والمزرعة، بل الحدود واقعة على كل ما يقبل القسمة من طعام وحيوان وسيارة وآلات حراثة وسقي ونحو ذلك، فأول الحديث فيه عموم، وآخره لا ينفي هذا العموم.\n_________\n(^١) \"تبيين الحقائق\" (٥/ ٢٥٢)، \"المهذب\" (١/ ٤٩٤)، \"بداية المجتهد\" (٢/ ٢٢٣)، \"الإنصاف\" (٦/ ٢٥٦)، \"الإرشاد\" ص (١٥٢).\n(^٢) \"المحلى\" (٩/ ٨٢)، \"الفروع\" (٤/ ٥٢٩)، \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١٢١)، \"الإنصاف\" (٦/ ٢٥٧).","vol":"6","page":412},{"text":"الثاني: أن آخر هذا الحديث الدال على الشفعة في العقار هو من باب ذكر بعض أفراد العام بحكم العام، وهذا لا يقتضي التخصيص، ولا يخرج أول الحديث عن دلالته على عموم الشفعة في المنقول.\n\n° الوجه السابع: الحديث دليل على أنه ينبغي للشريك إذا عزم على بيع نصيبه المشاع أن يخبر شريكه بذلك ليشتريه منه أو ليأذن له في بيعه على من يشاء، فإن باع ولم يؤذنه فإن الشريك أحق بالشقص من المشتري.\nوليس لهذا الشريك أن يخفي البيع عن شريكه أو يقول إنه وهبه، أو يذكر ثمنًا كثيرًا حتى لا يشفع شريكه، فكل ذلك ونحوه لا يجوز؛ لأنه من الحيل لإسقاط الشفعة وإبطال حق المسلم.\nوظاهر قوله: (لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه …) أنه محرم عليه البيع حتى يعلم شريكه، وحمله بعض العلماء على الندب، وأن كراهة بيعه قبل إعلامه كراهة تنزيه، قالوا: لأنه يصدق على المكروه أنه ليس بحلال، ويكون الحلال بمعنى المباح (^١).\n\n° الوجه الثامن: دلت رواية مسلم: \"فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به\" على أن الشريك أحق بالشقص من المشتري إذا باعه شريكه ولم يعلمه، فإن أعلمه بالبيع فأذن فيه، فباع، ثم طلب الشفعة بعد البيع، فالأكثرون على أن له الشفعة، فتثبت مطالبته بها متى وجد البيع؛ لأن الشفعة إنما وجبت بعد البيع، وعن الإمام أحمد، وجماعة من السلف: أن الشفعة تسقط، لرواية مسلم، فإن مفهومها أنه إن باع الشقص وقد آذنه فلا حق له، والله تعالى أعلم (^٢).\n_________\n(^١) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١١/ ٥٠).\n(^٢) انظر: المصدر السابق، \"المغني\" (٧/ ٥١٤)، \"شرح الزركشي\" (٤/ ٢٠٥).","vol":"6","page":413},{"text":"<span data-type='title' id=toc-752>حكم شفعة الجار</span>\n٩٠٢/ ٢ - عَنْ أَبي رَافِعٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ\". أَخْرَجَهُ الْبُخَاريُّ، وَفيهِ قِصَّةٌ.\n٩٠٣/ ٣ - وعَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"جَارُ الدَّارِ أَحَق بِالدَّارِ\". رَوَاهُ النَّسَائيُّ، وَصحَّحَهُ ابْنُ حِبَان، وَلَهُ عِلَّة.\n٩٠٤/ ٤ - وعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا -وإنْ كَانَ غَائِبًا- إِذَا كَانَ طَرِيقُهُما وَاحِدًا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأرْبَعَةُ، وَرِجَالُهُ ثِقَات.\n\n• الكلام عليها من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث أبي رافع - ﵁ - فقد أخرجه البخاري في مواضع من \"صحيحه\"، أولها كتاب \"الشفعة\"، باب \"عرض الشفعة على صاحبه قبل البيع\" (٢٢٥٨) من طريق ابن جريج، أخبرني إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد، قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص، فجاء المسور بن مخرمة، فوضع يده على إحدى منكبيَّ، إذ جاء أبو رافع مولى النبي - ﷺ -، فقال: يا سعد ابتع مني بيتيَّ في دارك (^١)، فقال سعد: والله ما أبتاعهما، فقال المسور: والله لتبتاعنَّهما، فقال سعد: والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة، قال أبو رافع: لقد أعطيت بها خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت النبي - ﷺ -\n_________\n(^١) الظاهر أن المراد: بيتان داخل دار سعد.","vol":"6","page":414},{"text":"يقول: \"الجار أحق بسقبه\" ما أعطيتكها بأربعة آلاف وأنا أُعطى بها خمسمائة دينار، فأعطاها إياه.\nوأما حديث أنس - ﵁ - فقد أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (١٠/ ٣٦٤) وابن حبان (١١/ ٥٨٥) من طريق عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس - ﵁ - مرفوعًا.\nوهذا حديث صحيح، رجاله ثقات، رجال الشيخين، وعيسى بن يونس قد روى عن سعيد بن أبي عروبة بعد الاختلاط (^١)، والحديث له علة، كما ذكر الحافظ، وهي أن عيسى بن يونس وَهِمَ (^٢) في هذا الحديث، فرواه عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، وغيره يرويه عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة.\nرواه أبو داود (٣٥١٧)، والترمذي (١٣٦٨)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠/ ٣٦٥)، وأحمد (٣٣/ ٣١٢).\nولما روى الترمذي حديث أنس في \"العلل\" (١/ ٥٦٨) قال: (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: الصحيح حديث الحسن، عن سمرة، وحديث قتادة، عن أنس غير محفوظ، ولم يُعرف أن أحدًا رواه عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس غير عيسى بن يونس).\nوقال الحافظ: (هو معلول، وإنما المحفوظ عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة …) (^٣).\nويرى آخرون كابن القطان أن عيسى بن يونس روى الحديث بالوجهين، وكلاهما صحيح، وأيدوا ذلك بأن أحمد بن جناب، وهو ثقة من شيوخ مسلم قد روى الحديث عن عيسى بن يونس على الوجهين، فهذا يدل على أن عيسى بن يونس قد حفظ ما رواه الجماعة عن سعيد، عن قتادة، وزاد عليهم\n_________\n(^١) انظر: \"الكواكب النيرات\" ص (٢٠٣).\n(^٢) الذي وهَّمه الدارقطني، انظر: \"نصب الراية\" (٤/ ١٧٣).\n(^٣) \"إتحاف المهرة\" (٢/ ٢٠٧).","vol":"6","page":415},{"text":"روايته عن سعيد، عن قتادة، عن أنس - ﵁ - (^١).\nلكنَّ المتقدمين من الأئمة الكبار أنكروا ذلك، كالإمام أحمد وأبي حاتم وأبي زرعة والبخاري والترمذي والبزار وأحمد بن جناب (شيخ عيسى) والدارقطني (^٢).\nوالحديث فيه ضعف على كلا الوجهين، لعدم تصريح قتادة والحسن بالسماع، وكلاهما موصوف بالتدليس. والترمذي قال عن حديث سمرة: (حسن صحيح).\nوأما حديث جابر - ﵁ - فقد أخرجه أحمد (٢٢/ ١٥٥، ١٥٦)، وأبو داود (٣٥١٨)، والترمذي (١٣٦٩)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠/ ٣٦٥)، وابن ماجه (٢٤٩٤) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر - ﵁ -، مرفوعًا.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب ..) والحديث رجاله ثقات، رجال الشيخين غير عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي فمن رجال مسلم. وقد طعن شعبة في عبد الملك العرزمي بسبب هذا الحديث، فقال: (سها عبد الملك في هذا الحديث، فإن روى حديثًا مثله طرحت حديثه).\nوقد ضعف هذا الحديث الشافعي وابن معين وأحمد وغيرهم، ووجه تضعيفه تفرد عبد الملك بروايته، ولأنه معارض في الظاهر لحديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر - ﵁ -: (الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) فإن ظاهر قول عبد الملك: (إذا كان طريقهما واحدًا) إثبات الشفعة للجار إذا كان الطريق مشتركًا بينهما وإن وقعت الحدود، وهذا خلاف ما دل عليه حديث أبي سلمة.\nويرى جمع من المتأخرين، كابن الجوزي وابن عبد الهادي والزيلعي\n_________\n(^١) \"إتحاف المهرة\" (٢/ ٢٠٧).\n(^٢) انظر: \"مسائل أبي داود\" ص (٣٠٠)، \"العلل\" لابن أبي حاتم (١٤٣٠)، \"مسند البزار\" (١٣/ ٤٠٧)، \"التاريخ\" لابن أبي خثيمة (٣/ ٢٥٦)، \"نصب الراية\" (٣/ ١٧٣).","vol":"6","page":416},{"text":"وابن القيم (^١)، أن الحديث صحيح لا مطعن فيه، قالوا: وعبد الملك العرزمي من الثقات الأثبات الحفاظ الذين لا مطمح للطعن فيهم، وقد احتج به مسلم في \"صحيحه\" وخرج له أحاديث، ولم يرو ما لم يخالف الثقات، بل روايته موافقة لحديث أبي رافع، وحديث سمرة.\nقالوا: وأما طعن شعبة فإنه لا يقدح في عبد الملك ولا في صحة الحديث، لأمرين:\n١ - أن الترمذي قال: إن عبد الملك ثقة مأمون عند أهل الحديث، لا نعلم أحدًا تكلم فيه غير شعبة، من أجل هذا الحديث. وقال ابن عبد الهادي عن هذا الحديث: قد تكلم فيه شعبة وغيره بلا حجة، وهو حديث صحيح، ورواته أثبات (^٢).\n٢ - أنه لا معارضة بين الحديثين؛ لأن منطوق حديث أبي سلمة، عن جابر - ﵁ - انتفاء الشفعة عند تمييز الحدود وتصريف الطرق، ومنطوق حديث عبد الملك إثبات الشفعة بالجوار عند الاشتراك في الطريق، ومفهومه انتفاء الشفعة عند تصريف الطرق، فيكون مفهومه موافقًا لمنطوق حديث أبي سلمة.\nلكن قد يقال: إنه لا تعارض بين الذين وثقوا عبد الملك، وبين قول الذين ضعفوا هذا الحديث لوجود المخالفة فيه، فيحكم على حديثه هذا بالنكارة أو الشذوذ مع القول بقبول رواية عبد الملك فيما لم يخالف فيه (^٣)، يقول ابن حبان: (الغالب على من يحفظ ويحدث من حفظه أن يَهِمَ، وليس من الإنصاف ترك حديث شيخ ثبت، صحت عدالته، بأوهام يهم فيها، … بل الاحتياط والأولى في مثل هذا قبول ما يروي الثبت من الروايات، وترك ما صحَّ أنه وهم فيها …) (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"التنقيح\" (٤/ ١٧٤)، \"نصب الراية\" (٤/ ١٧٤) حيث نقل كلام ابن عبد الهادي وأقرَّه، \"تهذيب مختصر السنن\" (٥/ ١٦٦).\n(^٢) \"المحرر\" (٢/ ٥٨٧)، وانظر: \"تنقيح التحقيق\" (٤/ ١٧٤ - ١٧٥).\n(^٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٣٩٨).\n(^٤) \"الثقات\" (٧/ ٩٧، ٩٨).","vol":"6","page":417},{"text":"° الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (الجار أحق بصقبه) الصقب: بفتح الصاد والقاف: هو القرب والملاصقة، ويقال: بسَقَبه، بالسين، من سَقِب -بكسر القاف- سَقَبًا، من باب (تَعِبَ). قال ابن دريد: اللغتان فصيحتان.\nوالباء للسببية، والمعنى: أن الجار له حق زائد على ما هو لعامة المسلمين من النصح والبر والمعونة بسبب قربه وجواره، وقيل: إن المراد: أنه أحق بالشفعة (^١)، وسبب هذا الاختلاف، أن الأحقية في هذا الحديث محتملة، ويلزم على هذا المعنى أن يكون الجار أحق من كل أحد حتى من الشريك، والذين قالوا بشفعة الجار قدموا الشريك مطلقًا، ثم المشارك في الطريق.\n\nقوله: (جار الدار) أي: صاحب الدار المجاورة للدار التي يراد بيعها.\n\nقوله: (أحق بالدار) أي: أولى بتملكها بقيمتها إذا عزم صاحبها على بيعها.\n\nقوله: (الجار) أي: الملاصق.\n\nقوله: (ينتظر بها) بالبناء لما لم يُسَمَّ فاعله، والضمير يعود على الشفعة، والمعنى أن حقه في الشفعة ثابت.\n\nقوله: (وإن كان غائبًا) إن: وصلية لا تحتاج إلى جواب، والواو قبلها واو الحال.\n\n° الوجه الثالث: اختلف العلماء في ثبوت الشفعة للجار، على أقوال ثلاثة:\nالقول الأول: أن الشفعة تثبت للجار مطلقًا، سواء أكان له مع جاره مرافق مشتركة أم لا، فإذا بيعت قطعة أرض كان لمالك الأرض التي تلاصقها حَقُّ أخذها بالشفعة، وهذا قول الحنفية، وسفيان الثوري، وابن المبارك، وجماعة (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"معالم السنن\" (٥/ ١٦٩).\n(^٢) \"الهداية مع تكملة فتح القدير\" (٩/ ٣٦٩)، \"المغني\" (٧/ ٤٣٧).","vol":"6","page":418},{"text":"واستدلوا بأحاديث الباب، حيث دلت على أن الجار أحق بالدار من غيره لقربه، فدل ذلك على استحقاق الجار للشفعة في عقار جاره بسبب الجوار.\nقالوا: ولأن حق الأصيل وهو الجار أسبق من حق الدخيل، وكل معنى اقتضى ثبوت الشفعة للشريك فمثله في حق الجار، والناس يتفاوتون في الجوار تفاوتًا فاحشًا، ويقع بينهم من العداوة ما هو معهود، والضرر من ذلك دائم متأبد، ولا يندفع إلا برضى الجار، إن شاء أقر الدخيل على جواره، وإن شاء انتزع الملك بثمنه، واستراح من المجاورة ومفسدتها.\nالقول الثاني: أن الشفعة لا تثبت للجار مطلقًا، وهذا قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، والأوزاعي وإسحاق وابن المنذر، وجماعة من السلف (^١).\nواستدلوا بحديث جابر المتقدم: (قضى رسول الله - ﷺ - بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق؛ فلا شفعة)، ورواه البخاري بلفظ: (إنما جعل النبي - ﷺ - الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة).\nووجه الاستدلال: أن الحديث دل على إثبات الشفعة في غير المقسوم، ونفيها بعد القسمة، لوقوع الحدود، وتصريف الطرق، والحدود بين الجارين واقعة، والطرق مصروفة، فتكون الشفعة منتفية.\nقالوا: ولأن الشفعة تثبت للشريك نظرأ لوجود الضرر اللاحق بالشركة، أما إذا قسمت الأرض فلا شفعة لانتفاء الضرر، فإن حصل ضرر بسبب الجوار أمكن إزالته بالمرافعة إلى السلطان.\nوأجابوا عن أدلة الأولين: بأن المراد بالجار: الشريك؛ لأنه يجاور شريكه ويساكنه في الدار المشتركة بينهما، جمعًا بين هذه الأدلة والأدلة التي تقدمت أول الباب.\n_________\n(^١) \"الكافي\" لابن عبد البر (٢/ ٨٥٦)، \"المهذب\" (١/ ٣٧٧)، \"المغني\" (٧/ ٤٣٦).","vol":"6","page":419},{"text":"القول الثالث: أن الشفعة تثبت للجار إذا كان له مع جاره مرافق مشتركة من طريق واحد، أو حوش، أو مسيل، أو بئر مشتركة، أو نحو ذلك، ولا تثبت إذا لم يكن شيء من ذلك، وهذا رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشيخ عبد الرحمن السعدي (^١).\nواستدلوا بحديث جابر - ﵁ -: (الجار أحق بشفعة جاره … إذا كان طريقهما واحدًا) فدل الحديث على إثبات الشفعة للجار مع اتحاد الطريق.\nكما استدلوا بحديث أبي رافع- المتقدم- في قصته مع سعد - ﵁ - حيث عرض عليه شراء البيتين اللذين في دار سعد، والطريق كان واحدًا بلا ريب، مع أن حديث أبي رافع في غير الشفعة؛ لأن أبا رافع لم يبع، والشفعة إنما تكون بعد البيع بمثل الثمن، لكن قال الصنعاني: (إن الحديث وإن ذكره أبو رافع في البيع فهو يعم الشفعة بالجوار) (^٢)، ولهذا ذكره البخاري في كتاب \"الشفعة\"، وبَوَّبَ له بما تقدم.\nقالوا: ولأن الاشتراك في المرافق كالاشتراك في الملك بسبب كثرة المخالطة، ووجود الضرر بين الشركاء، وقد يؤدي ذلك إلى حصول النزاع فيما بينهم، والشفعة شرعت لإزالة الضرر.\nوهذا القول أرجح الأقوال؛ لأنه يجمع الأدلة كلها، ويحمل مطلقها على مقيدها، فإن حديث جابر - ﵁ -: (إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق) منطوقه انتفاء الشفعة عند معرفة كل واحد حَدَّهُ، وحديث: (إذا كان طريقهما واحدًا ..) منطوقه إثبات الشفعة بالجوار عند الاشتراك في الطريق وانتفاؤها عند تصريف الطريق.\nوإذا كانت الشفعة لا تثبت للجار إلا بالاشتراك في المرافق التي تكون بين الجيران خاصة، فقد يكون الحكم داخلًا فيما لم يقسم، ويغلَّب\n_________\n(^١) \"الإنصاف\" (٦/ ٢٥٥)، \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١٣١)، \"بهجة قلوب الأبرار\" ص (١١٩).\n(^٢) \"سبل السلام\" (٥/ ٢٤٦).","vol":"6","page":420},{"text":"معنى الاشتراك، وتثبت فيه الشفعة لمعنى الشركة لا لمعنى الجوار.\nوأما حمل أصحاب القول الثاني أحاديث الباب على أن المراد بالجار الشريك ففيه نظر، لوجود الفرق بينهما، فالملك في الشركة مختلط، وفي الجوار متميز، وأيضًا أحكام الشركة غير أحكام الجوار (^١)، ثم إن آخر الحديث يأبى حمله على الشريك، فإنه قال في آخره: (إن كان طريقهما واحدًا) وفي حمله على الشريك إلغاء لهذا القيد، فإن الشركة تستحق الشفعة، سواء أكان الطريق واحدًا أم لا.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية انتظار بيع الجار عقاره حتى يحضر جاره الغائب؛ لأن هذا من حقوق الجار على جاره، ولأن في بيع العقار على شخص آخر تفويتًا لكثير من مصالح جاره، وإلحاق ضرر به قد لا يتمكن من تلافيه، وهذا قول أكثر أهل العلم.\nوحكم المريض، والمحبوس، وسائر من لم يعلم البيع لعذر حكم الغائب، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١٢٩).","vol":"6","page":421},{"text":"<span data-type='title' id=toc-753>وقت الشفعة</span>\n٩٠٥/ ٥ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: \"الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَزَّارُ، وَزَادَ: \"وَلَا شُفْعَةَ لِغَائِبٍ\". وَإسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه ابن ماجه في كتاب \"الشفعة\"، باب \"طلب الشفعة\" (٢/ ٨٣٥)، وابن عدي (٦/ ١٧٧)، والبيهقي (٦/ ١٠٨)، والبزار (^١) من طريق محمد بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر -﵄-، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الشفعة كحل العقال\" زاد البيهقي وابن عدي في أوله: \"لا شفعة لغائب، ولا صغير، ولا شريك على شريك إذا سبقه بالشراء\".\nوهذا الحديث إسناده ضعيف جدًّا، بل هو إلى الوضع أقرب، قال ابن حبان: (لا أصل له). وقال أبو زرعة: (هذا حديث منكر)، وقال البيهقي: (ليس بثابت)، وقال الحافظ: (إسناده ضعيف جدًّا) (^٢)؛ لأن فيه محمد بن الحارث بن زياد البصري، وهو متروك، وشيخه محمد بن عبد الرحمن البيلماني ضعيف جدًّا، قال ابن عدي: (كل ما يرويه البيلماني فالبلاء فيه منه، وإذا روى\n_________\n(^١) عزاه الحافظ للبزار هنا، وفي \"التلخيص\" ومن قبله ابن القطان في \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ١٣٠)، وليس في \"مسند البزار\" المطبوع، فإن الأجزاء الأولى ليس فيها مسند ابن عمر، وطبع جزء من مسنده في الجزء الثاني عشر وليس فيه هذا الحديث، ويبدو أن المخطوط من مسنده مفقود، والله تعالى أعلم.\n(^٢) \"العلل\" (١/ ٤٧٩)، \"التلخيص\" (٣/ ٦٥).","vol":"6","page":422},{"text":"عنه محمد بن الحارث فجميعًا ضعيفان). وقال: (حدث عن أبيه نسخة كلها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به، ولا أذكره إلا على وجه التعجب) (^١).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الشفعة كَحَلِّ العِقال) الحَلُّ: بالفتح والتشديد، هو ضد الشَّدِّ، والعِقال: بكسر العين، هو الحبل الذي يعقل به البعير، وغالبًا ما يكون أُنشوطة: وهي عقدة يسهل انحلالها، إذا مدت بأحد طرفيها انفتحت، وحَلُّ عقال البعير: إطلاقه.\nوالحديث فيه تشبيه طلب الشفعة بحل العقال، بجامع الفوات في كل، والمعنى: أن الشفعة تفوت إذا لم يبادر إليها؛ كالبعير الشرود يحل عقاله (^٢).\n\n° الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن الشفعة تثبت على الفور بمجرد علم الشريك ببيع الشقص، وتبطل بالتأخير.\nووجه الاستدلال: أن الشفعة تفوت بترك المبادرة، كما يفوت البعير الشرود عند حل العقال إذا لم يبادر إليه، وهذا قول الحنفية، وهو الأظهر عند الشافعية، والصحيح من المذهب عند الحنابلة (^٣).\nقالوا: ولأن الشفعة خيار يثبت بنفسه لدفع الضرر عن المال، فكان على الفور، كخيار الرد بالعيب.\nوالقول الثاني: أن الشفعة تثبت للشفيع على التراخي، وبه قالت المالكية، وهو قول للشافعية، ورواية عند الحنابلة (^٤).\nواستدلوا بحديث جابر المتقدم: (قضى رسول الله - ﷺ - بالشفعة في كل ما لم يقسم) فالنبي - ﷺ - أثبت الشفعة للشريك، ولم يعلق هذا الإثبات بمدة.\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٦/ ١٨١).\n(^٢) \"شرح سنن ابن ماجه\" (٢/ ٩٥).\n(^٣) \"الهداية\" (٤/ ٣٧)، \"المغني\" (٧/ ٤٥٣)، \"روضة الطالبين\" (٥/ ١٠٧).\n(^٤) \"المغني\" (٧/ ٤٥٤)، \"الكافي\" لابن عبد البر (٢/ ٨٦٠)، \"نهاية المحتاج\" (٥/ ٢١٤).","vol":"6","page":423},{"text":"قالوا: ولأن الشفعة حق من جملة الحقوق التي لا تسقط إلا بالرضا بإسقاطها بما يدل على الرضا من قول أو فعل.\nولأن إلجاء الشفيع إلى الفورية وعدم إعطائه الفرصة للنظر غير مناسب لما شرعت له الشفعة، وقد لا يكون عنده المال الكافي للشقص، فيحتاج إلى مهلة لجمعه أو تكميله.\nوالقول الثالث: أن للشفيع أن يؤخر الطلب ويحدد له مدة؛ لأجل النظر والتأمل والمشاورة، ويرجع تحديد ذلك إلى العرف.\nوهذا قول للشافعية، واختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي (^١)، وهو أعدل الأقوال، لقوة مأخذه، ولا مضرة فيه على المشتري إذا حدد للشفيع مدة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"مغني المحتاج\" (٢/ ٣٧٠)، \"الفتاوى السعدية\" ص (٤٣٦)، \"الاختيارات الجلية\" ص (٩٣).","vol":"6","page":424},{"text":"<span data-type='title' id=toc-754>باب القراض</span>\nالقراض لفظ يطلقه أهل الحجاز على شركة المضاربة، وهو لغة: القطع، يقال: قرض قرضًا، أي: قطعه؛ لأن المالك قطع للعامل قطعة من ماله ليتجر فيها بجزء من الربح.\nوأما لفظ المضاربة فهو لغة أهل العراق، وهي لغة: مفاعلة من ضَرَبَ في الأرض بمعنى: سار فيها وخرج تاجرًا أو غازيًا أو طالبًا الرزق، قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].\nوأما القراض أو المضاربة في اصطلاح الفقهاء: فهي عقد على شركة بين اثنين فأكثر يقدم أحدهما مالًا، والآخر عملًا، والربح بينهما على ما شرطاه.\nوالمقارض -بالكسر-: رب المال، وبالفتح: العامل، والمضارب -بالكسر-: العامل، عكس الأول؛ لأنه هو الذي يضرب بالمال، قال بعض علماء اللغة: ليس لرب المال اسم من المضاربة بخلاف القراض (^١).\nوالمضاربة تشبه الإجارة؛ لأن العامل فيها يستحق حصته من الربح جزاء عمله في المال، وعفي فيها عن جهالة الأجرة.\nوقد دل على جواز القراض الكتاب، والإجماع، أما الكتاب فعمومات الآيات الدالة على الحث على الابتغاء من فضل الله تعالى والسير في الأرض لطلب الرزق، وجواز التجارة إذا كانت عن تراض، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وقوله تعالى:\n_________\n(^١) \"القراض في الفقه الإسلامي\" ص (٥).","vol":"6","page":425},{"text":"﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].\nوأما الإجماع فقد نقل ابن قدامة وغيره قول ابن المنذر: (أجمع العلماء على جواز المضاربة في الجملة) (^١).\nوجواز المضاربة من محاسن الشريعة الإسلامية؛ لأن من الناس من يكون عنده المال وليس عنده خبرة أو قدرة لتنميته والتصرف فيه ولا سيما في زماننا هذا، ومن الناس من ليس عنده مال، وهو قادر على التصرف، فجوز الشرع هذا النوع من المعاملة ليستفيد الفقير من مال الغني، ويستفيد الغني من خبرة الفقير، فيحصل بذلك خير كثير وفوائد عظيمة، فتتسع الأرزاق، وتكثر أبواب الكسب وموارد الخير، ويستفاد من الطاقات والقدرات المعطلة، وفي المضاربة استثمار الأموال وزيادتها حتى لا تضيع أو تأكلها الصدقة، كما أن في تشريع المضاربة سدًّا منيعًا لأبواب كثيرة من أبواب الربا عن طريق تنمية الأموال في المصارف الربوية.\nوقد كان القراض موجودًا في الجاهلية وأقره الإسلام، وقد ضارب النبي - ﷺ - قبل البعثة بمال خديجة - ﵂ - حيث سافر به إلى الشام فربح ربحًا عظيمًا (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"الإجماع\" لابن المندر ص (١٢٤)، \"بداية المجتهد\" (٣/ ٤٥١)، \"المغني\" (٧/ ١٣٣).\n(^٢) انظر: \"صحيح السيرة النبوية\" للطرهوني (١/ ١٦٤، ٣٢١).","vol":"6","page":426},{"text":"<span data-type='title' id=toc-755>ما روي أن القراض من العقود المباركة</span>\n٩٠٦/ ١ - عَنْ صُهَيْبٍ - ﵁ -، أَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَال: \"ثَلاثٌ فِيهن الْبَرَكَةُ: الْبَيعُ إِلَى أَجَلٍ، وَالْمُقَارَضَةُ، وَخَلْطُ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيتِ لَا لِلْبَيعِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإسْنَادٍ ضَعِيفٍ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو يحيى صهيب بن سنان بن مالك بن النَّمِر بن قاسط النَّمَرِي، صحابي جليل، من السابقين إلى الإسلام، كان أبوه من أشراف الجاهليين، ولاه كسرى على الأُبُلَّة (البصرة) فسبت الروم صهيبًا وهو غلام في إغارة لهم على ناحية أهله، فنشأ بينهم، فكان ألكن (^١)، فاشتراه منهم أحد بني كلب وقدم به مكة، فابتاعه عبد الله بن جدعان التيمي، ثم أعتقه، وقيل: بل هرب إلى مكة، فحالف ابن جدعان، كان صهيب من المستضعفين، وممن عُذب في الله تعالى، هاجر إلى المدينة وأدرك النبي - ﷺ - في قباء، وشهد بدرًا والمشاهد بعدها، وقد ذكر ابن كثير في \"تفسيره\" عن ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب وجماعة من السلف أن صهيبًا لما أسلم وأراد الهجرة منعه المشركون أن يهاجر بماله، فقال: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم، قال: فإني قد جعلت لكم مالي، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فقال: \"ربح صهيب\"، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ\n_________\n(^١) اللُّكْنَة: عِيٌّ وثقل في اللسان وصعوبة الإفصاح بالعربية. [\"المعجم الوسيط\" ص (٨٣٧)].","vol":"6","page":427},{"text":"مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] (^١)، روى عنه أولاده، وسعيد بن المسيب وآخرون، مات صهيب بالمدينة سنة ثمان وثلاثين، وقد بلغ سبعين، أو ثلاثًا وسبعين - ﵁ - (^٢).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه ابن ماجه في كتاب \"التجارات\"، باب \"الشركة والمضاربة\" (٢/ ٧٦٨) من طريق نصر بن القاسم، عن عبد الرحمن (عبد الرحيم) بن داود، عن صالح بن صهيب، عن أبيه مرفوعًا.\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا؛ لأن فيه ثلاثة مجاهيل:\n١ - نصر بن القاسم، قال الذهبي: (من صغار التابعين، لا يكاد يعرف) (^٣).\n٢ - عبد الرحمن أو عبد الرحيم بن داود، قال العقيلي: (مجهول بالنقل، حديثه غير محفوظ، ولا يعرف إلا به) ثم ذكر حديثه هذا (^٤).\n٣ - صالح بن صهيب مجهول الحال، كما في \"التقريب\".\n\n° الوجه الثالث: هذا الحديث وإن كان إسناده ضعيفًا، لكن معناه صحيح، وقد اشتمل على ثلاث مسائل:\n١ - البيع إلى أجل، وهو إما أن يكون عن طريق السلم، أو عن طريق تقسيط قيمة المبيع على المشتري، والبركة في ذلك ما فيه من تسهيل المعاملة وإعانة المشتري على تسليم الثمن بلا إرهاق.\n٢ - المقارضة، وهي المضاربة، فهي من العقود المباركة مع النصح والصدق لما فيها من انتفاع الناس بعضهم من بعض، فهذا منه المال، وهذا منه العمل، فاستفاد صاحب المال الذي قد لا يقدر على العمل بتنمية ماله، واستفاد العامل الذي لا عمل عنده، كما تقدم.\n_________\n(^١) انظر: \"فقه السيرة\" بتعليق الألباني ص (١٦٦).\n(^٢) انظر: \"طبقات ابن سعد\" (٣/ ٢٢٦)، \"الاستيعاب\" (٥/ ١٤٧)، \"الإصابة\" (٥/ ١٦٠)، \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٦٠).\n(^٣) \"الميزان\" (٤/ ٢٥٣).\n(^٤) \"الضعفاء\" (٣/ ٨٠).","vol":"6","page":428},{"text":"٣ - خلط البر والشعير طعامًا للبيت، ولعل وجه البركة فيه التوفير في النفقة؛ لأن الشعير رخيص، فإذا خلط بالبر حصل اقتصاد في إنفاق البر، وفيه تواضع في المأكل يضاد السرف والتمادي في التنعم، كما أن فيه مشاركة الطبقة الفقيرة في نوع طعامهم، وليس في الأدلة الشرعية ما يدل على وجود البركة في ذلك، وإنما هو من الأمور المباحة التي يرجع فيها إلى أعراف الناس وعوائدهم، فإن كان الخلط لأجل البيع لم يجز؛ لأنه قد يكون فيه غرر وغش للمشتري، والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":429},{"text":"<span data-type='title' id=toc-756>جواز اشتراط رب المال على المضارب ما فيه مصلحة</span>\n٩٠٧/ ٢ - عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ - ﵁ - أنَّهُ كَانَ يَشْتَرِطُ عَلَى الرَّجُلِ إِذَا أعْطَاهُ مَالًا مُقَارَضَةً: ألا تَجْعَلَ مَالِي في كَبِدٍ رَطْبَةٍ، وَلَا تَحْمِلَهُ في بَحْرٍ، وَلَا تَنْزِلَ بِهِ في بَطْنِ مَسِيلٍ، فَإنْ فَعَلْتَ شَيئًا مِن ذلك فَقَدْ ضَمِنْتَ مَالِي. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.\nوَقَال مَالِكٌ في \"المُوَطَّأ\": عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أنَّهُ عَمِلَ في مَالٍ لِعُثْمَانَ عَلَى أَن الرِّبْحَ بَينَهُمَا. وَهُوَ مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحُرَقي، أبو شبل المدني، مولى الحُرَقَةِ، فَخِذٌ من جهينة، روى عن أبيه وعن ابن عمر وأنس وغيرهم -﵃-، وروى عنه ابن جريج ومالك وعبيد الله بن عمر وابن إسحاق وآخرون، وهو من رجال مسلم، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: (ثقة، لم أسمع أحدًا ذكره بسوء)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق ربما وَهِمَ). وقد أنكروا عليه أحاديث، ومنها حديث: \"إذا انتصف شعبان فلا تصوموا\"، لكن مسلمًا أخرج له من حديث المشاهير دون الشواذ، مات سنة تسع وثلاثين ومائة ﵀ (^١).\nوأبوه عبد الرحمن بن يعقوب المدني، روى عن أبيه، وعن أبي هريرة\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ١٦٦).","vol":"6","page":430},{"text":"وأبي سعيد وابن عباس وابن عمر وغيرهم -﵃-، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: (تابعي ثقة) (^١).\nوجده يعقوب روى عن عمر وحذيفة -﵄-، وعنه ابنه عبد الرحمن والوليد بن أبي الوليد، قال الترمذي: (هو من كبار التابعين، قد أدرك عمر بن الخطاب وروى عنه)، وقد أخرج له بهذا الإسناد عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، قال: \"لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين) وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب) (^٢).\nوقال الحافظ في \"التقريب\": (مقبول) (^٣).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه الدارقطني (٣/ ٦٣)، والبيهقي (٦/ ١١١) من طريق حيوة وابن لهيعة، قالا: حدثنا أبو الأسود، عن عروة بن الزبير، وعن غيره: أن حكيم بن حزام صاحب رسول الله - ﷺ - كان يشترط … فذكره.\nقال الحافظ: (إسناده قوي) (^٤).\nوأما أثر يعقوب الحرقي أنه عمل في مال لعثمان - ﵁ - فقد أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٦٨٨) في كتاب \"القراض\"، ومن طريقه البيهقي (٦/ ١١١) وهو موقوف صحيح، كما قال الحافظ، ومالك ممن روى عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، كما تقدم (^٥)، ولفظ \"البلوغ\" هو لفظ \"الموطأ\" برواية أبي مصعب الزهري (^٦).\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (في كبد رطبة) أي: لا تشتر به شيئًا من بهيمة الأنعام؛ لأن ما\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١١١).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢/ ٣٥٧) رقم (٤٨٧).\n(^٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٣٥٠).\n(^٤) \"التلخيص\" (٣/ ٦٧).\n(^٥) روى عنه في أحد عشر موضعًا من \"الموطأ\" (١/ ١٦).\n(^٦) (٢/ ٢٩٠).","vol":"6","page":431},{"text":"كان ذا روح عرضة للهلاك، مع ما يحتاج إليه من المؤنة وزيادة الكلفة.\n\nقوله: (ولا تحمله في بحر) أي: لا تنقله بواسطة السفن والمراكب البحرية؛ لئلا يتعرض للغرق.\n\nقوله: (ولا تنزل به في بطن مسيل) أي: بطون الأودية ومجرى مياه الأمطار لما في ذلك من تغريق المال؛ لأنه يحمله السيل أو يفسده.\n\nقوله: (على أن الربح بينهما) أي: مناصفة؛ لأنه أضاف الربح إليهما إضافة واحدة ولا مرجح فاقتضى التسوية، كما لو قال: هذه الدار بيني وبينك، أو هذه الكتب بيني وبينك.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على ثبوت شركة المضاربة وأن الصحابة - ﵃ - قد تعاملوا بها من غير نكير، كما ورد عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وحكيم بن حزام وغيرهم -﵃-، وهذا إجماع منهم على جوازها، وقطع ابن حزم أن القراض كان في عصر النبي - ﷺ - فعلم به وأقره، ولولا ذلك ما جاز (^١)، ثم إن المعنى يؤيد ذلك فإن تنمية المال واستثماره مقصد شرعي، ولا ينمو المال إلا بالعمل والتجارة، وليس كل من يملك المال يحسن التجارة، ولا كل من يحسن التجارة يملك المال، فاحتيج إلى المضاربة من الجانبين، فشرعها الله تعالى تحقيقًا لذلك.\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه يجوز لصاحب رأس المال أن يشترط على المضارب ما يراه صالحًا لحفظ المال وصيانته من الفساد، كأن يشترط ألا يسافر بالمال، أو ألا يتجر إلا في بلد بعينه، أو يشترط عليه نوعًا معينًا من السلع، أو يشترط ألا يضع ماله في تجارة يخشى تلفها أو تحتاج زيادة مؤنة كتجارة الماشية، فهذا شرط صحيح، وعلى العامل أن يلتزم بذلك، فإن خالف وفسد المال فإنه يضمن.\nفإن شرط رب المال على العامل جزءًا من الربح مجهولًا أو مقطوعًا،\n_________\n(^١) \"مراتب الإجماع\" ص (١٠٦).","vol":"6","page":432},{"text":"أو ربح إحدى السفرتين أو نحو ذلك فسد الشرط بلا نزاع، ويصح العقد على الراجح (^١)، مراعاة لاستقرار المعاملات.\n\n° الوجه السادس: دل الحديث على أن رأس المال أمانة في يد المضارب، فلا يضمنه إن تلف؛ لأنه أمين، والأمين لا ضمان عليه، كما تقدم. إلا إن قصر في حفظه أو خالف شرط صاحب رأس المال.\nوقد اتفق الفقهاء على أنه ليس للمضارب أن يتعامل في المحرمات كشراء الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر والمسكرات والتعامل بالربا أو الآت اللهو والطرب باختلاف أنواعها.\n\n° الوجه السابع: من الشروط التي لا بد منها لصحة المضاربة بيان مقدار الربح لكل من المالك والمضارب، ويكون توزيعه بينهما على ما شرطاه في عقد المضاربة، كأن يقول رب المال: لك الثلث أو الربع ونحو ذلك، فإن قالا: الربح بيننا، فهو نصفان بينهما، لما تقدم، وإذا علم نصيب أحدهما فالباقي للآخر بمفهوم اللفظ. فإن لم يعين الربح فسدت المضاربة؛ لأن الربح مقصود أصلي، وجهالته توجب فساد العقد.\nأما الخسارة فهي من رأس المال على المالك، وأما العامل فخسارته ضياع عمله وجهده، وليس عليه شيء منها، ولو شرط رب المال على العامل إشراك العامل في الخسارة بطل الشرط؛ لأن الخسارة عبارة عن نقصان رأس المال، وهو مختص بملك ربه، لا شيء للعامل فيه، فيكون نقصه من ماله دون غيره، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٦/ ١٠٨)، \"المغني\" (٧/ ١٤٢).","vol":"6","page":433},{"text":"<span data-type='title' id=toc-757>باب المساقاة </span>(^١)\nجمع المصنف بين المساقاة والإجارة وكذا المزارعة في باب واحد للتشابه بينهما من جهة اللزوم على قول الجمهور والتوقيت بمدة معينة، وقد تابع الحافظ في هذا ابن عبد الهادي في \"المحرر\" ولو جعل كلًّا منهما في باب مستقل، كما فعل المجد ابن تيمية في \"المنتقى\" وابن دقيق العيد في \"الإلمام\"، لكان أولى.\nوالمساقاة لغة: مصدر ساقى يساقي، بمعنى: الإشراب، وهي مأخوذة من أهم أعمالها، وهو السقي؛ لأن الحاجة إليه أكثر.\nوشرعًا: دفع شجر لمن يسقيه ويعمل عليه بجزء معلوم من ثمره.\nوالمزارعة: مصدر زارع من الزرع، وهو طرح البذر والقيام عليه، وهي دفع أرض لمن يزرعها بجزء معلوم مما يخرج منها.\nوالإجارة: بكسر الهمزة مصدر أَجَرَهُ يأجُرُه أجرًا وإجارة. وشرعًا: عقد على منفعة عين أو عمل.\nوالمساقاة والمزارعة من عقود الشركات القائمة على العدل بين الشريكين، فإن صاحبي الشجر والأرض كصاحب النقود يدفعها للمضارب في التجارة، والمساقي والمزارع كالمضارب الذي يتجر بالمال، فكل منهما يعمل في المال بجزء من نمائه، والغنم بينهما، والغرم عليهما.\nوالمساقاة تختلف عن الإجارة؛ لأن صاحب الشجر في الإجارة تسلم له الأجرة، وأما المستأجر فقد يحصل له الثمر وقد لا يحصل، وعلى هذا\n_________\n(^١) أي: والمزارعة والإجارة.","vol":"6","page":434},{"text":"فليست المساقاة على خلاف القياس وأنها من باب الإجارة التي يشترط فيها العلم بالعمل والأجرة.\nوجواز المساقاة والمزارعة من محاسن الشريعة الإسلامية وعنايتها بتيسير الأسباب لتنمية أموال الناس والاستفادة منها، والحاجة داعية إلى جوازهما؛ لأن من الناس من يكون عنده شجر ولا يحسن تعهده أو لا يتفرغ له، لا سيما عند إقبال الثمر ومواسم جمعه وزمن تسويقه، ومن الناس من يحسن تعهد الشجر وهو متفرغ لذلك ولا يملك الشجر، وبجواز هذه المعاملة يستفيد كل منهما من الآخر، ولو أن المالك اكترى لشجره لزمته الأجرة في الحال، وقد يتهاون العامل أو لا يحصل شيء من الثمار، فدعت الحاجة إلى تجويزهما.","vol":"6","page":435},{"text":"<span data-type='title' id=toc-758>جواز المساقاة بالجزء المعلوم</span>\n٩٠٨/ ١ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَامَلَ أَهْلَ خَيبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ زَرْعٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَفي رِوَايَةٍ لَهُمَا: فَسَألُوا أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَال لَهُمْ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا\"، فَقَرُّوا بِهَا، حَتَّى أَجْلاهُمْ عُمَرُ.\nوَلمسلِمٍ: أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيبَرَ نَخْلَ خَيبَرَ وَأَرْضَهَا، عَلَى أنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَهُ شَطْرُ ثَمَرِهَا.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب \"الحرث والمزارعة\"، باب \"إذا لم يشترط السنين في المزارعة\" (٢٣٢٩)، ومسلم (١٥٥١) من طريق يحيى بن سعيد، عن عبيد الله: حدثني نافع، عن ابن عمر - ﵄ -.\nورواه البخاري (٢٣٣٨)، ومسلم (١٥٥١)، من طريق ابن جريج، قال: حدثني موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب - ﵁ - أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز، وكان رسول الله - ﷺ - لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها، وكانت الأرض حين ظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين، وأراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول الله - ﷺ - ليقرهم بها أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: \"نقركم بها على ذلك ما شئنا\" فقروا بها حتى أجلاهم عمر - ﵁ - إلى تيماء وأريحاء.","vol":"6","page":436},{"text":"ورواه مسلم (١٥٥١) (٥) من طريق الليث، عن محمد بن عبد الرحمن، عن نافع، عن عبد الله بن عمر -﵄-، عن رسول الله - ﷺ - أنه دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر … الحديث. وهو عند البخاري (٢٣٣١، ٢٧٢٠) بنحوه.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (عامل أهل خيبر) المعاملة: التعامل مع الغير، وهي عند فقهاء أهل العراق: المساقاة، قال النووي: (المزارعة: المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج من زرعها) (^١).\nوخيبر: بلدة زراعية شمال المدينة، كان يسكنها طائفة من اليهود، فتحت في المحرم، سنة سبع من الهجرة، كما نقله الحافظ ابن حجر عن ابن إسحاق، ونسبه ابن القيم إلى الجمهور (^٢).\n\nقوله: (بشطر ما يخرج منها) الشطر يطلق على معانٍ منها: النصف، وهو المراد هنا، وجمعه أشطر وشطور، والمعنى: أنه عاملهم بنصف ما يخرج من ثمرها وزرعها مقابل عملهم ونفقتهم، والنصف الآخر للمسلمين لكونهم أصحاب الأصل.\n\nقوله: (من ثمر أو زرع) (من) بيانية لقوله: (ما يخرج منها)، والثمر: بالثاء المثلثة لفظ عام لثمر النخل والعنب وغيرهما.\n\nقوله: (فَقَرّوا بها) بفتح القاف وتشديد الراء؛ أي: ثبتوا بها واستقروا.\nقولي: (حتى أجلاهم عمر) أي: في خلافته - ﵁ -.\n\nقوله: (أن يعتملوها من أموالهم) أي: يقوموا بالعمل في خدمتها وتكون جميع نفقتها عليهم من أموالهم، يقال: اعتمل فلان: عمل لنفسه، وتصرف في العمل.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز المساقاة والمزارعة،\n_________\n(^١) \"تحرير ألفاظ التنبيه\" ص (٢١٧).\n(^٢) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٣١٦)، \"فتح الباري\" (٧/ ٤٦٤).","vol":"6","page":437},{"text":"فالمزارعة في الزرع، والمساقاة تتعلق بشجر موجود العنب والنخل والتين ونحو ذلك. قال الحافظ: (هذا الحديث هو عمدة من أجاز المزارعة والمخابرة لتقرير النبي - ﷺ - لذلك واستمرارهم على عهد أبي بكر إلى أن أجلاهم عمر - ﵁ -) (^١).\nوذلك لأن المسلمين كانوا مشغولين بالجهاد وليس عندهم الفراغ حتى يقوموا على أرض خيبر وشجرها، واليهود فارغون لهذا، وهم أبصر بهذا العمل من المسلمين، فلهذا اقتضت المصلحة الشرعية بقاءهم في ذلك الوقت وإن كانوا أعداء، واستمروا على ذلك إلى أن أخرجهم عمر - ﵁ - في خلافته بسبب أحداث أحدثوها (^٢)، وتنفيذًا لأمر النبي - ﷺ - فيما رواه عنه عمر - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا\" (^٣).\nولأن عمر - ﵁ - تفرغ لهذا الشيء وطالت مدة خلافته، بخلاف الصدّيق - ﵁ - فإن خلافته كانت قصيرة، وشغل بقتال أهل الردة.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز المساقاة في النخيل والعنب وجميع الشجر الذي من شانه أن يثمر بجزء معلوم من الثمرة يجعل للعامل، وهذا مذهب الإمام أحمد، قد ورد في بعض ألفاظ الحديث (بشطر ما يخرج منها من نخل وشجر)، وفي رواية: (على أن لهم الشطر من كل زرع ونخل وشجر)، وهذا يدل على أن الحكم شامل لكل ما فيه نفع مقصود من الأشجار؛ لأن الحديث جاء بلفظ الثمرة، وهو عام في كل ثمر، ومن خصصه بثمر معين كالنخل، كما هو قول الظاهرية، أو النخل والعنب، كما هو قول الشافعي في الجديد، فهو قول مرجوح؛ لأنه تخصيص يحتاج إلى دليل.\nوالقول بجواز المساقاة هو قول الصحابة والتابعين، وهو مذهب\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ١٣).\n(^٢) راجع كتاب \"الشروط\" من \"صحيح البخاري\" (٥/ ٣٢٧ \"فتح\").\n(^٣) أخرجه مسلم (١٧٦٧)، وسيأتي شرحه في كتاب \"الجهاد\" إن شاء الله تعالى.","vol":"6","page":438},{"text":"الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية.\nوقال أبو حنيفة: لا تجوز المساقاة؛ لأنها إجارة بثمرة معدومة أو مجهولة، وهذا قول ضعيف مصادم للدليل من جهة، ومعتمد على قياس غير صحيح من جهة أخرى، فإن المساقاة عقد على عمل في المال ببعض نمائه، فهي كالمضاربة، فإن المضارب يعمل في المال بجزء من نمائه، وهو معدوم مجهول، ومن أباح المضاربة دون المساقاة فقد فرق بين متماثلين.\nوهذا الحديث يدل على جواز الجمع بين المساقاة والمزارعة في بستان واحد، بأن يساقيه على الشجر ويزارعه على الأرض.\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز المساقاة والمزارعة بجزء مشاع معلوم كالثلث مما يخرج منها أو الربع ونحو ذلك، فإن شرط أحدهما ثمرة شجرة معينة لم يصح؛ لأنه قد لا يحمل غيرها، أو لا تحمل فيحصل الضرر والغرر، أو شرط آصعًا معلومة كمائة صاع لم يصح؛ لأنه قد لا تخرج إلا ذلك، فلا يكون للآخر شيء.\n\n° الوجه السادس: ظاهر الحديث أن المساقاة والمزارعة من العقود الجائزة عند الإطلاق، وهذا ظاهر كلام الإمام أحمد (^١)، لقوله - ﷺ -: \"نقركم بها ما شئنا\"، ووجه الدلالة: أنه لو كان هذا العقد لازمًا لم يجز بغير تقدير مدة، ولا أن يجعل الخيرة إليه في مدة إقرارهم، والنبي - ﷺ - لم ينقل عنه أنه قدر لهم ذلك بمدة.\nفإن حددت المساقاة أو المزارعة بمدة فهي عقد لازم كالإجارة، فإن لم يحدد مدة فهما على تراضيهما، وللمالك أن يخرج العامل متى شاء، وللعامل أن يخرج متى شاء على وجه لا يضر بالآخر، لعموم قوله - ﷺ -: \"لا ضرر ولا ضرار\" (^٢).\n_________\n(^١) \"المغني\" (٧/ ٥٤٢).\n(^٢) سيأتي تخريجه في باب \"ما جاء في الحمى\" إن شاء الله.","vol":"6","page":439},{"text":"فإن كان الفسخ بعد ظهور الثمرة فهي بينهما على ما شرطاه عند العقد، ويلزم العامل إتمام العمل؛ كالمضارب يلزمه بيع العروض إذا فسخت المضاربة بعد ظهور الربح.\nوإن كان الفسخ قبل ظهور الثمرة وقد جاء من قبل رب المال فعليه للعامل أجرة المثل؛ لأنه منعه إتمام عمله الذي يستحق به العوض.\nوإن كان الفسخ من قبل العامل فلا شيء له؛ لأنه رضي بإسقاط حقه فصار كعامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح.\nوذهب الجمهور من العلماء إلى أن المساقاة والمزارعة من العقود اللازمة، وعلى هذا فلا بد من تحديد مدة معلومة، قالوا: لأنه عقد معاوضة فكان لازمًا كالإجارة، ولأنه لو كان جائزًا لجاز لرب المال فسخه إذا أدركت الثمرة فيسقط حق العامل، فيحصل له الضرر.\nوأجابوا عن قصة خيبر بأجوبة غير ناهضة، كقولهم: باحتمال أن المدة كانت مذكورة ولم تنقل (^١).\nوالقول الأول أرجح، وهو أنه عقد جائز، إلا إن حدد مدة فهو عقد لازم، وهذا القول هو الذي تؤيده الأدلة، وفيه الجمع بين النصوص والقواعد الشرعية، وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز.\nوأما قولهم بالقياس على الإجارة، فهو غير صحيح؛ لأن الإجارة بيع المنافع فكانت لازمة كبيع الأعيان، ولأن عوضها مقدر معلوم فأشبهت البيع، ثم إن هذا القياس منقوض بالمضاربة، وهي أشبه بالمساقاة من الإجارة، فقياسها عليها أولى.\nوأما قولهم: إنه يفضي إلى أن رب المال يفسخ بعد إدراك الثمرة، فقد تقدم ما يدل على الجواب عنه.\n\n° الوجه السابع: ظاهر قوله: (على أن يعتملوها من أموالهم) أنه لا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٢٧).","vol":"6","page":440},{"text":"يشترط أن يكون البذر من رب الأرض، فيجوز كونه من العامل؛ لأن النبي - ﷺ - جعل عملها من أموالهم (^١). والنبي - ﷺ - لم يذكر أن البذر على المسلمين، ولو كان شرطًا ما أخل بذكره، ولو فعله لنقل، ولأن عمر - ﵁ - فعل الأمرين جميعًا، فقد جاء في \"صحيح البخاري\" معلقًا: (وعامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا) (^٢). وهذا القول رواية عن أحمد، وهو القول الصحيح -إن شاء الله-، والمشهور في المذهب أنه يشترط أن يكون البذر من رب الأرض، والعمل من العامل، وهو قول الشافعية (^٣)؛ لأنه عقد يشترك العامل ورب المال في نمائه، فوجب أن يكون رأس المال كله من عند أحدهما كالمساقاة والمضاربة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٣/ ٣٤٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٠).\n(^٣) \"المغني\" (٧/ ٥٦٢)، \"مغني المحتاج\" (٢/ ٣٤٢).","vol":"6","page":441},{"text":"<span data-type='title' id=toc-759>جواز كراء الأرض بالشيء المعلوم</span>\n٩٠٩/ ٢ - عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيسٍ قَال: سَألتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ - ﵁ - عَنْ كَرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؟ فَقَال: لَا بَأسَ بِهِ، إنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسول اللهِ - ﷺ - عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الْجَدَاولِ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هذَا وَيَسْلَمُ هَذا، وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلِكُ هَذَا، ولَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إلا هَذَا، فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنْهُ، فَأمَّا شَيءٌ مَعْلُومٌ مضمونٌ فَلَا بَأسَ بِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَفيهِ بَيَانٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيهِ مِنْ إِطْلَاقِ النَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ.\n٩١٠/ ٣ - عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَحَّاكِ - ﵁ -، أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ، وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ. رواه مُسْلِمٌ.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو حنظلة بن قيس بن عمرو بن حصين بن خلدة الزرقي المدني، نقل ابن سعد عن الواقدي أنه قال: (كان ثقة قليل الحديث)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال: (رأى عمر وعثمان - ﵄ -)، وذكره ابن عبد البر في الصحابة، جانحًا لقول الواقدي: إنه ولد على عهد النبي - ﷺ -. وحكى ابن سعد عن الزهري أنه قال: (ما رأيت من الأنصار أحزم ولا أجود رأيًا من حنظلة بن قيس) روى عن عمر وعثمان ورافع بن خديج وغيرهم، وروى عنه ربيعة","vol":"6","page":442},{"text":"ويحيى بن سعيد والزهري وغيرهم (^١).\nوأما ثابت فهو ثابت بن الضحاك بن خليفة الأشهلي الأوسي، أبو زيد المدني - ﵁ -، كان ممن بايع تحت الشجرة (^٢)، وكان رديف النبي - ﷺ - يوم الخندق، ودليله إلى حمراء الأسد. قال البخاري والترمذي: شهد بدرًا، وروى عنه عبد الله بن معقل بن مقرن المزني، وأبو قلابة، توفي سنة خمس وأربعين على أحد الأقوال (^٣).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث حنظلة - ﵁ - فقد أخرجه مسلم في كتاب \"البيوع\"، باب \"كراء الأرض بالذهب والورق\" (١٥٤٧) (١١٦) من طريق الأوزاعي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، حدثني حنظلة بن قيس الأنصاري، قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض … الحديث.\nوأما حديث ثابت - ﵁ - فقد أخرجه مسلم -أيضًا- بابٌ \"في المزارعة والمؤاجرة\" (١٥٤٩) (١١٩) من طريق عبد الله بن السائب، قال: دخلنا على عبد الله بن معقل فسألناه عن المزارعة، فقال: زعم ثابت أن النبي - ﷺ - نهى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة، وقال: لا بأس بها.\nواعلم أن أحاديث المزارعة معظمها من رواية رافع بن خديج - ﵁ -، وقد جاء بروايات كثيرة صارت سببًا لاختلاف العلماء، حتى فهم منها بعض العلماء أن المزارعة ممنوعة، لكن إذا ضم بعضها إلى بعض -كما قال الخطابي (^٤) وتبعه الحافظ- فإن المفصَّل منها يبين ما فيها من مجمل أو مطلق أو مختصر، وتتضح دلالتها على المراد.\nومن أهل العلم من حكم عليها بالاضطراب في متونها وأسانيدها، حتى قال الإمام أحمد لما سئل عنه: (عن رافع ألوان): (حديث رافع كثير الألوان) (^٥). وقد\n_________\n(^١) \"الطبقات\" (٥/ ٧٣)، \"الاستيعاب\" (٣/ ٩٨)، \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٥٥).\n(^٢) كما ثبت في \"صحيح مسلم\".\n(^٣) \"الإصابة\" (٢/ ١٢).\n(^٤) \"معالم السنن\" (٥/ ٥٣، ٥٥).\n(^٥) انظر: \"مسائل أبي داود\" ص (٢٠٠)، \"مختصر السنن\" للمنذري (٥/ ٦١).","vol":"6","page":443},{"text":"أجاب عنه العلماء بعدة أجوبة، كما بسط ذلك العلامة ابن القيم (^١).\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (عن كراء الأرض) أي: تأجير الأرض للزراعة، تقول: أكريته الدار والأرض وغيرهما إكراء فاكتراها، بمعنى: آجرته فاستأجر.\n\nقوله: (لا بأس به) أي: لا مانع، وأصل البأس: الشدة في الحرب، والحرب، والعذاب الشديد، والخوف، يقال: لا بأس عليه، ويقال: لا بأس به: لا مانع، ولا باس فيه: لا حرج (^٢).\n\nقوله: (الماذيانات) بذال معجمة مكسورة، ثم ياء مثناة، ثم ألف ونون، ثم بعدها ألف -أيضًا-: هي مسايل الماء، وقيل: ما ينبت حول السواقي، وهي من كلام العجم الذي استعملته العرب (^٣).\n\nقوله: (وأقبال الجداول) بفتح الهمزة، والأقبال: الأوائل، والجداول: جمع جدول، وهو النهر الصغير، ويطلق عليها السواقي (^٤).\n\nقوله: (وأشياء من الزرع) أي: وقطعة أو جهة من الزرع تكون مختارة طيبة.\n\nقوله: (ولم يكن للناس كراء إلا هذا) أي: ولم يكن لأهل المدينة طريقة لتأجير الأراضي الزراعية إلا هذه الطريقة المشتملة على الجهالة والغرر والمخاطرة.\n\nقوله: (فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به) أي: فأما كراء الأرض للزراعة بأجر معلوم مضمون من الذهب والفضة ونحوهما، فهذا جائز ولا بأس به، لعدم الجهالة والغرر.\n\nقوله: (زعم ثابت) أي: قال، فالزعم هو القول.\n\nقوله: (نهى عن المزارعة) أي: إعطاء الأرض بجزء مما يخرج منها على الطريقة التي كانت مستعملة عندهم، وهي القائمة على الجهالة والغرر\n_________\n(^١) \"تهذيب مختصر السنن\" (٥/ ٥٨).\n(^٢) \"المعجم الوسيط\" ص (٣٦).\n(^٣) \"إكمال المعلم\" (٥/ ١٩٧ - ١٩٨)، \"النهاية\" (٤/ ٣١٣).\n(^٤) \"إكمال المعلم\" (٥/ ١٩٨).","vol":"6","page":444},{"text":"والظلم لأحد الطرفين، دون المزارعة التي فعلها النبي - ﷺ - وأصحابه من بعده.\n\nقوله: (وأمر بالمؤاجرة) أي: كراء الأرض بشيء معلوم من الذهب أو الفضة يدفعه مستأجر الأرض لصاحبها.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز إجارة الأرض للزراعة، وهذا قول جمهور الفقهاء، بشرط أن تكون الأجرة معلومة، لكن اختلفوا في نوع الأجرة، فذهب الجمهور إلى جواز إجارة الأرض بالذهب والفضة وسائر العروض، لقوله: (فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس) وفي رواية قال رافع: (وأما الورق فلم ينهنا) (^١).\nوأما إجارتها بالطعام كالبر أو الشعير فله ثلاث حالات:\nالأولى: أن يؤجرها بطعام معلوم غير خارج منها، فهذا يجوز على قول الجمهور من الشافعية والحنفية والحنابلة، سواء أكان من جنس ما يخرج منها أم لا، واستدلوا بعموم قوله: (فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به)، ولأن الطعام عوض معلوم مضمون لا يتخذ وسيلة إلى الربا، فجازت إجارتها به كالأثمان.\nوذهب الإمام مالك وأصحابه إلى أنه لا يجوز إجارتها بالطعام وإن لم يكن خارجًا منها، واستدلوا بما روى رافع بن خديج، قال: (كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله - ﷺ - فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال: نهانا رسول الله - ﷺ - عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يَزْرَعها، أو يُزْرعها، وكره كراءها وما سوى ذلك) (^٢). ولعل هذا محمول على ما إذا كان الطعام خارجًا منها.\nالحال الثانية: إجارتها بطعام معلوم من جنس ما يزرع فيها، وهذا فيه قولان:\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٢٣٢٧)، \"صحيح مسلم\" (١٥٤٧) (١١٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٥٤٨).","vol":"6","page":445},{"text":"الأول: المنع، وهذا قول مالك، ورواية عن أحمد ذكرها القاضي مذهبًا.\nالثاني: الجواز، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ورواية عن أحمد، اختارها أبو الخطاب (^١)، لعموم: (فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به).\nالحالة الثالثة: إجارتها بجزء مشاع مما يخرج منها؛ كنصف أو ربع، كآجرتك هذه الأرض بربع ما تزرع فيها من بر ونحوه، فالجمهور على أنها لا تصح؛ لأن الأجرة مجهولة لكون ما تخرجه الأرض غير مرئي، ومجهول الصفة والقدر، فهو ليس بمعلوم ولا مضمون، وهذا فيه غرر يمكن تجنبه بكراء الأرض بأجر معلوم.\nوالقول الثاني: الجواز، وهذا هو المنصوص عن أحمد، وهو قول أكثر الأصحاب.\nورجح أبو الخطاب وابن قدامة قول الجمهور، وحمل ابن قدامة نص أحمد في الجواز على المزارعة بلفظ الإجارة، فيكون حكمها حكم المزارعة في جوازها ولزومها وسائر أحكامها (^٢).\nوهذا هو الصواب -إن شاء الله- فإن الجهالة موجودة في أجرة تكون مما يخرج من الأرض، مما يؤدي إلى النزاع.\n\n° الوجه الخامس: الفرق بين المزارعة والإجارة: أن المزارعة من جنس الشركة، ويستويان في الغنم والغرم، فهي كالمضاربة؛ لأن كلّا منهما له جزء مشاع معلوم إن جاد الزرع كثر، وإن كان رديئًا قَلَّ.\nوأما الإجارة فإن المؤجر على يقين من الغنم وهو الأجرة، والمستأجر على رجاء، وقد يصيب الزرع جائحة من نار أو قحط أو غرق فيكون المستأجر قد دفع ماله ولم ينتفع بشيء، ولهذا كان أحد القولين لمجوزي المزارعة أنها أحل من الإجارة وأولى بالجواز، فالمزارعة بجزء مشاع معلوم،\n_________\n(^١) \"المغني\" (٧/ ٥٧٠).\n(^٢) \"المغني\" (٧/ ٥٧٢)، \"تهذيب مختصر السنن\" (٥/ ٦٠).","vol":"6","page":446},{"text":"والمؤاجرة بشيء معلوم، شأنها في ذلك كسائر الإجارات.\nوالمزارعة قد تكون صحيحة وقد تكون فاسدة، فالصحيحة ما كانت واضحة وسليمة من الغرر، وهي أن تكون بجزء مشاع معلوم، كنصف الزرع أو ربعه، كما فعل النبي - ﷺ - مع أهل خيبر.\nوالمزارعة الفاسدة: ما كان فيها غرر وظلم لأحد الطرفين، كاشتراط جانب معين من الزرع.\nوأما المؤاجرة فإن كانت بشيء معلوم مضمون من نقود أو طعام أو عروض فهي جائزة، وهي التي أذن فيها النبي - ﷺ -.\nوأما ما كان فيه غرر وجهالة كأن يجعل لصاحب الأرض ما على الجداول والسواقي، أو جانبًا معينًا من الزرع فهذا هو الذي نُهي عنه، وهو الإجارة الفاسدة، وهو الذي كان معروفًا عندهم فنهوا عنه، وعليه يحمل الإطلاق في النهي عن كراء الأرض، كما في حديث جابر - ﵁ - الثابت في \"الصحيحين\".\nيقول الليث بن سعد: (وكان الذي نُهي من ذلك ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه لما فيه من المخاطرة) (^١). وقال ابن المنذر: (قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أن النهي كان لتلك العلل) (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٥).\n(^٢) \"تهذيب السنن\" (٥/ ٦٠).","vol":"6","page":447},{"text":"<span data-type='title' id=toc-760>حكم أجرة الحجام</span>\n٩١١/ ٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أنَّهُ قَال: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ أَجْرَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n٩١٢/ ٥ - وعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عباس - ﵄ - فقد أخرجه البخاري في كتاب \"البيوع\"، باب \"ذكر الحجام\" (٢١٠٣) من طريق خالد -هو ابن عبد الله (^١) -: حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - ولفظه: (وأعطى الذي حجمه) بحذف المفعول الثاني.\nوأخرجه -أيضًا- في \"الإجارة\" (٢٢٧٩) من طريق يزيد بن زريع، عن خالد، عن عكرمة، به، وفيه: (وأعطى الحجام أجره) بذكر المفعول الثاني.\nوأما حديث رافع فقد أخرجه مسلم في كتاب \"المساقاة\"، باب \"تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي\" (١٥٦٨) (٤١) من طريق يحيى بن أبي كثير، حدثني إبراهيم بن قارظ، عن السائب بن يزيد: حدثني رافع بن خديج، عن رسول الله - ﷺ -، قال: \"ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث\".\n_________\n(^١) هو خالد بن عبد الله الطحان الواسطي، والثاني: هو خالد بن مهران الحذاء البصري.","vol":"6","page":448},{"text":"° الوجه الثاني: حديث ابن عباس - ﵄ - دليل على جواز أخذ الأَجرة على الحجامة وأنه كسب مباح؛ لأن النبي - ﷺ - أعطى الحجام أجرته، ولو كان حرامًا لم يعطه، إذ لا يعطيه ما يحرم عليه، والقائل ذلك هو ابن عباس -﵄-، كأنه يريد الرد على من زعم أنه لا يحل إعطاء الحجام أجرته وأنه حرام.\nهذا من جهة النص، وأما من جهة المعنى فلأن الناس في حاجة إليها، ولا يوجد من يتبرع بها، فجاز الاستئجار عليها كالرضاع.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز التداوي بالاحتجام، وقد ورد في \"الصحيحين\" عن حميد الطويل، عن أنس - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - حجمه أبو طيبة، فأمر له بصاعين من طعام، وكَلَّمَ مواليه، فخففوا عنه من ضريبته، وقال: \"إن أفضل ما تداويتم به الحجامة والقُسط البحري … \" الحديث (^١).\nومن فوائد الحجامة: علاج أمراض الرأس والصداع، وتخفيف آلام الروماتزم، وأوجاع الصدر، وكل أثر في البدن سببه كثرة الدم أو فساده أو هما معًا.\n\n° الوجه الرابع: دلَّ حديث أبي رافع - ﵁ - على أن كسب الحجام من المكاسب الرديئة التي يكون تركها أولى؛ لأن النبي - ﷺ - وصف كسب الحجام بأنه خبيث، والمراد بالخبيث هنا: الرديء؛ لأن الخبيث يطلق على الحرام؛ كمهر البغي وثمن الكلب، ويطلق على الشيء الرديء والكسب الدنيء كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقد ذكر المفسرون كابن كثير أن المراد بالخبيث في الآية: الرديء، كالحشف والشيص من التمر ونحو ذلك (^٢).\nوقد سمى النبي - ﷺ - الثوم والبصل خبيثين (^٣) مع إباحتهما (^٤). وعلى هذا فأجرة الحجام ليست حرامًا، وإنما هي من المكاسب الرديئة التي ينبغي التنزه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٠٢)، ومسلم (١٥٧٧).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٧٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (٥٦٥).\n(^٤) انظر: \"المغني\" (٨/ ١١٨، ١١٩).","vol":"6","page":449},{"text":"عنها لما ورد فيها من الأخبار، ولأن فيها دناءة (^١). وما ورد عن الأئمة وأهل العلم يحمل على هذا المعنى، وقد قال النبي - ﷺ - في كسب الحجام: \"أطعمه ناضحك ورقيقك\" (^٢). وهذا دليل على إباحته، إذ غير جائز أن يطعم رقيقه ما يحرم أكله؛ لأن ما يحرم على الحر يحرم على الرقيق.\nأما استئجار الحجام لغير الحجامة كالفصد، وحلق الشعر، والختان، ونحو ذلك، فهذا جائز، وكسبه ليس خبيثًا بلا خلاف؛ لأن الحديث ورد في كسب الحجام بالحجامة، فيختص بالمحل الذي ورد فيه (^٣).\n\n° الوجه الخامس: الحديث دلبل على جواز استعمال الأجير من غير تسمية الأجرة، وعلى جواز إعطائه قدر أجرته أو أكثر؛ لأن النبي - ﷺ - لم يشارطه على أجرته، ولعل هذا محمول على أنهم كانوا يعلمون مقدارها، فيكون ذلك مما يُرجع فيه إلى العرف، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"معالم السنن\" للخطابي (٥/ ٧٤).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٤٢٢)، والترمدي (١٢٧٧)، وابن ماجه (٢١٦٦)، وأحمد (٣٩/ ٩٦، ١٠١)، وإسناده صحيح، وفيه كلام من جهة إرساله.\n(^٣) \"المغني\" (٨/ ١٢٠).","vol":"6","page":450},{"text":"<span data-type='title' id=toc-761>إثم من منع العامل أجرته</span>\n٩١٣/ ٦ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ -﵁-، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"قَال اللهُ ﷿: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"البيوع\"، باب \"إثم من باع حرًّا\" (٢٢٢٧) من طريق يحيى بن سُليم، عن إسماعيل بن أمية، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أَبي هُرَيرَةَ -﵁-، مرفوعًا.\nوأخرجه -أيضًا- في \"الإجارة\"، باب \"إثم من منع أجر الأجير\" (٢٢٧٠) بالإسناد المذكور مع اختلاف شيخه.\nوأما عزوه إلى مسلم فالظاهر أنَّه وهم من الحافظ، أو من النساخ، وقد عزاه المزي إلى البخاري وابن ماجة (^١)، وعزاه الحافظ نفسه في \"التلخيص\" إلى البخاري (^٢).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (قال الله ﷿) هذه إحدى صيغ الحديث القدسي، وهو ما رواه النبي - ﷺ - عن ربه تعالى، وهو منسوب إلى الله تعالى معنى لا لفظًا على أحد القولين، والقول\n_________\n(^١) \"تحفة الأشراف\" (٩/ ٤٧٠).\n(^٢) \"التلخيص\" (٣/ ٦٩).","vol":"6","page":451},{"text":"الثاني: أن الحديث القدسي كلام الله تعالى بلفظه ومعناه. وهو قول مرجوح (^١).\n\nقوله: (ثلاثة أنا خصمهم) أي: ثلاثة أنفس، وهو مبتدأ، وجملة \"أنا خصمهم\" خبر، وذكر الثلاثة ليس للتخصيص؛ لأن الله تعالى خصم لجميع الظالمين، ولكن لما أراد التشديد على هؤلاء صرح بها. والخصم: مصدر خصمته أخصمه خصمًا، نُعت به للمبالغة كما يقال: رجل عدل، والخصومة: هي المنازعة والجدل، ومعنى (أنا خصمهم)، أي: إن الله تعالى يخصم هؤلاء يوم القيامة نيابة عمن ظلموا، يقع على الواحد والاثنين والجماعة، والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١]. ولا خلاف بين المفسرين أن المراد بالخصم هنا: الملكان.\nوقد يثنى ويجمع، فيقال: خصمان، كقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢]. وفي حديث عائشة - ﵂ - سمع رسول الله - ﷺ - صوت خصوم بالباب (^٢).\n\nقوله: (أعطى بي) إما أن المعنى: حلف بي، أو أن مفعول أعطى محذوف، والتقدير: أعطى يمينه بي؛ أي: عاهد عهدًا وحلف عليه بالله ثم نقضه، والدليل على هذا المفعول المحذوف قوله: (غدر) فهو يدل على تخصيصه بالعهد.\n\nقوله: (ثم غدر) أي: نقض العهد ونكثه، وهو ضد الوفاء، والغدر: مصدر غدر يغدر غدرًا، وهو الإخلال بالشيء وتركه، يقول ابن فارس: (الغين والدال والراء أصل صحيح يدل على ترك الشيء) (^٣).\n\nقوله: (باع حرًّا) أي: باع إنسانًا على أنَّه عبد مع أنَّه في الواقع ليس رقيقًا، وإنَّما هو حرٌّ.\n\nقوله: (فأكل ثمنه) خص الأكل بالذكر لأنه أعظم مقصود وإلَّا فالمراد\n_________\n(^١) انظر: رسالة \"الأحاديث القدسية في دائرة الجرح والتعديل\".\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٧٠٥)، ومسلم (١٥٥٧).\n(^٣) \"معجم مقاييس اللغة\" (٤/ ٤١٣).","vol":"6","page":452},{"text":"الحصول على الثمن، سواء اشترى به طعامًا، أو لباسًا، أو سيارة، أو غير ذلك.\n\nقوله: (فاستوفى منه) أي: نحصل من الأجير على العمل الذي استأجره من أجله. وذكر الأكل والاستيفاء فيه مزيد من التوبيخ والتقريع والتهجين للأمر.\n\nقوله: (ولم يعطه أجره) الأجر في اللغة: الجزاء على العمل، وفي اصطلاح الفقهاء: العوض الذي يُعطى مقابل منفعة، وتسمى الأجرة. وذكر الرجل في الحديث لا مفهوم له، وإنَّما جرى مجرى الغالب.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الغدر، وهو نقض العهد والإخلال بالشيء وتركه، وهو من أكبر الكبائر، وهو صفة ذميمة تدل على خسة النفس وحقارتها، ولا يتصف بها إلَّا ناقص الإيمان. والغادر شخص ممقوت لا يطمئن الناس إلى مخالطته ولا جيرته ولا معاملته، ويكفيه سخطًا وغضبًا أن الله تعالى يكون خصمه يوم القيامة.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن استرقاق الحر وبيعه وأكل ثمنه من أكبر الكبائر. قال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم على أن بيع الحر باطل) (^١). قال المهلب: (وإنَّما كان إثمه شديدًا؛ لأن المسلمين أكفاء في الحرية، فمن باع حرًّا فقد منعه التصرف فيما أباح الله له، وألزمه الذل الذي أنقذه الله منه) (^٢).\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على تحريم أكل أجرة العامل وعدم إعطائها إياه بعد استيفاء العمل، وهذا من كبائر الذنوب، وهذا أمر مستقبح شرعًا وعقلًا، فإن العامل أخوك في الإسلام، وحقوق الإخوان على الإخوان كثيرة، فكيف إذا أدى لمستأجره عملًا يعود على ماله بالنماء وعلى تجارته أو صناعته بالازدهار والسعة؟!. وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود وأداء الأمانة إلى أهلها، وأجرة العامل داخلة في هذا العموم.\n\n• الوجه السادس: الحديث دليل على عناية الإسلام بحقوق العمال\n_________\n(^١) \"الإجماع\" ص (١١٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤١٨).","vol":"6","page":453},{"text":"وإيصالها إليهم كاملة غير منقوصة، حيث توعد من جحد أجرة العامل بعد استيفاء عمله بهذا الوعيد العظيم، فضمن الإسلام لهم حقوقهم وحماهم من تسويف صاحب العمل أو جشعه حينما يريد جحد الأجرة؛ لأن هذه الأجرة فيها حاجة العامل وحاجة أسرته ومن يَمُون. والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":454},{"text":"<span data-type='title' id=toc-762>حكم أخذ الأجرة على الرقية وتعليم القرآن</span>\n٩١٤/ ٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ\". أخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث علقه البخاري في كتاب \"الإجارة\" (٤/ ٤٥٢ \"فتح\") ووصله في كتاب \"الطب\"، باب \"الشروط في الرقية بفاتحة الكتاب\" (٥٧٣٧) من طريق عبيد الله بن الأخنس أبي مالك، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عبَّاس -﵄-، أن نفرًا من أصحاب النبي - ﷺ - مروا بماء فيه لديغ -أو سليم - فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال: هل منكم من راق؟ إن في الماء رجلًا لديغًا، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، فبرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرًا، حتَّى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله أخذ على كتاب الله أجرًا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله\".\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن كما تؤخذ الأجرة على العلاج بالأدوية الأخرى، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، وهذا الأخذ ليس على مجرد التلاوة، وإنَّما هو على المعالجة والمداواة؛ لأن القراءة والنفث على المريض من الأفعال المباحة، فيكون المأخوذ على المعالجة لا على مجرد التلاوة (^١).\n_________\n(^١) \"شرح السنة\" (٨/ ٢٦٨).","vol":"6","page":455},{"text":"• الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهذا قول المالكية، والشَّافعية، وأحمد في رواية عنه، والمتأخرين من الحنفية، وابن حزم الظاهري (^١).\nوالقول الثاني: أنَّه لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهذا قول متقدمي الحنفية، ورواية عن أحمد أخذ بها أكثر أصحابه، وكذا قالوا في تعليم العلم من تفسير وحديث وغيرهما، وكذا الإمامة والأذان (^٢). واستدلوا بما يأتي:\nأولًا: الأدلة التي تدل على أن الأجرة لا تؤخذ على تبليغ الإسلام والقرآن، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى اللَّهِ﴾ [هود: ٢٩].\nثانيًا: حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -، قال: علمت ناسًا من أهل الصفة الكتاب والقرآن، فأهدى إلي رجل منهم قوسًا، قلت: ليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله ﷿، لآتين رسول الله - ﷺ - فلأسألنه، فأتيته، فقلت: يا رسول الله أهدي إلي قوس ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال، وأرمي عنها في سبيل الله، قال: وإن كنت تحب أن تطوق طوقًا من نار فاقبلها\" (^٣).\nكما استدلوا بأن التلاوة من الأعمال التي يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة، وهذا العمل قربة لله تعالى، فلم يجز أخذ الأجرة عليه؛ لأن تعليم القرآن عبادة، والأجر فيه على الله تعالى.\nوأجابوا عن حديث الباب بأجوبة غير ناهضة؛ كقولهم: إن المراد بالأجر المذكور في الحديث: الثواب الأخروي، ويرد هذا سياق الحديث بهما\n_________\n(^١) \"الكافي\" لابن عبد البر (٢/ ٧٥٥) \"مغني المحتاج\" (٢/ ٣٤٤)، \"المغني\" (٦/ ١٤)، \"الهداية\" (٣/ ٢٤٠).\n(^٢) \"الهداية\" (٣/ ٢٤٠)، \"المغني\" (٦/ ١٣٩، ١٤٠).\n(^٣) أخرجه أَبو داود (٣٤١٦)، وابن ماجة (٢١٥٧)، والبيهقي (٦/ ١٢٥) من طريق مغيرة بن زياد، عن عُبادة بن نُسَيّ، عن الأسود بن ثعلبة، عن عبادة بن الصامت - ﵁ -.","vol":"6","page":456},{"text":"تقدم. وكقولهم: إنه منسوخ، وهذا مردود بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال (^١).\nوالقول الثالث: أنَّه يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن عند الحاجة دون الغنى، وهذا وجه في مذهب الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢).\nوهذا قول وجيه فيه جمع بين الأدلة، ويؤيده قوله تعالى في ولي اليتيم: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، (^٣)، ولأن المحتاج يمكنه أن ينوي عمله لله، ويأخذ الأجرة ليستعين بها على العبادة وينفق على من يجب الإنفاق عليه، فيؤدي الواجب بهذه الأجرة، بخلاف الغني فإنه لا يحتاج إلى الكسب، فلا حاجة تدعوه إلى أن يأخذ أجرة.\nوأما حديث عبادة - ﵁ - فهو حديث ضعيف؛ لأن في إسناده الأسود بن ثعلبة، وهو مجهول كما في \"التقريب\"، والمغيرة بن زياد الموصلي وثقه وكيع وابن معين والعجلي وغيرهم، وضعفه أحمد وأَبو زرعة، قال أحمد: مضطرب الحديث ومنكر الحديث، وقال في \"التقريب\": (صدوق له أوهام)، ومثل هذا الحديث لا يقاوم ما ورد من الأحاديث الصحيحة.\nوعلى فرض صحته فهو محمول على أن عبادة بن الصامت - ﵁ - كان متبرعًا بالتعليم ناويًا للاحتساب فيه، فكره رسول الله - ﷺ - أن يضيع أجره ويبطل حسنته بما يأخذ من هدية (^٤).\nوهذا الخلاف إنما هو في حكم أخذ الأجرة إذا كانت باشتراط، أما إذا أُعطي بدون اشتراط فالظاهر من كلام أصحاب المذاهب الأربعة وابن حزم الاتفاق على الجواز؛ لأن من أجاز باشتراط -كما تقدم - أجاز هنا من باب أولى، ومن منع باشتراط وهم متقدمو الحنفية فقد أجازوا الأخذ\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٥٣).\n(^٢) \"الفروع\" (٤/ ٤٣٥)، و\"الفتاوى\" (٣٠/ ١٩٢، ١٩٣، ٢٠٥).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٣٠/ ٢٠٥).\n(^٤) \"شرح السنة\" (٨/ ٢٦٨)، \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٥٩).","vol":"6","page":457},{"text":"بدون اشتراط (^١).\nأما أخذ الرِّزق من بيت المال - وهو الراتب - على تعليم القرآن وعلى الأذان والإقامة والإمامة وتعليم العلم فجوازه محل اتفاق بين أهل العلم (^٢)؛ لأن ما يؤخذ من بيت المال لهذه الأعمال ليس عوضًا وأجرة بل هو رزق للإعانة على الطاعة، وهو حق ثابت في بيت المال، وبيت المال معد للمصالح، إلَّا أن بعض الفقهاء كالشَّافعية والحنابلة يقيدون جواز أخذ الرزق بعدم وجود متطوع، حماية لبيت المال من أن يصرف بدون حاجة إلى صرفه. والله المستعان.\n\n• الوجه الرايع: ظاهر هذا الحديث العموم، وأنه يجوز أخذ الأجرة على كتاب الله تعالى تعليمًا وعلاجًا وتلاوة، ولكن هذا العموم غير مراد، وقد خصه أهل العلم بالعلاج والتعليم، وأما أخذ الأجرة على مجرد التلاوة فهو غير داخل في هذا العموم، بل هو مستثنى منه بدليلين:\nالأول: ما ورد من الأحاديث الدالة على النهي عن أخذ الأجرة على تلاوة القرآن، ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن شبل الأنصاري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اقرأوا القرآن، ولا تكلوا به، ولا تستكثروا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه\" (^٣).\nالثاني: جاء في \"الاختيارات\" قول ابن تيمية: \"الاستئجار على مجرد التلاوة لم يقل به أحد من الأئمة، وإنَّما تنازعوا في الاستئجار على التعليم) (^٤).\nولا يصح الاستئجار على القراءة وإهدائها إلى الميت؛ لأنه لا ثواب\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٢/ ٩٧).\n(^٢) \"الشرح الكبير\" (٢/ ٧٠).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٤/ ٢٨٨)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١٠)، والطبراني في \"الأوسط\" (٢٥٩٥)، وإسناده قوي كما قال الحافظ في \"فتح الباري\" (٩/ ١٠١)، وقال الألباني: (إسناده صحيح)، \"السلسلة الصحيحة\" رقم (٢٦٠).\n(^٤) ص (١٥٢).","vol":"6","page":458},{"text":"للقارئ ولا للميت، وهذا من البدع التي انتشرت في بعض بلاد المسلمين، والآخذ والمعطي آثمان، والقارئ إذا قرأ لأجل المال فلا ثواب له، فأي شيء يهدى إلى الميت؟!. والله تعالى أعلم.","vol":"6","page":459},{"text":"<span data-type='title' id=toc-763>وجوب المبادرة بإعطاء الأجير أجره</span>\n٩١٥/ ٨ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: قال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَعْطُوا الأَجِيرَ أجْرَهُ قَبْلَ أنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَة. وفي الباب عن أبي هريرة - ﵁ - عند أبي يعلى والبيهقي، وجابر عند الطبراني، وكلها ضعاف.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه ابن ماجة في كتاب \"الرهون\"، باب \"أجر الأجراء\" (٢٤٤٣) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر - ﵄ - مرفوعًا.\nوهذا سند ضعيف جدًّا، آفته عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو متفق على ضعفه، ضعفه أحمد وأَبو زرعة وأَبو حاتم والنَّسائي والدارقطني وغيرهم (^١).\nوقد خالفه من هو خير منه، عثمان بن عثمان الغطفاني، فرواه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن النبي - ﷺ -، مرسلًا.\nأخرجه ابن زنجويه في كتاب \"الأموال\" (٢٠٩١) وهو مرسل حسن.\nوالحديث له شاهد من حديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - أخرجه الطحاوي في \"شرح المشكل\" (٨/ ١٣)، وابن عدي (٥/ ١٧٣)، والبيهقي (٦/ ١٢١) من طريق محمد بن عمار المؤذن، عن المقبري (^٢)، عن أَبي هُرَيرَةَ -﵁-، مرفوعًا. وفي سنده مقال، ورواه أَبو يعلى (٦/ ١٣٦)، وابن عدي (٥/ ١٧٣)، والبيهقي\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٦١).\n(^٢) كتبت في \"الإرواء\": (المغبري)، وصوا به: (المقبري).","vol":"6","page":460},{"text":"(٦/ ١٢١) من طريق عبد الله بن جعفر، أخبرني سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، به. وإسناده ضعيف لضعف عبد الله بن جعفر.\nوله شاهد -أيضًا- من حديث أبي الزُّبَير، عن جابر - ﵁ - أخرجه الطبراني في \"الصغير\" (١/ ٢٠، ٢١)، والخطيب في \"تاريخه\" (٥/ ٣٣) وفي سنده محمد بن زياد بن زِئار الكلبي، وشَرَقِي بن القُطامَى، وكلاهما ضعيف. قال الطبراني: (لم يروه عن أبي الزُّبَير إلَّا شرقي، تفرد به محمد بن زياد) (^١) وهذا مراد الحافظ بقوله: (وفي الباب عن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - عند أبي يعلى والبيهقي، وجابر عند الطبراني، وكلها ضعاف) وهذه الجملة موجودة في معظم طبعات \"البلوغ\"، وفي النسخ التي عليها الشروح، ومحذوفة في بعضها، ولذا لم أعتمدها في الترقيم.\n\n• الوجه الثاني: هذا الحديث وإن كان سنده ضعيفًا لكن معناه صحيح، ويؤيد معناه حديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة … ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه، ولم يعطه أجره\" (^٢).\nوهو دليل على وجوب المبادرة بإعطاء الأجير أجرته فور انتهائه من عمله الذي استؤجر عليه، وعدم تأخيرها أو المماطلة في أدائها؛ لأنه لم يعمل إلَّا من أجل الحاجة إلى هذه الأجرة، ولأن نفسه تائقة إلى أخذ عوض عمله وجهده. وقوله في الحديث: \"قبل أن يجف عرقه\" كناية عن سرعة إعطائه حقه، وعدم تأخيره.\nفإن كان بين الأجير والمستأجر اتفاق في تأخير الأجرة مدة معينة أو بعضها، أو يسمح العامل بتأخيرها مدة فلا بأس بذلك، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"نصب الراية\" (٤/ ١٢٩).\n(^٢) رواه البخاري (٢٢٢٧)، (٢٢٧٠).","vol":"6","page":461},{"text":"<span data-type='title' id=toc-764>وجوب معرفة قدر الأجرة</span>\n٩١٦/ ٩ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - أن النَّبِيَّ - ﷺ - قَال: \"مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُسَمِّ لَهُ أُجْرَتَهُ\". رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَاقِ، وفيهِ انْقِطَاعٌ، وَوَصَلَهُ الْبَيهَقيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَنِيفَةَ.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه عبد الرزاق (٨/ ٢٣٥) (١٥٠٢٣) من طريق إبراهيم النخعي، عن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - وأبي سعيد الخدري أو أحدهما -﵄-، أن النبي - ﷺ - قال: … وذكر الحديث (^١).\nوهذا سند فيه انقطاع، فإن إبراهيم النخعي لم يسمع من أحد من الصحابة، كما قال ذلك ابن المديني وأَبو حاتم وغيرهما (^٢).\nورواه البيهقي (٦/ ١٢٠) موصولًا من طريق ابن المبارك، عن أبي حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ -.\nوإسناده ضعيف؛ لضعف الإِمام أبي حنيفة، وقد تقدم الكلام عليه عند الحديث (٨٠١) من البيوع.\nورواه النَّسائي (٧/ ٣١) موقوفًا من طريق ابن المبارك، عن شعبة، عن حمافى، عن إبراهيم، عن أبي سعيد بينه قال: (إذا استأجرت أجيرًا فأعلمه أجره).\n_________\n(^١) وقع في \"المصنَّف\" المطبوع: \"فليس له إجارة\" واستظهر المعلق أن الصواب: \"فليسمِّ\" كما في الحديث الذي يليه.\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٥٥).","vol":"6","page":462},{"text":"وتابع شعبة على وقفه الثَّوري، فقال عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٥٠٢٤):) قلت للثوري: أسمعت حمادًا يحدث عن إبراهيم، عن أبي سعيد، أن النبي - ﷺ - قال: \"من استاجر أجيرًا فليسم له إجاره\"، قال: نعم). وحدث به مرة أخرى فلم يبلغ به النبي - ﷺ -.\nوقد نقل ابن أبي حاتم عن أبي زرعة أنَّه قال: (الصحيح موقوف على أبي سعيد؛ لأن الثَّوري أحفظ) (^١).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب معرفة قدر الأجرة، وهذا شرط من شروط صحة الإجارة المتفق عليها بين الفقهاء، قال الموفق: (لا نعلم في ذلك خلافًا) (^٢). لأن الجهالة بالأجرة يفضي إلى النزاع والخصام بين المؤجر والمستأجر، ولأن الإجارة عقد معاوضة، فوجب أن يكون الأجر معلومًا كالثمن في المبيع.\nوقد استدل الإِمام مالك وتبعه البيهقي على وجوب تسمية الأجرة بنهي النبي - ﷺ - عن بيع الغرر، والإجارة نوع من البيع، والجهالة بالأجرة غرر (^٣).\nفإذا أجره الدار بألف ريال في الشهر، أو بعشرة أكياس من الرز، أو أجره الدار بدار أخرى يسكنها؛ صح ذلك كله؛ لأن العوض معلوم، ويجوز أن يكون عينًا، ويجوز أن يكون منفعة.\nفإن أجره الدار بإصلاح ما انهدم منها لم يصح للجهالة، ولو قال: أجرتك الدار بعشرة آلاف في السنة وإصلاح ما انهدم منها من الأجرة صح؛ لأن الأجرة معلومة.\nويستثنى من شرط معرفة الأجرة ما تعارف عليه الناس من الأجرة، فإنه يجري مجرى التقدير؛ لأن شاهد الحال يقتضيه، والشارع أجرى الشرط\n_________\n(^١) \"العلل\" (١/ ٣٧٦) رقم (١١١٨).\n(^٢) \"المغني\" (٨/ ١٤).\n(^٣) \"الموطأ\" (٢/ ٧٠٦)، \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٢٠).","vol":"6","page":463},{"text":"العرفي كاللفظي، ومثل هذا وإن كان فيه نوع جهالة لكنها يسيرة لا تفضي في الغالب إلى المنازعة، كأجرة سيارة أو ركوب سفينة إلى مكان معلوم، وكاستئجار الأجير بطعامه وشرابه المتعارف عليه.\nوتجوز الإجارة بجزء شائع من الإنتاج - على الراجح من قولي أهل العلم - كأن يحصد الزرع بثلث ما يخرج منه، أو يَخْرُفَ النخل بربع ثمرته، أو يجني العنب بنصفه، أو يعصر كمية من الزيتون بربع الزيت المستخرج، ونحو ذلك؛ لأنه إذا شاهده فقد علمه بالرؤية، وهي أعلى طرق العلم، ومن علم شيئًا علم جزءه المشاع، فيكون أجرًا معلومًا، والله تعالى أعلم (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" (٨/ ٧٢).","vol":"6","page":464},{"text":"<span data-type='title' id=toc-765>باب إحياء الموات</span>\nالموات: بفتح الميم والواو المخففة، مشتق من الموت، وهي عدم الحياة، والمراد به: الأرض التي لا حياة فيها من بناء أو زرع وغيرهما، ولا مالك لها من الآدميين.\nوعند الفقهاء: الأرض التي لم يملكها أحد، ولا يتعلق بها منافع مشتركة.\nوهذا التعريف يدل على أن الأرض الموات لها وصفان:\nالأول: ألا يكون لها مالك، والمراد به المعصوم الذي لا يجوز قتله، وهو المسلم أو الذِّمِّيُّ المعاهد. فإن كان لها مالك معين بشراء أو عطية لم يجز إحياؤها، ومثله ما مُلك بالإحياء ثم دُثِرَ وعاد مواتًا فلا يملك.\nقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن ما عرف ملكًا لمالك غير منقطع، أنَّه لا يجوز إحياؤه وملكه لأحدٍ غير أربابه (^١).\nالثاني: ألا يتعلق بها مصلحة عامة أو منافع مشتركة، كالطرق ومسايل المياه والمحتطبات والبقاع المرصدة لصلاة العيدين، والبقاع المرصدة لدفن الموتى ولو قبل الدفن، وكذا الغابات والمناطق السياحية وأماكن طرح القمامة، ونحو ذلك. فكل هذا لا يجوز إحياؤه؛ لأن في إحيائه مصلحة شخص واحد وتضرر مصالح العامة.\nوالإحياء: مصدر أحيا بمعنى: بث الحياة …، والمراد هنا: جعل الأرض الميتة منتفعًا بها بوجه من الوجوه الآتية في هذا الباب.\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٢٢/ ٢٨٥).","vol":"6","page":465},{"text":"شبهت العمارة بالحياة، وتعطيلها بالموت، لعدم الانتفاع بالأرض الميتة إلَّا بعد إحيائها.","vol":"6","page":466},{"text":"<span data-type='title' id=toc-766>من عمر أرضًا ليست لأحد فهو أحق بها</span>\n٩١٧/ ١ - عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂-، أن النَّبِيَّ - ﷺ - قَال: \"مَنْ عَمَرَ أَرْضًا لَيسَتْ لأحَدٍ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا\" قَال عُرْوَةُ: وَقَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n٩١٨/ ٢ - وعَنْ سَعِيدٍ بنِ زَيدٍ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: \"مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ\". رَوَاهُ الثلَاثَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.\nوَقَال: رُويَ مُرْسلًا، وَهُوَ كمَا قَال، وَاخْتُلِفَ فِي صَحَابِيِّه، فَقِيلَ: جَابِرٌ، وَقيلَ: عَائِشَةُ، وَقيلَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمْروٍ، وَالرَّاجِحُ الأَوَّلُ.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث عائشة - ﵂ - فقد أخرجه البخاري في كتاب \"الحرث والمزارعة\"، باب \"من أحيا أرضًا مواتًا\" (٢٣٣٥) من طريق محمد بن عبد الرحمن (^١)، عن عروة، عن عائشة -﵂-، عن النبي - ﷺ - قال: \"من أعمر أرضًا ليست لأحد فهو أحق\".\nوليس عند البخاري لفظ: \"بها\" وإنَّما هي عند الإسماعيلي في مستخرجه على البخاري (^٢).\n\nوقوله: (قال عروة ..) هو موصول بالإسناد المذكور، لكن عروة، عن عمر مرسلًا؛ لأنه ولد في آخر خلافة عمر - ﵁ -.\n_________\n(^١) هو محمد بن عبد الرحمن أَبو الأسود، يتيم عروة.\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٠).","vol":"6","page":467},{"text":"أما حديث سعيد بن زيد - ﵁ - فقد تقدم تخريجه والكلام عليه في باب \"الغصب\" عند الحديث (٨٩٩).\nوقد اختلف في هذا الحديث فروي موصولًا عن عروة، عن سعيد بن زيد، وروي مرسلًا عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، وهو الذي رجحه الحفاظ، كالبزار، والدارقطني وابن عبد البر وغيرهم، كما تقدم.\nواختلف -أيضًا- في تعيين صحابي هذا الحديث، فقيل: عن عائشة -﵂-، أن النبي - ﷺ - قال: \"العباد عباد الله، والبلاد بلاد الله، فمن أحيا من موات الأرض شيئًا فهو له، وليس لعرق ظالم حق\".\nأخرجه أَبو داود الطيالسي (٣/ ٥٥، ٥٦)، ومن طريقه الدَّارَقُطني (٣/ ٢١٧)، والبيهقي (٦/ ١٤٢) من طريق زمعة، عن الزُّهْريّ، عن عروة، عن عائشة - ﵂ -.\nوإسناده ضعيف لضعف زمعة، قال أَبو حاتم: (هذا حديث منكر، إنما روي من غير حديث الزُّهْريّ، عن عروة مرسلًا) (^١).\nوقيل: جابر -﵁-، أخرجه التِّرمِذي (١٣٧٩)، وأحمد (٢٢/ ١٧٠)، وابن حبان (١١/ ٦١٣) من طريق هشام بن عروة، عن وَهْب بن كيسان، عن جابر -﵁-، عن النبي - ﷺ - قال: \"من أحيا أرضًا ميتة فهي له\".\nوقال التِّرمِذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وقال الألباني: (هو على شرط الشيخين، وعلقه البخاري في \"صحيحه\" (^٢). وله طرق أخرى.\nوقيل: صحابيه عبد الله بن عمرو، كما أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٦٠٥) من طريق مسلم بن خالد الزَّنجي (^٣)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو -﵄-، مرفوعًا.\nقال الحافظ: (رجال إسناده ثقات) (^٤). وهذا فيه نظر، فإن مسلمًا الزَّنجي\n_________\n(^١) \"العلل\" (١٤٢٢).\n(^٢) \"الإرواء\" (٦/ ٤)، \"فتح الباري\" (٥/ ٨١).\n(^٣) بفتح المعجمة. انظر: \"الأنساب\" للسمعاني (٣/ ١٧٠).\n(^٤) \"الدراية\" (٢/ ٢٤٤).","vol":"6","page":468},{"text":"ضعيف كما تقدم عند الحديث (٨١٩)، بل الحافظ نفسه قال في \"التقريب\": (صدوق كثير الأوهام). ورجح الحافظ أن صحابي الحديث هو سعيد بن زيد.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (من عَمَرَ) هذا لفظ \"البلوغ\"، ولفظ البخاري: \"من أعمر\"، قال القاضي عياض: كذا وقع، والصواب: (عمر) ثلاثيًّا، قال تعالى: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩]، وقال غيره: قد سمع فيه الرباعي، يقال: أعمر الله بك منزلًا (^١). وهذا مفسِّر لحديث: \"من أحيا\".\n\nقوله: (ليست لأحد) هذا يفسر اللفظ الثاني: (أرضًا ميتة)، فمعنى (ميتة): ليس فيها علامة ملك.\n\nقوله: (فهو أحق بها) أي: من غيره، وحذف متعلق أفعل للعلم به.\n\nقوله: (وقضى به عمر - ﵁ -) أي: قضى بأن الإحياء ملك شرعي، وقد جاء في كتاب \"الخراج\" ليحى بن آدم سبب ذلك (^٢).\n\nقوله: (أرضًا ميتة) بسكون الياء، ويجوز تشديدها، وذكر أهل اللغة أن ميتة الأناسي بالتشديد، وميتة غير الأناسي بالتخفيف للتفريق بينهما، وكان التشديد في الأناسي؛ لأنه الأصل، والتخفيف في غير الأناسي؛ لأنه يكثر استعمالها، فكانت أولى به (^٣). والأرض الميتة: هي الموات، فهي على أصل خلقتها، ليست ملكًا لأحد.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من أحيا أرضًا وعمرها فهو أحق بها من غيره ويملكها ملكًا شرعيًّا، لقوله: \"فهي له\" وليس في الحديث تحديد الإحياء بمساحة معينة، فمن أحيا أرضًا فهي له قلّت مساحتها أو كثرت.\n\n• الوجه الرابع: دل الحديث على جواز الإحياء وأنه من أسباب الملك الشرعي، ولم تُبَيِّنْ صفة الإحياء وكيفيته مما يدل على أن المرجع فيه إلى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٠).\n(^٢) \"الخراج\" ص (٨٩).\n(^٣) \"المصباح المنير\" ص (٥٨٤).","vol":"6","page":469},{"text":"العرف، فكل ما تعارف عليه أهل بلد فهو إحياء، وهو يحصل بأشياء، منها:\n١ - أن يبني حول الأرض حائطًا منيعًا، يبنيه بما جرت به عادة أهل البلد من طوب أو لبن أو حجر أو نحو ذلك، وسيأتي هذا - إن شاء الله - في حديث سمرة - ﵁ -\n٢ - سوق الماء وإجراؤه إلى الأرض الموات من عين أو نهر ونحوهما، أو حفر بئر بداخلها؛ لأن نفع الأرض بالماء أكثر من الحائط، لكن إن حفر بئرًا لم يملك إلَّا حريمها، وهو حماها، كما سيأتي إن شاء الله.\n٣ - أن يمنع أو يزيل عنها ما لا يمكن زرعها معه، فإن كان المانع من زرعها كثرة الأحجار فإحياؤها بقلع أحجارها وتنقيتها، وإن كان أشجارًا فبأن يقلع أشجارها ويزيل عروقها المانعة من الزرع والغرس.\nوهذا بخلاف التحجير الذي هو منع الغير من إحياء الأرض الموات، بوضع علامة كأحجار أو تراب، أو يبني جدارًا قصيرًا، أو يضع شبكًا، أو لوحات، ونحو ذلك، فهذا ليس بإحياء، وإنَّما هو تحجير يفيد الاختصاص لا التملك، فيكون أحق بها من غيره، وورثته من بعده كذلك. فيعطى مهلة، فإن أحياها وإلَّا أعطيت إلى من يريد إحياءها.\n\n• الوجه الخامس: ظاهر الحديث أنَّه لا يشترط في إحياء الموات إذن الإِمام، وهذا مذهب جمهور العلماء؛ لأن الرسول - ﷺ - حكم بملكية الموات لمن أحياه ولم يذكر إذن الإِمام.\nوقد استدلوا -أيضًا- بأن الأرض الموات ليست ملكًا لبيت المال، بل هي مال مباح، كالاحتشاش والاحتطاب، والمباح لمن سبقت يده إليه، وقد سبقت اليد إليه بالإحياء، فهو لمن أحياه (^١).\nوذهب أَبو حنيفة إلى أنَّه يشترط إذن الإِمام، لأمرين:\n_________\n(^١) انظر: \"فتاوى الشيخ ابن إبراهيم\" (٨/ ١٩٧، ٢٠١).","vol":"6","page":470},{"text":"الأول: أن الأرض الموات في سلطان الإِمام ويعتبر بولايته على البلدان واضع اليد عليها، فلا يُستولى على ما تحت يده إلَّا بإذنه.\nالثاني: أن الإحياء من غير إذن الإِمام قد يدفع إلى التزاحم والنزاع، فلأجل الفصل بين الناس ولمنع النزاع بإزالة أسبابه يكون الإحياء بإذن الإِمام لتثبت الملكية بالإحياء (^١).\nوالذي يظهر رجحانه - والله أعلم - هو قول أبي حنيفة، وهو أنَّه لا بد من إذن الإِمام، لا سيما في زماننا هذا، لا من أجل ذات الأرض التي يراد إحياؤها، وإنَّما لوجود عارض، وهو ما يترتب على عدم الإذن من المفاسد من حصول النزاع، وتوارد الأيدي، وقد يكون الموات مملوكًا يجهل مالكه، وقد أفتى بذلك الشيخ محمد بن إبراهيم، نظرًا للمصلحة، والله تعالى أعلم (^٢).\n_________\n(^١) \"المبسوط\" (٢٣/ ١٨١)، \"الملكية ونظرية العقد\" ص (١٢٦).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٨/ ٢٠٧ - ٢١٨).","vol":"6","page":471},{"text":"<span data-type='title' id=toc-767>ما جاء في الحمى</span>\n٩١٩/ ٣ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ -﵁-، أَخْبَرَهُ أن النَّبِيَّ - ﷺ - قَال: \"لَا حِمَى إلَّا لله وَلِرَسُولِهِ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n٩٢٠/ ٤ - وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، قَال: قَال رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لا ضرَرَ وَلَا ضِرَارَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وابْنُ مَاجَة.\n٩٢١/ ٥ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ، وَهُوَ في \"الْمُوَطَّإِ\" مُرْسَلٌ.\n\n• الكلام عليها من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث الصعب بن جثامة - ﵁ - فقد أخرجه البخاري في كتاب \"المساقاة\"، باب \"لا حمى إلَّا لله ولرسوله - ﷺ - \" (٢٣٧٠) من طريق ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبَّاس - ﵄ -. وفي آخره: وقال: بلغنا أن النبي - ﷺ - حمى النقيع، وأن عمر حمى الشَّرَفَ والرَّبَذَة.\nوهو من كلام الزُّهْريّ، وهو مرسل أو معضل، كما قال الحافظ (^١). ورواه أَبو داود (٣٠٨٤) موصولًا بعد رواية المرسل عن الصعب بن جثامة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - حمى النقيع. وفيه عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش، قال عنه في \"التقريب\" (صدوق له أوهام) ولا يقبل تفرده عن ابن شهاب بمثل ذلك، فالظاهر أن هذه الرواية معلولة بالإرسال.\nوقد ورد في \"الإلمام\" لابن دقيق العيد أن الحديث من المتفق عليه، وهذا وهم، ولعله من النساخ (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٤٥).\n(^٢) ص (٣٦١) رقم (٩٥٥).","vol":"6","page":472},{"text":"وأما الحديث الثاني فقد أخرجه أحمد (٥/ ٥٥)، وابن ماجة في كتاب \"الأحكام\"، باب \"إذا بنى في حقه ما يضر بجاره\" (٢٣٤١) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن جابر الجعفي، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس - ﵄ - مرفوعًا، وهذا لفظ ابن ماجة. وزاد أحمد في آخره: \"وللرجل أن يجعل خشبه في حائط جاره، والطريق الميتاءُ (^١) سبعةُ أذرع\".\nوهذا سند ضعيف جدًّا، فيه جابر بن يزيد الجعفي كذبه ابن معين والجوزجاني وأَبو حنيفة وغيرهم، وقال الدَّارَقُطني: (متروك)، وقال البيهقي: (لا يحتج به) (^٢).\nلكنه لم يتفرد به فقد تابعه داود بن الحصين، عن عكرمة به، رواه الدَّارَقُطني (٤/ ٢٢٨) وداود بن الحصين احتج به الشيخان، وقد ضُعف في روايته عن عكرمة من قِبل حفظه، ورواه سماك بن حرب، عن عكرمة به، رواه ابن أبي شيبة (^٣). وسماك كداود بن الحصين في روايته عن عكرمة خاصة، فهي مضطربة، وقد تغير بآخَرَةَ، فكان ربما يلقن.\nوالحديث له شواهد كثيرة عن عدد من الصحابة -﵃-، ومنها حديث عبادة بن الصامت، وأَبي هُرَيرَةَ -﵁-، وجابر بن عبد الله، وحديث أبي سعيد الآتي، قال النووي: (وله طرق يقوي بعضها بعضًا) قال ابن رجب: (وهو كما قال) وقد احتج به الإِمام مالك، وجزم بنسبته إلى رسول الله - ﷺكما سيأتي - وحسنه ابن الصلاح، والعلائي (^٤).\nوأما حديث أبي سعيد - ﵁ - فقد رواه الدَّارَقُطني (٤/ ٢٢٨)، والحاكم (٢/ ٥٧، ٥٨) من طريق عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة بن أبي\n_________\n(^١) أي: الذي يأتيه الناس كثيرًا.\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٤١).\n(^٣) ذكره في \"نصب الراية\" (٤/ ٣٨٤، ٣٨٥).\n(^٤) انظر: \"الموطأ\" (٢/ ٨٠٥)، \"فيض القدير\" (٦/ ٥٥٩)، \"جامع العلوم والحكم\" حديث (٣٢).","vol":"6","page":473},{"text":"عبد الرحمن: حدَّثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمرو بن يحيى عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"لا ضرر ولا ضرار\"، زاد الحاكم: \"من ضار ضاره الله، ومن شاق شاق الله عليه\".\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم) وسكت عنه الذهبي.\nوهذا وهم، لأن عثمان بن محمد لم يخرج له مسلم أصلًا، وهو متكلم فيه، وقد نقل الذهبي نفسه عن عبد الحق أنَّه قال: (الغالب على حديثه الوهم) (^١)، وتابعه عبد الملك بن معاذ النصبي، عن الدراوردي، به. أخرجه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٠/ ١٥٩)، قال ابن القطان: (عبد الملك هذا لا تعرف له حال، ولا أعرف من ذكره) (^٢).\nورواه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٧٥٤) عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا ضرر ولا ضرار\".\nوهذا هو الصواب، وهو أن الحديث مرسل، لأن الدراوردي وإن كان من رجال مسلم فإن فيه كلامًا يسيرًا من قبل حفظه، فلا تقبل مخالفته للإمام مالك. وسأذكر - إن شاء الله - غرض الحافظ من ذكر هذا الحديث في هذا الباب.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (لا حمى) الحمى: بكسر الحاء وفتح الميم المخففة بعدها ألف اسم مقصور، والحمى: المنع والدفع، قال أهل اللغة: حَمَى المكان من الناس يحميه حميًا وحماية، من باب رمى: منعه عنهم، ويقال: كلأ حِمى كرضى محميّ.\nوالحمى: أن يحمي الشخص أرضًا من الموات يمنع الناس رعي ما فيها\n_________\n(^١) \"الميزان\" (٣/ ٥٣)، \"الإرواء\" (٣/ ٤١).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ١٠٣).","vol":"6","page":474},{"text":"من الكلأ ليختص بها دونهم، فإن كان الحمى للأموال العامة للأمة كخيل المجاهدين وإبل الصدقة وضوال الناس التي يقوم الإِمام بحفظها، وماشية الضعيف من الناس، فهذا هو الحمى الماذون فيه شرعًا، بشرطه الآتي.\nقولي: (إلَّا لله ولرسوله) هذا أسلوب من أساليب القصر، طريقه الاستثناء بعد النفي، يفيد قصر الحمى على الله تعالى وعلى رسوله - ﷺ -، والمعنى: لا حمى إلَّا ما حُمي لخيل الناس وركابهم المرصدة لجهاد المشركين والحمل عليها في سبيل الله تعالى (^١).\nوليس لأحد أن يحمي من مراعي الكلأ - التي الناس فيها سواء - حمى تستأثر برعيه ماشيته ودوابه.\nوظاهر الحديث أنَّه ليس لأحد أن يحمي للمسلمين إلَّا ما حماه النبي - ﷺ -.\nوالقول الثاني: أن معناه: إلَّا على مثل ما حماه النبي - ﷺ - وهذا هو الأقرب، بدليل أن عمر - ﵁ - حمى بعد النبي - ﷺ - وكذا عثمان - ﵁ -.\n\nقوله: (لا ضرر ولا ضرار) قيل: هما بمعنى واحد، والتكرار للتأكيد، والمشهور أن بينهما فرقًا، فقيل: هما مثل القتل والقتال، فالضرر معناه: أن يضر الرجل أخاه، والضرار: أن يضر كل واحد منهما صاحبه، فالضرر فعل الواحد، والضرار: فعل الاثنين، ويكون التقدير: لا ضرر بأحد، ولا ضرار مع أحد، وهذا قد يبعده ما ورد من جواز انتصار المظلوم ممن ظلمه، كقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ [الشورى: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] (^٢). وقيل الضرر: ما تضر به صاحبك وتنتفع أنت به، والضرار: ما تضر به صاحبك من غير أن تنتفع به، قال ابن عبد البر: (وهذا وجه حسن المعنى في الحديث، والله أعلم) (^٣).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أنَّه لا حمى إلَّا لله ولرسوله على وليس لأحد أن يحمي شيئًا من الأرض عن المسلمين فيمنعهم من رعي\n_________\n(^١) \"المغني\" لابن باطيش (١/ ٤٢٦).\n(^٢) \"سبل السلام\" (٥/ ٢٧٩).\n(^٣) \"التمهيد\" (٢٠/ ١٥٨)، \"جامع العلوم والحكم\" حديث (٣٢).","vol":"6","page":475},{"text":"مواشيهم، وقد كانت هذه عادة جاهلية، فقد كان الشريف منهم إذا نزل أرضًا مخصبة استعوى كلبه على مكان عال، فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب فلا يرعى فيه غيره، ويرعى هو مع غيره فيما سواه، فنهى النبي - ﷺ - عن ذلك لما فيه من التضييق على الناس ومنعهم من الانتفاع بشيء لهم فيه حق، وأضاف الحمى إلى الله ورسوله (^١).\nولم يحم النبي - ﷺ - لنفسه شيئًا وإنَّما حمى للمسلمين، فقد روى ابن عمر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - ذَّاد - أحد رواته -: فقلت له - لعبد الله العمري -: لخيله؛ قال: لا، لخيل المسلمين (^٢).\n\n• الوجه الرابع: على الراجح من قولي أهل العلم أن ولي الأمر يقوم مقام النبي - ﷺ - في جواز الحمى، فله أن يحمي ما يرى فيه مصلحة للمسلمين لإبلهم ودوابهم، وأموال الصدقة، وهذا هو الحمى الشرعي، وإذا رأى المصلحة في ترك ذلك تركه.\nوهذا بشرط ألا يضر بالناس، فإن كان الحمى يضر بالناس لم يحم واشترك معهم، كأن يكون وقت جدب أو قحط أو قلة في العلف، لعموم قوله - ﷺ - ولعل هذا هو غرض الحافظ من إيراد هذا الحديث في هذا الباب.\nوقد حمى عمر - ﵁ - الرَّبَذَةَ (^٣)، واستعمل عليها مولى له يدعى هُنَيًّا على الحمى، فقال: (يا هُنَيُّ اضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المسلمين، فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل ربَّ الصُّريمة ورب الغُنيمة، وإياي ونَعَم ابن عوف ونَعَم ابن عفان، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع، وإن رب الصريمة وربَّ الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببنيه، فيقول: يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا لا أبا لك؛ فالماء والكلأ أيسر عليَّ من الذهب\n_________\n(^١) انظر: \"الأم\" للشافعي (٤/ ٤٨).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٠/ ٤٧٦)، وأَبو عبيد في \"الأموال\" (٢٩٨)، والبيهقي (٦/ ١٤٦)، وفيه عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف، وقد تابعه عاصم بن عمر العمري عند ابن حبان (١٠/ ٥٣٨).\n(^٣) مكان شرق المدينة بِمَيل نحو الجنوب. [\"المغانم المطابة] ص (١٥١ - ١٥٢)].","vol":"6","page":476},{"text":"والورق، وايم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم، فقاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرًا) (^١).\nفهذا عمر - ﵁ - يقول: الولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرًا)، وهذا نص صريح في أن الإِمام لا يحمي لنفسه، ثم هو يوصي غلامه القائم على الحمى ألا يمنع الفقراء إذا جاءوا أن يستفيدوا من الحمى برعي مواشيهم ودوابهم، ولكن يمنع الأغنياء لأنهم لا ضرر عليهم في المنع، فإنه باستطاعتهم أن ينفقوا على مواشيهم ويعلفوها، ولم يرد بذلك منع الأغنياء البتة، وإنَّما أراد أنَّه إذا لم يَسَعِ المرعى إلَّا نعم أحد الفريقين فنعم المقلين أولى، والله المستعان\".\n\n• الوجه الخامس: حديث (لا ضرر ولا ضرار) اعتبره العلماء قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة، بل هي من أهم القواعد وأجلها شأنًا، لاندراج قواعد أخرى تحتها، ولإمكان تطبيقها في مختلف المجالات الفقهية، وهذا الحديث وإن كان في سنده ما تقدم لكن عمومات الشريعة من الكتاب والسنة قد جاءت ببيان ما دل عليه وتأييده، قال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقال تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ غَيرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]، وجاءت النصوص بالنهي عن التعدي على النفوس والأموال والأعراض وعن الغصب والظلم.\nفيدخل في هذه القاعدة: التدليس والغش في المعاملات وكتم العيوب فيها، وبيع المسلم على بيع أخيه والشراء على شرائه، وهكذا جميع المعاملات كما يدخل في ذلك: مضارة الشريك لشريكه والجار لجاره والغريم لغريمه، وكذا إضرار الزوج بزوجته، والمضارة في الوصية، وفي الرضاع، ومسائل الضرر في الأحكام كثيرة جدًّا، وما ذُكر تمثيل لا حصر (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٣٠٥٩).\n(^٢) انظر: \"الموافقات\" (٣/ ١٦)، \"جامع العلوم والحكم\" حديث (٣٢)، \"بهجة قلوب الأبرار\" ص (٤٥).","vol":"6","page":477},{"text":"<span data-type='title' id=toc-768>من أنواع الإحياء</span>\n٩٢٢/ ٦ - عَنْ سمُرةَ بْنِ جُنْدَب -﵁-، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ أحَاطَ حَائِطًا عَلى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابنُ الْجَارُودِ.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أَبو داود في كتاب \"الخراج والإمارة والفيء\"، بابٌ \"في إحياء الموات\" (٣٠٧٧)، وابن الجارود (١٠١٥) من طريق قَتَادة، عن الحسن، عن سمرة -﵁-، مرفوعًا.\nوهذا سند ضعيف، فيه الحسن البصري، وهو مدلس، ولم يصرح بالسماع من سمرة.\nوالحديث له شواهد تؤيد معناه، وهي ما تقدم أول الباب.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على نوع من أنواع الإحياء وهو إحاطة الأرض الموات بحائط، فإذا أحاطها فقد ملكها ملكًا شرعيًّا، لقوله: \"فهي له\"، لكن لا بد من تقييد الأرض بأنه لا حق فيها لأحد، كما تقدم.\nوظاهر الحديث أن الإحاطة كافية للتمليك، وهو قول الإِمام أحمد في أشهر الروايات عنه في صفة الإحياء، وهي أن التحويط إحياء لكل أرض، والرواية الثانية: تقدمت وهي أنَّه ليس للإحياء صفة معينة وإنَّما المرجع إلى العرف.\nقال الفقهاء: ولا بد أن يكون الحائط منيعًا يمنع ما وراءه، ويكون مما","vol":"6","page":478},{"text":"جرت العادة بمثله، ويختلف باختلاف البلدان (^١)، وقد ذكر الشيخ عبد الله البسام: أن المعتبر في محاكم المملكة أنَّه إذا كان الجدار مترًا ونصف المتر فهو إحياء؛ لأنه يمنع، وما كان دون ذلك فهو تحجير وليس بإحياء (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٨/ ١٧٧).\n(^٢) \"توضيح الأحكام\" (٤/ ٢٢٧).","vol":"6","page":479},{"text":"<span data-type='title' id=toc-769>حريم البئر في الأرض الموات</span>\n٩٢٣/ ٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفلٍ -﵁-، أن النَّبيَّ - ﷺ - قَال: \"مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَة بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه ابن ماجة في كتاب \"الرهون\"، باب \"حريم البئر\" (٢/ ٨٣١) بإسنادين، والدارمي (٢/ ١٨٦) كلاهما من طريق إسماعيل المكي، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل - ﵁ - مرفوعًا.\nوهذا إسناد ضعيف، له علتان:\nالأولى: عنعنة الحسن وهو البصري، فإنه مدلس كما تقدم مرارًا.\nالثانية: ضعف إسماعيل بن مسلم المكي، فقد قال عنه أحمد: \"منكر الحديث\"، وقال ابن معين: \"ليس بشيء\"، وقد تركه يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وقال ابن عدي: \"أحاديثه غير محفوظة، إلَّا أنَّه ممن يكتب حديثه) (^١). لكنه لم ينفرد به، فقد تابعه أشعث، عن الحسن، عند الطبراني، كما ذكر الحافظ في \"التلخيص\" (^٢) فتزول العلة الثانية وتبقى الأولى. قال الألباني: \"فهذا شاهد لا بأس به، فالحديث به حسن عندي، والله أعلم) (^٣).\nوله شاهد من حديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - أخرجه أحمد (١٦/ ٢٥٩)،\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢٨٩).\n(^٢) (٣/ ٧٢).\n(^٣) \"الصحيحة\" رقم (٢٥١).","vol":"6","page":480},{"text":"والبيهقي (٦/ ١٥٥) من طريق عوف، عن رجل حدثه، عن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"حريم البئر أربعون ذراعًا من حواليها، كلها لأعطان الإبل والغنم. . .. \"، ورواه البيهقي من طريق مسدد، عن هُشَيم، أخبرنا عوف، حدَّثنا محمد بن سيرين، به، وقد يكون هذا المبهم في الإسناد الأول هو محمد بن سيرين، وقد صوب الدَّارَقُطني روايته بالمبهم (^١).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (فله أربعون ذراعًا) إما أن المراد أربعون ذراعًا من الجوانب كلها، فيكون كل جانب عشرة أذرع، لا ينبغي لغيره أن يزاحمه في ذلك.\nوقيل: له أربعون من كل جانب، ذكر هذا السندي (^٢).\nوالمراد بذلك البئر التي تحفر في الأرض الموات للتمليك، فلا يملك إلَّا حريم البئر وهو حماها، وما عدا ذلك فهو والناس سواء (^٣).\n\nقوله: (عطنًا) العطن: بالتحريك هو موطن الإبل ومبركها حول الحوض، ومربض الغنم حول الماء.\n\n• الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن حريم البئر إذا حفرها لسقي ماشيته أربعون ذراعًا، وما عدا ذلك يكون هو والناس فيه سواء. والمراد بحريمها: ما حولها من مرافقها وحقوقها، وهو ما يحتاج إليه لترقية الماء وسقي الماشية، ونحو ذلك من المصالح. قال ابن الأثير: (وسمي به لأنه يحرم منع صاحبه منه، أو لأنه يحرم على غيره التصرف فيه) (^٤). وهذا قول الجمهور.\nوالقول الثاني: أن حريم البئر خمسة وعشرون ذراعًا إن كانت بئرًا جديدة، وخمسون ذراعًا إن كانت بئرًا قديمة أثرية، وهذا قول الإِمام أحمد، واختاره ابن قدامة، والشيخ عبد العزيز بن باز (^٥).\n_________\n(^١) \"العلل\" (١٠/ ٤٦ - ٤٧).\n(^٢) \"شرح سنن ابن ماجة\" (٢/ ٩٦).\n(^٣) \"فتاوى ابن إبراهيم\" (٨/ ٢٨٦).\n(^٤) \"النهاية\" (١/ ٣٧٥).\n(^٥) \"المغني\" (٨/ ١٧٩، ١٨٠).","vol":"6","page":481},{"text":"واستدلوا بحديث سعيد بن المسيب، عن أَبي هُرَيرَةَ -﵁-، عن النبي - ﷺ - قال: (حريم البئر البدي خمسة وعشرون ذراعًا، وحريم البئر العادية خمسون ذراعًا\" (^١).\nوجعلت القديمة أكثر حرمًا؛ لأن ماءها يكون في الغالب أكثر، فحاجتها إلى الساحة أكثر.\nوالقول الثالث: أن ما ورد في الأحاديث ليس تحديدًا، وإنَّما حريم البئر ما يحتاج إليه في ترقية مائها منها، وهذا قول القاضي وأبي الخطاب (^٢).\nفإن كانت البئر يراد بها إحياء الأرض بالزراعة فأكثر العلماء على أن حريمها ستمائة ذراع، وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: (له ما حواليه مقدار الزرع؛ لأنه جاء ليزرع، فما كان حواليه فلا يعترضه أحد) (^٣).\nوقد اختلف العلماء في التوفيق بين هذين الحديثين، فمن أهل العلم من قال بترجيح حديث أَبي هُرَيرَةَ -﵁-، وتضعيف حديث ابن مغفل -﵄-، وهذا رأي ابن قدامة (^٤)، وتبعه ابن باز.\nومنهم من جمع بينهما، وهو حمل حديث ابن مغفل على أن المراد بالحريم ما يحتاج إليه صاحب البئر عند سقي إبله لاجتماعها على الماء، وحديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - على أن المراد ما يحتاج إليه البئر؛ لئلا تحصل المضرة عليها بقرب الإحياء منها، ولذلك اختلفت الحال في البئر الجديدة عن القديمة. وهذا رأي المغربي صاحب \"البدر التمام\" (^٥)، وتبعه عليه الصنعاني في \"السبل\".\nأما إن كانت البئر محاطة من جميع جوانبها بأملاك الغير فهذه ليس لها حريم ولا مرافق، وإنما كل واحد يُنْتَفَعُ بما جرت به العادة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الدَّارَقُطني (٤/ ٢٢٠) وقال: (الصحيح من الحديث أنَّه مرسل عن ابن المسيب، ومن أسنده فقد وهم)، وانظر: \"العلل\" (٩/ ١٦٣)، وقد رواه مرسلًا أَبو داود في \"المراسيل\" ص (٤٤٧)، ومراسيل سعيد جيدة عند أهل العلم.\n(^٢) \"المغني\" (٨/ ١٧٩).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٨/ ٢٧٤).\n(^٤) (٨/ ١٨٠).\n(^٥) (٣/ ٣٤٠).","vol":"6","page":482},{"text":"<span data-type='title' id=toc-770>ما جاء في إقطاع الأراضي</span>\n٩٢٤/ ٨ - عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، أن النَّبِيَّ - ﷺ - أقطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالترْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَانَ.\n٩٢٥/ ٩ - وعَنْ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، أن النَّبيَّ - ﷺ - أَقْطَعَ الزُّبَيرَ حُضْرَ فَرَسِهِ، فَأَجْرَى الْفَرَسَ حَتَّى قَامَ، ثُمَّ رَمَى سَوْطَهُ، فَقَال: \"أَعْطُوهُ حَيثُ بَلَغَ السَّوْطُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ ضَعْفٌ.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو علقمة بن وائل بن حُجر بن ربيعة الحضرمي الكندي الكوفي، روى عن أبيه، والمغيرة بن شعبة، وروى عنه أخوه عبد الجبار بن وائل، وابن أخيه سعيد بن عبد الجبار، وسماك بن حرب وغيرهم. قال ابن سعد: (كان ثقة قليل الحديث)، وقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقد نص البخاري في \"تاريخه\" على أنَّه سمع أباه، وقال التِّرمِذي: (علقمة بن وائل بن حجر سمع من أبيه، وهو أكبر من عبد الجبار بن وائل، وعبد الجبار لم يسمع من أبيه) (^١)، وحكى العسكري عن ابن معين أنَّه قال: (علقمة بن وائل، عن أبيه مرسل)، وقال الحافظ في \"التقريب\": \"صدوق إلَّا أنَّه لم يسمع من أبيه) وهذا فيه نظر، والصواب ما قاله البخاري والتِّرمِذي، فقد صرح بالتحديث عن أبيه في غير ما حديث عند مسلم وغيره، قال الذهبي:\n_________\n(^١) \"جامع التِّرمِذي\" (٤/ ٤٦).","vol":"6","page":483},{"text":"(روى له الجماعة سوى البخاري) (^١).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث وائل بن حجر فقد أخرجه أَبو داود في كتاب \"الخراج والإمارة والفيء\"، بابٌ \"في إقطاع الأرضين\" (٣٠٥٨)، والتِّرمِذي (١٣٨١)، وابن حبان (١٦/ ١٨٢)، وأحمد (٤٥/ ٢١٢) من طريق شعبة، عن سماك، قال: سمعت علقمة بن وائل يحدث عن أبيه، أن النبي - ﷺ - أقطعه أرضًا بحضرموت.\nوهذا سند حسن من أجل سماك بن حرب فإنه متكلم فيه، بسبب ضعفه من قِبل حفظه، وخصوصًا في روايته عن عكرمة، فيكون حسن الحديث في غير روايته عن عكرمة.\nوقد توبع، تابعه جامع بن مطر، عن علقمة بن وائل، كما عند أبي داود (٣٠٥٩)، وجامع بن مطر هو الحَبَطي، لا بأس به، كما قال أحمد وأَبو حاتم، ووثقه ابن معين وأَبو داود وابن حبان (^٢)، والحديث صححه التِّرمِذي.\nوأما حديث ابن عمر - ﵄ - فقد أخرجه أَبو داود في الباب المذكور (٣٥٧٢)، وأحمد (١٠/ ٤٨٥، ٤٨٦) من طريق حمَّاد بن خالد، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا.\nوهذا سند ضعيف؛ لأن فيه عبد الله بن عمر العمري المكبر، وهو ضعيف، وبه أعله ابن القطان والحافظ (^٣).\nلكن له أصل في \"الصحيحين\" من حديث أسماء بنت أبي بكر -﵂-، أن النبي - ﷺ - أقطع الزُّبَير أرضًا (^٤)، وورد عند البخاري معلقًا بصيغة الجزم أنَّها من أموال بني النضير.\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح مسلم\" رقم (٤٠١) (١٦٨٠)، \"سنن النَّسائي\" (٢/ ١٩٤)، \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٤١)، \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢٤٧)، \"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٥٧٣).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٥٠).\n(^٣) \"بيان الوهم والإيهام\" (٤/ ١٩٩، ٢٠٠)، \"التلخيص\" (٣/ ٧٣).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٣١٥١) (٥٢٢٤)، ومسلم (٢١٨٢).","vol":"6","page":484},{"text":"• الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (أقطعه أرضًا) أي: منحه وملكه أرضًا ينفرد بها، والإقطاع: ما يعطيه الإِمام لبعض الرعية من أراضي الموات، فيختص به ويصير أولى بإحيائه ممن لم يسبق إلى إحيائه، وذلك بأن يملكه إياه فيعمره، أو يجعل له غلته مدة.\n\nقوله: (بحضرموت) بفتح الحاء وسكون الضاد، اسم لا ينصرف للعلمية والتركيب المزجي، اسم بلد باليمن.\n\nقوله: (أقطع الزُّبَير) أي: الزُّبَير بن العوام القرشي، الصحابي الشجاع، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، تقدم له ذكر في باب \"اللباس\". وهذه الأرض التي أقطعه النبي - ﷺ - كانت مما أفاء الله على رسوله - ﷺ - من أموال بني النضير، وكان ذلك في أول قدومه المدينة (^١).\n\nقوله: (حُضْرَ فرسه) بضم الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة، وهو شوط الفرس الذي ينتهي إليه عدوه، والمراد: أنَّه أقطعه مسافة قدرها عدو فرسه عدوة واحدة.\n\nقوله: (حتَّى قام) أي: انتهى عدو الفرس ووقف.\n\nقوله: (ثم رمى سوطه) أي: رمى الزُّبَير سوطه إلى الأرض، ولفظ أبي داود: (بسوطه) بإثبات الباء، فتكون زائدة.\n\nقوله: (فقال: أعطوه حيث بلغ السوط) أي: فأمر النبي - ﷺ - بإعطائه إلى المكان الذي رمى فيه السوط، فجعل مكان السوط حدًّا لآخر عدو الفرس.\n\nقوله: (حيث بلغ السوط) هكذا في نسخ \"البلوغ\"، وفي أبي داود: (من حيث بلغ السوط) بإثبات (من)، وثبوتها مشكل؛ لأن ظاهرها أنَّها لابتداء الغاية، وهذا ليس بمراد، إلَّا إن كان المراد أعطوه من مكان السوط إلى هنا؛ أي: المكان الذي فيه الرسول - ﷺأو من أنابه في إعطاء الزُّبَير، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٢٣).","vol":"6","page":485},{"text":"• الوجه الرابع: الحديث دليل على أنَّه يجوز للإمام أو نائبه إقطاع بعض الأراضي الموات لبعض الناس إذا كان في ذلك مصلحة، إذا كانوا يحتاجونها للسكن أو للحرث والزراعة ونحو ذلك.\nوالإقطاع خاص بالإمام أو نائبه ولا يكون لغيرهما ممن هو دونهما من آحاد الناس؛ لأن الإقطاع يرجع إلى اجتهاد الإِمام والمصلحة العامة.\n\n• الوجه الخامس: ذكر الفقهاء أن لإقطاع الإِمام شرطين:\nالأول: ألا يقطع أحدًا من الناس إلَّا ما يمكنه إحياؤه؛ لأن في إقطاع أكثر من ذلك تضييقًا على الناس في حق مشترك بينهم، ولأن عمر - ﵁ - استرجع من بلال بن الحارث ما عجز عن عمارته من إقطاع العقيق الذي أقطعه النبي - ﷺ - كما سيأتي.\nالثاني: ألا يقطع الإِمام ما لا يجوز إحياؤه، وهو ما قرب من عامر البلد وتعلق بمصالحه، كما تقدم أول الباب؛ لأن هذا في حكم المملوك لأهل العامر، ولأن في إقطاعه تضييقًا على الناس (^١)؛ لأن النبي - ﷺ - أقطع أبيض بن حمال معدن الملح، فلما قيل للنبي - ﷺ -: إنما قطعت له الماء العِدَّ، انتزعه منه (^٢).\n\n• الوجه السادس: اختلف العلماء هل المُقْطَع يملك بمجرد الإقطاع أو لا بد من الإحياء، على قولين:\nالأول: أن المقطع لا يملك بالإقطاع، فلا يجوز أن يبيع ما أُقطع، ولكنه يصير أحق به من غيره، كالمتحجر الشارع في الإحياء، وهذا مذهب الشَّافعي وأحمد (^٣)، وهو اختيار الشيخ محمد بن إبراهيم (^٤).\n_________\n(^١) \"المغني\" (٨/ ١٦٤، ١٦٥).\n(^٢) أخرجه أَبو داود (٣٠٦٤)، والتِّرمِذي (١٣٨٠)، وابن ماجة (٢٤٧٥)، وهو حديث حسن بطرقه، و\"الماء العِدَّ\" بكسر العين وتشديد الدال: هو الدائم الذي لا ينقطع، والعدُّ: المهيأ.\n(^٣) \"المغني\" (٨/ ١٥٣)، \"المهذب\" (١/ ٥٥٧).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٨/ ٢٩٧).","vol":"6","page":486},{"text":"فإن أحيا ما أُقطع ملكه، وإن لم يحي أعطي مدة فإن أحيا فيها وإلا انتزع منه، وأعطي غيره ممن يحييها وينتفع بها.\nواستدلوا بأن النبي - ﷺ - أقطع بلال بن الحارث العقيق، فلما كان عمر - ﵁ - قال لبلال: إن رسول الله - ﷺ - لم يقطعك لتحيزه عن الناس، إنما أقطعك لتعمر، فخذ ما قدرت على عمارته، ورُدَّ الباقي (^١).\nوالقول الثاني: أن المقطع يملك بمجرد الإقطاع، فله التصرف بالبيع ونحوه، وهذا قول مالك (^٢)، واختيار الشيخ عبد العزيز بن باز. قال الشيخ عبد الله البسام: (وبهذا القول أفتت الهيئة القضائية في الديار السعودية) (^٣).\nوحتى على هذا القول فإن لولي الأمر أن يأخذ ما عجز عن إحيائه؛ لأن في ذلك مصلحة للمسلمين، كما فعل عمر -﵁-، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه أَبو عبيد في \"الأموال\" ص (٣٠٢)، والبيهقي (٦/ ١٤٩).\n(^٢) \"حاشية الدسوقي\" (٤/ ٦٨).\n(^٣) \"توضيح الأحكام\" (٤/ ٢٣٣).","vol":"6","page":487},{"text":"<span data-type='title' id=toc-771>اشتراك الناس في الماء والكلأ والنار</span>\n٩٢٦/ ١٠ - عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - ﵁ - قَال: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثةٍ: فِي الْكَلأ، وَالْمَاءِ، وَالنَّارِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثُقَات.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٣٨/ ١٧٤)، وأَبو داود في كتاب \"البيوع\"، بابٌ \"في منع الماء\" (٣٤٧٧) من طريق حَرِيز بن عثمان، عن أبي خِدَاش (^١)، عن رجل من المهاجرين من أصحاب النبي - ﷺ -، قال: غزوت مع النبي - ﷺ - ثلاثًا أسمعه يقول: \"المسلمون شركاء في ثلاث … \" الحديث، وهذا لفظ أبي داود، وعند أحمد: عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار\".\nوالحديث إسناده صحيح، رجاله ثقات، حريز بن عثمان: هو الرحبي الحمصي، وأَبو خداش: هو حِبَّان بن زيد الشرعبي، وهو ثقة، من شيوخ حريز بن عثمان، قال أَبو داود (شيوخ حريز كلهم ثقات) (^٢).\nقال الألباني: (السند صحيح، ولا يضره أن صحابيه لم يسمَّ؛ لأن الصحابة كلهم عدول عند أهل السنة، لا سيما وفي رواية بعضهم أنَّه من المهاجرين) (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (٩٦٥).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢٠٨).\n(^٣) \"الإرواء\" (٦/ ٨).","vol":"6","page":488},{"text":"والحديث له شواهد، منها حديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار\" (^١).\nوله شواهد أخرى كلها ضعيفة (^٢)، وقد ورد أحاديث في الماء بخصوصه بالنهي عن بيعه، ومنها حديث جابر - ﷺ -، قال: نهى النبي - ﷺ - عن بيع فضل الماء (^٣). وتقدم شرحه في أول \"البيوع\".\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (غزوت مع النبي - ﷺ -) لفظ أبي داود: (غزوت مع النبي - ﷺ - ثلاثًا …) أي: ثلاث غزوات، فيبدو أن كلمة (ثلاثًا) سقطت من \"البلوغ\".\n\nقوله: (الناس شركاء) هذا وهم من الحافظ، فإن الحديث عند أحمد وأبي داود بلفظ: \"المسلمون\"، وإنَّما وقع بلفظ: \"الناس\" عند أبي عبيد وحده، من طريق يزيد بن هارون (^٤)، وهو بهذا اللفظ شاذ، لمخالفته للفظ الجماعة، فهو المحفوظ؛ لأن مخرج الحديث واحد، ورواية الجماعة أصح (^٥). وقد أورده الحافظ في \"التلخيص\" بلفظ: \"المسلمون\" بعد أن عزاه لأحمد وأبي داود (^٦).\n\nقوله: (في ثلاث) هذا لفظ أبي داود، وفي بعض نسخ \"البلوغ\": \"في ثلاثة\".\n\nقوله: (في الكلأ) بدل من (ثلاث) بإعادة الجار، والكلأ: بالفتح والهمز، هو العشب رطبًا كان أم يابسًا، بخلاف الحشيش فهو مختص باليابس، والمراد هنا: ما ينبت في الأرض الموات، ولا يختص به أحد.\n\nقوله: (والماء) أي: ماء السماء والعيون والأنهار التي لا مالك لها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة (٢٤٧٣) وإسناده صحيح، كما قال الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٧٥)، والبوصيري في \"الزوائد\" (٢/ ٢٦٦).\n(^٢) \"الإرواء\" (٦/ ٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٥٦٥).\n(^٤) \"الأموال\" ص (٣٠٦).\n(^٥) \"الإرواء\" (٦/ ٨).\n(^٦) (٣/ ٧٥).","vol":"6","page":489},{"text":"قوله: (والنار) أي: الحطب الذي يحتطبه الناس من الشجر المباح فيوقدونه، وكذا الحجارة التي توري النار ويقدح بها. وقيل: إن اللفظ على ظاهره، والمراد بالاشتراك في النار ألا يمنع الاستصباح منها والاستضاءة بضوئها إذا كان ذلك لا يضره.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على عدم اختصاص أحد من المسلمين بأحد هذه الأشياء الثلاثة، وإنَّما هي مشتركة بين عامة الناس ينتفعون بها ويستفيدون منها، وهي:\n١ - الكلأ المباح الذي ينبت في الأرض الموات أو في الجبال التي لم يحرزها أحد، فلا يمنع أحد من ذلك. أما ما ينبت في أرض مملوكة فهو موضع خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: ليس له أن يمنع الناس عنه لعموم الحديث، وله أن يمنعهم من دخول أرضه؛ لأنها ملكه إذا كانوا يجدون الكلأ في غيرها، فإن لم يجدوا في كيرها وهم في حاجة إليه رخص لهم في دخول الأرض أو قطعه وأعطاهم إياه.\nوقال آخرون: إنه يكون ملكًا لصاحب الأرض، ويجوز له بيعه ومنع الناس منه؛ لأنه تابع للأرض، وحملوا حديث الباب على الأرض غير المملوكة.\nوالقول الثالث: أنَّه إن نبت بنفسه فليس ملكًا له، وإن استنبته بأن حرث الأرض بحيث تكون قابلة للنبات إذا نزل المطر فهو له، وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية (^١).\n٢ - ماء السماء الذي يجتمع من الأمطار في غدير ونحوه، وكذا ماء العيون والأنهار العامة، فليس أحد أحق بها من أحد إلَّا لقرب أرضه فيكون أولى بها من غيره سقيًا وشربًا.\n٣ - المصادر العامة للوقود من الشجر والحطب، أو النار ذاتها، فيجب\n_________\n(^١) \"الاختيارات\" ص (١٢١).","vol":"6","page":490},{"text":"بذل الوقود للمحتاج، وكذا جذوة النار كالقبس - وهو الشعلة من النار -أو الاستدفاء بها.\nأما ما كان من هذه الأشياء الثلاثة مملوكًا ملكًا فرديًّا ومحرزًا فإنه يكون لصاحبه، كما لو أحرز ماء في قربة أو في إناء أو نحو ذلك من الوسائل الحديثة، فإنه يكون ملكًا لمن أحرزه بالإجماع (^١). لكن لا يحق له بحال أن يمنع فضله المحتاج إليه، بل يجب أن يواسي به المحتاج من فقير أو ابن سبيل دون أن يأخذ منه مقابلًا أو عوضًا.\nوقد ورد في حديث أَبي هُرَيرَةَ -﵁-، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل كان له فضل ماء بالطريق، فمنعه من ابن السبيل. . . \" حديث (^٢).\nفهذا الحديث يدل على جواز ملكية بعض هذه الأشياء الثلاثة وهو الماء لقوله: \"رجل كان له فضل ماء\"، قال ابن بطَّال: \"فيه دلالة على أن صاحب البئر أولى من ابن السبيل عند الحاجة، فإذا أخذ صاحب البئر حاجته لم يجز له منع ابن السبيل\" (^٣).\nومثل ذلك الحطب فما دام في منابته فالناس فيه شركاء، لكن من احتطب شيئًا منه وحازه في سيارة ونحوها فقد ملكه، وله بيعه والتصرف فيه، والله تعالى أعلم.\nانتهى الجزء السادس ويليه - بعون الله وتوفيقه - الجزء السابع، وأوله: \"باب الوقف\"\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٣٤٢، ٣٤٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٣٥٨)، ومسلم (١٠٨)، وسيأتي بتمامه مع شرحه في كتاب \"الدعوى والبينات\" إن شاء الله تعالى.\n(^٣) \"شرح ابن بطَّال\" (٦/ ٤٩٩).","vol":"6","page":491},{"text":"<span data-type='title' id=toc-772>باب الوقف</span>\nالوقف لغة: الحبس والمنع، وهو مصدر وَقَفَ الشيء يَقِفُهُ وقفًا: إذا جعله على جهة معينة لا يُنْتَفَعُ به غيرها، ووَقَفَ، وحَبَّسَ، وأحبس، وسبَّل كلها بمعنى واحد. أما أوقف فهي لغة رديئة، ويقال للموقوف: وقف، من باب التسمية بالمصدر (^١).\nواصطلاحًا: تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة.\nوالتحبيس: مصدر حبَّس الشيء؛ أي: جعله محبوسًا لا يباع ولا يوهب …، وهو اسم جنس يشمل كل حبس كالوقف والرهن والحجر.\nو(الأصل) أي: العين الموقوفة، وهو كل ما يُنْتَفَعُ به مع بقاء عينه؛ كالعقار والحيوان والأثاث والكتب، ونحو ذلك، أما ما لا يُنْتَفَعُ به إلَّا بذهاب عينه وتلفه فلا يصح وقفه بهذا المعنى، كطعام لأَكْلٍ، أو ماءٍ لشرب، ونحوهما، بل هو صدقة، وليس له موضوع الوقف ولا حكمه (^٢).\nو(تسبيل المنفعة) أي: منفعة العين الموقوفة، وهي ثمرتها وفائدتها، وذلك بإطلاق فوائد العين الموقوفة وريعها للجهة التي حُدِّد صرفها فيها.\nوالمراد بـ (تسبيل المنفعة) أن يكون على بِرٍّ أو قربة؛ لأن التسبيل يقتضي إخراج الأحباس الأخرى كالرهن؛ لأنها غير مسئلة، قال أهل اللغة: سَبَّل الشيء: أباحه وجعله في سبيل الله (^٣).\nوالمقصود من الوقف التقرب إلى الله تعالى، ونفع البلاد والعباد؛\n_________\n(^١) \"تهذيب اللغة\" (٩/ ٢٣٣)، \"المصباح المنير\" ص (٦٩٩).\n(^٢) \"الإفصاح\" (٢/ ٥٢).\n(^٣) \"المعجم الوسيط\" ص (٤١٥).","vol":"7","page":5},{"text":"كالمساجد وكتب العلم وإنشاء المستشفيات في البلاد المحتاجة، وتسبيل مياه الشرب بحفر الآبار ووضع البرادات، وتسبيل أجهزة تبريد الهواء، ودور الرعاية، وجمعيات تحفيظ القرآن، وغير ذلك من جهات البر التي يعينها الواقف، ويدخل في ذلك الوقف على القرابة كولده وأقاربه، ونحو ذلك.\nوقد ثبتت مشروعية الوقف بالكتاب والسنة والإجماع.\nأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، والوقف داخل في الإنفاق، ويدل لذلك قصة أبي طلحة - ﵁ - لما نزلت هذه الآية فإنه قال: (يا رسول الله؛ إن أحبَّ أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو بِرَّهَا وذخرها عند الله، فضعها حيث أراك الله … الحديث) (^١). فقد فهم أَبو طلحة - ﵁ - العموم من هذه الآية، وأقره النبي - ﷺ - على ذلك، وقد بوب البخاري على هذا الحديث بقوله: \"بابٌ \"إذا وقف أرضًا ولم يبين الحدود فهو جائز، وكذلك الصدقة\").\nوأما السنة فقد ورد عدة أحاديث، منها أحاديث الباب. وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على مشروعية الوقف في الجملة، وقد نقل القرطبي إجماع الصحابة - ﵃ - على جواز الوقف، فقال: (إن المسألة إجماع من الصحابة، وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وفاطمة وعمرو بن العاص وابن الزُّبَير وجابرًا - ﵃ - كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة) (^٢). وقال ابن حزم: (جملة صدقات الصحابة بالمدينة أشهر من الشمس، لا يجهلها أحد) (^٣). وثبت أن عثمان - ﵁ - سبَّل بئر رومة، وكان دلوه فيها كدلاء المسلمين (^٤).\nوالوقف من أفضل الصدقات التي حث الله عليها ووعد بالثواب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٦٩).\n(^٢) \"تفسير القرطبي\" (٦/ ٣٣٩).\n(^٣) \"المحلى\" (١٠/ ١٨٣).\n(^٤) علقه البخاري (٥/ ٢٩، ٤٠٦ \"فتح\")، ووصله التِّرمِذي (٣٦٩٩)، والنَّسائي (٦/ ٢٣٦)، وقال التِّرمِذي: (هذا حديث حسن صحيح).","vol":"7","page":6},{"text":"الجزيل؛ لأنه صدقة ثابتة دائمة في وجوه البر والخير، والوقف إحسان إلى الموقوف عليه، إما لحاجتهم كالفقراء والأيتام والأرامل، أو لصلتهم كذوي الأرحام والقرابة، أو للحاجة إليهم كالمجاهدين والمعلمين والمتعلمين، ونحوهم، وفيه إحسان للواقف حيث يجري عليه ثواب وقفه بعد انقطاع أعماله ورحيله عن هذه الدار، ولهذا انفرد أهل الإسلام بالوقف واختصوا به.","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-773>ما يدوم من عمل الإنسان بعد موته</span>\n٩٢٧/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"إِذَا مَاتَ الانْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيةٍ، أَوْ عِلْمِ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ\"، رَوَاهُ مُسْلِم.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"الوصية\"، باب (ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته) (١٦٣١) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبإيه، عن أَبي هُرَيرَةَ -﵁-، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلَّا من ثلاثة: إلَّا من صدقة جارية … \" الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (انقطع عنه عمله) لزوال التكليف بالموت، ولخروجه من عالمه إلى عالم البرزخ، وهو ليس موضع عمل، وإذا انقطع العمل انقطع الثواب المرتب عليه.\n\nقوله: (إلَّا من ثلاث) أي: ثلاث خصال، ولفظ مسلم: \"إلَّا من ثلاثة\" أي: ثلاثة أشياء، والمراد أن ثواب الثلاثة يدوم للإنسان بعد موته، وذلك لدوام أثره، فدام ثوابه.\n\nقوله: (صدقةٍ جارية) بالجر بدل من ثلاث، والصدقة الجارية: هي المتصلة المستمر نفعها؛ كوقف العقارات أو الكتب أو المصاحف، ونحو ذلك.","vol":"7","page":8},{"text":"وهذا القدر هو غرض المصنف من إيراد الحديث في باب \"الوقف\"؛ لأن العلماء فسروا الصدقة الجارية بالوقف.\n\nقوله: (أو علم يُنْتَفَعُ به) هذا قيد يخرج به ما لا يُنْتَفَعُ فيه من العلم؛ كعلم النجوم من حيث أحكام السعادة وضدها، أو من ألف علمًا مفسدًا للدين وللأخلاق.\nوالمراد بالعلم الذي يُنْتَفَعُ به: العلم الذي علمه الطلبة المستعدين للعلم، والعلم الذي نشره بين الناس عن طريق المحاضرات والمواعظ والفتاوى، والكتب التي ألَّفها في نفع المسلمين، وهي أعظم أثرًا لطول بقائها على مر الزمان.\n\nقوله: (أو ولد صالح يدعو له) الظاهر أن المراد بالصلاح: الاستقامة، وفسَّره ابن علان: بالإسلام (^١).\nوالحديث يشمل ولد الصلب، وولد الابن وولد البنت، وهو شامل للذكر والأنثى، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ [النساء: ١١] ووصفه بالصلاح ليكون دعاؤه مجابًا، فينتفع والده بدعائه، وحذف مفعول (يدعو) للتعميم؛ أي: يدعو له بالمغفرة، أو بما هو أعم منها، وفائدة تقييده بالولد مع أن دعاء غيره ينفعه: تحريض الولد على الدعاء.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الإنسان ينقطع عنه أجر عمله بعد وفاته؛ لأن الله تعالى جعل الدنيا دار تزود وعمل، يتزود منها العباد من الخير أو الشر للدار الأخرى، وهي دار الجزاء والحساب، فمن مات انقطع عنه عمله، إلَّا من هذه الأشياء الثلاثة، فإنها تبقى ويجري ثوابها بعد الموت، وعن أبي قَتَادة -﵁-، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"خير ما يَخْلُفُ الرجلَ من بعده ثلاثٌ: ولد صالح يدعو له، وصدقة بِرٍّ يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من\n_________\n(^١) \"دليل الفالحين\" (٣/ ٤٣٤).","vol":"7","page":9},{"text":"بعده، (^١). وذلك لأن هذه الأشياء من كسب الإنسان، وهي من آثار عمله، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَينَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس: ١٢] وقد ذكر المفسرون أن المراد بقوله: ﴿مَا قَدَّمُوا﴾ ما باشروه من الأعمال الحسنة أو السيئة قبل مماتهم. وقوله: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ أي: ما بقي بعدهم في الدنيا من آثارهم الطيبة؛ كالعلم النافع والصدقة الجارية والسنن الحسنة، أو الآثار السيئة كالعلم المفسد للدين والخلق، والسنن السيئة، والمظالم التي تستمر بعد موتهم، فإن هذه من آثارهم التي أحصيت عليهم، وهي مدونة في كتاب مقتدى به موضّح لكل شيء، وهو اللوح المحفوظ (^٢).\nوقيل: إن المراد بقوله: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾: خطاهم إلى الطاعة أو المعصية، كما ورد ما يدل على ذلك من السنة.\nوقد ذكر ابن كثير أنه لا منافاة بين القولين، وأن القول الثاني فيه تنبيه على القول الأول بطريق الأولى؛ لأنه إذا كانت خطاهم إلى الطاعة أو المعصية تكتب فلأن تكتب تلك التي فيها قدوة بهم من خير أو شر من باب أولى، والله أعلم (^٣).\n\n• الوجه الرابع: ورد في حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علَّمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، أو مصحفًا ورَّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه \"ابن ماجه (١/ ٨٨)، وابن حبان (١١/ ٢٦٦)، وقال المنذري: (إسناده صحيح) وهذا فيه نظر، فإن في إسناده فليح بن سليمان، ولم يرد في رواية ابن ماجه، وزاده أبو الحسن القطان ص (٣٥)، وساقه ابن حبان أول الكتاب (١/ ٢٩٥) ولم يذكر فيه فُليحًا، وفليح أخرج له الشيخان، لكن قال عنه في \"التقريب\": (صدوق كثير الخطأ)، وقد ذكر الدارقطني في \"العلل\" (٦/ ١٤٠) الاختلاف على زيد بن أبي أُنيسة في ذكر فليح، وصوب ذكره.\n(^٢) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٥٥٣).\n(^٣) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٥٥٦)، \"تفسير ابن سعدي\" ص (٦٩٣).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (١/ ٨٨)، وحسنه المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٩٩)، وذكر=","vol":"7","page":10},{"text":"وقد ذكر ابن علان أن ما في هذا الحديث يزاد على ما في حديث الباب؛ لأن مفهوم العدد غير حجة، أو يقال: إن الرسول - ﷺ - اطلع أولًا على ما في حديث مسلم، ثم أطلعه الله تعالى على الزائد فأخبر به (^١).\nوالظاهر أن ما جاء في هذا الحديث إنما هو تفسير لحديث الباب؛ لأن ما ذكر فيه من أنواع الصدقة الجارية، والله أعلم.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على صحة الوقف وعظيم ثوابه عند الله تعالى، حيث إنه يبقى نفعه ويدوم ثوابه؟ كوقف العقارات التي ينتفع بها، أو الكتب والمصاحف التي يستفاد منها وينتفع بها، فما دامت باقية ينتفع بها فأجرها جارٍ للعبد.\n\n• الوجه السادس: الحديث دليل على فضل العلم والحث على الاستكثار منه والترغيب في توريثه بالتعليم والتأليف والإيضاح، وأن الأجر يجري عليه ما دام الانتفاع بعلمه، وكم من علماء هداة ماتوا من مئات السنين ولا زالت كتبهم ينتفع بها، وتلاميذهم قد تسلسل خيرهم، وهذا من فضل الله تعالى. وينبغي لطالب العلم أن يختار العلوم النافعة، مقدمًا الأنفع فالأنفع وما يُحتاج إليه.\n\n• الوجه السابع: الحديث فيه حث للولد على الدعاء لأبيه وأمه بالمغفرة والرحمة، ورفع الدرجات، ولا فرق في ذلك بين ولد صلبه أو ولد ولده من ذكر أو أنثى.\n\n• الوجه الثامن: الحديث دليل على أن الوالد ينتفع بصلاح ولده واستقامته؛ لأن من كان صالحًا لن يغفل في الغالب عن الدعاء لوالديه، وهو قَمِنٌ أن يستجاب دعاؤه، وهذا يدل على فضل الاستقامة وأثر صلاح الذرية، وأن الولد يحرص على سلوك طريقها لنفع نفسه ونفع والديه.\n_________\n= أن ابن خزيمة رواه في \"صحيحه\"، وفيه مرزوق بن أبي الهذيل، قال عنه في \"التقريب\": (لين الحديث).\n(^١) \"دليل الفالحين\" (٣/ ٤٣٣).","vol":"7","page":11},{"text":"• الوجه التاسع: الحديث لا يدل على أن الميت لا ينتفع إلا بهذه الثلاثة، فإنه ينتفع بدعاء أقربائه بل بدعاء المسلمين عمومًا، وكذا ما يعمل عنه من البِرّ، وإنما ذكرت الثلاثة لأنها من عمله وأثره لا سيما الولد، وغير الثلاثة ليست من عمله، فإن دعا له ولده كان هذا من عمله الذي لم ينقطع، وإن دعا له غيره لم يكن ذلك من عمله لكنه ينتفع به، ومن ذلك الصلاة على الميت فإنها دعاء له، والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":12},{"text":"<span data-type='title' id=toc-774>حكم الشروط في الوقف</span>\n٩٢٨/ ٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: أَصَابَ عُمَرُ - ﵁ - أَرْضًا بِخَيبَرَ، فَأَتى النَّبِي - ﷺ - يستأمره فيها فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، قَال: \"إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا\"، قَال: فتصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ؛ غَيرَ أنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، ولا يُورثُ، ولَا يُوهَبُ، قال: فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ، وَفي الْقُرْبَى، وَفي الرِّقَابِ، وَفي سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَليَهَا أَنْ يَأكلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أو يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيرَ مُتَمَوِّلٍ مَالًا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\nوَفي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: تَصَدَّقْ بِأصْلِهِ: لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع من \"صحيحه\" مطولًا ومختصرًا، وأولها في كتاب \"الوكالة\" (٢٣١٣)، ثم في \"الشروط في الوقف\" (٢٧٣٧)، ومسلم (١٦٣٢) من طريق ابن عون، قال: أنبأني نافع، عن ابن عمر - ﵄ -، قال: أصاب عمر - ﵁ - أرضًا بخيبر … الحديث. وليس بين لفظ البخاري ولفظ مسلم كبير فرق.\nوأخرجه البخاري في كتاب \"الوصايا\"، باب (وما للوصي أن يعمل في","vol":"7","page":13},{"text":"مال اليتيم، وما يأكل منه بقدر عُمالته) (٢٧٦٤) من طريق صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -، وفيه: فقال النبي - ﷺ -: \"تصدقْ بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن ينفق ثمره … \".\nولعل الحافظ ذكر هذه الرواية لأنها تدل على أن الشروط من كلام النبي - ﷺ -، ولا منافا؛ لأنه يمكن الجمع بأن عمر شرط ذلك بعد أن أمره النبي - ﷺ - به، فمن الرواة من رفعه إلى النبي - ﷺ -، ومنهم من وقف ذلك على عمر - ﵁ - لوقوعه منه امتثالًا للأمر الواقع منه - ﷺ -.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أصاب أرضًا بخيبر) أي: صادف في نصيبه من الغنيمة، وقد جاء عند النسائي من رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -، قال: قال عمر للنبي - ﷺ -: (إن المائة سهم التي لي بخيبر لم أصب مالًا قط أعجب إلي منها) (^١). وفي رواية: (إني أصبت مالًا لم أصب مثله قط، كان لي مائة رأس، فاشتريت بها مائة سهم من خيبر من أهلها ..) (^٢).\nوهذه الأرض اسمها: (ثَمْغٌ) بفتح الثاء المثلثة، وسكون الميم. كما ورد في رواية البخاري المذكورة بلفظ: (أن عمر تصدق بمالٍ له على عهد رسول الله - ﷺ - وكان يقال له: (ثَمْغ) وكان نخلًا …). وعند النسائي: (سألت رسول الله - ﷺ - عن أرض لي بثمغ، قال: \"احبس أصلها، وسبّل ثمرتها\").\n\nقوله: (يستأمره فيها) أي: يستشيره بالتصدق فيها.\n\nقوله: (قط) ظرف لما مضى من الزمان مبني على الضم؛ أي: قبل هذا الزمن أبدًا.\n\nقوله: (هو أنفس عندي منه) أي: أعز وأجود، والنفيس: هو الجيد المغتبط به، يقال: نَفُسَ الشيء نفاسة، فهو نفيس، والضمير في (منه) يعود إلى قوله: (أرضًا) ولعل تذكيره باعتبار تأويله بالمال، وقد جاء عند البخاري:\n_________\n(^١) \"سنن النسائي\" (٦/ ٢٣٢).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٤٠٠).","vol":"7","page":14},{"text":"(فما تأمر به)، وعند مسلم: (فما تأمرني به؟) أي: فما الذي تأمرني به أن أفعل من أبواب البر والتقرب إلى الله تعالى.\n\nقوله: (إن شئت حبست أصلها) بتشديد الباء الموحدة، ويُخفف؛ أي: وقفت أصلها، والحبس في اللغة: المنع، وحبسته بمعنى: وقفته، فهو حبيس، والتشديد للمبالغة، قال الأزهري: (حَبَّسْتُ الأرض: أكثر استعمالًا من وَقَفْتُهَا) (^١).\n\nقوله: (وتصدقت بها) هذا على حذف مضاف؛ أي: بريعها وغلتها ومنفعتها من حبوب وثمار وغيرها. وفي رواية النسائي المذكورة \"احبس أصلها وسَبِّل ثمرتها\". وقيل: إن الصدقة راجعة إلى الأصل المُحَبَّسِ، فيكون هذا من ألفاظ الوقف غير الصريح، والأول أقرب، وبه جزم القرطبي بدليل السياق مع رواية النسائي، ولأنه على المعنى الأول يكون تأسيسًا وبيانًا لحكم الغلة، وعلى الثاني يكون تأكيدًا، والتأسيس خير من التأكيد (^٢).\n\nقوله: (غير أنه لا يباع أصلها) هذا ضمير الشأن؛ أي: والحال والشأن أنه لا يباع أصلها. وظاهر هذا السياق أن الشروط من كلام عمر - ﵁ -، والرواية المذكورة تدل على أن الشروط من كلام النبي - ﷺ -، وتقدم وجه الجمع.\n\nقوله: (فتصدق بها في الفقراء) هكذا لفظ \"البلوغ\" وفي مسلم (فتصدق عمر …) والفقراء: جمع فقير، وهو من لا يقدر على نصف كفايته وكفاية عائلته لا بماله ولا بكسبه. والمسكين: من يقدر على نصف كفايته دون كمالها، وهما من الأسماء التي قال العلماء فيها: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، فذكر الفقراء هنا يدخل فيه المساكين.\n\nقوله: (وفي القربى) أي: الأقارب، والمراد قرابة الواقف وهو عمر - ﵁ -؛ لأنهم أحق بصدقة قريبهم، وهو على حذف مضاف؛ أي: وفي\n_________\n(^١) \"الزاهر\" ص (٣٦٠).\n(^٢) \"المفهم\" (٤/ ٥٩٩)، \"حاشية الصنعاني على شرح العمدة\" (٤/ ١٣٤).","vol":"7","page":15},{"text":"ذي القربى؛ كقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، وعند البخاري: (ولذي القربى).\n\nقوله: (وفي الرقاب) جمع رقبة، وهي العنق، والمراد هنا: فك الإنسان من الرق أو الأسر، والمعنى: أن يُشترى من غلة الوقف رقابًا فَتُعْتَقَ، أو تؤدى ديون المكاتبين ليعتقوا.\n\nقوله: (وفي سبيل الله) أي: الجهاد، وهو أعم من الغزاة، فيشمل شراء الأسلحة وأدوات الحرب وغير ذلك، ويحتمل أنه أراد بسبيل الله: كل ما أعان على إعلاء كلمة الله تعالى ونشرها، ونفع المسلمين، من الدعوة إلى الله تعالى بالقلم، واللسان، والسنان، وبناء المساجد والمدارس، وطبع الكتب وبناء المستشفيات، ورعاية الأيتام والمعوقين والأرامل، وغير ذلك من المرافق العامة والخاصة.\n\nقوله: (وابن السبيل) السبيل: الطريق، والمراد بابن السبيل: المسافر الذي انقطع به السفر، سمي بذلك للزومه الطريق.\n\nقوله: (والضيف) هو من نزل بقوم يريد القرى، وهو للمفرد والجمع، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ [الذاريات: ٢٤]. وربما جمع على أضياف وضيوف وضيفان. وهؤلاء المذكورون هم الذين ورد ذكرهم في آية الزكاة، عدا ذوي القربى والضيف.\n\nقوله: (لا جناح) أي: لا حرج ولا إثم، من قولهم: (جنحت السفينة) أي: مالت إلى أحد جانبيها، وسمي الإثم المائل بالإنسان عن الحق: جناحًا، ثم سمي كل إثم جناحًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥] في غير موضع. قاله الراغب (^١).\n\nقوله: (على من وليها) أي: قام بحقها وإصلاحها وتحصيل ريعها وصرفه في جهاته، والمراد بذلك ناظر الوقف.\n_________\n(^١) \"المفردات في غريب القرآن \" ص (١٠٠).","vol":"7","page":16},{"text":"قوله: (أن يأكل منها) أي: يأخذ منها ما يحتاج إليه من طعام وكسوة ومركب، ونحو ذلك، فالمراد بالأكل: مطلق الأخذ.\n\nقوله: (بالمعروف) هذا قيد لما قبله، والمراد به: ما جرى به العرف وأقره الشرع.\n\nقوله: (أو يطعم صديقًا) هذا لفظ مسلم، وعند البخاري: (أو يُوكِلَ صديقه) والمراد: صديق ناظر الوقف والقائم عليه، لقوله: (صديقه) بالإضافة إلى ضمير من وليها، ويحتمل: صديق الواقف، لكن فيه بعد، كما قال القرطبي (^١).\n\nقوله: (غير مُتَمَوِّلٍ مالًا) غير بالنصب: حال من فاعل (وليها) والتمول: بفتح التاء والميم وتشديد الواو مضمومة: اتخاذ المال أكثر من حاجته، ومراد عمر - ﵁ - أن الناظر على وقفه لا يتملك منه شيئًا.\nولفظ \"الصحيحين\": (غير متمول فيه)، وفي رواية لهما: (غير متأثل مالًا) أي: متخذ أصل مال وجامعه، يقال: تأثلت المال: اتخذته أصلًا، وأثلة كل شيء: أصله. وأما لفظة: (غير متمول مالًا) فقد جاءت عند البخاري من طريق أيوب، عن نافع (^٢). وليست في السياق المذكور.\n\n• الوجه الثالث: هذا الحديث أصل عظيم في باب الوقف حيث دل على مشروعيته، واشتمل على أحكام كثيرة وفوائد غزيرة تتعلق بالوقف، ولهذا ترجم له البخاري في \"صحيحه\" عدة تراجم.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على فضل الوقف وأنه من الصدقات الجارية والإحسان المستمر؛ لأن عمر - ﵁ - استشار النبي - ﷺ - في ذلك لثقته بكمال نصحه، فأشار عليه بأحسن طرق الصدقات وهو الوقف.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه ينبغي أن يكون الوقف من أطيب المال وأحسنه طمعًا في ثواب الله تعالى، قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٤/ ٦٠٣).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٢٧٧٧).","vol":"7","page":17},{"text":"تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وحديث أبي طلحة في بيرحاء شهير في ذلك، وتقدمت الإشارة إليه.\n\n• الوجه السادس: الحديث دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يستشير غيره من ذوي الفضل، وهم أهل الدين والعلم ولو في أمور القرب والطاعة (^١)، وأن يأخذ برأيهم ويأتمر بأمرهم، ولا يعد هذا من إظهار العمل للرياء والسمعة؛ لما يترتب على المشاورة من المصالح العظيمة، ولا ينبغي للإنسان أن يستبدَّ مهما كان عليه من العلم والعقل، قال تعالى: ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].\n\n• الوجه السابع: أن الواجب على المستشار أن ينصح بما يراه الأفضل فالدين النصيحة، ويستفاد من ذلك أن على العلماء والقضاة وكُتّاب العدل ممن يتولون كتابات وثائق الناس وأوقافهم ووصاياهم أن يبينوا لهم ما يوافق الشرع وما يخالفه، ويشيروا عليهم بما فيه المصلحة.\n\n• الوجه الثامن: في الحديث دليل على تفسير الوقف وبيان حقيقته، حيث قال: \"إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها\"، وهذا أحسن تعريف للوقف، فإنه تعريف جامع مانع، يؤدي المعنى المراد بأوضح عبارة، وتقدم شرحه أول الباب.\n\n• الوجه التاسع: الحديث دليل على أن لفظ (التحبيس) صريح في الوقف، فلا يحتاج إلى أمر زائد من نية أو قرينة أو فعل، ومثله: وقَفْتُ، وسَبَّلتُ، أما لفظ: تصدقت فهو كناية تحتاج إلى ما يدل على الوقف، كأن يقول: هذا البيت أو هذه الدكاكين صدقة موقوفة أو محبَّسة أو مسبلة، أو صدقة لا تباع ولا تورث، ونحو ذلك.\n\n• الوجه العاشر: أن الوقف خاص بالعين التي تبقى مع الانتفاع بها كالدور والمساجد والمكتبات، ونحو ذلك، أما ما يذهب بالانتفاع به كالطعام فهو صدقة، كما تقدم.\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٤/ ٥٩٩ - ٦٠٠).","vol":"7","page":18},{"text":"• الوجه الحادي عشر: الحديث دليل على أنه لا يجوز التصرف في الوقف ببيع ولا إرث ولا هبة، بل يظل باقيًا لازمًا يعمل به حسب شروط الواقف الموافقة للشرع.\n\n• الوجه الثاني عشر: الحديث دليل على أن للواقف أن يشترط في وقفه شروطًا عادلة جائزة شرعًا، وهي شروط صحيحة معتد بها، وأنه لا مانع من أن يحدد المصارف التي يريد صرف ريع الوقف إليها إذا كانت موافقة للشرع.\n\n• الوجه الثالث عشر: الحديث دليل على وجوب العمل بشرط الواقف ما لم يخالف الشرع؛ لأن عمر - ﵁ - شرط في وقفه شروطًا، ولو لم يجب اتباع شرطه لم يكن في اشتراطها فائدة، ولأن الوقف متلقى من جهة الواقف، وهو لم يرض بإخراج الموقوف عن ملكه إلا بهذا الشرط، فيتبع فيه شرطه، ويرجع في مصارف الوقف وشروطه إلى شرط الواقف حيث وافق الشرع، فإذا عين في وقفه عمارة المساجد أو طبع الكتب أو إعانة المجاهدين أو طلبة العلم، أو قال: على أولادي ثم أولادهم، أو قال: الناظر فلان فإن مات ففلان، عمل بذلك، ولهذا قال بعض الفقهاء: نص الواقف كنص الشارع؛ أي: في الفهم والدلالة على المراد من تخصيص عامها بخاصها، وحمل مطلقها على مقيدها، وأما جعلها كنص الشارع في وجوب العمل فهذا غير مراد قطعًا.\nثم إن لفظ الواقف ينبغي أن يحمل على عادته في خطابه، ولغته التي يتكلم بها، سواء وافق لغة العرب أو لغة الشرع أو لا، وهذا أمر ينبغي التنبه له، ويستفاد منه في حلِّ إشكالات كثيرة.\n\n• الوجه الرابع عشر: أن المصرف الشرعي للوقف هم الفقراء ومن ذكر معهم من وجوه البر والإحسان العام أو الخاص، وأول من يدخل في ذلك قرابة الواقف، فإنهم أحق من الأجانب مع التساوي في الحاجة، ولا فرق بين ذَكَرهم وأنثاهم، على ما هو مبيَّن في كتب الفقه.\n\n• الوجه الخامس عشر: فضيلة صلة الرحم وغيرهم من المحتاجين","vol":"7","page":19},{"text":"والوقف عليهم، وهم أولى ببر الواقف وإحسانه من غيرهم ولا سيما مع فقرهم؛ لأن لهم حق القرابة وحق الحاجة، وعلى الناظر أن يهتم بهم، ويقدم الأقرب فالأقرب مع الاستواء في الحاجة، وإلا فيقدم المحتاج على غيره.\n\n• الوجه السادس عشر: الحديث دليل على جواز أكل ناظر الوقف من الوقف بالمعروف، فيأكل قدر كفايته، وذلك مقابل عمله وحبسه نفسه على إصلاحه والقيام بصرف ريعه، وعليه أن يحذر المبالغة في الإنفاق أو التعدي على أموال الوقف، لا سيما إذا كانت أموالًا عظيمة كما في زماننا، فإن وقع في شيء من ذلك وصعب عليه الفطام فعليه أن يتقي الله تعالى ويدع الأمر إلى من هو أوثق منه.\n\n• الوجه السابع عشر: الحديث دليل على جواز أكل الأغنياء من مال الوقف كناظر الوقف والضيف، لكن بشرط ألا يتخذ واحد منهما من مال الوقف ملكًا، فإن الضيف ليس له زيادة على ما يأكل، والناظر ليس له زيادة على ما ينفق.\n\n• الوجه الثامن عشر: في الحديث فضيلة ومنقبة ظاهرة لعمر بن الخطاب - ﵁ - حيث استشار النبي - ﷺ - وقَبِلَ ما أشار به عليه، وبادر إلى تنفيذه، وتقرب إلى الله تعالى بأنفس أمواله وأطيبها.\n\n• الوجه التاسع عشر: الحديث دليل على أن الوقف عقد لازم بمجرد القول أو ما يدل عليه، فلا يملك الواقف الرجوع فيه، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، ووافقهم أبو يوسف، ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة. ووجه الاستدلال من وجهين:\nالأول: أن النبي - ﷺ - أمر عمر - ﵁ - أن يحبس الأصل، والحبس هو المنع، والقول بأن الوقف عقد جائز ينافي التحبيس.\nالثاني: أن عمر - ﵁ - ذكر أحكام وقفه بقوله: \"لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث\" بل تقدم أن هذا من كلام النبي - ﷺ -.","vol":"7","page":20},{"text":"وقال أبو حنيفة وزفر بن الهذيل إن الوقف عقد جائز، فللواقف أن يتصرف فيه كما يشاء، وإذا تصرف اعتبر راجعًا عن الوقف (^١)، واستُدل لذلك بحديث ابن عباس - ﵁ -، قال: (لما نزلت سورة النساء وفرض فيها الفرائض، قال رسول الله - ﷺ -: \"لا حَبْسَ عن فرائض الله -﷿-\" (^٢) وأجابوا عن حديث الباب بما لا طائل تحته (^٣).\nوالصواب القول الأول، وهو أن الوقف عقد لازم، لقوة دليله، ولأن لزوم الوقف فيه مصلحة للواقف بدوام نفعه واستمرار أثره، بخلاف الرجوع فلا مصلحة فيه، ولأن أوقاف الصحابة -﵃- اتصفت باللزوم، فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه رجع عن وقفه، كما تقدم أول الباب.\nوأما دليل أبي حنيفة فهو ضعيف لا يجوز الاحتجاج ولا معارضة الأحاديث الصحيحة به، وعلى فرض صحته فإن معناه: لا يُحبس عن وارث شيءٌ جعله الله له (^٤)، بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية. والوقف عقد لازم بصدوره من الواقف حال حياته وليس للوارث فيه شيء، ومما يدل على بطلانه أن وقف النبي - ﷺ - ووقف عمر كان بعد خيبر سنة سبع، وآية المواريث نزلت سنة ثلاث بعد أُحد.\n\n• الوجه العشرون: الحديث دليل على أنه يجوز للواقف أن يشترط جزءًا من ريع وقفه وأن يستفيد منه؛ لأن عمر - ﵁ - شرط لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف ولم يستثن إن كان هو ناظر الوقف أو غيره، فدل على صحة الشرط.\n_________\n(^١) يكون الوقف لازمًا عند أبي حنيفة إذا دلَّ دليل خارجي على لزومه ككونه مسجدًا؛ لأنه حق خالص لله تعالى، أو حكم بلزومه حاكم، أو خرج مخرج الوصية بأن يجعله بعد موته. [\"أحكام الوصايا والأوقاف\" ص (٢٦٤)].\n(^٢) أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٩٦)، والدارقطني (٤/ ٦٨)، والبيهقي (٦/ ١٦٢) من طريق عبد الله بن لهيعة، ثنا عيسى بن لهيعة، عن عكرمة، قال: سمعت ابن عباس … الحديث. وهذا سند ضعيف، قال الدارقطني عقبه: (لم يسنده غير ابن لهيعة عن أخيه، وهما ضعيفان) وحكم عليه ابن حزم في \"المحلى\" (١٠/ ١٧٨) بأنه حديث موضوع.\n(^٣) \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٩٥).\n(^٤) انظر: \"النهاية\" (١/ ٣٢٩).","vol":"7","page":21},{"text":"• الوجه الحادي والعشرون: اختلف العلماء في حكم بيع الوقف على ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه لا يجوز بيع الوقف بحال، وهذا قول مالك والشافعي (^١)، واستدلوا بعموم هذا الحديث.\nالثاني: أنه يجوز بيعه والرجوع فيه، وهذا قول أبي حنيفة، وهو قول ضعيف لا يعول عليه، قال أبو يوسف: لو بلغ أبا حنيفة هذا الحديث لقال به، ورجع عن بيع الوقف (^٢).\nالقول الثالث: أنه لا يجوز بيع الوقف ولا إبداله إلا إذا تعطلت منافعه بالكلية، ولم يمكن الانتفاع به ولا تعميره وإصلاحه؛ كدار انهدمت، أو أرض عادت مواتًا ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، أو ضاق بأهله ولم تمكن توسعته في موضعه، أو مَتْجرٍ قَلَّ العائد منه، ونحو ذلك.\nوهذا قول الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣) وتلميذه ابن القيم (^٤). واستدلوا بما روي أن عمر - ﵁ - كتب إلى سعد لما بلغه أنه قد نُقِبَ بيت المال الذي في الكوفة: (أن انقل المسجد الذي بالتمَّارين، واجعل بيت المال في قبلته، فإنه لن يزال في المسجد مصلٍّ) (^٥). وكان هذا بمشهد من الصحابة -﵃- ولم يظهر خلافه فكان إجماعًا.\n_________\n(^١) \"الكافي\" (٢/ ١٠١٢)، \"المهذب\" (١/ ٥٧٨).\n(^٢) \"الهداية\" (٣/ ١٣)، \"فتح الباري\" (٥/ ٤٠٣).\n(^٣) \"المغني\" (٨/ ٢٢١)، \"الفتاوى\" (٣٠/ ٤٠٤) (٣١/ ٢٠٦، ٢١٢، ٢٢٠، ٢٥٢ - ٢٥٣).\n(^٤) \"بدائع الفوائد\" (٣/ ١٢٧ - ١٢٨).\n(^٥) أخرجه أحمد، كما في \"الفتاوى\" (٣٠/ ٤٠٥)، والطبراني في \"الكبير\" (٩/ ٢١٦) من طريق المسعودي، عن القاسم، قال: (لما قدم عبد الله بن مسعود إلى بيت المال … الحديث)، وإسناده جيد إلى القاسم، والقاسم لم يسمع من جده عبد الله بن مسعود، بل روى عنه مرسلًا، كما ذكر الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٢٨٨)، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الإمام أحمد احتج به، وساقه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٦/ ٢٧٥) وعزاه للطبراني فقط. وقوله: (نقب) بفتح النون والقاف أي: تخرق، وبضم النون وكسر القاف بمعنى سُرق.","vol":"7","page":22},{"text":"كما شبهه الإمام أحمد بالهدي الذي يَعْطَبُ قبل بلوغه مَحِلَّه، فإنه يذبح في الحال وتترك مراعاة المحل، لإفضائها إلى فوات الانتفاع بالكلية.\nوهذا أرجح الأقوال في المسألة؛ لأن بقاء العين الموقوفة بلا منفعة لا فائدة للواقف منه، وحرمان له من ثوابه، وإذا كان المقصود من الوقف الانتفاع على الدوام فإن ذلك يتم في عين أخرى.\nبل إن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى جواز بيع الوقف إذا كان بيعه أصلح وأنفع، كأن يكون إبداله بغيره أكثر ريعًا وأنفع للموقوف عليهم، وهذا رواية عن الإمام أحمد (^١).\nوحيث قلنا بجواز بيعه فإن الناظر لا يستقل ببيعه، ولا سيما في الصورة الأخيرة، بل يرفع الأمر إلى قاضي البلد، ليبعث من ينظر في الأمر، ويقرر أن هذا الوقف تعطلت منافعه أو قلَّت، ثم يباع ويصرف ثمنه في غيره مما يكون وقفًا، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"الفتاوى\" (٣١/ ٢١٩، ٢٢٩)، \"الاختيارات\" ص (١٨٢).","vol":"7","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-775>حكم وقف المنقول</span>\n٩٢٩/ ٣ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ. الْحَدِيثَ، وَفيهِ: \"وَأمَّا خَالِدٌ فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ في سَبِيلِ اللهِ\"، مُتَّفَق عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث تقدم تخريجه في كتاب \"البيوع\"، حيث إن الحافظ ساق طرفًا منه في باب (الوكالة) برقم (٨٨٦) وقد رواه البخاري (١٤٦٨)، ومسلم (٩٨٣) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: بعث رسول الله - ﷺ - عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، والعباس عَمُّ رسول الله - ﷺ -، وفيه: وأما خالد، فإنكم تظلمون خالدًا، قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله … الحديث، وتقدم سياقه بتمامه.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (وأما خالد، فإنكم تظلمون خالدًا) أي: تنقصونه حقه حيث تنسبونه إلى البخل بالزكاة، وأظهر اسمه في موضع الإضمار تفخيمًا لشأنه، وهو خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي، ابن أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي - ﷺ -، وهو أحد أشراف قريش في الجاهلية وشجعانهم، شهد معهم الحروب إلى الحديبية، ثم أسلم سنة سبع أو ثمان. وشهد مع رسول الله - ﷺ - غزوة مؤتة والفتح والطائف، وقاتل أهل الردة وفارس والروم، وفَتَحَ دمشق.","vol":"7","page":24},{"text":"مات سنة إحدى وعشرين في المدينة، وقيل: في حمص - ﵁ - (^١).\n\nقوله: (احتبس) أي: حبس، وتقدم أن التحبيس من ألفاظ الوقف، فالمعنى: أنه وضع أدراعه وأعتاده حبيسة لا يُتصرف فيها.\n\nقوله: (أدراعه) جمع درع، والدرع: قميص من حلقات من الحديد متشابكة يلبس للوقاية من السلاح، وتقدم ذلك في باب \"ضمان العارية\".\n\nقوله: (وأعتاده) جمع عَتَد -بفتح العبن- والعتاد: آلات الحرب من سلاح ودواب وغير ذلك.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز وقف المنقولات التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها؛ كالأدراع والأسلحة، ومثل ذلك الأواني والكتب والحيوان والأجهزة الكهربائية ونحوها، وأن الوقف لا يختص بالعقار. قال إبراهيم النخعي: (كانوا يحبسون الفرس والسلاح في سبيل الله) (^٢).\n\n• الوجه الرابع: مشروعية الدفاع عن المظلوم، وهو واجب لقوله - ﷺ -: \"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا\" (^٣).\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه ينبغي بيان حجة الدفاع لتقويته والطمأنينة إليها؛ لأن النبي - ﷺ - دافع عن خالد بن الوليد لما قيل: إنه منع الزكاة، وذلك لأنه - ﵁ - قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله تعالى، إما من الزكاة فيكون قد أداها، وإما تطوعًا، والمتطوع بالمال لا يمتنع من الواجب فيه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٣/ ١٦٣)، (الإصابة\" (٣/ ٧٠).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٢٥١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٤٤٣).","vol":"7","page":25},{"text":"<span data-type='title' id=toc-776>باب الهبة</span>\nفي بعض نسخ \"البلوغ\" المطبوعة، ونُسخ الشرح: \"باب الهبة والعمرى والرقبى\"، وفي الأصول المخطوطة الاقتصار على الأول.\nوالهبة: بكسر الهاء وفتح الباء، أصلها من هبوب الريح؛ أي: مروره، وهي مصدر وهب يَهَبُ هِبَةً، ووَهْبًا، ووَهَبًا -بإسكان الهاء وفتحها- وأصلها: وهْبة، فحذفت الواو من المصدر تبعًا للمضارع والأمر، وعوض عنها تاء التأنيث وجوبًا مثل: وعد يعد عدة، والاتهاب: قبول الهبة، والاستيهاب: سؤال الهبة.\nومعناها لغة: إيصال النفع إلى الغير بما ينفعه، سواء أكان مالًا أم غير مال.\nواصطلاحًا: تمليك في الحياة بلا عوض.\nوالتمليك: جعل الغير مالكًا للشيء، وهذا يخرج العارية فليس لها أحكام الهبة؛ لأن العارية إباحة العين لا تمليكها؛ لأنه ينتفع بها ويردها.\n\nوقولنا: (في الحياة) فيه بيان وقت الهبة وأنه حال الحياة، وهذا يخرج الوصية؛ لأن الوصية بعد الموت.\n\nوقولنا: (بلا عوض) أي: بلا مقابل، وهذا يخرج البيع؛ لأنه تمليك بعوض معلوم.\nوهذا التعريف خاص بالهبة المطلقة، وهي التي قُصِدَ بها التودد، أما هبة الثواب، وهي التي يقصد بها واهبها العوض والمكافأة عليها فستأتي في آخر الباب إن شاء الله تعالى.\nوقد ذكر جمهور الفقهاء أن الهبة والهدية والصدقة والعطية ذات معان متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بلا عوض، واسم العطية شامل لجميعها،","vol":"7","page":26},{"text":"وكذا الهبة غير أن هناك تغايرًا بين الصدقة والهبة والهدية، فإن كان المقصود ثواب الآخرة فهو صدقة، وإن كان المقصود نفع المتبرع له فهو هبة (^١)، ولذا كان النبي - ﷺ - يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة (^٢).\nوالهبة جائزة بالنص والإجماع، لما فيها من المصالح، كما سيأتي -إن شاء الله- إلا إذا اقترن بها محذور شرعي، كما لو جاءت على هيئة رشوة لقاضٍ أو موظف أو معلم، ونحو ذلك، فإنه يحرم دفعها وقبولها، ويجب ردها، ومن القواعد الفقهية المقررة: (ما حَرُمَ على الآخذ أخذه، حَرُمَ على المعطي إعطاؤه) (^٣)، ومن ذلك هبة بعض الأولاد دون بعض، كما سيأتي إن شاء الله.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"المغني\" (٨/ ٢٤١)، \"المطلع\" ص (٢٩١).\n(^٢) سيأتي -إن شاء الله- ما يدل على ذلك، وانظر: \"فتح الباري (٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤).\n(^٣) انظر: \"المنثور في القواعد\" للزركشي (٣/ ١٤٠).","vol":"7","page":27},{"text":"<span data-type='title' id=toc-777>النهي عن تفضيل بعض الأولاد في الهبة</span>\n٩٣٠/ ١ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - ﵄ - أَنَّ أَبَاهُ أتَى بِهِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَال: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هذَا غُلَامًا كانَ لِي، فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هذَا؟ \"، فَقَال: لَا، فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"فَارْجِعْهُ\".\nوَفي لَفْظٍ: فَانْطَلَقَ أَبِي إِلى النَّبيِّ - ﷺ - لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتي. فَقَال: \"أفَعَلْتَ هذَا بِوَلَدِكَ كلِّهِمْ؟ \"، قَال: لَا، قَال: \"اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَينَ أَوْلَادِكم\"، فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَال: \"فَاشْهِدْ عَلَى هذَا غَيرِي\"، ثُمَّ قَال: \"أيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ في الْبِرِّ سوَاءً؟ \" قَال: بَلَى، قَال: \"فَلَا إِذَنْ\".\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الهبة\"، باب (الهبة للولد) (٢٥٨٦)، ومسلم (١٦٢٣) (٩) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، ومحمد بن النعمان بن بشير، أنهما حدثاه عن النعمان بن بشير، أن أباه … وذكر الحديث.\nوأخرجه البخاري (٢٥٨٧)، ومسلم (١٦٢٣) (١٣) من طريق حصين، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير، قال: تصدق عليَّ أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله - ﷺ - فانطلق أبي إلى النبي - ﷺ - ليشهد على صدقتي، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"أفعلت هذا بولدك كلهم؟ \" … الحديث. واللفظ لمسلم.","vol":"7","page":28},{"text":"وأخرجه مسلم (١٦٢٣) (١٧) من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير، قال: انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، اشهد أني قد نحلت النعمان كذا وكذا من مالي، فقال: \"أكلَّ بنيك قد نحلت مثل ما نحلت النعمان؟ \" قال: لا. قال: \"فاشهد على هذا غيري … لحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أن أباه) هو أبو النعمان، بشير بن سعد الأنصاري الخزرجي - ﵁ -، شهد العقبة، ثم شهد بدرًا وما بعدها، ويقال: إنه أول أنصاري بايع أبا بكر الصديق - ﵁ - يوم السقيفة، استشهد مع خالد بن الوليد بعين التمر قرب الكوفة في خلافة أبي بكر - ﵁ - سنة اثنتي عشرة (^١).\nوأما ولده النعمان فقد تقدمت ترجمته في باب (صلاة الجمعة) عند الحديث (٤٥٨).\n\nقوله: (إني نَحَلْت) بفتح النون والمهملة؟ أي: أعطيت، يقال: نحلته أنْحَلُهُ نُحلًا بالضم: إذا أعطيته، والنِّحْلَةُ: بالكسر هي العطية، وعرَّفها علماء اللغة: بأنها العطية عن طيب نفس من غير عوض، وفرق الراغب بين الهبة والنحلة: بأن النحلة أخص من الهبة، إذ كل هبة نحلة، وليس كل نحلة هبة، ولذا سُمي الصداق نحلة، إذ لا يجب في مقابلته أكثر من التمتع دون عوض مالي، وكذا عطية الرجل ابنه (^٢).\n\nقوله: (ابني هذا) هو النعمان، وقد تضافرت الروايات أنه كان صغيرًا، فقد جاء في \"الصحيحين\" (^٣): (فأخذ بيدي وأنا غلام، فأتى بي النبي - ﷺ -)، وفي رواية مسلم المذكورة: (انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله - ﷺ -)، ويجمع بينهما بأنه أخذ بيده فمشى معه بعض الطريق، وحمله في بعضها؛\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٢/ ١٢)، \"الإصابة\" (١/ ٢٦٢).\n(^٢) \"المفردات\" ص (٤٨٥).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٢٦٥٠)، \"صحيح مسلم\" (١٦٢٣) (١٤).","vol":"7","page":29},{"text":"لصغر سنه، أو عبر عن استتباعه إياه بالحمل (^١).\n\nقوله: (غلامًا) الغلام تارة يراد به الصبي الصغير الذي هو دون البلوغ، وتارة يراد به الرقيق، وهو المراد هنا، ويطلق -أيضًا- على الأجير والخادم.\n\nقوله: (أكل ولدك نحلته) كلَّ: بالنصب مفعول لفعل محذوف يفسره المذكور، والمعنى: أأعطيت بقية أولادك كما أعطيت هذا؟ وهذا استفهام حقيقي للاستخبار، يطلب به الجواب، فلذا أجاب بشير بقوله: لا.\n\nقوله: (فارجعه) بهمزة الوصل؛ لأنه أمر من الثلاثي (رجع)، والضمير يعود على الغلام، والمعنى: ارتجع الغلام؛ لأنه سيوقع في المحذور من القطيعة والعقوق والبغضاء.\n\nقوله: (ليشهده على صدقتي) المراد بالصدقة: النحلة، وتقدم أنها بمعنى الهبة. وسبب هذا الإشهاد ما جاء في رواية البخاري عن النعمان قال: (سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله)، زاد مسلم من هذا الوجه: (فالتوى بها سنة؛ أي: مَطَلَها، ثم بدا له فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي - ﷺ - … الحديث) (^٢). وقد دلت هذه الرواية على أن أم النعمان، وهي عمرة بنت رواحة هي التي طلبت من بشير بعض الموهبة لابنها النعمان، وكان له أولاد من غير عمرة.\n\nقوله: (واعدلوا بين أولادكم) أي: بالتسوية بينهم في العطية والبر والإحسان.\n\nقوله: (فأشهد على هذا غيري) هذا أمر من (أشهد) الرباعي، وهمزته همزة قطع، والظاهر أنه أمر تهديد؛ لأن الرسول - ﷺ - امتنع من المباشرة لهذه الشهادة معللًا بأنها جور، كما جاء في الروايات الأخرى: \"لا تشهدني على جور\"، \"لا أشهد على جور\" وسياق الحديث يدل على ذلك.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢١٢).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٢٦٥٠)، \"صحيح مسلم\" (١٦٢٣) (١٤).","vol":"7","page":30},{"text":"قوله: (فلا إذن) أي: فلا تُفَاضِلْ بينهم في العطية. وقوله: (إذن) أي: إذا أردت أن يكونوا لك في البر سواء؛ لأنك إن فاضلت فلن يكونوا كذلك.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب العدل بين الأولاد في العطية وتحريم التفضيل بينهم؛ لأن الرسول - ﷺ - أنكر على بشير تصرفه هذا، وسماه جورًا، وأمر برده، وامتنع عن الشهادة عليه، والجور حرام، والأمر يقتضي الوجوب.\nوهذا مذهب الإمام أحمد وإسحاق، وحكاه ابن حزم عن جمهور السلف، واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز (^١).\nالقول الثاني: أن المساواة مستحبة وليست بواجبة، والتفضيل مكروه، وهذا مذهب الجمهور، فيجوز التفضيل، واستدلوا بحديث عائشة - ﵂ -، قالت: (إن أبا بكر الصديق - ﵁ - نحلها جادَّ عشرين وسقًا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة، قال: والله يا بُنية ما منَ الناس أحد أحب إليَّ غنى بعدي منك، ولا أعز عليَّ فقرًا بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقًا، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هو أخوك وأختاك، فاقتسموه على كتاب الله …) الحديث (^٢).\nكما استدلوا بحديث النعمان هذا، لقوله: \"أشهد على هذا غيري\" فإنها تقتضي إباحة إشهاد الغير، ولا يباح الإشهاد إلا على أمر جائز، ويكون امتناع الرسول - ﷺ - عن الشهادة على وجه التنزه.\nوأجابوا عن حديث الباب بأجوبة عشرة ذكرها الحافظ، وكلها غير ناهضة؛ كقولهم: إن الموهوب للنعمان كان جميع مال والده، فلذلك منعه\n_________\n(^١) \"المغني\" (٨/ ٢٥٦)، \"المحلى\" (٩/ ١٤٢).\n(^٢) أخرجه مالك (٢/ ٧٥٢)، والبيهقي (٦/ ١٧٠ - ١٧٨)، قال في \"الإرواء\" (٦/ ٦١): (سنده صحيح على شرط الشيخين) وقوله: (جادَّ عشرين وسقًا) الجاد: بمعنى المجدود؛ أي: المقطوع، والمعنى: أعطاها نخلًا يجد منه عشرون وسقًا، والغابة: موضع على بريد من المدينة في طريق الشام.","vol":"7","page":31},{"text":"النبي - ﷺ -، ولا حجة فيه على منع التفضيل، حكاه ابن عبد البر عن مالك، وَرُدَّ هذا بأن طرق الحديث مصرحة بالبعضية، ومنها رواية مسلم، قال: \"تصدق عليَّ أبي ببعض ماله\".\nومنها: أن العطية المذكورة غير منجزة، وإنما جاء بشير يستشير النبي - ﷺ -، فأشار عليه بألا يفعل، فترك، حكاه الطبري، ورد هذا بأن قوله: \"فارجعه\" يشعر بالتنجيز (^١).\nوالقول الأول أرجح، لقوة مأخذه، فإن الحديث نص واضح في التحريم، فإنه قال: \"اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم\" والأمر يقتضي الوجوب، ولأن تفضيل بعضهم على بعض ذريعة واضحة إلى حصول القطيعة والعقوق من المفضَّل عليهم لأبيهم، كما أنه سبب لعداوتهم لإخوانهم المفضَّلين، وهذا مشاهد عيانًا، وقد روى ابن أبي شيبة، عن إبراهيم النخعي أنه قال: (كانوا يستحبون أن يعدل الرجل بين ولده حتى في القُبَلِ) (^٢).\nوأما استدلال أصحاب القول الثاني بقصة عائشة - ﵂ - فلا يعارض فعل أبي بكر - ﵁ - قول النبي - ﷺ -؛ لأنه فعل صحابي عارض نصًّا، فلا يقبل كما في الأصول، ثم إنه يتطرق إليه احتمالات عديدة يسقط معها الاستدلال به، ومنها: أنه خصها لحاجتها وعجزها مع اختصاصها بالفضل وكونها أم المؤمنين، أو نحلها ونحل غيرها، أو نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها فأدركه الموت، ولا بد من حمله على أحد هذه الوجوه؛ لأن حمله على مثل محل النزاع منهي عنه، وأقل أحواله الكراهة، والظاهر من حال أبي بكر - ﵁ - اجتناب المكروهات (^٣).\nوأما الاستدلال برواية: \"فأشهد على هذا غيري\" فليس بقوي؛ لأن هذه الصيغة وإن كان ظاهرها الإذن، إلا أنها مشعرة بالتوبيخ والتنفير الشديد عن\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٩/ ١٤٥)، \"فتح الباري\" (٥/ ٢١٤).\n(^٢) \"المصنَّف\" (١١/ ٢٢١).\n(^٣) \"الشرح الكبير\" (١٧/ ٦٥).","vol":"7","page":32},{"text":"ذلك الفعل، حيث امتنع الرسول - ﷺ - من المباشرة لهذه الشهادة معللًا بأنها جور، فكيف يأذن لغيره بان يشهد على الجور والظلم، وبقية ألفاظ الحديث تفيد هذا، ثم إن بشيرًا لو فهم الإذن من هذه الصيغة لامتثل أمر الرسول - ﷺ - وذهب لإشهاد غير النبي - ﷺ - ولم يَرُدَّ العطية.\n\n• الوجه الرابع: ظاهر الحديث المنع من التفضيل أو التخصيص على كل حال؛ لأن النبي - ﷺ - لم يستفصل بشيرًا في عطيته، ولأن المعنى موجود وهو حصول القطيعة والعقوق والبغضاء، وهذا قول في مذهب الحنابلة، وهو قول ابن حزم (^١).\nوذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى جواز التفضيل إذا وجد سبب يقتضيه، كأن يخص بعضهم لحاجة، أو زَمَانَةٍ، أو عمى، أو كثرة عيال، أو لاشتغال بطلب العلم، ويمنع بعض ولده لفسقه، أو لكونه يستعين بما يأخذ على معصية الله.\nوقد اختار ابن قدامة وابن تيمية هذه الرواية، وقواها صاحب \"الإنصاف\"، واختارها الشيخ محمد بن إبراهيم (^٢).\nواحتجوا بما تقدم في قصة عائشة - ﵂ -، ولأن بعض هؤلاء اختص بمعنى يقتضي العطية، فجاز أن يخص بها كما لو اختص بالقرابة.\nوالذي يظهر لي -والله أعلم- أنه لا يجوز التفضيل لأي سبب، لقوة دليل هذا القول، فإن وجد سبب للتفضيل فإنه يكون من باب النفقة على هذا العاجز لمرض أو كثرة عيال أو نحو ذلك، لوجوب الإنفاق عليه، فإن أراد زيادة أستاذن البقية.\n\n• الوجه الخامس: اختلف العلماء في كيفية التسوية بين الأولاد في العطية على قولين:\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٩/ ١٤٢). \"المغني\" (٨/ ٢٥٨).\n(^٢) \"المغني\" (٨/ ٢٥٨)، \"الفتاوى\" (٣١/ ٢٩٥)،، الإنصاف\" (٧/ ١٣٩)، \"فتاوى ابن إبراهيم\" (٩/ ٢١٣).","vol":"7","page":33},{"text":"الأول: أن الذكر والأنثى سواء، فيُعطَى الأنثى مثل ما يُعطَى الذكر لا فرق بينهما، وهذا مذهب الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة، ورواية عن الإمام أحمد (^١)، واستدلوا بظاهر الحديث وهو قوله: \"سوِّ بينهم\"، ولحديث ابن عباس - ﵄ -: \"سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلًا أحدًا لفضلت النساء\" (^٢).\nالقول الثاني: أن المساواة على قدر إرثهم، فيعطى الذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا قول الإمام أحمد في المشهور عنه، وإسحاق، وبعض الشافعية، وبعض المالكية، واختاره ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد العزيز بن باز (^٣).\nواحتجوا بأن ما أُعطي هذا الموهوب هو حظه من مال الواهب إذا مات، وهذا فيه اقتداء بقسمة الله تعالى؛ لأن العطية في الحياة أحد حالي العطية، فيكون الإعطاء على هيئة الميراث هو العدل.\nوهذا القول هو الراجح، لقوة دليله، ولأن الذكر أحوج من الأنثى، ذلك أنهما إذا تزوجا جميعًا فالصداق والنفقة ونفقة الأولاد كلها على الذكر، والأنثى لها ذلك، فكان أولى بالتفضيل لزيادة حاجته.\nقال ابن القيم: (عطية الأولاد المشروع أن تكون على قدر مواريثهم؛\n_________\n(^١) \"المبسوط\" (١٢/ ٥٦)، \"المدونة\" (٣/ ١٦١٧)، \"المهذب\" (١/ ٤٥٣)، \"الإنصاف\" (٧/ ١٣٦).\n(^٢) أخرجه ابن عدي (٣/ ٣٨٠)، والبيهقي (٦/ ١٧٧)، والخطيب في تاريخه (١١/ ١٠٨) من طريق سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله - ﷺ -، وحسنه الحافظ في \"فتح الباري\" (٥/ ٢١٤) مع أن في إسناده سعيد بن يوسف الرحبي، وهو متفق على ضعفه، لكن يبدو أن الحافظ اعتمد في تحسينه على كون ابن حبان ذكره في \"الثقات\"، كما قال الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٦٧)، وقد ساق ابن عدي في \"الكامل\" الحديث واعتبره مما أنكر عليه، ثم إن يحيى بن أبي كثير مدلس، كما قال النسائي وجماعة، وقد روى عن عكرمة بالعنعنة.\n(^٣) \"روضة الطالبين\" (٥/ ٣٧٩)، \"فتح الباري\" (٥/ ٢١٤)، \"الاختيارات\" ص (١٨٤)، \"الإنصاف\" (٧/ ١٢٦)، \"فتاوى ابن إبراهيم\" (٩/ ٢١٢)، \"فتاوى ابن باز\" (٢٠/ ٤٧).","vol":"7","page":34},{"text":"لأن الله تعالى منع ما يؤدي إلى قطيعة الرحم، والتسوية بين الذكر والأنثى مخالفة لما وضعه الشرع من التفضيل، فيفضي ذلك إلى العداوة، ولأن الشرع أعلم بمصالحنا، فلو لم يكن الأصلح التفضيل بين الذكر والأنثى لما شرعه الله، ولأن حاجة الذكر إلى المال أعظم من حاجة الأنثى …) (^١).\nوأما حديث النعمان فهو حكاية حال لا عموم لها، ولا نعلم حال أولاد بشير - ﵁ - هل فيهم أنثى أو لا؟ ثم قد تحمل التسوية على القسمة على كتاب الله تعالى، أو أن المراد بالتسوية في أصل العطاء؛ أي: يعطي الجميع، لا في صفة العطاء.\nوأما حديث ابن عباس فهو حديث ضعيف لا يحتج به في مقابل الأحاديث الصحيحة، وأما تحسين الحافظ لإسناده فليس في محله، فإن سعيد بن يوسف الرحبي متفق على ضعفه، كما تقدم.\nلكن لو أعطى بعضهم شيئًا يحتاجه، والثاني لا يحتاجه، مثل أن يحتاج بعض الأولاد إلى أدوات مدرسية، أو يحتاج إلى علاج، أو زواج، فلا بأس أن يخصه بما يحتاج إليه؛ لأن هذا من أجل الحاجة، فأشبه نفقة الطعام والشراب والكساء والمسكن (^٢).\nوأما انفراد أحد الأولاد بالبر والعطف على والديه فلا يعد سببًا لتخصيصه بالعطية من أجل بره؛ لأن المتميز بالبر لا يجوز أن يعطى عوضًا عن بره؛ لأن أجره على الله، ولأن تمييز البار بالعطية قد يؤدي إلى أن يُعجب ببره ويرى أن له فضلًا، وقد يَنْفِرُ الآخر ويستمر في عقوقه، ثم إن القلوب بيد الله تعالى يقلبها كيف يشاء، فقد تتغير الأحوال ويصير البار عاقًا والعاق بارًا (^٣).\nوإن أعطى ولده من أجل عمله في تجارة أبيه أو زراعته أو صناعته فلا بأس، إذا كان الابن قد نوى الرجوع على أبيه ولم ينو التبرع؛ لأن هذا ليس\n_________\n(^١) \"بدائع الفوائد\" (٣/ ١٥٦).\n(^٢) انظر: \"الاختيارات\" ص (١٨٥).\n(^٣) انظر: \"حقوق دعت إليها الفطرة\" لابن عثيمين ص (١٧).","vol":"7","page":35},{"text":"من باب التخصيص، وإنما هو من باب الإجارة مقابل عمله، وليس في هذا ظلم لبقية الأولاد؟ لأنهم لم يقوموا بمثل ما قام به مما كان له أثر في تجارة والدهم (^١).\n\n• الوجه السادس: الأم كالأب في وجوب التسوية بين الأولاد في العطية (^٢)، وعدم جواز التفضيل، لأمرين:\nالأول: عموم قوله - ﷺ -: \"اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم\"، ولأن الأم أحد الوالدين.\nالثاني: أن ما يحصل بتخصيص الأب بعض أولاده من الحسد والعداوة والعقوق يوجد مثله في تخصيص الأم بعض ولدها.\n\n• الوجه السابع: اشتمل الحديث على فوائد كثيرة، منها:\n١ - مشروعية استفصال الحاكم والمفتي عما يحتمل الاستفصال، لقوله في إحدى الروايات: \"ألك ولد غيره\" قال: نعم، قال: \"أفكلهم أعطيت مثله؟! قال: لا، قال: \"لا أشهد\".\n٢ - أن ما وقع من الأحكام على خلاف الشرع فإنه يبطل ولا يجوز تنفيذه.\n٣ - وجوب المبادرة إلى قبول الحق من غير تأخير ولا حرج في النفس.\n٤ - أنه ينبغي الرجوع في المعاملات ونحوها إلى العلماء.\n٥ - مشروعية الاشهاد على الهبة والاحتياط في العقود بشهادة الأفضل والأكبر، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"فتاوى ابن إبراهيم\" (٩/ ٢١٤ - ٢١٥)، \"فتاوى ابن باز\" (٢٠/ ٥٢ - ٥٣).\n(^٢) انظر: \"روضة الطالبين\" (٥/ ٣٧٩) \"الشرح الكبير\" (١٧/ ٦٧).","vol":"7","page":36},{"text":"<span data-type='title' id=toc-778>تحريم الرجوع في الهبة</span>\n٩٣١/ ٢ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَال: قَال النَّبي - ﷺ -: \"الْعَائِدُ في هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيئِهِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيه.\nوَفي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: \"لَيسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجعُ في قَيئِهِ\".\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الهبة\"، باب (هبة الرجل لامرأته، والمرأة لزوجها) (٢٥٨٩)، ومسلم (١٦٢٢) (٩) من طريق وهب، حدثنا ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس - ﵄ -، به مرفوعًا.\nورواه البخاري في باب (لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته) (٢٦٢٢) من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليس لنا مثل السوء\" … الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (العائد في هبته) أي: الراجع في الهبة التي أعطاها، وهذا هو المشبه.\n\nقوله: (كالكلب يقيء) هذا هو المشبه به، والقيء: بفتح فسكون، مصدر قاء: إذا أخرج ما بداخله.\n\nقوله: (ثم يعود في قيئه) أي: ما تقيأه، من إطلاق المصدر على اسم المفعول؛ أي: يعود يأكل في قيئه، وفي رواية لهما: \"كالكلب يقيء ثم يعود","vol":"7","page":37},{"text":"فيه فَيأكله\"، وعند أبي داود والنسائي: \"مثل الذي يسترد ما وهب كمثل الكلب يقيء فيأكل قيئه\" (^١).\nوالغرض من هذا التشبيه: تقبيح حال المشبه -وهو العائد في هبته- والتنفير منه، بتصويره للسامع بصورة قبيحة، وذلك بإلحاقه بمشبه به تستقذره النفس وتنفر منه.\n\nقوله: (ليس لنا مثل السوء) أي: لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتصف بصفة ذميمة شابهنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحواله. قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] والمثل: بمعنى الصفة.\nوالسوء: بفتح السين بمعنى السُّوأى، وبضم السين مقصورًا كطوبى؛ أي: الصفة القبيحة، فهو من إضافة الموصوف لصفته.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم العودة في الهبة؛ لأن هذا من لؤم الطبع والدناءة، إذ إن الرجوع دليل على تعلق قلب الواهب بما وهب، وأنه لم يُعْطِ ذلك من نفس سمحة.\nووجه الدلالة: أنه عُرِفَ من الشرع أن مثل هذا الأسلوب يراد به الزجر الشديد والتنفير من الفعل. قال ابن دقيق العيد: (وقد ورد التشديد في التشبيه من وجهين:\nأحدهما: تشبيه الراجع بالكلب.\nالثاني: تشبيه الرجوع فيه بالقيء) (^٢).\n\n• الوجه الرابع: اختلف العلماء في حكم الرجوع في الهبة على قولين:\nالأول: تحريم الرجوع في الهبة، وهذا مذهب جماهير أهل العلم، لهذا الحديث، كما تقدم، واستثنوا هبة الوالد لولده جمعًا بين هذا الحديث وحديث النعمان المتقدم، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (٣٥٤٠)،، سنن النسائي\" (٦/ ٢٦٦).\n(^٢) \"إحكام الأحكام\" (٤/ ١٣٧).","vol":"7","page":38},{"text":"قال البخاري: (بابٌ لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته)، قال الحافظ: (هكذا بتَّ في الحكم في هذه المسألة، لقوة الدليل عنده فيها) (^١)، وقال: (لا فرق في الحكم بين الهدية والهبة، وأما الصدقة فاتفقوا على أنه لا يجوز الرجوع فيها بعد القبض).\nكما استدلوا بحديث ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا: \"لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده\"، وسيأتي تخريجه والكلام عليه بعد هذا الحديث.\nوالقول الثاني: جواز الرجوع في الهبة إذا كانت لأجنبي، ولا يجوز إذا كانت لذي رحم، أو اقترن بها ما يمنع الرجوع كأن يعوضه عنها، أو تزيد زيادة متصلة كالسِّمَنِ، أو يموت أحد المتعاقدين ونحو ذلك، وهذا مذهب أبي حنيفة (^٢).\nواستدلوا بقوله - ﷺ -: \"الواهب أحق بهبته ما لم يُثَبْ منها\"، ومعنى (ما لم يثب): ما لم يعوض، قالوا: فأثبت للواهب الأحقية، ومعناها الرجوع.\nوأما ذو الرحم فلا يجوز الرجوع في هبته؛ لأن هذا من صلته، ففرقوا بين الأجنبي والرحم، بأن هبة القريب صلة، والصلة لا يجوز قطعها، وهبة الأجنبي تبرع، له أن يمضيه أو لا يمضيه.\nوأجابوا عن حديث الباب بأن المراد به التغليظ في الكراهة وليس التحريم؛ لأن الكلب غير متعبد، فالأكل من قيئه ليس حرامًا عليه، فيكون التشبيه وقع في أمر مكروه في الطبيعة لتئبت به الكراهة في الشريعة (^٣).\nوكذا أجابوا عن حديث: \"لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية … \" بأن المراد به التغليظ في الكراهية؛ كقوله: \"لا تحل الصدقة لغني\" فإنه لا يستلزم التحريم، وإنما معناه: لا تحل له من حيث تحل لغيره من دون الحاجة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٣٥).\n(^٢) \"تكملة فتح القدير\" (٩/ ٣٩).\n(^٣) \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٧٧ - ٧٨).","vol":"7","page":39},{"text":"والصواب القول الأول، فإن الرجوع مع كونه مصادمًا للسنة فهو فاسد؛ لأن الموهوب له حين قبض العين الموهوبة دخلت في ملكه وجاز له التصرف فيها، فرجوع الواهب فيها انتزاع لملكه منه بغير رضاه، وهذا باطل عقلًا وشرعًا (^١).\nوأما حمل أصحاب القول الثاني حديث الباب على الكراهة، فهو مردود من وجهين:\nالأول: أنه تأويل مستبعد يرده سياق الحديث.\nالثاني: أن عُرْفَ الشرع في مثل هذا الأسلوب يراد به المبالغة في الزجر الشديد، كما ورد النهي في الصلاة عن إقعاء الكلب، ونقر الغراب، والتفات الثعلب ونحو ذلك، ويؤيد التحريم حديث ابن عباس وابن عمر -﵃- الآتي.\nوأما حديثهم فهو ضعيف، وسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى- ولو ثبت لكان محمولًا على من وهب ليتعوض من هبته ويثاب عليها فلم يفعل المتهب، فللواهب الرجوع، كما سيأتي (^٢).\n\n• الوجه الخامس: تحريم الرجوع في الهبة محمول عند الجمهور على الهبة التي تم قبضها من المتهب، كما قال النووي وغيره (^٣)، قالوا: فالقيء في الحديث بمنزلة إقباض الهبة؛ لأن القيء يخرجه من بطنه، والهبة يخرجها الواهب من يد المتهب، فإذا عاد الواهب بعد الإقباض صار بمنزلة الكلب يعود في قيئه.\nأما إذا كانت الهبة لم تقبض فإنها غير لازمة -على القول الراجح في أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض- فيجوز الرجوع فيها (^٤).\n_________\n(^١) \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٣١٥).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (١١/ ٧١)، \"فتح الباري\" (٥/ ٢٣٥).\n(^٤) انظر: \"الإنصاف\" (٧/ ١٢٣).","vol":"7","page":40},{"text":"وظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية تحريم الرجوع ولو لم تقبض الهبة، لما في ذلك من إخلاف الوعد (^١)، والنبي - ﷺ - يقول: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الاختيارات\" ص (٣٣١)، \"جامع العلوم والحكم\" حديث (٤٨)، \"الفروع\" (٦/ ٤١٥)، \"الإنصاف\" (١١/ ١٥٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩)، وسيأتي شرحه في كتاب \"الجامع\" إن شاء الله تعالى.","vol":"7","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-779>جواز رجوع الوالد في هبته لولده</span>\n٩٣٢/ ٣ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ -، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُعْطِيَ الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا إلا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبّانَ، وَالْحَاكِمُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أحمد (٨/ ٤٢٧ - ٤٢٨)، وأبو داود في كتاب \"البيوع\"، باب (الرجوع في الهبة) (٣٥٣٩)، والترمذي (٢٣٧٧)، وابن حبان (١١/ ٥٢٤)، والحاكم (٢/ ٤٦) كلهم من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن طاوس، عن ابن عمر وابن عباس -﵃- مرفوعًا.\nوزادوا جميعًا إلا ابن ماجه: \"ومثل الذي يعطي العطية، ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل، حتى إذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه\".\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) والحديث رجاله ثقات رجال الشيخين، غير عمرو بن شعيب، فقد روى له أصحاب السنن، وهو صدوق (^١).\n\n• الوجه الثاني: في الحديث دليل على جواز رجوع الوالد في هبته لولده صغيرًا كان أم كبيرًا، ولأن الوالد له أن يتملك من مال ولده ما شاء، فلأن يسترد منه ما وهب له من باب أولى، وقد استدل الفقهاء على ذلك بقوله - ﷺ -:\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" للدارقطني (١٢/ ٤٤١).","vol":"7","page":42},{"text":"\"أنت ومالك لأبيك\" (^١). وهذا الرجوع يكون في حالتين:\nالأولى: إذا فضَّل بعض أولاده على بعض في الهبة، فيرجع في هبته لتلافي ما حصل من التفضيل وما يترتب عليه، لقول النبي - ﷺ - لبشير: \"أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ \" فقال: لا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"فارجع\" وتقدم ذلك، وهذا الرجوع واجب عليه، وهو أحد الطرق الثلاث للتعديل بين الأولاد إذا وقع التفضيل، فالطريق الأول: أخذ الهبة من أصلها إن لم يكن أعطى البقية شيئًا، والطريق الثاني: زيادة المفضول ليساوي الفاضل، أو إعطاؤه إن لم يكن أعطاه، والطريق الثالث: أخذ الزيادة من المفضَّل ليساوي البقية.\nالحالة الثانية: أن يكون الرجوع في الهبة في غير حالة التفضيل، فهذا يجوز، لكن بشرط ألا يؤدي إلى تفضيل بعض الأولاد على بعض، فلو أعطى كل واحد من أولاده عشرة آلاف ريال -مثلًا- ثم رجع على واحد منهم وأخذها منه، فالأصل جواز الرجوع، لكن في هذه الصورة لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى التفضيل.\n\n• الوجه الثالث: ذكر الفقهاء -﵏- أن رجوع الوالد في هبته لولده مشروط بما يلي:\n١ - أن تكون الهبة باقية في ملك الابن، فإن خرجت عن ملكه ببيع أو هبة أو وقف أو إرث أو غير ذلك من أنواع التصرف فلا رجوع للأب؛ لأنه إبطال لحق غيره.\n٢ - أن لا يتعلق بها حق للغير، كما لو رهنها الولد، أو أفلس وحُجِرَ عليه، فإن زال الرهن وفُكَّ الحجر فله الرجوع.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٢٩١)، والطحاوي في \"شرح المشكل\" (٤/ ٢٧٧)، وصححه البوصيري، كما في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ٢٠٢)، والحديث له طرق وشواهد لا تخلو من مقال، بعضها في \"العلل\" لابن أبي حاتم (١٣٩٩)، وانظر: \"الإرواء\" (٣/ ٣٢٣).","vol":"7","page":43},{"text":"٣ - ألا يتعلق بها رغبة الغير للولد، مثل أن يهب ولده مائة ألف ريال، فيرغب الناس فيه فيزوجوه، أو يعطوه دينًا، فهذا فيه أقوال لعل أرجحها التفصيل، وهو أن يرجع بقدر الزائد، ولا يرجع بقدر الدين أو الرغبة؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.\n٤ - ألا يسقط الأب حقه في الرجوع، كما لو قال وهبتك هذا المنزل أو هذه السيارة ولن أرجع فيها، لعموم: \"المسلمون على شروطهم\" (^١).\n٥ - ألا تزيد العين زيادة متصلة كالسِّمَنِ، وتعلم الصنعة، فإن زادت فقولان (^٢).\n\n• الوجه الرابع: اختلف العلماء في حكم رجوع الأم في عطية أولادها على قولين:\nالأول: أن لها الرجوع، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية، لكن قيدوه بكون الأب حيًّا، وهو المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة مطلقًا، واستدلوا بأن الأم أحد الأبوين، فتكون داخلة في عموم قوله - ﷺ -: \"اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم\"، وقوله: \"سووا بين أولادكم\"، وقد تقدم أن الرجوع في العطية قد يكون من طرق التسوية.\nالقول الثاني: ليس لها الرجوع، وهو رواية عند المالكية والشافعية والحنابلة، واستدلوا بأن هناك فرقًا بين الأم والأب، فإن الأب له أن يتملك من مال ولده ما شاء -كما تقدم- وله ولاية على ولده، ويحوز جميع المال في الميراث، والأم ليست كذلك (^٣).\nوالقول الأول وجيه؛ لقوة دليله، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المنتقى\" للباجي (٦/ ١١٧)، \"روضة الطالبين\" (٥/ ٣٨٠)، \"المغني\" (٨/ ٢٦٤)، \"الاختيارات\"ص (١٨٦)، والحديث تقدم تخريجه في باب \"الخيار\" من كتاب \"البيوع\".\n(^٢) \"المغني\" (٨/ ٢٦٤ - ٢٦٦).\n(^٣) انظر: \"المنتفى\" (٦/ ١٧٧)، \"روضة الطالبين\" (٥/ ٣٧٩)، \"المغني\" (٨/ ٢٦٢ - ٢٦٣)، \"نيل الأوطار\" (٦/ ١٣ - ١٤).","vol":"7","page":44},{"text":"<span data-type='title' id=toc-780>مشروعية قبول الهدية</span>\n٩٣٣/ ٤ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: كانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، ويثِيبُ عَلَيهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n٩٣٤/ ٥ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: وَهَبَ رَجُلٌ للنَّبِيِّ - ﷺ - ناقَةً، فَأَثابَهُ عَلَيْهَا، فَقَال: \"رَضِيتَ؟ \" قَال: لا، فَزَادَهُ، فَقَال: \"رَضِيتَ؟ قال: لَا، فَزَادَهُ، فَقَال: \"رَضِيتَ؟ \" قَال: نَعَمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحّحَهُ ابنُ حِبَّانَ.\n\n* الكلام عليها من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث عائشة - ﵂ - فقد أخرجه البخاري في كتاب \"الهبة\"، باب (المكافأة في الهبة) (٢٥٨٥) من طريق عيسى بن يونس، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ -.\nقال البخاري: (لم يذكر وكيع ومحاضر \"عن هشام عن أبيه عن عائشة\") وهذا فيه إشارة -كما قال الحافظ- إلى أن عيسى بن يونس تفرد بوصله عن هشام، ومثل هذا قال أبو داود والترمذي والبزار.\nوأما حديث ابن عباس - ﵄ - فقد أخرجه أحمد (٤/ ٤٢٤)، وابن حبان (١٤/ ٢٩٦) من طريق يونس بن محمد، حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس - ﵄ -. وتمامه: فقال رسول الله - ﷺ -: \"لقد هممت ألا أتَّهب هبة إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي \". وهذا إسناد صحيح، لكنه أُعل بالإرسال، فقد ذكر الدارقطني في \"العلل\" (٣٣/ ١١) هذا الإسناد الموصول، ثم ذكر أن سليمان بن حرب وأبا الربيع والقواريري رووه عن حماد، عن عمرو، عن طاوس عن النبي - ﷺ - مرسلًا، قال: (وهو الأصح)،","vol":"7","page":45},{"text":"ورواه عبد الرزاق (١٦٥٢١) عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، فذكره مرسلًا -أيضًا- ورواه ابن أبي شيبة (١٢/ ٢٠١) من طريق الحسن بن مسلم عن طاوس كذلك. ورواه البزار (١١/ ٣٢) من طريق ابن عيينة، عن عمرو، عن طاوس، عن النبي - ﷺ - مرسلًا (^١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: أهدى رجل من بني فزارة إلى النبي - ﷺ - ناقة من إبله التي كانوا أصابوا بالغابة، فعوضه منها بعض العوض فتسخط، فسمعت رسول الله - ﷺ - على المنبر يقول: \"إن رجالًا من العرب يهدي أحدهم الهدية، فأعوضه منها بقدر ما عندي، ثم يتسخطه، فيظل يتسخط فيه عليَّ، وايم الله لا أقبل بعد مقامي هذا من رجل من العرب هدية إلا من قرضي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي\" (^٢).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (كان يقبل) صيغة المضارع بعد الفعل (كان) تدل على كثرة التكرار والمداومة على الفعل، ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، وتقدم هذا في \"الطهارة\".\n\nقوله: (الهدية) بفتح الهاء وكسر الدال بعدها ياء مشددة ثم تاء التأنيث. قال في \"القاموس\": (الهدية كغنية: ما أُتحف به) (^٣). يقال: أهديت له وإليه، والتهادي: أن يهدي بعضهم إلى بعض، والجمع هدايا (^٤).\nوفي الاصطلاح الفقهي: دفع عين إلى شخص بقصد الإكرام أو التودد أو المكافأة.\nوكلمة (عين) تشمل المال والمتاع وغير ذلك، وتخرج المنفعة فليست بهدية على اصطلاح الفقهاء.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٣١٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٥٣٧)، والترمذي (٣٩٤٦)، وصححه الألباني في \"الصحيحة\" (١٦٨٤).\n(^٣) \"القاموس\" (٤/ ٤٩٤ ترتيبه).\n(^٤) \"اللسان\" (١٥/ ٣٥٧).","vol":"7","page":46},{"text":"وقولنا: (بقصد الإكرام) فيه بيان الحامل على الهدية، وهذا يخرج الرشوة، فإنه لا يقصد بها شيء من ذلك، وإنما يراد بها الإعانة على أمر لا يحل.\nوقد جرت عادة الفقهاء بذكر مباحث الهدية في باب \"الهبة\"؛ لأن الهدية نوع من الهبة، كما تقدم أول الباب.\n\nقوله: (ويثيب عليها) أي: يعطي المهدي بدلها، والمراد بالثواب المجازاة والمكافأة، وأقله ما يساوي قيمة الهدية.\n\nقوله: (لقد هممت ألا أتَّهب …) بتشديد التاء افتعال من الهبة؛ أي: ألا أقبل الهبة إلا من هؤلاء لقلة طمعهم. قال ابن الأثير: (لأنهم أصحاب مدن وقرى، وهم أعرف بمكارم الأخلاق، ولأن في أخلاق البادية جفاءً، وذهابًا عن المروءة، وطلبًا للزيادة) (^١).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية قبول الهدية وعدم ردها إلا لعذر شرعي؛ لأن هذا هو هدي النبي - ﷺ -، ولأن في قبول الهدية فوائد كثيرة، من امتثال السنة، وإرضاء المهدي، والنظر إلى هديته بعين الإكبار والتقدير، وفي رد الهدية مخالفة السنة، وكسر قلب المهدي، وإساءة إليه، والله تعالى يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]. وقد ورد عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"لو دُعيت إلى ذراع أو كُراع لأجبت، ولو أُهدي إليَّ ذراع أو كراع لقبلت\" (^٢). وعنه -أيضًا - ﵁ - قال: (كان رسول الله - ﷺ - إذا أُتي بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، وإن قيل: هدية، ضرب بيده - ﷺ - فأكل معهم) (^٣).\n\n• الوجه الرابع: لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية قبول الهدية، وإنما الخلاف في وجوب قبولها، على قولين:\n_________\n(^١) \"النهاية\" (٥/ ٢٣١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٥٦٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٥٧٦).","vol":"7","page":47},{"text":"الأول: أن قبولها غير واجب بل مستحب، وهذا مذهب الجمهور، من الحنفية والمالكية والشافعية، ورواية في مذهب الإمام أحمد، هي مقتضى قول أصحابه (^١).\nواستدلوا بما ورد في الأحاديث من قبول النبي - ﷺ - الهدية مما يدل على مشروعيته واستحبابه، ففيه السنة الفعلية، وهي لا تقتضي الوجوب.\nالقول الثاني: أن قبول الهدية واجب إذا كانت من غير مسألة ولا إشراف نفس، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وهو قول ابن حزم الظاهري (^٢).\nواستدلوا بما يلي:\n١ - حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين\" (^٣).\n٢ - حديث عمر - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يعطيني العطاء، فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال: \"خذه، إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك\" (^٤).\n٣ - حديث ابن عمر الآتي: \" … ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه\".\nوالقول بالوجوب قوي جدًّا -في نظري- لأمور ثلاثة:\n١ - لقوة أدلته.\n٢ - ما ورد عن النبي - ﷺ - من قبول الهدية يؤيد ذلك ويقويه.\n٣ - ما يترتب على ردها من المفاسد والمساوئ؛ لأن في ردِّ الهدية\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٦/ ١١٧)، \"التمهيد\" (٢١/ ١٨)، \"روضة الطالبين\" (٥/ ٣٦٥)، \"الإنصاف\" (٧/ ١٦٥).\n(^٢) \"المحلى\" (٩/ ١٥٢)، \"الإنصاف\" (٧/ ١٦٤).\n(^٣) أخرجه أحمد (٦/ ٣٨٩)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (١٥٧)، وابن أبي شيبة (٦/ ٥٥٥) وغيرهم، وإسناده جيد، فيه محمد بن سابق متكلم فيه، وأقل أحواله أن يكون حديثه من قبيل الحسن، قال الذهبي: (هو ثقة عندي) وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٤٧٣)، ومسلم (١٠٤٥)، وتقدم في آخر \"الزكاة\".","vol":"7","page":48},{"text":"بدون عذر إساءة إلى المهدي من كسر قلبه واحتقار هديته، وكونه تذهب به الظنون في سبب ردها، ولو قيل: بأن قبول الهدية مستحب استحبابًا مؤكدًا جمعًا بين الأدلة لما كان ذلك بعيدًا.\n\n• الوجه الخامس: ظاهر حديث الباب استحباب الإثابة على الهدية، وذهب بعض المالكية إلى وجوب المكافأة على الهدية إذا أطلق المهدي، وكان مثله ممن يطلب الثواب كالفقير للغني والمأمور للأمير، بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى، ووجه الاستدلال من الحديث:\n١ - مواظبة النبي - ﷺ - على إثابته للمهدي.\n٢ - أن الذي أهدى للنبي - ﷺ - قصد أن يُعطى أكثر مما أهدى، فلا أقل أن يعوض بنظير هديته، وهذا يفيد الوجوب.\nوالأول أظهر، فإن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب، ولو وقعت المواظبة؛ لأنه قد يقال: إنما فعله النبي - ﷺ - لما جبل عليه من مكارم الأخلاق، لا لوجوبه.\nومن الفقهاء من جعل الناس في الهدايا على ثلاث طبقات:\n١ - هدية الرجل إلى من هو دونه؛ كهدية المعلم لتلميذه، أو هدية الكبير للصغير، أو هدية الشيخ للطالب، فهذا إكرام وتحبب وصلة، ولا تقتضي الثواب والمكافأة بالمثل.\n٢ - هدية النظير لنظيره؛ كهدية الطالب لزميله والصديق لصديقه، وهذه لا تقتضي الثواب -أيضًا-؛ لأن الغالب فيها معنى التودد والتقرب.\n٣ - هدية الأدنى إلى الأعلى؛ كهدية الفقير للغني، وهذه تقتضي الثواب والمكافأة عليها بالمثل؛ لأن المعطي يقصد بهديته الرِّفْدَ والثواب (^١).\nفإن لم يستطع المهدي إليه أن يكافئ على الهدية فَلْيَدْعُ له بما يناسب المقام؛ لأن الدعاء نوع من المكافأة، وقد ورد عن ابن عمر - ﵁ -، قال:\n_________\n(^١) انظر: \"معالم السنن\" (٥/ ١٨٧).","vol":"7","page":49},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: \"من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى يعلم أن قد كافأتموه\" (^١).\nوظاهر قوله: \"فادعوا له\" أنه يدعوفي وجهه أو عند تقديم الهدية، ولأن هذا أبلغ في مكافأته، ويجوز أن يدعو له بظهر الغيب.\n\n• الوجه السادس: الحديث دليل على أنه لا حرج على من أثيب على هديته وأُعطي عليها مكافأة أن يقبل هذه المكافأة؛ لأن الرسول - ﷺ - كان يثيب على الهدية، والإثابة دليل على جواز قبولها.\n\n• الوجه السابع: ذكر العلماء بعض الموانع من قبول الهدية، وهي مأخوذة من عمومات الشريعة، ومنها ما يلي:\n١ - أن تكون الهدية محرمة لذاتها، كما لو أهدى له آلة لهو أو أهدى كتابًا فاسدًا أو أشرطة فاسدة، أو نحو ذلك، لعموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].\n٢ - أن تكون الهدية حقًّا للغير، كالمغصوب والمسروق ونحوهما، فإن كان المهدي إليه يعلم ذلك حرم عليه قبولها، لما فيه من الإقرار على التعدي على أموال الناس.\n٣ - أن يترتب على قبولها محذور شرعي؛ كالهدية للقاضي، أو الموظف، إذا كان يترتب على قبولها إحقاق باطل، أو إبطال حق، ومثله هدية الطالب للمدرس باعتباره مدرسًا.\n٤ - ومن موانع قبول الهدية: أن يحصل عند المهدي له أمر عارض يمنع من قبولها، كما رد النبي - ﷺ - هدية الصعب بن جثامة - ﵁ - لما أهدى الحمار\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥١٠٩)، والنسائي (٥/ ٨٢)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٢١٦)، وأحمد (٩/ ٢٦٦)، والحاكم (١/ ٤١٢) وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين) وسكت عنه الذهبي، وسيأتي شرحه في كتاب \"الجامع\" إن شاء الله تعالى.","vol":"7","page":50},{"text":"الوحشي، وقال: \"أما إنَّا لم نرده عليك إلا أنَّا حُرُمٌ\" (^١)، وذلك لأنه لا يجوز للمحرم أن يصيد في نسكه، مع أن الصيد مباح في الأصل. قال ابن بطال: (وفيه أنه لا يجوز قبول ما لا يحل من الهدية؛ لأن النبي - ﷺ - إنما رده عليه لأنه لا يحل له قتل الصيد وهو محرم، وكان الحمار حيًّا، فدلَّ هذا أن المهدي إذا كان معروفًا بكسب الحرام أو بالغصب أو الظلم، فإنه لا يجوز قبول هديته) (^٢). ولعل مراده إذا كان كل ماله حرامًا، وإلا فإن النبي - ﷺ - قبل من المرأة اليهودية لما أهدت له الشاة (^٣).\nوكذا لو علم المهدي له أن المهدي قصد بهديته أن يحصل على أكثر منها، وإن لم يُعْطَ أكثر منها فإنه يتسخط، فللمهدى له أن يتوقف في قبول هذه الهدية.\nوفائدة معرفة هذه الموانع بيانها للمهدي، لأجل أن يقتنع ولا يحزن إذا ردت هديته وبُيِّنَ له سبب الرد، مع أنه ينبغي لمن رَدَّ الهدية لسبب شرعي ألا يبخل على المهدي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان الحق، وألا يحمله تقديم الهدية إليه على أن يسكت أو يداهن إذا كان المهدي وقع في أمر محظور؛ لأن في الإنكار إبراء الذمة واستفادة المهدي، لئلا يقع فيما وقع فيه مرة أخرى، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٧٣)، ومسلم (١١٩٣). وتقدم في \"الحج\".\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٧/ ٩٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٦١٧)، ومسلم (٢١٩٠).","vol":"7","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-781>ما جاء في العمرى والرُّقْبَى</span>\n٩٣٥/ ٦ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَلمُسْلِمٍ: \"أَمْسِكُوا عَلَيكُمْ أَمْوَالكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِي لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيتًا وَلعَقِبِهِ\".\nوَفي لَفْظٍ: \"إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتي أَجَازَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَقُولَ: هيَ لَكَ وَلعَقِبِكَ، فَأمَّا إِذَا قَال: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرْجعُ إِلَى صَاحِبِهَا\".\nوَلأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائيِّ: \"لا تُرْقِبُوا، وَلا تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيئًا، أَوْ أُعْمِرَ شَيئًا، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ\".\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الهبة\"، باب (ما قيل في العُمرى والرُّقبى) (٢٦٢٥)، ومسلم (١٦٢٥) (٢٥) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر - ﵁ - مرفوعًا.\nورواية مسلم (١٦٢٥) (٢٦) جاءت من طريق أبي خيثمة، عن أبي الزبير، عن جابر - ﵁ - مرفوعًا.\nوالرواية الثانية له (١٦٢٥) (٢٣) من طريق معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر - ﵁ -. وزاد: (قال معمر: وكان الزهري يفتي به).\nورواه أبو داود (٣٥٥٦) والنسائي (٦/ ٢٧٣) من طريق سفيان، عن ابن","vol":"7","page":52},{"text":"جريج، عن عطاء، عن جابر - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تُرقبوا\" … الحديث.\nوالظاهر -والله أعلم- أن الحافظ قصد بهذه الروايات بعد اللفظ الأول الذي هو بمثابة القاعدة، بيان أن الرواية الأولى مطلقة، والثانية مقيِّدة لهذا الإطلاق، والرواية الثالثة فيها النهي عن العمرى والرقبى.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (العمرى) بضم العين وسكون الميم، وحكي ضمها، وحكي فتح العين وسكون الميم، مأخوذ من العمر.\nواصطلاحًا: أن يعطي الإنسان غيره دارًا -مثلًا- ويقول له: أعمرتك إياها؛ أي: أبحتها لك مدة عمرك. فالعمرى نوع من الهبة؛ لأنها توهب مدة عمر الموهوب له.\n\nقوله: (أمسكوا أموالكم ولا تفسدوها) هذا الأمر والنهي يراد به الإرشاد إلى الأصلح في حفظ أموالهم؛ لأن الإعمار يمنع المالك من التصرف فيما يملِّك رقبته آمادًا طويلة، لا سيما مع التأبيد.\nولا يصح حمله على التحريم لصحة الأحاديث المصرحة بالجواز، ولأن العمرى من أبواب البر والمعروف.\n\nقوله: (فإنه من أعْمَر عمرى) أي: قال لغيره -مثلًا-: أعمرتك هذه الدار، وهذا مطلق، لكنه مقيد بالرواية التي بعدها التي ذكر فيها العَقِبُ، لا سيما والراوي واحد، والقضية واحدة، فيحمل المطلق على المقيد، كما هو مقرر في الأصول.\n\nقوله: (ولعقبه) بفتح العين وسكون القاف: ذرية الإنسان ونسله وورثته الذين يأتون من بعده.\n\nقوله: (إنما العمرى التي أجاز رسول الله - ﷺ -) أي: أمضى جوازها على صفة الدوام، كما تقدم.\n\nقوله: (لا تُرقبوا) بضم التاء من أرقب الرباعي، يقال: أرقبه الدار:","vol":"7","page":53},{"text":"جعلها له رقبى. والرقبى: بضم الراء مأخوذة من المراقبة. قال ابن الأثير: (هو أن يقول الرجل للرجل: قد وهبت لك هذه الدار، فإن مِتَّ قبلي رجعتْ إليّ، وإن مِتُّ قبلك فهي لك، فكل منهما يرقب موت صاحبه ..) (^١).\nوهي نوع من الهبة -أيضًا- يعلق الرجوع فيها بموت الموهوب له، فالواهب يترقب وفاته، وهذا مأخذ اشتقاقها.\nوهذا النهي في قوله: \"لا ترقبوا ولا تعمروا\" يراد به إعلامهم أن العمرى هبة صحيحة يملكها الموهوب له هبة تامة، ولا تعود إلى الواهب أبدًا، فإذا علموا ذلك صاروا على بصيرة من أمرهم، فمن شاء أعمر، ومن شاء ترك، ولا يراد به التحريم، لصحة الأحاديث المصرحة بالجواز، كما تقدم.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية العمرى والرقبى، وأنها مُملِّكة لمن وهبت له، لقوله: \"العمرى لمن وهبت له\"، وهما نوعان من الهبة كانوا يتعاطونهما في الجاهلية، فكان الرجل يعطي الرجل الدار أو غيرها، ويقول: أعمرتك إياها، فكانوا يرقبون موت الموهوب له ليرجعوا في هبتهم، وقد يترتب على ذلك نزاع وعداوة، فجاء الشرع وأقر الهبة، وأبطل الرجوع.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من أُعْمِر عمرى فإنها تكون له مدة حياته ولذريته من بعده، ولا تعود إلى الواهب بحال، سواء كانت العمرى مؤبدة، كأن يقول: هذا الدار لك ولعقبك من بعدك، ونحوه مما يشعر بالتأبيد، أو كانت مطلقة، كأن يقول: أعمرتكها، لقوله: في رواية أبي الزبير، عن جابر: \"فإنه من أَعْمر عمرى فهي للذي أُعمرها حيًّا وميتًا ولعقبه\" فهذه الرواية مطلقة عن التأبيد لكنها مقيدة بالرواية التي بعدها: (إنما العمرى التي أجاز رسول الله - ﷺ - أن يقول: هي لك ولعقبك …)، وعلى هذا فلا ترجع إلى الواهب.\n\n• الوجه الخامس: اختلف العلماء فيما إذا شرط الواهب الرجوع في\n_________\n(^١) \"النهاية\" (٢/ ٢٤٩).","vol":"7","page":54},{"text":"هبته، كأن يقول: هذه الدار لك ما عشت فإذا مت رجعت إلي أو إلى ورثتي ونحو ذلك، على قولين:\nالأول: لزوم الهبة وصحة الشرط، فإذا مات المُعْمَرُ رجعت إلى المُعْمِرِ، وهذا قول مالك وداود، وجماعة من الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، ونسبه ابن حجر إلى أكثر العلماء (^١).\nواستدلوا برواية معمر، عن الزهري: (… فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها)، كما استدلوا بعموم: \"المسلمون على شروطهم\".\nوالقول الثاني: إلغاء الشرط ولزوم الهبة وتأبيدها، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو الأصج عند أكثر الشافعية، وقول أبي حنيفة (^٢)، واختاره الشوكاني (^٣).\nواستدلوا بأن الرجوع يشبه الرجوع في الهبة الذي ورد النهي عنه -كما تقدم- بل ورد في حديث ابن عباس - ﵄ -، أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"العمرى جائزة لمن أُعمرها، والرقبى جائزة لمن أُرقبها، والعائد في هبته كالعائد في قيئه\" (^٤).\nفالخلاصة أن العمرى لها ثلاث حالات:\nالأولى: أن يصرح المُعْمِرُ -بكسر الميم- بأنها للمعمَر -بفتحها- ولورثته، بأن يقول: هي لك ولعقبك، فهذه هبة محققة لا رجوع فيها، فيأخذها الوارث بعد موته.\nالثانية: أن يقتصر على أنها للمعمر مدة حياته، ويطلق فلا يتعرض لما بعد الموت، بأن يقول: أعمرتكها، وهذه كالتي قبلها.\n_________\n(^١) \"الاختيارات\" ص (١٨٤)، \"فتح الباري\" (٥/ ٢٣٩).\n(^٢) \"المغني\" (٨/ ٢٨٥).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (٦/ ١٨).\n(^٤) أخرجه النسائي (٦/ ٢٦٩ - ٢٧٠)، وصححه الألباني في \"صحيح سنن النسائي\" (٢/ ٧٨٩).","vol":"7","page":55},{"text":"الثالثة: أن يعمر ويشترط الرجوع، بأن يقول: هي لك ما عشت، فهذه فيها الخلاف.\n\n• الوجه السادس: إذا قال: سكنى هذا الدار لك، أو منحتك غلة هذا البستان، أو خدمة هذا العبد، فهي عارية، له الرجوع فيها متى شاء في حياته وبعد موته؛ لأنها من هبة المنافع، وهبة المنافع إنما تُستوفى شيئًا فشيئًا بمضي الزمان، فلا تلزم إلا في قدر ما قبض منها، والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-782>نهي المتصدق عن شراء صدقته</span>\n٩٣٦/ ٧ - عَنْ عُمَرَ - ﵁ - قَال: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُه، فَظنَنْتُ أنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ. فَسَألتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَال: \"لا تَبْتَعْهُ، وإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ\" الْحَدِيثَ. مُتَّفَق عَلَيه.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الهبة\"، باب (لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته) (٢٦٢٣)، ومسلم (١٦٢٥) من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، سمعت عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول: حملت على فرس في سبيل الله … الحديث. وفي آخره: \"فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه\" وهذا لفظ مسلم.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (حملت على فرس) أي: تصدقت به ووهبته لمن يقاتل عليه في سبيل الله، وليس المراد أنه وقف؛ إذ لو كان كذلك لما جاز له أن يبيعه، ثم إن قوله: \"العائد في هبته \" يدل على أنه تمليك وليس تحبيسًا.\n\nقوله: (على فرس) لفظ مسلم: (على فرس عتيق) والعتيق: هو النفيس الجواد السابق.\n\nقوله: (في سبيل الله) أي: في الجهاد، وليس المراد الوقف؛ لما تقدم.\n\nقوله: (فأضاعه صاحبه) أي: لم يحسن القيام عليه، بل قصر في خدمته ومؤنته.","vol":"7","page":57},{"text":"قوله: (فظننت أنه بائعه برُخص) بضم الراء وتسكين الخاء المعجمة؛ أي: بثمن قليل زهيد دون قيمته، وإنما ظن عمر - ﵁ - ذلك؛ لأنه هو الذي كان أعطاه إياه، فظن أنه سيسامحه في بعض الثمن، وحينئذ يكون ذلك رجوعًا في عين ما تصدق به في سبيل الله، ولهذا نهاه النبي - ﷺ - عن شرائه، وسماه عَوْدًا في الصدقة.\n\nقوله: (لا تبتعه) أي: لا تشتره، ولفظ الشراء هو لفظ البخاري.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على منع المتصدق من شراء صدقته، ووجه المنع أمران:\nالأول: أن الصدقة قد خرجت من المال لله تعالى، فلا ينبغي أن تتبعها نفس المتصدق ولا أن تتعلق بها.\nالثاني: أن المُتَصَدَّقَ عليه قد يحابيه ويسامحه في بعض الثمن، فيكون راجعًا ببعض صدقته.\nويلحق بالصدقة الكفارة والنذر وغيرهما من القربات، وهذا الحديث محمول على صدقة التطوع، بخلاف الزكاة المفروضة، فإنه لا يتصور الرجوع فيها حتى يكون الشراء مشبهًا للرجوع في الهبة، بخلاف صدقة التطوع فإنه يتصور الرجوع فيها، فكره ما يشبه الرجوع، وهو الشراء (^١).\n\n• الوجه الرابع: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن النهي عن شراء الصدقة محمول على كراهة التنزيه، قالوا: لأنه إذا اشتراها فقد ملكها ملكًا جديدًا بطريق آخر، إلا أنه لا يليق به أن يرجع في شيء أخرجه لله تعالى، فكان مكروهًا من هذا الوجه.\nوقال القرطبي وأهل الظاهر وجماعة: إن النهي للتحريم؛ لأنه ظاهر الحديث، ولأن هذا هو مقتضى التشبيه بالكلب، كما تقدم في الرجوع في الهبة (^٢).\n_________\n(^١) \"الإعلام، لابن الملقن (٧/ ٤٤٨)، \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٩٧).\n(^٢) \"الاستذكار\" (٩/ ٣٢٨)، \"المفهم\" (٤/ ٥٧٩ - ٥٨٠)، \"فتح الباري\" (٥/ ٢٣٦ - ٢٣٧).","vol":"7","page":58},{"text":"فعلى القول الأول لا يُفسخ البيع، لكن الأولى التنزه عن ذلك، وعلى القول الثاني يفسخ البيع؛ لأن النهي يقتضي الفساد.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على أن من حُمل على دابة بأن أُعطيها ليغزو عليها فإنها تكون ملكًا له إذا رجع من الغزو، كما يملك النفقة التي أُعطيها، إلا أن تكون الدابة عارية أو حبيسًا.\nووجه الاستدلال من الحديث: أن الرجل أراد بيع الفرس بعد الرجوع من الغزو، فهذا يدل على أنه ملكه، ولولا ذلك ما باعه (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٣/ ٤٢ - ٤٣).","vol":"7","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-783>ما جاء في استحباب الهدية وأثرها</span>\n٩٣٧/ ٨ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"تَهَادُوا تَحَابُّوا\"، رَوَاهُ الْبُخَاريُّ في \"الأَدَبِ الْمُفْرَدِ\"، وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.\n٩٣٨/ ٩ - وعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"تَهَادُوا، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تَسُلُّ السّخِيمَةَ\"، رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فقد أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٥٩٤)، وأبو يعلى (٦١٤٨)، وابن عدي (٤/ ١٠٤)، والبيهقي (٦/ ١٦٩) من طرق عن ضمام بن إسماعيل، قال: سمعت موسى بن وَرْدَان، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: … فذكره.\nوهذا سند حسن، كما قال الحافظ هنا، وفي \"التلخيص\" (^١). ضمام بن إسماعيل وشيخه موسى بن وردان فيهما كلام يسير، قال الحافظ في \"التقريب\" عن كل واحد منهما: (صدوق، ربما أخطأ).\nوأما حديث أنس - ﵁ - فقد أخرجه البزار \"مختصر زوائده\" (٢/ ٥٣٣)، والطبراني في \"الأوسط\" (٢/ ٣١٦) من طريق محمد بن معمر، حدثنا حميد بن حماد بن أبي خُوار، حدثنا عائذ بن شريح، قال: سمعت أنس بن مالك - ﵁ -، به مرفوعًا.\n_________\n(^١) (٣/ ٨٠).","vol":"7","page":60},{"text":"قال الطبراني: (لم يروه عن أنس إلا عائذٌ). وإسناده ضعيف كما قال الحافظ، حميد بن حماد قال عنه الحافظ في \"التقريب\": (لين الحديث)، وعائذ بن شريح ضعيف، ضعفه أبو حاتم (^١).\nوقد ورد في الباب أحاديث أخرى لا يخلو واحد منها من مقال، وبعضها يشتد ضعفه، ومن ذلك حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تهادوا؛ فإن الهدية تذهب وَغَرَ الصدور\" (^٢).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (تهادوا) بضم الدال، أمر من التهادي؛ أي: تبادلوا الهدايا بينكم، والتهادي: أن يهدي بعضهم إلى بعض، كما تقدم.\n\nقوله: (تحابوا) بضم الباء الموحدة مع التشديد؛ أي: تحصل بينكم المحبة والمودة والأُلفة، والمضارع مجزوم بحذف النون، لوقوعه في جواب الفعل الطلبي، وهو الأمر.\n\nقوله: (في الأدب المفرد) هو كتاب عظيم القدر، جليل الشأن، ألفه الإمام البخاري في الآداب والأخلاق، قال الحافظ ابن حجر: (يشتمل على حديث زائد عما في الصحيح، وفيه قليل من الآثار الموقوفة، وهو كثير الفائدة)، وقد شرحه الشيخ فضل الله الجيلاني (م ١٣٩٩ هـ) وهو مطبوع في مجلدين.\n\nقوله: (تَسُلُّ) بفتح التاء وضم السين، من باب (نصر) أي: تنزع وتخرج برفق وخفية. قال ابن فارس: (السين واللام أصل واحد، وهو مدُّ الشيء في\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٧/ ١٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢١٣٠)، وأحمد (١٥/ ١٤١) وسنده ضعيف، فيه أبو معشر، وهو نجيح بن عبد الرحمن السندي، وهو ضعيف من قبل حفظه، كما قال الترمذي، وقوله: (وَغَرَ) بالغين المفتوحة وسكونها، ويقال: وَحَرَ بالحاء المهملة، الغل والحرارة، وقيل: تجرُّع الغيظ والحقد.","vol":"7","page":61},{"text":"رفق وخفاء، ثم يُحمل عليه) (^١). وقال ابن الأثير: (يقال: سلَّ البعير وغيره في جوف الليل: إذا انتزعه من بين الإبل) (^٢).\n\nقوله: (السَّخِيمة) بفتح السين وكسر الخاء: هي الضغينة والحقد؛ أي: العداوة الثابتة في القلب.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب التهادي بين الناس؛ لأن الرسول - ﷺ - أمر بالهدية وحث عليها وبين فائدتها وغايتها، ومن ذلك:\n١ - أن الهدية تجلب المحبة، وتوثق عرى المودة؛ لأن النفس مجبولة على حب من أحسن إليها.\n٢ - أن الهدية فيها إدخال السرور على النفس، بما يحصل من فرح المهدي إليه بالهدية، وقد يوافق ذلك حاجته إليها، فتكون أكمل موقعًا في النفس، وفيها سرور المهدي بقبول هديته ووقوعها عند المهدي إليه الموقع الملائم.\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الهدية قد تكون أفضل من الصدقة؛ كالإهداء إلى الرسول - ﷺ - في حياته محبة له، ومثل الإهداء لقريب يصل به رحمه، وأخ له في الله (^٣).\n٣ - أن الهدية تذهب الحقد والعداوة بين المتعاديين، وتجعل بدله السرور والمودة في نفس المهدي إليه.\nيقول ابن العربي: إنما أذهبت الهدية الغيظ لوجوه منها:\n١ - أن القلب مشحون بمحبة المال والمنافع، فإذا وصل إليه شيء منها فرح بها وذهب من غمه بمقدار ما دخل عليه من سرور.\n٣ - أن الرجل إذا كان يجد للآخر شيئًا فرآه قد سمح له بماله دلَّه ذلك على إيثاره له على نفسه، فيميل إليه به.\n٤ - أنه يستدل به على أنه على ذِكْرٍ منه في المعروف (^٤).\n_________\n(^١) \"معجم مقاييس اللغة\" (٣/ ٥٩).\n(^٢) \"النهاية\" (٢/ ٣٩٢).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٣١/ ٢٦٩).\n(^٤) \"عارضة الأحوذي\" (٨/ ٢٩٣).","vol":"7","page":62},{"text":"وقد جاءت هذه المعاني في أحاديث كثيرة -كما تقدم- وتكلم لها الحكماء، ونطق بها الشعراء (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"بهجة المجالس\" لابن عبد البر (١/ ٢٨٠)، \"ربيع الأبرار\" (٤/ ٣٥٧) للزمخشري.","vol":"7","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-784>الحث على التهادي بين الجيران ولو بالقليل</span>\n٩٣٩/ ١٠ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيه.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الهبة وفضلها والتحريض عليها\" (٢٥٦٦)، ومسلم (١٠٣٠) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يا نساء المسلمات) منادى منصوب بالفتحة، وهو مضاف، والمسلمات مضاف إليه، من إضافة الموصوف إلى صفته؛ كمسجد الجامع (^١)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]. والقول بجواز إضافة الموصوف إلى صفته هو رأي الكوفيين والفراء، ومنع من ذلك البصريون، وأوَّلوا ما ورد من ذلك على حذف مضاف إليه غير الموجود، ويكون الموجود صفة له، والتقدير: يا نساءَ الأنفسِ المسلماتِ، أو يا نساء الطوائف المسلمات، ونحو ذلك مما فيه تكلف لا داعي له. والصواب الأول.\nويروى برفعهما على النداء والنعت؛ أي: يا أيها النساءُ المسلماتُ، ويجوز رفع الأول ونصب الثاني على المحل، مثل: يا زيدُ العاقلَ.\n_________\n(^١) انظر: \"إكمال المُعْلِم\" للقاضي عياض (٣/ ٥٦١).","vol":"7","page":64},{"text":"قوله: (لا تحقرن) بالحاء المهملة ساكنة وكسر القاف، من باب (ضرب) يقال: حقُر الشيء -بالضم- حقارة: هان قدره فلا يُعبأ به فهو حقير (^١).\n\nقوله: (جارة) مؤنث الجار، والمراد بجارتها: من تجاورها في بيت آخر من بيوت جيرانها، ويطلق على الضرة جارة تطهيرًا لها من الضرر.\n\nقوله: (لجارتها) الظاهر أن الجار والمجرور متعلق بمحذوف يفهم من السياق، تقديره: لا تحقرن جارة هدية مهداة لجارتها، وهذا النهي موجه للمهدية، بألا تستحقر ما تهديه بحيث يؤدي ذلك إلى ترك الإهداء، وموجه للمهداة إليها، فلا تستحقر ما يهدى إليها، ولو كان حقيرًا.\n\nقوله: (ولو فِرْسِنَ شاة) لو: للتقليل، وفرسن: خبر لكان المحذوفة مع اسمها، والفرسن: بكسر الفاء والسين المهملة بينهما راء ساكنة وآخره نون، هو ظلف الشاة، وهو عُظيم قليل اللحم، وهو للبعير موضع الحافر للفرس، ويطلق على الشاة مجازًا.\nوذكره من باب المبالغة في إهداء الشيء اليسير وقبوله، وليس المراد حقيقة الفرسن؛ لأنه لم تجر العادة بإهدائه.\n\n* الوجه الثالث: دل الحديث على استحباب التهادي بين الجيران؛ لأن الجيران قد يقع بينهم شيء من الأذى والوحشة بسبب الصبيان أو حالات الجوار، والإهداء من أسباب الألفة والتقارب وإزالة الوحشة كما تقدم.\nقال ابن عبد البر: (في هذا الحديث الحض على الصلة والهدية بقليل الشيء وكثيره، وفي ذلك دليل على بر الجار وحفظه؛ لأن من نُدبتَ إلى أن تهدي إليه وتصله فقد مُنعتَ من أذاه وأمرت ببره) (^٢).\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية قبول الهدية ولو قلّت لما في قبول القليل من استجلاب المودة وإذهاب الشحناء، والهدية إذا كانت يسيرة أدلُّ على المودة وأسهل على المهدي لاطراح التكلف.\n_________\n(^١) \"المصباح\" ص (١٤٣).\n(^٢) \"التمهيد\" (٤/ ٢٩٥).","vol":"7","page":65},{"text":"ولا ينبغي للمهدى إليه أن يستقل الهدية، فإن العدم أقل من ذلك، وقد يكون استقلالها سببًا في قطعها، وإذا تواصل القليل صار كثيرًا، ويكفي أن صاحب الهدية قد ذكرك وصرت على باله فأهدى إليك.\nثم إن قبول الهدية ولو قَلَّتْ فيه دليل على التأسي بالنبي - ﷺ - الذي قال: \"لو أُهدي إلي ذراع أو كُراع لقبلت\" (^١). كما أن فيه دليلًا على قناعة الإنسان وعدم احتقاره الشيء القليل الذي يأتي من غيره، وفيه دليل -أيضًا- على رفع الكلفة بين الناس؛ لأن القليل قد يثقل كاهل المهدي، ولا يتيسر له الكثير في كل وقت.\n\n* الوجه الخامس: أنه لا ينبغي للمسلم أن يمتنع عن الإهداء بسبب استصغار ما في يده، وهذه الصفة تظهر عند النساء بكثرة، فعلى المسلم أن يعود أهله على الإهداء ولو كان قليلًا.\n\n* الوجه السادس: إذا كانت المرأة هي المسؤولة في البيت وهي صاحبة المال فلا إشكال في نوع أو قدر الهدية التي تقدمها للجيران؛ لأن المال مالها، فإن كان فوقها أحد من أب أو زوج فإنها لا تهدي إلا ما جرت العادة بإهدائه؛ كقليل الطعام أو الفاكهة أو التمر ونحو ذلك، ولا يحتاج ذلك إلى استئذان، إلا أن يمنعها من ذلك، أو تعلم منه الشح فلا يجوز إلا بإذنه.\n\n* الوجه السابع: الحديث دليل على جواز المبالغة في الكلام إذا ناسب مقتضى الحال، ووجه ذلك أنه لم تجر العادة بإهداء فرسن الشاة -كما تقدم- ولكنه ذكر على سبيل المبالغة في الحث على إهداء الشيء اليسير وقبوله وعدم رده، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"7","page":66},{"text":"<span data-type='title' id=toc-785>حكم هبة الثواب</span>\n٩٤٠/ ١١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيهَا\"، رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَصَحّحَهُ، وَالْمَحْفُوظُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَوْلُهُ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه الحاكم (٢/ ٥٢) - وعنه البيهقي (٦/ ١٨٠ - ١٨١) - قال: حدثنا أبو أحمد إسحاق بن محمد بن خالد الهاشمي بالكوفة، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غَرَزَة، ثنا عبيد الله بن موسى، أنبأ حنظلة بن أبي سفيان، قال: سمعت سالم بن عبد الله يحدث عن ابن عمر -﵄-، به مرفوعًا.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، إلا أن نَكِلَ الحمل فيه على شيخنا).\nويقصد بشيخه: إسحاق بن محمد بن خالد الهاشمي، ولم يتعقبه الذهبي بشيء بل سكت عنه، كما في النسخة المطبوعة مع \"المستدرك\"، لكن قال المناوي: (وقفت على نسخة من \"تلخيص المستدرك\" للذهبي بخطه، فرأيته كتب على الهامش بخطه ما صورته: (موضوع). فلينظر بعدُ ما بين الحكم بالصحة والحكم بالوضع من البون) (^١) والذهبي لما ترجم لإسحاق بن محمد، قال: (روى عنه الحاكم واتهمه) (^٢). ولما ساق الحافظ في \"اللسان\"\n_________\n(^١) \"فيض القدير\" (٦/ ٣١٠).\n(^٢) \"الميزان\" (١/ ١٩٩).","vol":"7","page":67},{"text":"حديثه ومقولة الحاكم: (إلا أن نكل الحمل فيه على شيخنا) تعقبه بقوله: (قلت: الحمل فيه عليه بلا ريب، وهذا الكلام معروف من قول عمر غير مرفوع) (^١).\nوقد روى الحديث الدارقطني في \"السنن\" (٣/ ٤٣) من طريق علي بن سهل بن المغيرة، حدثنا عبيد الله، به، وقال: الصواب عن ابن عمر، عن عمر، موقوفًا، وكذا قال في \"العلل\" (^٢).\nوالخطأ في هذا الحديث إنما هو من عبيد الله بن موسى، كما نص على ذلك البيهقي في \"المعرفة\" حيث قال: (وغلط فيه عبيد الله بن موسى، فرواه عن حنظلة، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - … والصحيح رواية عبد الله بن وهب، عن حنظلة، عن سالم، عن أبيه، عن عمر، موقوفًا) (^٣)، وتابع ابنَ وهبٍ مَكِيُّ بن إبراهيم، رواه الطحاوي في \"شرح المعاني\" (٤/ ٨١)، وعليه فتكون رواية الرفع شاذة لمخالفتها رواية الثقتين: مكي بن إبراهيم، وعبد الله بن وهب، وعبيد الله بن موسى ثقة -كما في \"التقريب\"- إلا أنه وهم في رفع الحديث.\nوقال البخاري في \"تاريخه الكبير\": (روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر، قوله، وهذا أصح) (^٤).\nوأخرج مالك عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان بن طَريف المُرّي، أن عمر بن الخطاب - ﵁ -، قال: (من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يُرضَ منها) (^٥).\n_________\n(^١) \"لسان الميزان\" (٢/ ٧٧).\n(^٢) (٢/ ٥٧ - ٥٨)\n(^٣) \"معرفة السنن والآثار\" (٩/ ٦٨ - ٦٩)، \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٨١).\n(^٤) (١/ ٢٧١).\n(^٥) \"الموطأ\" (٢/ ٧٥٤)، قال في \"الإرواء\" (٦/ ٥٦): (هذا سند صحيح على شرط مسلم).","vol":"7","page":68},{"text":"* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن من وهب هبة يريد بها العوض فإنه لا بد من العوض أو ترد الهبة إليه، ويسمى هذا النوع من الهبة: هبة الثواب، وهي العطية التي يبتغي بها الواهب الثواب -أي: العوض- من الموهوب له.\nفإن أُعطي عنها ما يرضيه وإلا فله الرجوع فيها، بخلاف الهبة المطلقة وهي التي لمحض الثواب الأخروي مع قصد توثيق عرى المحبة، فلا رجوع فيها بعد قبضها، كما تقدم.\nومعرفة أن الهبة للثواب يدرك بالقرائن والعرف والعادة، فإن من أهدى إلى الأمراء أو الأغنياء ونحوهم فإنما يريد العوض والرِّفْد، لا يريد بذلك مجرد المحبة والتقرب، كما تقدم.\nوهذا النوع من الهبة له حكم البيع؛ لأنه تمليك بعوض بلفظ الهبة، فيأخذ أحكام البيع.\nوقد تقدم حديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة الرجل الذي أعطى النبي - ﷺ - ناقة، فأثابه عليها حتى رضي، فقد لاحظ النبي - ﷺ - مقصد الواهب، وهو أنه يريد العوض فأعطاه حتى أرضاه، وهذا من كرم الأخلاق، وهو أولى من رد الهدية إذا كان مَنْ قَبِلَهَا يستطيع العوض، وفيه اقتداء بالنبي - ﷺ - فقد كان يقبل الهدية ويثيب عليها، كما تقدم.\nفإن كان المهدي جَشِعًا لا يرضيه إلا شيء يضر المهدي إليه، أوكان المهدي إليه لا يستطيع العوض لفقره، فلا بأس أن يرد الهدية.\nوالقول برجوع الواهب إذا لم يعوض عن هبته هو قول النخعي والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وابن جرير الطبري، استدلالًا بأثر عمر - ﵁ - وغيره (^١). واستثنوا هبة ذي الرحم فلا رجوع فيها مطلقًا.\nوذهب الإمام أحمد في المشهور عنه والشافعي وأبو ثور إلى أنه لا\n_________\n(^١) انظر: \"التحقيق\" لابن الجوزي (٨/ ١٥٩).","vol":"7","page":69},{"text":"رجوع في الهبة مطلقًا ولو لم يثب منها، مستدلين بالأحاديث المتقدمة في النهي عن الرجوع في الهبة، إلا إن اشترط في الهبة ثوابًا معلومًا صح، قالوا: وحديث الباب ضعيف مرفوعًا، قال ابن الجوزي بعد سياق الأحاديث: (ليس فيها ما يصح)، وما ورد عن عمر - ﵁ - روي عن ابنه وابن عباس خلافه، قالوا: ولو صحت هذه الأحاديث لكانت مخصصة لعموم حديث الرجوع في الهبة، إلا أنها لم تثبت، وهو ما قرره ابن الجوزي وابن حجر وغيرهما من فقهاء المحدثين (^١).\nوقد تلخص من الأحاديث في هذا الباب وغيره أن الهبة التي يرجع فيها هي:\n١ - هبة الوالد لولده.\n٢ - من وهب بشرط الثواب، وذلك إذا وهب على جهة المعاوضة لفظًا أو عرفًا.\n٣ - الهبة التي لم تقبض.\n٤ - ويضاف إليها: الهبة التي ردها الميراث إلى الواهب (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٨/ ٢٧٧ - ٢٧٨)، \"المجموع\" (١٥/ ٣٨٣).\n(^٢) \"مجموع الفتاوى\" (٣١/ ٢٨٣)، \"فتح الباري\" (٥/ ٢٣٧).","vol":"7","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-786>جواز أخذ الشيء اليسير وأنه ليس بلقطة</span>\n٩٤١/ ١ - عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَال: مَرَّ النَّبيُّ - ﷺ - بتَمْرَةٍ في الطَّرِيق فَقَال: \"لَوْلا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُهَا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"اللقطة\"، باب (إذا وجد تمرة في الطريق) (٢٤٣١)، ومسلم (١٠٧١) من طريق سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن طلحة بن مصرف، عن أنس - ﵁ -، مرفوعًا.\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا بأس بالتقاط الشيء اليسير القليل الذي لا تتبعه همة أوساط الناس؛ كالحبل والعصا وما يبقى بعد حصاد الزرع أو جذاذ التمر مما هو يسير وصاحبه معرض عنه ولا يطلبه؛ لأن النبي - ﷺ - علل عدم أكله التمر بخشية أن يكون من الصدقة؛ لأن الصدقة محرمة على النبي - ﷺ - وعلى آله من بني هاشم، لقوله - ﷺ -: \"إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس\" (^١). فدل ذلك على أن غير النبي - ﷺ - لا بأس أن يأكلها.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على ورع النبي - ﷺ - حيث لم يأكل هذه التمرة مع أنها مباحة له؛ لأنها من حيث الملك لقطة يسيرة، ومن حيث الصدقة لم تتحقق، ولكن ورعه كفه عما فيه شبهة وإن قلَّت. وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، وتقدم ذلك في \"الزكاة\".","vol":"7","page":71},{"text":"على فراشي، فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها\" (^١).\nوعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - ﷺ - وجد تحت جنبه تمرة من الليل فأكلها، فلم ينم تلك الليلة، فقال بعض نسائه: يا رسول الله أرقت البارحة؟ قال: \"إني وجدت تحت جنبي تمرة فأكلتها، وكان عندنا تمر من تمر الصدقة، فخشيت أن تكون منه\" (^٢).\nوقد جمع الحافظ بينه وبين حديث الباب بالحمل على التعدد وأنه لما أكل التمرة كما في حديث عمرو بن شعيب وأقلقه ذلك صار بعد هذا إذا وجد مثلها تركه احتياطًا، أو يكون في حالة أكله إياها كان في مقام التشريع، وفي حال تركه كان في خاصة نفسه (^٣).\nوقال المهلب: إنما تركها تورعًا وليس بواجب؛ لأن الأصل أن كل شيء في بيت الإنسان على الإباحة حتى يقوم دليل على التحريم (^٤).\n\n* الوجه الرابع: قد يرد على الحديث سؤال وهو: لماذا ترك النبي - ﷺ - التمرة في الطريق؟ وأجيب عنه بجوابين:\n١ - أنه يحتمل أنه أخذها، إذ ليس في الحديث ما ينفي ذلك.\n٢ - أنه تركها عمدًا لينتفع بها من يجدها ممن تحل له الصدقة (^٥).\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على تواضع النبي - ﷺ - فهو مع جلالة قدره وعلو مرتبته لا يترفع عن أن يجد قليلًا حقيرًا فيأخذه ويأكله؛ لأنه من نعم الله تعالى، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٣٢).\n(^٢) أخرجه أحمد (١١/ ٣٢٩ - ٤٢٠) وحسن إسناده الحافظ العراقي في \"تخريج الإحياء\" (٢/ ٩٩) وذكره الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٢٩٤) وسكت عنه.\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٢٩٤).\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ٨٦).","vol":"7","page":72},{"text":"<span data-type='title' id=toc-787>باب اللقطة</span>\nاللقطة: بضم اللام وفتح القاف والطاء من لقط الشيء: إذا رفعه من الأرض.\nوالمراد بها: المال يوجد في الطريق ونحوه ولا يعرف له صاحب.\n\nوقولنا: (ولا يعرف له صاحب) هذا شرط اللقطة، فإن كان المال يعرف صاحبه فليس بلقطة ويجب رده إليه.\nواللقطة باعتبار الشيء الملقوط هل يملك أو لا، وهل يعرَّف أو لا؟ ثلاثة أقسام:\n١ - ما تقل قيمته ولا تتبعه همة أوساط الناس إذا فقد، مثل: الرغيف والحبل والسوط وبعض الأقلام الرخيصة.\n٢ - الحيوان الممتنع بنفسه من صغار السباع كالذئب والثعلب وولد الأسد ونحوها، مثل: الإبل، وسائر الطيور، والظباء.\n٣ - ما عدا هذين القسمين، ويدخل فيه ما يهتم فيه الناس؛ كالدراهم والأمتعة وما لا يمتنع من صغار السباع؛ كالغنم، والفصلان، والعجاجيل، وسيأتي حكم كل قسم.\nوقد اختلف العلماء في الالتقاط هل هو أفضل أو الترك؟ على أربعة أقوال:\nالقول الأول: أن الالتقاط أفضل من الترك، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، وقول لمالك، واختاره أبو الخطاب من الحنابلة، إذا كانت اللقطة بمضيعة وأمن نفسه عليها (^١).\n_________\n(^١) \"الهداية\" لأبي الخطاب (١/ ٢٠٢)، \"التمهيد\" (٣/ ١٠٨)، \"شرح مسلم\" للنووي (١١/ ٢٦٥).","vol":"7","page":73},{"text":"واستدلوا بما يلي:\n١ - حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وفيه: وسأله عن ضالة الغنم؟ فقال: (لك أو لأخيك، أو للذئب، اجمعها إليك حتى يأتي باغيها) (^١).\n٢ - أن الواجب على المسلم حفظ مال أخيه.\n٣ - أن مؤنة اللقطة خفيفة ولا تحتاج إلى غذاء يخشى المسؤولية فيها.\nوالقول الثاني: أن الترك أفضل، وهذا قول مالك وأحمد، وهو مروي عن ابن عباس، وابن عمر - رضي الله عنهمم - وجماعة من السلف؛ لأن فيه تعريضَ نفسه لأكل الحرام، وقد يُضَيِّعُ الواجب من حفظها وتعريفها (^٢).\nوالقول الثالث: أنه مخير بين أخذها وتركها، وقد ذكر ابن عبد البر أنه مذهب أصحاب مالك، لظاهر حديث زيد بن خالد - ﵁ - الآتي (^٣).\nوالقول الرابع: أنه يجب الالتقاط، وهو قول للشافعي، بدليل ما ورد في حرمة مال المسلم وأنها كحرمة دمه (^٤).\nوالذي يظهر -والله أعلم- التفصيل، وهو أن من أمِنَ على نفسه من الخيانة ووثق بأنه سيحفظها ويعرفها سنة فالأولى الالتقاط؛ لأن في ذلك حفظ مال الغير وعدم تعريضه لأن يأخذه من لا يقوم بحقه، وأما من عرف من نفسه التدني إلى الخيانة والعجز عن تعريفها فالأولى في حقه الترك بل يجب؛ لأنه يعرض نفسه للوقوع في الحرام، ويحرم صاحبها منها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١١/ ٤٩٢) وسنده حسن.\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٤/ ١١٣)، \"المغني\" (٨/ ٢٩١).\n(^٣) \"التمهيد\" (٣/ ١٠٩).\n(^٤) \"المهذب\" (١/ ٥٦٠)، \"المغني\" (٨/ ٢٩١).","vol":"7","page":74},{"text":"<span data-type='title' id=toc-788>أحكام اللقطة</span>\n٩٤٢/ ٢ - عَنْ زَيدِ بْنِ خَالدٍ الْجُهَنِيِّ - ﵁ - قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَال: \"اعْرِفْ عِفَاصَهَا، وَوكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُكَ بِهَا\"، قَال: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَال: \"هِيَ لَكَ أَوْ لأَخيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ\"، قَال: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَال: \"مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتى يَلْقَاهَا رَبُّها\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n٩٤٣/ ٣ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث زيد بن خالد - ﵁ - الأول فقد أخرجه البخاري في تسعة مواضع من \"صحيحه\"، أولها في كتاب \"العلم\"، باب (الغضب في الموعظة والتعليم) (٩١)، ومسلم (١٧٢٢) من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني مرفوعًا.\nوهو من الأحاديث الأصول في هذا الباب، حيث اشتمل على مسائل كثيرة، وورد بألفاظ متعددة، ولذا أخرجه البخاري في خمسة مواضع من كتاب \"اللقطة\".\nوأما حديثه الثاني فقد أخرجه مسلم في \"اللقطة\" (١٧٢٥) من طريق عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، عن أبي سالم الجيشاني، عن زيد بن خالد - ﵁ - مرفوعًا.","vol":"7","page":75},{"text":"* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (جاء رجل) في رواية للبخاري: (جاء أعرابي) ولم يقم برهان على تعيين الرجل، ولا يترتب على معرفته حكم شرعي.\n\nقوله: (عن اللقطة) أي: سأله عن حكمها شرعًا وليس عن معناها؛ لأنه سؤال للنبي - ﷺ -.\n\nقوله: (اعرف عِفاصها) في رواية: (سئل رسول الله - ﷺ - عن لقطة الذهب أو الورق، فقال: \"اعرف وكاءها وعفاصها\") والعِفاص: بكسر العين، هو الوعاء الذي تكون فيه النفقة جلدًا كان أو خرقة أو غير ذلك.\n\nقوله: (ووكاءها) الوكاء: بكسر الواو ممدودًا، هو الخيط الذي يُشد به رأس الكيس والجراب والقربة، ونحو ذلك من العلامات.\nوالمراد من معرفة ذلك ليعلم صدق واصفها من كذبه، ولئلا تختلط بماله وتشتبه.\n\nقوله: (ثم عرِّفها سنة) بالتشديد وكسر الراء، أمر من التعريف؛ أي: اذكرها للناس، وذلك في الموضع الذي وجدها فيه، وكذا في المجامع العامة كأبواب المساجد والأسواق ونحو ذلك، والتعبير بـ (ثم) يدل على المبالغة في شدة التثبت في معرفة العفاص والوكاء؛ لأنها تفيد التراخي والمهلة.\n\nقوله: (فإن جاء صاحبها) جواب الشرط محذوف؛ أي: فوصفها فادفعها إليه، دل على ذلك رواية \"الصحيحين\": \"فإن جاء ربها فأدها إليه\" (^١).\n\nقوله: (وإلا فشأنك بها) الشأن هو الحال والأمر؛ أي: تصرف بها، وهو بالنصب مفعول لفعل مقدر؛ أي: الزم شأنك بها، وبالرفع: مبتدأ خبره ما بعده؛ أي: شأنك متعلق بها.\n\nقوله: (فضالة الغنم) مبتدأ حذف خبره؛ أي: ما حكمها؟ وهو من باب\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٢٤٣٦)، \"صحيح مسلم\" (١٧٢٢) (٢).","vol":"7","page":76},{"text":"إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: فالغنم الضالة، قال الأزهري وغيره: (لا يقع اسم الضالة إلا على الحيوان، يقال: ضل الإنسان والبعير وغيرهما من الحيوان، وأما الأمتعة وما سوى الحيوان فيقال لها: لقطة، ولا يقال لها ضالة) (^١).\n\nقوله: (قال: \"هي لك أو لأخيك أو للذئب\") أو: للتقسيم والتنويع، والمراد بـ (أخيك) أخوة الدين، وهو رجل آخر يراها فيأخذها، ويدخل في ذلك صاحبها.\nوالمراد بالذئب: جنس ما يأكل الشاة من السباع، والمعنى: أن الشاة ضعيفة معرضة للهلاك مترددة بين أن تأخذها أنت أو أخوك أو يأكلها الذئب إذا تركت.\n\nقوله: (ما لك ولها) استفهام إنكاري؛ أي: ما لك ولأخذها، والحال أنها مستقلة بأسباب تمنعها من الهلاك، ويدل على ذلك رواية: (فغضب حتى احمرت وجنتاه أو احمر وجهه، ثم قال: \"ما لك ولها … \" (^٢»، ولعل وجه الغضب إما أن الرسول - ﷺ - قد نهى قبل ذلك عن التقاطها، وإما لأن السائل قصر فهمه، فلم يراع المعنى الذي أشار إليه ولم ينتبه له، فقاس الشيء على غير نظيره (^٣).\n\nقوله: (معها سِقاؤها) بكسر السين، هو جوفها الذي يحمل كثيرًا من الطعام والشراب.\n\nقوله: (وحِذاؤها) بكسر الحاء هو خفها، سمي بذلك لمتانته وصلابته بحيث تقوى به على قطع الأرض والسير في المسافة البعيدة. وهذا فيه تشبيه، فإنه شبه الإبل بمن كان معه حذاء وسقاء في السفر، بجامع القدرة على قطع المسافات البعيدة.\n_________\n(^١) \"الزاهر\" ص (٣٦٦).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٩١)، \"صحيح مسلم\" (١٧٢٢) (٢).\n(^٣) \"أعلام الحديث\" (١/ ٢٠٤)، \"فتح الباري\" (١/ ١٨٧).","vol":"7","page":77},{"text":"وهذا فيه إشارة إلى أنه لا حاجة إلى التقاطها؛ لاستغنائها عن الحفظ بما ركَّب الله تعالى في طباعها من القدرة على ورود الماء ورعي الشجر والامتناع من السباع المفترسة.\n\nقوله: (حتى يلقاها ربها) أي: صاحبها الذي ضاعت منه، ولا يطلق الرب على غير الله تعالى إلا مقيدًا، فيقال: رب الدار، ورب الدابة.\n\nقوله: (من آوى ضالة) أي: ضمها إلى ماله وخلطها معه، قال تعالى: ﴿آوَى إِلَيهِ أَخَاهُ﴾ [يوسف: ٦٩] أي: ضمه إلى نفسه، يقال: آواه، وأواه.\nوالضالة: يراد بها ضالة الإبل ونحوها مما لا يجوز التقاطه للتملك، بل إنها تلتقط حفظًا لها، فيكون معناه: من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها أبدًا ولا يتملكها، فهذا نص مطلق في التعريف يبقى على إطلاقه؛ لأنه في الضالة، وأما التعريف سنة فهو في اللقطة.\nأو يراد بالضالة: اللقطة، ولا يحمل على الإبل ونحوها، مما لا يجوز التقاطه، لقوله: \"ما لك ولها\"؛ لأنه قال هنا: (ما لم يعرفها).\n\nقوله: (فهو ضال) الضال: هو المخطئ المجانب للصواب؛ أي: هو مائل عن الحق آثم؛ لأنه أخذ ما لا يجوز له أخذه، فيده يد غاصب.\n\nقوله: (ما لم يعرفها) هذا قيد يبين أنه ضال إذا أخذها ليتملكها، فإن أخذها ليعرفها فليس كذلك، لقوله في حديث زيد: \"اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة\".\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على إباحة التقاط اللقطة وأخذ الضالة ما لم تكن إبلًا؛ لأنه ﵊ أجاب السائل بمعرفة العفاص والوكاء، وقال في الشاة: \"هي لك أو لأخيك أو للذئب\"، ولو كان الترك أفضل لأمر به النبي - ﷺ - كما في ضالة الإبل.\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن واجد اللقطة عليه أن يعرف جميع صفاتها من الوعاء والخيط الذي ربطت به ونحو ذلك مما يحتاج إلى معرفته؛ لأجل أن يميزها عن ماله إن عاش، ويعرفها ورثته إن مات، ويعرف","vol":"7","page":78},{"text":"بذلك صدق مدعيها من كذبه، ويستحب تقييدها بالكتابة خوف النسيان (^١).\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على وجوب المحافظة على اللقطة والعناية بها كسائر الأمانات؛ لأنه - ﷺ - أمره بمعرفة العفاص، والوكاء، وهذا من تمام حفظها وأدائها إلى ربها، ومن مقاصد ذلك حفظها؛ لئلا يحصل تساهل في دفعها لغير صاحبها.\n\n* الوجه السادس: وجوب تعريف اللقطة سنة كاملة في مجامع الناس وفي مكان وجودها؛ لأنه مكان بحث صاحبها عنها، ولا يكفي أن يعرفها سرًّا بينه وبين بعض الناس، بل عليه أن يعرفها تعريفًا ظاهرًا.\nوإن وجدها في البادية عرفها في المدن والقرى القريبة من البادية التي وجدها فيها، وإن وجدها في الطرق السريعة بين المدن، فإن كانت يسيرة فحكمها حكم الأموال التي لا يرجى وجود أصحابها كالعواري والودائع والغصوب، ونحوها، فيتصدق بها عن صاحبها مضمونة، ولا يجوز لمن هي في يده الأكل منها وإن كان محتاجًا، وقد ذكر ابن رجب عن القاضي تخريجًا بجواز الأكل إذا كان فقيرًا على الروايتين في جواز شراء الوكيل من نفسه، وفيه وجاهة (^٢)، فإن كانت لقطة خطيرة أمكن تعريفها بواسطة وسائل الإعلام من صحافة أو غيرها، والله أعلم.\nولا يلزم الاستيعاب بحيث يعرفها في الليل والنهار، ولا استيعاب الأيام، بل على المعتاد، فيعرف في الابتداء كل يوم مرتين في طرفي النهار، ثم في كل يوم مرة، ثم في كل أسبوع مرة، وهكذا …\nويبلغ الجهات المسؤولة كدوائر الشرطة، ويعلن عنها في الوسائل المعاصرة من الصحف والإذاعة وغيرهما، وهذا إذا كانت لقطة خطيرة، ولا يجب تعريفها بعد السنة.\nفإن ضاعت اللقطة أو تلفت في مدة التعريف فليس عليه شيء؛ لأن يده\n_________\n(^١) \"الإعلام\" ابن الملقن (٧/ ٥١٩).\n(^٢) انظر: \"القواعد\" لابن رجب (٢/ ٤١)، \"فرائد الفوائد\" لابن عثيمين ص (٧٣ - ٧٤).","vol":"7","page":79},{"text":"يد أمانة في أثناء حول التعريف، والأمين لا ضمان عليه، وإن ضاعت بعد حول التعريف فعليه الغرامة؛ لأنها صارت دينًا عليه؛ لكونها دخلت في ملكه وتلفت من ماله، والقول الثاني: أنه لا يضمن (^١).\n\n* الوجه السابع: الحديث دليل على أنه إذا جاء رب اللقطة وأخبر الملتقط بعلامتها دفعها إليه، وهذه فائدة معرفة العفاص والوكاء، كما تقدم، ولا يحتاج في ذلك إلى بينة من شهود أو يمين؛ لأن وصفها هو بينتها، هذا هو ظاهر الحديث، وهذا هو الراجح من قولي أهل العلم؛ لأنه لو كانت إقامة البينة شرطًا في الدفع لما كان لذكر العفاص والوكاء والعدد معنى، فإنه يستحقها بالبينة على كل حال، ولما جاز سكوت النبي - ﷺ - عن ذلك، والمقام مقام بيان.\nوقد جاء في إحدى الروايات: (فإن جاء ربها فأدها إليه) (^٢). ولم يذكر بينة، إلا ما يفهم من قوله: \"اعرف وكاءها وعفاصها\" وقد جاء في حديث أُبي بن كعب: \"احفظ وعاءها وعددها ووكاءها\" (^٣). وهذا فيه دليل على جواز حَلِّ وكائها لمعرفة العدد، وقد أخذ بهذا بعض أهل العلم، فقال: لا بد من معرفة المدعي جميع الأوصاف، وهي الوكاء والوعاء والعدد.\nوقال آخرون: لا يشترط ذكر العدد؛ لأنه لم يرد في حديث زيد بن خالد، والأول أقرب؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ (^٤)، ولا سيما إذا كانت اللقطة من المعدودات؛ كالدراهم ونحوها.\nولا يعارض هذا حديث \"البينة على المدعي\"؛ لأن البينة ليست مقصورة على الشهود، بل هي عامة لكل ما يتبين به الحق، ومنها وصف العفاص والوكاء، فإن وصفها اثنان أقرع بينهما، فمن قَرَعَ كانت له.\n_________\n(^١) \"أعلام الحديث\" (١/ ٢٠٣)، \"المغني\" (٨/ ٣١٣).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٢٤٣٦).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٢٤٢٦)، \"صحيح مسلم\" (١٧٢٣).\n(^٤) انظر: \"المفهم\" (٥/ ١٨٢ - ١٨٣).","vol":"7","page":80},{"text":"* الوجه الثامن: الحديث دليل على أنه إذا لم يجد صاحبها في مدة العام فإنه يتصرف فيها، سواء كان غنيًّا أم فقيرًا، لقوله: \"فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها\"، فإن جاء صاحبها بعد ذلك، فالجمهور على وجوب ردها إليه إن كانت موجودة، أو عوضها مثلها إن كانت مثلية، أو قيمتها إن كانت متقومة، قال الموفق: (لا أعلم في هذا خلافًا) (^١). وتدل على ذلك رواية: \"فإن لم تعرف، فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فادفعها إليه\" (^٢) .. والمراد: أنه لا ينقطع حق صاحبها بالكلية، وخالفت الظاهرية في ذلك، وسيأتي -إن شاء الله- دليلهم عند حديث عياض بن حمار - ﵁ -.\nوالمراد بكونها وديعة: أنه يجب ردها، لا أنها وديعة حقيقية يجب أن تبقى عينها كسائر الودائع؛ لأن المأذون في إنفاقه لا تبقى عينه، ومن القواعد الفقهية: (إذا تعذر معرفة من له الحق جعل كالمعدوم)، فاللقطة إذا تعذر معرفة صاحبها بعد التعريف المعتبر شرعًا، فهي لواجدها.\n\n* الوجه التاسع: الحديث دليل على جواز التقاط ضالة الغنم وجواز أكلها، لقوله: \"هي لك أو لأخيك، أو للذئب\"، قال ابن عبد البر: (أجمعوا على أن آخذ ضالة الغنم في الموضع المخوف عليها له أكلها) (^٣).\nفإن جاء صاحبها لزمته غرامتها عند الجمهور؛ لأنهم أجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط لأخذها، فدل على أنها باقية على ملك صاحبها.\nوقال مالك: لا يضمن، واحتج بالتسوية بين الملتقط والذئب، والذئب لا غرامة عليه، فكذلك الملتقط، ولم يوافق مالكًا أحد من العلماء على قوله.\nقال ابن عبد البر: (الوجه تضمين آكلها إن شاء الله). اهـ (^٤). وذلك لأن (اللام) ليست للتمليك؛ لأن الذئب لا يملك، وإنما يملكها الملتقط على شرط\n_________\n(^١) \"المغني\" (٨/ ٣١٣).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٢٤٢٨)، \"صحيح مسلم\" (١٧٢٢) (٥) واللفظ له.\n(^٣) \"التمهيد\" (٣/ ١٠٨).\n(^٤) \"التمهيد\" (٣/ ١٢٦).","vol":"7","page":81},{"text":"ضمانها، هذا هو الظاهر. وله أن يفعل الأصلح من بيعها وحفظ ثمنها، أو أكلها وضمانها، أو إبقائها عنده مضمونة.\n\n* الوجه العاشر: الحديث دليل على أنه لا يجوز التقاط ضالة الإبل؛ لأن لها من طبيعتها وتركيب الله إياها ما يحفظها ويمنعها، لكن إن وجدت في مهلكة ردت بقصد الإنقاذ لا الالتقاط، ويقاس على الإبل ما يمتنع من صغار السباع لكبر جثته كالخيل والبقر، أو يمتنع بطيرانه كالطيور المملوكة، أو بِعَدْوهِ كالغزلان، والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-789>مشروعية الإشهاد على اللقطة</span>\n٩٤٤/ ٤ - عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَي عَدْلٍ، وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوكَاءَهَا، ثُمّ لَا يَكْتُمْ، وَلَا يُغَيِّبْ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللهِ يُؤتيهِ مَنْ يَشَاءُ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، والأَرْبَعَةُ، إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ، وَابْنُ حِبّانَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عياض بن حمار -بكسر الحاء المهملة باسم الحيوان المشهور- بن أبي حمار بن ناجية التميمي المجاشعي - ﵁ -، كان صديقًا للرسول - ﷺ - قديمًا، وأهدى للنبي - ﷺ - بعد البعثة قبل أن يسلم، فلم يقبل منه (^١)، سكن البصرة، روى عنه مطرف بن عبد الله بن الشخير، وأخوه يزيد بن عبد الله، والحسن البصري، وغيرهم (^٢).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أحمد (٢٩/ ٢٧)، وأبو داود في كتاب \"اللقطة\" (١٧٠٩)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٤٣٦)، وابن ماجه (٢٥٠٥)، وابن حبان (١١/ ٢٥٦)، وابن الجارود (٦٧١) كلهم من طريق خالد الحذاء، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن مطرف، عن عياض بن حمار مرفوعًا.\n_________\n(^١) انظر: \"مسند الإمام أحمد\" (٢٩/ ٢٩ - ٣٠).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٩/ ٦٧)، \"الإصابة\" (٧/ ١٨٥).","vol":"7","page":83},{"text":"وهذا الحديث رجاله ثقات، رجال الشيخين، غير صحابيه فمن رجال مسلم، وصححه ابن عبد الهادي (^١).\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (فليشهد ذوي عدل) رواية النسائي: \"ذا عدل أو ذوي عدل\" بالشك، وهذا أمر من الإشهاد على أنه أخذها ليحفظها على صاحبها، وهو أمر إيجاب. وقيل: أمر تأديب واستحباب، لما سيأتي.\nوالعدل: كل من رضيه الناس واطمأنوا إلى قوله وخبره، قال تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (^٢) وسيأتي تفصيل ذلك في كتاب \"الشهادات\" إن شاء الله تعالى.\n\nقوله: (ثم لا يكتم) أي: لا يخفي اللقطة، وذلك بأن يجحدها ولا يعرفها.\n\nقوله: (ولا يغيب) بضم الياء وفتح الغين المعجمة وتشديد التحتية؛ أي: لا يجعل اللقطة غائبة بأن يرسلها إلى مكان آخر. وقد جاء لفظ ابن حبان (ولا يغير) بدل (ولا يغيب).\n\nقوله: (وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء) أي: وإلا يحضر صاحب اللقطة بعد حول التعريف تكن للملتقط ينتفع بها، كما تقدم.\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية الإشهاد عند وجود اللقطة لمن أراد أخذها، والحكمة من ذلك:\n١ - صيانة نفسه من الطمع فيها.\n٢ - لأنه لا يأمن من تسويل الشيطان وانبعاث الرغبة في هذه اللقطة، فيدعوه ذلك إلى الخيانة بعد الأمانة فيجحدها.\n٣ - حفظها من ورثته إذا مات؛ لأنه لا يؤمن من حدوث المنية به، فيدعيها ورثته، ويحوزونها في تركته، أو يستولي عليها غرماؤه إن أفلس، وقد\n_________\n(^١) \"التنقيح\" (٣/ ١٠٨).\n(^٢) انظر: \"الاختيارات\" ص (٣٥٦).","vol":"7","page":84},{"text":"استحب بعض العلماء كتابتها، كما تقدم (^١).\nويكون الإشهاد على وجدانها، لا على صفاتها، لئلا تشيع أوصافها، فيدعيها غير صاحبها.\n\n* الوجه الخامس: اختلف العلماء في حكم الإشهاد على اللقطة على قولين:\nالأول: أن الإشهاد مستحب، وهذا قول مالك، وهو المذهب عند الحنابلة، وأحد قولي الشافعي (^٢)، واستدلوا بأن الإشهاد لم يذكر في الأحاديث الصحيحة، فيحمل في هذا الحديث على الندب، إذ لو كان واجبًا لبينه النبي - ﷺ - فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، لا سيما وقد سئل عن حكم اللقطة كما في حديث زيد بن خالد - ﵁ -، فلم يكن ليخل بذكر الواجب فيها، فيتعين حمل الأمر على الاستحباب، ولأنه أخْذُ أمانة فلم يفتقر إلى الإشهاد.\nوالقول الثاني: أن الإشهاد واجب، وهو قول في المذهب عند الحنابلة، اختاره جمع منهم، وهو قول أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، واختاره الصنعاني (^٣)، والشيخ عبد العزيز بن باز. مستدلين بهذا الحديث، فإن قوله: \"فليشهد\" أمر، والأمر يقتضي الوجوب، ولا ينافي ذلك عدم ذكره في الأحاديث الأخرى؛ لأنها زيادة صحيحة، فيجب العمل بها، قالوا: ولأنه إذا لم يشهد، كان الظاهر أنه أخذها لنفسه.\nوالذي يظهر -والله أعلم- هو القول بوجوب الإشهاد لصحة الحديث بذلك، ولما فيه من المصالح، كما تقدم.\n\n* الوجه السادس: الحديث دليل على أن الملتقط مطالب بمعرفة\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (٢/ ٢٦٩). \"مجموع فتاوى ابن تيمية\" (٣٣/ ٣٤).\n(^٢) \"الشرح الكبير\" (١٦/ ٢٥٠).\n(^٣) \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٣٦)، \"روضة الطالبين\" (٥/ ٣٩١)، \"المهذب\" (١/ ٥٦١)، \"سبل السلام\" (٣/ ١٤٦).","vol":"7","page":85},{"text":"العفاص، والوكاء، كما تقدم، ومنهيٌّ عن كتم اللقطة وإخفائها، أو إخفاء شيء من صفاتها ليضل صاحبها إذا وصفها، كما أنه منهي أن يغيب أو يغير شيئًا منها، فإن فعل فهو ظالم في أمانته.\n\n* الوجه السابع: استدل ابن حزم الظاهري بقوله: \"فهو مال الله يؤتيه من يشاء\" على أن اللقطة بعد الحول تصير ملكًا للملتقط، ولا يضمنها لو جاء صاحبها بعد ذلك (^١).\nوأجاب الجمهور بأن هذا النص المطلق مقيد بما تقدم من إيجاب الضمان في حديث زيد بن خالد - ﵁ -، ويكون المراد بقوله: (يؤتيه من يشاء) إباحة الانتفاع باللقطة بعد مرور حول التعريف.\n\n* الوجه الثامن: استدل العلماء بهذا الحديث على أن جحد الملتقط اللقطة معتبر، وأن القول قوله في هلاكها وفي قدرها وفي نقصها، ووجه الاستدلال: أن الشرع نهاه عن كتم بعض صفاتها وذلك لأنه أمين، والأمين يقبل قوله فيما أؤتمن عليه مع يمينه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٨/ ٢٦٦ - ٢٧٠).","vol":"7","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-790>حكم لقطة الحاج</span>\n٩٤٥/ ٥ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيمِيِّ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله القرشي التيمي، ابن أخي طلحة بن عبيد الله، كان من مسلمة الفتح، وقيل: أسلم في الحديبية، وأول مشاهده عمرة القضاء، روى عنه أولاده عثمان ومعاذ وهند، والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيب وغيرهم. قتل مع ابن الزبير - ﵁ - في مكة في يوم واحد سنة ثلاث وسبعين - ﵁ - (^١).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nأخرجه مسلم في كتاب \"اللقطة\" بابٌ (في لقطة الحاج) (١٧٢٤) من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي، مرفوعًا.\nوأخرجه أبو داود (١٧١٩) بزيادة: قال ابن وهب: يعني: يتركها حتى يجدها صاحبها.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم لقطة الحاج، وهي المال الذي يضيع من أحد الحجاج. ومن أهل العلم من خص لقطة الحاج بالحرم،\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٦/ ٥٩)، \"الإصابة\" (٦/ ٣٠٠).","vol":"7","page":87},{"text":"ومنهم من قال: إن الحديث مطلق في مكة أو غيرها كالمشاعر، قال الشيخ عبد العزيز بن باز: (وتقييده بالحرم محل نظر، والأولى إطلاقه كما أطلقه النبي - ﷺ -).\nوعلى هذا فهناك فرق بين لقطة مكة الواردة في حديث ابن عباس - ﵄ - في قوله - ﷺ -: \"ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد\" وبين لقطة الحاج الواردة في هذا الحديث، وهو أن لقطة الحاج تكون في أيام الحج وفي أمكنة تجمع الحجاج وازدحامهم، سواء في مكة أو غيرها؛ كعرفات وطرق الحجاج القريبة من الحرم والمشاعر، أما لقطة مكة فهي عامة في جميع السنة، ومختصة بمكة دون غيرها.\nولعل وجه النهي عن لقطة الحاج أن ملتقطها ييأس من وجود صاحبها، وصاحبها ييأس من وجودها، لتفرق الخلق إلى الآفاق البعيدة، فربما دَاخَلَ الملتقطُ الطمعَ في تملكها من أول وهلة، فلا يعرفها، فنهى الشارع عن ذلك.\n\n* الوجه الرابع: اختلف العلماء في لقطة مكة على قولين:\nالقول الأول: أن لقطة مكة تختلف عن غيرها، فهي لا تحل إلا لمن يريد أن يحفظها لصاحبها وأن يعرفها أبدًا من غير توقيت بسنة، وهذا قول الشافعية في الصحيح من المذهب، وأحمد في رواية عنه، وبعض المالكية؛ كالباجي وابن العربي وابن رشد والقرطبي (^١)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم (^٢).\nواستدلوا بقوله - ﷺ - في مكة كما في حديث ابن عباس - ﵄ -: \"ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد\" أي: لا تحل إلا لمن يريد أن يعرفها فقط، فأما من أراد أن يعرفها ثم يمتلكها فلا، إذ لو كانت تملك بعد التعريف لم يكن لتخصيص مكة بذلك فائدة أصلًا (^٣).\n_________\n(^١) \"المهذب\" (١/ ٤٣٦)، \"المنتقى\" (٦/ ١٣٨)، \"بداية المجتهد\" (٤/ ١١٤)، \"المغني\" (٨/ ٣٠٥)، \"المفهم\" (٣/ ٤٧٢).\n(^٢) \"الاختيارات\": ص (١٦٩)، \"زاد المعاد\" (٣/ ٤٥٣ - ٤٥٤).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (٣/ ٤٥٣)، \"فتح الباري\" (٥/ ٨٨).","vol":"7","page":88},{"text":"وأيدوا قولهم بنهي النبي - ﷺ - عن لقطة الحاج، قالوا: فلقطة الحاج لا تلتقط للتملك بل للتعريف خاصة، وذلك لإمكان إيصالها إلى أربابها؛ لأنه إن كان من أهل مكة فظاهر، وإن كان غريبًا لا يقيم بها فإنه لا يخلو أفق غالبًا من وارد إليها، ولا سيما في زماننا هذا مع تيسر سبل النقل، فقد يأتي صاحبها وقد يوصي غيره من أهل بلده، فإذا عَرَّفَها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها (^١).\nالقول الثاني: أن لقطة مكة كغيرها في التعريف والتملك، فإذا عرفها سنة تملكها، وهذا مروي عن ابن عمر وابن عباس وعائشة -﵃-، وهو قول المالكية في المشهور، والحنابلة في المعتمد من المذهب، والشافعية في وجه، والحنفية، واستدلوا بحديث زيد بن خالد المتقدم، فإن النبي - ﷺ - بين حكم اللقطة، ولم يفرق بين لقطة الحرم وغيرها.\nوأجابوا عن حديث ابن عباس \"لا تحل ساقطتها إلا لمنشد\" بأن الرسول - ﷺ - نصَّ على التعريف؛ لئلا يتوهم أن تعريفها مختص بأيام المواسم، وإنما هو حول كامل، أو لئلا يتوهم أنها لا تحتاج إلى تعريف، بسبب أن ما وجد فيها فالغالب أنه للغرباء، وقد تفرقوا، فلا فائدة في التعريف، فيسقط كما سقط فيما يباح التقاطه بلا تعريف، فبين الرسول - ﷺ - أنها كغيرها من البلاد في وجوب التعريف، أو أن المراد المبالغة في التعريف؛ لأن الحاج يرجع إلى بلده، وقد لا يعود إلا بعد أعوام، أو لا يعود أبدًا، فاحتاج الملتقط إلى المبالغة في التعريف (^٢).\nوالقول الأول هو الراجح؛ لقوة أدلته وسلامتها من الإعتراض، وأما القول الثاني فهو ضعيف، فإن قوله - ﷺ -: \"ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد\" نص صريح في ضمن خصائص مكة ومزاياها على سائر البلاد، ومن ذلك حرمة تملك لقطتها.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح ابن بطال\" (٦/ ٥٥٨).\n(^٢) \"المعلم بفوائد مسلم\" (٢/ ٧٦)، \"شرح فتح القدير\" (٥/ ٣٥٧).","vol":"7","page":89},{"text":"والحكمة في ذلك -والله أعلم- زيادة الأمن على الأموال بمكة، فإن الناس لا يلتقطون اللقطة إذا علموا أنهم لا يملكونها بالتعريف، فإذا تركوها عاد صاحبها فوجدها (^١).\nأما استدلالهم بعموم حديث زيد بن خالد فليس بمسلَّم؛ لأنه نص عام مخصَّص بحديث ابن عباس - ﵄ - قال أبو عبيد: (ولو كان هذا هكذا -أي: على عمومه- لما كانت مكة مخصوصة بشيء دون البلاد؛ لأن الأرض كلها لا تحل لقطتها إلا بعد الإنشاد) (^٢).\nوأما أجوبتهم عن حديث ابن عباس فهي -كما يقول النووي-: تأويلات ضعيفة (^٣). ووجه ذلك أن الحديث جاء لبيان ما اختصت به مكة من الفضائل؛ كتحريم صيدها وشجرها، فإذا سُوِّيت لقطتها بغيرها صار ذكر اللقطة في الحديث خاليًا من الفائدة (^٤)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تنبيه الأفهام بشرح عمدة الأحكام\" (٣/ ١٣٦).\n(^٢) \"غريب الحديث\" (٢/ ١٣٤).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ١٣٦).\n(^٤) انظر: \"شرح الأُبِّي على صحيح مسلم\" (٣/ ٤٥٠ - ٤٥١).","vol":"7","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-791>حكم لقطة المعاهد</span>\n٩٤٦/ ٦ - عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَلَا لَا يَحِلُّ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلَا الْحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَلَا اللُّقَطَةُ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ، إلا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو كريمة المقدام بن معدي كرب الكندي، في نسبه وكنيته خلاف، وهو أحد الوافدين الذين وفدوا على رسول الله - ﷺ - من كندة، يعد في أهل الشام وحديثه فيهم.\nروى عنه ابنه يحيى، وحفيده صالح بن يحيى، وعبد الرحمن بن أبي عوف، وسليمان بن عامر، وخالد بن معدان، والشعبي، وغيرهم.\nمات بالشام سنة سبع وثمانين، وله إحدى وتسعون سنة - ﵁ - (^١).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nأخرجه أبو داود في كتاب \"الأطعمة\"، باب (النهي عن أكل السباع) (٣٨٠٤) من طريق مروان بن رؤبة التغلبي، عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المقدام بن معدي كرب، مرفوعًا. وتمامه: \"وأيما رجل ضاف قومًا فلم يُقْرُوه، فإن له أن يُعْقِبَهم بمثل قِراه\".\nوالحديث رجاله ثقات، غير مروان بن رؤبة، فإنه لم يوثقه إلا ابن\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٠/ ٢٦٨)، \"الإصابة (٩/ ٢٧٤).","vol":"7","page":91},{"text":"حبان (^١). ورمز له الحافظ في \"التقريب\" بـ (مقبول) أي: في المتابعات، وقد تابعه حَرِيز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المقدام، به، أخرجه أبو داود (٤٦٠٤) وأحمد (٢٨/ ٤١٠ - ٤١١).\nوحريز وهو ابن عثمان الرحبي ثقة ثبت، ومن رجال البخاري، فالسند صحيح، والحديث صححه الألباني في \"المشكاة\" (^٢).\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ألا لا يحل) ألا: أداة استفتاح وتنبيه، وهي من صيغ التوكيد عند البلاغيين.\n\nقوله: (ذو ناب) الناب: هو السن الذي خلف الرباعية، وهو للسبع بمنزلة المخلب للطير الجارح، وهو على حذف مضاف؛ أي: لا يحل أكل ذي ناب.\n\nقوله: (من السباع) من: بيانية؛ لأن الناب يكون للسباع وغيرها، والسباع: جمع سبع، بفتح السين وضم الباء، وهو ما يفترس الحيوان ويأكله قهرًا وقسرًا، ويعدو على الناس؛ كالذئب والأسد والنمر ونحوها.\n\nقوله: (ولا الحمار الأهلي) نسبة إلى الأهل؛ لكونه مستأنسًا مع الناس، أليفًا لهم، بخلاف الحمار الوحشي الذي هو نوع من الصيد.\n\nقوله: (من مال معاهد) المعاهد: هو الذي أُعطي عهدًا للبقاء في دار الإسلام، بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الإسلام. ووجه تخصيصه: زيادة الاهتمام؛ لأنه قد يتوهم حِلُّ لقطته بسبب كفره.\n\nقوله: (فله أن يُعْقِبَهُمْ) بضم الياء من الإعقاب أي: أن يتبعهم، والمعنى: فله أن يأخذ منهم عوضًا عما حرموه من القِرَى.\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن اللقطة من مال المعاهد؛\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٥/ ٤٢٥).\n(^٢) (١/ ١٥٨) وانظر: \"الصحيحة\" (٦) (٨٧).","vol":"7","page":92},{"text":"كاللقطة من مال المسلم؛ لأنه معصوم فلا تؤخذ لقطته، بل تعرَّف كغيرها؛ لأن له عهدًا وذمة، فلا يجوز التعدي على ماله بحكم كفره، إلا أن يستغني عنها بأن تكون حقيرة مرغوبًا عنها؛ كالسوط والرغيف ونحو ذلك مما لا تتبعه همة أوساط الناس، وكذا ما تركه صاحبه رغبة عنه، فهذا مباح أخذه، ويملك بمجرد التقاطه.\nولقطة المعاهد ليس فيها أمارة تدل عليها غالبًا، ولكن وجودها في حيٍّ أهلُه أو غالبهم أهلُ ذمة قرينة قوية على أنها لقطة معاهد.\n\n* الوجه الخامس: الحديث دليل على عدالة الإسلام وعنايته بأموال المعاهدين؛ لأن لهم ما لنا، وعليهم ما علينا ما داموا ملتزمين بأحكام الإسلام، والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":93},{"text":"<span data-type='title' id=toc-792>باب الفرائض</span>\nلو عبَّر بكتاب الفرائض، كما فعل ابن عبد الهادي وغيره لكان أحسن؛ لأنه مستقل عما قبله من البيوع وتوابعه.\nوالفرائض: جمع فريضة، وهي في الأصل اسم مصدر من فرض وافترض، والفرض في اللغة له معان منها: التقدير، والفرائض: التقديرات؛ لأنه يجعل فيها لكل شخص قدرًا معلومًا من مال الميت (^١). ومنها: القطع، يقال: فرضت لفلان كذا من المال؛ أي: قطعت له شيئًا منه، وخصت المواريث باسم الفرائض. من قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] أي: مقطوعًا به، والمفروض ما تحتم فعله.\nواصطلاحًا: فقه المواريث، وما يضم إلى ذلك من حسابها.\nوالمقصود بعلم الفرائض هو فقهها وفهمها، أما حسابها فوسيلة محضة تسلك عند الحاجة إليها.\nوموضوعه: التركات.\nوفائدته: إيصال نصيب كل وارث إليه.\nوحكمه: فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط الفرض عن الباقين؛ لأنه وسيلة إيصال الحقوق الواجبة إلى مستحقيها.\nوقد فرض الله تعالى المواريث بحكمته وعلمه، وقسمها بين أهلها أحسن قَسْمٍ وأعدله، بحسب ما تقتضيه حكمته البالغة، ورحمته الشاملة، وعلمه الواسع، وبيَّن ذلك أتم بيان، فجاءت آيات المواريث وأحاديثها شاملة لكل ما\n_________\n(^١) \"الدر النقي\" (٣/ ٥٧٤).","vol":"7","page":94},{"text":"يمكن وقوعه من المواريث، لكن منها ما هو صريح ظاهر، ومنها ما يحتاج إلى تأمل وتدبر (^١).\nوقد اشتهرت الأخبار بالحث على تعلم الفرائض وتعليمها الناس، وهي أحاديث ضعيفة، ومنها حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يا أبا هريرة تعلموا الفرائض، وعلموها، فإنه نصف العلم، وهو يُنسى، وهو أول شيء ينزع من أمتي\" (^٢).\nوهذا الحديث معناه صحيح، تشهد له عمومات الأدلة كآيات المواريث وأحاديثها، والنصوص الدالة على فضل طلب العلم، ويؤيده الواقع، فينبغي لطالب العلم العناية بالفرائض، والحرص على تعلمها وإتقانها، لأمرين:\nالأول: أنه يروى أنه ينزع في آخر الزمان، والواقع شاهد بذلك.\nالثاني: شدة الحاجة إليه، وأن الناس بحاجة إلى من يقسم بينهم مواريثهم.\n_________\n(^١) \"جامع العلوم والحكم\" ص (٣٧٧ - ٣٧٨)، مقدمة \"تسهيل الفرائض\" للشيخ: محمد العثيمين.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٧١٩)، والدارقطني (٤/ ٦٧)، والبيهقي (٦/ ٢٠٩) من طريق حفص بن عمر بن أبي العطاف، ثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا، قال البيهقي: (تفرد به حفص بن عمر، وليس بالقوي)، وقال ابن الملقن: (قلت: بل واهٍ، فقد رماه يحيى النيسابوري بالكذب، وقال البخاري: منكر الحديث) وقال الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٩٢): (متروك). [انظر: \"الإرواء\" (٦/ ١٠٤)].","vol":"7","page":95},{"text":"<span data-type='title' id=toc-793>تقديم أصحاب الفروض على العصبات</span>\n٩٤٧/ ١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيه.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في أكثر من موضع من كتاب \"الفرائض\"، وأولها باب (ميراث الولد من أبيه وأمه) (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦٥٦) من طريق وهيب، حدثنا ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس -﵄-، مرفوعًا.\nوأخرجه مسلم -أيضًا- من طريق معمر، عن ابن طاوس، بلفظ: \"اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر\".\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ألحقوا الفرائض) بفتح الهمزة وكسر الحاء؛ أي: أوصلوا، والمراد بالفرائض هنا: الأنصباء المذكورة في كتاب الله تعالى.\n\nقوله: (بأهلها) أي: بالمستحقين لها، كما ذكر الله تعالى في كتابه.\n\nقوله: (فما بقي) أي: فما فضل بينهم من المال بعد إيصال ذوي الفروض فروضهم.\n\nقوله: (فهو لأولى رجل) أولى: مأخوذ من الولي -بإسكان اللام- وهو القرب؛ أي: أقرب رجل نسبًا من الميت، وهذا تفسير جماعة من الأئمة؛","vol":"7","page":96},{"text":"كالإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (^١)، وأقرب الرجال من الميت على الإطلاق أبناؤه، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم أبوه، ثم جده وإن علا، ثم إخوته وبنو إخوته، ثم أعمامه وبنو أعمامه، والتقييد بالرجل خرج مخرج الغالب وإلا فالمعتقة عصبة.\n\nقوله: (ذكر) هذا اللفظ ثبت في \"الصحيحين\"، ولم يرد عند أبي داود (^٢)، فإن قيل: ما فائدة وصف الرجل بالذكورة وهو لا يكون إلا ذكرًا، فالجواب: أن العلماء ذكروا لذلك عدة أجوبة، منها:\n١ - لبيان أن المراد بالرجل الذكر؛ لأن الرجل أصالة هو الرجل البالغ من بني آدم، وهذا ليس مرادًا هنا، وإنما المراد بيان سبب الاستحقاق، وهو الذكورية ليشمل الصغير، بخلاف ما عليه أهل الجاهلية من أنهم لا يورثون إلا الرجال البالغين، يقولون: لا يرث إلا من يركب الفرس، ويحمل الكلَّ، وينكأ العدو.\n٢ - وقيل: لأن الرجل قد يطلق في نصوص الشرع ويراد به الشخص؛ كقوله: \"من وجد ماله عند رجل قد أفلس\" مع أن الحكم شامل للرجل والمرأة، فيكون تقييده بالذكر -هنا- ينفي هذا الاحتمال، ويخلصه للذكر دون الأنثى وهو المقصود، فإن قيل: هلا اقتصر على قوله: \"ذكر\" لحصول هذا المعنى مع الاختصار، أجيب عنه: بأن الاقتصار عليه يفوت إفادة إطلاق الرجل بمعنى الذكر.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب إعطاء ذوي الفروض فروضهم المنصوص عليها في كتاب الله تعالى وهي ستة: (نصف، وربع، وثمن، وثلث، وثلثان، وسدس) وأنهم مقدمون على العصبات، إذ لو ابتدئ بالعصبة لاستغرقوا جميع المال وسقط أصحاب الفروض؛ لأن العاصب يرث بلا تقدير، فإذا مات عن زوجة وابن، فللزوجة الثمن والباقي للابن.\n_________\n(^١) \"جامع العلوم والحكم\" حديث (٤٣).\n(^٢) انظر: \"السنن\" (٢٨٩٨).","vol":"7","page":97},{"text":"* الوجه الرابع: الحديث دليل على ميراث العصبة، وهم جمع عاصب، وهو من يرث بلا تقدير، والمراد هنا: العصبة من الفروع الذكور كالأبناء وأبنائهم وإن نزلوا، والأصول الذكور كالأب وأبيه وإن علا، والحواشي وهم فروع الأصول كالإخوة والأعمام وأبنائهم وإن نزلوا.\nفإن كان مع العاصب صاحب فرض أخذ الباقي بعده كما تقدم، وإن استغرقت الفروض التركة سقط؛ كهالك عن زوج وشقيقتين وابن أخ شقيق، فللزوج النصف ثلاثة، وللشقيقتين الثلثان أربعة، فتعول إلى سبعة، ويسقط ابن الأخ؛ لأن الفروض استغرقت التركة، وإن انفرد العاصب أخذ جميع المال؛ كهالك عن عم شقيق.\n\n* الوجه الخامس: الحديث دليل على وجوب تقديم الأقرب فالأقرب من العصبة بحيث لا يرث عاصب بعيد مع وجود قريب، لقوله: \"فلأولى رجل ذكر\"؛ كهالك عن أم وابن وابن أخ شقيق، فلا شيء لابن الأخ؛ لأن الابن أقرب منه، فيقدم الأقرب جهة كالابن مع الأب، فإن كانوا في جهة واحدة قدم الأقرب منزلة، فيقدم الابن علي ابن الابن، والعم على ابن العم، فإن كانوا في منزلة واحدة وتميز أحدهم بقوة القرابة، ولا يتصور ذلك إلا في فروع الأصول؛ كالإخوة والأعمام مطلقًا وبنيهم، قدم الأقوى، وهو الذي يدلي بالأبوين -وهو الشقيق- على الذي لأب.\nوموضوع ترتيب العصبة وجهات التعصيب محله كتب الفرائض.\n\n* الوجه السادس: استدل العلماء بهذا الحديث على مسائل العول، وذلك أن أصحاب الفروض إذا كثروا وتزاحمت فروضهم ولم يحجب بعضهم بعضًا أنه يعوَّل لهم، فينقص من نصيب كل وارث بقدر نسبة ما عالت به المسألة إلى أصلها بعد العول.\nووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - أمر بإعطاء ذوي الفروض فروضهم ولا يتحقق ذلك إذا كثرت الفروض وزادت على أصل المسألة إلا بالعول، وهذه قاعدة عامة في كل من اشتركوا في استحقاق شيء ولا يمكن أن يعطى كل","vol":"7","page":98},{"text":"واحد منهم حقه كاملًا، وليس لواحد منهم مزية تقديم، فإنهم ينقصون على قدر استحقاقهم، كما في الديون إذا كانت موجودات الغريم لا تفي بجميع ما عليه من الديون، وهكذا في الهبات والوصايا والأوقاف وغير ذلك (^١).\n\n* الوجه السابع: استدل العلماء بهذا الحديث على القول بالرد على الورثة عدا الزوجين إذا تعذر وجود العصبات، وبقي بعد الفروض بقية، فإنه يرد على الورثة بنسبة فروضهم؛ لأن من حكمة الفروض وتقديرها: أن تبقى البقية للعاصب، فإذا لم يوجد رُدَّ على المستحقين لعدم التزاحم. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"بهجة قلوب الأبرار\" ص (١٢٨).","vol":"7","page":99},{"text":"<span data-type='title' id=toc-794>لا توارث بين مسلم وكافر</span>\n٩٤٨/ ٢ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَال: \"لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيه.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الفرائض\"، باب (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، وإذا أسلم قبل أن يقسم الميراث فلا ميراث له) (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤) من طريق ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد - ﵁ -، مرفوعًا.\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا توارث بين المسلم والكافر، فإذا كان الميت مسلمًا والوارث كافرًا أو بالعكس لم يحصل بينهما توارث، وذلك لأن رابطة الدين والعقيدة أقوى من رابطة النسب والنكاح والولاء، فإذا فقدت انقطعت الصلة بين المتوارثين شرعًا، ولهذا قال تعالى لنوح ﵊ عن ابنه الكافر: ﴿إِنَّهُ لَيسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، وقد ذكر العلماء أن اختلاف الدين أحد موانع الإرث ولو وجد سبب الإرث من قرابة أو غيرها.\n\n* الوجه الثالث: أجمع العلماء على أن الكافر لا يرث من قريبه المسلم إذا مات، واختلفوا في توريث المسلم من قريبه الكافر، فالجمهور على أنه لا توارث؛ لعموم هذا الحديث.","vol":"7","page":100},{"text":"وروي عن معاذ بن جبل وسعيد بن المسيب توريثه (^١)، واحتجا بحديث \"الإسلام يعلو ولا يعلى\" وفي لفظ: \"الإسلام يزيد ولا ينقص\" (^٢).\nوالصواب الأول؛ لأن هذا الحديث ليس فيه دليل على المدعى؛ لأنه ورد في عموم فضل الإسلام، ولم يتعرض للميراث، وحديث الباب نص واضح في هذه المسألة، ولعله لم يبلغ معاذًا وسعيدًا، والله أعلم.\n\n* الوجه الرابع: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه لا توارث بين المسلم والكافر ولو بالولاء؛ لعموم حديث الباب، وهو مذهب الأئمة الثلاثة ورواية عن أحمد.\nوذهب الإمام أحمد في المشهور عنه إلى استثناء التوارث بالولاء من هذا الحديث، وأنه لا يمنعه اختلاف الدين، فيرث المولى ممن له عليه ولاية وإن كان مخالفًا له في الدين، ودليل ذلك حديث جابر - ﵁ - مرفوعًا: \"لا يرث المسلم النصراني إلا أن يكون عبده أو أمته\" (^٣).\nوالصواب قول الجمهور، وأنه لا يستثنى شيء؛ لعموم الحديث، وليس هناك دليل صحيح على استثناء هذه الصورة، فيبقى الحديث على عمومه.\nوأما حديث جابر فهو ضعيف، وعلى فرض صحته فمعناه: أن ما بيد العبد إذا مات يكون لسيده، كما في حال الحياة، لا أن المراد به الإرث من العتيق؛ لأنه سماه عبدًا، والعبد لا ملك له وما بيده لسيده، ثم إنه إذا كان لا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٥٠).\n(^٢) هذا الحديث رواه عدد من الصحابة -﵃-، ومنها حديث عائذ بن عمرو، ومعاذ بن جبل، وأسانيده لا تخلو من مقال، وقد ذكرها الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ١٠٦ - ١٠٩) ثم قال: (وجملة القول إن الحديث حسن مرفوعًا بمجموع طريق عائذ ومعاذ، وصحيح موقوفًا، والله أعلم).\n(^٣) أخرجه الدارقطني (٤/ ٧٥)، والحاكم (٤/ ٣٤٥) والبيهقي (٦/ ٢١٨) من طريق محمد بن عمرو اليافعي، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر - ﵁ - به، وهذا سند ضعيف، اليافعي قال عنه في \"التقريب\": (صدوق له أوهام)، وأبو الزبير وصفه النسائي بالتدليس، وقد عنعنه، ورجح الدارقطني في \"العلل\" (١٣/ ٣٥١) وقفه.","vol":"7","page":101},{"text":"توارث بين المسلم والكافر بالنسب فالولاء من باب أولى؛ لأن ميراث النسب أقوى، وإذا منع الأقوى فالأضعف من باب أولى.\nوبقي مسألة ثانية استثناها الحنابلة (^١)، وهي إذا أسلم الكافر قبل قسمة التركة فيرث من قريبه المسلم ترغيبًا له في الإسلام.\nوالصواب قول الجمهور، وهو أنه لا يرث؛ لعموم هذا الحديث، ولأن الملك انتقل بالموت إلى المسلمين، فلم يشاركهم من أسلم بعد ذلك، كما لو اقتسموا، ولأن المانع من الإرث متحقق حال وجود الموت فلم يرث. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٩/ ١٦٠).","vol":"7","page":102},{"text":"<span data-type='title' id=toc-795>ما جاء في أن الأخوات مع البنات عصبة</span>\n٩٤٩/ ٣ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - في بِنْتٍ، وَبِنْتِ ابْنٍ، وَأُخْتٍ، فَقَضَى النَّبيُّ - ﷺ -: \"للابْنَةِ النِّصْفُ، وَلابْنَةِ الابْنِ السُّدْسُ -تَكْمِلَةَ الثُّلُثَينِ- وَمَا بَقِيَ فَلِلأُخْتِ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الفرائض\"، باب (ميراث ابنة ابن مع ابنة) (٦٧٣٦) من طريق شعبة، حدثنا أبو قيس: سمعت هُذيل بن شرحبيل قال: سُئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن وأخت، فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وائت ابن مسعود فسيتابعني، فسئل ابن مسعود، وأُخبر بقول أبي موسى، فقال: لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي - ﷺ - للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود. فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم.\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن البنت لها النصف إذا كانت واحدة ولم يوجد معها معصب وهو أخوها، ولا مشارك وهي أختها، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَينِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١] ووجه الاستدلال: أن الله تعالى أعطى البنت مع أختها الباقي، ولم يعطها النصف، فدل على شرطية عدمه، وأنه تعالى أعطاها إذا كانت واحدة النصف،","vol":"7","page":103},{"text":"فدل على شرطية عدم المشارك (^١).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن بنت الابن لها مع البنت السدس تكملة الثلثين إذا لم يوجد معها معصب، وهو أخوها، أو ابن عمها الذي في درجتها، لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ [النساء: ١١] فإذا وجد المعصب لم ترث بالفرض، فلا تأخذ السدس، فاشترط عدمه، وأن توجد معها بنت واحدة، ووجه ذلك: أن إناث الفروع لا يتجاوز فرضهن الثلثين، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَينِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] وبنت الابن بمنزلة البنت، فصارت مع البنت الواحدة بمنزلة بنتين، والبنتان تستحقان الثلثين، فإذا أخذت البنت النصف لم يبق من الثلثين إلا السدس، فيكون لبنت الابن، سواء أكانت واحدة أم أكثر؛ لأن الفرض لا يزيد بزيادتهن، لما ذُكر.\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الأخوات الشقيقات أو لأب مع البنات عصبات، ووجه ذلك: أن الأخوات لا يرثن مع ذكر الفرع الوارث كالابن، فإذا كان الفرع الوارث أنثى واحدة أو أكثر أخذن فرضهن، والباقي للأخوات تعصيبًا، ويسمى التعصيب مع الغير.\nووجه الاستدلال: أن ابن مسعود - ﵁ - لم يفرض للأخت مع وجود البنت، بل أعطاها الباقي تعصيبًا.\nودل على ذلك -أيضًا- حديث الأسود بن يزيد قال: أتانا معاذ بن جبل باليمن معلمًا وأميرًا، فسألناه عن رجل توفي وترك ابنته وأخته، فأعطى الابنة النصف، والأخت النصف (^٢).\nقال ابن بطال: (أجمعوا على أن الأخوات عصبة للبنات، فيرثن ما فضل عن البنات …) (^٣). فإن وجد مع الأخوات معصب وهو الأخ الشقيق أو الأب ورثن معه بالتعصيب، ويسمى التعصيب بالغير، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تقريب الفرائض\" ص (٢٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٧٣٤).\n(^٣) \"شرح صحيح البخاري\" (٨/ ٣٥٥).","vol":"7","page":104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-796>لا توارث بين أهل ملتين</span>\n٩٥٠/ ٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَينِ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ أُسَامَةَ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ حَدِيثَ أُسَامَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (١١/ ٢٤٥)، وأبو داود في كتاب \"الفرائض\"، باب (هل يرث المسلم الكافر؟)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦/ ١٢٥)، وابن ماجه (٢٧٣١) من طرق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو -﵄-، مرفوعًا.\nوكلهم زادوا لفظة: (شتى) إلا ابن ماجه والنسائي في إحدى روايته، وهذا حديث حسن، لما علم من أن الراجح في سلسلة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنها من قبيل الحسن، وقد صححه ابن الملقن (^١).\nوأخرجه الحاكم (٢/ ٢٤٠) من حديث أسامة - ﵁ - من طريق علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة - ﵁ - بلفظ: \"لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافرًا، ولا كافر مسلمًا\"، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ [الأنفال: ٧٣].\nوقال: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي،\n_________\n(^١) \"خلاصة البدر المنير\" (٢/ ١٣٥).","vol":"7","page":105},{"text":"لكن حصل اختلاف في سياق الإسناد عند الذهبي في \"التلخيص\" حيث ساقه من طريق سفيان بن حسين، عن الزهري، وهذا يحتاج إلى تحرير.\nورواه النسائي في \"الكبرى\" (٦/ ١٢٥) من طريق هُشيم، عن الزهري، عن علي بن حسين، به، بلفظ: \"لا يتوارث أهل ملتين\".\nوهذا معلول، قال الدارقطني: (هذا اللفظ في حديث أسامة غير محفوظ) (^١)، وقال أحمد: (لم يسمع هشيم من الزهري حديث علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي - ﷺ -: \"لا يتوارث أهل ملتين\")، وقال الذهبي في هشيم: (كان مدلسًا، وهو لين في الزهري) (^٢).\nوفيه -أيضًا- مخالفة هشيم أصحاب الزهري في لفظه وسنده على ما تقدم في الحديث.\nولعل الحافظ ذكر هذا الحديث بعد حديث أسامة المتقدم لأنه أعم منه، ولو أن الحافظ جعلهما متواليين ولم يفصل بينهما بحديث ابن مسعود - ﵁ - في ميراث البنت وبنت الابن والأخت لكان أحسن، وقد قلد في ذلك ابن عبد الهادي في \"المحرر\"، بينما جعلهما ابن دقيق العيد متواليين.\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا توارث بين أهل ملتين كافرتين، فاليهودي لا يرث قريبه النصراني أو المجوسي، وكذا العكس لاختلاف الدين بينهما، فهما كالمسلم مع الكافر، وهذا قول الإمام أحمد وقول عند المالكية، نصره الموفق ابن قدامة (^٣).\nالقول الثاني: أن الكفار يتوارثون فيما بينهم دون النظر إلى اختلافهم في الديانة، وهذا مذهب الجمهور من الشافعية والحنفية ورواية عن الإمام أحمد (^٤).\nواستدلوا بما يلي:\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (٣/ ٩٧).\n(^٢) \"الميزان\" (٤/ ٣٠٦).\n(^٣) \"المغني\" (٩/ ١٥٧)، \"حاشية الدسوقي\" (٤/ ٤٣٢ - ٤٣٣).\n(^٤) \"المغني\" (٩/ ١٥٧)، \"المهذب\" (٢/ ٢٥)، \"حاشية ابن عابدين\" (٥/ ٤٨٩).","vol":"7","page":106},{"text":"١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] وهذا عام في جميعهم، لا يستثنى منه إلا ما دل عليه دليل.\n٢ - أن الله تعالى ذكر توريث القرابة في القرآن ذكرًا عامًّا، فلا يُترك إلا فيما استثناه الشرع، وما لم يستثنه يبقى على العموم.\nوحملوا حديث الباب على أن المراد بإحدى الملتين الإسلام وبالأخرى الكفر، ليكون مساويًا لحديث أسامة المتقدم: \"لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم\".\nوسبب الخلاف: هل الكفر ملة واحدة أو ملل شتى؟ فمن قال: إن الكفر ملة واحدة قال: بالتوارث بين الكفار، ومن قال: إن الكفر ملل شتى، قال: لا يرث أهل كل ملة من الملة الأخرى لاختلاف الدين.\nويروى عن مالك وبعض السلف ورواية عن أحمد أن الكفر ثلاث ملل، فاليهودية ملة، والنصرانية ملة، وبقية الكفر ملة واحدة؛ كالمجوسية والصابئة وغيرهم ممن لا كتاب لهم.\nوالقول الأول هو الراجح، لأمرين:\nالأول: أن حديث الباب نص في نفي التوارث بين أهل ملتين.\nالثاني: أن كل ملة لا موالاة بينها وبين الملة الأخرى ولا اتفاق في الدين بينهما، فلم يرث بعضهم بعضًا كالمسلمين مع الكفار، وأما عمومات القرآن في توريث القرابة فهي مخصصة بمثل حديث الباب، فلم تبق على عمومها.\n\n* الوجه الثالث: دل الحديث بمفهومه على أن أهل الملة الواحدة يرث بعضهم بعضًا، وهذا لا خلاف فيه. والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":107},{"text":"<span data-type='title' id=toc-797>ميراث الجد</span>\n٩٥١/ ٥ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ - ﵁ - قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَال: إِنَّ ابْنَ ابْنِي مَاتَ، فَمَا ليَ مِنْ مِيرَاثِهِ؟ فَقَال: \"لَكَ السُّدُسُ\"، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَال: \"لَكَ سُدُسٌ آخَرُ\"، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَال: \"إِنَّ السُّدُسَ الآخَرَ طُعْمَةٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عِمْرَانَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٣٣/ ٨١ - ٨٢)، وأبو داود في كتاب \"الفرائض\"، باب (ما جاء في ميراث الجد) (٢٨٩٦)، والترمذي (٢٠٩٩)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦/ ١١٠) من طريق قتادة، حدثنا الحسن، عن عمران - ﵁ -، به.\nوقال الترمذي: (حديث حسن صحيح). وهذا هو المثبت في \"جامع الترمذي\" وفي \"تحفة الأشراف\" (٨/ ١٧٥ - ١٧٦)، ونقل ابن دقيق العيد تحسينه فقط، وزاد: (لأنه لا يصح سماع الحسن عن عمران، وقد خولف في هذا) (^١)، والحافظ عزا الحديث إلى الأربعة، والظاهر أنه وهم، فإن الحديث ليس عند ابن ماجه.\nوقد اختلف أهل العلم في سماع الحسن من عمران بن حصين - ﵁ -، فذهب أحمد وأبو حاتم وابن المديني والبيهقي (^٢) وآخرون إلى أنه لم يسمع منه مطلقًا، وعلى هذا فالحديث ضعيف لانقطاعه.\n_________\n(^١) \"الإلمام\" رقم (١٠٤٨).\n(^٢) انظر: \"الجرح والتعديل\" (١/ ٢ / ٤١)، \"المراسيل\" لابن أبي حاتم ص (٣٨)، \"العلل\" =","vol":"7","page":108},{"text":"وقال البزار والحاكم (^١) إنه سمع منه مطلقًا، ورجحه الشيخ عبد العزيز بن باز، وفيه قول ثالث: أنه سمع منه بعض الأحاديث، وينبغي أن يعلم أن الحسن البصري مع جلالة قدره كثير الإرسال والتدليس، فمثله لا يقبل حديثه إلا إذا صرح بالتحديث، وهذا هو المشهور عند أهل العلم.\nوقد ورد في الباب حديث يونس بن عبيد عن الحسن أن عمر بن الخطاب - ﵁ - سأل عن فريضة رسول الله - ﷺ - في الجد، فقام معقل بن يسار المزني، فقال: قضى فيها رسول الله - ﷺ -، قال: ماذا؟ قال: \"السدس\"، قال: مع من؟ قال: \"لا أدري\"، قال: \"لا دريت، فما تغني إذن؟! \" (^٢).\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الجد يرث بالفرض ويرث بالتعصيب، والمراد به: من ليس بينه وبين الميت أنثى؛ كأبي الأب وهو يرث السدس إذا كان للميت ذكر وارث من الفروع، ولم يوجد أب أو جد أقرب منه؛ كأبي أبي الأب مع وجود أبي الأب، ودليل الشرط الأول قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١] ومعلوم أن الجد أب فيأخذ ميراثه.\nوأما دليل الشرط الثاني: فهو الإجماع (^٣)، ولأن الجد يدلي بالأب فلا يرث مع وجوده؛ لأن قاعدة الفرائض أن كل وارث من الأصول يحجب من فوقه إذا كان من جنسه، فالأب يحجب الجد؛ لأنه من جنسه، والأم تحجب الجدة كذلك، ولا يحجب الأب الجدة لأنه ليس من جنسها.\n_________\n= لابن المديني ص (٥١)، \"السنن الكبرى\" للبيهقي (١٠/ ٧٠، ٨٠)، \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢٣١).\n(^١) انظر: \"مستدرك الحاكم\" (١/ ٢٩)، \"نصب الراية\" (١/ ٩٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٨٩٧)، وأحمد (٣٣/ ٤٢٤)، وصححه الألباني في \"صحيح سنن أبي داود\" (٢/ ٥٦١)، مع أن الحسن البصري لم يسمع من عمر - ﵁ -، وأخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ٢٩١) ومن طريقه ابن ماجه (٢٢/ ٢٧)، وأخرجه أحمد (٣٣/ ٤٢٣) من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن عمرو بن ميمون بنحوه، وقد حسن إسناده المعلق على المسند.\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٩١).","vol":"7","page":109},{"text":"ومثال إرثه بالفرض فقط: أن يموت شخص عن جده وابنه، فللجد السدس، وللابن الباقي.\nويرث الجد بالتعصيب فقط إذا لم يكن للميت فرع وارث؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] ففرض للأم ولم يفرض للأب، فدل على أنه يرث في هذه الحال بالتعصيب فقط. والجد بمنزلة الأب؛ كهالك عن أمه وجده، فللأم الثلث، وللجد الباقي.\nويرث بالفرض والتعصيب إذا كان للميت فرع وارث أنثى لا ذكر معها، لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]، ولحديث الباب فإن النبي - ﷺ - أعطى الجد السدس فرضًا، وأعطاه السدس الآخر تعصيبًا، لذا قال: \"إن السدس الآخر طُعمة\" بضم الطاء؛ أي: رزق لك وزيادة على الحق المقدر بسبب عدم كثرة أصحاب الفروض، وليس بفرض إذ لو كثروا لم يبق هذا السدس الآخر لك، وصورة المسألة: أن الميت ترك بنتين وهذا السائل، وهو الجد، فلهما الثلثان، فبقي الثلث يأخذ سدسًا منه بالفرض والسدس الآخر بالتعصيب، وإنما تركه النبي - ﷺ - حتى ذهب ثم دعاه ودفع إليه السدس الآخر؛ لئلا يتوهم أنه فريضة كالسدس الأول، فيظن أن فرضه الثلث، ولذا سَمَّى السدس الأخير طُعمةً دون الأول؛ لأنه فرض، والفرض لا يتغير بخلاف التعصيب.\nومثال ذلك -أيضًا-: أن يموت شخص عن بنته وجده، فللبنت النصف، وللجد السدس فرضًا، والباقي تعصيبًا. والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":110},{"text":"<span data-type='title' id=toc-798>ميراث الجدة</span>\n٩٥٢/ ٦ - وعَنِ ابْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ، وَقَوّاهُ ابْنُ عَدِيٍّ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب \"الفرائض\"، بابٌ (في الجدة) (٢٨٩٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦/ ١١١)، وابن الجارود (٩٦٠)، وابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ٣٣٠) كلهم من طريق أبي المنيب عبيد الله العتَكي، عن ابن بريدة، عن أبيه، مرفوعًا.\nوهذا سند فيه أبو المنيب عبيد الله العتكي مختلف فيه، قال البخاري: (عنده مناكير) ووثقه ابن معين، وأبو داود، والنسائي، وفي موضع آخر قال: (ضعيف) وقال ابن عدي: (ولأبي المنيب هذا أحاديث غير ما ذكرت، وهو عندي لا بأس به) (^١).\nوالحديث ضعفه الألباني فقال: (هذا سند ضعيف من أجل عبيد الله، وهو ابن عبد الله، قال الحافظ: \"صدوق يخطئ\") (^٢)، وقد خالف هذا في موضع آخر فإنه لما نقل كلام ابن عدي المتقدم، قال عقبه: (قلت: وهذا هو الذي يتلخص من خلافهم فيه، أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، صحيح الحديث إذا وافق الثقات …) (^٣).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢٥).\n(^٢) \"الإرواء\" (٦/ ١٢١).\n(^٣) \"السلسلة الصحيحة\" (٦/ ٩٥٨).","vol":"7","page":111},{"text":"والحديث له شواهد، كلها معلولة، وجاء في معناه مراسيل، بعضها صحيح (^١).\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الجدة ترث السدس بشرط ألا يوجد معها أم؛ إذ لا ميراث للجدة مع وجود الأم، بناءً على القاعدة المتقدمة، والمراد بالجدة التي ترث هي أم الأم، وأم الأب، وأم أبي الأب، وإن علون بمحض الإناث، وأما الجدة التي تدلي بذكر بينه وبين الميت أنثى؛ كأم أبي الأم، فإنها لا ترث؛ لأنها من ذوي الأرحام.\nوميراث الجدة السدس، سواء أكانت واحدة أم أكثر، فلا يزيد الفرض بزيادتهن.\nفإن تعددت الجدات وتساوين في القرب فالسدس بينهن بالسوية؛ كهالك عن أم أم، وأم أب، وعم.\nوإن كان بعضهن أقرب من بعض سقطت البعيدة؛ كهالك عن أم أم أم، وأم أب، وعم، فالسدس لأم الأب فقط؛ لأنها أقرب، والباقي للعم. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"الإرواء\" (٦/ ١٢٧)، \"شرح كتاب: منهاج السالكين\" للشيخ: أحمد الزومان \"كتاب المواريث\".","vol":"7","page":112},{"text":"<span data-type='title' id=toc-799>ميراث ذوي الأرحام</span>\n٩٥٣/ ٧ - عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الْخَالُ وَارثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ\". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ سِوَى التِّرْمِذِيِّ، وَحَسّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ.\n٩٥٤/ ٨ - وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَال: كَتَبَ مَعِي عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيدَةَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"الله وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُدَ، وَحَسّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو أمامة أسعد بن سهل بن حُنيف الأنصاري الأوسي، ولد في حياة النبي - ﷺ -، وقيل: إنه رآه ولم يسمع منه، وقال ابن عبد البر: يُعدُّ في كبار التابعين، حدث عن أبيه (^١) وعمر وعثمان وزيد بن ثابت وابن عباس وغيرهم -﵃-، وروى عنه ابناه: محمد وسهل، والزهري، وحكيم بن حكيم بن عباد وغيرهم، مات سنة مائة، وله نيّف وتسعون سنة (^٢).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث المقدام فقد أخرجه أحمد (٢٨/ ٤١٣ - ٤١٤)، وأبو داود (٢٨٩٩)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦/ ١١٦)، وابن ماجه (٢٧٣٨)، وابن حبان\n_________\n(^١) ستأتي ترجمته في آخر \"العتق\" إن شاء الله تعالى.\n(^٢) \"الاستيعاب\" (١١/ ١٣٠)، \"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ٥١٧)، \"الإصابة\" (١١/ ٢٥).","vol":"7","page":113},{"text":"(١٣/ ٣٩٧) كلهم من طريق شعبة، عن بُديل -يعني: ابن ميسرة- عن علي بن أبي طلحة، عن راشد بن سعد، عن أبي عامر الهوزني، عن المقدام، قال: … وذكر الحديث.\nوأخرجه أبو داود (٢٩٠٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦/ ١١٦)، وابن ماجه (٢٦٣٤)، والحاكم (٤/ ٣٤٤) من طريق حماد بن زيد، عن بديل بن ميسرة، به.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) وتعقبه الذهبي في \"التلخيص\" فقال: (علي بن أبي طلحة، قال أحمد: \"له منكرات\" (^١) ولم يخرج له البخاري).\nوقد أخرج له مسلم وهو صدوق، وراشد بن سعد لم يخرج له الشيخان، وأبو عامر الهوزني: اسمه عبد الله بن لُحَيّ لم يخرج له الشيخان كذلك.\nوالحديث حسنه أبو زرعة الرازي، كما نقله عنه ابن أبي حاتم في \"العلل\" (^٢).\nوفي سنده اختلاف مما جعل البيهقي يعله بالاضطراب، وذلك أن شعبة وحماد بن زيد ذكرا أبا عامر الهوزني بين راشد بن سعد وبين المقدام، كما مضى، وخالفهم معاوية بن صالح فرواه عن راشد بن سعد عن المقدام، فلم يذكر أبا عامر، أخرجه أحمد (٢٨/ ٤٣١ - ٤٣٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦/ ١١٥)، قال الدارقطني: (الأول أشبه بالصواب)، ومعاوية بن صالح هو ابن حُدير، قال عنه في \"التقريب\": (صدوق له أوهام).\nوقال الطحاوي: (ليس ينكر على راشد بن سعد أن يكون سمع المقدام بن معدي كرب؛ لأنه سمع ممن كان في أيامه من أصحاب\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢٩٨).\n(^٢) \"العلل\" (١٦٤٠، ١٦٣٦).","vol":"7","page":114},{"text":"رسول الله - ﷺ -، قد سمع من معاوية بن أبي سفيان، وأهل الحديث قد يختلفون في أسانيد الحديث، فيزيد بعضهم فيها على بعض الرجل ومن هو أكثر منه في العدد، فوجب أن يحمل أمر معاوية بن صالح في ذلك على مثل ما حملوه عليه فيه) (^١)، وعلى هذا يكون راشد بن سعد رواه مرة بواسطة عامر الهوزني، ومرة بلا واسطة (^٢)، لكن كلام الدارقطني هو الصواب، إذ لا مقارنة بين شعبة وحماد بن زيد وبين أبي معاوية.\nوأما حديث عمر - ﵁ - فقد أخرجه أحمد (١/ ٣٢١)، والترمذي (٢١٠٣)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦/ ١١٤)، وابن ماجه (٢٧٣٧)، وابن حبان (١٣/ ٤٠٠ - ٤٠١) كلهم من طرق، عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حُنيف، عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف، قال: كتب عمر … الحديث.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن) (^٣)، وفيه عبد الرحمن بن الحارث: صدوق له أوهام، كما في \"التقريب\"، وحكيم بن حكيم: صدوق، كما في \"التقريب\" أيضًا، والحديث له شواهد، ومنها حديث عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"الخال وارث من لا وارث له\" (^٤).\n\n* الوجه الثالث: في شرح الألفاظ:\n\nقوله: (من لا وارث له) أي: من أهل الفروض والعصبات.\n\nقوله: (إلى أبي عبيدة) وهو عامر بن عبد الله بن الجراح، غلبت كنيته\n_________\n(^١) \"شرح مشكل الآثار\" (٧/ ١٧٤).\n(^٢) انظر: \"الجوهر النقي\" (٦/ ٢١٤).\n(^٣) نقل الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ١٣٧) أن الترمذي قال: (هذا حديث حسن صحيح)\nوهذا مثبت في الطبعة التي أكملها يوسف الحوت، وأشار بشار عواد في طبعته (٣/ ٦٠٧) إلى أن هذا موجود في بعض النسخ، وحكم عليه بأنه خطأ وأن الصواب تحسينه فقط، قلت: وهذا هو الذي ذكره المزي في \"تحفة الأشراف\" (٨/ ٤)، وذكره الحافظ- هنا- في \"البلوغ\".\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢١٠٤)، ورجح الدارقطني والبيهقي (٦/ ٢١٥) وقفه على عائشة -﵂-، انظر: \"العلل\" (١٤/ ٣٣٥)، \"التلخيص\" (٣/ ٩٣).","vol":"7","page":115},{"text":"على اسمه، أحد السابقين الأولين، وذكره ابن إسحاق فيمن هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدرًا وما بعدها، شهد له الرسول - ﷺ - بالجنة (^١)، وسماه أمين الأمة (^٢)، ومناقبه شهيرة جمة، وقد عزم أبو بكر - ﵁ - على توليته الخلافة، وأشار به يوم السقيفة، لكمال أهليته عند أبي بكر - ﵁ -، مات سنة ثماني عشرة، وعمره ثمان وخمسون سنة - ﵁ - (^٣).\n\nقوله: (مولى من لا مولى له) أي: ولي من لا ولي له، ووارث من لا وارث له، وفي لفظ: (وأنا وارث من لا وارث له، أرثه وأعقل عنه)، والمراد بذلك: وضع ماله في بيت مال المسلمين.\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على توريث ذوي الأرحام، وهم كل قريب ليس بذي فرض ولا تعصيب؛ كالخال والخالة، والعمة، وأولاد البنات، وأولاد بنات الابن، وأبي الأم وغيرهم.\nووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - جعل الخال وارثًا عند عدم الوارث بفرض أو تعصيب، والخال من ذوي الأرحام، فيلحق به غيره منهم.\nوالقول بتوريثهم مروي عن عمر وعلي وغيرهما من الصحابة -﵃-، وهو مذهب الحنابلة والحنفية، والوجه الثاني في مذهب الشافعية إذا لم ينتظم بيت المال، وهو المفتى به عند متأخريهم ومتأخري المالكية بهذا الشرط (^٤)، ونصره ابن القيم (^٥).\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣٧٤٧) والنسائي في \"الكبرى\" (٧/ ٣٢٨)، وأحمد في \"المسند\" (٣/ ٢٠٩) وفي \"فضائل الصحابة\" (١/ ٢٢٩) وانظر: \"العلل\" للدارقطني (٤/ ٤١٧ - ٤١٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٧٤٤)، ومسلم (٢٤١٩)، وسيأتي آخر الباب.\n(^٣) \"الاستيعاب\" (٥/ ٢٩٢)، \"سير أعلام النبلاء\" (١/ ٥)، \"الإصابة\" (٥/ ٢٨٥).\n(^٤) \"المغني\" (٩/ ٨٢)، \"حاشية ابن عابدين\" (٥/ ٥٠٤)، \"المهذب\" (٢/ ٣٢)، \"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير\" (٤/ ٤١٦).\n(^٥) \"تهذيب مختصر السنن\" (٤/ ١٧٠).","vol":"7","page":116},{"text":"واستدلوا -أيضًا- بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] أي: أحق بالتوارث في حكم الله تعالى وشرعه، ولفظ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ عام يشمل جميع الأقارب، سواء كانوا أصحاب فروض أو عصبات أو غيرهم.\nوالقول الثاني: أنهم لا يرثون، ويُجعل مال الميت في بيت المال، وهذا قول زيد بن ثابت، وهو مذهب المالكية والشافعية (^١).\nواستدلوا بحديث أبي أُمامة الباهلي - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث\" وسيأتي إن شاء الله في باب \"الوصايا\".\nووجه الاستدلال: أنه لو كان ذو الرحم -بالمعنى المتقدم- ذا حق لكان ذا فرض في كتاب الله، فلما لم يكن كذلك لم يكن وارثًا (^٢).\nوأجابوا عن أحاديث الباب بأجوبة غير ناهضة؛ كقولهم: إن هذه الأحاديث في أسانيدها مقال فلا تقوم بها حجة، وما تقدم في تخريجها يكفي جوابًا عن ذلك، وكقولهم: إن المراد بالحديث السلب، بمعنى أن من ليس له إلا خال فلا وارث له؛ كقولهم: الصبر حيلة من لا حيلة له، والجوع طعام من لا طعام له، وهذا تأويل فاسد لأمور ثلاثة:\n١ - أن قوله: (يرثه) يبطل هذا التأويل.\n٢ - أن الرسول - ﷺ - سماه وارثًا.\n٣ - أن المخاطبين بهذا اللفظ فهموا منه الميراث دون غيره، ولهذا كتب عمر - ﵁ - إلى أبي عبيدة - ﵁ -.\nوعلى هذا فالقول الأول أرجح لأمرين:\n_________\n(^١) \"المغني\" (٩/ ٨٢)، \"حاشية ابن عابدين\" (٥/ ٥٠٤)، \"المهذب\" (٢/ ٣٢)، \"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير\" (٤/ ٤١٦).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٤٣).","vol":"7","page":117},{"text":"الأول: لقوة أدلته، فإن منها ما هو عام يحتج بعمومه كالآية الكريمة، ومنها ما هو خاص وظاهر في محل النزاع كأحاديث الباب.\nالثاني: أنه إذا بقي الأمر دائرًا بين أن يكون المال الذي خلفه الميت لبيت المال لمنافع البعيدين عن ذلك الميت، وبين كونه يرجع إلى أقاربه المدلين إلى الميت بالورثة المجمع عليهم تعين الثاني؛ لأن صرفه لغيرهم ترك لمن هو أولى من غيره؛ لأن ذوي الأرحام شاركوا عموم المسلمين في الإسلام، وزادوا عليهم بالقرابة، فيكونون أحق بمال قريبهم (^١).\nوأما استدلال أصحاب القول الثاني بحديث: \"إن الله أعطى كل ذي حق حقه\" فليس بصحيح؛ لأن الحديث سيق في إبطال الوصية للوارث؛ لأنه قد أُعطي حقه من الميراث، وهذا لا ينافي توريث ذوي الأرحام الذين ثبت إرثهم بأدلة أخرى، فهم داخلون فيمن أعطاه الله حقه.\n\n* الوجه الخامس: شرط إرث ذوي الأرحام ألا يوجد وارث يقدم عليهم، وهو صاحب الفرض أو التعصيب، فإن وجد لم يرث ذوو الأرحام؛ لأن أصحاب الفروض منصوص على فروضهم، والعاصب يستحق ما فضل عن الفرض، ولأن صاحب الفرض والعاصب أقرب إلى الميت من ذوي الأرحام فكان أولى بميراثه.\nفإذا خلف الميت عصبة أو ذا فرض من أقاربه يُرَدُّ عليه، أخذ المال كله، ولا شيء لذوي الأرحام؛ كهالك عن أخيه لأمه وعمته، فالمال للأخ لأم فرضًا وردًا، ولا شيء للعمة.\nوإن كان صاحب الفرض لا يرد عليه وهو الزوج والزوجة لم يمنع ذلك ميراث ذوي الأرحام، فيعطى الزوج أو الزوجة نصيبه، والباقي لذي الرحم؛ كهالك عن زوج وبنت بنت، فللزوج النصف، وبنت البنت النصف.\n_________\n(^١) \"تفسير ابن سعدي\" ص (١٧٠)، \"التحقيقات المرضية\" ص (٢٦٤).","vol":"7","page":118},{"text":"الوجه السادس: يورث كل واحد من ذوي الأرحام بالتنزيل، فينزل كل وارث منهم منزلة من أدلى به، ثم يقسم المال بين المدلى بهم، فما صار لكل واحد أخذه المدلي، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، والأقيس الأصح عند الشافعية، وعند المالكية.\nفإذا مات عن بنت بنته، وابن أخته الشقيقة، وبنت أخيه لأب، فنعتبر الميت كأنه مات عن بنت وأخت شقيقة وأخ لأب، فلبنت البنت النصف نصيب أمها التي أدلت بها، وابن الأخت له النصف -أيضًا- نصيب أمه، ولا شيء لبنت الأخ لأب؛ لأن الشقيقة عصبة مع البنت، كما تقدم، فتأخذ الباقي، وهي بمنزلة الأخ الشقيق، فتحجب الأخ لأب، وكذا فرعه. والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-800>ميراث الحمل</span>\n٩٥٥/ ٩ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"إِذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وَرِثَ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه الترمذي في أبواب \"الجنائز\"، باب (ما جاء في ترك الصلاة على الجنين حتى يستهلَّ) (١٠٣٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦/ ١١٧)، وابن ماجه (١٥٠٨) (٢٧٥٠)، وابن حبان (١٣/ ٣٩٢) من طرق عن أبي الزبير، عن جابر - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، قال: \"الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث، ولا يورث حتى يستهلَّ\".\nوهذا لفظ الترمذي، وقد رواه إسماعيل بن مسلم المكي، عن أبي الزبير، كما عند الترمذي، وهذا سند ضعيف، من أجل إسماعيل بن مسلم، فقد ضعفه ابن معين والبخاري وابن المديني وأبو زرعة وغيرهم.\nورواه المغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير، كما عند النسائي، وهو صدوق، كما في \"التقريب\".\nورواه الربيع بن بدر، عن أبي الزبير، كما عند ابن ماجه، وهذا سند ضعيف -أيضًا- فيه الربيع، وهو متروك.\nورواه سفيان الثوري، عن أبي الزبير، كما عند ابن حبان، وهذا السند رجاله ثقات، إلا أن فيه عنعنة أبي الزبير.","vol":"7","page":120},{"text":"وقد صحح الحاكم (٤/ ٣٤٨ - ٣٤٩) هذا الحديث من طريق سفيان على شرط الشيخين، ووهَّمه الحافظ، فقال: (لأن أبا الزبير ليس من شرط البخاري وقد عنعن، فهو علة هذا الخبر إن كان محفوظًا عن سفيان الثوري) (^١).\nوقد ذكر الترمذي اضطراب الناس في هذا الحديث حيث روي مرفوعًا وموقوفًا، ورجح أن الموقوف عن جابر - ﵁ - أصح من المرفوع، وقد رجح الموقوف -أيضًا- الدارقطني (^٢)، ورجحه -أيضًا- النسائي، فإنه لما ساقه موقوفًا بعد المرفوع قال: (وهذا أولى بالصواب من حديث المغيرة بن مسلم …).\nوقال الحافظ: (ضعفه النووي في \"شرح المهذب\" والصواب أنه صحيح الإسناد، لكن المرجح عند الحفاظ وقفه، وعلى طريقة الفقهاء لا أثر للتعليل بذلك؛ لأن الحكم للرفع لزيادته) (^٣).\nوقد رواه موقوفًا الدارمي (٢/ ٢٨٣)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣١٩) (١١/ ٣٨٢) من طريق أشعث بن سوار، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفًا.\nوأخرجه الدارمي (٢/ ٢٨٣)، والبيهقي (٤/ ٨) من طريقين عن محمَّد بن إسحاق، عن عطاء، عن جابر موقوفًا أيضًا.\nوأما اللفظ المذكور في \"البلوغ\" فليس من حديث جابر - ﵁ -، وإنما هو من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وهو الذي رواه أبو داود (٢٩٢٠) من طريق محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا.\nوهذا سند رجاله ثقات إلا ابن إسحاق، فإنه مدلس وقد عنعنه.\nوللحديث شاهد من حديث ابن عباس - ﵄ - أخرجه الدارمي (٢/ ٢٨٣)، وابن عدي (٤/ ١٣ - ١٤) من طريق شريك، عن أبي إسحاق، عن ابن\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (٢/ ١٢١).\n(^٢) \"العلل\" (١٣/ ٣٨١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٨٩).","vol":"7","page":121},{"text":"عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا استهل الصبي ورث وصلي عليه\".\nقال الألباني: (وهذا سند لا بأس به في الشواهد، فإن شريكًا وهو ابن عبد الله القاضي ثقة إلا أنه سيء الحفظ، ومثله إسحاق وهو السبيعي، فإنه كان اختلط) (^١).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا استهل المولود) الاستهلال: رفع الصوت، واستهل المولود: رفع صوته بالبكاء عند ولادته (^٢).\nوقد جاء تفسير الاستهل الذي حديث جابر والمسور بن مخرمة -﵄-، قالا: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يرث الصبي حتى يستهل صارخًا، واستهلاله: أن يصيح أو يَعْطِسَ أو يبكي\" (^٣).\nأما ما ذكره الصنعاني في \"سبل السلام\" من أن تفسير الاستهلال ورد في حديث ضعيف، فهو حدثنا ابن عمر مرفوعًا: \"استهلال الصبي العطاس\" وهو حديث ضعيف (^٤)، وهو غير حديث جابر والمسور -﵄-، وقوله: (صارخًا) في حديث أبي هريرة - ﵁ - حال مؤكدة.\nوهذا كناية عن ولادته حيًّا وإن لم يستهلَّ، بل وجدت منه أمارة تدل على حياته؛ كالتنفس والرضاع، ونحو ذلك.\n\nقوله: (ورث) ضبطه شارح سنن أبي داود بضم الواو وتشديد الراء\n_________\n(^١) \"الصحيحة\" رقم (١٥٣).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (٦٣٩).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٢٧٥١)، والطبراني في \"الأوسط\" (٥/ ٣٠٣)، من طريق مروان بن محمَّد، ثنا سليمان بن بلال، حدثني يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله والمسور بن مخرمة به، وصححه الألباني في \"الصحيحة\" رقم (١٥٢)، مع أنه قد تفرد به مروان بن محمَّد عن سليمان، وأغلب ما ينفرد به ابن ماجه وما يرويه الطبراني في \"الأوسط\" غرائب.\n(^٤) أخرجه البزار (١/ ٥٥٤ مختصر زوائده) وسنده ضعيف، فيه محمَّد بن عبد الرحمن البيلماني، قال البزار عقبه: (محمَّد بن عبد الرحمن له مناكير، وهو ضعيف عند أهل العلم).","vol":"7","page":122},{"text":"مكسورة؛ أي: جعل وارثًا (^١)، وضبطه بعضهم بفتح الواو وكسر الراء؛ أي: ورث من قريبه الذي مات (^٢).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على ميراث العمل، بشرط أن يولد حيًّا، وذلك بأن يستهل عند ولادته بصراخ أو بكاء أو عطاس أو نحو ذلك مما يدل على تحقق حياته.\nأما الحركة اليسيرة أو الاضطراب أو التنفس اليسير الذي لا يدل على الحياة المستقرة فلا عبرة به. ومتى شُك في وجود الحياة المستقرة لم يرث؛ لأن الأصل عدمها.\nوشرط الفقهاء -أيضًا- تحقق وجوده في الرحم حين موت مورثه ولو نطفة، وذكروا لذلك ضوابط يعرف بها، ويمكن الاستفادة من التحاليل الطبية والأشعة في عصرنا هذا إذا اقتنع بها القاضي، ووجه هذا الشرط أن الميراث خلافة عن الميت، والمعدوم لا يتصور أن يكون خليفة عن أحد، وأُولى درجات الخلافة الوجود، واشترطت حياته عند انفصاله فقط؛ لأن حالته عند موت المورث مجهولة لا يمكن معرفة حقيقتها، فإذا انفصل حيًّا في المدة المحدودة كان ذلك دليلًا على وجوده يومئذ.\n\n* الوجه الرابع: إذا مات الميت عن ورثة فيهم حمل، فإن رضوا بتأجيل قسمة التركة حتى يوضع العمل فهذا أولى لتكون القسمة مرة واحدة، وإن طلبوا أو طلب بعضهم القسمة قبل الوضع فلهم ذلك، وفي صفة القسمة تفاصيل محلها كتب الفرافض، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"عون المعبود\" (٨/ ١٣٤).\n(^٢) \"توضيح الأحكام\" (٤/ ٢٩٤).","vol":"7","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-801>حكم توريث القاتل</span>\n٩٥٦/ ١٠ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَيسَ لِلْقَاتِلِ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيءٌ\"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَقَوّاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيُّ، وَالصَّوَابُ وَقفُهُ عَلَى عُمَر.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٦/ ١٢٠)، والدارقطني (٤/ ٩٧) من طريق إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج ويحيى بن سعيد، وذَكَرَ آخر، ثلاثتهم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكر الحديث.\nوهذا السياق للنسائي، وجاء عند الدارقطني بعد يحيى بن سعيد المثنى بن الصبَّاح، ولعله المراد برواية النسائي.\nوهذا سند ضعيف؛ لأن رواية إسماعيل بن عياش عن غير الشاميين ضعيفة، وهذا منها، ولكنه لم ينفرد به، فقد أخرجه أبو داود (٤٥٦٤) من طريق محمَّد بن راشد، ثنا سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب به، ولفظه: \"ليس للقاتل شيء، فإن لم يكن له وارث يرثه أقرب الناس إِليه، ولا يرث القاتل شيئًا\".\nقال ابن عبد البر: (هذا حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز","vol":"7","page":124},{"text":"والعراق، مستفيض عندهم، يستغني بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه، حتى يكاد أن يكون الإسناد في مثله لشهرته تكلفًا) (^١).\nورواه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٨٦٧) ومن طريقه النسائي في \"الكبرى\" (٦/ ١٢٠ - ١٢١)، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب، أن عمر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليس لقاتل شيء\".\nقال النسائي عقبه: (وهو الصواب، وحديث إسماعيل خطأ) وهذه الجملة ليست موجودة في \"سنن النسائي\" المطبوع، وإنما نقلها عنه المزي في \"تحفة الأشراف\" (^٢).\nوقد أخرج الإِمام أحمد (١/ ٤٢٣) عن أبي المنذر أسد بن عمرو، أُراه عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قتل رجل ابنه عمدًا، فرفع إلى عمر بن الخطاب، فجعل عليه مائة من الإبل، ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين ثنية، وقال: (لا يرث القاتل، ولو أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا يقتل والد بولده\" لقتلتك).\nوهذا سند فيه ضعف، لضعف أسد بن عمرو، ولتردده في أنه عن الحجاج، والحجاج هو ابن أرطاة، صدوق كثير الخطأ والتدليس، وقد عنعنه، لكنه قد توبع، تابعه ابن لهيعة وغيره (^٣).\nوقول الحافظ: (والصواب وقفه على عمر) جاء في أكثر نسخ \"البلوغ\" على عمرو، ولعل المثبت هنا هو الصحيح (^٤)، والله أعلم.\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن القاتل لا يرث شيئًا من مال مورثه، وهذا أمر مجمع عليه بين أهل العلم، لهذا الحديث ولقاعدة: \"من\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٢٣/ ٤٣٧).\n(^٢) (٦/ ٣٤١).\n(^٣) انظر: \"المسند\" (١/ ٢٩٢)، \"العلل\" للدارقطني (٢/ ٢٠٧).\n(^٤) رجعت إلى مخطوطة لـ (البلوغ) فرغ ناسخها منها في ئاني عشر من ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وثمانمائة، أي قبل وفاة الحافظ ابن حجر بأربع سنوات. فوجدت فيها ما أثبته. وكذا في طبعة سمير الزهيري.","vol":"7","page":125},{"text":"تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه\"، وذلك أن الإنسان ظلوم جهول، قد يطغى عليه حب المال مع ضعف الإيمان فيستبطئ حياة مورثه، فتسول له نفسه الإقدام على قتله والقضاء عليه؛ ليستأثر بهذه الثروة، ويستبد بهذا المال، فعامله الشارع بنقيض قصده، فحرمه من الميراث.\nومع إجماع أهل العلم على أن القتل مانع من الإرث، إلا أنهم اختلفوا في صفة القتل الذي يمنع من الإرث على أقوال أربعة:\nالأول: مذهب الحنابلة أن القتل المانع من الإرث، هو القتل بغير حق، وهو المضمون بقود أو دية أو كفارة؛ كقتل العمد وشبهه والخطأ وما جرى مجرى الخطأ؛ كالقتل بالسبب؛ كحفر البئر، أو وضع حجر في الطريق، والقتل من الصبي والمجنون والنائم.\nوأما القتل الذي لا يضمن بشيء مما ذكر فلا يمنع الإرث؛ كالقتل قصاصًا، أو حدًّا، أو دفاعًا عن النفس، أو قتل العادلِ الباغيَ، ونحو ذلك؛ لأن المنع من الإرث تابع للضمان، فإذا لم يكن القتل مضمونًا على القاتل بشيء، لم يمنع (^١).\nالقول الثاني: مذهب الشافعية أن القاتل لا يرث من قتيله بحال من الأحوال، فلا يستثنى عندهم شيء، وهو رواية عن أحمد، لعموم حديث الباب، ولأن القاتل حرم الإرث حتى لا يكون القتل ذريعة إلى استعجال الميراث، فوجب أن يحرم بكل حال، لحسم الباب (^٢).\nالقول الثالث: مذهب الحنفية أن القتل المانع هو ما أوجب قصاصًا أو كفارة، وهو العمد وشبهه، والخطأ وما جرى مجراه؛ كانقلاب نائم على شخص، أو سقوطه عليه من سطح، بخلاف القتل بسبب كما لو حفر بئرًا، أو وضع حجرًا في الطريق، فقتل مورثه، وكذا القتل قصاصًا ونحوه، أوكان القاتل صبيًّا أو مجنونًا، فهذه الأنواع لا تمنع الإرث؛ لأنها لا توجب قصاصًا\n_________\n(^١) \"المغني\" (٩/ ١٥٢).\n(^٢) \"المغني\" (٩/ ١٥٢)، \"المهذب\" (٢/ ٢٥ - ٢٦).","vol":"7","page":126},{"text":"ولا كفارة، وهما الأساس في القتل المانع من الإرث عندهم (^١).\nالقول الرابع: مذهب المالكية أنه إن كان القتل عمدًا عدوانًا فإن القاتل لا يرث من مال مورثه ولا من ديته، وإن كان القتل خطأ فإنه يرث من مال مورثه ولا يرث من ديته، ووجه كونه ورث من المال؛ لأنه لم يتعجله بالقتل، ووجه كونه لم يرث من الدية لأنها واجبة عليه، ولا معنى لكونه يرث شيئًا وجب عليه (^٢). وهو قول بعض الصحابة والتابعين، وهو أحد الاحتمالين عند الحنابلة، واختاره القرطبي، وابن المنذر، وابن القيم، وابن عثيمين، وهذا قول وجيه، لا سيما فيما يقع من حوادث السيارات، فيرث القاتل من مال المقتول، ولا يرث من الدية التي يأخذها ورثة المقتول من عاقلة ذلك القاتل (^٣).\nويؤيد هذا القول أمور ثلاثة:\n١ - ما قاله القرطبي من أن ميراث من ورَّثه الله تعالى في كتابه ثابت لا يُستثنى منه شيء إلا بسنَّة أو إجماع، وكل مختلف فيه فمردود إلى ظاهر الآيات التي فيها المواريث.\n٢ - أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ومنع القاتل من الميراث منوط بسبب وهو العمد الذي يُدرك بالقرائن، فيغلب على الظن أنه قتل مورثه استعجالًا لإرثه منه، فإذا انتفى هذا السبب كما في حالة الخطأ لم يحكم بالمنع.\n٣ - أن القاتل بالتسبب لم يكن قاتلًا حقيقة؛ لأنه لم يباشر القتل.\nوأما حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - فلم يثبت ثبوتًا يطمئن إليه القلب في\n_________\n(^١) \"حاشية ابن عابدين\" (٥/ ٤٨٩).\n(^٢) \"الشرح الكبير بحاشية الدسوقي\" (٤/ ٤٣٢).\n(^٣) \"المهذب\" (٢/ ٢٥)، \"المغني\" (٩/ ١٥٢)، \"تفسير القرطبي\" (٥/ ٥٩)، \"إعلام الموقعين\" (٤/ ٣٣٦)، \"الإنصاف\" (٧/ ٣٦٨)، \"حاشية الدسوقي\" (٤/ ٤٨٦)، \"حاشية ابن عابدين\" (٦/ ٨٢٠)، \"الشرح الممتع\" (١١/ ٣١٩).","vol":"7","page":127},{"text":"تخصيص عموم آيات المواريث، ولو ثبت فهو محمول على ما إذا كان القاتل متهمًا بقصد قتل موَرِّثه ليرثه، فيكون من باب العام المراد به الخصوص، بناءً على ما تقتضيه قواعد الشريعة، ثم إن هذا الحديث لم يبق على عمومه عند أكثر المحتجين به، حيث أخرجوا من عمومه ما لو قتله حدًّا، أو لبغي، أو صيالة فلا يمنع الإرث، وكذا القتل الحاصل بتأديب أو دواء أو نحوه فإنه لا يمنع الإرث إذا كان مأذونًا فيه، ولم يحصل تعد ولا تفريط (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المبسوط\" (٣٠/ ٤٧)، \"تفسير القرطبي\" (٥/ ٥٩)، \"مجلة البحوث الإِسلامية\" (٦٥) ص (٢٦١).","vol":"7","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-802>الإرث بالولاء</span>\n٩٥٧/ ١١ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَا أَحْرَزَ الْوَالِدُ أَو الْوَلَدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحّحَهُ ابْنُ الْمَدِيني، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب \"الفرائض\"، بابٌ (في الولاء) (٢٩١٧)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦/ ١١٣ - ١١٤)، وابن ماجه (٢٧٣٢) من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال عمر بن الخطاب … وذكر الحديث.\nوهذا السياق للنسائي، ورواه أبو داود وابن ماجه مطولًا، ولفظه: (قال: تزوج ربابُ بن حذيفة بن سعيد بن سهم أمَّ وائل بنت معمر الجمحية، فولدت له ثلاثة، فتوفيت أمهم، فورثها بنوها رباعًا وولاءَ مواليها، فخرج بهم عمرو بن العاص إلى الشام فماتوا في طاعون عَمَواس (^١)، فورثهم عمرو، وكان عصبتهم، فلما رجع عمرو بن العاص، جاء بنو معمر يخاصمونه في ولاء أختهم إلى عمر، فقال عمر: أقضي بينكم بما سمعت من رسول الله - ﷺ -، سمعته يقول: \" … فذكر الحديث\" وزاد: فقال: فقضى لنا به، وكتب لنا به كتابًا فيه شهادة عبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت وآخر، حتى إذا استخلف عبد الملك بن مروان توفي مولى لنا، فترك ألفي دينار، فبلغني أن ذلك القضاء\n_________\n(^١) انظر: \"معجم البلدان\" (٤/ ١٥٧).","vol":"7","page":129},{"text":"قد غُيِّر، فخاصموا إلى هشام بن إسماعيل، فرفعنا إلى عبد الملك، فأتينا بكتاب عمر، فقال: إن كنت لأرى أن هذا من القضاء الذي لا يُشك فيه، وما كنت أرى أن أمر أهل المدينة بلغ هذا، أن يشكُّوا في هذا القضاء، فقضى لنا فيه، فلم نزل فيه بعد).\nوهذا السياق لابن ماجه، وهو أتم من سياق أبي داود، فلذا ذكرته.\nوهذا الحديث سنده حسن، ونقل ابن عبد الهادي في \"المحرر\" (^١) أن ابن المديني رواه، وقال: (هو من صحيح ما روي عن عمرو)، وقال ابن عبد البر: (هذا حديث صحيح حسن غريب) (^٢)، وقد حسنه الألباني في \"الصحيحة\" (^٣).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ما أحرز الوالد أو الولد) أي: ما جمعه وحصله، أو ما استحقه من الأموال والحقوق.\n\nقوله: (فهو لعصبته) أي: لعصبة ذلك الرجل المُحْرِزِ، والعصبة: جمع عاصب: وهو من يرث المال بلا تقدير، وعصبة الرجل: قرابته لأبيه.\n\nقوله: (من كان) أي: ذلك العاصب قَرُبَ أو بَعُدَ.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على ميراث العصبة، وهو أن ما جمعه الوالد أو الولد من مال؛ فإنه يكون لعصبته، وهم قرابته من المذكور، وهم العصبة بالنفس.\n\n* الوجه الرابع: استدل العلماء بهذا الحديث على الإرث بالولاء، فيرث المعتق الذي باشر العتق من عتيقه، ثم عصبته المتعصبون بأنفسهم الأقرب فالأقرب، ولا فرق بين أن يكون العتق منجزًا، أو معلقًا بصفة، تطوعًا\n_________\n(^١) (٢/ ٦١٥).\n(^٢) \"التمهيد\" (٣/ ٦٢).\n(^٣) (٥/ ٢٤٨).","vol":"7","page":130},{"text":"أو واجبًا؛ كنذر أو كفارة أو غير ذلك، فإذا مات العتيق ولا وارث له بنسب ولا نكاح فماله لمعتقه، فإن كان له صاحب فرض لا يستغرق المال، فالباقي لمعتقه، فإن لم يكن المُعْتِق حيًّا ورث العتيقَ أقربُ عصبة المعتق بالنفس، وترتيبهم كترتيب عصبات النسب على ما هو مقرر في كتب الفرائض.\nوجمهور العلماء على أن الولاء يورث به من جانب واحد، وهو جانب المعتق؛ لأنه صاحب الإنعام بالعتق، فاختص الإرث به، ولا يرث العتيق من معتقه، وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: إن العتيق يرث من معتقه عند عدم الورثة، وذكر أنه قال بذلك طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٨/ ٢٧٧)، \"الاختيارات\" ص (١٩٥).","vol":"7","page":131},{"text":"<span data-type='title' id=toc-803>من أحكام الولاء</span>\n٩٥٨/ ١٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ\"، رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ مُحَمّدِ بنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَعَلَّهُ الْبَيهَقِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه الشافعي (٢/ ٥٩ \"ترتيب مسنده\")، ومن طريقه الحاكم (٤/ ٢٣١)، والبيهقي (١٠/ ٢٩٢) عن محمَّد بن الحسن، عن أبي يوسف، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا.\nقال الحاكم: (صحيح الإسناد)، ورده الذهبي مشنعًا عليه بقوله: (قلت: بالدَّبُّوس) (^١)!.\nوعلة الحديث محمَّد بن الحسن وهو الشيباني، ويعقوب بن إبراهيم وهو أبو يوسف القاضي، وهما صاحبا أبي حنيفة، وهما وإن كانا فقيهين كبيرين في مذهب الحنفية إلا أنهما ليسا من الأثبات في الرواية، فقد ضعفهما غير واحد من الأئمة، وذكرهما الذهبي في \"الضعفاء\" فقال عن محمَّد بن الحسن: (ضعفه النسائي وغيره)، وقال عن يعقوب: (قال البخاري: تركوه، وقال\n_________\n(^١) الدَّبُّوس: بوزن تَنُّور: واحد الدبابيس، للمقامع من حديد وغيره، انظر: \"تاج العروس\" (١٦/ ٤٩)، \"مختصر استدراك الذهبي\" لابن الملقن (٦/ ٣٠٨٤).","vol":"7","page":132},{"text":"الفلاس: كان أبو يوسف صادقًا كثير الغلط) (^١).\nوالحديث أعله البيهقي، فقال: (قال أبو بكر النيسابوري: هذا الحديث خطأ؛ لأن الثقات لم يرووه هكذا، وإنما رواه الحسن مرسلًا) (^٢). ثم ساقه البيهقي بإسناده عن الحسن البصري، وإسناده إلى الحسن صحيح (^٣).\nورواه ابن حبان (١١/ ٣٢٥ - ٣٢٦) عن أبي يعلى الموصلي، عن بشر بن الوليد، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم، عن عبيد الله بن عمر، عن ابن دينار، به.\nوفي هذا الإسناد زاد بشر بن الوليد عبيد الله بن عمر (^٤)، وبشر بن الوليد متكلم فيه، فقد أثنى عليه الإِمام أحمد، وقال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه جرحًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٥)، وقال صالح جَزَرَة: (هو صدوق، ولكنه لا يعقل، كان قد خَرِفَ)، وقال الآجُرِّي: سألت أبا داود أبشر بن الوليد ثقة؟ قال: (لا). قال البيهقي عن الإسناد الأول: (كذا رواه -يعني الشافعي- عن محمَّد بن الحسن، عن أبي يوسف، وكأنه رواه محمَّد بن الحسن للشافعي من حفظه فزلَّ عن ذكر عبيد الله بن عمر في إسناده …) وقال: (هذا اللفظ بهذا الإسناد غير محفوظ، ورواه الجماعة عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الولاء وعن هبته) (^٦).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الولاء) الولاء: بفتح الواو مع المد، لغة: السلطة والنصرة، ويطلق على القرابة، فيقال: بينهما ولاء؛ أي: قرابة، والمراد هنا: ولاء العتاقة، وهو عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق.\n_________\n(^١) \"الضعفاء\" ص (٣٤٦، ٤٤٥).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٩٢).\n(^٣) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٦/ ١٢٣).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٤).\n(^٥) \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٣٦٩)، \"الثقات\" (٨/ ١٤٣)، \"لسان الميزان\" (٢/ ٣١٦).\n(^٦) تقدم تخريجه في أول \"البيوع\" برقم (٧٩٧).","vol":"7","page":133},{"text":"قوله: (لحمة كلحمة النسب) اللحمة: بضم اللام وسكون الحاء، ويجوز فتح اللام، هي القرابة والعلاقة، والمعنى: أن الولاء ارتباط وعلقة بين المعتق وعتيقه كعلقة وارتباط النسب.\n\nقوله: (لا يباع ولا يوهب) أي: لا يجوز التنازل عنه بثمن ولا بغير ثمن لشخص آخر؛ لأن هذه العصوبة أمر معنوي كالنسب الذي لا يتأتى انتقاله من شخص إلى شخص آخر، فلو قال: يا فلان بعتك قرابتي من أخي أو وهبتك إياها ما صار أخًا لهذا الشخص، فكذا ولاء العتق.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن بيع الولاء وعن هبته؛ لأن الرسول - ﷺ - شبهه بالنَّسَبِ، والنَّسَب لا ينتقل بعوض ولا بغير عوض، ووجه التشبيه: أن السيد لما أعتق عبده أَخرجه من حيِّز المملوكية التي ساوى بها البهائم إلى حيز المالكية التي امتاز بها عن سائر ما عداه من الحيوانات والجمادات، فأشبه بذلك الولادة التي هي سبب لإخراج المولود من العدم إلى الوجود وإلى التخلص لعبادة الله تعالى (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"العذب الفائض\" (١/ ١٩).","vol":"7","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-804>ما جاء في أن زيد بن ثابت أعلم الصحابة بالفرائض</span>\n٩٥٩/ ١٣ - عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أنَسٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أفرَضُكُمْ زَيدُ بْنُ ثَابِتٍ\". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، والْحَاكِمُ، وَأُعِلَّ بِالارْسَالِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأولى: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو قلابة -بكسر القاف وتخفيف اللام- عبد الله بن زيد الجرمي البصري ﵀، تابعي جليل، ثقة فاضل، كثير الإرسال، من رجال الستة، مات بالشام هاربًا من القضاء سنة أربع أو ست أو سبع ومائة (^١).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرج الترمذي (٣٧٩١)، والنسائي في \"الكبرى\" (٧/ ٣٦٣)، وابن ماجه (١٥٤)، وابن حبان (١٦/ ٧٤)، والحاكم (٣/ ٤٢٢) كلهم من طريق عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أُبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام، معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أمينًا، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح\".\n_________\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٤٦٨)، \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ١٩٧).","vol":"7","page":135},{"text":"وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وقال الحاكم: (هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين) وسكت عنه الذهبي، وصححه -أيضًا- الحافظ (^١).\nوتابع عبد الوهاب سفيان الثوري، عن خالد الحذاء به، أخرجه أحمد (٢٠/ ٢٥٢) وغيره.\nوتابعه -أيضًا- وهيب، حدثنا خالد الحذاء به، أخرجه أحمد (٢١/ ٤٠٥ - ٤٠٦)، والنسائي في \"الكبرى\" (٧/ ٣٤٥).\nوهؤلاء الثلاثة رووا الحديث عن خالد الحذاء موصولًا بهذا التمام، ولهم رابع وهو عمر بن حبيب القاضي، أخرجه الخطيب في \"الفصل للوصل\" (٢/ ٦٨١) وهو ضعيف.\nوبهذا السياق للحديث يتبين أن الحافظ اختصره، وساق منه ما له تعلق بالفرائض.\nوقد أُعل هذا الحديث بالإرسال، أعله الدارقطني والبيهقي والخطيب وغيرهم (^٢). قال البيهقي بعد ذكر رواية عبد الوهاب الموصولة: (ورواه بشر بن المفضل، وإسماعيل بن علية، ومحمد بن أبي عدي، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن النبي - ﷺ - مرسلًا، إلا قوله في أبي عبيدة، فإنهم وصلوه في آخره (^٣)، فجعلوه عن أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ -، وكل هؤلاء الرواة ثقات أثبات، والله أعلم «^٤).\nهذا هو الصواب، وهو أن الموصول هو آخره فقط، وهو الذي رواه البخاري ومسلم من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، قال: حدثني أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن لكل أمة أمينًا، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح (^٥).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٩٣).\n(^٢) \"التلخيص\" (٤/ ٧٩).\n(^٣) انظر: دراسة حديث \"أرحم أمتي بأمتي أبو بكر\" لمشهور بن حسن ص (١٩).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢١٠).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (٣٧٤٤)، \"صحيح مسلم\" (٢٤١٩).","vol":"7","page":136},{"text":"قال الحافظ عن حديث الباب: (إسناده صحيح، إلا أن الحفاظ قالوا: إن الصواب في أوله الإرسال، والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري، والله أعلم) (^١).\nومعنى هذا أن أبا قلابة سرد ما ورد من مناقب للصحابة المذكورين وأرسله على سياقة واحدة إلى النبي - ﷺ -، واقتصر في الموضوع المتصل على ذكر أبي عبيدة، فوهم بعض الرواة فوصلوا الجميع، وعدوه من المرفوع المتصل.\nوما قرره الحافظ هو الصواب؛ لأمور ثلاثة:\n١ - أن هذا القول يوافق ما عليه المحققون كالدارقطني والحاكم وأبي نعيم والبيهقي والخطيب وابن عبد البر وابن تيمية وابن عبد الهادي وغيرهم.\n٢ - أن الشيخين رويا الحديث من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس بالاقتصار على ذكر أبي عبيدة وحده، وإعراضهما عما عدا ذلك يدل على عدم وصله.\n٣ - أن ابن عبد الهادي نقل كلامًا لشيخ الإِسلام ابن تيمية يقول فيه: (هو حديث ضعيف، وقال: لا أعلم أن زيدًا تكلم في الفرائض على عهد النبي - ﷺ - ولا على عهد أبي بكر …) (^٢)، وهذا مما يشعر بضعف وصل هذا الحديث.\nوللحديث شواهد، ولكنها لا تخلو من مقال:\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أفرضكم) أي: أفرض الصحابة المخاطبين، والمراد أفرض أمتي، ومعناه: أن زيد بن ثابت - ﵁ - أعلم هذه الأمة بأحكام الفرائض.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٧/ ٩٣).\n(^٢) دراسة حديث \"أرحم أمتي بأمتي أبو بكر\" ص (١٣٨)، وانظر: \"الفتاوى\" (٣١/ ٣٤٢).","vol":"7","page":137},{"text":"قوله: (زيد بن ثابت) تقدمت ترجمته في باب \"سجود السهو وغيره\" حديث (٣٤٢).\n\n* الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث الفرضيون على فضل زيد بن ثابت - ﵁ - وأنه أعلم هذه الأمة بالفرائض، ولهذا أثنى عليه الأئمة في هذا الفن وتابعوه، إلا في مسائل معدودة خالفه فيها أهل العلم من الصحابة - ﵃ - وغيرهم، لظهور الدليل على خلاف قوله، منها قوله: إن الجد لا يسقط الإخوة الأشقاء أو لأب، والراجح خلاف ذلك، وهو أنهم يسقطون به كما يسقطون بالأب، ولا يلزم من كونه - ﵁ - أفرض هذه الأمة أن يكون معه الصواب في كل شيء، وإنما أراد النبي - ﷺ - تقدمه في هذا العلم وأنه أعلم هذه الأمة، وليس المراد أنه معصوم وأنه لا يخطئ (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) راجع: \"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٤٣٢).","vol":"7","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-805>باب الوصايا</span>\nالوصايا: جمع وصية كهدايا وهدية، وهي لغة: من وصى -بالتخفيف- يصي إذا اتصل، تقول العرب: وصى النبات إذا اتصل، وأرض واصية متصلة النبات (^١).\nقال الأزهري: (الوصية مأخوذة من وصيت الشيء أصيه: إذا وصلته، وسميت الوصية وصية؛ لأن الميت لما أوصى بها وصل ما كان فيه من أمر حياته بما بعده من أمر مماته …) (^٢).\nويقال: وصَّى وأوصى، وا لاسم: الوصية والوَصَاة.\nواصطلاحًا: الأمر بالتصرف بعد الموت، أو التبرع بالمال بعده.\nفالأول: كأن يوصي إلى إنسان بتزويج بناته، أو تفريق ثلثه، أو غسله بعد موته، أو الصلاة عليه، ونحو ذلك.\nوالثاني: وهو المراد بهذا الباب، هو التبرع بالمال بعد الموت، وقولنا: (بعد الموت) احتراز من الهبة، فإنها تبرع بالمال، ولكن في الحياة، كما تقدم.\nوالأصل في الوصية الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ [النساء: ١١] ومن السنة أحاديث الباب، وقد أجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية (^٣).\nوقد شرعت الوصية لأمور جليلة، ومقاصد شريفة تجمع بين مصالح\n_________\n(^١) \"اللسان\" (١٥/ ٣٩٥).\n(^٢) \"الزاهر\" ص (٣٧٢).\n(^٣) \"المغني\" (٨/ ٣٩).","vol":"7","page":139},{"text":"العباد في الدنيا ورجاء الثواب والدرجات العلى في الآخرة، ففي الوصية يصل الموصي رحمه وأقرباءه الذين لا يرثون، ويدخل السعة على المحتاجين، ويخفف عن اليتامى والمساكين إذا التزم بوصيته العدل وتجنب الإضرار بها.\nوفي الوصية مصلحة للموصي حيث جعل الشرع له جزاءً من ماله يبقى ثوابه له بعد وفاته، وبهذا يتدارك ما فاته من أعمال البر والإحسان في حياته، وسيأتي بهذا المعنى حديث معاذ - ﵁ - وما في معناه في آخر الباب، إن شاء الله تعالى.","vol":"7","page":140},{"text":"<span data-type='title' id=toc-806>الحث على المبادرة بالوصية</span>\n٩٦٠/ ١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيلَتَينِ إلا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ\"، مُتَّفَق عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأولى: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في باب (الوصايا) (٢٧٣٨)، ومسلم (١٦٢٧) من طرق عن نافع، عن ابن عمر -﵄-، مرفوعًا.\nوقد جاء في إحدى الروايات عند مسلم، قال عبد الله بن عمر: (ما مرت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله - ﷺ - قال ذلك إلا وعندي وصيتي).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ما حقُّ) ما: نافية، بمعنى (ليس). وحق: اسمها، والخبر قوله: (يبيت)، كما سيأتي.\nوالمعنى: ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته عنده إذا كان له شيء يريد أن يوصي فيه، وقال الشافعي: (ما المعروف في الأخلاق إلا هذا، لا من وجه الفرض) (^١)، وقال السندي: (أي: ما اللائق به) (^٢).\n\nقوله: (امرئ) أي: رجل، والتعبير به خرج مخرج الغالب وإلا فالمرأة مثله.\n_________\n(^١) \"الأم\" (٤/ ٩٢).\n(^٢) \"حاشيته على سنن النسائي\" (٦/ ٢٣٩).","vol":"7","page":141},{"text":"قوله: (مسلم) هذا الوصف خرج مخرج الغالب -أيضًا- فلا مفهوم له؛ لأن وصية الكافر جائزة، وكأنهم أجروا الوصية مُجرى العتق، وإلا فالكافر، لا عمل له بعد الموت، أو أن هذا الوصف ذكر للحث والتهييج لتقع المبادرة بامتثال ذلك؛ أي: من شأن المسلم أن يسارع إلى ذلك.\n\nقوله: (شيء) هذا لفظ يطلق على الكثير والقليل من المال الموصى به؛ أي: له شيء من مال أو دين أو أمانة أو حق فرط فيه، ونحو ذلك.\n\nقوله: (يريد أن يوصي فيه) صفة لشيء.\n\nقوله: (يبيت) هذا مضارع على تقدير أن المصدرية؛ أي: أن يبيت؛ كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] دل على ذلك رواية النسائي: (أن يبيت) (^١)، وعند أحمد: (حق على كل مسلم ألا يبيت ليلتين)، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر (ما)، والتقدير: ما حق امرئ مسلم بيتوتة ليلتين إلا وهو بهذه الصفة، وقال العيني: إن الخبر ما بعد إلا، والواو للحال (^٢)، وذكر الصنعاني أن الخبر ما بعد إلا، والواو زائدة.\n\nقوله: (ليلتين) هذه رواية الصحيحين، وعند مسلم والنسائي وأحمد (يبيت ثلاث ليالٍ)، ولأبي عوانة (^٣)، والبيهقي (ليلة أو ليلتين)، والظاهر من هذه الروايات أنها للتقريب لا للتحديد، بمعنى لا يمضي ليلة زمان وإن كان قليلًا إلا ووصيته مكتوبة، وكأن الثلاث غاية التأخير، فأُعطي الإنسان هذه المدة لحاجته إلى تذكر ماضيه والتفكير في أمره، والله أعلم.\n\nقوله: (إلا ووصيته) هذا حال مستثنى من أعم الأحوال؛ أي: ليس حقه البيتوتة في حال من الأحوال إلا في حال كون الوصية مكتوبة عنده.\n\nقوله: (مكتوبة) أي: سواء كتبها بخطه أو بخط غيره.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على تأكيد الوصية والحث عليها، وقد\n_________\n(^١) \"سنن النسائي\" (٦/ ٢٣٩).\n(^٢) \"عمدة القارئ\" (١١/ ٢٥٨).\n(^٣) \"مسند أبي عوانة\" (٣/ ٤٧٣).","vol":"7","page":142},{"text":"أجمع المسلمون على الأمر بها، وإنما الخلاف في وجوبها، كما سيأتي -إن شاء الله-، وظاهر الحديث أن الوصية لا تشرع لمن ليس له شيء يوصي فيه ولا به.\n\n* الوجه الرابع: مشروعية المبادرة إلى الوصية بيانًا لها، وامتثالًا لأمر الشرع، واستعدادًا للموت أن يشغله شاغل، وهذا فيه حث على التهيؤ للموت والاستعداد له.\n\n* الوجه الخامس: ظاهر الحديث أنه لا يشترط في الوصية أن تكون من المريض، بل القوي المعافى يوصي بما يحتاج إليه، وهو في حال صحته، ولا يحتاج في المرض إلى تجديد الوصية بشيء أصلًا، لكن لو فرغ من وصيته، ثم تجدد له أمر يحتاج إلى الوصية به ألحقه، ولا ينبغي له أن يتلف الوصية الأولى قبل كتابة الثانية إذا كان يريد إلغاء الأولى، لئلا يفجأه الموت بعد إتلاف الأولى وقبل كتابة الثانية! فيفوته الأمر، ويصير ماله كله للورثة.\n\n* الوجه السادس: لا فرق في صحة الوصية بين الرجل والمرأة؛ لما علمت من أن قوله: (امرئ) خرج مخرج الغالب، سواء أكانت المرأة متزوجة أم غير متزوجة، أذن زوجها أم لا، وكذا لو كانت بكرًا ولم يأذن أبوها؛ لأن الوصية يقصد بها تحصيل قربة أخروية عند انقضاء العمر في قدر مأذون فيه شرعًا.\n\n* الوجه السابع: الحديث دليل على أن الكتابة المعروفة تكفي لإثبات الوصية والعمل بها، ولا يُحتاج في ذلك إلى إشهاد؛ لأنه لم يذكر في الحديث، والخط إذا عرف فهو بينة ووثيقة قوية، وعلى ذلك العمل قديمًا وحديثًا، جاء في \"الاختيارات\": (تنفذ الوصية بالخط المعروف، وكذا الإقرار إذا وجد في دفتره، وهو مذهب الإِمام أحمد) (^١).\nوقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في رواية: لا بد من الإشهاد على\n_________\n(^١) ص (١٩٠)، وانظر: \"الفتاوى\" (٣١/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، \"المغني\" (٨/ ٤٧٠).","vol":"7","page":143},{"text":"الخط، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَينِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ [المائدة: ١٠٦] فدلت الآية على اعتبار الشهادة في الوصية، بل على شهادة اثنين، ويكون معنى الحديث: مكتوبة بشرطها، وهو الإشهاد.\nوأجاب الأولون بأنه لا يلزم من ذكر الإشهاد في الآية أنها لا تصح الوصية إلا به، قال الصنعاني: (والتحقيق أن المعتبر معرفة الخط، فإذا عُرف خط الموصي عُمل به) (^١).\nوهذا هو الأظهر -إن شاء الله وهو أنه إذا وجدت وصية إنسان بخطه الثابت المعروف بإقرار ورثته أو بينة تعرف خطه صحت وصيته وعمل بها بلا إشهاد، وقد أفتى بذلك الإِمام أحمد (^٢). لثبوت الحديث في الكتابة دون ذكر الإشهاد، ولو لم يجز الاعتماد على الخط لم تكن لكتابة وصيته فائدة، لكن إن أشهد فهو أحسن؛ لأنه أحفظ للوصية وأحوط بما فيها.\n\n* الوجه الثامن: الحديث دليل على أن الأشياء المهمة تضبط بالكتابة؛ لأنها أثبت من الضبط بالحفظ؛ لأنه يخون غالبًا.\n\n* الوجه التاسع: اختلف العلماء في الوصية هل هي واجبة أو لا؟ فذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة إلى أنها مندوبة، بل نقل ابن عبد البر إجماع العلماء على أن الوصية غير واجبة على أحد إلا من كانت عليه حقوق بغير بينة، من وديعة أو أمانة، أو غيرها، فيوصي بذلك، واعتبر القائلين بالوجوب طائفة شاذة لا يعدون خلافًا (^٣).\nوقد استدل ابن عبد البر للجمهور بأنه لو لم يوصِ لوجبت قسمة تركته بين ورثته بالإجماع، ولو كانت واجبة لأُخرج من ماله سهم ينوب عن الوصية.\n_________\n(^١) \"سبل السلام\" (٥/ ٣٤٨).\n(^٢) \"مسائل الإِمام أحمد برواية إسحاق بن هانئ\" (٢/ ٤٤)، وانظر: \"الطرق الحكمية\" ص (٢١٦).\n(^٣) \"التمهيد\" (٨/ ٣٨٤) (١٤/ ٢٩٢).","vol":"7","page":144},{"text":"وذهب داود وابن حزم وجماعة آخرون إلى أن الوصية واجبة، قال ابن حزم: (الوصية فرض على كل من ترك مالًا …) (^١)، واستدلوا بدليلين:\nالأول: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] قالوا: إن معنى (كتب) فرض، و(حقًّا) أي: فرضًا ثابتًا، وإذا كانت ذلك حقًّا ثابتًا على كل متق لله تعالى خائف من عقابه، فواجب على الناس كلهم أن يكونوا من المتقين.\nالثاني: حديث الباب، قالوا: فهو يدل على الوجوب، ومعناه: ليس من حق المسلم أن يبيت ليلتين إلا وقد أوصى، بدليل رواية الدارقطني: (لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) (^٢).\nوالقول الأول أظهر، وهو أن الوصية لا تجب إلا على من عليه دين أو عنده وديعة ونحو ذلك؛ لأن الله تعالى أوجب أداء الأمانات ولا يتم ذلك إلا بالوصية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nوأما الآية فلا دلالة فيها على وجوب الوصية، وإنما هي منسوخة بآيات المواريث، أو أنها خاصة بالأقارب غير الوارثين من الوالدين وغيرهما، كما سيأتي إن شاء الله.\nوأما حديث الباب فلا دلالة فيه على الوجوب، إذ ليس في ألفاظه ما يفيد ذلك، كما تقدم، بل فيه ما يفيد عدم الوجوب، وهو قوله: \"يريد أن يوصي، فجعل ذلك متعلقًا بإرادته، ولو كان واجبًا لم يكن كذلك.\nوأما رواية (لا يحل) فإنها تحتمل أن يكون راويها ذكرها وأراد بنفي\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٩/ ٣١٢).\n(^٢) \"أطراف الغرائب\" (١/ ٥٤٤) للدارقطني، وقد علقها البخاري (٥/ ٣٥٨ \"فتح \")، وساقه الحافظ في \"تغليق التعليق\" (٣/ ٤١٦) بسند الدارقطني، وقد تفرد به عمران بن أبان الواسطي، عن محمَّد بن مسلم الطائفي، قال ابن عدي: (له غرائب عن محمَّد بن مسلم، ولا أعلم به بأسًا)، وقد حكم عليها المنذري بالشذوذ [\"مختصر السنن\"] (٤/ ١٤٣)، \"الإعلام\" لابن الملقن\" (٨/ ١٠)].","vol":"7","page":145},{"text":"الحل ثبوت الجواز بالمعنى الأعم الذي يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح.\nهذا وينبغي أن يعلم أن الوصية تجري فيها الأحكام الخمسة، فتجب -كما تقدم- على من عليه حقٌّ دينٌ أو وديعة أو أمانة لا يُعلم بها، أو عليه واجبات شغلت الذمة كزكاة وحج وكفارة ولقطة ونحو ذلك، كما تجب للأقارب غير الوارثين -على أحد القولين -كما سيأتي.\nوتستحب لمن ترك خيرًا بالثلث فأقل، وتحرم إذا قصد الإضرار بالورثة أو ببعضهم، كما لو أوصى بأكثر من الثلث أو أوصى لوارث بشيء؛ كأن يوصي لزوجته -مثلًا- مع أنها سترثه، وتكره إذا كان ماله قليلًا وورثته محتاجون، وتباح إذا كان الرجل غنيًّا وورثته محتاجون، أو كان ماله قليلًا وورثته غير محتاجين، والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-807>باب مقدار ما يوصي به</span>\n٩٦١/ ٢ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ - ﵁ - قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إلا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أفَأَتَصَدَّقُ بِثُلْثَي مَالِي؟ قَال: \"لَا\"، قُلْتُ: أَفَأتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَال: \"لا\"، قُلْتُ: أَفَأتصَدَّقُ بِثُلُثِهِ؟ قَال: \"الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كثير، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثتَكَ أَغْنِيَاءَ خيرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ\"، مُتَّفَق عَلَيه.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في أكثر من عشرة مواضع في \"صحيحه\"، مطولًا ومختصرًا، أولها في كتاب \"الإيمان\" (٥٦)، وفي \"الجنائز\"، باب (رثاء النبي - ﷺ - سعد بن خولة) (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨) من طريق الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه، به.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (قلت: يا رسول الله) كان ذلك في مكة في حجة الوداع، لما جاء في \"الصحيحين\": (جاءني النبي - ﷺ - يعودني وأنا بمكة) زاد الزهري في رواية للبخاري: (في حجة الوداع من وجع اشتد بي) وقيل: إن ذلك في فتح مكة، كما في رواية ابن عيينة، عن الزهري، عند الترمذي: (قال: مرضت عام الفتح مرضًا أشفقت منه على الموت) (^١)، قال الحافظ: (اتفق أصحاب الزهري على\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢١١٦).","vol":"7","page":147},{"text":"أن ذلك كان في حجة الوداع، إلا ابن عيينة فقال: في فتح مكة، واتُّفِقَ على أنه وهم فيه، قال: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ذلك وقع مرتين، مرة عام الفتح، ومرة عام حجة الوداع، ففي الأولى لم يكن له وارث من الأولاد أصلًا، وفي الثانية كانت له ابنة فقط) (^١).\n\nقوله: (أنا ذو مال) أي: صاحب مال، وهذه اللفظة تطلق في العرف على من عنده مال كثير، وفي رواية لمسلم: \"إن لي مالًا كثيرًا\".\n\nقوله: (ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة) أي: لا يرثني من الولد إلا ابنة واحدة، وإلا فقد كان له عصبة، وقيل معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض، ولعل هذا قبل أن يولد له ذكرر، فقد ذكر الواقدي أنه ولد لسعد بعد ذلك أربعة بنين، وقيل: أكثر من عشرة، ومن البنات ثنتا عشرة بنتًا؛ لأن سعدًا - ﵁ - مات سنة (٥٥ هـ)، ومن أولاده مصعب وعامر ومحمد وإبراهيم.\n\nقوله: (أفأتصدق) الصدقة: هي العطية التي يبتغى بها الثواب عند الله تعالى، وهذا استفهام استخبار يقصد به الاستفتاء، وقد ورد في رواية البخاري: (قلت: يا رسول الله أوصي بمالي كله؟) وهذا يفيد أنه أراد الصدقة بعد الموت، فتحمل رواية: (أفأتصدق) التي تفيد سؤاله عن تنجيز ذلك في الحال على هذا، وذلك لأن حمل الأولى على الثانية ممكن، بخلاف حمل الثانية على الأولى، والله أعلم.\n\nقوله: (بشطره) الشطر: هو النصف، وقد تقدم في \"المساقاة\".\n\nقوله: (الثلث والثلث كثير) الثلث الأول بالرفع فاعل لفعل مقدر؛ أي: يكفيك الثلث، أو مبتدأ حذف خبره؛ أي: الثلث كافٍ، وبالنصب مفعول لمقدر؛ أي: عَيِّنِ الثلثَ، وأما الثلث الثاني: فهو مبتدأ لا غير، وخبره ما بعده.\nووُصِفَ الثلث بالكثرة بالنسبة إلى ما دونه كالربع والخمس، وفائدة وصفه بالكثرة احتمالان:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣٦٣ - ٣٦٤).","vol":"7","page":148},{"text":"الأول: بيان أن الأفضل الاقتصار عليه في الوصية بلا زيادة، وهذا هو المتبادر من السياق، وقد فهم ذلك ابن عباس -﵄-، فقال: (لو غضَّ الناس إلى الربع؛ لأن رسول الله - ﷺ - قال: \"الثلث والثلث كثير\") (^١).\nالثاني: بيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل؛ أي: كثير أجره، ويكون من الوصف بحال المتعلق.\n\nقوله: (إنك أن تذر) جملة مستأنفة للتعليل، ومعنى (تذر): تترك، وهذا مضارع لا ماضي له من لفظه، وهو ترك، وكذا المصدر، ويجوز في قوله: \"أن تذر\" وجهان:\nالأول: فتح الهمزة على أنها مصدرية، والمضارع بعدها منصوب، وهي وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ، خبره (خير) أي: إنك تَرْكُكَ ورثتك أغنياء خير من تركهم فقراء.\nالثاني: كسر الهمزة على أنها شرطية، والمضارع بعدها مجزوم، وجواب الشرط (خير) على تقدير: (فهو خير)؛ لأن حذف الفاء في مثل هذا جائز؛ كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦].\n\nقوله: (ورثتك) جمع مفرده وارث، والوارث: من ينتقل إليه مال الميت بتمليك الله تعالى إياه.\nوجاء لفظ الورثة ولم يقل: (أن تدع بنتك) مع أنه لم يكن له يومئذ إلا ابنة واحدة لكون الوارث حينئذ لم يتحقق هل هو البنت أو غيرها مستقبلًا، فإن سعدًا - ﵁ - إنما قال ذلك ظنًّا منه أنه يموت في هذا المرض وتبقى هي بعد موته، ومن الجائز أن تموت قبله، فأجاب النبي - ﷺ - بكلام كلي مطابق لكل حالة، وهو قوله: \"ورثتك\" ولم يخص بنتًا ولا غيرها.\n\nقوله: (عالة) أي: فقراء، وهو جمع عائل وهو الفقير، يقال: عال يعيل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٤٣)، ومسلم (١٦٢٩).","vol":"7","page":149},{"text":"إذا افتقر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقال الشاعر:\nوما يدري الفقير متى غناه … وما يدري الغني متى يَعِيلُ\n\nقوله: (يتكففون الناس) أي: يسألون الناس بأكفهم، أو يسألون ما في أكف الناس، يقال: تكفف الناس واستكف: إذا بسط كفه للسؤال.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب عيادة المريض، وتتأكد لمن له حق من قريب أو صديق أو جار وغيرهم، دل على هذا بعض الروايات التي سبق ذكرها، وسيأتي الكلام على عيادة المريض في كتاب \"الجامع\" إن شاء الله تعالى.\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على إباحة جمع المال إذا كان من طرق شرعية؛ لأن صيغة (ذو مال) لا تستعمل في العرف إلا في المال الكثير، ومنه ذو علم، وذو شجاعة، ونحوهما.\n\n* الوجه الخامس: الحديث دليل على استحباب الوصية وأن تكون بثلث المال فأقل ولو كان مال الموصي كثيرًا، فإن كان المال قليلًا والورثة فقراء فالأفضل ألا يوصي بشيء، لقوله: \"إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس\".\n\n* الوجه السادس: الحديث دليل على منع الوصية بأكثر من الثلث لمن له ورثة، وعلى هذا استقر الإجماع؛ لأن النبي - ﷺ - لم يأذن لسعد إلا بالثلث، فدل على أن الثلث هو النهاية، ولأن ما زاد على الثلث داخل بالمضارة، قال تعالى: ﴿بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ غَيرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢] أي: غير موقعٍ الضررَ على الورثة بما أوصى به أو تحمله من دين.\nأما من لم يكن له وارث ففي مقدار وصيته خلاف بين أهل العلم، والمفهوم من حديث سعد - ﵁ - جواز الوصية بجميع المال؛ لأنه أفاد أن الوصية بأكثر من الثلث ممنوعة لأجل الورثة، فإذا لم يوجد ورثة زال المانع، ولعله يأتي زيادة بيان -إن شاء الله- في شرح حديث أبي أمامة - ﵁ -،","vol":"7","page":150},{"text":"والجمهور من أهل العلم على أنه إن أوصى لغير وارث بأكثر من الثلث وأجازها الورثة نفذت، وقالت الظاهرية: لا أثر لإجازة الورثة ما زاد على الثلث، ورجحه الصنعاني؛ لأن إجازة الورثة وردت في الوصية للوارث -كما سيأتي- لا فيما زاد على الثلث، أما من أجاز فقد أخذ ذلك من عموم (إنك أن تذر …).\n\n* الوجه السابع: الحديث دليل على أن إبقاء المال للورثة مع حاجتهم إليه أفضل من التصدق به على البعداء؛ لأن الورثة أولى ببر مورثهم من غيرهم.\n\n* الوجه الثامن: اختلف العلماء هل المستحب في الوصية الثلث أو ما دونه، على قولين:\nالأول: أن المستحب ما دون الثلث، لقوله - ﷺ -: \"والثلث كثير\" وقول\nابن عباس- المتقدم-: (لو غضَّ الناس إلى الربع؛ لأن رسول الله - ﷺ - قال:\n\"الثلث، والثلث كثير\")، وهذا مذهب الشافعي وإسحاق وأحمد (^١).\nالثاني: أن المستحب الثلث، لحديث معاذ الآتي: \"إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم، زيادة في حسناتكم\" ولعل هذا مقيد بمن كان غنيًّا، وهو قول القاضي وأبي الخطاب من الحنابلة (^٢)، قال النووي: (قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: إن كانت الورثة أغنياء استحب أن يوصي بالثلث تبرعًا، وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص من الثلث) (^٣).\nوالقول الأول أرجح؛ لأن حديث سعد - ﵁ - يؤيد ذلك من وجهين:\nالأول: أنه قال: (والثلث كثير).\nالثاني: أنه قال: (أن تذر ورثتك أغنياء).\nوأما حديث: \"إن الله تصدق عليكم … \" فالظاهر أنه ورد في الإذن\n_________\n(^١) \"المهذب\" (١/ ٥٨٧)، \"المغني\" (٨/ ٣٩٣).\n(^٢) \"المغني\" (٨/ ٣٩٣).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (١١/ ٨٦).","vol":"7","page":151},{"text":"بالثلث، وليس نصًّا في أفضلية الثلث، وحديث سعد - ﵁ - يفهم منه أن الأقل من الثلث هو الأفضل، كما فهم ذلك ابن عباس - ﵄ -.\n\n* الوجه التاسع: هذا الحديث مقيد لمطلق القرآن في مقدار الوصية، فإن الوصية في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ جاءت مطلقة غير مقيدة بقدر معين، وظاهره يقتضي جواز الوصية بقليل المال وكثيره، فجاءت السنة، ومنها حديث سعد - ﵁ - فدلت على أن المراد بالآية الوصية ببعض المال لا بجميعه، فَقُيِّدَ أقصى الوصية بالثلث، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ غَيرَ مُضَارٍّ﴾ فإن نفي المضارة في الوصية يقتضي الوقوف بها عند قدر معين (^١).\nولعلَّ اشتراط عدم المضارة في هذه الآية المتعلقة بإرث قرابة الإخوة من الأم دون الآية الأولى المتعلقة بإرث الأصول والفروع؛ لأن الغالب أن الميت لا يقصد الإضرار بأصوله وفروعه (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"أحكام الوصايا والأوقاف\" ص (١٢٢).\n(^٢) \"التفسير وأصوله\" لابن عثيمين (٢/ ٤٣).","vol":"7","page":152},{"text":"<span data-type='title' id=toc-808>استحباب الصدقة عن الميت</span>\n٩٦٢/ ٣ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ رَجُلًا أتى النَّبِي - ﷺ - فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَلَمْ تُوصِ، وَأَظنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أفَلَهَا أجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَال: \"نعم\"، مُتَّفَق عَلَيهِ. واللَّفْظُ لِمُسْلِم.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأولى: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في \"الجنائز\"، باب (موت الفجاءة البغتة) (١٣٨٨)، وفي \"الوصايا\" (٢٧٦٠)، ومسلم (١٠٠٤) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ -.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أن رجلًا) هو سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي سيد الخزرج - ﵁ -، وأمه عمرة بنت مسعود الأنصارية من بني النجار، وقد أورد البخاري في \"الوصايا\" بعد هذا الحديث حديث ابن عباس - ﵄ - أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله - ﷺ - فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر، فقال: \"اقضه عنها\" قال الحافظ: (وكأنه رمز إلى أن المبهم في حديث عائشة هو سعد بن عبادة) (^١).\n\nقوله: (افتلتت نفسها) بضم الهمزة وسكون الفاء وضم التاء المثناة ثم لام مكسورة، مبني لما لم يُسَمَّ فاعله؛ أي: أُخذت فلتة، ومعناه: ماتت بغتة وفجأة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٨٩).","vol":"7","page":153},{"text":"قوله: (نفسها) بالضم مرفوع على الفاعلية، وبالنصب مفعول ثانٍ، بمعنى سُلبت، والأول محذوف، وذكر العيني جواز نصبه على أنه تمييز (^١)، ولم يتضح لي هذا؛ لأن التمييز لا بد أن يكون نكرة، وهذه معرفة بالإضافة إلى الضمير.\n\nقوله: (نعم) جاء في رواية البخاري في \"الوصايا\": (قال: نعم تصدق عنها).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب الصدقة عن الميت ولو لم يوص بذلك، لا سيما إذا عرف أنه لو تكلم أو حصلت له مهلة لأوصى بالصدقة، وأولى الأموات بالصدقة هما الوالدان؛ لأن هذا من برهما بعد موتهما.\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الميت ينتفع بالصدقة عنه؛ لأن النبي - ﷺ - قال لسعد: \"تصدق عنها\" ولو لم يصلها ثواب الصدقة لما كان في الأمر بالتصدق فائدة.\nوعن سعد بن عبادة - ﵁ - قال: قلت يا رسول الله إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال: \"نعم\" قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: \"سقي الماء\" (^٢).\nوقد أجمع العلماء على أن الميت ينتفع بالدعاء والصدقة وأداء الواجبات التي تدخلها النيابة كالحج وقضاء الدين، ووقع الخلاف في إهداء ثواب قراءة القرآن وبعض الأذكار، أو ثواب الطواف ونحو ذلك.\nفمن أهل العلم من قال: إن جميع القُرَب تُهدى للأموات، ويصل ثوابها إليهم، من الدعاء، والصدقة، وقضاء الدَّين، والحج، وإهداء ثواب تلاوة القرآن، والطواف، وغير ذلك، ودليله القياس على ما ثبت في الشرع (^٣).\n_________\n(^١) \"عمدة القارئ\" (٧/ ١٤٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٦٨١)، والنسائي (٦/ ٢٥٤)، وابن ماجه (٣٦٨٢)، وأحمد (١٢٣/ ٣٧ - ١٢٤)، والحاكم (١/ ٤١٤)، وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين)، والحديث فيه انقطاع، انظر: \"نفح العبير\" (٢/ ٢١).\n(^٣) انظر: \"المغني\" (٣/ ٥١٩)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٤/ ٣٠٦ - ٣١٥)، \"الروح\" ص (١٥٩) وما بعدها، وقارنه بـ \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ٢٧٩).","vol":"7","page":154},{"text":"والقول الثاني: أنه لا يُهدى للأموات إلا ما دل الدليل عَلى جواز إهدائه؛ لأن وصول الثواب إلى الأموات من الأمور التوقيفية التي لا مجال للرأي فيها، وإنما يعمل فيها بما يقتضيه الدليل، لعموم: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ\" (^١).\nوقد ورد الدليل بانتفاع الميت بالدعاء إذا تحققت فيه شروط القبول، والصدقة، وقضاء الصوم عمن مات، والحج، وقضاء الدَّين.\nأما إهداء ثواب الصلاة، أو قراءة القرآن، أو بعض الأذكار، أو إهداء ثواب الطواف ونحو ذلك فالأولى تركه؛ لأن العبادات توقيفية، لا يشرع منها إلا ما دل الدليل على شرعيته، وفي الأعمال الواردة في الشرع مما ذكر ما يكفي ويُغني عمّا لم يرد، فالأولى الاقتصار عليه (^٢)، والله أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).\n(^٢) انظر: \"فتاوى ابن باز\" (١٣/ ٢٤٩ - ٢٥١)، (٢٤/ ٤١٨ - ٤٢٠).","vol":"7","page":155},{"text":"<span data-type='title' id=toc-809>حكم الوصية للوارث</span>\n٩٦٣/ ٤ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِليِّ - ﵁ - قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِنَّ الله قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيّةَ لِوَارِثٍ\" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَحسَّنَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَوّاهُ ابْنُ خُزَيمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ.\n٩٦٤/ ٥ - وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ -﵄-، وَزَادَ في آخرِهِ: \"إلا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ\"، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي أُمامة - ﵁ - فقد رواه أحمد (٣٦/ ٦٢٨)، وأبو داود في كتاب \"الوصايا\"، باب (ما جاء في الوصية للوارث) (٢٨٧٠) (٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣)، وابن الجارود (٩٤٩) كلهم من طريق إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أُمامة - ﵁ -، مرفوعًا.\nوبعضهم أخرجه مطولًا، وبعضهم مختصرًا، وإسناده حسن من أجل إسماعيل بن عياش، فقد قال عنه الحافظ: (صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلِّط في غيرهم)، وهذا من روايته عن أهل بلده؛ لأن شيخه شرحبيل بن مسلم شامي، قال ابن كثير: (هذا من أصح أحاديث إسماعيل بن عياش؛ لأن شيخه في هذا شامي، وهو حجة إذا روى عن الشاميين) (^١).\n_________\n(^١) \"إرشاد الفقيه\" (٢/ ٥٨، ١٣٨).","vol":"7","page":156},{"text":"وهذه الجملة التي ذكرها الحافظ صحيحة بمجموع طرقها وشواهدها، وهو حديث مشهور تلقته الأمة بالقبول، وقد رواه عدد من الصحابة - ﵃ - يزيدون على العشرة، وقد جمع طرق هذه الأحاديث أو بعضها الزيلعي وابن حجر والألباني (^١).\nوأما حديث ابن عباس - ﵄ - فقد رواه الدارقطني (٤/ ٩٨، ١٥٢) من طريق عطاء، عن ابن عباس -﵄-، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة\".\nوهذا سند ضعيف، عطاء هو الخرساني، كما جاء مصرحًا به عند أبي داود في \"المراسيل\" (^٢) وهو صدوق، يروي عن ابن عباس - ﵄ - مع أنه لم يدركه، كما نص على ذلك أبو داود وأحمد، بل قال ابن معين: لا أعلمه لقي أحدًا من أصحاب النبي - ﷺ - (^٣).\nوأخرجه الدارقطني -أيضًا- ومن طريقه البيهقي (٦/ ٢٦٣) من طريق يونس بن راشد، عن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، فزاد في الإسناد عكرمة، قال الحافظ: (والمعروف المرسل) (^٤).\nوقد رواه الدارقطني (٤/ ٩٨) من طريق محمَّد بن مسلم، عن طاوس، عن أبيه، عنه مرفوعًا بدون هذه الزيادة، وحسن الحافظ إسناده (^٥).\nوبهذا يتبين أن الحافظ وهم في تحسين الحديث هنا، فإنه أعله في \"التلخيص\" بهذه الزيادة، والحسن إنما هو الحديث بدون الزيادة، كما فعل في \"التلخيص\".\n_________\n(^١) انظر: \"نصب الراية\" (٤/ ٤٠٣ - ٤٠٥)، \"التلخيص\" (٣/ ١٠٦ - ١٠٧)، \"الإرواء\" (٦/ ٨٧ - ٩٨)، وانظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٠٥)، \"فتح الباري\" (٥/ ٣٧٢).\n(^٢) (٣٤١).\n(^٣) \"المراسيل\" لابن أبي حاتم ص (١٥٧).\n(^٤) \"التلخيص\" (٣/ ١٠٧).\n(^٥) \"التلخيص\" (٣/ ١٠٦).","vol":"7","page":157},{"text":"والحديث بهذه الزيادة منكر؛ لأنه ورد عن ابن عباس بإسناد حسن بدونها، كما أنه ورد عن جماعة من الصحابة - ﵃ - بدون الزيادة (^١).\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على منع الوصية للوارث، قليلة كانت أم كثيرة؛ لأن الله تعالى قسم الفرائض، ثم قال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤] والوصية للوارث من تعدي حدود الله تعالى؛ لأنها تقتضي زيادة بعض الورثة عما حدَّ الله له وأعطاه إياه.\nثم إن الوصية للوارث يترتب عليها مفاسد عظيمة، فإنها سبب في الشقاق والنزاع، وقطع الرحم، وإثارة البغضاء والحسد بين الورثة، فينبغي للموصي أن يحذر هذا المسلك، وألا يوصي لأحد الورثة بشيء مهما كان الأمر؛ لئلا يكون سببًا فيما يحصل بين الورثة مما تقدم.\nوالمعتبر في كون من وُصِّي له وارثًا أو غير وارث إنما هو عند موت الموصي، لا وقت إنشاء الوصية، قال الموفق: (لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أن اعتبار الوصية بالموت) (^٢)، وذلك لأنه الحال الذي يحصل به الانتقال إلى الوارث والموصى له، فلو أوصى لوارث كأخيه، ثم حُجب بابن تجدد صحت الوصية؛ لأنه صار عند الموت غير وارث، ولو أوصى لأخيه مع وجود ابنه، ثم مات ابنه بطلت الوصية إن لم تُجِزْ باقي الورثة -على أحد القولين- لأنه صار حال الموت وارثًا.\n\n* الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن الوصية للوارث لا تجوز مطلقًا وإن أجازها الورثة، وهذا رواية عن أحمد، وقول الظاهرية، والمزني (^٣).\n_________\n(^١) \"الإرواء\" (٦/ ٩٧).\n(^٢) \"المغني\" (٨/ ٤٠٧).\n(^٣) \"المغني\" (٨/ ٣٩٦)، \"المحلى\" (٩/ ٣١٦).","vol":"7","page":158},{"text":"ووجه الاستدلال: أن الله تعالى منع الوصية للوارث، وما منعه الله فليس للورثة أن يجيزوه إلا أن يبذلوه هبة من عند أنفسهم، وكأن هؤلاء لم يأخذوا بزيادة (إلا أن يشاء الورثة) لنكارتها.\nوالقول الثاني: جواز الوصية للوارث إذا أجازها الورثة، وهذا مذهب الجمهور، واختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية (^١)، فإن أجازوها نفذت، وإلا بطلت، وإن أجازها بعضهم دون بعض جازت في حصة المجيز، وبطلت في حق من لم يجز، واستدلوا بدليل وتعليل:\nأما الدليل فزيادة (إلا أن يشاء الورثة) على القول بصحتها.\nوأما التعليل فأولًا: أن الورثة لو تنازلوا عن هذا المقدار لغير الورثة لجاز لهم، فمن باب أولى أن يجوز لبعض الورثة.\nثانيًا: أن في إيثار بعض الورثة من غير رضا الآخرين ما يؤدي إلى مفاسد وأضرار، كما تقدم.\n\n* الوجه الرابع: الحديث بهذه الزيادة دليل على أن الورثة إذا أجازوا الوصية للوارث نفذت؛ لأن الحق لهم فإذا رضوا بإسقاطه سقط.\nوالمراد بهم: الورثة المرشدون، وهو أن يكون الوارث بالغًا عاقلًا عالمًا بالموصى به، فلا عبرة بإجازة صغير ومجنون ومريض مرض الموت، ووارث لم يعلم بما أوصى به الموصي.\nوالمعتبر في وقت الإجازة هو ما بعد موت الموصي، ولا عبرة بإجازتهم حال حياة الموصي؛ لأن الإجازة قبل الموت حق لم يملكوه، بخلاف ما بعد فلأنها حق لهم حينئذ.\nفلو أجازوا الوصية للوارث حال حياة الموصي، ثم ردوها بعد وفاته صح الرد وبطلت الوصية.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٨/ ٣٩٦)، \"المدونة\" (٤/ ٣٦٥)، \"الاختيارات\" ص (١٩٠)، \"مغني المحتاج\" (٣/ ٤٣).","vol":"7","page":159},{"text":"وألحق بعض العلماء مرض موت المورِّث، فاعتبروا الإجازة فيه صحيحة، وهذا مذهب مالك، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (^١)، وذلك لأن الإجازة صدرت في وقت تعلق فيه حق الوارث بمال الموصي.\n\n° الوجه الخامس: ظاهر قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] ظاهرها وجوب الوصية للوالدين والأقربين مع أن فيهم الورثة، فيعارض هذا الظاهر ما تقدم تقريره من أنه لا وصية لوارث.\nوالجواب: أن للعلماء في إزالة هذا الإشكال مسلكين:\nالأول: أن هذه الآية منسوخة، والناسخ لها آية المواريث، وحديث الباب فيه بيان لها؛ لأن الرسول - ﷺ - رتب نفي الوصية للوارث بالفاء على إعطاء كل ذي حق حقه.\nالثاني: أن الآية محكمة غير منسوخة، وليست مخالفة لآيات المواريث ولا لحديث الباب؛ لأن ظاهر الآية العموم فيمن يرث من الوالدين والأقربين ومن لم يرث، فخص من عمومها من برث بآية الفرائض وبحديث الباب، فهذا لا وصية له، وبقي عمومها في حق من لا يرث من الوالدين والأقربين على حاله في وجوب الوصية لهم أو في استحبابها على القولين، وهذا القول فيه جمع بين الأدلة، ومتى أمكن الجمع تعين المصير إليه، بخلاف النسخ، فإن فيه تعطيلًا لأحد النصين (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٨/ ٤٠٥)، \"بدائع الفوائد\" (١/ ٤).\n(^٢) \"أحكام الوصايا في الفقه الإسلامي\" ص (٢٥٣).","vol":"7","page":160},{"text":"<span data-type='title' id=toc-810>بيان فضل الله تعالى بشرعية الوصية</span>\n٩٦٥/ ٦ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ - قَال: قَال النَّبيُّ - ﷺ -: \"إِنَّ اللهَ تَصَدَّقَ عَلَيكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً في حَسَنَاتِكُمْ\"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ.\n٩٦٦/ ٧ - وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ.\n٩٦٧/ ٨ - وَابْنُ مَاجَه مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ، وَكُلُّهَا ضَعِيفَة، لكِنْ قَدْ يَقْوَى بَعْضُهَا بِبَعض، وَالله أَعْلَمُ.\n\n* الكلام عليها من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو الدرداء عويمر بن عامر بن قيس الأنصاري الخزرجي - ﵁ -، مشهور بكنيته، وفي اسمه واسم أبيه خلاف، أسلم عام بدر، وحسن إسلامه، وشهد أُحدًا، وأبلى فيها، وكان من العلماء الحكماء الفضلاء، قال ابن عبد البر: (له حكم مأثورة مشهورة) (^١)، ولاه معاوية قضاء دمشق في خلافة عثمان - ﵁ -، ومات فيها سنة اثنتين وثلاثين (^٢).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجها:\nأما حديث معاذ - ﵁ - فقد أخرجه الدارقطني (٤/ ١٥٠) من طريق إسماعيل بن عياش، حدثنا عتبة بن حميد، عن القاسم، عن أبي أُمامة، عن\n_________\n(^١) انظر: \"حلية الأولياء\" (١/ ٢٠٨).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٩/ ٥٥)، \"الإصابة\" (٧/ ١٨٢ - ١٨٣).","vol":"7","page":161},{"text":"معاذ بن جبل - ﵁ - مرفوعًا، وزاد: (ليجعلها لكم زكاة في أعمالكم).\nوهذا سند ضعيف؛ لأن فيه إسماعيل بن عياش، وفي روايته عن غير الشاميين ضعف، وقد رواه عن شيخه عتبة بن حميد الضبي البصري، وهو ضعيف أيضًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^١).\nوأما حديث أبي الدرداء - ﵁ - فقد أخرجه أحمد (٤٥/ ٤٧٧)، والبزار (١٣٨٢) من طريق أبي بكر، عن ضمرة بن حبيب، عن أبي الدرداء - ﵁ - مرفوعًا به، دون قوله: (زيادة في أعمالكم).\nوهذا سند ضعيف -أيضًا- لضعف أبي بكر، وهو ابن عبد الله بن أبي مريم، ضعفه الإمام أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني وابن حبان، وقال أبو داود: (سُرق له حُلي فأنكر عقله).\nقال الهيثمي: (فيه أبو بكر بن أبي مريم، وقد اختلط) (^٢).\nوضمرة بن حبيب -وهو الزُّبيدي- لم يلق أبا الدرداء - ﵁ -، ولذا فقد نص الذهبي على الانقطاع (^٣)، قال الألباني: يعني بالانقطاع ما بين ضمرة وأبي الدرداء، فإن بين وفاتهما نحو مائة سنة (^٤).\nوأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فقد أخرجه ابن ماجه (٢٧٠٩)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٣٨٥)، والبيهقي (٦/ ٢٦٩) من طريق طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nوهذا سند ضعيف -أيضًا- لأن طلحة بن عمرو -وهو الحضرمي- ضعفه غير واحد، قال البزار: (لا نعلم رواه عن عطاء إلا طلحة بن عمرو، وليس بالقوي)، وقال أحمد والنسائي: متروك الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء، ضعيف.\n_________\n(^١) (٧/ ٢٧٢).\n(^٢) \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٢١٢).\n(^٣) انظر: \"تعليق الذهبي على المستدرك\" (٤/ ٣١٥ - ٣١٦).\n(^٤) \"الضعيفة\" (١/ ٤٩٣).","vol":"7","page":162},{"text":"فهذه الأحاديث الثلاثة كلها ضعيفة، كما قال الحافظ، لكن باجتماعها قد يقوى بعضها ببعض، وبهذا أخذ الألباني (^١).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل الله تعالى ورحمته بعباده حيث يسر لهم سبل الخير، وشرع لهم ما به زيادة أجرهم وتكثير حسناتهم، ومن ذلك أن الله تفضل عليهم بثلث أموالهم تكون في أعمال البر التي تنفع الأفراد والمجتمعات، فيصل أقرباءه الذين لا يرثون، ويسد خلة المحتاجين، ويساعد اليتامى والمساكين، ويخفف عن الضعفة والبائسين، وهذا يدل على أن الوصية قربة يتقرب بها الموصي إلى الله تعالى في آخر حياته لتزداد حسناته ويتدارك ما فاته في الدنيا من أعمال البر والإحسان بشرط أن يجتنب الإضرار في وصيته، وقد صح عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: (الإضرار في الوصية من الكبائر) (^٢).\n\n° الوجه الرابع: ظاهر الحديث مشروعية الصدقة بثلث المال، سواء أكان مال الموصي قليلًا أم كثيرًا، وسواء أكانت الوصية لوارث أم لغير وارث، وهذا الإطلاق مقيد بما سلف من الأحاديث الدالة على أن الوصية للوارث غير صحيحة، ولا تنفذ إلا إن أجازها الورثة على أحد القولين.\nوالحديث لا يدل على أفضلية الثلث -كما تقدم- بدليل (الثلث والثلث كثير) فتكون الوصية بما دون الثلث أفضل، كما مضى. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الإرواء\" (٦/ ٧٩).\n(^٢) رواه النسائي في \"الكبرى\" (١٠/ ٦٠) موقوفًا، ورواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ٨٨٩) مرفوعًا، والراجح وقفه انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٣٨٠، ٤٦٨) ط: دار عالم الكتب.","vol":"7","page":163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-811>باب الوديعة</span>\nالوديعة لغة: مأخوذة من ودعْتُ الشيء: إذا تركته، قال ابن فارس: (الواو والدال والعين أصل واحد يدل على الترك والتخلية) (^١).\nومن ذلك الوديعة لأنها الشيء يُترك عند الأمين، يقال: أودعت زيدًا مالًا أو كتابًا، واستودعته إياه: إذا دفعته إليه، ليكون عنده، فأنا مُودِع ومُستودِع، وزيد مودَع ومستودَع، والمال أيضًا مودَع ومستودَع؛ أي: وديعة.\nوالوديعة اصطلاحًا: اسم للمال المُعطى لمن يحفظه بلا عوض.\nوالإيداع: توكيل في حفظ المال تبرعًا من الحافظ.\nوعلى هذا فالشرط في الوديعة أن تكون على سبيل التبرع، وخرج بذلك الأجير على حفظ المال.\nوقبول الوديعة مستحب لمن علم من نفسه أنه ثقة قادر على حفظها؛ لأنها من باب إعانة المسلم، والتبرع بحفظ ماله في وقت تشتد حاجته إليه، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وقال النبي - ﷺ - \"والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه\" (^٢).\n_________\n(^١) \"معجم مقاييس اللغة\" (٦/ ٩٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"7","page":164},{"text":"<span data-type='title' id=toc-812>حكم ضمان الوديعة</span>\n٩٦٨/ ١ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: \"مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فَلَيسَ عَلَيهِ ضَمَانٌ\" أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.\nوَبَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ تَقَدَّمَ في آخِرِ الزَّكَاةِ.\nوَبَابُ قَسْمِ الفيءِ والغنيمةِ يأْتي عَقِبَ الجهادِ إِن شاءَ الله تعالى.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٠٢) من طريق أيوب بن سويد، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا.\nوهذا سند ضعيف كما قال الحافظ، لضعف المثنى بن الصباح، قال عنه الحافظ في \"التقريب\": (ضعيف اختلط بأخرة، وكان عابدًا)، وذكره الذهبي في \"الضعفاء\" وقال: (ضعَّفه ابن معين، وقال النسائي: متروك).\nوأيوب بن سويد هو الرملي، قال عنه في \"التقريب\": (صدوق يخطئ)، وقد تابع المثنى ابن لهيعة، فيما ذكره البيهقي (٦/ ٢٨٩)، وتابعه محمد بن عبد الرحمن الحجبي عند الدارقطني (٣/ ٤١) وعند البيهقي (٦/ ٢٨٩) من طريق يزيد بن عبد الملك النوفلي عنه، بلفظ: (لا ضمان على","vol":"7","page":165},{"text":"مؤتمن) وإسناده ضعيف كما قال البيهقي؛ لأن الحجبي ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ويزيد بن عبد الملك ضعيف، لكن هذه الطرق -ولا سيما الثاني والثالث- عن عمرو بن شعيب قد يشد بعضها بعضًا، وتدل على أن عمرًا قد حدث بهذا الحديث، لا سيما وقد روي معناه عن جماعة من الصحابة -﵃-، ومن ذلك ما أخرجه البيهقي (٦/ ٢٨٩ - ٢٩٠) من طريق النضر بن أنس، عن أنس بن مالك - ﵁ - أن عمر بن الخطاب - ﵁ - ضمنه وديعة سرقت من بين ماله، قال في \"الإرواء\": (إسناده صحيح) (^١)، قال البيهقي: (يحتمل أنه كان فرط فيها، فضمنها إياه بالتفريط).\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المودَع لا ضمان عليه إذا تلفت الوديعة بغير تعدٍّ ولا تفريط، وهذا الحديث وإن كان فيه مقال كما تقدم، إلا أن عمومات الشريعة تؤيده؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾ [المؤمنون: ٨]، وقوله - ﷺ -: \"أَدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك\" (^٢). وإذا كان المودَع أمينًا فلا ضمان عليه؛ لأنه إنما يحفظ الوديعة لمالكها، فتكون يده كيده، ولأنه قبض العين بإذن مالكها، لا على وجه التملك، ولا الوثيقة، فلا يضمنها، إذ لا موجب للضمان، ولأن الأصل في حفظ الوديعة أنه معروف وإحسان من المودَع، فلو ضمن من غير تعد أو تقصير لزهد الناس في قبول الودائع، فتتعطل مصالح المسلمين لاحتياجهم إليها.\nفإن تعدى المودَع أو فرط في حفظ الوديعة فإنه يضمن، قال الموفق: (بغير خلاف نعلمه) (^٣)، فمثال التفريط: أن يحفظ الوديعة في أقل من\n_________\n(^١) (٥/ ٣٨٦).\n(^٢) تقدم الكلام عليه في باب \"العارية\".\n(^٣) \"المغني\" (٩/ ٢٥٧ - ٢٥٨).","vol":"7","page":166},{"text":"حرزها، كأن يحفظ الدراهم في السيارة، أو يضع الكتاب في العراء فيصيبه المطر.\nومثال التعدي: أن يستعمل الوديعة كالسيارة أو الدابة، أو يقرأ في الكتاب، بدون إذن صاحبها، أو يتصرف في الوديعة بإجارة أو إعارة ونحو ذلك، فإنه يضمن إذا كان بغير إذن المودِع؛ لأنه ينقلب بهذا التصرف غاصبًا، ويخرج عن كونه أمينًا، واستثنى فقهاء الشافعية والحنابلة ما إذا استعمل الوديعة لمصلحة المالك، كأن يركب الدابة لعلفها أو سقيها، وهي لا تنقاد إلا بالركوب، فلا ضمان عليه في ذلك؛ لأنه مأذون فيه عرفًا، فضلًا عن كونه محسنًا فيه، وما على المحسنين من سبيل (^١).\nوالفرق بين التفريط والتعدي: أن التفريط ترك ما يجب، والتعدي فعل ما لا يجوز.\nأما إذا استقرض الوديعة فلا خلاف بين الفقهاء أنها تكون مضمونة في ذمته على كل حال، وإنما اختلفوا في حكم استقراضها بدون إذن صاحبها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما الاقتراض من مال المودِع فإن علم المودَع علمًا اطمأن إليه قلبه أن صاحب المال راضٍ عنه في ذلك فلا بأس في ذلك، وهذا إنما يعرف من رجل اختبرته خبرة تامة، وعلمت منزلتك عنده، ومتى وقع في ذلك شك لم يجز الاقتراض) (^٢).\nوقول المصنف: (وباب قسم الصدقات تقدم في آخر الزكاة)، (وباب قسم الفيء والغنيمة يأتي عقب الجهاد إن شاء الله تعالى) ذكر المصنف هذا؛ لأن عادة فقهاء الشافعية جَعْلُ هذين البابين قُبيل كتاب \"النكاح\" في كتبهم، ومن هؤلاء النووي في كتابه \"منهاج الطالبين\" والمصنف خالفهم مشيرًا إلى أن\n_________\n(^١) انظر: \"روضة الطالبين\" (٦/ ٣٣٤)، \"شرح منتهى الإرادات\" (٤/ ٢٤٣).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٣٠/ ٣٩٤).","vol":"7","page":167},{"text":"الأليق جَعْلُ باب \"قسم الصدقات\" في آخر \"الزكاة\"، وقد تقدم ذكره هناك، وباب \"قسم الفيء والغنيمة\" عقب \"الجهاد\"؛ لأنه من توابعه، وقد ذكره في آخر \"الجهاد\". والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":168},{"text":"<span data-type='title' id=toc-813>كتاب النكاح</span>\nالنكاح في اللغة: الضم والجمع، تقول العرب: تناكحت الأشجار: إذا تمايلت وانضم بعضها إلى بعض.\nوسمي العقد نكاحًا؛ لأن كل واحد من الزوجين ينضم إلى الآخر ويقترن به (^١).\nوالنكاح حقيقة في العقد، حقيقة في الوطء؛ لأن المعنى الذي يدور عليه النكاح في لغة العرب هو الضم والجمع، والضم في النكاح قد يكون بالعقد، وقد يكون بالوطء.\nويتعين لفظ النكاح للوطء إذا قيل: نكح زوجته، وللعقد إذا قيل: نكح بنت فلان (^٢).\nوأما في الاصطلاح: فهو عقد يحل به استمتاع كل من الزوجين بالآخر وائتناسه به، طلبًا للنسل على الوجه المشروع.\nوأما حكمة تشريعه فإن في الزواج مصالح عظيمة ومقاصد جليلة اجتماعية ونفسية ودينية، ففيه استمتاع كل من الزوجين بالآخر بما يجب له من حقوق وعشرة، وفيه تحصيل النسل وتكثير الأمة الذي هو أحد مصادر قوتها وعزتها وهيبتها بين الأمم، وفيه حفظ المرأة والإنفاق عليها حيث إن الزوج يهيئ لها أسباب الحياة الطيبة، وفيه إحكام الصلة بين الأسر والقبائل، وفيه تحصين الفرج وغض البصر، وحماية الرجل والمرأة من الانزلاق في مهاوي الرذيلة، وحفظ المجتمع من الشر وتحلل الأخلاق.\n_________\n(^١) انظر: \"مغني المحتاج\" (٣/ ١٢٣)، \"أنيس الفقهاء\" ص (١٥٤).\n(^٢) انظر: \"تحرير ألفاظ التنبيه\" ص (٢٤٩).","vol":"7","page":169},{"text":"<span data-type='title' id=toc-815>الترغيب في النكاح</span>\n٩٦٩/ ١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَال: قَال لنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"يَا مَعْشَرَ الشَّ<span data-type='title' id=toc-814>بَابِ</span>، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ للْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وجَاءٌ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\n\nهذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع من \"صحيحه\" أولها في كتاب \"الصيام\"، باب (الصوم لمن خاف على نفسه العزبة) (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠) من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - مرفوعًا.\nوأخرجه البخاري (٥٠٦٥) (٥٠٦٦) ومسلم (١٤٠٠) بألفاظ أخرى بهذا الإسناد وغيره، وفي بعضها قصة عثمان مع عبد الله بن مسعود - ﵄ -.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يا معشر) المعشر: هم الطائفة الذين يشملهم وصف من الأوصاف، فالشباب معشر، والشيوخ معشر، والنساء معشر، والطلاب معشر، وهكذا، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، ويجمع على معاشر.\n\nقوله: (الشباب) جمع شاب، وأصله الحركة والنشاط؛ لأن الإنسان أول عمره أكثر حركة ونشاطًا منه في آخره، وهو يجمع على شباب وشُبان وشَبَبَة.\nويطلق لفظ الشباب على من بلغ إلى أن يكمل ثلاثين سنة، وقيل: إلى","vol":"7","page":170},{"text":"اثنتين وثلاثين سنة، وقيل: إلى أربعين (^١).\nوخص الرسول - ﷺ - الشباب بالخطاب؛ لأن الشباب مظنة ثوران الشهوة الداعية إلى الجماع، بخلاف الكهول والشيوخ، لكن إن وجد ذلك في غيرهم شمله الخطاب؛ لأن الحكم يدور مع علته.\n\nقوله: (من استطاع منكم الباءة) أصل الباءة المنزل؛ لأن من تزوج امرأة بوأها منزلًا، وفيها أربع لغات: الباءةُ بالمد والهاء، وهي الفصيحة المشهورة، والبأةُ بلا مد، والباءُ بالمد بلا هاء، والباهةُ بهائين بلا مد.\nوقد اختلف في معناها على قولين يرجعان إلى معنى واحد:\nالأول: أن المراد بها الجماع؛ أي: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنة النكاح من المهر والسكن فليتزوج.\nالثاني: أن المراد مؤنة النكاح من المهر والنفقة (^٢)، وهذا هو الأظهر، لأمور ثلاثة:\n١ - أن الخطاب إنما جاء للقادرين على الجماع وهم الشباب، ولا يقال: من استطاع منكم الجماع وهم قادرون عليه في الغالب.\n٢ - أنه قال: (ومن لم يستطع فعليه بالصوم) والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة.\n٣ - أنه ورد عند النسائي بلفظ: (من كان منكم ذا طول فليتزوج) (^٣).\nولا مانع من الحمل على المعنى الأعم، بأن يراد بالباءة القدرة على الوطء ومؤنة النكاح (^٤)، فقد ورد عند الإسماعيلي من طريق أبي عوانة، عن الأعمش (من استطاع منكم أن يتزوج فليتزوج).\n_________\n(^١) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٩/ ١٨٢)، الإعلام\" لابن الملقن (٨/ ١٠٩)، \"المعجم الوجيز\" ص (٣٣٣).\n(^٢) \"شرح النووي\" (٩/ ١٨٣)، \"فتح الباري\" (٩/ ١٠٨).\n(^٣) \"سنن النسائي\" (٤/ ١٧١).\n(^٤) انظر: \"الإعلام\" (٨/ ١١٠).","vol":"7","page":171},{"text":"قوله: (فإنه) الضمير عائد على التزوج، وهو مصدر الفعل السابق؛ كقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أي: العدل، والجملة تعليلية.\n\nقوله: (أغض للبصر) أي: أدعى إلى غض بصر المتزوج عن الأجنبية، وغض البصر: هو كفه عما لا يحل.\n\nقوله: (وأحصن للفرج) أي: أدعى إلى إحصان الفرج، وهو منعه من الوقوع في المحظور.\nوأفعل التفضيل قيل: إنه على بابه، فالتقوى سبب لغض البصر وإحصان الفرج، ولكن الزواج أغض وأحصن، ورَدَّ هذا العيني وقال: (هذا تصرف من ليس له يد في العربية) (^١).\nوقيل: ليس على بابه بل استعمل لغير التفضيل؛ كأنه لا يوجد ما يغض البصر ويحصن الفرج إلا التزوج.\nوالأول أظهر؛ لأن الأصل في صيغة (أفعل) هو التفضيل، ولا يعدل عنه إلا إذا تعذر الحمل عليه، وهنا لا يتعذر؛ لأن الخطاب مع المؤمنين، بل خُلَّصُهُمْ وهم شباب الصحابة - ﵃ - وعندهم من فيلتقوى ما ليس عند غيرهم.\n\nقوله: (ومن لم يستطع) المفعول مقدر؛ أي: ومن لم يستطع الباءة، وقد ورد ذلك في الترمذي بلفظ: (فمن لم يستطع منكم الباءة …) (^٢).\n\nقوله: (فعليه بالصوم) الضمير عائد إلى لفظ: (من استطاع) لأنه لم يتعين المخاطب من الشباب، فصار كالغائب، وهذا له نظائر في القرآن، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] وتقول لرجلين: من قام منكما الآن فله جائزة، فهذه الهاء لمن قام من الحاضرين، وهكذا الفاء في هذا الحديث فهي للواحد من المخاطبين.\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٩/ ٣١).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٠٨١).","vol":"7","page":172},{"text":"وعبر بالصوم دون الجوع لتحصيل العبادة، وهي مطلوبة بذاتها، وفيه إشارة إلى أن المطلوب من الصوم في الأصل كسر الشهوة.\n\nقوله: (فإنه له) الضمير الأول عائد على الصوم، والثاني على الصائم المقصود من السياق.\n\nقوله: (وجاء) أي: كسر لشهوته، والوجاء: بكسر الواو والمد: هو رض عروق الخصيتين بحجر ونحوه، وهما باقيتان لتضعف الفحولة، وأصل الوجاء الغمز، ومنه: وجأه في عنقه، إذا غمزه دافعًا له، ووجأه بالسيف إذا طعنه به.\nوالعلاقة بين الوجاء والصوم المشابهة في أن كلًّا منهما يضعف الشهوة ويدفع شر المني؛ لأن البيضتين تصلحان المني، فتهيج الشهوة، والصوم مضعف لشهوة الجماع بسبب قلة الطعام والشراب، وفيه سر عظيم، فإن تقليل الطعام والشراب بلا صوم لا يفيد.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث حث للشباب القادر على مؤنة الزواج أن يتزوج لما في الزواج من المصالح العظيمة، كما تقدم، وقد وردت أحاديث أخرى في الحث عليه والترغيب فيه، يأتي بعضها.\n\n° الوجه الرابع: اختلف العلماء في حكم الزواج عندما تتوفر دواعيه وتنتفي موانعه على قولين:\nالأول: أن الزواج واجب، وهذا قول داود بن علي وأصحابه، وأبو عوانة الإسفراييني من الشافعية، وابن حزم، وأحمد في رواية عنه، حكاه أبو بكر عبد العزيز (^١).\nواستدلوا بالأدلة الآمرة بالنكاح؛ كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. وقوله - ﷺ -: \"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج\" قال ابن دقيق العيد: (إن صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب).\n_________\n(^١) \"المغني\" (٩/ ٣٤٠)، \"المحلى\" (٩/ ٤٤٠).","vol":"7","page":173},{"text":"القول الثاني: أن الزواج مندوب، وهذا قول الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة، والرواية الثانية عن أحمد (^١)، لكنهم يقولون: إن كان توقانه إلى الزواج شديدًا بحيث يخشى على نفسه الوقوع في الزنا وجب عليه الزواج متى قدر على تكاليفه.\nواستدلوا على الاستحباب بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] ووجه الاستدلال: أن هذه الآية صريحة في مدح من حفظ فرجه من الزنا بملك يمينه باستغنائه عن الزواج، فلو كان حكم الزواج الوجوب لما مُدح من تركه؛ لأن تارك الواجب لا يمدح بل يذم.\nكما استدلوا بحديث الباب، ووجه الاستدلال أن النبي - ﷺ - أقام الصوم مقام الزواج، والصوم في هذه الحالة ليس بواجب، فدل على أن الزواج غير واجب؛ لأن غير الواجب لا يقوم مقام الواجب، وهذا الاستدلال فيه نظر (^٢).\nوالذي يظهر -والله أعلم- وجوب النكاح مطلقًا بشرطين: أن يكون ذا شهوة، وأن يكون قادرًا على مؤنة النكاح، استنادًا لحديث الباب، ولأن درء المحرم واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما أحسن قول القرطبي: (المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العُزوبة بحيث لا يرتفع عنه إلا بالتزويج، لا يُختلف في وجوب التزويج عليه) (^٣).\n\n° الوجه الخامس: في الحديث بيان حكمة عظيمة من حكم النكاح، وهي حفظ كل من الزوجين وصيانته عن الوقوع في المحظور، وذلك إنما يتم بالزواج، وهذا من مصالحه العظيمة.\n\n° الوجه السادس: في الحديث دليل على أن الإنسان لا يتكلف للزواج بغير الممكن كالاستدانة؛ لأنه - ﷺ - أرشد إلى الصيام، وقد ذكر شيخ الإسلام\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (٣/ ٧)، \"شرح فتح القدير\" (٣/ ١٨٧)، \"المغني\" (٩/ ٣٤٠)، \"مغني المحتاج\" (٣/ ١٢٧).\n(^٢) \"المُعلم\" للمازري (٢/ ٨٥).\n(^٣) \"المفهم\" (٤/ ٨٢).","vol":"7","page":174},{"text":"ابن تيمية أن في المسألة نزاعًا في مذهب أحمد وغيره، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣] فظاهر الآية أنه لا ينبغي للفقير أن يستقرض للزواج، بل عليه أن يتعفف، وهو حَرِيٌّ بأن يغنيه الله من فضله، والتعفف المذكور هو الذي جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢] (^١).\n\n° الوجه السابع: ذكر الخطابي أن في الحديث دليلًا على جواز التعالج لقطع الباءة، وهي شهوة الجماع، بالأدوية ونحوها (^٢)، ولكن ينبغي أن يحمل هذا على ما يخفف الشهوة ويسكنها، قياسًا على الصيام، لا على ما يقطعها، فإن هذا ممنوع شرعًا؛ لأمرين:\n١ - أنه قد يقدر على مؤونة الزواج وتتيسر له أسبابه، والله تعالى وعد من يستعفف أن يغنيه من فضله؛ لأنه جعل الإغناء غاية للاستعفاف.\n٢ - أن العلماء أجمعوا على منع الجَبِّ والخِصَاءِ، فيلحق بهما كل ما يقطع الشهوة من الأدوية. والجب: هو استئصال المذاكير، والخصاء: سلُّ الخصيتين ونزعهما.\n\n° الوجه الثامن: استدل القرافي بهذا الحديث على أن التشريك في العبادة لا يضر (^٣)، ووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - أمر العاجز عن مؤنة النكاح التائق إليه أمره بالصوم، وهو عبادة؛ كغض البصر، وحفظ الفرج، وهذا عبادة، ولو كان هذا قادحًا ما أمره بالصوم وهو عبادة من العبادات، ومثل ذلك من صام ليصح جسده أو ليحصل له زوال مرض من الأمراض، ويكون التداوي هو مقصوده أو بعض مقصوده، والصوم مقصود مع ذلك، وهذا بخلاف الرياء، فإن الرياء تشريك مع الله تعالى في طاعته، فهذا معصية وصاحبه آثم، وعبادته على خطر عظيم، لكن يقال: إن كان المُشَرَّكُ عبادة\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٣٢/ ٦)، \"أضواء البيان\" (٦/ ٢١٩).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٣/ ٣).\n(^٣) \"الفروق\" (٣/ ٢٢).","vol":"7","page":175},{"text":"كالمُشَرَّكِ فيه، فإنه لا يضر، فإنه يحصل بالصوم تحصين الفرج وغض البصر، وأما تشريك المباح، كما لو دخل في الصلاة لترك خطاب من يحل خطابه فهو محل نظر، يحتمل القياس على ما ذكر، ويحتمل عدم صحة القياس، نعم إن دخل في الصلاة لترك الخوض في الباطل أو الغيبة وسماعها كان مقصدًا صحيحًا (^١).\n\n° الوجه التاسع: استدل بعض المالكية بهذا الحديث على تحريم الاستمناء، وهو العادة السرية، ووجه الاستدلال: أنه لو كان مباحًا لأرشد إليه النبي - ﷺ -؛ لأنه أسهل وأهون، ولأن فيه لذة.\nوالاستمناء حرام عند جمهور العلماء، وهو أصح القولين في مذهب أحمد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولا عبرة بقول من أباحه لتسكين الشهوة، فإن ضرر الاستمناء عظيم، فالحق أنه محرم لا يجوز ارتكابه لا لتسكين الشهوة ولا لغرض آخر، والله أعلم) (^٢).\nوقد استدَلَّ -أيضًا- من قال بتحريمه بقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]، والعادي هو المتجاوز للحد، وهذا يدل على التحريم، كما استدل بقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]، والاستعفاف: طلب العفّة بحفظ الفرج من جميع أنواع الشهوة التي لا تباح (^٣)، وهذا أمر يراد به الوجوب.\nوقد ذكر بعض الباحثين أن الاستمناء له أضرار عظيمة، فهو يضعف البصر، ويُنهك القوى، ويُجهد الأعصاب، ويُضعف عضو التناسل، ويحدث فيه ارتخاءً قد يؤثر على العلاقة بين الزوجين، ويجعل فاعله سريع الإنزال، بحيث يُنْزل بمجرد احتكاك شيء بذكره أقل احتكاك، ومن مضار هذه العادة\n_________\n(^١) \"سبل السلام\" (٣/ ١٧٥).\n(^٢) \"الفتاوى\" (١٠/ ٥٧٣ - ٥٧٥).\n(^٣) انظر: \"الأم\" للشافعي (٥/ ١٠١ - ١٠٢، ١٥٦).","vol":"7","page":176},{"text":"السيئة أن المدمن عليها قد لا يتخلى عنها ولو بعد الزواج (^١).\nوالقول الثاني: أن الاستمناء مكروه، ولا إثم فيه، ولا عقوبة على فاعله، وهذا قول الظاهرية، وقد روي عن بعض السلف إباحته (^٢)؛ لأنه لم يرد نص صريح في تحريمه، وقد ذكر ابن حزم وجه كراهته، وهو أنه ليس من مكارم الأخلاق، ولا من الفضائل، ويبدو أن القائلين بإباحته لم يروا أن الأدلة المذكورة كافية في تحريمه، لكونها غير صريحة، وكذا ما ذكر عن أضراره، وقد نصر الشوكاني هذا القول، وألَّف فيه رسالة مستقلة.\nواستثنى الفقهاء من خاف الوقوع في الزنا أو عَمَلِ قوم لوط فقالوا: يباح له الاستمناء؛ لأن ذلك حال ضرورة وحاجة، بشرط ألا يكون قادرًا على النكاح ولو نكاح أمَة (^٣)، ونقل ابن رجب عن ابن عقيل الحنبلي أنه يرى تحريم الاستمناء بكل حال، وحكاه رواية (^٤)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الاستمناء باليد حرام عند جمهور العلماء، وهو أصح القولين في مذهب أحمد، وكذلك يعزر من فعله، وفي القول الآخر: هو مكروه غير محرم، وأكثرهم لا يبيحونه لخوف العنت ولا غيره، ونُقِلَ عن طائفة من الصحابة والتابعين أنهم رخصوا فيه للضرورة، مثل أن يخشى الزنا فلا يُعصم منه إلا به، ومثل أن يخاف إن لم يفعله أن يمرض، وهذا قول أحمد وغيره، وأما بدون الضرورة، فما علمت أحدًا رخص فيه، والله أعلم\". اهـ. (^٥).\n_________\n(^١) انظر: رسالة: \"الاستقصاء لأدلة تحريم الاستمناء\" للحسيني الإدريسي، ورسالة: \"الانتصار على العادة السرية\" أعدها: رامي بن خالد الخضر.\n(^٢) انظر: \"المصنف\" لعبد الرزاق (٧/ ٣٩٠ - ٣٩٢)، \"المحلى\" (١١/ ٣٩٢).\n(^٣) انظر: \"شرح المنتهى\" للبهوتي (٦/ ٢٢٩).\n(^٤) \"الذيل على طبقات الحنابلة\" (١/ ١٥٩).\n(^٥) \"الفتاوى\" (١٠/ ٥٧٣ - ٥٧٥) (٣٤/ ٢٢٩)، وانظر: \"بدائع الفوائد\" (٤/ ١٤٧١).","vol":"7","page":177},{"text":"<span data-type='title' id=toc-816>ما جاء في أن الزواج سنة النبي - ﷺ </span>-\n٩٧٠/ ٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حَمِدَ اللهَ وَأثْنَى عَلَيهِ، وَقَال: \"لكِنِّي أَنَا أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"النكاح\"، باب (الترغيب في النكاح) (٥٠٦٣) من طريق محمد بن جعفر، أخبرنا حميد بن أبي حميد الطويل، أنه سمع أنس بن مالك …، وأخرجه مسلم (١٤٠١) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك - ﵁ -، قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - ﷺ - يسألون عن عبادة النبي - ﷺ -، فلما أُخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي - ﷺ -؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله فقال: \"أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني\"، وهذا السياق للبخاري، ولمسلم بنحوه مختصرًا، ولفظ \"البلوغ\" هو آخر لفظ الحديث عند مسلم، وبهذا يتبين أن الحافظ اختصر الحديث.\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل الزواج والترغيب فيه لمصالحه العظيمة، وأن تركه من أجل الانقطاع للعبادة ليس من هدي النبي - ﷺ - ولا من سنته، بل الزواج من سنن المرسلين المطلوبة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا","vol":"7","page":178},{"text":"مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] والعدول عنه تعففًا خروج عن هديهم، وميل عن الصراط المستقيم.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن تعاليم الشريعة قائمة على التيسير على المكلفين، وأن الانهماك في العبادة وأخذ النفس بالمشقة ليس من الدين في شيء، وليس من هدي النبي - ﷺ -.\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة\" (^١).\nفمنهج الإسلام عدم التشدد في العبادة وتكليف النفس ما لا تطيق من الطاعات، ومن فعل ذلك غلبه الدين، وآخر الأمر العجز والانقطاع، والإنسان إذا أخذ بالقصد دام عمله، وتمكن من أداء الحقوق كلها، حَقِّ الله تعالى، وحَقِّ النفس، وحَقِّ الأهل، وحَقِّ الأصحاب، برفق وسهولة، وقد ورد في حديث عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يُدخل أحدَكم عملُه الجنة، وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل\" (^٢).\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على قاعدة عظيمة مفيدة، وهي أن موافقة السنة خير من كثرة العمل، لقوله - ﷺ -: \"فمن رغب عن سنتي فليس مني\" وهؤلاء أرادوا أن يعملوا أكثر من عمل الرسول - ﷺ -، فأخبرهم أن هذا مخالف للسنة، فالخير كل الخير في اتباع هدي النبي - ﷺ - في صومه وصلاته وعاداته.\nومن الأمثلة لهذه القاعدة: الإطالة في ركعتي الفجر، أو صلاة أكثر من ركعتين بعد طلوع الفجر، أو الإطالة في ركعتي الطواف، أو الجلوس عند مقام إبراهيم - ﵇ - بعد ركعتي الطواف للدعاء، ونحو ذلك مما فيه مخالفة للسنة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٦٤).","vol":"7","page":179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-817>استحباب اختيار الزوجة الودود الولود</span>\n٩٧١/ ٣ - وَعَنْهُ قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَأْمُرُنَا بِالْبَاءَةِ وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: \"تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الولُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَنْبيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n٩٧٢/ ٤ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ -أيضًا- مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَار.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nحديث أنس - ﵁ - أخرجه أحمد (٢٠/ ١٩١ - ١٩٢)، وابن حبان (٩/ ٣٣٨) من طريق خلف بن خليفة، حدثني حفص بن عمر، عن أنس بن مالك - ﵁ - مرفوعًا.\nوهذا الحديث لا بأس برجاله، خلف بن خليفة من رجال مسلم (^١)، وهو صدوق قد اختلط بأخرة، قال عبد الله بن أحمد قال أبي: (قد رأيت خلف بن خليفة قد قال له إنسان: يا أبا أحمد، حدثك محارب بن دثار؟ قال أبي: فلم أفهم كلامه، كان قد كبر فتركته) (^٢)، وقال أحمد: (رأيت خلف بن خليفة وهو مفلوج سنة سبع وثمانين ومائة، وقد حُمل، وكان لا يفهم، فمن كتب عنه قديمًا فسماعه صحيح) وقال الأثرم عن أحمد: (\"أتيته فلم أفهم عنه\"، قلت:\n_________\n(^١) ذكر الحاكم في \"المدخل إلى الصحيح\" (٤/ ١٣٦) أن مسلمًا أخرج له في الشواهد.\n(^٢) \"المسند\" (٢١/ ١٩١).","vol":"7","page":180},{"text":"في أي سنة مات؟ قال: \"أظنه في سنة ثمانين أو آخر سنة تسع وسبعين\") (^١).\nوحفص بن عمر هو ابن أخي أنس بن مالك، صدوق، كما في \"التقريب\".\nوالحديث له شواهد منها الحديث الذي بعده، وهو حديث معقل بن يسار، فقد أخرجه أبو داود في كتاب \"النكاح\"، باب (النهي عن تزويج من لم يلد من النساء) (^٢) (٢٠٥٠)، والنسائي (٦/ ٦٥ - ٦٦)، وابن حبان (٩/ ٣٦٣ - ٣٦٤) من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا مستلم بن سعيد ابن أخت منصور بن زاذان، عن منصور بن زاذان، عن معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، هانها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: \"لا\"، ثم أتاه الثانية، فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: \"تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم\" وهذا السياق لأبي داود، والحديث إسناده قوي، رجاله ثقات، رجال الصحيح، غير مستلم بن سعيد، فقد روى له أصحاب السنن، وهو صدوق، وثقه أحمد، وقال ابن معين: (صويلح)، وقال النسائي: (ليس به بأس) (^٣).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يأمرنا بالباءة) تقدم الكلام عليها، والمراد هنا: النكاح بدلالة السياق.\n\nقوله: (عن التبتل) أصل التبتل: الانقطاع، والمراد هنا: الانقطاع عن الزواج وما يتبعه من الملاذ إلى العبادة.\n\nقوله: (الودود) بفتح الواو، صيغة مبالغة على وزن فعول، هي التي تتحبب إلى زوجها، وهي المحبوبة لكثرة ما هي عليه من خصال الخير والبر وحسن الخلق.\n\nقوله: (الولود) هي كثيرة الأولاد والإنجاب، ويعرف ذلك عادة في\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ١٣٠).\n(^٢) انظر: \"عون المعبود\" (٦/ ٤٥).\n(^٣) تهذيب التهذيب (١٠/ ٩٥).","vol":"7","page":181},{"text":"البكر بحال أمها وقريباتها؛ لأن الغالب سراية طباع الأقارب بعضهم إلى بعض.\nوجمع النبي - ﷺ - بين هذين الوصفين؛ لأن الولود إذا لم تكن ودودًا لم يُرغب في الزواج بها، والودود إذا لم تكن ولودًا لم يحصل المطلوب، وهو تكثير الأمة بكثرة التوالد.\n\nقوله: (إني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة) أي: مفاخر بسببكم الأنبياء يوم القيامة، لكثرة أتباعي.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على الترغيب في الزواج لما فيه من المصالح العظيمة، ومنها إيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي - ﷺ - يوم القيامة، وحصول الذرية من البنين وأولادهم الذين هم قرة العين، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل: ٧٢].\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن التبتل وترك الزواج للقادر عليه انقطاعًا للعبادة وانشغالًا بطلب العلم ونحو ذلك، وهذا النهي يقتضي التحريم، ولهذا قال الصحابي: (وينهى عن التبتل نهيًا شديدًا) وذلك لأن الانقطاع عن الزواج مخالفة لسنن المرسلين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]، وفيه تعطيل لإرادة الله الكونية من عمارة هذا الكون، فإن هذا الكون لن يُعمر إلا بحفظ الجنس البشري، ولا وسيلة لذلك إلا التناسل عن طريق الزواج، ولأن ترك الزواج من أجل العبادة أو طلب العلم رهبانية مبتدعة، وقد قرن النبي - ﷺ - بين الأمر بالزواج والنهي عن الرهبانية في حديث أبي أمامة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تزوجوا؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، ولا تكونوا كرهبانية النصارى\" (^١).\n_________\n(^١) رواه البيهقي (٧/ ٧٨)، وساقه الحافظ في \"فتح الباري\" (٩/ ١١١) وسكت عنه، وحسنه الألباني بشواهده [\"الصحيحة\" (٤/ ٣٨٥)].","vol":"7","page":182},{"text":"° الوجه الخامس: الحديث دليل على استحباب نكاح المرأة الودود الولود؛ لأن وُدَّ المرأة لزوجها دليل على صحة مزاجها وقوة طبيعتها، كما أن وُدَّهَا مانع من أن يطمح بصرها إلى غيره، وباعث لها على تجملها لزوجها وعنايتها به، وفي هذا تحصين فرج زوجها ونظره، وفي هذا من المصالح ما لا يُحصر.\nوبالجملة فإن تَوادَّ الزوجين به تتم المصلحة المنزلية، وكثرة النسل بها تتم المصلحة الدنيوية والدينية (^١).\n\n° الوجه السادس: في الحديث دليل على أن العمل على تحديد النسل المسمى تضليلًا تنظيم النسل، ليس من هدي الإسلام ولا من تعاليمه، بل هو كيد للإسلام وأهله بتقليل عدد المسلمين وإضعاف كيانهم، ليقوى عدوهم على السيطرة على بلادهم واستعمار أهلها، والتمتع بثروات البلاد الإسلامية وخيراتها، كما أن في الأخذ بهذه النظرية ضربًا من أعمال الجاهلية وسوء ظن بالله تعالى.\nوالمراد بذلك ما يمنع الحمل منعًا مستمرًا بحيث يقل النسل، وهذا خلاف مقصود الشارع من تكثير الأمة.\nوأما منعه منعًا مؤقتًا كأن تكون الأم كثيرة الحمل والحمل يتعبها، فتحب أن تنظم حملها كل سنتين مرة أو نحو ذلك، فهذا جائز إذا أَذن به الزوج ولم يكن به ضرر عليها، ودليل ذلك أن الصحابة - ﵃ - كانوا يعزلون عن نسائهم، وسيأتي لذلك مزيد بيان -إن شاء الله- عند الكلام على أحاديث العزل في باب \"عشرة النساء\" والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"حجة الله البالغة\" (٢/ ١٢٣).","vol":"7","page":183},{"text":"<span data-type='title' id=toc-818>الصفات التي من أجلها تنكح المرأة</span>\n٩٧٣/ ٥ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ مَعَ بَقِيّةِ السّبْعَةِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"النكاح\"، باب (الأكفاء في الدين) (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦)، وأبو داود (٢٠٤٧)، والنسائي (٦٨١٦)، وابن ماجه (١٨٥٨)، وأحمد (١٥/ ٣١٩) كلهم من طريق يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nويحيى بن سعيد هو القطان، وسعيد هو ابن أبي سعيد كيسان المقبري.\nوقد وهم الحافظ في عزو الحديث إلى السبعة، فإن منهم الترمذي -كما هو اصطلاحه في المقدمة- وهو لم يرو الحديث، ولهذا لم يذكره المزي مع من أخرج الحديث (^١).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (تنكح المرأة) بضم التاء مبني لما لم يُسمَّ فاعله؛ أي: يُرغب في الزواج بها، والمرأة: نائب الفاعل.\n_________\n(^١) \"تحفة الإشراف\" (١٠/ ٣٠٢).","vol":"7","page":184},{"text":"قوله: (لأربع) أي: لأربع خصال أو صفات، واللام للتعليل، والمعنى: أن الناس يراعون هذه الخصال في المرأة، ويرغبون فيها لأجلها، ولم يرد الأمر بمراعاتها (^١).\n\nقوله: (ولحسبها) بفتح الحاء والسين؛ أي: لشرفها، والحسب في الأصل: هو الفعل الجميل للرجل وآبائه وأجداده من الكرم والنجدة، والشجاعة والمروءة، مأخوذ من الحساب؛ لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم، فمن كانت صفاته أكثر قُدم على غيره، وقيل: المراد بالحسب هنا: أفعالها الحسنة الجميلة، لكن قد يشكل على هذا التفسير ما رواه الترمذي عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. قال النبي - ﷺ -: \"الحسب: المال، والكرم، والتقوى\" (^٢). فقد فسر النبي - ﷺ - الحسب بالمال، والجواب: أن الحسب لا يفسر في حديث الباب بالمال؛ لأنه قد عُطف عليه، والعطف يقتضي المغايرة، لكن إذا ذكر الحسب منفردًا فلا مانع من تفسيره بالمال، وإن ذكر مع المال فسر بما تقدم.\n\nقوله: (فاظفر بذات الدين) أي: فاحرص على الزواج بالمرأة ذات الدين؛ لأنك تكسب بزواجها منافع الدنيا والآخرة.\n\nقوله: (تربت يداك) بكسر الراء؛ أي: لصقتا بالتراب، وهو كناية عن الفقر، وهي جملة خبرية لفظًا، إنشائية معنى، معناها: الدعاء، لكن هذا مما يجري على اللسان، ولا يُراد به الدعاء، بل يراد بها الحث والتحريض على الفعل، وهي كقولهم: لا أبَ لك، ولا أُمَّ لك، ولا أَرْضَ لك، ونحو ذلك، يقال: تَرِبَ الرجل: إذا افتقر، وأترب: إذا استغنى، قال الشاعر:\nلولا توقُّعُ معترٍّ فأُرْضِيَهُ … ما كنت أُوثرُ إِتْرابًا على تَرَبِ\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الذي يدعو الرجل إلى\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على ابن ماجه\" (١/ ٥٧٢).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٢٧١)، ورواه ابن ماجه (٤٢١٩)، وأحمد (٣٣/ ٢٩٤)، وصححه الترمذي، وفيه نظر، والحديث له شواهد.","vol":"7","page":185},{"text":"الزواج بالمرأة هو مالها أو شرفها أو جمالها، وآخر ذلك الدين، وهذا الذي أخبر به النبي - ﷺ - هو الواقع في زماننا هذا، فالبحث عندهم عن الجمال، ومنهم من يحرص على المال كأن تكون معلمة مثلًا.\n\n° الوجه الرابع: الحرص على الزواج بالمرأة ذات الدين، فإن هذا له تأثير كبير على الزوج نفسه، وعلى أولاده، وعلى بيته، والإنسان إنما يجلس إلى من ينفعه في دينه، فكيف بزوجته شريكة حياته؟ وقد قال النبي - ﷺ -: \"الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة\" (^١).\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دليل على إباحة الزواج بالمرأة لأيِّ من المقاصد المذكورة؛ لأن الرسول - ﷺ - ساق هذا الحديث مساق الإخبار عما في الواقع وحال الناس، وليس المراد الأمر بذلك، ومن تزوج امرأة طمعًا في مالها -وهو أقوى الدواعي- وتجرد القصد عن غير المال من الأسباب الموجبة للائتلاف، فَأَخْلِقْ بالعقد أن ينحل، وبالألفة أن تزول، ولا سيما إذا غلب الطمع، وقل الوفاء، وبالغ الرجل في تسلطه على مال زوجته.\nوإذا تزوجها رغبة في جمالها، فذاك أدوم ألفة من المال؛ لأن الجمال صفة لازمة، والمال صفة زائلة، فإن سلم الجمال من الإدلال المفضي للملل، دامت الألفة وحسنت العشرة، وإلا فهو إلى الزوال أقرب.\n\n° الوجه السادس: كيفية العمل بهذا الحديث: أن من أراد أن يتزوج بامرأة فإنه يبدأ بالسؤال عن الصفات التي يُرغب فيها؛ كالجمال مثلًا، فإذا تحققت له، يسأل عن الدين، فإن تحقق أقدم وإلا أحجم، فيكون الدين هو مدار القبول أو الرد.\nوأما إذا سأل عن الدين أولًا، ثم سأل عن الصفات الأخرى ولم تتحقق، فيكون رد المرأة مع أنها ذات دين.\n\n° الوجه السابع: استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن للزوج\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٦٧).","vol":"7","page":186},{"text":"الاستمتاع بمال الزوجة، وهذا فيه نظر، لعموم قوله - ﷺ -: \"لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه\" والحديث فيه ضعف، لكن تشهد له عمومات صحيحة؛ كقوله - ﷺ - في خطبة الوداع في عرفة: \"إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم … \" الحديث (^١). ولا ينحصر قصد نكاح المرأة لأجل مالها في استمتاع الزوج به، بل قد يكون قصده أن تستغني بمالها عن كثرة مطالبة الزوج بما تحتاج إليه النساء من الكماليات، ولا سيما في زماننا هذا.\n\n° الوجه الثامن: في الحديث دليل على الحث على مصاحبة أهل الدين والصلاح والاستقامة؛ لأن من صاحبهم استفاد من أخلاقهم وطباعهم وعلمهم، وأمن المفسدة من جهتهم.\n\n° الوجه التاسع: كما ينبغي للزوج اختيار المرأة الصالحة ينبغي لولي المرأة أن يختار لها الزوج الصالح الكريم الخلق ذا الدين والمروءة، فلا يزوجها من ضَعُفَ دَينُهُ وساء خُلُقُهُ، قال رجل للحسن البصري: قد خطب ابنتي جماعة، فمن أزوجها؟ قال: (ممن يتقي الله، فإنه إن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها) (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجهما في باب (الصلح) عند الحديث (٨٧٥).\n(^٢) \"تكملة المنهل العذب المورود\" (٣/ ١٦٨).","vol":"7","page":187},{"text":"<span data-type='title' id=toc-819>ما يدعى به للمتزوج</span>\n٩٧٤/ ٦ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا رَفَّأ إِنْسَانًا إِذَا تَزَوَّجَ قَال: \"بَارَك اللهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيكَ، وَجَمَعَ بَينَكُمَا في خَيرٍ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (١٤/ ٥١٧ - ٥١٨)، وأبو داود في كتاب \"النكاح\"، باب (ما يقال للمتزوج) (٢١٣٠)، والترمذي (١٠٩١)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩/ ١٠٧)، وابن ماجه (١٩٠٥)، وابن حبان (٩/ ٣٥٩) كلهم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nوقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وقال الحاكم (٢/ ١٨٣): (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي (^١).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (رفَّأ إنسانًا) بفتح الراء وتشديد الفاء مع الهمز وعدمه، ولها معنيان:\nالأول: إذا أراد أن يدعو له إذا تزوج بالرفاء، قال له: بارك الله لك وبارك عليك.\n_________\n(^١) انظر: \"آداب الزفاف\" ص (١٠٣).","vol":"7","page":188},{"text":"الثاني: إذا هنأه ودعا له بالتوفيق وحسن العشرة والذرية الطيبة.\nوأصل الرِّفاء -بكسر الراء والمد-: الالتئام والاتفاق وجمع الشمل، ومنه رفأ الثوب: إذا أصلحه، وبين القوم رفاء أي: التحام واتفاق (^١).\nويجوز أن يكون من الهدوء والسكون، تقول: رفوته: إذا سَكَّنْتَ ما به من روع (^٢).\n\nقوله: (بارك الله لك) هذه جملة خبرية لفظًا إنشائية معنى؛ لأن المراد بها الدعاء، وكذا ما بعدها. ولعل الجمع بين (لك) و(عليك) أن البركة لما كانت نافعة تعدت باللام، ولما كانت نازلة من السماء تعدت بـ (على) وجاء الحديث بالوجهين للتأكيد والتفنن (^٣).\n\nقوله: (وجمع بينكما) أي: بينك وبين زوجك، وهذا يفهم من السياق.\n\nقوله: (في خير) لفظ شامل لكل أنواع الخير من الطاعة وحسن المعاشرة والذرية الصالحة.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب الدعاء للمتزوج بأن يبارك الله تعالى له، وأن يبارك عليه، وأن يجمع بينه وبين زوجه في خير. وقد دعا النبي - ﷺ - لعبد الرحمن بن عوف لما تزوج بقوله: \"بارك الله لك\" (^٤).\nوالدعاء للمتزوج من محاسن الشريعة الإسلامية، وذلك بأن يُهنأ المسلم بما حصل له من الخير وأن يدعى له بما يناسب الحال من البركة ودوام النعمة وشكرها.\nولا يجوز العدول عن هذا الدعاء إلى ما اعتاده بعض الناس من قولهم: بالرِّفاء والبنين (^٥). فإن هذا من عمل الجاهلية، وقد نهى عنه النبي - ﷺ -، فقد\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٢٣٤)، \"حاشية السندي على ابن ماجه\" (١/ ٥٨٩).\n(^٢) \"غريب الحديث\" (١/ ٢٠٧).\n(^٣) \"تكملة المنهل العذب المورود\" (٤/ ١٣)، \"الفتوحات الربانية\" (٦/ ٧٧).\n(^٤) سيأتي هذا الحديث في باب (الوليمة) إن شاء الله تعالى.\n(^٥) قال الزمخشري: (إن الباء متعلقة بمحذوف دل عليه المعنى؛ أي: أعرستما أو اصطحبتما) \"الفائق\" (٢/ ٧٠)، وانظر: \"مجمع الأمثال\" للميداني (١/ ١٧٥).","vol":"7","page":189},{"text":"ورد عن الحسن أن عقيل بن أبي طالب تزوج امرأة من جُشم، فدخل عليه القوم، فقالوا: بالرفاء والبنين، فقال: لا تفعلوا ذلك، فإن رسول الله - ﷺ - نهى عن ذلك، قالوا: فما نقول يا أبا يزيد؟ قال: قولوا: بارك الله لكم، وبارك عليكم، إنا كذلك كنا نؤمر (^١). وفي رواية لأحمد: لا تقولوا ذلك، فإن النبي - ﷺ - قد نهانا عن ذلك، وقال: \"قولوا: بارك الله فيك، وبارك لك فيها\"، ولعل الحكمة -والله أعلم- في النهي عن استعمال هذه الجملة، ثلاثة أمور:\n١ - لقصد مخالفة ما كان عليه أهل الجاهلية.\n٢ - لما فيه من الدعاء له بالبنين دون ذكر البنات، وفي هذا موافقة للعرب في جاهليتهم حيث كانوا يكرهون البنات، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾ [النحل: ٥٨].\n٣ - أنه ليس فيه ذكر اسم الله تعالى ولا حمده ولا ثناء عليه، وهذه أمور مطلوبة.\nواعلم أن لفظ الرفاء لا محذور فيه، فإن الصحابي عبر به، وهو أعلم بنصوص الشريعة وهدي النبي - ﷺ -، وإنما المحذور الدعاء للمتزوج بالبنين (^٢).\nوانظر إلى ما أرشد إليه النبي - ﷺ - من هذا اللفظ الوجيز البليغ، وهو دعاء جامع شامل لمصالح الدنيا والآخرة، فإن حصول البركة لهما وعليهما والجمع بينهما بخير ينتظم سعادة الزوجين وصلاحهما وصلاح ذريتهما. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي مختصرًا (٦/ ١٢٨)، وأحمد (٣/ ٢٦١)، وابن ماجه (١٩٠٦)، وهو حديث قوي بطرقه، كما قال الألباني: في \"آداب الزفاف\" ص (١٠٤).\n(^٢) \"تصحيح الدعاء\" ص (٥٢٨).","vol":"7","page":190},{"text":"<span data-type='title' id=toc-820>مشروعية الخطبة عند عقد النكاح</span>\n٩٧٥/ ٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَال: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - التَّشَهُّدَ في الْحَاجَةِ: \"إنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَستَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ\"، وَيَقْرَأُ ثَلاثَ آيَاتٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ وَحَسّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٦/ ٢٦٢ - ٢٦٣) من طريق شعبة، وأبو داود في كتاب \"النكاح\"، باب (في خطبة النكاح) (٢١١٨) من طريق إسرائيل، والنسائي (٣/ ١٠٤ - ١٠٥)، والحاكم (٢/ ١٨٢ - ١٨٣) من طريق شعبة -أيضًا- كلاهما عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود - ﵁ -، قال: علمنا رسول الله - ﷺ - خطبة الحاجة في النكاح وغيره: الحمد لله … هذا لفظ أبي داود، وقد جاء في إسناد أبي داود من طريق إسرائيل عن أبي عبيدة وأبي الأحوص به. فجمع بينهما.\nوأخرجه الترمذي (١١٠٥)، والنسائي (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩) من طريق الأعمش، وابن ماجه (١٨٩٢) من طريق يونس بن إسحاق، كلاهما عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: علمنا رسول الله - ﷺ - التشهد في الصلاة والتشهد في الحاجة؛ إن الحمد لله نستعينه … الحديث.","vol":"7","page":191},{"text":"قال الترمذي: (حديث عبد الله حديث حسن، رواه الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ -، ورواه شعبة عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ -، وكلا الحديثين صحيح، لأن إسرائيل جمعهما فقال: عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص وأبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ -) (^١).\nوللحديث طريق ثالثة أخرجها أبو داود (١٠٩٧) (٢١١٩) من طريق عمران القطان، عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - … وسنده ضعيف، لجهالة أبي عياض، وكذا شيخ قتادة عبد ربه بن أبي يزيد.\nوروى الحديث أبو داود (٢١١٨)، وأحمد (٧/ ١٨٨) من طريق سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - موقوفًا، ورواه عبد الرزاق (٦/ ١٨٧) عن معمر والثوري، عن أبي إسحاق به نحوه موقوفًا، وتابعهما أبو الأحوص سلام بن سليم به موقوفًا، كما ذكر الدارقطني في \"العلل\" (٥/ ٣١٢) وبهذا تبين أن هذا الحديث مداره على أبي إسحاق السبيعي، واختلف عليه رفعًا ووقفًا (^٢)، وقد حسن الترمذي رواية أبي الأحوص، وأما رواية أبي عبيدة، فقد أُعلت بالانقطاع، لكونه لم يسمع من أبيه، والظاهر أنها في حكم الموصول؛ لأنه كان شديد العناية بحديث أبيه وفتاويه، وعنده في ذلك من العلم ما ليس عند غيره، ما لم يوجد سبب يقتضي الرد (^٣).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظة:\n\nقوله: (التشهد في الحاجة) هذه رواية، والرواية الثانية -كما تقدم-\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢/ ٣٩٩) وانظر: \"العلل\" للدارقطني (٥/ ٣٠٩) فقد أطال في ذكر الاختلاف على أبي إسحاق، وذكر نحوًا من كلام الترمذي.\n(^٢) انظر: \"مرويات أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه\" ص (٣٢٦).\n(^٣) انظر: \"المراسيل\" لابن أبي حاتم ص (٢٥٦)، \"فتاوى ابن تيمية\" (٦/ ٤٠٤)، \"تهذيب مختصر السنن\" (٦/ ٣٥٠)، \"شرح العلل\" لابن رجب (١/ ٢٩٨)، \"فتح الباري\" له -أيضًا- \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٦٦)، \"مرويات أبي عبيدة عن أبيه\" ص (٨٥ وما بعدها).","vol":"7","page":192},{"text":"(علمنا رسول الله - ﷺ - خُطبة الحاجة في النكاح وغيره)، وظاهر السياق أن قوله: (في النكاح وغيره) الوارد في لفظ أبي داود من طريق سفيان، عن أبي إسحاق، أنه من قول ابن مسعود - ﵁ -، لكن خالفه شعبة، فجعلها من قول أبي إسحاق حيث قال: (قلت لأبي إسحاق: هذه في خُطبة النكاح أو في غيرها؟ قال: في كل حاجة) (^١). والخُطبة هنا: بضم الخاء، من خطب يخطُب، من باب نصر ينصر، إذا تكلم بكلام يشتمل على الحمد والثناء وغيرهما، وأما الخِطبة: بالكسر، فهي أن يَخْطِبَ الرجل المرأة، ولهذا قالوا: تستحب الخُطبة عند الخِطبة، وهما يجتمعان في الماضي والمضارع، ويختلفان في المصدر (^٢)، وتقدم هذا في \"البيوع\".\n\nقوله: (إن الحمد لله) هذا لفظ الترمذي وغيره، ولفظ أبي داود وغيره: (الحمد لله)، والتعبير بالجملة الاسمية أبلغ من الفعلية؛ لدلالتها على الثبوت والدوام، والفعلية تدل على التجدد والحدوث، وقد جمع بينهما، كما في رواية الطحاوي (^٣) فقال: (إن الحمد لله، نحمده) أي: إنه حمد يتجدد كلما تجددت النعم، والحمد: هو الاعتراف للمحمود بصفات الكمال مع محبته وتعظيمه، وتقدم ذلك.\n\nقوله: (ونستعينه) أي: نطلب منه العون، وهو المساعدة على أداء حمده وعلى سائر الأمور الدينية والدنيوية.\n\nقوله: (ونستغفره) أي: نطلب منه مغفرة ما يحصل من التقصير في أداء حمده، وسائر ما يجب علينا فعله له، فهو أهل للمغفرة، وحذف المعمول يؤذن بالعموم.\n\nقوله: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) أي: نعتصم بالله تعالى ونلتجئ إليه، وشرور أنفسنا: هي الأخلاق الدنيئة، وإنما استعاذ من شرور الأنفس؛ لأن النفس أمارة بالسوء، ميالة إلى الهوى والأغراض الفاسدة.\n_________\n(^١) انظر: \"المفهم\" (٤/ ١٠٧)، \"مختار الصحاح\" ص (١٨٠).\n(^٢) \"مسند الطيالسي\" (١/ ٢٦٤ - ٢٦٥).\n(^٣) \"شرح مشكل الآثار\" (١/ ٦).","vol":"7","page":193},{"text":"قوله: (ومن سيئات أعمالنا) استعاذة من المعاصي ومن عقوباتها، ومن وقاه الله شر نفسه وسيئات عمله فقد أفلح.\n\nقوله: (من يهده الله فلا مضل له) هكذا بإثبات الضمير (يهده) وفي بعض نسخ أبي داود (من يهد الله) بدونه، والمعنى: من يدله ويوفقه الله تعالى ويرشده.\n\nقوله: (فلا مضل له) أي: فلا يقدر أحد على إضلاله وصرفه عن طريق الحق والرشاد.\n\nقوله: (ومن يضلل فلا هادي له) هكذا بدون الضمير، وفي الإتيان به في جانب الهداية وتركه في جانب الضلالة نكتة تشير إلى عناية الله تعالى بعبده.\n\nقوله: (وأشهد أن لا إله إلا الله) جاءت الأفعال الأربعة بالنون؛ لأمرين:\nالأول: أن الاستعانة والاستغفار والاستعاذة تقبل النيابة فيجوز أن يستغفر الرجل لغيره، ويستعين الله له، ويستعيذ بالله له، وهذا التوجيه تشكل عليه رواية: (نحمده) لأن الحمد لا يتحمله أحد عن أحد، ولا يقبل النيابة، ومع هذا جاء بالنون، لكن أكثر الروايات خلت من هذه الجملة كما تقدم.\nالثاني: أن المذكورات طلب وإنشاء، فيستحب للطالب أن يطلبه لنفسه ولإخوانه المؤمنين.\nأما الشهادة فقد جاءت بلفظ الإفراد (وأشهد أن لا إله إلا الله) لأمرين:\n١ - أن الشهادة لا تقبل النيابة بحال.\n٢ - أن الشهادة إخبار عما في القلب مما يطابق اللسان، والإنسان إنما يخبر عن نفسه، لعلمه بحاله، بخلاف إخباره عن غيره، فإنه يخبر عن قوله ونطقه، ولا يخبر عن عقد قلبه (^١).\n_________\n(^١) نقل ابن القيم في \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ٥٤) هذا عن شيخ الإسلام ابن تيمية.","vol":"7","page":194},{"text":"قوله: (ويقرأ ثلاث آيات) جاء بيانها في تتمة الحديث، ولكن الحافظ حذفها اختصارًا، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. وقد جاء في بعض الروايات (أما بعد، ثم يذكر حاجته) والمراد هنا: أن يقول الولي من أب أو غيره: زوجتك ابنتي، ويقول الخاطب: قبلت، أو نحو ذلك.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على مشروعية تقديم هذه الخطبة على عقد النكاح، وذلك بأن يبدأ العاقد بقراءة هذه الخطبة، ثم بعدها يصدر الإيجاب من الولي، والقبول من الزوج.\nوكان أهل الجاهلية يخطبون قبل العقد بذكر مفاخر قومهم ونحو ذلك، يتوسلون بذلك إلى ذكر المقصود والتنويه به، وفي ذلك مصلحة، فإن الخطبة مبناها على التشهير، والنكاح يراد إشهاره وإظهاره ليتميز عن السفاح، وأيضًا الخطبة لا تستعمل إلا في الأمور المهمة، ومن ذلك النكاح، فأبقى النبي - ﷺ - أصل الخطبة، وغير وصفها وصيغتها (^١).\nوهذه الخطبة سنة عند الجمهور وليست بواجبة، لما ورد في حديث سهل بن سعد - ﵁ - الآتي أن النبي - ﷺ - زوج الرجل بما معه من القرآن، ولم تذكر الخطبة في شيء من طرق الحديث، فلو قال: زوجتك، وقال: قبلت، كفى.\nونقل الحافظ ابن حجر عن الظاهرية أنها شرط في العقد، ووافقهم من\n_________\n(^١) انظر: \"حجة الله البالغة\" (٢/ ١٢٧ - ١٢٨).","vol":"7","page":195},{"text":"الشافعية أبو عوانة، فترجم في \"مسنده\": (باب بيان تثبيت وجوب الخطبة عند التزويج، وما يجب أن يُخطب به) (^١).\n\n° الوجه الرابع: هذه الخطبة ليست خاصة بعقد النكاح، وإنما هي عامة كما تقدم في بعض الروايات، ولهذا فقد ذكر النسائي هذا الحديث في كتاب \"الجمعة\"، باب (كيفية الخطبة) (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولهذا استحبت، وفعلت في مخاطبة الناس بالعلم عمومًا وخصوصًا من تعليم الكتاب والسنة والفقه في ذلك، وموعظة الناس، ومجادلتهم أن يفتتح بهذه الخطبة الشرعية النبوية)، ثم ذكر أن شيوخ زمانه وغيرهم كانوا يفتتحون بغيرها، ثم قال: (إن حديث ابن مسعود لم يخص النكاح، فينما هي خطبة لكل حاجة، في مخاطبة العباد بعضهم بعضًا، والنكاح من جملة ذلك، فإن مراعاة السنة الشرعية في الأقوال والأعمال في جميع العادات والعبادات هو كمال الصراط المستقيم، وما سوى ذلك إن لم يكن منهيًا عنه، فإنه منقوص مرجوح، إذ خير الهدي هدي محمد - ﷺ -) (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"مسند أبي عوانة\" (٣/ ٤٣ - ٤٤).\n(^٢) \"سنن النسائي\" (٣/ ١٠٤).\n(^٣) \"الفتاوى\" (١٨/ ٢٨٧ - ٢٨٨).","vol":"7","page":196},{"text":"<span data-type='title' id=toc-821>مشروعية نظر الخاطب إلى المخطوبة</span>\n٩٧٦/ ٨ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأةَ، فَإنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَات، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ.\n٩٧٧/ ٩ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ.\n٩٧٨/ ١٠ - وَعنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيث مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ.\n٩٧٩/ ١١ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَال لِرَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً: \"أَنَظَرْتَ إِلَيهَا؟ \"، قَال: لَا، قَال: \"اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيهَا\".\n\n* الكلام عليها من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو محمد بن مسلمة بن سلمة الأنصاري الأوسي، أسلم في المدينة قديمًا على يد مصعب بن عمير، وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين أبي عبيدة، وشهد بدرًا وأُحدًا، وثبت مع رسول الله - ﷺ - يومئذ حين ولّى الناس، وشهد بقية المشاهد ما عدا تبوك؛ لأن رسول الله - ﷺ - استخلفه على المدينة، وكان - ﵁ - ممن اعتزل، ولم يشهد الجمل ولا صفين. قال ابن عبد البر: (كان من فضلاء الصحابة). مات في المدينة سنة ست وأربعين، وهو ابن سبع وسبعين سنة - ﵁ - (^١).\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٠/ ٤٤)، \"السير\" (٢/ ٣٦٩)، \"الإصابة\" (٩/ ١٣١).","vol":"7","page":197},{"text":"° الوجه الثاني: في تخريجها:\nأما حديث جابر - ﵁ - فقد رواه أحمد (٢٢/ ٤٤٠)، وأبو داود في كتاب \"النكاح\"، بابٌ (في الرجل ينظر إلى المرأة، وهو يريد تزويجها) (٢٠٨٢)، والحاكم (٢/ ١٦٥) من طريق عبد الواحد بن زياد، ثنا محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن واقد بن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ، عن جابر - ﵁ -، وتمام الحديث: فخطبت جارية، فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها، فتزوجتها.\nوالحديث حسنه الحافظ ابن حجر (^١)، وهو من رواية محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد عنعنه، لكنه صرح بالتحديث في رواية أخرى عند أحمد (٢٣/ ١٥٥) وقد اختلف على ابن إسحاق في تسمية الراوي عن جابر - ﵁ -، فسماه عبد الواحد بن زياد عنه: واقد بن عبد الرحمن بن سعد، وهذا مجهول، كما قال ابن القطان (^٢)، ورواه عن ابن إسحاق عمر بن علي المقدَّمي، وسماه مرةً واقد بن عبد الرحمن، كما في رواية البزار على ما ذكر ابن القطان، ومرةً واقد بن عمرو بن سعد، كما عند الحاكم (٢/ ١٦٥)، وهذا ثقة من رجال مسلم، وتابعه على ذلك إبراهيم بن سعد الزهري عند أحمد (٢٣/ ١٥٥)، وأحمد بن خالد الوهبي عند الطحاوي في \"شرح المعاني\" (٣/ ١٤)، والبيهقي (٧/ ٨٤)، وبهذا تكون رواية عبد الواحد، عن ابن إسحاق في تسمية الراوي واقد بن عبد الرحمن شاذة؛ لأنه خالف الجماعة الذين رووا الحديث عن ابن إسحاق وقالوا: واقد بن عمرو.\nوأما حديث المغيرة - ﵁ - فقد أخرجه الترمذي (١٠٨٧)، والنسائي (٦/ ٦٩ - ٧٠)، وابن ماجه (١٨٦٥) (١٨٦٦)، وأحمد (٣٠/ ٦٦) من طريق عاصم بن سليمان الأحول، عن بكر بن عبد الله المزني، عن المغيرة بن شعبة - ﵁ - أنه خطب امرأة، فقال النبي - ﷺ -: \"انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما\"، هذا لفظ الترمذي، وقال الترمذي: (حديث حسن).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٨١).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٤/ ٤٢٩).","vol":"7","page":198},{"text":"وأما حديث محمد بن مسلمة فقد أخرجه ابن ماجه (١٨٦٤) من طريق حفص بن غياث، وأحمد (٢٥/ ٤١٠ - ٤١١) من طريق يزيد بن هارون، كلاهما عن حجاج بن أرطاة، عن محمد بن سليمان بن أبي حثمة، عن عمه سهل بن أبي حثمة قال: رأيت محمد بن مسلمة يطارد امرأة ببصره، فقلت له: تنظر إليها وأنت من أصحاب محمد - ﷺ -؟! فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا ألقى الله ﷿ في قلب امرئ خِطبةً لامرأة فلا بأس أن ينظر إليها\".\nومحمد بن سليمان بن أبي حثمة مجهول، لم يرو عنه غير اثنين، ولم يوثقه إلا ابن حبان (^١)، وحجاج بن أرطاة مدلس وقد عنعنه.\nوأخرجه ابن حبان (٩/ ٣٤٩ - ٣٥٠) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، عن حجاج، عن سهل بن محمد بن أبي حثمة، عن عمه سليمان بن أبي حثمة قال: رأيت محمد بن مسلمة … فذكره. وهذه الرواية خطأ؛ لأن أبا معاوية قلب إسناده ولم يضبطه، كما قال الدارقطني في \"العلل\" (١٤/ ١٣).\nوحديث محمد بن مسلمة -هذا- في سنده اختلاف، ومداره على الحجاج بن أرطاة، قال الطبراني في \"الكبير\" (١٩/ ٢٢٦) (قد اختلف الرواة عن الحجاج بن أرطاة في هذا الحديث، والصواب عندي -والله أعلم- ما رواه حفص بن غياث ويزيد بن هارون عن الحجاج، عن محمد بن سليمان، عن عمه سهل، عن محمد بن مسلمة) (^٢).\nوأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فقد أخرجه مسلم (١٤٢٤) من طريق سفيان، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا، وتمامه: \"فإن في أعين الأنصار شيئًا\".\nولعل الحافظ قدم حديث جابر - ﵁ - مع أن حديث أبي هريرة - ﵁ - أصح؛ لأن حديث جابر - ﵁ - تشريع عام وخطاب لكل فرد، أما الأحاديث\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٥/ ٣٧٥).\n(^٢) انظر: \"العلل\" للدارقطني (١٤/ ١٣).","vol":"7","page":199},{"text":"الأخرى، ومنها حديث أبي هريرة - ﵁ - فهي قضايا أعيان، والخطاب فيها لأفراد من الصحابة -﵃-، وقد علم في الأصول أن النبي - ﷺ - إذا خاطب واحدًا من الصحابة بشيء فهو عام لجميع المكلفين إلا إن قام دليل على التخصيص، ثم إن حديث جابر - ﵁ - فيه فائدة وهي موضع نظر الخاطب.\nوفي الباب -أيضًا- حديث أبي حميد أو حميدة، وكان قد رأى النبي - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها للخطبة، وإن كانت لا تعلم\" (^١).\n\n° الوجه الثالث: هذه الأحاديث فيها دليل على مشروعية نظر الخاطب إلى مخطوبته، وهو مذهب الجمهور من أهل العلم، بل نقل بعضهم الاتفاق، وكأنه لم يلتفت إلى خلاف من خالف لضعفه، فإن الأحاديث صريحة في ذلك وكثيرة، وقد عمل بها الراوي كما في حديث جابر - ﵁ -، وقد روي عن مالك وغيره القول بعدم جواز نظر الرجل إلى مخطوبته، وهي رواية مرجوحة ذكرها ابن عبد البر، وذكرت عنه رواية بالجواز، وهي التي عليها كتب المالكية (^٢)؛ وذلك لأن النكاح عقد يقتضي التمليك، فكان للعاقد النظر إلى المعقود عليه، ولأن النظر أحرى إلى استقامة الأحوال ودوام العشرة، وهذه الحكمة جاء ذكرها في حديث المغيرة، وهي قوله: \"فإنه أحرى أن يؤدم بينكما\"؛ أي: تكون بينكما المحبة والاتفاق، يقال: أَدَم الله بينهما، يأدِمُ أدْمًا، بالسكون؛ أي: ألَّف ووفق (^٣).\nفإذا تزوجها بعد معرفة لم يكن هناك ندامة في الغالب؛ لأن النكاح بعد تقديم النظر أدل على الألفة والموافقة، وبالجملة ففوائد الرؤية كثيرة، ومنها:\n١ - متابعة السنة.\n٢ - دوام المودة بين الزوجين.\n_________\n(^١) رواه أحمد (٣٩/ ١٥) وإسناده صحيح.\n(^٢) \"الكافي\" (٢/ ٥١٩).\n(^٣) \"النهاية\" (١/ ٣٢).","vol":"7","page":200},{"text":"٣ - اجتناب كل واحد من الزوجين العيوب التي يكرهها الآخر.\n٤ - إتمام الزواج على بينة، وعدم لوم الآخرين.\nوإباحة النظر إلى المخطوبة جاء على وفق القاعدة الشرعية: (ما حرم تحريم الوسائل فإنه يباح عند الحاجة والمصلحة) وتقدم ذكرها في \"البيوع\" (^١).\n\n° الوجه الرابع: الأمر في قوله: \"فليفعل\" للإباحة عند الجمهور، لقوله: \"فلا بأس أن ينظر إليها\"، ولأن الأصل في النظر إلى المرأة الحظر، والأمر بعد الحظر للإباحة، وحمله النووي على الاستحباب، لقوله: \"فإنه أحرى أن يؤدم بينكما\"، ونسب ذلك إلى الجمهور (^٢). ومثل هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية، والقول بالاستحباب قوي جدًّا في نظري؛ لأنه أمر، وأقل أحواله الاستحباب، ولما يترتب على النظر من المصالح العظيمة.\n\n° الوجه الخامس: لا خلاف بين أهل العلم في إباحة النظر إلى الوجه، وإنما الخلاف فيما زاد على ذلك، وسبب هذا أنه لم يرد دليل في تعيين المواضع التي يراها الخاطب، إلا أن الأدلة ذكرت الغرض من الرؤية، وهو الاطمئنان على أوصاف المرأة مما يكون له أثر في تقوية العقد وتأكيده، والقول المختار أنه ينظر إلى ما يدعوه ويرغبه في نكاحها؛ كالوجه والكفين والمظهر العام للجسم كالرقبة والقدمين والساعدين؛ لأنه نظر أبيح للحاجة فيقتصر عليها، وقد دل على ذلك فعل الراوي حيث قال: (حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها) وفي حديث جابر: (له أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها)، ولأن مثل هذا النظر أبيح للمَحْرَمِ غيرِ الزوج، فإن نظره ليس نظر متعة وتلذذ، وإنما لأجل الحاجة ورفع الحرج.\n\n° الوجه السادس: اختلفت هذه الأحاديث في وقت رؤية المخطوبة؛ ففي بعضها أن الرؤية تكون قبل الخطبة، كما في حديث محمد بن مسلمة - ﵁ -: \"إذا ألقى الله ﷿ في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر\n_________\n(^١) انظر: شرح الحديث رقم (٨٤٨ - ٨٤٩).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٢٢١).","vol":"7","page":201},{"text":"إليها\"، وفي بعضها أن الرؤية تكون بعد الخطبة، كما في حديث جابر - ﵁ -: \"إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر … الحديث\"، ومثل ذلك حديث أبي حميد أو حميدة، ونظرًا لتعدد الأدلة اختلف العلماء في وقت رؤية المخطوبة؛ هل يكون قبل خطبتها أو بعده.\nوالأظهر -والله أعلم- هو العمل بالأحاديث كلها، على اختلاف الحال، فإن أمكن أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته قبل التقدم إلى خطبتها وبعد العزم على الزواج فلا بأس، وهذا أمر نادر الوقوع، ولا سيما في زماننا هذا، وإلا فإن الرؤية تكون بعد الخطبة، وطريق ذلك أن يذهب الخاطب إلى منزل مخطوبته، ويجلس معها بحضور أبيها أو أخيها أو غيرهما من محارمها، ويرى منها ما يدعوه إلى نكاحها، كما أنها هي تراه، وأما ما يفعله بعض الناس من مجرد رؤيتها في مكان وهي لا تراه، فهذا وإن كان فيه مصلحة، لكن مقاصد الرؤية لا تتحقق بهذا الفعل، حيث إن الخاطب لا يرى إلا طولها، ثم هي تحرم من رؤيته.\n\n° الوجه السابع؛ مع ثبوت هذا الحكم الشرعي، وصحة الأحاديث الواردة فيه، وما يترتب على تطبيقه من المصالح العظيمة، إلا أنه يوجد من بعض الأولياء من أعرض عن هذا الحكم، وصاروا لا يسمحون للخاطب بالنظر إلى مخطوبته من باب الورع، وهذا ليس بورع، إذ لا ورع في مخالفة الشرع، أو من باب مخالفته لأعرافهم وتقاليدهم، والأعراف والتقاليد لا عبرة بها مع مجيء النصوص الشرعية. وفي مقابل هؤلاء أولياء متساهلون لا يغارون على حرماتهم وبناتهم، بل يسمحون لهن بمخالطة من خطبهن والتعرف عليهن، ولا ريب أن هذا من البدع المحدثة في الدين التي جرّت على الناس المصائب والبلايا، وهو تصرف مصادم لنصوص الشريعة القاضية بتحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية.\n\n° الوجه الثامن: هذا النظر مقيد بضوابط بعضها من عمومات الشريعة، وبعضها من أحاديث الباب، وأهمها ما يلي:","vol":"7","page":202},{"text":"١ - أن يكون الرجل عازمًا على الزواج؛ لأن النظر إنما أبيح في حق من عزم عليه، وإلا فهو محرم في الأصل.\n٢ - أن يغلب على ظنه إجابته، فإن لم يكن كذلك لم يجز له النظر، وهذا من باب الاحتياط، وهو مبني على أن النظر قبل الخطبة، والغالب أنه لا يُمَكَّنُ من النظر إلا بعد الموافقة عليه، كما تقدم.\n٣ - ألا يكون النظر نظر تلذذ وشهوة؛ لأن هذا خاص بالزوج، والخاطب أجنبي، فلا يجوز له ذلك، لحديث أبي حميد: \"إذا كان إنما ينظر إليها لخِطبة\"، لكن إن عرضت له الشهوة فلا بأس؛ لأنه لا يمكن دفعها، ويرى آخرون أن هذا الضابط لا ضرورة له؛ لأن تأثير النظر في نفس الناظر لا يملكه المرء.\n٤ - أن يكون النظر بقدر الحاجة؛ لأنه محرم في الأصل، لكن له أن ينظر حتى يتم المراد ويحصل المقصود من معرفة الأوصاف التي يريد معرفتها؛ لأن الغرض غالبًا لا يحصل بأول نظرة، وقد جاء في حديث سهل بن سعد - ﵁ - الآتي في قصة الواهبة (فنظر إليها رسول الله - ﷺ - فصعَّد النظر فيها وصوَّبه، ثم طأطأ رسول الله - ﷺ - رأسه).\n٥ - لا تجوز الخلوة بها ولا السفر بحجة التعرف عليها، ففي ذلك الفساد العريض.\n٦ - لا يجوز له مصافحتها ولا مس أي عضو من بدنها؛ لأنها أجنبية منه.\n٧ - هل يشترط علمها برؤية الخاطب لها؟ قولان: أرجحهما أنه لا يشترط، وقد نسبه الحافظ إلى الجمهور، لحديث أبي حميد: \"إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر لخطبة، وإن كانت لا تعلم\"، ولأن جابرًا - ﵁ - قال: (فتخبأت لها)، ولأنها إذا علمت قد تتزين له بما يغره.\nوالذي يظهر لي -والله أعلم- التفصيل، وهو أنه إن غلب على الظن أن","vol":"7","page":203},{"text":"الخاطب سيوافق على الزواج، فلا بأس بعلمها، وإن كان يغلب على الظن عدم ذلك؛ لوجود قرائن فالأوْلى ألا تعلم، لئلا تتأثر نفسيًّا.\n٨ - أن يستر الخاطب ما رآه من المرأة ولا يذيعه إذا عدل عن الزواج بها، فربما أعجب غيره ما ساءه منها.\nوأما التعرف عليها بواسطة الصورة فالذي يظهر المنع، لما يلي:\n١ - أن هذا مبني على القول بجواز التصوير في مثل هذه الحال.\n٢ - أن الصورة لا تغني عن النظر إليها.\n٣ - أن فن التصوير قد يبرز محاسنها أو يخفي عيوبها بما يَغُرُّ الخاطب.\n٤ - أنه قد يُتلاعب بهذه الصورة، فيطلع عليها من لا يعنيه الأمر.\nوكذا المحادثة عبر الهاتف فالأحوط تركها، لا سيما إذا كانت بدون علم أهل الزوجة؛ كأبيها وأمها وإخوانها، فإنها تجلب الشهوة، ويترتب عليها أمور قد لا تحمد عقباها، لكن إن حادثها وقت رؤيتها -كما تقدم- فلا بأس لمعرفة عذوبة صوتها وطريقة حديثها، ومعرفة خلو لسانها من العيوب.\n\n° الوجه التاسع: أما نظر المرأة إلى الخاطب فهذا لم يرد فيه دليل إلا عموم: \"فإنه أحرى أن يؤدم بينكما\"، وقد قال به جمع من أهل العلم؛ لأنه إذا ثبت النظر للرجل فهو ثابت للمرأة من باب أولى؛ لأنها يعجبها منه ما يعجبه منها، ولأن العقد بالنسبة لها أصعب من الرجل، فإن الرجل يتخلص منها بالطلاق، وهي لا تستطيع التخلص إلا في حالات خاصة، ونصوص الشريعة غالبًا ما يخاطب بها الرجل مع أنها عامة في حق الجميع، والشارع لم يوجه المرأة إلى النظر للخاطب؛ لأن الرجال ظاهرون بارزون، يمكن المرأة أن ترى خطيبها بسهولة ويسر، وإذا وقع النظر على الصفة التي تقدمت رأت المرأة خطيبها بكل وضوح، كما يراها هو. والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":204},{"text":"<span data-type='title' id=toc-822>النهي عن خطبة المسلم على خطبة أخيه</span>\n٩٨٠/ ١٢ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهُ - ﷺ -: \"لَا يَخْطُبُ بَعْضُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب \"النكاح\"، باب (لا يخطب على خطبة أخيه حتى يَنْكِحَ أو يَدَعْ) (٥١٤٢)، ومسلم (١٤١٢) من طريق نافع، عن ابن عمر - ﵄ - أنه كان يقول: نهى النبي - ﷺ - أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب) هذا لفظ البخاري.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا يخطب) بضم الطاء، مضارع خطب، من باب (قتل) خِطْبَةً بكسر الخاء، و(لا) ناهية، والمضارع بعدها مجزوم، أو نافية والمضارع بعدها مرفوع، والنفي أبلغ في المنع من النهي. والنهي للتحريم إلا بدليل يصرفه عنه، ونقل النووي الإجماع على ذلك، لكنه لا يترتب عليه فساد العقد، كما سيأتي إن شاء الله (^١).\nوقال الخطابي، وأبو حفص العكبري من الحنابلة: إنه نهي تأديب وكراهة، وليس بنهي تحريم يبطل العقد (^٢).\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٢٠٨).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٣/ ٢٤)، \"المغني\" (٩/ ٥٧٠).","vol":"7","page":205},{"text":"والخِطبة: بكسر الخاء هي طلب المرأة للزواج، إما منها أو من وليها، وهي خطيبة ومخطوبة.\n\nقوله: (بعضكم) هكذا في بعض نسخ \"البلوغ\" وفي بعضها (أحدكم) ولفظ البخاري (ولا يخطب الرجل) والمراد بالبعض: بعض المسلمين؛ لأن الخطاب معهم، وهل له مفهوم، فتجوز الخطبة على خطبة غير المسلم، أو أنه خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، ولا تجوز خطبة المسلم على خطبة غير المسلم؟ فيه خلاف سيأتي إن شاء الله.\n\nقوله: (أو يأذن له) أي: يأذن الخاطب الأول للثاني.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي الرجل أن يخطب على خطبة أخيه، وذلك بأن يتقدم بطلب زواج امرأة بعد أن تقدم إليها غيره، وتكون المرأة وأهلها في وقت المشاورة ودراسة حال هذا الخاطب؛ ليتم القبول أو الرد.\nووجه النهي: أن هذا التصرف من أسباب العداوة والبغضاء، ولأنه ظلم للخاطب الأول، وتعدٍّ عليه، فإنه قد سبق إلى ذلك، كما أنه يؤدي إلى أن المرء يزكي نفسه ويذم غيره، وتزكية النفس مذمومة، وقد ورد في حديث عقبة بن عامر - ﵁ - أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر\" (^١).\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على استثناء حالتين تجوز فيهما الخطبة على الخطبة:\nالأولى: أن يترك الخاطب الأول الخطبة ويعدل عنها، فيجوز لغيره أن يخطبها؛ لأنه بتركه للخطبة لم يصبح له حق يرعاه الشارع، ومَنْعُ غيره من الخطبة على خطبته السابقة إضرار بالمخطوبة، وقاعدة الشريعة أنه: لا ضرر ولا ضرار.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤١٤).","vol":"7","page":206},{"text":"الثانية: إذا أذن الخاطب الأول لغيره في الخطبة؛ لأن هذا يدل على تنازله عن حماية الشارع التي تقررت لصالحه.\nوذكر الفقهاء حالة ثالثة تجوز فيها الخطبة على الخطبة، وهي ما إذا جهل الخاطب الثاني بالخطبة السابقة، أو علمها وجهل بقبولها؛ لأنه جهل بواقع الحال، والجهل بوقائع الأحوال يصلح عذرًا عامًّا في الشريعة؛ لأن صاحبه حَسَنُ النية (^١).\n\n° الوجه الخامس: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن الخطبة إذا وقعت على خطبة وتزوجها بذلك صح العقد ولا يلزم فسخه (^٢)، لكن الخاطب الثاني آثم، وإنما كان العقد صحيحًا؛ لأن النهي في الحديث مسلط على الخطبة لا على العقد، فإن العقد استوفى شروطه وأركانه، والمخالفة في الوسيلة، وهي غير لازمة، فقد يجري العقد من غير خطبة، ويمكن أن تكون خطبة على خطبة ولا يكون عقد، ويبقى النهي قائمًا ولو لم يجر عقد.\n\n° الوجه السادس: مفهوم قوله: \"لا يخطب بعضكم على خطبة أخيه\" أن للمسلم أن يخطب على خطبة غير المسلم كالكتابي من يهودي أو نصراني؛ لأن المقصود بالأخ: هو الأخ المسلم، وقال آخرون: لا تجوز خطبة المسلم على غير المسلم، والحديث خرج مخرج الغالب؛ لأن خطبة المسلم لغير المسلمة، وخِطْبَةُ المسلم على خِطبة غير المسلم من الأمور النادرة، ثم إن المعنى الذي من أجله ورد النهي موجود وهو إثارة العداوة والبغضاء، بل قد يؤدي ذلك إلى فتنة بين المسلمين وغير المسلمين.\nوقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز للصالح أن يخطب على خطبة الفاسق، مستدلين بأن عموم النهي في أحاديث الباب لم يفرق بين أن يكون الخاطب الأول فاسقًا أو صالحًا، ولأن الفسق لا يخرج الخاطب عن الإسلام.\n_________\n(^١) انظر: \"خطبة النساء في الشريعة الإسلامية\" ص (٣٤).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٩/ ٢٠٨).","vol":"7","page":207},{"text":"والقول الثاني: أنه يجوز للصالح أن يخطب على خطبة الفاسق، وهذا قول أكثر المالكية، والأوزاعي، وابن حزم (^١)، على أساس أن الدين النصيحة، وأن الصالح أولى بالمخطوبة من الفاسق.\nوالقول الأول أرجح، لقوة دليله، وأما القول الثاني فهو اجتهاد مصادم للنص الصحيح فيمنع، إذ لا اجتهاد مع النص، ولأن المخطوبة ووليها هم أصحاب الشأن في قبول الخاطب الفاسق أو رفضه، لكن إن كانت المخطوبة عفيفة والخاطب الثاني عفيفًا وكان الخاطب الأول فاسقًا فقد يكون قول المالكية متجهًا، إذا نُظر إلى أن المسألة من باب الكفاءة، فتكون خطبة الفاسق كلا خطبة، ويمكن أن يبقى الحديث على عمومه، ويكون التحقق من الكفاءة راجعًا إلى المرأة ووليها، فإذا رضيا بخطبة الفاسق لم تجز الخطبة على خطبته (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (١٦/ ١٣)، \"المحلى\" (١٠/ ٣٤ - ٣٥).\n(^٢) \"خطبة النساء في الشريعة الإسلامية\" ص (٣٦)، \"الأحكام المترتبة على الفسق\" (١/ ٢٨٨).","vol":"7","page":208},{"text":"<span data-type='title' id=toc-823>بِمَ ينعقد النكاح</span>؟\n٩٨١/ ١٣ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ -﵄-، قَال: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَصعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمّ طَأْطَأَ رسولُ اللهِ - ﷺ - رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأةُ أنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، قَال: \"فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ \"، فَقَال: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَال: \"اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَانْظُر هَلْ تَجِدُ شَيئًا؟ \" لا فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَال: لَا واللهِ، يا رسولَ اللهِ مَا وَجَدْتُ شَيئًا، فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ\" فَذَهَبَ، ثُمّ رَجَعَ فَقَال: لَا واللهِ يا رسول الله، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، ولَكِنْ هَذا إِزَارِي -قَال سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءُ- فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيكَ مِنهُ شَيْءٌ\" فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتى إذا طَال مَجْلسُهُ قَامَ. فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ، فَدُعِيَ بِهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَال: \"مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرآنِ؟ \"، قَال: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَة كَذَا، عَدَّدَهَا، فَقَال: \"تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ \"، قَال: نَعَمْ، قَال: \"اذْهَبْ، فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: \"انْطَلِقْ، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ\".\nوفي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: \"أمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ\".\n٩٨٢/ ١٤ - ولأبي دَاوُدَ عَنْ أبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: \"مَا تَحْفَظُ؟ \"، قَال: سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَال: \"قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً\".","vol":"7","page":209},{"text":"* الكلام علي من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث سهل - ﵁ - فقد أخرجه البخاري في ثلاثة عشر موضعًا من \"صحيحه\" مختصرًا ومطولًا، أولها في كتاب \"الوكالة\" (٢٣١٠)، ثم في كتاب \"فضائل القرآن\"، ثم في كتاب \"النكاح\" وغيرها، وهذا اللفظ جاء في كتاب \"فضائل القرآن\"، باب (القراءة عن ظهر قلب) (٥٠٣٠)، وعند مسلم (١٤٢٥) (٧٦) من طريق يعقوب بن عبد الرحمن القاريِّ، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد - ﵁ - مرفوعًا.\nوقول الحافظ إن هذا اللفظ لمسلم فيه نظر، فإن لفظ البخاري مثله.\nوالرواية الثانية لمسلم (١٤٢٥) (٧٧) من طريق حسين بن علي، عن زائدة، عن أبي حازم، به.\nولعل الحافظ ذكرها لأنها مفسرة لما أُجمل قبلها من الروايات، فإنها نص على أن الصداق هو تعليمها شيئًا من القرآن، ولأن فيها التزويج الذي هو أصرح ألفاظ العقد.\nوالرواية الثالثة للبخاري (٥١٢١) من طريق أبي غسان محمد بن مطرف، قال: حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد، وفيه: فقال النبي - ﷺ -: \"أملكناكها بما معك من القرآن\"، وأما لفظ \"البلوغ\" (أمكناكها) فهو عند البخاري برواية أبي ذر الهروي (^١)، وبقية روايات الصحيح بلفظ (أملكناكها)، وقد أشار إليها الحافظ أثناء الشرح، وقال: (أخلق بها أن تكون تصحيفًا من ملكناكها) (^٢).\nوهذا حديث جليل عظيم، اشتمل على فوائد كثيرة تتعلق بأحكام القرآن، وأحكام النكاح وغيرها، وسأقتصر في هذا الشرح على أهمِّ ما يتعلق بالنكاح.\nوأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فقد أخرجه أبو داود (٢١١٢) من طريق عِسْل، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة - ﵁ -، وزاد: \"وهي امرأتك\".\n_________\n(^١) انظر: طبعة الناصر (٧/ ١٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢١٤).","vol":"7","page":210},{"text":"وهذا سند ضعيف، ضعفه الحافظ في \"التلخيص\"، فيه عِسْل، وهو أبو قرة التميمي، وتحديد سورة البقرة والتي تليها تفرد بها عِسْلٌ هذا، فهي زيادة منكرة؛ لأنها منافية للرواية الصحيحة، كما تقدم، ولعل الحافظ ذكر هذا الحديث لبيان ضعفه، لكنه سكت عليه هنا.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (جاءت امرأة) لم يأت في شيء من روايات الحديث على تعددها اسم هذه المرأة، وقد جاء في \"صحيح البخاري\" قول عائشة - ﵂ -: (كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله - ﷺ - …) (^١). قال الحافظ: (هذا ظاهر في أن الواهبة أكثر من واحدة …) (^٢).\n\nقوله: (أهب لك نفسي) على حذف مضاف؛ أي: أمر نفسي، أو شأن نفسي فأتزوج على غير عوض، وإنما قدر المضاف؛ لأن الحر لا تملك رقبته.\n\nقوله: (فَصَعَّدَ النظر فيها) بفتح الصاد، وتشديد العين المهملة، رفع بصره؛ أي: نظر إلى أعلاها وتأملها.\nقولي: (وصَوَّبَهُ) بفتح الصاد، وتشديد الواو؛ أي: خفض نظره إلى أسفلها وتأملها، والتشديد في هذين الفعلين إما للمبالغة في التأمل، وإما للتكرير، وبه جزم القرطبي (^٣).\n\nقوله: (طأطأ رأسه) أي: خفضه، وصمت - ﷺ - حياءً من مواجهتها بالرد، أو انتظارًا للوحي، أو تفكرًا في جواب يناسب المقام (^٤).\n\nقوله: (انظر ولو خاتمًا من حديد) لو: للتقليل، وخاتمًا: خبر لكان المحذوفة مع اسمها، وهذا الحذف كثير، والتقدير: ولو كان الموجود خاتمًا، ومثله قوله - ﷺ -: \"بلِّغوا عني ولو آية\" (^٥).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٤١٨٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٢٥).\n(^٣) \"المفهم\" (٤/ ١٢٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٠٦ - ٢٠٧).\n(^٥) رواه البخاري (٣٤٦١).","vol":"7","page":211},{"text":"قوله: (إزاري) الإزار: ما يشد على الوسط من السرة فما دونها لستر العورة.\n\nقوله: (قال سهل: ما له رداء) الرداء: ما يوضع على الكتف، وهذه الجملة معترضة؛ لأن قوله: (فلها نصفه) من كلام الرجل صاحب القصة، والتقدير: ولكن هذا إزاري فلها نصفه، وقد جاء ذلك صريحًا في رواية أبي غسان محمد بن مطرف: (ولكن هذا إزاري ولها نصفه)، قال سهل: ماله رداء (^١).\n\nقوله: (إن لبسته لم يكن عليها منه شيء …) أي: إن نصف الإزار لا فائدة فيه؛ لأنه لا ينتفع إلا بجملته، ولو شقه بينها وبينه لم يسترها نصفه، ولم يستره نصفه.\n\nقوله: (عن ظهر قلبك) أي: تحفظهن، يقال: قرأ القرآن عن ظهر قلب؛ أي: من حفظه.\n\nقوله: (ملكتكها) اختلفت الروايات في هذه اللفظة الواردة عن النبي - ﷺ -، والذي نقله القاضي عياض عن الدارقطني أن الصواب رواية: (زوجتكها)؛ لأن رواتها أكثر وأحفظ.\n\nقوله: (بما معك من القرآن) اختلف في هذه الباء، فقيل: إنها للمقابلة في العقود، وهي الداخلة على الأعواض؛ كزوجتك بكذا، وبعت كذا بكذا.\nوقيل: إنها للسببية؛ أي: بسبب ما معك من القرآن، والأول أقرب؛ لأنه يلزم على الثاني أنه ملكه إياها بحفظه القرآن إكرامًا للقرآن، فتصير بمعنى الموهوبة، ويؤيد الأول رواية مسلم: \"فَعَلِّمْهَا من القرآن\" كما تقدم.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز عرض المرأة الراغبة في الزواج نفسها على الرجل الصالح الذي ترجى السعادة بزواجه وصحبته، وقد\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٥١٢١).","vol":"7","page":212},{"text":"بوب البخاري على هذا الحديث بقوله: (باب جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح) قال ابن المنير: (من لطائف البخاري أنه لما علم الخصوصية في قصة الواهبة استنبط من الحديث ما لا خصوصية فيه، وهو جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح رغبة في صلاحه، فيجوز لها ذلك، وإذا رغب فيها تزوجها بشرطه) (^١).\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز النظر إلى المرأة قبل التزويج لمن رغب في الزواج بها، لقوله: (فصعد النظر إليها وصوبه) وتقدم بحث ذلك.\n\n° الوجه الخامس: جواز هبة المرأة نفسها للنبي - ﷺ - ونكاحها له من غير صداق، وهذا من خصائص النبي - ﷺ -، كما قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [لأحزاب: ٥٠]، أما غير الرسول - ﷺ - فلا بد من الصداق، إما مسمى وإما مهر المثل.\n\n° الوجه السادس: في الحديث دليل على وجوب الصداق في النكاح وأنه لا بد منه، لقوله - ﷺ -: \"فهل عندك من شيء تصدقها إياه\" كما في بعض الروايات، وعلى أن الأَوْلى أن يذكر الصداق في العقد؛ لأنه أقطع للنزاع، وأنفع للمرأة، فإنها لو طلقت قبل الدخول ثبت لها نصف الصداق، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ولو عقد لها بغير صداق صح النكاح لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فدلت الآية على جواز العقد على المرأة ولو لم يفرض لها مهرًا، ويجب لها مهر المثل بالدخول.\n\n° الوجه السابع: استدل بهذا الحديث من قال بجواز كشف المرأة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٧٥).","vol":"7","page":213},{"text":"وجهها، ووجه الاستدلال: أن هذه المرأة لو لم تكن كاشفة وجهها لما صعد الرسول - ﷺ - النظر فيها وصوبه، ولو لم يقصد أنه إذا رأى منها ما يدعوه إلى نكاحها ما كان للمبالغة في تأملها فائدة.\nوالجواب: أن هذا الحديث ليس فيه دليل لمن قال بجواز كشف المرأة وجهها؛ لأمرين:\nالأول: ليس في الحديث ما يدل على أنها كانت كاشفة عن وجهها، وقول الراوي: (فصعد فيها النظر وصوبه) لا يلزم منه كشف الوجه، بل إن أعلاها مستور كما أن أسفلها مستور، وقد صعد النظر إلى أعلاها وصوبه إلى أسفلها.\nالثاني: يحتمل أن ذلك قبل الحجاب، واختار هذا الشيخ عبد العزيز بن باز حيث قال: (ولعل هذا كان قبل الحجاب، ولهذا لم يأمرها بالتستر عن الحاضرين، ويجب حمله على هذا).\nأو أنه بعد الحجاب لكنها متلفعة، وهذا قاله ابن العربي، واستبعده الحافظ؛ لأن سياق الحديث يرده (^١).\n\n° الوجه الثامن: استدل العلماء بهذا الحديث على أن خطبة النكاح ليست بواجبة؛ لأنه لم يرد لها ذكر في شيء من طرق الحديث، كما تقدم.\n\n° الوجه التاسع: استدل الجمهور من أهل العلم بهذا الحديث على أن النكاح لا يختص بلفظ الإنكاح والتزويج فحسب، بل ينعقد بكل لفظ يدل عليه، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، وقول في مذهب أحمد (^٢)، وذلك في قوله: \"اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن\"، فإذا انعقد بلفظ التمليك ثبت انعقاده بأيّ لفظ يدل على ذلك.\nولأن العبرة في العقود بالمقصود والمعاني، لا بالألفاظ والمباني، فألفاظ\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢١٠).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٣/ ١٣)، \"المغني\" (٩/ ٤٦٠)، \"شرح فتح القدير\" (٣/ ١٩٣).","vol":"7","page":214},{"text":"البيع والشراء والإجارة والهبة والنكاح ليست ألفاظًا تعبدية لا يجوز تجاوزها إلى غيرها، وإنما المرجع فيها إلى ما تعارف عليه الناس على اختلاف لغاتهم.\nقالوا: إن اختلاف الرواة في نقل اللفظ يفيد شيئين:\n١ - إما أن الرسول - ﷺ - قد قال اللفظين جميعًا: (ملكتكها، أنكحتكها).\n٢ - أو أنه قال أحدهما، ولكن الراوي عبر بهذا وهذا.\nلكن يشكل على ذلك أن النبي - ﷺ - لم يتكلم بهذه الألفاظ، وإنما تكلم بلفظ واحد، والباقي من تعبير الرواة بالمعنى، والظاهر أن الثابت لفظ (زوجتكها) على وفق قول الخاطب: زوجنيها؛ لأنه قلما يختلف لفظ المتعاقدين.\n\n° الوجه العاشر: استدل بهذا الحديث من قال: بجواز جعل تعليم القرآن مهرًا في النكاح، وهو قول الشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها بعض أصحابه، وبه قال ابن حزم (^١). وذلك من قوله: \"زوجناكها بما معك من القرآن\" والراجح أن الباء هنا للمقابلة، وهي الداخلة على الأعواض، ويدل لذلك رواية مسلم \"انطلق فقد زوجتكها، فعلمها من القرآن\" كما تقدم.\nوالقول الثاني: أنه لا يجوز جعل تعليم القرآن مهرًا في النكاح، وهذا قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة (^٢)، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، ووجه الاستدلال: أن الله تعالى شرط أن يكون المهر مالًا، فما لا يكون مالًا لا يكون مهرًا، فلا تصح تسميته (^٣)، ولأن تعليم القرآن لا يجوز أن يقع إلا قربة لفاعله، فلم يصح أن يكون صداقًا؛ كالصلاة والصيام وغيرهما.\n_________\n(^١) \"المهذب\" (٢/ ٧٢)، \"المغني\" (٨/ ٨)، \"المحلى\" (٩/ ٤٩٤).\n(^٢) \"المغني\" (٨/ ٨)، \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٢٧٧)، \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٢٠٩).\n(^٣) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٣٧٧).","vol":"7","page":215},{"text":"والذي يظهر -والله أعلم- أنه لا يصح جعل تعليم القرآن صداقًا إذا كان المال متيسرًا على الزوج، فإن لم يتيسر المال صح جعله صداقًا، وهذا هو الذي يدل عليه حديث الباب، فإن الرسول - ﷺ - ما جعل تعليم القرآن صداقًا لهذا الرجل إلا حينما تعذر عليه المال، ولم يجد شيئًا، واختار هذا الشيخ عبد العزيز بن باز (^١).\n\n° الوجه الحادي عشر: في الحديث دليل على جواز الخطبة إذا تيقن أن الخاطب الأول قد أعرض ولم يبق له رغبة في الزواج، وليس في الحديث ما يدل على أن المرأة تقدم عليها خطبة لأحد، لكن الصحابي لو فهم أن للنبي - ﷺ - رغبة فيها لم يطلبها، فكذلك من فُهم أن له رغبة في الزواج من امرأة لا يصلح لغيره أن يزاحمه حتى يُظهر عدم رغبته بها بالتصريح، أو ما في حكمه.\n\n° الوجه الثاني عشر: في الحديث دليل على جواز تزويج المعسر، وقد بوب البخاري عليه بذلك، ووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - قال للرجل: \"التمس ولو خاتمًا من حديد\"، فالتمس فلم يجد شيئًا، ومع ذلك زوجه، فإذا رضيت المرأة بالمعسر زوجًا لها، فلا مانع، وهذا هو مقتضى قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢].\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكلح الذي يريد العفاف\" (^٢).\nوروى ابن جرير بسنده عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: (التمسوا الغنى في\n_________\n(^١) انظر: \"الأحكام الخاصة بالقرآن\" (٢/ ١٤٩٣).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٦٥٥)، والنسائي (٦/ ١٥، ٦١)، وابن ماجه (٢٥١٨)، وأحمد (١٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩) من طريق ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة - ﵁ - به مرفوعًا، وسنده حسن؛ لأن فيه محمد بن عجلان، وقد روى له البخاري تعليقًا، ومسلم في الشواهد، وهو صدوق، وفي روايته عن سعيد المقبري كلام، أظنه تقدم.","vol":"7","page":216},{"text":"النكاح، يقول الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^١) وفي \"تفسير البغوي\" عن عمر - ﵁ - بنحوه، قال ابن كثير بعد سياق ما تقدم: (والمعهود من كرم الله ولطفه أن يرزقه ما فيه كفاية له ولها) (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تفسير ابن جرير\" (١٨/ ٩٨).\n(^٢) \"تفسير البغوي\" (٣/ ٣٤٢)، \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٥٥).","vol":"7","page":217},{"text":"<span data-type='title' id=toc-824>وجوب إعلان النكاح</span>\n٩٨٣/ ١٥ - عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيرِ عَنْ أَبِيهِ - ﵁ - أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"أعْلِنُوا النِّكَاحَ\"، رَوَاهُ أحْمَدُ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام، الأسدي، أبو الحارث المدني، قال ابن حبان: (كان عالمًا فاضلًا)، وقال الحافظ: (ثقة عابد)، روى عن أبيه، وعن أنس، وعن خاله أبي بكر بن عبد الرحمن، وغيرهم، وروى عنه أخوه عمر، وابن أخيه مصعب بن ثابت، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهم، أخرج له الجماعة، وله أحاديث يسيرة، توفي سنة إحدى وعشرين ومائة، وقيل: أربع وعشرين ومائة (^١) رحمه الله تعالى.\nأما والده عبد الله بن الزبير - ﵁ -، فقد تقدمت ترجمته في آخر كتاب \"الحج\"، حديث (٧٧٨).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أحمد (٢٦/ ٥٣)، والحاكم (٢/ ١٨٣) من طريق ابن وهب، قال: حدثني عبد الله بن الأسود، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه - ﵁ -، به مرفوعًا.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، والحديث رجاله ثقات، غير عبد الله بن الأسود، فقد انفرد بالرواية\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٦٤).","vol":"7","page":218},{"text":"عنه ابن وهب، كما قال أبو حاتم، وقال: (شيخ)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^١).\nوقال الألباني: (سنده حسن، رجاله ثقات معروفون، غير ابن الأسود، فقال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وصححه الحاكم، وكذا ابن دقيق العيد بإيراده إياه في \"الإلمام\" وقد اشترط في المقدمة أن لا يورد فيه إلا ما كان صحيحًا) (^٢).\nوالحديث له شواهد، منها: حديث محمد بن حاطب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"فصل ما بين الحلال والحرام الدُّفُّ والصوت في النكاح\" (^٣)، والمراد بالصوت: الغناء المباح، كما سيأتي (^٤).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب إعلان النكاح وإشهاره، وذلك إظهارًا للسرور، وفرقًا بينه وبين نكاح السر، فيتبين أن فلانًا تزوج فلانة، وأنه صاهر بني فلان، ومن وسائل إظهار النكاح: الإشهاد عليه عند العقد، وتشييع الزوج وقت الدخول بالذهاب معه، كما هي عادة الناس قديمًا وحديثًا، والضرب بالدف، ونحو ذلك.\nوقد ورد أن من طرق الإعلان الشرعي أن يضرب عند الزواج بالدُّف، وأن توضع وليمة للعرس، قال البخاري: (باب ضرب الدف في النكاح والوليمة) ثم ساق من طريق خالد بن ذكوان، قال: (قالت الرُّبيِّع بنت معوِّذ بن عفراء: جاء النبي - ﷺ - يدخل حين بُني عليَّ، فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر،\n_________\n(^١) انظر: \"الجرح والتعديل\" (٥/ ٢)، \"الثقات\" (٧/ ١٥)، ومعنى (شيخ): ليس بحجة، وهذه اللفظة تقلل من قدر الموصوف بها، وتنزله عن مراتب الكبار الذين إذا انفردوا بالرواية قبلت وعمل بها. [\"الشرح والتعليل لألفاظ الجرح والتعديل\" ص (٦٨)].\n(^٢) \"آداب الزفاف\" ص (١١٢).\n(^٣) أخرجه الترمذي (١٠٨٨)، والنسائي (٦/ ١٢٧)، وابن ماجه (١٨٩٦)، وأحمد (٢٤/ ١٨٩)، وحسنه الترمذي والألباني.\n(^٤) \"تحفة الأحوذي\" (٤/ ٢٠٩).","vol":"7","page":219},{"text":"إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال: \"دعي هذه، وقولي: بالذي كنت تقولين\") (^١).\nقال المهلب: (في هذا الحديث إعلان النكاح بالدف، وبالغناء المباح) (^٢).\nوالدُّف: بضم الدال، آلة مستديرة كالغربال ليس لها جَلاجل (^٣)، يشد الجلد من أحد طرفيها، فإن شد من الوجهين فهو طبل.\nوضرب الدف في الزواج لا بد له من ضوابط، لئلا يُساء استعماله، فتكون مفسدته أعظم من مصلحته، ومن ذلك ما يلي:\n١ - أن الضرب بالدف خاص بالنساء دون الرجال، قال الحافظ ابن حجر: (الأحاديث القوية فيها الإذن في ذلك للنساء، فلا يلتحق بهن الرجال، لعموم النهي عن التشبه بهن) (^٤).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فلما كان الغناء والضرب بالدُّفِّ والكَفِّ من عمل النساء، كان السلف يسمون من يفعل ذلك مخنثًا، ويسمون الرجال المغنين مخانيث، وهذا مشهور في كلامهم) (^٥). وقال الحافظ ابن رجب: (وإنما يباح الدف إذا لم يكن فيه جلجل ونحوه مما يصوت، عند أكثر العلماء، نص عليه الإمام أحمد وغيره من العلماء، كما كانت دفوف العرب على عهد النبي - ﷺ -، وقد رَخَّصَ في هذا الدف طائفة من متأخري أصحابنا مطلقًا في العرس وغيره، للنساء دون الرجال) (^٦).\n٢ - أن يكون الضرب خفيفًا لا إزعاج فيه، لا على من حضر الزواج\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٥١٤٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٠٣).\n(^٣) الغربال بالكسر أداة تشبه الدف، مستديرة، ذات ثقوب، ينقى بها الحب من الشوائب، والجلاجل: بالفتح: الأجراس، وهي قطع نحاس مدور، تجعل في إطار الدف. [\"المعجم الوسيط\" ص (٦٤٨)، \"معجم لغة الفقهاء\" ص (١٦٤)].\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٢٦).\n(^٥) \"الفتاوى\" (١١/ ٥٦٥ - ٥٦٦).\n(^٦) \"نزهة الأسماع في مسألة السماع\" للحافظ ابن رجب ضمن رسائله المطبوعة (٢/ ٤٥٤).","vol":"7","page":220},{"text":"ولا على الجيران، أما استعمال مكبرات الصوت وإسماع الرجال، وإيذاء الناس، وحرمانهم من نومهم وراحتهم، فلا شك في تحريمه، لعموم الأدلة الدالة على تحريم إيذاء المسلمين.\n٣ - ألا يكون مع الضرب بالدف غناء بقصائد تشتمل على المجون والخلاعة، على هيئة ألحان المغنين، فإن اشتمل على قصائد الحِكَمِ والمواعظ والترحيب، فلا بأس.\nيقول الحافظ ابن رجب: (وإنما كانت دفوفهم نحو الغرابيل، وغناؤهم بإنشاد أشعار الجاهلية في أيام حروبهم، وما أشبه ذلك، فمن قاس على ذلك سماع أشعار الغزل، مع الدفوف المصلصلة، فقد أخطأ غاية الخطأ، وقاس مع ظهور الفرق بين الفرع والأصل) (^١).\nوقال الحافظ ابن حجر: (الأصل التنزه عن اللعب واللهو، فيقتصر على ما ورد فيه النص وقتًا وكيفية، تقليلًا لمخالفة الأصل) (^٢).\n٤ - ألا يطول الوقت إلى ساعة متأخرة من الليل، لما يترتب عليه من مفاسد عظيمة، من السهر والنوم عن صلاة الفجر، وإمضاء ساعات الليل الفاضلة في اللهو، ونحو ذلك، وعلى هذا فما يحصل في أكثر حفلات الزواج في عصرنا هذا من أمور اللهو والطرب، والتوسع في ذلك باستعمال مكبرات الصوت، وقضاء الليل في أكل وشرب وغناء، لا شك في حرمته، لمخالفته الأحكام الشرعية، وما يترتب عليه من المفاسد، والله المستعان.\n_________\n(^١) \"نزهة الأسماع\" (١/ ٤٤٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٤٣).","vol":"7","page":221},{"text":"<span data-type='title' id=toc-825>اشتراط الولي في النكاح</span>\n٩٨٤/ ١٦ - عَنْ أبي بُرْدَةَ بنِ أَبي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ - ﵁ -، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَليٍّ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِيني وَالتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ حِبَّانَ. وَأُعِلَّ بِالإرْسَالِ.\n٩٨٥/ ١٧ - وعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: قَال رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَليُّ مَنْ لَا وَليَّ لَهُ\"، أخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيَ، وصَحّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبّانَ، وَالْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليهما من تخريجهما:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي موسى - ﵁ - فقد أخرجه أبو داود في كتاب \"النكاح\" بابٌ (في الولي) (٢٠٨٥)، والترمذي (١١٠١)، وابن ماجه (١٨٨١)، وأحمد (٣٢/ ٢٨٠) من طريق يونس بن أبي إسحاق، وإسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ -، هكذا موصولًا بذكر أبي موسى.\nوقد وهم الحافظ في عزو الحديث للأربعة، فإن النسائي لم يخرجه في \"سننه\".\nوروي مرسلًا من طريق شعبة، قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق، أسمعت أبا بردة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا نكاح إلا بولي\"؟ فقال: (نعم) أخرجه الترمذي (١١٠٢).\nولعل الحافظ قال: (وأُعِلَّ بالإرسال) ولم يقل: وهو مرسل، للخلاف في وصله وإرساله، وتقوية الوصل.","vol":"7","page":222},{"text":"ويبدو أن الحافظ ذكر التابعي أبا بردة، ولم يقتصر على الصحابي أبي موسى - ﵁ - كعادته؛ للاختلاف في وصل الحديث وإرساله، وأبو بردة هو عامر بن عبد الله بن قيس، وأبوه عبد الله هو أبو موسى الأشعري - ﵁ -، وقد تقدمت ترجمة أبي بردة في كتاب \"الجمعة\"، حديث (٤٦٤)، وترجمة أبيه في \"مواقيت الصلاة\"، حديث (١٥٣).\nوالراجح رواية الوصل لما يلي:\n١ - أن الذين ذكروه موصولًا أكثر عددًا، فقد رواه موصولًا شريك بن عبد الله، وأبو عوانة، ويونس بن أبي إسحاق، وإسرائيل بن يونس، كل هؤلاء عند الترمذي، وزهير بن معاوية، عند ابن حبان (٩/ ٣٨٨) وغيره، وقيس بن الربيع، عند الحاكم (٢/ ١٧٠) فكل هؤلاء رووه عن إسحاق، وسماعهم إياه من لفظه.\nوأما رواية من أرسله، وهما: شعبة وسفيان، فهما وإن كانا من جبال الحفظ والتثبت إلا أنهما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد، كما تقدم في رواية الترمذي، ولا يخفى رجحان ما أُخذ من لفظ المحدث في مجالس متعددة، على ما أخذ عنه عرضًا في مجلس واحد.\n٢ - أن في الذين ذكروه موصولًا إسرائيل بن يونس، وإسرائيل يكاد يكون أثبت الناس في أبي إسحاق السبيعي، فقد قال عبد الرحمن بن مهدي عن إسرائيل: (كان يحفظ حديث أبي إسحاق كما يحفظ الحمد) (^١).\nونقل الحافظ في \"تهذيبه\"، عن إسرائيل أنه قال: كنت أحفظ أحاديث أبي إسحاق كما أحفظ السورة من القرآن.\n٣ - أن يونس وابنيه: إسرائيل وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولًا، ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيرهم.\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" للترمذي (١/ ٤٢٨) \"العلل\" للدارقطني (٧/ ٢١١)، \"المستدرك\" (٢/ ١٧٠).","vol":"7","page":223},{"text":"٤ - أن الذين ذكروا أبا موسى معهم زيادة ثقة، وهي مقبولة عند أكثر أهل العلم، وقد نقل ابن كثير عن البخاري أنه قال: (الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل ثقة).\n٥ - أن جماعة من الأئمة صححوا هذا الحديث، منهم البخاري كما ذكر البيهقي (^١)، والدارقطني (^٢)، وعلي ابن المديني، ومحمد بن يحيى الذهلي، كما نقل ذلك الحاكم (^٣)، والبيهقي (^٤)، وابن كثير (^٥).\n٦ - أن الحديث له شواهد عن جماعة من الصحابة - ﵃ -، ومن شواهده: حديث عائشة - ﵄ - الذي بعده، وحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها\" وسيأتي تخريجه إن شاء الله.\nوأما الحديث الثاني في هذا الباب، وهو حديث عائشة - ﵂ - فقد أخرجه أبو داود في كتاب \"النكاح\" بابٌ (في الولي) (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وابن ماجه (١٨٧٩)، وأبو عوانة (٣/ ١٨)، وابن حبان (٩/ ٣٨٤)، والحاكم (٢/ ١٦٨) كلهم من طريق ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عائشة - ﵂ - مرفوعًا.\nوقال الترمذي: (وهو عندي حسن)، وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين)، وهذا فيه نظر، فإن سليمان بن موسى لم يخرج له البخاري، وأخرج له مسلم في المقدمة، وهو مع جلالته في الفقه، فقد قال عنه الذهبي: (وُثِّق، وقال البخاري: عنده مناكير) (^٦)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق، فقيه، في حديثه بعض لين، وخلط قبل موته بقليل)، لكنه ثقة في حديثه عن الزهري، كما نقله الحافظ عن ابن معين (^٧).\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٠٧).\n(^٢) \"العلل\" (٧/ ٢١١).\n(^٣) \"الإرشاد\" (٢/ ١٤٥).\n(^٤) \"المستدرك\" (٢/ ١٧٠).\n(^٥) \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٠٧).\n(^٦) \"المغني في الضعفاء\" (١/ ٤٤٥).\n(^٧) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٩٨).","vol":"7","page":224},{"text":"وقد طعن الحنفية ومنهم الطحاوي (^١) في هذا الحديث بأنه من رواية سليمان بن موسى، عن الزهري، ولما سئل الزهري عن هذا الحديث، قال: لا أعرفه، والذي روى هذا القدح هو إسماعيل بن علية القاضي، عن ابن جريج الراوي عن سليمان، فإنه قال: لقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث، فلم يعرفه (^٢).\nوأجيب عن ذلك بجوابين:\nالأول: لا نسلم بأن ابن جريج قال: إن الزهري نسيه، قال الإمام أحمد: (إن ابن جريج له كتب مدونة، ليس هذا في كتبه) (^٣)، وكذا ابن معين ضعف مقولة ابن جريج، وابن علية الذي روى ذلك ضعيف في روايته عن ابن جريج.\nالثاني: سلمنا أن الزهري نسيه، فلا يلزم أن يكون سليمان بن موسى وهم عليه؛ لأنه ثقة في حديث الزهري، كما تقدم، ولأن النسيان لم يعصم منه إنسان.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (لا نكاح إلا بولي) هذا النفي إما أن يراد به نفي الذات، أو نفي الكمال، أو نفي الصحة، والأول ممتنع؛ لأنه قد يوجد نكاح بلا ولي، والثاني غير مراد هنا، بدليل حديث عائشة - ﵂ - الذي بعده، فإنه حكم بالبطلان على النكاح بلا ولي، فتعين أن يكون لنفي الصحة؛ أي: لا نكاح صحيح أو معتبر شرعًا إلا بولي.\n\nقوله: (أيما امرأة) هذه صيغة عموم معناها سلب الولاية عن عموم النساء، سواء كانت بكرًا أم ثيبًا.\n\nقوله: (نكحت) بفتح النون؛ أي: تولت عقد زواجها بنفسها.\n_________\n(^١) \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٨).\n(^٢) \"المسند\" (٤٠/ ٢٤٣).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ١٠٥).","vol":"7","page":225},{"text":"قوله: (فنكاحها) المراد به العقد لا الوطء؛ لأن الكلام في صحة النكاح وبطلانه.\n\nقوله: (باطل) عند أبي داود والترمذي وغيرهما تكرر هذا اللفظ ثلاث مرات للتأكيد، والمعنى: فزواجها غير صحيح.\n\nقوله: (فإن دخل بها) أي: الذي نكحته بغير إذن وليها، والمراد بالدخول: الوطء.\n\nقوله: (فإن اشتجروا) وفي لفظ: (تشاجروا)، والضمير عائد على الأولياء، بدلالة ذكر الولي وسياق الحديث.\nوالاشتجار: الخصومة، ولها معنيان:\nالأول: تنازعوا في شأن تزويجها حتى أدى ذلك إلى المنع من العقد على المرأة، وهذا هو المراد هنا، لقوله: \"فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له\".\nالثاني: أن الأولياء يختلفون فيما بينهم فيمن يعقد عليها، وهذا غير مراد هنا، فإذا تشاجروا في السبق ومراتبهم سواء فالعقد لمن سبق إليه منهم إذا كان ذلك نظرًا منه للمصلحة.\n\nقوله: (فالسلطان) هو الملك أو الوالي، ويقوم مقامه القضاة؛ لأنهم نوابه في مثل هذه المسائل، وقد جاء في \"المسند\" بعد سياق هذا الحديث قول عبد الله ابن الإمام أحمد: قال أبي: (السلطان: القاضي؛ لأن إليه أمر الفروج والأحكام) (^١).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن النكاح لا يصح إلا بولي؛ لأن الأصل في النفي نفي الصحة لا نفي الكمال، كما تقدم.\nوالمراد بالولي: القريب الذي يتولى عقد النكاح على المرأة، والأب هو الأَوْلى بتزويج المرأة، ويأتي بعده الجد عند فقده على الراجح، ثم بقية\n_________\n(^١) \"المسند\" (٤٠/ ٢٤٣).","vol":"7","page":226},{"text":"العصبة الذكور على خلاف في ترتيبهم يعلم من مراجعة كتب الفقه.\nوعلى هذا فالولي شرط لصحة النكاح، وهذا قول الجمهور من السلف والخلف، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد (^١).\nواستدلوا -أيضًا- بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَينَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، ووجه الاستدلال: أن الله تعالى نهى عن عضل النساء اللاتي طُلِّقن وأتممن عدتهن عن العودة إلى أزواجهن إذا جاء الزوج خاطبًا، ورضيت المرأة بالعودة إليه، والمخاطب هم الأولياء، ولو كان للمرأة تزويج نفسها بدون وليها لم يكن لنهي الأولياء عن العضل فائدة.\nوالقول الثاني: عدم اشتراط الولي، بل هو مندوب إليه، وهذا قول أبي حنيفة، وجماعة (^٢).\nواستدلوا بالنص والقياس، أما النص فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فأضاف النكاح إليهن، وهذه الإضافة تفيد جواز صدوره من المرأة.\nوأما القياس فإنهم قاسوا النكاح على البيع، فالمرأة الرشيدة البالغة تتصرف في مالها بالبيع والشراء دون ولاية، فكذا النكاح لها أن تعقد على نفسها بدون ولي.\nوالصواب قول الجمهور وأنه لا بد في النكاح من ولي يتولى العقد، لقوة أدلتهم، ومما يؤيد ذلك:\n١ - صيانة المرأة عما يشعر بوقاحتها وميلها إلى الرجال.\n٢ - أن الرجال أقدر من النساء على البحث عن أحوال الخاطب، فإن\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (٣/ ٢٠)، \"المغني\" (٩/ ٣٤٤)، \"مغني المحتاج\" (٣/ ١٤٧).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٢٤١ - ٢٤٧).","vol":"7","page":227},{"text":"المرأة قاصرة النظر في التحري للزوج الكفء الصالح، وقد لا توفق إلى اختيار الرجل المناسب.\n٣ - أن اشتراط الولي فيه مزيد إعلان النكاح.\n٤ - أن ارتباط المرأة بالرجل الذي تختاره ليس شأنًا خاصًّا بها دون سواها، فالزواج يربط بين الأسر، والآباء والأخوة يهمهم شأن الأسرة التي يرتبطون بها.\nأما الآيات التي استدل بها أصحاب القول الثاني، فلا دليل فيها على عدم اشتراط الولي، وإنما تدل على أن المرأة الحرة البالغة طرف مباشر في عقد النكاح، لا بد من أخذ رأيها وموافقتها، لا أنها تستبد بالعقد وتنفرد به.\nوأما القياس فهو فاسد الاعتبار؛ لأنه في مقابلة نص، ثم إنه لا مماثلة بين الأصل والفرع، فإن النكاح يختلف عن البيع، فعقد النكاح عقد له خطره وعواقبه، بخلاف البيع في بساطته وخفة أمره.\nومع أن أبا حنيفة لا يرى أن الولي شرط في النكاح كما يراه الجمهور؛ إلا أنه أعطى الولي حق إيقاف العقد وإبطاله إذا لم يكن الزوج كُفْأ (^١).\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المرأة تستحق المهر بالدخول بها ووطئها، لقوله: \"فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها\"، وإذا كان جميع المهر يتقرر بالدخول في النكاح الباطل، فهو من باب أولى يتقرر في النكاح الصحيح.\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على أن المرأة التي ليس لها ولى فإن وليها السلطان، ويقوم مقامه القاضي، كما تقدم.\nفالقاضي يتولى عقد النكاح في المسائل الآتية:\nالأولى: إذا كانت المرأة لا ولي لها من قرابتها مطلقًا.\nالثانية: إذا عَضَلَ الأقرب من الأولياء كالأب، بمعنى أنه منع المرأة من\n_________\n(^١) \"شرح فتح القدير\" (٣/ ٢٥٨)، \"أحكام الزواج\" للأشقر ص (١٤٠).","vol":"7","page":228},{"text":"الزواج، فإن الولاية تنتقل إلى السلطان على قول الشافعي وأحمد في رواية عنه (^١)، وذهب أبو حنيفة في المشهور عنه وأحمد في المنصوص عنه إلى أنها تنتقل إلى الأبعد بشرط كونه كفأ (^٢).\nالثالثة: أن يمتنع جميع الأولياء عن تزويجها ويعضلونها، فتنتقل الولاية إلى السلطان قولًا واحدًا.\nويوجد في المجتمع وعند بعض القبائل صور سيئة من العضل ومنع النساء من الزواج؛ لأغراض فاسدة وتصرفات قبيحة، ومنها: أن يريد الولي بقاء المرأة للخدمة، أو تقوم برعي إبله وغنمه، أو يلزمها بمن لا تريد الزواج منه؛ كابن أخيه أو نحوه من القرابة، أو لأجل أن يستفيد من مرتبها؛ كأن تكون معلمة، أو يتشدد في الصفات المطلوبة في الزوج، وهذا كله من الظلم والإساءة إلى المرأة، والتشبه بأهل الجاهلية، والوقوع فيما نهى الله عنه في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩].\nالرابعة: إذا غاب الولي الأقرب غيبة منقطعة زوجها السلطان، ولا يزوجها الأبعد على قول الشافعي، وقال أحمد وأبو حنيفة: يزوجها الأبعد من الأولياء، لقوله - ﷺ -: \"السلطان ولي من لا ولي له\"، وهذه لها ولي، فلا يكون السلطان وليًّا لها.\nوقد اختلف الفقهاء في ضابط الغيبة التي تنتقل فيها الولاية إلى الأبعد بناء على ما في زمانهم من صعوبة الاتصالات، فبعضهم حدها بالزمن، وبعضهم حدها بالمسافة، أما اليوم فقد تغير الحال وأصبح الاتصال بمن هو في أقصى الدنيا أمرًا ميسورًا.\nوالصواب أن ضابط الغيبة ما يفوت فيها مصلحة المخطوبة، فإن لم يكن فيه تفويت مصلحة فلا بأس بالانتظار، وكذا لو كانت الغيبة قصيرة ويمكن الاتصال عليه بالهاتف، فيوكل من يقوم مقدمه في عقد النكاح.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٩/ ٣٨٢).\n(^٢) \"المغني\" (٩/ ٣٨٢)، \"أحكام الزواج\" ص (١٤٨).","vol":"7","page":229},{"text":"وإذا كانت المرأة في بلد لا سلطان فيه للمسلمين، وليس لها ولي، كما لو كانت في ديار الكفر كأمريكا أو بريطانيا أو روسيا ونحوها، فإن كان يوجد مؤسسات إسلامية فإنها تقوم بتزويجها، وإن لم يوجد جعلت أمرها إلى رجل عدل من المسلمين، وعقد لها (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"أحكام الزواج\" ص (١٤٩).","vol":"7","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-826>وجوب استئذان البكر، واستئمار الثيب في النكاح</span>\n٩٨٦/ ١٨ - عَنْ أبِي هُرَيرَةَ - ﵁ -، أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"لَا تُنْكَحُ الأيِّمُ حتى تُسْتَأْمَرَ، ولا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتى تُسْتَأذَنَ\"، قالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيفَ إِذْنُهَا؟ قَال: \"أنْ تَسْكُتَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n٩٨٧/ ١٩ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أن النَّبِيَّ - ﷺ -: قال: \"الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإذْنُهَا سُكُوتُهَا\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَفِي لَفْظٍ: \"لَيسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ، وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فقد أخرجه البخاري في كتاب \"النكاح\"، باب (لا يُنْكِحُ الأبُ وغيره البكرَ والثيبَ إلا برضاهما) (٥١٣٦)، ومسلم (١٤١٩) من طريق هشام، عن يحيى بن أبي كثير، حدثنا أبو سلمة، حدثنا أبو هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\nوأما حديث ابن عباس - ﵄ - فأخرجه مسلم في كتاب \"النكاح\"، باب (استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت) (١٤٢١) من طريق عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس - ﵄ -.\nوأما الرواية المذكورة فقد رواها عبد الرزاق (١٠٩٩) ومن طريقه أبو","vol":"7","page":231},{"text":"داود (٢١٠٠)، والنسائي (٦/ ٨٤)، والدارقطني (٣/ ٢٣٩) عن معمر، ورواه ابن حبان (٩/ ٣٩٩) والدارقطني (٣/ ٢٣٩) من طريق ابن المبارك، عن معمر، قال: حدثني صالح بن كيسان، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس - ﵄ -؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ليس للولي مع الثيب أمر، واليتيمة تستشار، وصمتها إقرارها\".\nوالحديث رجاله ثقات، رجال الشيخين، لكن أعله أبو حاتم والدارقطني بأن معمرًا وهم فيه، فرواه عن صالح بن كيسان، عن نافع بن جبير، وإنما سمعه ابن كيسان من عبد الله بن الفضل، اتفق على ذلك ابن إسحاق، وسعيد بن سلمة، عن صالح (^١)؛ ولهذا قال الدارقطني: (إن الذي قبله أصح في الإسناد والمتن) «^٢).\nولعل الحافظ أورد رواية أبي داود والنسائي لصراحتها في مسألة الثيب، ولذكر اليتيمة فيها.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (لا تُنكح) بضم التاء؛ أي: لا تُزوج، وقد جاء النهي بصورة النفي؛ لأنه أبلغ.\n\nقوله: (الأيِّم) بفتح الهمزة، وتشديد الياء المثناة التحتية، بعدها ميم، هي الثيب التي فارقت زوجها بموت أو طلاق وانقضت عدتها، وهذا المعنى هو المراد هنا لمقابلتها بالبكر.\nوتطلق الأيم على كل امرأة لا زوج لها، بكرًا كانت أم ثيبًا، وعلى كل رجل لا زوجة له بكرًا كان أم سبق له زواج، قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، والأَيمَةُ في اللغة: العزوبة، يقال: رجل أيّم، وامرأة أيّم وأيِّمة (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"علل ابن أبي حاتم\" تحقيق فريق من الباحثين (٤/ ٥٣).\n(^٢) \"العلل\" (١٢٤٩)، \"سنن الدارقطني\" (٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩).\n(^٣) \"شرح الفصيح\" المنسوب للزمخشري (١/ ٢٨٩).","vol":"7","page":232},{"text":"قوله: (تُسْتَأْمَرُ) بضم التاء المثناة الفوقية، مبني لما لم يُسَمَّ فاعله؛ أي: حتى يطلب منها أن تأمر وليها بالعقد على من ترغب الزواج به، وأصل الاستئمار: طلب الأمر، وهذا لا بد أن يكون بالقول.\n\nقوله: (البكر) بكسر الباء الموحدة، العذراء التي لم تَزُلْ بكارتها، فلم يسبق لها زواج ولا وطء، والمراد بها: البنت البالغة التي تدرك أمور النكاح، وتعرف صفات الزوج الصالح من غيره؛ لأن الشرع جعل لإذنها اعتبارًا، وليس المراد بالبكر من يشمل الصغيرة، قال ابن دقيق العيد: (إن الاستئذان إنما يكون في حق من له إذن، ولا إذن للصغيرة، فلا تكون داخلة تحت الإرادة، ويختص الحديث بالبوالغ) (^١).\n\nقوله: (تستأذن) بالضم؛ أي: يطلب الإذن منها ليعقد لها وليها النكاح على من ترغب الزواج به، وبين الاستئذان والاستئمار فرق، فإن الاستئمار يدل على تأكيد المشاورة وجعل الأمر إلى المستأمَرة، ولهذا احتاج الولي إلى صريح إذنها في العقد، ولو صرحت بمنعه امتنع اتفاقًا، فهو صريح في القول، ولذا جعل في جانب الثيب، أما الإذن فهو دائر بين القول والسكوت، ولذا جعل في جانب البكر؛ لأنها قد تستحي أن تفصح عن رغبتها.\n\nقوله: (قالوا: وكيف إذنها) إنما سألوا عن الإذن دون الأمر، لتردد الإذن بين القول والسكوت، بخلاف الأمر فإنه صريح في القول، وجعل السكوت إذنًا في حق البكر؛ لأنها قد تستحي أن تفصح، وهذا في جيل مضى؛ لما عليه النساء من الحياء، أما الآن فتغير الأمر، وأصبح للبنات رأي في زواجهن بكل صراحة وفصاحة.\n\nقوله: (الثيب) هي التي زالت بكارتها بوطء، وهذه اللفظة مفسرة للفظ الأيم.\n\nقوله: (أحق بنفسها من وليها) صيغة التفضيل تدل على المشاركة،\n_________\n(^١) \"إحكام الأحكام\" (٤/ ١٩٨).","vol":"7","page":233},{"text":"فالمعنى: أن لها في نفسها في النكاح حقًّا، ولوليها حقًّا، وحقها أوكد من حقه، فلو أراد تزويجها كُفْأ وامتنعت لم تجبر، ولو أرادت الزواج من كفؤ فامتنع الولي أُجبر، فإن أصر زوجها القاضي.\n\nقوله: (تُستأمر) أي: تستأذن، بدليل قوله: \"وإذنها سكوتها\"، وإبقاء اللفظ على ظاهره مشكل؛ لأن الاستئمار الذي هو استدعاء أمرها بالقول الصريح خاص بالثيب -كما تقدم- ولذا قال القرطبي: (إن حديث أبي هريرة أتقن مساقًا من حديث ابن عباس) (^١).\n\nقوله: (ليس للولي مع الثيب أمر) أي: إذا رفضت الزواج ولم ترض بمن يريده الولي، لما تقدم من اعتبار رضاها.\n\nقوله: (اليتيمة) هي الصغيرة التي لا أب لها، والمراد هنا: البكر البالغة؛ لأنها قبل البلوغ لا معنى لإذنها ولا لإبائها، سماها يتيمة باعتبار ما كان؛ كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالهُمْ﴾ [النساء: ٢] وفائدة التسمية: مراعاة حقها، والشفقة عليها في تحري الكفاءة، والصلاح، ولأن اليتيم مظنة الشفقة والرحمة.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا بد من رضا المرأة بمن يريد وليها أن يزوجها به.\nأما الثيب فلا بد من صريح موافقتها على الزواج بأن تتكلم؛ لأن نطقها وتصريحها ممكن؛ لأنها تزوجت وعرفت صفة الزواج. وأما البكر فإنها تُستأذن ويكفي في إذنها أن تسكت، فإذا سكتت فهو علامة الرضا، والاكتفاء بالسكوت فيه مراعاة لتمام صيانتها، ولإبقاء حالة الاستحياء والانقباض عليها، فروعي في هذا المحل ما يليق بها (^٢). إلا إذا اقترن السكوت بما يدل على عدم الموافقة، فإنه لا يعتبر إذنًا، ويعمل بالقرائن في مثل ذلك.\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٤/ ١١٧).\n(^٢) \"المفهم\" (٤/ ١١٨).","vol":"7","page":234},{"text":"ويعتبر في الاستئذان تسمية الزوج على وجه تقع المعرفة به، فيذكر لها نسبه، وعمله، ونحو ذلك مما فيه مصلحة، لتكون على بصيرة من أمرها.\n\n° الوجه الرابع - اتفق العلماء - إلا من شذ منهم - على منع الولي من إكراه المرأة الثيب البالغة العاقلة على الزواج.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (الثيب البالغة لا تُنكح إلا بإذنها باتفاق الأئمة) ويقول: (البالغ الثيب لا يجوز تزويجها بغير إذنها، لا للأب ولا لغيره بإجماع المسلمين) (^١).\nواستدلوا بقوله - ﷺ -: \"الأيم أحق بنفسها من وليها\"، وبقوله: \"ليس للولي مع الثيب أمر\"، وعن الخنساء بنت خِذَام الأنصارية، أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله - ﷺ - فردَّ نكاحها (^٢).\nكما استدلوا من المعقول بأن الثيب البالغة رشيدة عالمة بالمقصود من النكاح مختبرة له، فلم يجز إجبارها عليه كالرجل (^٣). وعلى هذا فإذا زوجها وليها بدون رضاها بطل العقد، لما تقدم، فإن أجازت العقد فيما بعد، فهل يلزم تجديده بعد رضاها؟ على قولين.\n\n° الوجه الخامس: اختلف العلماء في إجبار البكر البالغة العاقلة على الزواج على قولين:\nالأول: أنه يجوز لوليها أن يزوجها بغير إذنها، وهذا قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد (^٤)، واستدلوا بحديث ابن عباس المذكور، ووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - قسم النساء قسمين، ولما أثبت لأحدهما الحق، دل على نفيه عن الآخر، وهو البكر، فيكون وليها أحق منها، وإلا فلا فائدة من التفرقة، ولا يقال: الفائدة من التفرقة في صفة الإذن؛ لأننا نقول: ظاهر الحديث أن الذي فُرِّقَ فيه حق\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٣٢/ ٢٩ - ٣٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥١٣٨).\n(^٣) \"أحكام الزواج\" ص (١٤٣).\n(^٤) \"بداية المجتهد\" (٣/ ١٥)، \"مغني المحتاج\" (٣/ ١٤٩).","vol":"7","page":235},{"text":"الولي، وعلى هذا فالإذن في حقها على سبيل الاستحباب (^١).\nالقول الثاني: أنها لا تزوج إلا برضاها، وليس لوليها إجبارها، وهذا مذهب أبي حنيفة، والأوزاعي، والثوري، ورواية عن أحمد، اختارها أبو بكر عبد العزيز، وصاحب \"الفائق\"، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن سعدي، وابن باز (^٢).\nواستدلوا بحديث أبي هريرة - ﵁ -، ووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - نهى عن تزويج البكر بدون إذنها، ولو لم يكن إذنها معتبرًا لما جعله غاية لإنكاحها.\nكما استدلوا بحديث ابن عباس - ﵄ - الآتي: أن جارية بكرًا أتت النبي - ﷺ - فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي - ﷺ -.\nكما استدلوا من المعقول بأن تزويج الفتاة مع كراهيتها مخالف للأصول والعقول، فإذا كان وليها لا يكرهها على بيع أو إجارة إلا بإذنها، ولا على طعام ولا شراب ولا لباس لا تريده، فكيف يكرهها على مباضعة ومعاشرة من تكره معاشرته؟! والله قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة، فإذا كان لا يحصل إلا مع بغضها له ونفورها منه، فأي مودة ورحمة في ذلك؟! (^٣).\nوقد تتابع العلماء على النص على بطلان العقود التي تتم بالإكراه؛ كالبيع والشراء والإجارة، والقول بجواز إنكاح المرأة بغير رضاها مخالف للقاعدة العامة التي قررتها الشريعة، وأخذ بها أهل العلم (^٤).\nوهذا القول هو الراجح، لقوة دليله، ولأن التفريق بين الثيب فلا تجبر،\n_________\n(^١) انظر: شرح الزركشي على مختصر الخرقي، (٥/ ٨٠).\n(^٢) \"الهداية\" (١/ ١٩٦)، \"المغني\" (٩/ ٣٩٩)، \"الفتاوى\" (٣٢/ ٤٠، ٥٢)، \"مختصر تهذيب السنن\" (٣/ ٤٠ - ٤٢)، \"المختارات الجلية\" ص (١٠٣)، \"فتاوى ابن باز\" (٢٠/ ٤٠٩ - ٤١٥).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٣٢/ ٢٥).\n(^٤) \"أحكام الزواج\" ص (١٤٦).","vol":"7","page":236},{"text":"والبكر فتجبر تفريق بين متماثلين، وهذا أمر يأباه القياس، وأما حديث ابن عباس - ﵁ - فالاستدلال به عن طريق المفهوم، وحديث أبي هريرة منطوق، فيقدم عليه، ولا فرق في ذلك بين الأب وغيره، فلا يجبرها أبوها على الزواج من شخص لا تريده، وحديث الباب عام؛ لقوله: \"لا تنكح البكر حتى تستأذن\"، وفي رواية لمسلم من حديث ابن عباس - ﵄ -: \"والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها\" (^١)، وهذا - على تقدير صحته (^٢) - نص صريح في هذا الحكم.\nلكن لو رغبت المرأة في غير الكفء، فإن لوليها الحق في منع زواجها منه، وهذه ثمرة الولاية في النكاح، وعلى الأسرة في موضوع زواج ابنتهم أن يتشاوروا فيما بينهم، وفي هذا خير كثير.\n\n° الوجه السادس: الحديث دليل على اشتراط الولي في النكاح، كما هو قول الجمهور، لمجيء صيغة التفضيل الدالة على المشاركة والمفاضلة، والولي قد شارك المرأة في حقيَّةٍ ما، فدل على أن له مدخلًا، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٤٢١) (٦٨).\n(^٢) ذكر أبو داود أنها ليست بمحفوظة. انظر: \"سنن أبي داود\" (٢٠٩٩)، \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ١١٥)، \"التلخيص\" (٣/ ١٨٤).","vol":"7","page":237},{"text":"<span data-type='title' id=toc-827>ما جاء في أن المرأة ليس لها ولاية في النكاح</span>\n٩٨٨/ ٢٠ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، - ﵁ -، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأةُ المرأةَ، وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَها\"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَات.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه ابن ماجه (١٨٨٢)، والدارقطني (٣/ ٢٢٧)، والبيهقي (٧/ ١١٠) من طريق جميل بن الحسن العتكي، حدثنا محمد بن مروان العقيلي، حدثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nوهذا الحديث لا بأس برجاله، غير جميل بن الحسن الأزدي العتكي، قال عنه ابن أبي حاتم: (أدركناه ولم نكتب عنه) (^١)، واتهمه عبدان الأهوازي، وبه أعله الذهبي (^٢)، ومحمد بن مروان قال عنه الحافظ في \"التقريب\" (صدوق له أوهام).\nورواه الدارقطني (٣/ ٢٢٨) من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدثنا مخلد بن الحسين، عن هشام بن حسان، به.\nقال الألباني: (هذا سند رجاله ثقات، غير الجرمي هذا، وهو شيخ) (^٣).\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٥٢٠)، \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٩٧).\n(^٢) \"تنقيح التحقيق \"بحاشية \"التحقيق\" (٨/ ٢٨٧).\n(^٣) \"الإرواء\" (٦٢/ ٢٤٨).","vol":"7","page":238},{"text":"وتمام الحديث: \"فإن الزانية هي التي تزوج نفسها\"، وقد أعلت هذه الجملة بأنها من كلام أبي هريرة - ﵁ -، فقد رواه الدارقطني (٣/ ٢٢٨)، والبيهقي (٧/ ١١٠) من طريق عبد السلام بن حرب، عن هشام، إلا أنه قال: (قال أبو هريرة: كنا نعد التي تنكح نفسها هي الزانية) فجعل آخره موقوفًا، قال البيهقي: (وعبد السلام قد ميَّز المسند من الموقوف، فيشبه أن يكون قد حفظه، والله أعلم).\nورواه البيهقي (٧/ ١١٠) من طريق الأوزاعي، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: (لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها)، فجعل الحديث كله موقوفًا، وكذا قال ابن عيينة، عن هشام بن حسان، فجعله موقوفًا أيضًا، ورواه موقوفًا عبد الرزاق، عن هشام (٦/ ٢٠٠)، والدارقطني (٣/ ٢٢٧) من طريق حفص بن غياث، والنضر بن شميل، ثلاثتهم عن هشام، عن محمد بن سيرين، ولعل الراجح هو الوقف (^١).\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المرأة ليس لها ولاية في النكاح، فلا تزوج نفسها ولا تزوج غيرها من النساء، فلا تزوج نفسها بإذن الولي ولا غيره، ولا تزوج غيرها بولاية ولا بوكالة، ولا تقبل النكاح بولاية ولا وكالة، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، فإن فعلت شيئًا من ذلك لم يصح النكاح، وذلك لأن ولاية النكاح يعتبر فيها الكمال، والرجال أقدر على البحث عن أحوال الخاطب من النساء، والمرأة ناقصة قاصرة، تثبت الولاية عليها، لقصورها عن النظر لنفسها فغيرها أولى.\nومنع المرأة من الولاية فيه حفظ لها وصيانة لكرامتها، لا سيما وقد طبعت على الحياء الذي يمنعها من مثل ذلك. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" للدارقطني (١٠/ ٢١) \"تنقيح التحقيق\" لابن عبد الهادي (٤/ ٢٩٦).","vol":"7","page":239},{"text":"<span data-type='title' id=toc-828>النهي عن نكاح الشغار</span>\n٩٨٩/ ٣١ - عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الشِّغَارِ، والشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ، وَلَيسَ بَينَهُمَا صَدَاقٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَاتَّفَقَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَلَى أن تَفْسِيرَ الشِّغَارِ مِنْ كلَامِ نَافِعٍ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"النكاح\"، باب (الشغار) (٥١١٢)، ومسلم (١٤١٥) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -.\nوأخرجه البخاري (٦٩٦٠)، ومسلم (١٤١٥) (٥٨) من طريق عبيد الله، قال: حدثني نافع، عن عبد الله - ﵁ -؛ أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الشغار، قلت لنافع: ما الشغار؟ قال: يَنكِحُ ابنةَ الرجل، ويُنكحه ابنته بغير صداق، وينكح أخت الرجل، وينكحه أخته بغير صداق. وهذا لفظ البخاري، وفيه التصريح بأن تفسير الشغار من كلام نافع.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الشغار) بكسر الشين المعجمة، وتخفيف الغين المعجمة أيضًا، مصدر شاغر يشاغر شغارًا، وهو مفاعلة ولا يكون إلا بين اثنين غالبًا، وهو لغة: الخلو، يقال: بلد شاغر، إذا خلا من السلطان، وأمر شاغر: إذا خلا من مدبره؛ كان النكاح سمي بذلك لشغوره عن الصداق؛ أي: خلوه، ويقال معناه: الرفع، يقال: شغر الكلب؛ أي: رفع رجله ليبول. قال ثعلب: وكأن","vol":"7","page":240},{"text":"كل واحد منهما يقول: لا ترفع رجل ابنتي ما لم أرفع رجل ابنتك، قال ابن الملقن: وهذا أقربها (^١).\nوقال الخطابي: (سمي بذلك لأنهما رفعا المهر بينهما، وإذا رفع المهر ارتفع العقد، فارتفع النكاح والمهر معًا) (^٢).\nوأما شرعًا: فهو أن يزوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته ولا مهر بينهما، أو بينهما مهر لأجل الحيلة، أو يقال: اختصارًا: إنكاح البضع بالبضع.\n\nقوله: (ابنته) ذكر البنت لا مفهوم له، بل هو مثال، وقد جاء في حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الشغار، زاد ابن نمير: والشغار: أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي، أو زوجني أختك، وأزوجك أختي (^٣)، قال النووي: (أجمعوا على أن غير البنات من الأخوات، وبنات الأخ، والعمات، وبنات الأعمام؛ كالبنات في هذا) (^٤).\nوقد اختلف العلماء في تفسير الشغار، قال الشافعي: (لا أدري تفسير الشغار في الحديث عن النبي - ﷺ - أو من ابن عمر أو من نافع أو من مالك) (^٥). وقال الخطيب: (تفسير الشغار ليس من كلام رسول الله - ﷺ -، وإنما هو من قول مالك، وُصِلَ بالمتن المرفوع …) (^٦). ورواية الصحيحين المذكورة تدل على أنه من تفسير نافع، ولعل مالكًا تلقاه من نافع، كما قال الحافظ (^٧).\n\nقوله: (وليس بينهما صداق) فيه إشعار بعلة النهي عن نكاح الشغار، وهي خلوه من الصداق، وإن كان يحتمل أن يكون ذكر ذلك لملازمته لجهة الفساد (^٨).\n_________\n(^١) انظر: \"الاستذكار\" (١٦/ ٢٠١)، \"الإعلام\" (٨/ ١٩٠).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٣/ ٢٠).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٤١٦).\n(^٤) \"شرح النووي\" (٩/ ٢١٢).\n(^٥) \"الأم\" (٥/ ٨٢).\n(^٦) \"الفصل للوصل المدرج في النقل\" (١/ ٣٨٥).\n(^٧) \"التلخيص\" (٣/ ١٧٦).\n(^٨) \"الإعلام\" (٨/ ١٩٣)، \"إحكام الأحكام\" (٤/ ١٩٢).","vol":"7","page":241},{"text":"° الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن نكاح الشغار، وهذا النهي يقتضي التحريم بإجماع أهل العلم، وأما بطلان العقد؛ ففيه قولان:\nالأول: أن النكاح غير صحيح؛ لأن النهي يقتضي الفساد، وهذا قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، كما حكاه الترمذي (^١)، وحكاه ابن رشد عن مالك (^٢).\nالقول الثاني: أن النكاح صحيح، ويفرض للمرأة مهر المثل، وهذا قول أبي حنيفة، وطائفة منهم: الليث، وأبو ثور، والطبري، ورواية عن أحمد مخرجة (^٣)؛ لعموم أدلة شرعية النكاح؛ كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، ولأن الفساد من قبل المهر لا يوجب فساد العقد، كما لو تزوجها على خمر أو نحوه مما لا يصح جعله صداقًا.\nويجيبون عن الأحاديث بأن النهي للكراهة، وتارة يقولون: بأن النهي يراد به ألا يُستحل الفرج بدون مهر، وهذا جواب ضعيف، فليس هذا من مواضع الكراهة، وقد حكم ببطلانه عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت -﵄-، كما قال أحمد (^٤)، وكذا معاوية - ﵁ -، كما سيأتي، وعلى هذا فالصواب القول الأول.\n\n° الوجه الرابع: اختلف العلماء في علة النهي عن نكاح الشغار على قولين:\nالأول: أن العلة هي خلو بضع كل من المرأتين من الصداق، وهؤلاء أخذوا بتفسير الشغار المنصوص عليه في حديث ابن عمر - ﵄ -.\nالثاني: أن العلة ليست الخلو من الصداق، وإنما هي اشتراط كل منهما على الآخر أن يزوجه موليته، وهذا قول الإمام أحمد في رواية عنه، اختارها\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣/ ٤٢٣)، \"المغني\" (١٠/ ٤٢)، \"مغني المحتاج\" (٣/ ١٤٢).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٣/ ١٠٩).\n(^٣) \"مختصر الطحاوي\" ص (١٨١)، \"الإنصاف\" (٨/ ١٥٩).\n(^٤) \"المغني\" (١٠/ ٤٢).","vol":"7","page":242},{"text":"الخرقي (^١)، وأيدها الشيخ عبد العزيز بن باز، وقال: (إن تفسير الشغار المذكور في حديث ابن عمر ليس من كلام النبي - ﷺ -، فلا تقوم به حجة) (^٢)، واستدلوا بما يلي:\n١ - ما تقدم في حديث أبي هريرة - ﵁ -، وفيه تفسير الشغار؛ قالوا: وظاهره أنه من كلام النبي - ﷺ - لكونه جاء موصولًا بالحديث، بخلاف التفسير الآخر فهو من كلام نافع بدليل ما تقدم، وليس في حديث أبي هريرة - ﵁ - جملة: (وليس بينهما صداق) بل هو مطلق، لكن قد يشكل على هذا أنه قد اختلف على عبيد الله بن عمر في هذا التفسير فذكرها ابن نمير في روايته عنه -كما تقدم- ولم يذكرها أبو أسامة حماد بن أسامة، وعبدة بن سليمان، وروايتهما عند مسلم، كما لم يذكرها يحيى بن سعيد عن عبيد الله، وروايته عند ابن ماجه (^٣)، وجاء في رواية النسائي من طريق إسحاق الأزرق عنه، بلفظ: (قال عبيد الله: والشغار كان الرجل يزوج ابنته على أن يزوجه أخته) (^٤).\n٢ - أن قول الرجل للرجل زوجني ابنتك على أن أزوجك ابنتي، شرط ليس في كتاب الله تعالى، (ومن اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل).\n٣ - أن هذا الشرط يتضمن ظلم المرأة وإيذاءها، وكأنها سلعة تباع وتشترى، فيمسكها وليها في بيته حتى يجد رغبته.\n٤ - أن هذا النوع من النكاح سبب للنزاع المتواصل، والخصومات الكثيرة، حتى إنه إذا ساءت الحال بين هذا وزوجته، ساءت حال الآخر وزوجته.\n٥ - فهم الصحابة - ﵃ - لذلك وعملهم به، فقد روى أبو داود، وأحمد عن معاوية، أن العباس بن عبد الله بن عباس، أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صداقًا، فكتب معاوية بن أبي سفيان -وهو خليفة- إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: (هذا\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٠/ ٤٢).\n(^٢) \"الفتاوى\" (١٠/ ٢٧٩).\n(^٣) \"السنن\" (١٨٨٤).\n(^٤) \"السنن\" (٦/ ١١٢).","vol":"7","page":243},{"text":"الشغار الذي نهى عنه رسول الله - ﷺ -) (^١).\nفهما قد سميا مهرًا، ومع هذا سماه معاوية شغارًا، وفهم من النهي بطلان العقد، فهو موافق لما في حديث أبي هريرة - ﵁ -، وموافق للمعنى والمقصود من النهي.\nوقد كان نكاح الشغار من أنكحة الجاهلية، وبقي موجودًا بعد الإسلام، ولذا جاء النهي عنه، وهو موجود في زماننا هذا، ويسمى نكاح البدل، ومن أهم أسبابه: أن بعض الناس قد يكون عنده مولية من بنت أو أخت ونحوهما، وله رغبة في الزواج، لكنه لا يجد من يقبله، فيجعل هذه المولية وسيلة لتحصيل غرضه، أو غرض ولده، فنهى الإسلام عن ذلك لما فيه من ظلم المرأة، واعتبارها وسيلة لتحقيق المقاصد، مع ما يترتب على ذلك من المفاسد العظيمة، كما تقدم.\nفإذا وقع مثل ذلك، فقيل: العمل على حديث معاوية - ﵁ -، فيلزم تجديد العقد، وقيل: الفسخ قبل الدخول لا بعده، وقيل: يحكم لكل من المرأتين بمهر المثل، والأَوْلى في ذلك رفع المسألة إلى القاضي وعليه أن يجتهد فيها. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"السنن\" (٢٠٧٥)، \"المسند\" (٢٨/ ٧٠) وهذا الحديث سنده حسن.","vol":"7","page":244},{"text":"<span data-type='title' id=toc-829>تخيير البكر إذا زُوجت وهي كارهة</span>\n٩٩٠/ ٣٢ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أن جَارِيةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبيَّ - ﷺ - فَذَكَرَتْ: أن أَبَاهَا زَوّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ، وَأُعِلَّ بِالإرْسَالِ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٧٥)، وأبو داود في كتاب \"النكاح\"، باب (في البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها) (٢٠٩٦)، وابن ماجه (١٨٧٥) من طريق حسين بن محمد المروذي، حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس -﵄-، هكذا موصولًا.\nوروي مرسلًا، أخرجه أبو داود (٢٠٩٧)، ومن طريقه البيهقي (٧/ ٢١٧) عن محمد بن عبيد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي - ﷺ -، بهذا الحديث، ولم يذكر ابن عباس.\nوقد رجح إرساله أبو داود في \"سننه\"، وأبو حاتم، كما في \"العلل\" لابنه (^١)، وقال عن وصله: (إنه خطأ، إنما هو كما رواه الثقات عن أيوب، عن عكرمة، أن النبي - ﷺ - … مرسلًا)، وممن رجح إرساله -أيضًا- الدارقطني (^٢)، والبيهقي (^٣)، وقال عن وصله: (إنه خطأ).\nوقد صحح وصله ابن القطان، فقال: (هو صحيح، ولا يضر أن يرسله\n_________\n(^١) (١٢٥٥).\n(^٢) \"السنن\" (٣/ ٢٣٥).\n(^٣) \"معرفة السنن والآثار\" (١٠/ ٤٧).","vol":"7","page":245},{"text":"بعض الرواة إذا أسنده من هو ثقة) (^١).\nوقال ابن القيم: (وعلى طريقة البيهقي وأكثر الفقهاء وجميع أهل الأصول هذا حديث صحيح …) (^٢). وقال الحافظ ابن حجر: (الطعن في الحديث لا معنى له، فإن طرقه يَقْوَى بعضها ببعض) (^٣).\nلكن يُشكل على كلام ابن القيم أن البيهقي حكم على وصله بأنه خطأ، وقد مرَّ في هذا الشرح أن حكم الأئمة الكبار مقدم على حكم غيرهم، فيكون المعتمد - هنا - قول من رجحوا الإرسال، ولوقيل: إنه مرسل جيد، لكان أصح.\n\n° الوجه الثاني: دل الحديث على ما دلت عليه الأحاديث المتقدمة من أن البكر البالغة لا يجوز إجبارها على النكاح، لا من أبيها ولا من غيره من الأولياء، بل لا بد من استئذانها، وأخذ رأيها وموافقتها، فإن وافقت فذاك، وإلا لم تكره، وقد تقدم قوله - ﷺ -: \"لا تنكح البكر حتى تُستأذن\"، وقوله: \"البكر يستأذنها أبوها\". قال الطيبي: (قيدها بالبكارة في قوله: \"جارية بكرًا\" دون الصغر لاعتبار كراهيتها، ولو كانت صغيرة لما اعتبر كراهيتها، فإن قوله: \"وهي كارهة\" حال لبيان هيئة المفعول عند التزويج) (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"بيان الوهم والإيهام\" (٢/ ٢٥٠).\n(^٢) \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ٤٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ١٩٦).\n(^٤) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٢٥٢).","vol":"7","page":246},{"text":"<span data-type='title' id=toc-830>حكم المرأة إذا زوجها وليَّان</span>\n٩٩١/ ٢٣ - عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: \"أيُّمَا امْرَأةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ فَهِيَ لِلأوَّلِ مِنْهُما\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ والأَرْبَعَةُ، وَحَسّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري، واسم أبيه يسار، مولى زيد بن ثابت الأنصاري، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر - ﵁ -، كان سيد أهل زمانه علمًا، وعملًا، رأى جماعة من الصحابة، وسمع منهم، وأرسل عن كثيرين، منهم من لم يدركه، ومنهم من رآه رؤية ولم يسمع منه، قال الذهبي: (وهو مدلس، ولا يحتج بقوله: (عن) فيمن لم يدركه، وقد يدلس عمن لقيه، ويسقط من بينه وبينه، والله أعلم، ولكنه حافظ، علامة من بحور العلم، فقيه النفس، كبير الشأن، عديم النظير، مليح التذكير، بليغ الموعظة، رأس في أنواع الخير …). مات سنة عشر ومائة - ﵀ - (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أحمد (٣٣/ ٢٧٦)، وأبو داود في كتاب \"النكاح\"، باب (إذا أنكح الوليان) (٢٠٨٨)، والترمذي (١١١٠)، والنسائي (٧/ ٣١٤) من طريق قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي - ﷺ - قال: وذكر الحديث، وتمامه: \"وأيُّ رجل باع بيعًا من رجلين فهو للأول منهما\".\nقال الترمذي (حديث حسن)، وهذا الحديث من رواية الحسن البصري،\n_________\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٥٦٣)، \"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٧١ - ٧٢)، \"التدليس في الحديث\" ص (٢٩١).","vol":"7","page":247},{"text":"عن سمرة، وهو مدلس، ولم يصرح بسماعه من سمرة، قال الحافظ: (صحته متوقفة على ثبوت سماع الحسن من سمرة، فإن رجاله ثقات) (^١).\nقال الألباني: (بل صحته متوقفة على تصريح الحسن بالتحديث، فمانه كان يدلس، كما ذكره الحافظ نفسه في ترجمته من \"التقريب\"، فلا يكفي والحالة هذه ثبوت سماعه من سمرة في الجملة، بل لا بد من ثبوت خصوص سماعه في هذا الحديث، كما هو ظاهر) (^٢).\nوقد تقدم الخلاف في سماعه منه في باب \"الغسل\".\nفقد قيل: إنه سمع منه، وقيل: لم يسمع منه شيئًا، وإنما هو كتاب، وقيل: إنه سمع منه حديث العقيقة فقط، وهذا ثابت، وأما غيره فهو محل نظر، وهذا هو الأقرب.\nوعزو الحافظِ الحديثَ لابن ماجه فيه نظر، فإن ابن ماجه لم يرو الحديث بتمامه، وإنما روى الزيادة الخاصة بالبيع دون الجملة الأولى التي هي موضع الشاهد لكتاب النكاح.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المرأة إذا زوجها وليان، بأن زوجها أحد أوليائها لرجل، وزوجها ولي آخر من أوليائها لرجل آخر، فإنها تكون زوجة للرجل الأول، لاستيفائه الشروط، ويكون نكاح الثاني باطلًا؛ لأنها بالزواج الأول صارت في عصمة زوج، فلم يصح أن يُعقد عليها نكاح آخر، ولا خلاف في ذلك، سواء أدخل بها الثاني أم لا؟ فإن دخل بها الثاني عالمًا فهو زنىً بالإجماع، وكذا إن دخل بها جاهلًا، لكنه لا حدَّ عليه، للجهل (^٣).\nوالحديث محمول على أن الوليين في درجة واحدة؛ كأخوين مثلًا، وعقدا في وقتين مختلفين، أما إذا عقدا في وقت واحد، أو جهل الأول منها، بطلا معًا، قال الشيخ عبد العزيز بن باز: (ومهما قيل في سماع الحسن من سمرة، فالحديث جيد من حيث المعنى، ومطابق للأصول والقواعد الشرعية).\nوهكذا يقال في بقية العقود؛ كالبيع والإجارة ونحوهما. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (٣/ ١٨٨).\n(^٢) \"الإرواء\" (٦/ ٢٥٥).\n(^٣) \"المغني\" (٩/ ٤٢٩)، \"سبل السلام\" (٩/ ٥٢).","vol":"7","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-831>حكم نكاح العبد بغير إذن مواليه</span>\n٩٩٢/ ٣٤ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ -، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوّجَ بِغَيرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحّحَهُ، وَكَذَلِكَ ابْنُ حِبّانَ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٢٢/ ١٢٢)، وأبو داود في كتاب \"النكاح\"، بابٌ (في نكاح العبد بغير إذن مواليه) (٢٠٧٨)، والترمذي (١١١١) (١١١٢) من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر - ﵁ - مرفوعًا.\nوقد حسنه الترمذي في الموضع الأول، وهو الذي ذكر الحافظ في \"التلخيص\"، وصححه في الموضع الثاني، كما ذكر الحافظ هنا، والصواب الأول، فإنه في سنده عبد الله بن عقيل، وفيه خلاف معروف، وقد تقدم أن الراجح فيه أنه في نفسه صدوق، فحديثه في مرتبة الحسن إذا لم يخالف، وكان أحمد وابن راهويه يحتجان به، كما ذكر الدارقطني والذهبي وغيرهما.\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه ليس للعبد أن يتزوج بغير إذن مواليه -جمع مولى، وهو مالكه-، فإن فعل فالنكاح باطل، وذلك للحكم عليه بأنه عاهر، والعاهر: الزاني، والزنا باطل، وإنما بطل نكاح العبد بغير إذن مواليه؛ لأن رقبته ومنفعته مملوكتان لسيده، وهو إذا اشتغل بحق الزوجة لم يتفرغ لخدمة سيده، مع ما في ذلك من الالتزام بالأمور المالية كالإنفاق على الزوجة، ونحو ذلك. والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":249},{"text":"<span data-type='title' id=toc-832>النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها</span>\n٩٩٣/ ٢٥ - عَنْ أبي هُرَيرَةَ - ﵁ - أن النَّبِيَّ - ﷺ - قال: \"لَا يُجْمَعُ بَينَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَينَ الْمَرْأَةِ وَخَالتِهَا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"النكاح\"، باب (لا تنكح المرأة على عمتها) (٥١٠٩)، ومسلم (١٤٠٨) من طريق الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nوقد ذكر الحافظ أن هذا الحديث رواه من الصحابة ثلاثة عشر نفسًا، ثم ذكرهم (^١).\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها، أو المرأة وخالتها، وهذا النهي يقتضي التحريم وبطلان العقد بإجماع أهل العلم، قال ابن المنذر: (أجمعوا على ألا تُنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى) (^٢). وذلك لأن الجمع بين الزوجات يورث بينهن العداوة والبغضاء غالبًا؛ لما جبلت عليه المرأة من الغيرة، ولا سيما مع ضرتها، فنهى الشرع أن يكون التعدد بين القريبات؛ خشية أن تكون القطيعة بين الأقارب، وقد جاء في رواية عند ابن حبان والطبراني التصريح بهذا التعليل، ففي حديث ابن عباس - ﵁ -، قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن تزوج المرأة على العمة والخالة، قال: \"إنكم إذا فعلتم ذلك\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٦١).\n(^٢) \"الإجماع\" ص (٩٥).","vol":"7","page":250},{"text":"قطعتم أرحامكم\" (^١).\nولا فرق في ذلك بين العمة والخالة حقيقة أو مجازًا؛ كعمات آبائها أو خالاتهم، وعمات أمهاتها أو خالاتهن، وإن علت درجتهن، من نسب كان ذلك أو من رضاع، فكل شخصين لا يجوز لأحدهما أن يتزوج الآخر لو كان أحدهما ذكرًا وآخر أنثى لأجل القرابة، لا يجوز الجمع بينهما، لما تقدم (^٢).\n\n° الوجه الثالث: هذا الحديث مخصص لعموم قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: ما سوى المذكور من المحرمات، فإن ظاهر الآية يقتضي إباحة هذا الجمع، لكن حديث الباب خصص عموم الآية. والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"صحيح ابن حبان\" (١١/ ٤٢٧)، \"المعجم الكبير\" (١١/ ٣٣٧)، وسنده حسن، وهذا لفظ الطبراني، ولفظ ابن حبان: \"إنكن إذا فعلتن ذلك قطعتن أرحامكن\".\n(^٢) \"المغني\" (٩/ ٥٢٣).","vol":"7","page":251},{"text":"<span data-type='title' id=toc-833>نهي المحرم أن يتزوج أو يزوج غيره</span>\n٩٩٤/ ٢٦ - عَنْ عُثْمَانَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: \"وَلَا يَخْطُبُ\"، وَزَادَ ابْنُ حِبّانَ: \"وَلَا يُخْطَبُ عَلَيهِ\".\n٩٩٥/ ٢٧ - وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ -﵄-، قَال: تَزَوّجَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَيمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n٩٩٦/ ٢٨ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ مَيمُونَةَ نَفْسِهَا، أن النَّبِيَّ - ﷺ - تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ.\n\n* الكلام عليها من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث عثمان - ﵁ - فقد تقدم تخريجه في كتاب \"الحج\"، رقم (٧٣٣).\nوأما رواية ابن حبان المذكورة (٩/ ٤١٢٤) فهي من طريق فليح بن سليمان، عن عبد الجبار بن نُبيه بن وهب، عن أبيه، عن أبان بن عثمان، عن عثمان - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، قال: \"لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يخطُب، ولا يُخطب عليه\".\nوالحديث صحيح، رجاله ثقات، رجال الصحيح، غير عبد الجبار بن نُبيه، فقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^١)، وفي فليح بن سليمان كلام من جهة\n_________\n(^١) (٧/ ١٣٥).","vol":"7","page":252},{"text":"حفظه، قال الحافظ: (صدوق كثير الخطأ) (^١)، ولعل الحافظ ذكر زيادة ابن حبان لما فيها من الفائدة، كما سيأتي، بغض النظر عما في سندها.\nوأما حديث ابن عباس - ﵄ -: فقد أخرجه البخاري في كتاب \"النكاح\"، باب (نكاح المحرم) (٥١١٤)، ومسلم (١٤١٠) من طريق عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، أن ابن عباس - ﵁ - أخبره … وذكر الحديث.\nوأخرجه البخاري في آخر كتاب \"الحج\" (١٨٣٧) من طريق الأوزاعي، حدثني عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس - ﵄ -.\nوهذا الحديث وإن كان إسناده صحيحًا، لكن متنه غير محفوظ، كما سيأتي إن شاء الله.\nوأما حديث ميمونة - ﵂ - فقد أخرجه مسلم في \"النكاح\" (١٤١١) من طريق يزيد بن الأصم، حدثتني ميمونة بنت الحارث، أن رسول الله - ﷺ - تزوجها وهي حلال، قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس.\nوقد ذكر الحافظ هذين الحديثين معًا لما بينهما من التعارض في الظاهر، فإن حديث ابن عباس - ﵄ - في زواج النبي - ﷺ - بميمونة بنت الحارث مشكل على حديث عثمان - ﵁ -، ومعارض في الظاهر لحديث ميمونة - ﵂ -.\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المحرم منهي أن (يَنكح) بفتح الياء؛ أي: يتزوج، أو (يُنكح) بضم الياء؛ أي: يعقد النكاح لغيره، أو (يخطُب) بضم الطاء، من الخِطبة -بكسر الخاء- أي: يطلب زواج المرأة من نفسها أو من أهلها، أو (يُخطب عليه) بضم الياء؛ أي: يتقدم أحد للخِطبة منه، وقد جاء الحديث بلفظ النفي، وهو بمعنى النهي، فيقتضي فساد العقد.\nوالحكمة من هذا النهي إبعاد المُحْرِمِ عن الترفُّهِ وشهوات الدنيا، ولأن الخطبة وسيلة إلى عقد النكاح، والنكاح وسيلة إلى الجماع المُحَرَّمِ حال\n_________\n(^١) انظر: \"هدي الساري\" ص (٤٣٥).","vol":"7","page":253},{"text":"الإحرام، وهذا شاهد لمسألة سد الذرائع الموصلة إلى المُحَرَّمِ، وتقدم ذلك في \"الحج\".\nوقد ذكر ابن القيم الأدلة على وجوب سد الذرائع الموصلة إلى المُحَرَّمِ من تسعة وتسعين وجهًا، وذكر منها هذه المسألة (^١).\n\n° الوجه الثالث: أخذ الجمهور من أهل العلم بحديث ميمونة - ﵂ - في أن النبي - ﷺ - تزوجها وهو حلال، وهذا موافق لحديث عثمان - ﵁ - في النهي عن نكاح المُحْرِمِ، ولا ينهى النبي - ﷺ - عن شيء ويفعله، فإن فعله فهو من خصائصه، أو من الأدلة على أن النهي ليس للتحريم، لكن لما جاءت الروايات الأخرى في أنه - ﷺ - تزوجها وهو حلال دل على أن هذا هو الصواب، ولهذا عمل به الصحابة - ﵃ -. يقول ابن عبد البر: (ما أعلم أحدًا من الصحابة روى أن رسول الله - ﷺ - نكح ميمونة وهو مُحْرِمٌ إلا ابن عباس (^٢) -﵄-، ورواية من ذكرنا معارضة لروايته، والقلب إلى رواية الجماعة أميل؛ لأن الواحد أقرب إلى الغلط، وأكثر أحوال حديث ابن عباس - ﵄ - أن يجعل متعارضًا مع رواية من ذكرنا، فإذا كان كذلك سقط الاحتجاج بجميعها، ووجب طلب الدليل على هذه المسألة من غيرها، فوجدنا عثمان - ﵁ - قد روى عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن نكاح المُحْرِمِ، فوجب المصير إلى هذه الرواية التي لا معارض لها؛ لأنه يستحيل أن ينهى عن شيء ويفعله، مع عمل الخلفاء الراشدين لها …) (^٣).\nومما يؤيد ذلك:\n١ - أن ميمونة صاحبة القصة، ولا شك أن صاحب القصة أدرى بما جرى له في نفسه من غيره، ومن قواعد الترجيح في الأصول أن خبر صاحب الواقعة مقدم على خبر غيره؛ لأنه أعرف بالحال.\n_________\n(^١) \"إعلام الموقعين\" (٣/ ١٤٧).\n(^٢) رد عليه ابن حجر برواية عائشة وأبي هريرة - ﵄ -، وفيهما ضعف. \"فتح الباري\" (٩/ ١٦٦).\n(^٣) \"التمهيد\" (٣/ ١٥٣).","vol":"7","page":254},{"text":"٢ - أن يزيد بن الأصم (^١) روى عنها ذلك، وقال: (وكانت خالتي وخالة ابن عباس).\n٣ - ما رواه أبو رافع - ﵁مولى رسول الله - ﷺ - قال: (تزوج النبي - ﷺ - ميمونة وبنى بها وهو حلال وكنت الرسول بينهما) (^٢). فأبو رافع كان هو الرسول بينهما، وهو المباشر للعقد، فهو أعلم بالحال التي وقع فيها من غيره.\n٤ - أن ابن عباس كان صغيرًا وقت التحمل في هذه القصة، وقد لا يعرف حقائق الأمور، ولا يقف عليها (^٣)، ولهذا قال سعيد بن المسيب - ﵀ -: (وَهِمَ ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم) (^٤) وقد ساقه الإمام أحمد محتجًا به (^٥).\nويرى ابن حبان أن معنى قول ابن عباس: إنه تزوجها وهو محرم؛ أي: داخل في الحرم، لا أنه كان محرما؛ كما يقال: أَنْجَدَ إذا دخل نجدًا، وأَظْلَمَ إذا دخل في الظلمة، وأَحْرَمَ إذا دخل الحرم وإن لم يكن محرمًا (^٦).\nقال الصنعاني: (وهو تأويل بعيد، لا تساعد عليه ألفاظ الحديث) (^٧)، وكذا قال الشيخ عبد العزيز بن باز. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تابعي، وثقه العجلي، وأبو زرعة، والنسائي، مات سنة (١٠٣).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٨٤١)، وأحمد (٤٥/ ١٧٣ - ١٧٤) وحسنه الترمذي، وقد اختلف في وصله وإرساله، فانظر: \"العلل\" للدارقطني (٧/ ١٣) \"تنقيح التحقيق\" (٣/ ٤٧٥).\n(^٣) انظر: \"شرح العمدة\" كتاب \"الحج\" لابن تيمية (٢/ ١٩٤).\n(^٤) رواه أبو داود (١٨٤٥) ومن طريقه البيهقي (٧/ ٢١٢) وفي سنده مجهول.\n(^٥) بسط شيخ الإسلام ابن تيمية الجواب عن حديث ابن عباس في \"شرح العمدة\" كتاب \"الحج\" (٢/ ١٩٢ - ٢٠٧)، وانظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ١١٢).\n(^٦) \"صحيح ابن حبان\" (٩/ ٤٤٦ - ٤٤٧).\n(^٧) \"سبل السلام\" (٦/ ٥٨).","vol":"7","page":255},{"text":"<span data-type='title' id=toc-834>حكم الشروط في النكاح</span>\n٩٩٧/ ٢٩ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أنْ يُوَفَّى بِهِ، ما اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الشروط\" (٢٧٢١)، ثم في كتاب \"النكاح\"، باب (الشروط في النكاح) (٥١٥١)، ومسلم (١٤١٨) من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليَزَنِي، عن عقبة بن عامر - ﵁ - مرفوعًا، واللفظ لمسلم.\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على أن أولى الشروط بالوفاء، ما استحل به الرجل فرج المرأة، وهذا يفيد العناية بالشروط في باب النكاح، والحرص على أدائها، وعدم جحد شيء منها أو التساهل فيها، ومعلوم أن المسلمين على شروطهم في البيوع، والمساقاة، والإجارات، ونحو ذلك، لكن أحق هذه العقود وأولاها بالوفاء هو النكاح؛ لأن عوض هذه الشروط هو استحلال الفروج.\nفإن اشترطت المرأة على زوجها شرطًا، لها فيه غرض صحيح، وهو لا يخالف شرع الله تعالى، والتزم به الزوج وجب عليه الوفاء به، كما لو شرطت زيادة في مهرها، أو شرطت ألا يخرجها من دارها أو بلدها، أو تكون عند أهلها، أو معها أولادها، أو تكون وحدها ليس معها ضرة في بيتها، ونحو ذلك.","vol":"7","page":256},{"text":"وقد ذكر الفقهاء أن الشروط الصحيحة في هذا الباب قسمان:\nالأول: شرط يتضمنه العقد ويقتضيه، ومثل هذا لا حاجة إلى اشتراطه، فذكره في العقد لا يؤثر، وإهماله لا يسقطه، مثل اشتراط تسليم المرأة لزوجها وتمكينه من الاستمتاع بها، وكاشتراط النفقة والسكنى على الزوج، ونحو ذلك.\nالثاني: ما يشترطه أحد الزوجين على الآخر مما له فيه مصلحة ولا يخالف شرع الله تعالى، ومثل هذا شرط صحيح لازم، فإن وفَّى به الزوج، وإلا فلها الفسخ، وتقدمت أمثلته.\nوالمعتبر من الشروط ما كان حال العقد ووقته؛ كزوجتك ابنتي بشرط كذا، أو اتفقا عليه قبل العقد، فإن الأصح من قولي أهل العلم أنه كالشرط المقارن للعقد، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: (إنه ظاهر المذهب، ومنصوص الإمام -﵀-، وقول قدماء أصحابه ومحققي المتأخرين؛ لأن الأمر بالوفاء بالشروط والعقود والعهود يتناول ذلك تناولًا واحدًا) (^١).\nفإن كان الشرط بعد العقد ولزومه، فالمنصوص عن الإمام أحمد أنه لا يلزم، وقال ابن رجب: (ويتوجه صحة الشرط فيه، بناءً على صحة الاستثناء منفصلًا بنيةٍ بعد اليمين …) (^٢).\nوأما الشروط الفاسدة فلا عبرة بها، كما لو شرط ألا مهر لها، أو لا ينفق عليها، أو شرط عليها عدم الوطء، أو اشترطت أن يفضلها على بعض ضرائرها، أو شرط عليها عدم زيارة أبويها، أو أحد أقاربها، أو شرطت طلاق ضرتها.\nوللفقهاء تفاصيل كثيرة في موضوع الشروط، وما يصح معه العقد وما لا يصح.\nومن الشروط اللازمة إذا شرطت ألا يتزوج عليها، فهذا يلزمه الوفاء به على قول الجمهور، فإن لم يفعل فلها فسخ النكاح؛ لأنها لا تحرم ما أحل الله له (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٣٢/ ١٠٨ - ١٦٦).\n(^٢) انظر: \"الإنصاف\" (٨/ ١٥٤).\n(^٣) \"المغني\" (٩/ ٤٨٣ - ٤٨٥).","vol":"7","page":257},{"text":"<span data-type='title' id=toc-835>النهي عن نكاح المتعة</span>\n٩٩٨/ ٣٠ - عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ - ﵁ - قَال: رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَامَ أَوْطَاسٍ في الْمُتْعَةِ، ثَلَاثةَ أيَّامٍ، ثُمَّ نَهى عَنْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n٩٩٩/ ٣١ - وعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْمُتْعَةِ عَامَ خَيبَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nحديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - أخرجه مسلم في كتاب \"النكاح\"، باب (نكاح المتعة) (١٤٠٥) (١٨) من طريق أبي عميس، عن إياس بن سلمة، عن أبيه قال: … فذكره.\nأما حديث علي - ﵁ - فقد أخرجه البخاري في كتاب \"النكاح\"، باب (نهى رسول الله - ﷺ - عن نكاح المتعة أخيرًا) (٥١١٥)، وفي كتاب \"الصيد والذبائح\" (٥٥٢٣)، ومسلم (١٤٠٧) من طريق الزهري، عن الحسن بن محمد بن علي وأخيه عبد الله، عن أبيهما، عن علي - ﵁ - مرفوعًا.\nواللفظ المذكور مختصر من رواية البخاري في كتاب \"الصيد والذبائح\"، وتمامه: (ولحوم حمر الإنسية)، وهو أحد روايات مسلم بلفظ: (عن نكاح المتعة …).\nوجاء في بعض نسخ \"البلوغ\" ومنها طبعة حامد الفقي، والطبعة التي عليها شرح الصنعاني، زيادة حديث علي - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - نهى عن متعة النساء، وعن أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، أخرجه السبعة إلا أبا داود.","vol":"7","page":258},{"text":"وحديث الربيع بن سبرة، عن أبيه، أخرجه مسلم، وسيأتي ذكره (^١).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (رخَّص) أي: أباح.\n\nقوله: (عام أوطاس) أي: سنة غزوة أوطاس: بفتح الهمزة، وهو وادٍ في ديار هوازن من أودية الطائف، قرب حنين، ولا يعرف الآن بهذا الاسم، وقد ذكر الشيخ عبد الله البسام - ﵀ - أن بعض الثقات المطلعين من سكان تلك المنطقة أخبروه بأن أوطاس هي المسماة الآن (البُهيتة) الواقعة بين السيل الكبير ونخلة اليمانية، وهي تبعد عن مكة شرقًا بنحو ستين كيلًا (^٢).\nوكانت غزوة أوطاس بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان، حيث فرَّ المنهزمون من هوازن وحلفائها بعد غزوة حنين وعسكروا في أوطاس، فأرسل لهم النبي - ﷺ - سرية بقيادة أبي عامر الأشعري - ﵁ -، وهو عم أبي موسى الأشعري، فقاتلهم حتى قتل، وتولى القيادة بعده أبو موسى الأشعري، فقاتلهم حتى بددهم وشردهم، والقصة في \"الصحيحين\".\n\nقوله: (في المتعة) بضم الميم وكسرها، والمتعة: الانتفاع والتلذذ والمراد هنا: نكاح المرأة مدة مؤقتة على مال معين، فإذا انقضى الأجل وقعت الفرقة بدون طلاق، سمي بذلك؛ لانتفاع المرأة بما يعطيها الرجل، وانتفاعه بها لقضاء شهوته، دون قصد التوالد وسائر أغراض النكاح.\n\nقوله: (ثلاثة أيام) الذي في \"صحيح مسلم\": (ثلاثًا)، والمعنى: أن الترخيص استمر ثلاثة أيام، وليس في الحديث ما يدل على أنهم تمتعوا من النساء في أوطاس، وإنما الذي وقع في هذا الحديث أن الرخصة في المتعة وقعت عام أوطاس، وعام أوطاس هو عام فتح مكة.\n_________\n(^١) رجعت إلى مخطوطة لـ\"بلوغ المرام\" - سبق أن ذكرتها - كتبت عام (٤٤٨ هـ) أي قبل وفاة الحافظ ابن حجر بأربع سنوات، وليس فيها هذان الحديثان، وكذا طبعة طارق بن عوض الله، وطبعة سمير الزهيري.\n(^٢) \"توضيح الأحكام\" (٤/ ٣٨٧).","vol":"7","page":259},{"text":"قوله: (عام خيبر) أي: سنة فتح خيبر، وذلك في آخر المحرم سنة سبع، كما نقله الحافظ عن ابن إسحاق، ونسبه ابن القيم إلى الجمهور (^١)، وتقدم ذكر ذلك في باب \"المساقاة\"، من كتاب \"البيوع\".\nوالمبطل في نكاح المتعة هو التصريح بذكر الأجل في العقد، فإن نواه بقلبه ولم يصرح به، فإنه لا يبطل النكاح، وهذا هو الزواج بنية الطلاق، والجمهور من أهل العلم على جوازه، إلَّا الأوزاعي، فإنه قال: إنه نكاح متعة، ورجح ابن قدامة القول بجوازه (^٢)، وكذا شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، إلَّا أنَّه عبر بالكراهة في بعض المواضع (^٤)، وممن انتصر للمنع فضيلة شيخنا الدكتور: صالح المنصور ﵀ في رسالة له.\n\n• الوجه الثالث: الأحاديث دليل على تحريم نكاح المتعة، وفساد العقد؛ لأن الرسول - ﷺ - نهى عنه، والنهي عند الإطلاق يقتضي التحريم والفساد، قال ابن دقيق العيد: (وفقهاء الأمصار كلهم على المنع) (^٥).\nوالحكمة من تحريم نكاح المتعة:\n١ - أن من مقاصد النكاح الاجتماع والألفة، وإعداد أسرة صالحة لبناء مجتمع سليم، وليس في المتعة شيء من ذلك؛ لأن المراد منها قضاء الشهوة فحسب.\n٢ - أن المتعة فيها معنى الإجارة لكونها إلى أجل، والرجل لو قال: استأجرتك مدة للوطء لم يجز إجماعًا، فكذا نكاح المتعة فإنه استئجار للفرج، حيث تكون المرأة كالسلعة تنقل من يد إلى يد أخرى.\n٣ - أنَّه لا يؤمن في نكاح المتعة من اختلاط الأنساب.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٣/ ٣١٦).\n(^٢) \"المغني\" (١٠/ ٤٨).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٣٢/ ١٤٦).\n(^٤) \"الفتاوى الكبرى\" (٤/ ٧٢ - ٧٣).\n(^٥) \"إحكام الأحكام\" (٤/ ١٩٥).","vol":"7","page":260},{"text":"٤ - أن تحريم نكاح المتعة من باب سد الذرائع، لئلا يكون وسيلة إلى الزنا، كما ذكر ابن القيم (^١).\nولا ينبغي أن يلتفت إلى من أباحها، وهم الرافضة، مستدلين بأحاديث إباحتها مع أنَّها منسوخة، أو بأدلة أخرى غير ناهضة؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] (^٢) قالوا: إن التعبير بالاستمتاع، ولفظ الأجور يدل على أن المراد نكاح المتعة، وهذا استدلال باطل من وجوه ثلاثة:\n١ - أن لفظ الأجور جاء في الصداق، قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٢٥].\n٢ - أن الأدلة قاطعة بتحريم نكاح المتعة إلى يوم القيامة، وهي أصرح بكثير من هذا الفهم.\n٣ - لو سلمنا جدلًا أن الآية في نكاح المتعة، فإنها منسوخة (^٣).\nوالرافضة متناقضون، فإن تحريم المتعة من رواية علي - ﵁ - كما مرَّ، وهو إمامهم بل ومعبودهم (^٤)، يباحتها مروية عن ابن عبَّاس -﵄-، وقد جعلها كالميتة؛ أي: للضرورة، ويحتمل أنَّه لما رأى توسع الناس وتسارعهم إلى الأخذ بفتياه رجع عنها، إلَّا أن ابن عبد البر حكم بضعف الآثار التي ورد فيها رجوع ابن عبَّاس (^٥). وما دام أن النهي والتحريم المؤبد قد ثبت عن رسول الله - ﷺ - فلا كلام لأحد كائنًا من كان.\n\n• الوجه الرابع: كان نكاح المتعة مباحًا في أول الإسلام (^٦)، ثم حرم تحريمًا مؤبدًا إلى يوم القيامة، كما في حديث الربيع بن سَبْرة الجهني، أن أباه\n_________\n(^١) \"إعلام الموقعين\" (٣/ ١٦٨).\n(^٢) \"الإعلام\" لابن الملقن (٨/ ١٦٨).\n(^٣) \"أضواء البيان\" (١/ ٣٨٤).\n(^٤) انظر: \"الشيعة وأهل البيت\" ص (١٢٧).\n(^٥) \"الاستذكار\" (١٦/ ٣٩٩).\n(^٦) \"الإعلام\" (٨/ ١٩٩).","vol":"7","page":261},{"text":"حدثه أنَّه كان مع رسول الله - ﷺ - يوم الفتح فقال: \"يا أيها الناس إني قد أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة … \" (^١).\n\n• الوجه الخامس: ظاهر الحديثين يدل على أن المتعة إنما رخص فيها بسبب العُزبة حال السفر، ولم تُحَلَّ قط حال الحضر والرفاهية، ففي حديث جابر وسلمة بن الأكوع - ﵄ - قالا: (كنا في جيش، فأتانا رسول الله - ﷺ - فقال: \"إنه قد أُذِن لكم أن تستمتعوا، فاستمتعوا\") (^٢).\nوعن ابن مسعود - ﵁ - قال: كنا نغزو مع رسول الله - ﷺ - وليس لنا شيء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] (^٣).\nعن أبي جمرة قال: سمعت ابن عبَّاس يُسأل عن متعة النساء فرخص، فقال مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد وفي النساء قلة ونحوه؟ فقال ابن عبَّاس: نعم (^٤).\nقال الحافظ ابن حجر: (هذه أخبار يقوي بعضها بعضًا، وحاصلها أن المتعة إنما رخص فيها بسبب العُزبة في حال السفر، وهو يوافق حديث ابن مسعود - ﵁ - …) (^٥).\n\n• الوجه السادس: اتفق أهل العلم قاطبة على تحريم المتعة، ولكن\nاختلفوا في الوقت الذي حُرِّمت فيه تبعًا لاختلاف الأحاديث، ففي حديث علي - ﵁ - أن النهي عام خيبر سنة سبع، وفي حديث سلمة - ﵁ - أنَّه عام أوطاس في شوال سنة ثمان، وفي حديث سبرة - ﵁ - المتقدم أنَّه عام الفتح في رمضان سنة ثمان، والجواب من وجهين:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٠٦) (٢١).\n(^٢) رواه البخاري (٥١١٧ - ٥١١٨).\n(^٣) رواه البخاري (٥٠٧٥)، ومسلم (١٤٠٤).\n(^٤) رواه البخاري (٥١١٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ١٧٢)، \"التلخيص\" (٣/ ١٧٧).","vol":"7","page":262},{"text":"الأول: أن الاختلاف في وقت التحريم مع الاتفاق على التحريم لا يؤثر في صحته، ما دام أن أهل العلم اتفقوا على التحريم.\nالثاني: أن حديث سلمة وحديث سبرة ليس بينهما اختلاف كبير، فالراوي أطلق على عام الفتح عام أوطاس؛ لأن عام أوطاس هو عام الفتح، فالفتح في رمضان، وأوطاس في شوال في سنة ثمان، كما تقدم، وإلا كيف يقول عام الفتح: (إلى يوم القيامة) ثم تباح بعد شهر واحد في أوطاس؛ وحديث سلمة ليس فيه أنهم تمتعوا في أوطاس، وإنما فيه أن الرخصة في المتعة وقعت عام أوطاس، كما تقدم.\nوأما حديث علي - ﵁ - في أن التحريم عام خيبر سنة سبع، وحديث سبرة في أن التحريم عام الفتح، فللعلماء في الجمع بينهما مسلكان:\nالأول: أن التحريم كان عام خيبر، لحديث علي -﵁-، ثم أبيحت عام الفتح، وهو عام أوطاس؛ لحاجة كانت بهم إليها، ثم حرمت تحريمًا مؤبدًا إلى يوم القيامة، فيكون التحريم والإباحة وقعا مرتين، ولا يمنع إباحة الشيء عند الحاجة إليه، ونسخه عند الاستغناء عنه، وهذا رأي النووي (^١)، واختاره الشنقيطي (^٢)، وذلك لأن حديث علي - ﵁ - صريح في تحريم المتعة يوم خيبر، وحديث سبرة صريح في أن التحريم وقع يوم الفتح، ولذا جاء فيه: (إلى يوم القيامة)، إشارة إلى أنَّه تحريم مؤبد لن يكون بعده إباحة، والحق أن أحاديث تحريمها عام خيبر لا تخلو من احتمال.\nالثاني: أن التحريم لم يقع إلَّا مرة واحدة وهو يوم الفتح، وقبله كانت مباحة، ولم يقع تحريم عام خيبر، والحامل لهؤلاء ثبوت الرخصة في المتعة بعد زمن خيبر، وأما حديث علي - ﵁ - فهو لم يُرِدْ أن تحريم المتعة وقع مع تحريم الحُمُرِ يوم خيبر، وإنما قرنهما جميعًا ردًّا على ابن عبَّاس - ﵄ - الذي\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ١٩٣).\n(^٢) \"أضواء البيان\" (١/ ٣٨٦).","vol":"7","page":263},{"text":"يجيز المتعة للضرورة، ويبيح لحوم الحمر الأهلية، وتحريم الحمر كان يوم خيبر بلا شك.\nلكن يشكل على هذا رواية \"الصحيحين\" من حديث علي - ﵁ -: (نهى رسول الله - ﷺ - عن المتعة عام خيبر، ولحوم الحمر الإنسية) (^١)، فظاهره أن الظرف للنهي عن المتعة، على أن السهيلي وجماعة كابن القيم يرون أن نكاح المتعة لم يحرم عام خيبر، ولم يحرم إلَّا مرة واحدة، وأنه لم يقع في عام خيبر متعة؛ لأن الصحابة - ﵃ - لم يكونوا يستمتعون باليهوديات، وأجاب ابن حجر بأن يهود خيبر كانوا يصاهرون الأوس والخزرج قبل الإسلام، فيجوز أن يكون هناك من نسائهم من وقع التمتع بهن، ثم إن الحديث ليس فيه أنهم تمتعوا عام خيبر وإنما فيه مجرد النهي (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) البخاري (٥٥٢٣)، ومسلم (١٤٠٧).\n(^٢) انظر: \"الروض الأنف\" للسهيلي (٦/ ٥٥٧)، \"زاد المعاد\" (٣/ ٤٥٩)، (٥/ ١١١)، \"فتح الباري\" (٩/ ١٧٠).","vol":"7","page":264},{"text":"<span data-type='title' id=toc-836>تحريم نكاح التحليل</span>\n١٠٠٠/ ٣٢ - عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَال: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ. رواه أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحّحَهُ.\n١٠٠١/ ٣٣ - وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن مسعود - ﵁ - فقد رواه أحمد (٧/ ٣١٤ - ٣١٥)، والنَّسائي (٦/ ١٤٩)، والتِّرمِذي في أَبواب \"النكاح\"، باب (ما جاء في المحلل والمحلل له) (١١٢٠) من طريق سفيان الثَّوري، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - مرفوعًا.\nقال التِّرمِذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وقال الحافظ: (صححه ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري) (^١).\nوأما حديث علي - ﵁ - فقد رواه أَبو داود (٢٠٧٦)، والتِّرمِذي (١١١٩)، وابن ماجة (١٩٣٥) من طريق مجالد، عن الشعبي، عن الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: (لعن رسول الله - ﷺ - المحلل والمحلل له).\nوهذا سند ضعيف، فيه الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني، ضعفه جمع من أئمة الحديث، وأكثرهم كذبه، وفيه -أيضًا- مجالد بن سعيد، قال عنه الحافظ في \"التقريب\": اليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره).\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (٣/ ١٩٤).","vol":"7","page":265},{"text":"لكن توبع، تابعه إسماعيل بن أبي خالد، وحصين بن عبد الرحمن عند أبي داود (٢٠٧٦) (٢٠٧٧)، وابن عون عند ابن ماجة (١٩٣٥)، وقَتَادة عند البيهقي (٧/ ٢٥٧) وفي بعضها اختلاف، فيبقى إعلاله بالحارث الأعور، لكن يشهد له ما قبله.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (لعن) اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى، والمعنى: أن الرسول الله - ﷺ - يدعو على المحلل والمحلل له في لك.\n\nقوله: (المُحَلِّل) بوزن اسم الفاعل، هو الذي يتزوج المرأة المطلقة ثلاثًا لتحل لزوجها الأول بوطئه.\n\nقوله: (والمُحَلَّل له) بوزن اسم المفعول، هو المُطَلِّق أولًا، وذلك أن المرأة المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها حتَّى ينكحها زوجًا غيره، ويطأها -كما سيأتي- فإذا طلق رجل امرأته ثلاثًا، وتزوجها آخر بقصد التحليل؛ أي: بقصد أن يطأها ثم يطلقها، فيتزوجها الأول، فهذا الذي يسمى المحلل والمحلل له.\nوإنَّما لعنهما رسول الله - ﷺ - لهتك المروءة، وقلة الحَمِيَّةِ، والدلالة على خسة النفس وسقوطها، أما بالنسبة للمحلَّل له فظاهر، وأما بالنسبة للمحلِّل، فلأنه يُعِيرُ نفسه بالوطء لغرض الغير؛ لأنه إنما يطؤها ليعرضها ويجهزها للمحلل له.\nويظهر لي أن سبب اللعن هو التحليل المقصود به إحلالها للزوج الأول.\n\n• الوجه الثالث: الحديثان دليل على تحريم نكاح التحليل؛ لأن اللعن لا يكون إلَّا على فعل محرم، والنهي يقتضي التحريم والبطلان، وهذا الفعل يعد من كبائر الذنوب، ذكر هذا الذهبي وابن القيم، وغيرهما (^١). ومما يدل على تحريم نكاح التحليل، قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا\n_________\n(^١) \"الكبائر\" ص (١٠٣)، \"إعلام الموقعين\" (٤/ ٤٠٢).","vol":"7","page":266},{"text":"بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، ووجه الاستدلال: أن نكاح التحليل شبيه بالمسافحة وهو الزنا، حيث لم يقصد به الإحصان، وهو النكاح بعقد صحيح، بل الجماع مرة واحدة، ثم الطلاق (^١).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إنكاح المحلل حرام باطل، لا يفيد الحل) (^٢). فلا يحصل به الإباحة للزوج الأول لفساده، فإن قيل: سماه الرسول - ﷺ - محللًا، ولو لم يحصل به الحل لم يكن محللًا ولا محللًا له؛ فالجواب: أنَّه سماه محللًا؛ لأنه قصد التحليل في موضع لا يحصل فيه الحل، لا أنَّه مثبت للحل في الواقع، ولو كان محللًا في الحقيقة والآخر محللًا له لم يكونا ملعونين (^٣). ويؤيد ذلك قول ابن عمر - ﵄ -: (كنا نعد هذا في زمن رسول الله - ﷺ - سفاحًا) (^٤).\nومما يدل على فساده أنَّه لو فرض أن هذا المُحَلِّلَ أراد أن يقيم معها بعد ذلك فلا بد من عقد جديد؛ لأن ما مضى عقد فاسد لا يباح به المقام معها، وهو قول الجمهور (^٥)؛ لأن النهي يقتضي التحريم والفساد، ولو صح العقد لما كان لنهي رسول الله - ﷺ - معنى.\nومثل هذا لو شرط عليه قبل العقد أن يُحِلَّها لمطلقها ثلاثًا، ثم نوى عند العقد غير ما شرط عليه وأنه نكاح رغبة صح نكاحه، وبطل الشرط، وقيل: يبطل النكاح، لاشتماله على شرط مفسد للعقد، وهذا هو الراجح.\n_________\n(^١) \"التفسير وأصوله\" (٢/ ١٢١).\n(^٢) \"إقامة الدليل على بطلان التحليل\" [ضمن الفتاوى الكبرى] (٣/ ١٠٠).\n(^٣) \"المغني\" (١٠/ ٥٤).\n(^٤) رواه الطبراني في \"الأوسط\" (٧/ ١٣٧)، والحاكم (٢/ ١٩٩)، والبيهقي (٧/ ٢٠٨)، من طريق محمد بن مطرِّف، عن عمر بن نافع، عن أبيه نافع مولى ابن عمر -﵄-، أن رجلًا سال ابن عمر -﵄ - … وذكر الحديث وفيه قصة، وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين)، وسكت عنه الذهبي، وهذا فيه نظر، فإن المستفاد من ترجمة عمر بن نافع في \"تهذيب الكمال\" (٢١/ ٥١٢) أنَّه ليس لمحمد بن مطرف رواية عن عمر بن نافع في \"الصحيحين\".\n(^٥) \"الفتاوى الكبرى\" (١٣/ ١٠١).","vol":"7","page":267},{"text":"وقد روي عن رسول الله - ﷺ - ذم المحلل، ووصفه بالتيس المستعار، كما في حديث عقبة بن عامر - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ \" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: \"هو المحلل، لعن الله المحلِّل والمحلَّل له\" (^١).\nوسمي بالتيس المستعار؛ لأنه جيء به للضِّراب، إذ ليس هو زوجًا قاصدًا ما يقصده غيره من الأزواج، وإنما سيجامعها مرة، ثم يفارقها، وعلى هذا فليس هو الزوج المذكور في القرآن، ولا نكاحه هو النكاح المذكور في القرآن.\n\n• الوجه الرابع: يبطل النكاح سواء شرط التحليل في العقد؛ كأن يقول: إذا أحللتها فلا نكاح، وهذا بالإجماع، أو نواه الزوج الثاني بلا شرط يذكر في العقد، على الراجح من قولي أهل العلم، فالمؤثر في نكاح التحليل\n_________\n(^١) رواه ابن ماجة (١٩٣٦)، والدارقطني (٣/ ٢٣١)، والحاكم (٢/ ١٩٨)، والبيهقي (٧/ ٢٠٨) من طرق، عن اللَّيث، عن أبي مصعب مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر، قال البوصيري في \"الزوائد\" (٢/ ١٠٢): (هذا إسناد مختلف فيه، من أجل أبي مصعب)، قال ابن حبان في \"المجروحين\" (٢/ ٣٦٧): (يروي عن عقبة مناكير لا يتابع عليها، والصواب ترك ما انفرد به)، مع أنَّه أورده في \"الثقات\" (٥/ ٤٥٢)، وقد وثقه ابن معين، وقال عثمان الدارمي: (صدوق)، وكذا قال الذهبي في \"الميزان\" (٤/ ١١٧)، وقال ابن عدي: (أرجو أنَّه لا بأس به)، وعلى هذا فهو حسن الحديث، قال الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٣١٠): (والمتقرر فيه أنَّه حسن الحديث)، وقد حسنه عبد الحق في \"أحكامه\" (٣/ ١٥٦)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته المتقدمة، وقد أعل بعلة أخرى وهي أن اللَّيث لم يسمع من مشرح بن هاعان، لكن قال الحاكم: (وقد ذكر أَبو صالح كاتب اللَّيث، عن ليث سماعه من مشرح بن هاعان)، ثم ساقه بسنده إليه، وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، وقال ابن القيم: (رجاله كلهم موثقون، لم يجرح واحد منهم) \"إغاثة اللهفان\" (١/ ٢٧٠)، ويَرِدُ على هذا أن أبا زرعة كما في \"العلل\" (١٢٣٢) أعله بان يحيى بن بكير -وهو ثبت في اللَّيث- رواه عن اللَّيث، عن سليمان بن عبد الرحمن مرسلًا، ونقل عن يحيى أن اللَّيث لم يسمع ولم يرو عن مشرح شيئًا، وعليه فما أسنده الحاكم عن أبي صالح فيه نظر؛ لكلام يحيى وترجيح أبي زرعة، وقد أعل الحديث -أيضًا- البخاري كما في \"العلل الكبير\" (١/ ٤٣٨).","vol":"7","page":268},{"text":"الذي ورد النهي عنه إما شرطه في العقد أو نية الزوج الثاني، هذا هو الصحيح في هذه المسألة لعموم النص، ولأنه نكاح إلى مدة، أو فيه شرط يمنع بقاءه فأشبه نكاح المتعة، بل نقل ابن القيم عن شيخه ابن تيمية أن نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من عشرة أوجه، ثم ذكرها (^١).\nوأما من قصره على ما إذا شُرط في العقد، وأما إذا نُوي فغير داخل تحت النهي (^٢)؛ لأنه خلا عن شرط يفسده، فأشبه ما لو نوى طلاقها لغير الإحلال، ولأن العقد إنما يبطل بما شُرط لا بما قُصد. فهذا مردود لأمور ثلاثة:\n١ - لأنه تخصيص للنص بلا مخصص.\n٢ - ولأن الزوج الثاني نيته التحليل، وقاصد التحليل والمتواطئ عليه لا يخرج عن مسمى المحلل.\n٣ - ولأن القصد في العقود معتبر، والأعمال بالنيات.\n\n• الوجه الخامس: التأثير في نكاح التحليل عائد على نية الزوج الثاني، فإنه إذا نوى التحليل كان محللًا فيستحق اللعنة، ثم يستحقها الزوج المطلق إذا رجعت إليه بهذا النكاح الباطل؛ لأنها لم تحل له، فأما إذا لم يعلم الزوج الثاني ولا الأول بما في قلب المرأة أو وليها من نية التحليل لم يضر ذلك العقد شيئًا؛ لأنه ليس إليهما إمساك ولا فراق، فلم تؤثر نيتهما (^٣)، وقد علم النبي - ﷺ - من امرأة رفاعة أنَّها كانت تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، ولم يجعل ذلك مانعًا من رجوعها إليه، وإنَّما جعل المانع عدم وطء الثاني، كما سيأتي.\nوقال طائفة من سلف الأمة إذا همَّ أحد الثلاثة -الزوج الأول، أو المرأة، أو الزوج الثاني- بالتحليل؛ فسد العقد، قاله الحسن البصري وإبراهيم\n_________\n(^١) \"الإغاثة\" (١/ ٢٧٧)، \"المغني\" (١٠/ ٥١).\n(^٢) \"المغني\" (١٠/ ٤٩).\n(^٣) \"المغني\" (١٠/ ٥٣).","vol":"7","page":269},{"text":"النخعي وقَتَادة وآخرون، قال أحمد: (كان الحسن وإبراهيم والتابعون يشددون في ذلك) (^١). والظاهر ما تقدم، وهو أن المدار على الزوج الثاني؛ لأنه هو المحلل، ولأن بيده عقدة النكاح، ولولاه لم يوجد تحليل، لكن المرأة والزوج الأول يتناولهما النهي من حيث الإثم والذم إذا توافقا مع الثاني؛ لأن ذلك من باب تقرير المنكر والرضا به، أما بناء الأحكام فهو خاص بالزوج المحلل. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٠/ ٥٣).","vol":"7","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-837>تحريم نكاح الزانية وإنكاح الزاني</span>\n١٠٠٢/ ٣٤ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَنْكِحُ الزَّاني الْمَجْلُودُ إلَّا مِثْلَهُ\"، رَوَاهُ أحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد رواه أحمد (١٤/ ٥٢)، وأَبو داود في كتاب \"النكاح\"، باب (في قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً﴾ (٢٠٥٢)، والحاكم (٢/ ١٦٦، ١٩٣) من طريق عمرو بن شعيب، عن سعيد المقبري، عن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - مرفوعًا.\nوقال الحاكم: (صحيح الإسناد)، وسكت عنه الذهبي (^١)، والحديث من رواية عمرو بن شعيب، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات، رجال الشيخين.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الزاني المجلود) هذا وصف خرج مخرج الغالب باعتبار من ظهر منه الزنا، بخلاف من يُتهم فلا يؤثر ذلك، وقوله: (المجلود) أي: الذي ظهر أمره حتَّى جُلد.\n\nقوله: (إلَّا مثله) أي: الزانية المجلودة عادة؛ إذ المناسبة سبب الألفة عادة (^٢).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أنَّه يحرم على الرجل أن يتزوج\n_________\n(^١) انظر: \"الصحيحة\" (٥/ ٥٧٢).\n(^٢) انظر: \"حاشية السندي على المسند\" (٥/ ٤٩٩).","vol":"7","page":271},{"text":"بمن ظهر منها الزنا، ويحرم على المرأة أن تُزوج بمن ظهر منه الزنا.\nوهذا - والله أعلم - لأن الزانية تضر زوجها وتنغص عليه حياته، ويكون في غمٍّ وهمٍّ، وقد تلحق به ولدًا من غيره، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومن تزوج غير تائبة فقد رضي أن تزني، إذ لا يمكنه منعها من ذلك، فإن كيد النساء عظيم) (^١).\nوالقول بتحريم نكاح الزانية ونكاح الزاني هو قول قَتَادة، والإمام أحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، والصنعاني (^٢)، والشيخ عبد العزيز بن باز. يقول ابن تيمية: (فأما نكاح الزانية فقد تكلم فيه الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم، وفيه آثار عن السلف، وإن كان الفقهاء قد تنازعوا فيه، وليس مع من أباحه ما يعتمد عليه) (^٣).\nواستدلوا -أيضًا- بقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]، والنفي فيها محمول على النهي، وهي في عقد النكاح، كما هو قول جمهور المفسرين؛ بناءً على أسباب النزول، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣].\nوذهب الجمهور من أهل العلم، ومنهم أَبو حنيفة، والشَّافعي إلى جواز نكاح الزاني والزانية، وأجازه مالك مع الكراهة (^٤). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً﴾ بأن المراد بالآية الوطء، وليس العقد، والحامل لهم على ذلك أن الله تعالى ذكر المشرك والمشركة، والمشرك لا يجوز له أن يتزوج المؤمنة ولو كانت زانية، وكذلك المشركة.\nقالوا: والآية على ظاهرها، فهي إخبار أريد به تقبيح حال الزاني والزانية، والتصريح بخبث الزناة والزواني، وأن الزاني لا يليق به أن ينكح\n_________\n(^١) \"تفسير سورة النور\" ص (٣٧).\n(^٢) \"سبل السلام\" (٦/ ٦٨).\n(^٣) \"تفسير سورة النور\" ص (٤٨).\n(^٤) \"بداية المجتهد\" (٣/ ٧٣)، \"المغني\" (٩/ ٥٦٢)، \"أضواء البيان\" (٦/ ٧٢).","vol":"7","page":272},{"text":"العفيفة، وإنَّما زانية مثله أو مشركة، وكذلك الزانية، والآية لم تتعرض للعقد، وعلى هذا يجوز عقد العفيف على الزانية، والعقد بالعفيفة على الزاني، والإشارة في قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ﴾ إلى الزنا.\nوالقول بالتحريم قوي، فإن دلالة الآية واضحة، ولا سيما آخرها ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإن الراجح في مرجع اسم الإشارة أنَّه يعود على النكاح المذكور؛ أي: إن نكاح الزواني حرم على المؤمنين، وحمله على العقد تؤيده أسباب النزول، وهذه الآية مما أشكل على المفسرين؛ لأن حمل النكاح فيها على التزويج لا يلائم ذكر المشرك والمشركة، وحمل النكاح على الوطء لا يلائم أسباب النزول الدالة على أن المراد العقد، ولذا حصل الخلاف في معناها، والظاهر إن شاء الله أنَّه لا إشكال؛ لأن سبب النزول يحدد المراد، ويعين على فهم الآية، كما يقول ابن تيمية، ويكون المراد بها العقد، كما هو قول جمهور المفسرين، وليس المقصود من الآية بيان من يجوز أن ينكحه الزاني ومن لا يجوز، حتَّى يقال: يلزم عليه جواز نكاح المسلم للمشركة والعكس، وإنما المقصود التنفير من الزنا وأهله، وأن المؤمن لا يجوز له أن يقترن بالزانية، كما تدل عليه أسباب النزول، وكذا العكس (^١).\nوأما آية: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ فهي عامة دخلها التخصيص، وقد تقدم لنا أنَّها مخصصة بحديث \"لا تنكح المرأة على عمتها\" فكذا في هذه الصورة، فإن تابت الزانية أو تاب الزاني جاز نكاحهما بإجماع أهل العلم، والتوبة تحصل بالاستغفار والندم والإقلاع عن الذنب؛ كالتوبة من سائر الذنوب، هذا هو الصواب في ذلك، أما القول بأن توبتها أن تُراود على نفسها فإن أبت فقد تابت، وإن طاوعته فهي لم تتب، فهو قول ضعيف لا يُعَوَّلُ عليه، لظهور فساده (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تفسير سورة النور\" للدكتور: ناصر الحميد ص (١٠٢).\n(^٢) \"المغني\" (٩/ ٥٦٤).","vol":"7","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-838>ما جاء في أن المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها حتَّى تنكح غيره</span>\n١٠٠٣/ ٣٥ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: طَلَّقَ رَجُل امْرَأَتَهُ ثَلاثًا، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأَرَادَ زَوْجُهَا الأوّلُ أنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَال: \"لَا، حَتَّى يَذُوقَ الآخَرُ مِنْ عُسَيلَتِهَا مَا ذَاقَ الأوَّلُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الطلاق\" باب (من جَوَّزَ الطلاق الثلاث) (٥٢٦١)، ومسلم (١٤٣٣) (١١٥) من طريق القاسم بن محمد، عن عائشة - ﵂ -.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (طلق رجل امرأته ثلاثًا) ظاهر الحديث أنَّها مجموعة بلفظ واحد، إلَّا إن كان الحديث مختصرًا من قصة رفاعة القرظي، فالمراد طلقها الطلقة الأخيرة من الطلقات الثلاث، فقد ورد في \"صحيح مسلم\" في قصة رفاعة: (فطلقها آخر ثلاث تطليقات) والراوي للحديثين عائشة - ﵂-، فيكون المراد بالرجل في حديث الباب رفاعة القرظي، والزوج الثاني عبد الرحمن بن الزَّبِير، لكن يشكل على ذلك قولها: (قبل أن يدخل بها) وعبد الرحمن بن الزُّبَير، دخل بها، وذكر الحافظ أن غير رفاعة قد وقع له مع امرأته مثل ما وقع لرفاعة، فليس التعدد في ذلك ببعيد.","vol":"7","page":274},{"text":"قوله: (قبل أن يدخل بها) ليس المراد بالدخول مجرد الخلوة، بل المراد الوطء، بدليل آخر الحديث.\n\nقوله: (فقال: لا) أي: لا يتزوجها الأول.\n\nقوله: (من عسيلتها) بضم العين وفتح السين، تصغير عَسَلَة، وهي كناية عن الجماع، ففيه تشبيه لذة الجماع بذوق العسل. وأنث لفظ عسيلة؛ إما لأن المراد اللذة؛ أي: حتَّى يذوق من لذتها، أو لأن العسل مؤنث، أو لأنه يذكر ويؤنث.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها إلَّا بعد أن تتزوج غيره، ويطأها الزوج الثاني، فيكون المراد بقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣] الوطء، دل على ذلك السنة، كما في هذا الحديث وغيره. قال ابن المنذر: (أجمعوا على أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا أنَّها لا تحل له إلَّا بعد زوج، على ما جاء به حديث النبي - ﷺ -، وانفرد سعيد بن المسيب فقال: إن تزوجها تزويجًا صحيحًا لا يريد به إحلالًا، فلا بأس أن يتزوجها الأول) (^١).\nولعل سعيد بن المسيب لم يبلغه الحديث فأخذ بظاهر القرآن، قال الجصاص: (ولم نعلم أحدًا تابعه عليه، فهو شاذ) (^٢)، وعلى هذا فمجرد العقد لا يبيحها للأول.\nوقد أبدى بعض العلماء الحكمة من تحريمها عليه حتَّى تنكح زوجًا غيره، وذلك ليرتدع الرجل عن التسرع في الطلاق؛ لأن العودة إليها بعد نكاح زوج آخر مما تأباه غيرة الرجال وشهامتهم، خصوصًا إذا كان الزوج الثاني عدوًا للأول أو مناظرًا له (^٣).\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز رجوعها لزوجها الأول إذا\n_________\n(^١) \"الإجماع\" ص (١٠٢).\n(^٢) \"أحكام القرآن\" (٢/ ٨٩).\n(^٣) \"صفوة الآثار والمفاهيم\" (٣/ ١٠٥).","vol":"7","page":275},{"text":"حصل الجماع من الزوج الثاني، والمراد: أن يكون وطئها منتشرًا بحيث يحصل جماع تام يذوق به كل واحد منهم عسيلة الثاني، وشرط ذلك أن يكون الثاني قصد بنكاحها الرغبة ودوام العشرة، ولم يرد به تحليلها للأول، فإن كان كذلك لم تحل له، كما تقدم.\nكما يشترط أن يكون النكاح صحيحًا، قال الوزير ابن هبيرة: (اتفقوا على أنَّه إنما يقع الحل بالوطء في النكاح الصحيح) (^١). فإن كان غير صحيح؛ كشغار أو بلا ولي لم يحصل به تحليل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ والنكاح الفاسد وجوده وعدمه سواء، والشرع لا يعلق على النكاح الفاسد أو الباطل حكمًا شرعيًّا.\nوفي الآية شرط ثالث، وهو أن يترجح عندهما التمكن من إقامة حدود الله تعالى، وذلك بإعطاء كل واحد منهما حقوق صاحبه مع حسن العشرة، ولا يتكرر ذلك الاعتداء الذي أدى إلى الطلاق ثلاث مرات، قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠].\n\n• الوجه الخامس: اختلف العلماء في المراد بالعسيلة في الحديث على قولين:\nالأول: أن المراد به المجامعة، وهو تغييب الحشفة من الرجل في قُبلها، وإن لم ينزل؛ لأن المقصود ذوق العسيلة، وهو حاصل بالجماع ولو لم ينزل، وهذا قول الجمهور.\nوالثاني: أن المراد: نزول المني، وأن التحليل لا يكون إلَّا بذلك، وهذا قول الحسن البصري، وكأنه رأى أن ذوق العسيلة لا يحصل إلَّا بالإنزال. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الإفصاح\" (٢/ ١٥٩).","vol":"7","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-839>باب الكفاءة والخيار</span>\nهذا الباب عقده الحافظ ﵀ للأحاديث المتعلقة بموضوع الكفاءة بين الزوجين، والأحاديث المتعلقة بموضوع الخيار في إمضاء النكاح أو فسخه عند وجود سببه؛ كالأمة تعتق تحت العبد، فإن لها الخيار في إمضاء النكاح أو فسخه، وكأن يسلم وتحته أكثر من أربع، أو تحته أختان، ونحو ذلك.\nوأما الكفاءة: فهي بالفتح والمد والهمزة، ومعناها: المماثلة والمساواة، والكفء في اللغة: النظير والمثيل والمساوي، وكل شيء ساوى شيئًا فهو مكافئ (^١)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، أي: لم يكن له أحد مساويًا في جميع صفاته.\nوالمراد هنا: الكفاءة في النكاح، ومعناها: أن يكون الرجل مساويًا للمرأة ونظيرها، وذلك في خصال محددة؛ كالدين، والنسب، والحرية، والصنعة، ونحو ذلك مما يذكره الفقهاء في هذا الباب.\nوهذه الخصال ليست موضع إجماع بين أهل العلم، ولهذا فإن أصحاب كل مذهب يذكرون الخصال التي أداهم اجتهادهم إلى اعتبارها، ولم أر من عرف الكفاءة تعريفًا جامعًا إلَّا الخطيب الشربيني الشَّافعي، فإنه قال: (الكفاءة شرعًا: أمر يوجب عدمه عارًا) (^٢).\nوقد نصَّ أهل العلم على أن الكفاءة معتبرة في جانب الرجال للنساء، وليست معتبرة في جانب النساء للرجال، بدليل أن النبي - ﷺ - لا مكافئ له، وقد تزوج من أحياء العرب، وتزوج صفية بنت حيي بن أخطب اليهودي،\n_________\n(^١) \"النهاية\" (٤/ ١٨٠)، \"المطلع\" ص (٢١٥)، \"المصباح المنير\" ص (٥٣٧).\n(^٢) \"مغني المحتاج\" (٣/ ١٦٥)، \"أحكام الزواج\" ص (١٩٦).","vol":"7","page":277},{"text":"ولأن المرأة هي التي تستنكف لا الرجل؛ لأنها المستفرشة، فأما الزوج فهو المستفرِش، فلا تلحقه الأنفة من قبلها، ولأن الولد يشرف بشرف أبيه لا بأمه، فلم تعتبر الكفاءة في الأم (^١).\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٣٢٠)، \"المغني\" (٩/ ٣٩٧).","vol":"7","page":278},{"text":"<span data-type='title' id=toc-840>ما جاء في اعتبار الكفاءة في النكاح بالنسب</span>\n١٠٠٤/ ١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكفَاءُ بَعضٍ، وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكفَاءُ بَعْضٍ، إلَّا حَائِكًا أوْ حَجَّامًا\"، رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَفي إِسْنَادِهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِم.\n١٠٠٥/ ٢ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْبَزَّارِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عمر - ﵄ - فقد رواه البيهقي (٧/ ١٣٤) من طريق الحاكم، عن شجاع بن الوليد، حدَّثنا إخواننا، عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمر - ﵄ -، به مرفوعًا.\nوهذا سند ضعيف؛ لأن فيه من لم يُسمَّ، قال البيهقي: (هذا منقطع بين شجاع وبين ابن جريج، حيث لم يُسَمِّ شجاعٌ بعضَ أصحابه).\nوفيه -أيضًا- ابن جريج، وهو مدلس، وقد عنعنه، قال ابن أبي حاتم: قال أبي: (هذا كذب لا أصل له) (^١). وقال ابن عبد البر: (لا يصح عن ابن جريج) (^٢).\n_________\n(^١) \"العلل\" (١٢٣٦)، وانظر: \"إرشاد الفقيه\" (٢/ ١٤٩) فقد نقل ابن كثير كلام أبي حاتم.\n(^٢) \"التمهيد\" (١٩/ ١٦٥).","vol":"7","page":279},{"text":"والحديث لم أجده في \"مستدرك الحاكم\" إلَّا أن يكون في غيره، فالله أعلم.\nوأخرجه البيهقي (٧/ ١٣٥) من طريق عمران بن أبي الفضل، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-، نحوه، قال أَبو حاتم: (هذا حديث منكر) (^١).\nوقال البيهقي عن هذا الإسناد: (وهو ضعيف بِمَرَّة)، وقال ابن حبان عن عمران بن أبي الفضل: (كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، على قلة روايته، لا يحل كتابة حديثه إلَّا على جهة التعجب)، ثم ساق حديثه هذا، فيكون قد حكم عليه بالوضع (^٢).\nوقال ابن عبد البر عنه: (حديث منكر موضوع) (^٣).\nوأما حديث معاذ - ﵁ - فقد أخرجه البزار في \"مسنده\" (٧/ ١٢١) من طريق سليمان بن أبي الجون، حدَّثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"العرب بعضها كفاء لبعض، والموالي بعضها كفاء لبعض\".\nوهذا سند ضعيف، قال عبد الحق: (خالد بن معدان لم يسمع من معاذ)، نقله عنه ابن القطان، وأقره، ثم قال: (وسليمان بن أبي الجون لم أجد له ذكرًا) (^٤).\nقال الألباني: (وجملة القول أن طرق الحديث أكثرها شديد الضعف، فلا يطمئن القلب لتقويتها بها، لا سيما وقد حكم عليه بعض الحفاظ بوضعه؛ كابن عبد البر وغيره، وأما ضعفه فهو في حكم المتفق عليه، والقلب إلى وضعه أميل، لبعد معناه عن كثير من النصوص الثابتة …) (^٥).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أكفاء) بسكون الكاف وفتح الفاء مخففة، جمع كفء، والكفء:\n_________\n(^١) \"العلل\" (١٢٧٥).\n(^٢) \"المجروحين\" (٢/ ١٠٥).\n(^٣) \"التمهيد\" (١٩/ ١٦٥).\n(^٤) \"الأحكام الوسطى\" (٣/ ١٢٦)، \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٦٢ - ٦٣).\n(^٥) \"الإرواء\" (٦/ ٢٧٠).","vol":"7","page":280},{"text":"المثيل والمساوي، كما تقدم، والمعنى: أن العرب يتماثلون ويتساوون فيما بينهم، فيتزوج بعضهم من بعض.\n\nقوله: (والموالي) جمع مولى، والمولى يطلق عدة إطلاقات، لكن المراد هنا: العتيق الذي سبق أن مسه الرق ثم عتق.\n\nقوله: (بعضهم أكفاء بعض) أي: يتزوج بعضهم من بعض، فالمولى كفء للمولاة.\n\nقوله: (إلَّا حائكًا) اسم فاعل من حاك الرجل الثوب، فهو حائك؛ أي: نسجه، والحياكة: نسيج الثياب، والجمع: حاكة وحَوَكة.\n\nقوله: (أو حجامًا) هو محترف الحجامة، والمعنى: أن الحائك والحجام ليس بكفء للعربية وإن كان عربيًّا.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على اعتبار الكفاءة بالنسب، وأن العرب كلهم سواء في الكفاءة، وأن الموالي بعضهم لبعض أكفاء، وليسوا أكفاء للعرب، ويستثنى من ذلك ما إذا احترف العربي حرفة الحياكة أو الحجامة، فإن نسبه يسقط ولا يكون كفوًا للعربية.\nوالقول باعتبار الكفاءة في النسب مذهب الجمهور، كما ذكر الحافظ.\nوهذا المعنى الذي دل عليه الحديث غير صحيح، لما تقدم من أنَّه حديث باطل لا أصل له، ومما يدل على ذلك ما بعده، فإن النبي - ﷺ - أمر فاطمة بنت قيس أن تتزوج بأسامة بن زيد مع أنَّه قد مسه الرق، وأمر بتزويج أبي هند مع أنَّه حجام، فهذا يدل على أن حديث الباب لا يصح، وأنه معارض بما هو أصح منه، ولعل هذا هو السر في إيراد الحافظ له في هذا الباب، ثم ذكر الحديثين بعده، لبيان عدم صحته، لكونهما يدلان على عدم اعتبار الكفاءة في النسب، ولهذا قال: (لم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث) (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٣٢).","vol":"7","page":281},{"text":"<span data-type='title' id=toc-841>ما جاء في أن النسب غير معتبر في الكفاءة</span>\n١٠٠٦/ ٣ - عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيسٍ أن النَّبِيَّ - ﷺ - قَال لَهَا: \"انْكِحِي أُسَامَةَ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهي فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية الفهرية -﵁-، لها صحبة ورواية، وكانت من المهاجرات الأُول، وذات عقل، وجمال، وكمال، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل عمر -﵁-، فخطبوا خطبتهم المأثورة، روى عنها عروة والقاسم وأَبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة والشعبي، وكل هؤلاء فقهاء، وقد كانت تحت أبي عمرو بن حفص القرشي المخزومي، فطلقها، فتزوجت أسامة بن زيد بن حارثة - ﵁ - (^١)، كما سيأتي في سياق الحديث. قال ابن عبد البر: (وفي طلاقها، ونكاحها بعدُ سنن كثيرة مستعملة) (^٢).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"الطلاق\"، باب (المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها) (١٤٨٠) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص طلقها ألبتة وهو غائب، فارسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ما لكِ علينا من شيء، فجاءت رسول الله - ﷺ - فذكرت ذلك له،\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته في كتاب \"الحج\" حديث (٧٦٠).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (١٣/ ١٢٩)، \"الإصابة\" (١٣/ ٨٥).","vol":"7","page":282},{"text":"فقال: \"ليس لكِ عليه نفقة\"، فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: \"تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده، فإذا حللتِ فآذنيني\"، قالت: فلما حللت، ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أما أَبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد\"، فكرهته، ثم قال: \"انكحي أسامة\" فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا، واغتبطت به.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الكفاءة في النسب غير معتبرة، وأنه يجوز زواج القرشية بالمولى الذي قد مسه الرق؛ لأن النبي - ﷺ - أمر فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد، مع أنَّه ليس كفؤًا لها؛ لأنها قرشية، وهو من الموالي، وأن تصرف نظرها عن معاوية وأبي جهم، مع أنهما من قومها ومن عشيرتها ومن قريش، فدل ذلك على أن الكفاءة في النسب غير معتبرة، وتقدم في كتاب \"الحج\" حديث ضباعة بنت الزُّبَير وكونها تحت المقداد بن الأسود، فهي هاشمية أرفع منه نسبًا، لكونه من حلفاء قريش، وليس بقرشي، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^١).\nوقد حكى ابن أبي موسى هذا القول رواية عن الإِمام أحمد (^٢)، قال الشيخ محمد بن عثيمين: (وهو الصواب) (^٣)، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].\n_________\n(^١) \"الإنصاف\" (٨/ ١٠٨).\n(^٢) \"الإرشاد\" ص (٢٦٨).\n(^٣) تعليقه على \"الروض المربع\" (٥١٧).","vol":"7","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-842>ما جاء في أن المهنة غير معتبرة في الكفاءة</span>\n١٠٠٧/ ٤ - عَنْ أبي هُرَيرَةَ -﵁-، أن النَّبيَّ - ﷺ -: قَال: \"يا بَني بَيَاضَةَ، أنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ، وَانْكِحُوا إلَيهِ\"، وَكَانَ حَجَّامًا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد رواه أَبو داود في كتاب \"النكاح\"، بابٌ (في الأكفاء) (٢١٠٢)، والحاكم (٢/ ١٦٤) من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، أن أبا هند حجم النبي - ﷺ - في اليافوخ (^١)، فقال النبي - ﷺ -: \"يا بني بياضة، أنكحوا أبا هند، وانكحوا إليه\"، قال: \"وإن كان في شيء مما تداوون به خير فالحجامة\" هذا لفظ أبي داود، ولفظ الحاكم هو لفظ: \"البلوغ\".\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، قال الألباني عن تصحيح الحاكم: (فيه نظر، فإن محمد بن عمرو إنما أخرج له مسلم متابعة، وهو حسن الحديث) (^٢).\nوالحديث حسنه الحافظ في \"التلخيص\" (^٣)، وقال هنا: (سنده جيد) (^٤).\n_________\n(^١) اليافوخ: ملتقى عظم مقدم الرأس ومؤخره. \"القاموس\".\n(^٢) \"الصحيحة\" رقم (٧٦٠).\n(^٣) (٣/ ١٦٤).\n(^٤) الجيد: ما ترقى فيه الحديث من الحسن لذاته، ويتردد في بلوغه الصحيح. [\"معجم مصطلحات الحديث\" ص (٤٩)].","vol":"7","page":284},{"text":"وفي إسناد الحديث اختلاف لا يضر أشار إليه الحافظ في \"الإصابة\" (^١).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يا بني بياضة) هم بطن من بطون الخزرج، إحدى قبيلتي الأنصار، وأصلهم من الأزد من قحطان.\n\nقوله: (أنكحوا) بفتح الهمزة من أنكح الرباعي؛ أي: زوجوه بناتكم.\n\nقوله: (أبا هند) هو مولى فروة بن عمرو البياضي، مختلف في اسمه، قيل: عبد الله، وقيل غير ذلك (^٢)، كان حجامًا، حجم النبي - ﷺ - كما في رواية أبي داود، تخلف عن غزوة بدر، وشهد ما بعدها.\n\nقوله: (وانكحوا إليه) بهمزة الوصل أمر من نكح الثلاثي؛ أي: اخطبوا إليه بناته ولا تخرجوه منكم بسبب مهنة الحجامة.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الكفاءة في النسب وفي المهنة غير معتبرة في النكاح، وأن الحاجم يكون كفؤًا لقرابته غير الحجامين، ومثل هذا لو كان جزارًا أو خرازًا أو دباغًا، أو نحو ذلك من المهن التي يزدريها الناس؛ لأن النبي - ﷺ - أمر بتزويج أبي هند مع أنَّه مولى، وفي الوقت نفسه كانت مهنته الحجامة، وقد كانت من المهن الحقيرة في زمانهم، وهذا يدل على بطلان الحديث الأول.\nقال الخطابي: (في هذا الحديث حجة لمالك ولمن ذهب مذهبه في أن الكفاءة بالدين وحده، دون غيره …) (^٣). وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (ومعلوم أن الحجامة، والدباغة، والحياكة، والحدادة فيها مصالح عظيمة للمسلمين، فالذي يقوم بها جدير بأن يشكر لا بأن يهمل، فإهماله وعدم تزويجه معناه التنفير عن هذه المهن النافعة للناس، فكما أنَّه غَلَظ في الحكم هو غلط في المعنى …).\n_________\n(^١) (١٢/ ٨٠ - ٨١).\n(^٢) \"الإصابة\" (١٢/ ٨٠).\n(^٣) \"معالم السنن\" (٣/ ٤٤).","vol":"7","page":285},{"text":"والصواب في هذه المسألة ما قاله الإِمام مالك، وهو رواية عن الإِمام أحمد، واختار ذلك ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (^١) والشوكاني، والشيخ عبد العزيز بن باز، وهو أن المعتبر في الكفاءة هو الدين، بمعنى الصلاح والتقى، وليس النسب، وكل مسلم يعتبر كفؤًا للمسلمة إلَّا إذا كان فاسقًا؛ لأن الفاسق لا يؤمن أن يحمله فسقه على أن يجني على المرأة، فلا يكون كفؤًا للعفيفة، ولكن لمن كان مثله.\nأما ما عدا ذلك فليس عندنا من الأدلة ما يدل على اعتباره، والدليل علي ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]، فدلت الآية على أن البشر في ميزان الإسلام وحكمه جنس واحد، لا يفضل بعضهم بعضًا إلَّا بالتقوى، وأن المسلمين في حكم الله تعالى وشرعه إخوة، وأن الأنساب والأحساب والألوان لا تجعل لأحد فضلًا على غيره، وقد أشار البخاري إلى نصرة هذا القول، حيث قال: (باب الأكفاء في الدين) ثم ساق الأدلة على ذلك.\nولما ساق ابن عبد البر جملة من الآثار الدالة على الحرص على الزواج بالمرأة الصالحة، قال: (هذه الآثار تدل على أن الكفاءة في الدين أولى ما اعتبر واعتمد عليه، وبالله التوفيق) (^٢).\nومما له صلة بموضوع الكفاءة، ما يتعلق بمسألة القبيلي والخضيري في بعض الجهات، ويراد بالقبيلي: من له أصل، وهو من ينتسب إلى قبيلة معينة، والخضيري: من ليس كذلك، فيمنعون زواج أحدهما بالآخر، مع أن الأصل فيها الجواز، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ لكن لو أدى ذلك إلى حصول مشاكل ونزاع، فينبغي تجنب ذلك إخمادًا لنار الفتنة، ودرءًا للشر، وقطعًا لدابر الفوضى، وحماية للأعراض والأبدان (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد) (٣/ ٣١)، \"الإنصاف\" (٨/ ١٠٨)، \"التمهيد\" (١٩/ ١٦٨)، \"زاد المعاد\" (٥/ ١٥٩).\n(^٢) \"التمهيد\" (١٩/ ١٦٨).\n(^٣) انظر: \"الزواج في الشريعة الإسلامية\" ص (٤٧).","vol":"7","page":286},{"text":"<span data-type='title' id=toc-843>تخيير الأمة إذا عتقت تحت عبد</span>\n١٠٠٨/ ٥ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: خُيِّرَتْ بريرَةُ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، في حَدِيثٍ طَويلٍ.\nوَلِمُسْلِمٍ عَنْهَا، أن زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: كَانَ حُرًّا. والأوّلُ أَثْبَتُ.\n١٠٠٩/ ٦ - وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أنَّهُ كَانَ عَبْدًا.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nهذا الحديث تقدم ذكره في \"البيوع\"، وأن البخاري أخرجه في أربعة وعشرين موضعًا من \"صحيحه\"، ومنها: في كتاب \"النكاح\"، باب (الحرة تحت العبد) (٥٠٩٧)، وأخرجه مسلم في \"العتق\" (١٥٠٤) (١٤) من طريق مالك بن أَنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد، عن عائشة - ﵂ - زوج النبي - ﷺ -، أنَّها قالت: كان في بريرة ثلاث سنن: خيرت على زوجها حين عتقت، وأهدي لها لحم، فدخل علي رسول الله - ﷺ - والْبُرْمَةُ على النار، فدعا بطعام، فأتي بخبز وأُدْم من أدم البيت، فقال: (ألم أر البرمة على النار فيها لحم؟ \" فقالوا: بلى يا رسول الله، ذلك لحم تصدق به على بريرة، فكرهنا أن نطعمك منه، فقال: \"هو عليها صدقة، وهو منها لنا هدية\"، وقال النبي - ﷺ -: \"إنما الولاء لمن أعتق\" هذا لفظ مسلم، وفي رواية لمسلم من طريق سماك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ - قالت: \" … وكان زوجها عبدًا) (١٥٠٤) (١١)، وفي لفظ آخر: (١٣) (وكان زوج بريرة عبدًا).","vol":"7","page":287},{"text":"وفي رواية لمسلم -أيضًا- من طريق شعبة، قال: سمعت عبد الرحمن بن القاسم، قال: سمعت القاسم يحدث عن عائشة - ﵂ - أنَّها أرادت أن تشتري بريرة … وساق الحديث إلى أن قال: فقال عبد الرحمن: وكان زوجها حرًّا. قال شعبة: ثم سألته عن زوجها، فقال: لا أدري.\nوجاء عند البخاري (٦٧٥٤) أنَّه من قول الأسود بن يزيد الراوي عن عائشة -﵂-، قال البخاري: (قول الأسود منقطع، وقول ابن عبَّاس: رأيته عبدًا، أصح)، قال إبراهيم بن أبي طالب أحد حفاظ الحديث، وهو من أقران مسلم، فيما أخرجه البيهقي عنه: (خالف الأسودُ الناسَ في زوج بريرة) وعلى هذا فرواية الأسود شاذة، والشاذ مردود، أما ما ورد. عن عبد الرحمن بن القاسم فقد تردد فيه، فلا يقوى على معارضة ما اتّفِقَ عليه (^١).\nوبهذا يتبين أن قول الحافظ: وفي رواية عنها: (كان حرًّا) وهم منه، فإنه من كلام عبد الرحمن بن القاسم لا من كلام عائشة -﵂-، إلَّا إن كان الحافظ يريد رواية التِّرمِذي (١١٥٥)، وابن ماجة (١/ ٦٧٠) من طريق الأسود، عن عائشة - ﵂ - قالت: (كان زوج بريرة حرًّا، فخيرها رسول الله - ﷺ -).\nوهذه الرواية تمسك بها من قال: إن الأمة تُخير إذا عتقت ولو كانت تحت حر، كما سيأتي.\nوأما حديث ابن عبَّاس - ﵄ - فقد أخرجه البخاري في كتاب \"الطلاق\"، باب (خيار الأمة تحت العبد) (٥٢٥٨) من طريق عكرمة، عن ابن عبَّاس -﵄-، قال: (رأيته عبدًا، يعني زوج بريرة) وفي لفظ (٥٢٨٢): (كان زوج بريرة عبدًا أسود، يقال له: مغيث، عبدًا لبني فلان؛ كأني أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة).\nوحديث عائشة - ﵂ - في قصة بريرة حديث عظيم كثير الفوائد، استنبط منه الحافظ ابن حجر قريبًا من مائة وعشرين فائدة، وذكر أن بعض العلماء أفرده\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" للدارقطني (١٥/ ٧٨ - ٨١).","vol":"7","page":288},{"text":"بمصنف مستقل، وقد مضى جملة من فوائده في \"البيوع\"، وسنقتصر - إن شاء الله - في هذا الموضع على أهم ما يتعلق بالنكاح.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (خيرت بريرة) مبني لما لم يُسَمَّ فاعله، والذي خيَّرها هو رسول الله - ﷺ -، كما جاء في بعض الرويات: (فخيرها رسول الله - ﷺ -) وهي رواية أبي داود.\nوبريرة هي بنت صفوان، مولاة عائشة -﵂-، اشترتها فأعتقتها، وكانت تخدم عائشة - ﵂ - قبل أن تشتريها، وقصتها في ذلك في \"الصحيحين\"، وزوجها هو مغيث مولى أبي أحمد بن جحش الأسدي، وقد عاشت بريرة إلى زمن معاوية - ﵁ -، وتقدم ذكرها في \"البيوع\".\n\nقوله: (حين عتقت) عتق من باب ضرب، يعتق عتقًا، وهو زوال الرق، والأمة عتيق، بلا هاء، وربما قالوا: عتيقة (^١).\n\nقوله: (والأول أثبت) أي: إنه كان عبدًا، لما يلي:\n١ - أن رواته أكثر، فقد رواه عن عائشة - ﵂ - القاسم وعروة، وتابعهما غيرهما.\n٢ - أن الراوي عن عائشة - ﵂ - أنَّه كان عبدًا هو القاسم وعروة، وعائشة عمة القاسم، وخالة عروة، فروايتهما عنها أولى من رواية أجنبي يسمع من وراء حجاب؛ لأن آل المرء أعرف بحديثه.\n٣ - أن غير عائشة - ﵂ - روى أنَّه كان عبدًا؛ كابن عبَّاس بطريق الجزم، فلم يبق شك في رجحان عبوديته.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على ثبوت الخيار للأمة بعد عتقها إذا كان زوجها عبدًا، فمإن شاءت تبقى معه، وإن شاءت أن تفارقه، وهذا أمر مجمع عليه، كما نقله النووي وغيره (^٢).\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٣٩٢).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (١٠/ ٢٩٦).","vol":"7","page":289},{"text":"• الوجه الرابع: الحديث دليل على اعتبار الحرية في الكفاءة بين الزوجين وأنه شرط، فلا يكون العبد كفؤًا للحرة؛ لأنه - ﷺ - خير بريرة حين عتقت تحت عبد، وإذا ثبت الخيار في الاستدامة، ففي الابتداء أولى، ولأن العبد منقوص بالرق ممنوع من التصرف، مشغول عن امرأته بحقوق سيده، لا ينفق نفقة الموسرين.\nوالكفاءة في الحرية ليست شرطًا لصحة النكاح، وإنَّما هي شرط للزومه، فيتوقف ذلك على رضا المرأة والأولياء، بدليل هذه القصة، وشفاعة النبي - ﷺ - إليها، فقد ورد عن ابن عبَّاس - ﵄ - أن زوج بريرة كان عبدًا يقال له: مغيث؛ كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي - ﷺ - لعباس: \"يا عبَّاس ألا تعجب من حب مُغيثٍ بريرةَ، ومن بغض بريرة مغيثًا\"، فقال النبي - ﷺ -: \"لو راجعتيه\"، فقالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: \"إنما أنا أشفع\"، قالت: لا حاجة لي فيه (^١). فدل ذلك على صحة النكاح لو وافقت على البقاء مع زوجها.\n\n• الوجه الخامس: الجمهور من أهل العلم على أن الأمة إذا عتقت تحت حر فليس لها الخيار، لمفهوم قوله في الحديث: (وكان عبدًا) فإن هذا يدل على أن الحر ليس كذلك؛ لأنه لو لم يكن لذلك تأثير لم يكن لذكر هذا الوصف فائدة، فهو وصف مناسب يصح تعليل الحكم به.\nولأن الأصل في النكاح اللزوم والدوام، ولا طريق إلى فسخه إلَّا بالشرع، وقد ثبت في العبد، فيبقى الحر على الأصل، ولأنه لا ضرر عليها ولا عار وهي حرة في المقام تحت حر؛ لأن المكافأة موجودة، وإنما يكون ذلك إذا كانت تحت عبد، كما تقدم.\nوخالف في ذلك الحنفية، وسفيان الثَّوري، فقالوا: إن من عتقت فلها الخيار مطلقًا، سواء أكانت تحت عبد أم حر (^٢)، مستدلين برواية: (وكان حرًّا)، وهذا قول مرجوح؛ لأن هذه الرواية شاذة، كما تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٨٣).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٤٠٧).","vol":"7","page":290},{"text":"• الوجه السادس: إذا اختارت الأمةُ بعد عتقها نَفْسَهَا لم يكن للزوج عليها رجعة إلَّا بعقد جديد برضاها، ولا يزال خيارها باقيًا ما لم يطأها، فإذا وطئها سقط خيارها، وذلك لما ورد في إحدى الروايات: \"إن قَرَبَكِ فلا خيار لك\" (^١)، وروى مالك عن ابن عمر - ﵄ - أفتى بذلك، كما روى عن حفصة أنَّها أفتت بذلك (^٢). قال ابن عبد البر: (لا أعلم لهما مخالفًا من الصحابة) (^٣)، وقال به جمع من التابعين، منهم الفقهاء السبعة (^٤).\n\n• الوجه السابع: استدل الجمهور بحديث الباب على أن بيع الأمة ليس طلاقًا لها، ووجه الاستدلال: أن عائشة - ﵂ - اشترت بريرة، ونجَّزت عتقها، ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها النبي - ﷺ - بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ، ولو كان بيعها طلاقها لما خيرها النبي - ﷺ -، فلما خيرها دل على بقاء النكاح، وأن المراد بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، المَسْبِيَّاتُ فقط، وخالف في هذا جماعة من السلف، والله تعالى أعلم (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أَبو داود (٢٢٣٦) وفي إسناده محمد بن إسحاق.\n(^٢) انظر: \"الموطأ\" (٢/ ٥٦٢ - ٥٦٣)، \"فتح الباري\" (٩/ ٤١٣).\n(^٣) انظر: \"الاستذكار\" (١٧/ ١٥١)، \"فتح الباري\" (٩/ ٤٠٤).\n(^٤) انظر: \"السنن\" (٢٧/ ١٦٨)، \"المغني\" (١٠/ ٧١).\n(^٥) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥).","vol":"7","page":291},{"text":"<span data-type='title' id=toc-844>حكم من أسلم وتحته أختان</span>\n١٠١٠/ ٧ - عَنِ الضَّحّاكِ بنِ فَيرُوزَ الدَّيلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي أُخْتَانِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، والدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيهَقِيُّ، وَأَعَلَّهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو الضحاك بن فيروز الديلمي، روى عن أبيه، وروى عنه عروة بن غزية، وكثير الصنعاني، وأَبو وَهْب الجيشاني، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكره ابن أبي حاتم ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا، قال البخاري: (الضحاك بن فيروز، عن أبيه، وعنه أَبو وَهْب الجيشاني، لا يعرف سماع بعضهم من بعض)، وجزم بجهالته ابن القطان (^١).\nوأما والده فهو فيروز الديلمي، ويقال له: الحميري، لنزوله بحمير، يكنى أبا الضحاك، وقيل: أبا عبد الله، وفد على رسول الله - ﷺ -، ثم رجع إلى اليمن، فأعان على قتل الأسود العنسي الذي كان تنبأ باليمن قبل وفاة النبي - ﷺ -، وأتاه خبره وهو مريض مرضه الذي مات منه. مات فيروز باليمن في خلافة عثمان - ﵁ -، وقيل: في خلافة معاوية -﵁-، سنة ثلاث وخمسين (^٢).\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٣٣٣)، \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٤٦١)، \"الثقات\" (٤/ ٣٨٧)، \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٤٩٥)، \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٩٤).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٩/ ١٢٢)، \"الإصابة\" (٨/ ١٠٦).","vol":"7","page":292},{"text":"• الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٢٩/ ٥٧٧)، وأَبو داود (٢٢٤٣) في كتاب \"النكاح\" باب \"فيمن أسلم وعنده نساء أكثر من أربع أو أختان\"، والتِّرمِذي (١١٢٩) (١١٣٠)، وابن ماجه (١٩٥١)، وابن حبان (٩/ ٤٦٢)، والدارقطني (٣/ ٢٧٣)، والبيهقي (٧/ ١٨٤) من طريق أبي وَهْب الجيشاني، عن الضحاك بن فيروز، به.\nوالحديث حسنه التِّرمِذي، وحسنه -أيضًا- الحافظ في \"تخريجه لأحاديث مختصر ابن الحاجب\" (^١)، كما حسنه الألباني (^٢).\nوفي سنده الضحاك بن فيروز وأَبو وَهْب الجيشاني، وقد روى عنهما جمع، ولم يوثقهما إلَّا ابن حبان (^٣)، وقال في كتابه \"مشاهير علماء الأمصار\" عن الضحاك: (من الأثبات في الروايات)، وقال في أبي وَهْب: (من جلة المصريين ممن صحب الضحاك) (^٤)، وقال البخاري في \"تاريخه\" بعد سياقه هذا الحديث: (في إسناده نظر) (^٥). وقال في ترجمة الضحاك: (الضحاك بن فيروز عن أبيه، وعنه أَبو وَهْب لا يعرف سماع بعضهم من بعض) (^٦) وقال في موضع آخر: (سمع الضحاك من فيروز) (^٧).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من أسلم وعنده زوجتان وهما أختان أنَّه يلزمه مفارقة إحداهما، والحديث وإن كان فيه المقال المتقدم إلَّا أنَّه قد انعقد الإجماع على ذلك، فقد نقل ابن رشد الاتفاق على أنَّه لا يجمع بين الأختين في عقد نكاح؛ لقوله تعالى في ذكر المحرمات: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] (^٨). قال ابن كثير عند هذه الآية:\n_________\n(^١) انظر: \"موافقة الخُبر الخَبر\" (١٢/ ٢٠١).\n(^٢) \"صحيح موارد الظمآن\" (١/ ٥١٢).\n(^٣) \"الثقات\" (٤/ ٣٨٧) (٦/ ٢٩١).\n(^٤) \"مشاهير علماء الأمصار\" ص (١٤٧) (٢٢٠).\n(^٥) \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٢٤٩).\n(^٦) \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٣٣٣).\n(^٧) \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٢٤٩).\n(^٨) \"بداية المجتهد\" (٣/ ٧٥).","vol":"7","page":293},{"text":"(أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديمًا وحديثًا على أنَّه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح) (^١). وهكذا الحكم في المرأة وعمتها أو خالتها، فيلزمه مفارقة إحداهما؛ لأن المعنى في الجميع واحد. وقال الشوكاني: (فإذا أسلم كافر وعنده أختان أُجبر على تطليق إحداهما، وفي ترك استفصاله - ﷺ - عن المتقدمة منهما من المتأخرة دليل على أنَّه يحكم لعقود الكفار بالصحة وإن لم توافق الإسلام، فإذا أسلموا أجرينا عليهم في الأنكحة أحكام المسلمين.) (^٢) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٢٢١).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٦/ ١٨١).","vol":"7","page":294},{"text":"<span data-type='title' id=toc-845>حكم من أسلم وتحته أكثر من أربع</span>\n١٠١١/ ٨ - عَنْ سَالِمِ عَنْ أَبِيهِ أن غَيلانَ بنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"أنْ يَتَخَيّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا\". رواهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وأَعَلَّهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٨/ ٢٢٠، ٢٥١)، والتِّرمِذي (١١٢٨)، وابن حبان (٩/ ٤٦٣)، والحاكم (٢/ ١٩٢) من طريق معمر، عن الزُّهْريّ، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر - ﵄ - أن غيلان بن سلمة … فذكره.\nوهذا الحديث رجاله ثقات، رجال الشيخين، لكن أعله الحفاظ بأن معمرًا أخطأ فيه، فوصل إسناده؛ لأنه حدث به في العراق من حفظه، وقد رواه عبد الرزاق (١٢٦٢١) عن معمر، عن الزُّهْريّ، أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة … هكذا مرسلًا، وكذا رواه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٨٦).\nوقد رجح هذا المرسل جمع من الأئمة، وحكموا على معمر بالوهم فيه، ومنهم البخاري، فإنه قال عن وصله: (إنه غير محفوظ)، وكذا الإِمام مسلم، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة: (المرسل أصح). ومنهم أَبو داود كما في \"المراسيل\" (^١)، ونقل الأثرم عن الإِمام أحمد أنَّه قال: (هذا\n_________\n(^١) \"المراسيل\" ص (٣١٥ - ٣١٧).","vol":"7","page":295},{"text":"الحديث ليس بصحيح)، وكذا الدَّارَقُطني، وقال ابن عبد البر: (الأحاديث المروية في هذا الباب كلها معلولة، وليست أسانيدها بالقوية) (^١).\nوقد ذهب البخاري إلى أن الحديث عن الزُّهْريّ، عن محمد بن سويد الثقفي، أن غيلان بن سلمة أسلم …، نقل التِّرمِذي عنه ذلك في \"جامعه\" (٢/ ٤٢٢)، وفي \"العلل\" (١/ ٤٤٦)، وكذا رجحه أَبو حاتم في \"العلل\" (١/ ٤٠١).\nقال البخاري: وإنما حديث الزُّهْريّ، عن سالم، عن أبيه، أن رجلًا من ثقيف طلق نساءه، فقال له عمر: (لتراجعن نساءك، أو لأرجمن قبرك، كما رُجم قبر أبي رِغَال) (^٢).\nوهذا الحديث أخرجه أحمد (٨/ ٢٥١) وغيره، قال الحافظ: (في إسناده مقال)، وعلى هذا فيكون معمر قد أخطأ عندما جعل إسناد هذا الحديث الذي فيه كلام عمر للحديث الذي فيه كلام النبي - ﷺ -، ذكر هذا الإِمام مسلم في \"التمييز\"، كما نقله عنه الحافظ في \"الإصابة\" (^٣)، وكذا قال الطحاوي (^٤).\nونقل الحافظ عن البزار أنَّه قال: (جَوَّدَهُ معمر بالبصرة، وأفسده باليمن؛ فأرسله)، وقال ابن عدي في \"الكامل\" (١/ ١٧٩): (هذا الحديث إنما يرويه معمر، عن الزُّهْريّ، وهو مما أخطأ فيه معمر بالبصرة ..).\nوقد رجح الموصول ابن القطان ومن تبعه، وأطال ابن القطان في مناقشة علل هذا الحديث، وذكر الاختلاف فيه على الزُّهْريّ، ثم قال: (والمتحصل من هذا هو أن حديث الزُّهْريّ عن سالم، عن أبيه، من رواية معمر في قصة غيلان صحيح، ولم يعتلَّ عليه من ضعفه بأكثر من الاختلاف على الزُّهْريّ، فاعلم ذلك) (^٥).\nوأيدوا ذلك بأن الحديث جاء من طريق آخر مثل رواية عمر، وهو طريق\n_________\n(^١) \"العلل\" للدارقطني (١٣/ ١٢٣)، التمهيد (١٢/ ٥٨)، \"التلخيص\" (٣/ ١٩٣).\n(^٢) انظر خبر أبي رغال في \"سنن أبي داود\" (٣٠٨٨)، \"دلائل النبوة\" للبيهقي (٦/ ٢٩٧).\n(^٣) (٨/ ٦٦).\n(^٤) \"شرح المعاني\" (٣/ ٢٥٣).\n(^٥) \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٤٩٥ - ٥٠٠).","vol":"7","page":296},{"text":"سيف بن عبد الله، عن سَرَّار بن مجشِّر، عن أيوب، عن نافع وسالم، عن ابن عمر …\nأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (١٧١٠)، والدارقطني (٣/ ٢٧٢)، والبيهقي (٧/ ١٨٣)، وذكر الدَّارَقُطني في \"العلل\" (١٣/ ١٢٤) أن سيف بن عبيد الله قد تفرد به عن سَرَّار.\nوالذي يظهر هو ما قاله الأئمة الكبار الجهابذة، إذ لا يمكن أن يكون للحديث إسناد صحيح، ثم يجمع هؤلاء الأئمة على رده، وللحديث شاهد من حديث قيس بن الحارث - ﵁ - رواه أَبو داود (٢٢٤١)، وابن ماجة (١٩٥٢)، وله طرق (^١).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أن غيلان بن سلمة) هو من ثقيف، بل أحد وجوهها، كان شاعرًا، وقد وفد على كسرى، وله معه قصة وحوار، فأعجب بعقله، وبنى له حصنًا في الطائف، ثم جاء الإسلام فأسلم غيلان بعد فتح مكة، وأسلم معه أولاده، وكان عنده عشر نسوة، وتوفي في خلافة عمر - ﵁ - (^٢).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أنَّه ليس للمسلم أن يتزوج بأكثر من أربع، قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، والواو للتخيير؛ أي: اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، بدليل قوله تعالى في آخرها: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، وقد ذكر البخاري في \"صحيحه\" عن علي بن الحسين ﵀ أنَّه قال: (يعني: مثنى أو ثلاث أو رباع) (^٣).\nوقد انعقد الإجماع على ذلك، كما حكاه ابن كثير وغيره، إلَّا ما حكي عن طائفة من الرافضة أنَّه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع، وقال بعضهم: بلا حصر (^٤)، وهذا قول فاسد لا يعول عليه، ولا حجة لأحد لا في\n_________\n(^١) انظر: \"الإرواء\" (٦/ ٢٩٥).\n(^٢) \"الإصابة\" (٨/ ٦٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ١٣٩)، وانظر: \"الاعتصام\" للشاطبي (٢/ ٤٧٣ - ٤٧٥).\n(^٤) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ١٨٢).","vol":"7","page":297},{"text":"الآية الكريمة، ولا في فعل النبي - ﷺ - في كونه تزوج بأكثر من أربع، فإن هذا من خصائصه، بدليل أنَّه أمر من أسلم على أكثر من أربع بمفارقة من زاد على الأربع، ولو لم يكن هذا من خصائصه - ﷺ - ما أمر من أسلم على أكثر من أربع بمفارقة من زاد على ذلك، وما ذكره البخاري يعتبر من أحسن الأدلة في الرد على الرافضة؛ لكونه من تفسير علي بن الحسين، المعروف بزين العابدين، وهو من أئمتهم الذي يرجعون إلى قولهم ويعتقدون عصمتهم (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٣٩).","vol":"7","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-846>حكم الزوجين يسلم أحدهما قبل الآخر</span>\n١٠١٢/ ٩ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَال: رَدّ النَّبِيُّ - ﷺ - ابْنَتَهُ زينَبَ عَلَى أَبي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيع، بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكَّاحِ الأوَّلِ، ولَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ والأرْبَعَةُ إلّا النَّسَائِيَّ، وَصَحّحَهُ أَحْمدُ وَالْحَاكِمُ.\n١٠١٣/ ١٠ - وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أن النَّبِيَّ - ﷺ - رَدَّ ابْنَتَهُ زَينَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، قَال التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ أَجْوَدُ إِسْنَادًا، وَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ.\n١٠١٤/ ١١ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ، فَتَزَوَّجَتْ، فَجَاءَ زَوْجُها فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي كُنْتُ أَسْلَمْتُ وَعَلِمَتْ بِإِسْلامي، فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ زَوْجِهَا الآخِرِ، وَرَدَّها إلى زوجِهَا الأَوَّلِ. رَوَاهُ أحْمَدُ وَأَبو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَة. وَصَحَّحَه ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.\n\n• الكلام عليها من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث ابن عبَّاس - ﵄ - فقد رواه أحمد (٣/ ٣٦٩)، (٤/ ١٩٥)، وأَبو داود في كتاب \"النكاح\"، باب (إلى متى ترد عليه امرأته إذا أسلم بعدها؛) (٢٢٤٠)، والتِّرمِذي (١١٤٣)، وابن ماجة (٢٥٥٩)، والحاكم (٢/ ٢٠٠) من طريق محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس -﵄-، به.","vol":"7","page":299},{"text":"والحديث في سنده محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد صرح بالتحديث في رواية التِّرمِذي، وإحدى روايات أحمد (٤/ ١٩٥).\nلكن داود بن الحصين تُكُلِّم في روايته عن عكرمة، فقد قال علي ابن المديني: (ما روى عن عكرمة فمنكر)، وقال أَبو داود: (أحاديثه عن عكرمة مناكير، وأحاديثه عن شيوخه مستقيمة)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (ثقة إلَّا في عكرمة).\nوالحديث صححه الإِمام أحمد كما سيأتي، وصححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي، وقال التِّرمِذي: (ليس بإسناده بأس)، وقال ابن كثير: (هذا إسناد جيد قوي) (^١)، ومال إلى تقويته الحافظ ابن حجر ﵀؛ اقتداءً بمن صححه من الأئمة (^٢)، ولعل من صححه نظر إلى شواهده، ومنها ما رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٦/ ٣٤٠) عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: (قدم أَبو العاص بن الربيع من الشام وقد أسلمت امرأته زينب مع أبيها وهاجرت، ثم أسلم بعد ذلك، وما فُرق بينهما)، وإسناده صحيح إلى الشعبي، ورواه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٢١٠٧) من طريق داود بن أبي هند، ورواه ابن أبي شيبة (١٤/ ١٧٦) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، كلاهما عن الشعبي أن رسول الله - ﷺ - رَدَّ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع حيث أسلم بعد إسلام زينب، فردَّها عليه بالنكاح الأول. وهذا إسناد صحيح إلى الشعبي أيضًا.\nوجاء في \"مصنف عبد الرزاق\" (٧/ ١٧١) من طريق معمر، عن عكرمة بن خالد، أن عكرمة بن أبي جهل فرَّ يوم الفتح، فكتبت إليه امرأته فردته، فأسلم، وكانت قد أسلمت قبل ذلك، فأقرها النبي - ﷺ - على نكاحهما، وهذا مرسل صحيح الإسناد.\nوأما حديث عمرو بن شعيب فقد أخرجه أحمد (١١/ ٥٢٩)، والتِّرمِذي (١١٤٢)، وابن ماجة (٢٠١٠) من طريق حجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، به.\n_________\n(^١) \"الإرشاد\" (٢/ ١٦٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٢٤).","vol":"7","page":300},{"text":"قال التِّرمِذي: (هذا حديث في إسناده مقال)، وذلك لأن الحديث من رواية الحجاج بن أرطاة، ومداره عليه، وهو مدلس قبيح التدليس، يدلس عن المجروحين، ثم إنه لم يسمعه من عمرو بن شعيب، وإنَّما سمعه من محمد بن عبيد الله العرزمي، وهو ضعيف (^١)، قال عبد الله بن أحمد: (قال أبي في حديث حجاج: \"ردَّ زينب ابنته\" قال: هذا حديث ضعيف، أو قال: واهٍ، ولم يسمعه الحجاج من عمرو بن شعيب، وإنَّما سمعه من محمد بن عبيد الله العرزمي، والعرزمي: لا يساوي حديثه شيئًا، والحديث الصحيح الذي روي: أن النبي - ﷺ - أقرهما على النكاح الأول) (^٢).\nوقال البخاري: (حديث ابن عبَّاس أصح في هذا الباب من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده) (^٣)، لكن هذا لا يعني صحة حديث ابن عبَّاس، فإن البخاري لم يحكم بصحته، وإنما قال: (أصح) وهذا يعني أنَّه أقل ضعفًا من حديث عمرو بن شعيب، فالضعف متفاوت، فهو أصح الضعيفين عنده، وهذا يوجد في كلام المتقدمين (^٤)، وقال الدَّارَقُطني: (هذا لا يثبت، وحجاج لا يحتج به، والصواب حديث ابن عبَّاس أن النبي - ﷺ - ردها بالنكاح الأول) (^٥).\nوقول الحافظ: (قال التِّرمِذي: حديث ابن عبَّاس أجود إسنادًا … إلخ)، الذي في \"جامع التِّرمِذي\" أن قائل ذلك يزيد بن هارون أحد من روى الحديث عن حجاج، نقله عنه التِّرمِذي، وليس من مقولة التِّرمِذي نفسه.\nوأما الحديث الثالث، وهو حديث ابن عبَّاس - ﵄ -، فقد رواه أحمد (٣/ ٤٩٠)، وأَبو داود (٢٢٣٨) في كتاب \"النكاح\" باب (إذا أسلم أحد الزوجين)، والتِّرمِذي (١١٤٤)، وابن ماجة (١٢٨٥)، وابن حبان (٩/ ٤٦٧)، والحاكم\n_________\n(^١) انظر: \"الجرح والتعديل\" (٣/ ١٥٦)، \"المراسيل\" لابن أبي حاتم ص (٤٨).\n(^٢) \"المسند\" (١١/ ٥٣٠).\n(^٣) \"العلل الكبير\" للترمذي (١/ ٤٥٢).\n(^٤) انظر: \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ١٢٢)، \"العلل الكبير\" (١/ ٤٥١ - ٤٦١).\n(^٥) \"السنن\" (٣/ ٢٥٣ - ٢٥٤).","vol":"7","page":301},{"text":"(٢/ ٢٠٠) من طريق سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس -﵄-، به.\nوقد اختلفت نسخ التِّرمِذي في الحكم على هذا الحديث، ففي بعضها: (هذا حديث صحيح) وفي بعضها: (هذا حديث حسن)، وهو الذي ذكره المزي (^١). وقال الحاكم: (صحيح الإسناد، ولم يخرجاه). وهذا فيه نظر، فإن الحديث مداره على سماك بن حرب، وروايته عن عكرمة مضطربة، كما قال ابن المديني، ويعقوب بن سفيان، وجماعة، وقال النَّسائي: (إذا انفرد سماك بأصل لم يكن حجة؛ لأنه كان يلقن فيتلقن) (^٢)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بِأَخَرَة، فكان ربما يلقن).\nونظرًا لتعارض هذين الحديثين - حديث ابن عبَّاس الأول وحديث عمرو بن شعيب - فقد حصل الخلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إن العمل على حديث ابن عبَّاس -﵄-، والجمهور قالوا: إن العمل على حديث عمرو بن شعيب، كما سيأتي.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (ابنته زينب) هي كبرى بنات النبي - ﷺ -، وقيل: أكبر أولاده، ولدت وللنبي - ﷺ - ثلاثون سنة، وماتت سنة ثمان، وغسلتها أم عطية -﵂-، تقدم ذكرها في \"الصلاة\" (^٣)، وفي \"الجنائز\" (^٤).\n\nقوله: (أبي العاص بن الربيع) هذا زوج زينب، وهو ابن خالتها، واسمه: لقيط بن الربيع بن عبد العزى، وقيل: القاسم بن الربيع، القرشي العبشمي بينه، قال ابن إسحاق: (كان من رجال مكة المعدودين مالًا وأمانة وتجارة)، تزوج زينب قبل البعثة بيسير، ثم هاجرت وتركته على شركه، وقد أسلم في المحرم سنة سبع (^٥)، وقيل: قبل الفتح سنة ثمان (^٦) وهاجر، فرد\n_________\n(^١) \"تحفة الإشراف\" (٥/ ١٣٨ - ١٣٩).\n(^٢) انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٢٤٨).\n(^٣) انظر: الحديث (٢٢٦).\n(^٤) انظر: الحديث (٥٤٥).\n(^٥) \"الطبقات\" (٨/ ٣٣).\n(^٦) \"البداية والنهاية\" (٥/ ٢٦٩).","vol":"7","page":302},{"text":"النبي - ﷺ - زينب عليه، توفي أَبو العاص سنة ثنتي عشرة في خلافة أبي بكر - ﵁ - (^١).\n\nقوله: (بعد ست سنين) هذه رواية التِّرمِذي في \"جامعه\"، وهي أرجح الروايات في المدة بين هجرة زينب هاسلام زوجها؛ لأنها هاجرت سنة اثنتين من الهجرة، وهو أسلم عام الفتح سنة ثمان، وعلى هذا فالمراد بالست: ما بين هجرتها وإسلام زوجها؛ لأنها هاجرت بعد بدر، وهو أسلم سنة ثمان، وإلَّا فهي قد أسلمت من أول البعثة، فيكون بين إسلامهما أكثر من ثماني عشرة سنة (^٢).\nوعند ابن ماجة وإحدى روايات أحمد (٥/ ٣٢٢ - ٣٢٣)، ورواية التِّرمِذي في \"العلل\": (بعد سنتين)، وكلاهما عند أبي داود، قال ابن كثير: (وهو صحيح)، وجمع بينهما أن الست على ما تقدم، وأما السنتان فالمراد بهما ما بين نزول قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وبين قدوم العاص بن أبي الربيع مسلمًا، فإن بينهما سنتين وأشهرًا؛ لأنه أسلم سنة ثمان، كما ذكر ابن كثير، والآية نزلت في ذي القعدة سنة ست، قال ابن كثير: (فالظاهر انقضاء عدتها في هذه المدة التي أقلها سنتان من حين التحريم أو قريب منها …) (^٣). فيكون إسلامه قد تأخر عن وقت تحريم المسلمات على الكفار بسنتين (^٤).\n\nقوله: (بالنكاح الأول) أي: بالعقد الأول الذي كان في مكة قبل البعثة.\n\nقوله: (ولم يحدث نكاحًا) أي: ولم يعقد له عقدًا جديدًا.\n\nقوله: (فجاء زوجها) أي: الأول.\n\nقوله: (من زوجها الآخِر) بكسر الخاء أي: الأخير.\n_________\n(^١) انظر: \"الاستيعاب\" (١٢/ ٢٤)، \"سير أعلام النبلاء\" (١/ ٣٣٠)، \"الإصابة\" (١١/ ٢٣١).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٥/ ١٣٦)، \"فتح الباري\" (٩/ ٤٢٣).\n(^٣) \"البداية والنهاية\" (٢/ ٢٢١) (٥/ ٢٦٩).\n(^٤) \"البداية والنهاية\" (٦/ ٢٤٢)، \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ١١٩).","vol":"7","page":303},{"text":"• الوجه الثالث: حديث ابن عبَّاس - ﵄ - الأول فيه دليل على أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها الذي دخل بها، ثم انتظرته ولم تتزوج فإنها تحل له بعد إسلامه؛ استصحابًا للعقد الأول قبل البعثة، ولا تحتاج إلى عقد جديد، ولو كان ذلك بعد انقضاء العدة؛ إذ ليس في نصِّ الحديث ما يفيد اعتبارها، وعلى هذا فالمرأة بعد انقضاء عدتها لا ينفسخ نكاحها، بل هي بالخيار إن شاءت تزوجت، وإن شاءت انتظرت زوجها حتَّى يسلم، ثم ترجع إليه، لكن لا ينبغي أن يُفهم من هذا بقاء المعاشرة الزوجية، بل يحرم الوطء ودواعيه منذ إسلامها حتَّى يسلم زوجها فورًا أو أثناء أو بعدها.\nوهذا قول جماعة من السلف، منهم الحسن، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز في رواية عنهم، ومجاهد، وآخرون (^١)، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، ونصره ابن القيم (^٣)، واختاره ابن كثير، فقال: (هذا القول فيه قوة، وله حظ من جهة الفقه، والله أعلم)، وأيده بحديث ابن عبَّاس - ﵄ -: (كان المشركون على منزلتين من رسول الله - ﷺ - والمؤمنين، كانوا مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه، وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتَّى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه …) (^٤). قال ابن كثير: (هذا يقتضي أنَّه وإن هاجر بعد انقضاء مدة الاستبراء والعدة أنَّها ترد إلى زوجها الأول ما لم تنكح زوجًا غيره، كما هو الظاهر من قصة زينب بنت الرسول - ﷺ -، وكما ذهب إليه من ذهب من العلماء، والله أعلم) (^٥).\nواختار هذا القول الصنعاني -أيضًا- ومن بعده الشوكاني (^٦)؛ لأن حديث الباب دليل واضح في أن العدة ليس لها اعتبار في رد زينب - ﵂ - على\n_________\n(^١) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٧/ ١٧٣)، \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٥/ ٩٢).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٣٢/ ٣٣٧)، \"أحكام أهل الذمة\" (١/ ٣٤٢).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (٥/ ١٣٧)، \"أحكام أهل الذمة\" (١/ ٣١٧ - ٣٤٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٢٨٦)، انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٦٦٧)، (٩/ ٤١٨).\n(^٥) \"البداية والنهاية\" (٥/ ٢٧١ - ٢٧٢).\n(^٦) \"سبل السلام\" (٣/ ٢٢٦)، \"نيل الأوطار\" (٦/ ١٨٥).","vol":"7","page":304},{"text":"زوجها أبي العاص، كما أنَّه دليل واضح على أنَّه ردها إليه بالعقد الأول، ولم يحدث عقدًا جديدًا، قالوا: وحديث ابن عبَّاس وإن كان فيه ضعف، لكن ضعفه أقل من ضعف حديث عمرو بن شعيب.\nوذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنَّه متى أسلم أحد الزوجين وتخلف الآخر حتَّى انقضت عدة المرأة المدخول بها انفسخ النكاح (^١).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ [الممتحنة: ١٠]، كما استدلوا بحديث عمرو بن شعيب. قالوا: ولأن المرأة تنقطع علاقتها بزوجها بتمام العدة.\nوأجابوا عن قصة أبي العاص مع امرأته بعدة أجوبة، منها: أنَّها قبل نزول تحريم المسلمات على الكفار، فتكون منسوخة بما جاء بعدها، أو أنَّها كانت حاملًا واستمر حملها حتَّى أسلم زوجها، أو أنَّها ردت إليه بنكاح جديد، كما في حديث عمرو بن شعيب (^٢).\nوالراجح هو القول الأول، لقوة دليله؛ فإن حديث ابن عبَّاس - ﵄ - ليس فيه ما يدل على اعتبار العدة، ومما يؤيد ذلك أنَّه ثبت بالتواتر إسلام كثيرين في عهد النبي - ﷺ -، يسلم أحد الزوجين، ويتأخر إسلام الآخر، فلا يسلم إلَّا بعد انقضاء العدة، ومع هذا لم ينقل أن النبي - ﷺ - كان يسأل عن انقضاء العدة، ولم ينقل أنَّه جدد العقد لأحد، مما يدل على بقاء النكاح، وأما مراعاة العدة وهو أنَّه إذا أسلم في أثنائها ردت إليه، وإن أسلم بعد انقضائها انفسخ النكاح، فلا دليل عليه من نص ولا إجماع، ثم لو كان الإسلام بمجرده فرقة لم تكن فرقة رجعية، بل بائنة، ولا أثر للعدة في بقاء النكاح، وإنَّما أثرها في منع نكاحها للغير، ولو كان الإسلام أنجز الفرقة لم يكن أحق بها في العدة.\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (١٢/ ٢٥)، \"مغني المحتاج\" (٣/ ١٩١)، \"المغني\" (١٠/ ١٠)، \"الشرح الكبير\" (٢/ ٢٦٧).\n(^٢) راجع \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ١٥١) حيث ذكر ابن القيم تسعة وجوه لتأويل هذا الحديث.","vol":"7","page":305},{"text":"ومما يؤيد هذا -أيضًا- أنَّه ورد عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنَّه خيَّر امرأة من أهل الحيرة أسلمت ولم يسلم زوجها (^١).\nومما يؤيد ذلك أنَّه بإسلامها لم يكن كفؤًا لها، وإذا انتفت الكفاءة أعطيت الزوجة الخيار كقصة بريرة المتقدمة، ولا يرد ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾؛ لأن معناها: أن المؤمنة المهاجرة لا ترجع إلى كفار مكة المحاربين، ولا تحل لكافر محارب، ولا يحل لها كافر محارب، وليس في ذلك ما يدل على أن عقد النكاح قد انقطع بين المرأة وزوجها الكافر المحارب، وإنَّما أباحت لها النكاح، فلما جاءت قصة زينب فأثبتت استمرار العقد القديم، دلَّ على أن إباحة نكاح المهاجرة التي لها زوج في أرض الشرك كان على سبيل الرخصة، وإليه يشير قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (^٢).\nيقول ابن تيمية: \"والقول بتعجيل الفرقة خلاف المعلوم بالتواتر من سنة رسول الله - ﷺ -، والقول بالتوقف على انقضاء العدة -أيضًا- كذلك، فإن النبي - ﷺ - لم يوقت ذلك في من أسلم على عهده من النساء والرجال مع كثرة ذلك؛ لأنه لا مناسبة بين العدة وبين استحقاقها بإسلام أحدهما … \" (^٣).\nوقال في تضعيف القول بأن الفرقة تقع بمجرد الإسلام: (إن في هذا تنفيرًا عن الإسلام، فإن المرأة إذا علمت، أو الزوج أنَّه بمجرد الإسلام يزول النكاح ويفارق من يحب، ولم يبق له عليها سبيل إلَّا برضاها ورضا وليها ومهر جديد، نفر عن الدخول في الإسلام، بخلاف ما إذا علم كل منهُما أنَّه متى أسلم فالنكاح بحاله، ولا فراق بينهما إلَّا أن يختار هو المفارقة كان في ذلك من الترغيب في الإسلام ومحبته ما هو أدعى إلى الدخول فيه) (^٤).\n_________\n(^١) \"مصنف عبد الرزاق\" (٦/ ٨٤). وهذا الأثر معلول.\n(^٢) انظر: \"إسلام أحد الزوجين ومدى تأثيره على عقد النكاح\" ص (٩٦). مع مراجعة كتاب: \"أثر إسلام أحد الزوجين في النكاح\".\n(^٣) \"الفتاوى\" (٣٢/ ٣٣٨).\n(^٤) \"أحكام أهل الذمة\" (١/ ٣٤٤).","vol":"7","page":306},{"text":"• الوجه الرابع: استدل العلماء بحديث ابن عبَّاس - ﵄ - الثاني على أنَّه إذا أسلم الزوج، وعلمت امرأته بإسلامه فهي على عقد نكاحه، وإن تزوجت باعتبار أن الإسلام فرق بينها وبين زوجها الأول، فهو زواج باطل، فتنزع من زوجها الآخِر، وتعاد لزوجها الأول؛ لأن زواجها الأول لا يزال قائمًا، ورجح الصنعاني أن زوجها الأول أسلم وهي في العدة؛ إذ لو كان إسلامه بعد إنقضاء عدتها فنكاح الثاني صحيح (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"سبل السلام\" (٣/ ٢٢٨).","vol":"7","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-847>العيوب في النكاح</span>\n١٠١٥/ ١٢ - عَنْ زَيدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ أَبِيهِ، قال: تَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْعَالِيَةَ مِنْ بَنِي كِفَارٍ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيهِ وَوَضَعَتْ ثِيَابَهَا، رَأَى بِكَشْحِهَا بَيَاضًا، فَقَال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"الْبَسِي ثِيَابَكِ، وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ\"، وَأَمَرَ لَهَا بِالصَّدَاقِ. رَوَاهُ الحَاكِمُ، وَفي إسْنَادِهِ جَمِيلُ بْنُ زيدٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَاخْتُلِفَ عَليهِ في شَيخِهِ اخْتِلافًا كثِيرًا.\n١٠١٦/ ١٣ - وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - قَال: أَيَّمَا رَجُلٍ تَزَوّجَ امْرَأةً فَدَخَلَ بِهَا فَوَجَدَهَا بَرْصَاءَ، أَوْ مَجْنُونةً، أَوْ مَجْذُومَةً، فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَسِيسِهِ إِيَّاهَا، وَهُوَ لَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنْهَا. أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بن مَنْصورٍ وَمَالِكٌ وَابْنُ أَبي شَيبَةَ. وَرِجَالُهُ ثِقَات.\n١٠١٧/ ١٤ - وَرَوَى سَعِيدُ أَيضًا عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَبِهَا قَرْنٌ، فَزَوْجُهَا بِالْخِيَارِ، فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا.\nوَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَيضًا قَال: قَضَى عُمَرُ - ﵁ - في الْعِنِّينِ أَنْ يُؤَجَّلَ سَنَةً. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.\n\n• الكلام عليها من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nالأول: زيد بن كعب: وهو زيد بن كعب، أو كعب بن زيد الأنصاري، مذكور في \"الاستيعاب\" و\"أسد الغابة\" و\"الإصابة\" وغيرها، وهو الراوي لقصة الغفارية، أما كونه ابن كعب بن عجرة، وأنه روى هذه القصة عن أبيه كعب بن","vol":"7","page":308},{"text":"عجرة، فهذا مما انفرد به الحاكم، كما سيأتي، والذين ترجموا لكعب بن عجرة لم يذكروا له هذه الرواية، قال أَبو حاتم: (هو زيد بن كعب، ومنهم من يقول: كعب بن زيد، واحد، لا يقول: ابن عجرة …) (^١).\nالثاني: أَبو محمد، سعيد بن المسيب بن حَزْن القرشي المدني، أحد العلماء الأثبات، والفقهاء الكبار، أَبوه وجده صحابيان، ولد في المدينة لسنتين مضتا من خلافة عمر - ﵁ -؛ أي: سنة خمس عشرة، ونشأ بالمدينة، وعصره هو عصر التابعين، جمع سعيد بين الحديث والفقه والزهد والعبادة والورع، قال ﵀: (ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة، وما نظرت في قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة) يعني: لمحافظته على الصف الأول، قال ابن المديني: (لا أعلم في التابعين أوسع علمًا من سعيد بن المسيب)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل)، وقد كان له عنابة شديدة بمرويات عمر وآرائه، وكل ما صدر عنه، حتَّى قيل له: \"راوية عمر\"، مات بالمدينة سنة أربع وتسعين ﵀ (^٢).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجها:\nأما حديث كعب بن عجرة فقد رواه الحاكم (٤/ ٣٤) من طريق يحيى بن يوسف الرقي، عن أبي معاوية الضرير، عن جميل بن زيد الطائي، عن زيد بن كعب بن عجرة، عن أبيه، قال: … فذكره.\nورواه سعيد بن منصور (٨٢٩) عن أبي معاوية، والطحاوي في \"شرح المشكل\" (٢/ ١٠٦) من طريق عبد الملك بن مروان، كلاهما (سعيد وعبد الملك) عن أبي معاوية به، ولم يذكرا: (عن أبيه).\nوأخرجه الطحاوي (٢/ ١٠٧) من طريق حفص بن غياث، ومحمد بن\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (١٢٧٤)، \"الجرح والتعديل\" (٧/ ١٦١)، \"الاستيعاب\" (٩/ ٢٣٧، ٢٤٧)، \"أسد الغابة\" (٤/ ٤٧٨، ٤٨١)، \"الإصابة\" (٨/ ٢٩٣، ٢٩٤).\n(^٢) \"طبقات ابن سعد\" (٥/ ١١٩ - ١٤٣). \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٧٤)، \"تبصير المنتبه\" (٤/ ١٢٨٧)، \"سعيد بن المسيب سيد التابعين\" للدكتور: وهبة الزحيلي.","vol":"7","page":309},{"text":"أبي حفص، كلاهما عن جميل بن زيد، عن زيد بن كعب، قال: كان النبي - ﷺ - ذكرت له امرأة من بني غفار … الحديث. وهذه متابعة لأبي معاوية علي عدم ذكر (ابن عجرة عن أبيه) وهذا كله من الاختلاف عليه.\nوأخرجه أحمد (٢٥/ ٤١٧) من طريق القاسم بن مالك المزني أبي جعفر، قال: أخبرني جميل بن زيد، قال: صحبت شيخًا من الأنصار، ذكر أنه كانت له صحبة، يقال له: كعب بن زيد أو زيد بن كعب … فذكره.\nوهذا سند ضعيف جدًّا، مداره علي جميل بن زيد، وجميل بن زيد ضعيف، واختلف عليه في شيخه اختلافًا كثيرًا، قال ابن معين: (ليس بثقة)، وقال ابن حبان: (واهي الحديث)، وقال أبو حاتم وأبو القاسم البغوي: (ضعيف الحديث)، وقال البخاري: (لم يصح حديثه)، ونقل البخاري في \"تاريخه\" عن أبي بكر بن عياش، عن جميل بن زيد، قال: هذه أحاديث ابن عمر، ما سمعت من ابن عمر شيئًا، إنما قالوا: اكتب أحاديث ابن عمر، فقدمت المدينة فكتبتها (^١).\nوقال ابن عدي: (جميل بن زيد يعرف بهذا الحديث، واضطرب الرواة عنه بهذا الحديث حسب ما ذكره البخاري، وتلوَّن فيه علي ألوان، واختلف عليه من روي عنه …) (^٢).\nومن وجوه اضطرابه: ما أخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٢٢٣)، والطحاوي في \"شرح المشكل\" (٢/ ١٠٢)، من طريق عباد بن العوام، عنه، عن كعب بن زيد الأنصاري.\nوأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٢٢٣) من طريق محمد بن فضيل، عنه، عن عبد الله بن كعب، قال: تزوج النبي - ﷺ - …\nوأخرجه الطحاوي (٢/ ١٠٨) من طريق محمد بن عمر العطار، والبيهقي (٧/ ٢٥٦) من طريق أبي يحيي، كلاهما عنه، عن سعد بن زيد الأنصاري …\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٢١٥)، \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٥١٧)، \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٩٨)، \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٢٥٧).\n(^٢) \"الكامل\" (٢/ ١٧٢)، \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٩٨).","vol":"7","page":310},{"text":"وأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٢٢٣)، وأبو يعلى (٥٢٩٩)، والطحاوي (٢/ ١٠٤)، وابن عدي (٢/ ١٧١)، والبيهقي (٧/ ٢١٣ - ٢٥٧، ٢١٤)، من طرق عن جميل بن زيد، قال: سمعت ابن عمر يقول: تزوج النبي - ﷺ - …\nقال الألباني: (وجملة القول أن الحديث ضعيف جدًّا، لوهاءِ جميل بن زيد، وتفرده به، واضطرابه) (^١)، ثم إن معناه فيه نظر، فإنه ليس من أخلاق النبي - ﷺ - أن يقول لها في الحال: الحقي بأهلك، فإن هذا لا يقوله آحاد الناس، فكيف بالمصطفي - ﷺ - الذي قال الله عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (^٢) [القلم: ٤]؟!\nوأما حديث سعيد بن المسيب، فقد رواه سعيد بن منصور (١/ ٢١٢) باب (من يتزوج امرأة مجذومة)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٢٦)، وابن أبي شيبة (٤/ ١٧٥) كلهم من طريق يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن عمر - ﵁ - به.\nوهذا الأثر رجاله ثقات كما قال الحافظ، لكن لا يلزم من هذا صحته، ولهذا لم يصرح بصحة السند، وقد ضعفه جماعة من أهل العلم بأن سعيدًا لم يسمع من عمر - ﵁ -، كما قال ابن معين وأبو حاتم، فيكون منقطعًا، ولعل الحافظ ذكر التابعي، وهو سعيد، ليفهم القارئ الانقطاع في السند.\nقال الإمام مالك: (لم يسمع سعيد من عمر، ولكنه أكبَّ على المسألة في شأنه وأمره، حتى كأنه رآه)، ويؤيد ذلك ما ذكره بكير بن الأشج، قال: سُئل سعيد بن المسيب هل أدركت عمر بن الخطاب؟ فقال: لا، وقيل لابنه يحيي: يصح سماع سعيد من عمر؟ قال: لا، إلا رؤيةً، رآه علي المنبر ينعي النعمان بن مقرِّن (^٣). وقال أبو حاتم: (لا يصح لسعيد سماع من عمر، إلا\n_________\n(^١) \"الإرواء\" (٦/ ٣٢٦ - ٣٢٨).\n(^٢) ذكر هذا المعني الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀.\n(^٣) \"طبقات ابن سعد\" (٥/ ١٢٠)، \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٧٦).","vol":"7","page":311},{"text":"رؤيته علي المنبر ينعي النعمان بن مقرن)، وقال: (سعيد بن المسيب عن عمر مرسل يدخل في المسند علي المجاز) (^١).\nوجاء في \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم أن أبا طالب قال: قلت لأحمد: سعيد بن المسيب؛ فقال: ومن كان مثل سعيد بن المسيب؟! ثقة من أهل الخير، قلت: سعيد عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة، قد رأي عمر وسمع منه: إذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟! (^٢)، لكن هذا لا يفيد ثبوت السماع مطلقًا.\nوذكر الذهبي أنه سمع من عمر شيئًا وهو يخطب (^٣).\nوالذي يظهر -والله أعلم- أن سعيدًا سمع من عمر بعض الروايات؛ لأنه كان عمره ثمان سنوات، وكان ذكيًّا، فلا عجب أن يتذكر شخصية عمر وبعض أقواله علي المنبر، وقد عني بقضايا عمر - ﵁ - حتى أصبح مرجعًا فيها، ومعلوم أن الانقطاع مظنة الضعف، لكنه هنا مندفع، فتكون رواية سعيد حجة؛ للعلم بالواسطة، ولتقدم الطبقة، وللاهتمام بأحاديث عمر - ﵁ -، قال ابن عبد البر: (ورواية سعيد بن المسيب عن عمر .. تجري مجري المتصل، وجائز الاحتجاج بها عندهم؛ لأنه قد رآه، وقد صحح بعض العلماء سماعه منه، وولد سعيد بن المسيب لسنتين مضتا من خلافة عمر، وقال سعيد: ما قضي رسول الله - ﷺ - بقضية ولا أبو بكر ولا عمر إلا وأنا أحفظها) (^٤). وقال ابن القيم: (وأئمة الإسلام وجمهورهم يحتجون بقول سعيد بن المسيب: قال رسول الله - ﷺ -، فكيف بروايته عن عمر - ﵁ -، وكان عبد الله بن عمر يرسل إلي سعيد يسأله عن قضايا عمر فيفتي بها، ولم يطعن أحد قط من أهل عصره ولا من بعدهم ممن له في الإسلام قول معتبر في رواية سعيد بن المسيب عن عمر، ولا عبرة بغيرهم) (^٥).\n_________\n(^١) \"المراسيل\" ص (٧١، ٧٣).\n(^٢) (٤/ ٦١).\n(^٣) \"تذكرة الحافظ\" (١/ ٥٤)، وانظر: \"طبقات ابن سعد\" (٥/ ١٢٠).\n(^٤) \"التمهيد\" (٦/ ٣٠٣) (١٢/ ١١٦).\n(^٥) \"زاد المعاد\" (٥/ ١٨٣).","vol":"7","page":312},{"text":"وأما أثر علي - ﵁ -، فقد أخرجه سعيد بن منصور (١/ ٢١٣)، والبيهقي (٧/ ٢١٥) من طريق الشعبي، عن علي - ﵁ -، نحوه، بالزيادة المذكورة.\nوهذا الأثر ضعيف، لانقطاعه؛ لأن الشعبي لم يسمع من علي - ﵁ - إلا حرفًا لم يسمع غيره، كما قاله الدارقطني (^١). وكأنه عني بذلك ما رواه البخاري \"في صحيحه\" من طريق الشعبي، عن علي - ﵁ - في رجم المرأة يوم الجمعة، وقال: رجمتها بسنة رسول الله - ﷺ - (^٢).\nوأما أثر سعيد عن عمر - ﵁ - في العنين فقد أخرجه عبد الرزاق (٦/ ٢٥٣)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢٠٧)، والدارقطني (٤/ ٤٩٦)، والبيهقي (٧/ ٢٢٦) وفيه ما تقدم، وقد ورد عن ابن مسعود - ﵁ - قال: (يؤجل العنين سنة، فإن جامع وإلا فرق بينهما) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٠٦) بإسناد صحيح علي شرط مسلم، كما قال الألباني (^٣).\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (من بني غفار) بكسر الغين المعجمة، قبيلة من قبائل عدنان، ومنازلهم قرب مكة.\n\nقوله: (كشحها) بفتح الكاف، هو ما بين الخاصرة والضلوع.\n\nقوله: (بياضًا) أي: برصًا.\n\nقوله: (الحقي بأهلك) هذه الصيغة من كنايات الطلاق الظاهرة إذا اقترنت بنية.\n\nقوله: (أَيما رجل) هذا لا مفهوم له، فالمرأة إذا وجدت الرجل معيبًا فلها الفسخ.\n\nقوله: (تزوج امرأة) أي: عقد عليها.\n_________\n(^١) \"العلل\" (٤/ ٩٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٦٨)، وانظر: \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٦٠).\n(^٣) \"الإرواء\" (٦/ ٣٢٤).","vol":"7","page":313},{"text":"قوله: (فدخل بها) الدخول بالزوجة وطؤها، ويطلق علي الخلوة، لكن المراد هنا الأول، بدليل قوله: \"بمسيسه إياها\" مع قوله: \"فإن مسها … \".\n\nقوله: (برصاء) البَرَصُ: بفتح الباء والراء مصدر برص -بكسر الراء- وهو بياض يقع في ظهر الجلد، ويذهب دمويته (^١).\n\nقوله: (أو مجنونة) الجنون: زوال العقل وذهابه لآفة، ومظهره جريان التصرفات القولية والفعلية علي غير نهج العقلاء.\n\nقوله: (أو مجذومة) الجذام بضم الجيم، علة يحمر منها العضو، ثم يسود، ثم يتقطع ويتناثر، ويتصور ذلك في كل عضو، لكنه في الوجه أغلب (^٢).\n\nقوله: (بمسيسه) المسيس: بفتح فكسر، المراد به هنا الجماع، قال تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، والمعنى: أن ما بها من الجنون والجذام والبرص لا يوجب استباحة بضعها دون عوض.\n\nقوله: (وهو له) الضمير الأول يعود علي الصداق، والثاني علي الزوج.\n\nقوله: (على من غره) أي: أوهمه أن المرأة لا عيب فيها فاتضح أنها معيبة، فالغَارُّ: هو من علم بالعيب وكتمه من زوجة عاقلة، أو ولي، أو وكيل.\n\nقوله: (أو بها قَرْنٌ) مصدر قرنت المرأة بكسر الراء تقرن قرنًا بالفتح، إذا كان في فرجها قَرْنٌ، بسكون الراء، وهو عظم أو لحم سميك ينبت في الفرج يمنع من ولوج الذكر (^٣).\n\nقوله: (العنين) هو العاجز عن الإيلاج لمرض أصابه أو لضعف خلقته أو كبر سنه، والعنة بالضم: العجز عن الجماع، وهي مصدر عُنَّ الرجل عُنة (^٤).\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (٣/ ١٠٢٩)، \"الدر النقي\" (٣/ ٦٣٤).\n(^٢) \"الدر النقي\" (٣/ ٦٣٢).\n(^٣) \"المطلع\" ص (٣٢٣).\n(^٤) \"المصباح المنير\" ص (٤٣٣).","vol":"7","page":314},{"text":"* الوجه الرابع: هذا الحديث وما بعده من الآثار تتعلق بالعيوب في النكاح التي يثبت فيها الخيار، والعيوب: جمع عيب، وهو نقص بدني أو عقلي في أحد الزوجين يمنع من تحصيل مقاصد الزواج والتمتع بالحياة الزوجية (^١)، والعيوب التي ذكرها الفقهاء منها ما هو خاص بالرجل، وأهمها ثلاثة: الجَبُّ والخِصَاءُ والعُنَّةُ. ومنها ما هو خاص بالمرأة، وهما اثنان: القَرَنُ والرَّتَقُ. ومنها ما هو مشترك، وأهمها ثلاثة: الجذام والجنون والبرص. ولم يرد في الباب أحاديث صحيحة، وإنما الاعتماد علي هذه الآثار وما شابهها مما ورد عن الصحابة - ﵁ - على ما في بعضها من مقال، مع ما يضاف إلي ذلك من عموم قوله - ﷺ -: \"من غشنا فليس منا\"، وقوله: \"الدين النصيحة … \"، فليس لأحد أن يغش الزوج أو الزوجة، وليس للزوج أن يكتم عيوبه، ولا للمرأة أن تكتم عيوبها.\nومما يدل علي أهمية العيوب في النكاح أن فقهاء الشافعية والمالكية اعتبروا السلامة من العيوب أحد خصال الكفاءة، وعللوا لما ذهبوا إليه بأن النفس تعاف صحبة من به عيب، ويختل بهذه العيوب مقصود النكاح، حتى إن ابن رشد وضع قاعدة تدل علي قول من يذهب هذا المذهب، فقال: (كل من يقول برد النكاح من العيوب، يجعل الصحة من الكفاءة) (^٢).\nفالدليل علي هذه المسألة هو الأثر، ويضاف إليه النظر، فإن الأصل في عقد النكاح السلامة من العيوب كغيره من العقود، فكأن عدم العيب مشروط في العقد؛ ولأن السلامة من العيوب كالمشروط عرفًا؛ لأن الإطلاق في العقود ينصرف إلى السلامة.\n\n* الوجه الخامس: ذهب الجمهور من أهل العلم، ومنهم المالكية والشافعية والحنابلة إلي ثبوت فسخ النكاح إذا وجد عيب في أحد الزوجين، على تفاصيل عندهم في تعيين العيوب التي يفسخ بها النكاح، مستدلين بما\n_________\n(^١) \"الفرقة بين الزوجين\" ص (١٢٠).\n(^٢) \"مغني المحتاج\" (٣/ ١٦٥)، \"بداية المجتهد\" (٣/ ٣٢)، \"أحكام الزواج\" ص (٢٣٤).","vol":"7","page":315},{"text":"ورد في الباب من آثار، ولأن المرأة أحد الزوجين، فجاز أن ترد بعيب يمنع المقصود من النكاح.\nوقال الحنفية: إن الزوج لا حق له في الفسخ لعيب في المرأة استغناءً بما له من الطلاق، وسترًا على المرأة، وتجنبًا للتشهير بها، وليس للزوجة حق الفسخ في العيوب المنفرة.\nوللزوجة حق الفسخ بالعيوب المانعة من الوطء، وهي الجب والعنة والخِصاء؛ لأنها تخل بالمقصود الأول من الزواج، وهو التناسل، وزاد محمد بن الحسن والطحاوي العيوب التي لا يمكن المقام معها إلا بضرر، مثل الجذام والبرص والجنون (^١).\nوقال داود وابن حزم ومن وافقهما لا يفسخ النكاح بعيب ألبتة (^٢)، ولا خيار لأحد من الزوجين، فإما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وأما المرأة فليس لها إلا البقاء أو الخلع، لعدم الدليل الشرعي على ثبوت هذا الحق لأحدهما، ولا حجة فيما يروي من آراء الصحابة؛ لأن قول الصحابي ليس بحجة، وخاصة فيما هو مجال للرأي، وقد أيد الشوكاني رأيهم (^٣).\n\n* الوجه السادس: اختلف العلماء في العيوب التي يفسخ بها النكاح، فمنهم من خصها بعيوب معينة؛ كعيوب الفرج والجذام والجنون والبرص؛ لأن ذلك هو المروي عن الصحابة - ﵃ -، ومنهم من عَمَّمَ.\nوأظهر الأقوال في ذلك ما ذكره العلامة ابن القيم، حيث قال: (والقياس أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار، وهو أولى من البيع، كما أن الشروط المشترطة في النكاح أولى بالوفاء من شروط البيع، وما ألزم الله ورسوله مغرورًا قط، ولا مغبونًا بما غُرَّ به وغبن به …)، فيدخل في ذلك العمي والخرس وانقطاع اليدين أو الرجلين أو إحداهما والبخر فإن هذه من أعظم\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٣٢٧).\n(^٢) \"المحلى\" (١٠/ ٥٨).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (٦/ ١٧٨).","vol":"7","page":316},{"text":"المنفرات المنافية لمقاصد الزواج. وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، واختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي (^٢).\nوالحق أن موضوع العيوب من الأهمية بمكان، والواجب على القضاة أن يعتنوا به وأن ينصفوا الرجال والنساء في ذلك، وعليه أن يجتهد فلا يفسخ النكاح إلا بما يصلح أن يكون عيبًا، وعليه أيضًا ألا يتقيد بعيوب معدودة لا يفسخ إلا بها، فقد يكون هناك عيوب لم يذكرها الأولون مساوية لما ذُكر أو أعظم منها.\n\n* الوجه السابع: الحديث دليل على أن من وجد في زوجته عيبًا بعد الدخول بها، فإن لها المهر الذي أعطاها كاملًا، سواء حصل وطء أو خلوة على أحد القولين في ذلك، لما روى مالك، عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قضى في المرأة إذا تزوجها الرجل أنه إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق، وهذا موقوف صحيح على ما تقدم (^٣)، ومثله ورد عن علي - ﵁ - (^٤).\nوذهب ابن عباس وابن حزم وجماعة إلى أن لها نصف الصداق، فقد ورد عن ابن عباس أنه كان يقول: (إذا دخلت عليه امرأته ثم طلقها، فزعم أنه لم يمسها قال: عليه نصف الصداق) (^٥). ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، والمراد بالمس: الجماع، أما إذا كان الفسخ قبل الدخول فلا مهر لها، سواء أكان الفسخ منه أو منها؛ لأنه إن كان منها فقد جاءت الفرقة من قبلها، وإن كان منه فإنما فسخ لعيبها الذي دلسته عليه بالإخفاء.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٥/ ١٨٣)، \"الفتاوى\" (٣٢/ ١٦١).\n(^٢) \"المختارات الجلية\" ص (١٠٥).\n(^٣) \"الموطأ\" (٢/ ٥٢٨)، وأخرجه سعيد بن منصور (١/ ٢٠١).\n(^٤) رواه سعيد بن منصور (١/ ٢٠١)، والبيهقي (٧/ ٢٥٥) بإسناد صحيح.\n(^٥) أخرجه سعيد (١/ ٢٠٤)، وفي سنده ليث ابن أبي سليم، وهو ضعيف مختلط، إلا أن له شاهدًا عند البيهقي (٧/ ٢٥٤) من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس نحوه، ورواية علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس فيها مقال، لكن تصلح لتقوية طريق ليث بن أبي سليم [\"أحكام النكاح\" ص (١٤١)].","vol":"7","page":317},{"text":"* الوجه الثامن: يثبت حق الفرقة بين الزوجين إذا وُجِدَ عيب على التراخي عند الحنفية والحنابلة، فلا يسقط بالسكوت؛ لجواز أن يكون من باب التريث ورجاء الشفاء، وإنما يسقط بما يدل على الرضا به صراحة أو دلالة، بأن تقول: رضيت، أو أسقطت حقي، أو توافق على عقد الزواج من نفسها إلا العُنة عند الحنابلة، فلا يسقط بها حق الفرقة بالتمكين؛ لجواز أن يكون من باب التريث ورجاء الشفاء، وقالت الشافعية والمالكية: إن ثبوت حق الفرقة فوري إذا وجد عيب، فإذا سكت عنه صاحبه حتى مضي وقت يمكنه فيه رفع الأمر للقاضي، ولم يرفعه عُدَّ راضيًا به.\nوالرأي الأول قوي، لقوة مأخذه (^١)، ولوقيل: إن الأمر يرجع فيه إلي اجتهاد القاضي، ما كان بعيدًا ليختار أحد القولين حسب المصلحة.\n\n* الوجه التاسع: اختلف العلماء فيما إذا غُرَّ الزوج بالعيب وحصل الفسخ بعد الدخول، فهل له رجوع بالمهر، وعلى من يرجع؟ على قولين:\nالأول: أنه يرجع بالمهر على من غرَّه من ولي أو وكيل؛ لأنه غُرْمٌ لحِقَ الزوج بسبب هذا الغارّ، وهذا قول مالك وأصحاب الشافعي وأصح الروايتين عن أحمد (^٢)، واستدلوا بقول عمر - ﵁ -: (وهو له على من غره منها)، بشرط أن يكون الولي أو الوكيل عالمًا بالعيب، فإن كان جاهلًا فلا غرم عليه؛ لأن قوله: (على من غَرَّه) يدل على أن الولي أو غيره حصل منه الغرر، ولا غرر إلا مع العلم.\nوالقول الثاني: أنه لا رجوع للزوج على أحد؛ لأنه قد لزمه المهر بمسيسه إياها، فهو كالمبيع المعيب إذا أكله ثم علم عيبه، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي في الجديد، ورواية عن أحمد، لكنه رجع عنها كما ذكر ابن قدامة (^٣)، ومن بعده الزركشي (^٤)، ولهذا اقتصر أكثر فقهاء الحنابلة على الرواية الأولى (^٥).\n_________\n(^١) \"الفرقة بين الزوجين\" ص (١٢٤).\n(^٢) \"المغني\" (١٠/ ٦٤).\n(^٣) \"المغني\" (١٠/ ٦٤).\n(^٤) (٥/ ٢٥٠).\n(^٥) \"الكافي\" (٢/ ٦٨٧)، \"المبدع\" (٧/ ١١١).","vol":"7","page":318},{"text":"واختار هذا القول الشوكاني بناءً منه على أن قول عمر - ﵁ - لا يصلح للاستدلال به لأنه قول صحابي، وتضمين الغير بلا دليل لا يحل (^١)، والقول بالرجوع فيه وجاهة أخذًا بقول عمر - ﵁ -، ولأن فيه منعًا للتغرير؛ لأن الغار من ولي أو غيره إذا علم برجوع الزوج عليه قد يرتدع عن تغريره.\n\n* الوجه العاشر: الحديث دليل على أن العُنة عيب يفسخ بها النكاح بعد تحققها، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، لكن يؤجل سنة من حين رفعته للحاكم، ما لم يكن هناك مانع من مرض أو إحرام، لتمر عليه الفصول الأربعة، فإن وطئ فقد تبين أنه ليس بعنين، وإلا خيرت بين المقام معه وبين فراقه، لقضاء عمر وابن مسعود -﵄-، كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ومن الإمساك بالمعروف: الجماع، ويمكن أن يستفاد من الطب الحديث في مسألة العنة.\n\n* الوجه الحادي عشر: من العيوب في النكاح العقم، وهو عدم الولادة، والأظهر من قولي أهل العلم أنه عيب يثبت به الخيار للمرأة إذا بان الزوج عقيمًا، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشيخ محمد بن إبراهيم، وذلك لأن تحصيل الولد من أهم مقاصد النكاح (^٢).\nأما إذا كانت الزوجة عقيمة، فقد قيل: إنه ليس بعيب؛ لأن الزوج له أن يتزوج بأخرى ويبقيها معه، لمودته إياها، بل نقل القرطبي الإجماع على أن العقيمة التي لا تلد لا تُرد (^٣)، وهو ظاهر اختيار الشيخ ابن إبراهيم، ولم يتعرض شيخ الإسلام لعقم الزوجة، ولعله يرى أن الرجل إذا كان متشوفًا للولد فإنه يستطيع أن يتزوج بأخرى، بخلاف المرأة فإن ذلك لا يمكن في حقها، فلذا أثبت لها خيار الفسخ إذا كان زوجها عقيمًا.\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (٦/ ١٧٨).\n(^٢) \"الاختيارات\" ص (٢٢٢)، \"زاد المعاد\" (٥/ ١٨١ - ١٨٢)، \"فتاوى ابن إبراهيم\" (١٠/ ١٦٥).\n(^٣) \"تفسير القرطبي\" (٣/ ٩٤).","vol":"7","page":319},{"text":"وقد روي عن عمر - ﵁ - أنه بعث رجلًا على بعض السعاية، فتزوج امرأة وكان عقيمًا، فلما قدم على عمر ذكر له ذلك، فقال: هل أعلمتها أنك عقيم؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعلمها، ثم خيرها (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٦/ ١٦٢)، وسعيد (٢/ ٥٥) ورجاله ثقات.","vol":"7","page":320},{"text":"<span data-type='title' id=toc-848>باب عشرة النساء</span>\nالعشرة: بكسر العين، اسم مصدر من عاشر معاشرة وعشرة، والعشير: القريب والصديق، وعشير المرأة: زوجها؛ لأنه يعاشرها وتعاشره، والمعنى: عِشْرةُ الرجالِ الأزواجِ النساءَ؛ أي: الزوجات، فهو من إضافة المصدر إلي مفعوله. والمراد بها هنا: ما يكون بين الزوجين من الألفة والاجتماع والمعاملة.\nوقد أوجب الله تعالى على كل واحد من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] أي: بما يقره الشرع والعرف من إحسان الصحبة، وكف الأذي، وأن يعاملها باللين لا بالظلم والعنف والشدة والجهل والهجر بدون ذنب، وأن يراعي خلقتها وفطرتها، ويعفها ويلبي نداء الغريزة، ولا يكلفها من الأمور ما لا تطيقه، وأن يؤدي حقها ويشاركها في سرورها وحزنها، وينفق عليها بالمعروف، ولا يبخل عليها بما تطلب، ويؤانسها في المنزل، فلا يدعها وحدها، ويعلمها إن جهلت، ويحلم إن غضبت، ويحترم أهلها وقرابتها، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فبينت الآية أن الحقوق بين الزوجين متبادلة، فكما أن على المرأة حقًّا لزوجها، فإن لها أيضًا عليه حقًّا، إلا أن حق الرجل عليها أعظم وأعلى؛ لأن عليه الرعاية والكفاية والحماية، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. فعليها أن تطيع زوجها في غير معصية، وأن تجيب مطالبه وتحقق رغباته، وأن تحفظه في نفسه وماله، وتقوم بتربية أولاده، وتحترم أهله وأقرباءه.\nوالواجب على المؤمن أن يتقي الله في النساء؛ لأنهن عوان عند","vol":"7","page":321},{"text":"الأزواج؛ أي: أسيرات، والغالب عليهن الضعف، قال النبي - ﷺ -: \"ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عوانٌ عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٣٣٤)، والترمذي (١١٦٣)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨/ ٢٦٤)، وابن ماجه (١٨٥١) من طريق سليمان بن عمرو بن الأحوص، قال: حدثني أبي …، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\"، مع أن سليمان بن عمرو مجهول، كما قال ابن القطان (٤/ ٢٨٧)، ولم يوثقه إلا ابن حبان (٤/ ٣١٤)، لكن الحديث له شاهد عند أحمد (٣٤/ ٢٩٩) من طريق علي بن زيد، عن أبي حُرَّة الرقاشي، عن عمه - ﵁ -، وعلي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف، لكن لا بأس به في الشواهد، وقد وردت الجملة الأولى من الحديث عند البخاري (٥١٨٥ - ٥١٨٦)، ومسلم (١٤٧٠)، من حديث أبي هريرة - ﵁كما سيأتي- وفي حديث جابر - ﵁ - عند مسلم (١٢١٨) في خطبة النبي - ﷺ - عام حجة الوداع بنحوه، وليس فيه: \"فإِنهُنَّ عَوَانٌ عِندَكُم\".","vol":"7","page":322},{"text":"<span data-type='title' id=toc-849>تحريم إتيان الزوجة في الدبر</span>\n١٠١٨/ ١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأةً في دُبُرِهَا\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لكِنْ أُعِلَّ بِالإِرْسَالِ.\n١٠١٩/ ٢ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لا يَنْظُرُ اللهُ إِلَي رَجُلٍ أَتي رَجُلًا أَو امْرَأةً في دُبُرِهَا\"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَأُعِلّ بِالْوَقْفِ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فقد رواه أبو داود في كتاب \"النكاح\"، بابٌ (في جامع النكاح) (٢١٦٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨/ ٢٠٠)، وابن ماجه (١٩٢٣)، وأحمد (١٥/ ٤٥٧) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مخلَّد، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا، وهذا لفظ النسائي، ولفظ أبي داود: \"من أتى امرأته\".\nوهذا الحديث رجاله ثقات، إلا الحارث بن مخلد، فقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^١)، وقال البزار: (ليس بمشهور)، وقال ابن القطان: (روي عنه سهيل وبسر بن سعيد، ولم تعرف حاله) (^٢).\nوظاهر كلام الحافظ أن الإرسال علة لهذه الرواية، ولم أر أحدًا أعله\n_________\n(^١) (٢/ ١٣٦).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٤/ ٤٥٦).","vol":"7","page":323},{"text":"بذلك، فقد ذكره الحافظ ابن القطان وابن حجر ولم يعله أحد منهما بذلك، ولعل الحافظ قصد الرواية الأخرى للحديث، كما ذكر ابن القطان والحافظ نفسه والشوكاني وغيرهم، فقد رواه أبو داود (٣٩٠٤)، والترمذي (١٣٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨/ ٢٠١)، وابن ماجه (٦٣٩) من طريق وكيع، عن حماد بن سلمة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهُجيمي، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها فقد كفر\".\nقال البخاري: (لا يعرف لأبي تميمة سماع من أبي هريرة - ﵁ -) (^١)، وهذا انقطاع أطلق عليه إرسال، وقد ذكر الحافظ في \"نكته على ابن الصلاح\" أن من العلماء من يطلق على المنقطع اسم المرسل، فيعرفون المرسل بأنه ما سقط منه رجل (^٢). وقد مرَّ له نظير، وهو آخر حديث في باب \"الفرائض\".\nوأما حديث ابن عباس - ﵄ - فقد رواه الترمذي (١١٦٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨/ ١٩٧)، وابن حبان (٩/ ٥١٧) من طريق أبي خالد الأحمر، عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب)، والحديث لا بأس برجاله، وأبو خالد الأحمر -واسمه سليمان بن حيان- فيه كلام، وهو ثقة احتج به الشيخان، لكنه يخطئ لسوء حفظه، وقد تكلم عليه الحافظ في مقدمة \"فتح الباري\" (^٣)، ولخص حاله كعادته في \"التقريب\" فقال: (صدوق يخطئ)، فلعل حديثه لا ينزل عن درجة الحسن.\nورواه وكيع، عن الضحاك، به موقوفًا، أخرجه النسائي (٨/ ١٩٧)، قال الحافظ في \"التلخيص\": (هو أصح عندهم من المرفوع) (^٤). وقد ذكر الصنعاني أن هذا الموقوف له حكم الرفع؛ لأن ما جاء في هذا الحديث هو من الوعيد\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١٧).\n(^٢) \"النكت على ابن الصلاح\" (١/ ٥٤٣ - ٥٧٣).\n(^٣) انظر: \"هدي الساري\" ص (٤٠٧).\n(^٤) (٣/ ٢٠٦).","vol":"7","page":324},{"text":"الذي ليس للرأي فيه مجال (^١).\nوقد رويت أحاديث الباب عن جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة وعلي وعمر وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعقبة بن عامر - ﵁ -، وفي طرقها كلها كلام، وقد نقل الحافظ ابن حجر عن جمع منهم البخاري والذهلي والنسائي والبزار والنيسابوري أنه لا يثبت فيه حديث، ثم قال: (لكن طرقها كثيرة، فمجموعها صالح للاحتجاج به) (^٢).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (ملعون) هذا يفيد أنه من الكبائر، ومعناه: مطرود من رحمة الله ﷿ يوم القيامة، بعيد عنها إلا أن يدركه الله بعفوه.\n\nقوله: (من أتى امرأة) هذا لفظ النسائي، ولفظ أحمد وأبي داود (امرأته) وهذا هو المراد هنا، والإتيان كناية عن الجماع؛ كقوله - ﷺ -: \"لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله، قال: بسم الله .. \"، وسيأتي إن شاء الله تعالى.\n\nقوله: (لا ينظر الله) أي: نظر محبة ورحمة ولطف، وهذا المعني ليس بتأويل، إنما التأويل لو قيل: لا ينظر الله؛ أي: لا يرحمه الله، أما على هذا المعنى فقد أثبتنا النظر، وقصرناه على نوع، فقلنا: نظر رحمة .. وهذه العبارة تثبت أصل النظر.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم إتيان النساء في أدبارهن؛ لأن اللعن لا يكون إلا على فعل محرم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وطء المرأة في دبرها حرام بالكتاب والسنة، وهو قول جماهير السلف والخلف، بل هو اللوطية الصغرى، … وقال: من وطئ امرأته في دبرها وجب أن يعاقب على ذلك عقوبة تزجرهما، فإن عُلم أنهما لا ينزجران فإنه يجب التفريق بينهما) (^٣).\nوعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - ﷺ - قال: \"هي\n_________\n(^١) \"سبل السلام\" (٦/ ١٠٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٩١).\n(^٣) \"الفتاوي\" (٣٢/ ٢٦٦).","vol":"7","page":325},{"text":"اللوطية الصغرى (^١). يعني: الرجل يأتي امرأته في دبرها.\n\n* الوجه الرابع: دل القرآن والسنة والنظر على تحريم إتيان المرأة في دبرها، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] والمراد بالمأُتَى المأمور به: القبل، بدليلين:\nالأول: قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّي شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] والحرث: مكان الولد، والقبل هو مكان الحرث؛ أي: بذر الولد بالنطفة، والدبر ليس محلًّا لذلك.\nالثاني: قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] والمراد بـ ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الولد، ومعلوم أن ابتغاء الولد إنما هو بالجماع في القبل، فإن قيل: إن قوله تعالى: (أَنَّى شِئْتُمْ﴾ دليل على إباحة زوجته في دبرها؛ لأن المعنى: من أي مكان شئتم، فالجواب: أن هذا لا يصح لأمرين:\n١ - أن سبب النزول يرد ذلك، كما سيأتي -إن شاء الله- في حديث جابر - ﵁ - قال: (كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فدل ذلك على أن جابرًا - ﵁ - يرى أن معنى الآية: فأتوهن في القبل على أي حال شئتم ولو كان من ورائها، وتفسير الصحابي الذي له تعلق بسبب النزول له حكم الرفع، كما في المصطلح.\n٢ - أن هذه الآية إن كانت عامة في الإتيان في أي مكان، فقد جاء تخصيصها بما ورد في السنة من تحريم إتيان النساء في أدبارهن؛ كحديث الباب.\nأما دلالة السنة على تحريم هذا الفعل، فحديث أبي هريرة وابن\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٨/ ١٩٥ - ١٩٦)، وأحمد (١١/ ٣٠٩) وسنده حسن، لكن الراجح وقفه على عبد الله بن عمرو -﵄-، فقد قال البخاري في \"التاريخ الصغير\" (٢/ ٢٧٣): (المرفوع لا يصح)، وقال ابن كثير في \"تفسيره\" (١/ ٣٨٥) عن الموقوف: (هذا أصح)، والموقوف أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٥٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٤٦).","vol":"7","page":326},{"text":"عباس - ﵃ - وغيرهما من الأحاديث، وقد ذكر القرطبي أنها بلغت أربعة عشر حديثًا. وذكر أكثرها الحافظ ابن كثير (^١). وتكلم الحافظ ابن حجر في \"التلخيص\" عن عللها (^٢).\nوأما النظر؛ فأمران:\n١ - أن الله تعالى حرم الفرج في وقت الحيض لأجل القذر العارض له، والدبر أولى بالتحريم للقذر اللازم والنجاسة الدائمة.\n٢ - إجماع أهل العلم على أن الرتقاء التي لا يوصل إلي وطئها معيبة، ترد بهذا العيب -كما تقدم-، ولو كان الدبر موضعًا للوطء ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج؛ لوجود العوض عنه، وهو الدبر.\n\n* الوجه الخامس: لا قيمة لنقل الخلاف في مثل هذه المسألة؛ لوضوح الحكم بدليله، وضعف أدلة المخالف، لئلا يكون نقل الخلاف سلمًا لمن تسول له نفسه أن يفعل هذا الفعل القبيح، لكن ينبغي ذكره لبيان لضعفه، أو عدم صحته، أو لئلا يُغتر به.\nوما نسب لابن عمر - ﵄ - من القول بإباحته فهو غير صحيح؛ لما ورد في \"سنن النسائي\" عن أبي النضر أنه قال لنافع مولى ابن عمر: أُكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر أنه أفتي بأن تؤتي النساء في أدبارهن، قال نافع: لقد كذبوا عليَّ، ولكن سأخبرك كيف كان الأمر، إن ابن عمر عرض المصحف يومًا (^٣)، وأنا عنده، حتى بلغ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ قال يا نافع: هل تدري ما أمر هذه الآية؟ إنا كنا -معشر قريش- نُجَبِّي النساء، فلما دخلنا المدينة، ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن ما كنا نريد من نسائنا، فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل الله سبحانه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٨٤).\n(^٢) \"التخليص\" (٣/ ٢٠٤).\n(^٣) أي: أمسكت المصحف، وهو يقرأ عن ظهر قلب. انظر: [\"فتح الباري\" (٨/ ١٨٩)].\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٨٩)، قال ابن كثير في \"تفسيره\" (١/ ٣٨٤): (هذا إسناد صحيح).","vol":"7","page":327},{"text":"فهذا دليل صريح في نفي ما نسب إلى ابن عمر -﵄-، وهذا هو اللائق بمقامه - ﵁ - والموافق لقول الصحابة - ﵃ -.\nوكذا ما نسب للإمام مالك، فقد قال ﵀ لابن هبيرة وعلي بن زيد لما أخبراه أن أناسًا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك فنفر من ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل، فقال: كذبوا عليَّ، كذبوا علي، كذبوا علي، ثم قال: ألستم قومًا عربًا؟! ألم يقل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت؟ قال ابن القيم: (وأما الدبر فلم يبح قط على لسان نبي من الأنبياء، ومن نسب إلى بعض السلف إباحة وطء الزوجة في دبرها فقد غلط عليه … وقال: ومن هنا نشأ الغلط على من نُقل عنه الإباحة من السلف والأئمة، فإنهم أباحوا أن يكون الدبر طريقًا إلى الوطء في الفرج، فيطأ من الدبر لا في الدبر، فاشتبه على السامع (من) بـ (في) ولم يظن بينهما فرقًا، فهذا الذي أباحه السلف والأئمة، فغلط عليهم الغالط أقبح الغلط وأفحشه) (^١).\nقال القرطبي: (إن هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ لا حجة فيها على المدعَى؛ إذ هي مخصصة بما ذكرناه، وبأحاديث صحيحة شهيرة رواها عن رسول الله - ﷺ - اثنا عشر صحابيًّا، بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار … ثم قال: ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه، وقد حُذرنا من زلة العالم) (^٢).\n\n* الوجه السادس: تحريم إتيان الرجل، وأن ذلك من كبائر الذنوب، وهي معصية قوم لوط، وهي معصية شنيعة لم يسبقهم إليها أحد، ولهذا صارت عقوبة فاعلها القتل مطلقًا، سواء أكان بكرًا أم ثيبًا على رأي أكثر أهل العلم، بل نقل فيه الإجماع، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بيان ذلك في كتاب \"الحدود\". والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٤/ ٢٥٧، ٢٦١).\n(^٢) \"تفسير القرطبي\" (٤/ ٩٥).","vol":"7","page":328},{"text":"<span data-type='title' id=toc-850>الحث على حسن معاملة الزوجة</span>\n١٠٢٠/ ٣ - عَنْ أبي هُرَيرَةَ - ﵁ -، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤذِي جَارَهُ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ في الضِّلْعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيرًا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.\nوَلِمُسْلِمٍ: \"فَإِنْ استَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمهَا كَسَرْتَهَا، وَكَسْرُها طَلاقُهَا\".\n\n* الكلام عليه عن وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث عبارة عن حديثين -كما ذكر الحافظ في \"الفتح\"- فالأول: إلى قوله: \"فلا يؤذي جاره\"، والثاني: من قوله: \"واستوصوا … \" إلخ، أخرجهما البخاري في كتاب \"النكاح\"، باب (الوصاة بالنساء) (٥١٨٥ - ٥١٨٦)، ومسلم (١٤٦٨) (٦٢) من طريق حسين الجعفي، عن زائدة، عن ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nوهذا لفظ البخاري، وأما مسلم فلم يذكر الجزء الأول من الحديث، وإنما ذكر بدله: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شهد أمرًا فليتكلم بخير أو ليسكت، واستوصوا بالنساء … \" الحديث.\nقال الحافظ: (والذي يظهر أنها أحاديث كانت عند حسين الجعفي، عن","vol":"7","page":329},{"text":"زائدة بهذا الإسناد، فربما جمع، وربما أفرد، وربما استوعب، وربما اقتصر) (^١).\nوأما رواية مسلم (٦١) فهي من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن المرأة خلقت من ضلع، لن يستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت … \" الحديث.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) أي: من كان يؤمن بالله الإيمان الكامل المنجي من عذاب الله تعالى، والموصل إلى رضوانه، فيكون كمال الإيمان متوقفًا على أفعال، منها عدم أذية الجار، ويحتمل أن المراد: المبالغة في الحث على عدم أذية الجار؛ لأن المتصف بالإيمان هو الذي ينقاد لأحكام الشرع.\nواقتصر على الإيمان بالله واليوم الآخر إشارة إلى المبدأ والمعاد؛ أي: من آمن بالله الذي خلقه، وآمن بأنه مجازيه بعمله، فلا يفعل هذه الخصلة.\n\nقوله: (فلا يؤذي جاره) أي: لا يصدر منه أذي لجاره، بل يدفع عنه أذاه، ويحذر ما يضره، والحديث شامل للأذى القولي والفعلي، وقوله: (يؤذي) كذا بإثبات الياء في \"صحيح البخاري\" وهو محمول على أن (لا) نافية. أي: فهو لا يؤذي جاره (^٢).\n\nقوله: (واستوصوا) أي: ليوص بعضكم بعضًا بالنساء خيرًا، وقيل المعنى: أوصيكم بهن خيرًا فاقبلوا وصيتي فيهن، وقيل المعنى: اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن بخير (^٣).\n\nقوله: (فإنهن خلقن من ضلع) بكسر الضاد، وفتح اللام، ويجوز تسكينها، وهو عظم قفص الصدر، والمراد بذلك خَلْقُ أُمِّنا حواء من ضلع آدم ﵇، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١] فالنفس الواحدة: آدم، وزوجها: حواء، خلقت من ضلعه الأيسر من خلفه (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٥٣).\n(^٢) \"دليل الفالحين\" (٢/ ١٣٩).\n(^٣) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣٠٦).\n(^٤) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ١٧٦).","vol":"7","page":330},{"text":"قوله: (وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه) الغرض من هذه الجملة أن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فلا ينكر اعوجاجها، أو أنها لا تقبل التقويم، كما أن الضلع لا يقبله.\n\nقوله: (فإن ذهبت تقيمه كسرته) أي: فإن أردت أن تعدله وترده إلي الاستقامة كسرته وأفسدت تركيبه، لعدم قابليته لذلك، والضمير يعود على الضلع.\n\nقوله: (وإن تركته لم يزل أعوج) أي: وإن تركته ولم تأخذ في إقامته لم يفارق طبيعته، بل يبقى على اعوجاجه؛ لأنه وصفه وشأنه، وكذا المرأة إن أردت الانتفاع بها وصبرت على سوء حالها وضعف معقولها، ونحو ذلك من عِوَجِها دام الأمر، واستمرت العشرة، وإن أردت إقامتها على الجادة وعدم اعوجاجها لم تحصل على ما تريد، بل يؤدي ذلك إلى الشقاق والفراق، وهو كسرها.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم أذى الجار، وأن إيذاءه خلل في الإيمان، سواء أكان إيذاء بالقول أم بالفعل؛ لأن الأذي بغير حق محرم لكل أحد، ولكن في حق الجار هو أشد تحريمًا، قال النبي - ﷺ -: \"والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن\"، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: \"من لا يأمن جاره بوائقه\" (^١). قال الحافظ: (فيه نفي الإيمان عمن يؤذي جاره بالقول أو الفعل، ومراده الإيمان الكامل، ولا شك أن العاصي غير كامل الإيمان) (^٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه\" (^٣) والبوائق: الشرور.\nوسيأتي -إن شاء الله- أحاديث في حقوق الجار في كتاب \"الجامع\" آخر \"البلوغ\".\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠١٦) من حديث أبي شريح - ﵁ -.\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٤٤).\n(^٣) رواه البخاري (٦٠١٦)، ومسلم (٤٦) واللفظ له.","vol":"7","page":331},{"text":"* الوجه الرابع: الحديث دليل على عناية الإسلام بشأن المرأة حيث جاءت الوصية بالنساء خيرًا، وتكررت في هذا الحديث وفي مناسبات متعددة، كررها النبي - ﷺ - تأكيدًا على ضرورتها، وبيانًا لفائدتها، وذلك لضعف النساء واحتياجهن إلى من يقوم بأمرهن، وفي عناية الإسلام بالمرأة ورعايتها محافظةٌ على بناء الأسرة وسلامة المجتمع.\n\n* الوجه الخامس: في الحديث توجيه نبوي ودرس تربوي لمعاملة النساء بالتسامح والصبر، وذلك يتم بالمعاشرة الطيبة، والتحمل لما قد يحصل منها ما دام ذلك لا يخل بالدين والشرف والعفاف، وغض النظر عن كثير من اعوجاجها؛ لأن الرجال أقدر على الاحتمال والصبر منهن.\nوعلى الزوج أن يجتهد في إصلاحها وتوجيهها حتى تستقيم الحال، وتدوم العشرة، وتبقى المودة والمحبة؛ لأن قوله - ﷺ -: \"فاستوصوا بالنساء خيرًا\" فيه إشعار بأنه ينبغي تقويمها وتوجيهها برفق بحيث لا يبالغ الرجل في ذلك فيكسر، ولا يتركه فيستمر على عوجه.\nأما من يحاسب على كل شيء، ويجحد الحسنات، ويظهر السيئات، فهذا ليس من خلق المؤمن، وليس من العشرة المطلوبة شرعًا، وغالبًا ما تجد هذا المصنف من الناس في عذاب ونكد، وقد قال النبي - ﷺ -: \"لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر\" (^١)، وقوله: (لا يفرك) بفتح الياء وإسكان الفاء وفتح الراء، يقال: فَرِكَ -بكسر الراء- يَفْرَكُ -بفتحها- فرِكًا وفرَكًا إذا أبغض، والمعنى: لا يبغض المرأة بغضًا تامًّا يحمله على فراقها؛ لأنه إن وجد فيها خلقًا يكره وجد فيها خلقًا مرضيًّا، بأن تكون شَرِسَةَ الخُلُقِ، لكنها ديّنة أو جميلة أو رفيقة به ونحو ذلك (^٢).\nوكثير من الأزواج يريدون الكمال في زوجاتهم، وهذا شيء غير ممكن، وبذلك يقعون في النكد، ويُحرمون من الاستمتاع والمتعة بهن، وربما أدى ذلك إلى الطلاق. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٧٠).\n(^٢) \"شرح النووي\" (١٠/ ٣١١ - ٣١٢).","vol":"7","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-851>نهي من طالت غيبته أن يطرق أهله ليلًا</span>\n١٠٢١/ ٤ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - في غَزاةٍ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، فَقَال: \"أَمْهِلُوا حَتَّى تدخلوا لَيلًا - يَعْنِي عِشَاءً - لِكَي تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ\"، مُتَّفقٌ عَلَيهِ.\nوفي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: \"إِذَا أَطَال أَحَدُكُمْ الْغَيبَةَ فلَا يَطْرُق أَهْلَهُ لَيلًا\".\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب \"النكاح\"، باب (تزويج الثيبات) (٥٠٧٩)، ومسلم (٧١٥) (٥٧) من طريق سيار (^١)، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله -﵂-، قال: قفلنا مع النبي - ﷺ - من غزوة، فتعجلت على بعير لي قَطوف، فلحقني راكب من خلفي، فنخس بعيري بعنزة كانت معه، فانطلق بعيري كأجود ما أنت راءٍ من الإبل، فإذا النبي - ﷺ -، فقال: \"ما يعجلك\" قلت: كنت حديث عهد بعرس، قال: \"أبكرًا أم ثيبًا\"؟ قلت: ثيبًا، قال: \"فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك\" قال: فلما ذهبنا لندخل … الحديث.\nوأخرجه البخاري -أيضًا- في باب (لا يطرق أهله ليلًا إذا أطال الغيبة …) (٥٢٤٤) من طريق عاصم بن سليمان، عن الشعبي، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا أطال أحدكم … \" الحديث.\nولعل الحافظ ذكر رواية البخاري لأمرين:\n_________\n(^١) هو أبو الحكم العنزي.","vol":"7","page":333},{"text":"الأول: أن فيها تقييد النهي بطول الغيبة.\nالثاني: ليعرف طالب العلم الجمع بين قوله: (أمهلوا حتى تدخلوا ليلًا) وبين قوله: (فلا يطرق أهله ليلًا).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (في غزاة) بفتح الغين المعجمة؛ أي: غزوة، والمراد بها: غزوة تبوك.\n\nقوله: (ذهبنا لندخل) أي: نهارًا.\n\nقوله: (أمهلوا) بفتح الهمزة، أمر من الإمهال، وهو التريث والانتظار.\n\nقوله: (حتى تدخلوا ليلًا) هذا لا يعارض قوله: (فلا يطرق أهله ليلًا) لأن المراد بالليل هنا: أوله، وهو وقت العشاء، كما جاء مفسرًا في سياق الحديث، وأما الليل المنهي عن الدخول فيه على الأهل فهو ما كان بعد ذلك مما تكون فيه المرأة قد نامت غالبًا، وقيل: إن الأول لمن عُلم خبر مجيئه والعلم بوصوله؛ لأن الصحابة - ﵃ - انتظروا خارج المدينة لأجل يبلغ قدومهم إلي المدينة، وتتأهب النساء وغيرهن، وحديث النهي عن الطروق لمن قدم بغتة.\n\nقوله: (لكي تمتشط …) هذا تعليل وبيان لحكمة الأمر بالإمهال والانتظار، وقد جاء في حديث النهي عن الطروق التنبيه على علة أخرى، وهي أنه لا يطرقهم يتخونهم، ويطلب عثراتهم (^١).\nومعنى (تمتشط) تسرح شعرها بالمشط وترتبه، يقال: مشطت المرأة شعرها بالمشط: سرحته.\nو(الشعثة) بفتح الشين وكسر العين، هي التي انتشر شعرها وتفرق.\n\nقوله: (وتستحد) بفتح التاء، وإسكان السين؛ أي: تزيل الشعر\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٣/ ٧٦٧).","vol":"7","page":334},{"text":"المرغوب في إزالته بالموسى، وهي الحديدة، أو بأي مزيل كان، وإنما عبر بالاستحداد؛ لأنه الغالب في إزالة الشعر.\n\nقوله: (المغيبة) بضم الميم، هي التي غاب عنها زوجها، ويقال: أغابت المرأة فهي مُغيبة، وأشهدت: إذا حضر زوجها، فهي: مُشهد بغير هاء (^١).\n\nقوله: (فإذا أطال أحدكم الغيبة) فيه تقييد النهي بطول الغيبة، فيفهم منه أن من يخرج لحاجته نهارًا ويرجع ليلًا لا يتأتى له ما يُحْذر من الذي يطيل الغيبة، لكن جاء في رواية أخرى أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يطرق الرجل أهله ليلًا (^٢)، فظاهر هذا التعميم في طويل السفر وقصيره، ويمكن الجمع بأن من تتوقع زوجته إتيانه مدة غيبته لقصرها فلا بأس بالطروق ليلًا وإلا فهو كالطويل (^٣).\n\nقوله: (فلا يطرق أهله ليلًا) بفتح الياء وضم الراء مضارع طرق، من باب (قتل)، والطروق: المجيء بالليل من سفر أو من غيره على غفلة، ويقال لكل آت بالليل: طارق، وعلى هذا فذكر الليل من باب التبيين والتوكيد.\nوالقول الثاني: أن أصل الطروق الدفع والضرب، وبذلك سميت الطريق؛ لأن المارة تدفعها بأرجلها، وسمي الآتي بالليل طارقًا؛ لأنه يحتاج غالبًا إلى دق الباب.\nوالقول الثالث: أن أصل الطروق السكون، ومنه أطرق رأسه، ولما كان الليل يسكن فيه سمي الآتي بالليل طارقًا.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي المسافر الذي طالت غيبته عن زوجته أن يقدم على أهله ليلًا إذا لم يعلموا بقدومه، وما ذلك إلا خشية أن يقع نظره على ما يكره، من عدم تزين امرأته وتنظفها، فيؤدي ذلك إلى نفرته منها، وهو مشتاق إليها راغب فيها.\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٤/ ٢١٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٠١)، ومسلم (٣/ ١٥٢٧ - ١٥٢٨).\n(^٣) \"دليل الفالحين\" (٣/ ٤٨٣).","vol":"7","page":335},{"text":"وذلك أن المرأة قد لا يكون تنظفها وتزينها في غيبة زوجها كتنظفها وتزينها في حضوره، فتكره أن يفاجئها زوجها على حالة لا ترضاها.\nأما من أعلم أهله بقدومه في وقت كذا برسالة أو هاتف أو خبر، فإن النهي لا يتناوله، لزوال المحذور، قال ابن أبي جمرة: (فيه النهي عن طروق المسافر أهله على غرة من غير تقدم إعلام منه لهم بقدومه) (^١).\n\n* الوجه الرابع: ما جاء في هذا الحديث من التوجيه النبوي هو من محاسن الشريعة وكمالها، حيث راعت هذه الأمور الدقيقة بين الزوجين، فلا خير إلا جاءت به، وأرشدت إليه، ولا شر إلا نبهت عليه، وحذرت منه.\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه ينبغي للمرأة أن تتزين لزوجها وأن تظهر أمامه بالمظهر اللائق: في حسن الملبس، وطيب الرائحة، وحسن العشرة؛ لأن ذلك سبب لجلب المودة بين الزوجين ودوام المحبة والوئام. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"بهجة النفوس\" لابن أبي جمرة (٤/ ٨٦)، \"فتح الباري\" (٩/ ٣٤٠).","vol":"7","page":336},{"text":"<span data-type='title' id=toc-852>تحريم إفشاء الرجل سرَّ زوجته</span>\n١٠٢٢/ ٥ - عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - ﵁ - قَال: قال رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وتُفْضِي إِلَيهِ، ثُمّ يَنْشُرُ سرَّهَا\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"النكاح\"، باب (تحريم إفشاء سر المرأة) (١٤٣٧) من طريق عمر بن حمزة العمري، حدثنا عبد الرحمن بن سعد، قال: سمعت أبا سعيد الخدري - ﵁ - يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته … \" الحديث.\nوعمر بن حمزة وإن احتج به مسلم، فقد تكلم فيه العلماء، فقد ضعفه الإمام أحمد وقال: (أحاديثه أحاديث مناكير)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، ونقل ابن عدي بسنده عن عثمان بن سعيد قال: (قلت ليحيى بن معين: ما حال عمر بن حمزة الذي روي عن سالم؟ قال: ضعيف) (^١)، وأورد الذهبي حديثه هذا في ما أُنكر عليه (^٢)، وقد ترجم له البخاري في \"تاريخه\" وسكت عنه، وعلق له في \"صحيحه\" بصيغة الجزم في موضعين (^٣)، واحتج به مسلم.\nوقد ذكر ابن حبان عمر بن حمزة في \"الثقات\" (^٤) وقال: (كان ممن\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٥/ ١٩).\n(^٢) \"الميزان\" (٢/ ١٩٢).\n(^٣) انظر: \"التاريخ الكبير\" (٦/ ١٤٨)، \"فتح الباري\" (٢/ ٤٩٤) (٢/ ١٩٢).\n(^٤) (٧/ ١٦٨).","vol":"7","page":337},{"text":"يخطئ)، وقال الحافظ في \"تهذيبه\" (أخرج الحاكم أحاديثه في \"المستدرك\"، وقال: أحاديثه مستقيمة) (^١).\nوالحديث له شواهد تؤيده وإن كانت لا تخلو من مقال، لكنها باجتماعها يقوي بعضها بعضًا، ومن ذلك حديث أسماء بنت يزيد أنها كانت عند رسول الله - ﷺ - والرجال والنساء قعود عنده، فقال: \"لعل رجلًا يقول ما يفعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها\" فَأَرَمَّ القوم، فقلت: إي والله يا رسول الله إنهن ليقلن، وإنهم ليفعلون، قال: \"فلا تفعلوا، فإنما ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة فغشيها والناس ينظرون\" (^٢).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إن شر الناس …) في بعض نسخ \"البلوغ\": (إن أشر الناس)، والذي في \"صحيح مسلم\": (إن من أشر الناس) بإثبات (من) وهي تدل على أنه من أشر الناس، لا أنه أشرهم، ولعل (من) سقطت، أو أن المصنف كتبه من حفظه.\nو(أشر) أفعل تفضيل، وقد ذكر النحويون أنه بحذف الهمزة لا بإثباتها، فيقال: شر منه وخير منه، قال تعالى: ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [مريم: ٧٥] وقال تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ أَمَلًّا﴾ [الكهف: ٤٦] وحذف الهمزة لكثرة الاستعمال، لكن إثباتها في هذا الحديث دليل على جواز اللغتين، والحذف أكثر.\n\nقوله: (الرجل يفضي إلى امرأته) أصل الإفضاء في اللغة: المخالطة، وأفضى الرجل إلى امرأته: جامعها، أو خلا بها جامع أو لا، لكن الظاهر أن\n_________\n(^١) (٧/ ٤٣٧).\n(^٢) أخرجه أحمد (٤٥/ ٥٦٤ - ٥٦٥)، وفيه شهر بن حوشب متكلم فيه، وحفص السراج روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٦/ ١٩٨)، ومما يشهد له عموم أحاديث حفظ الأمانة، والنهي عن إفشاء السر وكل ما يسبب الوحشة والنفرة بين الزوجين.","vol":"7","page":338},{"text":"المراد هنا الجماع، وخص الرجل بالذكر؛ لأن الغالب وقوع ذلك الأمر من الرجال، و(أل) في الرجل لتعريف الجنس؛ لأنه لا يقصد به معين، فهو في حكم النكرة، ولذا وصف بالجملة المصدرة بالمضارع، ومثله قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] وقول الشاعر:\nولقد أَمرُّ على اللئيم يسبني … فمضيتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يعنيني\n\nقوله: (ثم ينشر سرها) أي: ما جرى بينه وبينها حال المخالطة والوقاع.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم إفشاء الرجل سر زوجته وما يقع بينه وبينها من أمور الجماع ووصف تفاصيل ذلك، وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل ونحوه، وكذا المرأة منهية عن ذلك، لاستواء الرجال والنساء في الأحكام إلا ما دل عليه الدليل، ولأن علة النهي موجودة، وحديث أسماء المتقدم يؤيد ذلك، والدليل على تحريم ذلك من وجهين:\nالأول: وصف فاعله بأنه أسوأ الناس منزلة عند الله تعالى في الدار الآخرة.\nالثاني: وصفه بأنه شيطان وشيطانة، مع ما يدل عليه من الوقاحة وسوء الأدب، والعاقل يصرف وقته في طاعة الله، وحديثه في فائدة، ويحذر اللغو الذي قد يؤاخذ عليه، وقد قال النبي - ﷺ -: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت\".\n\n* الوجه الرابع: في هذا النهي دلالات أبرزها ما يلي:\n١ - تربية الزوجين على حفظ أسرارهما، ومحافظة كل منهما على ما قد يقع عليه من مستور الآخر.\n٢ - حفظ اللسان من اللغو والكلام الذي لا فائدة فيه.\n٣ - عناية الإسلام بالبيوت وتحصينها من أسباب الفشل والانهيار.\n٤ - الحض على حسن العشرة بين الزوجين، والبعد عن كل ما قد يسبب سوء العشرة.","vol":"7","page":339},{"text":"* الوجه الخامس: ذكر أهل العلم أنه إذا دعت الحاجة إلي ذكر الجماع أو ترتب عليه فائدة؛ كأن يحتاج الزوجان إلى ذكر ما يكون بينهما عند الحاكم، فإن ذلك يجوز بقدر الضرورة، ومن أدلة ذلك حديث عائشة - ﵄ - في قصة امرأة رفاعة لما تزوجها عبد الرحمن بن الزبير القرظي وادعت ضعفه في الجماع، وفيه: قال عبد الرحمن: (كذبتْ، والله يا رسول الله. إني لأنفضها نفض الأديم …) الحديث (^١)، ومنها حديث أنس - ﵁ - في قصة أبي طلحة مع زوجه أم سُليم، وفيه فقال النبي - ﷺ -: \"أعرستم الليلة\"؟ قال: نعم، قال: \"اللهم بارك لهما في ليلتهما\" فولدت غلامًا .. (^٢)، ومنها حديث عائشة - ﵄ - أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يجامع أهله ثم يُكْسِلُ، هل عليهما الغسل، وعائشة جالسة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل\" (^٣) .. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٨٢٥)، ومسلم (١٤٣٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٤٧٠)، ومسلم (٢١٤٤).\n(^٣) أخرجه مسلم (٣٥٠) وتقدم في \"الغسل\" من كتاب \"الطهارة\"، ومعني (يُكسل): يضعف عن الإنزال.","vol":"7","page":340},{"text":"<span data-type='title' id=toc-853>من حقوق الزوجة على زوجها</span>\n١٠٢٣/ ٦ - عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوَيةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا حَقُّ زَوْجِ أَحَدِنَا عَلَيهِ؟ قَال: \"تُطْعِمُهَا إِذَا أَكَلْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اكتَسَيتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إلا في الْبَيتِ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ وَعَلَّقَ الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ والْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٣٣/ ٢١٧)، وأبو داود في كتاب \"النكاح\"، بابٌ (في حقوق المرأة على زوجها) (٢١٤٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨/ ٢٦٩)، وابن ماجه (١٨٥٠)، وابن حبان (٩/ ٤٨٢)، والحاكم (٢/ ١٨٧ - ١٨٨) كلهم من طريق أبي قزعة الباهلي، عن حكيم بن معاوية القشيري، عن أبيه، قال: … وذكر الحديث.\nوهذا حديث رجاله ثقات، وقد صححه ابن حبان والحاكم، وسكت عنه الذهبي، وحسنه الألباني (^١). ولعل ذلك من أجل حكيم بن معاوية، فقد قال عنه الحافظ: (صدوق). وقد تقدمت ترجمته وترجمة والده معاوية في كتاب \"الزكاة\" عند الحديث (٦٠٥).\nوقد علق البخاري في \"صحيحه\" بعضه بصيغة التمريض، في كتاب\n_________\n(^١) \"آداب الزفاف\" ص (٢٨٠).","vol":"7","page":341},{"text":"\"النكاح\"، باب (هجرة النبي - ﷺ - نساءه في غير بيوتهن) فقال: (ويذكر عن معاوية بن حيدة رفعه: \"غير ألا تهجر إلا في البيت\" (^١).\nوهذا الحديث سيذكره الحافظ مرة أخرى في باب \"النفقات\"، مع اختلاف يسير في ألفاظه عما هنا.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ما حق زوج أحدنط) أي: زوجة أحدنا، والأكثر حذف التاء، وهو الذي جاء في القرآن وأكثر الأحاديث، قال تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] وجاء إثباتها كما في قوله - ﷺ -: \"لكل رجل منهم زوجتان، يري مخ سوقهما من وراء اللحم … \" الحديث (^٢). وأما في الفرائض فيقال: زوج وزوجة؛ للتفريق بينهما في الميراث.\n\nقوله: (ولا تقبح) بضم التاء وفتح القاف وتشديد الباء؛ أي: لا تشتم وتسب؛ كأن تقول: قبح الله وجهك، ولا تَعِبْ حديثها، ومنه في حديث أم زرع: (فعنده أقول فلا أُقبَّحُ) (^٣)؛ أي: فلا يقبح قولي عليّ ويرده، بل يقبل مني.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يجب على الزوج أن يطعم زوجته من طعامه ويكسوها من كسوته، وكل هذا مقيد بالسعة والمعروف، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقال النبي - ﷺ - في حجة الوداع: \"ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف\" (^٤). وسيأتي الكلام على نفقة الزوجة في باب \"النفقات\" إن شاء الله تعالى.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على نهي الزوج أن يضرب زوجه في وجهها؛ لأن الوجه مجمع المحاسن، وهو لطيف، فيظهر فيه أثر الضرب، وربما شأنه، ولأنه مجمع الحواس كالعين والأذن، وربما آذاها الضرب، وقد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٠٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٢٤٥)، ومسلم (٢٨٣٤).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٤٤٨).\n(^٤) أخرجه مسلم، وسيأتي في كتاب \"النفقات\".","vol":"7","page":342},{"text":"ورد عن جابر - ﵁ - قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه) (^١). وهذا يدل على أن النهي عام في الآدمي من الزوجة والولد والتلميذ وغيرهم، وكذا الحيوان مثل الحمير والخيل والبغال والغنم، وغيرها، وهو في الآدمي أشد، لما تقدم، وسيأتي لهذا مزيد بيان في \"الحدود\" إن شاء الله تعالى.\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على جواز ضرب الزوجة؛ لأن الشرع ما نهي عن الضرب، وإنما خص النهي بضرب الوجه، فإذا وجد ما يوجب تأديب الزوجة بالضرب فله أن يضربها، بشرط أن يكون ضربًا خفيفًا، وأن يتجنب الوجه وكل ما يخشى عليه الضرر؛ لأن المقصود من الضرب الإصلاح والتأديب، لا الإتلاف والتشويه، قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] وقد دلت الآية الكريمة على التدرج في معالجة الزوجة، وأن الضرب هو آخر مراحل العلاج.\n\n* الوجه السادس: في الحديث دليل على جواز هجر الزوج زوجته بالقدر الذي يراه مناسبًا لتأديبها، وشرط ذلك ألا يكون خارج البيت بحيث يتركها وحدها، لما يترتب عليه من الوحشة والمفاسد التي لا تحمد عقباها، بل يكون هجرها في البيت، فلا يكلمها، أو يغلظ لها في القول، أو يهجرها في المضجع، بحيث ينام معها على فراش واحد، ولا يجامعها، قال تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. وهذا قول ابن عباس -﵄-، واختاره القرطبي وابن كثير (^٢).\nوليس له مدة معينة، أما الهجر في الكلام فهو مقيد بثلاثة أيام فما دونها، وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب \"الجامع\" إن شاء الله تعالى.\nوقد ثبت في حديث أنس - ﵁ -: (أن النبي - ﷺ - آلى من نسائه شهرًا، وقعد في مشرُبة له …) (^٣) أخرجه البخاري في باب قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢١١٦).\n(^٢) \"تفسير القرطبي\" (٥/ ١٧١)، \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٢٥٧).\n(^٣) المشربة: بضم الراء وفتحها، هي الغرفة العالية. [\"فتح الباري\" (٥/ ١١٦)].","vol":"7","page":343},{"text":"قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ إلي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤] (^١) قال الحافظ: (بسياق الآية تظهر مطابقة الترجمة؛ لأن المراد منها قوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ فهو الذي يطابق قوله: (آلى من نسائه شهرًا) لأن مقتضاه أنه هجرهن)، وهذا يدل على جواز الهجر في غير البيت.\nوقد اختلف العلماء في الجمع بين هذا الحديث وحديث الباب، فمن أهل العلم من قدم حديث أنس - ﵁ - على حديث الباب، فأجاز الهجر في غير البيت، وهذا رأي البخاري، فإنه لما ذكر حديث معاوية بن حيدة معلقًا في باب (هجرة النبي - ﷺ - نساءه في غير بيوتهن) قال: (الأول أصح) أي: الهجر في غير البيوت أصح إسنادًا.\nوقال آخرون: إن الحصر المذكور في حديث الباب غير معمول به، بل يجوز الهجر في غير البيوت، كما فعل النبي - ﷺ -، وهذا رأي ابن المنير، كما نقله عنه الحافظ.\nوقيل: إن ذلك يختلف باختلاف الأحوال (^٢)، وقيل: إن كان عنده امرأة واحدة هجرها في البيت، وإن كان عنده أكثر من واحدة هجرهن خارج البيت؛ لفعل النبي - ﷺ -، وهذا رأي الشيخ عبد العزيز بن باز.\n\n* الوجه السابع: في الحديث دليل على أنه لا ينبغي للزوج تقبيح زوجته، وذلك باستعمال الألفاظ السيئة التي تسبب سوء العشرة والنفرة بين الزوجين، مثل: قبحك الله، أو قاتلك الله، أو لعنك الله، وما أشبه ذلك من السب، بل عليه أن يخاطبها المخاطبة الطيبة التي تدعو إلي رقتها عليه وطاعتها له وميلها. لكن من الملاحظ أن سيرة كثير من الناس مع النساء سيرة قبيحة ومعاملة سيئة إلا من عصم الله، وهذا سببه ضعف الإيمان، وقلة العلم والبصيرة والفقه في الدين، كما ساءت سيرة كثير من الزوجات لذلك، فإذا قوي الإيمان وتنور القلب بالعلم أدي كل منهما ما عليه للآخر من حقوق ودامت العشرة الطيبة والمعاملة الحسنة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٥٢٠١).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٣٠١).","vol":"7","page":344},{"text":"<span data-type='title' id=toc-854>جواز إتيان الزوجة على أي صفة إذا كان في القُبُل</span>\n١٠٢٤/ ٧ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَال: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إذَا أَتَي الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا في قُبُلِهَا كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، مُتَّفَق عَلَيه، وَاللَّفْظُ لمُسْلِمٍ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"التفسير\"، باب (قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (٤٥٢٨)، ومسلم (١٤٣٥) (١١٧) من طريق سفيان، عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله - ﵄ - يقول: … وذكر الحديث.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا أتى الرجل امرأته) أي: واقعها وجامعها.\n\nقوله: (من دبرها) أي: من جهة الدبر.\n\nقوله: (في قبلها) أي: في فرجها.\n\nقوله: (كان الولد أحول) أي: جاء الولد الذي يثمره هذا الوطء أحول، والحول: بالفتح، ميلان في بياض العين وسوادها.\nقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ﴾ أي: زوجاتكم.\nقوله تعالى: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أصل الحرث: محل الإنبات، والمراد به في المرأة: موضع النسل، وهو الفرج. وموضع الحرث معروف في الأنثى بالفطرة التي فطر الله خلقه عليها، حتى الحيوانات العجماوات والوحوش المفترسة لا","vol":"7","page":345},{"text":"تعرف غير هذا السبيل، ولذلك استمرت الخليقة الحيوانية وتكاثرت في الأرض.\nقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ أي: واقعوا زوجاتكم في موضع الحرث، وهو الفرج.\nقوله تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: من أين شئتم، والمراد من أي جهة شئتم إذا كان ذلك في القُبل، وقد دل على ذلك سبب النزول.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز إتيان المرأة من أي جهة ما دام أن الجماع في القبل، فله أن يواقعها مقبلة ومدبرة ومستلقية وعلىجنب، وعلى أي جهة، وقد بين هذا الحديث أن معنى قوله تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: فأتوهن في القبل على أي حالة شئتم، وليس معناها: من أي مكان شئتم، بحيث يستدل بها على إباحة وطء الزوجة في دبرها؛ لأن سبب النزول عَيَّنَ المراد، وقد تقدم الكلام على تحريم وطء المرأة في الدبر.\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على بطلان عقيدة اليهود وفِرْيتهم حيث زعموا أن الرجل إذا واقع امرأته من ورائها في فرجها جاء الولد أحول، فقد دل الحديث على أن الرجل له أن يجامع زوجته على أي هيئة إذا كان ذلك في القبل، وأن هذا ليس له أثر على صورة الولد وخَلْقه. والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":346},{"text":"<span data-type='title' id=toc-855>ما يستحب أن يقوله عند الجماع</span>\n١٠٢٥/ ٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: قَال رسُولُ اللهِ - ﷺ -: (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأتِيَ أَهْلَهُ قَال: بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمّ جَنِّبْنَا الشَّيطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَينَهُما وَلَدٌ في ذلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيطَانُ أَبدًا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في عدة مواضع من \"صحيحه\"، ومنها في كتاب \"النكاح\"، باب (ما يقول الرجل إذا أتى أهله) (٥١٦٥)، ومسلم (١٤٣٤) من طريق منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس -﵄-، قال: … فذكر الحديث، وهذا لفظ مسلم.\nوفي هذا الإسناد اجتمع ثلاثة من التابعين، وهم منصور بن المعتمر، وسالم بن أبي الجعد، وكريب، وهذا من لطائف الإسناد عند العلماء (^١).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لو أن أحدكم) هذا لفظ البخاري في كتاب \"الوضوء\" (^٢) وغيره، ولفظ مسلم: \"لو أن أحدهم\" وهو عند البخاري أيضًا، ومرجع الضمير يفسره سياق الكلام؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١]. و(أن) بفتح\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٤٢).\n(^٢) رقم (١٤١).","vol":"7","page":347},{"text":"الهمزة بتقدير فعل بعد (لو) لاختصاصها به؛ أي: لو ثبت أن أحدكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ [الحجرات: ٥].\n\nقوله: (أهله) أي: زوجته.\n\nقوله: (بسم الله) الجار والمجرور متعلق بمحذوف يقدر متأخرًا؛ أي: بسم الله أتحصن.\n\nقوله: (ما رزقتنا) ما اسم موصول، فيدخل في ذلك الجماع؛ لأن الرزق ما ينتفع به البدن، والجماع منه، لما فيه من الفائدة للبدن، ويدخل فيه الولد بغرض حصوله؛ لأنه من الرزق.\n\nقوله: (لم يضره الشيطان) هكذا في البلوغ، والذي في \"صحيح مسلم\" (لم يضره شيطان) والفعل (يضر) بفتح الراء مشددة؛ لأنه مضعف، والفتح أخف الحركات، ويجوز الضم، فتحرك اللام بحركة العين للإتباع.\nوحذف المعمول في قوله: (لم يضره) لإفادة العموم، وظاهر ذلك أن الشيطان لا يضره في دينه ولا بدنه، وسيأتي ما فيه.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب التسمية والدعاء المذكور عند إرادة الجماع، وأن الإنسان يحرص على ذلك حتى يكون عادة له، عملًا بتوجيه النبي - ﷺ - وحرصًا على أن يكون الولد محفوظًا مصونًا من الشيطان، وناشئًا على الطريقة المستقيمة ببركة هذا الدعاء العظيم، مع ما فيه من الاعتصام بذكر الله تعالى ودعائه من الشيطان.\n\n* الوجه الرابع: اختلف العلماء في المراد بالضرر المنفي في قوله: (لم يضره الشيطان أبدًا)، والحديث ظاهره العموم في أنواع الضرر الديني والبدني، لكن ذكر القاضي عياض أنه لم يحمله أحد على هذا العموم (^١)، وكأن سبب ذلك ما ثبت في \"الصحيح\" أن كل بني آدم يطعن الشيطان في بطنه حين يولد إلا من استثني، وهذا الطعن نوع من الضرر.\n_________\n(^١) \"إكمال المعلم\" (٤/ ٦١٠).","vol":"7","page":348},{"text":"فمن أهل العلم من خصه بالضرر في البدن أو العقل دون الضرر في الدين، وهذا اختيار ابن دقيق العيد؛ لأنه وإن كان التخصيص على خلاف الأصل؛ لأن الأصل حمل اللفظ على عمومه، لكنه لو حمل على عمومه لاقتضى أن ما يقدر في هذا الجماع من الولد سيكون معصومًا من المعاصي كلها، وقد لا يتحقق ذلك، ولا بد من وقوع ما أخبر به النبي - ﷺ -، بل حمله بعضهم على ما هو أخص من ذلك، وهو أن المراد به أن الشيطان لا ينخسه عند ولادته، كما ينخس غيره.\nوقيل: معناه: إن الشيطان لا يسلط عليه تسلطًا يخرجه به عن الإسلام والفطرة، وقد يمسه الشيطان لكنه سرعان ما يثوب إلي رشده، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١] وإلي هذا يميل الشيخ ابن باز.\nوقيل: إن الشارع جعل لكل شيء أسبابًا وموانع، فإذا وجدت الأسباب وانتفت الموانع، وجد ما رتب على السبب، وإن لم توجد الأسباب، أو وجدت ولكن حصل معها شيء من الموانع لم يقع، فهنا قد يسمي المجامع ويدعو، ولكن توجد موانع تقتضي إبطال السبب أو ضعفه فلا يتحقق المطلوب، وهذا اختيار الشيخ عبد الله البسام (^١).\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن الشيطان ملازم لابن آدم في كل حال من أحواله، وأنه يتابع أعماله ليجد الفرصة في إغوائه وإضلاله ما استطاع، وهو يجري من ابن آدم مجري الدم، فهو على خيشومه إذا نام، وعلى قلبه إذا استيقظ، فإذا غفل وسوس، وإذا ذكر الله خَنَسَ، والمُوفَّق هو الذي لا يدع للشيطان فرصة، وذلك باستحضار ذكر الله تعالى، والاستعاذة به من شر الشيطان، أعاذنا الله الكريم منه.\n_________\n(^١) \"تيسير العلام\" (٣/ ٤٣).","vol":"7","page":349},{"text":"<span data-type='title' id=toc-856>نهي المرأة عن الامتناع من فراش زوجها</span>\n١٠٢٦/ ٩ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأتُهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ، لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبحَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.\nوَبمُسْلِمٍ: \"كَانَ الَّذِي في السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا\".\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"النكاح\"، باب (إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها) (٥١٩٣)، ومسلم (١٤٣٦) من طرق، عن أبي حازم، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nوأخرجه مسلم (١٤٣٦) (١٢١) من طريق يزيد يعني: ابن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها\". وفي رواية لهما: \"لعنتها الملائكة حتى ترجع\".\nوسأذكر -إن شاء الله- غرض الحافظ من إيراد رواية مسلم، ثم الجمع بين هذه الروايات.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إلى فراشه) الظاهر أن هذا كناية عن الجماع، ويؤيده حديث:","vol":"7","page":350},{"text":"\"الولد للفراش\" (^١) أي: لمن يطأ في الفراش، والكناية عما يستحيا منه كثير في الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (^٢) [البقرة: ١٨٧].\n\nقوله: (لعنتها الملائكة) يحتمل أن المراد بالملائكة: الحفظة، ويحتمل أنهم غيرهم، واستظهر العيني أنهم غيرهم (^٣)، ذلك أن للملائكة أعمالًا يقومون بها دلت عليها النصوص، فلا يبعد أن يكون هناك ملائكة موكلون بأمور، هذا منها، وقد وقع عند البخاري في \"بدء الوحي\"، وعند مسلم (^٤): \"فبات غضبان عليها\" وهذه الجملة تفيد أن وقوع اللعن المرتب على ثبوت معصيتها مقيد بغضب الزوج، بخلاف ما إذا لم يغضب؛ لأنه قد يكون عَذَرَها أو ترك حقه من ذلك، فتكون هذه الجملة قيدًا لما أطلق في رواية البخاري في كتاب \"النكاح\".\n\nقوله: (حتى تصبح) في رواية \"الصحيحين\" كما تقدم: \"حتى ترجع\" قال الحافظ: وهي أكثر فائدة. والأولي \"حتى تصبح\" محمولة على الغالب؛ لأن قوله: \"حتى تصبح\" ظاهره اختصاص اللعن بما إذا وقع الامتناع منها ليلًا دون النهار، وليس هذا بقيد، وإنما ذكر ذلك لأن مظنة هذا الطلب يكون ليلًا في الغالب، وكأن السر تأكيد ذلك في الليل وقوة الباعث إليه، وإلا فهو عام في الليل والنهار، بل قد يكون النهار آكد في النهي؛ لحديث: \"إذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله؛ فإن ذلك يَرُدُّ ما في نفسه\" (^٥) ومعلوم أن ذلك خوف الفتنة، ويؤيد ذلك رواية مسلم: \"حتى يرضى عنها\" فإنها مطلقة تتناول الليل والنهار، وبهذا تظهر الفائدة من إيراد المصنف رواية مسلم، فتكون إجابته واجبة ليلًا ونهارًا، ويبقى اللعن مستمرًا حتى ترجع أو يرضى عنها.\nوعلى هذا فالروايات ثلاث: \"حتى تصبح\" متفق عليها، \"حتى يرضى\" عند مسلم، \"حتى ترجع\" متفق عليها، والجمع بينها من وجهين:\n_________\n(^١) سيأتي الكلام عليه في آخر باب \"العدة\" إن شاء الله تعالى.\n(^٢) \"بهجة النفوس\" (٣/ ٢٢٩).\n(^٣) \"بهجة النفوس\" (٣/ ٢٢٩)، \"عمدة القاري\" (١٦/ ٣٥٨).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٣٢٣٧) \"صحيح مسلم\" (١٤٣٦) (١٢٢).\n(^٥) أخرجه مسلم (١٤٠٣).","vol":"7","page":351},{"text":"الأول: ما تقدم من أن رواية \"حتى ترجع\" أكثر فائدة، ورواية \"حتى تصبح\" محمولة على الغالب.\nالثاني: أن رواية \"حتى تصبح\" محمولة على ما إذا لم يحصل رضا ولا رجوع، فاللعن ينتهي بطلوع الفجر، وأما روايتا: \"حتى يرضى\" \"حتى ترجع\" فمحمولة على ما إذا حصل ذلك فإن اللعن يتوقف.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب طاعة الزوجة لزوجها إذا طلبها إلى فراشه، وتحريم امتناعها من ذلك لغير عذر شرعي، وليس الحيض بعذر في الامتناع؛ لأن له حقًّا في الاستمتاع بها فوق الإزار.\nووجه الدلالة: لعن الملائكة لها، إذ لا يلعنون أحدًا إلا عن أمر الله، واللعن لا يكون إلا عقوبة، ولا عقوبة إلا على ترك واجب أو فعل محرم.\nوإنما وقع ترهيب المرأة وتهديدها إذا لم تلبِّ رغبة زوجها؛ لأن ذلك يؤدي إلى أضرار ومفاسد عظيمة، منها تعريض الزوج للوقوع في الحرام، ناهيك عن الأمراض الجسمية، وكذلك التوتر النفسي الذي ينتج عن الغضب.\nوهذا مقيد عند أهل العلم بما إذا أدى حقها من النفقة والكسوة والسكن، أما إذا منعها حقها أو ظلمها وتعدي عليها فإنه لا يلزمها السمع ولا الطاعة.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على رعاية الله تعالى لعبده، ولعن من عصاه في قضاء شهوته، فعلي العبد أن يوفي حقوق ربه التي طلبها منه وأمره بها، ويقوم بذكره وشكره، ويحسن عبادته، وإلا فما أقبح الجفا من العبد الحقير للملك الكبير.\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على قبول دعاء الملائكة للآدميين من خير أو شر، ولولا أن دعاءهم مقبول ما خوَّف النبي - ﷺ - به المرأة الممتنعة من فراش زوجها، وقد دل القرآن على ذلك، قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥].\n\n* الوجه السادس: استدل بهذا الحديث من قال: بجواز لعن المعين المتصف بشيء من المعاصي، ولا خلاف بين أهل العلم في جواز لعن الكفار جملة، كما لا خلاف في جواز لعن أصحاب المعاصي جملة كشُرَّاب الخمر،","vol":"7","page":352},{"text":"وأكلة الربا، ومن تشبه بالرجال من النساء، ومن النساء بالرجال، كما حكي ذلك القرطبي (^١).\nوإنما الخلاف في لعن العاصي المعين، وقد قال ابن العربي: إنه يجوز لعنه اتفاقًا (^٢)، وهذا فيه نظر، فإن الخلاف ثابت، كما قال القرطبي.\nفمن أهل العلم من أجاز لعن العاصي المعين، وهو اختيار النووي (^٣)، واستدلوا بهذا الحديث كما تقدم، وكذا حديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - مَرَّ عليه حمار قد وُسِمَ في وجهه، فقال: \"لعن الله الذي وسمه\" (^٤).\nوذهب آخرون إلى أنه لا يجوز لعن المعين؛ لأن اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وما ندري بما يختم لهذا الفاسق أو الكافر المعين، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥).\nوالدليل أن النبي - ﷺ - نهي عن لعن الصحابي الذي أُتي به وقد شرب الخمر (^٦).\nوهذا هو الأظهر -إن شاء الله- لقوة مأخذه، ولإمكان التوبة وغيرها من مسقطات العقوبة.\nوأما حديث جابر - ﵁ - فالمراد به لعن جنس فاعل ذلك، ويؤيد ذلك أن النبي - ﷺ - لما دعا على بعض الكفار بعد أُحُدٍ باللعنة والطرد من رحمة الله وعيَّنهم، نزل قوله تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].\nأما حديث الباب فلا دليل فيه لأمرين:\nالأول: أن التكليف بيننا وبين الملائكة مختلف، فليس لنا أن نتأسَّي بهم إلا بدليل.\nالثاني: أن هذا اللعن ليس بالخصوص، بل هو بالعموم بأن يقولوا: لعن الله من دعاها زوجها، لكن قد يشكل على هذا لفظ الحديث: (لعنتها)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تفسير القرطبي\" (٢/ ١٨٨).\n(^٢) \"أحكام القرآن\" (١/ ٥٠).\n(^٣) \"الأذكار\" ص (٣١٥).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢١١٧).\n(^٥) \"رفع الملام\" ص (٢٢).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١٢/ ٧٥).","vol":"7","page":353},{"text":"<span data-type='title' id=toc-857>تحريم وصل الشعر</span>\n١٠٢٧/ ١٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"اللباس\"، باب (الموصولة) (٥٩٤٠)، ومسلم (٢١٢٤) من طريق عبيد الله بن عبد الله العمري، قال: حدثني نافع، عن عبد الله بن عمر - ﵄ - مرفوعًا.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لعن الواصلة) تقدم أن اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى، ومن الخلق السب والدعاء، وهذه جملة خبرية لفظًا، إنشائية معنى.\nوالواصلة: هي المرأة التي تصل شعرها بشعر غيرها، سواء فعلته لنفسها أو لغيرها، قال أبو عبيد: (هذا في الشَّعَر) (^١)، وقال أبو داود: (وتفسير الواصلة: التي تصل الشعر بشعر النساء) (^٢)، وقال الهروي: (وأما الواصلة والمستوصلة فإنه في الشَّعَر، وذلك بأن تصله بشعر آخر)، وقال ابن منظور: (الواصلة من النساء التي تصل شعرها بشعر غيرها، والمستوصلة: الطالبة لذلك) (^٣).\n\nقوله: (والمستوصلة) هي التي تطلب فعل ذلك بها.\n_________\n(^١) \"غريب الحديث\" (١/ ١٦٦).\n(^٢) \"السنن\" (٤/ ٧٨).\n(^٣) \"اللسان\" (١١/ ٢٢٧).","vol":"7","page":354},{"text":"قوله: (والواشمة) هي فاعلة الوشم، وهو أن تغرز إبرة ونحوها في بدن المستوشمة حتى يسيل الدم، ثم تحشوه بالكحل أو النيل أو النورة أو غير ذلك حتى يخضر الموضع الموشوم أو يزرقَّ.\nوهو يكون في الوجه واليدين، وأكثر ما يكون في الشفة، ويتفنن المستوشم في استعمال الوشم، فبعضهم ينقش على يده قلبًا، أو اسم محبوبه، ونحو ذلك.\n\nقوله: (والمستوشمة) هي التي تطلب فعل الوشم فيها.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الوصل، وأنه لا يجوز للمرأة أن تصل شعرها بشعر آخر بقصد التزين، وذلك لأن لعن الواصلة والمستوصلة دليل على تحريم هذا الفعل، وأنه من كبائر الذنوب، وفيه تشبه باليهود، وفيه تدليس وغش؛ لأن الرسول - ﷺ - سماه الزور، وقد ورد عن سعيد بن المسيب أنه قال: (قدم معاوية المدينة آخر قدمة قدمها، فأخرج كَبَّةً من شعر، قال: ما كنت أرى أحدًا يفعل هذا غير نساء اليهود، إن النبي - ﷺ - سماه الزور، يعني: الواصلة بالشعر) (^١). والكبة: بفتح الكاف الخصلة من الشعر.\nأما وصل الشعر بشيء آخر غير الشعر كالحرير أو الصوف أو الخيوط الملونة ونحو ذلك مما لا يشبه الشعر، فمن أهل العلم من منعه، ونُسب هذا إلى الجمهور، وهو رواية عن الإمام أحمد (^٢)، واستدلوا بحديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - زجر أن تصل برأسها شيئًا (^٣).\nقالوا: فهذا حديث عام في النهي عن الوصل مطلقًا، وتخصيصه بأن المراد به وصل الشعر بشعر يحتاج إلى دليل.\nوقال آخرون وهم الليث بن سعد وبعض الحنفية وابن قدامة بجواز وصل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٣٨)، ومسلم (٢١٢٧).\n(^٢) \"الآداب الشرعية\" (٣/ ٣٣٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢١٢٦).","vol":"7","page":355},{"text":"الشعر بصوف أو خرق وغير ذلك مما لا يشبه الشعر الأصلي (^١)؛ لأن هذا ليس بوصل، ولا في مقصود الوصل، وليس فيه تدليس ولا تغيير لخلق الله تعالي، وإنما هو للتجميل والتحسين، وقد ورد عن سعيد بن جبير أنه قال: لا بأس بالقرامل (^٢). ونقل أبو داود بعد إيراده هذا الأثر أن أحمد كان يقول: القرامل ليس به بأس.\nوالقرامل: جمع قَرْمَلٍ -بفتح القاف وسكون الراء- نبات طويل الفروع لين، والمراد هنا: خيوط من حرير أو صوف يعمل ضفائر تصل بها المرأة شعرها (^٣).\nقال الخطابي: (رخص أهل العلم في القرامل؛ لأن الغرور لا يقع بها؛ لأن من نظر إليها لم يشك في أن ذلك مستعار\" (^٤).\nوهذا القول هو الأظهر -إن شاء الله- وهو أن الممنوع وصل الشعر بشعر آخر، أما وصله بالخيوط الملونة، ونحوها مما هو معروف عند النساء ولا سيما البنات الصغار، لئلا ينتشر ويتفرق فهذا لا بأس به؛ لأنه لا يصدق عليه أنه وصل، ولأن من يراها يعرف أنها ليست بشعر قطعًا.\nوأما حديث جابر - ﵁ - فهو محمول على وصل الشعر بشعر؛ لأن الوصل إذا أطلق انصرف إلى ذلك، بدليل كلام أهل اللغة والشرع، كما تقدم.\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الوشم؛ لأن النبي - ﷺ - لعن الواشمة والمستوشمة، واللعن لا يكون إلا على أمر محرم، بل إنه من كبائر الذنوب، وفي حديث ابن مسعود - ﵁ - قال: (لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات\n_________\n(^١) \"حاشية ابن عابدين\" (٥/ ٣٣٩)، \"المغني\" (١/ ٩٤)، \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١٤/ ٦٥١).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤١٧١)، وصححه الحافظ في \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٨٨) وفيه شريك بن عبد الله القاضي، ولعله مما حدث به قبل القضاء، أو كونه أثر تابعي فيتسامح فيه.\n(^٣) \"عون المعبود\" (١١/ ٢٢٨).\n(^٤) \"معالم السنن\" (٦/ ٨٩).","vol":"7","page":356},{"text":"خلق الله … الحديث) (^١) وفيه إشارة إلى أن المعنى الذي لأجله حرم الوشم هو تغيير خلق الله تعالى، وهي صفة لازمة لا تنفك عمن يضع الوشم على جزء من بدنه، بالإضافة إلى ما هو باقٍ في الجسم عن طريق الوخز بالإبر، وكذلك إيلام الحي، وتعذيب بدن الإنسان بلا حاجة ولا ضرورة، والوشم المحرم هو ما فعله الإنسان باختياره، أما لو تداوي -مثلًا- فحصل له وشم من أثر العلاج، أو حصل لجسمه احتكاك بشيء فدخل السواد تحت الجسم أو نحو ذلك؛ فهذا لا يدخل في النهي، وقد ورد في حديث ابن مسعود - ﵁ - (والواشمة إلا من داء) (^٢)، وفي حديث ابن عباس - ﵁ - (والمستوشمة من غير داء) (^٣).\nويلزم إزالة الوشم بالعلاج، وإن لم يكن إلا بالجرح، فإن خاف منه التلف، أو فوات عضو، أو حدوث شيء فاحش في عضو ظاهر لم تجب إزالته، وتكفي التوبة في هذه الحالة، وإن لم يخف شيئًا من ذلك ونحوه لزمه إزالته، ويعصي بتأخيره (^٤).\n\n* الوجه الخامس: ذكر الحافظ هذا الحديث في باب (عشرة النساء)، كما فعل ابن دقيق العيد وابن عبد الهادي، ولعله أراد بذلك بيان أن الإسلام عندما أباح للمرأة التزين لزوجها وأن هذا من العشرة المطلوبة، نهي عن بعض الزينة -إن صح التعبير- كوصل الشعر والوشم وغيرهما. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٨٨٦)، ومسلم (٢١٢٥).\n(^٢) \"المسند\" (٧/ ٥٧ - ٥٨)، \"سنن النسائي\" (٨/ ١٤٧).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤١٧٠)، قال الحافظ: سنده حسن. \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٧٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٧٢)، \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (١٤/ ٣٥٣).","vol":"7","page":357},{"text":"<span data-type='title' id=toc-858>جواز الغِيلَةِ والنهي عن العزل</span>\n١٠٢٨/ ١١ - عَنْ جُذَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ - ﵄ - قَالتْ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - في أناسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: \"لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أَنْهي عَنِ الغِيلةِ فَنَظَرْتُ في الرُّومِ وَفَارِسَ، فَإِذَا هُمْ يُغيلُونَ أَوْلَادَهُمْ فَلَا يَضُرُّ ذَلكَ أَوْلَادَهُمْ شَيئًا\"، ثُمَّ سَألوهُ عَنِ الْعَزْلِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفيُّ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهي جذامة بنت وهب -﵄-، وقيل: بنت جندل الأسدية، والأول أرجح، أخت عكاشة بن محصن لأمه، وكما اختلف في اسم أبيها فقد اختلف في ضبط اسمها، هل هو بالدال المهملة أو بالذال المعجمة، فذكر مسلم عند حديثها هذا أن الصحيح أنها بالدال المهملة، قال النووي: (وهكذا قال جمهور العلماء)، وذكر الدارقطني -أيضًا- أنها بالدال المهملة، وأن من ذكرها بالذال المعجمة فقد صحَّف (^١)، وقال العسكري: وحكي بالذال المعجمة عن جماعة (^٢). وقد انقلب الأمر على الصنعاني فاعتبر ضبطها بالدال المهملة تصحيفًا مخالفًا في ذلك أصله، وهو \"البدر التمام\" (^٣).\nأسلمت جذامة قديمًا في مكة، وبايعت، وهاجرت إلى المدينة مع أهلها رجالًا ونساء، وغلقت أبوابهم في مكة، روت عنها عائشة - ﵂ - (^٤).\n_________\n(^١) \"المؤتلف والمختلف\" (٢/ ٨٩٩).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٤٣٤).\n(^٣) \"البدر التمام\" (٣/ ٥٧٥)، \"سبل السلام\" (٤/ ٢٥٠).\n(^٤) \"الاستيعاب\" (١٢/ ٢٣٥)، \"الإصابة\" (١٢/ ١٧٠ - ١٧١).","vol":"7","page":358},{"text":"* الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب \"النكاح\"، باب (جواز الغيلة وهي وطء المرضع، وكراهة العزل) (١٤٤٢) (١٤١) من طريق سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو الأسود، عن عروة، عن عائشة، عن جذامة بنت وهب أخت عكاشة، قالت: … ذكرت الحديث.\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لقد هممت) قال أهل اللغة: هممتُ بالشيء همًا، من باب (قتل): إذا أردته ولم تفعله.\n\nقوله: (عن الغيلة) بكسر الغين المعجمة، فمثناة تحتية، هي مجامعة الرجل امرأته وهي ترضع، أو هي أن ترضع المرأة وهي حامل، يقال: أغال الرجل ولده، إغالة: إذا جامع أمه وهي ترضعه، وأغالت المرأة ولدها: أرضعته وهي حامل، فهي مُغِيل ومُغْيِل، والولد مُغَال ومُغْيَل، فكل منهما يقال له: غِيلة في اللغة، وهذا اللفظ كيفما دار فهو يرجع إلي الضرر والهلاك، ومنه قول العرب: غالني أمر كذا؛ أي: أضرَّ بي، فعلي المعنى الأول يقال: إن الماء -يعني: المني- يغيل اللبن؛ أي: يفسده، وأما الثاني: فهو بيِّن؛ لأن لبن الحامل داء وعلة في جوف الصبي، ومراده - ﷺ - المعنى الأول، وأما الثاني فضرره معلوم للعرب وغيرهم (^١).\n\nقوله: (الروم) جيل عظيم من الناس بلغوا في زمانهم الغاية في الكثرة والقوة، وهم نسبة إلى رمولوس، باني روما، ولما زحفت الفتوحات الإسلامية استولت على غالب بلادهم.\n\nقوله: (وفارس) أمة عظيمة كثيرة وشديدة في ما وراء النهر من بلاد العرب.\n\nقوله: (فإذا هم يُغيلون) بضم الياء؛ لأنه من أغال الرباعي، كما تقدم.\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٤/ ١٧٤).","vol":"7","page":359},{"text":"قوله: (عن العزل) هو أن ينزع الرجل ذكره من الفرج حتى لا ينزل فيه، لئلا يحصل الحمل، والذي حرك الصحابة للسؤال عن العزل أنهم خافوا أن يكون محرمًا؛ لأنه قطع للنسل.\n\nقوله: (هو الوأد الخفي) بفتح الواو، ثم همزة ساكنة، هو دفن البنت وهي حية، يقال: وَأَدَ الرجل ابنته يئدها: دَفَنَها حية، فهي موؤدة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير: ٨]. وكانت العرب تفعله في الجاهلية خشية الإملاق، وربما فعلوه خشية العار، وسميت موؤدة؛ لأنها تُثقل بالتراب، وهذا من التشبيه، والمعنى: أن العزل شبيه بالوأد؛ لأنه بالعزل قطع طريق الولادة، كما يُقتل المولود بالوأد، لكن لما كان صاحب العزل لم يباشر وأدًا وقتلًا حقيقة سمي بالوأد الخفي؛ لأن العزل نية وقصد، والوأد قصد وفعل، وهذا وجه تسميته خفيًّا.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه يجوز للرجل أن يطأ زوجته المرضع أو الحامل، وأنه لا ضرر على الطفل في ذلك.\nوقد همَّ النبي - ﷺ - أن ينهى عن ذلك؛ لكونه مستكرهًا عند العرب؛ لأنهم أكثروا من انتقاد ذلك والتحدث بضرره، حتى إنهم قالوا: إنه ليدرك الفارس فيدعثره عن فرسه، لكنه - ﷺ - لم يفعل؛ لأنه نظر إلى فارس والروم وإذا هم يُغيلون، فيجامعون نساءهم وهن يرضعن، مع قوة أجسامهم وكثرة عددهم، مما يدل على أن ذلك لم يضر أولادهم، فسوَّى بينهم وبين العرب في هذا المعنى، وهذه تجربة، والتجربة هي سلم العلوم الطبيعية.\nوعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: إني أعزل عن امرأتي، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"لم تفعل ذلك؟ \"، فقال: أشفق على ولدها أو على أولادها، فقال رسول الله - ﷺ -: \"لو كان ذلك ضارًا ضرَّ فارس والروم\" وفي رواية: \"إن كان ذلك فلا، ما ضَارَ ذلك فارس ولا الروم\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٤٣).","vol":"7","page":360},{"text":"° الوجه الخامس: في الحديث دليل على جواز الاستدلال بما فعله الكفار في الأمور العادية والطبيعية، وأنه لا بأس أن يستفاد من تجارب الأمم الكافرة في معرفة ما ينفع الناس وما يضرهم من الدواء، أو في تجنب أشياء ضارة، فإذا عرف أنهم فعلوا ذلك ولم يضر فلا بأس باستعماله، وكذا ما جاء عنهم من الصناعات والحرف التي فيها مصالح عامة فلا حرج أن نستفيد منهم، وليس هذا من باب التشبه، ولكنه من باب المشاركة في الأعمال النافعة التي لا يعد من قام بها متشبهًا بهم.\n\n° الوجه السادس: في الحديث دليل على تحريم العزل، ووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - جعل العزل هو الوأد الخفي، والوأد عادة جاهلية، حرمها الإسلام، فيكون العزل حرامًا أيضًا، وهذا قول ابن حزم (^١)، وجماعة، وسيأتي مزيد كلام في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"المحلى\" (١٠/ ٧٠).","vol":"7","page":361},{"text":"<span data-type='title' id=toc-859>ما جاء في جواز العزل</span>\n١٠٢٩/ ١٢ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - أَنَّ رَجُلًا قَال: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ لِي جَارِيةً، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأنا أكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ الْيَهُودَ تَحَدَّثُ أَنَّ الْعَزْلَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، قَال: \"كَذَبَتِ يَهُودُ، لَو أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، واللفظُ لَهُ، وَالنَّسَائِيُّ وَالطحَاويُّ. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.\n١٠٣٠/ ١٣ - وعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَال: كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ، وَلَوْ كَانَ شَيئًا يُنْهَى عَنْهُ لنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَلِمُسْلِمٍ: فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - فَلَمْ يَنْهَنَا عَنْهُ.\n\n° الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي سعيد - ﵁ - فقد أخرجه أحمد (١٧/ ٣٨٩)، وأبو داود في كتاب \"النكاح\"، باب (ما جاء في العزل) (٢١٧١)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨/ ٢٢٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٣١) وفي \"شرح مشكل الآثار\" (٥/ ١٧٠) كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، حدثه أن رفاعة حدثه عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رجلًا … وذكر الحديث.\nوهذا الحديث -كما قال الحافظ- رجاله ثقات، إلا رفاعة، ويقال: أبو رفاعة، ويقال: أبو مطيع بن عون الأنصاري، فإنه لم يرو عنه إلا محمد بن","vol":"7","page":362},{"text":"ثوبان، وهو لم يرو إلا عن أبي سعيد، ولم يذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ولذا قال الحافظ في \"التقريب\": (مقبول) أي: عند المتابعة، وإلا فلين الحديث. وقد توبع، فقد أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٢١ - ٢٢٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٣٢)، وفي \"شرح مشكل الآثار\" (٥/ ١٧٢) من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي أُمامة بن سهل، عن أبي سعيد - ﵁ -.\nوهذا إسناد حسن لولا أن فيه عنعنة ابن إسحاق.\nوأخرجه البزار (١٠٣٢) \"مختصر زوائده\"، والطحاوي (٣/ ٣١ - ٣٢) و(٥/ ١٧٢) من طريق موسى بن وردان، عن أبي سعيد - ﵁ -، وإسناده حسن.\nوأما حديث جابر - ﵁ - فقد أخرجه البخاري في كتاب \"النكاح\"، باب (العزل) (٥٢٠٧)، ومسلم (١٤٤٠) من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن جابر - ﵁ -، قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل)، قال مسلم: زاد إسحاق -وهو الراوي عن سفيان-: (قال سفيان: لو كان شيئًا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن).\nوأخرجه مسلم (١٤٤٠) (١٣٨) من طريق أبي الزبير، عن جابر - ﵁ - قال: (كنا نعزل على عهد رسول الله - ﷺ - فبلغ ذلك نبي الله فلم ينهنا).\nولعل الحافظ أورد رواية مسلم لبيان أن العزل مما علم به النبي - ﷺ - وأقرهم عليه، كما سيأتي.\nوقد وهم الحافظ هنا، فعزا الحديث بتمامه للبخاري ومسلم، وقد تبين من سياق الحديث أن المتفق عليه إلى قوله: (والقرآن ينزل)، وأما الزيادة فهي من سفيان بن عيينة، ثم إنه وهم في عزوها للشيخين، وإنما هي عند مسلم فقط من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان، كما تقدم. قال في \"فتح الباري\": (هذا ظاهر في أن سفيان قاله استنباطًا، وأوهم كلام صاحب العمدة ومن تبعه أن هذه الزيادة من نفس الحديث، فأدرجها، وليس الأمر كذلك، فإني تتبعته من المسانيد، فوجدت أكثر رواته عن","vol":"7","page":363},{"text":"سفيان لا يذكرون هذه الزيادة) فالحافظ وقع فيما انتقد فيه صاحب \"العمدة\" من إدراجه الزيادة في أصل الحديث، إلا أن يكون قد ألَّف البلوغ قبل \"الفتح\" والله المستعان.\n\n° الوجه الثاني: قوله: (وإن اليهود تحدث أن العزل الموؤدة الصغرى، قال: \"كذبت يهود\") ظاهر هذا أنه يعارض ما تقدم في حديث جذامة: ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ذلك الوأد الخفي \"وقد جمع بينهما بأوجه، لعل من أحسنها ما ذكره العلامة ابن القيم من أن اليهود ظنت أن العزل لا يتصور معه حمل أصلًا، وجعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد، فأكذبهم النبي - ﷺ - وأخبر أن العزل لا يمنع الحمل إذا شاء الله خلقه، وإذا لم يرد خلقه لم يكن وأدًا حقيقة، وإنما سَمَّاه وأدًا باعتبار النية والقصد، كما تقدم (^١)، قال الشوكاني: (وهذا الجمع قوي) (^٢).\n\n° الوجه الثالث: استدل الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة بهذين الحديثين على جواز العزل، ووجه الاستدلال: أن قوله في حديث جابر - ﵁ -: (والقرآن ينزل) يفيد إباحة العزل، فإنه لو كان العزل حرامًا ولم يطلع عليه النبي - ﷺ - لنزل القرآن بالنهي عنه، وهذا فائدة قول الصحابي - ﵁ -: (والقرآن ينزل) ولهذا قال سفيان: (ولو كان شيئًا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن) قال الأصوليون: إن ما وقع في زمن النبي - ﷺ - ولم يعلم به فإنه لا ينسب إلى سنته، لكنه حجة لإقرار الله تعالى له.\nبل إن رواية مسلم التي ذكر الحافظ تفيد أن النبي - ﷺ - بلغه أنهم يعزلون ولم يصدر منه نهي، فيدل إقرارهم عليه على جوازه؛ لأنه - ﷺ - لا يقر على باطل.\nوقد روي عن عشرة من الصحابة - ﵃ - أنهم رخصوا في العزل، ولم يروا به بأسًا، منهم سعد بن أبي وقاص، وأبو أيوب، وزيد بن ثابت، وابن\n_________\n(^١) \"تهذيب مختصر السنين\" (٣/ ٨٥).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٦/ ٢٢٣).","vol":"7","page":364},{"text":"عباس، وغيرهم (^١).\nواشترط الجمهور أن يكون العزل عن الحرة بإذنها، مستدلين بحديث عمر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها (^٢)، ولأن لها حقًّا في الولد، ولأن الجماع من حقها؛ إذ الجماع مع العزل، فيه حرمان الزوجة من كمال اللذة ومشاركتها الزوج في التمتع والتلذذ حال الجماع.\nوأجابوا عن حديث جُذامة الدال على النهي عن العزل بأن الأحاديث الدالة على الجواز جاءت على خلافه، وهي أحاديث صحيحة صريحة، ومنها حديث جابر - ﵁ - برواياته، ثم إن عددًا من الصحابة - ﵃ - رخصوا فيه، وهم أعلم منا بفهم النصوص ومقاصد الشريعة، وحديث جذامة ليس صريحًا في المنع، كما سيأتي.\nوذهب ابن حزم وجماعة إلى تحريم العزل، لحديث جذامة المتقدم، وأجاب عن أحاديث الجواز بأنها على البراءة الأصلية، وهي الإباحة، وحديث جذامة ناقل عنها، فمن ادعى أنه أبيح بعد ما منع فعليه البيان.\nوبهذا يتبين أن سبب الخلاف في حكم العزل هو مجيء أحاديث دالة على الجواز، وأحاديث ظاهرها المنع.\nوالذي يظهر -والله أعلم- أن الاعتماد على أحاديث الجواز أولى؛ لأن حديث جذامة ليس صريحًا في المنع، فإن العزل ليس وأدًا حقيقة، وإنما سماه وأدًا لقصد العازل ونيته، بخلاف الوأد فإنه اجتمع فيه القصد ومباشرة القتل، ولو كان العزل قتلًا حقيقة لكان من كبائر الذنوب، وعلى هذا فالأظهر أنه سمي بالوأد الخفي للتنفير منه، وليس للتحريم، أو أن هذا كان في أول الأمر، ثم نسخ بما يدل على الإباحة، كما في حديث أبي سعيد وجابر - ﵄ -.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٢٣٠ - ٢٣١)، \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ٨٥)، \"زاد المعاد\" (٥/ ١٤٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٩٢٨)، وأحمد (١/ ٣٣٩) من حديث عبد الله بن لهيعة، وسنده ضعيف، لضعف ابن لهيعة.","vol":"7","page":365},{"text":"وعلى هذا فيجوز العزل واستعمال ما ينظم الحمل من حبوب وغيرها إذا دعت المصلحة إلى ذلك؛ ككون المرأة مريضة، أو يضرها تتابع الحمل، أو أنها ترضع طفلها ويخاف من الضرر عليه في رضاعته وترعرعه ونشأته -مع أن المرضع قد لا تحمل- ونحو ذلك من الأعذار الفردية؛ لأن هذه أسباب عارضة، فيكون الجواز هنا ببقاء هذا السبب، بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة، وألا يكون فيها عدوان على حمل قائم.\nأما إن كان العزل أو استعمال ما يمنع الحمل خشية الإملاق أو الخوف من كثرة السكان أو رفض مسؤولية الأولاد وفساد التربية ونحو ذلك من الأسباب الواهية التي يذكرها أنصار تحديد النسل أو تنظيمه، فهذا لا يجوز شرعًا، وهو من دسائس أعداء الإسلام على الأمة الإسلامية؛ لتقليل عدد المسلمين وإضعافهم، حتى تكون لهم القدرة على استعمار بلاد المسلمين، واستعباد أهلها، ونهب ثرواتها في الوقت الذي هي محتاجة فيه إلى التكاثر للقدرة على النضال في سبيل نشر دينها، ونصرة عقيدتها، ومقاومة أعدائها، كما أن في الأخذ بذلك ضربًا من أعمال الجاهلية وسوء ظن بالله تعالى.\nوالرسول - ﷺ - حث على إنجاب الأولاد وتكثير النسل، فقال: \"تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة\" (^١)، ومعلوم أن حفظ النسل هو إحدى الكليات الخمس التي جاءت الشرائع برعايتها، وإن كثرة النسل نعمة عظيمة من نعم الله تعالى على عباده؛ وهو مما يقوي الأمة الإسلامية اجتماعيًّا واقتصاديًّا وحربيًّا، ويزيدها قوة ومنعة، فالاستجابة لدعوة أعدائنا معناها القضاء على تكاثر المسلمين وأسباب قوتهم. وفق الله المسلمين لما فيه قوتهم وعزتهم، ونَصَرَهم على أعدائهم. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه، وهو ثالث أحاديث كتاب \"النكاح\".","vol":"7","page":366},{"text":"<span data-type='title' id=toc-860>جواز طواف الرجل على نسائه بغسل واحد</span>\n١٠٣١/ ١٤ - عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ. أَخْرَجَاهُ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في عدة مواضع من \"صحيحه\"، ومنها: في كتاب \"النكاح\"، باب (من طاف على نسائه في غسل واحد) (٥٢١٥) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أن أنس بن مالك - ﵁ - حدثهم \"أن نبي الله - ﷺ - كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وله يومئذٍ تسع نسوة\".\nورواه مسلم (٣٠٩) من طريق مسكين بن بكير، عن شعبة، عن هشام بن يزيد، عن أنس - ﵁ - مرفوعًا، وهو لفظ البلوغ.\nقال ابن رجب: (لم يَرْضَ البخاري هذا الحديث من أجل مسكين بن بكير، فإنه ليس بذاك) (^١).\nوقد ذكر الحافظ في \"مقدمته\" أن البخاري روى لمسكين بن بكير حديثًا واحدًا في كتاب \"التفسير\" من \"صحيحه\" رواه عن شعبة، عن خالد الحذاء، عن مروان الأصفر، عن ابن عمر -﵄-، ثم أردفه بمتابعة روح بن عبادة، عن شعبة (^٢)، وقد تكلم الأئمة في مسكين بن بكير فقال الأثرم: (سمعت أحمد يحسن أمره)، وقال في موضع آخر عن أحمد: (حدث عن شعبة بأحاديث لم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٠١).\n(^٢) \"هدي الساري\" ص (٤٤٣)، \"فتح الباري\" (٨/ ٢٠٦ - ٢٠٧).","vol":"7","page":367},{"text":"يروها أحد) وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: (لا بأس به، ولكن في حديثه خطأ) وقال ابن معين: (لا بأس به) ومثل هذا قال أبو حاتم: وزاد: كان صالح الحديث، يحفظ الحديث (^١)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق يخطئ).\n\n° الوجه الثاني: في الحديث دليل على ما منح الله به نبيه - ﷺ - من القوة في الجماع، وهذا من آيات الله تعالى الدالة على قدرته، وقد جاء في بعض ألفاظ البخاري من حديث أنس - ﵁ - قال: (كان النبي - ﷺ - يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة، قال: قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أُعطي قوة ثلاثين) وقال سعيد، عن قتادة أن أنسًا حدثهم: تسعُ نسوة (^٢).\nولا تعارض بين روايتي (إحدى عشرة) و(تسع) فمن قال: إنهن تسع نظر إلى الزوجات اللاتي اجتمعن عنده، فإنه لم يجتمع عنده أكثر من تسع، ومات عنهن، ومن قال: إحدى عشرة، أدخل مارية القبطية أم ولده إبراهيم، وريحانة بنت زيد النضرية، من سبي بني قريظة، وأطلق عليهن لفظ (نسائه) تغليبًا. قال ابن القيم: (لا خلاف أنه - ﷺ - توفي عن تسع، وكان يقسم منهن لثمان …) (^٣).\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على جواز الاكتفاء بغسل واحد من كان عنده أكثر من امرأة بعد الفراغ من جماعهن جميعًا، وأنه لا يلزم أن يغتسل من جماعه لكل امرأة واحدة.\nلكن تقدم في باب \"الغسل\" حديث أبي سعيد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءًا\" زاد الحاكم: \"فإنه أنشط للعَوْد\" (^٤). فهذا يدل على أن السنة أن يتوضأ بين كل وطئين، مع غسل مذاكيره وما حولها، وإذا أمر بذلك في العود إلى وطء\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٠٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٨).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (١/ ١١٣ - ١١٤)، \"فتح الباري\" (١/ ٣٧٨).\n(^٤) أخرجه مسلم (٨٠٣)، والحاكم (١/ ١٥٢).","vol":"7","page":368},{"text":"الزوجة نفسها فإنه في وطء زوجة أخرى من باب أولى، بل قد يكون متعينًا؛ لئلا تتقذره الزوجة الأخرى بعد وطء الأولى.\nوقد ورد الاغتسال للمعاودة في حديث أبي رافع - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - طاف على نسائه في ليلة، فاغتسل عند كل امرأة منهن غسلًا، فقلت: يا رسول الله، لو اغتسلت غسلًا واحدًا؟ فقال: \"هذا أطهر وأطيب\" (^١).\nفإن قيل: كيف اطلع أبو رافع على هذا الغسل مع أن شأنه الخفاء؟ فالجواب: أنه كان خادمًا للنبي - ﷺ - إذ ذاك، يأتي له بالماء، وقد ذكره ابن القيم ضمن موالي النبي - ﷺ - (^٢).\n\n° الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال: إن القسم بين الزوجات ليس واجبًا على النبي - ﷺ -، ولكنه يقسم من قبل نفسه تطييبًا لنفوس زوجاته، ولكمال خلقه، وليتأسى به غيره.\nووجه الاستدلال: أن كونه - ﷺ - يدور على نسائه في الساعة الواحدة ينافي وجوب القسم عليه. وسيأتي البحث في هذا في باب \"القسم\" إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢١٩)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨/ ٢٠٧)، وابن ماجه (٥٩٠)، وأحمد (٣٩/ ٢٨٨)، وهو حديث ضعيف، في إسناده بعض من لا يعرف حاله -كما يقول ابن رجب- وهو مخالف لحديث أنس المذكور هنا، ولذا قال أبو داود عقب حديث أبي رافع: (حديث أنس أصح من هذا)، وعلى هذا فلا تعارض، لكون حديث أنس أصح، وقد حسنه الألباني، ونقل عن الحافظ أنه قوَّاه. [\"صحيح سنن أبي داود\" (١/ ٤٣)، \"آداب الزفاف\" ص (٣٦)]. وهذا فيه نظر، فإن مخالفته تكفي في ردِّه، فكيف إذا كان فيه من لا يعرف حاله؟! وقال آخرون: لا تعارض بين الحديثين؛ لأن تركه - ﷺ - الغسل بين الجماعين بيانًا للجواز، وتخفيفًا عن الأمة، وفعله لكونه أطيب. [\"المنهل العذب المورود\" (٢/ ٢٨٤)].\n(^٢) \"زاد المعاد\" (١/ ١١٤)، \"المنهل العذب المورود\" (٢/ ٢٨٤).","vol":"7","page":369},{"text":"<span data-type='title' id=toc-861>باب الصداق</span>\nالصداق لغة: بفتح الصاد، والدال، ويجوز كسر الصاد، والفتح أشهر، ويجوز فتح الصاد وضم الدال، فيقال: صَدُقة، وقد جاء في القرآن جمعه على لفظه في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤].\nواصطلاحًا: ما تعطاه المرأة من المال، أو ما يقوم مقامه عوضًا عن عقد النكاح عليها، وسمي الصداق صداقًا؛ لأنه يشعر بصدق رغبة الزوج في الزوجة.\nوللصداق عدة أسماء: فهو نِحْلة، كما تقدم، وفريضة، وأجر -كما سيأتي- وطَوْلٌ، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥]، ويسمى مهرًا، كما في حديث أبي سعيد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - نهى عن مهر البغي (^١)، ويسمى جهازًا بفتح الجيم وكسرها، كما في معاجم اللغة، إلى غير ذلك من أسمائه.\nوهو مشروع بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، أما الكتاب فآيات كثيرة، قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾، والنحلة: العطية غير المبخوسة، وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]، ومن السنة ما سيأتي في أحاديث الباب.\nوأما الإجماع فقد أجمع أهل العلم على وجوب الصداق على اختلاف مذاهبهم؛ لأن النصوص الآمرة به قطعية الثبوت قطعية الدلالة، قال ابن عبد البر: (أجمع علماء المسلمين أنه لا يجوز له وطء في نكاح بغير صداق\n_________\n(^١) تقدم تخريجه، وهو رابع أحاديث كتاب \"البيوع\".","vol":"7","page":370},{"text":"مُسمَّى دينًا أو نقدًا) (^١).\nوأما الحكمة من مشروعية الصداق، فإن الإسلام جعل المهر حقًّا على الرجل لزوجته، لا يستبيح فرجها إلا بكلمة الله، وبأداء هذا الحق.\nوقد جعل الله تعالى هذا العطاء آية من آيات المحبة، وعنوانًا لتوثيق عرى الرحمة والمودة، إن الصداق فيه إشعار بتكريم الإسلام للمرأة وإعزازها وإسعادها، فهي بذلك تشعر بمكانتها في المجتمع، وتحس بأنها مطلوبة مرغوب فيها، وأن هناك من يبذل الكثير من ماله رمزًا لحاجته إليها، ورغبته فيها، كما أن الصداق إشعار بعزم الرجل على تحمل الأعباء، وأداء الحقوق.\nولا يعني الصداق أن المرأة سلعة تباع، كما قد يتصور بعض الناس، فيغالي في المهر، ويشترط حوله شروطًا، بل هو رمز لتكريم المرأة وإعزازها من جهة، وتلبية لنداء فطرتها وأنوثتها القائمة على حب الزينة والتجمل والرغبة في المتاع من جهة أخرى.\nومما ينبغي أن يعلم أن الصداق حق للمرأة وحدها، وليس لغيرها حق فيه، فلها أن تتصرف به بكل أنواع التصرفات الجائزة شرعًا، بخلاف ما يفعله بعض الأولياء من السطو على مهر المرأة، وصرفه في التظاهر والتفاخر والولائم، بل إن من الفتيات من لا يعلمن بمقدار مهورهن، ولا كيف صُرف وفيما أُنفق، والله تعالى يقول: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤].\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (١٦/ ٦٧).","vol":"7","page":371},{"text":"<span data-type='title' id=toc-862>صحة جعل العتق صداق</span>\n١٠٣٢/ ١ - عَنْ أنسٍ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"النكاح\"، باب (من جعل عتق الأمة صداقها) (٥٠٨٦)، ومسلم (٢/ ١٠٤٥) من طريق شعيب بن الحبحاب، عن أنس - ﵁ -.\nوهذا الحديث ورد من طرق، بعضها مطول، وبعضها مختصر.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أعتق صفية) أي: حررها من الرق؛ لأنها من السبي يوم خيبر، وصفية هي أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب، سيد بني النضير، وأمها من بني قريظة، كانت تحت سلَّام بن مِشْكم القرظي، ففارقها ثم تزوجها كنانة بن الربيع النضيري، فقتل عنها يوم خيبر، فوقعت في السبي لدحية بن خليفة الكلبي، فجاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: أعطيت دحية ابنة سيد النضير وقريظة، لا تصلح إلا لك، فأخذها النبي - ﷺ - وأعطى دحية بدلها، وعرض عليها الإسلام فأسلمت، واصطفاها لنفسه، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها، وهذا كله ثابت في \"الصحيحين\"، وكانت حليمة عاقلة من خيرة النساء عبادة وزهدًا، وبرًّا وصدقة، توفيت في رمضان سنة خمسين - ﵂ - (^١).\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٣/ ٦٢)، \"الإصابة\" (١٣/ ١٤).","vol":"7","page":372},{"text":"قوله: (وجعل عتقها صداقها) أي: إن العتق حلَّ محل الصداق، وإن لم يكن صداقًا؛ كقولهم: الجوع زاد من لا زاد له.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنه يجوز للرجل أن يعتق الأمة المملوكة ويتزوجها، ويجعل عتقها صداقها، قال ابن حزم: (من أعتق أمته على أن يتزوجها، وجعل عتقها صداقها، لا صداق لها غيره، فهو صداق صحيح، ونكاح صحيح، وسنة فاضلة …) (^١).\n\n° الوجه الرابع: استدل العلماء بهذا الحديث على أنه يستحب أن يعتق الرجل أمته ويتزوجها، ولا سيما إذا كانت حسنة الأخلاق، حسنة الصورة، تعفه وتغنيه عن غيرها، وقد أشعر بذلك صنيع الإمام مسلم -﵀-، فإنه روى بعد هذا الحديث حديث أبي موسى - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الذي يعتق جاريته، ثم يتزوجها له أجران\" (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٩/ ٥٠١).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٩٧)، \"صحيح مسلم\" (٢/ ١٠٤٥).","vol":"7","page":373},{"text":"<span data-type='title' id=toc-863>مقدار صداق النبي - ﷺ - لنسائه</span>\n١٠٣٣/ ٢ - عَنْ أَبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمنِ، أَنَّهُ قَال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ زوج النبي - ﷺ - كمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لأَزوَاجِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيّةً وَنَشًّا، قَالتْ: أتدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَال: قُلْتُ: لَا، قَالتْ: نِصْفُ أُوقِيّةً، فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمِ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لأَزوَاجِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني، اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ولد سنة اثنتين وعشرين من الهجرة، وولي القضاء في المدينة لسعيد بن العاص في خلافة معاوية - ﵁ -، وكان صبيح الوجه؛ كان وجهه دينار، وهو من أئمة الفقهاء وشيوخهم، حدث عن جماعة من أصحاب النبي - ﷺ -، وهو ثقة كثير الحديث، توفي بالمدينة سنة أربع وتسعين -﵀- (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"النكاح\"، باب (الصداق، وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد، وغير ذلك من قليل وكثير، واستحباب كونه خمسمائة درهم من لا يجحف به) (١٤٢٦) من طريق محمد بن إبراهيم، عن\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ١٢٧ - ١٢٨).","vol":"7","page":374},{"text":"أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: سألت عائشة زوج النبي - ﷺ - … وذكر الحديث.\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أوقية) بضم الهمزة وتشديد الياء، ومقدارها في الحجاز: أربعون درهمًا، والدرهم: تقدم في \"الزكاة\" أنه يزن عند المتقدمين إحدى وخمسين حبة شعير، وزنها: جرامان وثلاثة من عشرة من الجرام، فيكون مجموعها = ١١٥٠ جرام × ١.٥، وهو سعر جرام الفضة يوم السبت ٤/ ٢ / ١٤٢٧ هـ - ١٧٢٥ ريال، فيكون سعر الدرهم = ٣.٤٥ ريال.\n\nقوله: (ونشًّا) النش: بفتح النون وتشديد الشين، نصف أوقية كما في الحديث؛ أي: عشرين درهمًا.\n\nقوله: (فتلك خمسمائة) أي: فجميع مقدار هذا الصداق خمسمائة درهم، وهي حاصل ضرب اثني عشر ونصف في أربعين.\n\nقوله: (فهذا صداق رسول الله - ﷺ - لأزواجه) هذا باعتبار الأكثر منهن ﵅، وإلا فخديجة وجويرية بخلاف ذلك، وصفية كان عتقها صداقها، كما تقدم، وأم حبيبة أصدقها عنه النجاشي أربعة آلاف، وهذا ليس من فعل النبي - ﷺ -.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على استحباب تخفيف الصداق وعدم المغالاة فيه، لما في ذلك من المصالح العظيمة للزوجين وللمجتمع بأسره، وتخفيف الصداق من المأمور به شرعًا، وما أوصل إلى المأمور به فهو مأمور به، قال الإمام الشافعي: (والقصد في المهر أحب إلينا، وأَستحبُّ ألا يزيد في المهر على ما أصدق رسول الله - ﷺ - به نساءه وبناته، وذلك خمسمائة درهم) (^١).\nوهذا المقدار بالنسبة للزمان الأول، أما الآن فقد تغير الحال، وكثر\n_________\n(^١) \"الأم\" للشافعي (٥/ ١٦٣).","vol":"7","page":375},{"text":"المال، لكن يبقى الأصل وهو الحث على تخفيف الصداق، وتيسير سبل الزواج، لما تقدم، والناس يتفاوتون في الفقر والغنى، ولا بد من مراعاة حالة الزوج المالية، فلا يطالب إلا بما يقدر عليه، ومطالبته بما فوق ذلك إما أن يؤدي إلى الاستدانة وتحمل همِّ الدين، أو التوصل إلى ذلك بسؤال الناس، أو يعدل عن الزواج.\nوليس للصداق قدر محدد، لكن متى تعدى الناس حدود الشرع ودخلوا في معنى الإسراف فهذا هو المحذور، وخلاف المأمور به.\nومشكلة غلاء المهور من المشاكل الاجتماعية التي ظهرت أخيرًا وصارت عقبة كَأَدَاءَ في طريق الزواج، وذلك بسبب كثرة اليسار وامتلاء الجيوب بالمال، ومجيء المدنية الحديثة بأمور جديدة لم تكن معروفة من قبل، يضاف إلى ذلك تقليد الناس بعضهم بعضًا، وإسناد الأمور إلى النساء وسماع آرائهن وتنفيذ مطالبهن. فترتب على ذلك تعثر سبل الزواج وإيقاف سنة الله تعالى في الحياة، وذلك ببقاء كثير من الرجال أيامى والنساء عوانس، وحصل من جراء ذلك الفساد الأخلاقي في الجنسين، إذ لا بد من البديل لتصريف الغريزة، ثم حدوث الآثار النفسية في صدور الشباب من الجنسين بسبب الكبت وارتطام أفكارهم بخيبة الأمل (^١).\nفالحاجة داعية إلى تخفيف الصداق، وتيسير أمور الزواج، والقضاء على الإسراف وتجاوز الحد في ولائم الزواج وتوابع ذلك، ويكون هذا على منابر المساجد، وفي مجالس العلم، وبرامج التوعية التي تُبث في أجهزة الإعلام، ولا بد للناس من قدوة، ولن يفيد الكلام ما لم يتحول إلى واقع عملي، بحيث يبدأ بهذا المنهج قادة الناس من العلماء والأمراء والوجهاء والأعيان. والله الموفِّق.\n_________\n(^١) انظر: \"الزواج والمهور\" ص (٥٧ - ٥٨).","vol":"7","page":376},{"text":"<span data-type='title' id=toc-864>وجوب الصداق</span>\n١٠٣٤/ ٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: لَمَّا تَزَوّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ - ﵍قَال لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَعْطِهَا شَيئًا\"، قَال: مَا عِنْدِي شَيءٌ، قَال: \"فَأَينَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ؟ \"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد رواه أبو داود في كتاب \"النكاح\"، بابٌ (في الرجل يدخل بامرأته قبل أن ينقدها شيئًا) (٢١٢٥)، والنسائي (٦/ ١٣٠) من طريق عَبْدةَ، ثنا سعيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵂ - قال: لما تزوج عليّ فاطمة … وذكر الحديث.\nوهذا الحديث رجاله ثقات، وقد صححه الحاكم، كما ذكر الحافظ هنا، ولم أجده في \"المستدرك\"، وصححه ابن عبد الهادي (^١)، ولم يعزه للحاكم، وللحديث طرق أخرى عند أبي داود والنسائي وغيرهما.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لما تزوج على فاطمة) هي بنت خاتم النبيين، وإمام المتقين؛ رسول الله - ﷺ -، أمها خديجة بنت خويلد، ولدت في الإسلام، وقيل: قبل البعثة بخمس سنوات، وقريش تبني الكعبة، تزوجها على - ﵁ - في السنة الثانية بعد غزوة بدر، فولدت له ثلاثة أبناء، وثلاث بنات، قال فيها النبي - ﷺ -: \"فاطمةُ بَضْعَةٌ مني، فمن أغضبها أغضبني\" (^٢)، توفيت في المدينة في رمضان\n_________\n(^١) \"المحرر\" (٢/ ٦٤٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٧٦٧).","vol":"7","page":377},{"text":"سنة إحدى عشرة، وقيل: بعد وفاة أبيها - ﷺ - بسبعة أشهر، وهو الصحيح، وقد نقل الحافظ ابن حجر الاتفاق على أن فاطمة - ﵂ - كانت أول من مات من أهل بيته - ﷺ - بعده، حتى من أزواجه (^١)، ولها أربع وعشرون سنة (^٢) - ﵂ -.\n\nقوله: (﵉) لعل هذا من الناسخ؛ لأن هذه الصيغة مختصة بالأنبياء دون غيرهم، والصحابي يقال فيه: - ﵁ -، ولعل هذه الصيغة جاءت عن طريق الرافضة، وقد نقل النووي عن أبي محمد الجويني أن لفظة: (﵇) هي معنى الصلاة، فلا يفرد بها غير الأنبياء، فلا يقال: علي - ﵇ - (^٣).\n\nقوله: (أعطها شيئًا) الشيء: هو كل موجود، فيتناول -هنا- كل ما يسمى شيئًا من المال قلَّ أو كَثُر.\n\nقوله: (درعك الحُطَمية) الدرع: قميص من حلق الحديد يليس في الحرب للوقاية من السلاح، وتقدم له ذكر في \"البيوع\"، والحطمية: بضم الحاء المهملة وفتح الطاء، نسبة إلى قبيلة حُطَمَةَ بن محارب، بطن من عبد القيس، كانوا يصنعون الدروع، وقد ذكر الحافظ: أنه أصاب هذه الدرع من غنائم بدر (^٤).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الصداق، وأنه شيء لا بد منه في الزواج؛ لأن النبي - ﷺ - أمر عليًّا - ﵁ - أن يعطي زوجته صداقًا، والأصل في الأمر أنه للوجوب، ولما لم يجد شيئًا لم يقره الرسول - ﷺ - على ذلك، وإنما سأله عن درعه، ليصدقها إياها مع أن الدرع من مال قُنيته التي يحتاجها، ولم يرد في هذا الحديث هل أعطاها درعه المذكورة أو غيرها، وقد ذكر صاحب \"البدر التمام \" نقلًا عن \"البحر الزخار\" أقوالًا في مهر فاطمة -﵂-، لكنها غير مسندة (^٥).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٣٦).\n(^٢) \"الإصابة\" (١٢/ ٧١).\n(^٣) \"الأذكار\" ص (٢٠٨).\n(^٤) \"الإصابة\" (١٢/ ٧٢).\n(^٥) \"البدر التمام\" (٤/ ١٠).","vol":"7","page":378},{"text":"° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنه لا يلزم أن يكون الصداق نقدًا من الأثمان، وإنما يصح أن يكون عروضًا أو متاعًا، وكل شيء يتمول.\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دليل على استحباب تخفيف الصداق، لقوله: \"أعطها شيئًا\" والشيء لفظ عام يتناول القليل والكثير، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- ما يتعلق بأقل الصداق وأكثره، وكلام العلماء في ذلك. والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":379},{"text":"<span data-type='title' id=toc-865>حكم هدايا الزوج للمرأة وأوليائها</span>\n١٠٣٥/ ٤ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أيّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ عَلَى صَدَاقٍ، أَو حِبَاءٍ، أَو عِدَةٍ، قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، فَهُوَ لَهَا، وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ، وَأَحَقُّ مَا أُكرِمَ الرَّجُلُ عَلَيهِ ابْنَتُهُ أَوْ أُخْتُهُ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلا التِّرْمِذِيَّ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد رواه أحمد (١١/ ٣١٣) عن عبد الرزاق، وأبو داود في كتاب \"النكاح\"، بابٌ (في الرجل يدخل بامرأة قبل أن ينقدها شيئًا) (٢١٢٩) من طريق محمد بن بكر البُرْسَاني، والنسائي (٦/ ١٢٥) من طريق حجاج بن محمد، وابن ماجه (١٩٥٥) من طريق أبي خالد سليمان بن حيان، أربعتهم عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا.\nوالحديث سنده حسن، على الراجح في أحاديث عمرو بن شعيب، وابن جريج مدلس وقد عنعنه، وقد جاء التصريح بالتحديث عند النسائي (٦/ ١٢٠)، والطحاوي في \"شرح المشكل\" (١١/ ٣٢٤) فزال بذلك ما يخُشى من تدليسه، لكن يشكل على هذا ما نقله الترمذي في \"العلل\" (١/ ٣٢٥) عن البخاري أنه قال: (ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب) وكذا قال البيهقي كما في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٨)، وعبد الرزاق والبرساني وأبو خالد لم يذكروا السماع، وأما حجاج فاختلف عليه، وابن جريج يدلس عن الهلكى والضعفاء.","vol":"7","page":380},{"text":"والحديث رواه عبد الرزاق (٦/ ٢٥٧) فقال: سمعت المثنى يحدث أنه سمع عمرو بن شعيب يحدث أنه سمع بهذا الحديث.\nوالمثنى وهو ابن الصباح وإن كان ضعيفًا، لكنه يعضد رواية غيره، وله شاهد من حديث عائشة -﵂-، أخرجه أحمد (٤١/ ٣٩٤)، والبيهقي (٧/ ٢٤٨)، وفيه الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس، وقد عنعنه.\nوأخرج عبد الرزاق (٦/ ٢٥٧) عن الثوري، عن مكحول قال: قال رسول الله - ﷺ -: فذكره بمعناه، هكذا مرسلًا.\nوهذه الروايات يقوي بعضها بعضًا، وتدل بمجموعها على أن للحديث أصلًا (^١)، وقد أفتى بمقتضى هذا الحديث الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -﵀-، كما أخرجه عبد الرزاق أيضًا.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (نكحت) بفتح النون تزوجت، ويجوز الضم بمعنى: عُقد عليها.\n\nقوله: (أو حباءٍ) بكسر الحاء المهملة، فموحدة، فهمزة ممدودة: العطية للغير، أو للزوجة زائدًا على مهرها.\n\nقوله: (أو عِدَةٍ) بكسر العين: ما وعد به الزوج وإن لم يحضره، وعند ابن ماجه (أو هبة) بدل (أو عدة).\n\nقوله: (قبل عصمة النكاح) أي: قبل عقد النكاح، والعصمة: ما يُعتصم به من عقد أو سبب.\nقولي: (فهو لها) اللام للاختصاص؛ أي: فهو مختص بها دون غيرها؛ لأنه وهب لها قبل العقد.\n\nقوله: (وما كان بعد عصمة النكاح فهو من أعطيه) بضم الهمزة مبني لما لم يُسَمَّ فاعله؛ أي: فهو ملك من أعطاه الزوج إياه، ولا فرق بين الأب وغيره.\n\nقوله: (وأحقُّ ما أُكرم الرجل عليه) أحق: مبتدأ، وأكرم: بضم الهمزة مبني\n_________\n(^١) انظر: \"تنبيه القارئ\" للدويش ص (٦٠).","vol":"7","page":381},{"text":"لما لم يُسَمَّ فاعله، والرجل: نائب فاعل، وعلى: للتعليل؛ أي: ما أكرم الرجل لأجله، وهذه الجملة مستأنفة تقتضي الحض على إكرام الولي تطييبًا لنفسه.\n\nقوله: (ابنته) خبر المبتدأ (أحق).\n\nقوله: (أو أخته) ظاهر العطف أن الحكم لا يختص بالأب، بل كل والٍ كذلك، والمعنى: أن أولى ما يُعطاه الرجل شيء يعطاه لكونه أبًا للزوجة أو أخًا لها.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المرأة تستحق ما يذكر قبل عقد النكاح من صداق أو حباء -وهو العطاء- أو عدة، ولو سمي باسم غيرها من أقاربها، وذلك لأنه لم يقدم إلا لأجل النكاح المنتظر.\nأما ما يقدم بعد عقد النكاح وتمام الزواج لغير الزوجة من أقاربها كأبيها وأخيها، فهو من أعطيه؛ لأنه هدية، والعقد قد تمَّ، ولم يبق شيء يُحَابَى لأجله، وإكرام أصهار الرجل أمر معروف ومرغوب فيه.\nوهذا قول الإمام مالك وعمر بن عبد العزيز -كما تقدم- والثوري.\nولهم دليل وهو هذا الحديث، ولهم تعليل وهو ما ذكره ابن رشد من أن مالكًا فرق بين الحالين؛ لأنه اتهم الولي إذا كان الشرط في عقد النكاح أن يكون الذي اشترطه لنفسه نقصانًا من صداق مثلها، ولم يتهمه إذا كان بعد انقضاء النكاح والاتفاق على الصداق، لزوال المحذور (^١).\nوالقول الثاني: أن الشرط لازم من ذكر من أب أو أخ، والصداق صحيح، وهو قول أبي حنيفة، ولعله يأخذ بعموم الأدلة الدالة على أن المسلمين على شروطهم.\nوالقول الثالث: أن المهر فاسد، ولها صداق المثل، لا فرق بين أن يكون اشتراط الحِباء للأب أو لغيره، وهذا قول الشافعي؛ لأنه نقص من صداقها، لأجل هذا الشرط الفاسد.\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (٣/ ٥٢).","vol":"7","page":382},{"text":"والقول الرابع: أنه إن شرطه الأب جاز، وإن شرطه غيره كالأخ أو العم بطل الشرط، وجميع المسمى لها، وهذا قول أحمد وقول للشافعي (^١). وذلك لعموم الأدلة على أن الإنسان وماله لأبيه.\nوالعمل بظاهر الحديث هو الراجح، لكن قد يستثنى الأب، بدليل العمومات الدالة على أن يد الأب مبسوطة في مال ولده، فتكون هذه العمومات غير مانعة من العمل بظاهر الحديث، وفيه جمع بين الأدلة.\nوالظاهر من قوله: (أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء …) أن موضوع الحديث ما إذا تزوجت امرأة وشُرط عليه في صداقها حباءٌ يُحَابَى به الأب أو غيره من الأولياء (^٢).\n\n° الوجه الرابع: مشروعية صلة أقارب الزوجة وإكرامهم والإحسان إليهم، وأن هذا من مكارم الأخلاق التي ندب إليها الإسلام، لكن إن امتنعوا من التزويج إلا بذلك حرم عليهم (^٣).\n\n° الوجه الخامس: إذا قدم للزوجة شيء من الهدايا قبل إجراء عقد الزواج ثم حصل عدول عن الزواج، فإن كان العدول من جانب المهدي وهو الزوج فليس له حق في استرداد هداياه، لئلا يجتمع على المُهْدَى إليه ألم العدول عن الزواج وألم الاسترداد.\nوإن كان العدول عن الزواج من جانب المُهدى إليه وهي الزوجة وأولياؤها وجب رد الهدية بعينها إن كانت قائمة، وقيمتها إن هلكت أو استهلكت؛ إذ ليس من العدالة أن يجمع على المهدي العدول مع الغرم المالي؛ لأن السبب الذي من أجله حصل الإهداء لم يتم.\nوهذا التفصيل هو أرجح الأقوال في هذه المسألة، وهو اختيار ابن تيمية وبعض فقهاء الشافعية والمالكية (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٠/ ١٢٠).\n(^٢) انظر: \"معالم السنن\" (٣/ ٢١٦).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (٦/ ١٩٧).\n(^٤) \"الاختيارات\" ص (١٣٨)، \"آثار عقد الزواج\" ص (٤٨ - ٥٠).","vol":"7","page":383},{"text":"<span data-type='title' id=toc-866>من تزوج امرأة ثم مات عنها قبل أن يفرض لها</span>\n١٠٣٦/ ٥ - عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ -: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَها صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتى مَاتَ، فَقَال ابْنُ مَسْعُود: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نسائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيهَا الْعِدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ. فَقَال: قَضى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في بَرْوَعَ بنتِ وَاشِقٍ -امْرَأَةٍ مِنَّا- مِثْلَ مَا قَضَيتَ، فَفَرحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسّنَهُ جَمَاعَةٌ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، تابعي جليل، ولد في حياة النبي - ﷺ -، وروى الحديث عن الصحابة؛ كعمر وعثمان وعلي -﵃-، وكان فقيه العراق، اشتهر بحديث ابن مسعود - ﵁ - وصحبته، وكان يشبهه في هديه وسمته وفضله، وهو عم الأسود بن يزيد النخعي، وخال إبراهيم بن يزيد بن الأسود النخعي، مات سنة إحدى وستين على أحد الأقوال (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٣٠/ ٤١١)، وأبو داود في كتاب \"النكاح\"، بابٌ (فيمن تزوج ولم يسمّ صداقًا حتى مات) (٢١١٥)، والترمذي (١١٤٥)،\n_________\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٥٣)، \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢٤٤).","vol":"7","page":384},{"text":"والنسائي (٦/ ١٢١)، وابن ماجه (١٨٩١) كلهم من طريق سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود - ﵁ -.\nقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، ونقل الحافظ في \"التلخيص\" تصحيحه عن ابن مهدي، وقال البيهقي: (إسناده صحيح) (^١)، وقال ابن عبد الهادي: (صححه غير واحد من الأئمة) (^٢)، وقال ابن حزم: (لا مغمز فيه لصحة إسناده) (^٣).\nوقد أعل بالاضطراب، للاختلاف في ذكر الصحابي الذي شهد لابن مسعود - ﵁ - بأن رسول الله - ﷺ - قضى في بروع بنت واشق هذا القضاء، وممن ضعفه بذلك الإمام الشافعي، كما نقل ذلك البيهقي (^٤)، فقد روي عن معقل بن سنان، ومرةً عن معقل بن يسار، ومرة عن بعض أشجع بلا تسمية.\nقال الشافعي: (إن كان ثبت عن النبي - ﷺ - فهو أولى الأمور بنا، ولا حجة في قول أحد دون النبي - ﷺ - وإن كثروا، ولا شيء في قوله إلا طاعة الله بالتسليم له، وإن كان لا يثبت عن النبي - ﷺ - لم يكن لأحد أن يُثبت عنه ما لم يثبت، ولم أحفظه بعد من وجهٍ يثبت مثله …) (^٥). وقد نقل الترمذي مقالة الشافعي هذه، ثم قال: (وروي عن الشافعي أنه رجع بمصر بعدُ عن هذا القول، وقال بحديث بروع بنت واشق) ونقل الحاكم عن شيخه أبي عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ أنه لما نُقل له قول الشافعي: (إن صح حديث بروع قلت به) قال: (لو حضرت الشافعي لقمت على رؤوس أصحابه وقلت: فقد صح الحديث فقل به) (^٦). وقد وهم الصنعاني تبعًا لأصله، فنسب المقالة للحاكم نفسه (^٧).\nوقد أجاب العلماء عن هذا بأنه غير قادح؛ لأنه متردد بين صحابي\n_________\n(^١) \"السنن\" (٧/ ٢٤٥).\n(^٢) \"المحرر\" (٢/ ٦٤٩).\n(^٣) \"التلخيص\" (٣/ ٢١٦).\n(^٤) \"السنن\" (٧/ ٢٤٤).\n(^٥) \"الأم\" (٦/ ١٧٥ - ١٧٦).\n(^٦) \"المستدرك\" (٢/ ١٨٠).\n(^٧) \"البدر التمام\" (٤/ ١٤)، \"سبل السلام\" (٣/ ٢٦٤).","vol":"7","page":385},{"text":"وآخر، وقوله: (عن بعض أشجع) لا يضر، لأنه قد فسر ذلك البعض بمعقل، وتبين أن ذلك البعض صحابي، وللبيهقي كلام متين حول هذا الحديث تحسن مراجعته (^١).\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ولم يفرض لها) أي: لم يعين ولم يسمِّ لها مهرًا.\n\nقوله: (ولم يدخل بها) أي: لم يجامعها، ولم يخل بها.\n\nقوله: (فقال ابن مسعود) ظاهره أنه أجاب في الحال، وفي رواية أبي داود والنسائي: (فاختلفوا إليه فيها شهرًا)، وعند أحمد: (فسئل عنها شهرًا)، وفي رواية (ما سئلت عن شيء منذ فارقت رسول الله - ﷺ - أشدَّ عليّ من هذه، فأتوا غيري، قال: فاختلفوا إليه شهرًا …) (^٢).\n\nقوله: (مثل صداق نسائها) أي: نساء أقاربها كأختها وعمتها، وينظر إلى من هي مثلها في دينها وعقلها وجمالها، وكل ما يؤثر على تقدير الصداق؛ لأن هذه الأوصاف تؤثر على تقدير العوض.\n\nقوله: (لا وكس) بفتح فسكون؛ أي: لا نقص.\n\nقوله: (ولا شطط) بفتحتين؛ أي: ولا زيادة، وأصل الشطط: الجور والظلم، وجملة (لا وكس ولا شطط) مؤكدة لما قبلها.\n\nقوله: (وعليها العدة) على: للوجوب، والمراد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشر، و(أل) للعهد العلمي.\n\nقوله: (ولها الميراث) اللام: للملك، فترث بمجرد العقد وإن لم يحصل وطء ولا خلوة.\nوقد جاء عند أبي داود زيادة: (فإن يك صوابًا فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان).\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٤٦)، وانظر: \"العلل\" للدارقطني (١٤/ ٤٧).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٤٥).","vol":"7","page":386},{"text":"قوله: (فقام معقل بن سنان) معقل: بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف، ابن سنان: بكسر السين، الأشجعي، له صحبة ورواية، كان من كبار أهل الحرة، أُسر فذبح صبرًا يوم الحرة - ﵁ - سنة ثلاث وستين، وله نيف وسبعون سنة (^١).\n\nقوله: (قضى رسول الله - ﷺ - في بروع) قال في \"القاموس\": (بَرْوَعٌ كجدول، ولا يكسر، بنت واشق، صحابية) (^٢) فهي بفتح الباء عند أهل اللغة، وأما المحدثون فيكسرون الباء (^٣)، قال الجوهري: (أصحاب الحديث يقولونه بكسر الباء، والصواب الفتح ..) (^٤) وهي بروع بنت واشق الرُّؤاسية الكلابية أو الأشجعية، زوج هلال بن مرة الأشجعي، مات عنها ولم يفرض لها صداقًا (^٥).\n\nقوله: (ففرح بها) أي: بالقضية أو بالفتيا من الرسول - ﷺ -، لكون اجتهاده موافقًا لحكمه - ﷺ -، وفي رواية للنسائي (فما رؤي عبد الله فَرِحَ فرحة يومئذ إلا بإسلامه) (^٦).\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المرأة تستحق كامل المهر بموت زوجها، وإن لم يسم لها شيئًا ولا دخل بها، ولعل هذا -والله أعلم- فيه جبر لخاطرها بما حصل من العقد دون الدخول بسبب الموت، وهو مصيبة بالنسبة لها، لما كانت ترجو من الخير وراء هذا الزواج، بخلاف الطلاق الذي ليس فيه شيء من ذلك.\nوهذا الحكم وهو استحقاقها الصداق، هو أحد الأحكام الثلاثة التي اشتمل عليها الحديث.\n_________\n(^١) \"السير\" (٢/ ٥٧٦)، \"الإصابة\" (٩/ ٢٥٦).\n(^٢) (١/ ٢٥٢).\n(^٣) \"المغني في ضبط الأسماء\" ص (٣٦).\n(^٤) \"الصحاح\" (٣/ ١١٨٤).\n(^٥) \"الاستيعاب\" (١٢/ ٢٢٤)، \"الإصابة\" (١٢/ ١٥٦).\n(^٦) \"سنن النسائي\" (٦/ ١٢٣).","vol":"7","page":387},{"text":"والحكم الثاني: أن عليها عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام، وهذا مجمع عليه، لعموم الأدلة، مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فهي عامة في المدخول بها وغير المدخول بها، بخلاف المطلقة قبل الدخول، فليس عليها عدة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩].\nوالحكم الثالث: أن لها الميراث من زوجها الذي عقد عليها ثم مات؛ لأنها زوجة، والأرث يجب بمجرد العقد؛ إذ هو سببه، وليس الوطء، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]، وهذا مجمع عليه أيضًا، والخلاف في الحكم الأول، كما سيأتي إن شاء الله.\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه ينظر في تقدير هذا الصداق إلى مهر قراباتها ممن يماثلها في كل صفة يختلف المهر لأجلها، من مال وجمال وعقل وأدب وسِنٍّ وبكارة أو ثيوبة.\n\n° الوجه السادس: لا خلاف بين أهل العلم في أن المرأة إذا سُمي لها الصداق في العقد ثم مات الزوج أن المرأة تستحقه كاملًا، وإنما الخلاف فيما إذا مات عنها ولم يفرض لها صداقًا على قولين:\nالأول: أنها تستحق الصداق كاملًا، وذلك بأن يفرض لها مثل صداق نسائها، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد وقول للشافعي، رجحه النووي (^١)، مستدلين بهذا الحديث المؤيد بقضاء النبي - ﷺ -.\nالثاني: أنه ليس لها إلا الميراث، ولا تستحق مهرًا ولا متعة، وهو قول علي وزيد بن ثابت وابن عمر وغيرهم -﵃-، وهو مذهب مالك، وقول للشافعي (^٢)، قياسًا للموت على الطلاق، فإن الطلاق قبل الدخول والخلوة\n_________\n(^١) \"تعليل المختار\" (٣/ ١٠٢)، \"المغني\" (١٠/ ١٩٧)، \"روضة الطالبين\" (٧/ ٢٨١ - ٢٨٢).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٣/ ٥٠).","vol":"7","page":388},{"text":"وقبل تسمية المهر لا شيء فيه لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فأوجب الله تعالى المتعة للمطلقة قبل المسيس وهو الجماع، والمراد بها: أن يعطيها الزوج على حسب قدرته ما تتمتع به من كسوة أو غيرها، فدل على أنه لا يفرض لها صداقًا، والمتعة خاصة بالمطلقة بنص القرآن، فلا متعة للمتوفى عنها.\nقالوا: والمهر عوض عن الوطء، ولم يقع من الزوج، فلا تستحق المرأة العوض، قياسًا على ثمن المبيع.\nوأجابوا عن الحديث: بالاضطراب كما تقدم، وبهذا يتبين أن سبب الخلاف هو القول بصحة الحديث أو ضعفه.\nوالراجح هو القول الأول، فإن اجتهاد ابن مسعود - ﵁ - في هذه المسألة اجتهاد موافق للدليل، فهو نص في محل النزاع، وما قالوه لا يقاوم هذا الدليل، وأما دعوى الاضطراب، فهي مردودة، كما تقدم.\nوأما قولهم: إن المتعة لم ترد إلا للمطلقة، فلا دلالة فيه؛ لأن الكتاب والسنة نفيا مهر المطلقة قبل المسيس والفرض، لا مَهْرَ من مات زوجها عنها، وأحكام الموت غير أحكام الطلاق، فإن العقد لا يفسخ بالموت، وإنما ينتهي به؛ لانتهاء أمده، وهو العمر، فتتقرر جميع أحكامه، ومنها المهر، أما الطلاق فهو قطع للزواج قبل تمامه، فلا يتقرر به شيء.\nوأما ما روي عن بعض الصحابة - ﵃ - فلعله لم يبلغهم الحديث، فهذا ابن مسعود - ﵁ - وهو من فقهاء الصحابة لم يطلع على هذا الحديث، ولم يعلم به فاجتهد، ثم أخبره معقل بن سنان بقضاء النبي - ﷺ -.\nوأما القياس فهو فاسد الاعتبار؛ لأنه في مقابلة نص ثبتت صحته.\n\n° الوجه السابع: في الحديث دليل على أنه يصح النكاح بدون تسمية الصداق، لقوله: (ولم يفرض لها)، وقد دل على هذا قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ","vol":"7","page":389},{"text":"وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع على جواز عقد النكاح بدون فرض الصداق، وتستحق مهر المثل إذا دخل بها بإجماعهم (^١).\nفإن طلقها قبل الدخول وجبت المتعة لها، وذلك بأن يعطيها شيئًا من المال بالمعروف، على الغني بقدر طاقته، وعلى الفقير بقدر طاقته، كما تقدم في نص الآية، وهذا من الإحسان لما فيه من جبر قلب الزوجة.\n\n° الوجه الثامن: الحديث دليل على جواز الاجتهاد في الحوادث من الأحكام فيما لم يوجد فيه نص، مع إمكان أن يكون فيه نص وتوقيف، فهذا ابن مسعود - ﵁ - اجتهد في هذه المسألة، مع أن معقل بن سنان سمع الحكم من النبي - ﷺ - فيها، ولم يسمعه ابن مسعود.\n\n° الوجه التاسع: الفرح بصواب الاجتهاد إذا تبين الصواب؛ لأن في ذلك إظهارًا للحق وعملًا به. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٣٢/ ٦٢).","vol":"7","page":390},{"text":"<span data-type='title' id=toc-867>ما جاء في قلة المهر وجوازه بغير النقد</span>\n١٠٣٧/ ٦ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَال: \"مَنْ أَعْطَى في صَدَاقِ امْرَأَةٍ سَويقًا، أَوْ تَمْرًا فَقَدِ اسْتَحَلَّ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ.\n١٠٣٨/ ٧ - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبيعَةَ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِي - ﷺ - أَجَازَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ عَلَى نَعْلَينِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَخُولِفَ في ذَلِكَ.\n١٠٣٩/ ٨ - وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - قَال: زَوّجَ النَّبيُّ - ﷺ - رَجُلًا امْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ طَرَف مِنَ الْحَدِيثِ الطَّويلِ الْمُتَقَدِّمِ فيَ أَوَائِلِ النكَّاحِ.\n١٠٤٠/ ٩ - وعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَال: لَا يَكُونُ الْمَهْرُ أَقلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وفي سَنَدِهِ مَقَالٌ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو محمد، عبد الله بن عامر بن ربيعة، العنزي، وعنزة حي من اليمن، ولد عبد الله على عهد رسول الله - ﷺ -، وكان سِنُّهُ يوم وفاة النبي - ﷺ - خمس أو ست سنين، وقد روى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعن أبيه عامر بن ربيعة وغيرهم -﵃-، قال ابن سعد: (كان ثقة، قليل الحديث)، وقال العجلي: (مدني تابعي ثقة، من كبار التابعين)، قال ابن حبان: (أتاهم رسول الله - ﷺ - في بيتهم وهو غلام، روايته عن أصحاب رسول الله - ﷺ -)، وقد","vol":"7","page":391},{"text":"جعله عمر بن عبد العزيز -﵀- في مجلس شوراه، في عشرة؛ هم فقهاء المدينة انذاك، وتوفي سنة خمس وثمانين -﵀- (^١).\nوأما والده عامر بن ربيعة - ﵁ - فقد تقدمت ترجمته في باب (شروط الصلاة) عند الحديث (٢١٣).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجها:\nأما حديث جابر - ﵁ -، فقد أخرجه أبو داود في كتاب \"النكاح\"، باب (قلة المهر) (٢١١٠) من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا موسى بن مسلم بن رومان، عن أبي الزبير، عن جابر - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقًا … \" الحديث.\nوهذا الحديث فيه موسى بن مسلم، ويقال: صالح بن مسلم بن رومان، قال أبو حاتم: (مجهول)، ونقل ابن التركماني عن ابن القطان أنه قال: إلا يعرف) (^٢)، وفيه -أيضًا- أبو الزبير، وهو مدلس، وقد عنعنه، وقد صرح بالسماع في روايات أخرى.\nقال أبو داود عقبه: (رواه عبد الرحمن بن مهدي، عن صالح بن رومان، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفًا).\nوقد رجح الحافظ في \"التلخيص\" (^٣) رواية الوقف، وأشار إلى ضعف موسى بن مسلم، فكان عليه أن يشير إلى ضعفه هنا على عادته، ولا يكتفي بالإشارة إلى ترجيح أبي داود وقفه.\nوأما حديث عبد الله بن عامر، فقد أخرجه الترمذي في أبواب \"النكاح\"، باب (ما جاء في مهور النساء) (١١١٣)، وابن ماجه (١٨٨٨)، وأحمد (٢٤/ ٤٤٥) من طريق عاصم بن عبيد الله قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال\n_________\n(^١) \"الطبقات\" (٥/ ٩)، \"الثقات\" (٣/ ٢١٩)، \"تاريخ الثقات\" ص (٢٦٣)، \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٢٣٨).\n(^٢) \"الجوهر النقي\" (٧/ ٢٣٨).\n(^٣) \"التلخيص\" (٣/ ٢١٥).","vol":"7","page":392},{"text":"رسول الله - ﷺ -: \"أرضيت من نفسكِ ومالكِ بنعلين؟ \" قالت: نعم، فأجازه.\nقال الترمذي: (حديث عامر بن ربيعة حديث حسن صحيح)، وقد\nخولف الترمذي في هذا التصحيح، فضعفه أهل العلم؛ لأن عاصم بن عبيد الله ضعيف سيء الحفظ، وقد أجمع الأئمة المتقدمون كمالك وابن معين والبخاري على تضعيفه.\nوقد أنكر الحديث على عاصم جماعة من الأئمة، منهم أبو حاتم الرازي، فقال ابنه: سألت أبي عن عاصم بن عبيد الله؟ فقال: (منكر الحديث، يقال: إنه ليس له حديث يعتمد عليه، قلت: ما أنكروا عليه؟ قال: روى عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه أن رجلًا تزوج امرأة على نعلين، فأجازه النبي - ﷺ -، وهو منكر) (^١).\nولما ترجم له الذهبي في \"الميزان\" عدَّ حديثه هذا مما أنكر عليه (^٢). ثم إن الحديث في متنه نكارة، وذلك في قوله: (ومالكِ)، فإن مال الزوجة ليس للزوج عليه سبيل، وإنما مالها لها، ولو صح سندًا لكان شاذًّا، لمخالفته الأحاديث الصحيحة الدالة على أن المرأة الرشيدة تتصرف في مالها بما يوافق الشرع، وليس لأحد ولاية عليها، وقد تقدم هذا في باب (الحجر) من كتاب \"البيوع\".\nوأما حديث سهل بن سعد - ﵁ -، فقد أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٦/ ١٥٦ - ١٥٧) والحاكم (٢/ ١٧٨)، من طريق عبد الله بن مصعب الزبيري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد - ﵁ - وزادا: (فَصُّهُ من فضة).\nوهذا حديث ضعيف، في إسناده عبد الله بن مصعب، ضعفه ابن معين، ثم هو قد خالف الثقات الذين رووا الحديث عن أبي حازم، كما تقدم سياقه أول كتاب \"النكاح\"، وفيه قوله: (\"انظر ولو خاتمًا من حديد\"، فذهب ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله، ولا خاتم من حديد … الحديث)، وليس\n_________\n(^١) \"العلل\" (١/ ٤٢٤).\n(^٢) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤).","vol":"7","page":393},{"text":"فيه أن النبي - ﷺ - زوج الرجل بخاتم من حديد، وإنما أذن له في جعل الصداق خاتمًا من حديد، ويكون معنى قوله في هذه الرواية: (زوج النبي - ﷺ - رجلًا) أي: أراد أن يزوجه.\nوأما أثر علي - ﵁ -، فقد أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٤٥) من طريق داود الأودي، عن الشعبي قال: قال علي - ﵁ - … فذكره.\nوهذا سند ضعيف؛ لأن داود الأودي متكلم فيه، فقد ضعفه أبو حاتم، وأبو داود، والنسائي وغيرهم، وبه أعله ابن الجوزي (^١)، وأُعل -أيضًا- بأن في إسناده انقطاعًا، فقد تقدم في \"العيوب في النكاح\" أن الشعبي لم يسمع من علي - ﵁ - إلا حرفًا واحدًا، كما قال الدارقطني، والحاكم.\nثم هو معارض بما تقدم من الأحاديث الدالة على أن كل ما جاز أن يكون ثمنًا، صح أن يكون صداقًا، بدون التحديد في أكثر من عشرة دراهم.\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (في صداق امرأة) في أبي داود: (في صداق امرأة ملء كفيه ..) كما تقدم.\n\nقوله: (سويقًا) بفتح السين، هو طعام يتخذ من دقيق القمح أو الذرة أو الشعير أو غيرها.\n\nقوله: (فقد استحل) الضمير المرفوع يرجع إلى (من)، والمفعول محذوف؛ أي: فقد جعلها حلالًا بهذا الصداق.\n\n° الوجه الرابع: في هذه الأحاديث دليل على جواز كون الصداق طعامًا أو متاعًا، وأنه لا يلزم أن يكون نقدًا من ذهب أو فضة، أو ما يقوم مقامهما من النقد، بل كل ما جاز أن يكون ثمنًا جاز أن يكون صداقًا، فلو أصدقها ثيابًا أو سيارة أو أرضًا أو مزرعة أو منزلًا أو نحو ذلك صح.\n_________\n(^١) \"التحقيق\" (٩/ ١٠١).","vol":"7","page":394},{"text":"وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة لكنها جاءت موافقة للأصول، وما وافق الأصول صح أن يستشهد به وإن كان ضعيفًا، مع أنه يؤيد ذلك حديث ابن عباس - ﵄ - في قصة ثابت بن قيس مع امرأته لما خالعها، وفيه: قال رسول الله - ﷺ -: \"أتردين عليه حديقته؟ \"، فهذا يدل على أن الصداق حديقة وليس نقدًا، وسيأتي -إن شاء الله- هذا الحديث في باب (الخلع).\n\n° الوجه الخامس: لا خلاف بين أهل العلم في أنه لا حدَّ لأكثر الصداق، نقل ذلك ابن عبد البر (^١)، وابن رشد (^٢)؛ لأنه لم يرد في الشرع ما يدل على تحديده بِحَدٍّ أعلى، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠] إذ ليس المقصود من إيتاء القنطار بيان الحد الأعلى للصداق، وإنما هو كناية عن الكثرة، ولو كان ذلك مسوقًا لبيان الحد الأعلى لنهى عن الزيادة عليه، وعلى هذا فليس في الآية دليل على جواز المغالاة في الصداق؛ لأنه تمثيل على جهة المبالغة في الكثرة، كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد، ولو فرضت دلالتها لكان غاية ما تدل عليه جواز دفع القادر الصداق الكثير المنوه عنه بالآية بالقنطار، لا تكليف العاجز ما لا يقدر عليه (^٣).\nوأما أقل الصداق فقد اختلف فيه العلماء على قولين:\nالأول: أن أقل الصداق غير مقدر بمقدار معلوم، بل يصح الصداق بكل ما يسمى مالًا أو ما يقوَّم بمال، فإن عُقد بما لا يتمول ولا يقابل بما يتمول كالنواة والحصاة، فسدت التسمية ووجب مهر المثل، وهذا قول الشافعية والحنابلة، واستدلوا بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] ووجه الاستدلال: أن لفظ الأموال مطلق، فيتناول القليل والكثير.\nوأما السنة فأحاديث الباب، وما جاء في معناها؛ كقوله - ﷺ -: \"التمس\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (١٦/ ٦٥).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٣/ ٣٨).\n(^٣) \"تفسير القرطبي\" (٥/ ١٠٠)، \"الفتاوى\" (٣٢/ ١٩٥).","vol":"7","page":395},{"text":"ولو خاتمًا من حديد\"، فإنه يدل على أن المهر يصح بكل ما يطلق عليه اسم المال.\nوالقول الثاني: أن لأَقَلِّ المهر حدًّا لا يجوز أن يقل عنه، وهو قول المالكية والحنفية، ثم اختلفوا في أقله، فقال أبو حنيفة: أقله عشرة دراهم، أو ما قيمته عشرة دراهم، مستدلين بأثر علي - ﵁ -، وقياسًا على نصاب السرقة، إظهارًا لمكانته؛ فيقدر بما له أهمية.\nوقال مالك: ربع دينار أو ثلاثة دراهم، قياسًا على نصاب السرقة، كما تقدم (^١).\nوالراجح أن أقل الصداق غير مقدر؛ لأن هذا القول هو الذي يجمع الأحاديث كلها، وأما القول الثاني فهو مرجوح، وليس عليه دليل غير القياس على نصاب السرقة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (٣/ ٤١)، \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٢٧٥)، \"المهذب\" (٢/ ٥٥)، \"المغني\" (١٠/ ٩٩).","vol":"7","page":396},{"text":"<span data-type='title' id=toc-868>استحباب تيسير الصداق</span>\n١٠٤١/ ١٠ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"خَيرُ الصَّدَاقِ أَيسَرُهُ\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"النكاح\"، باب (فيمن تزوج ولم يسمِّ صداقًا حتى مات) (٢١١٧)، والحاكم (٢/ ١٨١ - ١٨٢) من طريق أبي الأصبغ الجزري عبد العزيز بن يحيى، أخبرنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، خالد بن أبي يزيد، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله، عن عقبة بن عامر - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال لرجل: \"أترضى أن أزوجك فلانة؟ \"، قال: نعم. وقال للمرأة: \"أترضين أن أزوجك فلانًا؟ \"، قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبه، ولم يفرض لها صداقًا، ولم يعطها شيئًا، وكان ممن شهد الحديبية، وكان من شهد الحديبية له سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله - ﷺ - زوجني فلانة، ولم أفرض لها صداقًا، ولم أعطها شيئًا، وإني أشهدكم أني أعطيتها صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمًا فباعته بمائة ألف، قال: وقال رسول الله - ﷺ -: \"خير الصداق أيسره\"، هذا لفظ الحاكم، وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي.\nوهذا فيه نظر، فإن خالد بن أبي يزيد لم يخرج له البخاري في \"صحيحه\"، وإنما روى له في \"الأدب المفرد\"، وهو ثقة، أخرج له مسلم في \"صحيحه\"، وعبد العزيز بن يحيى صدوق ربما وهم، ولم يرو له البخاري،","vol":"7","page":397},{"text":"ولا مسلم، والحديث صححه الألباني (^١).\n\n° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن أفضل الصداق وأعظمه بركة على الزوجين، هو ما كان أيسر وأسهل على الزوج، بحيث لا يجد مشقة في إعداده، وهذا يدل على استحباب تيسير الصداق وتخفيفه، فعلى الزوج أن يقدم ما تيسر من المهر، وعلى الزوجة وأوليائها أن يقبلوا ما يقدم إليهم، وقد دل بمفهومه على أن غير الأيسر على خلاف ذلك.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (السنة: تخفيف الصداق، وألا يزيد على نساء النبي - ﷺ - وبناته … ويكره للرجل أن يصدق المرأة صداقًا يضر به إن نقده، ويعجز عن وفائه إن كان دينًا … وإن قصد الزوج أن يؤديه وهو في الغالب لا يطيقه فقد حَمَّلَ نفسه، وشغل ذمته، وتعرض لنقص حسناته، وارتهانه بالدين، وأهل المرأة قد آذوا صهرهم وضروه …) (^٢).\nوقد جاء من طريق محمد بن سيرين، عن أبي العجفاء -وعند أحمد سمعه من أبي العجفاء- قال: خطبنا عمر - ﵁ - فقال: (ألا لا تغالوا بصداق النساء، فإنها لو كانت مكرُمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها النبي - ﷺ -، ما أصدق رسول الله - ﷺ - امرأة من نسائه، ولا أُصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية … الحديث) (^٣).\nوهو يدل على ضعف ما ورد من اعتراض المرأة على عمر - ﵁ - لما نهى عن المغالاة، واعترضت عليه المرأة بآية ﴿وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، فرجع عن ذلك (^٤).\nوعن عروة، عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"من يُمْنِ\n_________\n(^١) \"الإرواء\" (٦/ ٣٤٤).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٣٢/ ١٩٢ - ١٩٤)\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢١٠٦)، والترمذي (١١١٤)، والنسائي (٦/ ١١٧)، وأحمد (١/ ٣٨٢) وهو حديث صحيح.\n(^٤) القصة رواها سعيد بن منصور (١/ ١٦٦)، وعبد الرزاق (٦/ ١٨٠) ولها طرق كلها ضعيفة.","vol":"7","page":398},{"text":"المرأة أن تتيسر خِطبتها، وأن يتيسر صداقها، وأن يتيسر رحمها\"، قال عروة: يعني للولادة، قال عروة: وأنا أقول من عندي، من أول شؤمها أن يكثر صداقها (^١).\nوتيسير الصداق فيه مصالح عظيمة منها:\n١ - العمل بالسنة، وامتثال ما أرشدت إليه.\n٢ - تيسير سبل الزواج، وفي هذا من الفوائد للشباب والفتيات والمجتمع بأسره ما هو معلوم.\n٣ - أن تخفيف الصداق من أسباب المحبة ودوام المودة، وأن الإنسان إذا تزوج بمهر يسير لم يكره زوجته، بخلاف التي تكلفه مبالغ كثيرة.\n٤ - أن تخفيف الصداق يسهل على الزوج مفارقة زوجته إذا ساءت العشرة، ولم يحصل توافق بينهما، كما يسهل مسألة الخلع، إذا وجد ما يدعو إليه، فإنه إذا كان المهر قليلًا أمكن المرأة وأوليائها بذل العوض، بخلاف ما إذا كان كثيرًا، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤١/ ٢٧ - ١٥٣، ٢٨ - ١٥٤)، وابن حبان (٩/ ٤٠٥)، والبيهقي (٧/ ٢٣٥) واللفظ له، والحديث حسنه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٣٥٠).","vol":"7","page":399},{"text":"<span data-type='title' id=toc-869>مشروعية تمتيع المطلقة بما يتيسر</span>\n١٠٤٢/ ١١ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ عَمْرَةَ بِنْتَ الْجَوْنِ تَعَوّذَتْ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيهِ -تَعْني: لَمَّا تَزَوّجَهَا- فَقَال: \"لَقَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ\" فَطَلَّقَهَا، وَأَمَرَ أُسَامَةَ فَمَتَّعَهَا بِثَلَاثةِ أَثْوَابٍ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفي إِسْنَادِهِ رَاوٍ مَتْرُوكٌ.\n١٠٤٣/ ١٢ - وَأَصْلُ الْقِصّةِ في الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبي أُسَيدٍ السَّاعِدِيِّ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو أُسيد، بضم الهمزة وفتح السين، مالك بن ربيعة بن البَدْن بن ساعدة الخزرجي الساعدي، مشهور بكنيته، شهد بدرًا وأُحدًا والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، وكانت معه راية بني ساعدة يوم الفتح، مات بالمدينة سنة ستين، قال ابن عبد البر: (وهو آخر البدريين موتًا)، وقيل سنة ثلاثين، قال ابن عبد البر: (هذا خلاف متباين جدًّا)، وهو ابن ثمان وسبعين - ﵁ - (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجهما.\nحديث عائشة -﵂-، أخرجه ابن ماجه (٢٠٣٧) من طريق عبيد بن القاسم، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂-، أن عمرة بنت\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٩/ ٣١٠)، \"الإصابة\" (٩/ ٤٧ - ٤٨).","vol":"7","page":400},{"text":"الجون تعوذت من رسول الله - ﷺ - حين أدخلت عليه، فقال: \"لقد عُذْتِ بِمَعَاذٍ\"، فطلقها، وأمر أسامة أو أنسًا فمتعها بثلاثة أثواب رازقية.\nوهذا حديث باطل؛ لأن فيه عبيد بن القاسم، ضعفه البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وغيرهم، وهو كذاب يضع الحديث، قال ابن معين: (كان كذابًا خبيثًا)، وقال ابن حبان: (كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات، روى عن هشام بن عروة بنسخة موضوعة، لا يحل كتابة حديثه، إلا على جهة التعجب) (^١).\nوأصل الحديث في صحيح البخاري (٥٢٥٥) من طريق حمزة بن أبي أُسيد، عن أبي أسيد - ﵁ - قال: خرجنا مع النبي - ﷺ - حتى انطلقنا إلى حائط يقال له: الشوط، حتى انتهينا إلى حائطين جلسنا بينهما، فقال النبي - ﷺ -: \"اجلسوا ها هنا\"، ودخل، وقد أُتي بالجونية، فأُنزلت في بيتٍ في نخلٍ في بيتِ أميمةَ بنت النعمان بن شراحيل، ومعها دايتها (^٢) حاضنة لها، فلما دخل عليها النبي - ﷺ - قال: \"هبي نفسك لي\"، قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسُّوقة؟ قال: فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: \"قد عذت بِمَعاذ\"، ثم خرج علينا فقال: \"يا أبا أُسيد، اكسها رازقيين، وألحقها بأهلها\".\nوالمقصود من هذا السياق بيان أن التمتيع ورد في رواية ابن ماجه، وما عداه فهو ثابت في \"صحيح البخاري\".\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (عمرة بنت الجون) بفتح الجيم وسكون الواو فنون، وقد سماها في رواية ابن ماجه عمرة، مع أنه اختلف في اسمها ونسبها على عدة أقوال، ذكرها الحافظ في \"فتح الباري\" (^٣)، ولا يتعلق بذلك حكم شرعي، والظاهر من رواية البخاري المذكورة أنها أميمة بنت النعمان بن شراحيل، وما ورد غير ذلك فهو من قبل الرواة وتصرفاتهم.\n_________\n(^١) \"المجروحين\" (٢/ ١٦٥ - ١٦٦)، \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ١٢٧).\n(^٢) الداية: بالياء التحتانية: الظئر المرضع، وهي معربة. \"فتح الباري\" (٩/ ٣٥٨).\n(^٣) (٩/ ٣٥٧ - ٣٥٨).","vol":"7","page":401},{"text":"قوله: (تعوذت من رسول الله - ﷺ -) أي: قالت: أعوذ بالله منك، كما تقدم في رواية البخاري، وقد جاء في بعض الروايات أنها خُدعت بذلك، وأن عائشة وحفصة دخلتا عليها أول ما قدمت، فمشطتاها وخضبتاها، وقالت لها إحداهن: إن النبي - ﷺ - يعجبه المرأة إذا دخل عليها أن تقول: أعوذ بالله منك … وأردن بذلك ألا تبقى عنده (^١).\nلكن ظاهر سياق الحديث عند البخاري يقتضي أنها قالت ذلك، لأجل أنها عدت نفسها أعلى وأرفع من رسول الله - ﷺ -، ولم تره كفوًا لها، ويحتمل أنها قالت ذلك لأنها لم تعرف قصد النبي - ﷺ - لما مدَّ يده إليها، ففي البخاري: (فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ قالت: لا، قالوا: هذا رسول الله - ﷺ - جاء ليخطبك، قالت: كنت أنا أشقى من ذلك … الحديث) (^٢).\n\nقوله: (لقد عُذت بمعاذ) بضم العين؛ أي: استجرت بمجير يجيرك ويعصمك مما لا ترغبين، والتنوين للتعظيم؛ أي: تعوذت بعظيم هو أهل لأن يُتعوذ به، وهو الله تعالى، والمَعاذ: بفتح الميم، هو ما يستعاذ به (^٣).\n\nقوله: (فطلقها) في حديث عائشة عند البخاري: (فقال لها: لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك) (^٤)، وهذا كناية عن الطلاق مع القصد.\n\nقوله: (وأمر أسامة) في رواية البخاري: (فأمر أبا أُسيد)، وذلك لأن أبا أسيد هو الذي أحضرها للنبي - ﷺ -، كما في بعض الروايات.\n\nقوله: (فمتعها بثلاثة أثواب) من التمتيع؛ أي: أعطاها المتعة، بضم الميم، وهي متعة الطلاق، والمراد بها: ما يعطيه الزوج من طلقها، لجبر خاطرها المنكسر بألم الفراق، وقد جاء وصف الثياب بأنها رازقية، والرازقية: ثياب من كتان بيض طوال، وقيل: يكون في داخل بياضها زرقة (^٥).\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على مشروعية تمتيع الزوجة المطلقة\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٣٥٩).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٥٦٣٧).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٣٥٩).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٥٢٥٤).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٥٩).","vol":"7","page":402},{"text":"بما تيسر، وهو أن يعطيها ما تتمتع به من كسوة أو نفقة أو غير ذلك، حسبما يقتضيه العرف وحال الزوج؛ جبرًا لقلبها من فجيعة الطلاق، وتخفيفًا لآلامها، ومواساة لها وتكريمًا، فهو من أنواع الإحسان إليها، وقد جاء تمتيع المطلقة في قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب: ٢٨]، وليس للمتعة قدر معين، لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، والموسع: الغني، والمقتر: الفقير، فإن توافقا على قدر معين فالأمر واضح، وإن اختلفا اجتهد الحاكم على ضوء هذه الآية الكريمة.\nوقد اختلف العلماء في حكم المتعة على ثلاثة أقوال:\nالأول: وجوب المتعة لكل مطلقة، سواء طلقت قبل الدخول أم بعده، وسواء فرض لها صداق أم لم يفرض.\nوهذا رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مروي عن علي - ﵁ -، وسعيد بن جبير، ورجحه ابن جرير، والحافظ ابن حجر، والشنقيطي (^١).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١]، ولفظ المطلقات عام، وأكد ذلك بقوله: ﴿حَقًّا﴾؛ أي: أحقه حقًّا، وأكده بمؤكد ثان وهو قوله: ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، وفي الأخرى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾، وقد كن مفروضًا لهن ومدخولًا بهن، وقد تقرر في الأصول أن الخطاب الخاص به - ﷺ - يعم حكمه جميع الأمة، إلا بدليل على تخصيصه به.\nوالقول الثاني: أن المتعة مستحبة لكل مطلقة على ما تقدم، وهذا قول\n_________\n(^١) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢٦٤)، \"المغني\" (١٠/ ١٤٠)، \"الاختيارات\" ص (٢٣٧)، \"فتح الباري\" (٩/ ٤٩٦)، \"أضواء البيان\" (١/ ٢٨١ - ٢٨٢).","vol":"7","page":403},{"text":"مالك، وجماعة من السلف (^١)، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، قالوا: ولو كانت المتعة واجبة لما خُصَّ بها المحسنون والمتقون، بل كانت حقًّا على كل أحد، ولو كانت واجبة لعين فيها القدر الواجب، وقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، تأكيد للوجوب، وقولهم: لو كانت واجبة لكانت محدودة، مردود بأن نفقة الأزواج والأقارب واجبة، مع أنها غير مقدرة (^٢).\nوالقول الثالث: أن المتعة تجب من طلقت قبل الدخول ولم يفرض لها مهر، وأما إذا طلقت بعد الدخول فلا متعة لها، فإن كانت مُفَوِّضَةً -وهي التي لم يُسَمَّ لها صداقًا (^٣) - فلها مهر مثلها، وإن كان قد فرض لها وجب لها نصفه، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، منهم ابن عباس وابن عمر -﵃-، والحسن وعطاء والشعبي، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في رواية عنه (^٤)، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فخص الأولى بالمتعة، والثانية بنصف المهر، ولو كان ثمَّ واجب آخر من متعةٍ غير نصف المهر، لبينه الله تعالى، لا سيما وقد قرن هذه الآية بما قبلها الدالة على اختصاص المتعة بتلك الحالة، وأجابوا عن آية: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، بأنها خصصت بآية: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ﴾. وأجيب عن ذلك بأنه لا تخصيص، بل ذكر المتعة في حق من طلقت قبل الدخول وقبل الفرض، من باب ذكر بعض أفراد العام بحكم العام، وهو لا يقتضي التخصيص (^٥).\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (٣/ ١٨٣)، \"المغني\" (١٠/ ١٣٩).\n(^٢) \"الأضواء\" (١/ ٢٨٢).\n(^٣) انظر: \"المُطْلِع\" ص (٣٢٧).\n(^٤) \"بداية المجتهد\" (٣/ ١٨٣)، \"المغني\" (١٠/ ١٣٩)، \"حاشية ابن عابدين\" (٣/ ١١١).\n(^٥) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٣٩).","vol":"7","page":404},{"text":"والذي يظهر -والله أعلم- أن المتعة واجبة في حق من طلقت قبل الدخول وقبل فرض الصداق، لقوة الأدلة على ذلك، ولأن في المتعة تعويضًا لها عما فاتها من المهر، وجبرًا لمصيبتها، وإحسانًا إليها، فلا يجمع عليها بين فوات المال وفوات النكاح.\nأما من طلقت قبل الدخول، وبعد فرض الصداق، فمتعتها مستحبة؛ لأنه لما امتنع الوجوب لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، تعين حمل الأدلة الدالة على عموم المتعة على الندب جمعًا بين دلالة الآيات، وكذا من طلقت بعد الدخول تستحب متعتها؛ لأنه ثبت المهر بالدخول، واستحبت المتعة بالطلاق، وقد تقدم أن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى الوجوب مطلقًا، وقيد ذلك الشيخ محمد بن عثيمين بطول المدة كأن يكون طلقها قبل سنة أو قريبًا من ذلك، أما إذا طلقها في الحال، والمهر لم يفارق يدها، فلا معنى للمتعة (^١).\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دلالة بينة على كرم أخلاق النبي - ﷺ -، وعظيم إحسانه، ومحبته للعفو، حيث عفا عن هذه المرأة وألحقها بأهلها، وإلا فالأصل ألا تُجاب إلى ذلك؛ لأن الحق ليس بيدها، فقد تم النكاح عليها، والطلاق بيد الزوج؛ لأن الأصل أن من تعوذ في شيء واجب عليه أو لازم له، فإنه لا يعفى عنه ولا يعاذ، فلو تعوذ بالله أن يقام عليه القصاص، أو حد من الحدود لم يجب إلى ذلك. أما إذا كان في حق لم يجب عليه ولا يلزمه فلا بأس أن يجاب إلى ذلك. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"آثار عقد الزواج\" ص (٢١٤)، \"الشرح الممتع\" (١٢/ ٣٠٨).","vol":"7","page":405},{"text":"<span data-type='title' id=toc-870>باب الوليمة</span>\nأصل الوليمة: تمام الشيء واجتماعه، يقال: أولم الرجل: إذا اجتمع عقله وخلقه، ثم نقلت لطعام العرس؛ لاجتماع الرجل والمرأة، أو لاجتماع النساء فيها، أو لاجتماع أنواع الأطعمة.\nوالمراد بالوليمة هنا: طعام العرس خاصة، وقد حكى ابن عبد البر عن ثعلب وغيره من أهل اللغة أن الوليمة اسم لطعام العرس خاصة لا تقع على غيره (^١).\nوقال بعض الفقهاء: الوليمة تقع على كل طعامٍ لسرور حادث؛ كقدوم غائب، وطعام العقيقة، إلا أن استعمالها في طعام العرس أكثر.\nقال ابن مفلح الحنبلي: (وقول أهل اللغة أَوْلى؛ لأنهم أهل اللسان، وأعرف بموضوعات اللغة) (^٢). وعلى هذا فالأشهر إطلاق الوليمة على وليمة العرس، فإن أطلقت على غيرها فلا بد من التقييد، فيقال: وليمة الختان، وليمة القدوم من سفر، ونحو ذلك من الولائم المعروفة عند العرب.\nوالوليمة مشروعة في حق الزوج؛ لأن النبي - ﷺ - أمر بها عبد الرحمن بن عوف -كما في حديث الباب- ولم يأمر بها أصهاره، ولأن النعمة في حق الزوج أكبر من النعمة في حق الزوجة، فإنه هو الطالب لها غالبًا.\nوفي الوليمة إعلان النكاح باجتماع الناس، كما أن فيها صلة الأقارب والأرحام والجيران، وإطعام الفقراء، وفيها -أيضًا- إدخال السرور على الزوجة وأوليائها وأقاربها.\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (١٠/ ١٨٢).\n(^٢) \"المطلع\" ص (٣٢٨).","vol":"7","page":406},{"text":"وقد عقد الحافظ هذا الباب، وساق فيه الأحاديث التي ثبتت في حكم الوليمة ومقدارها ووقتها، وحكم إجابتها، كما ساق أحاديث دالة على جملة من آداب الأكل والشرب، والله المستعان.","vol":"7","page":407},{"text":"<span data-type='title' id=toc-871>مشروعية وليمة الزواج</span>\n١٠٤٤/ ١ - عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيّ - ﷺ - رَأَى عَلَى عَبْدِ الرّحْمنِ بنِ عَوْفٍ أثَرَ صُفْرَةٍ فَقَال: \"مَا هذَا؟ \"، قَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي تَزَوّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبِ، قَال: \"فَبَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في أكثر من عشرة مواضع من \"صحيحه\"، منها في كتاب \"النكاح\"، باب (كيف يدعى للمتزوج) (٥١٥٥)، ومسلم (١٤٢٧) من طريق حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس بن مالك - ﵁ - مرفوعًا.\nوقول الحافظ: (واللفظ لمسلم) لا معنى له؛ لأن لفظهما واحد، إلا أن الفاء في قوله: (فبارك الله لك) ليست عند البخاري في هذا الموضع.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (عبد الرحمن بن عوف) هو أبو محمد عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري. من أكابر الصحابة -﵃-، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر - ﵁ - الخلافة فيهم، كان من السابقين إلى الإسلام، وأحد الشجعان الأجواد العقلاء، مات سنة اثنتين وثلاثين - ﵁ -، وتقدم له ذكر في رابع أحاديث باب (اللباس) من كتاب \"الصلاة\".\n\nقوله: (أثر صفرة) بضم الصاد وإسكان الفاء؛ أي: صفرة الخلوق،","vol":"7","page":408},{"text":"وهو طيب يصنع من زعفران وغيره، وفي رواية: (عليه صفرة) وفي رواية للبخاري: (رَدْعٌ من زعفران) والردع: براء ودال وعين مهملات، هو أثر الطيب.\n\nقوله: (ما هذا) ظاهره أنه سؤال استنكار؛ لنهيه - ﷺ - أن يتزعفر الرجل، وفي رواية قال: (مَهْيم) أي: ما شأنك أو ما الخبر؟\n\nقوله: (على وزن نواة من ذهب) النواة: اسم لمعيار الذهب عندهم، وليس المراد بها نواة التمر -كما قيل- لأنه لا يتحرر الوزن فيه لاختلاف نوى التمر في المقدار، قالوا: إنه يزن خمسة دراهم، وتقدم مقدار الدرهم، والدرهم = ٢ و١/ ٣ جرام، فيكون الصداق ٥ × ٢ و١/ ٣ = ١١ و٢/ ٣ جرام من الذهب.\n\nقوله: (أولم) فعل أمر، من أولَم يولم، والمعنى: اصنع الوليمة.\n\nقوله: (ولو بشاة) لو: هنا حرف تقليل، لا عمل لها ولا جواب، نحو: تصدقوا ولو بتمرة، فتفيد أن الوليمة تجوز بدون الشاة، كما تفيد أن الأَوْلى الزيادة على الشاة؛ لأنه جعل ذلك قليلًا (^١).\nوالشاة: هي الواحدة من الغنم للذكر والأنثى، ضأنًا كانت أم معزًا.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على مشروعية تفقد الوالي والقائد لأصحابه، وسؤاله عن أحوالهم وأعمالهم التي تعنيه وتعنيهم، لقوله: (ما هذا)؟\n\n° الوجه الرابع: كراهة التطيب بالزعفران، وكل ما يظهر أثره من الطيب للرجال؛ لأنه - ﷺ - سأل عبد الرحمن عن أثر هذا الطيب، وقد نهى النبي - ﷺ - أن يتزعفر الرجل (^٢).\nولعل وجه النهي أنه من طيب النساء، وكن أكثر استعمالًا له منهم، وأجيب عن فعل عبد الرحمن هذا بأجوبة، لعل من أظهرها أنه عَلِقَ به من\n_________\n(^١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٥/ ٣٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٨٤٦)، ومسلم (٢١٠١).","vol":"7","page":409},{"text":"امرأته بدون قصد، ورجح هذا القاضي عياض، وكذا النووي، ونسبه للمحققين، ويستفاد من ذلك أن الرجل إذا عَلِقَ به شيء من طيب امرأته من زعفران أو غيره، أنه لا حرج فيه، لعموم القصة؛ لأن عبد الرحمن بن عوف أخبر النبي - ﷺ - بأنه تزوج، ولم ينكر عليه أثر الصفرة، ويكون حديث النهي محمولًا على القصد، ومن أهل العلم من أجاز التزعفر للمتزوج فقط، وجعله مستثنى من عموم النهي الوارد في الحديث المتقدم (^١).\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دليل على استحباب تخفيف الصداق، فهذا عبد الرحمن بن عوف لم يصدق زوجته إلا وزن خمسة دراهم من ذهب، مع أنه كان من أغنياء الصحابة - ﵃ -.\n\n° الوجه السادس: في الحديث دليل على استحباب الدعاء للمتزوج بالبركة، وقد بوب البخاري على هذا الحديث بقوله: (كيف يدعى للمتزوج؟) وقد مضى الكلام على ذلك عند سادس أحاديث كتاب \"النكاح\"، والحمد لله.\n\n° الوجه السابع: في الحديث دليل على مشروعية وليمة الزواج، وأنها من الزوج، لقوله: (أولم)، وأما عملها من جانب أهل الزوجة فليس عليه دليل فيما أعلم.\n\n° الوجه الثامن: لا خلاف بين أهل العلم في استحباب وليمة الزواج، لكون النبي - ﷺ - فعلها وحث عليها، وإنما اختلفوا في وجوبها على قولين:\nالأول: أنها مستحبة، وهذا قول الجمهور، قالوا: لأنه طعام لسرور حادث، فأشبه سائر الأطعمة؛ كطعام القدوم من السفر ونحوه.\nولأنه لم يرد نص صريح في إيجابها، وحديث عبد الرحمن هذا ليس صريحًا، فإنه أمر بالشاة وهي غير واجبة اتفاقًا، فيكون قوله: (أو لم) للاستحباب.\nالثاني: أنها واجبة، وهذا مذهب الظاهرية، وقول في مذهب الشافعية،\n_________\n(^١) \"إكمال المعلم\" (٤/ ٥٨٥)، \"شرح النووي\" (٩/ ٢٢٨)، \"فتح الباري\" (٩/ ٢٣٦).","vol":"7","page":410},{"text":"وذكر صاحب \"الإنصاف\" عن الإمام أحمد أنه قال: (تجب ولو بشاة)، للأمر، قاله ابن عقيل (^١)، واستدلوا بما يأتي:\n١ - حديث أنس - ﵁ - هذا حيث أمر النبي - ﷺ - بها عبد الرحمن بن عوف، والأمر للوجوب، بل إنه - ﷺ - أمر بالاستدراك بعد انقضاء الدخول.\n٢ - حديث بريدة - ﵁ - قال: لما خطب علي فاطمة - ﵂ - قال رسول الله - ﷺ -: \"إنه لا بد للعرس -وفي رواية: للعروس- من وليمة\" (^٢).\nوالقول بالوجوب قوي، فإن النبي - ﷺ - أمر بها عبد الرحمن، ولم يدعها - ﷺ - بأي شيء تيسر، فالأحوط ألا يدعها القادر امتثالًا للأمر، وتأسيًا بالنبي - ﷺ -، وتحصيلًا لفوائدها العظيمة، كما تقدم أول الباب.\nوقولهم: إنها غير مقدرة، لا يلزم منه عدم الوجوب؛ لأنه - ﷺ - أو لم باللحم، وأولم بالخبز، وأمر بالشاة، مما يفيد أن الأمر فيه سعة.\n\n° الوجه التاسع: نقل القاضي عياض الإجماع على أنه لا حدَّ للقدر المجزئ من الوليمة (^٣)، بل بأي شيء أولم من الطعام حصلت الوليمة، وقد أولم النبي - ﷺ - على صفية بالأَقِطِ والسمن والتمر (^٤)، وأولم على زينب بخبز ولحم (^٥).\nوالظاهر -والله أعلم- أن مقدار الوليمة مرجعه إلى العرف؛ لأنها من باب النفقة، وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان، وعلى هذا فلا حدَّ لها، وهي تختلف باختلاف حال الزوج يسارًا وإعسارًا، بشرط ألا تخرج إلى حد الإسراف والمباهاة وما عليه الناس اليوم، فتكون بالشاتين والثلاث إن كان\n_________\n(^١) انظر: \"المحلى\" (٩/ ٤٥٠)، \"المهذب\" (٢/ ٨٢)، \"الإنصاف\" (٨/ ٣١٧).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣٨/ ١٤٢ - ١٤٣)، قال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٢٣٠): (سنده لا بأس به)، فيه عبد الكريم بن سَليط، لم يرو عنه غير اثنين، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ١٣١)، وقال الحافظ: (مقبول).\n(^٣) \"إكمال المعلم\" (٤/ ٥٨٨).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٠٨٥)، ومسلم (٢/ ١٠٤٤) وسيأتي إن شاء الله.\n(^٥) رواه البخاري (٥١٦٣) (٥١٧١)، ومسلم (١٤٢٨).","vol":"7","page":411},{"text":"موسرًا وهذا أكمل، وإلا يُكتفى بما تيسر من طعام وشراب، لفعل النبي - ﷺ - لما أولم على صفية وليس فيها لحم.\n\n° الوجه العاشر: اختلف العلماء في وقت الوليمة، وأكثر الروايات أنها بعد دخول الزوج بزوجته، فالنبي - ﷺ - أمر بها عبد الرحمن بعد الدخول، وقال أنس - ﵁ -: أصبح النبي - ﷺ - عروسًا بزينب فدعا القوم فأصابوا من الطعام (^١).\nوالقول الثاني: أن الوليمة تكون عند العقد.\nوالقول الثالث: عند الدخول.\nوالأظهر أن وقتها موسع من عقد النكاح إلى الدخول؛ لصحة الأخبار في هذا وهذا، ولأن هذه الأيام أيام فرح وسرور، ثم إن العرف والعادة لهما علاقة بهذا، قال ابن حجر: (واستحب بعض المالكية أن تكون عند البناء ويقع الدخول عقبها، وعليه عمل الناس اليوم) (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٦٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٣٠).","vol":"7","page":412},{"text":"<span data-type='title' id=toc-872>حكم إجابة الوليمة</span>\n١٠٤٥/ ٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَلِمُسْلِمٍ: \"إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ، عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ\".\n١٠٤٦/ ٣ - وعَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"شَرُّ الطَّعامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ: يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصى اللهَ وَرَسُولَهُ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عمر - ﵄ - فقد أخرجه البخاري في كتاب \"النكاح\"، باب (حق إجابة الوليمة والدعوة) (٥١٧٣)، ومسلم (١٤٢٩) (٩٦) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - موفوعًا.\nوأما رواية مسلم (١٤٢٩) (١٠٠) فهي من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا.\nوأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فقد أخرجه مسلم في كتاب \"النكاح\"، باب (الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة) (١٤٣٢) (١١٠) من طريق سفيان، قال: سمعت زياد بن سعد قال: سمعت ثابتًا لأعرج يحدث عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: … فذكر الحديث هكذا مرفوعًا.\nورواه البخاري (٥١٧٧)، ومسلم -أيضًا- (١٤٣٢) (١٠٧) موقوفًا من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - أنه","vol":"7","page":413},{"text":"كان يقول: (شر الطعام طعام الوليمة، يدعى لها الأغنياء، ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله) (^١). وهذا أوله موقوف، لكن آخره من قبيل المرفوع حكمًا؛ لأن حكم الصحابي على شيء بأنه معصية لله ورسوله لا يكون إلا بنص من الشرع، ولا يجزم الصحابي بذلك إلا وعنده علم به.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (عرسًا كان أو نحوه) أي: سواء كانت الدعوة لطعام العرس أو ما أشبهه كطعام العقيقة ونحوها، والعرس: بضم العين وسكون الراء أو ضمها: الزواج، وهو يذكر ويؤنث، والجمع في المذكر: أعراس، مثل قفل وأقفال، وفي المؤنث: عُرْسات، والعرس أيضًا طعام الزِّفاف، وهو مذكر؛ لأنه اسم للطعام، والعرس: وصف يستوي فيه المذكر والمؤنث ما داما في إعراسهما، فيقال: رجل عروس، وامرأة عروس (^٢). قال أنس - ﵁ -: (أصبح النبي - ﷺ - عروسًا بزينب …) (^٣).\n\nقوله: (شر الطعام) الشر: ضد الخير، وشر -هنا - أفعل تفضيل حذفت همزته لكثرة الاستعمال، ومثله (خير)، وتقدم هذا في \"عشرة النساء\".\nوفي رواية لمسلم: (بئس الطعام) وليس المراد بذلك ذم الطعام في ذاته وحاله، وإنما ذم الفعل الذي هو دعاء الأغنياء وترك الفقراء فإلى فعل ذلك توجه الذم لا إلى الطعام.\nوطعام الوليمة طعام مخصوص بقصد مذموم، يقل معه الأجر، على كثرة ما فيه من الإنفاق، وذلك أنه إنما يصنع ليدعى له الأغنياء دون المساكين؛ لما في دعاء المساكين من ابتذال المنزل والفرش والمكان، فكان ذلك مما يجعله شر الطعام؛ لأن خير الطعام وأكثره أجرًا ما يدعى إليه المساكين لحاجتهم\nإليه، ولما في الصدقة عليهم من سد خلتهم وإشباع جوعتهم.\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" للدارقطني (٩/ ١١٦).\n(^٢) انظر: \"المصباح المنير\" ص (٤٠١).\n(^٣) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"7","page":414},{"text":"قوله: (طعام الوليمة) أي: وليمة العرس، كما تقدم من أن اللفظ خاص بها.\n\nقوله: (يمنعها من يأتيها) مبني لما لم يُسَمَّ فاعله؛ أي: يكف عنها من لو دعي إليها لسارع إلى الإجابة، والمراد بهم الفقراء والمساكين.\nوهذه الجملة مستأنفة لبيان وجه شرية طعام الوليمة، فكأنه قال: لأنه يمنع من يأتيها، وهم الفقراء والمساكين، كما سيأتي في الرواية الأخرى الموقوفة.\n\nقوله: (ويدعى إليها من يأباها) والمراد بهم الأغنياء، كما تقدم في الرواية، فهذا وما قبله تعليل لما تقدم، وإخبار وتحذير عما يقع من الناس على مر العصور، ولا سيما في زماننا هذا من مراعاة الأغنياء والوجهاء وترك المساكين والفقراء، بل محاولة إبعادهم ومنعهم من الدخول احتقارًا لهم، كما تقدم.\n\nقوله: (ومن لم يجب الدعوة) أي: من غير عذر، وهذا القيد مستفاد من عمومات الشريعة، وهو أن أوامر الشريعة مطلوبة ما لم يكن عذر، و(أل) في (الدعوة) للعهد الذكري؛ أي: الوليمة المذكورة أولًا، ويحتمل أنها للجنس، فيكون اللفظ عامًّا في جميع الدعوات، كما سيأتي.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن إجابة الدعوة مطلوبة من المسلم، وأنه لا ينبغي للمسلم أن يتأخر عنها، سواء أكانت وليمة عرس أم غيرها من الولائم الأخرى، لما في إجابة الدعوة من جبر خاطر أخيك المسلم، ولما في الولائم من التآلف والتعارف، والتحاب بين الإخوان والجيران والأقارب، فالولائم تجمع الناس بالتحدث والتعارف والنصائح والتواصي بالحق، وهذه ولائم أهل العلم والإيمان.\n\n° الوجه الرابع: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى وجوب إجابة الدعوة لوليمة العرس، بل بعض العلماء كابن عبد البر والقاضي عياض نقل الإجماع على ذلك، قال ابن عبد البر: (لا أعلم خلافًا في وجوب إتيان الوليمة لمن","vol":"7","page":415},{"text":"دعي إليها إذا لم يكن فيها منكر ولهو) (^١).\nودعوى الاتفاق فيها نظر، وإنما الوجوب هو قول الجمهور، واستدلوا بهذه الأحاديث، وذلك من وجهين:\nالأول: صيغة الأمر الذي تجرد عن القرائن، ومقتضاه الوجوب.\nالثاني: أنه حكم بالعصيان على من لم يجب الدعوة، ولا يحكم بالعصيان إلا على ترك واجب.\nوذهب جماعة من الشافعية والحنابلة إلى أن الإجابة مستحبة، وليست بواجبة، وذكر صاحب \"الإنصاف\" (^٢) أنه اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ولم أقف عليه في \"الفتاوى\" ولا في \"الاختيارات\" وإنما حكى في \"الفتاوى\" الوجوب فقط (^٣). وصرح صاحب \"الهداية\" من الحنفية بأنها سنة (^٤)؛ لأن الأكل من الوليمة تمليك مال، فلم يجب كغيره، قالوا: ولأن الأصل في الوليمة أنها مندوبة، فيكون الحضور مندوبًا.\nوقال بعض الشافعية والحنابلة إجابتها فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين؛ لأن القصد إظهار النكاح، وذلك يحصل بحضور البعض، فكأنهم قصروا حكمتها على إعلان النكاح (^٥).\nوالراجح هو القول الأول، لقوة أدلته، فإنها أحاديث صحيحة وصريحة في الوجوب، قال الشوكاني: (والظاهر الوجوب، للأوامر الواردة بالإجابة من غير صارف لها عن الوجوب، ولجعل الذي لم يُجِبْ عاصيًا …) (^٦).\n\n° الوجه الخامس: أما دعوة غير العرس كالعقيقة والقدوم من السفر ونحو ذلك، ففي حكم إجابتها قولان:\nالأول: أن الإجابة مستحبة، وقد عزا ابن حجر هذا القول إلى\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (١٠/ ١٧٠)، \"إكمال المعلم\" (٤/ ٥٨٩)، \"المغني\" (١٠/ ١٩٣).\n(^٢) (٨/ ٣١٨).\n(^٣) (٣٢/ ٢٠٦).\n(^٤) (٤/ ٨٠).\n(^٥) \"مغني المحتاج\" (٣/ ٢٤٥).\n(^٦) \"نيل الأوطار\" (٦/ ٢٠٢).","vol":"7","page":416},{"text":"الجمهور (^١). وبالغ السرخسي من الحنفية فنقل الإجماع على ذلك، وهو غير مسلم، كما سيأتي.\nواستدلوا بما يلي:\n١ - ما رواه أحمد بسنده عن الحسن، قال: دعي عثمان بن أبي العاص إلى ختان، فأبى أن يجيب، فقيل له، فقال: (إنا كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله - ﷺ -، ولا ندعى له) (^٢).\n٢ - حديث ابن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب\" (^٣). قالوا: فلما خص الوجوب بوليمة العرس دل على أن غيرها لا يجب.\n٣ - ويمكن أن يستدل لذلك -أيضًا- بحديث أنس - ﵁ - أن جارًا لرسول الله - ﷺ - فارسيًّا كان طيب المرق، فصنع لرسول الله - ﷺ - ثم جاء يدعوه، فقال: وهذه، لعائشة، فقال: لا، فقال رسول الله - ﷺ -: لا، ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله - ﷺ -: وهذه، قال: لا، قال رسول الله - ﷺ -: لا، ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله - ﷺ -: وهذه، قال: نعم في الثالثة، فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله (^٤).\nالقول الثاني: أن الإجابة واجبة، وأن الولائم حكمها واحد، وهو الوجوب، عرسًا كان أم غيره، وهو مذهب عبد الله بن عمر - ﵄ -، وبعض التابعين، وأهل الظاهر، وبعض الشافعية (^٥)، واستدلوا بما يلي:\n١ - حديث ابن عمر - ﵄كما في رواية مسلم؛ فإن قوله: (فليجب عرسًا كان أو غيره) نص مطلق.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٤٤).\n(^٢) \"المسند\" (٢٩/ ٤٣٦) وهو معلول كما سيأتي.\n(^٣) رواه مسلم (١٤٢٩) (٩٨).\n(^٤) رواه مسلم (٢٠٣٧).\n(^٥) \"المحلى\" (٩/ ٤٥٥ - ٤٥١)، \"فتح الباري\" (٩/ ٢٤٧)، \"المغني\" (٣/ ٢٤٥).","vol":"7","page":417},{"text":"٢ - قوله - ﷺ -: ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله، ورسوله\" إذا قلنا: إن (أل) للاستغراق، وهذا هو الظاهر.\n٣ - قال نافع: سمعت عبد الله بن عمر - ﵄ - يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها\"، قال: كان عبد الله يأتي الدعوة في العرس وغير العرس وهو صائم (^١). وهذا يدل على أن ابن عمر - ﵄ - فهم أن (أل) في الدعوة للعموم، لذا كان يأتي الدعوة للعرس وغيره.\n٤ - حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس\" (^٢). وفي رواية لمسلم: \"حق المسلم على المسلم ست، وفيه: وإذا دعاك فأجبه\".\nوهذا القول هو الراجح، لقوة أدلته، وعمل راويها بها، قال الشيخ عبد العزيز بن باز: (من خص وجوب الإجابة بوليمة العرس فليس معه دليل فيما يظهر؛ لأن الولائم هي طعام السرور، فيعم العرس وغيره، والنبي - ﷺ - قال: \"من لم يجب الدعوة\" ولم يقل: دعوة العرس).\nوأما أدلة القائلين بالاستحباب فإنها لا تقاوم أدلة القول بالوجوب من جهة صحتها وقوة دلالتها، فإن حديث عثمان بن أبي العاص فيه مقال: لأنه من رواية الحسن البصري عنه، وسماعه منه مختلف فيه (^٣).\nوأما حديث ابن عمر - ﵄ - فلا دليل فيه؛ لأن تخصيص وليمة العرس من باب ذكر الخاص بحكم العام، وهذا لا يقتضي التخصيص.\nوأما حديث أنس - ﵁ - فقد يكون امتناع الرسول - ﷺ - لكون الفارسي لم يوافق على شرطه، وهو حضور عائشة -﵄-، فلما وافقه حضر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٧٩)، ومسلم (١٤٢٩) (١٠٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٤٠)، ومسلم (٢١٦٢)، وسيأتي شرحه في \"كتاب الجامع\" إن شاء الله تعالى.\n(^٣) انظر: \"المسند\" (٢٦/ ٢٠٧).","vol":"7","page":418},{"text":"° الوجه السادس: ذكر أهل العلم ﵏ في هذا المقام شروطًا لوجوب إجابة الدعوة، وهي مأخوذة من عمومات الشريعة ومن قضايا وقعت للصحابة -﵃-، ومن أهم هذه الشروط:\nالشرط الأول: أن يكون الداعي مسلمًا، فإن كان كافرًا ودعاك إلى وليمة زواج -مثلًا- لم تجب إجابته، بل تجوز لانتفاء طلب المودة معه، ولأنه يُستقذر طعامه لاحتمال نجاسته، وفساد تصرفه، فإن كانت الدعوة تتعلق بشعائرهم الدينية كالأعياد حرمت إجابته؛ لأن معناها الرضا بشعائرهم وما هم عليه من الكفر والضلال، ولهذا تحرم تهنئتهم.\nالثاني: أن يكون الداعي مسلمًا مستقيمًا، فإن كان مجاهرًا بالمعصية وفي هجره وترك إجابته مصلحة لم تجب دعوته، فإن لم يكن في هجره مصلحة، فإنه لا يهجر؛ لأن الأصل تحريم الهجر، لكن إن تحققت المصلحة شرع إما وجوبًا وإما ندبًا.\nالثالث: أن يعين الداعي المدعو ويخصه بالدعوة، سواء أكان ذلك عن طريق الكلام المباشر أو عن طريق الهاتف إذا خصه بالدعوة، أو برسول أرسله إليه، ونحو ذلك مما يدل على أنه قصد دعوته وحضوره، بحيث يتأذى لعدم حضوره ويفقده من بين الحاضرين، فإن كانت الدعوة عامة، وهي دعوة الجَفَلَى، لم تجب الإجابة بل تجوز، كما لو قال: ادع من لقيت أو يعطيه مجموعة بطاقات يفرقها ونحو ذلك مما لا يدل على قصد شخص بعينه، لم تجب الإجابة (^١)؛ لأن صاحب الطعام لم يعينه ولا عرفه، بل كل واحد غير منصوص عليه، فلا ينكسر قلب الداعي لتخلفه، ولا يسأل عنه لو تخلف، اللهم إلا إن كان قريبًا أو زميلًا ويعرف أنه لو تخلف صار قطيعة أو إخلالًا بحق الزمالة والصداقة، أو كان يعلم أن صاحب الدعوة يُسَرُّ بحضوره، فينبغي له أن يجيب. أما قول بعض الفقهاء إنه إذا عمم الدعوة لم تستحب الإجابة (^٢)،\n_________\n(^١) انظر: \"القول المفيد عن كتاب التوحيد\" (٣/ ١١٣)، \"الشرح الممتع\" (١٢/ ٣٣١).\n(^٢) انظر: \"المغني\" (١٠/ ١٩٤).","vol":"7","page":419},{"text":"فهذا فيه نظر، والصواب الجواز وعدم الوجوب، وقد ثبت أن النبي - ﷺ - قال لأنس - ﵁ - في قصة زواجه - ﷺ - بزينب - ﵂ -: \"ادع لي رجالًا سماهم، وادع لي من لقيت … \" الحديث (^١).\nالشرط الرابع: ألا يكون في الدعوة منكر كلهو وطرب واختلاط وتدخين وخمر، ونحو ذلك من المنكرات، لكن هذا مقيد بما إذا لم يستطع تغيير المنكر، فإنه يحرم حضوره، لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وعموم قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: يا أيها الناس إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدن على مائدة يدار عليه الخمر … \" الحديث (^٢). وعن أبي مسعود -عقبة بن عمرو- أن رجلًا صنع له طعامًا فدعاه، فقال: أفي البيت صورة؟ قال: نعم، فأبى أن يدخل حتى كسروا الصورة، ثم دخل (^٣)، قال الإمام الأوزاعي: (لا ندخل بيتًا فيه طبل ولا مِعزاف) (^٤).\nفإن كان قادرًا على تغييره بسلطته أو مكانته العلمية في المجتمع فإنه يحضر، ويغير المنكر، لعموم قوله - ﷺ -: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه\" (^٥)، وهذا هو الواجب على المسلم أن يكون عنده همة عالية وغيرة وقوة، فلا يحقر نفسه عند رؤية المنكر حتى ينفع الله به، وقد قال النبي - ﷺ -: \"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٢) أخرجه أحمد (١/ ٣٧٧) وسنده ضعيف، لكنه يرقى إلى درجة الحسن لغيره بطرقه وشواهده. انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٢٥٠).\n(^٣) أخرجه البيهقي (٧/ ٢٦٨) وسنده صحيح، كما قال الحافظ في \"فتح الباري\" (٩/ ٢٤٩).\n(^٤) عزاه الألباني في \"آداب الزفاف\" ص (٩٤) لأبي الحسن الحربي في \"الفوائد المنتقاة\" (٤/ ٣ / ١) بسند صحيح عنه.\n(^٥) أخرجه مسلم (٤٩) من حديث أبي سعيد - ﵁ -.","vol":"7","page":420},{"text":"خير … \" (^١).\nالشرط الخامس: ألا يكون للمدعو عذر من مرض أو سفر أو مطر أو تمريض مريض أو خوف على نفسه أو أهل أو مال، ونحو ذلك؛ لأن جميع واجبات الشرع تسقط بالعذر، بناء على قاعدة: (لا واجب مع العجز) المأخوذة من الأدلة الشرعية.\nومن العذر -كما قال العلماء- أن يعتذر المدعو للداعي فيقبل عذره، فهذا يسقط الوجوب (^٢).\nالشرط السادس: أن تكون الدعوة في المرة الأولى، فإن دعا للوليمة نفسها مرة ثانية لم تجب إجابته، وسيأتي الكلام على ذلك -إن شاء الله تعالى- عند حديث ابن مسعود - ﵁ -.\nإلى غير ذلك من الشروط، وقد أوصلها ابن العراقي في شرح \"التقريب\" إلى سبعة عشر شرطًا، وبعضها فيه نظر (^٣)، والله أعلم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه عند شرح أول حديث في \"البيوع\".\n(^٢) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٨/ ٢٤٦).\n(^٣) انظر: \"طرح التثريب\" (٧/ ٧١).","vol":"7","page":421},{"text":"<span data-type='title' id=toc-873>حكم إجابة الصائم، والأكلِ من الوليمة</span>\n١٠٤٧/ ٤ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إذَا دُعِيَ أحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيضًا.\n١٠٤٨/ ٥ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوَهُ وَقَال: \"فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ\".\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nحديث أبي هريرة - ﵁ - أخرجه مسلم في كتاب \"النكاح\"، باب (الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة) (١٤٣١) من طريق هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nوكذا حديث جابر - ﵁ - فقد أخرجه مسلم في الباب المذكور (١٤٣٠) من طريق سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طَعِمَ، وإن شاء ترك\".\n\n° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن الصوم ليس بعذر في عدم إجابة الدعوة وأن من دعي وهو صائم لزمه أن يجيب كما يلزم المفطر، ويحصل المقصود بحضوره وإن لم يأكل، فإن أذن له صاحب الدعوة سقط عنه الحضور.\nوقد اختلف العلماء في المراد بقوله: (فليصلِّ) فمن أهل العلم من حمله على ظاهره، وفسره بالصلاة المعروفة، والمعنى: أنه يحضر ويشتغل بالصلاة؛ ليحصل فضلها، وينال بركتها أهل الطعام ومن حضر الدعوة.","vol":"7","page":422},{"text":"قال الجمهور: المراد بها الدعاء؛ أي: فليدع لأهل الطعام بالمغفرة والبركة والتوفيق للداعي، وهذا هو الصواب، وأما القول بأنها الصلاة ذات الركوع والسجود فهو ضعيف، ولا وجه للصلاة هنا، وقد ورد تفسير الصلاة بالدعاء من بعض رواته، وهو هشام بن حسان، عند البيهقي (^١)، وجاء عند أبي داود بلفظ: (فإن كان مفطرًا فليطعم، وإن كان صائمًا فليدعُ) (^٢)، وجاء عند أحمد من طريق هشام بن حسان بلفظ: (فليصلِّ وليدعُ لهم) (^٣)، قال الألباني: (ولعل قوله: \"وليدعُ\" خطأ من بعض النساخ أو الرواة، وأصله: أي: ليدع لهم) (^٤)، وقد ذكر الشيخ أحمد شاكر أنه لم يجد في شيء من الروايات أن هذه الجملة من الحديث المرفوع، فلعلها مدرجة في الحديث من تفسير هشام بن حسان (^٥).\nوتفسير الصلاة بالدعاء وارد في نصوص الشرع، كما في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].\n\n° الوجه الثالث: إذا أجاب الصائم الدعوة فإن كان صومه واجبًا كنذر أو قضاء حرم عليه الإفطار إجماعًا، ويسن الإخبار بصومه ليعلم عذره؛ لئلا يظن صاحب الدعوة كراهة طعامه، أو نحو ذلك، ولا يُعَدُّ ذلك من باب الرياء، بل هو من باب حسن المعاشرة وتأليف القلوب وحسن الاعتذار عند سببه، لقوله - ﷺ -: \"إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم، فليقل: إني صائم\" (^٦).\nفإذا حضر دعا لصاحب الدعوة بالأدعية المناسبة؛ كقوله - ﷺ -: \"أفطر عندكم الصائمون، وكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة\" (^٧). أو غير ذلك مما يناسب المقام.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٦٣).\n(^٢) \"السنن\" (٣٧٣٧).\n(^٣) \"المسند\" (١٣/ ١٧٢ - ١٧٣).\n(^٤) \"الإرواء\" (٧/ ١٤).\n(^٥) \"المسند\" (١٤/ ١٧٠).\n(^٦) أخرجه مسلم (١١٥٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٧) أخرجه أحمد (١٩/ ٣٩٧ - ٣٩٨) بإسناد صحيح.","vol":"7","page":423},{"text":"وإن كان صومه نفلًا جاز له الفطر؛ لأن الخروج من صوم التطوع لعذر جائز، كما مرَّ في كتاب \"الصيام\"، وإذا كان في إفطاره وأكله من طعام أخيه الذي دعاه جبر لخاطره وإدخال السرور على قلبه كان الأكل أَوْلى، وقد روى أبو سعيد الخدري - ﵁ - قال: صنعت لرسول الله - ﷺ - طعامًا، فأتاني هو وأصحابه، فلما وضع الطعام، قال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله - ﷺ -: \"دعاكم أخوكم، وتكلف لكم\"، ثم قال له: \"أفطر، وصم مكانه يومًا إن شئت\" (^١).\n\n° الوجه الرابع: استدل العلماء، وهم: الحنابلة والشافعية في أصح الوجهين عندهم، بحديث جابر - ﵁ - على أن الواجب هو حضور الدعوة، أما الأكل فليس بواجب ولو كان المدعو مفطرًا؛ لأن الذي أمر به النبي - ﷺ - وتوعد على تركه هو الحضور، أما الأكل فلم يرد ما يدل على وجوبه، بل ورد ما يدل على التخيير، لكن الأكل أَوْلى؛ لأنه أكمل في الإجابة، وأبلغ في إكرام الداعي وجبر قلبه، إلا إن كان له عذر؛ كأن يكون قد أكل قبل حضوره، أو يكون الطعام لا يناسبه، وله طعام خاص، أو لغير ذلك من الأسباب التي تمنع الأكل، لكن إن تيسر جلوسه معهم وأكله ولو قليلًا من النوع الذي يشتهيه؛ كالفاكهة -مثلًا- فهو أفضل وأكمل.\nوذهب الظاهرية، وبعض الشافعية، ورجحه النووي (^٢)، إلى وجوب الأكل؛ لقوله - ﷺ -: \"وإن كان مفطرًا فليطعم\"، ولأن المقصود من الحضور الأكل، فكان واجبًا.\nوالراجح الأول وهو أن الأكل غير واجب؛ لأن الحديث صريح في تخيير المدعو بين الأكل وتركه، ويحمل الأمر في قوله: (فليطعم) على الاستحباب (^٣)، وقولهم: إن المقصود الأكل فيه نظر، فإن المقصود هو\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي (٤/ ٢٧٩) وإسناده حسن، كما قال الحافظ في \"فتح الباري\" (٤/ ٢١٠)، وحسنه الألباني في \"الإرواء\" (٧/ ١١ - ١٢).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ٢٧٦).\n(^٣) \"طرح التثريب\" (٧/ ٨٠).","vol":"7","page":424},{"text":"الإجابة والحضور، وامتثال أمر الله تعالى، وأمر رسوله - ﷺ -، ولذلك وجب الحضور على الصائم الذي لا يأكل (^١). والله تعالى أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٠/ ١٩٧ - ١٩٨).","vol":"7","page":425},{"text":"<span data-type='title' id=toc-874>حكم إجابة الدعوة بعد اليوم الأول</span>\n١٠٤٩/ ٦ - عَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"طَعَامُ الْوَلِيمَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةٌ\"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ.\n١٠٥٠/ ٧ - ولَهُ شَاهِدٌ عَنْ أنسٍ - ﵁ - عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ.\n\n* الكلام عليهما من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن مسعود - ﵁ - فقد أخرجه الترمذي في أبواب \"النكاح\"، باب (ما جاء في الوليمة) (١٠٩٧) من طريق زياد بن عبد الله، قال: حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن ابن مسعود - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكر الحديث، وتمامه: \"ومن سمَّع سَمَّعَ الله به\".\nقال الترمذي: (حديث ابن مسعود لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث زياد بن عبد الله [بن الطُفيل]، وزياد بن عبد الله كثير الغرائب والمناكير، وسمعت محمد بن إسماعيل يذكر عن محمد بن عقبة، قال: قال وكيع: زياد بن عبد الله مع شَرَفِهِ يكذب في الحديث)، قال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين، ولم يثبت أن وكيعًا كذبه، وله في البخاري موضع واحد متابعة).\n\nوقوله: (ولم يثبت أن وكيعًا كذبه) لعله يريد بذلك ما جاء في \"التاريخ الكبير\" (^١) للبخاري عن وكيع أنه قال: (هو أشرف من أن يكذب)، قال\n_________\n(^١) (٣/ ٣٦٠).","vol":"7","page":426},{"text":"الحافظ: (وهو الصواب، ولعله سَقَطَ من نسخة الترمذي لا، وكان فيه: مع شرفه لا يكذب في الحديث، فتتفق مع الروايات، والله أعلم) (^١)، ثم رأيتها ثابتة في \"طرح التثريب\" (^٢)، وهذا التوجيه من الحافظ فيه نظر.\n\nوقوله: (له في البخاري موضع واحد) هو في كتاب \"الجهاد\" من حديث أنس - ﵁ -، قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر … الحديث (^٣).\nوفي الحديث علة أخرى وهي أن عطاء بن السائب مختلط، وسماع زياد منه بعد اختلاطه (^٤).\nوقول الحافظ: (ورجاله رجال الصحيح) هذا كالرد على الترمذي في استغرابه الحديث، وفيه تساهل، فإن ظاهر هذه العبارة أن الحديث جيد إذا كان رجاله رجال الصحيح مع أن الحديث سنده ضعيف كما مر، والحافظ نفسه قد أعلَّه في \"فتح الباري\" (^٥)، كذلك في سكوته عن الشاهد عند ابن ماجه تساهل، ومخالف لمنهجه في بيان الضعف، فإنه ضعيف جدًّا كما سيأتي (^٦).\nوللحديث شواهد منها ما رواه ابن ماجه (١٩١٥) من طريق عبد الملك بن حسين أبي مالك النخعي، عن منصور، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعة\".\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا، آفته أبو مالك هذا، فإنه متروك كما قال الحافظ في \"التقريب\"، قال البيهقي: (وروي ذلك عن أبي هريرة مرفوعًا، وليس بشيء) (^٧).\nورواه البيهقي (^٨) من طريق بكر بن خنيس، عن الأعمش، عن أبي\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٣٢٤).\n(^٢) (٧/ ٧٢).\n(^٣) صحيح البخاري (٢٨٠٥).\n(^٤) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ١٨٣).\n(^٥) (٩/ ٢٤٣).\n(^٦) انظر: \"حاشية ابن باز على البلوغ\" (٢/ ٦٠٢).\n(^٧) \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٦١).\n(^٨) (٧/ ٢٦٠ - ٢٦١).","vol":"7","page":427},{"text":"سفيان، عن أنس أن رسول الله - ﷺ - لما تزوج أم سلمة - ﵂ - أمر بالنَّطع فَبُسِطَ، ثم ألقى عليه تمرًا وسويقًا، فدعا الناس، فأكلوا، وقال: …، فذكر الحديث بمثل حديث أبي هريرة - ﷺ -. وقال: (وليس هذا بقوي، بكر بن خنيس تكلموا فيه)، وقال الدارقطني: (متروك) وفي موضع آخر: (ضعيف) (^١)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق له أغلاط، أفرط فيه ابن حبان).\nوبالجملة فحديث الباب ضعيف، وما ورد عن أبي هريرة وأنس كذلك؛ لشدة ضعفها، ولا يرتقي بها الحديث إلى درجة الحسن، قال الشيخ عبد العزيز بن باز (والنفس تميل إلى أن الحديث ليس بصحيح، وأن هذه الأسانيد الضعيفة لا تقويه ولا تجعله في قسم المقبول).\nوقول الحافظ: (وله شاهد عن أنيس عند ابن ماجه) غير صحيح، صوابه: وله شاهد عن أنس عند البيهقي، أو له شاهد عن أبي هريرة عند ابن ماجه.\n\n° الوجه الثاني: في الحديث دليل على شرعية الضيافة في وليمة العرس يومين، ففي أول يوم تكون واجبة لقوله: \"حق\"، والحق: هو الثابت اللازم، وفي اليوم الثاني: سنة؛ أي: طريقة متبعة، وفي اليوم الثالث: رياء وسمعة، فيكون فعلها حرامًا، والإجابة إليها كذلك.\nوهذا على قول من أخذ بهذا الحديث وما في معناه، ورأى أن هذه الأحاديث وإن كان كل منها لا يخلو من مقال، فإن مجموعها يدل على أن للحديث أصلًا، وهذا رأي الحافظ ابن حجر (^٢)، وتبعه الشوكاني (^٣)، وأخذ بهذا فقهاء الشافعية والحنابلة، فقالوا: إن هذه الأحاديث توجب التوقف عن اليوم الثالث، وأن الأَوْلى والأفضل ألا يزيد على يومين، لئلا يقع الداعي فيما ورد فيه الذم.\nوذهب الإمام البخاري إلى جواز الوليمة سبعة أيام مستدلًا بإطلاق الأمر بإجابة الداعي، وذلك غير مقيد، فترجم في \"صحيحه\" بقوله: (باب حقِّ إجابة\n_________\n(^١) \"سؤالات البرقاني للدارقطني\" رقم (٥٨)، \"السنن\" (٢/ ١٢١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٤٣).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (٦/ ٢٠٦).","vol":"7","page":428},{"text":"الوليمة والدعوة، ومن أو لم سبعة أيام ونحوه، ولم يوقِّت النبي - ﷺ - يومًا ولا يومين) (^١). وبهذا قالت المالكية، قال القاضي عياض: (واستحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعًا) (^٢).\nوقد روى ابن أبي شيبة من طريق حفصة بنت سيرين، قالت: (لما تزوج أبي سيرين دعا أصحاب رسول الله - ﷺ - سبعة أيام …) (^٣) وعند عبد الرزاق: (ثمانية أيام) (^٤). ولعل هذا محمول على ما سيأتي من أنه فرقهم على سبعة أيام أو ثمانية.\nوذهب جماعة من الفقهاء كبعض المالكية وبعض الشافعية، واختاره الصنعاني وابن باز وابن عثيمين، إلى جواز الوليمة في اليوم الثالث إذا كان ثمَّ حاجة؛ كأن يكون المدعوون كثيرين، أو يكون الوقت غير مناسب لجمعهم في يوم واحد، إما لضيق المكان، أو لأسباب أخرى، فيفرقهم على ثلاثة أيام أو أربعة، أو يكون للداعي أقارب لم يحضروا إلا في اليوم الثالث، ونحو ذلك من الأعذار (^٥).\nوهذا القول هو أرجح الأقوال، وبه تجتمع الأدلة؛ لأنه إذا وجد عذر من هذه الأعذار لم يكن فيه إسراف ولا مباهاة، والغالب في زماننا هذا أنه لا حاجة إلى الوليمة مرة ثانية، والأحوط هو الاكتفاء بأول يوم؛ للبعد عن الإسراف الذي غلب على الناس في جميع شؤون حياتهم، والله المستعان.\nلكن ينبغي لمن أجاب أن يقتصر على الإجابة الأولى، لئلا يكون في تكرار حضوره دناءة، إلا إن كان هناك سبب خاص تنتفي معه الدناءة فلا بأس؛ كأن يكون قريبًا، أو يُسَرُّ صاحب الدعوة بحضوره. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المتواري\" لابن المنيِّر ص (٢٨٧)، \"مناسبات تراجم البخاري\" لابن جماعة ص (٩٩)، \"فتح الباري\" (٩/ ٢٤٠).\n(^٢) \"إكمال المعلم\" (٤/ ٥٨٨).\n(^٣) \"المصنف\" (٤/ ٣١٣).\n(^٤) \"المصنف\" (١٠/ ٤٤٨).\n(^٥) \"جواهر الإكليل\" (١/ ٣٢٥)، \"نهاية المحتاج\" (٦/ ٣٧٣)، \"سبل السلام\" (٣/ ٢٧٨)، \"الشرح الممتع\" (١٢/ ٣٣٣).","vol":"7","page":429},{"text":"<span data-type='title' id=toc-875>هدي النبي - ﷺ - في وليمة الزواج</span>\n١٠٥١/ ٨ - عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيبَةَ - ﵂ - قَالتْ: أَوْلَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى بَعْضِ نِسِائِهِ بِمُدَّينِ مِنْ شَعِيرٍ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.\n١٠٥٢/ ٩ - وعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَال: أقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَينَ خَيبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيهِ بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إلَى وَليمَتِهِ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلا لَحْمٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا إلَّا أَنْ أَمَرَ بِالأنْطَاعِ فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِيَ عَلَيهَا التَّمرُ والأَقِطُ والسَّمْنُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهي أم حُجير -بضم الحاء- صقية بنت شيبة بن عثمان من بني عبد الدار بن قصي، اختلف في صحبتها، فجزم ابن سعد وابن حبان وغيرهما بأنها تابعية، وصنيع البخاري في \"صحيحه\" يقتضي أنها ثبتت لها الصحبة، وقد ذكرها في الصحابة ابن عبد البر وابن حجر، وقال: (وأبعد من قال: لا رؤية لها، فقد ثبت حديثها في \"صحيح البخاري\" تعليقًا) وعلى ضوء هذا الخلاف يكون الحكم على هذا الحديث، كما سيأتي (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث صفية فقد أخرجه البخاري في كتاب \"النكاح\"، باب (من أولم بأقل من شاة) (٥١٧٢) فقال: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان،\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٣/ ١٩٧)، \"الاستيعاب\" (١٣/ ٦٦)، \"الإصابة\" (١٣/ ١٨).","vol":"7","page":430},{"text":"عن منصور بن صفية (^١)، عن أمه صفية بنت شيبة به مرفوعًا.\nوقد روى هذا الحديث عن سفيان الثوري جماعة، منهم من وصله فذكر عائشة -﵂-، ومنهم من أرسله فلم يذكرها، فرواه جمع من الثقات أمثال الفريابي -محمد بن يوسف- عند البخاري -كما تقدم- وابن مهدي عند النسائي في \"الكبرى\" (٦/ ٢٠٧)، ووكيع عند ابن أبي شيبة (٤/ ٣١٣) ثلاثتهم عن سفيان، عن منصور، عن أمه صفية، لم يذكروا عائشة في الإسناد. ورواه أبو أحمد الزبيري عند أحمد (٤١/ ٣٢٣) ويحيى بن يمان عند النسائي (٦/ ٢٠٧) وابن أبي زائدة عند أبي يعلى (٤٦٨٦)، ومؤمَّل بن إسماعيل عند الدارقطني في \"العلل\" (٣٠٨/ ١٥) أربعتهم عن سفيان، عن منصور، عن أمه صفية، عن عائشة - ﵂ -.\nوكل هؤلاء الذين وصلوه ضعفاء كما في \"التقريب\" إلا أبا أحمد الزبيري فهو ثقة، إلا في روايته عن سفيان ففيها كلام، ولذا قال الإمام أحمد: (كان كثير الخطأ في حديثه عن سفيان) (^٢).\nوأما حديث أنس - ﵁ - فقد أخرجه البخاري في كتاب \"النكاح\"، باب (اتخاذ السراري، ومن أعتق جارية ثم تزوجها) (٥٠٨٥) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس - ﵁ -، قال: أقام النبي - ﷺ - بين خيبر والمدينة ثلاثًا … الحديث.\nوأخرجه مسلم (٢/ ١٠٤٤) من طريق حماد بن سلمة، حدثنا ثابت، عن أنس بنحوه.\nوالحديث له طرق أخرى في \"الصحيحين\" وغيرهما.\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (على بعض نسائه) لم تبين هذه الرواية من المراد ببعض نسائه،\n_________\n(^١) هي أمه، واسم أبيه عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث. [\"فتح الباري\" (٩/ ٢٣٩)].\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٢٢٧).","vol":"7","page":431},{"text":"قال الحافظ: (لم أقف على تعيين اسمها صريحًا وأقرب ما يفسر به أم سلمة) ثم ذكر ما يؤيد ذلك.\n\nقوله: (بمدين) تثنية مد، وهو ما يملأ كفي الرجل المعتدل.\nوهذه رواية كل من روى الحديث عن الثوري، كما تقدم، إلا عبد الرحمن بن مهدي فقد وقع في روايته (بصاعين من شعير) أخرجه النسائي كما تقدم، وهو وإن كان أحفظ من روى الحديث عن الثوري، لكن العدد الكثير أولى بالضبط من الواحد (^١).\n\nقوله: (بين خيبر والمدينة) أي: في مكان يقال له: الصهباء، يقع إلى الجنوب من خيبر على مسافة اثني عشر ميلًا.\n\nقوله: (يُبنى عليه يصفية) مبني لما لم يُسم فاعله، والبناء هو الزِّفاف، قال ابن الأثير: (الابتناء والبناء: الدخول بالزوجة، والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة، ليدخل بها فيها، فيقال: بنى الرجل على أهله) (^٢).\n\nقوله: (الأنطاع) واحدها نِطْعٌ بكسر النون وفتحها، ومع كل واحدٍ سكون الطاء وفتحها، وهو البساط المتخذ من الجلود المدبوغة (^٣).\n\nقوله: (الأقط) بفتح الهمزة، اللبن المطبوخ حتى تبخر ماؤه وغلظ، ثم عمل منه أقراص صغيرة بقدر أصابع اليد الأربعة، وإذا خلط التمر مع السمن والأقط سمي حيسًا، وقد جاء كذلك في بعض الروايات.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على مشروعية وليمة الزواج، وعلى تأكدها لما فيها من المصالح العظيمة، وذلك أن النبي - ﷺ - فعلها مع أنه في حالة سفر وتخفف من الزاد، ولم يمنعه ذلك من الإعداد والاجتماع لها، وفي وليمة الزواج شكر الله تعالى، وإعلان النكاح، وإطعام الفقراء والمساكين، والتودد والتحبب إلى الأغنياء من الأقارب والجيران والأصدقاء.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٤٠).\n(^٢) \"النهاية\" (١٥٨١).\n(^٣) \"المصباح المنير\" ص (٦١١).","vol":"7","page":432},{"text":"° الوجه الخامس: فيه دليل على أنه - ﷺ - لم يكن يتكلف في وليمة الزواج بل كان يضع ما يتيسر، فتارة بخبز ولحم كما في وليمة عرسه - ﷺ - بزينب -﵂-، قال أنس - ﵁ -: (ما أولم رسول الله - ﷺ - على امرأة من نسائه أكثر أو أفضل مما أولم على زينب …) (^١)، ولعل هذا باعتبار ما علمه أنس، أو لما وقع من البركة في وليمتها حيث أشبع المسلمين خبزًا ولحمًا من الشاة الواحدة، وإلا فقد أولم على ميمونة بأكثر من ذلك.\nوتارة أولم بطعام من الشعير، وتارة بالسمن والتمر والأقط، والمقصود بهذا التوسعة على الأمة، وهذا يدل على أن الوليمة تكون بالمعروف، فالغني يولم بقدر غناه بدون إسراف ولا مباهاة، والفقير على حسب قدرته، والمتوسط كذلك.\nومما ينبغي التنبيه عليه والحذر منه ما وقع فيه كثير من الناس في هذا الزمان من الإسراف في وليمة العرس، وإنفاق الأموال في استئجار قصور الأفراح أو الفنادق، ثم كثرة الأطعمة وتنوعها، وما يترتب على ذلك من المفاسد العظيمة من تأخير أكل الطعام والسهر إلى ساعة متأخرة من الليل، مع ما قد يحصل في الفنادق من اختلاط الرجال بالنساء من عمال الفنادق وغيرهم، ثم امتهان ما تبقى من الأطعمة برميه في أماكن القمامة، وهذه منكرات عظيمة، وفي هذا كفر بالنعم، ويخشى منه زوالها مع العقوبة العاجلة، نسأل الله السلامة.\nوالواجب في هذا الاختصار ما أمكن، واختصار عدد المدعوين، واختصار الطعام نوعًا وقدرًا، والحذر من السهر، ولا سيما في ليالي الصيف، فإن أمكن إقامتها في المنزل وإلا فيستأجر إحدى المستراحات بأجرة مناسبة، فهذا أبعد عن الإسراف والتكلف.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٥١٧١)، \"صحيح مسلم\" (١٤٢٨) (٩١)، وتقدم.","vol":"7","page":433},{"text":"<span data-type='title' id=toc-876>حكم ما إذا اجتمع داعيان</span>\n١٠٥٣/ ١٠ - عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: \"إذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُما بَابًا، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"الأطعمة\"، باب (إذا اجتمع داعيان أيهما أحق) (٣٧٥٦) من طريق أبي خالد الدالاني، عن أبي العلاء الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا اجتمع الداعيان فأجب أقربهما بابا، فإن أقربهما بابا أقربهما جوارًا، وإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق\".\nوظاهر سياق الحافظ له أنه موقوف وأنه من كلام الصحابي مع أنه في أبي داود مرفوع، كما تقدم في سياقه، فإما أن يكون الحافظ نسي عند كتابته إياه فلم يذكر رفعه، وإما أن يكون غلطًا من النساخ.\nوهذا سند ضعيف كما قال الحافظ، فيه أبو خالد الدالاني مشهور بكنيته، واسمه يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، وهو متكلم فيه، قال ابن معين: (ليس به بأس)، وكذا قال أحمد والنسائي، وقال أبو حاتم: (صدوق ثقة)، وقال ابن سعد: (منكر الحديث)، وضعفه -أيضًا- ابن حبان، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق يخطئ كثيرًا، وكان يدلس)، ولكن إذا كان الأئمة الكبار قد عدلوه فإن هذا لا يقاوم برأي ابن سعد وابن حبان، ولا يبلغان مرتبة","vol":"7","page":434},{"text":"من عَدَّله، ثم إن الحديث له شاهد -في موضوع الإهداء- عند البخاري (٦٠٢٠) من حديث عائشة - ﵂ - قالت: قلت: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: \"إلى أقربهما منك بابا\".\n\n° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أنه إذا دعا الإنسان رجلان من جيرانه ولم يمكن الجمع بينهما، فإن سبق أحدهما الآخر أجاب الذي سبق ولو كان بعيدًا؛ لأن له فضل السبق بالدعوة، ولأن إجابته وجبت حين دعاه، فلم يَزُل الوجوب بدعاء الثاني، وإن لم يسبق أحدهما الآخر أجاب أقربهما بابا؛ لأن أقربهما بابا أقربهما جوارًا، فإن استويا في القرب أجاب أكثرهما علمًا ودينًا وصلاحًا، فإن استويا في ذلك أقرع، فمن قَرَعَ أجابه؛ لأن القرعة تعين المستحق عند استواء الحقوق.\nوظاهر الحديث أن القرب معتبر بالأبواب، لا بالجدران، فلو كان أحدهما أقرب بابا من الآخر فهو أوْلى. والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":435},{"text":"<span data-type='title' id=toc-877>ما جاء في الأكل متكئًا</span>\n١٠٥٤/ ١١ - عَنْ أَبِي جُحَيفَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لا آكُلُ مُتَّكِئًا\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأطعمة\"، باب (الأكل متكئًا) (٥٣٩٨) من طريق مسعر، عن علي بن الأقمر (^١)، سمعت أبا جحيفة - ﵁ - يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"إني لا أكل متكئًا\".\nوفي رواية له من طريق منصور، عن علي بن الأقمر به، بلفظ: (كنت عند النبي - ﷺ - فقال لرجل عنده: \"لا آكل وأنا متكئ\").\n\n* الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن النبي - ﷺ - كان يتوقى الأكل وهو متكئ؛ لأنه - ﷺ - ليس ممن يكثر الأكل ويقبل عليه برغبة، لما في الإكثار من الأكل من الثقل وعدم النشاط، وما يترتب عليه من المضار الكثيرة، لا سيما إذا كان دائمًا، أما إذا شبع في بعض الأحيان فلا بأس بذلك (^٢).\nوالمتكئ هو المعتمد على أحد جنبيه بمتكأ من وسادة أو غيرها، كما يطلق على وضع إحدى اليدين على الأرض والاتكاء عليها، ولعل حكمة النهي عن الاتكاء بهذه الصفة ما ذكره أهل الطب من أنه إذا أكل متكئًا فإنه لا ينحدر أكله في مجاري الطعام سهلًا؛ لأنه قد يضغط على المعدة ولا يستحكم فتحها\n_________\n(^١) ثقة عند الجميع، ليس له في البخاري سوى هذا الحديث [\"فتح الباري\" (٩/ ٥٤١)].\n(^٢) \"غذاء الألباب\" (٢/ ١١١).","vol":"7","page":436},{"text":"للغذاء، وأيضًا فإنها تميل ولا تبقى منتصبة، فلا يصل إليها الغذاء بسهولة، وهذا لا يخلو من مضرة (^١).\nفالأَوْلى والأفضل أن يكون معتدلًا في جلوسه لا مائلًا؛ حتى ينحدر الطعام والشراب انحدارًا سهلًا.\nوذكر الخطابي أن المتكئ في هذا الحديث هو المعتمد على الوطاء الذي تحته، وكل من استوى قاعدًا على وطاء فهو متكئ. والمعنى على هذا أني إذا أكلت لم أقعد على الأوطئة والوسائد فعل من يريد أن يستكثر من الأطعمة، ويتوسع في الألوان، ولكني آكل عُلْقَةً، وآخذ من الطعام بُلغة، فيكون قعودي له مستوفزًا … (^٢).\nوتفسير الخطابي للاتكاء وأنه التربع على وطاء والاستواء عليه، تبعه عليه جماعة ومنهم ابن الأثير (^٣)، وهذا التفسير محل نظر، فقد ذكر بعض أهل العلم أنه لا يعرف في كتب اللغة تفسير الاتكاء بهذا المعنى (^٤)، وقد يدل على ذلك حديث أبي بكرة - ﵁ - وفيه: (وكان متكئًا فجلس).\nوالمسألة تحتاج إلى مزيد عناية وبحث في كتب أهل اللغة، لمعرفة إطلاق الاتكاء على التربع، فيكون كلام الخطابي متجهًا، وإلا فالمعول على المشهور وهو التفسير الأول، وقد جزم ابن الجوزي بأن الاتكاء هو الميل على أحد الشقين، ولم يلتفت لإنكار الخطابي ذلك (^٥).\nوقد قال الشيخ عبد العزيز بن باز إلى أن التربع ليس داخلًا في معنى الاتكاء، واستظهر هذا الشيخ محمد بن عثيمين (^٦).\nولم يأت في الأكل حال الاتكاء نهي صريح، ولهذا لم يجزم البخاري\n_________\n(^١) \"النهاية\" (١/ ١٩٣)، \"زاد المعاد\" (٤/ ٢٢١).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٥/ ٣٠١).\n(^٣) \"النهاية\" (١/ ١٩٣).\n(^٤) \"شرح المناوي على الشمايل\" ص (٢٢٧).\n(^٥) \"كشف المشكل من حديث الصحيحين\" لابن الجوزي (١/ ٤٣٩).\n(^٦) \"الشرح الممتع\" (١٢/ ٣٧٧).","vol":"7","page":437},{"text":"بحكمه، كما في ترجمته عند التخريج، لكن الأفضل ترك الاتكاء تأسيًا بالنبي - ﷺ -، وذهب جماعة من أهل العلم إلى كراهة الأكل متكئًا.\nوقد ذكر العلماء أن صفة الجلوس المستحب أن يجثو على ركبتيه وظهور قدميه، أو أن ينصب اليمنى ويجلس على اليسرى (^١)، ولم يذكروا لذلك دليلًا، وثبت في حديث أنس - ﵁ - قال: (رأيت النبي - ﷺ - مقعيًا يأكل تمرًا) (^٢)، والإقعاء: أن يجلس على أليتيه وينصب ساقيه.\nوذكر ابن القيم أن أنفع الهيئات حالة الأكل وأفضلها أن تكون أعضاء البدن في وصفها الطبعي الذي خلقها الله سبحانه عليه، ولا يكون كذلك إلا إذا كان الإنسان منتصبًا الانتصاب الطبعي، وأردأ الجلسات حالة الاتكاء لما تقدم (^٣).\nفإن وجد عذر للأكل متكئًا كالمريض -مثلًا- فلا بأس. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٥٤٢).\n(^٢) رواه مسلم (٢٠٤٤).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (٤/ ٢٢١).","vol":"7","page":438},{"text":"<span data-type='title' id=toc-878>من آداب الأكل</span>\n١٠٥٥/ ١٢ - عَنْ عُمَرَ بْنِ أبي سَلَمَةَ قَال: قَال لي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"يا غُلَامُ، سَمِّ اللهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد القرشي المخزومي، واسم أبيه عبد الله، وهو من السابقين إلى الإسلام، ولد عمر قبل الهجرة بسنتين على الصحيح، وأمه أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، فهو ربيب النبي - ﷺ - والمُربَّى في حجره - ﷺ -، وهو من صغار الصحابة -﵃-، روى عن النبي - ﷺ - أحاديث في \"الصحيحين\" وغيرهما عن أبيه، وروى عنه ابنه محمد، وسعيد بن المسيب، ووهب بن كيسان، وغيرهم، ولي البحرين، زمن علي - ﵁ -، ومات بالمدينة سنة ثلاث وثمانين - ﵁ - (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب \"الأطعمة\"، باب (التسمية على الطعام والأكل باليمين) (٥٣٧٦)، ومسلم (٢٠٢٢) من طريق سفيان، قال: الوليد بن كثير أخبرني: أنه سمع وهب بن كيسان، أنه سمع عمر بن أبي سلمة يقول: (كنت غلامًا في حجر النبي - ﷺ - وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله - ﷺ -: \"يا غلام سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك\" فما زالت تلك طِعْمتي بعد) وهذا السياق للبخاري.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٨/ ٢٧٤)، \"الإصابة\" (٧/ ٧٧)، \"فتح الباري\" (٩/ ٥٢١).","vol":"7","page":439},{"text":"° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كنت غلامًا) الغلام هو الابن الصغير من الولادة إلى البلوغ، وقد يطلق على ما بعد البلوغ مجازًا باعتبار ما كان عليه، وقد تقدم ذلك في \"الطهارة\".\n\nقوله: (في حجر النبي - ﷺ -) بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم، والحجر: يطلق على الحضن وعلى الثوب، فيجوز فيه الفتح والكسر، فإن أريد به الحضانة -كما هنا - فهو بالفتح لا غير، وإن أريد به المنع من التصرف فهو بالفتح للمصدر، وبالكسر للاسم (^١).\n\nقوله: (تطيش) بفتح التاء، بوزن تطير، ومعناه: تتحرك فتميل إلى نواحي القصعة ولا تستقر على موضع واحد، وفي بعض الروايات: (فجعلت آكل من نواحي الصحفة) (^٢) وهو يفسر المراد.\n\nقوله: (طِعْمتي بعدُ) بكسر الطاء؛ أي: صفة أكلي، والمعنى: أني لزمت ذلك وصار عادة لي، ويجوز الضم.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على وجوب التسمية قبل الأكل على الراجح من قولي أهل العلم؛ لأن النبي - ﷺ - أمر عمر بن أبي سلمة بالتسمية مع أنه غلام صغير، والأصل في الأمر الوجوب، ولم يأت ما يصرفه عن ذلك، وقد نقل النووي الإجماع على استحباب التسمية (^٣)، فتعقبه الحافظ ابن حجر بأن هناك من ذهب إلى الوجوب؛ لأنه ورد الأمر بالأكل باليمين، وهو محمول على الوجوب، فكذا هنا؛ لأن صيغة الأمر بالجميع واحدة (^٤).\nوقد ذكر ابن مفلح في \"الآداب الشرعية\" (^٥) قولًا بوجوبها، وذكر وجوبها ابن أبي موسى في كتابه \"الإرشاد\" (^٦). وقال بفرضيتها ابن حزم (^٧).\n_________\n(^١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١٨١).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٥٣٧٧).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (١٣/ ٢٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٢٢).\n(^٥) (٣/ ١٧٨).\n(^٦) ص (٥٣٨).\n(^٧) \"المحلى\" (٧/ ٤٢٤).","vol":"7","page":440},{"text":"وأصرح ما ورد في صفة التسمية ما جاء في حديث عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا كل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: بسم الله أولَه وآخرَه\" (^١).\nوظاهر الحديث أنه يقتصر على قوله: (بسم الله) لكن لو زاد (الرحمن الرحيم) فلا بأس، بل قد ذكر النووي أن هذا هو الأفضل (^٢)، ومثله نقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، لكن تعقب الحافظ ابن حجر هذا القول بأنه لم يَرَ دليلًا على ذلك (^٤).\nوقد اختلف أهل العلم فيما إذا كانوا جماعة وسمى واحد منهم هل يكفي عن الباقين؟ نص الشافعي على إجزاء تسمية الواحد عن الباقين، وجعله بعض فقهاء الشافعية كرد السلام وتشميت العاطس (^٥)، وعللوا لذلك أيضًا بأن النبي - ﷺ - أخبر أن الشيطان إنما يتمكن من الطعام إذا لم يذكر اسم الله تعالى عليه، ولأن المقصود يحصل بواحد، ومال ابن القيم إلى أنه لا يكفي تسمية بعض الآكلين، لحديث عائشة - ﵂ - قالت: كان رسول الله - ﷺ - يأكل طعامًا في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أما إنه لو سمى لكفاكم\" (^٦) - ومن المعلوم أن الرسول - ﷺ - ومن معه قد سموا، فلما جاء هذا الأعرابي فأكل ولم يسمِّ شاركه الشيطان، فأكل الطعام بلقمتين، ولو سمى لكفى الجميع (^٧).\nوهذا هو الراجح، ومما يؤيده أن الرسول - ﷺ - قال للغلام: \"سم الله\" ولو كانت فرض كفاية لاكتفى النبي - ﷺ - بتسميته، على أنه قد يقال: إن المراد بذلك التعليم، لكن ظواهر الأدلة تؤيد هذا القول.\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٣٧٦٧)، والترمذي (١٨٥٩) وقال: (حديث حسن صحيح)، ولعل هذا بالنظر إلى شواهده، كما حققه الألباني في \"الإرواء\" (٧/ ٢٤).\n(^٢) \"الأذكار\" ص (٢٠٧).\n(^٣) \"الفروع\" (٥/ ٣٠٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٢١).\n(^٥) انظر: \"الأذكار\" ص (٣٧٤).\n(^٦) رواه الترمذي (٨١٥٩)، وقال: (هذا حديث حسن صحيح).\n(^٧) \"زاد المعاد\" (٢/ ٣٩٨).","vol":"7","page":441},{"text":"° الوجه الخامس: في الحديث دليل على وجوب الأكل باليد اليمنى على الراجح من قولي أهل العلم؛ لأن النبي - ﷺ - أمر عمر بن أبي سلمة أن يأكل بيمينه مع أنه غلام صغير، والأصل في الأمر الوجوب، ولم يأت ما يصرفه عن ذلك، وسيأتي مزيد بيان عند شرح حديث جابر - ﵁ -.\n\n° الوجه السادس: في الحديث دليل على وجوب أكل الإنسان مما يليه إذا كان يأكل معه أحد؛ لأن النبي - ﷺ - أمر عمر بن أبي سلمة أن يأكل مما يليه، مع أنه غلام صغير، والأصل في الأمر الوجوب، ولم يأت ما يصرفه عن ذلك، ولأن أكل الإنسان مما يلي غيره فيه تعدٍّ على ما ليس بحوزته، مع ما فيه من تقذر النفس مما خاضت فيه الأيدي، ولأن فيه إظهار الحرص والنهم وسوء الأدب مع غيره.\nوقد حمل العلماء هذا الحديث على ما إذا كان الطعام نوعًا واحدًا، فإن كان أنواعًا كالفاكهة وأنواع التمر ونحو ذلك، فلا بأس أن يأخذ مما لا يليه، وإن استأذن فهو أحسن؛ لأنه من كمال الأدب (^١).\nويستثنى من هذا ما إذا علم الآكل رضا من يشاركه، فإن تبين له رضاه فلا بأس في أكله مما يليه، لما ثبت في حديث أنس - ﵁ - أن خياطًا دعا رسول الله - ﷺ - لطعام صنعه، قال أنس - ﵁ -: (فذهبت مع رسول الله - ﷺ - فرأيته يتتبع الدُّبَّاء من حوالي القصعة، قال: فلم أزل أُحب الدُّبَّاء من يومئذ) (^٢). وقد ترجم البخاري على هذا الحديث بقوله: (باب من تتبع حوالي القصعة مع صاحبه إذا لم يعرف منه كراهية) (^٣)، وكأن هذا فيه إشارة إلى الجمع بين حديث أنس وحديث عمر بن أبي سلمة -﵄-، والحديث قد دلَّ على أن أنسًا - ﵁ - قد أكل مع النبي - ﷺ -.\nوالدُّباء: بضم الدال المشددة نوع من القَرَعِ، وهو اليقطين (^٤).\n_________\n(^١) \"الشرح الممتع\" (١٢/ ٣٦١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٣٧٩)، مسلم (٢٠٤١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٢٤).\n(^٤) \"زاد المعاد\" (٤/ ٤٠٣).","vol":"7","page":442},{"text":"° الوجه السابع: في الحديث دليل على حرص النبي - ﷺ - ومنهجه في تربية الأطفال وتأديب من حوله منهم على الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، التي جاء بها الإسلام لينشأوا عليها، ومن الخطأ البين ما يظنه بعض الناس من أن الطفل الصغير لا يقبل التوجيه، فقد أجمع المربون على أن تكوين العادة في الصغر أيسر بكثير من تكوينها في الكبر، وما اعتاده في صغره يصعب عليه مفارقته في كبره. والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":443},{"text":"<span data-type='title' id=toc-879>ما جاء في الأمر بالأكل من جوانب القصعة</span>\n١٠٥٦/ ١٣ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - أن النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ. فَقَال: \"كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَلَا تَأْكلُوا مِنْ وَسَطِهَا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا\"، رَوَاهُ الأرْبَعَةُ، وَهَذَا لَفْظُ النَّسَائِيِّ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"الأطعمة\"، باب (ما جاء في الأكل من أعلى الصحفة) (٣٧٧٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦/ ٢٦٤)، وأحمد (٥/ ٢٦٧) من طريق شعبة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: سمعت ابن عباس - ﵄ - يقول: … فذكره.\nوهذا لفظ النسائي، ولفظ أبي داود: \"إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن ليأكل من أسفلها، فإن البركة تنزل من أعلاها\".\nورواه الترمذي (١٨٠٦) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن عطاء به.\nورواه ابن ماجه (٣٢٧٧) من طريق محمد بن فضيل، حدثنا عطاء به.\nورواه أحمد (٤/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، والحاكم (٤/ ١١٦) من طريق سفيان الثوري، عن عطاء به.\nوهذا الحديث إسناده صحيح، وقد طرأ على عطاء بن السائب اختلاط، لكن شعبة سمع منه قبل الاختلاط، قال الإمام أحمد: (من سمع منه قبل الاختلاط فجيِّد، ومن سمع منه بعد الاختلاط فليس بشيء)، وممن سمع منه","vol":"7","page":444},{"text":"قبل الاختلاط سفيان وشعبة، وممن سمع منه بعد الاختلاط جرير بن عبد الحميد … (^١).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (بقصعة) بفتح القاف، إناء من خشب يوضع فيه الطعام، وتقدم لها ذكر في باب \"الغصب\".\n\nقوله: (من ثريد) هو فعيل بمعنى مفعول، تقول: ثردت الخبز ثردًا من باب (قتل) وهو أن تفته ثم تبلَّه بمرق، والاسم الثُّردة، بالضم.\n\nقوله: (ولا تأكلوا من وسطها) بفتح السين، والسكون فيه جائز، والوسط: بالتحريك ما بين طرفي الشيء وهو منه، وقد تقدم بحثه في \"الجنائز\" وأنه يقال: جلست وسْط القوم، بالتسكين؛ لأنه ظرف بمعنى بين، ويقال: لا تأكل من وَسَطِ الطعام، بالفتح، لما تقدم.\n\nقوله: (فإن البركة تنزل في وسطها) أي: فإن بركة الله تعالى وخيره على هذا الطعام تكون في وسط القصعة وتصل من وسطها إلى جوانبها.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على استحباب الأكل من جوانب القصعة وكراهة الأكل من وسطها، هذه هي السنة، وهو الأدب الشرعي الذي ندب إليه الرسول - ﷺ -؛ لأن النبي - ﷺ - نهى عن الأكل من وسطها، وقال: \"إن البركة تنزل وسطها\"، ومن هذه البركة: أن يكون الطعام قليلًا فيكفي لكثيرين، ومنها: استمراء الطعام، ومنها: أنه إذا بقي منه بقية فإنها تكون نظيفة لم تمسها يد، فيستفيد منها من يأتي بعد الآكلين، أما البدء من الوسط فإنه يفسد الطعام ويقذره، فيلقى ولو كان كثيرًا.\nوهذا النهي في الحديث محمول على التنزيه عند الجمهور؛ لأنه أدب\n_________\n(^١) \"العلل\" للإمام أحمد (٣/ ٢٩)، \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ١٨٣)، \"الكواكب النيرات\" ص (٣١٩).","vol":"7","page":445},{"text":"وإرشاد، ونص الشافعي على التحريم، فإنه قال: (فإن أكل ما يلي غيره أو من رأس الطعام أَثِمَ بالفعل الذي فعله إذا كان عالمًا بنهي النبي - ﷺ -) (^١).\nوهذا القول قوي، يتمشى مع قاعدة الأصوليين في أن الأمر يراد به الوجوب إلا بدليل يصرفه عن غيره، وأن النهي يراد به التحريم إلا بدليل يصرفه عن غيره.\nلكن استثنى العلماء ما إذا كان الطعام أنواعًا، فقالوا: لا بأس بالأكل من أعلى الصحفة، ومثل ذلك لو كان فوق الطعام لحم -مثلًا- جاز الأكل منه. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"الرسالة\" للشافعي ص (٣٤٩، ٣٥٣)، \"دليل الفالحين\" (٣/ ٢٣٦).","vol":"7","page":446},{"text":"<span data-type='title' id=toc-880>ما جاء في كراهية ذم الطعام</span>\n١٠٥٧/ ١٤ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: مَا عَابَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إِذَا اشْتَهى شَيئًا أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الأطعمة\"، باب (ما عاب النبي - ﷺ - طعامًا) (٥٤٥٩)، ومسلم (٢٠٦٤) من طريق الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا، وهذا لفظ مسلم، وفي رواية لمسلم من طريق الأعمش، عن أبي يحيى، عن أبي هريرة - ﵁ -: \"وإن لم يشتهه سكت\".\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على كمال خلق النبي - ﷺ - مع أهله ومع غيرهم في مأكله حيث كان لا يعيب الطعام، بل كان إذا اشتهاه أكل، وإن لم يشتهه تركه وسكت، وهذا يدل على عدم عنايته - ﷺ - بالأكل، وأنه إنما كان يأكل ما يقيم أَوَدَهُ، ولا يهتم بما وراء ذلك من تحسين الطعام وكونه على الوجه المطلوب.\nوأما قوله - ﷺ - في الضب: \"إني أعافه\" فليس هذا من عيب الطعام، وإنما هو من باب الإخبار عن طبعه.\nوهذا الأدب متروك لدى كثير من الناس، فترى الواحد منهم لا يفتأ من عيب الطعام ويتشدد في كونه على المطلوب، ولا يتغاضى عن أبي تقصير، فهذا مالح، وذاك حامض، وهذا رقيق، وذاك غليظ، وهذا كثير، وذاك قليل، وفي هذا مجانبة للهدي النبوي الذي هو الكمال في خلق الرجل مع أهله،","vol":"7","page":447},{"text":"وأنه ينبغي له أن يتحمل من أهله ما قد يحصل من النقص أو التقصير، فإن من يعيب الطعام إما أن يعيبه من جهة الخِلقة، وكُلٌ خَلْقُ الله تعالى، أو يعيبه من جهة الصنعة، وهذا فيه كسر قلب الصانع بعد ما بذل جهده في إعداده وتقديمه، ثم قد يكون هذا الطعام الذي لا يشتهيه هو يشتهيه غيره، فسكوته عن عيبه من حسن الأدب مع الطعام ومع من أعدَّ الطعام ومع المشاركين له فيه.\nومسألة عيب الطعام غير مسألة تنبيه الطباخ أو تنبيه زوجته إلى ما ينبغي مراعاته إذا حصل في وقت آخر غير وقت تقديم الطعام، بأن الطعام يحتاج إلى زيادة كذا، أو نقص كذا، ونحو ذلك مما هو مطلوب، ولا يدخل في باب الذم، وإنما هو من باب التوجيه والإرشاد، والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":448},{"text":"<span data-type='title' id=toc-881>النهي عن الأكل بالشمال</span>\n١٠٥٨/ ١٥ - عَنْ جَابرٍ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: \"لَا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه عن وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"الأشربة\"، باب (آداب الطعام والشراب وأحكامهما) (٢٠١٩) من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\n\n° الوجه الثاني: في الحديث دليل على تحريم الأكل بالشمال، وكذا الشرب؛ لما في حديث ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا كل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله\" (^١). وفي هذا أبلغ التنفير وأشد التحذير من الأكل والشرب بالشمال، إذ كيف يليق بالمسلم أن يتشبه بأعدى عدو له وهو الشيطان، الذي قال الله عنه: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦].\n\n° الوجه الثالث: وجوب الأكل والشرب باليمين، والنهي عن الأكل أو الشرب بالشمال ورد فيه أحاديث كثيرة، وهي تدل دلالة قوية على تحريم هذا الفعل، وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الأكل والشرب باليمين مندوب؛ لأن النهي فيه من باب الأدب والإرشاد، ولأنه من باب تكريم اليمين وتشريفها\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٠٢٠)، وسيأتي شرحه في باب (الأدب) من كتاب \"الجامع\" في آخر الكتاب. إن شاء الله تعالى.","vol":"7","page":449},{"text":"على الشمال (^١).\nوذهب جماعة من أهل العلم منهم ابن عبد البر، وابن حزم، وابن أبي موسى، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم إلى وجوب الأكل والشرب باليمين، وتحريم الأكل والشرب بالشمال، قال ابن القيم: (وهو أحد الوجهين لأصحاب أحمد) ولما ذكر ابن علَّان الاستحباب قال: (وقيل: وجوبًا؛ لما في غيره من الشَّرَهِ ولحوق الضرر بالغير، وانتصر له السُّبكي، وعليه نص الشافعي في \"الرسالة\" ومواضع من \"الأم\" ..) (^٢) وهذا قول قوي؛ لأن الأدلة الواردة في هذا الباب صحيحة وصريحة في الدلالة على المراد، وذلك كما يلي:\nأولًا: أن النبي - ﷺ - نهى عن استعمال الشمال في الأكل والشرب، وبيَّن أنه من عمل الشيطان، وعليه فمن أكل أو شرب بشماله فقد تشبه بالشيطان.\nثانيًا: صيغ الأمر الواردة في هذا الباب مع صيغ النهي، ولا صارف لها عن ظاهرها الذي هو الوجوب والتحريم.\nثالثًا: حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - أن رجلًا أكل عند النبي - ﷺ - بشماله، فقال: \"كل بيمينك\" قال: لا أستطيع، قال: \"لا استطعت، ما منعه إلا الكِبْرُ\" قال: فما رفعها إلى فيه (^٣).\nفهذا الذي امتنع من الأكل بيمينه وأصر على الأكل بشماله كبرًا وعنادًا، دعا عليه النبي - ﷺ - لأنه لم يكن له عذر، وقد أجاب الله تعالى دعاء نبيه - ﷺ - حتى شُلَّت يمينه، فلم يرفعها لفيه بعد ذلك اليوم، وهذا دليل واضح على أن\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٥/ ٢٩٥).\n(^٢) \"الرسالة\" ص (٣٤٩، ٣٥٣)، \"الكافي\" لابن عبد البر (٢/ ١١٣٨)، \"المحلى\" (٧/ ٤٢٤)، \"الإرشاد\" ص (٥٣٨)، \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (١/ ٣٦٤)، \"زاد المعاد\" (٢/ ٣٩٧)، \"الآداب الشرعية\" (٣/ ١٦٨)، \"فتح الباري\" (٩/ ٥٢٢)، \"الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية\" (٥/ ١٨١ - ١٨٢).\n(^٣) رواه مسلم (٢٠٢١).","vol":"7","page":450},{"text":"هذا قد ترك واجبًا، وارتكب محرمًا، فاستحق أن يُدعى عليه لمخالفته الحكم الشرعي، وعدم قبوله ما أمره به النبي - ﷺ -، وسيأتي لهذا مزيد بيان في باب \"الأدب\" من كتاب \"الجامع\" إن شاء الله تعالى.\nومما يؤسف عليه أن الأكل بالشمال والشرب بالشمال من العادات التي انتشرت بين المسلمين، وهذا من الجهل بالسنة، أو قلة المبالاة وضعف العناية بآداب الشريعة، فينبغي الإنكار على من فعل ذلك، كما أنكر النبي - ﷺ -، والأكل باليمين أيسر وأحسن وأخف، لكن طاعة الشيطان وتزيينه والميل إلى ما يخالف الشرع تحسِّن هذه العادة وتزينها عند كثير من الناس.\nوإذا كانت اليد اليمنى فيها طعام فليس هذا بعذر للشرب بالشمال، كما يفعله بعض الناس؛ لأنه بإمكانه إمساك الإناء بمعاونة اليد اليسرى، على أنه في زماننا هذا وجدت هذه الكؤوس من البلاستيك فيمكن إمساكها باليمين ولو حصل لها شيء من التأثر؛ لأنها سترمى في الغالب ولا تستعمل مرة ثانية (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الشرح الممتع\" (١٢/ ٣٦٢).","vol":"7","page":451},{"text":"<span data-type='title' id=toc-882>النهي عن التنفس في الإناء أو النفخ فيه</span>\n١٠٥٩/ ١٦ - عَنْ أبي قَتَادَةَ - ﵁ - أن النَّبِيَّ - ﷺ - قَال: \"إِذَا شَرِبَ أحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ\" مُتَّفَقٌ عَلَيه.\n١٠٦٠/ ١٧ - وَلأبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - نَحْوَهُ، وَزَادَ: \"أوَ يُنْفَخَ فِيهِ\" وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي قتادة - ﵁ - فقد رواه البخاري في مواضع من \"صحيحه\"، وأولها في كتاب \"الوضوء\"، باب (النهي عن الاستنجاء باليمين) (١٥٣)، ومسلم (٢٦٧) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وإذا أتى الخلاء فلا يمسَّ ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه\" وهذا الحديث تقدم سياقه بتمامه في باب (قضاء الحاجة) من كتاب \"الطهارة\" رقم (٩٥)، وأعاده الحافظ هنا مقتصرًا على القدر المطلوب دون ما يتعلق بالطهارة.\nوأما حديث ابن عباس - ﵄ - فقد رواه أبو داود في كتاب \"الأشربة\"، بابٌ (في النفخ في الشراب والتنفس فيه) (٣٧٢٨)، والترمذي (١٨٨٩) من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - قال: (نهى رسول الله - ﷺ - أن يُتنفسَ في الإناء أو يُنفخَ فيه) قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن التنفس في الإناء الذي","vol":"7","page":452},{"text":"يشرب منه، وإنما السنة التنفس خارج الإناء، وذلك بأن يُبِينَ القدح ويبعده عن فيه ويتنفس خارجه، وذلك أن التنفس في الإناء فيه ثلاثة محاذير:\n١ - أن التنفس في الإناء يقذر الشراب على من بعده؛ لأنه لا يأمن أن يسقط فيه شيء من الفم أو الأنف.\n٢ - أن النفس ربما حمل أمراضًا يتلوث بها الإناء وما فيه.\n٣ - أنه يخشى عليه من الشَّرَقِ؛ لأن الماء نازل، والنفس صاعد، فإذا التقيا فقد يَشْرَقُ الإنسان، ويتساقط اللعاب في الإناء، وكل هذا منافٍ للأدب.\nوالسنة أن الإنسان إذا شرب فلا يشرب في نَفَسٍ واحد، بل يشرب في نَفَسين أو ثلاثة، مع فصل القدح عن فيه؛ لأن هذا أخف على المعدة، وأنفع لريّه، وأحسن في الأدب، وأبعد عن فعل أرباب الشَّرَهِ، وقد ثبت عن أنس - ﵁ - أنه قال: (كان رسول الله - ﷺ - يتنفس في الشراب ثلاثًا، ويقول: \"إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ\" قال أنس: فأنا أتنفس في الشراب ثلاثًا) (^١).\nومعنى (يتنفس في الشراب) أي: يتنفس في شربه ثلاثًا، وفي رواية: (في الإناء) وليس معناها أنه يتنفس في الإناء -كما قيل- لبيان الجواز، أو لأنه - ﷺ - يكن يُتقذر منه شيء، والصواب الأول، بدليل بقية الحديث (^٢). وعلى هذا فلفظ: (الشراب) ليس المراد به الشيء المشروب، وإنما المراد به المصدر الذي هو الشرب؛ أي: يتنفس في شربه ثلاثًا، وهذا حسن معنى، فصيح لغة، فإنه يقال: شَرِبَ شُرْبًا وشَرَابًا بمعنى واحد، وذُكِرَ الإناء في الرواية الثانية؛ لأنه آلة الشرب.\n\nوقوله: (أروى) من الريّ؛ أي: أكثر ريًّا.\nو(أبرأ) أي: أبرأ من ألم العطش، وأسلم من مرض أو أذى يحصل بسبب الشرب بنفس واحد.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٠٢٨).\n(^٢) \"المفهم\" (٥/ ٢٨٩)، \"زاد المعاد\" (٤/ ٢٣٥).","vol":"7","page":453},{"text":"و(أمرأ) أي: أجمل سياغًا، وأخف على المعدة، يقال: استمرأت الطعام أو الشراب: إذا استحسنته واستطبته.\n\n° الوجه الثالث: في حديث ابن عباس - ﵄ - دليل على النهي عن النفخ في إناء الطعام أو الشراب، وذلك حماية للطعام أو الشراب من مخالطة أنفاس النافخ التي يحصل بسببها تغير، ولا سيما إذا كان النافخ متغير الفم برائحة مأكول -مثلًا- أو لبعد عهده بالسواك، أو لصعود نفسه ببخار المعدة، وبالجملة فالشراب لا يسلم من أنفاس النافخ.\nوهذا النهي عن النفخ محمول- على رأي الجمهور- على ما إذا أكل أو شرب مع غيره، أما لو أكل وحده أو مع أهله أو من يعلم أنه لا يتقذر منه شيئًا فلا بأس، ورجح الحافظ التعميم؛ لأنه لا يؤمن أن يبقى من طعامه أو شرابه بقية أو يحصل التقذر من الإناء أو نحو ذلك، وتبعه على ذلك شارح \"جامع الترمذي\" محمد المباركفوري، وقال: (هذا هو المتعين عندي، والله تعالى أعلم) (^١).\nوالنفخ إنما يكون لأحد معنيين، فإن كان من حرارة الشراب، فليصبر حتى يبرد، وإن كان من أجل قذى يبصره فليمطه بأصبعه إن كان ما وراءه أحد يشرب منه، وإلا أماطه بعود ونحوه، ولا حاجة به إلى النفخ، وفي حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاةُ أراها في الإناء، فقال: \"أهرقها\"، قال: فإني لا أروى من نفس واحد، قال: \"فَأَبِنِ القدح إذن عن فيك\" (^٢).\nهذا وسيذكر الحافظ في باب (الأدب) من كتاب \"الجامع\" أحاديث أخرى تتعلق بآداب الأكل والشرب، ولو جمعها في موضع واحد لكان أولى. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تحفة الأحوذي\" (٦/ ١٢).\n(^٢) رواه الترمذي (١٨٨٧) وقال: (هذا حديث حسن صحيح).","vol":"7","page":454},{"text":"<span data-type='title' id=toc-883>باب القسم</span>\nالقسم: بفتح فسكون، مصدر قسم، من باب (ضرب)، وهو بمعنى القسمة؛ أي: العطاء، يقال: قسم القسام المال بين الشركاء: فرَّقه بينهم وعين أنصباءهم.\nوالمراد هنا: القسم بين الزوجات، وهو إعطاء المرأة حقها في البيتوتة عندها للصحبة والمؤانسة.\nوالأصل في وجوب القسم الكتاب والسنة والنظر، أما الكتاب فعموم قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] والمعنى: صاحبوهن وعاملوهن بما يقره العرف والشرع، وليس من المعروف أن يقسم لهذه ليلتين ولهذه ليلة واحدة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] والقسم بين الزوجات بالسوية من العدل الذي أمر الله تعالى به.\nوأما السنة فأحاديث الباب، وأما النظر فهو أن كلًّا منهما زوجة، وقد تساوتا في الحق على هذا الرجل، فيجب أن تتساويا في القسم؛ كالأولاد يجب العدل بينهم في العطية (^١).\nوهذا الباب مختص بمن عنده أكثر من زوجة، ولهذا أفرده العلماء عن باب (عشرة النساء) وربما جمع بينهما، والأحاديث الواردة في القسم منها ما هو من السنة القولية، ومنها ما هو من السنة الفعلية، وهي معاملة الرسول - ﷺ - لزوجاته وعدله بينهن، وما أحوج من عَدَّد في الزواج إلى معرفة أحكام القسم والعدل بين الزوجات، ليبرئ ذمته من حقوق العباد المبنية على الشح وعدم\n_________\n(^١) \"الشرح الممتع\" (١٢/ ٤١٧).","vol":"7","page":455},{"text":"المسامحة، كما أن من النساء من تسئ العشرة إذا تزوج عليها وتطالبه بأكثر مما أوجبه الشرع لها، والعدل كل العدل التزام ما ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ -، وبذلك يُعطى كلُّ ذي حقٍّ حقه، وتدوم العشرة.","vol":"7","page":456},{"text":"<span data-type='title' id=toc-884>مشروعية القسم بين الزوجات</span>\n١٠٦١/ ١ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقْسِمُ لِنِسَائِهِ فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: \"اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أمْلِكُ\". رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَلكِنْ رَجّحَ التِّرْمِذِيُّ إِرْسَالهُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"النكاح\"، باب (القسم بين النساء) (٢١٣٤)، والترمذي (١١٤)، والنسائي (٧/ ٦٤)، وابن ماجه (١٩٧١)، وابن حبان (١٠/ ٥)، والحاكم (٢/ ١٨٧) من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد (^١)، عن عائشة - ﵂ -.\nوهذا الحديث إسناده صحيح، ورجاله ثقات، لكن قد اختلف في وصله وإرساله، فقد روي موصولًا بذكر عائشة - ﵂ - من طريق حماد بن سلمة كما مرَّ، وروي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، أن النبي - ﷺ - كان يقسم … هكذا مرسلًا (^٢).\nوقد صحح الحديث ابن حبان والحاكم، وسكت عنه الذهبي.\nوقد ذكر ابن كثير هذا الحديث من طريق حماد بن سلمة، وقال:\n_________\n(^١) هو رضيع عائشة -﵂-، روى عن عائشة، وروى عنه أبو قلابة. [\"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٧٣)].\n(^٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٩/ ٢٨٩).","vol":"7","page":457},{"text":"(إسناده صحيح، ورجاله ثقات) (^١).\nورجح أبو زرعة والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم والدارقطني وغيرهم رواية الإرسال (^٢)؛ لأن حماد بن زيد ثقة ثبت فقيه، كما في \"التقريب\"، وحماد بن سلمة ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بأخرة، وقد تابع حماد بن زيد على إرساله إسماعيل بن علية، عن أيوب، أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٨٦)، وابن جرير (٩/ ٢٨٦)، ورواه ابن جرير -أيضًا- من طريق عبد الوهاب الثقفي عن أيوب، عن أبي قلابة، كان النبي - ﷺ - يقسم بين نسائه فيعدل، ويقول: اللهم …\nقال أبو زرعة: (لا أعلم أحدًا تابع حماد بن سلمة على وصله) (^٣).\nويشهد للقسم الأول من الحديث: حديث عائشة الآتي بعد أربعة أحاديث: (كان رسول الله - ﷺ - لا يفضل بعضنا على بعض في القسم …) رواه أحمد وأبو داود وسنده حسن.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كان يقسم بين نسائه) أي: زوجاته، فيعطي كل واحدة نوبتها.\n\nقوله: (فيعدل) أي: يسوي بينهن في القسمة، وتقدم قول عائشة - ﵂ -: (كان رسول الله - ﷺ - لا يفضل بعضنا على بعض في القسم).\n\nقوله: (اللهم هذا) اسم الإشارة عائد على العدل المفهوم من واقع المتحدث عنه بقولها: (فيعدل)؛ كقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].\n\nقوله: (فيما أملك) أي: فيما أقدر عليه.\n\nقوله: (فلا تلمني) أي: لا تؤاخذني ولا تعاتبني.\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٣٨٢) (٦/ ٤٣٨).\n(^٢) \"العلل\" للدارقطني (١٣/ ٢٧٩)، \"الدراية\" (٢/ ٦٦)، \"التلخيص\" (٣/ ١٥٩)، \"نصب الراية\" (٣/ ٢١٥).\n(^٣) \"العلل\" (١٢٧٩).","vol":"7","page":458},{"text":"قوله: (فيما تملك ولا أملك) قال أبو داود: (يعني: القلب)، وقال الترمذي: (إنما يعني به الحب والمودة، كذا فسره بعض أهل العلم). قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَينَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] قال ابن عباس: في الحب والجماع (^١). والمعنى: أن محبة القلب لا يمكن تفريقها بين النساء على السواء، فقد يكون لها أسباب من تحبب الزوجة إلى زوجها ومن لينها وعنايتها وشبابها، وغير ذلك.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنه - ﷺ - كان يقسم بين نسائه فيعدل بينهم فيما يملك، والحديث وإن كان فيه المقال المتقدم، لكن هذا أمر ثابت بأدلة أخرى، سيأتي شيء منها إن شاء الله، ولنا في رسول الله - ﷺ - أسوة حسنة، فيكون الحديث دليلًا على مشروعية قسم الرجل بين زوجاته، ووجوب العدل في القسم بينهن، وعدم الميل إلى إحداهن، وأن هذا طريق العشرة بالمعروف والتآلف بين القلوب، والسلامة من المشاكل التي تنشأ من التفضيل.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على عدم وجوب التسوية بين النساء في المحبة؛ لأنها لا تملك، وقد كانت عائشة - ﵂ - أحب نسائه - ﷺ - إليه، وأُخذ من هذا أنه لا يجب التسوية بينهن في الوطء؛ لأنه موقوف على المحبة والميل، وهي بيد مقلب القلوب، وهذا مذهب الجمهور (^٢).\nوالقول الثاني: التفصيل، وهو أنه إن ترك الجماع لعدم الداعي إليه من المحبة والانتشار فهو معذور، وإن وجد الداعي إليه لكنه إلى الضرة أقرب فليس بمعذور، وعليه أن يعدل (^٣).\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دليل على تحريم الميل إلى إحدى الزوجتين إذا كان ذلك فيما يمكن الزوج؛ كالمبيت والطعام والكسوة؛ لأن الرسول - ﷺ - اعتذر إلى ربه فيما لا يملك، فدل على أن ما يملكه الزوج يطالب\n_________\n(^١) \"تفسير الطبري\" (٩/ ٢٥٦).\n(^٢) \"المغني\" (١٠/ ٢٤٥).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (٥/ ١٥١).","vol":"7","page":459},{"text":"فيه بالعدل لقدرته عليه، فيدل على تحريم الميل، قال تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيلِ﴾ [النساء: ١٢٩] أي: إذا ملتم بعض الميل فيما لا تملكون من المحبة القلبية فلا تميلوا كل الميل فيما تملكون من العدل؛ كالقسم بينهن في المبيت والنفقة ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] أي: تتركوا التي ملتم عنها كالمعلقة التي لا هي مزوجة ولا مطلقة في قلقها وعدم استقرارها (^١)، والمقصود من ذلك أن العدل مطلوب من الزوج فيما هو داخل تحت قدرته كالقسم والنفقة، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] أما الميل القلبي إلى واحدة دون الأخرى فلا حرج فيه؛ لأن الحب أمر اضطراري، لا اختياري يتصرف فيه الإنسان باختياره.\n\n° الوجه السادس: اختلف العلماء في وجوب القسم على النبي - ﷺ - على قولين:\nالأول: وجوب القسم عليه، وهو قول الجمهور، واستدلوا بحديث الباب حيث كان - ﷺ - يقسم ويعدل ويعتذر عما لا يستطيع العدل فيه مما لا يملكه، وعندي أن الحديث ليس صريحًا في الوجوب، مع ما فيه من المقال المتقدم؛ لأن النبي - ﷺ - قد يكون قسم تطييبًا لقلوبهن، ثم اعتذر إلى ربه بما قال: قال الحافظ: (إن معظم الأخبار تدل على أن القسم كان واجبًا على النبي - ﷺ -) (^٢).\nالقول الثائي: أنه لا يجب عليه القسم، ولكنه كان يقسم من قبل نفسه لكمال خلقه، وحسن عشرته، ولتطييب نفوس زوجاته، وليتأسى به غيره، واستدل هؤلاء بما يلي:\n١ - ظاهر قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾ [الأحزاب: ٥١] فقد ذكر المفسرون أن المراد بهذه الآية التوسعة على رسول الله - ﷺ - في ترك القسم؛ أي: إن أمر القسم بين\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٩/ ٢٨٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣١٢).","vol":"7","page":460},{"text":"أزواجه إليه، إن شاء قسم وإن شاء لم يقسم، وأن معنى الآية: لا حرج عليك أن تترك القسم لهن، فتقدم من شئت، وتؤخر من شئت، وتجامع من شئت، وتترك من شئت. وقد جاء هذا المعنى عن جماعة من السلف، منهم ابن عباس ومجاهد والحسن، وقد أخرج هذه الآثار ابن جرير، وذكره ابن الجوزي، ونسبه لأكثر العلماء (^١)، وقال الشوكاني: (هذا قول جمهور المفسرين في معنى هذه الآية، وهو الذي دلت عليه الأدلة الثابتة في الصحيح وغيره …) (^٢).\nوقيل: إن معنى الآية: التوسعة عليه في هبة المرأة نفسها؛ أي: لك أن تقبل هبة من تشاء، وتترك هبة من تشاء، والأول أظهر؛ لأنه لم يرد للواهبات ذكر بلفظ الجمع يرجع إليه الضمير في قوله: ﴿مِنْهُنَّ﴾ فالظاهر أن المراد به الزوجات المتقدم ذكرهن في الآية قبلها. قال القرطبي: (هذا أصح ما قيل في الآية) (^٣).\nواختار ابن جرير أن الآية عامة في هذا وهذا، قال ابن كثير: (وهذا الذي اختار ابن جرير حسن جيد قوي، وفيه جمع بين الأحاديث) (^٤).\n٢ - حديث أنس - ﵁ - المتقدم في \"العشرة\" أن النبي - ﷺ - كان يطوف على نسائه بغسل واحد.\nووجه الاستدلال: أن كونه يدور على نسائه في الساعة الواحدة ينافي وجوب القسم عليه.\n٣ - ما ورد عن معاذة بنت عبد الله العدوية، عن عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ فقلت لها: ما كنت تقولين؟ فقالت: كنت أقول: إن كان ذلك إليَّ فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدًا (^٥).\n_________\n(^١) \"تفسير الطبري\" (٢٢/ ٢٠)، \"زاد المسير\" (٦/ ٤٠٥).\n(^٢) \"فتح القدير\" (٤/ ٢٩٣).\n(^٣) \"تفسير القرطبي\" (١٤/ ٢١٤).\n(^٤) \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٤٣٧).\n(^٥) رواه البخاري (٤٧٨٩).","vol":"7","page":461},{"text":"٤ - قالوا: ولأن في وجوب القسم عليه شغلًا عن لوازم الرسالة (^١).\nوالأدلة كما ترى ليست بصريحة في واحد من القولين، وعلى أي حال فقد قسم النبي - ﷺ - بين زوجاته وعدل، وهو الأسوة والقدوة لأمته، وإذا كان غير واجب عليه فهو واجب على غيره، لإقامة العدل الذي أمر الله تعالى به، ولما فيه من المصالح العظيمة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"غاية السول\" لابن الملقن ص (٢٠٧).","vol":"7","page":462},{"text":"<span data-type='title' id=toc-885>وجوب العدل بين الزوجات فيما يُقدر عليه</span>\n١٠٦٢/ ٢ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - أن النَّبِيَّ - ﷺ - قَال: \"مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أحمد (١٣/ ٣٢٠)، وأبو داود في كتاب \"النكاح\"، باب (القسم بين النساء) (٢١٣٣)، والترمذي (١١٤١)، والنسائي (٧/ ٦٣)، وابن ماجه (١٩٦٩) من طريق همام بن يحيى، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نَهِيك، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nوقد أعل هذا الحديث بأن همام بن يحيى تفرد برفعه، قال البزار: (لا نعلم رواه عن النبي - ﷺ - إلا أبو هريرة، ولا طريقًا عنه إلا هذه الطريق، يعني طريق همام) (^١).\nورواه الترمذي في \"العلل الكبير\" (١/ ٤٤٩) من طريق سعيد، عن قتادة قال: كان يقال: إذا كان عند الرجل امرأتان .. فذكر نحو حديث همام، وذكره الترمذي في \"جامعه\" (٣/ ٤٤٧) معلقًا عن هشام الدستوائي، عن قتادة بمثله، وهشام ثقة ثبت كما في \"التقريب\".\nوالظاهر أن رَفْعَ همامٍ له لا يضر؛ فإنه كما قال الترمذي: (ثقة حافظ)، فلا يضر تفرده ولا مخالفته لغيره، فقد حفظ زيادة يجب قبولها.\n_________\n(^١) \"نصب الراية\" (٣/ ٢١٤).","vol":"7","page":463},{"text":"° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (فمال إلى إحداهما) أي: فلم يعدل بينهما، بل مال إلى إحداهما دون الأخرى.\n\nقوله: (شِقُّه) بكسر الشين المعجمة وتشديد القاف؛ أي: جانبه ونصفه.\n\nقوله: (مائل) أي: مفلوج، والفالج: مرض يحدث في أحد شقي البدن يبطل حركته وإحساسه، وربما كان في الشقين، ويحدث بغتة.\nوعند الترمذي وغيره: \"وشقه ساقط\" والمعنى -والله أعلم- أن أهل العرصات يوم القيامة يرونه كذلك، فيكون هذا زيادة في التعذيب، نسأل الله الحافية (^١).\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب التسوية بين الزوجات فيما يقدر عليه الزوج، وتحريم الميل مع إحداهن، لما ثبت من الوعيد لمن تعمد الجور والظلم، وأن ذلك من أسباب العقوبة الظاهرة يوم القيامة، نسأل الله السلامة.\nومعلوم أن الوعيد لا يكون إلا على فعل محرم أو ترك واجب، والميل محرم، فيكون العدل واجبًا.\nقال الموفق: (لا نعلم بين أهل العلم في وجوب التسوية بين الزوجات خلافًا) (^٢).\n\n° الوجه ابرابع: في الحديث دليل على وجوب التسوية بين الزوجات في النفقة والكسوة؛ لأن ذلك أبلغ في العدل وأبعد عن الميل، وهذا قول الحنفية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣).\nووجه الاستدلال: أن الميل هنا مطلق، فيشمل الميل في كل شيء، سواء أكان في النفقة أم الكسوة أم المسكن، وغير ذلك مما هو داخل في\n_________\n(^١) \"تحفة الأحوذي\" (٤/ ٢٩٥).\n(^٢) \"المغني\" (١٠/ ٢٣٥).\n(^٣) \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٣٣٢)، \"الفتاوى\" (٣٢/ ٢٧٠).","vol":"7","page":464},{"text":"مقدور الزوج، وتجنب الميل يستلزم التسوية حتى لا يكون مائلًا إلى إحداهما.\nوالقول الثاني: أنه لا يجب على الزوج التسوية بين زوجاته في النفقة والكسوة إذا قام بالواجب لكل واحدة منهن، وهذا مذهب الحنابلة والشافعية والمالكية؛ لأن التسوية بينهن في النفقة تشق، إلا أن الشافعية والحنابلة قالوا: الأولى أن يسوي بينهن؛ لأن ذلك أبلغ في العدل (^١).\nوالصواب في هذا أن الزوج مطالب بالعدل بين زوجاته في كل شيء يقدر عليه، وفي هذا من المصالح ما لا يخفى، فإن في العدل التأسي بالنبي - ﷺ -، وفي العدل حسن العشرة وسلامة الصدور وراحة الزوج، وعدم العدل يوغر الصدور بين الزوجات، ويجعل الحياة الزوجية في نكدٍ.\nقال ابن تيمية: (وأما العدل في النفقة فهو السنة أيضًا، اقتداء بالنبي - ﷺ - فإنه كان يعدل بين أزواجه في النفقة … وتنازعوا في العدل في النفقة هل هو واجب، أو مستحب؟ ووجوبه أقوى وأشبه بالكتاب والسنة) (^٢).\nوالذي يظهر -والله أعلم- أن العدل في النفقة معناه: أن ينفق على كل واحدة من زوجاته بقدر حاجتها وحاجة أولادها بالمعروف، إن كان عندها أولاد، ولهذا قال النبي - ﷺ - في خطبته في حجة الوداع: \"ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف\" وهذا هو العدل، لكن لو اشترى لواحدة شيئًا ينقص بيتها وهو موجود عند الأخرى كالغسالة أو الثلاجة ونحوهما، ولم يمكن إصلاحها لم يلزمه أن يشتري للأخرى مثلها؛ لما في ذلك من المشقة، ولما يترتب عليه من الإسراف، وقد ورد عن الإمام أحمد ما يدل على ذلك (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الإنصاف\" (٨/ ٣٦٤)، \"الشرح الكبير بحاشية الدسوقي\" (٢/ ٣٣٩)، \"نهاية المحتاج\" (٦/ ٣٨٠).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٣٢/ ٢٧٠).\n(^٣) \"المغني\" (١٠/ ٢٤٢).","vol":"7","page":465},{"text":"<span data-type='title' id=toc-886>مقدار الإقامة عند الزوجة الجديدة</span>\n١٠٦٣/ ٣ - وَعَنْ أنَسٍ - ﵁ - قَال: مِنَ السُّنَّة إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أقَام عِنْدَهَا سَبْعًا، ثمَّ قَسَمَ، وإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيَبَ أقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَسَمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد رواه البخاري في كتاب \"النكاح\"، باب (إذا تزوج البكر على الثيب) (٥٢١٤)، ومسلم (١٤٦١) من طريق أبي قلابة، عن أنس - ﵁ - به.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من السنة) هذا اللفظ يقتضي أن الحديث مرفوع إلى النبي - ﷺ - فهو في حكم قال رسول الله - ﷺ - كذا، وجعله بعضهم موقوفًا، وهذا ليس بشيء، ومستندهم أن اسم السنّة متردد بين سنة الرسول - ﷺ - وسنة غيره، كما قال رسول الله - ﷺ -: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين … \" (^١). ولكن احتمال سنة النبي - ﷺ - أظهر لأمرين:\n١ - أن إسناد ذلك إلى سنة النبي - ﷺ - هو المتبادر إلى الفهم، فكان الحمل عليه أولى.\n٢ - أن سنة النبي - ﷺ - أصل، وسنة الخلفاء الراشدين تبع لسنته،\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٤٠)، وأحمد (٢٨/ ٣٦٧) وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده. انظر: \"جامع العلوم والحكم\"، لابن رجب حديث (٢٨).","vol":"7","page":466},{"text":"والصحابي يقصد بهذا اللفظ نقل الشريعة، فكان إسناد ذلك إلى الأصل أولى من إسناده إلى التابع، والله أعلم (^١).\nولذا قال أبو قلابة راويه عن أنس -على ما في البخاري-: (لو شئت لقلت: إن أنسًا رفعه إلى النبي - ﷺ -) ومعناه: أن هذه اللفظة وهي قوله: (من السنة) صريحة في رفعه، فلو شئت أن أقولها بناء على الرواية بالمعنى لقلتها، ولو قلتها لكنت صادقًا، إلا أن المحافظة على قول أنس أولى، وقد روى هذا الحديث عن أنس جماعة، وقالوا فيه: قال رسول الله - ﷺ - (^٢). لكن فيه فرق بين (من السنة كذا) وبين رفعه؛ لأن قوله: إنه رفعه، نص في رفعه، وقوله: (من السنة) يقتضي أن يكون مرفوعًا بطريق اجتهادي محتمل.\n\nقوله: (البكر والثيب) تقدم معناهما عند الحديث (٩٨٧).\n\nقوله: (سبعًا) أي: سبع ليال؛ لأن عماد القسم هو الليل، ويدخل فيها الأيام، وقد ورد في رواية: (سبعة أيام) وقاعدة تأنيث العدد وتذكيره إنما هي إذا ذكر المعدود، أما عند حذفه فيجوز الأمران مطلقًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وتقدم -في الصيام- حديث: \"من صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوال\" أي: ستة أيام (^٣).\n\nقوله: (ثم قسم) أي: دار على نسائه ليلة ليلة، أو أكثر حسب الاتفاق.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على إيثار الزوجة الجديدة على الأولى، فإن كانت بكرًا أقام عندها سبعًا، وإن كانت ثيبًا أقام عندها ثلاثًا؛ لأن هذا حق لها بسبب الزفاف، وهذا من المعروف الذي أمر الله تعالى به في قوله سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وما دل عليه الحديث من أن للبكر\n_________\n(^١) \"النكت على ابن الصلاح\" لابن حجر (٢/ ٥٢٥).\n(^٢) \"سنن الدارمي\" (٢/ ١٤٤)، \"سنن الدارقطني\" (٣/ ٢٨٣)، \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٠١).\n(^٣) انظر: \"تفسير البحر المحيط\" (٢/ ٢٣٣).","vol":"7","page":467},{"text":"سبع ليال، وللثيب ثلاث ليال، هو مذهب الجمهور (^١).\nوهذه التفرقة بين البكر والثيب؛ لأن البكر بحاجة إلى من يؤنسها ويزيل وحشتها وخجلها لكونها حديثة عهد بالزواج، بخلاف الثيب فهي أقل حاجة من ذلك، ولأن رغبة الرجل في البكر أكثر من رغبته في الثيب، فأعطاه الشارع هذه المدة حتى تطيب نفسه ويشبع رغبته (^٢).\nوالقول الثاني: للحنفية، وهو أنه لا فضل للجديدة في القسم (^٣)، فإن أقام عندها قضاه للباقيات، لوجوب العدل بين الزوجات، وهذا قد فضلها بمدة فوجب قضاؤها، كما لو أقام عند الثيب سبعًا، ولأن سبب وجوب التسوية اجتماعهما في نكاحه، وقد تحقق ذلك بنفس العقد، والقديمة أولى بالتفضيل؛ لأن الوحشة في جانبها أكثر حيث أدخل عليها غيرها.\nوالقول الثالث: أن للبكر ثلاثًا، وللثيب ليلتين، وبه قال سعيد بن المسيب والأوزاعي وجماعة (^٤)، لحديث عائشة -﵄-، عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"البكر إذا نكحها رجل وله نساء، لها ثلاث ليال، وللثيب ليلتان\" (^٥).\nوالصواب هو القول الأول، لقوة دليله وما تبعه من تعليل، وأما تعليل الحنفية فهو في مقابلة نص فلا يلتفت إليه، وأما حديث عائشة - ﵂ - فهو ضعيف جدًّا، كما قال الحافظ (^٦)؛ لأن في سنده محمد بن عمر الواقدي، قال عنه في \"التقريب\": (متروك مع سعة علمه).\n\n° الوجه الرابع: الحديث عام في أن الثلاث للثيب، لكن خُصَّ منه ما إذا أرادت أن يكمل لها السبع، فإذا أجابها سقط حقها من الثلاث، وقضى السبع لغيرها، بدليل الحديث الذي بعد هذا.\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الزوج لا يستأنف القسم إلا\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٠/ ٢٥٦).\n(^٢) \"الشرح الممتع\" (١٢/ ٤٢٨).\n(^٣) \"الهداية\" (١/ ٢٢٢).\n(^٤) \"المغني\" (١٠/ ٢٥٦).\n(^٥) رواه الدارقطني (٣/ ٢٨٤) وسنده ضعيف.\n(^٦) \"فتح الباري\" (٩/ ٣١٥).","vol":"7","page":468},{"text":"بعد تمام السبع للبكر والثلاث للثيب، ولا يقضي هذه المدة للباقيات؛ لأن قوله: (للبكر ..) يدل على أن الإقامة حق للمرأة إن شاءت طلبته، وإن شاءت تركته.\n\n° الوجه السادس: المراد بإيثار المقام عند الزوجة الجديدة ما كان متعارفًا عليه، أما المبيت فلا خلاف في دخوله في الإقامة، وأما النهار فالإنسان مطالب بوظائفه الدينية والدنيوية، وما زاد على هذا فهي أحق به من غيرها، والعرف له أثر في مثل هذه الأمور، ومَنْ عمله في الليل وراحته في النهار؛ كالحراس وبعض الجنود ونحوهم، فهذا تكون إقامته بالنهار، ويكون الليل في حقه كالنهار في حق غيره.\nوقد نص أهل العلم على أنه لا يجوز للزوج أن يدخل ليلًا على الضرة في زمن من لها النوبة إلا لضرورة، وأما دخوله في النهار فيجوز للحاجة؛ كدفع نفقة أو عيادة أو إيقاظ أولاد أو تعليمهم، أو نحو ذلك، فيلا فإن الأصل أن النهار تبع الليل، ودخوله في النهار على غير صاحبة النوبة خلاف العدل المأمور به شرعًا (^١)، وسيأتي لهذا مزيد إيضاح إن شاء الله.\n\n° الوجه السابع: ظاهر الحديث وجوب موالاة السبع والثلاث؛ لأن الحكمة في مشروعية هذه المدة لا تتحقق إلا بالموالاة ولا سيما في حق البكر، ولو فرق وجب الاستئناف ما لم يتخذ ذلك حيلة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" (١٠/ ٢٤٤).","vol":"7","page":469},{"text":"<span data-type='title' id=toc-887>تخيير الثيب في الإقامة عندها بين الثلاث والسبع</span>\n١٠٦٤/ ٤ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - أن النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا تَزَوّجَهَا أقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَال: \"إنَّهُ لَيسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إنْ شِئْتِ سَبّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبّعْتُ لِنِسَائِي\" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد رواه مسلم في كتاب \"الرضاع\"، باب (قدر ما تستحق البكر والثيب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف) (١٤٦٢) (٤١) من طريق يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن محمد بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن أم سلمة -﵂-، به.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إنه) هذا ضمير الأمر والشأن.\n\nقوله: (ليس بك) أي: لا يتعلق بك، ولا يقع بك.\n\nقوله: (على أهلك هوان) المراد بأهلها: زوجها رسول الله - ﷺ -؛ لأن كل واحد من الزوجين أهل لصاحبه، والهوان: النقص والاحتقار، والمعنى: لا يلحقك عندي هوان ولا يضيع من حقك شيء، بل تأخذينه كاملًا، ثم بين - ﷺ - حقها وأنها مخيرة، وقيل: إن الباء في قوله: (بأهلك) للسببية، والمراد بأهلها: قبيلتها، والمعنى: لا يلحق أهلك بسببك هوان (^١).\n_________\n(^١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣٠٣).","vol":"7","page":470},{"text":"قوله: (إن شئت سبعت لك) أي: إن النبي - ﷺ - خيرها بين أن يبقى عندها سبع ليال، وإذا بقي عندها سبع ليال قضى ذلك لكل امرأة من نسائه.\nوفي رواية لمسلم: أن رسول الله - ﷺ - حين تزوج أم سلمة فدخل عليها، فأراد أن يخرج أخذت بثوبه، فقال: \"إن شئت زدتك وحاسبتك به، للبكر سبع، وللثيب ثلاث\" وهذه الرواية تفيد سبب الحديث، وأن النبي - ﷺ - قال لها ذلك لما أخذت بثوبه تستزيده من المقام عندها، فتلطف للرد عليها بهذا الكلام الحسن، وبيَّن لها الحكم في ذلك.\nوقد جاء في رواية عند مسلم -أيضًا-: \"إن شئت سبعت عندك، وإن شئت ثلثت، ثم دُرْتُ\" قلت: ثلِّثْ.\nوالثلاث فيها مزية بعدم القضاء، وفي السبع مزية لها بتواليها، وكمال الإنس فيها، فاختارت الثلاث لكونها لا تُقضى، وليقرب عوده إليها، فإنه يطوف عليهن ليلة ليلة ثم يأتيها.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على استحباب ملاطفة الأهل وبيان ما يجب لهم وما لا يجب، والتخيير فيما هو لهم، حتى لا يقع في النفوس شيء، فمن كان عنده أكثر من زوجة، بين لهن أحكام العشرة وأحكام القسم، حتى تعرف المرأة حكم الله تعالى في ذلك، ولا تتهم زوجها بأنه ظلمها وهو بريء من ذلك.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الزوج يخير الزوجة الجديدة بعد الثلاث إذا كانت ثيبًا، فإن شاءت كمل عندها سبعًا، ثم أقام عند كل واحدة من نسائه سبعًا، وسقط حقها من الثلاث؛ لأنها لما طلبت الزيادة لغى حقها من الإيثار، وهو ثلاث ليال.\nوإن شاءت اكتفت بالثلاث ولا يقضي، بل يدور على نسائه كل واحدة ليلتها فقط، ذلك لأن الحق لها كما تقدم في قوله: \"للبكر سبع، وللثيب ثلاث\" فإذا خيرها واختارت السبع سقط حقها من الثلاث.\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دليل على حسن خلق النبي - ﷺ - وملاطفته لأزواجه بالكلام الجميل، فإنه - ﷺ - مهَّد لما سيقول لها من حكم الشرع بهذا التمهيد الحسن، وهو قوله: \"ليس بك هوان على أهلك\". والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":471},{"text":"<span data-type='title' id=toc-888>جواز هبة المرأة يومها لضرتها</span>\n١٠٦٥/ ٥ - عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ. وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"النكاح\"، باب (المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها، وكيف يقسم ذلك) (٥٢١٢)، ومسلم (١٤٦٣) من طريق عروة بن الزبير، عن عائشة - ﵂ - به، وهذا لفظ البخاري.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أن سودة …) هي سودة بنت زمعة بن قيس بن لؤي العامرية، كانت تحت السكران بن عمرو بن لؤي العامري، ولما بُعث النبي - ﷺ - أسلمت هي وزوجها، وخرجا إلى الحبشة مهاجرين في الهجرة الثانية، ثم قدما مكة، فمات بها زوجها - ﵁ -، فتزوجها النبي - ﷺ - بعد موت خديجة - ﵂ - ودخل عليها في مكة وهاجرت معه، وطالت حياتها معه، وكان قد عُقد له على عائشة - ﵂ - إلا أنه لم يدخل بها إلا في المدينة، فهي بعد عائشة في العقد وقبلها في الدخول اتفاقًا، ولهذا جاء في \"صحيح مسلم\" قول عائشة - ﵂ -: (وكانت أول امرأة تزوجها بعدي) (^١)، ومعناه: عقد عليها بعد أن عقد على عائشة، توفيت بالمدينة سنة أربع وخمسين، وقيل: خمس وخمسين - ﵂ - (^٢).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٤٦٣) (٤٨).\n(^٢) \"الطبقات\" (٨/ ٥٢)، \"الاستيعاب\" (١٣/ ٥٣)، \"الإصابة\" (١٢/ ٣٢٣).","vol":"7","page":472},{"text":"قوله: (وهبت يومها لعائشة) أي: تنازلت عن نوبتها لرسول الله - ﷺ - لتكون هذه النوبة لعائشة - ﵂ - مع نوبتها الثابتة لها، ولم يبين في هذه الرواية سبب هذه الهبة، لكن جاء في رواية عند البخاري من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة - ﵂ -: (وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي - ﷺ - تبتغي بذلك رضا رسول الله - ﷺ -) (^١). وفي رواية لمسلم: (لما كبرت جعلت يومها من رسول الله - ﷺ - لعائشة …). وعند أبي داود من حديث عائشة الآتي: (كان رسول الله - ﷺ - لا يفضل بعضنا على بعض في القسم … وفيه: ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنَّت وفَرِقَتْ أن يفارقها رسول الله - ﷺ -: يا رسول الله، يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول الله - ﷺ - منها، قالت: نقول في ذلك أنزل الله تعالى وفي أشباهها أُراه قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨]) (^٢).\nوهذا فيه بيان سبب الهبة وأنها - ﵂ - خافت لما كبر سنها أن يفارقها رسول الله - ﷺ - فوهبت يومها لعائشة على أن تبقى معه، وتبقى مع نسائه يوم القيامة، كما جاء في رواية ابن سعد (^٣).\nلكن اعتبار قصة سودة هي سبب نزول الآية فيه نظر، فإنه مخالف لحديث عائشة - ﵂ - الآتي الذي يفيد العموم، ثم إن الحديث من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة -كما سيأتي- وقد تفرد بذلك من بين أصحاب هشام (^٤).\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على جواز تنازل المرأة عن حقها في القسم وهبة نوبتها لضرتها إذا رضي الزوج بذلك؛ لأن له حقًّا في الزوجة، وليس لها أن تسقط حقه منها إلا برضاه، وهذا أمر مجمع عليه (^٥)؛ لأن سودة - ﵂ - وهبت قسمها لعائشة -﵂-، فقبل النبي - ﷺ - ذلك، فكان يقسم لعائشة يومين، يومها، ويوم سودة الذي وهبته لها، واختارت سودةُ عائشةَ - ﵂ - لأنها\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٢٥٩٣).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (٢١٣٥).\n(^٣) \"الطبقات\" (٨/ ٥٤).\n(^٤) \"نيل الأوطار\" (٦/ ٢٤٦ - ٢٤٧).\n(^٥) انظر: \"المحرر في أسباب النزول\" (١/ ٤٤٩).","vol":"7","page":473},{"text":"أحب نسائه إليه، فأرادت أن تهبه لمن يحب ﵊، وهذا من فقهها وشفقتها على الرسول - ﷺ -، أما كونه من فقهها فلأن الرسول - ﷺ - لو طلقها لم تبق من أمهات المؤمنين، ولم تكن زوجة له في الآخرة، كما تقدمت الإشارة إليه في رواية ابن سعد، وأما كونه شفقة على رسول الله - ﷺ - فلأنها وهبته لأحب نسائه إليه (^١).\nوإذا كانت ليلة الواهبة تلي ليلة الموهوبة والى الزوج بينهما، وإن كانت لا تليها لم يجز الموالاة بينهما إلا برضى الباقيات، فتبقى ليلة الواهبة للموهوبة في موضعها؛ لأن في تقديمها تأخيرًا لحق غيرها، وتغييرًا لليلتها بغير رضاها، فلم يجز، وهذا هو الراجح (^٢).\nوإذا رجعت الواهبة في هبتها جاز، وقسم لها زوجها قسمًا مستقبلًا، ولا يقضي ما مضى؛ لأنها بمنزلة الهبة المقبوضة، وإنما جاز لها الرجوع في المستقبل مع أنها هبة؛ لأن الهبة هنا لم تقبض، فإن الأيام تتجدد يومًا بعد يوم، فلها أن ترجع فيما يستقبل.\nويرى ابن القيم أن المسألة إذا كانت صلحًا فإنه لا تملك الرجوع، وذلك بأن تقول له: أنا أتفق معك على هبة يومي لفلانة وتبقيني في حبالك، فوافق على هذا الصلح؛ لأن الله تعالى سماه صلحًا، فقال سبحانه: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَينَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨] فيلزم كما يلزم الصلح، وإلا لم يكن فيه فائدة، ثم إن عودتها بما وهبت قد يكون من أسباب المعاداة بين الزوجات، والشريعة منزهة عن ذلك.\nوما قاله ابن القيم وجيه في نظري، فإن الهبة تلزم ولو لم تقبض على القول الراجح الذي سلف في باب (الهبة)؛ لأن الرجوع فيها من باب إخلاف الوعد، وهو محرم شرعًا؛ لأنه من علامات النفاق، ولو أخبر الزوج الواهبة\n_________\n(^١) انظر: \"الشرح الممتع\" (١٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦).\n(^٢) \"المغني\" (١٠/ ٢٥٠).","vol":"7","page":474},{"text":"حال الهبة أنه لا رجوع لها لكان وجيهًا؛ لأن هذا قد يخفى على النساء (^١).\n\n° الوجه الرابع: يجوز للمرأة أن تهب قسمها للزوج، فيتصرف فيه كما يشاء، وله أن يجعله لمن شاء من زوجاته؛ لأنه لا ضرر على الباقيات في ذلك، إن شاء جعله للجميع، وإن شاء خص به واحدة منهن، وكونه للجميع أقرب إلى العدل وأبعد عن الميل، فإذا كن أربعًا ووهبت الرابعة يومها لزوجها قسم لثلاث، وكذا لو خيرهن بين كون قسم الواهبة للجميع وبين القرعة فمن قرعت صارت ليلة الواهبة لها (^٢).\nوقد استدل العلماء على جواز مصالحة المرأة لزوجها إذا خافت منه أن يطلقها بما تراضيا عليه من إسقاط قسم أو نفقة أو غير ذلك؛ بقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَينَهُمَا صُلْحًا﴾. وقد جاء في \"الصحيحين\" عن عائشة - ﵂ - في قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ قالت: (الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حِلٍّ، فنزلت هذه الآية في ذلك) (^٣).\nومعنى: ﴿نُشُوزًا﴾ أي: ترفعًا عند أداء حقوقها.\nومعنى: ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ أي: صدودًا عنها فلا يقوم بحقوقها، وهو معنى قولها: (ليس بمستكثر منها) أي: في المحبة والمعاشرة والملازمة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٠/ ٢٥١)، (٥/ ١٥٢ - ١٥٣).\n(^٢) \"المغني\" (١٠/ ٤٣٦)، \"الشرح الممتع\" (١٢/ ٤٣٦).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٤٦٠١)، \"صحيح مسلم\" (٣٠٢١).","vol":"7","page":475},{"text":"<span data-type='title' id=toc-889>جواز الدخول على غير صاحبة النوبة إذا كان يعامل نساءه كذلك</span>\n١٠٦٦/ ٦ - عَنْ عُرْوَةَ - ﵁ - قَال: قَالتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: يَا ابْنَ أُخْتي كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لا يُفَضِّل بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَسْمِ مِن مُكْثِهِ عِنْدَنَا، وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَينَا جَمِيعًا فَيَدْنُوَ مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيرِ مَسِيسٍ، حَتى يَبْلُغَ الَّتي هُوَ يَوْمُهَا، فَيَبِيتُ عِنْدَهَا، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ. وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ.\n١٠٦٧/ ٧ - ولمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ دارَ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يَدْنُو مِنْهُنَّ. الْحَدِيثَ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما الحديث الأول: فقد أخرجه أحمد (٤١/ ٢٨٣)، وأبو داود في كتاب \"النكاح\"، بابٌ (في القسم بين النساء) (٢١٣٥)، والحاكم (٢/ ١٨٦) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قالت عائشة - ﵂ -: … فذكرت الحديث. وفي تمامه: (ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفَرِقَتْ أن يفارقها رسول الله …) الحديث، وتقدمت هذه الزيادة قريبًا.\nوهذا لفظ أبي داود، ولفظ أحمد: (كان رسول الله - ﷺ - ما من يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا امرأة امرأة، فيدنو ويلمس من غير مسيس، حتى يُفضي إلى التي هو يومها فيبيت عندها).","vol":"7","page":476},{"text":"وهذا الحديث سنده حسن، عبد الرحمن بن أبي الزناد متكلم فيه، فقد ضعفه جماعة؛ كابن معين وأحمد والنسائي، ووثقه آخرون كالترمذي والعجلي، وصحح الترمذي له أحاديث (^١)، وهذا الحديث من روايته عن هشام، وهو ثبت في هشام، قال ابن معين: أثبت الناس في هشام بن عروة: عبد الرحمن بن أبي الزناد، لكنه خالف الثقات من أصحاب هشام بن عروة في ذكره قصة سودة سببًا لنزول آية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ وقد سبق ذكر هذا.\nوأما الحديث الثاني: فقد أخرجه مسلم في كتاب \"الطلاق\"، باب (وجوب الكفارة على من حَرَّمَ امرأته ولم ينو الطلاق) (١٤٧٤) (٢١) من طريق أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ - قالت: كان رسول الله - ﷺ - يحب الحلوى والعسل، فكان إذا صلى العصر … الحديث بتمامه، وهو حديث طويل.\nورواه البخاري (٥٢٦٨) من طريق علي بن مُسْهِرٍ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة -﵂-، ولفظ الكتاب هو لفظ مسلم.\nولعل الحافظ ذَهَلَ عن كونه عند البخاري، وإلا فعلى منهجه كان حقه أن يقول: متفق عليه، واللفظ لمسلم، وذَكَرَ هذه الرواية؛ لأن فيها تحديد الوقت، فهي مفسرة لما قبلها.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (يا ابن أختي) تريد عروة بن الزبير، وأمه أسماء أخت عائشة -﵂-، ولهذا ذكر الحافظ اسم التابعي ليتضح المراد من قولها: (يا ابن أختي).\nقولها: (من مكثه عندنا) أي: جلوسه عند زوجاته في منازلهن.\nقولها: (وكان قلَّ يومٌ) بالرفع فاعل (قلَّ) لأن هذا فعل جامد يرفع\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٥٥).","vol":"7","page":477},{"text":"فاعلًا، فإن اتصلت به (ما) فهي إما مصدرية، والمصدر المؤول فاعل، أو كافة، ولا فاعل له، نحو: قَلَّمَا يتخلف الطالب المجد.\nقولها: (يطوف علينا) أي: يدور علينا في بيوتنا.\nقولها: (من غير مسيس) المراد بالمسيس: الجماع، والمعنى: أنه يدنو من كل زوجة من زوجاته فيقبلها أو يلمسها دون أن يجامعها، وقد دل على هذا المعنى رواية أحمد المتقدمة: (فيدنو ويلمس من غير مسيس).\n\nقوله: (إذا صلى العصر) وقع في رواية حماد بن سلمة، عن هشام (الفجر) أخرجه عبد بن حميد في \"تفسيره\"، وحكم الحافظ عليها بانها شاذ\" (^١).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الزوج يحرص على العدل بين زوجاته وألا يفضل بعضهن على، بعض لا في المبيت ولا في غيره، وتقدم الكلام في هذا.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على حسن عشرته - ﷺ - وعنايته بأزواجه، فقد كان يدور عليهن كل عصر يتفقد أحوالهن وينظر في مطالبهن، ونحو ذلك، مما يدل على حسن العشرة، لا سيما أنه لو لم يأتيهن كل يوم لطالت عليهن غيبته لتعددهن.\nوقد جاء في حديث أنس - ﵁ - أنهن كن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها (^٢). وهذا يدل على حسن عشرتهن ومحبتهن للخير، فإن الاجتماع به - ﷺ - فيه الاستفادة من نصائحه وتوجيهاته، ولعله كان بتوجيه منه - ﷺ -، ولا ريب أن هذا مما يؤلف القلوب، ويزيل الوحشة، فإن اجتماعهن عند صاحبة الليلة يكسبهن تعارفًا وتواصلًا وتآلفًا.\n\n° الوجه الخامس: لم يرد ما يدل على تخصيص هذا بالنبي - ﷺ -، بل فيه دليل على أنه يجوز للرجل أن يدخل على المرأة في غير نوبتها إذا كان يعامل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٧٩).\n(^٢) رواه مسلم (١٤٦٢).","vol":"7","page":478},{"text":"جميع زوجاته كذلك، وله إذا دخل عليهن أن يقبل أو يلمس أو يداعب بدون جماع؛ لأن الجماع حق لصاحبة النوبة، وهذا من حسن العشرة ومن العدل بين الزوجات.\nوالمشهور من المذهب أنه ليس للزوج أن يدخل في ليلة المرأة إلى بيت ضرتها إلا لحاجة داعية، كما تقدم (^١). وذكر الشيخ عبد الرحمن السعدي أن الصواب في هذا الرجوع إلى عادة الوقت وعرف الناس، وإذا كان دخوله على الأخرى ليلًا أو نهارًا لا يعده الناس جورًا ولا ظلمًا، فالرجوع إلى العادة أصل كبير في كثير من الأمور، خصوصًا في المسائل التي لا دليل عليها، وهذه من هذا الباب (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الإنصاف\" (٨/ ٣٦٧).\n(^٢) \"الفتاوى السعدية\" ص (٥٠٤).","vol":"7","page":479},{"text":"<span data-type='title' id=toc-890>مشروعية القسم في حال المرض</span>\n١٠٦٨/ ٨ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَسْأَلُ في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: \"أَينَ أَنَا غَدًا؟ \" يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيتِ عَائِشَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"النكاح\"، بابٌ (إذا استأذن الرجل نساءه في أن يُمَرَّضَ في بيت بعضهن فأذنَّ له) (٥٢١٧)، ومسلم (٢٤٤٣) من طريق هشام بن عروة، أخبرني أبي، عن عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - كان يسأل في مرضه الذي مات فيه … وتمامه: فكان في بيت عائشة حتى مات عندها، قالت عائشة: (فمات في اليوم الذي كان يدور عليَّ فيه في بيتي، فقبضه الله وإن رأسه لبين نَحْرِي وسَحْرِي، وخالط ريقه ريقي) وهذا لفظ البخاري.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: \"أين أنا غدًا\" الذي في البخاري: \"أين أنا غدًا؛ أين أنا غدًا\"؟. وعند مسلم: \"أين أنا اليوم؛ أين أنا غدًا\"؟\n\nقوله: (يريد يوم عائشة) في مسلم: (استبطاءً ليوم عائشة). قال الطيبي: (كان الاستفهام استئذانًا منهن لأن يأذنَّ له أن يكون عند عائشة، يدل له قوله: \"فَأذِنَّ له\") (^١).\n_________\n(^١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٠١).","vol":"7","page":480},{"text":"قوله: (فأذن له أزواجه) أي: بعد أن استأذنهن، كما في رواية أبي داود الآتية، وعند ابن سعد من طريق الزهري: استأذن نساءه أن يكون في بيت عائشة، ويقال: إنما قالت ذلك لهن فاطمة، فقالت: إنه يشق على رسول الله - ﷺ - الاختلاف (^١)، ولا منافاة بينهما؛ لأنه يمكن الجمع بأن النبي - ﷺ - استأذن واستأذنت له فاطمة - ﵂ -.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن المريض يقسم بين نسائه، وأن المرض ليس عذرًا في ترك القسم؛ لأن الغرض منه المبيت والعشرة وليس الجماع فقط، ولأن النبي - ﷺ - مرض وأشتد مرضه ومع ذلك كان يقسم حتى إنه كان ينسى صاحبة النوبة، ويقول: \"أين أنا غدًا؛ أين أنا غدًا\" كما تقدم في رواية البخاري، ومعلوم أن المرض يشغل الإنسان، ويضعف الذاكرة، ثم استأذن أزواجه أن يكون عند عائشة فأذنَّ له، وقد جاء عند أبي داود وأحمد من حديث عائشة - ﵂ -: \"إني قد اشتكيت، وإني لا أستطيع أن أدور بينكن، فائذنَّ لي فلأكنْ عند عائشة\" (^٢).\nفإذا ثقل المريض وعجز عن الطواف على نسائه فظاهر ترجمة البخاري أن الرجل يستأذن نساءه في أن يُمَرَّضَ في بيت إحداهن، فإن أذن وإلا أقرع بينهن، فمن قَرَعَتْ استقر عندها؛ لأن القرعة من باب العدل، وبها تطيب النفوس؛ لأن اختيار واحدة منهن قد يثير شيئًا في أنفس الباقيات، وهذا كله من كمال الشريعة، ومن حسن العشرة التي شرع الله جل وعلا. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الطبقات\" (٢/ ٢٣١ - ٢٣٢)، قال الحافظ في \"فتح الباري\" (٨/ ١٤١): (إسناده صحيح) وهذا من مراسيل الزهري، ثم إنه لم يجزم بذلك بل قال: (ويقال: …).\n(^٢) \"السنن\" (٢٦٣٧)، \"المسند\" (٤٣/ ٣٤) وسنده حسن.","vol":"7","page":481},{"text":"<span data-type='title' id=toc-891>القرعة بين النساء عند السفر بإحداهن</span>\n١٠٦٩/ ٩ - وَعَنْهَا قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَينَ نِسَائِهِ، فَأَيّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ. مُتَّفَّقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع كثيرة، وأولها في كتاب \"الهبة\"، باب (هبة المرأة لغير زوجها) (٢٥٩٣)، وفي كتاب \"التفسير\"، باب ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ (٤٧٥٠)، ومسلم (٢٧٧٠) من طريق الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص الليثي، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة زوج النبي - ﷺ - … فذكرته، وهو جزء من حديثها الطويل في حادثة الإفك.\nوأخرجه البخاري (٥٢١١) من طريق ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة -﵂-، أن النبي - ﷺ - كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لعائشة وحفصة .. الحديث.\n\n° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن الرجل إذا أراد السفر بإحدى نسائه أنه يقرع بينهن، فمن خرجت لها القرعة سافر بها، ولأن السفر ببعضهن من غير قرعة فيه تفضيل وميل، وهذا لا يجوز.\nأما بالنسبة للنبي - ﷺ - فمن قال: بوجوب القسم عليه فالأمر واضح، ومن قال: إن القسم ليس واجبًا عليه، قال: إن هذه القرعة من مكارم أخلاقه، ولطف شمائله، وحسن معاملته.","vol":"7","page":482},{"text":"والقول بوجوب القرعة هو قول أكثر العلماء، ومنهم الشافعية والحنابلة، وأحد الأقوال عن مالك، وذهب مالك في رواية عنه إلى أن له السفر بمن شاء منهن بلا قرعة؛ لأنها قد تكون أنفع له في سفره والأخرى أنفع له في بيته وماله (^١).\nوالصواب هو القول الأول، لقوة دليله، وهو أن الزوج إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فمن خرجت لها القرعة تعين تقديمها، ولو أراد السفر بغيرها لم يجز، وإن وهبت حقها لغيرها جاز إذا رضي الزوج؛ لأن الحق لها، فصحت هبتها له، كما لو وهبت ليلتها في الحضر، ولا يجوز بغير رضا الزوج، كما تقدم في هبة الليلة.\nوإن رضين بخروج إحداهن معه بلا قرعة فلا بأس؛ لأن الحق لهن، إلا أن لا يرضى الزوج، ويريد غير من اتفقن عليها، فيصار إلى القرعة، وكذا لو كان كثير الأسفار، وأراد أن يجعل لكل واحدة سَفْرَةً فإنه يجوز؛ لأن هذا حق متميز لا خفاء فيه.\nوالقرعة غير موجبة، بمعنى أنه لو أقرع بينهن وخرجت القرعة لواحدة منهن لم يجب عليه السفر بها، بل له تركها والسفر وحده.\nوإذا سافر بإحدى نسائه لم يلزمه القضاء للحاضرات بعد قدومه، بل يبدأ قسمًا جديدًا، وقد نقل القاضي عياض الإجماع على ذلك (^٢)؛ لأن عائشة - ﵂ - لم تذكر أن الرسول - ﷺ - كان يقضي للباقيات بعد قدومه، ولأن هذه التي سافر بها وإن حظيت بصحبة الزوج، فقد تعبت لمشقة السفر، ولا يحصل لها من الراحة مثل ما يحصل في الحضر، فلو قضى للحاضرات لكان قد مال على المسافرة كل الميل (^٣).\n\n° الوجه الثالث: هذا الحديث من أدلة القائلين بمشروعية القرعة لتمييز\n_________\n(^١) \"إكمال المُعْلِم\" (٨/ ٢٦٧)، \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٣٤٣).\n(^٢) \"إكمال المُعْلِم\" (٦/ ٢٨٧).\n(^٣) \"المغني\" (١٠/ ٢٥٣).","vol":"7","page":483},{"text":"الحقوق (^١)، والقرعة: بضم العين وإسكان الراء: استهام يتعين به نصيب الإنسان (^٢)، ولها طرق كثيرة، والقول بمشروعيتها هو قول الجمهور من أهل العلم، لدلالة الكتاب والسنة على ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤١] أي: فقارع فكان من المغلوبين، والاستدلال بهاتين الآيتين مبني على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه (^٣).\nوثبتت مشروعية القرعة في السنة في أحاديث كثيرة، وقد بوب البخاري في كتاب \"الشهادات\"، باب (القرعة في المشكلات) وساق في الباب عدة أحاديث إضافة إلى الآيتين السابقتين (^٤). ومنها حديث الباب، وحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا\" (^٥).\nوفعلها الصحابة - ﵃ - فقد قال البخاري في \"صحيحه\": (ويذكر أن أقومًا اختلفوا في الأذان فأقرع بينهم سعد) (^٦)، وسيأتي للقرعة ذكر في باب \"الدعاوى والبينات\" ثم في \"العتق\" إن شاء الله، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تكلم ابن القيم عن القرعة في \"الطرق الحكمية\" ص (٢٩٤).\n(^٢) \"معجم لغة الفقهاء\" ص (٣٦١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٩٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٩٢).\n(^٥) أخرجه البخاري (٦١٥)، ومسلم (٤٣٧).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٢/ ٩٦).","vol":"7","page":484},{"text":"<span data-type='title' id=toc-892>النهي عن المبالغة في ضرب الزوجة</span>\n١٠٧٠/ ١٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَجْلِدْ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عبد الله بن زمعة بن الأسود بن عبد المطلب القرشي الأسدي - ﵁ -، أمه أخت أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، كان من أشراف قريش، وكان يسكن المدينة، وليس له في البخاري سوى حديث واحد، وهو هذا الحديث، مات سنة خمس وثلاثين - ﵁ - (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد رواه البخاري في كتاب \"النكاح\"، باب (ما يكره من ضرب النساء) (٥٢٠٤) من طريق سفيان، عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة، عن النبي - ﷺ -، قال: … وذكر الحديث، وتمامه: \"ثم يجامعها آخر اليوم\".\nورواه مسلم (٢٨٥٥) من طريق ابن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة، قال: خطب رسول الله - ﷺ - فذكر الناقة وذكر الذي عقرها … وفيه: ثم ذكر النساء، فوعظ فيهن، ثم قال: \"إلام يجلد أحدكم امرأته جلد الأمة -وفي رواية: جلد العبد- ولعله يجامعها من آخر يومه … \" الحديث.\nوعلى هذا فالحديث متفق عليه، إلا أنه عند البخاري بصيغة النهي أو النفي.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٨/ ٢٠٣)، \"الإصابة\" (٨/ ٨٩).","vol":"7","page":485},{"text":"° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا يجلد) بصيغة النهي، فالدال ساكنة للجزم، ويجوز الرفع على النفي، وقد جاء مضبوطًا بهما في النسخ المعتمدة (^١)، والجلد: مصدر جلد من باب (ضرب)، وهو الضرب بالسوط، واشتقاقه من جلد الحيوان: وهو غشاء جسمه.\n\nقوله: (جلد العبد) مصدر منصوب مبين للنوع؛ أي: مثل جلد العبد، وفي رواية للبخاري: \"ضرب الفحل أو العبد\"، وفي رواية عند مسلم: \"جلد الأمة\".\n\nقوله: (ثم يجامعها آخر اليوم) الغرض من هذه الجملة التنفير عن ضرب المرأة، فإن العاقل يبعد منه أن يجمع بين هذا وذاك؛ لأن المجامعة أو المضاجعة إنما تستحسن مع ميل النفس والرغبة في المعاشرة، والمجلود غالبًا ينفر ممن جلده.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الزوج منهي أن يضرب زوجته ضربًا شديدًا كضرب الحيوانات والمماليك؛ لأن زوجته هي سكنه وأم أولاده فلا يليق أن يضربها، بل عليه أن يحسن إليها ويلطف بها ويبتعد عن ضربها مهما أمكن؛ لأن الله تعالى جعل الضرب آخر مراحل علاج النشوز، فقال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، ولأن عائشة - ﵂ - قالت: (ما ضرب رسول الله - ﷺ - شيئًا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله …) (^٢)، قال النووي: (فيه أن ضرب الزوجة والخادم والدابة وإن كان مباحًا للأدب فتركه أفضل) (^٣).\nوقال المناوي: (فيه جواز ضرب النساء والخدم للتأديب، إذ لو لم يكن\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح البخاري\" طبعة الناصر (٧/ ٣٢).\n(^٢) رواه مسلم (٢٣٢٨).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (١٥/ ٩٢).","vol":"7","page":486},{"text":"مباحًا لم تَمْدَحْ بالتنزيه عنه، لكن التنزه عنه حيث أمكن أفضل، لا سيما لأهل المروءة والكمال …) (^١).\nودل حديث الباب بمفهومه على جواز ضرب المرأة إلا أنه لا يبلغ به ضرب الحيوانات والمماليك، وقد دل على ذلك القرآن، وقد تقدم الكلام على هذا في باب (عشرة النساء)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح الشمائل\" (٢/ ١٩٦).","vol":"7","page":487},{"text":"<span data-type='title' id=toc-893>باب الخُلع</span>\nالخُلْعُ: بضم الخاء، من الخَلْعِ بفتحها، وهو النزع والإزالة، وهو مأخوذ من خلع الثوب، وهو نزعه وإزالته، يقال: خلع ثوبه خَلعًا بالفتح، وخلع امرأته خُلعًا بالضم، وضُمَّ المصدر تفرقة بين الحسي والمعنوي (^١).\nوشرعًا: فراق الزوجة على عوض منها أو من غيرها.\nوالأصل في مشروعيته الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، والخطاب في الآية لذوي السلطان من ولاة الأمور، أو الأقارب، ومعنى: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: دفعته فداء عن البقاء مع زوجها.\nوأما السّنة فأحاديث الباب.\nوالحكمة من مشروعيته: أنه من رحمة الله بعباده؛ لأن فيه تخليص الزوجة من الزوج على وجه لا رجعة له عليها إلا برضاها وعقد جديد، فإذا كانت الحال غير مستقيمة وكرهت المرأة زوجها لِخَلْقِهِ أو لخُلُقه أو دينه أو كبره أو ضعفه ونحو ذلك وخشيت ألا تؤدي حق الله تعالى في طاعته، جاز لها أن تخالعه بعوض تفتدي به نفسها منه، وقد سَمَّى الله تعالى الخلع افتداء؛ لأن المرأة تفتدي نفسها من أسر زوجها، كما يفتدي الأسير نفسه بما يبذله، والله تعالى جعل الفداء للمرأة في مقابلة ما بيد الرجل من الطلاق، فإنه لما جعل الطلاق بيد الرجل إذا أبغض المرأة، جعل الخلع بيد المرأة إذا كرهت الرجل.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٥).","vol":"7","page":488},{"text":"والخلع له ألفاظ معينة، مثل لفظ الخلع أو الفداء أو الفسخ وما أشبه ذلك، فإن وقع بلفظ الطلاق فهو طلاق.\nوالقول الثاني: أنه ليس للخلع ألفاظ معينة، بل كل ما دل على الفراق بعوض فهو خلع حتى ولو وقع بلفظ الطلاق، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.","vol":"7","page":489},{"text":"<span data-type='title' id=toc-894>أحكام الخُلْع</span>\n١٠٧١/ ١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ امْرَأةَ ثَابِتِ بْنِ قَيسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ثَابتُ بْنُ قَيسٍ مَا أَعِيبُ عَلَيهِ في خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ في الإِسْلَامِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَتَرُدِّينَ عَلَيهِ حَدِيقَتَهُ\"؟ فَقَالتْ: نَعَمْ، فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوفي روَايَةٍ لَهُ: وَأَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا.\n١٠٧٢/ ٣ - وَلأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِي، وَحَسّنَهُ: أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ، فَجعَلَ النَّبيُّ - ﷺ - عِدَّتَهَا حَيضَةً.\n١٠٧٣/ ٣ - وَفي روَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيبِ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ - ﵄ - عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ: أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيسٍ كَانَ دَمِيمًا، وَأَنَّ امْرَأَتَهُ قَالتْ: لَوْلَا مَخَافَةُ اللهِ إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ لَبَصَقْتُ في وَجْهِهِ.\n١٠٧٤/ ٤ - وَلأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبي حَثْمَةَ: وَكَانَ ذلِكَ أَوّلَ خُلْعٍ في الإِسْلَامِ.\n\n* الكلام عليها من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث ابن عباس - ﵄ - الأول: فقد رواه البخاري في كتاب \"الطلاق\"، باب (الخلع وكيف الطلاق فيه) (٥٢٧٥) حدثنا أزهر بن جميل، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ -.","vol":"7","page":490},{"text":"ورواه -أيضًا- (٥٢٧٦) من طريق خالد -وهو ابن عبد الله الطحان- عن خالد الحذاء، عن عكرمة، أن أخت عبد الله بن أُبي … بهذا، وقال: أتردين حديقته، قالت: نعم، فردتها، وأمره يطلقها.\nوأما حديثه الثاني: فقد رواه أبو داود في كتاب \"الطلاق\"، باب (الخلع) (٢٢٢٩)، والترمذي (١١٨٥) من طريق هشام بن يوسف، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ -. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب).\nوهذا الحديث رجاله ثقات، غير عمرو بن مسلم وهو الجَنَدِي -بالفتح- اليماني، فإنه متكلم فيه، والأشهر تضعيفه، فقد ضعفه أحمد وابن معين في رواية، والنسائي، وقال ابن حزم: (ليس بشيء)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^١). ووضعه الذهبي ضمن كتابه \"من تُكُلِّم فيه وهو مُوَثَّق\" وقال: (صدوق، ضعفه أحمد) (^٢)، وقال الحافظ: (صدوق له أوهام).\nثم إنه قد اختلف في إسناد هذا الحديث فروي موصولًا كما تقدم، ورواه عبد الرزاق (٦/ ٥٠٦) ومن طريقه الدارقطني (٣/ ٢٥٦) (٤/ ٤٦)، والحاكم (٢/ ٢٠٦) عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة مرسلًا. وقد ذكر أبو داود هذا المرسل عقب الموصول، وكأنه يعله به، وهذا هو الظاهر؛ لأنه قد اختلف على معمر في هذا الحديث بين عبد الرزاق وهشام، فوصله هشام، وأرسله عبد الرزاق، وقد قال الإمام أحمد: (إذا اختلف أصحاب معمر فالحديث لعبد الرزاق) (^٣). وقال ابن معين: (كان عبد الرزاق في حديث معمر أثبت من هشام بن يوسف) (^٤). وقال يعقوب بن شيبة: (عبد الرزاق متثبت في معمر جيد الإتقان) (^٥). وقول الترمذي بعد الموصول -كما تقدم - (حسن غريب) فيه إشارة إلى ذلك.\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٧/ ٢٢٩)، \"المحلى\" (١٠/ ٢٣٩)، \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٩٢).\n(^٢) ص (١٤٧).\n(^٣) \"شرح العلل\" (٢/ ٥١٦).\n(^٤) \"تاريخ الدوري\" (٢/ ٥٦٤).\n(^٥) \"شرح العلل\" (٢/ ٥١٦)، وانظر: رسالة الشيخ تركي الغميز \"الأحاديث التي أشار أبو داود في سننه إلى تعارض الوصل والإرسال فيها\" ص (٢٥٦).","vol":"7","page":491},{"text":"وأما حديث عمرو بن شعيب: فقد رواه ابن ماجه (٢٠٥٧) من طريق الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.\nوإسناده ضعيف؛ لأن فيه الحجاج بن أرطاة، وهو صدوق مدلس، وقد عنعنه، وبه أعله البوصيري (^١).\nوأما حديث سهل بن أبي حثمة: فقد رواه أحمد (٢٦/ ١٧ - ١٨) من طريق الحجاج، عن محمد بن سليمان بن أبي حثمة، عن عمه سهل بن أبي حثمة، قال: كانت حبيبة ابنة سهل تحت ثابت بن قيس … وساق الحديث إلى أن قال: فكان ذلك أول خلع في الإسلام.\nوهذا الحديث سنده ضعيف؛ لأن فيه الحجاج بن أرطاة، وهو صدوق مدلس كما تقدم، ومحمد بن سليمان بن أبي حثمة لم يذكروا في الرواة عنه غير اثنين، وهما ابن إسحاق والحجاج، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٢)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (مقبول).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (أن امرأة ثابت) هكذا أُبهم في هذه الرواية اسم امرأة ثابت، وجاء عند البخاري عن عكرمة مرسلًا أن اسمها جميلة، وهي بنت أُبي، أخت عبد الله بن أُبي بن سلول، ونقله الحافظ في \"الإصابة\" عن جماعة (^٣)، وفي بعض الطرق -كما عند أبي داود وغيره (^٤) - أنها حبيبة بنت سهل، وفي بعضها كما عند النسائي (٦/ ١٨٦ - ١٨٧) وابن ماجه مريم المغالية، وقد قيل في الجواب عن ذلك باحتمال أنهما واقعتان: في إحداهما جميلة، وفي الأخرى حبيبة، لاختلاف السياق، ولأن في بعض الطرق أصدقها حديقة، وفي بعضها حديقتين، وأما تسميتها مريم فيمكن رده للأول؛ لأن جميلة من آل عبد الله بن أُبي، وهم من بني مَغالة، نسبة إلى امرأة من الخزرج، فيكون الوهم وقع في اسمها، والذي يظهر أن التعدد فيه نظر، وعليه فلا بد من الترجيح حسب القوة.\n_________\n(^١) \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ١٣٤).\n(^٢) \"الثقات\" (٥/ ٣٧٥)، \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ١٧٧).\n(^٣) \"الإصابة\" (١٢/ ١٧٥).\n(^٤) \"السنن\" (٢٢٢٨).","vol":"7","page":492},{"text":"وهذا الخلاف لا يترتب عليه حكم، ولكن ذكرته لوروده في بعض الروايات كما مرَّ.\nوثابت بن قيس هو ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي، خطيب الأنصار، أول مشاهده أُحد، وبشره النبي - ﷺ - بالجنة في قصة شهيرة ثابتة في \"الصحيحين\"، قتل يوم اليمامة شهيدًا سنة ثنتي عشرة، - ﵁ - (^١).\n\nقوله: (ما أعيب عليه) هكذا في \"البلوغ\" بالياء من العيب، وهو لفظ النسائي (٦/ ١٦٩)، قال الحافظ: (وهو أليق بالمراد) (^٢)، والعيب هو الرداءة أو النقص التي يخلو منها الخَلْقُ السليم أو الصُّنْعُ السليم. والذي في البخاري: (ما أَعْتُبُ عليه) بضم التاء المثناة من فوق، ويجوز كسرها، من العتاب، وهو اللوم على تصرف مكروه.\n\nقوله: (في خلق) بضم أوله وثانيه، وهو صفة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بغير تكلف.\nوالمعنى: لا أريد مفارقته لسوء خلقه ولا لنقصان في دينه، ولكني أكرهه طبعًا، وقد ورد في رواية ابن ماجه: (لا أطيقه بغضًا).\n\nقوله: (ولكن أكره الكفر في الإسلام) لها معنيان:\nالأول: أنها خشيت أن يحملها بغضها له على إظهار الكفر، ليفسخ نكاحها منه، لما ورد في رواية: (إلا أني أخاف الكفر).\nالثاني: أن المراد بالكفر كفران العشير والتقصير فيما يجب له بسبب شدة البغض له، فأطلقت على النشوز وبغض الزوج وغيرهما الكفر مبالغة؛ لأن هذه التصرفات تنافي خلق الإسلام؛ أي: فأخاف على نفسي في الإسلام ما ينافي مقتضى الدين، وهذا المعنى أظهر، لقولها: (أكره) ولقولها: (في الإسلام).\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٢/ ٧٥)، \"الإصابة\" (٢/ ١٤)، \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٣٤٦)،، فتح الباري\" (٦/ ٦٢٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٩).","vol":"7","page":493},{"text":"قوله: (أتردين عليه حديقته) استفهام حقيقي يطلب به الجواب، والحديقة: البستان من النخيل كان عليه حائط أم لا، وقد جاء في رواية عند البزار من حديث عمر - ﵁ -: (وكان تزوجها على حديقة نخل) (^١) وعند أبي داود: (فإني أصدقتها حديقتين، وهما بيدها، فقال النبي - ﷺ -: \"خذهما وفارقها\" ففعل) (^٢).\n\nقوله: (اقبل الحديقة وطلقها) هذا أمر إيجاب، قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فالمراد أنه يجب على الزوج أحد الأمرين، فإذا تعذر الإمساك بمعروف لطلبها الفراق تعين عليه التسريح بإحسان. وقال الحافظ: هو أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب، والأول أظهر لما تقدم، واختاره الصنعاني (^٣)، والشوكاني (^٤)، والشيخ عبد العزيز بن باز. والحافظ لم يذكر ما يدل على صرف الأمر عن ظاهره، ولعله يرى أن الأصل بقاء الزوجية وأن الرسول - ﷺ - مرشد وناصح لا يُلزم أحدًا بما لا يلزمه. وسياق الحديث يؤيد الوجوب.\n\nقوله: (تطليقة) أي: طلقة واحدة بائنة، وليس طلاقًا رجعيًّا؛ لأنه لو لم يكن بائنًا لم يحصل به المقصود، فإنه بإمكانه أن يأخذ المال، ثم يرجع.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على مشروعية الخلع إذا وجدت أسبابه ودواعيه، وقد أجمع العلماء على ذلك، إلا بكر بن عبد الله المزني التابعي، فإنه لم يجزه، ولذا قال: لا يحل للرجل أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئًا، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئًا﴾ [النساء: ٢٠] فأُورد عليه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فادعى نسخها بآية النساء (^٥). ولعله لم يبلغه الحديث، هالا فهو قول شاذ خارج عن الإجماع، قال القرطبي: (هذا الحديث أصل في الخلع، وعليه جمهور الفقهاء) (^٦).\n_________\n(^١) \"مسند البزار\" (١/ ٤٢٢).\n(^٢) \"السنن\" (٢٢٢٨).\n(^٣) \"سبل السلام\" (٣/ ٢٩٩).\n(^٤) \"نيل الأوطار\" (٦/ ٢٧٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٥).\n(^٦) \"تفسير القرطبي\" (٣/ ١٣٩).","vol":"7","page":494},{"text":"° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن المرأة إذا كرهت الرجل وخافت ألا تقوم بحقوقه أن لها طلب الخلع، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي: فيما دفعته فداء عن البقاء مع الزوج، فإن كانت الحال مستقيمة فالخلع مكروه أو محرم، لما يلي:\n١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا﴾ فإن نَفْيَ الجناح وهو الإثم يدل على أن الخلع مع استقامة الحال يكون عليهما فيه جناح، ثم غلظ الوعيد، فقال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٨٧].\n٢ - حديث ثوبان - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأسٍ فحرام عليها رائحة الجنة\" (^١). وهو ظاهر في التحريم، للوعيد الشديد.\n٣ - أن الخلع في مثل هذه الحال إضرار بالزوجين، وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة، وهدم لبيت الزوجية، وتشتيت للأسرة إن كان لها أولاد.\nوعند الجمهور أن الخلع يقع مع استقامة الحال، قال الوزير ابن هبيرة: (اتفقوا على أنه يصح الخلع مع استقامة الحال بين الزوجين) (^٢).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وإذا جاز أخذ العوض وقع الخلع، وأجابوا عن الآية المتقدمة بأنها جرت على حكم الغالب (^٣).\nوالقول الثاني: أن الخلع في حال استقامة الحال محرم ولا يقع، فإن\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٢٢٢٦)، والترمذي (١١٨٧)، وابن ماجه (٢٠٥٥)، وأحمد (٣٧/ ٦٢، ١١٢) من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان - ﵁ - مرفوعًا. قال الترمذي: (حديث حسن)، انظر: \"عون المعبود\" (٦/ ٣٠٨)، \"الإرواء\" (٧/ ١٠٠).\n(^٢) \"الإفصاح\" (٢/ ١٤٤).\n(^٣) \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٩٤)، \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٧).","vol":"7","page":495},{"text":"أوقعه بلفظ الخلع وما أشبهه لم يقع، وإن أوقعه بلفظ الطلاق فهو طلاق، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها بعض الحنابلة (^١)، واستدلوا بالآية الكريمة، وحديث ثوبان المتقدم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الخلع الذي جاء به الكتاب والسنة أن تكون المرأة كارهة للزوج تريد فراقه فتعطيه الصداق أو بعضه فداء نفسها كما يفتدي الأسير، وأما إذا كان كل منهما مريدًا لصاحبه فهذا الخلع محدث في الإسلام) (^٢).\n\n° الوجه الخامس: ظاهر الحديث أن مجرد وجود الشقاق من قِبَلِ المرأة كاف في جواز الخلع، وأنه يجوز للرجل أخذ العوض منها إذا كرهت البقاء معه.\nوالقول الثاني: أنه لا بد أن يقع الشقاق منهما جميعًا، لقوله تعالى: ﴿إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ونسب ابن رشد هذا القول إلى داود الظاهري.\nوالقول الأول هو الصواب؛ لأن حديث ابن عباس - ﵄ - صريح فيما ذكر، وأما الآية فإن المراد فيها أن المرأة إذا لم تقم بحقوق الزوج من حسن المعاشرة والطاعة، كان ذلك مقتضيًا لبغض الزوج لها، فنسبت المخافة إليهما لذلك.\nومما يؤيد عدم اعتبار الشقاق من الجانبين أن الرسول - ﷺ - لم يستفسر ثابتًا عن كراهته لها عند إعلانها بالكراهة له، ثم إن القول بالجواز إذا وقع الشقاق من قبل المرأة هو اللائق بيسر الإسلام، فإن القول الثاني، فيه حرج على المرأة إذا كرهت الزوج ولم تستطع البقاء معه، ولم يحصل من جانبه شيء.\n_________\n(^١) \"الإنصاف\" (٨/ ٣٨٣)، \"الشرح الممتع\" (١٢/ ٤٦٠).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٣٢/ ٢٨٢)، \"المغني\" (١٠/ ٢٧٢).","vol":"7","page":496},{"text":"° الوجه السادس: في الحديث دليل على أن الخلع لا بد أن يكون على عوض، لقوله - ﷺ -: \"أتردين عليه حديقته\"، ولقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، وإذا خالعها على غير عوض فأين الفداء؟.\nوفي أخذ الزوج الفدية عدل وإنصاف؛ لأن الزوج هو الذي أعطاها المهر وبذل تكاليف الزواج وأنفق عليها، ثم هي بعد ذلك تطلب الفراق، فكان من الإنصاف أن ترد عليه ما أخذت منه؛ لأن ما فعلت منافٍ لشكر نعمة الزوج وإحسانه، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، وهو المذهب عند الحنابلة (^١).\nوالقول الثاني: يصح الخلع على غير عوض، وهو رواية في المذهب الحنبلي، اختارها الخرقي، وابن عقيل، وشيخ الإسلام ابن تيمية. وبه قال مالك (^٢)، وذلك لأن الخلع قطع للنكاح، فَصَحَّ من غير عوض كالطلاق، ولأن المقصود من الخلع -وهو تخليص الزوجة نفسها- قد حصل، فصحَّ الخلع كما لو كان بعوض، ولأن العوض حق للزوج، فإذا أسقطه باختياره فلا حرج؛ كغيره من الحقوق، وأجابوا عن الآية بأنها محمولة على الغالب، وهو أن الزوج لا يفارق زوجته إلا بعوض.\n\n° الوجه السابع: ظاهر الحديث أن الزوج يأخذ من زوجته ما أعطاها من الصداق بدون زيادة، لقوله: \"أتردين عليه حديقته\" وقد اختلف العلماء في أخذ الزيادة على ما أعطاها على أقوال ثلاثة:\nالأول: أنه يجوز أخذ الزيادة، وهذا مذهب الجمهور (^٣).\nواستدلوا بما يلي:\n١ - قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وهذا عام في القليل والكثير؛ لأن (ما) موصولة، وهي من صيغ العموم، قال مجاهد: (إذا خلعها\n_________\n(^١) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٣/ ١٤٧)، \"مغني المحتاج\" (٣/ ٢٦٧)، \"المغني\" (١٠/ ٢٨٨).\n(^٢) \"التذكرة\" ص (٢٥٠)، \"المغني\" (١٠/ ٢٨٧)، \"الاختيارات\" ص (٢٥٣).\n(^٣) \"شرح ابن بطال\" (٧/ ٤٢٢)، \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٠٤).","vol":"7","page":497},{"text":"جاز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، ثم تلا: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (^١). ونقل البخاري عن عثمان - ﵁ - معلقًا (أنه أجاز الخلع دون عِقَاصِ رأسها) وعِقَاصُ الرأس: بكسر المهملة وتخفيف القاف، وآخره صاد مهملة: جمع عَقْصَةٍ، وهو ما يربط به شعر الرأس بعد جمعه. ومعناه: أنه أجاز للرجل أن يأخذ من المرأة في الخلع من قليل أو كثير، ولا يترك لها سوى عقاص رأسها (^٢).\n٢ - أن عوض الخلع كسائر الأعواض في المعاملات، فالقدر فيه راجع إلى الرضا، فإذا دفعت المرأة زيادة فلا مانع من أخذها.\nالقول الثاني: أنه لا يجوز الخلع بأكثر مما أعطاها، وهذا قول عطاء والزهري وجماعة (^٣)، وهو رواية عن الإمام أحمد (^٤)، وعلى هذا القول لا بد أن يرد الزيادة -على ما قاله بعض الحنابلة- إن كان أخذها، واستدلوا بهذا الحديث، وفيه عند ابن ماجه من طريق قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ -: (فأمره النبي - ﷺ - أن يأخذ حديقته ولا يزداد) (^٥)، وحملوا الآية على معنى: فيما افتدت به من الذي أعطاها، لتقدم قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] فردوا آخر الآية على أولها، أو يقال: الآية عامة، ولكنها خصصت بالسنة التي صرح النبي - ﷺ - فيها بعدم الزيادة (^٦).\nوالقول الثالث: أن أخذ الزيادة مكروه ويصح الخلع، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وبه قال بعض السلف (^٧). ولعل هؤلاء يأخذون بأحاديث\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٧) قال الحافظ: (سنده صحيح).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٦ - ٣٩٧).\n(^٣) \"المغني\" (١٠/ ٢٦٩).\n(^٤) \"الإنصاف\" (٨/ ٣٩٨).\n(^٥) \"سنن ابن ماجه\" (٢٠٥٦) وإسناده صحيح، إلا أنه أُعل بأن الصواب إرساله، وله شواهد كلها مرسلة، لكن يعضد بعضها بعضًا، كما قال الحافظ. [انظر: \"الإرواء\" (٧/ ١٠٣ - ١٠٤)].\n(^٦) \"نيل الأوطار\" (٦/ ٢٨٢).\n(^٧) \"المغني\" (١٠/ ٢٧٠)، \"الإنصاف\" (٨/ ٣٩٨).","vol":"7","page":498},{"text":"الجواز، ويقولون: إن أخذ الزيادة ليس من المروءة، قال ميمون بن مهران: (من أخذ أكثر مما أعطى لم يسرح بإحسان)، وعن سعيد بن المسيب قال: (ما أحب أن يأخذ منها ما أعطاها لِيدعْ لها شيئًا) (^١).\nوالذي يظهر -والله أعلم- أن المرأة إن بذلت له الزيادة ابتداء جاز له أخذها مع الكراهة؛ لأنه ينافي المروءة، وأما إذا طلب الزيادة فالظاهر أنه يُمنع لأمرين:\nالأول: أن الزيادة ليس لها حد.\nالثاني: أن إباحة الزيادة تغري الأزواج بالعَضْلِ؛ لأن الزوج قد يحقد على المرأة لكونها طلبت منه الخلع لبغضها له، فإذا ترتب على طلب الزيادة عدم الخلع؛ لعدم قدرتها عليه، فإن القاضي يلزمه بالخلع، ويعطيه المهر الذي دفعه بدون زيادة.\n\n° الوجه الثامن: اختلف العلماء هل الخلع فسخ أو طلاق؟ وسبب الخلاف هل اقتران العوض بهذه الفرقة يخرجها من نوع فرقة الطلاق إلى نوع فرقة الفسخ أو لا يخرجها؟.\nفالقول الأول: أن الخلع يقع به طلقة بائنة؛ لأنه لو كان للزوج رجعة عليها في العدة لم يكن لدفع العوض معنى، فصار طلاقًا بائنًا، وهذا مذهب الجمهور من المالكية، والحنفية، والشافعية في المعتمد، والحنابلة في إحدى الروايتين، والمذهب خلافها (^٢)، واختاره ابن باز في شرح \"البلوغ\" ونقله عنه ابن بسام في \"نيل المآرب\" (^٣) وأنه قال عن قول ابن تيمية: إنه فسخ: (إنه من الأقوال المرجوحة) وقال: (إن حديث \"وطلقها\" صريح بأنه يحتسب من الطلاق وليس مجرد فسخ) وعلق الشيخ محمد العثيمين ترجيح القول بأنه\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (٦/ ٥٠٣) بسند صحيح. [انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٤٠٢)].\n(^٢) انظر: \"الاستذكار\" (١٧/ ١٨٤)، \"بدائع الصنائع\" (٣/ ١٤٤، ١٥١)، \"بداية المجتهد\" (٣/ ١٣٥)، \"مغني المحتاج\" (٣/ ٢٦٨)، \"المغني\" (١٠/ ٢٧٤).\n(^٣) (٣/ ٣٥٨).","vol":"7","page":499},{"text":"طلاق على صحة لفظة: \"وطلقها تطليقة\" (^١)، وممن رجح هذا القول الشيخ محمد بن إبراهيم (^٢)، والشنقيطي (^٣).\nواستدلوا بقوله - ﷺ -: \"اقبل الحديقة وطلقها تطليقة\" فالطلاق المأمور به من قبله - ﷺ - هو عوض المال، إذ لا يملك الزوج من الفراق غير الطلاق، فالعوض مدفوع له عما يملكه، ولو كان لا يقع به طلاق ما أمره النبي - ﷺ - به؛ لأنه - ﷺ - لا يأمر بالطلاق. كما استدلوا بأن المرأة بذلت العوض للفرقة، والفرقة التي يملك الزوج إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ، فوجب أن يكون الخلع طلاقًا.\nالقول الثاني: أن الخلع فسخ، لا طلاق، بشرط ألا ينوي به الطلاق ولا يوقعه بصريحه، وهذا قول الشافعي في القديم، والحنابلة في أشهر الروايتين، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (^٤)، قال ابن كثير (^٥): (وهو ظاهر الآية الكريمة)، واختاره الصنعاني (^٦)، والشوكاني (^٧)، والشيخ عبد الرحمن السعدي، وهو ظاهر اختيار ابن عثيمين (^٨).\nواستدلوا بما يلي:\n١ - قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فذكر تطليقتين والخلع، ثم ذكر تطليقة بعدهما، ولو كان الخلع طلاقًا لكان المذكور أربعًا، وهذا خلاف الإجماع، وهذا ما فهم ابن عباس - ﵄ - من الآيات، فقد أخرج عبد الرزاق بسنده عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص أنه سأل ابن عباس عن رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه أينكحها؟ قال ابن عباس: نعم،\n_________\n(^١) \"الشرح الممتع\" (١٢/ ٤٧٠).\n(^٢) \"فتاوى ابن إبراهيم\" (١٠/ ٣٠٩).\n(^٣) \"أضواء البيان\" (١/ ٢٧٤).\n(^٤) \"روضة الطالبين\" (٧/ ٣٧٥)، \"الإنصاف\" (٨/ ٣٩٢)، \"الفتاوى\" (٣٢/ ٢٨٩)، \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ١٤٤).\n(^٥) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٠٥).\n(^٦) \"المصنف\" (٦/ ١٩٦).\n(^٧) \"نيل الأوطار\" (٦/ ٢٨١).\n(^٨) \"الشرح الممتع\" (١٢/ ٤٧٠).","vol":"7","page":500},{"text":"ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع بين ذلك (^١).\n٢ - رواية أبي داود والترمذي المتقدمة: (أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه، فجعل النبي - ﷺ - عدتها حيضة).\nووجه الدلالة: أن الاعتداد بحيضة دليل على أنه فسخ؛ لأن هذا غير معتبر في الطلاق؛ إذ لو كان طلاقًا لم يكتف بحيضة للعدة، قال الخطابي: (هذا أدل شيء على أن الخلع فسخ، وليس بطلاق) (^٢).\n٣ - ما جاء في رواية البخاري: (فردت عليه، وأمره ففارقها) وفي رواية أبي داود والترمذي: (خذهما ففارقها)، وجاء في حديث حبيبة بنت سهل أن النبي - ﷺ - قال لثابت بن قيس: \"خذ منها\" فأخذ منها، وجلست في بيت أهلها. وليس فيه ذكر الطلاق (^٣).\nهذه أدلة الفريقين، وقد أجاب كل فريق عن أدلة الآخر، فمن قال: إن\nالخلع طلاق أجاب عن أدلة القائلين بأنه فسخ بما يلي:\nالأول: أما ما ورد عن ابن عباس - ﵄ - فعنه جوابان:\n١ - جواب بالمنع، وهو أنه معارض بما ورد عنه - ﷺ - من أن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فقد أخرج الطبري بسنده عن إسماعيل بن سُميع، عن أبي رزين، قال: قاُل رجل: يا رسول الله الطلاق مرتان، فأين الثالثة؟ قال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (^٤).\nقال الحافظ: والأخذ بالحديث أولى، فإنه مرسل حسن يعتضد بما أخرجه الطبري من حديث ابن عباس -بسند صحيح- قال: (إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في الثالثة، فإما أن يمسك فيحسن صحبتها، أو\n_________\n(^١) \"المصنف\" (٦/ ٤٨٧)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١١٢)، وسعيد بن منصور (١/ ٣٤٠)، وانظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٣١٦)، \"التمهيد\" (٢٣/ ٣٧٧ - ٣٧٨).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٣/ ١٤٤).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٢٢٧)، والنسائي (٦/ ١٦٩)، ومالك (٢/ ٥٦٤)، وسنده صحيح.\n(^٤) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٥٤٥).","vol":"7","page":501},{"text":"يسرحها فلا يظلمها من حقها شيئًا) (^١).\nوعلى هذا ففراق الخلع المذكور لم يُرد منه إلا بيان مشروعية الخلع عند وجود سببه، وتكون الآية قد تضمنت حكم الافتداء على أنه شيء يلحق جميع أنواع الطلاق، لا أنه شيء غير الطلاق؛ لأنه ذُكر بعد الطلقة الثالثة، وقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ إنما كرره ليرتب عليه ما يلزم بعد الثالثة الذي هو: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾.\n٢ - الجواب الثاني: بالتسليم، وهو أنه لو قلنا: إن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ لم يلزم منه عدم عدِّ الخلع طلاقًا؛ لأن الله تعالى ذكر الخلع في معرض منع الرجوع فيما يعطيه الزوج زوجته، فاستثنى منه صورة جائزة، ولا يلزم من ذلك عدم اعتبارها طلاقًا، كما هو ظاهر سياق الآية.\nالثاني: أما الاستدلال برواية العدة بحيضة، فلا ملازمة بين الفسخ والاعتداد بحيضة، ومما يوضح ذلك أن الإمام أحمد يقول -في أشهر الروايتين عنه-: إن الخلع فسخ لا طلاق، ويقول -في أشهر الروايتين عنه-: إن عدة المختلعة ثلاثة قروء كالمطلقة، فظهر عدم الملازمة عنده.\nالثالث: أما ألفاظ المفارقة الواردة في بعض الروايات فالمراد بها الطلاق في مقابلة العوض، بدليل التصريح في الرواية الأخرى بذكر التطليقة، والروايات يفسر بعضها بعضًا.\nأما القائلون بأن الخلع فسخ لا طلاق، فأجابوا عن لفظة: (وطلقها تطليقة) بأنه لا يحتج بها، لقول البخاري بعدها: (لا يُتابع فيه عن ابن عباس) أي: لا يتابع أزهر بن جميل على ذكر ابن عباس - ﵄ - في هذا الحديث؛ لأنه خالف الثقات، وهو يُغرب -كما في التقريب- ولأن الحديث مروي عن ابن عباس من طريقين بدون ذكر الطلاق، كما ذكر البخاري في \"صحيحه\" بعد\n_________\n(^١) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٥٤٢)، \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٦).","vol":"7","page":502},{"text":"ذلك. ثم إن ابن عباس من القائلين بأن الخلع فسخ، لما روى طاوس، عن ابن عباس أنه قال: (الخلع تفريق، وليس بطلاق) (^١). فيبعد أن يذهب ابن عباس إلى خلاف ما يرويه عن النبي - ﷺ -، وقد أخرج عبد الرزاق عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: (كل شيء أجازه المال فليس بطلاق) (^٢).\nوقد أجاب القائلون بأنه طلاق بأن كلمة البخاري لا تسقط الاحتجاج بالحديث؛ لأن مراده أن أزهر بن جميل لا يتابعه غيره في ذكر ابن عباس في هذا الحديث بل أرسله غيره، ومراده بذلك طريق خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، ولهذا عَقَّبَهُ برواية خالد الطحان، عن خالد، عن عكرمة مرسلًا، ثم برواية إبراهيم بن طهمان، عن خالد، عن عكرمة، عن النبي - ﷺ -: \"وطَلِّقْها\"، وعن أيوب موصولًا وفيه: (وأمره ففارقها) (^٣).\nوالذي يظهر -والله أعلم- أن الخلع فسخ وليس بطلاق؛ لقوة أدلة القائلين به، فإن رواية (وطلقها) مرسلة، وقد رواه البخاري بلفظ: (وأمره ففارقها)، والله تعالى جعل الافتداء غير الطلاق، وذلك عام سواء أكان بلفظه أم بلفظ آخر، لأن الحقائق لا تتغير بتغير الألفاظ.\nوثمرة الخلاف أنا إذا قلنا: إن الخلع طلاق فخالعها مرة حسبت عليه طلقة، فينقص بها عدد طلاقه، وإن خالعها ثلاثًا طلقت ثلاثًا، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره.\nأما على القول بأنه فسخ فإنها لا تحرم عليه ولو خالعها مرارًا بمعنى أنها لا تبين منه بينونة كبرى، بل له أن يتزوجها بعقد ومهر جديدين بشرط الرضا.\nوترجيح واحد من القولين مرجعه إلى اجتهاد القاضي الذي سيحكم بالخلع، وإن كان رأي الجمهور على أنه يصح الخلع من غير قضاء القاضي؛ لأنه عقد معاوضة كالبيع والنكاح، فلا يفتقر إلى القاضي، وكما يجوز الطلاق\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (٥/ ١١٢)، وانظر: \"التمهيد\" (٢٣/ ٣٧٧)، \"فتح الباري\" (٩/ ٤٠٣).\n(^٢) \"المصنف\" (٦/ ٤٨٧).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٤٠١).","vol":"7","page":503},{"text":"دون القاضي فكذا الخلع، لكن القول بأنه يحكم به القاضي وجيه، ولا سيما في زماننا هذا من باب الاحتياط في الحقوق والاجتهاد فيما يحتاج إلى اجتهاد.\n\n° الوجه التاسع: في الحديث دليل على جواز الخلع زمن الحيض أو في الطهر الذي واقعها فيه؛ لأن الرسول - ﷺ - لم يستفصل زوجة ثابت عن حالها، ولأن حكمة المنع من الطلاق حال الحيض الإضرار بالزوجة بتطويل العدة عليها، فإذا رضيت بذلك فقد أسقطت حقها، وهذا كله تفريع على أن الخلع طلاق، وأما على أنه فسخ فالأمر واضح.\n\n° الوجه العاشر: على القول بأن الأمر في قوله: \"اقبل الحديقة وطلقها\" للوجوب يستفاد منه جواز إلزام الزوج بالموافقة على الخلع إذا امتنع، وذلك في حالة تضررها بالبقاء معه، أوكان لخلل في عفته، وهذه المسألة يرجع فيها إلى اجتهاد القاضي ونظره، ولهذا نقل ابن مفلح أن بعض حكام الشام المقادسة الفضلاء ألزموا بالخلع (^١).\nقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (القول بوجوب الخلع أظهر عند الحاجة إليه، فإذا تمنع الزوج، ولم تمكن الموافقة بينهما والالتئام فالواجب تخليص أحدهما من الآخر، فإن كان الزوج يظن رجوعها إليه وانقيادها وأبي الخلع فإن القاضي لا يلزمه، وقد نقل ابن مفلح اختلاف كلام شيخ الإسلام في وجوبه، ولعله منزل على حسب الأحوال).\n\n° الوجه الحادي عشر: اختلف العلماء في عدة المختلعة على قولين:\nالأول: أنها كعدة المطلقة، ثلاث حيض إن كانت من ذوات الحيض وإلا فثلاثة أشهر، وإن كانت حاملًا فبوضع الحمل، وهذا قول الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة، قال الترمذي: (وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم) (^٢). واستدلوا بحديث ابن عباس - ﵄ - هذا، وفيه: (وطلقها\n_________\n(^١) \"الفروع\" (٥/ ٣٤٣).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٤/ ٣٦٤).","vol":"7","page":504},{"text":"تطليقة) قالوا: فإذا كان الخلع طلاقًا فالعدة عدة مطلقة، قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nالثاني: أنها لا تعتد وإنما تستبرئ بحيضة، فإذا حاضت واحدة انتهت عدتها، وهذا قول عثمان - ﵁ -، فقد قضى به، كما أخرجه النسائي وابن ماجه (^١). وبه قال عبد الله بن عمر - ﵄كما أخرجه أبو داود (^٢). وهو قول ابن عباس وإسحاق بن راهويه وأحمد في رواية عنه، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم (^٣). واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز.\nواستدل هؤلاء برواية أبي داود والترمذي المذكورة: (أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها، فجعل النبي - ﷺ - عدتها حيضة).\nوهذا القول هو الراجح؛ لقوة دليله؛ فإنه صريح في المراد، وليس مع من قال: تعتد كالمطلقة إلا لفظة: (وطلقها) ولم يرد أنه أمرها أن تعتد بثلاث حيض، ثم إن المختلعة تشبه الجارية المشتراة بجامع العوض في كل.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ …﴾ فلا يقتضي أن المختلعة تعتد بثلاث، ولو قلنا إن الخلع طلاق؛ لأن الله تعالى قال في آخرها: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقد تقدم أن المختلعة لا رجعة له عليها، لكن يرد على هذا أن المطلقة ثلاثًا لا رجعة عليها ومع ذلك تعتد كالمطلقة، وهنا جوابان:\nالأول: بالتسليم، فيقال: إن المطلقة ثلاثًا لا يجب عليها ثلاثة قروء، بل تستبرئ بحيضة، والآية تشملها بعمومها المذكور في صدرها. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن كان من العلماء من قال بالاستبراء فهذا له وجه قوي) (^٤).\nوقد ذكر صاحب \"الاختيارات\" (^٥): أنه نُقِلَ عن ابن اللبان الفرضي -وهو\n_________\n(^١) \"السنن\" (٦/ ١٨٦)، \"سنن ابن ماجه\" (٢٠٥٨) وسنده صحيح لشواهده.\n(^٢) \"السنن\" (٢٢٣٠) وسنده صحيح.\n(^٣) \"زاد المعاد\" (٥/ ٦٧٧).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٣٢/ ٣٤٢).\n(^٥) ص (٢٨٢).","vol":"7","page":505},{"text":"من فقهاء الشافعية- القول بذلك (^١).\nالثاني: بإيجاد الفرق، وهو أن بعض أهل العلم حكى الإجماع على أن المطلقة ثلاثًا يلزمها ثلاثة قروء، بينما المختلعة فيها خلاف حتى عن الصحابة -﵃-، وعلى هذا فلا إشكال. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ٦٧٣)، وابن اللبان هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن اللبان الفرضي الفقيه، له ترجمة في \"طبقات الشافعية الكبرى\" (٤/ ١٥٤ - ١٥٥).","vol":"7","page":506},{"text":"<span data-type='title' id=toc-895>كتاب الطلاق</span>\nالطلاق لغة: التخلية والإرسال والترك، يقال: طَلَقَتِ الناقةُ -بفتح اللام- إذا سرحت حيث شاءت، وطلقت المرأة تطلق طلاقًا فهي طالق وطالقة: إذا خليت من وثاق النكاح (^١).\nوجاء في \"شرح الفصيح\" أنه يقال: (طَلُقَتْ -بضم اللام- وهذا إن جعلت الفعل لها، فإن جعلته للزوج، قلت: طُلِّقَتْ تطليقًا، وإن شئت طلاقًا) (^٢).\nوالطلاق شرعًا: فراق الزوجة بحلِّ قيد النكاح أو بعضه بلفظ مخصوص.\nوقد ثبت تشريع الطلاق بالكتاب والسنة والإجماع.\nأما الكتاب فقد شرع الله الطلاق وبين أحكامه في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ …﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١].\nوهذا كله من رحمة الله تعالى بعباده وتفضله عليهم وإحسانه بهم؛ لأن الطلاق عند الحاجة إليه من نعم الله تعالى، كما سيأتي.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح غريب المهذب\" لابن بطال (٢/ ٩٨)، \"الدر النقي\" (٣/ ٣٧١).\n(^٢) \"شرح الفصيح\" المنسوب للزمخشري (١/ ٣٠٥).","vol":"7","page":507},{"text":"وأما السنة: فأحاديث الباب.\nوأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جواز الطلاق.\nوالحكمة من مشروعيته: إزالة الضرر والمفسدة إذا تعذر الإصلاح بين الزوجين وفسدت الحياة الزوجية؛ لأن البقاء على هذا الوجه إضرار بالزوج بإلزامه الإنفاق والسكن، وحبس للزوجة مع سوء العشرة والخصومة الدائمة، فأجازه الإسلام بعد أن ندب إلى الصبر وتحمل ما قد يحصل من الزوجة، ولا يُلجأ إليه إلَّا بعد استنفاد جميع وسائل العلاج.\nوقد ذكر العلماء أن أحكام التكليف الخمسة تأتي عليه، فيكون مباحًا إذا احتاج الزوج إليه لكراهة المرأة ونحو ذلك، ولم يستطع الصبر، مع أن الله تعالى رغب في الصبر في قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].\nويكون مستحبًا إذا احتاجت الزوجة إليه لكراهة الرجل ونحوها، ويكون حرامًا إذا كان لغير العدة؛ كالطلاق في زمن الحيض، أو كان أكثر من واحدة، ويكون واجبًا إذا آلى الزوج من زوجته ومضت المدة ولم يرجع، ويكون مكروهًا فيما عدا ذلك؛ كحال استقامة الزوجين (^١).\nقال الوزير ابن هبيرة: (أجمعوا على أن الطلاق في حال استقامة الحياة الزوجية مكروه، إلا أبا حنيفة قال: هو حرام مع استقامة الحال) (^٢).\n_________\n(^١) \"التفسير وأصوله\" (٢/ ١٥٦)، \"الشرح الممتع\" (١٣/ ٧).\n(^٢) \"الإفصاح\" (٢/ ١٤٧).","vol":"7","page":508},{"text":"<span data-type='title' id=toc-897>ما جاء في كراهة الطلاق</span>\n١٠٧٥/ ١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللهِ الطَّلَاقُ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ، وَرَجّحَ أَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالهُ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\n\nفقد رواه أبو داود في كتاب \"الطلاق\"،<span data-type='title' id=toc-896> باب </span>(في كراهة الطلاق) (٢١٧٨) من طريق محمد بن خالد الواهبي، عن معرف بن واصل، عن محارب، عن ابن عمر -﵄-، عن النبي - ﷺ - قال: \"أبغض الحلال إلى الله الطلاق\".\nورواه ابن ماجه (٢٠١٨) من طريق محمد بن خالد الوهبي، عن عبيد الله بن الوليد، عن محارب، عن عبد الله بن عمر - ﵄ - مرفوعًا.\nوهذا هو إسناد أبي داود مع إبدال معرف بن واصل بعبيد الله بن الوليد، فإما أنه وهم من بعض الرواة، أو أن لمحمد بن خالد فيه شيخين، وعلى كل فإسناد ابن ماجه ضعيف جدًّا؛ لأن عبيد الله بن الوليد ضعيف جدًّا، وخاصة في حديثه عن محارب، قال عنه الحاكم: (روى عن محارب أحاديث موضوعة) (^١)، وعلى هذا فلا يُقَوِّي رواية أبي داود الموصولة.\nورواه الحاكم (٢/ ١٩٦) من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٥٠).","vol":"7","page":509},{"text":"أحمد بن يونس، ثنا معرف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما أحل الله شيئًا أبغض إليه من الطلاق\".\nوقال: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، وقال الذهبي: (صحيح على شرط مسلم).\nوهذا فيه نظر، لأمرين:\nالأول: محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة مختلف فيه (^١)، وقد ذكره الذهبي نفسه في كتابه \"الضعفاء\" وقال: (كذبه عبد الله بن أحمد، ووثقه صالح جَزَرة) (^٢)، فكيف يصحح حديثه هنا؟!\nالثاني: الاختلاف عليه، فقد رواه أبو داود -كما سيأتي- عن أحمد بن يونس مرسلًا، ويبدو -كما يقول الألباني- أن الذهبي لم ينتبه لهذه المخالفة (^٣).\nفقد روي هذا الحديث مرسلًا، رواه أبو داود (٢١٧٧) من طريق أحمد بن يونس، عن معرف بن واصل، عن محارب، عن النبي - ﷺ -، وهذا سند رجاله ثقات إلا أنه مرسل؛ لأن محارب بن دثار تابعي.\nورواه ابن أبي شيبة (٥/ ٢٥٣) من طريق وكيع بن الجراح، والبيهقي (٧/ ٣٢٢) عن يحيى بن بكير، كلاهما عن معرف بن واصل، عن محارب، عن النبي - ﷺ - مرسلًا.\nوأحمد ويحيى ووكيع أرجح من محمَّد بن خالد الوهبي، بل وكيع وحده أرجح من محمَّد، وعليه فالمرسل أرجح، وقد رجح الإرسال أبو حاتم كما في \"العلل\" (١/ ٤٣١)، والدارقطني كما في \"العلل\" (١٣/ ٢٢٥)، والبيهقي كما في \"السنن الكبرى\"، وكذا الخطابي والمنذري (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"الميزان\" (٣/ ٦٤٢).\n(^٢) \"المغني في الضعفاء\" (٢/ ٣٤٧).\n(^٣) \"الإرواء\" (٧/ ١٠٧).\n(^٤) \"التلخيص\" (٣/ ٢٣٢)، \"معالم السنن\" (٣/ ٩٢).","vol":"7","page":510},{"text":"* الوجه الثاني: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على أن الطلاق غير محبوب لله تعالى، لما فيه من المفاسد والأضرار في حق الزوجين والأولاد، وهذا يدل على أنه ينبغي للزوج تجنب الطلاق ما أمكن.\nووصف الطلاق بالحل لا ينفي عنه الكراهة، بل إن صيغة الحديث ظاهرة في أن الطلاق مكروه لولا أن الله تعالى شرعه لمصلحة وحكمة تفوق كونه مكروهًا. وقد ذكر ابن الملقن أن الكراهة محمولة على الطلاق بدون سبب؛ لأن النبي - ﷺ - لم ينكر على ابن عمر - ﵄ - طلاقه، كما سيأتي (^١).\nوالطلاق عند الحاجة إليه نعمة كبيرة وفضل عظيم، إذ يحصل به الخلاص من العشرة المُرَّة، وفراق من لا خير في البقاء معه، إما لسوء الأخلاق، أو لضعف الدين، أو لغير ذلك مما يسبب قلق الحياة ونكد الاجتماع.\nوقد استدل بعض العلماء بقوله تعالى في آية الإيلاء: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧] على أن الطلاق غير محبوب لله تعالى؛ لأن الله تعالى قدم الفيئة، وهي رجوع المولي إلى زوجته بالجماع، قدمها على الطلاق، وختمها باسمين من أسمائه دالين على المغفرة والرحمة، إشارة إلى أنها أحب إلى الله تعالى من الطلاق الذي ختمه باسمين فيهما معنى التهديد، وهما السميع العلم (^٢).\nوالإِسلام قد شرع الطلاق في حدود معينة، وجعل له ضوابط محددة، واعتبره آخر مراحل العلاج، لو وقف الناس عندها لوقع موقعه، فكان علاجًا مأمون العاقبة، لا يورث ندمًا، ولا يعقب إثمًا (^٣). لكن من الملاحظ كثرة الطلاق، ولا سيما عند الشباب، نتيجة التسرع وعدم التعقل والنظر في عواقب الأمور، فتراهم يطلقون لأمر تافه، ويعظم الأمر إذا طلق امرأة يحبها، أو له منها أولاد يحتاجون إلى رعايتها.\n_________\n(^١) \"الإعلام\" (٨/ ٣٤١).\n(^٢) \"التفسير وأصوله\" (٢/ ١٧٥)، \"الشرح الممتع\" (١٣/ ٨).\n(^٣) \"الفرقة بين الزوجين\" ص (٢٣).","vol":"7","page":511},{"text":"والإِسلام حينما شرع الطلاق ضيق مجاريه وقتًا وعددًا، فلا يشرع إلا في طهر لم يجامع امرأته فيه، أو في حال العمل، أما في الحيض والنفاس والطهر الذي جامعها فيه؛ فهذا قد نهى الإِسلام عن الطلاق فيه، ثم إنه لا يطلق إلا واحدة، ثم إذا طلقها فإن الله تعالى نهاه أن يخرجها من بيتها، ونهاها أن تخرج، قال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] أي: بخصلة قبيحة من زنًى أو غيره، ولعل الحكمة في ذلك -والله أعلم- أن بقاءها في بيت الزوج أقرب للميل إليها، وأيسر لإرجاعها، وأصون لها (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"التفسير وأصوله\" (٢/ ١٥٧ - ١٥٨).","vol":"7","page":512},{"text":"<span data-type='title' id=toc-898>حكم الطلاق في الحيض</span>\n١٠٧٦/ ٢ - عَنْ ابْن عُمَرَ - ﵄ - أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهيَ حَائِضٌ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذلِكَ، فَقَال: \"مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمْ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَفي روَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: \"مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ ليُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا\".\nوَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ: \"وَحُسِبَتْ عَلَيهِ تَطْلِيقَةٌ\".\nوَفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِم قَال ابْنُ عُمَرَ: (أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا وَاحِدَةً أَو اثْنَتَينِ، فَإِن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَنِي أَنْ أُرَاجِعَهَا ثُمَّ أُمْسِكَهَا حَتى تَحِيضَ حَيضَةً أُخْرَى، ثُمَّ أُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ أُطَلِّقَهَا قَبْلَ أَنْ أَمَسَّهَا، وَأَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ عَصَيتَ رَبّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ).\nوَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى: قَال عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: (فَرَدَّهَا عَلَيّ وَلَمْ يَرَهَا شَيئًا)، وَقَال: \"إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ\".\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأولى: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أصحاب الكتب الستة، وأحمد، وغيرهم، بألفاظ متقاربة، من طرق مختلفة، بعضهم يسوقه مختصرًا، وبعضهم يسوقه مطولًا.","vol":"7","page":513},{"text":"فقد أخرجه البخاري في عدة مواضع، أولها في كتاب \"التفسير\" (٤٩٠٨)، ثم في أول كتاب \"الطلاق\" (٥٢٥١)، وأخرجه مسلم (١٤٧١) (١) من طريق مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر - ﵄ -.\nورواه مسلم (١٤٧١) (٥) من طريق محمَّد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن سالم، عن ابن عمر أنه طلق أمرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي - ﷺ -، فقال: \"مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا\". وذكر (الحمل) تفرد به محمَّد بن عبد الرحمن من بين الرواة عن سالم، فيظهر أنها غير محفوظة (^١).\nورواه البخاري (٥٢٥٣) من طريق أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: (حسبت عليَّ تطليقة).\nورواه مسلم (١٤٧١) (٣) من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، باللفظ الأول، وفيه: (فكان ابن عمر إذا سئل عن الرجل يطلق امرأته وهي حائض، يقول: أما أنت طلقتها واحدة أو اثنتين، إن رسول الله - ﷺ - أمره أن يراجعها، ثم يمهلها حتى تحيض … الحديث).\nأما الرواية الأخيرة فهي عند مسلم (١٤٧١) (١٤) من طريق حجاج بن محمَّد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن -مولى عَزَّةَ- يسأل ابن عمر، وأبو الزبير يسمع ذلك، كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا؟ فقال: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، فقال النبي - ﷺ -: \"ليراجعها\"، فردها، وقال: \"إذا طهرت فليطلق أو ليمسك\"، ورواه -أيضًا- من طريق أبي عاصم عن ابن جريج عن أبي الزبير، عن ابن عمر نحو هذه القصة.\nوأما قوله: (فلم يرها شيئًا) فهي ليست عند مسلم، كما تبين من السياق، وإنما هي عند أبي داود (٢١٨٥) من طريق عبد الرزاق، وأحمد (٩/ ٣٧٠) من طريق روح بن عبادة، كلاهما عن ابن جريج به.\n_________\n(^١) \"موسوعة أحكام الطهارة\" (٧/ ٤٧٨).","vol":"7","page":514},{"text":"وقد حكم الأئمة على هذه الزيادة بأنها منكرة (^١) لأمرين:\nالأول: أن مدارها على ابن جريج عن أبي الزبير، وقد خالف أبو الزبير جميع من رووا الحديث عن ابن عمر، ولم يذكروا أن النبي - ﷺ - لم يرها شيئًا، ومن هؤلاء نافع مولى ابن عمر، وسالم ابن عمر، وسعيد بن جبير، ويونس بن جبير، وأنس بن سيرين، ولو أن أبا الزبير خالف نافعًا وحده، أو سالمًا وحده لم يقبل منه، فكيف وقد خالف اثنى عشر حافظًا، كلهم لم يذكروا هذه الزيادة (^٢)؟ قال أبو داود: (الأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير). وقال الشافعي: (نافع أثبت عن ابن عمر من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يقال به إذا تخالفا، وقد وافق نافعًا غيره من أهل التثبيت في الحديث) (^٣). وقال ابن عبد البر: (أبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بخلاف من هو أثبت منه؟) (^٤). وقال الذهبي: (أبو الزبير صدوق مشهور، اعتمده مسلم، وروى له البخاري متابعة، تكلم فيه شعبة) (^٥).\nالأمر الثاني: أنه قد اختلف على ابن جريج في ذكر هذه الزيادة، فلم ترد في رواية مسلم من طريق حجاج بن محمَّد وأبي عاصم -كما تقدم- وإنما جاءت في رواية أبي داود من طريق عبد الرزاق، ورواية أحمد من طريق روح بن عبادة -كما تقدم أيضًا- ولا شك أن روايته الموافقة لرواية الجماعة في عدم ذكرها أولى أن تكون هي المحفوظة.\nواعلم أن حديث ابن عمر هذا حديث جليل، ورد بألفاظ متعددة، وطرق مختلفة، وفيه مسائل كثيرة من مسائل الطلاق وغيره، وهو جدير بأن يفرد في مصنف مستقل، قال ابن العربي: (هذا الحديث أصل في الطلاق\n_________\n(^١) انظر: \"سنن أبي داود\" (٢١٨٥)، \"التمهيد\" (١٥/ ٦٥)، \"معالم السنن\" (٣/ ٩٦).\n(^٢) انظر: \"موسوعة أحكام الطهارة\" (٧/ ٤٧٣).\n(^٣) \"اختلاف الحديث\" ضمن كتاب \"الأم\" (١٠/ ٢٦٢).\n(^٤) \"التمهيد\" (٦٥/ ١٥).\n(^٥) \"المغني\" (٢/ ٣٧٣)، \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٣٩٠).","vol":"7","page":515},{"text":"وتضمن أصولًا كثيرة، وتضمن أحكامًا متعددة) (^١)، ولذا ترى الحافظ أورد عددًا من رواياته؛ لما فيها من الفوائد الزائدة على المتن الذي ساقه أولًا.\n\n* الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن الطلاق مباح؛ لأن الرسول - ﷺ - لم ينكر طلاق عبد الله بن عمر - ﵄ - من أصله، وإنما أنكره لأنه طلق في حال الحيض، ولهذا أذن له أن يطلق في الطهر الذي لم يجامع فيه.\n\n* الوجه الثالث: سؤال عمر - ﵁ - يدل بظاهره على أنه لم يسبق نهي عن الطلاق حال الحيض، والغضبُ كما في الرواية الأخرى يدل بظاهره على أن الحكم معلوم، والجواب:\n١ - يحتمل أن ابن عمر - ﵄ - فهم النهي من قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ لكن أشكل عليه ماذا يصنع؟\n٢ - أو أنه فعل قبل التثبت والمشاورة للنبي - ﷺ - إذ عزم على الطلاق (^٢).\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على تحريم الطلاق حال الحيض،\nوفاعله عاصٍ لله ﷿ إذا كان عالمًا بالنهي عنه، ووجه الدلالة من وجهين:\nالأول: ما ورد في رواية سالم بن عبد الله (تغيظ رسول الله - ﷺ -) (^٣)، ولا يتغيظ - ﷺ - إلا على أمر محرم، بل يدل على أن الأمر ظاهر، وكان الواجب على ابن عمر التثبت قبل إيقاعه.\nالثاني: أمره - ﷺ - بإمساكها بعد المراجعة ثم تطليقها في الطهر، وهل هو محرم لحق الله تعالى فلا يباح وإن سألته إياه، أو يباح بسؤالها؟ قولان، والأول هو ظاهر الكتاب والسنة.\nوقد نقل ابن المنذر وابن قدامة والنووي وغيرهم الإجماع على تحريم الطلاق حال الحيض (^٤).\n_________\n(^١) \"العارضة\" (٥/ ١٢٣).\n(^٢) انظر: \"إحكام الأحكام\" (٤/ ٢٢٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٩٠٨)، ومسلم (١٤٧) (٤).\n(^٤) \"الإجماع\" ص (٧٩)، \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٣١٥)، \"المغني\" (١٠/ ٢٣٤).","vol":"7","page":516},{"text":"وهذا التحريم خاص بالمدخول بها، أما من لم يدخل بها فيجوز طلاقها حائضًا وطاهرًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وهذه لا عدة لها (^١)، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة إلا ما نقل في رواية عن المالكية من المنع من الطلاق في الحيض ولو لغير المدخول بها (^٢).\nكما يستثنى من ذلك الطلاق حال العمل لو حصل لها فيه حيض -على القول بأن الحامل تحيض-؛ لأن عدتها وضع العمل، ويستثنى مسألة ثالثة تقدمت -في الخلع- وهي ما إذا كان الطلاق على عوض.\n\n* الوجه الخامس: نُهي عن الطلاق حال الحيض لئلا تطول العدة على المرأة؛ لأن ما بقي من تلك الحيضة لا تعتد به في أقرائها، فتكون في تلك المدة كالمعلقة، لا معتدة ولا ذات زوج ولا فارغة من زوج. وقيل: لكون الحيضة حال نفرة وزهد في الوطء، فلعله يندم في زمان الطهر عند توقان النفس إلى الجماع، ولا مانع من اعتبار المعنيين.\n\n* الوجه السادس: الطلاق في حال الحيض من الطلاق البدعي الذي ليس عليه أمر الشارع، ومن الطلاق البدعي -كما يفهم من الحديث- أن يطلق ذات الحيض في طهر جامعها فيه، وهذا الطلاق البدعي في الزمن، وأما الطلاق البدعي في العدد فهو طلاق الثلاث، كما سيأتي إن شاء الله.\nويقابل الطلاق البدعي الطلاق السني، وهو الموافق للطريقة التي سنها الله تعالى في إيقاع الطلاق، وهو أن يطلقها طلقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، كما دل عليه الحديث، أو يطلقها وهي حامل كما تقدم في رواية مسلم -على القول بثبوتها- وهو إذا طلقها في طهر لم يجامعها فيه فقد استقبلت العدة من الحيضة التي تلي هذا الطهر، فيكون طلقها لعدتها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: مستقبلات عدتهن، وهو الوقت الذي تستقبل به العدة، أما إذا طلقها حائضًا\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٥/ ٢٢٠).\n(^٢) \"المنتقى\" (٤/ ٩٧).","vol":"7","page":517},{"text":"فإنها لا تعتد بتلك الحيضة بل تنتظر فراغها وانقضاء الطهر الذي يليها، ثم تشرع في العدة كما تقدم، وأما إذا طلقها حاملًا فالأمر واضح؛ لأن عدتها بوضع الحمل.\n\n* الوجه السابع: اختلف العلماء في وقوع الطلاق حال الحيض على قولين:\nالقول الأول: أنه يقع، فينقص به عدد التطليقات، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة، وهو اختيار البخاري، والبيهقي، والنووي، والشيخ محمَّد بن إبراهيم، والألباني، وابن باز، إلا أنه رجع عنه أخيرًا (^١).\nواستدلوا بما يلي:\nالأول: قوله - ﷺ -: \"مره فليراجعها\"، وفي رواية: فقال له النبي - ﷺ -: \"ليراجعها\" فردها. قالوا: فالأمر بالمراجعة دليل على وقوع الطلاق؛ لأن الرجعة لا تكون إلا بعد طلاق، وهذا من أقوى أدلتهم. واللفظ إذا جاء عن الشارع وكان له حقيقة شرعية فإنها مقدمة على الحقيقة اللغوية والعرفية.\nالثاني: قول ابن عمر - ﵄ -: (وحسبت عليَّ تطليقة) فإن الظاهر من سياق القصة أن الذي حسبها تطليقة هو النبي - ﷺ -، كما سيأتي.\nالثالث: أن مذهب ابن عمر - ﵄هو الاعتداد بالطلاق في الحيض، وهو صاحب القصة، وأعلم الناس بها، وهو من أشد الصحابة اتباعًا للسنة وتحرجًا من مخالفتها، وهذا ثابت في \"الصحيحين\" من طريق قتادة قال: سمعت يونس بن جبير، قال: سمعت ابن عمر يقول: (طلقت امرأتي وهي حائض … وفيه: فقلت لابن عمر: احتسبت بها؟ قال: ما يمنعه، أرأيت إن عَجَزَ واستحمق؟) هذا لفظ مسلم، وهو عند البخاري، لكن ليس فيه: (ما يمنعه)،\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٩٦)، \"المنتقى\" للباجي (٤/ ٩٨)، \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٣١٥)، \"المغني\" (١٠/ ٣٢٧)، \"الاختيارات الجلية\" لابن بسام (٣/ ٣٧٣)، \"إرواء الغليل\" (٧/ ١٢٤ - ١٣٨)، \"فتاوى ابن باز\" (٢١/ ٢٨٠)، \"مسائل الإِمام ابن باز\" للمانع ص (١٩١، ١٩٢).","vol":"7","page":518},{"text":"وإنما فيه: (أرأيت إن عجز واستحمق) (^١)، قال الخطابي: (وقوله: أرأيت إن عجز واستحمق؟ يريد: أرأيتَ إن عَجَزَ واسْتَحْمَقَ أيُسقط عجزه وحُمقه حكم الطلاق؟ وهذا من المحذوفِ الجوابِ المدلول عليه بالفحوى) (^٢).\nورواه مسلم من طريق أنس بن سيرين، قال: سألت ابن عمر عن امرأته التي طلقها وهي حائض، وفيه: قلت: فاعتددتَ بتلك الطلقة التي طلقتَ وهي حائض؟ قال: (ما لي لا أعتد بها، وإن كنت عجزت واستحمقت).\nورواه مسلم من طريق محمَّد بن سيرين، عن يونس بن جبير، أنه سأل ابن عمر … الحديث، وفيه: قلت له: إذا طلق الرجل امرأته وهي حائض أتعتد بتلك الطلقة؟ فقال: (فمه؟ أو إن عجز واستحمق) (^٣).\n\nوقوله: (فمه) استفهام معناه: التقرير، أي: فما يكون إن لم يحتسب بتلك التطليقة، أي: وهل يكون إلا ذلك، فأبدل من الألف هاء (^٤). والمعنى: أنها تحسب، ولا يمنع من احتسابها عجزه وحماقته، والمراد أنه عجز عن الصبر عن الطلاق حتى تطهر، فأوقعه في الحيض، واستحمق؛ أي: فَعَل فِعْل الأحمق بمخالفة المشروع، ويحتمل أن تكون الهاء أصلية، وهي كلمة تقال للزجر؛ أي: كُفَّ عن هذا الكلام، فإنه لا شك في وقوع الطلاق.\nوترجيح رواية صاحب القصة له نظير، وهو ما تقدم في كتاب \"النكاح\" من اختلاف ابن عباس وميمونة - ﵃ - في زواج النبي - ﷺ - بها، هل هو مُحْرِمٌ أو حلال؟ فقُدِّم قول ميمونة؛ لكونها صاحبت القصة، فكذا هنا.\nوروى مسلم من طريق الزهريّ، عن سالم بن عبد الله بن عمر، وفيه: قال ابن عمر: (فراجعتها وحسبت لها التطليقة التي طلقتها) (^٥)، وروى مسلم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٥٨)، ومسلم (١٤٧١) (١٠).\n(^٢) \"أعلام الحديث\" للخطابي (٣/ ٢٠٣١).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٥٢٥٢)، \"صحيح مسلم\" (١٤٧١) (٩).\n(^٤) انظر: \"إكمال المعلم\" (٥/ ١٥).\n(^٥) \"صحيح مسلم\" (١٤٧١) (٤).","vol":"7","page":519},{"text":"-أيضًا- من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: (طلقت امرأتي … فذكر الحديث، وفي آخره: قال عبيد الله: قلت لنافع: ما صنعت تلك التطليقة؟ قال: واحدة اعتد بها) (^١). ونافع وسالم هما أحفظ وأثبت من روى عن ابن عمر، وهما ينقلان أن ابن عمر اعتد بتلك التطليقة، وهذا واضح في أن الذي حسبها هو ابن عمر، ويبعد أن يكون هذا من غير أمر النبي - ﷺ -؛ لأمور ثلاثة:\n١ - أن الرسول - ﷺ - هو المفتي لابن عمر في كل مسألة تتعلق بهذه القصة، فهو الآمر له بالمراجعة، المرخص له في الطلاق، المبين له متى يطلق؟\n٢ - أنه يبعد أن ابن عمر يحسبها تطليقة بدون استفتاء النبي - ﷺ - وهو على خوف مما وقع منه، بعد أن تغيظ النبي - ﷺ - من صنيعه، مع ما عرف عنه من شدة اتباعه وتمسكه بالسنة.\n٣ - أنه ورد في بعض الروايات أن النبي - ﷺ - هو الذي عدها واحدة.\nفقد روى الدارقطني من طريق الشعبي قال: طلق ابن عمر امرأته واحدة، وهي حائض، فانطلق عمر إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره، فأمره أن يراجعها، ثم يستقبل الطلاق في عدتها، وتحتسب بهذه التطليقة والتي طلق أول مرة (^٢). وهذا مرسل يقويه ما سبق من الروايات.\nوقد روى ابن وهب في \"مسنده\" (^٣)، وأبو داود الطيالسي، والدارقطني من طريق يزيد بن هارون (ثلاثتهم: ابن وهب، والطيالسي، ويزيد بن هارون) عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فأتى\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٤٧١) (٢).\n(^٢) \"سنن الدارقطني\" (٤/ ١١)، \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٣٢٦) وسنده حسن إلى الشعبي، قال الألباني: (هو ثاني إسناد صحيح فيه التصريح برفع الاعتداد بطلاق الحائض إلى النبي - ﷺ - والأولى مضت في بعض الطرق عن نافع)، \"الإرواء\" (٧/ ١٣١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٥٣).","vol":"7","page":520},{"text":"عمر النبي - ﷺ - فجعلها واحدة (^١). وفي لفظ: (هي واحدة، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء) (^٢). وهذا فيه التصريح برفع الاعتداد بطلاق الحائض إلى النبي - ﷺ -.\nوقد تابع ابنَ أبي ذئب ابنُ جريج عند الدارقطني (^٣)، كلاهما عن نافع به، وهذه المتابعة مع متابعة سالم المتقدمة إذا ضمت إلى ما تقدم في رواية البخاري (وحسبت عليَّ تطليقة) مع فتوى ابن عمر وما ورد عن الشعبي كما مضى، قويت رواية ابن أبي ذئب، ودل على أن هذا اللفظ محفوظ وليس بشاذ، ولذا قال ابن حجر عن رواية ابن أبي ذئب وابن جريج، عن نافع: (هذا نص في موضع الخلاف، فيجب المصير إليه) (^٤).\nالقول الثاني: أن الطلاق حال الحيض لا يقع، ولا ينقص به عدد الطلاق، وهو قول طاوس والظاهرية، وقول لابن عقيل من الحنابلة، واختاره ونصره شيخ الإِسلام ابن تيمية، وكذا تلميذه ابن القيم، والصنعاني، والشوكاني (^٥). وهو الذي استقر عليه رأي ابن باز (^٦).\n_________\n(^١) \"مسند الطيالسي\" (١/ ٦٨)، \"سنن الدارقطني\" (٤/ ٩)، \"فتح الباري\" (٩/ ٣٥٣).\n(^٢) انظر: \"نظام الطلاق في الإِسلام\" للشيخ: أحمد شاكر ص (٣٠).\n(^٣) \"سنن الدارقطني\" (٤/ ١٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٥٣).\n(^٥) \"المحلى\" (١٠/ ١٦٣)، \"الفتاوى\" (٣٣/ ٩٨ - ١٠١)، \"زاد المعاد\" (٥/ ٢٢١)، \"مختصر تهذيب السنن\" (٣/ ٩٥ - ١١١)، \"فتح الباري\" (٩/ ٣٥١)، \"سبل السلام\" (٦/ ٢٠٥)، \"نيل الأوطار\" (٦/ ٣٥٤).\n(^٦) الصنعاني حصل له تردد في هذه المسألة كما في \"سبل السلام\"، وكذا الشيخ عبد العزيز بن باز، فقد كان في أول الأمر يفتي بوقوع الطلاق حال الحيض. انظر: \"الفتاوى\" (٢١/ ٢٨٠)، ومما استدل به ﵀ على الوقوع حديث الباب، ولأنه لم يثبت أن النبي - ﷺ - كان يسأل المستفتين في الطلاق هل طلقوا في الحيض أم لا؟ ولو كان طلاقهم في الحيض لا يقع لاستفصلهم، وقد بين جامع \"الفتاوى\" (٢١/ ٢٨٠) أن الشيخ رجع عن هذا القول، وجاء في المؤلفات التي ألفت في سيرة الشيخ بعد وفاته ما يدل على ذلك، فقد جاء في كتاب \"الإنجاز في ترجمة الإمام عبد العزيز بن باز\" ص (٣٤٣): (أما إذا كانت المطلقة حائضًا أو نفساء … فإنه لا يقع عليها الطلاق في أصح قولي العلماء، إلا أن يحكم بوقوعه قاض شرعي، فإن حكم بوقوعه وقع …) وانظر -أيضًا-: \"جوانب من سيرة الإِمام عبد العزيز بن باز\" ص (٢٨٩).","vol":"7","page":521},{"text":"واستدلوا بما تقدم من رواية أبي داود والنسائي من طريق أبي الزبير، أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، قال عبد الله: (فردها عليَّ ولم يرها شيئًا) قالوا: فهذا نص صريح في عدم الاعتداد بتلك الطلقة.\nكما استدلوا بأدلة عامة ليست صريحة في محل النزاع، وإنما هي أشبه بالمرجحات، وقد ذكرها ابن القيم وغيره (^١)، ومنها قوله - ﷺ -: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" قالوا: فهذا نص يدل على بطلان كل ما خالف أمر الرسول - ﷺ -، والمطلِّق في الحيض قد طلق طلاقًا ليس عليه أمر الشارع، فيكون مردودًا غير مقبول، وهذا فيه نظر، فإنه لا يلزم أن يكون كل عمل من قول أو فعل خالف فيه المكلفُ المشروعَ أنه باطل، بل هناك من التصرفات ما تصح من فاعلها ولو خالف فيها المشروع؛ لأن التحريم والصحة ليسا متلازمين، والنهي قد يقتضي الفساد، وقد لا يقتضيه، بأن يقوم دليل على الصحة، كما في النهي عن بيع المُصَرَّاة (^٢)، ويمكن مراجعة شرح ابن رجب للحديث المذكور في \"جامع العلوم\" فقد أجاد وأفاد (^٣).\nوأجابوا عن أدلة القائلين بالوقوع بأن قوله: \"فليراجعها\" معناه: إمساكها على حالها الأول؛ لأن الطلاق لم يقع في وقته المأذون فيه شرعًا، فهو ملغى والنكاح بحاله، فهم لم يحملوا الرجعة على معناها الاصطلاحي عند الفقهاء؛ لأن معناها أعم من ذلك، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] والمراد بذلك العقد على امرأته التي طلقها آخر طلقة بعد أن تنكح زوجًا غيره، وتقدم رد ذلك، وأما الاستدلال بلفظ: (وحسبت عليه تطليقة) فليس فيه دليل؛ لأنه غير مرفوع إلى النبي - ﷺ -.\nوالقول بوقوع الطلاق حال الحيض قول قوي -في نظري- لأمرين:\n_________\n(^١) انظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ٢٢٣)، رسالة: \"الفيض في تحقيق حكم الطلاق في الحيض\" للدكتور: سليمان العيسى ص (٩١).\n(^٢) انظر: شرح الحديث (٨١٥) من كتاب \"البيوع\".\n(^٣) وانظر أيضًا: \"القواعد\" لابن رجب (١/ ٥١ - ٦٣).","vol":"7","page":522},{"text":"الأول: أن حديث ابن عمر رواه جلة من الحفاظ الإثبات، وقد اتفقت ألفاظهم جميعًا -عدا أبي الزبير المكي- على وقوع الطلقة واحتسابها، ووقوع المراجعة، وقد تقدم أن نافعًا وسالمًا يرون أن الطلقة التي وقعت لابن عمر حسبت عليه، وهما من أجلِّ وأثبت من روى عن ابن عمر، وقولهما ثابت في \"صحيح مسلم\" كما تقدم بيان ذلك.\nالثاني: أن أدلة الجمهور على المراد دلالتها قوية صريحة لا تقبل التأويل، بخلاف رواية عدم الاعتداد بالطلقة (فردها علي ولم يرها شيئًا) فهي على فرض ثبوتها تحتاج مع الأدلة المتقدمة إلى أحد مسلكين: إما الترجيح أو الجمع، فإن قلنا بالترجيح فلا ريب أن الأحاديث الدالة على وقوع الطلاق في الحيض أكثر عددًا وأقوى إسنادًا، وقد تقدمت، وإن قلنا بالجمع فإن رواية أبي الزبير قابلة للتأويل، فقد قال الشافعي إن معناها: أنه لم يرها شيئًا صوابًا غير خطأ، يؤمر صاحبه ألا يقيم عليه، ولذا أمره بالمراجعة (^١).\nوقال ابن عبد البر عن قوله: (ولم يرها شيئًا): (لو صح لكان معناه عندي -والله أعلم- ولم يرها على استقامة؛ أي: ولم يرها شيئًا مستقيمًا؛ لأنه لم يكن طلاقه لها على سنة الله وسنة رسوله - ﷺ -، وهذا أولى المعاني بهذه اللفظة إن صحت) (^٢).\nوهذا بناء على ثبوت هذه اللفظة، وقد تقدم الكلام على تفرد أبي الزبير بها، وأنها منكرة.\nوبهذا يتبين أن القول بالوقوع قول قوي، لا يمكن دفعه لكثرة رواياته، هذا من الناحية العلمية، وأما من الناحية العملية التطبيقية فنقول كما قال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز: إن حَكَمَ بعدم وقوع الطلاق في الحيض قاضٍ شرعي أُخذ به؛ لأن حكم القاضي يرفع الخلاف في المسائل الاجتهادية، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"اختلاف الحديث\" ضمن كتاب \"الأم\" (١٠/ ٢٦٢).\n(^٢) \"التمهيد\" (١٥/ ٦٦).","vol":"7","page":523},{"text":"* الوجه الثامن: اختلف العلماء في حكم المراجعة من الطلاق في الحيض على قولين:\nالأول: أن المراجعة واجبة، فمن طلق زوجته وهي حائض وجب عليه أن يراجعها، وهذا مذهب مالك، وقول في مذهب أبي حنيفة، ذكر ابن عابدين أنه الأصح، وهو رواية عن الإِمام أحمد (^١)، واستدلوا بأن الرسول - ﷺ - أمر عبد الله بن عمر بمراجعة زوجته، والأصل في الأمر أنه للوجوب، ولأن الطلاق لما كان محرمًا حال الحيض كانت استدامة النكاح فيه واجبة، ولأن المراجعة تتضمن رفع المعصية التي وقع فيها المطلق حال الحيض.\nالثاني: أن المراجعة مستحبة، وهو قول في مذهب الحنفية، وقول الشافعي، والمشهور في مذهب الحنابلة (^٢). واستدلوا بأن ابتداء النكاح ليس بواجب، فاستدامته بالرجعة كذلك، فكان القياس قرينة على أن الأمر للندب.\nوالراجح القول الأول، لقوة دليله، وأما دليل القول الثاني فيجاب عنه بأن الطلاق لما كان محرمًا في الحيض كانت استدامة النكاح فيه واجبة، وعلى هذا القول فإن امتنع الرجل من الرجعة أدبه الحاكم، فإن أصر على الامتناع ارتجع الحاكم عنه.\n\n* الوجه التاسع: الحكمة من الأمر برجعتها وإعادتها إلى عصمته:\n١ - ليقع الطلاق الذي أراده الله في زمن الإباحة، وهو الطهر الذي لم يجامعها فيه.\n٢ - وقيل: عقوبة على طلاقها زمن الحيض، فعوقب بنقيض قصده، وأمره بارتجاعها عكس مقصوده.\n٣ - وقيل: ليزول المعنى الذي حرم الطلاق في الحيض لأجله، وهو تطويل العدة (^٣).\n_________\n(^١) \"المدونة\" (٢/ ٧٠)، \"حاشية ابن عابدين\" (٣/ ٢٤٦)، \"المغني\" (١٠/ ٣٢٨).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٩٤) \"روضة الطالبين\" (٨/ ٤)، \"المغني\" (١٠/ ٣٢٨).\n(^٣) انظر: \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ٩٩).","vol":"7","page":524},{"text":"* الوجه العاشر: استدل العلماء بقوله - ﷺ -: \"مره فليراجعها\" على أن الرجعة لا تفتقر إلى رضا المرأة ولا وليها، ولا تحتاج إلى تجديد عقد؛ لأن الرسول - ﷺ - أمره بمراجعتها، وأطلق له ذلك، فلم يشترط شيئًا آخر (^١).\n\n* الوجه الحادي عشر: دل الحديث على أنه إذا طلق في الحيض ثم راجعها أنه ينتظر إلى الطهر الثاني، لقوله: \"ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق … \" ودلت الروايات الأخرى المذكورة على أن له أن يطلق في الطهر الأول بعد الحيضة التي طلقها فيها وراجعها، ولا يلزمه أن ينتظر إلى الطهر الثاني، وقد اختلف العلماء في حكم الانتظار للطهر الثاني على قولين:\nالأول: أنه يلزمه الانتظار للطهر الثاني، ولا يجوز أن يطلق في الطهر الأول، وهذا مذهب أبي حنيفة في ظاهر الرواية عنه، وهو قول مالك، والأصح في مذهب الشافعي، والمشهور في مذهب الحنابلة (^٢)، واستدلوا: بما تقدم من أنه - ﷺ - أذن له أن يطلق بعد أن تطهر من تلك الحيضة، ثم تحيض ثم تطهر.\nوالقول الثاني: أن الانتظار للطهر الثاني مندوب وليس بواجب، فيجوز له أن يطلق في الطهر الذي يلي الحيضة التي طلق فيها، وهذا رواية عن أبي حنيفة، ووجه في مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد (^٣)، واستدلوا بالروايات التي مفادها جواز الطلاق في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع الطلاق فيها، كما في رواية مسلم المتقدمة: \"إذا طهرت فليطلقها أو ليمسك\"، وقوله: \"ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا\".\nوهذا القول هو الأظهر إعمالًا للحديثين، فيكون الأمر بالانتظار للطهر\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (٣/ ٩٣).\n(^٢) \"حاشية ابن عابدين\" (٣/ ٣٤٦)، \"المدونة\" (٢/ ٧٠)، \"روضة الطالبين\" (٨/ ٤)، \"الإنصاف\" (٨/ ٤٥١).\n(^٣) المصادر السابقة.","vol":"7","page":525},{"text":"الثاني أمر إرشاد وندب، والصارف له الحديث الأول، ولا ريب أن التأخير للطهر الثاني ملائم للمقاصد الشرعية من وجهين:\n١ - أنه لو طلق عقب تلك الحيضة لكان قد راجعها ليطلقها، وهذا عكس مقصود الرجعة، فإن الله تعالى إنما شرع الرجعة للإمساك ولَمِّ شَعَثِ النكاحِ، ولهذا ورد في بعض الروايات أمره بأن يمسَّها (^١).\n٢ - ليطول مقامه معها، فلعله يجامعها، فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها؛ فيمسكها؛ لأن الحيض وقت رغبة عن المرأة (^٢).\n\n* الوجه الثاني عشر: اختلف العلماء في وقت الطلاق إذا طهرت من الحيض هل هو بعد انقطاع دم الحيض أو لا بد من اغتسالها، على أقوال ثلاثة، وسبب الخلاف معنى قوله - ﷺ -: \"ثم ليطلقها طاهرًا\":\nالأول: أن المراد بالطهر انقطاع الدم، وهذا قول الشافعي، والمشهور من مذهب أحمد (^٣)؛ لأن انقطاع دم الحيض دليل على الطهر ولو لم تغتسل فهي في حكم الطاهرات، بدليل وجوب الصلاة في ذمتها، وصحة صومها، وعلى هذا القول فيجوز طلاقها بانقطاع الدم مباشرة ولو لم تغتسل.\nالثاني: أن المراد بالطهر التطهر بالغُسل، وهذا قول المالكية، وقول في مذهب أحمد (^٤).\nواستدلوا بما رواه النسائي من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله أنه طلق امرأته … وفيه: \"فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسها حتى يطلقها … \" وهذا مفسر لقوله: \"فإذا طهرت\" فيجب حمله عليه (^٥).\nالقول الثالث: أنها إن طهرت لأكثر الحيض حل طلاقها بانقطاع الدم،\n_________\n(^١) انظر: \"طرح التثريب\" (٧/ ٩٠).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) \"المغني\" (١٠/ ٣٣٦)، \"روضة الطالبين\" (٨/ ٩).\n(^٤) \"المدونة\" (٢/ ٧٠)، \"الكافي\"لابن قدامة (٣/ ١٩٥).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٥٠).","vol":"7","page":526},{"text":"وإن طهرت لدون أكثره فلا بد من الغسل أو التيمم عند عدم الماء، وهذا قول أبي حنيفة، وأقل مدة الحيض عنده ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام، وعللوا لذلك بأنها إذا طهرت لأكثر الحيض حكم عليها بانقطاعه، بخلاف إذا طهرت لدون أكثره فإنا لا نحكم بانقطاعه حتى تغتسل أو تتيمم (^١).\nوالقول الثاني هو الأظهر، لقوة دليله.\n\n* الوجه الثالث عشر: في الحديث دليل على تحريم الطلاق في طهر جامعها فيه، لقوله: \"وإن شاء طلق قبل أن يمسَّ\" أي: قبل أن يجامعها، وقد جاء التصريح به في إحدى روايات مسلم: \"فإن أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء\"، ووجه التحريم أنه قد يحصل من هذا الجماع حمل فيندم الزوجان أو أحدهما، ولو علما بالحمل لأحسنا العشرة، وحصل الاجتماع بعد الفرقة والنفرة.\nويستثنى من تحريم الطلاق في الطهر الذي جامعها فيه ما إذا ظهر حملها، فإن ظهر حملها لم يحرم طلاقها، لقوله -كما في رواية مسلم-: \"ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا\"؛ لأنه إذا ظهر حملها يكون قد أقدم على الطلاق على بصيرة فلا يندم، ولأن زمن الحمل زمن الرغبة في الوطء، وفي المرأة لمكان ولده منها، فإقدامه على الطلاق في هذا الحال يدل على احتياجه لذلك، وكل هذا مفرَّعٌ على القول بثبوت لفظة (أو حاملًا) وقد تقدم ما فيها.\nوقد اختلف العلماء في حكم رجعتها إذا طلقها في طهر جامعها فيه، وهو شبيه بالخلاف في حكم مراجعتها في طلاق الحيض. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"بدائع الصنائع\" (١/ ٤٠)، \"المغني\" (١٠/ ٣٣٦).","vol":"7","page":527},{"text":"<span data-type='title' id=toc-899>حكم طلاق الثلاث في عهد النبي - ﷺ - وصاحبيه</span>\n١٠٧٧/ ٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَبي بَكْرٍ وَسَنَتَينِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ، فَقَال عُمَرُ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا في أَمْرٍ كَانَتْ لَهُم فيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَينَاهُ عَلَيهِمْ؟ فَأَمْضَاهُ عَلَيهمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"الطلاق\"، باب (طلاق الثلاث) (١٤٧٢) من طريق معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس - ﵄ -.\nورواه مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني ابن طاوس، عن أبيه، أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي - ﷺ - وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر، فقال ابن عباس: نعم.\nورواه مسلم -أيضًا- من طريق أيوب، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هَنَاتِكَ (^١)، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر واحدة، فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتايع (^٢) الناس في الطلاق، فأجازه عليهم.\n_________\n(^١) أي: أخبارك وأمورك المستغربة، وأبو الصهباء هو صهيب البكري البصري، ويقال: المدني، مولى ابن عباس [\"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٨٦)].\n(^٢) تتايع: هو بياء مثناة من تحت، بين الألف والعين، هذه رواية الجمهور، وضبطه =","vol":"7","page":528},{"text":"* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (وسنتين من خلافة عمر) في رواية مسلم المذكورة: (وثلاثًا من إمارة عمر).\n\nقوله: (طلاق الثلاث واحدة) هذا فيه احتمالان، فإما أن المراد قول الرجل: أنتِ طالق ثلاثًا، أو قوله: أنتِ طالق، أنت طالق، أنت طالق، أو أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق، وهذا متفق عليه، أما لفظ: أنت طالق ثلاثًا، فهو محل خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إنه يعد طلقة واحدة، وأن ذكر العدد لا قيمة له؛ لأن قوله: (ثلاثًا) لغو من الكلام، كما يقال سبح ثلاثًا، واستغفر ثلاثًا، لا يصدق عليه هذا العدد إلا إذا قال: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله. بدليل حديث: \"من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت عنه خطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر\"، فلو قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة، لم يحصل له الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة، وكذا ما ورد في الذكر بعد الصلاة ثلاثًا وثلاثين، وعلى هذا فلفظة: طالق ثلاثًا تعني طلقة واحدة، ولا تتحقق طلقة ثانية إلا بنطق آخر مثل سابقه، ومن أهل العلم من اعتبر الجميع من باب واحد (^١).\n\nقوله: (أناة) بفتح الهمزة، وهي التأني وترك العجلة، ومنه قوله - ﷺ - لِأَشَجِّ عبد القيس: \"إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحِلْمُ والأناة\" (^٢)، قال في \"القاموس\": (الأناة: كقناة: الحلم والوقار) (^٣)، والمراد هنا: أن الناس استعجلوا في أمر لهم فيه مهلة وبقية استمتاع؛ لانتظار المراجعة.\n\nقوله: (فلو أمضيناه عليهم) أي: أمضينا طلاق الثلاث ثلاثًا بدل ما كان يقع واحدة، ردعًا لهم عن إيقاع الثلاث.\n_________\n= بعضهم: بالباء الموحدة، وهما بمعنى، قاله النووي.\n(^١) انظر: \"إعلام الموقعين\" (٣/ ٤٤)، \"نظام الطلاق\" ص (٤١)، \"أبغض الحلال\" ص (١٢٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦) (١٨).\n(^٣) (١/ ١٩٢).","vol":"7","page":529},{"text":"* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن المطلق زمن النبي - ﷺ - وزمن أبي بكر - ﵁ - وصدرًا من خلافة عمر - ﵁ - كان إذا جمع الثلاث بأن قال: هي طالق، طالق، طالق، جعلت واحدة، واستمر الأمر على ذلك حتى مضى سنتان أو ثلاث من خلافة عمر - ﵁ -، فجعل الطلاق الثلاث ثلاثًا، وقد كان الصحابة - ﵃ - على كثرة، ولم ينكروا ذلك مع كثرتهم وعلمهم وورعهم (^١).\n\n* الوجه الرابع: هذا الحديث من أدلة القائلين بأن مُوقع الثلاث بكلمة واحدة أو بكلمات لم يتخللها رجعة لا يقع عليه إلا طلقة واحدة، وسيأتي ذكرهم، وهو نص صريح لا يقبل التأويل في أن الطلاق الثلاث يقع واحدة في عهد النبي - ﷺ - وأبي بكر وسنتين أو ثلاث -على اختلاف الروايات- من خلافة عمر - ﵁ -، ودليل على أنه حكم باقٍ لم ينسخ.\n\n* الوجه الخامس: استدل الجمهور القائلون بوقوع الطلاق الثلاث ثلاثًا بأدلة ستأتي، ومنها فعل عمر - ﵁ -، وهو أحد الخلفاء الراشدين الذين أُمرنا باتباعهم، وقد ورد عنه آثار، رجالها ثقات، وأسانيدها قوية، من طرق مختلفة تثبت هذا القول عنه (^٢)، إذ ليس الاستدلال على ذلك من حديث ابن عباس؛ لأن الجمهور يضعفون حديث ابن عباس -كما سيأتي-، وهذا الإلزام من عمر - ﵁ - ليس تغييرًا للحكم الظاهر من القرآن، والثابت عن رسول الله - ﷺ - أن الطلاق لا يلحق الطلاق، وأن الطلقة الأولى ليس للمطلق بعدها إلا الرجعة أو الفراق، وكذا الثانية بعد رجعة أو زواج، وإنما جعل هذا تعزيرًا عارضًا، وعقوبة تفعل عند الحاجة؛ لأن عمر - ﵁ - ومعه الصحابة - ﵃ - أرادوا بذلك منع الناس من الاسترسال في الطلاق، ومن التعجل إلى بن الفراق، وهذا اجتهاد من اجتهاد الأئمة، وهو يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، ولا يستقر تشريعًا\n_________\n(^١) انظر: \"سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث\" لابن عبد الهادي ص (٣٥).\n(^٢) \"مصنف عبد الرزاق\" (٦/ ٣٩٣ - ٣٩٦)، \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٤/ ٦٢)، \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٣٣٤).","vol":"7","page":530},{"text":"لازمًا لا يتغير، بل المستقر اللازم هو التشريع الأصلي لهذه المسألة (^١).\nوقد وجه الجمهور القائلون بوقوع طلاق الثلاث ثلاثًا إلى حديث ابن عباس عدة مطاعن، منها ما يتعلق بسنده، ومنها ما يتعلق بمتنه، وهذه المطاعن ذكرها الشراح أمثال النووي وابن حجر (^٢)، وأنا أذكر أهمها، ثم ما قيل في الجواب عنها.\nأما من جهة السند: فهو الحكم بشذوذه، وتفرد طاوس به، وأنه لم يتابع عليه، قالوا: وانفراد الراوي بالحديث وإن كان ثقة هو علة في الحديث يوجب التوقف فيه، فيكون شاذًّا ومنكرًا إذا لم يُرو معناه من وجه يصح (^٣).\nقال الإِمام أحمد: (هو شاذ، مطَّرح) وسأله إسحاق بن منصور عن هذا الحديث؟ فقال: كل أصحاب ابن عباس رووا خلاف ما قال طاوس، روى سعيد بن جبير، ومجاهد، ونافع عن ابن عباس خلاف ذلك. . . قلت لأحمد: فيه متعلَّق؟ قال: لا، لم يروه إلا طاوس (^٤). وقال البيهقيّ: (هذا الحديث أحد ما اختلف فيه البخاري ومسلم، فأخرجه مسلم وتركه البخاري، وأظنه إنما تركه لمخالفته لسائر الروايات عن ابن عباس …) ثم ساق جملة منها تفيد أن ابن عباس كان يفتي بوقوع الطلاق الثلاث (^٥).\nوقال الجوزجاني -وهو ثقة حافظ-: (هو حديث شاذ، قال: وقد عُنيت بهذا الحديث في قديم الدهر فلم أجد له أصلًا) (^٦).\nأما من جهة المتن: فقد أجيب عنه بأجوبة، منها:\n١ - أن الإِمام أحمد قال عنه: (إنه شاذ مُطَّرحٌ) ومعناه: أن العمل ليس\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٣٣/ ٩٣ - ٩٧ - ٩٨)، \"إعلام الموقعين\" (٣/ ٣٥ - ٣٦)، \"نظام الطلاق في الإِسلام\" ص (٦٧).\n(^٢) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٣٢٦)، \"فتح الباري\" (٩/ ٣٦٣).\n(^٣) \"شرح علل الترمذي\" لابن رجب (١/ ٣٥٢)، \"سير الحاث\" ص (٢٨).\n(^٤) \"مسائل إسحاق بن منصور\" (٤/ ١٧٧٠ - ١٧٧٤)، وانظر: \"المغني\" (١٠/ ٣٣٤).\n(^٥) \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٣٧).\n(^٦) \"سير الحاث\" ص (٢٨).","vol":"7","page":531},{"text":"عليه (^١). وقال ابن عبد البر عن هذه الرواية: (لم يعرج عليها أحد متفقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والمغرب والمشرق والشام …) (^٢)، وذكر ابن رجب إجماع الأمة على ترك العمل بها (^٣).\n٢ - أنه يطرقه احتمالات عديدة، منها: أن يكون المراد بهذا الحديث أن الناس في عهد النبي - ﷺ - كانوا يوقعون طلقة واحدة، ثم صاروا يتجرؤون ويطلقون ثلاثًا، ومنها: أنه وارد في تكرير اللفظ؛ لأن الناس في عهد النبي - ﷺ - وأبي بكر وأول خلافة عمر كانت نياتهم صحيحة، وقلوبهم سليمة، فيقصدون بالتكرار التأكيد لا العدد، ولما فسدت نياتهم صارت إرادة التأكيد منهم غير مقبولة، فجعل عمر - ﵁ - اللفظ على ظاهره، وأمضاه عليهم.\n٣ - أن الحديث محمول على غير المدخول بها، بدليل رواية أبي داود من طريق أيوب، عن غير واحد، عن طاوس، أن رجلًا يقال له: أبوالصهباء، كان كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدة …، قال ابن عباس: بلى (^٤).\nقالوا: ووجه التفريق بين ما قبل الدخول وما بعده؛ أنه إذا كان التتابع قبل الدخول بانت بالأولى، فتصادفها الطلقة التي بعدها وهي أجنبية، فلا تقع عليها، بخلاف ما بعد الدخول فإنها لا تبين بالأولى.\n٤ - أن هذا الحديث منسوخ، وذلك أن ابن عباس قد أفتى بوقوع الثلاث (^٥)، فيشبه أن يكون ابن عباس قد علم شيئًا نسخ هذا الحديث، كما نقله البيهقي عن الشافعي (^٦).\nهذا بعض مما وُجِّه إلى الحديث، وقد ذكر الحافظ هذه الاعتراضات،\n_________\n(^١) \"شرح العلل\" لابن رجب (١/ ١٦، ٤١٠).\n(^٢) \"الاستذكار\" (١٧/ ١٥).\n(^٣) انظر: \"سير الحاث\" ص (٢٩).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (٢١٩٩)، وهذه الرواية معلولة، كما سيأتي.\n(^٥) \"المغني\" (١٠/ ٣٣٤)، \"سير الحاث\" ص (٢٩).\n(^٦) \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٣٨).","vol":"7","page":532},{"text":"وقال: (قد أطلت في هذا الموضع لالتماس من التمس ذلك مني، والله المستعان) (^١).\nقال المعتبرون الثلاث واحدة: إن الحديث ثابت، والاستدلال به مستقيم بشقيه، وهو اعتبار الثلاث واحدة، ثم إمضاؤها في عهد عمر - ﵁ -، قال الشيخ أحمد شاكر: (إن الذي كان في زمن أبي بكر وأول خلافة عمر، هو الحكم الأصلي الموافق للكتاب والسنة، وأن الذي عمله عمر بموافقة الصحابة ليس تغييرًا للحكم الثابت، وإنما هو إلزام المتعجل بما التزم على سبيل العقوبة، والتعزيز في ظروف وملابسات استدعت ذلك في نظرهم ورأيهم …) (^٢).\nقالوا: وكل ما وجه إلى الحديث من مطاعن، فإنه يمكن الجواب عنها كما يلي:\nأما القول بشذوذ الحديث وتفرد طاوس بروايته، فإذا مردود بأن طاوسًا ثقة، والتفرد من الثقات الأثبات غير قادح في الرواية\" فإن هناك أحاديث تفرد بها من هو دون طاوس ولم يردها أحد من الأئمة، فإذا حديث عمر - ﵁ -: \"إنما الأعمال بالنيات\" حديث فرد، وقد أجمع العلماء على قبوله والعمل بمقتضاه، وقد قال الإِمام مسلم: اللزهري نحو من تسعين حديثًا يرويه عن النبي - ﷺ - لا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد) (^٣).\n٢ - أما القول بأن العمل ليس عليه، فهذا فيه نظر، فإنه قد روي عن بعض الصحابة أنهم عملوا بما دل عليه، فقد أفتى بمدلوله الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي، وابن مسعود -﵃-، بل قال ابن القيم: (كل صحابي من لدن خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر كان على أن الثلاث واحدة، فتوى أو إقرارًا أو سكوتًا) (^٤).\n٣ - أما قولهم: إن المراد به أن الناس في عهد النبي - ﷺ - كانوا يوقعون\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٣٦٣ - ٣٦٥)، \"نظام الطلاق في الإسلام\" ص (٧٤).\n(^٢) \"نظام الطلاق\" ص (٨٠).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (١٦٤٧) (٥).\n(^٤) \"إعلام الموقعين\" (٣/ ٤٦).","vol":"7","page":533},{"text":"طلقة واحدة بدل إيقاع الناس الآن ثلاث تطليقات … فهذا مردود؛ لأن من لم يطلق إلا واحدة لا يقع عليه إلا واحدة في كل زمان ومكان؛ في زمن عمر وما قبله وما بعده، وأما قولهم: إنه محمول على من أراد التأكيد وهذا في الزمن الأول … فهذا تأويل لا يعتد به، لأمرين:\nالأول: أن نية التأكيد بالتكرار لا فرق فيها بين عهد عمر وغيره إلى يوم القيامة، فمتى نوى بالتكرار التأكيد أو الإفهام لم يتعدد الطلاق بتعدده قولًا واحدًا، لا في زمن عمر ولا قبله ولا بعده.\nالثاني: أنه لو كان المعنى ما ذكر هؤلاء لم يستقم قول عمر: (أرى الناس قد استعجلوا) ولقال: أرى الناس قد تغيروا وفسدت نياتهم، فلا نقبل منهم دعوى التوكيد.\nعلى أنه ثبت في \"الصحيحين\" أن عويمرًا العجلاني لما لاعن زوجته طلقها ثلاثًا بفم واحد بحضرة النبي - ﷺ -، مما يدل على أن إيقاع الثلاث المتعاقبة كان موجودًا في عهد النبي - ﷺ - (^١).\n٤ - أما حمل الحديث على غير المدخول بها استنادًا إلى رواية أبي داود، فهذا مردود؛ لأن رواية أبي داود ضعيفة؛ لأنها عن أيوب السختياني، عن غير واحد، وهذا صريح في أن من روى عنهم أيوب مجهولون، وعلى فرض ثبوتها (^٢)، فإن ذكر غير المدخول بها من باب ذكر بعض أفراد العام بحكم العام، وهذا لا يقتضي التخصيص، وأيضًا فإن كلام ابن عباس هذا وارد على سؤال أبي الصهباء، وأبو الصهباء لم يسأل إلا عن غير المدخول بها، فجواب ابن عباس لا مفهوم له، كما في علم الأصول (^٣).\n٥ - وأما قولهم: بأن الحديث منسوخ، فهو مردود -أيضًا- فإن ابن\n_________\n(^١) رسالة الشيخ محمَّد بن عثيمين في \"طلاق الثلاث\" [مخطوطة].\n(^٢) انظر: \"سير الحاث\" (٣٠).\n(^٣) انظر: \"إغاثة اللهفان\" (١/ ٢٨٥).","vol":"7","page":534},{"text":"عباس - ﵄ - قد أفتى بوفاق هذا الحديث، وإن كان المشهور عنه أن طلاق الثلاث ثلاث، لكن هذا لا يبطل دلالة الحديث، فإن العبرة بما رواه الصحابي لا بما رآه (^١)، ثم كيف ينسخ حديث رسول الله - ﷺ - يقول أحد وفتواه، بل كيف يبقى المسلمون من عهد النبي - ﷺ - إلى أول عهد عمر يعملون بشيء قد أبطل الله حكمه ونسخه؟!\nثم إن دعوى النسخ تتوقف صحتها على قبول ثبوت معارض مقاوم متأخر، فأين هذا؟! (^٢).\nوللمازري في \"المُعْلِمِ\" كلام جيد في رد دعوى النسخ، تحسن مراجعته (^٣).\nوالذي يظهر -والله أعلم- أن حديث ابن عباس - ﵄ - في اعتبار الثلاث واحدة حديث معلول، ردَّه كبار الأئمة؛ لتفرد طاوس، ومخالفته لفتوى ابن عباس - ﵄ - في أن الثلاث تحسب ثلاثًا، هذا من الناحية العلمية، أما من جهة التطبيق على الوقائع فالمسألة مرجعها إلى اجتهاد القاضي، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) هذه القاعدة ليست على إطلاقها، فهي عند الأصوليين -عدا الحنفية- على هذا التقرير، أما عند المحدثين فإنهم يرون أن مخالفة الراوي لما روى علة، ومنهجهم فيها كمنهجهم في سائر العلل، فكل مخالفة لها نظر مستقل.\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٥/ ٢٦٥ - ٢٦٦)، \"رسالة الشيخ محمَّد العثيمين ﵀\".\n(^٣) \"المعلم\" (٢/ ١٢٧).","vol":"7","page":535},{"text":"<span data-type='title' id=toc-900>حكم جمع الثلاث بكلمة واحدة</span>\n١٠٧٨/ ٤ - عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبيدٍ - ﵁ - قَال: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانَ ثُمَّ قَال: \"أَيُلْعَبُ بكِتَاب اللهِ تَعَالى، وَأَنَا بَينَ أَظْهُرِكُمْ\"؟ حَتى قَامَ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ ألا أَقْتُلُهُ؟ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأولى: في ترجمة الراوي:\nوهو محمود بن لبيد بن عقبة بن رافع الأشهلي الأنصاري، ولد في عهد النبي - ﷺ -، واختلف في صحبته، فذكر البخاري ما يدل على أن له صحبة، وقال أبو حاتم: لا يعرف له صحبة، وذكره مسلم في التابعين، قال الحافظ: (محمود بن لبيد ولد في عهد النبي - ﷺ - ولم يثبت له منه سماع، وإن ذكره بعضهم في الصحابة فلأجل الرؤية …)، وقد ترجم له أحمد في \"مسنده\" وذكر ما يدل على أن له صحبة، قال ابن عبد البر: (قول البخاري أولى، وقد ذكرنا من الأحاديث ما يشهد له، وهو أولى بأن يذكر في الصحابة من محمود بن الربيع، فإنه أسنُّ منه). توفي سنة سبع وتسعين، ويقال: سنة ست (^١).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه النسائي متفردًا به من بين أصحاب الكتب الستة، في كتاب\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٤٠٢)، \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٢٨٩ - ٢٩٠)، \"الاستيعاب\" (١٠/ ٥٠)، \"السير\" (٣/ ٤٨٥)، \"الإصابة\" (٩/ ١٣٨)، \"فتح الباري\" (٩/ ٣٦٢).","vol":"7","page":536},{"text":"\"الطلاق\"، باب (الثلاث المجموعة وما فيه من التغليظ) (٦/ ١٤٢ - ١٤٣) من طريق مخرمة، عن أبيه، قال: سمعت محمود بن لبيد قال: … فذكر الحديث. قال النسائي: (لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث غير مخرمة) (^١).\nوهذا الحديث رجاله موثقون، قال عنه ابن كثير: (إسناده جيد قوي)، لكنه أعل بعلتين:\nالأولى: أنه مرسل؛ لأنه لا يثبت لمحمود بن لبيد سماع من النبي - ﷺ - وإن كانت ولادته في حياة النبي - ﷺ -.\nالثانية: أنه منقطع، فإن مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج لم يسمع من أبيه شيئًا لصغر سنه، وإنما روى عنه وجادة، وهو كتاب أبيه، كما قاله عدد من الأئمة؛ كأحمد وابن معين وابن حبان وغيرهم، قال الدارقطني: (قال حماد بن خالد: سألت مخرمة، أسمعت من أبيك شيئًا؟ قال: لا).\nوأجيب عن العلة الأولى بأنه ورد ما يدل على ثبوت صحبة محمود بن لبيد، فقد روى أحمد بسنده عن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل قال: أتانا رسول الله - ﷺ - فصلى بنا المغرب في مسجدنا، فلما سلم منها، قال: \"اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم\" للسُّبْحَةِ بعد المغرب (^٢).\nوهذا يفيد صحة سماعه من النبي، وهو صحابي صغير، وجُلُّ روايته عن الصحابة، كما قال الحافظ، فالظاهر أن هذا من مراسيله، وغاية ما في الأمر أن يكون حديثه -إذا لم يثبت سماعه من النبي - ﷺ - من مراسيل الصحابة، ومراسيل الصحابة حجة. وعلى هذا فيكون حديثه حجة عند عامة أهل العلم.\nوأما العلة الثانية فأجيب عنها بجوابين:\nالأول: أن جماعة من الأئمة أثبتوا سماع مخرمة من أبيه؛ كابن المديني، فإنه قال: (سمع من أبيه قليلًا)، وأثنى عليه الإِمام مالك، فقال: كان رجلًا صالحًا، ورَوَى عنه أنه كان يحلف أنه سمع من أبيه. ومخرمة\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢٥٢).\n(^٢) رواه أحمد (٣٩/ ٣٥) وسنده حسن.","vol":"7","page":537},{"text":"ثقة (^١)، قال ابن القيم: (ويكفي أن مالكًا أخذ كتابه، فنظر فيه، واحتج به في \"موطئه\"، وكان يقول: حدثني مخرمة، وكان رجلًا صالحًا) (^٢).\nوالمثبت -في مثل هذه الحال- مقدم على النافي.\nالثاني: سلمنا أنه لم يسمع من أبيه وإنما روى عنه وجادة، ومثل هذا لا يضر، ولا يضعف روايته؛ لأنه كان عنده كتاب أبيه، وهذه وجادة تشبه السماع أو تكون أقوى منه، وقد أخرج مسلم بعض روايته عن أبيه، وهذه أمارة صحتها (^٣). قال ابن القيم: (إن كتاب أبيه كان عنده محفوظًا مضبوطًا، فلا فرق في مقام الحجة بالحديث بين ما حدثه به أو رواه في كتابه، بل الأخذ عن النسخة أحوط، إذا تيقن الراوي أنها نسخة الشيخ بعينها، وهذه طريقة الصحابة والسلف. . .) (^٤). قال الألباني: (هو أعرف بحديث أبيه من غيره) (^٥).\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على النهي عن جمع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة بأن يقول: هي طالق طالق طالق، ونحو ذلك؛ لأن النبي - ﷺ - غضب لذلك، وقال: \"أيلعب بكتاب الله\" أي: أيستهزأ بكتاب الله تعالى ويستخف بتطبيق أحكامه وأنا حي بينكم؟! وهذا يدل على أن الناس في عهد رسول الله - ﷺ - كانوا يعملون بما أمر الله به فيطلقون طلقة واحدة يستقبلون بها عدة النساء، وإن كان وقع تطليق الثلاث من أشخاص لكنها محتملة، ولهذا غضب النبي - ﷺ - لما بلغه أن هذا الرجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا.\nوالمراد بكتاب الله: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ومعناه: أن الطلاق الشرعي يكون مرة بعد مرة على التفريُق، دون الجمع والإرسال مرة واحدة، وأن الزوج له بعد المرة الثانية أن يمضي الطلاق، أو يراجع.\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (٢٧/ ٣٢٤ - ٣٢٨).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٥/ ٢٤٣).\n(^٣) \"نظام الطلاق في الإسلام\" ص (٣٧).\n(^٤) \"زاد المعاد\" (٥/ ٢٤٢).\n(^٥) \"الإرواء\" (٥/ ٢٠٠).","vol":"7","page":538},{"text":"قال الجصاص: (إن الله تعالى لم يبح الطلاق ابتداء لمن تجب عليه العدة إلا مقرونًا بذكر الرجعة، منها قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ (^١) [البقرة: ٢٣١] وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: (إن الطلاق الذي شرعه الله هو ما تعقبه العدة، وما كان صاحبه مخيرًا فيها بين الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان، وهذا منتفٍ في إيقاع الثلاث في العدة قبل الرجعة فلا يكون جائزًا) (^٢)، وقال: (فإن طلقها ثلاثًا أو طلقها الثانية أو الثالثة في ذلك الطهر فإذا حرام، وفاعله مبتدع عند أكثر العلماء) (^٣).\nوالحكمة من شرعية تفريق الطلاق إيجاد الفرصة للزوج في مراجعة زوجته بعد الطلقة الأولى أو الثانية، وهذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] والمعنى: لا تعلم أيها الزوج لعل الله تعالى يوجد بعد الرغبة عن المرأة شأنًا آخر، وهو الرغبة فيها، فينقلب الزوج بعد الطلاق من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة إمضاء الطلاق إلى الندم عليه.\nوالقول بتحريم جمع الطلاق الثلاث هو مذهب المالكية، والحنفية، وإحدى الروايتين عن أحمد، اختارها أكثر أصحابه، وهو قول شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (^٤). وهؤلاء فريقان: منهم من قال: يقع ثلاثًا، ومنهم من قال: يقع واحدة (^٥).\nالقول الثاني: أن الطلاق الثلاث ليس بمحرم، وإنما هو ترك للأفضل، وهذا مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد، وصفها ابن تيمية بأنها قديمة، وقد\n_________\n(^١) \"أحكام القرآن\" (٢/ ٧٥).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٣٣/ ٧٩ - ٨٠).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٣٣/ ٦٧).\n(^٤) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٩٤ - ٩٥)، \"المنتقى\" (٤/ ٣)، \"الإنصاف مع الشرح الكبير\" (٢٢/ ١٧٩)، \"الفتاوى\" (٣٣/ ٦٧)، \"زاد المعاد\" (٥/ ٢٤١).\n(^٥) \"الفتاوى\" (٣٣/ ٨).","vol":"7","page":539},{"text":"اختارها الخرقي (^١)، واستدلوا بما تقدم في حديث ابن عباس - ﵄ - من أن عمر - ﵁ - أمضى الطلاق الثلاث وجعله ثلاثًا، ولو كان محرمًا لم يمضه؛ لأن ذلك من باب المضادة لله تعالى؛ لأن الله تعالى إذا حرم شيئًا وجب اجتنابه.\nكما استدلوا بوقوع طلاق الثلاث في زمن النبي - ﷺ -، كما في حديث سهل - ﵁ - في قصة الملاعن الذي طلق زوجته ثلاثًا بحضرة النبي - ﷺ - ولم ينكر عليه، وكذا في حديث فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثًا، وفي حديث ركانة أنه قال للنبي - ﷺ -، إنه طلقها ثلاثًا، وهذه الأحاديث الثلاثة ستأتي إن شاء الله.\nوأجابوا عن حديث محمود بن لبيد بأنه مرسل، وبأنه منقطع، فلا تقوم به حجة، وتقدم الجواب عن ذلك.\nوالراجح هو القول الأول، لقوة دليله، ولأنه مروي عن جماعة من الصحابة: عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس - ﵃ - (^٢). قال ابن قدامة: (ولم يصح عندنا في عصرهم خلاف قولهم …).\nوأما حديث سهل في قصة الملاعن، فعنه جوابان:\nالأول: أن هذا الطلاق وقع في غير محله؛ لأن الفرقة لم تقع به وإنما وقعت بمجرد لعانهما؛ لأنه باللعان تقع الفرقة المؤبدة، فالطلاق بعده كالطلاق بعد انفساخ النكاح برضاع أو غيره.\nالثاني: أن راوي الحديث وهو سهل بن سعد - ﵁ - قال: (فلما فرغا من تلاعنهما، قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا، قبل أن يأمره رسول الله - ﷺ -) فهذا يدل على أنه أوقع الطلاق قبل أمر النبي - ﷺ - له.\nوأما حديث فاطمة بنت قيس فليس نصًّا في الموضوع؛ لأنه قد جاء في\n_________\n(^١) \"المهذب\" (٢/ ١٠١)، \"المغني\" (١٠/ ٣٣٠)، \"الفتاوى\" (٣٣/ ٨).\n(^٢) \"المغني\" (١٠/ ٣٣١)، \"سير الحاث\" ص (٨٠).","vol":"7","page":540},{"text":"بعض روايات مسلم: (فطلقني آخر ثلاث تطليقات) وهذا يدل على أنها غير مجموعة، وإنما كانت الطلقة الثالثة، ويؤيد هذا رواية: (فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها).\nوأما حديث ركانة فهو حديث ضعيف، وفيه اضطراب، فقد ورد في بعض ألفاظه: (أنه طلقها ثلاثًا)، وفي بعضها: (واحدة)، وفي بعضها: (البتة)، وسيأتي -إن شاء الله- الكلام عليه.","vol":"7","page":541},{"text":"<span data-type='title' id=toc-901>ما يقع بالطلاق الثلاث</span>\n١٠٧٩/ ٥ - عَنِ ابْنِ عَبّاس - ﵄ - قَال: طَلَّقَ أَبُو رُكَانَةَ أمَّ رُكَانَةَ، فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"رَاجعِ امْرَأَتَكَ\"، فَقَال: إِني طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا، قَال: \"قَدْ عَلِمْتُ رَاجِعْهَا\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n١٠٨٠/ ٦ - وَفي لَفْظٍ لأَحْمَدَ: طلَقَ أَبُو رُكَانَةَ امْرَأَتَهُ في مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ثَلاثًا، فَحَزِنَ عَلَيهَا، فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"فَإِنَّها وَاحِدَةٌ\" وَفي سَنَدِهِمَا ابْنُ إِسْحَاقَ، وَفيه مَقَالٌ.\n١٠٨١/ ٧ - وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَحْسَنَ مِنْهُ: أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأتهُ سُهَيمَةَ الْبَتَّةَ، فَقَال: وَاللهِ مَا أَرَدْتُ بهَا إلَّا وَاحِدَةً، فَرَدَّهَا إِلَيهِ النَّبيُّ - ﷺ -.\n\n* الكلام عليها من وجوه:\n\n* الوجه الأولى: في تخريجها:\nأما حديث ابن عباس الأول: فقد أخرجه عبد الرزاق (٦/ ٣٩٥) ومن طريقه أبو داود في كتاب \"الطلاق\"، باب (نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث) (٢١٩٦) من طريق ابن جريج، أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي - ﷺ -، عن عكرمة مولى ابن عباس -﵄-، قال: طلق عبدُ يزيدَ أبو ركانةَ وإخوتِه أُمَّ ركانة، ونكح امرأة من مزينة … وذكر الحديث إلى أن قال: ثم قال: \"راجع امرأتك أم ركانة وإخوتِه\" فقال: (إني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله) قال: \"قد علمتُ، راجعها\" وتلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].","vol":"7","page":542},{"text":"وهذا إسناد ضعيف؛ لأن فيه من لم يُسمَّ، وهم: بعض بني رافع، وقد استجاز الحافظ ابن العراقي أن يكون هذا المجهول هو الفضل بن عبيد الله بن رافع (^١)، وتبعه الحافظ ابن حجر، وذكر الحافظ ابن رجب أنه محمَّد بن عبيد الله بن أبي رافع، ويؤيد ذلك ما ورد عند الحاكم (٢/ ٢٩١) من طريق ابن جريج، عن محمَّد بن عبيد الله بن أبي رافع مولى النبي - ﷺ -، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: (طلق عبد يزيد أبو ركانة أم ركانة … الحديث) (^٢)، ومحمد بن عبيد الله ضعيف الحديث بالاتفاق، وأحاديثه منكرة، وقيل: إنه متروك (^٣).\nوقد ترجم له الذهبي، وذكر له عدة مناكير من روايته عن أبيه، عن جده، وقال: قال يحيى بن معين: (ليس حديثه بشيء)، وقال أبو حاتم: (منكر الحديث جدًّا)، وقال الذهبي: (واهٍ) (^٤).\nقال ابن حزم عن الحديث: (هذا لا يصح؛ لأنه عن غير مسمى من بني أبي رافع، ولا حجة في مجهول، وما نعلم في بني أبي رافع من يحتج به إلا عبيد الله وحده، وسائرهم مجهولون) (^٥).\nثم إن الحديث فيه خطأ نبه عليه الذهبي في \"التلخيص\" وهو أن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب لم يدرك الإِسلام (^٦).\nوأما حديثه الثاني: فقد رواه أحمد (٤/ ٢١٥)، وأبو يعلى (٣/ ٦٤ - ٦٥)، والبيهقي (٧/ ٣٣٩) من طرق، عن محمَّد بن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس -﵄-، قال: (طلق\n_________\n(^١) \"المستفاد من مبهمات المتن والإسناد\" (٦٦).\n(^٢) انظر: \"بذل المجهود\" (١٠/ ٢٨٧).\n(^٣) \"سير الحاث\" ص (٣٠)، وانظر: \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٢٨٦).\n(^٤) \"الميزان\" (٣/ ٦٣٤).\n(^٥) \"المحلى\" (١١/ ٤٦٢)، وانظر: \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ١٢١).\n(^٦) \"المستدرك\" (٢/ ٤٩١).","vol":"7","page":543},{"text":"ركانة بن عبد يزيد أخو بني مطلب امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، قال: فسأله رسول الله - ﷺ - كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثًا، قال: فقال: \"في مجلس واحد؟ \" قال: نعم، قال: \"فإنما تلك واحدة، فارجعها إن شئت\" قال: فَرَجَعَهَا.\nوهذا إسناد ضعيف -أيضًا- أُعل بثلاث علل:\nالأولى: أنه من رواية داود بن الحصين، عن عكرمة، وقد ضعف الأئمة روايته عن عكرمة؛ لأن فيها نكارة، قال ابن المديني: (ما روى عن عكرمة فمنكر)، وقال أبو داود: (أحاديثه عن شيوخه مستقيمة، وأحاديثه عن عكرمة مناكير)، وقال الذهبي: (ثقة مشهور، له غرائب تستنكر)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (ثقة إلا في عكرمة) (^١).\nالثانية: أن الحديث مخالف للمشهور عن ابن عباس -﵄-، فإنه كان يفتي بخلافه، قال البيهقي: (هذا إسناد لا تقوم به حجة مع ثمانية رووا عن ابن عباس - ﵄ - فتياه بخلاف ذلك) (^٢).\nالثالثة: أن الحديث مخالف لما رواه أهل بيت ركانة من أن طلاقها كان واحدة وليس ثلاثًا، كما سيأتي، ولذا قال ابن عبد البر: (هذا حديث منكر خطأ، وإنما طلق ركانة زوجته البتة، لا ثلاثًا، كذلك رواه الثقات أهل بيت ركانة، العالمون به، … وحديث الشافعي أنه طلقها البتة أصح؛ لأنهم أهل بيته، وهو أعلم بهم، ورواية الشافعي لحديث ركانة، عن عمه أتم، وقد زاد زيادة لا تردها الأصول، فوجب قبولها، لثقة ناقليها) (^٣).\nوقد ذهب شيخ الإِسلام ابن تيمية إلى تقوية الحديث، فقال: (هذا إسناد جيد، وله شاهد آخر رواه أبو داود. . .) (^٤)، وذكر هو وابن القيم أن الأئمة\n_________\n(^١) \"من تُكُلِّمَ فيه وهو موثق\" ص (٧٦)، \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ١٥٧).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٩٩).\n(^٣) \"الاستذكار\" (١٧/ ٢١، ٢٧)، وقارنه بـ \"الاستذكار\" ضمن \"موسوعة شروح الموطأ\" (١٤/ ٤٩٣).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٣٣/ ٨٥).","vol":"7","page":544},{"text":"احتجوا بهذا السند (^١) -داود بن الحصين، عن عكرمة- بعينه في حديث ابن عباس - ﵄ - في رد النبي - ﷺ - زينب على زوجها أبي العاص بالنكاح الأول (^٢).\nوتبعهما على ذلك الشيخ عبد العزيز بن باز (^٣).\nوذكروا أن ما يخشى من تدليس ابن إسحاق قد زال بالتحديث، كما تقدم، وهذا فيه نظر لما يلي:\n١ - أن الحديث معلول بعدة علل غير تدليس ابن إسحاق، كما مضى.\n٢ - أن حديث ابن عباس في قصة زينب مع زوجها ليس متفقًا على الاحتجاج به، كما تقدم في موضعه، وعلى هذا فالتنظير ليس مستقيمًا.\n٣ - أن التنظير بأسانيد أخذ بها الأئمة ليس مطردًا؛ لأن لهم في كل حديث نظرًا خاصًّا ولو كان الإسناد واحدًا، فقد يخرج البخاري أو مسلم أحاديث بسندٍ ما، ويعرضا عن أحاديث بالسند نفسه إذا لاحت لهم علة من العلل تقتضي رد الحديث، أو قرائن تدل على أن الحديث فيه غرابة أو نكارة (^٤).\nوقول الحافظ: (وفي سندهما ابن إسحاق، وفيه مقال) أي: في سند أبي داود وسند أحمد، وهذا وهم منه، فإن ابن إسحاق في سند أحمد، وليس في\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٥/ ٢٦٤)، \"إغاثة اللهفان\" (٢/ ٢٨٧).\n(^٢) تقدم تخريجه في باب \"الكفاءة والخيار\".\n(^٣) \"حاشية البلوغ\" (٢/ ٦١٧).\n(^٤) انظر: \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" للحافظ ابن حجر (١/ ٣١٤ - ٣١٥)، ومن أمثلة ذلك أن الإِمام مسلمًا ﵀ قد أخرج في \"صحيحه\" أحاديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، ومنها حديثه عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الجرس مزامير الشيطان\" [صحيح مسلم (٢١١٤)] لكنه أعرض عن حديثه عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا \"إذا انتصف شعبان فلا تصوموا\" لنكارة متنه؛ لأنه انفرد بأحاديث لا يتابع عليها، وبهذا يتبين أن مسلمًا أخرج في \"صحيحه\" المشاهير من حديثه دون الشواذ، كما قاله الخليلي في \"الإرشاد\" (١/ ٢١٨)، وعليه فلا يكون على شرطه من أحاديثه إلا المنتقى دون غيره، انظر: \"النكت على مقدمة ابن الصلاح\" للزركشي (١/ ٣٦٤).","vol":"7","page":545},{"text":"سند أبي داود، كما تقدم في سياق الإسنادين، هذا أمر، والأمر الثاني: أن ابن إسحاق ليس هو علة الحديث؛ لأنه قد صرح بالتحديث، كما تقدم، والظاهر أن الحافظ يشير بذلك إلى تدليسه.\nوابن إسحاق: هو محمَّد بن إسحاق بن يسار، صاحب \"السيرة النبوية\" رواها عنه ابن هشام، مات سنة (١٥١ هـ)، وقد اختلفت فيه كلمة المحدثين، فقد وثقه غير واحد، ووهاه آخرون، وهو مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمجهولين، يقول الذهبي بعد استعراض الأقوال فيه: (فالذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال، صدوق، وما انفرد به ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا، وقد احتج به أئمة، فالله أعلم) (^١). وقال الحافظ: (حديثه في درجة الحسن، إلا أنه لا يحتج به إذا خولف) (^٢).\nوأما الحديث الثالث: فقد رواه أبو داود (٢٢٠٨)، والترمذي (١١٧٧)، وابن ماجه (٢٠٥١) من طرق عن جرير بن حازم، عن الزبير بن سعد، عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده (^٣)، أنه طلق امرأته البتة، فأتى رسول الله - ﷺ - فقال: \"ما أردت؟ \" قال: واحدة، قال: \"آلله\" قال: آلله، قال: \"هو على ما أردت\".\nوهذا سند ضعيف مسلسل بعلل:\n١ - فيه الزبير بن سعد، ضعفه ابن المديني وابن معين في رواية، والنسائي وأبو داود، وقال الحافظ: (لين الحديث).\n٢ - فيه عبد الله بن علي بن يزيد، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٤)، وذكره العقيلي في \"الضعفاء\" (^٥)، وقال: (لا يتابع على حديثه، مضطرب الإسناد) ثم ساق له هذا الحديث.\n٣ - وفيه علي بن يزيد بن ركانة، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٦)، وذكره\n_________\n(^١) \"الميزان\" (٣/ ٤٦٨ - ٤٧٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٢).\n(^٣) الظاهر أن مراده الجد الأعلى وهو ركانة. \"بذل المجهود\" (١٠/ ٣١٨).\n(^٤) (٧/ ١٥).\n(^٥) (٢/ ٢٨٢).\n(^٦) (٥/ ١٦٥).","vol":"7","page":546},{"text":"العقيلي في \"الضعفاء\" (^١)، وساق له هذا الحديث، ثم نقل عن البخاري أنه قال: لم يصح حديثه.\n٤ - الاضطراب في سنده ومتنه، قال الترمذي: (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: فيه اضطراب، ويروى عن عكرمة، عن ابن عباس: أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا) (^٢)، وأما الاضطراب في سنده فقد اختلف على الزبير بن سعد في سنده اختلافًا كثيرًا، ذكره الألباني (^٣).\nوقد صحح الحديث ابن عبد البر، كما في \"تفسير القرطبي\" (^٤)، وكذا ابن كثير فقد حسنه في \"الإرشاد\" (^٥).\nوقد جاء له متابع فيما أخرجه أبو داود (٢٢٠٦) من طريق الشافعي، حدثني عمي محمَّد بن علي بن شافع، عن عبد الله بن السائب، عن نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ركانة، أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة … الحديث، وفيه: فطلقها الثانية في زمن عمر، والثالثة في زمن عثمان.\nورواه -أيضًا- (٢٢٠٧) من طريق الشافعي قال: حدثني عمي محمَّد بن علي، عن ابن السائب، عن نافع بن عجير، عن ركانة (^٦) بن عبد يزيد، عن النبي - ﷺ -، بهذا الحديث.\nوهذا الإسناد كالذي قبله ضعيف؛ لأن مداره على نافع بن عجير، وقد ذكره بعضهم في الصحابة، كما في \"الإصابة\" (^٧)، واختلف فيه ابن حبان فمرة\n_________\n(^١) (٣/ ٢٥٤).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١١٧٧)، \"العلل الكبير\" (١/ ٤٦١)، \"مختصر سنن أبي داود\" للمنذري (٣/ ١٣٤).\n(^٣) \"الإرواء\" (٧/ ١٤١).\n(^٤) (٣/ ١٣٢).\n(^٥) (٢/ ١٩٧).\n(^٦) الفرق بين هذا السند وما قبله: أن الأول ليس عن طريق الرواية عن ركانة، وإنما عن طريق الإخبار، وهذا السند عن طريق الرواية؛ لأنه عن نافع، عن ركانة. [\"بذل المجهود\" (١٠/ ٣١٧)].\n(^٧) انظر: \"الإصابة\" (١٠/ ١٣٢).","vol":"7","page":547},{"text":"أورده في أسماء الصحابة (^١)، وأخرى ذكره في عداد التابعين (^٢)، وقال عنه: (شيخ)، وهذا هو الراجح، ثم هو مجهول، ومما يؤيد ذلك أن البخاري ذكره في \"التاريخ الكبير\" (^٣)، وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (^٤) ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا، ولو كان معروفًا لذكروا فيه شيئًا.\nولذا قال ابن القيم: (مجهول، لا يعرف حاله البتة، ولا يدرى من هو؟) (^٥).\nقال أبو داود عقب هذه الطرق الثلاث: (وهذا أصح من حديث ابن جريج أن ركانة (^٦) طلق امرأته ثلاثًا؛ لأنهم أهل بيته، وأعلم به، وحديث ابن جريج رواه عن بعض بني أبي رافع، عن عكرمة، عن ابن عباس) (^٧).\nولعل الحافظ يشير بقوله: (وقد روى أبو داود من وجه آخر أحسن منه) إلى مقولة أبي داود هذه.\nوقد روى الدارقطني في \"سننه\" (٤/ ٣٣) هذا الحديث من طريق أبي داود، وقال عقبه: (قال أبو داود: وهذا حديث صحيح)، ومثل هذا قال المنذري في \"مختصر السنن\" (^٨)، مع أن هذه العبارة ليست في \"سنن أبي داود\" التي بأيدينا، فيحتمل أنها في نسخ أخرى؛ لأن \"السنن\" لها نسخ متعددة، وروايات مختلفة (^٩)، ويرى بعض الشراح أن هذه العبارة تدل على أن حديث عبد الله بن علي صحيح، وحديث ابن عباس ليس بصحيح، وهذا الاحتمال\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٣/ ٤١٣).\n(^٢) \"الثقات\" (٥/ ٤٦٩).\n(^٣) (٨/ ٨٤).\n(^٤) (٨/ ٤٥٤).\n(^٥) \"زاد المعاد\" (٥/ ٢٦٣).\n(^٦) الذي في حديث ابن جريج: أبو ركانة لا ركانة، وقد استظهر صاحب \" بذل المجهود\" أن الصحيح \"أبا ركانة\".\n(^٧) \"السنن\" (٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤).\n(^٨) (٣/ ١٣٤).\n(^٩) ذكر ابن القيم في \"مختصر السنن\" (٣/ ١٣٤)، ثم الألباني في \"الإرواء\" (٧/ ١٤٣) أن قول المحدث: (هذا الحديث أصح من هذا) إنما يعني ترجيحًا في الجملة، وذلك أنه إن كان المرجح عليه صحيحًا كان ذلك نصًّا على صحة الراجح، وإن كان ضعيفًا لم يكن نصًّا على الصحة …","vol":"7","page":548},{"text":"هو الذي مشى عليه الدارقطني، والاحتمال الأول أخذ به ابن القيم (^١).\nوالذي يتلخص من الكلام على هذا الحديث أنه حديث ضعيف بجميع طرقه، لما في بعض أسانيده من الجهالة، وما في متنه من اختلاف الألفاظ، مع أن القصة واحدة على ما يظهر، وهو كما قال البخاري: حديث مضطرب، تارة قيل فيه: ثلاثًا، وتارة قيل فيه: البتة، ثم هو معارض بحديث ابن عباس المتقدم، وهو أصح منه إسنادًا، وأوضح منه متنًا.\nوقد ضعف الحديث -أيضًا- الإِمام أحمد، قال ابن قدامة: (أما حديث ركانة فإن أحمد ضعف إسناده، فلذلك تركه) (^٢)، وقال الخطابي: (وكان أحمد بن حنبل يضعف طرق هذه الأحاديث كلها) (^٣). ونقل ابن الجوزي عن أحمد أنه قال: (حديث ركانة ليس بشيء) (^٤)، وضعفه -أيضًا- العقيلي، كما تقدم، والترمذي وآخرون.\nوالاستدلال بهذا الحديث معتمد على رواية أنه طلقها ثلاثًا، وعلى رواية أنه طلقها البتة، فبالأولى أخذ المانعون من إيقاع الثلاث، وبالثانية أخذ الجمهور، لكن من الملاحظ أن من رام الاستدلال برواية من روايات الحديث عمل على تقويتها وتضعيف ما يعارضها، أما على ما قاله الإمامان أحمد والبخاري فإنه لا يحتج لا برواية (ثلاثًا) ولا برواية (البتة)، بل تتساقط الروايتان، ويرجع إلى غيرهما (^٥)، وعلى هذا فللعلماء في هذا الحديث مسلكان:\nالأول: رفض الاحتجاج بجميع رواياته، وكأن هذا مسلك المحدثين.\nالثاني: العمل على تقوية بعضها والاحتجاج بها، وكأن هذا مسلك الفقهاء.\n_________\n(^١) \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ١٣٤)، \"عون المعبود\" (٤/ ٢١٣ - ٢١٤).\n(^٢) \"المغني\" (١٠/ ٣٦٦).\n(^٣) \"معالم السنن\" (٣/ ١٢٢).\n(^٤) \"العلل المتناهية\" (٢/ ١٥٠).\n(^٥) انظر: \"شرح الزرقاني على الموطأ\" (٣/ ١٦٨).","vol":"7","page":549},{"text":"* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (طلق أبو ركانة) بضم الراء، وتخفيف الكاف، هو ركانة بن عبد يزيد المطلبي، من مسلمة الفتح، نزل المدينة، ومات في أول خلافة معاوية (^١).\nوقد تقدم في إحدى روايات أبي داود (طلق عبدُ يزيدَ أبو ركانة وإخوتِهِ أمَّ ركانة) وهذا يدل على أن المطلِّق هو أبو ركانة، لكن في رواية أبي داود المذكورة في \"البلوغ\": (أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة …) وهكذا جاء في \"المسند\"، كما تقدم، خلافًا لما جاء في أكثر نسخ \"البلوغ\"، ولم يقل في هذا اللفظ: أم ركانة، وعلى هذا فيحتمل أن الوهم وقع في إحدى روايتي أبي داود من بعض الرواة (^٢)، وأن الصواب طلق ركانة امرأته، وقد ذكر الذهبي أن المعروف أن صاحب القصة ركانة، وليس أبا ركانة (^٣).\n\nقوله: (أم ركانة) في رواية أبي داود المذكورة: (امرأته سهيمة) وهي: سهيمة بنت عمير المزنية، قال في \"الإصابة\": (هي امرأة ركانة بن عبد يزيد المطلبي) (^٤).\n\nقوله: (راجع امرأتك) أمر من الرجعة، وهي إعادة مطلقة غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد، وأمره بالرجعة مع أنه قال: (طلقتها ثلاثًا) دليل على أن الثلاث واحدة، كما سيأتي.\n\nقوله: (البتة) بهمزة وصل؛ أي: قال: أنت طالق البتة، وهو من البت بمعنى: القطع، قال في \"المصباح المنير\": (بَتَّ الرجل طلاق امرأته فهي مبتوتة، والأصل مبتوت طلاقها) (^٥)؛ أي: كأنه قال: طلقتك طلاقًا قطع النكاح ولم يبق معه حق الرجعة، والمطلق بهذا اللفظ قد يريد الثلاث، وقد يريد الواحدة، وقد عدَّ الفقهاء لفظ: (البتة) في كنايات الطلاق الظاهرة (^٦)،\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (٣/ ٢٨٦).\n(^٢) \"عون المعبود\" (١٤/ ٢١٤).\n(^٣) \"تلخيص المستدرك\" (٢/ ٤٩١).\n(^٤) \"الإصابة\" (١٢/ ٣٢١).\n(^٥) ص (٣٥).\n(^٦) \"المغني\" (١٠/ ٣٦٧).","vol":"7","page":550},{"text":"والكناية: كل لفظ يحتمل الطلاق وغيره، ومما يدل على أنه قد يراد بها الواحدة رواية أبي داود المتقدمة: (… فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان).\n\n* الوجه الثالث: استدل جماعة من أهل العلم برواية أبي داود وأحمد على أن طلاق الثلاث يقع واحدة، وأن للمطلق الرجعة، لقوله: \"راجع امرأتك\"، فقال: (إني طلقتها ثلاثًا)، فقال: \"قد علمت، راجعها\"، وفي لفظ لأحمد: فقال رسول الله - ﷺ -: \"فإنها واحدة\".\nقال الحافظ: (هذا الحديث نص في المسألة لا يقبل التأويل الذي في غيره من الروايات) (^١).\nقالوا: فحديث ابن جريج أخبرني بعض بني أبي رافع، عن عكرمة، عن ابن عباس، عند أبي داود، وحديث داود بن الحصين، عن عكرمة، عند أحمد موافقان لحديث طاوس وأبي الصهباء وأبي الجوزاء عن ابن عباس أن طلاق الثلاث واحدة، وطاوس وعكرمة أعلم أصحاب ابن عباس، وكان طاوس وعكرمة يفتيان بأن الثلاث واحدة.\nوالقائلون بأن الثلاث واحدة هم جماعة من الصحابة والتابعين، وبعض أرباب المذاهب، فمن الصحابة - ﵃ -: أبو بكر وعمر في أول خلافته، وابن عباس في رواية عنه، ومن التابعين: عطاء وطاوس، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وبه قال بعض هيئة كبار العلماء، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن باز (^٢).\nوأجاب الجمهور القائلون بوقوع الثلاث عن هذا الحديث بثلاثة أجوبة:\n١ - أنه حديث معلول كما تقدم، فلا تقوم به حجة، ولو صح لكان نصًّا في محل النزاع.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٦٢).\n(^٢) \"إغائة اللهفان\" (١/ ٢٨٩)، \"أبحاث هيئة كبار العلماء\" (١/ ٥٥٢).","vol":"7","page":551},{"text":"٢ - على فرض صحته فليس فيه دلالة على أن الطلاق الثلاث كان بلفظ واحد؛ لأن كونها في مجلس واحد لا يلزم منه أنها بلفظ واحد، والتعبير بلفظ المجلس يفهم منه أنها ليست بلفظ واحد، إذ لو كانت كذلك لقال: بلفظ واحد، وترك ذكر المجلس، إذ لا داعي لترك الأخص والتعبير بالأعم بلا موجب (^١).\n٣ - أن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته البتة، كما تقدم في روايته عن طريق آل بيت ركانة، فيمكن أن يكون بعض رواته حمل البتة على الثلاث، فقال: طلقها ثلاثًا، والبتة يصلح أن يراد بها واحدة، كما تقدم.\n\n* الوجه الرابع: استدل الجمهور من أهل العلم على أن طلاق الثلاث يقع ثلاثًا برواية أبي داود الأخيرة: (أن ركانة طلق امرأته البتة، فأتى رسول الله - ﷺ - فقال: \"ما أردت؟ \"، قال: واحدة، قال: \"والله ما أردت إلا واحدة؟ \"، قال: والله ما أردت إلا واحدة، قال: \"فهو ما أردت\".\nووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - استحلف المطلق بأنه لم يرد بالبتة إلا واحدة، فدل على أنه لو أراد بها أكثر من واحدة لوقع ما أراد، ولو لم يفترق الحال لم يستحلفه (^٢).\nقالوا: وهذا الحديث قال عنه أبو داود: هذا أصح من حديث ابن جريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا، كما تقدم.\nوقالوا -أيضًا-: إن هذا الحديث بروايته المتقدمة له متابع من بيت ركانة بن عبد يزيد المطلبي، فيصح الحديث، وتقدم سياق هذا المتابع. كما استدلوا بقضاء عمر - ﵁ -، كما تقدم في حديث ابن عباس، واستدلوا بحديث فاطمة بنت قيس، وحديث سهل في قصة المتلاعنين، وقد مضى ذكرهما والجواب عنهما في شرح حديث ابن عباس - ﵄ - ثالث أحاديث كتاب \"الطلاق\".\n_________\n(^١) \"أضواء البيان\" (١/ ٢٠٧).\n(^٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٤٥٩).","vol":"7","page":552},{"text":"وقد أخذ بهذا القول الأكثرية من هيئة كبار العلماء (^١).\nوأما حديث ركانة فقد أجيب عنه بثلاثة أجوبة:\n١ - أنه حديث ضعيف، كما تقدم؛ لأن مداره على نافع بن عجير، وقد مضى ما فيه.\n٢ - أن قول أبي داود عنه إنه أصح من حديث ابن جريج (أنه طلقها ثلاثًا)، سببه أن أبا داود روى حديث ابن جريج من طريق فيها مجهول -كما تقدم- ولم يرو حديث أحمد من طريق داود بن الحصين، عن عكرمة: (أنه طلقها ثلاثًا)، فلهذا رجح حديث (البتة) على حديث ابن جريج، ولم يتعرض لحديث داود بن الحصين الذي هو أحسن حالًا منه، وهذا على رأي ابن تيمية وابن القيم في تصحيح حديث داود بن الحصين، عن عكرمة، كما تقدم.\n٣ - أن عبارة أبي داود ليست نصًّا في أن الحديث صحيح عنده، كما تقدم.\nأما القائلون بأن طلاق الثلاث بلفظ واحد أو بكلمات متعاقبة لا يقع إلا طلقة واحدة؛ فمستندهم حديث ابن عباس - ﵄ - في أن الطلاق الثلاث كان واحدة في زمن النبي - ﷺ - وأبي بكر وأول خلافة عمر -﵄-، وقد تقدم ما فيه.\nقالوا: وأما ما فعله عمر - ﵁ - ومن وافقه من الصحابة - ﵃ - لما رأى أن الناس قد أكثروا من الطلاق الثلاث، وتتابعوا فيه، وأنهم لا ينتهون إلا بعقوبة تردعهم عنه، فرأى إلزامهم بما قالوا عقوبة لهم، فإن هذا من باب التعزير العارض الذي يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة (^٢)، ولا يستقر تشريعًا لازمًا لا يتغير، بل المستقر اللازم هو التشريع الأصلي لهذه المسألة، فإذا قُدِّرَ أن\n_________\n(^١) \"أبحاث هيئة كبار العلماء\" (١/ ٥٤١).\n(^٢) انظر: كلام ابن رجب في أن قضاء عمر - ﵁ - قسمان: قسم جَمَعَ عليه الصحابة -﵃-، ومنها هذه المسألة، وقسم لم يجمع عليه الصحابة … وهذا في \"جامع العلوم والحكم\" شرح حديث (٢٨)، وفي \"سير الحاث\" ص (٣٥).","vol":"7","page":553},{"text":"الناس تهافتوا على طلاق الثلاث كان الإلزام به أولى، وإذا كان فاعلوه قليلين كان عدم الإلزام به هو الحق.\nقالوا: وبهذا تجتمع الأدلة، ويحصل التمسك بسنة النبي - ﷺ - وخليفتيه الراشدين.\nوأما الاستدلال بحديث ركانة فلا متمسك فيه لأحد من الفريقين، لما تقدم من ضعفه واضطرابه، وعليه فيطرح، ويؤخذ الاستدلال من أدلة أخرى، وقد أفاض ابن القيم في أدلة هذا القول، فراجع \"إغاثة اللهفان\" (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) (١/ ٢٨٣).","vol":"7","page":554},{"text":"<span data-type='title' id=toc-902>حكم طلاق الهازل</span>\n١٠٨٢/ ٨ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدُّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ\"، رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ إلا النَّسَائِيَّ، وَصَحّحَهُ الحاكِمُ.\n١٠٨٣/ ٩ - وَفي رِوَايَةٍ لابْنِ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ: \"الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالنِّكَاحُ\".\n١٠٨٤/ ١٠ - وَلِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - ﵁ - رَفَعَهُ: \"لَا يَجْوزُ اللَّعِبُ في ثَلَاثٍ: الطَّلَاقِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْعَتَاقِ، فَمَنْ قَالهُنَّ فَقَدْ وَجَبْنَ\"، وَسَنَدُهُ ضَعيفٌ.\n\n* الكلام عليها من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فقد رواه أبو داود في كتاب \"الطلاق\"، باب (الطلاق على الهازل) (٢١٩٤)، والترمذي (١١٨٤)، وابن ماجه (٢٠٣٩)، والحاكم (٢/ ١٩٨) من طريق عبد الرحمن بن حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن ماهك، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nوقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب) ونقله المنذري في \"مختصر السنن\" (^١) وأقره، وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد، وعبد الرحمن بن حبيب من\n_________\n(^١) (٣/ ١١٩).","vol":"7","page":555},{"text":"ثقات المدنيين، ولم يخرجاه) وتعقبه الذهبي، فقال: (فيه لين).\nوالظاهر أن السند ضعيف؛ لأن فيه عبد الرحمن بن حبيب بن أردك المدني، قال النسائي: (منكر الحديث)، ووثقه ابن حبان والحاكم (^١)، ومن المعلوم أنهما من المتساهلين في التوثيق، كيف وقد خالفهما النسائي؟! ثم إن تفرد عبد الرحمن بن حبيب بهذا الحديث عن عطاء مما يزيد السند نكارة، لأن مثله لا يقبل تفرده.\nورواه ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٥) من طريق غالب، عن الحسن، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"ثلاث ليس فيهن لعب، من تكلم بشيء منهن لاعبًا فقد وجبن عليه: الطلاق، والعتاق، والنكاح\".\nوهذا سند ضعيف جدًّا؛ لأن فيه غالب بن عبيد الله العقيلي الجزري، قال عنه أبو حاتم والنسائي والدارقطني: (متروك)، وقال ابن معين: (ليس بثقة)، وذكر ابن عدي له أحاديث، ومنها حديث الباب، ثم قال: (والغالب غير ما ذكرت، وله أحاديث منكرة المتن مما لم أذكره)، ثم إن السند فيه انقطاع؛ لأن الحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة - ﵁ - (^٢).\nولعل الحافظ ذكره لأن فيه زيادة (العَتاق).\nوأما حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - فقد رواه الحارث بن أبي أسامة، كما في \"بغية الباحث\" (١/ ٥٥٥ - ٥٥٦) من طريق ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن عبادة بن الصامت - ﵁ - مرفوعًا.\nوهذا سند ضعيف له علتان:\nالأولى: ضعف عبد الله بن لهيعة.\nالثانية: الانقطاع بين عبيد الله بن أبي جعفر وعبادة بن الصامت، فإنه لم يثبت أنه سمع من الصحابة؛ لأن عبيد الله ولد سنة ستين، ووفاة عبادة بن\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٤٤).\n(^٢) \"المراسيل\" لابن أبي حاتم ص (٣٤ - ٣٦).","vol":"7","page":556},{"text":"الصامت سنة أربع وثلاثين (^١).\nوبهذا يتبين أن حديث أبي هريرة حديث ضعيف، وكذا ما له من شواهد كحديث عبادة، وكذا حديث أبي ذر عند عبد الرزاق (٦/ ١٣٥) من طريق إبراهيم بن محمَّد بن أبي يحيى الأسلمي، وهو متروك.\nوقد أخرج ابن أبي شيبة (٥/ ١٠٦)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٢٥)، وابن جرير (٥/ ١٣) من طرق عن الحسن، قال: (كان الرجل في الجاهلية يطلق، ثم يراجع يقول: كنت لاعبًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فقال الرسول - ﷺ -: \"من طلق، أو حرر، أو أنكح، فقال: إني كنت لاعبًا فهو جازم\".\nقال الألباني: (هذا مرسل صحيح الإسناد إلى الحسن وهو البصري) (^٢).\nوقد نقل ابن كثير في \"تفسيره\" عن جماعة من السلف أنهم فسروا الآية بذلك.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ثلاث) هذا ليس على سبيل الحصر بدليل ذكر العتق في رواية ابن عدي، فتكون أربعًا، وثلاث: مبتدأ على حذف مضاف؛ أي: ثلاث خصال أو ثلاث مسائل، والجملة بعده خبر.\n\nقوله: (وهزلهن جد) الهزل: بفتح الهاء وسكون الزاي، ضد الجد، يقال: هزل في الأمر: إذا لم يجدَّ فيه، ومعناه: أن يقول أو يفعل شيئًا على سبيل اللعب والمزاح ولا يريد حقيقته. والجد: بالكسر ضده.\n\nقوله: (والرجعة) بكسر الراء وفتحها: عودة المطلق إلى امرأته المطلقة.\n\n* الوجه الثالث: استدل الفقهاء بهذه الأحاديث على أن الطلاق وما ذكر معه لا هزل فيه، وأن الواجب على المتكلم التحفظ في كلامه، وألا يتكلم إلا عن قصد ونية، لا عن لعب وهزل؛ لأن كلام الهازل معتبر، والطلاق والنكاح\n_________\n(^١) انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ٨)، \"التلخيص\" (٣/ ٢٣٦)، \"الإرواء\" (٦/ ٢٢٦).\n(^٢) \"الإرواء\" (٦/ ٢٢٧).","vol":"7","page":557},{"text":"والرجعة والعتق كلها أمور عظيمة يترتب عليها أحكام تتعلق بالآخرين، فإذا قال: زَوَّجْتُكَ، وقال الآخر: قبلت، وتحققت الشروط وانتفت الموانع لزم النكاح ولو قال: إني هازل، وهكذا لو قال: هي طالق، أو أنت مطلقة، وقع ولو قال: إنه هازل، وهكذا الرجعة والعتق، وهذا قول الجمهور من أهل العلم. قال ابن القيم: (وهو المحفوظ عن الصحابة والتابعين) (^١)، وذلك لأن الهازل قاصد للفظ، مريد له، عالم بمعناه وما يترتب عليه، غير مريد لحكمه ولا ملتزم له، وترتيب الأحكام على الأسباب إنما هو للشارع لا للعاقد، فإذا تكلم المكلف بالسبب لزمه حكمه وترتب عليه أثره شاء أم أبي؛ لأن ذلك لا يقف على اختياره، ثم إن مؤاخذة الهازل بما يقول: في غاية المناسبة لردعه عن الهزل في أحكام الشرع، ولئلا يدعي من يطلق أنه هازل غير جاد (^٢).\nقال ابن المنذر: (أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن جد الطلاق وهزله سواء) (^٣). وقال الخطابي: (اتفق عامة أهل العلم على أن صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان البالغ العاقل فإنه يؤاخذ به ولا ينفعه أن يقول: كنت لاعبًا أو هازلًا، أو لم أنو به طلاقًا، أو ما شابه ذلك من الأمور، واحتج بعض العلماء في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] وقال: لو أُطلق للناس ذلك لتعطلت الأحكام، ولم يشأ مطلق أو ناكح أو معتق أن يقول: كنت في قولي هازلًا إلا قال، فيكون في ذلك إبطال أحكام الله ﷿، وذلك غير جائز، فكل من تكلم بشيء مما جاء ذكره في هذا الحديث لزمه حكمه، ولم يقبل منه أن يدعي خلافه، وذلك تأكيد لأمر الفروج واحتياط له، والله تعالى أعلم) (^٤).\nوالقول الثاني: أن طلاق الهازل لا يقع، وهو قول في مذهب الإِمام مالك وأحمد، ونسبه الشوكاني إلى جماعة من الأئمة، ولهم دليل وتعليل، أما\n_________\n(^١) \"إعلام الموقعين\" (٣/ ١٣٦).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٥/ ٢٠٤)، \"إعلام الموقعين\" (٣/ ١٣٦).\n(^٣) \"المغني\" (١٠/ ٣٧٣).\n(^٤) \"معالم السنن\" (٣/ ١١٩).","vol":"7","page":558},{"text":"الدليل فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٧] فدل على اعتبار العزم، والهازل لا عزم منه.\nوأما التعليل: فلأن الهازل لم يرد الطلاق ولا نوى معناه، فكيف يترتب عليه مقتضاه؟\nقالوا: وأحاديث الباب فيها ما تقدم، فهي غير كافية في مثل هذه المسائل العظيمة، فإن مثل هذا المقام يحتاج فيه إلى قواطع الأدلة، كما لا يخفى (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"الشرح الكبير مع الإنصاف\" (٢٢/ ٢١٦)، \"إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان\" ص (٦١) \"نيل الأوطار\" (٧/ ٢٦٤).","vol":"7","page":559},{"text":"<span data-type='title' id=toc-903>ما جاء في أن الطلاق لا يقع بحديث النفس</span>\n١٠٨٥/ ١١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: \"إِنَّ اللهَ تَعَالى تَجَاوَزَ عَنْ أُمّتي مَا حَدَّثَتْ بهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تكلَّمْ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الطلاق\"، باب (الطلاق في الإغلاق والكره …) (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧) من طريق قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا. وزاد البخاري: (وقال قتادة: إذا طلق في نفسه فليس بشيء).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (تجاوز) أي: عفا وصفح وسامح.\n\nقوله: (ما حدثت به أنفسَها) بالنصب على المفعولية، ويجوز الرفع على الفاعلية.\n\nقوله: (ما لم تعمل) أي: بذلك الخاطر.\n\nقوله: (أو تكلَّم) أي: به، فحيئذ تؤاخذ بالكلام أو العمل.\n\nالوجه الثالث: الحديث دليل على أن من همَّ بالطلاق أو عزم عليه ولم يتكلم ولم يعمل، أنه لا يقع له طلاق، وذلك لأن الخواطر النفسية والهواجس ليست من عمل الإنسان وإرادته، وإنما هي أمور تخطر على القلب بدون قصد، ومن رحمة الله تعالى وإحسانه أن العبد إذا لم يتكلم ولم يعمل","vol":"7","page":560},{"text":"فما يقع في نفسه معفو عنه؛ كأن يقع في نفسه أنه يطلق، أو يقع في نفسه أنه يعتق، فلا شيء عليه في ذلك، وهذا قول الجمهور.\nقال الترمذي بعد حديث الباب: (والعمل على هذا عند أهل العلم، أن الرجل إذا حدث نفسه بالطلاق لم يكن شيء حتى يتكلم به «^١).\nوذهب ابن سيرين والزهري ومالك في رواية عنه إلى أنه إذا طلق في نفسه وقع الطلاق، وقواه ابن العربي (^٢)، مستدلين بقول النبي - ﷺ -: \"إنما الأعمال بالنيات\"، وبأن من كفر في نفسه فقد كَفَر، وبأن المصر على المعصية فاسق مؤاخذ وإن لم يفعلها، وبأنه ينفعه إيمانه وتقواه وخشيته لله ونحو ذلك.\nوالصواب الأول؛ لأن الطلاق ليس من أعمال القلب، وإنما هو من أعمال اللسان، إذ لا بد من النطق به، أو ما يقوم مقامه من كتابة أو إشارة، وحديث \"إنما الأعمال بالنيات\"، حجة عليهم لا لهم؛ لأنه أخبر فيه أن العمل مع النية هو المعتبر، لا النية وحدها، وهنا لم يوجد العمل بنص الحديث، وأما من اعتقد الكفر بقلبه أو شك فهو كافر لزوال الإيمان؛ لأن الكفر من أعمال القلوب، يحل محل الإيمان عند فقده، وأما مؤاخذة المصر على المعصية فهذا إنما هوفيمن عمل المعصية ثم أصر عليها، وهذا عمل اتصل به العزم على معاودته، فهذا هو المصر، أما من عزم على المعصية ولم يعملها فهو بين أمرين إما ألا تكتب عليه، وإما أن تكتب له حسنة إذا تركها لله ﷿ (^٣)، لقوله - ﷺ -: \" .. وإن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة\" (^٤)، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ -: \"وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة\" (^٥).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢/ ٤٧٦).\n(^٢) \"عارضة الأحوذي\" (٥/ ١٥٦)، \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٤).\n(^٣) انظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٥) أخرجه البخاري (٧٥٠١)، ومسلم (١٢٩).","vol":"7","page":561},{"text":"° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن من كتب الطلاق طلقت امرأته ولو لم يتكلم؛ لأنه عزم بقلبه، وعمل بكتابته، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك والشافعي في المنصوص عنه، إلا أن مالكًا وأحمد شرطا الإشهاد على الطلاق المكتوب.\nووجه ذلك أن الكتابة حروف يفهم منها الطلاق وتدل على المقصود، فإذا أتى فيها بالطلاق وفهم منها ما نواه وقع كاللفظ، ولأن الكتابة تقوم مقام قول الكاتب ونطقه (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٠/ ٥٠٣)، \"الطرق الحكمية\" ص (٢١٧)، \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩٤).","vol":"7","page":562},{"text":"<span data-type='title' id=toc-904>بيان من لا يقع طلاقه</span>\n١٠٨٦/ ١٢ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قال: \"إِنَّ اللهَ تَعَالى وَضَعَ عَنْ أمتِي الْخَطَأ، وَالنسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ\"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكمُ، وَقَال أَبُو حَاتِمٍ: لَا يَثْبُتُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه ابن ماجه في كتاب \"الطلاق\"، باب (طلاق المكره والناسي) (٢٠٤٥)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ١٤٥)، والبيهقي (٧/ ٣٥٦ - ٣٥٧) من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا.\nوهذا إسناد ضعيف، علته الانقطاع بين عطاء وابن عباس، قال البوصيري في \"الزوائد\": (إسناده صحيح إن سلم من الانقطاع، والظاهر أنه منقطع، بدليل زيادة عبيد بن عمير في الطريق الثاني، وليس ببعيد أن يكون السقط من جهة الوليد بن مسلم، فإنه كان يدلس).\nوقال البيهقي: (رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، فلم يذكر في إسناده عبيد بن عمير).\nوالطريق الثاني التي فيها عبيد بن عمير هي التي أخرجها الحاكم (٢/ ١٩٨) كما ذكر الحافظ، وكذا ابن حبان (١٦/ ٢٠٢)، والدارقطني (٤/ ١٧٠ - ١٧١)، وابن حزم في \"الإحكام\" (٥/ ١٤٩)، والبيهقي (٧/ ٣٥٦) من طريق بشر بن بكر وأيوب بن سويد قالا: حدثنا الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس - ﵄ - به.","vol":"7","page":563},{"text":"قال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين)، وهذا فيه نظر، فإن بشر بن بكر من رجال البخاري، وليس من رجال مسلم (^١). وقال البيهقي: (جود إسناده بشر بن بكر وهو من الثقات)، ولما أخرج العقيلي الطريق الأولى قال: (ويروى من غير هذا الوجه بإسناد جيد) ولعله يشير بذلك إلى الطريق الثانية.\nوالحديث حسنه النووي في \"الأربعين\"، وأقره الحافظ في \"التلخيص\" (^٢).\nوصححه الشيخ أحمد شاكر، والألباني (^٣).\nوجزم الإمام أحمد بضعفه، فقال ابنه عبد الله: (سألت أبي عنه فأنكره جدًّا، وقال: ليس يروى هذا إلا عن الحسن، عن النبي - ﷺ - \" (^٤). وكذا جزم بضعفه أبو حاتم، كما ذكر الحافظ، فقال ابنه: (قال أبي: لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث عن عطاء، إنما سمع من رجل لم يسمه، أتوهم أنه عبد الله بن عامر، أو إسماعيل بن مسلم، ولا يصح هذا الحديث، ولا يثبت إسناده) (^٥).\nوالحديث له طرق عن ابن عباس -﵄-، وورد -أيضًا- عن عدد من الصحابة -﵃-، منهم أبو ذر، وابن عمر، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وأبو بكرة، وعمران بن حصين، وثوبان، وفي أسانيدها مقال (^٦).\nوهو من حيث المعنى له شواهد تؤيده، ومنها ما في \"صحيح مسلم\" عن سعيد بن جبير أن ابن عباس - ﵄ - قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال الله تعالى: (قد فعلت) (^٧). وعن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - أنها لما نزلت قال: (نعم) (^٨). وليس واحد منها مصرحًا برفعه، لكن لا يضر، فإنه لا يقال من قبل الرأي، فيكون\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٣٨٨)\n(^٢) (١/ ٣٠١).\n(^٣) \"الإحكام\" لا بن حزم (٥/ ١٤٩)، \"الإرواء\" (١/ ١٢٣).\n(^٤) \"العلل\" (١/ ٥٦١).\n(^٥) \"العلل\" (١/ ٤٣١).\n(^٦) انظر: \"نصب الراية\" (٢/ ٦٤ - ٦٦)، \"جامع العلوم والحكم\" حديث (٣٩).\n(^٧) أخرجه مسلم (١٢٦).\n(^٨) أخرجه مسلم (١٢٥).","vol":"7","page":564},{"text":"في حكم المرفوع (^١). وقال تعالى: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، فإذا أذن الله بالكفر وهو أصل الشريعة عند الإكراه ولم يؤاخذ به كان غيره من فروع الشريعة من باب أولى.\nواعلم أن الحديث قد اشتهر على الألسنة ولدى الفقهاء في كتبهم بلفظ (رُفع) وهذا لم يرد في دواوين السنة، وإنما جاء في \"الكامل\" لابن عدي بسند ضعيف (رفع الله عن هذه الأمة) (^٢).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إن الله تعالى وضع) أي: أسقط، وفي رواية ابن حبان وغيره: (إن الله تجاوز) وهذه تفسر المعنى وتبين المراد، ومعنى (تجاوز) عفا وصفح وسامح.\n\nقوله: (الخطأ) هذا على حذف مضاف يستدعيه السياق؛ أي: إثم الخطأ، بدليل رواية ابن حبان.\nوالخطأ: يطلق على ضد الصواب؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١] وعلى ما هو ضد العمد؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأ﴾ [النساء: ٩٢] وهذا المعنى هو المراد بهذا الحديث.\nوالخطأ: ما يصدر من المكلف من قول أو فعل من غير قصد.\n\nقوله: (والنسيان) هو ضد الذكر والحفظ، واصطلاحًا: معنى يعتري الإنسان بدون اختياره فيوجب الغفلة عن الحفظ، أو هو باختصار: الذهول عن شيء معلوم.\n\nقوله: (وما استكرهوا عليه) أي: وما قُهروا عليه؛ أي: على فعله أو\n_________\n(^١) \"جامع العلوم والحكم\" ص (٣٩)، \"الإرواء\" (١/ ١٢٤).\n(^٢) \"التأصيل\" لبكر أبو زيد ص (١٤٨).","vol":"7","page":565},{"text":"قوله. والإكراه: حمل الإنسان على أمر لا يريده بتخويف يستطيع المكرِه تنفيذه، ويصير المكرَه خائفًا به.\n\n°الوجه الثالث: يستدل الأصوليون بهذا الحديث على أن الخطأ والنسيان والإكراه من موانع التكليف، وهذا في حق الله تعالى؛ لأنه مبني على العفو والمسامحة، فمتى فعل المكلف محرمًا جاهلًا أو ناسيًا أو مكرهًا، فلا شيء عليه، ومتى ترك الواجب جاهلًا فلا قضاء عليه إذا كان قد فات وقته، وإنما يقضي ما كان في وقته، وكذا لو ترك واجبًا ناسيًا فلا شيء عليه حال نسيانه، وعليه القضاء إذا ذكره، وكذا المكره.\nأما ما يتعلق بحقوق المخلوقين فلا يعتبر فيها الخطأ والنسيان والإكراه موجبًا للعفو، وعدم المؤاخذة؛ لأن حقوق العباد مبناها على المشاحة والمقاضاة، فلا تمنع من ضمان ما يجب ضمانه إذا لم يرض صاحب الحق بسقوطه (^١). ومن ذلك لو أكره على قتل إنسان بغير حق لم يجز له الإقدام على قتله مهما كانت العواقب والوسائل.\nقال القرطبي: (أجمع أهل العلم على أن من أُكره على قتل غيره لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة) (^٢).\n\nالوجه الرابع: الحديث دليل على أن الخطأ في الطلاق معفو عنه، فلو أراد أن يقول لزوجته: أنت طاهر، فسبق لسانه فقال: أنت طالق، لم تطلق؛ لأن الطلاق يعتبر لوقوعه إرادة لفظه ومعناه، وهذا إذا وجد قرينة تدل على صدق دعواه؛ كأن تقول: أعطني المصحف لكي أقرأ، فقال: أنت طالق، فهنا دلت القرينة على أنه أراد: أنت طاهر.\nفإن كانت القرينة على عكس ما يدعي، بأن قالت له: طلقني، فقال:\n_________\n(^١) \"رفع الحرج\" ص (٢٢)، \"الأصول من علم الأصول\" ص (٢٢).\n(^٢) \"تفسير القرطبي\" (١٠/ ١٨٣).","vol":"7","page":566},{"text":"أنت طالق، ثم قال: أردت: أنت طاهر، لم يقبل منه حكمًا، ويقع الطلاق؛ لأن القرينة تدل على عكس ما يدعيه.\nفإن لم يكن هناك قرينة تؤيد ما ادعى ولا ظاهر اللفظ، فالأصل أن هذا اللفظ الذي صدر منه يراد به المعنى، فيحمل على ما يبدو من ظاهر الكلام.\nوهذا رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، والمذهب أنه لا يقبل منه حكمًا (^١)؛ لأنه خلاف ما يقتضيه ظاهر اللفظ، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه أعلم بنيته.\n\n° الوجه الخامس: استدل بالحديث جمهور العلماء من الشافعية والمالكية والحنابلة على أن طلاق المكره لا يقع، وهو مروي عن عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وغيرهم -﵃-، واختاره ابن حزم (^٢).\nقالوا: لأن المكره لم يكن قاصدًا وقوع الطلاق، إنما قصد دفع الأذى والضرر عن نفسه، وقد قال النبي - ﷺ -: \"إنما الأعمال بالنيات\".\nكما استدلوا بحديث عائشة - ﵂ - قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا طلاق ولا عتاق في إغلاق\" (^٣).\nوالإغلاق هو الإكراه -كما قال ابن الأثير وغيره- لأن المستكره مغلق عليه أمره ومضيق عليه في تصرفه، كما يُغْلَقُ الباب على الإنسان (^٤).\nوشرط الجمهور للإكراه ثلاثة شروط:\n_________\n(^١) أي: عند المحاكمة لدى القاضي لو رفعته إليه، فإن الحاكم يحكم بما ظهر له من اللفظ الذي نطق به، لا بما قال: إنه نواه، فإن لم ترافعه إلى القاضي فإن العبرة بما نوى، فَيُدَيَّنُ في ذلك ويرجع إلى دينه وأمانته؛ لأن هذا أمر لا يطلع عليه إلا الله تعالى. [\"الفتاوى السعدية\" ص (٥١٣)].\n(^٢) \"المحلى\" (٨/ ٣٣٢)، \"المغني، (١٠/ ٣٥٠)، \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ١٣٤ - ٣٦٧ - ٣٧٠).\n(^٣) رواه أبو داود (٢١٩٣)، وابن ماجه (٢٠٤٦)، وأحمد (٤٣/ ٣٧٨)، وحسنه الألباني بمجموع طرقه.\"الإرواء\" (٧/ ١١٣).\n(^٤) \"النهاية\" (٣/ ٣٧٩)، \"الفائق\" (٣/ ٧٢)، \"أساس البلاغة\" ص (٣٢٧).","vol":"7","page":567},{"text":"١ - أن يكون المكرِه قادرًا على إيقاع ما هَدَد به.\n٢ - أن يغلب على ظن المكرَه إيقاع ما هُدِدَ به.\n٣ - أن يكون الإكراه مما يتضرر به في نفسه؛ كالقتل والضرب الشديد، أو في ولده بتعذيبه، أو في ماله بأخذه.\nالقول الثاني: أن طلاق المكره يقع، وهذا قول الحنفية (^١)، وحجتهم أن المكره عندما ينطق بلفظ الطلاق ينطق به وهو مختار له وقاصد إياه، كل ما في الأمر أنه غير راضٍ عن هذا التصرف وما يترتب عليه من آثار شرعية.\nوالراجح هو قول الجمهور، وهو أنه لا يقع طلاق المكره، لقوة دليله، قال ابن القيم: (من تدبر مصادر الشرع وموارده تبين له أن الشارع ألغى الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها، بل جرت على غير قصد منه؛ كالنائم والناسي والسكران والجاهل والمكره والمخطئ) (^٢).\nوأما قول الحنفية: إن اختياره حاصل، فهذا فيه نظر؛ لأنه اختيار فاسد أو ضعيف، ولم يوجد منه الاختيار التام الصحيح الذي تبنى عليه الأحكام.\nواستثنى الفقهاء الإكراه بحق، فهذا يقع طلاقه، وهو المولي إذا مضى عليه أربعة أشهر وأبى أن يفيء فأجبره الحاكم على الطلاق، فيقع طلاقه؛ لأنه إكراه بحق. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المبسوط\" (٢٤/ ٥٧، ٦٣).\n(^٢) \"إعلام الموقعين\" (٣/ ١٠٧).","vol":"7","page":568},{"text":"<span data-type='title' id=toc-905>حكم تحريم الزوجة</span>\n١٠٨٧/ ١٣ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَال: إِذَا حَرّمَ امْرَأتهُ لَيسَ بشَيءٍ. وَقَال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَلمسْلِمٍ: إِذَا حَرّمَ الرَّجُلُ امْرَأتهُ فَهُوَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الطلاق\"، باب ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٥٢٦٦)، ومسلم (١٤٧٣) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن يعلي بن حكيم، عن سعيد بن جبير، أنه أخبره، أنه سمع ابن عباس - ﵄ - يقول: … فذكره باللفظ الأول للبخاري، وباللفظ الثاني لمسلم، وتمامه: (وقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾).\n\n° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن الرجل إذا حرم زوجته، بأن قال: أنتِ عليَّ حرام، أو محرمة ونحو ذلك، فإنه لا يكون طلاقًا، وإنما فيه كفارة يمين، وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وهو قول جماعة من الصحابة -﵃-، منهم ابن عمر، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة، وروي عن أبي بكر وعمر، وقال به عكرمة والحسن وقتادة وسعيد بن المسيب وآخرون (^١).\n_________\n(^١) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٥/ ٧٤)، \"المغني\" (١٠/ ٣٩٦)، \"إعلام الموقعين\" (١/ ٢١٦) (٣/ ٨١)، \"الإنصاف\" (٨/ ٤٨٦ - ٤٨٧).","vol":"7","page":569},{"text":"وحجة هؤلاء: ظاهر القرآن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، فذكر تحلة الأيمان -ومعناها: تحليلها بالكفارة- عقب تحريم الحلال، و(ما) في الآية من صيغ العموم.\nويدل على ذلك رواية مسلم التي ذكر الحافظ؛ لأنها مفسرة لرواية البخاري، ولعل هذا غرض الحافظ من ذكرها.\nويكون معنى قوله: (ليس بشيء) أي: لا يكون تحريمًا وليس بطلاق، لا أنه لا حكم له أصلًا، كما قال ذلك جماعة من السلف، وهو قول الظاهرية (^١)؛ لأن ابن عباس - ﵄ - استدل على أن التلفظ بذلك يمين يكفرها المتكلم بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [التحريم: ١ - ٢].\nوقد وقع الخلاف في هذه الآية، هل المراد بها تحريم العسل الذي شربه النبي - ﷺ - عند زوجته زينب -﵂-، فإن في آخره: (ولن أعود له، وقد حلفت)، أو تحريم الجارية؟ فعلى القول بأن المراد: تحريم الجارية -وهو الراجح (^٢) - يتم الاستدلال بالآية، وقد روى النسائي والحاكم عن أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة - ﵄ - حتى حرمها على نفسه، فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ إلى آخر الآية (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٦/ ٤٠٢)، \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٥/ ٧٤)، \"الاستذكار\" (١٧/ ٤٥)، \"المحلى\" (١٠/ ١٢٤).\n(^٢) انظر: \"المحرر في أسباب نزول القرآن\" (٢/ ١٠٢٧ - ١٠٣٨).\n(^٣) \"سنن النسائي\" (٧/ ٧١)، \"المستدرك\" (٢/ ٤٩٣) قال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، وقد صححه الحافظ في \"فتح الباري\" (٩/ ٣٧١) وقال: (هذا أصح طرق هذا السبب)، وللحديث طرق أخرى عن ابن عمر وعائشة وغيرهما، وبعض هذه الطرق أسانيدها صحيحة، ولما ذكرها الحافظ في \"فتح الباري\" (٨/ ٦٥٧) قال: (وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا).","vol":"7","page":570},{"text":"وهذا على القول بأنه لا فرق بين تحريم الأمة وتحريم الزوجة، وهو قول ابن عباس - ﵄ -؛ لأنه استدل بآية التحريم، أما على القول بالفرق وأن تحريم الأمة لا يحرمها ولا يكون طلاقًا، وفيه كفارة يمين، كما تدل عليه الآية الكريمة، وتحريم الزوجة فيه كفارة الظهار المنصوص عليها في آية سورة المجادلة، فتكون آية التحريم دلت على حكم تحريم الأمة، وآية المجادلة دلت على حكم تحريم الزوجة، وعلى هذا فلا دليل في الآية؛ لأنها في الأمة.\nالقول الثاني: أن تحريم الرجل امرأته لغو باطل لا يترتب عليه شيء -كما تقدم-، قال ابن القيم: (وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وجماعة من السلف) ثم ذكرهم (^١).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦]، واختار هذا الصنعاني (^٢).\nالقول الثالث: أن لفظ: أنتِ علي حرام، ونحوها، يرجع فيه إلى نية المتكلم من طلاق أو ظهار أو يمين، فإن لم ينو شيئًا فهو يمين، وهذا قول لأبي حنيفة، ورواية عن أحمد (^٣). واستدلوا بأن اللفظ لم يوضع لإيقاع الطلاق خاصة، بل هو محتمل للطلاق والظهار واليمين، فإذا صرفه إلى أحدها بالنية فقد استعمله فيما هو صالح له، وصَرَفَهُ إليه بنية، فَيُصرف إلى ما أراده ولا يُتجاوز به ولا يُقصر عنه.\nوالقول الرابع: أنه ظهار فيه كفارة الظهار، ولو نوى طلاقًا أو يمينًا، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو قول إسحاق، وجماعة من التابعين، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشنقيطي (^٤).\n_________\n(^١) \"إعلام الموقعين\" (٣/ ٧٨).\n(^٢) \"سبل السلام\" (٦/ ٢٢٢).\n(^٣) \"الهداية\" (٢/ ١٨)، \"المغني\" (١١/ ٦١)، \"الشرح الممتع\" (١٥/ ١٥٣).\n(^٤) \"الشرح الكبير\" (٢٢/ ٢٦٧)، \"المحرر\" (٢/ ٥٥)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٢/ ٢٩٥) (٣٣/ ٧٤)، \"زاد المعاد\" (٥/ ٣١٣)، \"فتاوى ابن إبراهيم\" (١١/ ٧٨)، \"أضواء البيان\" (٦/ ٥٧٦).","vol":"7","page":571},{"text":"واستدلوا بأن اللفظ موضوع للتحريم، والعبد ليس له التحريم والتحليل، وإنما إليه إنشاء الأسباب التي يرتب عليها ذلك، فإذا حرم ما أحل الله له، فقد أتى القول المنكر والزور، فيكون كقوله: أنتِ علي كظهر أمي، بل هذا أولى أن يكون ظهارًا؛ لأنه إذا شبهها بمن تحرم عليه دل على التحريم باللزوم، فإذا صرح بتحريمها فقد صرح بموجب التشبيه في لفظ الظهار، فهو أولى أن يكون ظهارًا (^١).\nويرى شيخ الإسلام ابن تيمية، وتبعه تلميذه ابن القيم أن هذا اللفظ يكون ظهارًا ولو نوى به الطلاق، وذلك إذا قال: أنت علي حرام أو محرمة؛ لأنه إذا أوقعه هكذا يكون قد أتى منكرًا من القول وزورًا، وكان أولى بكفارة الظهار ممن شبه امرأته بالمحرمة، إلا إذا حلف به، بأن علقه على شيء؛ كأن يقول: هي حرام عليه إن كلَّم فلانًا، أو دخل دار فلان، فهذا حكمه حكم اليمين؛ لأنه أراد منع نفسه، ولأنه يصير بهذه الصفة يمينًا من الأيمان، كما لو قال: إن كلمتُ فلانًا فلله علي أن أعتق أو أحج أو أصوم، ونحو ذلك، وهذا اختيار الشيخ محمد بن إبراهيم (^٢)، والشيخ عبد العزيز بن باز.\nقال الشنقيطي: (وقد دلت آية الظهار على أن أقيس الأقوال وأقربها لظاهر القرآن قول من قال: إن تحريم الزوجة ظهار تلزم فيه كفارة الظهار، وليس بطلاق؛ لأن قوله: أنت علي كظهر أمي معناه: أنت علي حرام …، وأقرب الأقوال بعد هذا لظاهر القرآن القول بكفارة اليمين والاستغفار) (^٣).\nوفي المسألة أقوال أخرى، ذكر ابن القيم منها خمسة عشر قولًا (^٤). وأبلغها القرطبي المفسر إلى ثمانية عشر قولًا (^٥). قال الحافظ: وزاد غيره عليها (^٦).\nقال القرطبي: (سبب الاختلاف في هذا الباب: أنه ليس في كتاب الله\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٥/ ٣٠٠).\n(^٢) \"الفتاوى\" (١١/ ٧٨).\n(^٣) \"أضواء البيان\" (٦/ ٥٧٦).\n(^٤) \"إعلام الموقعين\" (٣/ ٧٨).\n(^٥) \"الجامع لأحكام القرآن\" (١٨/ ١٨٠).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٧٢).","vol":"7","page":572},{"text":"ولا في سنة رسول الله - ﷺ - نص ولا ظاهر صحيح يُعتمد عليه في هذه المسألة، فتجاذبها العلماء لذلك …) (^١).\nوالأظهر -والله أعلم- هو القول الأول، وهو أن من قال لزوجته: أنت عليَّ حرام، أنه تلزمه كفارة يمين، إلا إن قصد بهذا اللفظ إيقاع الطلاق، فإنه يقع، لأن هذا اللفظ من كنايات الطلاق، والطلاق يقع بالكناية مع النية، والله تعالى أعلم (^٢).\n_________\n(^١) \"الجامع لأحكام القرآن\" (١٨/ ١٨٣).\n(^٢) راجع: رسالة \"حكم تحريم المسلم الحلال على نفسه\" للدكتور: خالد بن علي المشيقح.","vol":"7","page":573},{"text":"<span data-type='title' id=toc-906>من كنايات الطلاق</span>\n١٠٨٨/ ١٤ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُول اللهِ - ﷺ - وَدَنَا مِنْهَا قَالتْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، فَقَال: \"لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْحَقِي بِأهْلِكِ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الطلاق\"، باب (من طَلَّقَ، وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق؟) (٥٢٥٤) من طريق الأوزاعي، قال: سألت الزهري أيُّ أزواج النبي - ﷺ - استعاذت منه؟ قال: أخبرني عروة، عن عائشة - ﵂ - أن ابنة الجون … الحديث.\n\n° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن الرجل إذا قال لأهله: الحقي بأهلك، فإنه يكون طلاقًا؛ لأنه لم يرد أن الرسول - ﷺ - زاد على هذه الجملة، فتكون من كنايات الطلاق؛ لأنها تحتمل الطلاق وغيره، ولا بد فيها من النية.\nأما إذا قال الرجل لزوجته: الحقي بأهلك ولم يرد الطلاق، فإنه لا يكون طلاقًا، لما ثبت في \"الصحيحين\" من قصة كعب بن مالك - ﵁ - لما أمره الرسول - ﷺ - أن يعتزل أهله، قال: الحقي بأهلك، فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر (^١).\nوالاستدلال بالحديث على ذلك إنما يتم إذا كان الرسول - ﷺ - قد عقد\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٤٤١٨)، \"صحيح مسلم\" (٢٧٦٩)، وانظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٥٨٣).","vol":"7","page":574},{"text":"على ابنة الجون وتزوجها، وحديث عائشة هذا كالصريح في أنه - ﷺ - كان عقد عليها، فإنها قالت: (لما أُدخلت عليه) فهذا دخول الزوج بأهله، ويؤكده قولها: (ودنا منها).\nوقالت الظاهرية: إن هذا اللفظ ليس من ألفاظ الطلاق، فلا يقع به طلاق، نواه أو لم ينوه، قالوا: لأن النبي - ﷺ - لم يكن قد عقد على ابنة الجون، بدليل ما تقدم في باب (الصداق) من حديث أبي أُسيد الساعدي، وفيه: (فدخل عليها رسول الله - ﷺ - فقال: \"هبي لي نفسك\"، فقالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة … الحديث) فهذا يدل على أن رسول الله - ﷺ - لم يكن تزوجها بعد، وإنما جاء ليخطبها. وفي حديث سهل بن سعد أنه - ﷺ - كلمها، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: \"قد أعذتك مني\"، فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ فقالت: لا، فقالوا: هذا رسول الله - ﷺ - جاء ليخطبك … وهذا صريح في أنه - ﷺ - لم يكن قد عقد عليها.\nوالذي يظهر من قصة الجونية أنها قصة واحدة دارت على عائشة وأبي أُسيد وسهل بن سعد - ﵃ - وألفاظهم فيها متقاربة، ويبقى التعارض بين قول عائشة: (فلما دخل عليها ودنا منها) وبين ما في حديث سهل بن سعد: (جاء ليخطبك) فإما أن يكون أحد اللفظين وهمًا، أو أن الدخول لا يراد به دخول الرجل على امرأته بل الدخول العام، وهذا محتمل (^١).\nوقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن النبي - ﷺ - تزوجها (^٢).\nوالمقصود أن لفظ: \"الحقي بأهلك\" ليس من صريح الطلاق، وإنما هو من كناياته التي لا بد فيها من النية؛ لأن الطلاق ليس له لفظ مخصوص، فإن الله تعالى ذكر الطلاق ولم يعين له لفظًا، فعلم أنه ردَّ الناس إلى ما يتعارفونه طلاقًا، فكل لفظ أفاد معنى الطلاق في عرف الناس وقع به الطلاق مع النية، كما هو في المعاملات وغيرها (^٣).\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٥/ ٣٢٠).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (١٢/ ١٠٤).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (٥/ ٣٢٠).","vol":"7","page":575},{"text":"° الوجه الثالث: في الحديث دليل على حسن خلق النبي - ﷺ - وجوده وكرمه، فإن هذه المرأة لما استعاذت منه - ﷺ - وقالت: أعوذ بالله منك، تفضل عليها وتركها دون أن يشتد في طلبها أو يسيء إليها، وفيه -أيضًا- شدة تعظيم النبي - ﷺ - رَبَّهُ حيث نفَّد رغبتها، وعلل ذلك بقوله: \"لقد عذت بعظيم\".\nومن الناس من إذا ساءت العشرة بينه وبين زوجته وأظهرت عدم رغبتها فيه اشتد عليه الأمر وابتغى لها كل شر، فآذاها وآذى أهلها، ولم يقبل صلحًا ولا فداء انتقامًا لبغضها وكراهتها له، وهذا مما لا يليق بالمسلم، فإن الواجب عليه أن يكون سمحًا كريمًا، وإذا لم يُقَدَّرْ بينه وبين زوجته محبة ووئام فالطلاق مشروع، والخلع مباح، وليس له أن يحبسها ويضيق عليها على وجه يتضرر هو به كما تتضرر هي، وعلى القاضي أن يكون له موقف جاد في مثل هذه الأمور، ومتى اتضح له إمكان إصلاح الحال بينهما أصلح بينهما، إما بأن يتكرم الزوج بالطلاق، أو يقبل الفداء، أما تعطيل المرأة فليس فيه مصلحة للزوج ولا لها، إلا إذا كان يرجى استقامة الحال بينهما؛ كأن يتضح للقاضي أن المرأة قد خُدعت وأنها ستفيق وترجع إلى صوابها، فلا بأس بالانتظار مدة يسيرة يُظن فيها استقامة الأمر وصلاح الحال، ولا حاجة إلى العجلة، لكن تركها المدة الطويلة من أجل إرضاء الزوج والنزول عند رغبته وإقراره على عناده وتشدده، فهذا ليس بلائق؛ لأن مثل هذه التصرفات مخالفة لسنة النبي - ﷺ -، وبها تتجلي حكمة القضاء وقوته. والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":576},{"text":"<span data-type='title' id=toc-907>ما جاء في أنه لا طلاق إلَّا بعد نكاح</span>\n١٠٨٩/ ١٥ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا طَلَاقَ إلا بَعْدَ نِكَاحٍ، وَلَا عِتْقَ إلا بَعْدَ مِلْك\"، رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ مَعْلُولٌ.\n١٠٩٠/ ١٦ - وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ مِثْلَهُ، وَإِسْنَادُهُ حَسَن، لكِنَّهُ مَعْلُولٌ أَيضًا.\n١٠٩١/ ١٧ - وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا نَذْرَ لابْنِ آدَمَ فِيما لا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ لَهُ فيما لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ. وَنُقِلَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أنهُ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِيهِ.\n\n* الكلام عليها من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث جابر - ﵁ - فقد أخرجه الحاكم (٢/ ٢٠٤) من طريق أبي بكر الحنفي، ثنا ابن أبي ذئب، ثنا عطاء، حدثني جابر - ﵁ - به مرفوعًا.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي، إلا أنه قال: (وشاهده أشهر منه) يريد حديث عمرو بن شعيب الآتي.\nوهذا الحديث أُعل بالانقطاع بين ابن أبي ذئب وعطاء، فقد رواه الطيالسي (٣/ ٢٦١) - ومن طريقه البيهقي (٧/ ٣١٩) - عن ابن أبي ذئب، قال: حدثني من سمع عطاء، عن جابر - ﵁ - به.","vol":"7","page":577},{"text":"وهذا سند ضعيف، لجهالة الراوي عن عطاء.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم عن أبي زرعة، وعن أبيه أنهما قالا: (إن جميع أسانيد هذا الحديث وَهْم عندنا، والصحيح ما روى الثوري، عن ابن المنكدر، عن من سمع طاوسًا، عن النبي - ﷺ -) (^١).\nوهذا المرسل رواه عبد الرزاق (٦/ ٤١٧ - ٤١٨)، وابن أبي شيبة (٥/ ١٦).\nوقد عزا الحافظ حديث جابر - ﵁ - إلى أبي يعلى هنا، وكذا في \"فتح الباري\" (^٢)، كما عزاه إليه ابن عبد الهادي في \"المحرر\" (^٣)، ولم أجده في مسنده، ولا عزاه إليه من اشتغلوا بالتخريج، ثم رأيت الحديث في \"المطالب العالية\" (^٤) لابن حجر، ولم يعزه لمسند أبي يعلى.\nوأما حديث المسور بن مخرمة فقد رواه ابن ماجه (٢٠٤٨) من طريق علي بن الحسين بن واقد، ثنا هشام بن سعد، عن الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة، عن النبي - ﷺ - قال: \"لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل مِلْك\".\nوالحديث حسنه البوصيري؛ لأن علي بن الحسين وشيخه هشام بن سعد مختلف فيهما (^٥).\nلكنه معلول -أيضًا (^٦) - فقد اختلف فيه على الزهري، فرواه علي بن الحسين كما تقدم، ورواه حماد بن خالد، عن هشام بن سعد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - ﵄ - قالت: (لا طلاق إلا بعد نكاح). أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١٦) والطحاوي في \"شرح المشكل\" (٢/ ١٣٢)، والبيهقي (٧/ ٣٢١) وقال الدارقطني في \"العلل\" (١٥/ ٣٥): (والصحيح عن هشام بن سعد ما قاله حماد بن خالد، والله أعلم) يريد الموقوف، وقال البيهقي: (كذا أتى به موقوفًا).\n_________\n(^١) \"العلل\" (١٢٢٠) (١٢٢٢)، (١٣١٢)، وانظر: \"العلل\" للدارقطني (٣/ ٧٤ - ٧٥).\n(^٢) (٩/ ٣٨٥).\n(^٣) (٢/ ٦٧٥).\n(^٤) (٨/ ٤٤٤).\n(^٥) \"الزوائد\" (٢/ ١٣٢).\n(^٦) \"التلخيص\" (٣/ ٢٣٨).","vol":"7","page":578},{"text":"وروي عن بشر بن السري، عن هشام بن سعد، عن الزهري، عن عروة، عن النبي - ﷺ - مرسلًا، رواه البيهقي (٧/ ٣٢١) (^١).\nوأما حديث عمرو بن شعيب فقد رواه أبو داود في كتاب \"الطلاق\"، باب (الطلاق قبل النكاح) (٢١٩٠) (٢١٩١) (٢١٩٢)، والترمذي (١١٨١) من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا. وهذا لفظ الترمذي، قال الترمذي: (حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب).\nوقال -أيضًا-: (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقلت: أيُّ حديث في هذا الباب أصح في الطلاق قبل النكاح؟ فقال: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وحديث هشام بن سعد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة) (^٢).\nونقل الحافظ في \"التلخيص\" عن البيهقي أنه قال في \"الخلافيات\" قال البخاري: (أصح شيء فيه وأشهره حديث عمرو بن شعيب وحديث عائشة) (^٣).\nوالحديث رواه ابن ماجه (٢٠٤٧) بلفظ: (لا طلاق فيما لا يملك) ولعل الحافظ لم يعزه إليه لكونه روى الحديث مختصرًا مقتصرًا على ما يتعلق بالطلاق.\nقال الشوكاني: (ولا يخفى عليك أن مثل هذه الروايات التي سقناها في الباب من طريق أولئك الجماعة من الصحابة مما لا يشك منصف أنها صالحة بمجموعها للاحتجاج …) (^٤).\nوقد بوَّب البخاري في \"صحيحه\" (لا طلاق قبل نكاح) ولم يورد حديثًا تحت هذه الترجمة، وإنما علَّق عن علي وابن عباس وغيرهما - ﵃ - (^٥).\n\n° الوجه الثاني: في هذه الأحاديث دليل على أنه لا طلاق إلا بعد\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (١٢٧١)، \"العلل\" للدارقطني (١٥/ ٣٥).\n(^٢) \"العلل\" (١/ ٤٦٥).\n(^٣) \"التلخيص\" (٣/ ٢٣٨).\n(^٤) \"نيل الأوطار\" (٦/ ٢٧١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٨١).","vol":"7","page":579},{"text":"الملك بعقد النكاح على الزوجة، وأن الزوج إذا طلق المرأة قبل النكاح فلا طلاق له.\nوظاهر الحديث العموم، وأنه لا فرق بين الطلاق المنجز والمعلق، أما المنجز فبالإجماع لا يقع فيه الطلاق، كما لو قال: فلانة طالق، فلا يقع عليها الطلاق، وهي ليست زوجة له، أو يقول: عبدُ فلان حر، وهو ليس عبدًا له. وأما الطلاق المعلق؛ كقوله: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، أو إن تزوجت فلانة فهي طالق، فالجمهور أنه لا يقع، وقد ترجم البخاري في \"صحيحه\" فقال: (باب، لا طلاق قبل نكاح) ثم ذكر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩] ونقل عن ابن عباس أنه قال: جعل الله الطلاق بعد النكاح، ثم ذكر البخاري أنه قول علي - ﵁ -، وسرد اسم ثلاثة وعشرين من التابعين أنهم قالوا بعدم الوقوع (^١).\nولأن المطلِّق قبل النكاح مطلق امرأةً أجنبية؛ لأنها حين أنشأ الطلاق أجنبية منه، والمتجدد هو نكاحها، فهو كما لو قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت وهي زوجته، لم تطلق إجماعًا.\nوفائدة ذلك معرفة أنه لا يقع طلاق على هذه المرأة بعد عقد النكاح عليها، وأما قبل العقد فكل أحد يعلم بعدم الوقوع قبل عقد النكاح.\nوالقول الثاني: أن الطلاق قبل النكاح يقع مطلقًا، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه.\nوالقول الثالث: التفصيل، وهو أنه إن خص امرأة أو أسرة معينة أو بلدًا وقع الطلاق، كما لو قال: كل امرأة أتزوجها من بني فلان، أو من بلد كذا فهي طالق، وإن عمَّ فقال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق لم يقع شيء، وهذا قول مالك وأصحابه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٨١).","vol":"7","page":580},{"text":"قال ابن رشد: (وسبب الخلاف: هل من شروط وقوع الطلاق وجود الملك متقدمًا بالزمان على الطلاق أم ليس ذلك من شرطه؟ فمن قال: هو من شرطه، قال: لا يتعلق الطلاق بالأجنبية، ومن قال: ليس من شرطه إلا وجود الملك فقط، قال: يقع بالأجنبية، وأما الفرق بين التعميم والتخصيص فاستحسان مبني على المصلحة، وذلك أنه إذا عمم فأوجبنا عليه التعميم لم يجد سبيلًا إلى نكاح الحلال …، وأما إذا خصص فليس الأمر كذلك إذا ألزمناه الطلاق) (^١).\nوالراجح هو القول الأول، ولا دليل على الشرطية المذكورة، كما أنه لا فرق بين التخصيص والتعميم؛ لأن هذا التفصيل لا دليل عليه ولا وجه له؛ لأن ظاهر الحديث العموم، فالصواب إجراؤه على ظاهره.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن من نذر شيئًا معينًا لا يملكه فليس عليه شيء؛ كأن يقول: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق عبد فلان، أو أتصدق بشاة فلان أو نخلة فلان، والمقصود أنه يتصرف في ملك غيره بلا إذنه.\nفإن التزم في ذمته شيئًا كعتق أو صدقة وهو في تلك الحال لا يملكه ولا قيمته، فإذا شفي مريضه صح نذره وثبت ذلك في ذمته، وسيأتي البحث في هذه المسألة في كتاب \"الأيمان والنذور\". إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (٣/ ١٥٩).","vol":"7","page":581},{"text":"<span data-type='title' id=toc-908>حكم طلاق غير المكلف</span>\n١٠٩٢/ ١٨ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"رُفعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتى يَسْتَيقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتى يَكْبُرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتى يَعْقِلَ، أَوْ يُفِيقَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٤١/ ٢٢٤) (٤٢/ ٥١)، وأبو داود في كتاب \"الحدود\"، بابٌ (في المجنون يسرق أو يصيب حدًّا) (٤٣٩٨)، والنسائي (٦/ ١٥٦)، وابن ماجه (٢٠٤١)، والحاكم (٢/ ٥٩) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة - ﵂ -.\nقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم) وسكت عنه الذهبي، والحديث رجاله كلهم ثقات، وحماد بن أبي سليمان وإن كان فيه كلام من قبل حفظه فهو يسير، وقد روى له مسلم مقرونًا بغيره، دمابراهيم هو ابن يزيد النخعي، والأسود: هو ابن يزيد النخعي.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذا الحديث قد رواه أهل السنن من حديث علي وعائشة -﵄-، واتفق أهل المعرفة على تلقيه بالقبول) (^١).\nوالحديث له شواهد، فقد رواه سبعة من الصحابة -﵃-، وقد ذكر الحافظ ألفاظها ومخارجها وطرقها، ثم قال: (وهذه الطرق يقوى بعضها ببعض …) (^٢).\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (١١/ ١٩١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٢١).","vol":"7","page":582},{"text":"° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (رفع القلم) أي: إنه ليس يجري أصالة، لا أنه رفع بعد أن وضع، والمراد برفع القلم: عدم المؤاخذة على ما يقع من الصغير والنائم والمجنون من المخالفات، ورفع القلم كناية عن عدم التكليف؛ لأن التكليف يلزم منه الكتابة، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وهذا هو المشهور. وقيل: إن المراد حقيقة القلم الذي ورد فيه حديث: \"أول ما خلق الله القلم\" (^١).\nوأما قلم الثواب بالنسبة للصغير فهو غير مرفوع بدليل صحة إسلامه، كما في قصة الصبي اليهودي الذي أسلم (^٢)، وبدليل ثوابه على الطاعات من الصلاة وغيرها، كما في قوله - ﷺ -: \"مروا أبناءكم بالصلاة لسبع … \"، وقوله: \"نعم ولكِ أجر\" لما قالت له: ألهذا حج؟ (^٣).\n\nقوله: (عن ثلاثة) أي: ثلاثة أشخاص، أو ثلاثة أنفس، ليشمل الذكور والإناث كالصبي والصبية. ووقع عند النسائي وإحدى روايتي أحمد: \"عن ثلاث\" بدون تاء.\n\nقوله: (عن النائم حتى يستيقظ) الظاهر أن المغيا محذوف، وبه ينتظم الكلام، وتقديره: رفع القلم عن النائم فلا يزال مرتفعًا حتى يستيقظ، ورفع القلم عن الصغير فلا يزال مرتفعًا حتى يكبر … وهكذا؛ لأن ما بعد حتى غايات مستقبلة، وما قبلها فعل ماض، والفعل الماضي لا يجوز أن تكون غايته مستقبلة، فلا تقول: سرت أمس حتى تطلع الشمس غدًا (^٤).\nوالنائم: هو المغطى على عقله، ومثله المغمى عليه، والمجنون: ذاهب العقل، كما سيأتي.\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٢١٥٥) (٣٣١٩)، وأحمد (٣٧/ ٣٧٨) وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده.\n(^٢) رواه البخاري (١٣٥٦).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٨٣).\n(^٤) \"إبراز الحِكَم من حديث رفع القلم\" ص (٤٥).","vol":"7","page":583},{"text":"والسكران: هو المغلوب على عقله.\nوقيل: النوم: أمر طبيعي يحدث للإنسان لا يتعارض مع سلامة العقل وقيامِهِ في النائم، مع تعذر استعماله حالة النوم (^١).\n\nقوله: (وعن الصغير حتى يكبر) ورد عند أحمد: \"وعن الصبي حتى يحتلم\"، وفي أخرى: \"وعن الصبي حتى يعقل\"، وفي حديث علي - ﵁ -: \"وعن الغلام حتى يبلغ\"، وفي رواية: \"وعن الطفل حتى يحتلم\" (^٢)، وهذه ألفاظ مترادفة يراد بها ما قبل البلوغ الذي يحصل بالاحتلام؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا.\nوقد ذكر السبكي الشافعي في شرحه لهذا الحديث أن رواية: \"حتى يحتلم\" هي أولى الروايات وأصحها سندًا وأكثرها بيانًا؛ لأنها نص في الاحتلام الذي هو أوضح من الغايات الأخرى؛ لقوة دلالته على البلوغ (^٣).\nويرى السندي في \"حاشيته على سنن النسائي\" أن رواية: \"حتى يبلغ\" أوضح؛ لأن الصغير قد يبلغ بغير الاحتلام (^٤).\nوعندي أن كلام السبكي أرجح؛ لأن البلوغ بالاحتلام مجمع عليه، بخلاف غيره كالإنبات وبلوغ السن، فهو موضع خلاف.\n\nقوله: (وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق) هذا لفظ النسائي وابن ماجه، وعند أبي داود وأحمد ولفظ آخر لابن ماجه: \"وعن المبتلى حتى يبرأ\"، وفي لفظ لأحمد: \"وعن المعتوه حتى يعقل\" وهذه الألفاظ متقاربة أو متوافقة، ولا تدل على أن المرفوع عنهم القلم أكثر من ثلاثة، والمجنون والمعتوه واحد هنا، وإن كان المعتوه أقل من المجنون؛ لأن المعتوه مصاب بضعف عقلي، والمجنون لا عقل له، لكن هنا المراد بهما واحد.\nوالمبتلى وإن كان من حيث الوضع أعم من المجنون، لكن المراد به هنا\n_________\n(^١) \"الدر النقي\" (٣/ ٥٥١)، \"عوارض الأهلية\" ص (٢٣٣).\n(^٢) انظر: \"التعريف بعلامات بلوغ التكليف\" ص (١٢).\n(^٣) \"إبراز الحكم\" ص (٦٥).\n(^٤) \"حاشية السندي\" (٦/ ١٥٦).","vol":"7","page":584},{"text":"المجنون؛ لدلالة بقية الروايات عليه، وللإجماع على أن المبتلى بغير الجنون لا يرتفع عنه قلم التكليف، وإطلاق المبتلى على المجنون إطلاق ممكن، فإنه لا بلوى أعظم من ذهاب العقل إلا ذهاب الدين، نسأل الله السلامة والعافية.\nوالمجنون: فاقد العقل خلقة أو لآفة، ومظهره جريان تصرفاته القولية والفعلية على غير نهج العقلاء. تقول العرب: جُنَّ الرجل -مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعله- يُجَنُّ جنونًا، وأجنَّه الله -رباعيًّا- فهو مجنون، ولا تقل: مُجَنٌّ، وإن كان هو قياس اسم المفعول من الرباعي.\n\nقوله: (حتى يعقل أو يفيق) هذا لفظ النسائي وابن ماجه، كما تقدم. وقوله: \"أو يُفيق\" بضم الياء، من أفاق المجنون إفاقة: رجع إليه عقله، وهذا اللفظ يفيد أن الحديث شامل للمجنون بنوعيه: المطبق: بضم الميم وكسر الباء، وهو الدائم، وغير المطبق: أي غير الدائم، وهو الجنون المتقطع؛ لأن مقتضى قوله: \"حتى يفيق\" تعليق رفع القلم بحصول الجنون، وزوال رفعه بالإفاقة، والإفاقة علة التكليف، والمعلول يتكرر بتكرر علته: فكلما أفاق كلف.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الصغر والنوم والجنون من أسباب فقد الأهلية، وهي صلاحية الشخص لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، وعلى هذا فهؤلاء غير مكلفين بالأوامر والنواهي، وهذا من رحمة الله ولطفه بعباده وإحسانه إليهم، فإن هؤلاء ليسوا من أهل التصرف؛ لأن الصغير لم يكتمل العقل حتى يتصرف تصرفًا مستقيمًا، والمجنون لا عقل له، والنائم قد غُطي على عقله فهو لا يعي ما يقول:\nوالمراد أن هؤلاء لا يتوجه إليهم خطاب التكليف، فالصغير لا يكلف بالأمر والنهي تكليفًا مساويًا لتكليف البالغ، لكنه يؤمر بالعبادات كالصلاة بعد التمييز؛ ليعتادها وينشأ على محبتها والحرص عليها، ويمنع من المعاصي ليعتاد الكف عنها.\nوكذا المجنون فإنه لا يكلف بالأمر والنهي؛ لأنه لا قصد له ولا إرادة،","vol":"7","page":585},{"text":"ولكنه يمنع مما يكون فيه تَعدّ على غيره أو إفساد، شأنه في ذلك شأن البهيمة الضارية، ولو فعل المأمورَ به كالصلاة لم يصح الفعل؛ لعدم قصد الامتثال منه.\nوكذا النائم فهو معدوم الأهلية، والمراد أهلية الأداء، لا أهلية الوجوب؛ لأن أهلية الأداء مبناها على التمييز، وهو معدوم بالنوم، ولهذا لا يعتد بأقوال النائم التي يعتبر فيها الاختيار؛ كالبيع والشراء والطلاق والعتاق وغير ذلك.\nوأما أهلية الوجوب فهي ثابتة في حقه، والوجوب قائم في ذمته، إلا أن النوم أدى إلى تأخير الأداء في حق النائم إلى أن يستيقظ، فإن استيقظ قبل فوات وقت الأداء كان فعله للواجب أداء، وإلا فهو قضاء، ودليل ذلك قوله - ﷺ -: \"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها\" (^١).\nوقد حمل بعض العلماء هذا الحديث على النائم الذي ليس عنده من يوقظه ولا يتمكن من إيجاد شيء يستيقظ به، أما شخص عنده من يوقظه أو يتمكن من إيجاد شيء يستيقظ به كالساعة وغيرها، ولم يفعل فهذا ليس بمعذور (^٢).\nويمكن أن يستدل لذلك بحديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة النبي - ﷺ - مع أصحابه - ﵃ - لما قفلوا من غزوة خيبر سار ليله حتى إذا أدركه الكَرَى عرَّس، وقال لبلال: \"اكلأ لنا الليل\" (^٣)، وفي حديث أبي قتادة\" احفظوا لنا صلاتنا\" (^٤).\n\n° الوجه الرابع: ذكر المصنف هذا الحديث في كتاب \"الطلاق\" للاستدلال على أن طلاق الصغير والمجنون والنائم لا يقع، أما الصبي فإن كان لا يعقل فلا طلاق له إجماعًا، وإن كان يعقل وهو المميز لم يقع طلاقه على الراجح من قولي أهل العلم، لقرب عهده باللهو واللعب وبُعده عن\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤)\n(^٢) \"فتاوى ابن عثيمين\" (١٢/ ٢٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (٦٨٠).\n(^٤) أخرجه مسلم (٦٨١)، وتقدم الكلام عليه في باب \"الأذان\" برقم (١٨٦).","vol":"7","page":586},{"text":"صواب الرأي في الأمور الخطيرة التي لا يكون صواب الرأي فيها إلا بكمال العقل، وهذه المسألة ليست بذات أهمية؛ لأن الناس عادة لا يزوجون الصغار.\nوكذا المجنون لا يقع طلاقه؛ لأنه لا يعتد بعبارته، وقد صح عن عثمان - ﵁ - أنه قال: (ليس لمجنون ولا لسكران طلاق) (^١).\nوكذا النائم لا يقع طلاقه، كما تقدم.\n\n° الوجه الخامس: اختلف العلماء في وقوع طلاق السكران، وهذا الخلاف إنما هو فيمن زال عقله بسبب غير مباح، وهو السكر الحاصل بطريق محذور؛ كشرب المسكر باختياره وإرادته، ففي المسألة قولان:\nالأول: أن طلاقه يقع، وهذا قول الجمهور من الشافعية والحنفية والمالكية ورواية عن الإمام أحمد هي المذهب (^٢)، وحجتهم أن السكران تناول المسكر بمحض إرادته واختياره، وهو مدرك أن هذا يؤدي إلى زوال العقل، وقد ترتب على هذا الزوال بعض التصرفات، ومنها الطلاق، لذا يقتضي أن يجعل عقله كأنه موجود، ليثبت صحة تصرفه، زجرًا له وعقابًا على معصيته للباري ﷿.\nالقول الثاني: أن طلاق السكران لا يقع، وهذا مروي عن عثمان - ﵁ -، وهو قول عطاء وطاوس وعمر بن عبد العزيز (^٣)، وهو قول بعض الحنفية، واختاره المزني وغيره من الشافعية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ونصره ابن القيم (^٤)، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٠)، والبيهقي (٧/ ٣٥٩)، من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، قال الألباني في \"الإرواء\" (٧/ ١١٢): (هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين\"، وعلقه البخاري \"٩/ ٣٨٨ فتح\".\n(^٢) \"المغني\" (١٠/ ٣٤٦)، \"المهذب\" (٢/ ٩٩).\n(^٣) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٨٣/ ٦ - ٨٤)، \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٥/ ٣٩)، \"المحلى\" (١٠/ ٢١٠)، \"فتح الباري\" (٩/ ٣٩١).\n(^٤) \"المهذب\" (٢/ ٩٩)، \"الفتاوى\" (٣٣/ ١٠٢)، \"زاد المعاد\" (٥/ ٢١٠).\n(^٥) \"الفتاوى\" (١١/ ١١ - ١٢).","vol":"7","page":587},{"text":"قالوا: لأن السكران في غفلة، وغفلته فوق غفلة النائم؛ لأن النائم يمكن أن ينتبه إذا نبه، والسكران لا ينتبه، وبما أن طلاق النائم لا يقع، فكذا طلاق السكران لا يقع بل هو أولى.\nوهذا القول هو الأظهر -إن شاء الله- لزوال التكليف، ولأن الله تعالى نهى عن قربان الصلاة حال السكر، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣] ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] والسكران لا يعلم ما يقول، ومن كان كذلك كيف يكون مكلفًا وهو غير فاهم ما يقول؟!\nأما قولهم: يقع عقوبة، فهذا فيه نظر من وجهين:\n١ - أن عقوبة السكران مقدرة في الشرع وهي الجلد، فلا يعاقب بغيره ما لم يرد به الشرع.\n٢ - أن العقوبة ينبغي ألا تتجاوز من ارتكب الجرم، والعقوبة هنا تتجاوزه إلى زوجته وأولاده.\nأما من زال عقله بمباح كمن أعطي بنجًا لعملية جراحية أو شرب مسكرًا مكرهًا، أو نحو ذلك مما لا يدخل تحت الرضا والاختيار، فإنه لا يقع طلاقه إجماعًا (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المبدع\" (٧/ ٢٥١).","vol":"7","page":588},{"text":"<span data-type='title' id=toc-909>باب الرجعة</span>\nالرجعة: بالفتح بمعنى الرجوع، وهو العود إلى ما فارقه، أما الرجعة بعد الطلاق فبالفتح والكسر، والفتح أفصح، قال ابن فارس: (والرَّجعة: مراجعة الرجل أهله، وقد تكسر) (^١).\nوشرعًا: إعادةُ مطلقةٍ غير بائنٍ إلى عصمة النكاح بغير عقد.\nوهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.\nأما من الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والمراد بقوله: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ أي: بإرجاعهن إلى عصمتهم، وقوله: ﴿فِي ذَلِكَ﴾ أي: في زمن التربص، وهو العدة، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] والمراد ببلوغ أجلهن: منتهى عدتهن، وقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: أبقوهن بمراجعتهن بما يقره الشرع والعرف، والباء للمصاحبة، ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: اتركوهن بلا مراجعة، دون أن يَسُبَّهَا أو يُقَبِّحَهَا.\nومن السنة: ما ورد أن النبي - ﷺ - قال لعمر - ﵁ - حينما أخبره بأن عبد الله بن عمر طلق زوجته حائضًا: \"مره فليراجعها\".\nوأما الإجماع فقد نقل غير واحد اتفاق أهل العلم على ذلك، قال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق دون الثلاث والعبد دون الاثنتين أن لهما الرجعة في العدة) (^٢).\n_________\n(^١) \"مجمل اللغة\" (٢/ ٤٢).\n(^٢) \"الإجماع\" لابن المنذر ص (٩٩ - ١٠٠)، \"المغني\" (١٠/ ٥٤٧).","vol":"7","page":589},{"text":"وأما الحكمة من مشروعيتها: فإن إباحة مراجعة الرجل زوجته من نعم الله تعالى على عباده، وذلك محافظة على كيان الأسرة من التمزق، ورحمة بالزوج، فقد يشعر بفراغ ووحشة لفراق زوجته، وقد يناله بسبب ذلك من القلق والحيرة ما لا صبر له عليه، ويتبين له أن ما طلق لأجله لم يكن يقتضي مفارقتها، لا سيما مع وجود الولد، والمقصود أن المصلحة المترتبة على الرجعة كما تعود على الزوج تعود إلى المرأة والأولاد.\nوقد دل قوله تعالى: إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] على أن شرط الرجعة إرادة الإصلاح، وهو حسن العشرة والقيام بحقوق الزوجية، فإن أراد برجعتها تطويل العدة عليها أو تطليقها فهي مراجعة باطلة.","vol":"7","page":590},{"text":"<span data-type='title' id=toc-910>حكم الإشهاد على الرجعة</span>\n١٠٩٣/ ١ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ - ﵄ - أنهُ سُئِلَ عَنِ الرّجُلِ يُطَلِّقُ ثُم يُرَاجِعُ وَلَا يُشْهِدُ؟ فَقَال: أَشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا وَعَلَى رَجْعَتِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ هَكَذَا مَوْقُوفًا، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.\n١٠٩٤/ ٢ - وعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أنهُ لَمّا طَلَّقَ امْرَأتهُ قَال النَّبيُّ - ﷺ - لِعُمَرَ: \"مُرهُ فَلْيُرَاجِعْهَا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث عمران - ﵁ - فقد أخرجه أبو داود في كتاب \"الطلاق\"، باب (الرجل يراجع ولا يشهد) (٢١٨٦) من طريق جعفر بن سليمان الضُّبعي، عن يزيد الرِّشْك، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، أن عمران بن حصين سئل عن الرجل يطلق امرأته، ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، فقال: (طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها، ولا تعد).\nوبهذا يتبين أن الحافظ قد أخلَّ بلفظ هذا الحديث، فإنه ترك قوله: (طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة)، وقد صحح الحافظ هذا الحديث، وقال ابن عبد الهادي: (رواته ثقات مخرج لهم في الصحيح) وجعفر الضُّبعي وإن كان من رجال مسلم إلا أنه متكلم فيه، فقد قال فيه البخاري (يخالف في بعض حديثه) وقال الذهبي (هو صدوق في نفسه، وينفرد بأحاديث عُدَّت مما يُنكر، واختلف في الاحتجاج بها) وساق له أحاديث، ومنها حديث","vol":"7","page":591},{"text":"الباب (^١). وقال الحافظ في \"التقريب\" (صدوق).\nورواه البيهقي (٧/ ٣٧٣) من طريق قتادة ويونس، عن الحسن وأيوب، عن ابن سيرين، أن عمران بن حصين - ﵁ - سئل عن رجل طلق امرأته ولم يشهد، وراجع ولم يشهد، قال عمران: (طلق في غير عدة، وراجع في غير سنة، فليشهد الآن).\nوإسناده منقطع؛ لأن ابن سيرين لم يسمع من عمران، كما قال الدارقطني (^٢). راجعته، وليستغفر الله) وإسناده كالذي قبله.\nوأما حديث ابن عمر - ﵄ - فقد تقدم تخريجه في أول كتاب \"الطلاق\"، ولعل المؤلف أعاده هنا لدلالته على مشروعية الرجعة، وعلى أنه لا يشترط فيها الإشهاد، كما سيأتي.\n\n° الوجه الثاني: استدل بحديث عمران - ﵁ - من قال بوجوب الإشهاد على الرجعة وعلى الطلاق، وقد دل الحديث على ما دلت عليه آية سورة الطلاق: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] بعد ذكر الطلاق والرجعة، والقول بوجوب الإشهاد هو قول الشافعي في القديم، وابن حزم، ونقله ابن كثير عن عطاء (^٣).\nقالوا: وظاهر الأمر في الآية وجوب الإشهاد؛ لتقدم ذكر الطلاق والرجعة، قال ابن كثير: (وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: على الرجعة إذا عزمتم عليها)، ثم ساق أثر عمران بن حصين - ﵁ - (^٤).\n_________\n(^١) \"الميزان\" (١/ ٤٠٩ - ٤١٠).\n(^٢) \"تحفة التحصيل\" ص (٥٧٨).\n(^٣) \"المحلى\" (٩/ ٢٥١)، \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ١٧١).\n(^٤) \"تفسير كثير\" (٨/ ١٧١).","vol":"7","page":592},{"text":"القول الثاني: أنه لا يجب الإشهاد في الطلاق، ويجب في الرجعة؛ لأن الطلاق ورد في غير آية وفي غير حديث غير مقيد بالإشهاد، وأما الرجعة فكما تقدم، وهذا رواية عن أحمد، وأحد قولي الشافعي (^١).\nوالقول الثالث: أن الإشهاد مستحب فيهما ولا يجب، وهو رواية عن أحمد، وظاهر كلام الشافعي (^٢)، وقول مالك (^٣)، وأبي حنيفة، واستدلوا بحديث ابن عمر - ﵄ - فإنه أمره بالرجعة ولم يذكر الإشهاد، ولأن الرجعة لا تفتقر إلى قبول، فلم تفتقر إلى شهادة كسائر حقوق الزوج.\nوأما الآية فالأمر فيها للاستحباب والإرشاد؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قالوا: وذلك لأن الأمر بالإشهاد راجع إلى أقرب مذكور قبله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، وعلى هذا فليس الإشهاد شرطًا في صحة الطلاق؛ لعدم رجوعه إليه، ولا في صحة الرجعة؛ لأنه ليس شرطًا في صحة ما صاحبها من المفارقة بالمعروف باتفاق، فيكون الأمر في الآية للإرشاد (^٤).\nوهذا هو الأرجح، لكن إن ظهرت المصلحة في الإشهاد؛ لكثرة تدليس الناس وزيادة جرأتهم على الدعاوى الباطلة فالقول بالوجوب قوي.\nوقد ذكر ابن رشد أن سبب الخلاف في مسألة الإشهاد معارضة القياس للظاهر؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ يقتضي الوجوب، وتشبيه حق الرجعة بسائر الحقوق التي يقبضها الإنسان يقتضي أنه لا يجب الإشهاد، فكان الجمع بين القياس والآية حمل الآية على الندب (^٥).\nوقد ضعف شيخ الإسلام ابن تيمية القول بأن الأمر بالإشهاد راجع إلى الطلاق، ورجح أن الأمر عائد إلى الرجعة، وأن الإشهاد عليها مأمور به باتفاق، إما أمر استحباب أو أمر إيجاب، وظاهر كلامه اختيار الوجوب (^٦).\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٠/ ٥٥٩).\n(^٢) \"الأم\" (٦/ ٦٢٣).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (٣/ ١٦٣).\n(^٤) \"الفرقة بين الزوجين\" ص (١٠٦).\n(^٥) \"البداية\" (٣/ ١٦٣).\n(^٦) \"الفتاوى\" (٣٣/ ٣٣ - ٣٤).","vol":"7","page":593},{"text":"° الوجه الثالث: استدل بهذا الأثر من قال: إن الرجعة لا تكون إلا بالقول؛ كراجعت وارتجعت وأمسكت وأعدت ونحو ذلك مما يؤدي المقصود، وحصول الرجعة بالقول محل اتفاق (^١).\nووجه الاستدلال: أنه ذكر الإشهاد على الرجعة، ولا إشهاد إلا على القول.\nوقد وقع الخلاف في حصول الرجعة بالفعل، وهو الوطء، على قولين:\nالأول: أن الرجعة لا تحصل إلا بالقول، ولا تحصل بالفعل، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد، وظاهر كلام الخرقي (^٢)، وهو قول ابن حزم (^٣)؛ لأن إعادة الزوجة بعد الطلاق إنشاء للزواج من وجه، فلا بد فيها من القول، ولأن غير القول فِعْلٌ مِنْ قادرٍ على القول، فلم تحصل به الرجعة؛ كالإشارة من الناطق.\nالقول الثاني: أن الرجعة تحصل بالوطء، وهو رواية عن أحمد، وقول مالك، وأبي حنيفة، ولكنهم اختلفوا في اشتراط نية الرجعة، فقيل: لا تحصل الرجعة بالفعل إلا مع النية، وهو أن يجامعها بنية المراجعة، وهو رواية عن أحمد، ومذهب مالك (^٤)؛ لأن الفعل عند مالك ينزل منزلة القول مع النية، ولعموم: \"إنما الأعمال بالنيات\"، ولأن هذه مدة تنتهي إلى بينونة، فترتفع بالوطء؛ كمدة الإيلاء.\nوعن أحمد تحصل الرجعة بالوطء، سواء نوى به الرجعة أم لا، اختارها ابن حامد، والقاضي، وهو قول جماعة من السلف، وأصحاب الرأي (^٥).\nوالظاهر أن الرجعة تحصل بالوطء مع نية المراجعة، لقوة مأخذه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: (وهو أعدل الأقوال الثلاثة في مذهب\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٠/ ٥٦٠).\n(^٢) \"الأم\" (٦/ ٦٢١)، \"المغني\" (١٠/ ٥٥٩).\n(^٣) \"المحلى\" (١٠/ ٢٥١).\n(^٤) \"المدونة الكبرى\" (٢/ ٢٢٤).\n(^٥) \"المغني\" (١٠/ ٥٥٩).","vol":"7","page":594},{"text":"أحمد) (^١)، وأما القول بأن الرجعة لا تحصل إلا بالقول فلا يخلو من ضعف؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] عام، فكل ما يدل على الإمساك فإنه يحصل به الإمساك.\nوعلى ما تقدم فإن قلنا: إن الوطء مباح حصلت به الرجعة، كما ينقطع به التوكيل في طلاقها، وإن قلنا: هو محرم لم تحصل به الرجعة؛ لأنه فعل محرم، فلا يكون سببًا للحل؛ كوطء المحلّل، لكن لا حدَّ عليه بلا خلاف؛ لأنه وطئ زوجته التي يلحقها طلاقه (^٢).\nأما تقبيلها، أولمسها لشهوة فالمنصوص عن أحمد أنه ليس برجعة، وهو أحد القولين في المسألة، وقال الموفَّق: (إنه هو الصحيح؛ لأنه أمر لا يتعلق به إيجاب عدة ولا مهر) (^٣)، ولأن الرجعية زوجة في جميع الأحكام، يجوز أن تتزين له وينظر إليها ويخلو بها، إلا أنه لا قسم لها، وكذا الخلوة لا تحصل بها الرجعة على أحد القولين؛ لأنها ليست استمتاعًا.\n\n° الوجه الرابع: أجمع العلماء -كما تقدم- على أن الزوج يملك رجعة زوجته إذا طلقها بالشروط الآتية:\n١ - أن يطلق دون ما يملك من العدد، بأن يطلق حر دون ثلاث، وعبد دون اثنتين، فإن اكتمل العدد فهي بينونة كبرى ليس فيها رجعة؛ لأنها لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره.\n٢ - أن يكون الطلاق بلا عوض، فإن كان بعوض فلا رجعة؛ لأن العوض قُصد به أن تفتدي المرأة نفسها من الزوج، ولا يحصل ذلك مع ثبوت الرجعة.\n٣ - أن يكون الطلاق بعد الدخول؛ لأن المدخول بها لها عدة تمكن مراجعتها فيها، أما غير المدخول بها فلا تمكن رجعتها؛ لأنه لا عدة عليها،\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (١٠/ ٣٨١).\n(^٢) انظر: \"المغني\" (١٠/ ٥٥٤).\n(^٣) \"المغني\" (١٠/ ٥٦٠).","vol":"7","page":595},{"text":"قال الموفَّق: (أجمع أهل العلم على أن غير المدخول بها تبين بطلقة واحدة، ولا يستحق مطلقها رجعتها) (^١).\n٤ - أن تكون الرجعة قبل نهاية العدة، لقوله تعالى: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: في زمن التربص، وهو العدة، فإذا اغتسلت من الحيضة الثالثة ولم يراجعها لم تحل له إلا بنكاح جديد، فإن طهرت ولم تغتسل فهل له رجعتها؛ قولان (^٢). والله تعالى أعلم.\nانتهى الجزء السابع، ويليه- بعون الله وتوفيقه- الجزء الثامن، وأوله: \"باب الإيلاء والظهار والكفارة\"\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٠/ ٥٤٧).\n(^٢) \"المغني\" (١٠/ ٥٥٦).","vol":"7","page":596},{"text":"<span data-type='title' id=toc-911>باب الإيلاء والظهار والكفارة</span>\nالإيلاء في اللغة: مصدر آلى يؤلي إيلاء: إذا حلف، وعليه جاء حديث أنس - ﵁ - أنه قال: (آلى رسول الله - ﷺ - من نسائه شهرًا) (^١) أي: حلف.\nوالأليَّة بالتشديد بوزن العطية: اليمين، وجمعها ألا يا، بوزن عطايا، قال الشاعر:\nقليل الألايا حافظٌ ليمينه … وإن سبقت منه الأَليَّةُ برَّتِ\nوشرعًا: حلف الزوج على ترك جماع زوجته.\nوالأصل في أحكامه من القرآن: قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦].\nوهو محرم في مدة تزيد على أربعة أشهر أو مؤبدة، لما فيه من الإضرار بالزوجة والتعدي على حقها.\nفإن كان في مدة أقل من أربعة أشهر فهو جائز إذا كان للمصلحة، كتأديب الزوجة ونحوه، لما تقدم في حديث أنس - ﵁ -.\nفإن هجر زوجته مدة تزيد على أربعة أشهر ولم يحلف فليس بإيلاء، لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ أي: يحلفون، فخصَّ الإيلاء بالحلف. وله شروط مذكورة في كتب الفقه.\nوالظهار سيأتي تعريفه.\nوالمراد بالكفارة: كفارة الظهار، كما سيأتي إن شاء الله.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في باب \"عشرة النساء\".","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type='title' id=toc-912>من آلى ألا يدخل على امرأته</span>\n١٠٩٥/ ١ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: آلَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ نِسَائِهِ وَحَرَّمَ، فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا، وَجَعَلَ لِلْيَمِينِ كَفَّارَةً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرُوَاتُهُ ثِقَات.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الترمذي في أبواب \"الطلاق واللعان\"، باب \"ما جاء في الإيلاء\" (١٢٠١)، وابن ماجه (٢٠٧٢) من طريق مَسْلَمَةَ بن علقمة، أنبأنا داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي، عن مسروق، عن عائشة - ﵂ - قالت: … وذكرت الحديث.\nوهذا الحديث رجاله ثقات غير مسلمة بن علقمة، فقد تكلم العلماء في حفظه، وفي روايته عن داود، قال الإمام أحمد: (ضعيف الحديث، حدث عن داود بن أبي هند أحاديث مناكير) (^١)، وقد ذكر الذهبي هذا الحديث من مناكيره (^٢). ووثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم (^٣).\nوقد رجح الترمذي والبيهقي وجماعة إرسال الحديث على وصله، فقال الترمذي: (حديث مسلمة بن علقمة، عن داود، رواه علي بن مسهر وغيره: عن داود، عن الشعبي، أن النبي - ﷺ -: … مرسلًا، وليس فيه: عن مسروق، عن عائشة، وهذا أصح من حديث مسلمة بن علقمة).\n_________\n(^١) \"العلل\" (٢/ ٥٢٣).\n(^٢) \"الميزان\" (٤/ ١٠٩).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٣٢).","vol":"8","page":6},{"text":"ووجه ذلك أن الذي وصله متكلم فيه ولا سيما في روايته عن داود، وهذا منها، وعلي بن مسهر أضبط وأوثق من مَسْلَمْةَ.\nوإيلاء النبي - ﷺ - من نسائه شهرًا محفوظ، كما ثبت في \"الصحيح\"، وأما ما في هذا الحديث فقد فسره العلماء بامتناعه من مارية، أو امتناعه من العسل، كما سيأتي (^١).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (آلى) أي: حلف، فالمراد به المعنى اللغوي لا الاصطلاحي.\n\nقوله: (من نسائه) أي: ألا يدخل على زوجاته ﵅، وقد دلت الروايات الأخرى أنه آلى شهرًا، قال الحافظ: (أي: حلف لا يدخل عليهن شهرًا، وليس المراد به الإيلاء المتعارف عليه عند الفقهاء) (^٢).\n\nقوله: (وحرم) أي: حلف ألا يطأ مارية، أو ألا يشرب العسل.\n\nقوله: (فجعل الحرام حلالًا) أي: رجع إلى شرب العسل بعد ما كان حرمه على نفسه، وفي حديث ابن عباس وابن عمر - ﵄ - أنه أصاب جاريته (^٣).\n\nقوله: (وجعل لليمين كفارة) أي: وكفر عن يمينه.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الرجل إذا حرم جاريته أو حرم شيئًا من الطعام أنه يكفي فيه كفارة يمين، ومثل هذا لو قال: والله لا آكل هذا الطعام، أو لا أطأ زوجتي فلانة، أو نحو ذلك، ولا أثر لهذا التحريم على العين المحرمة، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] فدلت الآية على أن الكفارة تحل اليمين بعد عقدها، وأن الله تعالى لم يجعل لرسوله - ﷺ - أن يحرم ما أحل الله، فكيف يجعل لغيره التحريم؟.\n_________\n(^١) انظر: \"تحفة الأحوذي\" (٤/ ٣٨٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٨٨).\n(^٣) رواه ابن جرير (٢٨/ ١٠٢).","vol":"8","page":7},{"text":"وهذا الحديث تابع فيه الحافظ ابن حجر ابن عبد الهادي في \"المحرر\" فذكره في باب (الإيلاء) مع أن الإيلاء الذي عقد له الباب محرم شرعًا يأثم به من علم بحاله، فلا تجوز نسبته للنبي - ﷺ -، ولم تكن يمين رسول الله - ﷺ - بعدم الدخول على نسائه شهرًا من هذا القبيل، وإنما المراد به الإيلاء اللغوي الذي هو الحلف مطلقًا. وقد أدخل البخاري حديث أنس: (آلى رسول الله - ﷺ - من نسائه …) تحت باب قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ ....﴾.\n\n° الوجه الرابع: ثبت في حديث أنس - ﵁ - كما تقدم- أنه - ﷺ - آلى من نسائه شهرًا، وقد اختلفت الروايات في سبب إيلائه - ﷺ - من نسائه، وفي الشيء الذي حرمه، على أقوال، أشهرها قولان:\nالأول: أنه تحريم العسل، كما ثبت في \"الصحيحين\" من حديث عائشة - ﵂ -.\nالثاني: أنه تحريم الجارية، لما ورد في \"سنن النسائي\" عن أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها، فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ وهذا هو الأظهر، ويؤيده أمران:\n١ - أن تحريم الجارية مما يبتغى بمثله مرضاة الضرات.\n٢ - أن روايات شرب العسل لا تدل على أنه حرمه ابتغاء مرضاتهن، بل فيها أنه حلف لا يشربه أنفة من ريحه.\nوأما تخريج رواية العسل في هذه الآية، وقول بعض السلف نزلت فيه، فالمراد منه أن الآية تشمل قصته بعمومها (^١).\nوقيل: إن سبب إيلائه أنه فَرَّقَ هدية له بين نسائه، فلم ترض زينب بنصيبها، فزادها، فلم ترض، فقالت عائشة: لقد أقمأتْ (^٢) وجهكَ حين ردتْ\n_________\n(^١) انظر: \"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٧/ ٣٤٠)، \"تفسير القاسمي\" (٧/ ١٣٣)، \"فتح الباري\" (٩/ ٢٨٩)، \"المحرر في أسباب نزول القرآن\" (٢/ ١٠٢٧).\n(^٢) قَمُؤَ الرجل قماءة: صغر وذلَّ في الأعين.","vol":"8","page":8},{"text":"عليكَ الهدية، فقال: \"أنتن أهون علي من أن تقمئنني، والله لا أدخل عليكن شهرًا\" (^١).\nوقيل: إنه بسبب طلبهن النفقة، كما رواه مسلم من حديث جابر - ﵁ - (^٢).\nويرى الحافظ ابن حجر أن الأليق بمكارم أخلاقه - ﷺ - سعة صدره وكثرة صفحه أن يكون مجموع هذه الأشياء سببًا لاعتزالهن (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (٨/ ١٩٠).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١٤٧٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٩٠).","vol":"8","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-913>من أحكام الإيلاء</span>\n١٠٩٦/ ٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وُقفَ الْمُولي حَتى يُطَلِّقَ، وَلَا يَقَعَ عَلَيهِ الطَّلَاقُ حَتى يُطلِّقَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.\n١٠٩٧/ ٣ - وَعَنْ سُلَيمَانَ بْنِ يَسَارٍ ﵀ قَال: أَدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رسُولِ اللهِ - ﷺ - كُلُّهُمْ يَقِفُونَ الْمُولي. رَوَاهُ الشَّافِعي.\n١٠٩٨/ ٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: كَانَ إِيلَاءُ الْجَاهِلِيّةِ السَّنَةَ وَالسّنَتَينِ. فَوَقَّتَ اللهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ كَانَ أقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَيس بِإِيلَاءٍ. أَخْرَجَهُ الْبَيهَقِي.\n\n* الكلام مع عليها من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو أبو أيوب سليمان بن يسار، مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ -، وهو أخو عطاء بن يسار، كان سليمان من فقهاء المدينة، بل هو أحد الفقهاء السبعة الذين نقلوا فقه الصحابة -﵃-، كان ثقة، عالمًا، رفيعًا، كثير الحديث، وكان من المجتهدين في العبادة، وأحسن الناس وجهًا، روى عن ابن عباس وأبي هريرة وأم سلمة وغيرهم -﵃-، مات سنة سبع ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين (^١) ﵀.\n\n° الوجه الثاني: في تخريجها:\nأما حديث ابن عمر - ﵄ - فقد أخرجه البخاري في كتاب \"الطلاق\"، باب\n_________\n(^١) \"الطبقات\" (٥/ ١٧٤)، \"السير\" (٤/ ٤٤٤).","vol":"8","page":10},{"text":"\"قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ …﴾ (٥٢٩١) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -: (إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق، ولا يقع الطلاق حتى يطلق).\nقال البخاري عقبه: (ويُذكر ذلك عن عثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة واثني عشر رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ -).\nوأما حديث سليمان بن يسار فقد رواه الشافعي في \"المسند\" (٢/ ٢٩٤ ترتيبه) قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار. ورواه سعيد بن منصور (٢/ ٣٢)، وابن أبي شيبة (٥/ ١٣٢)، والدارقطني (٤/ ٦١ - ٦٢) بهذا الإسناد. وهذا إسناد صحيح. رجاله رجال الشيخين (^١).\nوأما حديث ابن عباس - ﵄ - فقد أخرجه البيهقي (٧/ ٣٨١) من طريق الحارث بن عبيد أبي قدامة، حدثني عامر الأحول، حدثني عطاء، عن ابن عباس - ﵄ -.\nوهذا الحديث فيه الحارث بن عبيد أخرج له مسلم، وضعفه أحمد وأبو حاتم والنسائي (١).\nوعامر الأحول قال عنه أحمد: (ليس بشيء)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال أبو حاتم: (ثقة، لا بأس به)، وقال ابن معين: (ليس به بأس) (^٢)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق يخطئ).\nورواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٤/ ١٣٦) قال: حدثنا علي بن مسهر، عن سعيد، عن عامر به. قال الحافظ: (إسناده صحيح) (^٣).\n\n° الوجه الثالث: اتفق العلماء على أن من حلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر فهو مولٍ، وأنه يمهل مدة أربعة أشهر منذ حلف ألا يطأ، لقوله\n_________\n(^١) انظر: \"الاستذكار\" (١٧/ ٨٧).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٦٧).\n(^٣) انظر: \"الدراية\" (٢/ ٧٤).","vol":"8","page":11},{"text":"تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦] فجعل الله تعالى للزوج تربص أربعة أشهر، والتربص: الانتظار من حين الحلف، فإذا مضت الأربعة ألزم بأحد أمرين: الطلاق، أو الجماع من القادر عليه، فإن كان مسافرًا أو مريضًا أو مسجونًا، فإنه يكفي أن يفيء بلسانه أو بقلبه، وعلى هذا فلا يكفي تقبيلها؛ لأن ذلك لا يزول به ضرر المرأة، قال تعالى: ﴿فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٨]. ومعنى ﴿فَاءُوا﴾: رجعوا إليهن بالجماع، وقد قدم الله تعالى الفيئة على الطلاق، وختمها بِاسْمين من أسمائه دالين على المغفرة والرحمة؛ إشارة إلى أنها أحب إلى الله تعالى من الطلاق الذي ختم بِاسْمين فيهما معنى التهديد، وهما السميع والعليم (^١).\nوفي الآية إبطال لما كان عليه أهل الجاهلية من إطالة مدة الإيلاء، كما في أثر ابن عباس - ﵁ -.\nوقد وردت آثار كثيرة عن السلف ومنها؛ أثر سليمان بن يسار، كلها تدل على أنهم يوقفون المولي، بمعنى أن يطالب إما بالفيء، أو بالطلاق، وحديث ابن عمر في هذا الباب جاء كالتفسير للآية الكريمة.\nفإن حلف أقل من أربعة أشهر كشهرين أو شهر، فليس بإيلاء، وهو جائز إذا كان للمصلحة؛ كتأديب الزوجة، قال ابن عباس: (فإن كان أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء)، ويؤيد ذلك ما تقدم في حديث أنس - ﵁ - أنه - ﷺ - آلى من نسائه شهرًا فاعتزلهن.\nفإن حلف أربعة أشهر فكذلك على قول الجمهور؛ لأن مدة الإيلاء تنقضي قبل ذلك، أو مع انقضائه، وتقدير التربص بأربعة أشهر يقتضي كونه في مدة يتناولها الإيلاء، وهو ما كان أكثر من أربعة أشهر، فيمهل أربعة أشهر.\n\n° الوجه الرابع: في حديث ابن عمر - ﵄ - دليل على أن الزوجة لا تطلق\n_________\n(^١) \"التفسير وأصوله\" لابن عثيمين (٢/ ١٧٥).","vol":"8","page":12},{"text":"بمضي المدة، وإنما يؤمر الزوج بالفيئة أو الطلاق، لقوله: (ولا يقع عليه الطلاق، حتى يطلق)، ولأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ وهذا صريح في أن وقوع الطلاق إنما يكون بإيقاع الزوج (^١).\nولو كان الطلاق يقع بعد مضي الأربعة لم يكن الزوج مخيرًا بعد انتهائها، ولأن الله تعالى أضاف عزم الطلاق إلى الزوج، وليس مضي المدة من فعله. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٩٥).","vol":"8","page":13},{"text":"<span data-type='title' id=toc-914>من أحكام الظهار</span>\n١٠٩٩/ ٥ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ، ثُمّ وَقَعَ عَلَيهَا، فَأَتَى النَّبيَّ - ﷺ - فَقَال: إِنِّي وَقَعْتُ عَلَيهَا قَبْلَ أَنْ أُكُفِّرَ، قَال: \"فَلَا تَقْرَبْهَا حَتى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ الله\". رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَجّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالهُ. وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ -، وزَادَ فيهِ: \"كفِّرْ وَلَا تَعُدْ\".\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"الطلاق\"، بابٌ \"في الظهار\" (٢٢٢٥)، والترمذي (١١٩٩)، والنسائي (٦/ ١٦٧)، من طريق الفضل بن موسى، وابن ماجه (٢٠٦٥) من طريق غندر، كلاهما عن معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ -.\nوخالفهما عبد الرزاق فرواه في \"المصنف\" (٦/ ٤٣٠) عن معمر، عن الحكم، عن عكرمة مرسلًا.\nقال الترمذي عن الموصول: (حديث حسن غريب صحيح)، وحسن الحافظ إسناده (^١)، ولعل ذلك من أجل الحكم بن أبان، فقد وثقه ابن معين والنسائي والعجلي وغيرهم، وقال أبو زرعة: (صالح) (^٢)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق عابد، وله أوهام).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٥٧).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٣٦٤).","vol":"8","page":14},{"text":"وقد اختلف على الحكم بن أبان في وصل هذا الحديث وإرساله، فروي موصولًا بذكر ابن عباس -﵄-، ورواه أبو داود من طريق سفيان بن عيينة (٢٢٢١) (٢٢٢٢)، وإسماعيل بن علية (٢٢٢٣)، والمعتمر بن سليمان (٢٢٢٥)، ورواه النسائي (٦/ ١٦٧) من طريق عبد الرزاق، عن معمر -في أصح الوجهين عنه - أربعتهم عن الحكم بن أبان، عن عكرمة أن رجلًا ظاهر من امرأته .. هكذا مرسلًا.\nوقد رجح الحفاظ كأبي حاتم والنسائي إرساله، وهو ظاهر صنيع أبي داود، ووجه ذلك أن الإرسال هو رواية الجماعة الثقات الأثبات عن الحكم، ولم يخالفهم أحد يعتد بخلافه وقد تابع الحكم على إرساله عمرو بن دينار فرواه عن عكرمة أن النبي - ﷺ - .. علقه ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١٣٠٩) كما تابعه شيخ لخالد الحذَّاء. رواه أبو داود (٢٢٢٤) (^١).\nورواه البزار من طريق خصيف، عن عطاء، عن ابن عباس بالزيادة المذكورة (^٢).\nوهذا سند ضعيف، فيه خصيف، وهو ابن عبد الرحمن الجزري، قال عنه الحافظ: (صدوق سيء الحفظ، خلط بأخَرَةَ).\nلكن يشهد لحديث ابن عباس ما بعده.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أن رجلًا ظاهر من امرأته) الظهار في اللغة: مشتق من الظهر، وخصوا الظهر دون غيره؛ لأنه موضع الركوب، والمرأة مركوبة إذا غشيت، فكأنه إذا قال: أنت علي كظهر أمي، أراد أنت في ركوب النكاح حرام عليَّ كركوب أمي للنكاح.\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (١٢٩٤) (١٣٠٧)، رسالة: \"الأحاديث التي أشار أبو داود في \"سننه\" إلى تعارض الوصل والإرسال فيها\" للشيخ: تركي الغميز ص (٢٤٩).\n(^٢) \"التلخيص\" (٣/ ٢٤٩).","vol":"8","page":15},{"text":"وشرعًا: تشبيه زوجته أو بَعْضِها في التحريم بمن تحرم عليه تحريمًا مؤبدًا أو ببعضها.\n\nوقولنا: (أو بعضها) أي: كَيَدِها أو ظهرها أو بطنها، فهذا ظهار؛ لأن التحريم لا يتبعض.\n\nوقولنا: (بمن تحرم عليه …) أي: بنسب كأمه وأخته، أو برضاع كأخته منه، أو بمصاهرة كأم زوجته.\nومفهومه أن المحرَّمة إلى أمد كأخت زوجته وعمتها لا يكون التشبيه بها ظهارًا؛ لأنها غير محرمة على التأبيد.\nوالقول الثاني: أنه ظهار؛ لأنه شبهها بمحرمة، فأشبه ما لو شبهها بالأم (^١)، والأول أقرب (^٢).\n\nقوله: (حتى تفعل ما أمرك الله) أي: كفارة الظهار المنصوص عليها في القرآن، وهذا يشعر بأن الآيات قد نزلت من قبل، كما سيأتي.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على تحريم الظهار؛ لأنه - ﷺ - أمره فيه بالكفارة، وقد أجمع أهل العلم على ذلك؛ لأنه منكر من القول وزور، حيث شبه أحل الأشياء منه بأعظمها تحريمًا، وقد دل على تحريمه القرآن، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ [المجادلة: ٢] وقد ذكر المفسرون أن آيات الظهار التي في أول سورة المجادلة نزلت في أوس بن الصامت الأنصاري الخزرجي - ﵁ - لما ظاهر من زوجته خولة بنت مالك بن ثعلبة - ﵂ - (^٣).\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن من ظاهر من زوجته فشبهها بظهر أمه في التحريم ثم أراد أن يجامعها فعليه أن يكفر عن ظهاره قبل\n_________\n(^١) \"المغني\" (١١/ ٥٨).\n(^٢) \"الشرح الممتع\" (١٣/ ٢٣٨).\n(^٣) انظر: \"المحرر في أسباب نزول القرآن\" (٢/ ٩٥٧).","vol":"8","page":16},{"text":"الجماع؛ لقوله: \"فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله\"، وقد دل على هذا القرآن في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣].\nوظاهر الحديث وجوب تقديم الكفارة على المماسة، وهي الجماع، سواء كفَّر بالعتق أو الصيام أو الإطعام، مع أن آية الظهار لم تشترط ذلك في الإطعام، كما سيأتي إن شاء الله. والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-915>كفارة الظهار</span>\n١١٠٠/ ٦ - عَنْ سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ - ﵁ - قال: دَخَلَ رَمَضَانُ، فَخِفْتُ أَنْ أُصِيبَ امْرَأَتي، فَظَاهَرْتُ مِنْهَا، فَانْكَشَفَ لي شَيْءٌ منها لَيلَةً، فَوَقعْتُ عَلَيها، فَقَال لي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"حَرِّرْ رَقَبَةً\" فَقُلْتُ: مَا أَمْلِكُ إلا رَقَبَتي، قَال: \"فَصُمْ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ\" قُلْتُ: وهَلْ أَصَبتُ الذي أَصَبْتُ إلا مِنَ الصِّيَام؟ قَال: \"أطْعِمْ فَرَقًا مِنْ تَمْرٍ بَينَ ستِّينَ مِسْكينًا\" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسائيَّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو سلمة بن صخر البَياضي -بفتح الباء- الأنصاري الخزرجي - ﵁ -، له حِلْفٌ في بني بياضة، فقيل له: البياضي، ذكر ابن سعد أنه أحد البكائين الذين أتوا رسول الله - ﷺ - ليحملهم يوم تبوك، فقال: \"لا أجد ما أحملكم عليه\"، ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢]، قال البغوي: (لا أعلم لسلمة بن صخر حديثًا مسندًا غير هذا الحديث)، روى عنه سليمان بن يسار، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة، وقيل: إن سليمان بن يسار لم يسمع منه، كما سيأتي (^١).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أحمد (٢٦/ ٣٤٧)، وأبو داود في كتاب \"الطلاق\"، باب \"في الظهار\" (٢٢١٣)، والترمذي (١١٩٨، ٣٢٩٩)، وابن ماجه\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٤/ ٢٣٢)، \"الإصابة\" (٤/ ٢٣٢)، \"معجم الصحابة\" (٣/ ١١٩).","vol":"8","page":18},{"text":"(٢٠٦٢)، وابن خزيمة (٢٣٧٨)، وابن الجارود (٧٤٤) من طريق محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر، به.\nوهذا سند ضعيف فيه علتان:\nالأولى: عنعنة محمَّد بن إسحاق، وهو مدلس.\nالثانية: الانقطاع؛ لأن سليمان بن يسار لم يسمع من سلمة بن صخر، وقد نقل الترمذي في \"جامعه\" في الموضع الثاني المذكور عن البخاري أنه قال: (سليمان بن يسار لم يسمع عندي من سلمة بن صخر).\nوالحديث حسنه الترمذي، وصححه ابن خزيمة وابن الجارود، ولم يلتفت الحاكم إلى ما أُعل به، فقال: (صحيح على شرط مسلم)، وسكت عنه الذهبي، مع أن مسلمًا روى لمحمد بن إسحاق متابعة.\nورواه الترمذي (١٢٠٠)، والحاكم (٢/ ٢٥٤)، والبيهقي (٧/ ٣٩٠) من طريق أبي سلمة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن سلمة بن صخر، به.\nوهو منقطع -أيضًا- بين أبي سلمة وابن ثوبان وبين سلمة بن صخر.\nورواه مرسلًا أبو داود (٢٢١٧)، وابن الجارود (٧٤٥) من طريق بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار، أن رجلًا من بني زريق يقال له: سلمة بن صخر … فذكر الحديث مختصرًا.\nقال الألباني: (هذا مرسل صحيح الإسناد، وهو يؤيد قول البخاري: إن سليمان بن يسار لم يسمع من سلمة بن صخر، والله أعلم) (^١).\nوحديث ابن عباس المتقدم يشهد لهذا الحديث، ولعله بطرقه وشواهده يكون صحيحًا.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب كفارة الظهار على من ظاهر من زوجته، وقد دل على ذلك القرآن، كما تقدم.\n_________\n(^١) \"الإرواء\" (٧/ ١٧٨).","vol":"8","page":19},{"text":"وقد ذكر الحافظ ابن كثير أن آيات الظهار نزلت في أوس بن الصامت وزوجته خولة بنت مالك بن ثعلبة، ثم قال: (هذا هو الصحيح في سبب نزول صدر هذه الآية، فأما حديث سلمة بن صخر فليس فيه أنه كان سبب النزول، ولكن أُمر بما أنزل الله في هذه السورة من العتق أو الصيام أو الإطعام) (^١).\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على وجوب الترتيب بين خصال كفارة الظهار، وهي عتق رقبة سليمة من العيوب المضرة بالعمل، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٣، ٤].\n\n* الوجه الخامس: ظاهر الآية أنه لا يشترط الإيمان في الرقبة التي يراد إعتاقها في كفارة الظهار؛ لأن الرقبة جاءت مطلقة عن التقييد، فلا يحمل هذا المطلق على المقيد في آية سورة النساء؛ لاختلاف السبب؛ لأنه هنا ظهار، وفي آية النساء قتل، وهذا قول الحنفية، ورواية عن أحمد (^٢).\nوالفول الثاني: اشتراط الإيمان حملًا للمطلق هنا على المقيد في كفارة القتل: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]؛ لأن الحكم واحد وهو تحرير رقبة، وهذا رواية عن أحمد، وقول مالك والشافعي (^٣).\nوالقول الأول وجيه؛ لأن الكفارة عقوبة شرعت لعلة، ولكل حكم علته المناسبة له، قد تظهر وقد تخفى، وقد يكون شدد في كفارة القتل لشدة أمره، بخلاف الظهار، والقيد في هذا الحكم تشديد كما لا يخفى، فالأخذ بظاهر الآية في آية الظهار قوي، لكن إعتاق المؤمنة أحوط وأبرأ للذمة، فإن الرقبة إذا أعتقت وهي كافرة لا يؤمن أن يلحق بالكفار؛ لأنه صار حرًّا، وقد يؤيد\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ٦٢)، وانظر: \"المحرر في أسباب نزول القرآن\" (٢/ ٩٥٧).\n(^٢) \"المبسوط\" (٧/ ٢)، \"المغني\" (١١/ ٨١).\n(^٣) \"المهذب\" (٢/ ١٤٧)، \"بداية المجتهد\" (٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩).","vol":"8","page":20},{"text":"ذلك ما في حديث معاوية بن الحكم - ﵁ - قال: كانت لي جارية، فأتيت النبي - ﷺ - فقلت: عليَّ رقبة أفأعتقها؟ فقال لها النبي - ﷺ -: \"أين الله؟ \"، قالت: في السماء، قال: \"من أنا؟ \"، قالت: أنت رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أعتقها فإنها مؤمنة\" (^١).\n\n* الوجه السادس: شرط الصيام أن يكون شهرين متتابعين لا يفطر فيهما إلا لعذر، كأن يتخلله رمضان أو فطر يجب كعيد وأيام التشريق، أو تخلله فطر لجنون أو مرض مخوف، أو لعذر يحيى الفطر كسفر ونحو ذلك، فلا ينقطع التتابع؛ لأنه فطر بسبب لا يتعلق باختياره، فإن أحل بالتتابع لغير عذر استأنف الصيام.\nوقد دلت الآية على أن الصيام يكون قبل المماسة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ أي: يَمَسَّ أحدهما الآخر بالجماع، كما ورد عن ابن عباس - ﵁ - وغيره فلو مَسَّ أثناء الشهرين استأنف الصيام إذا كان ذلك نهارًا بالإجماع، وأما المس في الليل ففيه قولان، فمن قال: يقطع التتابع أخذ بعموم الآية: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، فأمر بصيام الشهرين خاليين من الوطء (^٢).\nوالقول الثاني: أنه إذا أصابها ليلًا أثم؛ لوطئه قبل إتمام الصوم، ولا ينقطع التتابع، وهو قول الشافعي، وابن المنذر، ورواه الأثرم عن أحمد، وهو قول الموفق ابن قدامة؛ لأن وطء الليل لا يبطل الصوم، فلا يوجب الاستئناف، كوطء غيرها؛ ولأن التتابع في الصيام معناه: إتباع صوم يومٍ للذي قبله من غير فارق، وهذا متحقق وإن وطئ ليلًا (^٣)، وهذا هو الأقرب؛ لقوة مأخذه.\nوأما ما دون الجماع كالقبلة والمعانقة والاستمتاع بما دون الفرج ففيه قولان:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٣٧). وتقدم في كتاب \"الصلاة\".\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ٦٥).\n(^٣) \"المغني\" (١١/ ٩١).","vol":"8","page":21},{"text":"الأول: أنه يحرم، وهو قول الزهري والأوزاعي، وهو قول مالك، وأصحاب الرأي، وأحد قولي الشافعي، ورواية عن أحمد؛ لأن ما حرَّم الوطء من القول حرَّم دواعيه، كالطلاق والإحرام.\nالقول الثاني: أنه يباح، وهو قول الحسن والثوري وعطاء وآخرين، وبه قال الشافعي، ورواية عن أحمد، فإنه قال: (أرجو ألا يكون به بأس)؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ والتماس كناية عن الجماع، كما تقدم، ولا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه، فالحيض يحرم فيه الوطء، ويباح ما دونه، والصيام يحرم فيه الوطء، وتباح فيه المباشرة (^١)، وهذا القول هو الأظهر.\n\n* الوجه السابع: دل الحديث على وجوب إطعام ستين مسكينًا إذا لم يستطع الصيام لكبر أو مرض يخاف بالصوم تباطؤه أو الزيادة فيه، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ والآية كالحديث نص في العدد، فلا يجزئ أقل من ستين، إلا إن تعذر ذلك، فإنه يكرر الكفارة على الموجودين بقدر ستين مسكينًا.\nويجزئ في الإطعام كل ما كان قوتًا للبلد كالرز ونحوه؛ لأن الله تعالى أوجب الإطعام ولم يخصصه بنوع معين، فيرجع فيه إلى ما جرى به عرف البلد.\nومقدار الإطعام مدٌّ من البر، وهو ربع الصالح، وهو ما يعادل خمسمائة وستين جرامًا، على أن الصالح كيلوان ومائتان وأربعون جرامًا، لقوله: \"أطعم فرقًا من تمر ستين مسكينًا\"، والفرق: بفتح الفاء والراء، مكيال يسع خمسة عشر صاعًا، وفي بعض نسخ \"البلوغ\": (عرقًا) بفتح العين والراء المهملتين، وقد روى أبو داود عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: (العرق: زنبيل\n_________\n(^١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٠٩ - ٣١٠)، \"الاستذكار\" (١٧/ ١٢٣ - ١٢٤)، \"المغني\" (١١/ ٦٧)، \"روضة الطالبين\" (٨/ ٢٩٦).","vol":"8","page":22},{"text":"يأخذ خمسة عشر صاعًا)، وذكر ابن الرفعة من الشافعية أن العرق ستون مدًّا، خمسة عشر صاعًا (^١).\nوإن غدى المساكين أو عشاهم أجزأه على إحدى الروايتين عن الإِمام أحمد، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية (^٢)، وهو الأظهر -إن شاء الله- لمطابقته لظاهر الآية، فإن الله تعالى قال: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ وهذا قد أطعم.\n\n* الوجه الثامن: دلت الآية الكريمة على وجوب تقديم الكفارة بالعتق والصيام على المماسة، ولا خلاف في ذلك، أما وجوب تقديمها في الإطعام فلم يذكر في الآية، ولذا اختلف أهل العلم في ذلك، فالأكثرون على وجوب تقديم الإطعام على المماسة وأنه لا يجوز وطؤها قبل التكفير، واستدلوا بحديث ابن عباس المتقدم: \"فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله\".\nوالقول الثاني: جواز المسيس قبل الإطعام، وهو قول أبي ثور، وعن أحمد ما يدل على ذلك؛ لأن الله تعالى لم يمنع المسيس قبل الإطعام، كما في العتق والصيام.\nوالقول الأول أحوط؛ لأن الإطعام أمره يسير، وترك النص على المسيس قبل الإطعام لا يمنع قياسه على المنصوص عليه الذي هو في معناه (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الإيضاح والتبيان\" ص (٧).\n(^٢) \"الإنصاف\" (٩/ ٢٣٣).\n(^٣) \"المغني\" (١١/ ٦٦ - ٦٧).","vol":"8","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-916>باب اللعان</span>\nاللعان في اللغة: مصدر لاعن يلاعن لعانًا وملاعنة: إذا تبادل اللعن مع غيره.\nوشرعًا: شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبين، مقرونة بلعنة أو غضب.\nفقولنا: (شَهَادات) أي: إنها شهادات أربع، كشهود الزنا، مؤكدات بالأيمان، بحيث يقول كل من الزوجين: أشهد بالله.\n\nوقولنا: (مَقرونة بلعنٍ) أي: إن شهادة الزوج بعد الرابعة مقرونة باللعن، قائمة مقام حد القذف في حقه على تقدير كذبه، لما فيها من اللعنة عليه إن كان من الكاذبين.\n\nوقولنا: (أو غضب) أي: إن شهادة المرأة بعد الرابعة مقرونة بالغضب، قائمة مقام حد الزنا في حقها على تقدير أنه صادق؛ لأنها تضمنت غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماها به من الزنا.\nوبهذا يتبين أن اللعن من جانب واحد وهو الزوج، والغضب من جانب الزوجة، فيكون قولهم: (باب اللعان) من باب تغليب أحد الوصفين على الآخر، واختير لفظ اللعن دون الغضب في التسمية؛ لأنه قول الرجل، وهو الذي بدئ به في الآية.\nوسبب اللعان: رَمْيُ الزوج زوجته بالزنا، سواء بشخص معين أو بغير معين، كقوله: يا زانية، فإذا حصل ذلك منه فله ثلاث حالات:\nالأولى: وهي أن يقيم بيِّنة شرعية، وهي أربعة شهود على صحة دعواه، لحديث ابن عباس - ﵄ -: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي - ﷺ - بشَرِيك بن","vol":"8","page":24},{"text":"سَحْمَاء، فقال النبي - ﷺ -: \"البينة أو حدٌّ في ظهرك … \" (^١) الحديث. فإذا أقام البينة أقيم على المرأة حد الزنا.\nالثانية: ألا يكون بينة، ولكن تقر هي بذلك، فيقام عليها حد الزنا.\nالثالثة: ألا يكون بينة ولا إقرار، فيقام عليه حد القذف، لعموم آية القذف: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً …﴾ الآية [النور: ٤]، ولحديث ابن عباس - ﵄ - المتقدم، إلا أن يُسقط حد القذف باللعان.\nوعلى هذا فالأزواج داخلون في عموم آية القذف، ولكن الله تعالى جعل لهم فرجًا ومخرجًا، فأنزل آيات اللعان، فماذا قذف زوجته ولم يستطع إقامة البينة فله أن يلاعن؛ لأنه يبعد غاية البعد أن يقذف الرجل زوجته بما لم يكن؛ لأن عليه في ذلك عارًا كما عليها، فجعل الله تعالى للزوج حكمًا خاصًّا ومخرجًا ثالثًا غير البينة والحد، حيث إنه لا يستطيع إحضار أربعة شهود.\nولا خلاف بين أهل العلم في ثبوت اللعان بالكتاب، كما في آيات سورة النور، وبالسنة الصحيحة، كما في \"الصحيحين\" ومنها ما في هذا الباب، وبالإجماع على ذلك.\nوقد تكلم المفسرون في سبب نزول آيات اللعان، وأنها نزلت في عويمر العجلاني لما قذف زوجته بشريك بن سحماء. وفي سبب النزول عدة أقوال، وهذا أظهرها، وسيأتي مزيد لهذا في باب \"القذف\" إن شاء الله تعالى (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٧٤٧).\n(^٢) انظر: \"المحرر في أسباب نزول القرآن\" (٢/ ٧١٩).","vol":"8","page":25},{"text":"<span data-type='title' id=toc-917>مشروعية اللعان وصفته</span>\n١١٠١/ ١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: سَأَل فُلَانٌ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأتهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كيفَ يَصْنَعُ؟ إنْ تَكَلَّم تَكَلَّمَ بَأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذلَكَ، فَلَمْ يُجبْهُ، فَلَمّا كَانَ بَعْدَ ذلِكَ أتاهُ، فَقَال: إِنَّ الَّذِي سَأَلتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتلِيتُ بِهِ، فَأَنزَلَ اللهُ الآياتِ في سُورةِ النُّورِ، فَتَلَاهُنَّ عَلَيهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، قَال: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيهَا، ثُمَّ دَعَاهَا، فَوَعَظَهَا كَذَلِكَ، قَالتْ: لا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ بِالرّجُلِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِالئهِ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ، ثُمَّ فَرَّقَ بَينَهُمَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب \"اللعان\" (١٤٩٣) (٤) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، قال: سئلت عن المتلاعنين في إمرة مصعب أيفرق بينهما؟ قال: فما دريت ما أقول، فمضيت إلى منزل ابن عمر بمكة، فقلت: للغلام استأذن لي، قال: إنه قائل، فسمع صوتي، قال: ابنُ جبير؟ قلت: نعم، قال: ادخل، فوالله ما جاء بك هذه الساعة إلا حاجة، فدخلت، فهذا هو مفترش بَرْذَعَةً متوسد وسادة حشوها ليف، قلت: أبا عبد الرحمن، المتلاعنان أيفرق بينهما؟ قال: سبحان الله، نعم، إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان، قال: يا رسول الله أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة … وذكر بقية الحديث.","vol":"8","page":26},{"text":"والحافظ قد حذف أول الحديث واختصر في أثناء سياقه، ولعله خشي أن يطول.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (في إمرة مصعب) أي: مصعب بن الزبير، كما في رواية عند مسلم، وقد كان أميرًا على العراق من سنة ثمان وستين، وبقي فيها إلى أن قتل سنة إحدى وسبعين (^١).\n\nقوله: (إنه قائل) من القيلولة، وهي النوم نصف النهار.\n\nقوله: (برذعة) بفتح الباء، وهي تقال بالدال وبالذال، وهي ما يوضع على الحمار أو البغل ليركب عليه، كالسرج للفرس (^٢).\n\nقوله: (فلان بن فلان) كناية عن شخص معين، ويكنى بذلك كراهية التصريح باسمه، والظاهر أن المراد عويمر العجلاني، كما جاء مصرحًا به في بعض الروايات (^٣)، وهذا التصريح لا حرج فيه؛ لأنه شيء حصل، ومضى فيه حكم الله، وقد يكون في التسمية فوائد، وأهمها البحث عنه ومراجعة ترجمته.\n\nقوله: (على فاحشة) أصل الفاحشة: ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال، وتطلق الفاحشة على الزنا، وهو المراد هنا، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].\n\nقوله: (فلم يجبه) جاء في حديث سهل بن سعد في قصة عويمر العجلاني، لما أرسل عاصم بن عدي يسأل رسول الله - ﷺ - عن ذلك، (فكره رسول الله - ﷺ - المسائل وعابها) فهذا يفيد أن هذه الكراهة لقبح هذه المسألة، ولهذا قال عاصم: فكره رسول الله - ﷺ - المسألة التي سألته عنها، ولعل هذه الكراهة إما لقبح النازلة والفاحشة، أو لما كان من نهيه عن كثرة السؤال أو لغير ذلك (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"البداية والنهاية\" (١٢/ ١٣٥)، \"الأعلام\" (٨/ ١٤٩).\n(^٢) انظر: \"المصباح المنير\" ص (٤٣).\n(^٣) انظر: \"المحرر في أسباب نزول القرآن\" (٢/ ٧١٩).\n(^٤) \"إكمال المعلم\" (٥/ ٧٨).","vol":"8","page":27},{"text":"قوله: (قد ابتليت) النبلاء هو المحنة تنزل بالمرء، والمعنى: امتحنت بهذا الأمر.\n\nقوله: (فأنزل الله الآيات …) في \"صحيح مسلم\" ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦].\n\nقوله: (عذاب الدنيا) أي: حد القذف وهو ثمانون جلدة، (أهون من عذاب الآخرة) كما في قوله تعالى: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].\n\nقوله: (ثم ثَنَّى بالمرأة) من التثنية، وهو فعل الشيء ثانيًا، أي: بعد فِعْلِ شيء قبله، والمعنى: أشهد أولًا الرجل، وأشهد ثانيًا المرأة.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية اللعان إذا وجد ما يقتضيه، وهو أن يقذف الرجل زوجته بالزنا ولا يقيم البينة على ذلك، كما تقدم.\nوقد دلت السنة على أن اللعان بين الزوجين يكون في المسجد، كما يكون بحضرة الإِمام أو القاضي وبمجمع من الناس، كما في حديث سهل بن سعد في \"الصحيحين\"، وكل هذا مقصود به التغليظ.\nوإذا تم اللعان سقط حد القذف عن الرجل، وسقط حد الزنا عن الزوجة، وحرمت عليه تحريمًا مؤبدًا، كما سيأتي.\nواللعان خاص بقذف الزوجة، أما قذف غيرها فيجري فيه حد القذف.\n\n* الوجه الرابع: أن صفة اللعان كما ذكر الله تعالى في القرآن، وذلك بأن يحضر الزوجان عند الحاكم أو نائبه، فيقول الزوج أربع مرات: أشهد بالله لقد زنت زوجتي، ويُعَيِّنُها باسمها أو وصفها أو الإشارة إليها، ويقول في الخامسة: وأن لعنة الله عليَّ إن كنتُ من الكاذبين، وتقول الزوجة أربع مرات: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتقول في الخامسة: وأن غضب الله عليَّ إن كان من الصادقين.\nوإنما خصت المرأة بالغضب -وهو أعظم من اللعنة- لأنها أقرب إلى","vol":"8","page":28},{"text":"الكذب في هذه القضية من زوجها، فإنها تعلم علم اليقين بحقيقة الحال، بخلاف الرجل فقد تقوم عنده شبهة قوية فيلاعن من أجلها ولا يكون جازمًا في حقيقة الأمر، فالزوج إن كان كاذبًا لم يصل ذنبه إلى أكثر من حد القذف، وإن كانت هي كاذبة فذنبها أعظم لما فيه من تلويث الفراش والتعرض لإلحاق من ليس من الزوج به.\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه يبدأ بالزوج في اللعان، وهذا هو الذي دل عليه القرآن، وهو الموافق للقياس، فإن الزوج هو المدعي؛ ولأن لعان الزوج بينة الإثبات، فإنه هو القاذف فيدرأ الحد عن نفسه، ولعانها بينة الإنكار فلم يجز تقديمها.\n\n* الوجه السادس: استحباب وعظ كل واحد من الزوجين قبل البدء في اللعان؛ لعله يرجع إن كان كاذبًا، فيرجع الزوج عن قوله، أو ترجع هي عن إنكارها.\n\n* الوجه السابع: استدل العلماء بقوله: (فلم يجبه) على استحباب الإعراض عن الأسئلة التي لم تقع، وإنما يتصور وقوعها تصورًا، لا سيما إذا كانت في أمور مستكرهة، أو في أمور لا حاجة إليها.\nوقد روى الدارمي في مقدمة \"سننه\" عن جماعة من سلف هذه الأمة، منهم: عمر وابنه وزيد بن ثابت وأُبي بن كعب -﵃-، أنهم كانوا يكرهون السؤال عن شيء لم يقع، ولم يكونوا يجيبون السائل (^١).\nقال ابن حمدان الحنبلي: (إذا سأل عامِّيٌّ عن مسألة لم تقع لم تجب إجابته، لكن تستحب، وقيل: يكره؛ لأن بعض السلف كان لا يتكلم فيما لم يقع، ثم قال: إن كان غرض السائل معرفة الحكم لاحتمال أن يقع له أولمن سأل عنه: فلا بأس، وكذا إن كان ممن ينفعه في ذلك، ويقدر وقوع ذلك، ويُفَرِّعُ عليه) (^٢). وقال الحافظ ابن حجر: (وقد استمر جماعة من السلف على\n_________\n(^١) \"سنن الدارمي\" (١/ ٤٧ - ٤٨).\n(^٢) \"صفة الفتوى\" ص (٣٠).","vol":"8","page":29},{"text":"كراهة السؤال عما لم يقع، لكن عمل الأكثر على خلافه، فلا يحصى ما فرَّعه الفقهاء من المسائل قبل وقوعها) (^١).\n\n* الوجه الثامن: في الحديث دليل على أنه إذا تم اللعان فرق الحاكم أو القاضي بين الزوجين تفريقًا مؤبدًا؛ لأن اللعان يوقع بين الزوجين من التقاطع والتباغض ما يوجب ألا يجتمعا بعدهما.\nوظاهر قوله: (ثم فرق بينهما) أن الفرقة لا تقع باللعان، بل لا بد من تفريق الحاكم، وسيأتي مزيد كلام في هذه المسألة عند حديث سهل بن سعد - ﵁ -. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٦٢).","vol":"8","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-918>حكم صداق الملاعنة</span>\n١١٠٢/ ٢ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ -أَيضًا﵄ - أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال لِلْمُتَلَاعِنَينِ: \"حِسَابُكُما عَلَى اللهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيهَا\"، قَال: يَا رَسُولَ اللهِ، مَالي. فَقَال: \"إِنْ كنْتَ صَدَقْتَ عَلَيهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الطلاق\"، باب \"المتعة للتي لم يُفرض لها\" (٥٣٥٠)، ومسلم (١٤٩٣) (٥) من طريق عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر -﵄-، وهذا الحديث هو إحدى روايات الحديث السابق.\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الرجل الملاعن لا يستحق شيئًا من الصداق الذي أصدقه للمرأة؛ لأنه إن كان صادقًا فيما رماها به من الزنا فالصداق بما استحل من فرجها، وإن كان كاذبًا فلا شيء له؛ لأنه استحل فرجها، وزاد على ذلك أنه ظلمها بالكذب عليها، فكيف يجمع عليها الظلم في عِرْضِهَا ومطالبتها بمالي قبضته منه قبضًا صحيحًا، وقد نقل النووي الإجماع على ذلك (^١).\n\n* الوجه الثالث: استدل الشافعية والحنابلة بقوله: (لا سبيل لك عليها)\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٣٨٠).","vol":"8","page":31},{"text":"على أن الملاعنة لا تحل للملاعن إذا أكذب نفسه بعد اللعان، وقالت الحنفية: تحل له لزوال المانع، وهو قول سعيد بن المسيب، وقال ابن جبير: ترد إليه ما دامت في العدة (^١).\n\n* الوجه الرابع: اختلف العلماء في قوله: \"حسابكما على الله، أحدكما كاذب\" هل قاله الرسول - ﷺ - للمتلاعنين قبل اللعان أو بعده؟ فيه قولان:\nالأول: أن هذا بعد فراغهما من اللعان، ويؤخذ منه عرض التربة على المذنب ولو بطريق الإجمال، وأنه لا يلزم من كذبه التربة من ذلك، وهذا اختيار القاضي عياض.\nالثاني: أنه قبل بداية اللعان، من باب تخويفهما وتحذيرهما؛ لأنه لا بد أن يكون أحدهما كاذبًا في الواقع ونفس الأمر، وأن يكون الآخر صادقًا في الواقع ونفس الأمر، وهذا نقله عياض عن الداودي، ثم قال: (والأول أظهر وأولى بمساق الكلام)، لكن قال الحافظ ابن حجر: (إن حديث ابن عمر محتمل للأمرين، وإنما الذي يؤيد كلام الداودي حديث ابن عباس، وفيه: فدعاهما حين نزلت آية الملاعن، فقال: \"الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ \"، فقال هلال: والله إني لصادق … الحديث. ويحتمل التعدد) (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" (١١/ ١٤٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٥٨).","vol":"8","page":32},{"text":"<span data-type='title' id=toc-919>لعان الحامل</span>\n١١٠٣/ ٣ - عَنْ أَنسٍ - ﵁ - أَن النبي - ﷺ - قَال: \"أَبْصِرُوهَا، فَإنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبطًا فَهُوَ لِزَوْجِهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا، فَهُوَ لِلَّذِي رَمَاهَا بِهِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في \"اللعان\" (١٤٩٦) من طريق هشام، عن محمَّد، قال: سألت أنس بن مالك -وأنا أرى أن عنده منه علمًا- فقال: (إن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء وكان أخا البراء بن مالك لأمه، وكان أول رجل لاعن في الإِسلام، قال: فَلَاعَنَهما، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أبْصِرُوها فإن جاءت به أبيض سَبِطًا قَضِيءَ العينين، فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحل جَعْدًا حَمْشَ الساقين، فهو لشريك بن سحماء، قال: فأنبئت أنها جاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين).\nهذا سياق الحديث عند مسلم، وبهذا تبين أن الحافظ تصرف في لفظه، فاختصره، وحذف منه بعض الأوصاف، ثم إنه وهم في عزوه للبخاري، وإنما هو عند مسلم فقط، وكذا عزاه ابن دقيق العيد في \"الإلمام\"، والمزي في \"التحفة\" (^١)، وابن عبد الهادي في \"المحرر\" إلى مسلم فقط، والبخاري قد روى قصة هلال بن أمية من حديث ابن عباس - ﵄ - (٤٧٤٧).\n_________\n(^١) (١/ ٣٧٢).","vol":"8","page":33},{"text":"الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (هلال بن أمية) هو هلال بن أمية بن قيس الأنصاري الواقفي، شهد بدرًا وما بعدها، وهو أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك (^١).\n\nقوله: (بشريك بن سحماء) بفتح الشين المعجمة والسين المهملة، هو شريك بن عبدة بن مُغيث بن الجد بن العجلان البلوي، وسحماء أمه، قيل لها: سحماء؛ لأنها كانت سوداء، وفيه قول شاذ، وهو أنه قيل له: شريك بن سحماء؛ لأنه كان مشاركًا لرجل يقال له: ابن سحماء، وعلى هذا فشريك صفة لا اسم (^٢).\n\nقوله: (وكان أخا البراء بن مالك لأمه) البراء بن مالك هو الأخ الشقيق لأنس بن مالك -﵄-، وأمهما أم سليم - ﵄ - ولم تكن سحماء، ولا تسمى سحماء، ولعل شريكًا كان أخا البراء لأمه من الرضاعة، ثم إنه لم ينقل أن أم سليم تزوجت عبدة بن مغيث قط (^٣).\n\nقوله: (فإن جاءت به) الضمير المجرور يعود إلى الولد الذي كان حملًا عند اللعان؛ أي: إن ولدت أبيض سبطًا …\n\nقوله: (سَبطًا) بفتح السين وكسر الباء، ويجوز إسكانها، هو من يكون شعره مسترسلًا.\n\nقوله: (قضيء العينين) بفتح القاف وكسر الضاد، ثم همز، على وزن فعيل، ومعناه: فاسد العينين بكثرة دمع أو حمرة أو غير ذلك.\n\nقوله: (فهو لزوجها) لفظ مسلم: \"فهو لهلال بن أمية\"، وهو زوج المرأة الملاعنة.\n\nقوله: (أكحل) بفتح الهمزة وسكون الكاف، هو الذي تكون عيناه كأن فيهما كحلًا من غير اكتحال.\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (١٠/ ٢٥٢).\n(^٢) \"الإصابة\" (٥/ ٧٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٤٦)، \"الإصابة\" (٥/ ٧٤).","vol":"8","page":34},{"text":"قوله: (جعدًا) بفتح الجيم وإسكان العين، من يكون شعره غير مسترسل.\n\nقوله: (حمش الساقين) بفتح الحاء المهملة وسكون الميم بعدها شين معجمة؛ أي: دقيق الساقين، والحموشة: الدقة.\n\nقوله: (فهو للذي رماها به) أي: قذفها واتهمها به؛ أي: فهو للزاني، وفي \"صحيح مسلم\": \"فهو لشريك بن سحماء\".\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز ملاعنة الحامل قبل وضع حملها، وأنه لا يؤخر إلى أن تضع، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم.\nوذهبت الحنفية في رواية، وأحمد في رواية، إلى أنه لا بد أن يؤخر نفي الولد إلى ما بعد الوضع، فينتفي منه، فإن نفاه قبل الوضع لم ينتف عنه؛ لأن العمل غير مستيقن؛ لجواز أن يكون ريحًا أو غيرها، فلا يكون للعان حينئذٍ معنى (^١).\nوالقول الأول هو الراجح؛ لأن حديث الباب نص في الموضوع؛ ولأن الحمل تمكن معرفته بأمارات ولا سيما في زماننا هذا؛ ولأن الشريعة علقت أحكامًا على العمل، كإيجاب النفقة.\nوإذا لاعن الرجل زوجته وهي حامل انتفى الولد بمجرد اللعان وإن لم ينفه صراحة، وهذا رواية عن أحمد، وهو قول الظاهرية (^٢)، واستدلوا بأنه لم يقع في اللعان عند النبي - ﷺ - نفي للولد، ولم يرد له ذكر في حديث هلال ولا عويمر؛ ولأن اللعان من الزوج مشتمل على نفي الولد.\nوالقول الثاني: أنه لا بد أن ينفيه صراحة، كأن يقول: أشهد بالله لقد زنت، وهذا ليس بولدي، وتقول هي: أشهد بالله لقد كذب، وهذا الولد\n_________\n(^١) \"المغني\" (١١/ ١٦١).\n(^٢) انظر: \"المحلى\" (١٠/ ١١٤)، \"المغني\" (١١/ ١٦١).","vol":"8","page":35},{"text":"ولده، واستدلوا بما جاء في حديث سهل: (وكانت حاملًا فأنكر حملها، وكان ابنها يدعى إليها).\nقال الأولون: إن هذا لا يدل على اشتراط نفي الولد في اللعان؛ لأن هذا أمر فعله الرجل من تلقاء نفسه (^١).\nفإذا انتفى من الولد ألحقه القاضي بأمه، وانقطع نسبه عن الأب مطلقًا، إلا إن أكذب نفسه، لحديث ابن عمر - ﵄ -: (أن النبي - ﷺ - لاعن بين رجل وامرأته فانتفى من ولدها، ففرق النبي - ﷺ - بينهما، وألحق الولد بالمرأة) (^٢). قال البخاري: (بابٌ يلحق الولد بالملاعنة) قال الحافظ: (أي: إذا انتفى الزوج منه قبل الوضع أو بعده) (^٣).\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على جواز ذكر الأوصاف المذمومة عند الضرورة الداعية إلى ذلك، ولا يكون ذلك من الغيبة المحرمة.\n\n* الوجه الخامس: في الحديث إرشاد من النبي - ﷺ - إلى اعتبار الحكم بالقافة، وأن للشبه مدخلًا في معرفة النسب، وإلحاق الولد بمنزلة الشبه، وإنما لم يلحق الولد بالملاعن لو قدِّر أن الشبه له؛ لمعارضة اللعان الذي هو أقوى من الشبه له؛ لأن لعان الزوج يفيده سقوط النسب الفاسد عنه؛ لأن تضرره بدخول النسب الفاسد عليه أعظم من تضرره بحد القذف، وحاجته إلى نفيه عنه أشد من حاجته إلى دفع الحد. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٤٤٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٣١٥)، ومسلم (١٤٩٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٦٠).","vol":"8","page":36},{"text":"<span data-type='title' id=toc-920>استحباب تخويف الملاعن عند الخامسة</span>\n١١٠٤/ ٤ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَجُلًا أنْ يَضَعَ يَدَهُ عِنْد الْخَامِسَةِ عَلَى فِيهِ، وَقَال: \"إِنَّها مُوْجِبَةٌ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريج:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"الطلاق\"، بابٌ \"في اللعان\" (٢٢٥٥)، والنسائي (٦/ ١٧٥) من طريق سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس -﵄-، أن النبي - ﷺ - أمر رجلًا … فذكره.\nوهذا الحديث إسناده لا بأس به، كما قال ابن عبد الهادي (^١)، عاصم بن كليب قال عنه أحمد: (لا بأس به)، وقال أبو حاتم: (صالح)، ووثقه ابن معين والنسائي (^٢)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق).\nووالده كليب بن شهاب وثقه أبو زرعة وابن سعد، وضعفه أبو داود والنسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٣)، وقال الحافظ: (صدوق).\nوبهذا يتبين أن عبارة ابن عبد الهادي أولى من عبارة الحافظ، لما في بعض رواته من كلام، ويبقى موضوع تفرد كليب بن شهاب عن بقية أصحاب ابن عباس -﵄-، لا سيما وأن كليبًا ليس بالمشهور.\n_________\n(^١) \"المحرر\" (٢/ ٦٨٨).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٤٩).\n(^٣) \"الثقات\" (٩/ ٤٤٦)، \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٤٠٠).","vol":"8","page":37},{"text":"الوجه الثاني: في الحديث دليل على أنه يشرع للحاكم أو القاضي المبالغة في المنع من الحلف والنطق بالشهادة الخامسة، وذلك بأن يأمر من يضع يده عند النطق بالخامسة على فم الرجل لعله أن ينزجر ويمتنع، فإذا شهد أربع شهادات، وَقَفَهُ القاضي وقال له: اتق الله، فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وكل شيء أهون من لعنة الله.\nومعنى \"إنها موجبة\": أي: إن الشهادة الخامسة بها يتم لعان الرجل، فيستحق لعنة الله إن كان من الكاذبين، وهذا من المنع بالفعل، بعد تقدم المنع بالقول، وهو الوعظ قبل بداية اللعان، كما تقدم.\nوظاهر الحديث أن هذا في حق الرجل، ولم يرد للمرأة ذكر، وقد جاء في حديث ابن عباس في قصة هلال بن أمية: (ثم قامت فشهدت، فلما كانت الخامسة وقفوها، وقالوا: \"إنها موجبة\") فظاهر هذا أنه لا يوضع على فم المرأة وإنما يكتفى بوعظها، واستحب الفقهاء من الحنابلة والشافعية وغيرهم أن تقوم امرأة فتضع يدها على فم الملاعنة (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١١/ ١٧٧).","vol":"8","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-921>فرقة اللعان</span>\n١١٠٥/ ٥ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - في قِصَّةِ الْمُتَلَاعِنَينِ -قَال: \"فَلَمّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا قَال: كَذَبْتُ عَلَيهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا. فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأمُرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - \" مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الطلاق\"، باب \"اللعان، ومن طلق بعد اللعان\" (٥٣٠٨)، ومسلم (١٤٩٢) (١) من طريق مالك، عن ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري، فقال له: يا عاصم، أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله، فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ سل لي يا عاصم عن ذلك رسول الله - ﷺ - … وساق الحديث بطوله، وفي آخره: فلما فرغا من تلاعنهما … وذكر تمام الحديث.\n\n* الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث بعض فقهاء الشافعية، وهو عثمان البَتِّيّ على أن الفرقة لا تقع بين المتلاعنين إلا بطلاق الرجل، لقوله: (فطلقها ثلاثًا)، ولو وقعت الفرقة بنفس اللعان لما نفذ طلاقه. قال الجصاص: (إنه قول تفرد به ولا نعلم أحدًا قال به غيره) (^١).\nوالقول الثاني: للإمام مالك، ورواية عن أحمد، وهو قول أهل الظاهر، أن الفرقة تقع بلعان الزوجين، ولا يُحتاج إلى تفريق الحاكم، وبه قال جماعة\n_________\n(^١) \"أحكام القرآن\" (٥/ ١٥٠)، \"فتح الباري\" (٩/ ٤٤٧).","vol":"8","page":39},{"text":"من السلف (^١)؛ لأنه ورد في السنة ما يدل على ذلك، ففي حديث سهل: (فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا) (^٢).\nوالقول الثالث: لأبي حنيفة، وأحمد في رواية: أن الفرقة لا تحصل إلا باللعان وتفريق الحاكم، لما تقدم في حديث ابن عمر - ﵄ -: (ثم فرق بينهما)، وكذا جاء في حديث ابن عباس -﵄-، وهذا يدل على أن الفرقة لم تحصل قبل تفريق النبي - ﷺ -، كما استدلوا بقوله: (كذبت عليها إن أمسكتها) لأن فيه إخبارًا منه بأنه ممسك لها بعد اللعان على ما كان عليه من النكاح، ولو وقعت الفرقة بتمام اللعان لما صح قوله: (كذبت عليها إن أمسكتها) وهو غير ممسك لها (^٣).\nوالقول الرابع: للشافعية: وهو أن الفرقة تثبت بلعان الزوج وحده ولو لم تلتعن المرأة؛ لأنها فرقة بالقول، فتحصل بقول الزوج وحده كالطلاق، قال الجصاص ومن بعده الموفَّق: (ولا نعلم أحدًا وافق الشافعي على هذا القول) (^٤).\nوأظهر الأقوال أنه إذا تم اللعان ثبتت الفرقة بين الزوجين، ولا يفتقر هذا إلى تفريق الحاكم، لما تقدم؛ ولأن الزوج لما شهد عليها بالزنا أربع مرات فالظاهر أنهما لا يأتلفان، فلم يكن في بقاء النكاح فائدة، فينفسخ كما ينفسخ بالارتداد؛ ولأنه لو كان التفريق إلى القاضي لساغ تركه برضا الزوجين كالتفريق بالعيب، ولم يقل بهذا أحد.\nوأما القول بأنه لا بد من الطلاق، فهو قول غير صحيح؛ لأن حديث سهل لا دلالة فيه على ذلك؛ لأن عويمرًا إنما طلق امرأته بعد اللعان؛ لأنه ظن أن اللعان لا يحرمها عليه، فأراد تحريمها بالطلاق، ثم إن تطليقه مؤكد\n_________\n(^١) انظر: \"المحلى\" (١٠/ ١٤٢، ١٤٤)، \"المغني\" (١١/ ١٤٤).\n(^٢) رواه أبو داود (٢٢٥٠)، والبيهقي (٧/ ٤١٠)، وصححه الألباني في \"الإرواء\" (٧/ ١٨٥).\n(^٣) \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١٥٠ - ١٥١).\n(^٤) \"المغني\" (١١/ ١٤٥)، \"أحكام القرآن\" (٥/ ١٥٢).","vol":"8","page":40},{"text":"للفرقة الواقعة باللعان، وهي بالتأبيد أشد منه، فلا حاجة إلى إنكار الرسول - ﷺ - عليه.\nوقول ابن عباس وابن عمر: (ثم فرق بينهما) ليس صريحًا، فإنه كما يحتمل إنشاء الفرقة يحتمل إعلامهما بها أو تنفيذها حسًّا بينهما (^١).\nوأما القول بأن الفرقة تحصل بلعان الزوج وحده، فهو قول غير صحيح أيضًا؛ لأنه لو وقعت الفرقة بلعان الزوج وحده لصار معنى هذا أن المرأة تلاعن وهي أجنبية منه (^٢).\nوثمرة الخلاف أنه على القول بأنه لا بد من تفريق الحاكم تظل الزوجية قائمة، ويقع طلاق الزوج على الزوجة، ويجري بينهما التوارث بسبب الزوجية إذا مات أحدهما قبل تفريق الحاكم، وعلى أنه لا يحتاج إلى تفريق الحاكم لا يكون شيء من ذلك (^٣).\n\n* الوجه الثالث: جمهور العلماء على أن فرقة اللعان مؤبدة، فلا يحل للزوج أن يعود إلى امرأته بحال، لقوله - ﷺ -: \"لا سبيل لك عليها\"، ولما تقدم من ارتفاع الثقة بينهما.\nوالقول الثاني: أنه إن أكذب نفسه حلت له وعاد فراشه بحاله، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن؛ لأن فرقة اللعان عندهما طلاق، وهو رواية عن أحمد اعتبرها الموفق رواية شاذة.\nوقال سعيد بن المسيب: إن أكذب نفسه فهو خاطب من الخطاب (^٤).\nوالصحيح قول الجمهور. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفرقة بين الزوجين\" ص (١٨١).\n(^٢) \"أحكام القرآن\" (٥/ ١٥٢).\n(^٣) \"المغني\" (١١/ ١٧٤).\n(^٤) \"المغني\" (١١/ ١٤٩).","vol":"8","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-922>حكم نكاح الزانية</span>\n١١٠٦/ ٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَن رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبيِّ فَقَال: إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، قال: \"غَرِّبْهَا\"، قال: أَخَافُ أنْ تَتْبعَهَا نَفْسِي. قَال: \"فَاسْتَمْتِعْ بِهَا\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَزَّارُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.\nوَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - بِلَفْظٍ قَال: \"طَلِّقْهَا\" قَال: لَا أَصْبِرُ عَنْهَا، قَال: \"فَأَمْسِكْهَا\".\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد رواه أبو داود في كتاب \"النكاح\"، باب \"النهي عن تزويج من لم يلد من النساء\" (^١) (٢٠٤٩)، والنسائي (٦/ ٦٧، ١٦٩) من طريق الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس -﵄-، قال: … فذكره.\nوهذا الحديث رجاله ثقات، قال النووي: (حديث صحيح مشهور) (^٢)، وقال ابن كثير: (هذا إسناد جيد) (^٣). لكن اختلف في إسناده، فقد رواه الشافعي (٢/ ٢٧٣ - ٢٧٨ ترتيب مسنده) قال: أخبرنا سفيان، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: أتى رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال:\n_________\n(^١) هذه الترجمة ليس فيها مناسبة ظاهرة لهذا الحديث إلا أن يقال: إن الزنا إذا كان لا يثبت به النسب فالأولاد منه في حكم العدم، فكان الأمر بتزويج الولود أمرًا بتزويج المحصنات منهن لا الخبيثات [راجع: \"بذل المجهود\" (١٠/ ١٣)].\n(^٢) \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٤/ ١٣٠).\n(^٣) \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ١٠).","vol":"8","page":42},{"text":"يا رسول الله إن لي امرأة لا ترد يد لامس، فقال: النبي - ﷺ -: \"فطلقها\"، قال: إني أحبها، قال: \"فأمسكها إذن\"، هكذا رواه مرسلًا.\nورواه النسائي (٦/ ٦٧ - ٦٨) من طريق حماد بن سلمة وغيره، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، وعبد الكريم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس. عبد الكريم يرفعه إلى ابن عباس، وهارون لم يرفعه، قالا: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إني عندي امرأة هي من أحب الناس إليَّ، وهي لا تمنع يد لامس، قال: \"طلقها\"، قال: لا أصبر عنها، قال: \"استمتع بها\".\nوبهذا يتبين أن الحديث روي موصولًا من طريق عبد الكريم، وهو ابن أبي المخارق، وروي مرسلًا، وهو من طريق يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة وغيره، عن هارون بن رئاب، وقد قال الحافظ في \"التقريب\" عن عبد الكريم: (ضعيف)، وعن هارون: (ثقة عابد). ولذا رجح النسائي الإرسال، فقال: (هذا حديث ليس بثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي، وهارون بن رئاب أثبت منه، وقد أرسل الحديث، وهارون ثقة، وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم).\nوقد نقل ابن الجوزي عن الإِمام أحمد أنه قال: (هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله - ﷺ -، ليس له أصل) (^١)، ولعل ابن الجوزي تمسك بهذا فأورد الحديث في كتابه \"الموضوعات\" (^٢)، ورجح هذا الشيخ عبد العزيز بن باز.\nوالحق أن هذا الحديث منكر المتن؛ لأن النسائي -مع تشدده- لم يحكم عليه بالوضع، ولا أعلم أحدًا سبق ابن الجوزي إلى الحكم عليه بالوضع، خاصة وأن العلماء قد اختلفوا في توجيه معناه كما سيأتي.\n_________\n(^١) هذه العبارة يطلقها الإِمام أحمد على معانٍ منها: ما ليس له أصل صحيح، لا أنه يريد ليس له إسناد، انظر: \"مسائل الإمام أحمد\" رواية أبي داود ص (٢٧٢).\n(^٢) (٢/ ٢٧٢)، \"التلخيص\" (٣/ ٢٢٥).","vol":"8","page":43},{"text":"الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا ترد يد لامس) اختلف في معناه على ثلاثة أقوال:\nالأول: أن المراد أنها مطاوعة لمن أرادها للفاحشة، وهذا كناية عن الفجور، وهذا قول أبي عبيد والخلال والنسائي وابن الأعرابي والخطابي والنووي (^١)، وهذا المعنى نصره الشوكاني؛ لأن النبي - ﷺ - لم يستفصل الرجل عن مراده، فينزل منزلة العموم، والعرب تكني بمثل هذه العبارة عن الزنا وعدم الثقة (^٢)، وضعفه آخرون؛ لأن النبي - ﷺ - لا يمكن أن يقره على أن يكون ديوثًا وأن يكون زوج امرأة تتعاطى الفجور.\nالثاني: أن المراد أنها مسرفة في ماله، وهذا كناية عن بذلها الطعام، قال ابن قتيبة: (إنما أراد أنها سخية لا تمنع سائلًا)، وهذا قول أحمد، والأصمعي، قال ابن الأثير: (وهذا أشبه) (^٣).\nلكن ضعف هذا بأنه لو كان هو المراد لقال: لا ترد يد ملتمس، ثم إن التبذير إن كان بمالها فمنعها ممكن، وإن كان بمال الزوج فكذلك، ولا يوجب هذا أمره بطلاقها (^٤).\nالثالث: أن المراد أنها سهلة الأخلاق ليس عندها نفور وحشمة عن محادثة الرجال الأجانب ومصافحتهم، لا أنها تأتي الفاحشة، وكثير من النساء قد يتسامحن في محادثة الرجال أو مصافحتهم، ويوجد هذا في كثير من القبائل، وهذا معنى رجحه ابن كثير (^٥)، والصنعاني، وجماعة.\n\nقوله: (غربها) أي: أبعدها عنك وفارقها.\n\nقوله: (فاستمتع بها) أي: أبقها وتلذذ بها قدر ما تقضي حاجتك.\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (٣/ ٢٥٣).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٦/ ١٦٥).\n(^٣) \"النهاية\" (٤/ ٢٧٠).\n(^٤) انظر: \"حاشية السندي\" على \"سنن النسائي\" (٦/ ٦٧).\n(^٥) \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ١١).","vol":"8","page":44},{"text":"الوجه الثالث: يستدل العلماء من المفسرين والفقهاء (^١) بهذا الحديث على جواز إمساك الزوجة والاستمرار على نكاحها ولو ظهر منها الزنا، وأن ذلك لا يقتضي فسخ نكاحها، واستدلوا به على جواز نكاح الزانية، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وأجازه مالك مع الكراهة، قال الموفق ابن قدامة: (إذا زنت امرأة رجل أو زنا زوجها لم يفسخ النكاح، سواء كان قبل الدخول أو بعده في قول عامة أهل العلم …) (^٢).\nوحملوا الآية: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] على ابتداء النكاح، فيجوز للرجل أن يستمر على نكاح من زنت وهي تحته، ويحرم عليه أن يتزوج الزانية، وقد بوب النسائي على هذا الحديث بقوله: باب (تزويج الزانية)، وقال الجصاص: (ومن الناس من يحتج في أن الزنا لا يبطل النكاح بما روى هارون بن رئاب … ثم ساق الحديث) (^٣).\nولا يلزم من قول هؤلاء أن يكون العفيف الذي تحته زانية ديوثًا؛ لأنه إنما يبقيها ليحفظها ويحرسها ويمنعها من ارتكاب ما لا ينبغي.\nقال النووي: (كأنه - ﷺ - أشار عليه أولًا بفراقها نصيحة له وشفقة عليه في تنزهه من مباشرة من هذه حالها، فأعلم الرجل شدة محبته لها وخوفه فتنة بسبب فراقها، فرأى النبي - ﷺ - المصلحة له في هذه الحال إمساكها خوفًا من مفسدة عظيمة تترتب على فراقها، ودفع أعظم الضررين بأخفهما متعين، ولعله يرجى لها الصلاح بعد، والله تعالى أعلم) (^٤).\nولعل هؤلاء هم الذين يأخذون بالمعنى الأول في تفسير (لا ترد يد لامس)، أما من يقول بأنه لا يجوز الزواج بالزانية ولا إمساكها إذا زنت، وهو قول قتادة وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وهو منقول عن علي وابن مسعود\n_________\n(^١) ولهذا ذكره الحافظ في \"البلوغ\" تبعًا لفقهاء الشافعية، وأما ابن دقيق العيد والمجد ابن تيمية فلم يذكروه. انظر: \"التلخيص\" (٣/ ٢٥٣)، \"أضواء البيان\" (٦/ ٨١ - ٩٢).\n(^٢) \"المغني\" (٩/ ٥٦٥).\n(^٣) \"أحكام القرآن\" (٥/ ٢٠٨).\n(^٤) \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٤/ ١٣٠).","vol":"8","page":45},{"text":"وعائشة والبراء -﵃-، فلأن الله تعالى أباح نكاح المحصنات المؤمنات، ولأنها إذا كانت تتعاطى الزنا فإنه لا يؤمن أن تأتي من الزنا بولد فتلحقه بزوجها وتورثه ماله.\nوالذي يظهر -كما قال الشنقيطي- أن المسلم لا ينبغي له أن يتزوج إلا عفيفة صَيِّنَةً، للآيات والأحاديث الواردة في هذا، كقوله - ﷺ -: \"فاظفر بذات الدين تربت يداك\" (^١).\nوأما حديث الباب فإن الاستدلال به على جواز نكاح الزانية غير مستقيم لأمور ثلاثة:\n١ - أنه في استمرار النكاح لا في ابتدائه.\n٢ - أن الاستدلال به متوقف على صحة المعنى الأول، وهو منازع فيه.\n٣ - أن الحديث متكلم فيه، كما تقدم. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"أضواء البيان\" (٦/ ٩٤).","vol":"8","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-923>التحذير من نفي الولد بعد إثباته</span>\n١١٠٧/ ٧ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتَلَاعِنَينِ: \"أيَّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيسَ مِنْهُمْ فَلَيسَتْ مِنَ اللهِ في شَيءٍ، وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللهُ جَنتَهُ، وَأيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ -وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيهِ- احْتَجَبَ اللهُ عَنْهُ وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤوسِ الأَوّلينَ وَالآخِرِينَ\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حبانَ.\n١١٠٨/ ٨ - وَعَنْ عُمَرَ - ﵁ - قَال: مَنْ أقَرَّ بِوَلَدٍ طَرْفَةَ عَينٍ فَلَيسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ. أَخْرَجَهُ الْبَيهَقيُّ، وَهُوَ حَسَنٌ مَوْقُوفٌ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأولى: في تخريجهما:\nأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فقد رواه أبو داود في كتاب \"الطلاق\"، باب \"التغليظ في الانتفاء\" (٢٢٦٣)، والنسائي (٦/ ١٧٩ - ١٨٠)، وابن حبان (٩/ ٤١٨) من طريق يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن يونس، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nوالحديث صححه ابن حبان، كما قال الحافظ، وصححه الحاكم (٢/ ٢٠٢) على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبي، مع أن عبد الله بن يونس لم يخرج له مسلم.\nوهذا حديث سنده ضعيف، عبد الله بن يونس ترجم له البخاري في \"التاريخ الكبير\" (^١)، وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (^٢)، ولم يذكرا فيه\n_________\n(^١) (٥/ ٢٣٢).\n(^٢) (٥/ ٢٠٥).","vol":"8","page":47},{"text":"جرحًا ولا تعديلًا، ولم يوثقه إلا ابن حبان (^١)، ولم يرو عنه إلا يزيد بن الهاد، وليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث عند أبي داود والنسائي، ولذا قال ابن القطان: (عبد الله بن يونس هذا لا تعرف حاله …) (^٢)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (عبد الله بن يونس حجازي مجهول الحال، مقبول) أي: مقبول في المتابعات، وكأن الحافظ جمع بين مقتضى توثيق ابن حبان وقول ابن القطان.\nوقد توبع، فقد روى الحديث ابن ماجه (٢٧٤٣) من طريق موسى بن عبيدة، حدثني يحيى بن حرب، عن سعيد المقبري، به، لكن هذه المتابعة لا يفرح بها، فإن موسى بن عبيدة ضعيف، وشيخه يحيى مجهول (^٣)، ثم إن تفرد مثل هذين عن إمام كسعيد المقبري في شهرته وكثرة أصحابه علة أخرى.\nوالجزء الثاني من الحديث له شاهد من حديث ابن عمر - ﵄ - أخرج أحمد (٨/ ٤١٣ - ٤١٤)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ٢٢٣ - ٢٢٤) من طريق وكيع، عن أبيه، عن عبد الله بن أبي المجالد، عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعًا: \"من انتفى من ولده ليفضحه في الدنيا، فضحه الله يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، قصاص بقصاص\".\nوهذا سند فيه عبد الله بن أبي المجالد، وهو من رجال البخاري، وهو ثقة، ووالد وكيع هو الجراح بن مليح الرؤاسي، متكلم فيه (^٤)، وقال الحافظ في \"التقريب\" (صدوق يهم)، قال أبو نعيم: (تفرد به وكيع، عن أبيه) فكلام الأئمة في والد وكيع، وإعلاله بالتفرد مما يضعف الحديث.\nوقد نقل الحافظ في \"التلخيص\" أن الدارقطني صحح حديث الباب في \"العلل\" مع أنه ذكر تفرد عبد الله بن يونس به، عن المقبري (^٥).\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٧/ ٢٩).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٤/ ٤٧٢).\n(^٣) \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ٣٧٨).\n(^٤) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٥٨).\n(^٥) انظر: \"العلل\" (١٠/ ٣٧٦)، \"التلخيص\" (٣/ ٢٥٤)، وما في \"العلل\" ليس بصريح في تصحيح الحديث، وقد جاء في المطبوع: (وهو الصحيح)، وفي مخطوطة \"العلل\" المصرية والكويتية: (وهو صحيح).","vol":"8","page":48},{"text":"وأما حديث عمر - ﵁ - فقد رواه البيهقي في \"الكبرى\" (٧/ ٤١١ - ٤١٢) من طريق مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن شريح، عن عمر - ﵁ -.\nوإسناده ضعيف؛ لأن فيه مجالد بن سعيد الهمزاني ضعفه الإِمام أحمد ويحيى بن سعيد وابن معين وأبو حاتم والنسائي وآخرون (^١)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (ليس بالقوي).\nوقد روى البيهقي -أيضًا- من طريق قدامة بن محمَّد، نا مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت محمَّد بن مسلم بن شهاب يزعم أن قبيصة بن ذؤيب كان يحدث عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قضى في رجل أنكر ولد امرأته وهو في بطنها، ثم اعترف به وهو في بطنها، حتى إذا ولد أنكره، فأمر به عمر بن الخطاب - ﵁ - فجلده ثمانين لفريته عليها، ثم ألحق به ولدها (^٢). قال الحافظ: (إسناده حسن) (^٣). وقد تقدم الكلام على سماع مخرمة من أبيه عند الحديث (٤٦٤) وقد نفى سماعه من أبيه الإِمام أحمد وابن معين وغيرهما.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (أدخلت على قوم من ليس منهم) أي: أتت بولد من زنا وهي في فراش الزوجية، فنسبت الولد إلى الزوج وهو ليس منه.\n\nقوله: (فليست من الله في شيء) الظاهر أن هذا من أحاديث الوعيد التي تُمر كما جاءت، وقيل معناه: ليست أهلًا لرحمة الله تعالى.\n\nقوله: (ولن يدخلها الله الجنة) أي: مع من يدخلها من المحسنين، بل يؤخرها أو يعذبها ما شاء ثم يكون مآلها إلى الجنة، إلا أن تكون كافرة فيجب لها الخلود.\n\nقوله: (جحد ولده وهو ينظر إليه) أي: انتفى من ولده وهو يعلم أنه\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٣٦).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤١١).\n(^٣) \"التلخيص\" (٣/ ٢٥٩).","vol":"8","page":49},{"text":"ولده، فقوله: \"وهو ينظر إليه\" كناية عن العلم بأنه ولده، والضمير إما أن يعود إلى الولد، ففيه إشعار بقلة شفقة الرجل وقساوة قلبه وغلظته، أو يعود إلى الرجل؛ أي: والحال أن الرجل ينظر إلى ولده، وهو أظهر (^١).\n\nقوله: (احتجب الله عنه) أي: حرمه الله من النظر إليه يوم القيامة.\n\n* الوجه الثالث: الحديث ضعيف، وعلى تقدير صحته هو من باب الوعيد، وأحاديث الوعيد عند أهل السنة والجماعة تمر كما جاءت؛ لأنه أبلغ في الزجر وأعظم في التحذير عما حرم الله، وصاحبها تحت المشيئة.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث وعيد عظيم لمن خانت زوجها ومكنت رجلًا من نفسها فحملت منه، فنسبت هذا الولد إلى زوجها وإلى أسرته، وأصبح كأنه فرد منهم، وهذا يترتب عليه أمور عظيمة؛ لأنه سيطلع على عوراتهم ويشاركهم في أموالهم، ويجري بينهم التوارث.\n\n* الوجه الخامس: في الحديث وعيد عظيم لإنسان علم أن الولد ولده ثم نفاه، وتبرأ منه، فقطع منه نسبه، وأصبح مشردًا بلا نسب ولا أصل، والجزاء من جنس العمل، فإن هذا الرجل لما تبرأ من ولده وصار سببًا في فضحه في دار الدنيا فضحه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة.\n\n* الوجه السادس: في الحديث دليل على أن الإنسان إذا أقر بالولد ثبت نسبه منه ولا يمكن نفيه أبدًا؛ لأن هذا رجوع عن الإقرار في حق آدمي، والرجوع في مثل هذا لا يقبل؛ لأن النسب يحتاط لإثباته، وقد ثبت بحجة شرعية، وهي الإقرار، فلم يَزُلْ بإنكار (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"بذل المجهود\" (١٠/ ٢٤٠).\n(^٢) \"المغني\" (٧/ ٣٢٤).","vol":"8","page":50},{"text":"<span data-type='title' id=toc-924>التعريض بنفي الولد</span>\n١١٠٩/ ٩ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَجُلًا قَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، قَال: \"هَلْ لَكَ مِنْ إِبلٍ؟ \"، قَال: نَعَمْ، قَال: \"فَمَا ألوَانُهَا؟ \"، قَال: حُمْرٌ، قَال: \"هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ \"، قَال: نَعَمْ، قَال: \"فأَنَّى ذلِكَ؟ \"، قَال: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَال: \"فَلَعَلّ ابْنَكَ هذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَفي روَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: وَهُوَ يُعَرِّضُ بأَنْ يَنْفِيَهُ، وَقَال في آخِرِه: وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ في الانْتِفَاءِ مِنْهُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الطلاق\"، باب \"إذا عَرَّضَ بنفي الولد\" (٥٣٠٥) من طريق مالك، ومسلم (١٥٠٠) (١٨) من طريق ابن عيينة، كلاهما عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة - ﵁ -.\nوأخرجه مسلم (١٩) من طريق معمر، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري … وفيه: فقال: يا رسول الله ولدت امرأتي غلامًا أسود، وهو حينئذٍ يعرض بأن ينفيه، وزاد في آخر الحديث: ولم يرخص له في الانتفاء منه.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إن امرأتي ولدت غلامًا أسود) أي: إنه لا يشبهني ولا يشبه أمه، فأنا أبيض وأمه بيضاء، وقد جاء في رواية عند مسلم: (أنكرته) ومعناه: استنكرت بقلبي أن يكون مني، وليس معناه نفيه عن نفسه باللفظ.","vol":"8","page":51},{"text":"قوله: (هل لك من إبل؟) الغرض من هذا السؤال وما بعده أن النبي - ﷺ - فهم مراد هذا الرجل وأنه يعرض بنفي ولده -كما في رواية مسلم- لكون لونه خالف لون أبيه وأمه، فأراد النبي - ﷺ - أن يقنعه ويزيل وساوسه، فضرب له مثلًا مما يعرف ويألف.\n\nقوله: (حمر) بضم فسكون، جمع أحمر، وهي التي لم يخالط حمرتها لون آخر.\n\nقوله: (مِنْ أورق) بفتح الهمزة، هو الذي فيه سواد ليس بحالك، بل يميل إلى الغبرة، ومنه قيل للحمامة: ورقاء.\n\nقوله: (فأنى ذلك؟) بفتح النون المشددة اسم استفهام، والمعنى: من أين أتاها اللون الذي خالفها، هل هو بسبب فحل من غير لونها طرأ عليها أو لأمر آخر؟\n\nقوله: (نزعه عرق) المراد بالعرق: الأصل من النسب، تشبيهًا بعرق الشجرة، ومعنى: (نزعه) جذبه.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن التعريض بالقذف ليس قذفًا، كما أنه لا يعد غيبة إذا جاء صاحبه مستفتيًا ولم يقصد مجرد القدح والعيب، وهذا هو قول الجمهور.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على الاحتياط في باب الأنساب، وأن مجرد الظن والاحتمال لا ينفي الولد من أبيه، فيلحق الولد بأبويه ولو خالف لونه لونهما، ولهذا حكم النبي - ﷺ - بأن الولد للفراش، ولم يجعل مخالفة اللون دلالة يجب الحكم بها؛ لأنه - ﷺ - ضرب له المثل باختلاف الألوان في الإبل ولقاحها واحد.\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه لا يجوز للأب أن ينفي ولده بمجرد كونه مخالفًا له في اللون، وقد حكى ابن رشد والقرطبي الإجماع على ذلك (^١)، وتعقبهما الحافظ ابن حجر بأن الخلاف في ذلك ثابت عند\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٤/ ٣٠٧).","vol":"8","page":52},{"text":"الشافعية (^١)، وهو أنه إن لم ينضم إلى مخالفة اللون قرينة الزنا حرم النفي، وإن انضمت أو كان متهمها برجل فأتت بولد على لونه ففيه وجهان، وقالت الحنابلة: يجوز النفي مع القرينة، والخلاف عند عدمها (^٢).\n\n* الوجه السادس: في الحديث دليل على حسن تعليم النبي - ﷺ -، وكيف كان يخاطب الناس بما يعرفون وما يفهمون، حيث ضرب هذا المثل للأعرابي الذي فهم المراد منه وأدرك المقصود؛ لأنه قد خفي عليه هذا الأمر في الآدميين، فشبهه النبي - ﷺ - بما يعرفه ويألفه ولا ينكره.\n\n* الوجه السابع: هذا الحديث من أدلة القياس في الشرع وصحة الاعتبار بالنظير، فقد قاس النبي - ﷺ - نسل بني آدم على نِتاج الإبل، والعلة: نزع العرق القديم المؤثر في لون البشرة، والحكم: الثبوت والإلحاق مع اختلاف لون البشرة (^٣).\nكما يستدل به الأصوليون على اشتراط أن تكون العلة وصفًا مناسبًا للحكم، وإلغاء الأوصاف التي لا تؤثر في الحكم؛ لأن الرسول - ﷺ - ألغى اختلاف لون الولد عن أبيه؛ لعدم تأثيره في الحكم (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"طرح التثريب\" (٧/ ١٢٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٤٤).\n(^٣) \"القياس في القرآن والسنة\" ص (٣٨٠).\n(^٤) \"بدائع الفوائد\" (٤/ ١٥٣٩).","vol":"8","page":53},{"text":"<span data-type='title' id=toc-925>باب العِدَّةِ والإحْدَادِ [والاسْتِبْرَاءِ وغير ذلك]</span> (^١)\nالعدة لغة: مأخوذة من عَدَّ المال أو الأيام، أو غيرهما، عدًا: إذا أحصى آحادها، والكمية المعدودة عِدد وعدة، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ [التوبة: ٣٦]، وإذا أضيفت العدة إلى المرأة كان المراد أيام أقرائها؛ لأنها كمية تُعَدُّ وتحصى.\nوالعدة شرعًا: تربص المرأة المحدود شرعًا عن التزويج بعد فراق زوجها.\nوالعدة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].\nومن السنة أحاديث الباب.\nوقد أجمعت الأمة على إيجاب العدة في الجملة على المرأة التي فارقها زوجها، وإن كانوا يختلفون في بعض أفراد من تجب عليه.\nوالحكمة من مشروعيتها:\n١ - تعرُّف براءة الرحم حتى لا تختلط الأنساب.\n٢ - إمهال الزوج مدة يتمكن فيها من مراجعة مطلقته بعد أن يتروى في أمرها.\n٣ - تعظيم شأن عقد الزواج، وأنه ليس كالعقود التي تنتهي آثارها بمجرد فسخها (^٢).\n_________\n(^١) زيادة من طبعة الفقي وطبعة طارق بن عوض الله.\n(^٢) انظر: \"الفرقة بين الزوجين\" ص (١٨٧)، \"آثار عقد الزواج\" ص (٢٧٠).","vol":"8","page":54},{"text":"وهذا رأي الجمهور، ويرى آخرون، ومنهم ابن حزم أن العدة من الأمور التعبدية التي يعمل بها، ولا تلتمس لها حكمة؛ لأنها لو كانت لاستبراء الرحم لاكتفي فيها بحيضة.\nوقد رد هذا ابن القيم، وبين أن العِدَدَ ليست من العبادات المحضة، بل فيها من المصالح من رعاية حق الزوجين والولد والنكاح، ما هو واضح لمن تأمله (^١).\nوالإحداد لغة: المنع، ومنه سمي البواب حدادًا لمنعه الداخل، والمرأة حاد؛ لأن الإحداد يمنعها من كثير مما كان مباحًا قبله، قال في \"القاموس\": (الحاد والمحد: تاركة الزينة للعدة) (^٢).\nوشرعًا: أن تجتنب المرأة المتوفى عنها أثناء العدة كل ما يدعو إلى نكاحها من الطيب والكحل وثياب الزينة والخروج من منزلها لغير حاجة.\nوالحكمة منه:\n١ - التعبد لله تعالى بامتثال أمره وأمر رسوله - ﷺ -.\n٢ - إظهار حق الزوج على زوجته، والتأسف على ما فاتها من حق العشرة، وإدامة الصحبة إلى وقت الموت.\n٣ - فوات نعمة النكاح بموت العائل الذي كان يصونها ويحفظها ويرعى مصالحها.\n٤ - سَدُّ ذريعة تطلع المرأة للرجال أو تطلعهم إليها (^٣).\nوالاستبراء لغة: طلب البراءة. وشرعًا: تربصٌ يقصد منه العلم ببراءة الرحم. والغالب أنه في الإماء؛ لتقديره بأقل ما يدل على البراءة من غير تكرار ولا عدة، بخلاف الحرة، فلا بد من التكرار (^٤).\n_________\n(^١) \"المحلى\" (١٠/ ٢٥٦)، \"زاد المعاد\" (٥/ ٦٦٥).\n(^٢) (١/ ٦٠١).\n(^٣) انظر: \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١٤٦ - ١٤٨)، \"فتح الباري\" (٤/ ٣٣٨)، (٩/ ٤٧٧).\n(^٤) انظر: \"المطلع\" ص (٣٤٩)، \"فقه الدليل\" (٤/ ٥١٠).","vol":"8","page":55},{"text":"<span data-type='title' id=toc-926>عدة الحامل المتوفى عنها</span>\n١١١٠/ ١ - عَنِ الْمِسْوَر بن مَخْرَمَةَ - ﵁ - أَنَّ سُبَيعَةَ الأَسْلَمِيّةَ - ﵂ - نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَجَاءَتِ النبي - ﷺ - فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَن تَنْكِحَ، فَأَذِنَ لَهَا، فَنكَحَتْ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَأَصْلُهُ في الصَّحِيحَين.\nوَفي لَفْظٍ: أنَّهَا وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بأَرْبَعِينَ لَيلَةً.\nوَفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، قَال الزُّهْرِيُّ: وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَزَوَّجَ وَهيَ في دَمِهَا، غير أنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الطلاق\" باب \" ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ \" (٥٣٢٠) من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة أن سبيعة الأسلمية نفست …\nوالحديث أصله عند البخاري (٥٣١٨)، ومسلم (١٤٨٥) من حديث أم سلمة زوج النبي - ﷺ - أن امرأة من أسلم يقال لها: سبيعة كانت تحت زوجها، فتوفي عنها وهي حبلى، فخطبها أبو السنابل بن بعكك، فأبت أن تنكحه، فقال (^١): والله ما يصلح أن تنكحيه حتى تعتدي آخر الأجلين، فمكثت قريبًا من عشر ليال، ثم جاءت النبي - ﷺ - فقال: \"انكحي\" هذا لفظ البخاري.\nوروى البخاري أيضًا (٤٩٠٩) عنها - ﵂ - أنها قالت: قتل زوج سبيعة\n_________\n(^١) راجع \"فتح الباري\" (٩/ ٤٧٢).","vol":"8","page":56},{"text":"الأسلمية وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة … الحديث.\nوروى -أيضًا- البخاري (٥٣١٨)، ومسلم (١٤٨٤) من طريق ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبيه أنه كتب إلى ابن الأرقم يسأل سبيعة الأسلمية كيف أفتاها النبي - ﷺ -؟ فقالت: أفتاني إذا وضعت أن أنكح.\nهذا لفظ البخاري، وعند مسلم بنحوه، وفيه: قال ابن شهاب: فلا أرى بأسًا أن تتزوج …\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أن سُبيعة) بضم السين وفتح الباء الموحدة، تصغير سَبُعَةَ، وهي اللبوة؛ أي: أنثى الأسد (^١)، وهي سبيعة بنت الحارث الأسلمية، لها صحبة ورواية، وذكرها ابن سعد في المهاجرات، قال ابن عبد البر: (روى عنها فقهاء أهل المدينة وفقهاء أهل الكوفة من التابعين حديثها هذا) (^٢).\n\nقوله: (نُفِست) بضم النون وكسر الفاء على المشهور؛ أي: ولدت، وفي لغة: بفتحهما، قاله النووي، وقال الهروي: إذا حاضت فالفتح لا غيره (^٣).\n\nقوله: (بعد وفاة زوجها) هو سعد بن خولة، لرواية مسلم: (كانت تحت سعد بن خولة)، مات في حجة الوداع، وقال الطبري: إنه مات سنة سبع، قال العيني عن الأول: (وهو الصحيح) (^٤).\nوقد تقدم في حديث أم سلمة: (قتل زوج سبيعة)، قال الحافظ: (كذا هنا، وفي غير هذه الرواية أنه مات، وهو المشهور) (^٥)، وقال في موضع آخر:\n_________\n(^١) \"الإعلام\" لابن الملقن (٨/ ٣٧٨).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (١٢/ ٣٦)، \"الإصابة\" (١١/ ٢٩٦).\n(^٣) \"الغريبين\" (٦/ ١٨٧١)، \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢١)، \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١١/ ٣٦٤).\n(^٤) \"الإصابة\" (٤/ ١٣٩)، \"عمدة القارئ\" (١٧/ ٩١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٥٤).","vol":"8","page":57},{"text":"(إن كانت محفوظة ترجحت؛ لأنها لا تنافي مات أو توفي، وإن لم يكن في نفس الأمر قتل فهي رواية شاذة) (^١).\n\nقوله: (بليال) هكذا أبهمت المدة، ولعل ذلك لتعدد الروايات (^٢)، وتعذر الجمع لاتحاد القصة، ولا يترتب على ذكرها فائدة؛ لأن المقصود أن تضع قبل أربعة أشهر وعشر.\n\nقوله: (فاستأذنته) المراد به الاستفتاء، بدليل الرواية الأخرى: (فأتيت النبي - ﷺ - فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي).\n\nقوله: (قال الزهري) هو محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، الفقيه المدني، نزيل الشام، مشهور بالإمامة والجلالة، كان ثقة حافظًا، وصفه الشافعي والدارقطني وغير واحد بالتدليس، وهو أحد كبار صغار التابعين؛ لأنه رأى ولقي عددًا قليلًا من الصحابة لا يزيدون عن عشرة، وأهمهم أنس بن مالك - ﵁ -، فقد روى عنه الزهري ما يقرب من خمسين حديثًا. ولد سنة خمسين على أحد أقوال ثلاثة، ومات سنة مائة وثلاث أو أربع وعشرين، استشهد به مسلم في أحاديث قليلة، ومنها حديث الباب (^٣).\n\nقوله: (في دمها) أي: دم نفاسها.\n\nقوله: (غير أنَّه) هذا ضمير الشأن؛ أي: إن الحال والشأن أن زوجها لا يقربها.\n\nقوله: (لا يقربها) أي: لا يجامعها، أما العقد عليها فجائز، وكذا الدخول.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها؛ لأنها لم تستأذن النبي - ﷺ - إلا بعد أن وضعت، فدل على أنها قبل الوضع في عدة.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٧٢).\n(^٢) انظر: \"الإعلام\" (٨/ ٣٨٢).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٣٩٥).","vol":"8","page":58},{"text":"الوجه الرابع: الحديث دليل على أن عدة الحامل المتوفى عنها وضع الحمل ولو لم يمض عليها أربعة أشهر وعشر، لقوله: (بليال)، وفي رواية: (بأربعين ليلة)، وللحديث روايات أخرى، وكلها تفيد أنها وضعت قبل تمامها أربعة أشهر وعشرًا.\n\n* الوجه الخامس: عموم الحديث يشمل وَضْعَ ما فيه خلق إنسان ولو لم يكن تامًّا، وأما ما لا يتحقق فيه ذلك فلا تخرج بوضعه من العدة؛ لأن العدة لازمة بيقين، فلا تنقضي بمشكوك فيه، ويرى ابن دقيق العيد أنها لا تخرج إلا بالحمل التام المتخلق؛ لأن هذا هو الغالب، ووضع العلقة والمضغة نادر، ولا ينبغي حمل الحكم على النادر (^١)، لكن للمخالف أن يقول: إذا كان المقصود هو العلم ببراءة الرحم حصل ذلك بوضع ما تبين فيه خلق إنسان ولو لم يكن تامًّا.\n\n* الوجه السادس: الحديث دليل على أنه يباح لمن وضعت أن تتزوج ويعقد عليها ولو لم تطهر من نفاسها؛ لقولها: (حين وضعت حملي)، ولما قاله الزهري، وقد نسبه الحافظ إلى الجمهور، وقال: (وهو ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]) (^٢).\n\n* الوجه السابع: أخذ جمهور العلماء بهذا الحديث مع عموم قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وقالوا: عدة الحامل المتوفى عنها وضع الحمل (^٣)، واعتبروا هذه الآية مخصصة لآية البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] لأنها عامة تتناول المتوفى عنها الحامل وغير الحامل، وهذا التخصيص دل عليه حديث سبيعة هذا، وعليه فتكون آية البقرة خاصة بالمتوفى\n_________\n(^١) انظر: \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١٠/ ٣٦٣)، \"إحكام الأحكام\" (٤/ ٢٤٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٧٥).\n(^٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢٨/ ١٤٤)، \"زاد المعاد\" (٥/ ٥٩٤).","vol":"8","page":59},{"text":"عنها غير الحامل، وتكون آية سورة الطلاق في الحامل، سواء أكانت متوفى عنها أم غيرها، وبهذا الجمع يزول التعارض الظاهر بين عموم آية البقرة وخصوص آية سورة الطلاق، ويؤيد ذلك قول ابن مسعود - ﵁ -: (أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون عليها الرخصة؟ نزلت سورة النساء القُصرى بعد الطولى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾) (^١)، يعني بذلك أن السورة القصرى وهي سورة الطلاق مخصصة لآية البقرة؛ لأنها أخرجت منها بعض أفرادها.\nعلى أنه قد نوزع في عموم آية البقرة؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَزْوَاجًا﴾ جمع منكر، والجمع المنكر في سياق الإثبات لا يفيد العموم على رأي جماعة من الأصوليين (^٢).\nويرى آخرون أن المتوفى عنها الحامل تعتد أطول الأجلين بالأشهر أو بوضع الحمل، فإن كان حملها أكثر من أربعة أشهر اعتدت به، وإن وضعت قبل هذه المدة اعتدت بالأشهر، ولعل سبب الخلاف تعارض عموم آية البقرة مع آية سورة الطلاق، فإن كل واحدة من الآيتين عام من وجه وخاص من وجه، ولعل هذا التعارض هو السبب لاختيار من اختار أقصى الأجلين، وذلك ليحصل العمل بكلتا الآيتين، والخروجُ من العهدة بيقين، بخلاف ما إذا عمل بإحداهما.\nقال القرطبي: (الجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول، وهذا النظر حسن، لولا ما يُعَكِّر عليه من حديث سبيعة ..)، وقال ابن كثير: (هذا مأخذ جيد، ومسلك قوي، لولا ما ثبتت به السنة في حديث سبيعة ..) (^٣).\nوهذ القول روي عن علي - ﵁ -، فقد أخرج سعيد بن منصور عن مسلم بن صبيح، قال: كان عليٌّ يقول آخر الأجلين (^٤).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٥٣٢)، (٤٩١٠).\n(^٢) انظر: \"أضواء البيان\" (١/ ٢٨٠).\n(^٣) \"تفسير القرطبي\" (٣/ ١٧٥)، \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤١٩).\n(^٤) \"سنن سعيد بن منصور\" (١/ ٣٥٢).","vol":"8","page":60},{"text":"وبه قال ابن عباس كما ثبت في \"الصحيحين\" (^١)، لكن الظاهر رجوعه عنه، فإن أصحابه: عطاء وعكرمة وجابر بن زيد قالوا كقول الجماعة (^٢).\nوالقول الأول هو الراجح، فإن حديث سبيعة نص في الحكم، مبين أن الحامل المتوفى عنها غير داخلة في عموم آية البقرة، أضف إلى ذلك أن المقصود الأصلي من العدة براءة الرحم ولا سيما ممن تحيض، وهذا يحصل بالوضع، فأي فائدة في الأشهر عند من يقول: تعتد أطول الأجلين؟! ثم إن ما جاء في قصة سبيعة هو آخر الأمر، فإنه بعد حجة الوداع؛ لما تقدم من أن وفاة زوجها كان في هذه الحجة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٦٥٣)، \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (١٠/ ٣٦٣).\n(^٢) انظر: \"التمهيد\" (٢٠/ ٣٣ - ٣٤).","vol":"8","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-927>عدة الأمة إذا عَتَقَتْ واختارت نفسها</span>\n١١١١/ ٢ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: أُمِرَتْ بَريرَةُ أَن تَعْتَدَّ بثَلَاثِ حِيَض. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، لكِنَّهُ مَعلُولٌ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه ابن ماجه في كتاب \"الطلاق\"، باب \"خيار الأمة إذا أُعتقت\" قال (٢٠٧٧): قال: حدثنا علي بن محمَّد، ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة -﵂-، قالت: … فذكرته.\nوهذا الحديث انفرد به ابن ماجه عن بقية أصحاب الكتب الستة، قال عنه البوصيري: (هذا إسناد صحيح، ورجاله موثقون) (^١)، وقال الحافظ ابن حجر: (الحديث على شرط الشيخين، بل هو في أعلى درجات الصحة) (^٢).\nوقد أُعل هذا الحديث، كما ذكر الحافظ، ومن قبله ابن عبد الهادي (^٣)، وذلك لتفرد شيخ ابن ماجه علي بن محمَّد الطنافسي به عن وكيع، وهو وإن كان ثقة فقد روى قصة بريرة عن وكيع جماعة من الثقات -كما عند البخاري وغيره- ولم يذكروا هذه اللفظة، ورواه عبد الرحمن بن مهدي -وهو إمام جبل- عن الثوري -كما عند الترمذي- ولم يذكر هذه اللفظة، وكذا من تابع منصورًا كالحَكَمِ والأعمش لم يذكروها، هذا من جهة الإسناد، أما من جهة المتن فإن مذهب عائشة - ﵂ - أن الأقراء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ\n_________\n(^١) \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ١٣٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٠٥).\n(^٣) \"المحرر\" (٢/ ٦٩٢).","vol":"8","page":62},{"text":"بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] هي الأطهار، كما سيأتي، وليست الحِيَضَ، فلو كان عندها علم من النبي - ﷺ - بذلك لما قالت الأقراء هي الحِيَضُ. ثم إن النبي - ﷺ - أمر المختلعة أن تستبرئ بحيضة كما تقدم في \"الخلع\" ومن عتقت فهي أولى؛ لأن الحِيَضَ الثلاث إنما جعلت في حق المطلقة؛ ليطول زمن الرجعة، واختيار العتيقة نفسها ليس طلاقًا، فكان القياس أن تعتد بحيضة، وقد نصَّ شيخ الإِسلام ابن تيمية على أن الحديث معلول، وتبعه تلميذه ابن القيم فقال: (إنه يبعد أن تكون الثلاثُ حِيَضٍ محفوظة) (^١)، وقد روى ابن أبي شيبة (٥/ ١٨١) عن حفص بن غياث، عن هشام، عن الحسن أن النبي - ﷺ - أمر بريرة أن تعتد عدة الحرة. ورواه إسحاق بن راهويه في \"مسنده\" (٢/ ٢٤٧)، والبيهقي (٧/ ٤٥١) عن عائشة - ﵂ - مرفوعًا بسند ضعيف.\n\n* الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن الأمة إذا عتقت تحت العبد فاختارت نفسها أنها تعتد عدة الحرة ثلاث حيض؛ لأنها بانت من زوجها وهي حرة، وهذا قول الجمهور، واختاره ابن حزم (^٢).\nوالقول الثاني: أنها تعتد بحيضة، وهو اختيار ابن تيمية، ونصره ابن القيم، ولعل هذا مبني على أن اختيارها نفسها بعد عتقها فسخ، وليس بطلاق؛ لأنها فرقة من قبل الزوجة، فكانت فسخًا، قال ابن تيمية: (والقرآن ليس فيه إيجاب العدة ثلاثة قروء إلا على المطلقات، لا على من فارقها زوجها بغير طلاق …) (^٣).\nوقال ابن القيم: (المعتقة إذا فُسخت فهي بالمختلعة والأمة المستبرأة أشبه، إذ المقصود براءة رحمها، فالاستدلال على تعدد الأقراء في حقها بالآية غير صحيح؛ لأنها ليست مطلقة، ولو كانت مطلقة لثبتت لزوجها عليها الرجعة) (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٣٢/ ١١١)، \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ١٤٧).\n(^٢) \"المحلى\" (١٠/ ٢٥٦).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٣٢/ ٣٤٠).\n(^٤) \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ١٤٧).","vol":"8","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-928>حكم المطلقة البائن من حيث النفقة والسكنى</span>\n١١١٢/ ٣ - عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ بنْتِ قَيسٍ - ﵂ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - (في الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا): \"لَيسَ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام مع عليه وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عامر بن شراحيل بن عبد الله الشعبي الهمداني الكوفي، نسبة إلى شَعْب -بفتح الشين، بطن من همدان- تابعي جليل القدر، فقيه كبير، يضرب المثل بحفظه، روى عن عدد من الصحابة -﵃-، وقد روى البخاري في \"تاريخه\" أنه قال: (أدركت خمس مائة من أصحاب النبي - ﷺ -) (^١)، استقضاه عمر بن عبد العزيزء ﵀، وأثنى عليه سلف هذه الأمة، قال ابن عيينة: (علماء الناس ثلاثة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه)، ولد سنة تسع عشرة، ومات في الكوفة فجأة سنة ثلاث ومائة ﵀ (^٢).\nأما فاطمة بنت قيس فقد سبقت ترجمتها في باب \"الكفاءة والخيار\" من كتاب \"النكاح\" عند الحديث (١٠٠٦).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"الطلاق\"، باب، \"المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها\" (١٤٨٠) (٤٤) من طريق سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي، عن فاطمة - ﵂ -.\nوالحديث له طرق أخرى، وألفاظ متعددة مختصرًا ومطولًا، لكن اختلفت الروايات في ذكر السكنى، ففي الرواية التي ذكرها مسلم أولًا (لا نفقة لكِ)\n_________\n(^١) \"التاريخ الأوسط\" (٣/ ١٠٥).\n(^٢) \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٢٩٤).","vol":"8","page":64},{"text":"وليس فيها نفي السكنى، وفي الروايات الأخرى (لا نفقة لكِ ولا سكنى).\n\n* الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن المطلقة البائن، وهي التي طلقها زوجها آخر الثلاث ليس لها نفقة ولا سكنى زمن العدة، وهذا قول علي وابن عباس وجابر -﵃-، ومن التابعين عطاء وطاوس والحسن، وهو مذهب الإمام أحمد، وبه قال ابن حزم وإسحاق وأبو ثور وغيرهم (^١)، ورجحه ابن عبد البر (^٢)، وهو قول ابن تيمية، ونصره ابن القيم (^٣)، ورجحه الشوكاني (^٤).\nوالقول الثاني: أن لها النفقة والسكنى، وهو قول عمر وابن مسعود -﵄-، وسفيان الثوري ﵀، وهو مذهب الحنفية (^٥)، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، فالنهي عن إخراجهن يدل على وجوب السكنى مع النفقة، ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦] فهذا أمر بالسكنى، وأما النفقة فلأنها محبوسة بسبب الزوج من أجل العدة، فتكون نفقتها عليه (^٦).\nوقد قال عمر - ﵁ -: (لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله ﷿: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ (^٧). قالوا: فهذا عمر - ﵁ - يخبر أن سنة رسول الله - ﷺ - أن لها النفقة؛ لأنه قال: (سنة نبينا) وهذا له حكم الرفع، ويدل على أنة حفظ شيئًا من السنة يخالف قول فاطمة.\nوالقول الثالث: أن لها السكنى دون النفقة، وهذا قول المالكية والشافعية، ورواية عن أحمد، ونسبه الباجي ومن بعده الحافظ ابن حجر إلى\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٢٨٢/ ١٠)، \" تفسير القرطبي\" (١٨/ ١٦٢)، \"المغني\" (١١/ ٤٠٢ - ٤٠٣).\n(^٢) \"التمهيد\" (١٩/ ١٥١).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (٥/ ٥٢٢ - ٥٤٢).\n(^٤) \"نيل الأوطار\" (٦/ ٣٤٠).\n(^٥) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٤٨)، \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٢٠٩).\n(^٦) \"المغني\" (١١/ ٤٠٣).\n(^٧) رواه مسلم (١٤٨٠) (٤٦) من طريق أبي أحمد الزبيري، حدثنا عمار بن رُزيق، عن أبي إسحاق، قال: كنت مع الأسود بن يزيد .. الحديث.","vol":"8","page":65},{"text":"الجمهور (^١)، واختاره ابن المنذر (^٢)، واستدلوا على وجوب السكنى بقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيثُ سَكَنْتُمْ﴾ قالوا: فأمر الله بإسكانها في البيت حفظًا للنسب وتحصينًا لماء الزوج، واستدلوا على عدم وجوب النفقة بقوله: \"لا نفقة لكِ\" وهو ما جاء في أقوى الروايات، وبقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ﴾ [الطلاق: ٦] فمفهوم الآية أنهن إن لم يكن أولات حمل لا ينفق عليهن، إذ لو كانت البائن لا نفقة لها مطلقًا لم تُخَصَّ الحامل بالذكر، فدل على أن غيرها لا نفقة لها، ويؤيد ذلك ما ورد في إحدى روايات أبي في اود بإسناد مسلم: فأتت النبي - ﷺ - فقال: \"\"لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملًا\" (^٣).\nوقد أجاب من لم يستدل بحديث فاطمة وهم الحنفية ومن وافقهم عنه بعدة أجوبة، أهمها:\n١ - أن حديثها معارض للقرآن، حيث دل حديثها على أن البائن لا نفقة لها ولا سكنى، والقرآن دل على أن لها ذلك، كما تقدم.\n٢ - أن حديثها معارض لرواية عمر - ﵁ -.\n٣ - أنه قول امرأة، وهي عرضة للخطأ والنسيان.\nوبهذا يتبين أن سبب الخلاف في هذه المسألة اختلاف ألفاظ الحديث، والخلاف في تأويل قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (^٤) وقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦].\nأما ما استدل به أصحاب القول الثاني من قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ …﴾ فليس هو في البائن، وإنما هو في المطلقة الرجعية، بدلالة السياق وهو قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] والأمر الذي يرجى إحداثه هو المراجعة في العدة، وهذا غير وارد في البائن، ويؤيد ذلك رواية النسائي: \"إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليه\n_________\n(^١) \"المدونة\" (٢/ ١٠٨)، \"المنتقى\" (٤/ ١٠١)، \"التحقيق\" (٩/ ٢١٨)، \"المفهم\" (٤/ ٢٦٨)، \"نهاية المحتاج\" (٦/ ٢٦٧)، \"فتح الباري\" (٩/ ٤٨٠)، \"الإنصاف\" (٩/ ٣٦١).\n(^٢) \"الإشراف\" (٥/ ٣٤٥).\n(^٣) \"السنن\" (٢٢٩٠).\n(^٤) انظر: \"بداية المجتهد\" (٣/ ١٧٨)، \"المفهم\" (٤/ ٢٦٧).","vol":"8","page":66},{"text":"الرجعة\" (^١)، وأما قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ فالظاهر أن الاستدلال به مستقيم؛ لأن هذا نص عام في كل مطلقة، والضمير فيه يرجع إلى ما قبله، وليس هو مختصًّا بالرجعية؛ لأن الرجعية لا يقال في حقها: أسكنها حيث سكنت، بل يقال: لا تُخرجها من بيتها، كما في أول الآيات (^٢).\nوأما قول عمر: (وسنة نبينا) فإن هذا وإن رواه مسلم في \"صحيحه\" فقد طعن فيه الأئمة، ففي مسائل الإمام أحمد لأبي داود: (قلت لأحمد: تذهب إلى حديث فاطمة بنت قيس طلقها زوجها؟ قال: نعم، فذكر له قول عمر - ﵁ -: إلا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا) فقال: كتابُ ربنا أيُّ شيء هو؟ قال الرجل: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾، قال: هذا لمن يملك الرجعة، قلت: يصح هذا عن عمر قال: لا) (^٣).\nوقال الدارقطني: \"وليست هذه اللفظة التي ذكرت فيه محفوظة، وهي قوله: (وسنة نبينا)؛ لأن جماعة من الثقات رووه عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، أن عمر قال: لا نجيز في ديننا قول امرأة، ولم يقولوا فيه: وسنة نبينا، وكذلك رواه يحيى بن آدم وهو أحفظ من أبي أحمد الزبيري وأثبت منه، عن عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عمر لم يقل فيه: وسنة نبينا، وهو الصواب\" (^٤).\nوأما اعتراضاتهم على حديث فاطمة فقد أجاب عنها القائلون به بما يلي:\n١ - قولهم: إن حديثها مخالف للقرآن، عنه جوابان:\nالأول: بالمنع؛ لأن الآية المذكورة خاصة بالرجعية، كما تقدم، وقد حكاه الطبري في \"تفسيره\" عن جماعة من السلف (^٥).\nالثاني: سلمنا أن الآية عامة في البائن والرجعية، فيكون الحديث مخصصًا لعمومها، وتخصيص القرآن بالسنة وارد، فالعمل بحديث فاطمة ليس\n_________\n(^١) \"السنن\" (٦/ ١٤٤)، وانظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٤٨٠).\n(^٢) انظر: \"الفرقة بين الزوجين\" ص (٢١١)، \"الشرح الممتع\" (١٣/ ٤٦٩).\n(^٣) \"المسائل\" ص (١٨٤).\n(^٤) \"العلل\" (٢/ ٤١)، \"العلل\" لابن أبي حاتم (١٣١٧)، \"فتح الباري\" (٩/ ٤٨١).\n(^٥) \"تفسير الطبري\" (٢٨/ ٨٦).","vol":"8","page":67},{"text":"بترك للقرآن كما قال عمر: (لا نترك كتاب ربنا) لأن كتاب ربنا خاص بالرجعية، فهي التي لها النفقة والسكنى.\nوأما قولهم: إن حديثها معارض برواية عمر فيجاب عنه بما يلي:\nالأول: أن هذا لا يصح عن عمر، كما تقدم.\nالثاني: أن عمر - ﵁ - خالفه جماعة من الصحابة، كعلي وابن عباس ومن وافقهما، والحجة معهم، ولو لم يخالفه أحد منهم لما قبل قول المخالف لقول رسول الله - ﷺ -؛ لأنه حجة على عمر وعلى غيره، فهذا القول ليس عليه دليل من القرآن؛ لأنه إن كان المقصود إثبات السكنى فالآية في الرجعية، وهو مخالف لحديث فاطمة الذي هو نص في المسألة.\nالجواب الثالث: أن من له إلمام بسنة رسول الله - ﷺ - يقطع ويجزم بأن عمر - ﵁ - لم يكن عنده سنة عن رسول الله - ﷺ - أن للمطلقة ثلاثًا السكنى والنفقة، ولو كان عنده شيء من ذلك لبينه ونشره للأمة.\nوأما قولهم: إنه قول امرأة وهي عرضة للخطأ والنسيان، فهذا مطعن باطل بإجماع المسلمين؛ لأمور ثلاثة:\n١ - أنه لم ينقل عن أحد من العلماء أنه رد خبرًا لكونه عن امرأة، وكم من سنة تلقتها الأمة بالقبول عن امرأة واحدة من الصحابة؟ وقد أخذ العلماء بحديث فريعة بنت مالك -الآتي- في اعتداد المتوفى عنها في بيت زوجها، ولا مقارنة بين فاطمة بنت قيس وفريعة بنت مالك في العلم والثقة والجلالة في الدين.\n٢ - أنه لم ينقل عن أحد من العلماء أنه رد الخبر بمجرد تجويز النسيان على ناقله؛ لأن النسيان لا يسلم منه أحد.\n٣ - أن فاطمة بنت قيس من المشهورات بالحفظ، فقد سمعت حديث الدجال من رسول الله - ﷺ - بيخطب به مرة واحدة، فوعته مع أنه حديث طويل، فكيف يُظن بها أن تحفظ مثل هذا، وتنسى أمرأ متعلقًا بها وهو وجوب النفقة والسكنى لها على زوجها (^١)؟! والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ٥٢٨)، \"مختصر تهذيب السنن\" (٣/ ١٩٠).","vol":"8","page":68},{"text":"<span data-type='title' id=toc-929>ما تجتنبه المرأة الحاد</span>\n١١١٣/ ٤ - عَنْ أُمِّ عَطِيّةَ - رضي الله عنهه - أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسنُ طِيبًا، إلا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ\" مُتَفَقٌ عَلَيهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِم، وَلأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنَ الزِّيَادَةِ: \"وَلَا تَخْتَضِبُ\"، وَللنَّسَائيِّ: \"وَلَا تَمْتَشِطُ\".\n١١١٤/ ٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - قَالتْ: جَعَلْتُ عَلَى عَينى صَبِرًا، بَعْدَ أنْ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّهُ يَشِبُّ الْوَجْهَ، فَلا تَجْعَلِيهِ إلَّا باللَّيلِ وَانْزَعِيهِ بالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بالطِّيبِ، وَلَا بِالْحِنَّاءِ، فَإنَّهُ خِضَابٌ\"، قُلتُ: بِأَيِّ شيءٍ أَمْتَشِطُ؟ قَال: \"بِالسِّدْرِ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ، وَإسْنَادُهُ حسن.\n١١١٥/ ٦ - وَعَنْهَا - ﵂ - أن امْرَأة قَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ ابْنَتِي مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتكَتْ عَينُهَا، أفَنكْحُلُهَا؟ قَال: \"لَا\". مُتفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليها من وجوده:\n\n* الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث أم عطية - ﵂ - فقد أخرجه البخاري في مواضع من \"صحيحه\" وأولها في كتاب \"الحيض\"، باب \"الطيب للمرأة عند غسلها من الحيض\" (٣١٣)، من طريق أيوب، ومسلم في \"الطلاق\" (٩٣٨) (٦٦) من طريق هشام بن حسان، كلاهما عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية -﵂-، وهذا لفظ مسلم، والحديث له ألفاظ متعددة، وقد رواه البخاري في مواضع من","vol":"8","page":69},{"text":"كتاب \"الطلاق\"، ومنها باب \"القسط للحاد عند الطهر\".\nورواه أبو داود (٢٣٠٢) من طريق إبراهيم بن طهمان، عن هشام، والنسائي (٦/ ٢٠٤) من طريق عاصم، كلاهما عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية، وفيه: (ولا تختضب).\nورواه النسائي (٦/ ٢٠٣) من طريق خالد بن الحارث، عن هشام بزيادة \"ولا تمتشط\". والظاهر أن ذكر الاختضاب وكذا الامتشاط غير محفوظ، فإن الحديث رواه عن هشام بن حسان أكثر من عشرة أنفس ولم يذكروا ذلك، ويؤيد هذا رواية أيوب عن حفصة عند مسلم، وليس فيها شيء من ذلك، ولكن ورد بعض الموقوفات عن الصحابة - ﵃ - (^١).\nأما حديث أم سلمة - ﵂ - الأول فقد رواه أبو داود (٢٣٠٥)، والنسائي (٦/ ٢٠٤ - ٢٠٥) من طريق مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت المغيرة بن الضحاك يقول: أخبرتني أم حكيم بنت أسيد، عن أمها، أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينيها فتكتحل الجَلَاءَ، فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة، فسألتها عن كحل الجلاء، فقالت: لا تكتحل إلا من أمر لا بد منه، دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صَبِرًا … الحديث.\nوهذا سند ضعيف، وفي متنه نكارة.\nأما ضعف سنده فكما يلي:\n١ - أن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه، وإنما كانت عنده كتب أبيه، ولم يسمعها منه. وقد تقدم هذا عند الحديث (٤٦٤).\n٢ - المغيرة بن الضحاك مجهول، ولم يوثقه إلا ابن حبان، فقد ذكره في \"الثقات\" (^٢).\n٣ - أم حكيم بنت أُسيد مجهولة، وكذا أمها.\n_________\n(^١) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٧/ ٤٤ - ٤٥)، \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٥/ ٢٠٤ - ٢٠٥)، \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٤٣٩).\n(^٢) (٧/ ٤٦٣).","vol":"8","page":70},{"text":"وأما نكارة متنه فإنه مخالف للحديث الصحيح الذي بعده، فإنه يدل على منع الحاد من استعمال الكحل مطلقًا.\nوالحافظ قد حسن هذا الحديث هنا، وضعفه في \"التلخيص\" (^١)؛ وهو الأظهر؛ لما تقدم.\nوأما حديث أم سلمة - ﵂ - الثاني فقد رواه البخاري في كتاب \"الطلاق\"، باب \"تحد المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرًا\" (٥٣٣٦)، ومسلم (١٤٨٨) من طريق حميد بن نافع، عن زينب ابنة أبي سلمة قالت: سمعت أم سلمة … وذكرت الحديث وفي آخره: مرتين أو ثلاثًا في كل ذلك يقول: لا، ثم قال رسول الله - ﷺ -: \"إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول\".\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (لا تُحد) بضم حرف المضارعة، وكسر الحاء المهملة، ماضيه أَحَدَّ، ويجوز فتح حرف المضارعة وكسر الحاء أو ضمها، يقال: أَحَدَّتِ المرأة على زوجها وحَدَّت: إذا حزنت عليه وتركت الزينة، وهي حاد -بغير هاء- على الأرجح؛ لأنه وصف للمؤنث كحائض، ويجوز حادة -بالهاء- وقد استعمله البخاري في تراجم بعض الأبواب، كما تقدم، ويقال: امرأة مُحِدّ، بضم الميم اسم فاعل من الرباعي.\nوقد تقدم تعريف الإحداد بأنه اجتناب الزنية والخروج من المنزل لغير حاجة.\n\nقوله: (امرأة) نكرة في سياق النفي أو النهي، فتفيد العموم في كل امرأة صغيرة أم كبيرة، مكلفة أم غير مكلفة، مدخولًا بها أم غير مدخولٍ بها.\n\nقوله: (فوق ثلاث) أي: ثلاث ليال بأيامها، وفوق: ظرف زمان؛ لأنه أضيف إلى زمان.\n\nقوله: (إلا على زوج) إيجاب للنفي، والجار والمجرور متعلق بالفعل (تحد) فالاستثناء مفرغ.\n_________\n(^١) (٣/ ٢٦٧).","vol":"8","page":71},{"text":"قوله: (أربعةَ أشهرٍ) بالنصب مفعول لمقدر؛ أي: تحد.\n\nقوله: (وعشرًا) معطوف على ما قبله، والمراد عشر ليال مع أيامها؛ ولذا لم يؤنث العدد، ولو أريد به الأيام لقيل: عشرة، قال تعالى: ﴿قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ [مريم: ١٠] مع قوله تعالى: ﴿قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١].\n\nقوله: (إلا ثوب عصب) بفتح العين وإسكان الصاد، مصدر بمعنى اسم المفعول، والعصب في اللغة: الفتل والطي وشدة الجمع واللي، قال ابن الأثير: (هي برود يمانية يعصب غزلها؛ أي: يجمع ويشد، ثم يصبغ وينشر، فيبقى موشى، لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذ الصبغ) (^١).\nوإضافة ثوب إلى ما بعده من إضافة الموصوف إلى صفته؛ أي: ثوب معصوب.\n\nقوله: (إلا إذا طهرت) بضم الهاء وفتحها، أي: من الحيض، فيرخص لها في استعمال هذا الطيب؛ لإزالة الرائحة الكريهة لا لقصد الطيب.\n\nقوله: (نُبْذَةً) بضم النون وسكون الباء؛ أي: قطعة، وتطلق على الشيء اليسير، وهي مفعول لفعل محذوف؛ أي: أخذت نبذة.\n\nقوله: (من قُسْطٍ) بضم القاف وإسكان السين المهملة، عقار معروف من عقاقير الأدوية طيب الريح، تستعمله الحائض بعد غسلها لإزالة الرائحة، وليس هو من الطيب (^٢).\n\nقوله: (أو أظفار) هذه رواية مسلم بـ (أو)، وهي للتخيير، وفي رواية للبخاري ومسلم: (من قسط وأظفار) بالواو العاطفة، وهي أوجه لأنهما نوعان، وعند البخاري في \"الحيض\" و\"الطلاق\": (من كست أظفار) (^٣) بالكاف، والإضافة نسبة إلى أظفار مدينة بسواحل اليمن.\n_________\n(^١) \"النهاية\" (٣/ ٢٤٥).\n(^٢) \"النهاية\" (٤/ ٦٠).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٥٣٤١).","vol":"8","page":72},{"text":"والأظفار: نوع من العطر الأسود مغلف من أصله على هيئة ظفر الإنسان، يوضع في البخور (^١)، والكست بالكاف هو القُسط.\n\nقوله: (ولا تختضب) الخضاب: صبغ الشعر أو الأعضاء بالحناء.\n\nقوله: (ولا تمتشط) المشط: ترجيل الشعر، ويطلق على خضاب شعر الرأس، ولعله المراد هنا.\n\nقوله: (صبرًا) بفتح الصاد المهملة وكسر الباء، ويجوز إسكانها، وقد تكسر الصاد، عصارة شجر الصبر، يجعل على أطراف العين للتداوي، ولو جعل في داخل العينين لذهب بنورهما.\n\nقوله: (بعد أن توفي أبو سلمة) وهو عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، مشهور بكنيته، من السابقين إلى الإسلام، وكان أخًا للنبي - ﷺ - من الرضاعة، مات سنة أربع من الهجرة - ﵁ -، وقد تقدم ذكره في سادس أحاديث كتاب \"الجنائز\".\n\nقوله: (يَشِبُّ الوجه) بفتح حرف المضارعة بعده شين معجمة مكسورة أو مضمومة من باب ضرب ونصر؛ أي: يلون الوجه ويحسنه.\n\nقوله: (بالسدر) بكسر السين المهملة وسكون الدال: شجرة النبق، واحدته سدرة، له أوراق صغيرة تطحن، ثم يوضع بالماء ويُغسل به.\n\nقوله: (وقد اشتكت عينها) بالرفع على أنها فاعل، وتكون العين هي المشتكية، واقتصر عليه النووي (^٢)، ورجحه ابن حجر (^٣)، وبالنصب على أنها مفعول، والفاعل ضمير مستتر يعود على البنت.\n\nقوله: (أفنكحلها) بضم الحاء مضارع كحل، من باب نصر، وبفتحها من باب فتح.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على جواز الإحداد على القريب الميت كالأب والأخ والابن والعم، وأن مدة ذلك ثلاثة أيام فما دون، تفريجًا\n_________\n(^١) \"النهاية\" (٣/ ١٥٨).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٥٣٤١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٨٨).","vol":"8","page":73},{"text":"عن النفس، ومراعاة للطبيعة البشرية، فإن مات في بقية يوم أو بقية ليلة ألغيت تلك البقية، وعَدَّتْ ذلك من الليلة المستقبلة (^١).\nوهذا الإحداد ليس بواجب، للاتفاق على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحل لها منعه في تلك الحالة (^٢).\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على تحريم الإحداد على الميت فوق ثلاث غير زوجها، لا فرق في ذلك بين الأب وغيره؛ لأن الحديث سيق مساق الحصر.\nوقد روى البخاري بسنده عن محمد بن سيرين، قال: توفي ابن لأم عطية - ﵂ - فلما كان اليوم الثالث دعت بصفرة فتمسحت به، وقالت: نهينا أن نحد أكثر من ثلاث إلا بزوج (^٣).\nأما ما ورد في \"المراسيل\" لأبي داود عن عمرو بن شعيب أن رسول الله - ﷺ - رخص للمرأة أن تحد على أبيها سبعة أيام، وعلى سواه ثلاثة أيام (^٤)، فالجواب عنه من وجهين:\nالأول: أنه ضعيف لا تقوم به حجة؛ لأنه مرسل أو معضل، فإن عمرو بن شعيب لم يكن من الصحابة ولا من التابعين، وعلى تسليم أنه من التابعين فهو من صغارهم، فلا يقف في معارضة الأحاديث الصحيحة، ولو سلمت صحته فهو شاذ؛ لمخالفته الأحاديث الصحيحة.\nالثاني: على فرض صحته فهو مخصص لعموم النهي في حديث أم عطية، فتكون السبعة خاصة بالأب (^٥).\n\n* الوجه الخامس: ذهب الجمهور من أهل العلم قديمًا وحديثًا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى وجوب الإحداد على المرأة المتوفى عنها\n_________\n(^١) \"تفسير القرطبي\" (٣/ ١٨٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٤٦)، \"شرح الزرقاني\" (٣/ ٢٣٢).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (١٢٧٩). وانظر: \"فتح الباري\" (٣/ ١٤٦) فقد ذكر أن الباء سببية.\n(^٤) \"المراسيل\" رقم (٣٩٩)، وانظر: \"تحفة الأشراف\" (١٣/ ٣١٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٨٦).","vol":"8","page":74},{"text":"زوجها، ولم يخالف في ذلك إلا الحسن البصري والشعبي، وهذه المخالفة لا تقدح في الاحتجاج وإن كان فيها رد على من ادعى الإجماع، والظاهر أنه لم يبلغهما الحديث، ولعلهما استدلا بحديث أسماء الآتي. على أن بعض العلماء قد ضعف ما نسب إلى الحسن، قال العيني: (لا يصح هذا عن الحسن، قاله ابن العربي) (^١).\nوقد استدل بعض العلماء على وجوب الإحداد من القرآن بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤] ووجه الدلالة: أن الله تعالى نفى الجناح عن المتوفى عنها زوجها إذا انقضت عدتها في فعل المعروف من الزينة والطيب، والتعرض للخطاب على ما رواه ابن عباس -﵄-، فدل على أن الجناح لازم لها قبل ذلك، وإلا فما الفائدة من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ قال ابن سعدي: (في هذه الآية وجوب الإحداد مد العدة) (^٢).\n\n* الوجه السادس: أن مدة الإحداد هي مدة العدة أربعة أشهر وعشر، تبدأ من حين موت زوجها، سواء أعلمت بذلك حين الوفاة أم لم تعلم إلا بعد ذلك، ولو فرض أنها انقضت العدة قبل علمها فلا عدة عليها ولا إحداد. قال ابن عبد البر: (أجمعوا على أن كل معتدة من طلاق أو وفاة تحسب عدتها من ساعة طلاقها أو وفاة زوجها) (^٣).\nوقد ورد في حديث أسماء بت عميس - ﵂ - قالت: (دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - اليوم الثالث من قتل جعفر، فقال: \"لا تحدي بعد يوفك هذا\" (^٤)، وظاهره أن الإحداد لا يجب على المتوفى عنها بعد اليوم الثالث،\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (٨/ ٦٧).\n(^٢) \"تفسير ابن سعدي\" ص (١٠٤).\n(^٣) \"التمهيد\" (١٥/ ٩٩).\n(^٤) رواه أحمد (٤٥/ ٢٠) وغيره من طريق محمد بن طلحة، عن الحكم، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء - ﵂ -.","vol":"8","page":75},{"text":"لكن أعلَّه الأئمة الحفاظ كالدارقطني والبيهقي بالإرسال (^١)، ثم إنه شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة في وجوب الإحداد كحديث أم عطية -﵂-، وقد حكم عليه بالمخالفة الإمام أحمد وإسحاق (^٢)، ويرى أبو حاتم أن الحديث ليس عن أسماء، وقد غلط محمد بن طلحة فيه، ونقل عن آخرين أن هذا قبل أن ينزل العِدَدُ (^٣). وذكر الحافظ ابن حجر عنه عدة أجوبة كلها تكلف (^٤)، قال البيهقي: (الأحاديث قبله أثبت، والمصير إليها أولى، وبالله التوفيق) (^٥).\n\n* الوجه السابع: مدة عدة المتوفى عنها أربعة أشهر وعشر كما هو نص القرآن، وهذا الحديث، والجمهور من أهل العلم على أن المتوفى عنها لا تخرج من العدة إلا بدخول الليلة الحادية عشرة بناءً على أن المراد بقوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ عشرُ ليالٍ بأيامها، فيكون اليوم العاشر من العدة وليلته قبله تبع له.\nوقد التمس العلماء عللًا لتذكير العدد في قوله: ﴿وَعَشْرًا﴾ فقالوا: لتغليب الليالي؛ لأن الليلة تبع لليوم؛ ولأن ابتداء الشهور بالليل عند الاستهلال؛ ولأن التذكير أخف في اللفظ من التأنيث (^٦).\n\n* الوجه الثامن: أن الإحداد خاص بالنساء دون الرجال، لقوله: \"لا تحد امرأة\"، وأما الإحداد في العصر الحاضر الذي وقع فيه بعض المسلمين من تنكيس الأعلام، وتغيير برامج الإعلام بما ينالسب المقام، وتعطيل الأعمال لوفاة زعيم من الزعماء في مدة معينة، فليس من الإسلام في شيء، فإن الحداد خاص بالمرأة، كما دل عليه الحديث، وقد مات النبي - ﷺ - وهو أفضل الأنبياء وأشرف الخلق ولم يُحِدَّ عليه الصحابة -﵃-، ثم مات أبو بكر - ﵁ -،\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" للدارقطني (١٥/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٣٨).\n(^٢) انظر: \"مسائل الكوسج\" (٩/ ٤٧٣٠).\n(^٣) \"العلل\" (١٣١٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٨٧).\n(^٥) \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٣٨).\n(^٦) \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٢١٦)، \"تفسير القرطبي\" (٣/ ١٨٦)، \"الفتوحات الإلهية\" (١/ ١٩٠).","vol":"8","page":76},{"text":"ثم قتل عمر وعثمان - ﵄ - فلم يحد الصحابة على واحد منهم، وهكذا التابعون وأئمة الإسلام، ولم يحد عليهم المسلمون، فيكون هذا العمل المذكور من البدع والتشبه بأعداء الإسلام مع ما فيه من الأضرار الكثيرة وتعطيل المصالح، والإحداد حكم شرعي لا بد له من دليل، ولا دليل عليه، فهو مردود على فاعله، ومن أمر به أو أشار بفعله فهو مبتدع آثم.\n\n* الوجه التاسع: الحديث دليل على أن الإحداد خاص بالمتوفى عنها زوجها، لقوله: \"إلا على زوج\"، فهو إيجاب بعد النفي، فيقتضي حصر الإحداد في المتوفى عنها، أما المطلقة الرجعية فلا إحداد عليها بالإجماع؛ لأنها في حكم الزوجات يندب لها أن تتزين ليرغب فيها زوجها.\nأما البائن فمذهب الجمهور (^١) أنه لا إحداد عليها، لقوله: \"على ميت\" أي: على زوج ميت؛ ولأن الغرض من الإحداد إظهار الأسف على فراق زوجها وموته، وهذا لا يوجد في الطلاق البائن.\nوذهب أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد في رواية، والشافعي في القديم، وبعض المالكية إلى وجوب الإحداد عليها (^٢)، لما روي أن النبي - ﷺ - نهى المعتدة أن تختضب بالحناء، قالوا: فهذا عام في كل معتدة، كما قاسوا البائن على المتوفى عنها بجامع أن كلًّا منهما فرقتها بينونة.\nوالصواب القول الأول، لقوة دليله، فإن الإحداد إنما يجب على الموتى ومن أجلهم، كما هو صريح الأدلة، والمبتوتة أشبه بالرجعية من المتوفى عنها.\nوأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فهو ضعيف، لا تقوم به حجة، ولا يعرف في كتب السنة (^٣)، وأما القياس فهو فاسد الاعتبار؛ لأنه في مقابلة نص خاص بالمتوفى عنها، فلا تلحق به البائن.\n_________\n(^١) \"المنتقى\" للباجي (٤/ ١٤٥)، \"مغني المحتاج\" (٣/ ٣٩٨)، \"المغني\" (١١/ ٢٩٩).\n(^٢) المصادر السابقة، \"المبسوط\" (٦/ ٥٨).\n(^٣) انظر: \"الدراية\" (٢/ ٧٩).","vol":"8","page":77},{"text":"* الوجه العاشر: دلت أحاديث الباب وبعض الآثار الموقوفة على أن المرأة الحاد تجتنب ما يلي:\n١ - ثياب الزينة، وهي الثياب التي جرت عادة النساء بلبسها للزينة والمناسبات من أي لون كان، وقد دلَّ عليها الحديث بقوله: \"لا تلبس ثوبًا مصبوغًا\"، أما الثوب المصبوغ الذي لا يراد به التجمل فلا بأس به، وقد ذكر الفقهاء في ثياب الزينة ما كان موجودًا في زمانهم أو قبل زمانهم، أما في عصرنا هذا فقد لا يوجد شيء مما ذكروه، وقد يكون النبي - ﷺ - نص على المصبوغ؛ لأنه مما يتجمل به غالبًا، لكن القاعدة في ذلك أن كل ثوب زينة فالمرأة ممنوعة منه، وما عداه من ثياب نظيفة ليست للزينة فلا تمنع منها ولو كانت ملونة.\n٢ - الكحل، وذلك لأنه من الزينة، ولا خلاف بين أهل العلم في أن الكحل إذا كان للزينة فالحاد ممنوعة منه، وإنما وقع الخلاف في حكم الاكتحال للضرورة والعلاج، وسبب الخلاف تعارض الأدلة، وفي المسألة قولان:\nالأول: للجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وهو أنه يجوز الاكتحال للتداوي (^١)، قالوا: فتكتحل بالليل وتمسحه بالنهار، واستدلوا بحديث أم سلمة -﵂-، وهو نص صريح في ذلك، وحملوا أحاديث المنع كحديث أم سلمة الثاني على كحلها إذا لم تحتج إليه، أو إذا لم تخف على عينها (^٢).\nوالقول الثاني: أنه لا يجوز للحاد أن تكتحل مطلقًا، سواء خافت على عينها أو لم تخف، وهذا قول ابن حزم، ورواية عند المالكية (^٣)، وحجتهم\n_________\n(^١) \"شرح فتح القدير\" (٤/ ٣٣٩)، \"حاشية العدوي\" (٢/ ١١٢)، \"التمهيد\" (١٧/ ٣١٥)، \"المهذب\" (٢/ ١٩١)، \"دقائق أولي النهى\" (٥/ ٦٠٩).\n(^٢) \"التمهيد\" (١٧/ ٣١٩)، \"فتح الباري\" (٩/ ٤٤٨).\n(^٣) \"المحلى\" (١٠/ ٢٧٦)، \"حاشية العدوي\" (٢/ ١١٢).","vol":"8","page":78},{"text":"الأحاديث القاضية بالمنع مطلقًا، قال النووي عن حديث أم عطية وأم سلمة: (فيه دليل على تحريم الاكتحال على الحادة سواء احتاجت إليه أم لا) (^١).\nوالقول بالمنع مطلقًا قوي ولا سيما في زماننا هذا، فقد وجد من الأدوية ما تعالج به العين دون الكحل، وأما الكحل للزينة فهم متفقون على المنع كما تقدم.\nفإن لم يوجد عندها دواء غير الكحل واضطرت إليه فالقول بالجواز قوي، لأن الضرورات تنقل المحظورات إلى المباح، كما في الأصول، هذا أمر، والأمر الثاني أن المضطر إلى شيء لا يحكم له بحكم المترفه المتزين، وليس الدواء والتداوي من الزينة في شيء، وإنما نهيت الحاد عن الزينة لا عن التداوي (^٢).\nوللعلماء أجوبة عن حديث أم سلمة في النهي عن الكحل، ولعل أحسنها أن يقال: إن المنع الوارد في حقها محمول على أنه يمكن لها البرء بغير الكحل كالتضميد بالصبر ونحوه (^٣).\n٣ - ومما تُنهى عنه الحاد: الطيب في ثيابها أو بدنها بجميع أنواعه، سواء أكان دهنًا أم بخورًا أم غيرهما؛ لأنه يحرك الشهوة ويدعو إلى المباشرة، واستثنى في الحديث بعض الأنواع لقطع رائحة الحيض بعد غسلها من الحيض، وهذه غير مستعملة في زماننا؛ لأنه ظهر من المنظفات وقطع الرائحة ما يغني عنها.\nولا حرج على المعتدة في الاستحمام وغسل بدنها وشعرها بالصابون وغيره، وقد أفتى بذلك الشيخان: ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله؛ لأن الذي في الصابون والشامبو ليس طيبًا بل نكهة (^٤).\nوتنهى الحاد عن شرب القهوة التي فيها زعفران؛ لأنه طيب، وفي\n_________\n(^١) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٩/ ٣٦٨).\n(^٢) \"التمهيد\" (١٧/ ٣١٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٨٨).\n(^٤) انظر: \"فتاوى ابن باز\" (٢٢/ ١٨٧)، \"الشرح الممتع\" (١٣/ ٤٠٤).","vol":"8","page":79},{"text":"الحديث: \"ولا تمس طيبًا\"، ومَسُّ كل شيء بحسبه (^١).\n٤ - الاختضاب: وهو الصبغ بالحناء، فهذا منهية عنه؛ لأنه من الزينة، ويدخل فيه ما ظهر في هذا الزمان من التشقير والتمييش وسائر الأصباغ التي تستعمل للزينة بجميع أنواعها وأسمائها.\n٥ - الامتشاط، وهذا وما قبله ذكره الفقهاء، وقد تقدم الكلام على ذلك سندًا.\n٦ - الحلي، وهذا قد ورد في حديث أم سلمة عند أبي داود، وأحمد (^٢)، والحلي من الزينة سواء كان من الذهب أو الفضة أو غيرهما، والجمهور من أهل العلم على المنع منه.\nهذه هي الأشياء التي يجب على الحاد أن تجتنبها، ويضاف إليها النهي عن خروجها من المنزل كما سيأتي.\nويجوز للمعتدة أن تكلم من جرت عادتها بتكليمه قبل ذلك، ولها استعمال الهاتف، أو إجابة من يطرق الباب، ونحو ذلك مما لم يرد في الشرع النهي عنه.\nولها أن تنظف ثيابها وتلبس ما شاءت من الثياب غير ثياب الزينة، ولها أن تخرج إلى فناء منزلها وحديقة بيتها، وأن تصعد إلى السطح، وأن ترى القمر، والمنع من ذلك أمر محدث لا أصل له. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"أحكام الإحداد\" للمصلح ص (١٠١)\n(^٢) رواه أبو داود (٢٣٠٤)، وأحمد (٤٤/ ٢٠٥)، وهو حديث صحيح، وقد ضعفه ابن حزم (١٠/ ٢٢٧) ورَدَّ هذا ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٥/ ٧٠٨ - ٧٠٩).","vol":"8","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-930>جواز خروج المعتدة البائن لحاجتها</span>\n١١١٦/ ٧ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَال: طُلِّقَتْ خَالتِي، فَأرَادَتْ أنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا. فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أنْ تَخْرُجَ، فَأَتَت النَّبيَّ - ﷺ - فَقَال: \"بَلَى، جُدِّي نَخْلَكِ، فإِنَّكِ عَسَى أنْ تَصَّدَّقي أوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"الطلاق\"، باب \"خروج المعتدة البائن والمتوفى عنها زوجها في النهار لحاجتها\" (١٤٨٣) من طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله - ﵂ - يقول: … وذكر الحديث.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (طُلقت خالتي) رواية أبي داود، والنسائي (^١): (طُلقت خالتي ثلاثًا) أي: ثلاث تطليقات أو ثلاث مرات.\n\nقوله: (أن تجد) بفتح أوله وضم الجيم بعدها دال مهملة؛ أي: تقطع ثمر نخلها.\n\nقوله: (فإنك عسى أن تصدقي) بحذف إحدى التائين، والأصل: أن تتصدقي، والجملة ظاهرها أنها تعليل للخروج، لكن قال القرطبي: إن هذا ليس تعليلًا لإباحة خروجها بالاتفاق، وإنما خرج هذا مخرج التنبيه لها\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (٢٢٩٧)، \"سنن النسائي\" (٦/ ٢٠٩).","vol":"8","page":81},{"text":"والحض على فعل الخير، والله أعلم (^١).\n\nقوله: (أو تفعلي خيرًا) أو للتنويع، بأن يراد بالتصدق الفرض، وبالخير: التطوع والهدية والإحسان إلى الجار.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المعتدة من طلاق بائن لها أن تخرج من منزلها لحاجتها نهارًا، وقد بوب النووي على هذا الحديث بقوله كما تقدم: (باب خروج المعتدة البائن في النهار لحاجتها)، وكذا بوب أبو داود في \"سننه\"، والقول بجواز خروجها هو قول مالك والشافعي وأحمد والليث (^٢).\nقال الخطابي: (وجه استدلال أبي داود منه في أن للمعتدة من الطلاق أن تخرج بالنهار: هو أن النخل لا يُجد عادة إلا نهارًا، وقد نُهِيَ عن جداد الليل، ونخل الأنصار قريب من دورهم، فهي إذا خرجت بكرة للجداد رجعت إلى بيتها للمبيت …) (^٣).\nوذهب أبو حنيفة إلى أن المعتدة البائن لا تخرج ليلًا ولا نهارًا قياسًا على الرجعية (^٤).\nوالصواب الأول، وهو أن لها الخروج، بل إنها تعتد حيث شاءت، والحديث لم يقيد خروجها بشيء، والمطلق يبقى على إطلاقه حتى يثبت تقييده.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على استحباب الصدقة من التمر عند جداده، وقد ورد في حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده الحسين بن علي، أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الجداد بالليل والحصاد بالليل. قال جعفر بن محمد: أُراه من أجل المساكين (^٥). ففي الحديث ما يدل على استحباب\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٤/ ٢٨٩).\n(^٢) \"المنتقى\" (٤/ ١٤٥)، \"المغني\" (١١/ ٢٩٩)، \"مغني المحتاج\" (٣/ ٣٩٨).\n(^٣) \"معالم السنن\" (٣/ ٢٨٩).\n(^٤) \"المبسوط\" (٦/ ٥٨).\n(^٥) أخرجه ابن الأعرابي في \"معجمه\" (٣/ ٩٦٥ - ٩٦٦)، والبيهقي (٤/ ١٣٣)، والخطيب في \" تاريخه\" (١٢/ ٣٧٢)، وجاء في بعض أسانيده، ذكر علي - ﵁ -، والصواب إرساله.\nانظر: \"العلل\" للدارقطني (٣/ ١٠٤).","vol":"8","page":82},{"text":"الصدقة على الفقراء والمساكين، وقيل: لأجل الهوام لئلا تصيب الناس (^١).\n\n* الوجه الخامس: استحباب التعريض لصاحب النخل أو الزرع بفعل الخير والتذكير بالمعروف والبر؛ لأن بعض الناس قد يغفل عن ذلك. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فيض القدير\" (٦/ ٤٠٤).","vol":"8","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-931>مُكْثُ المتوفى عنها في بيتها حتى تنقضي العدة</span>\n١١١٧/ ٨ - عَنْ فُرَيعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ في طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ فَقَتَلُوهُ. قَالتْ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنْ أَرْجِعَ إِلى أَهْلِي؛ فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْ لي مَسْكَنًا يَمْلِكُهُ، وَلَا نَفَقَةً، فَقَال: \"نَعَمْ\" فَلَمَّا كُنْتُ في الحُجْرَةِ، نَاداني، فَقَال: \"امْكُثي في بَيتِكِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ\" قالتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالتْ: فَقَضَى بِهِ بَعْدَ ذلكَ عُثْمَانُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والأَرْبَعَةُ، وصحَّحَهُ التِّرْمِذِي وَالذُّهْلِيُّ وابنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ وَغَيرُهُمْ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهي فريعة -بضم الفاء وفتح الراء- بنت مالك بن سنان الخُدْرية، أخت أبي سعيد الخدري -﵄-، وسماها بعض الرواة عند النسائي: الفارعة، وأمها حبيبة بنت عبد الله بن أُبي ابن سلول، قال ابن حبان: (لها صحبة)، وقال ابن عبد البر: (شهدت بيعة الرضوان) (^١).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٤٥/ ٢٨)، وأبو داود في كتاب \"الطلاق\"، باب \"في المتوفى عنها تنتقل\" (٢٣٠)، والترمذي (١٢٥٤)، والنسائي (٦/ ١٩٩)، وابن ماجه (٢٠٣١)، وابن حبان (٤٢٩٣)، والحاكم (٢/ ٢٠٨) كلهم من طريق سعد (^٢) بن\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٣/ ٣٣٧)، \"الاستيعاب\" (١٣/ ١٣٣)، \"الإصابة\" (١٣/ ٨٩).\n(^٢) بعضهم يقول: سعيد بن إسحاق، والأكثرون: سعد، وهو الأشهر. [\"التمهيد\" (٢١/ ٢٧)].","vol":"8","page":84},{"text":"إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة، عن فريعة بنت مالك أن زوجها … الحديث.\nوهذا الحديث قد رواه الزهري، واختلف عليه فيه، ولما ذكر الدارقطني هذا الاختلاف في \"العلل\" (١٥/ ٤١٣) قال: (والصحيح قول من قال: عن سعد بن إسحاق، عن عمته زينب، عن الفريعة، عن النبي - ﷺ -).\nوالحديث صححه قوم وضعفه آخرون. فممن صحح الحديث الترمذي، فقال: (حديث حسن صحيح)، ومحمد بن يحيى الذهلي (ت ٢٥٨)، فقد نقل عنه الحاكم أنه قال: (هذا حديث صحيح محفوظ)، وصححه ابن حبان، والحاكم، وقد يفهم تصحيحه عن الإمام مالك، فقد أدخله في \"موطئه\" (٢/ ٥٩١) وبنى عليه مذهبه، وصححه ابن عبد البر، فقال: (هذا حديث معروف مشهور عند علماء الحجاز والعراق) (^١). وممن صححه ابن القطان -كما سيأتي-.\nوممن ضعف الحديث ابن حزم، فقال: (إن زينب مجهولة لا تعرف ولا روى عنها أحد غير سعد بن إسحاق، وهو غير مشهور بالعدالة) (^٢). وتبعه على هذا عبد الحق في \"الأحكام الوسطى\" (^٣).\nوالجواب أنه لا يلتفت لما قاله ابن حزم، وقد صحح الحديث جمع من أئمة الحديث، كما تقدم، ومنهم أئمة كبار حفاظ، وأما:\n١ - قوله: (إن زينب مجهولة) فهي مجهولة عنده، وإلا فهي من التابعيات، وهي امرأة أبي سعيد الخدري (^٤)، ذكرها ابن حبان في \"الثقات\" (^٥)، والذي غرَّ ابن حزم قول علي بن المديني: إنها لم يرو عنها غير سعد بن إسحاق، مع أنه ورد في \"المسند\" (^٦) أن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة روى عنها، فهذه امرأة تابعية تحت صحابي، وروى عنها الثقات، ولم\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٢١/ ٣١).\n(^٢) \"المحلى\" (١٠/ ٣٠٢).\n(^٣) (٣/ ٢٢٦ - ٢٢٧).\n(^٤) انظر: \"المسند\" (١٨/ ٣٣٧).\n(^٥) (٤/ ٢٧١).\n(^٦) (١٨/ ٣٣٧).","vol":"8","page":85},{"text":"يُطعن فيها بحرف، واحتج بها مالك، وصحح الأئمة حديثها، ومن كانت هذه حالها فحري أن تقبل.\n٢ - وأما قوله: (إن سعد بن إسحاق غير مشهور بالعدالة) فقد وثقه يحيى بن معين، وقال النسائي والدارقطني: (ثقة)، وقال أبو حاتم: (صالح)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ومن يروي عنه سفيان الثوري وحماد بن زيد ومالك ويحيى بن سعيد والزهري -وهو أكبر منه-، وغير هؤلاء، كيف يكون غير مشهور (^١)؟!\nقال ابن عبد البر: (سعد بن إسحاق ثقة لا يختلف في ثقته وعدالته) (^٢)، ولما نقل ابن عبد الهادي تصحيح الحديث عن العلماء الذين تقدم ذكرهم قال: (إن ابن حزم تكلم فيه بلا حجة) (^٣).\nوقد تعقب ابن القطان عبد الحق في متابعته لابن حزم في إعلال الحديث فقال: (وعندي أنه ليس كما ذهب إليه، بل الحديث صحيح، فإن سعد بن إسحاق ثقة، … وزينب كذلك ثقة …) (^٤).\nوقد ضعف الألباني الحديث (^٥) وأعله بجهالة حال زينب، لكنه صححه في مواضع أخرى (^٦).\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أعبد له) بفتح فسكون فضم، جمع عبد، وفي رواية (أبقوا) أي: هربوا.\n\nقوله: (أن أرجع) في تأويل مصدر؛ أي: سألته عن الرجوع.\n_________\n(^١) انظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ٦٨٠)، \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٤٠٤).\n(^٢) \"التمهيد\" (٢١/ ٢٦).\n(^٣) \"المحرر\" (٢/ ٦٩٤).\n(^٤) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٣٩٤ - ٣٩٥).\n(^٥) \"الإرواء\" (٧/ ٥٠٦).\n(^٦) \"صحيح سنن أبي داود\" (٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧)، و\"صحيح سنن ابن ماجه\" (٥/ ٣٤١)، و\"الإرواء\" \"التحقيق الثاني (٣١٢١)، وكذا \"صحيح النسائي\" ص (٧٤٨).","vol":"8","page":86},{"text":"قوله: (فقال: نعم) أي: فأذن رسول الله - ﷺ - بالانتقال إلى دار إخوتي وأهلي في بني خُدْرة، كما في بعض الروايات (^١).\n\nقوله: (في الحجرة) أي: حجرة بعض نسائه، وفي رواية أبي داود وغيره: (فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمر بي فدعيت له).\n\nقوله: (امكثي) أي: انتظري واثبتي، وعند النسائي: \"اعتدي حيث بلغك الخبر\" والظاهر أن هذا اللفظ شاذ، فإن أكثر الرواة لم يذكروه والقصة واحدة، ثم إنه لا يمكن حمله على العموم، فإنه لا يلزمها الاعتداد في السوق والطريق والبرية إذا أتاها الخبر وهي فيها (^٢).\n\nقوله: (حتى يبلغ الكتاب أجله) أي: يصل، والكتاب؛ أي: المكتوب، والمراد به: العدة؛ لأنها مفروضة من الله تعالى.\nوأجله: مدته وغايته، وإذن النبي - ﷺ - لها بالتحول، ثم منعه إياها بعد ذلك قد يكون اجتهادًا منه - ﷺ -، ثم إنه لما تأمل مسألتها رأى أن عذرها غير كاف في الانتقال، فأرجعها إلى الأصل، أو أنه أُوحي إليه عدم الإذن لها (^٣).\n\nقوله: (فقضى به بعد ذلك عثمان) هذا فيه اختصار، ففي سنن أبي داود وغيره: (فلما كان عثمان أرسل إليَّ فسألني عن ذلك فأخبرته، فاتَّبعه وقضى به).\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها، ولا تخرج عنه إلى غيره، والمراد به: المنزل الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه.\n\n* الوجه الخامس: اختلف العلماء أين تقضي المتوفى عنها زمان العدة على قولين:\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٢١/ ٢٩ - ٣٠).\n(^٢) \"المغني\" (٢١/ ٢٩١)، \"أحكام الإحداد\" ص (١٣١).\n(^٣) \"أحكام الإحداد\" ص (١٢٩).","vol":"8","page":87},{"text":"الأول: أنها تعتد في البيت الذي كانت تسكنه قبل وفاة زوجها، سواء أكان الزوج ساكنًا أم لا، وبه قال من الصحابة عمر وعثمان وروي عن ابن عمر -﵃-، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١)، وجماعة من فقهاء الأمصار، ودليلهم حديث الباب.\nوالقول الثاني: أنها تعتد حيث شاءت، وهذا مروي عن علي وابن عباس وجابر وعائشة -﵃-، وقد أخرج عبد الرزاق في \"مصنفه\" ما ورد عنهم بأسانيد صحيحة (^٢)، وقال به من التابعين: طاوس وعطاء والحسن، كما في \"المصنف\" -أيضًا- وهو قول داود وأصحابه، وحكاه البغوي عن أبي حنيفة، واختاره المزني من الشافعية (^٣)، وهو قول ابن حزم (^٤).\nواستدلوا بأن السكنى إنما ورد في القرآن للمطلقات، وأما المتوفى عنها فإن الله تعالى أمرها بالاعتداد أربعة أشهر وعشرًا دون التعرض لذكر مكان معين، فدل على عدم اشتراطه، وقد روى عبد الرزاق بسنده عن ابن عباس - ﵄ - قال: (إنما قال الله تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ولم يقل تعتد في بيتها، تعتد حيث شاءت) (^٥)، وروى البخاري بسنده عن ابن عباس قال: (نسخت هذه الآية عدتها في أهلها، فتعتد حيث شاءت، لقول الله: ﴿غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾) (^٦).\nومعنى ذلك: أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] دل على أن المعتدة تعتد عند أهلها وتتربص في بيت زوجها حولًا كاملًا، لقوله: ﴿غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ ثم نُسخت هذه الآية بقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فتعتد حيث شاءت؛ لأنه لما نسخ الحول بأربعة أشهر وعشر نسخت السكنى؛ لأن السكنى تبع للعدة.\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٢١/ ٣١)، \"شرح فتح القدير\" (٤/ ٣٤٣)، \"المغني\" (١١/ ٢٩٠).\n(^٢) \"المصنف\" (٧/ ٢٩ - ٣٠).\n(^٣) \"شرح السنة\" (٩/ ٣٠٣).\n(^٤) \"المحلى\" (١٠/ ٢٨٢).\n(^٥) \"المصنف\" (٧/ ٢٩).\n(^٦) \"صحيح البخاري\" (٤٥٣١)، وانظر: \"فتح الباري\" (٨/ ١٩٤).","vol":"8","page":88},{"text":"والقول بالنسخ هو رأي الأكثرين، كما قال ابن كثير (^١)، يرون أن آية: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ منسوخة بآية: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وهذا الموضع وقع فيه الناسخ مقدمًا في التلاوة على المنسوخ (^٢).\nقالوا: وحديث الباب ترويه امرأة غير معروفة بحمل العلم، وإيجاب السكنى إيجاب حكم، والأحكام لا تجب إلا بنص كتاب أو سنة ثابتة أو إجماع (^٣).\nوالراجح هو الأول، لقوة دليله، فإنه نص في الموضوع، ولم يأت من خالفه بما ينهض لمعارضته فالتمسك به متعين (^٤).\nأما ما ورد عن ابن عباس - ﵄ - فهو قول صحابي، ومن شرط حجيته عند القائلين به ألا يخالف نصًّا ولا قول صحابي آخر، فإن خالف نصًّا أخذ بالنص، وهو حديث فريعة، وإن خالف قول صحابي آخر أُخذ بالراجح، وقد خالف ابنَ عباس عمرُ وعثمانُ رضي الله عن الجميع، والحديث معهما، قال ابن عبد البر في الرد على من طعن في الحديث: (أما السنة فثابتة بحمد الله، وأما الإجماع فمستغنى عنه مع السنة؛ لأن الاختلاف إذا نزل في مسألة كانت الحجة في قول من وافقته السنة، وبالله التوفيق) (^٥). وقال ابن القيم: (وقد تلقى الحديث عثمان بن عفان - ﵁ - بالقبول، وقضى به بمحضر المهاجرين والأنصار) (^٦).\nأما القول بان قوله تعالى: ﴿غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ منسوخ، فهذا فيه نظر لأمرين:\nالأول: وجود الخلاف في الناسخ، كما حكى ابن كثير عن ابن عباس أن الناسخ الآية المذكورة، وبه قال جماعة من السلف، ويروى عن قتادة أن الناسخ آية الميراث، وعن سعيد: الناسخ آية الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٣٧).\n(^٢) \"الإيضاح\" لمكي ص (١٥٤).\n(^٣) \"التمهيد\" (٢١/ ٣١).\n(^٤) \"نيل الأوطار\" (٦/ ٣٣٧).\n(^٥) \"التمهيد\" (٢١/ ٣١).\n(^٦) \"زاد المعاد\" (٥/ ٦٨٧).","vol":"8","page":89},{"text":"نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].\nالثاني: أن الجمع بين الآيتين ممكن، فيقدم على النسخ، فإن آية: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ لم تدل على وجوب الاعتداد سنة حتى يقال بالنسخ بالأربعة أشهر وعشر، وإنما دلت على أن ذلك من باب الوصاية بالزوجات أن يمكَنَّ من السكنى في بيوت أزواجهن حولًا كاملًا إن اخترن ذلك، أما إذا انقضت العدة ورغبن الخروج فلا بأس؛ لأن تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية ليست واجبة، إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وممن اختار هذا ابن جرير، وابن تيمية (^١)، وابن كثير. وعلى هذا فتكون الآية الأولى دالة على أن الأربعة أشهر والعشر واجبة، وما زاد على ذلك فهي مستحبة، ينبغي فعلها تكميلًا لحق الزوج ومراعاة للزوجية، والدليل على استحبابها أن الله تعالى نفى الجناح عن الأولياء إن خرجن قبل تكميل الحول، ولو كان لزوم المسكن واجبًا لم ينف الحرج عنهم (^٢).\n\n* الوجه السادس: استدل بحديث فريعة من قال بوجوب السكنى للحاد، وأنها أحق بسكنى دار زوجها من ورثته، وهذا قول المالكية (^٣) والشافعية في قول (^٤)، ورواية للحنابلة في الحامل فقط (^٥).\nقالوا: حتى لو بيعت الدار لزم الورثة استثناء سكناها إلى انقضاء العدة.\nووجه استدلالهم: أن النبي - ﷺ - أمر فريعة بالسكنى في بيت زوجها من غير استئذان الورثة، ولو لم تجب السكنى لم يكن أن تسكن إلا بإذنهم، كما أنه ليس لها أن تتصرف في شيء من مال زوجها بغير إذنهم.\nوالقول الثاني: أنه لا يجب للحاد السكنى مطلقًا، حاملًا أو غير حامل،\n_________\n(^١) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢٥٩)، \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٣٩)، \"تفسير السعدي\" (١/ ١٩٤).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٦/ ٣٣٧)، \"تفسير ابن سعدي\" ص (١٠٦).\n(^٣) \"بلغة السالك\" (٢/ ٨٠).\n(^٤) \"نهاية المحتاج\" (٧/ ١٥٤).\n(^٥) \"المغني\" (١١/ ٢٩٣).","vol":"8","page":90},{"text":"وهذا مذهب الحنفية (^١)، والشافعية في أحد القولين، وهو مذهب الحنابلة إذا كانت حائلًا.\nواستدلوا بأن الله تعالى قسم تركة الميت بين الورثة على قدر حقوقهم، ولم يجعل فيها شيئًا زائدًا ولا موقوفًا، فلا يجب على الورثة إسكان زوجة مورثهم.\nوهذا القول هو الراجح، لقوة دليله، والأدلة تدل على أن الواجب على المتوفى عنها فعل السكنى لا أن يُبذل لها السكنى، والإضافة في قوله: \"امكثي في بيتك\" إضافة سكنى لا إضافة ملك.\nوحديث فريعة دل على عدم الخروج، لا على لزوم السكنى للزوج؛ لأن الفُريعة قد صرحت بأنه ليس البيت للزوج، وعلى هذا فسياق الحديث بَيِّنٌ في أنه لا يجب على الزوج شيء، ولكنها هي مكلفة بعدم الخروج.\n\n* الوجه السابع: استدل بعض العلماء بحديث فريعة على جواز الخروج المؤقت للمرأة الحاد، وهو خروجها نهارًا من منزلها إذا احتاجت إلى ذلك.\nووجه الاستدلال: أن فريعة خرجت من منزلها، وجاءت إلى الرسول - ﷺ - تسأله عن جواز انتقالها، ولم ينكر عليها خروجها (^٢).\nوقد قسم الفقهاء خروج الحاد إلى قسمين:\n١ - خروج جائز: وهو ما كان لحاجة أو ضرورة، فالحاجة أن تخرج لشراء حوائجها، أو تكون مدرسة أو طالبة فتخرج لذلك. والضرورة كأن تخاف سقوط البيت، أو تخاف عدوًا، أو تكون في دار غير حصينة فتخشى أن يقتحم عليها، أو تكون في بيت انتهت مدة أجرته، أو طلبه صاحبه لبيعه أو سكناه، فلها أن تنتقل حيث شاءت، أو تخرج للعلاج أو مراجعةٍ مرتبةٍ للمستشفى ونحو ذلك.\n٢ - خروج ممنوع: وهو ما ليس لحاجة ولا ضرورة، مثل خروجها للنزهة أو لحضور عُرس أو لأجل العمرة.\n_________\n(^١) \"شرح فتح القدير\" (٤/ ٣٤٤).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٢٠٥).","vol":"8","page":91},{"text":"* الوجه الثامن: حكى بعض أهل العلم الإجماع على أن المتوفى عنها ليس لها نفقة أيام العدة إن كانت حائلًا، وإن كانت حاملًا فكذلك على الراجح من قولي أهل العلم؛ لأن النفقة إن كانت للحمل فنفقة الأقارب تسقط بالموت، وإن كانت لها لكانت لها وهي حائل (^١).\n\n* الوجه التاسع: استدل العلماء بهذا الحديث على جواز قبول خبر الواحد والعمل به؛ لأن عثمان - ﵁ - سأل فريعة عن هذا الحكم، وعمل به في جماعة من الصحابة من غير نكير (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"أحكام الإحداد\" ص (١٣٤).\n(^٢) \"التمهيد\" (٣١/ ٢١).","vol":"8","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-932>جواز انتقال المعتدة البائن للضرورة</span>\n١١١٨/ ٩ - عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيسٍ - ﵂ - قَالتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ زَوْجِي طَلَّقَني ثَلَاثًا، وَأَخَافُ أنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ، فَأمَرَهَا، فَتَحَوَّلَتْ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد رواه مسلم في كتاب \"الطلاق\"، باب \"خروج المعتدة البائن … \" (١٤٨٢) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن فاطمة بنت قيس، وهذا الحديث هو إحدى روايات حديثها المتقدم.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أن يقتحم علي) بضم أوله مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعله؛ أي: يَهْجِمَ ويدخل عليَّ بعض الأجانب الأشرار، فيفضي ذلك إلى شر وفتنة.\n\nقوله: (فتحولت) أي: انتقلت من بيت زوجها إلى بيت ابن عمها ابن أم مكتوم لما في بعض روايات مسلم: \"انتقلي إلى بيت ابن عمك عمرو بن أم مكتوم، فاعتدي عنده\" (^١)، وفي رواية: \"اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك\" (^٢)، وعلى هذا فتحولها إنما كان لخوفها.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المطلقة البائن لها أن تخرج من منزلها الذي طلقت فيه إذا خافت على نفسها وتتحول إلى منزل آخر مأمون، وهذا يدل على أنها لا تنتقل إلا للضرورة.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٤٨٠) (٤٥).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١٤٨٠) (٣٦).","vol":"8","page":93},{"text":"فإن قيل: إن هذا الحديث قد يشكل على ما تقدم من أن البائن لا نفقة لها ولا سكنى.\nوالجواب: أنه على الرواية التي قدمها الإمام مسلم بلفظ (لا نفقة لكِ) مع الأخذ بظاهر القرآن لا يبقى إشكال؛ لأن مُؤَدَّى هذا أن لها السكنى، لكن لما كان بيتها غير مأمون استأذنت الرسول - ﷺ - أن تتحول فأذن لها.\nوأما على رواية (لا نفقة لك ولا سكنى) فينشأ الإشكال. فإما أن يحمل نفي السكنى على ما ظنته فاطمة بنت قيس، وهو أن حرمانها من السكنى مع أحمائها حرمان لها من أي حق في السكنى، فذهبت تقول ما روي عنها، وسبب حرمانها ما وقع منها من فحش القول على أهل مُطَلِّقِهَا -إن ثبت ذلك- أو يحمل نفي السكنى على أن زوجها لا يلزمه أن يسكنها في بيت غير البيت الأول الذي تحولت عنه، ولهذا اعتدت عند ابن مكتوم كما في رواية مسلم، والعلم عند الله تعالى (^١).\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز قبول قول المرأة في كون المنزل مأمونًا أو غير مأمون. وأنها لا تُكلف إقامة البينة على ذلك. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"الفرقة بين الزوجين\" ص (٢١٧)، \"الشرح الممتع\" (١٣/ ٤٦٨).","vol":"8","page":94},{"text":"<span data-type='title' id=toc-933>ما جاء في عدة أم الولد</span>\n١١١٩/ ١٠ - عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵁ - قَال: لَا تُلْبِسُوا عَلَينَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا، عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنيُّ بالانْقِطَاعِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو عبد الله عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي - ﵁ - كان من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية، وكان من أهل الدهاء والسياسة، أسلم عام الحديبية حيث قَدِمَ هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة على رسول الله - ﷺ - فأسلموا جميعًا، وصحب رسول الله - ﷺ - واستعمله على غزوة ذات السلاسل وراء وادي القرى، كما بعثه رسول الله - ﷺ - يوم الفتح إلى سُواعَ صنمٍ لهذيل فهدمه، وعمل لعمر وعثمان ومعاوية، وهو الذي فتح مصر في عهد عمر - ﵁ -، مات سنة ثلاث وأربعين، وله تسعون سنة - ﵁ - (^١).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد رواه أبو داود في كتاب \"الطلاق\"، بابٌ \"في عدة أم الولد\" (٢٣٠٨)، وابن ماجه (٢٠٨٣)، والدارقطني (٣/ ٣٥٩)، والحاكم (٢/ ٢٥٨) كلهم من طريق عبد الأعلى، عن سعيد، عن مطر، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن عمرو بن العاص، قال: لا تلبسوا علينا … الحديث.\nورواه أحمد (٢٩/ ٣٣٨) من طريق قتادة، عن رجاء بن حيوة، به.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٨/ ٢٢٢)، \"الإصابة\" (٧/ ١٢٢).","vol":"8","page":95},{"text":"وقال الحاكم: (حديث صحيح على شرط الشيخين) وسكت عنه الذهبي، وكلام الحاكم فيه نظر، فإن مطرأ وهو الوراق استشهد به الشيخان ولم يحتجا به، وقبيصة لم يخرج له البخاري.\nومطر الوراق متكلم فيه، لكن تابعه قتادة عند أحمد، كما تقدم.\nوالحديث ضعيف، وعلته قول الدارقطني: (قبيصة لم يسمع من عمرو)، ونقل البيهقي عن عبد الله ابن الإمام أحمد أنه قال: (قال أبي: هذا حديث منكر) (^١)، وضعفه ابن قدامة، ونَقَلَ عن ابن المنذر أنه قال: (ضعف أحمد وأبو عبيد حديث عمرو بن العاص)، وقال محمد بن موسى -من كبار أصحاب أحمد- سألت أبا عبد الله عن حديث عمرو بن العاص، فقال: لا يصح، وقال الميموني: رأيت أبا عبد الله يعجب من حديث عمرو بن العاص هذا، ثم قال: أين سنة النبي - ﷺ - في هذا؟! (^٢).\nوالحديث له علة ثالثة وهي الاضطراب، فقد روي كما تقدم، وروي (عدة أم الولد عدة الحرة) كما سيأتي، وروي: (عدتها إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر، فإذا عتقت فعدتها ثلاث حيض) (^٣)، وقد لا تكون هذه علة إذا تمَّ الترجيح بين الروايات.\nوقد روي موقوفًا من طريق ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، قال: سئل عمرو بن العاص عن عدة أم الولد، فقال: (لا تلبسوا علينا ديننا، إن تكن أمة فإن عدتها عدة حرة)، ورواه سليمان بن موسى، عن رجاء، عن قبيصة، عن عمرو موقوفًا (^٤)، قال الدارقطني: (ورفعه قتادة ومطر الوراق، والموقوف أصح) (^٥)، ومعنى أنه موقوف أنه قال: لا تلبسوا علينا ديننا، ولم يقل: سنة نبينا (^٦).\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٤٨).\n(^٢) انظر: \"المغني\" (١١/ ٢٦٣ - ٢٦٤).\n(^٣) \"البدر التمام\" (٤/ ١٩٥).\n(^٤) \"سنن الدارقطني\" (٣/ ٣٠٩).\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) \"البدر التمام\" (٤/ ١٩٥).","vol":"8","page":96},{"text":"* الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن عدة أم الولد -وهي الأمة التي وطئها السيد فأتت بولد، ثم مات عنها- فعدتها أربعة أشهر وعشر، وهذا قول سعيد بن المسيب، وابن سيرين، والأوزاعي، وجماعة، وهو رواية عن الإمام أحمد.\nوالقول الثاني: أن عدتها حيضة، وهذا هو المشهور عن الإمام أحمد، وقول ابن عمر وعثمان وعائشة -﵃-، وهو قول مالك، والشافعي، وآخرين (^١)، ورجحه الصنعاني (^٢).\nواستدلوا بأن أم الولد المتوفى عنها ليست زوجة فتعتد عدة الوفاة، ولا مطلقة فتعتد ثلاث حيض، فلم يبق إلا استبراء رحمها، وذلك بحيضة تشبيهأ لها بالأمة يموت عنها سيدها.\nوفي المسألة أقوال أخرى لا داعي لذكرها، قال ابن رشد: (سبب الخلاف أنها مسكوت عنها، وهي مترددة الشبه بين الأمة وبين الحرة، وأما من شبهها بالزوجة الأمة فضعيف، وأضعف منه من شبهها بعدة الحرة المطلقة، وهو مذهب أبي حنيفة) (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (١٨/ ١٨٨).\n(^٢) \"سبل السلام\" (٦/ ٣٠١).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (٣/ ١٨٢).","vol":"8","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-934>تفسير المراد بالأقراء</span>\n١١٢٠/ ١١ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: إِنَّمَا الأقرَاءُ الأَطْهَارُ. أَخْرَجَهُ مَالِكٌ في قِصَّةٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد رواه مالك في \"الموطأ\" في كتاب \"الطلاق\"، باب \"ما جاء في الأقراء وعدة الطلاق وطلاق الحائض\" (٢/ ٥٧٦) عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين - ﵂ - أنها انتقلت (^١) حفصةَ بنتَ عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة (^٢)، قال ابن شهاب: فَذُكِرَ ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن (^٣)، فقالت: صدق عروة، وقد جادلها في ذلك ناس، فقالوا: إن الله ﵎ يقول في كتابه: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فقالت عائشة: صدقتم، تدرون ما الأقراء؟ إنما الأقراء الأطهار.\nوهذا كما قال الحافظ: سند صحيح.\n\n* الوجه الثاني: لا خلاف أن لفظ القُرْءِ في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ لفظ مجمل، قال ابن عبد البر: (لم يختلف أهل اللغة والعلم بلسان العرب أن القرء يكون في اللسان العربي حيضة، ويكون طهرًا، ولا اختلف العلماء في ذلك أيضًا، وإنما اختلفوا في المعنى المراد بقوله ﷿: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ..) (^٤) وسبب الخلاف\n_________\n(^١) أي: نَقَلَتْ، وحفصة ابنة شقيقها عبد الرحمن.\n(^٢) على اعتبار أن الأقراء هي الأطهار.\n(^٣) لأنها أحد المكثرين عن عائشة - ﵂ -.\n(^٤) \"الاستذكار\" (١٨/ ٢٦ - ٢٧)، وانظر: \"التمهيد\" (١٥/ ٨٦).","vol":"8","page":98},{"text":"اشتراك القرء بين الطهر والحيض، كما سيتبين إن شاء الله.\nقال أهل اللغة: القروء: الأوقات، الواحد: قُرء، وقد يكون حيضًا، وقد يكون طهرًا؛ لأن كل واحد منهما يأتي لوقت، وأقرأتِ المرأة إذا دنا حيضها، وأقرأتِ إذا دنا طهرها (^١).\n\n* الوجه الثالث: هذا الأثر من أدلة القائلين بأن المراد بالقرء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أنه الطهر، وهو الزمن الذي بين الحيضتين.\nوهذا قول المالكية، والشافعية، والإمام أحمد في إحدى الروايتين، وداود، وأبي ثور، وابن حزم (^٢)، واختاره الشنقيطي (^٣).\nكما استدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ووجه الاستدلال: أن اللام هي لام الوقت؛ أي: فطلقوهن في عدتهن، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: في يوم القيامة. فإذا طلقها في طهر فقد طلقها في عدة، ولو كانت الأقراء هي الحيض لكان قد طلقها قبل العدة.\nكما استدلوا بحديث ابن عمر - ﵄ - المتقدم في أول كتاب \"الطلاق\"- وفيه: \"ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء\".\nووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - بين أن العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء هي الطهر الذي بعد الحيضة، ولو كان القرء هو الحيض لكان طلقها قبل العدة لا في العدة، وكان ذلك تطويلًا عليها، وهو غير جائز كما لو طلقها في الحيض، قالوا: وهذا تفسير منه - ﷺ - للآية المتقدمة، وهذا الدليل -كما يقول الشنقيطي- فصل في محل النزاع؛ إذ لا يوجد دليل يقاومه لا من جهة\n_________\n(^١) \"اللسان\" (١/ ١٣٠).\n(^٢) \"المحلى\" (١٠/ ٢٥٨)، \"المغني\" (١١/ ٢٠٠)، \"مغني المحتاج\" (٣/ ٣٨٥).\n(^٣) \"أضواء البيان\" (١/ ٢١١).","vol":"8","page":99},{"text":"الصحة ولا من جهة الصراحة (^١).\nكما استدلوا بأن إدخال التاء في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ يدل على أن القرء مذكر، وهو الطهر، إذ لو كان للحيض لكان بغير تاء؛ لأن واحدها حيضة.\nوالقول الثاني: أن القرء هو الحيض، وهذا قول عشرة من الصحابة، منهم الخلفاء الأربعة (^٢)، وقال به جماعة من التابعين كأصحاب ابن مسعود مثل علقمة والأسود وإبراهيم، وبه قال الشعبي والحسن وقتادة، وأصحاب ابن عباس: سعيد بن جبير وطاوس، وبه قال سعيد بن المسيب، وهو قول الحنفية، وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد، فإنه رجع إلى هذا القول واستقر مذهبه عليه (^٣).\nواستدل هؤلاء بما يلي:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ووجه الاستدلال: أنه لو حمل القرء على الطهر لكان الاعتداد بطهرين وبعض الثالث؛ لأن بقية الطهر الذي صادفه الطلاق محسوب من الأقراء عند من يرى أن القرء هو الطهر، أما إذا حمل على الحيض فإن الاعتداد يكون بثلاث حيضات كوامل؛ لأن العدة تبدأ من الحيضة الأولى المستقبلة بعد الطهر الذي طلقها فيه.\n٢ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] ووجه الاستدلال: أن الله تعالى جعل الأشهر بدلًا عن الأقراء عند اليأس من الحيض، والمبدل هو الذي يشترط عدمه لجواز إقامة البدل مقامه، فدل ذلك على أن المبدل هو الحيض، والبدل هي الأشهر.\n_________\n(^١) \"أضواء البيان\" (١/ ٢١٣).\n(^٢) ذكر ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٥/ ٦٣٧) أن النقل عن أبي بكر فيه غرابة، أما النقل عن عمر وعلي - ﵄ - فهو ثابت، وسكت عن النقل عن عثمان - ﵁ -.\n(^٣) \"المغني\" (١١/ ٢٠٠).","vol":"8","page":100},{"text":"٣ - أن لفظ القرء لم يستعمل في كلام الشارع إلا للحيض، ولم يأت في موضع واحد استعماله للطهر، فحمله في الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى بل متعين، قال النبي - ﷺ - في المستحاضة: \"تدع الصلاة أيام أقرائها\" (^١).\nوقد حصل بين الفريقين نقاش، وكل فريق يريد أن يحتج على أن اسم القرء في الآية ظاهر في المعنى الذي يراه، وقد أطال ابن القيم وغيره من أهل العلم الكلام في هذه المسألة، وحكى ما بين الفريقين من ردود ومناقشات (^٢).\nوالأقرب -والله أعلم- هو القول الثاني، فإنه مؤيد بقول عشرة من الصحابة -﵃-، ولا سيما الخلفاء الأربعة، وقد نقل الأثرم عن الإمام أحمد أنه قال: (إنه قول الأكابر من أصحاب رسول الله - ﷺ -) (^٣).\nوأما الاستدلال بتفسير عائشة - ﵂ - فقد خالفها من هو أعلم بمراد الله من كتابه وأفهم لمعناه كالخلفاء الأربعة ومن معهم، ولا يكاد يختلف الرجال والنساء في مسألة إلا وكان الصواب في الغالب في جانب الرجال (^٤). ثم إن المقصود من العدة هو العلم ببراءة الرحم، وبراءته إنما تكون بالحيض لا بالطهر.\nوالفرق بين القولين أن من قال: إن الأقراء هي الأطهار رأى أن المطلقة الرجعية إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا رجعة عليها وحلت للأزواج، ومن قال: إنها الحيض لم تحل عنده حتى تنقضي الحيضة الثالثة، وزاد آخرون: وتغتسل منها (^٥). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٢٩٧)، وإسناده ضعيف جدًّا، قال ابن كثير في \"تفسيره\" (١/ ٣٩٧): (لو صح لكان صريحًا في أن القرء هو الحيض).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٥/ ٦٠٠ - ٦٥٠).\n(^٣) \"المغني\" (١١/ ٢٠٠).\n(^٤) انظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ٦٣٦).\n(^٥) \"بداية المجتهد\" (٣/ ١٧١ - ١٧٣).","vol":"8","page":101},{"text":"<span data-type='title' id=toc-935>ما جاء في عدة الأمة</span>\n١١٢١/ ١٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: طَلَاقُ الأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيضَتَانِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وَأَخْرَجَهُ مَرْفُوعًا، وَضَعَّفَهُ.\n١١٢٢/ ١٣ - وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ - وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَخَالفُوهُ، فَاتَّفقُوا عَلَى ضَعْفِهِ.\n\n* الكلام عليهما من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عمر - ﵄ - فقد أخرجه الدارقطني في كتاب \"الطلاق\" و\"الخلع\" و\"الإيلاء\" وغيره (٤/ ٣٨) من طريق ابن شهاب، عن سالم، عن نافع، أن ابن عمر كان يقول: … فذكره هكذا موقوفًا.\nوإسناده صحيح، كما قال الدارقطني، وقال عن وقفه: (إن هذا هو الصواب).\nورواه ابن ماجه (٢٠٧٩)، والدارقطني (٤/ ٣٨) من طريق عمر بن شبيب المُسْلِي، عن عبد الله بن عيسى، عن عطية، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: فذكره هكذا مرفوعًا.\nوهذا حديث منكر غير ثابت -كما قال الدارقطني- وذلك من وجهين:\nالأول: أن عطية العوفي ضعيف، وسالم ونافع أثبت منه وأصح رواية.\nالثاني: أن عمر بن شبيب المسلي ضعيف الحديث لا يحتج بروايته (^١)،\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" للدارقطني (١٣/ ١٨٨).","vol":"8","page":102},{"text":"ضعفه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة ويعقوب بن سفيان وآخرون (^١).\nوأما حديث عائشة - ﵂ - فقد رواه أبو داود في كتاب \"الطلاق\"، بابٌ \"في سنة طلاق العبد\" (٢١٨٩)، والترمذي (١١٨٢)، وابن ماجه (٢٠٨٠)، والحاكم (٢/ ٢٠٥) من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج، عن مظاهر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، عن النبي - ﷺ -، قال: \"طلاق الأمة تطليقتان، وقرؤها حيضتان\"، قال أبو عاصم: حدثني مظاهر، حدثني القاسم، عن عائشة عن النبي - ﷺ - إلا أنه قال: \"عدتها حيضتان\".\nوهذا حديث ضعيف اتفق الأئمة على تضعيفه؛ لأن في إسناده مظاهر بن أسلم المخزومي المدني، وقد اتفق الأئمة على تضعيفه (^٢)، قال أبو داود: (هو حديث مجهول)، وقال الترمذي: (حديث عائشة حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا نعرف له في العلم غير هذا الحديث) (^٣).\nوروى الدارقطني (٤/ ٤٠) بالسند الصحيح عن أبي عاصم النبيل أنه قال: (ليس بالبصرة حديث أنكر من حديث مظاهر هذا)، قال أبو بكر النيسابوري شيخ الدارقطني: (والصحيح عن القاسم خلاف هذا).\nوأما قول الحاكم: (مظاهر بن أسلم شيخ أهل البصرة لم يذكره أحد من متقدمي مشايخنا بجرح، فإذن الحديث صحيح) فهو قول لم يوافقه عليه أحد، كما ذكر الحافظ.\n\n* الوجه الثاني: استدل بهذا الأثر من قال: إن الأمة تطلق تطليقتين وتعتد قرءين، سواء أكانت تحت حر أم عبد، وهذا قول أبي حنيفة وجماعة من الصحابة والتابعين (^٤)، وهو مبني على أن الطلاق معتبر بالنساء، قالوا: ولأن المرأة محل الطلاق، فيعتبر بها كالعدة وقياسًا على الحد، فإنه ينصف في حق الأمة، فكذا الطلاق والعدة، وقد روى\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٤٠٦).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٦٦).\n(^٣) انظر: \"العلل\" للدارقطني (١٥/ ١٢٤).\n(^٤) \"زاد المعاد\" (٥/ ٦٥٠).","vol":"8","page":103},{"text":"عبد الرزاق بسنده (^١)، عن إبراهيم النخعي، عن ابن مسعود - ﵁ -. قال: (يكون عليها نصف العذاب، ولا يكون عليها نصف الرخصة؟!) لكنه ضعيف لانقطاعه، فإن إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود، ودافع ابن القيم عن انقطاعه ردًّا على ابن حزم (^٢).\nوذكر ابن قدامة أنه قول عمر (^٣) وعلي وابن عمر -﵃-، ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة، فكان إجماعًا.\nوقد حكى العلماء خلاف الظاهرية في هذا كداود وابن حزم تبعًا لابن سيرين، وأن طلاق العبد كطلاق الحر، لعموم الأدلة الواردة في الطلاق، وأن عدة الأمة كعدة الحرة؛ لأن الظاهرية لا يأخذون بقول الصحابي في جملة مذهبهم، ورجح هذا الصنعاني (^٤).\nوالذي يظهر أن الصواب ما ذهب إليه الصحابة - ﵃ - فإنهم أولى من اتباع الظاهرية، وقد نصر هذا القول ابن القيم، وقول الظاهرية قوي لولا ما نقل عن الصحابة - ﵃ -. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المصنَّف\" (١٢٨٧٩).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٥/ ٦٥٢).\n(^٣) \"مصنف عبد الرزاق\" (٧/ ٢٢٢).\n(^٤) \"سبل السلام\" (٦/ ٣٠٩).","vol":"8","page":104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-936>تحريم وطء الحامل من غير الواطئ</span>\n١١٢٣/ ١٤ - عَنْ رُوَيفِعِ بْنِ ثَابِتٍ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قال: \"لَا يَحِلُّ لِامرِئٍ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيرِهِ\"، أخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَحَسَّنَهُ الْبَزَّارُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو رويفع -تصغير رافع- بن ثابت بن السكن الأنصاري النجاري المدني - ﵁ -، قال الذهبي: (له صحبة ورواية)، سكن مصر، وأمَّره معاوية - ﵁ - على طَرَابُلُسَ سنة ست وأربعين، فغزا أفريقية، وتوفي بِبَرْقَةَ، وهو أمير عليها لمسلمة بن مخلَّد سنة ست وخمسين، حدث عنه بُسْرُ بن عبد الله، وحَنَشُ الصنعاني وغيرهما (^١).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب \"النكاح\"، بابٌ \"في وطء السبايا\" (٢١٥٨) من طريق محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق، عن حنش الصنعاني، عن رويفع بن ثابت الأنصاري، قال: قام (^٢) فينا خطيبًا، قال: أما إني لا أقول لكم إلا ما سمعت من رسول الله - ﷺ - يقول يوم حنين، قال: \"لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره\"، يعني: إتيان الحبالى، \"ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن\n_________\n(^١) \"السير\" (٣/ ٣٦)، \"الإصابة\" (٣/ ٢٨٩)، وانظر: \"معجم البلدان\" (١/ ٣٨٨)، (٤/ ٢٥).\n(^٢) فاعل (قام) هو رويفع بن ثابت - ﵁ -. انظر: \"عون المعبود\" (٦/ ١٩٥).","vol":"8","page":105},{"text":"يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنمًا حتى يقسم\".\nورواه البزار في \"مسنده\" (٦/ ٢٩٧) من طريق محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الحسن، عن رويفع به.\nوابن إسحاق صرح بالتحديث في رواية عند أحمد (٢٨/ ٢٠٧) فإن ثبت هذا انتفت شبهة تدليسه.\nورواه الترمذي (١١٣١)، وابن حبان (١١/ ١٨٦) من طريق عبد الله بن وهب، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن ربيعة بن سليم، عن بسر بن عبيد الله، وعند ابن حبان: عن حَنَشِ بن عبد الله السبائي، كلاهما عن رويفع، بلفظ: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه ولد غيره\" هكذا مختصرًا عند الترمذي، وجاء مطولًا عند ابن حبان، ولفظ أبي داود هو لفظ \"البلوغ\".\nوقال الترمذي: (حديث حسن).\nوالحديث في سنده ربيعة بن سليم، وقد ترجم له البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٢٩٠)، وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٤٧٧) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٦/ ٣٠١)، وفيه يحيى بن أيوب، إن كان الغافقي فهو صدوق- ربما أخطأ، والظاهر أنه هو (^١).\nوقد جاء في إسناد الترمذي أنه ربيعة بن سليم، وفي إسناد أبي داود أبو مرزوق، وهو التُّجِيبي، وأبو مرزوق قيل: اسمه: ربيعة بن سليم، وقيل: حبيب بن الشهيد، وهكذا أسماه الحافظ، كما في \"الكنى\" من \"التقريب\" وقال: (إنه ثقة)، ولم يذكر القول الأول، ولما ذكر ربيعة بن سليم قال عنه: (مقبول)، فإن كانا شخصًا واحدًا، وإلا فإن ربيعة بن سليم قد تابعه أبو مرزوق، كما عند أبي داود.\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب الكمال\" (٣١/ ٢٣٣).","vol":"8","page":106},{"text":"* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يؤمن بالله) أي: يصدق به مع قبول شرعه والانقياد له.\n\nقوله: (واليوم الآخر) أي: يوم القيامة وما فيه من الجزاء على الأعمال، والجملة صفة لامرئ، والغرض منها الحث على اجتناب ما ذكر، وبيان أنه من لوازم الإيمان ومقتضياته.\n\nقوله: (أن يسقي ماءه زرع غيره) أي: يطأ امرأة وهي حبلى من غيره، ومعلوم أن الماء الذي يُسقى به الزرع يزيد فيه، ويتكون الزرع منه، فشبه وطء الحامل بساقي الزرع.\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم وطء الحامل من غير الواطئ، وأن هذا منافي لكمال الإيمان بالله واليوم الآخر، وذلك لأن هذا الوطء سقي لزرع غيره، وهو ولد غيره، والواجب إمهالها هانظارها حتى تضع ما في بطنها، ثم يعقد عليها.\nولا فرق بين أن يكون هذا الحمل من عقد شرعي أو من شبهة أو من زنا، فليس لأحد أن يطأ ذات حمل حتى تضع، سواء أكان بعقد أو بشراء للأمة أو بسبي أو بغير ذلك.\n\n* الوجه الخامس: استدل بعموم الحديث من قال: بأن المرأة إذا زنت وحملت من الزنا بأنه لا يحل نكاحها حتى تضع، لعموم قوله: \"فلا يسقي مماءه زرع غيره\"، وهذا قول أحمد ومالك وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف (^١).\nوالقول الثاني: أنه يحل نكاحها وإن كانت حاملًا؛ لأن حمل الزنا لا حرمة له؛ لأنه وطء لا يلحق به النسب، فلم يُحَرِّم النكاح، فهو كما لو لم تحمل، وهذا قول الشافعي (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"بداية المجتهد\" (٣/ ٦٢)، \"المغني، (٩/ ٥٦١)، \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٢٦٩).\n(^٢) \"المهذب\" (٢/ ٥٥).","vol":"8","page":107},{"text":"والصواب القول الأول، لما تقدم؛ لأن الزانية حامل من غيره، فحرم عليه نكاحها كسائر الحوامل، لأن في ذلك صيانة لنسب الزوج الصحيح عن الاختلاط بماء الزنا، وهذا كله مفرَّع على جواز نكاح الزانية، وقد تقدمت هذه المسألة في باب \"اللعان\".\n\n* الوجه السادس: أن الإيمان بالله واليوم الآخر يستلزم الخضوع لشرع الله تعالى والوقوف عند حدوده. والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-937>حكم زوجة المفقود</span>\n١١٢٤/ ١٥ - عَنْ عُمَرَ - ﵁ - (في امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ) تَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.\n١١٢٥/ ١٦ - وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ \"امْرَأَتُهُ حَتى يَأتِيَهَا الْبَيَانُ\"، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنيُّ بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث عمر - ﵁ - فقد رواه مالك في كتاب \"الطلاق\"، باب \"عدة التي تفقد زوجها\" (٢/ ٥٧٥) عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: (أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو؟ فإنها تنتظر أربع سنين، ثم تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ثم تحل).\nورواه الشافعي في \"الأم\" (٨/ ٦٥٦) عن مالك به.\nوهذا إسناد رجاله ثقات، لكنه منقطع؛ لأن سعيدًا لم يسمع من عمر - ﵁ -، وقد تقدم في \"النكاح\" أن مرويات سعيد عن عمر - ﵁ - حجة، للعلم بالواسطة، ولتقدم الطبقة، وللاهتمام بأحاديث عمر - ﵁ -، فيكون الانقطاع الذي هو مظنة الضعف مندفعًا هنا.\nورواه البيهقي (٧/ ٤٤٥) من طريق أبي عمرو الشيباني، عن عمر - ﵁ -، ورواه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٢١) من طريق ابن أبي ليلى، عن عمر، وابن أبي ليلى سمع من عمر على الأرجح، وقد صحح الحافظ ثبوته عن عمر - ﵁ - (^١).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٣١).","vol":"8","page":109},{"text":"وقد روى سعيد بن منصور في \"سننه\" (١٧٥٦)، والبيهقي (٧/ ٤٤٥) عن ابن عباس وابن عمر - ﵃ - أنهما قالا: تنتظر امرأة المفقود أربع سنين. وصحح إسناده الحافظ، وقال: إنه ثبت ذلك عن عثمان وابن مسعود في رواية (^١).\nوروى عبد الرزاق (٧/ ٨٥)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢٣٧) من طريق معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان - ﵄ - قضيا في المفقود أن امرأته تتربص أربع سنين .. ورواه مالك (٢/ ٥٧٥) عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب مختصرًا عن عمر وحده.\nوأما حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - فقد رواه الدارقطني (٣/ ٣١٢) من طريق محمد بن الفضل بن جابر، نا صالح بن مالك، نا سوار بن مصعب، نا محمد بن شرحبيل الهمداني، عن المغيرة بن شعبة، به مرفوعًا.\nوهذا سند ضعيف جدًّا، قال أبو حاتم: (هذا حديث منكر) (^٢). فيه محمد بن شرحبيل، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: (هو متروك الحديث، يروي أحاديث بواطيل مناكير) (^٣).\nوسوار بن مصعب قال عنه أحمد والدارقطني والنسائي: (متروك)، وقال البخاري: (منكر الحديث) (^٤)، وصالح بن مالك قال ابن القطان: (لا يعرف).\nومحمد بن الفضل بن جابر قال عنه ابن القطان -أيضًا-: (لا يعرف حاله) (^٥).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (في امرأة المفقود) المفقود: من خفي خبره، فلم يعلم أحي هو أم ميت؟؛ لسفر أو أسر ونحوهما.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٤٣١).\n(^٢) \"العلل\" (١٢٩٨).\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٢٨٩).\n(^٤) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٢٨، ١٥٥)، \"الميزان\" (٢/ ٢٤٦).\n(^٥) \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ١٢٧).","vol":"8","page":110},{"text":"قوله: (تربص) هذا تعبير الحافظ، وليس في الحديث، كما تقدم، ومعناه: تنتظر مدة أربع سنين، فلا تتزوج.\n\nقوله: (حتى يأتيها البيان) أي: خبر زوجها أحي هو أم ميت؟ ثم تبني حكمه على ما تبين لها.\n\n* الوجه الثالث: استدل بهذا الأثر عن عمر - ﵁ - وما ذكر من آثار أخرى عن الصحابة - ﵃ - على أن امرأة المفقود تنتظر مدة أربع سنين منذ فقدت زوجها، ثم تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ثم تتزوج، وقد حمل الفقهاء هذا على من كان ظاهر غيبته الهلاك، كمن فقد من بين أهله لغير سبب معروف، أو فقد في غرق مركب، ونحو ذلك.\nوهذا التقدير هو المشهور من مذهب الإمام أحمد (^١).\nفإن كان ظاهر غيبته السلامة كالمسافر لتجارة أو طلب علم أر سياحة فهذا يضرب له أجل قدره تسعون سنة منذ ولد قطعًا للشك؛ لأن الغالب أن الإنسان لا يعيش بعد ذلك.\nوالقول الثاني: أنه يرجع في تقدير المدة إلى اجتهاد الحاكم أو من يقوم مقامه كالقاضي، ولا يحدد الانتظار بأربع سنين ولا بتسعين ولا بغير ذلك، وهذا هو الصحيح عند الشافعية، وظاهر مذهب الحنفية، وإحدى الروايتين عن أحمد (^٢)، لعدم الدليل على التحديد، وإذا تعذر الوصول إلى اليقين يرجع إلى غلبة الظن في كل مسائل الدين، فيجتهد القاضي في تقدير مدة الانتظار، ويختلف ذلك باختلاف الأوقات والوسائل التي تستعمل في البحث عن المفقود، ولا سيما في زماننا هذا الذي توفرت فيه وسائل المواصلات وأسباب الاتصال من الهواتف والبرقيات وغير ذلك، وهذا بخلاف الزمان السابق الذي لم يحصل فيه شيء من ذلك.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١١/ ٢٤٧).\n(^٢) \"نهاية المحتاج\" (٦/ ٢٨)، \"حاشية ابن عابدين\" (٣/ ٣٣١ - ٣٣٢)، \"الإنصاف\" (٧/ ٣٣٥).","vol":"8","page":111},{"text":"وأما ما ورد عن الصحابة - ﵃ - فهي قضايا أعيان، وقضايا الأعيان لا تقتضي العموم، بخلاف دلالات اللفظ فهي على عمومها، كما علم في الأصول (^١).\nوإذا انتهت مدة الانتظار اعتدت عدة وفاة أربعة أشهر وعشرًا، ثم حلت للأزواج.\n\n* الوجه الرابع: إذا تزوجت امرأة المفقود وبقي زوجها على فقده فالنكاح بحاله، وإن رجع ففي المسألة تفاصيل موضعها كتب الفقه، وهي مبنية على الاجتهاد، وأرجح الأقوال أن زوجها الأول إذا قدم فهو بالخيار مطلقًا، سواء أقدم قبل وطء الثاني أم بعده، وقد قضى بالخيار عمر وعثمان وعلي -﵃-، قال الموفق: (وهذه قضايا انتشرت فلم تنكر فكانت إجماعًا) (^٢).\nفإن أبقاها الزوج الأول للثاني فهي له، ويأخذ منه صداقه، وإن أخذها فهي له، ولا يرجع الثاني عليها بشيء (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الشرح الممتع\" (١٣/ ٣٦٢).\n(^٢) \"المغني\" (١١/ ٢٥٠ - ٢٥١). وانظر: \"الاستذكار\" (١٧/ ٣٠٢).\n(^٣) \"الشرح الممتع\" (١٣/ ٣٧٠).","vol":"8","page":112},{"text":"<span data-type='title' id=toc-938>تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية</span>\n١١٢٦/ ١٧ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ إلَّا أنْ يَكُونَ نَاكِحًا أَوْ ذَا مَحْرَمٍ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n١١٢٧/ ١٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: \"لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ\"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث جابر - ﵁ - فقد رواه مسلم في كتاب \"السلام\"، باب \"تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها\" (٢١٧١) من طريق هشيم، أخبرنا أبو الزبير، عن جابر - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ألا لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحًا أو ذا محرم\".\nوأما حديث ابن عباس - ﵄ - فقد رواه البخاري في كتاب \"النكاح\"، باب \"لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، والدخول على المغيبة\" (٥٢٣٣)، ومسلم (١٣٤١) من طريق سفيان بن عيينة، حدثنا عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عباس -﵄-، به مرفوعًا، وهذا لفظ البخاري، وزاد: فقام رجل، فقال: يا رسول الله، امرأتي خرجت حَاجَّةً، واكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال: \"ارجع فحج مع امرأتك\". ولفظ مسلم: \"لا يخلو رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم\".\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (لا يبيتن) مضارع، ماضيه بات فلان ليلًا؛ أي: فعل ذلك الفعل في الليل، ولا يكون إلا مع سهر، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ","vol":"8","page":113},{"text":"لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٤]، وقد أنكر كثير من علماء اللغة مجيء بات بمعنى نام (^١).\nوالمعنى: أنه لا يمكث عندها بالليل خاليًا بها، ومفهومه أنه يجوز له البقاء عندها في النهار خلوة أو غيرها، لكن حديث ابن عباس الذي يليه دل على المنع من الخلوة مطلقًا ليلًا أو نهارًا.\n\nقوله: (عند امرأة ثيب) هذه اللفظة ثابتة في \"صحيح مسلم\" وليست في \"البلوغ\"، والثيب: من قد تزوجت، ووجه تخصيصها:\n١ - أنها هي التي يُدخل عليها غالبًا، بخلاف البكر؛ فإنها مصونة في العادة، مجانبة للرجال.\n٢ - أنه إذا نُهي عن الدخول على الثيب التي يتساهل الناس في الدخول عليها في العادة، فتكون البكر من باب أولى.\n\nقوله: (إلا أن يكون ناكحًا) أي: زوجًا لها.\n\nقوله: (أو ذا محرم) أي: صاحب حرمة، وذلك بأن تكون المرأة من ذوات محارمه، وهي التي لا يجوز له الزواج بها، وهي من حرمت بالنسب؛ أي: بالقرابة كالأم والبنت والأخت، أو حرمت بالرضاع كأمه من الرضاع أو أخته، أو بالمصاهرة كأم زوجته وزوجة أبيه أو نحو ذلك.\n\nقوله: (إلا مع ذي محرم) استثناء منقطع؛ لأن وجود المحرم ليس خلوة، أو تسميته خلوة تسامح.\n\n* الوجه الثالث: حديث جابر - ﵁ - دليل على أنه لا يجوز للرجل أن يبيت عند امرأة إلا أن يكون زوجًا لها أو ذا محرم منها كأخيها أو عمها ونحو ذلك؛ لأن الشيطان حريص على إغواء الناس وإيقاعهم في الذنوب والمعاصي، ولا سيما في المبيت؛ لأنه محل السكن وانقطاع الاتصال بالناس، ومثل هذا مظنة إيقاع الفاحشة بها، وإذا نهي عن الخلوة بالأجنبية ولو\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٦٧).","vol":"8","page":114},{"text":"لمدة قصيرة فالمبيت من باب أولى؛ لأن الخطر فيه أكثر، وقد قال النبي - ﷺ -: \"لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان\" (^١).\nيقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (لكن في مثل زماننا هذا قد يُتهم المحرم، سواء أكان من النسب أم من الرضاعة، فينبغي للمرأة التَّوَقِّي ولو كان محرمًا؛ لأن بعض المحارم لا يؤمن، فلا يبيت عندها إلا إذا كان معها غيرها من النساء، فالحاصل أن المقام مقام عظيم خطير، والواجب على المرأة أن تتحرى أسباب الأمن وتبتعد عن أسباب الخطر) (^٢).\n\n* الوجه الرابع: حديث ابن عباس - ﵄ - أعم من حديث جابر - ﵁ - حيث دل على تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية ليلًا أو نهارًا، لما يترتب على الخلوة من المفاسد العظيمة؛ لأنه إذا اجتمع نقصان الإيمان وضعف النفوس ووجود الدوافع إلى المعصية وقع المُحَرَّمُ، وتحريم الخلوة من باب تحريم الوسائل، والوسائل لها أحكام المقاصد، فنهيُ الشرع عن الخلوة ابتعادًا عن الشر وأسبابه.\nوعن عقبة بن عامر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إياكم والدخولَ على النساء\"، فقال رجل من الأنصار: يا رسول لله، أفرأيت الحَمْوَ؟ قال: \"الحَمْوُ الموتُ\" (^٣). والحمو: قريب الزوج كالأخ وابن الأخ والعم وابنه ونحوهم ممن يحل له أن يتزوج بها لو لم تكن متزوجة، ومعناه: أن الحمو مثل الموت؛ لما يترتب على دخوله الذي لا ينكر من الهلاك الديني، والدمار الأمدي، والناس قد يتساهلون به، فيحصل من ذلك ما لا تحمد عقباه، وإذا نهي عند الدخول فالنهي عن الخلوة من باب أولى.\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على كمال الشريعة الإسلامية وحرصها على صون الأعراض ومنع الفساد. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢١٦٥)، والحاكم (١/ ١١٤)، والبيهقي (١/ ٩١)، وصححه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٢١٥) بطرقه وشواهده، وقد تقدم ذكره في \"الحج\" (٧١٨).\n(^٢) من شرح الشيخ عبد العزيز المسجل في الأشرطة.\n(^٣) تقدم تخريجه في \"الحج\" عند الحديث (٧١٨).","vol":"8","page":115},{"text":"<span data-type='title' id=toc-939>وجوب استبراء المسبية</span>\n١١٢٨/ ١٩ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ - ﵁ - أن النَّبيَّ - ﷺ - قَال: في سَبَايَا أَوْطَاسٍ: \"لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتى تَضَعَ وَلَا غَيرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتى تَحِيضَ حَيضَةً\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ.\n١١٢٩/ ٢٠ - وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - في الدَّارَقُطْنيِّ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي سعيد - ﵁ - فقد رواه أبو داود في كتاب \"النكاح\"، باب \"في وطء السبايا\" (٢١٥٧)، والحاكم (٢/ ١٩٥) من طريق شريك، عن قيس بن وهب، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد الخدري، وَرَفَعَهُ، أنه قال في سبايا أوطاس … وذكر الحديث.\nقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم) وسكت عنه الذهبي، وليس الأمر كما قال الحاكم؛ لأن شريكًا -وهو ابن عبد الله القاضي- إنما أخرج له مسلم مقرونًا، وهو سيء الحفظ. وقد اختلف على شريك في هذا الإسناد، فرواه عن قيس -كما تقدم- ورواه عن إسحاق السبيعي، ورواه عن قيس مقرونًا بإسحاق، ثم إن شريكًا لم يتابع على هذا اللفظ عن إسحاق، -فيما أعلم- فقد روى الحديث علية أصحاب إسحاق كشعبة والثوري وغيرهما بغير هذا اللفظ (^١).\nوقد حسن الحافظ هذا الحديث في \"التلخيص\" (^٢)، ولعل هذا باعتبار\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" للدارقطني (١١/ ٣٤٩).\n(^٢) (١/ ١٨٨).","vol":"8","page":116},{"text":"شواهده، فإن الحديث له شواهد، ومنها حديث رويفع السابق، ومنها:\nالحديث الثاني وهو حديث ابن عباس -﵄-، وقد رواه الطبراني في \"الأوسط\" (١/ ٢٩٧) عن أحمد بن عمرو، والدارقطني (٣/ ٢٥٧) عن أبي محمد بن صاعد، كلاهما عن عبد الله بن عمران العائذي بمكة، نا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن مسلم الجَنَدي، عن عكرمة، عن ابن عباس -﵄-، قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن توطأ حامل حتى تضع أو حائل حتى تحيض. قال لنا ابن صاعد: (وما قال لنا في هذا الإسناد أحد عن ابن عباس إلا العائذي). وهذا إعلال له بالإرسال، فإن تفرد العائذي بوصله عن بقية أصحاب ابن عيينة علة قوية.\nوقد رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٧/ ٢٢٦ - ٢٢٧) عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن طاوس مرسلًا. ورواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٤/ ٣٧٠) عن معتمر بن سليمان، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن طاوس مرسلًا أيضًا.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (في سبايا أوطاس) هذا على حذف مضاف؛ أي: في شأن سبايا أوطاس، والسبايا: جمع سبية كعطايا وعطية، يقال: سبيت العدو سبيًا: أسرته.\nوأوطاس: اسم واد في الطائف، تجمَّع فيه المنهزمون من هوازن وحلفائها بعد حنين، فأرسل إليهم النبي - ﷺ - سرية بقيادة أبي عامر الأشعري فقاتلهم حتى قتل، وتولى القيادة بعده أبو موسى الأشعري فقاتلهم حتى بددهم وشردهم.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يجب على السابي استبراء المسبية إذا أراد وطأها، والمراد بالاستبراء -كما تقدم-: التربص للعلم ببراءة رحمها، فإن كانت حاملًا فاستبراؤها بوضع حملها، لهذا الحديث، ولعموم قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وإن كانت غير حامل وهي ممن تحيض فاستبراؤها بحيضة كاملة، وإن كانت آيسة فبمضي شهر واحد من دخولها في ملكه.","vol":"8","page":117},{"text":"ويدخل في عموم الحديث من ملك أمة بشراء أو هبة أو غير ذلك من أسباب الملك، وكانت المملوكة ممن يوطأ مثلها.\n\n* الوجه الرابع: أخذ بعموم الحديث من قال: إن الاستبراء واجب، سواء ملك الأمة من صغير لم يبلغ أو من امرأة، وسواء كانت بكرًا أم ثيبًا؛ ولأن العدة تجب مع العلم ببراءة الرحم.\nوالقول الثاني: أنه لا يجب الاستبراء إذا ملكها من طفل أو امرأة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (^١)؛ لأن المقصود من الاستبراء العلم ببراءة الرحم، وحيث تيقن المالك براءة رحم الأمة فله وطؤها ولا استبراء عليه. فإن قيل: ألا يمكن أن يكون أحد زنى بها؟ فالجواب: بلى، لكن الأصل عدم ذلك (^٢).\nوكذا لو ملكها وهي بكر فلا استبراء عليه على أحد القولين، وهو قول ابن عمر -﵄-، ذكره عنه البخاري (^٣). وهو قول داود (^٤)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥)؛ لأن الحكم يدور مع علته.\nوقال الجمهور يجب عليه الاستبراء؛ لعموم الحديث.\n\n* الوجه الخامس: في قوله: \"لا توطأ حامل\" دليل على جواز مقدمات الوطء كالتقبيل واللمس والاستمتاع بها فيما دون الفرج؛ لأن النبي - ﷺ - إنما نهى عن الوطء، وهذا رواية عن أحمد في المسبية (^٦).\nوالقول الثاني: تحريم ذلك كله سدًّا للذريعة؛ لأنه ربما لم يملك نفسه فيجامعها؛ ولأنه استبراء يحرم الوطء، فحرم الاستمتاع كالعدة (^٧). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٣٤/ ٧٠)، \"زاد المعاد\" (٥/ ٧١٤).\n(^٢) \"الشرح الممتع\" (١٣/ ٤٠٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٢٣).\n(^٤) \"المغني\" (١١/ ٢٧٤).\n(^٥) \"الفتاوى\" (٣٤/ ٧٠).\n(^٦) \"المغني\" (١١/ ٢٧٦).\n(^٧) \"المغني\" (١١/ ٢٧٧).","vol":"8","page":118},{"text":"<span data-type='title' id=toc-940>ما جاء في أن الولد للفراش دون الزاني</span>\n١١٣٠/ ٣١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: \"الْوَلَدُ لِلْفِراشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ مِنْ حَدِيثِهِ.\n١١٣١/ ٢٢ - وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ - في قِصَّةٍ.\n١١٣٢/ ٢٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسعودٍ - ﵁ - عِنْدَ النَّسَائِيِّ.\n١١٣٣/ ٢٤ - وَعَنْ عُثْمَانَ - ﵁ - عِنْدَ أبي دَاوُدَ.\n\n* الكلام عليها من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فقد أخرجه البخاري في كتاب \"الحدود\"، بابٌ \"للعاهر الحجر\" (٦٨١٨) من طريق شعبة، حدثنا محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: … وذكر الحديث.\nورواه مسلم (١٤٥٨) من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، بمثله مرفوعًا.\nوأما حديث عائشة - ﵂ - فقد رواه البخاري في الباب المذكور (٦٨١٧)، ومسلم (١٤٥٧) من طريق الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عهد إليَّ أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله - ﷺ - إلى شبهه فرأى شبهًا بينًا بعتبة، فقال: \"هو لك يا عبد، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة\" قالت: فلم ير سودة قط. وهذا لفظ مسلم.","vol":"8","page":119},{"text":"أما حديث ابن مسعود - ﵁ - فقد رواه النسائي في كتاب \"الطلاق\" باب \"إلحاق الولد بالفراش إذا لم يَنْفِهِ صاحب الفراش\" (٦/ ١٨١) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة بن مقسم الضبي، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن رسول الله - ﷺ - قال: \"الولد للفراش، وللعاهر الحجر\" قال النسائي عقبه: (ولا أحسب هذا عن عبد الله بن مسعود، والله تعالى أعلم).\nوقد أُعل هذا الحديث بالإرسال، فقد قال الترمذي: (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: إنما هو مغيرة عن أبي وائل مرسلًا أن النبي - ﷺ -، قال محمد: وإنما هو: قال عبد الله بن حذافة للنبي - ﷺ -) (^١). والمراد: أن البخاري يرجح أن هذا الحديث حديث عبد الله بن حذافة لا حديث عبد الله بن مسعود، وهو ما يدل عليه كلام النسائي المذكور، وقد عزاه الهيثمي إلى الطبراني (^٢).\nوذكر الدارقطني في \"العلل\" وَصْلَهُ عن أبي وائل، عن عبد الله، وإرساله عن أبي وائل عن النبي - ﷺ -، ثم قال: (ورفعه صحيح) (^٣).\nوأما حديث عثمان - ﵁ - فقد رواه أبو داود في كتاب \"الطلاق\"، باب \"الولد للفراش\" (٢٢٧٥) من طريق مهدي بن ميمون، ثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي، عن رباح، قال: زوجني أهلي أمة لهم رومية، فوقعت عليها، فولدت غلامًا أسود مثلي، فسميته عبد الله، ثم وقعت عليها فولدت غلامًا أسود مثلي، فسميته عبيد الله، ثم طَبِنَ (^٤) لها غلام لأهلي رومي يقال له: يُوحَنَّه، فراطنها بلسانه، فولدت غلامًا كأنه وَزَغة من الوزغات (^٥)، فقلت لها: ما هذا؟ فقالت: هذا ليوحنه، فرفعنا إلى عثمان أحسبه قال مهدي: قال: فسألهما، فاعترفا، فقال لهما:\n_________\n(^١) \"العلل\" (١/ ٤٥٧).\n(^٢) \"مجمع الزوائد\" (٥/ ١٥).\n(^٣) \"العلل\" (٥/ ١٠٦).\n(^٤) طبن -بفتح الطاء وفتح الباء الموحدة- بمعنى: أفسدها، وبكسر الباء بمعنى: فطن لها وأنها توافقه على ما يريد. \"عون المعبود\" (٦/ ٣٧٠).\n(^٥) الوزغة -بالفتح-: هو الذي يقال له: سام أبرص [المصدر السابق].","vol":"8","page":120},{"text":"أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله - ﷺ -؟ إن رسول الله - ﷺ - قضى أن الولد للفراش، وأحسبه قال: فجلدها، وجلده وكانا مملوكين.\nوهذا سند ضعيف؛ لأن فيه رباحًا الكوفي، وهو مجهول، كما في \"التقريب\"، وفي سنده اختلاف ذكره الدارقطني (^١).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (الولد للفراش) هذا على حذف مضاف؛ أي: لصاحب الفراش والواطئ على الفراش، والمعنى: أنه تابع أو محكوم به له، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهل القرية، وقد جاء الحديث بلفظ: \"الولد لصاحب الفراش\" عند البخاري (^٢). والعرب تكني عن المرأة بالفراش، ولا تكون المرأة فراشًا إلا بالعقد والدخول المتحقق على الراجح، كما سيأتي.\n\nقوله: (وللعاهر الحجر) العاهر: الزاني، والعَهَر: بفتحتين: الزنا والفجور، يقال: عَهِرَ من باب تَعِبَ: فَجَرَ، فهو عاهر، وعَهَرَ عُهورًا من باب قعد لغة (^٣). والحجر: معروف.\nوالمعنى: أن الولد لصاحب الفراش وهو الزوج فيلحق به، وللعاهر الخيبة والحرمان ولا حق له في الولد، وهذا لا ينافي إقامة الحد عليه على حسب حاله.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الولد يحكم به للفراش؛ لأن النسب يحتاط في إثباته حفظًا للنسل وصيانة للعرض، فماذا ولد للزوج ولد وأمكن كونه منه فهو ولده في الحكم إلا أن ينفيه باللعان التام (^٤)، ولهذا حكم النبي - ﷺ - بأن الولد لزمعة؛ لأنه هو صاحب الفراش، قال ابن دقيق العيد: (الحديث أصل في إلحاق الولد بصاحب الفراش وإن طرأ عليه وطء محرم) (^٥).\n_________\n(^١) \"العلل\" (٣/ ٣٠).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٦٧٥٠).\n(^٣) \"المصباح\" (٤٣٥).\n(^٤) \"المغني\" (١١/ ١٥٢).\n(^٥) \"إحكام الأحكام\" (٤/ ٢٦٩).","vol":"8","page":121},{"text":"وثبوت النسب بالفراش مجمع عليه -كما يقول ابن القيم- وهو إحدى الجهات الأربع التي يثبت بها النسب، وهي الفراش، والاستلحاق، والبينة، والقافة، والثلاثة الأولى مجمع عليها (^١).\nوالفراش هي الزوجة أو الأمة، والزوجة لا تكون فراشًا بمجرد عقد النكاح، وإن كان عقد النكاح مقصودًا به الوطء، وإنما تكون فراشًا بالعقد والدخول المحقق، إما باعتراف الزوج أو بالبينة الدالة على ذلك، وهذا رواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (^٢)، ورجحه الصنعاني (^٣).\nوالقول الثاني: أن الزوجة تعتبر فراشًا بمجرد العقد وإن علم أن الزوج لم يجتمع بها، وهذا قول أبي حنيفة، وهو قول ضعيف؛ لأن العقد لا تأثير له في إثبات النسب، وإلا لجاز نسب الولد إلى من لم يبلغ التاسعة من عمره (^٤).\nوالقول الثالث: أنها تكون فراشًا بالعقد مع إمكان الوطء، وهو قول الشافعي وأحمد.\nوالصواب الأول؛ لأنه مقتضى الدليل اللغوي؛ لأن المرأة لا تكون فراشًا إلا بحقيقة الوطء، ولا يمكن أن يفترشها زوجها إلا إذا جامعها، ثم هو مقتضى دليل العقل، فإنه -كما يقول ابن القيم- كيف تصير المرأة فراشًا لرجل لم يدخل بها ولم يَبْنِ بها؟ وكيف تأتي الشريعة بإلحاق نسبٍ بمن لم يبن بامرأته ولا دخل بها ولا اجتمع بها (^٥)؟!\nأما الأمة فلا تصير فراشًا إلا بالوطء -على قول الجمهور- والفرق بينهما أن الزوجة تراد للوطء خاصة، فجعل العقد عليها كالوطء عند من يقول به، بخلاف الأمة فإنها تراد لملك الرقبة، وأنواع المنافع غير الوطء.\nولا يلحق الولد بالفراش إلا إذا أمكن كونه منه، كأن تلده لأكثر من ستة\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٥/ ٤١٠).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٥/ ٤١٥).\n(^٣) \"سبل السلام\" (٦/ ٣٢٣).\n(^٤) \"آثار عقد الزواج\" ص (٣٦٦).\n(^٥) \"زاد المعاد\" (٥/ ٤١٥).","vol":"8","page":122},{"text":"أشهر منذ أن تزوجها؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر بالإجماع، وأما أكثره فهو موضع خلاف، وقد روي عن عمر وسعيد بن المسيب والحسن البصري أنه سنة، وهذا يؤيده ما قرره أهل الذكر من رجال الطب الشرعي في هذه المسألة من أن الحمل لا يمكث في بطن أمه أكثر من سنة (^١)، فإن لم يمكن كونه منه كأن تلده لأقل من ستة أشهر منذ تزوجها لم يلحق به، وفي المسألة تفاصيل محلها كتب الفقه.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الزنا لا يثبت به النسب، لقوله: \"وللعاهر الحجر\"، وهذا قول أكثر أهل العلم، وهو المذهب عند الحنابلة، فإذا ادعى الزاني أن الولد ولده لم يلحق به، كما استدلوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - ﷺ - قضى فيمن استلحقه الورثة بعد موت المورث أنه إن كان من أمة كان يملكها المورث حين أصابها فإنه يلحقه من وقت الاستلحاق ما لم يكن المورث قد أنكره قبل موته، وإن كان من أمة لم تكن مملوكة له أو من حرة عَاهَرَ بها فإنه لا يلحقه ولو كان هو الذي ادعاه في حياته (^٢).\nوهذا نص صريح في اعتبار الفراش وعدم اعتبار الزنا أساسًا لثبوت النسب.\nوالقول الثاني: أنه إذا استلحقه ولم ينازعه أحد فإنه يلحق به (^٣)، حفظًا لنسب هذا الطفل؛ لئلا يضيع نسبه ولئلا يُعَيَّر، وهذا قول الحسن البصري وإسحاق بن راهويه وجماعة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم (^٤). ثم إن الفقهاء ذكروا في باب \"الإقرار بمشارك في الميراث\" أن الورثة لو أقروا بوارث للميت ثبت نسبه بشروط معروفة في محلها، فهكذا هنا، وقوله: \"الولد للفراش، وللعاهر الحجر\" جملتان متلازمتان؛ أي: إذا نازع الزاني صاحب فراش في الولد، فالولد للفراش، بدليل حديث الباب. لكن هذا القيد لم يدل عليه دليل (^٥).\n_________\n(^١) \"الفرقة بين الزوجين\" ص (٢٣٠).\n(^٢) رواه أبو داود (٢٢٦٥) وسنده حسن.\n(^٣) \"الإنصاف\" (٩/ ٢٦٩).\n(^٤) \"زاد المعاد\" (٥/ ٤٢٥).\n(^٥) انظر: \"الفرقة بين الزوجين\" ص (٢٣٨).","vol":"8","page":123},{"text":"* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن حكم الفراش مقدم على الشَّبَهِ، وأن حكم الشبه إنما يُعتمد عليه في إلحاق النسب إذا لم يكن هناك ما هو أقوى منه كالفراش، بدليل أن النبي - ﷺ - لم يلتفت هنا إلى شبه الغلام بعتبة؛ لوجود ما هو أقوى منه، وهو الفراش.\n\n* الوجه السادس: أمر النبي - ﷺ - زوجته سودة بنت زمعة بالاحتجاب من الغلام على سبيل الاحتياط والورع؛ لأنه في ظاهر الشرع أخوها؛ لأنه الحق بأبيها زمعة، لكن لما رأى النبي - ﷺ - الشبه بينه وبين عتبة بن أبي وقاص قويًّا خشي أن يكون من مائه، فيكون أجنبيًّا منها، فأمرها بالاحتجاب منه تورعًا.\nويستفاد من ذلك أن المرأة إذا شكت في قرابة أحد محارمها فإنها تحتجب عنه احتياطًا وتورعًا، ولا تتساهل في أمر مشتبه فيه. والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":124},{"text":"<span data-type='title' id=toc-941>باب الرضاع</span>\nالرضاع في اللغة: بكسر الراء وفتحها، مصدر رَضَعَ الصبيُّ الثديَ رضعًا ورِضَاعة ورضاعًا؛ أي: مصَّه (^١).\nوشرعًا: اسم لحصول لبن امرأة في معدة طفل بأي وسيلة كان.\nفالمقصود أن اللبن يصل إلى معدة الطفل، سواء وصل إليها عن طريق الثدي، وهو الغالب، أو عن طريق الرضاعة الصناعية، أو شَرِبَهُ من إناء أو نحو ذلك، خلافًا لابن حزم حيث قصر الحكم على المص من الثدي بفيه فقط (^٢)، كأنه لَحَظَ مسمى الرضاع، وأما غيره فقد لحظ المعنى من الرضاع، وهو الأقرب.\nوإذا تم الرضاع بشروطه نشر الحرمة، وهي أن يكون الطفل المرتضع ولدًا للمرضعة في النكاح والنظر والخلوة والمحرمية في السفر، وولد من نُسب لبنها إليه.\nولا يؤثر الرضاع في بقية أحكام النسب، فلا يصير ولدًا للمرضعة في وجوب نفقتها عليه، وكونها ترثه ويرثها، وكذا الولاية في النكاح والمال، فهذه وما ماثلها لا تترتب على الرضاع؛ لأنه لا يساوي النسب في القوة، فلا يساويه في الأحكام، وإنما يُشَبَّهُ به فيما نُصَّ عليه، كما سيأتي إن شاء الله.\nوالأصل في ثبوت حكم الرضاع الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].\n_________\n(^١) \"الدر النقي\" (٣/ ٦٩٨).\n(^٢) \"المحلى\" (٧/ ١٠).","vol":"8","page":125},{"text":"وأما السنة: فأحاديث الباب، وقد أجمعت الأمة على التحريم بالرضاع وإن اختلفت في بعض فروعه.\nوالحكمة في جعل الرضاع سببًا للتحريم: أن جزء المرضعة وهو اللبن صار جزءًا للرضيع باغتذائه به، فأشبه منيَّها وحيضها في النسب (^١).\n_________\n(^١) \"الإمتاع في أحكام الرضاع\" ص (١٢).","vol":"8","page":126},{"text":"<span data-type='title' id=toc-942>ما جاء في الرضعة والرضعتين</span>\n١١٣٤/ ١ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"الرضاع\"، بابٌ \"في المصة والمصتين\" (١٤٥٠) من طريق ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة - ﵂ - مرفوعًا.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا تحرم) بضم التاء، وفتح الحاء، وتشديد الراء مكسورة؛ أي: لا تمنع الزواج، ولا يثبت بها التحريم، بحيث يكون الرجل محرمًا للمرأة.\n\nقوله: (المصة والمصتان) المصة: هي المرة الواحدة من المص، والمراد بها: الرضعة، وهي تناول الثدي برفق وامتصاصه لبنه مرة واحدة، وفي رواية: \"الإملاجة والإملاجتان\" وهي بكسر الهمزة والجيم المفتوحة المخففة، وهي المصة، يقال: مَلَجَ الصبي أمه ملجًا: رضعها، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أملجته، والمرة من الثلاثي ملجة، ومن الرباعي إملاجة (^١).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المصة والمصتين لا تحرمان؛ لأنهما يسيرتان، والرضاع المؤثر ما كان له أثر على الرضيع، كما سيأتي.\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٥٧٧).","vol":"8","page":127},{"text":"* الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث داود الظاهري وأتباعه على أن الرضاع المحرم ثلاث رضعات فصاعدًا، أخذًا بمفهوم الحديث، وهذا قول ضعيف؛ لأن هذا المفهوم عارضه منطوق أقوى منه، وهو حديث عائشة - ﵂ - الآتي (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يُحرِّمْنَ، ثم نسخن بخمس معلومات .. الحديث) والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-943>ما جاء أن الرضاع المحرم هو ما يسد الجوع</span>\n١١٣٥/ ٢ - وَعَنْهَا - ﵂ - قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، فإنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nأخرجه البخاري في كتاب \"الشهادات\"، باب \"الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم\" (٢٦٤٧)، ومسلم (١٤٥٥) من طريق مسروق، عن عائشة -﵂-، قالت: دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - وعندي رجل قاعد، فاشتدَّ ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه، فقال: \"يا عائشة من هذا؟ \" قلت: أخي من الرضاعة، قال: \"يا عائشة انظرن … \" الحديث، وهذا لفظ البخاري.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (انظرن) أي: تأملن.\n\nقوله: (من إخوانكن) أي: من الرضاع، وذلك بالنظر في الرضاع هل هو رضاع تثبت به الحرمة لتحقق شروطه أو لا؟\nولعل الغرض من هذه الجملة التنبيه على الزمن الذي تثبت به حرمة الرضاع، خشية أن يكون الرضاع وقع حالة الكبر بحيث لا يترتب عليه أحكامه (^١).\n_________\n(^١) \"الإعلام\" (٩/ ٢٢).","vol":"8","page":129},{"text":"قوله: (فإنما الرضاعة من المجاعة) أسلوب قصر، والمجاعة: بفتح الميم خلو المعدة من الطعام؛ أي: لا رضاعة معتبرة إلا المغنية أو المطعمة من المجاعة، والمعنى: أن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة وتحل بها الخلوة هي ما أذهب الجوع بحيث يكون الرضيع طفلًا يسد اللبن جوعته، فينمو منه وينبت لحمه، فيصير كجزء من المرضعة.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن مطلق الرضاع لا يحرم، وإنما الذي يحرم هو ما يسد الجوع، ويغذي الطفل، فيكون حينئذٍ كالجزء من المرضعة، فيصير كأحد أولادها، تغذى في بطنها وصار بضعة منها.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنه ينبغي التثبت من وجود الرضاع المحرم، من حيث زمانه ومن حيث عدده؛ لأن من الرضاع ما لا تثبت به المحرمية.\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه يجب على الرجل أن يكون عنده غيرة على أهله ومحارمه من مخالطة الأجانب، وأن الرجل يسأل زوجته عما يشكل عليه، بشرط ألا يصل الأمر إلى حَدِّ الشكوك والأوهام.\n\n* الوجه السادس: في الحديث دليل على أنه يقبل قول المرأة فيمن اعترفت برضاعه مع الإرشاد إلى الاحتياط في ذلك.\n\n* الوجه السابع: جاء الرضاع في القرآن مطلقًا، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وظاهره ثبوت حكم الرضاع بمطلق الرضاع قل أو كثر، لكن هذا الحديث قيد مطلق القرآن. والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":130},{"text":"<span data-type='title' id=toc-944>حكم رضاع الكبير</span>\n١١٣٦/ ٣ - وعَنْها - ﵂ - قَالتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيلٍ فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبي حُذَيفَةَ مَعَنَا في بَيتِنَا، وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ. فَقَال: \"أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيهِ\" رَوَاهُ مُسْلِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"الرضاع\"، باب \"رضاعة الكبير\" (١٤٥٤) (٢٧) من طريق القاسم، عن عائشة - ﵂ - أن سالمًا مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم، فأتت -تعني ابنة سهيل- النبي - ﷺ - فقالت: إن سالمًا قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعقل ما عقلوه، وإنه يدخل علينا، وإني أظن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئًا، فقال النبي - ﷺ -: \"أرضعيه تحرمي عليه، يذهب الذي في نفس أبي حذيفة\" فرجعتْ، فقالت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة.\n\n* الوجه الثاني: في ألفاظه:\n\nقوله: (سهلة بنت سهيل) هي زوجة أبي حذيفة بن عتبة - ﵁ -، أسلمت قديمًا، وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة - ﵄ - (^١).\n\nقوله: (إن سالمًا) هو سالم بن معقل، نشأ في بيت أبي حذيفة وتبناه، فكان يقال له: سالم بن أبي حذيفة، وكان مولى لامرأة من الأنصار، وقد\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٣/ ٥٠)، \"الإصابة\" (١٢/ ٣١٩ - ٣٢٠).","vol":"8","page":131},{"text":"أنكحه أبو حذيفة بنت أخيه هندًا (^١) بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان سالم من فضلاء الصحابة وقُرَّاءِ القرآن، وقد تقدم في أبواب \"الإمامة\" أنه كان يؤم المهاجرين الأولين في العُصْبة -موضع بقباء- قبل مقدم رسول الله - ﷺ -، وكان أكثرهم قرآنًا (^٢)، واستشهد هو ومولاه أبو حذيفة يوم اليمامة في خلافة الصديق - ﵁ - سنة ثنتي عشرة - ﵁ - (^٣).\n\nقوله: (مولى أبي حنيفة) أي: حليف أبي حذيفة، وكان أبو حذيفة قد تبنى سالمًا؛ أي: اتخذه ابنًا له قبل أن يُبطل الإسلام التبني، فلما أبطل الله التبني صار سالمًا أجنبيًّا من المرأة.\nوأبو حذيفة هو مُهشِّم أو هاشم أو هشيم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف - ﵁ -، أسلم قبل وصول رسول الله - ﷺ - دار الأرقم، وهاجر هو وزوجته سهلة بنت سهيل الهجرتين، وصلى للقبلتين، وشهد بدرًا وما بعدها، وأراد مبارزة أبيه يوم بدر، وقد استشهد يوم اليمامة، كما تقدم وهو ابن ست وخمسين سنة على أحد الأقوال (^٤).\n\nقوله: (وقد بلغ ما يبلغ الرجال) أي: أدرك الحلم وصار بالغًا. وجاء في رواية عند مسلم: (وكيف أرضعه وهو رجل كبير) وفي رواية: (إنه ذو لحية).\n\n* الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: بجواز رضاع البالغ وأن حرمة الرضاع تثبت برضاع البالغ كما تثبت برضاع الطفل، وهذا قول عائشة -﵂-، وروي عن عطاء والليث وداود، ونصره ابن حزم ورد حجج المخالفين (^٥).\n_________\n(^١) هذا الاسم مختلف فيه، وقد جاءت تسميتها هندًا في البخاري. فانظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٣١٤ - ٣١٥) (٩/ ١٣١، ١٣٣).\n(^٢) الحديث أخرجه البخاري (٦٩٢).\n(^٣) \"الاستيعاب\" (٤/ ١٠١)، \"الإصابة\" (٤/ ١٠٣).\n(^٤) \"الاستيعاب\" (١١/ ١٩٥)، \"الإصابة\" (١١/ ٨١).\n(^٥) \"المحلى\" (١٠/ ١٧).","vol":"8","page":132},{"text":"وكانت نساء النبي - ﷺ - كلهن على خلاف قول عائشة -﵂-، فقد روى مسلم عن أم سلمة زوج النبي - ﷺ - أنها كانت تقول: (أبي سائر أزواج النبي - ﷺ - أن يدخل عليهن أحد بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة: والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله - ﷺ - لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا) (^١).\nوذهب الجمهور من أهل العلم من الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار إلى أن رضاع البالغ لا يحرم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ﴾ [لبقرة: ٢٣٣] وبالحديث المتقدم: \"إنما الرضاعة من المجاعة\" قالوا: فهذا نص خرج مخرج الحصر، دالٌّ على أن حكم الرضاعة خاص بمن يشبعه اللبن، ويكون غذاءه لا غير، وهذا لا يتأتى في رضاع الكبير. كما استدلوا بحديث أم سلمة الآتي.\nوأجابوا عن قصة سالم بأنها خاصة به خصوصية عين لا تتعداه إلى غيره، وقد حكم بالخصوصية أمهات المؤمنين، كما تقدم، أو أنها منسوخة، قال الشافعي: (وهذا -والله تعالى أعلم- في سالم مولى أبي حذيفة خاصة) (^٢).\nوقال ابن المنذر: (وليس تخلو قصة سالم أن تكون منسوخًا أو خاصًّا بسالم كما قالت أم سلمة وسائر أزواج النبي - ﷺ - وهن بالخاص والعام والناسخ والمنسوخ أعلم) (^٣). واختار هذا القول الشيخ عبد العزيز بن باز (^٤).\nوالقول الثالث: أن الحكم خاص بسالم وبمن يشبه حاله، وهذه خصوصية وصف، وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥)، واختاره ابن القيم (^٦)، والصنعاني تبعًا للشارح حسين بن محمد المغربي، ومن بعدهما الشوكاني (^٧).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٤٥٤).\n(^٢) \"الأم\" (٦/ ٧٩).\n(^٣) \"الإشراف\" (٤/ ١١٢).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٢٢/ ٢٦٤).\n(^٥) \"مجموع الفتاوى\" (٣٤/ ٦٠).\n(^٦) \"زاد المعاد\" (٥/ ٥٩٣).\n(^٧) \"البدر التمام\" (٤/ ٢٣٤)، \" سبل السلام\" (٦/ ٣٣٦)، \"نيل الأوطار\" (٦/ ٣٥٣).","vol":"8","page":133},{"text":"والقول بالخصوصية نوقش من ثلاثة أوجه:\n١ - أنه مخالف للأصل؛ لأن الأصل عدم الخصوصية.\n٢ - أن قول أم سلمة: (والله ما نرى هذا إلا رخصة …) مجرد تظنن منها.\n٣ - أنه لو كان خاصًّا بسالم لبين رسول الله - ﷺ - ذلك، كما بين لأبي بُردة - ﵁ - لما ضحى بالجذعة من المعز: \"إنها لن تجزئ عن أحد بعدك\" (^١).\nوأما القول بالنسخ فهو ضعيف؛ لأن من شرط النسخ معرفة التاريخ، وهنا لا يعرف، ثم لو كان النسخ صحيحًا لما ترك التشبث به أمهات المؤمنين ﵅، قال القرطبي: (قد أطلق بعض الأئمة على حديث سالم: أنه منسوخ، وأظنه سمى التخصيص نسخًا، وإلا فحقيقة النسخ لم تحصل هنا، على ما يعرف في الأصول) (^٢).\nورأي شيخ الإسلام فيه وجاهة؛ لأن فيه جمعًا بين الأدلة، وذلك بأن تجعل قصة سالم مخصصة لعموم: \"إنما الرضاعة من المجاعة\" وغيره من الأدلة، لكن الاحتياط في هذا مطلوب، وعدم التساهل مؤكد، وهذا أمر يتعلق بالمحارم، ولا سيما في هذا الزمان الذي ضعف فيه الإيمان، وغلب فيه الجهل، وانتشرت الرذائل، وتساهل بعض الناس في صيانة محارمهم والغيرة عليها. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٥٦٣)، ومسلم (١٩٦١).\n(^٢) \"المفهم\" (٤/ ١٨٩).","vol":"8","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-945>ثبوت حكم الرضاع لزوج المرضعة وأقاربه</span>\n١١٣٧/ ٤ - وَعَنْهَا - ﵂ - أن أفْلَحَ -أَخَا أَبي الْقُعَيسِ- جَاءَ يَسْتَأذِنُ عَلَيهَا بَعْدَ الْحِجَابِ. قَالتْ: فَأبَيْتُ أنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أخْبَرْتُهُ بالَّذِي صَنَعْتُ، فَأمَرَنِي أنْ آذَنَ لَهُ عَلَيّ وَقَال: \"إنَّهُ عَمُّكِ\"، مُتَفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الشهادات\"، باب \"الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض … \" (٢٦٤٤) ثم في كتاب \"النكاح\"، باب \"لبن الفحل\" (٥١٠٣)، ومسلم (١٤٤٥) من طريق عروة بن الزبير، عن عائشة أنها أخبرته أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن أنزل الحجاب، قالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله - ﷺ - أخبرته بالذي صنعت، فأمرني أن آذن له عليَّ. هذا لفظ مسلم.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أن أفلح أخا أبي القعيس) أفلح: هو عم عائشة - ﵂ - من الرضاعة؛ لأنه أخو أبي القعيس نسبًا الذي رضعت عائشة من زوجته، وليس له ذكر إلا في هذا الحديث، كما ذكر ابن عبد البر (^١)، وقد ورد في إحدى روايات مسلم: (استأذن عليَّ أفلح بن قعيس) وهذا وهم من بعض الرواة، والصواب ما تقدم (^٢).\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٨/ ٢٣٥).\n(^٢) \"المفهم\" (٤/ ١٧٨).","vol":"8","page":135},{"text":"قوله: (بعد الحجاب) أي: بعد نزول آيات الحجاب، وذلك آخر سنة خمس من الهجرة (^١).\n\nقوله: (فأبيت أن آذن له) جاء تعليل ذلك في بعض الروايات: (فإن أخاه أبا القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس) تريد أن أبا القعيس لم يرضعها وهو زوج المرأة، وإنما الذي أرضعها هي زوجته، واللبن للمرأة لا للرجل فيما تظن.\n\n* الوجه الثالث: الحديث أصل في أن للرضاع حكم النسب من إباحة الدخول على النساء ونحو ذلك من الأحكام، كما تقدم.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على ثبوت حكم الرضاع من زوج المرضعة وأقاربه، وأن الرضاع كما يتعلق بالمرأة يتعلق بالرجل، فيكون زوج المرضعة بمنزلة الوالد، وهي بمنزلة الأم، وأخوه بمنزلة العم، وأختها بمنزلة الخالة؛ لأنه صاحب اللبن، فإن اللبن تسبب عن مائه وماء المرأة جميعًا.\nولهذا ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن لبن الفحل يؤثر في التحريم، والفحل هو الرجل، ونسبة اللبن إليه مجازية لكونه السبب فيه (^٢)، ولم يخالف إلا ابن علية وأهل الظاهر وجماعة (^٣)؛ لأن النبي - ﷺ - أثبت لأفلح عمومة عائشة -﵂-، وإنما ارتضعت لبن امرأة أبي القعيس؛ لأن أبا القعيس صار لها أبًا، فينشر التحريم، كما تقدم.\nويصور لبن الفحل مع افتراق الأُمَّين، كرجل له امرأتان، ترضع إحداهما صبيًّا والأخرى صبية، فيحرم أحدهما على الآخر؛ لأنهما أخوان لأب.\nولو أرضعت إحداهما ولدًا صار هذا الولد ولدًا له، وأخًا لأولاده من هذه المرأة المرضعة وأخًا لأولاده من المرأة الأخرى؛ لأنهم اشتركوا مع الرضيع في أب واحد (^٤).\n_________\n(^١) \"الإعلام\" (٩/ ١٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٥٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ١٥١).\n(^٤) انظر: \"المفهم\" (٤/ ١٧٩)، \"الشرح الممتع\" (١٣/ ٤٣٤).","vol":"8","page":136},{"text":"* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن من شك في حكم فإنه يتوقف عن العمل حتى يسأل العلماء.\n\n* الوجه السادس: في الحديث دليل على أن من ادعى رضاعًا وصدقه الرضيع ثبت حكم الرضاع بينهما، ولا يحتاج إلى إقامة بينة، فإن أفلح ادعى الرضاع وصدقته عائشة - ﵂ - وأذن له الشارع بمجرد ذلك.\n\n* الوجه السابع: فيه دليل على مشروعية الاستئذان ولو في حق المحرم؛ لجواز أن تكون المرأة على حال لا يحل للمحرم أن يراها عليه.\n\n* الوجه الثامن: في الحديث دليل على وجوب الحجاب، والمراد الحجاب الشرعي الذي يعني أن تستر المرأة جميع بدنها، ومن ذلك الوجه والكفان والقدمان ومواضع الزينة، ولو كان الحجاب غير واجب لما كان لذكره فائدة. والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":137},{"text":"<span data-type='title' id=toc-946>مقدار الرضاع المحرِّم</span>\n١١٣٨/ ٥ - وَعَنْهَا - ﵂ - قَالتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَهِيَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه مسلم في كتاب \"الرضاع\"، باب \"التحريم بخمس رضعات\" (١٤٥٢) من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكير، عن عمرة، عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات … الحديث). وفيه: (وهن فيما يقرأ من القرآن).\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الرضاع الذي تثبت به الحرمة خمس رضعات، ومفهومه أن الرضعة والرضعتين والثلاث وما نقص عن الخمس لا يحرم، وهذا قول عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن الزبير -﵃-، وعطاء وطاوس، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وابن حزم، ورجحه الصنعاني، والشوكاني (^١).\nووجه الاستدلال: أن عائشة -﵂-، ذكرت عددًا أعلى وعددًا أدنى، ولو كان هناك عدد أدنى من الخمس لبينته.\nوقد روى عبد الرزاق بسنده عن عائشة -﵂-، قالت: (لا يحرم دون\n_________\n(^١) \"المحلى\" (١٠/ ٩)، \"سبل السلام\" (٦/ ٣٣٠، ٣٤٠)، \"نيل الأوطار\" (٦/ ٣٥١).","vol":"8","page":138},{"text":"الخمس رضعات معلومات) (^١)، وهذا حصر طريقه النفي والإثبات.\nوالقول الثاني: أن قليل الرضاع وكثيره يحرم، وهذا مروي عن علي، وابن عباس، وابن عمر -﵃-، وبه قال سعيد بن المسيب، وعروة، والزهري، وآخرون، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد (^٢).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [لنساء: ٢٣] قالوا: فعلق الله التحريم بوجود الإرضاع، ولم يقيد ذلك بشيء، فحيث وجد اسم الرضاع ثبت حكمه، فهؤلاء رجحوا ظاهر القرآن على الأحاديث الواردة في هذا، كما استدلوا بالحديث الآتي: \"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب\" فإنه ربط التحريم بمجرد الرضاع، كما ورد آثار عن الصحابة - ﵃ - تدل على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم.\nوالقول الثالث: أنه لا يثبت التحريم بأقل من ثلاث رضعات، وبه قال أبو ثور، وأبو عبيد، وداود، وهو رواية عن أحمد (^٣)، واستدلوا بالحديث المتقدم: \"لا تحرم المصة والمصتان\" قالوا: فمفهوم الحديث أن ما زاد على المصتين يثبت به التحريم، وهو الثلاث فصاعدًا.\nوالراجح القول الأول، وهو أن الرضاع المحرم خمس رضعات، لأن حديث عائشة - ﵂ - نص صريح، ويقويه حديث: \"لا تحرم المصة والمصتان\" كما يقويه حكمة التحريم بالرضاع -كما تقدم- وهي شبهة الجزئية بين المرضع والمرضعة، وهذا لا يتحقق إلا برضاع كامل، وهو خمس وجبات بحيث ينبت اللحم، وينشز العظم.\nأما من يرون أن قليله وكثيره محرم فهو مردود بالحديث المتقدم: \"لا تحرم المصة والمصتان\"، وأما قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ فإن\n_________\n(^١) \"المصنف\" (٧/ ٤٦٦)، ورواه الدارقطني (٤/ ١٨٣)، والبيهقي (٧/ ٤٥٦)، وصححه الحافظ في \"فتح الباري\" (٩/ ١٤٧).\n(^٢) \"المغني\" (١١/ ٣١٠)، \"بداية المجتهد\" (٣/ ٦٤).\n(^٣) \"المغني\" (١١/ ٣١٠).","vol":"8","page":139},{"text":"السنة بينت أن الرضاعة التي تحرم هي ما كانت مبنية على العدد، فلا تحرم المصة ولا المصتان، ولا يحرم إلا الخمس، فتكون الآية من قبيل المجمل الذي بينه الشارع بالعدد وضبطه به.\nوأما من قال إن الثلاث تحرم فدليله مفهوم حديث عائشة -﵂-، والخمس منطوق، فهو مقدم، ثم إن العمل بأحاديث الرضعات الخمس إعمال للأحاديث كلها.\n\n* الوجه الثالث: الرضعات مفردها رضعة: وهي -على الأظهر- اسم مرة، كالأكلة والشربة، فيكون المراد بها الوجبة التامة وإن تخللها تنفس أو انتقال من ثدي إلى آخر، أو جاءه ما يلهيه، وإنما يتركه عن رِيٍّ وطيب نَفْسٍ؛ لأنه لم يرد في الشرع لها ضابط معين، فيرجع فيها إلى اللغة وإلى عرف الناس، والناس لا يعدون الأكلة إلا الوجبة التامة، سواء تخللها قيام أو اشتغال يسير أو قطعها لعارض ثم رجع إليها؛ لأنه لم يكملها.\nوهذا مذهب الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، نصرها ابن القيم، واختارها ابن سعدي (^١).\n\n* الوجه الرابع: قول عائشة - ﵂ -: (فتوفي رسول الله - ﷺ - وهن فيما يقرأ من القرآن) يمثل به الأصوليون لما نسخ لفظه وبقي حكمه، فإن الآية الدالة على أن المحرم خمس رضعات ليست في القرآن الآن، وكلام عائشة - ﵂ - هذا مراد به أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدًّا حتى إنه - ﷺ - توفي وبعض الناس يقرأ آية خمس الرضعات، لكونه لم يبلغه النسخ (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١١/ ٣١٢)، \"زاد المعاد\" (٥/ ٥٧٥)، \"المختارات الجلية\" ص (١١١)، \"الاختيارات الجلية\" لابن بسام (٢/ ٤١٤).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٢٨١).","vol":"8","page":140},{"text":"<span data-type='title' id=toc-947>يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب</span>\n١١٣٩/ ٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵂ - أن النَّبيَّ - ﷺ - أُرِيدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ، فَقَال: \"إنَّهَا لا تَحِلُّ لِي، إنَّها ابنَةُ أَخي مِنَ الزَضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الرضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ\"، متفقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الشهادات\"، باب \"الشهادة على الأنساب والرضاع … \" (٢٦٤٥)، ومسلم (١٤٤٧) من طريق همام، حدثنا قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس - ﵄ -.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أريد على ابنة حمزة) أي: رُغِّبَ في أن يتزوج ابنة عمه حمزة - ﵁ -، وقد اختلف في اسمها على أقوال ستة سردها ابن الملقن في \"شرحه على العمدة\" (^١).\n\nقوله: (فقال: إنها لا تحل لي …) الكلام موجه إلى علي - ﵁ -، كما ورد عند مسلم من حديث علي - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله ما لك تَنَوّق (^٢) في قريش وتدعنا؟ فقال: \"وعندكم شيء؟! قلت: نعم، بنت حمزة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة\" (^٣).\n_________\n(^١) \"الإعلام\" (٩/ ٨).\n(^٢) تَنَوّق -بفتح التاء والنون وتشديد الواو-: أي تختار وتبالغ في الاختيار. \"إكمال المعلم\" (٤/ ٦٣١).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (١٤٤٦).","vol":"8","page":141},{"text":"قوله: (إنها ابنة أخي …) جملة مستأنفة لتعليل تحريم ابنة حمزة على الرسول - ﷺ -؛ لأن حمزة أخ للنبي - ﷺ - من الرضاع أرضعتهما ثويبة، وهي مولاة لأبي لهب (^١)، فيكون النبي - ﷺ - عم ابنة حمزة - ﵁ -.\n\nقوله: (ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) من: سببية؛ أي: يحرم النكاح بسبب الرضاعة كما يحرم بسبب النسب، ولهذا سمى الله تعالى المرضعة أمًا والمرتضعة أختًا.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن ما حرمه النسب وهو القرابة يحرمه الرضاع، وقد ذكر الله تعالى في القرآن المحرمات بالنسب؛ أي: بالقرابة وهن سبع: الأمهات، والجدات وإن علون، والبنات، وبنات الأولاد وإن نزلن، والأخوات مطلقًا … إلخ، فتكون المحرمات من الرضاع سبعًا -أيضًا-، وذلك أن كل امرأة حرمت نسبًا حرمت من تماثلها رضاعًا، كالأم من الرضاع، والبنت من الرضاع، والأخت من الرضاع، والعمة من الرضاع … وهكذا.\nوقد ذكر الله تعالى أن المحرمات بالرضاع: الأمهات وإن علون، والأخوات، وجاءت السنة ببيان الباقي كما في حديث الباب.\nفهذا من جهة العدد، أما من جهة الحد، فالقاعدة في باب الرضاع: أن الرضاع ينشر الحرمة إلى المرتضع وفروعه، دون أصوله وحواشيه، فتنتشر الحرمة إلى أبنائه وبناته ونسلهم، فيكونون أولادًا للمرضعة ولصاحب اللبن، أما أصوله من أب أو أم وآبائهما، أو حواشيه من إخوة وأخوات فلا يتعلق بهم تحريم؛ لأن قرابات الرضيع ليس بينهم وبين المرضعة ولا زوجها نسب ولا سبب، فلم يتعلق بهم تحريم (^٢).\nوأما المرضعة فإن الرضاع ينشر الحرمة إلى فروعها وأصولها وحواشيها، فأولاد الزوج وزوجته المرضعة؛ إخوة المرتضع وأخواته، وآباؤهما أجداده\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٥١٠١)، \"صحيح مسلم\" (١٤٤٩).\n(^٢) \"المفهم\" (٤/ ١٧٨).","vol":"8","page":142},{"text":"وجداته، وإخوة المرضعة وأخواتها أخواله وخالاته، وإخوة صاحب اللبن وأخواته أعمامه وعماته.\nأما موضوع المصاهرة فقد ذهب الأئمة الأربعة وجمهور أهل العلم إلى أنه يحرم من الرضاع ما يحرم بالمصاهرة، وعلى هذا فأم زوجتك من الرضاع حرام عليك كأم زوجتك من النسب، وبنت زوجتك من الرضاع -كأن يكون لك زوجة قد أرضعت بنتًا من زوج سابق- تحرم عليك، كبنت زوجتك من النسب.\nواستدل هؤلاء بعموم: \"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب\".\nوذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الرضاع لا يؤثر في تحريم المصاهرة، نقل ذلك عنه ابن رجب (^١)، مع أن ابن القيم نقل عنه أنه توقف (^٢)، ودليل هذا القول عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فيكون الأصل الحل، والرسول - ﷺ - لم يذكر المصاهرة عندما قال: \"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب\" (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"القواعد\" (٣/ ١١٤)، \"الاختيارات\" ص (٢١٣).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٥/ ٥٥٧).\n(^٣) انظر: \"الشرح الممتع\" (١٣/ ٤٢٤).","vol":"8","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-948>صفة الرضاع المحرم وزمنه</span>\n١١٤٠/ ٧ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرِّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الأمْعَاءَ، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ\"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالْحَاكِمُ.\n١١٤١/ ٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: \"لَا رَضَاعَ إلَّا في الحَوْلَينِ\"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَرَجّحا الْمَوْقُوفَ.\n١١٤٢/ ٩ - وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لا رَضَاعَ إلَّا ما أنْشَزَ الْعَظْمَ، وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ\"، أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ.\n\n* الكلام عليها من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث أم سلمة - ﵂ - فقد رواه الترمذي في أبواب \"الرضاع\"، باب \"ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين\" (١١٥٢) من طريق أبي عوانة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة - ﵁ -، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي … الحديث\".\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، ورواه يحيى القطان، عن هشام، عن يحيى بن عبد الرحمن، عن أم سلمة - ﵂ - موقوفًا، قال الدارقطني: (وقول يحيى أشبه بالصواب) (^١) ورواه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٩٠) عن عبدة، عن\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" (١٥/ ٢٥٥).","vol":"8","page":144},{"text":"هشام بن عروة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن جده، عن أم سلمة بنحوه موقوفًا. ورواه إسحاق بن راهويه في \"مسنده\" (٤/ ١١٩، ١٧٥) من طريق وهيب، عن هشام، عن فاطمة، عن أم سلمة بنحوه موقوفًا أيضًا.\nوقول الحافظ: إن الحاكم صحح الحديث، لم أقف عليه، لأني لم أجد الحديث في \"المستدرك\" ولا رأيت أحدًا عزاه إليه.\nوأما حديث ابن عباس - ﵄ - فقد رواه الدارقطني (٤/ ١٧٤)، وابن عدي في \"الكامل\" (٧/ ١٠٣)، والبيهقي (٧/ ٤٦٢) من طريق الهيثم بن جميل، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس -﵄-، عن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا رضاع إلا ما كان في الحولين\" هذا لفظ الدارقطني، وعند ابن عدي: \"لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين\".\nقال الدارقطني: (لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ)، وقال ابن عدي: (وهذا يعرف بالهيثم بن جميل، عن ابن عيينة مسندًا، وغير الهيثم يوقفه على ابن عباس، والهيثم بن جميل يسكن أنطاكية، ويقال: هو البغدادي، ويغلط الكثير على الثقات كما يغلط غيره، وأرجو أنه لا يتعمد الكذب).\nوقال البيهقي: (هذا هو الصحيح موقوفًا) وعلى هذا فيكون الهيثم بن جميل قد وهم في رفع هذا الحديث، وقد صحح وقفه إضافة إلى من ذكر: عبد الحق، وابن عبد الهادي، والزيلعي، وغيرهم (^١).\nوأما حديث ابن مسعود - ﵁ - فقد رواه أبو داود في كتاب \"النكاح\"، بابٌ \"في رضاعة الكبير\" (٢٠٥٩)، ومن طريقه البيهقي (٧/ ٤٦١) من طريق عبد السلام بن مطهر، أن سليمان بن المغيرة، حدثهم عن أبي موسى الهلالي، عن أبيه، عن ابن لعبد الله بن مسعود، عن ابن مسعود - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، قال: … وذكر الحديث.\nوهذا حديث ضعيف، والغريب أن المؤلف سكت عنه على خلاف\n_________\n(^١) \"الأحكام الوسطى\" (٣/ ١٨٥)، \"التنقيح\" (٣/ ٢٤٨)، \"نصب الراية\" (٣/ ٢١٨).","vol":"8","page":145},{"text":"عادته، وسبب ضعفه أن فيه ثلاثة مجاهيل:\n١ - أبو موسى الهلالي.\n٢ - والده، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: هو مجهول وأبوه مجهول (^١).\n٣ - ابن عبد الله بن مسعود مجهول؛ لأنه لم يسم.\nوقد اختلف في إسناده؛ فقد رواه الدارقطني (٤/ ١٧٣) من طريق النضر بن شميل، نا سليمان بن المغيرة، نا أبو موسى، عن أبيه، عن ابن لعبد الله بن مسعود، أن رجلًا كان مع امرأته وهو في سفر، فولدت، فجعل الصبي لا يمص، فأخذ زوجها يمص لبنها ويمجه، قال: حتى وجدتُ طعم لبنها في حلقي، فأتيت أبا موسى الأشعري فذكرتُ ذلك له، فقال: حرمت عليك امرأتك، فأتاه ابن مسعود، فقال: أنت الذي تفتي هذا بكذا وكذا؟ قال رسول الله - ﷺ -: \"\"لا رضاع إلا ما شدَّ العظم، وأنبت اللحم\".\nوخالف وكيعٌ عبدَ السلام والنضرَ فلم يذكر في إسناده ابن عبد الله بن مسعود، رواه أبو داود (٢٠٦٠)، وأحمد (٧/ ١٨٥) من طريق وكيع، قال: ثنا سليمان بن المغيرة، عن أبي موسى، عن أبيه، عن ابن مسعود - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - بمعناه.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (ما فتق الأمعاء) أي: شق أمعاء الصبي بأن سلك فيها ووقع منها موقع الغذاء، وذلك بأن يكون في زمن الرضاع.\nوالأمعاء: جمع مِعًى -بكسر ففتح- كعنب وأعناب، وهي المصران.\n\nقوله: (في الثدي) جار ومجرور حال من فاعل (فتق) أي: كائنًا في الثدي، فائضًا منه، سواء كان بالارتضاع أو بغيره، أو يكون على حذف مضاف؛ أي: في زمن الثدي، وهو لغة معروفة، فإن العرب تقول: مات فلان\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٩/ ٤٣٨).","vol":"8","page":146},{"text":"في الثدي؛ أي: في زمن الرضاع قبل الفطام، ومنه قوله - ﷺ -: \"إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة، (^١). قال النووي: (معناه: مات وهو في سن رضاع الثدي، أو في حال تغذيه بلبن الثدي) (^٢).\n\nقوله: (وكان قبل الفطام) بكسر الفاء، هو فصل الصبي من الرضاع.\n\nقوله: (أنشز العظم) أي: قواه وأحكمه وأكبر حجمه (^٣).\n\n* الوجه الثالث: في هذه الأحاديث دليل على أن صفة الرضاع الذي تثبت به الحرمة هو ما تغذى به الجسم واستفاد منه، وذلك بأن يصل إلى الأمعاء ويوسعها، وهذا يدل على أن القليل لا يحرم، وفيها دليل على أن وقت الرضاع هو زمن الصغر وهو وقت المجاعة.\n\n* الوجه الرابع: استدل بحديث ابن عباس - ﵄ - من قال: إن الرضاع المحرم هو ما كان في الحولين، وأما ما كان بعدهما فلا يحرم، وهذا قول الجمهور من العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين.\nقال الترمذي بعد الحديث: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئًا) (^٤).\nكما استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فجعل الله تعالى تمام الرضاعة حولين، فدل على أنه لا حكم لما بعدهما، فلا يتعلق به التحريم.\nوظاهر هذا القول أن الرضاع في الحولين مؤثر، سواء فُطِمَ الصبي أم لم يفطم.\nوالقول الثاني: أن الرضاع في الحولين والأيام بعد الحولين، وهذا\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٣١٦).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (١٥/ ٨٣).\n(^٣) انظر: \"عون المعبود\" (٦/ ٦٢).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٣/ ٤٥٩).","vol":"8","page":147},{"text":"رواية عن مالك، حكاها عنه ابن القاسم، وحكى عنه الوليد بن مسلم أنه قال: ما كان بعد الحولين من رضاع شهر أو شهرين أو ثلاثة فهو من الحولين، وما كان بعد ذلك فهو عبث (^١). وكان مالكًا لاحظ أن الطفل يحتاج إلى هذه المدة لتحويل غذائه إلى طعام.\nوالقول الثالث: أن الرضاع المحرم ما كان في ثلاثين شهرًا، وهذا قول أبي حنيفة، لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ولم يرد بالحمل حمل الأحشاء؛ لأنه يكون سنتين، فَعُلِمَ أنه أراد الحمل مع مدة الفصال، وكأنه لاحظ احتياج الطفل إلى هذه المدة للتدرج من اللبن إلى الطعام المعتاد (^٢).\nوالقول الرابع: أن العبرة بالفطام (^٣)، فما كان قبل الفطام فهو مؤثر ولو كان بعد الحولين، وما كان بعد الفطام فليس بمؤثر ولو في الحولين، وقد صح هذا عن أم سلمة وابن عباس -﵃-، وهو قول جماعة من السلف منهم: الزهري، والحسن، وقتادة، وعكرمة، وأحد قولي الأوزاعي، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤).\nواستدلوا بأثر ابن مسعود المذكور، كما يدل له قوله - ﷺ -: \"إنما الرضاعة من المجاعة\" فإن عمومه يقتضي أنه ما دام الطفل غذاؤه اللبن أن ذلك الرضاع يحرم، فإن فُطم ولو في الحولين لم يكن رضاعه من المجاعة.\nكما استدلوا بالنظر؛ لأنه إذا كان الطفل يتغذى بغير اللبن فأي فرق بين من كان في الحولين ومن بعد الحولين؟\nوقد تقدم الخلاف في حكم رضاع الكبير، وذكر ابن القيم أن القول\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (١٨/ ٢٥٨).\n(^٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١١٥ - ١١٦).\n(^٣) \"الفروع\" (٥/ ٥٧٠).\n(^٤) \"الاستذكار\" (١٨/ ٢٥٨)، \"زاد المعاد\" (٥/ ٥٧٧).","vol":"8","page":148},{"text":"بالحولين والقول برضاع الكبير طرفان، وما سواهما فأقوال متقاربة (^١).\nوالذي يظهر -والله أعلم- ويستفاد من الأدلة أن الرضاع المعتبر ما كان الطفل بحاجة إليه، لعموم: \"إنما الرضاعة من المجاعة\"، ولما جاء من الأوصاف الأخرى، فإن فُطم الولد عن اللبن واستغنى بالطعام استغناء بينًا ولو في الحولين لم يكن ذلك رضاعًا؛ لأنه لا رضاع بعد الفطام. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٥/ ٥٧٠).","vol":"8","page":149},{"text":"<span data-type='title' id=toc-949>حكم شهادة المرضعة</span>\n١١٤٣/ ١٠ - عَنْ عُقْبَةَ بنِ الْحَارِثِ أنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بنْتَ أبِي إِهَابٍ، فَجَاءَتْ امْرَأةٌ فَقَالتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَال: \"كَيفَ وَقَدْ قِيلَ؟ \"، فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيرَهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي النوفلي المكي - ﵁ -، أسلم يوم الفتح، وكان أبوه أحد المطعمين في الجاهلية، وقد قتل يوم بدر مع المشركين، وعقبة هو قاتل خبيب بن عدي - ﵁ -، قال الزبير بن بكار: وأهل النسب يقولون: عقبة هذا هو وأبو سِرْوعة أسلما معًا يوم الفتح، والأصح أنه أبو سروعة، وهو قول أهل الحديث، وقال ابن الأثير: الأول أصح؛ أي: أخوان أسلما يوم الفتح، ونقل الحافظ عن أبي حاتم أنه قال: (أبو سروعة قاتل خبيب، له صحبة، اسمه عقبة بن الحارث بن عامر، وليس هو عندي بعقبة بن الحارث الذي أدركه ابن أبي مليكة، ذاك قديم) (^١).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في عدة مواضع من \"صحيحه\" وأولها في كتاب \"العلم\"، باب \"الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله\" (٨٨)، ومنها: في كتاب \"النكاح\"، باب \"شهادة المرضعة\" (٥١٠٤) من عدة طرق عن\n_________\n(^١) \"سيرة ابن هشام\" (٢/ ٣٢٠، ٣٦٦)، (٣/ ١٨٢)، \"الاستيعاب\" (٨/ ٩٨)، \"الإصابة\" (٧/ ٢٠)، \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢١٢).","vol":"8","page":150},{"text":"عبد الله بن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث، أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عُزَيزٍ، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج، فقال لها: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله - ﷺ - بالمدينة، فسأله، فقال رسول الله - ﷺ -: \"كيف وقد قيل؟ \" فَفَارَقَها، ونكحت زوجًا غيره.\nهذا لفظ البخاري في كتاب \"العلم\" وهو أقرب إلى لفظ \"البلوغ\"، وإلا فإن الحافظ ما ساقه بلفظه.\nوقد رواه ابن أبي مليكة قال: حدثني عبيد بن أبي حاتم، عن عقبة بن الحارث، قال: وقد سمعته من عقبة، لكني لحديث عبيد أحفظ، قال: تزوجت امرأة … الحديث.\nوهذا الحديث من أفراد البخاري، ولم يخرجه مسلم، بل لم يخرج في \"صحيحه\" عن عقبة بن الحارث شيئًا (^١).\n\n* الوجه الثالث: في شح ألفاظه:\n\nقوله: (بنت أبي إهاب) جاء في كتاب \"الشهادات\" عند البخاري: (أنه تزوج أم يحيى بنت إهاب) (^٢)، واسمها غَنِيَّةُ -بوزن عطية- بنت أبي إهاب بن عُزَيزِ بن قيس، وهي امرأة جبير بن مطعم، وأم ولده نافع ومحمد (^٣).\n\nقوله: (فجاءت امرأة) في رواية عند البخاري: (فجاءت أمة سوداء) (^٤).\n\nقوله: (ولا أخبرتني) بكسر التاء المثناة؛ أي: قبل ذلك، وكأنه اتهمها، وفي رواية للبخاري في \"النكاح\": (وهي كاذبة). وفي رواية: (فأرسل إلى أبي آل إهاب يسألهم، فقالوا: ما علمناه أرضعت صاحبتنا) (^٥).\n\nقوله: (فركب إلى رسول الله - ﷺ -) أي: من مكة؛ لأنها كانت دار إقامته.\n\nقوله: (كيف وقد قيل) استفهام إنكاري؛ أي: كيف تجتمع بها وتباشرها وقد\n_________\n(^١) \"النكت على العمدة\" للزركشي ص (٢٩٨).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٢٦٥٩).\n(^٣) \"الإعلام\" (٩/ ٣٠)، \"الإصابة\" (١٣/ ٦٤، ٣٠٦).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٢٦٥٩).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (٢٦٤٠).","vol":"8","page":151},{"text":"قيل ذلك، والواو حالية، وفي رواية: \"دعها عنك\"، وفي أخرى: \"فنهاه عنها\".\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الرضاع يثبت وتترتب عليه أحكامه بشهادة امرأة واحدة، وهذا مذهب الإمام أحمد، وهو قول طاوس، والزهري، والأوزاعي، وآخرين (^١).\nوذهب الشافعي، وعطاء إلى أنه لا بد من أربع نسوة؛ لأن كل امرأتين في منزلة الرجل الواحد (^٢).\nوذهب مالك، والحكم بن عتيبة إلى أنه لا يقبل إلا شهادة امرأتين؛ لأن الرجل أكمل شهادة، وإذا كان لا يقبل في الشهادة إلا رجلان فمن باب أولى لا يقبل إلا امرأتان، وهذا القول رواية عن أحمد (^٣).\nوذهب الحنفية إلى أنه لا يقبل إلا رجلان أو رجل وامرأتان قياسًا للرضاع على غيره (^٤)، لعموم قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nوالجمهور على عدم العمل بحديث الباب كما تبين، فلا يقبل في الرضاع شهادة امرأة واحدة؛ لأنها شهادة على نفع نفسها، وحملوا الحديث على أن الرسول - ﷺ - أمره بفراقها من باب الورع، وأن النهي فيه للتنزيه.\nوهذا محمل ضعيف، لمخالفته لظاهر الحديث، ولا سيما بعد تكرار السؤال، كما في بعض الروايات، والنبي - ﷺ - يقول: \"دعها عنك\"، \"كيف وقد قيل\" (^٥).\nفالصواب القول الأول، وهو أن شهادة المرأة الواحدة تقبل في الرضاع ولو كانت هي المرضعة؛ لأن هذه المرأة أثبتت الرضاع، ونفاه عقبة، فاعتمد النبي - ﷺ - قولها. فحديث الباب نص في محل النزاع، فإن النبي - ﷺ - قبل\n_________\n(^١) \"المغني\" (١١/ ٣٤٠).\n(^٢) \"مغني المحتاج\" (٣/ ٤٢٤).\n(^٣) \"شرح الخرشي على مختصر خليل\" (٤/ ١٨٢).\n(^٤) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ١٤).\n(^٥) \"نيل الأوطار\" (٦/ ٣٥٩).","vol":"8","page":152},{"text":"شهادتها، ولأن الرضاع فعل لا يحصل لها به نفع مقصود، ولا تدفع عنها به ضررًا، فقبلت شهادتها فيه كفعل غيرها، ثم إن الرضاع من الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء في الغالب الكثير، واطلاع الرجال عليه أمر نادر، فكيف ترد شهادتهن فيه والحاجة داعية إلى ذلك؟\nوما استدل به المخالف فهو إما عمومات، فيقدم عليها حديث الباب؛ لأنه خاص، أو تعليل لا يقف لمعارضة هذا الحديث الصحيح الصريح.\nوقد روى عبد الرزاق بسنده عن ابن شهاب، قال: جاءت امرأة سوداء في إمارة عثمان - ﵁ - إلى ثلاثة أبيات قد تناكحوا، فقالت: أنتم بَنِيَّ وبناتي، ففرق بينهم (^١).\nوروى -أيضًا- بسنده عن الشعبي، قال: كان القضاة يفرقون بشهادة امرأة في الرضاع (^٢).\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على قبول شهادة الرقيق إذا كان عدلًا، لقوله: (فجاءت أمة سوداء) ولو لم تكن شهادتها مقبولة ما أمر النبي - ﷺ - عقبة بفراق امرأته بناء على شهادتها.\nوالجمهور على أنه لا تقبل شهادة الرقيق، والصواب مع من قبلها (^٣).\n\n* الوجه السادس: في الحديث دليل للقاعدة الشرعية: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، وذلك أن شهادة المرأة الواحدة لا تكفي في فسخ النكاح وفي الطلاق، فإذا شهدت بالرضاع ثبت حكمه -عند من يقبل شهادتها- ويترتب على ذلك فسخ النكاح تبعًا له إذا كان قد حصل بين من يحرم اجتماعهما. ومثل ذلك الشهادة بالولادة فإنه يثبت بها النسب، ولا يثبت النسب بشهادتهن استقلالًا.\n\n* الوجه السابع: في الحديث دليل على أنه يجب الإنكار على من حاول البقاء على المحرمات ولو كان عن تأويل؛ لأن النبي - ﷺ - قال لعقبة: \"كيف وقد قيل؟ \" مع أنه قال: (هي كاذبة). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المصنف\" (٧/ ٤٨٢)، والزهري لم يدرك عثمان - ﵁ -، فهو مرسل.\n(^٢) \"المصنف\" (٧/ ٤٨٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٦٧).","vol":"8","page":153},{"text":"<span data-type='title' id=toc-950>ما جاء في النهي عن استرضاع الحمقاء</span>\n١١٤٤/ ١١ - عَنْ زَيادٍ السَّهْمِي قال: \"نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ تُسْتَرْضَعَ الحَمْقَاءُ\" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاودَ، وَهُوَ مُرْسلٌ، وَلَيسَتْ لِزيَادٍ صُحْبَةٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو زياد السهمي، روى عنه هشام بن إسماعيل المكي، قال في \"التقريب\": (مجهول، أرسل حديثًا) وقد ذكره ابن حجر في \"الإصابة\" في القسم الرابع، وهو من ذكر اسمه في الصحابة على سبيل الوهم والغلط (^١).\n\n* الوجه الثاني: في خريجه:\nأخرجه أبو داود في \"المراسيل\" (١٩٦)، ومن طريقه البيهقي (٧/ ٤٦٤)، قال أبو داود: (حدثنا الحسن بن الصبَّاح، حدثنا إسحاق ابن بنت داود بن أبي هند -من خير الرجال- عن هشام بن إسماعيل المكي، عن زياد السهمي، قال: نهى رسول لله - ﷺ - أن تسترضع الحمقاء، فإن اللبن يُشبه).\nوهذا سند ضعيف، زياد السهمي مجهول، كما مضى، والراوي عنه وهو هشام مجهول، وإسحاق ابن بنت داود، قال عنه ابن القطان: (لا تعرف له حال، وقول الحسن بن الصباح: إنه من خير الرجال، لا يقضي له بالثقة في الرواية) (^٢).\nوإسحاق هذا وثقه الخطيب، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال: (ربما\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (٤/ ٩٣)، \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٣٣٦).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٦٣).","vol":"8","page":154},{"text":"أخطأ) (^١)، وقال الحافظ: (صدوق يخطئ).\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أن تسترضع) أي: يطلب منها الرضاع، فتكون مرضعة للطفل.\n\nقوله: (الحمقاء) مؤنث الأحمق، يقال: حَمُقَ -بالضم- فهو أحمق، والمرأة حمقاء، والحُمْقُ: قلة العقل، وضعف البصيرة.\n\nقوله: (فإن اللبن يشبه) أي: إن المرأة إذا أرضعت غلامأ فإنه ينزع إلى أخلاقها فيشبهها (^٢).\nولذا قيل: إن الرضاع يغير الطباع.\n\n* الوجه الرابع: استدل الفقهاء بهذا المرسل على أنه لا ينبغي أن تُسترضع المرأة الحمقاء، بمعنى يطلب منها أن ترضع الطفل، وهذا وإن كان مرسلًا إلا أنه يستأنس به من جهة المعنى في اختيار المرضعة بأن تكون امرأة عاقلة مستقيمة معروفة بالدين والأخلاق الفاضلة، وقد نقل الموفق عن الإمام أحمد أنه كره الارتضاع بلبن الفجور والمشركات؛ لأن لبن الفاجرة ربما أفضى إلى شبه المرضعة في الفجور، والارتضاع من المشركة يجعلها أمًّا، لها حرمة الأم مع شركها، وربما مال إليها في محبة دينها (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٨/ ١٠٨)، \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢١٥).\n(^٢) \"النهاية\" (٢/ ٤٤٢).\n(^٣) \"المغني\" (١١/ ٣٤٦).","vol":"8","page":155},{"text":"<span data-type='title' id=toc-951>باب النفقات</span>\nالنفقات: جمع نفقة كثمرة وثمرات، وهي في اللغة: اسم من الإنفاق، وهو الإخراج، واللفظ يدل على المضي والذهاب، يقال: نَفقَ فرسه: إذا ذهب، ونَفِقَتِ الدراهم نفقًا من باب تعب: نَفِدَتْ (^١).\nوشرعًا: ما يلزم المرءَ صرفُه لمن عليه مؤنته من زوجته وأولاده ومماليكه ودوابه ونحو ذلك.\nوالأسباب الموجبة للنفقة ثلاثة:\n١ - النكاح: وهو عقد الزوجية الصحيح، وهذه نفقة الزوجات.\n٢ - النسب: وهو الاتصال بين شخصين بولادة قريبة أو بعيدة، وهذه نفقة الأقارب.\n٣ - المُلك: وذلك كالرقيق والدابة، وهذه نفقة المماليك والبهائم.\nونفقة الزوجة هي أقوى النفقات؛ لأنها معاوضة، فتطالب بها، أو لها الفسخ، على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" (٢/ ٦١٨).","vol":"8","page":156},{"text":"<span data-type='title' id=toc-952>جواز إنفاق المرأة من مال زوجها بغير علمه إذا منعها الكفاية</span>\n١١٤٥/ ١ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: دَخَلَتْ هِنْدُ بنتُ عُتْبَةَ -امْرَأةُ أبِي سُفْيَانَ- عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِيني مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِيني وَيَكْفِي بَنِيَّ، إلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ في ذَلِكَ مِنْ جُنَاح؟ فَقَال: \"خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في مواضع أولها كتاب \"البيوع\" (٢٢١١)، ومنها: في \"النفقات\"، في عدة أبواب، ومنها: باب (إذا لم ينفق الرجل للمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف (٥٣٦٤١)، ومسلم (١٧١٤) من طرق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂-، وهذا لفظ مسلم.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (دخلت هند) هي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، صحابية، قرشية، عالية الشهرة، أهدر النبي - ﷺ - دمها يوم الفتح، وكانت ممن أمر النبي - ﷺ - بقتلهم ولو وجدوا تحت أستار الكعبة، فجاءته مع بعض النسوة في الأبطح فأعلنت إسلامها، ورَحَّبَ بها، وأخذ البيعة عليهن، وكانت فصيحة جريئة، صاحبة رأي وحزم وأنفة، تقول الشعر الجيد، ومنه رِثَاها لقتلى بدر من المشركين قبل إسلامها، ماتت في خلافة عثمان - ﵁ -،","vol":"8","page":157},{"text":"وبهذا جزم ابن سعد، ومال إليه الحافظ، وقيل: في خلافة عمر - ﵁ - سنة أربع عشرة في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة والد أبي بكر الصديق - ﵁ - وهو قول ابن عبد البر، والله تعالى أعلم (^١).\n\nقوله: (أبي سفيان) هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، صحابي من سادات قريش في الجاهلية، والد معاوية رأس الدولة الأموية، ولد سنة سبع وخمسين قبل الهجرة، أسلم يوم الفتح، وأبلى بعد إسلامه البلاء الحسن، وشهد حنينًا والطائف، ومات سنة إحدى وثلاثين - ﵁ - (^٢).\n\nقوله: (فقالت: إن أبا سفيان) هذا السؤال كان يوم الفتح وقت إسلام هند - ﵂ -.\n\nقوله: (رجل شحيح) أي: بخيل حريص، يقال: شَحَّ يَشُحُّ، من باب (قتل)، وفي لغة من بابي (ضرب وتعب)، فهو شحيح، وهم أشحاء وأشحة، وفي رواية: (رجل مِسِّيك) بكسر الميم وتشديد السين صيغة مبالغة، ويجوز مَسِيك وزن شحيح. والشح أعم من البخل؛ لأن البخل مخصوص بمنع المال، والشح يعم منع كل شيء في جميع الأحوال (^٣)، وقيل: الشح هو البخل مع حرص (^٤).\nوقال ابن القيم: (الفرق بين الشح والبخل: أن الشح هو شدة الحرص على الشيء والإحفاء في طلبه والاستقصاء في تحصيله، وجشع النفس عليه، والبخل: منع إنفاقه بعد حصوله وحبه وامساكه، فهو شحيح قبل الحصول، بخيل بعد حصوله، فالبخل ثمرة الشح، والشح يدعو إلى البخل) (^٥)، وسيأتي مزيد كلام في هذين اللفظين في كتاب \"الجامع\" إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٣/ ١٧٨)، \"الإصابة\" (١٣/ ١٦٥)، \"فتح الباري\" (٩/ ٥٠٨).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٥/ ١١٧)، \"الإصابة\" (٥/ ١٢٧).\n(^٣) \"الإعلام\" (١٠/ ١٤).\n(^٤) \"مختار الصحاح\" ص (٣٣١).\n(^٥) \"الوابل الصيب\" ص (٤١).","vol":"8","page":158},{"text":"قوله: (من جناح) الجناح: هو الإثم، وهو من الميل، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ [الأنفال: ٦١] أي: مالوا، وسمي الإثم المائل بالإنسان عن الحق جناحًا، ثم سمي كل إثم جناحًا، كقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ في غير موضع من القرآن.\n\nقوله: (خذي) هذا أمر إباحة، بدليل رواية البخاري: \"لا حرج عليك أن تطعميهم بالمعروف\" (^١).\n\nقوله: (بالمعروف) أي: بما يقره الشرع والعرف، وقال ابن حجر: (المراد بالمعروف: القدر الذي عرف بالعادة أنه الكفاية) (^٢).\nواعلم أن هندًا لم ترد أن أبا سفيان شحيح مطلقًا، فتذمه بذلك، وإنما وصفت حاله معها، فإنه كان يقتر عليها وعلى أولادها، كما قالت: (لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفى بنيّ) وهذا لا يدل على البخل مطلقًا، فقد يفعل الإنسان هذا مع أهل بيته؛ لأن غيرهم أحوج منهم وأولى، وعلى هذا فلا يجوز أن يُستدل به على أن أبا سفيان كان بخيلًا، فإنه لم يكن معروفًا بهذا (^٣)، ثم إن العرب لا تُسوِّد البخلاء، وأبو سفيان كان سيد قومه.\n\n* الوجه الثالث: هذا الحديث فيه مسائل عديدة تدخل في أبواب الفقه، أذكر منها ما يتعلق بالنفقات، وما أرى أهميته مما زاد على ذلك:\nففي الحديث دليل على وجوب نفقة الزوجة على زوجها، وقد انعقد الإجماع على ذلك، وسيأتي الكلام على هذه المسألة إن شاء الله.\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب نفقة الولد على أبيه، وقد أجمعوا على وجوبها إذا كان الولد صغيرًا أو بالغًا مريضًا وهو معسر، فإن بلغ مبلغًا يمكنه تحصيل نفقته بالاكتساب سقطت نفقته عن الأب، لكن عموم الحديث يفيد وجوب النفقة على الأب مطلقًا إذا كانوا فقراء، وله ما ينفق عليهم، ولم يستثن منهم بالغًا ولا صحيحًا.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٢٤٦٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٠٩).\n(^٣) \"المفهم\" (٥/ ١٥٩).","vol":"8","page":159},{"text":"* الوجه الخامس: الحديث دليل على أن القول قول الزوجة في قبض النفقة، ووجه الاستدلال: أنه لو كان القول قول الزوج لكلفت المرأة أن تقيم بينة على إثبات عدم الكفاية، فلما سلطها الشارع على ماله دل على أن القول قولها، ومن قال: إن القول قول الزوج أجاب عن الحديث بأنه ليس قضاء وإنما هو فتيا (^١).\n\n* الوجه السادس: الحديث دليل على أن من وجبت عليه النفقة فلم ينفق شحًّا فإنه يؤخذ من ماله ولو بغير علمه؛ لأنها نفقة واجبة عليه، وقد ذكر أهل العلم أن هذا ليس خاصًّا بالنفقة بل هو عام في كل من له حق على إنسان وامتنع عن أدائه، وتسمى مسألة الظفر، وهي مسألة خلافية تقدم بحثها في باب \"العارية\" (^٢) والراجح -كما تقدم- أنه إن كان الحق ظاهرًا لا يحتاج إلى بينة كالنفقة وحق الضيف جاز الأخذ، وإن كان الحق خفيًّا كالدين أو ثمن المبيع ونحو ذلك مما خفي لم يجز الأخذ، والله أعلم.\n\n* الوجه السابع: في الحديث دليل على أن المعتبر في النفقة الواجبة الكفايةُ المعتبرةُ بالمعروف، والمعروف يقضي بمراعاة أمور كثيرة تختلف باختلاف البلاد والأزمنة.\nوالقول بأن النفقة معتبرة بالكفاية، وليست مقدرة بشيء معين هو قول أكثر أهل العلم (^٣).\nووجه الاستدلال: أن الرسول - ﷺ - أمر هندًا أن تأخذ كفايتها من غير تقدير، ورد الاجتهاد في ذلك إليها مع التقييد بالمعروف؛ أي: المتعارف عليه بين كل جهة باعتبار ما هو الغالب على أهلها، ولم يعتبرها الرسول - ﷺ - بمقدار معلوم.\nوالمشهور في مذهب الشافعي، ورواية عن مالك أن النفقة مقدرة بالأمداد على الموسر كل يوم مدان، وعلى المعسر مد، وعلى المتوسط مد\n_________\n(^١) \"الإعلام\" (١٠/ ٢٠).\n(^٢) انظر: \"شرح الحديث\" (٨٩٠).\n(^٣) انظر: \"بداية المجتهد\" (٣/ ١٠٤)، \"المغني\" (١١/ ٣٤٩).","vol":"8","page":160},{"text":"ونصف، قياسًا على فدية الأذى في الحج، وكفارة الجماع في رمضان (^١).\nوالصواب الأول، ولذا قال النووي -وهو من الشافعية-: (إن هذا الحديث يرد على أصحابنا) أي: لأنه نص صريح في اعتبار الكفاية بدون تقدير شيء معين، لكن قال الحافظ: إنه ليس صريحًا في الرد عليهم، دانما التقدير بالأمداد يحتاج إلى دليل (^٢)، وعلى أي حال فالظاهر أن جميع أنواع النفقة غير مقدرة شرعًا، لأنها تختلف باختلاف الزمان والمكان، فيكون مرجعها إلى العرف الذي يتمشى مع أحكام الشرع ومقاصده.\n\n* الوجه الثامن: استدل العلماء بهذا الحديث على أن المعتبر في نفقة الزوجة عند النزاع منظور فيه إلى حالها وقدر كفايتها دون حال زوجها، وهذا قول بعض الحنفية، لقوله: \"خذي ما يكفيك\" (^٣).\nوالقول الثاني: أن النفقة معتبرة بحال الزوجين معًا، فإن كانا موسرين فلها عليه نفقة الموسرين، وإن كانا معسرين فعليه نفقة المعسرين، وإن كانا متوسطين فلها عليه نفقة المتوسطين، وإن كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا فعليه نفقة المتوسطين أيهما كان الموسر، وهذا مذهب الحنابلة، والمالكية، واختاره الخصاف من الحنفية، وقال صاحب \"الهداية\": (وعليه الفتوى) (^٤)، قال الموفق: (وفيه جمع بين الأدلة وعمل بها ورعاية لكلا الجانبين) (^٥).\nوقد استدل هؤلاء بقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] مع حديث هند الذي معنا.\nوالقول الثالث: أن النفقة معتبرة بحال الزوج وحده يسارًا وإعسارًا، فإن كان غنيًّا ألزم عند النزاع بنفقة غني، وإن كان فقيرًا فنفقة فقير ولو كانت هي غنية.\n_________\n(^١) \"مغني المحتاج\" (٣/ ٤٢٦).\n(^٢) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١١/ ٢٤٨)، \"فتح الباري\" (٩/ ٥٠٩).\n(^٣) \"حاشية ابن عابدين\" (٣/ ٦٠٣).\n(^٤) \"المدونة الكبرى\" (٢/ ١٩٢)، \"بداية المجتهد\" (٣/ ١٠٤)، \"الهداية\" (٢/ ٣٩).\n(^٥) \"المغني\" (١١/ ٣٤٩).","vol":"8","page":161},{"text":"وهذا قول الشافعية والظاهرية، وظاهر الرواية عند الحنفية؛ للآية الكريمة المذكورة، ولقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] حيث إن ظاهرهما يفيد أن المعتبر حال الزوج (^١)، إلا أن الشافعية استثنوا المسكن، فالمعتبر فيه حال الزوجة لا حال الزوج (^٢).\nوهذا القول قوي جدًّا، فإن الآية دليل واضح على أن الزوج لا يكلف أكثر مما يطيق، وحديث هند -في نظري- ليس فيه دليل على أن المعتبر حال الزوجة؛ لأن النبي - ﷺ - يعرف حال أبي سفيان وأنه قادر على الإنفاق، فأمرها أن تأخذ ما يكفيها؛ لأن من يعطي بعض النفقة ويمنع بعضها قادر على أن يؤخذ من ماله ما يكفي زوجته وأولاده.\n\n* الوجه التاسع: في الحديث دليل على أن المرأة إذا قَدِرَتْ على أخذ كفايتها من مال زوجها لم يكن لها إلى الفسخ سبيل، وسيأتي -إن شاء الله- حكم ما إذا عَجَزَ الزوج عن الإنفاق.\n\n* الوجه العاشر: في الحديث دليل على أن ما لم يقدره الله ورسوله من الحقوق الواجبة فالمرجع فيه إلى العرف.\n\n* الوجه الحادي عشر: في الحديث دليل على أن ذم الشاكي لخصمه بما هو فيه حال الشكاية لا يكون غيبة، فلا يأثم به هو ولا سامعه بإقراره عليه (^٣).\n\n* الوجه الثاني عشر: جواز سماع كلام المرأة الأجنبية عند الإفتاء والحكم وما فيه معنى ذلك، وقد شرط الفقهاء لذلك أمن الفتنة وعدم التلذذ بكلامها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] قال الجصاص: (فإذا كانت منهية عن إسماع صوت خلخالها، فكلامها إذا كانت شابة تُخشى من قِبَلِهَا الفتنة أولى بالنهي عنه) (^٤).\n_________\n(^١) \"المحلى\" (١٠/ ٩١ - ٩٢)، \"مغني المحتاج\" (٣/ ٤٢٦)، \"حاشية ابن عابدين\" (٣/ ٦٠٣).\n(^٢) \"مغني المحتاج\" (٣/ ٤٣٢).\n(^٣) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١١/ ٢٨٤)، \"إعلام الموقعين\" (٦/ ٤٨٠).\n(^٤) \"أحكام القرآن\" (٥/ ٢٢٩).","vol":"8","page":162},{"text":"وعلى هذا فلا يجوز للمرأة أن تسمع الأجانب صوتها في الصلاة، وأما خارج الصلاة فيجوز لها أن تكلم من احتاجت إلى تكليمه، كما في الاستفتاء، والرد على الهاتف ونحو ذلك بقدر الحاجة بكلام معروف لا لين فيه، ولا ميوعة (^١)، قال تعالى: ﴿إِنِ اتَّقَيتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]. قال ابن كثير: (ومعنى هذا أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم؛ أي: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها) (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الإحكام\" (٢/ ٩٣).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٤٠٥).","vol":"8","page":163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-953>بيان فضل المنفق وما تنبغي مراعاته عند الإنفاق</span>\n١١٤٦/ ٢ - عَنْ طَارقٍ الْمُحَارِبِي - ﵁ - قَال: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَإذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ ويَقُولُ: \"يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا، وَابْدَأ بمَنْ تَعُولُ: أمَّكَ وَأَبَاكَ، وأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ\"، رَوَاهُ النَّسَائيُّ وَصحَّحَهُ ابْنُ حِبانَ وَالدَّارَقُطْني.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو طارق بن عبد الله المحاربي الكوفي، له رواية وصحبة، روى عن النبي - ﷺ - حديثين أو ثلاثة، وروى عنه أبو الشعثاء سليم بن أسود المحاربي، وربعي بن حراش، وجامع بن شداد المحاربي (^١).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه النسائي في كتاب \"الزكاة\"، باب \"أيتهما اليد العليا\" (٥/ ٦١)، وابن حبان (٨/ ١٣١)، والدارقطني (٣/ ٤٤ - ٤٥) من طريق يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق المحاربي، قال: قدمنا المدينة فإذا رسول الله - ﷺ - قائم على المنبر يخطب الناس … الحديث.\nوهو عند النسائي وابن حبان مختصرًا هكذا، ورواه الدارقطني مطولًا.\nوهذا الحديث رجاله ثقات، يزيد بن زياد وثقه أحمد وابن معين\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٥/ ٢١٥)، \"الإصابة\" (٥/ ٢١٤).","vol":"8","page":164},{"text":"والعجلي، وقال أبو حاتم: (ما بحديثه بأس، هو صالح الحديث) (^١)، وقال الحافظ: (صدوق)، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين. وأصله في \"الصحيحين\"، فأوله جاء من حديث حكيم بن حزام - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول … \" (^٢) وآخره من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: \"أمك\"، قال: ثم من؟ قال: \"أمك\"، قال: ثم من؟ قال: \"أمك\"، قال: ثم من؟ قال: \"ثم أبوك\" (^٣).\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يد المعطي العليا) هذا تعريف العليا بأنها يد المعطي، وهذا تعريف حسي ومعنوي، فالمنفق يده عالية على يد الأخذ عند القبض، وهي عالية عليها في شرفها وفضلها وإحسانها.\n\nقوله: (وابدأ بمن تعول) أي: ابدأ في الإعطاء والإنفاق بمن تعول، وهو الذي تلزمك نفقته من أهل وعيال، يقال: عال الرجلُ اليتيمَ عولًا، من باب (قال): كفله وقام به، والعيال: أهل البيت ومن يمون الإنسان، الواحد: عَيِّل، مثل: جياد وجيد (^٤). وتقدم في \"الزكاة\".\n\nقوله: (أمك وأباك) منصوب بفعل مقدر؛ أي: أعط أمك.\n\nقوله: (ثم أدناك أدناك) أي: ثم أعط أقاربك الأقرب فالأقرب، وهذا التكرار إما للتوكيد، أو للتدرج في حقوق الأقارب: الأقرب فالأقرب.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنه ينبغي للإنسان أن تكون يده عليا بحيث يكون منفقًا محسنًا على قدر حاله واستطاعته، لا أن يكون آخذًا سائلًا؛ لأن البذل والإنفاق يجعل اليد عليا.\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٩/ ٢٦٢)، \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٢٨٦)\n(^٢) تقدم هذا في باب \"صدقة التطوع\" من كتاب \"الزكاة\" برقم (٦٣٤).\n(^٣) رواه البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨).\n(^٤) \"المصباح المنير\" ص (٤٣٨).","vol":"8","page":165},{"text":"* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يحسن إلى أقاربه وأرحامه ويواسيهم بما يستطيع، وأن يبدأ بالأهم فالأهم، فيبدأ بالأم؛ لأنها مقدمة في البدء على الأب، ولها فضيلة الحمل والرضاع والتربية فهو أقل منها، والأخت مقدمة على الأخ، وهكذا يراعي الأقرب فالأقرب من أقاربه إذا لم يكن عنده ما يكفيهم.\n\n* الوجه السادس: اسْتُدِلَّ بهذا الحديث على وجوب نفقة الأقارب على قريبهم إذا كان قادرًا على الإنفاق، والمنفَق عليه محتاجًا، لقوله: \"وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك\" والمراد بالأقارب: قرابة الأصول والفروع وكل ذي رحم محرم. والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":166},{"text":"<span data-type='title' id=toc-954>وجوب نفقة المملوك على مالكه</span>\n١١٤٧/ ٣ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، ولا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ\"، رَوَاهُ مِسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب \"الأيمان\"، باب \"إطعام\" المملوك\" (١٦٦٢) من طريق عمرو بن الحارث أن بكير بن الأشج حدثه، عن العجلان مولى فاطمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه يجب على السيد نفقة رقيقه وكسوته، سواء أكان عبدًا أم أمة، وأنه لا يكلف من العمل إلا ما كان في حدود قدرته واستطاعته.\nوقد جاء في \"الصحيحين\" من حديث أبي ذر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم\" (^١).\nوهذا الأمر يراد به الندب؛ لأن السيد لو أطعم رقيقه أدنى مما يأكله وألبسه أقل مما يلبسه فإنه لا يذم؛ لأنه قد أدى الواجب، قال القرطبي: (ولا خلاف في ذلك فيما علمته) (^٢)، وإنما موضع الذم أن يمنعه مما تقوم به\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٢٥٤٥)، \"صحيح مسلم\" (١٦٦١).\n(^٢) \"المفهم\" (٤/ ٣٥٢).","vol":"8","page":167},{"text":"حياته، وأما كونه يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس فهذا من مكارم الأخلاق، وقد لبس أبو ذر - ﵁ - بُردًا وألبس غلامه مثله، وقد جاء الحديث في الحث عليه والإرشاد إليه؛ لأن هذا نوع من التواضع بحيث لا يرى لنفسه مزية على عبيده، إذ الكل عبيد الله، والمال مال الله، ولكن الله تعالى سخر بعضهم لبعض، وملَّك بعضهم بعضًا (^١).\n\n* الوجه الثالث: يستفاد من ذلك وجوب الإحسان إلى الخدم والعمال بإعطائهم حقوقهم في وقتها، وعدم تكليفهم من العمل ما لا يطيقون، أو التعدي على أوقات عباداتهم وراحتهم، وقد تقدم شيء من ذلك في باب \"الإجارة\". والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٤/ ٣٥٢).","vol":"8","page":168},{"text":"<span data-type='title' id=toc-955>وجوب نفقة الزوجة على زوجها</span>\n١١٤٨/ ٤ - عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاويةَ الْقُشَيرِيِّ عَنْ أبيهِ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا حَقُّ زَوْجَةِ أحَدِنَا عَلَيهِ؟ قَال: \"أنْ تُطْعِمَهَا اذَا طَعِمْتَ، وَتَكسُوهَا اذَا اكْتَسَيتَ\" الحَدِيثَ، وَتَقَدَّمَ في عِشْرَةِ النِّسَاءِ.\n١١٤٩/ ٥ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ -، عَنِ النَّبِي - ﷺ -: في حَدِيثِ الْحَجِّ بطُولِهِ، قَال في ذِكْرِ النِّسَاءِ: \"وَلَهُنَّ عَلَيكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ\" أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجهما:\nحديث حكيم بن معاوية - ﵁ - تقدم تخريجه في باب (عشرة النساء) من كتاب \"النكاح\" برقم (١٠٣٣) مع وجود اختلاف في بعض الألفاظ عما هنا، وقد أخرجه أحمد (٣٣/ ٢١٧)، وأبو داود (٢١٤٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨/ ٢٦٩)، وابن ماجه (١٨٥٠)، وابن حبان (٩/ ٤٨٢)، والحاكم (٢/ ١٨٧ - ١٨٨) كلهم من طريق أبي قزعة الباهلي، عن حكيم بن معاوية القشيري، عن أبيه، قال: … وذكر الحديث.\nوهذا الحديث قد صححه ابن حبان، والحاكم، وسكت عنه الذهبي، وحسنه الألباني (^١). ولعل ذلك من أجل حكيم بن معاوية، فقد قال عنه الحافظ: (صدوق).\n_________\n(^١) \"آداب الزفاف\" ص (٢٨٠).","vol":"8","page":169},{"text":"وكذا حديث جابر - ﵁ - فقد تقدم تخريجه في باب (صفة الحج) من كتاب \"الحج\" برقم (٧٤٢)، وهذه الجملة مما حذفه الحافظ -هناك- عند سياقه للحديث، ولذا لم يقل الحافظ إنه تقدم كالذي قبله.\n\n* الوجه الثاني: في الحديث دليل على وجوب نفقة الزوجة وكسوتها على زوجها وهذا أمر مجمع عليه بين أهل العلم (^١).\nووجه الاستدلال من الحديث الأول: أن قوله: \"تطعمها … \" جاء جوابًا لقول السائل: (ما حق زوجة أحدنا عليه؟)، ولفظة: (حق) تقتضي الوجوب، لا سيما مع وجود القرائن، ومنها لفظة: (على) فإنها من الحروف الدالة على الإيجاب، كما ذكره الأصوليون.\nووجه الاستدلال من الحديث الثاني: أن صيغة: (لهن عليكم) تفيد إلزام الأزواج بالنفقة والكسوة، وهذا يقتضي الوجوب، ونفقة الزوجة أقوى النفقات، كما تقدم؛ لأنها معاوضة، فتطالب بها أو لها الفسخ؛ لأن الزوجة محبوسة على الزوج يمنعها من التصرف والاكتساب، ومن القواعد المقررة في الشريعة أن من حُبس لِحَقِّ غيره فنفقته واجبة عليه (^٢).\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن نفقة الزوجة وكسوتها واجبة بالمعروف، وهو المعتاد في بيئتها وزمانها من غير تقتير ولا تبذير، وهذا يدل على أن نفقة الزوجة معتبر فيها الكفاية؛ لأن الرسول - ﷺ - لم ينص على مقدار معين، بل ترك ذلك إلى المعروف، لاختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص.\nوفي حديث حكيم بن معاوية أن حقها على زوجها أن يطعمها من طعامه ويكسوها من كسوته، ولا ريب أن هذا من كمال المروءة ومن مكارم الأخلاق، فلا يقدم نفسه عليها أو يميزها عنه، ويتأكد هذا فيمن عنده أكثر من زوجة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١١/ ٣٤٨).\n(^٢) \"المغني\" (١١/ ٣٤٨)، \"آثار عقد الزواج\" ص (١٦١).","vol":"8","page":170},{"text":"<span data-type='title' id=toc-956>عظم مسؤولية المرء عمن تلزمه نفقته</span>\n١١٥٠/ ٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقوتُ\"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.\nوهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بلَفْظِ: \"أنْ يَحْبِسَ عمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ\".\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الزكاة\"، بابٌ \"في صلة الرحم\" (١٦٩٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨/ ٢٦٨) من طريق أبي إسحاق، عن وهب بن جابر الخيواني، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ -، مرفوعًا.\nوالحديث رجاله ثقات غير وهب بن جابر، فهو متكلم فيه، فقد وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان، ونقل الحافظ عن ابن المديني أنه قال: (مجهول) وقال الذهبي: (لا يكاد يعرف، تفرد عنه أبو إسحاق) (^١).\nوأصل الحديث في \"صحيح مسلم\" (٩٩٦) من طريق طلحة بن مصرف، عن خيثمة، قال: كنا جلوسًا مع عبد الله بن عمرو إذ جاءه قهرمان له، فدخل، فقال: أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا، قال: فانطلقْ؛ فأعطهم، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كفى بالمرء إثمًا … \".\nوقد ذكر الصنعاني تبعًا للشارح المغربي أن لفظ مسلم خاص بقوت\n_________\n(^١) \"تاريخ الدارمي\" (٨٣٤)، \"الثقات\" (٥/ ٤٨٩)، \"تاريخ الثقات\" (٤٦٦)، \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٤١).","vol":"8","page":171},{"text":"المماليك، ولفظ النسائي عام (^١)، ولعل وجه العموم في قوله: \"من يقوت\" فإنه عام في الزوجة والأولاد والرقيق والحيوان، بخلاف: \"من يملك\" فهو في المملوك والحيوان، على أن النسائي بَوَّبَ لهذا الحديث بقوله: \"إثم من ضَيَّعَ عياله\".\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كفى بالمرء إثمًا) كفى: فعلٌ ماضٍ مبني على فتح مقدر، بالمرء: الباء حرف جر زائد، والمرء: مفعول كفى مجرور لفظًا منصوب محلًّا، إثمًا: تمييز.\n\nقوله: (أن يضيع) في تأويل مصدر فاعل كفى، وهو من أضاع الرباعي، أو من ضَيَّعَ مشددًا، وهو من التضييع؛ أي: يترك من يقوت ضائعًا هالكًا.\n\nقوله: (من يقوت) من قاته يقوته: إذا أعطاه قوتًا، والقوت: ما يؤكل ليمسك الرمق، وجمعه: أقوات (^٢).\nومعنى الحديث: يكفي في كون المرء آثمًا مذنبًا أن يضيع ويهمل من تلزمه نفقته من مماليك وبهائم وغيرهم.\n\nقوله: (قهرمان) بفتح القاف وإسكان الهاء، هو كالخازن الوكيل والحافظ لما تحت يده، والقائم بأمور الرجال بلغة الفرس (^٣).\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على عظم مسؤولية الإنسان عمن تلزمه نفقته، من زوجة وأولاد وأقارب ومماليك وحيوان، وأن تضييع الإنسان وإهماله لمن تحت يده ببخله وإمساكه النفقة عنه من أكبر أسباب الإثم.\nفالواجب على الإنسان أن يتقي الله تعالى ويبذل النفقة لمن هي لهم، سواء أكان من بني آدم أم من الحيوان، ولا يجوز له أن يقصر فيها أو يظلم أو يحبسها عنهم بغير حق، وعليه أن يبدأ بمن يعول. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"سبل السلام\" (٣/ ٤٢٠).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (٥١٨).\n(^٣) \"النهاية\" (٤/ ١٢٩).","vol":"8","page":172},{"text":"<span data-type='title' id=toc-957>ما جاء في نفقة الحامل المتوفى عنها</span>\n١١٥١/ ٧ - عَنْ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ -في الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا- قَال: \"لَا نَفَقَةَ لَهَا\". أَخْرَجَهُ الْبَيهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لكِنْ قَال: الْمَحْفُوظُ وَقْفُهُ.\n١١٥٢/ ٨ - وثَبَتَ نَفْيُ النَّفَقَةِ في حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيسٍ - ﵁ - كَمَا تَقَدَّمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليهما من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث جابر - ﵁ - فقد رواه البيهقي (٧/ ٤٣١) من طريق حرب بن أبي العالية، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\nوهذا سند ضعيف، فيه حرب بن أبي العالية، قال الذهبي: (خرج له مسلم وأبو عبد الرحمن حديثًا واحدًا)، وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه، فقال: (روى عنه هشيم، ما أدري، له أحاديث ضعيفة) كأنه ضعفه.\nواختلف فيه رأي ابن معين، فمرة قال: (شيخ ضعيف)، ومرة قال: (ثقة) (^١)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق يهم).\nوفيه -أيضًا- عنعنة أبي الزبير، وهو موصوف بالتدليس (^٢).\nورواه البيهقي (٧/ ٤٣٠) موقوفًا من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر أنه قال: ليس للمتوفى عنها زوجها نفقة، حسبها الميراث.\n_________\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" (٧/ ١٩٣)، \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ١٩٧).\n(^٢) \"نصب الراية\" (٣/ ٢٧٤).","vol":"8","page":173},{"text":"قال البيهقي: (هذا هو المحفوظ موقوف).\nوفيه عنعنة ابن جريج وأبي الزبير، وقد رواه عبد الرزاق (٧/ ٣٧) قال: أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، عن جابر، قال: (ليس للمتوفى عنها زوجها نفقة …) وفيه تصريح ابن جريج بالتحديث.\nوأما حديث فاطمة بنت قيس فقد مضى تخريجه في باب (الكفاءة والخيار) (١٠٠٦)، ثم في باب (العِدَدِ) (١١١١).\n\n* الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن المتوفى عنها زوجها ليس لها نفقة وإن كانت حاملًا، وهذا الأثر وإن كان موقوفًا وفيه ما تقدم، لكنه مؤيد بأمور ثلاثة:\nالأول: أن الوفاة بينونة كبرى، فهي كالطلاق الذي هو آخر الثلاث بجامع البينونة والحِلِّ للغير، ولهذا ذكر الحافظ حديث فاطمة بنت قيس بعد هذا الحديث مع أنه ليس في المتوفى عنها، والمعنى: أنه إذا كانت البائن في حال الحياة لا نفقة لها فالمتوفى عنها من باب أولى.\nالأمر الثاني: أن المال قد انتقل من الزوج إلى الورثة فوقعت فيه السهام، وهي من جملتهم لها سهمها، فنفقتها من سهمها.\nالأمر الثالث: أنه لو قيل بالنفقة فإنه لا يخلو إما أن تكون النفقة لها أو للحمل، فبطل أن يكون للحمل؛ لأن نفقة الأقارب تسقط بالوفاة، وبطل أن تكون لها؛ لأنها لو كانت لها، لكانت لها وإن كانت حائلًا، فإذا لم تجب لواحد منهما بطل وجوبها.\nوالقول بأنه لا نفقة لها، هو قول الجمهور من أهل العلم، وهو قول جابر وابن عباس -﵃-، وبه قال ابن المسيب وعطاء، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهو الراجح عند الحنابلة، ورجحه ابن المنذر (^١).\n_________\n(^١) \"تفسير القرطبي\" (٣/ ١٨٥)، \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٢١١)، \"الخرشي على خليل\" (٤/ ١٥٠)، \"نهاية المحتاج\" (٧/ ١٥٤)، \"المغني\" (١١/ ٤٠٥).","vol":"8","page":174},{"text":"والقول الثاني: أن النفقة تجب للمتوفى عنها الحامل، وتكون من جميع المال، وهذا القول حكاه القرطبي عن علي وابن مسعود وابن عمر - ﵃ - وابن سيرين والشعبي والثوري وآخرين، وهو وجه في مذهب أحمد.\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] قالوا: ولأنها معتدة بالحمل عن نكاح، فكان لها النفقة كالمطلقة الحامل.\nوالراجح الأول؛ لقوة مأخذه، وأما الآية فإنها في الحامل المبتوتة، وهو قول أكثر المفسرين، وذلك أن البائن في حال الحياة إذا كانت حاملًا فالإنفاق على زوجها من ماله، بخلاف المتوفى عنها فإن المال انتقل للورثة، كما تقدم، وعلى هذا فالنفقة تكون في حصة هذا الجنين من التركة، فإن لم يكن تركة وجبت نفقته على قريبه.\nوهذا الخلاف في المتوفى عنها الحامل، فإن كانت غير حامل فلا نفقة لها بالإجماع (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح السنة\" (٩/ ٣٠٢).","vol":"8","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-958>وجوب الإنفاق على الزوجة والمملوك والولد</span>\n١١٥٣/ ٩ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"اليَدُ الْعُلْيَا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَيَبْدَأُ أَحَدُكُمْ بِمَنْ يَعُولُ، تَقُولُ الْمَرْأَةُ: أَطْعِمْني أوْ طَلِّقْني\"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْني، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٩٧) من طريق عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اليد العليا خير … \" وفي آخره: \"ويقول عبده: أطعمني واستعملني، ويقول ولده: إلى من تكلني\".\nوقد حسن الحافظ هذا الإسناد، لأن فيه عاصم بن بهدلة، وهو حسن الحديث؛ لأن العلماء تكلموا في حفظه (^١)، لكن الظاهر أن هذه الرواية معلولة؛ لأن الصواب فيها الوقف، كما في رواية الأعمش عن أبي صالح الآتية، فيكون رفع الحديث من أوهام عاصم.\n\nوقوله: (تقول المرأة …) ظاهره أنه مرفوع، والصواب أنه موقوف على أبي هريرة - ﵁ -، بدليل رواية البخاري (٥٣٥٥) من طريق الأعمش، حدثني أبو صالح، قال: حدثني أبو هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: \"أفضل الصدقة ما ترك غنًى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني،\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٣٥).","vol":"8","page":176},{"text":"ويقول الابن: أطعمني، إلى من تدعني؟ \" فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول - ﷺ -؟ قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة.\n\n* الوجه الثاني: في الحديث دليل على فضل البذل والإنفاق من غير إسراف، والترغيب في ذلك، وخيرية اليد العليا المعطية على اليد السفلى، وهي يد الآخذ، وقد دل على هذا المعنى حديث حكيم بن حزام في \"الصحيحين\" (^١).\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الواجب على المنفق أن يبدأ بمن يعول، فيقدم النفقة الواجبة على غيرها من النفقات؛ كنفقة الزوجة والأولاد والوالدين إذا كانا عاجزين، وغيرهم، وعلى المؤمن الذي أعطاه الله تعالى بسطة في المال أن تكون يده عليا في الأقربين.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن للمرأة أن تطلب الفراق إذا لم ينفق عليها زوجها، وأن هذا حق لها، لها أن تطلبه، ولها أن تصبر وترضى بما عليه زوجها من العسر، وهذا أفضل لها، كما حصل من نساء سلف هذه الأمة إلى يومنا هذا، فإن من النساء التقيات الخيرات من تصبر على عسر زوجها وفاقته، ولا تقول له شيئًا، لحبها له، أو لتقواها وإيمانها، أو لأسباب أُخر. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم في \"الزكاة\" رقم (٦٣٤).","vol":"8","page":177},{"text":"<span data-type='title' id=toc-959>ما جاء في الفرقة إذا أعسر الزوج بالنفقة</span>\n١١٥٤/ ١٠ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ -فِي الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى أهْلِهِ- قَال: \"يُفَرَّقُ بَينَهُمَا\". أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبي الزِّنَادِ عَنْهُ قَال: فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ: سُنَّةٌ؟ فَقَال: سُنَّةٌ. وَهَذَا مُرْسَلٌ قَويٌّ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه سعيد بن منصور، باب \"ما جاء في الرجل إذا لم يجد ما ينفقه على امرأته\" (٢/ ٥٥) رقم (٢٠٢٥) قال: أخبرنا سفيان، عن أبي الزناد، قال: سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته أيفرق بينهما؟ قال: نعم، قلت: سُنَّةٌ؟ قال: سُنَّةٌ.\nورواه -أيضًا- بهذا الإسناد عبد الرزاق (٧/ ٩٦) والشافعي كما في \"ترتيب المسند\" (٢/ ٣٢٨).\nورجاله ثقات، لكنه مرسل، والمرسل غير حجة عند المحدثين، وقد قال الشافعي بعد سياقه بهذا الإسناد: (والذي يشبه قول سعيد سنة: أن يكون سنة رسول الله - ﷺ -) (^١).\nوظاهر هذا أن الشافعي يحتج بمثل هذا المرسل، وقد ورد عنه أنه قال: (إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن) (^٢) ففهم منه بعض العلماء أنه يرى حجية مراسيل سعيد بن المسيب دون غيرها (^٣).\n_________\n(^١) \"ترتيب مسند الشافعي\" (٢/ ٣٢٨).\n(^٢) انظر: \"مختصر المزني\" ضمن كتاب \"الأم\" (٥/ ١٧٦).\n(^٣) انظر: \"الكفاية\" للخطيب ص (٤٤٤)، \"المجموع\" للنووي (١/ ٦١).","vol":"8","page":178},{"text":"وقال ابن المديني: (إذا قال سعيد: \"مضت السنة\" فحسبك به) (^١)، وعلى هذا فقول سعيد: (من السنة …) مستثنى من التابعين، كما قيل في استثناء مراسيله، ويكون الشافعي قد ألحق سعيدًا بالصحابة - ﵃ - في مثل هذه الصيغة.\nوالصواب أن الشافعي لا يحتج بمرسل سعيد وإنما يرجح به، والترجيح بالمرسل جائز، ومن راجع كلامه في \"الرسالة\" رأى ذلك بينًا (^٢).\nوقد ذكر الحافظ السخاوي القولين في هذه الصيغة هل هي من الموقوف المتصل أو من المرفوع المرسل (^٣).\n\n* الوجه الثاني: استدل الفقهاء -ومنهم الحنابلة- بهذا المرسل على أن الزوج إذا أعسر بنفقة زوجته ولم يستطع الإنفاق أن يفرق بينهما بطلاق أو خلع أو فسخ، وهذا راجع إلى رغبتها وطلبها، فإن اختارت الفراق فلها ذلك؛ لما تقدم في حديث أبي هريرة - ﵁ -. والقول بجواز التفريق لعدم الإنفاق هو مذهب مالك، والشافعي في القول المعتمد، وأحمد (^٤).\nكما استدلوا بالعمومات كقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] وقوله - ﷺ -: \"لا ضرر ولا ضرار\" (^٥)، ولا شك أن الإمساك مع عدم الإنفاق من أبلغ الضرر وأشد الأذى.\nكما استدلوا بالقياس على العيب، وذلك أنه يجوز التفريق بالعيب، كما تقدم في \"النكاح\" وهو لا يفوت به إلا المتعة أو كمالها؛ فالتفريق بالنفقة التي بها قوام الحياة من باب أولى.\nوظاهر هذا القول أن لها الفراق مطلقًا، سواء تزوجته وهو معسر عالمة بعسره، أو تزوجته وهو معسر جاهلة بإعساره، أو تزوجته وهو موسر ثم أعسر (^٦).\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (١/ ٥٠٥).\n(^٢) \"الرسالة\" رقم المسألة (١٢٦٤).\n(^٣) انظر: \"فتح المغيث\" (١/ ٢٢١).\n(^٤) \"المدونة\" (٢/ ١٩٢)، \"المهذب\" (٢/ ١٧٤)، \"المغني\" (١١/ ٣٦١).\n(^٥) تقدم تخريجه في باب \"إحياء الموات\" رقم (٩٢٠).\n(^٦) \"الشرح الممتع\" (١٣/ ٤٨٣).","vol":"8","page":179},{"text":"والقول الثاني في المسألة: أنه لا حق للمرأة في الفسخ، وإنما تطلب من القاضي أن يفرض لها نفقة وتستدين عليه، وهذا مذهب الحنفية والشافعية في قول مرجوح، وأهل الظاهر، وهو مروي عن عطاء والزهري والثوري وابن شبرمة (^١). واستدلوا:\n١ - بأنه لم يرد دليل صريح على جواز التفريق لعدم الإنفاق.\n٢ - أن الله تعالى ندب إلى النكاج مع الفقر، فقال سبحانه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] فلا يصح أن يكون الفقر سببًا للتفريق.\n٣ - أن الصحابة - ﵃ - كان فيهم الموسر والمعسر، بل كان أكثرهم معسرين، ولم يؤثر أن النبي - ﷺ - فرق بين زوجين لعدم إنفاق الزوج.\n٤ - أن الامتناع عن الإنفاق للعسر ليس ظلمًا، فلا يكون مسوغًا للتفرق، وتكون النفقة حينئذٍ دينًا، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].\nوأجابوا عن أدلة الأولين بأن المراد بها الممتنع عن الإنفاق مع القدرة عليه إذا تعين التفريق طريقًا لرفع ظلمه، أما المعسر فلا ظلم منه فلا يصح التفريق عليه.\nوالقول الثالث: أنه إذا أعسر الزوج بالنفقة وكانت زوجته موسرة وجب عليها أن تنفق عليه، ولا ترجع عليه بما أنفقت إذا أيسر، وهذا قول ابن حزم؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فقد جعل الله على الوارث القادر نفقة مورثه العاجز، والمرأة وارثة لزوجها، فعليها إذا كانت موسرة نفقته إذا كان معسرًا، قال ابن حزم: (الزوجة وارثة فعليها نفقته بنص القرآن) (^٢).\nوهذا استدلال مردود؛ لأن هذه الآية جاءت في النفقة الواجبة للوالدات\n_________\n(^١) \"فتح القدير\" (٣/ ٣٢٩)، \"المحلى\" (١٠/ ٩١ - ٩٢).\n(^٢) \"المحلى\" (١٠/ ٩٢).","vol":"8","page":180},{"text":"بسبب الولادة دون غيرهن، وقد بينت الآية أن نفقتهن واجبة على المولود له وهو الأب، فإن عَجَزَ كانت على وارث الأب، أو وارث المولود له.\nوالقول الرابع: لابن القيم، وهو أنه لا حق للمرأة في الفسخ بسبب إعسار الزوج، إلا إذا غرها وتراءى باليسار كذبًا، أوكان ذا مال فترك الإنفاق عليها وعَجَزَتْ عن أخذ كفايتها من ماله، أما إذا تزوجته عالمة بإعساره أو تزوجته موسرًا فأعسر فلا حق لها في طلب الفرقة (^١).\nوبهذا يكون ابن القيم وافق أصحاب القول الأول في صورة من الصور الثلاث المتقدمة، وهي ما إذا تزوجته معسرًا جاهلة بإعساره، ووافق أصحاب القول الثاني في الصورتين الأُخريين.\nوالقول بأن لها الفسخ إذا غرها قول قوي؛ لأن هذا من باب الغش والتدليس، وأما إذا كان موسرًا ثم أعسر فليس لها الفسخ؛ لأن هذا ليس باختياره، وكذا في الحال الثانية وهي ما إذا كانت عالمة، لكن لا يمنعها من التكسب؛ لأنه إذا كان ينفق عليها له الحق أن يمنعها من التكسب، أما إذا كان لا ينفق عليها فلا يمنعها من التكسب، وقد نقل الموفق عن أبي حنيفة وصاحبيه وجماعة من السلف ذُكروا في القول الثاني أنه يرفع يده عنها لتكتسب (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٥/ ٥٢١).\n(^٢) \"المغني\" (١١/ ٣٦١).","vol":"8","page":181},{"text":"<span data-type='title' id=toc-960>إذا غاب الزوج ولم يترك نفقة</span>\n١١٥٥/ ١١ - عَنْ عُمَرَ - ﵁ -، أنَّهُ كتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الأجْنَادِ في رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهمْ: أنْ يَأَخُذُوهُمْ بِأنْ يُنْفِقُوا أوْ يُطَلِّقُوا. فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا، أخْرَجَهُ الشَّافِعيُّ ثُمَّ الْبَيهَقيُّ بِإسْنَادٍ حَسَنٍ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد رواه الشافعي (٢/ ٣٢٧ ترتيب مسنده) ومن طريقه البيهقي (٧/ ٤٦٩) أخبرنا مسلم بن خالد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر -﵄-، به.\nوهذا سند ضعيف، مسلم بن خالد هو الزنجي ضعيف، قال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق كثير الأوهام).\nلكنه لم ينفرد به، فقد تابعه حماد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، به، كما في \"العلل\" لابن أبي حاتم (١٢١٧) قال أبو حاتم: (نحن نأخذ بهذا في نفقة ما مضى).\nكما تابعه عبد الرزاق (٧/ ٩٣ - ٩٤)، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: (كتب عمر إلى أمراء الأجناد: أنِ ادعُ فلانًا وفلانًا -ناسًا قد انقطعوا من المدينة وخلوا منها- فإما أن يرجعوا إلى نسائهم، وإما أن يبعثوا إليهن بنفقة، وإما أن يطلقوا، ويبعثوابنفقة ما مضى) وهذا كما قال الحافظ: أتم سياقًا من حديث الباب (^١).\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (٤/ ١٢).","vol":"8","page":182},{"text":"وقد جاء في \"مسائل أبي داود\" أن الإمام أحمد احتج بهذا الحديث (^١).\n\n* الوجه الثاني: استدل الفقهاء من المالكية والحنابلة بهذا الأثر على أن الزوج إذا غاب ولم يترك لزوجته نفقة وليس له مال ظاهر أن لها حق المطالبة بفراقه إن رغبت في ذلك، لما يصيبها من الضرر بسبب عدم إنفاقه (^٢)؛ لأن عمر - ﵁ - كتب إلى قواد جيوشه ورؤساء ألويته في أطراف البلاد الإسلامية في شأن رجال غابوا عن نسائهم، بأنه يلزمهم إرسال نفقة نسائهم أو يفارقونهن، وإذا فارقوهن بعثوا بنفقة ما مضى، إلا إن رضيت الزوجة بإسقاط نفقة ما مضى فلها ذلك.\nوهذا بخلاف نفقة الأقارب، فإن المُنْفِقَ لو غاب عن قريبه ولم ينفق عليه لم تلزمه نفقة ما مضى؛ لأن نفقة القريب مقصود بها سد الحاجة، أما نفقة الزوجة فهي من باب المعاوضة، والمعاوضة لا تسقط بمضي الزمان، بخلاف ما كان لدفع الحاجة فإنها إذا مضى زمنها استغنى عنها، فأشبه ما لو استغنى عنها بيساره (^٣).\nوقد استثنى المالكية في موضوع الزوجة إذا غاب زوجها: ما إذا تعهد قريب الزوج أو أجنبي بالإنفاق عليها فلا حق لها في الفراق (^٤).\nوقالت الشافعية: لا حق لامرأة الغائب في طلب الفراق إلا إذا أثبتت بالبينة أنه معسر حيث هو، فلا يكتفى بالجهل بحاله، ولا بإعساره في مبدأ غيبته؛ لأن الإضرار بها إنما يتحقق بالإعسار، فما لم يثبت لم يكن لها حق الفرقة، فكأن الشافعية يديرون الأمر مع الإعسار لا مجرد الغيبة.\nكما اشترطوا لسقوط حقها في طلب الفراق أن يكون المتبرع بالنفقة أصلًا للزوج، والزوج من عياله حتى لا تلحقها بذلك مذلة ولا مهانة، فإن كان أجنبيًّا أو قريبًا غير أصل لم تجبر على قبول النفقة منه، ولا يسقط حقها في المطالبة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ص (١٧٩).\n(^٢) \"المغني\" (١١/ ٣٦١).\n(^٣) \"المغني\" (١١/ ٣٦٧).\n(^٤) \"الفرقة بين الزوجين\" ص (١٣٩).","vol":"8","page":183},{"text":"<span data-type='title' id=toc-961>مراتب النفقة ومن أحق بالتقديم</span>؟\n١١٥٦/ ١٢ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النبِيِّ - ﷺ -. فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، عِنْدِي دِينَارٌ؟ قَال: \"أنفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ\"، قَال: عِنْدِي آخَرُ؟ قَال: \"أنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ\"، قَال: عِنْدِي آخَرُ؟ قَال: \"أنْفِقْهُ علَى أهْلِكَ\"، قَال: عِنْدِي آخَرُ؟ قَال: \"أنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ\"، قَال: عِنْدِي آخَرُ؟ قَال: \"أَنْتَ أَعْلَمُ\". أَخْرَجَهُ الشَّافِعيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائيُ وَالْحَاكِمُ بِتَقْدِيمِ الزَّوْجَةِ عَلَى الْوَلَدِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه الشافعي (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧ ترتيب مسنده)، وأبو داود (١٦٩١) في كتاب \"الزكاة\"، بابٌ \"في صلة الرحم\"، والنسائي (٥/ ٦٢)، والحاكم (١/ ٤١٥) كلهم من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - … وذكر الحديث.\nوهذا لفظ الشافعي، وزاد: قال المقبري: ثم يقول أبو هريرة -إذا حدث بهذا الحديث-: (يقول ولدك: أنفق عليَّ إلى من تكلني، تقول زوجتك: أنفق علي أو طلقني، يقول خادمك: أنفق علي أو بعني).\nوهذا الحديث قد ذكره الحافظ في كتاب \"الزكاة\"، باب \"صدقة التطوع\" برقم (٦٣٦) لكن هناك ساقه بلفظ أبي داود وهو بلفظ: \"تصدق به … \" في جميع المواضع وهو المناسب لكتاب \"الزكاة\"، وهنا ساقه بلفظ النفقة مع ما في زيادة الشافعي مما يناسب هذا الباب.","vol":"8","page":184},{"text":"وقد رواه عن محمد بن عجلان سفيان بن عيينة عند الشافعي وأبي داود والحاكم، وذلك بتقديم الولد على الزوجة كما في هذا السياق، ورواه يحيى القطان، عن محمد بن عجلان عند النسائي بتقديم الزوجة على الولد، وقد يكون هذا الاختلاف من ابن عجلان؛ فإن في حفظه شيئًا.\nويؤيد رواية يحيى حديث جابر - ﵁ - وفيه: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا، يقول: فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك) (^١).\nوحديث الباب سنده حسن، ومحمد بن عجلان قال عنه الحافظ في \"التقريب\": (صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة) وقد وصفه الذهبي بأنه متوسط في الحفظ (^٢)، وعلى هذا فلعله حسن الحديث -إن شاء الله- وأما الحاكم فإنه قال: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، وهذا فيه نظر بينته هناك في \"الزكاة\".\n\n* الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن الإنسان يبتدئ في موضوع النفقة على الترتيب المذكور في هذا الحديث، فيبدأ بالإنفاق على نفسه، فإن فضل عنده شيء أنفقه على أهله، فإن فضل عنده شيء أنفقه على ولده، ثم على خادمه، وهذا يدل على أن الحقوق وكذا الفضائل إذا تزاحمت أنه يبدأ بالأوكد فالأوكد.\n\n* الوجه الثالث: استدل الفقهاء بهذا الحديث على أن نفقة الأقارب لا تجب على المنفق إلا إذا كان ما ينفقه عليهم فاضلًا عن نفقة نفسه، إما من ماله أو من كسبه، فأما من لا يفضل عنده شيء فليس عليه نفقة، ونفسه مقدمة؛ ولأن النفقة مواساة، فلا تجب على المحتاج، كالزكاة، وعلى هذا فلا تجب النفقة من رأس المال، ولا من ثمن ملك، ولا من قيمة آلة صنعة، كآلة نجارة أو حدادة، فلا نفقة في قيمتها، لحصول الضرر بوجوب الإنفاق من هذه الأشياء، وقيده شيخنا بما إذا لم يحصل ضرر (^٣)، وهذا وجيه جدًّا،\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٩٩٧).\n(^٢) \"الميزان\" (٣/ ٦٤٥).\n(^٣) \"السلسبيل\" (٣/ ٨٥٢) لشيخنا: صالح بن إبراهيم البليهي ﵀.","vol":"8","page":185},{"text":"فإن رأس المال أو ثمن الملك قد يكون مالًا عظيمًا لا يتأثر بالإنفاق.\nوهذا أحد الشروط الثلاثة التي يذكرها الفقهاء لوجوب نفقة الأقارب، وهي أن يكون لمن تجب عليه النفقة ما ينفق عليهم.\nوالشرط الثاني: أن يكون المُنْفَقُ عليهم عاجزين عن الكسب؛ لأن النفقة تجب على سبيل المواساة، فلا تُستحق مع الغنى، كالزكاة.\nوالشرط الثالث: أن يكون المُنْفِقُ وارثًا للمنفق عليه بفرض كالأخ لأم، أو تعصيب، كالعم وابن العم، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: على الرجل الذي يرث أن ينفق على مورثه حتى يستغني، فأناطت الآية النفقة بالميراث، وهي كذلك تجب على قدر الميراث؛ ولأن الوارث أحق بمال المورث من سائر الناس، فينبغي أن يختص بالإنفاق عليه وصلته، إلا عموديَّ النسب (^١)، فتجب نفقته ولو لم يرثه المنفق، لقوة القرابة، وعموم الأدلة، فمن له أب وجدّ معسران وجبت عليه نفقتهما ولو كان المنفق محجوبًا من الجد بأبيه المعسر.\nوالراجح في ذلك ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أن الإرث ليس بشرط مطلقًا، فتجب نفقة من يرث بالرحم، كالعمة والخالة، لموافقته لظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، وأن الشرط إنَّما هو غنى المنفق -كما سيأتي- وفقر المنفق عليه وكونه من الأقارب، لوجوب صلتهم وتحريم قطيعتهم، ومن المعلوم أن من قطع النفقة لم يَبَرَّ ولم يصل، وهذا قول أبي حنيفة، قال ابن القيم: (وهو الصحيح في الدليل، وهو الذي تقتضيه أصول أحمد ونصوصه، وقواعد الشرع، وصلة الرحم التي أمر الله بها أن توصل، وحرم الجنة على كل قاطع رحم، فالنفقة تُستحق بشيئين: بالميراث بكتاب الله، وبالرحم بسنة رسول الله - ﷺ -) (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) عمودا النسب: الآباء والأمهات وإن علوا، والأولاد -الذكور والإناث- وإن سفلوا. \"الكافي\" (٥/ ٩٩)، \"معجم لغة الفقهاء\" ص (٣٢٢).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٥/ ٥٤٩).","vol":"8","page":186},{"text":"<span data-type='title' id=toc-962>تأكيد نفقة الوالدين</span>\n١١٥٧/ ١٣ - عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيم عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ - ﵁ - قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَبرُّ؟ قَال: \"أمَّكَ\"، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: \"أُمَّكَ\"، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: \"أُمَّكَ\"، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: \"أَبَاكَ ثُمَّ الأقْرَبَ فَالأقْرَبَ\".\nأخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"الأدب\"، باب \"في بر الوالدين\" (٥١٣٩)، والترمذي (١٨٩٧)، وأحمد (٣٣/ ٢٣٠) من طريق بهز بن حكيم، قال: حدثني أبي عن جدي، به.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن، وقد تكلم شعبة في بهز بن حكيم، وهو ثقة من أهل الحديث، روى عنه معمر وسفيان الثوري وحماد بن سلمة وغير واحد من الأئمة).\nوالحديث أصله في البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: \"أمك\" … الحديث.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من أبر) بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء على صيغة المتكلم؛ أي: مَنْ أحسن إليه ومن أَصِلُه؟ والبر: بالكسر هو الإحسان، وهو في حق الوالدين وحق الأقربين من الأهل ضد العقوق، وهو الإساءة إليهم، والتضييع لحقهم.","vol":"8","page":187},{"text":"قوله: (قال: أمك) بالنصب لفعل محذوف، دل عليه ما قبله؛ أي: بُرَّ أمك وصلها أولًا.\nوقد ذكرت الأم في هذا الحديث ثلاث مرات، وفي حديث أبي هريرة عند البخاري كذلك، وهذا يقتضي أن يكون لها ثلاثة أمثال ما للأب من البر، وقد نقل ابن القيم عن الإمام أحمد أنه قال: للأم ثلاثة أرباع البر (^١).\n\nقوله: (ثم الأقرب فالأقرب) أي: إلى آخر ذوي الأرحام.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث حث على بر الأقارب والإحسان إليهم، وأن الأم أحقهم بذلك، ثم بعدها الأب، ثم الأقرب فالأقرب، وإنما كانت الأم أحقهم لكثرة تعبها وشفقتها وخدمتها؛ لأن لها فضيلة الحمل والرضاع والتربية، وفي الحمل التعب، ثم مشقة الوضع، قال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وإذا كانت الأم مقدمة على الأب فتقديمها على غيره من باب أولى، ومن بر الأم والأب الإنفاق عليهما.\nوقد نقل الحافظ عن الجمهور أن الأم مقدمة على الأب في البر، وهذا هو صريح حديث الباب، وأما ما تقدم في حديث طارق: \"أمك وأباك\" فإن الواو بمعنى (ثم)؛ لأن غير الصريح يحمل على الصريح، وقد نقل بعضهم الإجماع على تقديم الأم على الأب، لكن حكى القاضي عياض في المسألة خلافًا، فقيل: إنهما سواء (^٢)، والصواب الأول. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تهذيب السنن\" (١٤/ ٤٨).\n(^٢) انظر: \"إكمال المعلم\" (٨/ ٥).","vol":"8","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-963>باب الحضانة</span>\nالحضانة في اللغة: بفتح الحاء وكسرها، مصدر الفعل حَضَنَ حَضْنًا وحَضَانَةً، ومنه: حَضَنَ الطائر بيضه: إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحيه، وحضنت المرأة ولدها حضانة: إذا ضمته إليها.\nوالحِضْنُ: هو صدر الإنسان أو عضداه وما بينهما، أو ما دون الإبط إلى الكشح (^١).\nوشرعًا: تربية الطفل ورعايته والقيام بجميع أموره في سن معينة، ممن له الحق في الحضانة.\nوسبب الحضانة: وجود فراق بين الزوجين.\nوهي من محاسن هذه الشريعة وكمالها وعنايتها برعاية الضعفاء والمحتاجين، وهي قربة وطاعة لله تعالى يثاب القائم بها.\n_________\n(^١) انظر: \"المصباح المنير\" ص (١٤٠، ٥٣٤).","vol":"8","page":189},{"text":"<span data-type='title' id=toc-964>سقوط حضانة الأم إذا تزوجت</span>\n١١٥٨/ ١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ -؛ أن امْرَأةً قَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ ابْنِي كَانَ بَطْنِي لَهُ وعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإنَّ أَبَاهُ طَلَّقَني وَأَرَادَ أنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي، فَقَال لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أحمد (١١/ ٣١٠ - ٣١١)، وأبو داود في كتاب \"الطلاق\"، باب \"من أحق بالولد\" (٢٢٧٦)، والحاكم (٢/ ٢٠٧) من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو -﵄-، أن امرأة قالت: … الحديث.\nوسنده حسن؛ للخلاف في سلسلة عمرو بن شعيب، وقد تقدم الكلام على ذلك.\nوقال الحاكم: (صحيح الإسناد) وسكت عنه الذهبي. قال ابن القيم: (هذا حديث احتاج الناس فيه إلى عمرو بن شعيب، ولم يجدوا بُدًا من الاحتجاج هنا به، ومدار الحديث عليه، وليس عن النبي - ﷺ - حديث في سقوط الحضانة بالتزويج غير هذا …) (^١).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (وعاء) بكسر أوله؛ أي: ظرفًا له حال حمله.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٥/ ٤٣٤).","vol":"8","page":190},{"text":"قوله: (وثديي) الثدي: نتوء في صدر الرجل والمرأة، وهو في المرأة أوضح؛ لأنه مجتمع اللبن كالضرع لذوات الظلف والخف، يذكر ويؤنث، وجمعه: أَثدٍ وثُدِيٌّ (^١).\n\nقوله: (سقاء) بكسر السين على وزن كساء، وهو وعاء من جلد يكون للماء واللبن، وجمعه أسقية، والمعنى: له سقاء حال رضاعه.\n\nقوله: (وحجري) الحجر: مثلث الحاء، والمراد به: حضن الإنسان.\n\nقوله: (له حواء) بكسر الحاء؛ أي: مكانًا يحويه ويحفظه.\nومراد الأم بذلك أنها أحق بالولد من أبيه؛ لاختصاصها بهذه الأوصاف دون الأب.\n\nقوله: (ما لم تنكحي) بفتح التاء وكسر الكاف: تتزوجي.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على ثبوت الحضانة ومشروعيتها لحاجة المحضون إلى من يقوم بتربيته.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الأم هي الأحق بالحضانة ما لم تتزوج وكانت صالحة لها، وهذا مجمع عليه، قال ابن هبيرة: (اتفقوا على أن الحضانة للأم ما لم تتزوج) (^٢). وهذا قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة، كما ذكر ابن هبيرة، بل نقل بعضهم الإجماع (^٣). وذلك لأنها أشفق وأرأف وأصبر وأفرغ.\n\n* الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الأم إذا تزوجت سقطت حضانتها؛ لأنها أصبحت مشغولة عن الولد بمعاشرة الزوج الجديد، وقد يلحق الصغير شيء من الغلظة والجفاء من قبل الزوج؛ لأن بعض أزواج الأمهات قد يبغض الصغير ولد زوجته ولا يشفق عليه، وفي ذلك خطر يهدد أمن الطفل واستقراره النفسي، فينشأ وتنشأ معه عقد تحيل حياته المستقبلية إلى شر ونفور،\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٨٠).\n(^٢) \"الإفصاح\" (٢/ ١٨٦).\n(^٣) انظر: \"الحضانة في الفقه الإسلامي\" ص (٣٦).","vol":"8","page":191},{"text":"وسوء طباع، وقد تؤثر حضانتها له على العلاقة الزوجية، واحتمال أن يكون زوج الأم على خلاف ذلك احتمال نادر، والنادر لا يقام له وزن، ولا يكون له حكم.\nوالقول بسقوط حضانة الأم إذا تزوجت هو مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة، وقد قضى بذلك أبو بكر وعمر - ﵄ - ولا مخالف لهما، وهذا هو القول الراجح في المسألة، على أن في بعض المذاهب الفقهية استثناءات وتفاصيل موضعها كتب الفقه.\nومن ذلك أن الزوج إذا رضي بحضانة ولد الزوج الأول فإن الحضانة لا تسقط، بل هي باقية على أظهر الأقوال؛ لأنها لم تسقط عنها إلا لأجل التفرغ لحقوق الزوج والقيام ببيته وشؤونه، فإذا رضي بالحضانة فالأم أحق بولدها.\nوذهب الحسن وابن حزم إلى عدم سقوط حضانة الأم بزواجها، واستدل بأن أنس بن مالك - ﵁ - كان عند والدته وهي مزوجة بأبي طلحة، وكذا أم سلمة تزوجت بالنبي - ﷺ - وبقي ولدها في كفالتها، وطعن ابن حزم في حديث عمرو بن شعيب بأنه ضعيف؛ لأنه كان يحدث من صحيفة (^١)، وَرُدَّ هذا بأن حديث عمرو بن شعيب قبله الأئمة الكبار أمثال الإمام أحمد وابن المديني والحميدي وإسحاق والبخاري وغيرهم (^٢).\nوللفقهاء تفاصيل فيمن تنتقل إليه الحضانة إذا عدمت الأم لسبب كتزويج وموت، وكلها اجتهادية لا دليل عليها، والنفس لا تطمئن إلى شيء مما ذكروه، والأقرب ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وهو تقديم الأقرب مطلقًا، سواء من جهة الأم أو من جهة الأب، فإن تساويا قدمت الأنثى.\n\n* الوجه السادس: وقع الخلاف بين أهل العلم في وقت سقوط حضانة الأم هل هو بمجرد العقد عليها أو لا بد من الدخول؟ الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة أن الحضانة تسقط بمجرد العقد؛ لأن النكاح هو العقد، فإذا عُقد عليها\n_________\n(^١) \"المحلى\" (١٠/ ٣٢٥).\n(^٢) \"المغني\" (١١/ ٤٢٠).","vol":"8","page":192},{"text":"فقد أصبح النكاح متحقق الوجود دخل بها أو لم يدخل؛ ولأنها قد تكون مشغولة بمهام زوجها ومتطلبات الحياة الجديدة.\nوقالت المالكية، وهو قول مرجوح عند الحنابلة: إن الحضانة لا تسقط إلا بعد الدخول، ولا تسقط بمجرد العقد على الأم (^١)؛ لأن الدخول هو الذي يؤدي إلى انشغال الزوجة، وبسببه تتحول إلى التفرغ لحياتها الزوجية مما يصرفها عن الاهتمام بحضانة الطفل.\nوالقول الأول أظهر، فإن الرسول - ﷺ - قال: \"أنتِ أحق به ما لم تنكحي\" وبالعقد يتحقق النكاح، وإنما الدخول من آثار العقد، ومن عُقد عليها صارت زوجة لمن عقد عليها شرعًا.\nوتظهر وجاهة هذا القول في زماننا هذا؛ لأن تكاليف الزواج والاستعداد له تقتضي جهدًا ووقتًا من الزوجة وأهلها، فانشغالها عن طفلها أمر ممكن، ثم إن الغالب أن المدة بين العقد والدخول تكون مدة قليلة، فالمقصود أنه إن حصل انشغال عنه أثناء الاستعداد للزواج نُزع منها، وإن لم يحصل شيء من ذلك بقي في حضانتها حتى يتم الدخول.\n\n* الوجه السابع: في الحديث دليل على اعتبار المعاني والعلل وتأثيرها في الأحكام وأن ذلك أمر مستقر في الفطرة السليمة حتى فِطَرِ النساء؛ لأن هذه الأوصاف الثلاثة التي أدلت بها المرأة وجعلتها سببًا لتعليق الحكم بها قد قررها النبي - ﷺ - ورتب أثرها عليها، ولو كانت أوصافًا غير مقبولة ألغاها. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الإنصاف\" (٩/ ٤٢٥)، \"الحضانة في الفقه الإسلامي\" ص (١٠٤).","vol":"8","page":193},{"text":"<span data-type='title' id=toc-965>ما جاء في تخيير الولد بين أبويه</span>\n١١٥٩/ ٢ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ -؛ أن امْرَأَةً قَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بابْنِي، وَقَدْ نَفَعَنِي وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أبي عِنَبَةَ، فَجَاءَ زَوْجُهَا، فَقَال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"يَا غُلَامُ، هَذَا أَبُوكَ وَهِذِهِ أمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهمَا شِئْتَ\" فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ. رَوَاهُ أحْمَدُ والأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (١٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨)، وأبو داود في الباب السابق (٢٢٧٧)، والترمذي (١٣٥٧)، والنسائي (٦/ ١٨٥ - ١٨٦)، وابن ماجه (٢٣٥١) كلهم من طريق زياد بن سعد، عن هلال بن أبي ميمونة التغلبي، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة - ﵁ -.\nقال الترمذي: (حديث حسن صحيح، وأبو ميمونة اسمه سليم …، وهلال بن ميمونة هو هلال بن علي بن أسامة، وهو مدنى، روى عنه يحيى بن أبي كثير، ومالك بن أنس، وفليح بن سليمان).\nوصحح الحديث ابن القطان (^١).\nورواه ابن أبي شيبة (٧/ ١٣٤)، والطحاوي (٤/ ١٧٧)، والبيهقي (٨/ ٣) من طريق وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة - ﵁ -، بنحوه.\n_________\n(^١) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٢٠٨ - ٢٠٩).","vol":"8","page":194},{"text":"* الوجه الثاني: أجمع العلماء على أن الصبي قبل سن التمييز يكون عند أمه ما لم تتزوج -كما تقدم- فإذا بلغ سن التمييز واستقل ببعض شؤونه فإنه يخير بين أبويه، فيذهب مع من اختار منهما، وهذا ما قضى به عمر وعلي وأبو هريرة -﵃-، وقضى به شريح، وهو قول أحمد والشافعي وإسحاق. واستدلوا بحديث الباب (^١).\nوحددوا سن التمييز بسبع سنوات؛ لأن هذا -في الغالب- هو سن الاستغناء والتمييز، بحيث يتمكن الطفل فيه من الاستغناء عن النساء.\nوإن خير فلم يختر واحدًا منهما أو اختارهما معًا قدم أحدهما بالقرعة.\nوشرط تخييره أمران:\nالأول: أن يكونا جميعًا من أهل الحضانة بحيث تتحقق مصلحة الطفل عند أي واحد منهما، فإذا كان الأب أحفظ للطفل وأغير من الأم قدم عليها، وكذا لو كانت الأم أحفظ من الأب قدمت عليه، ولا عبرة باختيار الصبي في هذه الحال؛ لأنه ضعيف العقل، يؤثر البطالة واللعب، فإذا اختار من يساعده على ذلك فلا عبرة باختياره.\nوالتخيير ليس قاعدة مطلقة، إنما المطلق هو مصلحة الصغير.\nالثاني: أن يكون الغلام عاقلًا، فإن كان معتوهًا فحضانته لأمه؛ لأنها أشفق عليه، وأصبر، وأقوم بمصالحه من أبيه.\nوإذا اختار الطفل أباه كان عنده ليلًا ونهارًا، ليحفظه ويعلمه ويؤدبه، ولا يمنعه من زيارة أمه، وإن اختار أمه كان عندها ليلًا وعند أبيه نهارًا ليعلمه ويربيه.\nوإذا مرض الولد المميز ذكرًا كان أو أنثى تمرضه أمه في بيتها حتى ولو لم تكن حاضنته، لما تقدم.\nوذهبت الحنفية والمالكية إلى عدم التخيير، وقالوا: إنه بعد التمييز يكون\n_________\n(^١) \"المغني\" (١١/ ٤١٥).","vol":"8","page":195},{"text":"عند أبيه، واستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو: \"أنت أحق به ما لم تنكحي\" ولو كان الاختيار إلى الصبي ما كانت أمه أحق به (^١).\nوأجيب عنه: بأن هذا حديث عام في الأزمنة أو مطلقًا، وحديث التخيير يخصصه أو يقيده، قال الصنعاني: (وهذا جمع حسن بين الدليلين) (^٢).\n\n* الوجه الثالث: اختلف العلماء في البنت إذا بلغت سبعًا هل تخير كالغلام أو لا؟\nفذهب الشافعي إلى أنها تخير كما يخير الغلام؛ لأن كل سن خير فيه الغلام خيرت فيه البنت.\nوالقول الثاني: أنها لا تخير، والأب أحق بها بعد السبع، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو من مفردات المذهب (^٣)؛ لأن المقصود من الحضانة الحفظ، والأب أحفظ وأغير عليها، ولهذا جعل الشارع تزويجها إلى أبيها دون أمها، فتبقى عنده إلى البلوغ، ثم بعده إلى أن يتسلمها زوجها، والحديث إنما ورد في الغلام لا في الجارية.\nوشرط كونها عند أبيها العناية بها وعدم إهماله لها، فإن أخذها وتركها عند ضرة أمها لتسيء إليها ولا تقوم بمصالحها، وتفضل أولادها عليها، فإن أمها والحالة هذه أحق بها إن رضي زوجها إن كانت متزوجة.\nوالقول الثالث: أنها تبقى عند أمها حتى تحيض، وبعضهم قال: حتى يتسلمها زوجها، وهذا رواية عن أحمد، وهو قول مالك وأبي حنيفة (^٤)، ورجحه ابن القيم، فقال: (وهو الصحيح دليلًا)، وقال: (هذا القول هو الذي لا نختار سواه) (^٥).\nوهذا قول قوي؛ لأن البنت بحاجة إلى تعلم آداب النساء والتخلق\n_________\n(^١) انظر: \"الاختيار\" (٤/ ١٥)، \"جواهر الإكليل\" (١/ ٤٠٨).\n(^٢) \"سبل السلام\" (٣/ ٤٣٢).\n(^٣) \"المهذب\" (٢/ ٢١٩)، \"الإنصاف\" (٩/ ٤٣١).\n(^٤) \"المغني\" (١١/ ٤١٥).\n(^٥) \"زاد المعاد\" (٥/ ٤٧٣ - ٤٧٤).","vol":"8","page":196},{"text":"بأخلاقهن وما يتعلق بشؤون المنزل، وهذا لا يتم إلا إذا كانت البنت بصحبة أمها، ومعلوم أن الأب يتصرف في طلب المعاش ولقاء الناس، ولن تجد البنت شفقة وحنانًا كشفقة الأم، ولا بد في ذلك من النظر في المصلحة لها، والتحقق من عدم الضرر والخطر في بقائها عند أمها، ثم إن كونها عند أمها لا يعني تخلي الأب عنها، بل عليه أن يقوم بما يجب عليه، ولو قيل: إن الترجيح في هذه المسألة مرجعه إلى النظر في مصلحة المحضونة ما كان بعيدًا؛ لأن هذا يختلف من أسرة إلى أخرى. والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":197},{"text":"<span data-type='title' id=toc-966>حكم حضانة الأبوين إذا كان أحدهما كافرًا</span>\n١١٦٠/ ٣ - عَنْ رَافِعِ بْنِ سِنَانٍ - ﵁ - أنَّهُ أَسْلَمَ، وأَبَتِ امْرَأتُهُ أنْ تُسْلِمَ. فأقْعَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - الأُمَّ نَاحيَةً، والأبَ ناحِيَةً، وَأَقْعَدَ الصَّبِيَّ بَينَهُمَا. فَمَال إِلَى أُمِّهِ، فَقَال: \"اللَّهُمَّ اهْدِهِ\"، فَمَال إِلَى أَبِيهِ فَأَخَذَهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو الحكم رافع بن سنان الأنصاري الأوسي - ﵁ - روى عن النبي - ﷺ - في تخيير الصغير بين أبويه، وكان قد أتى النبي - ﷺ - حين أسلم وأبت امرأته أن تسلم -كما في حديث الباب-، روى عنه حفيد ابنه: جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع (^١).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه النسائي في كتاب \"الطلاق\"، باب (إسلام أحد الزوجين وتخيير الولد) (٦/ ١٨٥) من طريق عثمان البَتِّي، عن عبد الحميد بن سلمة الأنصاري، عن أبيه، عن جده، أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فجاء ابن لهما صغير لم يبلغ الحلم، فأجلس النبي - ﷺ - الأب ها هنا والأم ها هنا، ثم خيره، فقال: \"اللهم اهده، فذهب إليه\". هذا سياق الحديث عند النسائي، وهو الموافق لما في \"البلوغ\" من أن المخير كان ذكرًا.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٣/ ٢٤٥)، \"الإصابة\" (٣/ ٢٣٩).","vol":"8","page":198},{"text":"وقد أعل هذا بأن عبد الحميد بن سلمة وأباه وجده لا يعرفون، نقل هذا الحافظ عن الدارقطني (^١)، وقد وهم عثمان البتي في ذلك، وخالفه آخرون، فقالوا: عبد الحميد بن جعفر.\nفقد رواه أبو داود (٢٢٤٤) من طريق عيسى بن يونس، والنسائي في \"الكبرى\" (٦/ ١٢٥ - ١٢٦) من طريق المعافى بن عمران، والحاكم (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، وأحمد (٣٩/ ١٦٨) من طريق عيسى بن يونس -أيضًا-، والدارقطني (٤/ ٤٣ - ٤٤) من طريق علي بن غراب وأبي عاصم النبيل، أربعتهم عن عبد الحميد بن جعفر، أخبرني أبي، عن جدي رافع بن سنان، أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي - ﷺ - فقالت: ابنتي وهي فطيم أو شبهه، وقال رافع: ابنتي، فقال النبي - ﷺ -: \"اقعد ناحية\" وقال لها: \"اقعدي ناحية\"، قال: وأقعد الصبية بينهما، ثم قال: \"ادعواها\" فمالت إلى أمها، فقال النبي - ﷺ -: \"اللهم اهدها\" فمالت الصبية إلى أبيها، فأخذها.\nوفي هذا السياق أن المخير كانت صبية، وعبد الحميد بن جعفر وأبوه ثقتان، وجده رافع صحابي، كما تقدم.\nوهذا سند صحيح إن كان جعفر بن عبد الله والد عبد الحميد قد سمع من جد أبيه رافع بن سنان، وقد صرح بالتحديث في إسناد الحاكم، لكن نقل العلائي في \"جامع التحصيل\" أن عبد العزيز النخشبي قال: هذا مرسل؛ لأن جعفر بن عبد الله لم يدرك جدَّ أبيه، ولم يقل بإرساله أحد سواه (^٢).\nوفي إسناد الحاكم: الحسن بن علي بن زياد وهو السُّرِّي، له ترجمة في \"الأنساب\" للسمعاني (^٣)، وعلى أي حال فجعفر ثقة، وما رواه كان قد حصل في أهل بيته فهو أدرى به (^٤)\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٠٥).\n(^٢) \"جامع التحصيل\" ص (١٨٦)، \"التابعون الثقات المتكلم في سماعهم من الصحابة\" ص (١٥٩).\n(^٣) (٢٣/ ٢٥٢).\n(^٤) \"تحقيق المسند\" (٣٩/ ١٦٨).","vol":"8","page":199},{"text":"وقد ضعف ابن القطان رواية عبد الحميد بن سلمة، وصحح رواية عبد الحميد بن جعفر، وهو يرى أنهما قصتان خُيِّرَ في أحدهما غلام، وفي الأخرى جارية (^١)، وقد نقل ابن قدامة عن ابن المنذر أنه قال عن هذا الحديث: (لا يثبته أهل النقل، وفي سنده مقال) (^٢).\n\n* الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال بثبوت الحضانة بعد الفرقة للأم الكافرة وإن كان الولد مسلمًا، ووجه الاستدلال: أنه لو لم يكن للأم حق في الحضانة مع كفرها لم يُقْعِدِ النبي - ﷺ - الصبية بينهما، وهذا قول الحنفية والمالكية (^٣). قالوا: ولأن مناط الحضانة الشفقة، وليست تختلف باختلاف الدين.\nوالقول الثاني: أن الأم الكافرة لا حضانة لها، وهذا قول الشافعية والحنابلة (^٤).\nواستدلوا بأن الحضانة ولاية، وقد دلت نصوص الشريعة على أنه ليس لكافر ولاية على مسلم؛ ولأن أمه ربما فتنته عن دينه، وعلمته الكفر، وزينته له، وربته عليه، وهذا أعظم الضرر، وإذا كان المقصود من الحضانة حفظ الولد ومصلحته فكيف تشرع على وجه يكون فيه هلاكه وهلاك دينه؟!\nوأجابوا عن الحديث بجوابين:\nالأول: أنه متكلم في إسناده، كما تقدم.\nالثاني: أن الطفل اختار أباه بدعوة النبي - ﷺ -، وهذا يفيد أن كونه مع الكافر خلاف هدي الله تعالى، وهذا هو الراجح.\nوالمشهور من مذهب الحنابلة أنه ليس للفاسق حضانة ولو كان هو\n_________\n(^١) \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٥١٤ - ٥١٥).\n(^٢) \"المغني\" (١١/ ٤١٣).\n(^٣) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٤٢)، \"حاشية ابن عابدين\" (٥/ ٢٥٣)، \"المدونة\" (٢/ ٣٥٩)، \"الشرح الصغير\" (١/ ٤٥٢).\n(^٤) \"نهاية المحتاج\" (٧/ ٢١٨)، \"المغني\" (١١/ ٤١٢).","vol":"8","page":200},{"text":"الأب؛ لأنه لا يوثق به في أداء الواجب من الحضانة، ولا حظ للمحضون في حضانته؛ لأنه يتأثر به، وينشأ على طريقته، وهو قول الجمهور، ويرى ابن القيم أن الفسق لا أثر له على حق الحضانة، وأن اشتراط العدالة في الحاضن في غاية البعد؛ لأنه لو اشترط ذلك -في رأيه- لأفضى إلى ضياع أطفال العالم، ولكانت المشقة عظيمة على الأمة؛ لأنه منذ مجيء الإسلام والفساق يحضنون أبناءهم، ولم نسمع أن تعرض لهم أحد يحاول انتزاع أبنائهم، وقد استطرد ابن القيم في تعليله قائلًا: \"إن النبي - ﷺ - لم يثبت عنه أنه منع فاسقًا من تربية ابنه وحضانته، ولا كذلك ثبت عن الصحابة - ﵃ -\" (^١).\nولو روعي التفريق بين بداية حياة الطفل وعدم فهمه وإدراكه لما هو فسق أو فجور فلا يؤثر الفسق على حق الحضانة، وبين المرحلة التي تليها، وهي التي يتأثر فيها المحضون فَيُمنع الفاسق، لما كان ذلك بعيدًا، كما تقول به الحنفية، ولو قيل: إن الفسق يمنع الحضانة إذا كان يضيع به الولد -ولا سيما في زماننا هذا- لكان وجيهًا، وتحديد ذلك يُرجع فيه إلى القاضي. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٥/ ٤٦٢)، \"الحضانة في الفقه الإسلامي\" ص (٧٦).","vol":"8","page":201},{"text":"<span data-type='title' id=toc-967>ما جاء أن الخالة بمنزلة الأم في الحضانة</span>\n١١٦١/ ٤ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵄ -؛ أن النَّبِيَّ - ﷺ - قَضَى في ابْنَةِ حَمْزَةَ لِخَالتِهَا، وَقَال: \"الْخَالةُ بِمَنْزلَةِ الأم\"، أَخْرَجَهُ الْبُخَاريُّ.\n١١٦٢/ ٥ - وَأَخْرَجَهُ أحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ - ﵁ - فَقَال: وَالْجَارِيةُ عِنْدَ خَالتِهَا؛ فإنَّ الْخَالةَ وَالِدَةٌ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجهما:\nحديث البراء - ﵁ - رواه البخاري في كتاب \"الصلح\"، باب \"كيف يُكْتَبُ؟ \" (٢٦٩٩) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء - ﵁ -، قال: اعتمر النبي - ﷺ - في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة … وساق الحديث بطوله إلى أن قال: فخرج النبي - ﷺ - فتبعتهم ابنة حمزة، يا عمِّ، يا عمِّ، فتناولها علي - ﵁ - فأخذها بيدها، وقال لفاطمة: دونكِ ابنةَ عمك، احمليها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال علي: أنا أحق بها، وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي (^١)، وقال زيد: ابنة أخي (^٢)، فقضى بها النبي - ﷺ - لخالتها، وقال: \"الخالة بمنزلة الأم، وقال لعلي: أنت مني وأنا منك، وقال لجعفر: أشبهت خَلْقي وخُلُقي، وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا\".\nوما قد يخشى من عنعنة أبي إسحاق، فقد زال بتصريحه بالسماع من\n_________\n(^١) خالتها: أسماء بنت عميس زوجة جعفر، وأم الصبية سلمى بنت عميس.\n(^٢) المراد الأخوة الإسلامية، لأن النبي - ﷺ - عقد بين زيد بن حارثة وحمزة مؤاخاة.","vol":"8","page":202},{"text":"البراء عند البخاري في موضع آخر (^١)، وليس هناك قرينة على التدليس، وبهذا يتبين أن إعلال بعض العلماء له بعنعنة أبي إسحاق (^٢) ليس بوجيه.\nوأما حديث علي - ﵁ - فقد رواه أبو داود (٢٢٨٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (٧/ ٤٣٣)، وأحمد (٢/ ١٦٠ - ١٦١) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، وهبيرة بن يَرِيم، عن علي - ﵁ -، قال: لما خرجنا من مكة اتبعتنا ابنة حمزة تنادي: يا عم، يا عم … وساق الحديث بنحو ما تقدم، وفيه: \"والجارية عند خالتها، فإن الخالة والدة\".\nوهذا سند حسن، رجاله ثقات، غير هانئ بن هانئ فهو مستور، كما قال الحافظ في \"التقريب\"، وهبيرة بن يحيىيم فقد قال فيه الحافظ: (لا بأس به، وقد عيب بالتشيع)، ولعل حديثهما من قبيل الحسن لمتابعة أحدهما للآخر.\n\n* الوجه الثاني: هذا الحديث من الأدلة على مشروعية الحضانة وثبوتها لمصلحة الصغير لحفظه وصيانته وتربيته.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن العصبة من الرجال لهم أصل في الحضانة ما لم يوجد من هو أحق منهم؛ لأن النبي - ﷺ - أقر كلًّا من جعفر وعلي - ﵄ - على ادعائهما حضانة ابنة عمه، ولم ينكر عليهما.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الأم مقدمة في الحضانة على كل أحد؛ لأن النبي - ﷺ - لم يعط الخالة حق الحضانة في هذه القصة إلا لأنها بمنزلة الأم لكمال شفقتها وبرها.\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن الخالة تلي الأم في استحقاق الحضانة، وقد ثبت بالإجماع أن الأم أقدم الحواضن، فمقتضى التشبيه في قوله: \"الخالة بمنزلة الأم\" أن تكون الخالة أقدم من غيرها من أمهات الأم وأقدم من الأب والعمات.\nوللفقهاء خلاف في المسألة، فمنهم من قال: يقدم الأب على الخالة،\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١٧٨١).\n(^٢) \"انظر: \"الإرواء\" (٧/ ٢٤٧).","vol":"8","page":203},{"text":"ومنهم من قال: تقدم الجدة أم الأم وأم الأب على الخالة، ومنهم من قال: تقدم الأخوات، وهي أقوال اجتهادية لا دليل عليها، والأظهر في هذه المسألة ما قاله الشوكاني وهو تقديم الخالة بعد الأم على سائر الحواضن؛ لنص الحديث وفاءً بحق التشبيه المذكور وإلا كان لغوًا (^١).\n\n* الوجه السادس: في الحديث دليل على أن المرأة إذا تزوجت لا يسقط حقها من الحضانة إذا رضي زوجها بقيامها بالحضانة، وبهذا يحصل التوفيق بين قضاء النبي - ﷺ - بالحضانة لزوجة جعفر، وبين قوله في الحديث المتقدم: \"أنت أحق به ما لم تنكحي\". والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (٦/ ٣٦٨).","vol":"8","page":204},{"text":"<span data-type='title' id=toc-968>فضل الإحسان إلى الخدم</span>\n١١٦٣/ ٦ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاولْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَينِ\"، مُتفَقٌ عَلَيهِ، واللَّفْظُ لِلْبُخَارِي.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأطعمة\"، باب \"الأكل مع الخدم\" (٥٤٦٠) من طريق شعبة، عن محمد هو ابن زياد، قال: سمعت أبا هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، قال: \"إذا أتى أحدَكم خادمُه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله أُكُلة أو أُكُلتين، أو لقمة أو لقمتين، فإنه ولي حَرَّهُ وعِلاجَهُ\".\nهذا لفظ البخاري.\nورواه مسلم (١٦٦٣) من طريق داود بن قيس، عن موسى بن يسار، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا صنع لأحدكم خادمه طعامه، ثم جاءه وقد ولي حره ودخانه، فليقعده معه، فليأكل، فإن كان الطعام مشفوهًا قليلًا، فليضع في يده منه أُكُلة أو أُكلتين\"، قال داود: يعني لقمة أو لقمتين.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا أَتَى أحدَكم خادمُه) بتقديم المفعول (أحدكم) على الفاعل (خادمه) لئلا يعود الضمير -لو جاء على الأصل- على متأخر لفظًا ورتبة، والمراد بالخادم: ما يشمل الرقيق والأجير والطباخ وغيرهم، بل قال العلماء: يدخل في ذلك حامل الطعام، كما سيأتي.","vol":"8","page":205},{"text":"قوله: (فإن لم يجلسه معه) أي: إن الأفضل أن يجلسه معه؛ لما فيه من التواضع وعدم الترفع على المسلم.\n\nقوله: (فليناوله) ظاهر الأمر الإيجاب وأنه يناوله من الطعام ما ذكر، وقيل: إن الأمر للندب.\n\nقوله: (أُكلة أو أُكلتين) الأُكلة: بضم الهمزة هي اللقمة، وعليه فإن اللفظين المشكوك في أيهما الوارد متحدان من حيث المعنى، و(أو) للتقسيم بحسب حال الطعام وحال الخادم.\n\nقوله: (فإنه ولي حره وعلاجه) وعند مسلم (ودخانه) والجملة مستأنفة للتعليل، والمعنى: أن الخادم قد تعلقت نفسه بهذا الطعام، فإنه تولى عمله وإعداده وناله من حره ودخانه ما ناله.\n\nقوله: (مشفوهًا) أي: قليلًا؛ لأن الشِفَاهَ كثرت عليه حتى صار قليلًا، وقوله: (قليلًا) أي: قليلًا بالنسبة إلى من اجتمع عليه.\n\n* الوجه الثالث: في هذا الحديث حث على مكارم الأخلاق، وأمر بالتواضع وترك التكبر على العبد والخادم، وذلك بالإرشاد إلى هذا الأدب العظيم، وهو أن الخادم إذا أعدَّ الطعام وقدمه للأكل فإنه ينبغي لسيده مراعاة خادمه، وذلك بأن يجلسه معه للأكل أو يناوله منه لقمة أو لقمتين؛ لأنه ولي حره ودخانه، وتعلقت به نفسه، وشمَّ رائحته، وهذا إما على الاستحباب، أو على الوجوب، كما تقدم، والحديث محمول على ما إذا كان الطعام يختلف، بأن كان السيد ونحوه يمتاز بشيء من الطعام عن خدمه، أما إذا كان الطعام واحدًا فلا حاجة إلى ما ذُكر.\nوالأفضل الأكمل أن يكون طعام المخدوم والخادم واحدًا، كما تقدم في حديث أبي ذر - ﵁ -: \"فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون\"، وقد تقدم نقل الإجماع على أن هذا ليس للوجوب؛ لأن الواجب نفقة المملوك وكسوته بالمعروف، بدليل هذا الحديث؛ فإنه لما أُمر أن يناوله لقمة أو لقمتين دل على أن مساواته غير واجبة، وقد ألحق العلماء حامل الطعام بمن صنعه؛ لوجود المعنى فيه، وهو تعلق نفسه به. والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":206},{"text":"<span data-type='title' id=toc-969>النهي عن تعذيب الحيوان</span>\n١١٦٤/ ٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: قَال: \"عُذِّبَتْ امْرَأةٌ في هِرَّةٍ، سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ النَّارَ فِيهَا، لَا هيَ أطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأرْضِ\"، مُتَفَقٌ عَلَيهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب \"أحاديث الأنبياء\"، باب \"ما ذكر عن بني إسرائيل\" (٣٤٨٢)، ومسلم (٢٢٤٢) من طريق محمد بن أسماء الضُّبعي، حدثنا جويرية بن أسماء، عن نافع، عن عبد الله بن عمر -﵄-، مرفوعًا.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (عذبت امرأة) في حديث جابر عند مسلم: (من بني إسرائيل) (^١) وفي رواية له: (ورأيت في النار امرأة حِمْيريةً سوداءَ طويلةً)، قال الحافظ: (ولا تضاد بينهما؛ لأن طائفة من حمير دخلوا في اليهودية فنسبت المرأة إلى دينها تارة، وإلى قبيلتها أخرى) (^٢).\n\nقوله: (في هرة) في للتعليل، ذكر ذلك ابن هشام (^٣)، أو للسببية؛ أي: بسبب هرة، وفي رواية لمسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ -: (من جَرَّاءِ هرةٍ لها) (^٤) أي: من أجلها، والهرة: أنثى السِّنَّور، والهر: الذكر، والهرة هي\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٩٠٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٣٥٧).\n(^٣) \"مغني اللبيب \"ص (٢٢٤).\n(^٤) (٢٦١٨).","vol":"8","page":207},{"text":"البَسَّةُ -بفتح الباء- وذكر صاحب \"القاموس\" أن العامة تكسر الباء (^١).\n\nقوله: (سجنتها) جملة مستأنفة؛ لبيان سبب دخولها النار، بسبب الهرة.\n\nقوله: (خشاش) بفتح الخاء وكسرها وضمها، والفتح أشهر، والمراد: هوام الأرض وحشراتها من فأرة ونحوها، وفي رواية مسلم: (حشرات الأرض).\n\n* الوجه الثالث: الحديث أصل في تحريم تعذيب الحيوان، وحبسه بدون طعام وشراب؛ لأن هذا من الظلم والتعدي. والموجبُ للعقوبة المذكورة فيه مجموعُ الأمرين من الحبس والمنع من الأكل، وهذا يدل على أن هذا الفعل ذنب عظيم يستحق فاعله النار، وهذا هو الغرض من الإخبار بهذه القصة، وإذا كان هذا في الهرة فكيف بما فوقها من الإبل والبقر والغنم؟! وإذا كان هذا في الحيوان فكيف بظلم بني آدم المعصومين والتعدي عليهم وحبسهم بغير حق، وإيذائهم وتعذيبهم بأنواع العذاب؟! لا ريب أن جرم ذلك فوق ما ذكر بأضعاف مضاعفة، فما جاء في هذا الحديث فهو تنبيه على ما فوقه من الظلم والتعدي.\n\n* الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن المرأة كانت مسلمة، وإنما دخلت النار بسبب الهرة، لقوله: \"عذبت في هرة\"، \"دخلت النار في هرة\"؛ لأنها لو كانت كافرة ما علل دخولها بسبب الهرة.\nوالقول الثاني: أنها كافرة، دلَّ على ذلك ما في \"المسند\" من حديث علقمة، قال: كنا عند عائشة فدخل أبو هريرة، فقالت: أنت الذي تحدث أن امرأة عذبت في هرة أنها ربطتها فلم تطعمها ولم تسقها؟ فقال: سمعته منه، يعني رسول الله - ﷺ -، قال عبد الله -يعني ابن الإمام أحمد-: هكذا قال أبي، فقالت: هل تدري ما كانت المرأة؟ إن المرأة مع ما فعلت كانت كافرة، وإن المؤمن أكرم على الله ﷿ من أن يعذبه في هرة، فإذا حدثت عن رسول الله - ﷺ - فانظر كيف تحدث (^٢).\n_________\n(^١) \"ترتيب القاموس\" (١/ ٢٧١).\n(^٢) \"المسند\" (١٦/ ٤٢٤)، وهذا سند ضعيف، فيه أبو عامر الخزاز، قال عنه أحمد: =","vol":"8","page":208},{"text":"وعلى هذا فإن كانت كافرة فمعناه أنها عذبت بكفرها وزيدت عذابًا بسبب ذلك؛ لأن الحديث نص صريح في تعذيبها بسبب الهرة، ويكون ذكر الهرة تحذيرًا لهذه الأمة من تعذيب الحيوان وأنه سبب للعقوبة، وإن لم تكن كافرة فتعذيبها بسبب الهرة، ولما أصرت على تعذيبها وذلك من الصغائر، صار من الكبائر، وهذا اختيار النووي (^١).\n\n* الوجه الخامس: جواز اقتناء الهرة وحبسها بشرط إطعامها وسقيها؛ لأن الرسول - ﷺ - لم يرتب الذم إلا على ترك إطعامها وسقيها، ويلحق بالهرة ما في معناها، والحديث لا يدل على وجوب إطعامها، بل على وجوب تخليتها تأكل بنفسها.\n\n* الوجه السادس: في الحديث دليل على وجوب نفقة الحيوان على مالكه، كذا قال النووي، وليس في هذه الرواية ما يدل على ذلك؛ لأن الحديث لا يدل على وجوب إطعام الهرة، بل على وجوب تخليتها تأكل بنفسها، لكن في رواية همام، عن أبي هريرة عند مسلم: \"من جَرَّاءِ هرةٍ لها\" فهذه ظاهرها الملك، فيدل على وجوب الإنفاق على البهائم وأن على صاحبها علفها وسقيها وما يصلحها.\n\n* الوجه السابع: لقد سبق الإسلام بقرون عديدة جمعيات الرفق بالحيوان (^٢)، التي تنادي بالحفاظ على الحيوانات وعدم إيذائها، وأما الإنسان فهي لا تهمل الدعوة إلى الرفق به من حيث الجملة، ولكنها تنتقي، فإن كان مسلمًا فلا قيمة له ولا كرامة، وإن كان كافرًا فهو موضع الاحترام والعناية. والله المستعان.\n_________\n= (صالح الحديث) وقال أبو حاتم: (شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به)، وقال الحافظ عنه: (صدوق كثير الخطأ). انظر: \"مسند الطيالسي\" (٣/ ٢٨)، \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٤٤٢).\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (١٤/ ٤٩٠).\n(^٢) تأسست هذه الجمعية عام (١٨٢٤) بالتاريخ النصراني.","vol":"8","page":209},{"text":"* الوجه الثامن: هذا الحديث في النهي عن تعذيب الحيوان وما قبله في فضل الإحسان إلى الخدم ليس لذكرهما في \"باب الحضانة\" مناسبة واضحة، إلا أن يقال: إن الخادم تحت رعاية المخدوم فأشبه الطفل في وجوب مراعاته، وكذا الهرة بحاجة إلى العناية بها إذا حبسها. والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":210},{"text":"<span data-type='title' id=toc-970>كتاب الجنايات</span>\nالجنايات: جمع جناية، وهي مصدر جنى، والقياس أن المصادر لا تجمع، ولكن لما تعددت أنواعها جمعت، فإنها تكون عمدًا، وشبه عمد، وخطأ، وتكون في الأطراف، والنفس.\nوهي لغة: التعدي على بدن أو مال أو عرض.\nوشرعًا: التعدي على البدن بما يوجب قصاصًا أو مالًا، وعلى هذا فالتعريف الشرعي أخص من اللغوي، لاقتصاره على ما يتعلق بالبدن فقط.\nومجيء الشريعة بأحكام الجنايات دليل على كمال هذه الشريعة وأنها جاءت لمصالح العباد بجلب ما ينفعهم، ودفع ما يضرهم؛ لأن الله تعالى شرع بها ما يردع عن العدوان، ويمنع الناس من ظلم بعضهم بعضًا وتعدي بعضهم على بعض.\nولولا هذه العقوبات التي شرعها الله لأهلك الناس بعضهم بعضًا، ولفسد نظام العالم، وليس للناس حياة ولا اطمئنان على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم إلا بتمكين شرع الله تعالى، وعلى حسب قوة الرادع في أي دولة يقوى الأمن، وعلى حسب ضعف الرادع يضعف الأمن، وهذا أمر مشاهد محسوس.","vol":"8","page":211},{"text":"<span data-type='title' id=toc-972>حرمة دم المسلم</span>\n١١٦٥/ ١ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِم يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْسِ بالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدينِهِ الْمُفَارِق للْجَمَاعَةِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n١١٦٦/ ٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - عَنْ رَسُول اللهِ - ﷺ - قَال: \"لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُسْلِمٍ إلا في إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: زَانٍ مُحْصَنٌ فَيُرْجَمُ، وَرَجُلٌ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ، وَرَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ الإسْلَامِ فَيُحَارِبُ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَيُقْتَلُ، أَوْ يُصْلَبُ، أَوْ يُنْفَى مِنَ الأَرْضِ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\nالكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجهما:\n\nأما حديث ابن مسعود - ﵁ - فقد أخرجه البخاري في كتاب \"الديات\"،<span data-type='title' id=toc-971> باب </span>\"قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ \" (٦٨٧) من طريق حفص بن غياث، ورواه مسلم (١٦٧٦) من طريق حفص بن غياث وأبي معاوية ووكيع كلهم من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: … فذكر الحديث.\nورواه مسلم -أيضًا- من طريق سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - فقال: \"والله الذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم … \" وذكره بنحوه.\nوأما حديث عائشة - ﵂ - فقد أخرجه أبو داود في كتاب \"الحدود\"، باب","vol":"8","page":212},{"text":"(الحكم فيمن ارتد) (٤٣٥٣)، والنسائي (٨/ ٢٣)، والحاكم (٤/ ٣٦٧) من طريق إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن عبيد الله بن عمير، عن عائشة -﵂-، به مرفوعًا.\nوهذا الحديث رجاله ثقات، وعبيد بن عمير هو أبو قتادة الليثي.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي. وقال ابن عبد الهادي: (هو حديث صحيح على شرط الصحيح) (^١). وقد نقل الحافظ -هنا- تصحيح الحاكم، وصرح بصحته في \"الدراية\" (^٢).\nوروى مسلم من طريق الأعمش، أنه لما روى حديث ابن مسعود السابق، قال: فحدثت به إبراهيم، فحدثني عن الأسود، عن عائشة بمثله، ولعل الحافظ ذكر حديث عائشة مع أن ما جاء فيه أفاده ما قبله؛ لأن فيه تفسيرًا وتقييدًا وزيادة على ما قبله.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (لا يحل دم امرئ مسلم) أي: لا يجوز سفك دم إنسان مسلم، يعني قتله، وفي رواية عند مسلم من طريق سفيان: \"لا يحل دم رجل\" وهذا كناية عن قتله ولو لم يُرَقْ دمه، كما لو خنقه أو سَمَّه، وإنما عبر بذلك باعتبار الغالب في القتل وهو إراقة الدم.\n\nقوله: (امرئ) أي: رجل، ويقال: مرء مسلم، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَينَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] ومؤنثه: امرأة ومَرْأَة ومَرَةٌ، وخص الذَّكَرَ -هنا- بالذكر لشرفه وأصالته وغلبة دوران الأحكام عليه.\n\nقوله: (يشهد … إلخ) هذه صفة ثانية لقوله: \"مسلم\" وهي صفة كاشفة؛ لأن المسلم لا يكون مسلمًا إلا إذا كان يشهد تلك الشهادة، والصفة الكاشفة هي التي تبين حقيقة الموصوف.\n_________\n(^١) \"التنقيح\" (٣/ ٢٥٤).\n(^٢) (٢/ ٢٦٢).","vol":"8","page":213},{"text":"قوله: (إلَّا بإحدى ثلاث) الباء سببية، وثلاث على تقدير محذوف يفهم من السياق؛ أي: إلَّا بسبب إحدى خصال ثلاث، أو ثلاث خصال، وهي: الزنا والقتل والارتداد، ثم فصلها بتعداد المتصفين بها، كما في حديث عائشة الذي بعده، وقد وقع في رواية الثَّوري: \"إلَّا ثلاثة نفر\".\n\nقوله: (الثيب الزاني) يجوز فيه الجر على أنَّه بدل مما قبله، وعلى البدلية لا بد فيه وفيما بعده من مضاف محذوف، تقديره: خصلة الثيب الزاني، وقصاص النَّفس بالنفس، وترك التارك لدينه، وبدون هذا التقدير يتعذَّر الإبدال؛ لأنَّ الثيب وما بعده ليسوا نفس هذه الخصال، ويجوز رفعه على أنَّه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: وهي، والنصب بتقدير: أعني.\nوالثيب: من ليس ببكر، وهو وصف يطلق على الذكر والأنثى، يقال: رجل ثيب، وامرأة ثيب، وهو عند الفقهاء: المكلف الحر الذي وطئ في نكاح صحيح ولو طلقها، والأنثى مثله.\n\nقوله: (والنفس بالنفس) الباء للمقابلة، والمعنى: أن قاتل النَّفس يقتل في مقابلة النَّفس التي قتلها، ولفظ الحديث هو لفظ الآية، والحديث هنا مطلق، لكنَّه مقيد بما في حديث عائشة - ﵂ - الذي بعده، وهو قوله: \"ورجل يقتل مسلمًا متعمدًا يقتل\" كما أنَّه مقيد بأحاديث ستأتي.\n\nقوله: (والتارك لدينه المفارق للجماعة) أي: المرتد عن الإسلام، والمراد بالجماعة: جماعة المسلمين؛ أي: فارقهم بالارتداد ولو كان بينهم، وإلا فالغالب أنَّه لا يبقى معهم، وهي صفة للتارك، لا صفة مستقلة، وإلا لكانت الخصال أربعًا.\n\nقوله: (ورجل يقتل مسلمًا) التّقييد بالرجل لا مفهوم له؛ لأنَّ المرأة مثله، وإنَّما خص الرجل؛ لأنَّ الغالب أن القتل يقع من الرجال.\n\nقوله: (ورجل خرج من الإسلام) الخروج من الإسلام إمَّا أن يراد به الردة، وإما أن يراد به المحاربة، بدليل ما بعده، ويكون التعبير بالخروج عن الإسلام للوعيد الشديد على الخروج على الإمام.","vol":"8","page":214},{"text":"قوله: (فيحارب الله ورسوله) المراد بالمحاربة هنا: المضادة والمخالفة والمناقضة، وهي صادقة على الكفر وعلى قطع الطَّريق وإخافة السبيل، لكن قوله: \"فيقتل … \" يؤيد أن المراد به المحارب، فإن ما ذكر هنا هو الذي أمر الله به في حق المحاربين (^١).\n\nقوله: (يصلب) الصلب: تعليق الإنسان للقتل على جذع ونحوه.\n\nقوله: (أو ينفى من الأرض) النفي من الأرض: هو الجلاء والإخراج منها، والمراد هنا: أن يبعد من بلده إلى بلد آخر.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على عصمة دم المسلم؛ وأنَّه لا يحل دمه إلَّا إذا ارتكب واحدًا من هذه الخصال الثلاث، وهي:\n١ - الزنا بعد الإحصان، بخلاف البكر، فإنَّه يجلد ويغرب ولا يرجم.\n٢ - قتل النَّفس عمدًا عدوانًا، لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وعموم الحديث يدل على أنَّه يقتل الحر بالعبد، والرجل بالمرأة، والمسلم بالكافر، وسيأتي الكلام في ذلك.\n٣ - الارتداد عن دين الله تعالى.\nفمن فعل واحدة من هذه الثلاث استحق عقوبة القتل؛ إمَّا كفرًا وهو المرتد، وإما حدًّا وهما: الزاني والقاتل، وذلك لما في قتله من المصالح العظيمة، وهي حفظ الأنساب والنفوس والأديان.\nوالأصل في الدماء العصمة شرعًا وعقلًا، أما عقلًا فلأن الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم ليؤدي دوره في هذه الحياة، وفي القتل إبادة له وحرمان له من الحياة، وإفساد لهذه الصورة الإنسانية.\nوأمَّا شرعًا فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (٧/ ٨).","vol":"8","page":215},{"text":"فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣].\nوهذه الأمور الثلاثة سيأتي تفصيلها -إن شاء الله تعالى- عند أحاديثها، منها: ما في هذا الباب، ومنها ما هو في الأبواب القادمة.\n\n° الوجه الرابع: مفهوم قوله: \"إلَّا بإحدى ثلاث\" أنَّه لا يحل إراقة دم المسلم بغير هذه الثلاث، وقد جاء ما يدل على أنَّه يحل بغيرها، فيكون عموم هذا المفهوم مخصصًا بما ورد من الأدلة الدّالة على أنَّه يحل دم المسلم بغير الأمور المذكورة، ومنهم من قال: إن ما ورد من الأدلة الأخرى يمكن رده إلى حديث ابن مسعود -﵁- (^١).\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنَّه لا بد في صحة إسلام المرء من نطقه بالشهادتين: لأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - جعلهما كالتفسير والوصف للمسلم، وذلك لا يعرف إلَّا بالتلفظ والاتصاف.\n\n° الوجه السادس: استدل جماعة من أهل العلم بهذا الحديث على أن تارك الصَّلاة كسلًا لا يقتل، وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة، وقول المزني من الشَّافعية، والزهري وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وداود بن علي (^٢)؛ لأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - حصر إهدار دم المرء المسلم في هذه الثلاثة بلفظ النفي والاستثناء، وتركُ الصَّلاة ليس واحدًا منها.\nوأجيب عن ذلك بجوابين:\nالأوَّل: أن هذا الحديث عام خصصته الأحاديث الدّالة على وجوب قتل تارك الصَّلاة (^٣)، ومنها: حديث ابن عمر -﵄-، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل النَّاس حتَّى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلَّا بحق\n_________\n(^١) \"جامع العلوم والحكم\" حديث (١٤)، \"نيل الأوطار\" (٧/ ٧).\n(^٢) \"الصَّلاة\" لابن القيِّم عن (١٧).\n(^٣) \"المغني\" (٣/ ٣٥٣)، \"المجموع\" (٣/ ١٧).","vol":"8","page":216},{"text":"الإسلام، وحسابهم على الله\" (^١).\nالثَّاني: أن الحديث دليل على أنَّه يقتل؛ لأنَّه جعل التارك لدينه منهم، والصلاة ركن الدين الأعظم، ولا فيما إذا قلنا بأنه كافر، فقد ترك الدين بالكلية، وإن لم يكفر فقد ترك عمود الدين (^٢).\nأما من ترك الصَّلاة جاحدًا لوجوبها فلا خلاف في كفره وأنَّه مرتد عن دين الإسلام، ويقام عليه حد الردة، والخلاف فيمن تركها كسلًا وهو يعترف بفرضيتها.\n\n° الوجه السابع: في حديث عائشة - ﵂ - دليل على أن من أقام محاربًا بعد ارتداده أن الإمام غير فيه بين قتله أو صلبه أو نفيه، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] لكن ينبغي تقييد حرابته بما إذا لم يَقْتُلْ وإلا قُتل.\nأما من ارتد ولم يحارب فلا يعاقب إلَّا بالقتل، كما دل عليه حديث ابن مسعود -﵁-. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البُخاريّ (٢٥)، ومسلم (٢٢).\n(^٢) \"الصَّلاة\" لابن القيِّم عن (٢٠).","vol":"8","page":217},{"text":"<span data-type='title' id=toc-973>تعطيم شأن الدماء</span>\n١١٦٧/ ٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَينَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ في الدِّمَاءِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأوَّل: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البُخاريّ في كتاب \"الرقاق\"، باب \"القصاص يوم القيامة\" (٦٥٣٣)، ومسلم (١٦٧٨) من طريق الأعمش، حدثني شقيق، قال: سمعت عبد الله يقول: قال رسول الله - ﷺ - … فذكره.\nوهذا لفظ مسلم؛ لأنَّ لفظة (يوم القيامة) ليست عند البُخاريّ.\n\n° الوجه الثَّاني: في الحديث دليل على عظم شأن دم الإنسان، فإنَّه لم يُبدأ به يوم القيامة في القضاء والفصل بين النَّاس إلَّا لكونه أهمَّ وأعظمَ من غيره من أنواع المظالم بين العباد، وذلك الشاهدم البنية الإنسانية من أعظم المفاسد، كما تقدم، وهذا فيه تحذير بليغ من حقوق العباد عمومًا؛ لئلا تلحق المسلمَ عاقبتُها في ذلك الموقف العظيم، وأعظمها الدماء، قال ابن دقيق العيد: (هذا تعظيم لأمر الدماء، فإن البدء يكون بالأهم فالأهم، وهي حقيقة بذلك، فإن الذنوب تعظم بحسب عظم المفسدة الواقعة بها، أو بحسب فوات المصالح المتعلقة بعدمها، وهدم البنية الإنسانية من أعظم المفاسد، ولا ينبغي أن يكون بعد الكفر بالله تعالى أعظم منه) (^١).\n\n° الوجه الثالث: ورد هذا الحديث عند النَّسائيّ بلفظ: \"أول ما يحاسب\n_________\n(^١) \"إحكام الأحكام\" (٤/ ٣٠٤).","vol":"8","page":218},{"text":"به العبد الصَّلاة، وأول ما يقضي بين النَّاس في الدماء\" (^١). وهذا يدل على عظم شأن الصَّلاة، فإنَّه لم يُبدأ بها يوم القيامة في الحساب إلَّا لكونها أعظم العبادات.\nولا منافاة بين أول الحديث وآخره -إن قيل بصحته (^٢) -، لأنَّ أوله يتعلق بما بين العبد وربه، وآخره بما بين العبد وغيره من الخلق (^٣)، أو يقال: إن أوله في أولية الحساب، وآخره في أولية القضاء، والقضاء معناه: الفصل في الخصومات، والحساب: إطلاع العباد على أعمالهم، وهذا كله من باب الجمع بالاعتبار المذكور، فإن قلنا بالترجيح -وهو المتعين- فلا كلام في ترجيح ما في \"الصحيحين\". والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"السنن\" (٧/ ٨٣)، وهو من طريق إسحاق الأزرق، عن عاصم، عن شقيق به.\n(^٢) لأنَّه من رواية عاصم بن بهدلة، وهو لا يقارن بالأعمش.\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٣٩٦).","vol":"8","page":219},{"text":"<span data-type='title' id=toc-974>حكم قتل الحر بالعبد</span>\n١١٦٨/ ٤ - عَنْ سَمُرَةَ -﵁- قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدع عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ سَمُرَةَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ في سَمَاعِهِ مِنْهُ، وَفي رِوَايَةِ أَبي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ: \"وَمَنْ خَصى عَبْدَهُ خَصَينَاهُ\"، وَصحّحَ الْحَاكِمُ هَذِه الزِّيَادَةَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأوَّل: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٣٣/ ٢٩٦)، وأبو داود في كتاب \"الديات\"، باب \"من قتل عبده أو مَثَّلَ به أيقاد منه؟ \" (٤٥١٥)، والترمذي (١٤١٤)، والنَّسائيُّ (٨/ ٢١)، وابن ماجة (٢٦٦٣) من طرق عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، مرفوعًا.\nوقد رواه عن قتادة جماعة منهم: شعبة، وأبو عوانة، وابن أبي عروبة وغيرهم.\nورواه أبو داود (٤٥١٦)، والنَّسائيُّ (٨/ ٢٠)، والحاكم (٤/ ٣٦٧ - ٣٦٨) من طريق هشام، عن قتادة، به بزيادة: \"ومن خصى عبده خصيناه\".\nقال الحاكم: (هذا حديثٌ صحيحٌ الإسناد، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، وقال التِّرمذيُّ: (هذا حديث حسن غريب)، ونقل في \"العلل\" عن البُخاريّ أنَّه قال: (كان علي بن المديني يقول بهذا الحديث) قال محمَّد:","vol":"8","page":220},{"text":"(وأنا أذهب إليه) (^١).\nوالحديث مداره على رواية الحسن، عن سمرة، وفي سماع الحسن عن سمرة خلاف تقدم ذكره، وخلاصته: أنَّه قيل: إنَّه سمع منه، وقيل: لم يسمع منه شيئًا، وإنَّما هو كتاب، وقيل: إنَّه سمع منه حديث العقيقة فقط، وهذا ثابت، وأمَّا غيره فهو محل نظر، وهذا هو الأقرب، ثم إنَّه ليس هذا هو المهم، وإنَّما المهم أن الحسن كان يدلس، ولا يقبل من حديثه إلَّا ما صرح فيه بالسماع، وهو هنا رواه بالعنعنة، وقد جاء في سياق الإسناد عند الإمام أحمد التصريح بأن الحسن لم يسمعه من سمرة.\nولهذا قال الحافظ ابن رجب: (وقد طعن في هذا الحديث الإمام أحمد وغيره) (^٢).\nورواه عبد الرَّزاق في \"مصنفه\" (٩/ ٤٨٨) عن معمر، عن قتادة، عن الحسن مرسلًا. وقد تكلم العلماء في رواية معمر عن قتادة (^٣).\n\n° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من جدع عبده جدعناه) الجدع: هو القطع، يقال: جدعت الأنف جدعًا من باب (نفع): قطعته، وكذا الأذن واليد والشفة، لكنَّه بالأنف أخص (^٤).\n\nقوله: (ومن خمس عبده خصيناه) الخِصَاءُ: سَلُّ الخصيتين ونزعهما، تقول: خصيت العبد أخصيه خِصاء -بالكسر-: سللت خِصْييه، فهو خَصِيٌّ (^٥).\n\n° الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال بأن الحر يقتل بالعبد قصاصًا، فإذا قَتَلَ حر عبدًا وجب الاقتصاص منه، وهذا قول النَّخعيُّ وداود\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" (٢/ ٥٨٨)، \"التَّاريخ الكبير\" (٢/ ٢٩٠).\n(^٢) \"جامع العلوم والحكم\" حديث (١٤).\n(^٣) انظر: \"شرح علل التِّرمذيُّ\" (٢/ ٦١١ - ٦١٢).\n(^٤) \"المصباح المنير\" عن (٩٣).\n(^٥) \"المصباح المنير\" عن (١٧١).","vol":"8","page":221},{"text":"الظاهري، وهو مروي عن قتادة والثوري، وهو اختيار ابن تيمية وابن عثيمين (^١).\nووجه الاستدلال: أن الحديث دل على أن السيد يقاد بعبده في النَّفس والأطراف، وإذا كان القصاص مشروعًا في حق السيد إذا اعتدى على عبده، فإنَّه يكون مشروعًا في حق من قتل عبد غيره من باب أولى، كما استدلوا بعموم الأدلة في وجوب القصاص، وبقوله - ﷺ -: \"المؤمنون تتكافأ دماؤهم\" وسيأتي، فدل على أن دماء المؤمنين متكافئة، وأن العبرة بأصل الإيمان، وليست العبرة بالحرية والرق.\nوقال أبو حنيفة وأصحابه: يقتص من الحر إذا قتل عبد غيره، ولا يقتص منه إذا قتل عبده (^٢).\nواستدلوا: بقول النَّبيِّ - ﷺ - لِزِنْبَاع بن روح بن سلامة الجُذاميّ لما جبَّ عبده وجاع أنفه: \"من مَثَّلَ بعبده أو حرقه بالنار فهو حر، وهو مولى الله ورسوله\" (^٣).\nوذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن الحر لا يقتل بالعبد مطلقًا، سواء أكان عبده أم عبد غيره، وإنَّما يؤدب، وعليه قيمته بالغةً ما بلغت، واختاره ابن باز في \"شرحه\" على \"البلوغ\" (^٤).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] قالوا: فمقتضى ظاهر هذه الآية أن الحر لا يقتل إلَّا بالحر، وأن العبد لا يقتل إلَّا بالعبد، وأن الأنثى لا تقتل إلَّا بالأنثى، إلَّا أننا خالفنا الظاهر في قتل العبد بالحر وقتل الأنثى بالذكر للإجماع على\n_________\n(^١) \"المحلى\" (١٠/ ٤٧٠)، \"المغني\" (١١/ ٤٧٣)، \"الاختيارات\" عن (٢٨٩)، \"الشَّرح الممتع\" (١٤/ ٤٠).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٧/ ٢٣٥).\n(^٣) رواه البيهقي (٨/ ٣٦)، وفي سنده المثني بن الصباح قال البيهقي: (ضعيف لا يحتج به).\n(^٤) \"المهذب\" (٢/ ١٧٣)، \"بداية المجتهد\" (٢/ ٣٩٧)، \"المغني\" (١١/ ٤٧٣).","vol":"8","page":222},{"text":"ذلك (^١). وللمعنى المستنبط من نسق الآية، وهو أن الجنس يقتل بما يماثله، وإذا قُتل بما يماثله قتل بما هو فوقه من باب أولى، وأمَّا الحر فإنَّه لا يقتل بالعبد؛ لأنَّه لا يلزم من قتل الجنس بما يماثله أن يقتل بمن هو دونه، والعبد لا يساوي الحر بل هو أقل منه (^٢).\nوالقول الأول وجيه لما تقدم؛ ولأنَّه هو الذي يتمشى مع ما تهدف إليه الشريعة من حقن الدماء والحفاظ على الأرواح من أن تُزهق بغير حق، قال ابن تيمية: (ليس في العبد نصوص صريحة صحيحة تمنع قتل الحر به) وقَوَّى أنَّه يقتل به، وقال: هذا الراجح (^٣).\nوأمَّا الآية فلا دلالة فيها على المدَّعَى؛ لأنَّها لم ترد لبيان مقابلة الجنس بجنسه وحتمية ذلك، وإنَّما وردت -والله أعلم- ردًّا على أناس حصل بينهم قتال في الجاهلية، ولم يقتصوا إلَّا بعد الإسلام، وحلفوا ألا يرضوا إلَّا بالحر بدل العبد، والرجل بدل المرأة، ثم إن الاستدلال بها عن طريق مفهوم المخالفة، وهو لا يعتبر حجة إذا عارضه المنطوق، والذي يظهر أن الاستدلال بالآية غير ظاهر، كما يقول الشوكاني (^٤)، وأمَّا دليل أبي حنيفة فهو ضعيف، فيه المثنى بن الصباح، وهو لا يحتج به. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الإجماع\" لابن المنذر عن (١٤٤ - ١٤٥).\n(^٢) \"تفسير الرَّازي\" (٥/ ٥٠).\n(^٣) \"الفتاوى\" (١٤/ ٨٥ - ٨٦)، \"الإنصاف\" (٩/ ٤٦٩).\n(^٤) انظر: \"نيل الأوطار\" (٧/ ١٨).","vol":"8","page":223},{"text":"<span data-type='title' id=toc-975>حكم قتل الوالد بالولد</span>\n١١٦٩/ ٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ -﵁- قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بالْوَلَدِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ، والتِّرْمِذِي، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَالْبَيهَقيُّ، وَقَال التِّرْمِذِيُّ: إِنَّهُ مُضْطَرِب.\n\n* الكلام عليه من وجوهين:\n\n° الوجه الأوَّل: في تخريجه:\nفقد رواه أحمد (١/ ٤٢٣)، والترمذي في أبواب \"الديات\"، باب \"ما جاء في الرجل يقتل ابنه يقاد منه أم لا؟ \" (١٤٠٠)، وابن ماجة (٢٦٦٢) من طريق الحجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: … فذكره.\nوهذا سند ضعيف؛ لأنَّ فيه الحجاج بن أرطأة، وهو ضعيف، وبه أعله الحافظ في \"التلخيص\" (^١)، قال ابن المبارك: (كان الحجاج يدلس، فكان يحدثنا بالحديث عن عمرو بن شعيب مما يحدثه العرزمي، والعرزمي متروك لا نقر به) (^٢).\nوقد تابع الحجاجَ ابنُ لهيعة، كما عند أحمد (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣) وصرح بالتحديث عن عمرو بن شعيب، وهذا فيه نظر، فقد قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: (لم يسمع ابن لهيعة من عمرو شيئًا) (^٣). ومما يؤيد ذلك أن الإمام أحمد رواه -أيضًا- من طريق ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب به،\n_________\n(^١) (٤/ ٢٠).\n(^٢) \"التَّاريخ الكبير\" (٢/ ٣٧٨).\n(^٣) \"المراسيل\" (٤١٧).","vol":"8","page":224},{"text":"هكذا بالعنعنة (^١).\nورواه ابن الجارود (٧٨٨)، والبيهقيّ (٨/ ٣٨) من طريق محمَّد بن عجلان، وابن أبي عاصم في \"الديات\" (٦٦) من طريق المثني بن الصباح، كلاهما عن عمرو بن شعيب به.\nوقد صحح الحديث ابن الجارود، والبيهقيّ، كما في \"معرفة السنن\" (١٢/ ٤٠) فإنَّه لما رواه من طريق ابن عجلان قال: (هذا إسناد صحيح)، ثم رواه من طريق الحجاج، وقال: (والحجاج غير محتج به).\nوقد حكم التِّرمذيُّ على هذا الحديث بأنه مضطرب، وذلك أنَّه روي موصولًا عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن عمر، وروي عن سراقة بن مالك، عن النَّبيِّ - ﷺ -، وروي عن عمرو بن شعيب مرسلًا (^٢)، ورويَ من حديث ابن عباس -﵄-، ومع أن التِّرمذيُّ حكم باضطرابه إلَّا أنَّه قال: (والعمل على هذا عند أهل العلم أن الأب إذا قتل ابنه لا يقتل به).\n\n° الوجه الثَّاني: استدل بهذا الحديث من قال: إنَّه لا يقاد الوالد بالولد، والمعنى: أن الوالد إذا قتل ولده فإنَّه لا يجب عليه القصاص سواء أكان القاتل هو الأب أَمِ الأم، وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة (^٣)، واختاره ابن باز في \"شرحه\".\nكما استدلوا بعموم الأدلة الموجبة لبر الوالدين والإحسان إليهما، والاقتصاص منهما ينافي ذلك؛ ولأن الوالد سبب في إيجاد الولد، فلا ينبغي أن يكون الولد سببًا في إعدام الوالد؛ ولأن القصاص شرع للردع والزجر، وليس هناك حاجة إلى ردع الوالد عن قتل ولده؛ لما هو معروف عن الوالدين من الشفقة على أولادهم والرحمة بهم، وهذه تمنعهم من قتل أولادهم ظلمًا وعدوانًا.\n_________\n(^١) \"المسند\" (١/ ٤٠٩).\n(^٢) انظر: \"العلل\" للدارقطني (٢/ ١٠٧).\n(^٣) \"بدائع الصنائع\" (٧/ ٢٣٥)، \"المهذب\" (٢/ ١٧٤)، \"المغني\" (١١/ ٤٨٣).","vol":"8","page":225},{"text":"وقال داود الظاهري ومالك وأحمد في رواية عنهما وابن المنذر: إنَّه يجب القصاص على الوالد إذا قتل ولده؛ لعموم الأدلة في وجوب القصاص من القاتل، وعدم ورود ما يقوى على تخصيصها، واختار هذا ابن عثيمين (^١).\nوأجابوا عن الأحاديث بأنها لا تقوم بها حجة، لما تقدم من الكلام عليها، وأمَّا التعليل بأن الوالد سبب إيجاد الولد … فهو مردود؛ فإن الولد لم يكن سببًا في إعدام والده، بل هو سبب إعدام نفسه.\nوقال مالك: إن تعمد القتل تعمدًا لا شك فيه مثل أن يضجعه ويذبحه أو يبقر بطنه ونحو ذلك، قتل، بخلاف ما لو ضربه بعصا ونحوه، فمات (^٢).\nوكأن مالكًا غَلَّبَ شفقة الأب وأنها شبهة قائمة في عدم قتل الأب بابنه إلَّا في حالة تزول فيها الشفقة زوالًا لا لبس فيه، كالصور المتقدمة، فهنا تأتي عمومات الأدلة.\nوعند التأمل نجد أن العمومات قوية في هذه المسألة، وتبقى الأدلة المعارضة لها، هل تقوى على تخصيصها أو لا؟ ويبقى نظر القاضي واجتهاده. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الشَّرح الممتع\" (١٤/ ٤٣ - ٤٤).\n(^٢) \"المدونة الكبرى\" (٦/ ٢٢٨)، \"بداية المجتهد\" (٤/ ٣٠٣).","vol":"8","page":226},{"text":"<span data-type='title' id=toc-976>ما جاء في قتل المسلم بالكافر وأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم</span>\n١١٧٠/ ٦ - عَنْ أَبي جُحَيفَةَ قَال: قُلْتُ لِعَليٍّ - ﵄ -: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ مِنَ الْوَحْيِ غَيرُ الْقُرْآنِ؟ قَال: لَا، وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إلا فَهْمٌ يُعْطِيهِ اللهُ تَعَالى رَجُلًا في الْقُرْآنِ، وَمَا في هذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا في هذِه الصَّحِيفَةِ؟ قَال: \"الْعَقْلُ، وَفِكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n١١٧١/ ٧ - وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ -﵁- وَقَال فِيهِ: \"المُؤْمِنُونَ تَتَكافأُ دِمَاؤُهُمْ، ويسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ\" وَصحَّحَهُ الحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأوَّل: في تخريجهما:\nأما حديث أبي جحيفة -﵁- فقد رواه البُخاريّ في عدة مواضع من \"صحيحه\"، أولها في كتاب \"العلم\"، باب \"كتابة العلم\" (١١١)، ومنها في كتاب \"الجهاد\"، باب \"فكاك الأسير\" (٣٠٤٧) من طريق زهير، حدَّثنا مطرف، أن عامرًا حدثهم عن أبي جحيفة -﵁- قال: قلت لعلي - ﵁ - … وذكر الحديث.\nوعامر هو الشعبي، وأبو جحيفة هو الصحابي الجليل وهب السُّوائيُّ، وهذا الحديث فيه رواية صحابي عن صحابي.","vol":"8","page":227},{"text":"وأمَّا حديث علي - ﵁ - فقد رواه أحمد (٢/ ٢٨٦)، وأبو داود (٤٥٣٠)، في كتاب \"الديات\"، باب \"أيقاد المسلم بالكافر؟ \" والنَّسائيُّ (٨/ ١٩ - ٢٠) من طريق يَحْيَى بن سعيد، أخبرنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عُبَاد، قال: انطلقت أنا والأشتر (^١) إلى علي - ﵁ - فقلنا: هل عهد إليك رسول الله - ﷺ - شيئًا لم يعهده إلى النَّاس عامة؟ قال: لا، إلَّا ما في كُتابي هذا … فإذا فيه: \"المؤمنون تتكافأ دماؤهم … الحديث، وتمامه: من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين\".\nوقد صحح هذا الإسناد ابن عبد الهادي، والحافظ ابن حجر (^٢)، وسماع يَحْيَى بن سعيد القطان من ابن أبي عروبة كان قبل اختلاطه. وفيه الحسن البصري وهو مدلس، وقد عنعنه، ولكنه قد توبع، فقد رواه أبو داود (٢٠٣٥)، والنَّسائيُّ (٨/ ٢٤)، وأحمد (٢/ ٢٦٧) من طرق، عن قتادة، عن أبي حسَّان الأعرج، عن علي بنحوه، وفي \"المسند\" أن عليًّا كان يأمر بالأمر فيؤتى … الحديث.\nوأبو حسَّان الأعرج، واسمه مسلم بن عبد الله، من رجال مسلم، وهو صدوق، وروايته عن علي مرسلة، ثم إن الحديث فيه عنعنة قتادة، وهو مدلس. وقد ثبت في \"الصحيحين\" من حديث علي - ﵁ - ولفظه: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم). وسيأتي هذا في كتاب \"الجهاد\" إن شاء الله تعالى.\n\n° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (هل عندكم) الخطاب لعلي -﵁-، والجمع إمَّا لإرادته مع بقية أهل البيت، أو للتعظيم، وإنَّما سأل أبو جحيفة عليًّا - ﵁ -؛ لأنَّ جماعة من\n_________\n(^١) قيس بن عباد -بضم العين، وتخفيف الموحدة- ثقة، والأشتر هو مالك بن الحارث النَّخعيُّ، كان رئيس قومه في الجاهلية، أسلم وشهد اليرموك وذهبت عينه فيها، وله عليٌّ - ﵁ - على مصر، فقصدها، ولكن مات في الطَّريق. انظر: \"الإصابة\" (١٠/ ٣)، \"الإعلام\" (٦/ ١٣١).\n(^٢) \"التنقيح\" (٤/ ٤٦٠)، \"الدراية\" (٢/ ٢٦٢).","vol":"8","page":228},{"text":"الرافضة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت -لا سيما عليًّا- أشياء من الوحي، خصهم بها رسول الله - ﷺ - لم يطلع عليها غيرهم، وقد سأل هذا السؤال قيس بن عباد والأشتر النَّخعيُّ، كما تقدم، كما سأله غيرهما (^١).\nوالظاهر أن المسؤول عنه هنا ما يتعلق بالأحكام الشرعيّة من الوحي الشامل للكتاب والسنة.\n\nقوله: (قال: لا) أي: لا شيء عندنا، فحذف اسم لا وخبرها، لدلالة السياق.\n\nقوله: (والذي فلق الحبة) الواو للقسم، والغرض منه: تأكيد ما تضمنته، وهو أن النَّبيَّ - ﷺ - لم يخصه بشيء من علم الدين دون غيره من النَّاس.\nومعنى (فلق الحبة) أي: شقها فأخرج منها النبات والغصن، والحبة: ما يكون في السنبل والأكمام.\n\nقوله: (وبرأ النسمة) بفتح الباء والراء؛ أي: خلق، والنسمة -بفتح النون والسين-: النَّفس، وكل دابة فيها روح فهي نسمة، والجمع: نَسَم، بالتحريك، مثل: قصبة وقصب.\n\nقوله: (إلَّا فَهْمٌ) مرفوع على أنَّه بدل من (شيء) أي: ليس عندنا شيء إلَّا فهم، قال الجوهري: (فهمت الشيء فهمًا: علمته) (^٢) والفهم: جودة استعداد الذهن للاستنباط وحسن تصور المعنى.\n\nقوله: (وما في هذه الصحيفة) أي: وما في هذه الورقة، وكانت بِقِرَابِ سيفٍ، كما عند مسلم (^٣)، وفي لفظ النَّسائيّ وغيره: (فأخرج كتابًا من قراب سيفه) (^٤) والقراب: بالكسر، وعاء يكون فيه السيف بغمده وحمائله.\n\nقوله: (والعقل) بفتح العين، وسكون القاف، هي الدية، والمراد هنا:\n_________\n(^١) راجع: \"البداية والنهاية\" (١٠/ ٥٢٩).\n(^٢) \"الصحاح\" (٥/ ٢٠٠٥).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (١٣٧٠).\n(^٤) \"سنن النَّسائيّ\" (٨/ ١٩).","vol":"8","page":229},{"text":"تفصيل أحكامها، وسميت الدية عقلًا؛ لأنَّ أولياء القاتل كانوا يعطون أولياء المقتول الدية من الإبل، ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال، وهو الحبل.\n\nقوله: (وفكاك الأسير) بكسر الفاء وفتحها، إطلاق أسره وتخليصه من يد العدو، والمراد هنا: الترغيب فيه.\n\nقوله: (تتكافأ دماؤهم) أي: تتساوى في الديات والقصاص، فلا فرق في ذلك بين الشريف والوضيع، والكبير والصغير، والعالم والجاهل.\n\nقوله: (ويسعى بذمتهم أدناهم) الذمة: الأمان والعهد والضمان، والمعنى: أن الواحد من المسلمين إذا أمَّن كافرًا، حرم دمه على جميع المسلمين، ولو كان هذا المجير أصغر المسلمين، والمراد بالأدنى: أقلهم عددًا، وهو الواحد، أو أسفلهم رتبة وشرفًا، وهو العبد أو الأجير ونحوهما.\n\nقوله: (وهم يد علي من سواهم) أي: هم مجتمعون على أعدائهم يعين بعضهم بعضًا، وكما أن اليد الواحدة لا يمكن أن يميل بعضها إلى جانب وبعضها إلى جانب، فكذلك اللائق بشأن المسلمين.\n\nقوله: (ولا ذو عهد في عهده) أي: ولا يقتل معاهد في مدة عهده حتَّى يبلغ مأمنه ما دام أنَّه قائم بالعهد غير ناقض إياه.\nوالمعاهد: من أُبرم معه أو مع دولته معاهدة صلح أو معاهدة عدم اعتداء.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنَّه لا يجوز قتل المسلم بالكافر، سواء أكان حربيًّا أم ذميًّا أم مستأمنًا.\nوالحربي: هو من لا عهد له ولا ذمة، وهو الكافر الذي يحمل جنسية الدولة الكافرة المحاربة للمسلمين، سواء أكانت محاربة بالفعل أم لا.\nوالذمي: من أُمضي له عقد الذمة، وهو عهد يعطى للمقيمين من غير المسلمين في دولة المسلمين بعدم التعرض له في نفسه وماله ودينه، إذا أَعطوا الجزية والتزموا أحكام الإسلام.\nوالمستأمن: من أُعطي الأمان الموقت على نفسه وماله وعرضه ودينه، لغرض شرعي؛ كسماع كلام، أو تجارة أو سفارة ونحو ذلك.","vol":"8","page":230},{"text":"وهذا قول الجمهور من الشَّافعية والحنابلة والظاهرية (^١).\nوقد جاءت دلالة الحديث من جهة المنطوق والمفهوم، أما المنطوق فمن قوله: \"ولا يقتل مسلم بكافر\" والكافر لفظ عام، يشمل كل كافر حربيًّا أم ذميًّا أم مستأمنًا، وأمَّا المفهوم فقوله في رواية قيس بن عباد: \"المؤمنون تتكافأ دماؤهم\" فإن مفهومه أن دماء غير المسلمين لا تكافئ ولا تساوي دماء المؤمنين، وعليه فلا قصاص من المسلم للكافر، ويؤيد ذلك أن الله تعالى نفى التساوي بين المؤمنين والكافرين، فقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ [القلم: ٣٥] وإذا انتفى التساوي والتكافؤ بين الفريقين انتفى وجوب القصاص المبني على المماثلة والمساواة.\nوالقول الثَّاني: أنَّه يجب القصاص على المسلم إذا قتل ذميًّا عمدًا عدوانًا، وهو قول أبي حنيفة (^٢)، لعموم الأدلة التي دلت على مشروعية القصاص، كقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] ولحديث ابن مسعود - ﵁ - السابق، وفيه: \"والنفس بالنفس\"، وحملوا حديث الباب على الحربي.\nوالقول الثالث: أنَّه يجب القصاص على المسلم إذا قتل ذميًّا غِيلَة، وهو قول المالكيّة، ولهم تفسيرات عديدة لقتل الغيلة، ومنها: أن يضجعه فيذبحه وبخاصة على ماله، وقيل: هي الغدر، وهي أن يقتله على زوجته أو ماله، وقيل: أن يخدعه حتَّى يدخله موضعًا ويأخذ ما معه، وقيل: غير ذلك (^٣).\nواستدلوا بما ورد عن عبد الله بن يعقوب، عن عبد الله بن عبد العزيز بن صالح الحضرمي، أنَّه قال: (قتل رسول الله - ﷺ - يوم خيبر مسلمًا بكافر قتله غيلة) (^٤).\n_________\n(^١) \"المهذب\" (٢/ ١٧٣)، \"المحلّى\" (١٢/ ١١)، \"المغني\" (١١/ ٤٦٥).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٧/ ٣٧).\n(^٣) انظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ٣٠٠)، \"عقوبة الإعدام\" ص (٢١٣).\n(^٤) \"المراسيل\" لأبي داود (٢٤٢)، وسنده ضعيف.","vol":"8","page":231},{"text":"والراجح هو القول الأوَّل، لقوة أدلته وصراحتها في الدلالة على المراد، وأما أدلة أصحاب القول الثَّاني فهي عامة تخصص بما ورد من أنَّه لا يقتل مسلم بكافر، وأمَّا دليل المالكيّة فهو ضعيف؛ لأنَّه مرسل مسلسل بالمجاهيل، فلا تقوم به حجة.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنَّه لا يجوز قتل المعاهد في مدة عهده، وذلك وفاء بالعهد الذي أعطي للمعاهدين، وأصبحوا بموجبه معصومي الدم، ما داموا قائمين بالعهد غير ناقضين إياه، ومن قتل معاهدًا لم يقتص منه على قول الجمهور، لكن عليه الدية، وعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنَّة\" (^١).\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على أن المسلم الواحد إذا أمَّن حربيًّا صار أمانه ساريًا على عموم المسلمين، فيجب احترام أمانه ولا يحل هتك عهده وعقده، ولو كان الذي أمَّنه عبد أو امرأة ونحوهما. فإذا قال: أَمّنِّي حتَّى أكلم الأمير، أو اتصل بفلان أو نحو ذلك، فأمنه لم يجز قتله حتَّى يُرَدَّ إلى مأمنه، وفي حديث أم هانئ - ﵂ - أنَّها قالت: يا رسول الله زعم ابن أمي على أنَّه قاتل رجلًا قد أجرته، فقال رسول الله - ﷺ -: \"قد أجرنا من أجرت يا أُمَّ هانئ\" (^٢).\n\n° الوجه السادس: في الحديث دليل على تساوي المسلمين في القصاص والدية، فلا فرق بين شريف ووضيع، أو صغير وكبير، وليس أحد أفضل من أحد لا في نسب ولا جنس ولا لون، بل هم أمام الحق سواء، وهذا بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية من المفاضلة وعدم المساواة.\n\n° الوجه السابع: في الحديث دليل على وجوب العمل على فِكاك الأسير المسلم والسعي إلى تخليصه من الأسر، وقد ورد الأمر بذلك والترغيب فيه،\n_________\n(^١) رواه البُخاريّ (٣١٦٦)، وسيأتي شرحه إن شاء الله في آخر \"الجهاد\".\n(^٢) رواه البُخاريّ (٣١٧١)، ومسلم (١/ ٤٩٨) رقم (٨٢)، وسيأتي شرحه إن شاء الله في \"الجهاد\".","vol":"8","page":232},{"text":"قال تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] والمراد بذلك: إعتاقها من الرق، أو تخليصها من الهلكة (^١) وقال رسول الله - ﷺ -: \"عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا المعاني\" (^٢)، والعاني: الأسير.\n\n° الوجه الثامن: في الحديث دليل على وجوب اتحاد كلمة المسلمين ضد أعداء الإسلام، ووقوفهم صفًّا واحدًا لمن أراد النيل من دينهم وعقيدتهم، أو حاول تفريق صفهم وتشتيت أمرهم، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]. وهذا يفيد منع تولية الكفار شيئًا من الولاية أو أمور المسلمين؛ لأنَّ للولي يدًا على المولَّى عليه.\n\n° الوجه التاسع: في الحديث دليل على أن الرسول - ﷺ - لم يخص أهل البيت بشيء من العلم دون سائر الأمة؛ لأنَّ عليًّا - ﵁ - نفى ذلك، وأكد النفي بالقسم بالله تعالى الذي برأ النسمة وفلق الحبة، لتأكيد الأمر وأنَّه لم يُخَصَّ بشيء دون غيره. وفي حديث علي - ﵁عند مسلم- قال: (من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلَّا كتاب الله وهذه الصحيفة، فقد كذب) وفي هذا أبلغ الرد على الشيعة والرافضة الذين يزعمون أن عندهم أشياء خصهم بها النَّبيُّ - ﷺ - دون غيرهم من الأمة، ومن أصول مذهبهم وأركان دينهم القول بإيداع الشريعة أو خَزْنِ العلم عند الأئمة المعصومين بعد وفاة النَّبيِّ - ﷺ -، ومن هذا العلم: الجامعة والجَفْر ومصحف فاطمة وغير ذلك مما فيه طعن في الشريعة وتضليل للأمة، فإن مقتضى ذلك أن الدين لم يكمل، وهذا مصادم لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] كما أن فيه طعنًا في الرسول - ﷺ - حيث كنتم جزءًا من الشريعة، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"التفسير وأصوله\" (٢/ ٥٧).\n(^٢) رواه البُخاريّ (٥٣٧٣) من حديث أبي موسى - ﵁ -.","vol":"8","page":233},{"text":"<span data-type='title' id=toc-977>ما جاء في القصاص بالمثقل، وقتل الرجل بالمرأة</span>\n١١٧٢/ ٨ - عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -: أَنَّ جَارِيَةً وُجدَ رَأسُهَا قَدْ رُضَّ بَينَ حَجَرَينِ، فَسَألوهَا: مَنْ صَنَعَ بِكِ هذَا؟ فُلَانٌ، فُلَانٌ، حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا، فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا. فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَأقَرّ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُرَضَّ رَأسَهُ بَينَ حَجَرَينِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأوَّل: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البُخاريّ في مواضع من \"صحيحه\"، أولها: في كتاب \"الخصومات\"، باب \"ما يذكر في الأشخاص، والخصومة بين المسلم واليهودي\" (٢٤١٣)، ثم في مواضع من كتاب \"الديات\"، ومنها: باب \"سؤال القاتل حتَّى يُقِرَّ، والإقرار في الحدود\" (٦٨٧٦)، ومسلم (١٦٧٢) (١٧) من طريق همام، حدَّثنا قتادة، عن أنس بن مالك - ﵁ -.\nوهذا لفظ مسلم، إلَّا أن في آخره: (فأمر رسول الله - ﷺ - أن يُرَضَّ رأسه بالحجارة) وهذا يخالف لفظ \"البلوغ\"، ولفظ الحافظ مثل لفظ صاحب \"العمدة\".\n\n° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أن جارية) يحتمل أنَّها أمة أو حرة دون البلوغ.\n\nقوله: (قد رُضَّ) وفي رواية للبخاري: (رضخ رأسها) (^١) والرّض بالضاد المعجمة، والرضخ -بالضاد والخاء المعجمتين- بمعنى واحد، وهو الدق.\n_________\n(^١) \"صحيح البُخاريّ\" (٥٢٩٥).","vol":"8","page":234},{"text":"قوله: (فسألوها) في رواية \"الصحيحين\": (فجيء بها إلى النَّبيِّ - ﷺ - وبها رمق، فقال لها: \"أقتلك فلان؟ \") وهذا يبين أن السائل هو النَّبيُّ - ﷺ -.\n\nقوله: (فلان، فلان) بحذف همزة الاستفهام، وقد جاء في \"الصحيحين\" سبب القتل: (أن يهوديًّا قتل جارية على أوضاح لها)، وفي رواية: (خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة، فرماها يهودي بحجر …) وقوله: (على أوضاح) أي: بسبب أوضاح، وهي حلي الفضة، سميت بذلك لبياضها.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الرجل يُقتل بالمرأة، وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة (^١).\nوهذا الحديث نص في الموضوع، ولا يقال: إنَّه يحتمل أن النَّبيَّ - ﷺ - قتله لنقضه العهد؛ لأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قتله قصاصًا حيث رضي رأسه بين حجرين، ولو كان قتله لنقضه العهد لقتله بالسيف (^٢).\nواستدلوا -أيضًا- بعموم الآيات الموجبة للقصاص، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] ولم تفرق هذه الآيات بين الرجل والمرأة، كما يستدل لذلك بحديث عمرو بن حزم الآتي في أول \"الديات\"، وفيه: \"وأن الرجل يقتل بالمرأة\".\nوذهب الحسن البصري وعكرمة وعطاء إلى أنَّه لا يجب القصاص على الرجل إذا قتل المرأة، وإنَّما تجب الدية، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.\nووجه الاستدلال: أن الله تعالى قابل الحر بمثله، والعبد بمثله، والأنثى بمثلها في القصاص، فدل على أن كل فرد لا يقتل إلَّا بما يماثله، وإلا لم يكن لهذه المقابلة معنى.\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٧/ ٢٣٤)، \"المهذب\" (٢/ ٢٢١)، \"بداية المجتهد\" (٤/ ٣٠٢)، \"المغني\" (١١/ ٥٠٠).\n(^٢) \"الشَّرح الممتع\" (١٤/ ٤١).","vol":"8","page":235},{"text":"وفي المسألة أقوال أُخر، لا داعي لذكرها، والراجح هو القول الأوَّل، لقوة دليله، ويؤيده الحكمة من مشروعية القصاص، وهي صيانة الأنفس وحقن الدماء، ولو قيل بعدم القصاص إذا قتل الرجل المرأة لأدى ذلك إلى إهدار دماء النساء، وهضم حقوقهن، وإقدام الرجال على قتل النساء لأتفه الأسباب، وفي هذا من المفاسد ما لا يخفى.\nوأمَّا استدلال أصحاب القول الثَّاني بآية: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ فلا دلالة فيها على أن الرجل لا يقتل بالمرأة؛ لأنَّ هذا من باب دلالة المفهوم، وقد جاءت السنة بقتل الذكر بالأنثى، فدل على أن هذا المفهوم لا عبرة به، وأن الذكر يقتل بالأنثى (^١).\nثم إن الآية لم ترد لبيان مقابلة الجنس بجنسه وحتمية ذلك، وإنَّما وردت -والله أعلم- ردًّا على أناس حصل بينهم قتال في الجاهلية، ولم يقتصوا إلَّا بعد الإسلام، وحلفوا ألا يرضوا إلَّا بالحر بدل العبد، والرجل بدل المرأة، تطاولًا عليهم وإظهارًا لشرفهم عليهم، ذكر معنى ذلك القرطبي عن الشعبي وقتادة، ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير (^٢)، وتقدمت الإشارة إلى ذلك.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على ثبوت القصاص في القتل بالمُثَقَّلِ، وأنَّه لا يختص بالمحدد، والمثقل هو ما ليس له حد من الأدوات، كالمطرقة والحجر والخشبة الكبيرة، وهذا قول الجمهور، ومنهم: الأئمة الثلاثة مالك والشَّافعيّ وأحمد (^٣).\nكما استدلوا بعموم الآيات الدّالة على وجوب القصاص في القتلى، ولم تفرق بين من قُتل بمحدد ومن قُتل بمثقل.\n_________\n(^١) \"الشَّرح الممتع\" (١٤/ ٤٢).\n(^٢) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (١/ ٢٩٣)، \"تفسير الطبري\" (٣/ ٣٦٢)، \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٢٤٥).\n(^٣) \"المهذب\" (٢/ ١٧٦)، \"مواهب الجليل\" (٦/ ٢٤)، \"المغني\" (١١/ ٥٠٨).","vol":"8","page":236},{"text":"والقول الثَّاني: أنَّه لا قصاص إلَّا في القتل بالمحدد، وأمَّا القتل بالمثقل فلا يعتبر قتل عمد، فلا يجب به القود، سواء كان المثقل من الحديد أو من غيره، وهذا قول الحسن البصري والشعبي والنخعي، ورواية عن أبي حنيفة، وعنه رواية أخرى: التَّفريق بين مثقل الحديد فيجب القصاص، ومثقل غيره فلا يجب، وأجابوا عن الحديث بأعذار ضعيفة (^١).\nواستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط والعصا والحجر فيه مائة من الإبل … الحديث\" وسيأتي.\nووجه الاستدلال: أن النَّبيَّ - ﷺ - أخبر بأن قتيل السوط والعصا والحجر فيه دية مغلظة، وهذه ليست محددة، وإنَّما هي من المثقل، فدل على أن القصاص لا يجب في القتل بالمثقل.\nوالراجح هو القول الأوَّل؛ لأنَّ حديث الباب نص في الموضوع، ويؤيد ذلك حكمة مشروعية القصاص، وهي حماية الأرواح وحقن الدماء.\nثم إن القتل بمثقل كالقتل بالمحدد بل هو أشد؛ لأنَّ المحدد أسرع في الإزهاق من المثقل، يضاف إلى ذلك أن عدم إيجاب القتل بالمثقل قد يؤدي إلى اتخاذه وسيلة لتنفيذ جرائم القتل، إذا علم القاتل أنَّه لن يقتص منه.\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن القاتل يُقتل بمثل ما قَتَلَ به، فإن قَتَلَ بسيف قُتل به، وإن قتل ببندقية أو بغرق أو بخنق قتل بذلك، وهذا قول الجمهور من المالكيّة والشافعية (^٢). ورواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: (هذا أشبه بالكتاب والسنة والعدل) (^٣)، وقال الزَّركشي: (هي أوضح دليلًا) (^٤).\n_________\n(^١) \"الإعلام\" (٩/ ٨٦)، \"المغني\" (١١/ ٤٤٦)، \"بدائع الصنائع\" (٧/ ٢٣٣).\n(^٢) \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٢٥٨)، \"المهذب\" (٢/ ١٨٦)، \"المغني\" (١١/ ٥٠٨).\n(^٣) \"المستدرك على مجموع الفتاوى\" (٥/ ٩٧).\n(^٤) \"شرح الزَّركشي\" (٦١/ ٨٨).","vol":"8","page":237},{"text":"كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] قالوا: ولأن القصاص بني على المماثلة والمساواة ولذا سمي قصاصًا، فشرع فيه المماثلة، بجعل الجزاء من جنس الجناية.\nوعند هؤلاء يجوز العدول عن المماثلة إلى السيف؛ لأنَّه أسرع وأسهل.\nويستثنى من ذلك ما إذا وقع القتل بوسيلة محرمة كاللواط أو السحر أو نحو ذلك، فإنَّه لا يقتل بمثله؛ لأنَّ هذا الفعل محرم لعينه، فوجب العدول عنه وتحريم تعاطيه.\nوالقول الثَّاني: أن عقوبة القصاص لا تنفذ إلَّا بالسيف سواء وقعت الجناية به أو بغيره، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد (^١).\nواستدلوا بأحاديث، ومنها: حديث النُّعمان بن بشير - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"لا قود إلَّا بالسيف\" (^٢)؛ ولأن السيف أمضى الآلات وأسرع في إزهاق روح الجاني؛ لئلا يقع الحيف والظلم عليه، ولا يؤمن ذلك إلَّا إذا كان التنفيذ بالسيف.\nوالظاهر في هذه المسألة أنَّه إذا كان المقصود إزهاق نفس الجاني وأن ذلك يكون بأسرع آلة فلا مانع أن يترك ذلك للإمام أو من ينيبه، فله أن يختار أيَّ آلة تكون أسرع من السيف وأقل إيلامًا (^٣).\n\n° الوجه السادس: في الحديث دليل على جواز العمل بالإشارة وأنها معتبرة في الدعاوى وغيرها، لكن لا يعمل بها، بل ترشد إلى المطلوب، ولهذا ذكر جمهور الفقهاء أن القتل لا يثبت بمجرد قول المجروح على\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٧/ ٢٤٥)، \"الإنصاف\" (٩/ ٤٩٠).\n(^٢) رواه ابن ماجة (٢/ ٨٨٩) من طريق جابر الجعفي، عن أبي عازب، عن النُّعمان بن بشير - ﵁ -، وهذا سند ضعيف جدًّا، أبو عازب لا يعرف، وجابر الجعفي متهم بالكذب.\n(^٣) \"التّشريع الجنائي\" (١/ ٧٦٠).","vol":"8","page":238},{"text":"المتهم؛ لأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - ما قتل اليهودي بمجرد قول الجارية، وإنَّما قتله باعترافه، فإذا اعترف الجاني مرَّة واحدة كفى، ولو أنكر المتهم فالقول قوله مع يمينه (^١).\n\n° الوجه السابع: فيه دليل على خبث اليهود وحرصهم على المال وطمعهم فيه ولو ترتب على ذلك إزهاق الأرواح. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الإعلام\" (١/ ٨٤).","vol":"8","page":239},{"text":"<span data-type='title' id=toc-978>حكم جناية الغلام إذا كانت عاقلته فقراء</span>\n١١٧٣/ ٩ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ - ﵁ - أَنَّ غُلَامًا لأُناسٍ فُقَراءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لأُناسٍ أَغنِيَاءَ، فَأَتَوْا النَّبيَّ - ﷺ -، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيئًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثةُ بإسْنَادٍ صَحِيحٍ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأوَّل: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أحمد (٣٣/ ١٥٧)، وأبو داود في كتاب \"الديات\"، بابٌ \"في جناية العبد يكون للفقراء\" (٤٥٩٠)، والنَّسائيُّ (٨/ ٢٥ - ٢٦) من طريق معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين - ﵁ -، به.\nوهذا لفظ النَّسائيّ، وعند أبي داود وأحمد: (فلم يجعل عليه شيئًا).\nوهذا الحديث إسناده صحيح، وقد تفرد به معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو متكلم فيه، قال ابن معين: (صدوق، وليس بحجة) وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال: (كان من المتقنين)، وقال الذهبي: (صدوق، صاحب حديثٍ ومعرفة) (^١).\nوعزو الحديث للثلاثة وهم من الحافظ؛ لأنَّ التِّرمذيَّ لم يرو هذا الحديث، ولهذا فإن المزي عزاه لأحمد وأبي داود والنَّسائيُّ، وكذا ابن\n_________\n(^١) \"تاريخ الدوري\" (٢/ ٥٧٢)، \"الثقات\" (٩/ ١٧٦)، \"تهذيب الكمال\" (٢٨/ ١٣٩)، \"الميزان\" (٤/ ١٣٣).","vol":"8","page":240},{"text":"عبد الهادي في \"المحرر\" (^١)، وأبو نضرة: هو المنذر بن مالك بن قُطَعَة العبدي.\n\n° الوجه الثَّاني: هذا الحديث أشكل على كثير من أهل العلم، واختلفوا في الجواب عنه، والواجب أن يحمل على معنى يطابق الأدلة الشرعيّة ويوافقها؛ لأنَّ ما اشتبه من السنة مثل ما اشتبه من القرآن، ومعلوم أن المتشابه من القرآن يفسر بالمحكم ويرد إليه، فكذا السنة ما اشتبه منها يرد إلى المحكم ويفسر به (^٢).\nومعلوم أن السنة دلت على أن الجاني عمدًا عليه القصاص أو الدية، وخطأ عليه الدية وتحملها العاقلة، وهنا قال: (لم يجعل عليه شيئًا).\nوأحسن ما يحمل عليه الحديث أن هذا الجاني كان غلامًا، والغلام يطلق على ما قبل البلوغ، وعلى هذا فلا يجب عليه القصاص؛ لأنَّ عمد الصبي حكمه حكم الخطأ، وليس على عاقلته دية؛ لأنهم فقراء، والدية لا تجب على العاقلة إلَّا إذا كانوا أغنياء، ولم يعط النَّبيُّ - ﷺ - من بيت المال لأسباب: إمَّا لعدم وجود شيء في بيت المال، أو لبيان أن بيت المال لا تلزمه مثل هذه الجنايات، وقد ذكر بعض العلماء أنَّه دَفَعَ ديته من بيت المال، وهذا لا دليل عليه (^٣).\nوهذا الحمل موافق لألفاظ الحديث. وحمله بعضهم على أن هذا الغلام كان مملوكًا، والمملوك جنايته في رقبته على تفاصيل مذكورة في كتب الفقه، وقيل غير ذلك. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تحفة الأشراف\" (٨/ ١٩٣)، \"المحرر\" (٢/ ٧١٠).\n(^٢) من كلام ابن باز في شرحه على \"البلوغ\".\n(^٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٤١)، \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٨/ ١٠٥).","vol":"8","page":241},{"text":"<span data-type='title' id=toc-979>النهي عن القصاص في الجراحات قبل برء المجني عليه</span>\n١١٧٤/ ١٠ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - ﵄ - أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرنٍ في رُكبَتِه، فَجَاءَ إلَى النَّبيِّ - ﷺ - فَقَال: أَقِدْني، فَقَال: \"حَتَّى تَبْرَأَ\"، ثُمَّ جَاءَ إِلَيهِ، فَقَال: أَقِدْنِي، فَأقَادَهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيهِ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، عَرَجْتُ، فَقَال: \"قَدْ نَهَيتُكَ فَعَصَيتَني، فَأَبْعَدَكَ اللهُ، وَبَطَلَ عَرَجُكَ\"، ثُمَّ نَهى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَنْ يُقْتَصّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ صَاحِبُهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْني، وَأُعِلَّ بِالارْسَالِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأوَّل: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أحمد (١١/ ٦٠٦) من طريق محمَّد بن إسحاق أنَّه ذكر أحاديث عمرو بن شعيب، فقال: وذكر عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قضى رسول الله - ﷺ - في رجل طُعن … الحديث.\nوهذا سند ضعيف، ابن إسحاق مدلس، ولم يصرح بالتحديث، ولهذا قال ابن عبد الهادي: (الظاهر أنَّه لم يسمعه منه) (^١). وقد تابع محمدَ بن إسحاق ابنُ جريج، عن عمرو بن شعيب، أخرجه الدارقطني (٣/ ٨٨) ومن طريقه البيهقي (٨/ ٦٧ - ٦٨) وفي هذا الإسناد ابن جريج وهو مدلس، وقد عنعنه، ثم إن ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب (^٢).\n_________\n(^١) \"تنقيح التحقيق\" (٤/ ٤٩٢).\n(^٢) \"العلل الكبير\" (١/ ٣٢٥).","vol":"8","page":242},{"text":"وقد خالف ابنَ إسحاق وابنَ جريج أيوب فقد رواه عبد الرَّزاق في \"مصنفه\" (٩/ ٤٥٣)، ومن طريقه الدارقطني (٣/ ٩٠) عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أبعدك الله، أنت عَجِلْتَ\" هكذا رواه عنه مختصرًا مرسلًا، بل هو معضل.\nوالحديث له شواهد لا تخلو من مقال، ومنها: حديث جابر - ﵁ - أن رجلًا طعن رجلًا بقرن في ركبته … الحديث بنحوه.\nرواه ابن أبي شيبة (٩/ ٣٦٩)، والدارقطني (٣/ ٨٩)، والبيهقيّ (٨/ ٦٦ - ٦٧) من طريق ابن علية، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن جابر - ﵁ -.\nوقد روي هذا موصولًا، لكن نص أبو داود على أن ابن علية قد وَهِمَ فيه (^١)، وروي مرسلًا عن أيوب، عن عمرو بن دينار، رواه البيهقي (٨/ ٦٦)، وروى أبو داود في \"المراسيل\" (٢٤٣) (٢) من طريق ابن عيينة، وأبو داود -أيضًا- (٢٤٣) (٣) من طريق حماد بن زيد، كلاهما عن عمرو بن دينار، عن محمَّد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال: طعن رجل آخر بقرن في رجله … الحديث. وذكر الدارقطني أن المرسل هو المحفوظ، وكذا رجح أبو زرعة المرسل (^٢).\n\n° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (بقرن) هو بفتح القاف وسكون الراء، عظم ينبت في رأس الحيوان، وهو معروف.\n\nقوله: (أقدني) بفتح الهمزة، أمر من القَوَدِ: وهو الاقتصاص من الجاني.\n\nقوله: (حتَّى تبرأ) أي: يحصل لك الشفاء مما أصابك.\n\nقوله: (عَرَجْتُ) بفتح الراء؛ أي: صرت أعرج، يقال: عَرَجَ يَعْرُجُ من باب (قتل) أي: غَمَزَ في رجله، لعلة طارئة، فهو أعرج، وهي عرجاء، فإن\n_________\n(^١) \"المراسيل\" (٣٣١).\n(^٢) انظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (١٣٩١)، \"السنن\" للدارقطني (٣/ ٨٩).","vol":"8","page":243},{"text":"كان من علة لازمة قيل: عَرِجَ -بالكسر- يَعْرَجُ من باب (تعب) (^١).\n\nقوله: (فأبعدك الله) جملة دعائية غير مقصودة؛ لأنَّ هذا الرجل قد أساء الأدب، فدعا عليه من باب الزجر عن هذه العجلة.\n\nقوله: (وبطل عرجك) أي: ضاع عليك أرش عرجك، وفاتك ما كان له من دية بسبب تعجلك في القصاص.\n\n° الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على النَّهي عن استيفاء القصاص في الجروح حتَّى يندمل الجرح ويشفى صاحبه، ويعرف ما صار إليه الجرح وانتهى، وذلك لاحتمال السراية، وهي تجاوز العَطَبِ من محل الجناية إلى غيره.\nوهذا النَّهي للتحريم، فيحرم أن يُقتص من عضو قبل برئه، والقول بالتحريم هو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو قول الحنفية والمالكية، وذهب الإمام الشَّافعي إلى أنَّه لا يحرم، وإنَّما النَّهي للكراهة أو للإرشاد، وهو رواية لأحمد خَرجَهَا الموفَّق (^٢). واستدلوا بأن الرسول - ﷺ - أقاد الرجل، ولو كان حرامًا ما أقاده.\nقال ابن المنذر: (كل من نحفظ عنه من أهل العلم يرى الانتظار بالقصاص من الجرح حتَّى يبرأ صاحب الجرح) (^٣).\nفإذا اقتص المجني عليه من الجاني قبل برء جرحه ثم سرت الجناية بطل حقه ولا ضمان على الجاني؛ لأنَّه باقتصاصه قبل الاندمال رضي بترك ما يزيد عليه بالسراية، فبطل حقه منه، كما لو رضي بترك القصاص.\nفإن رضي المجني عليه بتأخير القصاص إلى البرء، ثم سرت الجناية كأن يقطع إصبعًا عمدًا، ثم تآكلت أخرى، وجب على الجاني الضَّمان، إمَّا بالقصاص أو الدية؛ لأنَّ السراية أثر الجناية، والجناية مضمونة، فكذا أثرها، وهو مبني على قاعدة: (ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" (٤٠١).\n(^٢) \"المغني\" (١١/ ٥٦٣ - ٥٦٤).\n(^٣) \"الإشراف\" (٧/ ٣٧٧).","vol":"8","page":244},{"text":"<span data-type='title' id=toc-980>ما جاء في قتل شبه العمد، ودية الجنين</span>\n١١٧٥/ ١١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: اقْتَتَلَتِ امْرَأتانِ مِنْ هُذَيلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا في بَطْنِهَا، فاخْتَصَمُوا إِلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَنَّ دِيَةَ جَنِينِها غرةٌ عَبْدٌ أَوْ وَليدَةٌ، وَقَضى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ\". فَقَال حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَليُّ: يَا رَسُولَ الله، كَيفَ يُغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذلِكَ يُطَلُّ، فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّما هذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ\"، مِنْ أجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n١١٧٦/ ١٢ - وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - سَأل: مَنْ شَهِدَ قَضَاءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - في الْجَنِينِ؟ قَال: فَقَامَ حَمَلُ بْنُ النابِغَةِ، فَقَال: كُنْتُ بَينَ امْرَأتينِ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى .. فَذَكَرَهُ مُخْتَصرًا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأوَّل: في تخريجهما:\nحديث أبي هريرة - ﵁ - رواه البُخاريّ في مواضع من \"صحيحه\"، وأولها في كتاب \"الطب\"، باب \"الكهانة\" (٥٧٥٨)، وفي مواضع من \"الديات\"، منها: باب \"جنين المرأة\" (٦٩٠٤)، ومسلم (١٦٨١) (٣٦) من طريق ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ -، وهذا لفظ مسلم.","vol":"8","page":245},{"text":"وأمَّا حديث ابن عباس - ﵄ - فقد رواه أبو داود في كتاب \"الديات\"، باب \"دية الجنين\" (٤٥٧٢)، والنَّسائيُّ (٨/ ٢١ - ٢٢)، وابن ماجة (٢٦٤١)، وابن حبان (١٣/ ٣٧٨)، والحاكم (٣/ ٥٥٧) من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس -﵄-، عن عمر - ﵁ - أنَّه سأل عن قضية النَّبيِّ - ﷺ - في ذلك، فقام حَمَلُ بن النابغة، فقال: كنت بين ضرتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله - ﷺ - في جنينها بِغُرَّةٍ وأن تقتل.\nورواه أبو داود والحاكم من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، وفي آخره: (فقال عمر: الله أكبر، لو لم أسمع بهذا لقضينا بغير هذا).\nوهذا الحديث رجاله ثقات، رجال الشيخين، وابن جريج قد صرح بالتحديث، وأبو عاصم هو الضَّحَّاك بن مخلد النبيل.\nلكن طعن الحفاظ في لفظة: (وأن تقتل)، وقد رواه أبو داود والنَّسائيُّ عن سفيان، عن عمرو، عن طاوس، قال: قام عمر على المنبر … فذكر معناه، ولم يذكر (وأن تقتل). وهذا سند منقطع، طاوس لم يسمع من عمر - ﵁ -، قال البيهقي بإثر الحديث: (كذا قال: \"أن تقتل بها\" يعني المرأة القاتلة، ثم شك فيه عمرو بن دينار، والمحفوظ أنَّه قضى بديتها على عاقلة القاتلة) (^١)، وعلى هذا فهي لفظة شاذة، والمحفوظ ما ذكر (^٢).\nوقد أخرجه -دون ذكر الأمر بالقتل- عبد الرَّزاق (١٨٣٤٣) ومن طريقه الطّبرانيّ (٣٤٨٢)، والدارقطني (٣/ ١١٧)، والحاكم (٣/ ٥٧٥) عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، بالزيادة المذكورة.\nوأعلم أن هذا الحديث مروي بعدة روايات، وله ألفاظ كثيرة في \"الصحيحين\" و\"السنن\" وغيرها، وقد يبدو التعارض في بعض الرِّوايات.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٨/ ١١٤)، وانظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ٣٦٧).\n(^٢) انظر: \"المسند\" (٥/ ٤٠٤ - ٤٠٥).","vol":"8","page":246},{"text":"° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (اقتتلت امرأتان من هذيل) هما ضرتان تحت حَمَلِ بن النابغة، كما في حديث ابن عباس -﵄-، وفي رواية في \"الصحيحين\": (قضى رسول الله - ﷺ - في جنين امرأة من بني لحيان …) (^١)، ولا تنافي بين الرِّوايات؛ لأنَّ لحيان -بكسر اللام أو فتحها- بطن من هذيل.\n\nقوله: (بحجر) أي: صغير لا يقصد به القتل غالبًا، فيكون هذا القتل شبه عمد، وفي رواية: (ضربتها بعمود فُسطاط) (^٢)، قال القرطبي: (يحتمل أن تكون جمعت ذلك عليها، فأخبر أحدهما بإحدى الآلتين، والثَّاني بالأخرى) (^٣).\n\nقوله: (فقتلها وما في بطنها) ظاهر ذلك أن القتل وقع عقب الضرب، وهذا غير مراد؛ لما جاء في \"الصحيحين\" من رواية سعيد، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: (إن رسول الله - ﷺ - قضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرةٍ عبدٍ أو أمة، ثم إن المرأة توفيت …) (^٤)، كما أن هذه الرِّواية فيها بيان أن الجنين خرج ميتًا، ورواية الباب محتملة لأنَّ يكون خرج ميتًا، وأن يكون خرج حيًّا لكنه مات.\n\nقوله: (أن دية جنينها) الجنين: حمل المرأة ما دام في بطنها، سمي بذلك لاستتاره، فإن خرج حيًّا فهو ولد، أو ميتًا فهو سِقْطٌ.\n\nقوله: (غرةٌ عبدٌ أو وَليدةٌ) الغرة -بضم الغين المعجمة، وتشديد الراء-: هي في الأصل بياض في الوجه، والمراد هنا: العبد أو الأمة ولو كانا أسودين؛ لكرم الآدمي على الله.\n\nوقوله: (عبدٌ) بالتنوين، تفسير وبيان لقوله: (غرة) فهو بدل، و(أو) للتنويع، والوليدة: هي الأمة، كما في الرِّوايات الأخرى.\n_________\n(^١) \"صحيح البُخاريّ\" (٦٩٠٩)، \"صحيح مسلم\" (١٦٨١).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١٦٨٢) (٣٨).\n(^٣) \"المفهم\" (٥/ ٦٠).\n(^٤) \"صحيح البُخاريّ\" (٦٩١٠)، \"صحيح مسلم\" (١٦٨١).","vol":"8","page":247},{"text":"ويجوز في (غرة) ترك التنوين وإضافته إلى ما بعده، والأول أقوى، ويؤيده حديث المغيرة: (قضى رسول الله - ﷺ - بالغرةِ عبدٍ أو أمة) (^١).\n\nقوله: (وقضى بدية المرأة على عاقلتها) أي: قضى بدية المرأة المقتولة على عاقلة المرأة القاتلة، وهذا قد يكون فيه إشكال في مرجع الضمير، لكن الرِّواية الأخرى المتقدمة بينت ذلك، ففيها: (فجعل دية المقتولة على عصبة القاتلة). والعاقلة: هم الأقارب الذين يقومون بدفع الدية عن قريبهم القاتل، سموا عاقلة: إمَّا من العقل: وهي الدية؛ لأنهم يؤدونها، أو من العقل بمعنى: المنع؛ لأنهم يمنعون قريبهم من أن يعتدى عليه.\nوالعاقلة: هم العصبة بالنفس، كالإخوة لغير أم، والأعمام وبنوهم، وفي دخول الآباء والأبناء في العاقلة خلاف، وفي رواية عند أبي داود: (وبَرَّأَ زوجها وولدها) أي: برأهما من تحمل الدية، وهذا يدل على أن الزوج والولد ليسا من العاقلة.\n\nقوله: (وورثها ولدها ومن معهم) وفي رواية للبخاري: (فقضى رسول الله - ﷺ - أن ميراثها لبنيها وزوجها) (^٢)، والضمير المنصوب يعود على الدية، والمراد بولدها: ولد المرأة المقتولة ومن معهم من الورثة الذين يرثون مع الابن كالزوج، وليس للعاقلة شيء، وفي رواية لأبي داود: (ميراثها لزوجها وولدها) (^٣) وهذا لبيان الواقع؛ لأنهم كانوا هم الورثة، وإلا فالظاهر أن ميراثها لورثتها أيًّا كان، كما في رواية \"الصحيحين\" (^٤).\n\nقوله: (فقام حَمَلُ بن النابغة) هو زوج القاتلة، وهو حَمَلُ بن مالك بن النابغة، نسب إلى جده، وحَمَل هذا له صحبة، وقد نزل البصرة، وعاش إلى خلافة عمر - ﵁ -، روى عنه ابن عباس -﵂-، قيل: وعمر - ﵁ - (^٥). وفي رواية لأبي داود: (فقال أبو القاتلة) (^٦)، وفي رواية للطبراني: (فقال أخوها العلاء بن\n_________\n(^١) \"صحيح البُخاريّ\" (٦٩٠٥).\n(^٢) \"صحيح البُخاريّ\" (٦٩٠٩).\n(^٣) \"السنن\" (٤٥٧٥).\n(^٤) انظر: \"عون المعبود\" (١٢/ ٣١٧).\n(^٥) \"الإصابة\" (٢/ ٢٨٨).\n(^٦) \"السنن\" (٤٥٧٤).","vol":"8","page":248},{"text":"مسروح) فإما أن يحمل على أن الجميع قال ذلك، أو يقال بالترجيح، وهو أولى.\nوكونه تكلم مع أنَّه ليس من العاقلة: إما لأنه زوج المقتولة والقاتلة وعاصب القاتلة ووالد الجنين، ويحتمل أنَّه معبر عن العصبة دون نفسه مستبعدًا الحكم (^١).\n\nقوله: (كيف يغرم) -بضم الياء- مضارع غَرِمَ -بكسر الراء- من باب (تعب) مبني لما لم يسم فاعله، تقول: غَرِمْتُ الدية والدين وغير ذلك أَغْرِمُهُ: إذا أديته (^٢).\n\nقوله: (من لا شرب … إلخ) نائب فاعل، والمعنى: كيف تُطلب الدية لمن لم يولد حيًّا ولم يوجد منه شيء من أمارات الحياة.\n\nقوله: (ولا استهل) الاستهلال: رفع الصوت بالصياح وغيره، والمعنى: أنَّه لم تُعلم حياته بصوت نطق ولا بكاء.\n\nقوله: (يطَلّ) بضم الياء المثناة وفتح الطاء وتشديد اللام، مضارع مبني لما لم يُسَمَّ فاعله؛ أي: يهدر ويلغى، وروي: (بَطَلَ) بالباء الموحدة من البطلان، قال القاضي عياض: (كذا رويناه عن جمهورهم بالباء الموحدة، وعند أبي جعفر بالياء باثنتين مضمومة) (^٣)، وقال النووي: (أكثر نسخ بلادنا بالمثناة) (^٤).\n\nقوله: (من إخوان الكهان) أي: من أشباه الكهان، بضم الكاف وتشديد الهاء، جمع كاهن: وهو من يدعي علم الغيب، أو يدعي الكشف عن المغيبات، من عَرَّافٍ ومُنَجِّمٍ ورَمَّال وغيرهم.\n\nقوله: (من أجل سجعه) أي: بسبب كلامه الذي قاله بأسلوب السجع، وهذا يحتمل أن يكون مدرجًا، وأن يكون من نفس الحديث، وقد جزم\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٥/ ٦٥).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (٤٤٦).\n(^٣) \"إكمال المعلم\" (٥/ ٤٩٢).\n(^٤) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١١/ ١٩١).","vol":"8","page":249},{"text":"القرطبي بأنه من تفسير الراوي (^١). والسجع: أن تتوافق في الكلام فِقْرتان أو أكثر في الحرف الأخير (^٢).\nوإنَّما كره النَّبيُّ - ﷺ - سجع حمل بن النابغة لأمرين:\n١ - أنَّه عارض به حكم الله تعالى وشرعه، وقصد إبطاله.\n٢ - أنَّه تكلف هذه السجعات لنصرة الباطل، كما كان الكهان يروجون أقاويلهم بأسجاع تعجب السامعين (^٣).\n\nقوله: (بمسطح) بكسر الميم؛ أي: عود من أعواد الخِباء.\n\nقوله: (وأن تُقتل) بصيغة الفعل المبني لما لم يُسَمَّ فاعله؛ أي: القاتلة تقتل قصاصًا.\n\n° الوجه الثالث: هذا الحديث أصل في النوع الثَّاني من أنواع القتل وهو شبه العمد، وهو قصد الجناية بما لا يقتل غالبًا، كما لو ضربه في غير مقتل بسوط أو عصا صغيرة، أو ألقاه في ماء قليل ونحو ذلك، فشبه العمد يشبه العمد في قصد الجناية، ويخالفه في أن الآلة لا تقتل غالبًا.\nفهذا النوع لا يجب فيه القصاص، ولا دية على الجاني، وإنَّما الدية على العاقلة.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن دية شبه العمد تكون على عاقلة القاتل، وهم عصبته الذكور من الآباء والإخوة والعمومة وبنوهم، واعتبار الآباء والأبناء من العاقلة موضع خلاف بين أهل العلم.\nوإنَّما كانت الدية على العاقلة؛ لأنَّ القتل وقع بدون قصد من الجاني، فناسب مساعدتهم له ولو كان غنيًّا، ولكن تخفف عنهم بتفريقها عليهم حسب قدرتهم وقربهم، وتؤجل، كما سيأتي إن شاء الله.\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٥/ ٦٤).\n(^٢) انظر: \"بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح\" (٣/ ٩٢).\n(^٣) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١١/ ١٩١).","vol":"8","page":250},{"text":"° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن دية الجنين الذي سقط ميتًا بسبب الجناية على أمه غرة، وهي عبد أو أمة، لا فرق بين الذكر والأنثى، ويجبر المستحق على قبول الرقيق من أي نوع كان، بشرط السلامة من العيوب المثبتة للرد في البيع، وقد قَدَّرَ الفقهاء الغرة بخمس من الإبل؛ لأنَّ ذلك مروي عن عمر وزيد - ﵄ - (^١)؛ ولأن ذلك أقل ما قدره الشرع في الجنايات؛ لأنَّه أرش المُوْضِحَةِ ودية السن، فوجب الرد إليه.\nودية الجنين على القاتل لا على العاقلة؛ لأنَّها أقل من ثلث الدية، وما كان أقل من ثلث الدية فإن العاقلة لا تحمله.\nوتكون دية الجنين ميراثًا؛ لأنَّها بدل نفسه، فيرثها ورثته، كما لو قُتل بعد الولادة، وليس للعاقلة منها شيء.\n\n° الوجه السادس: في الحديث دليل على أن الدية تكون ميراثًا بعد المرأة المقتولة، فيأخذها ولدها ومن معهم من الورثة، ولم يُختلف في أن الزوج يرث هنا فرضه من دية زوجته المقتولة.\n\n° الوجه السابع: ذم السجع إذا كان متكلفًا قُصد به نصرة الباطل، فأمَّا إذا وقع بغير تكلف ولم يقصد به نصرة الباطل فهو غير مذموم. وقد جاء السجع في كلام النَّبيُّ - ﷺ -، مع أنَّه قد يقال: إنَّ النَّبيَّ - ﷺ - لم يكن يقصد السجع، وإنَّما جاء اتفاقًا لقوة بلاغته (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٢/ ٦٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٥٢).","vol":"8","page":251},{"text":"<span data-type='title' id=toc-981>ثبوت القصاص في الطَّرَف كالسِّن</span>\n١١٧٧/ ١٣ - عَنْ أَنسٍ - ﵁ -؛ أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضْرِ -عَمَّتَهُ- كَسَرَتْ ثَنِيّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيهَا الْعَفْوَ، فَأبوْا، فَعَرَضُوا الأَرْشَ فَأبوْا، فَأَتوْا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَأَبوا إلَّا الْقِصَاصَ، فَأمَرَ رَسُول اللهِ - ﷺ - وبِالْقِصَاصِ، فَقَال أنسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أتكْسَرُ ثَنِيّةُ الرُّبَيِّعِ؟ لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيّتُهَا، فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"يَا أنَسُ، كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ\" فَرَضِيَ الْقَوْمُ فَعَفَوْا، فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أقسَمَ عَلَى اللهِ لأبرهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، واللَّفْظُ لِلْبُخَاريِّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأوَّل: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البُخاريّ في مواضع من \"صحيحه\" أولها في كتاب \"الصلح\"، باب \"الصلح في الدية\" (٢٧٠٣) من طريق حميد أن أنسًا حدثهم أن الرُّبيع -وهي ابنة النضر- كَسَرَتْ ثنية جارية … وساق الحديث.\nورواه مسلم من طريق ثابت، عن أنس بن مالك - ﵁ - به.\n\n° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أن الرَّبيع) بضم الراء وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء آخره عين مهملة، هي بنت النضر الأنصارية الخزرجية، أخت أنس بن النضر الآتي ذكره.\n\nقوله: (عمته) أي: عمة أنس بن مالك؛ لأنَّها أخت أبيه مالك بن النضر، وعليه فهي بدل أو عطف بيان من الرُّبيع.","vol":"8","page":252},{"text":"قوله: (ثنية) على وزن فعيلة، جمعها ثنايا، وهي أسنان مقدم الفم، ثنتان من فوق، وثنتان من تحت.\n\nقوله: (جارية) أي: امرأة شابة، وهي من الأنصار كما في بعض الرِّوايات، وعند أبي داود: (ثنية امرأة) (^١)، وهذا يبين أن المراد بالجارية المرأة الشابة لا الأمة الرقيقة.\n\nقوله: (فطلبوا إليها العفو فأبوا) أي: فطلب أهل الرَّبيع من الجارية ومن أهلها العفو عن الكسر المذكور مجانًا، فامتنعوا من قبول ذلك.\n\nقوله: (فعرضوا الأرش فأبوا) أي: فعرض أهل الرَّبيع (الأرش) وهو بفتح الهمزة، ومعناه: الدية؛ أي: دية الثنية، وأصل الأرش: الفساد يقال: أَرَّشْتُ بين القوم: إذا أفسدت، ثم استعمل في نقصان الأعيان؛ لأنَّه فساد فيها (^٢) والمعنى: أن هؤلاء امتنعوا عن قبول الأرش وأصروا على القصاص.\n\nقوله: (فأمر رسول الله - ﷺ - بالقصاص) أي: المماثلة، وذلك بكسر ثنية الرَّبيع، إمَّا بقلع سنها إن كانت الجناية كذلك، أو يبرد من سنها بقدر ما كسرت من ثنية الجارية، وهذا هو الأقرب لسياق الحديث.\n\nقوله: (فقال أنس بن النضر) هو أخو الرُّبيع -كما تقدم- استشهد في غزوة أُحد - ﵁ - كما ثبت في \"الصحيحين\" (^٣)، وهذا يفيد أن قصَّة الرَّبيع كانت قبل أُحد.\n\nقوله: (لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها) لم يقل ذلك - ﵁ - ردًّا على النَّبيِّ - ﷺ - وإعراضًا عن حكمه، وإنَّما قاله من باب التوقع والرجاء بأن الله تعالى يرضي الخصم، ويلقي في قلبه الإجابة إلى العفو أو أخذ الدية بدل القصاص، وقد أثنى عليه النَّبيُّ - ﷺ - كما سيأتي، ولو كان قَصَدَ ردَّ ما حكم الله به لكان مستحقًا لِأَوْجَعِ القول وأفظعه.\n_________\n(^١) \"السنن\" (٥٤٩٥).\n(^٢) انظر: \"المصباح المنير\" ص (١٢).\n(^٣) \"صحيح البُخاريّ\" (٤٠٤٨)، \"صحيح مسلم\" (١٨٩٩).","vol":"8","page":253},{"text":"قوله: (يا أنس كتابُ الله القصاصُ) أي: يا أنس شَرْعُ الله تعالى وحكمه يثبت لهم القصاص، وقد يكون ذلك إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما ينافيه.\nوكتاب الله: مبتدأ، والقصاص: خبر.\n\nقوله: (فعفوا) أي: على الدية، بدليل رواية البُخاريّ في \"التفسير\" من طريق الفَزَاريُّ، عن حميد: (فرضي القوم، وقبلو الأرش) (^١).\n\nقوله: (إن من عباد الله …) أي: إن بعض عباد الله لا يخيب الله رجاءهم ولا يرد دعاءهم، ومنهم أنس بن النضر - ﵁ -، وإنَّما قال النَّبيُّ - ﷺ - ذلك لأنَّ أنس بن النضر أقسم على نفي فعل غيره وهو القصاص مع إصرار ذلك الغير على إيقاع ذلك، فكان قضية ذلك في العادة أن يحنث أنس في يمينه، فألهم الله تعالى الغير العفو، فبرَّ قسم أنس - ﵁ -.\n\nقوله: (لأبرَّه) أي: لا يُحَنِّثه، بل يبر قسمه ويعطيه مطلوبه لكرامته عليه.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على ثبوت القصاص في السن إذا كانت الجناية عمدًا، وهذا هو نص القرآن، فإن كانت الجناية على السن بكاملها، فهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾، وقد ثبت الإجماع على قلع السن بالسن بالعمد (^٢)، وأمَّا كسر السن فقد دل هذا الحديث على ثبوت القصاص فيه، وهو قول الجمهور، وبه قطع الشَّافعية إذا أمكن (^٣).\nوشرط ذلك أمران:\nالأوَّل: المماثلة، فالثنية بالثنية، والرباعية بمثلها، والعليا بالعليا، وكذا السفلى.\n_________\n(^١) \"صحيح البُخاريّ\" (٤٦١١).\n(^٢) \"مراتب الإجماع\" ص (١٣٨)، \"المغني\" (١١/ ٥٥٣).\n(^٣) \"بدائع الصنائع\" (٧/ ٣٠٨)، \"الكافي\"لابن عبد البر (٢/ ٣٩٠)، \"المغني\" (١١/ ٥٥٤)، \"المهذب\" (٢/ ١٨١).","vol":"8","page":254},{"text":"الثَّاني: الأمن من الحيف، وذلك بأن يمكن الاستيفاء من سن الجاني بلا حيف، ويتم ذلك في السن بأن يبرد من سن الجاني بنسبة ما كسره من سن المجني عليه، كالنصف مثلًا، قال أبو داود في \"سننه\": (سمعت أحمد بن حنبل قيل له: كيف يُقتص من السن؟ قال: تُبرد) (^١).\nوذهب الشَّافعي إلى عدم مشروعية القصاص في السنن، لعدم إمكان المماثلة (^٢).\nوالصَّواب الأوَّل؛ لأنَّ حديث الباب نص في الموضوع، والمماثلة ممكنة، ولا سيما في زماننا هذا.\nأما العظام غير السن فإن كانت عظام الرأس فلا قصاص بالإجماع؛ لما يخشى في القصاص من تلف الجاني.\nوأمَّا عظام بقية البدن ففيها ثلاثة أقوال:\nالقول الأوَّل: أن فيها القصاص، وهذا رأي ابن حزم (^٣)، لعموم الآيات الدّالة على معاملة الجاني بمثل ما فعل، وحديث أنس هذا: \"كتابُ الله القصاص\" وهو عام.\nوالقول الثَّاني: أن فيها القصاص إلَّا ما كان مخوفًا، مثل الفخذ والصلب وعظم الرقبة والصدر، ففيها الدية، وهذا قول مالك وابن المنذر (^٤)، للعمومات السابقة.\nوالقول الثالث: أنَّه لا قصاص فيها، وهو قول الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة (^٥)، بل الدية، لعدم المماثلة؛ ولأنَّه لا يؤمن من الحيف.\nوالقول الثَّاني قوي، لا سيما في زماننا هذا.\n_________\n(^١) \"السنن\" (٤/ ١٩٧).\n(^٢) \"روضة الطالبين\" (٩/ ١٩٨)، \"مغني المحتاج\" (٤/ ٣٥).\n(^٣) \"المحلى\" (١٢/ ١١٠).\n(^٤) \"الكافي\" (٢/ ٣٩٠)، \"تفسير القرطبي\" (٦/ ٢٠٢).\n(^٥) \"بدائع الصنائع\" (٧/ ٢٩٨)، \"المهذب\" (٢/ ١٧٩)، \"المبدع\" (٨/ ٣٠٨).","vol":"8","page":255},{"text":"° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن القصاص هو حكم الله تعالى وشرعه، فيجب تنفيذه على الجاني، إلَّا إذا عفا صاحب الحق، ولا يعتبر هذا تعطيلًا لحكم الله تعالى؛ لأنَّ القصاص مَحْضُ حَقِّ آدمي.\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز الاستشفاع والسعي في قبول التنازل عن القصاص عند أهل المجني عليه، وأن هذا ليس من باب الشفاعة في الحدود بعد رفعها إلى السلطان.\n\n° الوجه السادس: جواز الحلف على ما يُظن وقوعه، وهذا على أحد القولين. وسأذكر الكلام في هذه المسألة -إن شاء الله- في كتاب \"الإيمان والنذور\".\n\n° الوجه السابع: استدل الأصوليون بهذا الحديث على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد نسخه، والمراد أنَّه شرع لنا من حيث إنَّه وارد في كتابنا أو سنة نبينا - ﷺ -، لا من حيث إنَّه كان شرعًا لمن كان قبلنا.\nووجه الاستدلال: أن النَّبيَّ - ﷺ - قال: \"كتابُ الله القصاصُ\" وليس في كتاب الله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ إلَّا ما حكي عن التوراة في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيهِمْ فِيهَا﴾ فدل على أنَّه - ﷺ - قضى بحكم التوراة، بدليل أنَّه ذكر الآية، ولو كان حكمًا ابتدأه ما ذكرها.\nوالظاهر أن الخلاف بين الأصوليين في هذه المسألة لفظي؛ لأنَّ القائلين به لا يعتبرونه دليلًا مستقلًا، وإنَّما هو راجع إلى الكتاب أو السنة، ومن لا يرى حجيته فإنَّه يعمل به؛ لوروده في الكتاب والسنة، لا لأنه شرع لمن قبلنا (^١).\n\n° الوجه الثامن: قال القرطبي: (فيه دليل على كرامات الأولياء)، وذلك أن في الحديث منقبة عظيمة لأنس بن النضر - ﵁ -، وأنَّه من عباد الله تعالى الذين يسمع الله نداءهم، ويجيب دعاءهم، ويحقق لهم مطلوبهم.\n\n° الوجه التاسع: جواز الثّناء على بعض عباد الله الصَّالحين في حضورهم إذا أُمنت الفتنة في ذلك. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تيسير الوصول\" للمؤلف ص (٣١٤).","vol":"8","page":256},{"text":"<span data-type='title' id=toc-982>من قُتل بين قوم ولم يُعرف قاتله</span>\n١١٧٨/ ١٤ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ قُتِلَ في عِمِّيَّا أَوْ رِمِّيَّا بِحَجَرٍ، أَوْ سَوْطٍ، أَوْ عَصًا، فَعَقْلُهُ عَقْلُ الْخَطَإ، وَمَنْ قُتِلَ عَمْدًا فَهُوَ قَوَدٌ، وَمَنْ حَال دُونَهُ فَعَلَيهِ لَعْنَةُ اللهِ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائي، وَابْنُ مَاجَهْ بِإسْنَاد قَويٍّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأوَّل: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الديات\"، باب \"من قتل في عميا بين قوم\" (٤٥٤٠)، والنَّسائيُّ (٨/ ٣٩ - ٤٠)، وابن ماجة (٣٦٣٥) من طريق سليمان بن كثير العبدي، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا به، وتمامه: (فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا) وقد جاء عند أبي داود: (من قتل في عميا في رمي يكون بينهم).\nوهذا الحديث -كما قال الحافظ- سنده قوي، فيه سليمان بن كثير، وهو من رجال الشيخين، إلَّا أن العلماء تكلموا في روايته عن الزُّهريّ خاصة (^١)، وفي غيره لا بأس به، كما قال الحافظ في \"التقريب\". لكن روي هذا الحديث مرسلًا، فقد رواه أبو داود (٤٥٣٩) من طريق حماد ومن طريق سفيان، عن عمرو، عن طاوس، مرسلًا، قال الدارقطني: (وهو الصَّحيح) (^٢)،\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٨٩).\n(^٢) \"العلل\" (١١/ ٣٦).","vol":"8","page":257},{"text":"وقال ابن عبد الهادي: (إسناده جيد، لكن قد روي مرسلًا) (^١).\n\n° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (في عِمِّيا) بكسر العين المهملة وتشديد الميم المكسورة بعدها ياء، اسم مقصور من العَمَى؛ أي: من قُتل في حال يعمى أمره فلا يتبين قاتله.\n\nقوله: (أو رِمِّيا) بكسر الراء وتشديد الميم المكسورة بعدها ياء، اسم مقصور من الرمي، وكل منهما مصدر يراد به المبالغة؛ أي: من قتل في حال ترامي القوم ومضاربتهم فيما بينهم، فلم يتبين القاتل ولا حال القتل فهو قتل خطإ (^٢).\nوقد تقدم لفظ أبي داود: (من قتل في عميا في رمي) وظاهر هذا أن اللفظ الثَّاني تفسير للأول؛ أي: ترامى القوم، فوجد بينهم قتيل.\n\nقوله: (فعقله عقل الخطأ) أي: فديته دية قتل الخطأ ولا قصاص فيه.\n\nقوله: (ومن قتل عمدًا فهو قود) أي: ففيه القصاص.\n\nقوله: (ومن حال دونه فعليه لعنة الله) أي: حال دون القصاص وسمى الجاني بشفاعة أو بقوته مع طلب مستحقه له.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنَّه إذا قتل إنسان في حال مشتبهة لم يتضح فيها القاتل، كما لو تقاتل فريقان وتراموا بحجارة أو نحوها ثم وجد بينهم قتيل لا يُدرى من قتله فإن ديته دية القتل الخطأ ولا قصاص فيه، وهذا أظهر الأقوال في هذه المسألة؛ لدلالة الحديث عليه، لكن حصل الخلاف في الدية على من تكون؟\nفالقول الأوَّل: أن الدية في بيت المال، وهو قول إسحاق؛ لأنَّه مسلم مات بفعل قوم من المسلمين، فوجبت ديته في بيت مال المسلمين.\nومثل هذا لو مات في زحمة طواف أو سعي أو رمي جمار أو نحو\n_________\n(^١) \"التنقيح\" (٤/ ٤٨١).\n(^٢) \"النهاية\" (٣/ ٣٠٥).","vol":"8","page":258},{"text":"ذلك؛ لأنَّه دم معصوم لا يضيع هدرًا، فتكون الدية في بيت المال في كل حالة لا يبقى فيها سبيل للثبوت على غير بيت المال.\nوالقول الثَّاني: أن ديته تجب على جميع من حضر، وذلك لأنَّه مات بفعلهم، فلا يتعداهم إلى غيرهم، وهذا قول الحسن.\nوالقول الثالث: أنَّه هدر؛ لأنَّه إذا لم يوجد قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد، وهو قول مالك (^١)، والقول الأوَّل أرجح، لقوة مأخذه، ولأنَّه قول علي - ﵁ - (^٢).\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن قتل العمد يوجب القصاص، وقتل العمد: أن يَقْصِدَ آدميًّا معصومًا فيقتله بما يغلب على الظن موته به، وله صور وأمثلة محلها كتب الفقه.\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنَّه لا يحل لمسلم أن يحول دون استيفاء القصاص أو الدية بأن يحمي الجاني، أو يكون سببًا في ذلك، وأن هذا من الكبائر، والواجب على المؤمن أن يكون عونًا للحق ولو كان أهل الحق ضعيفين أو أعداء له فالحق أحق بالأخذ والاتباع.\nوالواجب على ولاة الأمور وعلى القضاة إنفاذ الحق وإيصاله إلى مستحقه، وأن يحذروا التساهل أو قبول الشفاعات التي تمنع الحق أو السماح لمن يقف بهذا الطَّريق ولو كان عظيمًا، ومن حال دون تنفيذ الحق بشفاعة أو قوة فقد تعرض لغضب الله تعالى ولعنته، وقد أنكر النَّبيُّ - ﷺ - على أسامة بن زيد في شأن المخزومية، وقال: \"أتشفع في حد من حدود الله … \" (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"معالم السنن\" (٦/ ٣٤٥)، \"فتح الباري\" (١٢/ ٢١٨)، \"دقائق أولي النهى\" (٦/ ١٦٣).\n(^٢) انظر: \"مصنف عبد الرَّزاق\" (١٠/ ٥١).\n(^٣) رواه البُخاريّ (١٦٨٨)، ومسلم (١٦٨٨)، وسيأتي شرحه في باب \"حد السرقة\" إن شاء الله تعالى.","vol":"8","page":259},{"text":"<span data-type='title' id=toc-983>عقوبة القاتل والممسك</span>\n١١٧٩/ ١٥ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الآخَرُ يُقْتلُ الَّذِي قَتَلَ، وَيُحْبَسُ الَّذي أَمْسَكَ\". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ مَوْصُولًا ومُرْسَلًا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إلا أن الْبَيهَقِي رَجَّحَ الْمُرْسَلَ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأوَّل: في تخريجه:\nفقد أخرجه الدارقطني (٣/ ١٤٠)، والبيهقيّ (٨/ ٥٠) من طريق أبي داود الحَفَرِي، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أميَّة، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: \"إذا أمسك الرجل الرجل … الحديث\".\nوهذا الحديث في سنده اختلاف، فقد روي موصولًا كما مَرَّ، وروي مرسلًا من طريق وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل بن أميَّة، قال: قضى رسول الله - ﷺ - في رجل أمسك رجلًا وقتله الآخر، قال: \"يُقتل القاتل، ويُحبس الممسك\".\nرواه ابن أبي شيبة (٩/ ٣٧٢)، والدارقطني (٣/ ١٤٠)، والبيهقيّ (٨/ ٥٠).\nوقد رجح البيهقي المرسل، فإنَّه قال بعد الموصول: (هذا غير محفوظ، وقد قيل عن إسماعيل بن أميَّة، عن سعيد بن المسيب، عن النَّبيِّ - ﷺ -، والصَّواب ما أخبرنا …) ثم ساق المرسل المتقدم، ولعل وجه ترجيح المرسل أنَّه من طريق وكيع عن سفيان، وهو أثبت من الحفري في روايته عن","vol":"8","page":260},{"text":"سفيان (^١). ويؤيد هذا أن عبد الرَّزاق رواه في \"مصنفه\" (٩/ ٤٨١) عن معمر وابن جريج عن إسماعيل مرسلًا.\nأما ابن القطان فقد رجح الموصول، حيث قال: (وهو عندي صحيح) (^٢).\nقال ابن عبد الهادي: (وقول البيهقي أصح من قول ابن القطان)، ثم قال عن المرسل: (هذا هو المحفوظ) (^٣).\n\n° الوجه الثَّاني: استدل بهذا الحديث من قال: إنَّه إذا أمسك رجل رجلًا وقتله آخر، فإن القاتل يقتل قصاصًا إلَّا أن يعفو أهل القتيل، قال الموفق: (لا خلاف في أن القاتل يقتل؛ لأنَّه قتل من يكافئه عمدًا بغير حق) (^٤).\nوأمَّا الممسك فإن لم يعلم أن القاتل سيقتله فلا شيء عليه؛ لأنَّه متسبب، والقاتل مباشر، فيسقط حكم المتسبب به، وإن أمسكه لمن يقتله مثل أن ضبطه له حتَّى ذبحه:\nفالقول الأوَّل: أنَّه يحبس، كما دل عليه الحديث، ولم يذكر في الحديث مدة حبسه، فيكون مرجعها إلى اجتهاد الحاكم؛ لأنَّ الغرض تأديبه، وليس بمقصود استمراره إلى الموت، وعزاه الشوكاني إلى الجمهور (^٥)، وقيل: يحبس حتَّى يموت، وهذا قول عطاء وربيعة، وروي ذلك عن علي - ﵁ - (^٦)، وهو رواية من أحمد، أخذ بها الشَّيخ محمَّد بن إبراهيم (^٧)؛ لأنَّه حَبَسَ المجني عليه إلى الموت فيحبس هو إلى الموت.\nوالقول الثَّاني: أن الممسك يقتل كالقاتل؛ لأنهما اشتركا في القتل، فإنَّه لولا الإمساك ما قَدِرَ على قتله، وبإمساكه تمكن من قتله، فالقتل حاصل\n_________\n(^١) انظر: \"شرح العلل\" لابن رجب (٢/ ٥٣٨).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٤١٦)\n(^٣) \"التنقيح\" (٤/ ٤٨٥).\n(^٤) \"المغني\" (١١/ ٥٩٦).\n(^٥) \"نيل الأوطار\" (٧/ ٢٦).\n(^٦) المصدر السابق.\n(^٧) \"الفتاوى\" (١١/ ٢٤٥).","vol":"8","page":261},{"text":"بفعلهما. وهذا قول مالك، ورواية من أحمد (^١).\nوالقول الثالث: أن الممسك يعاقب ويأثم ولا يقتل؛ لأنَّ الممسك غير قاتل؛ ولأن الإمساك سبب غير ملجئ، فإذا اجتمعت معه المباشرة كان الضَّمان على المباشر، وهذا قول أبي حنيفة والشَّافعيّ (^٢)، وكأن هؤلاء لم يأخذوا بهذا الحديث في أنَّه يحبس الممسك؛ لأنَّه معلول بالإرسال كما تقدم، وهذا القول قوي -في نظري- والعقاب أنواع، ومنه السجن، ويكون مرجعه إلى اجتهاد الحاكم. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١١/ ٥٩٦).\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"8","page":262},{"text":"<span data-type='title' id=toc-984>حكم قتل المسلم بالمعاهد</span>\n١١٨٠/ ١٦ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْبَيلَمَانيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَتَلَ مُسْلِمًا بِمُعَاهَدٍ. وَقَال: \"أنَا أَوْلَى مَنْ وَفَى بِذِمّتِهِ\". أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَكَذَا مُرْسلًا، وَوَصَلَهُ الدَّارَقُطْنيُّ بِذِكْرِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، وَإِسْنَادُ المَوْصُولِ وَاهٍ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو عبد الرحمن بن أبي زيد البيلماني -بفتح الباء، وسكون الياء، وفتح اللام- مولى عمر - ﵁ -، يذكر في عداد الضعفاء، قال عنه أبو حاتم: الشين الحديث)، وقال الدارقطني: (ضعيف لا تقوم به حجة)، وقال الأزدي: (منكر الحديث)، روى عن ابن عباس وابن عمرو ابن عمرو وغيرهم -﵃-، وروى عنه ابنه محمَّد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وسماك بن الفضل وغيرهم، مات في خلافة الوليد بن عبد الملك (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد رواه عبد الرَّزاق (١٠/ ١٠١) باب (قود المسلم بالذمي)، ومن طريقه الدارقطني (٣/ ١٣٥)، والبيهقيّ (٨/ ٣١) عن الثوري، عن ربيعة، عن عبد الرحمن بن البيلماني يرفعه إلى النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه أقاد من مسلم قتل يهوديًّا، وقال: \"أنا أحق من وفَى بذمتي\" وعند البيهقي: \"من وفَى بذمته\".\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا؛ لأنَّه مرسل، والذي أرسله عبد الرحمن بن البيلماني، وقد قال عنه الدارقطني: (ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٣٥ - ١٣٦).","vol":"8","page":263},{"text":"الحديث، فكيف إذا أرسله؟!) (^١)، وقد روي مرسلًا -أيضًا- من طرق أخرى (^٢).\nوروي موصولًا، فقد رواه الدارقطني (٣/ ١٣٤) من طريق إبراهيم بن محمَّد الأسلمي، عن ربيعة، عن ابن البيلماني، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قتل مسلمًا بمعاهد، وقال: \"أنا أكرم من وفى بذمته\".\nوهذا إسناد واهٍ -كما قال الحافظ- آفته إبراهيم الأسلمي، فهو متروك، كما قال النَّسائيّ والدارقطني (^٣). قال الدارقطني عقب الحديث: (والصَّواب عن ربيعة، عن ابن البيلماني مرسلًا عن النَّبيِّ - ﷺ -).\nوإذا كان مرسل الثقات من قبيل الضعيف، فكيف بمرسل الضعفاء والمتروكين، هذا من جهة الإسناد، وأمَّا من جهة المتن ففيه نكارة؛ لأنَّه مخالف للحديث الصَّحيح المتقدم: \"لا يقتل مسلم بكافر\" على أن لفظ الكافر لفظ عام.\nولعل الحافظ ذكر الحديث لبيان حاله، وليعرف طالب العلم أن الحديث لا أصل له، وأن في الباب حديثًا مخالفًا للصواب، ولو أسقطه كما فعل ابن دقيق العيد في \"الإلمام\" وابن عبد الهادي في \"المحرر\" لكان أولى.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز قتل المسلم بالكافر المعاهد، وأن المعاهد في ذمة إمام المسلمين، وفي ذمة المسلمين جميعًا.\nوالمعاهد -بفتح الهاء، وقيل: بكسرها-: هو الكافر الذي أُعطي العهد والأمان، فحرم قتله أو أسره أو رقه، قال الحافظ: (المراد به من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان أو أمان من مسلم) (^٤).\n_________\n(^١) \"السنن\" (٣/ ١٣٥).\n(^٢) انظر: \"المراسيل\" لأبي داود ص (٣٢٨)، \"المصنف\" لابن أبي شيبة (٩/ ٢٩٠)، \"العلل\" للدارقطني (١٤/ ٦٩)، \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٨/ ٣٠).\n(^٣) \"سنن الدارقطني\" (٣/ ١٣٥)، \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٣٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٥٩).","vol":"8","page":264},{"text":"والقول بأن المسلم يقتل بالمعاهد هو قول الحنفية، وقد استدلوا بهذا الحديث في كتبهم (^١). كما يستدلون بعموم الأدلة الدّالة على مشروعية القصاص، قالوا: لأنَّ الحاجة تدعو إلى زاجر قوي يردع المسلم ويمنعه من الاعتداء على الذميين؛ لأنَّ العداوة الدينية قد تدفع المسلم على الإقدام على قتل الذمي لأتفه الأسباب، فكان في تشريع القصاص من المسلمين للكافر الذمي سَدٌّ لباب الفتنة وحفظ الحقوق الذميين التي كفلها لهم الإسلام، وحملوا حديث: \"لا يقتل مسلم بكافر\" على أن المراد الحربي لا المعاهد، لتتفق النصوص.\nيقول عبد القادر عوده -﵀-: (ورأي أبي حنيفة يتفق مع القوانين الوضعية الحديثة، فهي لا تفرق في العقوبة لاختلاف الدين، والقانون المصري لا يفرق بين ذمي ومسلم فكلاهما يقتل بالآخر) (^٢).\nوذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالذمي، وتقدم بيان ذلك، وهو القول الراجح.\nوقد أجمع الفقهاء على أن قتل المعاهد من كبائر الذنوب، لما ثبت فيه من الوعيد، فقد ثبت في الصَّحيح عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن النَّبيَّ - ﷺ - قال: \"من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنَّة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا\" (^٣).\nوقد نقل ابن بطال عن المهلب أنَّه استدل بهذا الحديث الصَّحيح على أن المسلم لا يقتل بالمعاهد؛ لأنَّه اقتصر في الحديث على الوعيد الأخروي دون الدنيوي (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الهداية\" (٤/ ١٦٠).\n(^٢) \"التّشريع الجنائي الإسلامي\" (١/ ١٢٤).\n(^٣) رواه البُخاريّ (٣١٦٦)، وسيأتي شرحه -إن شاء الله- في أواخر \"الجهاد\".\n(^٤) \"شرح ابن بطال\" (٨/ ٥٦٣).","vol":"8","page":265},{"text":"<span data-type='title' id=toc-985>قتل الجماعة بالواحد</span>\n١١٨١/ ١٧ - عَنِ ابنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: قُتِلَ غُلَامٌ غِيلَةً، فَقَال عُمَرُ: لَوْ اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأوَّل: في تخريجه:\nفقد رواه البُخاريّ في كتاب \"الديات\"، باب \"إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أم يقتص منهم كلهم؟ \" (٦٨٩٦) فقال: قال لي ابن بشار: حدثني يَحْيَى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - أن غلامًا قتل غيلة، فقال عمر: (لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم).\nوهذا إسناد موصول؛ لأنَّ ابن بشار -واسمه محمَّد، ويعرف بِبُنْدار- هو من شيوخ البُخاريّ الذين سمع منهم، وحدث عنهم بالشيء الكثير.\nوهذا السياق للإسناد وإن كان سياق تعليق إلَّا أن القول بالاتصال هو الراجح، قال الحافظ: (هذا الأثر موصول إلى عمر بأصح إسناد) (^١)، ويؤيد ذلك أن البُخاريّ قد استعمل صيغة: (قال فلان) بكثرة عن شيوخه في الأسانيد المتصلة في \"التَّاريخ الكبير\"، وهذا وإن لم يعهد منه في \"الصَّحيح\" إلَّا أنَّه ممكن الوقوع، وما أحسن قول الحافظ ابن رجب عن حديث المعازف الذي رواه البُخاريّ بمثل صيغة حديث الباب، فقال: (وقال هشام بن عمار: حدَّثنا صدقة بن خالد …) قال ابن رجب: (هكذا ذكره البُخاريّ في كتابه بصيغة التعليق المجزوم به، والأقرب أنَّه مسند، فإن هشام بن عمار أحد شيوخ\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٢٧).","vol":"8","page":266},{"text":"البُخاريّ، وقد قيل: إن البُخاريّ إذا قال في \"صحيحه\": (قال فلان) ولم يصرح بروايته عنه، وكان قد سمع منه، فإنَّه يكون قد أخذه عنده عرضًا أو مناولة أو مذاكرة، وهذا كله لا يخرجه عن أن يكون مسندًا، والله أعلم) (^١).\nوهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة (٩/ ٣٤٧) عن وكيع، قال: حدَّثنا العمري، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب قتل سبعة من أهل صنعاء برجل، وقال: (لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم).\nورواه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٨٧١) عن يَحْيَى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب قتل نفرًا خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه غيلة، وقال عمر: (لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا).\n\n° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (غلام) هو الذكر الصَّغير، قال ابن سيده: (هو غلام من لدن الفطام إلى سبع سنين) وتقدم ذلك في أول الكتاب (^٢).\n\nقوله: (غيلة) بكسر الغين؛ أي: خديعة وخفية، وهو أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه أحد، قال ابن فارس: (الغين والواو واللام أصل صحيح يدل على خَتْل وأخذٍ من حيث لا يدري) (^٣).\nوليس للفقهاء تعريف اصطلاحي لقتل الغيلة، ولعلهم تركوا ذلك لوضوح معناه اللغوي، ومع ذلك ذكروا له صورًا، منها:\n١ - أن يدعو شخصًا إلى منزله لخياطة أو طِبٍّ، أو نحو ذلك، فإذا انفرد به قتله وأخذ ما معه.\n٢ - أن يخدع صغيرًا أو كبيرًا فيدخله موضعًا، فيقتله ويأخذ ما معه.\nوتقدم شيء من ذلك في باب \"ما جاء في قتل المسلم بالكافر\".\n\nقوله: (لو اشترك فيه) هذا لفظ \"البلوغ\"، وهي رواية الكُشْمَيهَنِي، قال\n_________\n(^١) \"مجموع رسائل ابن رجب\" (٢/ ٤٤٩).\n(^٢) انظر: \"شرح الحديث\" (٨٨).\n(^٣) \"معجم مقاييس اللُّغة\" (٤/ ٤٢).","vol":"8","page":267},{"text":"الحافظ: (وهو أوجه)، والذي في البُخاريّ: (فيها) والتأنيث على إرادة النَّفس، كما قال الحافظ (^١).\n\nقوله: (صنعاء) بالمد، مدينة قديمة أثرية، وهي عاصمة اليمن اليوم.\n\nقوله: (لقتلتهم به) أي: لاقتصصت منهم وقتلتهم جميعًا لاشتراكهم في قتله، وإسناد القتل إليه - ﵁ - فيه إشارة إلى أن قتل الغيلة لا يُقبل فيه العفو، كما سيأتي. ولفظة: (به) ليست عن البُخاريّ.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنَّه إذا اشترك جماعة -اثنان فأكثر- في قتل شخص عمدًا، فإنَّه يجب عليهم القصاص جميعًا بشرط أن يكون فعل كل واحد منهم صالحًا لإحداث الوفاة، وهذا قول الجمهور من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة (^٢)؛ لأنَّ الخليفة الراشد عمر - ﵁ - أمر بقتل قاتلي الغلام، وقد ورد أنهم كانوا سبعة، وكان ذلك بمحضر من الصّحابة - ﵃ - ولم ينقل عن أحد منهم أنَّه أنكر ذلك عليه، ولو كان هذا غير جائز لما أمر به عمر - ﵁ - (^٣).\nكما استدلوا بعموم الأدلة من الكتاب والسنة الدّالة على مشروعية القصاص، ولم تفرق بين كون القاتل واحدًا أو جماعة.\nومن جهة المعنى: فإنَّه لو سقط القصاص بالاشتراك لأدى ذلك إلى التسارع إلى القتل عن طريق الاشتراك؛ ليسلم القاتل من القصاص، فتسفك الدماء، وتزول حكمة الردع والزجر.\nوالقول الثَّاني: أنَّه لا يجب القصاص عليهم وإنَّما تجب الدية، وهذا رواية في مذهب الإمام أحمد، وبه قال الزُّهريّ وابن المنذر (^٤)، وحكاه ابن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٧٧).\n(^٢) \"المهذب\" (٢/ ١٧٤)، \"بدائع الصنائع\" (٧/ ٢٣٨)، \"بداية المجتهد\" (٤/ ٣٠١)، \"المغني\" (١١/ ٤٩٠).\n(^٣) انظر: \"المصنف\" لعبد الرَّزاق (٩/ ٤٧٥).\n(^٤) \"المغني\" (١١/ ٤٩٠)، \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٢٧)، \"الإنصاف\" (٩/ ٤٤٨).","vol":"8","page":268},{"text":"أبي موسى عن ابن عباس - ﵄ - (^١).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨].\nووجه الاستدلال: أن الآية دلت على وجوب المماثلة والمساواة في الأوصاف، وإذا تفاوتت فلا قصاص؛ كالحر يؤخذ بالعبد، وإذا كان التفاوت في الأوصاف يمنع من القصاص فإن التفاوت في العدد يمنع من باب أولى.\nكما استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وقتل الجماعة بالواحد يستدعي قتل أنفس بنفس، فيكون ممنوعًا لمخالفته لظاهر الآية.\nوالقول الثالث: أنَّه يقتل واحد فقط يختاره أولياء الدم، ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية، وهو قول بعض الشَّافعية، وهو مروي عن بعض السلف؛ كمعاذ وابن الزُّبير وابن سيرين والزهري (^٢).\nواستدلوا بما تقدم في القول الثَّاني، حيث دلت الآيتان على أنَّه لا تؤخذ أنفس بنفس واحدة، وإذا كان الأمر كذلك فيقتص من واحد فقط، وليس من المعقول أن يفلت بقية الجناة من العقاب، فيلزمون بدفع حصصهم من الدية.\nوالراجح هو القول الأوَّل، لقوة دليله، وقد نقل ابن قدامة إجماع الصّحابة - ﵃ - على هذا الرأي، لكن قد يشكل على ذلك ما تقدم عن ابن عباس - ﵄ -.\nوأما أدلة الباقين فهي غير ناهضة؛ لأنَّ آية البقرة -كما تقدم- وردت لإبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من تعنت وكبرياء حتَّى إنهم لا يقبلون بالعبد إلَّا حرًّا، ولا بالأنثى إلَّا ذكرًا، ولم تتعرض الآية لقتل الجماعة بالواحد.\nوأمَّا آية المائدة فإنَّها نزلت توبيخًا لليهود الذين خالفوا نص التوراة في أن النفس بالنفس، فصاروا يفضلون بعض الأجناس على بعض، فيقتصون من\n_________\n(^١) \"الإرشاد\" ص (٤٥٢).\n(^٢) \"المغني\" (١١/ ٤٩٠)، ولعل هذا قول آخر للزهري، فقد تقدم في القول الثَّاني.","vol":"8","page":269},{"text":"القُرَظِي للنَّضَرِي، ولا يقيدون القرظي من النضري بل يعدلون إلى الدية.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن قتل الغيلة يوجب القتل حتمًا، ولا يجوز فيه عفو ولا صلح، وهذا قول المالكيّة، وبعض فقهاء الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^١).\nووجه الاستدلال:\n١ - أن عمر - ﵁ - قتل النفر الذين قتلوا الغلام وهم خمسة أو سبعة، كما تقدم، وقال: (لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم).\n٢ - أن عمر - ﵁ - نسب العقوبة إليه لا إلى ولي الدم، ولم يستثن عفو الولي، مما يدل على أن قتل المغتال لولي الأمر، وليس لأولياء القتيل أثر من إسقاط العقوبة عنه.\nوالقول الثَّاني: أن قتل الغيلة كغيره من أنواع القتل في وجوب القصاص، ولولي الدم العفو إلى بدل أو إلى غير بدل، وهذا قول الجمهور (^٢).\nواستدلوا بعموم الأدلة على شرعية القصاص التي لم يفرق فيها بين قتل الغيلة وغيره.\nوالقول الأوَّل أرجح، لقوة دليله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والأول أشبه بأصول الشريعة، بل قد يكون ضرر هذا أشد؛ لأنَّه لا يُدرى به) (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"حاشية المقنع\" (٣/ ٣٦٢)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٣١٦)، \"الفروع\" (٥/ ٦٦٩)، \"جواهر الإكليل\" (٢/ ٢٥٥).\n(^٢) \"المغني\" (١١/ ٤٦٠)، \"فتح الباري\" (١٢/ ٥١٠).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٨/ ٣١٧).","vol":"8","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-986>تخيير الولي بين القصاص والدية</span>\n١١٨٢/ ١٨ - عَنْ أَبي شُرَيحٍ الْخُزَاعِيِّ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" .. فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيل بَعْدَ مَقَالتَي هذِهِ فَأَهْلُهُ بَينَ خِيرَتَينِ: إِمَّا أَنْ يَأخُذُوا الْعَقْلَ أَوْ يَقْتُلُوا\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.\n١١٨٣/ ١٩ - وَأَصْلُهُ في الصحيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - بمعْنَاهُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأوَّل: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو شريح الخزاعي ثم الكعبي، خويلد بن عمرو، أو عمرو بن خويلد، أو هانئ وقيل: غير ذلك، وقد قال ابن عبد البر عن الأوَّل: إنَّه أصحها، وقال ابن حجر: والأول أشهر، وهو صحابي جليل، أسلم قبل فتح مكّة، وكان معه لواء خزاعة يوم الفتح، روى عن النَّبيِّ - ﷺ - أحاديث، وروى عن ابن مسعود - ﵁ -، وروى عنه نافع بن جبير بن مطعم، وأبو سعيد المقبري، وابنه سعيد، وغيرهم، وكان أبو شريح من عقلاء أهل المدينة، فصيحًا قويًّا في الله تعالى لا تأخذه فيه لومة لائم، وقصته مع عمرو بن سعيد والي المدينة ليزيد بن معاوية معروفة، وهي في \"الصحيحين\"، قال ابن سعد: مات بالمدينة سنة ثمان وستين - ﵁ - (^١).\n\n° الوجه الثَّاني: في تخريجهما:\nأما حديث أبي شريح - ﵁ - فقد أخرجه أبو داود في كتاب \"الديات\"، باب \"ولي العمد يرضى بالدية\" (٤٥٠٤)، والترمذي (١٤٠٦) من طريق\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١١/ ٣٢١)، \"الإصابة\" (١١/ ١٩٢).","vol":"8","page":271},{"text":"يَحْيَى بن سعيد، قال: حدَّثنا ابن أبي ذئب، حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الكعبي، يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"ألا إنكم يا معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل، وإني عاقله، فمن قتل له قتيل … الحديث\".\nوهذا الحديث رجاله ثقات، رجال الشيخين، قال التِّرمذيُّ: (هذا حديث حسن صحيح).\nوعزوه للنسائي وهم من الحافظ -﵀-، وقد عزاه المزي إلى أبي داود والترمذي فقط (^١)، وعزاه الحافظ نفسه في \"التلخيص\" إلى التِّرمذيِّ فحسب (^٢).\nوأمَّا حديث أبي هريرة - ﵁ - فقد رواه البُخاريّ في كتاب \"الديات\"، باب \"من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين\" (٦٨٨٠)، ومسلم (١٣٥٥) من طريق يَحْيَى بن أبي كثير، حدَّثنا أبو سلمة، حدَّثنا أبو هريرة أنَّه عام فتح مكّة قتلت خزاعة رجلًا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية … وساق الحديث، وفيه: \"ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إمَّا أن يؤدى، وإما أن يقاد … \" الحديث بطوله، وعند مسلم: \"إمَّا أن يفدى، وإما أن يقتل\".\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الواجب في قتل العمد أحد أمرين: إمَّا القصاص وأمَّا الدية، ويتعين أحدهما باختيار الولي، وهذا قول الشَّافعي، ومالك وأحمد في رواية عنهما، وهو قول الظاهرية (^٣).\nكما استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] قال ابن عباس في الآية: (كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية … فالعفو أن يقبل الرجل الدية في العمد … يتبع بالمعروف، ويؤدي بإحسَّان) (^٤)، وهذا يفيد أن هذه الأمة مخيرة بين\n_________\n(^١) \"تحفة الأشراف\" (٩/ ٢٢٥).\n(^٢) (٤/ ٢٥)\n(^٣) \"المحلى\" (١٠/ ٣٦٠)، \"بداية المجتهد\" (٤/ ٣٠٥)، \"المغني\" (١١/ ٤٥٧)، \"روضة الطالبين\" (٩/ ٢٣٩).\n(^٤) رواه البُخاريّ (٤٤٩٨).","vol":"8","page":272},{"text":"القصاص والدية، وهذا من رحمة الله تعالى وإحسانه إلى هذه الأمة حيث لم يحتم عليهم القصاص كما كان في بني إسرائيل.\nوالقول الثَّاني: أن الواجب في قتل العمد القصاص عينًا، وليس للولي أن يأخذ الدية من القاتل إلَّا برضاه، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك في المشهور عنه، ورواية عن أحمد (^١).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] ووجه الدلالة: أن (على) تفيد الوجوب، وأن الله تعالى لم يذكر الدية. كما استدلوا بالأدلة الموجبة للمماثلة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] والمعاقبة بالمثل لا تتحقق إلَّا بالقصاص، إذ لا مماثلة بين القتل والدية.\nكما استدلوا بحديث ابن عباس - ﵄ - المتقدم: \"ومن قتل عمدًا فهو قود\" فالرسول - ﷺ - أوجب القود في العمد واقتصر عليه، ولو كانت الدية واجبة لذكرها.\nوالقول الثالث: أن الواجب القصاص عينًا، وللولي أن يأخذ المال من غير رضا القاتل، وهذا قول للشافعي (^٢)، ودليل ذلك ما تقدم في الذي قبله، إلَّا أنهم قالوا: إن لولي الدم أخذ الدية ولو لم يرض القاتل؛ لأنَّه لا يهدر دم في الإسلام.\nوالراجح هو القول الأوَّل؛ لأنَّ أدلتهم قوية وصريحة في تخيير الولي بين القصاص والدية.\nأما أدلة الباقين فهي غير ناهضة على المدعى؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ قد جاء في آخرها ما يدل على أن هذا محمول على\n_________\n(^١) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٧/ ٢٤١)، \"حاشية الدسوقي\" (٤/ ٢٤٠).\n(^٢) انظر: \"نهاية المحتاج\" (٧/ ٣٠٩).","vol":"8","page":273},{"text":"اختيار الاقتصاص من القاتل، وأمَّا آيات المماثلة فليس فيها ما ينفي إيجاب الدية الثابت بأدلة أخرى، وكذا قوله - ﷺ -: \"ومن قتل عمدًا فهو قود\"، فتكون أدلة التخيير جاءت بحكم زائد على ما ثبت في هذه الأدلة، فيؤخذ بالجميع (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (١/ ٤٤).","vol":"8","page":274},{"text":"<span data-type='title' id=toc-987>باب الديات</span>\nالديات: جمع دية، وهي مصدر وَدَى القتيل؛ أي: أدى ديته، والهاء عوض عن فاء الكلمة، وهي الواو، مثل: وعد عدة، ووصل صلة. وجمعت لاختلاف أنواعها.\nواصطلاحًا: المال المؤدى إلى المجني عليه أو وليه بسبب الجناية على نفس أو طَرَف.\nوالأصل في وجوب الدية الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إلا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢].\nأما السنة فالأحاديث المذكورة في هذا الباب وغيرها، وأمَّا الإجماع فقد أجمع أهل العلم على وجوب الدية في النَّفس عند توفر شروط وجوبها.\nوالدية عقوبة مالية تحل محل القصاص إذا سقط، أو امتنع لسبب من الأسباب، إذا كانت الجناية عمدًا، وتكون عقوبة أصلية إذا كانت الجناية شبه عمد أو خطأ.\nوالقاعدة في هذا الباب أن كل من أتلف إنسانًا أو جزءًا منه بمباشرة أو تسبب فعليه الدية.\nوالمباشرة: فعل الأمر من غير واسطة، كان يضربه بآلة تقتل أو يلقيه من شاهق، والتسبب: أن يكون الشخص ونحوه سببًا في حصول أمر ما، كأن يحفر بئرًا في الطَّريق فيقع فيها إنسان (^١).\n_________\n(^١) \"معجم لغة الفقهاء\" ص (١٢٩، ٣٩٩).","vol":"8","page":275},{"text":"<span data-type='title' id=toc-988>مقادير الديات</span>\n١١٨٤/ ١ - عَنْ أَبي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - ﵁ - أَنَّ النَّبيّ - ﷺ - كتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ- فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفيهِ: \"أَنَّ مَنِ اعْتَبَطَ مُؤمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيّنَةٍ فَإِنَّهُ قَوَد، إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْليَاءُ الْمَقْتُولِ، وَإِنَّ في النَّفْسِ الدِّيةَ مائَةً مِنَ الإبِلِ، وَفي الأنفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفي اللِّسان الدِّيَةُ، وَفي الشَّفَتَينِ الدِّيَةُ، وَفي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفي الْبَيضَتين الدِّيَةُ، وَفي الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وَفي العَينَينِ الدِّيَةُ، وَفي الرِّجْل الْوَاحِدَةِ نِصْف الدِّيةِ، وَفي الْمَأمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفي الْمُنَقَلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإبِلِ، وَفي كُلِّ إِصْبَعِ مِنْ أَصابع الْيَدِ وَالرِّجْلِ عَشْر مِنَ الإبِل، وَفي السِّنّ خَمس مِنَ الإبِلِ، وَفي الْمُوضِحَةِ خَمس مِنَ الإبلِ، وَإِن الرَّجُلَ يُقْتَلُ بالْمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ ألفُ دِينَارٍ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ في الْمَرَاسِيل، وَالنسَائي وَابْنُ خُزَيمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ وَابْنُ حِبَّانَ وَأَحْمَدُ، وَاخْتَلَفُوا في صحّتِهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأوَّل: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم بن زيد الأنصاري الخزرجي المدني، قاضي المدينة النبوية، قيل: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمَّد، وقيل: اسمه كنيته، روى عن أبيه، وخالته عمرة بنت عبد الرحمن، والسائب بن يزيد وغيرهم، ولم يدرك جده عمرو بن حزم، روى عنه ابناه:","vol":"8","page":276},{"text":"عبد الله ومحمد، والزهري وغيرهم، وقد كان من مشاهير الفقهاء العباد، قال عنه الحافظ في \"التقريب\": (ثقة عابد)، مات سنة مائة، وقيل: بعدها (^١) رحمه الله تعالى. وأما أبوه فهو محمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري النجاري المدني، ولد في حياة النَّبيِّ - ﷺ - سنة عشر في نجران عندما كان أبوه واليًا عليها للنبي - ﷺ -، روى عن أبيه، وعن عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص، وروى عنه ابنه أبو بكر، وعمرو بن كثير بن أفلح، وكان ثقة قليل الحديث، قتل يوم الحرة سنة ثلاث وستين -﵀ - (^٢).\nوأمَّا جده عمرو بن حزم بن زيد الأنصاري، فقد تقدمت ترجمته في \"نواقض الوضوء\" من كتاب \"الطهارة\" عند الحديث (٧٧).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في \"المراسيل\" رقم (٢٤٧) من طريق محمَّد بن بكار وأخيه جامع بن بكار، والنَّسائيُّ (٨/ ٥٩) من طريق محمَّد بن بكار، كلاهما قالا: حدَّثنا يَحْيَى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزُّهريّ، ورواه النَّسائيّ (٨/ ٥٧) وأحمد (^٣)، وابن حبان (١٤/ ٥٠١) من طريق الحكم بن موسى، ثنا يَحْيَى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزُّهريّ، عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده أن النَّبيَّ - ﷺ - كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، فقرئت على أهل اليمن … الحديث.\nوقد تقدم هذا الحديث في \"نواقض الوضوء\" وذكرت هناك اختلاف\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٤٠).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٣٢٩).\n(^٣) عزاه إلى أحمد أبو القاسم البغوي في \"مسائله\" ص (٨٥) وكذا عزاه ابن عبد الهادي في \"التنقيح\" (١/ ٢٢٧)، ولم أجده في \"المسند\" المطبوع، وقد ذكر ابن عساكر في \"ترتيب أسماء الصّحابة الذين أخرج حديثهم أحمد\" ص (٨٥) عمرو بن حزم وأن مسنده في الخامس عشر من مسند الأنصار، وفي الطبعة الأخيرة للمسند (٣٩/ ٤٧٦) جاء ذكر مسند عمرو بن حزم، وليس فيه حديث الباب، وما فيه إلَّا خمسة أحاديث فقط.","vol":"8","page":277},{"text":"العلماء في صحته؛ لأنَّ هذا الإسناد ظاهره السلامة من العلة، فرجاله جميعًا ثقات، وقد صحَّحه ابن عدي وابن حبان والحاكم وغيرهم.\nلكن في الحديث علة خفية قادحة، وهي أن الحكم بن موسى أخطأ في هذا الحديث -كما في الإسناد الثَّاني- وقال: سليمان بن داود، والصَّواب سليمان بن أرقم، كما في رواية محمَّد بن بكار وأخيه، ولأن كل من قرأ أصل يَحْيَى بن حمزة وَجَدَهُ عن سليمان بن أرقم، وسليمان بن أرقم قال عنه أبو زرعة: (ذاهب الحديث)، وقال أبو حاتم: (متروك) (^١).\nوالحديث له طرق أخرى، ومنها ما رواه عبد الرَّزاق (٤/ ٤) ومن طريقه ابن خزيمة (٢٢٦٩)، وابن الجارود (٧٨٤، ٧٨٦)، والدارقطني (١/ ١٢١) عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، أن النَّبيَّ - ﷺ - كتب كتابًا … فذكره، قال الدارقطني: (مرسل، ورواته ثقات).\nوذلك لأنَّ عبد الله بن أبي بكر روى الحديث عن جده محمَّد بن عمرو بن حزم، وقد ولد محمَّد في عهد النَّبيِّ - ﷺ - في السنة العاشرة، ولم يسمع من النَّبيِّ - ﷺ -، وهذا لا يضر -إن شاء الله- لأنه رواه لنا عن طريق الوجَادة، وهو قوله: (هذا كتاب رسول الله - ﷺ -).\nلكن ينبغي أن يعلم أنَّه كما بَعُدَ الزمن عن عهد النَّبيِّ - ﷺ - ضعفت قوة الوجادات؛ لأنَّه لا يؤمن عليها من التغيير أو التحريف أو الضياع أو الزيادة أو النقصان.\nوالحديث قد تعددت طرقه، وهي تدل بمجموعها على أنَّه حديث محفوظ، لكن هذا لا يعني أنَّه مسند، كما قال رجل ليحيى بن معين: هذا مسند؟ قال: (لا، ولكنه صالح)، بمعنى أن النَّبيَّ - ﷺ - كتبه، كما قال الإمام أحمد، فصار نسخة ووجادة توارثها الأئمة والمصنفون.\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ١٠١)، \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٦٩).","vol":"8","page":278},{"text":"ثم إنَّه ورد لمعظم ما جاء فيه شواهد صحيحة، وأخرى صالحة يصل بها إلى درجة الاحتجاج، من فتاوى الصّحابة ومراسيل التّابعين، وأكثر ما جاء من شواهده حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عند أبي داود وأحمد في \"مسنده\"، ومراسيل سعيد بن المسيب، وفتاوى لعلي - ﵁ -، ثم إن العلماء تلقوه بالقبول، وهو عند كثير منهم أبلغ من خبر الواحد العدل المتصل، وقد ذكرت شيئًا من ذلك في باب \"نواقض الوضوء\". وسأذكر ما له شواهد عند الكلام على أحكامه إن شاء الله تعالى.\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (اعْتَبَطَ) بالعين المهملة الساكنة، بعدها فتح؛ أي: قُتل بلا موجب، تقول: عبطت الشَّاةِ عبطًا، من باب (ضرب): ذبحتها صحيحة من غير علة بها (^١).\n\nقوله: (قتلًا) منصوب على المصدرية.\n\nقوله: (عن بينة) أي: قد قامت البينة على معرفة القاتل بالشاهدين أو بالإقرار؛ لأنَّ المقصود بالبينة: كل ما أبان الحق وأظهره.\n\nقوله: (فإنَّه قود) بالفتح؛ أي: فحكمه القصاص.\n\nقوله: (مائةً من الإبل) بالنصب على أنَّه بدل من (الدية) الذي هو اسم (إن) مؤخرًا، ويجوز رفعه على أنَّه خبر لمبتدأ محذوف.\n\nقوله: (أوعِبَ جَدْعُهُ) بضم الهمزة، فعل مبني لما لم يسمَّ فاعله بمعنى: استوعب، جدعه؛ أي: قطع واستؤصل بأكمله، تقول: وعبته وعبًا من باب (وعد) وأوعبته إيعابًا واستوعبته، كلها بمعنى، وهو أخذ الشيء جميعه (^٢).\n\nقوله: (وفي البيضتين) أي: الخصيتين.\n\nقوله: (وفي الصلب) بضم الصاد وإسكان اللام، ويجوز ضمها للإتباع، هو: عظم من لدن الكاهل إلى العَجْبِ، وهو العمود الفقري، قال الفيومي\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" (٣٩٠).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (٦٦٤).","vol":"8","page":279},{"text":"(الصُّلْبُ كل ظهر له فَقَار. .) (^١).\n\nقوله: (وفي المأمومة) هي الشجة التي بلغت إلى أم الدماغ، وأم الدماغ: هي جلدة فوق الدماغ.\n\nقوله: (وفي الجائفة) هي الطعنة التي بلغت جوف البطن، وقيل: هي التي تصل جوف العضو من ظهر أو صدر أو ورك أو غيرها مما له جوف.\n\nقوله: (وفي المنقلة) بضم الميم وفتح النون وتشديد القاف مكسورة، هي الشجة التي تكسر العظم وتخرجه عن محله.\n\nقوله: (وفي الموضحة) بضم الميم بصيغة اسم الفاعل من الإيضاح، وهي الجرحة التي ترفع اللحم عن العظم وتوضحه.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على ثبوت القصاص إذا قُتل المسلم المعصوم عمدًا عدوانًا إلَّا أن يرضى أولياء المقتول بالدية، ويشهد لهذا حديث أبي هريرة - ﵁ - المذكور قبل هذا الباب، وفيه: \"ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إمَّا أن يُؤدى، وإما أن يقاد\" هذا لفظ البُخاريّ، ولفظ مسلم: \"إمَّا أن يفدى، وأما أن يقتل\".\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن الدية الكاملة للنفس المسلمة هي مائة من الإبل، ويشهد لهذا حديث سهل بن حثمة الطَّويل -الآتي- في \"القسامة\" وفيه: (فَكَرِهَ رسول الله - ﷺ - أن يُبطل دمه، فوداه بمائة من إبل الصدقة) وهو في \"الصحيحين\".\nوقد ذهبت الشَّافعية والظاهرية والحنابلة في رواية إلى أن الإبل هي الأصل في الدية، وما عداها كالبقر والغنم والذهب والفضة فهو مقوم بها أصلًا، وعليه فتقوم الدية بالعملة المعروفة حسب قيمة الإبل غلاء ورخصًا، وهذا هو المعمول به في المحاكم قديمًا، أما الآن فدية العمد وشبهه مائة ألف وعشرة آلاف، ودية الخطأ مائة ألف (^٢).\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٣٤٥).\n(^٢) صدر بهذا قرار مجلس القضاء الأعلى في المملكة العربيَّة السعودية رقم (١٣٣) في ٣/ ٩/ ١٤٠١ هـ.","vol":"8","page":280},{"text":"وذهب بعض العلماء إلى أن أصول الدية هي الإبل والبقر والغنم والذهب والفضة، وهذا هو الصَّحيح من المذهب عند الحنابلة، وهو قول عطاء وطاوس، وفقهاء المدينة السبعة، واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن عمر - ﵁ - قام خطيبًا فقال: ألا إن الإبل قد غلت، قال: ففرضها عمر على أهل الذَّهب ألف دينار، وعلى أهل العروض اثنى عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة (^١).\nوالقول الأول أرجح.\nومما يؤيد أن الأصل هي الإبل:\n١ - أن النَّبيَّ - ﷺ - فرق بين دية العمد والخطأ، فغلَّظ بعضها، وخفف بعضها، كما سيأتي، والتغليظ والتخفيف لا يتحقق في غير الإبل.\n٢ - أنَّه جاء في حديث عمرو بن شعيب: \"والمأمومة ثلث العقل ثلاث وثلاثون من الإبل أو قيمتها من الذَّهب أو الورق أو البقر أو الشاء … \" (^٢).\n٣ - أن ديات الأعضاء والشجاج كل ذلك مقدر بالإبل، كما في حديث الباب وغيره، ولو كان غيرها أصلًا لثبتت في هذه الأشياء.\nوأمَّا حديث عمرو بن شعيب فليس فيه دليل على أن المذكور أصول، بل هو دليل على أن الإبل أصل، ولو كانت أصولًا لم يكن إيجابها تقويمًا للإبل ولا كان لغلاء الإبل أثر في ذلك ولا لذكره معنى.\n\n° الوجه السادس: في الحديث دليل على أن ما في الإنسان منه شيء واحد ففيه الدية كاملة، كالأنف واللسان والذكر.\nأما الأنف فقد أجمع أهل العلم على وجوب الدية كاملة في استئصاله، لقوله: \"وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية\"، ويشهد لهذا حديث عبد الله بن\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٤٥٤٢)، والبيهقيّ (٨/ ٧٧).\n(^٢) \"المسند\" (١١/ ٦٠٤).","vol":"8","page":281},{"text":"عمرو -﵄-، وفيه: (قال: وقضى رسول الله - ﷺ - في الأنف إذا جُدع الديةَ كاملةً …) (^١). ولأن الأنف عضو فيه جمال ظاهر ومنفعة كاملة.\nوكذا اللسان فقد أجمع أهل العلم على وجوب الدية كاملة في قطع لسان الكبير الناطق، لقوله: \"في اللسان الدية\"، ويشهد لهذا أحاديث مرسلة وآثار تقوي ذلك، فقد روى البيهقي من طريق ابن شهاب، أن سعيد بن المسيب أخبره أن السنة مضت في العقل بأن في اللسان الدية (^٢).\nوروى عبد الرَّزاق وابن أبي شيبة من طريق أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي - ﵁ - أنَّه قال: (في اللسان الدية) (^٣).\nوكذا الذكر فقد أجمع العلماء على وجوب الدية فيه كاملة؛ لقوله: \"وفي الذكر الدية\" ويشهد له ما رواه ابن شهاب أن سعيد بن المسيب أخبره أن السنة مضت في العقل بأن في الذكر الدية، وفي الأنثيين الدية. وقد أفتى بذلك علي - ﵁ -، كما رواه عبد الرَّزاق عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي أنَّه قال: (وفي الذكر الدية، وفي إحدى البيضتين النصف) (^٤).\n\n° الوجه السابع: في الحديث دليل على أن في الشفتين الدية، وهذا أمر مجمع عليه، لقوله: \"وفي الشفتين الدية\" ويشهد لهذا ما ورد عن علي - ﵁ - بسند حسن أنَّه قال: (في الشفتين الدية) (^٥)؛ ولأنهما عضوان ليس في البدن مثلهما، وفيهما جمال ظاهر، ومنفعة كاملة.\n\n° الوجه الثامن: الحديث دليل على أن في البيضتين وهما الخصيتين\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٤٥٦٤)، والنَّسائيُّ (٨/ ٤٣)، وابن ماجة (٢٦٣٠)، وأحمد (١١/ ٦٦٢) من طريق محمَّد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ..، وسنده حسن.\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٨/ ٨٩).\n(^٣) \"مصنف عبد الرَّزاق\" (١٧٥٦١)، \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٩/ ١٧٦).\n(^٤) \"مصنف عبد الرَّزاق\" (١٧٦٣٥)، \"سنن البيهقي\" (٨/ ٩٧).\n(^٥) \"مصنف عبد الرَّزاق\" (١٧٤٨٤).","vol":"8","page":282},{"text":"الدية، لقوله: \"وفي البيضتين الدية\" وقد أجمع أهل العلم على ذلك، ويشهد لذلك قضاء علي - ﵁ - أن في البيضة النصف، كما تقدم، وعن سعيد بن المسيب، وقد تقدم أيضًا؛ ولأن فيهما الجمال والمنفعة، فإن النسل يكون بهما، فكانت فيهما الدية كاليدين.\n\n° الوجه التاسع: في الحديث دليل على وجوب الدية في كسر الصلب إذا لم يجبر، وهذا قول الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة، لقوله: \"وفي الصلب الدية\"، ويشهد له مرسل سعيد بن المسيب من طريق ابن شهاب، أن سعيد بن المسيب أخبره، أن السنة مضت في العقل بأن في الصلب الدية (^١)؛ ولأنَّه عضو ليس في البدن مثله، وفيه جمال ومنفعة، فوجب فيه الدية كالأنف.\nوالقول الثَّاني: أن فيه حكومة (^٢)، إلَّا أن يذهب مشيه أو جِمَاعُهُ فتجب الدية لتلك المنفعة، وهذا قول الشَّافعية، والقاضي من الحنابلة.\nقالوا: لأنَّه عضو لم تذهب منفعته، فلم تجب فيه دية كاملة كسائر الأعضاء.\nوالراجح هو القول الأوَّل؛ لأنَّ حديث الباب نص في ذلك، مع ما عضده من مرسل سعيد بن المسيب. وأمَّا قولهم: لم تذهب منفعته، ففيه نظر، فإن النفع قد ذهب مع الحدوبة، والله تعالى قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ (٤)﴾ [التين: ٤].\n\n° الوجه العاشر: في الحديث دليل على وجوب الدية كاملة في إتلاف العينين، وقد أجمع أهل العلم على ذلك، لقوله: \"وفي العينين الدية\" ويشهد لهذا ما رواه محمَّد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده،\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٨/ ٩٥).\n(^٢) الحكومة: أن يُقَوَّمَ المجني عليه كأنه عبد لا جناية فيه، ثم يقوم وهي به قد برئت، فما نقص من القيمة فله مثله من الدية، وشرطها ألا يتجاوز بها أرش المقدر إذا كانت في محل له مقدر كاليد والرجل والإصبع.","vol":"8","page":283},{"text":"مرفوعًا، وفيه: \"وفي العين نصف العقل، خمسون من الإبل … \" (^١).\nولأن العين من أعظم الجوارح منفعة وجمالًا.\n\n° الوجه الحادي عشر: في الحديث دليل على وجوب نصف الدية في قطع الرجل الواحدة، وقد أجمع أهل العلم على أن في الرجلين الدية، وفي أحدهما نصف الدية، لقوله: \"وفي الرِّجْلِ نصف الدية\"، ويشهد له حديث عمرو بن شعيب: \"وفي الرِّجْلِ نصف الدية\" (^٢). وحد الرجل الذي تجب به الدية هو مفصل الكعبين.\n\n° الوجه الثَّاني عشر: في الحديث دليل على أن في المأمومة ثلث الدية، سواء كانت الجناية عمدًا أو خطأ، وقد ذهب إلى هذا عامة أهل العلم، لقوله: \"وفي المأمومة ثلث الدية\"، ويشهد لهذا حديث عمرو بن شعيب المتقدم، وفيه: \"والمأمومة ثلث العقل ثلاث وثلاثون من الإبل، أو قيمتها من الذَّهب أو الورق أو البقر أو الشاء\" (^٣).\n\n° الوجه الثالث عشر: في الحديث دليل على أن في الجائفة ثلث الدية سواء أكانت عمدًا أم خطأ، وقد ذهب إلى هذا عامة أهل العلم، لقوله: \"وفي الجائفة ثلث الدية\"، ويشهد لهذا حديث عمرو المتقدم.\nوهذا في الجائفة غير النافذة، وأمَّا الجائفة النافذة مثل ما لو طعن بطنه بسنان فخرج من ظهره، أو العكس، فالجمهور على أن ذلك جائفتان، فيجب فيهما ثلثا الدية، لقضاء أبي بكر - ﵁ - بذلك (^٤)، ولا مخالف له، فكان إجماعًا (^٥).\n\n° الوجه الرابع عشر: في الحديث دليل على أن في المنقلة خمس عشرة من الإبل، وقد أجمع أهل العلم على ذلك، لقوله: \"وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل\"، ويشهد لهذا حديث عمرو بن شعيب المتقدم، كما يشهد له فتيا\n_________\n(^١) رواه أحمد (١١/ ٦٠٤).\n(^٢) \"المسند\" (١١/ ٦٦٢).\n(^٣) \"المسند\" (١١/ ٦٠٤).\n(^٤) رواه ابن أبي عاصم في \"الديات\" ص (٧٢) وسنده حسن.\n(^٥) \"المغني\" (١٢/ ١٦٨).","vol":"8","page":284},{"text":"علي - ﵁ -، كما أخرجه عبد الرَّزاق وابن أبي شيبة عن معمر والثوري، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة.\n\n° الوجه الخامس عشر: في الحديث دليل على أن كل أصبع من أصابع اليدين أو الرجلين فيه عشر من الإبل، وهذا قول عامة أهل العلم، لقوله: \"وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل\"، وسيأتي لهذا مزيد بحث وأدلة في الأحاديث الآتية.\n\n° الوجه السادس عشر: في الحديث دليل على أن دية السن خمس من الإبل، وهذا قول عامة أهل العلم، بل قال الموفق: (لا نعلم خلافًا أن دية الأسنان خَمْسٌ خَمْسٌ) (^١)، وسيأتي لذلك مزيد بحث وأدلة إن شاء الله تعالى.\n\n° الوجه السابع عشر: في الحديث دليل على أن في الموضحة خمسًا من الإبل، لقوله: \"وفي الموضحة خمس من الإبل\"، وسيأتي لذلك مزيد بحث وأدلة في الأحاديث الآتية.\n\n° الوجه الثامن عشر: الحديث دليل على أن الرجل يقتل بالمرأة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء -كما تقدم- لقوله: \"وأن الرجل يقتل بالمرأة\"، ويشهد لهذا حديث أنس في \"الصحيحين\" في قصَّة اليهودي الذي قتل المرأة، وتقدم، وقد مضى بحث هذه المسألة.\n\n° الوجه التاسع عشر: في الحديث دليل على أن الدية على أهل الذَّهب ألف دينار، وظاهر هذا أنَّه أصل على أهل الذَّهب، والإبل أصل على أهل الإبل، ويحتمل أن ذلك مع عدم الإبل وأن قيمة المائة منها ألف دينار في ذلك العصر.\nوقد طعن العلماء في هذه الجملة، وأنَّها لا تصح في المرفوع؛ لأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - لم يقض بذلك، وإنَّما الذي قضى به ما بين أربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار، كما في حديث عبد الله بن عمرو المتقدم (^٢)، وقد تقدم أن الذي قضى بالدية ألف دينار هو عمر - ﵁ - لما غلت الإبل، فجعلها على أهل الذَّهب ألف دينار. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٢/ ١٣٠).\n(^٢) \"المسند\" (١١/ ٦٠٣).","vol":"8","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-989>أسنان الإبل في دية الخطأ</span>\n١١٨٥/ ٢ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"دِيَةُ الْخَطَإِ أَخْمَاسًا عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ\". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِي، وَأَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ بلَفْظِ: \"وَعِشْرُونَ بنِي مَخَاضٍ\" بَدَلَ بَنِي لَبُونٍ. وَإِسْنَادُ الأوَّلِ أقوَى. وَأَخرَجَهُ ابْنُ أَبي شَيبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَصَحُّ مِنَ الْمَرْفُوعِ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأوَّل: في تخريجه:\nفقد رواه الدارقطني (٣/ ١٧٥) من طريق الحجاج بن أرطأة، عن زيد بن جبير، عن خِشْف بن مالك، عن ابن مسعود - ﵁ - مرفوعًا، بلفظ: \"وعشرون بنات لبون، وعشرون بني لبون\".\nورواه أبو داود (٤٥٤٥) في كتاب \"الديات\"، باب \"الدية كم هي؟ \"، والترمذي (١٣٨٦)، والنَّسائيُّ (٨/ ٤٣ - ٤٤)، وابن ماجة (٢٦٣١) بهذا الإسناد، وفيه: \"وعشرون بنات لبون، وعشرون بني مخاض\" بدل: \"بني لبون\".\nقال الدارقطني: (الخبر المرفوع الذي فيه ذكر بني المخاض لا نعلمه رواه إلَّا خشف بن مالك، عن ابن مسعود …).\nوهذا سند ضعيف، الحجاج مدلس وقد عنعنه، وقد صرح بالتحديث في رواية ابن ماجة من طريق عبد السَّلام بن عاصم، عن الصباح بن محارب، عنه، والصباح صدوق ربَّما خالف، وعبد السَّلام مقبول، كما في \"التقريب\"، وخشف بن مالك جَهَّله غير واحد، ووثقه النَّسائيّ، وذكره ابن حبان في","vol":"8","page":286},{"text":"\"الثقات\" (^١)، وقد تفرد برفع الحديث.\nوالفرق بين رواية الدارقطني ورواية الأربعة أن الخامس عند الدارقطني: \"عشرون بني لبون\" وعند الأربعة: \"بني مخاض\" وبينهما فرق كما سيأتي، فإن ابن اللبون أتى عليه سنتان، وابن المخاض أتى عليه سنة.\nقال الدارقطني: (هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث من وجوه عدة، ومنها: أن خشف بن مالك رجل مجهول، ولم يروه عنه إلَّا زيد بن جبير، ولا نعلم أحدًا رواه عن زيد إلَّا الحجاج، فاختلفوا عليه فيه …)، وقال في \"العلل\": (لا يعرف هذا -أي: ذكر بني مخاض- عن النَّبيِّ - ﷺ - إلَّا في حديث خشف هذا) (^٢). ولما ساقه أبو داود أردفه بقوله: (وهو قول عبد الله) قال البيهقي: (يعني إنَّما روي من قول عبد الله موقوفًا غير مرفوع).\nوقول الحافظ: (وإسناد الأوَّل أقوى) أي: إسناد اللفظ الأوَّل أقوى؛ لأنَّه موافق لرواية أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله، فقد رواه الدارقطني (٣/ ١٧٢) من طريق أبي مِجْلَزٍ، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: (دية الخطأ خمسة أخماس … وفي آخره: وعشرون بنات لبون، وعشرون بنو لبون ذكور …) وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن الظاهر أنَّه في حكم الموصول؛ لأنَّه كان شديد العناية بحديث أبيه وفتاويه، وعنده في ذلك من العلم ما ليس عند غيره (^٣).\nوقد أطال الدارقطني في \"السنن\" في تقوية رواية: \"عشرون بني لبون\" وتضعيف رواية: \"عشرون بني مخاض\" وذهب إلى تقوية رواية أبي عبيدة، عن أبيه، واعتبر حديث خشف بن مالك مخالفًا لها، ثم إن أكثر الرواة لا يذكرون\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٤/ ٢١٤)، \"الاستذكار\" (٢٥/ ٣٨)، \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ١٢).\n(^٢) (٥/ ٤٩).\n(^٣) انظر: \"سنن الدارقطني\" (٣/ ١٧٣)، \"فتاوى ابن تيمية\" (٦/ ٤٠٤)، \"تهذيب مختصر السنن\" (٦/ ٣٥٠)، \"شرح العلل\" لابن رجب (١/ ٣٩٨)، \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٦٦).","vol":"8","page":287},{"text":"تفسير الأخماس، ولعل تفسيرها من كلام الحجاج، وقد خالفهم، وهم أكثر عددًا وكلهم ثقات.\nوالحديث رواه ابن أبي شيبة (٩/ ١٣٣) من طريق وكيع، قال: حدَّثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله، أنَّه قال: (دية الخطأ أخماسًا: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بني مخاض، وعشرون بنات لبون).\nورواه عبد الرَّزاق (٩/ ٢٨٨)، وابن أبي شيبة -أيضًا- (٩/ ١٣٣) من طريق سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الله بمثله، وهذا الطَّريق رواه الدارقطني (٣/ ١٧٣ - ١٧٤) وقال: (فهذه الرِّواية وإن كان فيها إرسال فإبراهيم النَّخعيُّ هو أعلم النَّاس بعبد الله وبرأيه وفتياه …).\nوهذا الموقوف أصح من المرفوع، فإن أبا داود لما روى المرفوع -كما تقدم- قال: (وهو قول عبد الله) أي: إنه روي موقوفًا، كما مرَّ، وقال البيهقي: (والصحيح أنَّه موقوف على عبد الله بن مسعود، والصحيح عن عبد الله أنَّه جعل أحد أخماسها بني المخاض في الأسانيد التي تقدم ذكرها …).\nفيكون التغليظ في دية الخطأ مستنده قول جماعة من فقهاء الصّحابة -﵃-، قال ابن القيِّم: (إن حديث ابن مسعود - ﵁ - قد روي من وجوه متعددة، إذا جمع بعضها إلى بعض قوي بمجموعها على دفع العلة التي علل بها)، وهذا جارٍ على منهج الفقهاء، ثم ذكر الاختلاف في الأسنان، ثم قال: (وكل هذا يدل على أنَّه ليس في الأسنان شيء مقدر عن النبي - ﷺ -، والله أعلم) (^١).\n\n° الوجه الثَّاني: في الحديث دليل على مقدار دية قتل الخطأ وأنها مخففة تقسم أخماسًا: عشرون حقة، وهي ما دخلت في السنة الرابعة، وعشرون جذعة، وهي ما دخلت في الخامسة، وعشرون بنات مخاض، وهي\n_________\n(^١) \"تهذيب مختصر السنن\" (٦/ ٣٥٠).","vol":"8","page":288},{"text":"التي دخلت في السنة الثَّانية، وعشرون بنات لبون، وهي التي دخلت في الثَّالثة، وعشرون بني لبون أو بني مخاض على ما تقدم.\nووجه التخفيف أنَّها وجبت أخماسًا، وأُدخل فيها الذكور، والذكور عند النَّاس أقل رغبة من الإناث.\nوهذا التحديد هو مذهب الأئمة الأربعة وجمهور السلف، إلَّا أنَّه وقع الخلاف في الخامس منها، فقال أحمد وأبو حنيفة: عشرون بني مخاض، أخذًا بالمرفوع؛ ولأن بني المخاض دون بني اللبون فكان الأولى الأخذ باليقين (^١).\nوقال مالك والشَّافعيّ: الخامس بنو لبون، أخذًا بالرواية الموقوفة (^٢) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح معاني الآثار\" (١٣/ ٣٠٠).\n(^٢) \"الاستذكار\" (٢٥/ ٣٨).","vol":"8","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-990>أسنان الإبل في دية العمد</span>\n١١٨٦/ ٣ - وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيق عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ - ﵄ - رَفَعَهُ: \"الدِّيَةُ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، في بُطُونِهَا أَوْلادُهَا\".\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأوَّل: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الديات\"، باب \"الدية كم هي؟ \" (٤٥٤١)، والترمذي (١٣٨٧)، وابن ماجة (٢٦٢٦)، وأحمد (١١/ ٢٤٤) من طريق محمَّد بن راشد، أخبرنا سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا.\nوقال التِّرمذيُّ: (حديث حسن غريب)، وهذا هو الراجح في سلسلة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، كما تقدم أكثر من مرَّة.\nوسليمان بن موسى روي له مسلم في \"المقدمة\"، ووثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: (محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدًا من أصحاب مكحول أفقه منه ولا أثبت منه) (^١).\nومحمد بن راشد وهو المكحولي ثقة، وثقه أحمد وابن معين والنَّسائيُّ وآخرون (^٢).\nوالجملة الأخيرة: (في بطونها أولادها) ليست عند أبي داود ولا\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ١٤١)، \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٩٧).\n(^٢) \"الميزان\" (٣/ ٥٤٣)، \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ١٤٠).","vol":"8","page":290},{"text":"التِّرمذيُّ ولا أحمد في هذا الحديث، إنَّما هي في حديث عبد الله بن عمرو الآتي.\nوظاهر سياق الحافظ لهذا الحديث أنَّه في دية الخطأ وهذا لفظ أحمد، بينما هو في دية العمد، كما عند التِّرمذيِّ، وأحمد (١١/ ٦٠٢)، ولفظ التِّرمذيِّ: \"فمن قتل مؤمنًا متعمدًا دُفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة … الحديث\"، وفي آخره: \"وذلك لتشديد العقل\".\n\n° الوجه الثَّاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن دية العمد مائة من الإبل مثلثة، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها، وهذا قول عطاء والشَّافعيّ، ورواية في مذهب مالك، ورواية عن أحمد، ومحمد بن الحسن من فقهاء الحنفية (^١).\nوالدية بهذه الأوصاف تعتبر مغلظة؛ لأنَّها إناث وليس فيها ذكور، ولهذا قال في رواية التِّرمذيِّ: \"وذلك لتشديد العقل\" (^٢)، ويؤيد ذلك ما رواه مالك عن عمرو بن شعيب، أن رجلًا يقال له قتادة حذف ابنه بالسيف فقتله، فأخذ منه عمر الدية ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة (^٣).\nوالقول الثَّاني: أن دية العمد أرباع، خمس وعشرون بنات مخاض، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وهذا قول أبي حنيفة، وقول في مذهب مالك، ورواه جماعة عن أحمد، وهو قول الزُّهريّ وربيعة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (٢٥/ ٢١)، \"المغني\" (١٢/ ١٤).\n(^٢) \"جامع التِّرمذيِّ\" (٤/ ٦).\n(^٣) \"الموطأ\" (٢/ ٨٦٧).\n(^٤) \"الاستذكار\" (٢٥/ ٢٠)، \"معالم السنن\" (٦/ ٣٥١)، \"المغني\" (١٢/ ١٤).","vol":"8","page":291},{"text":"<span data-type='title' id=toc-991>ما جاء في حالات يَعْظُم فيها القتل</span>\n١١٨٧/ ٤ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \" .. وإِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللهِ ثَلَاثةٌ: مَنْ قَتَلَ في حَرَمِ اللهِ، أَوْ قَتَلَ غيرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ لِذَحْلِ الجَاهِلِيّةِ\". أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ في حَدِيثٍ صَحَّحَهُ.\n١١٨٨/ ٥ - وَأَصْلهُ فِي البْخُارِي من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأوَّل: في تخريجهما:\nحديث ابن عمر - ﵄ - رواه ابن حبان (١٣/ ٣٤٠ - ٣٤١) من طريق سنان بن الحارث بن مصرف، عن طلحة بن مصرف، عن مجاهد، عن ابن عم - ﵄ - …، وذكر الحديث بطوله، وفيه الجملة المذكورة.\nوقد وقع في سياقه عند ابن حبان (ابن عمر) وهكذا جاء في \"زوائد ابن حبان\" للهيثمي (١٦٩٩). وأورد الحافظ هذا الحديث في \"إتحاف المهرة\" (٨/ ٦٣٠) من مسند ابن عمر -﵄-، وجاء في \"التلخيص\" (^١) (ابن عمرو) وعلى هذا اعتمد بعض من حَقَّقَ \"البلوغ\"، فحكم بأن (ابن عمر) تحريف.\nوهذا الحديث فيه سنان بن الحارث بن مصرف، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا (^٢)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٣) وكذا ابن قُطْلُوبُغا (^٤)، وروى عنه جمع، وباقي رجاله ما بين صدوق وثقة، وهذا الحديث انفرد به ابن حبان.\n_________\n(^١) (٥/ ٢٦٣٠).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٤٢٤).\n(^٣) (٤/ ٢٥٤).\n(^٤) انظر: \"زوائد رجال صحيح ابن حبان\" (٣/ ١٦٢).","vol":"8","page":292},{"text":"وقد رواه أحمد (١١/ ٢٦٤) من طرق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وفيه: \"وإن أعدى النَّاس على الله من قتل في الحرم، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول الجاهلية\".\nورواه -أيضًا- (١١/ ٢٦٤) من طريق حبيب المعلم، عن عمرو، مقتصرًا على الجملة المذكورة.\nوهذا الحديث أصله في البُخاريّ -كما قال الحافظ-، فقد رواه في كتاب \"الديات\"، باب \"من طَلَبَ دم امرئ بغير حق\" (٦٨٨٢) من طريق نافع بن جبير، عن ابن عباس - ﵄ - أن النَّبيَّ - ﷺ - قال: \"أبغض النَّاس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه\".\n\n° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (أعتى النَّاس) هذا أفعل تفضيل من العتو، وهو التجبر، والمعنى: أطغى النَّاس وأشدهم تمردًا وتجبرًا.\n\nقوله: (من قتل في حرم الله) في حديث ابن عباس: \"ملحد في الحرم\" والإلحاد: العدول عن القصد، ومنه لحد الحافر القبر؛ أي: مال به عن الوسط، والإلحاد يشمل كل ميل عن الإسلام، سواء بالشرك أو بالمعصية، ومنها: القتل بغير حق، أو غير ذلك (^١).\n\nقوله: (ومبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية) المراد بسنة الجاهلية: كل ما كان من أمر الجاهلية، ومن ذلك ما جاء في هذا الحديث (^٢).\n\nقوله: (لذحل) بفتح الذال المعجمة، وسكون الحاء المهملة، هو الحقد والعداوة، والمراد به: الثأر والسعي للانتقام عن جناية عليه في الجاهلية بعد دخوله في الإسلام.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٤٠٧).\n(^٢) انظر: \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (١/ ٢٢٦).","vol":"8","page":293},{"text":"° الوجه الثالث: في الحديث دليل على شدة هذه الجرائم الثلاث، ووصف صاحبها بأنه أشد النَّاس عتوًا وتجبرًا، وهذا يدل على فساد طبعه وخبث طويته حيث ارتكب واحدة من هذه الأمور العظيمة.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على عظم شأن المعصية في حرم الله تعالى، ومن ذلك الإقدام على جريمة القتل، والقتل في حد ذاته أعظم الذنوب بعد الشرك بالله تعالى، ويعظم أمره إذا كان في حرم الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] وقد أخرج الإمام أحمد بسنده عن شعبة، عن السدي، أنَّه سمع مُرَّةَ بن شراحيل أنَّه سمع عبد الله- قال لي شعبة: ورفعه، ولا أرفعه لك- يقول: في قوله -﷿ -: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قال: (ولو أن رجلًا همَّ فيه بإلحاد وهو بِعَدِنَ أَبْيَنَ لأذاقه الله - ﷿ - عذابًا أليمًا) (^١).\nوقد استثنى العلماء من تحريم القتل والقتال في الحرم حالتين:\n١ - القتال مدافعة، فيجوز لمن اعتدى عليه أحد داخل حدود الحرم أن يقاتله مدافعة إذا لم يندفع بدون ذلك.\n٢ - قتل من جنى في الحرم جناية تُحِل قتله، مثل القاتل عمدًا، والزاني المحصن إذا تمت الشروط (^٢).\nوظاهر الحديث أنَّه عام في حرم مكّة وحرم المدينة، وقد ورد الحديث في غزوة الفتح عندما قُتل رجل في المزدلفة، كما جاء في بعض الرِّوايات (^٣)، لكن هذا لا يقتضي تخصيص الحديث به؛ لما علم من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إلَّا أن يقال: إن الإضافة في قوله: (حَرَمِ الله) عهدية، والمعهود حرم مكّة.\n_________\n(^١) \"المسند\" (٧/ ١٥٥) وسنده حسن، وقد روي مرفوعًا، انظر: \"العلل\" للدارقطني (٥/ ٢٦٨)، \"الاقتضاء\" (١/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٤٠٧).\n(^٢) \"تنبيه الأفهام\" (٣/ ١٣٠).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٢١١).","vol":"8","page":294},{"text":"وقد ذهب الإمام الشَّافعي وأحمد إلى أن الدية تغلظ على القاتل إذا قتل في البلد الحرام، أو قتل في الأشهر الحرم، أو قتل ذا رحم (^١).\nوهذا ليس عليه دليل مرفوع، وإنَّما ورد آثار عن الصّحابة كعمر وابن عباس -﵃-، وأسانيدها ضعيفة (^٢)، فالظاهر أن الدية مائة من الإبل مطلقًا إلَّا ما جاء فيه الدليل، كما تقدم.\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنَّه لا يجوز لولي الدم المسفوك عمدًا أن يقتل غير قاتل وليّه، وأن من فعل ذلك فهو أبغض النَّاس إلى الله تعالى؛ لأنَّ الجاني لا يجني إلَّا على نفسه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] أي: سلطة على القاتل؛ لأنَّه بالخيار إن شاء قتله قودًا، وإن شاء عفا عنه إلى الدية، وإن شاء عفا عنه مجانًا، كما تقدم، ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ بأن يمثل بقتل القاتل، أو يقتص من غير القاتل، أو يقتل غيره (^٣).\n\n° الوجه السادس: تعظيم شأن القتل من أجل عداوات الجاهلية وثأرها التي قضى عليها الإسلام وأبطلها وأنَّه لا قصاص فيها، وقد قال النَّبيُّ - ﷺ - في حجة الوداع يوم عرفة: \"ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة … الحديث\" (^٤).\n\n° الوجه السابع: الحديث دليل على أن المسلم منهي عن التشبه بأفعال الجاهليين الخاصة بهم من عبادات أو عادات، إلَّا ما دلَّ النَّصُّ الشرعي عليه (^٥)، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذا نصّ عام يوجب تحريم متابعة كل شيء من سنن الجاهلية، في أعيادهم وغير أعيادهم) (^٦) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الأم\" (٧/ ٢٧٨)، \"بداية المجتهد\" (٤/ ٣٣٨)، \"المغني\" (١٢/ ٢٣).\n(^٢) راجع: \"الإرواء\" (٧/ ٣١٠).\n(^٣) \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٧٠ - ٧١).\n(^٤) رواه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر - ﵁ -.\n(^٥) انظر: \"التشبه المنهي عنه\" ص (٥٩، ١٣٥).\n(^٦) انظر: \"الاقتضاء\" (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧).","vol":"8","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-992>تغليظ الدية في شبه العمد</span>\n١١٨٩/ ٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄ - أَن رَسُولَ الله - ﷺ - قَال: \"ألَا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ -مَا كَانَ بالسَّوْطِ وَالْعَصَا- مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ في بُطُونهَا أَوْلَادُهَا\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِي وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأوَّل: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الديات\"، بابٌ \"في الخطأ شبهِ العمد\" (٤٥٤٧)، والنَّسائيُّ (٨/ ٤١)، وابن ماجة (٢٦٢٧)، وابن حبان (١٣/ ٣٦٥) من طريق حماد، عن خالد الحذاء، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - ﷺ - خطب يوم فتح مكّة، فكبّر ثلاثًا، ثم قال: \"لا إله إلَّا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن كل مَأثرة في الجاهلية تذكّر وتُدَّعَى من دم أو مال تحت قدميَّ، إلَّا ما كان من سقاية الحاج وسِدَانة البيت، ألا أن دية الخطأ … الحديث\" وهذا لفظ أبي داود.\nوالحديث صحَّحه ابن القطان (^١)، ونقل الحافظ تصحيح ابن القطان وأقره (^٢)، وقال ابن عبد البر: (هذا حديث مضطرب، لا يثبت من جهة الإسناد) (^٣).\n_________\n(^١) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٤٠٩).\n(^٢) \"التلخيص\" (٤/ ١٩).\n(^٣) \"الاستذكار\" (٢٥/ ٢٤).","vol":"8","page":296},{"text":"وقد حصل في سنده اختلاف ذكره النَّسائيّ والدارقطني، فقد رواه النسائي (٨/ ٤١) من طريق هُشيم، عن خالد، عن القاسم، عن عقبة بن أوس، عن رجل من أصحاب النَّبيِّ - ﷺ - … وهذا لا يؤثر لما هو معلوم من أن جهالة الصحابي لا تضر.\nورواه -أيضًا- من طريق بشر بن المفضل ويزيد بن زُريع قالا: نا خالد الحذاء به، إلَّا أنَّهما قالا: يعقوب بن أوس، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -.\nوروايتهما مرجوحة؛ لأنَّه قد خالفهما حماد بن زيد، ووهيب، وهُشيم، والثوري، واتفاق هؤلاء على عقبة بن أوس دليل على ضعف الرواية الأخرى؛ لأنَّ النَّفس تطمئن لحفظ وضبط الأكثر عند الاختلاف ما لا تطمئن إلى رواية الأقل (^١).\n\n° الوجه الثَّاني: استدل بهذا الحديث الشَّافعية والحنابلة وأبو حنيفة في رواية عنه، وبعض المالكيّة على أن الجناية على النَّفس ثلاثة أقسام: عمد، وخطأ، وشبه عمد (^٢)، وهذا الحديث أثبت شبه العمد، والظاهر أن إثبات العمد والخطأ لا خلاف فيه؛ لوروده في القرآن.\nقال السرخسي: (ثبت شبه العمد عن صحابة رسول الله - ﷺ - منهم: عمر وعثمان وعلي - ﵃ - ولم ينكره أحد فكان إجماعًا) (^٣).\nوشبه العمد: هو قصد الجناية بما لا يقتل غالبًا، كما لو ضربه في غير مقتل بسوط أو عصا ونحو ذلك، وسمي شبه عمد؛ لأنَّه عمد في الضرب والاعتداء، ولكنه ليس قصدًا في الإماتة.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن دية شبه العمد مائة من الإبل، وأنها مغلظة كدية العمد، لوجود العمد في الاعتداء، وذلك بأن يكون منها أربعون من الإبل حاملًا في بطونها أولادها. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الإرواء\" (٧/ ٢٥٨).\n(^٢) \"المبسوط\" (٢٦/ ٥٩)، \"بداية المجتهد\" (٤/ ٢٩٦)، \"الإنصاف\" (٩/ ٤٣٣)، \"مغني المحتاج\" (٤/ ٣).\n(^٣) \"المبسوط\" (٢٦/ ٦٥).","vol":"8","page":297},{"text":"<span data-type='title' id=toc-993>ما جاء في دية الأصابع والأسنان</span>\n١١٩٠/ ٧ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: \"هَذِهِ وَهذِهِ سَوَاءٌ، يعني الْخِنْصَرَ وَالإبْهَامَ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلأَبي دَاوُدَ والتِّرْمِذِيِّ: \"الأَصَابعُ سَوَاءٌ؛ وَالأَسْنَانُ سَوَاءٌ: الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ\". وَلابنْ حِبَّانَ: \"دِيَةُ أَصَابعِ الْيَدَينِ وَالرِّجْلَين سَوَاءٌ، عَشَرَة مِنَ الإِبلِ لكُلِّ إِصْبَعٍ\".\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأوَّل: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه البُخاريّ في كتاب \"الديات\"، باب (دية الأصابع) (٦٨٩٥) قال: حدَّثنا آدم، حدَّثنا شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا.\nورواه أبو داود (٤٥٥٩) من طريق عبد الصَّمد بن عبد الوارث، حدثني شعبة به. ولفظه: (الأصابع سواء، والأسنان سواء، الثنية والضرس سواء، هذه وهذه سواء\".\nورواه التِّرمذيُّ (١٣٩٢) من طريق يَحْيَى بن سعيد ومحمد بن جعفر قالا: حدَّثنا قتادة … وهو مثل لفظ البُخاريّ.\nوبهذا يتبين أن جمع التِّرمذيُّ وأبي داود في اللفظ المذكور ليس بجيد؛ لأنَّ لفظ \"البلوغ\" هو لفظ أبي داود، كما تقدم، ولفظ التِّرمذيُّ كلفظ البُخاريّ.\nورواه التِّرمذيُّ (١٣٩١)، وأحمد (٤/ ٣٧٨)، وابن حبان (١٣/ ٣٦٦) من طريق الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن يزيد بن أبي سعيد النّحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا.","vol":"8","page":298},{"text":"قال التِّرمذيُّ: (حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، والعمل على هذا عند أهل العلم).\nوكأن المصنف لم يستحضر وجود الحديث عند التِّرمذيِّ بهذا اللفظ، فاقتصر على عزوه لابن حبان، وكذا فعل في \"التلخيص\" (^١).\nولعل الحافظ ذكر هذه الرِّوايات؛ لأنَّ رواية البُخاريّ مقدمة على غيرها، ورواية أبي داود: \"الأصابع سواء\" أعم من رواية البُخاريّ؛ لأنَّها تشمل الأصابع الخمسة، ورواية البُخاريّ نصت على الخنصر والإبهام، ثم إن في رواية أبي داود زيادة بيان لقوله: \"الأسنان سواء\" وذلك في قوله: \"الثنية والضرس سواء\". وأمَّا الرّواية الأخيرة ففيها التنصيص على أصابع اليدين والرجلين، وبيان مقدار الدية لكل إصبع.\n\n° الوجه الثَّاني: الحديث دليل على أن دية كل إصبع من أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل، وقد ذكر الفقهاء أن دية كل إصبع مقسومة على أناملها؛ لأنَّه لما قسمت دية اليد على الأصابع وجب أن تقسم دية الأصابع على عدد الأنامل، وفي كل إصبع ثلاثة أنامل، في كل أنملة ثلاثة أبعرة وثلث، أما الإبهام ففيه أنملتان في كل أنملة خمس من الإبل نصف دية الإصبع.\nأما الأصابع الزائدة ففيها حكومة عند الجمهور؛ لأنَّه لا جمال فيها ولا منفعة، فلم تكمل فيها الدية؛ ولأنَّه لا مقدر فيها، ومثل هذا يقال في أصابع الرجلين.\nوأمَّا الظفر فقد ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن فيه حكومة؛ لأنَّ ما ورد عن الصّحابة - ﵃ - في تقدير ديته مختلف، فعمر - ﵁ - حكم فيه ببعير، وحكم ابن عباس - ﵄ - بأن فيه خُمُسَ دية الإصبع، وروي عنه عُشْرُ دية الإصبع، فيوافق عمر - ﵁ -، ولعل هذا محمول على معنى الحكومة (^٢).\n_________\n(^١) (٤/ ٣٣).\n(^٢) \"الجناية على ما دون النفس\" ص (٣٥٧ - ٣٥٨).","vol":"8","page":299},{"text":"° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن دية الأسنان سواء، لا فرق بين ثنية وناب وضرس، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، وحديث الباب نص في ذلك؛ ولأن كل دية وجبت في جملةٍ، فإنَّها مقسومة على العدد دون المنافع، كما في الأصابع والشفتين وغيرهما.\nوقد تقدم أن دية السن خمس من الإبل، وقد دلت رواية أبي داود: \"الثنية والضرس سواء\" على أن الدية لا ينظر فيها إلى النفع فحسب وإلا فالضرس أنفع في مضغ الطَّعام من الثنية، والإبهام بالنسبة للأصابع أنفع من الخنصر، بل من سائر الأصابع.\nوتوحيد الدية في الأسنان والأصابع من حكمة الشارع، حمايةً للمسلم من التعدي على أصابعه وأسنانه، وقطعًا للنزاع، ولو كانت الدية مختلفة لحصل شيء من النزاع والاختلاف. والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":300},{"text":"<span data-type='title' id=toc-994>ما جاء في ضمان المتطبب لما أتلفه</span>\n١١٩١/ ٨ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ عَنْ أَبِيهِ عنْ جَدِّهِ - ﵄ - رَفَعَهُ قَال: \"مَنْ تَطَبَّبَ -وَلم يَكُنْ بالطِّبِّ مَعْرُوفًا- فَأصَابَ نَفْسًا فَمَا دُونَهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ\". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَهُوَ عِنْدَ أَبي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيرِهِمَا، إلا أَنَّ منْ أَرْسَلَهُ أَقْوَى مِمَّنْ وَصَلَهُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأوَّل: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه الدارقطني (٣/ ١٩٦)، والحاكم (٤/ ٢١٢) من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده -﵄-، قال: قال رسول الله - ﷺ - … وذكره بلفظ \"البلوغ\".\nورواه أبو داود (٤٥٨٦) في كتاب \"الديات\"، بابٌ \"فيمن تطبب بغير علم فأعنت\"، والنَّسائيُّ (٨/ ٥٢ - ٥٣) (^١)، وابن ماجة (٣٤٦٦) بهذا الإسناد، ولفظه عند أبي داود: \"من تطبب ولا يعلم منه طب فهو ضامن\"، وللنسائي بنحوه، ولعل الحافظ ساق لفظ الدارقطني لأنَّه أتم.\nوقال الحاكم: (هذا حديثٌ صحيحٌ الإسناد، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي.\nوهذا فيه نظر ظاهر، فإن ابن جريج والوليد بن مسلم مدلسان، وقد عنعناه، إلَّا عند الدارقطني والحاكم فقد وقع في الإسناد تصريح الوليد\n_________\n(^١) انظر: \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣٦٦)، \"تحفة الأشراف\" (٣/ ٣٤٧).","vol":"8","page":301},{"text":"بالتحديث، فبقيت العلة في عنعنة ابن جريج، وبقي أمر آخر وهو أن التِّرمذيَّ قد نقل في \"العلل\" عن البُخاريّ -كما تقدم- أنَّه قال: (ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب) (^١).\nقال أبو داود: (هذا لم يروه -أي: مسندًا- إلَّا الوليد لا ندري أصحيح هو أم لا؟)، وقال الدارقطني: (لم يسنده عن ابن جريج غير الوليد بن مسلم، وغيره يرويه عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب مرسلًا عن النَّبيِّ - ﷺ -) ولا شك أن هذا إعلال للحديث؛ لأنَّ تفرد الوليد بن مسلم بإسناده غير مقبول من مثله عن ابن جريج، فهذا الإسناد ضعيف، وله شاهد من رواية عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز حدثني بعض الوفد الذين قدموا على أبي، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أيُّما طبيب تطبب على قوم لا يعرف له تطبب قبل ذلك فأعنت، فهو ضامن\" رواه أبو داود (٤٥٨٧)، وهذا سند مرسل، وفيه جهالة المُرْسِلِ، وقد يكون مرجع حديث ابن جريج إلى هذا، فلا يتقوى به.\n\n° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من تطبب) صيغة تفعل تستعمل في معنى تَكَلُّفِ الشيء، مثل تجمل، وتصبر، ومعناه: تكلف الطب وتعاطاه، فداوى مريضًا ولم يكن عارفًا له.\n\nقوله: (فأصاب نفسًا فما دونها) أي: فأهلك نفس المريض أو أتلف شيئًا منه، والحديث شامل لطب الأدوية والجراحة وتوابع ذلك.\n\nقوله: (فهو ضامن) أي: لما أتلفه.\n\n° الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على أن من ادعى لهم الطب وليس بعالم فيه فغرَّ النَّاس وعالجهم فأتلف بعلاجه إنسانًا فمات من علاجه أو أتلف بعض أعضائه فإنَّه ضامن لما أتلف، وتجب عليه الدية؛ لأنَّه متعد.\n_________\n(^١) (١/ ٣٢٥).","vol":"8","page":302},{"text":"وقد أجمع أهل العلم على تضمين الطَّبيب الجاهل، قال ابن رشد: (لا خلاف بين أهل العلم أنَّه إذا لم يكن من أهل الطب أنَّه يضمن؛ لأنَّه متعدٍ) (^١) ومثل هذا قال الخطابي، وابن القيِّم (^٢)، ويؤيد ذلك عبارات الفقهاء في كتبهم على اختلاف مذاهبهم التي تنص على تضمين الطَّبيب الجاهل، وقد ذكر ابن رشد أنَّه إذا أخطأ وهو ليس من أهل المعرفة أن عليه الضرب والسجن والدية، قيل: في ماله، وقيل: على العاقلة. ومثل هذا شامل لجميع أنواع الطب (^٣).\nوقد ذكر ابن القيِّم أن الطَّبيب لا يكون حاذقًا يثق من نفسه جودة الصنعة وإحكام المصلحة حتَّى يراعي عشرين أمرًا، ثم سردها (^٤).\nومفهوم الحديث أنَّه إذا عالجه من له علم وبصارة بالطب أنَّه لا يضمن ما نتج من فعله، وكذا لو أعنت الطَّبيب الحاذق بالسراية فإنه لا يضمن اتفاقًا؛ لأنَّها سرايةُ فعلٍ مأذونٍ فيه من جهة الشرع، ومن جهة الشخص المعالج، وهكذا سراية كل مأذون فيه، كما تقدم، فإن كان الفعل غير مأذون فيه، كما لو ختن صبيًّا بغير إذن وليه فَسَرتْ جنايته ضمن.\nومن تعاطى الطب وهو جاهل به، فهو آثم وعمله محرم؛ لأنَّه مبني على دعوى كاذبة وتغرير بالنَّاس؛ لأنَّ النَّاس لا يذهبون عادة إلى من ليس بطبيب.\nوما أخذ من أجرة فهي حرام، وهي من أكل أموال النَّاس بالباطل؛ لكونها ثمرة خداع وتمويه على النَّاس.\nومما يؤسف عليه أن هذا النوع موجود في المجتمع، ففيه رجال ونساء يدعون المعرفة بما يعرف بالطب الشعبي من كَيٍّ وفَصْدٍ وتقديم أدوية مركبة من أعشاب وغيرها، ويعبثون بأبدان النَّاس، ويأخذون الأثمان الباهظة التي تدر عليهم أموالًا طائلة.\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٣٣٨).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٦/ ٣٧٨)، \"زاد المعاد\" (٤/ ١٣٩).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٢٩٩)، (٣/ ٤٤٢).\n(^٤) \"زاد المعاد\" (٤/ ١٤٢) وما بعدها.","vol":"8","page":303},{"text":"وقد ذكر أهل العلم أن الطَّبيب إذا كان حاذقًا ولكنه أخطأ الدواء، أو صفة استعماله، أو جنت يده على عضو صحيح فإنَّه يضمن ما جنس، فإن كان جنايته أقل من الثُّلث ففي ماله خاصة، وإن كانت أكثر من الثُّلث فهي على عاقلته؛ لأنَّه في حكم الجاني خطأ، وإذا كان هذا في الطَّبيب الحاذق فكيف بمن يتطبب بالنَّاس؟!\nوالواجب على ولاة الأمر تتبع مثل هؤلاء وكفهم عن العبث بأبدان النَّاس وأعضائهم.\nوبتضمين الطَّبيب الجاهل يتضح مبدأ العدل في هذه الشريعة وصيانة أرواح النَّاس وأبدانهم من عبث العابثين الذين يُقْدِمُون بكلِّ جرأة على معالجة النَّاس وهم جاهلون. والله المستعان.","vol":"8","page":304},{"text":"<span data-type='title' id=toc-995>دية الموضحة</span>\n١١٩٢/ ٩ - وَعَنْهُ؛ أَن النَّبي - ﷺ - قَال: \"فِي الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَزَادَ أَحْمَدُ: \"وَالأَصَابعُ سَوَاءٌ، كلُّهُنَّ عَشْرٌ عَشْرٌ مِنَ الإبِلِ\"، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأوَّل: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (١١/ ٣٨٦)، وأبو داود في كتاب \"الديات\"، باب \"ديات الأعضاء\" (٤٥٦٦)، والترمذي (١٣٩٠)، والنَّسائيُّ (٨/ ٥٧)، وابن ماجة (٢٦٥٥)، وابن الجارود (٧٨٥) كلهم من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا، وهذا لفظ ابن ماجة.\nقال التِّرمذيُّ: (حديث حسن).\nورواه أحمد (١١/ ٥٨٩) من طريق مطر الورَّاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: \"في الموضحة خمس من الإبل، والأصابع سواء … الحديث\".\nوسنده حسن في المتابعات؛ لأنَّ مطرًا الوراق فيه كلام، وقد لخص الحافظ حاله في \"التقريب\" فقال: (صدوق كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف)، وقد تابعه حسين المعلم، كما في الإسناد الذي قبله.\n\n° الوجه الثَّاني: الحديث دليل على أن دية الموضحة خمس من الإبل، وقد تقدم أن الموضحة: هي كل جرح في الوجه أو الرأس ينتهي إلى عظم، سميت بذلك لأنَّها توضح العظم وتبرزه.","vol":"8","page":305},{"text":"والجمهور من أهل العلم على أن جميع الرأس والوجه موضع للموضحة، وقد ذكر الفقهاء أن الشجة إذا كانت في الرأس ونزلت إلى الوجه فهي موضحتان؛ لأنَّها في عضوين، وإن كان بينهما حاجز وهي في موضع واحد كالرأس أو الوجه فموضحتان أيضًا.\nوأمَّا الأصابع فتقدم الكلام عليها. والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":306},{"text":"<span data-type='title' id=toc-996>ما جاء في دية أهل الذمة ودية المرأة</span>\n١١٩٣/ ١٠ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"عَقْلُ أَهْلِ الذِّمّةِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمينَ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ. وَلَفْظُ أَبي دَاوُدَ: \"دِيَةُ الْمُعَاهَدِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ\"، وَللنَّسَائيِّ: \"عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا\"، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (١١/ ٦٦٢ - ٦٦٣)، من طريق سليمان بن موسى، وأبو داود (٤٥٤٢) في كتاب \"الديات\"، باب \"الدية كم هي؟ \" من طريق حسين المعلم، والترمذي (١٤١٣) من طريق أسامة بن زيد، والنَّسائيُّ (٨/ ٤٥) من طريق سليمان بن موسى، وابن ماجة (٢٦٤٤) من طريق عبد الرحمن بن عياش، أربعتهم عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا.\nوهذا لفظ النَّسائيّ.\nورواه أبو داود (٤٥٨٣) من طريق محمَّد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: \"دية المعاهد نصف دية الحر\". وفيه عنعنة محمَّد بن إسحاق.\nورواه النَّسائيّ (٨/ ٤٤ - ٤٥) من طريق إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"عقل المرأة مثل عقل الرجل، حتَّى يبلغ الثُّلث من ديتها\".","vol":"8","page":307},{"text":"وهذا سند ضعيف؛ لأنَّ فيه ابن جريج وهو مدلس، وقد عنعنه، والراوي عنه إسماعيل بن عياش، وهو في غير الشاميين ضعيف كثير الخطأ لا يؤخذ بروايته، وابن جريج حجازي، بقي أمر آخر، وهو أن التِّرمذيَّ نقل في \"العلل\" عن البُخاريّ -كما تقدم- أنَّه قال: (ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب).\n\n° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (عقل) أي: دية، وتقدم وجه تسمية الدية عقلًا.\n\nقوله: (أهل الذمة) المراد بالذمة: العهد والأمان والضمان. وأهل الذمة: هم الذين يُعطون عهدًا مستمرًا للبقاء في دار الإسلام إذا أعطوا الجزية والتزموا أحكام الإسلام. والمراد بهم: اليهود والنصارى الذين يعيشون تحت سلطان المسلمين.\n\nقوله: (المعاهد) بكسر الهاء، وقيل: بفتحها، وهو الذي دخل دار الإسلام من الكفار بعهد من الإمام أو من أحد المسلمين.\n\nقوله: (عقل المرأة مثل عقل الرجل) أي: دية المرأة في أعضائها وجراحها مثل دية الرجل في أعضائه وجراحه.\n\nقوله: (حتَّى يبلغ الثُّلث) ضمير (يبلغ) يعود على العقل، والمعنى: أن دية المرأة تستمر مثل دية الرجل حتَّى يصل الأرش إلى ثلث دية المرأة، فإذا بلغت الثُّلث صارت ديات جراحها على النصف من دية جراح الرجل.\nففي إصبعين من أصابع المرأة عشرون كالرجل، وفي ثلاث أصابع ثلاثون، وفي أربعة أصابع عشرون؛ لأنَّ الأربعين تزيد على الثُّلث، فترجع إلى النصف من دية جراح الرجل.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن دية الكتابي نصف دية الحر المسلم، سواء أكان ذميًّا أو معاهدًا أو مستأمنًا، وقد ورد في بعض الرِّوايات:","vol":"8","page":308},{"text":"(أن النَّبيَّ - ﷺ - قضى بأن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين)، وهذا قول مالك وأحمد، قال الخطابي: (ليس في دية أهل الكتاب أبينُ من هذا) (^١)، إلَّا أن أحمد قال: تضعف الدية على المسلم إذا قتل الذمي أو المستأمن عمدًا، من باب التعزير، فتكون ديته مثل دية المسلم (^٢)، ودليل ذلك فعل عثمان - ﵁ - (^٣).\nوجمهور أهل العلم على أن دية الذمي لا تضاعف بالقتل العمد؛ لعموم الأدلة، ولذا قال الشوكاني: (ما ذهب إليه أحمد من التفصيل باعتبار العمد والخطأ فليس عليه دليل) (^٤) لكن لو لم يكن في قول أحمد إلَّا اتباع الخليفة الراشد عثمان - ﵁ - لكفى.\nوالقول الثَّاني: أن دية الكتابي ثلث دية المسلم في الخطأ العمد، وهذا قول الشَّافعي وإسحاق (^٥)، ودليلهم قضاء عمر وعثمان - ﵄ - في دية اليهودي والنصراني بثلث دية المسلم (^٦).\nوالقول الثالث: أن دية غير المسلم سواء كان كتابيًا أو غير كتابي كدية المسلم في الخطأ والعمد، وهذا مذهب الحنفية وجماعة من السلف (^٧)، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَينَكُمْ وَبَينَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: ذمة وهدنة ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فذكر أنَّها دية، كما ذكر ذلك في المؤمن، والأصل عدم الفرق حتَّى يثبت دليل صحيح على ذلك.\nوالقول الأوَّل أرجح لقوة دليله، والأحاديث الواردة في هذا الباب تبيّن المراد من الآية.\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (٦/ ٣٧٤).\n(^٢) \"المغني\" (١٢/ ٥٤).\n(^٣) \"مصنف عبد الرَّزاق\" (١٠/ ٩٦).\n(^٤) \"نيل الأوطار\" (٧/ ٧٥).\n(^٥) \"الأم\" (٧/ ٢٥٩).\n(^٦) \"مصنف عبد الرزاق\" (١٠/ ٩٢ - ٩٣)، \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٩/ ٢٨٨).\n(^٧) \"المغني\" (١٢/ ٥١).","vol":"8","page":309},{"text":"وأمَّا الكافر غير الكتابي كالوثني المستأمن أو المجوسي، ففي مقدار ديته ثلاثة أقوال:\nالقول الأوَّل: أن ديته ثمانمائة درهم؛ أي: ثلثا عشر دية المسلم، وهو قول عمر وعثمان وابن مسعود - ﵃ - وجماعة من السلف، وهو قول الحنابلة، والشافعية.\nوالقول الثَّاني: أن دية الكافر مثل دية المؤمن، وهو قول الحنفية، كما تقدم.\nوالقول الثالث: أنَّها نصف دية المسلم مثل ما تقدم في دية الكتابي، وهذا قول عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزُّبير، واختاره الشوكاني وابن باز وابن عثيمين (^١)، لما جاء في بعض الرِّوايات: \"عقل الكافر نصف عقل المؤمن\" (^٢)، وهذا عام يشمل الكتابي وغيره، وتخصيص الكتابي في بعض الرِّوايات لا يقتضي تخصيص الحكم؛ لأنَّه فرد من أفراد العام، ومجيء الخاص بحكم العام لا يقتضي التخصيص، كما في الأصول، ويؤيد ذلك أن الكفر نقص مؤثر، فالتنصيف قوي.\n\n° الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال بأن دية جراح المرأة مثل دية جراح الرجل حتى تبلغ الثُّلث من ديته، فإذا جاوز الثُّلث فعلى النصف من ديته، بمعنى أن الجناية التي توجب ثلث الدية تكون هي والرجل سواء، وحديث الباب نص في ذلك، فيقدم على ما سواه، وعلى هذا فإذا قطع إصبع امرأة ففيه عشر من الإبل، وفي إصبعين عشرون، وفي ثلاثة ثلاثون، وفي أربعة أصابع عشرون نصف دية الرجل.\nوهذا قول المالكيّة والحنابلة والشَّافعيّ في القديم، وهو قول سعيد بن\n_________\n(^١) \"المهذب\" (٢/ ٢٥٢)، \"المغني\" (١٢/ ٥١)، \"نيل الأوطار\" (٧/ ٧٥)، \"الشَّرح الممتع\" (١٤/ ١٣١).\n(^٢) رواه التِّرمذيُّ (١٤١٣)، والنَّسائيُّ (٨/ ٤٥) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ورواه أحمد (١١/ ٢٨٨) بلفظ: \"دية الكافر نصف دية المسلم\".","vol":"8","page":310},{"text":"المسيب والقاسم بن محمَّد وآخرين (^١).\nوعن ربيعة بن عبد الرحمن، قال: قلت لسعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل، فقلت: كم في إصبعين؟ قال: عشرون، قلت: ففي ثلاثة أصابع؟ قال: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون، قال: فقلت: لما عظم جرحها واشتدت مصيبتها تنصف عقلها؟ قال سعيد: أعراقي أنت؟ فقلت: بل عالم متثبت، أو جاهل متعلم، قال: هي السنة يابن أخي (^٢).\nأما دية النَّفس فقد أجمع أهل العلم على أن المرأة على النصف من دية الرجل، نقل الإجماع ابن المنذر وابن عبد البر وابن رشد والموفَّق ابن قدامة، وغيرهم (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الإجماع\" لابن المنذر ص (١٤٧)، \"المهذب\" (٢/ ٢٦٦)، \"بداية المجتهد\" (٤/ ٣٥٣). \"المغني\" (١٢/ ٥٧).\n(^٢) رواه مالك (٢/ ٨٦٠)، وعبد الرَّزاق (٩/ ٣٩٤)، والبيهقي (٨/ ٩٦) بسند صحيح إلى سعيد.\n(^٣) \"المغني\" (١٢/ ٥٦).","vol":"8","page":311},{"text":"<span data-type='title' id=toc-997>حكم شبه العمد</span>\n١١٩٤/ ١١ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ، وَلَا يُقْتلُ صَاحِبُهُ، وَذَلكَ أَنْ يَنْزُوَ الشَّيطَانُ فَتَكُونُ دِمَاءٌ بَينَ النَّاسِ في غَيرِ ضَغِينَةٍ وَلَا حَمْلِ سلَاح\"، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنيُّ وَضَعَّفَهُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأوَّل: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في \"الديات\"، باب \"ديات الأعضاء\" (٤٥٦٥)، وأحمد (١١/ ٣٢٧)، والدارقطني (٣/ ٩٥) من طريق محمَّد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.\nوهذا لفظ أبي داود، وفي آخره: \"فتكون دماء في عِمِّيَّا في غير ضغينة ولا حمل سلاح\"، وقد عزاه الحافظ في \"الدراية\" (^١) لأبي داود وحده؛ لأنَّ لفظ الدارقطني انتهى عند قوله: \"ولا يقتل صاحبه\".\nوهذا الحديث في سنده محمَّد بن راشد وهو يعرف بالمكحول، وثقه أحمد وابن معين والنَّسائيُّ وآخرون، وقال ابن عدي: (إذا حدث عنه ثقة فحديثه مستقيم) (^٢). وسليمان بن موسى وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: (محله الصدق، وفي بعض أحاديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدًا من أصحاب مكحول أفقه منه ولا أثبت منه) (^٣)، وقد تقدم هو والذي قبله قريبًا، والحديث له شواهد تقدم بعضها، تدل على أن شبه العمد ليس فيه قصاص، وإنَّما تغلظ فيه الدية.\n_________\n(^١) (٢/ ٢٦١).\n(^٢) \"الكامل\" (٦/ ٢٠١)، \"الميزان\" (٣/ ٥٤٣).\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ١٤١).","vol":"8","page":312},{"text":"وأمَّا تضعيف الدارقطني فلم أجده في \"السنن\" بعد سياق هذا الحديث، لكنَّه ذكر أثناء كلامه على حديث ابن مسعود - ﵁المتقدم- في تخميس دية الخطأ أن محمَّد بن راشد ضعيف عند أهل الحديث (^١)، فلعل الحافظ يقصد هذا، أو يكون التنصيص على تضعيف الحديث في بعض نسخ \"السنن\"، ولم أقف عليه في \"العلل\" له.\nوقد عزا الحديث ابن عبد الهادي في \"المحرر\" إلى أحمد وأبي داود (^٢). وكان الحافظ ابن حجر ذَهَلَ عن كون الحديث عند أبي داود وأحمد فعزاه إلى الدارقطني.\n\n° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (دية شبه العمد مغلظة) أي: أشد من دية قتل الخطأ، فهي مثل دية قتل العمد، وذلك بأن تكون الدية مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها، كما تقدم.\n\nقوله: (ولا يقتل صاحبه) أي: صاحب شبه العمد، وهو القاتل، سماه صاحبه لصدور القتل عنه، والغرض من هذه الجملة دفع توهم جواز الاقتصاص في شبه العمد حيث جعله كالعمد المحض في العقل.\n\nقوله: (أن يغزو الشَّيطان) نزا من باب (نصر)، وهو الوثوب والتسرع في الشر، ويكون في الأجسام، نحو: نزا الفحل نزوًا: وثب، ويكون في المعاني كما هنا، والمعنى: يثب الشَّيطان بين النَّاس فيحرش بينهم ويهيجهم على القتال، وفي رواية لأحمد: \"أن ينزغ الشَّيطان بين النَّاس\" (^٣).\n\nقوله: (فتكون دماء) بالضم على أن (تكون) تامة، وما بعدها فاعل؛ أي: فتوجد دماء أو فتحصل دماء.\n\nقوله: (في غير ضغينة) أي: في غير حقد ولا عداوة، والمعنى: أن\n_________\n(^١) \"السنن\" (٣/ ١٧٦).\n(^٢) \"المحرر\" (٢/ ٧١٧).\n(^٣) (١١/ ٦٠٢).","vol":"8","page":313},{"text":"قتل شبه العمد يحصل بسبب وسوسة الشيطان وإغوائه، فيحصل القتال بين الناس من غير حقد ولا عداوة ولا حمل سلاح، بل في حال يعمى أمر المقتول ولا يتبين قاتله ولا حال قتله، فيكون القتل في مثل ذلك شبه عمد.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن دية قتيل شبه العمد مغلظة، وتقدم ذلك، كما أن فيه دليلًا على إثبات شبه العمد، وتقدم أيضًا، وأنه ليس فيه قصاص، وهذا من الفروق بينه وبين العمد والخطأ.\n\n° الوجه الرابع: أن قتل شبه العمد لا يقصد به القتل؛ إذ لا عداوة ولا حمل سلاح، وإنما بسبب الشيطان الذي ينزغ بين الناس فيوقعهم فيما وقعوا فيه. والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":314},{"text":"<span data-type='title' id=toc-998>مقدار الدية من الفضة</span>\n١١٩٥/ ١٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: قَتَلَ رَجلٌ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ - ﷺ -، فَجَعَلَ النَّبيُّ - ﷺ - دِيَتَهُ اثْنَي عَشَرَ ألفًا. رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَرَجّحَ النَّسَائيُ وَأَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالهُ.\n\n° الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب \"الديات\"، باب \"الدية كم هي؟ \" (٤٥٤٦)، والترمذي (١٣٨٨)، والنسائي (٨/ ٤٤)، وابن ماجه (٢٦٢٩) من طريق محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ -، به مرفوعًا.\nوهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا محمد بن مسلم فهو متكلم فيه، فقد ضعفه الإمام أحمد، والنسائي، ووثقه ابن معين وأبو داود والعجلي، وقال ابن مهدي: (كتبه صحاح) وبالغ ابن حزم فقال: (ساقط لا يحتج بحديثه)! (^١).\nومع ما فيه من كلام فقد تفرد بوصل هذا الحديث.\nوقد رواه الترمذي (١٣٨٩) من طريق سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن النبي - ﷺ - نحوه، ولم يذكر فيه: ابن عباس.\nقال الترمذي: (لا نعلم أحدًا يذكر في هذا الحديث عن ابن عباس غير محمد بن مسلم).\n_________\n(^١) \"المحلى\" (١٠/ ٣٩٣)، \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٣٩٣).","vol":"8","page":315},{"text":"وقد رجح النسائي إرساله، فقال: (محمد بن مسلم ليس بالقوي، والصواب مرسل …) (^١). ورجح -أيضًا- إرساله أبو حاتم (^٢)، كما رجح إرساله البخاري وأبو داود وابن حزم، وغيرهم (^٣).\nووجه ترجيح الإرسال، أمران:\nالأول: أن من وصله وهو محمد بن مسلم قد طعن الأئمة فيه، فيتوقف في حديثه لو فُرض أنه لم يُخَالِفْ، فكيف وقد خالف من هو من كبار الحفاظ الأثبات، أمثال ابن عيينة، وقد قال يحيى بن معين: (كان سفيان بن عيينة أثبت من محمد بن مسلم الطائفي ومن أبيه ومن أهل قريته) (^٤).\nالثاني: أن البيهقي روى بسنده عن محمد بن ميمون، ثنا سفيان، به موصولًا، قال محمد بن ميمون: وإنما قال لنا فيه: عن ابن عباس مرة واحدة، وأكثر ذلك كان يقول: عن عكرمة، عن النبي - ﷺ -.\nومعنى هذا أن سفيان رفع الحديث مرة واحدة، والأكثر أنه يرسله، فإن كان محمد بن ميمون قد حفظه عن سفيان فهو دليل على أن سفيان قد اختلف عليه في وصله وإرساله، فتارة يوصله، وتارة يرسله، وهو الأكثر، ومحمد بن ميمون صدوق ربما أخطأ، ولعله وَصَلَهُ خطأ، بدليل أن الحديث جاء عن سفيان مرسلًا من طريقين، كما عند الترمذي وابن أبي شيبة. يقول ابن حزم: (والذي رواه مشاهير أصحاب ابن عيينة عنه في هذا الخبر فإنما هو عن عكرمة، لم يذكر فيه ابن عباس) (^٥).\n\n° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن الدية اثنا عشر ألفًا، وقد بين البيهقي أن المراد: درهمًا (^٦)، وقد يستدل بهذا الحديث من يرى أن الخمسة: وهي الإبل والبقر والغنم والذهب والفضة، كلها أصول، أما على القول\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٥٦).\n(^٢) \"العلل\" (١٢٩٠).\n(^٣) \"العلل الكبير\" (٢/ ٥٧٧ - ٥٧٨)، \"سنن أبي داود\" (٤/ ١٨٥)، \"المحلى\" (١٠/ ٣٩٣).\n(^٤) \"تاريخ ابن معين\" (٣/ ٣٠٤).\n(^٥) \"المحلى\" (١/ ٣٩٣٠).\n(^٦) \"السنن الكبرى\" (٨/ ٧٨).","vol":"8","page":316},{"text":"الراجح وهو أن الأصل الإبل فيحمل هذا الحديث على أن هذا المبلغ هو قيمة الإبل في ذلك الوقت، لا أنها دية مستقلة، أو أن الجاني لم يكن عنده إبل فصالح النبي - ﷺ - بين أهل القتيل والجاني. والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":317},{"text":"<span data-type='title' id=toc-999>ما جاء في أنه لا يؤخذ أحد بجناية غيره</span>\n١١٩٦/ ١٣ - عَنْ أَبي رِمْثَةَ قَال: أتيتُ النَّبي - ﷺ - وَمَعِي ابْنِي فَقَال: \"مَنْ هَذَا؟ \"، قُلْتُ: ابْني أَشْهَدُ بِهِ. قَال: \"أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْني عَلَيكَ وَلَا تَجْني عَلَيهِ\". رَوَاهُ النَّسَائيُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو رمثة -بكسر الراء وسكون الميم- التيمي، ويقال:\nالتميمي (^١) - ﵁ -، صحابي اشتهر بكنيته، واختلف في اسمه على عدة أقوال، ذكرها المزي في \"تهذيبه\"، وقد جزم أحمد والبخاري وابن حبان أن اسمه رفاعة بن يثربي، وقيل: حبيب بن حيان، وقيل: حيان بن وهب، وقيل غير ذلك، روى عن النبي - ﷺ -، وروى عنه إياد بن لقيط، وثابت بن أبي منقذ.\nوهو غير أبي رمثة البلوي، فهذا سكن مصر، ومات بأفريقية، وهذا ما مشى عليه ابن عبد البر، وهو التفريق بينهما، ويرى المزي أنه واحد، فقال: (أبو رمثة البلوي، ويقال: التميمي، ويقال: التيمي … روى له أبو داود والترمذي والنسائي) (^٢).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nفقد رواه النسائي في كتاب \"القسامة\"، بابٌ \"هل يؤخذ أحد بجريرة غيره؟ \" (٨/ ٥٣)، وأبو داود (٤٤٩٥)، وأحمد (١١/ ٦٧٣)، وابن الجارود\n_________\n(^١) لأنه من تيم الرَّباب، وهم بطن من تميم. انظر: \"الأنساب\" (١/ ٣٦٠).\n(^٢) \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٣٢١)، \"المسند\" (١٤/ ٦٣)، \"صحيح ابن حبان\" (٥٩٩٥)، \"الاستيعاب\" (١٢/ ٢٥٤)، \"تهذيب الكمال\" (٣٣/ ٣١٦)، \"الإصابة\" (١٢/ ١٣٤).","vol":"8","page":318},{"text":"(٧٧٠) من طرق، عن إياد بن لقيط، قال: حدثني أبو رمثة التميمي، قال: أتيت النبي - ﷺ - ومعي ابن لي، فقال: \"ابنك؟ \" قلت: أشهد به، قال: \"لا يجني عليك ولا تجني عليه\" وهذا لفظ ابن الجارود، وجاء في آخر سياقه عند أبي داود: (وقرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]).\nوهذا الحديث إسناده صحيح، وقد جاء هذا المعنى عن عدد من الصحابة - ﵃ - (^١).\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ومعي ابني) هكذا لفظ \"البلوغ\"، وهو لفظ ابن الجارود، كما تقدم، ورواية عند أحمد. والذي في \"سنن\" أبي داود والنسائي: (انطلقت مع أبي) (أتيت النبي - ﷺ - مع أبي) فأبو رمثة هو الابن الذي جاء مع أبيه إلى النبي - ﷺ - وليس هو الأب الذي جاء ومعه ابنه، وهكذا جاء في مصادر أخرى منها: \"كتاب الديات\" لابن أبي عاصم (^٢).\nوالأكثرون من الرواة كسفيان الثوري وعبيد الله بن إياد وعبد الملك بن سعيد كلهم قالوا: أن أبا رمثة كان مع أبيه، مما يرجح أن أبا رمثة هو الابن؛ لأنهم الأكثر ضبطًا وعددًا (^٣).\n\nقوله: (أشهد به) اختلف في ضبط هذا اللفظ، فقيل: بهمزة وصل، وصيغة أمر؛ أي: كن شاهدًا بأنه ابني من صلبي، وقيل: بفتح الهمزة، وصيغة المتكلم؛ أي: وأُقِرُّ وأعترف بأنه ولدي، فيكون الغرض منها تقرير أنه ابنه، وهذا هو الأقرب.\n\nقوله: (أما إنه) بالتخفيف للتنبيه، و(إنه) إما ضمير الشأن أو ضمير الابن.\n\nقوله: (لا يجني عليك) أي: لو صدرت منه جناية لا تؤخذ بها أنت، ولا يكون ضمانها عليك، والجناية: الذنب والجرم، وما يفعله الإنسان مما\n_________\n(^١) انظر: \"الإرواء\" (٧/ ٣٣٣).\n(^٢) ص (١٢١).\n(^٣) انظر: \"علل ابن أبي حاتم\" (١٤٣٨)، \"المسند\" (١١/ ٦٧٧).","vol":"8","page":319},{"text":"يوجب عليه العذاب أو القصاص في الدنيا والآخرة (^١).\n\nوقوله: (ولا تجني عليه) أي: لو صدرت منك جناية لا يؤخذ بها هو، ولا يكون ضمانها عليه، ولعل المراد بالحديث: الإثم، وإلا فإن الدية تحملها العاقلة.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه لا يؤخذ أحد بجريرة غيره، سواء أكان قريبًا كالأب والولد وغيرهما، أم أجنبيًّا؛ لأن الله تعالى أوجب العدل، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فليس لأحد أن يقتل أحدًا بجناية أخيه أو ابن عمه؛ لأن هذا هو عمل الجاهلية، وقد جاء الإسلام بإبطاله والقضاء عليه.\nوأما ما ورد من أن العاقلة تحمل الدية في شبه العمد والخطأ، فليس من تحمل الجناية، وإنما هو من باب التعاون والتعاضد فيما بين المسلمين. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"النهاية\" (١/ ٣٠٩).","vol":"8","page":320},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1000>باب دعوى الدم والقَسَامَة</span>\nأي: باب دعوى القتل والأيمان عليه، وعبر بالدم للزومه للقتل غالبًا، وعبر بالقسامة؛ لأنها صارت حقيقة عرفية على الخمسين يمينًا في جانب المدعي ابتداء، كما سيأتي.\nوالحافظ مقلد للشافعية في كتبهم في هذا التبويب، ومنهم النووي في كتابه \"المنهاج\"، والأكثرون من الفقهاء يقتصرون على القسامة (^١).\nوالدعوى: هي طلب الشيء زاعمًا ملكه، وعند الفقهاء: قول مقبول عند القاضي يقصد به المدعي طَلَبَ حَق قِبَلَ غيره أو دَفْعَ غيره عن حق نفسه.\nوأضافها إلى الدم؛ لأن الدعوى أنواع، فقد تكون دعوى مال، أو دعوى عِرْضٍ، أو دعوى دم، أو غير ذلك.\nوالقسامة -بفتح القاف وتخفيف السين-: اسم مصدر أقسم إقسامًا وقسامة، والقسامة: هي اليمين، سميت بذلك لأنها تُقْسَمُ على أولياء الدم، يقال: قُتِلَ فلان بالقسامة: إذا اجتمع الأولياء وادعوا على رجل أنه قتل صاحبهم، وحلفوا خمسين يمينًا.\nوالقول بأن القسامة هي اليمين، هو قول ابن فارس والجوهري وغيرهما من علماء اللغة، وقال الأزهري وجماعة: هي اسم للأولياء الذين يحلفون على استحقاق دم المقتول، والأول هو الصحيح (^٢).\nوشرعًا: أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم.\n_________\n(^١) انظر: \"تحفة المحتاج\" (٤/ ١٠٩)، \"منتهى الإرادات\" (٥/ ١٠٦).\n(^٢) \"الإعلام\" (٩/ ٥٨).","vol":"8","page":321},{"text":"وقولنا: (أيمان مكررة) أي: لا بد أن تتكرر اليمين، كما سيأتي، بخلاف سائر الدعاوى، وذلك لعظم شأن الدماء.\n\nوقولنا: (في قتل) يفيد أنه لا قسامة فيما دون النفس من الأطراف والجراح، كما سيأتي -إن شاء الله-.\n\nوقولنا: (معصوم) هذا شرط في القتيل الذي لم يعلم قاتله، إذ لا أيمان ولا دعوى أصلًا في قتيل غير معصوم، كمرتد -مثلًا- وهذا بالإجماع (^١).\nوقد ذهب جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار إلى أن القسامة مشروعة وأصل يثبت به القصاص أو الدية على ما سيأتي -إن شاء الله- في حديث الباب الذي هو الأصل في مشروعيتها.\n_________\n(^١) انظر: \"دقائق أولي النهى\" (٦/ ١٥٥)، \"القسامة في الفقه الإسلامي\" ص (٢٠).","vol":"8","page":322},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1001>أحكام القسامة</span>\n١١٩٧/ ١ - عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ - ﵁ - عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بنَ مَسْعُودٍ، خَرَجَا إِلَى خَيبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ. فَأُتِيَ مُحَيِّصَةُ فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَطُرِحَ في عَينٍ، فَأتى يَهُودَ فَقَال: أنتُمْ وَاللهِ قَتَلْتُمُوهُ. قَالُوا: وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَأقبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَعبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ سَهْلٍ. فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"كَبِّرْ كَبِّرْ\"، يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَأذَنُوا بِحَرْبٍ\" فَكَتَبَ إِلَيهِمْ في ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَال لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَهْلٍ: \"أتحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ \"، قَالُوا: لَا، قَال: \"فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟ \"، قَالُوا: لَيسُوا مُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيهِمْ مِائَةَ نَاقَةٍ. قَال سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْني منْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأحكام\"، باب \"كتابة الحاكم إلى عماله والقاضي إلى أمنائه\" (٧١٩٢)، ومسلم (١٦٦٩) (٦) من طريق أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل، عن سهل بن أبي حثمة، أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه … الحديث.\nوهذا الحديث له عدة ألفاظ في \"الصحيحين\" وغيرهما.","vol":"8","page":323},{"text":"° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (عن رجال من كبراء قومه) أي: من شيوخ قوم سهل بن أبي حثمة، وهم من الأنصار من بني حارثة من الخزرج -﵃-.\n\nقوله: (أن عبد الله بن سهل) هو عبد الله بن سهل بن زيد بن كعب الحارثي الأنصاري، قتل في خيبر على عهد رسول الله - ﷺ - بعد فتحها، وهو أخو عبد الرحمن الآتي ذكره (^١).\n\nقوله: (ومحيصة بن مسعود) بضم الميم فحاء مهملة مفتوحة، فمثناة تحتية مشددة، فصاد مهملة على صيغة التصغير، وحكى القرطبي وغيره التخفيف، واعتبره هو المشهور (^٢)، وهو محيصة بن مسعود بن زيد بن كعب الحارثي الأنصاري المدني ابن \"عبد الله بن سهل المقتول، صحابي معروف، أسلم قبل الهجرة، وشهد أحدًا والخندق وما بعدهما من المشاهد كلها، وبعثه رسول الله - ﷺ - إلى فَدَك يدعوهم إلى الإسلام (^٣).\n\nقوله: (من جهد أصابهم) بفتح الجيم، و(من) سببية؛ أي: بسب مشقة وضيق عيش.\n\nقوله: (قد قتل) في بعض الروايات: (فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلًا).\n\nقوله: (وطرح في عين) في رواية: (في عين أو فقير) أي: أُلقي بعد قتله في عين، والمراد بها: الحفرة أو البئر الصغيرة أو حوض يكون أسفل النخلة، والفقير: الحفيرة (^٤).\n\nقوله: (فأتى يهود) اسم جنس، يراد به القبيلة والطائفة، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث (^٥)، أو وزن الفعل.\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (٦/ ١١٣).\n(^٢) \"المفهم\" (٥/ ٨)، \"الإعلام\" (٩/ ٥٩)، \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٣٣).\n(^٣) \"أسد الغابة\" (٥/ ١١٩)، \"الإصابة\" (٢/ ٣٠٣) (٩/ ١٤٢).\n(^٤) \"الأعلام\" (٩/ ٥٩).\n(^٥) \"الإعلام\" (٩/ ٦٥).","vol":"8","page":324},{"text":"قوله: (فأقبل هو وأخوه حويصة وعبد الرحمن بن سهل) أي: فجاء إلى رسول الله - ﷺ - محيصة وأخوه حويصة بن مسعود وابن عمهما عبد الرحمن بن سهل أخو عبد الله بن سهل، وفي رواية لمسلم: (فدفنه ثم أقبل إلى رسول الله - ﷺ -) وفي رواية: (فدفنه صاحبه، ثم أقبل إلى المدينة …). وحويصة: بضم الحاء، وفتح الواو فمثناة تحتية مشددة، فصاد مهملة، ويجوز التخفيف في يائه، وهو أخو محيصة لأبيه وأمه، وهو أسن منه، أسلم على يد أخيه محيصة بعد الهجرة سنة ثلاث، وشهد أُحدًا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله - ﷺ - (^١)، وكان عبد الرحمن بن سهل أصغر الثلاثة.\n\nقوله: (فذهب محيصة يتكلم) أي: أراد أن يتكلم بشرح القصة لرسول الله - ﷺ -، و(ذهب) هنا من أفعال الشروع، و(محيصة) اسمها، وجملة (يتكلم) خبرها، دكلانما بادر إلى الكلام لكونه حاضرًا في الواقعة، وكان أصغر من أخيه حويصة، كما تقدم.\n\nقوله: (كَبِّر كَبِّر) بصيغة الأمر من التكبير؛ أي: ليبدأ الأكبر بالكلام، واللفظ الثاني تأكيد للأول تنبيهًا على شرف السن، وقوله: (يريد السن) هذا مدرج لتفسير (كَبِّرْ).\n\nقوله: (إما أن يدوا صاحبكم) أي: إما أن يدفع اليهود لكم دية القتيل، ففاعل (يدوا) اليهود، ويدوا: بفتح الياء وضم الدال، فعل مضارع من ودى يدي دية، من باب (ضرب) (^٢).\n\nقوله: (وإما أن يَأْذنوا بحرب) هكذا في نسخ \"البلوغ\"، بفتح الياء، والذي في \"الصحيحين\": (يُؤذنوا) بضمها؛ أي: يعلمونا أنهم ممتنعون عن التزام شرعنا؛ لأن الأذان معناه: الإعلام، والمعنى: أنهم إذا امتنعوا عن الحلف فهم ممتنعون عن الالتزام بأحكام ديننا، فينتقض عهدهم ويصيرون حربًا، وهذا الكلام من النبي - ﷺ - فيه فائدتان:\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (٢/ ٣٠٣)، \"أسد الغابة\" (٢/ ٧٤).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (٦٥٤).","vol":"8","page":325},{"text":"١ - التسلية لأولياء المقتول وأن الأمر مأخوذ بعين الاعتبار.\n٢ - الإخبار بالحكم على تقدير ثبوت القتل على يهود، لا أن ذلك حكم على اليهود في حال غيابهم؛ لأن النبي - ﷺ - لم يسمع منهم، ولهذا كتب لهم بعد هذا القول.\n\nقوله: (فكتب إليهم في ذلك) أي: فكتب رسول الله - ﷺ - إلى اليهود كتابًا في هذه القضية يذكر فيه ما ادُّعِيَ به عليهم، ووجود القتيل بينهم.\n\nقوله: (أتحلفون وتستحقون دم قاتلكم) أي: أتحلفون خمسين يمينًا -كما في بعض الروايات- على شخص من اليهود بأنه هو القاتل، ونحكم لكم بثبوت دمه على هذا الشخص، فتقتلونه به أو تأخذون ديته.\n\nقوله: (ليسوا مسلمين) أي: فلا نرضى بأيمانهم؛ لأنهم كفار لا يتورعون عن الكذب.\n\nقوله: (فوداه) أي: فدفع رسول الله - ﷺ - دية القتيل لئلا يهدر دمه.\n\nقوله: (من عنده) ظاهره أن المراد من ماله - ﷺ -، وقد جاء في بعض الروايات: (فوداه بمائة من إبل الصدقة)، وفيها نفي احتمال أن الدية من اليهود أو غيرهم، وقد طعن بعضهم في رواية: (بمائة من إبل الصدقة) وقالوا: إنها غلط من راويها سعيد بن عبيد، ووجه ذلك أن الصدقة المفروضة وهي الزكاة لا تصرف هذا المصرف، وإنما هي لأصناف سماهم الله تعالى، وهذه الرواية عند البخاري ومسلم، ورواه يحيى بن سعيد، وقال: (من عنده)، ومن تحاشى تغليط الثقة قال: لا منافاة، والمعنى: أنه اشتراها من إبل الصدقة، وهناك تأويلات أخرى لا تخلو من ضعف، فإن قيل: بالترجيح -ولعله المتعين (^١) - فرواية يحيى بن سعيد أرجح، فإنه ثقة متقن، وسعيد بن عبيد هو الطائي أبو الهذيل الكوفي، وثقه أحمد وابن معين والنسائي، وقال أبو حاتم: (يكتب حديثه) (^٢)، وقال الحافظ: (ثقة).\n_________\n(^١) انظر: \"التمييز\" للإمام مسلم ص (١٩٢)، \"تهذيب مختصر السنن\" (٦/ ٣٢).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٥٥).","vol":"8","page":326},{"text":"قوله: (ركضتني منها ناقة) أي: ضربتني برجلها، وأراد بهذا أنه ضبط الحديث وحفظه حفظًا بليغًا، وهو أن النبي - ﷺ - سلَّم الإبل لأولياء القتيل، كما جاء في بعض الروايات.\n\n° الوجه الثالث: هذا الحديث هو الأصل في مسألة القسامة، قال القاضي عياض: (حديث القسامة المذكور أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ كافة الأئمة …) (^١)، وقال ابن الملقن: (هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الأحكام، وأصل في القسامة وأحكامها) (^٢).\nوصفتها: أن يوجد قتيل ولا يعرف قاتله، ولا تقوم البينة على من قتله، فيدعي أولياء المقتول على واحد أو جماعة قتله، وتقوم القرائن على صدق الولي المدعي.\nولا بد في القسامة من أربعة شروط مأخوذة من أدلتها:\nالأول: أن تكون الدعوى على قتل يوجب القصاص إذا ثبت القتل؛ لأن الأصل فيها حديث الباب، وهو في دعوى قتل.\nفإن كانت الجناية فيما دون النفس من الأطراف والجراح فلا قسامة -على أحد القولين- لأن القسامة ثبتت في النفس لحرمتها؛ ولأن المجني عليه لا يمكنه التعبير عن نفسه وتعيين قاتله، ومن قُطِعَ طرفه أو جُرح أمكنه ذلك، قال الموفق ابن قدامة: (لا أعلم بين أهل العلم في هذا اختلافًا) (^٣).\nالثاني: أن تكون الدعوى على شخص معين، لقوله كما في بعض الروايات: (فيحلف خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمته)، فإن كان مبهمًا، أو كانت الدعوى على أهل مدينة أو حَيٍّ من الأحياء فلا قسامة.\nالشرط الثالث: اتفاق الأولياء في الدعوى، فإن ادعى بعضهم وأنكر\n_________\n(^١) \"إكمال المعلم\" (٥/ ٤٤٨).\n(^٢) \"الإعلام\" (٩/ ٥٨).\n(^٣) \"المغني\" (١٢/ ٢١٧).","vol":"8","page":327},{"text":"بعض لم تثبت القسامة؛ لأنه دعوى قتل، فاشترط اتفاق جميع الأولياء، كالقصاص في غير القسامة.\nالرابع: وجود اللَّوْث، وهو بفتح فسكون، من لاث الرجل يلوث لوثًا: أخبر بغير ما يُسأل عنه، ولاث الخبر: كتمه وحبسه عن وجهه (^١). وفي تفسير اللوث قولان:\nالقول الأول: أنه العداوة الظاهرة، كنحو ما بين الأنصار وأهل خيبر، وكما بين القبائل التي يطلب بعضها بعضا، وما بين أهل البغي وأهل العدل، وما بين الشرطة واللصوص، ونحو ذلك.\nوالقول الثاني: أن اللوث ما رجح جانب المدعي في دعواه، وهذا القول أعم من الأول؛ لأنه يشمل العداوة وغيرها من القرائن، كأن يوجد القتيل في دار إنسان، أو يُرى أثاثه عنده، ونحو ذلك.\nوهذا رواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، قال الحافظ ابن حجر: (اتفقوا على أنها لا تجب القسامة لمجرد دعوى الأولياء حتى تقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها) (^٣).\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنه إذا وجد القتيل المجهول القاتل ووجدت القرائن على قاتله حلف أولياء المقتول، لقوله: \"تحلفون وتستحقون دم قاتلكم\" وفي بعض الروايات: \"يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع إليكم برمته\" وهذا يفيد أن عدد الأيمان خمسون تعظيمًا لشأن الدم، وأنه لا بد من خمسين رجلًا، على كل واحد منهم يمين، فإن كانوا أقل، فإن الأيمان بينهم على قدر إرثهم، فإذا كان للقتيل ثلاثة أبناء حلف كل واحد منهم سبعة عشر يمينًا، فإذا حلفوا على شخص استحقوا دمه إذا كان القتل عمدًا، أو الدية إذا كان خطأ.\n_________\n(^١) \"إكمال الإعلام\" (٢/ ٥٦٩).\n(^٢) \"الإنصاف\" (١٠/ ١٣٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٣٦).","vol":"8","page":328},{"text":"° الوجه الخامس: استدل العلماء: بقوله: \"أتحلفون … \" وفي رواية: \"يقسم خمسون منكم على رجل منهم\" على أن الأولياء الذين يحلفون في القسامة هم العصبة؛ أي: عصبة المقتول؛ لأن النبي - ﷺ - علم أنه لم يكن لعبد الله بن سهل خمسون رجلًا وارثًا، فإنه لا يرثه إلا أخوه ومن هو في درجته أو أقرب منه نسبًا؛ ولأنه خاطب بهذا بني عمه، وهم غير وارثين مع وجود الأخ، وهذا قول مالك، ورواية عن أحمد.\nوالقول الثاني: أن الأولياء الذين يحلفون هم الوارثون، وهذا قول الشافعي، ورواية عن أحمد (^١)، واستدلوا بان النبي - ﷺ - جعل الحالف هو المستحق للدية أو القصاص، ومعلوم أن غير الوارث لا يستحق شيئًا، فدل ذلك على أنه لا يحلف إلا الوارث المستحق للدية. والقول الأول أرجح؛ لما تقدم من أن النبي - ﷺ - خاطب بذلك بني عمه وهم غير وارثين؛ ولأنه لا يُعقل أن يكون خمسون رجلًا وارثين، وعلى هذا فيبدأ بالوارثين، فإن لم يبلغوا خمسين كُمِّلوا من سائر العصبات الذين لا يرثون، الأقربُ فالأقرب منهم إلى الميت.\n\n° الوجه السادس: في الحديث دليل على أنه إذا نكل المُدَّعُونَ عن الحلف، وقالوا: لا نحلف على شيء لم نره، توجهت الأيمان على المدعى عليهم، فإذا حلفوا انتهت الخصومة، ولم يثبت عليهم شيء.\n\n° الوجه السابع: في الحديث دليل على أنه إذا نكل المدعى عليه وأبي أن يحلف أو لم يرض المدعون يمينه أُدِيَ القتيل من بيت المال؛ لأن أولياء عبد الله بن سهل لم يحلفوا، ولم يرضوا بأيمان اليهود.\nويمكن أن يستدل بعموم هذا الحديث على أن دية المقتول في زحمة طواف أو تدافع، تكون في بيت المال، وقد مضت الإشارة إلى ذلك.\n_________\n(^١) \"الأم\" (٧/ ٢٢٩)، \"المنتقى\" (٧/ ٥٨)، \"الإنصاف\" (١٠/ ١٤٦)، \"القسامة في الفقه الإسلامي\" ص (١٦٣).","vol":"8","page":329},{"text":"° الوجه الثامن: في الحديث دليل على أن المشتركين في طلب حق ينبغي لهم أن يقدموا للكلام واحدًا منهم؛ لأن هذا نوع من الأدب مع المتحدث معه، وفيه تنظيم للأمر، وأحقهم أسنهم إذا كان فيه أهلية لذلك.\n\n° الوجه التاسع: في الحديث دليل على أن موجب القسامة هو القود، وهو قول الأكثرين، لقوله: \"أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم\".\nوالقول الثاني: أن القسامة توجب الدية ولا توجب القصاص، وهو قول الحنفية، والشافعية في الجديد، وجماعة من الصحابة والتابعين (^١).\nواستدلوا بقوله: \"إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب\" وهذا حصر بين أمرين لا ثالث لهما وهو القصاص.\nوالقول الأول أرجح لقوة مأخذه، ويؤيده المعنى، فإن ردع المجرمين وصيانة الدماء واستقرار الأمن إنما يكون في القسامة على الوجه الذي صحت به الآثار، وأما غرامة الدية فأمر ميسور عند أرباب الفساد.\nوأما أدلة القائلين بالدية فهي إما مؤولة؛ لقيام الدليل على وجوب التأويل، وإما معارضة بما هو أقوى منها، وإما ضعيفة لا تقوم بها حجة.\nوأما لفظ: \"إما أن يدوا صاحبكم … \" فالجواب أنها دعوى على اليهود بدون تعيين القاتل فلا يمكن القصاص، فإن حلفوا على واحد أمكن القصاص.\n\n° الوجه العاشر: ظهر في مسألة القسامة أمور أهمها:\n١ - أن اليمين توجهت على المدعي، وهذا لا يخالف قاعدة: أن اليمين على المدعى عليه؛ لأن الأصل أن اليمين مشروعة في الجانب الأقوى، وجانب المدعي قد ترجح بوجود القرائن التي تقوي جانبه.\n٢ - تكرار الأيمان فيها، ذلك لعظم شأن الدماء.\n٣ - أن المدعي يحلف على شيء لم يره، وهذا لكونه معتمدًا على\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٢/ ٢٠٤)، \"تحفة المحتاج\" (٤/ ١١٧).","vol":"8","page":330},{"text":"القرائن وغلبة الظن، كقول الأعرابي: (والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني) (^١)، وقول عبد الله بن سهل: (أنتم والله قتلتموه) فحلف على غلبة الظن وما يحيط به من القرائن التي تجعله في مقام اليقين، فإنه لم يكن في خيبر سوى اليهود، وبينهم وبين المسلمين العداوة المعروفة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في كتاب \"الصيام\" حديث (٦٧٦).","vol":"8","page":331},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1002>ما جاء في أن القسامة كانت في الجاهلية</span>\n١١٩٨/ ٢ - عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنصَارِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أقرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيهِ في الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَضى بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَينَ ناسٍ مِنَ الأنصَارِ في قَتِيلٍ ادّعَوْهُ عَلَى الْيَهُودِ. رَوَاهُ مُسْلِم.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"القسامة\"، (١٦٧٠) (٧) (٨) من طريق يونس، عن ابن ضهاب، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار مولى ميمونة - ﵄ - زوج النبي - ﷺ -، عن رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - من الأنصار، أن رسول الله - ﷺ - أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية.\nورواه من طريق ابن جريج، حدثني ابن شهاب، بهذا الإسناد مثله، وزاد: وقضى بها رسول الله - ﷺ - … الحديث.\nوبهذا يتبين أن الحافظ جمع بين الروايتين في سياق واحد.\n\n° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن القسامة كانت موجودة في الجاهلية قبل الإسلام، وقد بوب البخاري في \"صحيحه\" في كتاب \"مناقب الأنصار\" باب \"القسامة في الجاهلية\"، ثم ساق بسنده حديث ابن عباس - ﵄ -، قال: إن أول قسامة كانت في الجاهلية لفينا بني هاشم … وساق الحديث بطوله (^١).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٣٨٤٥).","vol":"8","page":332},{"text":"° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن النبي ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية؛ لكونها سبيلًا من سبل صيانة الدماء وعدم ضياع الحقوق، وهذا يدل على أن ما عند الكفار مما يوافق الشرع يؤخذ به، ومثل ذلك المضاربة فقد كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام، كما تقدم في موضعه.\nوهذا إقرار للقسامة في الجملة لا في التفصيل؛ لأن القسامة في الإسلام تختلف عن القسامة في الجاهلية في أمور، منها:\n١ - أن القسامة في الإسلام تُشرع الأيمان فيها في جانب المدعين، كما تقدم، فإذا حلفوا استحقوا القود في العمد، أما في الجاهلية فقد دل سياق حديث ابن عباس ﵄ المتقدم على أن المدعى عليه يخير بين الدية أو الأيمان أو القصاص.\n٢ - أن اليمين لا تطلب من المدعى عليه إلا بعد نكول المدعي، بخلاف القسامة في الجاهلية فإنها تطلب من المدعى عليه.\n٣ - أنه لا تخيير للمدعى عليه كما في الجاهلية (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"القسامة في الفقه الإسلامي\" ص (٢٢).","vol":"8","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1003>باب قتال أهل البغي</span>\nالقتال: مصدر قاتله يقاتله قتالًا ومقاتلة، بمعنى حاربه ونازله.\nوالبغي: مصدر بغى يبغي بغيًا، ويطلق هذا الفعل في اللغة على مجرد الطلب، تقول: بغيت الشيء أبغيه: إذا طلبته. ويطلق على التعدي والاستطالة على الناس، يقال: بغى الرجل بغيًا: إذا عدل عن الحق واستطال، ومنه الفئة الباغية؛ أي: المتعدية.\nوالبغي في اصطلاح الفقهاء: هو خروج جماعة من المسلمين لهم شوكة ومنعة عن قبضة الإمام؛ لينازعوه في سلطانه بتأويل سائغ.\nوموقف الإمام من البغاة أنه يراسلهم ويسألهم ما يكرهون منه، ويزيل ما يكرهونه من مظلمة؛ لأن إزالة ذلك وسيلة إلى الصلح المأمور به، ويكشف ما يدعونه من شبهة؛ لأن في كشف شبهتهم رجوعًا إلى الحق، وذلك لأن الله تعالى أمر بالإصلاح أولًا، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] فإن أصروا نصحهم وخوفهم عاقبة البغي، وأمرهم بالعود للطاعة؛ لأن ذلك أقرب إلى حصول المقصود، فإن أصروا دعاهم إلى المناظرة، فإن لم يجيبوا أو أجابوا وغُلبوا في المناظرة، وأصروا آذنهم بالقتال، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] ولدفع شرهم وأذاهم عن المسلمين، وللحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية وعزتها، وعلى هذا فقتال البغاة هو آخر وسيلة يلجأ إليها الإمام.\nوقد قسم بعض العلماء الخارجين على الإمام إلى أقسام:\n١ - بغاة، وتقدم تعريفهم وحكمهم.\n٢ - خوارج: وأول خروجهم في عهد علي ﵁ وأصولهم موجودة قبل","vol":"8","page":334},{"text":"ذلك، وهم أشنع من البغاة وأقبح؛ لأنهم يخرجون لتفريق المسلمين، ويستحلون دماءهم وأموالهم، يقاتلون المسلمين، ويَدَعُون عُبَّادَ الأصنام والأوثان، والجمهور من أهل العلم على أنهم عصاة حكمهم حكم البغاة، وقال آخرون: إنهم مرتدون وحكمهم القتل مطلقًا، لثبوت الأحاديث في قتلهم.\n٣ - قطاع طريق: وهم الذين يتعرضون للناس بإشهار السلاح وسلب الأموال وغيرها، وقد دل القرآن على عقوبتهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].","vol":"8","page":335},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1004>التحذير من حمل السلاح على المسلمين</span>\n١١٩٩/ ١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ \"مَنْ حَمَلَ عَلَينَا السلَاحَ فَلَيسَ مِنا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الديات\"، باب \"قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ (٦٨٧٤)، وفي \"الفتن\" (٧٠٧٠)، ومسلم (٩٨) من طريق نافع، عن ابن عمر مرفوعًا.\nورواه البخاري (٧٠٧١) من حديث أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ باللفظ نفسه.\n\n° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أنه لا يجوز حمل السلاح على المسلمين برهم وفاجرهم؛ لأن حمل السلاح معناه قتالهم وسفك دمائهم وإخافتهم وترويعهم، بل لا يحمل السلاح إلا على من استحقه كالكفار والبغاة -على ما تقدم- وقطاع الطريق، والواجب على المسلمين التناصح وحل المشاكل بالطرق السلمية لا بحمل السلاح، بل قد ورد النهي عما هو دون ذلك، كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"لا يُشِرْ أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يديه فيقع في حفرة من النار\" (^١).\nوعنه -أيضًا- أن النبي ﷺ قال: \"من أشار إلى أخيه بحديده فإن\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٠٧٢).","vol":"8","page":336},{"text":"الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه\" (^١).\n\n° الوجه الثالث: في الحديث وعيد شديد على من حمل السلاح على المسلمين، لقوله: \"فليس منا\" والمعنى: أنه ليس على سيرتنا الكاملة وهدينا؛ لأن هدي النبي ﷺ وطريقته نصر المسلم والقتال دونه، لا ترويعه وإخافته وقتاله، أو يمسك عن تأويله؛ ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر (^٢).\nوهذا الحديث حمله العلماء على من حمل السلاح لقتال المسلمين غير مستحل قتالهم، أما إذا استحل قتالهم بغير حق فهذا كافر؛ لاستحلاله المحرم القطعي.\nوأما حمل السلاح لقتال البغاة من المسلمين فقد ورد فيه أدلة خاصة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٦١٦).\n(^٢) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٢/ ٤٦٧)، \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٤).","vol":"8","page":337},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1005>التحذير من الخروج عن الطاعة ومفارقة الجماعة</span>\n١٢٠٠/ ٢ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: \"مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ، وَمَاتَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيّةٌ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد رواه مسلم في كتاب \"الإمارة\"، باب \"وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة\" (١٨٤٨) من طريق غيلان بن جرير، عن أبي قيس بن رباح، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عُمِّية يغضب لعَصَبَةٍ أو يدعو إلى عَصَبَةٍ، أو ينصر عصبة، فقتل، فقتلته جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها لا يتحاش من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه\".\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من خرج من طاعة) أي: طاعة من وقع عليه الاجتماع وتمت بيعته في قطر من الأقطار؛ لأن من المعلوم أن الناس لم يجمعوا على خليفة واحد في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية إلى يومنا هذا، بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم.\n\nقوله: (وفارق الجماعة) أي: جماعة المسلمين الذين اتفقوا على طاعة إمام انتظم به شملهم واجتمعت به كلمتهم.","vol":"8","page":338},{"text":"قوله: (فميتته جاهلية) بكسر الميم، مصدر نوعي؛ لأنه أضيف إلى الجاهلية، وهذا فيه تشبيه من مات مفارقًا للجماعة بمن مات على الكفر بجامع أن الكل لم يكن تحت حكم إمام؛ لأن الخارج عن الطاعة -كأهل الجاهلية- لا إمام له.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب طاعة الناس لولي الأمر الذي تمت بيعته، ولزوم الجماعة وإن جرى من الإمام ما جرى من نقص أو معصية ما لم يروا كفرًا بواحًا عندهم فيه من الله برهان، كما جاء في حديث عبادة ﵁ (^١).\nوقد دلت النصوص الشرعية على أن الطاعة إنما تكون في المعروف، وهذا من القطعيات الشرعية، لحديث: \"إنما الطاعة في المعروف\" (^٢).\nوفي الطاعة ولزوم الجماعة الخير الكثير والأمن والطمأنينة، وصلاح الأحوال، ونصر الحق، وقمع البدع وأهلها.\nوفي الاختلاف والخروج الشر العظيم، وضعف الحق، وتدخل القوى الكافرة، وظهور البدع والمنكرات، وانقسام الناس، وزعزعة الأمن وإراقة الدماء، ونهب الأموال، وهذا واضح في زماننا هذا، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (مذهب أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة، والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح بر، أو يُستراح من فاجر) (^٣). ويقول: (لا يجوز إنكار المنكر بما هو أنكر منه، ولهذا حرم الخروج على ولاة الأمر بالسيف، لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن ما يحصل بذلك من فعل المنكرات وتركِ واجبٍ أعظم مما يحصل بفعلهم المنكر والذنوب) (^٤).\n\n° الوجه الرابع: في الحديث تحذير شديد ووعيد عظيم لمن ينقض البيعة ويفرق الجماعة، ويخرق الإجماع.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٠٥٦)، ومسلم (١٧٠٩) (٤٢).\n(^٢) رواه البخاري (٤٣٤٠)، ومسلم (١٨٤٠).\n(^٣) \"مجموع الفتاوى\" (٤/ ٤٤٤).\n(^٤) \"مجموع الفتاوى\" (١٤/ ٤٧٢).","vol":"8","page":339},{"text":"° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن من فارق الجماعة ولم يخرج عليهم ولم يقاتلهم أنه لا يقاتل ليرد إلى الجماعة ويذعن للإمام بالطاعة؛ لأن النبي - ﷺ - أخبر عن حال موته ولم يأمر بقتاله؛ لأنه لم يخرج بذلك عن الإسلام. والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":340},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1006>ما جاء في أن عمارًا تقتله الفئة الباغية</span>\n١٢٠١/ ٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالت: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ: \"تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغيَةُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد رواه مسلم في كتاب \"الفتن\"، باب \"لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء\" (٢٩١٦) (٧٣) من طريق ابن عون، عن الحسن، عن أمه (^١)، عن أم سلمة ﵂ مرفوعًا.\nورواه -أيضًا- من طريق شعبة، قال: سمعت خالدًا يحدث عن سعيد بن أبي الحسن، عن أمه (١)، عن أم سلمة، بلفظ: \"تقتلك الفئة الباغية\".\nورواه البخاري (٤٤٧)، ومسلم (٢٩١٥) من حديث أبي سعيد ﵁ في بناء المسجد، وفيه: \"وَيْحَ عمارٍ تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الخير، ويدعونه إلى النار\".\nوكان الأولى أن يشير إليه الحافظ كعادته؛ لأن هذا مما يقوي الحديث، وقد ذكر ابن عبد البر أن الآثار قد تواترت عن النبي - ﷺ - في أن عمارًا تقتله الفئة الباغية (^٢)، وقد أجمعوا على أنه قتل سنة سبع وثلاثين في صفين مع علي - ﵄ -، وقد تقدمت ترجمته في باب \"التيمم\".\n_________\n(^١) هو الحسن البصري، وهو سعيد بن أبي الحسن، وأمه خَيْرَة، بالفتح، انظر: \"تهذيب الكمال، (٣٥/ ١٦٦).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٨/ ٢٣٤).","vol":"8","page":341},{"text":"° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن عمارًا - ﵁ - يقتل في حرب\nبين طائفتين من المسلمين، وقد دل التاريخ على أن الطائفة الأولى أهل\nالعراق بقيادة علي - ﵁ -، والثانية أهل الشام بقيادة معاوية - ﵁ -، وأول ما\nنشأت الفتنة من قتل عثمان - ﵁ - حيث امتنع معاوية من بيعة علي - ﵁ - بحجة\nأن معه قتلة ابن عمه عثمان - ﵁ -، وطلب منه تسليمهم للانتقام منهم،\nفمعاوية - ﵁ - خرج بشبهة، وهي المطالبة بدم عثمان - ﵁ -. فكاتبهم علي - ﵁ -\nمبينًا أنه ينظر في الأمر؛ لأن القتلة ليسوا أفرادًا، بل هم جمع غفير، ولهم.\nقوة، فلا يمكن تسليمهم في الحال، فحصل الانقسام بين المسلمين، طائفة تُؤْثِرُ الخليفة الرابع عليًّا - ﵁ -، والأخرى تُؤْثِرُ معاوية، وثالثة اعتزلت المعسكرين، وابتعدت عن الفتنة، فحصلت موقعة الجمل، ثم وقعة صفين، وفيها قتل عمار - ﵁ -، قتله أهل الشام، وبأن بذلك وظهر سِرُّ ما أخبر به النبي - ﷺ -، وأن عليًّا محق، وأن معاوية باغٍ (^١). وهذه من الفتن التي وقعت في القرن الأول المشهود له بالخيرية، وقد روى الإمام أحمد بسنده عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"تفترق أمتي فرقتين، فتمرق بينهما مارقة، فيقتلها أَولى الطائفتين بالحق\" (^٢)، وهذا دليل على:\n١ - أن ما حصل بين علي ومعاوية - ﵁ - أنه عن اجتهاد وتأويل.\n٢ - أن عليًّا أقرب إلى الصواب من معاوية، بل نكاد نجزم بصوابه، إلا أن معاوية كان مجتهدًا.\n٣ - أن كلا الطائفتين على الحق، ولكن إحداهما أقرب إليه.\nيقول ابن كثير: (هذا الحديث من دلائل النبوة؛ لأنه قد وقع الأمر طبق ما أخبر به الرسول - ﷺ -، وفيه الحكم بإسلام الطائفتين: أهل الشام وأهل العراق، لا كما تزعمه فرقة الرافضة أهل الجهل والجور من تكفيرهم أهل الشام، وفيه أن أصحاب عليٍّ أدنى الطائفتين إلى الحق، وهذا مذهب أهل\n_________\n(^١) \"البداية والنهاية\" (١٠/ ٥٢٦).\n(^٢) \"المسند\" (١٨/ ٢٧٤)، وإسناده صحيح.","vol":"8","page":342},{"text":"السنة والجماعة أن عليًّا هو المصيب وإن كان معاوية مجتهدًا في قتاله له، قد أخطأ وهو مأجور إن شاء الله، ولكن عليًّا هو الإمام المصيب إن شاء الله، فله أجران) (^١).\nوللقرطبي كلمة جامعة يحسن تسجيلها -هنا- حيث يقول: (لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله ﷿، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تُعُبِّدْنَا بالكَفِّ عما شجر بينهم، ألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر، لحرمة الصحبة، ولنهي النبي - ﷺ - عن سبهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم … وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم والبراءة منهم وتفسيقهم، وإبطال فضائلهم وجهادهم، وعظيم غِنائهم في الدين -﵃-. وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ [البقرة: ١٣٤]. وسئل بعضهم عنها فقال: تلك دماء قد طهر الله منها يدي، فلا أَخْضِبُ بها لساني. يعني في التحرز من الوقوع في خطأ، والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيبًا فيه …) والله تعالى أعلم (^٢).\n_________\n(^١) \"تفسير القرطبي\" (١٦/ ٣٢١ - ٣٢٢).\n(^٢) \"البداية والنهاية\" (١٠/ ٥٦٣)، وانظر: \"تفسير القرطبي\" (١٦/ ٣٢١)، \"منهاج السنة\" لابن تيمية (٤/ ٣٨٥ - ٣٩٤، ٥٣٠).","vol":"8","page":343},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1007>ما ينهى عنه في قتال البغاة</span>\n١٢٠٢/ ٤ - عَنِ ابنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"هَلْ تَدْرِي يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ كَيفَ حُكْمُ اللهِ فِيمَنْ بَغى مِنْ هذِهِ الأُمةِ؟ \"، قَال: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَال: \"لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهَا، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهَا، وَلَا يُطْلَبُ هَارِبُهَا، وَلَا يُقْسَمُ فَيْؤُهَا\". رَوَاهُ الْبزَّارُ وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ فَوَهِمَ؛ فَإنَّ في إِسْنَادِهِ كَوْثَرَ بْنَ حَكِيمٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ.\n١٢٠٣/ ٥ - وَصح عَنْ عَليٍّ - ﵁ - مِنْ طُرُقٍ نَحْوُهُ مَوْقُوفًا، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبي شَيبَةَ وَالحَاكِمُ.\n\n° الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عمر - ﵄ - فقد رواه البزار (١٨٤٩ زوائد)، والحاكم (٢/ ١٥٥) من طريق عبد الملك بن عبد العزيز، حدثني كوثر بن حكيم، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا.\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا، آفته كوثر بن حكيم، وقد تفرد به، وهو متروك، قال الإمام أحمد: (أحاديثه بواطيل، ليس بشيء)، وقال البخاري: (منكر الحديث)، وقال النسائي: (متروك الحديث)، وقال ابن حبان: \"كان ممن يروي المناكير عن المشاهير، ويأتي عن الثقات ما ليس من حديث الأثبات\" (^١).\n_________\n(^١) \"العلل\" (٢/ ١٥٦)، \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٢٤٥)، \"الضعفاء والمتروكين\" للنسائي ص (٨٩)، \"المجروحين\" (٢/ ٢٣٣).","vol":"8","page":344},{"text":"قال البزار: (لا نعلمه يروى عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه، ولا رواه عن نافع إلا كوثر)، وقال ابن عدي: (هذا الحديث غير محفوظ) (^١).\nوالحديث سكت عنه الحاكم، كما في المطبوع، وقول الحافظ هنا: إن الحاكم صححه، ليس في المطبوع من \"المستدرك\"، إلا إن كان الحافظ أخذ هذا من سكوته عنه، مع أنه لا ينسب لساكت قول، وقد قال في \"التلخيص\": (سكت عنه الحاكم) (^٢)، وقد يكون في كتاب آخر غير \"المستدرك\"، وقد تعقب الذهبي سكوت الحاكم بقوله: (قلت: كوثر متروك).\nوأما حديث علي - ﵁ - فقد رواه ابن أبي شيبة (١٥/ ٢٦٣) من طريق يحيى بن آدم، عن شريك، عن السدي، عن عبد خير، عن علي - ﵁ -، أنه قال يوم الجمل: (لا تتبعوا مدبرًا، ولا تُجْهِزُوا على جريح، ومن ألقى سلاحه فهو آمن).\nوفي إسناده شريك، وهو ابن عبد الله القاضي، وهو سيء الحفظ.\nورواه الحاكم (٢/ ١٥٥)، والبيهقي (٨/ ١٨١) من طريق علي بن حجر، حدثنا شريك، عن السدي، عن يزيد بن ضبيعة العبسي، قال: نادى منادي عمار -أو قال: علي- يوم الجمل، وقد ولى الناس: (ألا لا يُذاف على جريح، ولا يقتل مُوَلٍّ، ومن ألقى السلاح فهو آمن، فشق ذلك علينا).\nوهذا الأثر عن علي - ﵁ - له طرق، ومنها: ما رواه سعيد بن منصور (٢/ ٣٣٧) من طريق الدراوردي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن حسين، أن مروان بن الحكم قال له -وهو أمير المدينة-: ما رأيت أحدًا أحسن غلبة من أبيك علي بن أبي طالب .. وساق الخبر، وفيه: (فصرخ صارخ لعلي لا يقتل مدبر، ولا يذفف على جريح … إلخ). وتذفيف الجريح: الإسراع في قتله (^٣).\nوهذا سند موصول صحيح، وتابع الدراورديَّ حفصُ بن غياث، عن\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٦/ ٧٦ - ٧٨).\n(^٢) (٦/ ٢٧٥٤).\n(^٣) انظر: \"اللسان\" (٩/ ١١٥) مادة \"ذفف\".","vol":"8","page":345},{"text":"جعفر، عن أبيه، مرسلًا، رواه ابن أبي شيبة (١٥/ ٢٨٠)، كما تابعه ابن جريج (^١)، قال: أخبرني جعفر عن أبيه .. فذكره، رواه عبد الرزاق (١٠/ ١٢٣ - ١٢٤).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يا ابن أم عبد) هو عبد الله بن مسعود - ﵁ -؛ لأنه المعروف بذلك.\n\nقوله: (لا يُجهز) بضم الياء مبني لما لم يسم فاعله، وكذا الأفعال التي بعده، يقال: جَهَزْتُ على الجريح، من باب (نفع) وأجهزت عليه إجهازًا: إذا أتممت عليه وأسرعت قتله (^٢).\n\nقوله: (لا يقسم فيؤهما) أي: لا تغنم أموالهم فتقسم.\n\n° الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على عدد من القواعد التي ينبغي للإمام مراعاتها والالتزام بها في قتال البغاء، وذلك لأن الغرض من قتالهم هو إخماد فتنتهم ودفع شرهم وأذاهم، والحفاظ على وحدة الأمة وعزتها.\nوهذا الحديث وإن كان ضعيفًا إلا أنه مؤيد بعمومات وأدلة أخرى، وبعمل الصحابة - ﵁ -. فعن أبي أمامة - ﵁ - قال: (شهدت صفين، فكانوا لا يجهزون على جريح، ولا يطلبون موليًا، ولا يسلبون قتيلًا) (^٣).\nوقال الشوكاني: (إن النهي المرفوع إلى النبي - ﷺ - وإن كان فيه المقال السابق، ولكنه يؤيده أن الأصل في دم المسلم تحريم سفكه، والآية المذكورة ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] فيها الإذن بالمقاتلة إلى حصول تلك الغاية، وربما كان ذلك الهرب من مقدماتها إن لم يكن منها) (^٤).\n_________\n(^١) \"التكميل لما فات تخريجه من إرواء الغليل\" ص (١٨٦).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (١١٣).\n(^٣) رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٧/ ٤١١)، والحاكم (٢/ ١٥٥) وعنه البيهقي (٨/ ١٨٢)، وقال الحاكم: (صحيح الإسناد) وسكت عنه الذهبي، وصححه ابن كثير في \"الإرشاد\" (٢/ ٢٨٩)، والألباني في \"الإرواء\" (٨/ ١١٤).\n(^٤) \"نيل الأوطار\" (٧/ ١٩٣).","vol":"8","page":346},{"text":"ومن هذه القواعد:\n١ - أنه لا يجهز على الجريح منهم؛ لأن شَرْطَ حِلِّ قتالهم كونهم مقاتلين، والجريح تمنعه جراحته عن القتال.\n٢ - أنه لا يقتل أسيرهم، فإذا دخل في الطاعة خلي سبيله، وإن أبي ذلك وكان رجلًا جلدًا من أهل القتال حبس ما دامت الحرب قائمة، فإذا انقضت خلي سبيله، وشرط عليه ألا يعود إلى القتال (^١).\n٣ - ألا يطلب هاربهم؛ لأن الغرض من قتالهم هو إخماد فتنتهم، وهذا متحقق بتفرقهم، وعلى هذا فلا يطلب الهارب منهم، ولا يتبع مدبرهم، إلا إذا كان له فئة أخرى من أهل البغي، يأوي إليها، فإنه يجوز قتله في هذه الحال؛ لأنه يُخاف من عوده مرة أخرى (^٢).\nوالقول بجواز قتله هو قول أبي حنيفة وبعض الشافعية، ورجحه الشوكاني، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] والهارب والجريح لم يحصل منهما فيئة.\nوالقول الثاني: أنه لا يجوز قتله؛ لأن القصد دفع البغاة في تلك الحال، وقد وقع، وهذا قول الشافعي ومن وافقه، أخذًا بعموم النهي، وأجابوا عن الآية بأنه لا دليل فيها؛ لأن المراد بالفيئة إلى أمر الله ترك الصولة والاستطالة، وقد حصل ذلك من الهارب والجريح الذي لا يقدر على القتال (^٣).\n٤ - ألا تغنم أموالهم، وذلك لأن قتالهم إنما هو لدفع شرهم وردهم إلى الحق لا لكفرهم، وعلى هذا فلا يستباح منهم إلا ما اقتضته الضرورة، كدفع الصائل، ويبقى حكم المال وكذا الذرية والنساء على أصل العصمة، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ قال الشافعي:\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٢/ ٢٣٥).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٣٥/ ٥٢).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (٧/ ١٩٢).","vol":"8","page":347},{"text":"(الآية تدل على أنه إنما أبيح قتالهم في حال، وليس في ذلك إباحة أموالهم ولا شيء منها) (^١). وقال ابن قدامة: (فأما غنيمة أموالهم وسبي ذراريهم فلا نعلم في تحريمه بين أهل العلم اختلافًا) (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الأم\" (٥/ ٥٢٠).\n(^٢) \"المغني\" (١٢/ ٢٥٤).","vol":"8","page":348},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1008>حكم من فرق أمر هذه الأمة وهي جميع</span>\n١٢٠٤/ ٦ - عَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ شُرَيْحٍ - ﵁ - قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ أتاكُمْ وَأَمْرُكُم جَمِيعٌ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُم فَاقْتُلُوهُ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عَرْفَجَةُ -بفتح العين وسكون الراء- وضبطه بعضهم بضم العين والفاء، وشُريح بالضم، مختلف في اسم والده، فقيل: شريح، وقيل: شراحيل الأشجعي، وقيل: غير ذلك، له صحبة، روى عنه زياد بن عِلاقة، ووقدان أبو يعفور العبدي، وغيرهما، روى له مسلم وأبو داود والنسائي حديثًا واحدًا، وهو حديث الباب (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الإمارة\"، باب \"حكم من خرق أمر المسلمين وهو مجتمع\" (١٨٥٢) (٦٠) من طريق يونس بن أبي يعفور، عن أبيه، عن عرفجة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه\".\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (وأمركم جميع) أي: كلمتكم مجتمعة على إمام واحد وأنتم يد واحدة، فالمراد بالأمر: الأمر الذي يعنيهم ويهمهم، وهو أمرهم العام، أمر\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (١٩/ ٥٥٥)، \"الإصابة\" (٦/ ٤١١).","vol":"8","page":349},{"text":"الولاية، ولهذا أضافه إلى ضمير الجمع، كما في قوله - ﷺ -: \"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة\" (^١).\n\nقوله: (أن يشق عصاكم) أصل العصا: الاجتماع والائتلاف، وذلك أنها لا تدعى عصا حتى تكون جميعًا، فإذا انشقت لم تدع عصا، ومنه قيل للرجل إذا قام في المكان واطمأن واجتمع إليه أمره: قد ألقى عصاه. وقيل للخوارج: قد شقوا عصا المسلمين؛ أي: فرقوا جماعتهم. فَشَقُّ العصا: تعبير يراد به تفريق الجماعة.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على وجوب السمع والطاعة لولي أمر المسلمين ما أمر بالطاعة، وتحريم الخروج عليه، ووجوب العمل على جمع كلمة المسلمين والتحذير من تفريق جماعتهم، وأن من خرج على إمام قد اجتمعت عليه كلمة المسلمين فإنه يجب قتله مهما كانت منزلته شرفًا ونسبًا، لقوله في بعض الروايات: \"فاضربوه بالسيف كائنًا من كان\" وهذا يدل على أن تفريق جماعة المسلمين من كبائر الذنوب، لوجوب قتل من أراد ذلك، ولما يترتب على تفريق الكلمة وشق عصا الطاعة من المفاسد العظيمة، قال الصنعاني: (دلت الألفاظ -أي: ألفاظ الحديث- على أن من خرج على إمام قد اجتمعت عليه كلمة المسلمين، المراد: أهل قُطْرٍ … فإنه قد استحق القتل؛ لإدخاله الضرر على العباد) (^٢).\nومما يدل على عناية الإسلام باجتماع الكلمة واتحاد الصف أن الإسلام يطالب بقتل الحاكم الثاني، كما في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما\" (^٣).\nإن التعدد في القيادات يعني التفرق والشتات، ووحدة القيادة رمز على وحدة الأمة ومتانة جسدها ووحدة رأيها. والله المستعان.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٤٢٥)، وسيأتي شرحه في كتاب \"القضاء\" إن شاء الله تعالى.\n(^٢) \"سبل السلام\" (٧/ ٩٩).\n(^٣) رواه مسلم (١٨٥٣).","vol":"8","page":350},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1009>باب قتال (^١) الجاني وقتل المرتد</span>\nتقدم أن القتال مصدر قاتله يقاتله قتالا ومقاتلة، ومعناه: حاربه ونازله، وأما القتل: فهو إزهاق الروح بالضرب أو بغيره.\nوالفرق بين القتل والقتال أنه في القتال إذا كف المقاتل وجب تركه والكف عنه، كما تقدم في قتال أهل البغي، بخلاف القتل، ولهذا فكل من جاز قتله جاز قتاله، وليس كل من جاز قتاله جاز قتله (^٢).\nوالجاني: اسم فاعل من جنى جناية؛ أي: أذنب ذنبًا يؤاخذ عليه.\nوهي في عرف الفقهاء: التعدي على الأبدان سواء في النفس أو الطَّرَفِ، وقد تقدم هذا في باب \"الجنايات\".\nوأما معناها العام: فهو شامل للتعدي على النفس والطرف والعرض والمال، وهي بهذا المعنى تتناول أحكام الصائل، وهو من سطا عاديًا على غيره يريد نفسه أو عرضه أو ماله، وهذا هو مراد الحافظ بهذا الجزء من هذا الباب، كما سيأتي إن شاء الله.\nوأما المرتد فهو في اللغة: الراجع، يقال: ارتد فلان فهو مرتد: إذا رجع، والاسم: الردة (^٣). وهو لفظ خاص بالكفر، أما الارتداد فيستعمل فيه وفي غيره.\nوفي الشرع: الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر.\nوالردة تحصل بقوله الكفر أو فعله أو اعتقاده، كما تحصل بالشك، كالشك في وجود الله تعالى، أو الشك في صدق الرسول - ﷺ -، وغير ذلك، مما سيأتي إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) في بعض النسخ: \"قتل\".\n(^٢) \"الشرح الممتع\" (١٤/ ٤٠١).\n(^٣) \"الدر النقي\" (٣/ ٧٤٤).","vol":"8","page":351},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1010>ما جاء فيمن قُتِلَ دون ماله</span>\n١٢٠٥/ ١ - عَن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائي وَالترْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أبو داود في كتاب \"الأدب\"، باب \"في قتال اللصوص\" (٤٧٧١)، والترمذي (١٤١٩)، والنسائي (٧/ ١١٥) من طريق عبد الله بن حسن، قال: حدثني عمي إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو - ﵄ -، عن النبي - ﷺ - مرفوعًا.\nوهذا لفظ الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: (حديث حسن).\nوالحديث رواه البخاري (٢٤٨٠)، ومسلم (١٤١) باللفظ نفسه، من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -.\n\n° الوجه الثاني: في الحديث دليل على مشروعية الدفاع عن المال، وجواز مقاتلة المعتدي لأخذ المال، وأن من دافع عن ماله وقتل في هذه المدافعة فهو شهيد عند الله تعالى.\nوعن أبي هريرة - ﵁ -، قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟، قال: \"فلا تعطه مالك\"، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: \"قاتله\"، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: \"فأنت شهيد\"، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: \"هو في النار\" (^١).\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٤٠).","vol":"8","page":352},{"text":"وظاهر العموم أنه لا فرق بين المال القليل والكثير، وهو قول الجمهور، قال عبد الله بن المبارك: (يقاتل عن ماله ولو درهمين) (^١).\nوقال بعض أصحاب مالك: لا يجوز قتله إذا طلب شيئًا يسيرًا، كالثوب والطعام، قال النووي: (وهذا ليس بشيء، والصواب ما قاله الجماهير) (^٢).\nوقد ذكر القرطبي أن سبب الخلاف في ذلك هل القتال لدفع المنكر فلا يفرق المال بين القليل والكثير، أو أنه من باب دفع الضرر فتختلف الحال في ذلك (^٣).\n\n° الوجه الثالث: نص الفقهاء على أن الدفاع عن النفس والأهل والعرض والمال مشروع، وأنه يكون بأسهل ما يغلب على الظن دفعه به، فإن كان يندفع بالتهديد لم يضربه، وإن كان لا يندفع إلا بالضرب ضربه بيده، ثم بعصا، ومتى أمكن الأسهل حرم الأصعب، كضربه بحديدة؛ لعدم الحاجة إليه؛ لأن المقصود دفعه لا إتلافه، فإن فعل فعليه الضمان، فإن لم يندفع إلا بالقتل فله قتله ولا ضمان عليه.\nويستثنى من المدافعة بالأسهل ما إذا خشي أن يبادره الصائل بالقتل إن لم يعاجله، فله ضربه بما يقتله أو يقطع طرفه، ويكون ذلك هدرًا.\n\n° الوجه الرابع: اختلف العلماء فيمن قتل دون ماله أو نفسه أو أهله هل يأخذ حكم الشهيد في أحكام الدنيا؟، على قولين:\nالأول: أنه لا يأخذ حكم الشهيد بل يغسل ويكفن ويصلى عليه، وتسميته شهيدًا إنما هو باعتبار الثواب دون أحكام الدنيا، وهذا القول رواية عن أحمد، وهو قول مالك، والشافعي؛ لأن رتبته دون رتبة الشهيد في المعركة، لكن له ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل شهيد المعركة (^٤).\nالقول الثاني: أنه يأخذ حكم الشهيد فلا يغسل ولا يصلى عليه، وهو\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣/ ٨٨).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٥٢٤).\n(^٣) \"المفهم\" (١/ ٣٥٣).\n(^٤) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٢/ ٥٢٣).","vol":"8","page":353},{"text":"قول الشعبي والأوزاعي، وإسحاق في الغسل؛ لأنه قتل شهيدًا، فأشبه شهيد المعركة، أخذًا بعموم الحديث (^١)، والقول الأول أقرب؛ لقوة مأخذه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٣/ ٤٧٥).","vol":"8","page":354},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1011>ما جاء فيمن عَضَّ رَجُلًا فوقعت ثنيته</span>\n١٢٠٦/ ٢ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵄ - قَال: قَاتَلَ يَعْلَى بْنُ أُمَيّةَ رَجُلًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَاختَصَمَا إِلَى النَّبيِّ - ﷺ -، فَقَال: \"أيَعَضُّ أَحَدُكُم أخاه كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ؟ لَا دِيَةَ لَهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد رواه البخاري في كتاب \"الديات\"، باب \"إذا عض رجلًا فوقعت ثناياه\" (٦٨٩٢)، ومسلم (١٦٧٣) من طريق قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين - ﵄ -، قال: قاتل يعلي بن مُنْية أو ابن أمية رجلًا، فعض أحدهما صاحبه، فانتزع يده من فمه، فنزع ثنيته، فاختصما إلى النبي - ﷺ -، فقال: \"أيعض أحدكم كما يعض الفحل؟، لا دية له\".\nهذا لفظ مسلم، كما قال الحافظ، مع بعض الاختلاف، وليس عند مسلم لفظة: \"أخاه\" وإنما هي عند البخاري.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يعلى بن أمية) تقدمت ترجمته في \"الحج\" عند الحديث (٧٥٢)، ويقال: يعلى بن مُنْية، بضم الميم وسكون النون بعدها ياء مثناة، وهي أمه، على أحد الأقوال.\n\nقوله: (فعض) من العض وهو القطع بالأسنان، يقال: عَضَّ يَعَضُّ بفتح الياء والعين من المضارع، من باب (تَعِبَ)، وأصل عضَّ: عَضضَ، بكسر الضاد الأولى (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"المصباح المنير\" ص (٤١٥).","vol":"8","page":355},{"text":"قوله: (فنزع ثنيته) هكذا بالإفراد، وهو رواية البخاري وأحد ألفاظ مسلم، وعند البخاري ورواية لمسلم: (فوقعت ثنيتاه)، وقد ذكر الحافظ أن التثنية هي رواية الأكثر.\nوالمعنى: فنزع المعضوضةُ يدُه ثنيةَ العاض وأخرجها من مكانها، لكن لا عمدًا بل لشدة نزعه، والثنية: إحدى الأسنان الأربع في مقدمة الفم، ثنتان من فوق، وثنتان من تحت.\n\nقوله: (كما يعض الفحل) بفتح الياء والعين، كما تقدم، والفحل: هو الذكر من الإبل وغيرها من الدواب، وهذا التشبيه مقصود به التنفير وتقبيح حال المشبه.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن من عض رجلًا فانتزع المعضوضُ يدَه فنزع ثنية العاض أنه لا شيء عليه، لا قصاص ولا دية؛ لأن العاض معتد صائل على المعضوض، وللمعضوض الدفاع عن نفسه، ولا يترتب على دفاعه عن نفسه ضمان ما يتلف بسبب ذلك؛ لأنه دفاع مشروع مأذون فيه، وما يترتب على المأذون فهو غير مضمون.\nوقد قيد حكم هذا الحديث وأمثاله بأن يدافع عن نفسه بالأسهل فالأسهل من وسائل الدفع، وذلك بأن يمكنه تخليص يده بأيسر ما يقدر عليه من فك لحييه أو الضرب في شدقيه ليرسلهما، ونحو ذلك، وظاهر الدليل عدم الاشتراط، لكنهم قالوا: إن هذا القيد مأخوذ من القواعد الكلية العامة في الشرع (^١).\n\n° الوجه الرابع: تحريم العض وأنه ليس من شيم بني آدم، وإنما هو من فعل الحيوان، ولهذا شبه عض الآدمي بفعل البهيمة تنفيرًا عن مثل هذا الفعل.\n\n° الوجه الخامس: مشروعية الدفاع عن النفس، وأن الخصومة خصلة ممقوتة، وتزيد بشاعتها إذا كانت بطريقة وحشية. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الاعلام\" (٩/ ١٢٠).","vol":"8","page":356},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1012>حكم من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه</span>\n١٢٠٧/ ٣ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال أَبُو الْقَاسِمِ - ﷺ -: \"لَوْ أنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيكَ بِغَيرِ إِذْنٍ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأتَ عَينَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيكَ جُنَاحٌ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وفي لفظٍ لأَحْمَدَ والنّسَائي، وصَححَهُ ابنُ حِبَّانَ: \"فَلَا دِيَةَ لَهُ ولَا قِصَاصَ\".\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه البخاري في كتاب \"الديات\"، باب \"من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه فلا دية له\" (٦٩٠٢)، ومسلم (٢١٥٨) (٤٤) من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا، وهذا لفظ البخاري.\nورواه أحمد (١٤/ ٥٤٥)، والنسائي (٨/ ٦١)، وابن حبان (١٣/ ٣٥١) من طريق النضر بن أنس، عن بشير بن نَهِيك، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"من اطلع إلى بيت قوم بغير إذنهم ففقأوا عينه فلا دية له ولا قصاص\".\nوهذا سند صحيح، وإنما أورد الحافظ هذه الرواية لأن فيها زيادة حكم على ما تقدم، وهو نفي الدية والقصاص، ولهذا بوب البخاري على هذا الحديث بنفي الدية -كما تقدم- مع أنه ليس في الخبر الذي ساقه تصريح بذلك، لكنه أشار إلى هذه الزيادة (^١).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٤٣).","vol":"8","page":357},{"text":"° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (قال أبو القاسم) هذه كنية النبي - ﷺ -، وهذا لفظ البخاري، وعند مسلم: (أن رسول الله - ﷺ - قال …).\n\nقوله: (اطلع عليك) هذا لفظ عام يتناول كل مطلع كيفما كان، ومن أي جهة كان، سواء أكان من ثقب أم شَقِّ باب، أم نافذة، أو غير ذلك.\n\nقوله: (فحذفته) بالحاء المهملة؛ أي: رميته بالحصاة، وأصل الحذف: الرمي بحصى أو نوى بين السبابتين، أو بين الإبهام والسبابة.\nويروى بالخاء المعجمة، وقد ذكر القرطبي أن هذه هي الرواية الصحيحة وأن من رواه بالحاء فقد أخطأ، فإن الخذف بالخاء يكون بالحجر، وبالمهملة بالعصا (^١)، وتبعه على ذلك النووي، فذكره بالخاء المعجمة فحسب (^٢)، قال الحافظ: (ولا مانع من استعمال المهملة في ذلك مجازًا) (^٣).\nوالتعبير بقوله: \"فحذفته بحصاة\" إشارة إلى أنه لا يرميه إلا بشيء خفيف كحصاة وبندقة ونحوهما؛ لأن الحذف لا يكون إلا بالشيء الخفيف.\n\nقوله: (ففقأت عينه) بالهمز؛ أي: شققتها فخرج ما فيها، أو أطفأت نورها.\n\nقوله: (جناح) رواية مسلم: \"من جناح\" والجناح بالضم: هو الإثم، وعند مسلم: \"من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا عينه\" وهذا نصر في الإباحة والتحليل.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على تحريم الاطلاع على أحوال الناس في منازلهم والنظر إليهم، ولهذا ينبغي للمستأذن ألا يقف أمام الباب، بل ينحرف عنه يمينًا أو شمالًا، لئلا يطلع على شيء لا يليق الاطلاع عليه وقت فتح الباب، لحديث هزيل قال: جاء رجل فوقف على باب النبي - ﷺ - يستأذن، فقام على الباب مستقبل الباب، فقال له النبي - ﷺ -: \"هكذا -عنك-\n_________\n(^١) \"المفهم، (٥/ ٤٧٩).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (١٤/ ٣٨٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢١٦).","vol":"8","page":358},{"text":"أو هكذا، فإنما جعل الاستئذان من أجل النظر\" (^١).\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن من اطلع على بيت غيره بغير إذنه فإنه لا حرمة له ولا لنظره، ولو حذفه صاحب المنزل بحصاة ففقأ عينه لم يكن عليه إثم ولا ضمان لا بقصاص ولا دية؛ لأن هذا دفاع مأذون فيه، والمترتب على المأذون فيه غير مضمون، وظاهر الحديث -كما تقدم- أنه لا يرميه بثقيل أو يرشقه بنُشَّابة، فإن فعل تعلق به القصاص أو الدية، وإنما يرميه بالشيء الخفيف كالمِدْرَى (^٢) والبندق والحصاة، لقوله: \"فحذفته\" (^٣). وهذا قول الشافعي وأحمد (^٤).\nوذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن عليه القصاص إن فقأ عينه (^٥)، واستدلوا بأن هذا الناظر لو دخل المنزل ونظر فيه أو نال من امرأته ما دون الفرج لم يجز قلع عينه فمجرد النظر أولى.\nوأجابوا عن الحديث بأنه ورد على سبيل التغليظ والتخويف والمبالغة في الزجر.\nوالصواب القول الأول، فإن الحديث نص صريح في الإذن في فقءِ عين الناظر، وما علل به أصحاب القول الثاني مصادم للنص، فلا يلتفت إليه، والقياس على من دخل المنزل قياس مع الفارق، فإن الداخل يُعلم به فيستتر منه، بخلاف الناظر من ثقب الباب ونحوه.\n\n° الوجه الخامس: ظاهر الحديث أنه يجوز رميه قبل نهيه وإنذاره، ويؤيد هذا حديث أنس - ﵁ - أن رجلًا اطلع في بعض حُجَرِ النبي - ﷺ - فقام إليه بمشقص أو مشاقص وجعل يختله ليطعنه (^٦).\nوالقول الثاني: أنه لا بد من نهيه وإنذاره قبل رميه، وكأن هذا القائل نظر إلى قاعدة الدفع بالأسهل فالأسهل. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٥١٧٤)، وانظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٢٤ - ٢٥).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٦٧).\n(^٣) \"الإعلام\" (٩/ ٢٠٠).\n(^٤) \"المهذب\" (٢/ ٢٢٦)، \"المغني\" (١١/ ٥٣٩).\n(^٥) \"رد المحتار\" (٥/ ٥٥٥)، \"الكافي\" (٢/ ٤١٠).\n(^٦) رواه البخاري (٦٩٠١)، ومسلم (٢١٥٧).","vol":"8","page":359},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1013>حكم ما أفسدته الماشية ليلًا</span>\n١٢٠٨/ ٤ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِب - ﵁ - قال: قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَنَّ حِفْظَ الحَوَائِطِ بالنهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَن حِفْظَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بالليلِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَفي إسْنَادِهِ اخْتِلَاف.\n\n° الكلام مع عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أحمد (٣٠/ ٥٦٨)، وأبو داود (٣٥٧٠) في كتاب \"البيوع\"، باب \"المواشي تفسد زرع قوم\" (٣٥٧٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٣٣٤)، وابن حبان (١٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥) من طريق الأوزاعي، عن الزهري، عن حرام بن محيِّصة، عن البراء بن عازب - ﵁ -، قال: كانت له ناقة ضارية، فدخلت حائطًا فأفسدت فيه، فكُلِّم رسول الله - ﷺ - فيها فقضى … الحديث.\nوهذا السياق لأبي داود.\nوهذا الحديث مداره على الزهري، وفي سنده اختلاف، كما ذكر الحافظ، وهذا الاختلاف في وصله وفي إرساله وفي الزيادة في بعض أسانيده، كما سيتبين.\nوقد رواه عن الأوزاعي موصولًا محمد بن مصعب، كما عند أحمد، والفريابي عند أبي داود، والوليد بن مسلم عند النسائي، وأيوب بن سويد عند الشافعي (٢/ ١١٨) ومن طريقه الدارقطني (٣/ ١٥٥)، والبيهقي (٨/ ٣٤١).\nوتابع الأوزاعي على وصله عبدُ الله بن عيسى، عن الزهري، رواه ابن","vol":"8","page":360},{"text":"ماجه (٢٣٣٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٣٣٤) وقرن النسائي بعبد الله بن عيسى إسماعيل بن أمية، وعبد الله بن عيسى هو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ثقة محتج به في \"الصحيحين\"، فهي متابعة قوية للأوزاعي على وصله (^١).\nوروي مرسلًا، فقد رواه مالك (٢/ ٧٤٧) ومن طريقه أحمد (٣٩/ ٩٧) عن ابن شهاب، عن حرام بن سعد بن محيصة، أن ناقة للبراء … وهذا مرسل صحيح، رجاله ثقات.\nقال ابن عبد البر: (هذا الحديث وإن كان مرسلًا فهو حديث مشهور، أرسله الأئمة، وحدث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز، وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة العمل به …) (^٢).\nوتابع مالكًا الليث، عن الزهري، عن ابن محيصة الأنصاري -لم يسمه- أن ناقة للبراء … رواه ابن ماجه (٢٣٣٢).\nوتابعهما سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وحرام بن سعيد بن محيصة، أن ناقة للبراء … فتابع سعيد حرامًا عليه. رواه أحمد (٣٩/ ١٠١)، والبيهقي (٨/ ٣٤٢).\nقال الطحاوي: (وإن كان الأوزاعي قد وصله فإن مالكًا والأثبات من أصحاب الزهري قد قطعوه) (^٣)، وهو بهذا يرجح الإرسال، ولا شك أن الإرسال أرجح، فقد رواه بذلك أكثر من عشرة أنفس (^٤).\nورواه عبد الرزاق (١٨٤٣٧) ومن طريقه أبو داود (٣٥٦٩) عن معمر، عن الزهري، فقال فيه: عن حرام بن محيصة، عن أبيه، أن ناقة للبراء … فزاد: عن أبيه.\nقال أبو داود: لم يُتَابَعْ عبد الرزاق، وقال محمد بن يحيى الذهلي: لم\n_________\n(^١) انظر: \"الصحيحة\" (٢٣٨).\n(^٢) \"التمهيد\" (١١/ ٨٢).\n(^٣) \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٢٠٤).\n(^٤) انظر: \"السنن\" للدارقطني (٣/ ١٥٥ - ١٥٦).","vol":"8","page":361},{"text":"يتابع معمر على ذلك. فجعل الخطأ من معمر. فعليه فهي زيادة شاذة.\n\n° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أنه يجب على أهل الحوائط، وهي البساتين والمزارع حفظ بساتينهم في النهار؛ لأنهم منتشرون فيها، يحرثون ويزرعون ويجنون، وأما المواشي فهذا أوان رعيها التي جرت عادتها أن ترعى فيه.\nوأما في الليل فأصحاب البساتين ينامون ويرتاحون من الكد والتعب في النهار، والغالب أن البساتين مشرعة ليس عليها حائط، والليل ليس وقت رعي، فيلزم أصحاب المواشي حفظها بالليل؛ لئلا تفسد على الناس مزارعهم وهم نائمون.\nفإذا حصل إفساد في النهار فلا ضمان على أهلها؛ لأن التفريط من أهل البستان، إلا إذا رعى ماشيته في النهار قرب مزرعة، والمزرعة ليس عليها سور أو نحوه، فعليه الضمان؛ لأن البهيمة في مثل هذا تذهب وتأكل، وقد قال النبي - ﷺ -: \"كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه\" (^١).\nوإن حصل منها إفساد في الليل فعلى صاحبها ضمان ما أفسدته إذا كان مفرطًا في حفظها، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد (^٢)، لهذا الحديث، أما إذا لم يفرط بأن حفظها برباط أو شَبْكٍ أو سور، ثم انطلقت مع تمام الحفظ فلا ضمان على صاحبها؛ لأنه لم يفرط.\nوقد استدل الفقهاء -أيضًا- على حكم الضمان بقوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] والنفش: الرعي ليلًا، وقد روى المفسرون أن سليمان - ﵇ - حكم في هذه القضية أن يُدفع الحرث لصاحب الغنم، فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الحرث فيصيب منها، والآية تشهد لهم -على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ-.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٤/ ١٤٩ - ١٥١)، \"المهذب\" (٢/ ٢٩٠)، \"المغني\" (١٢/ ٥٤١).","vol":"8","page":362},{"text":"وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا ضمان على أرباب البهائم فيما أتلفت لا في الليل ولا في النهار، إلا أن يكون صاحبها راكبًا، أو قائدًا، أو سائقًا، أو مرسلًا (^١).\nواستدلوا بحديث أبي هريرة - ﵁ -: \"العجماء جرحها جبار\" (^٢)؛ أي: هدر، والمعنى: أن جناية البهيمة هدر غير مضمون.\nوالراجح القول الأول، لقوة مأخذه، ويؤيده العمومات الموجبة لحفظ الأموال، ومنها: \"لا ضرر ولا ضرار\" (^٣)، وأما حديث \"العجماء جرحها جبار\" فهو عام مخصوص بحديث البراء السابق، والخاص مقدم على العام (^٤).\nوأما البهائم التي يهملها أصحابها فتتعرض للناس في طرقهم ويحصل بسببها الوفيات الجماعية وإزهاق النفوس البريئة، فلا شك أنهم ظالمون معتدون آثمون، ولا ريب أنها هدر، أما ما يحدث من جرائها وتضمين صاحبها فهذا يرجع فيه إلى القاضي وما يراه بناء على التقارير بشأن ما يحصل. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٢٠٣)، \"بدائع الصنائع\" (٧/ ١٦٨).\n(^٢) رواه البخاري (١٤٩٩) (٦٩١٢)، ومسلم (١٧١٠).\n(^٣) تقدم تخريجه في باب \"إحياء الموات\".\n(^٤) \"التمهيد\" (١١/ ٨٦).","vol":"8","page":363},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1014>ما جاء في قتل المرتد واستتابته</span>\n١٢٠٩/ ٥ - عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ - ﵁ - في رَجُلٍ أَسْلَمَ ثمّ تَهَوَّدَ: لَا أَجْلِسُ حَتى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَأُمِرَ بِهِ فَقُتِلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وفِي رِوَايَةٍ لأَبي دَاوُدَ: وَكَانَ قَدِ اسْتُتِيبَ قَبْلَ ذلِكَ.\n١٢١٠/ ٦ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - ما قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث معاذ - ﵁ - فقد أخرجه البخاري في كتاب \"استتابة المرتدين\"، باب، حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم\"، ومسلم (٣/ ١٤٥٦) من طريق قرة بن خالد، حدثني حميد بن هلال، حدَّثنا أَبو بردة، عن أبي موسى -﵁-، قال: أقبلت إلى رسول الله على ومعي رجلان … وساق الحديث، وفيه: بَعْثُ أبي موسى - ﵁ - إلى اليمن، ثم معاذ - ﵁ - بعده، وفيه: فلما قدم عليه ألقى له وسادة، قال: انزل، فإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًّا فاسلم، ثم تهود، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتَّى يقتل، قضاءُ رسول الله - ﷺ - (ثلاث مرات)، فأمر به فقتل … الحديث.\nورواه أَبو داود (٤٣٥٥) من طريق طلحة بن يحيى، وبريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قدم عليَّ معاذ وأنا باليمن، ورجل كان يهوديًّا فاسلم فارتد عن الإسلام، فلما قدم معاذ، قال: لا أنزل","vol":"8","page":364},{"text":"عن دابتي حتَّى يقتل فقتل، قال أحدهما (^١): وكان قد استتيب قبل ذلك.\nوأما حديث ابن عبَّاس - ﵄ - فقد رواه البخاري في الباب المذكور (٦٩٢٢) من طريق حمَّاد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس -﵄-، قال: أُتي علي - ﵁ - بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عبَّاس - ﵄ - فقال: لو كنت أنا لم أحرّقهم؛ لنهي رسول الله - ﷺ -: \"لا تعذبوا بعذابي\" ولقتلتهم؛ لقول الرسول - ﷺ -: \"من بدل دينه فاقتلوه\".\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (من بدل دينه) صيغة عموم تشمل الذكر والأنثى، وتبديل الدين هو الردة، والمراد بالدين: الدين الإسلامي؛ لأنه هو الدين الحق، والمعنى: من بدل دينه الإسلامي بغيره من الأديان، والردة تحصل بالاعتقاد وبالقول وبالفعل وبالترك، كان يعتقد ما يقتضي الكفر، كأن ينكر وجود الله تعالى، أو وحدانيته، أو يكره ما أنزل الله، أو بالفعل كالسجود للصنم، أو بالقول كالاستهزاء؛ بالله تعالى أو برسوله، أو القدح بشيء من أحكام الشريعة ولو تعريضًا، وهذا أمر عظيم وقع فيه فئام من الناس، والترك كترك الصلاة أو ترك الحكم بما أنزل الله رغبة عنه.\n\nقوله: (فاقتلوه) هذا أمر يراد به الوجوب ولا صارف له.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب قتل المرتد إذا ثبتت جريمة الردة عليه، وهو مسلم بالغ عاقل مختار عالم بالتحريم.\nويؤيد حديث الباب ما تقدم من حديث ابن مسعود - ﵁ -: \"لا يحل دم امرئ مسلم … فذكر: التارك لدينه المفارق للجماعة\" على أن المراد به المرتد، أما إن فُسِّرَ بالمحارب قاطعِ الطَّرِيق فلا شاهد فيه على ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢).\n_________\n(^١) أي: طلحة بن يحيى وبريد بن عبد الله.\n(^٢) \"الصارم المسلول\" ص (٣١٩ - ٣٢٠).","vol":"8","page":365},{"text":"وقد دل على هذا عمل الصحابة -﵃-، كما في حديث معاذ -﵁-، وقد نقل ابن قدامة وغيره إجماع أهل العلم على وجوب قتل الرجل المرتد، وقال: (روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ وأبي موسى وابن عبَّاس وخالد وغيرهم -﵃-، ولم ينكر ذلك، فكان إجماعًا) (^١)؛ ولأن ردة الشخص تضر المسلمين وتسبب ردة غيره وتساهله، وقتله حسم لباب الشر وردع لغيره من أن يعمل عمله.\n\n• الوجه الرابع: استدل الجمهور من الحنابلة والمالكية والشَّافعية بحديث ابن عبَّاس - ﵄ - على أن المرأة المرتدة تقتل كالرجل، لعموم: \"من بدل دينه\" (^٢).\nوذهبت الحنفية إلى أن المرأة المرتدة لا تقتل، ولكنها تحبس وتجبر على الإسلام (^٣)، واستدلوا بحديث ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه، فانكر قتل النساء والصبيان (^٤)؛ ولأنها لا تقتل بالكفر الأصلي، فلا تقتل بالطارئ، كالصبي.\nوالراجح القول الأول؛ لقوة دليله؛ ولأن المرأة شخص مكلف بدل دين الحق بالباطل فيقتل كالرجل.\nوأما حديث ابن عمر - ﵄ - فهو محمول على الكافرة الأصلية لا المرتدة؛ لأن النبي - ﷺ - قال ذلك حين رأى امرأة مقتولة، وكانت كافرة أصلية، وقد نهى النبي - ﷺ - الذين بعثهم إلى ابن أبي الحقيق عن قتل النساء، ولم يكن فيهم مرتد (^٥). فيكون حديث الباب خاصًّا؛ فيقدم على غيره من العمومات.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٢/ ٢٦٤).\n(^٢) \"المهذب\" (٢/ ٢٢٣)، \"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٢٦)، \"الكافي\" (٣/ ٢٥٧).\n(^٣) \"بدائع الصنائع\" (٧/ ١٣٥).\n(^٤) رواه البخاري (٣٠١٤)، ومسلم (١٧٧٤) وسيأتي شرحه إن شاء الله في كتاب \"الجهاد\".\n(^٥) روى القصة عبد الرزاق (٥/ ٢٠٢)، وسعيد بن منصور (٢/ ٢٣٩)، وابن أبي شيبة (١٢/ ٣٨١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٧٨).","vol":"8","page":366},{"text":"• الوجه الخامس: استدل بحديث معاذ وابن عبَّاس - ﵄ - من قال: إن استتابة المرتد غير واجبة، بل هي مستحبة، وهذا قول الحنفية، وقول عند الشَّافعية والحنابلة (^١)؛ لأنه على أمر بقتل المرتد ولم يأمر باستتابته، ولو كانت واجبة لأمر بها، وكذا حديث معاذ - ﵁ -.\nوالقول الثاني: أنَّها تجب استتابة المرتد قبل قتله، وبه قال مالك، وهو المشهور في مذهب الشَّافعية والحنابلة، وهو قول إسحاق (^٢). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، فقد أمر الله رسوله - ﷺ - أن يخبر جميع الذين كفروا أنهم إن ينتهوا غَفَرَ لهم ما سلف، وهذا معنى الاستتابة، والمرتد من الذين كفروا، والأمر للوجوب.\nكما استدلوا بحديث جابر - ﵁ - أن امرأة يقال لها: أم مروان ارتدت عن الإسلام، فأمر النبي - ﷺ - أن يعرض عليها الإسلام، فإن رجعت وإلَّا قتلت (^٣)؛ ولأن الردة إنما تكون عن شبهة، وهي لا تزول في الحال؛ ولأنه أمكن إصلاحه فلم يجز إتلافه قبل استصلاحه.\nوالأظهر أنَّه يجوز قتله في الحال، لظاهر الحديث، لكن إن رأى الإِمام المصلحة في تأجيله واستتابته فله ذلك، وعليه يحمل ما ورد من الآثار، وتتحقق توبته بإتيانه بالشهادتين وإقراره بما جحد، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (والذي عليه عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين أنَّه تقبل توبة المرتد في الجملة) (^٤).\nوأما الآية فهي في الكافر الأصلي، وأما حديث جاب - ﵁ - فهو ضعيف، فيه معمر بن بكار السعدي، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحًا ولا\n_________\n(^١) \"الإشراف\" (٢/ ٢٣٨)، \"شرح ابن بطَّال\" (٨/ ٥٧١)، \"المهذب\" (٢/ ٢٨٤)، \"المغني\" (١٢/ ٢٦٦).\n(^٢) المصادر السابقة.\n(^٣) رواه الدَّارَقُطني (٣/ ١١٨ - ١١٨)، وعنه البيهقي (٨/ ٢٠٣).\n(^٤) \"الصارم المسلول\" ص (٣١٣).","vol":"8","page":367},{"text":"تعديلًا (^١)، وقال العقيلي: (في حديثه وهم، ولا يتابع على أكثره) (^٢)، وقال الذهبي: (صويلح) (^٣).\n\n• الوجه السادس: في هذا الحديث منقبة عظيمة لمعاذ - ﵁ - وهي غيرته على الإسلام وقوته في أمر الله تعالى، وحرصه على تنفيذ حدود الله تعالى، فإنه لما عرف الحقيقة أَبى أن ينزل عن دابته حتَّى ينفذ حكم الله تعالى في هذا المرتد، فدل ذلك على أنَّه ينبغي للمؤمن ولولاة الأمور المبادرة إلى أوامر الله تعالى ورسوله، والمسارعة إلى تنفيذ حدوده، والحرص على عدم تأخيرها لأسباب لا وجه لها، ولعل أبا موسى أَخَّرَهُ لأنه كان يرجو إسلامه. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٢٥٩).\n(^٢) \"الضعفاء\" (٤/ ٢٠٧).\n(^٣) \"الميزان\" (٤/ ١٥٣).","vol":"8","page":368},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1015>وجوب قتل من سبَّ النبي - ﷺ </span>-\n١٢١١/ ٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ أَعْمى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ نَشْتُمُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا، فَلَا تَنْتَهِي، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيلَةٍ أَخَذَ الْمِغْوَلَ، فَجَعَلَهُ في بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيهَا فَقَتَلَهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبي - ﷺ - فَقَال: \"ألَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد أخرجه أَبو داود في كتاب \"الحدود\"، باب \"الحكم فيمن سبَّ النبي - ﷺ -، (٤٣٦١)، والنَّسائي (٧/ ١٠٧ - ١٠٨) من طريق إسماعيل بن جعفر، قال: حدثني إسرائيل، عن عثمان الشحام، عن عكرمة، قال: حدَّثنا ابن عبَّاس - ﵄ - أن أعمى كانت له أم ولد … وذكر الحديث بطوله، وقد ساق منه الحافظ القدر المقصود.\nوهذا حديث صحيح، قال ابن عبد الهادي: (في إسناده عثمان الشحام احتج به مسلم، وعكرمة إمام، واحتج به البخاري، وباقي الإسناد مخرج لهم في الصحيح) (^١).\nوقد احتج الإِمام أحمد بهذا الحديث على قتل الذِّمِّيُّ إذا سب الرسول - ﷺ - (^٢).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (له أم ولد) أي: له جارية يطؤها، وله منها ولد، والظاهر أنَّها غير مسلمة، بدليل أنَّها كانت تجترئ على يسب النبي - ﷺ -.\n_________\n(^١) \"التنقيح\" (٣/ ٣٦٧).\n(^٢) \"الصارم المسلول\" ص (٦٨).","vol":"8","page":369},{"text":"قوله: (تشتم النبي - ﷺ -) الشتم: هو السب، والمراد هنا: وصف النبي - ﷺ - بالعيب والنقص، والاعتراض على شريعته، يقال: شتمه يشتمه، من باب (ضرب وقتل).\n\nقوله: (وتقع فيه) يقال: وقع فيه: إذا عابه وذمه.\n\nقوله: (فلما كان ذات ليلة) يجوز رفع ذات على أنَّها فاعل لـ (كان)، ويجوز النصب على أنَّها خبر، واسمها مقدر؛ أي: فلما كان الوقت أو الزمان، ويجوز نصبه على الظرفية؛ أي: كان الأمر في ذات ليلة. وذات ليلة: قيل معناه: ساعة من ليلة، وقيل معناه: ليلة من الليالي، وذات مقحمة.\n\nقوله: (المغول) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة، على وزن منبر، قال في \"القاموس\": (حديدة تجعل في السوط فيكون لها غلافًا) (^١)، وقال الخطابي: (شِبْهُ المِشْمِلِ، ونَصْلُهُ دقيق ماضٍ) (^٢)، والمشمل: السيف القصير، سمي بذلك لأنه يشتمل عليه الرجل؛ أي: يغطيه بثوبه، واشتقاق المغول من غاله الشيء واغتاله: إذا أخذه من حيث لم يدر (^٣).\nوضبطه الصنعاني بكسر الميم وسكون العين المهملة، (^٤) وهو في \"السنن\" بالغين المعجمة، كما تقدم.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب قتل من سب النبي - ﷺ - وأن دمه هدر، فإن كان الساب مسلمًا كان ذلك ردة، فيقتل بإجماع أهل العلم، على ما تقدم في حكم المرتد، وإن كان من أهل العهد فيقتل على خلاف بين أهل العلم في استتابته، وينتقض عهده بذلك.\nوقد نقل ابن المنذر الاتفاق على أن من سب النبي - ﷺ - صريحًا فإنه يجب قتله، وممن حكى الإجماع إسحاق بن راهويه، ثم شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥)، وآخرون.\nويؤيد ذلك أن مفسدة السبِّ لا تزول إلَّا بالقتل؛ لأن السابَّ متى\n_________\n(^١) \"ترتيب القاموس\" (٣/ ٤٣٠).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٦/ ١٩٩).\n(^٣) \"الصارم المسلول\" ص (٦٨).\n(^٤) \"سبل السلام\" ص (٣/ ٥١٦).\n(^٥) \"الصارم المسلول\" ص (٣ - ٤).","vol":"8","page":370},{"text":"استبقي طمع هو وغيره في السب الذي هو من أعظم الفساد في الأرض كقاطع الطَّرِيق سواء، بخلاف المرأة المقاتلة فإنها إذا أُسرت زالت مفسدة مقاتلتها (^١).\nولأن سب الرسول - ﷺ - تعلق به عدة حقوق، فهو سب لمن أرسله، وفيه منافاة لحق الرسول - ﷺ - الذي هو أوجب الحقوق البشرية، فإن حقه التعظيم والإجلال والتوقير، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٨، ٩]، كما أن سب الرسول - ﷺ - فيه تنقص لشريعته، وقدح في الدين، فصار سب الرسول - ﷺ - متضمنًا ثلاثة أمور كلها كفر: سَبَّ الله، وسَبَّ الرسول، وسَبَّ شريعته (^٢). وقد تعلق بهذا الأمر ثلاثة حقوق:\n١ - حق الله: حيث كفر برسوله، وعادى أفضل أوليائه، وطعن في كتابه ودينه وألوهيته، فَسَبُّ الرسول سَبٌّ لمن أرسله.\n٢ - حق الرسول: لأن حقه التعظيم.\n٣ - حق المؤمنين: الذين آمنوا به، وما قام أمر دينهم وآخرتهم إلَّا به.\n\n• الوجه الرابع: الجمهور من أهل العلم على قبول توبة الساب إذا علمنا صدق توبته بتعظيم النبي - ﷺ - ومدافعته عن شريعته، لعموم: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، لكن وقع الخلاف في سقوط القتل عنه، فمنهم من قال: يسقط عنه القتل؛ لأن قتله لردته، فإذا تاب زال عنه سبب القتل، وهؤلاء لا يفرقون بين سب الله وسب رسوله - ﷺ -، ويرون الحدود تسقط بالتوبة قبل القدرة.\nوالقول الثاني: أنَّه يقتل، لحق النبي - ﷺ - وهو لا يسقط بالتوبة، كسائر حقوق الآدميين، فإذا قتل عومل معاملة المسلمين.\nولو قيل إن هذا يرجع إلى رأي الإِمام حسب المصلحة لكان له وجاهة (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الصارم المسلول\" ص (٢٨٥).\n(^٢) \"الشرح الممتع\" (١٤/ ٤٢٣).\n(^٣) \"الصارم المسلول\" ص (٥١٠)، \"الشرح الممتع\" (١٤/ ٤٥٨ - ٤٥٩).","vol":"8","page":371},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1016>كتاب الحدود</span>\n<span data-type='title' id=toc-1017>باب حدَّ الزاني</span>\nالحدود في اللغة: مفردها حد، وهو بمعنى المنع، وهو على كثرة إطلاقاته وسعة مدلولاته لا يخرج عن هذا المعنى.\nوسميت هذه العقوبات الشرعية حدودًا لعلة المنع، لكن مورد المنع إما لأنها تمنع عن المعاودة، أو لأنها زواجر عن محارم الله، أو لأنها مقدرة من الشارع تُمنع الزِّيادة فيها والنقصان.\nوأما الحد شرعًا: فتكاد تتفق عبارات الفقهاء على تعريفه، وهو: عقوبة بدنية مقدرة شرعًا لأجل حق الله تعالى.\n\nوقولنا: (عقوبة) جنس في التعريف يشمل المقدرة وغير المقدرة، البدنية وغيرها.\n\nوقولنا: (بدنية) قيد أول يخرج العقوبة المالية، كجزاء الصيد.\n\nوقولنا: (مقدرة) قيد ثانٍ يخرج التعزير؛ لأنه غير مقدر، كما سيأتي.\n\nوقولنا: (شرعًا) قيد ثالث يفيد بأنها توقيفية من الشارع، فخرج العقوبات المقدرة في القوانين الوضعية فلا تسمى حدودًا.\n\nوقولنا: (لأجل حق الله تعالى) قيد رابع يخرج ما كان حقًّا للعبد، وهو القصاص في النفس أو الطرف، وهذا باعتبار الأغلب؛ لأن القصاص وإن كان فيه حق لله تعالى إلَّا أنَّه غلب فيه جانب حق الآدمي، ولهذا إذا عفا الأولياء سقط، بخلاف الحد فلا يجوز العفو عنه، كما سيأتي.\nواعلم أن إطلاق الحدود على العقوبات المقدرة اصطلاح جرى عليه","vol":"8","page":373},{"text":"الفقهاء، ولعلهم قصدوا بذلك أن تتميز العقوبات المقدرة عن غيرها، ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية ومن بعده ابن القيم أن هذا اصطلاح حادث، وأن الحد في لسان الشرع أعم وأشمل، فهو يشمل العقوبة المقدرة وغير المقدرة، كما يشمل نفس الجناية، وهي المعصية، كقوله تعالى: \" ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] (^١).\nوالحكمة من مشروعية الحدود: أنَّها جوابر وزواجر، فهي كفارة لمن أقيمت عليه، لقوله - ﷺ - بعد ذكر شيء من الجرائم الحدية: \"ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له\" (^٢)، وهي زواجر للفاعل عن المعاودة، ولغيره من أن يفعل فعله، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨]، فالحدود تردع العصاة، وتمنع من انتشار الفساد وشيوع الجرائم، وتحقق الأمن في البلاد، وفيها حفظ الأنساب والأعراض والعقول والأموال.\n\nوقوله: (باب حد الزاني) في بعض النسخ: (حد الزنا) وهو يوافق حد القذف وحد السرقة، والأول يوافق باب (حد الشارب …).\nوالزنا: اسم مقصور على لغة الحجاز، وهي لغة القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وهو مصدر زنى يَزْنِي زنًا فهو زانٍ، والجمع زناة، مثل: قضى يقضي قضاءً فهو قاضٍ وهم قضاة، ويجوز فيه المد على لغة نجد، وقيل: لبني تميم منهم خاصة.\nوالأصل أن تكتب الكلمة بالألف المقصورة؛ لأنه يائي اللام، وعليه الرسم في القرآن، ويجوز كتابتها بالألف الممدودة (الزنا).\nوعند الفقهاء: أن يجامع الرجل من لا يحل له جماعها في فرجها.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٨/ ٣٤٧ - ٣٤٨)، \"إعلام الموقعين\" (٣/ ٢٤٢).\n(^٢) رواه البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩)","vol":"8","page":374},{"text":"ولا خلاف بين الفقهاء أن الجماع في الفرج زنا، وإنَّما الخلاف فيما لو وطئها في الدبر، فالجمهور من المالكية والشَّافعية والحنابلة أنَّه زنا، فيعاقب الواطئ في الدبر بعقوبة الزنا، قال الموفق: (والوطء في الدبر مثله -أي: مثل الوطء في القبل- في كونه زنا؛ لأنه وطء في فرج امرأة لا ملك فيها ولا شبهة، فكان زنا كالوطء في القبل) (^١). وعلى هذا فيكون تعريفه: أن يجامع الرجل من لا يحل له جماعها في قبلها أو دبرها.\nوعند الحنفية أن الوطء في الدبر كاللواط لا حد فيه، بل فيه التعزير (^٢).\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٢/ ٣٤٠).\n(^٢) \"فتح القدير\" (٥/ ٢٦٢)، \"روضة الطالبين\" (١٠/ ٩١)، \"حاشية الخرشي\" (٨/ ٢٨٩).","vol":"8","page":375},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1018>ما جاء في حد الزاني</span>\n١٢١٢/ ١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - وَزَيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَني - ﵄ -؛ أَن رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ أَتى رَسُولَ اللهِ على فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ أَنْشُدُكَ باللهِ إِلا قَضَيتَ لي بِكِتَابِ اللهِ تَعَالى، فَقَال الآخَرُ - وَهُوَ أفقَهُ مِنْهُ - نَعَمْ، فَاقْضِ بَينَنَا بِكِتَابِ اللهِ وَأذَنْ لي، فَقَال: \"قُلْ\"، قَال: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْني الرَّجْمَ، فَافْتَدَيتُ مِنْهُ بِمائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُوني أَنَّما عَلَى ابْني جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هذَا الرَّجْمَ، فَقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأقْضِينَّ بَينَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَهذَا اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في مواضع كثيرة من \"صحيحه\"، وأولها في كتاب \"الوكالة\"، كما تقدم في \"البيوع\"، ومنها: في \"الحدود\"، باب \"الاعتراف بالزنا\" (٦٨٢٧، ٦٨٢٨)، ومسلم (١٦٩٧ - ١٦٩٨) من طريق ابن شهاب، عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود، عن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - وزيد بن خالد - ﵄ - أنهما قالا: إن رجلًا من الأعراب … الحديث، واللفظ لمسلم، كما قال الحافظ.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من الأعراب) هو اسم جمع لا مفرد له من لفظه، والأعرابي:","vol":"8","page":376},{"text":"نسبة إلى الجمع؛ لأنه جرى مجرى القبيلة، وهم من سكن البادية من العرب، ويجمع على أعاريب، والعرب: خلاف العجم، وهم سكان الأمصار، أو هو عام فيمن سكن البادية والأمصار.\n\nقوله: (أنشدك بالله) هكذا بإثبات حرف الجر في المخطوطة وبعض نسخ \"البلوغ\"، وليس مثبتًا في \"صحيح مسلم\" مع أن اللفظ له، ولا في نسخ الشرح. و(أنشدك) بفتح الهمزة، وسكون النون، وضم الشين، من قولهم: نشده: إذا سأله رافعًا نشيدته؛ أي: صوته، هذا أصله، ثم استعمل في كل مطلوب مؤكد ولو لم يكن هناك رفع صوت، وضمن معنى أنشدك: أُذَكِّرُكَ، ولهذا حذف حرف الجر.\n\nقوله: (إلَّا قضيت لي) هذا استثناء مفرغ، والفعل مؤول بالمصدر المتصيد، والتقدير: لا أنشدك إلَّا القضاء بكتاب الله، وقيل: المعنى: أسألك بالله لا تفعل شيئًا إلَّا القضاء، فالتاكيد إنما وقع لعدم التشاغل بغيره، لا لأن لقوله: (بكتاب الله) مفهومًا.\nوالقضاء: هو الفصل في الخصومات.\n\nقوله: (بكتاب الله) أي: حكم الله وشرعه، وهو يشمل ما أنزل الله في كتابه أو على لسان رسوله - ﷺ -؛ لأنه جاء في الحديث ذكر التغريب، ولرواية: \"والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بالحق\".\n\nقوله: (فقال الآخر) هو والد الزاني، والأعرابي هو زوج المرأة المزني بها.\n\nقوله: (وهو أفقه منه) وجه ذلك أنَّه استأذن، وأنه قال: فاقض بيننا، وذاك قال: إلَّا قضيت لي؛ ولأنه سأل أهل العلم.\n\nقوله: (إن ابني) في رواية للبخاري في الباب المذكور: (إن ابني هذا) وهو يدل على حضوره، قال الحافظ: (خلا معظم الروايات عن هذه الإشارة) (^١).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٣٩).","vol":"8","page":377},{"text":"قوله: (عسيفًا على هذا) العسيف: هو الأجير وزنًا ومعنى، والجمع عُسفاء، كأجراء، وقد جاء هذا التفسير مدرجًا في بعض روايات البخاري، وفي حديث عمرو بن شعيب عند النَّسائي: (كان ابني أجيرًا لامرأة هذا) (^١)، سمي بذلك من العسف، وهو الجور؛ لأن المستأجر يعسفه على العمل، و(على) بمعنى عند، والظاهر أن الرجل استخدمه فيما تحتاج إليه امرأته من الأمور، فكان ذلك سببًا لما وقع له منها، والإشارة إلى الرجل الأول، وهو زوج المرأة.\n\nقوله: (فأخبرت) بالبناء لما لم يُسَمَّ فاعله؛ وكأن المخبر ظن أن ذلك حق له، له أن يعفو عنه على مال يأخذه.\n\nقوله: (فافتديت منه) الفداء -بكسر الفاء-: ما يقوم مقام الشيء دفعًا للمكروه.\n\nقوله: (ووليدة) الوليدة: فعيلة بمعنى مفعولة، قال الجوهري: (هي الصبية والأمة، والجمع ولائد) (^٢).\n\nقوله: (وتغريب عام) التغريب: مصدر غَرَّبَ، وهو النفي عن البلد الذي وقعت فيه الفاحشة، يقال: غَرُبَ الرجل: بَعُدَ، وغَرَّبته: أبعدته.\n\nقوله: (رد عليك) أي: مردود عليك، من إطلاق لفظ المصدر على اسم المفعول، كقولهم: ثوب نسج؛ أي: منسوج.\n\nقوله: (وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام) هذا حد الزاني غير المحصن، وقد يستدل على أنَّه بكر لم يحصن برواية النَّسائي: (كان أجيرًا لامرأة هذا، وابني لم يحصن) (^٣)، ووجب عليه الحد؛ لوجود قرينة تدل على اعترافه، وهي حضوره مع أبيه، كما في رواية: (ابني هذا)، وسكوته عما نسب إليه، أو أنَّه اعترف، ثم إن قوله: (رد عليك) يشعر بأنه قُبِضَ العوض، ولا مقابل له إلَّا الافتداء عن الرجم.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٦/ ٤٢٩).\n(^٢) \"الصحاح\" (٢/ ٥٥٤).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (٦/ ٤٢٩)، وقد يُطعن في هذه الرواية لكونها في غير \"الصحيحين\".","vol":"8","page":378},{"text":"قوله: (واغد يا أنيس) أي: انطلق، وأصل الغدو الذهاب ما بين صلاة الصبح وطلوع الفجر، ثم كثر حتَّى استعمل في الذهاب والانطلاق في أي وقت كان، ومنه هذا الحديث، ويؤيد ذلك رواية: \"قم يا أُنيس فسل امرأة هذا\" (^١).\nوأنيس: هو ابن الضحاك الأسلمي، لرواية: (ثم قال لرجل من أسلم - يقال له: أنيس -: \"قم يا أنيس\".\n\nقوله: (فإن اعترفت فارجمها) هذا مراد به إعلام المرأة بأن هذا الرجل قد قذفها بابنه، فَيُعَرِّفُها بأن لها عنده حد القذف، فتطالب به أو تعفو عنه، بناء على أن القذف حق للمقذوف، إلَّا أن تعترف بالزنا، فيجب عليها الحد، فاعترفت فرجمت، كما في بعض الروايات، هذا ما ذكره الشراح، وفيه نظر، والظاهر أن المسألة قد اشتهرت، فَطُلِبَ اعتراف المرأة، ولا مجال للقول بالستر هنا، وجاء في رواية للبخاري: (فاعترفت فرجمها) (^٢)، وعند مسلم: (فغدا عليها فاعترفت) (^٣).\n\n• الوجه الثالث: في هذا الحديث فوائد كثيرة أذكر أهمها، ومن ذلك أن الحديث فيه دليل على جفاء بعض الأعراب لبعدهم عن مواطن العلم والأدب، حيث ناشد الأعرابي النبي - ﷺ - ألا يحكم له إلَّا بكتاب الله تعالى.\n\n• الوجه الرابع: فيه دليل على حسن خلقه حيث لم يوبخ هذا الأعرابي ولم يعنفه على سوء أدبه.\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن حد الزاني الذي لم يحصن جلد مائة اتفاقًا، وتغريب عام للحر الذكر، وهو قول المالكية، والرواية المعتمدة في مذهب الحنابلة، وقول للشافعية (^٤)، وسيأتي الخلاف في ذلك.\nوأما حد الزاني المحصن فهو الرجم بإجماع من يعتد بإجماعه، كما سيأتي أيضًا.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٤٠).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٦٨٥٩).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (١٦٩٧) (٢٥).\n(^٤) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٣٧٩)، \"المهذب\" (٢/ ٢٤٢)، \"المغني\" (١٢/ ٣٢٤).","vol":"8","page":379},{"text":"• الوجه السادس: هذا الحديث من أدلة القائلين بعدم الجلد قبل الرجم في حق المحصن؛ لأن الرسول - ﷺ - صلى لم يذكره في وقت التعليم واستيفاء الحكم، والمخالف يقول: إن عدم ذكر الجلد لا دليل فيه على نفيه؛ لأن الترك لا عموم له، كما أن الفعل لا عموم له.\n\n• الوجه السابع: في الحديث دليل على أنَّه لا يجوز العفو عن عقوبة الزنا؛ لأنها عقوبة حدية لحق الله تعالى، فلا يملك العبد إسقاطه، سواء أكان المسقط له هو الإِمام، أم المجني عليه، أم المتضرر من جريمة الزنا.\n\n• الوجه الثامن: في الحديث دليل على أن للعالم أن يفتي في مِصْبر فيه من هو أعلم منه إذا أفتى بعلم؛ لأن الصحابة - ﵃ - كانوا يفتون في زمن النبي - ﷺ -، لقوله: \"ثم سألت أهل العلم.\n\n• الوجه التاسع: الحديث فيه دليل على أن من أقدم على محرم جهلًا أنَّه لا يؤدب بل يعلم؛ لأن والد الزاني افتدى الحد من ابنه بمائة شاة ووليدة ظانًّا جواز ذلك، فأعلمه النبي - ﷺ - بحكم الله تعالى، ورَدَّ العوض.\n\n• الوجه العاشر: في الحديث دليل على جواز الوكالة في إقامة الحدود، لقوله: \"واغْدُ يا أنيس … \"، وقد بوب البخاري في كتاب \"الوكالة\" على ذلك، وساق هذا القدر من الحديث، وأشار إلى شيء من ذلك في آخر كتاب \"الحدود\"، وقد تقدم أن الحافظ أورد هذا القدر في باب \"الوكالة\" من كتاب \"البيوع\". والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":380},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1019>ما جاء في الجمع بين الجلد والرجم</span>\n١٢١٣/ ٢ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الحدود\"، باب \"حد الزنى\" من طريق هُشَيْم، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة -﵁-، قال: قال رسول الله - ﷺ - … فذكره.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (خذوا عني) أي: تلقوا عني حكم حد الزنا.\n\nقوله: (خذوا عني) توكيد لفظي، وتكرير اللفظ يدل على ظهور أمر كان قد خفي شأنه واهتم به.\n\nقوله: (فقد جعل الله لهن سبيلًا) الضمير يعود على النساء الزواني، وسبيلًا: أي: خلاصًا عن إمساكهن في البيوت بحد واضح في حق المحصن وغيره، حيث بين النبي - ﷺ - أن ما ذكر في هذا الحديث من الحد هو بيان لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء: ١٥].\n\nقوله: (البكر بالبكر) البكر: مبتدأ وما بعده متعلق بمحذوف حال؛ أي:","vol":"8","page":381},{"text":"البكَر يَزْنِي بالبكر، و(جلد مائة) مبتدأ، خبره محذوف؛ أي: عليهما جلد مائة، والجملة خبر لقوله: (البكر)، والبكر في الأصل: الشاب الذي لم ينكح، والشابة التي لم تُنكح، والمراد هنا: من لم يجامع في نكاح صحيح، وهو بالغ عاقل.\n\nوقوله: (بالبكر) خرج مخرج الغالب، فليس على سبيل الاشتراط؛ لأنه يجب الجلد على البكر سواء زنى ببكر مثله أو ثيب، كما تقدم في قصة العسيف.\n\nقوله: (والثيب بالثيب) الثيب: من تزوج من الرجال والنساء، قال أهل اللغة: الثيب يقع على الرجل والمرأة، وبه جاء هذا الحديث، والمراد هنا: من جامع في نكاح صحيح وهو بالغ عاقل. وقوله: (بالثيب) خرج مخرج الغالب على ما تقدم.\n\nقوله: (نفي سنة) النفي هو الإبعاد عن الوطن، والمراد به نفي الزاني عن البلد الذي وقعت فيه الجناية.\n\n• الوجه الثالث: الظاهر من سياق هذا الحديث أن آية سورة النساء جاءت لبيان العقوبة في أول الإسلام، وهي الحبس، فإن قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ يشعر بأن هذا الحكم نزل لوقت محدد، وأن الله تعالى سيبدله بحكم آخر، ثم جاء تغييره بما دل عليه حديث عبادة - ﵁ - من ثبوت الحد.\n\n• الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن حد الزاني البكر من ذكر أو أنثى أن يجلد مائة ويغرب عامًا، أما الجلد فهو مجمع عليه كما تقدم، وأما التغريب فالقول به في حق الحر الذكر هو قول الجمهور (^١) -كما تقدم-؛ لحديث عبادة هذا؛ فإنه - ﷺ - جمع الجلد مع التغريب وعطف أحدهما على الآخر، والجلد عقوبة حدية باتفاق، فيكون التغريب عقوبة حدية؛ لأن العطف يقتضي التشريك، كما استدلوا بحديث العسيف المتقدم.\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٣٧٩)، \"المهذب\" (٢/ ٢٤٢)، \"المغني\" (١٢/ ٣٢٤).","vol":"8","page":382},{"text":"والقول الثاني: أن البكر لا يغرب إلَّا أن يراه الإِمام، وهذا مذهب أبي حنيفة، ورواية عند الحنابلة (^١)، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، والآية لم تذكر التغريب، فمن أوجبه فقد زاد على كتاب الله، والزِّيادة على كتاب الله نسخ، ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد كهذا الحديث، فتبقى دلالة الآية، ويرد ما عداها.\nوالصواب القول الأول، لقوة أدلته ووضوح مأخذه، وما قالته الحنفية غير مسلم، فإن الزِّيادة على النص لا تكون ناسخة؛ لأن النسخ إبطال ورفع الحكم، ونحن لم نقل بإبطال الجلد، بل نقول بإيجابه وزيادة التغريب عليه بدلالة السنة.\n\n• الوجه الخامس: استدل بهذا الحديث فقهاء الشَّافعية والحنابلة على وجوب تغريب المرأة كالرجل، لقوله: \"البكر بالبكر\".\nوقالت المالكية والأوزاعي: إن المرأة لا تغرب (^٢)؛ للأحاديث الصحيحة الواردة في نهي المرأة عن السفر إلَّا مع محرم أو زوج، ويكون عموم حديث الباب مخصوصًا بأحاديث النهي عن سفر المرأة بدون محرم.\nوهذا قول قوي؛ لأن تغريبها بدون محرم تعريض لها للفتنة وتضييع لها، وتغريبها مع محرمها يفضي إلى تغريب من لا ذنب له، وإن كلفت دفع أجرة له فقد كلفت بشيء زائد على عقوبتها المنصوصة بالشرع، لكن إن وجد محرم متبرع بالسفر معها إلى محل التغريب فإنها تغرب عملًا بأدلة التغريب، وإن لم يوجد فلا تغرب، لما تقدم، قال الموفق: (وقول مالك فيما يقع لي أصح الأقوال وأعدلها) (^٣)، وعلى هذا فيسقط عنها التغريب، وقد ذكر الشنقيطي قاعدة وهي: أن النص الدال على النهي يقدم على الدال على الأمر على الأصح؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح (^٤).\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٧/ ٣٩)، \"الإنصاف\" (١٠/ ٣٤).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٣٧٩)، \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٥٩).\n(^٣) \"المغني\" (١٢/ ٣٢٤).\n(^٤) \"أضواء البيان\" (٦/ ٦٦).","vol":"8","page":383},{"text":"ويرى بعض أهل العلم أنَّها تحبس، والحبس يقوم مقام التغريب في إبعادها عن الناس وقطع الصلة بها (^١).\n\n• الوجه السادس: لم يرد في الحديث ذكر مسافة التغريب، ولذا قال الفقهاء: إن أقلها مسافة قصر، لتحصل الغربة؛ ولأن ما دون مسافة القصر في حكم الحضر، والذي يظهر جواز التغريب إلى ما دون مسافة القصر، كما قال بعض أهل العلم؛ لأن الحديث مطلق (^٢).\n\n• الوجه السابع: الحديث دليل على أن حد الزاني المحصن الرجم مع الجلد، أما الرجم فهو مجمع عليه ممن يعتد بإجماعه، وإنَّما الخلاف في الجلد قبل الرجم على قولين:\nالأول: أنَّه لا يجلد بل يرجم فقط، وهذا قول الأئمة الثلاثة، ورواية عن أحمد، وهي الصحيح من المذهب، ونسبه ابن كثير في \"تفسيره\" إلى الجمهور (^٣)، واستدلوا بأن الرسول - ﷺ - رجم ماعزًا - ﵁ - ولم يجلده، وكذا رجم الغامدية - ﵄ - واليهوديين ولم يجلد واحدًا منهما، كما استدلوا بقوله - ﷺ -: \"واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها\" فقد أقسم النبي - ﷺ - أن يقضي بينهما بكتاب الله ولم يذكر إلَّا الرجم فقط، حيث رتبه على الاعتراف ترتيب الجزاء على الشرط.\nوالقول الثاني: أن المحصن يجلد قبل أن يرجم، وهو رواية عن أحمد، وقول علي - ﵁ - وبعض الصحابة\" (^٤)، واستدلوا بحديث عبادة هذا حيث صرح النبي - ﷺ - بالجمع بينهما للزاني المحصن تصريحًا ثابتًا ثبوتًا لا مطعن فيه، كما استدلوا بما رواه الشعبي عن علي - ﵁ - أنَّه جلد شراحة الهمدانية يوم\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (٧/ ١٠١).\n(^٢) \"المغني\" (١٢/ ٣٢٤)، \"سبل السلام\" (٤/ ١٥).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٣٧٦)، \"المغني\" (١٢/ ٣١٣)، \"المهذب\" (٢/ ٢٨٣)، تفسير ابن كثير\" (٦/ ٥)، \"شرح فتح القدير\" (٥/ ٢٥).\n(^٤) \"المغني\" (١٢/ ٣١٣).","vol":"8","page":384},{"text":"الخميس، ورجمها يوم الجمعة، ولما قيل له: جلدتها ثم رجمتها؟ قال: (جلدتها بكتاب الله تعالى، ورجمتها بسنة رسول الله - ﷺ -) (^١).\nوالقول الأول أرجح، لقوة أدلته؛ لأن الظاهر أن قصة ماعز - ﵁ - وما معها متأخرة عن حديث عبادة - ﵁ -؛ لأنه بيان لحد الزنا الذي كانت عقوبته الحبس، كما دلت عليه آية النساء، فيظهر أن حديث عبادة أول نص في حد الزنا، فتكون قصة ماعز متاخرة، ويبعد أن يكون الرسول - ﷺ - جلد ماعزًا والغامدية واليهوديين ولم يذكر أحد من الرواة ذلك، فيقوى الظن بعدم وقوع الجلد، بل إن نقل الجلد أهم من نقل الرجم، ثم إن الرجم يغني عن الجلد؛ لأنه حد فيه قتل فيسقط ما عداه.\nوأما ما ورد عن علي - ﵁ - فقد تكلم العلماء في صحته، ثم إن رواية البخاري ليس فيها ذكر الجلد، وليس الأخذ بالرواية التي ذكر فيها الجلد بأولى من الأخذ بالرواية التي اقتصر فيها على الرجم (^٢)، وعلى فرض صحته والأخذ به فالظاهر أنَّه اجتهاد من علي -﵁-، ويؤيد ذلك رواية أحمد: \"أجلدها بكتاب الله، بالقرآن، وأرجمها بسنة نبي الله - ﷺ -) ثم إن قول الصحابة: (جمعت بين حدين) يؤيد ذلك، فإن هذا يشعر بأنهم لم يكونوا يعرفون الجلد قبل الرجم، فاستنكروا هذا، ولو رأى الحاكم الجمع بين الجلد والرجم لكان له مستند من فعل علي - ﵁ -. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه النَّسائي في \"الكبرى\" (٦/ ٤٠٤)، وأحمد (٢/ ١٢١)، والحاكم (٤/ ٣٦٥)، ورواه البخاري (٦٨١٢) ولكن ليس فيه ذكر الجلد، وانظر: \"العلل\" للدارقطني (٤/ ٩٦ - ٩٧).\n(^٢) انظر: \"عقوبة الإعدام\" ص (٥١٩).","vol":"8","page":385},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1020>ما جاء في الاعتراف بالزنا وهل يشترط تكراره</span>؟\n١٢١٤/ ٣ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: أَتى رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ في الْمَسْجدِ فَنَادَاهُ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِني زَنَيتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحّى تِلْقَاءَ وَجْههِ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِني زَنَيتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَّى ذلِكَ عَلَيهِ أَرْبَعَ مَرّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَال: \"أَبِكَ جُنُون؟، قَال: لَا، قَال: \"فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟ \"، قَال: نَعَمْ، فَقَال: رَسُولُ الله - ﷺ -: \"اذْهَبُوا بهِ فَارْجُمُوهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد رواه البخاري في مواضع من \"صحيحه\"، ومنها: في كتاب \"الحدود\"، باب \"لا يُرجم المجنون والمجنونة\" (٦٨١٥)، ومسلم (١٦٩١) (١٦) من طريق الزُّهْريّ، قال: أخبرني أَبو سلمة بن عبد الرحمن (^١)، وسعيد بن المسيب، أن أبا هريرة - ﵁ - قال: أتى رجل من المسلمين … وذكر الحديث. وهذا لفظ مسلم.\nوهذا الحديث رواه جماعة من الصحابة، كأبي بكر وأَبي هُرَيرَةَ وابن عبَّاس وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة وبريدة وأبي سعيد وغيرهم -﵃-،\n_________\n(^١) اسمه عبد الله على الأصح، والده عبد الرحمن بن عوف، متفق على ثقته وجلالته. \"الإعلام\" (٩/ ١٧٤)].","vol":"8","page":386},{"text":"وقد أطال الإِمام مسلم، ثم أَبو داود في سياق أسانيد قصة ماعز -﵁-، وذكروا طرقها، وألفاظها، وفي قصته مواضع حصل فيها اضطراب (^١)، وسأذكر شيئًا من ذلك لتوضيح ما أُجمل في حديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - هذا.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (رجل من المسلمين) هو ماعز بن مالك الأسلمي -﵁-، كما وردت تسميته في البخاري وإحدى روايات مسلم، وكما في حديث ابن عبَّاس - ﵄ - الآتي.\n\nقوله: (فأعرض عنه) لعله يرجع عن الاعتراف بشبهة مثلًا، فيتوب فيما بينه وبين الله تعالى، ولذا قال له: \"لعلك قَبَّلْتَ … \" كما سيأتي.\n\nقوله: (فتنحى) أي: انتقل من الناحية التي كان فيها إلى الناحية التي يستقبل بها وجه النبي - ﷺ -.\n\nقوله: (تلقاء وجهه) منصوب على الظرفية، وأصله مصدر أقيم مقام الظرف؛ أي: مكانًا تلقاء، فهو مصدر نائب مناب الظرف المحذوف، وليس في المصادر تفعال بكسر أوله إلَّا هذا وتبيان، وسائرها بفتح أوله.\n\nقوله: (حتَّى ثنى ذلك) أي: كرر وردد، وقد ضبطه ابن الملقن بتخفيف النون، وكذا المغربي (^٢).\n\nقوله: (أبك جنون) استفهام حقيقي، والمعنى: هل أنت مصاب بمرض عقلي؟ فإن قيل: لو كان مجنونًا لم يفد قوله: إنه ليس بمجنون، فما وجه سؤاله، وإنَّما سؤال غيره ممن يعرفه هو المؤثر؟ فالجواب:\n١ - أنَّه ورد في بعض الروايات أنَّه سأل غيره عنه، كحديث بريدة: (\"أبه جنون؟ \" فأخبر أنَّه ليس بمجنون) (^٣) فعلى هذا يكون سأله أولًا، ثم سأل عنه احتياطًا.\n_________\n(^١) ومنها موضوع الحفر له، وموضوع الصلاة عليه والاستغفار له. [\"الإعلام\" (٩/ ١٧٧)].\n(^٢) \"البدر التمام\" (٤/ ٣٨٢).\n(^٣) رواه مسلم (١٦٩٥).","vol":"8","page":387},{"text":"٢ - أن المقصود بسؤاله معرفة حاله وعقله ليبنى عليه الأمر، لا على مجرد إقراره بعدم الجنون؛ لأنه ظهر عليه من الحال ما يشبه حال المجنون، وذلك أنَّه دخل المسجد وليس عليه رداء، كما في حديث جابر بن سمرة - ﵁ - عند مسلم.\n\nقوله: (فهل أحصنت) بفتح الهمزة، فحاء فصاد مهملتان؛ أي: تزوجت، وأصل الإحصان المنع، وله معان منها: التزويج، وهو الإحصان الموجب لرجم الزاني، وسمي الزواج إحصانًا؛ لأن المرأة المزوجة يمنعها زوجها من الوقوع في الفاحشة، ويمتنع هو بها.\nوإنَّما سأله عن الإحصان والعقل فقط؛ لأنهما شيئان لا يدركان بالنظر والعلامات الواضحة، والسؤال عن الإحصان لتردد حال الزاني بين الجلد والرجم، ولا يمكن الإقدام على أحدهما إلَّا بعد تبين سببه.\n\nقوله: (اذهبوا به فارجموه) أي: في مصلى الجنائز، لرواية البخاري: (فأمر به فرجم في المصلى)، ولم يعين في هذه الرواية ما يرجم به، لكن ورد في حديث أبي سعيد عند مسلم: (فرميناه بالعظم والمدر والخزف). والعظم معروف، والمدر: قطع الطين، والتراب المتلبد (^١)، والخزف: قطع الفخار المتكسر.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الزنا يثبت بالإقرار كما يثبت بالشهادة، فمن أقر على نفسه بأنه زنى، وهو مختار ثبت الحد في حقه، وقد ثبت حد الزنا بالإقرار في عدة وقائع في زمن النبي - ﷺ - وبعده، وأما ثبوت الزنا بالشهادة، فقد ذكر ابن تيمية أنَّه ما عرف حد أقيم بشهادة (^٢).\n\n• الوجه الرابع: اختلف العلماء هل يكفي الإقرار مرة واحدة لثبوت الحد، أم لا بد من التكرار؟، على قولين:\nالأول: أنَّه لا بد من الإقرار أربع مرات، وهو مذهب الحنفية\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٥٦٦).\n(^٢) \"منهاج السنة\" (١/ ٩٥).","vol":"8","page":388},{"text":"والحنابلة (^١)، واستدلوا بالنص والقياس، أما النص فهذا الحديث، ووجه الاستدلال: أن قول الراوي: (فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه) إشعار بأن العدد هو العلة في تأخير إقامة الحد عليه وإلَّا لرجمه في أول مرة.\nوأما القياس فقد قاسوا الإقرار على الشهادة بالزنا، فكما أنَّه لا يقبل إلَّا أربعة شهود، فكذا لا بد من أربع إقرارال.\nالقول الثاني: أن يكفي لإقامة الحد إقرار واحد، وهذا مذهب المالكنة والشَّافعية (^٢)، لما تقدم في قصة العسيف: \"واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها\" ولم يذكر إقرارات أربعة مع أن المقام مقام بيان واستيفاء، والفعل المطلق يصدق بالواحد، ورجم رسول الله - ﷺ - الجهنية، كما سيأتي، وإنَّما اعترفت مرة واحدة، ولما قالت: أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك … إلخ، بين أن ردها لأجل وضع الحمل، مما يدل على أن قصتها بعد قصة ماعز، وأن تكرار الإقرار ليس بشرط.\nوأجاب هؤلاء عن أدلة الأولين بما يلي: أما قصة ماعز فعنها ثلاثة أجوبة:\n١ - أن الروايات في عدد إقراره مضطربة، فجاء أربع مرات، كما في هذا الحديث وحديث ابن عبَّاس -﵄-، وفي حديث جابر بن سمرة - ﵁ - عند مسلم: (أنَّه ردده أربع مرات)، وفيه أيضًا: أنَّه ردده مرتين، وفيه: فرده مرتين أو ثلاثًا، وجاء ثلاثًا في حديث أبي سعيد عند مسلم: (فاعترف بالزنا ثلاث مرات).\n٢ - أن ترديد ماعز ليس دليلًا على أن الرسول - ﷺ - تصد تكرار الإقرار، بل قصد الاستثبات والتَّبَيُّنَ، بدليل استفساره عن حاله وعن كيفية الزنا، كما في حديث ابن عبَّاس - ﵄ - الآتي وغيره.\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٧/ ٥٠)، \"المغني\" (٣٥٤).\n(^٢) \"بداية المجهد\" (٤/ ٣٧٣)، \"مغني المحتاج\" (٤/ ١٥٠).","vol":"8","page":389},{"text":"٣ - سلمنا أنَّه لا اضطراب وأنه أقر أربع مرات، لكن هذا أمر فعله ماعز - ﵁ - من تلقاء نفسه، ولم يأمره الرسول - ﷺ - به، ولم يطلبه منه، وكونه أقره عليه دليل على جوازه لا على شرطيته.\nوأما القياس فهو غير مستقيم؛ لأن الإقرار في المال لا بد فيه من عدلين، ولو أقر على نفسه مرة واحدة كفت إجماعًا، ولم يقل أحد إنه لا بد من إقرارين، ثم إن هذا القياس ينتقض بأن إقرار الفاسق على نفسه مقبول، بخلاف شهادته، ثم إن اشتراط الأربعة خاص بشهود الزنا، فلا يقاس عليه غيره. على أن اشتراط الأربعة في الشهود إنما هو لمزيد الاحتياط في الحد؛ لكونه يسقط بالشبهة، ولا وجه للاحتياط بعد الإقرار، فإن إقرار الرجل على نفسه لا يبقى بعده ريبة، بخلاف الشهادة عليه.\nومن يرى التكرار ينفي الاضطراب، وذلك بحمل رواية المرتَهِن أنَّه اعترف مرتين في يوم، ومرتين في يوم آخر، بدليل حديث بريدة عند مسلم: (فقال: يا رسول الله، إني قد ظلمت نفسي وزنيت، إني أريد أن تطهرني، فلما كان من الغد أتاه …) فلعل الراوي اقتصر على أحد اليومين، أما رواية الثلاث فلعل الراوي اقتصر فيها على المرات التي رده فيها، فإنه لم يرده في الرابعة، بل استثبت وسأله، ثم أمر برجمه، أو يقال: بالترجيح بين الروايات.\nوالذي يظهر - والله أعلم - هو الجمع بين الأدلة وعدم إهمال شيء منها، وهو أن من كان مشكوكًا في عقله ملتبسًا أمره، فلا بد من إقراره أربعًا لحديث ماعز -﵁-، ومن عُرف صحة عقله واتضاح أمره فمرة واحدة؛ لبقية الأحاديث، فإن الرسول - ﷺ - اكتفى بمرة واحدة في حديث العسيف وقصة الغامدية؛ لظهور الأمر وعدم اللبس، ويؤيد ذلك أن جميع الروايات التي يفهم منها اشتراط الأربع كلها في قصة ماعز - ﵁ -، وقد دلت جميع روايات حديثه على أنَّه - ﷺ - كان لا يدري عن حاله شيئًا، وقد رجح هذا الشوكاني (^١)، والشنقيطي (^٢).\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (٧/ ١١٠).\n(^٢) \"أضواء البيان\" (٦/ ٣٢).","vol":"8","page":390},{"text":"• الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن المجنون لا يعتبر إقراره ولا يثبت عليه الحد؛ لأن شرط الحد التكليف، وكذا الحكم في طلاقه وعتقه وأيمانه ووصيته، وقد مضى شيء من ذلك في \"الطلاق\".\n\n• الوجه السادس: في الحديث دليل على أنَّه يجب على القاضي والمفتي أن يستفصل عما يجب الاستفصال عنه مما يغير حكم المسألة؛ لأن الرسول - ﷺ - سأل ماعزًا عن الجنون ليتبين العقل، وعن الإحصان ليثبت الرجم.\n\n• الوجه السابع: في الحديث دليل على أنَّه لا يشترط في إقامة الحد حضور الإِمام ولا نائبه، لقوله: \"اذهبوا به فارجموه\" وقد ورد في حديث جابر بن سمرة: (فرجمه) (^١)، والمراد: أمر برجمه، كما في باقي الروايات، والأولى حضور الحاكم ويقوم مقامه القاضي أو نائبه؛ ليؤمن الحيف أو الاستهانة بحدود الله تعالى.\n\n• الوجه الثامن: استدل بهذا الحديث من قال: إن المحصن لا يجلد قبل الرجم؛ لأنه لم يذكر الجلد مع تعدد رواة قصة ماعز، وكثرة ألفاظها.\n\n• الوجه التاسع: في الحديث منقبة عظيمة لماعز - ﵁ - إذ جاء بنفسه تائبًا طالبًا التطهير مع الإعراض عنه وتلقينه ما يسقط الحد، كما في الحديث الآتي، وقد قال النبي - ﷺ -: \"لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم\" (^٢).\n\n• الوجه العاشر: في الحديث دليل على أن وجود مثل هذه الحالات النادرة في ذلك المجتمع الطاهر فيها حكمة ورحمة، أما الحكمة فلأجل أن يدرك الناس في هذه الأمة - إلى يوم القيامة - أنَّه لا يخلو مجتمع من أناسٍ قد يتلطخون بمثل هذه الأمور، وأن العبرة بكثرة أهل الفضل والدين والصلاح. وأما كونها رحمة، فهذا يدركه من عايش قصص التائبين من أهل عصرنا، فإذا علموا أن من الصحابة - رجالًا ونساءً - من قد زنى سهَّل ذلك عليه أمر التوبة، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (٤٤٢٢).\n(^٢) رواه مسلم من حديث بريدة - ﵁ - (١٦٩٥) (٢٢).","vol":"8","page":391},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1021>حكم تلقين المُقِرِّ ما يدفع الحَدَّ عنه</span>\n١٢١٥/ ٤ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: لَمَّا أتى مَاعزُ بن مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قَال لَهُ: \"لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ؟ \"، قَال: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الحدود\"، بابٌ \"هل يقول الإِمام لِلْمُقِرِّ: لعلك لمست أو غمزت؟ \" (٦٨٢٤) من طريق وَهْب بن جرير، حدَّثنا أبي، قال: سمعت يعلى بن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس -﵄-، قال: … وذكر الحديث، وتمامه: قال: \"أنكتها؟ \" -لا يكني-، قال: فعند ذلك أمر برجمه.\nولعل الحافظ ذكر حديث ابن عبَّاس - ﵄ - هي مع أنَّه في قصة ماعز - ﵁ -؛ لأن فيه زيادة لم ترد في حديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ -؛ ولأن فيه تسمية الرجل المبهم.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لعلك قبلت) حذف المفعول للعلم به؛ أي: قبلتها، والمراد: المرأة التي زنا بها.\n\nقوله: (أو غمزت) الغمز: بالغين المعجمة، هو الإشارة بالعين والحاجب، ويطلق على الجسّ واللمس باليد، أو وضع اليد على عضو الغير.\n\nقوله: (أو نظرت) أي: لعلك لم يقع منك زنا حقيقة، \"وإنما أطلقت الزنا على القبلة أو اللمس أو النظر، وقد ورد حديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - عن","vol":"8","page":392},{"text":"النبي - ﷺ - قال: \"إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه\" (^١)، وفي رواية: \"فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخُطا، والقلب يهوى ويتمنى، وبصدق ذلك الفرج ويكذبه\".\nوقد بوب البخاري على حديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁باب \"زنا الجوارح دون الفرج\"، قال الحافظ: (أي: إن الزنا لا يختص إطلاقه بالفرج، بل يطلق على ما دون الفرج من نظر وغيره.) (^٢)، وقال ابن بطَّال: (سمي النظر والنطق زنا؛ لأنه يدعو إلى الزنا الحقيقي) (^٣).\n\nقوله: (لا يكني) بفتح الياء التحتانية وسكون الكاف من الكناية، والمعنى: أنَّه - ﷺ - تلفظ بالكلمة المذكورة ولم يَكْنِ عنها بلفظ آخر.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن النظر إلى المرأة التي لا تحل قد يسمى زنا، ولكنه لا حد فيه.\n\n• الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنَّه ينبغي التثبت والتبين في أمر من جاء معترفًا بالزنا تائبًا؛ لأن العادة أن صاحب الفاحشة يستتر ولا يظهر أمره، فإذا جاء تائبًا وجب التثبت؛ خشية أن يكون في عقله شيء؛ لأن النبي - ﷺ - لم يكتف بمجرد إقراره بالزنا، وإنما سأله عن عقله، ثم قال: أشرب خمرًا؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، كما في حديث بريدة -﵁-، ثم سأله لعله أطلق لفظ الزنا على التقبيل أو الغمز أو النظر، بل استفهمه - ﷺ - بلفظ لا أصرح منه في المطلوب وهو لفظ النيك الذي كان النبي - ﷺ - يتحاشى عن التكلم به في جميع حالاته، ولم يُسمع منه إلَّا في هذا الموطن (^٤)، كل هذا مبالغة في التثبت، ودليل على حرص الشريعة على صيانة الدماء.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٣٦٣)، ومسلم (٢٦٥٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٥ - ٢٦).\n(^٣) انظر: \"شرح ابن بطال\" (٩/ ٢٣).\n(^٤) انظر: \"نيل الأوطار\" (٧/ ١١٢).","vol":"8","page":393},{"text":"• الوجه الخامس: في الحديث دليل على جواز تلقين المقر الرجوع عن إقراره واعتذاره بشبهة يتعلق بها، لقوله: \"لعلك قبلت … \"، وأنه يقبل رجوعه عن ذلك، ولولا أنَّه يقبل رجوعه لما كان لتلقينه ذلك فائدة، وهذا رأي الجمهور من أهل العلم، إلَّا أن المالكية لا يرون تلقين من اشتهر بالمحرمات (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المنتقى شرح الموطأ\" (٧/ ١٦٥)، \"نيل الأوطار\" (١٣/ ٢٥٩).","vol":"8","page":394},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1022>ما يثبت به الزنا</span>\n١٢١٦/ ٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - أَنَّهُ خَطَبَ فَقَال: إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمّدًا بالْحَقِّ، وَأنزَلَ عَلَيهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أنزَلَ اللهُ عَلَيهِ آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَينَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَال بالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجدُ الرَّجْمَ في كِتَابِ اللهِ، فَيُضِلُّوا بتَرْكِ فَريضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَإِنَّ الرّجْمَ حَقٌّ في كِتَابِ اللهِ: عَلَى مَنْ زَنَى، إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، أَوْ الاعْتِرَافُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد رواه البخاري في كتاب \"الحدود\"، باب \"الاعتراف بالزنا\" مختصرًا (٦٨٢٩)، ثم في باب \"رجم الحبلى إذا زنت\" رواه مطولًا (٦٨٣٠)، ومسلم (١٦٩١) من طريق الزُّهْريّ، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنَّه سمع عبد الله بن عبَّاس - ﵄ - يقول: قال عمر بن الخطاب - ﵁ - وهو جالس على منبر رسول الله - ﷺ -: (إن الله بعث محمدًا - ﷺ - بالحق …) وساق الحديث. وقد تضمن خطبة طويلة لعمر - ﵁ - ساقها البخاري بطولها، وفيها هذا المقدار الذي ساقه الحافظ، وأما لفظ \"البلوغ\" فهو لفظ مسلم.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أنَّه خطب) كانت هذه الخطبة من عمر - ﵁ - بعد صدوره من الحج وقدومه المدينة سنة ثلاث وعشرين.","vol":"8","page":395},{"text":"قوله: (إن الله بعث محمدًا بالحق) هذه الجملة ساقها عمر - ﵁ - بين يدي خطبته توطئة لها؛ ليتيقظ السامع لما سيقول:\n\nقوله: (آية الرجم) بالرفع اسم كان مؤخر، وخبرها (فيما أنزل الله)، وآية الرجم على ما ذكر العلماء: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)، وفي رواية للنسائي أن موضعها سورة الأحزاب، وهي مما نسخ لفظه وبقي حكمه، وسيأتي الكلام عليها قريبًا.\n\nقوله: (قرأناها) أي: تلوناها.\n\nقوله: (ووعيناها) أي: حفظناها.\n\nقوله: (وعقلناها) أي: تدبرناها.\nوجمع عمر - ﵁ - بين هذه الألفاظ مبالغة في تأكيد ثبوت آية الرجم وأنها كانت متلوة من القرآن.\n\nقوله: (ورجمنا بعده) أي: تبعًا له، وفيه إشارة إلى وقوع الإجماع على الرجم بعد الرسول - ﷺ - وأن الحكم باق لم ينسخ.\n\nقوله: (فأخشى إن طال بالناس زمان) قد وقع ما خشيه عمر - ﵁ - فقد أنكر الرجم طائفة من الخوارج أو معظمهم، وبعض المعتزلة، وهؤلاء محجوجون بالسنة، وضالون بشهادة عمر -﵁-، وهذا من الحق الذي جعله الله تعالى على لسان عمر وقلبه - ﵁ -.\n\nقوله: (وإن الرجم حق في كتاب الله) أي: في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، على ما تقدم في حديث عبادة -﵁-، أو أنَّه يريد الآية المنسوخة، ومعنى (حق) أي: ثابت أو واجب يُعمل به إلى يوم القيامة.\n\nقوله: (إذا أَحْصَنَ) بفتح الهمزة؛ أي: تزوج حرة تزويجًا صحيحًا وجامعها وهو بالغ عاقل، والمرأة كذلك.\n\nقوله: (إذا قامت البينة) أي: شهادة أربعة ذكور.\n\nقوله: (أو كان الحَبَلُ) بفتح المهملة والموحدة؛ أي: الحمل، كما في","vol":"8","page":396},{"text":"رواية أخرى، والمعنى: أن توجد امرأة حبلى لا زوج لها ولا سيد.\n\nقوله: (أو الاعتراف) أي: الإقرار بالزنا والاستمرار عليه.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن أدلة ثبوت الزنا ثلاثة: وهي الإقرار، والبينة، ولا خلاف في ثبوت الزنا بكل واحد منهما إن وقع على الوجه المطلوب، وأما الثالث وهو ظهور الحمل فهو موضع خلاف.\n\n• الوجه الرابع: اختلف العلماء في المرأة يظهر عليها الحمل ولا زوج لها ولا سيد هل يثبت عليها الزنا؟ على قولين:\nالأول: أنَّه يثبت عليها الزنا، ويجب عليها الحد إلَّا إذا ادعت الغصب أو وطء الشبهة وأقامت البينة على ذلك، ولا تقبل دعواها بغير بينة (^١)، وهذا قول مالك وأصحابه، ورواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (^٢).\nواستدلوا بحديث الباب حيث صرح عمر - ﵁ - بأن الحمل يثبت به الزنا كالبينة والإقرار، وقول الصحابي حجة عند أكثر العلماء، لا سيما وأنه من الخلفاء الراشدين، وقد قال ذلك بمحضر من الصحابة -﵃-، فينزل منزلة الإجماع (^٣)، كما استدلوا بأن الحمل شاهد على الزنا ولو حصل إكراه أو وطء شبهة لظهر؛ لأن الناس لا يسكتون عن بيان ما يدفع عنهم العار والأذى.\nالقول الثاني: أن ظهور الحمل على امرأة لا زوج لها ولا سيد لا يثبت به الزنا، ولا يجب به الحد، ولا تُسال عن سبب حملها إلَّا ببينة تشهد بالزنا، أو باعتراف منها، وهذا قول الحنفية والشَّافعية، والمعتمد في مذهب الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"المفهم\" (٥/ ٨٧).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٣٨٦)، \"المغني\" (١٢/ ٣٧٧)، \"الفتاوى\" (٢٨/ ٣٣٤)، \"الاختيارات\" ص (٢٩٦)، \"تهذيب مختصر السنن\" (٣/ ٦٢).\n(^٣) \"المفهم\" (٥/ ٨٥).\n(^٤) \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٢٤٥)، \"المغني\" (١٢/ ٣٧٧)، \"فتح الباري\" (١٢/ ١٤٨ - ١٤٩).","vol":"8","page":397},{"text":"وحجتهم أن الحمل لا يلزم أن يكون من الزنا اختيارًا، فقد يكون من وطء غصب أو إكراه أو من وطء شبهة، وقاعدة الشريعة أن الحدود تدرأ بالشبهات، بل قال بعض العلماء: إن من المبادئ الأساسية للشريعة الإسلامية أنَّه ينبغي أن تكون الشبهة كافية في درء العقوبات، ولا ينبغي أن تكون كافية في إيجابها (^١).\nوالفرق بين القولين أنَّه على الأول يكفي ظهور الحمل في ثبوت الحد، وعلى الثاني لا يكفي بل لا بد أن تقوم بينة أو تعترف.\nوالذي يظهر - والله أعلم - أن من ظهر عليها الحمل ولا زوج لها ولا سيد وادعت إكراهًا أو وطء شبهة أنَّه لا يقام الحد عليها، إلَّا إن وجد قرينة قوية تدل على كذبها، وأن هذا الحمل من زنا، فهذا يرجع فيه إلى اجتهاد القاضي. وقد ورد عن الصحابة - ﵃ - قضايا درأوا فيها الحد بالشبهة عمن وجدت حبلى ولا زوج لها ولا سيد، وقد ادعت الإكراه، ونحوه، ومن ذلك ما رواه عبد الرزاق والبيهقي، أن عمر بن الخطاب - ﵁ - أُتي بامرأة من أهل اليمن، قالوا: بغت، قالت: إني كنت نائمة فلم أستيقظ إلَّا برجل رمى فيَّ مثل الشهاب، فقال عمر - ﵁ -: (يمانية نؤمة) فخلى عنها (^٢).\n\n• الوجه الخامس: روى النَّسائي من طريق سفيان، عن الزُّهْريّ، عن عبيد الله، عن ابن عبَّاس - ﵄ - رضِي حديث عمر -﵁-، وفي آخره: \"ألا وإن الرجم حق على من زنى إذا أَحصن وكانت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، وقد قرأناها \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة … \") (^٣).\nوقد طعن الأئمة في ثبوت هذه الآية، واعتبروا ذلك من أفراد سفيان بن عيينة، عن الزُّهْريّ، وقد خالفه ثمانية من أصحاب الزُّهْريّ لم يذكروها،\n_________\n(^١) \"تفسير سورة النور\" للمودودي ص (٦٦).\n(^٢) \"المصنف\" (٧/ ٤١٠)، \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٣٦)، \"وإسناده صحيح\" [\"الإرواء\" (٨/ ٣٠)].\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (٦/ ٤١٠ - ٤١١).","vol":"8","page":398},{"text":"ومنهم: صالح بن كيسان، عند البخاري (^١)، ويونس بن عبد الأعلى، كما عند مسلم (^٢)، ولذا أعرض عنها البخاري وكأنها لم تصح عنده، قال النَّسائي: (لا أعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث \"الشيخ والشيخة … \" غير سفيان، وينبغي أنَّه وهم، والله أعلم) (^٣).\nومما يدل على أن سفيان بن عيينة لم يحفظه ما جاء في \"مسند الحميدي\" أنَّه قال: سمعته من الزُّهْريّ بطوله، فحفظت منه أشياء، وهذا لم أحفظه (^٤).\nوقد ورد الحديث عند أحمد بإثباتها (^٥)، لكن إعراض البخاري عنها يدل على عدم ثبوتها، ثم هي أخبار آحاد ليست مشهورة، فضلًا عن أن تكون متواترة، وآيات القرآن لا تثبت إلَّا بالتواتر، ثم إن تخصيص الرجم بالشيخ والشيخة لا وجه له، فإن الحكم معلق بالإحصان، سواء أكان المحصن شيخًا أم شابًّا، ولا يوجد مادة (شيخ) في لغة العرب تفيد الإحصان (^٦). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٦٨٣٠).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١٦٩١).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (٦/ ٤١١).\n(^٤) (١/ ١٦).\n(^٥) \"المسند\" (٣٥/ ١٣٤، ٤٧٢).\n(^٦) راجع: \"مجلة الحكمة\" عدد (٧) ففيها دراسة جيدة لهذه المسألة.","vol":"8","page":399},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1023>حكم الأمة إذا زنت</span>\n١٢١٧/ ٦ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أحَدِكُمْ فَتبَيَّنَ زنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَهذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في مواضع من \"صحيحه\"، وأولها في كتاب \"البيوع\"، باب \"بيع العبد الزاني\" (٢١٥٢)، ومسلم (١٧٠٣) من طريق اللَّيث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أَبي هُرَيرَةَ -﵁-، أنَّه سمعه يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: … وذكر الحديث، واللفظ لمسلم، كما قال الحافظ.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (فتبين زناها) ظاهره أن المراد تبينه بما يتبين في حق الحرة، وهو الشهادة أو الاعتراف، أو أن المراد عِلْمُ السيد بذلك (^١).\n\nقوله: (ولا يثرب عليها) بضم الياء المثناة، وفتح المثلثة، وتشديد الراء مكسورة؛ أي: لا يعنفها ولا يوبخها، والتثريب: التوبيخ واللوم.\n\nقوله: (فليبعها) هذا أمر ندب عند الجمهور، وحملته الظاهرية على\n_________\n(^١) انظر: \"سبل السلام\" (٧/ ١٣٤)، \"نيل الأوطار\" (١٣/ ٣١٦).","vol":"8","page":400},{"text":"الوجوب أخذًا بظاهره، والجمهور صرفوه عن ظاهره تمسكًا بالأصل الشرعي، وهو أنَّه لا يجبر أحد على إخراج ملكه لشخص آخر في غير الشُّفْعةَ (^١).\n\nقوله: (ولو بحبل من شعر) لو: للتقليل، وقوله: (من شعر) بفتح العين وسكونها، وخص حبل الشعر؛ لأنه أكثر حبالهم، وفي رواية لهما: \"ولو بضفير\" والضفير: الحبل، وهذا خرج مخرج التقليل والتزهيد في الجارية الزانية.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب إقامة الحدود على الأرقاء؛ ردعًا لهم عن الفواحش وصيانة لهم عن محارم الله ﷿.\n\n• الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن حد الأمة إذا زنت هو الجلد، وهذا الحديث لم يبين الإحصان وعدمه، وقد جاء في رواية في \"الصحيحين\": (أنَّه سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن)، وقد طعن الطحاوي في قوله: (ولم تحصن) وادعى تفرد مالك بها عن ابن شهاب، وأشار إلى تضعيفها، وأنكر الحفاظ عليه ذلك؛ لأنه رواه ابن عيينة ويحيى بن سعيد، عن ابن شهاب، وليس في ثبوتها مُخَالفَةُ؛ لأن الأمة تجلد مطلقًا، سواء أكانت محصنة أم غير محصنة، فالآية دلت على حكم المحصنة، والحديث على حكم غير المحصنة وأنهما حكمهما الجلد. وقد دل قوله: ﴿فَإِنْ أَتَينَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، أن الجلد ينصف عليها فتجلد خمسين، ولا تغريب على قول الجمهور؛ لأن تغريبها يضر بسيدها، وربما أغراها بمعاودة الفاحشة.\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنَّه إذا تكرر الزنا من الأمة أنَّها تجلد مرة ثانية، فإن لم يردعها الجلد وجب بيعها ولو بأرخص الأثمان؛ لأنه لا خير في بقائها ولا فائدة في تأديبها، وهذا يدل على أن الزنا عيب في الرقيق، بدليل أنَّه أمر ببيعه ولو بحبل، وإذا لم يعلم به المشتري فله الخيار في رده.\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٥/ ١٢١).","vol":"8","page":401},{"text":"فإن قيل: كيف يؤمر ببيعها والمسلم لا يرضى لغيره ما لا يرضاه لنفسه؟ فالجواب: أنَّه لم يقصد ببيعها التخلص منها وبلوى غيره بها، وإنَّما المراد لعلها ترتدع عند المشتري وتستعف بأن يعفها بنفسه أو يصونها في بيته أو يزوجها، أو تعلم بان إخراجها من ملك سيدها بسبب الزنا فتتركه خشية تنقلها بين الملاك، أو غير ذلك من وجوه حفظها؛ لأن بعض الناس قد يكون أقدر على إعفاف أمته أو حفظها من غيره، ثم إن الظاهر من قوله: \"ولو بحبل من شعر\" أن البائع بين عيبها للمشتري بسبب كون ثمنها زهيدًا.\n\n• الوجه السادس: في الحديث دليل على أن السيد منهي عن الجمع بين عقوبة الجلد والتعنيف على الزنا؛ لأن الحد كفارة وهو بمثابة التوبة، والتائب والمحدود لا ينبغي أن يعيرا.\n\n• الوجه السابع: استدل العلماء بهذا الحديث على أنَّه لا يجب على البائع ذكر عيب الأمة الزانية التي أقيم عليها الحد، لأمرين:\n١ - لأن الشارع أمره ببيعها ولم يأمره ببيان عيبها.\n٢ - أن هذا العيب ليس معلومًا ثبوته في المستقبل، فقد يتوب الفاجر ويفجر البار.\nوظاهر النص أن البائع يبين للمشتري هذا العيب؛ لأجل أنَّه ينتبه لهذا مستقبلًا؛ ولأنه لا تنزل قيمته إلَّا إذا بين ما فيه، ثم إن في ترك البيان نوعًا من الغش يؤدي إلى أن السيد الثاني لا يحتاط لهذا الأمر، فالأقرب أنَّه يبين. والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":402},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1024>ما جاء في أن السيد يقيم الحد على رقيقه</span>\n١٢١٨/ ٧ - عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَهُوَ في مُسْلِمٍ مَوْقُوفٌ.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أَبو داود في كتاب \"الحدود\"، باب، في إقامة الحد على المريض\" (٤٤٧٣)، والنَّسائي في \"الكبرى\" (٦/ ٤٥٥، ٤٥٩)، وأحمد (٢/ ٣٥٢) من طريق عبد الأعلي بن عامر التغلبي، عن ميسرة بن يعقوب أبي جميلة الطهوي، عن علي -﵁-، قال: فجرت جارية لآل رسول الله - ﷺ - فقال: \"يا علي انطلق فأقم عليها الحد\" … وذكر الحديث، وفيه قصة، إلَّا أن النَّسائي في الموضع الأول ساقه مختصرًا، وهو لفظ \"البلوغ\" ولم يذكر القصة.\nوهذا سند ضعيف، فيه عبد الأعلى، ضعفه أحمد وأَبو زرعة وأَبو حاتم وابن معين والنَّسائي (^١)، وميسرة بن يعقوب هو صاحب راية علي -﵁-، ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وروى عنه جماعة (^٢)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (مقبول).\nوقد رواه مسلم (١٧٠٥) موقوفًا من طريق السدي، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: خطب علي - ﵁ - فقال: يا أيها الناس\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٨٦).\n(^٢) \"الثقات\" (٥/ ٤٢٧)، \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٣٤٥).","vol":"8","page":403},{"text":"أقيموا على أرقائكم الحدود من أحصن منهم ومن لم يُحْصِنْ، فإن أمة لرسول الله - ﷺ - زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخفت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: \"أحسنت\".\n\n• الوجه الثاني: أجمع العلماء على أن الذي يقيم الحدود على الأحرار ولي الأمر أو من يقوم مقامه كالقاضي.\nوأما الأرقاء فالجمهور على أن أسيادهم وملاكهم هم الذين يقيمون عليهم الحد، لهذا الحديث، ولحديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - المتقدم: \"إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها … \" والجمهور على أن السيد يجلد رقيقه للزنا، واختلفوا في القطع للسرقة، والجلد للشرب، ورجح ابن حزم القول بالعموم (^١).\nوقالت الحنفية: إنه لا يقيم الحدود مطلقًا إلَّا الإِمام أو من أذن له (^٢)، واستدلوا بما رواه الطحاوي عن مسلم بن يسار، أنَّه قال: كان رجل من الصحابة - ﵁ - يقول: (الزكاة والحدود والفيء والجمعة إلى السلطان) قال الطحاوي: (لا نعلم له مخالفًا) (^٣) وتعقبه ابن حزم بأنه خالفه اثنا عشر صحابيًّا (^٤). وحديث الباب حجة عليهم. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (١١/ ١٦٦).\n(^٢) \"شرح فتح القدير\" (٥/ ٢١).\n(^٣) \"مختصر اختلاف العلماء\" (٣/ ٢٩٩).\n(^٤) \"المحلى\" (١١/ ٢١).","vol":"8","page":404},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1025>تأخير رجم الحبلى حتى تضع</span>\n١٢١٩/ ٨ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ - ﵁ - أَن امْرَأَةً مِنْ جُهَينَةَ أَتَتْ نَبِيَّ الله - ﷺ - وَهيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَا فَقَالتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نبِيُّ اللهِ - ﷺ - وَلِيَّهَا. فَقَال: \"أَحْسِنْ إِلَيهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَائْتِنِي بهَا\" فَفَعَلَ. فَأَمَرَ بهَا فَشُكَّتْ عَلَيهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بهَا فَرُجمَتْ، ثُمّ صَلَّى عَلَيهَا، فَقَال عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيهَا يَا نَبِيَّ اللهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَال: \"لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَينَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْل الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أفضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بنَفْسِهَا لله؟ \" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في \"الحدود\"، باب \"من اعترف على نفسه بالزنى\" (١٦٩٦) من طريق يحيى بن أبي كثير، حدثني أَبو قلابة، أن أبا المهلب حدثه، عن عمران بن حصين -﵁-، أن امرأة من جهينة … وذكر الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أن امرأة من جهينة) هي قبيلة جهينة بن زيد، وهي قبيلة عظيمة لها فروع كثيرة، منازلهم كانت ولا تزال على ساحل البحر الأحمر، وعاصمة حاضرتهم بلدة أُملج، وهي بلدة ساحلية على البحر غرب المدينة النبوية.\nوقد ذهب بعض العلماء كالنووي والشوكاني وغيرهما إلى أن هذه المرأة هي المعروفة بالغامدية التي روى حديثها بريدة - ﵁ - وغيره؛ لأن غامدًا بطن","vol":"8","page":405},{"text":"من جهينة (^١).\nوقال آخرون: هما قصتان؛ لما بينهما من الاختلاف؛ فإن قصة الجهنية رواها عمران بن حصين، ولم يرددها الرسول - ﷺ -، ولم تذكر ماعزًا - ﷺ -، ولها ولي بالمدينة، ولذا رجعت بعد الولادة، وجاء لعمر - ﵁ - ذكر في قصتها، أما الغامدية فروى حديثها بريدة -﵁-، ورددها الرسول - ﷺ - وذكرت ماعزًا -﵁-، وليس لها ولي بالمدينة، فتكفل رجل من الأنصار بشأنها، ولم يرجمها الرسول - ﷺ - إلَّا بعد الفطام، وجاء في قصتها ذكر خالد بن الوليد -﵁-، ومن يقول: إنهما قصة واحدة ينشأ عنده عدة إشكالات، ومن يقول: هما قصتان يسلم من هذا.\n\nقوله: (وهي حبلى) يقال: حبلت المرأة تحبل فهي حبلى: إذا حملت، ونقل النووي في \"تهذيبه\" اتفاق أهل اللغة على أن الحَبَل مختص بالآدميات، وفي غيرها يقال: الحمل (^٢)، لكن قد يشكل على هذا ما تقدم في \"البيوع\" من بيع حَبَلِ الحَبَلَةِ، وهو في الحيوان.\n\nقوله: (من الزنا) من: تعليلية، ويصح كونها ابتدائية.\n\nقوله: (أصبت حدًّا) أي: ما يلزم به الحد ويثبت، وهذا لفظ مجمل، لكن وقع بيانه في رواية أخرى إن كانت قصة الجهنية والغامدية واحدة، أو في قول عمر - ﵁ -: (أتصلي عليها وقد زنت).\n\nقوله: (أحسن إليها) أمره بالإحسان إليها خشيةَ أن يصل إليها أذى من قراباتها بسبب زناها، ورحمة بها لأنها قد تابت.\n\nقوله: (فإذا وضعت فأتني بها) ظاهر هذا أن الرجم وقع عقب الوضع، فإن كانتا قصتين فلا إشكال، وإن كانت واحدة فقد ثبت في حديث بريدة - ﵁ - أن الغامدية رجمت بعد أن فطمت ولدها، فتكون الأولى محمولة على الثانية، والمراد أنَّه أتى بها بعد الولادة، ثم أمر بتأخيرها إلى الفطام.\n_________\n(^١) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١١/ ٢١٤)، \"نيل الأوطار\" (١٣/ ٢٨٨).\n(^٢) \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٣/ ٦١).","vol":"8","page":406},{"text":"قوله: (فشكت عليها ثيابها) شُكَّتْ بوزن شُدَّتْ، ومعناه: جمعت عليها ثيابها ولُفَّتْ بها؛ لئلا تنكشف في تقلبها واضطرابها عند نزول الموت.\n\nقوله: (ثم صَلَّى عليها) بفتح الصاد واللام عند الجمهور من رواة مسلم، كما قال القاضي عياض، وصلاته عليها ليعلم أنَّها ماتت تائبة، ونقل القاضي عياض عن الطَّبري أنَّها بضم الصاد وكسر اللام (^١)، على البناء لما لم يُسَمَّ فاعله، ويؤيد ذلك رواية أبي داود: (ثم أمرهم فصلوا عليها) (^٢)، والأول أرجح لأمرين:\nالأول: أن أكثر رواة مسلم عليها.\nالثاني: قول عمر - ﵁ -: (أتصلي عليها) يدل على أنَّه - ﷺ - باشر الصلاة عليها.\nوأما رواية أبي داود فمعناها أمرهم أن يصلوا خلفه.\n\nقوله: (أتصلي عليها) الظاهر أنَّه استفهام تعجب واستكشاف لحكمة صلاته - ﷺ - عليها مع أنَّه وقع منها أمر يقتضي إهمال أمرها والإعراض عنها، وليس هو للإنكار، هكذا قال ابن علان (^٣)، وقد يرد على هذا النفي جذب عمر - ﵁ - لرسول الله - ﷺ - لما أراد أن يصلي على ابن أُبي بن سلول، فقد يقال: إن هذا الاستفهام للإنكار؛ لوجود الفعل، لا سيما ما عرف من قوة عمر - ﵁ - وأنه لا تأخذه في الله لومة لائم.\n\nقوله: (لو قسمت بين سبعين) أي: سبعين عاصيًا، فحذف التمييز للعلم به، والظاهر أن العدد من باب المبالغة في عظم توبتها، وليس المراد التحديد بالسبعين، ولا أن يكون ما زاد عليها بخلاف ذلك.\n\nقوله: (لوسعتهم) بكسر السين وفتح العين؛ أي: لكفتهم في رفع آثامهم، والمعنى: أنَّها تابت توبة تستوجب مغفرةَ ورحمةَ سبعين من أهل المدينة.\n_________\n(^١) \"إكمال المعلم\" (٥/ ٥٢٣).\n(^٢) \"السنن\" (٤٤٤٠).\n(^٣) \"دليل الفالحين\" (١/ ١٣٤).","vol":"8","page":407},{"text":"قوله: (أن جادت) من الجود، كأنها أخرجت روحها ودفعتها لله ﷿. وجملة: (لقد تابت) أفادت ما خفي على عمر -﵁-، فإنه نظر إلى ما صدر منها، وغفل عما ختمت به أمرها، وهو التوبة.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن حكم الزنا يثبت بالاعتراف مرة واحدة، وسبق الخلاف في ذلك.\n\n• الوجه الرابع: في الحديث دليل على ثبوت حكم الرجم في حق الزاني المحصن بأن يرجم بالحجارة حتَّى يموت؛ لأن الرسول - ﷺ - حكم برجمها، وهذا محمول على أنَّها كانت محصنة؛ لأن الأحاديث الصحيحة والإجماع يدلان على أنَّه لا يرجم غير المحصن.\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن شرط استيفاء الحد أن يؤمن الحيف، فلا يتعدى إلى غير من عليه الحد، فإذا وجب الحد على حامل فلا يقام عليها حتَّى تضع، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم، كما نقله ابن المنذر وابن حزم وابن قدامة (^١)، وذلك لئلا يقتل من لا ذنب له، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].\nوهكذا القصاص لو وجب على امرأة وهي حبلى، فإنها تترك حتَّى تضع؛ لئلا يتعدى القتل إلى غير الجاني، وأما تأخير الحد لأجل المرض، فسيأتي - إن شاء الله تعالى - قريبًا.\n\n• الوجه السادس: في الحديث دليل على مشروعية شَدِّ ثياب المرأة عليها عند إرادة تنفيذ الحد عليها؛ لئلا تنكشف عورتها عند اضطرابها من مس الحجارة، والجمهور على أنَّها تُرجم قاعدة، ولعل ذلك مأخوذ من كونها شدت عليها ثيابها، بل نقل بعضهم الاتفاق على ذلك.\nأما الرجل فالجمهور على أنَّه يرجم قائمًا، وقال مالك: قاعدًا، وقيل: يخير الإِمام (^٢).\n_________\n(^١) \"الإجماع\" ص (١٦١)، \"مراتب الإجماع\" ص (٢١٥)، \"المغني\" (١٢/ ٣٢٧).\n(^٢) \"سبل السلام\" (٤/ ٢٣).","vol":"8","page":408},{"text":"• الوجه السابع: في الحديث دليل على مشروعية الصلاة على المرجوم، وجوازها من الإِمام كبقية موتى المسلمين، وقد تقدم شيء من ذلك في كتاب \"الجنائز\"، وأزيد هنا ما له مناسبة، قال ابن القيم على حديث الغامدية: (لم يُختلف فيه أنَّه - ﷺ - صلى عليها) (^١)، وابن القيم يقصد رواية بشير بن المهاجر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، (ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت) (^٢)، وقد خولف في ذلك، فقد أخرجه مسلم من طريق غيلان المحاربي، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، وليس فيه ذكر الصلاة، وقد ذكرت هذا في كتاب \"الجنائز\".\nوكذا صَلَّى على الجهنية، وكل ذلك جاء صريحًا في القصتين.\nوقد جاء الخلاف في قصة ماعز -﵁-، فروى البخاري من طريق محمود بن غيلان، حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزُّهْريّ، عن أبي سلمة، عن جابر - ﵁ - في قصة ماعز -﵁-، وفي آخره: فقال النبي - ﷺ - خيرًا، وصَلَّى عليه (^٣).\nوقد أُعلت هذه الزِّيادة بأن محمود بن غيلان خالف أكثر من عشرة أنفس، رووا الحديث عن عبد الرزاق فلم يذكروها، منهم من سكت عنها، ومنهم من صرح بنفيها، قال الحافظ: (قد خالفه العدد الكثير من الحفاظ، فصرحوا بأنه لم يصل عليه، لكن ظهر لي أن البخاري قويت عنده رواية محمود بالشواهد …)، ثم ذكرها، ومنها: حديث عمران في قصة الجهنية. قال البيهقي: (وقول محمود بن غيلان أنَّه صلى عليه خطأ لإجماع أصحاب عبد الرزاق على خلافه، ثم إجماع أصحاب الزُّهْريّ على خلافه).\nوقد سئل أَبو عبد الله البخاري هل قوله: (\"فصلى عليه\" يصح أم لا؟ قال: رواه معمر، قيل له: هل رواه غير معمر؟ قال: لا) (^٤).\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٤٤٤٠).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١٦٩٥) (٢٣).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٦٨٢٠).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٦٨٢٠).","vol":"8","page":409},{"text":"وقد رواه ابن جريج عند مسلم (^١)، ويونس بن يزيد عند البخاري، ومسلم بدونها (^٢).\nوعلى هذا فزيادة: (فصلى عليه) غير محفوظة، وعذر البخاري في ذكرها ما تقدم ذكره عن الحافظ، ومن يقول بثبوتها فهو يرى أن زيادة الثقة إذا وقعت غير منافية كانت مقبولة.\nوقد جاء في رواية من طريق عبد الرزاق - رواها عنه جماعة - عن معمر: (فقال رسول الله - ﷺ - خيرًا ولم يصلِّ عليه) (^٣)، ورواية الإثبات عند هؤلاء أرجح، لأمور:\n١ - كونها في \"صحيح البخاري\".\n٢ - كونها مثبتة، والمثبت مقدم على النافي.\n٣ - أن رواية النفي يمكن حملها على أنَّه لم يصل عليه حين رجمه، ورواية الإثبات أنَّه صلى عليه في اليوم الثاني، كما في رواية أبي أمامة بن سهل بن حنيف.\n\n• الوجه الثامن: نقل ابن القيم الاتفاق على أن الحدود لا تسقط بالتوبة بعد القدرة على مرتكب الجريمة، كان تكون جريمته ثبتت بالبينة، وذلك لئلا تكون التوبة سببًا في إسقاط الحدود وظهور الفساد في البر والبحر، وتوبته إذا كانت نصوحًا نفعته فيما بينه وبين الله تعالى، فيغفر له ما سلف، ويكون الحد تطهيرًا وتكفيرًا لسيئته، وهو من تمام التوبة (^٤).\nواختلفوا في سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة عليه، أو من جاء تائبًا كحال ماعز والجهنية - ﵄ على أن التوبة لا تسقط الحد؛ لأن الرسول - ﷺ - تائبة تطلب التطهير بإقامة الحد،\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٦٩١).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٥٢٧٠) (٦٢١٤)، \"صحيح مسلم\" (١٦٩١).\n(^٣) \"المصنف\" (٧/ ٣٢٠)، \"سنن أبي داود\" (٤٤٣٠)، \"جامع التِّرمِذي\" (١٤٢٩)، \"سنن النسائي\" (٣/ ٦٢)، \"المسند\" (٢٢/ ٣٥٣).\n(^٤) \"الصارم المسلول\" ص (٤٣١ - ٤٣٢)، \"إعلام الموقعين\" (٣/ ١٤٢).","vol":"8","page":410},{"text":"وسمى النبي - ﷺ - فعلها توبة، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وهذا عام في التائب وغيره، ولا مخصص له فيما أعلم؛ ولأن الحدود كفارة، فلم تسقط بالتوبة، ككفارة اليمين والقتل.\nوهذا قول الجمهور، ومنهم الحنفية، والمالكية، وأرجح الروايتين عن أحمد، وقول للشافعي (^١).\nوالقول الثاني: أن التوبة تقبل، وتُسقط عنه الحد، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وهو المعتمد في مذهب الشَّافعية (^٢)، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، وقوله تعالى في حق السارق: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيهِ﴾ [المائدة: ٣٩]؛ ولأن الحد خالص حق الله تعالى، فيسقط بالتوبة (^٣).\nويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن قصة الغامدية وماعز محمولة على من اختار إقامة الحد عليه، وكأنه يرى تطهيره بالحد أبلغ من تطهيره بالتوبة، أو ليجتمع له تطهيران، وأما من تاب بعد اعترافه ولم يطلب إقامة الحد عليه فلا يقام، وهذا قول وسط، كما يقول عنه ابن القيم (^٤).\nوأصح قولي أهل العلم أن الأفضل فيمن ارتكب جريمة الزنا أن يتوب سرًّا، ولا يظهر جريمته حتَّى يقام حده عليه، ومن تاب صادقًا فإن الله تعالى يقبل توبته؛ لعموم الأدلة في قبول توبة التائبين.\nوهذا الكلام في غير المحارب، أما المحارب إذا تاب قبل القدرة عليه فإنه يسقط عنه الحد بالاتفاق، وهذا بالنسبة لحق الله تعالى، أما حقوق الآدميين كأخذ مال أو قتل أو جرح فلا تسقط على رأي الجمهور إلَّا أن يُعفى عنها (^٥). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٢/ ٤٨٤).\n(^٢) \"المهذب\" (٢/ ٢٦٦)، \"المغني\" (١٢/ ٤٨٤).\n(^٣) \"الصارم المسلول\" ص (٤٣١ - ٤٣٢).\n(^٤) \"الاختيارات\" ص (٢٩٦)، \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٧٩) (٣/ ١٥٦).\n(^٥) انظر: \"المغني\" (١٢/ ٤٨٣)، \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٩٥).","vol":"8","page":411},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1026>رجم المحصن من أهل الكتاب</span>\n١٢٢٠/ ٩ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَال: رَجَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ، وَرجُلًا مِنَ الْيَهُودِ، وَامْرَأةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n١٢٢١/ ١٠ - وقصَّةُ رجْمِ اليهودِيَّينِ في \"الصحيحين\" من حديثِ ابنِ عُمَرَ - ﵄ -.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث جابر - ﵁ - فقد رواه مسلم في \"الحدود\"، باب \"رجم اليهود أهل الذمة في الزنى\" (١٧٠١) قال: حدثني هارون بن عبد الله، حدَّثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أَبو الزُّبَير أنَّه سمع جابر بن عبد الله - ﵄ - يقول: رجم النبي - ﷺ - رجلًا من أسلم ورجلًا من اليهود وامرأته.\nثم قال: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح بن عبادة، حدَّثنا ابن جريج بهذا الإسناد مثله غير أنَّه قال: وامرأة.\nوأما حديث ابن عمر - ﵄ - رفِي فرواه البخاري في \"الحدود\"، باب \"أحكام أهل الذمة وإحصانهم إذا زنوا ورُفِعُوا إلى الإِمام\" (٦٨٤١)، ومسلم (١٦٩٩) من طريق نافع، عن عبد الله بن عمر -﵄-، أنَّه قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله - ﷺ - فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا … الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (رجم) أي: أمر، وأُسند الفعل إليه من باب المجاز العقلي؛ لأنه هو الآمر، وقد تقدم في حديث ماعز: (اذهبوا به فارجموه).","vol":"8","page":412},{"text":"قوله: (رجلًا من أسلم) هو ماعز بن مالك الأسلمي - ﵁ -.\n\nقوله: (وامرأة) هذه رواية لمسلم، كما تقدم، والمراد بها الجهنية كما تقدم.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن أهل الكتاب وسائر أهل الذمة إذا رُفعوا إلينا حكمنا بينهم بما في شريعتنا، كان ذلك موافقًا لما عندهم أو مخالفًا، وأنزلناهم في الحكم منزلتنا؛ لأن الرسول - ﷺ - حكم برجم اليهوديين، وقد رجم ماعزًا وغيره من المسلمين.\n\n• الوجه الرابع: في الحديث دليل على وجوب إقامة حد الزنى على الذِّمِّيّ إذا زنى؛ لأن أهل الذمة يعتقدون تحريم الزنى، كما في شريعتهم، ولذا أخبروا النبي - ﷺ - بأنهم يجلدون، مع كذبهم في هذا، فإقامة الحد عليهم من باب المنع في وقوع مثل هذه الجريمة، وليس من باب التطهير والكفارة.\n\n• الوجه الخامس: استدل بهذا الحديث من قال: إن الإحصان ليس من شروطه الإسلام، وأن الذِّمِّيَّ يحصِّن الذمية، فإذا وطئ الكافر في نكاح صحيح في شرعه فهو محصن، تجري عليهم أحكام المسلمين إذا ترافعوا إلينا، وهذا مذهب الشَّافعية والحنابلة، واختاره ابن القيم (^١).\nوالقول الثاني: أن الإسلام شرط في الإحصان، فلا يكون الكافر محصنًا، ولا تحصن الذمية مسلمًا، وعليه فلا يرجم الكافر، وهذا مذهب المالكية، وأكثر الحنفية، ورواية عند الحنابلة (^٢)، واستدلوا بما روي عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: \"من أشرك بالله فليس بمحصن\" (^٣).\nووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - أخبر أن المشرك ليس بمحصن، والرجم لا يكون إلَّا للمحصن، فالإسلام إذن شرط في الإحصان.\nوأجابوا عن حديث الباب بأن الرسول - ﷺ - رجم اليهوديين بحكم التوراة، ولذا سألهم عنها، لا بهذه الشريعة، وكان ذلك عند قدومه المدينة،\n_________\n(^١) \"المهذب\" (٢/ ٢٨٤)، \"المغني\" (١٢/ ٣٨١)، \"زاد المعاد\" (٥/ ٣٥).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٣٧٨)، \"شرح فتح القدير\" (٥/ ٢٤).\n(^٣) رواه الدَّارَقُطني (٣/ ١٤٧).","vol":"8","page":413},{"text":"لما ورد في بعض طرق القصة: (لما قدم النبي - ﷺ - المدينة أتاه اليهود)، وكان إذ ذاك مأمورًا باتباع حكم التوراة، ثم نُسخ ذلك بالحد المعروف.\nوالراجح القول الأول، لقوة دليله، وضعف دليل المخالف، فإن الحديث نص صريح في أن الإسلام ليس شرطًا في الإحصان.\nوأما دليلهم وهو حديث ابن عمر -﵄-، فقد روي مرفوعًا، وروي موقوفًا، قال الدَّارَقُطني: (والصحيح موقوفًا) (^١)، ولو صح رفعه فقد تعين حمله على إحصان القذف، جمع أبينه وبين قصة اليهوديين؛ لأن الراوي واحد، فلا يخالف النبي - ﷺ - فيما يروي عنه (^٢)، وعليه فلا يجب حد القذف على من قذف مشركًا.\nوأما جوابهم عن حديث الباب بأنه أول قدومه المدينة فهي دعوى تحتاج إلى تحقيق التاريخ، وكون النبي - ﷺ - فعل ذلك عند مقدمه المدينة لا يقتضي الفورية، ولا ينافي ثبوت شرعية حكم الرجم، والنبي - ﷺ - سألهم عن حكم التوراة في الرجم ليقيم عليهم الحجة من كتابهم الذي أنكروا أن يكون الرجم فيه، وليبين لهم أن كتب الله تعالى متفقة على هذا الحكم، وهو مأمور من ربه بأن يحكم عليهم بشرعه، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وهذا دليل قطعي بأنه مأمور بالحكم بما في شريعته.\n\n• الوجه السادس: في الحديث دليل على أن أنكحة الكفار صحيحة، ولولا صحة أنكحتهم ما ثبت إحصانهم.\n\n• الوجه السابع: في الحديث دليل على أن الكفار مخاطبون بالأوامر والنواهي على أرجح الأقوال في هذه المسألة، وهو مبني على أن الرسول - ﷺ - حكم عليهم بشرعه؛ لا بما في التوراة، وهو الظاهر، كما تقدم. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"العلل\" (١٣/ ٧٥)، \"السنن\" (٣/ ١٤٧).\n(^٢) انظر: \"معرفة السنن\" (١٢/ ٢٨١).","vol":"8","page":414},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1027>ما جاء في إقامة الحد على المريض</span>\n١٢٢٢/ ١١ - عَنْ سَعِيدِ بن سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ - ﵄ - قَال: كَانَ بين أَبْيَاتِنَا رُوَيجِلٌ ضَعِيفٌ، فَخَبَثَ بأَمَةٍ مِنْ إِمَائِهمْ، فَذَكَرَ ذلِكَ سَعْدٌ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَال: \"اضْرِبُوهُ حَدَّهُ\"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ ذلِكَ، فَقَال: \"خُذُوا عِثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ ثُمّ اضْرِبُوهُ بهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً\"، فَفَعَلُوا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَة، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، لَكِنِ اخْتُلِفَ في وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي -﵄-، ذكره الجمهور في الصحابة -﵃-، وقال ابن عبد البر: (صحبته صحيحة)، واختلف فيه قول ابن حبان، فذكره في الصحابة، وفي ثقات التابعين، وقال ابن سعد: \"ثقة قليل الحديث)، وقال الواقدي: (كان واليًا لعلي - ﵁ - على اليمن) (^١).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٣٦/ ٢٦٣)، والنَّسائي في \"الكبرى\" (٦/ ٤٧٣)، وابن ماجة (٢٥٧٤) من طريق محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن سعيد بن سعد بن عبادة رفقا، قال: كان بين أبياتنا رويجل … وذكر الحديث.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٤/ ١٩٥)، \"الإصابة\" (٤/ ١٩٠)، \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٢).","vol":"8","page":415},{"text":"وهذا الحديث في سنده محمد بن إسحاق، وهو صدوق حسن الحديث، لكنه مدلس، وقد عنعنه (^١)، ثم إنه مختلف في إسناده، كما ذكر النَّسائي وغيره، فقد رواه أَبو داود (٦/ ٤٧٢) من حديث الزُّهْريّ، عن أبي أمامة، عن رجل من الأنصار، ورواه النَّسائي (٦/ ٤٧٢) من حديث الزُّهْريّ -أيضًا- عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، ورواه الدَّارَقُطني (٣/ ٩٩) من حديث فليح، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف.\nوقد أعل -أيضًا- بالإرسال، فرواه النسائي من طريق يحيى بن سعيد القطان ومحمد بن عجلان، عن يعقوب بن عبد الله، عن أبي أمامة، فذكره مرسلًا، ولما ذكر الاختلاف في إسناده قال: (أجودها حديث أبي أمامة مرسل)، ورواه غير واحد عن يحيى الأنصاري، عن أبي أمامة مرسلًا.\nوقد رجح الدَّارَقُطني إرساله -أيضًا- والظاهر أن هذا لا يضر لأن أبا أمامة معدود في صغار الصحابة، ولد في عهد النبي - ﷺ -، وهو الذي سماه وحنكه (^٢).\nقال الحافظ بعد أن ذكر طرق الحديث وما ورد فيها من اختلاف: (فإن كانت الطرق كلها محفوظة فيكون أَبو أمامة قد حمله عن جماعة من الصحابة، وأرسله مرة) (^٣).\n\n• الوجه الثالث: في شرح ألفاظ:\n\nقوله: (أبياتنا) جمع بيت، ويجمع على بيوت -أيضًا- كما في \"القاموس\" (^٤).\n\nقوله: (رويجل) تصغير رجل، ولعل الغرض من ذلك التحقير، وقد ورد في بعض الروايات: (رويجل ضعيف مُخْدج) والمخدج: بضم الميم وسكون الخاء المعجمة، هو السقيم الناقص الخلق، وفي رواية: (مُقْعَدٌ زَمِن).\n_________\n(^١) انظر: \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ٣١٢ - ٣١٣).\n(^٢) انظر: \"العلل\" للدارقطني (١٢/ ٢٧٦)، \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢٣١).\n(^٣) \"التلخيص\" (٣/ ٩٥ - ٩٦).\n(^٤) \"ترتيب القاموس\" (١/ ٣٤٦).","vol":"8","page":416},{"text":"والزَّمِنُ: هو المريض مرضًا يدوم طويلًا (^١).\n\nقوله: (فخبث) بفتح الخاء والباء، من باب (قتل) أي: زنا وفجز (^٢).\n\nقوله: (فذكر ذلك سعد) هو سعد بن عبادة بن دُليم الأنصاري الخزرجي المدني -﵁-، سيد الخزرج، شهد بيعة العقبة، اختلف في شهوده بدرًا، وقد جزم البخاري بشهوده إياها، وتبعه ابن منده، وقال ابن سعد: كان يتهيأ للخروج فَنُهِشَ فأقام، قال الذهبي: (له أحاديث يسيرة، مات قبل أوان الرواية)، وكان - ﵁ - سيدًا جوادًا ملكًا شريفًا مطاعًا، مات سنة أربع أو ست عشرة (^٣).\n\nقوله: (عثكالًا) العثكال بالكسر على وزن قرطاس، وهو عذق النخل.\n\nقوله: (شمراخ) بالكسر على وزن قرطاس -أيضًا-، هي فروع العثكال، وهي غصون دقيقة تنبت على أصل العثكال في أعلى الغصن الغليظ، وهي التي تنتظم فيها ثمرة النخلة، والعثكال للنخل كالعنقود للعنب.\n\n• الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال: إن المريض إذا ارتكب ما يوجب الجلد كالزنا أو القذف أو الشرب أنَّه يقام عليه الحد ولا يؤخر، فيقام عليه الحد بقدر ما يستطيع ويتحمل، وهذا أحد الأوجه الثلاثة عند الشَّافعية، وهو قول الظاهرية، وبعض الحنابلة (^٤).\nووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - أمر بإقامة الحد على هذا الزاني مع علمه بضعفه وعدم تحمله، ومع ذلك أمر أن يقام عليه الحد بضربه بعذق فيه مائة شمراخ ضربة واحدة، لئلا تفوت إقامة الحد عليه.\nوالظاهر أن هذا الحديث محمول على مريض لا يرجى برؤه، بدليل الصفات التي وصف بها هذا الرجل، كما تقدم، وهذا هو الذي يقام عليه\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (١٦٤، ٢٥٦).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (١٦٢).\n(^٣) \"الطبقات\" (٣/ ٦١٤)، \"الاستيعاب\" (٤/ ١٥٢)، \"السير\" (١/ ٢٧٠)، \"الإصابة\" (٤/ ١٥٢).\n(^٤) \"المحلى\" (١٢/ ٩١)، \"روضة الطالبين\" (٧/ ٣١٧)، \"الشرح الكبير\" (٢٦/ ١٩٣).","vol":"8","page":417},{"text":"الحد ولا يؤخر؛ لأنه ليس له نهاية تنتظر، أما من كان يرجى برؤه، أو خيف عليه شدة حر أو برد فيؤخر الحد حتَّى يبرأ، أو يزول ما يُخاف منه، ليقام الحدُّ على الوجه الشرعي، يقول ابن القيم: (تأخير الحد أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض لمصلحة المحدود) (^١).\nوقد تقدم ما رواه مسلم موقوفًا من طريق السدي، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: خطب علي - ﵁ - فقال: يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحدود من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله - ﷺ - زنت، فأمرني أن أجلدي، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخفت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لرسول لله - ﷺ - فقال: \"أحسنت\" (^٢).\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن المخارج المؤدية إلى أعمال مباحة أنَّه يجوز ارتكابها، ولا تعد من الحيل المنهي عنها التي تفضي إلى أمور محرمة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"إعلام الموقعين\" (٣/ ١٨).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١٧٠٥).","vol":"8","page":418},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1028>حكم من عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط أو وقع على بهيمة</span>\n١٢٢٣/ ١٢ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -؛ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَال: \"مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ والْمَفْعُولَ بهِ، وَمَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ واقْتُلُوا الْبَهيمَةَ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَرِجَالُهُ مُوَثقُونَ، إلا أَنَّ فِيهِ اخْتِلافًا.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث عبارة عن حديثين، كل جملة في حديث مستقل، الأول حديث عمل قوم لوط، والثاني حديث الوقوع على بهيمة، وقد جمعهما الحافظ في سياق واحد، ولعل ذلك لاتحاد الصحابي والسند.\nوقد رواهما أحمد (٤/ ٤٦٤)، وأَبو داود في كتاب \"الحدود\"، بابٌ \"فيمن عمل عمل قوم لوط\" (٤٤٦٢)، وبابٌ \"فيمن أتى بهيمة\" (٤٤٦٤)، والتِّرمِذي (١٤٥٥) (١٤٥٦)، والنَّسائي في \"الكبرى\" (٦/ ٤٨٦) مقتصرًا على الجملة الثانية، وساق الأولى بلفظ: \"لعن الله من عمل عمل قوم لوط\"، وابن ماجة (١٥٦١) كلهم من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس -﵄-، مرفوعًا.\nوهذا الحديث رجاله موثقون -كما قال الحافظ -أي: قيل بتوثيقهم، فعمرو بن أبي عمرو متكلم فيه، قال البخاري: (عمرو بن أبي عمرو صدوق، ولكن روى عن عكرمة مناكير، ولا أقول بحديث عمرو بن أبي عمرو أنَّه من","vol":"8","page":419},{"text":"وقع على بهيمة يقتل) (^١)، وقال يحيى بن معين: (عمرو ثقة، ينكر عليه هذا الحديث) (^٢). وقال أحمد: (ليس به بأس)، ووثقه أَبو زرعة، وقال أَبو حاتم: (لا بأس به) (^٣)، وقال أَبو داود: (ليس هو بالقوي)، وقال الذهبي: (صدوق، حديثه مخرج في الصحيحين في الأصول) ثم قال فيما بعد: (حديثه صالح حسن منحط عن الدرجة العليا من الصحيح) (^٤) فتعقبه الحافظ بقوله: (كذا قال، وحق العبارة أن يحذف العليا) (^٥). ونقل عبد الحق عن النَّسائي أنَّه استنكر هذا الحديث (^٦)، وقال الحافظ (لم يخرج له البخاري من روايته عن عكرمة شيئًا، بل عن أَنس وغيره) (^٧).\nوالذي يظهر أن الرجل لا بأس به، لكن قد أُنكر عليه هذا الحديث، وقد ذكر الذهبي في مقدمة كتابه \"من تُكُلِّمَ فيه وهو موثَّق\" أن ثقات الرواة الذين تكلم فيهم بعض الأئمة لا ينزل حديثهم عن رتبة الحسن، إلَّا أن يكون للرجل منهم أحاديث تُستنكر عليه، وهي التي تُكُلِّمَ فيه من أجلها، فينبغي التوقف في هذه الأحاديث.\nوقد تابع عمرو بن أبي عمرو داود بن الحصين، عن عكرمة، كما رواه عبد الرزاق (١٣٤٩٢)، وعباد بن منصور عند البيهقي (٨/ ٢٣٤) ولا يفرح بهما؛ لشدة ضعفهما.\nوقول الحافظ: (إلَّا أن فيه اختلافًا) أي: في كل جملة من هذا الحديث جاء عن ابن عبَّاس - ﵄ - ما يخالفها، أما الأولى فقد روى أَبو داود (٤٤٦٣) عن ابن عبَّاس - ﵄ - هي في البكر يوجد على اللوطية، قال: يرجم، وروى\n_________\n(^١) \"علل التِّرمِذي الكبير\" (٢/ ٦٢٢).\n(^٢) انظر: \"الكامل\" لابن عدي (٥/ ١١٦).\n(^٣) \"الميزان\" (٣/ ٢٨١).\n(^٤) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٧٣).\n(^٥) \"شرح علل التِّرمِذي\" (٢/ ٦٤٣ - ٦٤٤)، \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٧٢).\n(^٦) \"الأحكام الوسطى\" (٤/ ٨٨)، وانظر: \"التلخيص\" (٤/ ٦١).\n(^٧) \"هدي الساري\" (٤٣٢).","vol":"8","page":420},{"text":"البيهقي (٨/ ٢٣٢) عنه قال: ينظر أعلي بناء في القرية فيرمى به منكسًا، ثم يتبع الحجارة.\nوأما الجملة الثانية فقد روى البيهقي (٨/ ٢٣٤) عن عاصم بن بهدلة، عن أبي رَزِين، سئل ابن عبَّاس - ﵄ - عن الذي يأتي البهيمة، قال: لا حدَّ عليه.\nفهذا الاختلاف عن ابن عبَّاس - ﵄ - يدل على أنَّه ليس عنده فيهما سنة عن النبي - ﷺ - وإنَّما تكلم باجتهاده.\nوالحق أن ما جاء عن ابن عبَّاس - ﵄ - بالنسبة للجملة الأولى لا يعد اختلافًا؛ لأن الحديث ورد بالقتل، وما ورد عن ابن عبَّاس - ﵄ - صور من صور هذا القتل.\nوأما بالنسبة للجملة الثانية فهو اختلاف، وقد اختلفت كلمة العلماء في الخروج من هذا الاختلاف.\nفالإمام أحمد (^١) وأَبو داود والترمذي وآخرون رجحوا حديث عاصم في أن الذي يأتي البهيمة لا حد عليه، وهو الذي يظهر من كلام البخاري، كما تقدم، وذلك لضعف عمرو بن أبي عمرو.\nوالبيهقي وجماعة رجحوا رواية عمرو بن أبي عمرو لأمور ثلاثة:\n١ - أن القاعدة في مثل هذا تقديم الرواية على الرأي، فإنه لا حكم لرأي ابن عبَّاس إذا انفرد، فكيف إذا عارض المروي، فيترجح المرفوع على الموقوف.\n٢ - أن عمرًا تابعه على روايته جماعة، كما عند عبد الرزاق في \"مصنفه\".\n٣ - أن عمرًا لا يقصر عن عاصم في الحفظ، بل لعله خير منه في الحديث، فقد قال الحافظ عن عاصسم: (صدوق له أوهام) وقال عن عمرو: (ثقة ربما وهم) وتقدم من وثقه، ولكن المعوَّل في هذا الأمر العظيم على ما قاله كبار الأئمة، أمثال أحمد والبخاري، كما تقدم.\n_________\n(^١) انظر: \"مسائل الإِمام أحمد\" رواية ابنه عبد الله ص (٣٢٦)، \"المغني\" (١٢/ ٣٥٢).","vol":"8","page":421},{"text":"• الوجه الثاني: اتفق أهل العلم على تحريم عمل قوم لوط وأنه من كبائر الذنوب، وقد ذم الله تعالى هذه الفعلة الشنيعة، وقص علينا قصتهم تحذيرًا لنا أن نسلك سبيلهم، فيصيبنا ما أصابهم، وذلك في أكثر من موضع في القرآن.\nوقد اختلف العلماء في عقوبة هذه الجريمة على ثلاثة أقوال:\nالأول: أنَّه يقتل الفاعل والمفعول به مطلقًا، سواء أكانا محصنين أو بكرين، أو أحدهما محصنًا والآخر بكرًا، وهذا قول مالك، وأحد قولي الشَّافعي، ورواية عن أحمد، وصفها ابن القيم بأنها أصح الروايتين، وحكى ابن قدامة، وابن تيمية، وابن القيم، إجماع الصحابة على هذا القول (^١)، واستدلوا بحديث ابن عبَّاس - ﵄ - رقِي هذا، لكنهم اختلفوا في كيفية قتله، على خمسة أقوال:\nالأول: أنَّه يقتل بالسيف، لظاهر حديث ابن عبَّاس -﵄-، فإن القتل إذا أطلق انصرف إلى القتل بالسيف.\nالقول الثاني: أنَّه يرجم بالحجارة؛ لحديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - في الذي يعمل عمل قوم لوط قال: \"فارجموا الأعلى والأسفل، ارجموهما جميعًا\" (^٢)، وهو قول عمر وعلي وابن عبَّاس - ﵃ -.\nوالقول الثالث: أنَّه يرفع على أعلي بناء في البلد فيرمى منه منكسًا ويتبع بالحجارة؛ لأن هذه عقوبة الله تعالى بقوم لوط، كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾ [الحجر: ٧٤]، قال الشنقيطي: (وهذا غير ظاهر؛ لأن قوم لوط لم يكن عقابهم على اللواط وحده، بل عليه وعلى الكفر وتكذيب نبيهم - ﷺ -، فهم قد جمعوا إلى اللواط ما هو أعظم من اللواط،\n_________\n(^١) \"تبصرة الحكام\" (٢/ ٢٦١)، \"المغني\" (١٢/ ٣٤٨)، \"مغني المحتاج\" (٤/ ١٤٤)، \"الداء والدواء\" ص (٢٤٦).\n(^٢) رواه ابن ماجة (٢٥٦٢)، وسنده ضعيف؛ لأن فيه عاصم بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو ضعيف من قبل حفظه، وقد أشار إلى هذا التِّرمِذي في \"جامعه\" بإثر الحديث (١٤٥٦).","vol":"8","page":422},{"text":"وهو الكفر بالله وإيذاء رسوله - ﷺ -) (^١).\nوالقول الرابع: أنَّه يحرق بالنار؛ وهو قول أبي بكر وعلي وابن الزُّبَير -﵃-، وكأن عليًّا يرى الرجم ويرى التحريق.\nوالقول الخامس: يهدم عليه حائط، وهذا مروي عن عمر وعثمان وعلي - ﵃ -.\nوالقول الثاني في المسألة: أنَّه يحد حد الزاني، فيجلد مائة ويغرب إن كان بكرًا، ويرجم إن كان محصنًا، وهذا قول للشافعي، ورواية عن أحمد، وقول جماعة من السلف ذكرهم ابن القيم، وهؤلاء أطلقوا عليه أنَّه زنى وجعلوا تعريف الزنا شاملًا له (^٢)، واستدلوا بدليلين:\nالأول: حديث أبي موسى - ﵁ - قال: قال رسول لله - ﷺ -: \"إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان\" (^٣).\nالثاني: القياس على الزنا بجامع أن الكل إيلاج فرج في فرج، فهو وطء في محل محرم.\nواعتذروا عن حديث ابن عبَّاس - ﵄ - بأن فيه مقالًا، فلا ينتهض على إباحة دم المسلم.\nوالقول الثالث: أن اللائط لا يقتل ولا يحد حد الزاني وإنَّما يعزر بالضرب والسجن ونحو ذلك، وهذا قول أبي حنيفة، وقول عند الشَّافعية، وهو قول الظاهرية (^٤)، واحتجوا بأن الصحابة - ﵃ - اختلفوا فيه، واختلافهم فيه يدل على أنَّه ليس فيه نص صريح، وأنه من مسائل الاجتهاد، والحدود تدرأ بالشبهات.\nوالذي يظهر - والله أعلم - هو القول الأول القاضي بأن يقتل مطلقًا إن ثبت إجماع الصحابة الذي حكاه من تقدم ذكرهم، ويكون هذا الإجماع مقويًا للحديث، وإلَّا فالقول الثالث أظهر؛ لأن حديث الباب وحده لا ينتهض على\n_________\n(^١) \"أضواء البيان\" (٣/ ٤٣).\n(^٢) \"الداء والدواء\" ص (٢٤٦).\n(^٣) رواه البيهقي (٨/ ٢٣٣).\n(^٤) \"شرح فتح القدير\" (٥/ ٢٦٢)، \"المحلى\" (١٣/ ٤٤٨)، \"مغني المحتاج\" (٤/ ١٤٤).","vol":"8","page":423},{"text":"إباحة دم المسلم، والمسألة مرجعها إلى اجتهاد القاضي ونظره.\nأما ما استدل به أصحاب القول الثاني من حديث أبي موسى -﵁-، فقد ضعفه الحافظان الذهبي وابن حجر؛ لأنه من رواية بشر بن الفضل البجلي، وهو مجهول (^١)، وفي إسناد البيهقي محمد بن عبد الرحمن المقدسي، كذبه أَبو حاتم، ونقل الذهبي عن الأزدي أن قال: (لا يصح حديثه) (^٢).\nوأما القياس فهو فاسد الاعتبار؛ لأنه في مقابلة نص، بناء على صحة الحديث واستقامة الاستدلال به.\n\n• الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن من وقع على بهيمة فإنه يقتل بكل حال، وهذا رواية عن أحمد، وقال الشَّافعي: (إن صح الحديث قلت به) وهو ظاهر اختيار ابن القيم (^٣).\nوالقول الثاني: أن حده حد الزاني، وهذا قول الشَّافعي، وقول للمالكية، وهو قول الحسن البصري (^٤)، ودليلهم القياس على الزنا بجامع أن كلًّا منهما وطء في فرج محرم ليس فيه شبهة، فيكون حده كالزنى.\nوالقول الثالث: أنَّه يعزر ولا حد عليه، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم أَبو حنيفة، ومالك في المشهور عنه، والشَّافعي في قول له، وأحمد في رواية عنه، قال المرداوي: (هي المذهب وعليها جماهير الأصحاب)، وهو قول إسحاق، والظاهرية (^٥).\nواستدلوا بأن لم يصح في عقوبته شيء عن النبي - ﷺ -، والعقوبات المقدرة لا بد فيها من دليل ثابت سالم من الاعتراض، ولا دليل هنا ثابت، فلا حد\n_________\n(^١) \"الميزان\" (١/ ٣٢٤).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٧/ ٣٢٥)، \"المغني في الضعفاء\" (٣/ ٣٣٨)، \"التلخيص\" (٦/ ٢٧٣٨).\n(^٣) \"الداء والدواء\" ص (٢٥٧)، \"مغني المحتاج\" (٤/ ١٤٥)، \"الإنصاف\" (١٠/ ١٧٨).\n(^٤) \"تبصرة الحكام\" (٢/ ٢٥٨)، \"المغني\" (١٢/ ٣٥٢).\n(^٥) \"بدائع الصنائع\" (٧/ ٣٤)، \"تبصرة الحكام\" (٢/ ٢٥٨)، \"مغني المحتاج\" (٤/ ١٤٥)، \"المغني\" (١٢/ ٣٥١)، \"الإنصاف\" (١٠/ ١٧٨).","vol":"8","page":424},{"text":"إذن، وقد روى ابن أبي شيبة عن عمر - ﵁ -: (ليس على من أتى بهيمة حد) (^١).\nوهذا أرجح الأقوال؛ لأن من أتى بهيمة فعل فعلًا محرمًا مجمعًا عليه، فاستحق العقوبة بالتعزير، وهذا أقل ما يفعل به، والبهيمة لا حرمة لها، وليس بمرغوب فيها فلا حاجة للزجر عنها بالحد؛ لأن النفوس تعاف ذلك الفعل المستهجن، فيبقى على الأصل في انتفاء الحد ووجوب التعزير.\nوأما حديث الباب فلم يثبت ثبوتًا تقوم به الحجة، ولا نُقِلَ عن الصحابة إجماع على القتل، كما نقل فيمن عمِل عَمل قوم لوط - إن ثبت هذا الإجماع - بل ورد عن ابن عبَّاس وعمر - ﵁ - أنَّه لا حد عليه كما تقدم.\n\n• الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال: إن البهيمة التي وقع عليها إنسان تقتل، وهذا هو القول الراجح في مذهب الحنابلة، وكذا الشَّافعية في الراجح عندهم إذا كانت البهيمة مما يؤكل، وحديث الباب عام في كل بهيمة مأكولة أو غير مأكولة.\nوالحكمة من قتلها ما رواه أبو داود والنَّسائي أنَّه قيل لابن عبَّاس: ما شأن البهيمة؟ -أي: لأنها لا عقل لها ولا تكليف عليها فما بالها تقتل- قال: ما أُراه قال ذلك، إلَّا أنَّه يكره أن يؤكل لحمها أو يُنْتَفَعُ بها وقد عمل بها ذلك العمل.\nوروي أنَّه قال: إنها تُرى فيقال: هذه التي فعل بها ما فعل.\nوالقول الثافي: أنَّها إن كانت مأكولة ذبحت وإلَّا لم تقتل، وهذا قول في مذهب الشَّافعية (^٢)، لما روي أن النبي - ﷺ - نهى عن ذبح الحيوان إلَّا لمأكله (^٣).\nوالأول هو الراجح، وهو أنَّها تقتل لا سيما إذا كانت مأكولة يمكن الاستفادة منها، أما إن كانت غير مأكولة كالحمار والبغل ونحوهما، فإن قتلت فهو أخذ بعموم الحديث، وإن أبعدت إلى مكان آخر يمكن أن تعيش فيه، لكان فيه وجاهة في نظري، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"المصنف\" (١٠/ ٦).\n(^٢) \"المهذب\" (٢/ ٣٤٥).\n(^٣) رواه مالك (٢/ ٤٤٧) ومن طريقه البيهقي (٩/ ٨٩) على أنَّه من كلام أبي بكر - ﵁ -. وانظر: \"المراسيل\" لأبي داود ص (٣٩٨).","vol":"8","page":425},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1029>ما جاء في أن التغريب باقٍ ينسخ</span>\n١٢٢٤/ ١٣ - عَنْ ابْن عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلا أَنَّهُ اخْتُلِفَ في رَفْعِهِ ووَقْفِهِ.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه التِّرمِذي في أَبواب \"الحدود\"، باب \"ما جاء في النفي\" (١٤٣٨) قال: حدَّثنا أَبو كريب، ويحيى بن أكثم، قالا: حدَّثنا عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-، أن النبي - ﷺ - ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب.\nوهذا الحديث إسناده قوي، ورجاله ثقات، لكن اختلف في رفعه ووقفه، فقد رواه أَبو كريب، ويحيى بن أكثم وآخرون مرفوعًا كما مَرَّ، ورواه محمد بن عبد الله بن نمير، وأَبو سعيد الأشج، كلاهما عن ابن إدريس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-، أن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب، هكذا موقوفًا لم يذكر فيه النبي - ﷺ -.\nقال الدَّارَقُطني عن وقفه: (هو الصواب). ورواية أبي سعيد الأشج رواها البيهقي (٨/ ٢٢٣) من طريق إبراهيم بن أبي طالب، حدثني أَبو سعيد، به.\nوروي مرسلًا من طريق يوسف بن محمد بن سابق، عن ابن إدريس، عن عبيد الله، عن نافع، أن النبي - ﷺ - … مرسلًا لم يذكر ابن عمر. وقد","vol":"8","page":426},{"text":"رجح أَبو حاتم إرساله (^١).\nقال التِّرمِذي: (وقد صح عن رسول الله - ﷺ - النفي، رواه أَبو هريرة وزيد بن خالد، وعبادة بن الصامت، وغيرهم عن النبي - ﷺ -).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على أن جلد الزاني البكر وتغريبه عن محل إقامته مدة سنة أمر مستقر، وأنه لم ينسخ ولم يغير، بدليل فعل أبي بكر وعمر -﵄-، ولعل هذا هو الغرض من ذكرهم في هذا الحديث، وإلَّا فالحجة قائمة بما ثبت عن النبي - ﷺ -، كما تقدم في حديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - وزيد بن خالد وعبادة بن الصامت - ﵃ -\".\nولعل الحافظ ساق هذا الحديث ردًّا على من ادعى نسخ التغريب، كما قالت الحنفية، وهذا أمر لا سبيل إلى إثباته بعد ثبوت عمل الخلفاء - ﵃ - بالتغريب، مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"العلل الكبير\" للترمذي (٢/ ٦٠٠)، \"علل ابن أبي حاتم\" (١٣٨٢)، \"علل الدارقطني\" (١٢/ ٣٢٠ - ٣٢١).","vol":"8","page":427},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1030>حكم دخول المتشبه بالنساء على المرأة</span>\n١٢٢٥/ ١٤ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَال، وَالْمُتَرَجِّلَات مِنَ النِّسَاءِ. وَقَال: \"أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكِمْ\"، رَوَاهُ الْبُخَاريُّ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الحدود\"، باب \"نفي أهل المعاصي والمخنثين\" (٦٨٣٤) من طريق هشام الدستوائي، حدَّثنا يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس -﵄-، وتمام الحديث: وأخرج فلانًا، وأخرج عمر فلانًا.\nورواه -أيضًا- في \"اللباس\" (٥٨٨٥) من طريق شعبة، عن قَتَادة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس -﵄-، ولفظه: (لعن رسول الله - ﷺ - المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لعن رسول الله - ﷺ -) تقدم في \"الجنائز\" أن اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومعنى (لعن رسول الله) أي: دعا باللعنة.\n\nقوله: (المخنثين من الرجال) جمع مخنث، بفتح النون وكسرها، على وزن اسم الفاعل أو اسم المفعول، وهو المؤنث من الرجال، وهو الرجل الذي يتشبه بالنساء في أخلاقه وحركاته وكلامه وزيّه وغير ذلك مما هو من خصائص النساء، مأخوذ من التخنث، وهو التكسر في المشي وغيره.","vol":"8","page":428},{"text":"قوله: (والمترجلات من النساء) جمع مترجلة، وهي المرأة التي تتشبه بالرجال في أخلاقها وحركاتها وكلامها وزيها وغير ذلك مما هو من خصائص الرجال.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على تحريم تشبه الرجال بالنساء وأن ذلك من كبائر الذنوب، لثبوت لعن من فعل ذلك، فينهى الرجل عن التشبه بالمرأة في كل أمر جاء الشرع بتخصيصه بالنساء؛ كالحرير ولبس الذهب والحجاب، وصفة زيها وملابسها، ونحو هذا مما ثبت به النص، أو لم يأت به الشرع ولكن قضى به العرف، فإنه يعتبر ما عليه حال الناس وما قضى به عرفهم ما لم يتضمن مفسدة منعها الشرع، وعلى هذا فيحرم على الرجل لبس حلية الذهب والتزعفر وهو كل طيب له لون، ويحرم على الرجل أن يتشبه بالمرأة في مشيتها وكلامها.\n\n• الوجه الرابع: في الحديث دليل على تحريم تشبه النساء بالرجال، وأن ذلك من كبائر الذنوب، فتنهى المرأة عن التشبه بالرجل في كل أمر جاء الشرع بتخصيص الرجل به، مثل كون لباس الرجل فوق الكعبين، أو لم يات به الشرع ولكن قضى به العرف، فإنه يعتبر في ذلك ما لم تتضمن مفسدة منعها الشرع.\nوقد ذكر العلماء أن الحديث محمول على من قصد التشبه بالآخر مما يمكن تركه، أما ما لا حيلة للرجل أو المرأة فيه فلا إثم فيه؛ لأنه غير داخل في الاستطاعة، مثل رقة الصوت عند الرجل أو خشونته عند المرأة أو تكسره في مشيته وثبوتها وانتصابها في ذلك، يقول الحافظ ابن حجر ﵀: (وأما ذم التشبه بالكلام والمشي فمختص بمن تعمد ذلك، وأما من كان ذلك من أصل خلقته، فإنما يؤمر بتكلف تركه والإدمان على ذلك بالتدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم، ولا سيما إن بدا منه ما يدل على الرضا به) (^١).\n\n• الوجه الخامس: الحكمة من النهي عن التشبه أن الله تعالى خلق\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٣٢).","vol":"8","page":429},{"text":"الإنسان وجعل لكل من الرجل والمرأة خصائص ينفرد بها عن الآخر في تكوين بدنه، وفي طباعه وصفاته النفسية والعقلية، وجعل لكل منهما وظيفة ورسالة في هذه الحياة تناسب تكوينه وما فطر عليه، ولن تستقيم أمور الناس وتنتظم أحوالهم حتَّى يقوم كل من الرجل والمرأة بوظيفته التي تلائمه.\nومن هنا جاء الإسلام بنهي المرأة عن التشبه بالرجل، ونهى الرجل عن التشبه بالمرأة؛ لأن انتزاع الرجل بعض خصائص المرأة أو وظائفها هو فقد للرجولة الحقة والحياة السوية، وكذا المرأة متى حاولت انتزاع بعض خصائص الرجل أو وظائفه فهي ممسوخة وخارجة عن طبيعتها وأنوثتها.\nومن مقاصد الشريعة في تحريم التشبه ولعن فاعله إظهارُ الفرق بين الرجل والمرأة، وسَدُّ الذرائع، لما قد يفضي إليه هذا التشبه من مفاسد عظيمة، فإن الرجل إذا تشبه بالمرأة في لباسها وحركاتها وصوتها قد يفضي به ذلك إلى أن يمكن من نفسه كأنه امرأة، ولعل هذا غرض الحافظ من ذكر هذا الحديث في آخر باب الزنى، وقد تبع في هذا البخاري، فإنه ذكره في \"الحدود\".\nوكذا المرأة متى تشبهت بالرجل اكتسبت من أخلاقه ما يهون عليها أمر البروز والخروج من منزلها ومشاركة الرجال، وصارت تُظهر من بدنها مثل ما يظهره الرجل (^١).\nهذا فيما يتعلق بتشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال، وأما التشبه بالكفار فسيأتي - إن شاء الله - في كتاب \"الجامع\".\n\n• الوجه السادس: في الحديث دليل على مشروعية نفي من أتى معصية لا حد فيها، وهو يدل على نفي من أتى ما فيه حد من باب أولى، والنهي عن دخول المخنثين في البيوت من الطرق والتدابير الواقية من الزنا، وقد نهى النبي - ﷺ - عن دخول المخنث على النساء لما سمعه يصف المرأة بأوصاف تهيج قلوب الرجال. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"الفتاوى\" (٢٢/ ١٥٤)، \"التقليد والتبعية\" لناصر العقل ص (٩١)، \"التشبه المنهي عنه\" ص (١٧٢).","vol":"8","page":430},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1031>ما جاء في أن الحدود تدرأ بالشبهات</span>\n١٢٢٦/ ١٥ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا\"، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَة، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.\n١٢٢٧/ ١٦ - وَأَخْرَجَهُ التِّرمذي وَالحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ - بِلَفْظِ: \"ادْرَءُوا الحُدُودَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ\" وَهُوَ ضعِيفٌ أَيضًا.\n١٢٢٨/ ١٧ - وَرَوَاهُ البَيهَقِي عَنِ عَلِيٍّ - ﵁ - مِنْ قَوْلِهِ بِلَفْظِ: \"ادْرَءُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ\".\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - فقد رواه ابن ماجة (٢٥٤٥) من طريق إبراهيم بن الفضل، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - مرفوعًا.\nوهذا سند ضعيف -كما قال الحافظ - بل ضعيف جدًّا، فيه إبراهيم بن الفضل المخزومي المدني، ضعفه أحمد وابن معين وأَبو زرعة وأَبو حاتم والبخاري وآخرون، وقد نقل الحافظ أقوال الأئمة فيه (^١)، ولخص حاله في \"التقريب\"، فقال: (متروك).\nوأما حديث عائشة - ﵂ - فقد رواه التِّرمِذي في أَبواب \"الحدود\"، باب \"ما جاء في درء الحدود\" (١٤٢٤)، والحاكم (٤/ ٣٨٤) من طريق يزيد بن زياد الدمشقي، عن الزُّهْريّ، عن عروة، عن عائشة - ﵂ - مرفوعًا.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٣١).","vol":"8","page":431},{"text":"وهذا سند ضعيف -كما قال الحافظ- بل ضعيف جدًّا، فيه يزيد بن زياد القرشي الدمشقي، قال عنه البخاري: (منكر الحديث ذاهب) (^١)، ولما قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) تعقبه الذهبي بقوله: (يزيد بن زياد شامي متروك).\nورواه البيهقي (٨/ ٢٣٨) من طريق عبد الله بن هاشم، حدَّثنا وكيع، عن يزيد، فذكره موقوفًا.\nقال التِّرمِذي: (ورواية وكيع أصح)، وقال البيهقي: (ورواية وكيع أقرب إلى الصواب)، وهذا لا يعني صحة الموقوف، فإن الحديث مداره على يزيد بن زياد، وعليه فلا يصح لا مرفوعًا ولا موقوفًا.\nوأما حديث علي - ﵁ - وأنه من قوله، فلم أقف عليه لا في \"السنن\"\nولا في \"المعرفة\" للبيهقي، وقد رواه في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٣٨) من طريق المختار بن نافع، ثنا أَبو حيان التيمي، عن أبيه، عن علي - ﵁ - مرفوعًا، وسنده ضعيف جدًّا، المختار بن نافع قال عنه البخاري: (منكر الحديث). ورواه في \"الخلافيات\" عن علي - ﵁ - موقوفًا (^٢)، وقد ورد عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أنَّه قال: (ادرأوا الجلد والقتل عن المسلمين ما استطعتم) (^٣).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (ادرأوا) أي: ادفعوا، والدرء هو الدفع، والخطاب للحكام ومن ينوب منابهم كالقضاة.\n\nقوله: (بالشبهات) جمع شبهة، والشبهة مأخوذة من الاشتباه، وهو\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" (٢/ ٥٩٦).\n(^٢) انظر: \"نصب الراية\" (٣/ ٣٣٣).\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة (١١/ ٧٠)، والبيهقي (٨/ ٢٣٨)، وقال في \"المعرفة\" (١٢/ ٣٢٨): (إنه أصح ما روي في هذا الباب)، وحسنه الألباني في \"الإرواء\". ورواه ابن حزم عن عمر - ﵁ - موقوفًا، وصححه الحافظ في \"التلخيص\" (٤/ ٦٣)، وقال التِّرمِذي: (وقد روي عن غير واحد من الصحابة - ﵃ - أنهم قالوا ذلك).","vol":"8","page":432},{"text":"الالتباس وعدم اتضاح الشيء؛ أي: فلا تحدوا إلَّا بأمر متيقن لا يتطرق إليه تأويل.\n\n• الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذه الأحاديث على أن الحد يدفع بالشبهة التي يجوز وقوعها؛ كدعوى الإكراه، أو أنَّها أُتيت وهي نائمة، أو رجوع المقر عن إقراره، أو كون الشهود على الزنا نساء، وغير ذلك من الشبهات التي لا يمكن حصرها؛ لأن أساسها في الغالب الوقائع وهي لا تحصر، والمرجع في ذلك إلى اجتهاد القاضي واقتناعه بما يدعى أنَّه شبهة.\nوالقول بأن الحدود تدرأ بالشبهات موضع اتفاق بين الفقهاء ما عدا الظاهرية فهم لا يقولون به، ويرون أن الحدود لا يحل أن تدرأ بشبهة، ولا أن تقام بشبهة، قال ابن حزم: (لا يحل درء حد بشبهة ولا إقامته بشبهة، وإنَّما هو الحق واليقين فقط) (^١).\nوالفقهاء يختلفون فيما يصح أن يكون شبهة وما لا يصح، مثل إكراه الرجل على الوطء، بعضهم يعتبره شبهة، وبعضهم لا يعتبره.\nوأحاديث الباب لم يثبت منها شيء مرفوعًا، وبعض الموقوف لا بأس به، كما تقدم، فيكون المعول عليه، ويؤيده ما ورد عن النبي - ﷺ - من العمومات، كما في قصة ماعز - ﵁ - أنَّه قال له: \"لعلك قبلت، لعلك لمست، لعلك غمزت\" كل ذلك يلقنه أن يقول نعم، بعد إقراره بالزنا، ولا فائدة من ذلك إلَّا كونه لو قالها تُرك، وكذا ما جاء في قصة الغامدية، وسيأتي في باب \"السرقة\" ما يؤيد ذلك أيضًا.\nثم إن أحاديث الباب وإن لم تصح من جهة الإسناد، فهي صحيحة من جهة المتن، ومعناها مقطوع به من جهة الشرع، وموافق لمقتضى العقل، وذلك أن الحد عقوبة مقدرة على معصية، وهذه المعصية لا بد أن تتحقق لتنطبق عليها العقوبة، ولا تتحقق مع قيام الشبهة؛ لأننا إذا أقمنا الحد مع قيام\n_________\n(^١) \"المحلى\" (١١/ ٢٤٣).","vol":"8","page":433},{"text":"الشبهة فمعناه أننا اعتقدنا ثبوت ما ليس بثابت، وهذا من باب الحكم بالظن، وهو لا يكفي في عقوبة بليغة قد تصل إلى إتلاف معصوم أو إضرار بمسلم فيما يتعلق بجلده أو الحط من قدره في المجتمع.\nوقد قرر الباحثون في الفقه الإسلامي أن قاعدة درء الحدود بالشبهة لها ارتباط وثيق بقاعدة البراءة الأصلية، وأن الأصل في الإنسان براءة جسده من القصاص والحدود والتعزيرات حتَّى تثبت إدانته بدليل صحيح لا يتطرق إليه الظن والاحتمال، بناء على أن الأصل براءة الذمة، يقول الشوكاني عن الأدلة في هذا الباب: (والجميع يصلح للاحتجاج به، لا سيما والأصل في الدماء ونحوها العصمة، فلا تستباح مع وجود ما يدل على سقوط الحد) (^١).\n\n• الوجه الرابع: يستفاد مما تقدم أنَّه يجب على الحاكم والقاضي الاحتياط في إقامة الحدود وفرض العقوبات، وعليه أن ينظر في الشبهات التي تتوارد على القضية، فما اقتنع به أثبته، وما لم يقتنع به ألغاه، وأثبت الجريمة وأدان الجاني. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"السيل الجرار\" (٤/ ٣١٦).","vol":"8","page":434},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1032>من ألمَّ بمعصية فعليه أن يستتر</span>\n١٢٢٩/ ١٨ - عَنِ ابْن عُمَرَ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"اجْتَنِبُوا هذِهِ الْقَاذُورَاتِ الَّتي نَهى اللهُ تَعَالى عَنْهَا، فَمَنْ ألَمَّ بهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ تَعَالى، وَلْيَتُبْ إِلَى اللهِ تَعَالى، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيهِ كِتَابَ اللهِ ﷿\"، رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ في الْمُوَطَّإِ مِنْ مُرْسَلِ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه الطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (١/ ٨٦)، والحاكم (٤/ ٢٤٤)، والبيهقي (٨/ ٣٣٠) من طريق أسد بن موسى، حدَّثنا أَنس بن عياض، عن يحيى بن سعيد، حدثني عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر - ﵄ -؛ أن رسول الله - ﷺ - قام بعد أن رجم الأسلمي، فقال: \"اجتنبوا هذه القاذورة … الحديث\" وهذا السياق للطحاوي.\nوالحديث إسناده قوي، وظاهره الصحة، أسد بن موسى ثقة، وبقية رجاله على شرطهما، قال الحاكم: (إسناد صحيح على شرط الشيخين) وسكت عنه الذهبي، مع أن أسد بن موسى لم يخرجا له ولا أحدهما.\nوقد أعل بالإرسال، فقد ذكر الدَّارَقُطني طرق الحديث وأنه رواه اللَّيث بن سعد وابن عيينة وحماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن دينار، مرسلًا عن النبي هو أشبهها الصواب) (^١).\n_________\n(^١) \"العلل\" (١٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦).","vol":"8","page":435},{"text":"ورواه مالك (٢/ ٨٢٥) عن زيد بن أسلم أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله - ﷺ - … وذكره بنحوه.\nورواه الشَّافعي في \"الأم\" (٧/ ٣٦٧ - ٣٦٨) قال: أخبرنا مالك به مرسلًا، ثم قال: (هذا حديث منقطع ليس مما يثبت به، هو نفسه حجة، وقد رأيت من أهل العلم عندنا من يعرفه، ويقول به، فنحن نقول به).\nوقال ابن عبد البر: (هكذا روى هذا الحديث مرسلًا جماعة الرواة للموطأ، ولا أعلمه يستند بهذا اللفظ من وجه من الوجوه) (^١)، قال الحافظ: (ومراده بذلك: من حديث مالك، وإلَّا فقد روى الحاكم.) (^٢) ثم ذكره مسندًا، كما تقدم.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (هذه القاذورات) هكذا بالجمع في نسخ \"البلوغ\" وقد جاءت بلفظ الإفراد في المصادر المذكورة في التخريج، إلَّا في \"الموطأ\" فقد جاءت بالجمع، وهي جمع قاذورة، وهي الأمر القبيح والفعل السيئ، والمراد ما فيه حد كالزنا والشرب، وسميت قاذورة؛ لأن حقها أن تقذر، فوصفت بما يوسف به صاحبها، والمعاصي كلها قاذورات.\n\nقوله: (فمن ألمَّ بها) أي: فعلها وارتكبها.\n\nقوله: (من يبد لنا) أي: يظهر ما فعل.\n\nقوله: (صفحته) أي: جانبه أو وجهه، والمراد هنا حقيقة أمره، والمعنى: من تظهر لنا جريمته وتصل إلى الإِمام نقم عليه الحد ولا نتركه.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم تعاطي ما حرم الله تعالى من المعاصي من الأقوال والأفعال، والمعاصي كلها قاذورات، فيجب البعد عنها والحذر منها، ومن وقع في شيء منها فليستتر بستر الله تعالى، ولا يظهر ما فعل، وعليه أن يبادر بالتوبة، والله تعالى يقبل توبة عبده متى تحققت شروطها،\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٥/ ٣٢١).\n(^٢) \"التلخيص\" (٤/ ٦٤).","vol":"8","page":436},{"text":"وأصح الأقوال عند أهل العلم أن الأفضل فيمن ارتكب معصية أو ما يوجب الحد أن يستر على نفسه ويتوب فيما بينه وبين الله تعالى، وقد ثبت عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يستر الله على عبد في الدنيا إلَّا ستره الله يوم القيامة\" (^١). وعنه -أيضًا﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"كل أمتي معافى إلَّا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه\" (^٢).\n\n• الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن من أظهر المعصية وما حصل منه، أنَّه يقام عليه أمر الله تعالى، وكذا لو ثبتت عليه بالبينة، وسيأتي زيادة بيان لذلك إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٥٩٠).\n(^٢) رواه البخاري (٦٠٦٩)، ومسلم (٢٩٩٠).","vol":"8","page":437},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1033>باب حد القذف</span>\nالقذف في اللغة: الرمي بالحجارة ونحوها مما يؤذي ويضر، واستعير للسب وتوجيه العيوب، بجامع الإضرار في كلّ، وإضافة الحد إلى القذف من باب إضافة الشيء إلى سببه؛ أي: الحد الذي سببه القذف.\nوالقذف شرعًا: الرمي بالزنا.\nولا خلاف بين أهل العلم في أن الرمي بالزنا قذف يوجب الحدَّ على القاذف، وإنَّما الخلاف في الرمي بعمل قوم لوط، وهذا مبني على الخلاف في اعتباره زنا، فمن اعتبره زنا، قال: الرمي به مثل الرمي بالزنا، وهو قول مالك والشَّافعي وأحمد، ومن لم يعتبره زنا، قال: إن الرمي به يوجب التعزير، وهو قول أبي حنيفة (^١).\nومثال القذف أن يقول: يا زانٍ، أو أنت زانٍ، أو يا من فَعَلَ عَمَلَ قوم لوط، أو نحو ذلك من الألفاظ الصريحة في القذف، ومثله لو قال: فضحتِ زوجَكِ، أو يا قَحْبة، ونحو ذلك، بشرط وجود قرينة تدل على المراد؛ لأن هذه الألفاظ كنايات، على ما ذكره الفقهاء.\nوالقذف من كبائر الذنوب إذا كان المقذوف محصنًا - وهو: الحر المسلم العاقل العفيف الذي يجامع مثله - وإنَّما كان من الكبائر؛ لثبوت الحد فيه ولعن فاعله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ\n_________\n(^١) \"التشريع الجنائي\" (٢/ ٤٦٣).","vol":"8","page":438},{"text":"وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣] وعده النبي - ﷺ - من السبع الموبقات (^١).\nوتخصيص النساء بالذكر في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ مع أن الرجال في حكمهن بلا خلاف؛ لأن قذف النساء أشنع وأعظم.\nوالحكمة من تحريمه وإيجاب الحد على فاعله صيانة الأعراض، وتطهير المجتمع من بذاءة اللسان، وثرثرة الكلام، وإشاعة الفواحش، وفضح البيوت، واتهام الأعراض، والتشكيك في الأنساب.\nوإقامة حد القذف هو العلاج الحاسم والدواء الشافي الذي يهدف إلى استئصال الشر من جذوره، وتطهير المجتمع من اللغو والكلام الباطل، خلافًا للقوانين الوضعية في بعض الدول العربية التي تعاقب على القذف بالحبس والغرامة، أو أحدهما، ومثل هذا لا يرجع الجاني ولا يزجر غيره. والله عليم حكيم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩) من حديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ -.","vol":"8","page":439},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1034>ثبوت حد القذف</span>\n١٢٣٠/ ١ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: لَمّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذلِكَ وَتَلَا الْقُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ أَمَرَ بِرَجُلَينِ وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا الْحَدَّ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَأَشَارَ إِلَيهِ الْبُخَارِيُّ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٤٠/ ٧٦ - ٧٧)، وأَبو داود في كتاب \"الحدود\"، باب \"في حد القذف\" (٤٤٧٤)، والتِّرمِذي (٣١٨١)، والنَّسائي في \"الكبرى\" (٦/ ٤٨٩)، وابن ماجة (٢٥٦٧) من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة - ﵄ -.\nوهذا الحديث حسنه التِّرمِذي، وفيه محمد بن إسحاق، وهو مدلس وقد عنعنه، لكن صرح بالتحديث عند الطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (٧/ ٤٠٩) وعند البيهقي كما في \"دلائل النبوة\" (٤/ ٧٤)، و\"السنن الكبرى\" (٨/ ٥٥٠) فزال بذلك ما يخشى من تدليسه، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين.\nلكن قد يشكل على هذا أن الشيخين قد رويا قصة الإفك بطولي وتفاصيلها، ولم يرد ذكر لِجَلْدِ الرامين، نعم ورد التصريح بأسماء القذفة، لكن لم يرد أن النبي - ﷺ - جلدهم (^١).\nثم إن الحديث قد اختلف فيه على ابن إسحاق فرواه جماعة من الثقات\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٤٢).","vol":"8","page":440},{"text":"عنه موصولًا بذكر عائشة - ﵂كما تقدم، ورواه محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة مرسلًا (^١).\nوقول الحافظ: (وأشار إليه البخاري) مراده بذلك قول البخاري في كتاب \"الاعتصام\" من \"صحيحه\": باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَينَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، (وشاور النبي - ﷺ - عليًّا وأسامة فيما رمى به أصحاب الإفك عائشة، فسمع منهما حتَّى نزل القرآن، فجلد الرامين.) (^٢).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لما نزل عذري) أي: الآيات الدالة على براءتها مما رميت به، شبهتها بالعذر الذي يبرئ المعذور من الجرم.\n\nقوله: (على المنبر) اسم آلة، مشتق من النبر، وهو الرفع؛ لأنه يتخذ للارتفاع عليه، وتعلية الصوت.\n\nقوله: (فذكر ذلك) أي: عذري.\n\nقوله: (وتلا القرآن) أي: قرأ القرآن المتعلق بعذرها، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ. ..﴾ [النور: ١١] إلى آخر ستَّ عشرة آية، على أحد الأقوال، ويكون آخرها: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦]، (^٣). وقال ابن كثير في بداية تفسيرها: (هذه الآيات العشر نزلت كلها في شأن عائشة - ﵂ -.) وعلى هذا فآخرها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٠]، آخر الوجه الثاني من سورة النور على مصحف المدينة النبوية.\nوقد أجمع العلماء على أن قصة الإفك هي سبب نزول هذه الآيات، وكان نزولها بعد شهر من الحادثة، كما ذكر ابن كثير (^٤). وسميت بقصة الإفك\n_________\n(^١) انظر رسالة: \"الأحاديث التي أشار أَبو داود في \"سننه\" إلى تعارض الوصل والإرسال فيها\" ص (٤٢٠) للدكتور تركي الغميز.\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٣٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٧٧).\n(^٤) \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٢٥).","vol":"8","page":441},{"text":"أخذًا من لفظ الآية، والإفك أخص من الكذب؛ لأنه -كما قال أَبو هلال العسكري-: (هو الكذب الفاحش القبيح) (^١)، إضافة إلى أنَّه قلب للحقائق وَصرْفٌ لها عن وجهها، وهو إثم كبير، وهذه هي معاني الإفك في اللغة، كما في \"اللسان\" وغيره.\n\nقوله: (وأمر برجلين) أي: أمر بإحضار رجلين، وهما: حسان بن ثابت، ومِسْطح بن أُثاثة، بكسر الميم وإسكان السين، وبضم الهمزة من أُثاثة.\n\nقوله: (وامرأةٍ) بالجر عطف على ما قبله، وهي حمنة بنت جحش، وقد ورد تسميتهم عند البخاري كما في \"المغازي\" (٤١٤١) كما ورد النص على جلدهم في الرواية المرسلة عند أبي داود، حيث نُصَّ على الرجلين، أما المرأة فالنص عليها من قول النفيلي شيخ أبي داود.\n\nقوله: (فَضُرِبُوا الحد) أي: حد القذف، وهو ثمانون، وذلك لثبوت كذبهم به.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على ثبوت حد القذف، ووجوب إقامته على القاذف في الجملة، وقد اتفق العلماء على أن القذف الذي يجب فيه الحد هو الرمي بالزنا أو نفي النسب، وقد تقدم ذلك.\nويلحق بحد القذف عقوبة أخرى نص عليها القرآن وهي الحكم بفسق القاذف وعدم قبول شهادته، وعدم تصديقه في أقواله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، والإحصان في الآية بمعنى: العفة مع البلوغ والعقل.\n\n• الوجه الرابع: ظاهر الحديث أنَّه لم يثبت القذف لعائشة - ﵂ - إلَّا من الثلاثة المذكورين، والأكثرون من المفسرين على أن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي ابن سلول (^٢)، وهذا قد جاء في حديث عائشة - ﵂ -: (وكان\n_________\n(^١) \"الفروق في اللغة\" ص (٣٧).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٢٠)، \"تفسير القرطبي\" (١٢/ ٢٠١).","vol":"8","page":442},{"text":"الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أُبي ابن سلول) (^١). لكن هل هذا خاص به أو معه غيره؟ فيه كلام للمفسرين.\nوأما حده ففيه خلاف بين أهل العلم، فقال القرطبي وابن القيم (^٢): إنه لم يُحَدَّ، وذكر ابن القيم أعذارًا، منها: أن الحد كفارة وابن أبي ليس أهلًا لذلك، وقيل: إن الحد لا يثبت إلَّا ببينة أو إقرار، وهو لم يثبت عليه شيء من ذلك، وقيل: ترك حده للمصلحة، وهي تأليف قومه؛ لأنه كان سيدًا مطاعًا، وقيل: لذلك كله.\nوكل هذه أعذار ضعيفة، ما عدا الثاني؛ لأن الظاهر أن ابن سلول لم يصرح بشيء، بل كان لدهائه ونفاقه يثير الفرية ويترك غيره يخوض فيها، وقد توارى خلفها يشعل نيرانها دون أن يثبت عليه شيء يُدان به، وقد جاء في \"الصحيح\" الإشارة إلى هذا.\nوقيل: إنه أقيم عليه الحد مع من حُدَّ من الصحابة، ذكر هذا القرطبي، وأشار إليه ابن حجر ﵀، ومستند هذا القائل روايات لا تخلو من مقال (^٣). والأقرب أنَّه لم يحد، فإنه لو حُدَّ لنقل واشتهر.\n\n• الوجه الخامس: يرى الماوردي أنه - ﷺ - لم يجلد أحدًا من القذفة لعائشة -﵂-، وعلل ذلك بأن الحد إنما يثبت ببينة أو إقرار.\nوأجاب القائلون بأنهم حدوا بأنه قد يثبت ما يوجب الحد بنص القرآن، وحد القاذف يثبت بعدم ثبوت ما قَذَفَ به، ولا يحتاج في إثباته إلى بينة، صحيح أن القرآن لم يبين أحدًا من القذفة، لكن ورد هذا في تفسير الآيات، فقد جاء في \"الصحيحين\" ما يدل على أن مسطح بن أثاثة من القذفة، وأنه هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ﴾ (^٤) [النور: ٢٢]. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٠).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٣/ ٢٦٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٧٩ - ٤٨١).\n(^٤) \"سبل السلام\" (٤/ ٣٤).","vol":"8","page":443},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1035>حكم قذف الرجل زوجته</span>\n١٢٣١/ ٢ - عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَال: أَوّلُ لِعَانٍ كَانَ في الإِسْلَامِ أَنَّ شَرِيكَ بنَ سَحْمَاءَ قَذَفَهُ هِلَالُ بْنُ أُمَيّةَ بِامْرَأَتِهِ، فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - \"الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا فَحَدٌ في ظَهْرِكَ\"، الحديثَ. أخْرَجَهُ أبُو يَعلَى، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.\n١٢٣٢/ ٣ - وَهُوَ: فِي الْبُخَارِيِّ نَحوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أَنس - ﵁ - فقد رواه النَّسائي (٦/ ١٧٢ - ١٧٣) من طريق عمران بن يزيد، ورواه ابن حبان (١٠/ ٣٠٢ - ٣٠٣)، وأَبو يعلى (٣/ ١٩٩) من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي، قالا: حدَّثنا مخلد بن الحسين، حدَّثنا هشام، عن ابن سيرين، عن أَنس بن مالك -﵁-، قال: … وذكر الحديث.\nوهذا الحديث في إسناده مسلم بن أبي مسلم، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال: (ربما أخطأ) ووثقه الخطيب، ونقل الحافظ في \"اللسان\" عن الأزدي قوله: (حدث بأحاديث لا يتابع عليها) وعن البيهقي أنَّه غير قوي، وقد تابعه عمران بن يزيد -كما تقدم- ومحمد بن كثير عند الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٥١) (^١)، وأصل هذا الحديث عند مسلم (١٤٩٦) بنحوه، ولعل الحافظ اختار هذه الرواية؛ لأنها أدل على المراد في باب القذف، وهو قوله: \"البينة أو حد في ظهرك\" فإن هذا ليس عند مسلم، لكن لو أشار إلى أن\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٩/ ١٥٨)، \"تاريخ بغداد\" (١٣/ ١٠٠)، \"لسان الميزان\" (٨/ ٥٦).","vol":"8","page":444},{"text":"أصل الحديث في مسلم لكان أولى -كعادته- ولعله اكتفى بالإشارة إلى حديث ابن عبَّاس - ﵄ -.\nوأما حديث ابن عبَّاس - ﵄ - فقد رواه البخاري في كتاب \"الشهادات\"، باب \"إذا ادعى أو قذف فله أن يلتمس البينة وينطلق لطلب البينة\" (٢٦٧١) من طريق هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس - ﵄ - أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي - ﷺ - بشريك بن سحماء، فقال النبي - ﷺ -: \"البينة أو حد في ظهرك\"، فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل يقول: \"البينة وإلا حد في ظهرك\". فذكر حديث اللعان …\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أول لعان كان في الإسلام) ثبت هذا في حديث أَنس عند مسلم، وقد تقدم تعريف اللعان في بابه، وأشرت هناك إلى خلاف العلماء في نزول آية اللعان، فمنهم من قال: إنها نزلت في هلال بن أمية الواقفي حين قذف امرأته عند النبي - ﷺ - بشريك بن سحماء، وهذا ظاهر قوله هنا: (أول لعان كان في الإسلام …).\nوالقول الثاني: أنَّها نزلت في عويمر العجلاني لما قذف زوجته بشريك بن سحماء، لقوله - ﷺ - لعويمر: \"قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك\" (^١) ويكون ذكر هلال بن أمية وهمًا من أحد الرواة، ولا يؤثر هذا؛ لثبوت أصل الحديث. وهذا اختيار الشَّافعي، والطبري، والقاضي عياض، وابن بطَّال، وأبي العباس القرطبي، وآخرين (^٢).\nوأما الأولية في حديث الباب فهي مقابلة بغيرها، لأنه ورد في حديث ابن عمر - ﵄ -: (إن أول من سأل عن ذلك فلان وفلان)، وفي رواية: (فرق رسول الله - ﷺ - بين أخوي بني العجلان) (^٣) والمراد عويمر وشريك، لأنهما من\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٩٥٩)، ومسلم (١٤٩٢).\n(^٢) \"بيان خطأ من أخطا على الشَّافعي\" ص (٢٥٩)، \"تفسير الطَّبري\" (١٨/ ٨٢)، \"إكمال المعلم\" (٥/ ٨٦)، \"شرح ابن بطَّال\" (٧/ ٤٦٣)، \"المفهم\" (٤/ ٢٩٥، ٣٠٠).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٥٣١٢)، \"صحيح مسلم\" (١٤٩٣) (٦).","vol":"8","page":445},{"text":"بني العجلان، كما تقدم، وأما هلال بن أمية فهو أنصاري واقفي كما مَرَّ (^١).\n\nقوله: (أن شريك بن سحماء) بفتح الشين المعجمة والسين المهملة، وسحماء: هي أمه، قيل لها: سحماء؛ لأنها كانت سوداء، وشريك هذا صحابي بلوي، كان حليفًا للأنصار، وتقدم ذكره في \"اللعان\".\n\nقوله: (قذفه هلال بامرأته) أي: إن هلال بن أمية رمى شريك بن سحماء بأنه قد زنى بزوجته وهي خولة بنت عاصم، ذكرها في \"الإصابة\" (^٢)، وليس لها رواية. وهذا ثابت في \"الصحيحين\"، لكن ورد أيضًا فيهما أن القاذف هو عويمر العجلاني -كما تقدم-، وهذه وجهة نظر من قال: إنهما قصتان مختلفتان اتفق وقوعهما في زمن واحد أو متقارب.\n\nقوله: (البينة) هذا لفظ البخاري، كما تقدم، ولفظ أبي يعلى: \"يا هلال أربعة شهود وإلَّا فحد في ظهرك\". والبينة، ومثلها (أربعة شهود) بالنصب مفعول به لفعل محذوف؛ أي: أحضر البينة، وبالرفع مبتدأ حذف خبره؛ أي: عليك البينة، والمراد: بينة الزنا، وهي أربعة شهود.\n\nقوله: (الحديث) إشارة إلى أنَّه لم يكمل الحديث، وإنَّما ساق القدر المطلوب، وهو حديث طويل.\n\nقوله: (والا فحد في ظهرك) فيه حذف فعل الشرط، ثم المبتدأ بعد فاء الجزاء، والتقدير: وإنْ لا تحضر البينة فجزاؤك حد في ظهرك، والمراد به: حد القذف ثمانون جلدة، للآية الكريمة.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الزوج إذا قذف زوجته بالزنا كلف البينة على ذلك بأربعة شهود، كما لو قذف غيرها، لعموم آية القذف، فإن لم يقم بينة أقيم عليه حد القذف ويسقطه باللعان.\nوعلى هذا فالأزواج داخلون في عموم آية القذف، إلَّا أن الله تعالى جعل لهم فرجًا ومخرجًا فأنزل آيات اللعان، وتقدم بيان ذلك في بابه بما يغني عن إعادته. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"أسباب نزول القرآن\" (٢/ ٧١٩).\n(^٢) (١٢/ ٢٣٥).","vol":"8","page":446},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1036>حد المملوك إذا قذف</span>\n١٢٣٣/ ٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِر بْنِ رَبِيعَةَ قَال: لَقَدْ أَدْرَكتُ أَبا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - ﵃ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَضرِبُونَ الْمَمْلُوكَ في الْقَذْفِ إلَّا أَرْبَعِينَ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ في \"جَامِعِهِ\".\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nتقدمت ترجمة عبد الله بن عامر بن ربيعة في سابع أحاديث كتاب \"الصداق\"، والغرض هنا التنبيه على وهم وقع فيه الشارح المغربي، وتبعه الصنعاني (^١) حيث ذكر أنَّه عبد الله بن عامر القارئ الشامي، أحد القراء السبعة، وأنه ولد سنة إحدى وعشرين، وهذا غلط واضح، لم ينتبه له الشارح ولا الصنعاني، فإن من ولد سنة إحدى وعشرين كيف يقول: لقد أدركت أبا بكر وعمر … وإنَّما هو عبد الله بن عامر بن ربيعة العَنْزِي أَبو محمد المدني، ولد في عهد النبي - ﷺ -، كما تقدم في ترجمته.\n\n• الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٨٢٨) عن أبي الزناد، أنَّه قال: جلد عمر بن عبد العزيز عبدًا في فرية ثمانين، قال أَبو الزناد: فسألت عبد الله بن عامر بن ربيعة عن ذلك فقال: (أدركت عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والخلفاء هلم جرا، فما رأيت أحدًا جلد عبدًا فرية أكثر من أربعين).\nوإسناده صحيح، لكن ليس فيه ذكر أبي بكر -﵁-، ورواه عبد الرزاق\n_________\n(^١) \"البدر التمام\" (٤/ ٤١٢)، \"سبل السلام\" (٤/ ٣٦).","vol":"8","page":447},{"text":"(٧/ ٤٣٧)، وابن أبي شيبة (٩/ ٥٠٢) من طريق سفيان الثَّوري، عن ذكوان، عن عبد الله بن عامر، وليس في رواية عبد الرزاق ذكر أبي بكر، وهي في رواية ابن أبي شيبة. ورواه البيهقي (٨/ ٢٥١) بهذا الإسناد، ولفظه هو لفظ \"البلوغ\".\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن حد المملوك ذكرًا كان أم أنثى إذا قذف حرًّا أربعون جلدة، لفعل الصحابة - ﵃ -، والنص إنما ورد في تنصيف حد الزنا في الإماء، وهو قوله تعالى: ﴿فَعَلَيهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فكأن الصحابة - ﵃ - قاسوا حد القذف على حد الزنا الثابت تنصيفه في حق الأمة، وتكون آية القذف العامة في الأحرار والأرقاء قد دخلها التخصيص، والمخصص وهو القياس، أعني قياس حد القذف من الأمة على حد الزنا في حقها، ثم قاسوا العبد على الأمة في ذلك كله بجامع الملك.\nوالقول الثاني: أن حد المملوك إذا قذف حرًّا ثمانون جلدة كحد الحر، وهذا قول ابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، وابن حزم الظاهري (^١)، ولعل من قال بذلك أخذ بعموم الآية، وهو أن العبد داخل في عمومها، ولا يمكن إخراجه إلَّا بدليل، ولم يرد دليل يخرجه لا من كتاب ولا من سنة ولا من قياس، وإنَّما ورد النص في تنصيف الحد على الأمة في حد الزنى، وقياس القذف على الزنى قياس مع الفارق؛ لأن القذف حق للآدمي، فَيُرْدَعُ العبد كما يردع الحر (^٢)، واختار هذا القول الصنعاني، والشنقيطي، وابن عثيمين (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (١١/ ١٦١ - ١٦٢)، \"المغني\" (١٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨).\n(^٢) \"أضواء البيان\" (٦/ ٩٣).\n(^٣) \"سبل السلام\" (٤/ ٣٧)، \"أضواء البيان\" (٦/ ٩٢ - ٩٣)، \"الشرح الممتع\" (١٤/ ٢٨٤).","vol":"8","page":448},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1037>حكم من قذف مملوكه</span>\n١٢٣٤/ ٥ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ يُقَامُ عَلَيهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إلا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَال\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الحدود\"، باب \"قذف العبد\" (٦٨٥٨)، ومسلم (١٦٦٠) من طريق فضيل بن غزوان، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي نُعْم، حدثني أَبو هريرة - ﵁ - قال: قال أَبو القاسم - ﷺ -: \"من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد … الحديث\"، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: \"من قذف مملوكه وهو بريء مما قال جُلد يوم القيامة إلَّا أن يكون كما قال\".\n\n• الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن السيد إذا قذف عبده بالزنا لم يُحَدَّ للقذف في الدنيا؛ لأن النبي - ﷺ - أخبر أنَّه يُحَدُّ لقذفه يوم القيامة، ولو وجب حده في الدنيا لم يجب حده يوم القيامة، لما تقدم من أن الحدود كفارات لمن أقيمت عليه.\nأما إذا قَذَفَ المملوكَ غيرُ مالكه فالجمهور على أنَّه لا يحد القاذف، بل نقل بعض أهل العلم الإجماع على ذلك (^١)، ويجب أن يؤدب القاذف ردعًا له عن أعراض المعصومين، وكفًّا له عن أذاهم.\n_________\n(^١) انظر: \"الاستذكار\" (٢٤/ ١٣١)، \"الإقناع في مسائل الإجماع\" (٤/ ١٨٤٦)، \"المفهم\" (٤/ ٣٥٠).","vol":"8","page":449},{"text":"واستدلوا بحديث الباب، فإنه صريح في أن الحد لا يقام على قاذف العبد، قالوا: ولأن مرتبة العبد دون مرتبة الحر.\nوالقول الثاني: أن قاذف العبد يحد كما يحد قاذف الحر، وهذا رأي ابن حزم (^١)، لعموم: وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام … \" (^٢) وهذا قول قوي، فإن حرمة المسلم يجب أن تصان، لا فرق في ذلك بين الحر والعبد، وأما حديث الباب، فلا دلالة فيه على العموم، وإنَّما هو خاص بمن قذف مملوكه، لقوله: \"من قذف مملوكه فلا يدخل في هذا إذا كان القاذف أجنبي\". والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المحلى\" (١١/ ٢٧٢).\n(^٢) هذا الحديث رواه البخاري (٦٧)، ومسلم (١٦٧٩) وقد تقدم شرحه في \"البيوع\" برقم (٩٠٠).","vol":"8","page":450},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1038>باب حد السرقة</span>\nالسرقة في اللغة: مصدر سرق يسرق، من باب (ضرب)، ومعناها: الأخذ بخفية؛ لأن العنصر الأساسي لمادة (سرق) هو الاختفاء.\nوأما شرعًا فيختلف تعريفها حسب الشروط المعتبرة، مع اتفاقهم على إيراد المعنى اللغوي ضمن الحد، وأحسن تعريف لها أن يقال:\nالسرقة: أخذ المال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه بغير حق.\n\nوقولنا: (أخذ المال) يخرج ما ليس بمال، كالخمر والدُّخان والصليب وآلات اللهو ونحوها مما منفعته غير مباحة.\n\nوقولنا: (على وجه الاختفاء) هذا هو العنصر الأساسي في السرقة، وذُكِرَ في التعريف لبيان محترزه، فخرج الآخذ من غير خفية، كالمنتهب، وهو آخذ الشيء من صاحبه غلبة وقهرًا، وخرج المختلس: وهو آخذ الشيء بحضور صاحبه في غفلة منه والهرب به، ونحوهما كما سيأتي.\n\nوقولنا: (من مالكه أو نائبه) النائب: كل من كان بيده مال غيره بإذن الشرع، أو بإذن مالكه كالمستعير والمودَع وولي اليتيم ونحوهم. ويخرج ما لو سرق مغصوبًا من غاصبه فلا قطع فيه، لكن ما سقط فيه القطع ففيه التعزير أو مضاعفة الغرم، كما سيأتي - إن شاء الله -.\n\nوقولنا: (بغير حق) يخرج أخذ المالك وديعته من المودَع، أو أخذ الأب من مال ابنه ونحو ذلك.\nوالسرقة محرمة، وهي من كبائر الذنوب، ثبت حكمها بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨]، وأما السنة","vol":"8","page":451},{"text":"فالأحاديث المتكاثرة التي بلغت التواتر في وجوب قطع يد السارق، ومنها أحاديث الباب، وأما الإجماع فقد اتفق المسلمون على وجوب قطع السارق في الجملة.\nوأما الحكمة من القطع فهي حماية الناس وأموالهم، فإن القطع بربع الدينار وإن كان قليلًا لكن قصد به حماية الأموال، والقضاء على العبث بالأمن، ففي السرقة اعتداء على الأموال من جهة، واعتداء على حق الملكية الفردية من جهة أخرى، وفيها ترويع الآمنين، وتهديد الناس، وهي تثير القلق الدائم والاضطراب النفسي، فيعيش الناس في ذعر وخوف، والسارق لا يبالي بما يحصل من انتهاك الحرمات وسفك الدماء في سبيل تحقيق غرضه والتخلص مما وقع فيه، والسرقة إذا فشت هُدِّدَ الناس في أموالهم وأعراضهم وأنفسهم، وأصبحت حياتهم مريرة، ثم إن السارق لا يمكن الاحتراز منه؛ فإنه يَنْقِبُ الدور، ويهتك الحرز، ويكسر القفل، فجاءت هذه العقوبة المناسبة الرادعة بإبانة العضو الذي جعله السارق وسيلة إلى الاعتداء، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ أي: اقطعوا أيديهما جزاءً لهما بعملهما وكسبهما السيء، ونكالًا وعبرة لغيرهما، والنكال: ما يُنَكِّلُ الناس ويخيفهم أن يسرقوا، مأخوذ من النكْلِ بالكسر، وهو قيد الدابة.","vol":"8","page":452},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1039>وجوب قطع السارق، ومقدار النصاب</span>\n١٢٣٥/ ١ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ إلا في رُبْعِ دِينَار فَصَاعِدًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\nولفظ البخاري: \"تُقْطَعُ اليدُ فِي رُبُعِ دينارٍ فَصَاعِدًا\"، وفِي رواية لأحمد: \"اقْطَعُوا في رُبُعِ دينارٍ، ولا تَقْطَعُوا فيما هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ\".\n١٢٣٦/ ٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَطَعَ في مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثةُ دَرَاهِمَ. مُتّفَقٌ عَلَيهِ.\n١٢٣٧/ ٣ - وَعَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ، ويسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ\"، مُتَفَقٌ عَلَيهِ أَيضًا.\n\n• الكلام عليها من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث عائشة - ﵂ - فقد رواه البخاري في كتاب \"الحدود\"، باب \"قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾، (٦٧٨٩)، ومسلم (١٦٨٤) (١) من طريق عمرة، عن عائشة -﵂-، مرفوعًا.\nوهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: \"تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا\"، وسيأتي الفرق بينهما.\nولعل الحافظ قدم رواية مسلم لأنها أقوى حيث جاءت بصيغة القصر، كما سيأتي.","vol":"8","page":453},{"text":"ورواه أحمد (٤١/ ٦٠ - ٦١) من طريق محمد بن راشد، عن يحيى بن يحيى الغساني، قال: قدمت المدينة، فلقيت أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهو عامل المدينة، قال: أُتيت بسارق، فأرسلتْ إليَّ خالتي عمرة بنت عبد الرحمن ألا تعجل في أمر هذا الرجل حتَّى آتيك، فأخبرك ما سمعت من عائشة - ﵂ - في أمر السارق، قال: فأتتني وأخبرتني أنَّها سمعت عائشة - ﵂ - تقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"اقطعوا في ربع الدينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك\"، وكان ربع الدينار يومئذٍ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهمًا، قال: وكانت سرقته دون ربع دينار، فلم أقطعه.\nوهذا الحديث في سنده محمد بن راشد المكحول، مختلف في توثيقه، كما يقول ابن عبد الهادي (^١)، وقد تقدم الكلام عليه، وقد قال عنه الحافظ في \"التقريب\": (صدوق يَهِمُ، وقد رمي بالقدر)، ويحيى بن يحيى الغساني ثقة، لكن يشهد له ما قبله، والحديث رواه مسلم (١٦٨٤) (٤) من طريق يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة -﵂-، باللفظ المذكور أولًا، ولعل الحافظ ذكر رواية أحمد لفائدتين:\n١ - أنَّها بصيغة الأمر.\n٢ - أن فيها التصريح بمفهوم الروايات السابقة.\nوأما حديث ابن عمر - ﵄ - فقد رواه البخاري في \"الحدود\"، في الباب المذكور (٦٧٩٥)، ومسلم (١٦٨٦) من طريق نافع، عن ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا.\nوأما حديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - فقد رواه البخاري في باب \"لعن السارق إذا لم يُسمَّ\" (٦٧٩٩)، ومسلم (١٦٨٧) من طريق الأعمَش، عن أبي صالح، عن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - مرفوعًا.\n_________\n(^١) \"التنقيح\" (٤/ ٥٥٣).","vol":"8","page":454},{"text":"• الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (لا تقطع) بالرفع على النفي، وهو بمعنى النهي؛ أي: لا تقطعوا، وفيه قصر طريقه النفي والاستثناء، والمقصور قطع اليد، والمقصور عليه كون المسروق ربع دينار فصاعدًا.\n\nقوله: (ربع دينار) الدينار يساوي (٧٢) حبة شعير، وهي بالجرام من ثلاثة ونصف الجرام إلى ثلاثة وثلاثة أرباع، فربع الدينار يساوي جرامًا من الذهب تقريبًا.\n\nقوله: (فصاعدًا) حال مؤكدة حذف عاملها وجوبًا؛ أي: فذهب المقدار صاعدًا، وفي مسلم: \"ربع دينار فما فوق\".\n\nقوله: (تقطع اليد) هذا خبر بمعنى الأمر؛ أي: اقطعوا اليد، بدليل رواية أحمد الآتية.\n\nقوله: (قَطَعَ) أي: أمر بالقطع؛ لأنه - ﷺ - لم يكن يباشر القطع بنفسه، وفي حديث المخزومية الآتي: \"قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها\" (^١).\n\nقوله: (في مجن) أي: سَرِقَةِ مجن ثمنه ثلاثة دراهم، وهي ربع دينار، كما في رواية أحمد.\nوالمجن: بكسر الميم وفتح الجيم بعدها نون مشددة، هو الترس الذي يتقي به الفارس وقع السيف، مأخوذ من الاجتنان وهو الاختفاء؛ لأن الفارس يختفي به.\n\nقوله: (لعن الله السارق) أي: طرده وأبعده عن رحمته، وهذه الجملة إما أنَّها خبرية لفظًا ومعنى، فالرسول - ﷺ - يخبر أن الله لعن السارق، أو أنَّها خبرية لفظًا إنشائية معنى، بمعنى أن الرسول - ﷺ - يدعو عليه بذلك، وقيل: لا يراد به اللعن وإنَّما هو للتنفير (^٢).\n_________\n(^١) رواه النَّسائي (٨/ ٧١) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٨١).","vol":"8","page":455},{"text":"قوله: (البيضة) ظاهره أن المراد البيضة المعروفة، ونقل البخاري عن الأعمَش راوي الحديث أنَّها بيضة الحديد، وهي التي تتخذ جنة للرأس، قد تكون قيمتها ربع دينار فصاعدًا.\n\nقوله: (الحبل) ظاهره أن المراد الحبل المعروف، ونقل البخاري عن الأعمَش أنَّه قال: (والحبل كانوا يرون أن منها ما يساوي دراهم)، وذلك كحبل السفينة، لكن رد العلماء هذا التأويل، قال الخطابي: (تأويل الأعمَش هذا غير مطابق لمذهب الحديث ومخرج الكلام فيه، وذلك أنَّه ليس بالسائغ في الكلام أن يقال في مثل ما ورد فيه هذا الحديث من اللوم والتثريب: أخزى الله فلانًا عرض نفسه للتلف في مالٍ له قدر ومزية، وفي عَرَضٍ له قيمة، إنما يضرب المثل في مثله بالشيء الوَتِح (^١) الذي لا وزن له ولا قيمة) (^٢).\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب قطع يد السارق في الجملة، والقطع يكون لليد اليمنى من مفصل الكف، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقد قرأ ابن مسعود: (فاقطعوا أيمانهما) وهي قراءة شاذة، قال الموفق: (وهذا إن كان قراءة وإلَّا فهو تفسير) (^٣)، وكون القطع من مفصل الكف هو قول أبي بكر وعمري؛ ولأن الكف هو أقل ما يطلق عليه اسم اليد، واليد قبل السرقة كانت محترمة، فلما جاء النص بقطعها وكانت تطلق على الكف وما فوقه، وجب الأخذ بالمتيقن وترك ما عداه، قال البخاري: (وقطع علي - ﵁ - من الكف) (^٤).\n\n• الوجه الرابع: اختلف العلماء هل يشترط النصاب في السرقة على قولين:\nالأول: أنَّه لا يشترط النصاب، بل تقطع اليد في القليل والكثير، وهذا القول عزاه ابن رشد للحسن البصري، وعزاه ابن حزم لطائفة، ولعل المراد\n_________\n(^١) الوتح: بالواو المفتوحة، بعدها ياء مثناة مكسورة أو ساكنة، ثم حاء مهملة، هو: التافه القليل.\n(^٢) \"أعلام الحديث\" (٤/ ٢٢٩١).\n(^٣) \"المغني\" (١٢/ ٤٤٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٩٦).","vol":"8","page":456},{"text":"بهم الخوارج وبعض المتكلمين، كما ذكر ابن عبد البر (^١)، وهو قول الظاهرية، إلَّا أنهم -كما قال ابن حزم- يستثنون الذهب، فلا تقطع اليد في سرقته إلَّا بربع دينار، وأما غيره فيقطع في القليل والكثير باستثناء التافه الذي لا قيمة له أصلًا، ودليلهم أن التحديد في الذهب منصوص، ولم يوجد نص في غيره، فيكون داخلًا في عموم الآية (^٢).\nواستدلوا بدليلين:\nالأول: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ فهي عامة في سرقة القليل والكثير.\nالثاني: حديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ -: \"لعن الله السارق … \" ووجه الدلالة: أنَّه رتب القطع على سرقة القليل كالبيضة، فدل على أنَّه ملحق بالكثير.\nالقول الثاني: أنَّه لا بد في القطع من نصاب محدد يرجع إليه، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، مستدلين بأحاديث الباب القولية والفعلية، وهذا هو الراجح لثبوت النصاب بادلة كثيرة صحيحة وصريحة.\nوأما الآية فهي عامة جاءت السنة بتخصيصها (^٣)، وأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فعنه جوابان:\nالأول: أن سياقه لا يشعر بأن المراد أن اليد تقطع في القليل كالبيضة والحبل، وإنما المراد المبالغة في التحذير من السرقة، وبيان خسارة السارق وأنه إذا سرق القليل تجرأ على سرقة الكثير، وإنما فسر بذلك ليتمشى مع الأحاديث الدالة على اعتبار النصاب.\nالثاني: أن حديث عائشة - ﵂ - وغيره معارض لهذا الإطلاق، فإنه صريح في الحصر، كما تقدم، وفي رواية أحمد: \"ولا تقطعوا فيما هو أقل من ذلك\" وهذا مفهوم من منطوق الحصر.\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٢٤/ ١٦٦).\n(^٢) \"المحلى\" (١١/ ٣٥١ - ٣٥٢).\n(^٣) انظر: \"الشرح الممتع\" (١٤/ ٣٣٥).","vol":"8","page":457},{"text":"ومما يؤيد مذهب الجمهور أنَّه لا بد في القطع من مقدار يجعل ضابطًا يرجع إليه، وعادة الناس التسامح في الشيء الحقير من أموالهم إذ لا يلحقهم ضرر بفقده، والنصاب المقدر فيه حكمة ظاهرة، فإن ربع الدينار كفاية المقتصد في يومه له ولمن تَكُون غالبًا.\n\n• الوجه الخامس: اختلف القائلون بشرطية النصاب في مقداره على أقوال كثيرة بلغت عشرين، أهمها ثلاثة:\nالأول: أن مقدار النصاب ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة، أو عرض قيمته ثلاثة دراهم، ولا قطع فيما هو دون ذلك، وهذا مذهب مالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه (^١)، واستدلوا بحديث عائشة - ﵂ - وهو نص في ربع الدينار، وحديث ابن عمر - ﵄ - نص في ثلاثة الدراهم، وكانت قيمتها ربع دينار في ذلك الوقت، كما تقدم.\nوأما العروض فتقوم بالدراهم فما بلغ ثلاثة دراهم قطع دون مراعاة ربع الدينار، لحديث المجن المتقدم، وأما حديث عائشة - ﵂ - فلم يأخذ به مالك؛ وروى الأثرم عن أحمد أن العروض تقوم بربع دينار أو بثلاثة دراهم، فعلى هذا تقوم العروض بأدنى الأمرين (^٢).\nوالقول الثاني: أن النصاب ربع دينار ذهبًا أو ما قيمته ربع دينار من الفضة والعروض، وهذا قول الشَّافعي، فهو يرى أن الذهب هو الأصل، لحديث عائشة - ﵂ -؛ فإنه جمل الذهب أصلًا يرجع إليه في النصاب، وقد روى مالك أن عثمان أُتي بسارق سرق أترجة قومت بثلاثة دراهم من حساب الدينار باثني عشر فقطع) (^٣).\nوروى البيهقي أن عليًّا قطع في ربع دينار كانت قيمته درهمين ونصفًا (^٤).\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (٢٤/ ١٥٥)، \"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠١)، \"المغني\" (١٢/ ٤١٨).\n(^٢) \"المغني\" (٤١٨/ ١٢).\n(^٣) \"الموطأ\" (٢/ ٨٣٢)، وانظر: \"شرح الزرقاني\" (٤/ ١٥٤).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٦٠).","vol":"8","page":458},{"text":"قال الشَّافعي: إن الثلاثة الدراهم إذا لم تكن قيمتها ربع دينار لم توجب القطع، وحديث ابن عمر - ﵄ - محمول على ذلك، وترك الشَّافعي حديث ابن عمر فلم يأخذ به في تقويم العروض؛ للاختلاف في ثمن المجن (^١).\nوالقول الثالث: أن النصاب عشرة دراهم أو ما يعادلها من ذهب أو عروض، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، وسفيان الثَّوري (^٢)، واستدلوا بحديث ابن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قطع في مجن، قالوا: وقد تعددت الروايات في قيمة هذا المجن، فقيل: ثلاثة دراهم أو أربعة أو خمسة أو ربع دينار، أو عشرة دراهم، والأخذ بالأكثر أرجح؛ لأن الأقل فيه شبهة عدم الجناية، والحدود تدرأ بالشبهات، والواجب الاحتياط فيما يستباح به العضو المحرم، وقد روى أَبو داود، والنَّسائي (^٣) من طريق محمد بن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عبَّاس -﵄-، قال: قطع رسول الله - ﷺ - في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم.\nوروى محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مثله (^٤). وهذا من الاختلاف على محمد بن إسحاق.\nوالراجح قول الشَّافعي؛ لأن الأحاديث صريحة في أن النصاب ربع دينار، أما رواية ثلاثة دراهم فهي محمولة على أن الثلاثة ربع دينار، وقد تكون أكثر، وهي قضية عين لا عموم لها، فلا يجوز ترك صريح لفظه عقيم في تحديد النصاب لهذه القضية.\nوأما دليل الحنفية فيجاب عنه بما يلي:\nأولًا: أن الأحاديث في قيمة المجن معلولة في سندها، ومضطربة في متنها، فلا تقدم على حديث عائشة - ﵂ - الثابت في \"الصحيحين\"، ثم إن الصحيح\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (١٤/ ٣٧٨).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٧/ ٧٧)، \"عارضة الأحوذي\" (٦/ ٢٢٦).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (٤٣٨٧)، \"سنن النَّسائي\" (٨/ ٨٣).\n(^٤) رواه النَّسائي (٨/ ٨٤).","vol":"8","page":459},{"text":"في قيمة المجن ثلاثة دراهم، لحديث ابن عمر المتفق عليه، وباقي الأحاديث لا تقاومه سندًا، فإن حديث ابن عبَّاس فيه محمد بن إسحاق، وقد عنعنه.\nثانيًا: أن الاحتياط بعد ثبوت الدليل وصحته يكون في اتِّباع الدليل والعمل به لا فيما عداه (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"سبل السلام\" (٤/ ٤٠ - ٤١).","vol":"8","page":460},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1040>حكم جاحد العارية والنهي عن الشفاعة في الحدود</span>\n١٢٣٨/ ٤ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"أَتَشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟ \"، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَال: \"أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَ سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضعِيفُ أقَامُوا عَلَيهِ الْحدَّ\" الحديثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، واللَّفظُ لِمُسْلِم، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِقَطْعِ يَدِهَا.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في مواضع من \"صحيحه\"، ومنها: في كتاب \"الحدود\"، باب \"كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان\" (٦٧٨٨)، ومسلم (١٦٨٨) (٨) من طريق اللَّيث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة -﵂-، به، وتمامه: \"وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لَقَطَعْتُ يدها\".\nورواه مسلم (١٦٨٨) (١٠) من طريق معمر، عن الزُّهْريّ، عن عروة، عن عائشة -﵂-، قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي - ﷺ - أن تقطع يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد … الحديث، وهذه الرواية أعرض عنها البخاري، واعتبر بعض العلماء هذا دليلًا على شذوذها.\nوظاهر صنيع الحافظ أن قصة المخزومية التي سرقت، والمرأة التي كانت تجحد المتاع قصة واحدة، وأن جحد العارية ذكر تعريفًا لها ووصفًا","vol":"8","page":461},{"text":"لها، لا أن ذلك سبب القطع، وهذا قول النووي (^١)، وليس في الحديث ما يدل على ذلك، لكن صنيع المصنف يشعر بأنها واحدة؛ لأنه جعل ما ذكره ثانيأ رواية من روايات الحديث، ومثل هذا فعل صاحب \"المحرر\" وصاحب \"عمدة الأحكام\" قبل الحافظ، والظاهر أنَّها قصة واحدة، اختلف فيها هل كانت سارقة أو جاحدة، ومما يؤيد ذلك ذكر أسامة في قصة المخزومية، وفي قوله: (كانت تستعير المتاع) ويبعد أن يأتي أسامة مرة ثانية وقد قال الرسول - ﷺ - له: \"أتشفع في حد من حدود الله\"، ثم إن المرأة وصفت بأنها مخزومية في كلا القصتين.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أتشفع) الخطاب لأسامة بن زيد - ﵁ - بدليل رواية \"الصحيحين\": \"أن قريشًا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله - ﷺ - ومن يجترئ عليه إلَّا أسامة حِبُّ رسول الله - ﷺ -، فكلم رسول الله - ﷺ -، فقال: \"أتشفع في حد من حدود الله … \". ولو أن الحافظ ذكره بهذا السياق كما فعل المقدسي وابن عبد الهادي لكان أولى.\nوكانت هذه السرقة عام الفتح، كما في \"الصحيحين\" (^٢)، وإنَّما أهمهم شأنها لما خافوا من لحوقهم العار الجاهلي في قطع يدها وافتضاحهم به بين القبائل.\nوالشفاعة لغة: مصدر شفع يشفع شفاعة فهو شافع وشفيع، قال ابن الأثير: \"هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم\" (^٣).\nوهي في باب العقوباب: التماس العفو عن العقوبة أو التخفيف منها عن الغير من غير بدل.\nوالاستفهام للإنكار بدلالة السياق، ولما جاء في \"الصحيحين\" أنَّه قال:\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (١١/ ٢٠٠).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٤٣٠٤)، \"صحيح مسلم\" (١٦٨٨) (٩).\n(^٣) \"النهاية\" (٢/ ٤٨٥).","vol":"8","page":462},{"text":"(استغفر لي يا رسول الله)، وقد حمله الحافظ على احتمال أنَّه سبق لأسامة علم بأنه لا شفاعة في حد، وهذا يحتاج إلى دليل؛ وكأنه مبني على أن الإنكار لا يناسب الجاهل.\n\nقوله: (إنما هلك …) هكذا في بعض نسخ \"البلوغ\"، وهو لفظ \"الصحيحين\"، وفي لفظ آخر: \"أهلك\"، وعند البخاري: \"إنما ضَلَّ\"، وهذا أسلوب قصر، فيه قصر هلاك من قبلنا على ترك إقامة الحد، والظاهر أن المراد بمن قبلنا بنو إسرائيل، ورواية البخاري: \"إن بني إسرائيل كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه. . . (^١)، وهذا القصر ليس عامًّا، فإن بني إسرائيل كانت فيهم أمور كثيرة تقتضي هلاكهم، فيكون الحديث محمولًا على قصر خاص، وهو الهلاك بسبب المحاباة في الحدود من باب المبالغة في تعظيم شأنها حتَّى كأنها هي بذاتها سبب هلاك بني إسرائيل.\n\nقوله: (الشريف) هو من جمع علو النسب مع حميد الصفات وعلو القدر، وجمعه شرفاء وأشراف.\n\nقوله: (الضعيف) هو ذو الضعف خلاف القوي، وجمعه ضعاف وضعفاء، وليس هو ضد الشريف، لكن جاء في رواية: \"كانوا يقيمون الحد على الوضيع ويتركون الشريف\" (^٢)، والوضيع ضد الشريف، وهو الذي لا قدر له ولا احترام بين الناس.\n\nقوله: (كانت امرأة) في رواية مسلم: \"امرأة مخزومية\" كما تقدم، وعند النَّسائي: (سرقت امرأة من قريش من بني مخزوم) (^٣) فهم أحد أفخاذ قريش، وهم من أشرافهم ولذا يقال لهم: ريحانة قريش، وهي نسبة إلى مخزوم بن يَقَظَة، وهو أخو كلاب بن مرة الذي نسب إليه بنو عبد مناف.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على تحريم الشفاعة في حدود الله تعالى، والإنكار على الشَّافع، وقد ذكر ابن القيم أن الشفاعة في الحدود من\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٣٧٣٣).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٦٧٨٧).\n(^٣) \"سنن النَّسائي\" (٨/ ٧٤).","vol":"8","page":463},{"text":"كبائر الذنوب (^١)، وقال الماوردي: (لا يحل لأحد أن يشفع في إسقاط حد عن زان ولا غيره، ويحل للمشفوع إليه أن يشفِّع فيه) (^٢). وقد بوب البخاري على الحديث -كما تقدم- بقوله: \"باب كراهة الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان\" وهذا القيد وهو الرفع إلى السلطان لم يرد في لفظ الحديث الذي ساقه البخاري، وإنما جاء في رواية أنه - ﷺ - قال لأسامة: \"لا تشفع في حد فإن الحدود إذا انتهت إلي فليست بمتروكة\" (^٣). قال ابن عبد البر: (لا أعلم بين أهل الحلم اختلافًا في الحدود إذا بلغت إلى السلطان لم يكن فيها عفو لا له ولا لغيره، وجاز للناس أن يتعافوا الحدود ما بينهم ما لم تبلغ السلطان، وذلك محمود عندهم) (^٤). وعلى هذا فليس للإمام أن يقبل شفاعة أحد كائنًا من كان متى بلغه الحد، بل عليه أن ينفذه، ويقيم شرع الله تعالى.\nلكن ما المراد ببلوغ الإمام؟ قالت الحنفية والشافعية والظاهرية: إن المراد ثبوت الحد عند الإمام، أما قبل ثبوته فتجوز الشفاعة.\nوقالت الحنابلة وفريق من أهل العلم: إن المراد وصول القضية إلى الإمام، واعتبرت المالكية نواب الإمام كافٍ، مثل الشرطة أو الحرس أو من يقوم مقام ولي الأمر.\nوالأولى في الشفاعة قبل بلوغ الإمام أن ينظر إلى ما يترتب على ذلك من المصالح والمفاسد، وقد أجاز الشفاعة في ذلك أكثر العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وفساد وأذى للناس، فإن كان لم يشفع فيه، ويظهر أن هذه حالة متفق على استثنائها في الحد والتعزير (^٥).\nوينبغي أن يعلم (أن العدالة الكاملة، والأهداف السامية للعقوبة لا تظهر إلا إذا كانت عامة وشاملة وتطبق على جميع الناس، دون تمييز طبقي أو\n_________\n(^١) \"إعلام الموقعين\" (٤/ ٤٠٤).\n(^٢) \"الأحكام السلطانية\" ص (٢٨١).\n(^٣) رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ١٩١) بلفظ مقارب.\n(^٤) \"التمهيد\" (١١/ ٢٢٤).\n(^٥) انظر: \"المنتقى شرح الموطأ\" (٧/ ١٦٥)، \"المغني\" (١٢/ ٤٦٧)، \"ضوابط السَّتر في قضايا الأعراض والأخلاق والآداب الشرعية\" ص (٦٧).","vol":"8","page":464},{"text":"عنصري أو طائفي، وأن السارق يجب أن ينال جزاءه مهما كانت مكانته أو قرابته من الحكام والقضاة والسلطات الحاكمة، وإلا كان التمييز والمحاباة والرشوات والواسطات في تطبيق الحدود سببًا في الظلم والهلاك والدمار، وهو ما حذر منه رسول الله - ﷺ -) (^١).\n\n° الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال بوجوب قطع جاحد العارية، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وهي المذهب، قال عبد الله ابن الإمام أحمد: سألت أبي فقلت له: تذهب إلى هذا الحديث؟ فقال: (لا أعلم شيئًا يدفعه) (^٢) وهو قول إسحاق بن راهويه (^٣)، والظاهرية، وانتصر له ابن حزم (^٤)، كما نصره ابن القيم (^٥)، واختاره الشوكاني، والصنعاني، والشيخ محمد بن إبراهيم، وابن باز في \"شرحه على البلوغ\"، وابن عثيمين (^٦).\nووجه الدلالة: أن الراوي رتب قطع يدها على جحد العارية بالفاء التي تفيد أن سبب القطع هو الجحد.\nوالقول الثاني: أن جاحد العارية لا يقطع، وهذا قول الجمهور من المالكية والحنفية والشافعية وإحدى الروايتين عن أحمد، اختارها الخرقي، وأبو الخطاب، وعبد الرحمن بن قدامة صاحب \"الشرح الكبير\"، ونصرها القرطبي (^٧). واستدلوا بدليلين:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾.\nووجه الدلالة: أن الله تعالى أوجب قطع يد السارق، والجاحد لا يسمى سارقًا، وإنما هو خائن.\n_________\n(^١) \"النظريات الفقهية\" ص (٣٦).\n(^٢) \"المغني\" (١٢/ ٤١٧).\n(^٣) \"إكمال المعلم\" (٥/ ٥٠٢).\n(^٤) \"المحلى\" (١١/ ٤٣٣).\n(^٥) \"تهذيب مختصر السنن\" (٦/ ٢٠٩)، \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٦٢).\n(^٦) \"سبل السلام\" (٧/ ١٧٥)، \"نيل الأوطار\" (٧/ ١٥٠)، \"فتاوى ابن إبراهيم\" (١٢/ ١٣٣)، \"الشرح الممتع\" (١٤/ ٣٢٩).\n(^٧) \"المفهم\" (٥/ ٧٧)، \"المغني\" (١٢/ ٤١٧)، \"شرح فتح القدير\" (٥/ ١٣٦)، \"نهاية المحتاج\" (٧/ ٤٣٦)، \"الشرح الكبير\" (٢٦/ ٤٧١).","vol":"8","page":465},{"text":"٢ - حديث جابر - ﵁ - الآتي بعد هذا \"لا قطع على خائن … \".\nووجه الدلالة: أن جاحد العارية خائن فلا قطع عليه.\nوقد أجاب الجمهور عن الاستدلال بحديث الباب بجوابين:\nالأول: أن معمر بن راشد تفرد من بين سائر الرواة بذكر العارية في الحديث، وأن الليث بن سعد ويونس بن يزيد وأيوب بن موسى رووه عن الزهري وقالوا: سرقت، ومعمر لا يقاوم هؤلاء، ومؤدى هذا الجواب ترجيح رواية سرقت، قال البيهقي: (وأما رواية معمر عن الزهري فهي منفردة، والعدد أولى بالحفظ من الواحد) (^١).\nالجواب الثاني: سلمنا بثبوت لفظ جحد العارية، لكنه ليس هو سبب القطع، بل سبب القطع هو السرقة، وذكر العارية للتعريف بالمرأة وأن الاستعارة صارت خلقًا لها فعرفت المرأة به، ومؤدى هذا الجواب الجمع بين الروايتين بهذا التأويل. ويؤيد هذا قوله - ﷺ -: \"لو أن فاطمة بنت محمد سرقت … \"، ثم أمر بيد المرأة فقطعت، فهذا يدل على أن المرأة قطعت في السرقة وإلا لكان ذكر السرقة لاغيًا لا فائدة فيه (^٢).\nوَرُدَّ هذان الجوابان بما يلي:\nأولًا: قولهم بتفرد معمر بذكر العارية غير صحيح، بل قد رواه بلفظ العارية جمع من الرواة، ومن بينهم أيوب بن موسى أحد رواته عن الزهري بلفظ: (سرقت) وكذا رواه يونس بن يزيد -في أحد الوجهين عنه (^٣) -، وشعيب بن أبي حمزة، كما عند النسائي.\nثانيًا: وأما قولهم إن القطع بسبب السرقة لا بسبب الجحد فهو جواب ضعيف لا يخفى تكلفه، فإن من القواعد الأصولية: ترتيب الحكم على الوصف يؤذن بعلية ذلك الوصف، فيكون ترتيب القطع على جحد العارية\n_________\n(^١) انظر: \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٨١)، \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (١١/ ٢٠٠).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٦/ ٢٢٩)، \"المفهم\" (٥/ ٧٧).\n(^٣) انظر: \"السنن الصغير\" للبيهقي (٣/ ٣١٩).","vol":"8","page":466},{"text":"مؤذنًا بأن الجحد هو علة القطع، وإهمال هذا الوصف وجعله للتعريف يخرجه عن كونه علة، وبالتالي فلا يستلزم وجوه وجود الحكم، وبذلك يذهب كثير من الأحكام الشرعية المرتبة على الأوصاف.\nوقد أجاب أصحاب القول الأول عن أدلة أصحاب القول الثاني بما يلي:\nأما الآية فقد قال ابن القيم إن جاحد العارية داخل في اسم السارق، والجحد داخل في اسم السرقة، كما جرى ذلك على لسان الصحابة - ﵃ - في روايات حديث عائشة هذا (^١)، لكن لم يذكر ابن القيم شواهد من لغة العرب على ذلك، ولهذا استبعد الحافظ ابن حجر هذا الجواب (^٢)، وحتى لو ثبت أن جاحد العارية لا يسمى سارقًا لكان قطعه ثابتًا بهذا الحديث، ولا يلزم الاستدلال بالآية على ذلك، ثم إن المعنى الموجود في السارق موجود في الجاحد بل الجاحد أعظم؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، والمعير محسن متفضل، والجاحد يريد قطع هذا الإحسان والمعروف بين الناس.\nوأما حديث \"لا قطع على خائن\" فهو حديث معلول كما سيأتي، وعلى فرض صحته فهو عام لكل خائن، وحديث المخزومية خاص بجحد العارية، فيقدم الخاص على العام، ويكون القطع فيمن جحد العارية دون غيره من الخونة، كجاحد الوديعة.\nهذا ملخص ما حصل بين الفريقين من ردود ومناقشات، والذي يظهر لي أن جاحد العارية لا يقطع، وأن هذه المرأة ما قطعت بسبب جحد العارية بل بسبب السرقة، وذلك لأمور:\n١ - اتفاق الشيخين على ذكر السرقة.\n٢ - ذكر النبي - ﷺ - السرقة.\n٣ - أن رواية الجحد يمكن تأويلها كما تقدم.\n٤ - أن جاحد العارية ليس بسارق ولا يقطع إلا السارق. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تهذيب مختصر السنن\" (٦/ ٢١١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٩٢).","vol":"8","page":467},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1041>لا قطع على خائن ومختلس ومنتهب</span>\n١٢٣٩/ ٥ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"لَيسَ عَلَى خَائِنٍ، وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ، قَطْعٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبّانَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد رواه أحمد (٣٣/ ٣٠٣)، وأبو داود في كتاب \"الحدود\"، باب \"القطع في الخلسة والخيانة\" (٤٣٩١)، والترمذي (١٤٤٨)، والنسائي (٨/ ٨٨ - ٨٩)، وابن ماجه (٢٥٩١)، وابن حبان (١٠/ ٣١٠ - ٣١١) كلهم من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر - ﵁ - مرفوعًا.\nقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).\nوهذا الحديث له عدة ألفاظ، وقد جمع ابن حبان في إسناده بين أبي الزبير وعمرو بن دينار، لكن ذكر الدارقطني في \"العلل\" (١/ ٢١٦ - ٢١٧) أن هذا لا يصح، والمحفوظ عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -.\nوقد أعل هذا الحديث بأن ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير، وإنما سمعه من ياسين بن معاذ الزيات، كما في رواية عبد الرزاق (١٠/ ٢٠٦) وابن عدي في \"الكامل\" (٧/ ١٨٣)، وقد أعله بذلك أحمد، وأبو داود كما في \"سننه\"، وأبو زرعة، وأبو حاتم كما في \"العلل\" (١٣٥٣)، وياسين قال عنه ابن معين: (ليس حديثه بشيء)، وقال البخاري: (منكر الحديث)، وقال ابن عدي: (كل روايته أو عامتها غير محفوظة).","vol":"8","page":468},{"text":"وقد رواه النسائي (٨/ ٨٨) من طريق سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر به، وسفيان ثقة إمام، لكن قال النسائي: (لم يسمعه سفيان من أبي الزبير). ورواه -أيضًا- من طريق المغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير، به، والمغيرة بن مسلم صدوق حسن الحديث، لكن قال النسائي وابن معين في رواية: ليس بالقوي في أبي الزبير.\nوقد جاء عند النسائي في \"الكبرى\" (٧/ ٣٩) من طريق ابن المبارك، عن ابن جريج، قال أخبرني أبو الزبير … ورواه عبد الرزاق (١٠/ ٢٠٦) عن ابن جريج قال: قال لي أبو الزبير … فتابع ابن المبارك عبد الرزاق، لكن رد النسائي رواية ابن المبارك وقال: ما عمل شيئًا. والظاهر أنه يقصد بذلك أن التصريح بالسماع خطأ.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ليس على خائن) اسم فاعل من خانه خونًا وخيانة ومخانة، والخائن: من يؤتمن على شيء بطريق العارية أو الوديعة فيأخذه ويدعي ضياعه أو ينكره.\n\nقوله: (ولا مختلس) اسم فاعل من اختلس؛ أي: أخذ الشيء من صاحبه بحضرة صاحبه في غفلة منه والهرب به.\n\nقوله: (ولا منتهب) اسم فاعل من انتهب؛ أي: أخذ الشيء من صاحبه غلبة وقهرًا، وهو بمعنى الغاصب، إلا أن الغصب أعم؛ لأنه يكون في المنقول وفي العقار.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنه لا قطع على الخائن والمختلس والمنتهب، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، بل حكي فيه الإجماع، لكن تقدم أن مذهب إسحاق ورواية عن أحمد وقول الظاهرية أن جاحد العارية يقطع.\nوالله تعالى قد شرع قطع يد السارق، ولم يجعل ذلك في غير السرقة كالاختلاس والانتهاب؛ لأن ذلك قليل بالنسبة للسرقة؛ ولأنه يمكن استرجاع","vol":"8","page":469},{"text":"هذا النوع بالرفع إلى ولاة الأمور، وتسهل إقامة البينة عليه بخلاف السرقة، فإنه لا يمكن إقامة البينة عليها، فعظم أمرها واشتدت عقوبتها (^١).\nوسقوط القطع عن الخائن والمختلس والمنتهب لا يعني أنهم ليسوا بمجرمين، بل هم مجرمون مفسدون، ويجب على الإمام تعزيرهم وتأديبهم بما يردعهم وأمثالهم ممن تسول لهم أنفسهم الاعتداء على الناس وعلى أموالهم مع ما في ذلك من إخافتهم وترويعهم. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١١/ ١٩٣).","vol":"8","page":470},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1042>حكم سرقة الثَّمَرِ والكَثَرِ</span>\n١٢٤٠/ ٦ - عَنْ رَافِعِ بْنِ خَديج - ﵁ - قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا قَطْعَ في ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ\"، رَوَاهُ الْمَذْكُورُونَ، وَصَحّحَهُ أَيضًا التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٢٥/ ١٠٣)، وأبو داود (٤٣٨٨) في كتاب \"الحدود\"، باب \"ما لا قطع فيه\"، والترمذي (١٤٤٩)، والنسائي (٨/ ٨٨)، وابن ماجه (٢٥٩٣)، وابن حبان (١٠/ ٣١١ - ٣١٧) كلهم من طرق، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن عمه واسع بن حبان، أن رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: … وذكره.\nوهذا لفظ الترمذي وأحمد والنسائي وابن ماجه، هكذا مختصرًا. وعند أبي داود بهذا اللفظ، وفيه قصة، وهي عند أحمد في رواية أخرى، وساقها ابن حبان مختصرة، وليس في إسناد أحمد ذكر واسع بن حَبَّان.\nوهذا حديث صحيح، رجاله رجال \"الصحيحين\" كما قال ابن عبد الهادي، لكن اختلف في وصله وإرساله، حيث اختلف على يحيى بن سعيد بإثبات واسع بن حبان (^١) في إسناده أو إسقاطه.\nوقد رواه ابن عيينة عند النسائي (٨/ ٨٧)، وابن ماجه، ورواه الليث عند\n_________\n(^١) انظر: \"الإصابة\" (١٠/ ٢٩٢)، \"تهذيب الكمال\" (٣٠/ ٣٩٦).","vol":"8","page":471},{"text":"الترمذي والنسائي، وزهير بن محمد -في أحد الوجهين عنه- عند الطيالسي (٢/ ٢٦٣)، ورواه وكيع عن الثوري عند النسائي (٨/ ٨٧)، أربعتهم عن يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري، هكذا موصولًا بذكر واسع بن حَبَّان.\nويمكن أن يضاف إليهم أبو أسامة -حماد بن أسامة- فقد رواه عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن رجل من قومه، عن رافع، به، رواه النسائي (٨/ ٨٨)، والدارمي (٢/ ٩٥ - ٩٦)، والظاهر أن هذا الرجل هو واسع بن حبان، كما جاء موضحًا في الروايات الأخرى.\nوقد نقل ابن عبد البر عن الحميدي قال: (فقيل لسفيان: ليس يقول أحد في هذا الحديث: (عن عمه) فقال: هكذا حفظي) وقال: (فإن صح هذا فهو متصل مسند صحيح، ولكن قد خولف ابن عيينة في ذلك، ولم يتابع عليه، إلا ما رواه حماد بن دُليل، عن شعبة).\nورواه مالك (٢/ ٨٣٩)، ويحيى القطان عند النسائي (٨/ ٨٧)، وحماد بن زيد عند النسائي (٨/ ٨٧) وعند أبي داود (٤٣٨٩)، وأبو نعيم، عن الثوري عند النسائي (٨/ ٨٧)، وأبو معاوية عند النسائي (٨/ ٨٧)، ويزيد بن هارون وشعبة عند أحمد (٢٥/ ١٠٣، ١٢٧)، وزهير بن محمد عند الطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٢٦١)، وآخرون عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى، عن رافع، ليس فيه واسع بن حبان، وهذا سند منقطع؛ لأن محمد بن يحيى لم يسمع من رافع.\nوقد تبين بهذا أن سفيان الثوري قد اختلف عنه، فرواه عنه وكيع موصولًا، ورواه عنه أبو نعيم منقطعًا، فإن كان سفيان يرويه على الوجهين فذاك، وإلا فوكيع أثبت في سفيان من أبي نعيم، والنفس تميل إلى ثبوت الوصل، فإن زيادة هؤلاء الثقات ومنهم ابن عيينة والليث مقبولة.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (في ثمر) بالثاء المثلثة حمل الشجر، والمراد به ما كان معلقًا في الشجر قبل أن يجدَّ ويحرز، لكن ظاهر الحديث العموم.","vol":"8","page":472},{"text":"قوله: (ولا كثر) بفتح الكاف والثاء المثلثة هو جُمَّارُ النخل بوزن رُمَّان، وهو شحمه الذي وسط النخلة، وقد جاء هذا التفسير عند النسائي من رواية الليث المتقدمة: (لا قطع في ثمر ولا كثر، والكثر الجمار).\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنه لا قطع في سرقة الثمر ولا في سرقة الكثر، وظاهر الحديث العموم فيما كان على رؤوس الشجر أوكان قد جُدَّ ووضع على الأرض، وبهذا قال أبو حنيفة، وعلل ذلك بأنه يسرع الفساد إليه لرطوبته، ولهذا يرى أنه لا قطع فيما يتسارع إليه الفساد كاللبن واللحم ولو قديدًا، والثمار والفواكه الرطبة، سواء سرقت من شجرها أو بعد قطعها، أما إذا كانت الثمار يابسة وآواها الجرين -وهو موضع تجفيفها كما سيأتي- ففيها القطع، وقد قاس ما يتسارع إليه الفساد على ما لم يحرز بجامع أن كلًّا منهما معرض للهلاك، وقد أدار أبو حنيفة الحكم على اليبس والرطوبة (^١).\nوذهب الجمهور من أهل العلم -ومنهم أبو يوسف صاحب أبي حنيفة (^٢) - إلى وجوب القطع في كل محرز، لا فرق في ذلك بين الطعام والثمار، واليابس منها والرطب، فمدار الحكم عندهم على الحرز المكاني، لا على اليبس والرطوبة، لعموم آية السرقة والأحاديث الواردة في اشتراط النصاب، ويؤيد هذا حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - الآتي الدال على أن النبي - ﷺ - أسقط القطع عن سارق الثمار من الشجرة وأوجبه على سارقه من الجرين.\nوأما حديث الباب فهو محمول -كما نقل عن الشافعي- على ما كانت عليه عادة أهل المدينة من عدم إحراز حوائطها، فترك القطع لعدم الحرز، فإذا أُحرزت الحوائط كانت كغيرها (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المبسوط\" (٩/ ١٥٣)، \"بدائع الصنائع\" (٧/ ٦٩)، \"شرح فتح القدير\" (٥/ ١٣٠).\n(^٢) \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٧٣).\n(^٣) \"الأم\" (٧/ ٣٣٣)، \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٧٣)، \"معالم السنن\" (٦/ ٢٢١).","vol":"8","page":473},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1043>حكم تلقين السارق الرجوع عن اعترافه</span>\n١٢٤١/ ٧ - عَن أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ - ﵁ - قَال: أُتيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِلِصٍّ قَدْ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا، وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ\" قَال: بَلَى، فَأَعَادَ عَلَيهِ مَرّتَينِ أَوْ ثَلاثًا، فَأَمَرَ بهِ، فَقُطِعَ. وَجيءَ بِهِ، فَقَال: \"اسْتَغفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيهِ\"، فَقَال: أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيهِ، فَقَال: \"اللَّهُمّ تُبْ عَلَيهِ- ثَلَاثًا\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائيُّ، ورِجَالُهُ ثِقَاتٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو أمية المخزومي، ويقال: الأنصاري، لا يعرف له اسم، عداده في أهل المدينة، له هذا الحديث، روى عنه أبو المنذر مولى أبي ذر - ﵁ - ويقال: مولى آل أبي ذر (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في \"الحدود\"، باب \"التلقين في الحد\" (٤٣٨٠)، وأحمد (٣٧/ ١٨٤)، والنسائي (٨/ ٦٧) من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبي المنذر مولى أبي ذر، عن أبي أمية المخزومي، أن النبي - ﷺ - أُتي بلص قد اعترف … الحديث.\nوهذا سند ضعيف، أبو المنذر مجهول كما قال الذهبي (^٢). وقول\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (١١/ ٢٢).\n(^٢) \"الميزان\" (٤/ ٥٧٧).","vol":"8","page":474},{"text":"الحافظ هنا: رجاله ثقات، فيه نظر، وهو مخالف لقوله في \"التقريب\" عن أبي المنذر: (مقبول)، قال الخطابي: (في إسناده مقال، والحديث إذا رواه مجهول لم يكن حجة، ولم يجب الحكم به) (^١).\nوقد نقل الحافظ في \"التلخيص\" كلام الخطابي هذا وسكت عنه، مما يدل على أخذه به! (^٢).\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (بِلِصٍّ) بتشديد الصاد، وهو مثلث اللام، كما في \"القاموس\" (^٣) واللص هو السارق، ويجمع على لصوص وألصاص.\n\nقوله: (ما إخالك) بكسر الهمزة وفتحها، من خال يخال؛ أي: ظنَّ، والكسر هو الأفصح والأكثر استعمالًا، على خلاف القياس، وبنو أسد يفتحون همزتها على القياس (^٤)؛ لكونها على صيغة المتكلم.\n\n° الوجه الرابع: استدل بهذا من قال: إنه لا بد من إقرار السارق مرتين ولا يكفي إقراره مرة واحدة.\nووجه الاستدلال: أن الرسول - ﷺ - أَخَّرَ قطع هذا السارق حتى اعترف مرتين، ولو كانت المرة الواحدة كافية لقطعه بأول اعتراف.\nكما استدلوا بالقياس على حد الزنا بجامع أن كلًّا منهما يتضمن إتلافًا؛ ولأنه أحد حجتي القطع، فيعتبر فيه التكرار كالشهادة.\nوهذا قول الحنابلة، ومالك في رواية عنه، وإسحاق وبعض السلف.\nوذهب الجمهور من أهل العلم ومنهم أبو حنيفة والشافعي ومالك في رواية، وجماعة من السلف (^٥)، إلى أنه يكفي الإقرار مرة واحدة، ولا حاجة إلى التكرار قياسًا على سائر الأقارير؛ لأن المقر غير متهم في\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (٦/ ٢١٧).\n(^٢) \"التلخيص\" (٦/ ٢٧٧٧).\n(^٣) \"ترتيب القاموس\" (٤/ ١٤٣).\n(^٤) \"المصباح المنير\" ص (١٨٧).\n(^٥) \"شرح فتح القدير\" (٥/ ١٢٥)، \"نهاية المحتاج\" (٧/ ١٤٠)، \"بداية المجتهد\" (٤/ ٤١٤)، \"المغني\" (١٢/ ٤٦٤).","vol":"8","page":475},{"text":"إقراره، لا سيما في هذه الحالة التي يترتب عليها قطع عضو عزيز عليه.\nوهذا القول هو الراجح، لقوة مأخذه، وأما حديث الباب فلا حجة فيه على اشتراط التكرار؛ لأنه حديث ضعيف؛ ولأنه خرج مخرج الاستثبات وتلقين ما يسقط الحد؛ ولأن الراوي تردد هل أقر مرتين أو ثلاثًا، وكان طريق الاحتياط لهم أن يشترطوا الإقرار ثلاثًا ولم يقولوا به. وأما القياس فهو مع وجود الفارق، ذلك أن القياس على الشهادة غير صحيح؛ لأن اعتبار العدد في الشهادة إنما هو لتقليل التهمة، ولا تهمة في الإقرار.\n\n° الوجه الخامس: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على أنه ينبغي تلقين المقر بالسرقة الإنكارَ والرجوعَ عن إقراره، وذلك إذا جاء معترفًا تائبًا نادمًا، ومثل هذا حصل لماعز - ﵁ - كما تقدم، وقد جاء عن الصحابة - ﵁ - عدة روايات في تلقين المقر (^١)، فإذا رجع عن إقراره فإنه يدرأ عنه الحد.\nوهذا في السارق المقر، أما من ثبتت عليه السرقة بالبينة فلا اعتبار لرجوعه.\nوإذا أقر السارق بالسرقة أمام الحاكم ثم رجع عن إقراره فإنه يلزمه غرامة المال الذي أقر به؛ لأنه حق آدمي.\n\n° الوجه السادس: جاء في هذا الحديث أمر المحدود بالسرقة بالاستغفار والدعاء له بالتوبة بعد استغفاره، وقد استدل بهذا الحديث من قال إن الحد ليس بكفارة، لقوله: \"استغفر الله وتب إليه\" بعد قطع يده، والكفارة هي التوبة.\nوالجمهور على أن الحد كفارة، لقوله - ﷺ - بعد ذكر شيء من الجرائم الحدية: \"ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له\" (^٢).\nقال السندي: (لا دليل في الحديث لمن قال: الحدود ليست كفارات\n_________\n(^١) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (١٠/ ٢٢٤)، \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١٠/ ٢٥).\n(^٢) تقدم تخريجه أول الحدود.","vol":"8","page":476},{"text":"لأهلها، مع ثبوت كونها كفارات بالأحاديث الصحاح التي كادت تبلغ حد التواتر، كيف والاستغفار مما أُمر به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: \"استغفر لذنبك\" وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٧] لمعان ومصالح ذُكروا في محله، فمثله لا يصلح دليلًا على بقاء ذنب السرقة. والله تعالى أعلم) (^١).\n_________\n(^١) \"حاشية السندي على سنن النسائي\" (٧/ ٦٧).","vol":"8","page":477},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1044>ما جاء في حسم اليد بعد قطعها</span>\n١٢٤٢/ ٨ - وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ -، فَسَاقَهُ بمَعْنَاهُ، وَقَال فِيهِ: \"اذْهَبُوا بهِ فَاقْطَعُوهُ، ثُمَّ احْسِمُوهُ\". وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ أَيضًا، وَقَال: لَا بَأْسَ بإِسْنَادِهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البزار (٢/ ٦٦ \"مختصر زوائده\")، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٣/ ١٦٨)، والدارقطني (٣/ ١٠٢)، والحاكم (٤/ ٣٨١) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن يزيد بن خَصِيفَة، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، ولا أعلمه إلا عن أبي هريرة - ﵁ - قال: أُتي النبي - ﷺ - بسارق … فذكر الحديث بنحو الحديث الذي قبله، وفي آخره قال: اذهبوا به … الحديث.\nقال البزار: (لا نعلمه عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد).\nوهذا الإسناد ظاهره الصحة؛ لكنه معلول؛ لأن الدراوردي قد وصله، وهذا وهم منه، والصواب إرساله، كما قال ابن المديني وابن خزيمة والدارقطني (^١)، فإن الحديث رواه جماعة: منهم ابن عيينة -كما في \"المراسيل\" لأبي داود ص (٣٢٤)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٢٤) -، والثوري وابن جريج -كما في \"مصنف عبد الرزاق\" (١٠/ ٢٢٥) -وإسماعيل بن جعفر -كما عند أبي عبيد في \"غريب الحديث\" (٢/ ٩٥) - أربعتهم عن يزيد بن خصيفة،\n_________\n(^١) \"السنن\" (٣/ ١٠٢)، \"العلل\" (١٠/ ٦٥)، \"التلخيص\" (٤/ ٧٤).","vol":"8","page":478},{"text":"عن محمد بن ثوبان، عن النبي - ﷺ - مرسلًا، فهذا يدل على أن إرساله هو الصواب وأن الدراوردي قد أخطأ في وصله.\n\n° الوجه الثاني: استدل الفقهاء بهذا الحديث على أنه ينبغي حسم اليد بعد القطع حتى يتوقف سيلان الدم، إما بالكي كما قال علماء اللغة في تفسير الحسم (^١)، فيكوى محل القطع لينقطع الدم، أو بغير ذلك من الوسائل الطبية الحديثة؛ لأنه لو استمر نزيف الدم لهلك، والحد لا يراد به إهلاكه وإنما يراد به تطهيره وتأديبه وتأديب غيره.\nوظاهر الحديث أن الحسم واجب؛ لأنه أمر، ولا صارف له عن معناه الحقيقي، لا سيما وأن تركه يؤدي إلى التلف (^٢)، وقد ورد ما يدل على تعليق يد السارق في عنقه، واستحب الفقهاء ذلك (^٣)، ولكن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة، وقد رواه النسائي وضعفه (^٤)، والحنفية يرون أن مرجع ذلك لولي الأمر يختار ما يراه مناسبًا للردع (^٥).\n\n° الوجه الثالث: استدل العلماء المعاصرون ومنهم هيئة كبار العلماء ومجلس المجمع الفقهي في المملكة العربية السعودية بهذا الحديث على أنه لا يجوز إعادة ما قطع من الأعضاء بحد أو قصاص.\nووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - أمر بحسم يد السارق، والحسم مانع من إعادتها؛ لأن إعادة العضو المقطوع تتطلب الفورية في عرف الطب الحديث، وهذا يكون بتواطؤ وإعداد طبي خاص ينبئ عن التهاون في جدّية إقامة الحد وفاعليته.\nوالقرآن يؤيد هذا القول، فإن الله تعالى قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ والجزاء لا يتم إلا بالقطع، والنكال لا يتم إلا برؤية اليد المقطوعة ليحصل الردع والزجر، وإعادتها مفوت لذلك؛\n_________\n(^١) \"غريب الحديث\" (٢/ ٩٥).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٧/ ١٥٢).\n(^٣) \"المغني\" (١٢/ ٤٤٢).\n(^٤) \"السنن\" (٨/ ٩٢).\n(^٥) \"مكافحة جريمة السرقة\" ص (٢٠٢).","vol":"8","page":479},{"text":"لأن في إعادتها سترًا على جريمة السارق، والشرع قاصد لفضحه، وقد تكون إعادتها مشجعة لأهل الفساد والإجرام على تعاطي جريمة السرقة، والمقصود أن إعادتها يفوت المقاصد الشرعية العظيمة من قطعها.\nوذهب بعض المعاصرين، وهو الدكتور وهبة الزحيلي إلى جواز إعادة ما قطع بحد أو بقصاص، إلا أنه اشترط في القصاص رضا المجني عليه، وحجته في ذلك أنه بتنفيذ الحد تَمَّ العمل بالنص الشرعي، ويبقى ما عدا ذلك على أصل الإباحة؛ ولأن الهدف تحقق من إقامة الحد، ولا سلطان للحاكم على المحدود بعد تنفيذ الحد.\nوالقول الأول هو الصواب، لقوة مأخذه، والرد على الثاني يفهم مما تقدم (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"أحكام الجراحة الطبية\" ص (٤١٤)، \"الشرح الممتع\" (١٤/ ٣٦٥).","vol":"8","page":480},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1045>ما جاء في أن السارق لا يَغرَمُ إذا أقيم عليه الحد</span>\n١٢٤٣/ ٩ - عَنْ عَبْدِ الرّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"لا يَغْرَمُ السارِقُ إِذَا أُقِيمَ عَلَيهِ الْحَدُّ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَبَيّنَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ. وَقَال أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ مُنْكَرٌ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه النسائي في كتاب \"قطع السارق\"، باب \"تعليق يد السارق في عنقه\" (٨/ ٩٢ - ٩٣) من طريق المسور بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن عوف؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يَغْرَمُ صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد\".\nوهذا حديث ضعيف، في سنده انقطاع؛ لأن المسور بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف لم يلق جده عبد الرحمن بن عوف؛ لأن عبد الرحمن بن عوف مات سنة اثنتين وثلاثين، وحفيده المسور مات سنة سبع ومائة، ولهذا قال النسائي: (هذا مرسل، وليس بثابت).\nوقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا الحديث فقال: (هذا حديث منكر، ومسور لم يلق عبد الرحمن، وهو مرسل أيضًا) (^١).\nوأعله -أيضًا- الدارقطني وذكر الاختلاف في إسناده، وقال: (إنه مضطرب غير ثابت) (^٢).\n_________\n(^١) \"العلل\" (١٣٥٧).\n(^٢) \"العلل\" (٤/ ٢٩٤).","vol":"8","page":481},{"text":"ثم إن المسور قد تفرد برواية هذا الحديث عن جده عبد الرحمن، وبينهما مفازة، والمسور قال عنه الحافظ: (مقبول الحديث) ومن كان كذلك فيقبل حديثه حيث توبع وإلا فلا، وهو في هذا الحديث لم يتابع عليه.\n\n° الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن السارق إذا قطعت يده وقد استهلكت العين فإنه لا يلزمه ضمانها، وهذا قول أبي حنيفة وسفيان الثوري وجماعة من السلف (^١). والحنفية إنما استدلوا به لأن الإرسال ليس بجرح عندهم، فالمرسل عندهم حجة (^٢)، مع أن الحديث فيه علل أخرى غير الإرسال.\nكما استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ فإن الآية دلت على أن القطع هو جزاء السارق، ولو قلنا بالضمان لم يكن القطع هو كل الجزاء، ويكون زيادة على ما في القرآن.\nوذهب الجمهور من أهل العلم ومنهم الشافعي وأحمد وجماعة من السلف إلى أنه يلزم السارق الضمان، سواء أكان موسرًا أو معسرًا (^٣)؛ لأن السارق معتد ظالم، والقطع حق لله تعالى، والضمان حق المسروق منه، وهما حقان متغايران، فلا يبطل أحدهما الآخر. قالوا: وأما آية السرقة وأنه لم يذكر فيها تضمين السارق فإنه لم ينفه أيضًا، وإنما سكت عنه، وحكمه مأخوذ من قواعد الشرع ونصوصه، وحديث الباب لا تقوم به حجة على عدم الضمان؛ لأنه مرسل.\nوالمراد بالضمان رد العين المسروقة إلى صاحبها إن كانت موجودة، أو رد قيمتها أو مثلها إن كانت تالفة.\n_________\n(^١) \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٨٣).\n(^٢) \"حاشية السندي\" (٨/ ٩٣).\n(^٣) \"المغني\" (١٢/ ٤٥٤)، \"سبل السلام\" (٧/ ١٨٧).","vol":"8","page":482},{"text":"وقد أجمع أهل العلم على أن العين إذا كانت موجودة فإن ردها شرط لصحة توبة السارق، سواء حدّ أو لم يحد؛ لأن المالك وجد عين ماله، ومن وجد عين ماله فهو أحق به، وإنما الخلاف المتقدم فيما إذا أقيم الحد على السارق والعين تالفة أو مستهلكة (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٢/ ٤٥٤).","vol":"8","page":483},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1046>اشتراط الحرز في القطع</span>\n١٢٤٤/ ١٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -﵄-، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّق، فَقَال: \"مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيءَ عَلَيهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيءٍ مِنْهُ فَعَلَيهِ الْغَرَامَةُ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيءٍ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُؤْويَهُ الْجَرينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيهِ الْقَطْعُ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الحدود\"، باب \"ما لا قطع فيه\" (٤٣٩٠)، والترمذي (١٢٨٩)، والنسائي (٨/ ٨٥) من طريق ابن عجلان، وابن ماجه (٢٥٩٦) من طريق الوليد بن كثير، وأحمد (١١/ ٢٧٣) من طريق محمد بن إسحاق، والحاكم (٤/ ٣٨٠) من طريق عمرو بن الحارث، أربعتهم عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-، عن رسول الله - ﷺ - أنه سئل عن الثمر المعلق … الحديث، وهذا لفظ أبي داود.\nورواه الترمذي في \"البيوع\" من أوله دون قوله: \"ومن خرج … \".\nوأخرجه النسائي وابن ماجه بألفاظ متقاربة، ورواه أحمد مع ألفاظ أخرى في ضالة الإبل واللقطة والكنز.\nوقال الترمذي: (حديث حسن) وقد تقدم أن هذا هو الصحيح في سلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\nورواه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٨٣١) عن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن","vol":"8","page":484},{"text":"أبي حسين المكي، أن رسول الله - ﷺ - قال: … وذكر نحوه. هكذا مرسلًا (^١).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (سئل عن الثمر المعلق) في بعض نسخ \"البلوغ\" بالتاء المثناة من فوق، فيكون خاصًّا بالنخل، وفي بعضها بالثاء المثلثة، وهو الموافق لأكثر الأصول، وهو الموجود في المخطوطة التي سبق وصفها (^٢)، وعليه الشراح كالمغربي والصنعاني (^٣)، وصوبه الشيخ عبد العزيز بن باز، ويؤيد ذلك رواية أحمد (قال: يا رسول الله، فالثمار وما أخذ منها في أكمامها؟ قال: \"من أخذ بفمه ولم يتخذ خبنة فليس عليه شيء … \") والثمر: اسم جامع للرطب واليابس من التمر والعنب وغيرهما.\n\nوقوله: (المعلق) أي: المدلى من الشجر، وليس المراد ما علقه آدمي.\n\nقوله: (بفيه) أي: الفم، وحذفت الميم للإضافة، وجاء في لغة قليلة إثباتها، وقد جاء هذا في رواية أحمد، كما تقدم.\n\nقوله: (من ذي حاجة) مِنْ بيان لـ (مَنْ) في قوله: (من أصاب) وذي الحاجة؛ أي: فقير أو مضطر، والظاهر أن المراد مطلق الحاجة ولو غنيًّا.\n\nقوله: (غير متخذ خبنة) غير بالنصب حال من فاعل أصاب.\nوالخبنة: بالضم ثم السكون معطف الإزار وطرف الثوب، قال الخطابي: (الخبنة: ما يأخذه في ثوبه، فيرفعه إلى فوق)، وقال ابن الأثير: (ما تحمله في حضنك) (^٤).\n\nقوله: (ومن خرج بشيء منه) هذا تصريح بمفهوم قوله: \"غير متخذ خبنة\" لترتيب الحكم عليه.\n\nقوله: (فعليه الغرامة) في رواية أبي داود: \"غرامة مثله\" وفي نسخة\n_________\n(^١) انظر: \"التمهيد\" (١٩/ ٢١١).\n(^٢) انظر: (٧/ ١٢٥) من هذا الكتاب.\n(^٣) \"البدر التمام\" (٤/ ٤٣٥)، \"سبل السلام\" (٤/ ٥٢).\n(^٤) \"معالم السنن\" (٢/ ٢٧٠)، \"النهاية\" (٣/ ٥٦٧).","vol":"8","page":485},{"text":"و\"سنن النسائي\": \"غرامة مثليه\" وهذا من باب التعزير بالمال.\nوالغرامة: مصدر غَرِمَ من باب (تعب)، وهي ما يلزم أداؤه تأديبًا أو تعويضًا.\n\nقوله: (والعقوبة) هذا لفظ مجمل، وقد ورد في \"سنن النسائي\": \"وجَلَداتُ نكالٍ\" فيكون المراد بالعقوبة التعزير لعدم تقديرها.\n\nقوله: (الجرين) بفتح الجيم وكسر الراء بوزن أمير، موضع تجفف فيه الثمار من التمر والعنب وغيرها، وجمعه جُرُن وأجران، وهو البيدر والمِرْبَد، والمربد لغة أهل نجد.\n\n° الوجه الثالث: دل هذا الحديث على أن آخذ الثمر من تمر أو غيره له ثلاث حالات:\n١ - حالة لا شيء فيها، وهي ما إذا أكل بفيه من غير أن يحمل معه شيئًا؛ لأن أصحاب البساتين جرت عادتهم بالسماح في مثل ذلك، والإذن العرفي كالإذن اللفظي.\n٢ - وحالة يغرم مِثْلَي ما أخذ، ويؤدب من غير قطع، وهي ما إذا أخذه من شجره وأخرجه؛ لأنه مال الغير أخذه بلا إذنه ولا رضاه، والغالب أن أصحاب البساتين لا يسمحون بمثل هذا التصرف.\n٣ - وحالة يقطع فيها، وهي ما إذا أخذ ما يبلغ نصابًا من حرزه الذي جعل فيه.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على اعتبار الحرز في السرقة؛ لأن الرسول - ﷺ - أسقط القطع عمن أخذ الثمار من الشجرة، وأوجبه على سارقه من الجرين، فدل على أن الجرين حرز الثمر.\nوهذا الحديث هو عمدة القائلين بشرطية الحرز من السنة النبوية، وهو قول جماهير أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة، بل حكى بعضهم الإجماع على ذلك كابن هبيرة، وابن قدامة (^١).\n_________\n(^١) \"الإفصاح\" (٢/ ٤١٤)، \"المغني\" (١٢/ ٤٢٦).","vol":"8","page":486},{"text":"وقرر القائلون بشرطية الحرز أن هذا الحديث مخصص لعموم آية السرقة، كما تقدم تخصيصها بأحاديث اشتراط النصاب، لكن قد يقال: إن كان الإحراز مأخوذًا من مفهوم السرقة لغة فلا عموم في الآية، قال في \"القاموس\": (السرقة والاستراق المجيء مستترًا لأخذ مال غيره من حرزه) (^١).\nوالحرز لغة: الموضع الحصين.\nوشرعًا: المكان المعد لحفظ المال بحيث لا يعد صاحبه مضيعًا له بوضعه فيه، وحرز كل شيء بحسبه، بدليل أن النبي - ﷺ - اعتبر الجرين حرزًا للثمار.\nوذهبت الظاهرية وجماعة من السلف إلى عدم اشتراط الحرز وأن من سرق قطعت يده، سواء أخذ من حرز أو من غيره.\nواستدلوا بعموم آية السرقة، ونصر ابن حزم هذا القول (^٢)، وأجاب عن حديث الباب بأنه من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وهي صحيفة لا يحتج بها، وقد تقدم في باب \"الحضانة\" رد هذا، ثم إنه إذا كان الحرز داخلًا في المعنى اللغوي للسرقة فلا عموم في الآية، وقد تقدم نقل كلام صاحب \"القاموس\".\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه من أخذ ما لا قطع فيه ضوعف عليه الغرم، وقد نص الإمام أحمد على ذلك فقال: كل من سقط عنه القطع ضوعف عليه الغرم (^٣).\n\n° الوجه السادس: في الحديث دليل على أن من خرج بشيء من الثمر فإنه يعاقب، وهذه العقوبة غير مقدرة، بل هي تعزير يرجع فيه إلى رأي الإمام.\n\n° الوجه السابع: استدل الجمهور بهذا الحديث على أن ما آواه الجرين\n_________\n(^١) \"ترتيب القاموس\" (٢/ ٥٥٥).\n(^٢) \"المحلى\" (١١/ ٣١٩).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (٥/ ٥٤).","vol":"8","page":487},{"text":"من الثمار ففيه القطع لوجود الحرز، لا فرق في ذلك بين اليابس والرطب؛ لأن الرسول - ﷺ - علق الحكم بالقطع على إيواء الجرين، وهذا نص صريح على أن مدار الحكم الحرز، لا الرطوبة خلافًا للحنفية القائلين لا قطع فيما يتسارع إليه الفساد كاللَّبَنِ والثمار والفواكه الرطبة، أما إذا كانت الثمار يابسة وآواها الجرين ففيها القطع، وقد تقدم بيان ذلك.\n\n° الوجه الثامن: هذا الحديث يستدل به من يقول بجواز التعزير بالمال، لقوله: (غرامة مثليه) وإضعاف الغرم على آخذ الثمر من العقوبة بالمال، وهذه مسألة خلافية تقدم الكلام عليها في \"الزكاة\" (^١)، وللمخالف أن يقول: إن هذا الحديث من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وفيه كلام، وعلى فرض ثبوته فإنه يُقتصر فيه على موضعه، ولا يتعداه إلى غيره، فيضعف الغرم على آخذ الثمر المعلق، ثم إن الروايات مختلفة في لفظة: (مثليه)، كما تقدم. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح الحديث\" (٦٠٥).","vol":"8","page":488},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1047>جواز العفو عن السارق قبل بلوغ الإمام </span>(^١)\n١٢٤٥/ ١١ - عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ - ﵁ -؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَال لَهُ -لَمّا أَمَرَ بقَطْعِ الَّذِي سَرَقَ ردَاءَهُ فَشَفَعَ فِيهِ- \"هَلَّا كَانَ ذلِكَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَني بهِ؟ \".\nأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَالْحَاكِمُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الحدود\"، باب \"من سرق من حرز\" (٤٣٩٤)، والنسائي (٨/ ٦٩)، وابن الجارود (٨٢٨)، والحاكم (٤/ ٣٨٠) من طريق أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن حميد ابن أخت صفوان، عن صفوان بن أمية قال: كنت نائمًا في المسجد عليَّ خميصة لي ثمنُ ثلاثين درهمًا، فجاء رجل فاختلسها مني، فأخذ الرجل، فأتي به رسول الله - ﷺ -، فأمر به ليقطع، قال: فأتيته فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهمًا، أنا أبيعه وأنسئه ثمنها؟ قال: \"فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به\".\nوهذا الإسناد فيه أسباط بن نصر الهمداني، وهو متكلم فيه، فقد أشار أحمد إلى ضعفه (^٢)، وضعفه النسائي والساجي، وقال ابن معين: (ثقة)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق كثير الخطأ،\n_________\n(^١) هذا هو ظاهر صنيع الحافظ حيث اقتصر على المرفوع فقط، وهو قوله: \"هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به\"، وله موضوع آخر وهو: بيان نوع من أنواع الحرز.\n(^٢) \"العلل\" (٢/ ٩٥).","vol":"8","page":489},{"text":"يُغرب)، وقد علَّق له البخاري حديثًا في الاستسقاء (^١).\nوقد خولف في إسناده، فقد رواه أحمد (٢٤/ ٢٣) (٤٥/ ٦١٠) من طريق سليمان بن قَرْم، عن سماك، عن جُعيد ابن أخت صفوان بن أمية، عن صفوان بنحوه.\nوهذا سند ضعيف لضعف سليمان بن قرم، وجهالة جعيد ابن أخت صفوان (^٢)، فقد تفرد بالرواية عنه سماك بن حرب، كما قال الذهبي، ولم يوثقه إلا ابن حبان.\nوالحديث له طرق أخرى (^٣)، ولعله يصح بمجموعها، وله شاهد من حديث ابن عباس - ﵄ - أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٠٦)، والحاكم (٤/ ٣٨٠) من طريق زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس أن صفوان بن أمية أتى النبي - ﷺ - … وصححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي.\nورواه النسائي (٨/ ٦٩) من طريق أشعث بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس بنحوه، وأشعث ضعيف، لكنه يصلح حديثه في المتابعات.\nوقد صحح الحديث ابن عبد الهادي فقال: (حديث صفوان حديث صحيح، وقد رواه الإمام أحمد -أيضًا- وأبو داود والنسائي وابن ماجه من غير وجه عنه) (^٤).\nوعزو الحديث للأربعة وَهْمٌ من الحافظ، فإن الترمذي لم يرو هذا\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٦/ ٨٥)، \"تهذيب الكمال\" (٢/ ٣٥٨)، \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٨٥)، \"فتح الباري\" (٢/ ٥١٠).\n(^٢) نقل الحافظ في \"تهذيبه\" (٣/ ٤٨) في ترجمة حميد ابن أخت صفوان عن البخاري أنه قال: (إن زائدة صحَّفه، فقال: جعيد بن حجير) ولم أجده في ترجمة حميد من \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٣٥٧)، وقد رأيته في \"سنن أبي داود\" فإنه قال: \"ورواه زائدة، عن سماك، عن جعيد بن حجير\"، وذكر ابن القطان (٣/ ٥٦٩) أن حميد بن حجير لا يعرف في غير هذا الحديث، وقال الذهبي: (مجهول)، وقال الحافظ: (مقبول).\n(^٣) انظر: \"الإرواء\" (٧/ ٣٤٥).\n(^٤) \"تنقيح التحقيق\" (٤/ ٥٦٣).","vol":"8","page":490},{"text":"الحديث، ولهذا لم يعزه المزي إلى الترمذي (^١)، وكذا ابن عبد الهادي، والحافظ نفسه عزاه للثلاثة فقط في \"الفتح\" (^٢).\n\nوقوله: إن الحاكم صحح الحديث، فيه نظر، فإن الحاكم سكت عنه، وكذا الذهبي، وإنما صحح الحاكم حديث ابن عباس المذكور.\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل لمن قال باشتراط الحرز في قطع السارق؛ لأن صفوان - ﵁ - أحرز رداءه بوضعه تحت رأسه، ومن استدل به على عدم اشتراط الحرز فهو استدلال ضعيف؛ لعل وجهه أن المسجد ليس بحرز، لكن صفوان لم يجعله بجانبه، وإنما جعله تحت رأسه، وهذا إحراز له.\nوهذا يدل على أن الإنسان حرز لثيابه ومتاعه ولفراشه الذي هو نائم عليه في أي مكان كان، سواء في المسجد أو في غيره كالصحراء، أما إذا نام ووضعه بجانبه من غير أن يتوسده فليس بحرز.\nوبهذا يتبين أن الحرز كما يكون بالمكان والغَلَقِ، يكون بالحافظ والملاحظ، فيقطع السارق فيما كان مالكه حافظًا له وإن لم يكن مغلقًا عليه في مكان.\nومما له صلة بموضوع الحرز مسألة سرقة السيارات، فإن وجهات النظر قد تختلف في صفة حرزها، فلقائل أن يقول: إن حرز السيارة إيقافها داخل المنزل، فإذا سرقت خارجه فلا قطع؛ لأنها غير محرزة (^٣)، لكنه يعزر تعزيرًا بليغًا يردعه وأمثاله، على قاعدة سرقة ما لا قطع فيه.\nولقائل أن يقول: إن إيقاف السيارة أمام المنزل مقفلة يعتبر حرزًا لها، ولما فيها من آلات مشدودة فيها أو أمتعة بداخلها، وأن الناس لا يسعهم إلا هذا؛ لأن إلزامهم بإحراز سياراتهم داخل منازلهم فيه من المشقة والحرج ما لا تأتي الشريعة بمثله، فمن أوقفها أمام بابه وأغلقها فقد أحرزها، ولا يعد\n_________\n(^١) \"تحفة الأشراف\" (٤/ ١٨٧).\n(^٢) (١٢/ ٨٨).\n(^٣) انظر: \"فتاوى ابن إبراهيم\" (١٢/ ١٤٢).","vol":"8","page":491},{"text":"بذلك مضيعًا، فإذا كَسَرَ إنسان قفلها أو زجاجها وأخذها أو أخذ شيئًا بداخلها، أو سرق شيئًا من آلاتها المشدودة فيها قطعت يده إذا بلغ المسروق نصابًا، وتحققت بقية شروط القطع.\nفإن كانت غير مقفلة فأخذها أو أخذ شيئًا مما في داخلها لم يُعَدَّ سارقًا؛ لعدم الإحراز؛ وكذا لو كانت مقفلة وبداخلها نقود فأخذت فلا قطع؛ لأن السيارة ليست حرزًا للنقود، وصاحبها يعد مضيعًا (^١).\nوهذه المسألة هي من مسائل الاجتهاد؛ لعدم وجود نصٍ فيها؛ ولأن الفقهاء لم يتكلموا عنها؛ لعدم وجودها في زمانهم؛ وإنما يستفاد حكمها إما من قياسها على سرقة الدَّواب التي فصَّل فيها الفقهاء (^٢)، وإما من القول بأنها محرزة، لكون المرجع في الحرز إلى العرف والعادة، وعلى هذا فالمرجع في هذه المسألة إلى القاضي، وتبقى مهمته في تحقيق المناط، وهو هل مسألة سرقة السيارات داخلة فيما ذكر أم لا؟ والله تعالى أعلم.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على ثبوت القطع ووجوب تنفيذه على السارق وأن المسروق منه لا يملك العفو عنها إذا بلغت الإمام، فإن صفوان جاء إلى الرسول - ﷺ - عافيًا عن سارقه، ملتمسًا تحويل القضية من سرقة إلى بيع، ومع ذلك رد الرسول - ﷺ - شفاعته، فدل على عدم جواز العفو عن عقوبة السرقة متى بلغت الإمام، سواء كان العفو من السارق أو من غيره.\nوقد دل على أن القطع يسقط بالعفو قبل الرفع إلى الإمام، وهو مجمع عليه (^٣)، لكن ينبغي النظر إلى حال السارق، وهل هو يستحق العفو أو لا؟ (^٤) وقد جاء في بعض الروايات أن النبي - ﷺ - قطع يد سارق رداء صفوان (^٥). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"مكافحة جريمة السرقة في الإسلام\" ص (٧٢).\n(^٢) انظر: \"تفسير القرطبي\" (٦/ ١٦٩)، \"المغني\" (١٢/ ٤٢٨).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (٧/ ١٤٦).\n(^٤) انظر: ص (٤٦٤) من هذا الجزء.\n(^٥) رواه أحمد (١٤/ ١٨)، والنسائي (٨/ ٦٨).","vol":"8","page":492},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1048>عقوبة السارق إذا تكررت السرقة</span>\n١٢٤٦/ ١٢ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَال: جِيءَ بِسَارق إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - فَقَال: \"اقْتُلُوهُ\"، فَقَالُوا: يا رسُولَ اللهِ إِنَّما سَرَقَ، قَال: \"اقْطَعُوهُ\" فَقُطِعَ، ثُمّ جِيءَ بهِ الثَّانِيَةَ فَقَال: \"اقْتُلُوهُ\"، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمّ جِيءَ بهِ الثَّالِثَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بهِ الرّابعَةَ كَذَلِكَ، ثُمَّ جِيءَ بهِ الْخَامِسَةَ فَقَال: \"اقْتُلُوهُ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ وَاسْتَنْكَرَهُ.\n١٢٤٧/ ١٣ - وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ الحارثِ بنِ حاطبٍ نَحْوَهُ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ القَتْلَ فِي الخَامِسَةِ مَنْسُوخٌ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو الحارث بن حاطب بن معمر القرشي الجمحي - ﵁ -، ولد في الحبشة بعد هجرة أبيه إليها، وبهذا جزم ابن حبان وابن عبد البر وغيرهما، وقيل: ولد قبل ذلك، له رواية عن النبي - ﷺ - عند أبي داود والنسائي، استعمله ابن الزبير على مكة سنة ست وستين، واستعمله مروان على المساعي في المدينة، وعمل لابنه عبد الملك على مكة (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث جابر - ﵁ - فقد رواه أبو داود في كتاب \"الحدود\"، بابٌ \"في السارق يسرق مرارًا\" (٤٤١٠)، والنسائي (٨/ ٩٠ - ٩١) من طريق مصعب بن\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٣/ ٧٧)، \"الاستيعاب\" (٢/ ٢٣٠)، \"الإصابة\" (٢/ ١٥١).","vol":"8","page":493},{"text":"ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن محمد بن المنكدر، عن جابر - ﵁ - مرفوعًا، وتمامه: قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر ورمينا عليه الحجارة. وهذا لفظ أبي داود.\nوهذا سند ضعيف، قال عنه النسائي: (هذا حديث منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث، والله تعالى أعلم) وزاد في \"الكبرى\" (٧/ ٤٢): (… ولا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا عن النبي - ﷺ -).\nوأما حديث حاطب - ﵁ - فرواه النسائي (٨/ ٨٩ - ٩٥)، والحاكم (٤/ ٣٨٢)، والبيهقي (٨/ ٣٧٢ - ٣٧٣) من طريق حماد بن سلمة قال: أنبأنا يوسف بن سعد، عن الحارث بن حاطب أن رسول الله - ﷺ - أُتي بلص … وساقه بنحو حديث جابر - ﵁ - إلا أن قتل السارق في المرة الخامسة كان في خلافة أبي بكر - ﵁ -، وهذا معارض لما تقدم.\nوهذا الحديث رجاله ثقات، لكن حكم الحفاظ بنكارته، ولما قال الحاكم: (صحيح الإسناد ولم يخرجاه) تعقبه الذهبي بقوله: (قلت: بل منكر) والذي يظهر أن الحاكم بنى تصحيحه على كون رجاله ثقاتٍ، لكن الحفاظ كالنسائي والذهبي حكموا بنكارته (^١)، ووجه نكارته أمور ثلاثة:\nالأول: أنه مخالف للمشهور من هديه - ﷺ - في التثبت والاستفصال وتلقين صاحب الحد الرجوع عن إقراره، كما تقدم في قصة ماعز - ﵁ -، وقصة الذي قال له: \"ما إخالك سرقت\".\nالثاني: أن حد السرقة في المرة الأولى القطع، وهنا قال: \"اقتلوه\".\nالثالث: أن هذه القصة فيها مباينة للمعقول؛ إذ كيف يتصور أن يأتي شخص مقطوع اليدين والرجلين، ويسرق في المرة الخامسة، فيهتك الحرز ويخرج المال من حرزه؟!\nثم إن الحديث في متنه اضطراب لا يمكن دفعه، وذلك أنه جاء في\n_________\n(^١) \"الحدود والتعزيرات\" ص (٣٩٣).","vol":"8","page":494},{"text":"حديث جابر - ﵁ - أن السارق قتل في الخامسة في عهد النبي - ﷺ -، وفي حديث الحارث أنه قتل في خلافة أبي بكر - ﵁ -، كما تقدم.\nوهذا أحد المسالك التي ذكرها أهل العلم في الجواب عن هذين الحديثين، وهو نفي صحة هذا الحديث؛ لما تقدم من نكارته واضطراب متنه، ومثل هذا لا تقوم به حجة.\nوحكي عن الإمام الشافعي أن هذا الحديث منسوخ، حكاه عنه البيهقي في \"سننه\" (٨/ ٢٧٥) وذكر أن ناسخه هو حديث معاوية - ﵁ - في ترك قتل شارب الخمر في الرابعة، وسيأتي الكلام عليه قريبًا إن شاء الله، وهذا نسخ بالتنظير، لا بالنص، وهو مسلك غريب (^١).\nوبقي مسالك أخرى تركتها لضعفها، والنسخ ضعيف، لكني ذكرته لأن الحافظ أشار إليه، وأقوى هذه المسالك هو الأول، وهو نقد الحديث رواية ودراية، وهو الذي تقتضيه أصول الصناعة الحديثية وقواعد الشريعة الكلية (^٢).\n\n° الوجه الثالث: اتفق العلماء ومنهم الصحابة - ﵃ - والأئمة الأربعة ﵏ على أن السارق إذا سرق ثانيًا قطعت رجله اليسرى بعد اليد اليمنى، وقد حكى الاتفاق ابن عبد البر (^٣)، والموفق ابن قدامة (^٤)، وغيرهما، قال الحافظ: (ثبت عن الصحابة - ﵃ - قطع الرِّجْلِ بعد اليد، وهم يقرأون ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا. . .﴾ (^٥)، وقد روى ابن جريج، عن عطاء أنه قال: تقطع اليد اليسرى (^٦)، لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾، ونُقِلَ عن ربيعة وداود، واعتبره ابن قدامة قولًا شاذًّا، وأما الآية فالمراد قطع يد كل واحد من السارق والسارقة بدليل أنه لا تقطع اليدان في المرة الأولى.\nثم اختلفوا فيما وراء ذلك إذا سرق ثالثة ورابعة على قولين:\n_________\n(^١) \"الحدود والتعزيرات\" ص (٣٩٩).\n(^٢) المرجع السابق، \"فتح الباري\" (١٢/ ٩٩).\n(^٣) \"الاستذكار\" (٢٤/ ١٩٣).\n(^٤) \"المغني\" (١٢/ ٤٤٠).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٠٠).\n(^٦) \"مصنف عبد الرزاق\" (١٠/ ١٨٤).","vol":"8","page":495},{"text":"الأول: أنه لا قطع في الثالثة، بل يحبس حتى يموت، وهذا مذهب الحنفية، والمعتمد في مذهب الحنابلة، وهو قول الظاهرية (^١)، واختاره الشيخ ابن باز.\nواستدلوا بأقضية وردت عن الصحابة - ﵃ -، فقد روى عبد الرزاق والبيهقي أن عليًّا كان لا يقطع إلا اليد والرجل، وإن سرق بعد ذلك سجن ونُكِّلَ، وكان يقول: إني لأستحيي من الله ألا أدع له يدًا يأكل بها ويستنجي (^٢).\nولأن في القطع إتلاف جنس منفعة البطش والمشي، والحدود شرعت للزجر لا للإتلاف.\nوالقول الثاني: أنه يقطع في الثالثة يسرى يديه، والرابعة يمنى رجليه، فإن سرق خامسة عزر بضرب أو سجن ونحوهما، وهذا مروي عن أبي بكر وعمر -﵄-، وهو مذهب المالكية والشافعية، ورواية في المذهب الحنبلي (^٣)، واستدلوا بما ورد في هذا الباب، وهي أحاديث لا تقوم بها حجة كما تقدم، وما روي عن أبي بكر وعمر - ﵄ - فقد روي عنهما خلافه (^٤).\nوعلى هذا فالصواب هو القول الأول، وهو أنه إن سرق ثانيًا قطعت رجله اليسرى، فإن عاد فلا قطع، بل يعزر بما يراه الحاكم رادعًا له ولأمثاله.\nوقد اشتهر عن أبي مصعب الزهري المدني صاحب الإمام مالك القول بأن السارق يقتل في الخامسة بعد الإتيان على أطرافه (^٥)، وهذا قول ضعيف لا يعول عليه. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (١١/ ٣٥٧)، \"شرح فتح القدير\" (٤/ ٢٤٨)، \"المغني\" (١٢/ ٤٤٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٠٠). قال الحافظ: (سنده صحيح).\n(^٣) \"المهذب\" (٢/ ٢٨٤)، \"حاشية الدسوقي\" (٤/ ٣٣٣)، \"المغني\" (١٢/ ٤٤٦).\n(^٤) انظر: \"فقه عمر بن الخطاب - ﵁ - \" (١/ ٢٩٩)، \"مكافحة جريمة السرقة في الإسلام\" ص (١٧٤).\n(^٥) \"الاستذكار\" (٢٤/ ١٩٥).","vol":"8","page":496},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1049>باب حد الشارب وبيان المسكر</span>\nهذا الباب عقده الحافظ ﵀ لسياق الأحاديث الواردة في حد شارب الخمر، والأحاديث الواردة في بيان المسكر من الأشربة وغيرها.\nوالشارب في الأصل يطلق على كل من شرب حلالًا كان أم حرامًا، لكن الفقهاء والمحدثين خصوه بشارب الخمر، وتعبير المصنف بكلمة حد دون كلمة عقوبة إشارة منه إلى القول بأن عقوبة الشارب حدية لا تعزيرية، كما سيأتي.\nوالمسكر: اسم فاعل من أسكر الشراب فهو مسكر: إذا جعل شاربه سكران، أو كانت فيه قوة تفعل ذلك، وسيأتي البحث في هذا إن شاء الله.\nوقد أدخل المصنف حديثين لا علاقة لهما مباشرة بالباب، وهما حديث أبي هريرة - ﵁ - في الضرب على الوجه، وحديث ابن عباس - ﵄ - في إقامة الحدود في المساجد.","vol":"8","page":497},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1050>بيان عقوبة شارب الخمر</span>\n١٢٤٨/ ١ - عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -؛ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بجَرِيدَتَين نَحْوَ أَرْبَعِينَ، قَال: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَال عَبْدُ الرّحْمن بْنُ عَوْفٍ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بهِ عُمَرُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الحدود\"، باب \"ما جاء في ضرب شارب الخمر\" (٦٧٧٣)، ومسلم (١٧٠٦) (٣٥) من طريق قتادة، عن أنس - ﵁ -.\nوهذا لفظ مسلم؛ لأن البخاري لم يذكر ما أشار به عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - لما استشار عمر - ﵁ - الصحابة -﵃-، ولفظ البخاري: (أن النبي - ﷺ - ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين) قال ابن عبد الهادي: (متفق عليه، وهذا لفظ مسلم، وهو أتم) (^١)، أما المجد في \"المنتقى\" فإنه لما ساقه بمثل لفظ \"البلوغ\" قال: (رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه) (^٢).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (شَرِبَ الخمر) الخمر في اللغة: الستر والتغطية، وهذا هو الأصل\n_________\n(^١) \"المحرر\" (٢/ ٧٤٦).\n(^٢) انظر: \"نيل الأوطار\" (١٣/ ٣٦٢).","vol":"8","page":498},{"text":"في مادة خَمَرَ، قال ابن فارس: (الخاء والميم والراء أصل واحد يدل على التغطية والمخالطة في ستر) (^١)، والخمر تجمع على خمور، وهي مؤنثة في اللغة الفصيحة المشهورة، وقد تُذَكَّرُ، وهي لغة قليلة حتى إن الأصمعي أنكرها.\nوالخمر: يطلق على كل ما أسكر العقل من عصير كل شيء أو نقيعه، سواء أكان من العنب أم التمر أم غيرهما.\nقال في \"القاموس\": (الخمر: ما أسكر من عصير العنب أو هو عام، والعموم أصح؛ لأنها حرمت وما بالمدينة خمر عنب) (^٢). وسيأتي تفصيل القول في حقيقة الخمر إن شاء الله تعالى.\nوسميت خمرًا إما لأنها تخامر العقل؛ أي: تخالطه، أو لأنها تستره وتغطيه، أو لأنها تُغَطَّى حتى تغلي، قال ابن عبد البر: (والثلاثة الأوجه كلها موجودة في الخمر؛ لأنها تركت حتى أدركت الغليان وحد الإسكار، وهي مخالطة للعقل، وربما غلبت عليه وغطته) (^٣).\n\nقوله: (فجلده) أي: ضربه على جلده، والجلد: هو الضرب بالسوط ونحوه، واشتقاقه من جلد الحيوان: وهو غشاء جسمه.\n\nقوله: (بجريدتين) مثنى جريدة، وهي غصن النخل المجرود من أوراقه، وهي الخوص، فسميت جريدة لأنها مجردة عن الخوص.\n\nقوله: (نحو أربعين) أي: قريبًا من أربعين، والظاهر أن المعنى أن الجريدتين كانتا مفردتين، جلد بكل واحدة منهما عددًا حتى كمل من الجميع أربعون.\n\nقوله: (فلما كان عمر) أي: جاء عمر، والمراد صار خليفة، وكان تامة، وعمر: فاعل.\n_________\n(^١) \"معجم مقاييس اللغة\" (٢/ ٢١٥).\n(^٢) \"ترتيب القاموس\" (٢/ ١٠٦).\n(^٣) \"التمهيد\" (١/ ٢٤٤).","vol":"8","page":499},{"text":"قوله: (استشار الناس) أي: طلب مشورتهم ورأيهم وما عندهم من العلم في جلد شارب الخمر.\nوسبب الاستشارة ما ورد عن أنس - ﵁ - قال: فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى، قال: (ما ترون في شارب الخمر. . .) (^١). والمعنى: أنه لما فتحت الشام والعراق وسكن الناس في الريف ومواضع الخصب وسعة العيش وكثرة الأعناب والثمار أكثروا من شرب الخمر.\nوإنما استشار عمر - ﵁ - الناس في العقوبة؛ لأن النبي - ﷺ - لم يبين في الخمر حدًّا بحيث لا يزاد عليه كما جاء في حد الزنا والقذف.\n\nقوله: (فقال عبد الرحمن بن عوف) هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم قديمًا، ومناقبه مشهورة، تقدمت ترجمته في باب \"اللباس\" من كتاب \"الصلاة\".\nوقد روى الإمام مالك أن عليًّا - ﵁ - قال: (نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى) (^٢) لكن هذا حديث معضل.\n\nقوله: (أخف الحدود ثمانون) هكذا في نسخ \"البلوغ\" بالرفع (^٣)، وتخريجها ظاهر، والمراد الإخبار بأن أخف الحدود ثمانون، لا الأمر بذلك.\nلكن رواية مسلم بالنصب: (أخفَّ الحدود ثمانين) وتوجيه رواية النصب تؤيده رواية مسلم: (فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود، قال: فجلد عمر ثمانين). فكان التقدير: أرى أن تجعلها أخف الحدود ثمانين.\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٧٠٦) (٣٦).\n(^٢) \"الموطأ\" (٢/ ٨٤٢) وقد رواه عن ثور بن يزيد الديلي أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر .. وهذا سند منقطع، بل معضل، فقد رواه النسائي في \"الكبرى\" (٥/ ١٣٧)، والحاكم (٤/ ٣٧٥)، والبيهقي (٨/ ٣٢٠) عن ثور بن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس به بنحوه. وانظر: \"التلخيص\" (٦/ ٢٨١١).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٦٤).","vol":"8","page":500},{"text":"° الوجه الثالث: في الحديث دليل على ثبوت عقوبة شارب الخمر من فعل النبي - ﷺ -، وأنه جلد الشارب نحو أربعين، وكان الشارب يضرب بالأيدي والنعال وبالثياب وبالجريد، كما في حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: أُتي النبي - ﷺ - برجل قد شرب، قال: \"اضربوه\"، قال أبو هريرة - ﵁ -: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه (^١). وحديث أنس - ﵁ - قال: جلد النبي - ﷺ - في الخمر بالجريد والنعال (^٢). ثم استقر الأمر على ضربه بالجريد نحو أربعين في عهده - ﷺ - وعهد أبي بكر - ﵁ -.\n\n° الوجه الرابع: اختلف العلماء في عقوبة شارب الخمر على ثلاثة أقوال:\nالأول: أن عقوبته أربعون جلدة، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (^٣)، قالوا: وللإمام أن يزيد على الأربعين تعزيرًا، واستدلوا بهذا الحديث، ورجح هذا الشيخ محمد بن عثيمين (^٤).\nوالقول الثاني: أن عقوبته ثمانون، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، ورواية عند الحنابلة، وقول للشافعي، لفعل عمر - ﵁ -، فإنه استشار الصحابة -﵃-، ولم ينقل أن أحدًا خالف، فكان إجماعًا، ورجح هذا القرطبي (^٥).\nوالقول الثالث: أنها عقوبة تعزيرية ولا حد فيها، وقد حكى الطبري وابن المنذر وغيرهما ذلك عن طائفة من أهل العلم، قال الحافظ: (وأظنه رأي البخاري، فإنه لم يترجم بالعدد أصلًا، ولا أخرج هنا في العدد الصريح\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٧٧٧).\n(^٢) رواه مسلم (١٧٠٦) (٣٧).\n(^٣) \"المغني\" (١٢/ ٤٩٩)، \"روضة الطالبين\" (١٠/ ١٧١)، \"الاختيارات\" ص (٢٩٩)، \"زاد المعاد\" (٥/ ٤٨).\n(^٤) \"الشرح الممتع\" (١٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥).\n(^٥) \"بدائع الصنائع\" (٧/ ٥٧)، \"مواهب الجليل\" (٨/ ٤٣٣)، \"المغني\" (١٢/ ٤٩٨)، \"المفهم\" (٥/ ١٣٦).","vol":"8","page":501},{"text":"شيئًا مرفوعًا) (^١). وهو اختيار الشوكاني (^٢)، وعلى هذا القول فمرجع العقوبة إلى الإمام، يقدرها بناءً على المصلحة وما يتحقق به الزجر، وهو قول قوي، يؤيده ما يلي:\n١ - فهم الصحابة - ﵃ - فإن ابن عباس - ﵄ - قال: (إن رسول الله - ﷺ - لم يَقِتْ في الخمر حدًّا) (^٣)، وعن علي - ﵁ - قال: (إن رسول الله - ﷺ - لم يسُنَّ فيه -أي: الخمر- شيئًا) (^٤).\n٢ - أن الصحابة - ﵃ - أعملوا رأيهم في تحديد العقوبة لما استشارهم عمر - ﵁ - وقد فهموا أن الأربعين ليست حدًّا، فإن النبي - ﷺ - لم يرد عنه نص بتحديد الأربعين، وإلا لما قالوا فيه بالرأي، كما لم يقولوا بغيره، قال الشوكاني: (ومما يؤيد عدم ثبوت مقدار معين عنه - ﷺ - طلب عمر - ﵁ - المشورة من الصحابة، فأشاروا عليه بآرائهم، ولو كان قد ثبت تقديره عنه - ﷺ - لما جهله جميع أكابر الصحابة) (^٥).\n٣ - أنه ورد الضرب بالأيدي والنعال والثياب، كما في حديث أبي هريرة - ﵁ -، والظاهر أن الضرب بهذه الصفة لا يمكن تحديده بالأربعين.\n٤ - أن هذا القول تجتمع به الأدلة، ولا يشكل عليه شيء منها.\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن عقوبة الخمر لا تتجزأ، بل تُستوفى جملة واحدة؛ لأن قوله: (فجلده) ظاهر في هذا، ويؤيده حديث علي - ﵁ - الآتي في قصة الوليد.\n\n° الوجه السادس: في الحديث دليل على أن البلاد والأماكن قد تختلف في عقوبة الخمر، فإذا كثر الشرب وتساهل الناس زيد في العقوبة لردعهم، وإن قل الشرب فلا مانع من الاقتصار على الأربعين.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٧٢ - ٧٥).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٧/ ١٦١).\n(^٣) رواه أبو داود (٤٤٧٦)، قال الحافظ: إسناده قوي.\n(^٤) متفق عليه، وسيأتي الكلام عليه في باب \"التعزير\" إن شاء الله تعالى.\n(^٥) \"نيل الأوطار\" (٧/ ١٦٢).","vol":"8","page":502},{"text":"° الوجه السابع: فضل الاجتهاد في المسائل ومشاورة أهل العلم، وهذا دأب أهل الحق وطالبي الصواب.\nوالاستشارة فيها من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصره، فمن ذلك:\n١ - أن المشاورة من العبادات المتقرب بها إلى الله تعالى، وقد أمر الله بها نبيه محمدًا - ﷺ -، وهو أكمل الناس عقلًا وأغزرهم علمًا، وأفضلهم رأيًا، قال تعالى: ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].\n٢ - أن فيها احترامًا لأهل الرأي والعلم، فإنه إذا جمعهم وأخذ رأيهم في حادثة من الحوادث اطمأنت نفوسهم، وأحبوه، وعلموا أنه لا يستبدُّ عليهم.\n٣ - أن في الاستشارة تنوير الأفكار بسبب إعمالها فيما وضعت له، فصار في ذلك زيادة للعقول.\n٤ - ما تنتجه الاستشارة من صواب الرأي، وسداد العمل، فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعله، وإن أخطأ أو لم يَتِمَّ له مطلوب فليس بملوم (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير ابن سعدي\" ص (١٥٤).","vol":"8","page":503},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1051>حكم إقامة الحد بالقرينة الظاهرة </span>(^١)\n١٢٤٩/ ٢ - وَلِمُسْلِم عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - في قِصّةِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ: جَلَدَ النَّبيُّ - ﷺ - أَرْبَعِينَ، وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهذَا أَحَبُّ إِلَيَّ. وَفي هذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عَلَيهِ أَنَّهُ رَاهُ يَتَقَيَّأُ الْخَمْرَ، فَقَال عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتى شَرِبَهَا.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الحدود\" باب \"حد الخمر\" (١٧٠٧) من طريق حُضين بن المنذر أبي ساسان، قال: شهدت عثمان بن عفان وأُتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان أحدهما: حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها، فقال: يا علي، قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: وَلِّ حارَّها من تولى قارَّها (^٢)، فإنه وَجَدَ عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده، فجلده، وعلي يعد، حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثم قال: جلد النبي - ﷺ - أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إليَّ.\n_________\n(^١) الظاهر من صنيع الحافظ أنه قصد أمرين: الأول: ثبوت الحد وأنه أربعون، والثاني: حكم إقامته بالقرينة الظاهرة.\n(^٢) هذا مثل من أمثال العرب ذكره الميداني (٣/ ٤٣٦) وغيره. ومعناه: ولِّ شدتها من تولى هنيئها، والقارُّ: البارد، ويعني الحسن بهذا: ولِّ شدة إقامة الحد من تولى إمرة المسلمين وتناول حلاوة ذلك. [\"المفهم\" (٥/ ١٣٥)].","vol":"8","page":504},{"text":"والحافظ قد اختصر الحديث، واقتصر على المراد، لكن قوله: (وفي الحديث … إلخ) قصور؛ لأنه يوهم أن عثمان جلد الوليد بشهادة واحد على التقيؤ مع أنه شهد عليه رجلان، كما في سياق الحديث.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الوليد بن عقبة) هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط، من فتيان قريش وشعرائهم وأجوادهم، وهو أخو عثمان بن عفان لأمه، أمهما أروى بنت كريز بن ربيعة، أسلم يوم الفتح، ولاه عثمان الكوفة سنة خمس وعشرين وقصة صلاته بالناس الصبح وهو سكران رواها مسلم كما تقدم، وقصة عزله بعد أن ثبت عليه الشرب مشهورة -أيضًا- مخرجة في \"الصحيحين\"، مات سنة إحدى وستين - ﵁ - (^١).\n\nقوله: (وكل سنة) أي: كل من الأربعين والثمانين سنة؛ أي: طريقة مشروعة يعمل بها، فالأربعون سنة؛ لأنها فعل النبي - ﷺ -، والثمانون سنة قد عمل بها عمر - ﵁ - في زمانه.\n\nقوله: (وهذا أحب إلي) اسم الإشارة يعود إلى الأربعين التي جلدها الوليد، وأمر بالإمساك عليها، ومعناه: هذا الذي جلدته وهو الأربعون أحب إلي من الثمانين.\nويحتمل أنها تعود إلى الثمانين؛ لأنها أقرب مذكور، وتكون الثمانون أحب إليه مع جرأة الشاربين، لا أنها أحب إليه مطلقًا، لئلا يقال: كيف يجعل فعل عمر - ﵁ - أحب إليه من فعل النبي - ﷺ -، لكن يشكل على هذا أن عليًّا - ﵁ - لم يجلد الوليد ثمانين، وإنما جلده أربعين، كما في رواية مسلم.\nوقد جاء في \"صحيح البخاري\" في \"مناقب عثمان\" حديث المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود من طريق شبيب بن سعيد، عن يونس، عن الزهري (ثم دعا عثمان عليًّا فأمره أن يجلده -أي: الوليد- فجلده ثمانين) (^٢).\n_________\n(^١) \"الإصابة\" (١٠/ ٣١١).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٣٦٩٦).","vol":"8","page":505},{"text":"وجاء في باب \"هجرة الحبشة\" من رواية معمر، عن الزهري: (فجلد الوليد أربعين) (^١)، وهذا تعارض، وقد رجح الحافظ رواية معمر هذه، وقال: (إنها أصح من رواية يونس، عن الزهري، والوهم فيه من الراوي عنه شبيب بن سعيد، ويرجح رواية معمر ما أخرجه مسلم …) ثم ذكر حديث الباب (^٢).\nوقبل الحافظ رجح القرطبي حديث حضين بن المنذر في رواية الأربعين، وقال: (لأنه مفصَّل في مقصوده، حَسَنٌ في مساقه، وساقه مساق المثبت) واعتبر رواية الثمانين وهمًا (^٣).\n\nقوله: (أن رجلًا شهد عليه) أي: الوليد، ولم يرد في السياق تسمية هذا الشاهد، ولذا وقع الخلاف في تعيينه (^٤).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن عقوبة الشارب أربعون أو ثمانون، وأن الكل سنة، قال الحافظ: (في هذا الحديث الجزم بأن النبي - ﷺ - جلد أربعين) (^٥).\n\n° الوجه الرابع: في قول علي - ﵁ -: \"وكلٌّ سنة) دليل واضح على اعتقاد علي - ﵁ - صحة إمامة الخليفتين أبي بكر وعمر - ﵄ - وأن حكمهما يوسف بأنه سنة، وفي هذا رد قوي على الرافضة والشيعة؛ لأنه قول متبوعهم الذي يتعصبون له ويعتقدون فيه ما يتبرأ هو منه (^٦).\n\n° الوجه الخامس: اختلف العلماء فيمن وجدت منه ريح الخمر أو تقيأها هل هذا يكفي لثبوت الجريمة فيقام عليه الحد أم لا؟\nفالقول الأول: أنه لا يثبت الحد بوجود الرائحة أو القيئ، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين، كما ذكر ابن قدامة، وقال: (هو قول أكثر أهل العلم) (^٧).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٣٨٧٢)\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٥٧).\n(^٣) \"المفهم\" (٥/ ١٣٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٧/ ٥٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٢/ ٧٥).\n(^٦) \"المفهم\" (٥/ ١٣٦).\n(^٧) \"المغني\" (١/ ٥٠١)، \"فتح الباري\" (١٠/ ٦٥).","vol":"8","page":506},{"text":"قالوا: لأنه يمكن أن يكون شربها مكرهًا أو في مخمصة، أو أنه لم يعلم أنها مسكرة، فلما علمها مجها، أو شرب لغصة بقدر ما يسيغها.\nوالرائحة مع ذلك محتملة لا يلزم منها الشرب، فقد تكون من الخمر، وقد تكون من غيره، فإن الروائح قد تتفق، ومثل هذه الأمور تورث شبهة، والحد لا يقام مع وجود الشبهة.\nوالقول الثاني: أنه يثبت الحد بالرائحة أو القيء، وهذا مذهب مالك وأصحابه، والرواية الثانية عن أحمد، وهو اختيار ابن القيم (^١).\nواستدلوا على القيء بحديث الباب، قالوا: لأن عثمان - ﵁ - أقام الحد على الوليد بالقيء، لقوله: (إنه لم يتقيأها حتى شربها).\nوأما إقامة الحد بالرائحة فدليله ما ثبت في \"الصحيحين\" واللفظ للبخاري بإسناده إلى علقمة قال: كنا بحمص فقرأ ابن مسعود - ﵁ - سورة يوسف، فقال رجل: ما هكذا أُنزلت، فقال: قرأتُ على رسول الله - ﷺ -، فقال: أحسنتَ، ووجد منه ريح خمر، فقال: أتجمع أن تكذب بكتاب الله وتشرب الخمر؟ فضربه الحد (^٢).\nوالذي يظهر -والله أعلم- هو القول الأول، وهو أن الحد لا يقام بمجرد القيء ولا الرائحة؛ لأن قاعدة الشريعة المطردة المجمع عليها درء الحد بالشبهة، وما يتوارد من الشبه في موضوع الرائحة والقيء شبهة محتملة، كشبهة الاشتباه، وشبهة النسيان، وشبهة الإكراه، وشبهة الجهل ونحو ذلك. فيمكن وقوعها، فإن الروائح قد تتفق، وقد يكون لديه عصير أو نبيذ قد تخمر فنسي تخمره وشربه … ونحو ذلك.\nلكن إن وجد قرينة أخرى تنفي الشبهة وتبعد الاحتمال ويقنع بها القاضي، فإنه يحد، وهذا مروي عن جماعة من السلف منهم عمر - ﵁ - وابن\n_________\n(^١) \"إعلام الموقعين\" (٣/ ١٩٧)، \"الطرق الحكمية\" ص (٧)، \"فتح الباري\" (٩/ ٥٠).\n(^٢) رواه البخاري (٥٠٠١)، ومسلم (٨٠١).","vol":"8","page":507},{"text":"الزبير - ﵁ - وعطاء، واختاره بن قدامة. وذلك كان يكون من وجدت منه الرائحة معروفًا بالإدمان، أو يشهد شاهدان على شخص أحدهما بالشرب والآخر بالرائحة أو القيء، أو يوجد جماعة من الفساق على شراب، بعضهم سكر، وبعضهم تنبعث منه الرائحة، ونحو ذلك.\nأما قصة الوليد فلا دليل فيها؛ لأن الظاهر أن عثمان - ﵁ - لم يجلد الوليد بمجرد القيء، وإنما شهد عليه حمران بن أبان أنه شرب، وشهد آخر أنه تقيأها، فانضمت شهادة التقيؤ إلى شهادة الشرب، مع أن الوليد قد شرب وشرب، كما ذكر ذلك الحافظ في ترجمته.\nوأما قصة ابن مسعود مع الرجل فالجواب عنها من وجهين:\nالأول: أنها ليست نصًّا في أن موجب الحد وجود الرائحة مجردة، بل يحتمل أن الرجل اعترف بالشرب بلا عذر، ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال (^١)، لا سيما مع وجود المعارض، ويؤيد هذا قوله له: (أتشرب الخمر؟) فإنه حكم عليه بالشرب، ثم إن معارضته لابن مسعود - ﵁ - مع قوله له: (أحسنت) مشعر بأن الرجل فيه مبادئ سكر؛ إذ كيف يعارضه أولًا ثم يقول له: (أحسنت)؟!\nالثاني: أن هذا مجرد رأي لابن مسعود - ﵁ - والرأي يخطئ ويصيب، ثم إن عليًّا - ﵁ - قد خالف ابن مسعود، كما ذكر الحافظ (^٢)، بناءً على رواية عند الإسماعيلي إثر هذا الحديث.\nوالملاحظ أن البخاري مع دقته في تراجمه لم يخرج هذا الحديث في كتاب \"الحدود\" وإنما أخرجه في \"فضائل القرآن\" ولم يترجم واقعة الخمر منه في كتاب \"الحدود\" كعادته في تقطيع الحديث على أبواب العلم مراعاة لما فيها من أحكام، وكذا مسلم ذكر الحديث ضمن أحاديث \"فضائل القرآن\"، ولم يذكره في \"الحدود\" مع أنها أولى به؛ لأنه أخرج حديث إقامة الحد بالقيء، فكان المناسب أن يذكر بعده حديث إقامة الحد بالرائحة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٥/ ٣٣٦)، \"فتح الباري\" (٩/ ٥٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٠).","vol":"8","page":508},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1052>حكم من تكرر منه شرب الخمر</span>\n١٢٥٠/ ٣ - عَنْ مُعَاويةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ أَنَّهُ قَال في شَارب الْخَمْر: \"إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الثَّالِثَةَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمّ إِذَا شَرِبَ الرّابعَةَ فَاضْرِبوا عُنُقَهُ\". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ صَريحًا عَنِ الزُّهْريِّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٢٨/ ٨٣)، وأبو داود في كتاب \"الحدود\"، باب \"إذا تتابع في شرب الخمر\" (٤٤٨٢)، والترمذي (١٤٤٤)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥/ ١٤١)، وابن ماجه (٢٥٧٣) من طريق عاصم، عن أبي صالح ذكوان، عن معاوية بن أبي سفيان -﵄-، به مرفوعًا.\nوهذا سند حسن، من أجل عاصم بن أبي النجود، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين، والحديث رواه الحاكم (٤/ ٣٨٢) وسكت عنه، وقال الذهبي: (صحيح) ونقله عنه الزيلعي. وقال ابن عبد الهادي: (رواته ثقات، وقد روى جماعة من الصحابة نحو هذا الحديث) (^١).\nوقال الترمذي: (وإنما كان هذا في أول الأمر ثم نُسخ بعد)، وذكر -أيضًا- في أول كتابه \"العلل\" أن جميع ما في هذا الكتاب -وهو كتاب\n_________\n(^١) انظر: \"العلل الكبير\" (٢/ ٦٠٨)، \"العلل\" للدارقطني (١٠/ ٩١)، (١٣/ ٤٣٨)، \"نصب الراية\" (٣/ ٣٤٧)، \"المحرر\" (٦٣٣).","vol":"8","page":509},{"text":"الجامع- معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم ما خلا حديثين … وذكر منهما حديث الباب (^١).\nورواه أبو داود (٤٨٨٥) من طريق سفيان قال الزهري: أخبرنا قَبيصة بن ذؤيب أن النبي - ﷺ - قال: \"من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه\" فأتي برجل قد شرب الخمر فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ورُفِعَ القتل وكانت رخصة. قال سفيان: حدث الزهري بهذا الحديث وعنده منصور بن المعتمر ومخوَّل بن راشد، فقال لهما: كونا وافدي أهل العراق بهذا الحديث.\nوهذا صريح في رفع القتل وأنه نسخ.\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الشارب يقام عليه الحد ثلاث مرات، فإذا شربها في الرابعة فإنه يقتل.\nوقد ورد في بعض الأحاديث أن القتل في الثالثة، وفي بعضها أنه في الخامسة، وهذا شك نادر من بعض الرواة لا يؤثر في صحة الحديث، ولا في أن الحكم بالقتل إنما هو في الرابعة، وعليه أكثر الروايات.\nوالقول بأنه يقتل هو قول الظاهرية، وقد نصره ابن حزم ودافع عنه، واختاره من المتأخرين الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على \"المسند\"، ثم طبع في رسالة مستقلة (^٢).\nوالقول الثاني: أنه لا يقتل، وبه قال جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابله (^٣)، واستدلوا بحديث ابن مسعود - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث … الحديث\" وتقدم في أول \"الجنايات\".\nووجه الدلالة: أن هذا الحديث ورد بأسلوب يقتضي القصر على من ورد\n_________\n(^١) انظر: \"شرح العلل \" لابن رجب (١/ ٤).\n(^٢) \"المحلى\" (١١/ ٣٦٥)، \"المسند\" (٩/ ٤٠).\n(^٣) \"الأم\" (٦/ ١٥٥)، \"البحر الرائق\" (٥/ ٢٩)، \"فتح الباري\" (١٢/ ١٠).","vol":"8","page":510},{"text":"ذكرهم، وهم الزاني والقاتل والمرتد، والشارب ليس واحدًا منهم، فيبقى حكم دمه على الأصل وهو العصمة، ويكون هذا الحديث ناسخًا لحديث القتل.\nكما استدلوا بما تقدم من حديث قبيصة بن ذؤيب في أن القتل قد رفع، قال النووي: (هذا الذي قاله الترمذي في حديث شارب الخمر هو كما قاله، فهو حديث منسوخ، دلَّ الإجماع على نسخه) (^١).\nوالمقصود أن الجمهور لا يرون القتل، ويقولون إن حديث الباب إما منسوخ بحديث ابن مسعود - ﵁ - أو حديث قبيصة، وإما أن الإجماع منعقد على خلافه كما قال الترمذي، وكذا قال الشافعي: (لا نعلم أحدًا من أهل الفتيا يخالف في أن من أقيم عليه حد في شيء أربع مرات ثم أُتي به خامسة أو سادسة أقيم ذلك الحد عليه ولم يقتل، وفي هذا دليل على أن ما روي عن النبي - ﷺ - إن كان ثابتًا فهو منسوخ) (^٢)، وقال ابن المنذر: (وأجمعوا على أن السكران في المرة الرابعة لا يجب عليه القتل، إلا من لم يُعَدَّ خلافه خلافًا) (^٣).\nوالقول الثالث: أنه يجوز قتله في الرابعة تعزيرًا لا حدًّا إذا رأى الإمام ذلك، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (^٤)، ووجهة نظرهم الجمع بين الأدلة، فقد ورد أدلة مفادها القتل في المرة الرابعة، وهي قد وردت من طرق متعددة بأسانيد قوية، كما يقول الحافظ ابن حجز (^٥)، كما جاءت أحاديث وآثار مفادها عدم القتل، كما تقدم في حديث قبيصة بن ذؤيب، وهذا القول هو الراجح؛ لأن الجمع بين الأدلة وإعمالها أولى من إعمال بعضها وإهمال الآخر.\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (١١/ ٢٢٨).\n(^٢) \"اختلاف الحديث\" (٩/ ١٩٩).\n(^٣) \"الإجماع\" ص (١٤٦).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٧/ ٤٨٣) (٢١/ ٩) (٢٨/ ٣٤٧)، (٣٤/ ٢١٧)، \"مختصر تهذيب السنن\" (٦/ ٢٣٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٢/ ٧٣).","vol":"8","page":511},{"text":"وقد رد أصحاب القول الأول على أصحاب القول الثاني قولهم: إن القتل منسوخ؛ بأن أحاديث النسخ ليست صريحة، وبعضها لا يقوى على معارضة الأحاديث التي فيها الأمر بالقتل.\nفحديث ابن مسعود - ﵁ - حديث عام، وأحاديث قتل الشارب أحاديث خاصة، ثم إنه ليس هناك دليل على تأخر حديث ابن مسعود - ﵁ - حتى يقال بالنسخ، ومعرفة التاريخ شرط في العمل بالنسخ.\nوأما حديث قبيصة فأجيب عنه بما يلي:\n١ - أنه مرسل؛ لأن قبيصة ولد يوم الفتح.\n٢ - أنه لو كان متصلًا لكانت أحاديث الأمر بالقتل مقدمة عليه؛ لأنها أصح وأكثر.\n٣ - أن هذا فعل، والقول مقدم عليه؛ لأن القول تشريع، والفعل قد يكون خاصًّا، إذ قد يكون ترك قتله لعذر.\nلكن يؤيد النسخ ما ورد في قصة ابن النعيمان وهو عبد الله بن حمار - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قد جلده في الشراب، فأُتي به يومًا فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله - ﷺ -: \"لا تلعنوه، فوالله ما علمت؛ إنه يحب الله ورسوله\" (^١). قال الحافظ ابن حجر: (وفيه ما يدل على نسخ الأمر الوارد بقتل شارب الخمر إذا تكرر منه إلى الرابعة أو الخامسة) (^٢).\nوأما دعوى الإجماع على ترك القتل فقد وافق ابن القيم ابن حزم على نقضها؛ لأن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو يقولان بقتله، وأضاف ابن القيم أنه قول بعض السلف (^٣)، ومثل هذا لا يكفي، فإن قول عبد الله بن عمرو بن العاص جاء من طريق منقطع لا تقوم به حجة؛ لأنه من رواية الحسن\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٧٨٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٧٨).\n(^٣) \"تهذيب مختصر السنن\" (٦/ ٢٣٧).","vol":"8","page":512},{"text":"البصري عنه، وهو لم يسمع منه على الصحيح، وقول عبد الله بن عمر ذكره ابن حزم وابن القيم بدون إسناد، ومثل ذلك لا يتم به نقض الإجماع، وما ذكره عن بعض السلف لم يتم تعيينه إلا ما روي عن الحسن، وقد ذكره الحافظ ابن حجر بدون إسناد (^١).\nوالذي يظهر أن الأحاديث بقتل الشارب حدًّا في الرابعة منسوخة؛ لأن أحاديث النسخ يشد بعضها بعضًا، ثم إن قتل الشارب من الأمور التي لا تخفى، لا سيما وأن شاربها لا يشربها مرة واحدة وإنما يكون مدمنًا عليها في الغالب، والقول بقتله تعزيرًا فيه وجاهة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٧٣).","vol":"8","page":513},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1053>النهي عن الضرب في الوجه</span>\n١٢٥١/ ٤ - عَنْ أَبي هُرَيرَة - ﵁ - قَال: قال رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُم فَلْيَتَّقِ الْوَجْه\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nالكلام عليه من وجهين:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"العتق\"، باب \"إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه\" (٢٥٥٩) من طريق معمر، عن همام، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه\".\nورواه مسلم (٢٦١٢) من طريق المغيرة الحزامي، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه\".\nورواه من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، بلفظ: \"إذا ضرب أحدكم\".\nورواه -أيضًا- من طريق أبي عوانة، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا قاتل أحدكم أخاه فليتق الوجه\".\nوبهذا يتبين أن لفظ \"البلوغ\" هو لفظ مسلم؛ لكنه ملفق من هذه الرواية وما قبلها، وسيذكر الحافظ هذا الحديث مرة أخرى بلفظ البخاري في باب \"الرَّهبِ من مساوئ الأخلاق\" من كتاب \"الجامع\".\n\n* الوجه الثاني: في الحديث دليل على النهي عن الضرب في الوجه، وهذا نهي عام يعم الحدود والتعزيرات، والإنسان والحيوان، وذلك لأن الوجه","vol":"8","page":514},{"text":"مجمع المحاسن، وهو لطيف، فيظهر فيه أثر الضرب، وربما شانه، والشين فيه لا يمكن ستره، بخلاف ما يخفى من الأعضاء؛ ولأن الوجه مجمع الحواس كالعين والأذن، وربما آذاها الضرب، وقد مضى في \"عشرة النساء\" حديث معاوية القشيري في نهي الزوج عن ضرب زوجته.\nولعل الحافظ ذكر هذا الحديث في باب \"حد الشارب\" لكون الحدِّ يقام بالضرب بالجريد والنعال ونحوه، ولما كان بعض الناس قد تأخذه الغيرة أو الحماس في تنفيذ الحد، نُهي أن يتجاوز في ضربه إلى الوجه. والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":515},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1054>النهي عن إقامة الحدود في المساجد </span>(^١)\n١٢٥٢/ ٥ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لا تُقَامُ الْحُدُودُ في الْمَسَاجِد\"، رَواهُ التِّرمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه الترمذي في أبواب \"الديات\"، باب \"ما جاء في الرجل يقتل ابنه فيقاد منه أم لا؟ \" (١٤٠١) من طريق إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس -﵄-، عن النبي - ﷺ - قال: \"لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقتل الوالد بالولد\".\nقال الترمذي: (هذا حديث لا نعرفه بهذا الإسناد مرفوعًا إلا من حديث إسماعيل بن مسلم، وإسماعيل بن مسلم المكي قد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه).\nوقد تابعه سعيد بن بشير، عن عمرو بن دينار، به، رواه الحاكم (٤/ ٣٦٩)، وعبيد الله بن الحسن العنبري، عن عمرو. رواه الدارقطني (٣/ ١٤٢)، والبيهقي (٨/ ٣٩) وفي أسانيدها مقال، ويحتمل أن يكون هؤلاء قد أخذوه عن إسماعيل بن مسلم، فيكون كلام الترمذي في محله.\n_________\n(^١) هذا العنوان تقدم في \"باب المساجد\" حيث ذكر الحافظ هناك حديث حكيم بن حزام، وهنا ذكر حديث ابن عباس، وهذا في ظاهره تكرار لم يعهد من الحافظ، وابن عبد الهادي في \"المحرر\" ذكر حديث حكيم بن حزام في باب \"المساجد\" (١/ ٢٧٢) ولم يذكر شيئًا في \"الحدود\".","vol":"8","page":516},{"text":"والحديث له شواهد منها حديث حكيم بن حزام - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها\"، وقد مضى الكلام عليه في باب \"المساجد\" من كتاب \"الصلاة\" (^١).\n\n* الوحه الثاني: في الحديث دليل على أن الحدود لا تقام في المساجد، وظاهر النهي أنه للتحريم، والحديث وإن كان فيه المقال المتقدم إلا أن معناه صحيح، فإن إقامة الحد في المسجد وإن كان عبادة؛ لأنه إجراء لحكم الله تعالى إلا أنه يؤدي إلى تلويث المسجد، فإنه إذا ضرب الجاني أو قطعت يده لوث المسجد، مع ما في ذلك من اللغط ورفع الأصوات فيه، ومثل ذلك غير لائق بالمسجد؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، وهذا الرفع يشمل الرفع الحسي بالبناء والتطهير من الأذى والقذر وكل ما لا يليق بالمسجد، والرفع المعنوي بإقامة ذكر الله تعالى وطاعته من الذكر والتلاوة والصلاة والابتعاد عن معصيته من اللغو وقول الزور وكل فعل يخل بتشريفها.\nولم يثبت عن النبي - ﷺ - ولا عن أحد من أصحابه أنهم أقاموا الحدود في المسجد، وقد تقدم أن ماعزًا لما جاء إلى الرسول - ﷺ - هو في المسجد وأقرّ عنده بالزنى، قال: \"اذهبوا به فارجموه\"، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: (٢/ ٤٨٣) من هذا الكتاب.","vol":"8","page":517},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1055>حقيقة الخمر</span>\n١٢٥٣/ ٦ - عَنْ أنسٍ - ﵁ - قَال: لَقَدْ أنْزَلَ اللهُ تَحْريمَ الْخَمْرِ وَمَا بالْمَدِينَةِ شَرَابٌ يُشْرَبُ إلَّا مِنْ تَمْرٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n١٢٥٤/ ٧ - وَعَنْ عُمَرَ - ﵁ - قَال: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ. وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n١٢٥٥/ ٨ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n١٢٥٦/ ٩ - وَعَنْ جَابرٍ - ﵁ - أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ\"، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\n* الكلام عليها من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث أنس - ﵁ - فقد رواه مسلم في كتاب \"الأشربة\"، باب \"تحريم الخمر وأنها تكون من عصير العنب ومن التمر والبسر والزبيب وغيرها مما يسكر\" (١٩٨٢) من طريق عبد الحميد بن جعفر، حدثني أبي، أنه سمع أنس بن مالك - ﵁ - يقول: لقد أنزل الله الآية التي حرم فيها الخمر وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر.\nوأما حديث عمر - ﵁ - فقد رواه البخاري في كتاب \"الأشربة\"، بابٌ \"الخمرُ من العنب وغيره\" (٥٥٨١)، ومسلم (٣٠٣٢) من طريق أبي حيان","vol":"8","page":518},{"text":"حدثنا عامر، عن ابن عمر - ﵄ - قال: قام عمر - ﵁ - على المنبر فقال: أما بعد، نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: العنب … الحديث.\nوأما حديث ابن عمر - ﵄ - فقد راه مسلم في \"الأشربة\"، باب \"بيان أن كل مسكر خمر\" (٢٠٠٣) من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب، لم يشربها في الآخرة\".\nوفي رواية له من طريق عبيد الله، أخبرنا نافع بلفظ: \"كل مسكر خمر، وكل خمر حرام\".\nوأما حديث جابر - ﵁ - فقد رواه أحمد (٢٣/ ٥١)، وأبو داود في \"الأشربة\"، باب \"النهي عن المسكر\" (٣٦٨١)، والترمذي (١٨٦٥)، وابن ماجه (٣٣٩٣) من طريق داود بن بكر بن أبي الفرات، عن محمد بن المنكدر، عن جابر - ﵁ - مرفوعًا.\nوهذا سند حسن، داود بن بكر قال عنه الحافظ في \"التقريب\": (صدوق) فهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات.\nورواه ابن حبان (١٢/ ٢٠٢) من طريق موسى بن عقبة، عن ابن المنكدر، به.\nوموسى بن عقبة ثقة من رجال الجماعة، وهذه متابعة قوية لداود بن بكر، كما تابعه سلمة بن صالح الأحمر عند ابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ٣٣٠ - ٣٣١) وفيه ضعف.\nوالحديث له شواهد، ومنها حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: \"أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره\" رواه النسائي (٨/ ٣٠١) وسنده حسن، ولما أشار المنذري إلى أحاديث الباب قال: (وحديث سعد بن أبي وقاص أجودها إسنادًا) (^١).\n_________\n(^١) \"مختصر السنن\" (٥/ ٢٦٧).","vol":"8","page":519},{"text":"وعزو الحديث للأربعة وَهْمٌ من الحافظ؛ فإن النسائي ما رواه من حديث جابر - ﵁ -، وإنما رواه بهذا اللفظ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (^١).\n\n* الوجه الثاني: اتفق فقهاء المسلمين على إطلاق اسم الخمر على المعتصر من العنب، واختلفوا في تعدية اسم الخمر وحكمها إلى غير العنب على قولين:\nالأول: أن اسم الخمر يطلق على كل ما أسكر العقل، سواء أكان مشروبًا أم مأكولًا أم مشمومًا، وسواء أكان من العنب أم من التمر أم من غيرهما، وهذا قول جمهور الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة والظاهرية (^٢). فالمدار عندهم على الإسكار وغيبوبة العقل من أي مادة صنع؛ لأن المقصود حفظ العقل، وإبعاد الأمة عن أضرارها ومفاسدها.\nواستدلوا بما يلي:\n١ - حديث أنس - ﵁ - فإنه نص صريح في أن المتخذ من التمر يسمى خمرًا، وأن الخمر ليست خاصة بالمتخذ من عصير العنب.\n٢ - قول عمر - ﵁ - نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة … فبيَّن - ﵁ - على ملأ من الصحابة دخول الأشربة المأخوذة من العنب والتمر … إلخ في مسمى الخمر، ثم أخبر أن الخمر ليس مقصورًا على هذه الأصناف الخمسة، بل هي اسم لكل ما خامر العقل، وعمر - ﵁ - من أهل اللغة.\n٣ - حديث ابن عمر - ﵄ - فإنه نص صريح في أن الخمر لفظ عام يشمل كل ما أسكر، وهذا من جوامع الكلم التي أعطيها النبي - ﷺ -؛ لأن لفظة (كل) من صيغ العموم، فتشمل كل ما أسكر من مشروب أو مطعوم أو مشموم؛ لأنه\n_________\n(^١) \"السنن\" (٨/ ٣٠٠).\n(^٢) \"المحلى\" (٨/ ٤٤٣)، \"المهذب\" (٢/ ٣٦٦)، \"جواهر الإكليل\" (٢/ ٢٩٥)، \"الشرح الكبير\" (٢٦/ ٤١٦).","vol":"8","page":520},{"text":"علق التحريم على وجود الإسكار، ولم يفرق بين نوع ونوع (^١).\n٤ - حديث جابر - ﵁ - فإنه دل على تحريم القليل مما أسكر كثيره، فما عرف أنه مسكر وجب اجتنابه بالكلية، وإن كان قليله لا يسكر؛ لأن قليله قد يجر إلى كثيره، وجاء ذلك بلفظ عام؛ لأن. (ما) من ألفاظ العموم، فتشمل كل ما أسكر من أي مادة كان.\nوالقول الثاني: أن الخمر اسم خاص بالمتخذ من عصير العنب خاصة إذا غلى واشتد، وبه قالت الحنفية، وهل يشترط أن يقذف بالزَّبَدِ؟ ذهب أبو حنيفة إلى أنه يشترط؛ لأن الغليان بداية الشدة والإسكار، واكتمالها إنما يكون بالقذف بالزبد، فلا يسمى خمرًا قبل ذلك؛ لأن أحكام الشرع قطعية فتناط بالنهاية، كالحدِّ، وكفر مستحلها، وتحريم بيعها، ونجاستها.\nوذهب صاحباه أبو يوسف ومحمد إلى عدم اشتراط قذفه بالزبد؛ لأن الإسكار يتحقق بدونه، وهذا هو الراجح عند الحنفية سدًّا للذريعة (^٢).\nواستدل الحنفية على أن الخمر هي عصير العنب من اللغة بما جاء في \"المحكم\" لابن سيده فإنه جزم بأن الخمر ما أسكر من عصير العنب دون سائر الأشياء (^٣)، قال صاحب \"الهداية\" من الحنفية: (الخمر عندنا ما اعتصر من ماء العنب إذا اشتد، وهو المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم) (^٤).\nكما احتجوا بقوله تعالى حكاية عن صاحب يوسف - ﵇ -: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] قالوا: فدل على أن الخمر هو ما يعصر ويبقى نيئًا لا ما ينبذ أو يطبخ.\nكما احتجوا بحديث ابن عباس - ﵄ - أنه قال: حرمت الخمر قليلها وكثيرها، وما أسكر من كل شراب (^٥). قالوا: فخص الخمر بحكم، ثم عطف عليها المسكر، والعطف يقتضي المغايرة.\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٢٨/ ٣٤١ - ٣٤٢).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ١١٢)، \"تكملة فتح القدير\" (١٠/ ٩١).\n(^٣) \"المحكم\" (٥/ ١١٤).\n(^٤) \"الهداية\" (٤/ ١٠٨).\n(^٥) \"رواه النسائي\" (٨/ ٣٢١).","vol":"8","page":521},{"text":"وهذا الحديث مختلف في وصله وانقطاعه، وفي رفعه ووقفه، وقد بين النسائي ذلك، ونقل الزيلعي عن ابن معين والعقيلي تضعيف الحديث (^١). وقد حسن المعلق على \"جامع الأصول\" هذا الحديث موقوفًا (^٢).\nوأجابوا عن أدلة الجمهور بأنها محمولة على القليل من القدر المسكر.\nوالصواب في هذا ما ذهب إليه الجمهور من أن الخمر يطلق على كل ما أسكر من آية مادة كان إطلاقًا حقيقيًّا وأنه لا يختص بالمسكر من ماء العنب، لقوة أدلتهم وصراحتها في الدلالة على المراد.\nوأما مذهب الحنفية فهو قول ضعيف مخالف للغة العرب، والسنة الصحيحة، وفهم الصحابة - ﵃ -.\nوما حكاه صاحب \"الهداية\" مردود، فالمعروف في اللغة ما ذهب إليه الجمهور، وهو قول الجوهري، وأبي حنيفة الدِّينَوَرِي وغيرهما من متقدمي أهل اللغة (^٣)، قال صاحب \"القاموس\": (الخمر ما أسكر من عصير العنب أو هو عام، والعموم أصح؛ لأنها حرمت وما بالمدينة خمر عنب) (^٤). وتقدم هذا، وأما ما نقل عن ابن سيده فهو معارض بما قرره غيره من أهل اللغة من أن المتخذ من غير العنب يسمى: خمرًا، ثم إن ابن سيده متأخر؛ لأنه في منتصف القرن الخامس.\nويكفي في ذلك أفصح العرب لسانًا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه الذي قال: \"كل مسكر خمر\" فإن هذا نص في تعريف الخمر يغني عن النزاع.\nوأما فهم الصحابة - ﵃ - فقد قال أنس - ﵁ - كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأُبي بن كعب من فضيخ زَهْو تَمْرٍ، فجاءهم آت، فقال: إن الخمر قد\n_________\n(^١) \"نصب الراية\" (٤/ ٣٠٦).\n(^٢) \"جامع الأصول\" (٥/ ١٠٥).\n(^٣) انظر: \"الصحاح\" (٢/ ٦٤٩)، \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٧)، وانظر ترجمة الدينوري في: \"الأعلام\" (١/ ١١٩).\n(^٤) \"ترتيب القاموس\" (٢/ ١٠٦).","vol":"8","page":522},{"text":"حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها، فأهرقتها (^١). ففي الحديث دليل واضح على أن نبيذ التمر إذا أسكر خمر، وهو نص لا يجوز الاعتراض عليه؛ لأن الصحابة - ﵃ - أهل اللسان وقد فهموا أن شرابهم ذلك خمر، بل لم يكن لهم شراب ذلك الوقت في المدينة غيره، ولو كان عندهم تردد لتوقفوا عن الإراقة حتى يستفصلوا ويتحققوا التحريم، لما تقرر عندهم من النهي عن إضاعة المال، فلما بادروا بالإراقة دل على أنهم فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر دون تفريق بين ما اتخذ من العنب أو غيره.\nوأما استدلال الحنفية بآية: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ فلا حجة لهم فيها؛ لأنها جاءت إخبارًا عن قضية رؤيا حصل فيها العصر، وقد تكون الخمر في وقتهم تعصر من العنب ولا يعرفون إلا هذا، وجاء في شرعنا المطهر من الأدلة الصحيحة الصريحة ما يثبت أنها تؤخذ من غير العنب، فيكون عليها المعول.\nوأما حديث ابن عباس فهو ضعيف كما تقدم، وعلى فرض صحته فلا حجة فيه؛ لأن المراد بالخمر ما كان معروفًا عندهم كما مضى.\nوالخلاصة أن الخمر من ماء العنب إذا اشتد حقيقة لغوية شرعية بالاتفاق، وأما غيره فيطلق عليه اسم الخمر حقيقة لغوية شرعية على الأصح، كما هو مذهب الجمهور من علماء اللغة والشريعة.\nوثمرة الخلاف: أن من شرب من أي مسكر من العنب أو غيره أقيم عليه الحد، سواء سكر منه أم لا، وهذا مذهب الجمهور، وأما عند الحنفية فمن شرب من ماء عصير العنب حُدَّ، سواء سكر منه أم لا؛ لأنه الخمر حقيقة، ومن شرب من غيره فلا يحد إلا إذا سكر، وعلى هذا فالحنفية يفرقون بين الخمر والمسكر.\nولا ريب أن مذهب الجمهور مع قوة أدلته تؤيده قاعدة سد الذرائع، وهي من مقاصد الشريعة، ومذهب الحنفية يفتح باب شرب المسكرات وتعاطيها تحت مسميات جديدة.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٥٨٢).","vol":"8","page":523},{"text":"الوجه الثالث: حرم الله تعالى الخمر لما تشتمل عليه من الأضرار والمفاسد العظيمة، التي كشف الطب الحديث عن كثير منها بما لديه من وسائل وأجهزة علمية دقيقة، وهي كما قال المصطفى - ﷺ - لمن سأله عن الخمر يصنعها للدواء: \"أنها ليست بدواء، ولكنها داء\" (^١).\nوالخمر تحتوي على مواد كيماوية كثيرة، أهمها: مادة \"الغَول الإيثيلي\" وتسمى \"الكحول\" وهي تنتج عن تخمر مادة السُّكَّر، وهي السبب في جميع الأضرار الناتجة عن تعاطي الخمور بأنواعها، وتوجد في السوائل الأخرى بنسب قليلة، وترتفع في المقَطَّرة منها، وتحديد الخمر وما يتبعها من السوائل المسكرة لا يتوقف على تساوي النِّسَبِ، ولا على ارتفاع وجودها، بل يتوقف على مجرد الوجود وإن كانت نسبتها قليلة، كالبيرة مثلًا.\n\"والغول\" سريع الذوبان في الماء، ويصل إلى الدم، ويتوزع على جميع أخلاط البدن وأنسجته بسرعة فائقة، ولا سيما إذا أُخذ على معدة فارغة، ولعل هذا هو السر في أن الغول يؤثر على جميع أجزاء البدن، لا يستثني منها شيء، وأكثر الأجهزة تأثرًا في حالة السُّكْر هو الدماغ، ثم جهاز الدوران الدموي، والجهاز العصبي، والعقل، ثم الجهاز الهضمي بجميع أجزائه، ثم الجهاز التنفسي والبولي، وما ينشأ عن ذلك من الأمراض النفسية والعقلية، والشيخوخة المبكرة، والموت المفاجئ، وضعف مقاومة الجسم للأمراض، ثم الأضرار الاجتماعية، والاقتصادية، حتى نَسْلُ الإنسان لم يسلم من أذى المسكرات، بل وصل إلى الأجنة في بطون أمهاتها.\nوبالجملة فهي أم الخبائث، وجماع الإثم، ومجمع الأمراض، ولهذا تجد السكارى غالبًا هم أفقر الناس، وأتعس الناس، وأشقى الناس (^٢). نسأل الله السلامة والعافية.\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٩٨٤)، وسيأتي شرحه -إن شاء الله- قريبًا.\n(^٢) انظر: \"مع الطب في القرآن الكريم\" ص (١٤٠)، \"فقه الأشربة وحدُّها\" ص (٧٧)، \"موقف الإسلام من الخمر\" ص (١٧)، \"الخمر والإدمان الكحولي\" ص (١٥)، \"أحكام الأطعمة في الإسلام\" ص (١٦٥).","vol":"8","page":524},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1056>ما جاء في إباحة شرب النبيذ وشرطه</span>\n١٢٥٧/ ١٠ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُنْبَذُ لَهُ الزَّبيبُ في السِّقَاءِ، فَيَشْرَبُهُ يَوْمَهُ، وَالْغَدَ، وَبَعْدَ الْغَدِ، فَإِذَا كانَ مَسَاءُ الثَّالِثَةِ شَرِبَهُ وَسَقَاهُ، فَإنْ فَضَلَ شَيءٌ أَهْرَاقَهُ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في \"الأشربة\"، باب \"إباحة النبيذ الذي لم يشتد ولم يصر مسكرًا\" (٢٠٠٤) من طريق أبي عمر يحيى بن عبيد البهراني، عن ابن عباس - ﵄ - قال: كان رسول الله - ﷺ - ينبذ له الزبيب … الحديث.\nوهذا الحديث له ألفاظ كثيرة عند مسلم، كلها قريبة من هذا المعنى.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ينبذ له الزبيب) بضم الياء مبنيًّا لما لم يسم فاعله؛ أي: يتخذ له النبيذ من الزبيب، وهو العنب المجفف بأن يطرح في الماء وينقع. يقال: نبذ التمر أو العنب ونحوهما، اتخذ منه النبيذ، وأصل النبذ الطرح، ومنه قيل للماء يطرح فيه ما يحليه: نبيذ (^١).\n\nقوله: (في السقاء) بكسر السين على وزن كساء، جلد السخلة إذا أجذع يكون للماء واللبن.\n\nقوله: (شربه وسقاه) مفعول سقاه الثاني محذوف، وقد جاء في رواية\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٥٩٠)، \"المعجم الوسيط\" (٢/ ٩٠٣).","vol":"8","page":525},{"text":"عند مسلم (سقاه الخادم أو أمر به فَصُبَّ) والمعنى: أنه إن بدا في طعمه بعض تغير ولم يشتد سقاه الخادم، وإن اشتد أمر به فأهريق، فتكون (أو) للتنويع حسب حال النبيذ (^١)، وأما القول بجواز شربه إذا اشتد، بدليل سقيه الخادم فهو مردود، إذ لا دليل على أنه بلغ حد الإسكار، وإنما بدا فيه بعض التغير؛ لأن المسكر لا يجوز سقيه الخادم كما لا يجوز شربه.\n\nقوله: (فإن فَضَلَ) بفتح الضاد من باب (قتل) بمعنى بقي، وفي لغة بكسر الضاد من باب (تعب).\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على جواز شرب النبيذ وهو الماء يلقى فيه التمر أو الزبيب ليحلو به الماء وتذهب ملوحته، بشرط ألا يصل إلى درجة الإسكار وإلا حرم. قال ابن القيم: (وهو يدخل في الغذاء والشراب، وله نفع عظيم في زيادة القوة وحفظ الصحة …) (^٢).\nوقد حدد فقهاء الحنابلة جواز شرب النبيذ ما لم يغل أو يمر عليه ثلاثة أيام، فإذا مضى عليه ثلاثة أيام حرم شربه، وصار بحكم الخمر (^٣)، مستدلين بهذا الحديث؛ لأن النبي - ﷺ - كان يشربه يومه والغد وبعد الغد، فإذا كان مساء اليوم الثالث شربه، فإن بقي منه شيء سقاه الخادم؛ ولأن الحكم يثبت بغلبة الظن، والنبيذ بعد ثلاث مظنة التغير.\nوالقول الثاني: أنه لا يحرم شرب العصير ما لم يغلِ ولو زاد على ثلاثة أيام، وهذا قول الجمهور، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو الخطاب (^٤)، وحمل كلام الإمام أحمد على عصير يتخمر في ثلاث غالبًا، لحديث بريدة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اشربوا في كل وعاءٍ غير أن لا تشربوا مسكرًا\" (^٥)؛ ولأن علة تحريمه الشدة المطربة، وهذا في المسكر خاصة، وهذا القول فيه\n_________\n(^١) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١٣/ ١٨٥).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٤/ ٢٣٧).\n(^٣) \"الإنصاف\" (١٠/ ٢٣٥).\n(^٤) \"الهداية\" (٢/ ١٠٨)، \"الشرح الكبير مع الإنصاف\" (٢٦/ ٤٣٥).\n(^٥) أخرجه مسلم (٣/ ١٥٨٤ - ١٥٨٥).","vol":"8","page":526},{"text":"وجاهة؛ لأن الأشربة يسرع إليها التخمر في بعض البلاد قبل غيرها، وكذا الأواني، فالبلاد الحارة ليست كالباردة، والآنية المفرَّغة من الهواء ليست كغيرها، وكذا ما يوضع في ثلاجة لا يفسد ولو مضى عليه مدة، ولعل هذا هو سبب اختلاف الأحاديث واختلاف الفقهاء، والضابط لذلك أن ما لم يصل إلى حد الإسكار باشتداده وغليانه فهو حلال، وما وصل فهو حرام؛ لأن علة التحريم: الشدة الحادثة، وهي توجد بوجود الغليان، قال النووي: (في هذه الأحاديث دلالة على جواز الانتباذ، وجواز شرب النبيذ ما دام حلوًا لم يتغير ولم يغل، وهذا جائز بإجماع الأمة) (^١).\nوهذا يدل على عناية الشريعة بهذا الجانب، حيث وضعت هذه الضوابط لضمان عدم تحول النبيذ أو العصير إلى مسكر، حسمًا لمادة قرب المسكر، سدًّا لذريعة الوصول إليه. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (١٣/ ١٨٥).","vol":"8","page":527},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1057>تحريم التداوي بالخمر</span>\n١٢٥٨/ ١١ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - عَن النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"إِنَّ الله لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيكُمْ\"، أَخْرَجَهُ الْبَيهَقيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n١٢٥٩/ ١٢ - وَعَنْ وَائِلٍ الْحَضْرَميِّ أن طَارقَ بْنَ سُوَيدٍ - ﵁ - سَأَل النَّبيَّ - ﷺ - عَنِ الْخَمْرِ يَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ فَقَال: \"إِنَّهَا لَيسَتْ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهَا دَاءٌ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيرُهُمَا.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجهما:\nحديث أم سلمة - ﵂ - رواه ابن حبان (٤/ ٢٣٣)، والبيهقي (١٠/ ٥) من طريق جرير، عن أبي إسحاق الشيباني، عن حسان بن مخارق، قال: قالت أم سلمة - ﵂ -: اشتكت ابنة لي، فنبذت لها في كوز، فدخل النبي - ﷺ - وهو يغلي، فقال: \"ما هذا؟! فقالت: إن ابنتي اشتكت فنبذنا لها هذا، فقال النبي - ﷺ -: \"إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم\".\nهذا لفظ ابن حبان، ولفظ البيهقي: \"فيما حرم عليكم\" وهو لفظ \"البلوغ\".\nوهذا الحديث رجاله ثقات معروفون، خلا حسان بن مخارق، فقد ترجمه البخاري في \"تاريخه\"، وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^١).\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٣٣)، \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٢٣٥)، \"الثقات\" (٤/ ١٦٤).","vol":"8","page":528},{"text":"وعليه فالرجل مجهول الحال.\nوله شاهد عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم).\nذكره البخاري تعليقًا (^١)، ووصله ابن أبي شيبة (٧/ ٣٨١) من طريق جرير، والطبراني في \"الكبير\" (٩/ ٤٠٣) من طريق الثوري كلاهما عن منصور، عن أبي وائل، عن ابن مسعود. قال الحافظ: (إسناده صحيح على شرط الشيخين) (^٢).\nوفي الباب ما رواه أبو داود (٣٨٧٤) من طريق إسماعيل بن عياش، عن ثعلبة بن مسلم، عن أبي عمران الأنصاري، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داءٍ دواء، فتداووا، ولا تتداووا بحرام\" وهذا سند ضعيف، وصفه الذهبي بأنه خبر منكر، وقال الحافظ عن ثعلبة: (مستور).\nوأما حديث وائل بن حجر فقد رواه مسلم في \"الأشربة\"، باب \"تحريم التداوي بالخمر\" (١٩٨٤)، وأبو داود (٣٨٧٣)، والترمذي (٢٠٤٧)، وابن ماجه (٣٥٠٠)، وأحمد (٣١/ ٨٣) كلهم من طريق سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه وائل الحضرمي أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي - ﷺ - عن الخمر … الحديث.\nوهذا لفظ مسلم إلا أنه عنده بتذكير الضميرين (إنه … ولكنه).\nولم يتضح لي غرض الحافظ من ذكر أبي داود مع مسلم، إلا إن كان غرضه بيان الاختلاف في السائل، فقد جاء عند أبي داود والترمذي طارق بن سويد أو سويد بن طارق، وقد ذكر ابن عبد البر (^٣)، وابن حجر (^٤) الاختلاف في اسمه، ونقل ابن حجر عن الترمذي وأبي زرعة وابن حبان وابن منده والبغوي أنه طارق بن سويد.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٧٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٧٩).\n(^٣) \"الاستيعاب\" (٥/ ٢١٢).\n(^٤) \"الإصابة\" (٥/ ٢١٢).","vol":"8","page":529},{"text":"* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (إن الله لم يجعل شفاءكم …) هذه الجملة تعليل لما تقدم من كون أم سلمة - ﵂ - عملت لابنتها نبيذًا وصل إلى درجة الغليان.\n\nقوله: (أن طارق بن سويد) مختلف في اسمه -كما تقدم- فقيل طارق بن سويد الحضرمي، كما جزم به أبو زرعة والترمذي وابن حبان والبغوي وآخرون، وقيل: سويد بن طارق، كما جزم به أبو حاتم وغيره، ويقال: الجعفي، له صحبة، حديثه عند أهل الكوفة.\n\nقوله: (يصفها للدواء) أي: للعلاج بها، ولفظ الترمذي (إنا لنتداوى بها).\n\nقوله: (لكنها داء) أي: ولكنها مرض. قال الخطابي: (إنما سماها داء لما في شربها من الإثم، وقد تستعمل لفظة \"الداء\" في الآفات والعيوب، ومساوئ الأخلاق) (^١).\n\n* الوجه الثالث: استدل بما ورد من الأحاديث جمهور العلماء من\nالحنفية والمالكية والحنابلة والصحيح عند الشافعية على أن التداوي بالخمر محرم (^٢)؛ لأن النبي - ﷺ - قد صرح بأن الخمر ليست بدواء، وهذا يدل على تحريم التداوي بها، بل بين - ﷺ - أنها داء، وإذا كانت داء لم يعقل أن يزال الداء بالداء.\nكما استدلوا بقوله تعالى؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: ٩٠].\nووجه الاستدلال من وجهين:\nالأول: أن الله تعالى بين أن الخمر رجس، وغير المحرم لا يوصف بذلك، فدل على تحريمها.\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (٥/ ٣٥٦).\n(^٢) \"المنتقى شرح الموطأ\" (٣/ ١٤١)، \"المغني\" (١٢/ ٥٠٠)، \"مغني المحتاج\" (٤/ ١٨٨)، \"حاشية ابن عابدين\" (٦/ ٤٧٨).","vol":"8","page":530},{"text":"الثاني: أنه أمر باجتنابها، وهذا أمر بالاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء بوجه من الوجوه لا بشرب ولا تداوٍ ولا تخليل ولا بيع. وفي اتخاذ الخمر دواء حض على الترغيب فيها وملابستها، وهذا ضد مقصود الشارع.\nوالقول الثاني: أنه يجوز التداوي بالخمر إذا تعينت علاجًا ولم يوجد غيرها، بشروط معتبرة (^١)، وهذا قول بعض الحنفية (^٢)، وهو أحد الوجهين عند الشافعية، ونسبه ابن العربي إلى ابن شهاب، وبه قال ابن حزم (^٣).\nواستدلوا على ذلك بأمر الرسول - ﷺ - العرنيين أن يشربوا من أبوال الإبل، كما في حديث أنس - ﵁ - الثابت في \"الصحيحين\" (^٤) قالوا: وأبوال الإبل نجسة، وهذا دليل على جواز التداوي بالنجس، ومنه الخمر.\nكما استدلوا بالقياس على إباحة المحرمات كالميتة للمضطر. وحملوا الأحاديث الناهية عن التداوي بالخمر على حالة التداوي بها من غير ضرورة ملجئة، كمن يظن نفعها ولو بإخبار طبيب، وعلى حالة الاختيار، كما إذا وجد غيرها من الحلال يقوم مقامها.\nوالصواب قول الجمهور؛ لوجود النص الدال على تحريم التداوي بالخمر؛ ولأن الإنسان يجد مندوحة عن التداوي بها ولا يقطع بنفعها، ثم إن في اتخاذها دواء مناقضة لمقصود الشارع كما تقدم.\nوأما الاستدلال بحديث العرنيين فهو مردود بعدم التسليم بنجاسة أبوال الإبل حتى يقال: إن الرسول - ﷺ - أمر بالتداوي بها، بل أبوال الإبل وأرواثها وكل ما يؤكل لحمه طاهرة، ولو سلمنا القول بنجاستها فالواجب الجمع بين العام وهو تحريم التداوي بالحرام وبين الخاص وهو الإذن بالتداوي بأبوال\n_________\n(^١) انظر: \"الاضطرار إلى الأطعمة والأدوية المحرمة\" ص (١٢٣).\n(^٢) نسب الحافظ في \"فتح الباري\" (١٠/ ٨٠) القول بالجواز إلى الحنفية، وهذا فيه نظر، وعلى إثره مشى الصنعاني، فإن جمهورهم على التحريم. انظر: \"بدائع الصنائع\" (٥/ ١١٣)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٧٨).\n(^٣) \"المحلى\" (١١/ ٣٧١)، \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٥٢)، \"المجموع\" (٩/ ٥١).\n(^٤) رواه البخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١).","vol":"8","page":531},{"text":"الإبل، فيقال: يحرم التداوي بكل حرام إلا أبوال الإبل (^١).\nوأما الاستدلال بالقياس فهو قياس فاسد الاعتبار؛ لمخالفته النص الصريح في تحريم التداوي بالخمر، ثم إن المحرمات التي أباحها الشارع للضرورة يعلم قطعًا أثرها في إنقاذ حياة الإنسان كالميتة للمضطر، بخلاف التداوي بالخمر فإنه لا يقطع بزوال المرض بها.\n\n* الوجه الرابع:\nطلبت من بعض المتخصصين في صناعة وتحليل الأدوية في إحدى الشركات الدوائية الإفادة عن موضوع الكحول المستعمل في صناعة الأدوية، فأفادَ -جزاه الله خيرًا- بما يلي:\nتطلق لفظة الكحول على الكحول (الإيثيلي) وهي مادة سائلة عديمة اللون، لها رائحة مميزة، وتتطاير بسرعة.\nوللكحول استعمالات كثيرة وبتركيزات مختلفة في صناعة الدواء، نذكر منها:\nأولًا: الأشربة:\n١ - مادة مذيبة للمواد الفعالة الداخلة في تركيب بعض الأدوية والتي لا تذوب في الماء بصورة أساسية.\n٢ - سائل مذيب لمكسبات الطعم والرائحة المضافة إلى الأدوية.\nوهنا يبقى الكحول كأحد مكونات الدواء بنسبة متدنية.\nثانيًا: صناعة الأقراص:\nيستعمل كمذيب لبعض المواد الفعالة، لكي يسهل توزيعها بشكل متجانس مع المواد المضافة الأخرى لتكوين دواء فعال.\nويتم التخلص من الكحول بتبخيره عن طريق التسخين لفترات محددة،\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (٨/ ٢١١).","vol":"8","page":532},{"text":"وبذلك لا يكون الكحول كأحد مكونات الدواء.\nثالثًا: المرهم والكريمات:\nيستعمل كمذيب لبعض المواد الفعالة أو مكسبات الرائحة، لكي يتم توزيعها بشكل متجانس مع المواد المضافة الأخرى.\nوهنا يبقى الكحول كأحد مكونات الدواء بنسبة متدنية.\nرابعًا: الحُقَن:\nيستعمل كمذيب لبعض المواد الفعالة، لكي يتم توزيعها بشكل متجانس مع المواد المضافة الأخرى، وهنا يبقى الكحول كأحد مكونات الدواء بنسبة متدنية.\nخامسًا: المطهرات:\n١ - مادة مذيبة لبعض المواد الفعالة في الدواء التي لا تذوب في الماء بصورة أساسية.\n٢ - سائل مذيب لمكسبات الطعم والرائحة.\nوهنا يبقى الكحول كأحد مكونات الدواء بنسبة متدنية.\nويستخدم الكحول -أيضًا- لتعقيم وتطهير الآلات والأجهزة، وهنا لا يكون الكحول كأحد مكونات الدواء ويتطاير.\nهذا وقد قرر مجلس المجمع الفقهي في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في المدة من ٢١ - ٢٦/ ١٠ / ١٤٢٢ هـ جواز استعمال الأدوية المشتملة على الكحول بنسب مستهلكة، تقتضيها الصناعة الدوائية التي لا بديل عنها، بشرط أن يصفها طبيب عدل، كما يجوز استعمال الكحول مطهرًا خارجيًّا للجروح، وقاتلًا للجراثيم، وفي الكريمات والدهون الخارجية. والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":533},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1058>باب التعزير وحكم الصائل</span>\nالتعزير لغة: مصدر عزره يعزره تعزيرًا: إذا منعه ورده وأدبه، أو أعانه وقواه ونصره، فهو من ألفاظ الأضداد.\nوشرعًا: التأديب على معصية لا حد فيها ولا كفارة.\nوذلك كالخلوة بالمرأة الأجنبية، أو التخلف عن صلاة الجماعة، أو الفطر في رمضان لغير عذر، أو سرقة ما لا قطع فيه، أو شهادة الزور، أو الرشوة، وغير ذلك من الأفعال المخالفة للشريعة الإسلامية التي لم يرد فيها حد ولا كفارة.\n\nوقولنا: (لا حد فيه) يخرج ما فيه حَدٌّ كالزنا والسرقة ونحوهما.\n\nوقولنا: (ولا كفارة) كالجماع في رمضان، أو في حال الإحرام.\nوقد وقع بعض علماء اللغة كصاحب \"القاموس\" (^١) في وهم في هذا الموضع، حيث ذكروا أن التعزير يطلق على الضرب بما دون الحد المقدر، ولا ريب أن هذا وضع شرعي لا لغوي، يجمعهما حقيقة التأديب لغة كما تقدم، ويفترقان في القيد الشرعي وهو قوله: (بما دون الحد المقدر) لأنه قبل ورود الشرع ليس فيه حدود مقدرة.\nوقد يعتذر عنه بأنه لم يلتزم الألفاظ اللغوية، بل يذكر المنقولات الشرعية تكثيرًا للفوائد (^٢).\nوسلم من هذا الوهم الجوهري حيث قال: (التعزير: التأديب، ومنه\n_________\n(^١) \"ترتيب القاموس\" (٣/ ٢١٤).\n(^٢) راجع: \"حاشية ابن عابدين\" (٤/ ٦٤)، \"التعزيرات في الإسلام\" ص (٩).","vol":"8","page":534},{"text":"سمي الضرب دون الحد تعزيرًا) (^١). فأشار إلى أن هذه الحقيقة الشرعية منقولة عن اللغوية بزيادة قيد.\nوالحد يخالف التعزير في عشرة أمور، ذكرها القرافي وابن عابدين، ومنها:\n١ - أن الحد مقدر، والتعزير غير مقدر.\n٢ - أن الحد لا تجوز فيه الشفاعة، والتعزير تجوز فيه الشفاعة.\n٣ - أن الناس أمام الحدود سواء، بخلاف التعزير، فتعزير ذوي الهيئات أخف، كما سيأتي.\n٤ - أن الحد لا بد أن يكون في معصية، بخلاف التعزير، فقد لا يكون في معصية كتأديب الأولاد والطلاب ونحو ذلك (^٢).\nوهل هناك فرق بين التعزير والتأديب، قيل: بالفرق، وهو أن التعزير بسبب المعصية، والتأديب أعم منه، كما تقدم في تأديب الولد والطالب، قال البخاري: بابٌ (كم التعزير والأدب؟).\nوقيل: لا فرق، وهو ما جرى عليه الجوهري في \"صحاحه\" وغيره حيث قال: (التعزير: التأديب).\nوالصائل: اسم فاعل من صال يصول صولًا: إذا سطا ووثب، فالصائل على شيء: القاصد الوثوب عليه، والمراد هنا: من سطا عاديًا على غيره، يريد نفسه أو عرضه أو ماله، سواء كان الصائل آدميًّا أو بهيمة.\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (٢/ ٧٤٤)، \"معجم متن اللغة\" (٤/ ٩٢)، \"الحدود والتعزيرات عند ابن القيم\" ص (٤٥٨).\n(^٢) \"الفروق\" للقرافي (٤/ ٢٠٤)، \"حاشية ابن عابدين\" (٤/ ٦٤).","vol":"8","page":535},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1059>مشروعية التعزير ومقداره</span>\n١٢٦٠/ ١ - عَنْ أَبي بُرْدَةَ الأَنْصَارِيِّ - ﵁ -؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو بُردة بن نيار -بكسر النون بعدها تحتانية مخففة- واسمه هانئ بن نيار بن عمرو البلوي الأنصاري، شهد بيعة العقبة الثانية، وحضر بدرًا وما بعدها، وكانت معه راية بني حارثة يوم الفتح، وشهد مع علي حروبه كلها، مات سنة خمس وأربعين - ﵁ - (^١).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الحدود\"، بابٌ \"كم التعزير والأدب؟ \" (٦٨٤٨)، من طريق الليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبي بردة - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - يقول: \"لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله\". ورواه البخاري -أيضًا- (٦٨٥٠)، ومسلم (١٧٠٨) من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو، أن بكيرًا حدثه قال: بينما أنا جالس عند سليمان بن يسار إذ جاء عبد الرحمن بن جابر، فحدث سليمان بن يسار، ثم أقبل علينا سليمان بن يسار فقال: حدثني عبد الرحمن بن جابر، أن أباه حدثه أنه سمع أبا بردة الأنصاري قال: … وذكر الحديث.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١١/ ١٤٥)، \"الإصابة\" (١١/ ٣٤).","vol":"8","page":536},{"text":"وقد ذكر الدارقطني هذا الاختلاف في \"العلل\" (٦/ ٢٠٢) ورجح رواية الليث ومن تابعه في عدم ذكر لفظة (أباه)، وفي \"التتبع\" رجح رواية عمرو بن الحارث بزيادة هذه اللفظة، فقال: (وقول عمرو صحيح) (^١).\nوقد ذكر الحافظ أن هذا الاختلاف لا يقدح في صحة الحديث، فيحتمل أن عبد الرحمن سمع أبا بردة لما حدث به أباه، وثبته فيه أبوه، فحدث به تارة بواسطة أبيه، وتارة بغير واسطة (^٢).\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا يجلد) روي بفتح الياء مبنيًّا للمعلوم، وبضمها مبنيًّا لما لم يسم فاعله؛ أي: لا يجلد أحد، وروي مجزومًا على النهي، ومرفوعًا على النفي، وهو أبلغ من النهي، ويؤيد الأول رواية عند البخاري: \"لا تجلدوا\" (^٣).\n\nقوله: (فوق عشرة أسواط) في رواية البخاري: \"فوق عشر ضربات\"، وفي رواية: \"فوق عشر جلدات\". والسوط: ما يضرب به من جلد، سواء أكان مظفورًا أم لم يكن (^٤).\n\nقوله: (إلا في حد من حدود الله) اختلف في معناه على قولين:\nالأول: أن المراد بحدود الله: محارمه من ترك واجب أو فعل محرم، وهذا تفسير ابن تيمية، ونسبه لطائفة من أهل العلم، وبه قال ابن القيم، وقالوا: إن الحديث في التأديب للمصالح كتأديب الأب ابنه، والمعلم صبيه، والمعنى: لا يجلد أحد أكثر من عشرة أسواط إلا أن يكون الجلد في محارم الله تعالى، وإطلاق الحد على محارم الله وارد في القرآن، قال تعالى في الواجباب: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال تعالى في المحرمات: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧].\n_________\n(^١) \"التتبع\" ص (٢٢٦)، وانظر: \"علل ابن أبي حاتم\" (١٣٥٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٧٧).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٦٨٥٠).\n(^٤) \"اللسان\" (٧/ ٣٢٥) مادة: سوط، \"المعجم الوسيط\" ص (٤٦٣).","vol":"8","page":537},{"text":"الثاني: أن المراد بحدود الله تعالى ما ورد عن الشارع فيه حد مقدر بعدد مخصوص، كحد الزنا والقذف وغيرهما، أخذًا بظاهر اللفظ، واستدل هذا القائل بأنه ورد إطلاق الحدود على العقوبات المقدرة، كقول عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -: (أخف الحدود ثمانون).\n\n* الوجه الرابع: ظاهر الحديث دليل على أنه لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط؛ لأن الحديث ورد بصيغة القصر التي طريقها النفي والاستثناء، وهذا من أبلغ طرق القصر، وقد أخذ بهذا الحديث بعض أهل العلم بناءً على التفسير الثاني، كما تقدم.\n\n* الوجه الخامس: ليس لأقل التعزير حد مقدر، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، ذكر ذلك ابن القيم، ولم يذكر فيه خلافًا (^١). فقد يكتفى فيه بالضربة وباللوم والتوبيخ ونحو ذلك، كالهجر وترك السلام عليه؛ لأنه لو تقدر لكان حدًّا، والتقدير لا يكون إلا بنص من الشارع، يجب المصير إليه، ولا نص على أقل التعزير، فيكون مفوضًا إلى رأي الحاكم حسب المصلحة، لكن خالف في هذا القُدُوري من الحنفية (^٢)، فقدر أدنى التعزير بثلاث جلدات؛ لأن ما دونها لا يقع به الزجر (^٣).\nوأما أكثر التعزير ففيه أربعة أقوال:\nالقول الأول: أنه لا حد لأكثر التعزير، بل هو مفوض إلى رأي ولي الأمر بحسب ما يراه رادعًا وزاجرًا، هذا هو المعتمد في مذهب مالك، والوجه المقدم في مذهب الشافعي، واختاره أبو يوسف من الحنفية، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ عبد الرحمن بن سعدي، والشيخ عبد العزيز بن باز (^٤).\n_________\n(^١) \"الطرق الحكمية\" ص (٢٧٢).\n(^٢) المتوفى سنة (٤٢٨ هـ).\n(^٣) \"شرح فتح القدير\" (٥/ ١١٦).\n(^٤) \"جواهر الإكليل\" (٢/ ٢٩٦)، \"نهاية المحتاج\" (٨/ ٢٢)، \"شرح فتح القدير\" (٥/ ١١٥)، \"السياسة الشرعية\" ص (١٠٧)، \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٢٩، ١٠٩)، \"المختارات الجلية\" ص (١١٩).","vol":"8","page":538},{"text":"وهذا القول مؤيد بأمور ثلاثة:\n١ - أن هذا القول يتمشى مع ظاهر الحديث، ولا يحتاج معه إلى تأويل ولا إلى مخالفة ظاهره، أو ادعاء أن الإجماع منعقد على خلافه.\n٢ - أن هذا مؤيد بسنة الرسول - ﷺ - وعمل الخلفاء من بعده، كما يقول ابن تيمية ومن بعده ابن القيم، فقد شرع تعزير الشارب المدمن للخمر بالقتل في المرة الرابعة كما تقدم، وعزم - ﷺ - على تحريق البيوت على المتخلفين عن حضور الجماعة، وعزر بتضعيف الغرم على السارق لما لا قطع فيه كما تقدم، وجلد عمر - ﵁ - في الخمر ثمانين، إلى غير ذلك.\n٣ - أن هذا القول مناسب لنوعية الجريمة واختلاف الأشخاص والأزمان، فإن التعزير يختلف باختلاف هذه الأمور.\nوالقول الثاني: أنه لا يبلغ بالتعزير في معصية قدر الحد المقدر بها، فلا يبلغ بالتعزير على النظرة والخلوة والمباشرة حد الزنا، ولا على السرقة من غير حرز حد القطع، ولا على الشتم بدون القذف حد القذف، وهذا قول طائفة من أصحاب الشافعي، ورواية عن أحمد، حكاها ابن هبيرة وابن قدامة، واستحسن هذا القول ابن القيم في \"الطرق الحكمية\" وخالفه في موضع آخر منه (^١)، وفي بقية كتبه، كما تقدم.\nواستدلوا بحديث النعمان بن بشير - ﵁ - في الرجل الذي رُفع إليه وقد وقع على جارية امرأته، فقال: لأقضين فيك بقضاء رسول الله - ﷺ -، إن كانت أحلَّتها لك (^٢) جلدتُك مائة جلدة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة، فوجدوه قد أحلتها له، فجلده مائة (^٣).\n_________\n(^١) \"نهاية المحتاج\" (٨/ ٢٢)، \"الإفصاح\" (٢/ ٤١٢)، \"المغني\" (١٢/ ٥٢٤)، \"الطرق الحكمية\" ص (١١٨).\n(^٢) انظر: \"تحفة الأحوذي\" (٥/ ١٣).\n(^٣) رواه أبو داود (٤٤٥٨)، والترمذي (١٤٥١)، والنسائي (٦/ ١٢٤)، وابن ماجه (٢٥٥١)، وأحمد (٣٠/ ٣٤٦) من طريق قتادة، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، وهذا سند ضعيف، قتادة لم يسمع هذا الحديث من حبيب بن سالم، ثم إن فيه =","vol":"8","page":539},{"text":"فهذا تعزير جاء في حق محصن، وحدُّه الرجم.\nوالقول الثالث: أنه لا يبلغ التعزير أدنى الحدود إما أربعين أو ثمانين، وهذا قول كثير من أصحاب الشافعي، وأحمد وأبي حنيفة على خلاف بينهم هل الاعتبار بأدنى الحدود في حق الأحرار أو العبيد؟ (^١).\nواستدلوا بحديث النعمان بن بشير - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من بلغ حدًّا في غير حد فهو من المعتدين\" (^٢).\nوالقول الثاني والثالث يتفقان في جواز الزيادة ويختلفان في النهاية.\nوالقول الرابع: أنه لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط، وهذا هو المختار لدى جماعة من الشافعية، ورواية عن أحمد، حكاها الموفق، وابن القيم، واختاره الصنعاني، والشوكاني (^٣)، ودليلهم حديث الباب، وتقدم وجه دلالته.\nويبدو أن سبب هذا الخلاف اختلاف العلماء في دلالة هذا الحديث والمراد بحدود الله تعالى فيه.\nوالأظهر -والله أعلم- هو القول الأول، وهو أن التعزير لا يقدر بحد معين، لكن إن كان فيما فيه مقدر لم يُبلغ به ذلك المقدر، قال ابن تيمية: (وهذا أعدل الأقوال، وعليه دلت سنة رسول الله - ﷺ - وسنة خلفائه الراشدين) (^٤).\n_________\n= اضطرابًا، وقد ضعفه أبو حاتم والبخاري والترمذي والنسائي، وعلى فرض ثبوته فهو واقعة عين، فلا تفيد العموم في كل تعزير.\n(^١) انظر: \"شرح فتح القدير\" (٥/ ١١٥)، \"نهاية المحتاج\" (٨/ ٢٢)، \"المغني\" (١٢/ ٥٢٣).\n(^٢) رواه البيهقي (٨/ ٣٥٧) وقال: (والمحفوظ في هذا أنه مرسل) وهو حديث الضحاك بن مزاحم مات بعد المائة، قال عنه الحافظ: (صدوق كثير الإرسال) وليس من حديث النعمان.\n(^٣) \"المغني\" (١٢/ ٥٢٤)، \"فتح الباري\" (١٢/ ١٧٨)، \"سبل السلام\" (٤/ ٧٩)، \"نيل الأوطار\" (١٣/ ٣٩٦).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٢٨/ ٣٤٧).","vol":"8","page":540},{"text":"ويحمل حديث الباب على التأديب المصادر من غير الولاة في غير معصية؛ كتأديب الزوجة والولد والتلميذ ونحو ذلك، ويكون المراد بحدود الله: محارم الله. والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":541},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1060>التجاوز عن ذوي الهيئات بما دون الحد</span>\n١٢٦١/ ٢ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -؛ أَن النَّبيَّ - ﷺ - قَال: \"أَقِيلُوا ذَوي الْهَيئَاتِ عَثَرَاتِهمْ، إلا الْحُدُودَ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ وَالْبَيهَقيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الحدود\"، بابٌ \"في الحد يشفع فيه\" (٤٣٧٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦/ ٤٦٨)، وأحمد (٤٢/ ٣٠٠) والبيهقي (٨/ ٢٦٧) من طريق عبد الملك بن زيد المدني، عن محمد بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة -﵂-، به مرفوعًا.\nوهذا الحديث رجاله ثقات، غير عبد الملك بن زيد فهو متكلم فيه، قال النسائي: (لا بأس به)، ووثقه ابن حبان، ونقل ابن أبي حاتم عن ابن الجنيد أنه قال: (ضعيف الحديث)، وترجمه البخاري في \"تاريخه\" ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (^١).\nوقال ابن عدي: (هذا الحديث منكر بهذا الإسناد، لم يروه غير عبد الملك بن زيد) (^٢)، وقال العقيلي: (قد روي بغير هذا الإسناد، وفيه -أيضًا- لين، وليس فيه شيء يثبت) (^٣).\nوقد تابعه أبو بكر بن نافع العمري، عن محمد، به، وليس فيه عن أبيه. رواه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٤٦٥)، وابن حبان (١/ ٢٩٦) والعمري هذا ضعيف.\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٤١٣ - ٤١٤)، \"الجرح والتعديل\" (٥/ ٣٥٠)، \"الثقات\" (٧/ ٩٥).\n(^٢) \"الكامل\" (٥/ ٣٠٨).\n(^٣) \"الضعفاء\" (٢/ ٣٤٣).","vol":"8","page":542},{"text":"كما تابعه عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة، به، دون قوله: (إلا الحدود) رواه النسائي في \"الكبرى\" (٦/ ٤٦٨) وعبد الرحمن هذا مقبول، كما قال الحافظ.\nوللحديث متابعات أخرى لا تخلو من مقال: وقد ذكر الدارقطني في \"العلل\" (١٤/ ٤١٧) الاختلاف في حديث الباب.\nوله شاهد من حديث ابن مسعود - ﵁ - مرفوعًا بلفظ: \"أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم\" رواه الطبراني في \"الأوسط\" (٨/ ٢٧٦)، والخطيب في \"تاريخه\" (١٠/ ٨٥ - ٨٦)، من طريق عبد الله بن محمد الحنفي (^١)، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زِرٍّ، عن عبد الله - ﵁ - مرفوعًا. قال الدارقطني: (غريب من حديث عاصم عن زِرٍّ، تفرد به عبد الله بن محمد بن يزيد الحنفي، عن أبيه، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، ولم نكتبه إلا عن ابن مخلد) (^٢).\nوله شاهد -أيضًا- من حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: \"من أقال مسلمًا أقال الله عثرته\" وتقدم في \"البيوع\" إلا أنه حديث عام في جميع المسلمين وحديث الباب خاص.\nفمن نظر إلى هذه الاعتبارات حَسَّنَ الحديث، ومن هؤلاء الحافظ ابن حجر في أجوبته عن أحاديث \"مشكاة المصابيح\" (^٣)، وهنا سكت عنه، وقد يفهم منه تحسينه.\nوممن حسن الحديث -أيضًا- العلائي (^٤) والسهارنفوري (^٥) وتبعهم الألباني (^٦) ومن اعتمد على كلام الأئمة الكبار من المتقدمين أمثال ابن عدي والعقيلي وغيرهما حكم بضعفه، ولعل هذا هو المتعين.\n_________\n(^١) وقع في \"معجم الطبراني\": \"الجعفي \"وانظر: \"تهذيب الكمال\" (٢٧/ ٣٧).\n(^٢) \"أطراف الغرائب والأفراد\" (٢/ ١٠)، \"تاريخ بغداد\" (١٠/ ٨٦).\n(^٣) ص (١٧٩).\n(^٤) \"النقد الصحيح\" ص (٣٤).\n(^٥) \"بذل المجهود\" (١٧/ ٣١٤).\n(^٦) \"الصحيحة\" رقم (٦٣٨).","vol":"8","page":543},{"text":"الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أقيلوا) فعل أمر من الإقالة، المراد بها هنا: التجاوز وعدم المؤاخذة، وهذا أمر استحباب (^١).\nوالخطاب للأئمة الذين إليهم إقامة العقوبات على ذوي الجنايات، ويحتمل أن يكون المأمور هو المجني عليه أو أولياءه؛ لأن الجناية لما صدرت ممن ليست له عادة كان الأحسن بهم الصفح وترك حقوقهم فيها (^٢).\n\nقوله: (ذوي الهيئات) جمع هيئة، والهيئة: صورة الشيء وشكله وحالته، ويراد به: ذوو الهيئات الحسنة الذين يلزمون هيئة واحدة وسمتًا واحدًا، ولا تختلف هيئاتهم بالتنقل من هيئة إلى هيئة.\nوالمراد بهم: أهل المروءة والصلاح الذين لا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة، وهذا قول الشافعي، وقيل المراد بهم: ذوو الوجوه من الناس الذين لهم قيمة وقدر في المجتمع، وهذا قول ابن القيم (^٣)، ولا مانع من اعتبار المعنيين.\n\nقوله: (عثراتهم) جمع عشرة، وهي الزلة، والمراد بالعثرات: ما يتوجه فيه التعزير لإضاعة حق من حقوق الله تعالى، ومنها ما يطالب به من جهة العبد، والمراد هنا: إما الصغائر أو أول معصية يزل فيها مطيع، وهذا أقرب إلى المعنى اللغوي.\n\nقوله: (إلا الحدود) أي: ما يوجب الحد فلا إقالة فيه، وهذا استثناء منقطع.\n\n* الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على أنه ينبغي لولاة الأمر من المسلمين ومن يقوم مقامهم من القضاة أن يتسامحوا مع ذوي الهيئات\n_________\n(^١) \"عون المعبود\" (١٢/ ٣٨).\n(^٢) \"شرح الأدب المفرد\" (١/ ٥٥٣).\n(^٣) \"بدائع الفوائد\" (٣/ ١٣٩)، \"سبل السلام\" (٤/ ٨٠).","vol":"8","page":544},{"text":"الكريمة والنفوس الطيبة، والأخلاق المرضية الذين يندر أن يقع منهم الشر، فلا يؤاخذونهم، أو يخففوا عنهم بالنسبة إلى غيرهم.\n\n* الوجه الرابع: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على أن هذه المسامحة إنما هي في التعزيرات التي مرجعها إلى اجتهاد الحاكم، أما في حدود الله تعالى فلا بد من إقامتها على من صدرت منه مهما كانت حالته ومنزلته، كما مضى في \"الحدود\".\n\n* الوجه الخامس: استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن التعزير ليس بواجب كالحد؛ لأن الرسول - ﷺ - أمر بالعفو عن ذوي الهيئات، ولو كانت العقوبة واجبة كالحد لكان ذو الهيئة وغيره سواء (^١). لكن ذكر أهل العلم أن صاحب الحق إذا طلب حقه من الإمام لزم إجابته ولم يجز العفو، كسائر حقوق الآدميين. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (٦/ ٢١٣).","vol":"8","page":545},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1061>حكم من مات بالتعزير</span>\n١٢٦٢/ ٣ - عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَال: مَا كُنْتُ لأُقِيمَ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتُ فَأَجِدَ في نَفْسِي، إلَّا شَارِبَ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَينُهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الحدود\"، باب \"الضرب بالجريد والنعال\" (٦٧٧٨)، ومسلم (١٧٠٧) من طريق عمير بن سعد النخعي، قال: سمعت علي بن أبي طالب - ﵁ - يقول: (ما كنت لأقيم حدًّا على أحد فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله - ﷺ - لم يسنه) وهذا لفظ البخاري.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لأقيم) بنصب المضارع على تقدير أن الناصبة بعد اللام المكسورة، وهي لام الجحود، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].\n\nقوله: (فأجد في نفسي) بنصب المضارع -أيضًا-؛ لأنه في جواب النفي، والفعل أجد ماضيه وجد بمعنى حزن، والمعنى: فأتأسف وأحزن.\n\nقوله: (وديته) أي: أعطيت ديته.\n\nقوله: (لم يسنه) أي: لم يسن ولم يشرع فيه عددًا معينًا يكون حدًّا.\n\n* الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال إن الخمر ليس فيه حد مقدر من رسول الله - ﷺ - وإنما هو عقوبة تعزيرية مرجعها إلى اجتهاد الإمام؛","vol":"8","page":546},{"text":"لأن الرسول - ﷺ - أمران يضرب بالجريد والنعال وأطراف الثياب -كما تقدم- والضرب بمثل ذلك لا ينضبط بعدد معين، ولهذا قال علي - ﵁ -: (فإنه لو مات وديته)؛ لأنه إذا مات يخشى أن ضاربه قد زاد عليه في التعزير.\n\n* الوجه الرابع: نقل النووي الاتفاق على أن التالف بإقامة الحد عليه غير مضمون، فإذا وجب عليه الحد فجلده الإمام الحد الشرعي فلا ضمان عليه (^١)؛ لأن الحد عقوبة مأذون فيها شرعًا، وما ترتب على المأذون فيه فليس بمضمون، ولهذا قال الفقهاء: (من مات في حد فالحقُّ قَتَلَهُ) (^٢).\nوأما التالف بسبب التعزير ففيه قولان:\nالأول: أنه يضمنه الإمام، وهذا قول الشافعي، واستدلوا بحديث الباب.\nالثاني: أن التالف بالتعزير غير مضمون، وهو قول الجمهور؛ لأن التعزير عقوبة مشروعة للردع والزجر، فلم يضمن من تلف بها كالحد.\nوأجابوا عن قول علي - ﵁ - بأنه من باب الاحتياط، أو أنه خالفه غيره من الصحابة - ﵃ - فلم يوجبوا فيه شيئًا (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١١/ ٢٣٣).\n(^٢) \"المغني\" (١٢/ ٥٠٣).\n(^٣) \"المغني\" (١٢/ ٥٢٧).","vol":"8","page":547},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1062>ما جاء فيمن قتل دون ماله</span>\n١٢٦٣/ ٤ - عَنْ سَعِيدِ بن زيدٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهيدٌ\"، رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ وصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"السنة\" بابٌ \"في قتال اللصوص\" (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١)، والنسائي (٧/ ١١٦)، وابن ماجه (٢٥٨٠) من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن سعيد بن زيد - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد\".\nهذا لفظ الترمذي، ومثله النسائي بتقديم وتأخير، وبنحوه لأبي داود، أما ابن ماجه فعنده الجملة التي اقتصر عليها الحافظ في \"البلوغ\".\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).\nوهذا الحديث فيه أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، وثقه ابن معين وعبد الله بن أحمد، وقال أبو حاتم: (منكر الحديث) (^١)، وقال ابن القطان: (لا تعرف حاله) (^٢). وقال الحافظ في \"التقريب\": (مقبول).\nوله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو -﵄-، قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٩/ ٤٠٥).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٤/ ٣٥٣). وانظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ١٧٨).","vol":"8","page":548},{"text":"\"من قتل دون ماله فهو شهيد\" رواه البخاري (٢٤٨٠)، ومسلم (١٤١). وتقدم في باب \"قتال الجاني\"، ولعل الحافظ ذكر حديث سعيد بن زيد -هنا- لتقدم حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - هناك.\n\n* الوجه الثاني: في الحديث دليل على مشروعية دفاع الإنسان عن ماله، وجواز مقاتلة من أراد التعدي على المال، وأن من دافع عن ماله، وقُتل في هذه المدافعة فهو شهيد عند الله تعالى. وقد مضى تفصيل القول في هذه المسألة في الباب المذكور. والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":549},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1063>موقف المسلم من الفتن</span>\n١٢٦٤/ ٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ - ﵁ - قَال: سَمِعْتُ أَبي - ﵁ - يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"تَكُونُ فِتَنٌ، فَكُنْ فِيهَا عَبْدَ اللهِ الْمَقْتُولَ، وَلَا تَكُنْ الْقَاتِلَ\" أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيثَمَةَ وَالدَّارَقُطْنيُّ.\n١٢٦٥/ ٦ - وأَخْرَجَ أَحْمَدُ نَحْوَهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطةَ - ﵁ -.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عبد الله بن خباب بن الأرتِّ حليف بني زهرة، قيل: ولد على عهد النبي - ﷺ -، قال أبو نعيم: (أدرك النبي - ﷺ -، مختلف في صحبته، له رؤية، ولأبيه صحبة) (^١)، وقال العجلي: (ثقة من كبار التابعين)، روى عن أبيه، وعن أُبي بن كعب، قتل سنة سبع وثلاثين.\nوأما أبوه فهو خباب بن الأرت بن جندلة التميمي نسبًا، الخزاعي ولاءً، الزهري حِلْفًا، من نجباء السابقين إلى الإسلام، قال ابن عبد البر: (كان فاضلًا من المهاجرين الأولين)، شهد بدرًا وما بعدها، وكان من المستضعفين، وعذب عذابًا شديدًا لإسلامه، فصبر على دينه، كان يعمل السيوف في الجاهلية، ثبت ذلك في \"الصحيحين\"، روى عنه أبو أمامة وابنه عبد الله وآخرون، نزل الكوفة ومات بها سنة سبع وثلاثين (^٢) - ﵁ -.\n_________\n(^١) \"معرفة الصحابة\" (٣/ ١٣٢).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٣/ ١٨٠)، \"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٣٢٣)، \"الإصابة\" (٣/ ٧٦)، \"البداية والنهاية\" (١٠/ ٦٤٧).","vol":"8","page":550},{"text":"وأما خالد بن عرفطة -فهو بضم المهملة والفاء، بينهما راء ساكنة- بن أبرهة بن سنان الليثي، ويقال: العُذري، وهو الصحيح، ولاه سعد بن أبي وقاص القتال يوم القادسية، واستخلفه على الكوفة، وهو معدود من أهلها، روى عنه أبو عثمان النهدي، وعبد الله بن يسار، ومسلم مولاه وغيرهم، وعاش إلى سنة ستين، وقيل: إحدى وستين (^١) - ﵁ -.\n\n* الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث خباب - ﵁ - فقد رواه ابن أبي خيثمة في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٢ / ٩٥٢) من طريق عبد الله بن خباب أبي هلال، قال: نا حميد بن هلال قال: لما عبر الحرورية النهر انطلقوا إلى عبد الله بن خباب فقالوا: ما حدثك أبوك عن رسول الله - ﷺ - في الفتن؟ قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"تكون فتن، فكن فيها عبد الله المقتول ولا تكن القاتل\".\nورواه الدارقطني (٣/ ١٣٢) من طريق أيوب، عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي الأحوص، عنه، به، وفيه قصة الخوارج بالنهروان، ولفظه: \"تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الساعي … \".\nورواه أحمد (٣٤/ ٥٤٢ - ٥٤٣)، وأبو يعلى (٧٢١٥) من طريق أيوب، والطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٦٠ - ٦١) من طريق صالح بن رستم، كلاهما عن حميد بن هلال، عن رجل من عبد القيس كان مع الخوارج ثم فارقهم، قال: دخلوا قرية، فخرج عبد الله بن خباب ذَعِرًا يجر رداءه، فقالوا: لم تُرَعْ؟ قال: والله لقد رُعْتُموني، قالوا: أنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم، قالوا: فهل سمعت من أبيك حديثًا يحدثه عن رسول الله - ﷺ - تحدثناه؟ قال: نعم، سمعته يحدث عن رسول الله - ﷺ - أنه ذكر فتنة القاعدُ فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، قال: \"فإن أدركت ذاك فكن عبد الله المقتول\" قال أيوب: ولا أعلمه إلا قال: \"ولا تكن عبد الله القاتل\" قالوا: أنت سمعت هذا من أبيك يحدثه عن رسول الله - ﷺ -؟\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٣/ ١٧٥)، \"الإصابة\" (٣/ ٦٤).","vol":"8","page":551},{"text":"قال: نعم، قال: فقدموه على ضفة النهر، فضربوا عنقه، فسال دمه كأنه شراك فعل ما ابْذَقَرَّ (^١)، وبقروا أم ولده عما في بطنها.\nإسناد أحمد رجاله ثقات، وفيه من لم يسمَّ، وهو شيخ حميد بن هلال، ورواه عبد الرزاق (١٠/ ١١٨) عن معمر، أخبرني غير واحد من عبد القيس، عن حميد بن هلال، عن أبيه … فذكره.\nوأما حديث خالد بن عرفطة - ﵁ - فقد رواه أحمد (٣٧/ ١٧٧) من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان، عن خالد بن عرفطة - ﵁ - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"يا خالد إنها ستكون بعدي أحداث وفتن واختلاف، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل\".\nوهذا سند ضعيف، لضعف علي بن زيد، وهو ابن جدعان، ورواه الطبراني في \"الكبير\" (٢/ ١٧٧) من طريق عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، حدثني جندب بن سفيان. وذكر الحديث وفيه هذه الجملة.\nوعبد الحميد بن بهرام وشهر بن حوشب متكلم فيهما.\nومما ورد فيه هذا الباب حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماضي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد منها ملجأ أو معاذًا فليعُذ به\" رواه البخاري (٧٨٠١).\n\n* الوجه الثالث: في هذه الأحاديث دليل على وجوب ترك القتال عند ظهور الفتن، والتحذير من الدخول فيها، وعلى هذا جماعة من الصحابة - ﵃ - كعبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وأبي بكرة وأسامة بن زيد وأبي مسعود الأنصاري وأبي موسى وغيرهم، وتمسكوا بالأحاديث الصحيحة التي فيها الحث على اعتزال الفتن.\nثم اختلف هؤلاء فقالت طائفة بلزوم البيوت بحيث يعتزل الفتنة وأهلها وإن كان مقيمًا بين ظهراني الناس.\n_________\n(^١) على وزن اقشعر؛ أي: لم يتفرق دمه ولكنه سال مجتمعًا.","vol":"8","page":552},{"text":"وقالت طائفة بل التحول عن بلد الفتنة أصلًا، لتحصل له العزلة الكلية التامة عن الناس.\nوالقول الثاني: أنه إذا اتضح الأمر وتبين الظالم من المظلوم والمبطل من المحق وجب الوقوف مع الحق ومع المظلوم ضد من ظلمه، بدليل أن أكثر الصحابة - ﵃ - قاتلوا مع علي - ﵁ - ضد أهل الشام؛ لأنهم عرفوا الحق، وأن عليًّا - ﵁ - مظلوم ومبغي عليه، وأن معاوية - ﵁ - ومن معه بغوا عليه بشبهة المطالبة بقتلة عثمان - ﵁ -، فمعاوية وأصحابه بغاة، لكنهم مجتهدون، فلهم أجر الاجتهاد، وفاتهم أجر الصواب، وعلي - ﵁ - له أجر الاجتهاد وأجر الصواب (^١)، وقد تقدم شيء من ذلك في باب (قتال البغاة).\nوأما إذا خفي الأمر ولم يتضح الحق فإنه لا يقاتل، بل يعتزل ويبتعد عن الفتنة، وعلى هذا تحمل الأحاديث الواردة في هذا الباب، وتنزل على هذا التفصيل.\nويعجبني في هذا المقام قول الحافظ ابن حجر -﵀-: (والحقُّ حَمْلُ عَمَلِ كل أحد من الصحابة المذكورين على السداد، فمن لابس القتال اتضح له الدليل؛ لثبوت الأمر بقتال الفئة الباغية، وكانت له قدرة على ذلك، ومن قعد لم يتضح له أيّ الفئتين هي الباغية، وإذا لم يكن له قدرة على القتال) (^٢). والله تعالى أعلم.\nانتهى الجزء الثامن، ويليه -بعون الله وتوفيقه- الجزء التاسع، وأوله: \"كتاب الجهاد\"\n_________\n(^١) \"فتاوى ابن باز\" (٦/ ١١٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٢)، وقوله: (وإذا لم يكن له قدرة … إلخ) هكذا في \"الفتح\".","vol":"8","page":553},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1064>كتاب الجهاد</span>\nالجهاد في اللغة: مصدر جاهد يجاهد جهادًا ومجاهدة؛ أي: بالغ في قتل عدوه وغيره، وعلى كل تصاريفه فهو لغة: بذل الطاقة والوسع.\nوشرعًا: بذل الوسع في قتال الكفار (^١).\nوهو فرض كفاية إذا كان لدى المسلمين قدرة وقوة على القتال، فإذا قام به من يكفي سقط عن سائر الناس، وإلا أثم الكل؛ لأنه واجب في الجملة، وليس واجبًا على الأعيان، أما كونه واجبًا في الجملة فلقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]، وقوله - ﷺ -: \"من مات ولم يغز، ولم يُحدث نفسه بالغزو، مات على شُعبَةٍ من نفاقٍ\" (^٢)، وقد أجمع المسلمون على وجوبه في الجملة.\nوأما كونه ليس واجبًا على الأعيان فلقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، وقوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]، فأثبت للمجاهدين والقاعدين الأجر، ولو كان فرض عين لكان القاعد آثمًا؛ ولأن النبي - ﷺ - كان يبعث السرايا ويقيم هو وأصحابه، فإذا لم يجب في الجملة ولم يجب على الأعيان لزم كونه فرض كفاية.\nوأما قوله تعالى: ﴿إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩] فقد قيل: إنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافة﴾\n_________\n(^١) انظر: \"الدرّ النقي\" (٣/ ٧٦٥).\n(^٢) سيأتي تخريجه إن شاء الله.","vol":"9","page":5},{"text":"[التوبة: ١٢٢]، وهذا مروي عن ابن عباس - ﵄ - (^١). ويحتمل أنه أراد حينما استنفرهم النبي - ﷺ - إلى غزوة تبوك، ولذا هجر النبي - ﷺ - كعب بن مالك - ﵁ - ومن تخلف معه حتى تاب الله عليهم، وهذا مروي -أيضًا- عن ابن عباس -﵄-، ورجحه ابن جرير وابن كثير (^٢).\nوالجهاد في سبيل الله من أفضل الأعمال، وقد جاءت أدلة كثيرة من الكتاب والسنة في الأمر بالجهاد والحث عليه، وبيان فضله وعلو مرتبته في العبادات، وما أعَدَّ الله تعالى للمجاهدين في سبيله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة: ١١١].\nوعن أبي هريرة - ﵁ -: أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: دُلَّني على عملٍ يعدل الجهاد، قال: \"لا أجده\"، قال: \"هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ \"، قال: ومن يستطيع ذلك؟ (^٣).\nوعنه -أيضًا﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"إن في الجنة مائة درجة أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض … \" الحديث (^٤).\nوإنما كان الجهاد في سبيل الله بهذه الفضيلة والمرتبة؛ لما فيه من إعلاء كلمة الله، وحماية حوزة الإسلام، وإرهاب أعدائه، وبذل النفس والنفيس ابتغاء رضوان الله تعالى وثوابه، والقائم به بين إحدى الحُسنيين: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة، ومتى تحققت شروط الجهاد حصل به إعزازُ الدين، وتقوية شوكة المسلمين، وحِفْظُ ديارهم وأنفسهم وثرواتهم\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٥٠٥).\n(^٢) \"تفسير الطبري\" (١١/ ٢٥٥)، و\"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٩٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٧٨٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٧٩٠).","vol":"9","page":6},{"text":"ومناهجهم وأوضاعهم، وهو من أسباب تأليف القلوب، واجتماع الكلمة.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (من ترك الجهاد عذبه الله عذابًا أليمًا بالذل وغيره، ونزع الأمر منه فأعطاه لغيره، فإن هذا الدين لمن ذبَّ عنه، ومتى جاهدت الأمة عدوها ألَّف الله بين قلوبها، وإنْ تركت الجهاد شَغَلَ بعضَها ببعض) (^١).\nوقال -أيضًا-: (إذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة حتى تقع بينهم الفتنة كما هو الواقع؛ فإن الناس إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله جمع الله قلوبهم وألَّف بينهم، وجعل بأسهم على عدو الله وعدوهم، وإذا لم ينفروا في سبيل الله عذَّبهم الله بأن يلبسهم شيعًا، ويذيق بعضهم بأس بعض) (^٢).\nلذا يجب على أهل الإسلام أن تَعلُوَ همتهم، وأن يشمِّروا إلى الجهاد في سبيل الله، متى كانوا قادرين عليه، وما ضعف المسلمون وتسلط عليهم الأعداء إلا بتركهم الجهاد، وإخلادهم إلى الراحة، وحبهم للدنيا، وطاعة أعدائهم في تغيير الأفكار، وعدم التسلح، والله المستعان.\n_________\n(^١) \"جامع المسائل\" لابن تيمية (٥/ ٣٠٠).\n(^٢) \"مجموع الفتاوى\" (١٥/ ٤٤).","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1066>وجوب الجهاد في سبيل الله والعزم عليه</span>\n١٢٦٦/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَن مَاتَ وَلَم يغْزُ وَلَم يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بهِ مَاتَ عَلَى شُعبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ\"، رَوَاهُ مُسْلمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في تخريجه:\n\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الإمارة\"،<span data-type='title' id=toc-1065> باب </span>(ذم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو) (١٩١٠) من طريق عبد الله بن المبارك، عن وهيب المكي، عن عمر بن محمد بن المنكدر، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nالوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ولم يغز) أي: لم يباشر القتال في سبيل الله، وهو مضارع غزا يغزو غزوًا، واسم الفاعل: غازِ، وجمعه غُزاة وغُزَّى كقضاة ورُكَّع، وأصل الغزو: القصد والطلب. والغزو: قصد جهاد العدو ومقاتلته (^١).\n\nقوله: (ولم يحدث نفسه به) أي: ولم ينو الغزو بأن يعزم عليه ويستعدَّ له.\n\nقوله: (مات على شُعبة من نفاق) بضم الشين المعجمة؛ أي: خصلة من خصال النفاق.\n\nالوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب الجهاد في سبيل الله\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٤٤٧)، و\"معجم لغة الفقهاء\" ص (٣٣١).","vol":"9","page":8},{"text":"تعالى، وأن الواجب على المؤمن أن يُعِدَّ نفسه وألا يرهب الجهاد في سبيل الله، وأن يستشعره دائمًا في قرارة نفسه، ولا يغفل عنه، وقد ذكر علماء الأصول أن الواجب المطلق كالجهاد يجب العزم على فعله عند إمكانه، وأن الواجب المؤقت يجب العزم على فعله عند دخول وقته، مثل الصلوات الخمس، وصيام رمضان، وغير ذلك (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الجهاد وإن كان فرضًا على الكفاية، فجميع المؤمنين يخاطبون به ابتداءً، فعليهم كلهم اعتقاد وجوبه، والعزم على فعله إذا تعيّن، ولهذا قال النبي - ﷺ -: \"من مات ولم يغز … \"، فأخبر أنه من لم يَهُمَّ به كان على شعبة نفاق، وأيضًا فالجهاد جنس تحته أنوع متعددة، ولا بد أن يجب على المؤمن نوع من أنواعه) (^٢).\n\nالوجه الرابع: في الحديث دليل على أن ترك الجهاد والغفلة عنه نوع من النفاق، وقد ذكر الإمام مسلم إثر رواية الحديث عن عبد الله بن المبارك أنه قال: (فنُرى أن ذلك كان على عهد رسول الله - ﷺ -)، قال القاضي عياض: (حيث كان الجهاد واجبًا) وحَمَلَهُ على النفاق الحقيقي، ثم قال: (وقد يحتمل أنه على العموم، ويكون معنى هذا: أنه تَشَبَّه باخلاق المنافقين التي منها التخلف عن الجهاد، وهو أحد شعب النفاق وأخلاق المنافقين)، ونقله عنه النووي، وأقره (^٣).\nقال القرطبي: (فيه ما يدل على أن من لم يتمكن من عمل الخير فينبغي له أن يعزم على فعله إذا تمكن منه وأن ينويه، فيكون ذلك بدلًا من فعله في تلك الحال، فأما إذا أخلى نفسه عن ذلك العمل ظاهرًا وباطنًا عن نيته، فذلك حال المنافق الذي لا يعمل الخير، ولا ينويه، وخصوصًا الجهاد …) (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الحكم التكليفي \"ص (١١٠).\n(^٢) \"الإيمان\" ص (١٢).\n(^٣) \"الإكمال\" (٦/ ٣٣٥)، \"شرح النووي\" (١٣/ ٦٠).\n(^٤) \"المفهم\" (٣/ ٧٥٠).","vol":"9","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1067>وجوب الجهاد بالمال والنفس واللسان</span>\n١٢٦٧/ ٢ - عَنْ أنس - ﵁ - أَنَّ النبي - ﷺ - قَال: \"جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بأموَالِكُم وَأنفُسِكم وَألسِنَتِكم\"، رَواهُ أَحمَدُ وَالنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (١٩/ ٢٧٢)، وأبو داود في كتاب \"الجهاد\"، باب (كراهية ترك الغزو) (٢٥٠٤)، والنسائي (٦/ ٧)، والحاكم (٢/ ٨١) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس - ﵁ - به مرفوعًا.\nولفظه عند النسائي: \"جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم\".\nوالحديث رجاله ثقات، أخرج لهم الشيخان، إلا حماد بن سلمة فهو من رجال مسلم، ولذا قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، وقال ابن عبد الهادي: (إسناده على رسم مسلم) (^١).\n\nالوجه الثاني: في الحديث دليل على تنوع الجهاد وأن الفرصة متاحة أمام جميع المؤمنين للمشاركة في الجهاد والظفر بفضله وما أعده الله تعالى للمجاهدين في سبيله.\n\n* الوجه الثالث: أن الجهاد يكون بالمال، وذلك ببذله في سبيل الله تعالى من شراء السلاح وتجهيز الغزاة، ونحو ذلك، وقد حكى شيخ الإسلام\n_________\n(^١) \"المحرر\" (٧٨٤).","vol":"9","page":10},{"text":"ابن تيمية وابن القيم قولين في وجوب الجهاد بالمال، وهما روايتان عن الإِمام أحمد، قال ابن القيم: (الصحيح وجوبه، لأن الأمر بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء) (^١).\nوقد جاء في القرآن تقديم الأموال على الأنفس في جميع الآيات التي جاء فيها الأمر بالجهاد والترغيب فيه، قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [التوبة: ٢٠] إلا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ﴾ [التوبة: ١١١]-كما سيأتي- وسر تقديم الأموال على الأنفس -والله أعلم- أن المال محبوب للنفس تبذل طاقتها في تحصيله وجمعه، فإذا بذلته في سبيل الله دلَّ ذلك على قوة الإيمان، وكمال الإخلاص (^٢)، ثم إن المال له نفع عظيم في الجملة، لكونه يستعان به في أمور كثيرة، ولهذا فإن شيخ الإِسلام ابن تيمية لما فاضل بين عثمان وعلي - ﵄ - ذكر من مرجحات تفضيل عثمان - ﵁ - أنه أفضل جهادًا بماله (^٣).\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الجهاد يكون بالنفس، وذلك ببذلها في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ﴾، وفي هذه الآية جاء تقديم الأنفس على الأموال؛ وذلك -والله أعلم- لأنها هي المشتراة في الحقيقة، وهي مورد العقد، وهي السلعة التي استامها ربها وطلب شراءها لنفسه، وجعل الجنة ثمنًا لها، بحيث إذا بذلها المؤمنون فيه استحقوا الثمن، فكانت هي المقصودة بعقد الشراء، والأموال تبع لها، وفي هذا دليل بيَّن على عظم شأن الجهاد بالنفس في سبيل الله (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"الفتاوى\" (٢٨/ ٨٧)، \"جامع المسائل\" (٥/ ٢٩٨)، \"زاد المعاد\" (٥/ ٧٢، ٥٥٨)، \"بدائع الفوائد\" (١/ ٧٧).\n(^٢) انظر: \"بدائع الفوائد\" (١/ ٧٨).\n(^٣) انظر: \"منهاج السنة\" (٨/ ٢٢٩).\n(^٤) انظر: \"بدائع الفوائد\" (١/ ٧٨)، \"حادي الأرواح\" ص (٥٤ - ٥٥).","vol":"9","page":11},{"text":"° الوجه الخامس: أن الجهاد يكون باللسان وذلك بالدعوة إلى الله تعالى وبيان حقيقة هذا الدين، والذب عنه، والدعوة إليه، وذم الكفار وما هم عليه، وإقامة الحجة على ضلالهم وبطلان أعمالهم، ولا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه المواقع وتعددت القنوات التي تبث الشبه ضد الإِسلام وأهله، والواجب على من قدر على منازلة هؤلاء أن يبادر، وأن يجاهدهم، خصوصًا وأن المتمكنين من هذا النوع من الجهاد قلائل.\nيقول شيخ الإِسلام ابن تيمية: (فمعلوم أن الجهاد منه ما يكون بالقتال باليد، ومنه ما يكون بالحجة والبيان والدعوة. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥١، ٥٢] فأمر الله ﷾ أن يجاهد الكفار بالقرآن جهادًا كبيرًا، وهذه السورة مكية نزلت بمكة قبل أن يهاجر النبي - ﷺ -، وقبل أن يؤمر بالقتال، ولم يؤذن له، وإنما كان هذا الجهاد بالعلم والقلب والبيان والدعوة لا بالقتال) (^١).\nويقول ابن القيم: (إن الدعوة إلى الله ورسوله جهاد بالقلب وباللسان، وقد يكون أفضل من الجهاد باليد) (^٢).\nوقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (ومن أعظم الجهاد سلوك طريق التعلم والتعليم، فإن الاشتغال بذلك لمن صحَّت نيته لا يوازيه عمل من الأعمال، لما فيه من إحياء العلم والدين، وإرشاد الجاهلين، والدعوة إلى الخير، والنهي عن الشر، والخير الكثير الذي لا يستغني العباد عنه) (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"منهاج السنة\" (٨/ ٨٦).\n(^٢) \"أحكام أهل الذمة\" (٢/ ٧٢٩).\n(^٣) \"الفتاوى السعدية\" ص (٤٥).","vol":"9","page":12},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1068>ما جاء في أن الجهاد لا يجب على المرأة</span>\n١٢٦٨/ ٣ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَاد؟ قَال: \"نَعَمْ، جِهَاد لَا قِتَال فِيهِ، الْحَجُّ والْعُمْرَةُ\"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَصْلُهُ في الْبُخَارِيِّ.\n\n° الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث تقدم في كتاب \"الحج\" برقم (٧٠٩)، وقد عزاه هناك إلى أحمد وابن ماجه، واقتصر في عزوه هنا على ابن ماجه، وهو من طريق محمَّد بن فضيل، قال: حدثنا حبيب بن أبي عمرة، عن عائشة ابنة طلحة، عن عائشة أم المؤمنين - ﵂ -. والحديث إسناده صحيح، وقد تقدم هناك أن الراجح في لفظة (العمرة) أنها شاذة؛ لتفرد محمَّد بن فضيل بها. والحديث أصله في البخاري (١٥٢٠) من طريق خالد الواسطي، أخبرنا حبيب به. لكن لفظ البخاري ليس فيه ذكر (العمرة)، فليرجع إلى تخريجه.\n\n° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن الجهاد غير واجب على المرأة، وأن الثواب المرتب على الجهاد يحصل للمرأة بالحج والعمرة، وذلك لأن المرأة فتنة، وهي مأمورة بالستر والسكون، والجهاد ينافي ذلك، إذ فيه الكر والفر ومخالطة الأقران والمبارزة ورفع الصوت، والرجال أقدر من النساء على ذلك كله.\nأما جواز الجهاد لهن فليس في حديث الباب ما يدل على عدم جوازه، والبخاري بَوَّبَ في كتاب \"الجهاد\" من \"صحيحه\" بقوله: (باب غزو النساء","vol":"9","page":13},{"text":"وقتالهن مع الرجال) (^١).\nوقد ورد ما يدل على أن جهادهن إذا حضرن مواقف القتال سَقْيُ الماء ومداواة الجرحى ومناولة السهام، كما في حديث الربيِّع بنت معوذ - ﵄ - قالت: (كنا نغزو مع رسول الله - ﷺ - فنسقي القوم، ونخدمهم، ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة) (^٢)، وفي رواية: (ونداوي الجرحى)، قال البغوي: (في الحديث دليل على جواز الخروج بالنساء في الغزو لنوع من الرفق والخدمة، فإن خاف عليهن لكثرة العدو وقوتهم، أو خاف فتنتهن لجمالهن، وحداثة أسنانهن، فلا يخرج بهن، وقد روي عن النبي - ﷺ - أن نسوة خرجن معه فأمر بردهن، فيشبه أن يكون رَدُّهُ إياهن لأحد هذين المعنيين) (^٣). وروى مسلم عن أنس - ﵁ - أن أم سُليم اتخذت يوم حُنين خنجرًا فكان معها، فرآها أبو طلحة فقال: يا رسول الله، هذه أم سليم معها خنجر، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما هذا الخنجر؟ \"، قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه، فجعل رسول الله - ﷺ - يضحك … الحديث (^٤).\nومما يدل على عدم وجوب الجهاد على النساء أنه لم يكن يُسهَم لهن في الغنيمة، وإنما يُرضخ لهن بدون سهم، وقد روى مسلم عن ابن عباس - ﵄ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يغزو بالنساء، فيُداوين الجرحى، ويُحْذَينَ من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن (^٥).\nوأما ما يطالب به بعض دعاة المرأة من مشاركتها في الحروب ووجودها في ميادين القتال، فهذا ليس عليه دليل، وفيه مصادمة للنصوص الشرعية، ومنابذة للآداب الإِسلامية، وفيه من التبعات الخطيرة والعواقب الوخيمة ما لا يعلمه إلا الله، وقد نادى بالتحذير منه عقلاء الكتَّاب والدعاة المخلصون، وليس في الرجال قلة تدعو إلى مشاركة المرأة في هذا المجال، ولكن القصد منه إخراج المرأة من بيتها والقضاء على عفتها ونزاهتها، وهدم المجتمع، وتقويض بنيان الفضيلة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٧٨).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٢٨٨٣).\n(^٣) \"شرح السنة\" (١١/ ١٣ - ١٤).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (١٨٠٩).\n(^٥) \"صحيح مسلم\" (١٨٢٢).","vol":"9","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1069>حكم الجهاد مع وجود الأبوين</span>\n١٢٦٩/ ٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - يَسْتَأذِنُه في الْجِهَادِ. فَقَال: \"أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ \"، قَال: نَعَمْ، قال: \"فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n١٢٧٠/ ٥ - وَلأَحْمَدَ وَأَبي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبي سَعِيدٍ نَحْوُهُ، وَزَادَ: \"ارْجع فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإنْ أَذِنَا لَكَ، وَإِلا فَبِرَّهُمَا\".\n\n° الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأولى: في تخريجهما:\nأما حديث عبد الله بن عَمْرٍو -﵄-، فقد رواه البخاري في كتاب \"الجهاد\"، باب (الجهاد بإذن الأبوين) (٣٠٠٤)، ومسلم (٥٤٩) من طريق أبي العباس الشاعر (^١) -وكان لا يُتهم في حديثه- قال: سمعت عبد الله بن عمرٍو - ﵄ - يقول: … وذكر الحديث.\nوأما حديث أبي سعيد - ﵁ -، فقد رواه أحمد (١٨/ ٢٤٨)، وأبو داود في كتاب \"الجهاد\"، باب (في الرجل يغزو وأبواه كارهان) (٢٥٣٠) من طريق درَّاج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رجلًا هاجر إلى رسول الله - ﷺ - من اليمن، فقال: \"هل لك أحد باليمن؟ \"، قال: أبواي، قال: \"أذنا لك؟ \"، قال: لا، قال: \"ارجع إليهما فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبِرَّهما\".\n_________\n(^١) أبو العباس الشاعر قال عنه مسلم: اسمه السائب بن فروخ الأعمى. [انظر: \"الكنى والأسماء\" للإمام مسلم (١/ ٦٠٩)].","vol":"9","page":15},{"text":"وهذا سند ضعيف، فيه دراج أبو السمح، وهو متكلم فيه، والأكثرون على تضعيفه، وهو ضعيف في روايته عن أبي الهيثم، وهو سليمان بن عمرو العُتْواري، حكى ابن عدي عن الإِمام أحمد أنه قال: (أحاديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فيها ضعف)، ومثله قال أبو داود (^١)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، وتعقبه الذهبي فقال: (دراج: واهٍ)، لكن الحديث له شواهد يتقوَّى بها، منها حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - الذي قبله.\nولعل الحافظ ذكر حديث أبي سعيد بعد حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - لما فيه من الأمر بالرجوع واستئذان الوالدين، وهذا لم يدل عليه الحديث الأول.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (أحي والداك) الوصف (حتى) مبتدأ لاعتماده على الاستفهام، وما بعده فاعل سد مسد الخبر.\n\nقوله: (ففيهما فجاهد) الجار والمجرور متعلق بالفعل بعده، وقدم لإفادة الاختصاص، والفاء الأولى واقعة في جواب شرط مقدر، والثانية جزائية لتضمن الكلام معنى الشرط، والتقدير: ولو كان الأمر كما قلت فاخصص المجاهدة بخدمة الوالدين، فحذف الشرط، وعَوَّضَ عنه الظرف المفيد للاختصاص.\nوالمراد بالجهاد: جهاد النفس في وصول البر إليهما بالتلطف بهما وحسن الصحبة والطاعة وغير ذلك.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب بر الوالدين وأنه من فروض الأعيان، وأن برهما مقدم على الجهاد في سبيل الله؛ لأن برهما فرض عين على كل حال، والجهاد فرض كفاية إلا في حالات، ولهذا قال - ﷺ - للرجل:\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٣/ ١١٢)، \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ١٨١).","vol":"9","page":16},{"text":"\"ففيهما فجاهد\" أي: جاهد نفسك في طلب رضاهما والإحسان إليهما، وسمي ذلك جهادًا من باب المشاكلة لكون الرجل استأذن في الجهاد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].\n\n° الوجه الرابع: في حديث أبي سعيد - ﵁ - دليل على وجوب استئذان الوالدين في الجهاد، فإن أذنا له فذاك وإلا فعليه أن يبرهما؛ لأن النبي - ﷺ - جعل الجهاد فيهما قائمًا مقام الجهاد في سبيل الله، قال ابن عبد البر: (لا خلاف علمته أن الرجل لا يجوز له الغزو ووالداه كارهان أو أحدهما؛ لأن الخلاف لهما في أداء الفرائض عقوق، وهو من الكبائر، ومن الغزو ما قلت) (^١).\nوقد حمل الجمهور هذا الاستئذان على جهاد التطوع؛ لأن برهما فرض عين، وجهاد التطوع فرض كفاية، وفرض العين يقدم، وشرط ذلك أن يكونا مسلمين، فإن كانا كافرين فلا إذن لهما.\nفإن كان الجهاد فرض عين كحال النفير أو حضور القتال أو هجوم العدو لم يعتبر إذنهما؛ لأنه صار فرض عين وتركه معصية، ولا طاعة لأحد في معصية الله، وكذا كل ما وجب مثل صلاة الجماعة والحج ونحو ذلك (^٢).\nيقول شيخ الإِسلام ابن تيمية: (الجهاد إذا صار فرض عين كان أوكد من مطلق بر الوالدين، فيجاهد في هذه الحال بدون إذنهما، وإن كان عليه أن يقوم بما يجب عليه من برهما المتعيِّن عليه، وإن كان لا يجاهد إذا لم يتعين إلا بإذنهما) (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (١٤/ ٩٦).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ٢٥ - ٢٦).\n(^٣) \"جامع المسائل\" (٥/ ٣٥٢).","vol":"9","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1070>النهي عن الإقامة في ديار المشركين</span>\n١٢٧١/ ٦ - عَنْ جَرِيرٍ البَجَلِي - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أنا بَرِيءٌ مِنْ كلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَينَ الْمُشْرِكينَ\". رَوَاهُ الثلَاثةُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرَجحَ الْبُخَارِيُّ إِرْسَالهُ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الجهاد\"، باب (النهي عن قتل من اعتصم بالسجود) (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤) من طريق أبي معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله - ﵄ - قال: بعث رسول الله - ﷺ - سرية إلى خَثْعَم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فأمر لهم بنصف العقل، وقال: \"أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين\"، قالوا: يا رسول الله لِمَ؟ قال: \"لا تراءى ناراهما\".\nهذا الحديث إسناده صحيح، رجاله ثقات، رجال الشيخين، لكنه أُعِلَّ بالإرسال، فقد رواه النسائي (٨/ ٣٦) من طريق أبي خالد، عن إسماعيل، عن قيس أن رسول الله - ﷺ - بعث … فذكره.\nوممن أعله بالإرسال البخاري قال الترمذي: (سمعت محمدًا يقول: الصحيح حديث قيس عن النبي - ﷺ -، مرسل)، وكذا أبو حاتم، وأبو داود إثر سياق الحديث، والترمذي، والدارقطني (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"جامع الترمذي\" (٣/ ٢٥٣)، \"العلل\" لابن أبي حاتم (٩٤٢)، \"العلل\" للدارقطني (١٣/ ٤٦٤).","vol":"9","page":18},{"text":"ومن شواهد الحديث ما رواه سمرة بن جندب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله\" أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) من طريق سليمان بن موسى، عن جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، عن خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة به.\nوسليمان بن سمرة قال عنه الحافظ: (مقبول). وابنه خبيب: مجهول، وجعفر بن سعد ليس بالقوي، وسليمان بن موسى فيه لين.\nورواه الطبراني في \"الكبير\" (٧/ ٢٦٣)، والحاكم (٢/ ١٤١ - ١٤٢)، والبيهقي (٩/ ١٤٢) من طريق إسحاق بن إدريس، ثنا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: \"لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا\". قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه) وفيه إسحاق بن إدريس الأسواري، متروك بالاتفاق، وقال ابن معين: (كذاب يضع الحديث) (^١).\nوأخرجه النسائي (٥/ ٨٢)، وابن ماجه (٢٥٣٦)، وأحمد (٣٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧) من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن النبي - ﷺ - قال: \" … كل مسلم على مسلم محرم، أخوان نصيران، لا يقبل الله ﷿ من مشرك أشرك بعدما أسلم عملًا أو يفارقَ المشركين إلى المسلمين\" وهذا سند حسن، لما تقدم في \"الزكاة\" من أن بهز بن حكيم وأباه صدوقان.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أنا بريء) أي: خالص من عهدته، فقد انقطعت بيننا العصمة، ولم يبق بيني وبينه عُلقة.\n\nقوله: (لا تراءى ناراهما) أي: لا ترى نارُ المسلم نارَ المشرك ولا نارُ المشرك نارَ المسلم، وهذا كناية عن القرب، والعرب تستعمل مثل هذا الأسلوب، تقول: داري تنظر إلى داره، وداره تنظر إلى داري، إذا أرادوا شدة القرب.\n_________\n(^١) انظر: \"الميزان\" (١/ ١٨٤)، \"اللسان\" (٢/ ٤١).","vol":"9","page":19},{"text":"° الوجه الثالث: يستدل العلماء بهذا الحديث على تحريم الإقامة في بلاد الشرك ومساكنة المشركين، وهذا يشمل من ذهب إلى ديارهم وأقام معهم، أو أسلم في ديار الشرك وبقي فيها ولم يهاجر إلى ديار المسلمين مع القدرة؛ لأن الله تعالى أوجب على العبد العمل بالتوحيد، وفرض عليه عداوة المشركين، فما كان ذريعة وسببًا إلى إسقاط ذلك فإنه لا يجوز، والمطلوب من المسلم أن ينضم إلى جماعة المسلمين، فهم إخوته وأولياؤه من دون الناس.\nوقد نقل ابن كثير الإجماع على أن كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين أنه ظالم لنفسه مرتكب حرامًا (^١)، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾ [النساء: ٩٧] وقوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: بتركهم الهجرة، والإقامة مع الكفار وتكثير سوادهم، وهذه الآية عامة لكل من أقام بين ظهراني المشركين مع القدرة على الهجرة وعدم التمكن من إقامة الدين.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل وجوب الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإِسلام بشرط القدرة على الهجرة وعدم التمكن من إظهار الدين، وهذا يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾.\nفإن كان عاجزًا عن الهجرة لمرض أو ضعف أو إكراه على الإقامة أو مانع من الأمور السياسية والقوانين الدولية فهو معذور، وعليه أن يعتزل الكفار ما استطاع، ويظهر دينه، ويصبر على أذاهم، قال تعالى: ﴿إلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْولْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٨، ٩٩].\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٣٤٣).","vol":"9","page":20},{"text":"أما من قدر على الهجرة لكنه متمكن من إظهار دينه فهذا تستحب له الهجرة؛ لأجل تكثير المسلمين والتخلص من الكفار ومخالطتهم والتمكن من جهادهم، ولا تجب عليه؛ لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة (^١).\nوالمقصود أنه لا يجوز للمسلم أن يقيم بين ظهراني المشركين؛ لأن هذا فيه مخالفة للنصوص الشرعية الدالة على وجوب الهجرة، وفيه تكثير للمشركين، كما أنه يؤدي إلى فقد الغيرة عند المسلم؛ لأن من يقيم فبي بلد يظهر فيه الكفر وتكثر فيه المعاصي؛ فإن غيرته تضعف أو تموت بالكلية، ويصبح مجاريًا لهم فيما هم عليه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" (١٣/ ١٤٩)، \"الولاء والبراء في الإِسلام\" ص (٢٧٠)، \"فقه الأقليات المسلمة\" ص (١١٩).","vol":"9","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1071>ما جاء في انقطاع الهجرة وبقاء الجهاد والنية</span>\n١٢٧٢/ ٧ - عَنِ ابنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَال: قَال رسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلكِنْ جِهَادٌ وَنيَّة\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في مواضع من كتاب \"الجهاد\" وغيره، ومنها: باب \"وجوب النفير\" (٢٨٢٥)، ومسلم (١٣٥٣) من طريق منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال يوم الفتح: \"لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا\".\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا هجرة) لا نافية للجنس، والهجرة لغة: الترك والخروج من بلد أو أرض إلى بلد أخرى.\nوشرعًا: الانتقال من بلد الشرك والكفر إلى بلد الإِسلام، وبلد الإِسلام: هو البلد الذي تظهر فيه الشعائر والأحكام على وجه عام، وأهم الشعائر: هي الصلاة، فإذا كانت الصلاة مظهرًا من مظاهر البلد فهو بلد إسلام، أما إذا كانت الصلاة يقيمها أفراد أو جماعات وهي ليست من مظاهر البلد فلا يحكم على البلد بأنه بلد إسلامي، مثل البلاد التي فيها أقليات مسلمة يقيمون الصلاة ولكن على نطاق ضيق في حدود مجتمعهم الذي يعيشون فيه أو في حدود بيئتهم، ولكن البلد الذي يقيمون فيه أو هم من أهله لا تقام فيه الصلاة بوجه عام بحيث لا توجد عندهم المآذن ولا يسمع الأذان في جميع الأنحاء فمثل هذا لا يعتبر بلدًا إسلاميًا؛ لأنه لا بد أن تكون الإقامة على وجه عام، فمثلًا:","vol":"9","page":22},{"text":"فرنسا فيها أقليات مسلمة وفيها إقامة للصلاة من قبل هؤلاء، ولكن لا تعتبر مظهرًا من مظاهر البلد بحيث تنتشر المآذن ويُسمع الأذان هنا وهناك ويهرع الناس إلى المساجد، فهذا هو معنى قولنا: إن بلد الإِسلام هو الذي تنتشر فيه الشعائر والأحكام بوجه عام، أما لو كان عن طريق أفراد أو أناس قليلين فهذا لا يطلق عليه أنه بلد إسلامي بهذا الاعتبار (^١).\n\nقوله: (بعد الفتح) أي: فتح مكة، فلا هجرة بعد فتحها؛ لأنها صارت بلد إسلام، أو المراد ما هو أعم من ذلك، إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها، فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون (^٢).\n\nقوله: (ولكن جهاد ونية) أي: ولكن الباقي جهاد ونية، والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة قد انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر، والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن، والنية في جميع ذلك معتبرة.\n\nقوله: (وإذا استنفرتم) بضم التاء؛ أي: طلب منكم الخروج في الجهاد من الإِمام أو نائبه في ذلك.\n\nقوله: (فانفِروا) بكسر الفاء على الأفصح، وبه جاء القرآن، قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] ويجوز ضمها؛ أي: اخرجوا.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على انتفاء الهجرة من مكة بعد فتحها؛ لأنها صارت بلاد إسلام، ويقاس عليها كل بلدِ كفرٍ صار بلد إسلام، وهذا فيه إشارة إلى أن مكة لن تعود بلد كفر تجب الهجرة منه.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الجهاد بأن لإعلاء كلمة الله\n_________\n(^١) انظر: \"الفتاوى\" (١٨/ ٢٨٢)، \"أحكام أهل الذمة\" (١/ ٣٦٦)، \"الفتاوى السعدية\" ص (٩٢)، \"الغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة\" ص (٣٣٠)، \"فقه الأقليات المسلمة\" ص (٤٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٩٠).","vol":"9","page":23},{"text":"تعالى، ونشر دينه، وإن فتحت عواصم الكفر، حتى يكون الدين كله لله.\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه ينبغي الاهتمام بالنية في الجهاد وغيره من سبل الخير.\n\n° الوجه السادس: في الحديث دليل على وجوب الجهاد إذا استنفره ولي الأمر، إما بطلب النفير العام أو بتعيين من يتم تعيينه، فمن عينه الإِمام خرج، وهذه هي إحدى الصور التي يكون فيه الجهاد فرض عين، بدليل هذا الحديث، وبقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]، والثانية: إذا حضر الإنسان القتال؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] وقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَار﴾ [الأنفال: ١٥] والصورة الثالثة: إذا حضر العدو البلد، فيجب عليه القتال دفاعًا عن البلد؛ لأن هذا يشبه من حضر صَفَّ القتال.\nقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: (إذا دخل العدو بلاد الإِسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، إذ بلاد الإِسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة) (^١).\nوالصورة الرابعة: إذا احتيج إلى هذا الشخص (^٢) في القتال، فإنه يتعين عليه إذا لم يكن عذر؛ لدعاء الحاجة إليه، ولأنه صار في حقه فرض عين. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الاختيارات\" ص (٣١١).\n(^٢) \"دقائق أولي النهى\" (٣/ ٧ - ٨)، \"الشرح الممتع\" (٨/ ١٤).","vol":"9","page":24},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1072>وجوب الإخلاص في الجهاد</span>\n١٢٧٣/ ٨ - عَنْ أَبي مُوسى الأَشْعَرِيِّ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ في سَبِيلِ الله\"، مُتفَّق عَلَيهِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الجهاد\"، باب (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا) (٢٨١٠)، ومسلم (١٩٠٤) من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي وائل، عن أبي موسى - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكْرِ، والرجل يقاتل ليُرى مكانُه، فمن في سبيل الله؟ قال: \"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله\".\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب الإخلاص في الجهاد في سبيل الله تعالى، وذلك بأن يكون غرض المجاهد إعلاء كلمة الله تعالى ونصرة دينه، فمن جاهد بهذه النية فهو مجاهد في سبيل الله، ومفهوم الحديث أن من قاتل بغير هذا القصد فليس في سبيل الله، وإنما هو في سبيل الغاية التي جاهد من أجلها.\n\n° الوجه الثالث: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه إذا كان القصد من الجهاد إعلاء كلمة الله تعالى فإنه لا يضر ما ينضم إلى ذلك من قصد المغنم، ويكون المعول في هذا على القصد والباعث على الفعل.\nومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيلًا إلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] فقد فُسِّرَ النيل بمثل الظفر بجيش أو سرية","vol":"9","page":25},{"text":"أو غنيمة مال (^١).\nومن الأدلة قوله - ﷺ - قبل القتال: \"من قتل قتيلًا فله سلبه\" (^٢)، وهذا يدل على أن قصد المغنم لا ينافي نية القتال، بل إن النبي - ﷺ - ما قال ذلك إلا ليجتهد السامع في قتال المشركين.\nويؤيد هذا حديث ابن عباس - ﵄ - قال: كانت عُكاظ ومَجَنَّةُ وذو المَجَاز أسواقًا في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في المواسم، فنزلت: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] في مواسم الحج (^٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلماته، بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة\" (^٤).\nوعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تَمَّ لهم أجرهم\"، وفي رواية: \" .. وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا تم أجورهم\" (^٥).\nوظاهر هذا أن المجاهد له الأجر تامًّا إذا لم يغنم، أو ثُلثُ الأجر إن غنم، وقد أخذ بهذا الحديث أكثر المحدثين، واعتبروه مع حديث أبي هريرة - ﵁ - الدال على أنه له الأجر إذا لم يغنم، أو له الغنيمة بدون أجر -من باب المطلق والمقيد، فيكون موافقًا ومفسرًا له، فإن غنم المجاهد بقي له ثُلثُ الأجر، وإن فاتته الغنيمة فله الأجر تامًّا، وهو مأجور في كلتا الحالتين، لكنه مع الغنيمة أنقص، وممن قال بهذا ابن بطال وابن دقيق العيد والنووي وابن حجر وغيرهم (^٦). والله أعلم.\n_________\n(^١) \"تفسير ابن سعدي\" ص (٣٥٥).\n(^٢) \"رواه أبو داود\" (٢٧١٨).\n(^٣) رواه البخاري (١٧٧٠)، (٢٠٥٠).\n(^٤) رواه البخاري (٣١٢٣)، ومسلم (١٨٧٦).\n(^٥) رواه مسلم (١٩٠٦).\n(^٦) انظر: \"الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم\" ص (٤٧٦).","vol":"9","page":26},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1073>ما جاء في بقاء الهجرة ما قوتل العدو</span>\n١٢٧٤/ ٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّعْدِي - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتلَ الْعَدُوُّ\" رَوَاهُ النَّسَائيُ، وَصحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو أبو محمَّد عبد الله بن السعدي، وفي اسم السعدي أقوال، قيل: وقدان، وقيل: قدامة، وقيل: عمرو، وقيل له السعدي؛ لأنه كان مسترضعًا في بني سعد بن بكر، له صحبة ورواية، سكن المدينة، ثم نزل الأردن، مات ﵀ سنة سبع وخمسين على قول (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه النسائي في كتاب \"البيعة\"، باب (ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة) (٧/ ١٤٦ - ١٤٧)، وابن حبان (١١/ ٢٠٧) من طريق الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء بن زَبْرٍ، عن بسر بن عبيد الله، عن إدريس الخولاني، عن عبد الله بن واقد (^٢) السعدي - ﵁ -، قال: وفدت إلى رسول الله - ﷺ - في وفد كلنا يطلب حاجة، وكنت آخرهم دخولًا على رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله إني تركت مَنْ خلفي وهم يزعمون أن الهجرة قد انقطعت، قال: \"لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار\"، وهذا لفظ النسائي وابن حبان، وأما لفظ \"البلوغ\" فهو لفظ أحمد (٣٧/ ١٠)، ولهذا قال\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٦/ ٢٢٥)، \"أسد الغابة\" (٣/ ٤١٣) \"الإصابة\" (٦/ ١٠٤).\n(^٢) هكذا في \"سنن النسائي\" وعند ابن حبان: (عبد الله بن وقدان).","vol":"9","page":27},{"text":"ابن عبد الهادي بعد سياقه بمثل لفظ \"البلوغ\": (رواه أحمد واللفظ له، والنسائي وابن حبان) (^١).\nوهذا الحديث رجاله ثقات، وقد صرَّح الوليد بالتحديث عند ابن حبان، وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٢/ ١١٨ - ١٢٠)، ونقل الحافظ في \"الإصابة\" عن أبي زرعة الدمشقي أنه قال: (هذا الحديث عن عبد الله بن السعدي حديث صحيح متقن، رواه الإثبات عنه) (^٢).\nوالحديث في إسناده اختلاف، وله طرق أخرى عند النسائي والطبراني في \"مسند الشاميين\" (١/ ٤٤٧)، (٢/ ٤٣٥)، (٣/ ٣٤٥)، وأبي نُعيم في \"معرفة الصحابة\" (٣/ ١٦٧٢)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٣١/ ٣٠١ - ٣٠٧).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الهجرة باقية إلى يوم القيامة؛ لأنها باقية ما دام القتال مستمرًا بين أهل الإِسلام وأهل الشرك، وقد تقدم الكلام في ذلك. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المحرر\" (٢/ ٥٢٠).\n(^٢) (٨/ ١٠٤).","vol":"9","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1074>ما جاء في الإغارة على العدو بلا إنذار</span>\n١٢٧٥/ ١٠ - عَنْ نَافِعٍ قَال: أَغَارَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى بَني الْمُصْطَلِقِ، وَهُمْ غَارُّونَ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَهم، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - ﵄ -. مُتَّفقٌ عَلَيهِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو أبو عبد الله نافع مولى عبد الله بن عمر -﵄-، أصابه ابن عمر في بعض مغازيه، وكان ثقة كثير الحديث، قال الخليلي: (نافع من أئمة التابعين بالمدينة، إمام في العلم، متفق عليه، صحيح الرواية، ومنهم من يقدمه على سالم، ومنهم من يقارنه به، ولا يعرف له خطأ في جميع ما رواه). وقال الذهبي: (الإِمام المثبت عالم المدينة). روى عن جماعة من الصحابة، وروى عنه خلق كثير، اختلف في سنة وفاته ﵀ على أقوال، منها: سنة سبع عشرة ومائة، وهذا صححه الذهبي في \"السير\"، وقيل: سنة تسع عشرة ومائة، وهذا قول أحمد وابن عيينة، وقيل: عشرين ومائة، واعتبره الذهبي قولًا شاذًّا (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"العتق\"، باب (من ملك من العرب رقيقًا فوهب وباع وجامع وفدى وسبى الذرية) (٢٥٤١)، ومسلم (١٧٣٠) من طريق ابن عون قال: (كتبت إلى نافع، فكتب إلى: أن النبي - ﷺ - أغار علي بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتل مقاتلهم، وسبى\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (٢٩/ ٢٩٨)، \"السير\" (٥/ ٩٥).","vol":"9","page":29},{"text":"ذرارَيهم، وأصاب يومئذ جويرية، حدثني ابن عمر، وكان في ذلك الجيش) هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتب إلى: إنما كان ذلك في أول الإِسلام … وذكر بقية الحديث.\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أغار) أي: هجم عليهم وأوقع بهم على غرة.\n\nقوله: (على بني المصطلق) بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء وكسر اللام على وزن اسم الفاعل، اسم قبيلة شهيرة بطن من خزاعة، وخزاعة قبيلة يمنية قحطانية، وديارهم هي ديار خزاعة، وهي مكة وما حولها.\n\nقوله: (غارون) بالغين المعجمة وتشديد الراء، جمع غار؛ أي: غافلون، فأخذهم على غرة وبغتة، وذلك لأنهم قد بلغتهم الدعوة العامة، حيث ذكرت المصادر التاريخية أنهم كانوا ضمن المتألبين مع قريش في معركة أُحد ضد المسلمين، ثم أخذوا يعدون العدة لضرب المسلمين بعد رجوعهم إلى ديارهم، وكانت هذه الغزوة سنة خمس في شعبان على الراجح، على ماء لهم يسمى المُريسيع في موضع يقال له: قُديد شمال خُليص (^١) على الطريق السريع بين مكة والمدينة بحوالي اثني عشر كيلًا.\n\nقوله: (مقاتلتهم) وهم كل من يصلح للقتال ويتهيأ له.\n\nقوله: (وسبى ذراريهم) أي: أخذهم سبيًا وفَرَّقَهم على الغانمين بعد أن ضرب عليهم الرق، والذراري جمع ذرية، وهي هنا النساء والأولاد غير البالغين.\n\nقوله: (وأصاب يومئذ جويرية) هذه الجملة ثابتة في بعض نسخ \"البلوغ\"، وجويرية هي أم المؤمنين جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار -﵂-، والحارث هو ملك بني المصطلق وقائدهم، كانت جويرية من سبايا بني\n_________\n(^١) انظر: \"المغانم المطابة في معالم طابة\" ص (٣٣٤، ٣٨٠).","vol":"9","page":30},{"text":"المصطلق، فوقعت في سهم ثابت بن قيس - ﵁ -، فكاتبها ثابت على تسع أواق، فطلبت من النبي - ﷺ - أن يعينها، فقال: \"أو خير من ذلك\" فقالت: وما هو؟ فقال: \"أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك\" فقالت: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: \"قد فعلت\". وسيأتي هذا في كتاب \"العتق\" إن شاء الله تعالى.\n\n° الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأتباعهم على أن من بلغتهم الدعوة وعلموا بها فإنه لا يجب في حقهم الإنذار، وقد دل على ذلك قوله: (أغار) وقوله: (وهم غارون). وأما من لم تبلغهم الدعوة ولا علموا بها فيجب الإنذار في حقهم، هذا إن كان المسلمون هم القاصدين للكفار، فأما إذا قصدهم الكفار في ديارهم فلهم أن يقاتلوهم من غير دعوة؛ لأنهم يدفعونهم عن أنفسهم وحريمهم (^١).\nوالقول الثاني: وجوب الدعوة إلى الإِسلام مطلقًا، سواء أكان عند المدعوين علم بالإِسلام أم لا، وهذا قول مالك، وهو مروي عن علي بن أبي طالب - ﵁ - وعمر بن عبد العزيز ﵀ (^٢).\nواستدلوا بحديث بريدة الآتي: \"وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال … ادعهم إلى الإِسلام. الحديث\" وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب عند الإطلاق.\nوالقول الثالث: أنه لا يجب الإنذار مطلقًا، وهذا القول حكاه المازري، والقاضي عياض (^٣)، وهذا أضعف الأقوال.\nوالراجح هو الأول؛ لأن فيه جمعًا بين الأدلة.\n\n° الوجه الخامس: استدل الجمهور بهذا الحديث على جواز استرقاق\n_________\n(^١) \"الهداية\" (٢/ ١٣٦)، \"المغني\" (١٣/ ٢٩)، \"روضة الطالبين\" (١٠/ ٢٣٩)، \"أحكام أهل الذمة\" (١/ ٥).\n(^٢) \"المدونة\" (٢/ ٣)، \"نيل الأوطار\" (٧/ ٢٤٤).\n(^٣) \"المعلم\" (٣/ ٩)، \"إكمال المعلم\" (٦/ ٢٩).","vol":"9","page":31},{"text":"العرب كغيرهم من سائر الكفار من الأعاجم من يهود ونصارى ونحو ذلك، وذلك لأن بني المصطلق عرب من خزاعة كما تقدم، وهذا اختيار البخاري كما تقدم في تبويبه (^١)، ورجحه الشوكاني (^٢).\nوالقول الثاني: أن الرق لا يجري على عربي بحال، فإما الأسر وإما الفداء، وهذا قول الزهريّ وسعيد بن المسيب والشعبي، ويروى عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، واستدلوا بأن النبي - ﷺ - لما أطلق سبي هوازن قال: \"لو كان تامًّا على أحد سبي لتم على هؤلاء، ولكنه أسر وفداء\" (^٣)، لكنه حديث ضعيف جدًّا لا يحتج بمثله كما قال البيهقي وغيره، وما ورد عن عمر - ﵁ - فهي رواية منقطعة.\nوالقول الأول هو الأظهر، لعموم الأدلة فيما يتعلق في أسارى الكفار، من جواز القتل، أو المنّ، أو الفداء، ومن ادعى أن بعض هذه الأمور يختص ببعض الكفار دون بعض فعليه أن يقيم الدليل المخصِّص، ثم إن الصحابة - ﵃ - لما فتحوا بلاد الشام، وهم عرب، وكذا أطراف بلاد العرب المتصلة بالعجم لم يفرقوا بين عربي وعجمي، بل كانوا يعاملون الجميع على حد سواء (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ١٧٠).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (١٤/ ٢٧٧).\n(^٣) رواه البيهقي (٩/ ٧٣)، وفي إسناده الواقدي، وهو ضعيف جدًّا.\n(^٤) انظر: \"المنار\" للمقبلي (٢/ ٤٧٨).","vol":"9","page":32},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1075>ما جاء في التأمير على الجيوش ووصيتهم</span>\n١٢٧٦/ ١١ - عَنْ سُلَيمانَ بْنِ بُرَيدَةَ عَنْ أَبِيهِ - ﵁ - قَال: كَانَ رَسولُ الله - ﷺ - إِذَا أمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيشٍ، أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللهِ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيرًا، ثُمَّ قَال: (اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ، في سَبِيلِ اللهِ، قاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا، وَلَا تَغُلُوا، وَلا تَغْدُرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقتُلُوا وَليدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، فَأيَّتُهُنَّ أَجَابُوكَ إِلَيهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ: ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فاقْبَلْ مِنْهُمْ، ثمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرينَ، فَإنْ أبوْا فَأخْبِرْهُمْ أنهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ في الْغَنِيمَةِ وَالْفَيءِ شَيءٌ إِلا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإنْ هُمْ أبوْا فَاسْألهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أبوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ تَعَالى وَقَاتِلْهُم.\nوَإذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ الله وَذِمَّةَ نَبِيهِ، فَلَا تَفْعَلْ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ؛ فَإنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ، وَإذا أَرَادُوكَ أَنْ تنزِلَهُم عَلَى حُكْمِ اللهِ، فَلَا تَفْعَلْ، بَلْ عَلَى حُكْمِكَ؛ فَإنَّكَ لَا تَدْرِي أتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللهِ أَمْ لَا\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الجهاد\"، باب (تأمير الإِمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيره) (١٧٣١) (٣) من طريق","vol":"9","page":33},{"text":"سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه - ﵁ -، قال: وذكر الحديث بطوله، وقد اختصر الحافظ بعض ألفاظه.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (على جيش) أي: جنود كثيرة، ولفظ مسلم: (على جيش أو سرية\" وهي القطعة من الجيش تنفصل عنه ثم تعود إليه، وحدَّها بعضهم بأربعمائة ونحوها، وسميت سرية؛ لأنها تسري ليلًا على خفية، أو لأنها تكون من خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري، وهو النفيس (^١).\n\nقوله: (أوصاه) الوصية هي الإخبار بالشيء على وجه الاهتمام. ولفظ مسلم: طأوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه … \" ومعنى \"في خاصته\" أي: في حق نفسه خصوصًا، وقد ثبتت هذه اللفظة في بعض النسخ.\n\nقوله: (خيرًا) أي: أن يفعل بهم خيرًا في أمور الدنيا والآخرة.\n\nقوله: (اغزوا باسم الله) أي: اشرعوا في فعل الغزو مستعينين بالله تعالى، فتكون الباء للاستعانة والتوكل على الله.\n\nقوله: (في سبيل الله) متعلق بـ (اغزوا) والغرض منه الحث على حسن النية وسلامة القصد؛ لأن الغزاة لهم أغراض ومقاصد، والغزو النافع ما كان في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، كما تقدم.\n\nقوله: (قاتلوا من كفر بالله) فيه معنى التعليل؛ أي: قاتلوهم لأجل كفرهم، لا لعصبية ولا غيرها، وهذا عام خُصَّ منه من لا يجوز قتله من الكفار كالنساء والأطفال ومن له عهد، كما سيأتي، وقد قال متصلًا به: (ولا تقتلوا وليدًا).\n\nقوله: (اغزوا) فيه معنى التأكيد، أو أنه تمهيد لما بعده.\n\nقوله: (ولا تَغلُّوا) بفتح التاء وتشديد اللام مضمومة، والغلول: الأخذ من الغنيمة قبل قسمها، وسيأتي إن شاء الله.\n_________\n(^١) انظر: \"المصباح المنير\" ص (٢٧٥)، \"فتح الباري\" (٨/ ٥٦).","vol":"9","page":34},{"text":"قوله: (ولا تغدروا) بفتح التاء وضم الدال أو كسرها، والغدر هو الخيانة ونقض العهد الذي أوجب الله الوفاء به.\n\nقوله: (ولا تمثلوا) بضم التاء وتشديد الثاء المثلثة المكسورة، والتمثيل: تشويه القتيل بقطع أعضائه كالأنف أو الأذن أو اليد وغيرها.\n\nقوله: (ولا تقتلوا وليدًا) الوليد: الصغير دون التكليف؛ لأنه لا يقاتل وربما يسلم.\n\nقوله: (فادعهم إلى ثلاث خصال) لفظ مسلم: \"ثلاث خصال أو خلال\" وهو شك من الراوي، ومعناهما واحد.\n\nقوله: (فأيتهن أجابوك) لفظ مسلم: \"فأيتهن ما أجابوك\"، وأَيَّتُهُنَّ: بالرفع اسم شرط مبتدأ، و\"ما\" زائدة مع اسم الشرط، كما في قوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠].\nهكذا ضُبط اللفظ في طبعات \"صحيح مسلم\". وقد ذكر القرطبي أنه قيده عمن يوثق بعلمه وتقييده بالنصب؛ أي: على نزع الخافض، و(ما) زائدة، والتقدير: فإلى أيتهن أجابوك، فيتعدى الفعل إلى المفعول الثاني بحرف الجر (^١).\n\nقوله: (ادعهم إلى الإِسلام) هذه الخصلة الأولى، وقد جاء في لفظ مسلم: \"ثم ادعهم إلى الإِسلام\"، والصواب إسقاط \"ثم\" كما قال القاضي عياض؛ لأن هذا تفسير للخصال الثلاث، و\"ثم\" توهم الابتداء، وقد جاءت الرواية عند أبي داود (^٢)، وفي كتاب \"الأموال\" لأبي عبيد (^٣) بإسقاطها.\n\nقوله: (ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين) أي: ادعهم إلى الانتقال من دار التعرب إلى دار الهجرة، وهي المدينة، وكان هذا في أول الأمر وهو وقت وجوب الهجرة إلى المدينة. وعند مسلم: \"وأخبرهم أنهم إن\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٣/ ٥١٣).\n(^٢) \"السنن\" (١٦١٧).\n(^٣) ص (٣٥).","vol":"9","page":35},{"text":"فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين\" أي: من الجهاد وغيره، وهذا من تمام العدل.\n\nقوله: (كأعراب المسلمين) أي: الساكنين في البادية من غير هجرة ولا غزو. وقد دل الحديث أنهم إذا أسلموا فلهم ثلاث حالات:\n١ - التحول إلى دار المهاجرين.\n٢ - البقاء في أماكنهم مع الجهاد.\n٣ - البقاء مع ترك الجهاد.\n\nقوله: (إلا أن يجاهدوا مع المسلمين) مفهومه أنهم إن جاهدوا مع المسلمين استحقوا الغنيمة، وأما الفيء فقيل: لا يستحقونه بدليل الاستثناء، وقيل: لهم حق مطلقًا (^١).\n\nقوله: (فإن هم أبوا) هم: توكيد للفاعل المحذوف مع فعله، والتقدير: فإن أبوا هم، وهذا رأي البصريين؛ لأن أدوات الشرط عندهم لا يليها إلا الفعل، وعند الكوفيين (هم) مبتدأ، خبره ما بعده، وهذا أيسر، كقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] \".\n\nقوله: (فاسألهم الجزية) وهي ما يؤخذ من الكفار جزاء الكف عن قتالهم أو إسكانهم دار الإِسلام، وسيأتي البحث فيها في باب مستقل -إن شاء الله-.\n\nقوله: (وإذا حاصرت أهل حصن) المحاصرة: التضييق والإحاطة، والحصن: كل مكان محرز يُتحصن فيه.\n\nقوله: (ذمة الله وذمة نبيه) الذمة هنا العهد، والمراد عقد الصلح والمهادنة، والمعنى: أن أهل الحصين المحاصَرين إذا قالوا نريد أن ننزل على عبد الله ورسوله فإنه لا يجوز.\n\nقوله: (فإنكم أن تُخفِروا) هذا تعليل للنهي عن إعطاء ذمة الله وذمة\n_________\n(^١) انظر: \"أحكام أهل الذمة\" (١/ ١٨).","vol":"9","page":36},{"text":"رسوله للكفار، وذلك خشية عدم الوفاء بذلك، فإنَّ نَقْضَ عهد الخلق أهون من نقض عبد الله تعالى؛ لأنه قد ينقض الذمة من لا يعرف حقها، وينتهك حرمتها بعض من لا تمييز له من الجيش.\n\nوقوله: (أن تخفروا) بفتح الهمزة على اعتبارها مصدرية، ولا يصح كسرها على أنها شرطية إذ لا جواب لها، و(أهون) مرفوع على أنه خبر (إنَّ) و(أَنْ) وما دخلت عليه في تأويل مصدر بدل اشتمال من اسم (إن) والتقدير: فإنكم إخفاركم ذممكم.\nوتُخفِروا: بضم التاء وكسر الفاء من أخفر الرباعي؛ بمعنى: تنقضوا، تقول العرب: أخفرت الرجل: نقضت عهده، وخَفَرْتُهُ أَخْفِرُهُ من باب ضرب: غدرت به.\n\nقوله: (وإن أرادوك أن تنزلهم على حكم الله) أي: وإن طلبوك أن تتفق معهم على أن يكون الحكم بينكما هو حكم الله تعالى.\n\nقوله: (بل علي حكمك) أي: بل أنزلهم على حكمك واجتهادك أيها الأمير، ولم يذكر هنا حكم أصحابه؛ لأن الحكم في الجيش والسرية مختص بالأمير، بخلاف الذمة والعهد فهي من الجميع؛ لأنه لا يحل لأحد من الجيش أن ينقض العهد.\n\nقوله: (فإنك لا تدري) تعليل للنهي، والمعنى: لا تنزلهم على حكم الله؛ خشية ألا تصيب حكم الله تعالى، فتنسب إلى الله تعالى ما هو خطأ، ولا سيما إذا كانت المسألة من المسائل الاجتهادية.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه - ﷺ - كان يعتني بأمرائه وقواد جيشه فيوصيهم بتقوى الله تعالى، ويوجههم إلى ما ينبغي فعله واتباعه من الأحكام والآداب، ويحذرهم مما ينبغي تركه من المعاصي المتعلقة بالقتال حتى يكونوا على بينة وبصيرة من أمرهم، وهكذا ينبغي لولاة الأمور إذا أَمَّروا الأمراء أو أرسلوا الجيوش أن يوجهوهم إلى الخير ويوصوهم بتقوى الله تعالى والاستقامة على أمره، والإحسان إلى الرعية (فبهذين الأصلين: تقوى الله،","vol":"9","page":37},{"text":"والإحسان إلى الرعية يُحفظ على الأمير منصبه، وتقرُّ عينه به، ويأمن فيه من النكبات والغِيَرِ، ومتى ترك هذين الأمرين أو أحدهما فلا بد أن يسلبه الله عِزهُ، ويجعله عبرة للناس، فما إن سلبت النعم إلا بترك تقوى الله، والإساءة إلى الخلق) (^١).\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه يجب أن يكون القتال لإعلاء كلمة الله تعالى ونصر دينه وإزالة آثار الكفر، لا لنيل الملك وطلب الدنيا.\n\n° الوجه الخامس: تحريم الغدر ونقض العهود، وسيأتي زيادة بحث له -إن شاء الله-.\n\n° الوجه السادس: تحريم الغلول وسيأتي البحث فيه -إن شاء الله-.\n\n° الوجه السابع: النهي عن التمثيل بالقتلى، ووجوب القتل قِتْلَةَ شرعية، كما في قوله - ﷺ -: \"إذا قتلتم فاحسنوا القتلة … \" (^٢) فإن وقع التمثيل من غير قصد كما يقع عند المقاتلة والمسايفة فصاحبه معذور.\n\n° الوجه الثامن: النهي عن قتل الصبيان، وسيأتي ذلك أيضًا -إن شاء الله-.\n\n° الوجه التاسع: الحديث دليل على مشروعية الدعوة إلى الإِسلام قبل القتال، وظاهر الحديث العموم فيمن بلغته الدعوة ومن لم تبلغه، وبه استدل من قال بذلك كما تقدم، والظاهر أن الحديث محمول على من لم تبلغه الدعوة؛ لأن الرسول - ﷺ - أغار علي بني المصطلق وهم غارون؛ لأنهم بلغتهم الدعوة، كما تقدم.\n\n° الوجه العاشر: الحديث دليل على أن من دخل في الإِسلام فهو غير بين أمرين: إما الانتقال إلى دار الهجرة، ويكون له ما للمهاجرين، وعليه ما\n_________\n(^١) \"أحكام أهل الذمة\" (١/ ٥).\n(^٢) رواه مسلم (١٩٥٥) من حديث شداد بن أوس - ﵁ -، وسيأتي شرحه في كتاب \"الصيد والذبائح\" -إن شاء الله-.","vol":"9","page":38},{"text":"عليهم، واما البقاء مع أعراب المسلمين الذين لم يهاجروا ولا يكون لهم حظ في الغنائم ولا الفيء على ما تقدم (^١).\n\n° الوجه الحادي عشر: استدل بهذا الحديث من قال: إن الجزية تؤخذ من جميع الكفار، وهذا قول المالكية، واختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، والصنعاني (^٢)، لقوله: (وإذا لقيت عدوك من المشركين) ولفظ المشركين يعم الكفار جميعًا من اليهود، والنصارى، والمجوس، وعباد الأوثان من العرب وغيرهم؛ ولأن الرسول - ﷺ - أخذ الجزية من المجوس، كما سيأتي في حديث عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -، كما صالح النبي - ﷺ - أكيدر دومة عليها كما سيأتي أيضًا، وهم ليسوا أهل كتاب. وعلى هذا القول فالقيد في سورة التوبة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩] لا مفهوم له؛ لأنه إخبار بالواقع (^٣)؛ بدليل منطوق حديث بريدة - ﵁ -، قال الشيخ عبد العزيز بن باز: (هذا قول قوي، وحجة قوية) (^٤).\nوالقول الثاني: أن الجزية تؤخذ من جميع الكفار إلا عَبَدة الأوثان من العرب فلا تؤخذ منهم، ولا يقبل منهم إلا الإِسلام أو السيف، وهو قول الحنفية، ورواية عن أحمد (^٥)، واستدلوا بأن الرسول - ﷺ - لم يأخذ الجزية منهم؛ ولأنهم أغلظ كفرًا من غيرهم؛ لأنهم رهط النبي - ﷺ - ونزل القرآن بلغتهم، فكانت المعجزة في حقهم أظهر.\nوالقول الثالث: أن الجزية لا تؤخذ إلا من كتابي أو مجوسي، وهذا هو\n_________\n(^١) انظر: \"الأموال\" لأبي عبيد ص (٢٢٤) حيث يرى أن الحديث منسوخ، وأن هذا حكم من لم يهاجر أولًا، في أنه لا حق له في الفيء، ولا في الموالاة للمهاجر.\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨)، \"الاختيارات\" ص (٣١٩)، \"زاد المعاد\" (٥/ ٩١)، \"سبل السلام\" (٤/ ٩٨).\n(^٣) انظر: \"تفسير ابن سعدي\" ص (٣١١).\n(^٤) من الأشرطة.\n(^٥) \"الإنصاف\" (٤/ ٢١٧).","vol":"9","page":39},{"text":"المذهب عند الحنابلة، وهو قول الشافعية، وابن حزم (^١). واستدلوا بآية التوبة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، فقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ بيان للذين في قوله: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.\nكما استدلوا بحديث عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - ﷺ - أخذ الجزية من مجوس هجر. وسيأتي هذا الحديث -إن شاء الله- في باب \"الجزية\".\nويشهد له حديث عمرو بن عوف الأنصاري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها (^٢). ولا تؤخذ من غيرهم، فإما الإِسلام أو القتال؛ لحديث ابن عمر - ﵄ -: \"أمرت أن أقاتل الناس … \" (^٣)، فدل على وجوب مقاتلة جميع الناس، وخص منهم أهل الكتاب بنص القرآن، والمجوس بالسنة، ويبقى سائر الكفار على عموم الحديث.\nوالقول الأول هو الراجح؛ لقوة دليله، وهو حديث بريدة - ﵁ - فإنه حديث عام، وهو متأخر عن آية الجزية ورودًا؛ لأنه يفهم منه أن الجزية قد شرعت لقوله: (فإن هم أبوا فاسألهم الجزية)، والآية في سورة التوبة، وهي نزلت عام تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، وقد فرغ النبي - ﷺ - من قتال العرب، ولم يبق في الجزيرة أحد من عُبّاد الأوثان، فلما نزلت آية الجزية أخذها ممن بقي على كفره، كالنصارى والمجوس، وعلى هذا فاية الجزية لا مفهوم لها؛ بدليل هذا المنطوق، وهو حديث بريدة، ثم إن آية الجزية لم تتعرض لأخذها من غير أهل الكتاب ولا لعدم أخذها، والحديث بَيَّنَ أخذها من غيرهم، وقبول الجزية من جميع الكفار هو سلوك الصحابة - ﵃ - والفاتحين\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٧/ ٣٤٥)، \"مغني المحتاج\" (٤ /)، \"الإنصاف\" (٤/ ٢١٧).\n(^٢) رواه البخاري (٣١٥٨)، ومسلم (٢٩٦١).\n(^٣) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢) (٣٦).","vol":"9","page":40},{"text":"المسلمين، ثُم إن عَبَدَة الأوثان -كما يقول ابن القيم-: (أمة كبيرة لا تحصى، لا يمكن استئصالهم بالسيف فإذلالهم وقهرهم بالجزية أقرب إلى عز الإِسلام وقوته من إبقائهم بغير جزية، فيكونون أحسن حالًا من أهل الكتاب) (^١).\n\n° الوجه الثاني عشر: وجوب احترام ذمة الله تعالى وذمة نبيه - ﷺ - وأن نقضها أمر عظيم، بخلاف عهد المسلمين فإنه وإن كان النقض محرمًا مطلقًا لكنه فيما يتعلق بذمة الله وعهده أعظم.\n\n° الوجه الثالث عشر: جواز نزول أهل الحصين على حكم أمير الجيش، وأما إنزالهم على حكم الله وحكم رسوله فلا يجوز؛ لأن قائد الجيش وإن اجتهد لا يدري أيصيب فيهم حكم الله أم لا؟ وقد ذكر بعض العلماء أن هذا النهي خاص بزمن النبي - ﷺ -؛ لأنه يمكن نزول الوحي ببيان الصواب، وأما بعد زمانه فيجوز للقائد بعد الاجتهاد إنزالهم على حكم الله تعالى (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"أحكام أهل الذمة\" (١/ ١٧).\n(^٢) انظر: \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١١/ ٢٨٤)، \"البدر التمام\" (٤/ ٤٩٨).","vol":"9","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1076>ما جاء في التورية في الحرب</span>\n١٢٧٧/ ١٢ - عَنْ كَعْبِ بن مَالِكٍ - ﵁ - أَن النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا أَرَادَ غزوَةً وَرَّى بِغَيرِها. مُتفَق عَلَيهِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الجهاد\"، باب (من أراد غزوة فورَّى بغيرها) (٢٩٤٧)، ومسلم (٢٧٦٩) (٥٤) من طريق ابن شهاب قال: أخبرني عبد الرحمن بن كعب - ﵁ - وكان قائدَ كعبٍ من بنيه، قال: سمعت كعب بن مالك حين تخلف عن رسول الله - ﷺ -، ولمَ يكن رسول الله - ﷺ - يريد غزوة إلا ورى بغيرها.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إلا وَرَّى بغيرها) بفتح الواو وتشديد الراء آخره ألف مقصورة؛ أي: سترها بغيرها كتمانًا للمقصود عن العيون والجواسيس، فهذا كان يريد الخروج إلى جهة الجنوب سأل عن طرق الشمال أو الشرق أو الغرب ومواقع المياه ونحو ذلك ليصيب العدو على غفلة، ولا يمكن أن يحصل على خبر صحيح.\nوالتورية تدور على معنى الستر والتغطية تقول: وَرَّيتُ الخبر أُوَرِّيه تورية: إذا سترتَه وأظهرت غيره، قال أبو عبيد: (ولا أراه إلا مأخوذًا من وراء الإنسان؛ لأنه إذا قال وريته فكأنه إنما جعله وراءه حيث لا يظهر) (^١).\n_________\n(^١) \"غريب الحديث\" (١/ ٢٥٠ - ٢٥١).","vol":"9","page":42},{"text":"° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنه - ﷺ - إذا أراد غزو قبيلة أظهر أنه يريد غيرها، فصار يسأل في جهة أخرى عن الطريق وموارد المياه والقبائل التي تقطنها ونحو ذلك.\nوهذا من باب استعمال الرأي في الحرب، بل إن الاحتياج إلى الرأي آكد من الشجاعة.\nوالحكمة من هذا أن يفجأ العدو قبل أن يعلم حتى تقل الخسائر في الأرواح، بخلاف إذا علموا فإنهم يستعدون للملاقاة، وبما أن المقصود الإذعان والاستسلام فهذا يحصل بالمباغتة، ثم إن المباغتة أقرب إلى هدايتهم واستجابتهم، بخلاف ما إذا كانوا مستعدين.\nومنهج الرسول - ﷺ - أنه لا يفاجئ العدو إلا بعد دعوته إلى الإِسلام والإعذار إليه.\nقال النووي: (اتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب، كيفما أمكن الخداع، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل) (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١١/ ٢٨٩).","vol":"9","page":43},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1077>الوقت الذي يستحب فيه القتال</span>\n١٢٧٨/ ١٣ - عَنْ مَعْقِلٍ أَن النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ - ﵁ - قَال: شَهِدْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ أَخَّرَ الْقِتَال حَتى تَزولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ، وَينْزِلَ النَّصْرُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثلَاثةُ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ، وَأَصْلُهُ في الْبُخَارِيِّ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو عمرو أو أبو حكيم النعمان بن مُقَرِّن -بضم الميم وكسر الراء مشددة- بن عائذ المزني، كانوا سبعة إخوة، كلهم هاجر وصحب الرسول - ﷺ -، وليس ذلك لأحد من العرب سواهم، قال الواقدي وغيره: للنعمان بن مقرن ذكر كثير في فتوح العراق، وهو الذي فتح أصبهان، وقد روي عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: (إن للإيمان بيوتًا، وإن بيت بني مقرن من بيوت الإيمان). روى عن النبي - ﷺ -، وعنه ابنه معاوية، ومعقل بن يسار المزني - ﵁ -، كما ذكرت في أول \"الجنائز\"، سكن النعمان البصرة، وتحول عنها إلى الكوفة، وقدم المدينة، واستشهد في نهاوند يوم جمعة، سنة إحدى وعشرين، ولما جاء نعيه عمر بن الخطاب - ﵁ - خرج فنعاه إلى الناس على المنبر، ووضع يده على رأسه يبكي رضي الله عن الجميع (^١).\nأما معقل وهو ابن يسار فتقدمت ترجمته في أول \"الجنائز\".\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٠/ ٣١٩)، \"الإصابة\" (١٠/ ١٧٠).","vol":"9","page":44},{"text":"° الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٣٩/ ١٥٣)، وأبو داود في كتاب \"الجهاد\"، باب (في أيِّ وقت يستحب اللقاء) (٢٦٥٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨/ ٣٣)، والحاكم (٢/ ١١٦) من طريق علقمة بن عبد الله المزني، عن معقل بن يسار أن النعمان بن مقرن - ﵁ - قال: … وذكر الحديث.\nوهذا الحديث إسناده صحيح ورجاله ثقات، قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، وعلقمة بن عبد الله المزني من رجال أصحاب السنن، وبقية رجاله رجال الصحيحين.\nوالحديث أصله في البخاري (٣١٥٩) (٣١٦٠) من طريق بكر بن عبد الله المزني وزياد بن جبير عن جبير بن حية قال: بعث عمر - ﵁ - الناس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين … وذكر الحديث إلى أن قال: فقال النعمان: شهدت القتال مع رسول الله - ﷺ - كان إذا لم يقاتل في أول النهار انتظر حتى تهب الرياح وتحضر الصلاة.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن النبي - ﷺ - كان يختار الأوقات المناسبة للقتال، فكان يقاتل أول النهار؛ لأنه وقت النشاط حيث تكون الأبدان نشيطة بعد راحة الليل، ويكون الوقت باردًا، فإذا لم يتيسر القتال أول النهار فإنه يؤخره إلى أن تزول الشمس، ويبرد الجو، وتنكسر شدة الحر، (وتهب الرياح)؛ لأنها في الغالب تهب بعد الزوال، فيحصل بها تبريد الجو وزيادة النشاط، (وينزل النصر)؛ لأنه مظنة هبوب الرياح، (وتحضر الصلاة)؛ لأن حضور وقت الصلاة مظنة إجابة الدعاء.\nوهذا على سبيل الاختيار، أما إذا فجأهم العدو فعلوا ما هو الأصلح في أي وقت كان. والله تعالى أعلم.","vol":"9","page":45},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1078>جواز تبييت الكفار وإن أدى إلى قتل ذراريهم تبعًا</span>\n١٢٧٩/ ١٤ - عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثامَةَ - ﵁ - قَال: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الدَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُبيَّتُونَ، فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وذَرَاريهِمْ، فَقَال: \"هُمْ مِنْهُم\"، مُتَّفَقٌ علَيهِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الجهاد\"، باب (أهل الدار يبيتون فيصاب الولدان والذراري) (٣٠١٢) (٣٠١٣)، ومسلم (١٧٤٥) من طريق الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله عتبة، عن ابن عباس -﵄-، عن الصعب بن جثامة - ﵁ - قال: مر بي النبي - ﷺ - بالأبواء أو بوذَان فسُئل عن أهل الدار يبيتون … لحديث.\nولفظ مسلم: (سئل النبي - ﷺ - عن الذراري من المشركين …).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (سئل رسول الله - ﷺ -) في رواية عند مسلم: (قلت: يا رسول الله إنا نصيب في البيات من ذراري المشركين)، وظاهر هذا أن السائل هو الصعب بن جثامة، وقد جاء هذا صريحًا في رواية ابن حبان عن الصعب بن جثامة قال: (سألت رسول الله - ﷺ - عن أولاد المشركين) فظهر أنه هو السائل - ﵁ -.\n\nقوله: (عن الدار) في بعض النسخ: (عن أهل الدار) وهو الموافق لرواية البخاري، ومعناه: عن أهل المنزل، وفي بعض النسخ: (عن الذراري من","vol":"9","page":46},{"text":"المشركين) وهو الموافق لرواية مسلم، والذراري: جمع ذرية، وهم الأطفال من أولاد المشركين.\n\nقوله: (يبيتون) بضم الياء وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء مضارع مبني لما لم يسم فاعله، والبيات: بالفتح الإغارة ليلًا، يقال: بيته تبييتًا وبياتًا، قال الحافظ: (ومعنى البيات المراد في الحديث: أن يُغار على الكفار بالليل بحيث لا يميز بين أفرادهم) (^١).\n\nقوله: (هم منهم) أي: النساء والأطفال من أهلهم في الحكم، فهم سواء في تلك الحالة التي لا يميزون فيها.\n\n° الوجه الثالث: هذا الحديث دليل على جواز قتل النساء والأطفال في حال تبييت العدو والهجوم عليه ليلًا، قال أحمد: (لا بأس بالبيات، وهل غزو الروم إلا البيات؟ قال: ولا نعلم أحدًا كره بيات العدو) (^٢).\nفهذا حصل إصابة ذراريهم ونسائهم بلا قصد فلا إثم في هذه الحال، وأما النهي عن قتل النساء والصبيان -كما سيأتي- فهو محمول على التعمد وقصد قتلهم. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٤٧).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ١٤٠).","vol":"9","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1079>ما جاء في الاستعانة بالمشركين</span>\n١٢٨٠/ ١٥ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵄ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَال لِرَجُلٍ تَبِعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ: \"ارجعْ فَلَنْ أستَعِينَ بِمُشرِكٍ\"، رَوَاهُ مُسلِمٌ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الجهاد\"، باب (كراهة الاستعانة في الغزو بكافر) (١٨١٧) من طريق مالك بن أنس، عن الفضيل بن أبي عبد الله، عن عبد الله بن نيار الأسلمي، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي - ﷺ - ورضي الله عنها أنها قالت: خرج رسول الله - ﷺ - قِبَلَ بدر، فلما كان بحرة الوَبَرَةِ (^١) أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله - ﷺ - حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله - ﷺ -: جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له رسول الله: \"تؤمن بالله ورسوله؟ \" قال: لا، قال: \"ارجع فلن أستعين بمشرك\"، قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة (^١) أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي - ﷺ - كما قال له أول مرة، قال: \"ارجع فلن أستعين بمشرك\"، ثم رجع فأدركه بالبيداء (^١) فقال له كما قال أول مرة: \"تؤمن بالله ورسوله؟ \" قال: نعم، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"فانطلق\".\n\n° الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إنه لا يجوز الاستعانة\n_________\n(^١) حرة الوبرة: محركة، وجوز بعضهم تسكين الباء، موضع عن المدينة أربعة أميال.\nوالشجرة: سمرة عند ذي الحليفة. والبيداء: صحراء فوق ذي الحليفة، تقدم ذكرها في \"الحج\". انظر: \"المغانم المطابة\" ص (٦٧، ١١٤، ١٩٩، ٤٢٥).","vol":"9","page":48},{"text":"بالمشرك في قتال المشركين، وهذا قول مالك وأحمد، كما استدلوا بحديث خبيب بن إساف الأنصاري قال: أتيت رسول الله - ﷺ - وهو يريد غزوًا أنا ورجل من قومي، ولم نسلم، فقلنا: إنا نستحيي أن يشهد قومنا مشهدًا لا نشهده معهم، قال: \"أو أسلمتما؟ \" قلنا: لا، قال: \"فلا نستعين بالمشركين على المشركين\" … الحديث (^١). ولأن المشركين لا يؤمن أن يخامروا وأن يكونوا مع أصحابهم وأن يكونوا جاءوا للأذى والخيانة.\nوذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى جواز الاستعانة بالكفار، واستدلوا بأن الرسول - ﷺ - استعان بناس من اليهود في حربه فاسهم لهم (^٢). وبما ورد أن النبي - ﷺ - استعان بصفوان بن أمية في حنين، وبحديث ذي مِخْبَر (^٣) رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ يقول: \"ستصالحون الروم صلحًا آمنًا، فتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم فتُنصرون، وتَغْنمون، وتَسلمُون … \" (^٤).\nووجه الدلالة: أن الرسول - ﷺ - أخبر باشتراك المسلمين مع الروم في القتال ضد العدو، ولم يذمهم على ذلك، فدل على الجواز.\nوذهب الإِمام الشافعي، وأحمد في رواية عنه اختارها كثير من فقهاء الحنابلة (^٥)، إلى جواز الاستعانة بالكفار إذا كان الكافر ممن يوثق به وهو حسن الرأي ودعت الحاجة إلى الاستعانة به، كان يكون في المسلمين قلة، وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز، وهيئة كبار العلماء (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٥/ ٤٢ - ٤٣)، وابن أبي شيبة (١٢/ ٣٩٤)، والحاكم (٢/ ١٢١) وصححه، وسكت عنه الذهبي، وسنده ضعيف، إلا قوله: (فلا نستعين …) فهو صحيح لغيره، يشهد له حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٢) رواه عبد الرزاق (٩٣٢٩)، وابن أبي شيبة (١٢/ ٣٩٥)، وأبو داود في \"المراسيل\" ص (٢٧٠) من طريق الزهريّ أن النبي - ﷺ - استعان … ومراسيل الزهريّ ضعيفة.\n(^٣) يقال: بالباء ويقال: بالميم.\n(^٤) رواه أبو داود (٤٢٩٢).\n(^٥) \"المغني\" (١٣/ ٩٨).\n(^٦) \"الفتاوى\" (١٨/ ٢٥٩) (١٨/ ٢٢٤، ٢٣٩)، \"مجلة البحوث\" (٢٩/ ٣٤٩).","vol":"9","page":49},{"text":"واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيكُمْ إلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، كما استدلوا بالأحاديث الدالة على الجواز، وحملوها على الحاجة أو الضرورة، وحملوا أحاديث المنع على عدم ذلك، وقال الإِمام الشافعي عن حديث الباب: (لعل النبي - ﷺ - رده رجاءَ إسلامه، وذلك واسع للإمام أن يرد المشرك فيمنعه الغزو، ويأذن له) (^١). وقد أيَّد هذا القول ابن القيم، فقال -وهو يتحدث عن فوائد صلح الحديبية-: (الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة؛ لأن عينه - ﷺ - بُديلَ بن ورقاء الخزاعي كان كافرًا إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم) (^٢).\nوإذا حصلت الاستعانة بهم فإنه يُرضخ لهم، ولا يُسهم لهم؛ لأنه لم يثبت أن النبي - ﷺ - أسهم لهم (^٣).\nوإذا قيل بالجواز فيجب أن يُشترط على القوات التي استعين بها الخروج من بلاد المسلمين فور نهاية الظروف التي أدت إلى الاستعانة بهم، لئلا يكون ذلك سُلمًا لبقائهم في بلاد المسلمين، ومعلوم ما يترتب على هذا من المفاسد، والله المستعان.\n_________\n(^١) \"الأم\" (٥/ ٣٨٢).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٣/ ٣٠١). وانظر: قصة بديل بن ورقاء في \"تاريخ الطبري\" (٢/ ٦٢٥).\n(^٣) انظر: \"جامع الترمذي\" (٣/ ٢١٧)، \"الاعتبار\" للحازمي ص (٣٩٥).","vol":"9","page":50},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1080>النهي عن قتل النساء والصبيان في الحرب</span>\n١٢٨١/ ١٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأى امْرَأةً مَقْتُولةً في بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَأنكَرَ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصبْيَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في \"الجهاد\"، باب (قتل الصبيان في الحرب) (٣٠١٤)، ومسلم (١٧٤٤) (٢٤) من طريق نافع، عن ابن عمر - ﵄ -.\nوفي رواية للبخاري (٣٠١٥)، ومسلم (٢٥): فنهى رسول الله - ﷺ - عن قتل النساء والصبيان.\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم قتل النساء والصبيان؛ لأن المرأة ليست من أهل القتال، وكذا الصبي، قال القاضي عياض: (أجمع العلماء على الأخذ بهذا الحديث في ترك قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا …) (^١). وإنما حكمهم أنهم يكونون أرقاء إذا حصل سبيهم، كما فعل النبي - ﷺ - مع بني المصطلق، كما تقدم، بشرط ألا يكون لهم رأي في القتال أو مشاركة فيه، فإن كان أحدهم يقاتل، أو كان ذا رأي فإنه يقتل؛ لأن الرأي من أعظم المؤنة في الحرب، بل ربما كان أبلغ من القتال؛ ولأن المرأة إذا قاتلت فقد وجد منها المعنى المبيح لقتال الرجال؛ ولهذا قُتل دريد بن الصمة؛ لأنه كان له رأي ونكاية مع أنه نيف على المائة حينما أحضروه ليدبر لهم الحرب (^٢).\n_________\n(^١) \"الإكمال\" (٣/ ٤٨).\n(^٢) قصة قتله في \"صحيح البخاري\" (٤٣٢٣)، ومسلم (٢٤٩٨).","vol":"9","page":51},{"text":"وأما كون من قاتل يقتل فلحديث رباح بن الربيع التميمي قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلًا فقال: \"انظر علام اجتمع هؤلاء؟ \" فجاء فقال: على امرأة قتيل، فقال: \"ما كانت هذه لتقاتل … \" الحديث (^١). قال الخطابي: (في الحديث دليل على أن المرأة إذا قاتلت قتلت، ألا ترى أنه جعل العلة في تحريم قتلها: أنها لا تقاتل؟ فإذا قاتلت دل على جواز قتلها) (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٢٦٦٩)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨٦٢٨)، وابن ماجه (٢٨٤٢)، وأحمد (٢٥/ ٣٧٠ - ٣٧١) وسنده حسن.\n(^٢) \"معالم السنن\" (٤/ ١٣).","vol":"9","page":52},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1081>ما جاء في قتل شيوخ المشركين</span>\n١٢٨٢/ ١٧ - عَنْ سَمُرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسولُ الله - ﷺ -: \"اقْتُلُوا شُيُوخ الْمُشْرِكِينَ وَاسْبْقُوا شَرْخَهُمْ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصحّحَهُ التَّرْمِذِيُّ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الجهاد\"، باب (في قتل النساء) (٢٦٧٠)، والترمذي (١٥٨٣) من طريق قتادة، عن الحسن، عن سمرة - ﵁ -، وهذا لفظ أبي داود.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح غريب)، والحديث في سنده عنعنة الحسن البصري في روايته عن سمُرة، وهو مدلس، فالحديث ضعيف، ولعل تصحيح الترمذي له مبني على ثبوت سماع الحسن عن سمُرة عنده، والمسألة خلافية تقدم ذكرها في \"الغسل\" من كتاب \"الطهارة\" وأشرت إليها في مواضع أخرى فيما بعد، وذكرت أن المسألة ليست مسألة سماع الحسن من سمُرة أو عدم سماعه، وإنما هي مسألة التدليس؛ لأن الحسن معروف بالتدليس، بل إنه يدلس عن الضعفاء (^١).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (شيوخ المشركين) جمع شيخ، وهو في الأصل من استبانت فيه السنن، أو من خمسين أو إحدى وخمسين إلى آخر عمره أو إلى الثمانين (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٥٨٨).\n(^٢) \"القاموس\" (٢/ ٧٨٣).","vol":"9","page":53},{"text":"والمراد هنا: إما العموم، وإما الرجال الأقوياء المقاتلون ذوو الجَلَدِ والقوة على القتال، وليس المراد الهرمى الذين لا قوة لهم ولا رأي.\n\nقوله: (واستبقوا شرخهم) بالشين المعجمة وسكون الراء بعدها خاء معجمة جمع شارخ، كركب وراكب، وصحب وصاحب، والمراد بهم: الصغار الذين لم يدركوا ولم يبلغوا الحلم (^١)، قال البيهقي: (إذا كان المراد بالشرخ: الصغار والذرية، فالمراد بالشيوخ مقابلهم: الرجال البالغين) (^٢)، وقال القاضي عياض: (شرخهم؛ أي: صبيانهم، وشرخ كل شيء أوله، فالصبيان أول الشباب) (^٣).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الرجال البالغين يُقتلون، وهذا أحد قولي الشافعية، واختيار ابن المنذر (^٤)، كما استدلوا بعموم الأدلة في قتل المشركين، وعدم مجيء ما يخرجهم من هذا العموم، وحملوا حديث الباب على العموم في كل شيخ قاتل أو لم يقاتل.\nوذهب الإِمام أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى أنهم لا يقتلون، وهذا روي عن أبي بكر الصديق - ﵁ - ومجاهد، وهو القول الثاني في مذهب الشافعية (^٥)، واستدلوا بحديث أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تقتلوا شيخًا فانيًا … \" (^٦) الحديث، وحملوا حديث الباب على ما تقدم من أن المراد بهم: الشيوخ الذين فيهم قوة على القتال، ومعونة عليه برأي أو تدبير، جمعًا بين\n_________\n(^١) \"النهاية\" (٢/ ٤٥٦).\n(^٢) \"معرفة السنن الآثار\" (١٣/ ٢٥٤).\n(^٣) \"الإكمال\" (٣/ ٤٨).\n(^٤) \"الإشراف\" (٤/ ٢٤)، \"المهذب\" (٢/ ٢٩٩).\n(^٥) انظر: (الاستذكار) (١٤/ ٧٢)، \"الشرح الكبير مع الإنصاف\" (١٠/ ٧٠)، \"شرح الزركشي على المختصر\" (٦/ ٥٤٧).\n(^٦) رواه أبو داود (٢٦١٤)، وابن أبي شيبة (١٢/ ٣٨٣)، والبيهقي (٩/ ٩٠)، وابن حزم (٧/ ٤٧٢) من طريق الحسن بن صالح، عن خالد بن الفِزْر، حدثني أنس به. وأعله ابن حزم بجهالة خالد بن الفزر، وقال ابن معين: (ليس بذاك) وقال أبو حاتم: (شيخ) وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ٢٠٧). انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٩٧).\nو(الفزر) ضبطه الحافظ في \"التقريب\" بأن آخره زاي وقبلها الراء.","vol":"9","page":54},{"text":"الأدلة، والظاهر أن الخلاف فيمن لم يقاتل من الشيوخ، وأما من قاتل فلا خلاف في إباحة قتله كما قال ابن عبد البر وغيره.\nوأما غير البالغين فإنهم لا يقتلون، ويكون هذا الحديث موافقًا لما تقدم من النهي عن قتل الصبيان، ويحتمل أن يراد بالشرخ من كان في أول الشباب، كما تقدم عن القاضي عياض، والنهي عن قتله لرجاء إسلامه، كما روي عن الإمام أحمد: أنه قال: (الشيخ لا يكاد يسلم، والشباب أقرب إلى الإِسلام) (^١)، ويكون الحديث مخصوصًا بمن يجوز تقريره على الكفر بالجزية. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"نيل الأوطار\" (١٤/ ١١٨).","vol":"9","page":55},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1082>ما جاء في المبارزة</span>\n١٢٨٣/ ١٨ - عَنْ عَليٍّ - ﵁ -، أنَّهُمْ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ. رَوَاه الْبُخَارِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ مُطَوَّلًا.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"المغازي\"، باب (قتل أبي جهل) (٣٩٦٥) من طريق قيس بن عُباد، عن علي - ﵁ - أنه قال: (أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة) وقال قيس بن عباد وفيهم أنزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]، قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر، حمزة وعلي وعبيدة -أو أبو عبيدة- بن الحارث، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة.\nوأخرجه أبو داود (٢٦٦٥) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرِّب، عن علي - ﵁ - قال: تقدم -يعني: عتبة بن ربيعة- وتبعه ابنه وأخوه، فنادى من يبارز؟ فانتدب له شابٌ من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه، فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث\" فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه، واحتملنا عبيدة.\nورواه أحمد (٢/ ٢٥٩ - ٢٦١) بهذا الإسناد بأطول من هذا السياق.\nوالحديث إسناده صحيح، ورجال ثقات، قال الحافظ: (سماع إسرائيل","vol":"9","page":56},{"text":"من أبي إسحاق في غاية الإتقان للزومه إياه؛ لأنه جده، وكان خصيصًا به) (^١).\nلكن اختلفت الروايات في تعيين المتحاذيين مع الاتفاق على هذه الأسماء، فقد جاء في \"مغازي ابن إسحاق\" أن عليًّا قتل الوليد، وحمزة قتل شيبة، وأن أبا عبيدة بارز عتبة، فالله أعلم (^٢).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أنهم) أي: المذكورين في سياق الحديث، وهم: علي وحمزة وعبيدة من المسلمين، وعتبة وشيبة والوليد من المشركين.\n\nقوله: (تبارزوا) أي: برز كل قِرْنٍ إلى قرنه ليقتله، وصورة المبارزة أن يتقابل الجيشان، فيخرج منهما رجلان أو بضعة رجال قبل بدء القتال العام، فيقاتلوا، وبعد تمام قتالهم يزحف الصفان، ويبدأ القتال في عامة نقاط الجيش.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز المبارزة، وأن للإمام أن يأذن لبعض جنده بمبارزة أقرانهم من المشركين، ومن أمره الإِمام بالمبارزة فليس له أن يتأخر عنها، والقول بجوازها مذهب الجمهور من أهل العلم، بل حُكي الإجماع، قال ابن قدامة: (لم يزل أصحاب رسول الله - ﷺ - يبارزون في عصر النبي - ﷺ - وبعده، ولم ينكره منكر، فكان ذلك إجماعًا) (^٣). وهل يشترط إذن القائد للمعركة؟ قولان:\nفذهب الأوزاعي والثوري وإسحاق وأحمد وابن قدامة إلى اشتراط إذن القائد (^٤)، لحديث الباب، فإن الرسول - ﷺ - أذن للمذكورين؟ ولأن القائد أعلم بفرسانه وفرسان العدو.\nوذهب مالك والشافعي وابن المنذر إلى أنه لا يشترط (^٥)، واستدلوا\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٥١).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٢٩٧).\n(^٣) \"المغني\" (١٣/ ٣٨، ٣٩).\n(^٤) \"المغني\" (١٣/ ٣٨)، \"فتح الباري\" (٧/ ٢٩٨).\n(^٥) \"الإقناع\" لابن المنذر (٢/ ٤٥٩)، \"المغني\" (١٣/ ٣٩).","vol":"9","page":57},{"text":"بحديث أبي قتادة - ﵁ - أنه قال: بارزت رجلًا يوم حنين فقتلته (^١). وليس فيه ما يدل على أنه استأذن النبي - ﷺ -.\nوالقول الأول أظهر؛ لقوة مأخذه؛ ولأن الخروج إلى الجهاد موكول إلى إذن الإِمام، فكذا توابعه وفروعه؛ ولأن الإنسان إذا برز إلى من لا يطيقه عرض نفسه للهلاك وكسر قلوب المسلمين؛ لتعلق قلوب الجيش به، أما ما ورد من الأدلة في هذا الباب فقد يدّعي كل فريق على الآخر أن دليله قضية عين لا عموم لها (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (٥/ ٢٣٦) وأصله في \"صحيح البخاري\" (٣١٤٢)، و\"مسلم\" (١٧٥١).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ٣٩)، \"الجهاد أنواعه وأحكامه\" ص (٢٤٥).","vol":"9","page":58},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1083>ما جاء في حمل المؤمن الشجاع على العدو</span>\n١٢٨٤/ ١٩ - عَنْ أَبي أيوبَ - ﵁ - قَال: إِنما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ فِينَا مَعْشَرَ الأنصَارِ، يَعْني: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، قَالهُ رَدًّا عَلَى مَنْ حَمَلَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتى دَخَلَ فِيهِمْ. رَوَاهُ الثلَاثةُ، وَصحَحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حبانَ والحاكمُ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الجهاد\"، بابٌ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] والترمذي (٢٩٧٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠/ ٢٧)، وابن حبان (٩/ ١١ - ١٠)، والحاكم (٢/ ٢٧٥) من طريق حيوة بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران قال: غزونا من المدينة نريد القُسطنطينية (^١)، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل، فقال الناس: مَهْ، مَهْ، لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصر الله نبيه، وأظهر الإِسلام، قلنا: هَلُمَّ نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد، قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية.\nهذا لفظ أبي داود، قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح غريب)،\n_________\n(^١) هي اصطنبول في البلاد التركية. انظر: \"مراصد الاطلاع\" (٣/ ١٠٩٢).","vol":"9","page":59},{"text":"وصححه ابن حبان، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي، وأسلم بن يزيد أبو عمران التجيبي لم يخرج له الشيخان شيئًا، وهو ثقة.\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا بأس أن يحمل المؤمن الشجاع القوي على العدو لمقاصد حسنة من تشجيع المسلمين وإرهاب المشركين؛ ليحدث فيهم رجة نفسية واضطرابًا، أو ثغرة ينفذ منها المسلمون إلى قلب العدو، وهذا يسمى الانغماس في العدو، وقد ذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية أنواعه، ثم قال: (فهذا كله جائز عنذ عامة علماء الإِسلام من أصل المذاهب الأربعة وغيرهم، وليس في ذلك إلا خلاف شاذ) (^١). وهذا ضرب من الحماسة والشجاعة المندفعة التي يكتب الله بها للمتحمس الشهادة إذا ما قُتل، إذا خلصت نيته واستقام القصد، ومثل هذا لا يوسف بأنه قد ألقى بنفسه إلى التهلكة، بناءً على ما قاله أبو أيوب - ﵁ -؛ فإنه بين أن المراد بالإلقاء إلى التهلكة هو الإقامة في المال والأهل وترك الجهاد، وليس منه حمل الرجل الشجاع على العدو، فهذا ليس من التهلكة، وهو مروي عن ابن عباس وعمر وغيرهما -﵄-، فقد روى ابن جرير بسند صحيح عن مدرك بن عوف قال: إني لَعِنْدَ عمر فقلت: إني لي جارًا رمى بنفسه في الحرب، فقتل، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذبوا، لكنه اشترى الآخرة بالدنيا (^٢).\nوروى -أيضًا- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - ﵄ - قال: ليس التهلكة أن يُقتل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله (^٣).\nوقد روى هذا ابن جرير بسنده عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب - ﵁ - (^٤)،\n_________\n(^١) \"جامع المسائل\" (٥/ ٣١١ - ٣١٢).\n(^٢) \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٤٩)، \"فتح الباري\" (٨/ ١٨٥).\n(^٣) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٥٨٤).\n(^٤) \"تفسير ابن جرير\" (٣/ ٥٨٨) قال الحافظ: \"سنده صحيح\"، \"فتح الباري\" (٨/ ١٨٥).","vol":"9","page":60},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية مبينًا فساد الاستدلال بالآية على أن المراد حمل الرجل الشجاع على العدو (تأويل الآية على هذا غلط، ولهذا ما زال الصحابة والأئمة ينكرون على من يتاول الآية على ذلك .. ثم ذكر ما تقدم عن عمر وأبي أيوب - ﵄ -) (^١).\nوهذا قول الجمهور، قال ابن كثير: (والأحاديث والآثار في هذا كثيرة، تدل على جواز المبارزة لمن عرف من نفسه بلاءً في الحرب وشدة وسطوة) (^٢). أما إن كان إقدامه مجرد تهور فهذا ممنوع، ولا سيما إذا ترتب على ذلك وهن المسلمين وضعفهم (^٣).\n\n* الوجه الثالث: اختلف العلماء في تفسير هذه الآية: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ على أقوال كثيرة:\nفالقول الأول: أن معناها: لا تتركوا النفقة في سبيل الله تعالى، بدلالة السياق: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وهذا قول حذيفة وابن عباس - ﵄ - وعكرمة وقتادة وآخرين، فقد روى البخاري بسنده عن سليمان قال: سمعت أبا وائل، عن حذيفة: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: نزلت في النفقة (^٤). والمراد: ترك النفقة في سبيل الله.\nوالقول الثاني: أن معناها لا تتركوا الجهاد في سبيل الله، وذلك بأن تقيموا في أموالكم وأهليكم، وتدعوا الجهاد، وهذا تفسير أبي أيوب - ﵁ -، كما تقدم، وقد نصر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول في رسالة مستقلة.\nوقد رجح الحافظ المعنى الأول لتصدير الآية بذكر النفقة، قال: (فهو المعتمد في نزولها) (^٥).\nوذهب آخرون، ومنهم الشوكاني إلى أن ما ورد في حديث أبي أيوب هو فرد من أفراد ما تصدق عليه الآية؛ لأنها تتضمن النهي عن كل ما يصدق عليه\n_________\n(^١) \"جامع المسائل\" (٥/ ٣٢٤).\n(^٢) \"إرشاد الفقيه\" (٢/ ٣١١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٨/ ١٨٥ - ١٨٦).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٤٥١٦).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٨/ ١٨٥).","vol":"9","page":61},{"text":"أنه من باب الإلقاء بالنفس إلى التهلكة، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا إنما يتم على رأي من يقول يحمل المشترك على جميع معانيه، وهي مسألة خلافية (^١).\nوالذي يظهر -والله أعلم- أن سبب نزول الآية هو ما ذكره أبو أيوب - ﵁ - من كونهم همُّوا بالإقامة على الأموال وإصلاحها، وترك الجهاد مع رسول الله - ﷺ -؛ لأن أبا أيوب قال: (إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار …) فأخبر بسبب نزول الآية، ولم يتكلم فيها برأيه، وهذا من ثابت روايته عن النبي - ﷺ -، وهو حجة يجب اتباعها (^٢)، ولأنه بعد نزولها لم يزل أبو أيوب - ﵁ - شاخصًا يجاهد في سبيل الله حتى قُبض، ولو لم يفهم هذا من معنى الآية لم يبق في تلك البقاع حتى الموت (^٣)، ثم إن الله تعالى قال في أول الآية: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وفي آخرها قال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فدلَّ ذلك على ما رواه أبو أيوب - ﵁ - من أن إمساك المال والبخل عن إنفاقه في سبيل الله والاشتغال به هو التهلكة (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (٧/ ٢٤٠).\n(^٢) انظر: \"جامع المسائل\" (٥/ ٣٢٧).\n(^٣) انظر: \"المحرر في أسباب نزول القرآن\" (١/ ٢٤٦).\n(^٤) انظر: \"مجموع الرسائل\" (٥/ ٣٢٦).","vol":"9","page":62},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1084>حكم التحريق في بلاد العدو</span>\n١٢٨٥/ ٢٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: حَرَّقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَّعَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"المغازي\"، باب (حديث بني النضير) (٤٠٣١)، ومسلم (١٧٤٦) من طريق نافع، عن ابن عمر -﵄-، وذكر الحديث، وتمامه: وفي البُويرة، فنزلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥].\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (حرَّق رسول الله - ﷺ -) أي: أمر أصحابه، وهذا من المجاز العقلي الذي علاقته السببية.\n\nقوله: (بني النضير) هم قبيلة كبيرة من قبائل اليهود، كانوا في البويرة، تصغير بئر، وهي تقع في الجنوب من مسجد قباء، وهي التي قال فيها حسان:\nوَهَانَ على سَراةِ بَني لُؤَيٍّ … حَرِيقٌ بالبُويرةِ مستطيرُ (^١)\nوكانت وقعة بني النضير بعد بدر بستة أشهر على ما حكاه البخاري عن الزهري، عن عروة (^٢).\n_________\n(^١) \"ديوان حسان بن ثابت\" ص (١١٨).\n(^٢) انظر: \"معجم ما استعجم\" (١/ ٢٨٥)، \"فتح الباري\" (٧/ ٣٢٩).","vol":"9","page":63},{"text":"قوله: (وقطع) أي: وأمر أصحابه بقطع الأشجار، ولعلها الأشجار التي يصعب تحريقها لشدة خضرتها وكثرة الماء في عروقها.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز قطع النخل والأشجار وتحريقها في الحرب إذا كان في قطعها مصلحة من إضعاف اقتصاديات العدو أو كونه يتقي بها أو نحو ذلك من المقاصد. وقد روى ابن جرير عن جماعة من السلف أن بني النضير بعثوا إلى رسول الله - ﷺ - يقولون: إنك تنهى عن الفساد، فما بالك تأمر بقطع الأشجار؟ فأنزل الله هذه الآية الكريمة: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ والمعنى: أن ما قطعتم وما تركتم من الأشجار، فالجميع بإذن الله ومشيئته وقدرته ورضاه، وفيه نكاية للعدو، وخزي لهم، وإرغام لأنوفهم (^١).\nواللِّينةُ: صنف من النخل، قيل: إنها غير العجوة والبرني، ونقل الفراء عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: (كل شيء من النخل سوى العجوة هو اللين) (^٢).\nوقد ذكر ابن قدامة أن الشجر والزرع في بلاد العدو ثلاثة أقسام (^٣):\n١ - قسم تدعو الحاجة إلى إتلافه، كالذي يمنع من قتالهم أو يكون في الطريق إليهم أو يكونون هم يفعلون ذلك بنا، قال: (فهذا يجوز قطعه بغير خلاف نعلمه).\n٢ - قسم يتضرر المسلمون بقطعه؛ لكونهم ينتفعون ببقائه أكلًا أو ظلًا أو علفًا لدوابهم، فهذا يحرم قطعه.\n٣ - ما عداهما مما لا ضرر فيه على المسلمين ولا نفع سوى غيظ الكفار والإضرار بهم ففيه قولان:\n_________\n(^١) \"تفسير الطبري\" (٢٨/ ٣٤)، \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ١٤٦).\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٣/ ١٤٤)، \"فتح الباري\" (٧/ ٣٣٣).\n(^٣) \"المغني\" (١٣/ ١٤٦).","vol":"9","page":64},{"text":"الأول: الجواز لحديث الباب، وهو رواية عن أحمد، وقول لمالك والشافعي وجماعة.\nوالقول الثاني: عدم الجواز لنهي أبي بكر - ﵁ - كما رواه مالك (^١)، وهذا قول الأوزاعي والليث وأبي ثور (^٢)، والأول أرجح؛ لقوة مأخذه، وأما نهي أبي بكر - ﵁ - فهو قول صحابي لا يعارض ما ثبت عن النبي - ﷺ -، وحمله الطبري وآخرون على عدم المصلحة في قطعها، أو على الإرادة والقصد، بخلاف ما أصابوه حال القتال (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الموطأ\" (٢/ ٤٤٧).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ١٤٦).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (٧/ ٢٨٥).","vol":"9","page":65},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1085>تحريم الغلول</span>\n١٢٨٦/ ٢١ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تَغُلُّوا فَإنَّ الْغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَصحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٣٧/ ٣٩١)، والنسائي في كتاب \"قسم الفيء\" (٧/ ١٣١)، والترمذي (١٥٦٤)، وابن ماجه (٢٨٥٢)، وابن حبان (١١/ ١٩٣ - ١٩٤) كلهم من طريق عبد الرحمن بن الحارث بن عياش، عن سليمان بن موسى، عن مكحول الدمشقي، عن أبي سلَّام، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: … وذكر الحديث.\nبعضهم يذكره مطولًا وبعضهم يذكره مختصرًا.\nوهذا الحديث حسنه الترمذي، وفيه عبد الرحمن بن الحارث، قال عنه ابن معين: (صالح)، وقال أبو حاتم: (شيخ)، وقال أحمد: (متروك)، وضعفه ابن المديني (^١)، وقال الحافظ: (صدوق له أوهام)، وسليمان بن موسى وهو الأشدق، قال عنه البخاري: (عنده مناكير)، وقال أبو حاتم: (محله الصدق، في حديثه بعض الاضطراب ..)، وقال النسائي: (ليس بالقوي في الحديث) وقال ابن عدي: (هو فقيه راوٍ حدث عنه الثقات من الناس، وهو أحد علماء الشام، وقد روى أحاديث ينفرد بها لا يرويها غيره، وهو عندي ثبت\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٤١ - ١٤٢).","vol":"9","page":66},{"text":"صدوق) (^١). وقال الحافظ: (صدوق فقيه في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل).\nوالحديث رواه أحمد (٣٧/ ٣٧١ - ٣٧٢) من طريق أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي سلَّام الأعرج، عن المقدام بن معديكرب الكندي أنه جلس مع عبادة بن الصامت … وذكر الحديث وفيه قصة، وفيه لفظ \"البلوغ\".\nوسنده ضعيف، لضعف أبي بكر بن عبد الله، وتسمية الراوي عن عبادة بالمقدام بن معديكرب وهو الصحابي المعروف خطأ، والصواب أنه مقدام الرُّهاوي، فهو الذي يروي عن عبادة، كما في \"تاريخ البخاري\" (^٢) و\"الجرح والتعديل\" (^٣) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.\nوللحديث شاهد من حديث عبد الله بن عمرو -﵄-، وهو حديث طويل، وفيه: \"فردوا الخياط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله يوم القيامة عارًا ونارًا وشنارًا\".\nرواه النسائي (٦/ ٢٦٢)، وأحمد (١١/ ٣٣٩ - ٣٤١) وسنده حسن، وفيه ابن إسحاق، وقد صرح بالتحديث عند أحمد (١١/ ٦١٢) وغيره.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا تغلوا) بضم الغين مضارع غل يَغُلُّ من باب قعد؛ أي: خان في المغنم وغيره (^٤). سمي بذلك؛ لأن صاحبه يغسله في متاعه؛ أي: يخفيه.\n\nقوله: (فإن الغلول ثار …) جملة تعليلية لقصد التحذير وبيان عاقبة الغال، ومعنى (نار) أي: سبب لعذاب النار يوم القيامة.\n\nقوله: (وعار) أي: خزي وفضيحة على صاحبه أمام المجاهدين وقائدهم، وقد يكون منه ما ورد في حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قام فينا النبي - ﷺ - فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، قال: \"لا أُلفين أحدكم يوم القيامة\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٣/ ٢٧٠)، \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٩٧ - ١٩٨).\n(^٢) \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٤٢٩)\n(^٣) (٨/ ٣٠٢).\n(^٤) \"المصباح المنير\" ص (٤٥٢).","vol":"9","page":67},{"text":"على رقبته فرس لها حمحمة، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك … \" الحديث (^١). فهذا فيه دليل على أن الغال يأتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق بهذه الصفة الشنيعة. وأما (الشنار) في حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - فهو: العيب والعار، وقيل: العيب الذي فيه عار (^٢).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الغلول وأنه من كبائر الذنوب، وهذا بالإجماع كما نقله النووي (^٣)، والحديث له ما يؤيده من نصوص الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] وعن زيد بن خالد - ﵁ - أن رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: \"صلوا على صاحبكم\" فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: \"إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله\" ففتشنا متاعه فوجدنا خرزًا من خرز يهود، لا تساوي درهمين (^٤).\n\n* الوجه الرابع: نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أن الغال من الغنيمة إذا تاب قبل القسمة فإنه يعيد ما غله (^٥)، وأما إذا تاب بعد القسمة ففيه قولان:\nالأول: أنه يدفع خمسه إلى الإِمام ويتصدق بالباقي، وهذا قول الحسن والزهري ومالك والأوزاعي والثوري والليث، ونصره ابن قدامة (^٦)؛ لأن في التصدق به نفعًا لمن يصل إليه من المساكين، وما يحصل من أجر يصل إلى صاحبه، فيذهب به الإثم عن الغال.\nوالقول الثاني: أنه لا يتصدق به، وهذا قول الشافعي، فإنه قال: إن كان مَلَكَهُ فليس عليه أن يتصدق به، وإن كان لم يملكه فليس له الصدقة بمال\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٠٧٣)، ومسلم (١٨٣١). والحمحمة: بمهملتين بينهما ميم ساكنة ثم ميم قبل الهاء، هو صوت الفرس عند العلف \"فتح الباري\" (٦/ ١٨٦).\n(^٢) \"النهاية\" (٢/ ٥٠٤).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (١٢/ ٤٥٩).\n(^٤) رواه أبو داود (٢٧١٠).\n(^٥) \"المغني\" (١٣/ ١٧١).\n(^٦) \"المغني\" (١٣/ ١٧١ - ١٧٢).","vol":"9","page":68},{"text":"غيره، قال: والواجب أن يدفعه إلى الإِمام كالأموال الضائعة (^١).\n\n* الوجه الخامس: يلحق بالغلول من الغنيمة الغلول من بيت المال أو من الزكوات أو من أموال الدولة، فكل من أخذ منها شيئًا بطريق غير مشروع فهو غال، ويؤيد ذلك أمران:\nالأول: أن علماء اللغة عمموا الغلول في المغنم وغيره كما تقدم.\nالثاني: حديث أبي هريرة - ﵁ - المتقدم فإنه كان في خطاب العاملين على الصدقات، مما يدل على أن الغلول عام في كل شيء فيه حق للعباد، وهو مشترك بين الغال وغيره. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ١٨٦).","vol":"9","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1086>استحقاق القاتل سلب المقتول</span>\n١٢٨٧/ ٢٢ - عَن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ، رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ.\n١٢٨٨/ ٢٣ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ - ﵁ - في -قِصَّةِ قَتْلِ أَبي جَهْلٍ- قَال: فَابْتَدَرَاهُ بِسَيفَيهِما حَتى قَتَلَاهُ، ثُمّ انْصَرَفَا إلَى رَسُول الله - ﷺ - فَأَخْبَرَاهُ، فَقَال: \"أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ هَلْ مَسَحْتُمَا سَيفَيكُمَا؟ \" قَالا: لَا، قَال: فَنَظَرَ فِيهِمَا فَقَال: \"كِلَاكُمَا قَتَلَهُ، سَلَبُهُ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأولى: في تخريجهما:\nأما حديث عوف بن مالك فقد رواه أبو داود في كتاب \"الجهاد\"، باب (في الإِمام يمنع القاتل السلب إن رأى) (٢٧١٩) من طريق صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، فرافقني مدديٌّ من أهل اليمن ليس معه إلَّا سيفه … وذكر حديثًا طويلًا، وفيه: فلما فتح الله ﷿ للمسلمين، بعث إليه خالد بن الوليد فأخد من السلب، قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد أما علمت أن رسول الله - ﷺ - قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى … وذكر تمام الحديث.\nورواه أبو داود (٢٧٢١) -أيضًا- بهذا الإسناد عن عوف بن مالك وخالد بن الوليد، وزاد: (ولم يخمس السلب)، قال ابن عبد الهادي: (إسناده","vol":"9","page":70},{"text":"صحيح) وقال ابن الملقن: (إسناده جيد) (^١).\nوكان الأولى بالحافظ أن يذكر هذه الزيادة كما فعل ابن دقيق العيد في \"الإلمام\" وابن عبد الهادي في \"المحرر\"؛ لفائدتها، كما سيأتي.\nورواه مسلم (١٧٥٣) (٤٤) من طريق صفوان بن عمرو به مختصرًا.\nوأما حديث عبد الرحمن بن عوف فقد رواه البخاري في كتاب \"فرض الخمس\"، باب (من لم يخمِّس الأسلاب) (٣١٤١)، ومسلم (١٧٥٢) من طريق يوسف بن الماجشُون، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أَضْلَعَ (^٢) منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عَمِّ هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أُخبرت أنه يسب رسول الله - ﷺ -، والذي نفسي بيده ليِّن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله - ﷺ - فأخبراه، فقال: أيكما قتله؟ قال كل واحد منهما: أنا قتلته … الحديث.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (بالسَّلَبِ) بالتحريك، ثياب المقتول وسلاحه ومركوبه من دابة وسيارة ودبابة وطائرة ونحو ذلك.\n_________\n(^١) \"المحرر\" ص (٢٨٦)، \"الإعلام\" (١٠/ ٣١٣).\n(^٢) بفتح الهمزة وسكون الضاد وفتح اللام على وزن (أفعل) من الضلاعة وهي القوة، قال في \"النهاية\" (٣/ ٩٧): (معناه بين رجلين أقوى من اللذين كنت بينهما وأشد) أو بفتح أوله وسكون المعجمة وضم اللام جمع ضلع. انظر: \"إكمال المعلم\" (٦/ ٦٥)، \"فتح الباري\" (٦/ ٢٤٨).","vol":"9","page":71},{"text":"قوله: (أبي جهل) هذه كنيته، واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، أحد سادات قريش وأبطالها في الجاهلية، يعد من أشد الناس عداوة للنبي - ﷺ -، وكان يقال له: أبو الحكم، فدعاه المسلمون أبا جهل، استمر على عناده وشركه وإيذاء المسلمين حتى كانت وقعة بدر فشهدها مع المشركين فكان من قتلاها (^١).\n\nقوله: (فابتدراه) أي: تسابقا إلى أبي جهل بسيفيهما، والضمير يعود على الغلامين من الأنصار المتقدم ذكرهما في قصة قتل أبي جهل وهما: معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح، وقد جاء هذا صريحًا عند البخاري ومسلم بعد سياق الحديث، فإن مسلمًا قال: والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء، وورد في \"الصحيحين\" من حديث أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: من ينظر ما صنع أبو جهل؟ فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، فقال: أأنت أبو جهل؟ قال: فأخذ بلحيته، قال: وهل فوق رجل قتلتموه؟ أو رجل قتله قومه (^٢).\nوهذا يفيد أن الذي قتله معاذ ومعوِّذ ابنا عفراء، قال النووي: يحتمل أن الثلاثة اشتركوا في قتله، وكان الإثخان من معاذ بن الجموح، ثم جاء ابن مسعود بعد ذلك وفيه رمق فحزَّ رقبته (^٣).\n\nقوله: (لمعاذ بن عمرو بن الجموح) بفتح الجيم، صحابي جليل شهد العقبة وبايع رسول الله - ﷺ - بها، وشهد بدرًا، ولما ضرب أبا جهل بسيفه ضربة صارمة أطنت قدمه جاء عكرمة بن أبي جهل وضرب معاذًا على عاتقه، فطرح يده وبقيت معلقة بجلدة بجنبه، قال: وأجهضني عنها القتال، فقاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت قدمي عليها ثم تمطأت عليها. حتى طرحتها. عاش - ﵁ - إلى أواخر خلافة عمر - ﵁ -، وقيل: إلى خلافة\n_________\n(^١) \"السيرة الحلبية\" (٢/ ٤١٨)، \"الأعلام\" للزركلي (٥/ ٢٦٢).\n(^٢) رواه البخاري (٣٩٦٢)، ومسلم (١٨٠٠).\n(^٣) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١٢/ ٣٠٨).","vol":"9","page":72},{"text":"عثمان - ﵁ - (^١).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن سلب المقتول يكون لقاتله، سواء قاله قائد الجيش قبل القتال أو بعده، وهو قول الجمهور، وهذا من باب التشجيع على قتال الأعداء، وقد ذكر الفقهاء شروطًا لاستحقاق القاتل سلب المقتول، وهي أن يكون قَتَلَهُ حال الحرب، وأن يكون القاتل منهمكًا على القتال ومقبلًا عليه، وأن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتلهم، وأن يكون فيه منعة وقوة (^٢).\n\n* الوجه الرابع: استدل بعض العلماء كأصحاب مالك وآخرين (^٣)، بحديث عبد الرحمن بن عوف على أن للإمام أن يعطي السلب لمن شاء وأنه مفوض إلى رأيه؛ لأنه - ﷺ - أخبر أن ابني عفراء قتلا أبا جهل، ثم جعل سلبه لغيرهما.\nوهذا الاستدل فيه نظر، والصواب أن السلب للقاتل، كما هو صريح الأدلة في هذا الباب، والرسول - ﷺ - أعطى السلب لمعاذ بن عمرو؛ لأنه رأى أثر ضربته بسيفه هي المؤثرة في قتله لعمقها فأعطاه السلب، وطيب قلوبهما بقوله: (كلاكما قتله) وإلا فالجناية القاتلة ضربة معاذ بن عمرو، ونسبة القتل إليهما مجازًا؛ أي: كلاكما أراد قتله، وقرينة المجاز إعطاء سلب المقتول لأحدهما، وقد يقال: هذا محل النزاع.\n\n* الوجه الخامس: اختلف العلماء في تخميس السلب؛ بمعنى هل يقسم خمسة أقسام كالغنيمة أو أنه يدفع كله للقاتل؟ فيه ثلاثة أقوال:\nالأول: أن السلب لا يخمس مطلقًا، وهو قول أحمد، وابن المنذر، وابن جرير، وهو الأصح عند الشافعية (^٤)، واستدلوا بعموم الأدلة في هذا\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٠/ ١٢٠)، \"السير\" (١/ ٢٤٩)، \"الإصابة\" (٩/ ٢٢٤)، \"السيرة\" لابن هشام (٢/ ٢٨٧).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ٦٦).\n(^٣) \"شرح النووي\" (١٢/ ٣٠٨)، \"فتح الباري\" (٦/ ٢٤٨).\n(^٤) \"الاستذكار\" (١٤/ ١٤٠)، \"المهذب\" (٢/ ٣٠٥)، \"المغني\" (١٣/ ٦٩).","vol":"9","page":73},{"text":"الباب، ومنها حديث أبي قتادة: (من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه) فَمَلَّكَهُ إياه ولم يستثن منه شيئًا، ولفظة: (ولم يخمس السلب) نص صريح في نفي تخميسه؛ ولأنه لو اعتبر من خمس الخمس لاحتيج إلى معرفة قيمته وقدره ولم ينقل ذلك، وعلى هذا القول تكون آية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] مخصصة بهذه الأحاديث.\nالقول الثاني: أن السلب يخمس مطلقًا، وهذا قول مكحول، ومالك، والأوزاعي، وهو قول ضعيف للشافعي (^١)، واستدلوا بعموم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ …﴾.\nوالقول الثالث: التفصيل، وهو إن استكثره الإِمام خَمَّسَهُ وإلا فلا، وهذا قول إسحاق (^٢)، ودليله فعل عمر - ﵁ - مع البراء بن مالك حين بارز المرْزُبانَ فقتله فأخذ سلبه، فبلغ ثلاثين ألفًا، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال لأبي طلحة: إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالًا كثيرًا، ولا أرانا إلا خامسيه (^٣)، ومؤدى هذا القول أن تخميس السلب مرجعه إلى الإِمام، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (١٤/ ١٤٠)، \"المغني\" (١٣/ ٦٩).\n(^٢) المصدران السابقان.\n(^٣) رواه عبد الرزاق (٥/ ٢٣٣)، وأبو عبيد (٣١٠)، والبيهقي (٦/ ٣١٠). وانظر: \"المغني\" (١٣/ ٣٨).","vol":"9","page":74},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1087>حكم القتل بما يعم</span>\n١٢٨٩/ ٢٤ - عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ في الْمَرَاسِيلِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.\n١٢٩٠/ ٢٥ - وَوَصَلَهُ العُقَيليّ بإسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَليٍّ - ﵁ -.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو فقيه الشام أبو عبد الله مكحول بن عبد الله الدمشقي، روى عن أنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع وغيرهما، وروى عنه خلق كثير، منهم الزهري وربيعة الرأي وعطاء الخرساني، وكان من سبي كابل -من ثغور خراسان- وصار مولى لامرأة من قيس، وكان سِنْديًّا لا يفصح، وعتق بمصر، قال في \"التقريب\": (ثقة فقيه كثير الإرسال مشهور)، مات سنة بضع عشرة ومائة (^١).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث مكحول فقد رواه أبو داود في \"المراسيل\" (٣٢١)، والبيهقي (٩/ ٨٤) من طريق يحيى بن سعيد، عن سفيان الثوري، عن ثور، عن مكحول مرسلًا.\nورجاله ثقات، أخرج لهما الشيخان، غير ثور وهو ابن يزيد الكلاعي، فقد أخرج له البخاري، ولم يخرج له مسلم شيئًا.\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب الكمال\" (٢٨/ ٤٦٤)، \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ١٥٥).","vol":"9","page":75},{"text":"وروى أبو داود -أيضًا- (٣٢٢) ومن طريقه البيهقي (٩/ ٨٤) عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: حاصرهم رسول الله - ﷺ - شهرًا. فقلت ليحيى: أفبلغك أنه رماهم بالمجانيق؟ فأنكر ذلك، وقال: ما نعرف هذا. وفي هذا المرسل نَفْيُ ما أثبته مكحول في المرسل قبله.\nوأما الموصول من حديث علي - ﵁ - فقد رواه العقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ٢٤٤) من طريق عبد الله بن خراش، عن العوام بن حوشب أبي صادق، عن علي - ﵁ - قال: نصب رسول الله - ﷺ - المنجنيق على أهل الطائف.\nوهذا سند ضعيف جدًّا؛ لأن عبد الله بن خراش تكلم فيه الأئمة، فقال البخاري: (منكر الحديث)، وقال أبو حاتم: (منكر الحديث ضعيف الحديث).\nوقد ذكر العقيلي هذا الحديث في ترجمته مع أحاديث أخرى ثم قال: (كلها غير محفوظة، ولا يتابعه عليها إلا من هو دونه أو مثله) (^١).\nوحصار الطائف ثابت في \"الصحيحين\" وليس فيه ذكر الرمي بالمنجنيق.\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (نصب المنجنيق) هو بفتح الميم والجيم وسكون النون الأولى، لفظ أعجمي عَرَّبه العرب، وهو آلة من آلات الحرب تقذف بها الحجارة إلى مسافة بعيدة.\n\nقوله: (على أهل الطائف) أي: في حصار أهل الطائف، وذلك في شوال سنة ثمان، كما ذكر البخاري، وهذا قول جمهور أهل المغازي (^٢).\nوالطائف مدينة معروفة، وحصار الطائف كان بعد هزيمة حنين وأوطاس؛ لأن ثقيفًا لجأت إلى حصونها بالطائف واعتصمت بها، فحاصرهم المسلمون خمس عشرة ليلة -على أحد الأقوال- ولم يتمكنوا من اقتحامها\n_________\n(^١) \"الضعفاء\" (٢/ ٢٤٣)، \"تهذيب \"التهذيب\" (٥/ ١٧٣).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٤٣).","vol":"9","page":76},{"text":"فانصرفوا عنها، وقصتهم في \"الصحيحين\" (^١).\n\n* الوجه الرابع: يستدل الفقهاء بما تقدم على أنه يجوز رمي الكفار بما يَعُمُّ إتلاف ذريتهم ونسائهم معهم؛ لأن كف المسلمين عنهم يفضي إلى تعطيل الجهاد؛ ولأن القتال به معتاد، فأشبه الرمي بالسهام، وهذا قول أحمد والشافعي وأصحاب الرأي والثوري والأوزاعي وابن المنذر (^٢).\nويقاس عليه ما ظهر في هذا العصر مما هو أبلغ منه في القتل والإبادة والإتلاف من المدافع والطائرات ونحو ذلك، جعلها الله تعالى بأيدي المسلمين، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٤٣٢٥)، \"صحيح مسلم\" (١٧٧٨).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ١٤٠).","vol":"9","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1088>ما جاء في قتل الأسير بدون عرض الإِسلام عليه </span>(^١)\n١٢٩١/ ٢٦ - عَنْ أنسٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَال: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَال: \"اقْتُلُوهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الجهاد\"، باب (قتل الأسير وقتل الصَّبْر) (٣٠٤٤)، ومسلم (١٣٥٧) من طريق مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر … الحديث.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (وعلى رأسه المغفر) جملة حالية، الغرض منها بيان أنه ليس بِمُحْرِمٍ حين دخوله.\nوالمغفر: بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء زيادة في الدرع ليغطي الرأس كالقلنسوة، أو ما غطى الرأس من السلاح كالبيضة.\n\nقوله: (جاءه رجل) مختلف في اسمه على أقوال ذكرها ابن الملقن، وجزم عدد من الشراح بأنه أبو برزة الأسلمي - ﵁ - (^٢).\n_________\n(^١) حديث الباب موضعه كتاب الحج، وقد ذكره البخاري في \"الجهاد\" وبوب عليه كما سيأتي، وما ذكرته هو تبويب أبي داود، ولعل وجه ذلك أن ابن خطل لما كان مقدورًا عليه صار كالأسير في يد الإمام وهو غير فيه بين القتل وغيره، كما سيأتي.\n(^٢) \"الأعلام\" (٦/ ١٦٠)، \"فتح الباري\" (٤/ ٦١).","vol":"9","page":78},{"text":"قوله: (ابن خَطَلٍ) بالتحريك، واسمه عبد العزى، كما جزم بذلك ابن دقيق العيد وغيره (^١)، وقيل غير ذلك، واسم خطل: عبد مناف من بني تميم، وخطل لقب له؛ لأن أحد لحييه كان أنقص من الآخر. أسلم ابن خطل، وتَسَمَّى عبد الله، وبعثه النبي - ﷺ - على الصدقة، فقتل مولى كان معه يخدمه، ثم ارتد مشركًا، واتخذ قينتين تغنيان بهجاء النبي - ﷺ -، فلما فتح النبي - ﷺ - مكة، قال: \"من دخل المسجد فهو آمن\"، فانتهز ابن خطل هذه الفرصة ودخل المسجد، وتعلق بأستار الكعبة ليستجير بها، ولكن ذلك لم ينفعه؛ لشدة أذيته وطغيانه (^٢).\n\nقوله: (بأستار الكعبة) جمع ستر، وهو الثوب الذي تغطى به الكعبة، وقد ذكر المؤرخون أنها كانت تكسى من عهد إسماعيل فهو أول من كساها، وكانت كسوتها في عهد النبي - ﷺ - وخلفائه الراشدين من القباطي والحِبَرات، وأول من جعلها من الديباج معاوية على خلاف في ذلك كله، وكانت تكسى في الجاهلية وصدر الإِسلام يوم عاشوراء، ثم صارت تُكسى في أوقات أخرى (^٣).\n\nقوله: (فقال: اقتلوه) روى ابن أبي شيبة من طريق أبي عثمان النهدي أن أبا برزة الأسلمي قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة (^٤).\nوالمشهور أن سبب قتله أن النبي - ﷺ - بعثه مصدقًا وبعث معه رجلًا من الأنصار، وكان معه مولى يخدمه فأمر مولاه بصنع الطعام، فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه وقتله ثم ارتد، وكان له جاريتان تغنيان بهجاء النبي - ﷺ -.\n_________\n(^١) \"أحكام الأحكام\" (٣/ ٥٢٢).\n(^٢) \"الأعلام\" (٦/ ١٥٥).\n(^٣) انظر: \"أخبار مكة\" للأزرقي (١/ ٢٤٩)، \"فتح الباري\" (٣/ ٤٥٨).\n(^٤) \"المصنف\" (١٤/ ٤٩٢)، وفيه: (أبي عثمان) بدون نسبة، وفي \"الفتح\": أبي عثمان النهدي قال الحافظ: وإسناده صحيح مع إرساله، وله شاهد عند الإمام ابن المبارك في \"البر والصلة\" من حديث أبي برزة نفسه. ورواه الإمام أحمد من وجه آخر (٣٣/ ٣٦، ٤٠ - ٤١). انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٦١).","vol":"9","page":79},{"text":"قال الحافظ: وهو أصح ما ورد في تفسير قتله (^١)، وقد جزم بذلك أبو داود في \"سننه\" (^٢).\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على جواز دخول مكة بدون إحرام إذا كان الداخل غير مريدِ الحَجَّ ولا العمرة، وقد حكى ابن قدامة الإجماع على أن من جاوز الميقات وهو لا يريد دخول الحرم فإنه لا يلزمه الإحرام (^٣)، كما أنه لا خلاف في أن مريد النسك يجب عليه الإحرام، وإنما الخلاف فيمن يريد دخول مكة لحاجة كتجارة أو زيارة، أو مكي قدم من سفره ونحو ذلك، والراجح أنه لا يلزمه الإحرام، وقد مضى بحث هذه المسألة في كتاب \"الحج\" (^٤).\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على جواز لبس المغفر ونحوه من السلاح حال الخوف من العدو وإرهابًا لهم، وهو من باب الأخذ بأسباب الوقاية وأنه لا ينافي التوكل على الله تعالى.\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على جواز رفع أخبار المجرمين إلى ولاة الأمور لينفذوا فيهم حكم الله، وأن هذا ليس من الغيبة أو النميمة؛ لما يترتب عليه من المصالح العظيمة (^٥).\n\n* الوجه السادس: في الحديث دليل على أن من جاز قتله في الحرم لكونه تعاطى سبب القتل فإن تعلقه بأستار الكعبة لا يمنعه من ذلك.\n\n* الوجه السابع: في الحديث دليل على عظم الكعبة وحرمتها في النفوس؛ لكون ابن خطل تعلق بأستارها مستجيرًا بها مع أنه كان كافرًا. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٦١).\n(^٢) (٣/ ٦٠).\n(^٣) \"المغني\" (٥/ ٧٠).\n(^٤) انظر: (٥/ ١٩٦) من هذا الكتاب.\n(^٥) انظر: \"الإعلام\" (٦/ ١٦٥)، \"تنبيه الأفهام\" (٣/ ١٤٢).","vol":"9","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1089>ما جاء في القتل صبرًا</span>\n١٢٩٢/ ٢٧ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ ﵀ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثةً صَبْرًا. أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ في الْمَرَاسِيلِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأولى: في ترجمة الراوي:\nوهو الإِمام المقرئ الفقيه أحد الأعلام الأثبات الثقات أبو عبد الله سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم، الكوفي، روى عن جماعة من أصحاب النبي - ﷺ - منهم ابن عباس وابن عمر وابن مسعود وعبد الله بن مغفل وأنس وغيرهم -﵃-، وروى عنه خلق كثير، منهم عمرو بن دينار وأيوب السختياني والأعمش. روي عن حبيب بن ثابت أنه قال: قال لي سعيد بن جبير: (لأن أنشر علمي أحب إليّ من أن أذهب به إلى قبري)، قتله الحجاج بن يوسف سنة خمس وتسعين ﵀ (^١).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الأثر رواه أبو داود في \"المراسيل\" (٣٢٣) من طريق هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير أن رسول الله - ﷺ - قتل يوم بدر ثلاثة وهي من قريش صبرًا: المطعم بن عدي، والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط … قال أبو داود: قال شعبة: طعمة بن عدي مكان المطعم، وصوابه: طعيمة.\nورجاله ثقات، وإسناده صحيح إلى مرسله.\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (١٠/ ٣٥٨)، \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٣٢١).","vol":"9","page":81},{"text":"* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (قتل يوم بدر) أي: بعد نهاية المعركة وأخذ الأسارى.\n\nقوله: (ثلاثة) أي: من الأسارى، تقدم ذكرهم.\n\nقوله: (صبرًا) الصبر في الأصل معناه: الحبس، والقتل صبرًا: أن يحبس المقتول ويوثق ثم يرمى حتى يموت.\n\n* الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال بجواز قتل الصبر، وقد روى الإِمام مسلم بسنده عن عبد الله بن مطيع، عن أبيه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول يوم فتح مكة: \"لا يقتل قرشي صبرًا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة\" (^١)، وذكر القاضي عياض أن هذا إعلام من النبي - ﷺ - بأنهم سيسلمون كلهم كما كان، وأنهم لا يرتدون كما ارتد غيرهم ممن حورب وقتل صبرا، ولم يرد أنهم لا يقتلون ظلمًا صبرًا وغير صبر، فقد جرى على قريش بعد ذلك ما هو معلوم (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٧٨٢).\n(^٢) \"الإكمال\" (٦/ ١٤٧)، راجع: \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١٢/ ٣٧٦).","vol":"9","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1090>جواز فداء الأسير المسلم بالأسير الكافر</span>\n١٢٩٣/ ٢٨ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَدَى رَجُلَينِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنَ المُشْرِكينَ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحّحَهُ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه الترمذي في أبواب \"السير عن رسول الله - ﷺ - \"، باب (ما جاء في قتل الأسارى والفداء) (١٥٦٨)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨/ ٤٧)، من طريق سفيان بن عيينة، وأحمد (٣٣/ ٦١، ٩٥، ١١٣، ١٢٤) من طريق إسماعيل بن علية، وحماد بن زيد، وسفيان، ثلاثتهم عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمه، عن عمران بن حصين - ﵁ - قال: … فذكره.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح، وعَمُّ أبي قلابة: هو أبو المهلب، واسمه: عبد الرحمن بن عمرو، ويقال: معاوية بن عمرو …).\nوالحديث أصله عند مسلم (١٦٤١) من طريق إسماعيل وحماد وعبد الوهاب الثقفي ثلاثتهم عن أيوب، بهذا الإسناد عن عمران بن حصين قال: كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأسر أصحاب رسول الله - ﷺ - رجلًا من بني عقيل .. وذكر الحديث، وفيه: ففُدي بالرجلين … وذكر تمامه.\nولعل الحافظ عدل إلى لفظ الترمذي لأنه أخصر أو لأنه أصرح.\n\n* الوجه الثاني: في الحديث دليل على أنه يجوز فداء الأسير المسلم","vol":"9","page":83},{"text":"بأسير أو أكثر من المشركين، وهذا يدل على عناية الإِسلام بالأسارى وحرصه على تخليصهم.\nوقد ذكر الفقهاء أن المسلمين إذا أسروا أحدًا من أهل الحرب فإن الإِمام يخير فيهم بين أربعة أمور تخيير مصلحة واجتهاد في الأصلح لا تخيير شهوة: إما القتل، وإما استرقاقهم، وإما المنُّ عليهم بدون شيء، وإما الفداء بمال أو مسلم بأن يُطلق الأسير الكافر مقابل إطلاق رجل مسلم مأسور عند الكفار، كما في حديث عمران هذا، ولقوله تعالى: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، وقال - ﷺ - في أسارى بدر: \"لو كان المطعم بن عدي حيًّا، ثم سألني هؤلاء النَّتْنَى لأطلقتهم له\" (^١). وقد مَنَّ النبي - ﷺ - على ثُمامة بن أُثَال (^٢)، ومَنَّ على أبي العاص بن الرَّبيع (^٣).\nوأما القتل: فلأن النَّبِيّ - ﷺ - قتل رجال بني قريظة، كما حكم فيهم سعد بن معاذ - ﵁ - (^٤)، وأما الرِّق، فلأنه يجوز إقرارهم بالجزية، فبالرق أولى؛ لأنه أبلغ في صَغَارِهِم، وقد تقدم استرقاق ذراري بني المصطلق.\nوما تقدم من كون الإِمام مخيرًا هو الراجح في هذه المسألة، قال ابن قدامة: (لأن كل خصلة من هذه الخصال قد تكون أصلح في بعض الأسرى، فإن منهم من له قوة ونكاية في المسلمين وبقاؤه ضرر عليهم، فقتله أصلح، ومنهم الضعيف الذي له مال كثير ففداؤه أصلح، ومنهم حسن الرأي\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣١٣٩)، وسيأتي شرحه بعد حديث واحد -إن شاء الله-.\n(^٢) رواه البخاري (٤٣٧٢)، ومسلم (١٧٦٤) وتقدمت قصته في باب \"الغسل\" من كتاب \"الطهارة\". وانظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ٦٥).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٦٩٢)، وأحمد (٤٣/ ٣٨١) من طريق محمَّد بن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عائشة -﵄-، وهذا سند حسن من أجل ابن إسحاق، وقد صرح بالتحديث، وأما قول الحاكم (٣/ ٢٣): (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجه) فوهم منه؛ فإن مسلمًا لم يحتج بمحمد بن إسحاق، وإنما أخرج له في المتابعات.\n(^٤) رواه البخاري (٣٠٤٣).","vol":"9","page":84},{"text":"في المسلمين، فالمنُّ عليه أصلح، ومنهم من يُنتفع بخدمته ويؤمن شره فاسترقاقه أصلح كالنساء والصبيان، والإمام أعلم بالمصلحة، فينبغي أن يُفوض ذلك إليه) (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٣/ ٤٦).","vol":"9","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1091>ما جاء في أن الحربي إذا أسلم قبل القدرة عليه فقد أحرز ماله</span>\n١٢٩٤/ ٢٩ - عَنْ صَخْرِ بْنِ الْعَيْلَةِ - ﵁ - أَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَال: \"إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو صخر بن العيلة -بفتح العين- بن عبد الله بن ربيعة البجلي الأحمسي، كنيته أبو حازم، ذكر ابن عبد البر أن العيلة هي أمه، وقال: (العيلة في أسماء نساء قريش متكررة) ذكره ابن سعد في مسلمة الفتح، سكن الكوفة، وأخرج أبو داود حديثه، قال ابن السكن والبغوي: (ليس له غيره) (^١).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الخراج والإمارة والفيء\"، بابٌ (في إقطاع الأرضين) (٣٠٦٧) ومن طريقه البيهقي (٩/ ١١٤) من طريق الفريابي، ثنا أبان، وهو ابن عبد الله بن أبي حازم قال: حدثني عثمان بن أبي حازم، عن أبيه، عن جده صخر أن رسول الله - ﷺ - غزا ثقيفًا … وساق الحديث بطوله إلى أن قال: فأتوا النبي - ﷺ - فقالوا: يا نبي الله، أسلمنا وأتينا صخرًا ليدفع إلينا ماءنا فأبى علينا، فأتاه فقال: \"يا صحر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم، فادفع إلى القوم ماءهم … \" الحديث.\nوهذا الحديث رجاله موثقون؛ أي: قيل بتوثيقهم، أبان بن عبد الله بن\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٥/ ١٢٠)، \"الإصابة\" (٥/ ١٣٠).","vol":"9","page":86},{"text":"أبي حازم مختلف فيه، فقد قال أحمد: (صدوق صالح الحديث)، ووثقه ابن معين، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال ابن حبان: (كان ممن فحش خطؤه، وانفرد بالمناكير)، وقال الذهبي: (كوفي له مناكير حسن الحديث) (^١)، وقال في \"التقريب\": (صدوق في حفظه لين)، وقد تفرد أبان بن عبد الله بهذا الحديث، وما دام أنه مختلف فيه فمثله لا يحتمل تفرده لا سيما مع مقولة ابن حبان والذهبي.\nوعثمان بن أبي حازم لم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان، فقد ذكره في \"الثقات\" (^٢)، وقد تفرد بالرواية عنه ابن أخيه أبان، وقال الحافظ: (مقبول)، ووالد عثمان مجهول الحال، فقد انفرد بالرواية عنه ابنه عثمان، وقال ابن القطان: (لا يعرف حاله، ولم يؤثر توثيقه عن أحد) (^٣)، وقال الحافظ: (مستور)، ورواه أحمد (٣١/ ٧٠) عن وكيع، حدثنا أبان، حدثني عمومتي، عن جدهم صخر … الحديث، وعلى هذا فقد تكون رواية وكيع أرجح؛ لأنه أحفظ من الفريابي.\nوالحديث له شواهد، ومنها حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى بشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام وحسابهم على الله تعالى\" (^٤).\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن من أسلم من الكفار حرم دمه وماله، وظاهر قوله: (وأموالهم) أن الأموال تشمل المنقول وغير المنقول، فيكون المسلم طوعًا أحق بجميع أمواله، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم لا فرق عندهم بين أن يكون إسلامه في دار الإِسلام أو دار الكفر على ظاهر الدليل، وللفقهاء تفاصيل في ذلك (^٥). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المجروحين\" (١/ ٩٤)، \"المغني في الضعفاء\" (١/ ١٣)، \"تهذيب الكمال\" (٢/ ١٤).\n(^٢) (٧/ ١٩٢).\n(^٣) \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٢٦٥).\n(^٤) تقدم تخريجه عند شرح الحديث (١٢٧٦).\n(^٥) انظر: \"المغني\" (١٣/ ١١٥).","vol":"9","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1092>جواز المن على الأسير بدون فداء</span>\n١٢٩٥/ ٣٠ - عَنْ جُبَيرِ بْنِ مُطْعِمٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَال في أُسَارَى بَدْرٍ: \"لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَني في هؤُلاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"فرض الخمس\"، باب (ما منَّ النبي - ﷺ - على الأسارى من غير أن يخمِّس) (٣١٣٩) من طريق معمر، عن الزهري، عن محمَّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه - ﵁ - مرفوعًا.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (في أسارى بدر) أي: من المشركين، وهو بضم الهمزة مقصور، جمع أسير، ويقال: أَسارى بفتحها، ويقال: أَسرى مثل قتلى وقتيل، والأسير مأخوذ من الأَسر والإسار وهو القِدُّ، -وهو السَّير المتخذ من جلدٍ غير مدبوغٍ-؛ لأنهم كانوا يشدون به الأسير، فسمي كل أخيذ وإن لم يشد بالقِدِّ أسيرًا.\n\nقوله: (لو كان المطعم حيًّا) لو هنا إما أن تكون بمعنى الخبر المحض بمعنى أن النبي - ﷺ - يخبر بأنه لو كان المطعم حيًّا ثم كلمه في هؤلاء النتنى لتركهم له، وقد تكون بمعنى التمني (^١).\n_________\n(^١) \"القول المفيد\" (٣/ ١٢٣).","vol":"9","page":88},{"text":"قوله: (المطعم بن عدي) هو المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي، رئيس بني نوفل في الجاهلية وقائدهم في حرب الفجار -بكسر الفاء وتخفيف الجيم- التي وقعت سنة ثلاث وثلاثين قبل الهجرة، وهو أحد المشركين الذين كانوا يدافعون عن رسول الله - ﷺ - في مكة، وهو الذي أجار رسول الله - ﷺ - لما انصرف عن أهل الطائف وعاد متوجهًا إلى مكة، وكان أحد الذين مزقوا صحيفة المقاطعة التي كتبتها قريش ضد رسول الله - ﷺ - ومن كان معه، مات المطعم كافرًا قبل وقعة بدر، وله بضع وتسعون سنة (^١).\n\nقوله: (النتنى) جمع تكسير على وزن فَعْلَى، ومفرده نَتِنٌ مثل زَمِن وزمنى، أو نتين كجريح وجرحى، والمعنى: أنهم خبيثو النفوس بسبب شركهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].\n\nقوله: (لتركتهم له) أي: لأطلقت هؤلاء الأسارى بدون فداء من أجله مكافأة له على حسن صنيعه مع النبي - ﷺ - حيث ذب عنه المشركين، ودخل مكة في جواره لما رجع من الطائف (^٢).\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على جواز المنّ على الأسير وإطلاقه بدون فداء لشفاعة رجل عظيم، والمنُّ على الأسير وإطلاقه هو أحد الأمور الأربعة التي يخير فيها الإِمام في موضوع الأسارى حسب المصلحة، كما تقدم.\nوالأسير الذي يخير فيه الإِمام بين هذه الأمور الأربعة هو الرجل من أهل الكتاب والمجوس الذين يقرون بالجزية، أما عبدة الأوثان وغيرهم ممن لا يقرون بالجزية، فيخير الإِمام فيهم بين القتل أو السنن أو المفاداة وأما استرقاقهم فهو موضع خلاف.\n_________\n(^١) \"الطبقات\" (١/ ٢١٢)، \"سيرة ابن هشام\" (٢/ ١٩ - ٢٥)، \"الأعلام\" (٨/ ١٥٧).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٣٢٤).","vol":"9","page":89},{"text":"وأما النساء والصبيان فيصيرون أرقاء للمسلمين بنفس السبي، ولا يجوز قتلهم لنهيه - ﷺ - عن قتل النساء والصبيان، كما تقدم.\n\n* الوجه الرابع: استحباب الاعتراف بالفضل، ومكافأة من أسدى إليك معروفًا وإن كان كافرًا؛ لأن النبي - ﷺ - ذكر أن المطعم بن عدي لو كان حيًّا وطلب من النبي - ﷺ - ترك الأسارى وإطلاقهم بغير فداء لَفَعَلَ مكافأة له على إحسانه.\nوالاعتراف بالفضل من أخلاق النبوة، وهو خلق جميل، وصفة عالية، لأنه اعتراف بالنعمة، وشكر للمنعم، وتشجيع لذوي الفضل أن يستمروا في فضلهم الذي يلقى الاعتراف من الآخرين، وهو دليل على حسن الخلق، وكمال الإيمان، وشرف النفس، وكرم الطبع، وهو من أسباب بقاء النعم وزيادتها.\nوقد أمر الله تعالى بألا ننسى الفضل فيما بيننا، وأن ننسب الفضل إلى أهله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ﴾ [االبقرة: ٢٣٧] قال ابن حبان: (الحر لا يكفر النعمة، ولا يتسخط المصيبة، بل عند النعم يشكر، وعند المصائب يصبر، ومن لم يكن لقليل المعروف عنده وقع، أوشك ألا يشكر الكثير منه، والنعم لا تستجلب زيادتها، ولا تدفع الآفات عنها إلا بالشكر لله جل وعلا، ولمن أسداها إليه) (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"روضة العقلاء\" ص (٢٦٤).","vol":"9","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1093>جواز وطء المرأة المسبية</span>\n١٢٩٦/ ٣١ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَال: أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ، فَتَحَرّجُوا، فَأنزَلَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ الآية. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الرضاع\"، باب (جواز وطء المسبية بعد الاستبراء وإن كان لها زوج انفسخ نكاحها بالسبي) (١٤٥٦) من طريق صالح أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس فلقوا عدوًا، فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكان أناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - تحرجوا … الحديث. وتمامه: أي: فهنَّ لكم حلال إذا انقضت عدتهن.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (سبايا) هذا جمع مفرده سبية كعطية وعطايا، قال ابن الأثير: (السَّبِيَّةُ: المرأة المنهوبة، فعيلة بمعنى مفعولة) (^١).\n\nقوله: (يوم أوطاس) تقدم في آخر باب \"العدة\" أن غزوة أوطاس كانت بعد حنين سنة ثمان.\n_________\n(^١) \"النهاية\" (٢/ ٣٤٠).","vol":"9","page":91},{"text":"قوله: (فتحرجوا) أي: ظنوا أن في وطئهن إثمًا وحرجًا؛ لكونهن متزوجات، فاجتنبوا وطأهن.\nقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] أي: ذوات الأزواج، يقال: امرأة محصنة؛ أي: متزوجة، والإحصان له عدة معان، وهو بالرفع عطفًا على ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أي: وحرمت عليكم المحصناتُ.\nوقوله تعالى: ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: إلا ما ملكتم بالسبي من أرض الحرب فهن حلال لكم ولو كنَّ ذوات أزواج، كما تقدم.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن أزواج الكفار إذا سباهن المسلمون وأزواجهن في دار الحرب فإنهن حلال للمسلمين، وينفسخ نكاحها من زوجها الكافر بمجرد سبيها، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، قال القرطبي عن حديث الباب: (هذا نص صحيح صريح في أن الآية نزلت لسبب تحرج أصحاب رسول الله - ﷺ - عن وطء المسبيات ذوات الأزواج، فأنزل الله في جوابهم: ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ (^١).\nلكن لا يجوز وطؤها إلا بعد استبرائها، كما تقدم في آخر \"العدة\"، إما بوضع الحمل إن كانت حاملًا أو بحيضة واحدة.\n\n* الوجه الرابع: ظاهر الحديث يدل على جواز وطء المسبية ولو قبل إسلامها، سواء أكانت كتابية أم وثنية، والآية المتقدمة عامة، وسبايا أوطاس كن وثنيات، ولم يرد أن النبي - ﷺ - عرض على سبايا أوطاس الإِسلام، ولا أخبر أصحابه بأنه لا توطأ مسبية حتى تسلم، ولو كان هذا شرطًا لبينه النبي - ﷺ -؛ لأن هذا هو وقت البيان ولا سيما وفي المسلمين يوم حنين وغيره مَنْ هو حديث عهد بالإِسلام يخفى عليهم مثل هذا الحكم، وتجويز حصول الإِسلام من جميع السبايا وهن في غاية الكثرة بعيد جدًّا.\n_________\n(^١) \"تفسير القرطبي\" (٥/ ١٢١).","vol":"9","page":92},{"text":"ويؤيد ذلك أنه ثبت بالسنة -كما تقدم في آخر \"العدة\"- أنه - ﷺ - باستبراء المسبية ولم يذكر الإِسلام، فدل على جواز وطء المسبية على أي دين كانت (^١).\n\n* الوجه الخامس: أخذ بعموم هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ جماعة من السلف فقالوا: إن بيع الأمة يكون طلاقًا لها من زوجها؛ لأن الفرج محرم على اثنين في حال واحدة بإجماع المسلمين، وقد رواه ابن جرير وغيره عن ابن عباس وابن مسعود وجابر بن عبد الله وأبي بن كعب - ﵁ -، وابن المسيب وآخرين.\nوذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن بيع الأمة ليس طلاقًا لها؛ لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة وباعها مسلوبة عنها، واستدلوا بقصة بريرة المتقدمة في كتاب \"النكاح\" فإن عائشة - ﵂ - اشترتها ونجّزت عتقها ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها رسول الله - ﷺ - بين البقاء وبين الفسخ فاختارت الفسخ، وتقدم هذا في \"النكاح\"، ولو كان بيع الأمة طلاقها لما خيرها النبي - ﷺ -، فلما خيرها دل على بقاء النكاح وأن المراد من الآية الكريمة: ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ المسبيات فقط، والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٥/ ١٣٢)، \"نيل الأوطار\" (٦/ ٣٤٧).\n(^٢) \"تفسير الطبري\" (٨/ ١٥٥)، \"تفسير القرطبي\" (٥/ ١٢٢)، \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٢٢٥).","vol":"9","page":93},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1094>ما جاء في تنفيل السرية</span>\n١٢٩٧/ ٣٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ - قَال: بَعَثَ رَسُولُ الله - ﷺ - سريةً وَأنا فِيهِمْ، قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِبلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُم اثْنَي عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"فرض الخُمس\"، باب (ومن الدليل على أن الخُمس لنوائب المسلمين ما سأل هوازن النبي - ﷺ - …) (٣١٣٤)، ومسلم (١٧٤٩) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (سرية) تقدم معناها في حديث بريدة - ﵁أول \"الجهاد\"، والمشهور عند أهل المغازي أن بعث هذه السرية كان قبل التوجه إلى فتح مكة، أما البخاري فقد ذكرها بعد غزوة الطائف، ومعلوم أن غزوة الطائف في شوال سنة ثمان (^١).\n\nقوله: (وأنا فيهم) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: (وكنت فيهم).\n\nقوله: (قِبَلَ نجد) بكسر القاف؛ أي: جهة نجد، وهذا لفظ \"الصحيحين\"، وفي رواية لمسلم: (إلى نجد)، ونجد: هي قلب جزيرة العرب، قال الجوهري: (كل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد) (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٤٣ - ٥٦).\n(^٢) \"الصحاح\" (٢/ ٥٤٢).","vol":"9","page":94},{"text":"قوله: (سُهمانُهم) بالضم جمع سهم، وهو النصيب؛ أي: أنصباؤهم، والمراد أن نصيب كل واحد منهم بلغ هذا العدد، بدليل رواية أبي داود من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - وفيه: (وانبعثت سرية من الجيش، فكان سهمان الجيش اثني عشر بعيرًا ثني عشر بعيرًا … الحديث) (^١).\n\nقوله: (ونُفلوا) بضم أوله مبني لما لم يسم فاعله، من التنفيل، والنفل: أن يعطى المغازي شيئًا زائدًا على نصيبه من الغنيمة، وقد جاء في رواية عند مسلم: (ونفلوا سوى ذلك بعيرًا، فلم يغيره رسول الله - ﷺ -)، وفي رواية أبي داود من طريق ابن إسحاق: (فنفلنا أميرنا) (^٢). وفي رواية عند مسلم -أيضًا- من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع بلفظ: (ونفلنا رسول الله - ﷺ - بعيرًا بعيرًا) ويجمع بينهما بأن أمير السرية نفلهم فأجازه رسول الله - ﷺ - وأمضاه، فجازت نسبته إلى كل منهما. وقد زعم النووي أن المُنَفَّلِينَ في هذه السرية هم بعض المجاهدين لا كلهم (^٣)، ورد هذا ابن العراقي بأن هذا خلاف ظاهر الحديث؛ لأن ظاهره أن كل واحد من السرية نُفِّلَ، وسببه زيادة عنائه ونفعه بانفراده عن بقية الجيش بتلك السفرة والمشقة (^٤).\n\nقوله: (بعيرًا بعيرًا) الأول مفعولٌ ثانٍ، والثاني للتقسيم؛ أي: كل واحد نُفِّلَ بعيرًا، ويجوز إعرابهما حالًا جامدة مؤولة بالمشتق أي: متساوين، مثل: ادخلوا رجلًا رجلًا أي: مترتبين. وقد جاء في رواية مسلم: \"ونفلوا سوى ذلك بعيرًا\" وفي رواية: \"ونفلنا رسول الله - ﷺ - بعيرًا بعيرًا\".\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على مشروعية بعث السرايا في الجهاد لإضعاف العدو واستنزاف قوته وعدته وإرهابه.\n\n* الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن هذه السرية لم تكن قطعة من جيش كبير، بل هم جماعة خرجوا لهذه المهمة منفردين، وبهذا قال\n_________\n(^١) \"السنن\" (٢٧٤١).\n(^٢) \"السنن\" (٢٧٤٣).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (١١/ ٢٩٩).\n(^٤) \"طرح التثريب\" (٧/ ٢٥٨).","vol":"9","page":95},{"text":"ابن العراقي (^١)، لكن ظاهر رواية أبي داود المتقدمة أن تلك السرية كانت قطعة من الجيش، ورواية مالك أرجح من رواية شعيب بن أبي حمزة؛ لأن شعيبًا دونه في الحفظ. وهذا يدل على أن السرية التي لم ترتبط بجيش تنفرد بجميع ما غنمته، لقوله: \"فبلغت سهماننا لني عشر بعيرًا\"، أما إذا انفردت السرية من الجيش لمصلحة واتجهت إلى جهة ما، ثم غنمت، فإن سائر الجيش يشاركونها، فيما غنمت؛ لأن كل واحد منهما ردء لصاحبه.\nوقد جزم القرطبي مستندًا لرواية أبي داود المتقدمة بأن هذه السرية خرجت من الجيش وأن الغنائم قسمت بين الجيش والسرية، ثم زيد أهل السرية بعيرًا بعيرًا (^٢).\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على مشروعية التنفيل، وذلك بتخصيص من له أثر في الحرب بشيء من المال زيادة على نصيبه من الغنيمة بالقدر الذي رآه الإِمام؛ تقديرًا لجهادهم وإخلاصهم وتشجيعًا لهم ولغيرهم على الجهاد، وإثبات النفل أمر مجمع عليه، وإنما اختلف في محله هل هو من أصل الغنيمة، أو من أربعة أخماسها، أو من خمس الخمس؟ سيأتي هذا -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"طرح التثريب\" (٧/ ٢٥٦).\n(^٢) \"المفهم\" (٣/ ٥٣٧).","vol":"9","page":96},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1095>صفة قسم الغنيمة</span>\n١٢٩٨/ ٣٣ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَال: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ خَيبَرَ لِلْفَرَسِ سَهْمَينِ وَلِلرّاجِلِ سَهْمًا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. ولِأَبِي دَاودَ: أسْهمَ لِرَجُلٍ ولِفَرَسِهِ بثَلَاثةِ أَسْهُمٍ: سَهْمَينِ لِفَرَسِهِ، وَسَهْمًا لَهُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"المغازي\"، باب (غزوة خيبر) (٤٢٢٨)، ومسلم (١٧٦٢) من طريق عبيد الله بن عمر، حدثنا نافع، عن ابن عمر - ﵄ -.\nوهذا لفظ البخاري وزاد: قال: فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم.\nورواه أبو داود (٢٧٣٣) بهذا الإسناد، ولفظه: \"أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهمًا له، وسهمين لفرسه\". ولعل الحافظ ذكر رواية أبي داود؛ لأنها مفسرة لما قبلها ومبينة للمراد.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (للفرس سهمين) أي: إن النبي - ﷺ - قسم للفرس سهمين زيادة على سهم صاحبه، فيكون للفارس وفرسه ثلاثة أسهم، بدليل تفسير نافع ورواية أبي داود.\n\nقوله: (وللراجل سهمًا) الراجل: هو الماشي على رجليه، ويطلق على خلاف الفارس، وجمعه رجال، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] ويجمع على رجَّالة بالتشديد.","vol":"9","page":97},{"text":"* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الفارس المقاتل على فرسه يستحق ثلاثة أسهم: سهمان من أجل فرسه، وسهم من أجله، وهذه صفة قسمة الغنيمة بعد إخراج الخمس.\nوأما المقاتل من المشاة فليس له إلا سهم واحد، والحكمة في إعطاء الفرس سهمين الترغيب في اتخاذ الخيل للغزو والعناية بها؛ لما في ذلك من إعظام الشوكة وإعلاء كلمة الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] فأمر الله تعالى بإعداد القوة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها، ثم خص رباط الخيل وهي التي تربط في سبيل الله؛ لأنها الوسيلة البارزة وقت نزول القرآن، وعطفها على القوة من عطف الخاص على العام لبيان فضلها، والتعبير برباط الخيل يراد به كل ما يرابط في الثغور وحدود البلاد حسب حاجة كل عصر.\n\n* الوجه الرابع: يفهم من الحديث ومن تاريخ الغزوات أنه لا شيء لغير الخيل من البهائم، كفيلٍ، وبغل، وبعير ونحوها، ولو عظم غناؤها وقامت مقام الخيل؛ لأنه - ﷺ - لم يسهم لها، وكذا أصحابه -﵃-، ولا خلاف في ذلك، مع أنه لم تخل غزوة منها، وذلك لأن صاحبها لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الفارس من الكلفة؛ ولأن غير الخيل لا يلحق بها في التأثير في الحرب، ولا يصلح للكر والفر، لكن ذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية أن قياس الأصول أن يُرضخ لها، كما يرضخ لمن لا سهم له من النساء والعبيد والصبيان (^١).\nثم إن الاعتبار في الإسهام أو الرضخ بحال الحرب ونشوب المعركة، فلو دخل الحرب فارسًا، ثم حضر الوقعة راجلًا حتى فرغت الحرب لموت فرسه أو شروده أو مرضه فله سهم راجل ولو صار فارسًا بعد الوقعة، اعتبارًا بحال شهودها، ولو دخل دار الحرب راجلًا ثم ملك فرسًا أو استعاره وشهد به الوقعة فله سهم فارس ولو صار بعد الوقعة راجلًا؛ لأن الفرس حيوان يُسهم له، فاعتبر وجوده حالة القتال، فيسهم له مع الوجود، ولا يسهم مع العدم، كالآدمي. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الاختيارات\" ص (٣١٥).","vol":"9","page":98},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1096>ما جاء في أنه لا نَفَلَ إلا بعد الخُمُسِ</span>\n١٢٩٩/ ٣٤ - عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ - ﵄ - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا نَفَلَ إلا بَعْدَ الْخُمُسِ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ الطَّحَاويُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو يزيد معن بن يزيد بن الأخنس السلمي المدني الكوفي ثم المصري، ثم الشامي، له ولأبيه ولجده صحبة، وقد روى البخاري بسنده عن معن بن يزيد - ﵄ - قال: بايعت رسول الله عمرو أنا وأبي وجدي، وخطب عليَّ فأنكحني، وخاصمت إليه، وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها فأتيت بها، فقال: والله ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: \"لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن\" (^١). روى عن رسول الله - ﷺ -، وروى عنه أبو الجويرية -حِطَّان بن خُفاف الجرمي- وسهيل بن ذراع، وعتبة بن رافع، شهد فتح دمشق، وكان له مكان عند عمر - ﵁ -، قتل في وقعة مَرْج راهط (^٢) مع الضحاك بن قيس الفهري، وذلك سنة أربع وستين (^٣) - ﵁ -.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١٤٢٢).\n(^٢) انظر: \"البداية والنهاية\" (١١/ ٦٧٣).\n(^٣) \"الاستيعاب\" (١٠/ ١٧٩)، \"الإصابة\" (٢/ ٣٠) (٩/ ٢٦٤).","vol":"9","page":99},{"text":"* الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٢٥/ ١٩٤)، وأبو داود في كتاب \"الجهاد\"، بابٌ (في النفل من الذهب والفضة ومن أول مغنم) (٢٧٥٤)، والطحاوي في في شرح معاني الآثار\" (٣/ ٢٤٢) من طريق أبي عوانة قال: حدثنا عاصم بن كليب قال: حدثني أبو الجويرية قال: أصبت بأرض الروم جرة حمراء فيها دنانير في إمارة معاوية في أرض الروم قال: وعلينا رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - من بني سلمة يقال له: معن بن يزيد، قال: فأتيته بها لقسمها بين المسلمين، فأعطاني مثل ما أعطى رجلًا منهم، ثم قال: لولا أني سمعت رسول الله - ﷺ - ورأيته يفعله -سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا نفل إلا بعد الخُمُس\"- إذًا لأعطيتك، قال: ثم أخذ فعرض عليَّ نصيبه، فأبيت عليه، قلت: ما أنا بأحق به منك، وهذا السياق لأحمد.\nوأما تصحيح الطحاوي -الذي ذكر الحافظ هنا- فلم أجده في \"شرح المعاني\" إلا إن كان الحافظ استفاده من سياق الطحاوي للحديث مستدلًا به، فالله أعلم.\nورواه أبو داود (٢٧٥٣) من طريق أبي إسحاق الفزاري، والخطيب في في تاريخه\" (٥/ ١٥٠) من طريق أبي حمزة كلاهما، عن عاصم بن كليب به، وهذا الحديث سنده صحيح، صححه ابن عبد الهادي (^١).\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا نفل) بفتح النون وسكون الفاء، ويجوز فتحها، تقدم معناه.\n\nقوله: (إلا بعد الخمس) أي: خمس الغنيمة، والمعنى: أنه لا يزاد المغازي على سهمه من الغنيمة إلا بعد إخراج الخمس من الغنيمة المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] فيخرج خمس الغنيمة، ويقسم خمسه أسهم: لله ورسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، والباقي أربعة أخماس تقسم بين الغانمين، للراجل\n_________\n(^١) \"المحرر\" ص (٢٩٠).","vol":"9","page":100},{"text":"سهم، وللفارس ثلاثة، كما تقدم، والتنفيل يكون من أربعة أخماس الغنيمة، وهذا قول الجمهور (^١).\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن النفل إنما يكون من الغنيمة التي يقاتل عليها؛ لأنه من الأخماس الأربعة التي هي للغانمين بعد إخراج الخمس، وهذا المال الذي وجده أبو الجويرية ليس بغنيمة أخذ بعنوة وقتال، وإنما هو فيء أُخِذَ من مال الكفار بغير حرب، والفيء ليس فيه الخمس، وما لا خمس فيه فلا نفل فيه، ثم إن النفل إنما يكون بعد القتال، فيكون المانع من التنفيل عدم ثبوت الخمس في هذا المال.\n\n* الوجه الخامس: الحديث دليل على أن ما وجد في أرض الكفار من الركاز يكون غنيمة إذا كان آخِذُهُ إنما قدر عليه بجماعة المسلمين، فيقسم عليهم كأموال الكفار الظاهرة؛ ولأنه مال مشرك مظهور عليه بقوة جيش المسلمين فكان غنيمة. أما لو وجده في موضع يقدر عليه بنفسه فهو كما لو وجده في دار الإِسلام، فيه الخمس، وباقيه له (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٣/ ٦٠).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ١٢٤).","vol":"9","page":101},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1097>بيان المقدار الذي يجوز التنفيل إليه</span>\n١٣٠٠/ ٣٥ - عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ - ﵁ - قَال: شَهدْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَفَّلَ الرُّبُعَ في الْبَدْأَةِ، وَالثُّلُثَ في الرَّجْعَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَابْنُ حِبّانَ وَالْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو عبد الرحمن حبيب بن مسلمة بن مالك القرشي الفهري، نزل الشام، قال البخاري: (له صحبة) روى له أبو داود وغيره، قال الذهبي: (له رواية يسيرة)، وجاء له ذكر في \"صحيح البخاري\" في قصة الحكمين.\nجاهد في خلافة أبي بكر - ﵁ -، وشهد اليرموك أميرًا، وسكن دمشق، وكان يقال له: حبيب الروم؛ لكثرة جهاده فيهم، قال ابن سعد: (لم يزل مع معاوية في حروبه، ووجهه إلى إرمينية (^١) واليًا عليها، فمات بها سنة اثنتين وأربعين، ولم يبلغ الخمسين) (^٢) - ﵁ -.\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الجهاد\"، بابٌ (فيمن قال: الخمس قبل النفل) (٢٧٥٠)، وابن الجارود (١٠٧٩)، وابن حبان (١١ /\n_________\n(^١) انظر: \"معجم البلدان\" (١/ ١٥٩).\n(^٢) \"طبقات ابن سعد\" (٧/ ٤٠٩)، \"الاستيعاب\" (٢/ ٢٩٤)، \"السير\" (٣/ ١٨٨)، \"الإصابة\" (٢/ ٢٠٨).","vol":"9","page":102},{"text":"١٦٥)، والحاكم (٢/ ١٣٣) من طريق مكحول، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة - ﵁ -.\nوالحديث جاء عند أبي داود والحاكم مطولًا وفيه قصة، وجاء عند ابن الجارود وابن حبان مختصرًا بمثل لفظ: \"البلوغ\".\nقال الحاكم: (صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي، وهذا الحديث رجاله ثقات إلا زياد بن جارية فهو مختلف فيه، قال عنه أبو حاتم: (شيخ مجهول) (^١)، وقال الترمذي: (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: زياد بن جارية مشهور، وقد أخطأ من قال: يزيد بن جارية) (^٢). وقال النسائي: (ثقة)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٣)، بل ذكره ابن أبي عاصم وأبو نعيم في الصحابة (^٤)، فالظاهر تحسين حديثه، لا سيما وأنه من الطبقة المتقدمة جدًّا، فهذا شُكَّ في صحبته فلن يشك في أنه من كبار التابعين الذين تتلمذوا للصحابة - ﵃ - (^٥).\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (نفل الربع) بتشديد الفاء؛ أي: أعطى ربع الغنيمة نفلًا بعد الخمس، فأخذ الخمس أولًا عن تمام الغنيمة، كما تقدم، ثم أعطى الربع مما بقي من الأخماس الأربعة، ثم قسم البقية بين الغانمين.\n\nقوله: (في البدأة) بفتح الباء وسكون الدال؛ أي: في ابتداء السفر للغزو حين يكون العسكر مقبلًا إلى أرض العدو، فيعطيهم الربع على ما تقدم.\n\nقوله: (والثلث في الرجعة) أي: وأعطى ثلث الغنيمة للغزاة حين رجوعهم من أرض المعركة وعودتهم إلى أوطانهم، فيكون المراد بالبدأة السفر\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٥٢٧).\n(^٢) \"العلل\" (٢/ ٦٦٧)، وانظر: \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٣٤٨).\n(^٣) (٤/ ٢٥٢).\n(^٤) \"معرفة الصحابة\" لأبي نعيم (٢/ ٣٧٥).\n(^٥) \"بيان الوهم والإيهام\" (٤/ ١٧).","vol":"9","page":103},{"text":"للجهاد، والرجعة القفول، وهذا تفسير ابن المنذر، ونقله عنه الخطابي ثم قال: (كلام ابن المنذر في هذا ليس بالبين؛ لأن فحواه يوهم أن معنى الرجعة هو القفول إلى أوطانهم، وليس هو معنى الحديث).\nثم بين معنى الحديث وأن المراد بالبدأة نهوض السرية من جملة العسكر إلى جهةٍ ما، فتوقع بالعدو وتغنم، فما غنموا كان لهم منه الربع بعد الخمس، ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه، فإن قفلوا من الغَزاة ثم رجعوا فأوقعوا في العدو ثانية كان لهم الثلث. قال الصنعاني: (وما قاله الخطابي هو الأقرب) (^١)، وهو قول أبي عبيد (^٢)، وعليه مشى الشيخ عبد العزيز بن باز في تفسير الحديث.\nولعل سر هذا التفريق -والله أعلم- أنهم في البدأة ظهورهم محمية بالجيش؛ لأنه وراءهم، فهم يغيرون على العدو بقوة الجيش، فصار تعبهم أهون، والخطر عليهم أقل، بخلاف الرجعة فإن نهوضهم أشق، والخطر فيه أعظم؛ لكون الجيش منصرفًا عنهم. وهذا أحد أقسام النفل في الغزو (^٣).\nوتفسير ابن المنذر له حظ من النظر؛ لأنه أَخْذٌ بظاهر اللفظ، ولأنهم قد يقاتلون وهم راجعون إلى ديارهم، فأُعطوا الثلث في القفول لضعفهم وضعف دوابهم، ورغبتهم في الرجوع إلى أوطانهم وأهاليهم، لطول عهدهم بهم.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على جواز التنفيل من الغنيمة، وقد تقدم أن التنفيل يكون بعد إخراج الخمس، والتنفيل في هذا الحديث هو تنفيل السرايا، فهذا دخل الجيش أرض العدو وأرسل الإِمام سرية إلى جهةٍ ما فغنموا، بدأ فعزل الخمس، ثم جعل لهم الربع مما بقي نفلًا خاصًّا بهم، ثم يشاركون الجيش فيما فضل بعد الربع، ثم يفعل بهم بعد القفول مثل ذلك، إلا أنه يزيد في الانصراف فيعطيهم الثلث بعد الخمس.\n_________\n(^١) انظر: \"الأوسط\" (١١/ ١٣٦)، \"معالم السنن\" (٤/ ٥٨)، \"النهاية\" (١/ ١٠٣)، \"المغني\" (١٣/ ٥٣ - ٥٥)، \"سبل السلام\" (٧/ ٩٦).\n(^٢) \"الأموال\" ص (٣٢٧).\n(^٣) انظر: \"المغني\" (١٣/ ٥٣).","vol":"9","page":104},{"text":"* الوجه الخامس: استدل بهذا الحديث من قال: إن الإِمام لا ينفل أكثر من الثلث؛ لأن تنفيل الرسول - ﷺ - انتهى إلى الثلث، وليس للإمام أن يتجاوز ذلك، وهو قول الجمهور من العلماء، وهو قول مكحول، والأوزاعي، ونص عليه أحمد.\nوذهب الشافعي إلى أنه لا حدَّ للنفل، وإنما هو موكول إلى رأي الإِمام حسب المصلحة، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] ففوض أمرها إليه (^١).\nواختار هذا القول الصنعاني (^٢) والشوكاني (^٣)، قال الصنعاني: (إن حديث الباب هذا لا دليل فيه على أنه لا ينفل أكثر من الثلث). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" (٩/ ٢٣٠)، \"المغني\" (١٣/ ٥٥).\n(^٢) \"سبل السلام\" (٧/ ٢٩٦).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (٧/ ٣١٦).","vol":"9","page":105},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1098>جواز تخصيص بعض السرايا بالتنفيل</span>\n١٣٠١/ ٣٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لأَنفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ الْجَيشِ. مُتفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"فرض الخمس\"، باب (ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين) (٣١٣٥)، ومسلم (١٧٥٠) (٤٠) من طريق الليث، عن عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن سالم، عن عبد الله بن عمر - ﵄ -. وتمامه عند مسلم: والخمس واجب في ذلك كله.\n\n* الوجه الثاني: في الحديث دليل على أنه - ﷺ - لم يكن ينفل كل من يبعثه من السرايا، وإنما كان يخص بعضًا دون بعض؛ تبعًا للمصلحة التي يراها، فيعطيهم زيادة على ما يحصل لهم من قسم عامة الجيش.\n\n* الوجه الثالث: في قوله: (والخمس واجب في ذلك كله) دليل على أنه يجب تخميس النفل، وأن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة بعد إخراج الخمس منها، وقد تقدم هذا. والله تعالى أعلم.","vol":"9","page":106},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1099>حكم الأكل مما يصيبه المجاهدون</span>\n١٣٠٢/ ٣٧ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَال: كُنا نُصِيبُ في مَغَازِينَا الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ، فَنَأكلُهُ ولَا نَرْفَعُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلأَبي دَاودَ: فَلَمْ يُؤخَذْ مِنْهمُ الْخُمُسُ. وَصححَهُ ابْنُ حِبّانَ.\n١٣٠٣/ ٣٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي أَوْفَى - ﵄ - قَال: أصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيبَرَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَأخُذُ مِنْهُ مِقدَارَ مَا يَكْفِيهِ، ثُمّ يَنْصَرِفُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَالْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عمر - ﵄ - فقد رواه البخاري في كتاب \"فرض الخمس\"، باب (ما يصيب من الطعام في أرض الحرب) (٣١٥٤) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -.\nورواه أبو داود (٢٧٠١)، وابن حبان (١١/ ١٥٦ - ١٥٧) من طريق أبي ضمرة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر - ﵁ -: أن جيشًا غنموا في زمان رسول الله - ﷺ - طعامًا وعسلًا فلم يؤخذ منهم الخمس.\nورواه البيهقي (٩/ ٥٩) من طريق عثمان بن الحكم الجذامي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع أن جيشًا غنموا .. هكذا مرسلًا.\nولما ذكر الدارقطني هذا الاختلاف قال: (والمرسل أشبه) (^١).\n_________\n(^١) \"العلل\" (١٢/ ٣٢٧).","vol":"9","page":107},{"text":"وقد ذكر الحافظ رواية أبي داود؛ لأن فيها التنصيص على أن ما يؤكل لا يحتسب من أنصباء المجاهدين ولا يخمس عليهم.\nوأما حديث ابن أبي أوفى - ﵄ - فقد رواه أبو داود في كتاب \"الجهاد\"، بابٌ (في النهي عن النُّهبى إذا كان في الطعام قلة في أرض العدو) (٢٧٠٤) من طريق أبي معاوية، وأحمد (٣١/ ٤٦٩)، وابن الجارود (١٠٧٢)، والحاكم (٢/ ١٣٣ - ١٣٤) من طريق هُشيم، كلاهما عن أبي إسحاق الشيباني، عن محمَّد بن أبي المجالد، عن عبد الله بن أبي أوفى - ﵄ -.\nوهذا الحديث إسناده صحيح على شرط البخاري، فإن محمَّد بن أبي المجالد من رجاله، وقد اختلف في اسمه فقيل: محمَّد كما عند البخاري وأبي داود وأحمد، وقيل: عبد الله (^١).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (في مغازينا) جمع مَغزاة، بفتح الميم فيهما، والغزوة والمغزاة المرة من الغزو.\n\nقوله: (ولا نرفعه) أي: لا نحمله على سبيل الادخار، أو لا نرفعه إلى أمر من يتولى أمر الغنيمة (^٢).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز الأكل من الفاكهة والطعام الذي يصيبه المجاهدون في أرض الحرب وأن ذلك لا حرج فيه، ولا يحتاج إلى إذن الإِمام، وهذا أمر مجمع عليه إلا من شذ؛ لأن المجاهد بحاجة إلى الطعام الذي يقيم أوده ويغذي بدنه، فالحاجة داعية إليه، وفي المنع منه مضرة بالجيش وبدوابهم؛ لأنه يعسر عليهم نقل الطعام والعلف من دار الإِسلام (^٣).\nوقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن مغفل - ﵁ - قال: أصبت جرابًا\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب الكمال\" (١/ ٢٧٦)، (٢٦/ ٣٦٥)، \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٣٣٩).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٢٥٦).\n(^٣) انظر: \"إكمال المعلم\" (٦/ ١١٤)، \"المغني\" (١٣/ ١٢٦)، \"زاد المعاد\" (٣/ ٣٤٢).","vol":"9","page":108},{"text":"من شحم يوم خيبر، قال: فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا، قال: فالتفت فإذا رسول الله - ﷺ - مبتسمًا (^١).\nوإنما الحرج في الغلول، وهو الأخذ من الغنيمة بحيث ينفرد به عن إخوانه المجاهدين، أما ما يشاركه فيه غيره من الطعام والفاكهة فلا حرج فيه. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٣١٥٣)، \"صحيح مسلم\" (١٧٧٢).","vol":"9","page":109},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1100>حكم ركوب الدابة من المغنم ولبس الثوب منه</span>\n١٣٠٤/ ٣٩ - عَنْ رُويفِعِ بن ثَابِتٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ - ﷺ -: \"مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْم الآخِرِ فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيءِ الْمُسْلِمِينَ حَتى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَلا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتى إِذَا أخلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الجهاد\"، بابٌ (في الرجل ينتفع من الغنيمة بالشيء) (٢٧٠٨)، والدارمي (٢/ ١٤٨) من طريق محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن حبيب، عن أبي مرزوق -مولى تُجِيب، وتجيب بطن من كندة- عن حنش الصنعاني، عن رويفع بن ثابت الأنصاري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\nوهذا سند حسن، حسنه الحافظ في \"فتح الباري\" (^١)، فيه محمَّد بن إسحاق رواه بالعنعنة، وقد صرح بالتحديث في رواية عند أحمد (٢٨/ ٢٠٧) وأبو مرزوق مختلف في اسمه، فقيل: حبيب بن الشهيد، وبه جزم الحافظ في \"التقريب\"، وقال عنه: (ثقة) وقيل: ربيعة بن سليم، وقيل: هما اثنان، فإن كان هو ربيعة بن سليم فقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٢)، وقال الحافظ: (مقبول)، وإن كانا اثنين فقد تابع أحدهما الآخر؛ لأنه جاء الحديث عند الترمذي (١١٣١) مختصرًا من طريق\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٥٦).\n(^٢) (٦/ ٣٠١).","vol":"9","page":110},{"text":"يحيى بن أيوب، عن ربيعة بن سليم، عن بسر بن عبد الله، عن رويفع به.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من فيء المسلمين) المراد هنا: الغنيمة المشتركة.\n\nقوله: (أعجفها) أي: أتعبها وصيرها هزيلة، قال أهل اللغة: عَجِفَ الفرس عجفًا من باب تعب: ضَعُفَ، فهو أعجف (^١).\n\nقوله: (أخلقه) أي: أبلاه وأتلفه، قال أهل اللغة: خَلُقَ الثوب -بالضم- إذا بَلِيَ فهو خَلَقٌ -بفتحتين- وأخلق الثوب بالألف لغة (^٢).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا يجوز لأحد من المجاهدين أن يلبس ثوبًا من الثياب المغنومة حتى إذا أبلاه رده، أو يركب دابة منها حتى إذا أهزلها ردها، لما في ذلك من الإضرار بسائر الغانمين والانفراد عنهم.\nأما لو ركب دابة من غير إعجاف، أو لبس ثوبًا من غير إتلاف أو إخلاق، كأن يركب دابة توصله إلى سكنه، أو تبعده عن العدو، ثم يردها، أو يلبس ثوبًا يستر عورته أو يستدفئ به ثم يرده، فلا حرج في ذلك، قال الحافظ ابن حجر: (اتفقوا على جواز ركوب دوابهم ولبس ثيابهم واستعمال سلاحهم في حال الحرب، ورد ذلك بعد انقضاء الحرب) (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٣٩٤).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (١٨٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٥٥).","vol":"9","page":111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1101>ما جاء في الأمان</span>\n١٣٠٥/ ٤٠ - عَنْ أَبي عُبَيدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ - ﵁ - قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ\". أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَحْمَدُ، وَفي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.\n١٣٠٦/ ٤١ - وَلِلطَّيَالِسِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵁ -: \"يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ\".\n١٣٠٧/ ٤٢ - وَفي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ -: \"ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ\".\n١٣٠٨/ ٤٣ - زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: \"وَيُجِيرُ عَلَيهِمْ أَقْصَاهُمْ\".\n١٣٠٩/ ٤٤ - وَفي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ - ﵂ -: \"قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ\".\n\n* الكلام عليها من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهي أم هانئ بنت أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ابنة عم رسول الله - ﷺ -، والأخت الشقيقة لعلي بن أبي طالب - ﵁ -، اسمها فاختة على الأشهر، وكانت تحت هبيرة بن عمرو المخزومي فولدت له عمرًا وهانئًا ويوسف وجعدة، وقد أسلمت أم هانئ يوم الفتح، ولما بلغ زوجها إسلامها فرَّ إلى نجران، وقال هناك شعرًا يعتذر فيه عن فراره، كما قال شعرًا يخاطب امرأته، ومات مشركًا، ثم خطبها النبي - ﷺ - فاعتذرت إليه بأنها امرأة ذات","vol":"9","page":112},{"text":"أطفال صغار وأيتام، وقالت: إني أكره أن يؤذوك، ماتت في خلافة معاوية - ﵂ - (^١).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجها:\nأما حديث أبي عبيدة - ﵁ - فقد رواه ابن أبي شيبة (١٢/ ٤٥١) من طريق حجاج، عن الوليد بن أبي مالك، عن عبد الرحمن بن سلمة … ورواه أحمد (٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤) من طريق حجاج، عن الوليد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: أجار رجل من المسلمين رجلًا، وعلى الجيش أبو عبيدة بن الجراح فقال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص: لا تجيروه، فقال أبو عبيدة: نجيره، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"يجير على المسلمين أحدهم\"، ولفظ ابن أبي شيبة: \"يجير على المسلمين بعضهم\".\nوهذا الحديث سنده ضعيف؛ لأن مداره على الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس، وقد عنعنه، ثم إن رواية القاسم -وهو ابن عبد الرحمن الشامي- عن أبي أمامة متكلم فيها (^٢).\nوأما حديث عمرو بن العاص - ﵁ - فقد رواه أبو داود الطيالسي (٢/ ٣١٧)، وأحمد (٢٩/ ٣٠٠) من طريق شعبة، عن عمرو بن دينار، عن رجل من أهل مصر، عن عمرو بن العاص - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يجير على المسلمين أدناهم\".\nوهذا سند ضعيف -أيضًا- لأن الرجل المصري لم يُسمَّ، وبه أعله الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (^٣).\nوأما حديث علي - ﵁ - فقد رواه البخاري في كتاب \"الفرائض\"، باب (إثم من تبرأ من مواليه) (٦٧٥٥)، ومسلم (١٣٧٠) من طريق الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: خطبنا علي بن أبي طالب … وساق الحديث بطوله، وفيه هذه الجملة.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٣/ ٣٠٤)، \"الإصابة\" (١٣/ ٣٠٠).\n(^٢) انظر: \"تهذيب الكمال\" (٢٣/ ٣٨٣).\n(^٣) (٥/ ٣٢٩).","vol":"9","page":113},{"text":"وأما رواية ابن ماجه (٢٦٨٥) وكذا أبي داود (٢٧٥١)، وأحمد (١١/ ٢٨٨) فهي من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم … \" الحديث. وهذا السياق لأبي داود، ولفظ ابن ماجه: \"ويجير على المسلمين أدناهم، ويرد على المسلمين أقصاهم\" ونحوه لأحمد، وهذا سند حسن.\nوأما حديث أم هانئ - ﵂ - فقد رواه البخاري في كتاب \"الجزية والموادعة\"، باب (أمان النساء وجوارهن) (٣١٧١)، ومسلم (١/ ٤٩٨) رقم (٨٢) من طريق أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، أن أبا مرة -مولى أم هانئ ابنة أبي طالب- أخبره أنه سمع أم هانئ ابنة أبي طالب - ﵂ - تقول: ذهبت إلى رسول الله - ﷺ - عام الفتح … وذكرت الحديث إلى أن قالت: فقلت: يا رسول الله زعم ابن أمي عليٌّ أنه قاتلٌ رجلًا قد أجرته، فلان ابن هبيرة (^١)، فقال رسول الله - ﷺ -: \"قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ … \".\nولعل الحافظ جمع بين هذه الأحاديث لتعدد ألفاظها، فإن كل حديث أفاد ما لم يفده اللفظ الآخر.\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (يجير) بضم الياء مضارع أجار، من الإجارة: وهي إعطاء الأمان، ويقال: استجاره: طلب منه أن يحفظه فأجاره.\n\nقوله: (على المسلمين) \"على\" تفيد الوجوب والنفوذ؛ أي: ينفذ عليهم أمان الواحد منهم، فيجب عليه مراعاته وعدم نقضه.\n\nقوله: (أدناهم) الأدنى يفسر بالكمية والكيفية؛ أي: أقلهم عددًا وهو الواحد، وأضعفهم وأحقرهم منزلة، كالعبد والمرأة والأجير.\n\nقوله: (ذمة المسلمين واحدة) الذمة هي العهد والأمان، سمي العهد\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٤٧٠).","vol":"9","page":114},{"text":"ذمة؛ لأنه يذم متعاطيها على إضاعتها؛ والمعنى: أمان المسلمين وعهدهم واحد، فلا يجوز لأحد نقض ما عاهد عليه بعضهم أي بعض كان.\n\nقوله: (يسعى بها أدناهم) أي: يتولاها أدناهم وأقلهم منزلة فتتحقق وتثبت.\n\nقوله: (أقصاهم) أي: أبعدهم دارًا، فإذا أَمَّنَ من هو في غاية البعد عن المعركة شخصًا كافرًا وجب على المسلمين حفظ أمانه ورعايته ولا يحل لهم نقضه، وفسِّر قوله: (وَيرُدُّ على المسلمين أقصاهم) بأن السرية إذا غنمت بقوة الجيش كانت الغنيمة لهم وللقاصي من الجيش؛ إذ بقوته غنموها، وأن ما صار في بيت المال من الفيء فهو لقاصيهم ودانيهم وإن كان سبب أخذه دانيهم (^١).\n\nقوله: (قد أجرنا من أَجَرْتِ) بكسر التاء خطاب لأم هانئ - ﵂ - حين أخبرته أنها أجارت رجلًا فلم يجز إجارتها أخوها علي - ﵁ - وأراد قتله، كما تقدم. والمعنى: أجزنا جوارك وأمضيناه ونفذناه فأمنَّا من أمَّنْتِ.\n\n* الوجه الرابع: في هذه الأحاديث دليل على صحة أمان الكافر إذا صدر من مسلم أي مسلم كان ذكرًا أم أنثى حرًّا أم عبدًا، لقوله: \"أدناهم\" فإنه شامل لكل وضيع، ويؤخذ منه صحة أمان الشريف بالأولى.\nفإذا قال المسلم لكافر: أجرتك، أو أمنتك، أو أنت آمن ونحو ذلك، ثبت حكم الأمان والتزم به جميع المسلمين، فيحرم قتل هذا الكافر، ويحرم ماله والتعرض له.\nوهذا مذهب جمهور العلماء، وخالف أبو حنيفة في أمان العبد فلم يجزه إلا أن يكون مأذونًا له في القتال؛ لأنه لا يجب عليه الجهاد فلا يصح أمانه كالصبي (^٢)، والصواب قول الجمهور؛ لدخول العبد في عموم لفظ: \"المسلمين\".\n_________\n(^١) انظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ٩٠).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ٧٥).","vol":"9","page":115},{"text":"وخالف بعض المالكية في أمان المرأة، وقالوا: إنه موقوف على إجازة الإمام له، فإن أمضاه. جاز وإلا فلا، وحملوا قوله - ﷺ - لأم هانئ: (قد أجرنا من أجرت) على أنه إجارة منه وليس تنفيذًا.\nوالصواب قول الجمهور، وقد وصف ابن عبد البر ومن قبله ابن المنذر قول بعض المالكية بأنه قول شاذ لا يعلم أحدًا من الأئمة قال به (^١).\nوقوله - ﷺ - لأم هانئ هو إمضاء لما وقع منها وأنه قد صح أمانها وانعقد؛ لأنه - ﷺ - سمى جوارها جوارًا حقيقيًّا، ثم إن قوله: (قد أجرنا) ليس هو إنشاء جوار، وإنما هو موافقة لها على من أجارت وعمل بمقتضى ما عقدت (^٢). ولأن المرأة داخلة في عموم لفظ: \"المسلمين\" على القول الراجح عند الأصوليين، بدليل قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩] وقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وهذه جموع صحيحة مذكرة دخلت فيها النساء قطعًا (^٣).\n\n* الوجه الخامس: ما جاء في هذه الأحاديث هو في الأمان الصادر من واحد من المسلمين، فيجوز أمانه لشخص واحد من الكفار ولعدد قليل، أما الأمان لجميع المشركين فهذا لا يصح إلا من الإمام؛ لأن له الولاية على جميع المسلمين، فجاز أن يكون تأمينه عامًّا.\nويصح الأمان من الأمير لأهل بلدة جُعل بحذائهم؛ لأن له الولاية على من بإزائه دون غيره. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الإشراف\" (٤/ ١٣٧)، \"الاستذكار\" (١٤/ ٨٨).\n(^٢) \"المفهم\" (٤/ ٧٩).\n(^٣) \"تيسير الوصول\" ص (١٨٦).","vol":"9","page":116},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1102>ما جاء في إجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب</span>\n١٣١٠/ ٤٥ - عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، حَتَّى لَا أَدَعَ إلا مُسْلِمًا\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الجهاد والسير\"، باب (إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب) (١٧٦٧) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله - ﵄ - يقول: أخبرني عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: … وذكر الحديث.\nورواه أحمد (١/ ٣٤٣) بهذا الإسناد بلفظ: \"لئن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب. \".\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لأخرجن) الجملة مؤكدة بالقسم المقدر، وباللام ونون التوكيد، وقد جاء الأمر بذلك في حديث ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - أوصى عند موته بثلاث: \"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب … \" الحديث (^١).\n\nقوله: (اليهود والنصارى) تقدم التعريف بهم في باب \"المساجد\" من كتاب \"الصلاة\" عند الحديث (٢٥٢).\n\nقوله: (من جزيرة العرب) وحَدُّهَا من الغرب بحر القُلْزُم وهو المعروف\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٠٥٣)، ومسلم (١٦٣٧).","vol":"9","page":117},{"text":"الآن باسم البحر الأحمر، وعلى هذا فالحجاز داخل في مسمى جزيرة العرب، ومن الجنوب بحر العرب، ومن الشرق خليج البصرة وهو الخليج العربي، ومن الشمال ساحل البحر الأحمر الشرقي الشمالي وما على مُسامَتَتِهِ شرقًا من مشارف الشام وريف العراق، والحد غير داخل في المحدود هنا، ونسبت هذه الجزيرة إلى العرب؛ لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها (^١).\n\nقوله: (حتى لا أدع إلا مسلمًا) حتى غائية؛ والمعنى: لأخرجن اليهود والنصارى من هذه الجزيرة إلى أن لا يبقى فيها إلا مسلم.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا يجوز أن يمكن أحد من الكفار من اليهود أو النصارى أو غيرهم من دخول جزيرة العرب للاستيطان بها، بل يجب إخراجهم وصيانة هذه الأرض المباركة من كل دين يخالف دين الإسلام، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على الأمر بإخراج اليهود والنصارى وأن هذا من آخر ما عهد النبي - ﷺ - إلى أمته. وذلك لأن جزيرة العرب هي دار الإسلام الأولى، منها فاضت أنواره، وانتشرت آثاره، فهي أصل ديار الإسلام، وأهلها أصل المسلمين، وهي دار طيبة لا يقطنها إلا طيب، والمشرك خبيث بشركه؛ فلذا حرمت عليه هذه الجزيرة.\nوقد رتب الفقهاء -﵏- على هذا الأصل العظيم أحكامًا شرعية، منها:\n١ - منع أي كافر من التملك في جزيرة العرب؛ لأنه إذا حُرِّمت الإقامة والاستيطان حَرُمَتِ الأسباب المؤدية إليها.\n٢ - أنه ليس للكافر المرور بجزيرة العرب والإقامة المؤقتة فيها إلا لعدة ليال لمصلحة كصاحب سفارة أو بيع بضاعة ونحو ذلك، أو عمل كما حصل لأهل خيبر، ثم أجلاهم عمر - ﵁ -.\n٣ - تحريم إقامة الكنائس وغيرها من معابد الكفار ووجوب هدم ما\n_________\n(^١) انظر: \"معجم البلدان\" (٢/ ١٣٧)، \"خصائص جزيرة العرب\" ص (١٥).","vol":"9","page":118},{"text":"أحدث منها؛ لأن الكنيسة معبد كفري تقام فيه شعائر الكفار، وكل معبد يعد للعبادة على غير دين الإسلام فهو بيت كفر وضلال.\n٤ - لا تدفن جيفة كافر بهذه الجزيرة، فإن مات فيها نقل عنها إلا لضرورة، فتغيب جيفته في الفلاة لا في مقبرة تعد لهم (^١).\nوبهذا يعلم عِظَمُ ما وقع فيه كثير من المسلمين اليوم من إدخال غير المسلمين إلى هذه الجزيرة من عَمَالةٍ وخدم وسائقين، ومعظم هؤلاء يخالطون المسلمين في بيوتهم غير مبالين بما ثبت في النصوص الشرعية الدالة على أنه لا يجتمع في هذه الجزيرة دينان. والله المستعان!\n_________\n(^١) انظر: \"خصائص جزيرة العرب\" ص (٧٣).","vol":"9","page":119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1103>الحث على إعداد آلات الجهاد في سبيل الله</span>\n١٣١١/ ٤٦ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَال: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِلنَّبيِّ - ﷺ - خَاصّةً، فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ في الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، عُدَّةً في سَبِيلِ اللهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في مواضع من \"صحيحه\"، وأولها في كتاب \"الجهاد\"، باب (المِجَنِّ ومن يتَّرِسُ بترس صاحبه) (^١) (٢٩٠٤)، ومسلم (١٧٥٧) (٤٨) من طريق سفيان، عن عمرو، عن الزهري، عن مالك بن أوس الحدَثان، عن عمر - ﵁ - قال: كانت أموال بني النضير … وذكر الحديث.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كانت أموال بني النضير) بنو النضير: إحدى طوائف اليهود الذين سكنوا قرب المدينة، وكانت منازلهم جنوب مسجد قباء، كما تقدم، فوادعهم النبي - ﷺ - بعد قدومه على ألا يحاربوه ولا يعينوا عليه، فنكثوا العهد كما هي عادة اليهود، فحاصرهم حتى نزلوا على الجلاء وأن لهم ما حملت إبلهم غير السلاح، وكان هذا بعد بدر بستة أشهر على ما حكاه البخاري عن الزهري، عن عروة (^٢).\n_________\n(^١) مناسبة الحديث لهذا الباب جاءت في قوله: \"وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله\" والمجن من جملة آلات السلاح. انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٩٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٢٩).","vol":"9","page":120},{"text":"والمراد بأموالهم: الأرض والنخيل وكل شيء من الحلقة والسلاح والكراع.\n\nقوله: (مما أفاء الله على رسوله) الجار والمجرور خبر (كان) ومعنى أفاء: أعطى وردَّ، والفيء: ما أخذ بغير قتال.\n\nقوله: (لم يوجف) أي: لم يسرع، والإيجاف: الإسراع، يقال: وجف الفرس والبعير: أسرع، وأوجفه صاحبه: إذا حمله على السير السريع.\n\nقوله: (ولا ركاب) بكسر الراء هي الإبل لا واحد له من لفظه وإنما من معناه، وهو راحلة.\nوإيجاف الخيل والركاب كناية عن القتال؛ والمعنى: أن أموال بني النضير حصلت للمسلمين من غير حرب ولا قتال، بل بما أنزل الله في قلوبهم من الرعب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر: ٢] وقد أجمع المفسرون على أن هؤلاء المذكورين في هذه الآية هم بنو النضير، وأول الحشر: إجلاؤهم من المدينة، وآخر الحشر: إجلاء عمر - ﵁ - لهم من خيبر.\n\nقوله: (فكانت للنبي - ﷺ - خاصة) أي: يضعها حيث شاء، فلا تقسم قسم الغنائم التي قوتل عليها.\n\nقوله: (في الكراع) بضم الكاف، هي الخيل.\n\nقوله: (والسلاح) اسم شامل لآلات الحرب من السيوف والرماح والدروع وغيرها.\n\nقوله: (عدة في سبيل الله) بضم العين وتشديد الدال المهملتين؛ أي: استعدادًا؛ والمعنى: يعده عدة في سبيل الله.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن أموال بني النضير كانت لرسول الله - ﷺ - خاصة؛ لأنها من الفيء الذي يصرف في مصالح المسلمين (^١)،\n_________\n(^١) انظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ٨٣).","vol":"9","page":121},{"text":"وليست من الغنيمة التي تقسم على المجاهدين بعد أخذ الخمس؛ لأن أموال بني النضير لم تحصل بقتال، قال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيهِ مِنْ خَيلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ [الحشر: ٦].\n\n* الوجه الرابع: الحث على إعداد آلات القتال ووسائله، وتقديم مصلحة ذلك على غيره.\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه يجوز للإنسان أن يدخر لأهله قوت سنة، وأن هذا لا ينافي التوكل على الله تعالى، وأما حديث أنس - ﵁ - قال: (كان النبي - ﷺ - لا يدخر شيئًا لِغَدٍ) (^١). فهو -على القول بصحته- محمول على أنه لا يدخر لنفسه، وحمله ابن كثير على ادخار ما يسرع إليه الفساد (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٢٣٦٢)، وابن حبان (١٤/ ٢٧٠) من طريق قتيبة بن سعيد، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس - ﵁ -. قال الترمذي: (هذا حديث غريب، وقد روي هذا الحديث عن جعفر بن سليمان، عن ثابت عن النبي - ﷺ - مرسلًا) وجعفر بن سليمان جاء في أحاديثه عن ثابت مناكير، كما ذكر علي بن المديني في \"العلل\" (٧٢) ولعل هذا منها، والموصول والمرسل مدارهما على جعفر، وانظر: \"الكامل\" لابن عدي (٢/ ١٤٤).\n(^٢) \"الشمائل\" لابن كثير ص (٩٨ - ٩٩).","vol":"9","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1104>ما جاء في قسمة الغَنَمِ إذا احتاجها المجاهدون</span>\n١٣١٢/ ٤٧ - عَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ - قَال: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - خَيبَرَ، فَأَصَبْنَا فِيهَا غَنَمًا، فَقَسَمَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - طَائِفَةً، وَجَعَلَ بَقِيَّتَهَا في الْمَغْنَمِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الجهاد\"، بابٌ (في بيع الطعام إذا فَضَلَ عن الناس في أرض العدو) (٢٧٠٧) من طريق يحيى بن حمزة قال: حدثنا أبو عبد العزيز شيخ من أهل الأُرْدُنِّ (^١)، عن عبادة بن نُسَيّ، عن عبد الرحمن بن غَنْم قال: رابطنا مدينة قِنَّسْرِين (^٢) مع شُرحْبيل بن السِّمْط، فلما فتحها أصاب فيها غنمًا وبقرًا، فقسم فينا طائفة منها، وجعل بقيتها في المغنم، فلقيت معاذ بن جبل فحدثته، فقال معاذ: غزونا مع رسول الله - ﷺ - … الحديث.\nوهذا الحديث سنده حسن، ورجاله لا بأس بهم كما قال الحافظ، وأبو عبد العزيز الأُرْدنيُّ قال عنه ابن معين: (لا أعرفه)، وقال أبو حاتم: (ما بحديثه بأس) (^٣) وقال ابن القطان: (كل رجاله ثقات)، ثم نقل كلام\n_________\n(^١) ضبطها ياقوت في \"معجمه\" (١/ ١٤٧) بتشديد النون.\n(^٢) قال ياقوت: \"كانت قنسرين وحمص شيئًا واحدًا\" \"معجم البلدان\" (٤/ ٤٠٣).\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" (٩/ ١٧٠).","vol":"9","page":123},{"text":"أبي حاتم (^١). ونقل ابن عبد الهادي كلام ابن القطان وأقره (^٢).\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن للإمام أن يقسم بين المجاهدين من الغنم ونحوها من الأنعام ما يحتاجونه حال قيام الحرب، ويترك الباقي في جملة المغنم يُقسم بين المجاهدين، وهذا موافق لمذهب الجمهور القائلين بجواز أخذ الغانمين ما يحتاجونه من القوت وكل طعام يُعتاد أكله، سواء أكان حيوانًا أم غيره، قال الخطابي: (الأصل أن الغنيمة مخموسة، ثم الباقي بعد ذلك مقسوم، إلا أن الضرورة لما دعت إلى إباحة الطعام للجيش والعلف لدوابهم صار قدر الكفاية منها مستثنى ببيان النبي - ﷺ -، وما زاد على ذلك مردود إلى المغنم، لا يجوز بيعه لآخذه والاستئثار بثمنه) (^٣)، وتقدم الكلام على ذلك، ولو أن المصنف ضم هذا الحديث إلى الأحاديث الماضية في هذه المسألة لكان أولى.\nوقد حمل بعض الشراح كالمغربي هذا الحديث على التنفيل من أصل الغنيمة قبل التخميس، وتبعه على هذا الصنعاني، وما ذُكر هو قول الخطابي في معنى الحديث، وتبعه الشوكاني (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٣٩١).\n(^٢) \"المحرر\" (٢/ ٥٢٨).\n(^٣) \"معالم السنن\" (٤/ ٣٦).\n(^٤) \"البدر التمام\" (٤/ ٥٣٣)، \"سبل السلام\" (٤/ ١٢٤)، \"نيل الأوطار\" (٧/ ٣٣٦ - ٣٣٧).","vol":"9","page":124},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1105>الأمر بالوفاء بالعهد والنهي عن حبس الرسل</span>\n١٣١٣/ ٤٨ - عَنْ أَبي رَافِعٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الرُّسُلَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الجهاد\"، بابٌ (في الإمام يُستجن به في العهود) (^١) (٢٧٥٨)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨/ ٥٢)، وابن حبان (١١/ ٢٣٣) من طريق عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن الحسن بن علي بن أبي رافع أن أبا رافع قال: بعثتني قريش إلى رسول الله - ﷺ -، فلما رأيت رسول الله - ﷺ - أُلْقِيَ في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله إني لا أرجع إليهم أبدًا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البُرُد، ولكن ارجع فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع\"، قال: فذهبت، ثم أتيت رسول الله - ﷺ - فأسلمت، قال بكير: وأخبرني الحسن: أن أبا رافع كان قبطيًّا.\nوإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، غير الحسن بن علي بن أبي رافع، وهو ثقة كما قال النسائي (^٢)، وقد صرح الحسن بأن جده أبا رافع أخبره بهذا الحديث.\n_________\n(^١) أي: يُستتر به وأنه محل العصمة والوقاية للرعية، فإذا عقد العهد وصالح بين المسلمين وبين غيرهم إلى مدة أمِنَ الجميع. \"عون المعبود\" (٧/ ٤٣٦).\n(^٢) انظر: \"تهذيب الكمال\" (٦/ ٢١٨)، \"الصحيحة\" رقم (٧٠٢).","vol":"9","page":125},{"text":"* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا أخيس) أي: لا أنقض العهد ولا أفسده، يقال: خاس يخيس ويخوس: إذا غدر ونقض العهد، من قولهم: خاس الشيء في الوعاء: إذا فسد (^١).\n\nقوله: (ولا أحبس الرسل) هكذا في \"البلوغ\"، وفي المصادر المذكورة: (البرد) وهو بالضم، وقيل: بسكون الراء، جمع بريد وهو الرسول.\nقال الخطابي: (يشبه أن يكون المعنى في ذلك أن الرسالة تقتضي جوابًا، والجواب لا يصل إلى المُرْسِلِ إلا على لسان الرسول بعد انصرافه، فصار كأنه عَقَدَ له العقد مدة مجيئه ورجوعه) (^٢)، فكان ذلك بمنزلة عقد العهد.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب حفظ العهد والوفاء به ولو لشخص كافر، وهذه سنة النبي - ﷺ -.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنه لا يجوز حبس الرسل والسفراء بل يجب تأمينهم حتى يرجعوا إلى ديارهم وإلى من أرسلهم سالمين؛ لأن في حبسهم تعطيلًا لمهمتهم وقطعًا للاتصالات الدولية.\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على سمو تعاليم الإسلام وشمولها لكل ما يحتاجه الناس، ومن ذلك ما يتعلق بحفظ العهود واحترام الرسل وتأمينهم حتى يرجعوا. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"النهاية\" (٢/ ٩٢).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٦٣).","vol":"9","page":126},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1106>حكم الأرض يغنمها المسلمون</span>\n١٣١٤/ ٤٩ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيتُمُوهَا فَأَقَمْتُمْ فِيهَا فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ خُمُسَهَا للهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الجهاد والسير\"، باب (حكم الفيء) (١٧٥٦) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - … فذكر أحاديث منها وقال: قال رسول الله - ﷺ -: … فذكر الحديث.\n\n* الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن ما يحصل للمسلمين من أموال الكفار بدون قتال فإنه يكون فيئًا مصرفه مصرف الفيء، وأما ما يحصل بالقتال فإنه يكون غنيمة خمسها لله ولرسوله، وأربعة أخماسها للغانمين.\nهكذا فسر الحديث القاضي عياض، وتبعه من جاء بعده من الشراح (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"إكمال المعلم\" (٦/ ٧٤)، \"المفهم\" (٣/ ٥٥٥)، \"شرح الأُبِّي\" (٥/ ٧٠).","vol":"9","page":127},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1107>باب الجزية والهدنة</span>\nالجزية في اللغة: مشتقة من الجزاء والمجازاة؛ لأنها جزاء تأمين الكفار وعصمة دمائهم وعيالهم وأموالهم، أو تمكينهم من سكنى دار الإسلام (^١).\nوالمراد هنا: ما يؤخذ من الكفار جزاء الكف عن قتالهم، أو إسكانهم دار الإسلام.\nوالأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع والمعقول، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]؛ ومعنى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي: ذليلون عند إعطائها، فلا يرسلون بها رسولًا، ولا يتعاظمون، ولا يعظَّمون عند تسليمها.\nوأما السنة فمنها: ما روى المغيرة بن شعبة - ﵁ - أنه قال لجند كسرى يوم نهاوند (^٢): (أمرنا نبينا رسول ربنا - ﷺ - أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية) (^٣)، وكذا أحاديث الباب.\nوقد أجمع المسلمون على جواز أخذ الجزية في الجملة.\nوأما المعقول فهو أن الذمي يتمتع بحماية الدولة من أي عدوان خارجي أو داخلي، ويعفى من الخدمة العسكرية، فلا بد من دفع ضريبة مقابل تلك الحماية، ومقابل استقراره في دار الإسلام وحقن دمه والكف عن قتاله.\nوقد شرعت الجزية سنة ثمان من الهجرة، وقيل: سنة تسع (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"أحكام أهل الذمة\" (١/ ٢٢).\n(^٢) انظر: \"البداية والنهاية\" (١٠/ ١١١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣١٥٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٥٩).","vol":"9","page":128},{"text":"والهدنة: بضم الهاء وسكون الدال مشتقة من هَدَنْتُ الصبيَّ: إذا سكنته، والمراد هنا: الاتفاق على وقف القتال بين المتحاربين مدة معلومة، بعوض أو غيره، مع استمرار حالة الحرب.\nوالأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع والقياس، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، ومن السنة الأحاديث الآتية، وقد أجمع المسلمون على جوازها في الجملة، والقياس يقتضيها؛ لأنه قد يكون بالمسلمين ضعف وفي عدوهم قوة، فيعقدونها حتى يقووا ويستعدوا.","vol":"9","page":129},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1108>ما جاء في أخذ الجزية من المجوس</span>\n١٣١٥/ ١ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَخَذَهَا -يَعْني الْجِزْيَةَ- مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nولَهُ طَريقٌ في \"المُوَطَّإِ\" فِيهَا انْقِطَاعٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الجزية والموادعة\"، باب (الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب) (٣١٥٦ - ٣١٥٧) من طريق سفيان قال: سمعت عمْرًا قال: كنت جالسًا مع جابر بن زيد وعمرو بن أوس فحدثهما بَجَالةُ سنة سبعين -عام حجَّ مصعبُ بن الزبير بأهل البصرة - عند درج زمزم قال: كنت كاتبًا لِجَزْءِ بن معاوية عمِّ الأحنف، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب - ﵁ - قبل موته بسنة: فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - أخذها من مجوس هجر.\nورواه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٧٨) عن جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب - ﵁ - ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم، فقال عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -: أشهد لقد سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"سنوا بهم سنة أهل الكتاب\".\nوهذا الحديث رجاله ثقات، لكنه منقطع، كما قال الحافظ (^١)، وذلك\n_________\n(^١) انظر أيضًا: \"فتح الباري\" (٦/ ٢٦١).","vol":"9","page":130},{"text":"لأن رواية محمد بن علي بن الحسين عن عمر - ﵁ - مرسلة (^١)، قال ابن عبد البر: (هذا حديث منقطع؛ لأن محمد بن علي لم يلق عمر ولا عبد الرحمن بن عوف) ثم قال: (لكن معناه متصل من وجوه حسان) (^٢).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من مجوس) واحدهم مجوسي، وهذا مما يفرق بينه وبين مفرده بالياء، كروم ورومي، وهو نسبة إلى المجوسية، والمجوس قوم يعبدون النور والنار والظلمة، والشمس والقمر، ويزعمون أن للكون إلهين، وهم في بلاد فارس وما حولها، وقد قضى الإسلام على هذه النحلة ظاهرًا بعد فتح بلاد فارس، لكن بقيت لها آثار في بعض الطوائف كالشيعة وإخوان الصفا والبهائية والنصيرية الباطنية والقدرية وغيرها، وهم يستبيحون نكاح أخواتهم وسائر محارمهم (^٣).\n\nقوله: (هَجَر) بفتحتين، وهي اسم لجميع أرض البحرين، ومنها الأحساء.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على مشروعية الجزية.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل لمن قال: إن الجزية تؤخذ من المجوس كما تؤخذ من اليهود والنصارى، ويشهد لهذا الحديث حديث عمرو بن عوف الأنصاري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها (^٤). وكان غالب أهل البحرين إذ ذاك من المجوس (^٥)، قال ابن عبد البر (في قول الرسول - ﷺ - في المجوس: \"سنوا بهم سنة أهل الكتاب\" يعني في الجزية، دليل على أنهم ليسوا أهل الكتاب، وعلى ذلك\n_________\n(^١) \"المراسيل\" ص (١٨٥).\n(^٢) \"التمهيد\" (٢/ ١١٤، ١١٦). وانظر: \"التنقيح\" (٤/ ٦١٨).\n(^٣) \"الاقتضاء\" (١/ ١٤٨).\n(^٤) رواه البخاري (٣١٥٨)، ومسلم (٢٩٦١).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٦٢).","vol":"9","page":131},{"text":"جمهور الفقهاء) (^١). ومثل هذا قال ابن القيم (^٢). وقد تقدم الخلاف في هذه المسألة.\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن العالم الحبر قد يخفى عليه ما يوجد عند من دونه في العلم، وأن العالم إذا جهل شيئًا أو أشكل عليه لزمه الاعتراف بالتقصير، ثم سؤال من هو أعلم منه، أو البحث في المسألة حتى يقف على الصواب فيما أشكل عليه (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٢/ ١١٩).\n(^٢) انظر: \"أحكام أهل الذمة\" (١/ ٦).\n(^٣) \"التمهيد\" (٢/ ١١٦).","vol":"9","page":132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1109>ما جاء في أخذ الجزية من العرب</span>\n١٣١٦/ ٢ - عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيمَانَ أَنَّ النبيَّ - ﷺ - بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ، فَأَخَذُوهُ، فَحَقَنَ دَمَهُ، وَصَالحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nالأول: هو أبو عمرو أو أبو عمر عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأوسي الأنصاري، روى عن أبيه وعن جابر بن عبد الله وأنس وغيرهم -﵃-، وروى عنه ابنه الفضل، وبكير بن عبد الله بن الأشج، ومحمد بن إسحاق وغيرهم، وهو ثقة كثير الحديث، أمره عمر بن عبد العزيز ﵀ أن يجلس في مسجد دمشق فيحدث الناس بالمغازي ومناقب الصحابة، ففعل، مات سنة تسع عشرة ومائة على أحد الأقوال.\nوقد وهم المغربي حيث ظنه عاصم بن عمر بن الخطاب، وتبعه على هذا الوهم الصنعاني، وقد نص المزي على أنه عاصم بن عمر بن قتادة (^١).\nوالثاني: هو قاضي مكة عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل النوفلي المكي، روى عن عمه نافع بن جبير وابن عمه سعيد بن محمد بن جبير وآخرين، وروى عنه إسماعيل بن أمية وابن جريج وابن إسحاق وغيرهم، وقد وثقه أحمد وابن معين وابن سعد وأبو حاتم وآخرون، علق له\n_________\n(^١) \"تحفة الأشراف\" (١/ ٢٤٩)، \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٤٧)، \"البدر التمام\" (٤/ ٢٤٩)، \"سبل السلام\" (٧/ ٣١٥).","vol":"9","page":133},{"text":"البخاري، وروى له مسلم (^١).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الخراج\" بابٌ (في أخذ الجزية) (٣٠٣٧) من طريق محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن أنس بن مالك، وعن عثمان بن أبي سليمان أن النبي - ﷺ - بعث خالد بن الوليد … الحديث.\nوهذا الحديث مداره على محمد بن إسحاق، وقد رواه عن شيخيه عاصم بن عمر، وعثمان بن أبي سليمان، إلا أن عاصمًا أسنده، وعثمان أرسله، فالحديث رواه أبو داود متصلًا من طريق عاصم بن عمر، عن أنس، ومرسلًا من طريق عاصم، عن عثمان، وقد ساقه الحافظ في \"البلوغ\" على سياق أبي داود.\nومحمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعن، ومع هذا فقد حسنه الألباني (^٢)، ولعله حسنه لكون ابن إسحاق قد صرح بالتحديث كما في \"السيرة\" لابن هشام و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (^٣)، وفيه نظر. ثم إن الظاهر أن هذا الاختلاف من ابن إسحاق، وهو لا يُحتمل منه مثل هذا، فالظاهر أنه لم يضبط الحديث.\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (بعث خالد بن الوليد) أي: أرسله في سرية أيام غزوة تبوك، وكان عددهم أربعمائة وعشرين فارسًا (^٤).\n\nقوله: (إلى أُكَيْدِرِ دومة) هو أُكيدر -بضم الهمزة، وفتح الكاف- ابن عبد الملك الكندي، ملك دومة الجندل في الجاهلية، كان شجاعًا مولعًا باقتناص الوحش، وكان نصرانيًّا، قال الخطابي: (هو رجل من العرب يقال: هو من غسان) (^٥). واختلف في إسلامه، فقيل: إنه أسلم، وقد ورد أنه أهدى\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ١١١).\n(^٢) \"صحيح سنن أبي داود\" (٢/ ٥٨٩).\n(^٣) \"السيرة\" (٤/ ١٧٠)، \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٨٧).\n(^٤) \"زاد المعاد\" (٣/ ٥٣٨).\n(^٥) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٤٩).","vol":"9","page":134},{"text":"للنبي - ﷺ - جبة سندس، كما ثبت هذا في \"الصحيحين\"، قال ابن الأثير: (أما سرية خالد فصحيح، وإنما أهدى إلى الرسول - ﷺ - وصالحه ولم يسلم، وهذا لا اختلاف بين أهل السير فيه، ومن قال: إنه أسلم فقد أخطأ ظاهرًا) (^١).\nودومة: بضم الدال وسكون الواو، هي دومة الجندل، وهي الآن مدينة عامرة بها نخل وزرع، وكانت عاصمة مقاطعة الجوف، ثم انتقلت العاصمة إلى سكاكا التي تقع جنوب شرق دومة الجندل بحوالي أربعين كيلًا، وقد جاء في بعض نسخ \"البلوغ\": (دومة الجندل)، وهذا خطأ؛ فإن لفظة (الجندل) ليست في \"سنن أبي داود\".\n\nقوله: (فأخذوه) لفظ أبي داود: (فأُخذ، فأتوه به).\n\nقوله: (فحقن دمه) أي: لم يسفكه بل أعطاه عهدًا بحفظه، تقول: (حقنت دمه: خلاف هدرته، كأنك جمعته في صاحبه فلم ترقه) (^٢).\n\n* الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال: إن الجزية تؤخذ من جميع الكفار ومنهم من بقي على كفره من العرب، وهذا يتم على القول بأن أكيدر من عرب كندة، كما تقدم، قال الحافظ: (إن ثبت أن أكيدر كان كنديًّا، ففيه دليل على أن الجزية لا تختص بالعجم من أهل الكتاب …) (^٣)، وقال ابن القيم: (لم يفرق رسول الله - ﷺ - ولا خلفاؤه في الجزية بين العرب والعجم بل أخذها رسول الله - ﷺ - من نصارى العرب وأخذها من مجوس هجر وكانوا عربًا …) (^٤)، وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (قد تواتر عن المسلمين من الصحابة ومن بعدهم أنهم يدعون من يقاتلونهم إلى إحدى ثلاث: إما الإسلام، أو أداء الجزية، أو السيف، من غير فرق بين كتابي وغيره) (^٥) وقد مضى البحث في هذا عند شرح حديث بريدة - ﵁ -. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"أسد الغابة\" (١/ ١٣٥)، وانظر: \"الكامل\" (٣/ ١٩٢)، \"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ١٢٤)، \"السيرة\" لابن هشام (٤/ ١٦٩).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (١٤٤).\n(^٣) \"التلخيص\" (٤/ ٢٩٦١).\n(^٤) \"زاد المعاد\" (٣/ ١٥٧).\n(^٥) \"تفسير ابن سعدي\" ص (٣١١).","vol":"9","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1110>ما جاء في مقدار الجزية وصفة دافعها</span>\n١٣١٧/ ٣ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ - قَال: بَعَثَنِي النَّبيُّ - ﷺ - إِلَى الْيَمَنِ .. وَأَمَرَنِي \"أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِريًّا\". أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث تقدم تخريجه والكلام عليه في كتاب \"الزكاة\"، رقم (٦٠١)، وقد رواه أصحاب السنن من طرق، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ - ﵁ - مرفوعًا، وقد اختلف في وصله وإرساله، ورجح الترمذي والدارقطني رواية الإرسال، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق أن النبي - ﷺ - بعث معاذًا إلى اليمن …\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (بعثني إلى اليمن) تقدم أن ذلك في ربيع الأول سنة عشر، وعاد في خلافة أبي بكر - ﵁ -.\n\nقوله: (من كل حالم) اسم فاعل من حَلَمَ الصبي فهو حالم، ويقال: احتلم فهم محتلم؛ أي: أدرك وبلغ مبلغ الرجال.\n\nقوله: (دينارًا) تقدم أنه يساوي ثلاث جرامات ونصف الجرام أو ثلاث وثلاثة أرباع الجرام من الذهب.\n\nقوله: (أو عدله معافريًّا) العدل: بفتح العين وسكون الدال ما يساوي قيمة الشيء ومقداره، نقل الخطابي هذا عن الفراء، ويرى ابن الأثير جواز فتح","vol":"9","page":136},{"text":"العين وكسرها (^١).\nوالمعافري: نسبة إلى مَعافر -بالفتح على وزن مساجد- وهم حي من همدان في اليمن، والمراد بها ثياب تنسج في اليمن نسبت إليهم.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الجزية لا تؤخذ إلا ممن بلغ الحلم؛ لأن الجزية إنما تجب على من يجب قتله مقابل الكف عنه.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الجزية إنما تجب على الذكر دون الأنثى؛ لأن الحالم عبارة عن الرجل، فالرجل هو الذي تؤخذ منه الجزية.\nأما من لا يجوز قتله من صبي أو امرأة أو زائل العقل أو شيخ فانٍ أو أعمى ونحوهم فلا جزية عليه؛ لأن الجزية تؤخذ لحقن الدم، وهؤلاء دماؤهم محقونة بدونها (^٢).\nوقد أخرج عبد الرزاق وأبو عبيد بسنديهما عن نافع، عن أسلم مولى عمر، أن عمر - ﵁ - كتب إلى أمراء الأجناد: (أن يضربوا الجزية، ولا يضربوها على النساء والصبيان، ولا يضربوها إلا على من جرت عليه المواسي) (^٣)؛ يعني: من أنبت، قال أبو عبيد: (وهذا الحديث هو الأصل فيمن تجب عليه الجزية ومن لا تجب عليه، ألا تراه إنما جعلها على الذكور المدركين، دون الإناث والأطفال؟ وذلك أن الحكم كان عليهم القتل لو لم يؤدوها، وأسقطها عمن لا يستحق القتل، وهم الذرية) (^٤).\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على نوع من التسامح الإسلامي في الجزية حيث أُخذت قيمتها من صنائع أهل الذمة وأموالهم كالثياب ونحوها،\n_________\n(^١) انظر: \"غريب الحديث\" للخطابي (١/ ١٩٥)، \"النهاية\" (٣/ ١٩٠ - ١٩١).\n(^٢) انظر: \"الإشراف\" (٤/ ٤٤)، \"المغني\" (١٣/ ٢١٦).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (٦/ ٨٥) مطولًا، وأبو عبيد في الأموال ص (٤١)، وكذا البيهقي (٩/ ١٩٥، ١٩٨) مختصرًا، انظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (٩٣٢).\n(^٤) \"الأموال\" ص (٤١)، وانظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ١٥٧)، \"أحكام أهل الذمة\" (١/ ٤٢).","vol":"9","page":137},{"text":"وهذا يدل على أن الجزية غير مقدرة الجنس، بل يجوز أن تكون ثيابًا وذهبًا وغير ذلك.\n\n* الوجه السادس: يستدل بعض الفقهاء بهذا الحديث على مقدار الجزية، وأن أقلها دينار، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، ورواية عن أحمد (^١)، وقال أبو حنيفة: إنها في حق الموسر ثمانية وأربعون درهمًا، ونصفها في حق المتوسط، وربعها في حق الفقير، وهذا رواية عن الإمام أحمد، لفعل عمر - ﵁ -، وهؤلاء هم القائلون بأن الجزية مقدرة.\nوذهب الثوري، والإمام أحمد -في رواية ثالثة- وأبو عبيد إلى أن الجزية غير مقدرة، بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام (^٢)، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (^٣). وذلك لتغير الأحوال بتغير الأزمان، وعملًا بجميع الأدلة في هذا الباب، وهذا هو أرجح الأقوال. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الأم\" (٥/ ٤٢٤)، \"المهذب\" (٢/ ٣٢١)، \"المغني\" (١٣/ ٢١٠).\n(^٢) انظر: \"الأموال\" ص (٤٦)، \"المغني\" (١٣/ ٢١٠)، \"أحكام أهل الذمة\" (١/ ٢٦)، \"الإنصاف\"، (٤/ ١٩٣).\n(^٣) \"الفتاوى\" (١٩/ ٢٥٣ - ٢٥٤)، \"زاد المعاد\" (٣/ ١٥٦).","vol":"9","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1111>ما جاء في أن الإسلام يعلو ولا يعلى</span>\n١٣١٨/ ٤ - عَن عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو المُزنيِّ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى\"، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو هبيرة عائذ بن عمرو بن هلال المزني البصري، كان ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، قال ابن عبد البر: (كان من صالحي الصحابة)، سكن البصرة، وابتنى بها دارًا، روى عنه الحسن ومعاوية بن قرة، وعامر الأحول، وغيرهم، روى البغوي من طريق أسماء بن عبيد قال: كان عائذ بن عمرو لا يخرج ماءً من داره، ويقول: (لأن أصبَّ طستي في حَجَلَتِي (^١)، أحب إلي من أن أصب في طريق المسلمين)، مات في إمارة ابن زياد أيام يزيد بن معاوية سنة إحدى وستين - ﵁ - (^٢).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه الدارقطني (٣/ ٢٥٢)، والبيهقي (٦/ ٢٠٥) من طريق حشرج بن عبد الله بن حشرج، حدثني أبي، عن جدي، عن عائذ بن عمرو المزني مرفوعًا.\nوهذا سند ضعيف، عبد الله بن حشرج مجهول، وكذا والده حشرج بن عائذ، ذكر ذلك ابن أبي حاتم عن أبيه (^٣)، ونقل الزيلعي عن الدارقطني مثل\n_________\n(^١) الحجلة مثل القبّة. \"ترتيب القاموس\" (١/ ٥٩٥).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٥/ ٣٠٦)، \"الإصابة\" (٥/ ٣٠٨).\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٢٩٦) (٥/ ٤٠).","vol":"9","page":139},{"text":"ذلك (^١)، وأما حشرج بن عبد الله فقال عنه أبو حاتم: (شيخ).\nوقد علقه البخاري موقوفًا على ابن عباس - ﵄ - (^٢)، وذكره ابن حزم في \"المحلى\" من طريق حماد بن زيد عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس في اليهودية أو النصرانية تسلم تحت اليهودي أو النصراني، قال: \"يفرق بينهما، الإسلام يعلو ولا يعلى عليه\" (^٣). قال الحافظ: (هذا إسناد صحيح، لكن لم أعرف إلى الآن من أخرجه) (^٤).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على علو أهل الإسلام على أهل الأديان، والمسلمون ما اكتسبوا هذه الصفة العظيمة إلا بهذا الدين، فمتى تمسكوا به فهم الأعلون، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩].\nوالحديث عام في جميع الأحوال، وهو قاعدة عظيمة مؤيدة بنصوص الكتاب والسنة، والفقهاء يستدلون به في فروع الفقه على مسائل كثيرة، ومنها: المنع من بيع العبد المسلم للكافر، ومنها: أن المرأة المسلمة لا تزوج لكافر، وأن الولد يتبع خير أبويه دينًا، وأن أهل الذمة يُمنعون من تعلية بيوتهم على المسلمين، ويؤيد معناه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، فالواجب على ولاة أمور المسلمين أن يعملوا على ما فيه علو الإسلام ورفعته وظهوره على الأعداء في أمور الحرب وأمور المصالحة، والسياسة الاقتصادية، وفي كل شيء، وألا يجعلوا للأعداء أي فرصة في العلو عليهم والهيمنة على ديارهم وفرض أفكارهم ومناهج حياتهم، وهم الذين يملكون بعقيدتهم قيادة البشرية وهدايتها إذا استقاموا على أمر الله، مع ما في أرضهم من كنوز وخيرات، والله المستعان!.\n_________\n(^١) \"نصب الراية\" (٣/ ٣١٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٢١٩).\n(^٣) \"المحلى\" (٧/ ٣١٤).\n(^٤) \"تغليق التعليق\" (٢/ ٤٩٠).","vol":"9","page":140},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1112>النهي عن السلام على أهل الكتاب وتوسعة الطريق</span>\n١٣١٩/ ٥ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"لَا تَبْدَأُوا الْيَهُودَ والنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ في طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"السلام\"، باب (النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يرد عليهم؟) (٢١٦٧) من طريق عبد العزيز -يعني الدراوردي- عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\n\n* الوجه الثاني: في الحديث دليل على أنه لا يجوز للمسلم أن يبتدئ أحدًا من اليهود أو النصارى بالسلام، وذلك لأن ابتداء السلام عليهم فيه مفاسد منها:\n١ - الوقوع في النهي الثابت في السنة، والأصل في النهي التحريم، وحمله على الكراهة -كما قيل- خلاف الأصل.\n٢ - أن السلام فيه نوع من الإكرام والذُّلِّ لهم، وهم ليسوا أهلًا للإكرام.\n٣ - إذهاب وهج الحسد من قلوبهم، وهم قد حسدونا على السلام، كما في حديث عائشة - ﵂ - عن رسول الله - ﷺ - قال: \"ما حسدكم اليهود على شيء ما حسدوكم على السلام والتأمين\" (^١)، فمن سلم عليهم أدخل السرور على أفئدتهم لتشريكهم في هذه التحية.\n_________\n(^١) رواه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٩٨٨)، وابن خزيمة (٥٧٤)، (١٥٨٥)، وابن =","vol":"9","page":141},{"text":"وإذا نهي المسلم عن ابتداء اليهود والنصارى بالسلام وهم أهل كتاب، فغيرهم من المشركين كالهندوس والبوذيين أولى.\nومما يؤسف عليه أن من المسلمين من لم يُقِمْ لهذا النهي وما اشتمل عليه من الحكم والأسرار أي اعتبار، فتراه لا يفرق بين مسلم وكافر في التحية، فيسلم على الكافر كما يسلم على المسلم، ويظن ذلك من المحامد والآداب المطلوبة، وسبب هذا كثرة وفود الكفار إلى ديار المسلمين واختلاطهم بهم وكثرة سفر المسلمين إلى ديارهم مما أذهب الغيرة وأضعف واجب البراءة والعداوة للكافرين في قلوب كثير من الناس.\n\n* الوجه الثالث: مفهوم النهي عن ابتدائهم بالسلام أنه لا نَهْيَ عن رد السلام عليهم، وقد ورد عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك، فقل: وعليك\" (^١). وعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم\" (^٢). وقد نقل النووي اتفاق العلماء على مشروعية الرد على أهل الكتاب إذا سلموا، لكن لا يقال: وعليكم السلام، بل يقال: عليكم أو وعليكم.\nوإذا كان للمسلم حاجة عند أحد من أهل الكتاب أو غيرهم من الكفار فلا بأس أن يبتدئهم بنحو قوله: السلام على من اتبع الهدى، أما ابتداؤهم بنحو: كيف أصبحت أو كيف أمسيت، أو كيف حالك؟ أو غير ذلك من ألفاظ التحية سوى تحية الإسلام فقد كرهه الإمام أحمد، وقال: هذا عندي أكثر من السلام (^٣).\n_________\n= ماجه (٨٥٦) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ -. وسنده صحيح.\n(^١) رواه البخاري (٦٢٥٧)، ومسلم (٢١٦٤).\n(^٢) رواه البخاري (٦٢٥٨)، ومسلم (٢١٦٣).\n(^٣) انظر: \"المغني\" (١٣/ ٢٥٢).","vol":"9","page":142},{"text":"* الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنه لا يجوز توسعة الطريق لليهود والنصارى بل نضطرهم إلى أضيقها، لأن فسح الطريق لهم نوع إكرام لهم، وهم لا يستحقونه، والمراد بالحديث حال المشي على الأقدام، وأما في السيارة ونحوها فالظاهر أنه غير مراد لما يترتب عليه من الخطر.\n\n* الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الكتابي إذا قابل المسلم في الطريق فإن المسلم لا يفسح له، لأن هذا من إكرامه، بل يلجئه إلى أضيق الطريق، ويكون وسط الطريق وسعته للمسلم، إذلالًا للكتابي وإشعارًا بعزة الإسلام، وهذا مقيد عند العلماء بقيدين:\nالأول: أن هذا عند الزحام، فيركب المسلمون صدر الطريق، ويكون الذمي في أضيقه، فإن خلت الطريق من الزحمة فلا بأس.\nالثاني: أن هذا التضييق مقيد بحيث لا يقع الذمي في ضرر، كأن يقع في حفرة أو يصدمه جدار ونحوه (^١).\nوهذا الحديث سيعيده المؤلف مرة أخرى في كتاب \"الجامع\". ولعله يأتي هناك زيادة عما في هذا الموضع. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (١٤/ ٣٩٨)، \"دليل الفالحين\" (٣/ ٣٤٩).","vol":"9","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1113>جواز عقد الهدنة بين المسلمين والمشركين</span>\n١٣٢٠/ ٦ - عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ عامَ الْحُدَيبِيَةِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ: \"هَذَا مَا صَالحَ عَلَيهِ مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ سُهَيلَ بْنَ عَمْرٍو: عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَصْلُهُ في الْبُخَارِيِّ.\n١٣٢١/ ٧ - وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ بَعْضَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ - ﵁ - وَفِيهِ: \"أَنَّ مَنْ جَاءَنَا مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَينَا\"، فَقَالوا: أَنَكْتُبُ هذَا يَا رسُولَ اللهِ؟ قَال: \"نَعَمْ، إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ فَسَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا\".\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nالمسور بن مخرمة - ﵁ - تقدمت ترجمته في \"صفة الحج\" عند الحديث (٧٦٦)، وأما مروان فهو أبو عبد الملك، مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي، ولد في السنة الثانية أو الرابعة من الهجرة، قال البخاري: (لم ير النبي - ﷺ -)، وقال الحافظ: (لم أر من جزم بصحبته)، وقد نفى النبي - ﷺ - أباه الحكم إلى الطائف وهو معه، وبقي فيها حتى ولي عثمان - ﵁ - فردَّه. أرسل عن النبي - ﷺ -، وروى عن غير واحد من الصحابة - ﵃ - منهم عمر وعثمان وعلي وبسرة بنت صفوان، وقرنه البخاري بالمسور بن مخرمة في روايته عن الزهري، عن عروة، عنهما، كما سيأتي، روى عنه سهل بن سعد، وهو أكبر منه سنًّا وقدرًا؛ لأنه صحابي، وروى عنه من","vol":"9","page":144},{"text":"التابعين ابنه عبد الملك، وعلي بن الحسين، وعروة، وغيرهم، وقال الحافظ: (كان يعد من الفقهاء).\nولي إمرة المدينة أيام معاوية، ثم أخرجه منها عبد الله بن الزبير، فسكن الشام، ثم عاد إلى المدينة، وحدثت فتن كان من أنصارها، وبويع له بالخلافة بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية بالجابية (^١) سنة أربع وستين، وغلب على الشام ومصر، ومات بعد تسعة أشهر من بدء خلافته في رمضان سنة خمس وستين (^٢).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجهما:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الجهاد\"، بابٌ (في صلح العدو) (٢٧٦٦) من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس، وعلى أن بيننا عَيبَةً (^٣) مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال.\nوهذا لفظ الحديث كما في \"سنن أبي داود\"، ورواه -أيضًا- (٢٧٦٥) من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة قال: خرج رسول الله - ﷺ - زمن الحديبية … وساق الحديث بطوله، وليس فيه محل الشاهد الذي ذكر الحافظ هنا، ثم إنه من رواية المسور وحده كما في سياق إسناده، ويبدو أن الحافظ روى الحديث بالمعنى، فصار مؤلفًا من حديثين، ثم إن رواية المسور ومروان مرسلة، أما مروان فلأنه لا صحبة له كما تقدم، وأما المسور فلأنه لم يحضر هذه القصة، وإنما سمعها من بعض الصحابة -﵃-، فهو مرسل صحابي، وتحديد المدة تفرد به ابن إسحاق عن أصحاب الزهري.\n_________\n(^١) الجابية: بكسر الباء وياء خفيفة: قرية من أعمال دمشق. انظر: \"مراصد الاطلاع\" (١/ ٣٠٤).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (١٠/ ٧٠)، \"السير\" (٣/ ٤٧٦)، \"الإصابة\" (٩/ ٣١٨).\n(^٣) العيبة: بفتح العين ما يجعل فيه الثياب، ومكفوفة؛ أي: مشدودة ممنوعة؛ أي: أمرًا مطويًّا في صدور سليمة، وهو إشارة إلى ترك المؤاخذة بما تقدم، والمحافظة على العهد الذي وقع بينهم، والإسلال: السرقة، والإغلال: الخيانة.","vol":"9","page":145},{"text":"والحديث أصله في \"صحيح البخاري\" في كتاب \"الشروط\"، باب (الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابة الشروط) (٢٧٣١) (٢٧٣٢) من طريق معمر، قال: أخبرني الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان -يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه- قالا: خرج رسول الله - ﷺ - زمن الحديبية … وساق الحديث بطوله.\nوأما حديث أنس - ﵁ - فقد رواه مسلم في كتاب \"الجهاد\"، باب (صلح الحديبية) (١٧٨٤) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس - ﵁ - أن قريشًا صالحوا النبي - ﷺ - فيهم سهيل بن عمرو … وفيه: فاشترطوا على النبي - ﷺ - أن من جاء منكم لم نرده عليكم … وذكر تمام الحديث.\nولعل الحافظ اقتصر على هذا القدر من حديث أنس - ﵁ -؛ لأن هذه المسألة مختلف فيها (^١).\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (خرج عام الحديبية) أي: سافر النبي - ﷺ - من المدينة قاصدًا العمرة زمن الحديبية، وكان ذلك يوم الاثنين لهلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة -على الصحيح- ومعه ألف وأربعمائة، وقيل: ألف وخمسمائة (^٢).\nوالحديبية: بضم الحاء وفتح الدال وياء ساكنة وباء موحدة مكسورة وياء مشددة أو مخففة، اسم موضع، سميت ببئر في ذلك الموضع، وقيل: بشجرة حدباء، وهي اليوم قرية بعضها في الحل وبعضها في الحرم على أشهر الأقوال، وتبعد عن مكة اثنين وعشرين كيلًا من جهة الشمال الغربي، وتعرف اليوم باسم الشميسي، وفيها حدائق تعرف باسم حدائق الحديبية (^٣).\n\nقوله: (سهيل بن عمرو) هو أبو زيد سهيل بن عمرو بن عبد شمس القرشي العامري، خطيب قريش، وهو الذي تولى أمر الصلح في الحديبية،\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٣٤٥).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٣/ ٢٨٧).\n(^٣) \"معجم البلدان\" (٢/ ٢٢٩)، \"مرويات غزوة الحديبية\" ص (١٧).","vol":"9","page":146},{"text":"وكلامه ومراجعته للنبي - ﷺ - ثابت في \"الصحيحين\" وغيرهما، قال الشافعي: (كان سهيل محمود الإسلام من حين أسلم)، مات سنة ثماني عشرة - ﵁ - (^١).\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على جواز عقد الهدنة بين المسلمين والمشركين مدة مقدرة معلومة لمصلحة يراها الإمام، واشترط كون المدة معلومة؛ لأنها لو أطلقت ولم تقدر اقتضى ذلك التأبيد، وهذا يفضي إلى ترك الجهاد.\nومذهب الإمام أحمد والشافعي أن المدة لا تجوز بأكثر من عشر سنين؛ لفعل النبي - ﷺ - (^٢)، لكن تحديد المدة تفرد به ابن إسحاق عن بقية أصحاب الزهري.\nوالقول الثاني: أنه يجوز عقد الهدنة أكثر من عشر سنين، لكن تحدد المدة لما تقدم، وهذا رواية عن أحمد، وهو قول أبي حنيفة (^٣).\nوالقول الثالث: أنه يجوز عقد الهدنة مطلقًا بدون تحديد مدة، لكنه عقد جائز يعمل فيه الإمام بالمصلحة، فإن رأى القوة فله نبذ العهد، وهذا اختيار ابن تيمية (^٤).\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن الذي يعقد الهدنة هو الإمام أو نائبه؛ لأنه - ﷺ - هو الذي صالح قريشًا، أما غير الإمام أو نائبه فلا يصح منه العقد؛ لأن هذا أمر يتعلق بنظر واجتهاد ومصلحة للمسلمين، وليس غير الإمام ونائبه محلًّا لذلك لعدم ولايته عليهم.\n\n* الوجه السادس: في الحديث دليل على وجوب المحافظة على نصوص المعاهدة التي تعقد بين المسلمين والمشركين، ولو اشتملت على شروط فيها غضاضة على المسلمين فلا بأس، إذا كانت المصلحة تقتضي ذلك، فإن صلح الحديبية قد اشتمل على بعض الشروط التي فيها شيء من الذل على المسلمين، ومن ذلك اشتراط المشركين أثناء كتابة الصلح ألا يكتب محمد\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٤/ ٢٨٧)، \"الإصابة\" (٤/ ٢٨٧).\n(^٢) \"المهذب\" (٢/ ٣٣٣)، \"المغني\" (١٣/ ١٥٥).\n(^٣) \"الهداية\" (٢/ ١٣٨)، \"المغني\" (١٣/ ١٥٥).\n(^٤) \"الاختيارات\" ص (٣١٥).","vol":"9","page":147},{"text":"رسول الله، وإنما يكتب محمد بن عبد الله، وألا يكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وإنما يكتب باسمك اللهم، كما اشترطوا أن من جاء إلى النبي - ﷺ - منهم بغير إذن وليه أنه يرده عليهم، ومن جاء من المسلمين فإنه لا يرد عليهم. وهدف قريش من هذه الشروط وغيرها الحفاظ على سمعتها وعدم الاعتراف بالمسلمين كندٍّ لها يقف معها جنبًا إلى جنب، وقد تخلَّفت قريش عن بعض الشروط، ثم نقضوا العهد.\nأما هدف الرسول - ﷺ - فهو تحقيق مصالح الدعوة، وما يترتب على هذا الصلح من أمن الناس والكف عن القتال حتى يظهر الإسلام، وينتشر الناس ويتصلوا بالمدينة، ويحصل سماع القرآن والسنة. ولهذا اتضح من خلال عقد الصلح تسامح الرسول - ﷺ - مع قريش، وهو تسامح محكوم بقوله - ﷺ -: \"لا يسألونني خُطة يعظِّمون فيها حُرُمَاتِ الله إلا أعطيتهم إياها\" (^١).\nومع هذا فقد تألم عمر وبعض الصحابة - ﵃ - من شروط قريش، ورأوا أن الرضا والالتزام بها يعبر عن الضعف والاستكانة أمام الكفار، حتى قال عمر - ﵁ -: (فَعَلامَ نعطي الدنيَّة في ديننا؟)، لكن رسول الله - ﷺ - قد رضي تلك الشروط ووقَّع مع قريش العقد عليها، وقال لعمر: \"إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري\"، والله تعالى هو العليم بما سيكون كيف يكون، وهذا يدل على أن الرسول - ﷺ - واثق بالله تعالى كل الثقة أن العاقبة له وللمسلمين وأن كفته هي الراجحة وإن ظهر للناس ما ظهر.\nوقد صارت العاقبة حميدة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح: ١] فجعل الله تعالى ذلك الصلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة وما آل الأمر إليه، قال ابن كثير عند هذه الآية: (والمراد به صلح الحديبية؛ فإنه حصل بسببه خير جزيل، وآمن الناس، واجتمع بعضهم ببعض، وتكلم المؤمن مع الكافر، وانتشر العلم النافع والإيمان) (^٢). والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٧٣١).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٣١٠). وانظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٣٠٩).","vol":"9","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1114>إثم من قتل معاهدًا</span>\n١٣٢٢/ ٨ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا\"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الجزية والموادعة\"، باب (إثم من قتل معاهدًا بغير جرم) (٣١٦٦)، وفي \"الديات\" (٦٩١٤) من طريق عبد الواحد، حدثنا الحسن بن عمرو، حدثنا مجاهد، عن عبد الله بن عَمْرٍو (^١) - ﵄ - مرفوعًا.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من قتل معاهدًا) بفتح الهاء اسم مفعول، وبكسرها (^٢) اسم فاعل، من عاهد فلانًا أعطاه عهدًا، والمعَاهَدُ: إما ذمي أعطي عقدًا مستمرًا للبقاء في دار الإسلام بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الإسلام، أو مستأمِن: وهو من أعطي عقدًا مؤقتًا لغرض شرعي كسماع كلام الله أو تجارة أو سفارة، كما يطلق المعاهد على من أُبرم مع دولته عقد هدنة على ما تقدم بيانه، قال الحافظ: (والمراد به من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان من مسلم) (^٣).\n\nقوله: (لم يرح رائحة الجنة) بفتح الياء والراء، من راح يراح، كخاف\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٠)، (١٢/ ٢٥٩).\n(^٢) انظر: \"عمدة القارئ\" (١٢/ ٢٣٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٥٩).","vol":"9","page":149},{"text":"يخاف، وهذا اختيار أبي عبيد والخطابي وابن الجوزي وابن التين وغيرهم.\nويجوز ضم الياء وكسر الراء، من أراح يُريح، تقول: أرحتُ الشيء فأنا أُريحه، ويجوز فتح الياء وكسر الراء، وقد حكى الزمخشري اللغات الثلاث في \"الفائق\" (^١).\n\nقوله: (ليوجد) هذه رواية البخاري في \"الديات\"، وأما لفظه في الباب المذكور فهو: (وإن ريحها توجد).\n\nقوله: (مسيرة أربعين عامًا) أي: إن ريح الجنة وطيبها ونسيمها يجده المؤمن يوم القيامة من مسافة أربعين عامًا (^٢).\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على إثم من قتل معاهدًا بغير حق، وأن هذا من كبائر الذنوب لثبوت الوعيد فيه، وهذا يفيد وجوب صيانة دماء أهل الذمة والمعاهدين، وأن المعاهد له حق الأمن على نفسه وماله وعرضه، حتى تتم المدة أو ينبذ إليهم العهد إذا خيف خيانتهم، وإذا كان هذا الوعيد في قتل المعاهد فكيف بقتل المسلم؟!.\nوتقييد قتله بغير حق ليس في الحديث، وقد قيده البخاري كما في الترجمة المذكورة، وهذا القيد مستفاد من قواعد الشرع، وثبت في روايات خارج الصحيح (^٣).\nوقد تقدم الكلام في الاقتصاص من قاتل المعاهد في \"الجنايات\". والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد (٣/ ١١٦ - ١١٨)، \"أعلام الحديث\" (٢/ ١٤٦٤)، \"الفائق\" (٢/ ٨٩)، \"كشف المشكل\" لابن الجوزي (٤/ ١٢٠)، \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٠)، \"عمدة القارئ\" (١٢/ ٢٣٢).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٦٠).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٥٩).","vol":"9","page":150},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1115>باب السَّبْق والرمي</span>\nالسبْق: بتسكين الباء، مصدر سبق؛ أي: تقدم، وهو بلوغ الغاية قبل غيره.\nوالسبَق: بفتح الباء هو العوض والجُعْلُ، والمراد به: ما يجعل للسابق على سبقه من جعل أو نوال، وهذا هو المعروف الآن بالجائزة، ومعناها في اللغة: العطية، وجمعها: جوائز (^١).\nوالمسابقة جائزة بالسنة والإجماع، أما السنة فما ذكره الحافظ من الأحاديث، وأما الإجماع فقد قال الموفق: (أجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة) (^٢).\nومن جهة المعنى فإن المسابقة إذا خلت من العبث، فهي من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد والمصالح والانتفاع بها عند الحاجة إليها.\nوأما الرمي: فهو مصدر رميت الشيء وبالشيء: إذا قذفته، ورمى بالشيء أيضًا: ألقاه (^٣).\nوالرمي يقال في الأعيان كالسهم والحجر، وهو المراد هنا، ويقال في المقال كناية عن الشتم والقذف، وتقدم في (الحدود).\nوالمسابقة في الرمي بالسهام تسمى مناضلة، يقال: ناضله مناضلة ونضالًا: باراه في الرمي (^٤).\n_________\n(^١) \"غريب الحديث\" للخطابي (١/ ٥٢١)، \"اللسان\" (٥/ ٣٢٧).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ٤٠٤).\n(^٣) \"الصحاح\" (٦/ ٢٣٦٢).\n(^٤) \"اللسان\" (١١/ ٦٦٥).","vol":"9","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1116>مشروعية سباق الخيل وتنويع المسافة حسب قوتها وضعفها</span>\n١٣٢٣/ ١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: سَابَقَ النَّبيُّ - ﷺ - بِالْخَيلِ الَّتي قَدْ أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيّةَ الْوداعِ، وَسَابَقَ بَينَ الْخَيلِ الَّتي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَني زُرَيقٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nزَادَ الْبُخَارِيُّ، قَال سُفْيَانُ: مِنَ الحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ، أَوْ سِتةٌ، وَمِنَ الثنِيَّة إلى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيقٍ مِيلٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في مواضع من \"صحيحه\"، وأولها في كتاب \"الصلاة\"، باب (هل يقال مسجد بني فلان؟) (٤٢٠)، ومسلم (١٨٧٠) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -.\nورواه البخاري -أيضًا- في \"الجهاد\" (٢٨٦٨) من طريق سفيان، عن عبيد الله، عن نافع به، وزاد: قال سفيان: (بين الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، وبين ثنيةَ إلى مسجد بني زريق ميل).\nولعل الحافظ أورد هذه الزيادة؛ لأنها بينت المسافة التي لم تذكر في الرواية الأولى.\nورواه البخاري -أيضًا- (٢٨٧٠) من طريق أبي إسحاق، عن موسى بن","vol":"9","page":152},{"text":"عقبة عن نافع به، وفيه: فقلت لموسى: فكم بين ذلك؟ قال: ستة أميال أو سبعة.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (قد أضمرت) الإضمار: ضد التسمين، ومعناه: إعلاف الخيل حتى تسمن وتقوى، ثم يقلل علفها بقدر القوت، وتدخل بيتًا وتغشى بالجلال حتى تحمى وتعرق، فإذا جف عرقها خف لحمها وقويت على الجري (^١).\n\nقوله: (من الحفياء) بفتح الحاء مع المد أو القصر، موضع خارج المدينة وراء أُحد من جهة الشمال.\n\nقوله: (وكان أمدها) بفتح الهمزة والميم؛ أي: غايتها.\n\nقوله: (إلى ثنية الوداع) بفتح الواو، وأصل الثنية: الطريق في الجبل، وهي ثنية مشرفة على المدينة، يطؤها من يريد مكة، وقيل: مريد الشام، سميت بذلك؛ لأنها موضع توديع المسافرين إلى مكة (^٢).\n\nقوله: (إلى مسجد بني زريق) بضم الزاي المعجمة، بطن من الخزرج من الأنصار، وهذا المسجد يقع قرب مسجد المصلى المعروف بمسجد الغمامة الواقع في الجنوب الغربي من المسجد النبوي، قرب النهاية الجنوبية لشارع المناخة.\n\nقوله: (خمسة أميال أو ستة) تقدم في \"الصلاة\" أن الميل: (١٨٤٨ م)، فتكون مسافة السباق على الأول: (٢٤٠، ٩) تسعة أكيالٍ ومائتين وأربعين مترًا، وقال موسى بن عقبة: ستة أميال أو سبعة. قال الحافظ: (وهو اختلاف قريب) (^٣).\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على مشروعية السباق بالخيل، وأن هذا من الرياضة المحمودة الموصلة إلى مقاصد شرعية مطلوبة، وهي الإعداد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٧٢).\n(^٢) \"المغانم المطابة\" ص (٨٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٧٢).","vol":"9","page":153},{"text":"للجهاد في سبيل الله تعالى قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وهذا من حرص الإسلام على إعداد أسباب القوة، التي منها المسابقة والعدو لأجل أن يدرك المجاهدون مرادهم من عدوهم، أو يهربوا منه عند الحاجة، وتخصيص ذلك بالخيل؛ لأنها هي العدة التي يقاتل عليها في ذلك الزمن، ويقاس عليها ما ظهر في هذا الزمن مما شاركها في العلة.\n\n* الوجه الرابع: جواز إضمار الخيل بالصفة المتقدمة، وهذا مستحب في الخيل المعدة للغزو، وليس هذا من باب تعذيبها، بل من باب تدريبها للحرب وإعدادها لحاجتها والكر والفر.\n\n* الوجه الخامس: مشروعية الإعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة، ووضع علامات يعرفها المتسابقان؛ لأن الغرض من السباق معرفة الأسبق، ولا يتم ذلك إلا بمعرفة الغاية التي يتسابقان إليها، ونقطة الانطلاق التي يبدآن منها.\n\n* الوجه السادس: في الحديث دليل على مشروعية تنويع مسافة السباق إلى مسافات طويلة ومسافات قصيرة على حسب درجات الخيل، فالخيل المضمرة تتسابق وحدها، والخيل التي لم تضمر تتسابق وحدها؛ لأن المضمرة أخف وأسرع في الجري بخلاف غير المضمرة فهي أقل منها.\n\n* الوجه السابع: في الحديث دليل على جواز تسمية المسجد باسم شخص أو قبيلة، قال الحافظ: (والجمهور على الجواز، والمخالف في ذلك إبراهيم النخعي) (^١)، وقد روى ابن أبي شيبة أن إبراهيم النخعي لا يرى بأسًا أن يقول: مصلى بني فلان (^٢) وهذا معارض لقول ابن حجر، ولعله رواية أخرى عنه، أو أنه يرى الجواز في المصلى دون المسجد. ومن أدلة الجواز قوله - ﷺ -: \"صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٥١٥).\n(^٢) \"المصنف\" (٢/ ٤٣٨).\n(^٣) رواه أحمد (٢٦/ ٤١ - ٤٢) وقد تقدم تخريجه والكلام عليه في آخر كتاب \"الحج\" عند الحديث (٧٧٨).","vol":"9","page":154},{"text":"وإضافة المسجد إلى الشخص لا تفيد التمليك، وإنما هي للتمييز بين المساجد، لكن لا ينبغي التوسع في ذلك بكتابة اسم واقف المسجد في لوحات على أبوابه، بل يكتفي بشهرة اسمه بين الناس خشية احتمال وقوع الرياء، وقد لا يدري واقف المسجد عن ذلك شيئًا، وإنما هو تصرف ممن أشرف على عمارته.\nوقد نقل الحافظ عن ابن الجوزي أنه قال: (من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيدًا من الإخلاص) (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"إعلام الساجد\" ص (٣٨٤)، \"فتح الباري\" لابن رجب (٣/ ١٥١)، ولابن حجر (١/ ٥٤٥)، \"أحكام المساجد في الشريعة الإسلامية\" (٢/ ٨٩).","vol":"9","page":155},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1117>مشروعية تنويع المسافة بحسب قوة الخيل وجلادتها</span>\n١٣٢٤/ ٢ - وَعَنْهُ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - سَبَّقَ بَينَ الْخَيلِ، وَفَضَّلَ الْقُرَّحَ في الْغَايَةِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (١٠/ ٤٩٨)، وأبو داود في كتاب \"الجهاد\"، بابٌ (في السبق) (٢٥٧٧)، وابن حبان (١٠/ ٥٤٣) من طريق عقبة بن خالد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - … فذكره.\nوهذا سند صحيح كما قال ابن عبد الهادي (^١)، لكن ذكر الدارقطني أن عقبة بن خالد زاد في الحديث لفظًا لم يأت به غيره، وهو قوله: (وفضَّل القُرَّحَ في الغاية) (^٢). وعقبة هذا قال عنه العقيلي: (لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به) (^٣)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق صاحب حديث)، وهذا الحديث والذي قبله مدارهما على نافع، فيخشى أن هذا الحديث أحدُ ألفاظ الحديث السابق، فرواه عقبة بالمعنى، فزاد وانفرد.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (سَبَّقَ) بفتح السين وتشديد الباء؛ أي: التزم السَّبَق -بفتح الباء- وهو ما يعطى من الجوائز للسابق على سبقه، وهو من الأضداد، يقال: سبَّق: أعطى السبق للسابق، وسبَّق: أخذ السبق من المسبوق، ولعل السبب أن السبق يقتضي الأخذ من المسبوق والإعطاء للسابق.\n_________\n(^١) \"المحرر\" ص (٣٤١).\n(^٢) \"العلل\" للدارقطني (١٢/ ٣٣٥).\n(^٣) \"الضعفاء\" (٣/ ٣٥٥).","vol":"9","page":156},{"text":"قوله: (وفضل القرح في الغاية) أي: جعل مسافة سباقها أبعد وأطول من مسافة ما دونها، والقرح: بضم القاف وتشديد الراء جمع قارح، وهو من الخيل ما دخل في السنة الخامسة، وإنما فضله في الغاية؛ لأنه يكون أقوى وأجلد من غيره ممن هو أصغر منه سنًّا.\nوالغاية: هي مدى الشيء وأقصاه، وتقدم معناها، وجمعها غَايٌ وغايات.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على مشروعية سباق الخيل، وتنويع مسافات السباق بحسب درجات الخيل في قوتها وجلادتها؛ لأن من الخيل ما هو أمتع وأصبر على الجري والسباق، فيعطى المسافة التي تناسب قوته.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على مشروعية إعطاء الجوائز في سبق الخيل، لقوله: (سبَّق).\nوالجائزة إذا كانت مجرد جائزة معنوية فهي لا تعدو أن تكون حافزًا معنويًّا يقوي روح المنافسة والمسابقة، إذ تعتبر ذكرى محفوظة، وشهادة على غلبة الغالب وتفوق المتفوق.\nأما إذا كانت الجائزة مالًا فإن الحافز يقوى عند أكثر الناس؛ لأن المال محبوب للنفوس، تسعى لجمعه وتحصيله، فيضاف إلى المعنى، فتترك المسابقة أثرًا ماديًّا ملموسًا.\nولا يمكن إنكار مثل هذه الحوافز في رفع الكفاءات والمهارات التي يراد رفعها في المجتمع. قال ابن القيم: \"القادر على أن يغلب غيره قد يريد ذلك لمجرد محبة النفس لإظهار القدر والغلبة، وقد يريد ذلك لأخذ المال، فإذا اجتمع الأمران كانت إرادته أبلغ\" (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفروسية\" ص (١٠١)، \"الميسر والقمار، المسابقات والجوائز\" ص (١٤ - ١٥).","vol":"9","page":157},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1118>ما تجوز المسابقة عليه بعوض</span>\n١٣٢٥/ ٣ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا سَبَقَ إلا في خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ، أَوْ حَافِرٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ والثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٦/ ١٢٩)، وأبو داود في كتاب \"الجهاد\"، بابٌ (في السبق) (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٦/ ٢٢٦)، وابن حبان (١٠/ ٥٤٤) من طريق ابن أبي ذئب، عن نافع بن أبي نافع، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - … فذكره.\nوقال الترمذي: (هذا حديث حسن)، وقال ابن القطان: (إسناده عندي صحيح، ورواته كلهم ثقات) (^١).\nوساقه ابن دقيق العيد في \"الإلمام\" (^٢)، والحديث له طرق، أعل الدارقطني بعضها بالوقف (^٣).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا سبق) بفتح السين والباء، هو ما يجعل من الجوائز للسابق على سبقه، والقول بفتح السين نص عليه الخطابي (^٤)، وحكى ابن دريد جواز الفتح والإسكان (^٥). ولا: نافية؛ أي: لا أخذ عوض إلا في الثلاثة المذكورة.\n_________\n(^١) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٣٨٣).\n(^٢) (٩٥١).\n(^٣) \"العلل\" (٩/ ٣٠١) (١٠/ ٣٠٣) (١١/ ٢٣٠).\n(^٤) \"معالم السنن\" (٣/ ٣٩٨). وانظر: \"النهاية\" (٢/ ٣٣٨).\n(^٥) \"الجمهرة\" (١/ ٣٣٨)، \"التلخيص\" (٦/ ٣٠٩١).","vol":"9","page":158},{"text":"قوله: (إلا في خف) هذا كناية عن الإبل؛ لأنها هي ذات الخف.\n\nقوله: (أو نصل) بفتح النون وإسكان الصاد، هي حديدة السهم والرمح، والسيف ما لم يكن له مقبض.\n\nقوله: (أو حافر) هذا كناية عن الخيل؛ لأنها هي ذات الحافر، والبغل والحمار له حافر لكنه غير مراد هنا.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على جواز السباق على جوائز للمتسابقين، والسباق على الجوائز مقصور على السباق بالإبل والرمي بالسهام ونحوها، والسباق بالخيل؛ لأن هذه الثلاثة هي التي يحتاج إليها في الجهاد ويعتمد عليها، وإنما جعل لها جوائز لينشط الناس في المسابقة عليها واختيار الخيل والإبل، واعتياد الرمي الذي يَحتاج إلى بذل المال لشراء ما يرمى به لإحسان الرمي، وعلى هذا فيكون أخذ المال بهذه الثلاثة مستثنى من جميع أنواع المسابقات، وقد أجمع العلماء على جواز المسابقة في هذه الثلاثة بعوض، وإن اختلفوا في صفة الجواز، كما أجمعوا على جوازها بدون عوض، ومستند الإجماع على جوازها بعوض هو هذا الحديث (^١).\nأما أخذ العوض في المسابقة على غير هذه الثلاثة فمن أهل العلم من منعه، وهو قول المالكية، وقول للشافعية، ومذهب الحنابلة، وابن حزم، وكثير من السلف والخلف (^٢)، وعليه فلا يدخل في الحديث المسابقة على البغال والحمير والرمي بالرماح؛ لأن غير الثلاثة لا يساويها فيما تضمنته من الفروسية وتعلم أسباب الجهاد؛ ولأن الخيل هي التي عهدت المسابقة عليها بين الصحابة - ﵃ - في عهد النبي - ﷺ - ولم يسابق على بغل ولا حمار قط مع وجودها عندهم؛ ولأن هذه الحيوانات لا يسهم لها في الغنيمة، والرماح لا يرمى بها.\n_________\n(^١) انظر: \"مراتب الإجماع\" ص (١٨٣)، \"التمهيد\" (١٤/ ٨٨)، \"إكمال المعلم\" (٦/ ٢٨٤).\n(^٢) المحلى (٧/ ٣٥٤)، \"المغني\" (١٣/ ٤٠٥)، \"جواهر الإكليل\" (١/ ٢٧١)، \"مغني المحتاج\" (٤/ ٣١٢)، \"الحاوي الكبير\" (١٥/ ١٨٤)، \"الفروسية\" ص (٩١).","vol":"9","page":159},{"text":"والقول الثاني: الجواز في كل ما كان موافقًا للمنصوص عليه في المعنى، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم على خلاف بينهم فيما يلحق بالمنصوص عليه، أخذًا بعموم اللفظ؛ ولأن ما كان موافقًا لها في العلة والمعنى فإنه يلحق بها في الحكم (^١)، وأوسع المذاهب -كما يقول ابن القيم- مذهب الحنفية.\nوالقول الأول أظهر، وهو أن بذل العوض خاص بما ذكر من الإبل والخيل والنصل؛ لأن الحديث جاء بصيغة النفي والاستثناء وهو من أساليب الحصر، ثم إن غير الثلاثة المذكورة لا يشبهها لا صورة ولا معنى، ولا يحصِّل مقصودها (^٢)؛ ولأن إباحة بذل العوض في غير ما نَصَّ عليه الحديث أو ما في معناه يؤدي إلى اشتغال النفوس به واتخاذه مكسبًا، لا سيما وهو من اللهو واللعب الخفيف على النفوس، فتشتد رغبتها فيه، فأبيح في نفسه، لأنه إعانة وإجمام للنفس وراحة لها، وحرم أكل المال به، لئلا يتخذ عادة وصناعة ومتجرًا (^٣). مع ملاحظة أنه إذا كان ما نصَّ عليه الحديث هو آلات الحرب في ذلك الزمن فإنه يدخل في معناه آلات الحرب الحديثة، كالدبابات والمدرعات والطائرات العسكرية ونحو ذلك (^٤)؛ لوجود المعنى المراد.\nأما المسابقة في المسائل العلمية فسيأتي الكلام عليها -إن شاء الله- في شرح الحديث الآتي. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٦/ ٢٠٦)، \"الفتاوى\" (٣٢/ ٢٢٧)، \"معالم السنن\" (٣/ ٣٩٨)، \"مغني المحتاج\" (٤/ ٣١٢)، \"الفروسية\" ص (٩١).\n(^٢) انظر: \"المغني\" (١٣/ ٤٠٧ - ٤٠٨)، \"الفروسية\" ص (٩١)، \"الحوافز التجارية التسويقية\" ص (١٣٣).\n(^٣) انظر: \"الفروسية\" ص (٨٥ - ٨٦).\n(^٤) انظر: \"فتاوى اللجنة الدائمة\" (١/ ١٧١).","vol":"9","page":160},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1119>ما جاء في اشتراط مُحَلِّلِ السِّبَاقِ</span>\n١٣٢٦/ ٤ - وَعَنْهُ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"مَنْ أدْخَلَ فَرَسًا بَينَ فَرَسَينِ -وَهُوَ لَا يَأمَنُ أنْ يُسْبَقَ- فَلَا بَأسَ بِهِ، وإِنْ أَمِنَ فَهُوَ قِمَارٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيف.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (١٦/ ٣٢٧)، وأبو داود في \"الجهاد\"، بابٌ (في المحلل) (٢٥٧٩)، وابن ماجه (٢٨٧٦) من طرق، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nوهذا سند ضعيف كما قال الحافظ؛ لأن سفيان بن حسين ضعيف في الزهري، قال النسائي: (ليس بالقوي في الزهري خاصة، وفي غيره لا بأس به) (^١). وقال الحافظ في \"التقريب\": (ثقة في غير الزهري باتفاقهم)، وقال أبو حاتم: (هذا خطأ، لم يعمل سفيان بن حسين بشيء، لا يشبه أن يكون عن النبي - ﷺ -، وأحسن أحواله أن يكون عن سعيد بن المسيب قوله، وقد رواه يحيى بن سعيد عن سعيد قوله) (^٢). وقال ابن أبي خيثمة: (سألت ابن معين فقال: هذا باطل، وضرب على أبي هريرة)، وما ذكره أبو حاتم رواه مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: (ليس بِرِهَانِ الخيل بأس إذا دخل فيها محلل، فإن سبق أخذ السَّبَق، وإن سبق لم يكن عليه\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٤).\n(^٢) \"العلل\" (٢/ ٢٥٢)، وانظر: \"العلل\" للدارقطني (٩/ ١٦١).","vol":"9","page":161},{"text":"شيء) (^١)، وقال أبو داود عقب الحديث: (رواه معمر، وشعيب، وعُقيل عن الزهري، عن رجال من أهل العلم، وهذا أصح عندنا)، ووجه ذلك أن معمرًا وشعيبًا وعقيلًا من أثبت الناس في الزهري، وعلى هذا فالحديث لا يثبت رفعه، وإنما هو من كلام سعيد بن المسيب، أو من كلام رجال من أهل العلم، وقد أطال ابن القيم الكلام في تضعيف هذا الحديث في كتابه \"الفروسية\" (^٢).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من أدخل فرسًا بين فرسين) أي: من أجرى فرسًا في السباق مع فرسين، وهذا الفرس الثالث يسمى المحلِّل، ومعناه أنه يحلل للسابق ما يأخذه من السَّبَق، فيخرج بذلك عن صورة القمار (^٣).\n\nقوله: (وهو لا يأمن أن يُسبق) بضم الياء مبني لما لم يسم فاعله؛ أي: وهو لا يأمن أن يتخلف فرسه وشمبقه غيره، بمعنى: أنه غير متيقن أن فرسه سيسبق غيره، بل قد يَسبق وقد يُسبق.\n\nقوله: (فلا بأس) أي: فلا مانع من هذا السباق لما سيأتي.\n\nقوله: (وإن أمن فهو قمار) لفظ أبي داود: (وقد أمن أن يُسبق …) والمحلل له ثلاث صور:\n١ - أن يكون أضعف منهما، فهذا قمار.\n٢ - أن يكون أقوى منهما فهذا حيلة وخدع؛ لأنه سيغنم ماليهما.\n٣ - أن يكون مثلهما فلا يعتبر حيلة؛ لإمكان سبقه أو عدم سبقه.\nفإن أمن من تخلف فرسه وسَبْق فرس غيره، بأن كان متيقنًا أن فرسه يسبق فرس غيره، فإن هذا يكون قمارًا، وهو بكسر القاف، وهو الخطر، وأصله في كلام العرب: المغابنة، وفي الاصطلاح: كل لعب على مال يأخذه الغالب من المغلوب، أو هو الذي لا يخلو الداخل فيه من أن\n_________\n(^١) \"الموطأ\" (٢/ ٤٦٨).\n(^٢) ص (٥٧ - ٧٦).\n(^٣) انظر: \"معالم السنن\" (٣/ ٤٠٠).","vol":"9","page":162},{"text":"يكون غانمًا إن أخذ أو غارمًا إن أعطى (^١). وليس دخوله هو الذي جعل العقد قمارًا، بل إخراجهما الرهان هو الذي جعل العقد قمارًا، وصار دخوله على غير الوجه الذي دخلا عليه من الخوف والرجاء لا عبرة به، فكأنه لم يدخل، فكان العقد قمارًا.\n\n° الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على اشتراط المحلل في السباق، وهو صاحب الفرس الثالث الذي لم يدفع شيئًا، وذلك ليخرج لعقد من صورة القمار.\nووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - أخبر بأن المتسابقين متى أدخلا بينهما فرسًا تيقن صاحبه أنه يَسبق غيره فإن العقد يكون قمارًا؛ لأنه لا يخلو واحد منهما من أن يغنم أو يغرم، بخلاف ما إذا لم يتيقن بل صار يرجو ويخاف، فإنه لا يكون قمارًا.\nوصورة ذلك أن يضع المتسابقان سَبَقين؛ أي: جائزتين بينهما، ثم يأتي متسابق ثالث فيرسل معهما فرسه ولا يضع من عنده شيئًا، وشرط المحلل أن يكون فرسه مكافئًا لفرسيهما، بحيث يحتمل أن يَسبق أو يُسبق، فإن سبق أخذ سبقيهما؛ لأنه جعل لمن سبق، وقد سبق، وإن لم يسبق أحرزا سبقيهما؛ لأن المحلل لم يسبقهما وليس عليه شيء؛ لأنه لم يُشرط عليه لمن سبقه شيء، فإن كان هناك يقين من عجز فرسه عن السبق كان يكون هزيلًا لم يجز؛ لأن دخوله حينئذٍ يكون صوريًّا في السباق، فيبقى كأنه سباق بين طرفين أخرجا الجعل، وكل منهما إما غانم أو غارم، وهذا هو القمار، وكذا إن كان هناك يقين من تفوقه لم يجز؛ لأن دخوله مجرد صورة أو حيلة منه؛ لأنه سيغنم ماليهما وكأنهما يتسابقان بلا مال يغنمانه، بل على مال يغرمانه (^٢).\nولا خلاف بين العلماء في جواز العوض من أحد المتسابقين أو من غير المتسابقين كالإمام أو أحد الرعية، أما إذا كان العوض من المتسابقين فإنه لا\n_________\n(^١) \"الحاوي الكبير\" (١٩/ ٢٢٥).\n(^٢) انظر: \"معالم السنن\" (٣/ ٤٠٠).","vol":"9","page":163},{"text":"يجوز إلا إن دخل بينهما محلِّل، خشية الوقوع في القمار، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة، ورواية عن مالك (^١)، واستدلوا بحديث الباب وما في معناه، كما استدلوا بما رواه ابن أبي شيبة بسنده عن أبي عمر الشيباني، عن رجل من الأنصار، عن النبي - ﷺ - قال: (الخيل ثلاثة: فرس يربطه الرجل في سبيل الله، فثمنه أجر، وركوبه أجر، وعاريته وعلفه أجر، وفرس يُغالق عليه الرجل ويراهن عليه، فثمنه وزر، وعلفه وركوبه وزر، وفرس لِلْبِطْنَةِ، فعسى أن يكون سدادًا من فقر -إن شاء الله-) (^٢).\nووجه الاستدلال: أن المغالقة هي المراهنة، وقد كرهها النبي - ﷺ - إذا كانت على رسم الجاهلية، وذلك بأن يضعا بينهما جُعلًا يستحقه السابق منهما، وهذا من القمار (^٣)، قال البيهقي: (وهذا -إن ثبت- فإنما أراد به -والله أعلم- أن يخرجا سَبَقَين من عندهما، ولم يدخلا بينهما محللًا، فيكون قمارًا، فلا يجوز) (^٤).\nويرى شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أنه يجوز بذل الجعل من المتسابقين ولو بدون محلل، وقد نص ابن تيمية على أنهما إن أخرجا العوض وكان معهما آخر محللًا يكافئهما كان ذلك جائزًا (^٥)، وظاهر هذا أن ابن تيمية لا يرى وجوب المحلِّل، بل يراه جائزًا، ودليلهما:\n_________\n(^١) \"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ٤٩٠)، \"المغني\" (١٣/ ٤١٢)، \"بدائع الصنائع\" (٦/ ٢٠٦)، \"مغني المحتاج\" (٤/ ٣١٤).\n(^٢) \"المصنف\" (١٢/ ٤٨٣)، ورواه أحمد (٦/ ٣٠٠)، (٢٧/ ٢٠٥)، (٣٨/ ٢٦٩) من طريق زائدة بن قدامة، عن الركين، عن أبي عمرو الشيباني، عن رجل من الأنصار عن النبي - ﷺ -.\nوهذا سند صحيح، رجاله ثقات، والحديث له طرق أخرى. انظر: رسالة: \"الأحاديث الواردة في اللُّعب\" ص (٤٧٣) للشيخ الدكتور: صالح بن فريح البهلال.\n(^٣) انظر: \"غريب الحديث\" للخطابي (١/ ٥٢١)، \"الفائق\" (٣/ ٧٣).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢١) وإنما قال: (إن ثبت) لأن روى الحديث من طريق فيه مقال.\n(^٥) انظر: \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٢٢)، \"الفروسية\" ص (٧٨، ١٢٥، ١٦٨)، \"الشرح الممتع\" (١٠/ ٩٩).","vol":"9","page":164},{"text":"١ - عدم ثبوت الأحاديث الواردة باشتراط المحلل، ومنها حديث الباب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (محلل السباق لا أصل له في الشريعة، ولم يأمر النبي - ﷺ - أمته بمحلل السباق) (^١).\nوقال ابن القيم: (القول بالمحلل مذهب تلقاه الناس عن سعيد بن المسيب، وأما الصحابة - ﵃ - فلا يحفظ عن أحد منهم قط أنه اشترط المحلل، ولا راهن به مع كثرة تناضلهم ورهانهم)، ونقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: (ما علمت بين الصحابة خلافًا في عدم اشتراط المحلل) (^٢).\n٢ - لو كان المحلل شرطًا لكان التصريح به في الحديث الصحيح -المتقدم- أولى من التصريح بمحال السَّبق، وهي الخف والحافر والنصل (^٣).\n٣ - أن إدخال المحلل حيلة؛ لأنه إن جاز أخذ العوض بلا محلِّل فلا حاجة إلى المحلل، وإن كان حرامًا لكونه قمارًا صار إدخال المحلل من أجل استحلال الحرام، والحيل ممنوعة شرعًا (^٤).\nوعلى هذا القول فإخراج الجعل من الطرفين قمار في الأصل، ولكنه في هذه المسألة ليس قمارًا محرمًا، بل هو مستثنى منه؛ لأن فيه مصلحة، وهي التمرن على آلات القتال، وهي مصلحة عظيمة تنغمر فيها المفسدة التي تحصل بالميسر (^٥).\nوهذا القول تبدو وجاهته، لكن قد يشكل عليه الحديث المتقدم عن رجل من الأنصار، فإنه يدل على كراهة الرهان إذا كان على مذهب أهل الجاهلية، وهو أن يكون العوض من المتسابقين، فإن بذل أحدهما أو غيرهما لم يكن كذلك، وقد ذكر يعض الباحثين أنه لم ير شيخ الإسلام ولا ابن القيم ذكرا هذا الحديث فيما كتباه عن محلِّل السباق (^٦).\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (١٨/ ٦٤).\n(^٢) \"الفروسية\" ص (٢٩، ٣١).\n(^٣) انظر: \"الفروسية\" ص (٣٠).\n(^٤) انظر: \"الفروسية\" ص (٣١)، \"الشرح الممتع\" (١٠/ ١٠٠).\n(^٥) \"الشرح الممتع\" (١٠/ ١٠٠ - ١٠١).\n(^٦) انظر: \"الأحاديث الواردة في اللُّعب\" ص (٤٩٧).","vol":"9","page":165},{"text":"° الوجه الرابع: اعلم أن المسابقات والمغالبات بالنسبة إلى أخذ العوض ثلاثة أقسام:\n١ - قسم يجوز بلا عوض ولا يجوز بعوض، وهذا هو الأصل، وهو الأغلب، ويدخل في هذا المسابقة على الأقدام والمصارعة وحمل الأثقال، فهذا يحرم أكل المال فيه حتى لا يتخذ عادة وصناعة ومتجرًا، وأبيح بدون مال لما فيه من إجمام للنفس وترويح لها، وتقوية للبدن.\n٢ - لا يجوز مطلقًا لا بعوض ولا بغير عوض، ويدخل في ذلك كل مسابقة فيها مفسدة راجحة على المنفعة، كالنَّرْد، والشطرنج (^١)، وكل مغالبة ألهت عن واجب، أو أدخلت في محرم، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الاتفاق على تحريم ذلك (^٢).\n٣ - يجوز مطلقًا بعوض وبلا عوض، وهو ما فيه مصلحة راجحة، كالرمي، والسباق بالخيل، والإبل؛ لما تقدم من قوله - ﷺ -: \"لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر\" (^٣).\nأما المسابقة في المسائل العلمية وحفظ المتون وغيرها، فلا تخلو:\n(أ) إما أن تكون من باب الجعالة، فهذه جائزة، وذلك مثل أن يقول: من بحث هذه المسألة أو حفظ كذا فله كذا.\n(ب) وإما أن تكون من باب الرهان، فهذه موضع خلاف بين العلماء، فالجمهور على المنع للحصر المستفاد من الحديث المتقدم، وعند أصحاب أبي حنيفة تجوز، لقيام الدين بالجهاد والعلم، وهو وجه عند الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ عبد الرحمن السعدي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وظاهر ذلك جواز الرهان في العلم، وفاقًا\n_________\n(^١) انظر: \"المعجم الوسيط\" (١/ ٤٠٤، ٤٨٢)، (٢/ ٩١٢).\n(^٢) انظر: \"مجموع الفتاوى\" (٣٢/ ٢١٦، ٢٢٧)، \"الفروسية\" ص (٨٣).\n(^٣) انظر: \"الإرشاد إلى معرفة الأحكام\" لابن سعدي ص (١٤٩)، \"الشرح الممتع\" (١٠/ ٩٢).","vol":"9","page":166},{"text":"للحنفية، لقيام الدين بالجهاد والعلم، والله أعلم) وقال ابن القيم: (فإذا جازت المراهنة على آلات الجهاد، فهي في العلم أولى بالجواز، وهذا القول هو الراجح) (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ١٨٩)، \"الاختيارات\" ص (١٦٠)، \"الفروسية\" ص (٨٩)، \"الإرشاد\" لابن سعدي ص (١٥٠).","vol":"9","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1120>ما جاء في فضل الرمي والحث عليه</span>\n١٣٢٧/ ٥ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقْرَأُ: \" ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ الآية، \"ألا إنَّ الْقُوّةَ الرّمْيُ، ألا إنَّ الْقُوَّةَ الرّمْيُ، ألا إن الْقُوّةَ الرّمْيُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الإمارة\"، باب (فضل الرمي والحث عليه) (١٩١٧) من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي عليِّ ثُمامةَ بن شُفَيٍّ أنه سمع عقبة بن عامر - ﵁ - يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - وهو على المنبر- يقول: .. وذكر الحديث.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\nقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾ أمر من الإعداد، وهو تهيئة الشيء للمستقبل؛ أي: هيئوا للكفار، واللام للتعليل.\n\nقوله: ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ أي: كل ما يتقوى به على قمعهم وقتالهم، وهذا يشمل القوة المعنوية كالرأي والتنظيم، والمادية كالمعدات القاذفة والحاملة والمركوبة.\n\nقوله: (ألا إن القوة الرمي) ألا: أداة استفتاح وتنبيه للتوكيد، والرمي لغة: مصدر رميت بالسهم رميًا ورماية، وهو بمعنى القذف والإلقاء. وفي الاصطلاح: محاولة إصابة هدف معين باستخدام اليد مباشرة أو الآلة (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"الألعاب الرياضية\" ص (٧٦ - ٧٧).","vol":"9","page":168},{"text":"وهو لفظ مطلق يشمل كل ما يُرمى به من سَهْمٍ، أو قذيفة منجنيق، أو بندقية، أو طائرة، أو غير ذلك مما يشمله اللفظ، وتفسير الرسول - ﷺ - القوة بالرمي؛ لأنه من أهم مظاهر القوة.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب إعداد القوة لقمع الكفار وقتالهم بقدر المستطاع، ووجوب ما يحصل به هذا الإعداد من بذل مال ودواسة تنظيم وتعلم صناعة.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على فضل تعلم الرمي والمناضلة، وأن الرمي هو أبرز ما يعد لجهاد أعداء الله من قوة، قال القرطبي: (فضل الرمي عظيم، ومنفعته عظيمة للمسلمين، ونكايته شديدة على الكافرين، قال - ﷺ -: \"يا بني إسماعيل ارموا؛ فإن أباكم كان راميًا\"، وتعلم الفروسية واستعمال الأسلحة فرض كفاية، وقد يتعين) (^١). وقد ورد التشديد العظيم في نسيان الرمي بعد علمه، فعن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من علم الرمي، ثم تركه فليس منا أو قد عصى\" (^٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (مضت السنَّة بأن الشروع في العلم والجهاد يلزم، كالشروع في الحج، يعني أن ما حفظه من علم الدين وعلم الجهاد ليس له إضاعته) (^٣).\n\n° الوجه الخامس: استدل أكثر العلماء بحديث الباب مع الآية الكريمة على أن الرمي أفضل من ركوب الخيل، وتعلُّمه أفضل من تعلمه، والسباق به أفضل. ووجه الاستدلال: أن الله تعالى قدَّم الرمي في الذكر على الركوب. وقد فسَّر النبي - ﷺ - القوة بالرمي، والعرب إنما تبدأ في كلامها بالأهم والأَوْلى.\nوقد أفاض ابن القيم في ذكر الأوجه الدالة على هذا القول، فأبلغها\n_________\n(^١) \"تفسير القرطبي\" (٨/ ٣٦). والحديث صحيح، انظر: رسالة \"الأحاديث الواردة في اللُّعَب\" للشيخ الدكتور: صالح بن فريح البهلال ص (٢٠٨).\n(^٢) رواه مسلم (١٩١٩).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٢٨/ ١٨٦ - ١٨٧).","vol":"9","page":169},{"text":"عشرين وجهًا (^١).\nوذهبت طائفة من أهل العلم، ومنهم الإمام مالك (^٢) إلى أن ركوب الخيل أفضل من الرمي، لأن الركوب أصل الفروسية وقاعدتها، ولأن الركوب يعلم الفارس والفرس معًا.\nوذكر ابن القيم أوجهًا أخرى، ثم قال: (وفصل النزاع بين الطائفتين أن كل واحد منهما يحتاج في كماله إلى الآخر، والرمي أنفع في البعد، فإذا اختلط الفريقان بطل الرمي حينئذٍ وقامت سيوف الفروسية من الضرب والطعن والكرِّ والفرِّ، وأما إذا تواجه الخصمان من البعد، فالرمي أنفع وأنجع، ولا تتم الفروسية إلا بمجموع الأمرين، والأفضل منهما ما كان أنكى في العدو، وأنفع للجيش، وهذا يختلف باختلاف الجيش ومقتضى الحال) (^٣).\nوالذي يظهر من الحديث تفضيل الرمي مطلقًا، فإنه نص مؤكد بـ (ألا) و(إنّ) واسمية الجملة، وقد قال ابن كثير: (وقول الجمهور أقوى للحديث) (^٤)، وقد دلَّ واقع الحروب في هذه الأزمنة على هذا الحديث دلالة واضحة، فإن مجالات الرمي الجوية والبحرية والبرية وما تحققه من نتائج لا تقارن بالغزو البري، ولهذا إذا فشلت الوسائل البرية يُلجأ إلى الرمي بواسطة المقاتلات الجوية. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفروسية\" ص (١٧ - ٢٥).\n(^٢) \"التمهيد\" (١٤/ ٨٤).\n(^٣) \"الفروسية\" ص (٢٥).\n(^٤) \"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٢٥).","vol":"9","page":170},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1121>كتاب الأطعمة</span>\nالأطعمة: جمع طعام، وهو اسم لكل ما يؤكل ويتخذ من القوت، وقيل: الطعام يقع على كل ما يُطعم حتى الماء، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقال النبي - ﷺ - في زمزم \"طعام طُعمٍ\" (^١)، وعلى هذا فالطعام يطلق غالبًا على ما يؤكل، وقد يطلق على ما يشرب (^٢).\nوالأصل في الأطعمة الحل، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ووجه الدلالة: أن الله تعالى امتن على خلقه بما في الأرض جميعًا، ولا يمتن إلا بمباح، إذ لا مِنَّةَ في محرم، وخُصَّ من ذلك بعض الأشياء وهي الخبائث لما فيها من الضرر، وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيكُمْ إلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].\nوعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"إن أَعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لَم يُحَرَّم فَحُرِّم من أجل مسألته) (^٣)، فدل الحديث على أن الأشياء لا تحرم إلا بتحريم خاص؛ لقوله: (لَم يُحَرَّم) فكل ما لم يبين الله ولا رسوله تحريمه من المطاعم والمشارب فهو حلال على الأصل.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (الأصل في الأطعمة الحل لمسلم يعمل\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٤٧٢) من حديث أبي ذر - ﵁ -، وهو حديث طويل.\n(^٢) انظر: \"معجم مقاييس اللغة\" (١٣/ ٤١١).\n(^٣) رواه البخاري (٦٨٥٩)، ومسلم (٢٣٥٨).","vol":"9","page":171},{"text":"صالحًا؛ لأن الله تعالى إنما جعل الطيبات لمن يستعين بها على طاعته لا معصيته، لقوله تعالى: ﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩٣]) (^١).\n_________\n(^١) \"الاختيارات\" ص (٣٢١).","vol":"9","page":172},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1123>تحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير</span>\n١٣٢٨/ ١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأكلُهُ حَرَامٌ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n١٣٢٩/ ٢ - وأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - بِلَفْظِ: نَهَى. وَزَادَ: \"وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيرِ\".\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\n\nأما حديث أبي هريرة - ﵁ -، فقد رواه مسلم في كتاب \"الصيد والذبائح\"،<span data-type='title' id=toc-1122> باب </span>(تحريم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير) (١٩٣٣) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عَبيدة بن سفيان، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: … وذكره.\nوأما حديث ابن عباس -﵄-، فقد رواه مسلم -أيضًا- في الباب المذكور (١٩٣٤) من طريق شعبة، عن الحكم، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس - ﵄ - قال: … وذكر الحديث.\nولعل الحافظ أورد حديث ابن عباس - ﵄ -؛ لأنه بلفظ نهى؛ ولأن فيه ذكر الطير، ومع أنه واف بالمراد إلا أنه أورد حديث أبي هريرة - ﵁ -؛ لأن فيه لفظ حرام؛ ولأنه من كلام النبي - ﷺ -.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (كل ذي ناب) هذه صيغة عموم، ولذا دخلت الفاء في الخبر، وقوله في حديث ابن عباس - ﵄ -: (نهى عن كل ذي ناب ..) هو على حذف","vol":"9","page":173},{"text":"مضاف؛ أي: عن أكل كل ذي ناب، كما في حديث أبي ثعلبة - ﵁ -: (نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع) (^١)، والناب: ما بين الأضراس والأسنان، فهو السن الذي خلف الرَّباعية.\n\nقوله: (من السباع) من: للتبعيض أو للجنس، جمع سَبُعٍ، وهو ما يفترس الحيوان ويأكله قسرًا.\nوالمراد بالحديث: كل ذي ناب من السباع يعدو به على غيره ويفترس، فلا بد من الوصفين، الأول: وجود الناب، الثاني: أن يفترس به، مثل الأسد والذئب والنمر والثعلب والهرة وغيرها، قال الإمام أحمد: كل شيء ينهش بنابه فهو من السباع (^٢). وهذه فائدة ذكر الناب، وهو أن المراد: ناب يعدو به، وإلا فالسباع كلها ذات أنياب، ولم يقل: كل سبع تنبيهًا على الافتراس والتعدي (^٣).\nفإن كان له ناب لكنه ليس من السباع حلَّ أكله كالإبل، والضبع، وهذا فيه خلاف سيأتي.\n\nقوله: (وكل ذي مخلب من الطير) أصل المخلب هو المِنْجَلُ، ويطلق على ظفر كل سبع من الماشي والطير، أو المخلب لما يصيد من الطير، والظفر لما لا يصيد (^٤)، والمراد: ما له ظفر يصيد به كالصقر والعقاب والحدأة ونحوها، فإن كان له ظفر لا يصيد به، فهو حلال كالدجاج والحمام والعصافير والحبارى ونحو ذلك.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^٥)، وإحدى الروايتين عن مالك، وهي التي اقتصر عليها في\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٥٣٠)، ومسلم (١٩٣٢).\n(^٢) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٦/ ٦٧٥).\n(^٣) \"شرح الزرقاني على الموطأ\" (٣/ ٩٠).\n(^٤) \"ترتيب القاموس\" (٢/ ٨٧).\n(^٥) \"الهداية\" (٤/ ٦٧)، \"المغني\" (١٣/ ٣١٩).","vol":"9","page":174},{"text":"\"الموطأ\" (^١)، وجزم ابن رشد بأن هذا هو الصحيح من مذهبه (^٢).\nوالقول الثاني: أن أكلها مكروه، وهذا مروي عن مالك، وهو المشهور عند أهل مذهبه، قال ابن العربي: (المشهور عنه الكراهة) (^٣).\nواستدلوا بحديث الباب، وقالوا: إنه مصروف عن التحريم إلى الكراهة بآية الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فهي صريحة في أنه لم يحرم من المطعومات إلا هذه الأربعة المذكورة فيها، وما عداها فهو حلال.\nويبدو أن سبب الخلاف هو معارضة مفهوم آية الأنعام للأحاديث التي جاءت بتحريم أشياء لم تذكر فيها، فأصحاب القول الأول أخذوا بمدلول الأحاديث، وأصحاب القول الثاني تمسكوا بظاهر الآية؛ لأن الحصر فيها ظاهر، فالأخذ بها أولى على رأيهم.\nوالقول الأول هو الصواب؛ لأن الحديث صريح في التحريم، والنهي لا يصرف عن التحريم إلا بصارف، وآية الأنعام لا دليل فيها لمن يقول بالكراهة؛ لأنها مكية نزلت قبل الهجرة، والمراد منها الرد على أهل الجاهلية في تحريم أشياء من الأزواج الثمانية، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. والأحاديث الدالة على التحريم مدنية فهي متأخرة عنها قطعًا، والآية محكمة حصرت المحرمات بالأربعة المذكورة وقت نزولها، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد في المحرَّمات كالمنخنقة والموقوذة والخمر، وجاءت السنة بمحرمات أخرى، كما في حديث الباب، وكل ما ثبت تحريمه بطريق صحيح من كتاب أو سنة فهو حرام، فيزاد على الأربعة المذكورة.\nوليست الآية من باب نسخ القرآن بالسنة، وإنما هي من باب تحريم شيء بعد شيء زيادة من الله تعالى على لسان رسوله - ﷺ -.\n_________\n(^١) (٢/ ٤٩٦).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٥١٤).\n(^٣) انظر: \"المسالك في شرح موطأ مالك\" (٥/ ٢٨٩)، \"نيل الأوطار\" (١٥/ ٣٧).","vol":"9","page":175},{"text":"ثم إن المستدل بالآية يلزمه أن يُحِلَّ أكل لحم الحمر الأهلية؛ لأنها غير مذكورة في الآية، وهو لا يقول بذلك، وهذه مناقضة.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على تحريم أكل كل ذي مخلب من الطير يصيد به، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، ومنهم الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وجماعة من المالكية (^١).\nوذهب فريق من المالكية إلى جواز أكل كل ذي مخلب من الطير، كالنسر والحدأة والغربان وجميع سباع الطير وغير سباعها، هذا هو المشهور عندهم (^٢)، واستدلوا بعموم آية الأنعام المتقدمة.\nوالصواب الأول؛ لأن الحديث نص صريح في التحريم، والجواب عن الآية قد تقدم.\n\n° الوجه الخامس: ذكر ابن القيم حكمة النهي عن أكل السباع وهي ما فيها من القوة السبعية التي تورث المتغذي بها شبهًا، فيحصل عنده ميل للاعتداء على الناس وحب الانتقام، فإذا تولد اللحم منها صار في الإنسان خلق البغي والعدوان، وصارت أخلاقه هي أخلاق السباع، أضف إلى ذلك قوة لحومها وقبح رائحتها، فهي غير صالحة لأن يتغذى بها الإنسان (^٣).\nوقد ذكر ابن تيمية أن أسباب تحريم الحيوانات ثلاثة:\n١ - إما القوة السبعية، كما تقدم.\n٢ - إما خبث مطعمها كالذي يأكل الجيف من الطير.\n٣ - أو لأنها في نفسها مستخبثة كالحشرات (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٣/ ٣٢٢).\n(^٢) \"الشرح الكبير\" للدردير (٢/ ١١٥).\n(^٣) \"إعلام المعوقين\" (٢/ ١١٧)، \"مدارج السالكين\" (١/ ٤٠٣).\n(^٤) ينظر: \"مجموع الفتاوى\" (٢٠/ ٥٢٣، ٣٤٠ - ٣٤١) (٢١/ ٥٤٠، ٥٨٥).","vol":"9","page":176},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1124>تحريم الحمر الأهلية وإباحة الخيل</span>\n١٣٣٠/ ٣ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ خَيبَرَ عَن لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيةِ، وأَذِنَ في لُحُومِ الْخَيلِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَفي لَفظِ البخاري: وَرَخَّصَ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nفقد رواه البخاري في كتاب \"المغازي\"، باب (غزوة خيبر) (٤٢١٩)، وفي كتاب \"الذبائح والصيد\"، باب (لحوم الخيل) (٥٥٢٠)، وباب: \"لحوم الحمر الأهلية\" (٥٥٢٤)، ومسلم (١٩٤١) من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي، عن جابر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - نهى … وذكره، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري في المواضع الثلاثة: (ورَخَّصَ).\nوقد جاء في بعض نسخ \"البلوغ\" المطبوعة (وفي لفظٍ للبخاري) -بالتنوين- وهذا خطأ؛ لأنه يشعر بأن البخاري عنده لفظ (أذن) -أيضًا- وليس كذلك، ولعل الحافظ أورد لفظ البخاري تنبيهًا على أن اللفظ الأول لمسلم.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (نهى) النهي قول يتضمن طلب الكف عن الفعل على وجه الاستعلاء.\n\nقوله: (يوم خيبر) المراد غزوة خيبر، وكانت في آخر المحرم سنة","vol":"9","page":177},{"text":"سبع، كما نقله الحافظ عن ابن إسحاق، ونسبه ابن القيم إلى الجمهور (^١).\n\nقوله: (الحمر الأهلية) بضم الحاء المهملة والميم، وهو جمع، مفرده حمار أهلي، وهو يطلق على الذكر، والأنثى أتان، وربما قالوا للأتان حمارة، والحمار حيوان داجن من الفصيلة الخيلية يستخدم للركوب والحمل.\nوالأهلية وصف لإخراج الوحشية، وقد جاء في بعض الأحاديث: (الحمر الإنسية) نسبة إلى الإنس.\n\nقوله: (وأذن) أي: أطلق لهم الفعل، ولفظ البخاري -كما تقدم-: \"ورَخَّصَ\" أي: يسر وسهل، وهذا في مقابل قوله: (نهى)، وليس المراد بذلك الرخصة في تعريف الأصوليين، فإن هذا اصطلاح حادث بعد زمن الصحابة -﵃-، ثم إنه لم يسبق تحريم للخيل وإنما المراد مطلق الإذن، كما في الرواية الأخرى.\n\nقوله: (الخيل) هي جماعة الأفراس، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كقوم ورهط ونفر، بل من معناه، وهو فرس، وجمعه خيول وأخيال، وسميت خيلًا لاختيالها في مشيتها.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية؛ لأن النهي للتحريم، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع، وأنه لا خلاف في تحريمها إلا ما روي عن ابن عباس (^٢) وعائشة -﵄-، والصحيح ما عليه الناس، وما ورد عن ابن عباس ففيه اختلاف، وعلى فرض ثبوته فلا وجه لقوله ولا قول من تابعه (^٣)، وذكر ابن القيم أنه رواه عن النبي - ﷺ - عشرون صحابيًّا، وأحاديثهم في \"الصحيحين\" وغيرها، ثم ساقها وذكر من أخرجها (^٤)، وقال الشنقيطي: (وتحريمها لا ينبغي أن يشك فيه منصف، لكثرة الأحاديث\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٣/ ٣١٦)، \"فتح الباري\" (٧/ ٤٦٤).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٥٥٢٩)، وانظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٦٥٥).\n(^٣) \"التمهيد\" (١٠/ ١٢٣ - ١٢٧)، \"فتح الباري\" (٩/ ٦٥٠).\n(^٤) \"تهذيب مختصر السنن\" (٥/ ٣١٧ - ٣١٨).","vol":"9","page":178},{"text":"الصحيحة الواردة بتحريمها) (^١)، ثم ذكر أن البخاري ومسلمًا رويا تحريمها عن ثمانية من الصحابة بلفظ: (حرم رسول الله - ﷺ - لحوم الحمر الأهلية) و(إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فإنها رجس)، وبلفظ: (فإنها رجس من عمل الشيطان)، وفي رواية: (فإنها رِجْسٌ أو نَجَسٌ).\nوقد أفادت هذه الأحاديث أن علة تحريم الحمر الأهلية هي النجاسة، وهذا يفيد أن تحريم أكلها لعينها لا لمعنى خارج، كما قيل من حاجة الناس إليه وخشية قلة الظهر، فإن هذا معارض بالخيل، بل الخيل أقل وأغلى ومع هذا أبيحت، كما سيأتي (^٢).\nوقد روى أبو داود بسنده حديث غالب بن أبجر المزني - ﵁ - قال: أتيت النبي - ﷺ - فقلت: يا رسول الله أصابتنا السنة ولم يكن في مالي ما أطعم أهلى إلا سمانُ حمر، وإنك حرمت الحمر الأهلية، فقال: \"أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل جَوَالَّ القرية\" (^٣).\nوالجَوَالُّ: بفتح الجيم والواو وتشديد اللام جمع جالَّة كدابة ودواب، وهامَّة وهوامّ، وهي التي تأكل الجَلَّةَ (^٤)، وهي في الأصل البعر، والمراد هنا أكل النجاسات، كما سيأتي.\nوهذا لا دلالة فيه على الإباحة؛ لأنه حديث ضعيف اتفق الحفاظ على تضعيفه، قال البيهقي: (هذا حديث مختلف في إسناده … ومثل هذا لا يعارض به الأحاديث الصحيحة)، وقال في \"المعرفة\" (إسناده مضطرب) (^٥)، وقال المنذري: (اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا) (^٦)، وقال\n_________\n(^١) \"أضواء البيان\" (٢/ ٢٥٢).\n(^٢) \"تهذيب مختصر السنن\" (٥/ ٣٢٤)، \"فتح الباري\" (٩/ ٦٥٦).\n(^٣) رواه أبو داود (٣٨٠٩)، ومن طريقه البيهقي (٩/ ٣٣٢) وانظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (١٤٩١)، \"التمهيد\" (١٠/ ١٢٥ - ١٢٦)، \"نصب الراية\" (٤/ ١٩٧ - ١٩٨).\n(^٤) انظر: \"الفائق\" (١/ ٢٢٣)، \"النهاية\" (١/ ٢٨٨).\n(^٥) \"معرفة السنن\" (١٤/ ١٠٤).\n(^٦) \"مختصر السنن\" (٥/ ٣٢٠).","vol":"9","page":179},{"text":"الحافظ: (إسناده ضعيف، والمتن شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، فالاعتماد عليها) (^١).\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على إباحة أكل لحوم الخيل، وهذا مذهب الشافعي وأحمد، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين كأنس بن مالك وابن الزبير وفضالة بن عبيد وعلقمة والأسود وعطاء والحسن، وهو قول محمد بن الحسن وأبي يوسف من الحنفية، وقول في مذهب المالكية (^٢)، ووجه الدلالة من الحديث ظاهر، فقد قال جابر - ﵁ -: إنه - ﷺ - أباح لهم لحوم الخيل في الوقت الذي منعهم فيه من لحوم الحمر، فدل ذلك على اختلاف حكمهما.\nوالقول الثاني: تحريم أكل لحوم الخيل، وهذا أحد القولين في مذهب أبي حنيفة ومالك، وروي عنهما الكراهة، فقد ذكر ابن عبد البر الكراهة عن مالك (^٣)، وذكر الشنقيطي القولين في مذهب مالك، قال: (والتحريم أشهر عندهم)، وصحح صاحب \"الهداية\" وغيره من الحنفية القول بالتحريم (^٤).\nواستدل القائلون بالتحريم بدليلين:\nالأول: قوله تعالى: ﴿وَالْخَيلَ وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ووجه الاستدلال: أن الله تعالى خلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة، فقال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ ولم يذكر سبحانه منفعة الأكل وهي من المنافع العظيمة، فلو كانت الخيل ينتفع بها في الأكل لذكر ذلك؛ ليكون الامتنان به أعظم، وقد ذكر سبحانه الأكل في المذكورات قبلها: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾.\nالثاني: حديث خالد بن الوليد - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٥٦).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ٣٢٤).\n(^٣) \"الكافي\" (١/ ٤٣٦)، \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٣٩).\n(^٤) \"الهداية\" (٤/ ٦٨).","vol":"9","page":180},{"text":"يحل أكل لحوم الخيل والبغال والحمير\" وفي رواية: (غزونا مع رسول الله - ﷺ - غزوة خيبر … الحديث، وفيه: وحرام عليكم لحوم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها) (^١).\nوالراجح هو القول الأول، وهو إباحة لحوم الخيل؛ لأن الأحاديث الواردة في حلها ظاهرة الدلالة، وسيأتي -إن شاء الله- حديث أسماء - ﵄المتفق عليه-: (نحرنا على عهد رسول الله - ﷺ - فرسًا فأكلناه). وقد روى ابن أبي شيبة عن عطاء قال: قلت لابن جريج: لم يزل سلفك يأكلونه، قال ابن جريج: قلت الصحابة؟ قال: نعم (^٢).\nوأما استدلال أصحاب القول الثاني بآية النحل فهو ليس في محله لأمرين:\nالأول: أن سورة النحل مكية إجماعًا، والأحاديث الواردة في حل لحوم الخيل كانت يوم خيبر وهو بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنوات، فلو فهم النبي - ﷺ - المنع من الآية لما أذن في الأكل، فيكون الإذن بحلها بعد نزول السورة بزمن.\nالثاني: أن الآية ليست صريحة في منع أكل لحوم الخيل، بل هذا مفهوم من التعليل، وحديث جابر وأسماء - ﵄ - صريحان في جواز الأكل، والمنطوق مقدم على المفهوم، كما هو مقرر في الأصول.\nوأما حديث خالد بن الوليد فهو حديث ضعيف، وفي إسناده اضطراب، وفي متنه نكارة، وهو مخالف لرواية الثقات أنه - ﷺ - رخص في لحوم الخيل. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٣٧٩٠)، والنسائي (٧/ ٢٠٢)، وابن ماجه (٣١٩٨)، وأحمد (٢٨/ ١٦، ١٨) وهو حديث ضعيف، في سنده اضطراب، وفي بعض ألفاظه نكارة؛ لأن خالد بن الوليد لم يسلم إلا بعد خيبر، ثم هو مخالف لحديث الثقات في حل لحوم الخيل، كما سيأتي -إن شاء الله-.\n(^٢) عزاه إليه الحافظ في \"فتح الباري\" (٩/ ٦٥٠) وقال: (بإسناد صحيح على شرط الشيخين) ولم أقف عليه في مظانه من \"المصنَّف\" إلا إن كان ساقطًا أو في غيره، وقد أضافه محقق الكتاب في الحاشية. فانظر: (٨/ ٧٠).","vol":"9","page":181},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1125>إباحة أكل الجراد</span>\n١٣٣١/ ٤ - عَنِ ابْنِ أبِي أَوْفَى - ﵁ - قَال: غَزَوْنَا مَعَ رَسول اللهِ - ﷺ - سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأكُلُ الجَرَادَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الذبائح والصيد\"، باب (أكل الجراد) (٥٤٩٥)، ومسلم (١٩٥٢) من طريق أبي يعفور قال: سمعت ابن أبي أوفى - ﵄ - قال: … فذكره.\nوجاء في بعض الروايات: (سبع غزوات أو ستًّا) كذا للأكثر، وفي لفظ (أو ستَّ) بلا تنوين.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (غزونا) تقدم تعريف الغزو أول \"الجهاد\".\n\nقوله: (سبع) بالنصب مفعول مطلق نائب عن المصدر، والتقدير: غزونا غزواتٍ سبعًا.\n\nقوله: (نأكل الجراد) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: (نأكل معه الجراد) وهذه المعية إما أن يراد بها معية الغزو فقط، فيكون تأكيدًا لما قبله، أو معية أكل الجراد، فيكون تأسيسًا، وهذا أولى؛ لأن التأسيس أبلغ من التأكيد.\n\nقوله: (الجراد) بفتح الجيم وتخفيف الراء، واحده جرادة، تطلق على الذكر والأنثى كالحمامة، يقال: إنه مشتق من الجرد؛ لأنه لا ينزل على شيء","vol":"9","page":182},{"text":"إلا جرده، والجراد يتبع فصيلة الحشرات، وهو أصناف، بعضه أحمر، وبعضه أصفر، وبعضه أبيض (^١)، والجراد منه ما يهاجر من مكانه الأصلي إلى أمكنة أخرى، وهو لا يتغذى أثناء هجرته، ولكنه إذا وصل إلى أرض مزروعة أكل كل الزرع.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على إباحة أكل الجراد، وقد نقل النووي وغيره الإجماع على ذلك (^٢)، سواء مات باصطياد أم بذكاة أم مات حتف أنفه، لعموم قوله - ﷺ -: \"أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالسمك والجراد … \" الحديث (^٣). قال ابن حزم: (الجراد حلال إذا أخذ ميتًا أو حيًّا، سواء بعد ذلك مات في الظروف أو لم يمت، وقالت طائفة: لا يحل وإن أخذ حيًّا إلا حين يقتل، وهو قول مالك، ولا نعلم له حجة؛ لأن الذكاة لا تمكن فيه، وذهب قوم إلى أنه لا يحل إن وجد ميتًا، فإن أخذ حيًّا حل كيف مات بعد ذلك) (^٤).\nويستثنى من ذلك ما مات من الجراد بسبب المبيدات السامة، فهذا يحرم أكله لما فيه من السم القاتل المحرم. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"حياة الحيوان الكبرى\" (١/ ١٨٦).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (١٣/ ١١٠)، \"حياة الحيوان الكبرى\" (١/ ٨٩).\n(^٣) تقدم في باب (المياه) رقم (١٣) وأن الصحيح أنه موقوف على ابن عمر -﵄-، لكن له حكم الرفع.\n(^٤) \"المحلى\" (٧/ ٤٣٧).","vol":"9","page":183},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1126>إباحة أكل الأرنب</span>\n١٣٣٢/ ٥ - عَنْ أنسٍ - ﵁في قصَّةِ الأَرْنَبِ- قَال: فَذَبَحَهَا فَبَعَثَ بِوَرِكهَا إِلَى رَسُول اللهِ - ﷺ - فَقَبِلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الهبة\"، باب (قبول هدية الصيد) (٢٥٧٢)، وفي \"الصيد\" (٥٤٨٩) (٥٥٣٥)، ومسلم (١٩٥٣) من طريق هشام بن زيد، عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: مررنا فاستنفجنا أرنبًا بمر الظهران، فسعوا عليه فَلَغَبُوا، قال: فسعيت حتى أدركتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها، فبعث بوركها وفخذها إلى رسول الله - ﷺ -، فأتيت بها رسول الله - ﷺ - فقبله. هذا لفظ مسلم.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (في قصة الأرنب) إشارة إلى أن الحافظ ما ساق الحديث بلفظه، وإنما أراد القدر المقصود.\nوالأرنب: حيوان ثديي يؤكل لحمه، منه البري ومنه الداجن، كثير التوالد، سريع الجري، يداه أقصر من رجليه، يطلق على الذكر والأنثى، ويقال للذكر -أيضًا-: الخُزَزُ -بمعجمات- على وزن عُمَرَ، وللأنثى: عِكْرشة، وقال الجاحظ: لا يقال: أرنبة للأنثى (^١). والأرنب شديدة الجبن، كثيرة الشَّبَقِ (^٢).\n_________\n(^١) \"الحيوان\" (٢/ ٢٨٧)، \"حياة الحيوان الكبرى\" (١/ ٢٠).\n(^٢) الشَّبَق: بالفتح هيجان شهوة النكاح. انظر: \"المصباح المنير\" ص (٣٠٣).","vol":"9","page":184},{"text":"قوله: (فذبحها) ضمير الرفع يعود إلى أبي طلحة وهو زوج أم سليم والدة أنس - ﵁ -، تقدم ذكره في \"الطهارة\" عند الحديث (٢٥).\n\nقوله: (فبعث بوركها) بفتح الواو وكسر الراء، ويجوز كسر الواو وسكون الراء، هو ما فوق الفخذ، وقد جاء في \"الصحيحين\": (بوركها أو فخذها).\n\nقوله: (فقبله) هذا هو المجزوم به في جميع الروايات، وهو قبول الهدية، بخلاف الأكل منها فهو غير مجزوم به، فقد جاء عند البخاري في \"الهبة\" قال الراوي -وهو هشام بن زيد- قلت لأنس: وأكل منه؟ قال: وأكل منه، ثم قال بعد: فقبله، فهو قد شك في الأكل، ثم استيقن القبول فجزم به آخرًا (^١).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على إباحة أكل الأرنب وأنها من الطيبات، وهو قول العلماء كافة، إلا ما جاء في كراهتها عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - من الصحابة، وعن عكرمة من التابعين، وعن محمد بن أبي ليلى من الفقهاء (^٢). ونقل ابن هبيرة اتفاق الأئمة على إباحتها، فقال: (واتفقوا على أن الأرنب مباح أكله) (^٣).\nودليل من كرهها ما رواه محمد بن خالد، قال: سمعت أبي خالدَ بنَ الحويرث قال: إن عبد الله بن عمرو كان بالصِّفَاح -قال محمد: مكان بمكة- وأن رجلًا جاء بأرنب قد صادها، فقال: يا عبد الله بن عمرو ما تقول؟ قال: قد جيء بها إلى رسول الله - ﷺ - وأنا جالس فلم يأكلها، ولم ينه عن أكلها، وزعم أنها تحيض (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٠٢) (٩/ ٦٦٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٦٢).\n(^٣) \"الإفصاح\" (٢/ ٣١٤).\n(^٤) رواه أبو داود (٣٧٩٢) وسنده ضعيف، خالد بن الحويرث سئل عنه ابن معين فقال: (لا أعرفه)، قال ابن عدي: (وخالد هذا كما قال ابن معين لا يعرف، وأنا لا أعرفه أيضًا … وإذا كان مثل يحيى لا يعرفه لا يكون له شهرة أو يُعرف) \"الكامل\" (٣/ ٤٠).","vol":"9","page":185},{"text":"ولو ثبت هذا الحديث لم يكن فيه دليل على تحريمها، وإنما هو مثل قوله - ﷺ - في الضب: \"إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه\" وسيأتي.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز استثارة الصيد أو إنفاجه من جُحْره، من أجل صيده؛ لأنه مما أبيح لنا، فكل وسيلة للحصول عليه فهي جائزة ما لم يكن فيها تعذيب للحيوان.\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دليل على جواز إهداء الشيء اليسير إلى الكبير القدر إذا عَلِمَ من حاله الرضا.\n\n° الوجه السادس: في الحديث دليل على استحباب قبول الهدية ولو كانت يسيرة. وقد مضى في باب \"الهبة\" الكلام على هاتين المسألتين. والله تعالى أعلم.","vol":"9","page":186},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1127>ما نُهي عن قتله حَرُمَ أكله</span>\n١٣٣٣/ ٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ قَتلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ. رواه أَحمَدُ وَأبو دَاوُدَ. وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٥/ ١٩٢)، وأبو داود في كتاب \"الأدب\"، بابٌ (في قتل الذر) (٥٢٦٧)، وابن ماجه (٣٢٢٤) من طريق معمر، وابن حبان (١٢/ ٤٦٢) من طريق ابن جريج (^١) وعُقيل بن خالد، والبيهقي (٩/ ٣١٧) من طريق إبراهيم بن سعد، أربعتهم عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس - ﵄ - قال: … فذكره.\nوهذا إسناد صحيح، قال ابن دقيق العيد: (أخرجه أبو داود عن رجال الصحيح) (^٢)، وقال ابن الملقن: (إسناده صحيح) (^٣).\nوهذا الحديث مداره على الزهري، وقد اختلف عليه في إسناده، فقد روي عنه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - رواه الخطيب في \"تاريخه\" (٩/ ١١٩) وهذه الرواية غير محفوظة. وعلَّتها سهل بن يحيى الحداد، وقد نسب الدارقطني الوهم إليه (^٤). وروي عنه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن\n_________\n(^١) ابن جريج رواه عن الزهري بواسطة كما سيأتي.\n(^٢) \"الإلمام\" ص (٣٠٨).\n(^٣) \"البدر المنير\" (١٦/ ٧٤).\n(^٤) \"العلل\" (١٠/ ١٢٤).","vol":"9","page":187},{"text":"ابن عباس -﵄-، وقد رواه عن الزهري معمر موصولًا -كما تقدم- وروايته أخرجها عبد الرزاق (٤/ ٤٥١) عنه، ورواه عن عبد الرزاق الإمام أحمد، وعنه أبو داود، ورواها من طريق عبد الرزاق ابن ماجه والبيهقي وغيرهم. قال أبو زرعة: (أخطا فيه عبد الرزاق، والصحيح من حديث معمر عن الزهري أن النبي - ﷺ - مرسلًا، وقد ذكر أن رباح بن زيد الصنعاني رواه عن معمر هكذا مرسلًا) (^١). وقد توبع معمر على روايته الموصولة، فقد روى الحديث ابن جريج عن عبد الله بن أبي لبيد عن الزهري به، وعبد الله بن أبي لبيد متكلم فيه (^٢)، قال أبو زرعة: (وأما نفس الحديث، فالصحيح عندنا على ما روي في كتاب ابن جريج عن عبد الله بن أبي لبيد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -)، وهذه الرواية توافق رواية عبد الرزاق.\nورواه عن الزهري عُقيل بن خالد، وروايته معلولة، لا مِنْ جهته؛ فإنه ثقة ثبت، ومن أوثق أصحاب الزهري، لكن من جهة الراوي عنه -كما عند ابن حبان- وهو حِبَّان بن علي العَنَزِي، فإنه ضعيف كما في \"التقريب\" ورواه -أيضًا- إبراهيم بن سعد عن الزهري، وقد ضعف أبو زرعة رواية إبراهيم هذه بالراوي عنه، وهو الحارث بن عبد الله الهمذاني، مع أنه تابعه محمد بن عبيد الله المدني -عند البيهقي- وهو ثقة.\nفهؤلاء الثلاثة قد تابعوا معمرًا على روايته الموصولة، وأما روايته المرسلة فقد تابعه عليها عبد الرحمن بن إسحاق (^٣)، وهو متكلم فيه، والأقرب أنه صدوق، وفي بعض حديثه ما ينكر (^٤). وروى الحديث ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي عمير بن النحاس الرملي، عن أيوب بن سويد، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن سليمان بن يسار، عن عبيد الله بن\n_________\n(^١) \"علل ابن أبي حاتم\" (٢٤١٦).\n(^٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٣٢٦).\n(^٣) انظر: \"علل ابن أبي حاتم\" (٢٤١٦).\n(^٤) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٢٥ - ١٢٦) \"مرويات الإمام الزهري المعلة في كتاب العلل للدارقطني\" (٤/ ٢٠٦٩).","vol":"9","page":188},{"text":"عبد الله عن ابن عباس قال: (أربع لا يقتلن ..)، قال أبو حاتم: (هذا حديث مضطرب) (^١).\nوللحديث شاهد من حديث عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي قال: سمعت أبي يذكر عن جدي عن رسول الله - ﷺ - أنه نهى عن قتل الخمسة: عن النملة والنحلة والضفدع والصرد والهدهد (^٢). قال البيهقي: (تفرد به عبد المهيمن بن عباس، وهو ضعيف، وحديث ابن عباس - ﵄ - أقوى ما ورد في هذا الباب)، وله شواهد أخرى كلها ضعيفة (^٣).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (نهى) الأصل أنه للتحريم، ولا يصرف إلى الكراهة إلا بدليل.\n\nقوله: (عن قتل أربع) هذا لا يفيد الحصر؛ لأنه مفهوم عدد.\n\nقوله: (النملة) مفرد النمل، والجمع نِمال، سُميت بذلك لتنمُّلها، وهو كثرة حركتها وقلة قوائمها، وهي حشرة ضئيلة الجسم، تتخذ مساكنها تحت الأرض، والنمل عظيم الحيل في طلب الرزق، ومن طبعه أن يحتكر قوته من زمن الصيف لزمن الشتاء، وله في الاحتكار أمور عجيبة (^٤).\n\nقوله: (والنحلة) هي واحدة النحل كنخل ونخلة، قال الزجاج: سُميت نحلًا؛ لأن الله نَحَلَ الناسَ العسلَ الذي يخرج منها؛ إذ النِّحْلَةُ العطية، وهي ترعى الزهر فيستحيل في جوفها عسلًا، ويختلف لون عسلها باختلاف النحل والمرعى، وقد يختلف طعمه لاختلاف المرعى أيضًا.\n\nقوله: (والهدهد) هو بضم الهائين وإسكان الدال المهملة بينهما، وهو طائر ذو خطوط وألوان كثيرة، رقيق المنقار، له قنزعة على رأسه، وهو من فصيلة الجواثم، وهو منتن الرائحة طبعًا؛ لأنه يبني أفحوصه بالزبل (^٥).\n_________\n(^١) \"العلل\" (٢٣٧٤)، (٢٤٤٤).\n(^٢) رواه البيهقي (٩/ ٣١٧).\n(^٣) انظر: \"الإرواء\" (٨/ ١٤٢).\n(^٤) \"حياة الحيوان الكبرى\" (٢/ ٣٦٦).\n(^٥) \"حياة الحيوان الكبرى\" (٣/ ٣٧٨).","vol":"9","page":189},{"text":"قوله: (والصُّرَدِ) بضم الصاد وفتح الراء، طائر أكبر من العصفور ضخم الرأس والمنقار، له برثن عظيم، وهو شرس النفس، شديد النفرة، غذاؤه من اللحم، وله صفير مختلف لكل طائر يريد صيده، ومأواه الأشجار ورؤوس القلاع وأعالي الحصون (^١).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم أكل النملة والنحلة والهدهد والصرد؛ لأنه لو حلَّ أكلها لما نهي عن قتلها، وهذه قاعدة من قواعد كتاب الأطعمة، وهي أن كل حيوان نهى النبي - ﷺ - عن قتله فإنه يحرم أكله؛ لما تقدم.\nقال الخطابي: (فكلُّ منهي عن قتله من الحيوان فإنما هو لأحد أمرين: إما لحرمته في نفسه كالآدمي، وإما لتحريم لحمه كالصرد والهدهد ونحوهما) (^٢).\nونُهي عن قتل النملة لأنها قليلة الأذى والضرر، وقيل: احترامًا لها وذلك لقصتها مع سليمان - ﵇ -، وأما النحلة فلما فيها من منفعة العسل الذي فيه شفاء للناس، وأما الهدهد فنهي عن قتله احترامًا له، وذلك لقصته مع سليمان - ﵇ -، أو لأنه منتن الريح ويقتات الدود، وأما الصرد فقد ذكر ابن العربي أنه نهي عن قتله لأن العرب كانت تتشاءم به، فنهي عن قتله ليخلع عن قلوبهم ما ثبت بها من اعتقادهم الشؤم فيه (^٣).\nوكذا كل ما أمر النبي - ﷺ - بقتله من الحيوانات فإنه يحرم أكله، كالحية والغراب والفأرة والكلب والحدأة وغيرها؛ لأنه إذا أُذن في قتله بغير الذكاة الشرعية دل على تحريم أكله، إذ لو كان الانتفاع بأكله جائزًا لما أذن في إتلافه؛ ولأن الأمر بقتلها إسقاط لحرمتها ومَنْعٌ من اقتنائها، ولو أُكلت لجاز اقتناؤها.\n_________\n(^١) \"حياة الحيوان الكبرى\" (٣/ ٦١).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٨/ ١١٤).\n(^٣) انظر: \"معالم السنن\" (٨/ ١١٣)، \"حياة الحيوان\" (٢/ ٦٣، ٣٨٠)، \"شرح ابن عثيمين كتاب الأطعمة من البلوغ\" ص (١٠).","vol":"9","page":190},{"text":"ولا ينتقض هذا بقتل البهيمة التي وطئها آدمي، ومع هذا لا يحرم أكلها؛ لأنها غير محرمة لذاتها بل لأمر عارض، وسيأتي ذلك -إن شاء الله-.\n\n° الوجه الرابع: ما نهي عن قتله من الحيوان والحشرات مقيد بما إذا لم يكن منه أذى، فإن حصل منه أذى أو اعتداء حلّ قتله كالنمل -مثلًا- فيقتل بما يبيده لكن بغير النار، فإن أمكن دفع أذاه بغير القتل تَعَيَّن.\nوالدليل على جواز قتله إلحاقه بالخمس المذكورة في حديث عائشة - ﵄ -: (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم …) (^١)؛ لأن علة قتلها اتصافها بالفسق والعدوان، فيلحق بها ما اتصف بهذه الصفة وإن لم تكن من طبيعته (^٢)، ولأن المؤذي من بني آدم إذا لم يندفع أذاه إلا بالقتل جاز قتله، فالنمل من باب أولى (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم في \"الحج\" برقم (٧٣٦).\n(^٢) \"فتاوى ابن باز\" (٧٣/ ١٤٨). وانظر: \"إكمال المعلم\" (٧/ ١٧٦)، \"عون المعبود\". (١٤/ ١٧٩).\n(^٣) \"شرح كتاب الأطعمة من البلوغ\" لابن عثيمين ص (١٢).","vol":"9","page":191},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1128>حكم أكل الضَّبُع</span>\n١٣٣٤/ ٧ - عَنِ ابْنِ أبِي عَمّارٍ قَال: قُلْتُ لِجَابِرٍ - ﵁ -: الضَّبُعُ صيدٌ هِيَ؟ قَال: نَعَمْ، قُلْتُ: قالهُ رَسُولُ الله - ﷺ -؟ قَال: نَعَمْ. روَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ وَصَحّحَهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار القرشي المكي، روى عن جابر بن عبد الله وأبي هريرة وابن عمر وابن الزبير وغيرهم -﵃-، وروى عنه عبد الله بن عبيد بن عمير، وابن جريج، وعمرو بن دينار، وغيرهم، قال ابن سعد وأبو زرعة والنسائي: (ثقة)، وقال أبو حاتم: (صالح الحديث)، وذكره ابن حبان في الثقات، وروى له جماعة سوى البخاري، كان يلقب بالقِسِّ؛ لكثرة عبادته (^١)، قال الحافظ في \"التقريب\": (ثقة عابد) رحمه الله تعالى.\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٢٢/ ٧٢)، وأبو داود في كتاب \"الأطعمة\"، بابٌ (في أكل الضبع) (٣٧٠١)، والترمذي (٨٥١)، والنسائي (٥/ ١٩١)، وابن ماجه (٣٢٣٦)، وابن حبان (٩/ ٢٧٧) من طرق عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي عمار، قال: قلت لجابر - ﵁ - … وذكره. وهذا لفظ أبي داود.\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (١٧/ ٢٢٩).","vol":"9","page":192},{"text":"ولفظ الترمذي: قلت لجابر: الضبع، أصيد هي؟ قال: نعم. قال: قلت: آكلها؟ قال: نعم .. لحديث.\nوهذا الحديث إسناده صحيح، قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وقال في \"العلل الكبير\": (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث صحيح) (^١)، ونقل الحافظ في \"التلخيص\" تصحيحه -أيضًا- عن ابن خزيمة والبيهقي (^٢).\nونقل الترمذي في \"جامعه\" عن يحيى بن سعيد القطان قوله: (وروى جرير بن حازم هذا الحديث عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن أبي عمار، عن جابر، عن عمر قوله، وحديث ابن جريج -يعني المرفوع- أصح) (^٣). ونقل الطحاوي عن يحيى القطان أنه أنكر هذا الحديث، وأنه قال: (كان يحدث به عن جابر، عن عمر، ثم صيَّره عن النبي - ﷺ -)، قال الطحاوي: (إنكارًا منه إياه على ابن أبي عمار) (^٤).\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الضَّبُع) هي بفتح الضاد وضم الباء أو سكونها اسم للأنثى، ولا يقال: ضَبُعَة؛ لأن الذكر ضِبْعان، والجمع ضَباعين مثل سِرحان وسراحين، وذكر الجوهري وتبعه صاحب \"القاموس\" أنه يقال للأنثى ضِبْعانة، والجمع ضِبْعانات، ورد عليه ابن بري فقال: (هذا لا يعرف)، وأما ضباع فهو جمع للذكر والأنثى، مثل: سَبُعٍ وسِبَاع (^٥).\nوالضبع حيوان كبير الرأس، قوي الفكين، توصف بالعَرَج وليست بعرجاء، ولكن بسبب لدونةٍ في مفاصلها وزيادة رطوبة في الجانب الأَيمن على الأيسر، والضبع نوعان: نوع يأكل الزرع والنبات، ويغلب وجوده في الجبال، ونوع يعيش على الجيف، وأهل البادية يعرفون الفرق بينهما بمجرد رؤيتهما؛\n_________\n(^١) (٢/ ٧٥٧).\n(^٢) (٦/ ٣٠٥٩).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢/ ١٩٨)، (٣/ ٣٨٨).\n(^٤) \"شرح مشكل الآثار\" (٩/ ٩٥).\n(^٥) \"الصحاح\" (٣/ ١٢٤٧).","vol":"9","page":193},{"text":"لأن مظهرهما مختلف، والظاهر أن المراد بالحديث النوع الأول (^١).\n\nقوله: (صيد هي) على حذف همزة الاستفهام بدليل الجواب.\n\nقوله: (قال: نعم) هي من حروف الجواب، وهي لتصديق مخبر كقوله: قام زيد، فتقول: نعم، أو إعلام مستخبر، كقوله: هل جاء زيد؟ فتقول: نعم، أو وعد طالب، كقوله: خذ الكتاب، فتقول: نعم آخذه (^٢).\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على إباحة أكل لحم الضبع، وهذا قول الشافعي وأحمد (^٣)، ونسبه القرطبي إلى مالك وأصحابه (^٤).\nوالقول الثاني: تحريم أكله، وهذا مذهب أبي حنيفة (^٥)، وجماعة، واستدلوا بالأحاديث المتقدمة في تحريم كل ذي ناب من السباع، قالوا: والضبع لها ناب تصيد به، فتدخل تحت الحديث، وأجابوا عن حديث الباب بأنه غير مشهور، فيكون العمل بالمشهور أولى.\nوالراجح القول الأول، لقوة دليله وصراحته في حلها، قال الحافظ ابن حجر: (وقد ورد في حل الضبع أحاديث لا بأس بها) (^٦). قال الشافعي: الحوم الضباع تباع عندنا بمكة بين الصفا والمروة … وفي هذا الحديث دليل على أن الصيد الذي نهى الله تعالى المحرم عن قتله ما كان يَحِلُّ أكله من الصيد، وأنهم إنما يقتلون الصيد ليأكلوه، لا عبثًا بقتله …) (^٧).\nوأما قول أصحاب الرأي الثاني إنها داخلة في عموم النهي عن أكل ما له ناب، فأجيب عنه بجوابين:\nالأول: على فرض أنها سبع فإنه لا تعارض بين حديث النهي عن أكل كل ذي ناب وبين حديث الباب الدال على الإباحة؛ لأن هذا حديث خاص فيقدم على العام.\n_________\n(^١) \"حياة الحيوان\" (٢/ ٨١)، \"فقه الإسلام\" (٩/ ٢٣٥).\n(^٢) انظر: \"الجنى الداني\" ص (٥٠٥).\n(^٣) \"مغني المحتاج\" (٤/ ٢٩٩)، \"المقنع\" (٣/ ٥٢).\n(^٤) \"بداية المجتهد\" (٢/ ١٢).\n(^٥) \"حاشية ابن عابدين\" (٥/ ١٩٤).\n(^٦) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٦٨).\n(^٧) \"الأم\" (٣/ ٦٤٤).","vol":"9","page":194},{"text":"الثماني: أن الضبع ليست بسبع، فلا تدخل في عموم النهي عن السباع؛ لأنها وإن كانت ذات ناب فليست مما يعدو بنابه، والمعتبر في المُحرَّم من السباع ما اجتمع فيه وصفان: الناب، والعدو على الناس، كما تقدم (^١)، قال ابن القيم: (وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين، وهو كونها ذات نابٍ، وليست من السباع العادية، ولا ريب أن السباع أخص من ذوات الأنياب، والسبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المغتذي بها شبهها، فإن الغاذي شبيه بالمغتذي، ولا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم، ولا تُعَدُّ الضبع من السباع لغة ولا عرفًا) (^٢)، وقال الدميري: (الضبع لا يغتذي بالعدو، وقد يعيش بغير أنيابه) (^٣).\nوأما قولهم: إن حديث الباب غير مشهور، فهذا فيه نظر، فقد صححه جمع من الأئمة، ومنهم البخاري والترمذي، كما تقدم، وكفى بذلك شهرة.\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه يجوز للمستفتي إذا سأل المفتي عن حكم شرعي أن يطلب منه الدليل؛ لقوله: (قاله رسول الله - ﷺ -؟) وهذا يفيد أنه إذا قاله النبي - ﷺ - كفى.\n\n° الوجه السادس: في الحديث دليل على أن (نعم) صريحة في الجواب، ومن القواعد الأصولية: السؤال كالمعاد في الجواب، ومعناها: أنه إذا ورد الجواب بـ (نعم) -مثلًا- بعد سؤال مُفَصَّلٍ، اعتبر الجواب مشتملًا على مضمون السؤال؛ لأن مدلول هذه الأداة يعتمد على ما قبلها من تفصيل، ولأن الجواب غير مستقل بنفسه في الإفادة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] أي: وجدنا ما وعد ربنا حقًّا.\nولهذا تثبت الحقوق بها ويقع الطلاق، فإذا قال رجل لآخر: لي عليك\n_________\n(^١) انظر: \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١١٧).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) \"حياة الحيوان\" (٢/ ٨٢).","vol":"9","page":195},{"text":"ألف درهم، فقال: نعم، كان إقرارًا منه بالألف، لأن السؤال كالمعاد في الجواب، فكأنه قال: نعم لك عليَّ ألف درهم. ولو قيل لرجل: أطلَّقت امرأتك؟ فقاله: نعم، كان طلاقًا، لأن الجواب: نعم طلقت امرأتي. والله تعالى أعلم (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"موسوعة القواعد الفقهية\" (٥/ ٢٩٠)، \"الكافي\" لابن قدامة (٣/ ١٦٨)، (٤/ ٥٧٤).","vol":"9","page":196},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1129>حكم أكل القنفذ</span>\n١٣٣٥/ ٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقُنفذِ فَقَال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيةَ، فَقَال شَيخٌ عِنْدَه: سَمِعْتُ أبا هرَيرَةَ يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ النبي - ﷺ - فَقَال: \"إنَّها خَبِيثَةٌ مِنَ الْخَبَائِثِ\". أَخْرَجَة أَحْمَدُ وَأبُو دَاوُدَ، وإسناده ضَعِيفٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (١٤/ ٥١٥)، وأبو داود في كتاب \"الأطعمة\"، بابٌ (في أكل حشرات الأرض) (٣٧٩٩) من طريق عيسى بن نُميلة، عن أبيه قال: كنت عند ابن ضمر فسئل عن أكل القنفذ … وذكر الحديث، وتمامه: فقال ابن عمر: إن كان قال رسول الله - ﷺ - هذا فهو كما قال، ما لم نَدْرِ. وقد أثبت هذا في بعض نسخ \"البلوغ\" عدا الجملة الأخيرة.\nوهذا سند ضعيف، فيه مجهولان، عيسى بن نميلة -بالنون- وأبوه، وفيه رجل مبهم، وهو الشيخ الذي روى عن أبي هريرة - ﵁ - فإنه لم يُسَمَّ، قال البيهقي: (هذا حديث لم يُرو إلا بهذا الإسناد، وهو إسناد فيه ضعف) (^١).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (عن القنفذ) هو بضم القاف وسكون النون، وضم الفاء أو فتحها، واحد القنافذ، والأنثى قنفذة (^٢)، وهو حيوان ثديي صغير، مغطى\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣٢٦).\n(^٢) \"الصحاح\" (٢/ ٥٦٩).","vol":"9","page":197},{"text":"بالأشواك، إذا واجهه خطر كَوَّرَ نفسه فلا يظهر منه إلا أشواكه الحادة في كل اتجاه، وبذلك يقي نفسه، يتغذى بالفاكهة وجذور النبات والحشرات، لا يظهر إلا ليلًا، وهو مولع بأكل الأفاعي، ولا يتألم بها (^١).\n\nقوله: (فقال) أي: فقرأ، فأطلق القول على القراءة.\n\nقوله: (خبيثة) هكذا لفظ \"البلوغ\"، وهو لفظ أبي داود وبعض طبعات \"المسند\"، وفي بعضها (خبيث) بدون تاء.\n\n° الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال بتحريم أكل القنفذ، وأنها خبيثة من الخبائث، وهذا قول أحمد وأبي حنيفة (^٢).\nوالقول الثاني: أن القنفذ حلال، وهذا قول الشافعي ومالك (^٣)، واستدلوا بأن ابن عمر - ﵄ - لما سئل عنه تلا قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] وهذا ليس منها؛ ولأنه مستطاب ولا يتقوى بنابه، فحل أكله كالأرنب.\nقالوا: وحديث الباب غير ناهض على القول بتحريمه، لما تقدم في سنده، وأيدوا هذا بأن الأصل في الأطعمة الحل، كما تقدم أول كتاب \"الأطعمة\"، لكن من كرهه في نفسه فله أن يمتنع منه، كما امتنع النبي - ﷺ - من أكل الضب، كما سيأتي، إن شاء الله.\nقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (الصواب القول بالإباحة؛ لأنه الأصل، وقد سألنا أهل الخبرة عن هذه الدابة فأخبرونا أنها لا تأكل الجيف، وإنما تأكل الزرع والنبات …). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"حياة الحيوان\" (٢/ ٢٦٥).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ٣١٧)، \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٣٦).\n(^٣) \"المهذب\" (١/ ٣٣٠)، \"جواهر الإكليل\" (١/ ٢١٧).","vol":"9","page":198},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1130>تحريم الجلالة وألبانها</span>\n١٣٣٦/ ٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: نَهى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْجَلَّالةِ وَألبَانِهَا. أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إلا النَّسَائيَّ، وَحَسّنَهُ الترْمِذِيُّ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الأطعمة\"، باب (النهي عن أكل الجلالة وألبانها) (٣٧٨٥)، والترمذي (١٨٢٤)، وابن ماجه (٣١٨٩) من طريق محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر - ﵄ - قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل الجلالة وألبانها.\nقال الترمذي: (حديث حسن غريب)، والحديث رجاله ثقات إلا ابن إسحاق فهو مدلس وقد عنعنه، ثم إنه قد خولف في إسناده، فقد قال الترمذي: إنه رواه سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن النبي - ﷺ - مرسلًا (^١).\nورواه أبو داود (٣٧٨٧)، والبيهقي (٩/ ٣٣٢) من طريق عمرو بن أبي قيس، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الجلالة في الإبل: أن يركب عليها أو يشرب من ألبانها.\nحسنه الألباني (^٢)، وهذا فيه نظر؛ لتفرد عمرو بن أبي قيس عن بقية أصحاب أيوب.\n_________\n(^١) \"مصنف عبد الرزاق\" (٤/ ٥٢٣)، \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٨/ ١٤٨).\n(^٢) انظر: \"الإرواء\" (٨/ ١٥٠).","vol":"9","page":199},{"text":"وروى أبو داود (٣٧٨٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (٤/ ١٩٤)، وأحمد (٣/ ٤٤٧) من طريق هشام قال: حدثني قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن لبن الشاة الجلالة.\nقال ابن عبد الهادي: (إسناده صحيح) (^١).\nوروى ابن أبي شيبة (٨/ ١٤٦ - ١٤٧) عن جابر - ﵁ - قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الجلالة أن يؤكل لحمها أو يشرب لبنها.\nقال الحافظ: (سنده حسن) (^٢).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (عن الجلالة) لفظ أبي داود والترمذي: (عن أكل الجلالة) وعند ابن ماجه: (عن لحوم الجلالة) والجلالة: بفتح الجيم وتشديد اللام من أبنية المبالغة، هي التي أكثر أكلها الجلة -مثلثة الجيم- وهي البعر، وتكون الجلالة بعيرًا أو بقرة أو شاة أو دجاجة وغيرها.\nفالجلالة هي التي تأكل النجاسات من الطير والدواب، وادعى ابن حزم اختصاص الجلالة بذوات الأربع، والمعروف التعميم (^٣).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم أكل الجلالة وشرب لبنها؛ لأن النهي يحمل عند الإطلاق على التحريم، كما قال النبي - ﷺ -: \"فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه\" (^٤)، وهذا قول فريق من الشافعية، ورواية عن أحمد، وهي المذهب (^٥)، وبه جزم ابن دقيق العيد عن الفقهاء (^٦). ولأن النجاسة قد أثرت في لحم الحيوان بدليل ظهور نتنها في عرقه ولحمه.\n_________\n(^١) \"التنقيح\" (٤/ ٦٧٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٤٨).\n(^٣) \"المحلى\" (٧/ ٤١٠)، \"فتح الباري\" (٩/ ٦٤٨).\n(^٤) رواه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧).\n(^٥) \"المغني\" (١٠/ ٣٦٦).\n(^٦) \"إحكام الأحكام\" (٤/ ٤٦٥)، وقد يكون مراده فقهاء الشافعية.","vol":"9","page":200},{"text":"والقول الثاني: أنه يكره أكل لحم الجلالة، وهذا قول أبي حنيفة والمالكية، وقول لأصحاب الشافعي، صححه النووي (^١)، وهو رواية عن أحمد، وعند الحنفية إذا كان جميع أكلها النجاسة فلا تحل، وإنما الجواز إذا كانت تُخَلِّطُ، قالوا: لأن النهي لا يرجع إلى ذاتها بل لعارض وهو تغير اللحم، وهو لا يوجب التحريم كما لو نَتَنَ اللحم المذكى وتَرَوَّحَ، فإنه يكره أكله على الصحيح، ولا يحرم (^٢).\nوالراجح هو القول الأول؛ لدلالة الحديث وما في معناه من الأحاديث الأخرى التي لا صارف لها، ثم إن نفور الطبع السليم والنفس السوية من الطعام الذي تشم فيه رائحة النتن يؤيد قوة القول بالترك، والله أعلم.\nأما تعليل أصحاب القول الثاني فهو تعليل في مقابلة نص، وقولهم: إن النهي لا يرجع لذاتها غير سديد، فإنه يرجع إلى ذات الجلالة؛ لأن هذا اللفظ من صيغ المبالغة، وهو يدل على كثرة أكلها النجاسات، وقد نهى النبي - ﷺ - عن أكلها، فيكون النهي عائدًا إلى ذاتها.\n\n° الوجه الرابع: اختلف العلماء في المقدار الذي إذا أكلته الدابة صارت جلالة، على قولين:\nالأول: أن يكون أكثر أكلها النجاسة، فإن كان أقل من ذلك فلا تأثير له؛ لأنه إذا غلب عليها النجاسة تغير لحمها ولبنها، وهذا قول في مذهب الحنابلة والشافعية والحنفية (^٣).\nالقول الثاني: أنه لا عبرة بالكثرة ولا بالقلة، وإنما بالرائحة والنتن ولو لم يكثر أكلها النجاسة، فإذا وجد في عرقها أو لحمها رائحة فهي جلالة وإلا فلا، وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعية، قال النووي: (الصحيح أنه لا اعتداد بالكثرة، بل بالرائحة والنتن …) (^٤).\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٥١١)، \"المبسوط\" (١١/ ٢٥٥)، \"مغني المحتاج\" (٤/ ٣٠٤).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٤٠).\n(^٣) \"المجموع\" (٩/ ٢٨).\n(^٤) \"روضة الطالبين\" (٣/ ٢٧٨)، \"المجموع\" (٩/ ٢٨).","vol":"9","page":201},{"text":"والقول الأول أرجح؛ أخذًا من لفظ الجلالة؛ إذ هو يفيد المبالغة المفهمة للأكثرية.\n\n° الوجه الخامس: الصحيح في المدة التي تحبس فيها الجلالة حتى يحل أكلها أنها لا تتقدر بزمن معين، بل متى غلب على الظن زوال النجاسة حَلَّ أكلها؛ لأن التحديد لا دليل عليه، والحيوانات تختلف، والمقصود زوال المحذور، وما ورد في بعض الأحاديث من حبسها أربعين يومًا فهو ضعيف، وما ورد من بعض السلف فهو مختلف، وقد روى ابن أبي شيبة أن ابن عمر كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثًا (^١). قال الحافظ ابن حجر: (والمعتبر في جواز أكل الجلالة زوال رائحة النجاسة بعد أن تعلف بالشيء الطاهر، على الصحيح) (^٢).\n\n° الوجه السادس: الحديث دليل على تحريم شرب لبن الجلالة؛ لأنه إذا تغير اللحم تغير اللبن، وقد ثبت النهي عنه كالنهي عن الأكل. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المصنَّف\" (٨/ ٢٤٥). ط: الرشد، قال الحافظ: (إسناده صحيح)، \"فتح الباري\" (٩/ ٦٤٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٤٨).","vol":"9","page":202},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1131>إباحة لحم الحمار الوحشي</span>\n١٣٣٧/ ١٠ - عَنْ أَبي قَتَادَةَ - ﵁في قِصةِ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ- فَأكلَ مِنْهُ النَّبِيُّ - ﷺ -. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث تقدم تخريجه والكلام عليه في كتاب \"الحج\" برقم (٧٣٤). وقد رواه البخاري (١٨٢٤)، ومسلم (١١٩٦) (٦٠) من طريق أبي عوانة، حدثنا عثمان -وهو ابن وهب- قال: أخبرني عبد الله بن أبي قتادة: أن أباه أخبره أن رسول الله - ﷺ - خرج حاجًّا، فخرجوا معه … وساق الحديث.\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على إباحة لحم الحمار الوحشي، وهذا غرض الحافظ من إعادة هذا الحديث في كتاب \"الأطعمة\"، وإلا فقد سبق الكلام على ما يتعلق بأحكامه هناك.\nوالحمار الوحشي نوع من الصيد يشبه الحمار الأهلي، ولحمه من الطيبات، وقد أجمع العلماء على إباحته، وقد روى مسلم حديث جابر - ﵁ - قال: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا رسول الله - ﷺ - عن الحمار الأهلي (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٩٤١) (٣٧).","vol":"9","page":203},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1132>إباحة لحم الفرس</span>\n١٣٣٨/ ١١ - عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ - ﵄ - قَالتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُول اللهِ - ﷺ - فَرَسًا، فَأكلْنَاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في مواضع من كتاب \"الذبائح والصيد\"، باب (النحر والذبح) (٥٥١٠) من طريق جرير بن حازم، ومسلم (١٩٤٢) من طريق عبد الله بن نمير وحفص بن غياث ووكيع، أربعتهم عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر - ﵄ - قالت: … فذكرت الحديث.\nقال البخاري: (تابعه -أي جريرًا- وكيع وابن عيينة عن هشام في النحر).\nوقد ذكر الدارقطني الاختلاف في إسناد هذا الحديث، ثم رجح رواية الحفاظ من أصحاب هشام عنه، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء (^١).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (نحرنا) النحر بفتح فسكون هو ذكاة الإبل، وهو طعنها في أسفل العنق عند الصدر؛ لأنه أسهل على الذابح.\nوفي رواية للبخاري (^٢) من طريق عبدة، عن هشام: (ذبحنا) والذبح ذكاة البقر والغنم، وهو إمرار السكين لقطع الحلقوم والودجين، وهذا الاختلاف عن الراوي هشام بن عروة، ولعل هذا مصير منه إلى استواء اللفظين في المعنى، والقصة واحدة، هذا قول الحافظ ابن حجر، ومنهم من حمل ذلك\n_________\n(^١) \"العلل\" (١٥/ ٢٩٩ - ٣٠٠).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٥٥١١).","vol":"9","page":204},{"text":"على التعدد، فمرة نحروها ومرة ذبحوها، وهذا اختيار النووي (^١)، والعيني (^٢)، وتبعهما الشوكاني (^٣)؛ لأن الأصل الحقيقة، ولا يعدل إلى المجاز إلا إذا تعذر حمل اللفظ على حقيقته، والحقيقة هنا غير متعذرة، وقد نقل الحافظ كلام النووي ولم يرتضه، والأقرب رجحان رواية (نحرنا) فإن عامة أصحاب هشام الحفاظ رووه بهذا اللفظ (^٤).\n\nقوله: (على عهد) وفي رواية للبخاري (^٥): (على عهد رسول الله - ﷺ - ونحن بالمدينة)، وقد ذكر العلماء أن الصحابي إذا أضاف شيئًا إلى عهد النبي - ﷺ - ولم يذكر أنه علم به فهو من المرفوع حكمًا، وإذا كان هذا في مطلق الصحابة فكيف بآل أبي بكر - ﵁ -، وفائدة قوله: (ونحن بالمدينة) بيان أنهم أكلوها بعد فرض الجهاد، فيكون فيه رد على من زعم أن حل الخيل كان قبل فرض الجهاد؛ لأن الجهاد ما فرض إلا بعد الهجرة.\n\nقوله: (فرسًا) الفرس واحد الخيل، والجمع أفراس، الذكر والأنثى سواء، وحكى الفراء، وابن جني: فرسة، وقال الجوهري: (هو اسم يقع على الذكر والأنثى، ولا يقال للأنثى فرسة) (^٦)، ولفظها مشتق من الافتراس؛ لأنها تفترس الأرض بسرعة مشيها.\n\n° الوجه الثالث: الحديث من أدلة القائلين بجواز أكل لحم الخيل؛ لأنه أُكل على عهد النبي - ﷺ -، والظاهر أنه - ﷺ - علم ذلك وأقرَّهم عليه، وقد جاء في رواية للدارقطني (^٧): (فأكلناه نحن وأهل بيته) (^٨)، وهي زيادة ضعيفة، لكن\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (١٣/ ١٠٣).\n(^٢) \"عمدة القارئ\" (١٧/ ٢٤٢).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (٨/ ١٢٨).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٦٤٢).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (٥٥١١).\n(^٦) \"الصحاح\" (٣/ ٩٥٧)، \"حياة الحيوان الكبرى\" (٢/ ٢٠٩).\n(^٧) \"السنن\" (٤/ ٢٩٠) وهي من طريق ابن ثوبان، عن هشام بن عروة .. وهي زيادة معلولة؛ لتفرد ابن ثوبان بها من بين أصحاب هشام.\n(^٨) عزا المجد في \"المنتقى\" (٨/ ٢٣) هذه الرواية لأحمد، وكذا الحافظ في \"التلخيص\" (٦/ ٣٠٥٥)، ولم أقف عليها في \"المسند\"، والحافظ في \"الفتح\" عزاه للدارقطني فحسب.","vol":"9","page":205},{"text":"الأقرب أنه لا يُظن بآل أبي بكر - ﵁ - أنهم يقدمون على فعل شيء في زمن النبي - ﷺ - إلا وعندهم علم بجوازه؛ لشدة اختلاطهم بالنبي - ﷺ -.\nوبهذا يعلم الرد على من قال بتحريم لحوم الخيل، وزعم أن حديث أسماء لا دلالة فيه على الإباحة؛ إذ ليس فيه أن النبي - ﷺ - اطلع على ذلك.\n\n° الوجه الرابع: لا خلاف بين أهل العلم أن التذكية نوعان: ذبح ونحر، وتقدم تعريفهما، لكن اختلفوا فيما إذا خالف المذكي هذه الصفة، فنحر ما يذكى كالبقر، أو ذبح ما ينحر كالإبل، على قولين:\nالأول: جواز التذكية وأن الذبيحة تحل، وهذا قول الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة (^١)، لوجود فري الأوداج وانهار الدم المطلوب في الذكاة، وقد استدل بعض الشراح -كما قال الحافظ- بحديث الباب وهو مبني على أن الأمر في ذلك وقع مرتين، والأصل عدم التعدد مع اتحاد المخرج (^٢).\nالثاني: أن التذكية بهذه الصفة لا تحل إلا في حالة الضرورة أو حالة الجهل، وهو قول المالكية (^٣)، لمخالفة الصفة المشروعة في التذكية، وهي أن الإبل تنحر وغيرها يذبح.\nوالراجح الأول، لما تقدم من حصول المقصود بهذه التذكية، وما ورد من تخصيص الإبل بالنحر وغيرها بالذبح غاية ما يفيد الاستحباب، وهذا لا يدل على تحريم ما لم تقع ذكاته على هذه الصفة (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٤١)، \"المغني\" (١٣/ ٣٠٦)، \"المجموع\" (٩/ ٨٥)، \"فتح الباري\" (٩/ ٦٤٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٤٢).\n(^٣) \"جواهر الإكليل\" (١/ ٢١٢).\n(^٤) \"الأطعمة\" للشيخ صالح الفوزان ص (١٢٦).","vol":"9","page":206},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1133>إباحة لحم الضَّبِّ</span>\n١٣٣٩/ ١٢ - عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ - ﵄ - قَال: أُكِلَ الضبُّ عَلَى مَائِدةِ رَسُول الله - ﷺ -. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الاعتصام بالكتاب والسنة\"، باب (الأحكام التي تعرف بالدلائل) (٧٣٥٨)، ومسلم (١٩٤٧) من طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: سمعت ابن عباس - ﵄ - يقول: أهدت خالتي أم حُفَيدٍ إلى رسول الله - ﷺ - سمنًا وأَقِطًا وَأَضُبًّا، فأكل من السمن والأقط، وترك الضب تقذرًا، وأكل على مائدة رسول الله - ﷺ -، ولو كان حرامًا ما أُكل على مائدة رسول الله - ﷺ -. هذا لفظ مسلم.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الضب) بفتح الضاد، اسم للذكر، والأنثى ضبة، وجمعه ضِباب وضُبان وأضُبٌّ، مثل كَفٍّ وأَكُفٍّ، وهو حيوان من جنس الزواحف غليظ الجسم خشنه، وله ذَنَبٌ عريض حَرَشٌ أعقد، يكثر في صحاري الأقطار العربية، قيل: إنه لا يشرب الماء، ولا يخرج من جحره في فصل الشتاء، وأسنانه قطعة واحدة ليست مفرقة، ولذا لا يسقط له سن، وللضب ذكران، وللأنثى فرجان، وبين الضب والعقرب مودة، فهو يؤويها في جحره لتلسع من يتحرش به إذا أدخل يده لأخذه، وفي طبعه النسيان، ويضرب به المثل في الحيرة، ولهذا لا يحفر جحره إلا عند أكمة أو صخرة؛ لئلا يضل عنه إذا غاب أو تباعد، وقد ضرب العرب في الضب أمثالًا كثيرة، فقالوا: أَضَلُّ من","vol":"9","page":207},{"text":"ضب، وأَجْبَنُ من ضب، وأَعَقُّ من ضب، وأَحْيا من ضب (^١).\n\nقوله: (على مائدة) المائدة: هي الطعام نفسه، وهي مشقة من الميد وهو العطاء، يقال: ماده ميدًا أعطاه، أو من الميد وهو التحرك، يقال: ماد يميد إذا تحرك، فهي على هذا اسم فاعل من الثلاثي، وقيل: المائدة هي الخِوَان -بالكسر والتخفيف- وهي سفرة الأكل، قال الفارسي: لا تسمى مائدة حتى يكون عليها طعام وإلا فهي خِوان (^٢).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على إباحة أكل لحم الضب، وهذا قول الشافعية والحنابلة (^٣)؛ لأن الضب أكل على مائدة النبي - ﷺ - ولو لم يكن حلالًا ما أُكل على مائدته، وقد أقر خالد بن الوليد على أكله كما في بعض الروايات: (قال خالد: فاجتررته فأكلته والنبي - ﷺ - ينظر إليَّ). وكونه - ﷺ - تركه لا يدل على تحريمه، وإنما تركه؛ لأنه لم يعتد أكله، كما في حديث خالد بن الوليد: (ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه) (^٤).\nوالقول الثاني: تحريم أكل لحم الضب، وهذا مذهب الحنفية كما نص عليه الكاساني بعد أن ساق الأدلة في النهي عنه (^٥)، وذكر \"صاحب الهداية\" منهم القول بالكراهة (^٦)، والظاهر ما قاله الحافظ من أن أكثرهم قال بالكراهة (^٧)، وجنح بعضهم إلى التحريم، والطحاوي خالف الحنفية حيث ساق الأحاديث الدالة على إباحته، ثم قال: (فثبت بتصحيح هذه الآثار أنه لا بأس بأكل الضب، وهو القول عندنا) (^٨). قال النووي: (أجمع المسلمون على أن الضب حلال ليس بمكروه إلا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة من كراهته، وإلا ما حكاه القاضي عياض عن قوم أنهم قالوا: هو حرام، وما أظنه يصح\n_________\n(^١) \"حياة الحيوان الكبرى\" (٢/ ٧٧).\n(^٢) \"اللسان\" (٣/ ٤١١)، \"المصباح المنير\" ص (٢٧٨).\n(^٣) \"المهذب\" (١/ ٣٣٠)، \"المغني\" (١٣/ ٣٤٠).\n(^٤) رواه البخاري (٥٥٣٧)، ومسلم (١٩٤٦).\n(^٥) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٣٦).\n(^٦) \"الهداية\" (٤/ ٦٨).\n(^٧) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٦٧).\n(^٨) \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٢٠٢).","vol":"9","page":208},{"text":"عن أحد، وإن صح عن أحد فمحجوج بالنصوص وإجماع من قبله) (^١).\nوقد تعقبه الحافظ بأن ابن المنذر نقل عن علي - ﵁ - النهي عن لحم الضب، فأي إجماع يكون مع مخالفته؟ (^٢) وهذا النقل عن علي ذكره ابن المنذر في \"الإشراف\" (^٣)، ومن بعده الخطابي (^٤)، ونقل الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم (^٥).\nوقد استدل القائلون بالنهي عن أكله بثلاثة أمور:\nالأول: حديث عبد الرحمن بن شِبْل أن رسول الله - ﷺ - نهى عن أكل لحم الضب (^٦).\nالثاني: حديث جابر - ﵁ - قال: أُتي النبي - ﷺ - بضب فأبى أن يأكل منه، وقال: (لا أدري لعله من القرون التي مُسخت) (^٧).\nوعن عبد الرحمن بن حسنة قال: كنا مع النبي - ﷺ - في سفر فنزلنا أرضًا كثيرة الضباب، قال: فأصبنا منها وذبحنا، قال: فبينا القدور تغلي بها إذ خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: \"إن أمة من بني إسرائيل فُقِدَتْ واني أخاف أن تكون هي فأكفئوها\"، فَأكْفَأنَاهَا (^٨).\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (١٣/ ١٠٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٦٥).\n(^٣) (٨/ ١٦٢).\n(^٤) \"معالم السنن\" (٥/ ٣١٠).\n(^٥) \"جامع الترمذي\" بعد الحديث (١٧٩٠).\n(^٦) رواه أبو داود (٣٧٩٦)، وهذا الحديث حسنه الحافظ في \"فتح الباري\" (٩/ ٦٦٥)، وقال: (رواته شاميون ثقات) مع أن بعضهم متكلم فيه مثل: ضمضم بن زرعة. انظر: \"تهذيب الكمال\" (١٣/ ٣٢٧)، وضعفه جماعة، فقد قال الجوزقاني في \"الأباطيل\" (٢/ ٢٢١): (حديث منكر، وإسناده ليس بمتصل، وإسماعيل ضعيف الحديث)، وقال الطبري في \"تهذيب الآثار\" (١/ ١٠٩): (هذا خبر لا يثبت بمثله حجة) وممن ضعفه البيهقي (٩/ ٣٢٦) فقال: (ينفرد به إسماعيل بن عياش، وليس بحجة)، كما ضعفه ابن حزم (٧/ ٤٣١)، وقال الخطابي: (ليس إسناده بذلك) \"المعالم\" (٥/ ٣١٠)، وذكره ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/ ١٧٢).\n(^٧) رواه مسلم (١٩٤٩).\n(^٨) رواه أحمد (٢٩/ ٢٩٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٩٧)، وفي \"شرح مشكل الآثار\" (٨/ ٣٢٨) من طريق الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن حسنة - ﵁ -. =","vol":"9","page":209},{"text":"الثالث: أن الضب من الحشرات وهوام الأرض وأنه من الخبائث، والله قد حرم الخبائث.\nوالراجح القول الأول، وهو أن الضب يباح أكله؛ لأن الأحاديث الدالة على حله صحيحة صريحة، وإذا لم يحرمه النبي - ﷺ - فهو حلال؛ لأن الأصل في الأطعمة الحل.\nوأما أدلة القائلين بتحريمه فيجاب عنها بما يلي:\n١ - أما حديث عبد الرحمن بن شبل فقد ضعفه الأئمة، وعلى القول بصحته فإن النهي وإن كان أصله التحريم لكنه معارض بما هو أصح منه، وهو حديث ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: \"كلوا؛ فإنه حلال، ولكنه ليس من طعامي\" (^١). فيكون النهي محمولًا على الكراهة أو في حق من يتقذره، كما قال الطبري (^٢)؛ لأن النفس إذا كرهت الشيء فإنه لا ينبغي إكراهها عليه؛ لأنها لا تستمريه ولا تنتفع به، بل يضرها، يقول ابن القيم: (وكان - ﷺ - إذا عافت نفسه الطعام لم يأكله، ولم يُحَمْلِّهَا إياه على كره، وهذا أصل عظيم في حفظ\n_________\n= ورواه أبو داود (٣٧٩٥)، والنسائي (٧/ ١٩٩)، وابن ماجه (٣٢٣٨)، وأحمد (٢٩/ ٤٥١) من طريق حصين، عن زيد بن وهب، عن ثابت بن يزيد بن وداعة الأنصاري - ﵁ - به.\nورواه أحمد (٢٩/ ٤٤٩)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٩٨) وفي \"شرح مشكل الآثار\" (٨/ ٣٣١) من طريق عدي بن ثابت، عن زيد بن وهب، يحدث عن ثابت بن وديعة - ﵁ -.\nورواه النسائي (٧/ ٢٠٠)، وأحمد (٢٩/ ٤٥٢) عن الحكم، عن زيد بن وهب، عن البراء بن عازب - ﵁ -، عن ثابت بن وداعة - ﵁ - به.\nفخالف هؤلاء الثلاثة (حصين السلمي، وعدي بن ثابت، والحكم بن عتيبة). خالفوا الأعمش، قال البخاري: (لم يعرف أن أحدًا روى هذا غير الأعمش)، وقال: (حديث ثابت أصح، وفي نفس الحديث نظر)، ولعل هذا إشارة من البخاري إلى مخالفة هذا الحديث للأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما في إباحة لحم الضب، والله أعلم. انظر: \"التاريخ الكبير\" (٢/ ١٧١)، \"العلل الكبير\" (٢/ ٧٥٣).\n(^١) رواه مسلم (١٩٤٤).\n(^٢) \"تهذيب الآثار\" \"مسند عمر - ﵁ -\" (١/ ١٠٦ - ١٠٧).","vol":"9","page":210},{"text":"الصحة، فمتى أكل الإنسان ما تعافه نفسه ولا يشتهيه كان تضرره به أكثر من انتفاعه) (^١).\n٢ - وأما حديث عبد الرحمن بن حسنة الدال على أن الضب من جملة الممسوخ، والممسوخ محرم، فيجاب عنه بأن هذا محمول على أن النبي - ﷺ - خشي أن يكون الضب مما مسخ قبل أن يعلمه الله تعالى أن الممسوخ لا يُنْسِلُ، وقد ثبت في \"صحيح مسلم\" من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن النبي - ﷺ - ذكرت عنده القردة والخنازير مما مسخ فقال: \"إن الله لم يجعل لمسخ نَسْلًا ولا عَقِبًا، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك\" (^٢).\nوالمعنى: أنها كانت قبل مسخ بني إسرائيل، فدل على أنها ليست مما مسخ، إذ الممسوخ لا يكون له نسل، وعلى هذا فتحمل أحاديث النهي على أول الحال عند تجويز أن تكون الضباب مما مسخ، وحينئذٍ أمر بإكفاء القدور، ثم توقف فلم يأمر به ولم ينه عنه، وحمل الإذن فيه على ثاني الحال، لما علم أن الممسوخ لا نسل له، وبعد ذلك كان يستقذره فلا يأكله ولا يحرمه، وأكل على مائدته بإذنه فدل على الإباحة (^٣).\nوأما قولهم: إنه من هوام الأرض، فهذا لا يقتضي تحريمه ما دام أنه ثبت الدليل بحله، وقولهم: من الخبائث غير صحيح بل هو من الطيبات؛ لأنه طاهر يأكل الأعشاب (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٤/ ٢١٧).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٢٦٦٣) (٣٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٦٦).\n(^٤) \"الأطعمة\" (٦٩ - ٧٠).","vol":"9","page":211},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1134>النهي عن قتل الضِّفْدِع</span>\n١٣٤٠/ ١٣ - عَنْ عبد الرَّحْمنِ بْنِ عُثْمَان الْقُرَشِيِّ - ﵁ -، أَن طَبيبًا سَأَل رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الضفْدِع يَجْعَلُهَا في دَوَاءٍ، فَنَهى عَنْ قَتْلِهَا. أخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٢٥/ ٣٦، ٤٧)، وأبو داود في كتاب \"الأطعمة\"، بابٌ (في الأدوية المكروهة) (٣٨٧١)، والنسائي (٧/ ٢١٠)، والحاكم (٤/ ٤١١) من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن عبد الرحمن بن عثمان أن طبيبًا سأل النبي - ﷺ - عن ضفدع يجعلها دواء، فنهاه النبي - ﷺ - عن قتلها. هذا لفظ أبي داود.\nوهذا الحديث إسناده صحيح، رجاله ثقات، غير سعيد بن خالد وهو القارظي، فقد اختلف فيه، فقد ذكره ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال الدارقطني: (مدني يحتج به)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" ونُقل عن النسائي أنه قال: (ضعيف)، وتعقب هذا ابن حجر فقال: (إن النسائي قال في \"الجرح والتعديل\": ثقة، فينظر أين قال: إنه ضعيف)، وذكر مُغَلْطاي أنه بحث في تصانيف النسائي فلم يجد تضعيفه فيها، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق) (^١).\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ١٦)، سؤالات البرقاني للدارقطني رقم (١٨٣)، \"الثقات\" (٦/ ٣٥٧)، \"إكمال تهذيب الكمال\" (٥/ ٢٨١)، \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٨ - ١٩).","vol":"9","page":212},{"text":"وقال البيهقي: (إن هذا الحديث أقوى ما ورد في النهي عن قتل الضفدع) (^١).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (عن الضفدع) بكسر الضاد وسكون الفاء بوزن الخِنْصِر، واحد الضفادع، والأنثى ضفدعة، وهو حيوان برمائي، أنواعه كثيرة، ينشأ في المياه الضعيفة الجري ومن العفونات، وما يبقى عقب الأمطار الغزيرة، وهو من الحيوانات التي لا عظم لها، ومنها ما يَنِقُّ، ومنها ما لا ينق، وتوصف بحدة السمع (^٢).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم أكل الضفدع؛ لأن النبي - ﷺ - نهى عن قتلها، وتقدم أن ما نهي عن قتله من الحيوان حرم أكله.\nوروى البيهقي بسنده عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: (لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح) (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣١٨).\n(^٢) \"حياة الحيوان الكبرى\" (٢/ ٨٢).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣١٨) وقال: (هذا موقوف إسناده صحيح).","vol":"9","page":213},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1135>باب الصيد والذبائح</span>\nالصيد في الأصل يطلق على المصدر الذي هو الفعل، يقال: صاد يصيد صيدًا فهو صائد، ثم أطلق على الحيوان المُصَاد من باب تسمية المفعول باسم المصدر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥].\nوالصيد: هو المتوحش بطبعه من الحيوان المأكول الذي لا مالك له.\nوالصيد بالمعنى المصدري: هو اقتناص المتوحش … إلخ.\nوالذبائح: جمع ذبيحة، والذبح: هو قطع الحلقوم والمريء بمحدد ممَّن هو أهل لذلك.\nوالمراد بهذا الباب الصيد بمعنى الفعل، وهو هيئته وصفته الشرعية، وأما جنس ما يصاد فهذا يستفاد من كتاب \"الأطعمة\"، وكذا الذبائح فليس المراد جنس ما يذبح، وإنما المراد الفعل، وهو هيئة الذبح وصفته الشرعية.\nولما كان الصيد مصدرًا أفرده المصنف؛ لأن المصادر لا تجمع، وجمع الذبائح؛ لأنها تكون بالسكين أو بالحجر أو بالزجاج أو غيرها.\nوالأصل في هذا الباب: الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، وقوله تعالى: ﴿إلا مَا ذَكَّيتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] والمذكى من الطيبات.\nوأما السنة فأحاديث الباب، وأما الإجماع فقد أجمع العلماء على إباحة الاصطياد والأكل من الصيد، وكذا ما ذبح على الصفة الشرعية.\nوالصيد من الهوايات المحببة، وكان العرب مولعين به، وذلك للعيش","vol":"9","page":214},{"text":"والاستفادة من لحوم الصيد، وهذا هو الغالب، فإذا كان القصد منه دفع الحاجة والانتفاع به فهو مباح، لكن لا ينبغي إضاعة الوقت والجهد في طلبه، لما في ذلك من إضاعة العمر وتفريط الإنسان فيمن تحت يده ممن هو بحاجة إلى رعاية وتربية وتهذيب، وقد ورد في حديث أبي هريرة - ﵁ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل … \" (^١).\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٢٨٦٠)، وأحمد (١٥/ ٤٢٧) من طريق الحسن بن الحكم النخعي، عن عدي بن ثابت، عن شيخ من الأنصار، عن أبي هريرة - ﵁ - ﵁ - مرفوعًا.\nوهذا سند ضعيف تفرد به الحسن بن الحكم، وهو متكلم فيه، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق يخطئ)، وقد وقع في سند هذا الحديث اختلاف، فرواه الحسن بن الحكم، عن عدي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا. انظر: \"علل ابن أبي حاتم\" (٢٢٣٠). وفيه اختلاف آخر فقد رواه شريك القاضي، عن الحسن، عن عدي، عن البراء مرفوعًا. انظر: \"العلل الكبير\" للترمذي (٢/ ٨٢٩). وانظر: \"العلل\" للدارقطني (٨/ ٢٤٠).\nوله شاهد من حديث ابن عباس - ﵁ - رواه أبو داود (٢٨٥٩)، والترمذي (٢٢٥٦)، والنسائي (٧/ ١٩٥ - ١٩٦)، وأحمد (٥/ ٣٦١) من طريق سفيان، عن أبي موسى، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس - ﵁ - مرفوعًا.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس، لا نعرفه إلا من حديث الثوري). فهذا سند ضعيف لجهالة أبي موسى، فإنه لم يرو عنه إلا سفيان، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ٦٦٤).","vol":"9","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1136>إباحة اتخاذ كلب الصيد</span>\n١٣٤١/ ١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إِلا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيدٍ، أَوْ زَرْعٍ، انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُل يَوْمٍ قِيرَاطٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الحرث والمزارعة\"، باب \"اقتناء الكلب للحرث) (٢٣٢٢)، ومسلم (٥٨) (١٥٧٥) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا، وهذا لفظ مسلم.\nوقد رواه البخاري ومسلم -أيضًا- بألفاظ متعددة من عدة طرق، وقد ورد من حديث عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مغفل - ﵄ -. كما سيأتي إن شاء الله.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من اتخذ) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: (من أمسك) وهو عند مسلم -أيضًا-، وفي لفظ لهما: (من اقتنى) وهي مفسرة لرواية: (من أمسك)، والاقتناء: اتخاذ الشيء للادخار.\n\nقوله: (أو صيد) للتنويع؛ لأن المقصود إباحة الثلاثة.\n\nقوله: (انتقص) بسكون النون وفتح التاء والقاف، هكذا جاء مضبوطًا في طبعة محمد فؤاد عبد الباقي (^١)، قال في \"المصباح المنير\": (نقص\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٣/ ١٢٠٣).","vol":"9","page":216},{"text":"وانتقص: ذهب منه شيء بعد تمامه ..) (^١)، وقد جاء في بعض طبعات \"البلوغ\" بضم التاء، ولم يتضح لي هذا.\n\nقوله: (قيراط) بكسر فسكون معيار في الوزن والمساحة، تختلف مقاديره باختلاف الأزمنة، وهو في عرف الأكثرين نصف عشر الدينار، وعند أهل الشام جزء من أربعة وعشرين (^٢). وفي مثل هذا النص مجهول المقدار، والمعنى: أن ما يحصل لمقتني الكلاب في يومه وليلته من أجور صلاة وصيام وصدقة وذكر وغير ذلك فإنه ينقص من أجور هذه الطاعات كل يوم قيراط.\nوالاقتصار على قيراط هو رواية البخاري من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وفي رواية لمسلم: (فإنه ينقص من أجره قيراطان كل يوم)، وكذا جاء في \"الصحيحين\" من حديث ابن عمر - ﵁ - (^٣)، وسيأتي ذكر الجمع بينهما إن شاء الله.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على المنع من اتخاذ الكلاب واقتنائها إلا ما استثناه الشرع من الثلاثة: وهي الكلب الذي يحرس الماشية من السباع، والكلب الذي يحرس الزرع، وكلب الصيد.\n\n• الوجه الرابع: ذهبت الشافعية والحنابلة (^٤)، إلى أن المنع من اتخاذ الكلاب مراد به التحريم، ولهم دليلان:\nالأول: النص.\nالثاني: ما في اتخاذها من المفاسد والأضرار، ومنها:\n١ - أن بقاءها في البيوت فيه ترويع الناس ولا سيما النساء والأطفال وإيذاؤهم.\n٢ - امتناع دخول الملائكة؛ لأن دخول الملائكة للبيوت سبب للخير وللطاعة، وبعدهم سبب للشر والمعصية.\n_________\n(^١) ص (٦٢١).\n(^٢) \"اللسان\" (٧/ ٣٧٥).\n(^٣) رواه البخاري (٥٤٨٠)، ومسلم (١٥٧٤).\n(^٤) \"الإنصاف، (٧/ ٢٥٣) \"مغني المحتاج\" (٣/ ٤٥).","vol":"9","page":217},{"text":"٣ - أنها تنجس الأواني.\n٤ - أنها سبب في نقصان الأجر، والواجب على المسلم أن يحذر ما يكون سببًا في نقصان ثواب أعماله.\nوالقول الثاني: أن المنع مراد به الكراهة لا التحريم، ذكر هذا القاضي عياض، ولم ينسبه لأحد (^١).\nواستدلوا بأن نقص الثواب جاء على التدريج، ولو كان اتخاذها حرامًا لذهب الثواب مرة واحدة.\nوالراجح القول الأول، لقوة دليله، وأما الثاني فهو مرجوح؛ لأنه لو كان اتخاذها مكروهًا ما نقص شيء من أجر متخذها؛ لأن المكروه لا يقتضي نقص شيء من الثواب.\n\n• الوجه الخامس: اختلف العلماء في الجمع بين رواية: (نقص من عمله كل يوم قيراطان) ورواية: (ينقص من أجره كل يوم قيراط) على أقوال، فقيل: إن القيراطين باعتبار كثرة الأضرار، كما في المدن، والقيراط باعتبار قلتها، كما في البوادي، وقيل: الأول باعتبار المدينة النبوية، والثاني باعتبار غيرها، وقيل: إن الله أخبر نبيه - ﷺ - بقيراط ثم بقيراطين تنفيرًا عن اتخاذ الكلاب، وهذا هو أحسنها وأظهوها، كما قال الشيخ عبد العزيز بن باز (^٢).\n\n• الوجه السادس: في الحديث دليل على أن اتخاذ الكلب المأذون فيه لا يكون سببًا في نقص الأجر؛ لأنه من رحمة الله تعالى بعباده وتيسيره عليهم.\n\n• الوجه السابع: ظاهر الحديث أن جواز الاقتناء مقصور على الأنواع الثلاثة، وعليه فلا يجوز اقتناؤه لحفظ المنازل في المدن وحراستها، وهذا مذهب الحنابلة، وظاهر المنقول عن الإمام مالك، وهو أحد الوجهين عن\n_________\n(^١) انظر: \"إكمال المعلم\" (٥/ ٢٤٦).\n(^٢) انظر: \"إكمال المعلم\" (٥/ ٢٤٦)، وترجيح الشيخ مستفاد من شرحه.","vol":"9","page":218},{"text":"الشافعية (^١)؛ لأن الحديث ظاهر في الحصر، وما جاء بصيغة الحصر لا يخرج منه شيء إلا بنص صحيح يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة؛ ولأن اقتناء الكلاب في البيوت يؤذي المارة ويؤذي الجيران بخلاف الصحراء.\nوالقول الثاني: جواز اقتناء الكلاب لحراسة المنازل؛ قياسًا على الأمور الثلاثة المأذون فيها، وهذا القول ذكره الموفق ابن قدامة احتمالًا، وهو أصح الوجهين عند الشافعية (^٢)، وهو رأي ابن عبد البر، فإنه قال: (وفي معنى هذا الحديث تدخل عندي إباحة اقتناء الكلاب للمنافع كلها ودفع المضار إذا احتاج الإنسان إلى ذلك، إلا أنه مكروه اقتناؤها في غير الوجوه المذكورة في هذه الأحاديث) (^٣)، واختار هذا الشيخ محمد بن عثيمين، وظاهر كلامه وكلام غيره من أهل العلم أن إباحتها لحراسة المنازل مقيد بما كان بعيدًا عن العمران (^٤).\nوالقول الأول هو الراجح لما تقدم، فإن الرسول - ﷺ - أُعطي جوامع الكلم، ولو كان المراد مطلق الحراسة لأتى بلفظ شامل، ولم يخص الزرع والماشية، فلما خصهما دل على انتفاء الحكم عما عداهما؛ ولأن البيوت يمكن حفظها بالأبواب والأغلاق، والقول بالجواز يفضي إلى تساهل الناس في اتخاذ الكلاب كما حصل من بعض المتشبهين بالكفار في زماننا هذا، لكن ما كان بعيدًا عن العمران فالقول بالجواز فيه لا يخلو من وجاهة، والله المستعان.\nوأما استعمال الكلاب في المصالح العامة للمسلمين مثل الكشف عن أماكن المخدرات فقد يقال بجوازه إذا غلبت الاستفادة منها؛ لشبهها بكلب\n_________\n(^١) انظر: \"إكمال المعلم\" (٥/ ٢٤٦)، \"المنتقى\" (٧/ ٢٨٩)، \"المغني\" (٦/ ٣٥٦)، شرح الزركشي (٣/ ٦٧٣)، \"الإعلام\" (١٠/ ١٥٨ - ١٥٩)، \"الإنصاف\" (٧/ ٢٥٣).\n(^٢) \"إكمال المعلم\" (٥/ ٢٤٦)، \"المغني\" (٦/ ٣٥٧)، \"الإعلام\" (١٠/ ١٥٨).\n(^٣) \"التمهيد\" (١٤/ ٢١٩).\n(^٤) انظر: \"التمهيد\" (١٤/ ٢٢٠)، مذكرة شرح كتاب \"الأطعمة والصيد\" من \"البلوغ\" للشيخ محمد بن عثيمين ص (٢٨).","vol":"9","page":219},{"text":"الحراسة؛ لأن مثل هذه الكلاب لا تكون قريبة من الناس ككلب حراسة الدار لو قيل بجوازه، بل هي في أماكن خاصة بعيدة عن الناس، ولا ينال الناس منها أي ضرر.\n\n• الوجه الثامن: في الحديث دليل على يسر هذه الشريعة حيث أباح الله تعالى لعباده ما يُحتاج إليه في تحصيل المعاش وحفظ أموالهم ومواشيهم، وهذا من رحمة الله تعالى وتيسيره.\n\n• الوجه التاسع: في الحديث دليل على أنه ينبغي للمسلم أن يسعى إلى تكثير الأعمال الصالحة، وأن يحذر مما ينقص ثوابها أو يذهب بأجرها، وفيه التنبيه على أسباب الزيادة والنقص لتفعل أو تجتنب. والله تعالى أعلم.","vol":"9","page":220},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1137>الصيد بالجارح والمحدد</span>\n١٣٤٢/ ٢ - عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسول اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا أرْسَلْتَ كَلْبَك فَاذْكرِ اسْمَ اللهِ، فَإنْ أَمْسَكَ عَلَيكَ فَأَدْرَكتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيرَهُ وَقدْ قَتَلَ فَلَا تَأكُلْ، فَإنَكَ لَا تَدْرِي أَيهُمَا قَتَلَهُ، وَإِنْ رَمَيتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إلا أثرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا في الْمَاءِ فَلَا تَأكُلْ\". مُتَّفَق عَلَيهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو طريف عدي بن حاتِم بن عبد الله الطائي، ابن الجواد المشهور الذي يضرب بجوده المثل، قدم على النبي - ﷺ - في شعبان سنة تسع، على ما ذكره ابن عبد البر والذهبي وابن كثير وغيرهم، وقيل: في سنة عشر، وقد ساق ابن كثير قصة قدومه.\nثبت على إسلامه في الردة، ونفع الله تعالى به قومه حين ارتد بعض الناس فثبتهم الله به، وجاء بصدقاتهم إلى أبي بكر - ﵁ -، وروى البخاري بسنده عن عدي بن حاتم قال: أتينا عمر في وفد، فجعل يدعو رجلًا رجلًا ويسميهم فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى، أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا، فقال عدي: فلا","vol":"9","page":221},{"text":"أبالي إذًا (^١).\nشهد فتوح العراق، كان سيدًا شريفًا في قومه، خطيبًا حاضر الجواب، فاضلًا كريمًا، قال ابن عيينة: حُدِّثْتُ عن الشعبي، عن عدي - ﵁ - قال: ما دخل وقت الصلاة قط إلا وأنا أشتاق إليها. روى عنه الشعبي ومُحِلُّ بن خليفة وسعيد بن جبير وآخرون، سكن الكوفة، وشهد صفين مع علي - ﵁ -، ومات بعد الستين وقد أسَنَّ، فقيل: مات عن مائة وعشرين، وقيل: أكثر (^٢).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في مواضع من \"صحيحه\"، ومنها في كتاب \"الصيد والذبائح\"، باب (الصيد إذا غاب عنه يومًا أو يومين) (٥٤٨٤)، ومسلم (١٩٢٩) (٦) من طريق عاصم، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم - ﵁ - مرفوعًا.\nورواه مسلم من طرق بألفاظ متعددة، ويعد هذا الحديث من الأحاديث الأصول في أحكام الصيد؛ لاشتماله على مسائل وقواعد في هذا الباب، ولو جمعت ألفاظه من كتب السنة ودرست أسانيدها وأحكامها لكانت جديرة بذلك.\n\n• الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (قال رسول الله - ﷺ -) في بعض نسخ \"البلوغ\" (قال لي رسول الله - ﷺ -) وهي ثابتة في \"صحيح مسلم\".\n\nقوله: (إذا أرسلت كلبك) أي: للصيد، بدلالة السياق، وذكر الإرسال؛ لأنه بمنزلة الذبح.\nوالمراد بالكلب: المعلم، لما جاء في رواية: (إذا أرسلت كلبك\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٤٣٩٤). وانظر: \"صحيح مسلم\" (٢٥٢٣).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٨/ ٦٨)، \"البداية والنهاية (٧/ ٢٨٩)، \"السير\" (٣/ ١٦٢)، \"الإصابة\" (٦/ ٤٠١) وقد كتب قدوم عدي - ﵁ - على النبي - ﷺ - في هذه المصادر عدا \"البداية والنهاية\" سنة (سبع)، وصوابه: تسع.","vol":"9","page":222},{"text":"المعلم) وهذا من باب حمل المطلق على المقيد، وسيأتي ضابط المعلم.\n\nقوله: (فاذكر اسم الله) هذا أمر يراد به الوجوب، وظاهره أن التسمية بعد الإرسال، وليس مرادًا، وإنما المراد التسمية عند الإرسال.\n\nقوله: (فإن أمسك عليك) أي: صاد لك ولم يَصِدْ لنفسه.\n\nقوله: (وإن رميت سهمك) هذا فيه إشارة إلى آلة الصيد الثانية، وهو المحدد، وهو ما ينهر الدم بحده كالسهم، والسهم: بفتح أوله وسكون ثانيه، عود يُسَوَّى في طرفه نصل ترميه القوس (^١). ويدخل في ذلك البنادق الهوائية؛ فإنها محدد تصيب الصيد بحدها وقوة نفوذها، بل هي أشد نفوذًا من السهم.\n\n• الوجه الرابع: في الحديث دليل على إباحة الاصطياد بالكلاب المعلمة، وهذا الوصف مأخوذ من الرواية الأخرى، كما تقدم.\nوالمعلم على ما ذكره الفقهاء: هو ما ينبعث بالإغراء، وينزجر بالانزجار ابتداءً لا بعد عدوه، ولا يأكل من الصيد، ودليل التعليم قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤،]، والأخير مختلف فيه كما سيأتي.\nوالحق أنه يرجع في التعليم إلى العرف؛ لأن الله قال: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ فما عده الناس معلمًا عارفًا بآداب الصيد فهو المعلم، وصيده حلال، وما لا فلا؛ لأن الشارع أطلق التعليم، فيرجع فيه إلى العرف، والله أعلم.\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على جواز اقتناء الكلب المعلم للصيد؛ لأن الرسول - ﷺ - رتب عليه أحكامًا، ولو لم يجز اقتناؤه ما رتب عليه ذلك، وهذا مجمع عليه، كما تقدم في حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n\n• الوجه السادس: اسْتُدِلَّ بعموم قوله: (كلبك) على أنه لا فرق في إباحة الصيد بين الكلب الأسود وغيره، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة.\nوقال أحمد وإسحاق وبعض السلف: لا يحل الصيد بالكلب الأسود\n_________\n(^١) راجع: \"الحرف والصناعات في الحجاز في عصر الرسول - ﷺ -\" ص (٢١٣).","vol":"9","page":223},{"text":"البهيم، وهو الذي لا بياض فيه (^١)، إلا إن أُدرك وهو حي وذُكِّي؛ لأنه كلب يحرم اقتناؤه؛ لأن الشارع أمر بقتله؛ لأنه شيطان، وما حرم اقتناؤه حرم تعليمه الصيد، والأحاديث العامة مخصصة بمثل حديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - أمر بقتل الكلاب، ثم نهى عن قتلها، وقال: \"عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين؛ فإنه شيطان\" (^٢).\n\n• الوجه السابع: في الحديث دليل على أنه لا يحل صيد الكلب إلا إذا أرسله صاحبه؛ لأن النبي - ﷺ - رتب الحل على أوصاف مصدرة بإذا الشرطية، وأولها: \"إذا أرسلت كلبك … \"؛ ولأن الإرسال بمنزلة الذبح، بدليل أنها اعتبرت معه التسمية، فلو استرسل الكلب بنفسه لم يحل صيده عند الجمهور.\nوقال آخرون: يحل صيد الكلب وإن لم يرسله صاحبه ما دام أنه أخرجه للصيد وكان معلمًا، وحملوا قوله: (إذا أرسلت) على أنه خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له.\nوالقول الأول أظهر، لأن قوله: (إذا أرسلت) يدل على أنه لا بد من إرساله، وهو أمر زائد على إخراجه للصيد.\nلكن إن استرسل الكلب بنفسه على صيد فزجره صاحبه وسَمَّى فزاد في عدوه وقتل الصيد، فإنه يحل في أظهر قولي أهل العلم، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، وأحد القولين للمالكية، وهو وجه في مذهب الشافعي (^٣)، وذلك لوجود النية والتسمية، وحصول الإغراء الذي صار له أثر في عدو الكلب، فكان كما لو أرسله ابتداء.\n\n• الوجه الثامن: الحديث دليل على اشتراط التسمية عند إرسال الكلب؛ لأن الرسول - ﷺ - وقف الأذن في الأكل على التسمية، والمعلق بالوصف ينتفي بانتفائه.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٣/ ٢٦٧).\n(^٢) رواه مسلم (١٥٧٢).\n(^٣) \"المغني\" (١٣/ ٢٦١)، \"الأطعمة\" ص (١٨٢).","vol":"9","page":224},{"text":"• الوجه التاسع: في الحديث دليل على جواز أكل ما أمسكه الكلب بالشروط المذكورة في الحديث ولو لم يُذكَّى ما دام أن الكلب قد قتله، لقوله: (وإن أدركته قد قتل ولم ياكل منه فكله)، وفي رواية أخرى: (فإنَّ أَخْذَ الكلب ذكاته)؛ أي: إن أخذ الكلب وقتله للصيد ذكاة شرعية بمنزلة ذبح الحيوان، وهذا إجماع (^١).\n\n• الوجه العاشر: ظاهر قوله: (وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله) أنه لا يشترط إنهار الدم فيما صاده الكلب، فلو قتله بخنقه أو بصدمته أبيح، وهذا أحد القولين في مذهب الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة، وهو الأصح في مذهب الشافعية.\nقالوا: ويؤيد ذلك عموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ﴾ [المائدة: ٤] ولأنه لا يمكن تعليم الكلب الجرح وإنهار الدم.\nالقول الثاني: أنه لا يحل ما صاده الكلب إلا إذا جرحه في أي موضع من بدنه بنابه بحيث ينهر الدم، وهذا ظاهر الرواية في مذهب الحنفية والمفتى به عندهم، وهو قول المالكية، والحنابلة، وأحدُ القولين في مذهب الشافعية وهو ظاهر اختيار الشيخ محمد بن عثيمين (^٢)؛ لعموم حديث أبي رافع - ﵁ - الآتي: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا)، ولأن النبي - ﷺ - منع من أكل الصيد الذي قتله المعراض بعرضه -كما سيأتي- لأنه وقيذ، وهذا مثله.\nوهذا القول هو الأظهر، لقوة دليله، ويؤيده أن موت الحيوان ودمه فيه مضرٌّ بصحة الإنسان، والشارع ينهى عن كل ما فيه ضرر، وما استدل به أصحاب القول الأول من العمومات فإنه يُخصَّصُ بأدلة تحريم الموقوذة.\n\n• الوجه الحادي عشر: أن شرط إباحة الأكل منه ألا يجده حيًّا حياة\n_________\n(^١) \"الإعلام\" (١٠/ ١٤٥).\n(^٢) انظر: \"المجموع\" (٩/ ٩٦، ١٠٢)، \"حاشية المقنع\" (٣/ ٥٥٣)، \"الدر المختار، شرح تنوير الأبصار بحاشية ابن عابدين\" (٦/ ٤٩٤)، \"الشرح الصغير\" (٢/ ١٦٤)، \"الأطعمة\" ص (١٨١)، \"مذكرة شرح كتاب الأطعمة\" ص (٣٦).","vol":"9","page":225},{"text":"مستقرة، فإن وجده كذلك وأدرك ذكاته لم يحل إلا بالتذكية؛ لقوله: (فإن أمسك عليك فأدركته حيًّا فاذبحه) فلو لم يذبحه مع الإمكان حرم، سواء كان عدم الذبح اختيارًا أو اضطرارًا، كعدم حضور آلة الذبح.\n\n• الوجه الثاني عشر: في الحديث دليل على أن الكلب إذا أكل من الصيد فإنه لا يحل، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية في الجديد، والحنابلة في أرجح الروايتين (^١)، وهؤلاءهم الذين يشترطون في أوصاف الكلب المعلم ألا يأكل من الصيد، لقوله: (وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكل)، وفي رواية: قلت: فإن أكل؟ قال: (فلا تأكل، فإنه لم يمسك عليك إنما أمسك على نفسه)، وقد دل على هذا قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، وهذا مما لم يمسك علينا بل على نفسه.\nوالقول الثاني: أن الكلب إذا أكل من الصيد حلَّ الصيد، وهذا قول المالكية، والشافعية في القديم، وقول للحنابلة (^٢)، وهؤلاء لا يشترطون ترك الأكل في أوصاف الكلب المعلم، واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن أعرابيًّا يقال له: أبو ثعلبة، قال: يا رسول الله إن لي كلابًا مكلَّبة فأفتني في صيدها، فقال النبي - ﷺ -: \"إن كان لك كلابٌ مكلبة فكل مما أمسكن عليك … \"، قال: فإن أكل منه، قال: \"وإن أكل منه … \" الحديث (^٣).\nوأجابوا عن حديث الباب بأجوبة غير ناهضة، كقولهم: إنه محمول على التنزيه جمعًا بينه وبين حديث أبي ثعلبة الدال على جواز الأكل مما أكل منه الكلب، وهذا جواب ضعيف؛ لأنه لا يناسب الحمل على التنزيه مع التصريح بالتعليل في الحديث بخوف الإمساك على نفسه، فقد جعل الشارع أكل الكلب من الصيد علامة على أنه أمسك لنفسه لا لصاحبه، فلا يعدل عن ذلك.\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٩/ ٩٤)، \"تكملة فتح القدير\" (١٠/ ١١٥)، \"الإنصاف\" (١٠/ ٤٣١).\n(^٢) \"روضة الطالبين\" (٣/ ٢٤٧)، \"المغني\" (١٣/ ٢٦٣)، \"الشرح الكبير\" للدردير (٢/ ١٠٤).\n(^٣) رواه أبو داود (٢٨٥٧)، وقد حسنه الألباني إلا قوله: (وإن أكل منه) فهو منكر.\n\"صحيح سنن أبي داود\" (٢/ ٥٥١)، ولعل ذلك لمخالفته الأحاديث الصحيحة، كحديث عدي - ﵁ -.","vol":"9","page":226},{"text":"والراجح هو القول الأول، وهو تحريم الأكل من الصيد الذي أكل منه الجارح، لقوة دليله؛ لأن حديث عدي مخرج في \"الصحيحين\" وحديث أبي ثعلبة في \"السنن\"، وهو معلول، كما تقدم.\nثم إن حديث عدي مقرون بالتعليل المناسب للتحريم وهو خوف الإمساك على نفسه، ومتأيد بأن الأصل في الذبائح التحريم، فإذا شككنا في السبب المبيح رجعنا إلى الأصل، كما أنه يتأيد بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ﴾ ولو كان مجرد الإمساك كافيًا لما احتيج إلى قوله: ﴿عَلَيكُمْ﴾.\n\n• الوجه الثالث عشر: في الحديث دليل على أنه لا يحل أكل صيد الكلب المعلم إذا شاركه فيه كلب آخر في اصطياده، لقوله: (فإنك لا تدري أيهما قتله) ومحل ذلك ما إذا كان الكلب الآخر قد استرسل بنفسه أو أرسله من ليس من أهل الذكاة، فإن تحقق أنه أرسله من هو من أهل الذكاة حل، ثم ينظر، فإن أرسلاهما معًا فهو لهما، وإلا فهو للأول.\n\n• الوجه الرابع عشر: اختلف العلماء فيما يُعَلَّمُ من الجوارح الأخرى كالفهد والنمر، ومن الطيور كالصقر والبازي وغيرهما، هل يصح صيدها أو لا؟ على قولين:\nالأول: أنه يباح الصيد بكل جارح معلم من الحيوانات والطيور، وهذا مذهب الجمهور من الصحابة، كابن عباس - ﵄ -، والتابعين، كمجاهد والحسن وطاوس، والأئمة الأربعة، مستدلين بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤] قال ابن كثير: (أي: أُحِلَّ لكم الذبائح التي ذُكِرَ اسم الله عليها، والطيباتُ من الرزق، وأحل لكم ما اصطدتموه بالجوارح، وهي الكلاب والفهود والصقور وأشباه ذلك) (^١).\nوالجوارح في الآية لفظ عام يشمل كل جارحة معلمة، ولم يخص منها شيئًا، وهي بمعنى الكواسب، يقال: جرح فلان لأهله خيرًا: إذا أكسبهم\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٢٩).","vol":"9","page":227},{"text":"خيرًا، وفلان جارح أهله؛ أي: كاسبهم (^١).\nفمعنى الجوارح: المحصلات للصيد المدركات له، وهذا وصف عام.\n\nوقوله: (﴿مُكَلِّبِينَ﴾) مشتق من الكَلَبِ -بفتح اللام- وهو مصدر بمعنى التكليب، وهو تعليم الجارح الصيد، قال في \"المصباح المنير\": (كَلَّبته تكليبًا: علمته الصيد، والفاعل مكلِّب، وكلَّاب أيضًا) (^٢). و(مكلبين) صفة للقانص، وهي حال؛ أي: حال كونكم أصحاب كلاب، وإن صاد بغير الكلاب في بعض أحيانه، أو حال من المفعول وهي الجوارح؛ أي: وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلبات للصيد، وذلك بأن تقتنصه بمخلبها أو أظفارها.\nوالقول الثاني: أنه لا يباح الأكل من صيد الجوارح غير الكلاب، فما صاده غير الكلب لا يحل إلا ما ذُكي، وهذا مروي عن مجاهد، وهو قول جماعة من السلف كالضحاك والسدي (^٣).\nواستدلوا بظاهر الآية، فإن قوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ حال، والمكلِّب معلم الكلاب صفة الاصطياد، ففي ذلك دلالة على أن المراد الكلاب دون غيرها من الجوارح.\nوالراجح القول الأول، وهو إباحة الصيد بكل معلم من الجوارح والطيور، لقوة دلالة الآية على العموم لكل جارح، ثم إن الآية نزلت والعرب تصيد بالكلاب والطيور وغيرهما (^٤). وأما قوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ فلا يستفاد منه قصر الحكم على الكلاب؛ لأن المراد بالمكلبين: المعلمون، وإن كان أصل المادة يطلق على الكلاب فليس كونه كلبًا شرطًا، فيصح الصيد بغير الكلاب من أنواع الجوارح، وخص معلم الكلاب وإن كان معلم سائر الجوارح مثله؛ لأن الاصطياد بالكلاب هو الغالب (^٥).\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٩٥).\n(^٢) ص (٥٣٧).\n(^٣) \"تفسير الطبري\" (٩/ ٥٤٩).\n(^٤) \"سبل السلام\" (٣/ ١٧٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٩/ ٦١٠)، \"فتح القدير\" للشوكاني (٢/ ١٢).","vol":"9","page":228},{"text":"• الوجه الخامس عشر: في الحديث دليل على جواز الصيد بالسهام وما أشبهها كالبنادق الهوائية؛ لأنها تنهر الدم بحدها ونفوذها.\n\n• الوجه السادس عشر: الحديث دليل على أنه إذا رمى الصيد فغاب عنه ثم وجده بعد يوم ميتًا ولم يجد فيه إلا أثر سهمه -كأن يكون رماه مع جنبه الأيمن- فإنه يجوز له أن يأكله إن اشتهاه. وفي رواية: (فوجدته بعد يوم أو يومين …)، وهذا يدل على أنه لا عبرة بالزمن، وإنما العبرة بوجود سهمه فيه. ومفهومه أنه إن وجد فيه أثر غير سهمه فإنه لا يأكله، وهذا الأثر أعم من أن يكون أثر سهم رامٍ آخر أو غير ذلك من الأسباب القاتلة كان يموت جوعًا أو متأثرًا بجرحه، فلا يحل أكله مع التردد؛ لاحتمال أنه مات بغير السهم، والأصل في ذلك أن الرخص تراعى شرائطها التي وقعت بها الإباحة، فإذا اختل شيء منها عاد الأمر إلى التحريم الأصلي، وسيأتي مزيد بحث لهذه المسألة.\n\n• الوجه السابع عشر: في الحديث دليل على أنه إذا وجد الصيد غريقًا في الماء فإنه يحرم أكله، لرواية: (فإنك لا تدري الماءُ قتله أو سهمك)، والمعنى: أن يقع التردد هل قتله السهم أو الغرق في الماء، ومفهوم التعليل أنه إن علم أن سهمه هو الذي قتله، كما لو قطع حلقومه أو أطار رأسه فإنه يحل. فهنا ثلاثة أمور:\n١ - أن يعلم أن الذي قتله هو السهم، فهذا حلال.\n٢ - أن يعلم أن الذي قتله هو الماء، فهذا حرام.\n٣ - أن يحصل له التردد، فيحرم لما ذكر.\nوالفرق بين هذه المسألة والتي قبلها أن الأولى ليس فيها إلا سبب واحد وهو السهم، والثانية فيها سببان: الماء والسهم، ولا يدري أيهما قتله.\n\n• الوجه الثامن عشر: في الحديث دليل على اشتراط التسمية حال إرسال السهم، لقوله: (وإن رميت بسهمك فاذكر اسم الله)، وسيأتي الخلاف في حكم التسمية إن شاء الله تعالى.","vol":"9","page":229},{"text":"• الوجه التاسع عشر: حسن تعليم النبي - ﷺ - حيث قرن الحكم بعلته كما في قوله: (فإنك لا تدري إيّهما قتله)، وذلك ليعرف المؤمن وجه الحكمة في هذا النهي، ويزداد طمأنينة واقتناعًا.\n\n• الوجه العشرون: في هذا الحديث أربع مسائل غُلِّبَ فيها جانب الحظر:\n١ - إذا وجد مع كلبه كلبًا آخر.\n٢ - إذا وجد الصيد غريقًا.\n٣ - إذا غاب الصيد ووجد فيه أثر غير سهمه.\n٤ - إذا أكل الكلب من الصيد.\nوهذا من فروع القاعدة الفقهية: إذا اجتمع الحلال والحرام غَلَبَ الحرامُ الحلال، أو: ما اجتمع محرِّم ومبيح إلا غُلِّب المحرِّم (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"المنثور في القواعد\" (١/ ١٢٥)، \"موسوعة القواعد الفقهية\" (٩/ ٣١).","vol":"9","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1138>ما جاء في صيد المعراض</span>\n١٣٤٣/ ٣ - عَنْ عَدِيٍّ - ﵁ - قَال: سَألْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ صَيدِ الْمِعْرَاضِ، فَقَال: \"إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّه فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإنَّهُ وَقِيذٌ، فَلَا تَأْكُلْ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الذبائح والصيد\"، باب (صيد المعراض) (٥٤٧٦) من طريق شعبة، عن عبد الله بن أبي السَّفَر، عن الشعبي قال: سمعت عدي بن حاتم - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن المعراض، فقال: … وذكر الحديث، وفي تمامه سؤاله -أيضًا- عن صيد الكلب.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (عن صيد المعراض) لفظ البخاري في هذا الموضع: (عن المعراض)، وفي رواية أخرى: (عن صيد المعراض)، والمعراض: بكسر الميم وسكون المهملة، اختلف في تفسيره على أقوال، أقربها أنه عصا في طرفها حديدة يرمي بها الصائد، فما أصاب بحده فهو حلال، وما أصاب بعرضه فهو وقيذ، وقد قوَّى هذا التعريف القاضي عياض (^١)، وتبعه النووي (^٢)، وقال القرطبي: (إنه الأشهر) (^٣).\n_________\n(^١) \"إكمال المعلم\" (٦/ ٣٦١).\n(^٢) \"شرح النووي\" (١٣/ ٨١).\n(^٣) \"المفهم\" (٥/ ٢٠٩).","vol":"9","page":231},{"text":"قوله: (إذا أصبت بحده) أي: إذا قتلت الصيد بحد المعراض المحدد الذي ينهر الدم فكله؛ لأنه ذُكِّيَ ذكاة شرعية.\n\nقوله: (وإذا أصبت بعرضه) أي: إذا قتلت الصيد بغير طرف المعراض المحدد.\n\nقوله: (فإنه وقيذ) بوزن عظيم، وهو فعيل بمعنى مفعول؛ أي: موقوذ، والموقوذ: ما قُتل بعصا أو حجر وكُلِّ ما لا حد فيه، قال في \"المصباح المنير\": (وقذه وقذًا من باب وعد: ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت، فهو وقيذ وموقوذ، وشاة موقوذة: قتلت بالخشب أو بغيره فماتت من غير ذكاة) (^١).\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن المعراض وغيره من السلاح إن قتل الصيد بحده ونفوذه فهو مباح، لحصول المقصود وهو إنهار الدم، أما إن قتله بصدمه وثقله فلا يباح؛ لأنه وقيذ محرم، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ [المائدة: ٣].\nوالموقوذة: هي التي تضرب بشيء ثقيل كالخشب أو الحجر غير المحدد حتى تموت، كما قال هذا ابن عباس - ﵁ - وغير واحد من السلف (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ص (٦٦٨).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ١٥).","vol":"9","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1139>حكم الأكل من الصيد إذا غاب</span>\n١٣٤٤/ ٤ - عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"إِذَا رَمَيتَ بِسَهْمِكَ، فَغَابَ عَنْكَ فَأَدْرَكتَهُ، فَكلْهُ، مَا لَمْ يُنْتِنْ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وحوه:\n\n• الوجه الأول في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الصيد والذبائح\"، باب (إذا غاب عن الصيد ثم وجده) (١٩٣١) من طريق عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن أبي ثعلبة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - مرفوعًا.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه يحل أكل الصيد ولو غاب عن صاحبه ما لم يفسد لحمه وتتغير رائحته، وليس في هذا الحديث تقييده بزمن، وقد تقدم في حديث عدي - ﵁ -: \"وإن غاب عنك يومًا فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت\"، وفي رواية: \"وإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل\"، وفي رواية: \"اليومين والثلاثة\" وظاهر هذا أنه لا عبرة بالزمن وإنما الشرط أن يجد به أثر سهمه.\nوأما حديث أبي ثعلبة فإنه جعل الغاية أن ينتن الصيد، وأنه لا عبرة بالزمن؛ لأنه يدل بظاهره على أنه لو وجده بعد يوم أو أكثر ولم ينتن أنه يحل أكله، وإن وجده وقد أنتن لم يحل.\nوالظاهر -والله أعلم- أن المعتبر هو عدم تغير رائحته؛ لأنه - ﷺ - جعل غاية حله إلى أن ينتن، وأما التقييد بيوم الوارد في بعض الروايات فلا مفهوم له، بل إنه يحل أكله ولو غاب أكثر من يوم ما لم يتغير، مما يفيد أن المدة","vol":"9","page":233},{"text":"الزمانية لا أثر لها في الحكم، ومن المعلوم أن تسرب الفساد إلى اللحم يختلف باختلاف برودة الجو وحرارته.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن المسلم ينهى عن أكل ما تعفن من الطعام وتغيرت رائحته، وقد حمل جماعة من أهل العلم ومنهم القاضي عياض، والنووي (^١) النهي على التنزيه وأنه يكره أكل ما تعفن؛ لأنه إذا أنتن لحق بالمستقذرات التي تمجها الطباع، إلا أن يخاف منه الضرر فيحرم، وقد ثبت في حديث أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - أكل إِهَالةً سَنِخَةً، والسنخة بفتح السين المشددة وكسر النون: هي المتغيرة، وهذا محمول على أنها لم تستقذر ولا تضر (^٢).\nوالقول الثاني: أنه يحرم أكل المنتن من اللحم وغيره مطلقًا، وعزاه النووي لبعض الشافعية، وقال: إنه قول ضعيف (^٣)، وهو قول المالكية، ورجحه الحافظ (^٤)، وتبعه الشوكاني (^٥).\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على عناية الإسلام بصحة الإنسان وحفظها مما قد يؤثر عليها؛ لقوله: (ما لم ينتن) لأن أكل ما أنتن قد يضر ببدن الإنسان، وهذا دليل من أدلة كثيرة جاءت بالأمر بالأكل من الطيبات، وحرمت الأكل من الخبائث وما فيه مضرة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"إكمال المعلم\" (٦/ ٣٦٣)، \"شرح النووي\" (١٣/ ٨٧).\n(^٢) رواه \"البحاري\" (٢٠٦٩)، والإهالة: بالكسر الودك المذاب. انظر: \"فتح الباري\".\n(^٣) \"شرح النووي\" (١٣/ ٨٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٦١٩).\n(^٥) \"نيل الأوطار\" (١٥/ ٨٧).","vol":"9","page":234},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1140>حكم التسمية</span>\n١٣٤٥/ ٥ - عَن عَائِشَةَ - ﵂ - أَن قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبيِّ - ﷺ -: إِنَّ قَوْمًا يَأتُونَنَا بِاللَّحْمِ، لَا نَدْرِي: أَذَكَروا اسْمَ اللهِ عَلَيهِ أَمْ لَا؟ فَقَال: \"سَمُّوا اللهَ عَلَيهِ أنتُمْ وَكُلُوهُ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في مواضع من\"صحيحه\" ومنها في كتاب \"الذبائح والصيد\"، باب (ذبيحة الأعراب ونحوهم) (٥٥٠٧) من طريق أسامة بن حفص المدني، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ - … وذكرت الحديث، وتمامه: قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر، وزاد مالك في آخره: وذلك في أول الإسلام.\nوقد جاء في الموضع المذكور بلفظ: (لا ندري أَذُكِرَ اسم الله عليه) بضم الذال على البناء لما لم يُسَمَّ فاعله، واللفظ المثبت جاء عند البخاري في \"البيوع\" (٢٠٥٧).\nوهذا الحديث قد رواه عن هشام موصولًا جماعة، منهم محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، وأبو خالد الأحمر، والدراوردي، وآخرون.\nورواه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٤٨٨) عن هشام، عن أبيه مرسلًا ليس فيه عائشة - ﵂ -، وكذا رواه حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن عيينة ويحيى بن سعيد والمفضل بن فضالة. قال الدارقطني بعد ذكر هذا الاختلاف: (والمرسل","vol":"9","page":235},{"text":"أشبه بالصواب) (^١).\nلكن ظاهر صنيع البخاري ترجيح الموصول، لزيادة عدد من وصله على من أرسله؛ ولأن في الحديث قرينة تؤيد الوصل، وهي أن عروة معروف بكثرة الرواية عن عائشة -﵂- والأخذ عنها (^٢).\n\n• الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن التسمية عند الذبح سنة، فتحل الذبيحة إذا ترك التسمية مطلقًا، سواء أتركها عمدًا أم نسيانًا، وهذا مذهب الشافعي (^٣)، ورواية عن أحمد (^٤)، وقول بعض المالكية (^٥).\nووجه الاستدلال: أن التسمية لو كانت شرطًا في حل الذبيحة لما أذن الرسول - ﷺ - لهؤلاء في أكلها إلا بعد تحقق وجودها (^٦).\nكما استدلوا بقوله تعالى: ﴿إلا مَا ذَكَّيتُمْ﴾ [المائدة: ٣] قالوا: فأباح التذكية من غير اشتراط التسمية، كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فأباح لنا طعام أهل الكتاب وهم لا يسمون، وطعامهم: ذبائحهم، كما قال ابن عباس وغير واحد من السلف (^٧).\nوالقول الثاني: أن التسمية واجبة مع الذكر ساقطة مع النسيان، وهذا مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين (^٨)، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه (^٩)، فيحل عندهم ما تركت التسمية عليه سهوًا، ولا يحل عندهم ما تركت التسمية عليه جهلًا.\nواستدلوا بما يلي:\n_________\n(^١) \"العلل\" (١٤/ ١٧٣). وانظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (١٥٢٥)، \"التمهيد\" (٢٢/ ٢٩٨)، \"فتح البيوع\" (٢٠٥٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٣٤).\n(^٣) \"الأم\" (٤/ ٥٩٣).\n(^٤) \"المقنع\" (٣/ ٥٤٠).\n(^٥) \"الكافي في فقه أهل المدينة\" (١/ ٤٢٨).\n(^٦) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٣١٨).\n(^٧) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٣٦).\n(^٨) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٣١٨).\n(^٩) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٤٦)، \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٧٢)، \"المغني\" (١٣/ ٢٩٠).","vol":"9","page":236},{"text":"١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فنهى الله تعالى عن الأكل مما تركت عليه التسمية، وهو محمول على حال العمد، كما سيأتي.\n٢ - الأحاديث التي فيها الأمر بالتسمية، كما في حديث عدي - ﵁ - المتقدم، وحديث رافع بن خديج - ﵁ - الآتي.\n٣ - عموم الآيات والأحاديث في رفع الحرج عن الأمة حال النسيان، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وكحديث ابن عباس - ﵄ -: \"إن الله تعالى وضع عن أمتي الخطأ والنسيان\"، وتقدم في \"الطلاق\"، وحديث ابن عباس الآتي آخر الباب: \"المسلم يكفيه اسمه، فإن نسي أن يسمي حين يذبح فليسمِّ ثم ليأكل\".\nلكن تفريق أصحاب هذا القول بين الجهل والنسيان وأن الناسي يعذر والجاهل لا يعذر مشكل جدًّا؛ لأن بابهما واحد كما يذكر الأصوليون في موانع التكليف، والجهل مقرون بالنسيان في الكتاب والسنة، بل قد يكون صاحب الجهل أحق بالعذر، كحديث عهدٍ بالإسلام.\nوقد فرقت الحنابلة بين الصيد والذبح، فقالوا: لا تسقط التسمية في الصيد بحال، بخلاف الذكاة فتسقط سهوًا، والحنفية والمالكية لا يفرقون، والفرق بينهما كثرة الوقوع وتكراره بخلاف الصيد، والحنفية يقولون: إن الصيد أولى بالسقوط نظرًا لحال الصاند عند رؤية الصيد (^١).\nوالقول الثالث: أن التسمية فرض على الإطلاق، ولا يحل متروك التسمية عمدًا ولا سهوًا، وهذا مروي عن ابن عمر - ﵄ - ونافع مولاه، والشعبي وابن سيرين، وهو رواية عن الإمام مالك (^٢)، وهو قول الظاهرية، وإحدى الروايتين عن أحمد، قدمها في \"الفروع\"، واختارها أبو الخطاب، وشيخ\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٣/ ٢٦٠)، \"جامع المسائل\" (٦/ ٣٨٤).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٣١٧).","vol":"9","page":237},{"text":"الإسلام ابن تيمية، وقال: (إنه قول غير واحد من السلف، وهو أظهر الأقوال) (^١).\nواستدلوا بأن الله تعالى قد علق الحل بذكر اسم الله تعالى في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيهِ﴾ [المائدة: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيه﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] وهذه الآية تدل على النهي عن الأكل من الذي لم يذكر اسم الله عليه، والضمير في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ يعود على مصدر الفعل المنهي عنه؛ أي: وإن أكله لفسق، وهذا عام فيندرج المنسي في النهي كما تندرج الميتة، وليس هنا ما يمنع من إطلاق الفسق على تارك ما فرضه الله، فيدخل في ذلك تارك التسمية عمدًا.\nوالقول بأن المراد بهذه الآيات ما ذبح للأصنام، كقوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]، هو قول صحيح، لكن الآية عامة فيدخل في عمومها متروك التسمية؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا هو الذي اختاره ابن جرير الطبري وبنى تفسير الآية عليه (^٢).\nكما استدلوا بحديث رافع بن خديج - ﵁ - الآتي: \"ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل\" فعلق الحل بمجموع الأمرين: إنهار الدم والتسمية، فكما أنه لو لم ينهر الدم ناسيًا أو جاهلًا لم تحل الذبيحة، فكذلك إذا لم يسم، ومن فرق بينهما فعليه الدليل.\nوهذا أرجح الأقوال، لقوة مأخذه، وكثرة أدلته، فإن القرآن والسنة علَّقا الحِل بذكر اسم الله تعالى على الذبيحة في غير موضع، ولم يصح ما يخصصها بحال دون حال، ثم إن التسمية شرط وجودي، والشرط الوجودي\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٧/ ٤١٢)، \"الهداية\" (٢/ ١١٣)، \"المقنع\" (٣/ ٥٤٠)، \"الفتاوى\" (٣٥/ ٢٣٩)، \"جامع المسائل\" (٦/ ٣٧٧)، \"الفروع\" (٦/ ٣١٦).\n(^٢) \"تفسير الطبري\" (١٢/ ٨٣ - ٨٥).","vol":"9","page":238},{"text":"لا يسقط بالنسيان، كما لو صلى بغير وضوء ناسيًا، فإن صلاته لا تصح.\nوأما حديث الباب وهو حديث عائشة - ﵂ - فليس فيه دليل؛ لأن الاستدلال به خارج عن محل النزاع؛ لأنه سيق لبيان إباحة الأكل من ذبيحة المسلم، والتسمية التي أمر بها رسول الله - ﷺ - السائلين هي التسمية المطلوبة شرعًا عند الأكل، إذ لا تكليف عليهم في موضوع التسمية عند الذبح، فإن المكلف هو الذابح نفسه، وإذا لم نعلم هل سمى أو لا؟ فالذبيحة حلال؛ لأن الذابح مسلم حتى يتبين خلاف ذلك، أما إذا تيقن أنه لم يسم فإنه لا يأكل.\nثم إنه ليس في الحديث ما يدل على أنهم تركوا التسمية وأن النبي - ﷺ - أحل لهم اللحم، وإنما فيه أنهم لا يدرون أذكروا اسم الله عليه أم لا؟\nبل قد يقال: إن الحديث دليل على شرطية التسمية؛ لأن الصحابة -﵃- فهموا أن التسمية لا بد منها، فخافوا ألا تكون وجدت من أولئك لحداثة إسلامهم، فهم خافوا ثم سألوا (^١).\nوأما قوله تعالى: ﴿إلا مَا ذَكَّيتُمْ﴾ فلا دلالة فيه؛ لأن المراد ما ذكيتم وذكرتم اسم الله عليه، لما ثبت في الأدلة الأخرى.\nوأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وأنهم لا يسمون فهذا غير صحيح، فقد ذكر ابن كثير أن أهل الكتاب يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عن قولهم، تعالى وتقدس (^٢).\nوأما أدلة أصحاب القول الثاني فهي أدلة أصحاب القول الثالث إلا ما ذكروه من أدلة إباحة الأكل من متروك التسمية نسيانًا، والجواب عنها: إما عمومات فلا دليل فيها، لاتفاق الفريقين على أن المراد نفي الحرج ورفع المؤاخذة، لكن المستدل يرى أن يلزم من ذلك حل الذبيحة، والمخالف يرى\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٣١٧).\n(^٢) \"جامع المسائل\" (٦/ ٣٨٧)، \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٣٦).","vol":"9","page":239},{"text":"أنه لا يلزم من انتفاء الإثم حل الذبيحة؛ لأن حلها أثر حكم وضعي، حيث إنه مرتب على شرط يوجد بوجوده وينتفي بانتفائه، وأما المؤاخذة والجناح فهما أثر حكم تكليفي من شرطه الذكر والعلم، فلذلك انتفيا بانتفائهما (^١).\nيوضح ذلك أنه لو ترك واجبًا نسيانًا كالوضوء -مثلًا- فصلى بغير وضوء ناسيًا، فإنه لا إثم عليه، ويلزمه أداؤه.\nوأما ما استدلوا به من حديث ابن عباس - ﵄ - في متروك التسمية نسيانًا فلا حجة فيه؛ لأن الأحاديث الصحيحة مع ظاهر القرآن تدل على وجوبها، وما عارض ذلك فالمرفوع منه ضعيف، والموقوف لا حجة فيه مع مخالفة السنة، والمرسل ضعيف لا يحتج به.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الفعل إذا وقع من أهله فإنه لا يُسأل عن وصفه، لأن الأصل السلامة، وإذا كان الأصل السلامة كان السؤال عنه تشددًا (^٢)، وعلى هذا فما ذبح في بلاد المسلمين فهو في الأصل محمول على الصحة، ما لم توجد قرينة على خلاف ذلك، قال ابن عبد البر: (في هذا الحديث من الفقه أن ما ذبحه المسلم ولم يعرف هل سَمَّى الله عليه أم لا، أنه لا بأس بأكله، وهو محمول على أنه قد سمى، والمؤمن لا يُظن به إلا الخير، وذبيحته وصيده أبدًا محمول على السلامة حتى يصح فيه غير ذلك من تعمد ترك التسمية ونحوه) (^٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إذا وجد الإنسان لحمًا قد ذبحه غيره (أي: مسلم) جاز له أن يأكل منه ويذكر اسم الله عليه؛ لحمل أمر الناس على الصحة والسلامة) (^٤).\nأما الذبائح التي ترد إلى بلاد المسلمين فسيأتي الكلام على حكمها -إن شاء الله- عند شرح الحديث (١٣٤٩). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"أحكام الأضحية والذكاة\" ص (٦٥).\n(^٢) انظر: مذكرة \"شرح كتاب الأطعمة من البلوغ\" ص (٤٧).\n(^٣) \"التمهيد\" (٢٢/ ٢٩٩).\n(^٤) \"الفتاوى (٣٥/ ٢٤٠).","vol":"9","page":240},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1141>النهي عن الخذف وتحريم ما صيد به</span>\n١٣٤٦/ ٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الْخَذْفِ، وَقَال: \"إِنَّهَا لَا تَصيدُ صَيدًا، وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَينَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الذبائح والصيد\"، باب (الخذف والبندقة (^١» (٥٤٧٩)، ومسلم (٥٤) (١٩٥٤) من طريق كَهْمَسِ بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل - ﵁ - أنه رأى رجلًا يخذف فقال له: لا تخذف، فإن رسول الله - ﷺ - نهى عن الخذف … الحديث.\nورواه مسلم -أيضًا- (٥٦) من طريق سعيد بن جبير أن قريبًا لعبد الله بن مغفل خذف، وساق الحديث بمثل لفظ \"البلوغ\"، وتمامه: قال فعاد فقال: أحدثك أن رسول الله - ﷺ - نهى عنه ثم تخذف، لا أكلمك أبدًا.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (عن الخذف) هو بالخاء والذال المعجمتين، الأولى مفتوحة، والثانية ساكنة، وهو رمي الإنسان بحصاة أو نواة ونحوهما يجعلهما بين\n_________\n(^١) البندقة: بضم الباء والدال، تتخذ من طين وتيبس فيرمى بها، والظاهر أنها مثل الحصاة التي ترمى بالنباطة، وهي آلة معروفة قديمًا من الخشب، والظاهر أنها تصنع الآن من غير الخشب. وقد علق البخاري عن ابن عمر - ﵄ - في المقتولة بالبندقة: تلك الموقوذة. راجع: \"فتح الباري\" (٩/ ٦٠٣).","vol":"9","page":241},{"text":"أصبعيه السبابتين أو الإبهام والسبابة. قال القرطبي: (إن الخذف بالخاء المعجمة من فوقها: الرمي بالحجر، وبالحاء المهملة: الضرب بالعصا) (^١).\n\nقوله: (إنها لا تصيد صيدًا) جملة تعليلية، والضمير يعود على الحصاة المفهومة من لفظ الخذف، وأنث الضمير نظرًا إلى المخذوف به وهو الحصاة، ويؤيد هذا قوله: (ولكنها تكسر السن …).\nوالمعنى: أن الحصاة ليست بآلة صيد مشروعة؛ لأنها ليست بمحدد ينهر الدم، بل المضروب بها إن مات فهو وقيذ.\n\nقوله: (ولا تنكأ) بفتح التاء، وآخره همزة، من باب فتح؛ أي: لا تجرح ولا تثخن.\n\nقوله: (وتفقأ) بفتح التاء، وآخره همزة؛ أي: تقلع العين أو تجعلها عوراء.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الخذف؛ لأن الرسول - ﷺ - نهى عنه، والنهي للتحريم؛ لأنه لا مصلحة فيه، ويخاف مفسدته؛ لأنه يكسر السن، ويفقأ العين، ولا يحصل به الاصطياد؛ لأن الصيد إنما يحل بنهر الدم، وأما الخذف فإنه يقتل الصيد بقوة راميه لا بحده، فالمقتول به يكون وقيذًا، وقد تقدم تحريم الموقوذة.\n\n• الوجه الرابع: في قول عبد الله بن مغفل - ﵁ -: (لا أكلمك أبدًا) دليل على مشروعية هجر من خالف الشرع عن علم تأديبًا له وزجرًا حتى يرجع عن ذلك (^٢)، وسيأتي الكلام على الهجر في كتاب \"الجامع\" -إن شاء الله تعالى-. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٥/ ٢٤٢ - ٢٤٣).\n(^٢) \"المفهم\" (٥/ ٢٤٣).","vol":"9","page":242},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1142>النهي عن اتخاذ الحيوان هدفًا للرمي</span>\n١٣٤٧/ ٧ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - أَن النَّبي - ﷺ - قَال: \"لَا تَتَّخِذُوا شيئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا\"، رَوَاهُ مُسْلِم.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الصيد والذبائح\"، باب (النهي عن صبر البهائم) (١٩٥٧) من طريق شعبة، عن عدي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (فيه الروح) المراد به الحيوان الحي.\n\nقوله: (غرضًا) بالفتح هو الهدف الذي يرمى إليه.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم اتخاذ الحيوان هدفًا يرمى إليه؛ لأن هذا من تعذيب الحيوان، وفيه إتلاف له، وتضييع لماليته، وتفويت لذكاته الشرعية إن كان مما يذكى، ولمنفعته إن لم يكن كذلك، وقد ورد في رواية عند مسلم: (أن رسول الله - ﷺ - لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا) (^١).\n\n• الوجه الرابع: في الحديث دليل على سمو هذه الشريعة وشمولها حيث أوجبت الشفقة على الناس وعلى البهائم، وحرمت كل ما فيه إيذاء أو تعذيب. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٩٥٨).","vol":"9","page":243},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1143>حكم ذبيحة المرأة</span>\n١٣٤٨/ ٨ - عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ امْرَأةً ذَبَحتْ شَاةً بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ النَّبيُّ - ﷺ - عَنْ ذلِكَ فَأمرَ بِأَكلِهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري بعدة ألفاظ في مواضع من \"صحيحه\"، ومنها: في كتاب \"الذبائح والصيد\"، باب (ذبيحة المرأة والأمة) (٥٥٠٤) من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابنٍ لكعب بن مالك، عن أبيه أن امرأة … وذكر الحديث، وفي آخره: قال عبيد الله: فيعجبني أنها أمة وأنها ذَبَحَتْ. وعبيد الله هو ابن عمر العمري، راوي الحديث، وهذه الزيادة جاءت عند البخاري في \"الوكالة\" (٢٣٠٤).\nوفي رواية (٥٥٠٥) أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنمًا بِسَلْعٍ، فأصيبت شاة منها، فأدركتها فذبحتها بحجر، فسئل النبي - ﷺ - فقال: \"كلوها\".\nوهذا الحديث وقع في إسناده اختلاف، ذكره الدارقطني، ونقله عنه الحافظ في \"المقدمة\" ثم قال: (وهو كما قال، وعلته ظاهرة، والجواب عنه فيه تكلف وتعسف) (^١).\nوقد استظهر الحافظ أن ابن كعب المبهم هو عبد الرحمن بن كعب (^٢)، لما رواه ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن\n_________\n(^١) انظر: \"الإلزمات والتتبع\" للدارقطني ص (٢٤٥)، \"هدي الساري\" ص (٣٧٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٨٢).","vol":"9","page":244},{"text":"كعب بن مالك، عن أبيه طرفًا من هذا الحديث، وجزم المزي بأنه عبد الله (^١).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز تذكية المرأة، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، سواء كانت حرة أم أمة، وسواء أكانت طاهرًا أم حائضًا أم نفساء، فليس من شرط الذابح أن يكون ذكرًا، ولا أن يكون طاهرًا؛ لأن النبي - ﷺ - أمر بالأكل مما ذبحته هذه المرأة ولم يستفصل، والمرأة قد تذبح مثل ما يذبح الرجل إذا عُلِّمت صفة الذبح، قال ابن المنذر: (أجمع عوام أهل العلم الذين حفظنا عنهم على إباحة أكل ذبيحة الصبي والمرأة إذا أطاقا الذبح وأتيا على ما يجب أن يؤتى عليه) (^٢).\n\n• الوجه الثالث: جواز ذبح الحيوان بالمحدد من الحجر؛ لأن المقصود إنهار الدم، وقد بوب البخاري على هذا الحديث بقوله: (باب ما أنهر الدم من القصب والمروة والحديد) (^٣).\n\n• الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الأصل في تصرفات من يصح تصرفه الحِلُّ والصحة، لأن النبي - ﷺ - لم يسأل هذه المرأة أذكرت اسم الله عليها أم لا؟\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على إباحة ذبح ما خيف عليه الموت، وأن ما أصابه سبب الموت فأدرك فهو حلال، لأن هذه الشاة عدا عليها الذئب -كما في بعض الروايات- فأدركتها هذه الجارية حية فذبحتها (^٤).\n\n• الوجه السادس: في الحديث دليل على أن الراعي إذا أبصر شاة من الغنم التي يرعاها تموت فذبحها بغير إذن مالكها أنه لا حرج عليه ويحل أكلها، سواء أكان الراعي مملوكًا لصاحب الغنم أو كان وكيلًا؛ لأن يد كل من الراعي والوكيل يد أمانة، فلا يعملان إلا بما فيه مصلحة ظاهرة. وقد بوب البخاري على هذا في كتاب \"الوكالة\" بقوله: (باب إذا أبصر الراعي أو\n_________\n(^١) \"تحفة الأشراف\" (٨/ ٣١٤).\n(^٢) \"الإشراف\" (٣/ ٤٣٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٣٠).\n(^٤) \"المغني\" (١٣/ ٣١١)، \"أحكام الأضحية والذكاة\" ص (٥٧).","vol":"9","page":245},{"text":"الوكيل شاة تموت أو شيئًا يفسد ذبح أو أصلح ما يخاف عليه الفساد) (^١)، والنبي - ﷺ - أمر بأكل الشاة ولم ينكر على من ذبحها.\nقال ابن التين: (في الحديث خمس فوائد: جواز ذكاة النساء، والإماء، والذكاة بالحجر، وذكاة ما أشرف على الموت، وذكاة غير المالك بغير وكالة) (^٢).\n\n• الوجه السابع: في الحديث دليل على تصديق الأجير الأمين فيما أؤتمن عليه حتى يتبين عليه دليل الخيانة.\n\n• الوجه الثامن: في الحديث دليل على ورع الصحابة -﵃- وحرصهم على ما يتعلق بالأكل، لأنهم لم يأكلوا هذه الشاة حتى سألوا النبي - ﷺ - فأمرهم بأكلها.\n\n• الوجه التاسع: في الحديث دليل على أن الأمر يأتي بمعنى الإذن، لأن قوله: (فأمر بأكلها) ليس المراد به الإلزام وإنما المراد به الإذن، ولهذا قال علماء الأصول: إن الأمر بعد الاستئذان يكون للإباحة ما لم يقم دليل خلاف ذلك (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٤٨١)، \"عمدة القارئ\" (١٠/ ١٢٨).\n(^٢) \"عمدة القارئ\" (١٠/ ١٢٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٣٣)، \"مذكرة كتاب الأطعمة\" ص (٥٧).","vol":"9","page":246},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1144>آلة الذكاة المشروعة والممنوعة</span>\n١٣٤٩/ ٩ - عَنْ رَافِعِ بْنِ خديجٍ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قال: \"مَا أنهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسْمُ اللهِ علَيهِ فَكُلْ، ليسَ السِّنَّ والظُّفُرَ، أمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ\". مُتَّفقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الذبائح والصيد\"، باب (التسمية على الذبيحة ومن ترك متعمدًا) (٥٤٩٨)، ومسلم (١٩٦٨) من طريق سعيد بن مسروق (^١)، عن عَبَايةَ بن رِفَاعَةَ بن رافع، عن جده رافع بن خديج - ﵁ - قال: كنا مع النبي - ﷺ - بذي الحليفة، فأصاب الناس جوع … وساق الحديث بطوله، وهي رواية البخاري، وهو عند مسلم أخصر.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ما أنهر الدم) ما: موصولة أو شرطية، وهو أقرب، وأنهر الدم؛ أي: أساله وصبه بكثرة، شبهه بجري الماء في النهر، والذي يُنهر الدم: كل ما له نفوذ في البدن، وهو المحدد كالسهم والحديد والخشب الذي له حد والزجاج ونحو ذلك، ويدخل فيه ما يخرق بحده مثل رصاص البندقية.\n\nقوله: (ليس السنَّ) بالنصب على الاستثناء بـ (ليس) وهو خبرها، و(ليس) هنا فعل دال على الاستثناء بمعنى (إلا)، ويجوز الرفع على أنه اسم (ليس)، والخبر محذوف؛ أي: ليس السن والظفر مباحًا. وفي رواية: (إلا سنًّا وظفرًا).\n_________\n(^١) هو والد سفيان الثوري.","vol":"9","page":247},{"text":"قوله: (أما السن فعظم) هذه الجملة فيها معنى التعليل؛ أي: نُهي عن التذكية بالسن؛ لأنه عظم، وقد تقرر عند العرب ألا يُذبح بعظم (^١).\n\nقوله: (فمدى الحبشة) بضم الميم اسم مقصور، وهو جمع مفرده مدية، وهي السكين، سميت مدية؛ لأنها تقطع مدى الحيوان؛ أي: عمره وحياته.\nوالحبشة والحَبَشُ جنس من السودان (^٢)، وبلادهم تقع في الشمال الشرقي من أفريقيا، وتسمى الآن أثيوبيا، والحبشة كفار آنذاك، وقد نهينا عن التشبه بهم.\nوالمعنى: أنهم كانوا يذبحون بأظفارهم.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنه يشترط لحل الحيوان بالذكاة إنهار الدم وإسالته، وذلك بأن تكون الذكاة بمحدد يقطع أو يخرق بحده لا بثقله، كما تقدم، فإن كان الحيوان مقدورًا عليه فلا بد أن يكون الإنهار في موضع معين، وهو الرقبة، قال ابن عباس - ﵄ -: (الذكاة في الحلق واللبة) (^٣).\nواللبة: هي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر.\nوإن كان غير مقدور عليه كبعير ندَّ أو شاة شردت، فذكاته بجرحه وإنهار الدم في أي موضع من بدنه حتى يموت؛ لأنه صار حكمه حكم الوحشي النافر، والأولى أن يتحرى أسرع شيء في موته، قال ابن عباس - ﵄ -: (ما أعجزك من البهائم مما في يديك فهو كالصيد) (^٤).\nومفهوم الحديث أنه لا يحل الذبح بما لا ينهر الدم، وهو ما يقتل بثقله أو صدمه، ومن ذلك الذبح بالخنق أو الصعق بالكهرباء، أو بضرب الرأس، أو تغطيس الطيور بالماء، وفتل أعناقها، ونحو ذلك، فكل هذا ليس بذكاة شرعية؛ لعدم إنهار الدم المشروط في الحديث.\n_________\n(^١) انظر: \"كشف المشكل من حديث الصحيحين\" (٢/ ١٨٤).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ١٩٠).\n(^٣) ذكره البخاري تعليقًا (٩/ ٦٤٠) \"فتح الباري\".\n(^٤) ذكره البخاري تعليقًا (٩/ ٦٣٨) \"فتح الباري\".","vol":"9","page":248},{"text":"والذبح بما لا ينهر الدم مضر بالصحة؛ لأن الحيوان بالتدويخ والصعق يصاب قبل زهاق روحه بالشلل واحتقان الدم في اللحم والعروق حيث لا يجد منفذًا، وهذا مضر بصحة الإنسان، ولذا حرم الإسلام الميتة لبقاء دمها فيها، وفي هذا الحديث تنبيه على هذا المعنى (^١).\n\n• الوجه الرابع: اختلف العلماء فيما يُقطع في الذكاة على قولين:\nالأول: وجوب قطع الحلقوم والمريء والحلقوم: مجرى النفس، والمريء: مجرى الطعام والشراب، واشتراط قطعهما هو الصحيح المنصوص عليه في مذهب الشافعية، وهو مذهب الحنابلة (^٢)، وذلك لحصول المقصود بقطعهما، وهو أن الحياة تُفقد بفقدهما، وعليه فلا يشترط قطع الودجين -وهما عرقان محيطان بالحلقوم- بل قطعهما سنة.\nوالقول الثاني: أنه لا بد من قطع ثلاثة بدون تعيين، وهي إما الحلقوم والودجان، وإما المريء والودجان، وإما الحلقوم والمريء وأحد الودجين، وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة، وأحد الوجهين في مذهب أحمد (^٣)، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: (إن قطع الودجين أبلغ من قطع الحلقوم وأبلغ في إنهار الدم) (^٤)، وهذا هو الأظهر -إن شاء الله- لأن قطع الودجين فيه إنهار الدم وإراحة الذبيحة بسرعة زهوق النفس، وهذا هو المقصود من الذكاة.\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على منع التذكية بالسن والظفر، ويبقى ما عداهما مما ينهر الدم على العموم، فتجوز التذكية به؛ لأن الاستثناء معيار العموم، كلما يقول الأصوليون.\nوظاهر الحديث أنه لا فرق في السن والظفر بين أن يكونا متصلين أو منفصلين، ومن آدمي أو حيوان، وهذا مذهب الجمهور.\n_________\n(^١) \"الإعلام\" (١٠/ ١٧٣).\n(^٢) \"المجموع\" (٩/ ٨٦)، \"الشرح الكبير مع الإنصاف\" (٢٧/ ٣٠٠).\n(^٣) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٤١)، \"الإنصاف (١٠/ ٣٩٣).\n(^٤) \"الاختيارات\" ص (٣٢٣).","vol":"9","page":249},{"text":"وخص الحنفية المنع بالسن والظفر المتصلين، قائلين إن المتصل يصير في معنى الخنق، والمنفصل في معنى الحجر، وجزم ابن دقيق العيد بحمل الحديث على المتصلين (^١).\nوظاهر الحديث يرد عليهم، فإن الذي لا تجوز الذكاة به متصلًا لا تجوز به منفصلًا، فيعمل بمقتضى ذلك العموم إلا إذا خُصِّصَ، ولا مخصص، وما عللوا به مخالف للتعليل الوارد في الحديث فلا يلتفت إليه.\n\n• الوجه السادس: علل النبي - ﷺ - منع الذكاة بالسن بأنه عظم، وقد اختلف العلماء هل الحكم خاص في محله وهو السن أو عام في جميع العظام، على قولين:\nالأول: أنه خاص في محله وهو السن، وأما ما عداه من العظام فتحل الذكاة به، وهذا قول أبي حنيفة، والمشهور من مذهب أحمد (^٢).\nواستدلوا بأمرين:\n١ - أن قوله: (أما السن فعظم) مشعر بخصوص السن، إذ لو أراد العموم لقال: غير العظم والظفر، لكونه أخصر وأبين.\n٢ - أننا لا نعلم وجه الحكمة في تأثير العظم، فكيف نعدي الحكم من الأصل إلى غيره مع الجهل.\nالقول الثاني: أن المنع عام في جميع العظام، لقوله: (أما السن فعظم) فهي علة منصوصة لا مستنبطة، وهذا قول الشافعي، ورواية عن أحمد (^٣).\nوهذا القول هو الراجح، لقوة دلالة الحديث عليه، فإن قوله: (أما السن فعظم) نص على العلة فيدل على أنها مناط الحكم، متى وجدت وجد الحكم، فهو قياس حذفت مقدمته الثانية لشهرتها عندهم، والتقدير: أما السن فعظم، وكل عظم لا يحل الذبح به، قال ابن القيم: (وهذا تنبيه على عدم\n_________\n(^١) \"إحكام الأحكام\" (٤/ ٤٧٩).\n(^٢) \"المقنع\" (٣/ ٥٣٧).\n(^٣) \"المجموع\" (٩/ ٨١)، \"المقنع\" (٣/ ٥٣٧).","vol":"9","page":250},{"text":"التذكية بالعظام إما لنجاسة بعضها، وإما لتنجيسه على مؤمني الجن) (^١).\nوأما ما قاله الأولون فالجواب عنه ما يلي:\n١ - قولهم: إن الحديث مشعر بخصوص السن دون غيره من العظام، فنقول: إن هذا لا يفيد التخصيص، بل الظاهر أن ذكر السن من أجل أنها عادة يرتكبها بعض الناس بالتذكية به، ثم أشار الشارع إلى عموم الحكم بذكر العلة، أو يقال: إن تعليل السن بكونه عظمًا أنه كان معهودًا عند العرب أنه لا يجوز الذبح بالعظام، وعلى أي حال فهو ذَكَرَ السنَّ ثم ذكر العلة التي تشمله وغيره.\n٢ - وأما كوننا لا فعلم الحكمة في تأثير العظام فلا نعديه عن السن إلى غيره، فهذا لا يمنع من التعدية إلى كل ما يصدق عليه اسم العظم؛ لأن العظم معلوم، على أنه يمكن أن يلتمس حكمة، وهي أن العظم إن كان من ميتة أو من حيوان نجس فذلك لنجاسته، والذكاة تطهير، وإن كان من طاهر فهو طعام إخواننا من الجن، كما ثبت في \"الصحيح\" (^٢)، والذبح به تلويث له بالنجاسة.\n\n• الوجه السابع: علل النبي - ﷺ - النهي عن الذبح بالظفر بأنه مدى الحبشة، والظاهر أن المراد بذلك أن الحبشة يذبحون بأظافرهم، لا أن المراد النهي عن كل مدية تستعملها الحبشة، فنهى الشارع عن ذلك؛ لأن الذبح بالظفر يقتضي مخالفة الفطرة من وجهين:\nالأول: أن يستلزم توفير الأظافر وإطالتها؛ لأن الظفر لا يمكن الذبح به إلا إذا طال، وهذا مخالف للفطرة التي هي تقليم الأظفار.\nالثاني: أن في ذلك مشابهة للسباع التي تفرس الصيد بأظفارها، وجوارح الطير التي تفرس بمخالبها (^٣).\n\n• الوجه الثامن: يعلم مما تقدم حكم المستورد من اللحوم والدجاج\n_________\n(^١) \"إعلام الموقعين\" (٤/ ١٦٢).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٤٥٠) وتقدم ذكره في \"الطهارة\" في آخر شرح الحديث (٩٦).\n(^٣) انظر: \"أحكام الأضحية والذكاة\" ص (٧٠).","vol":"9","page":251},{"text":"والطيور وما يُشتق من بعضها، فما كان ذابحه مسلمًا فلا شك في إباحته؛ لأن الأصل فيما يذبحه المسلم الحِل، وما كان ذابحه كتابيًّا وقد ذبحه بالطريقة الشرعية فهو حلال كذلك بنص القرآن، وأما إذا جُهل الأمر بحيث لا يُدرى هل الذي ذبحه ممن تباح ذبيحته أو لا؟ -كما هو الغالب في الأسواق من المستورد- فلعلماء هذا العصر فيه قولان:\nالأول: أنه يباح، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وطعامهم: ذبائحهم، كما تقدم (^١).\nالثاني: أنه محرم؛ لأن الأصل في الحيوانات التحريم، فلا يحل شيء منها إلا بذكاة شرعية متيقنة، تنقلها من التحريم إلى الإباحة، وهذه الذكاة مشكوك فيها بالنسبة لهذه اللحوم، بل يغلب على الظن عدم وجودها، فتبقى على الأصل، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلى قوله: ﴿إلا مَا ذَكَّيتُمْ﴾ [المائدة: ٣] فدلت الآية على أنه إذا لم يُتحقق في هذه اللحوم الذكاة الشرعية فهي محرمة، بناة على الأصل، سواء كانت ذبيحة مسلم أو كتابي (^٢).\nوهذا القول قوي، ويؤيده ما يلي:\n١ - أن القاعدة الشرعية في باب الأطعمة: أنه إذا اجتمع حاظر ومبيح غُلِّبَ جانب الحظر، وهذه القاعدة دلَّ عليها حديث عدي بن حاتم - ﵁ - (^٣) وغيره من الأحاديث الصحيحة، وهذه اللحوم ترددت بين كونها مذكاة ذكاة شرعية مبيحةً فَتَحِلُّ، وكونها غير مذكاة فلا تحل، تغليبًا لجانب التحريم.\n٢ - أن طرق الذبح قد تنوعت، وأصبح معظمها لا يوافق الطريقة الشرعية، لا سيما مع هذه الكميات الهائلة التي تمتلئ بها الأسواق العالمية،\n_________\n(^١) \"فتاوى ابن باز\" (٢٣/ ٧ - ٨).\n(^٢) انظر: \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (٢/ ٦٠)، \"حكم اللحوم المستوردة\" للشيخ عبد الله بن حميد ص (١٥، ١٩ - ٢١) وله فتوى -أيضًا- ضمن \"أبحاث هيئة كبار العلماء\" (٢/ ٦٥٥)، \"الأطعمة\" للشيخ: صالح الفوزان ص (١٦٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٤٨٤)، ومسلم (١٩٢٩) (٦).","vol":"9","page":252},{"text":"وقد ذكر بعض الباحثين أن المسالخ الصغيرة تنتج ألفي دجاجة في الساعة، وهذا يُستبعد معه حصول الذكاة الشرعية بأوصافها المعلومة، ومنها التسمية، وإنهار الدم، وهذا مما يطيب المذكاة، وتركه يكسبها خبثًا، يوجب التحريم.\n٣ - أنه لم يبق الأمر محلَّ شك وتردد؛ لأن كثيرًا من الباحثين المهتمين اطلعوا على كيفية الذبح في المجازر الموجودة خارج البلاد الإسلامية، إما بالمشاهدة، وإما بإخبار أصحاب هذه المجازر أنفسهم، مما يفيد عدم الثقة ببقية مُصَدِّري هذه اللحوم، لما يغلب على الظن من أن طريقتهم واحدة.\n٤ - أن الأمانة قد ضعفت في هذا الزمان، وقَلَّ الصدق، بحيث لا يُعتمد على أقوال المصَدِّرِينَ لهذه اللحوم، ولا على كتاباتهم على ظهر أغلفتها بأنها ذبحت على الطريقة الإسلامية، لا سيما وقد وجد بعض الدجاج برأسه لم يقطع شيء من رقبته، كما وجدت هذه العبارة مكتوبة على أغلفة ما لا يحتاج إلى ذكاة كالسمك.\n٥ - أن المطلوب من المسلم أن يسلك سبيل الاحتياط، ويجتنب ما يشك في حله، لقول الرسول - ﷺ -: \"دع مما يريبك إلى مما لا يريبك\" (^١)، وقوله - ﷺ -: \"من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه\" (^٢)، وقال - ﷺ - كما في حديث عدي - ﵁ -: \"إِذا أرسلت كلبك المُعلَّم فاذكر اسم الله، فإن وجدت مع كلبك كلبًا غيره فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله\"، ولا ريب أن المطاعم الخبيثة لها تأثير كبير على الأبدان والعقول والأخلاق، ولهذا حرمها الله تعالى على عباده، ثم إن في الموجود في بلاد المسلمين من اللحوم والدجاج الذي يذبح محليًّا ما يغني عن المستورد وما فيه من الشبهة.\nوأما تَمَسُّكُ من أحَلَّ هذه اللحوم بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٨/ ٣٢٧)، وأحمد (٣/ ٢٤٨، ٢٤٩)، وصححه الترمذي، وله شواهد عن أنس وابن عمر - ﵄ -.\n(^٢) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) وسيأتي شرحه في أول باب \"الزهد والورع\" من كتاب \"الجامع\" إن شاء الله.","vol":"9","page":253},{"text":"حِلٌّ لَكُمْ﴾ ففيه نظر؛ لأن هذا العموم قد خُصَّ بنصوص كثيرة، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿إلا مَا ذَكَّيتُمْ﴾ وطعام الذين أوتوا الكتاب -وهي ذبائحهم- يُشترط له الذكاة المبيحة، والمسلم لو ذكى ذكاة غير شرعية ما أبيحت ذبيحته، فكذلك الكتابي (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (٢/ ٦٠)، \"الأطعمة \"للشيخ: صالح الفوزان ص (١٦٥)، \"حكم الذبائح المستوردة\" لهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ضمن \"أبحاث الهيئة\" (٢/ ٦٠٧ - ٧٣٩).","vol":"9","page":254},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1145>النهي عن قتل الحيوان صبرًا</span>\n١٣٥٠/ ١٠ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَنْ يُقْتَلَ شَيءٌ مِنَ الدَّوابِّ صَبرًا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الصيد والذبائح\"، باب (النهي عن صبر البهائم) (١٩٥٩) من طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله - ﵄ - يقول: … وذكر الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (صبرًا) بفتح الصاد وسكون الباء، أصله: الحبس، والصبر: أن يُمْسَكَ شيء من ذوات الأرواح حيًّا ثم يرمى بشيء حتى يموت، والنهي عن صبر البهائم مفسَّر في حديث ابن عباس - ﵄ - المتقدم: \"ولا تتخذوا شيئًا فيه الروح غرضًا\".\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم قتل الحيوان صبرًا؛ لأن هذا من تعذيب الحيوان وإتلافه وتضييع ماليته، وتفويت ذكاته الشرعية إن كان مما يذكى أو منفعته إن لم يكن مذكى.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الحيوان المأكول المقدور على ذبحه أنه لا يحل رميه، بل لا بد من تذكيته، وهذا مجمع عليه، ولعل الحافظ ذكر هذا الحديث في \"الصيد والذبائح\" من أجل هذه الفائدة، أما ما لا يقدر","vol":"9","page":255},{"text":"على تذكيته فإنه يصح رميه في أي موضع من بدنه، وتقدم هذا في شرح الحديث السابق.\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على سمو الشريعة الإسلامية وشمول تعاليمها وآدابها، حيث أوجبت الشفقة على الناس وعلى البهائم والطيور. والله تعالى أعلم.","vol":"9","page":256},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1146>من آداب الذَّبح</span>\n١٣٥١/ ١١ - عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ - ﵁ - قَال: قال رَسُول اللهِ - ﷺ -: إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، فَإذَا قَتَلْتُمْ فأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإذا ذَبَحْتُم فَأَحْسِنُوا الذبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبيحَتَهُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الصيد والذبائح\"، باب (الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة) (١٩٥٥) من طريق أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس - ﵁ - قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله قال: \"إن الله كتب الإحسان … \" الحديث.\nوقد ذكر الحافظ ابن رجب أن البخاري ترك هذا الحديث؛ لأنه لم يخرِّج في \"صحيحه\" لأبي الأشعث شيئًا، قال: وهو شامي ثقة (^١).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إن الله كتب) أي: شرع، وأما تفسيره بأوجب ونحوه ففيه نظر؛ لأن من الإحسان ما هو واجب ومنه ما هو مستحب، كما سيأتي.\n\nقوله: (الإحسان) يطلق على إتقان العمل، وعلى التفضل والإنعام.\n\nقوله: (على كل شيء) صيغة عموم، وهي من أقوى صيغ العموم؛ لأنها تدل على العموم باللفظ والمعنى (^٢).\n_________\n(^١) \"جامع العلوم والحكم\" ص (٢٣٣).\n(^٢) انظر: \"التعيين في شرح الأربعين\" ص (١٥٢).","vol":"9","page":257},{"text":"قوله: (فأحسنوا القتلة) بكسر القاف اسم هيئة؛ والمعنى: إذا قتلتم من يستحق القتل لموجب من حد أو قصاص فأحسنوا هيئة القتل وصفته بضرب عنقه وإزهاق روحه دون تعزير ولا تمثيل.\n\nقوله: (فأحسنوا الذَّبْحَ) بفتح الذال المعجمة؛ أي: هيئة الذبح وصفته، وهذا لفظ مسلم، وقد ذكر النووي أن كثيرًا من نسخ \"صحيح مسلم\" أو أكثرها بهذا اللفظ، وفي بعضها: الذِّبْحَة، وقد جاء هذا في بعض نسخ \"البلوغ\".\n\nقوله: (وليحد أحدكم شفرته) اللام لام الأمر، وحركتها الكسر، وإسكانها بعد الفاء والواو أكثر من تحريكها، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقد تسكن بَعْدَ ثُمَّ، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ﴾ [الحج: ١٥].\nويُحد: بضم الياء مِن أَحَدَّ السكين؛ أي: جعلها حادة تقطع بسرعة.\nوالشفرة: بفتح المعجمة وسكون الفاء، هي السكين العريض، وجمعها: شِفَارٌ وشَفَراتٌ، مثل: قَصْعَة وقِصَاع وسجدة وسجَدات (^١).\n\nقوله: (وليرح ذبيحته) هكذا في نسخ \"البلوغ\" بالواو، والمثبت في \"صحيح مسلم\": (فليرح) بالفاء. والمعنى: ليوصل إلى ذبيحته الراحة بكل وسيلة، ومن ذلك أن يعجل إمرار الشفرة، ولا يجرها إلى موضع الذبح، ولا يسلخ قبل أن تبرد.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على رحمة الله تعالى الشاملة بخلقه حيث كتب الإحسان على كل شيء، والإحسان نوعان:\n١ - إحسان في عبادة الخالق بأن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، وهو الجد في القيام بحقوق الله تعالى على الوجه المطلوب.\n٢ - إحسان في حقوق الخلق، وهو نوعان:\nأ- إحسان واجب، وهو القيام بما يجب عليك للخلق بحسب ما توجه\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٣١٧).","vol":"9","page":258},{"text":"عليك من الحقوق من بر الوالدين وصلة الأرحام، والقيام بالحقوق الزوجية، وتربية الأولاد، والإنصاف في جميع المعاملات، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] فأمر الله تعالى بالإحسان إلى جميع هؤلاء، ويدخل في الإحسان الواجب ما ذكر في هذا الحديث.\nب- إحسان مستحب، وهو ما زاد على ذلك من بذل نفع بدني أو مالي أو علمي أو توجيه لخير ديني أو مصلحة دنيوية، وكل ما نَفَعَ الخلق أو أدخل السرور عليهم، أو أزال عنهم ما يكرهون فهو إحسان.\nومن أفضل أنواع الإحسان وأجلها الإحسان إلى من أساء إليك بقول أو فعل، قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦].\nوقد ذكر الله تعالى أن من كانت طريقته الإحسان أحسن الله جزاءه، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [النحل: ٣٠] (^١).\n\n• الوجه الرابع: في الحديث دليل على وجوب إحسان القتل، وذلك بأن يجتهد في إزهاق الروح ولا يقصد التعذيب، سواء أكان القتل قصاصًا أو حدًّا.\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على وجوب الإحسان إلى الذبيحة، فيعمل كل ما يريحها عند الذبح، ومن ذلك أن يكون الذبح بآلة حادة، وأن يُمرها على محل الذبح بسرعة وقوة؛ لأن المطلوب وجوب الإسراع في إزهاق النفس على أسرع الوجوه وأكملها من غير تعذيب، ولا يجوز أن يكسر عنق المذبوح، أو يبدأ في سلخه أو نتف ريشه حتى تخرج روحه من جميع أجزائه.\n_________\n(^١) انظر: \"بهجة قلوب الأبرار\" ص (١٥٦).","vol":"9","page":259},{"text":"وكره الفقهاء أن يُحِدَّ السكين والبهيمة تنظر إليه، لما ورد عن ابن عمر - ﵄ - قال: أمر النبي - ﷺ - بحدِّ الشِّفَار وأن توارى عن البهائم، وقال: \"إذا ذبح أحدكم فليُجهز\" (^١)؛ ولأن حَدَّ السكين وهي تبصر يؤدي إلى إزعاجها، وهو ينافي الإحسان المطلوب، ولا يذبح واحدة بحضرة أخرى، ولا يجرها إلى مذبحها لما ذكرنا.\n\n• الوجه السادس: استدل بهذا الحديث أبو حنيفة وأحمد في رواية عنه على أن عقوبة القصاص لا تكون إلا بالسيف سواء وقعت الجناية به أو بغيره، وأجيب عنه بأنه مُخَصَّصٌ بآية: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فتبقى دلالة الحديث في غير الاعتداء، وأما في الاعتداء فيكون القود بمثل ما قَتَلَ به، وقد تقدم بحث هذه المسألة في \"الجنايات\". والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه (٣١٧٢) من طريق مروان بن محمد، عن ابن لهيعة، عن قرة بن عبد الرحمن، وأحمد (١٠/ ١٠٥) من طريق قتيبة بن سعيد، عن ابن لهيعة، عن عقيل، كلاهما عن الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ -، به. وقتيبة بن سعيد قوي في ابن لهيعة كما في \"سير أعلام النبلاء\" (٨/ ١٧) لكن صوب الحفاظ إرساله، انظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (١٦١٧)، \"العلل\" للدارقطني (١٣/ ١٤٨)، \"الدراية في تخريج أحاديث الهداية\" (٢/ ٢٠٨)، \"نصب الراية\" (٤/ ١٨٨).","vol":"9","page":260},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1147>ما جاء في ذكاة الجنين</span>\n١٣٥٢/ ١٢ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ الله - ﷺ -: \"ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (١٧/ ٤٤٢)، وابن حبان (١٣/ ٢٠٦) عن طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبي الوَدَّاك، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: … فذكره.\nوهذا سند حسن، كما قال المنذري (^١)، ولعل تحسينه من أجل يونس بن أبي إسحاق وهو السبيعي، فقد قال عنه الحافظ في \"التقريب\": (صدوق يهم قليلًا)، وبقية رجاله ثقات، وأبو الوداك هو جبر بن نوف البكالي، وهذا الحديث صححه ابن دقيق العيد حيث أورده في \"الإلمام\" (^٢).\nوالحديث رواه أبو داود (٢٨٢٧)، والترمذي (١٤٧٦)، وابن ماجه (٣١٩٩)، وأحمد (١٧/ ٣٦٢) من طريق مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد - ﵁ - مرفوعًا.\nوهذا سند ضعيف، من أجل مجالد، وهو ابن سعيد الهمداني -بسكون الميم- قال عنه في \"التقريب\": (ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره)، ولعل الحافظ عزا الحديث لأحمد وابن حبان؛ لأنه جاء عندهما بإسناد حسن، ولم يعزه لأصحاب السنن الثلاثة لضعف إسناده.\n_________\n(^١) \"مختصر السنن\" (٤/ ١٢٠).\n(^٢) رقم (٧٥٢).","vol":"9","page":261},{"text":"ولعل الحديث يقوي للاحتجاج به بما له من الطرق عن أبي سعيد، وما يشهد له من أحاديث أخرى، ومنها حديث جابر - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: \"ذكاة الجنين ذكاة أمه\" رواه أبو داود (٢٨٢٨)، وله طرق فيها ضعف.\nقال الحافظ: (والحق أن في أسانيدها ما تنتهض به الحجة، وهو مجموع طرق حديث أبي سعيد وطرق حديث جابر …) (^١).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ذكاة الجنين ذكاة أمه) جملة خبرية، جعل الخبر فيها هو المبتدأ، مثل: غذاء الجنين غذاء أمه، والأصل: ذكاة الجنين هي ذكاة أمه، فحذف المبتدأ الثاني إيجازًا لفهم المعنى، وهو علي قلب المبتدأ والخبر، والتقدير: ذكاة أم الجنين ذكاة له، بمعني أنه لا يحتاج إلي ذكاة مستقلة، بل تكفي ذكاة أمه، فلما قُدِّمَ حول الضمير ظاهرًا لوقوعه أول الكلام، وحول الظاهر ضميرًا اختصارًا (^٢).\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل علي أن الجنين إذا خرج من بطن أمه ميتًا بعد ذكاتها أنه حلال، وأن ذكاة أمه كافية عن ذكاته، وهذا مذهب جمهور العلماء من الشافعية والحنابلة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، ولا فرق عندهم بين أن يكون الجنين قد أشعر أم لم يشعر (^٣).\nوذهبت المالكية إلي أن ذكاة الجنين ذكاة أمه إذا تم خلقه ونبت شعره؛ لأن التذكية لا تؤثر إلا فيما وجدت فيه الحياة، والحياة لا توجد فيه إلا إذا نبت شعره وتم خلقه (^٤).\nوالقول الثالث: أن الجنين إذا خرج ميتًا من الذكاة فإنه ميتة؛ لعموم الأدلة في تحريم الميتة، وكذا لو خرج حيًّا ثم مات، وهذا مذهب الحنفية،\n_________\n(^١) \"التلخيص\" (٦/ ٣٠٧٤). وانظر: \"الإرواء\" (٨/ ١٧٢).\n(^٢) \"المصباح المنير\" (٢٠٩).\n(^٣) \"روضة الطالبين\" (٣/ ٢٧٩)، \"المغني\" (١٣/ ٣٠٨).\n(^٤) \"جواهر الإكليل\" (١/ ٢١٦).","vol":"9","page":262},{"text":"وابن حزم، قالوا: لأن له حياة مستقلة يتصور بقاؤها بعد موت أمه، فيجب أن يفرد بالذكاة (^١).\nوأجابوا عن الحديث بأنه من باب التشبيه الذي حذفت أداته، وأن معناه: ذكاة الجنين إذا خرج حيًّا كذكاة أمه، ووصف ابن حزم أدلة هذه المسألة بأنها أخبار واهية، ثم شرع في تضعيفها.\nوالصواب هو القول الأول؛ لقوة دلالة الحديث عليه، ويؤيده من جهة المعنى أمران:\nالأول: أن الجنين متصل بامه اتصال خِلْقَؤ، فهو يتغذي بغذائها، فتكون ذكاتُه ذكاتَها كاعضائها.\nالثاني: أن الذكاة في الحيوان تختلف بحسب القدرة عليه وعدم القدرة، والجنين لا يتوصل إلى ذبحه بأكثر من ذبح أمه، فيكون ذكاة له (^٢)، وقد استحب الإمام أحمد أن يذبح ليخرج الدم الذي في جوفه (^٣).\nوأما اشتراط المالكية الإشعار فلا دليل عليه، قال ابن عبد البر: (ليس في هذا الحديث اشتراط إشعاره ولا غيره) (^٤)، وقال ابن رشد: (وعموم الحديث يضعف اشتراط أصحاب مالك نبات شعره) (^٥).\nوأما تأويل الحنفية بأن المراد به التشبيه، فهو تأويل ضعيف لأمور ثلاثة:\n١ - أن هذا التأويل إلغاء للحديث عن الإفادة؛ لأنه معلوم أن ذكاة الحي من الأنعام ذكاة واحدة من جنين وغيره.\n٢ - أن الحديث جاء في بعض الروايات: \"ذكاة الجنين في ذكاة أمه\" (^٦) و(في) للظرفية؛ أي: كائنة أو حاصلة في ذكاة أمه.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٧/ ٤١٩)، \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٤٢ - ٤٣).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ٣٠٩).\n(^٣) \"المغني\" (١٣/ ٣١٠).\n(^٤) \"الاستذكار\" (١٥/ ٢٥٦).\n(^٥) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٦٣).\n(^٦) انظر: \"نيل الأوطار\" (١٥/ ١١٤).","vol":"9","page":263},{"text":"٣ - أن الصحابة - ﵃ - لم يسألوا عن صفة ذكاته ليكون قوله: \"ذكاته كذكاة أمه\" جوابًا لهم، وإنما قالوا: يا رسول الله، ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ قال: \"كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه\" هذا لفظ أبي داود، فهم سألوا عن أكل الجنين الذي يجدونه بعد الذبح، لا عن صفة ذكاته. والله تعالى أعلم.","vol":"9","page":264},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1148>ما جاء في ترك التسمية</span>\n١٣٥٣/ ١٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَال: \"الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ ثُمَّ لِيَأْكُلْ\"، أَخْرَجَهُ الدَّارقُطْنيُّ، وَفي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بنِ سِنَانٍ، وَهُوَ صَدُوقٌ ضَعِيفُ الْحِفْظِ.\nوَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَي ابْنِ عَبَّاسٍ، مَوْقُوفًا عَلَيهِ.\n١٣٥٤/ ١٤ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي \"مَرَاسِيلِهِ\" بِلَفْظِ: \"ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلَالٌ، ذَكرَ اسْمَ اللهِ عَلَيهِ أَوْ لَمْ يَذْكرْ\"، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ.\n\n* الكلام مع عليهما من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عباس - ﵄ - فقد رواه الدارقطني (٤/ ٢٩٦) من طريق محمد بن يزيد، حدثنا معقل، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا.\nوهذا سند ضعيف، علته -كما قال الحافظ- محمد يزيد بن سنان، وهو ضعيف، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: (ليس بالمتين، هو أشد غفلة من أبيه، مع أنه كان رجلًا صالحًا، لم يكن من أحلاس الحديث، صدوق، وكان يرجع إلى ستر وصلاح، وكان النفيلي يرضاه) (^١).\nوضعفه أبو داود والترمذي والنسائي والدارقطني (^٢)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٣).\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٨/ ١٢٨).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٤٦٢ - ٤٦٣)، \"الجامع في الجرح والتعديل\" (٣/ ١٠٣).\n(^٣) (٩/ ٧٤).","vol":"9","page":265},{"text":"وفي الحديث علة أخرى وهي أن شيخ محمد بن سنان، وهو معقل بن عبيد الله الجزري قد أخطأ في رفع هذا الحديث، وقد قال عنه الحافظ في \"التقريب\": (صدوق يخطئ).\nومما يدل علي خطئه مخالفة سفيان بن عيينة له، فقد رواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤/ ٤٨١) عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء قال: حدثنا عَينٌ -يعني عكرمة- عن ابن عباس - ﵄ - قال: (إن في المسلم اسم الله، فإن ذبح ونسي اسم الله فليأكل، وإن ذبح المجوسي وذكر اسم الله فلا تأكله)، قال البيهقي: (الأصح وقفه على ابن عباس) (^١)، وقال ابن عبد الهادي: (والصحيح أن هذا الحديث موقوف علي ابن عباس) (^٢)، وقد صححه الحافظ هنا، وكذا في \"فتح الباري\" (^٣)، وقال في \"الدراية\": (صوب الحفاظ وقفه\" (^٤).\nوأما الحديث الثاني فقد رواه أبو داود في \"المراسيل\" (٣٦٩)، - ومن طريقه البيهقي (٩/ ٤٠) - عن ثور بن يزيد، عن الصلت قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكر، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله\".\nوهذا سند مرسل، ومع إرساله فمرسله لين الحديث، بل قال ابن حزم: (مجهول) وقال الحافظ في \"التقريب\": (تابعي، لين الحديث، أرسل حديثًا).\n\n* الوجه الثاني: تقدم أن هذه الأحاديث استدل بها من قال: إن التسمية عند الذبح غير واجبة، وأن الذبيحة تحل إذا لم يسمِّ ولا سيما إذا كان ناسيًا، وقد علل لذلك بأن المسلم يكفيه اسمه، ومعناه أنه في حكم المسمي، لما كان اسمه مشتملًا على اسم الله تعالى.\nوالتحقيق أن هذه الأحاديث لا حجة فيها علي جواز ترك التسمية ولا إباحة ذبيحة من تركها ناسيًا؛ لأن الأحاديث الصحيحة المتقدمة مع ظاهر القرآن تدل على وجوبها مطلقًا، كما تقدم، أما هذه الأحاديث الثلاثة فالمرفوع ضعيف، والموقوف لا حجة فيه مع مخالفة السنة، والمرسل ضعيف، وما كان هذا شأنه فإنه لا يقف في مقابلة الأدلة الدالة علي الوجوب. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٣٩).\n(^٢) \"التنقيح\" (٤/ ٦٣٧).\n(^٣) (٩/ ٦٢٤).\n(^٤) (٢/ ٢٠٦).","vol":"9","page":266},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1149>باب الأضاحي</span>\nالأضاحي: جمع أضحية بضم الهمزة، ويجوز كسرها، ويجوز حذف الهمزة فتفتح الضاد، فيقال: ضَحية كعطية.\nوشرعًا: ما يذبح من بهيمة الأنعام أيام النحر تقربًا إلى الله تعالى.\nسميت بذلك: لأنها تذبح ضُحىً بعد صلاة العيد.\nوهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] والمنسك هنا: الذبح الذي يُتقرب به إلى الله تعالى، قال ابن كثير: (يخبر الله تعالى أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء علي اسم الله مشروعًا في جميع الملل) (^١).\nوأما السنة فستأتي الأحاديث مع شرحها في هذا الباب، وقد أجمع المسلمون علي مشروعية الأضحية، واختلفوا في وجوبها، كما سيأتي.\nوالحكمة من مشروعيتها تعظيم الله تعالى بذبح الأضاحي تقربًا إليه، وإظهار شعائر دينه، وفيها التوسعة علي الأهل وعلي الفقراء يوم العيد، والإهداء لذوي القربي والجيران.\nوذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها لما يأتي:\n١ - أن الذبح وإراقة الدم عبادة مشتملة علي تعظيم الله تعالى وإظهار شعائر دينه، وإخراج القيمة تعطيل لذلك.\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٤٢٠).","vol":"9","page":267},{"text":"٢ - أن الأضحية سنة الرسول - ﷺ - وعمل المسلمين، ولم ينقل أن أحدًا منهم أخرج القيمة ولو مرة، ولو علموا أن الصدقة أفضل لعدلوا إليها (^١).\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (٢٦/ ٣٠٤)، \"أحكام الأضحية والذكاة\" ص (١٤).","vol":"9","page":268},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1150>مشروعية الأضحية وشيء من صفاتها</span>\n١٣٥٥/ ١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَينِ، أقْرَنَينِ، ويسَمِّي، وَيُكَبِّرُ، وَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَي صِفَاحِهِمَا. وَفي لَفْظٍ: ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ. وَفي لَفْظ: سَمِينَينِ. وَلأَبي عَوَانَةَ في صَحِيحِهِ: ثَمِينَينِ -بِالْمُثَلَّثَةِ بَدَلَ السِّينِ- وفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، وَيقُولُ: \"بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ\".\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في مواضع من كتاب \"الأضاحي\"، ومنها باب (التكبير عند الذبح) (٥٥٦٥)، ومسلم (١٩٦٦) (١٧) من طريق قتادة، عن أنس - ﵁ -.\n\nوقوله: (وفي لفظ: \"سمينين\") هذا ليس في \"الصحيحين\"، وقد علقه البخاري بقوله: (باب أضحية النبي - ﷺ - بكبشين أقرنين، ويذكر سمينين)، وقد وصله أبو عوانة في \"صحيحه\" (٥/ ١٥) من طريق حجاج قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يضحي بكبشين أملحين أقرنين سمينين … الحديث.\nوالحديث ورد في \"الصحيحين\" من عدة طرق عن شعبة، عن قتادة، وليس فيه: (سمينين)، قال الحافظ: (وهو المحفوظ عن شعبة).\nوقد رواه ابن ماجه (٢/ ١٠٤٣)، وعبد الرزاق (٤/ ٣٧٩) من حديث عائشة وأبي هريرة - ﵄ -.\n\nوقوله: (ولأبي عَوانة … إلخ) الموجود في طبعة \"صحيح أبي عوانة\"","vol":"9","page":269},{"text":"بالسين، كما تقدم، وليس بالثاء المثلثة، كما ذكر الحافظ، بل إن الحافظ نفسه نقل في \"الفتح\" أنه بالسين عن \"صحيح أبي عوانة\" (^١).\nوالحديث رواه مسلم (١٩٦٦) من طريق سعيد، عن قتادة، عن أنس - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - بمثل لفظه الأول غير أنه قال: ويقول: بسم الله، والله أكبر.\nولعل الحافظ أورد هذه الرواية مع أنها مفهومة مما تقدم؛ لأنها بينت صيغة التسمية والتكبير.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كان يضحي) المضارع بعد (كان) يفيد التكرار والمداومة علي الفعل إلا إذا وجدت قرينة.\n\nقوله: (بكبشين) تثنية كبش، وهو فحل الضأن في أي سن كان، وقيل: إذا أثني، وقيل: إذا أربع، والجمع أَكبُشٌ وأكْبَاش.\n\nقوله: (أملحين) تثنية أملح، وهو الذي فيه سواد وبياض أكثر، وقيل: الأملح: الأبيض الخالص.\n\nقوله: (أقرنين) تثنية أقرن، وهو الكبير القرن، والمراد أن لكل واحد منهما قرنين كبيرين معتدلين.\n\nقوله: (صفاحهما) أي: صفاح كل واحد منهما عند ذبحه، والصفاح الجوانب، والمراد الجانب الواحد من وجه الأضحية، وإنما ثني إشارة إلي أنه فعل ذلك في كل منهما، فهو من إضافة الجمع إلي المثني بإرادة التوزيع. وقد فعل ذلك ليكون أثبت له وأمكن، لئلا تضطرب فتمنعه من إكمال الذبح أو تؤذيه.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل علي مشروعية الأضحية والترغيب فيها والحث علي فعلها؛ لأن النبي - ﷺ - إذا فعل شيئًا علي وجه الطاعة والقربة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٠).","vol":"9","page":270},{"text":"ولم يكن مختصًا به فهو مستحب في حق أمته، ولا خلاف بين العلماء أن الأضحية من شعائر الدين، وإنما الخلاف في وجوبها، كما سيأتي.\n\n* الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث الإمام مالك على أن الضأن أفضل أنواع بهيمة الأنعام في الأضحية؛ لأن النبي - ﷺ - ضحى به، ولا يفعل إلا الأفضل (^١).\nوذهب الأئمة الثلاثة إلي أن الأفضل البدنة ثم البقرة ثم الشاة (^٢)، لحديث أبي هريرة - ﵁ - في فضل التقدم إلى الجمعة: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة …) (^٣)؛ ولأنه ذبح يتقرب به إلي الله تعالى فكانت البدنة أفضل كالهدي؛ ولأنها أغلى ثمنًا وأكثر لحمًا وأنفع.\nوأجابوا عن حديث أنس بأن التضحية بالكبش لأنه أفضل أجناس الغنم (^٤).\n\n* الوجه الخامس: أن الذكر في الأضحية أفضل من الأنثي؛ لأنه - ﷺ - ضحى بكبشين؛ ولأن لحمه أطيب، مع جواز التضحية بالأنثي بالإجماع.\n\n* الوجه السادس: استحباب التضحية بالأقرن، وأنه أفضل من الأجم، مع جواز التضحية بالأجم اتفاقًا، وهو ما لا قرن له.\n\n* الوجه السابع: مشروعية استحسان الأضحية صفة ولونًا، وذلك بأن تكون سمينة حسنة، وأحسنها الأملح، والمراد به: الأبيض الخالص البياض، أو ما بياضه أكثر من سواده، كما تقدم، وهذا من تعظيم شعائر الله تعالى، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦]، فتعظيم البدن من تعظيم شعائر الله، قال ابن عباس - ﵄ -: (الاستسمان، والاستحسان، والاستعظام) (^٥).\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٣٣).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ٣٦٦).\n(^٣) رواه البخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠).\n(^٤) \"المغني\" (١٣/ ٣٦٦).\n(^٥) \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٤١٥)، \"فتح الباري\" (٣/ ٥٣٦).","vol":"9","page":271},{"text":"* الوجه الثامن: استحباب أن يتولي الإنسان ذبح أضحيته بيده إن كان يحسن الذبح؛ لأن الذبح قربة، قال البخاري: (أمر أبو موسى بناته أن يضحين بأيديهن) (^١)، فإن لم يحسن استناب مسلمًا عالمًا بشروط الذبح؛ لأن النبي - ﷺ - استناب عليًّا في ذبح ما بقي من بُدْنِهِ في حجة الوداع (^٢).\n\n* الوجه التاسع: فيه استحباب العدد في الأضحية ما لم يقصد المباهاة، وأن من أراد أن يضحي بعدد فالأفضل ذبحها في يوم العيد، والتفريق في أيام النحر جائز، وفيه نفع للمساكين، ويستمر الذبح إلي غروب شمس اليوم الثالث عشر على الراجح من قولي أهل العلم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\n\n* الوجه العاشر: مشروعية التسمية والتكبير عند ذبح الأضحية، فيقول: (بسم الله، والله أكبر)، أما التسمية فواجبة، وأما التكبير فمستحب على قول جمهور أهل العلم، والظاهر أن التسمية واجبة على كل ذبح، وأما التكبير فكأنه خاص بالأضحية والهدي، لقوله تعالى: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَي مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].\nولا بد أن تكون التسمية عند الذبح فلو وقع فاصل طويل أعادها، إلا إذا كان الفصل لتهيئة الذبيحة وأخذ السكين، والمعتبر أن تكون التسمية على ما أراد ذبحه، فلو سمي على شاة ثم تركها إلي غيرها أعاد التسمية، وأما تغيير الآلة فلا يؤثر على التسمية.\n\n* الوجه الحادي عشر: في الحديث دليل على أن الأضحية إذا كانت من الغنم فإنها تذبح مضجعة؛ لأنه أرفق بها، ويضع الذابح رجله على صفحة عنقها الأيمن بعد إضجاعها على الجانب الأيسر؛ لأنه أسهل للذابح في أخذ السكين باليد اليمنى وإمساك رأسها باليسري، إلا إذا كان الذابح أعسر -وهو من يعمل بيده اليسري عمل اليمنى- فله أن يضجعها على الجانب الأيمن؛ لأن الغرض إراحة الذبيحة وتمكن الذابح منها. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٩).\n(^٢) رواه مسلم من حديث جابر - ﵁ - (١٢١٨).","vol":"9","page":272},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1151>استحباب الدعاء عند ذبح الأضحية</span>\n١٣٥٦/ ٢ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵄ -: أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، يَطَأُ في سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ في سَوَادٍ، وَينْظُرُ فيِ سَوَادٍ؛ ليُضَحِّيَ بِهِ، فَقَال: \"اشْحَذِي الْمُدْيَةَ\"، ثُمَّ أَخَذَهَا، فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذبَحَهُ، وقَال: \"بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمّ تَقَبّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وآل مُحَمّدٍ، وَمِنْ أُمّةِ مُحَمّدٍ\".\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في \"الأضاحي\" (١٩٦٧) من طريق أبي صخر، عن يزيد بن قُسيط، عن عروة بن الزبير، عن عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد، فأُتيَ به ليضحي به، فقال لها: \"يا عائشة هَلُمِّي المُدْيَةَ\" ثم قال: \"اشحذيها بحجر\" ففعلت، ثم أخذها وأخد الكبش فاضجعه ثم ذبحه، ثم قال: \"بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد\"، ثم ضحى به.\nهذا لفظ الحديث عند مسلم، وبهذا يتبين أن الحافظ قد حذف بعض ألفاظه.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يطأ في سواد …) أي: إن أظلافه وقوائمه ومواضع البروك منه وما حول عينيه أسود.\n\nقوله: (هلمي) هَلُمَّ: فعل أمر على لغة تميم، لاتصال ياء المخاطبة به وهي فاعل، ومعناه: أحضري، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠] أي: أحضروا شهداءكم، وأما على لغة أهل الحجاز فهو اسم فعل أمر يدل","vol":"9","page":273},{"text":"على الطلب، ولا يقبل الضمائر، وبلغتهم جاء القرآن، كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَينَا﴾ [الأحزاب: ١٨].\n\nقوله: (اشحَذِي المُدية) أمر من شَحَذْتُ السكين بالمِسَنِّ، أشْحَذُها: حَدَدْتُها، وتقول: سَنَنْتُ السكين بالمِسَنِّ سنًّا من باب قتل: أحددته، و(المدية) مثلثة الميم، وهي السكين.\n\nقوله: (ثم ذبحه وقال: \"بسم الله\") هكذا في بعض نسخ \"البلوغ\" والمثبت في \"صحيح مسلم\": (ثم قال:) -كما تقدم- وظاهره أن التسمية وقعت بعد الذبح، وهذا غير مراد؛ لأن (ثم) ليست على بابها وهو إفادة الترتيب والتراخي، وإنما الفعل الذي بعدها مؤول، وتقديره: فأضجعه ثم شرع في ذبحه قائلًا: بسم الله، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨] أي: فإذا أردت.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على استحباب الدعاء بقبول الأضحية، فيقول: (اللهم تقبل مني …) ونحو ذلك، واستحسن بعض العلماء أن يقول نص الآية: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] وهذا قول الجمهور من أهل العلم.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنه يجوز للرجل أن يضحي عن نفسه وعن أهل بيته بأضحية واحدة، فيشركهم معه في ثوابها، كما أن له أن يشرك من شاء من الأموات، وفضل الله واسع.\nوهذا يدل على أن الأصل في الأضحية أنها مطلوبة في وقتها من الحي عن نفسه، وله أن يشرك في ثوابها من شاء من الأحياء والأموات، وأما ما يظنه بعض العامة أن الأضحية للأموات فقط فهذا خطأ؛ فإن النبي - ﷺ - وأصحابه كانوا يضحون عن أنفسهم وأهليهم.\nوأما الأضحية عن الميت منفردًا فمن أهل العلم من رخص فيها؛ لأنها نوع من الصدقة، والصدقة تصح عنه، كما دلت عليه النصوص، وتنفعه إن شاء الله.","vol":"9","page":274},{"text":"ومن أهل العلم من قال: إن الميت لا يُضَحَّى عنه؛ لأنه لم يثبت عن النبي - ﷺ - في ذلك شيء (^١)، وقد ماتت زوجته خديجة - ﵄ - وعمه حمزة - ﵁ - في حياته - ﷺ -، ولم ينقل أنه ضحي عن واحد منهما، وخديجة أحبُّ النساء إليه، وعمه أحب أعمامه إليه (^٢).\nفإن أوصى الميت بأضحية في ثلث ماله أو جعلها في غَلَّةِ وقف له، فإنه يجب على القائم على الوقف أو الوصية تنفيذ ذلك، ولا يجوز له التصدق بثمن الأضحية؛ لأنه خلاف السنة، وتغيير للوصية، وإذا كان في الوصية أو الوقف عدة ضحايا والرَّيْعُ لا يكفي إلا واحدة، فلا بأس من جمع الأضاحي\n_________\n(^١) ورد في هذا الباب ما أخرجه أحمد (٢/ ٢٠٥)، وأبو داود (٢٧٩٠)، والترمذي (١٤٩٥)، والحاكم (٤/ ٢٢٩ - ٢٣٠) من طريق شريك، عن أبي الحسناء، عن الحكم، عن حَنَشٍ قال: رأيت عليًّا - ﵁ - يضحي بكبشين، فقلت: ما هذا؟ فقال: إن رسول الله - ﷺ - أوصاني أن أضحي عنه، فأنا أضحي عنه.\nلكن هذا الحديث ضعفه العلماء لما يلي:\n١ - فيه شريك، وهو ابن عبد الله القاضي، سيء الحفظ، قال في \"التقريب\": (صدوق يخطئ كثيرًا تغير حفظه لما ولي قضاء الكوفة).\n٢ - أبو الحسناء، قال في \"التقريب\": (مجهول).\n٣ - حنش هو أبو المعتمر الكناني الصنعاني، تكلم فيه غير واحد، قال ابن حبان: (كان كثير الوهم في الأخبار ينفرد عن علي - ﵁ - بأشياء، لا تشبه حديث الثقات حتى صار ممن لا يحتج به) وقال في \"التقريب\": (صدوق له أوهام ويرسل).\nأما الحاكم فقال: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأبو الحسناء هذا هو الحسن بن الحكم النخعي)، وسكت عنه الذهبي، وتابعه على تسمية أبي الحسناء، مع أنه ذكره في \"الميزان\" (٤/ ٥١٥) وقال: (لا يعرف)، وأما الحسن بن الحكم هذا فمعروف، ترجم له المزي في \"تهذيب الكمال\" (٦/ ١٢٨) وذكر أنه روي عن جمع، وقد وثقه ابن معين والإمام أحمد، واحتج به أصحاب الكتب الستة، غير النسائي، نقد أخرج له في مسند علي - ﵁ -، وعلى فرض صحة الحديث فإن عليًّا - ﵁ - كان وصيًّا، كما هو ظاهر الحديث لا متبرعًا، ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في \"جامع المسائل\" (٤/ ٢٥٥) وقولهم: إنها من باب الصدقة لا يخلو من خفاء؛ لأن الأضحية تحصل بإهراق الدم، ولا يتوقف على التصدق باللحم. انظر: تعليق الأرنؤوط ومن معه على \"المسند\" (١/ ٢٠٥).\n(^٢) انظر: \"جامع الترمذي\" (٣/ ١٦١)، \"شرح السنة\" (٤/ ٣٥٨)، \"الشرح الممتع\" (٧/ ٥٢٠).","vol":"9","page":275},{"text":"في أضحية واحدة إذا كان الموصي واحدًا، وإن تبرع القائم بتكميل الثمن من عنده فحسن، وإن لم يَكْفِ المُغَلُّ أبقى المبلغ عنده للعام المقبل ولو أعوامًا؛ لأن هذا هو العرف.\nوالمطلوب من القائم تحري الدقة والحرص على ما فيه نفع الميت؛ لعظيم حاجته إلى البر والخير، والله أعلم (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"مفيد الأنام\" (٢/ ٤٨٠)، \"أحكام الأضحية\" ص (١٦).","vol":"9","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1152>حكم الأضحية</span>\n١٣٥٧/ ٣ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ، لكنْ رَجَّحَ الأَئِمَّةُ غَيرُهُ وَقْفَهُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (١٤/ ٢٤)، وابن ماجه (٢/ ١٠٤٤)، والحاكم (٢/ ٣٨٩) (٤/ ٢٣١ - ٢٣٢) من طريق عبد الله بن عياش، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، وفي سنده عبد الله بن عياش، وهو متكلم فيه، قال أبو حاتم: (ليس بالمتين، صدوق، يكتب حديثه، وهو قريب من ابن لهيعة) (^١)، وقال ابن يونس: (منكر الحديث) (^٢)، وقال الذهبي: (وإن كان قد احتج به مسلم فقد ضعفه أبو داود والنسائي، وقال أبو حاتم: هو قريب من ابن لهيعة) (^٣)، وحديثه في \"صحيح مسلم\" في الشواهد لا في الأصول، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق يَغْلَطُ)، وبهذا يتبين أن قول الحافظ في \"الفتح\": (رجاله ثقات) (^٤) فيه نظر.\nوهذا الحديث روي مرفوعًا، وروي موقوفًا، فقد رواه عن عبد الله بن عياش مرفوعًا: عبد الله بن يزيد المقرئ، كما عند الحاكم، وزيد بن الحباب،\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٥/ ١٢٦).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٣٠٧).\n(^٣) \"تلخيص المستدرك\" (٤/ ٤٣٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣).","vol":"9","page":277},{"text":"كما عند ابن ماجه، والحاكم، والبيهقي (٩/ ٢٦٠)، وحيوة بن شريح عند البيهقي في \"الشعب\" (٧٣٣٤).\nورواه موقوفًا عن ابن عياش عبد الله بن وهب، كما عند الحاكم (٤/ ٢٣٢)، وقد رجح الحاكم المرفوع، فقال بعد سياقه مرفوعًا من طريق أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد: (أوقفه عبد الله بن وهب، إلا أن الزيادة من الثقة مقبولة، وأبو عبد الرحمن المقرئ فوق الثقة).\nورجح الترمذي والدارقطني والبيهقي وابن عبد الهادي رواية الوقف، وقال الحافظ في \"الفتح\": (الموقوف أشبه بالصواب) (^١)، وعبد الله بن وهب قال عنه الحافظ في \"التقريب\": (ثقة حافظ عابد)، وقال عن عبد الله بن يزيد المقرئ: (ثقة فاضل).\n\n* الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن الأضحية واجبة، وهذا قول أبي حنيفة (^٢)، وأحد القولين في مذهب مالك (^٣)، وهو قول الليث والأوزاعي، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، بل نصر الشيخ هذا القول (^٤).\nووجه الاستدلال: أنه لما نهاه عن قربان المصلى دل على أنه ترك واجبًا.\nكما استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢] فأمر الله تعالى بالنحر، والأصل في الأمر الوجوب.\nكما استدلوا بحديث جندب بن سفيان الآتي: \"من ذبح قبل الصلاة فليذبح شاة مكانها\" وهذا أمر، والأمر للوجوب.\n_________\n(^١) \"العلل\" للدارقطني (١٠/ ٣٠٤ - ٣٠٥) ويبدو أن فيه سقطًا يستفاد من \"التنقيح\"، \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٦٠)، \"التنقيح\" (٣/ ٥٦٤، ٥٦٧)، \"المحرر\" ص (٢٦٦)، \"فتح الباري\" (١٠/ ٣).\n(^٢) \"الهداية\" (٤/ ٧٠).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٣١).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٢٣/ ١٦٢).","vol":"9","page":278},{"text":"وذهب الجمهور من الشافعية والمالكية والحنابلة في المشهور عنهم إلي أن الأضحية سنة مؤكدة، بل صرح كثير من أرباب هذا القول بأنه يكره للقادر تركها (^١)، وهذا القول هو ظاهر اختيار البخاري (^٢)، ونصره ابن حزم وقال: (لا يصح عن أحد من الصحابة أن الأضحية واجبة) (^٣)، واختار هذا القول الشيخ عبد العزيز بن باز.\nواستدلوا بحديث أم سلمة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره حتى يضحي\" (^٤).\nووجه الدلالة: أن الرسول - ﷺ - علق الأضحية على الإرادة، والواجب لا يعلق على الإرادة.\nكما استدلوا بالتمسك بالأصل، وهو براءة الذمة حتى يقوم دليل على الوجوب السالم من المعارض.\nوقد أجاب كل فريق عن أدلة الآخر، فالقائلون بالوجوب أجابوا عن حديث أم سلمة - ﵁ - بأن تفويض الفعل إلى إرادة الشخص لا ينافي الوجوب ولا يدل على أن الشخص مخير على الإطلاق إذا ثبت الوجوب بطريق آخر، مثل: يجب الوضوء على من أراد الصلاة.\nوأما التمسك بالأصل فهو دليل قوي، لكن قد قام دليل الوجوب السالم من المعارض، فثبت الحكم، وذلك بالأدلة السابقة.\nوأجاب الجمهور القائلون بأن الأضحية سنة عن أدلة الوجوب بأن حديث الباب متكلم فيه، والحفاظ على ترجيح وقفه -كما تقدم- ومع ترجيح وقفه فلا ينتهض دليلًا على الوجوب؛ لحال عبد الله بن عياش.\nوأما قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ فليس نصًّا في الموضوع فقد\n_________\n(^١) \"المهذب\" (١/ ٣١٧)، \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٣١)، \"المغني\" (١٣/ ٣٦٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣).\n(^٣) \"المحلى\" (٧/ ٣٥٥).\n(^٤) \"رواه مسلم\" (١٩٧٧)، وأُعل بالوقف.","vol":"9","page":279},{"text":"قيل: إن المراد بقوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ وضع اليدين تحت النحر عند القيام في الصلاة، وهذا القول وإن كان ضعيفًا لكن مع الاحتمال قد يمتنع الاستدلال، وعلى المعنى المشهور فلا يتبين أن يكون المراد فعل النحر، فقد قيل: إن المراد تخصيصه لله تعالي وإخلاصه له، وعلي أن المراد فعل النحر لا يتعين أن يكون ذلك كل عام، بل يتحقق الامتثال ولو مرة واحدة (^١).\nوقول الجمهور قوي في نظري، ومع هذا فالأحوط للمسلم ألا يترك الأضحية مع قدرته عليها؛ لأن أداءها هو الذي يتعين به براءة ذمته، والخروجُ من عهدة الطلب أحوطُ، وأما غير القادر الذي ليس عنده إلا مؤنة أهله فإن الأضحية لا تلزمه، ومن كان عليه دين فإنه يقدمه على الأضحية؛ لوجوب إبراء الذمة عند الاستطاعة.\nوأما الاقتراض لشراء الأضحية، فإن كان الإنسان يرجو وفاءً، كمن له مرتب أو نحوه فإنه يقترض ويضحي، وإن كان لا يرجو وفاءً، فإنه لا يقترض؛ لئلا يشغل ذمته بشيء لا يلزمه في مثل حاله. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"أحكام الأضحية\" ص (٨).","vol":"9","page":280},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1153>وقت ذبح الأضحية</span>\n١٣٥٨/ ٤ - عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ - ﵁ - قَال: شَهِدْتُ الأَضْحى مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ بِالنَّاسِ نَظَرَ إلى غَنَمٍ قَدْ ذُبِحَتْ، فَقَال: \"مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ شَاةً مَكَانَهَا، ومَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو عبد الله، جُندُب -بضم الجيم والدال ويجوز فتحها- ابن عبد الله بن سفيان البَجَلي ثم العَلَقي -والعَلَقُ بطن من بَجِيلَةَ- وقد ينسب إلى جده فيقال: جندب بن سفيان، قال ابن عبد البر: (له صحبة ليست بالقديمة)، سكن الكوفة، ثم البصرة، وروي عنه أهل المصرين، كما روي عنه من أهل الشام شهر بن حوشب، عاش إلي حدود ستة سبعين - ﵁ - (^١).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأضاحي\"، باب (من ذبح قبل الصلاة أعاد) (٥٥٦٢)، ومسلم (١٩٦٠) (٢) من طريق الأسود بن قيس، سمعت جندب بن سفيان البجلي قال: … وذكر الحديث، وهذا لفظ مسلم.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٢/ ١٧٧)، \"السير\" (٣/ ١٧٤)، \"الإصابة\" (٢/ ١٠٤).","vol":"9","page":281},{"text":"* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (شهدت الأضحي) أي: صلاة عيد الأضحي، ومعني شهدت: حضرت.\n\nقوله: (فلما قضي الصلاة) أي: فرغ منها، فالقضاء في عرف الشرع يطلق على الفراغ من العبادة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠].\n\nقوله: (نظر إلي غنم قد ذبحت) الظاهر أنهم ذبحوها عند المصلي لا في نفس المصلي، وهذا على رأي من يقول: إن مصلي العيد مسجد، والمسجد لا يلوث بالدم والفرث.\n\nوقوله: (قد ذبحت) أي: قبل الصلاة بدليل السياق.\n\nقوله: (فليذبح شاة مكانها) أي: بدلها، لعدم إجزاء ما تَمَّ ذبحه قبل الصلاة.\n\nقوله: (فليذبح على اسم الله) هذا أمر بكون الذبح على اسم الله تعالى لا أمر بمطلق الذبح، فكأنه قال: إن أراد أن يذبح فليذبح على اسم الله. وفي رواية لمسلم: (فليذبح باسم) وقد ذكر النووي أنهما بمعني واحد، فالجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير في قوله: (فليذبح) أي: فليذبح قائلًا: باسم الله، أو فليذبح مسميًا (^١).\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن وقت ذبح الأضحية يبدأ بعد صلاة العيد، ولو قبل الخطبة، وأن من ذبح قبل الصلاة لم تجزئه، بل شاته شاة لحم، وعليه أن يذبح بدلها؛ لأن الأضحية عبادة مؤقتة لا تصح قبل دخول وقتها الذي شرعت فيه، وإنما وجب عليه أن يذبح بدلها؛ لأنه لما عينها قبل الذبح وجبت عليه، وذبحها قبل الوقت غير مجزئ، فوجب عليه بدلها، وهكذا كل من أوجب أضحية ثم فرط فيها فتلفت أو ذبحها على وجه لا يجزئ وجب عليه ذبح بدلها.\nفإن كان المضحي في مكان لا صلاة فيه كأهل البوادي والمسافرين فإنه يعتبر قدر وقت الصلاة.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (١٣/ ١٢٠)، \"الإعلام\" (٤/ ٢١٩).","vol":"9","page":282},{"text":"والأفضل تأخير الذبح إلي انتهاء الخطبة تأسيًا بالنبي - ﷺ -.\n\n* الوجه الخامس: ظاهر الحديث أن الذبح قبل الصلاة لا يجزئ مطلقًا، سواء أكان الذابح عامدًا أم جاهلًا أم ناسيًا، كمن صلى قبل دخول الوقت.\n\n* الوجه السادس: في الحديث دليل على مشروعية الخطبة في العيدين، وأنها بعد الصلاة، وأن المشروع فيها أن تكون مناسبة للوقت والحال، وفي خطبة الأضحي يناسب بيان ما يتعلق بالأضاحي.\n\n* الوجه السابع: في نهاية وقت ذبح الأضحية، وفيه قولان مشهوران:\nالأول: أن نهاية وقت الذبح غروب الشمس ثاني أيام التشريق، فتكون أيام النحر ثلاثة: يوم العيد ويومان بعده، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة أبي حنيفة وأحمد ومالك (^١)، واستدلوا بحديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من ضحي منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء … \" (^٢)، ووجه الاستدلال: أن الرسول - ﷺ - نهاهم عن الأكل بعد ثلاثة أيام، ولا يجوز الذبح في وقت لا يجوز فيه الأكل، ونسخ تحريم الأكل لا يستلزم نسخ وقت الذبح.\nالقول الثاني: أن آخر وقت الذبح غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، فتكون أيام الذبح أربعة، يوم العيد وثلاثة أيام بعده، وهذا هو القول الراجح -إن شاء الله- وذلك لما يلي:\n١ - قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] قال ابن عباس - ﵄ -: (الأيام المعلومات: يوم النحر وثلاثة أيام بعده) (^٣)، قال ابن كثير: (ويروي هذا عن ابن عمر وإبراهيم النخعي، وإليه يذهب أحمد بن حنبل في رواية عنه) (^٤).\n_________\n(^١) \"الهداية\" (٤/ ٧٣)، \"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٤٧)، \"المغني\" (١٣/ ٣٨٦).\n(^٢) رواه البخاري (٥٥٦٩)، ومسلم (١٩٧٤).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٤٥٨).\n(^٤) \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٤١٢).","vol":"9","page":283},{"text":"٢ - قوله - ﷺ -: \"كل أيام التشريق ذبح\" (^١).\n٣ - حديث نبيشة الهذلي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر لله\" (^٢).\n٤ - أن هذه الأيام أيام منى وأيام رمي الجمرات وأيام يحرم صومها، فكيف يُخْرَجُ منها الذبح ويُخَصُّ باليومين الأولين؟! (^٣).\n٥ - عملُ الصحابة - ﵃ - بمقتضي الوارد عن الرسول - ﷺ -، فقد قال بذلك: علي بن أبي طالب، وجبير بن مطعم، وابن عباس، وقال به من السلف: إمام فقهاء أهل الحديث الشافعي، وعطاء، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، وسليمان بن موسى الأسدي فقيه أهل الشام، ومكحول، وداود وغيرهم، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو ظاهر ترجيح ابن القيم (^٤).\nوأما حديث سلمة فلا يفيد أن أيام الذبح ثلاثة فقط؛ لأنه دليل على نهي الذابح أن يدخر شيئًا فوق ثلاثة من يوم ذبحه، وهو لو أخر الذبح إلي اليوم الثالث من أيام التشريق لجاز له الادخار بعده ثلاثة أيام.\nفإن فات وقت الذبح بغروب شمس اليوم الثالث عشر فإنه يذبح الأضحية الواجبة، وهي ما وجب قبل التعيين كالمنذورة، ومثل ذلك الأضحية الموصي بها إذا اشتريت قبل أيام النحر، وكذا لو عيَّن إنسان أضحية،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٧/ ٣١٦)، وابن حبان (٩/ ١٦٦)، والدارقطني (٤/ ٢٨٤)، والبيهقي (٩/ ٢٩٥) من حديث جبير بن مطعم - ﵁ -، والحديث له طرق، وقد أورده الألباني في \"الصحيحة\" (٥/ ٦١٧) وذكر هذه الطرق، وقد ضعفه البيهقي وجماعة من المحققين، ولو صح لكان نصًّا في الموضوع، لكنه معلول بالاضطراب، والإرسال، انظر: \"التمهيد\" (١٢/ ١٣١)، \"الجوهر النقي\" (٩/ ٢٩٦)، \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٥٣)، \"التلخيص\" (٦/ ٣٠٢٤).\n(^٢) رواه مسلم (١١٤١).\n(^٣) \"أحكام الأضحية\" ص (٢٢).\n(^٤) \"المغني\" (١٣/ ٣٨٦)، \"المجموع\" (٨/ ٣٩٠)، \"الاختيارات الفقهية\" ص (١٢٠)، \"زاد المعاد\" (٢/ ٣١٩).","vol":"9","page":284},{"text":"وضاعت منه، ثم وجدها بعد مضي أيام النحر، لزمه ذبحها؛ لوجوبها بالتعيين، ويفعل بهذا الواجب المقضي كما يفعل بالمذبوح في وقته، وأما أضحية التطوع فلا يذبحها؛ لأنها سنة فات محلها، ولو ذبحها وتصدق بها كانت لحمًا تصدق به، لا أضحية، والله أعلم (^١).\n_________\n(^١) الإفصاح (١/ ٢١١)، \"المغني\" (١٣/ ٣٨٧)، \"مفيد الأنام\" (٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠)، \"حاشية ابن قاسم على الروض المربع\" (٤/ ٢٣١)، \"الشرح الممتع\" (٧/ ٤٦٤).","vol":"9","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1154>ما لا يجوز من الأضاحي</span>\n١٣٥٩/ ٥ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵃ - قَال: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَال: \"أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ في الضَّحَايَا: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلَعُهَا، وَالْكَسِيرَةُ الَّتي لَا تُنْقِي\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَححَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبّانَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"لأضاحي\"، باب (ما يكره من الضحايا) (٢٨٠٢)، والترمذي (١٤٩٧)، والنسائي (٧/ ٢١٤ - ٢١٥)، وابن ماجه (٣١٤٤)، وأحمد (٣٠/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، وابن حبان (١٣/ ٢٤٠) والحاكم (١/ ٤٦٨) من طريق شعبة، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن عبيد بن فيروز قال: سألت البراء بن عازب - ﵁ - ما لا يجوز في الأضاحي، فقال: قام فينا رسول الله - ﷺ - وأصابعي أقصر من أصابعه، وأناملي أقصر من أنامله، فقال: (أربع لا تجوز في الأضاحي … الحديث)، وهذا لفظ أبي داود.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عبيد بن فيروز، عن البراء، والعمل على هذا عند أهل العلم)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه، لقلة روايات سليمان بن عبد الرحمن، وقد أظهر على بن المديني فضائله وإتقانه)، وسكت عنه الذهبي.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (قام فينا) في رواية مالك عن عمرو بن الحارث، عن عبيد بن","vol":"9","page":286},{"text":"فيروز: (سئل رسول الله - ﷺ - ماذا يُتَّقى من الضحايا؟) (^١)، وقوله: (وأصابعي … إلخ) قال هذا من باب الأدب.\n\nقوله: (أربع) هذا العدد يفيد الحصر، لوجود القرينة وهي الإشارة، فإن قول الصحابي: (وأصابعي أقصر من أصابعه ..) يفيد أن رسول الله - ﷺ - قد أشار بأصابعه.\n\nقوله: (العوراء البيِّن عورها) العوراء: بالمد تأنيث أعور، والعوراء: هي التي انخسفت عينها أو برزت، ومعني: (البين) الظاهر.\n\nقوله: (والمريضة البيِّن مرضها) وهي التي ظهرت عليها آثار المرض الذي يقعدها عن المرعي، ويسبب لها الهزال.\n\nقوله: (والعرجاء البيِّن ظلعها) الظلع: بفتح الظاء المُشَالة، وإسكان اللام، هكذا ضبطه أهل اللغة، وأهل الحديث يفتحون اللام، قال السندي: وكأنهم رأوا مشاكلة العور والمرض (^٢). والظلع هو الغمز، والظالع هو الغامز في مشيته، فالعرجاء هي التي تغمز في يدها أو رجلها خلقة أو لعلَّة طارئة.\nوالبيِّن ظَلَعُها: هي التي تتخلف عن القطيع وتسبقها الماشية إلى الكلأ الطيب فيرعينه ولا تدركهن فينقص لحمها.\n\nقوله: (والكسيرة التي لا تنقي) هذا لفظ النسائي وابن ماجه، ولفظ أبي داود وأحمد: (والكسير) بدون هاء، وقد جاء هذا في بعض النسخ. وعند النسائي -أيضًا- وعند الترمذي وأحمد (٣٠/ ٦١٥): (والعجفاء) وهي بالمد مؤنث أعجف، والعَجَفُ: بالتحريك: الهزال والضعف.\nوالمراد بالكسيرة: التي لا تقوم ولا تنهض من الضعف والهزال، فهي بمعنى العجفاء.\n_________\n(^١) \"الموطأ\" (٢/ ٤٨٢).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (٣٨٥)، \"حاشية السندي على سنن النسائي\" (٧/ ٢١٤).","vol":"9","page":287},{"text":"ومنهم من فسر الكسيرة بالمنكسرة الرجل التي لا تستطيع المشي، فهي فعيل بمعنى مفعول، والأظهر هو المعنى الأول، لرواية: (العجفاء).\n\nقوله: (لا تنقي) بضم التاء وإسكان النون وكسر القاف؛ أي: لا نِقْيَ لها، والنِّقْيُ: بكسر النون هو المخ من أنقت الإبل: إذا سمنت وصار فيها نقي، فالتي لا تنقي هي التي لا مخ في عظامها لضعفها.\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن هذه العيوب الأربعة مانعة من صحة الأضحية، وهي عيوب مجمع عليها، كما قال الموفق وغيره (^١).\nفالأولى: العوراء البين عورها، وهي التي انخسفت عينها أو برزت، فإن كان على عينها بياض ولم تذهب أجزأت؛ لأن عورها ليس بينًا فلا يؤثر في نقصان لحمها، والعمياء أشد؛ لأن العمى يمنع مشيها مع رفيقتها ويمنع مشاركتها في العلف.\nالثانية: المريضة البين مرضها، وهي التي ظهرت عليها آثار المرض الذي يُقْعِدُها عن الرعي مما يسبب لها الهزال وفساد اللحم، ومنه الجَرَبُ فهو يمنع الإجزاء قليله وكثيره؛ لأنه يفسد الشحم واللحم، ويلحق بالمريضة المبشومة حتى تَثْلِط؛ لأن البَشَمَ -وهو التُّخْمة من كثرة الأكل (^٢) - عارض خطير كالمرض البين، فإذا زال خطرها أجزأت إن لم يحدث لها مرض بين، والثَّلْط: هو الرقيق من الرجيع (^٣).\nالثالثة: العرجاء البين ظَلَعُهَا -أي: عَرَجُهَا- وذلك بكونه فاحشًا، ويلحق بالعرجاء مقطوعة إحدي اليدين أو الرجلين؛ لأنها أولي بعدم الإجزاء من العرجاء البين ظلعها؛ ولأنها ناقصة عضو مقصود، كما يلحق بالعرجاء العاجزة عن المشي لعاهة من كسر ونحوه، بل هي أولي بعدم الإجزاء.\nالرابعة: الكسيرة التي لا تنقي، وهي الهزيلة التي لا مخ في عظمها،\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٣/ ٣٦٩).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (٥٠).\n(^٣) \"اللسان\" (٧/ ٢٦٨).","vol":"9","page":288},{"text":"فهذه لا تجزئ؛ لأنها ضعيفة كريهة المنظر، أما الهزيلة التي لم يصل الهزال إلي داخل عظمها فهي تجزئ.\nفهذا الحديث دليل على أن هذه العيوب الأربعة مانعة من صحة الأضحية، وسكت عن غيرها من العيوب، ولكن يري الجمهور أنه يقاس عليها غيرها مما هو أشدُّ منها أو مساوٍ لها.\nقال النووي: (وأجمعوا على أن العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء لا تجزئ التضحية بها، وكذا ما كان في معناها أو أقبح منها كالعمي وقطع الرجل وشبهه) (^١).\nوقال الخطابي: (في الحديث دليل على أن العيب الخفيف في الضحايا معفو عنه، ألا تراه يقول: \"البين عورها، والبين مرضها، والبين ظلعها\" فالقليل منه غير بين، فكان معفوًا عنه\" (^٢).\n\n* الوجه الرابع: دل الحديث بمفهومه على أن ما عدا هذه العيوب الأربعة وما في معناها لا يمنع الإجزاء، وذلك لأن هذا الحديث خرج مخرج البيان والحصر؛ لأنه جواب سؤال كما تقدم في رواية مالك، والظاهر أن الحديث كان وقت خطبة وإعلان؛ لرواية: (قام فينا) ولو كان غير هذه العيوب مانعًا من الإجزاء للزم ذكره جوابًا للسؤال؛ لأن ذلك موضع بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١٣/ ١٢٨).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٤/ ١٠٦).","vol":"9","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1155>السِّنُّ المعتبر في الأضحية</span>\n١٣٦٠/ ٦ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تَذْبَحُوا إلا مُسِنَّةً، إِلا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الأضاحي\"، باب (سن الأضحية) (١٩٦٣) من طريق زهير، حدثنا أبو الزبير، عن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكر الحديث.\nوهذا الحديث ضعفه الألباني، وقال: (كان الأحري به أن يحشر في زمرة الأحاديث الضعيفة) (^١)، وتبعه على هذا مقلدوه، ولا سيما من عَلَّقَ على \"بلوغ المرام\"، ولم أقف على كلام لأحد من المتقدمين اجترأ فيه على تضعيف هذا الحديث صراحة، والحافظ المزي لما سئل عما وقع في \"الصحيحين\" من حديث المدلس معنعنًا هل نقول: إنهما اطلعا على اتصالها؟ فقال: (كذا يقولون، وما فيه إلا تحسين الظن بهما ..) (^٢)، والذهبي لما ترجم لأبي الزبير ذكر أن في \"صحيح مسلم\" عدة أحاديث لم يصرح فيها أبو الزبير بالسماع من جابر - ﵁ - وهي من غير طريق الليث عنه، قال: (وفي القلب منها شيء) (^٣) ولم يصرح بتضعيفها، ولعل المانع هيبة \"الصحيح\" ثم إنه إذا ثبت عن كبار الأئمة كالشيخين أنه لا يقبل المدلَّس بعن، وأن التدليس عنده حرام، ثم\n_________\n(^١) انظر: \"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" (١/ ٩١).\n(^٢) \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" (٢/ ٦٣٦).\n(^٣) انظر: \"الميزان\" (٤/ ٣٩)، \"الضعيفة\" (١/ ٩١ - ٩٥).","vol":"9","page":290},{"text":"روى في كتابه أحاديث على هذه الصفة دلَّ على أنه رضيها وعرف اتصالها من وجه آخر، ولا يبعد أن ينقدح في ذهن الإمام قرائن يطمئن من خلالها على ثبوت الخبر عنده. والله أعلم.\nوقد جاء في \"صحيح أبي عوانة\" (٥/ ٧٤) بعد سياق هذا الحديث سند مُعَلَّقٌ، فيه تصريح أبي الزبير بالسماع من جابر - ﵁ -.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا تذبحوا) أي: في الأضاحي، وليس نهيًا عامًّا.\n\nقوله: (إلا مسنة) بضم الميم وكسر السين وفتح النون المشددة، هي التي قد صارت ثنية (^١)، والذكر: ثني، والثني من الغنم -ضأنها ومعزها- ما مضي من عمره سنة ودخل في السنة الثانية، ومن البقر ما دخل في الثالثة، ومن الإبل ما دخل في السادسة، وهذا هو المشهور عند الفقهاء وأهل اللغة في تحديد سنِّ الثني (^٢)، سمي بذلك، لأنه ألقي ثنيته، وهي أسنان مقدم الفم.\n\nقوله: (إلا أن يَعْسُرَ عليكم) بضم السين مضارع عَسُر من باب قَرُبَ: يَعْسُر، وبفتح السين في المضارع من باب تَعِبَ، والمعنى: إلا أن يصعب عليكم ذبحها بأن لا توجد أو لا يوجد ثمنها.\n\nقوله: (جذعة) بفتحتين أنثي الجذع، وهي من الضأن ما بلغ ستة أشهر إلى سنة، هذا هو المشهور عند الفقهاء، ونقل الأزهري عن ابن الأعرابي أن الإجذاع وَقْتٌ وليس بِسِنٍّ، ومرجعه إلي خصب السنة وكثرة اللبن والعشب، فقد يجذع الضأن لستة أشهر، وقد لا يجذع إلا بعد ثمانية أو عشرة (^٣).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا تجوز التضحية بالجذع من الضأن إلا إذا عَسُرَ على المضحي وجود المسنة، ولكن الجمهور حملوا هذا\n_________\n(^١) \"المطلع\" ص (١٢٥).\n(^٢) انظر: \"غريب الحديث\" (٢/ ٤٢٧)، \"المجموع\" (٥/ ٣٨٥، ٣٩٧، ٤١٦)، \"كشاف القناع\" (٦/ ٣٨٤).\n(^٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (١/ ٣٥١)، \"الزاهر\" ص (٢٢٦).","vol":"9","page":291},{"text":"الحديث على الاستحباب والأفضلية، وتقديره: يستحب لكم ألا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم فاذبحوا جذعة من الضأن، وأما الجذع من غير الضأن فلا يجزئ، وعلي هذا فتجزئ الجذعة من الضأن ولو مع وجود الثنية وتيسرها.\nواستدلوا على ذلك بأدلة منها حديث عقبة بن عامر - ﵁ - قال: قسم النبي - ﷺ - بين أصحابه ضحايا، فصارت لعقبة جذعة، فقلت: يا رسول الله صارت لي جذعة، قال: (ضح بها) (^١).\nوعن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الجذع يوفِّي مما يوفِّي منه الثني\" (^٢).\n\n* الوجه الرابع: استدل الفقهاء بهذا الحديث على أن من شروط الأضحية بلوغ السن المعتبرة شرعًا، وهو من الإبل ما تم له خمس سنين؛ لأن الإبل لا تُثْنِي إلا إذا تم لها خمس، ومن البقر ما تم له سنتان، ومن الغنم ضأنها ومعزها ما تم له سنة، إلا الضأن فيجزئ الجذع، وهو ما تم له ستة أشهر -على القول بأن الجذع ما له ستة أشهر- وقد نقل النووي الإجماع على ذلك (^٣).\nومما يدل على عدم إجزاء الجذع من المعز حديث أبي بردة - ﵁ - أنه قال للنبي - ﷺ -: عندي جذعة من المعز هي أحب إلي من شاتين فهل تجزئ عني؟ قال: \"نعم، ولا تجزئ عن أحد بعدك\" (^٤).\nواشتراط السن في الأضحية دليل على أنه ليس المقصود من الأضحية اللحم، وإلا لأجزأت بالصغير والكبير. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٥٤٧).\n(^٢) رواه أبو دا ود (٢٧٩٩)، والنسائي (٧/ ٢١٩)، وابن ماجه (٣١٤٠)، وأحمد (٣٨/ ٢٠٤)، والحاكم (٤/ ٢٢٦) وقال: (حديث صحيح).\n(^٣) \"المجموع\" (٨/ ٢٩٤).\n(^٤) رواه البخاري (٥٥٥٦)، ومسلم (١٩٦١) (٧).","vol":"9","page":292},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1156>ما يكره في الأضاحي</span>\n١٣٦١/ ٧ - عَنْ عَليٍّ - ﵁ - قَال: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ: \"أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَينَ وَالأُذُنَ، وَلَا نُضَحِّيَ بِعَوْرَاءَ، وَلَا مُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا خَرْقَاءَ، وَلَا ثَرْمَاءَ\". أَخرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٢/ ٤٥)، وأبو داود في كتاب \"الأضاحي\"، باب (ما يكره من الضحايا) (٢٨٠٤)، والترمذي (١٤٩٨)، والنسائي (٧/ ٢١٦ - ٢١٧)، وابن ماجه (٣١٤٢)، والحاكم (٤/ ٢٢٤) من طرق، عن أبي إسحاق، عن شريح بن النعمان الهمداني، عن علي قال: … فذكره.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) وقال الحاكم: (صحيح الإسناد) وسكت عنه الذهبي. وفيه شريح بن النعمان الصائدي متكلم قيه، فقد ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنه شبيه بالمجهول، وقال أبو إسحاق: (كان رجل صِدْقٍ) وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^١). وقال الذهبي: (وُثِّقَ) وفي موضع آخر: (جيد الأمر، صالح) وقال الحافظ: (صدوق).\nوهذا الإسناد فيه انقطاع؛ لأن أبا إسحاق السبيعي مدلس، ولم يسمع الحديث من شريح بن النعمان، بينهما سعيد بن أشوع (^٢)، فقد رواه الحاكم\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٣٣٣)، \"الثقات\" (٤/ ٣٥٣)، \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ٤٥٠)، \"الميزان\" (٢/ ٢٦٩).\n(^٢) انظر: \"علل ابن أبي حاتم\" (١٦٠٦) \"العلل\" للدارقطني (٣/ ٣٣٨).","vol":"9","page":293},{"text":"من طريق قيس بن الربيع، ثنا أبو إسحاق، عن شريح، عن علي، فذكره بنحوه، قال قيس: قلت لأبي إسحاق: سمعته من شريح، قال: حدثني ابن أشوع عنه.\nوابن أشوع ثقة (^١)، وهو شيخ أبي إسحاق، وهنا زالت شبهة التدليس، وقيس بن الربيع تكلم الأئمة فيه، ولا سيما من قبل حفظه (^٢).\nوروي الحديث الجراح بن الضحاك الكندي، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أشوع، عن شريح بن النعمان، عن علي - ﵁ -.\nثم إن الحديث أعل بالوقف فقد أورده البخاري في \"تاريخه\" من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن شريح مرفوعًا، وقال: (لم يثبت رفعه) (^٣).\nورواه الثوري، عن ابن أشوع، عن علي موقوفًا، ورجح الدارقطني الوقف، فقال: (يشبه أن يكون القول قول الثوري، والله أعلم) (^٤).\nوروي الترمذي (١٥٠٣)، وابن ماجه (٣١٤٣)، والنسائي (٧/ ٢١٧)، وأحمد (٢/ ١٩٥)، وابن حبان (١٣/ ٢٤٢) من طريق سلمة بن كهيل، عن حُجَيَّةَ بن عدي قال: سمعت عليًّا يقول: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نستشرف العين والأذن.\nقال الترمذي (هذا حديث حسن صحيح) وفيه حجية بن عدي قال عنه أبو حاتم: (شيخ لا يحتج بحديثه، شبيه بالمجهول، شبيهًا بشريح بن النعمان الصائدي وهبيرة بن يحيىيم)، وقال عنه الذهبي: (صدوق إن شاء الله)، ووثقه العجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: \"المحلى\" (٧/ ٣٦٠)، \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٥٩ - ٦٠).\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (٢٤/ ٢٥).\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٣١٤)، \"تاريخ الثقات\" ص (١١٠)، \"الثقات\" (٤/ ١٩٢)، \"الميزان\" (١/ ٤٦٦)، \"أحاديث أبي إسحاق السبيعي\" ص (٤٠٥ - ٤١٢).\n(^٤) \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٢٣٠).\n(^٥) \"العلل\" (٣/ ٢٣٩، ٢٩٨).","vol":"9","page":294},{"text":"* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أن نستشرف) الاستشراف: إما بمعنى الصحة والعِظَم، وذلك بأن تكون شريفة ليس فيها عيب (^١). أو بمعنى رفع البصر إلي الشيء للنظر إليه (^٢)، والظاهر أن المعنى الأول راجع للثاني.\nوالمعنى: أمرنا أن نتأمل العين والأذن وننظر إليهما بإمعان.\n\nقوله: (ولا مقابلة) بفتح الباء هي الشاة التي قطعت أذنها من الإمام عرضًا وتركت معلقة.\n\nقوله: (ولا مدابرة) بفتح الباء، وهي التي قطعت أذنها من خلف عرضًا وتركت معلقة من مؤخرها.\n\nقوله: (ولا خرقاء) هي التي في أذنها ثقب مستدير، والخرق: الثقب، وفي بعض النسخ: (ولا خرماء) بالميم، وهي بالمعنى نفسه.\n\nقوله: (ولا شرقاء) هي التي شقت أذنها طولًا، وقيل: الشرقاء: ما قطعت أذنها طولًا، والخرقاء: ما قطعت أذنها عرضًا. وفي بعض النسخ: \"ولا ثرماء\" وهي التي سقطت ثنيتها.\nواعلم أن مصادر الحديث المذكورة قد اختلفت في هذه الألفاظ، تبعًا لاختلاف رواتها، فعند أبي داود والترمذي وابن ماجه وأحمد (٢/ ٢١٠)، والحاكم: (ولا شرقاء ولا خرقاء)، وعند النسائي: (ولا بتراء ولا خرقاء)، وليس فيها: (ولا ثرماء)، وقد اختلفت -أيضًا- نسخ \"البلوغ\".\n\n* الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على العيوب المكروهة في الأضحية، وهي التي لا تمنع الإجزاء، وإنما قيل: إنها مكروهة لورود النهي أو الأمر بعدم التضحية بما عاب بها، وليست مانعة من الإجزاء؛ لأن حديث البراء المتقدم خرج مخرج البيان والحصر؛ لأنه جواب سؤال، ولو كان غير العيوب المذكورة فيه مانعًا من الإجزاء للزم ذكره، وقد تقدم هذا.\n_________\n(^١) \"شرح السنة\" (٤/ ٣٣٧)، \"الشرح الممتع\" (٧/ ٤٣٨).\n(^٢) انظر: \"تحفة الأحوذي\" (٥/ ٨٢).","vol":"9","page":295},{"text":"فيكون الجمع بين حديث البراء وحديث علي - ﵄ - أن ما في حديث البراء مانع من الإجزاء، وما في حديث على موجب للكراهة غير مانع من الإجزاء، ولهذا فإن الترمذي ترجم على حديث البراء بقوله: (باب ما لا يجوز من الأضاحي) وعلى حديث علي: (باب ما يكره من الأضاحي).\nوقد أُلحق بهذه العيوب أنواع أخرى منها ما يلي:\n١ - العضباء: وهي مقطوعة الأذن أو مكسورة القرن، فهذه تجزئ؛ لأن ذلك لا يُنْقِصُ لحمها؛ ولأنه يكثر وجوده، والكمال أولى، أما ما لا قرن له خِلْقة أو لا أذن له خلقة فتجوز التضحية به بلا كراهة، وإنما فارق العَضَبَ لورود النهي عنه، كما في حديث علي - ﵁ -: (نهي أن يضحي بأعضب القرن أو الأذن)، وهو عيب؛ لأنه ربما دَمِيَ وآلم الشاة فيكون كالمرض، بخلاف الأجم فإنه حُسْنٌ في الخلقة ليس بعيب ولا مرض، والكمال أولى.\n٢ - البتراء من الإبل والبقر والغنم: وهي التي قطع ذنبها أو بعضه، فتكره التضحية بها، أما مقطوعة الألية من الضأن فهذه لا تجزئ في الأضحية؛ لأن ذلك نقص بيّن في جزء مقصود منها، أما إذا كانت من نوعٍ لا ألية له بأصل الخلقة فإنها تجزئ إذ لا نقص فيها عن جنسها.\n٣ - ما قطع ذكره قياسًا على العضباء، أما قطع الخصيتين فقط فليس بعيب، فتجوز التضحية به، وهو الخصي؛ لأن الخِصَا يُطَيّبُ اللحم ويزيد في السمن.\n٤ - ما سقطت ثناياها أو غيرها من أسنانها، وهي الهتماء.\nوتجزئ الأضحية بالجَدّاء، وهي التي توقف ضرعها عن الدَرِّ فنشف لبنها؛ لأنه لا نقص في لحمها ولا خلقتها، واللبن غير مقصود في الأضحية، بل توقف اللبن يزيد في السمن، ولو بقي فيها ضَرْعٌ ونشف آخر أجزأت من باب أولى بلا كراهة، وكذا تجزئ مقطوعة بعض حلمات ضرعها، كما تجزئ الأضحية بما لا ضرع لها، أو كان مقطوعًا.\nفينبغي للمسلم أن يُعني باختيار الأضحية، فيحرص على أكمل الأضاحي","vol":"9","page":296},{"text":"في جميع الصفات؛ لأن ذلك من تعظيم شعائر الله تعالى الدال على التقوي، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]، وهذا عام في جميع شعائر الله تعالى. ودلت الآية الثانية وهي وقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] على أن البدن فرد من أفراد هذا العموم، فيكون تعظيم البدن من تعظيم شعائر الله، وقد تقدم قول ابن عباس - ﵄ -: (الاستسمان والاستحسان والاستعظام).\nوقد كان المسلمون في عهد رسول الله - ﷺ - يغالون في الهدي والأضاحي، يختارونه سمينًا حسنًا يعلنون بذلك عن تعظيم شعائر الله، مدفوعين بتقوى الله، جاء في \"صحيح البخاري\" قول أبي أمامة بن سهل: (كنا نُسَمِّنُ الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يُسَمِّنُون) (^١).\nوليحرص المسملم على تأمُّل الأضحية حال الشراء والتأكد من خلوها من العيوب المانعة من الإجزاء، وينتبه لتمام سنها، ويحرص على السلامة من قطع الأذن، وكسر القرن، فكلما كانت أغلي وأكمل فهي أحب إلي الله تعالى وأعظم لأجر صاحبها وأدلّ على تقواه، قال في \"الاختيارات\": (والأجر في الأضحية على قدر القيمة مطلقًا) (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٩).\n(^٢) ص (١٢٠).","vol":"9","page":297},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1157>التوكيل في ذبح الهدي وتفريقه</span>\n١٣٦٢/ ٨ - عَنْ عَليِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ - ﵁ - قَال: أَمَرَني رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَن أُقَسِّمَ لُحُومَها وَجُلُودَهَا وَجِلَالهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَلَا أُعْطيَ في جِزَارَيهَا مِنْهَا شَيئًا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الحج\"، باب (الجِلَال للبدن) (١٧٠٧)، ومسلم (١٣١٧) من طريق مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، عن علي - ﵁ -.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أمرني) أي: طلب مني طلب ذي سلطة، وكان ذلك في حجة الوداع سنة عشر.\n\nقوله: (أن أقوم على بدنه) بضم الباء وإسكان الدال ويجوز ضمها؛ أي: إبله التي أهداها إلى البيت وكانت مائة.\n\nقوله: (وأن أقسم لحومها) أي: أدفعه للمساكين، والمراد سوى ما أكل منه النبي - ﷺ - كما جاء في حديث جابر - ﵁ -: (ثم أمر من كل بدنة بِبَضْعَةٍ فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها …) (^١).\n\nقوله: (وجلالها) بكسر الجيم ما يطرح على ظهر البعير من كساء ونحوه وقاية له.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٢١٨).","vol":"9","page":298},{"text":"قوله: (في جِزارتها) بكسر الجيم اسم للفعل الذي هو عمل الجزار، وقيل: إنه بالضم، ومعناه: ما يأخذه الجزار من الذبيحة عن أجرته (^١).\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على مشروعية الهدي؛ لأن هذه البدن كانت هدي النبي - ﷺ - في حجة الوداع، وكان مائة بدنة، قال النووي: (يستحب لمن قصد مكة بحج أو عمرة أن يهدي إليها شيئًا من الغنم، وهي سنة أعرض عنها أكثر الناس أو كلهم في هذا الزمان) (^٢).\n\n* الوجه الرابع: مشروعية التصدق بلحم الهدي وجلده وجلاله إلا ما يسن أكله من لحمه؛ لأن الجلود تجري مجري اللحم في التصدق.\n\n* الوجه الخامس: جواز التوكيل في قسم لحم الهدي والتصدق به.\n\n* الوجه الساس: جواز الإجارة على ذبح الهدي وتكون الأجرة من غيره، فلا يجوز إعطاء الجزار منها شيئًا؛ لأن عطيته عوض عن عمله، فيكون في معنى بيع جزء منها، وقد جاء في بعض الروايات في الصحيح: (نحن نعطيه من عندنا) مؤكدًا هذا الحكم، وعلي هذا فلا يجوز بيع شيء من الهدي، والأضحيةُ كالهدي، فلا يُعطي الجزار أجرته منها، لما تقدم.\nلكن إن دفع إلى جازرها شيئًا لفقره، أو على سبيل الهدية فلا بأس؛ لأنه مستحق للأخذ فهو كغيره بل هو أولي؛ لأنه باشرها وتاقت نفسه إليها، وإن أعطاه أجرته كاملة أولًا، ثم أعطاه منها فهو أولي؛ لئلا تقع مسامحة في الأجر؛ لأجل ما يأخذه، فيكون من باب المعاوضة.\n\n* الوجه السابع: الأضحية مقيسة على الهدي، فلا يجوز بيع شيء من الأضحية لا لحمها ولا شحمها ولا جلدها؛ لأنها مال أُخْرِج لله تعالي فلم يجز الرجوع فيه، وحكى ابن المنذر عن أحمد وإسحاق جواز بيع الجلد والتصدق بثمنه، قال ابن رجب: (لو أبدل جلود الأضاحي بما يُنتفع به في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٥٥٦).\n(^٢) \"المجموع\" (٨/ ٣٥٦)، \"الإيضاح\" ص (٣٦٤).","vol":"9","page":299},{"text":"البيت من الآنية جاز، نص عليه؛ لأن ذلك يقوم مقام الانتفاع بالجلد نفسه في متاع البيت) (^١) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"القواعد\" (٣/ ٧٥)، \"مفيد الأنام\" (٢/ ٤٨٠)، \"أحكام الأضحية\" ص (٤٢) وما بعدها.","vol":"9","page":300},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1158>ما جاء أن البدنة والبقرة عن سبعة</span>\n١٣٦٣/ ٩ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَال: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ الْحُدَيبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الحج\"، باب (الاشتراك في الهدي، وإجزاء البقرة والبدنة كل منهما عن سبعة) (١٣١٨) من طريق مالك، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: … فذكره.\nوللحديث عند مسلم طرق أخرى، جاء في بعضها تصريح أبي الزبير بالسماع من جابر - ﵁ -.\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز الاشتراك في البدنة والبقرة وأنهما يجزيان عن سبعة أشخاص، وهذا الحديث نص في الهدي؛ لأنه كان عام الحديبية -كما تقدم في آخر الحج (^١) -، والأضحية مقيسة على الهدي، وفيه دليل على أن سُبْعَ البقرة أو البدنة قائم مقام الشاة الواحدة، ومجزئ عما تجزئ عنه؛ لأن الواجب في الإحصار -على قول الجمهور (^١) - والتمتعِ هَدْيٌ على كل واحد، وقد جعل النبي - ﷺ - البدنة عن سبعة، فدل على أن سبعها يحل محل الواحدة من الغنم ويكون بدلًا عنها.\nأما ما ورد في حديث رافع بن خديج - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قسم فَعَدَلَ\n_________\n(^١) انظر: (٥/ ٣٦٧ - ٣٦٨) من هذا الكتاب.","vol":"9","page":301},{"text":"عشرة من الغنم ببعير (^١). فهذه واقعة عين، ولعل التعديل محمول على قلة الإبل أو نفاستها، وكثرة الغنم أو هزالها بحيث كانت قيمة البعير عشر شياه، وأما حديث الباب فهو حديث صريح، فيكون هو القاعدة في هذا الباب ما لم يحصل عارض من نفاسة ونحوها فيتغير الحكم لذلك (^٢).\n\n* الوجه الثالث: نقل ابن رشد وغيره الإجماع على أن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد (^٣)، والمراد بذلك الاشتراك في الملك بأن يشترك شخصان فأكثر في شراء شاة ويضحيا بها، فهذا لا يجوز؛ لأن الأضحية عبادة وقربة إلى الله تعالى، فلا يجوز إيقاعها ولا التعبد بها إلا على الوجه المشروع زمنًا وعددًا وكيفية؛ ولأن التشريك في الملك لو كان جائزًا في غير الإبل والبقر لفعله الصحابة - ﵃ - لقوة المقتضي لفعله؛ لأنهم أحرص الناس على الخير، ومنهم فقراء كثيرون قد لا يستطيعون ثمن الأضحية كاملة، ولو فعلوه لنقل عنهم؛ لأن هذا مما تتوافر الدواعي على نقله لحاجة الأمة إليه.\nأما الاشتراك في الثواب بأن يكون مالك الأضحية واحدًا ويشرك معه غيره من زوجته وأولاده أو غيرهم من الأحياء، أو يشرك معه من شاء من الأموات، فهذا جائز مهما كثر الأشخاص؛ لأن فضل الله تعالى واسع، وقد تقدم حديث عائشة - ﵂ - في قصة أضحيته - ﷺ - بالكبش وقوله عند ذبحه: \"بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمدًا. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٥٩٨)، ومسلم (١٩٦٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٢٧).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٤٢).","vol":"9","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1159>باب العقيقة</span>\nالعقيقة: هي الذبيحة التي تذبح للمولود.\nوأصل العقيقة والعقيق والعِقَّة: شعر رأس المولود، ثم سميت الشاة التي تذبح عند حلقه عقيقة (^١)؛ لأن هذا الشعر يحلق عند الذبح، والعرب قد تسمي الشيء باسم غيره إذا كان معه أو من سببه، وهذا المعنى نقله أبو عبيد عن الأصمعي وغيره (^٢). وقد صار لفظ العقيقة حقيقة عرفية، إذا أُطلق لا يُفهم منه إلا إرادة ذبيحة المولود، وقيل: إن العقيقة مشتقة من العق وهو القطع، ومنه: عق والديه: إذا قطعهما ولم يبرهما، فسميت الشاة عقيقة؛ لأنه يقطع حلقها، وقد يشكل على هذا أن القطع عام؛ لأن كل ذبيحة يقطع حلقها، ومع هذا فقد نقل ابن عبد البر عن الإمام أحمد أنه أنكر تفسير أبي عبيد وما نقله عن الأصمعي وغيره، وقال: إنما العقيقة الذبح نفسه، قال: ولا حجة لما قال أبو عبيد (^٣).\nويقال للعقيقة: نسيكة لحديث عمرو بن شعيب الآتي: (من وُلدَ له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتان …).\nقال ابن عبد البر: (وكان الواجب -بظاهر هذا الحديث- أن يقال للذبيحة عن المولود: نسيكة ولا يقال: عقيقة، لكن لا أعلم أحدًا من العلماء مال إلي ذلك ولا قال به، وأظنهم -والله أعلم- تركوا العمل بهذا المعنى المدلول عليه من هذا الحديث لما صح عندهم في غيره من لفظ العقيقة …) (^٤).\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (٤/ ١٥٢٧)، \"النهاية\" (٣/ ٢٧٦).\n(^٢) \"غريب الحديث\" (٢/ ١٥٣).\n(^٣) \"التمهيد\" (٤/ ٣١٠)، \"الاستذكار\" (١٥/ ٣٦٩)، \"تحفة المودود\" (٣٠).\n(^٤) \"التمهيد\" (٤/ ٣٠٦).","vol":"9","page":303},{"text":"ولعل مراد ابن عبد البر: من المجتهدين، وإلا فقد سماها بعض الفقهاء نسيكة، وتسمي عند العامة في البلاد النجدية: تميمة. ولا أعلم لهذا الاسم أصلًا في الشرع، وقد يكون قصدهم تمام ما يتعلق بالمولود. والله أعلم.\nوأما حكمتها فهي مظهر من مظاهر شكر الله تعالى على نعمه، ومن ذلك تجدد نعمة الله على الوالدين بهذا المولود الذي يؤمل نفعه وبره وطاعته.","vol":"9","page":304},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1160>ما جاء في مشروعية العقيقة</span>\n١٣٦٤/ ١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَينِ كبْشًا كَبْشًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ وَعَبْدُ الْحَقِّ، لكِنْ رَجّحَ أَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالهُ.\n١٣٦٥/ ٢ - وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجهما:\nحديث ابن عباس - ﵄ - رواه أبو داود في كتاب \"الأضاحي\"، بابٌ (في العقيقة) (٢٨٤١) من طريق عبد الوارث، وابن الجارود (٩١١) من طريق محمد بن عمر العَقَدِي، كلاهما عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ -.\nوقد صحح الحديث ابن خزيمة وابن الجارود وعبد الحق (^١)، وكذا ابن دقيق العيد، حيث أورده في \"الإلمام\" (^٢).\nلكن أُعل بالإرسال، فقد رواه ابن عيينة والثوري وحماد بن زيد وابن علية وآخرون عن أيوب، عن عكرمه، عن النبي - ﷺ - مرسلًا (^٣).\nقال أبو حاتم: وهذا مرسلًا أصح، ووصف رواية الوصل بأنها وهم (^٤). وبنحو ما قال أبو حاتم قال ابن الجارود، فإنه لما رواه موصولًا قال: (رواه الثوري وابن عيينة وحماد بن زيد وغيرهم عن أيوب لم يجاوزوا به عكرمة).\n_________\n(^١) \"الأحكام الوسطي\" (٤/ ١٤١).\n(^٢) \"الإلمام\" (٧٤٧)، \"التلخيص\" (٤/ ١٦١).\n(^٣) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٧٨٦٢)\n(^٤) \"العلل\" (١٦٣١).","vol":"9","page":305},{"text":"وقد رواه عبد الرزاق (٧٨٦٢) عن معمر وسفيان الثوري كلاهما عن أيوب، عن عكرمة مرسلًا.\nوأما حديث أنس - ﵁ - فقد رواه ابن حبان (١٢/ ١٢٥)، والبزار (١٢٣٥)، والطحاوي في \"شرح المشكل\" (١/ ٤٥٦) من طريق ابن وهب قال: أخبرني جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: عق رسول الله - ﷺ - عن حسن وحسين بكبشين.\nوهذا الحديث رجاله ثقات، رجال الشيخين، إلا أن رواية جرير بن حازم، عن قتادة فيها كلام، فقد قال عبد الله ابن الإمام أحمد: سألت ابن معين عن جرير فقال: ليس به باس، فقلت: إنه يحدث عن قتادة، عن أنس أحاديث مناكير، فقال: (ليس بشيء، هو عن قتادة ضعيف) (^١).\nوقال ابن عدي: (هو مستقيم الحديث صالح إلا في روايته عن قتادة، فإنه يروي أشياء لا يرويها غيره، وجرير عندي من ثقات المسلمين، حدث عنه الأئمة) (^٢). وقال أبو حاتم: (أخطأ جرير في هذا الحديث، إنما هو قتادة، عن عكرمة قال: عق رسول الله - ﷺ -، مرسلًا) (^٣). وقال البزار بعد أحاديث من رواية جرير عن قتادة: (وهذه الأحاديث لا نعلم أحدًا تابع جرير بن حازم عليها) (^٤).\n\n* الوجه الثاني: في الحديث دليل على مشروعية العقيقة، وهي سنة في قول عامة أهل العلم، وإنما الخلاف في وجوبها.\nفذهب الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه إلى أن العقيقة سنة مؤكدة، قال الإمام مالك: (ليست العقيقة واجبة؛ ولكنها يستحب العمل بها، وهي من الأمر الذي لم يزل عليه الناس عندنا) (^٥).\n_________\n(^١) \"العلل\" للإمام أحمد (٣/ ١٠).\n(^٢) \"الكامل\" (٢/ ١٣٠).\n(^٣) \"العلل\" (١٦٣٣).\n(^٤) \"مسند البزار\" (١٣/ ٤٦٧).\n(^٥) \"الموطأ\" (٢/ ٥٠٢)، \"المهذب\" (١/ ٣٢١)، \"المغني\" (١٣/ ٣٩٣).","vol":"9","page":306},{"text":"وقال ابن عبد البر: (الآثار كثيرة مرفوعة عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين في استحباب العمل بها وتأكد سنيتها) (^١).\nواستدل الجمهور على ذلك بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن العقيقة فقال: \"لا يحب الله العقوق\"، وكأنه كره الاسم، قال -أي: السائل لرسول الله - ﷺ -: إنما نسألك عن أحدنا يولد له؟ فقال: \"من أحب أن ينسك عن ولده فلينسك عنه … \" (^٢).\nفقوله: (من أحب) تفويض إلي اختيار الفاعل، فيدل على أن العقيقة ليست بواجبة؛ لأن الواجب لا يقال فيه: من أحب فليفعل.\nوذهب الحسن البصري (^٣)، والظاهرية (^٤)، إلي وجوب العقيقة، وهو رواية عن أحمد (^٥)، وهو قول الليث بن سعد مقيدًا وجوبها في اليوم السابع، وبعده غير واجبة (^٦).\nواستدلوا بحديث سلمان بن عامر الضبي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذي\" (^٧)، قالوا: فهذا أمر، والأمر للوجوب.\nكما استدلوا بحديث سمرة - ﵁ - الآتي: \"كل غلام مرتهن بعقيقته … \" وبحديث عائشة - ﵂ - الآتي -أيضًا-: \"أن رسول الله - ﷺ - أمرهم عن الغلام شاتان …).\nوالقول الثالث: أن العقيقة تباح ولا تستحب، وهذا قول الحنفية؛ لأن\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٤/ ٣١٣).\n(^٢) رواه مالك (٢/ ٥٠٠)، وأبو داود (٢٨٤٢)، والنساني (٧/ ١٦٢)، وأحمد (١١/ ٣٢٠ - ٣٢١) وسنده حسن، وقد أعل بالإرسال، لكن الموصول أرجح، انظر: رسالة \"الأحاديث التي أشار أبو داود في سننه إلى تعارض الوصل والإرسال فيها\" للشيخ تركي الغميز ص (٢٩٥).\n(^٣) \"الاستذكار\" (١٥/ ٣٧١).\n(^٤) \"المحلي\" (٧/ ١٦٢).\n(^٥) \"الإنصاف\" (٤/ ١١٠).\n(^٦) \"الاستذكار\" (١٥/ ٣٧٢).\n(^٧) رواه البخاري تعليقًا (٥٤٧٢).","vol":"9","page":307},{"text":"تشريع الأضحية نسخ كل دم كان قبلها من العقيقة وغيرها، فمن شاء فعل، ومن شاء لم يفعل (^١).\nوهذا قول ضعيف، قال ابن عبد البر: (ليس ذبح الأضحي بناسخ للعقيقة عند جمهور العلماء، ولا جاء في الآثار المرفوعة ولا عن السلف ما يدل على ما قال محمد بن الحسن ولا أصل لقولهم في ذلك) (^٢).\nوالظاهر -والله أعلم- أن العقيقة سنة مؤكدة، لا ينبغي للقادر تركها؛ لأنها سنة، وإحياء السنة مطلوب، قال أحمد: (إذا لم يكن عنده ما يعق واستقرض رجوت أن يُخْلِفَ الله عليه، أحيا سنة) (^٣)، قال ابن المنذر: (صدق أحمد، إحياء السنن واتباعها أفضل) (^٤)، ومراد أحمد بذلك: تأكيد سُنِّية العقيقة، ولعل المراد بقوله: (فاستقرض) من يرجو وفاء في المستقبل، أما الذي لا يرجو الوفاء في المستقبل ولا ينتظر مالًا من مُرَتَّبٍ أو غيره فلا ينبغي أن يقترض ليعق.\nوأما أحاديث القول الثاني فهي مؤكِّدة لفعلها، وليست نصًّا صريحًا في الوجوب، وعلي فرض دلالتها على الوجوب فهي مصروفة إلي الندب بحديث عمرو بن شعيب المتقدم، ولو كانت العقيقة واجبة، لكان وجوبها معلومًا من الدين؛ لأن ذلك مما تدعو الحاجة إليه، وتعم به البلوي، ولَبيَّن الرسول - ﷺ - وجوبها للأمة بيانًا عامًّا كافيًا تقوم به الحجة، وقد علق النبي - ﷺ - أمر العقيقة بمحبة فاعلها، كما تقدم (^٥).\n\n* الوجه الثالث: استدل الإمام مالك بحديث ابن عباس - ﵄ - هذا على أن الذكر والأنثى سواء، فيعق عن كل واحد منهما بشاة، لقوله: (عق عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا). قال في \"الموطأ\": (الأمر عندنا في العقيقة أن\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (٥/ ١٦٩).\n(^٢) \"الاستذكار\" (١٥/ ٣٧٣).\n(^٣) \"تحفة المودود\" ص (٣١).\n(^٤) \"الإشراف\" (٣/ ٤٢١)، \"المغني\" (١٣/ ٣٩٥).\n(^٥) \"تحفة المودود\" ص (٣٣).","vol":"9","page":308},{"text":"من عق فإنما يعق عن ولده بشاة شاة الله الذكور والإناث …) (^١).\nوذهب الجمهور من أهل العلم إلي تفضيل الذكر على الأنثى في العقيقة، فعن الغلام شاتان من الغنم -ولو من المعز- ذكورها وإناثها، وعن الجارية شاة، لحديث عائشة - ﵂ - الآتي وغيره من الأحاديث، قال ابن القيم: (التفضيل تابع لشرف الذكر، وما ميزه الله به على الأنثى، ولما كانت النعمة على الوالد أتم، والسرور والفرحة به أكمل، كان الشكران عليه أكثر؛ فإنه كلما كثرت النعمة، كان شكرها أكثر، والله أعلم) (^٢). وقد رجح ابن القيم القول بالتفريق على القول بالمساواة من ثمانية أوجه، قال الشيخ محمد بن إبراهيم: (ولا يزيد على اثنتين، إلا إن كان من يريد دعوتهم كثيرين، والثنتان لا تكفيهم فلا بأس) (^٣).\nوأما حديث ابن عباس - ﵄ - فقد تقدم إعلاله، وقد ورد عند النسائي (^٤)، من طريق قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس بلفظ: (عق رسول الله - ﷺ - عن الحسن والحسين - ﵄ - بكبشين كبشين)، ولو صحت هذه الرواية لكانت موافقة للأحاديث الأخرى القولية الدالة على التفضيل (^٥)، لكنها معلولة، وعلي تقدير ثبوت رواية: (كبشًا كبشًا) فليس فيها ما يرد الأحاديث الدالة على التثنية للغلام، بل غايته أن يدل على جواز الاقتصار على شاة واحدة، وهو كذلك، فإن العدد ليس شرطًا بل هو مستحب، فلو عق عن الذكر بشاة واحدة أجزأ (^٦). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الموطأ\" (٢/ ٥٠٢)، وانظر: \"شرح الزرقاني على الموطأ\" (٣/ ٩٨).\n(^٢) \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١٥٠)، وانظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ٣٢٨).\n(^٣) \"فتاوي ابن إبراهيم\" (٦/ ١٥٨).\n(^٤) \"السنن\" (٧/ ١٦٥ - ١٦٦) وهو من رواية إبراهيم بن طهمان، عن حجاج، عن قتادة به. وقد تفرد به ابن طهمان، وأيضًا إذا ثبت عن قتادة فقد خالفه أيوب في الرواية الراجحة عنه فقد رواه عن عكرمة مرسلًا كما تقدم.\n(^٥) انظر: \"تحفة المودود\" ص (٣٨).\n(^٦) \"المغني\" (١٣/ ٣٩٦).","vol":"9","page":309},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1161>مقدار العقيقة</span>\n١٣٦٦/ ٣ - عَن عَائشَةَ - ﵂ - أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: \"أَمَرَهُمْ أَنْ يُعَقَّ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ\"، رواهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n١٣٦٧/ ٤ - وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ عَنْ أُمِّ كُرْزٍ الْكَعْبِيّةِ نَحْوَهُ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهي أم كرز -بضم الكاف واسكان الراء آخره زاي- الخزاعية ثم الكعبية المكية، قال ابن سعد: أسلمت يوم الحديبية والنبي - ﷺ - يقسم لحوم بُدْنه، روت عن النبي - ﷺ - أحاديث يسيرة، منها حديث العقيقة، روي عنها عطاء ومجاهد وسباع بن ثابت وحبيبة بنت ميسرة (^١).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث عائشة - ﵂ - فقد رواه الترمذي في أبواب \"الأضاحي\"، باب (ما جاء في العقيقة) (١٥١٣)، وابن ماجه (٣١٦٣)، وأحمد (٤٠/ ٣٠) من طريق عبد الله بن خثيم، عن يوسف بن ماهَك (^٢)، أنهم دخلوا على حفصة بنت عبد الله فسألوها عن العقيقة فأجابتهم أن عائشة أخبرتها أن رسول الله - ﷺ - أمرهم عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة.\nهذا لفظ الترمذي وأحد ألفاظ أحمد، وليس فيه لفظة: (أن يُعق) وإنما هي عند ابن ماجه، وأحمد في رواية أخرى.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٣/ ٢٦٩)، \"الإصابة\" (١٣/ ٢٧٤).\n(^٢) ماهك: بفتح الهاء. انظر: \"المغني\" ص (٢٢٠).","vol":"9","page":310},{"text":"قال الترمذي: (حديث عائشة حديث حسن صحيح)، والحديث فيه عبد الله بن عثمان بن خثيم القارئ المكي، وهو متكلم فيه، فقد وثقه ابن معين والعجلي، وقال أبو حاتم: (ما به بأس، صالح الحديث)، وقال النسائي: (ثقة)، وقال مرة أخرى: (ليس بالقوي) (^١)، وقال عنه الحافظ في \"التقريب\": (صدوق)، وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح.\nوأما حديث أم كرز الكعبية - ﵂ - فقد رواه أبو داود (٢٨٣٥)، وابن ماجه (٣١٦٢)، وأحمد (٤٥/ ١١٣) من طرق عن سفيان، حدثنا عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، عن سباع بن ثابت، عن أم كرز قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"أقروا الطير على مَكِنَاتها\" (^٢)، قالت: وسمعته يقول: \"عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، لا بضركم أذكرانًا كن أم إناثًا\" هذا لفظ أبي داود.\nورواه النسائي (٧/ ١٦٥) عن قتيبة، عن سفيان، وأبو داود (٢٨٣٦)، وأحمد (٤٥/ ١١٩) عن حماد بن زيد، والترمذي (١٥١٦)، والنسائي (٧/ ١٦٥)، وأحمد (٤٥/ ٣٧١) عن ابن جريج، ثلاثتهم عن عبيد الله، عن سباع، عن أم كرز، ولم يذكروا: عن أبيه.\nفيظهر من ذلك أن الراجح عن سفيان إثباب: عن أبيه، لكنه وهم في ذلك، قال الإمام أحمد في \"مسنده\": (سفيان يهم في هذه الأحاديث، عبيد الله سمعها من سباع بن ثابت)، ولما ذكر أبو داود حديث حماد قال عقبه: (هذا هو الحديث، وحديث سفيان وهم)، والحديث له طرق أخرى، وفي أسانيده اختلاف (^٣).\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (عن الغلام شاتان) الشاة لفظ يطلق في الشرع على الذكر والأنثى من الضأن والمعز.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٢٧٥).\n(^٢) أي: أمكنتها. وهو نهي عن التطير. انظر: \"النهاية\" (٤/ ٣٥٠).\n(^٣) انظر: \"العلل\" للدارقطني (١٥/ ٣٩٤).","vol":"9","page":311},{"text":"قوله: (مكافئتان) بكسر الفاء بعدها همزة، من كافأه إذا ساواه، قال أبو داود في \"سننه\": سمعت أحمد قال: (مكافئتان: مستويتان أو متقاربتان)، فيكون المراد التكافؤ في السن والسمن فلا تكون إحداهما أكبر من الأخرى أو أسمن (^١). وقد وقع عند أبي داود في حديث أم كرز: (شاتان مثلان).\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن العقيقة مشروعة في حق الذكر والأنثى، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، وقال الحسن وقتادة: يعق عن الذكر، ولا يعق عن الأنثى (^٢)، لحديث سلمان بن عامر الضبي - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (مع الغلام عقيقة، فأهريفوا عنه دمًا … الحديث) (^٣)، ومفهومه أن الجارية لا يعق عنها.\nوالصحيح القول الأول؛ لأن هذا المفهوم معارض بالمنطوق، وهو حديث عائشة - ﵂ - وغيره من الأحاديث الدالة صراحة على أن العقيقة مشروعة في حق الذكر والأنثى.\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دليل على تفضيل الغلام على الجارية في العقيقة، وقد تقدم الكلام على ذلك.\n\n° الوجه السادس: استدل بعض العلماء بإطلاق لفظ الشاة والشاتين عن الشروط والأوصاف على أنه لا يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية، ورجح الشركاني هذا القول (^٤).\nومن اشترط ذلك فهو بالقياس على الأضحية لا بالنص، فيشترط أن تبلغ السن المعتبرة، فلا يجزئ من الغنم ضأنها ومعزها إلا ما تم له سنة، ويجزئ الجذع من الضأن، وهو ما تم له ستة أشهر، ولا بد من خلوها من العيوب\n_________\n(^١) انظر: (معالم السنن) (٤/ ١٢٣)، \"الفائق\" (٣/ ٢٦٧)، \"حاشية السندي على النسائي\" (٧/ ١٦٤).\n(^٢) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٨/ ٥٧)، \"الإشراف\" (٣/ ٤١٥).\n(^٣) الحديث تقدم، وانظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٥٩٢).\n(^٤) \"نيل الأوطار\" (٥/ ١٥٦).","vol":"9","page":312},{"text":"المانعة من الإجزاء وهي: العور البين، والمرض البين، والعرج البين، والكبر المتناهي، وهذا قول الحنابلة وأحد الوجهين عند الشافعية، وعزاه ابن عبد البر إلى جمهور العلماء (^١).\nوذلك لأن العقيقة ذبح مسنون إما وجوبًا أو استحبابًا؛ ولأنه شرع بوصف التمام والكمال، فشُرع في حق الغلام شاتان مكافئتان، قال الإمام مالك: (العقيقة بمنزلة النسك والضحايا، لا يجوز فيها عوراء، ولا عجفاء، ولا مكسورة، ولا مريضة، ولا يباع من لحمها شيء أو جلودها، ويكسر عظمها، ويأكل أهلها من لحمها، ويتصدقون منها، ولا يمس الصبي بشيء من دمها) (^٢).\n\n° الوجه السابع: استدل العلماء بذكر الشاة والكبش في أحاديث العقيقة على أنها لا تكون إلا من الغنم، وقد روى عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرنا يوصف بن مَاهِك قال: دخلت أنا وابن أبي مليكة على حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر وولدت للمنذر بن الزبير غلامًا، فقلت: هَلَّا عققتِ جزورًا على ابنك، فقالت: معاذ الله، كانت عمتي عائشة تقول: على الغلام شاتان وعلى الجارية شاة (^٣).\nورجح هذا القول ابن حزم والحافظ ابن حجر (^٤).\nوالقول الثاني: أنها تجزئ من الإبل والبقر؛ لعموم؛ (فأهريقوا عنه دمًا) كما استدلوا بالقياس فقالوا: إن العقيقة نسك، فوجب أن يكون الأعظم فيها أفضل، قياسًا على الهدي، وعزا ابن حجر القول بإجزاء البقر والإبل إلى الجمهور، وقد جاء في هذا عن أنس - ﵁ - أنه كان يعق عن بنيه جزورًا (^٥).\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٤/ ٣٢٠)، \"المغني\" (١٣/ ٣٩٩)، \"المجموع\" (٨/ ٤٢٩).\n(^٢) \"الموطأ\" (٢/ ٥٠٢).\n(^٣) \"المصنف\" (٧٩٥٦)، ورواه الطحاوي في \"شرح المشكل\" (٣/ ٦٨)، والبيهقي (٩/ ٣٠١)، وابن حزم (٧/ ٥٢٥)، والحديث له طرق. انظر: \"الإرواء\" (٤/ ٣٩٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٩٣).\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة (٧/ ٥٨)، والطبراني في \"الكبير\" (١/ ٢٤٤)، وفي سند ابن أبي=","vol":"9","page":313},{"text":"ويمكن أن يكون قوله: (دمًا) من المجمل. وقد فسر بقوله: (شاتان …).\nومن قال يجوز العق بالبقر أو الإبل قال بإخراجه كاملًا. والله تعالى أعلم.\n_________\n= شيبة عنعنة الحسن البصري، لكن تابعه قتادة عند الطبراني، وسند الطبراني صحيح، رجاله رجال الشيخين -كما قال الهيثمي- خلا شيخ الطبراني، وهو أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله بن مسلم البصري الكشي، ويقال: الكجي، وثقه الدارقطني وغيره. انظر: \"تراجم شيوخ الطبراني\" ص (٦٦).","vol":"9","page":314},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1162>من أحكام المولود</span>\n١٣٦٨/ ٥ - عَنْ سَمُرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُحْلَقُ، وَيُسَمَّى\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٣٣/ ٢٧١)، وأبو داود في كتاب \"الأضاحي\"، بابُ (في العقيقة) (٢٨٣٨)، والترمذي (١٥٢٢)، والنسائي (٧/ ١٦٦)، وابن ماجه (٣١٦٥)، من طريق قتادة، عن الحسن، عن سمرة - ﵁ - مرفوعًا.\nوقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، ورواه الطحاوي في \"شرح المشكل\" (٣/ ٥٨) من طريق أشعث بن عبد الملك، وعبد الرزاق (٤/ ٣٣١) عن معمر، عن رجل، كلاهما عن الحسن مرسلًا، والصواب الوصل؛ لأن من وصله أوثق وأكثر ممن أرسله.\nوقد اختلف العلماء في سماع الحسن من سمرة على أقوال ثلاثة: وهي أنه سمع منه مطلقًا، وأنه لم يسمع منه مطلقًا وإنما هو كتاب، وأنه سمع منه حديث العقيقة فقط، وقد مضى ذكر ذلك في (باب الغسل) من كتاب \"الطهارة\" عند الحديث (١١٥).\nوالذي يظهر أن حديث العقيقة هذا سمعه الحسن من سمرة لثبوت التصريح بذلك، وأما غيره فهو محل نظر، وقد ذكر البخاري في \"صحيحه\" عن حبيب بن الشهيد قال: أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن ممن سمع","vol":"9","page":315},{"text":"حديث العقيقة فسألته، قال: من سمرة بن جندب (^١).\nقال الحافظ: (وأعل بعضهم الحديث بأنه من رواية الحسن عن سمرة وهو مدلس، لكن روى البخاري في \"صحيحه\" من طريق الحسن أنه سمع حديث العقيقة من سمرة، كأنه عنى هذا) (^٢).\nوقد روى الحديث عن قتادة جماعة منهم سعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وحماد بن سلمة، وآخرون، وكلهم قالوا: (ويحلق ويسَمَّى) إلا همام بن يحيى فإنه تفرد من بين أصحاب قتادة فقال: (ويحلق رأسه ويدمَّى) وكان قتادة إذا سئل عن الدم كيف يصنع به، قال: (إذا ذبحت العقيقة أخذت منها صوفة واستقبلت بها أوداجها، ثم توضع على يافوخ الصبي حتى يسيل على رأسه مثل الخيط، ثم يغسل رأسه بعد ويحلق)، وقد حكم أبو داود عليه بالوهم وأنه لا يؤخذ بقوله في ذلك؛ لأنه خالف جماعة من الثقات فلم يذكروا ذلك، وقد تكلم العلماء في حفظ همام (^٣)، لكن يشكل على هذا -كما قال الحافظ (^٤) - ما ذكره قتادة عن صفة التدمية، فيبعد أن يكون همام وهم على قتادة، إلا أن يقال إن أصل الحديث: (ويسَمَّى) وأن قتادة ذكر الدم لحكاية فعل أهل الجاهلية، قال ابن عبد البر: (لا يُحتمل همام في هذا الذي انفرد به، فإن كان حفظه فهو منسوخ) (^٥).\nوالنبي - ﷺ - قد أمر بإماطة الأذى عن رأس الصبي، والدم أذى (^٦).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كل غلام) أريد به مطلق المولود ذكرًا كان أم أنثى، كذا قال السندي (^٧)، ويحتمل إبقاء اللفظ على ظاهره، لقوله: (ويحلق رأسه)، إلا أن يقال: إن الحلق عام للذكر والأنثى، كما سيأتي.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٩٠)، وانظر: \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٢٩٠).\n(^٢) \"التلخيص\" (٤/ ١٦١).\n(^٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٦٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٠٨).\n(^٥) انظر: \"التمهيد\" (٤/ ٣١٨).\n(^٦) انظر: \"الاستذكار\" (١٥/ ٣٨١).\n(^٧) \"حاشية السندي على سنن النسائي\" (٧/ ١٦٦).","vol":"9","page":316},{"text":"قوله: (مرتهن بعقيقته) اختلف في معنى هذا على أقوال:\n١ - أن نشأة المولود الصحيحة وكمال الانتفاع به رهينة بالعقيقة، كما أن الرهن لا يُنتفع به كمال الانتفاع إلا بعد فكه.\n٢ - أنه مرهون ومحبوس عن الشفاعة لوالديه إن مات ولم يعق، وهذا قول عطاء الخرساني ومحمد بن مطرف، وهو مروي عن الإمام أحمد.\nوقد ضعف هذا ابن القيم بما خلاصته أن الشفاعة معلقة بإذن الله للشافع أن يشفع ورضاه عن المشفوع له، لا بقرابة ولا بنوة ولا أبوة (^١). وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: فيه نظر.\n٣ - أن العقيقة لازمة لزوم الرهن في يد المرتهن.\n٤ - أن العقيقة سبب لفكِّ رهان المولود وتخليصه من الشيطان الذي يَعْلَقُ به من حين خروجه إلى الدنيا، فهي سبب لحسن نشأة الولد ودوام سلامته وطول حياته في حفظه من ضرر الشيطان، وسعيه في مصالح آخرته (^٢).\nوقال آخرون: بالإمساك عن تفسيره؛ لأن الرسول - ﷺ - لم يفسره ولا يجوز القول على الله بغير علم، فهو مرتهن، والله أعلم بهذا الارتهان، والمقصود الحث على العقيقة (^٣).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن وقت ذبح العقيقة هو اليوم السابع، وقد ورد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي - ﷺ - أمر بتسمية المولود يوم سابعه ووضع الأذى عنه والعقّ (^٤).\n_________\n(^١) \"تحفة المودود\" ص (٢٢، ٤١).\n(^٢) انظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ٣٢٦)، \"تحفة المودود\" ص (٣٩، ٤٢)، \"شرح الزرقاني على الموطأ\" (٣/ ٩٩).\n(^٣) ذكر هذا الشيخ عبد العزيز بن باز، ورجحه.\n(^٤) رواه الترمذي (٢٨٣٢)، وابن أبي شيبة (٨/ ٥٢) من طريق شريك، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب به. قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب)، وفيه شريك، وهو ضعيف عند التفرد، وابن إسحاق، وهو مدلس وقد عنعنه.","vol":"9","page":317},{"text":"والظاهر أن التقييد باليوم السابع ليس من باب الإلزام، وإنما هو على وجه الاستحباب، قال ابن القيم: (والظاهر أن التقييد بذلك استحباب، وإلا فلو ذبح عنه في الرابع أو الثامن أو العاشر أو ما بعده أجزأت) (^١).\nوقال ابن حزم: (يذبح كل ذلك في اليوم السابع من الولادة ولا تجزئ قبل اليوم السابع أصلًا، فإن لم يذبح في اليوم السابع ذبح بعد ذلك متى أمكن فرضًا) (^٢).\nفإن فات اليوم السابع ففي أي يوم ذبح فيه أجزأ، وقد ورد حديث بريدة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"تذبح لسبع، ولأربع عشرة، ولإحدى وعشرين\" ولا حجة فيه؛ لأنه ضعيف (^٣).\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن تسمية المولود تكون في اليوم السابع، وقد ورد أدلة أخرى مفادها أن التسمية غداة يولد، ومن ذلك حديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ولد لي الليلة فلام فسميته باسم أبي إبراهيم\" (^٤)، وعنه -أيضًا﵁ - قال: انطلقت بعبد الله بن أبي طلحة إلى رسول الله - ﷺ - حين ولد … إلى أن قال: فقال رسول الله - ﷺ -: \"أبت الأنصار إلا حب التمر\" وسماه عبد الله (^٥).\nوقد بوب البخاري على هذه الأحاديث وما في معناها بقوله: (باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه) فأفاد بذلك عن طريق المفهوم أن من كان له عقيقة فإن التسمية تؤخر لليوم السابع، كما في حديث سمرة وغيره، ومن لا عقيقة له فلا بأس بتسميته غداة يولد كما في هذه الأحاديث.\n_________\n(^١) \"تحفة المودود\" ص (٣٥).\n(^٢) \"المحلى\" (٧/ ٥٢٣).\n(^٣) أخرجه الطبراني في \"الصغير\" (٢٦٧)، والبيهقي (٩/ ٣٠٣) من طريق إسماعيل بن مسلم، عن قتادة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه مرفوعًا، قال الطبراني: (لم يروه عن قتادة إلا إسماعيل)، وإسماعيل ضعيف، بل قال النسائي: (متروك الحديث، ليس بثقة).\n(^٤) رواه مسلم (٢١٤٩).\n(^٥) رواه البخاري (٥٤٧٠)، ومسلم (٢١٤٤).","vol":"9","page":318},{"text":"قال الحافظ ابن حجر على الترجمة المذكورة: (وهو جمع لطيف لم أره لغير البخاري) (^١).\nلكن قد يشكل على هذا أنه لا دليل على أن المذكورين في هذه الأحاديث لم يعق عنهم؛ لأن عدم العلم بالشيء لا يلزم منه عدم الشيء، ويكون هذا من باب التعارض بين القول والفعل، فيقدم القول، ولا يقال بالنسخ كما ذهب إليه الطحاوي (^٢)؛ لأن الفعل يطرقه احتمالات عديدة، كما في الأصول، ولهذا قال ابن القيم: (تجوز التسمية قبل السابع وبعده، والأمر فيه واسع) (^٣)، وبهذا قال الشيخ عبد العزيز بن باز، ولو قيل: إن كان الاسم قد هُيِّئ قبل الولادة سمي بعدها، أما إذا لم يُهيأ فلا بأس بتأخيره إلى السابع، لكان ذلك وجيهًا (^٤).\nوينبغي أن يعلم أن اختيار الاسم له ثلاث دلالات:\nالأولى: الارتباط بالسنة في تحسين الاسم.\nالثانية: سلامة التفكير من أي مؤثر.\nالثالثة: الإحسان إلى المولود في:\n١ - اختيار أحسن الأسماء.\n٢ - قلة الحروف.\n٣ - خفة النطق.\n٤ - مراعاة الملاءمة لأهل ملته وطبقته ومرتبته (^٥).\n\n° الوجه الخامس: ظاهر الأحاديث أن العقيقة مشروعة في حق الصغير وأن المخاطب بها هو الأب شكرًا لله تعالى الذي رزقه الولد، فإن ذبحها غيره\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٩/ ٥٨٨).\n(^٢) \"شرح مشكل الآثار\" (١/ ٤٥٦). وانظر: \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٢٩).\n(^٣) \"تحفة المودود\" ص (٦٦).\n(^٤) انظر: \"حاشية ابن قاسم على الروض\" (٤/ ٢٤٥)، \"الشرح الممتع\" (٧/ ٤٩٤ - ٤٩٥).\n(^٥) انظر: \"تسمية المولود\" ص (٤٠).","vol":"9","page":319},{"text":"أجزأ، وقد تقدم أنه - ﷺ - عق عن الحسن والحسين (^١).\nوإذا بلغ الطفل ولم يعق عنه فلا عقيقة له، وقد وصف ابن عبد البر قول من قال: إن الكبير يعق عن نفسه بأنه قول شاذ (^٢)، وجاء في \"الدرر السنية\" أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب سئل هل يُعَقُّ عن الكبير، فأجاب: العقيقة عن الكبير ما علمت لها أصلًا، وهذا يوافق سؤال عبد الملك الميموني لأحمد هل يعق عنه كبيرًا؟ قال: لم أسمع في الكبير شيئًا، وقد ورد عنه في موضع آخر: قلت لأبي عبد الله: إذا لم يعق عنه هل يعق عن نفسه كبيرًا؛ فذكر شيئًا يروى عن الكبير، ضعفه، ورأيته يستحسن إن لم يعق عنه صغيرًا أن يعق عنه كبيرًا، وقال: إن فعله إنسان لم أكرهه (^٣).\nوالظاهر أن مراده حديث أنس - ﵁ - قال: عق النبي - ﷺ - عن نفسه بعد ما بعث بالنبوة (^٤).\n\n° الوجه السادس: في الحديث دليل على مشروعية حلق رأس المولود في اليوم السابع، قال ابن عبد البر: (أما حلق رأس الصبي عند العقيقة فإن العلماء كانوا يستحبون ذلك) (^٥).\nواستحب الفقهاء إذا حلقه أن يتصدق بوزن شعره من الفضة، لحديث أبي رافع - ﵁ - قال: لما ولدت فاطمة حسنًا، قالت: يا رسول الله، ألا أَعُقُّ عن ابني بدم، قال: لا، ولكن احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره من فضة على المساكين أو الأوفاض. وكان الأوفاض ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - محتاجين في المسجد أو في الصُّفَّةِ، ففعلت ذلك، فلما ولدت حسينًا فعلت مثل ذلك (^٦).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) انظر: \"الاستذكار\" (١٥/ ٣٧٦).\n(^٣) انظر: \"تحفة المودود\" ص (٥١)، \"الدرر السنية\" (٣/ ٤١٤).\n(^٤) رواه البيهقي (٩/ ٣٠٠) وقال: (إنه منكر)، وقال النووي في \"المجموع\" (٨/ ٤٣١): (حديث باطل؛ لأنه من رواية عبد الله بن محرر، وهو متروك)، وانظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٥٩٥).\n(^٥) \"التمهيد\" (٤/ ٣١٨).\n(^٦) رواه أحمد (٤٥/ ١٦٣)، وابن أبي شيبة (٨/ ٢٣٥)، والبيهقي (٩/ ٣٠٤) من طرق =","vol":"9","page":320},{"text":"قال الحافظ في \"التلخيص\": (الروايات كلها متفقة على ذكر التصدق بالفضة، وليس في شيء منها ذكر الذهب) (^١).\nوالظاهر أن مراده أنه لم يثبت، وإلا فقد ورد ذكر الذهب في حديث ابن عباس - ﵄ - لكن فيه رواد بن الجراح، وهو ضعيف جدًّا (^٢).\nوالحكمة من هذا الحلق:\n١ - حكمة صحية: لأن في إزالة شعر المولود تقوية له وفتحًا لمسام الرأس، وتقوية كذلك لحاسة البصر والشم والسمع (^٣).\n٢ - حكمة اجتماعية: وهي أن التصدق بوزن شعره من الفضة مظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي بالصدقة على الفقراء والمستحقين.\nولا ينبغي للأب أن يغفل عن هذه السنة أو يُغْفِلَهَا متذرعًا بخشية الإضرار بالمولود أو أنه لا يحسن الحلاقة، فبالإمكان أن يقوم بذلك غيره ممن لديه خبرة بالحلاقة ليحصل له بذلك بركة اتباع السنة، وأجر الصدقة على الفقراء، فإن لم يمكن الحلق تحرى زنة الشعر وتصدق به. كما قال بعض أهل العلم (^٤).\nولا خلاف بين أهل العلم في استحباب حلق رأس الذكر، أما الأنثى ففيها قولان:\nالأول: أن يحلق رأسها كما يحلق رأس الذكر، وهو قول الجمهور من\n_________\n= عن شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن علي بن حسين، عن أبي رافع به، وسنده ضعيف، وله أسانيد مختلفة مدارها على ابن عقيل، وهو ضعيف، وله شاهد مرسل رواه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٥٠١)، والبيهقي (٩/ ٢٩٩) عن محمد بن علي بن الحسين أنه قال: وزنت فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - شعر حسنٍ وحسين فتصدقت بوزنه فضة. وانظر: \"الاستذكار\" (١٥/ ٣٧٠)، \"تحفة المودود\" ص (٥٧).\n(^١) \"التلخيص\" (٦/ ٣٠٤٦).\n(^٢) رواه الطبراني في \"الأوسط\" (١/ ٣٣٤). وانظر: \"التلخيص\" (٦/ ٣٠٤٦).\n(^٣) \"تحفة المودود\" ص (٤٠ - ٤١).\n(^٤) انظر: \"الشرح الكبير بحاشية الدسوقي\" (٢/ ١٢٦)، \"الشرح الممتع\" (٧/ ٤٩٥).","vol":"9","page":321},{"text":"المالكية والشافعية وبعض الحنابلة (^١)، واستدلوا بحديث أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا كان يوم السابع للمولود فأهريقوا عنه دمًا وأميطوا عنه الأذى، وسموه\" (^٢)؛ ولأن في حلقه فوائد كما في حلق رأس الذكر.\nوالقول الثاني: أن الحلق خاص بالذكر دون الأنثى، وهو قول الحنابلة؛ لأن الحديث ورد بلفظ: (الغلام) فلا يشمل الأنثى (^٣).\nومن رجح القول الأول قال: لأن لفظ: (غلام) في حديث سمرة لم يقصد به التخصيص بالذكر؛ لأن الذكر والأنثى يشتركان في التسمية والعقيقة، فكذا الحلق إذ لم يرد له تخصيص، ومال إلى هذا الصنعاني، فإنه قال عن حديث سمرة: (وظاهره عام لحلق رأس الغلام والجارية) (^٤)، ومما يؤيد ذلك أن الرسول - ﷺ - أمر بإماطة الأذى عن المولود، كما تقدم، وقد فسر أهل العلم الأذى بشعر الرأس وما يعلق به من أثر الولادة، ولا يفهم من ذلك إزالة الأذى عن الذكر دون الأنثى. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٨/ ٤٣٢)، \"الشرح الكبير بحاشية الدسوقي\" (٢/ ١٢٦)، \"فتح الباري\" (٩/ ٥١٠)، \"الإنصاف\" (٤/ ١١١).\n(^٢) رواه الطبراني في \"الأوسط\" (٢/ ٥٢٦)؛ وقال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٥٨٩): (سنده حسن).\n(^٣) \"المغني\" (١٣/ ٣٩٧)، \"الإنصاف\" (٤/ ١١١).\n(^٤) \"سبل السلام\" (٤/ ٢٠٣).","vol":"9","page":322},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1163>كتاب الأيمان والنذور</span>\nالأيمان: بفتح الهمزة جمع يمين، وأصل اليمين: اليد اليمنى، وأطلقت على الحلف والقسم؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل واحد بيمين صاحبه.\nوشرعًا: توكيد الشيء بذكر اسم الله أو صفة من صفاته على وجه مخصوص.\nوهذا تعريف اليمين المشروعة التي يُحلف بها، ومعنى (على وجه مخصوص) أي: على وجه القسم، بخلاف ما لو قال: الله أكبر قدم زيد، فقد ذكر اسم الله لكنه ليس بالصيغة المخصوصة.\nوالأصل في اليمين الإباحة على قول الجمهور من أهل العلم، وقد كان النبي - ﷺ - يحلف، ولو لم يكن الحلف جائزًا لكان أبعد الناس عنه، قال ابن القيم: (حلف النبي - ﷺ - في أكثر من ثمانين موضعًا) (^١).\nوذهبت الشافعية إلى أن الأصل في اليمين الكراهة إلا إذا كانت على طاعة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]؛ ولأنه ربما عجز عن الوفاء بها (^٢). والأول أرجح.\nواليمين تعتريها الأحكام التكليفية الخمسة حسب ما يقتضيه الحال على تفاصيل مدونة في كتب الفقه (^٣).\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (١/ ١٦٣).\n(^٢) انظر: \"الأم\" (٨/ ١٥٠)، \"مغني المحتاج\" (٤/ ٣٢٥)، \"فتح الباري\" (١١/ ٥٢٩).\n(^٣) \"المغني\" (١٣/ ٤٤٠).","vol":"9","page":323},{"text":"والحكمة من مشروعيتها قصد توكيد الخبر ثبوتًا أو نفيًا، وذلك إما بحمل المخاطب على التصديق بالخبر، أو القيام بما يتضمنه، أو تقوية عزم الحالف نفسه على فعل أو ترك (^١).\nوينبغي للمكلف حفظ يمينه وعدم الإكثار منها بحيث كلما ذكر شيئًا حلف عليه، ما لم توجد مصلحة شرعية؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وحفظ اليمين له ثلاثة معان:\n١ - حفظها ابتداء، وذلك بعدم كثرة الحلف.\n٢ - حفظها وسطًا، وذلك بعدم الحنث فيها إلا إذا كان الحنث مشروعًا، كما سيأتي في أحاديث الأيمان.\n٣ - حفظها انتهاء في إخراج الكفارة بعد الحنث، وكل هذه المعاني ذكرها المفسرون (^٢).\nولا ريب أن الحذر من كثرة الأيمان أسلم للإنسان وأبرأ لذمته؛ لأن كثرة الحلف تؤدي إلى الاستخفاف باليمين وعدم تعظيم الله تعالى، ومن اعتاد كثرة الحلف كَذَبَ في يمينه وتهاون في الكفارة (^٣).\nوأما النذور فهي جمع نذر، وهو مصدر نذرت أنْذُر -بكسر الذال وضمها- نذرًا، ومعناه: الإيجاب، فيقال: نذر دم فلان أي: أوجب قتله.\nوشرعًا: التزام المكلف شيئًا لم يكن واجبًا عليه بأصل الشرع منجزًا أو معلقًا. فالمنجز نحو: لله علي صيام ثلاثة أيام، والمعلق نحو: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أتصدق بكذا.\n_________\n(^١) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٣/ ٣)، \"المغني\" (١٣/ ٤٣٥)، \"الموسوعة الفقهية الكويتية\" (٧/ ٢٤٥).\n(^٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٦٥٠)، \"تيسير العزيز الحميد\" ص (٧١١)، \"القول المفيد\" (٣/ ٢٢١).\n(^٣) \"تيسير العزيز الحميد\" ص (٧١١).","vol":"9","page":324},{"text":"وسيأتي -إن شاء الله- حكم النذر.\nوقد جمع الحافظ -كما فعل بعض المحدثين والفقهاء- بين الأيمان والنذور لأمرين:\n١ - تشابههما في المعنى؛ لأن كلًّا منهما يفيد التأكيد والعزم.\n٢ - اشتراكهما في بعض الأحكام، ومنها الكفارة (^١)، وقد جاء في الحديث: \"كفارة النذر كفارة يمين\" وسيأتي.\nوقد ذكر الحافظ عشرة أحاديث في أحكام الأيمان ثم ساق بعدها ثلاثة عشر حديثًا في أحكام النذر.\n_________\n(^١) انظر: \"مغني المحتاج\" (٤/ ٣٥٤).","vol":"9","page":325},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1164>وجوب الحلف بالله والنهي عن الحلف بغيره</span>\n١٣٦٩/ ١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ في رَكْبٍ، وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أَلَا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِالله، أَوْ لِيَصْمُتْ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n١٣٧٠/ ٢ - وَفي رِوَايَةٍ لأَبي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - مَرْفُوعًا: \"لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إلا بالله، ولا تَحْلِفُوا بِاللهِ إلا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ\".\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عمر - ﵄ - فقد رواه البخاري في كتاب \"الأيمان والنذور\"، بابٌ (لا تحلفوا بآبائكم) (٦٦٤٦)، ومسلم (١٦٤٦) (٣) من طريق مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر - ﵄ -.\nوأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فقد رواه أبو داود في كتاب \"الأيمان والنذور\"، بابٌ (في كراهية الحلف بالآباء) (٣٢٤٨)، والنسائي (٧/ ٥) من طريق عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، قال: حدثنا عوف، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - … وذكر الحديث.\nوالحديث رجاله ثقات، لكنه أُعل بالإرسال، فقد ذكر الدارقطني أنه رواه عوف الأعرابي، عن ابن سيرين -كما تقدم- وأن غيره يرويه عن","vol":"9","page":326},{"text":"ابن سيرين مرسلًا، ثم قال: (وهو الصحيح) (^١).\nولعل الحافظ ذكر حديث أبي هريرة - ﵁ - بعد حديث ابن عمر - ﵄ -؛ لأنه أعم مما قبله.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (في ركب) هم ركاب الإبل، وهو اسم جمع لا مفرد له من لفظه، أو جَمْعٌ مفرده راكب، ويطلق على العشرة فصاعدًا، وقد يطلق على ركاب الخيل.\n\nقوله: (وعمر يحلف بأبيه) أي: يقول: وأبي وأبي على وجه القسم به، والظاهر أن هذا جارٍ على عادة قريش؛ لأنها كانت تحلف بآبائها، كما ثبت في \"صحيح مسلم\" (^٢)، ولذا قال عمر - ﵁ -: (فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله - ﷺ - نهى عنها ذاكرًا ولا آثرًا) (^٣)؛ أي: حاكيًا عن غيري.\n\nقوله: (ألا إن الله ينهاكم) هذه الجملة مؤكدة بثلاث مؤكدات وهي: ألا؛ لأنها أداة تنبيه، وإن، واسمية الجملة.\n\nقوله: (أن تحلفوا بآبائكم) جمع أب ويشمل الأب والجد وإن علا، وتخصيص الآباء؛ لأنه سبب الحديث، أو لكونه غالبًا على ألسنتهم لما تقدم من أن قريشًا كانت تحلف بآبائها، فلا يفهم منه جواز الحلف بغير الآباء، لقوله: (فمن كان حالفًا فليحلف بالله).\n\nقوله: (فليحلف بالله) أي: بهذا الاسم أو بغيره من أسماء الله وصفاته، نحو: لا ومقلب القلوب، كما سيأتي إن شاء الله.\n\nقوله: (أو ليصمت) أي: لا يحلف، لا أنه يلزمه الصمت، وهو بضم الميم -على المشهور- ماضيه صَمَتَ من باب قتل، والقياس الصرفي كسرها؛ لأن قياس فَعَلَ بفتح العين يَفْعِلُ بكسرها، كضرب يضرب.\n_________\n(^١) \"العلل\" (١٠/ ٥٧).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١٦٤٦).\n(^٣) رواه البخاري (٦٦٤٧)، ومسلم (١٦٤٦).","vol":"9","page":327},{"text":"قوله: (ولا بالأنداد) جمع ند بكسر النون وهو الشبيه والمثيل، والمراد هنا: الأصنام والأوثان التي جعلوها لله تعالى أمثالًا؛ لأنهم يعبدونها ويحلفون بها.\n\nقوله: (ولا تحلفوا إلا بالله) هذه الجملة مؤكدة لما قبلها، وفيها معنى التعميم بعد التخصيص.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على النهي عن الحلف بالآباء، ولا مفهوم له؛ لأن قوله: (فمن كان حالفًا فليحلف بالله) دليل على النهي عن الحلف بغير الله مطلقًا، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ -: (ولا تحلفوا إلا بالله).\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على عناية الإسلام بحماية جانب التوحيد وسَدِّ كل طريق يوصل إلى الشرك، فجاء النهي عن الحلف بغير الله تعالى؛ لأن الحلف بالشيء تعظيم له، والعظمة إنما هي لله وحده لا شريك له فيها، فإنها إزاره، والكبرياء رداؤه، فلا يُضَاهى بها غيره، ومن حلف بغير الله فقد أشرك الشرك الأصغر، وقد يكون من الأكبر إذا اعتقد أن المحلوف به مساوٍ لله تعالى في العظمة.\n\n° الوجه الخامس: نقل ابن عبد البر الإجماع على أن الحلف بغير الله لا يجوز، وقد حكى الإجماع مع ثبوت الخلاف، وكأنه لم يعتبر المخالف؛ لأنه قول شاذ.\nوقد ذهبت الحنفية والظاهرية والحنابلة إلى تحريم الحلف بغير الله تعالى لثبوت النهي (^١)، وهو للتحريم عند الإطلاق، قال ابن تيمية: (والصحيح أنه نهي تحريم) (^٢)، وقد ورد حديث ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من حلف بغير الله فقد كفر\"، وفي رواية: \"أشرك\"، وفي رواية: \"فقد كفر أو أشرك\" (^٣)، فجعل النبي - ﷺ - الحلف بغير الله شركًا، فتكون رتبته فوق رتبة الكبائر.\n_________\n(^١) انظر: \"المحلى\" (٨/ ٣٢)، \"شرح فتح القدير\" (٥/ ٦٩)، \"المغني\" (١٣/ ٤٣٦).\n(^٢) \"الفتاوى\" (١/ ٣٣٥).\n(^٣) رواه أبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥)، وأحمد (٨/ ٥٠٣) وهذا لفظ الترمذي =","vol":"9","page":328},{"text":"والحلف بغير الله تعالى قد يكون شركًا أكبر إذا اعتقد أن المحلوف به مساوٍ لله تعالى في التعظيم، وقد يكون شركًا أصغر إذا تجرد عن ذلك وجرى على اللسان بلا قصد، وعليه فالحلف بغير الله شرك، ويغلظ الحكم حسب القصد.\nوذهب جمهور الشافعية، وهو المشهور عند المالكية إلى أن الحلف بغير الله مكروه (^١)، واستدلوا بدليلين:\nالأول: ما رواه مسلم في \"صحيحه\" من حديث طلحة بن عبيد الله - ﵁ - في قصة الأعرابي الذي سأل النبي - ﷺ - عن شرائع الإسلام، ثم قال: والله لا أزيد ولا أنقص، فقال النبي - ﷺ -: \"أفلح وأبيه إن صدق\" (^٢).\nالثاني: أن الله تعالى قد أقسم في كتابه بالمخلوقات من الليل والنهار والشمس والقمر وغيرها.\nوأجاب القائلون بالتحريم عن هذين الدليلين بما يلي:\nأما حديث طلحة بن عبيد الله فقد أجيب عنه بأجوبة كثيرة، أشهرها ثلاثة:\nالأول: أن لفظة: (وأبيه) غير محفوظة، وذلك أن الإمام مسلمًا روى هذا الحديث من طريق مالك عن أبي سهيل عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول: وذكر الحديث بلفظ: \"أفلح إن صدق\"، ثم أخرجه من طريق إسماعيل بن جعفر، عن أبي سهيل به، بلفظ: \"أفلح وأبيه إن صدق\"، وقد جعل الإمام مسلم الرواية الأولى هي الأصل، وذكر الثانية تحت القِسْمِ الذي\n_________\n= من طريق سعد بن عبيدة، عن ابن عمر -﵄-، والحديث رجاله ثقات، لكنه أعل بأن سعد بن عبيدة لم يسمع من ابن عمر هذا الحديث، كما جاء مبينًا في رواية عند أحمد (٩/ ٢٧٥)، وأشار إلى هذا الطحاوي في \"مشرح مشكل الآثار\" (٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠) ونَصَّ على هذا البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٩)، وانظر معنى الحديث عند: الطحاوي في المصدر المذكور.\n(^١) \"المدونة الكبرى\" (٢/ ٣٢)، \"نهاية المحتاج\" (٨/ ١٧٤).\n(^٢) رواه مسلم (١١) (٩).","vol":"9","page":329},{"text":"قال عن رواته: إنهم ليسوا من الموصوفين بالحفظ والإتقان كالصنف المقدم قبلهم.\nورواية: \"أفلح إن صدق، أرجح لأمور:\n١ - أن الإمام مالكًا رأس المتقنين وكبير المتثبتين، ثم هو قد روى الحديث عن عمه أبي سهيل -نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي- وهذا فيه مزيد ضبط ليس في رواية إسماعيل بن جعفر.\n٢ - أن إسماعيل بن جعفر مضطرب في روايته، فمرة يقول: \"أفلح أن صدق\"، ومرة: \"أفلح وأبيه إن صدق\"، ومرة: \"دخل الجنة إن صدق\".\n٣ - أن الحديث رواه عن مالك عشرة أنفس لم يذكر واحد منهم لفظة: (وأبيه).\n٤ - أن البخاري روى الحديث من طريق إسماعيل بن جعفر بمثل لفظ مالك.\n٥ - أن رواية مالك لها شواهد عن أنس وابن عباس وعمر - ﵃ - (^١).\nالجواب الثاني: أن الحديث منسوخ وأن هذا كان جائزًا في أول الأمر، ثم استقر النهي عن ذلك بحديث ابن عمر -﵄-، ويستفاد من السياق أن حديث النهي متأخر؛ لأمور ثلاثة:\nالأول: ما ثبت في \"صحيح مسلم\" (وكانت قريش تحلف بآبائها) فهذا مشعر بأن الحلف بالآباء كان معروفًا عندهم، فدل على أن قوله: (وأبيه) من هذا الباب.\nالثاني: قوله: (ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) فهذا يشعر بحكم متجدد.\nالثالث: قول عمر - ﵁ -: (فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله - ﷺ - نهى عنها).\n_________\n(^١) انظر: \"المرويات الواردة في الحلف بالله أو بغيره\" ص (٥٤).","vol":"9","page":330},{"text":"ورجح هذا الجواب الشيخ عبد العزيز بن باز في \"شرحه على البلوغ\".\nالجواب الثالث: أنها لم تخرج مخرج القسم، بل هي من الكلام الذي يجري على الألسنة بدون قصد، مثل تربت يداه ونحوه، ورجحه النووي (^١).\nوأما الدليل الثاني للقائلين بالكراهة وهو أن الله أقسم بالمخلوقات فعنه جوابان:\nالأول: أن هذا من خصائص الله تعالى، وليس للعبد الاقتداء بالله تعالى؛ فإنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولو كان ذلك جائزًا ما نهى عنه النبي - ﷺ -، قال ميمون بن مهران: (إن الله يقسم بما شاء من خلقه، وليس لأحد أن يقسم إلا بالله) (^٢).\nوالقسم بهذه المخلوقات إشارة إلى فضلها ومنفعتها ليعتبر الناس بها.\nالثاني: أن ما ورد في القرآن مؤول على حذف مضاف، والتقدير: ورَبِّ الليل ورَبِّ النهار ورَبِّ الشمس، وهذا جواب ضعيف لأمرين:\n١ - أن الأصل عدم التقدير.\n٢ - أنه إذا حصل تقدير فات المراد من القسم بها والإشارة إلى منفعتها.\n\n° الوجه السادس: الحديث دليل على وجوب الصدق في اليمين وتحريم الكذب فيها؛ لأن الصدق مما أوجبه الله على العباد مطلقًا ولو لم يحلفوا بالله، فكيف إذا حلفوا به؟ والكذب حرام وتتأكد حرمته إذا أقسم عليه، قال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤].\n\n° الوجه السابع: تحريم الحلف بالأنداد من الأصنام والأوثان؛ لأن هذا كان موجودًا في الجاهلية فأبطله الإسلام، قال ابن الملقن: (إن قصد بهذا القسم تعظيمًا كفر، وإلا أثم) (^٣). وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال\n_________\n(^١) \"شرح النووي\" (١/ ٣٨٢). وانظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٥٣٣).\n(^٢) \"مصنف ابن أبي شيبة، الجزء المفرد\" ص (١٩).\n(^٣) \"الإعلام\" (٩/ ٢٦١).","vol":"9","page":331},{"text":"رسول الله - ﷺ -: \"من حلف منكم فقال في حلفه باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله … \" (^١). وإنما أمر أن يقول: لا إله إلا الله؛ لأنه تعاطى صورة تعظيم الصنم، فضاهى الكفار، فأمر أن يتدارك بكلمة التوحيد. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٦٥٠)، ومسلم (١٦٤٧).","vol":"9","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1165>ما جاء في أن اليمين على نية الطالب لها</span>\n١٣٧١/ ٣ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ\".\nوَفي رِوَايَةٍ: \"الْيَمِينُ عَلَى نِيّةِ الْمُسْتَحْلِفِ\"، أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الأيمان\"، باب (يمين الحالف على نية المستحلف) (١٦٥٣) من طريق هُشيم بن بَشير، عن عبد الله بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nورواه -أيضًا- من طريق هُشيم، عن عباد بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - باللفظ الثاني.\nوقد ذكر أبو داود في \"سننه\" (٣/ ٢٢٤) أنهما شخص واحد، عباد بن أبي صالح، وعبد الله بن أبي صالح، وسبقه إلى هذا ابن معين، ويرى ابن المديني أنهما اثنان (^١). وقال الترمذي: (سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هو حديث هشيم ولا أعرف أحدًا رواه غيره) (^٢)، ولعل الحافظ ذكر هذه الرواية؛ لأن فيها تفسيرًا للصاحب بأنه المُستحلِف، وهو طالب اليمين، سواء طلبها خصمه أو القاضي.\n_________\n(^١) انظر: \"جزء في الإخوة والأخوات\" لابن المديني ص (٧٩)، \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٧٨).\n(^٢) \"العلل الكبير\" (١/ ٥٥٣).","vol":"9","page":333},{"text":"° الوجه الثاني: الحديث دليل على أن اليمين المطلوبة من الحالف يجب أن تكون على نية طالب اليمين، ولا ينفع فيها نية الحالف إذا نوى غير ما أظهر ولا ينفعه تأويله ولا توريته (^١)، وإلا لبطلت الفائدة المرجوة من اليمين، فإن الغرض منها تخويف الحالف ليرتدع عن الإنكار والجحود خوفًا من عاقبة اليمين الكاذبة، ولو ساغ له التأويل انتفى ذلك، ولا فرق في ذلك بين أن يكون طالب اليمين هو القاضي أو من له الحق.\nفإذا قال عند القاضي: والله ما له عندي وديعة، وعنى بـ (ما) الذي، لم ينفعه تأويله؛ لأن صاحبه لا يفهم هذا منه، وإنما يفهم النفي.\n\n° الوجه الثالث: الحالف له ثلاث حالات:\nالأولى: أن يكون ظالمًا، كالذي يستحلفه القاضي على حق عنده، فهذا تنصرف يمينه إلى ظاهر اللفظ الذي عناه المستحلف، ولا ينفع الحالف تأويله، بدليل حديث الباب، قال النووي: (فإذا ادعى رجل على رجل حقًّا، فحلَّفه القاضي، ووَرَّى فنوى غير ما نوى القاضي، انعقدت يمينه على ما نواه القاضي ولا تنفعه التورية، وهذا مجمع عليه) (^٢). لكن نقل الإجماع فيه تامل؛ لأن في بعض المذاهب بعض الشروط لكي تنفع التورية (^٣).\nالثانية: أن يكون الحالف مظلومًا، مثل من يستحلفه ظالم على شيء لو صَدَقَه لظلمه في بدنه أو ماله أو عرضه، أو ظلم غيره أو نال مسلمًا منه ضرر، فهذا له أن يؤول كلامه تأويلًا غير المعنى الذي فهمه المستحلف الظالم.\nوقد ورد في \"صحيح البخاري\" في قصة إبراهيم - ﵇ - مع زوجته أنه قال للجبار الذي سأله من هذه؟ قال: أختي (^٤). قصد بذلك أختي في الدين.\n_________\n(^١) التورية أن يقسم الإنسان على شيء له معنى متبادر للذهن، وهو يقصد معنى آخر يحتمله اللفظ المذكور، فين يقصد بالفراش والبساط: الأرض، وبالسقف السماء، وبالجارية السفينة ونحو ذلك.\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (١١/ ١٢٧).\n(^٣) انظر: \"أحكام اليمين بالله ﷿\" ص (٣٠٤).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٣٣٥٨).","vol":"9","page":334},{"text":"وفيه -أيضًا- في قصة الهجرة أن أبا بكر - ﵁ - قال عن النبي - ﷺ -: هذا الرجل يهديني السبيل (^١)، فظن المخاطب أنه يعني الطريق، وإنما أراد سبيل الخير.\nالثالثة: ألا يكون الحالف ظالمًا ولا مظلومًا، فالأكثرون على جواز التورية في اليمين في هذه الحال، لحديث عمران بن حصين - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب\" (^٢).\nكما استدلوا بأدلة أخرى كلها في غير اليمين.\nوالقول الثاني: أنه لا يجوز التورية في اليمين في هذه الحال، وهذا رواية عن أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، واستدلوا بحديث الباب.\nأما التورية في غير اليمين فله أن يتأول وينفعه التأويل، لئلا يقع في الكذب، وقد فعله السلف، قال ابن سيرين: (الكلام أوسع من أن يكذب ظريف) (^٤)، والمعنى أن الظريف وهو الكَيِّسُ الفَطِنُ لا يحتاج للكذب لكثرة المعاريض، كان يطرق الباب طارق فيقول أهله: ليس فلان ها هنا، يريدون مكانًا بعينه؛ لأن ذلك لا يبطل حقًّا ولا يحق باطلًا، أو يقال: أين فلان؟ فيقال: اطلبه في المسجد. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٣٩١١).\n(^٢) رواه ابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ٩٦)، والبيهقي (١٠/ ١٩٩) وفي إسناده داود بن الزبرقان وهو متروك، وقد كذبه الأزدي كما في \"التقريب\"، وروي موقوفًا.\n(^٣) \"الفتاوى الكبرى\" (٤/ ٦٢٢)، \"الفروع\" (٦/ ٣٥٣)، \"الإنصاف\" (٩/ ١٢٠).\n(^٤) \"المغني\" (١٣/ ٤٩٨).","vol":"9","page":335},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1166>حكم من حلف على شيء فرأى غيره خيرًا منه</span>\n١٣٧٢/ ٤ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي لَفْظٍ للْبُخَارِيِّ: \"فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ\".\nوَفي رِوَايَةٍ لأَبي دَاوُدَ: \"فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ\".\nوَإِسْنَادُها صَحِيحٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أبو سعيد عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، قيل: كان اسمه عبد كُلَال فغيره النبي - ﷺ -، أسلم يوم الفتح، وكان أحد الأشراف، وشهد غزوة تبوك مع النبي - ﷺ - ثم شهد فتوح العراق، وتَمَّ فتح سجستان (^١) على يديه، وفتح غيرها، روى عنه ابن عباس - ﵄ - وسعيد بن المسيب وابن سيرين والحسن وآخرون، توفي سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين (^٢) - ﵁ -.\n_________\n(^١) سجستان: بكسر أوله وثانيه، ناحية كبيرة، وولاية واسعة، تتقاسمها اليوم دولتا إيران وأفغانستان. انظر: \"معجم البلدان\" (٣/ ١٩٠) وكتاب \"أفغانستان\" لمحمود شاكر.\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٦/ ٥٠)، \"السير\" (٢/ ٥٧١)، \"الإصابة\" (٦/ ٢٨٤).","vol":"9","page":336},{"text":"° الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأيمان والنذور\"، باب (قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] (٦٦٢٢)، عن محمد بن الفضل، ومسلم (١٦٥٢) عن شيبان بن فروخ، كلاهما عن جرير بن حازم، حدثنا الحسن البصري، حدثنا عبد الرحمن بن سمرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: \"يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين … \" الحديث.\nوقد ساق الحافظ القدر اللازم وترك أول الحديث، على أنه ورد في بعض الروايات عدم ذكر الإمارة، كما ذكر الإمام مسلم في \"صحيحه\".\nورواه البخاري (٦٧٢٢) من طريق ابن عون، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة بلفظ: \"فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك\"، ولعل الحافظ ذكرها؛ لأن فيها تقديم الفعل وتأخير الكفارة، بخلاف الرواية المتقدمة في \"الصحيحين\" ففيها تقديم الكفارة وتأخير الفعل.\nورواه أبو داود (٣٢٧٨) من طريق عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن به مرفوعًا باللفظ المذكور.\nوهذه الرواية إسنادها صحيح، كما قال الحافظ، وكذا قال ابن عبد الهادي في \"المحرر\" (^١).\nوقد روى هذا الحديث عن الحسن جماعة كلهم يروونه بالواو لا بـ (ثم)، وقد رواه عن الحسن قتادة وجرير بن حازم، فأما قتادة فلم يختلف عليه اختلافا ظاهرًا، وأما جرير فقد اختلف عليه.\nفرواه أسود بن عامر، وعفان بن مسلم عند أحمد (٣٤/ ٢٣٠) فذكرا (ثم) وخالفهم شيبان بن فروخ، عند مسلم، وحجاج بن المنهال عند البخاري\n_________\n(^١) ص (٤٠٩).","vol":"9","page":337},{"text":"(٧١٤٦)، ومحمد بن الفضل عند البخاري -أيضًا، كما تقدم- فلم يذكروا هذا الحرف، وهذا هو الأقرب لأمرين:\n١ - أنه موافق لرواية أكثر الرواة عن الحسن.\n٢ - أن البخاري رجح الطرق التي ليس فيها هذا الحرف حيث أخرجه عن محمد بن الفضل.\nولعل الحافظ ذكر رواية أبي داود؛ لأنها صريحة في الترتيب حيث جيء بالحرف (ثم) لكن الحديث مداره على الحسن البصري، وقد رواه عنه جماعة كثيرون كلهم يروونه بالواو كما تقدم لا بـ (ثم).\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (وإذا حلفت) الواو عاطفة، والمعطوف عليه أول الحديث كما تقدم، ومناسبة هذه الجملة لما قبلها هو احتمال أن تعرض الإمارة على عبد الرحمن بن سمرة وتتعين عليه؛ لكونه لا يوجد غيره يصلح لها، فيحلف ألا يتولاها، فالحكم أنه يتولاها ويكفر عن يمينه.\n\nقوله: (على يمين) الحلف هو اليمين، تقول: حلف يحلف حلفًا، قال القرطبي: (اليمين هنا: يعني المحلوف عليه، ويجوز أن يقال: إن (على) صلة، وينتصب يمين على أنه مصدر ملاقٍ في المعنى لا في اللفظ) (^١) وهذا اللفظ نكرة في سياق الشرط، فيعم كل حلف على يمين كائنًا ما كان الحلف.\n\nقوله: (غيرها) أي: غير المحلوف عليه، وتأنيث الضمير باعتبار لفظ اليمين المقصود منها المحلوف عليه.\n\nقوله: (فكفر عن يمينك) أمر من الفعل كفر بالتشديد، ومعناه: غطَّى، سميت كفارة اليمين بذلك؛ لأنها تغطي الإثم الذي وقع فيه الحالف حيث إنه حنث في يمينه فلم يف بها، والحنث معناه: أن يفعل ما حلف على تركه أو يترك ما حلف على فعله.\n_________\n(^١) انظر: \"المفهم\" (١/ ٣١٢)، \"دليل الفالحين\" (١/ ٢٥٣).","vol":"9","page":338},{"text":"قوله: (وائت الذي هو خير) سواء في أمور الدين أو الدنيا.\n\nقوله: (وكفر عن يمينك) هذه الرواية معناها تأخير الكفارة إلى بعد الحنث، لكن الواو لا تفيد الترتيب بل هي لمطلق الجمع.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من حلف على فعل شيء أو حلف على ترك شيء وكان الحنث وعدم البر باليمين خيرًا من التمادي على اليمين فإنه يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه، وهذا التشريع كما هو أمر النبي - ﷺ - فهو -أيضًا- فعله، فقد قال - ﷺ -: \"إني والله -إن شاء الله- لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها\" (^١).\nوقد دل على معنى الحديث قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] قال ابن كثير: (أي: لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها، فالاستمرار على اليمين آثَمُ لصاحبها من الخروج منها بالتكفير) ثم ساق الأحاديث (^٢).\nوهذا من محاسن هذا الدين ويسره ورفع الحرج عن المكلفين، فإن الإنسان قد يغضب فيحلف على فعل شيء أو تركه، ثم يندم ويتمنى أنه لم يحلف.\nوهذا يختلف باختلاف المحلوف عليه، فقد يكون الحنث واجبًا كان يترتب على اليمين ضرر في النفس أو الأهل أو الغير، وفي هذه الحال يكون الاستمرار على اليمين آثَمُ لصاحبها من الخروج منها بالتكفير، وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"والله لأن يَلَجَّ (^٣) أحدكم بيمينه في أهله آَثمُ له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه\" (^٤). قال\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٧٢١)، ومسلم (١٦٤٩) من حديث أبي موسى - ﵁ -.\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٩٠).\n(^٣) أي: يقيم على ترك الحنث ويستمر على يمينه مع ما فيها من الضرر على غيره.\n(^٤) رواه البخاري (٦٦٢٥)، ومسلم (١٦٥٥).","vol":"9","page":339},{"text":"النووي: (ومعنى الحديث: أنه إذا حلف يمينًا تتعلق بأهله ويتضررون بعدم حنثه ويكون الحنث ليس معصية، فينبغي له أن يحنث، فيفعل ذلك الشيء ويكفر عن يمينه، فإن قال: لا أحنث بل أتورع عن ارتكاب الحنث وأخاف الإثم فيه، فهو مخطئ بهذا القول، بل استمراره في عدم الحنث وإدامة الضرر على أهله أكثر إثمًا من الحنث) (^١).\nوقد يكون مستحبًا كأن يحلف ألا يتصدق على هذا الفقير، وقد يكون الحنث حرامًا كأن يحلف على ترك معصية، وقد يكون مباحًا فيخير بين البقاء على يمينه أو الحنث مع التكفير، كان يحلف على ترك مباح، كأكل فاكهة أو رغيف ونحو ذلك، لكن حفظ يمينه في المباح أولى لعموم قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].\n\n° الوجه الخامس: اعلم أن الكفارة لها ثلاث حالات:\n١ - أن تكون قبل الحلف فهذه لا تجزئ اتفاقًا.\n٢ - أن تكون بعد الحلف والحنث فهذه تجزئ اتفاقًا.\n٣ - أن تكون بعد الحلف وقبل الحنث، فهذه فيها خلاف على ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه يجوز تقديمها قبل الحنث، وهذا قال به أربعة عشر صحابيًّا (^٢)، وجماعة من التابعين، وهو قول مالك وأحمد (^٣)، لكن قالوا: يستحب تأخيرها عن الحنث، وكأنهم أرادوا الخروج من الخلاف (^٤)، واستدلوا بأن الأحاديث جاءت بألفاظ مختلفة -كما تقدم- ومفاد ذلك جواز إخراجها قبل الحنث وبعده.\nكما استدلوا بقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] والكفارة قبل الحنث تحلة وبعد الحنث كفارة؛ لأنه إذا أخرج الكفارة قبل\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (١١/ ١٣٤).\n(^٢) \"تفسير القرطبي\" (٦/ ٢٧٥).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٠٩).\n(^٤) انظر: \"الإنصاف\" (١١/ ٤٣).","vol":"9","page":340},{"text":"الحنث انحلت اليمين، فإذا بقيت اليمين وحنث فيها احتاج لمحو الإثم بالكفارة.\nالقول الثاني: أنه إن كفَّر بالصيام لم يجز إخراج الكفارة قبل الحنث؛ لأن الصوم عبادة بدنية، فلم يجز تقديمها على وقت وجوبها لغير حاجة كصيام رمضان، وإن كفر بغيره كالإطعام جاز إخراج الكفارة قبل الحنث قياسًا على تعجيل الزكاة، وهذا قول الشافعي، وحكي رواية عن أحمد، كما ذكر الحافظ ابن رجب (^١).\nوهذا قول مرجوح؛ لأن فيه تفريقًا بين ما جمعه النص؛ ولأن الصيام نوع تكفير فجاز قبل الحنث كالتكفير بالمال.\nالقول الثالث: أنه لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث، ولو فعل فعليه أن يكفر مرة أخرى، وهذا قول الحنفية، ورواية عن مالك (^٢).\nواستدلوا بقوله: (فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه) قالوا: ففيه تقديم الحنث قبل الكفارة، وهذه صيغة أمر، والأمر يقتضي الوجوب.\nوأجيب عن ذلك بأن الحديث لا يمنع من تقديم الكفارة على الحنث بدليل الروايات الأخرى.\nوالراجح هو القول الأول، وهو جواز تقديم الكفارة قبل الحنث. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"مغني المحتاج\" (٤/ ٣٢٦)، \"الذيل على طبقات الحنابلة\" (١/ ١٨٤).\n(^٢) \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١١٤)، \"الاختيار\" (٤/ ٤٨)، \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٠٩).","vol":"9","page":341},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1167>حكم الاستثناء في اليمين</span>\n١٣٧٣/ ٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَال: إنْ شَاء اللهُ، فَلَا حِنْثَ عَلَيهِ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٨/ ١٠٣، ١٨٧)، وأبو داود في كتاب \"الأيمان والنذور\"، باب (الاستثناء في اليمين) (٣٢٦١) (٣٢٦٢)، والترمذي (١٥٣١)، والنسائي (٧/ ١٢، ٢٥)، وابن ماجه (٢١٠٥)، وابن حبان (١٠/ ١٨٢) كلهم من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: … فذكره. وهذا لفظ الترمذي.\nقال الترمذي: (حديث ابن عمر حديث حسن، وقد رواه عبيد الله بن عمر وغيره، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا، وهكذا روي عن سالم، عن ابن عمر - ﵄ - موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعه غير أيوب السختياني، وقال إسماعيل بن إبراهيم: وكان أيوب أحيانًا يرفعه وأحيانًا لا يرفعه).\nوالمستفاد من كلام أهل العلم أن آخر الأمرين من أيوب وَقْفُهُ، وقد جاء هذا صريحًا في رواية حماد بن زيد، عن أيوب، كما عند البيهقي (١٠/ ٤٢) قال حماد: (كان أيوب يرفع هذا الحديث ثم تركه)، قال البيهقي: (لعله إنما تركه لشك اعتراه في رفعه) وقال: (لا يكاد يصح رفعه إلا من جهة أيوب السختياني، وأيوب يشك فيه أيضًا).","vol":"9","page":342},{"text":"وهذا الحديث مروي عن ابن عمر - ﵄ - من طريق نافعٍ مولاه، ومن طريق سالمٍ ابنه، فأما سالم فرواه عن أبيه موقوفًا، كما ذكر الترمذي في \"جامعه\" وليس فيه اختلاف، وهذا الموقوف رواه الطحاوي في \"شرح المشكل\" (٥/ ١٨١)، والدارقطني (٤/ ١٦٢)، والبيهقي (١٠/ ٤٧) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن سالم، عن أبيه قال: (كل استثناء موصول فلا حنث على صاحبه، وإن كان غير موصول فهو حنث) وهذا لفظ البيهقي.\nوعبد الرحمن بن أبي الزناد متكلم فيه، فوثقه الترمذي ومالك والعجلي، وقال يعقوب بن شيبة: (ثقة صدوق وفي حديثه ضعف، سمعت علي بن المديني يقول: حديثه بالمدينة مقارب، وما حدثه بالعراق فهو مضطرب)، وضعفه أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم (^١)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق، تغير حفظه لما قدم بغداد).\nوأما نافع فقد اختلف عليه في رفعه ووقفه، فرواه الإمام مالك وأسامة بن زيد عنه موقوفًا، ورواه كثير بن فرقد وأيوب بن موسى عنه مرفوعًا، ورواه أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر وحسان بن عطية وعبد الله بن عمر وموسى بن عقبة مرفوعًا وموقوفًا.\nوالراجح رواية الوقف لأمرين:\nالأول: أن الأثبات من أصحاب نافع وقفوه، ومنهم عبيد الله بن عمر الذي هو من أثبت الناس في نافع، رواه عبد الرزاق (٨/ ٥١٢) عن ابن جريج، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: (من حلف فقال: والله إن شاء الله، فليس عليه كفارة)، ثم سمعه عبد الرزاق عن عبيد الله، وقد نص الترمذي على رواية عبيد الله هذه كما تقدم، وقد روي رفعه عن عبيد الله لكنه غير محفوظ، فقد روى أبو معاوية محمد بن خازم وأبو خالد الأحمر رفعه عن عبيد الله ولكن روايتهما معلولة؛ لأن العلماء تكلموا في رواية أبي معاوية عن عبيد الله،\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٥٥).","vol":"9","page":343},{"text":"وأبو خالد متكلم فيه من جهة حفظه، ولذا قال ابن معين: (صدوق وليس بحجة)، وقال الحافظ: (صدوق يخطئ).\nورواه مالك (٢/ ٣٨٠) ومن طريقه البيهقي (١٠/ ٤٦) عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا، وليس هناك اختلاف على مالك في وقفه، كما رواه أسامة بن زيد، عن نافع موقوفًا، وليس عليه اختلاف في وقفه، قال البيهقي: (رواية الجماعة من أوجه صحيحة عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - من قوله غير مرفوع، والله أعلم) (^١).\nالثاني: أن رواية الوقف موافقة لرواية سالم عن أبيه التي لم يختلف فيها.\nومع ترجيح وقفه فقد يقال: إنه مما ليس للرأي فيه مجال، فيعطى حكم الرفع (^٢)؛ ولأن له شاهدًا في \"الصحيحين\" من حديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة سليمان - ﵇ - وفيه: \"لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل إن شاء الله، فلم يقل، فطاف بهن فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، فقال رسول الله - ﷺ -: لو قال: إن شاء الله لم يحنث وكان ذلك دركًا لحاجته\" (^٣).\nقال الترمذي عن حديث الباب: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم أن الاستثناء إذا كان موصولًا باليمين فلا حنث عليه).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من حلف علي يمين) أي: أمر محلوف عليه، فهو من تسمية اسم المفعول باسم المصدر، كما تقدم.\n\nقوله: (فقال: إن شاء الله) هذا استثناء بالمعنى اللغوي، وهو تعليق اليمين ونحوها بقوله: إن شاء الله، ووجه كونه استثناء بالمعنى اللغوي أن\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٤٦).\n(^٢) انظر: \"سبل السلام\" (٤/ ٢١١).\n(^٣) رواه البخاري (٦٦٤٧)، ومسلم (١٦٤٦) (١).","vol":"9","page":344},{"text":"الاستثناء في اللغة معناه الكف والرد، والحالف إذا قال: والله لا أفعل كذا إلا أن يشاء الله غيره، فقد رد ما قاله بمشيئة الله غيره (^١).\nوأما الاستثناء الاصطلاحي عند النحاة بأحد أحرف الاستثناء مثل إلا وأخواتها فليس مرادًا هنا.\n\nقوله: (فلا حنث عليه) بكسر الحاء مصدر حَنِثَ بكسر النون من باب عَلِمَ يَحْنَثُ حِنْثًا، والحنث يطلق على التجبد، وعلى الإثم، والمعصية، وعلى الخُلف في اليمين بأن يفعل ما حلف على تركه أو يترك ما حلف على فعله.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من حلف على أمر وقال: إن شاء الله، متصلًا باليمين أنه يصح استثناؤه ولا يلزم الوفاء بها، فإذا فعل ما حلف عليه فلا إثم عليه ولا كفارة؛ لأن اليمين لا تنعقد مع وجود الاستثناء، وهذا حكم مجمع عليه، نقل الإجماع الخطابي وابن عبد البر وابن رشد وآخرون، قال ابن عبد البر: (أجمع العلماء على أن الحالف إذا وصل يمينه بالله بالاستثناء وقال: إن شاء الله، فقد ارتفع الحنث عنه، ولا كفارة عليه إن حنث) (^٢).\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه يشترط النطق بالاستثناء بأن يقول: إن شاء الله، فإن لم ينطق واستثنى بقلبه لم ينفع، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، لقوله في الحديث: (فقال: إن شاء الله) فخصه بالقول؛ ولأن اليمين لا تنعقد بالنية، فكذا الاستثناء، ولعموم: \"إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل، أو تكلم) (^٣).\nوروي عن الإمام أحمد أن من كان مظلومًا فاستثنى في نفسه، قال أحمد: رجوت أن يجوز إذا خاف على نفسه.\nقال الموفق ابن قدامة: (فهذا في حق الخائف على نفسه؛ لأن يمينه غير منعقدة، أو لأنه بمنزلة المتأول، وأما في حق غيره فلا) (^٤)، وعزا ابن حزم\n_________\n(^١) \"اللسان\" (١٤/ ١٢٤).\n(^٢) \"الاستذكار\" (١٥/ ٧٠).\n(^٣) متفق عليه، وقد سبق في باب \"الطلاق\" برقم (١٠٨٥).\n(^٤) \"المغني\" (١٣/ ٤٨٦).","vol":"9","page":345},{"text":"جواز الاستثناء في النفس بدون نطق إلى قوم، ولم يسمهم (^١)، ويمكن حمل كلامه على ما جاء عن الإمام أحمد.\n\n° الوجه الخامس: الجمهور من أهل العلم على اشتراط اتصال الاستثناء باليمين حقيقة أو حكمًا، والاتصال الحقيقي: أن يذكر الاستثناء عقب اليمين بلا فاصل، والاتصال الحكمي: أن يفصل بينهما فاصل اضطراري كسعال وعطاس ونحوهما، واستدلوا بحديث الباب؛ فإن قوله: (فقال) يقتضي كون الاستثناء بعد اليمين مباشرة؛ لأن الفاء للترتيب باتصال؛ ولأن الاستثناء من تمام الكلام، فاعتبر اتصاله به كالشرط وجوابه وخبر المبتدأ ونحو ذلك.\nوقد جاء ذكر الاتصال في بعض روايات الحديث كما تقدم، والمشهور من الروايات خلوها من هذا القيد.\nوالقول الثاني: أنه لا يشترط الاتصال، بل له أن يستثني إذا لم يطل الفصل، وهذا قول طاووس والأوزاعي، وهو رواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، قال أحمد في رواية أبي طالب: (إذا حلف بالله، وسكت قليلًا، ثم قال: إن شاء الله، فله استثناؤه؛ لأنه يكفر) (^٢).\nواستدلوا بحديث ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"والله لأغزون قريشًا\"، وفي بعض الروايات: ثم سكت، ثم قال: \"إن شاء الله\" (^٣).\nكما استدلوا بحديث ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات … لا يختلى خلاه … \"، فقال العباس: إلا الإذخر، فإنه لقيننا وبيوتنا، فقال النبي - ﷺ -: \"إلا الإذخر\" (^٤). فلم يتصل الاستثناء لوجود الفاصل بكلام العباس - ﵁ -.\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٨/ ٤٥).\n(^٢) \"العدة\" لأبي يعلى (٢/ ٦٦١)، \"المغني\" (١٣/ ٤٨٤).\n(^٣) رواه أبو داود (٣٢٧٨) والصواب أنه مرسل عن سماك، عن عكرمة عن النبي - ﷺ -، كما قال أبو حاتم وابن عدي. انظر: \"العلل\" (١٣٢١).\n(^٤) رواه البخاري (١٨٣٤)، ومسلم (١٣٥٣).","vol":"9","page":346},{"text":"والقول الثالث: أن له أن يستثني ولو بعد مدة، وعلى هذا يجوز الانفصال، ولا يشترط الاتصال، وهذا مروي عن ابن عباس - ﵄ - ومجاهد وسعيد بن جبير، فقد روى الطحاوي من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس في حديث أصحاب الكهف ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] قال ابن عباس: إذا قلت شيئًا فلم تقل: إن شاء الله، فقل: إذا ذكرت إن شاء الله (^١).\nوفي المسألة أقوال أخرى وتقديرات لا دليل عليها؛ لأن التقدير بابه التوقيف، فلا يصار إليه بالتحكم (^٢).\nوالأظهر -والله أعلم- هو قول الجمهور، وهو أنه لا بد من الاتصال، لكن إن حصل فاصل يسير من سكوت أو كلام فإنه لا يؤثر في صحة الاستثناء ما دام الكلام واحدًا، لما تقدم في حديث ابن عباس - ﵄ - (^٣).\nوأما ما روي عن ابن عباس من جوازه إلى مدة فعنه جوابان:\nالأول: أنه ورد بأسانيد فيها مقال؛ لأنه لو ثبت ذلك عن ابن عباس - ﵄ - لم يحنث أحد في يمينه ولم تلزمه كفارة، فكل من حلف وأراد الحنث استثنى.\nالثاني: على فرض ثبوته عنه فإن مراده أن المتكلم إذا نسي أن يقول عند كلامه أو مع يمينه: إن شاء الله وذكر بعد مدة، أنه يقول ذلك تبركًا؛ ليكون آتيًا بسنة الاستثناء الوارد في الآية، لا أنه يرفع الحنث ويسقط الكفارة، ذكر ذلك ابن جرير وغيره، قال ابن كثير: (وما قاله ابن جرير هو الصحيح، وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس عليه، والله أعلم) (^٤).\n_________\n(^١) \"شرح مشكل الآثار\" (٥/ ١٨٢).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ٤٨٥)، \"سبل السلام\" (٤/ ٢١٢).\n(^٣) \"الشرح الممتع\" (١٣/ ١٠٨).\n(^٤) \"تفسير الطبري\" (١٥/ ٢٢٩)، \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ١٤٥). وانظر: \"البرهان\" للجويني (١/ ٣٨٦)، \"المنخول\" ص (١٥٧)، \"المعتبر\" ص (١٦٢).","vol":"9","page":347},{"text":"وعلى هذا فلا يكون كلام ابن عباس - ﵄ - فيما نحن فيه؛ لأن الاستثناء صار للتبرك، وليس لرفع الحنث، وإنما كان قصد التبرك لا يفيد الاستثناء؛ لأنه يزيد اليمين قوة وتأكيدًا.\nويستفاد مما تقدم أن شروط صحة الاستثناء اثنان:\n١ - أن يكون الاستثناء كلامًا.\n٢ - أن يكون متصلًا مع ملاحظة ما تقدم.\n\n° الوجه السادس: لا خلاف بين العلماء في أن الاستثناء جائز في اليمين بالله تعالى (^١)، كان يقول: والله لأزورنك هذا اليوم إن شاء الله، فلو لم تحصل الزيارة لم يلزمه شيء.\nوأما الاستثناء في الظهار فالجمهور على صحة الاستثناء فيه، قال الإمام أحمد: إذا قال لامرأته: هي عليه كظهر أمه إن شاء الله، فليس عليه شيء هي يمين، ودليل هؤلاء أن الظهار يمين مكفرة، فصح الاستثناء فيها كاليمين بالله تعالى (^٢).\nوقال الإمام مالك وأصحابه: لا يؤثر الاستثناء إلا في اليمين المكفرة، وهي عندهم اليمين بالله تعالى أو النذر المطلق، وعلى هذا فلا يصح عندهم الاستثناء في الظهار ولا ينفع، وهو قول الأوزاعي أيضًا (^٣).\nواختلف العلماء في صحة الاستثناء في الطلاق والعتاق على قولين:\nفالقول الأول: أنه يصح الاستثناء في الطلاق والعتاق، فإذا قال: أنت طالق إن شاء الله، أو قال لعبده: أنت حر إن شاء الله، لم يقع شيء من ذلك، وكذا لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله، أو قال لعبده: إن ذهبت إلى زيد فأنت حر إن شاء الله،\nوهذا قول أبي حنيفة والشافعي، وعن أحمد ما يدل عليه، وهو قول\n_________\n(^١) \"تفسير القرطبي\" (٦/ ٢٧٥).\n(^٢) \"المغني\" (١١/ ٧٠) (١٣/ ٤٨٦).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٠٠).","vol":"9","page":348},{"text":"إسحاق بن راهويه، وابن المنذر والظاهرية وجماعة من السلف كطاوس وابنه وعطاء ومجاهد والزهري وآخرين (^١)، ودليل هؤلاء إجراء الطلاق والعتاق مجرى اليمين، فعمدتهم الأحاديث الدالة على صحة الاستثناء في اليمين، وقد استدلوا بأحاديث فيها النص على الطلاق والعتاق، وكلها ضعيفة لا تقوم بها حجة (^٢).\nوالقول الثاني: أنه لا يصح الاستثناء في الطلاق والعتاق، وهذا قول مالك، ونص عليه الإمام أحمد في رواية جماعة، وقال به جماعة من السلف كالحسن وسعيد بن المسيب والليث وغيرهم (^٣)، ودليلهم منع إجراء الطلاق والعتاق مجرى اليمين في مسألة الاستثناء؛ لأن الحديث إنما تناول الأيمان وما ذكر ليس بيمين، وإنما هو تعليق على شرط. قالوا: ولأنه أوقع الطلاق والعتاق في محل قابل فوقع، كما لو لم يستثنِ.\nوقد جاء عن الإمام أحمد ما يدل على هذا ففي \"مسائل ابنه صالح\": (سئل أبي وأنا شاهد عن رجل طلق امرأته واستثنى؟ فقال: سل غيري، فقيل له: لم لا تقول فيها؟ قال: إن الطلاق لا كفارة له، وليس هو بمنزلة اليمين؛ لأن اليمين يكفر، والطلاق لا كفارة له) (^٤).\nوفي \"مسائل الكوسج\": (قلت له: الاستثناء في الطلاق؟ قال: أقف عنده، والغالب على أنها تطلق، وكذلك العتاق، وذلك أن الطلاق ليس هو يمين يكون فيه استثناء …) (^٥). قال الموفق عن الاستثناء في الطلاق والعتاق: (توقف أحمد في الجواب، لاختلاف الناس فيها، وتعارض الأدلة، وفي موضع آخر قطع أنه لا ينفعه الاستثناء فيهما) (^٦).\nوالخلاف في هذه المسألة مبني على مسألة قبلها، وهي هل يجوز\n_________\n(^١) \"مسائل الكوسج\" (٥/ ٢٤٦٦)، \"المغني\" (١٣/ ٤٨٨).\n(^٢) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٣٦١).\n(^٣) \"االمغني\" (١٣/ ٤٨٨).\n(^٤) \"المسائل\" (١/ ١٤١).\n(^٥) (٤/ ١٥٧٨ - ١٥٧٩).\n(^٦) \"المغني\" (١٣/ ٤٨٨).","vol":"9","page":349},{"text":"الحلف بالظهار والطلاق والعتاق أو لا؟ والحلف بالطلاق والعتاق هو تعليقهما على شيء، وأُطلق عليه الحلف؛ لمشابهته اليمين في اقتضاء الحث والمنع.\nوالخلاف كما ترى قوي، حتى إن الإمام أحمد ورد عنه التوقف، ويظهر لي وجاهة القول الثاني لما تقدم، هذا من الناحية العلمية، أما من الناحية التطبيقية فمرجع إيقاع الطلاق أو عدم إيقاعه إلى القاضي فله أن يجتهد ويختار أحد القولين. والله تعالى أعلم.","vol":"9","page":350},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1168>ما جاء في يمين النبي - ﷺ </span>-\n١٣٧٤/ ٦ - وَعَنْهُ - ﵄ - قَال: كَانَتْ يَمِينُ النَّبيِّ - ﷺ -: \"لا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأيمان والنذور\"، باب (كيف كانت يمين النبي - ﷺ -؟) (٦٦٢٨) من طريق سفيان الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر - ﵄ -.\nورواه في كتاب \"القدر\" (٦٦١٧) من طريق عبد الله بن الفضل، أخبرنا موسى بن عقبة به، ولفظه: (كثيرًا ما كان النبي - ﷺ - يحلف: لا ومقلب القلوب).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا) فيه حذف نحو: لا أفعل أو لا أترك ونحو ذلك.\n\nقوله: (ومقلب القلوب) الواو حرف قسم وجر، ومقلب القلوب اسم مقسم به مجرور، وهو بصيغة اسم الفاعل، والمراد بتقليب القلوب: تقليب أحوالها وصرفها من رأي إلى رأي آخر، وخص القلب بذلك؛ لأنه إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد، كما ثبت في \"الصحيحين\" (^١).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن اليمين لا تتعين بلفظ معين مثل:\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٢٩٩٦) من حديث النعمان بن بشير -﵄-، وسيأتي شرحه في كتاب \"الجامع\" إن شاء الله تعالى.","vol":"9","page":351},{"text":"والله، بل تجوز في كل اسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته، قال الحافظ ابن حجر: (فيه جواز تسمية الله تعالى بما ثبت من صفاته على الوجه الذي يليق) (^١).\nوقد ساق البخاري تحت الترجمة المذكورة عدة أحاديث، وجملة ما ورد فيها أربعة ألفاظ:\n١ - والذي نفسي بيده، أو نفس محمد بيده.\n٢ - لا ومقلب القلوب.\n٣ - والله.\n٤ - ورب الكعبة.\nواعلم أن أسماء الله تعالى باعتبار الحلف بها ثلاثة أقسام:\n١ - ما كان مختصًّا بالله تعالى لا يسمى به غيره، مثل: الله، والرحمن، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، فهذا قَسَمٌ صريح تنعقد به اليمين، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك (^٢).\n٢ - ما يطلق على الله تعالى وعلى غيره، ويغلب إطلاقه على الله ﷿، مثل: الجبار، والرزاق، والمالك ونحو ذلك، فهذا تنعقد به اليمين؛ لأن هذا الاسم إذا أطلق ينصرف إلى الله تعالى، فإن قصد به غير الله تعالى لم يكن يمينًا؛ لأنه يطلق على غيره، وهذا على القول الراجح.\n٣ - ما يطلق على الله تعالى وعلى غيره، ولا يغلب إطلاقه على الله تعالى، مثل: الحي، والعزيز، والكريم، والمؤمن ونحو ذلك، فإن نوى غير الله تعالى فليس بيمين، وإن نوى به الله تعالى أو أطلق انعقد على القول الراجح؛ لأن الأصل أن المسلم لا يحلف إلا بالله ﷿، قال ابن حزم: (اليمين محمولة على لغة الحالف وعلى نيته) (^٣)، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الأحكام\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٢٧).\n(^٢) \"الإجماع\" ص (١٣٧).\n(^٣) \"المحلى\" (٨/ ٤٣).","vol":"9","page":352},{"text":"تتعلق بما أراده الناس بالألفاظ (^١).\nوأما القسم بصفات الله تعالى فالجمهور على جواز الإقسام بصفات الله تعالى، سواء أكانت صفة ذاتية -وهي التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، كالعلم والقدرة والسمع والبصر والعزة، ومنها الصفات الخبرية كالوجه واليدين والعينين- أم كانت صفة فعلية، وهي التي تتعلق بمشيئته إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا.\nومن الأدلة على ذلك حديث الباب، ويرى الشيخ محمد بن عثيمين أنه لا يقسم بالصفات الخبرية كاليد والأصبع، إلا الوجه فيقسم به؛ لأنه يعبر به عن الذات (^٢).\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الله تعالى هو الذي يتولى قلوب العباد فيصرفها كيف شاء، وهذا من كمال قدرته وتمام ملكه وتدبيره، وبهذا يُعلم مدى حاجة العبد إلى ربه، وأنه لا غنى له عنه طرفة عين، إذ لا بد له من هدايته إلى الصراط المستقيم وتوفيقه لما ينفعه في معاشه ومعاده، وإلا ضل وخسر، وهذا لا ينافي أن العباد مكلفون بأعمال يترتب عليها الجزاء يوم المعاد. فينبغي للعبد أن يسأل ربه دائمًا أن يثبته وأن يُصَرِّفَ قلبه على طاعته، قال القرطبي: (إن أحوال القلوب منتقلة غير ثابتة ولا دائمة، فحق العاقل أن يحذر على قَلْبِهِ من قَلْبِهِ، ويفزع إلى ربه في حفظه) (^٣).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء\"، ثم قال رسول الله - ﷺ -: \"اللهم مُصَرِّفَ القلوب صَرِّفْ قلوبنا على طاعتك\" (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفروع\" (٦/ ٣٣٨).\n(^٢) \"الشرح الممتع\" (١٥/ ١١٩)، \"أحكام اليمين بالله ﷿\" ص (٥٩).\n(^٣) \"المفهم\" (٦/ ٦٧٣).\n(^٤) رواه مسلم (٢٦٤٥).","vol":"9","page":353},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1169>ما جاء في اليمين الغموس</span>\n١٣٧٥/ ٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَال: جَاءَ أَعْرَابيٌّ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - فَقَال: يَا رَسُولَ الله، مَا الْكَبَائِرُ؟ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: \"الْيَمِينُ الْغَمُوسُ\". قُلْتُ: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَال: \"الَّذي يَقْتَطِعُ بها مَال امْرِيءٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ\"، أَخْرَجَهُ البخاري.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"استتابة المرتدين\"، باب (إثم من أشرك بالله وعقوبته في الدنيا والآخرة) (٦٩٢٠) من طريق عبيد الله بن موسى، أخبرنا شيبان، عن فراس، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: \"الإشراك بالله\" قال: ثم ماذا؟ قال: \"ثم عقوق الوالدين\"، قال: ثم ماذا؟ قال: \"اليمين الغموس … \" الحديث.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ما الكبائر؟) هذا يشعر بأنه كان معلومًا عند السائل أن في المعاصي كبائر وغيرها، والكبائر: جمع كبيرة، وفي تعريفها عدة أقوال، ومن أحسنها تعريف القرطبي: (أن كل ذنب أَطلق الشرع عليه أنه كبير، أو عظيم، أو أخبر فيه بشدة العقاب عليه، أو علق عليه حدًّا، أو شدد النكير عليه وغلَّظه وشهد بذلك كتاب أو سنة أو إجماع فهو كبيرة) (^١).\n_________\n(^١) \"المفهم\" (١/ ٢٨٤).","vol":"9","page":354},{"text":"قوله: (اليمين الغموس) بفتح الغين على وزن صيغة المبالغة (فعول) بمعنى فاعل، وهي اليمين التي يتعمد صاحبها فيها الكذب بأن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب فيه، وقد جاء تفسيرها في الحديث بأنها اليمين التي يحلفها كاذبًا عامدًا؛ ليقتطع بها مال امرئ مسلم، فظاهر ذلك أنها لا تكون غموسًا إلا إذا اقتطع بها مال امرئ مسلم، لا أن كل محلوف عليه كذبًا يكون غموسًا، وإنما هي يمين فاجرة، على أن من أهل العلم -كابن عبد البر- من يرى أن اليمين الغموس على المعنى الأول (^١).\nسميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في نار جهنم والعياذ بالله، واليمين الغموس فيها عدة مفاسد:\n١ - الكذب.\n٢ - اقتطاع مال المسلم.\n٣ - الاستهانة باليمين.\n٤ - التعود على المكر والخديعة وتضليل القاضي.\n\nقوله: (قلت: وما اليمين الغموس) القائل: هو فراس بن يحيى المُكْتِبِ الراوي عن الشعبي، بدليل رواية ابن حبان: (قلت لعامر: ما اليمين الغموس) (^٢)، وعامر هو الشعبي، فيكون التفسير من كلام الشعبي (^٣).\n\nقوله: (يقتطع) أي: يأخذ، وهو يفتعل من القطع، كأنه قطع هذا الجزء من المال من صاحبه، وهو أبلغ من الأخذ.\n\nقوله: (هو فيها كاذب) أي: كاذب في يمينه، وهذا قيد يخرج الجاهل؛ لأن الإثم والجزاء لا يستحقهما إلا العامد.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم اليمين الغموس، وهي اليمين الكاذبة التي يقتطع بها حق غيره، وأنها من الكبائر التي يفسق بها صاحبها\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٢١/ ٢٤٩).\n(^٢) \"الإحسان\" (١٢/ ٣٧٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٥٥٦).","vol":"9","page":355},{"text":"وتعرضه لغضب الله تعالى وعقابه؛ لما فيها من المفاسد العظيمة.\nوقد روى البخاري عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] \" (^١).\n\n° الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن اليمين الغموس لا كفارة فيها، وهو قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنه (^٢)؛ لأنها من الكبائر، فهي أعظم من أن تكفر، ولكن تمحى بالتوبة الصحيحة، ولا يقال: إن الكبائر فيها كفارة كالجماع في نهار رمضان؛ لأن كفارة الجماع مغلظة، ولو أثبتنا الكفارة في اليمين الغموس لكنا حططناها عن رتبة الكبائر؛ لأن كفارتها مخففة؛ ولأن الوطء في رمضان محرم لعارض، وإلا فالأصل الإباحة، بخلاف اليمين الغموس فهي غير مباحة بحال.\nكما استدلوا بقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] ووجه الاستدلال: أن الله تعالى أوجب الكفارة في اليمين المنعقدة، وهي التي قصد عقدها على أمر مستقبل ممكن بحيث يمكن فيها البر أو الحنث، واليمين الغموس غير منعقدة؛ لأنه لا يمكن فيها البر أو الحنث.\nوالقول الثاني: أن اليمين الغموس فيها كفارة، وهذا قول الشافعي ورواية عن أحمد، وهو قول الأوزاعي وابن حزم وعطاء والحكم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ﴾ قالوا: واليمين الغموس يمين منعقدة؛ لأنها مكتسبة بالقلب، معقودة بخبر، مقرونة باسم الله تعالى؛ ولأنه كلما عظم الذنب كان صاحبه أحوج إلى الكفارة (^٣).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٦٦٧٦).\n(^٢) \"المدونة الكبرى\" (٢/ ٢٨)، \"تفسير الطبري\" (٦/ ٢٦٧)، \"التمهيد\" (٢١/ ٢٤٩)، \"المغني\" (١٣/ ٤٤٨)، \"الاختيار\" (٤/ ٤٦).\n(^٣) \"المحلى\" (٨/ ٣٩٥)، \"مغني المحتاج\" (٤/ ٣٢٥)، \"المغني\" (١٣/ ٤٤٨)، \"الإنصاف\" (١١/ ١٦).","vol":"9","page":356},{"text":"وقول الجمهور أرجح لقوة أدلتهم؛ لأن اليمين الغموس صاحبها آثم باتفاق المسلمين، ولا سيما إذا كان مقصوده أن يظلم غيره كما قال النبي - ﷺ -: \"من حلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم؛ لقي الله وهو عليه غضبان\"، ثم إن القول بالكفارة يفضي إلى تساهل الناس بها لخفة كفارتها.\nيقول ابن القيم: (وما كان من المعاصي محرم الجنس كالظلم والفواحش، فإن الشارع لم يشرع له كفارة، ولهذا لا كفارة في الزنا ولا شرب الخمر وقذف المحصنات والسرقة، وطرد هذا أنه لا كفارة في قتل العمد ولا في اليمين الغموس … وليس ذلك تخفيفًا عن مرتكبها، بل لأن الكفارة لا تعمل في هذا الجنس من المعاصي، وإنما عملها فيما كان مباحًا في الأصل وحرم لعارض كالوطء في الصيام والإحرام) (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١١٨).","vol":"9","page":357},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1170>ما جاء في لغو اليمين</span>\n١٣٧٦/ ٨ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - في قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ قَالتْ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: لَا وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَوْرَدَهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأيمان والنذور\"، باب (﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾) (٦٦٦٣) من طريق يحيى، عن هشام قال: أخبرني أبي، عن عائشة - ﵂ -: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ قال: قالت: أنزلت في قوله: لا والله، وبلى والله.\nورواه أبو داود (٣٢٥٤) من طريق حسان بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم الصائغ، عن عطاء في اللغو في اليمين قال: قالت عائشة: إن رسول الله - ﷺ - قال: \"هو كلام الرجل في بيته، كلا والله، وبلى والله\".\nوهذا الإسناد تكلم العلماء في بعض رجاله، فحسان بن إبراهيم وثقه أحمد، وقال ابن معين: (ليس به بأس)، وفي رواية عنه: (ثقة)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال ابن عدي: (قد حدث بأفراد كثيرة، وهو عندي من أهل الصدق، إلا أنه يغلط في الشيء ولا يتعمد) (^١).\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٢/ ٣٧٢)، \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢١٤).","vol":"9","page":358},{"text":"وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق يخطئ).\nوأما إبراهيم بن ميمون الصائغ فقد قال عنه أحمد: (ما أقرب حديثه!) وقال ابن معين: (ثقة)، وقال أبو حاتم: (يكتب حديثه ولا يحتج به) (^١)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق).\nثم إن هذا الحديث أُعِلَّ بالوقف، قال أبو داود: (روى هذا الحديث داود بن أبي الفرات، عن إبراهيم الصائغ موقوفًا على عائشة، وكذلك رواه الزهري وعبد الملك بن أبي سليمان ومالك بن مغول، وكلهم عن عطاء عن عائشة موقوفًا).\nوصحح الدارقطني وقفه (^٢).\n\n° الوجه الثاني: في الحديث دليل على تفسير لغو اليمين وأنها اليمين التي تجري على لسان المتكلم بلا قصد، وإنما تترد على ألسنة الناس أثناء المحادثة، كقول الرجل في عرض كلامه: لا والله، وبلى والله، فيسبق إلى لسانه لفظ اليمين بلا قصد، وهذا تفسير عائشة - ﵂ - وهو أحد القولين عن ابن عباس -﵄-، وهو قول الشافعية، وجزم به المجد ابن تيمية (^٣)، وقال ابن كثير: (والصحيح أنه اليمين من غير قصد) (^٤). وذكر ابن عبد البر أنه قول أكثر العلماء (^٥). ورجحه الشوكاني (^٦).\nواللغو: في الأصل ما لا يعتد به من الكلام، والمراد به في الأيمان ما يورد من غير روية، فيجري مجرى اللغا وهو صوت العصافير (^٧).\nوالقول الثاني: أن لغو اليمين ما يجري على لسان المتكلم بلا قصد، وكذا اليمين التي يحلفها على الشيء يظن صدق نفسه فينكشف خلافه، وقد عزا ابن عبد البر المعنى الثاني إلى جماعة من السلف، وقد روي ذلك عن أبي هريرة - ﵁ -، وهو أحد قولي ابن عباس - ﵄ -.\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٢/ ١٣٤ - ١٣٥)، \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٥٠).\n(^٢) \"العلل\" (١٤/ ١٤٦، ١٦١).\n(^٣) \"المحرر\" (٢/ ١٩٨).\n(^٤) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ١٦٣).\n(^٥) \"التمهيد\" (٢١/ ٢٥١).\n(^٦) \"نيل الأوطار\" (١٥/ ٣٥٢).\n(^٧) انظر: \"اللسان\" (١٥/ ٢٥٠).","vol":"9","page":359},{"text":"والقول بالجمع بينهما هو مذهب الحنابلة، وبه قال ابن حزم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (^١).\nوالظاهر -والله أعلم- أن لغو اليمين كما فسرته عائشة - ﵂ -؛ لأنها شاهدت التنزيل، وهي عارفة بلغة العرب، فتفسيرها مقدم على تفسير غيرها، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] أي: بما صمَّمتم عليه من الأيمان وقصدتموها (^٢).\nفهذا يدل على أن اللغو هي اليمين من غير قصد.\nوأما الصورة الثانية ففيها نظر، والصحيح أنها ليست بلغو؛ لأن الحالف قد قصد اليمين، لكن لا حنث فيها ولا كفارة؛ لأن الحالف بارٌّ بيمينه؛ لأنه حلف على شيء يعتقد صدقه فيه، ويمكن أن تسمى: يمين لغو باعتبار عدم الكفارة (^٣).\nوقد دل القرآن -كما تقدم- على أن لغو اليمين لا مؤاخذة فيه ولا كفارة، وهذا من رحمة الله تعالى بالعباد ولطفه بهم حيث لم يؤاخذهم إلا بما انعقدت عليه قلوبهم، ولا خلاف بين أهل العلم في أن لغو اليمين لا كفارة فيها (^٤)، وإنما الخلاف في المراد من لغو اليمين، وفي تفسيرها أقوال أخرى لبعض السلف (^٥). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٢١/ ٢٤٨)، \"المحلى\" (٨/ ٣٤)، \"الفتاوى\" (٣٣/ ٢١٢)، \"زاد المعاد\" (٥/ ٢٠٧)، \"فتح الباري\" (١١/ ٥٤٧).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ١٦٣).\n(^٣) \"الشرح الممتع\" (١٥/ ١٣٣ - ١٣٤).\n(^٤) \"التمهيد\" (٢١/ ٢٤٧).\n(^٥) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٨/ ٤٧٥)، \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ١٦٣).","vol":"9","page":360},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1171>ما جاء في أسماء الله الحسنى</span>\n١٣٧٧/ ٩ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِن لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَسَاقَ التَّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ الأَسْمَاءَ، وَالتَّحْقِيقُ أَن سَرْدَهَا إِدْرَاجٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الشروط\"، باب (ما يجوز من الاشتراط والثُّنْيا في الإقرار … وإذا قال: مائة إلا واحدة أو ثنتين) (٢٧٣٦) وفي \"التوحيد\" (٧٣٩٢) عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج، ورواه مسلم (٢٦٧٧) (٦) عن أبي اليمان، عن أيوب، عن ابن سيرين، كلاهما عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائةً إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة\".\nورواه البخاري (٦٤١٠)، ومسلم (٢٦٧٧) (٥) من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد بلفظ: \"لله تسعة وتسعون اسمًا -مائة إلا واحدة- لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر\" هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: \"لله تسعة وتسعون اسمًا من حفظها دخل الجنة، وإن الله وتر يحب الوتر\".\nورواه الترمذي (٣٥٠٧)، وابن حبان (٣/ ٨٨) من طريق الوليد بن مسلم قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن لله تعالى تسعة وتسعين اسمًا","vol":"9","page":361},{"text":"مائة غير واحدة من أحصاها دخل الجنة، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم … \" الحديث.\nقال الترمذي: (هذا حديث غريب … وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -، ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث).\nفهذا الحديث بسرد الأسماء ضعفه الأئمة؛ لتفرد من لا يقبل تفرده، واضطرابه، واحتمال الإدراج، فإن روايات ذكر الأسماء مخالفة لرواية الأثبات عن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - بدون ذكرها، ومما يؤيد ذلك اختلاف الروايات في الأسماء وفي ترتيبها، فإنها لم تتفق على نسق واحد مما يؤكد أن ذكر الأسماء ليس من كلام النبي - ﷺ - وإنما هو من الموصول المدرج في الحديث (^١)، وكان بعض الرواة جمعها من الآيات والأحاديث، وأنت إذا تتبعت القرآن والسنة وجدت أسماء زائدة على هذا العدد.\nولعل الحكمة -والله أعلم- في عدم تعيينها أن يعني بها المؤمن وأن يتتبعها ويتدبرها ويعقل معانيها، بخلاف ما لو ذكرت محصورة فقد يقتصر عليها، وبهذا يعلم الجواب عن سؤال قد يرد، وهو كيف يتم حفظها ولم يأت بعددها حديث صحيح؟\nقال البيهقي: (يحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة، وكذلك في حديث الوليد بن مسلم، ولهذا ترك البخاري إخراج حديث الوليد في الصحيح) (^٢).\nوقال ابن كثير: (الذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم،\n_________\n(^١) انظر: \"مجموع الفتاوى\" (٦/ ٣٨٢)، \"فتح الباري\" (١١/ ٢١٥).\n(^٢) \"الأسماء والصفات\" ص (٨).","vol":"9","page":362},{"text":"وعبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زهير بن محمد أنه بلغه عن غير وأحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك؛ أي: أنهم جمعوها من القرآن، كما ورفى عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبي زيد اللغوي) (^١).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا) هذا لا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد، ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة: إن أسماء الله تعالى تسعة وتسعون اسمًا … أو نحو ذلك، وإنما معنى الحديث: أن هذا العدد من شأنه أن من أحصاه دخل الجنة، وعلى هذا فجملة (من أحصاها دخل الجنة) صفة مكملة لما قبلها وليست مستقلة، ونظير هذا أن تقول: عندي مائة درهم أعددتها للصدقة، فإنه لا يمنع أن يكون عندك دراهم أخرى لم تعدها للصدقة (^٢).\nومما يؤيد ذلك حديث ابن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"ما أصاب عبدًا هَمٌّ ولا حُزْنٌ فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وفيه: أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك … \" الحديث (^٣).\nوما استأثر الله تعالى به في علم الغيب لا يمكن لأحد حصره ولا الإحاطة به.\n\nقوله: (من أحصاها) اختلف العلماء في تفسير ذلك على أقوال كثيرة، فقيل معناها: من حَفِظَها، وقد جاء هذا المعنى في بعض الروايات: (لا\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٥١٦).\n(^٢) \"مجموع الفتاوى\" (٦/ ٣٨١)، \"بدائع الفوائد\" (١/ ١٦٦ - ١٦٧)، \"القواعد المثلى\" ص (١٤).\n(^٣) رواه أحمد (٦/ ٢٤٦)، وابن حبان (٣/ ٢٥٣)، والحاكم (١/ ٥٠٩) وغيرهم، وصححه الحاكم، وحسنه الحافظ ابن حجر كما ذكر ابن علَّان في \"الفتوحات الربانية\" (٤/ ١٣). وانظر: \"العلل\" للدارقطني (٥/ ١٩٩ - ٢٠١) فإنه لما تكلم على الاختلاف على إسناده قال: (وإسناده ليس بالقوي).","vol":"9","page":363},{"text":"يحفظها أحد إلا دخل الجنة)، قال النووي: (هكذا فسره البخاري، والأكثرون) (^١)، وقيل: المراد معرفة معانيها والإيمان بها، وقيل: المراد من أطاقها بحسن الرعاية لها وتخلق بما يمكنه العمل بمعانيها، فإذا قال: (الرزاق) وثق بالرزق ونحو ذلك.\nوالأقرب -والله أعلم- أن المراد بإحصائها: حفظها لفظًا وفهمها وتدبرها معنى، وتمام ذلك أن يتعبد لله تعالى بمقتضاها، وَيتِمُّ بأمرين:\nالأول: أن يدعو الله تعالى ويثني عليه بها، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] فيختار منها الاسم المناسب لمطلوبه.\nوالثاني: أن يتعرض في عبادته وأحواله لما تقتضيه هذه الأسماء، فما فيه معنى الوعد يقف فيه عند الطمع والرغبة، وما كان فيه معنى الوعيد يقف فيه عند الخشية والرهبة، وما كان يسوغ الاقتداء به فيها كالرحيم والكريم يدرب العبد نفسه على الاتصاف بها، وما كان يختص به كالجبار والعظيم فعلى العبد الإقرار (^٢).\n\n* الوجه الثالث: وجه إيراد هذا الحديث في كتاب \"الأيمان\" لبيان أن الحلف إنما يكون بأسماء الله تعالى الحسنى وكذا صفاته العلى، كما تقدم، والحلف بها داخل في معنى إحصائها، كما تقدم. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الأذكار\" (١٨٠).\n(^٢) انظر: \"بدائع الفوائد\" (١/ ١٦٤)، \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٤١٩ - ٤٢٠)، \"فتح الباري\" (١١/ ٢٢٥).","vol":"9","page":364},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1172>ما جاء في الدعاء لصاحب المعروف</span>\n١٣٧٨/ ١٠ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ صُنِعَ إِلَيهِ مَعْرُوفٌ فَقَال لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللهُ خَيرًا فَقدْ أَبْلَغَ في الثَّنَاءِ\"، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه الترمذي في أبواب \"البر والصلة\"، باب (ما جاء في النفقة بالمعروف) (٢٠٣٥)، وابن حبان (٨/ ٢٠٢) من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا الأحوص بن جوَّاب، عن سُعير بن الخِمْس قال: حدثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد - ﵄ - مرفوعًا.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن جيد (^١) غريب)، وفي \"تحفة الأشراف\": (حسن صحيح غريب)، وصححه السيوطي في \"الجامع الصغير\" (^٢). وقال أبو حاتم: (هذا حديث عندي موضوع بهذا الإسناد) (^٣) وفي موضع آخر قال: (هذا حديث منكر بهذا الإسناد) (^٤)، وقال الترمذي: (سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: هذا منكر، وسُعير بن الخِمْسِ كان قليل الحديث، ويروون عنه المناكير) (^٥)، وقال البزار: (هذا الحديث لا نعلم رواه\n_________\n(^١) هذه اللفظة قد يبدو أنها مصحفة، لكن لها نظير في بعض نسخ \"جامع الترمذي\" فانظر الحديث (٦٠) تحقيق أحمد شاكر، والحديث (١٩٧٢) تحقيق بشار عواد.\n(^٢) \"تحفة الأشراف\" (١/ ٥١)، \"صحيح الجامع\" (٥/ ٣١٨).\n(^٣) \"العلل\" (٢١٩٧).\n(^٤) \"العلل\" (٢٥٧٠).\n(^٥) \"العلل الكبير\" (٢/ ٨٠٣).","vol":"9","page":365},{"text":"عن سليمان التيمي إلا سُعير، ولا عن سُعير إلا الأحوص بن جَوَّاب) (^١).\n\n* الوجه الثاني: يستدل العلماء بهذا الحديث على استحباب مكافاة من أسدى إليك معروفًا وأن من كافأ صانع المعروف بالدعاء له أن يجزيه الله خيرًا فإنه لا يعتبر مقصرًا في مكافأته، وسيأتي لهذا مزيد في كتاب \"الجامع\" إن شاء الله تعالى.\nولم تتضح لي مناسبة هذا الحديث لكتاب (الأيمان) وإنما محله كتاب \"الجامع\"، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"كشف الأستار\" (١٩٤٤).","vol":"9","page":366},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1173>ما جاء في النهي عن الندر</span>\n١٣٧٩/ ١١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - أَنَّهُ نَهى عَنِ النَّذْرِ وَقَال: \"إِنَّهُ لَا يَأتِي بِخَيرٍ، وَإِنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأيمان والنذور\"، باب (إلقاء العبدِ النذرَ إلى القدر) (٦٦٠٨)، ومسلم (١٦٣٩) (٤) من طريق منصور بن عبد الله، عن عبد الله بن مرة، عن ابن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: … فذكره، وهذا لفظ مسلم.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (نهى) النهي: طلب الكف عن الفعل على وجه الاستعلاء.\n\nقوله: (عن النذر) تقدم أن النذر التزام المكلف شيئًا لم يكن عليه منجزًا أو معلقًا، فالمنجز نحو: لله علي أن أتصدق بكذا، والمعلق: إن شفى الله مريضي فللَّه علي أن أتصدق بكذا.\nوليس للنذر صيغة معينة، بل كل ما دل على الالتزام فهو نذر، مثل: لله عليَّ كذا، أو: إن قدم غائبي فللَّه عليَّ كذا، والغالب استعمال لفظة: (عليَّ) الدالة على الإيجاب.\nوهذا النهي معناه: الزجر عن النذر حتى لا يفعل، بدليل حديث أبي هريرة - ﵁ - أن الرسول - ﷺ - قال: \"لا تنذروا؛ فإن النذر لا يغني من القدر","vol":"9","page":367},{"text":"شيئًا … \" الحديث (^١)، وبدليل قول ابن عمر - ﵄وهو الراوي للحديث-: أَوَ لَمْ يُنهوا عن النذر، إن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخر … \" الحديث (^٢).\nوذكر ابن الأثير وجماعة أنه ليس نهيًا وإنما هو تأكيد لأمر النذر وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر لم يؤمر بالوفاء به؛ لأنه بالنهي يصير معصية، فكيف يؤمر بالوفاء بالمعصية؟!\nقالوا: وإنما جاء الحديث بصيغة النهي خشية أن يظن بعض الجهلة أن النذر يغير القدر، فكأنه قال: إذا اعتقدتم ذلك فلا تنذروا (^٣).\nوهذا قول ضعيف لا يساعد عليه لفظ الحديث، وحديث أبي هريرة - ﵁ - صريح في المعنى الأول، إضافة إلى فهم ابن عمر - ﵄ - (^٤).\n\nقوله: (إنه لا يأتي بخير) جملة تعليلية، ولها معنيان:\nالأول: أن النذر لا يأتي بخير إن لم يكن قدره الله تعالى، ويؤيد هذا المعنى رواية في حديث أبي هريرة - ﵁ -: \"إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدره له\"، فالناذر قد يظن أنه إذا قال: إن شفى الله مريضي فللَّه علي كذا، يظن أن النذر له أثر في حصول غرضه إن حصل، مع أن ذلك بقدر الله وقضائه نذر أو لم ينذر.\nالمعنى الثاني: أن معناها أن عقبى النذر لا تحمد فلا يأتي بخير:\n١ - لأن الناذر إذا نذر قربة صارت لازمة بالنذر، فيؤديها وهو مستثقل لها، وقد يعجز عنها، مع أنه كان في عافية وسعة قبل أن ينذر.\n٢ - أن فيه إرادة المعاوضة مع الله وأن حصول مطلوبه لأجل النذر؛ لأن الناذر لم يمحض نيته للتقرب إلى الله تعالى.\nولا مانع من اعتبار المعنيين لوجودهما في النذر.\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٩٤٠).\n(^٢) رواه البخاري (٦٦٩٢).\n(^٣) \"النهاية\" (٥/ ٣٩).\n(^٤) انظر: \"المُعْلم\" (٢/ ٢٣٦).","vol":"9","page":368},{"text":"قوله: (وإنما يستخرج به من البخيل) أي: لأن البخيل لا يؤدي طاعة من صدقة أو صيام إلا في عوضٍ ومقابلٍ يُستوفى أولًا، فإن لم يحصل له غرضه لم يفعل، فيكون النذر هو السبب الذي استخرج منه تلك الطاعة، أما غير البخيل فهو يفعل الطاعة ابتداءً دون أن يعلقها على شيء.\nوهذا عام في النذر المعلق وهو نذر المجازاة، كان شفى الله مريضي …، والنذر المطلق مثل: لله علي صدقة؛ لأن بعض الناس قد لا ينشط لعمل القربة، فيلزم نفسه بفعلها بواسطة النذر لأجل أن تلزمه.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن النذر منهي عنه وأنه لا ينبغي، وأن فعله ابتداء ليس من الطاعات المرغب فيها، ولكن إذا وقع وجب الوفاء به في الجملة.\nقال الخطابي: (هذا باب غريب من العلم وهو أن ينهى عن الشيء أن يُفعل حتى إذا فعل وقع واجبًا) (^١) وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (إن النذر من غرائب العلم حيث كان عقده منهيًا عنه ووفاؤه محمودًا مأمورًا به، والقاعدة في جميع الأمور أن الوسائل لها أحكام المقاصد إلا هذه المسألة) (^٢).\nومن أهل العلم من حمل النهي في الحديث على نذر المجازاة، وهو النذر المعلق على وجود نعمة أو دفع نقمة، كما لو قال: إن شفى الله مريضي أو سكنت منزلًا لي فلله علي أن أصوم شهرًا.\nأما النذر المطلق وهو التزام العبادة والنذر بها مطلقًا فهذا غير داخل في النهي.\n\n* الوجه الرابع: اختلف العلماء في حكم الإقدام على النذر، والظاهر أن سبب الخلاف ما ورد من الأدلة في الثناء على الذين يوفون بالنذر وأنه سبب من أسباب دخول الجنة، كقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وما ورد من الأدلة على وجوب الوفاء بالنذر، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ\n_________\n(^١) \"أعلام الحديث\" (٤/ ٢٢٧٧).\n(^٢) \"الإرشاد\" ص (٢١٧).","vol":"9","page":369},{"text":"وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وما سيأتي من قوله - ﷺ -: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه\" (^١). مع الأدلة التي تنهى عن النذر، وفي المسألة أربعة أقوال:\nالأول: أن النذر مكروه، وعزاه الترمذي إلى ابن المبارك، وهو قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم الحنابلة في الصحيح من المذهب، وأكثر الشافعية، والمالكية، وابن حزم، إلا أن المالكية خصوا الكراهة بما يتكرر دائمًا كصوم يوم من كل أسبوع، وما لم يتكرر فهو مندوب (^٢).\nواستدلوا بما تقدم من الأدلة في النهي عن النذر؛ لأن فيها التصريح بالنهي عنه، وأنه لا يأتي بخير ولا يرد قضاء، قالوا: والنهي يقتضي التحريم في الأصل، لكن صُرف إلى الكراهة بنصوص الكتاب والسنة التي أوجبت الوفاء بالنذر، ومدحت الموفين به، قال ابن قدامة: (وهذا نهي كراهة لا نهي تحريم؛ لأنه لو كان حرامًا لما مَدَحَ الموفين به؛ لأن ذنبهم في ارتكاب المحرَّم أشد من طاعتهم في وفائه …) (^٣).\nوالقول الثاني: أن النذر محرَّم، ونُسب هذا إلى طائفة من أهل الحديث، ورجحه الصنعاني (^٤)، وقال ابن مفلح: (وتوقف شيخنا -يعني: ابن تيمية- في تحريمه) (^٥)، وقال الشيخ محمد بن عثيمين: (القول بتحريمه قوي) (^٦) مع أنه يقول بكراهته، والذين حرَّموه أخذوا بظاهر النهي عنه، قالوا: ولأن الناذر قد يقع في قلبه شيء من سوء الظن بالله تعالى وأن الله تعالى لا يجلب له هذه النعمة ولا يدفع عنه هذه النقمة إلا بالنذر، ثم إن النبي - ﷺ - بين أنه لا يأتي بخير.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٧٠٠).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣/ ١٩٨)، \"المحلى\" (١٠/ ٧)، \"المغني\" (١٣/ ٦٢١)، \"المجموع\" (٨/ ٤٥٠)، \"مغني المحتاج\" (٤/ ٣٥٤)، \"جواهر الإكليل\"، (١/ ٢٤٤)، \"أضواء البيان\" (٥/ ٦٧٧).\n(^٣) \"المغني\" (١٣/ ٦٢١).\n(^٤) \"سبل السلام\" (٨/ ٣٨).\n(^٥) \"الفروع\" (٦/ ٣٩٥)، \"فتح الباري\" (١١/ ٥٧٨)، \"الإنصاف\" (١١/ ١١٧).\n(^٦) \"الشرح الممتع\" (١٣/ ٢٠٧).","vol":"9","page":370},{"text":"فإن قيل: كيف أثنى الله على الموفين بالنذر وقد ارتكبوا ما نهى الله عنه؟ فالجواب من وجهين:\nالأول: أن الله لم يثن على الناذرين وإنما أثنى على الموفين، وفرق بين الأمرين، وعلى هذا فعقد النذر ليس عبادة، لكن الوفاء به عبادة.\nالجواب الثاني: أن العلماء قد اختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْر﴾ على قولين:\nالأول: قول قتادة ومن وافقه أن المراد يوفون بما افترض الله عليهم من الطاعات كالصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة ونحو ذلك، ويقوي قول قتادة قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] أي: أعمال نسكهم التي ألزموها أنفسهم بإحرامهم بالحج، ذكر ذلك القرطبي (^١).\nالثاني: قول مجاهد وعكرمة وغيرهما أن الآية على ظاهرها، وأن المراد النذر الذي أوجبه الإنسان على نفسه، وأن هذا مدح لهم بالوفاء به.\nوقد جمع ابن كثير بين القولين فقال: (أي: يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر) (^٢).\nوالقول الثالث: أن النهي ورد في نذر المجازاة، وهو ما عُلِّق على حصول نفع للناذر، مثل: إن شفى الله مريضي فعليَّ كذا، وذلك لأنه لم يقع طاعة خالصة، ولأن الأحاديث الواردة في ذلك جاء فيها أن النذر لا يرد شيئًا من القدر، وبهذا جزم القرطبي (^٣)، وأما النذر المطلق فهو الذي ورد فيه الترغيب والثناء على الموفين به، وهذا قول جماعة من أهل العلم من الشافعية وغيرهم، واختاره الشنقيطي (^٤).\nوالقول الرابع: أن النهي محمول على من علم من حاله عدم القيام بما\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢٩/ ٢٠٨)، \"تفسير القرطبي\" (١٩/ ١٢٨).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ٣١٣).\n(^٣) \"المفهم\" (٤/ ٦٠٦).\n(^٤) انظر: \"طرح التثريب\" (٦/ ٣٩)، \"فتح الباري\" (١١/ ٥٧٨)، \"أضواء البيان\" (٥/ ٦٧٧).","vol":"9","page":371},{"text":"التزمه من النذر، لضعف ونحوه، ويكون معنى قوله: (إنه لا يأتي بخير) أن عقباه لا تُحمد، فإن الناذر قد لا يفي، وقد يتعذر الوفاء به، وقد يأتي به كارهًا مستثقلًا -كما تقدم - (^١)، أما من قوي على الوفاء بالنذر فإنه يكون في حقه عبادة مشروعة، وهذا القول فيه جمع بين الأدلة، فإن الله ﷿ قد أمر بالوفاء بالنذر -كما تقدم- والأمر بالوفاء به يدل على أنه عبادة؛ لأن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، وأثنى الله على الموفين به فقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، والله تعالى لا يمدح إلا على فعل واجب أو مستحب أو ترك محرم، لا يمدح على فعل المباح المجرد، وذلك هو العبادة (^٢)، وقد دل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] على مشروعية النذر والوفاء به ما لم يكن معصية (^٣).\nقال الشوكاني: (فيه معنى الوعد لمن أنفق ونذر على الوجه المقبول، والوعيد لمن جاء بعكس ذلك) (^٤)، ومما يؤيد هذا الجمع أنه لو كان منهيًا عن النذر على الإطلاق لكان النذر معصية، فكيف يؤمر الناذر بالوفاء بالمعصية؟! وكيف يكون النذر بعد الوفاء عبادة، ويكون صرفه لغير الله تعالى شركًا في العبادة؟ (^٥).\nوهذا الجمع قال به جماعة من أهل العلم، وعزاه ابن العراقي إلى القائلين بالاستحباب، وقد جزم به جماعة من الشافعية (^٦)، وهو قول الحنفية (^٧)، وهو أقرب الأقوال. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"سبل السلام\" (٤/ ٢٢٤).\n(^٢) انظر: \"تيسير العزيز الحميد\" ص (٢٠٣).\n(^٣) انظر: \"طرح التثريب\" (٦/ ٤٠)، \"روح المعاني\" (٣/ ٤٣).\n(^٤) \"فتح القدير\" (١/ ٢٩٠).\n(^٥) انظر: \"تيسير العزيز الحميد\" ص (٢٠٣).\n(^٦) انظر: \"طرح التثريب\" (٦/ ٣٩ - ٤٠).\n(^٧) انظر: \"الاختيار\" (٤/ ٧٦).","vol":"9","page":372},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1174>ما جاء في أن النذر تدخله الكفارة</span>\n١٣٨٠/ ١٢ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمينٍ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَزَادَ التِّرْمِذيُّ فِيهِ: \"إِذَا لَمْ يُسَمَّ\" وَصَحَّحَهُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"النذر\"، بابٌ (في كفارة النذر) (١٦٤٥) من طريق عمرو بن الحارث، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن شِمَاسة (^١)، عن أبي الخير (^٢)، عن عقبة بن عامر - ﵁ - مرفوعًا.\nورواه الترمذي (١٥٢٨) من طريق أبي بكر بن عياش، حدثني محمد مولى المغيرة بن شعبة، حدثني كعب بن علقمة، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كفارة النذر إذا لم يُسَمَّ كفارة يمين\" وليس في هذا الإسناد عبد الرحمن بن شماسة.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وفي إسناده محمد بن يزيد بن أبي زياد الفلسطيني مولى المغيرة بن شعبة، قال عنه أبو حاتم والدارقطني: (مجهول) (^٣).\nولعل الحافظ ذكر زيادة الترمذي -على ما فيها- لأن فيها تقييدًا لإطلاق رواية مسلم، ولهذه الزيادة شاهد من حديث ابن عباس - ﵄ - الآتي: \"من نذر ندرًا لم يسمه فكفارته كفارة يمين\".\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٨٠).\n(^٢) هو مرثد بن عبد الله اليَزَني.\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" (٨/ ١٢٦)، \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٩٨).","vol":"9","page":373},{"text":"* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن للنذر كفارة مثل كفارة اليمين وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.\n\n* الوجه الثالث: ظاهر الحديث أن الكفارة تدخل في كل نذر، وأن من نذر طاعة من صلاة أو صيام أو صدقة فكفارته كفارة يمين ولا يلزمه الوفاء به.\nووجه الاستدلال: أن الشرع شبه النذر باليمين، فإذا كانت اليمين لا يلزم الوفاء بها بل له أن يكفر فكذا النذر.\nوالقول بالعموم هو قول جماعة من فقهاء الحديث -كما يقول النووي (^١) -، وذلك لأن الحديث مطلق لم يقيد بنذر دون نذر.\nومن العلماء من حمله على النذر المبهم، ويسمى -أيضًا- النذر المطلق، وهو الذي لم يحدد فيه جنس النذر ولا مقداره، فمن نذر نذرًا لم يسمه كأن يقول: لله علي نذر، أو إن شفى الله مريضي فللَّه علي نذر، فهذا هو الذي فيه كفارة اليمين، وقد رجح هذا الشوكاني (^٢)، والشنقيطي (^٣)، ومن قال بهذا أخذ بزيادة الترمذي وما يؤيدها من حديث ابن عباس - ﵄ -.\nأما النذور المسماة فإما أن تكون فعلًا، وإما أن تكون مالًا، فإن كانت فعلًا فهي ثلاثة أقسام: نذر الطاعة، ونذر المباح، ونذر المعصية.\nفأما نذر الطاعة: فإما أن يكون جنسها واجبًا بأصل الشرع كالصلاة والصوم، والحج، فهذا يلزم الوفاء به إذا كان معلقًا على شيء، قال الموفق ابن قدامة: (بإجماع أهل العلم)، وقال ابن الملقن: (قام الإجماع على وجوب الوفاء بالنذر إذا كان طاعة) (^٤) فإن كان منجزًا، وهو غير المعلَّق، لزم الوفاء به، وهذا قول الجمهور، ومنهم الحنابلة والمالكية والحنفية.\n_________\n(^١) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١١/ ١١٣).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٥/ ٦٦٤).\n(^٣) \"أضواء البيان\" (٥/ ٦٦٤).\n(^٤) \"المغني\" (١٣/ ٦٢٦)، \"التوضيح\" (٣٠/ ٣٧٤).","vol":"9","page":374},{"text":"ودليلهم حديث: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه\"؛ ولأن النبي - ﷺ - أمر عمر - ﵁ - أن يوفي بنذر نذره في الجاهلية وهو أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، كما سيأتي، وعلى هذا فنذر الطاعة لا تدخله الكفارة، وإنما يجب الوفاء به، ومن الأدلة أن الله تعالى ذم من لم يف بنذره قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧].\nفإن كان جنس الطاعة غير واجب بأصل الشرع كالاعتكاف وعيادة المريض فالأكثرون أنه يلزم الوفاء به، وعند أبي حنيفة لا يلزم الوفاء به؛ لأن النذر فرع عن المشروع، فلا يجب به ما لا يجب له نظير بأصل الشرع (^١).\nوإن كان مباحًا كلبس الثوب وركوب السيارة ونحو ذلك فهذا ينعقد ويخير الناذر بين الوفاء به وبين كفارة اليمين، وهذا مذهب الحنابلة، ورجحه النووي في \"المنهاج\" (^٢).\nواستدلوا بعموم حديث الباب؛ ولأنه لو حلف على فعل مباح برَّ بفعله، فكذلك إذا نذر؛ لأن النذر كاليمين.\nوالقول الثاني: أن نذر المباح لا ينعقد، وليس عليه كفارة، وهذا قول الجمهور من الحنفية والمالكية، وهو الأصح في مذهب الشافعية، وهو رواية مخرَّجة في مذهب أحمد (^٣).\nواستدلوا بحديث ابن عباس - ﵄ - قال: بينا رسول الله - ﷺ - يخطب إذا هو برجل قائم، فسال عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي - ﷺ -: \"مره فليتكلم وليستظل وليتم صومه\" (^٤).\n_________\n(^١) \"حاشية ابن عابدين\" (٣/ ١٧٧٢)، \"الاختيار\" (٤/ ٧٦).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ٦٢٦ - ٦٢٧)، \"مغني المحتاج\" (٤/ ٣٥٧)، \"الشرح الممتع\" (٥/ ٢١٣).\n(^٣) \"الإنصاف\" (١١/ ١٢).\n(^٤) رواه البخاري (٦٧٠٤).","vol":"9","page":375},{"text":"فدل هذا الحديث على أن نذره لم ينعقد؛ لأن النبي - ﷺ - لم يأمر بالوفاء به ولم يوجب عليه كفارة، بل أمره ألا يفي به، إلا الصوم لأنه طاعة (^١).\nوالأقرب -والله أعلم- أن نذر المباح ينعقد ويخير بين الوفاء وبين كفارة اليمين، ويؤيد هذا مفهوم قوله - ﷺ -: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه\"، فإن مفهومه أنه لا يجب الوفاء إلا بنذر الطاعة.\nوأما القسم الثالث -وهو نذر المعصية- فسيأتي إن شاء الله في الحديث الآتي.\nأما إن كان المنذور مالًا كان يقول: لله عليَّ أن أتصدق بمالي، فقد اختلف العلماء فيما يلزم إخراجه على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه يكفيه إخراج الثلث، لقوله - ﷺ - لأبي لبابة - ﵁ - حين قال: (إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال: \"يجزئك الثلث\" (^٢)، ومثله قال لكعب بن مالك - ﵁ - (^٣)، وقد فهم أبو داود هذا الحكم وبوَّب عليه (باب: فيمن نذر أن يتصدق بماله) (^٤)، وهذا قول مالك، وهو المذهب عند الحنابلة (^٥)، واختاره الشنقيطي (^٦).\nوالقول الثاني: أنه يتصدق بجميع ماله، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، ورواية عن أحمد (^٧)، لقوله - ﷺ -: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه\"؛ ولأن اسم المال يقع على الجميع.\n_________\n(^١) \"التوضيح\" (٣٠/ ٣٩١).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٣٢٠)، وأحمد (٢٥/ ٢٧)، ومالك (٢/ ٤٨١)، وعبد الرزاق (٨/ ٤٨٤)، والبيهقي (١٠/ ٦٧)، والحديث له طرق كثيرة عن الزهري.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٣١٨)، (٣٣١٩) وانظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (١٠/ ٦٨)،\nوقصة كعب بن مالك أخرجها البخاري (٢٧٥٧)، ومسلم (٢٧٦٩) وليس فيها ذكر الثلث، وإنما فيها: \"أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك … \".\n(^٤) انظر: \"عون المعبود\" (٩/ ١٤٨).\n(^٥) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٢٥)، \"الإنصاف\" (١١/ ١٢٧).\n(^٦) انظر: \"أضواء البيان\" (٥/ ٦٧٢).\n(^٧) \"شرح المهذب\" (٨/ ٤٦٢)، \"الفروع\" (٦/ ٣٩٨).","vol":"9","page":376},{"text":"والقول الثالث: أنه يتصدق بجميع ماله، ويُبقي لنفسه ولمن يعول ما يغنيهم عن سؤال الناس، لعموم الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالنذر، مع قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، والعفو في أصح التفسيرين هو: ما لا يضر إنفاقه بالمنفق ولا يجحف به، لإمساكه ما يسدُّ خلته الضرورية (^١)؛ ولأن ما نقص عن كفايته وكفاية أهله لا يجوز التصدق به، فنذره لا يكون طاعة فلا يجب الوفاء به، وما زاد على قدر كفايته وحاجته فإخراجه والصدقة به أفضل، فيجب إخراجه إذا نذره (^٢)، وهو قول ابن حزم (^٣)، وبعض المالكية، وهو اختيار ابن القيم (^٤)، وقد ذكر ذلك الشافعي ولم ينسبه لأحد بعينه (^٥).\nوأما قصة أبي لبابة وكعب بن مالك - ﵄ - فليس فيها ما يدل على النذر (^٦)، وإنما هي صدقة من باب شكر النعمة، وهي توبة الله تعالى عليهما؛ لأن كلًّا منهما قال: (إن من توبتي)، أي: من شكر توبتي (^٧)، وفرق بين من يلتزم إخراج ماله بالنذر، وبين من يريد أن يتصدق (^٨)، على أن قصة كعب بن مالك - ﵁ - ليس فيها ذكر الثلث، وإنما قال له النبي - ﷺ -، \"أمسك عليك بعض مالك\".\nوالأقرب -والله أعلم- لزوم الصدقة بجميع المال لمن نذر ذلك إذا حَسُنَ ظنه بربه وصَدَق اعتماده عليه، مع وجود ما يقوم بكفايته من مرتب ونحو ذلك، وهذا فيه احتياط وإبراء للذمة، قال ابن القيم بعد ذكره الأقوال في المسألة: (وأصح هذه الأقوال: ما دل عليه حديث كعب المتفق عليه أنه يتصدق به، ويمسك عليه بعضه، وهو ما يكفيه ويكفي عياله، والله أعلم) (^٩).\n_________\n(^١) انظر: \"أضواء البيان\" (٥/ ٦٨٥).\n(^٢) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٥٨٦).\n(^٣) \"المحلى\" (٨/ ٣٥٣).\n(^٤) انظر: \"تهذيب مختصر السنن\" (٤/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، \"زاد المعاد\" (٣/ ٥٨٦).\n(^٥) \"الأم\" (٢/ ٢٧٨، ٢٧٩)، \"بلغة السالك\" (١/ ٧٣٨).\n(^٦) انظر: \"الأعلام\" (٩/ ٣٣٧).\n(^٧) \"الإعلام\" (٩/ ٣٣٥).\n(^٨) \"سبل السلام\" (٤/ ٢٢٦).\n(^٩) \"تهذيب مختصر السنن\" (٤/ ٣٨٥)، \"عون المعبود\" (٩/ ١٥٤)، \"الشرح الممتع\" (١٥/ ٢٢٨).","vol":"9","page":377},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1175>أحكام بعض أنواع النذر</span>\n١٣٨١/ ١٣ - وَلأَبي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - مَرْفُوعًا: \"مَنْ نَذَرَ نَدْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَارَتُهُ كَفَّارَةُ يمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا في مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَدْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفارَةُ يَمِينٍ\"، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، إلا أن الْحفَّاظَ رَجَّحُوا وَقْفَهُ.\n١٣٨٢/ ١٤ - وَلِلْبُخَاريِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ -: \"وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ\".\n١٣٨٣/ ١٥ - وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ: \"لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةٍ\".\n\n* الكلام عليها من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث ابن عباس - ﵄ - فقد رواه أبو داود في كتاب \"الأيمان والنذور\"، باب (من نذر نذرًا لا يطيقه) (٣٣٢٢) من طريق طلحة بن يحيى الأنصاري، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن كريب، عن ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا، وتمامه: \"ومن نذر نذرًا أطاقه فليف به\".\nوهذا الحديث إسناده صحيح، إلا أن الحفاظ ومنهم أبو حاتم وأبو زرعة والبيهقي (^١)، رجحوا وقفه على ابن عباس -﵄-، وقال الحافظ ابن حجر: (رواته ثقات، لكن أخرجه ابن أبي شيبة موقوفًا وهو أشبه) (^٢). وقد رواه\n_________\n(^١) \"العلل\" (١٣٢٦)، \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٤٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٥٨٧).","vol":"9","page":378},{"text":"ابن أبي شيبة (٤/ ١٧٣) من طريق وكيع بن الجراح، عن عبد الله بن سعيد به، عن ابن عباس موقوفًا، وأشار أبو داود إلى ذلك.\nووجه ترجيح الموقوف أن رافعه طلحة بن يحيى متكلم فيه، فقد وثقه ابن معين وعثمان بن أبي شيبة وابن حبان، وأخرج له الشيخان، لكن قال أبو حاتم: (ليس بقوي) (^١)، وأما وكيع فهو إمام حافظ.\nأما حديث عائشة - ﵂ - فقد رواه البخاري في كتاب \"الأيمان والنذور\"، باب (النذر فيما لا يملك وفي معصية) (٦٧٠٠) من طريق طلحة بن عبد الملك، عن القاسم، عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"من نذر أن يطيع الله فديطعه، ومن ندر أن يعصي الله فلا يعصه\".\nوالحافظ اختصر الحديث فترك أوله، ولو ساقه بتمامه كما فعل ابن دقيق العيد وابن عبد الهادي لكان أولى.\nوأما حديث عمران بن حصين - ﵁ - فقد رواه مسلم في كتاب \"النذر\"، بابٌ (لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك العبد) (١٦٤١) من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين - ﵁ - قال: كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله - ﷺ - … وساق الحديث بطوله، وفي آخره: \"لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد\"، وفي رواية: \"لا نذر في معصية الله\"، وتقدمت الإشارة إليه في \"الجهاد\".\nورواه النسائي (٧/ ٢٨) من طريق محمد بن الزبير الحنظلي، عن أبيه، عن عمران بن حصين - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا نذر في معصية وكفارتها كفارة يمين\".\nوهذا سند ضعيف، قال النسائي عقبه: (محمد بن الزبير ضعيف لا تقوم به حجة، وقد اختلف عليه في هذا الحديث، … وقيل: إن الزبير لم يسمع هذا الحديث من عمران - ﵁ -).\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٤٨٢)، \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٢٦).","vol":"9","page":379},{"text":"وأعله البيهقي (١٠/ ٧٥) بالانقطاع، وابن حزم (٨/ ٧) بضعف محمد وبالانقطاع، وله طرق أخرى كلها ضعيفة.\n\n* الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن من نذر نذرًا مبهمًا لم يسمه ففيه كفارة يمين، كما تقدم، لكن لو نذر عبادة وأطلق وجب عليه أقل ما يصدق عليه الاسم، فإذا قال: لله علي أن أصلي، وجب عليه ركعتان، وهذا قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وقول للشافعي؛ لأن أقل صلاة وجبت بالشرع ركعتان، فوجب حمل النذر عليه، وقيل: ركعة، وهذا رواية عن أحمد، وقول للشافعي (^١)، وهذا مقيس على النفل وهو الوتر، والنذر فرض، فقياسه على المفروض أولى، وإن قال: لله علي أن أصوم، وجب عليه صيام يوم بلا خلاف؛ لأنه ليس في الشرع صوم مفرد أقل من يوم.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من نذر نذر معصية كشرب خَمْرٍ أو دخان أو نَذَرَ قطيعة رحم، فإنه لا يجوز الوفاء به بالإجماع (^٢)، لقوله - ﷺ -: \"ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه\" وقوله: \"لا وفاء لنذر في معصية\".\nوأما وجوب الكفارة ففيه قولان:\nالأول: أن عليه الكفارة، وهو مروي عن جماعة من الصحابة كابن مسعود وابن عباس وجابر وعمران بن حصين وسمرة بن جندب -﵃-، وبه قال الثوري، وهو الصحيح من مذهب الإمام أحمد، وهو من المفردات، واختاره الحافظ البيهقي (^٣)، وابن القيم (^٤)، والصنعاني (^٥)، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين (^٦).\nواستدلوا بأدلة، منها: حديث ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: \"النذر نذران: فما كان لله فكفارته الوفاء به، وما كان للشيطان فلا وفاء فيه، وكفارته\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٣/ ٦٢٤).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ٦٣٤).\n(^٣) انظر: \"المغني\" (١٣/ ٦٢٤)، \"المجموع\" (٨/ ٤٥٣، ٤٥٧).\n(^٤) انظر: \"تهذيب مختصر السنن\" (٤/ ٣٧٣).\n(^٥) \"سبل السلام\" (٤/ ٢٢٧).\n(^٦) \"الشرح الممتع\" (١٥/ ٢١٦).","vol":"9","page":380},{"text":"كفارة يمين\" (^١).\nويدل لذلك -أيضًا- عموم حديث عقبة - ﵁ -: \"كفارة النذر كفارة يمين\" فإنه يتناول نذر المعصية؛ لأنه لم يخص نذرًا دون نذر، وفي المسألة أحاديث أخرى لا تخلو من مقال، لكن يشد بعضها بعضًا (^٢).\nوالقول الثاني: أن نذر المعصية ليس فيه كفارة، وهذا قول الجمهور، ومنهم الشافعي ومالك وأبو حنيفة، ورواية مُخرجة عن أحمد، فإنه قال: فيمن نذر \"ليهدمن دار غيره لبنة لبنة\": (لا كفارة عليه).\nواستدلوا بحديث عائشة - ﵂ -: \"من نذر أن يعصي الله فلا يعصه\" فنهى عن الوفاء بنذر المعصية، ولم يأمر الناذر بكفارة، فدل على أنها غير واجبة (^٣)، واختار هذا القول الشوكاني (^٤).\nوالقول الأول أرجح، لما تقدم؛ ولأن المعنى يقتضي ذلك، فإن الناذر نذر معصيةٍ ارتكب إثمًا بمجرد نذره، فهو أحوج إلى الكفارة لمحو هذا الإثم وإزالته؛ ولأن الأمر مقدم على الإباحة -كما تقرر في الأصول- للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب، فمن أخرج الكفارة فقد برئ من المطالبة بها باتفاق الجميع (^٥).\nوأما الأحاديث التي لم تذكر الكفارة فليست دليلًا على عدم وجوبها؛ لأنها لم تنفِ الكفارة، والأحاديث الأخرى نطقت بما سكتت عنه هذه الأحاديث، فتكون دلالتها مقدمة، مع أن الأحاديث التي فيها الكفارة كلها معلولة، وأصح ما فيها حديث عقبة: \"كفارة النذر كفارة يمين\". لكن إن فعل المعصية فهل عليه كفارة؟ الجواب: هو آثم بفعلها، وعليه التوبة، والجمهور\n_________\n(^١) أخرجه ابن الجارود (٩٣٥)، ومن طريقه البيهقي (١٠/ ٧٢)، وفي سنده خطاب بن القاسم الحراني، وهو متكلم فيه، انظر: \"تهذيب الكمال\" (٨/ ٢٦٩) مع ما يخشى من تفرده عن بقية أصحاب عبد الكريم بن مالك الجزري. انظر أيضًا: \"تهذيب الكمال\" (١٨/ ٢٥٢).\n(^٢) انظر: \"تهذيب مختصر السنن\" (٤/ ٣٧٤)، \"إرواء الغليل\" (٨/ ٢١٤).\n(^٣) \"الأم\" (٢/ ٢٧٩)، \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤١٥)، \"الاختيار\" (٤/ ٧٨)، \"المغني\" (١٣/ ٦٢٤)، \"المجموع\" (٨/ ٤٥٧)، \"الإنصاف\" (١١/ ١٢٢).\n(^٤) \"نيل الأوطار\" (١٥/ ٣٧٩).\n(^٥) انظر: \"أضواء البيان\" (٥/ ٦٦٩).","vol":"9","page":381},{"text":"على أنه لا تلزمه الكفارة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وهناك وجه تلزمه الكفارة مطلقًا (^١).\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من نذر نذرًا لا يطيقه فإنه يكفر كفارة يمين، كنذر طيران في الهواء بلا واسطة، أو حمل صخرة عظيمة، أو أن يمشي إلى مكة أو يختم القرآن كل يوم ونحو ذلك، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين ما كان طاعة أو مباحًا، وهذا فيه كفارة يمين، وهو المذهب عند الحنابلة (^٢)، لحديث ابن عباس - ﵄ - هذا؛ ولأنه عجز عن الوفاء به، فكان الواجب فيه كفارة يمين كسائر النذور عند عدم الوفاء بها. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"الإنصاف\" (١١/ ١٢٣)، \"المجموع\" (٨/ ٤٥٧).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ٦٣٢).","vol":"9","page":382},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1176>حكم ندر المشي إلى بيت الله</span>\n١٣٨٤/ ١٦ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَال: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيتِ الله حَافِيَةً، فَأَمَرَتْني أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَاسْتَفْتَيتُهُ فَقَال النَّبيُّ - ﷺ -: \"لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ\" مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم.\n١٣٨٥/ ١٧ - وَلِأَحْمَدَ، وَالأَرْبَعَةِ: فَقَال: \"إِنَّ اللهَ تَعَالى لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيئًا، مُرْهَا فلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ\".\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجهما:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"جزاء الصيد\"، باب (من نذر أن يمشي إلى الكعبة) (١٨٦٦)، ومسلم (١٦٤٤) من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر - ﵁ - أنه قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله - ﷺ -، فاستفتيته، فقال: \"لتمش ولتركب\".\nوهذا -كما يقول الحافظ- لفظ مسلم، وهو لفظ البخاري -أيضًا- سوى قوله: \"حافية\"، وفيها فائدة؛ لأن فيها نوعًا من المشقة.\nورواه أحمد (٢٨/ ٥٢٣، ٥٤٠)، وأبو داود (٣٢٩٣)، والترمذي (١٥٤٤)، والنسائي (^١) (٧/ ٢٠)، وابن ماجه (٢١٣٤) من طريق عبيد الله بن\n_________\n(^١) في إسناد النسائي سقط.","vol":"9","page":383},{"text":"زَحْر، عن أبي سعيد الرُّعَيني، عن عبد الله بن مالك، عن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله إن أختي نذرت أن تمشي إلى البيت حافية غير مختمرة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله لا يصنع بشفاء أختك شيئًا … \" الحديث.\nوهذا لفظ أحمد والنسائي.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن)، وفي إسناده عبيد الله بن زَحْر متكلم فيه، والأكثرون على تضعيفه، فقد وثقه البخاري، وقال أبو زرعة: (لا بأس به، صدوق)، وقال النسائي: (ليس به بأس)، وضعفه أحمد في رواية، وابن معين، وابن المديني وأبو حاتم والعجلي ويعقوب بن سفيان والدارقطني وآخرون (^١).\nوذِكْرُ الصيام في الحديث لم يأت من طريق تقوم به حجة، لا سيما وفي الطريق الآتية خلافه وهو قوله: \"ولتهد بدنة\".\nوقد تابعه بكر بن سوادة، عن أبي سعيد به، رواه أحمد (٢٨/ ٥٦٦) وسنده ضعيف؛ لأن فيه ابن لهيعة، وهو سيء الحفظ.\nورواه أبو داود (٣٣٠٣) -من مسند ابن عباس- من طريق إبراهيم بن طهمان، عن مطر، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - أن أخت عقبة بن عامر - ﵁ - نذرت أن تحج ماشية وأنها لا تطيق ذلك، فقال النبي - ﷺ -: \"إن الله لغني عن مشي أختك فلتركب ولتهد بدنة\".\nوبهذا يتبين أن الحديث جاء فيه زيادة الصيام والهدي على ما ثبت في \"الصحيحين\" من أمرها بالمشي والركوب، ولفظ الإهداء شاذ لأمرين:\nالأول: من حيث السند فقد نقل الترمذي ومن بعده البيهقي عن البخاري: أنه لا يصح في حديث عقبة الأمر بالهدي (^٢).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ١٢).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (١٠/ ٨٠)، \"فتح الباري\" (١١/ ٥٨٩).","vol":"9","page":384},{"text":"الثاني: من حيث المتن، فقد قال الشيخ عبد العزيز بن باز: (إن ذكر الهدي مخالف للأصول في باب الأيمان والنذور؛ لأن الهدي ليس من أجزاء كفارة اليمين).\nوأما لفظ الصيام فالألباني يرى أنه لم يأت من طريق تقوم به حجة، والمحفوظ هو الهدي (^١)، ويرى الشيخ عبد العزيز ثبوت الصيام، ويؤيده ما في \"المسند\" (٥/ ٣٤) من طريق كريب، عن ابن عباس، وفيه: \"ولتكفر عن يمينها\" (^٢)، وفي سنده شريك بن عبد الله القاضي، وهو سيء الحفظ، والصيام من أجزاء الكفارة.\nوالذي يظهر -والله أعلم- أن المحفوظ في حديث عقبة - ﵁هو ما ثبت في \"الصحيحين\" من الركوب والمشي، وأما ذكر الصيام والهدي فهو شاذ لا تقوم به حجة لإعراض الشيخين عنهما، وقد تقدم لنا في بعض المواضع من هذا الشرح أن الحديث إذا جاء في \"الصحيحين\" وجاء في غيرهما زيادات فالغالب أنها معلولة.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (أن تمشي إلى بيت الله) جاء عند أبي داود -كما تقدم- من حديث ابن عباس - ﵄ -: (إن أخت عقبة نذرت أن تحج ماشية).\n\nقوله: (حافية) أي: غير منتعلة.\n\nقوله: (لتمش) بكسر اللام وهي لام الأمر، والمضارع بعدها مجزوم بها، وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الياء، والمعنى: لتمش في وقت قدرتها على المشي.\n_________\n(^١) \"الإرواء\" (٨/ ٢١٨ - ٢٢١).\n(^٢) انظر: \"حاشية الشيخ عبد العزيز بن باز على البلوغ\" (٢/ ٧٤٥).","vol":"9","page":385},{"text":"قوله: (ولتركب) أي: إذا عجزت عن المشي أو لحقها مشقة ظاهرة، ويحتمل أن المراد الإذن بالركوب مطلقًا.\n\nقوله: (إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا) بفتح الشين؛ أي: بتعبها أو مشقتها؛ والمعنى: لا حاجة لله تعالى به فهو غني عنه.\nوفي حديث أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - رأى شيخًا يهادى بين ابنيه، قال: \"ما بال هذا؟ \" قالوا: نذر أن يمشي، فقال: \"إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني، وأمره أن يركب\" (^١).\n\nقوله: (فلتختمر) أي: تغطي رأسها بالخمار.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على صحة نذر الذهاب إلى بيت الله الحرام؛ لأن الرسول - ﷺ - أقر المرأة على نذرها الذهاب؛ ولأن المسجد الحرام مما تشد إليه الرحال، فمن نذر ذلك لزمه، كما سيأتي، والقول بلزوم هذا النذر هو قول الجمهور، بل قال الموفق: (لا نعلم فيه خلافًا) (^٢).\n\n* الوجه الرابع: اختلف العلماء فيمن نذر المشي إلى بيت الله هل يلزمه المشي على ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه لا يلزمه المشي، وله أن يركب ولو قدر على المشي، ولا شيء عليه، وهذا قول للشافعي، ورواية عن أحمد، وعن الشافعي يركب عند العجز، ولا شيء عليه (^٣)، أخذًا برواية \"الصحيحين\" من وجهين:\n١ - أن الرسول - ﷺ - أذن لأخت عقبة بالركوب بدون قيد.\n٢ - أنه لم يأمرها بالكفارة.\nقالوا: لأن المشي نفسه ليس بطاعة، وإنما الطاعة الوصول إلى ذلك\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٨٦٥)، ومسلم (١٦٤٢).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ٦٣٥).\n(^٣) \"المهذب\" (١/ ٣٢٨)، \"المفهم\" (٤/ ٦١٦ - ٦١٨)، \"الإنصاف\" (١١/ ١٤٩).","vol":"9","page":386},{"text":"المكان من غير فرق بين المشي والركوب، ولهذا سوغ النبي - ﷺ - الركوب للناذر بالمشي، فدل على عدم لزومه النذر بالمشي وإن كان داخلًا تحت الطاعة.\nالقول الثاني: أنه يلزمه المشي، فإن عجز ركب وعليه كفارة يمين، وهذا هو المذهب عند الحنابلة (^١)، وهو قول الأوزاعي (^٢). لما تقدم في حديث ابن عباس - ﵄ - عند أحمد: \"ولتكفر عن يمينها\"، كما استدلوا بعموم حديث ابن عباس - ﵄ -: \"من نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين\"، وعن الإمام أحمد: أنه يصوم ثلاثة أيام، وعنه: أنه يلزمه دم، قال صاحب \"الإنصاف\": (وجوب كفارة اليمين أو الدم من مفردات المذهب) (^٣)، وهذا مروي عن علي وابن عمر -﵄-، وهو قول عطاء والحسن، والدم الواجب عندهم هو شاة (^٤).\nولعل القائلين بالدم أخذوا بالروايات التي نصت على الهدي.\nالقول الثالث: أنه إن شق عليه المشي ركب ولا شيء عليه وإن قدر على المشي وركب الطريق كله فعليه الهدي، وهذا قول ابن حزم (^٥)، واستدل بعموم قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: من ليس المشي في وسعه فلم يكلفه الله تعالى المشي، وكان نذره لما ليس في وسعه معصية لا يجوز له الوفاء به، كما استدل بحديث أنس - ﵁ - المتقدم، فإن النبي - ﷺ - لم يأمر من نذر المشي وهو لا يطيقه بشيء لركوبه، كما استدل برواية: \"فأمرها أن تركب وتهدي هديًا\".\nوفي المسألة أقوال وتفاصيل ليس عليها دليل، وحديث عقبة واضح فيما\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٣/ ٦٣٥)، \"الإنصاف\" (١١/ ١٤٨).\n(^٢) \"جامع العلوم والحكم\" ص (٤٣٥).\n(^٣) \"الإنصاف\" (١١/ ١٤٩).\n(^٤) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٣/ ٩٤)، \"التوضيح\" (١٢/ ٤٩٣).\n(^٥) \"المحلى\" (٧/ ٢٦٣).","vol":"9","page":387},{"text":"دل عليه، فمن أخذ بما ثبت في \"الصحيحين\" من أنه لا شيء عليه، فله ذلك، وهو اختيار الشنقيطي (^١)، ومن أراد الاحتياط فكفَّر عما تركه من المشي أو أهدى هديًا فله ذلك، مع ما تقدم من إعلال الروايات. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"أضواء البيان\" (٥/ ٦٧٤).","vol":"9","page":388},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1177>ما جاء في قضاء نذر الميت</span>\n١٣٨٦/ ١٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ - ﵁ - رَسُولَ اللهِ - ﷺ - في نَذْرٍ كَانَ عَلَى أمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَقَال: \"اقْضِهِ عَنْهَا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الوصايا\"، باب (ما يستحب لمن توفي فُجاءة أن يتصدقوا عنه وقضاء النذر عن الميت) (٢٧٦٠) وفي كتاب \"الأيمان والنذور\"، باب (من مات وعليه نذر) (٦٦٩٨)، ومسلم (١٦٣٨) من طريق ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس - ﵄ - … وهذا لفظ مسلم.\nوهذا الحديث مرسل صحابي؛ لأن أم سعد ماتت سنة خمس، وكان ابنها مع النبي - ﷺ - في غزوة دومة الجندل، وابن عباس كان مع أبويه في مكة، فيحتمل أنه حمله عن سعد أو عن غيره (^١).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (استفتى) أي: طلب الفتيا.\n\nقوله: (سعد بن عبادة) تقدم له ترجمة في \"الحدود\" عند الحديث (١٢٢٢).\n\nقوله: (في نذر) لم يبين في هذه الرواية ما هو النذر، فقيل: كان عتقًا،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٨٦).","vol":"9","page":389},{"text":"كما في رواية عند النسائي (^١)، وقيل: صومًا، وقيل: صدقة، وقيل: كان نذرًا مطلقًا، واستدل كل قائل بأحاديث جاءت في قصة أم سعد (^٢)، قال القرطبي: (الكل محتمل، ولا مُعَيِّنَ، فهو مجمل) (^٣).\n\nقوله: (على أمه) هي عمرة بنت مسعود من بني النجار -﵂-، كانت من المبايعات، توفيت سنة خمس ورسول الله - ﷺ - في غزوة دومة الجندل، كما تقدم، فلما قدم صلى على قبرها (^٤).\n\nقوله: (اقضه عنها) أي: لتبرأ ذمتها من تبعة هذا النذر، وهذا الأمر للوجوب عند الظاهرية، كما سيأتي، وعند الجمهور للندب؛ لأنه أمر بالقضاء على جهة الفتوى فيما سئل عنه، ففيه بيان أنه إن فعل ذلك عنها صح (^٥).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من مات وعليه نذر طاعة فمانه يشرع لوارثه قضاؤه عنه؛ لأنه إحسان إليه وبر وصلة ولا سيما إذا كان الميت أحد الوالدين.\n\n* الوجه الرابع: ظاهر الحديث أنه يجب على الوارث أن يقضي النذر عن الميت، سواء أكان بدنيًّا أم ماليًّا، وهذا قول الظاهرية (^٦)، لقوله: (فاقضه عنها) والأمر للوجوب، ورجح هذا الصنعاني (^٧).\nوالقول الثاني: أنه لا يلزم الوارث قضاء نذر الميت إلا أن يوصي (^٨)، أو يكون ماليًّا ويخلف تركة، وهذا قول الجمهور، قالوا: والأمر للاستحباب؛ لأنه لو قيل: إن الأمر للوجوب للزم منه أن يأثم الولي بعدم القضاء، وهذا مخالف لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وهذا هو الأظهر، ويؤيد هذا أمران:\n_________\n(^١) \"السنن\" (٦/ ٢٥٣).\n(^٢) \"إكمال المعلم\" (٤/ ٣٥٩).\n(^٣) انظر: \"التمهيد\" (٩/ ٢٦)، \"المفهم\" (٤/ ٦٥٥).\n(^٤) \"الاستيعاب\" (١٣/ ٩٨)، \"الإصابة\" (١٣/ ٥٣).\n(^٥) \"المفهم\" (٤/ ٦٠٥).\n(^٦) \"المحلى\" (٢٧/ ٨)، \"التهميد\" (٩/ ٢٦).\n(^٧) \"سبل السلام\" (٤/ ٢٢٩).\n(^٨) \"التمهيد\" (٩/ ٢٦).","vol":"9","page":390},{"text":"١ - أن الرسول - ﷺ - شبه قضاء نذر الميت بقضاء الدين، وقضاء الدين عن الميت لا يجب على الوارث ما لم يخلف تركة يقضى منها، ولهذا يصح قضاء نذر الميت من الوارث وغيره، كما لو قضى عنه دينه؛ ولأن ما يقضيه الوارث إنما هو من باب التبرع، وغيره مثله في التبرع.\n٢ - أن السائل سأل النبي - ﷺ - عن الإجزاء، كما هو ظاهر اللفظ، وقد جاء في رواية عند النسائي: (أفيجزئ أن أعتق عنها)، فيكون الأمر في الحديث لبيان الإجزاء لا للإيجاب، كقول السائل: أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: \"صلوا في مرابض الغنم\". فإن كان السؤال عن الوجوب، نحو: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: \"توضأوا من لحوم الإبل\" فهو للوجوب (^١).\nوخلاصة ذلك: أنه إن كان النذر ماليًّا وخلف الميت تركة فلا خلاف في وجوب قضاء نذره، وإن كان ماليًّا ولم يخلف تركة، أو غير مالي لم يجب القضاء عند الجمهور خلافًا للظاهرية.\nوقد نقل القرطبي الإجماع على أن حقوق الأموال من العتق والصدقة تصح النيابة فيها وتصح توفيتها عن الميت والحي، وإنما الخلاف في الأعمال البدنية، كما تقدم (^٢).\n\n* الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الميت يلحقه ما يفعل له من الأعمال الصالحة من عتق أو صدقة أو حج أو دعاء وغير ذلك؛ لأن الرسول - ﷺ - أذن لسعد - ﵁ - أن يقضى نذر أمه، ولو كان ذلك لا ينفعها لما كان في الأمر بقضائه فائدة.\n\n* الوجه السادس: مشروعية بر الوالدين بعد وفاتهما، وأن من أعظم البر وفاءَ ما عليهما من الديون والحقوق والواجبات، سواء أكانت لله تعالى أم للآدميين.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٣/ ٦٥٦)، والحديث رواه مسلم (٣٦٠) وقد تقدم شرحه في \"الطهارة\" برقم (٧٥).\n(^٢) \"المفهم\" (٤/ ٦٠٥).","vol":"9","page":391},{"text":"* الوجه السابع: بيان ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من سؤال النبي - ﷺ - في أمور الدين.\n\n* الوجه الثامن: في الحديث دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يبادر بما عليه من حقوق الله تعالى أو حقوق الآدميين، فيفي بالنذر، ويقضي الدين قبل أن يفجأه الأجل. وقد مضى الكلام في هذا في كتاب \"الجنائز\" (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: (٤/ ٢٥٠) من هذا الكتاب.","vol":"9","page":392},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1178>جواز تخصيص النذر بمكان معين إذا خلا من الموانع الشرعية</span>\n١٣٨٧/ ١٩ - عَنْ ثابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ - ﵁ - قَال: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَسَأَلَهُ فَقَال: \"هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ يُعْبَدُ؟ \"، قَال: لَا، قَال: \"فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ \"، فَقَال: لَا، فَقَال: \"أَوْفِ بِنَدْرِكَ، فَإِنَّهُ لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا في قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَهُوَ صَحِيحُ الإسْنَادِ.\n١٣٨٨/ ٢٠ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ كرْدَمَ - ﵁ - عِنْدَ أَحْمَدَ.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو ثابت بن الضحاك بن خليفة الأنصاري الأشهلي، شهد بيعة الرضوان، كما ثبت في \"صحيح مسلم\" من رواية أبي قلابة أنه حدثه بذلك، مات في أيام ابن الزبير حوالي سنة أربع وستين - ﵁ - (^١).\nوأما كردم فهو بفتح الكاف وسكون الراء وفتح الدال المهملة، وهو كردم بن سفيان الثقفي، قال البخاري وابن حبان: له صحبة، عداده في أهل مكة، روت عنه ابنته ميمونة، وهي من صغار الصحابة، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عن الجميع (^٢).\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٢/ ٨١)، \"الإصابة\" (٢/ ١١).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٩/ ٢١٩)، \"الإصابة\" (٨/ ٢٧٧) (١٣/ ١٤٥).","vol":"9","page":393},{"text":"* الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث ثابت بن الضحاك - ﵁ - فقد رواه أبو داود في كتاب \"الأيمان والنذور\"، باب (ما يؤمر به من الوفاء بالنذر) (٣٣١٣)، والطبراني في \"الكبير\" (٢/ ٧٥) من طريق الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو قلابة، حدثني ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل … وذكر الحديث، وفيه: \"هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ \"، وهذا لفظ الطبراني -كما قال الحافظ- ولعله اختار لفظ الطبراني؛ لأن فيه زيادة: (ولا في قطيعة رحم).\nوهذا الحديث سنده صحيح، ورجاله رجال الشيخين، وقد صححه الحافظ -أيضًا- في \"التلخيص\" (^١)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أصل هذا الحديث في \"الصحيحين\"، وهذا الإسناد على شرط الشيخين، وإسناده كلهم ثقات مشاهير، وهو متصل بلا عنعنة) (^٢). ولعل ابن تيمية يقصد بقول: (أصله في \"الصحيحين\") ما تقدم في حديث عائشة - ﵂ - وحديث عمران بن حصين - ﵄ -.\nوأما حديث كردم - ﵁ - فقد رواه أحمد (٢٤/ ١٩٥) من طريق أبي الحويرث حَفْصٍ من ولد عثمان بن أبي العاص، قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلي بن كعب، عن ميمونة بنت كردم، عن أبيها كردم بن سفيان أنه سأل رسول الله - ﷺ - عن نذر نذره في الجاهلية فقال النبي - ﷺ -: \"أَلوثَنٍ أو لِنُصُبٍ؟ \" قال: لا، ولكن لله ﵎، قال: \"فأوف بنذرك لله ﵎ ما جعلت له، انحر على بُوانة، وأوف بنذرك\".\nوهذا سند ضعيف؛ لأن أبا الحويرث هذا مجهول، فقد انفرد بالرواية عنه عبد الصمد بن عبد الوارث، ولم يؤثر توثيقه عن أحد، وقد تابعه مروان بن معاوية الفزاري، عن عبد الله بن عبد الرحمن به، رواه ابن ماجه (٢١٣١)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٥/ ٤٠).\n_________\n(^١) (١/ ١٩٨).\n(^٢) \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (١/ ٤٣٧).","vol":"9","page":394},{"text":"وفيه -أيضًا- عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي متكلم فيه، فقد قال فيه ابن معين: (صويلح)، وفي رواية أخرى: (ضعيف)، وقال أبو حاتم: اليس هو بقوي، هو لين الحديث)، وقال البخاري: (فيه نظر)، وحكي عن ابن المديني أنه وثقه، ووثقه العجلي، وقال الدارقطني: (يعتبر به) (^١).\nثم إن السند فيه انقطاع، فقد قيل: إن الطائفي لم يسمع من ميمونة بنت كردم، بينهما يزيد بن مقسم، كما في رواية أخرى عند أحمد (٤٤/ ٦٢٢) ويزيد بن مقسم روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٢)، وما دام أن حديث ثابت بن الضحاك صحيح فلا حاجة إلى هذا الشاهد مع ضعفه.\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إبلًا) اسم جمع لا مفرد له من لفظه، وله واحد من معناه وهو بعير.\n\nقوله: (ببوانة) الباء للظرفية بمعنى: في، وبوانة: بضم الباء وتخفيف الواو، قال ابن الأثير: هضبة من وراء ينبع قرب الساحل، وقيل: أسفل مكة دون يلملم، وقد ذكر ياقوت أن الأول هو الذي جاء ذكره في الحديث (^٣).\n\nقوله: (فسأله) هذا السؤال خشية أن يكون تخصيص هذا المكان لمعنى جاهلي.\n\nقوله: (هل كان فيها وثن) عند أبي داود والطبراني: (من أوثان الجاهلية)، والوثن: اسم لكل ما عُبد من دون الله تعالى من قبر أو غيره.\n\nقوله: (يُعبد) صفة لبيان الواقع؛ لأن الوثن كل ما عُبد من دون الله تعالى.\n\nقوله: (قال: لا) رواية أبي داود: (قالوا: لا) بلفظ الجمع مع أن السائل\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٥/ ٩٦)، \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٢٦١)، \"تعجيل المنفعة\" ص (٣١٥).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٥٤٨) (١١/ ٣١٧).\n(^٣) \"المشترك وضعًا المفترق صقعًا\" ص (٦٨ - ٦٩).","vol":"9","page":395},{"text":"واحد، لكنه لما كان محظورًا وعنده ناس أجابوا النبي - ﷺ -، ولا مانع أن يكون المجيب غير السائل.\n\nقوله: (عيد) اسم لما يعود من الاجتماع على وجه معتاد إما في السنة أو الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك؛ والمعنى: هل فيها اجتماع معتاد من اجتماعاتهم التي كانت عيدًا. والتعبير بالفعل (كان) يفيد المنع من الوفاء بالنذر في هذا المكان ولو بعد زوال المحذور.\n\nقوله: (أوف بنذرك) هذا أمر إباحة؛ والمعنى: أوف بنذرك في المكان الذي خصصت له، وإنما كان للإباحة؛ لأن مكان النذر لا يتعين إلا ما تميز بفضل كأحد المساجد الثلاثة، وهو بالنسبة للنذر ذاته أمر إيجاب.\n\nقوله: (فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله) مناسبة هذه الجملة لما قبلها بيان أن هذا نذر معصية لو كان في المكان بعض الموانع، وما كان من نذر المعصية فإنه لا يجوز الوفاء به، كما تقدم.\n\nقوله: (ولا في قطيعة رحم) هذا تخصيص بعد تعميم، وهذه الجملة لم ترد عند أبي داود، وإنما هي عند الطبراني، كما تقدم.\n\nقوله: (ولا فيما لا يملك ابن آدم) أي: يضيف النذر إلى معين لا يملكه، كشاة فلان.\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الناذر إذا عيَّن مكانًا يذبح فيه ما نذره أنه يلزمه إذا خلا من الموانع الشرعية؛ لأن الرسول - ﷺ - أقر هذا الرجل على تحديد المكان لما خلا من الموانع الشرعية، وقد يكون قصد بنذره فقراء ذلك المكان بإيصال اللحم إليهم، وهذه قربة، فتلزمه كما لو نذر التصدق عليهم (^١).\nوالقول الثاني: أنه لا يلزمه المكان وإنما هو على سبيل الندب، قالوا: والصارف له حديث أبي سعيد الآتي: \"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٣/ ٦٤٣).","vol":"9","page":396},{"text":"مساجد … \"، ويؤيد هذا قول الأصوليين: إن الأمر إذا خرج مخرج الجواب عن السؤال فهو للندب.\nوالذي يظهر لي أنه هناك فرقًا في المسألة، وهو أن حديث الباب ليس القصد منه المكان وإنما أهله، وحديث أبي سعيد القصد منه البقعة، والله أعلم ..\nوعلى هذا فالأظهر جواز صرف النذر في المكان المحدد بالشرط المذكور، وإن صرفه في مكان أفضل فله ذلك.\n\n* الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه لو وجد في مكان النذر مانع شرعي لم يجز الوفاء بالنذر في ذلك المكان؛ لأن الرسول - ﷺ - سأله عن الشرك \"هل كان فيه وثن يعبد؟ \"، وساله عن وسائل الشرك \"هل كان فيه عيد؟ \" وهذا يدل على أنه لو كان في المكان شيء من ذلك لمنعه من الوفاء بنذره، وهذه فائدة الاستفصال، وهو يدل على وجوب سد الذرائع الموصلة إلى الشرك.\n\n* الوجه السادس: في الحديث دليل على وجوب البعد عن مشابهة الكفار في عباداتهم وأعيادهم، وإن كان لا يقصد ذلك، وذلك بتعظيم البقعة التي يعظمونها بالتعييد فيها أو مشاركتهم في التعييد فيها أو إحياء شعار عيدهم فيها، وإذا كان الذبح في مكان عيدهم منهيًا عنه، فكيف بموافقتهم في نفس العيد بفعل بعض الأعمال التي تعمل بسبب عيدهم.\nولهذا ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا الحديث في كتاب \"التوحيد\" في باب (لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله).\n\n* الوجه السابع: في الحديث دليل على أنه ينبغي للمفتي، أن يستفصل المستفتي قبل الفتوى عما له تأثير في تغيير الحكم.\n\n* الوجه الثامن: أن من نذر أن يعصي الله تعالى بفعل محرم أو ترك واجب كقطيعة رحم فإنه لا وفاء في ذلك، وقد تقدم البحث في هذا.\n\n* الوجه الماسع: الحديث دليل على أن من نذر شيئًا معينًا لا يملكه","vol":"9","page":397},{"text":"وإنما هو في ملك غيره فليس عليه شيء، كقوله: إن شفى الله مريضي فللَّه علي أن أذبح شاة فلان، أو أعتق عبد فلان، إلا إن نوى أنه يشتريه منه فالظاهر أنه يلزمه.\nفإن التزم في ذمته شيئًا كعتق وصدقة وهو في تلك الحال لا يملك الوفاء فإنه يصح نذره ويثبت دينًا في ذمته. والله تعالى أعلم.","vol":"9","page":398},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1179>من نذر الصلاة في المكان المفضول جاز أن يصلي في الفاضل</span>\n١٣٨٩/ ٢١ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ رَجُلًا قَال يَوْمَ الْفَتحِ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ أنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ في بَيتِ الْمَقْدِسِ، فَقَال: \"صَلِّ هَاهُنَا\"، فَسَأَلَهُ فَقَال: \"صَل هَاهُنَا\"، فَسَألهُ فَقَال: \"شَأَنَكَ إِذًا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٢٣/ ١٨٥، ١٨٦)، وأبو داود في كتاب \"الأيمان والنذور\"، باب (من نذر أن يصلي في بيت المقدس) (٣٣٠٥)، والحاكم (٤/ ٣٠٤ - ٣٠٥) من طريق حماد بن سلمة، عن حبيب المعلم، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر - ﵁ -.\nقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم)، ونقل الحافظ في \"التلخيص\" (^١) تصحيحه عن ابن دقيق العيد، وهذا لفظ أحمد، لكن قال أبو عوانة: (في هذا الحديث نظر، في صحته وتوهينه!!) (^٢).\nوقد روى مسلم عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: إن امرأة اشتكت شكوى فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس، فبرأت، ثم تجهزت تريد الخروج، فجاءت ميمونة زوج النبي - ﷺ - تسلم عليها، فأخبرتها\n_________\n(^١) (٢/ ١٩٦).\n(^٢) \"مسند أبي عوانة\" (٤/ ٢٠).","vol":"9","page":399},{"text":"بذلك، فقالت: اجلسي فكلي ما صنعت، وصلي في مسجد رسول الله - ﷺ -؛ فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة\" (^١).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يوم الفتح) أي: فتح مكة، ودل على هذا قوله: (صَلِّ ها هنا).\n\nقوله: (أن أصلي) ورد عند أبي داود: (أن أصلي ركعتين).\n\nقوله: (في بيت المقدس) بفتح الميم وتخفيف الدال وكسرها، بمعنى البيت المطهر، والظاهر أن المراد: أن يصلي في المسجد الأقصى؛ لأن بيت المقدس اسم للمدينة، ويطلق على المسجد أيضًا.\n\nقوله: (صل ها هنا) أمر إباحة، والمراد باسم الإشارة المسجد الحرام؛ لأن هذا كان يوم الفتح، كما مر.\n\nقوله: (شأنك) بالنصب مفعول به لفعل مقدر؛ أي: الزم شأنك؛ والمعنى: أنت تعلم حالك (^٢).\n\nقوله: (إذًا) بالتنوين جواب وجزاء؛ أي: إذا أبيت أن تصلي ها هنا فافعل ما نذرت به من صلاتك في بيت المقدس.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على صحة النذر المعلق على حصول مطلوب، وأنه ينعقد؛ لأن النبي - ﷺ - أقر هذا الرجل على الوفاء بما نذر، ويلزم الناذر الوفاء به إذا حصل شرطه المعلق عليه، سواء أكان عبادة بدنية كالصلاة والصيام أم مالية كالصدقة والعتق، وهذا يسمى نذر المجازاة، وهو التزام طاعة الله تعالى في مقابل حصول نعمة أو دفع نقمة، وهو نوع من أنواع نذر الطاعة والتبرر.\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من نذر الصلاة في مكان مفضول جاز له أن يصلي في مكان أفضل منه؛ لأن المسجد الحرام أفضل من\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٣٩٦).\n(^٢) انظر: \"عون المعبود\" (٩/ ١٣٢).","vol":"9","page":400},{"text":"المسجد الأقصى، وأكثر ثوابًا للمصلي فيه، وكذا لو نذر الصلاة في المسجد النبوي جاز أن يصلي في المسجد الحرام، فإن نذر الصلاة في المسجد الحرام تعين، ولم تجزئه الصلاة في غيره؛ لأنه أفضل، وشَدُّ الرحل إليه مشروع.\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن كثرة السؤال والإلحاح فيه والتنطع في الأمور مكروه، وأنه يفضي بصاحبه إلى إضجار المسؤول وارتكاب الخطأ، فهذا السائل لو أخذ بمشورة النبي - ﷺ - في قوله: \"صل ها هنا\" لاستفاد فائدتين:\nالأولى: حصول الفضيلة في المسجد الحرام.\nالثانية: السلامة من أعباء السفر إلى المسجد الأقصى. والله تعالى أعلم.","vol":"9","page":401},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1180>جواز شد الرحل للمساجد الثلاثة وفاءً بالنذر</span>\n١٣٩٠/ ٢٢ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: \"لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إِلَى ثَلَاثةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى، وَمَسْجِدِي\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث تقدم تخريجه في آخر كتاب \"الصيام\" ضمن أحاديث (الاعتكاف) برقم (٧٠٧)، وقد رواه البخاري (١١٩٧)، ومسلم في كتاب \"الحج\" (٨٢٧) (٤١٥) من طريق عبد الملك بن عمير، عن قَزَعَةَ، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\nوالحافظ ذكره هناك بلفظ مسلم، وذكره هنا بلفظ البخاري، وقد ذكره هناك لبيان جواز شد الرحل لأحد المساجد الثلاثة لقصد الاعتكاف، وذكره هنا لبيان أن النذر إذا تعلق بأحد المساجد الثلاثة وجب الوفاء به؛ لأن الرحال تشد إليها.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) تقدم شرح هذا في الموضع المشار إليه.\n\nقوله: (مسجد الحرام) من إضافة الموصوف إلى صفته؛ أي: المسجد الحرام، وهذا جائز عند الكوفيين، وهو الصواب لوروده في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، وقوله: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾","vol":"9","page":402},{"text":"[ق: ٩]، وهو مؤول عند البصريين على تقدير موصوف محذوف؛ أي: مسجد المكان الحرام، وقد سبق ذكر هذه المسألة (^١).\n\nقوله: (ومسجد الأقصى) بالإضافة كالذي قبله، وتقدم في \"الصيام\" شرح هذا.\n\nقوله: (ومسجدي) جاء في بعض نسخ \"البلوغ\": (ومسجدي هذا) ولفظة (هذا) ليست عند البخاري، وإنما هي عند مسلم.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من نذر الصلاة في أحد المساجد الثلاثة لزمه الوفاء بنذره، ولو لزم من ذلك شد الرحال؛ لأن هذه المساجد تشد إليها الرحال، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، وهم يقولون -أيضًا- بمقتضى حديث جابر - ﵁ - المتقدم الذي يدل على أن من نذر الصلاة في المكان المفضول جاز أن يصلي في الفاضل.\nوالقول الثاني: أن من نذر أن يصلي في أحد المساجد الثلاثة لم يلزمه الوفاء بنذره، وجاز له أن يصلي في أي مكان شاء، وهذا مذهب أبي حنيفة، بناء على قاعدته -كما تقدم-: لا يلزم بالنذر إلا ما وجب بأصل الشرع (^٢)، والصلاة غير واجبة بأصل الشرع في أحد المساجد الثلاثة، وإنما يجب عنده الوفاء بالنذر إذا كان لحج أو عمرة.\nوالراجح قول الجمهور لقوة دليله، ويؤيده عموم حديث عائشة المتقدم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه).\nأما لو نذر الصلاة بمسجد غير المساجد الثلاثة، فإن كان يلزم منه شد الرحل فإنه لا يجوز، بل يصلي في أي مسجد لا يلزم منه ذلك، وإن كان لا يلزم منه شد الرحل فالأكثرون على أنه لا يلزم الوفاء به إلا على سبيل الندب (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح الحديث\" (٩٣٩).\n(^٢) انظر: \"حاشية ابن عابدين\" (٣/ ٧٧٢).\n(^٣) انظر: \"سبل السلام\" (٤/ ٢٣١).","vol":"9","page":403},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1181>حكم الوفاء بالاعتكاف المنذور حال الشرك</span>\n١٣٩١/ ٢٣ - عَنْ عُمَرَ - ﵁ - قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ في الْجَاهِلِيةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيلَةً في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَال: \"فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَزَادَ الْبُخَارِيُّ في رِوَاية: فَاعْتَكَفَ لَيلَةً.\n\n* الكلام عليه في وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في مواضع من \"صحيحه\" وأولها: في كتاب \"الاعتكاف\"، باب (الاعتكاف ليلًا) (٢٠٣٢)، ومسلم (١٦٥٦) من طريق يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر - ﵄ - أن عمر - ﵁ - قال: يا رسول الله … وذكر الحديث.\nورواه البخاري (٢٠٤٣) من طريق أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - … وفيه: (فاعتكف ليلة). وسأذكر -إن شاء الله- غرض الحافظ من ذكر هذه الرواية.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (قلت: يا رسول الله) لم يبين في هذه الرواية مكان السؤال، وقد كان ذلك حين رجع رسول الله - ﷺ - من حنين، كما ثبت في \"الصحيحين\" (^١).\n\nقوله: (نذرت) أي: أوجبت على نفسي.\n\nقوله: (في الجاهلية) أي: قبل إسلام عمر - ﵁ -، وفي رواية مسلم:\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٤٣٢٠)، \"صحيح مسلم\" (١٦٥٦) (٢٨).","vol":"9","page":404},{"text":"(فلما أسلمت سالت) سميت الجاهلية بذلك لغلبة الجهل على أهلها، وأصل الجاهلية ما قبل بعثة الرسول - ﷺ -.\n\nقوله: (أن أعتكف ليلة) في تأويل مصدر مفعول نذرت؛ أي: نذرت اعتكاف ليلة، وقد جاء في \"الصحيحين\" ذكر اليوم، ففي رواية البخاري: (قال: يا رسول الله إنه كان عليَّ اعتكاف يوم في الجاهلية، فأمره النبي - ﷺ - أن يفي به) ولا منافاة بينهما؛ لأن الليلة يدخل فيها اليوم، والعكس بالعكس.\n\nقوله: (فاعتكف ليلة) قصد الحافظ بهذه الرواية بيان أن عمر - ﵁ - لم يزد على نذره شيئًا وأن الاعتكاف لا صوم فيه.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على صحة نذر العبادة من الكافر حال كفره، قال الخطابي: (فيه دلالة على أن نذر الجاهلية إذا كان على وفق حكم الإسلام كان معمولًا به) (^١).\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن النذر ينعقد من الكافر وأنه يجب الوفاء عليه متى أسلم إذا لم يف به حال كفره، وهذا مذهب الإمام أحمد وجماعة من الشافعية، وهو قول البخاري، وابن جرير، ونصره القرطبي، وعزاه لمذهب المالكية تخريجًا مبنيًّا على أن القول الصحيح المشهور من مذهب مالك أن الكفار مخاطبون بالأوامر والنواهي (^٢)، والحديث صريح الدلالة على ذلك، فإنه - ﷺ - أمر عمر - ﵁ - بالوفاء بنذره، وهذا دليل على صحته وانعقاده.\nوقال الجمهور من الحنفية والشافعية والمالكية: إن النذر لا ينعقد من الكافر (^٣)؛ لأن نذر الطاعة قربة، والقربة لا تصح من الكافر حتى يسلم؛ لأنه ليس من أهل العبادة والطاعة.\nوأجابوا عن الحديث بأجوبة غير ناهضة، كقولهم: إن الرسول - ﷺ - أراد\n_________\n(^١) \"أعلام الحديث\" (٢/ ٩٩٠).\n(^٢) \"المفهم\" (٤/ ٦٤٤).\n(^٣) انظر: \"المجموع\" (٨/ ٤٤٩)، \"فتح الباري\" (٤/ ٢٨٤)، \"الإنصاف\" (١١/ ١١٧)، \"الشرح الكبير بحاشية الدسوقي\" (٢/ ١٦١).","vol":"9","page":405},{"text":"أن يعلمهم أن الوفاء بالنذر من آكد الأمور، فأمر عمر - ﵁ - بالوفاء، أو أن المراد بالحديث أمر عمر - ﵁ - بأن يأتي باعتكاف شبيه بما نذره؛ لئلا يخل بعبادة نوى فعلها، لا أنه أُمِرَ بالوفاء، فيكون ما أمره به غير ما أوجبه على نفسه، بل أمره به الآن على أنه طاعة لله ﷿.\nقال ابن دقيق العيد: (وظاهر الحديث خلافه، فإن دلَّ دليل أقوى من هذا الظاهر على أنه لا يصح التزامُ الكافرِ الاعتكافَ احتيج إلى هذا التأويل وإلا فلا) (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"إحكام الأحكام\" (٣/ ٤٤٨).","vol":"9","page":406},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1182>كتاب القضاء</span>\nالقضاء مصدر قضى يقضي قضاءً، فهو قاضٍ، ويطلق في اللغة على معان عدة منها: إحكام الشيء، والفراغ منه، قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ﴾ [فصلت: ١٢]، وبمعنى إمضاء الحكم، قال تعالى: ﴿وَقَضَينَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] وبمعنى الحكم، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ أي حكم، وهي أبلغ من الإيجاب في معناها.\nوجميع معاني القضاء في اللغة لا تخرج عن معنى إمضاء الشيء وإتمامه واحكامه والفراغ منه قولًا أو فعلًا (^١).\nواصطلاحًا: تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الخصومات (^٢).\nفقولنا: (تبيين الحكم الشرعي) جنس يشمل القاضي والمفتي.\n\nوقولنا: (والإلزام به) هذا قيد يخرج المفتي؛ لأنه لا يُلزم بالحكم الشرعي.\n\nوقولنا: (وفصل الخصومات) فيه بيان الغرض من القضاء وهو قطع الخصومة بين المتخاصمين ببيان حكم الشرع في القضية مع الإلزام، لنشر العدل والوئام بين الناس، ولئلا تذهب الحقوق ويعتدى على الضعفاء.\nوالأصل في مشروعيته الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل.\nأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَينَ\n_________\n(^١) انظر: \"الصحاح\" (٦/ ٢٤٦٣)، \"النهاية\" (٤/ ٧٨).\n(^٢) انظر: \"كشاف القناع\" (٦/ ٢٨٥).","vol":"9","page":407},{"text":"النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩].\nوأما السُّنة فحديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر، متفق عليه. وسيأتي شرحه إن شاء الله.\nوأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاء والحكم بين الناس.\nوأما العقل، فهو أن القضاء من ضرورات الاجتماع، به ينتشر العدل، ويعم الأمن، ويُدفع القوي عن الضعيف، ويُنصف المظلوم من الظالم، ولولا القضاء لعمَّت الفوضى، واختل الأمن، وفسد النظام، وساد الاضطراب.\nوهو فرض كفاية، وهذا موضع اتفاق بين الفقهاء، يرتفع الإثم عن الأمة بقيام بعضهم به، وإلا أثموا جميعًا؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه، فكان واجبًا عليهم، كالجهاد والإمامة، قال أحمد: (لا بدَّ للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟) (^١). والقضاء تعتريه الأحكام الشرعية الخمسة (^٢).\nوعلى إمام المسلمين القائم بأمرهم أن ينصب قاضيًا يكتفى به، بأن يكون أفضل الموجودين علمًا وورعًا؛ لأن منصب القضاء من أكمل المناصب، فينبغي أن يكون متوليه أكمل من يوجد؛ ولأن الأفضل أقرب إلى حصول المقصود من القضاء، وعلى من تعين عليه القضاء لكونه يصلح، أو لم يوجد غيره أن يجيب إن طُلب للقضاء؛ لأن فرض الكفاية يكون فرض عين إذا لم يوجد من يقوم به غير واحد، كغسل الميت، وتكفينه، والإمامة، والأذان، وإسعاف المريض، ونحو ذلك من فروض الكفايات. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٤/ ٥ - ٦).\n(^٢) انظر: \"القضاء وشروط القاضي\" ص (٣٦).","vol":"9","page":408},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1184>أصناف القضاة</span>\n١٣٩٢/ ١ - عَنْ بُرَيدَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولَ الله - ﷺ -: \"الْقُضَاةُ ثَلَاثةٌ: اثْنَانِ في النَّارِ، وَوَاحِدٌ في الْجَنَّةِ. رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ في الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَلَمْ يَقْضِ بِهِ وَجَارَ في الْحُكْمِ فَهُوَ في النَّارِ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفِ الْحَقَّ فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ في النَّارِ\". رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\n\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الأقضية\"،<span data-type='title' id=toc-1183> بابٌ </span>(في القاضي يخطئ) (٣٥٧٣)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٣٩٧)، وابن ماجه (٢/ ٧٧٦) من طريق خلف بن خليفة، عن أبي هاشم الرماني، ورواه الترمذي (١٣٢٢ م) من طريق شريك، عن الأعمش، عن سعد بن عُبيدة السلمي، والحاكم (٤/ ٩٠) من طريق عبد الله بن بكير، عن حكيم بن جبير، ثلاثتهم (أبو هاشم، وسعد بن عبيدة، وحكيم بن جبير) عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه مرفوعًا.\nقال أبو داود بعد سياق إسناده عنده: (هذا أصح شيء فيه، يعني حديث بريدة: القضاة ثلاثة).\nوخلف بن خليفة متكلم فيه، والأكثرون على توثيقه، قال ابن معين والنسائي: (ليس به بأس) وقال أبو حاتم: (صدوق) (^١). وهو من رجال\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ١٥٠).","vol":"9","page":409},{"text":"مسلم (^١)، قال ابن سعد: (تغير قبل موته واختلط) (^٢) وقال الحافظ: (صدوق اختلط في الآخر). ولم يتضح سماع من روى هذا الحديث عنه، قبل الاختلاط أم بعده.\nوفي إسناد الترمذي شريك، وهو ابن عبد الله النخعي، وهو سيء الحفظ.\nوفي إسناد الحاكم عبد الله بن بكير الغنوي، قال فيه الذهبي متعقبًا قول الحاكم: (صحيح الإسناد): (ابن بكير الغنوي منكر الحديث). ومثله أو شر منه شيخه حكيم بن جبير، فقد قال عنه الدارقطني: (متروك) (^٣). أما ابن بكير فقد قال عنه الذهبي -أيضًا-: (ضعفوه، ولم يترك) (^٤)، وهذا أخف من قوله: (منكر الحديث)، وقال الساجي: (من أهل الصدق وليس بقوي) (^٥)، وذكر له ابن عدي عدة مناكير (^٦)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٧)، ثم إنه قد تُكُلِّمَ في سماع عبد الله بن بريدة من أبيه (^٨).\nوالحديث له عدة طرق، قال الحافظ: (قد جمعتها في جزء مفرد) (^٩).\nوقال الحاكم: (تفرد به الخراسانيون ورواته مراوزة) (^١٠)، وقال ابن عبد الهادي في \"المحرر\": (إسناده جيد) (^١١)، وقال في \"التنقيح\": (هو حديث حسن أو صحيح) (^١٢).\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على عناية الإسلام بالقضاء وأنه لا يُولَّى\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٥٠).\n(^٢) \"الطبقات\" (٧/ ٣١٣)، \"الكواكب النيرات\" ص (١٥٥).\n(^٣) \"السنن\" (٢/ ١٢٢).\n(^٤) عزاه الألباني في \"الإرواء\" (٨/ ٢٣٦) إلى \"الضعفاء\" للذهبي، ولم أجده فيه، وإنما وجدت لفظة (حديثه منكر) رقم (٢١٣٤).\n(^٥) \"الميزان\" (٢/ ٣٩٩).\n(^٦) \"الكامل\" (٤/ ٢٥٠).\n(^٧) (٨/ ٣٣٥).\n(^٨) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ١٣٧)، \"التابعون الثقات\" (٢/ ٤٩٧).\n(^٩) \"التلخيص\" (٦/ ٣١٧٠).\n(^١٠) \"معرفة علوم الحديث\" ص (٩٩).\n(^١١) (١١٧٣).\n(^١٢) (٥/ ٦٢).","vol":"9","page":410},{"text":"إلا من كان أهلًا له دينًا وعلمًا وورعًا ونزاهة إن وجد وإلا يولى الأمثل فالأمثل، وعناية الإسلام بالقضاء تتمثل في بيان صفات القاضي الناجي يوم القيامة، وصفات ضده؛ ليعمل القاضي على تحقيقها في نفسه وابتعاده عن ضدها.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الناجي من القضاة هو من عرف الحق وقضى به بين الخصمين، والعمدة في ذلك العمل بالحق، فإن من عرفه ولم يعمل به فهو ومن حكم بجهل في النار.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث تحذير من معرفة الحق وعدم القضاء به لينال من حطام الدنيا ومتاعها الزائل أو يميل مع من يرجو نفعه من قريب، أو وجيه من أمير أو وزير، أو نحو ذلك.\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الجاهل لا يولى القضاء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (من باشر القضاء مع عدم الأهلية المسوغة للولاية وأصر على ذلك عاملًا بالجهل والظلم فهو فاسق ولا تنعقد أحكامه) (^١)، ولو أصاب في حكمه فهو ملوم وظالم؛ لأنه لا يحل له الإقدام على الحكم وهو جاهل.\n\n° الوجه السادس: في الحديث دليل على اشتراط كون القاضي رجلًا؛ لقوله: (رجل عرف الحق … ورجل لم يعرف الحق) ومفهومه أن المرأة لا تتولى القضاء، وهذا مفهوم لقب، وهو ليس بحجة عند الأصوليين، لكن نقول عَضَدَ هذا المفهوم منطوق قوي، وهو قوله - ﷺ -: \"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة\" (^٢)، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"مختصر الفتاوى المصرية\" ص (٥٥٣).\n(^٢) رواه البخاري (٤٤٢٥).","vol":"9","page":411},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1185>عِظَمُ منصب القضاء</span>\n١٣٩٣/ ٢ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ وُليَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيرِ سِكِّينٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَصحّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ، وَابْنُ حِبّانَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (١٤/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، وأبو داود في كتاب \"الأقضية\"، بابٌ (في طلب القضاء) (٣٥٧٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٣٩٨)، وابن ماجه (٢٣٠٨) من طريق عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nوقرن أبو داود وأحمد بالمقبري: الأعرج وهو عبد الرحمن بن هرمز، وفي هذا الإسناد عبد الله بن جعفر وهو المخرمي: وهو صدوق، وعثمان بن محمد الأخنسي متكلم فيه، فقد وثقه ابن معين وابن حبان، ونقل الترمذي في \"العلل\" عن البخاري أنه قال: (ثقة)، وقال النسائي عنه بعد سيأتي الحديث: (ليس بذاك القوي) (^١)، وقال الحافظ: (صدوق له أوهام).\nوروى الحديث أبو داود (٣٥٧١)، والترمذي (٢٣٢٥) من طريق الفضيل بن سليمان، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة - ﵁ -، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه).\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" (١/ ٤٣٧)، \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ١٣٨).","vol":"9","page":412},{"text":"والفضيل بن سليمان فيه ضعف، وعمرو بن أبي عمرو صدوق.\nوالحديث له طرق أخرى كثيرة، ذكر شيئًا منها ابن المديني في \"العلل\" ثم محمد بن خلف المعروف بوكيع في \"أخبار القضاة\" (^١)، وأعله ابن الجوزي فقال: (هذا حديث لا يصح) (^٢). قال الحافظ ابن حجر: (وليس كما قال، وكفاه قوة تخريج النسائي له) (^٣)، وقد ذكر الدارقطني الاختلاف في هذا الحديث على سعيد المقبري وعن الجمع بين المقبري والأعرج، ثم قال: (والمحفوظ عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة) (^٤).\nولم أجد الحديث في \"صحيح ابن حبان\" في مظانه، ولا عزاه إليه الحافظ في \"التلخيص\" ولا في \"الدراية\" تبعًا لأصله \"نصب الراية\" (^٥).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من ولِّيَ القضاء) بضم الواو وتشديد اللام مكسورة بصيغة المبني لما لم يسم فاعله، من التولية؛ أي: من جعل قاضيًا، ويؤيد هذا ما جاء في بعض الروايات: (من جُعل قاضيًا)، ويجوز فتح الواو وكسر اللام مخففًا بصيغة المبني للمعلوم؛ أي: تصدى للقضاء وتولاه (^٦). ولفظ: (القضاء) منصوب على كلا الوجهين، لكنه على الأول مفعولٌ ثانٍ، وعلى الثاني مفعول، والفاعل ضمير مستتر.\n\nقوله: (فقد ذبح بغير سكين) المراد به الذبح من حيث المعنى؛ لأن القاضي بين عذاب الدنيا إن رشد وعدل وبين عذاب الآخرة إن جار وفسد.\nوإنما عُدِلَ عن الذبح بالسكين ليكون أبلغ في التحذير لأمرين:\nالأول: لأجل أن يعلم أن ما يُخاف من هلاك دينه دون بدنه.\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" لابن المديني ص (٧٣)، \"أخبار القضاة\" (١/ ٩).\n(^٢) \"العلل المتناهية\" (٢/ ٧٥٦).\n(^٣) \"التلخيص\" (٦/ ٣١٦٧).\n(^٤) \"العلل\" (١٠/ ٣٩٧).\n(^٥) انظر: \"نصب الراية\" (٤/ ٦٤)، \"الدراية\" (٢/ ١٦٦)، \"التلخيص\" (٦/ ٣١٦٧).\n(^٦) \"عون المعبود\" (٩/ ٤٨٥).","vol":"9","page":413},{"text":"الثاني: أن الذبح بالسكين يريح وبغيرها من الخشب والقصب وغيرهما يكون الألم فيه أكثر (^١).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أهمية منصب القضاء وعظيم أمره؛ لأن القاضي إن حكم بغير الحق مع علمه به أو جهله له فهو في النار، وإن أصاب الحق فقد أتعب نفسه في إرادة الوقوف عليه وطلبه له وتسويته بين الخصمين، ثم تطبيق ما تبين له على القضية، وتنفيذ ذلك على الواقع، فهو في تعب ونصب، ولا ريب أن القاضي العادل في جهد متواصل وقلق مستمر إلى أن يبين له وجه الحق، وهذا الجهد وهذا القلق لا يحصل إلا لمن أتعب نفسه في الوصول إلى الحق ثم قام بتنفيذه، ولعل من بعض معاني هذا الحديث تشبيه الجهد والقلق بالذبح بغير سكين (^٢).\nولا ينبغي حمل هذا الحديث على التحذير من القضاء بصورة مطلقة؛ لأن هذا من باب التناقض، والشريعة منزهة عن التناقض (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (٥/ ٢٠٤).\n(^٢) \"القضاء وشروطه\" (٨٩).\n(^٣) \"فيض القدير\" (٦/ ٣٨).","vol":"9","page":414},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1186>التحذير من طلب القضاء</span>\n١٣٩٤/ ٣ - وَعَنْهُ - ﵁ - قال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّكُمْ ستحْرِصُونَ عَلَى الإمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِي.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأحكام\"، باب (ما يكره من الحرص على الإمارة) (٧١٤٨) من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إنكم ستحرصون) السين للاستقبال، والفعل المضارع بكسر الراء، ويجوز فتحها، وهذه الجملة قد أكدت بإن والسين واسمية الجملة تنزيلًا لغير المنكر منزلة المنكر، وذلك لأن حالهم من الزهد في الدنيا والإعراض عن زهرتها يشعر باستبعاد طلبهم للإمارة فضلًا عن الحرص عليها.\n\nقوله: (على الإمارة) بكسر الهمزة، ويدخل فيها الإمارة العظمى وهي الخلافة وولاية أمر الأمة، والصغرى وهي الولاية على بعض البلاد، كما يدخل في ذلك ولاية القضاء، وهذه مناسبة الحديث لكتاب القضاء.\n\nقوله: (وستكون ندامة يوم القيامة) ظاهر هذا الإطلاق في كل من تولى إمارة، لكنه مقيد بمن دخل فيها بغير أهلية ولم يعدل، فهذا هو الذي يندم على","vol":"9","page":415},{"text":"ما فَرَطَ منه إذا جوزي يوم القيامة، وكأنه حذف مثل هذا التقييد هنا تنفيرًا منها وتبعيدًا عنها.\n\nقوله: (فنعم المرضعة) وقع في بعض نسخ \"البلوغ\" (فنعمت) بالتاء، والمثبت في بعضها بدونها، وهو الموافق لما في \"الصحيح\"؛ أي: فنعم المرضعة في الدنيا، فضرب المرضعة مثلًا للإمارة وما توصله لصاحبها من حظوظ الدنيا ولذاتها من المال والجاه والكرامة ونفوذ الكلمة وتذلل الناس، ففيه تشبيه الإمارة بالمرضعة؛ لأنها تدر على صاحبها المنافع كما تدر المرضعة باللبن.\n\nقوله: (وبئست الفاطمة) اسم فاعل من الفطم، وهو فصل الصبي عن الرضاعة، والمراد أنه عند الانفصال عن الإمارة بموت أو عزل ونحوهما يحرم الأمير ويفصل عن الخيرات والمنافع، وتبقى التبعات والمهالك. يقول المهلب: (حرص الناس على الإمارة ظاهر للعيان، وهو الذي جعل الناس يسفكون عليها دماءهم، ويستبيحون حريمهم، ويفسدون في الأرض حتى يصلوا بالإمارة إلى لذاتهم، ثم لا بد أن يكون فطامهم إلى سوء من الحال؛ لأنه لا يخلو أن يُقتل عليها أو يُعزل عنها وتلحقه الذلة، أو يموت عليها، فيطالب في الآخرة بالتبعات، فيندم حينئذٍ) (^١).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على عظم شأن الإمارة وكثرة تبعاتها ومسؤولياتها في الدار الآخرة؛ لأن ما تعلق بالخلق فأمره عظيم، وصاحبه على خطر جسيم، وهذا كما تقدم مقيد بمن دخل فيها بغير أهلية ولم يعدل، وقد ورد عن أبي - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: \"يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة\" (^٢).\nأما إن كان أهلًا للولاية وعدل فيها فله أجر عظيم تظاهرت النصوص\n_________\n(^١) \"التوضيح\" (٣٢/ ٤٤٥).\n(^٢) رواه مسلم (١٨٢٥).","vol":"9","page":416},{"text":"به، كحديث السبعة الذين يظلهم الله، وفيه: \"الإمام العادل\" (^١).\n\n° الوجه الرابع: لا فرق في ذلك بين الإمارة الكبرى والصغرى، وكذا ولاية القضاء، ولا ريب أن التبعة على حسب المسؤولية، فكلما عظمت المسؤولية عظمت التبعة.\nومن ولي القضاء قاصدًا بذلك الجاه والرئاسة ومنافع الدنيا فهذا مذموم، وهو على خطر عظيم، ويخشى أن يكون له نصيب من قول النبي - ﷺ -: \"ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه\" (^٢). أما من تعين عليه لكونه لم يوجد من يقوم مقامه، وإذا تركه تولاه من لا يحسن ولا يقوم بحقه فهذا مأجور ومُعان، وكذا يقال فيمن تولى الولاية العامة أو الخاصة إذا أدى الذي عليه من نشر ألوية العدل وبسط بساط الإنصاف. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في كتاب \"الزكاة\" برقم (٦٣١).\n(^٢) رواه عبد الله بن المبارك في \"الزهد\"- زيادات نعيم بن حماد - (١٨١) ومن طريقه الترمذي (٢٣٧٦)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠/ ٣٨٦)، وأحمد (٢٥/ ٨٥) عن زكريا بن أبي زائدة، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن ابن كعب بن مالك الأنصاري، عن أبيه - ﵁ - به مرفوعًا.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) وزكريا بن أبي زائدة وصفه بالتدليس غير واحد، لكن صرح بالتحديث كما جاء في \"التاريخ الكبير\" للبخاري (١/ ١٥٠)، و\"المعجم الكبير\" للطبراني (١٩/ ٩٦). وانظر شرح ابن رجب لهذا الحديث ضمن: \"مجموع رسائل ابن رجب\" (١/ ٦٠).","vol":"9","page":417},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1187>أجر الحاكم إذا اجتهد في حكمه أصاب أو أخطأ</span>\n١٣٩٥/ ٤ - عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵁ - أنهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمّ أَصابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُم أَخْطَأ فَلَهُ أَجْرٌ\"، مُتفَق عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الاعتصام بالكتاب والسنة\"، باب (أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ) (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦) من طريق يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن بُسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: … وذكر الحديث.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا حكم الحاكم) أي: أراد الحكم، لقوله: (فاجتهد) لأن الاجتهاد قبل الحكم لا بعده، وتأويل الفعل بالإرادة له نظائر، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، والحكم هو القرار الذي يصدره القاضي أو غيره، لينهي به الخصومة بين المتنازعين.\n\nقوله: (فاجتهد) الفاء عاطفة على الشرط على التأويل المذكور، وقد تكون الفاء للترتيب الذكري، ويبقى الفعل (حَكَمَ) على أصله.\nوالاجتهاد لغة: بذل الجهد لإدراك أمر شاق.\nوالاجتهاد هنا نوعان:","vol":"9","page":418},{"text":"١ - اجتهاد في معرفة الحكم الشرعي وتطبيقه على هذه القضية، وهو بهذا الاعتبار: بذل الجهد لإدراك الحكم الشرعي بطريق الاستنباط.\n٢ - اجتهاد في تنفيذ ذلك الحق على القريب والصديق وضدهما بحيث يكون الناس في هذا الباب عنده سواء، لا يفضل أحدًا على أحد، ولا يُميله الهوى، ولا تستهويه الأغراض.\n\nقوله: (ثم أصاب) أي: وافق حكم الله تعالى في هذه المسألة.\n\nقوله: (فله أجران) أي: أجر على اجتهاده، وأجر على إصابته الحق؛ لأن في إصابته الحق إظهارًا له وعملًا به.\n\nقوله: (فله أجر) أي: أجر واحد على اجتهاده في طلب الصواب، والخطأ مغفور له.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث بشارة عظيمة للقضاة، فإن القاضي إذا اجتهد وبذل ما يستطيع في الوصول إلى الحكم الشرعي حتى وصل باجتهاده إلى ما يظن أنه الحق في القضية ثم حكم به فإن له أجرين إن كان حكمه صوابًا موافقًا لمراد الله تعالى، وإن كان خطأ فله أجر واحد وهو أجر الاجتهاد، ولا يأثم بخطئه؛ لأنه غير مقصود.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن القاضي الذي يؤجر إذا أخطأ هو من كان عالمًا مجتهدًا، أما إذا لم يكن من أهل الاجتهاد فلا أجر له بل هو آثم، وقد تقدم قول النبي - ﷺ -: \"القضاة ثلاثة … فذكر منهم: ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار\". قال الخطابي: (إنما يؤجر المخطئ على اجتهاده في طلب الحق؛ لأن اجتهاده عبادة، ولا يؤجر على الخطأ، بل يوضع عنه الإثم فقط، وهذا فيمن كان من المجتهدين جامعًا لآلة الاجتهاد عارفًا بالأصول وبوجوه القياس.\nفأما من لم يكن محلًّا للاجتهاد فهو متكلف، ولا يعذر بالخطأ في الحكم، بل يخاف عليه أعظم الوزر، بدليل حديث ابن بريدة عن أبيه) (^١).\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (٥/ ٢٠٥).","vol":"9","page":419},{"text":"° الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام الشرعية وأن القاضي لا بد أن يكون من أهل الاجتهاد، والمراد به: استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الأصلية، فيكون القاضي عالما بمصادر الشريعة مع كيفية الاستنباط. قال ابن هبيرة: (اتفقوا على أنه لا يجوز أن يولَّى القضاء من ليس من أهل الاجتهاد، إلا أبا حنيفة فقال: يجوز …) (^١).\nوهذا الشرط بحسب الإمكان، فإذا لم يوجد إلا قاض مقلدٌ فإنه يولى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن شروط القضاء ومنها الاجتهاد: (هذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، وتجب ولاية الأمثل فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره فيولى لعدم: الأنفعُ من الفاسقين وأقلُّهما شرا، وأعدلُ المقلدين وأعرفُهما بالتقليد)، قال ابن مفلح: (وهو كما قال) (^٢).\nوما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية هو الصواب في هذه المسألة، وهو موافق لمذهب الحنفية فإنهم يعتبرون الاجتهاد شرط فضيلة وكمال، فيصح قضاء المقلد إذا خلا الزمن من مجتهد يتولى القضاء، قال المرداوي: (وعليه العمل من مدة طويلة وإلا تعطلت أحكام الناس) (^٣).\n\n° الوجه السادس: الحديث دليل على أنه ليس كل مجتهد مصيبًا، بل المصيب واحد، وهو من وافق الصواب في علم الله تعالى. ووجه الدلالة: أن الرسول - ﷺ - جعل المجتهدين قسمين: قسمًا مصيبًا وقسمًا مخطئًا، ولو كان كل منهم مصيبًا لم يكن لهذا التقسيم معنى.\nومن قال: كل مجتهد مصيب، احتج بأنه - ﷺ - جعل له أجرًا واحدًا، ولو كان لم يصب لم يؤجر، ووصفه بالخطأ محمول على من ذَهَلَ عن النص أو اجتهد في أمر قطعي خالف فيه الإجماع، لكن يرد على ذلك أنه - ﷺ - اعتبره مخطئًا وأثبت له الأجر، فهذا يدل على أنه غير مصيب، وما اعتذروا به عن وصفه بالخطأ تخصيص لا دليل عليه، والحديث عام.\n_________\n(^١) \"الإفصاح\" (٢/ ٣٤٣).\n(^٢) \"الفروع\" (٦/ ٤٢٤).\n(^٣) \"الإنصاف\" (١١/ ١٧٨).","vol":"9","page":420},{"text":"° الوجه السابع: الحديث دليل على فضل الحاكم الذي على هذا الوصف وأنه يغنم الأجر في كل قضية يحكم بها، ولهذا كان القضاء من أعظم فروض الكفايات؛ لأن الحقوق بين الخلق كلها مضطرة إلى القضاء عند التنازع أو الاشتباه، فعلى القاضي أن يجاهد نفسه على تحقيق هذا الاجتهاد الذي تبرأ به ذمته وينال به الخير والأجر العظيم. والله تعالى أعلم.","vol":"9","page":421},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1188>النهي عن القضاء حال الغضب</span>\n١٣٩٦/ ٥ - عَنْ أَبي بَكْرَةَ - ﵁ - قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا يَحْكُمُ أَحَدٌ بَينَ اثْنَينِ وَهُوَ غضْبَانُ\"، مُتَّفَق عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأحكام\"، باب (هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان؟) (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧) من طريق عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: كتب أبي وكتبت له (^١) إلى عبيد الله بن أبي بكرة وهو قاضٍ بسجستان ألا تحكم بين اثنين وأنت غضبان؛ فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: … وذكر الحديث، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: (لا يقضين حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا يحكم) ضبطت في نسخ \"البلوغ\" بضم الميم، فتكون (لا) نافية، وضبطت في طبعة محمد فؤاد عبد الباقي لـ\"صحيح مسلم\" بسكونها على أن (لا) ناهية، وعلى هذا مشى النووي في ظاهر كلامه، ويؤيد ذلك لفظ البخاري، كما تقدم. وهذا النهي ظاهره التحريم، وعند الجمهور للكراهة، وكأنهم جعلوا الصارف له أنه - ﷺ - قضى للزبير بعد أن أغضبه الأنصاري، كما\n_________\n(^١) معنى (كتب أبي) أمر بالكتابة، (وكتبت له) باشرت الكتابة التي أمر بها؛ لأن الأصل عدم التعدد. انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ١٣٧)، وحمله ابن الملقن في \"شرحه على العمدة\" على التعدد. فانظر: (١٠/ ٣٤) قال الحافظ: (ولا يتعين ذلك).","vol":"9","page":422},{"text":"سيأتي؛ ولأن النهي ليس لذات الغضب وإنما لكونه مظنة تشويش الذهن.\n\nقوله: (وهو غضبانُ) بلا تنوين؛ لأنه ممنوع من الصرف للوصفية وزيادة الألف والنون، والجملة حال من الفاعل، والغضب: غليان دم القلب لطلب الانتقام، قال ابن فارس: (الغين والضاد والباء أصل صحيح يدل على شدة وقوة) (^١). وسيأتي لهذا مزيد في كتاب \"الجامع\" -إن شاء الله تعالى-.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن القاضي منهي عن القضاء حال الغضب، وذلك لما يحصل للنفس بسببه من تشوش الفكر وانشغال القلب الذي يؤدي إلى اختلال النظر وعدم استيفائه على الوجه المطلوب، فيخرج بذلك عن دائرة العدل وإصابة الحق، وقد يميل في حكمه في حق المغضوب عليه إذا كان غضبه من أحد الخصمين، ونَهْيُ القاضي عن القضاء حال الغضب دليل واضح على عناية الشريعة بحقوق الناس ولو في حال الخصومة والنزاع، قال الموفق ابن قدامة: (لا خلاف بين أهل العلم فيما علمناه في أن القاضي لا ينبغي له أن يقضي وهو غضبان) (^٢).\nوظاهر النهي التحريم، ولا موجب لصرفه عن معناه الحقيقي إلى الكراهة، وأما قصة الزبير مع خصمه فلا تصلح قرينة صارفة؛ إذ لا يصح إلحاق غيره - ﷺ - به في مثل ذلك؛ لأنه معصوم عن الحكم بالباطل في رضاه وغضبه، بخلاف غيره فلا عصمة تمنعه من الخطأ، وهذا اختيار الشوكاني (^٣).\nومن أهل العلم من قال بالتفصيل، وهو أنه إن كان الغضب مشوشًا بحيث يفضي إلى عدم تمييز الحق من الباطل فلا كلام في تحريمه، وإن كان غضبًا يسيرًا لا يمنعه من النظر والفكر فأقل أحواله الكراهة، وهذا التفصيل هو الأقرب، واختاره الصنعاني (^٤).\nوقصة الزبير رواها عبد الله بن الزبير أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير\n_________\n(^١) \"معجم مقاييس اللغة\" (٤/ ٤٢٨).\n(^٢) \"المغني\" (١٤/ ٢٥).\n(^٣) \"نيل الأوطار\" (١٥/ ٤٥٢).\n(^٤) \"سبل السلام\" (٤/ ٢٤٢).","vol":"9","page":423},{"text":"عند النبي - ﷺ - في شراج الحرة (^١) التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرّح الماء يمر، فأبى عليه، فاختصما عند النبي - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ - للزبير: \"اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك\" فغضب الأنصاري فقال: أن كان ابن عمتك، فتلون وجه النبي - ﷺ - ثم قال: \"اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْرِ\" (^٢) فقال الزبير: إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ …﴾ [النساء: ٦٥] (^٣).\n\n° الوجه الرابع: يقاس على الغضب منع الحاقن أو المريض أو الخائف أو الجائع أو من اعتراه ملل شديد أو حزن غالب وسائر ما يتعلق بالقلب تعلقًا يشغله عن استيفاء النظر، وهذا الإلحاق من القياس الجلي؛ لثبوت علة الأصل بالإجماع، وهي تشويش الفكر وانشغال القلب، وكان الحكمة في الاقتصار على ذكر الغضب كثرة الأسباب المهيجة له من قِبَلِ الخصوم، واستيلاؤه على النفس وصعوبة مقاومته دون غيره.\nوإذا كان الغضب بهذه الصفة فإنه ينبغي للقاضي أن يجتهد في الأخذ بالأسباب التي تصرف الغضب أو تخففه، من التخلق بالحلم والصبر وتوطين النفس على ما يسمعه من الخصوم، فإن هذا عون كبير -بتوفيق الله- على دفع الغضب أو تخفيفه.\n\n° الوجه الخامس: يؤخذ من إطلاق الغضب في هذا الحديث أنه لا فرق بين أن يكون الغضب لله تعالى، أو يكون لغير الله تعالى كحظ النفس، وذلك لوجود المعنى الذي من أجله نُهي القاضي عن القضاء حال الغضب، خلافًا لمن خص الحديث بما إذا كان الغضب لغير الله تعالى، فأجازه إذا كان الغضب لله؛ لأنه يؤمن معه من التعدي، بخلاف الغضب لحظ النفس، وهذا مخالف لظاهر الحديث وللمعنى، كما تقدم.\n\n° الوجه السادس: استدل العلماء بهذا الحديث على أن القاضي إذا\n_________\n(^١) بكسر الشين، مسايل النخل والشجر.\n(^٢) يروى بالدال وهو ما يحيط بالنخل لحفظ الماء، ويروى بالذال على ما ذكره الخطابي، وهو تمام الشرب.\n(^٣) رواه البخاري (٢٣٥٩) (٢٣٦٠)، ومسلم (٢٣٥٧).","vol":"9","page":424},{"text":"حكم في حال غضبه فإن حكمه لا ينفذ؛ لأنه منهي عن القضاء في هذه الحال، والنهي يقتضي الفساد، وهذا رواية في مذهب أحمد.\nوالقول الثاني: أنه ينفذ حكمه إن صادف الحق، وعزاه ابن حجر إلى الجمهور (^١)، وهو الأصح في مذهب الحنابلة (^٢)، واستدلوا بحكم النبي - ﷺ - في قصة الزبير مع الأنصاري وهو في حال الغضب.\nوالقول الثالث: أنه إن كان الغضب قبل أن يتضح الحكم لم ينفذ؛ لأنه شغله عن استيضاح الحق، أما إذا حدث بعد اتضاح الحكم فلا يمنع من نفوذ حكمه، واستدلوا بقصة الزبير أيضًا، وهذا قول ثالث في مذهب أحمد، كما ذكر ابن القيم، وذكره الموفق ابن قدامة في \"الكافي\" (^٣)، وذكره الحافظ ابن حجر وقال: (إنه تفصيل معتبر) (^٤).\nوالذي يظهر أن الاستدلال بقصة الزبير غير مستقيم، لأمور ثلاثة:\n١ - أن حكمه - ﷺ - فيها كان قبل الغضب، إلا أن يقال: إن حكمه الثاني بعد غضبه فيه زيادة على الأول؛ لأنه في الأول أمر الزبير أن يترك بعض حقه، وفي الثاني أمره أن يستوفي جميع حقه.\n٢ - أن النهي في حديث الباب لا يتناول النبي - ﷺ -، كما تقدم، وهذا اختيار النووي، فإنه لما ذكر حديث اللقطة وفيه: (قال: يا رسول الله، فضالَّة الإبل؟ قال: فغضب رسول الله - ﷺ - حتى احمر وجهه، ثم قال: ما لك ولها ..) الحديث. قال النووي: (وفيه جواز الفتوى والحكم في حال الغضب، وأنه نافذ، لكن يكره ذلك في حقنا، ولا يكره في حق النبي - ﷺ -؛ لأنه لا يُخاف عليه في الغضب ما يُخاف علينا. والله أعلم) ورجح هذا ابن الملقن، وضَعَّفَ ما عداه.\n٣ - أن هذا غضب يسير (^٥). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٣٨).\n(^٢) \"المغني\" (١١/ ٢٠٩ - ٢١٠).\n(^٣) (٦/ ٩٧، ٩٨)، وانظر: \"الإنصاف\" (١١/ ٢١٠).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٣٨).\n(^٥) انظر: \"إكمال المعلم\" (٥/ ٥٧٥)، \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١١/ ٢٦٨)، \"الإعلام\" (١٠/ ٣٥)، \"القاضي والبينة\" ص (١٧٧).","vol":"9","page":425},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1189>ما جاء في صفة القضاء</span>\n١٣٩٧/ ٦ - عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا تَقَاضَى إِلَيكَ رَجُلَانِ فَلَا تَقْضِ للأَوَّلِ حَتى تَسْمَعَ كَلَامَ الآخَرِ، فَسَوْفَ تَدْري كَيفَ تَقْضِي\"، قَال عَليٌّ: فَمَا زِلْتُ قَاضيًا بَعْدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَوّاهُ ابْنُ الْمَدِيني، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ.\n١٣٩٨/ ٧ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْحَاكِم مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاس - ﵄ -.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث علي - ﵁ - فقد رواه أحمد (٢/ ١٠٣)، وأبو داود في كتاب \"الأقضية\"، باب (كيف القضاء) (٣٥٨٢)، والترمذي (١٣٣١) من طريق سماك بن حرب، عن حنش، عن علي - ﵁ - قال: … وذكر الحديث.\nوهذا لفظ الترمذي، وقال: (هذا حديث حسن)، وفي سنده حنش وهو ابن المعتمر، وهو متكلم فيه، قال أبو حاتم: (هو عندي صالح، ليس أراهم يحتجون بحديثه)، وقال البخاري: (يتكلمون في حديثه)، وقال أبو داود: (ثقة)، وقال النسائي: (ليس بالقوي).\nوفيه سماك بن حرب وهو متكلم فيه أيضًا، وهو صدوق اختلط بأخرة.\nوقال ابن عبد الهادي: (رواه ابن المديني في كتاب \"العلل\" وقال: هذا حديث كوفي، وإسناده صالح) (^١)، ولم أقف على رواية ابن المديني هذه في المطبوع من \"العلل\".\n_________\n(^١) \"المحرر\" ص (٤٥٢).","vol":"9","page":426},{"text":"وهذا الحديث مروي عن علي - ﵁ - من طرق بعضها مطول وبعضها مختصر، ومعظم طرقه فيها مقال، لكنه بمجموعها حديث حسن.\nوروى الحديث ابن حبان (١١/ ٤٥١) من طريق أسباط بن نصر، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس -﵄-، عن علي - ﵁ - قال: بعثني رسول الله - ﷺ - برسالة … وذكر الحديث، وفيه: \"إن الناس سيتقاضون، فإذا أتاك الخصمان فلا تقضِ لواحد حتى تسمع كلام الآخر، فإنه أجدر أن تعلم لمن الحق\".\nوهذا سند ضعيف؛ لأن في رواية سماك عن عكرمة اضطرابًا، قال يعقوب بن شيبة: قلت لابن المديني: رواية سماك عن عكرمة؟ فقال: مضطربة (^١)، ثم هو من رواية أسباط، وقد يكون أخطأ في المتن والإسناد.\nوأما حديث ابن عباس - ﵄ - فقد رواه الحاكم (٤/ ٨٨) من طريق شَبَابة بن سَوَّار، حدثنا ورقاء بن عمر، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس - ﵄ - قال: بعث النبي - ﷺ - إلى اليمن عليًّا، فقال: \"علمهم الشرائع، واقض بينهم\"، قال: لا علم لي بالقضاء، فدفع في صدره فقال: \"اللهم اهده للقضاء\".\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين)، وسكت عنه الذهبي، ومسلم -وهو ابن كيسان- متكلم فيه، وهو ضعيف جدًّا (^٢)، فلا أظن الحديث يصح، فضلًا عن أن يكون على شرط الشيخين.\nهذا وقد رأيت من علق على \"البلوغ\" ذكر أن الشاهد الذي أشار إليه الحافظ هو حديث ابن عباس - ﵄ - الآتي في \"الشهادات\" برقم (١٤١٥) ولم يتضح لي وجه كونه هو الشاهد.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (إذا تقاضى إليك رجلان) أي: ترافع إليك خصمان.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٢٠٤).\n(^٢) انظر: \"تهذيب الكمال\" (٢٧/ ٥٣٠).","vol":"9","page":427},{"text":"قوله: (لا تقضِ للأول) أي: من الخصمين وهو المدعي.\n\nقوله: (حتى تسمع كلام الآخر) أي: المدعى عليه.\n\nقوله: (فسوف تدري كيف تقضي) رواية أبي داود: \"فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء\"، وعند ابن حبان -كما تقدم-: \"فإنه أجدر أن تعلم لمن الحق\"؛ والمعنى: أنك إذا سمعت كلام الخصمين اتضحت لك القضية وعرفت كيف تطبق الحكم عليها.\n\nقوله: (قال علي …) الظاهر أن القائل ذلك هو حنش بن المعتمر الكناني الكوفي صاحب علي - ﵁ -.\n\nقوله: (فما زلت قاضيًا بعد) ظرف مبني على الضم؛ أي: بعد تعليم النبي - ﷺ - له، وفي رواية أحمد: \"فما زلت بعد ذلك قاضيًا\".\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي القاضي عن الحكم للمدعي حتى يسمع كلام المدعى عليه، حتى ولو كان كلام الأول مقنعًا وحجته واضحة؛ لأن من العدل في القضاء سماع حجة كل واحد من الخصمين والاستفصال عما لديه، كما أن ذلك أدعى إلى وضوح القضية ومعرفة حكمها.\nوهذا التوجيه النبوي للقاضي هو من جملة الأحاديث الدالة على عناية الإسلام بالقضاء، وبيان طريق الحكم وصفته.\nوهذا النهي يقتضي الفساد، فإذا حكم قبل سماع الإجابة من المدعى عليه كان حكمه باطلًا، ولا يلزم قبوله، بل يتوجه عليه نقضه وإعادته على وجه الصحة أو يعيده حاكم آخر.\nومحل النهي هو ما إذا كان المدعى عليه حاضرًا، ولم يسمع منه القاضي، فإن سكت المدعى عليه بعد طلب الجواب منه وأصر على عدم الجواب اعتبر ناكلًا وقضي عليه بالنكول.\nوالقول الثاني: أنه لا يقضى عليه بالنكول، والنكول: الامتناع عن اليمين. ولكن ترد اليمين على المدعي، فإن حلف قضى له وإلا صرفهما؛ لأنه لما نكل المدعى عليه قوي جانب المدعي.","vol":"9","page":428},{"text":"والقول الثالث: أنه يجبر المدعى عليه على اليمين بحبس أو ضرب ولا يقضى عليه بالنكول ولا بِرَدِّ يمين، وتفصيل ذلك في كتب الفقه (^١).\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن القاضي لا يحكم على الغائب؛ لأن النبي - ﷺ - إذا منع القاضي من أن يقضي لأحد الخصمين وهما حاضران في مجلس الحكم حتى يسمع كلام الآخر ففي الغائب أولى بالمنع، لإمكان أن يكون معه حجة تبطل دعوى الحاضر (^٢)؛ ولأن القضاء عليه مع النظر في القضية إذا حضر تطويل لا فائدة فيه، والقول بأنه لا يُحكم على الغائب هو قول القاضي شريح، وأبي حنيفة، وجماعة من السلف (^٣)، ولو قيد بما إذا لم يماطل في الحضور لغير عذر، لكان أولى. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"الطرق الحكمية\" ص (١٢٦).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٥/ ٢٠٨).\n(^٣) \"المغني\" (١٤/ ٩٣).","vol":"9","page":429},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1190>حكم القاضي ينفذ ظاهرًا لا باطنًا</span>\n١٣٩٩/ ٨ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵄ - قالت: قال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ ألحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأقضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مما أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيئًا فَإنّمَا أقطَعُ لَهُ قطْعَةً مِنَ النّارِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأحكام\"، باب (موعظة الإمام للخصوم) (٧١٦٩)، ومسلم (١٧١٣) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب ابنة أبي سلمة، عن أم سلمة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكرت الحديث.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إنكم تختصمون إلي) أي: تتحاكمون وترفعون المخاصمة إلي للقضاء.\n\nقوله: (ولعل بعضكم أن يكون) لعل: بمعنى عسى، قال الطيبي: (أَنْ) زائدة تشبيهًا لـ (لعل) بـ (عسى)؛ أي: لعله يكون (^١).\n\nقوله: (ألحن) في رواية للبخاري ومسلم: \"أبلغ من بعض\"، وألحن أفعل تفضيل من لَحِنَ كفَرِحَ: إذا فَطِنَ بما لا يَفْطَنُ به غيره، ويقال: لَحِنَ\n_________\n(^١) انظر: \"عمدة القارئ\" (٢٠/ ١٤٧).","vol":"9","page":430},{"text":"كفَطِنَ وزنًا ومعنى. واللَّحَنُ: بالفتح الفطنة، وبالسكون الخطأ في القول، والمراد أنه إذا كان أفطن كان في الغالب أقدر وأبلغ في حجته من الآخر، فيزين كلامه بحيث يظنه القاضي صادقًا في دعواه. وقد جاء في بعض روايات البخاري ومسلم: \"فأحسب أنه صادق فأقضي له\" (^١).\nولا بد في التركيب من تقدير محذوف ليصح معناه؛ أي: وهو كاذب، ويسمى هذا عند أهل الأصول دلالة الاقتضاء؛ لأن هذا المحذوف اقتضاه الظاهر المذكور بعده، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي: فأفطر فعدة.\n\nقوله: (على نحوٍ مما أسمع منه) أي: من الدعوى والبينة أو اليمين، وقد تكون باطلة في نفس الأمر، وقد جاء في رواية -كما تقدم-: \"فأحسب أنه صادق\".\n\nقوله: (فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا) أي: أعطيته بالقضاء من مال أو غيره.\n\nقوله: (فإنما أقطع له قطعة من النار) أي: إذا كان الذي قضيت له بحسب الظاهر لا يستحقه بحسب الباطن، فهو عليه حرام يؤول به إلى النار.\n\nوقوله: (قطعة من نار) تمثيل يفيد شدة التعذيب على من تعاطى ذلك، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠].\nوفي الرواية المذكورة لمسلم: \"فلا يأخذه\" وفي أخرى: \"فليحملها أو يذرها\".\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن القاضي يحكم على نحو ما يسمع من الخصمين من قوة الحجة ووضوح البرهان، وأنه لا إثم عليه في ذلك؛ لأنه مأمور بالحكم بالظاهر، والإثم والتبعة على من كسب القضية بالباطل؛ لقوله: (إنما أقطع له قطعة من النار). وقد بوب البخاري على هذا\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٧١٨١)، \"صحيح مسلم\" (١٧١٣) (٥).","vol":"9","page":431},{"text":"الحديث في كتاب \"المظالم\" بقوله: (بابُ إثمِ من خاصم في باطل وهو يعلمه). والقاضي قد يغتر ببعض الخصوم؛ لبلاغته وحسن أسلوبه وقوة كلامه، وربما التبس الأمر بسبب ذلك، لكن يجب على من كسب القضية بمثل هذا أن يعلم أنه متى عرف أن الحكم في غير حقه وأنه لم يصادف الصواب في نفس الأمر فإن حكم القاضي لا ينفعه ولو كان الحاكم هو الرسول - ﷺ -.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن حكم الحاكم لا يغير حكمًا شرعيًّا في الباطن، فلا يحل حرامًا، فإذا شهد شاهدا زورٍ لإنسان بمال فحكم له به الحاكم بناءً على ذلك لم يحل هذا المال للمحكوم له، قال ابن فرحون: (حكم الحاكم لا يحل حرامًا، ولا يحرم حلالًا على من علمه في باطن الأمر؛ لأن الحاكم إنما يحكم بما ظهر، وهو الذي يعتد به، ولا يُنقل الباطن عند من علمه عما هو عليه من التحليل والتحريم) (^١).\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن النبي - ﷺ - يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز على غيره؛ لأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر من البينة واليمين ونحو ذلك، مع إمكان كونه في الباطن خلاف ذلك، وإن كان النبي - ﷺ - يفترق عن غيره في اطلاعه على بعض ما يطلعه الله ﷿ عليه من الغيوب الباطنة في ذلك في أمور خاصة لا في الأحكام العامة.\nوإنما كلِّف النبي - ﷺ - بالحكم بالظاهر مع إمكان إطلاع الله إياه على الباطن فيحكم بيقين نفسه من غير حجة أو يمين؛ ليكون قدوة وتشريعًا للأمة.\n\n° الوجه السادس: في الحديث تسلية للحكام؛ لأنه إذا كان النبي - ﷺ - قد يغتر بأحد الخصوم لقوة حجته فيحكم له، فإن غيره من باب أولى وأحرى، ولا سيما إذا ضعف الإيمان وانتشر الكذب وكثرت الحيل، والله المستعان.\n\n° الوجه السابع: اتفق الأصوليون على أن النبي - ﷺ - لا يُقَرُّ على خطأ\n_________\n(^١) \"تبصرة الحكام\" (١/ ٦٦).","vol":"9","page":432},{"text":"في الأحكام، ولا معارضة بين هذا وبين ما دل عليه الحديث، كما تقدم؛ لأن حكم الرسول - ﷺ - نوعان:\n١ - حكم مبني على اجتهاد، وهذا هو الذي لا يقر فيه على الخطأ.\n٢ - حكم مبني على ما كلف به من البينة، وهذا إذا وقع منه ما يخالف ظاهره باطنه فإنه لا يسمى الحكم خطأ، بل الحكم صحيح بناء على ما أستقر به التكليف، وهو وجوب العمل بشهادة الشاهدين -مثلًا- فإذا كانا شاهدي زور فالتقصير منهما، بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد، فإن هذا الذي حكم به ليس هو حكم الشرع.\n\n° الوجه الثامن: استدل العلماء بهذا الحديث على أن القاضي لا يحكم بعلمه، وذلك بأن يتحاكم إليه شخصان وهو يعلم أن المدعي صادق فيما ادعاه، فإنه لا يحكم بذلك بل لا بد من البينة، وهذا هو ظاهر المذهب عند الحنابلة، وقول مالك، وأحد قولي الشافعي، وهو اختيار ابن القيم (^١).\nووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - أخبر أنه إنما يحكم بما يسمع، ومفهومه أنه لا يحكم بما يعلم؛ لأن الحديث جاء بأسلوب القصر، كما في رواية: \"فإنما أقضي له بما أسمع\" (^٢).\nوالقول الثاني: أن للقاضي أن يحكم بعلمه، واستدلوا بقصة هند زوجة أبي سفيان لما قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فقال رسول الله - ﷺ -: \"خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك\" (^٣). فحكم لها النبي - ﷺ - من غير بينة ولا إقرار، لعلمه بصدقها وأنها زوجة أبي سفيان.\nولأن علم القاضي أقوى من الشهادة؛ لأنه يتيقن ما علمه، والشهادة قد تكون كذبًا، وهذا قول آخر للشافعي، ورواية عن أحمد، وهو قول الظاهرية،\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٤/ ٣٠)، \"فتح الباري\" (١٣/ ١٣٨)، \"الطرق الحكمية\" ص (٢٠٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٧٧).\n(^٣) الحديث تقدم في \"النفقات\" برقم (١١٤٥).","vol":"9","page":433},{"text":"بل يرى ابن حزم أن حكم القاضي بعلمه من أقوى ما يحكم به (^١)، واختار هذا القول الشوكاني ونصره في رسالة مستقلة (^٢)، حتى إنه لم يذكر خلاف العلماء وأدلتهم، مما يدل على أنه في مجال ترسيخ مبدأ جواز حكم القاضي بعلمه، لا في مجال البحث العلمي، كما هو في كتابه \"نيل الأوطار\" (^٣).\nوالقول الثالث: ما كان من حقوق الله تعالى كالحدود فإنه لا يحكم بعلمه، كما لو رأى رجلًا يزني بامرأة؛ لأن حقوق الله تعالى مبنية على العفو والمسامحة، وما كان من حقوق الآدميين وهي الأموال، فما علمه قبل ولايته لم يحكم به؛ لأنه بمنزلة ما سمعه من الشهود وهو غير حاكم، وما علمه في ولايته حكم به، وهذا قول أبي حنيفة (^٤)، وذكره ابن الملقن قولًا للشافعي (^٥)، وهو ظاهر اختيار البخاري، فإنه بوب على حديث عائشة في قصة هند بقوله: (باب من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس إذا لم يَخَفِ الظنون والتهمة) (^٦).\nوالقول الأول أرجح لقوة مأخده؛ ولأن تجويز القضاء بعلمه يفضي إلى تهمة القاضي والحكم بما يشتهي ثم يحيله على علمه، والقاضي أحوج ما يكون إلى نفي التهمة عن نفسه -ولا سيما في هذا الزمان- وقد قال الشافعي: (لولا قضاة السوء لقلت إن للحاكم أن يحكم بعلمه) (^٧)، وإذا كان في هذا الزمن الأول فما الظن بهذا الزمان؟!\nوقد أفتى متأخرو الحنفية بعدم حكم القاضي بعلمه لفساد الزمان (^٨).\nوقد استثنى الفقهاء ثلاث مسائل يجوز فيها للقاضي أن يحكم بعلمه:\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٩/ ٤٢٦)، \"المغني\" (١٤/ ٣١).\n(^٢) انظر: رسالة \"رفع الخصام في الحكم بعلم الحكام\" للشوكاني.\n(^٣) \"١٥/ ٤٨٦\".\n(^٤) \"بدائع الصنائع\" (٧/ ٦)، \"الاختيار\" (٢/ ٨٨).\n(^٥) \"الأعلام\" (١٠/ ٣١).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٣٨).\n(^٧) \"نيل الأوطار\" (١٥/ ٤٨٦).\n(^٨) انظر: التعليق على رسالة الشوكاني: \"رفع الخصام\" ص (٢٠).","vol":"9","page":434},{"text":"١ - عدالة الشهود أو جرحهم.\n٢ - ما علمه في مجلس الحكم فإنه يحكم به.\n٣ - ما استفاض واشتهر (^١).\n\n° الوجه التاسع: في الحديث دليل على مشروعية موعظة الخصمين وتحذيرهما من الكذب بأن يدعي الإنسان ما ليس له ويأتي ببينة كاذبة، وقد بوب البخاري على هذا الحديث -كما تقدم- بقوله: (باب موعظة الإمام الخصوم) (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الطرق الحكمية\" ص (٢٠٤)، \"الشرح الممتع\" (١٥/ ٣١٧).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٥٧).","vol":"9","page":435},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1191>ما جاء في نصرة الضعيف لأخذ الحق له</span>\n١٤٠٠/ ٩ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"كَيفَ تُقَدَّسُ أمّةٌ لَا يُؤخَذُ مِنْ شَدِيدِهِمْ لِضَعِيفِهِمْ\"، رَوَاهُ ابْنُ حِبّانَ.\n١٤٠١/ ١٠ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيدَةَ - ﵁ -، عِنْدَ الْبَزَّارِ.\n١٤٠٢/ ١١ - وآخَرُ مِنْ حَدِيثِ أَبي سَعِيدٍ - ﵁ -، عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ.\n\n* الكلام عليها من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث جابر - ﵁ - فقد رواه ابن حبان (١١/ ٤٤٥) من طريق الفضل بن العلاء، حدثنا ابن خُثيم، عن أبي الزبير، عن جابر - ﵁ - مرفوعًا.\nوهذا الحديث رجاله رجال الصحيح، إلا الفضل بن العلاء، روى له البخاري مقرونًا بغيره، وقال ابن معين: (لا بأس به)، وقال علي بن المديني: (ثقة) (^١)، وفيه عنعنة أبي الزبير، وهو موصوف بالتدليس.\nورواه ابن حبان -أيضًا- (١١/ ٤٤٣) من طريق مسلم بن خالد، عن ابن خثيم به.\nورواه ابن ماجه (٤٠١٠) من طريق يحيى بن مسلم، عن ابن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر .. فذكر الحديث بطوله وفيه: فقال رسول الله - ﷺ -: \"كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم\".\nوالحديث مداره على عبد الله بن خُثيم، وهو متكلم فيه، فقد قال النسائي: (ليس بالقوي في الحديث) ومرة قال: (ثقة) وقال ابن معين:\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٢٥٤).","vol":"9","page":436},{"text":"(أحاديثه ليست بالقوية)، ومرة قال: (ثقة)، وقال أبو حاتم: (ما به بأس صالح الحديث)، وقال ابن المديني: (منكر الحديث) (^١).\nوأما حديث بريدة - ﵁ - فقد رواه البزار في \"مسنده\" (١٠/ ٣٣٤)، والبيهقي (١٠/ ٩٤) من طريق منصور بن أبي الأسود، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ ٢٥٧)، والبيهقي (٦/ ٩٥) من طريق عمرو بن أبي قيس، والدارمي في \"نقضه على المريسي\" (١/ ٤١٩) من طريق خالد بن عبد الله، ثلاثتهم عن عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، وهو سليمان، عن أبيه قال: سأل رسول الله - ﷺ - جعفرًا - ﵁ - حين قدم من الحبشة: ما أعجبُ شيء رأيتَه؟ قال: رأيت امرأة تحمل على رأسها مِكْتَلًا من طعام، فمر فارس فركضه فأبدره (^٢)، فجلست تجمع طعامها، ثم التفت فقالت: ويل لك، إذا وضع المَلِكُ ﵎ كرسيه فأخذ للمظلوم من الظالم، فقال رسول الله - ﷺ - تصديقًا لقولها: \"لا قدست أمة، أو كيف تقدس أمة لا يأخذ ضعيفها حقه من شديدها وهو غير مُتَعْتَعٍ\" (^٣).\nقال البزار: (هذا الخبر لا نعلم رواه عن عطاء بن السائب إلا منصور بن أبي الأسود، ولا نعلم له عن بريدة طريقًا غير هذا الطريق)، وقال الحافظ: (ومنصور لا أدري سمع من عطاء قبل اختلاطه أو بعده فيحرر)، وعمرو بن أبي قيس صدوق له أوهام.\nوأما حديث أبي سعيد - ﵁ - فقد رواه ابن ماجه (٢٤٢٦) فقال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن عثمان أبو شيبة، ثنا ابن أبي عبيدة (أظنه قال) ثنا أبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - يتقاضاه دينًا كان عليه … وساق الحديث بطوله وفيه: فقال رسول الله - ﷺ -: \"أولئك خيار الناس؛ إنه لا قُدّستْ أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع\".\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (١٥/ ٢٧٩).\n(^٢) في بعض النسخ بالذال المعجمة، ومعناها: نثره وفَرَّقَه.\n(^٣) أي: من غير أن يصيبه أذى يقلقه ويزعجه.","vol":"9","page":437},{"text":"وابن أبي عبيدة هو محمد بن أبي عبيدة، ثقة (^١)، وأبوه عبد الملك بن معن أو أبو عبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ثقة أيضًا (^٢)، لكن ينظر في تفرد محمد بن أبي عبيدة عن أبيه؛ فإنه لا يحتمل، لأن له عن أبيه، عن الأعمش غرائب وإفرادات كما قال ابن عدي (^٣).\nوحديث الباب له شواهد، منها حديث ابن عباس - ﵄ - رواه الطبراني في \"الكبير\" (١١/ ١١٨) وحديث معاوية - ﵁ - عنده -أيضًا- (١٩/ ٣٨٥، ٣٨٧) (٢٠/ ٣١٣) وحديث عبد الله بن أبي سفيان - ﵁ - عند ابن قانع في \"معجم الصحابة\" (٢/ ١١٣).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (كيف تُقَدَّس أمة) ضُبط بضم التاء وفتح القاف وتشديد الدال مفتوحة مبنيًّا لما لم يسم فاعله، و(أمة) نائب فاعل، وضبطه بعضهم بفتح التاء وإسكان القاف وضم الدال مبنيًّا للمعلوم، مضارع قَدُسَ من باب كَرُمَ، فعلى الأول معناه: كيف تُطَهَّرُ أمة وتنزه من الذنوب لا يُنتصف لضعيفها من قويها.\nوعلى الثاني معناه: كيف تَطْهُرُ أمة من الذنوب وتصير مباركة طيبة (^٤).\n\nقوله: (من شديدهم) أي: من قويهم إذا ظلم، يقال: شَدَّ الشيء يَشِدُّ من باب ضرب، شدًا: قوي، فهو شديدٌ (^٥).\n\n* الوجه الثالث: في هذه الأحاديث دليل على أنه يجب أن يؤخذ من القوي للضعيف الذي لا يستطيع أن يقدم حجته أو أن يبلغها بل يُغلب، وعلى الأمة وعلى أعيانها وأمرائها وعلمائها وقضاتها أن ينصفوا الضعيف وألا يدعوا الشديد يعتدي عليه أو يغلبه.\nوقد جاء في معنى هذه الأحاديث حديث أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا\" (^٦). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (٢٦/ ٧٥).\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (١٨/ ٤١٧).\n(^٣) \"الكامل\" (٦/ ٢٣٤).\n(^٤) انظر: \"إتحاف الكرام\" ص (٤٣٥).\n(^٥) \"المصباح المنير\" ص (٣٠٧).\n(^٦) رواه البخاري (٢٤٤٣).","vol":"9","page":438},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1192>عظم شأن القضاء</span>\n١٤٠٣/ ١٢ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵄ - قَالتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"يُدْعَى بِالْقَاضِي الْعَادِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ مَا يَتَمَنَّى أنّهُ لَمْ يَقْضِ بَينَ اثْنَينِ في عُمُرِهِ\". رَوَاهُ ابْنُ حِبّانَ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيهَقيُّ، ولَفْظُهُ: \"في تَمْرةٍ\".\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه ابن حبان (١١/ ٤٣٩) في كتاب \"القضاء\"، باب (ذكر الإخبار عن وصف مناقشةِ الله في القيامة الحاكمَ العادلَ إذا كان في الدنيا) من طريق عمرو (^١) بن العلاء اليشكري، عن صالح بن سَرْج (^٢)، عن عمران بن حطان، عن عائشة - ﵂ - مرفوعًا.\nوهذا سند ضعيف، صالح بن سرج ذكره البخاري في \"تاريخه\" (^٣)، وابن أبي حاتم (^٤) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره العقيلي، ورَوَى عن عبد الله بن أحمد قال: سمعت أبي يقول: (صالح بن سرج كان من الخوارج) (^٥) وذكره الذهبي في \"الضعفاء\" وقال: (مجهول)، وذكره ابن حبان\n_________\n(^١) في بعض المصادر كـ\"مسند الطيالسي\" (٣/ ١٣٢)، و\"سنن البيهقي\" (١٠/ ٩٦) عمر بن العلاء بدون واو، واستشكلها البيهقي، ورجح الحافظ الأول. وانظر: \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٥١).\n(^٢) في بعض المصادر بالحاء المهملة، وفي \"توضيح المشتبه\" (٥/ ٧٥) بالجيم المعجمة.\n(^٣) (٤/ ٢٨٢).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٤٠٥).\n(^٥) \"الضعفاء\" (٢/ ٢٠٤)، \"الميزان\" (٢/ ٢٩٥).","vol":"9","page":439},{"text":"في \"الثقات\" (^١).\nوعمرو بن العلاء روى عنه جمع، وذكره البخاري في \"تاريخه\" (^٢)، وابن أبي حاتم (^٣) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٤) ولم يذكر فيه توثيقًا، فهو مجهول الحال.\nوعمران بن حطان أخرج له البخاري في المتابعات (^٥)، وهو صدوق، وقال \"العقيلي: (لا يتابع على حديثه، وكان يرى رأي الخوارج، ولا يتبين سماعه من عائشة - ﵂ -) (^٦)، وتبعه على هذا ابن عبد البر (^٧)، ولما نقل الحافظ ابن حجر في \"المقدمة\" كلام العقيلي أشار إلى ثبوت سماعه منها في \"الصحيح\" (^٨) وقد وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٩).\nوقد رواه أحمد (٤١/ ١٠ - ١١) بهذا الإسناد أن عمران بن حطان قال: دخلت على عائشة فذاكرتها حتى ذكرنا القاضي … الحديث.\nولَمَّا رواه الطبراني في \"الأوسط\" (٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥) قال: (لا يروى هذا الحديث عن عائشة إلا بهذا الإسناد، تفرد به عمرو بن العلاء).\nوالحافظ سكت عن الحديث، وكأنه يرى أنه صالح للاستدلال.\nوقد رواه أحمد (٤١/ ١١)، والبيهقي (١٠/ ٩٦) بهذا الإسناد، ولفظه: \"ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط\"، ولما أورد المنذري لفظ ابن حبان وأحمد قال: (كذا في أصلٍ من المسند، والصحيح: تَمْرةٍ وعُمُرِهِ، وهما متقاربان في الخط، ولعل أحدهما تصحيف، والله أعلم) (^١٠).\n\n° الوجه الثاني: هذا الحديث -لو صحَّ- يفيد خطر القضاء وعظم أمره،\n_________\n(^١) \"ديوان الضعفاء\" ص (١٩١)، \"الثقات\" (٦/ ٤٦٠).\n(^٢) (٦/ ٣٦٠).\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٥١).\n(^٤) (٨/ ٤٧٨).\n(^٥) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٨٥).\n(^٦) \"الضعفاء\" (٣/ ٢٩٧).\n(^٧) \"تحفة التحصيل\" ص (٢٤٩).\n(^٨) انظر: \"هدي الساري\" ص (٤٣٢).\n(^٩) انظر: \"تاريخ الثقات\" ص (٣٧٣)، \"الثقات\" (٥/ ٢٢٢)، \"تهذيب الكمال\" (٢٢/ ٣٢٢).\n(^١٠) \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ١٥٧).","vol":"9","page":440},{"text":"وشدة حساب القضاة يوم القيامة، وإذا كان هذا في القاضي العادل فكيف بقضاة الجور والجهالة؟! وعلى القاضي الذي يريد النجاة ما يلي:\n١ - أن يستعين بالله تعالى وأن ينبعث من قلبه شعور صحيح بالافتقار إلى الله تعالى أن يلهمه الصواب، ويدله على الحق، ويعينه على تنفيذه.\n٢ - أن يحتاط لنفسه ببذل الجهد والطاقة في استنباط الحكم الشرعي وتطبيقه على القضية بعد تصورها وتفهمها.\n٣ - أن يكون جلساؤه ومستشاروه من أهل العلم والحق والإنصاف.\n٤ - أن يبتعد عن قرناء السوء من الكُتاب والأعوان وأصحاب القلوب المريضة والنفوس الدنيئة الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة.\nوهذا الحديث من ضمن الأحاديث الواردة في عظم شأن القضاء، مع أنه ورد أحاديث في فضل القضاء بعضها تقدم، فإما أن يقال بترجيح الأحاديث الواردة في فضل القضاء؛ لكونها أصح، أو يقال بالجمع، فتكون أحاديث التحذير محمولة على من طلب القضاء ولم يف بحقه، إما لأنه لا علم له بالحق، أو أنه لا يقدر على الصدع به، وتنفيذ ما قضى به.\nوأما أحاديث الترغيب فهي لمن وليه بلا طلب، وسلك فيه مسلك الخوف والرجاء، فبذل جهده في معرفة الحق وفي تنفيذه ولم تأخذه في الله لومة لائم. والله تعالى أعلم.","vol":"9","page":441},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1193>ما جاء في أن المرأة لا تتولى القضاء</span>\n١٤٠٤/ ١٣ - عَنْ أَبي بَكرَةَ - ﵁ - عَنِ النبِي - ﷺ - قال: \"لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأةً\"، رَوَاهُ الْبُخَارِي.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"المغازي\"، باب (كتاب النبي - ﷺ - إلى كسرى وقيصر) (٤٤٥٢) من طريق عوف، عن الحسن، عن أبي بكرة - ﵁ - قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله - ﷺ - أيام الجمل (^١) بعد ما كدت أن ألحق باصحاب الجمل فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله - ﷺ - أن أهل فارس ملكوا عليهم بنت كسرى قال: \"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة\".\nوهذا فيه بيان سبب الحديث.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لن يفلح) الفلاح: اسم جامع لكل مطلوب محبوب وسلامة من كل مكروه.\n\nقوله: (قوم) نكرة في سياق النفي، فيعم كل قوم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والمراد بالقوم هنا: الرجال، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١]، وقال الشاعر:\n_________\n(^١) الظرف متعلق بـ (نفعني) لا بـ (سمعتها) كما هو ظاهر السياق؛ لأنه سمع ذلك قبل أيام الجمل قطعًا، ففيه تقديم وتأخير؛ أي: نفعني الله أيام الجمل بكلمة سمعتها من رسول الله - ﷺ -. \"فتح الباري\" (٨/ ١٢٨).","vol":"9","page":442},{"text":"وما أدري وسوف إِخَالُ أدري … أقوم آلُ حِصْنٍ أم نساءُ\n\nقوله: (أمرهم) أي: الأمر الذي يعنيهم ويهمهم وهو أمرهم العام، أما الأمور الخاصة كولاية وقف أو يتامى أو إدارة مدرسة ونحو ذلك فلا بأس، وقد جعل عمر - ﵁ - وقفه إلى بنته حفصة - ﵂ - (^١).\n\nقوله: (امرأة) بالنصب مفعول (ولوا) وفي رواية للترمذي والنسائي من طريق حميد الطويل، عن الحسن: (وَليَ أمرَهم امرأةٌ) وهو فاعل.\n\n° الوجه الثالث: الحديث يدل على أن المرأة لا تتولى القضاء، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، ويؤيد ذلك أمران:\nالأول: أن القاضي لا بد أن يبرز للناس ويحضر محافل الرجال، والمرأة ليست كذلك، بل ربما كان كلامها فتنة وحضورها فتنة، ثم إن مجلس القضاء يحضره أصناف الرجال من حميد الأخلاق وقبيحها، وهذا أمر لا يناسب المرأة أن تراه.\nالثاني: أن القضاء من كمال الولايات يُحتاج فيه إلى تمام العقل وكمال الرأي، والمرأة ليست كذلك فهي قليلة الرأي ناقصة العقل، ومواجهةُ مشكلات القضاء ومعضلاته تحتاج إلى رباطة جأشٍ وثبوت قدم، والمرأة بمقتضى خلقتها وتكوينها مطبوعة على غرائز تناسب المهمة التي خلقت لها بعد عبادة ربها، وهي مهمة الأمومة وحضانة النشء وتربية الأجيال، ولها من الأعمال ما يتفق مع أنوثتها ورقة عاطفتها، ثم هي يعرض لها عوارض تتكرر عليها في الأشهر والأعوام من شأنها أن تضعف قوتها وتوهن عزيمتها، وهذا أمر لا يجادل فيه إلا مكابر معاند.\nولهذا لم يولِّ النبي - ﷺ - أحد من خلفائه ولا من بعدهم امرأة قضاء، ولا ولاية بلد، ولو جاز ذلك لم يخل منه الزمان غالبًا.\nوالقول الثاني: أنه يجوز أن تتولى المرأة القضاء في جميع الخصومات،\n_________\n(^١) تقدم هذا في باب الوقف.","vol":"9","page":443},{"text":"ونسب هذا القول إلى ابن جرير الطبري (^١)؛ لأن المرأة يجوز أن تكون مفتية، فيجوز أن تكون قاضية بالأولى؛ لأن المفتي يبين الحكم الشرعي بناءً على اجتهاده، والقاضي يبين ذلك ويلزم به بسلطة الدولة.\nوالقول الثالث: أنه يجوز أن تتولى المرأة القضاء فيما تقبل شهادتها فيه، وهي الأموال، دون الحدود والقصاص؛ لأنها لا تقبل شهادتها فيها، وهذا قول الحنفية، وابن حزم (^٢)، جاء في \"الهداية\": (ويجوز قضاء المرأة في كل شيء إلا الحدود والقصاص) (^٣)، فهم يديرون القضاء مع الشهادة.\nواستدلوا بأن المرأة ليست بحاكم، وإنما هي قاضٍ منفذٌ ومخبر عن الحكم الشرعي كالإفتاء والشهادة، وحديث الباب إنما هو في الولاية وهي الحكم لا في القضاء؛ ولأن القاضي أجير وعامل كبقية موظفي الدولة، والأجير يجوز أن يكون رجلًا وأن يكون امرأة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].\nكما استدلوا بأن عمر - ﵁ - استعمل امرأة، وهي الشفاء أم سليمان بن أبي حثمة على حِسْبَةِ السوق (^٤).\nوالصواب القول الأول لقوة مأخذه، فإن النبي - ﷺ - لم يقصد بهذا الحديث مجرد الإخبار عن عدم فلاح من يولون امرأة، وإنما أراد به نهي أمته عن مجاراة الفرس في إسناد شيء من الأمور العامة إلى المرأة.\nوأما ما نسب إلى ابن جرير الطبري فقد أجيب عنه بما يلي:\n١ - أنه لم يثبت عنه كما حكاه ابن العربي (^٥).\n_________\n(^١) \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٣/ ١٤٤٥)، \"فتح الباري\" (٨/ ١٢٨).\n(^٢) \"المحلى\" (٩/ ٤٢٩).\n(^٣) (٣/ ١٠٧).\n(^٤) رواه ابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٣١٧٩) من طريق دُحيم، عن رجل سماه، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب أن عمر - ﵁ -. وهو أثر ضعيف مسلسل بالعلل، وذكر هذا ابن حزم في \"المحلى\" (٩/ ٤٢٩)، وابن عبد البر في \"الاستيعاب\" (١٣/ ٥٦) وقد ورد عند ابن عساكر أن عمر استعمل واحدًا من أهلها.\n(^٥) \"أحكام القرآن\" (٣/ ١٤٤٥).","vol":"9","page":444},{"text":"٢ - أنه لا يُدرى في أي كتاب من كتبه، ولم يعزه أحد إلى مصدر معين.\n٣ - على فرض أنه قاله فهي زلة منه خالف فيها أدلة الشرع ومذهب جمهور الأمة، ولا يحل لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج على زلة عالم، فقد نهينا عن ذلك.\nقال الماوردي: (وشذ ابن جرير الطبري فجوز قضاءها في جميع الأحكام، ولا اعتبار بقول يرده الإجماع مع قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤]؛ يعني: في العقل والرأي) (^١).\nوقياس القضاء على الإفتاء قياس مع الفارق لأمرين:\nالأول: أن الإفتاء لا إلزام فيه بخلاف القضاء، كما تقدم أول \"القضاء\".\nالثاني: أن القضاء ولاية، فهو من باب الولايات، بخلاف الإفتاء فإنه ليس كذلك (^٢).\nوأما قول أبي حنيفة فقد ذكر الشيخ بكر أبو زيد ﵀ أن أصل التولية عند أبي حنيفة على المنع؛ لكن المراد بذلك أن الإمام إذا ولاها أَثِمَ ونفذ قضاؤها (^٣).\nوالقول بالجواز قول ضعيف؛ لأن قياس القضاء على الشهادة قياس مع الفارق؛ لأن أهلية القضاء وشروطه ليست كأهلية الشهادة وشروطها، وإلا يلزم من ذلك صحة تولية العامي الجاهلِ القضاءَ ما دامت شهادته مقبولة. وحَمْل الحديث على الولاية العامة -كما يقول ابن حزم- فيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأما ما روي عن عمر - ﵁ - فهو أثر ضعيف مسلسل بالعلل، كما تقدم، ولذا قال عنه ابن العربي: (لم يصح فلا تلتفتوا إليه، فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث) (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الأحكام السلطانية\" ص (٨٣).\n(^٢) \"أحكام ولاية القضاء\" ص (٣٩).\n(^٣) انظر: \"التعالم وأثره على الفكر والكتاب\" ص (١٠٢).\n(^٤) \"أحكام القرآن\" (٣/ ١٤٤٥).","vol":"9","page":445},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1194>نهي القاضي أن يتخذ حاجبًا يمنع الناس عنه</span>\n١٤٠٥/ ١٤ - عَنْ أَبي مَرْيَمَ الأزدِيِّ - ﵁ - عَنِ النَّبِي - ﷺ - قَال: \"مَنْ وَلَاهُ الله شَيئًا مِنْ أَمْرِ المُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللهُ دُونَ حَاجَتِهِ\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهو أبو مريم الأزدي، ويقال: الأسدي، واسمه: عمرو بن مرة الجهني، وبهذا جزم البخاري في \"تاريخه\"، ونقل عنه الترمذي في \"العلل\" أنه قال: (أبو مريم هذا هو عمرو بن مرة الجهني، وحديثه في الشاميين)، وتبعه أبو حاتم، والترمذي، والبزار، والبغوي، وابن عبد البر، وابن الأثير وآخرون، قال ابن عبد البر: (كان إسلامه قديمًا، وشهد مع رسول الله - ﷺ - أكثر المشاهد، ومات في خلافة معاوية). وقال آخرون: إنهما شخصان، ومنهم الحاكم فقد جعل حديث عمرو بن مرة شاهدًا لحديث أبي مريم الأزدي، وهو الظاهر من صنيع الإمام أحمد في \"مسنده\"، ومنهم الذهبي في \"تجريد أسماء الصحابة\". وتبعهم الحافظ ابن حجر، وعلل لذلك بأن سند الحديثين مختلف، وكذا سياق المتن (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الخراج والإمارة والفيء\"، بابٌ\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٣٠٨)، \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٥٧)، \"العلل الكبير\" (١/ ٥٣٧)، \"الاستيعاب\" (٩/ ٤)، \"أسد الغابة\" (٤/ ٢٦٩) (٦/ ٢٨٤)، \"تجريد أسماء الصحابة\" (١ / رقم ٤٥١٢)، \"الإصابة\" (٢/ ١٨).","vol":"9","page":446},{"text":"(فيما يلزم الإمام من أمر الرعية) (٢٩٤٨)، والترمذي (١٣٣٣) من طريق يحيى بن حمزة، عن يزيد بن أبي مريم أن القاسم بن مُخَيمِرَةَ أخبره أن أبا مريم الأزدي أخبره، قال: دخلت على معاوية، فقال: ما أنعمنا بك أبا فلان (^١) -وهي كلمة تقولها العرب- فقلت: حديثًا سمعته أخبرك به، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من ولاه الله ﷿ شيئًا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله عنه دون حاجته وخلته وفقره\" قال: فجعل رجلًا على حوائج الناس.\nوهذا لفظ أبي داود، وأما الترمذي فإنه لم يسق لفظه، وإنما أحال على حديث قبله بمعناه، كما سيأتي، والظاهر أن الحافظ ساق حديث الباب بمعناه.\nوهذا الحديث رجاله ثقات، وقد سكت عنه الحافظ هنا، وقال في \"فتح الباري\": (إسناده جيد) (^٢).\nورواه الترمذي (١٣٣٢)، وأحمد (٢٩/ ٥٦٥)، والحاكم (٤/ ٩٤) من طريق علي بن الحكم قال: حدثني أبو حسن أن عمرو بن مرة قال لمعاوية: يا معاوية إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخَلّة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته\" فجعل معاوية رجلًا على الناس.\nوهذا سند ضعيف، أبو حسن هو الجزري، تفرد بالرواية عنه علي بن الحكم، فهو مجهول، كما قال الذهبي في \"الميزان\" (^٣)، قال الترمذي: (حديث عمرو بن مرة حديث غريب، وقد روي من غير هذا الوجه، وعمرو بن مرة الجهني يكنى أبا مريم)، وقال ابن المديني عن الجزري: (روى عن عمرو بن مرة، وعنه علي بن الحكم مجهول، ولا أدري أسمع من عمرو بن مرة أم لا؟) (^٤).\n_________\n(^١) صيغة تعجب، والمقصود إظهار الفرح والسرور بقدومه.\n(^٢) (١٣/ ١٣٣).\n(^٣) (٤/ ٥١٥).\n(^٤) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٧٧).","vol":"9","page":447},{"text":"وله شاهد من حديث معاذ بن جبل - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من ولي من أمر الناس شيئًا فاحتجب عن أولي الضّعْفَة والحاجة احتجب الله عنه يوم القيامة\".\nرواه أحمد (٣٦/ ٣٩٤) بإسناد قال عنه المنذري: (جيد) (^١)، مع أن فيه شريكًا القاضي، وهو سيء الحفظ، وقال أبو حاتم: (هذا حديث منكر) (^٢).\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من ولاه الله شيئًا) هذه نكرة في سياق الشرط، فتعم كل ولاية صغيرة كانت أم كبيرة، فيدخل في ذلك الولاية الكبرى وما دونها من إمارات المدن والقضاء وسائر الوظائف.\n\nقوله: (فاحتجب) إما أن المراد به منع أرباب الحاجات من الوصول إليه فيعسر عليهم رفع حوائجهم أو إنهاؤها، أو أن المراد: امتنع من الخروج إليهم.\n\nقوله: (عن حاجتهم وفَقْرِهِمْ) الحاجة: ما يهتم به الإنسان وإن لم تبلغ حد الضرورة بحيث لو لم تحصل لاختل أمره. والفقر: هو الاضطرار، وقيل: هما متقاربان، والتكرار للتوكيد.\n\nوقوله: (وفَقْرِهِمْ) هكذا في المخطوطة (^٣)، وهو الموافق لما في \"سنن أبي داود\"، وفي بعض نسخ\"البلوغ\" (وفقيرهم).\n\nقوله: (احتجب الله دون حاجته) أي: عامله بمثل فعله يوم القيامة؛ لأن الجزاء من جنس العمل، وإذا احتجب الله دون حاجته منعه فضله وعطاءه ورحمته.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على عظم الأمانة والمسؤولية الملقاة على من تولى للمسلمين أمرًا صغيرًا كان أم كبيرًا؛ لأن الولاية تكليف قبل أن تكون تشريفًا، ويؤيد هذا عمومات الشريعة في عظم الأمانة والقيام على مصالح المسلمين.\n_________\n(^١) الترغيب والترهيب\" (٣/ ١٧٨).\n(^٢) سبق ذكرها عند الحديث (٩٥٦).\n(^٣) \"العلل\" (٢٧٤٣).","vol":"9","page":448},{"text":"° الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه يجب على من ولي أمرًا من أمور المسلمين أن يبرز إليهم ولا يحتجب عنهم، بل يقابلهم ويسمع ما عندهم، ليقضي ما يتعين عليه قضاؤه، ويوجه إلى ما يحتاجون إليه.\nقال الحافظ ابن حجر: (في هذا الحديث وعيد شديد لمن كان حاكمًا بين الناس فاحتجب عنهم بغير عذر؛ لما في ذلك من تأخير الحقوق أو تضييعها) (^١).\n\n° الوجه السادس: استدل الفقهاء ومنهم الإمام الشافعي بهذا الحديث على أنه لا ينبغي للقاضي أن يتخذ حاجبًا (^٢).\nوذهب آخرون إلى أنه ينبغي للقاضي أن يتخذ حاجبًا يدخل الخصوم إلى القاضي بالترتيب كل خصمين على حدة حسب المواعيد التي أعطيت لهم، وهذا أمر لازم ولا سيما في زماننا هذا، لما في ذلك من المصالح، ومنها: لئلا يتدافع الخصوم إلى مجلس القضاء فيحصل الاضطراب، ومنها: حصول الهدوء والسكينة في مجلس القاضي، وهذا له أثر في التثبت والاستماع لحجة كل واحد من الخصمين.\nومنها: عدم إطلاع الناس على أسرار موضوع النزاع بين المتخاصمين؛ لئلا تذاع الأسرار لو دخل الناس دفعة واحدة.\nوأجابوا عن الحديث بأن المراد به الاحتجاب الذي يؤدي إلى تأخير القضاةِ النظرَ في حاجات الناس وفَضّ الخصومات بينهم (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٣٣).\n(^٢) \"الأم\" (٤٩٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٣٣)، \"نيل الأوطار\" (١٥/ ٤٤٢)، \"أحكام ولاية القضاء\" ص (١١٥).","vol":"9","page":449},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1195>ما جاء في تحريم الرشوة في الحكم</span>\n١٤٠٦/ ١٥ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: \"لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ في الْحُكْمِ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، والأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ الترْمِذِي، وَصحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ.\n١٤٠٧/ ١٦ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو -﵄-، عِنْدَ الأَرْبَعَةِ إلَّا النَّسَائي.\n\n* الكلام عليهما من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فقد رواه أحمد (١٥/ ٨)، والترمذي في أبواب \"الأحكام\"، باب (ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم) (١٣٣٦)، وابن حبان (١١/ ٤٦٧) من طريق عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nوقد اختلفت نسخ الترمذي في الحكم على هذا الحديث، ففي طبعة محمد فؤاد عبد الباقي (٣/ ٦٢٢) التي أكمل بها تحقيق أحمد شاكر: (حديث حسن صحيح)، وأما المطبوع مع \"تحفة الأحوذي\" (^١) ففيه: (حديث حسن) وكذا في طبعة الرسالة (٣/ ١٧٣) وهو المثبت في \"تحفة الأشراف\" (١٠/ ٤٦٩)، وهو الذي ذكر الحافظ هنا.\nوالحديث في إسناده عمر بن أبي سلمة، وقد ضعفه غير واحد من قبل\n_________\n(^١) (٤/ ٥٦٦).","vol":"9","page":450},{"text":"حفظه، قال أبو حاتم: (هو عندي صالح صدوق في الأصل، ليس بذاك القوي، يكتب حديثه، ولا يحتج به)، وقال العجلي: (لا بأس به)، وقال الجوزجاني: (ليس بقوي في الحديث) (^١)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق يخطئ).\nوقول الحافظ: (رواه أحمد والأربعة) وهم منه، فإنه لم يخرج الحديث من الخمسة إلا الترمذي وأحمد.\nوأما حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - فقد تقدم تخريجه في باب (الربا) من كتاب \"البيوع\" (٨٤٤)، وهو حديث صحيح، رواه أبو داود (٣٥٨٠)، والترمذي (١٣٣٧)، وابن ماجه (٢٣١٣)، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، ونقل عن الدارمي أنه قال: (حديث أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - أحسن شيء في هذا الباب وأصح).\nولعل الحافظ ذكر حديث أبي هريرة - ﵁ - ثم جعل هذا شاهدًا له؛ لأن في حديث أبي هريرة زيادة لفظة: (في الحكم) وهي مناسبة لكتاب القضاء، كما سيأتي.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي) تقدم شرح هذا في كتاب \"البيوع\" وأن الرشوة: ما يدفع من مال ونحوه كمنفعة، ليتوصل به إلى ما لا يحل.\nفالرشوة قد تكون مالًا، وهذا هو الغالب، وقد تكون منفعة يُمَكنهُ منها أو يقضيها له.\n\nقوله: (في الحكم) هذا تنصيص على بعض أفراد العام، وهو لا يقتضي تخصيص الرشوة بذلك، بل تحريمها عام في الحكم وغيره، لكن تخصيص الرشوة بالحكم أعظم؛ لأن فيه تبديلًا لحكم الشرع بخلاف غيره.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٤٠١).","vol":"9","page":451},{"text":"والرشوة في الحكم: أن يُعْطَى القاضي ما يكون له أثر في تغيير الحكم أو تخفيفه واعتباره في صالح الراشي.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الرشوة وأنها من كبائر الذنوب؛ لأن النبي - ﷺ - قد توعد أكلة الرشوة والمتعاملين بها بالطرد والإبعاد عن رحمة الله، وقد مضى في \"البيوع\" الكلام على ذلك.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الرشوة في الحكم وأنها من كبائر الذنوب، وقد تقدم في \"البيوع\" ذكر شيء من مفاسدها، وإذا كانت الرشوة حرامًا مطلقًا لا يجوز قبولها، فإنها في باب القضاء والحكم أشد تحريمًا، لما يترتب عليها من تضييع الحقوق على أهلها، وأكل أموال الناس بالباطل، وتغيير حكم الله تعالى؛ لأن المرتشي سيحكم بما يرضي دافع الرشوة من إثبات باطل أو نفي حق، فانتشار الرشوة بين القضاة يفضي -ولابدَّ- إلى تعطيل الأحكام الشرعية، والمحاباة فيها، وضياع الأمانات.\nوالرشوة في الحكم قد تكون في طريق الحكم وذلك بتلقين الحجة للراشي أو تقوية حجته أو إضعاف حجة الآخر، وقد تكون في الحكم نفسه بأن يحكم للراشي ما هو من حق الطرف الآخر، وقد تكون في تنفيذ الحكم، فيعمل على إضعافه وعدم العناية بتنفيذه أو تخفيفه.\nوهذا يوجب فسق الحاكم وعدم نفوذ حكمه؛ لأنه أَكَلَ السحت، وغَيّرَ حكم الله تعالى، كما تقدم.\nفإن أعطى القاضي شيئًا ليقضي له بحقه لم يحل له الأخذ وصار هذا سببًا في فسقه؛ لأن القضاء واجب عليه فما أخذه في مقابلة أمر أوجبه الله عليه وهو يأخذ على ذلك رزقًا من بيت المال، فما أخذه فهو حرام عليه وحرام على المعطي؛ لأنه سبب في إفساد الحاكم وتأثيمه، وهذا اختيار الشوكاني (^١).\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (١٥/ ٤٣٨).","vol":"9","page":452},{"text":"والقول الثاني: أنها حرام على الحاكم دون المعطي؛ لأنها لاستيفاء حقه، فهي كَجُعْلِ الآبق وأجرة الوكالة في الخصومة، وهذا قول الجمهور، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذا هو المنقول عن السلف والأئمة الأكابر) (^١).\nوإن رشاه ليحكم له بغير حقه فقد أكل السحت، وغير شرع الله تعالى، فيكون أقبح مما قبله؛ لأنه مدفوع في مقابلة أمر محظور.\n\n° الوجه الخامس: ذكر العلماء أن ما يأخذه القضاة من الأموال أربعة أقسام (^٢):\nالأول: الرشوة، وقد مضى حكمها.\nالثاني: الهدية: والفرق بينها وبين الرشوة أنهما يشتبهان في الصورة، ويفترقان في القصد، فإن الراشي قصد بالرشوة التوصل إلى ما لا يحل، كما تقدم، وأما المهدي فقصده ايستجلاب المودة، فإن قصد المكافأة فهو معاوض، وإن قصد الربح فهو مستكثر (^٣).\nوأما حكم الهدية للقاضي ففيها تفصيل:\nفإن كان للمهدي خصومة لم يجز للقاضي أن يقبلها منه مطلقًا، سواء أكان يهاديه قبل القضاء أم لا؛ لأن الهدية يقصد بها استمالة قلب القاضي، ليعتني به في الحكم، فتشبه الرشوة، وتأخذ حكمها إن أهدى إليه ليحكم له بغير حقه (^٤).\nوإن لم يكن له خصومة فإن كان لا يهاديه قبل ولايته القضاء فإنه لا يقبلها، لأن قبولها ممن لم تجر عادته بمهاداته ذريعة إلى قضاء حاجته والعناية به، فيقوم عنده شهوة لقضاء حاجته (^٥).\n_________\n(^١) \"الفتاوى\" (٣١/ ٢٨٧).\n(^٢) \"بدائع الفوائد\" (٣/ ١٠٧٩).\n(^٣) \"الروح\" لابن القيم ص (٣٢٤).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٣١/ ٢٨٦)، \"سبل السلام\" (٤/ ٢٥٠).\n(^٥) \"نيل الأوطار\" (١٥/ ٤٤١).","vol":"9","page":453},{"text":"واستثنى بعض العلماء ما إذا كان المهدي قريبًا للقاضي وكان من ذي الرحم المحرم، فإن للقاضي أن يقبل هديته ولو لم يكن يهدي إليه قبل القضاء، لعدم التهمة (^١).\nوإن كان مما يهاديه قبل القضاء لم تحرم استدامتها؛ لأنها لم تكن من أجل الولاية، لوجود سببها قبل الولاية، قال بعض العلماء: إلا إذا كانت هديته بعد القضاء أكثر، فإنه يرد الزيادة؛ لأنه إنما زاد لأجل القضاء ليميل إليه إن وقعت خصومة، والأحوط عدم قبولها مطلقًا، قال القاضي أبو يعلى: (يستحب له التنزه عنها) (^٢).\nقال علاء الدين الطرابلسي المتوفى سنة (١٠٣٢ هـ): (والأصوب في زماننا عدم القبول مطلقًا؛ لأن الهدية تورث إذلال المهدي وإغضاء المهدي إليه، وفي ذلك ضرر القاضي، ودخول الفساد عليه) (^٣).\nوذلك لأن للإحسان تأثيرًا في طبع الإنسان، والقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها.\nالقسم الثالث مما يأخذه القضاة: الأجرة: وهي ما يأخذه القاضي من الخصوم، فإن كان له رَزْقٌ من بيت المال حرمت الأجرة بالاتفاق؛ لأنه إنما أجري له الرزق لأجل الاشتغال بالحكم، فلا وجه للأجرة.\nوإن لم يكن له رزق من بيت المال جاز له أخذ الأجرة.\nالرابع- الرزق: وهو بالكسر، المال الذي يصرف للقاضي من بيت المال كل شهر (^٤)، وهو ما يعرف الآن بالراتب، وهذا أمر قد قررته الشريعة الإسلامية، ونص عليه جميع الفقهاء، وقد ورد في السنة ما يدل على أن الرسول - ﷺ - أول من سَنَّ رزق القضاة، لكنه لم يكن بشكل منظمٍ شهريًّا، وإنما حسب الأحوال، وقد نقل ابن الجوزي في \"تاريخ عمر بن الخطاب - ﵁ - \"عن\n_________\n(^١) \"نظام القضاء في الإسلام\" ص (١١٦).\n(^٢) \"المغني\" (١٤/ ٥٩).\n(^٣) \"معين الحكام\" ص (٢٠٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٥٠).","vol":"9","page":454},{"text":"الحسن أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يرزقان المؤذنين والأئمة والمعلمين والقضاة (^١).\nوذلك لأن القاضي عامل، فله في بيت المال ما يكفيه ويكفي عياله؛ لئلا يتعرض لما في أيدي الناس، أو يشتغل بأعمال لا تتفق ومنصب القضاء كالتجارة أو غيرها من المهن. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تاريخ عمر بن الخطاب - ﵁ -\" ص (١٢٥)، والحسن لم يدرك عمر، ولم يسمع من عثمان - ﵄ -. انظر: \"المراسيل\" لابن أبي حاتم ص (٣١).","vol":"9","page":455},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1196>ما جاء في جلوس الخصمين بين يدي الحاكم</span>\n١٤٠٨/ ١٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزبَيرِ - ﵄ - قَال: قَضَى رَسُولُ اللهِ أنَّ الْخَصْمَينِ يَقْعُدَانِ بَينَ يَدَي الْحَاكِم. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الأقضية\"، باب (كيف يجلس الخصمان بين يدي القاضي) (٣٥٨٨)، والحاكم (٤/ ٩٤) من طريق مصعب بن ثابت، عن عبد الله بن الزبير - ﵄ - قال: … فذكره.\nوهذا سند ضعيف؛ لأن فيه مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، وهو ضعيف متفق على ضعفه، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: (أُراه ضعيف الحديث، لم أر الناس يحمدون حديثه)، وقال أبو حاتم: (صدوق، كثير الغلط، ليس بالقوي) (^١).\n\n° الوجه الثاني: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على أن السنة أن يجلس الخصمان بين يدي القاضي، وحديث الباب وإن كان ضعيفًا، لكن المعنى يقتضي ذلك؛ لأن جلوس الخصمين أمام القاضي هو من باب العدل بينهما؛ لأنهما لو لم يجلسا على هذه الصفة لجلس واحد عن يمينه والآخر عن شماله، وهذا فيه ما فيه؛ ولأن جلوسهما على هذه الصفة أمكن للقاضي في العدل بينهما في لحظه ولفظه، قال ابن رشد: (أجمعوا على أنه واجب على\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" للإمام أحمد (٢/ ٤٨٨)، \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٣٠٤)، \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٤٤).","vol":"9","page":456},{"text":"القاضي أن يسوي بين الخصمين في المجلس، وألا يسمع من أحدهما دون الآخر …) (^١).\nوقد نص الفقهاء على أنه يجب على القاضي أن يعدل بين الخصمين في مجلسه وفي الدخول عليه، ولا يجوز له أن يرفع أحد الخصمين عن الآخر، أو يقبل عليه، أو يقوم له دون خصمه، أو يشاوره؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى انكسار قلب الآخر وضعفه عن القيام بحجته.\nفإن ترافع إليه مسلم وكافر رفع مجلس المسلم على مجلس الكافر.\nوالقول الثاني: أنه لا فرق بين مجلس المسلم ومجلس الكافر، بل يراعي العدل وسلوك ما يوصل إلى استظهار الحقوق، وقد يكون في تقديم المسلم على الكافر كسر لقلب الكافر فيتلعثم عن ذكر حجته، ويكون ذلك مفضيًا إلى عدم تبين الحجة، وهذا هو الصواب (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٥٣).\n(^٢) \"الشرح الكبير مع الإنصاف\" (٢٨/ ٣٤١)، \"تعليق الشيخ محمد بن عثيمين على الروض المربع\" ص (٧٠٧).","vol":"9","page":457},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1197>باب الشهادات</span>\nالشهادات: جمع شهادة، وهي مصدر شهد يشهد شهادة، وإنما جمع المصدر لإرادة الأنواع (^١)؛ لأن الشهادة قد تكون على الأموال أو الحدود أو الرضاع، وغير ذلك، ولها في اللغة معانٍ منها: الحضور، والخبر، والاطلاع على شيء، قال ابن فارس: (الشهادة: الإخبار بما قد شوهد) (^٢)، وقال الجوهري: (الشهادة: خبر قاطع) (^٣)، سميت بذلك من المشاهدة؛ لأن الشاهد يخبر عما شاهده.\nواصطلاحًا: الإخبار عما يعلمه بلفظ شهدت أو أشهد، ونحوهما كسمعت، ورأيت، وتحققت، وعلمت، ونحو ذلك.\nوعلى هذا فلا يشترط في أداء الشهادة لفظ معين، بل تصح بكل لفظ دل على اليقين، وهذا قول المالكية (^٤)؛ لأن المقصود من الشهادة بعث الاطمئنان إلى علم القاضي أو غيره بأن ما شهد به الشاهد حق وصدق، وهذا لا يتوقف على لفظ معين.\nواختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم وذكر أنه رواية عن أحمد، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن اشتراط لفظ الشهادة لا أصل له في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ولا قول أحد من الصحابة -﵃-، ولا يتوقف إطلاق لفظ الشهادة لغةً على ذلك) (^٥).\n_________\n(^١) \"سبل السلام\" (٤/ ٢٥٣).\n(^٢) \"مجمل اللغة\" (٢/ ٥١٤).\n(^٣) \"الصحاح\" (٢/ ٤٩٤).\n(^٤) انظر: \"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير\" (٤/ ١٦٤).\n(^٥) \"الفتاوى\" (١٤/ ١٧٠). وانظر: \"بدائع الفوائد\" (١/ ٨) (٤/ ٥٤).","vol":"9","page":458},{"text":"والحكمة من مشروعية الشهادة: أنها طريق من طرق الأثبات، بها تحفظ الأموال والدماء والأعراض، وبها تنفذ الأحكام، وهي تلي الإقرار في القوة الظاهرة، وإذا كانت بهذه المنزلة فالواجب على القضاة -في هذا الزمان- التحري والتثبت والبحث عن ديانة وأمانة من يؤديها؛ لضعف الإيمان وفساد الذمم.\nوتحمل الشهادة وأداؤها فرض كفاية، والمراد بتحمل الشهادة: التزام الإنسان بها، والمراد بأدائها: أن يشهد بها عند القاضي أو غيره، ووجه كون ذلك فرضًا أنه لو لم يكن فرضًا لامتنع الناس من التحمل والأداء، فيؤدي إلى ضياع حقوق الناس، وأما كونه على الكفاية فلأن الحاجة المذكورة تندفع بشهادة من تقوم به الكفاية، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، والظاهر أن (مِن) للتبعيض، ويكون ذلك مخصصًا لعموم الآيات التي تفيد الإيجاب مطلقًا، ثم إن المعنى يؤيد ذلك، كما تقدم (^١).\n_________\n(^١) \"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير\" (٤/ ١٧٥)، \"مغني المحتاج\" (٤/ ٤٥٠)، \"الإنصاف\" (١٢/ ٣).","vol":"9","page":459},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1198>ما جاء في الثناء على من أتى بالشهادة قبل أن يُسألها</span>\n١٤٠٩/ ١ - عَنْ زَيدِ بْنِ خالِدٍ الْجُهَنِيِّ - ﵁ - أن النَّبِي - ﷺ - قَال: \"ألَا أخْبِرُكُمْ بِخَيرِ الشُّهَدَاءِ؟ الّذِي يَأتِي بِشَهادَتِهِ قَبْلَ أنْ يُسْألهَا\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الأقضية\"، باب (بيان خير الشهود) (١٧١٩) من طريق عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أبي عمرة الأنصاري، عن زيد بن خالد الجهني - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ألا أخبركم) بتخفيف اللام، أداة استفتاح وتنبيه تفيد التوكيد، لينتبه السامع لما بعدها (^١).\n\nقوله: (بخير الشهداء) جمع شهيد بمعنى شاهد؛ لأن فعيلًا بمعنى فاعل إذا كان وصفًا غير مضعف ولا معتل اللام، يجمع على فعلاء، مثل كريم وكرماء، قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ويجمع شاهد على شهود كحاضر وحضور.\n_________\n(^١) انظر: \"الجنى الداني\" ص (٣٨١)، \"دليل الفالحين\" (٢/ ٥٣).","vol":"9","page":460},{"text":"والمراد بخير الشهداء: أكملهم في رتبة الشهادة، وأكثرهم ثوابًا عند الله تعالى.\n\nقوله: (الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها) بضم الياء على صيغة الفعل الذي لم يسم فاعله؛ أي: قبل أن تطلب منه الشهادة.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل من يأتي بالشهادة قبل أن تطلب منه، وهذا محمول عند أهل العلم على ما إذا كان صاحب الحق لا يعلم بهذه الشهادة، أو أنه نسيها فإنه يشرع للشاهد أن يشهد ولو لم يطلب منه صاحبُ الحقِّ الشهادةَ، حفظًا لحق أخيه المسلم أن يضيع، فهو لا يفعل ذلك تساهلًا في الشهادة أو استخفافًا بها أو طمعًا في مال أو نحوه، ولكن ليؤدي الواجب ويحفظ حق أخيه.\nوهذا تفسير الإمام مالك، ويحيى بن سعيد شيخ مالك وغيرهما، قال ابن عبد البر: (هذا أولى ما قيل في تفسير الحديث، ولا يسع الذي عنده شهادة لغيره أن يكتمها ولا أن يسكت عنها، إلا أن يعلم أن حق الطالب يثبت أو قد يثبت بغيره، فإن كان كذلك فهو في سعة، وأداؤها مع ذلك أفضل، وسواء شهد أحد قبله أو معه أو لم يشهد، إذا كان الحق مالًا؛ لأن اليمين فيه مع الشاهد الواحد) (^١).\nوهذا التوجيه للحديث مبني على أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد حتى تطلب منه الشهادة، وعلل الفقهاء لذلك بنفي التهمة؛ لأن الذي يبادر بالشهادة قبل أن تطلب منه قد يتهم بمنفعة المشهود له أو مضرة المشهود عليه، وأما على القول بجواز الشهادة وإن لم يستشهد فالأمر واضح، ولهذا الكلام تتمة عند الحديث الآتي. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (١٧/ ٢٩٥ - ٢٩٦).","vol":"9","page":461},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1199>ما جاء في ذم من يشهد ولا يستشهد</span>\n١٤١٠/ ٢ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ - ﵁ - قال: قال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّ خَيرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الشهادات\"، باب (لا يشهد على شهادة جور إذا أُشهد) (٢٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٥) من طريق شعبة، حدثنا أبو حمزة قال: سمعت زَهْدَمَ بن مُضَرِّبٍ قال: سمعت عمران بن حصين - ﵄ - قال: قال النبي - ﷺ -: \"إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم - قال عمران: فلا أدري أقال رسول الله - ﷺ - بعد قرنه مرتين أو ثلاثة- ثم يكون بعدهم قوم … \" الحديث. وهذا لفظ مسلم.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إن خيركم قرني) على حذف مضاف؛ أي: أهل قرني، ودل على ذلك حديث ابن مسعود - ﵁ -: \"خير الناس قرني … \" (^١)، والمراد بهم: المسلمون في زمن النبي - ﷺ -، والقرن من العلماء من يحدده بالوصف فيقول: القرن هم الطائفة من الناس اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة كالصحبة -مثلًا-. أو يقال: هو العصر المرتبط وصفه بأكثر أهله، ومنهم من حده\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣) (٢١٢).","vol":"9","page":462},{"text":"بالزمن على أقوال أشهرها: أن القرن مائة سنة، وهو الذي رجحه صاحب \"القاموس\" (^١)، واستقر عليه الأمر.\nوقد ذكر الحافظ أن آخر قرن الصحابة سنة مائة وعشرة إلى مائة وعشرين من البعثة، وآخر قرن التابعين سنة مائة وثمانين من الهجرة، وآخر قرن تابع التابعين سنة مائتين وعشرين، وهذا يدل على أن القرن لا يحدد بمائة؛ لأن قرن التابعين حوالي سبعين أو ثمانين، وتابع التابعين حوالي خمسين، فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار كل زمن (^٢).\nوإنما كان خير الناس قرن النبي - ﷺ - لفضلهم في العلم والإيمان والأعمال الصالحة، لغلبة الخير فيه وكثرة أهله، وقلة الشر وأهله، واعتزاز الإسلام وكثرة العلم والعلماء، واشتداد الإنكار على من ابتدع كالخوارج والقدرية ونحوهم.\n\nقوله: (ثم الذين يلونهم) هم أهل القرن الثاني، وهم التابعون، لظهور الإسلام فيهم وقربهم من نور النبوة، وما ظهر فيه من البدع استعظم وأنكر وأزيل، أو خَفَّ أثره.\n\nقوله: (ثم الذين يلونهم) هم أهل القرن الثالث، وهم تابعو التابعين، وهذا القرن دون الأوليين لكثرة ظهور الباع، لكن العلماء فيه متوافرون، وقد تصدى كثير منهم لإنكارها، والإسلام إذ ذاك ظاهر، والجهاد قائم.\n\nقوله: (ثم يكون قوم) فاعل (يكون) لأنها تامة؛ أي: يجيء قوم، والتعبير بـ (قوم) يدل على أنه ليس كل أصحاب القرن على هذه الأوصاف؛ لأنه لم يقل: ثم يكون الناس.\n\nقوله: (يشهدون ولا يستشهدون) أي: يشهدون قبل أن تطلب منهم الشهادة، لتسرعهم في أدائها وعدم اهتمامهم بها، وهذا بظاهره يعارض حديث زيد بن خالد المتقدم؛ لأن هذا في سياق الذم، وذاك في سياق المدح.\n_________\n(^١) \"ترتيب القاموس\" (٣/ ٦٠٦).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٦).","vol":"9","page":463},{"text":"وقيل معناه: يشهدون وهم ليسوا أهلًا لتحمل الشهادة؛ لفسقهم أو لاستخفافهم بأمرها، ويؤيد هذا (ويخونون ولا يؤتمنون) كما يؤيده رواية ابن ماجه: \"ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل وما يُستشهد، ويحلف وما يُستحلف\" (^١)، وعلى هذا فيكون الحديث وصفًا لهم بشهادة الزور.\n\nقوله: (ويخونون ولا يؤتمنون) الخيانة: مصدر خان بمعنى نقض العهد، وبمعنى الخيانة في الأمانة؛ والمعنى: يخونون من ائتمنهم على مال أو عرض أو غيرهما ولا يؤتمنون لخيانتهم الظاهرة، ولم يقل: يؤتمنون ويخونون؛ لبيان أن الخيانة وصف ثابت لهم، فهم لخيانتهم لا يؤتمنون.\n\nقوله: (وينذرون ولا يوفون) بكسر الذال من باب ضرب، وفي لغة بضمها من باب قتل؛ أي: يلزمون أنفسهم ما ليس بواجب عليهم ولا يوفون به.\n\nقوله: (ويظهر فيهم السِّمَنُ) بكسر السين وفتح الميم هو كثرة الشحم واللحم، وذلك لإفراطهم وتوسعم في المآكل والمشارب ورغبتهم في الدنيا ونيل شهواتها وغفلتهم عن الدار الآخرة.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل القرون الثلاثة الأُول من هذه الأمة، وأن الصحابة - ﵁ - أفضل ممن جاء بعدهم من التابعين وأتباع التابعين، لظهور الإسلام والعلم والإيمان والعمل الصالح، وقربهم من نور النبوة وسبقهم إلى الجهاد ومحاربة البدع والمبتدعة.\nوقد جاء هذا المعنى في عدة أحاديث، ومنها حديث ابن مسعود - ﵁ - في \"الصحيحين\" (^٢)، وحديث عائشة - ﵄ - (^٣)، وحديث أبي سعيد - ﵁ - (^٤)، وحديث النعمان بن بشير في \"المسند\" وغيره (^٥).\n_________\n(^١) \"سنن ابن ماجه\" (٢٣٦٣).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٣٦٥١)، \"صحيح مسلم\" (٢٥٣٣).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٢٥٣٦).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٢٥٣٢).\n(^٥) \"المسند\" (٣٠/ ٢٩٢).","vol":"9","page":464},{"text":"وهذه الأفضلية من حيث الجملة لا من حيث الأفراد، فقد يوجد في تابع التابعين من هو أفضل من التابعين، وقد يوجد في التابعين من هو أفضل من بعض الصحابة، أما فضل الصحبة فلا يناله أحد غير الصحابة؛ لأنه وصف خاص بهم لا يتعداهم إلى غيرهم، وكذا الأوصاف التي لا توجد في غيرهم، أو لها أثر فيمن بعدهم، كالذَبِّ عن رسول الله - ﷺ - والهجرة إليه ونصرته، وضبط الشرع المتلقى عنه، وتبليغه من بعدهم، والإنفاق في سبيل الله، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠]، قال الشوكاني: (مزية الصحابة فاضلة مطلقًا باعتبار مجموع القرن، فإذا اعتبرت كل قرن قرن فالصحابة خير القرون، ولا ينافي هذا تفضيل الواحد من أهل القرن أو الجماعة على الواحد أو الجماعة من أهل قرن آخر) (^١).\nومسألة المفاضلة من المسائل التي لا يترتب عليها كبير فائدة، فلا ينبغي إعطاؤها أكثر مما تستحق، وهي من الأمور الظاهرة، والغيب علمه عند الله تعالى.\nوقد شك الراوي في أفضلية القرن الرابع فقال: (لا أدري أقال بعد قرنه مرتين أو ثلاثة) فيكون المعول على اليقين وهو أن القرون المفضلة ثلاثة، وقد ورد في حديث النعمان عند أحمد إثبات القرن الرابع (^٢)، لكنه من طريق عاصم بن بهدلة، وفي حفظه شيء، فلا يُحتج بما تفرد به عن الثقات (^٣).\nولا شك أن القرن الرابع فيه خيرية؛ لقربه من القرون المفضلة، لكن لم يثبت التنصيص على ذلك.\n\n• الوجه الرابع: في الحديث دليل على ذم من يأتي لأداء الشهادة قبل أن تطلب منه؛ لأن هذا يدل على تسرعه في الشهادة وعدم الاهتمام بها،\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (١٥/ ٥٥٣).\n(^٢) \"المسند\" (٣٠/ ٢٩٢).\n(^٣) انظر: \"الصحيحة\" (٧٠٠).","vol":"9","page":465},{"text":"ويشكل على هذا حديث زيد بن خالد - ﵁ - المتقدم الدال على فضل من يأتي بالشهادة قبل أن يسألها.\nوقد اختلف العلماء في طريق الخروج من هذا التعارض الظاهر بين الحديثين، فمنهم من قال بالجمع بينهما، ومنهم من قال بالترجيح. فمن قال بالترجيح رجح حديث عمران - ﵁ - لاتفاق البخاري ومسلم عليه، وانفراد مسلم بحديث زيد بن خالد - ﵁ -، وذهب ابن عبد البر إلى ترجيح حديث زيد بن خالد على حديث عمران؛ لكونه من رواية ثقات أهل المدينة، وحديث عمران من رواية أهل العراق، أو أن المراد بالشهادة فيه: اليمين، أي: يحلف أحدهما قبل أن يستحلف، ويحلف حيث لا تراد منه اليمين (^١).\nومن قال بالجمع حمل حديث زيد بن خالد على من عنده شهادة لا يعلم بها صاحب الحق، فيأتي إليه فيخبره بها أو يموت صاحبها فيأتي إلى ورثته فيعلمهم بذلك، وحديث عمران على من يؤدي الشهادة قبل أن يدعى لأدائها، أو أنهم يشهدون وليسوا أهلًا لتحمل الشهادة، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والصحيح أن الذم في هذه الأحاديث لمن يشهد بالباطل، كما جاء في بعض ألفاظ الحديث: \"ثم يفشو فيهم الكذب، حتى يشهد الرجل وما يستشهد\"، ولهذا قرن ذلك بالخيانة، وبترك الوفاء بالنذر …) (^٢).\nوقيل: إن حديث زيد بن خالد في حقوق الله تعالى التي لا طالب لها، أو ما فيه شائبة منها كالعتاق والوقف والوصية العامة والعدة والطلاق ونحو ذلك، فيؤدي الشهادة من غير أن تطلب منه، وحديث عمران في حقوق الآدميين.\nوقيل: إن حديث زيد من باب الكنايات، فهو كناية عن السرعة والمبادرة بأداء الشهادة وعدم التأخر، فكأنه لشدة مبادرته يؤديها قبل أن يُسألها.\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (١٧/ ٣٠٠)، \"الاستذكار\" (٢٢/ ٢٧).\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٠/ ٢٩٦).","vol":"9","page":466},{"text":"وكل هذا مبني على القول بأنه لا يجوز للشاهد أن يشهد قبل أن تطلب منه الشهادة وأن من يفعل ذلك فهو مذموم، وحكى الطحاوي عن جماعة من أهل العلم جواز أداء الشهادة ولو لم يُسألها (^١)، وقالوا: هو محمود مأجور، واستدلوا بحديث زيد بن خالد، وحملوا حديث عمران على أنه في شهادة الزور، كما حكاه الترمذي عن جماعة من أهل العلم (^٢).\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على ذم التهاون بالنذور وعدم الوفاء بها؛ لأن النبي - ﷺ - سوى بين من يخون أمانته ومن لا يفي بنذره، والخيانة مذمومة، فيكون ترك الوفاء بالنذر مذمومًا.\n\n• الوجه السادس: ذم الخيانة في الأمانة والعهود والحث على أدائها، وقد عد النبي - ﷺ - الخيانة في الأمانة من علامات النفاق، وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب \"الجامع\" -إن شاء الله تعالى-.\n\n• الوجه السابع: في الحديث دليل على ذم التنعم في الدنيا والاعتناء بأسباب السمن من الإقبال على الشهوات والعناية بالمطاعم والمشارب، قال الحافظ: (وإنما كان السمن مذمومًا؛ لأن السمين غالبًا يكون بليد الفهم ثقيلًا عن العبادة، كما هو مشهور) (^٣).\nوليس المراد ذم مطلق السمن، فإنه لا يخلو منه زمان ولا عيب فيه؛ لأنه قد يكون بغير اختيار الإنسان، وإنما الذم على شيء يكون هو السبب فيه، قال ابن الملقن: (لا شك في ذم السمن للرجال لمن استعمله وأحبه، دون من طُبع عليه) (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٥٠).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٤/ ٤٧٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٦٠).\n(^٤) \"التوضيح\" (١٦/ ٥٢١).","vol":"9","page":467},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1200>من لا تقبل شهادتهم</span>\n١٤١١/ ٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمرو - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَانِعِ لأَهْلِ الْبَيتِ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.\n١٤١٢/ ٤ - وَعَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله - ﷺ - قَال: \"لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَويٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَة\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - فقد رواه أحمد (١١/ ٥٠١)، وأبو داود في كتاب \"الأقضية\"، باب (من ترد شهادته) (٣٦٠٠) من طريق محمد بن راشد، ثنا سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تجوز شهادة خائن … \" الحديث، وتمامه: (وتجوز شهادته لغيرهم)، القانع: الذي ينفق عليه أهل البيت. وهذا لفظ أحمد.\nولفظ أبي داود وأحمد -أيضًا- (١١/ ٦٧١): (أن رسول الله - ﷺ - رد شهادة الخائن والخائنة، وذي الغِمْرِ على أخيه، ورد شهادة القانع لأهل البيت، وأجازها لغيرهم) وعند أحمد: (على غيرهم).\nوالفرق بين هذه الرواية وما قبلها أن الأولى قول، وهذه الرواية فعل.\nوالحديث في سنده محمد بن راشد وثقه أحمد وابن معين والنسائي، وقال أبو حاتم: (كان صدوقًا حسن الحديث)، وسليمان بن موسى هو الأشدق، صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، كما قال الحافظ، وهو يروي أحاديث ينفرد بها لا يرويها غيره، ولعل منها هذا الحديث.","vol":"9","page":468},{"text":"والحديث سكت عنه الحافظ هنا، وقال في \"التلخيص\": (سنده قوي) (^١)، وقال البيهقي: (لا يصح في هذا عن النبي - ﷺ - شيء يعتمد عليه) (^٢)، وكلام البيهقي هذا لا يعني إهمال ما جاء في هذا الحديث؛ لأنها معانٍ جاء الشرع باعتبارها، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nوأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فقد رواه أبو داود في \"الأقضية\"، باب (شهادة البدوي على أهل الأمصار) (٣٦٠٢)، وابن ماجه (٢٣٦٧)، والحاكم (٤/ ٩٩) من طريق ابن الهاد، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: … وذكر الحديث.\nوهذا سند رجاله ثقات، قال المنذري: (رجال إسناده احتج بهم مسلم في \"صحيحه\") (^٣)، وقال ابن عبد الهادي: (إسناده جيد) (^٤)، وقد سكت الحاكم عن هذا الحديث، وقال الذهبي: (لم يصححه المؤلف، وهو حديث منكر مع نظافة سنده)، وقال البيهقي: (هذا الحديث مما تفرد به محمد بن عمرو بن عطاء، عن عطاء بن يسار، فإن كان حَفِظَهُ فقد قال أبو سليمان الخطابي ﵀: يشبه أن يكون إنما كره شهادة أهل البدو لما فيهم من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشريعة … إلخ كلامه) (^٥)، وسأذكره إن شاء الله.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (لا تجوز شهادة خائن) أي: لا تقبل، والمراد بالخائن: من يخون فيما ائتمن عليه، سواء ما ائتمنه الله عليه من أحكام الدين، أو ما ائتمنه الناس من الأموال والودائع والأمانات، فإن من ضيع شيئًا من أوامر الله أو ارتكب شيئًا مما نهاه الله عنه لم يكن عدلًا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال: ٢٧].\n_________\n(^١) (٤/ ٢١٨).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٥٥).\n(^٣) \"مختصر السنن\" (٥/ ٢١٩).\n(^٤) \"تنقيح التحقيق\" (٥/ ٨٣).\n(^٥) \"معرفة السنن والآثار\" (١٤/ ٣٤٤).","vol":"9","page":469},{"text":"قوله: (ولا ذي غِمْرٍ) بكسر الغين المعجمة وسكون الميم هو الحقد وزنًا ومعنى، قال أبو داود عقب الحديث: (الغِمْرُ: الحِنَةُ والشحناء)، وهي بالحاء المهملة المكسورة بعدها نون مخففة مفتوحة.\nقال الخطابي: (ذو الغِمْرِ: هو الذي بينه وبين الشهود عداوة ظاهرة) (^١).\n\nقوله: (على أخيه) أي: المسلم، فلا تقبل شهادة عدو على عدوه، سواء أكان أخاه من النسب أو أجنبيًّا، قالوا: وهذا خرج مخرج الغالب، فلا يشهد مسلم على كافر إذا كانت عداوة غير الدين.\n\nقوله: (ولا تجوز شهادة القانع) هو السائل والمستطعم، وأصل القنوع السؤال، وقيل: هو الخادم الذي ينفق عليه أهل البيت، وقد جاء هذا التفسير في رواية أحمد، كما تقدم، وجاء في بعض نسخ \"سنن أبي داود\": (والقانع: الأجير التابع، مثل الأجير الخاص).\n\nقوله: (بدوي) هو الأعرابي من سكان البادية، وهو مفرد بدو، كروم ورومي وترك وتركي، ونحوهما مما يفرق بين مفرده وجمعه بالياء (^٢).\n\nقوله: (صاحب قرية) هو الحضري الذي يسكن القرى والمدن، والقرية لفظ يطلق على كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قرارًا، وتقع على المدن وغيرها (^٣).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الخائن لا تقبل شهادته؛ لأن خيانته دليل على أنه لا تقوى عنده تمنعه من ارتكاب المحظورات، ومنها الكذب، فلا يحصل الاطمئنان إلى خبره، فلا تصح شهادته.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على عدم قبول شهادة من يضمر العداوة والشحناء للمشهود عليه بحيث يفرح لحزنه ويحزن لفرحه، فإذا شهد عليه لم تقبل شهادته، لئلا يتخذ قبول الشهادة ذريعة إلى بلوغ غرضه من عدوه بالشهادة الباطلة؛ لأن مثل هذا لا يؤمن أن يتقول على المشهود عليه بغير حق، لكن إن\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (٥/ ٢١٨).\n(^٢) انظر: \"ترتيب القاموس\" (١/ ٢٣٣).\n(^٣) \"المصباح المنير\" ص (٥٠١).","vol":"9","page":470},{"text":"شهد له قبلت شهادته لعدم المحذور، وهو خشية الإضرار بالمشهود له، وقد دل على هذا قوله: (على أخيه) فإن مفهوم أنه إن شهد لأخيه قبلت.\nوهذا إذا كانت العداوة من أجل أمر دنيوي، أما إذا كانت من أجل أمر من أمور الدين فإن شهادته تقبل عليه؛ لأن العدالة المشروطة لصحة الشهادة هي العدالة في الدين، وعدالة الشاهد تمنعه من ارتكاب محظور في دينه (^١).\nثم إن العداوة في الدين ليست حقدًا فلا تدخل في لفظ الحديث.\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن الشاهد إذا كان فيه وصف يخشى معه أن يميل فيشهد بخلاف الحق فإن شهادته لا تقبل كالخادم لأهل البيت؛ لأنه مظنة تهمة دفع الضرر عنهم وجلب الخير لهم.\n\n• الوجه السادس: استدل الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في ظاهر المذهب بهذا الحديث على أن شهادة الوالد لولده وإن نزل، وشهادة الولد لوالده وإن علا أنها لا تقبل (^٢)، وعللوا ذلك بالتهمة، لقوة القرابة بينهم التي تدعو الشاهد إلى أن يشهد بما يخالف الواقع.\nوالقول الثاني: تقبل شهادة الوالد لولده والعكس، وهذا قول الظاهرية (^٣)، ورواية عن الإمام أحمد (^٤)؛ لأنهما عدلان من رجالنا، فيدخلان في عموم الآيات والأخبار.\nوقد ذكر ابن القيم أن الشهادة لا تُردُّ بسبب القرابة، لعدم الدليل، وإنما ترد بوجود التهمة، لثبوت النص، كما في حديث الباب، فالتهمة وحدها مستقلة بالمنع، سواء كان قريبًا أو أجنبيًّا، وقال: (هذا هو الصواب، وهو القول الذي ندين الله به) (^٥). واختار هذا الشوكاني، فقال: (فمن كان معروفًا\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٤/ ١٧٥).\n(^٢) \"الكافي\" لابن عبد البر (٢/ ٨٩٣)، \"المهذب\" (٢/ ٤٢١)، \"بدائع الصنائع\" (٦/ ٢٧٢)، \"الشرح الكبير مع الإنصاف\" (٢٩/ ٤١٣).\n(^٣) \"المحلى\" (٩/ ٤١٥).\n(^٤) \"الكافي\" (٤/ ٥٢٨).\n(^٥) \"إعلام الموقعين\" (١/ ١١١).","vol":"9","page":471},{"text":"من القرابة ونحوهم بمتانة الدين البالغة إلى حد لا يؤثر معها محبة القرابة، فقد زالت حينئذٍ مظنة التهمة، ومن لم يكن كذلك فالواجب عدم القبول لشهادته؛ لأنه مظنة التهمة) (^١). واختاره -أيضًا- الشيخ عبد الرحمن السعدي (^٢).\n\n• الوجه السابع: الحديث دليل على وجوب التحري في باب الشهادات ومعرفة من تقبل شهادته ومن ترد؛ لأن الله تعالى أمر بإشهاد العدل، فقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ﴾ [الطلاق: ٢] وقال تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قال ابن رشد: (اتفق المسلمون على اشتراط العدالة في قبول شهادة الشاهد) (^٣).\nوالعدالة: استقامة الدين؛ لأن من لا صلاح له في الدين لا يؤمن أن يشهد على غيره بالزور.\nواستقامة الدين: هي أداء الفرائض واجتناب المحارم، وذلك بألا يرتكب كبيرة ولا يلازم صغيرة، فالصلاح في الدين هو الشرط الأول للعدالة.\nوالشرط الثاني: المروءة (^٤)، ومعناها: أن يفعل ما يحمده الناس عليه من الآداب والأخلاق من السخاء وبذل الجاه، وحسن المعاملة، وحسن الجوار ونحو ذلك، ويترك ما يذمه الناس عليه، كالغناء، أو الأكل في السوق، أو المشي مكشوف الرأس، أو النوم بين الجالسين، ونحو ذلك مما ذكر الفقهاء، وفي بعضها يُرجع إلى العرف.\nوالقول الثاني: أن العدالة مأخوذة من قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ فكل مَرْضِيِّ عند الناس يطمئنون لقوله وشهادته فهو مقبول، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥)، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (هذا أحسن الحدود، ولا يسع الناس العمل بغيره) (^٦).\n\n• الوجه الثامن: استدل بحديث أبي هريرة - ﵁ - من قال: لا تجوز\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار\" (١٥/ ٥٠٠).\n(^٢) \"المختارات الجلية\" ص (١٢٧).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (٢/ ٥٩٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٥١ - ٢٥٢).\n(^٥) \"الاختيارات\" ص (٣٦٥).\n(^٦) \"بهجة قلوب الأبرار\" ص (١٢٥).","vol":"9","page":472},{"text":"شهادة بدوي على صاحب القرية وهو الحضري، وهو قول مالك في عقود المعاوضات، كالبيع والشراء، وقال الإمام أحمد: أخشى ألا تقبل شهادة البدوي على صاحب القرية، قال الموفق: (فيحتمل هذا ألا تقبل شهادته، وهو قول جماعة من أصحابنا) (^١). وقال ابن مفلح: (وهو المنصوص) (^٢).\nقالوا: ولأن البدوي يغلب عليه الجفاء في الدين، وقلة معرفة الأحكام الشرعية، وعدم ضبطه ومعرفته لما يلقى عليه ويسمعه. قالوا: ولأن شهادة البدوي لا تخلو من تهمة، قال مالك: (الذي يُشهد بدويًّا ويدع جيرته من أهل الحضر هو عندي مريب) (^٣).\nوالقول الثاني: أن شهادة البدوي على القروي صحيحة ومقبولة مطلقًا، سواء أكانت في العقود المالية أو غيرها، إذا كان عدلًا يقيم الشهادة.\nوهذا قول الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة في المشهور (^٤)، واستدلوا بحديث ابن عباس - ﵁ - أن أعرابيًّا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: إني رأيت الهلال … الحديث (^٥). فقد قبل النبي - ﷺ - شهادة الأعرابي في إثبات دخول رمضان، وهو نص في الصوم، فيقاس عليه غيره من الأحكام.\nكما استدلوا بالعمومات الواردة في قبول شهادة كل من يصلح للشهادة بدون تفريق بين بدوي أو حضري، فيكون البدوي داخلًا تحت العمومات في هذا الباب.\nوهذا القول هو الراجح، وحديث الباب محمول على من لم تعرف عدالته من أهل البادية؛ لأن الغالب أن البدوي لا يستقر بمكان، فيصعب إحضاره لأداء الشهادة، كما يصعب استحضار من يسأله الحاكم عن عدالته (^٦).\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٤/ ١٤٩).\n(^٢) \"الفروع\" (٦/ ٥٨٥).\n(^٣) \"معالم السنن\" (٥/ ٢١٩).\n(^٤) \"البحر الرائق\" (٧/ ٩٢)، \"تكملة الفروع\" (٢٠/ ٩٠)، \"المغني\" (١٤/ ١٤٩).\n(^٥) تقدم في \"الصيام\" برقم (٦٥٥).\n(^٦) \"المغني\" (١٤/ ١٥٠).","vol":"9","page":473},{"text":"قال الخطابي: (يشبه أن يكون إنما كره شهادة أهل البدو لما فيهم من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشريعة؛ ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها ولا يقيمونها على حقها لقصور علمهم عما يحيلها ويغيرها عن وجهتها) (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (٥/ ٢١٩).","vol":"9","page":474},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1201>ما جاء في قبول شهادة من ظهرت استقامته</span>\n١٤١٣/ ٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - أَنَّهُ خَطَبَ فَقَال: إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤخَذُونَ بِالْوَحْي في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأَخُذُكُم الآنَ بِمَا ظَهَرَ لنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الشهادات\"، باب (الشهداء العدول) (٢٦٤١) من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أن عبد الله بن عتبة قال: سمعت عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول: … وذكر الحديث. وتمامه: (فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء، والله يحاسب سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال: إن سريرته حسنة).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إن أناسًا) وقع في بعض النسخ: (إن ناسًا) بحذف همزته تخفيفًا، وعليه مشى ابن علان في شرحه لـ\"رياض الصالحين\" (^١)، وإثبات الهمزة هو الموافق لما في \"الصحيح\".\n\nقوله: (كانوا يؤخذون بالوحي) أي: يعرف الصادق فيهم من الكاذب بإعلام الله تعالى رسوله - ﷺ - عنهم بواسطة الوحي في زمنه - ﷺ -.\n\nقوله: (وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم) وقع في بعض نسخ\n_________\n(^١) انظر: \"دليل الفالحين\" (٢/ ٢٨٤).","vol":"9","page":475},{"text":"\"البلوغ\": (نؤاخذكم) والمثبت هو الموافق لما في \"الصحيح\"؛ والمعنى: أننا نعمل بالظاهر، وأما الباطن فهو لله تعالى المطلع على النيات، فمن أظهر لنا خيرًا وإيمانًا وعدالة (أمِنَّاه) أي: صيرناه عندنا أمينًا وقربناه، ومن أظهر لنا سوءًا أو شرًّا، عاملناه بما أظهر، فأبغضناه وحاسبناه، ولو قال: إن نيته حسنة؛ لأننا لا نحكم إلا بالظاهر، والله يتولى السرائر.\n\n• الوجه الثالث: استدل العلماء بكلام عمر - ﵁ - على أن الواجب أخذ الناس بما ظهر من أعمالهم وتصرفاتهم، وأما البواطن والنيات فهي إلى الله تعالى.\nفمن أظهر الخير والاستقامة قبلت شهادته وأُمِنَ على ما هو عليه من أمور المسلمين كولاية وقف أو يتيم ونحو ذلك، ومن أظهر غير ذلك من المعاصي والخيانات ونحو ذلك مما يدل على ضعف إيمانه وقلة أمانته، فإنه لا يؤمن ولا يوثق بشهادته.\nوهذا يدل على قبول شهادة من ظهر منه الخير والاستقامة نظرًا إلى ظاهر حاله، وأنه يكفي في التعديل ما يظهر من حال المعدَّل من الصلاح من غير كشف عن حقيقة سريرته؛ لأن هذا متعذر إلا بالوحي، وقد انقطع (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) راجع: \"تفسير القرطبي\" (١٦/ ٣١٢).","vol":"9","page":476},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1202>ما جاء في شهادة الزور من التغليظ والوعيد</span>\n١٤١٤/ ٦ - عَنْ أَبي بَكرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - أَنَّهُ عَدَّ شَهَادَةَ الزُّورِ في أَكبَرِ الْكَبَائِرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، في حَدِيثٍ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الشهادات\"، باب (ما قيل في شهادة الزور) (٢٦٥٤)، ومسلم (٨٧) من طريق سعيد الجُريري، حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه - ﵁ - قال: كنا عند رسول الله - ﷺ - فقال: \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثًا) الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، ألا وقول الزور\"، وكان رسول الله - ﷺ - متكئًا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. وهذا لفظ مسلم.\nوقد جاء في بعض نسخ \"البلوغ\": (متفق عليه في حديث طويل)، وليس في المخطوطة -التي سبق وصفها- لفظة: (طويل)، وهو الأقرب؛ لأن الحديث بهذا السياق لا يوصف بأنه طويل.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (بأكبر الكبائر) أي: أعظم الكبائر، وهذا يدل على أن الكبائر أنواع، وقد تقدم تعريف الكبيرة: في \"الأيمان والنذور\".\n\nقوله: (شهادة الزور) هي تعمد الكذب في الشهادة، والزور بالضم: الكذب، والشرك بالله تعالى والباطل، والزَّوَرُ بالتحريك: الميل، وزَوَّرَ: زَيَّنَ الكذب، وزَوَّرَهُ: حسنه.","vol":"9","page":477},{"text":"فأصل المادة من الازورار وهو الميل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ [الكهف: ١٧]، فالزور قول يستعمل في كل ميل عن الحق، ومن ذلك الكذب والباطل، وشهادة الزور، وعلى هذا فقول الزور أعم من شهادة الزور، لكن في هذا الحديث يحمل قول الزور على شهادة الزور؛ لأن قول الزور لو حمل على غير شهادة الزور لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقًا كبيرة، ولا ريب أن مراتب الكذب متفاوتة حسب ما يترتب عليه من أضرار ومفاسد، كما سيأتي بيان ذلك في كتاب \"الجامع\" إن شاء الله تعالى.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم شهادة الزور وأنها من كبائر الذنوب بل هي من أكبر الكبائر، ولا خلاف بين المسلمين في ذلك، وقد جاءت النصوص بتحريم شهادة الزور والنهي عنها والتغليظ على متعاطيها، قال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] أي: لا يحضرون الزور، وقيل: لا يشهدون، من الشهادة، ورجح الأول ابن كثير، وابن تيمية، وقال ابن سعدي: (لا يحضرون، ومن باب أولى لا يشهدون) (^١).\nثم إن الأصل في الشهادة أن تكون سندًا لجانب الحق ومعينة للقضاة على إقامة العدل وإعطاء صاحب الحق حقه، فإذا تخلَّت عن وظيفتها، فكانت سندًا للباطل ومضللة للقضاة، فإنها تحمل حينئذٍ جريمتين كبيرتين:\nالأولى: عدم تأديتها وظيفتها الأساسية وهي مساندتها الحق، فتكون من هذه الناحية أسوأ حالًا من كتمان الشهادة.\nالثانية: قيامها بجريمة إيجابية تُهضم فيها الحقوق ويُظلم البُرآء.\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ١٤٠)، \"تفسير ابن سعدي\" ص (٥٨٧).","vol":"9","page":478},{"text":"• الوجه الرابع: في الحديث بيان لخطر شهادة الزور وما فيها من المفاسد العظيمة؛ لأن النبي - ﷺ - اهتم بها، ومن مفاسدها:\n١ - أكل أموال الناس بالباطل.\n٢ - ضياع الحقوق وطمس معالم العدل، فيحرم صاحب الحق من حقه.\n٣ - إعانة الظالم على ظلمه وإعطاء المال لغير مستحقه.\n٤ - تضليل القضاة فيحكمون بما هو خلَاف الحق بناءً على هذه الشهادة الباطلة.\n\n• - تقويض أركان الأمن، فتكثر الجرائم اتكالًا على وجود هؤلاء المفسدين.\n\n• الوجه الخامس: اهتم النبي - ﷺ - بشهادة الزور فكررها، وأتى بحرف التنبيه، واعتدل في جلسته؛ لأن الناس يتساهلون بها لكونها أسهل على اللسان؛ ولأن الحوامل عليها كثيرة من الرشوة ومحبة المشهود له أو قرابته أو عداوة المشهود عليه؛ ولأن ضررها يتعدى إلى الفرد والمجتمع، وقد يسفك بها دم أو يؤخذ بها مال.\nوهذا بخلاف الإشراك بالله فإنه ينبو عنه قلب المسلم؛ ولأنه لا تتعدى مفسدته غالبًا إلى غير المشرك، والعقوق يصرف عنه كرم الطبع وحسن الخلق والمروءة، وضرره على العاق نفسه. والله تعالى أعلم.","vol":"9","page":479},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1203>ما جاء في اشتراط العلم بالمشهود به</span>\n١٤١٥/ ٧ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - أَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَال لِرَجُلٍ: \"تَرَى الشَّمْسَ؟ \"، قَال: نَعَمْ، قَال: \"عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ، أَوْ دَعْ\". أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِإسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٠٧)، والحاكم (٤/ ٩٨)، والبيهقي (١٠/ ١٥٦) من طريق عمرو بن مالك البصري، عن محمد بن سليمان بن مسمول (^١)، حدثنا عبيد الله بن مسلمة بن وهرام، عن أبيه، عن طاوس، عن ابن عباس - ﵄ -: ذُكِرَ عند رسول الله - ﷺ - الرجل يشهد بالشهادة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أما أنت يا ابن عباس فلا تشهد إلا على أمر يضيء لك كضياء هذه الشمس\" وأومأ بيده إلى الشمس.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) فتعقبه الذهبي بقوله: (واهٍ، فعمرو قال ابن عدي: كان يسرق الحديث (^٢)، وابن مسمول ضعفه غير واحد).\nوالحديث مداره على محمد بن مسمول، وقد ضعفه أبو حاتم والنسائي،\n_________\n(^١) ابن مسمول بالسين المهملة، وفي بعض المصادر بالشين المعجمة. وقد ذكره الزبيدي في \"تاج العروس\" (٢٩/ ٢٢٨) في مادة \"سمل\".\n(^٢) سرقة الحديث: أن يكون محدث ينفرد بحديث، فيجيء السارق ويدعي أنه سمعه من شيخ ذلك المحدث، أو يكون الحديث عرف براوٍ فيضيفه لراوٍ غيره ممن شاركه في طبقته. \"فتح المغيث\" (٢/ ٢٩٠).","vol":"9","page":480},{"text":"ونقل ابن عدي عن البخاري أنه قال: (سمعت الحميدي يتكلم في محمد بن سليمان بن مسمول)، وقال أبو حاتم: (ليس بالقوي، ضعيف الحديث، كان الحميدي يتكلم فيه) (^١). ولما ذكر ابن عدي بعض مرويات ابن مسمول قال: (ولمحمد بن سليمان بن مسمول غير ما ذكرت، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه في إسناده ولا متنه).\nوأما عمرو بن مالك فقد قال عنه ابن عدي: (منكر الحديث عن الثقات، يسرق الحديث) (^٢).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا على ما يعلمه يقينًا كما تُعلم الشمس بالمشاهدة، والحديث وإن كان ضعيفًا فإن معناه صحيح؛ لأنه يدل على أن الشاهد لا بد أن يشهد عن علم، والعلم إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، وهذا معنًى دلت عليه العمومات، وذلك لأن الشهادة إخبار عن أمر واقع، فلا بد أن يكون المخبر قد علم هذا الأمر يقينًا.\nوقد استدل بعض العلماء على ذلك بقوله تعالى: ﴿إلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] فقد ذكر القرطبي أن هذه الآية تدل على أن شرط سائر الشهادات في الحقوق وغيرها أن يكون الشاهد عالمًا بها، ثم ذكر حديث الباب (^٣).\nوكذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦] فإن معنى الآية: النهي عن أن يقول الإنسان ما لا يعلم، أو يعمل بما لا علم له (^٤)، وعلى هذا فلا تجوز الشهادة بلا علم؛ لأن الشهادة بلا علم غير مقبولة، ومن هذا الشَّكُّ في الشهادة وعدم التحقق منها.\nوعلم الشاهد بالمشهود به يحصل بأحد أمرين:\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٧/ ٢٦٧).\n(^٢) \"الكامل\" (٥/ ١٥٠).\n(^٣) \"تفسير القرطبي\" (١٦/ ١٢٣).\n(^٤) \"نيل المرام\" ص (٤٤٢).","vol":"9","page":481},{"text":"الأول: رؤية المشهود به، وهذا يكون في الأفعال، كالقتل والغصب والسرقة والإتلاف والعيوب في المبيع ونحو ذلك من الأشياء المرئية.\nالثاني: السماع، وهو ضربان:\nالأول: سماع من المشهود عليه، كأن يسمعه يُقِرُّ أن لفلان عليه دَينًا، أو استأجر منه داره، أو اشترى منه سيارة، وما أشبه ذلك.\nالضرب الثاني: السماع من جهة الاستفاضة، وتسمى شهادة السماع أو شهادة الاستفاضة وهي لقب لما صرح الشاهد فيه بإسناد شهادته لسماعٍ من غير معين، والمراد به: انتشار الخبر وشيوعه بأن يشتهر المشهود به بين الناس، فيتسامعون به بإخبار بعضهم بعضًا، فيشهد الشاهد على واقعة لم يشهدها ببصره ولم يدركها بسمعه.\nولا تقبل شهادة الاستفاضة إلا فيما يتعذر علمه في الغالب بدونها، كالنسب والولادة والنكاح والموت والرضاع والمُلْكِ المطلق، ونحو ذلك؛ لأنه لو منع من الشهادة بالاستفاضة فيما ذكر لوقع الناس في حرج عظيم، وتعطلت الأحكام؛ لأن مثل هذه الأمور تتعذر الشهادة عليها في الغالب بمشاهدتها ومشاهدة أسبابها، فجازت الشهادة عليها بالاستفاضة، كالنسب. وقد عقد البخاري بابًا لشهادة الاستفاضة فقال: (باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم) وذكر أربعة أحاديث في الرضاع (^١).\nولا تقبل شهادة الاستفاضة في الحد؛ لأنه يطلب في الزنا -مثلًا- وصف الجريمة وصفًا دقيقًا، يدل على معاينة، وهذا لا يمكن في حال الاستفاضة، وهكذا القصاص، وبقية الحدود؛ ولأن العقوبات مما يحتاط لدرئها وإسقاطها -كما تقدم- والشهادة بالاستفاضة مبنية على غلبة الظن.\nوأكثر طرق العلم: الرؤية والسماع، وقد يدرك العلم بغيرها من الحواس\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٥٣).","vol":"9","page":482},{"text":"الأخرى، كالشم والذوق واللمس، فتجوز الشهادة به كالسمع والبصر، كما نص عليه أهل العلم (^١).\nوللفقهاء شروط لقبول شهادة الاستفاضة، وأهمها أن يكون الشاهد قد سمعها من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب؛ لأن هذا هو الذي يقتضيه لفظ الاستفاضة (^٢)، فإنه مأخوذ من فيض الماء لكثرته، وأقل عدد يقع العلم بخبرهم أربعة، وقيل: عدلان، وقيل: يكفي عدل واحد إذا سكن القلب إليه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وجده المجد (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"دقائق أولي النهى\" (٦/ ٦٤٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٥٤)، \"مدى صلاحية الشهادة في إثبات الأحكام\" ص (٥٠٧).\n(^٣) \"المحرر\" (٢/ ٢٤٥)، \"الإنصاف\" (١٢/ ١٣).","vol":"9","page":483},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1204>جواز القضاء بشاهد ويمين</span>\n١٤١٦/ ٨ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائيُّ، وَقَال: إِسنَادةُ جَيِّدٌ.\n١٤١٧/ ٩ - وَعَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - مِثْلُهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\n• الكلام عليهما من وجوده:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nحديث ابن عباس - ﵄ - رواه مسلم في كتاب \"الأقضية\"، باب (القضاء باليمين والشاهد) (١٧١٢)، وأبو داود (٣٦٠٨)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٤٣٥) من طريق سيف بن سليمان، عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس - ﵄ -.\nوهذا الحديث مما اختلف في صحته، فصحَّحه قوم، وأعلَّه آخرون، فممَّن صحح الحديث الإمام مسلم حيث أورده في \"صحيحه\"، والنسائي، فقد قال عقبه: (هذا إسناد جيد، وسيف ثقة، وقيس ثقة …)، وقال الشافعي: (حديث ابن عباس ثابت عندنا عن رسول الله - ﷺ - الذي لا يَرُدُّ أحد من أهل العلم مثله لو لم يكن فيها غيره مع أن معه غيره مما يشده) (^١).\nونقل الحافظ عن البزار أنه قال: (في الباب أحاديث حسان أصحها حديث ابن عباس) (^٢).\n_________\n(^١) \"الأم\" (٧/ ١٦).\n(^٢) \"التلخيص\" (٦/ ٣٢٣٧).","vol":"9","page":484},{"text":"وقد أعله البخاري بالانقطاع، فقد قال الترمذي: (سألت محمدًا -يعني البخاري- فقال: عمرو بن دينار لم يسمع عندي من ابن عباس هذا الحديث) (^١).\nكما أعله -أيضًا- الطحاوي فقال: (حديث ابن عباس منكر؛ لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشيء، فكيف يحتجون بمثل هذا؟) (^٢).\nأما العلة الأولى فلا ريب أنها من أعلم خلق الله تعالى بالحديث، وسماع عمرو بن دينار من ابن عباس ثابت، أثبته البخاري نفسه، وسفيان بن عيينة وأبو حاتم (^٣)؛ لأنه لقي ابن عباس وأكثر من الرواية عنه، والبخاري لا يريد نفي السماع مطلقًا كما هو صريح عبارته، وإنما يعل هذا الحديث بذاته، أو أنه -كما يقول بعض العلماء- يشير بذلك إلى بعض الروايات التي فيها طاوس أو جابر بن زيد بين ابن دينار وابن عباس، فقد روى الدارقطني هذا الحديث من طريق عبد الله بن محمد بن ربيعة، عن محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس به (^٤).\nولعل هذا جاء من قِبَلِ بعض الضعفاء، فإن الذين زادوا طاوسًا كلهم ضعفاء، أما الثقات فرووه عن الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، ورواية الثقات لا تعلل برواية الضعفاء، كما يقول البيهقي (^٥).\nوأما العلة الثانية وهي الانقطاع بين قيس بن سعد وعمرو بن دينار ففيها نظر، فإن قيس بن سعد عاصر عمرو بن دينار وشاركه في الرواية عن عطاء، وثلاثتهم مكيون، وقد كان قيس مع عمرو بن دينار في مكة منذ ولد قيس إلى\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" (١/ ٥٤٦).\n(^٢) \"شرح المعاني\" (٤/ ١٤٥).\n(^٣) انظر: \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٣٢٨)، \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٣١)، \"التابعون الثقات\" ص (٨٦٧).\n(^٤) \"سنن الدارقطني\" (٤/ ٢١٤).\n(^٥) \"مختصر الخلافيات\" (٥/ ١٥٨)، \"التنكيل\" للمعلمي ص (٩١٥).","vol":"9","page":485},{"text":"أن مات، فالمعاصره ثابتة، وهي تكفي إذا كان الراوي غير مدلس، إن لم نقل بثبوت التلاقي (^١). ثم إن أئمة الحديث لم يقبلوا هذا من الطحاوي ولم يعرجوا عليه، وهذا البخاري مع استبعاده لصحته بظنه أن عمرًا لم يسمعه من ابن عباس لم يعرج على هذه العلة ولا اعتبرها، وهذا يقضي أن الحديث ثابت عنده عن عمرو، ولو كان هناك مجال للشك في سماع قيس من عمرولما تركه البخاري (^٢).\nوقد ذكر الحافظ في \"البلوغ\" أبا داود والنسائي ومقولة النسائي، ولعل الغرض من ذلك الإشارة إلى أن الحديث فيه كلام، وإلا فإن عادة الحافظ أن ما رواه البخاري أو مسلم يسكت عنه، وقد لا يورد أحدًا غيرهما، وكذا يقال في ذكره حديث أبي هريرة بعد حديث ابن عباس - ﵄ - مع أن اللفظ واحد، وليس في أحدهما زيادة على الآخر؛ لعله ذكره لبيان أن هذا الأصل فيه أحاديث أخرى غير ما في \"صحيح مسلم\".\nوحديث أبي هريرة - ﵁ - رواه أبو داود في كتاب \"الأقضية\"، باب (القضاء بالشاهد واليمين) (٣٦١٠)، والترمذي (١٣٤٣)، وابن ماجه (٢٣٦٨) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قضى باليمين مع الشاهد.\nقال الترمذي: (حديث حسن غريب).\nورواه أبو داود (٣٦١١)، وابن حبان (١١/ ٤٦٢) من طريق سليمان بن بلال، عن ربيعة به، وفيه: قال سليمان: فلقيت سهيلًا فسألته عن هذا الحديث، فقال: ما أعرفه، فقلت له: إن ربيعة أخبرني به عنك، قال: فإن كان ربيعة أخبرك عني فحدث به عن ربيعة عني.\nقال أبو داود بعد الرواية السابقة: (وزادني الربيع بن سليمان المؤذن في\n_________\n(^١) \"تهذيب مختصر السنن\" (٥/ ٢٢٧).\n(^٢) انظر: \"التنكيل\" ص (٩٢٦).","vol":"9","page":486},{"text":"هذا الحديث، قال: أخبرني الشافعي، عن عبد العزيز قال: فذكرت ذلك لسهيل، فقال: أخبرني ربيعة -وهو عندي ثقة- أني حدثته إياه، ولا أحفظه، قال عبد العزيز: وقد كان أصاب سهيلًا علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه، فكان سهيل بعدُ يحدثه عن ربيعة عنه، عن أبيه) (^١).\nونسيان الراوي الثقة للحديث إذا حدث عنه ثقة لا يقدح فيه على القول الراجح، وهو رأي الجمهور (^٢).\nوهذا الحديث رجاله ثقات (^٣)، قال ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة: هو صحيح (^٤).\nوله طريق آخر، أخرجه البيهقي (١٠/ ١٦٩) من طريق المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قضى باليمين مع الشاهد.\nثم روى البيهقي بعده بسنده عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: (ليس في هذا الباب -يعني: القضاء باليمين مع الشاهد- حديث أصح من هذا).\nواعلم أن القضاء بالشاهد واليمين قد روي عن النبي - ﷺ - من طرق كثيرة (^٥)، وروي القضاء به عن الخلفاء الراشدين - ﵄كما سيأتي-.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على أن للقاضي أن يحكم بالشاهد الواحد ويمين المدعي، وذلك إذا أقام المدعي شاهدًا وعَجَزَ عن الإتيان بشاهد آخر فإنه يقضي له بشاهده ويمينه.\nويجب تقديم الشهادة على اليمين، فيشهد الشاهد أولًا ثم يحلف\n_________\n(^١) \"الكفاية\" ص (٢٥٨)، \"تذكرة المؤتسي فيمن حدث ونسي\" ص (٢٨).\n(^٢) \"علوم الحديث\" ص (١١٧).\n(^٣) انظر: \"العلل\" للدارقطني (١٠/ ١٣٨).\n(^٤) \"العلل\" (١٤٠٩). وانظر: (١٣٩٢) (١٤٢٥).\n(^٥) انظر: \"التحقيق\" (١٢/ ٤٥ - ٥٦)، \"النظم المتناثر\" ص (١٦٨).","vol":"9","page":487},{"text":"صاحب الحق، وهو المدعي؛ لأنه إذا أتى بشاهد فالنصاب لم يتم، لكن ترجح جانبه بإحضار هذا الشاهد، فصارت اليمين في جانبه؛ لأنها تشرع في جانب أقوى المتداعيين، كما سيأتي إن شاء الله.\nوهذا مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد (^١)، وقد روي القضاء بذلك عن عدد من الصحابة - ﵃ - منهم الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على ما نقله ابن قدامة، وهو قول جماعة من التابعين (^٢)، وروى مالك عن أبي الزناد أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وهو عامل له على الكوفة أن اقض باليمين مع الشاهد (^٣).\nقال مالك: (مضت السنة في القضاء باليمين مع الشاهد الواحد، يحلف صاحب الحق مع شاهده ويستحق حقه، فإن نكل وأبى أن يحلف، أُحلف المطلوب، فإن حلف سقط عنه ذلك الحق، وإن أبى أن يحلف ثبت عليه الحق لصاحبه) (^٤)، ومثل هذا قال الإمام أحمد (^٥).\nوالقول الثاني: أنه لا يقبل القضاء بالشاهد مع اليمين، وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وهو قول الشعبي والنخعي والزهري والأوزاعي، بل قال محمد بن الحسن -صاحب أبي حنيفة- يفسخ القاضي القضاء به؛ لأنه خلاف القرآن (^٦).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ووجه الدلالة: أن الآية نص صريح في اشتراط العدد في الشهود، فلا يجوز أقل من هذا العدد بمفهوم المخالفة؛ لأن الله تعالى ألزم الحاكم بهذا العدد من نصاب الشهادة، كقوله\n_________\n(^١) انظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٤٣)، \"المغني\" (١٤/ ١٣٠)، \"مغني المحتاج\" (٤/ ٤٤٣).\n(^٢) \"المغني\" (١٤/ ١٣٠)، وانظر: \"الإشرف\" لابن المنذر (٤/ ٢٢٨).\n(^٣) \"الموطأ\" (٢/ ٧٢٢)، \"السنن الكبرى\" للنسائي (٥/ ٤٣٧).\n(^٤) \"الموطأ\" (٢/ ٧٢٢).\n(^٥) \"المغني\" (١٤/ ١٣٢).\n(^٦) \"الاستذكار\" (٢٢/ ٥٣)، \"المغني\" (١٣/ ١٣٠).","vol":"9","page":488},{"text":"تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] ولا يجوز الاقتصار على ما دون هذا العدد، فكذا في الشهادة (^١).\nواستدلوا بحديث ابن عباس - ﵄ - الآتي: \"البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه\" قالوا: فالنبي - ﷺ - جعل اليمين على المدعى عليه، وجَعْلُهَا على المدعي مخالفة لهذا الحديث، ثم إن اعتبار اليمين بينة غير جائز، وإلا لأدى إلى التكرار في الحديث.\nكما استدلوا بحديث الأشعث بن قيس، وفيه: فقال النبي - ﷺ - للمدعي: \"شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك\" وسيأتي الحديث. ووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - نفى أن يستحق الخصم شيئًا بغير شاهدين، فدل على أنه لا يحكم له بشاهد مع يمينه.\nوأما حديث الباب فقد طعن فيه كثير من علماء الحنفية، ومنهم الطحاوي، والكاساني، وابن التركماني (^٢)، وقد تقدم بيان ذلك، قالوا: وأحاديث القضاء بالشاهد واليمين زيادة على ما في القرآن، والزيادة نسخ.\nوالصواب في هذه المسألة هو القول الأول، لقوة دليله فإن الحكم بالشاهد واليمين رواه عدد من الصحابة -﵃-، ومضت به السنة، وأحاديث العمل بالشاهد واليمين هي زيادة على ما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ …﴾ والزيادة على نص القرآن من وظائف السنة الصحيحة، وهذا له نظائر كثيرة.\nوأما الاستدلال بالآية فليس بصريح لما يلي:\n١ - أن الله تعالى أمر أصحاب الحقوق أن يحفظوا حقوقم بهذا النصاب من الشهادة، ولم يأمر بذلك الحكام أن يحكموا به، فضلًا عن أن يكون أمرهم ألا يقضوا إلا بذلك، فطريق الحكم شيء، وطريق حفظ الحقوق شيء آخر.\n_________\n(^١) \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٤٧).\n(^٢) انظر: \"الجوهر النقي\" مع \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٦٧).","vol":"9","page":489},{"text":"٢ - أن الحاكم يحكم -عند الحنفية وغيرهم- بالنكول، واليمين المردودة على طالب الحق، وشهادة المرأة الواحدة، والنساء المنفردات لا رجل معهن، وغير ذلك من طرق الحكم التي لم تذكر في القرآن (^١).\n٣ - سلمنا باعتبار مفهوم المخالفة في الآية لكنه منسوخ بحديث ابن عباس - ﵄ - وغيره.\nوأما حديث: \"البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه\"، فلا دلالة فيه، لأمور ثلاثة:\nالأول: أن اليمين التي على المدعى عليه هي اليمين الدافعة، واليمين مع الشاهد هي اليمين الجالبة فهي غيرها، ومن ثَمَّ فلا مخالفة للحديث، بل الحديث باق على أصله، وحديث الباب إثبات ليمين أخرى (^٢).\nالثاني: أن هذا الحديث في اليمين المجردة، وحديث الباب في اليمين المقرونة ببينة وهي الشاهد؛ لأنه لما قوي جانب المدعي بالبينة ناسب أن تكون اليمين معه -كما تقدم- يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (البينة في الدعاوى عند أكثر العلماء هي: ما تبين الحق وتظهره وتوضحه، كالدليل والآية والعلامة، فمتى ترجح جانب أحدهما مثل أن يقيم المدعي شاهدًا، فإنه يحلف مع شاهده، ويُقضى له بشاهد ويمين، كما مضت به سنة رسول الله - ﷺ -، وهو قول أكثر العلماء) (^٣).\nالثالث: أن لفظ البينة اسم عام لكل ما أبان الحق وأظهره، وعليه فالحكم بالشاهد واليمين داخل تحت مسمى البينة، ولو سلمنا بدلالة الحديث لكان من قبيل الخاص مع العام، فتقدم دلالة أحاديث الشاهد واليمين لأنها خاصة.\nوأما حديث: \"شاهداك أو يمينه\" فلا دلالة فيه على نفي الاستحقاق بالشاهد واليمين؛ لأن البينة غير محصورة بالشاهدين، بدليل قبول الشاهد\n_________\n(^١) انظر: \"الاستذكار\" (٢٢/ ٥٤).\n(^٢) انظر: \"تهذيب الفروق\" (٤/ ١٤٩).\n(^٣) \"الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح\" (٤/ ٢٩٥).","vol":"9","page":490},{"text":"والمرأتين، فدل على أن المراد بـ\"شاهداك\" بينتك، وإنما خص الشاهدين بالذكر؛ لأنه الأكثر الأغلب، فالمعنى: شاهداك أو ما يقوم مقامهما (^١). ولو سلمنا بدلالة الحديث لكان من قبيل العام وأحاديث الشاهد واليمين من قبيل الخاص فتقدم.\nقال الشوكاني: (جميع ما أورده المانعون من الحكم بشاهد ويمين غير نافق في سوق المناظرة عند من له أدنى إلمام بالمعارف العلمية، وأقل نصيب من إنصاف) (^٢).\n\n• الوجه الثالث: القضاء بالشاهد واليمين يكون في الأموال أو ما يؤول إليها، كالبيع والشراء والإجارة ونحوها؛ لأن الأموال أقل خطرًا من سائر الحقوق الأخرى، ويخرج من ذلك الحد والقصاص فإنهما لا يثبتان بالشاهد واليمين، وكذا النكاح وحقوقه كالطلاق والرجعة (^٣)، وقد ذكر ابن قدامة أن العقوبات البدنية والنكاح وحقوقه لا تثبت بشاهد ويمين قولًا واحدًا (^٤).\nوقد دل على ذلك ما جاء في رواية أبي داود من طريق محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار … قال عمرو: (في الحقوق)، وعند أحمد: قال عمرو: (إنما ذاك في الأموال) (^٥). وهذا التخصيص وإن كان من كلام الراوي فإنه أعلم بتفسير ما روى من غيره، قال الخطابي: (هذا خاص بالأموال دون غيرها؛ لأن الراوي وَقَفَهُ عليها، والخاص لا يُتعدى به محله، ولا يقاس على غيرهن، واقتضاءُ العموم منه غير جائز؛ لأنه حكاية فعل، والفعل لا عموم له، فوجب صرفه إلى أمر خاص، فلما قال الراوي: (هو في الأموال) كان مقصورًا عليه) (^٦). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٨٣).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (٨/ ٣٢٢).\n(^٣) \"الموطأ\" (٢/ ٧٢٢).\n(^٤) \"المغني\" (٤١/ ١٢٨).\n(^٥) \"المسند\" (٥/ ١٢٠).\n(^٦) \"معالم السنن\" (٥/ ٢٢٥).","vol":"9","page":491},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1205>باب الدعاوى والبينات</span>\nالدعاوى: بكسر الواو وفتحها، جمع دعوى، والدعوى في الأصل هي الطلب، قال تعالى ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧]، وألفها للتأنيث، والمراد هنا: قول مقبول عند القاضي يقصد به المدعي طلب حق قِبَلَ غيره، أو دفع غيره عن حق نفسه، وتقدم هذا في \"القسامة\".\nوالبينات: جمع بينة بمعنى الحجة والعلامة، وهي في كل موضع بحسبه، والمراد بها هنا: الشاهدان أو الثلاثة أو الأربعة، أو الشاهد واليمين على قول الجمهور، كما تقدم.\nوقال ابن القيم: (البينة اسم لما يبين الحق ويظهره من الشهود وقرائن الحال، فهي أعم من البينة في اصطلاح الفقهاء حيث خصوها بالشاهدين أو بالشاهد واليمين) (^١).\nوسميت البينة بذلك لأنها تبين الحق وتوضحه بعد خفائه، من بان الشيء إذا ظهر.\n_________\n(^١) \"إعلام الموقعين\" (١/ ٩٠).","vol":"9","page":492},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1206>ما جاء في أن الدعوى لا تقبل إلا ببينة</span>\n١٤١٨/ ١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَال: \"لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رجَال وَأمْوَالهُمْ، وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n- وَللْبَيْهقِيِّ بِإسْنَادٍ صَحِيحٍ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أنكَرَ\".\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"التفسير\"، باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] (٤٥٥٢) من طريق عبد الله بن داود، ومسلم (١٧١١) من طريق ابن وهب، كلاهما عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\nوهذا لفظ مسلم، وأما البخاري فقد رواه في الموضع المذكور وفيه قصة امرأتين كانتا تخرزان في بيت، فخرجت إحداهما وقد أُنْفِذَ بِإشْفَى في كفها، فادَّعت على الأخرى … الحديث.\nوساقه في كتاب \"الرهن\" (٢٥١٤) من طريق نافع، عن ابن أبي مليكة، قال: كتبت إلى ابن عباس، فكتب إليَّ: أن رسول الله - ﷺ - قضى: أن اليمين على المدعى عليه، كذا مختصرًا، ولمسلم نحوه.\nورواه البيهقي (١٠/ ٢٥٢) من طريق الحسن بن سهل، حدثنا عبد الله بن","vol":"9","page":493},{"text":"إدريس، عن ابن جريج وعثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة، وذكر قصة المرأتين، وفيه اللفظ المذكور.\nولعل الحافظ ذكر رواية البيهقي لأنها أفادت فائدتين:\nالأولى: بيان أن البينة على المدعي.\nالثاني: تفسير المدعى عليه بأنه المنكر.\nوقد صحح الحافظ هذا الحديث هنا، وحسنه في \"فتح الباري\" (^١).\nورجاله ثقات إلا الحسن بن سهل، فقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (^٢)، وقد روى عنه أبو زرعة، وأبو زرعة لا يحدث إلا عن ثقة (^٣)، لكن أصحاب ابن جريج رووا الحديث بلفظ: \"اليمين على المدعى عليه\" كما تقدم، فالظاهر أن هذا اللفظ تفرد به عبد الله بن إدريس عن ابن جريج، ولذا أعرض عنه الشيخان.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لو يعطى الناس بدعواهم) لو: حرف امتناع لامتناع هذا هو المشهور عند النحاة؛ أي: تقتضي امتناع الجواب لامتناع الشرط.\nبدعواهم؛ أي: بمجرد دعواهم وطلبهم بان لهم حقًّا قبل فلان دون ما يثبت ذلك.\n\nقوله: (لادعى ناس …) بحذف الهمزة، أصلها: أناس فحذفت الهمزة تخفيفًا، وهو اسم جمع كقوم ورهط، واحده إنسان من غير لفظه.\nومعنى (لادعى ناس) أي: لأخذ ناس وسفكوا، وعبر بالدعوى؛ لأنها السبب في الأخذ والسفك؛ والمعنى: امتنع أخذ ناس أموال قوم لامتناع الإعطاء بالدعوى، فالكلام جاء على معنى النفي؛ لأن لو تفيد النفي؛ أي: لا يعطى الناس بدعواهم المجردة لكن بالبينة يعطون، ومفعول (يعطى) الثاني\n_________\n(^١) (٥/ ٢٨٣).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ١٧).\n(^٣) انظر: \"لسان الميزان\" (٣/ ٣٩٦).","vol":"9","page":494},{"text":"محذوف، والتقدير: لو يعطى الناسُ الأموال أو الدماءَ. وقوله: (دماء رجال) لا مفهوم له؛ لأنه خرج مخرج الغالب.\n\nقوله: (ولكنَّ اليمينَ على المدعى عليه) ضُبطت في \"صحيح مسلم\" بتشديد النون، وذكر الجرداني (^١) في شرحه على \"الأربعين\" أنها بالتخفيف (^٢)، والمدعي: هو الذي يدعي الحق فيضيف الشيء إلى نفسه، والمدعى عليه: هو الذي عليه الحق، وهو المراد بقوله: (من أنكر) وهذا من أحسن التعاريف للمدعي والمدعى عليه، فالمدعي من يضيف الشيء إلى نفسه، والمدعى عليه من ينكر، وهو أقرب إلى لفظ الحديث؛ لأنه سمى المدعى عليه منكرًا.\nومعنى (ولكن اليمين على المدعى عليه) أي: إن اليمين القاطعة للنزاع إذا لم يكن بينة على المدعى عليه، والا فإن أول الحديث دليل على أن المدعي لا بد له من بينة، والمراد باليمين هنا: اليمين الدافعة؛ لأنها تبرئ ذمته من الدعوى.\n\n• الوجه الثالث: هذا الحديث من جوامع الكلم، وهو أصل من أصول القضاء والحكم، وعليه يدور غالب الأحكام، قال القرطبي: (هذا الحديث أصل من أصول الأحكام وأعظم مرجع عند التنازع والخصام) (^٣)، ومثله قال ابن دقيق العيد (^٤). وقال ابن العطار: (هذا الحديث أصل عظيم، وقاعدة من القواعد الفقهية في باب الدعوى والبينات، وهو أن كل من ادعى دعوى فأنكر المدعى عليه، فالقول قول المدعى عليه مع يمينه إلا في مسائل …) (^٥)؛ لأن الحديث يقتضي ألا يُحكم لأحد بمجرد دعواه -وإن كان شريفًا- بحق من الحقوق -وإن كان يسيرًا- حتى يستند المدعي إلى ما يقوِّي دعواه، وإلا فالدعاوى متكافئة، والأصل براءة الذمم من الحقوق حتى يرد الدليل الناقل عن ذلك.\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"معجم المؤلفين\" (٣/ ٤٣٤).\n(^٢) \"شرح الجرداني\" ص (٢٢٤).\n(^٣) \"المفهم\" (٥/ ١٤٨).\n(^٤) \"شرح الأربعين النووية\" حديث (٣٣).\n(^٥) \"شرح الأربعين النووية\" لابن العطار ص (١٦١).","vol":"9","page":495},{"text":"• الوجه الرابع: الحكمة من جعل البينة على المدعي واليمين على من أنكر؛ أن المدعي يدعي أمرًا خفيًّا، فهو بحاجة إلى حجة قوية لإظهاره، والبينة حجة قوية؛ لأنها قول من ليس بخصم، فجعلت في جانب المدعي، وأما اليمين فهي أقل قوة؛ لأنها كلام أحد الخصمين، والمدعى عليه لا يدعي أمرًا خفيًّا، وإنما يتمسك بالأصل، وهو براءة الذمة، فصلحت له الحجة الأضعف، وهي اليمين، فجعلت في جانبه.\n\n• الوجه الخامس: اختلف العلماء هل البينة على المدعي أبدًا واليمين على المدعى عليه أبدًا؟\nالقول الأول: أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه -وهو المنكر- أبدًا، وهذا قول أبي حنيفة، ووافقه طائفة من الفقهاء والمحدثين كالبخاري (^١)، فطردوا ذلك في كل دعوى، وقالوا: لا يحلف إلا المدعى عليه، ولهذا لا يقضون بالشاهد واليمين كما تقدم، حتى في القسامة يحلِّفون المدعى عليه، لحديث: \"تأتوني بالبينة على من قتله\" قالوا: ما لنا بينة، قال: \"فيحلفون\" ولكن ضعف الحفاظ هذه الرواية لمخالفتها لروايات \"الصحيحين\": \"يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته\". وتقدم هذا في \"القسامة\".\nوالقول الثاني: أنه لا يلزم أن تكون اليمين في جانب المدعى عليه، بل في جانب أقوى المتداعيين، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد، بل سائر علماء الأمة، كما يقول ابن القيم (^٢).\nواستدلوا بما تقدم من قضاء النبي - ﷺ - بالشاهد واليمين، وفي القسامة جعلت اليمين في جانب المدعي؛ لأنه قوي جانبه باللوث.\nوأجابوا عن حديث: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) بأجوبة تقدمت، وهي:\n١ - أنه حديث عام دخله التخصيص بمثل حديث الشاهد واليمين.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٢٨٠).\n(^٢) \"الطرق الحكمية\" ص (١٠٤).","vol":"9","page":496},{"text":"٢ - أن اليمين في هذا الحديث هي اليمين الدافعة بخلاف اليمين التي على المدعي.\n٣ - أن لفظ البينة اسم عام لكل ما أبان الحق وأظهره، والشاهد مع يمين المدعي بينة. على أن ابن القيم قال عن هذا الحديث: (ليس إسناده في الصحة والشهرة مثل غيره، ولا رواه عامة أصحاب السنن المشهورة …) (^١).\n\n• الوجه السادس: في الحديث دليل على عناية الإسلام بمصالح الناس من حفظ دمائهم وأموالهم وإصلاح مجتمعهم وعدم اختلافهم ليحصل لهم الأمن على دمائهم وأموالهم. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الطرق الحكمية\" ص (١٠٤).","vol":"9","page":497},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1207>ما جاء في القرعة على اليمين</span>\n١٤١٩/ ٢ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - أَن النَّبِيَّ - ﷺ - عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا، فَأمرَ أنْ يُسْهَمَ بَينَهُمْ في الْيَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الشهادات\"، باب (إذا تسارع قوم في اليمين) (٢٦٧٤) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - عرض على قوم اليمين … الحديث.\n\n• الوجه الثاني: اختلف العلماء في معنى هذا الحديث على قولين:\nالأول: أن معناه: أن اليمين إذا توجهت على اثنين وأرادا الحلف وتنازعا أيهم يبدأ، فلا يقدم أحدهما بالتشهي ولكن بالقرعة، وعلى هذا فيكون القوم المذكورون في الحديث مدعى عليهم بعين في أيديهم -مثلًا- وأنكروا ولا بينة للمدعي، فتوجهت عليهم اليمين فتسارعوا إلى الحلف.\nالقول الثاني: أن معناه أن يتنازع اثنان عينًا ليست في يد واحد منهما ولا بينة لواحد منهما، فيقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف واستحقها، وعلى هذا المعنى اقتصر الخطابي (^١)، ويؤبد هذا حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رجلين اختصما في متاع إلى النبي - ﷺ - ليس لواحد منهما بينة، فقال النبي - ﷺ -: \"استهما على اليمين ما كان، أحبا ذلك أو كرها\" (^٢). والمعنى: اقترعا على اليمين؛ أيَّ كَوْنٍ كان هذا الاقتراع؛ أي: سواء أحبا ذلك الاستهام أو كرهاه.\n_________\n(^١) \"أعلام الحديث\" (٢/ ١٣١٢).\n(^٢) رواه أبو داود (٣٦١٦).","vol":"9","page":498},{"text":"ووجه القرعة: أنه إذا تساوى الخصمان فترجيح أحدهما بدون مرجح لا يسوغ، فلم يبق إلا المصير إلى ما فيه التسوية بين الخصمين وهو القرعة، وهذا نوع من التسوية المأمور بها بين الخصوم. والله تعالى أعلم.","vol":"9","page":499},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1208>ما جاء من الوعيد لمن اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة</span>\n١٤٢٠/ ٣ - عَنْ أَبي أُمَامَةَ الْحَارثيِّ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيهِ الْجَنَّةَ\"، فَقَال لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَال: \"وَإِنْ قَضِيبٌ مِنْ أرَاكٍ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n١٤٢١/ ٤ - وَعَنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيسٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَال امْرئٍ مُسْلِم هُوَ فيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيهِ غَضْبَانُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nأما الأول: فهو أبو أمامة، إياس بن ثعلبة الحارثي البلوي الأنصاري الخزرجي، حليف بني حارثة بن الحارث من الأنصار، وهو ابن أخت بُردة بن نِيَارٍ، وهو غير أبي أمامة الباهلي، مشهور بكنيته، مختلف في اسمه، والصحيح ما ذُكِرَ على ما قرره ابن عبد البر، وعزاه ابن حجر للأكثر، وقال أبو حاتم: اسمه ثعلبة بن سهل، له صحبة، روى عن النبي - ﷺ - ثلاثة أحاديث، أحدها: حديث الباب على ما ذكر ابن عبد البر، وذكر أنه لم يشهد بدرًا؛ لأن أمه مرضت، فرده النبي - ﷺ -، فلما رجع النبي - ﷺ - وجدها قد ماتت، فصلى عليها، روى عنه ابنه عبد الله، وعبد الله بن كعب بن مالك، وغيرهما (^١).\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٤٦٢)، \"الاستيعاب\" (١١/ ١٢٩)، \"شرح النووي على صحيح=","vol":"9","page":500},{"text":"أما الثاني: فهو أبو محمد الأشعث بن قيس بن معديكرب الكندي، اسمه معديكرب باسم جده، والأشعث لقب له، لشعث في رأسه، كان شريفًا في قومه ورئيسًا مطاعًا في الجاهلية والإسلام، قدم على رسول الله - ﷺ - سنة عشر في سبعين رجلًا من قومه، ثم ارتد عن الإسلام بعد موت النبي - ﷺ -، ثم رجع في خلافة أبي بكر - ﵁ -، وزوجه أبو بكر -بعد أن رجع عن ردته- أخته أم فروة بنت أبي قحافة، في قصة طويلة، وهي أم محمد الذي كني به. خرج الأشعث مع سعد بن أبي وقاص إلى العراق وشهد اليرموك، وبها أصيبت عينه، ثم شهد القادسية بالعراق، والمدائن وغيرها، ثم نزل الكوفة ومات بها سنة أربعين، وقيل: اثنتين وأربعين (^١) - ﵁ -.\n\n• الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث أبي أمامة فقد رواه مسلم في كتاب \"الإيمان\" باب (وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار) (١٣٧) من طريق العلاء بن عبد الرحمن مولى الحُرَقَةِ (^٢)، عن معبد بن كعب السَّلَمِي، عن أخيه عبد الله بن كعب، عن أبي أمامة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\nوأما حديث الأشعث بن قيس فقد رواه البخاري في عدة مواضع من \"صحيحه\" ومنها: في كتاب \"الأيمان والنذور\"، باب (قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] (٦٦٧٦) (٦٦٧٧)، ومسلم (١٣٨) من طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن رسول الله - ﷺ - قال: \"من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان\" قال: فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قالوا: كذا وكذا، قال: صدق أبو عبد الرحمن، فيَّ نزلت، كان بيني وبين رجل أرض باليمن، فخاصمته إلى النبي - ﷺ - فقال: \"هل لك بينة؟ \" فقلت:\n_________\n= مسلم\" (٢/ ٥١٧)، \"تهذيب الكمال\" (٣٣/ ٤٩)، \"الإصابة\" (١١/ ١٨).\n(^١) \"السير\" (٢/ ٣٧)، \"الإصابة\" (١/ ٧٩ - ٨٠)، \"المعارف\" لابن قتيبة ص (٣٣٣).\n(^٢) بطن من جهينة.","vol":"9","page":501},{"text":"لا، قال: \"فيمينه\" قلت: إذن يحلف، فقال رسول الله - ﷺ - عند ذلك: \"من حلف على يمين صبر … \" وذكر بقية الحديث، وفي آخره: فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا …﴾ إلى آخر الآية. وهذا لفظ مسلم.\n\n• الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (من اقتطع) افتعل من القطع؛ أي: أخذ؛ لأن من أخذ شيئًا لنفسه فقد قطعه عن مالكه، وعبر بـ (اقتطع) دون قطع؛ لأنه أخص لإشعاره بالعمد.\n\nقوله: (حق امرئ مسلم) هذا لفظ يعم المال وغيره، فيدخل فيه من حلف على غير مال كجلد ميتة وآلة طَرَبٍ وغير ذلك من النجاسات التي ينتفع بها، وكذا سائر الحقوق التي ليست بمال كحد القذف ونصيب الزوجة في القسم.\n\nقوله: (بيمينه) لفظ مطلق، لكنه مقيد باليمين الفاجرة، كما في الحديث الآتي، ولعل هذا غرض الحافظ من إيراد حديث الأشعث بعد حديث أبي أمامة - ﵁ -.\n\nقوله: (فقد أوجب الله له النار) هذا من أحاديث الوعيد التي يرى سلف هذه الأمة كالإمام مالك والإمام أحمد أنها لا تفسر؛ ليكون أقوى في الردع والزجر عن تعاطي الأيمان الفاجرة، ويرى آخرون أنها تفسر وتحمل على من استحل ذلك ومات عليه، فإنه يكفر ويخلد في النار، أو أنه مستحق للنار، والله تعالى قد يعفو عنه إن شاء، وهذا قول ضعيف، والصواب الأول (^١)، وسيأتي لهذا مزيد في كتاب \"الجامع\" إن شاء الله تعالى.\n\nقوله: (وإن كان شيئًا يسيرًا) خبر كان، واسمها يعود على ما تقدم؛ أي: وإن كان المقتطع شيئًا يسيرًا.\n\nقوله: (وإن قضيب من أراك) بالرفع في نسخ \"البلوغ\"، قال النووي: (هكذا بالرفع في بعض الأصول أو أكثرها، وفي كثير منها: (وإن قضيبًا) بالنصب على أنه خبر لكان المحذوفة، أو أنه مفعول لفعل محذوف\n_________\n(^١) انظر: \"فتح المجيد\" ص (٣٢٠)، \"القول المفيد على كتاب التوحيد\" (٢/ ١١٢).","vol":"9","page":502},{"text":"تقديره: وإن اقتطع قضيبًا) (^١).\nوأما الرفع فعلى أنه نائب فاعل لفعل مقدر؛ أي: وإن اقتُطع، وجاء في بعض النسخ (وإن كان قضيبًا …) وهو واضح (^٢).\nوالقضيب: هو الغصن المقطوع، فعيل بمعنى مفعول، والأراك: شجر معروف يستأك بأعواده بل هو أفضل ما يستاك به. وهذا مبالغة في القلة.\n\nقوله: (من حلف على يمين) أي: حلف بالله تعالى؛ لأنه المراد عند الإطلاق، والمراد باليمين: الأمر المحلوف عليه؛ أي: من حلف على أمر. وقد ورد في حديث ابن مسعود: (من حلف على مال امرئ مسلم) (^٣)، لكن لفظ \"الصحيحين\": (على يمينِ صبرٍ) بالإضافة، وهي بفتح الصاد وإسكان الباء، ويمين الصبر: هي اليمين التي تَلْزم ويُجبر الحالف عليها، يقال: صَبَرْته صبرًا: حلَّفته جَهْدَ القسم (^٤).\n\nقوله: (مال امرئ مسلم) نكرة مضافة، فتفيد العموم، ويؤيد العموم ما تقدم في حديث أبي أمامة: فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: (وإن قضيبٌ من أراك).\nوذكر المسلم خرج مخرج الغالب، وكأن ذلك لأن الخطاب مع المسلمين، وإلا فالذمي مثل المسلم في هذا الحكم، وقيل: إن هذا الوصف له مفهوم، وأن هذه العقوبة العظيمة مختصة بمن اقتطع مال المسلم لا مال الذمي، وإن كان اقتطاع مال الذمي محرمًا فله عقوبة أخرى.\n\nقوله: (هو فيها فاجر) أي: هو في الإقدام عليها؛ أي: على اليمين فاجر، والفاجر: هو الذي يخرج عن الحق عمدًا حتى يصير الحق باطلًا والباطل حقًّا، والمراد بالفجور لازمه وهو الكذب، وفي بعض الروايات: (يمين كاذبة).\n_________\n(^١) \"شرح النووي\" (٢/ ٥١٨).\n(^٢) \"المفهم\" (١/ ٣٤٧).\n(^٣) رواه البخاري (٢٢٢٩)، ومسلم (١٣٨).\n(^٤) \"المصباح المنير\" ص (٣٣١).","vol":"9","page":503},{"text":"قوله: (لقي الله وهو عليه غضبان) الغضب صفة من صفات الله تعالى، مقتضاها كراهة المغضوب عليه والانتقام منه.\nوخص هذا الفعل بالغضب دون غيره لكونه ارتكب أمورًا عظيمة، وهي اليمين الفاجرة، وهي اليمين الغموس، ورَدُّ الحق باطلًا، وأخذ مال المسلم بغير حق، مع ما في ذلك من الاستهانة باليمين وتضليل القضاة إن كان الحكم عن طريق القاضي.\n\n• الوجه الرابع: في الحديث وعيد شديد وتغليظ أكيد لمن اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، وإنما اقتطعه بخصومته الفاجرة ويمينه الكاذبة، وهذا يدل على تحريم أخذ أموال الناس بالدعاوى الكاذبة والأيمان الفاجرة وأن ذلك من كبائر الذنوب المتوعد عليها بغضب الله تعالى، لقوله: (لفي الله وهو عليه غضبان) ومَنْ غَضِبَ الله عليه فهو في عداد الهالكين الذين حرمهم جنته وأوجب لهم عذابه.\n\n• الوجه الخامس: وجوب الحذر من حقوق الخلق بالأيمان الكاذبة مهما كانت قليلة، لقوله: (وإن قضيبٌ من أراك) فإن هذا يدل على أن استحقاق النار يكون بمجرد اليمين الكاذبة في اقتطاع الحق وإن كان شيئًا يسيرًا لا قيمة له في عرف الناس. والله تعالى أعلم.","vol":"9","page":504},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1209>إذا تداعى اثنان شيئًا ولا بينة لهما</span>\n١٤٢٢/ ٥ - عَنْ أبي مُوسى - ﵁ - أَنَّ رَجُلَينِ اخْتَصَمَا إلى النَّبيّ - ﷺ - في دَابَّةٍ، لَيسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَضَى بِهَا بَينَهُمَا نِصْفَينِ. رَوَاهُ أَحَمْدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائيُّ، وَهذَا لَفْظُهُ، وَقَال: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٣٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩)، وأبو داود في كتاب \"الأقضية\"، باب (الرجلين يدعيان شيئًا وليس لهما بينة) (٣٦١٣)، والنسائي في \"المجتبى\" (٨/ ٢٤٨) وفي \"الكبرى\" (٥/ ٤٢٩)، وابن ماجه (٢٣٣٠) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى أن رجلين … وذكر الحديث.\nوهذا لفظ النسائي -كما قال الحافظ- قال في \"الكبرى\": (إسناد هذا الحديث جيد).\nوالحديث في سنده ومتنه اختلاف، ومقولة النسائي هذه موجودة في \"الكبرى\" دون الصغرى، ولم يذكرها المزي في \"التحفة\" (^١) أما في سنده فإن الحديث مداره على قتادة، ما عدا رواية سماك بن حرب الآتية، وقد اختلف فيه على قتادة اختلافًا كثيرًا، وقد روي موصولًا كما تقدم، وروي مرسلًا، ذكر هذا الاختلاف الدارقطني في \"العلل\" (٧/ ٢٠٣)، والبيهقي (١٠/ ٢٥٤).\nومن وجوه الاختلاف ما رواه البيهقي (١٠/ ٢٥٥) من طريق محمد بن\n_________\n(^١) (٦/ ٤٥٢).","vol":"9","page":505},{"text":"جعفر، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه مرسلًا، لم يذكر فيه أبا موسى في الإسناد، وقد ذكر الترمذي في \"العلل\" أنه سأل محمدًا -يعني: البخاري- عن هذا الحديث فقال: (يرجع هذا الحديث إلى حديث سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة، قال البخاري: روى حماد بن سلمة، قال: قال سماك بن حرب: أنا حدثت أبا بردة بهذا الحديث) (^١).\nقال البيهقي بعد إيراد كلام البخاري: (وإرسال شعبة هذا الحديث عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه في رواية غندر عنه كالدلالة على ذلك، والله أعلم) (^٢)؛ أي: كالدلالة على صحة ما قال البخاري من أن الحديث مرسل، وعلى هذا فأبو بردة لم يسمع الحديث من أبيه أبي موسى الأشعري - ﵁ - وإنما سمعه من سماك بن حرب، وقد حدث به سماك عن تميم بن طرفة، وقد جاء ذلك عند ابن أبي شيبة (٦/ ٣١٦) (١٠/ ١٥٦) من طريق أبي الأحوص، وعند الطحاوي في \"شرح المشكل\" (١٢/ ٢٠٦) من طريق حماد بن سلمة، وعند البيهقي (١٠/ ٢٥٨ - ٢٦٠) من طريق أبي عوانة، ثلاثتهم عن سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة أن رجلين ادعيا بعيرًا، فأقام كل واحد منهما شاهدين، فقضى به رسول الله - ﷺ - بينهما نصفين … الحديث، وهذا السياق كما ترى مخالف لسياق المتن السابق. وتميم بن طرفة تابعي ثقة.\nوأما الاختلاف في متنه، فقد رواه أبو داود في \"المراسيل\" (٣٣٠) من طريق أبي الأحوص، ومن طريق سفيان الثوري كلاهما عن سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة، قال: وجد رجل مع رجل ناقة له، فارتفعا إلى النبي - ﷺ - فأقام البينة أنها ناقته، وأقام الآخر البينة أنه اشتراها من العدو، قال النبي - ﷺ -: \"إن شئت فخذها بما اشتراها به، وإن شئت فدع\".\nوهذا سند حسن إلى مرسله، وسفيان الثوري ممن روى عن سماك بن حرب قبل التغير (^٣).\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" (١/ ٥٦٥).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٥٨).\n(^٣) انظر: \"الكواكب النيرات\" ص (٢٤٠).","vol":"9","page":506},{"text":"• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (في دابة) الدابة في اللغة اسم كل ما يَدِبُّ على الأرض، وخصها أهل العرف بذوات الأربع، والظاهر أن هذه الدابة كانت بعيرًا، فقد جاء في رواية أبي داود: (أن رجلين ادعيا بعيرًا أو دابة …)، وفي رواية: (أن رجلين ادعيا بعيرًا …).\n\nقوله: (ليس لواحد منهما بينة) أي: ليس لواحد منهما بعينه بينة بل لهما؛ والمعنى: أن كلًّا منهما له بينة، أو لا بينة أصلًا، وهذا أظهر، ويدل للمعنى الأول رواية أبي داود من طريق همام، عن قتادة: (أن رجلين ادعيا بعيرًا على عهد رسول الله - ﷺ - فبعث كل واحد منهما شاهدين، فقسم النبي - ﷺ - بينهما نصفين) (^١). وهذا على أنها قصة واحدة.\n\n• الوجه الثالث: استدل الفقهاء بهذا الحديث على أنه إذا ادعى اثنان عينًا كبعير أو شاة ونحوهما، وليس لواحد منهما بينة، فإن العين بينهما. قال الموفق: (لا نعلم في هذا خلافًا) (^٢)، وذلك لاستوائهما في الملك باليد؛ لأن ظاهر الحديث أن العين بيدهما معًا كدابة يركبانها، أو أرضًا بينهما ونحو ذلك، وذلك لأن يد كل واحد منهما على نصفها، وإنما قلنا: إن ظاهر الحديث أن العين بيدهما؛ لأنها لو كانت بيد أحدهما لما جعلت نصفين، وإنما تكون لمن هي بيده بيمينه، إلا إن كان له بينة فإنه يقضى له ببينته.\nومثل هذا لو أقام كل واحد منهما البينة على دعواه تساقطتا وصارتا كالعدم، وحَكَمَ الحاكم بما ادعياه بينهما نصفين لاستوائهما في البينة.\nوعلى هذا فما ورد في حديث أبي موسى بروايتيه -لو صَحَّ- يحتمل فيه أن القصة واحدة، ولما تعارضت البينتان تساقطتا فصار كمن لا بينة له، وبهذا يجمع بين الروايات.\nويحتمل أن البعير كان في يد غيرهما فلما أقام كل واحد منهما شاهدين\n_________\n(^١) \"السنن\" (٣٦١٥).\n(^٢) \"المغني\" (١٤/ ٢٨٥).","vol":"9","page":507},{"text":"على دعواه نُزِعَ البعير من يد المدعى عليه وأُعطي لهما، ويدل لذلك رواية النسائي: (ادعيا دابة وجداها عند رجل فأقام كل واحد منهما شاهدين، فلما أقام كل واحد منهما شاهدين، نزعت من يد الثالث، ودفعت إليهما) (^١).\nوهذا كله من الاضطراب في حديث أبي موسى - ﵁ -.\nوالقول بقسمة العين عند تعارض البينتين هو قول للشافعي، وهو قول مالك، وأبي حنيفة ورواية عن أحمد، لما تقدم، وقال الشافعي ورواية عن أحمد ذكرها الخرقي إنه لا بدَّ من الحلف فيصير المختلفان كمن لا بينة له، فيحلف كل واحد منهما على النصف المحكوم له به (^٢).\nوالأول أظهر لوجود البينة في كل نصف من العين، والبينة الراجحة يحكم بها من غير يمين. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٤٢٩).\n(^٢) \"المغني\" (١٤/ ٢٨٦).","vol":"9","page":508},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1210>ما جاء في تعظيم اليمين عند منبر الرسول - ﷺ </span>-\n١٤٢٣/ ٦ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَال: \"مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هذا بيَمِينٍ آثمةٍ تبوأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ\". رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٢٣/ ٥٤)، وأبو داود في كتاب \"الأيمان والنذور\"، باب (ما جاء في تغليظ اليمين عند منبر النبي - ﷺ -) (٣٢٤٦)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٤٣٧)، وابن ماجه (٢٣٢٥)، وابن حبان (١٠/ ٢١٠) كلهم من طريق هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن نِسْطاس، عن جابر - ﵁ - مرفوعًا.\nوهذا لفظ النسائي وابن ماجه وابن حبان، ولفظ أبي داود: \"لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة، ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار\" أو \"وجبت له النار\"، ونحوه لابن ماجه.\nوهذا الإسناد رجاله ثقات، أخرج لهم الشيخان، غير عبد الله بن نسطاس المدني، فقد وثقه النسائي وابن عبد البر (^١)، واحتج به مالك، فروى عنه هذا الحديث في \"موطئه\" (٢/ ٧٢٧)، وقال الذهبي: (لا يعرف، تفرد عنه هاشم بن هاشم) (^٢).\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (٢٢/ ٨٣)، \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٥١).\n(^٢) \"الميزان\" (٢/ ٥١٥).","vol":"9","page":509},{"text":"والحديث له شواهد منها: حديث أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: أشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (ما من عبد أو أمة يحلف عند هذا المنبر على يمين آثمة، ولو على سواك رطب إلا وجبت له النار\". رواه ابن ماجه (٢٣٢٦)، وأحمد (١٤/ ٩٩)، والحاكم (٤/ ٢٩٧) من طريق الحسن بن يزيد بن فروخ، قال: سمعت أبا سلمة يقول: سمعت أبا هريرة - ﵁ - يقول: … الحديث، قال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين، فإن الحسن بن يزيد هذا هو أبو يونس القوي العابد)، وهذا فيه نظر، فإن الحسن بن يزيد لم يخرج له الشيخان ولا أحدهما (^١)، وهو ثقة، كما في \"التقريب\"، ثم إن أبا حاتم قد رَدَّ هذا وقال: (ليس هو بأبي يونس، ولكنه الحسن بن يزيد الضمري) (^٢).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (على منبري) أي: عند منبري، كما تقدم في رواية أبي في اود، ويحتمل بقاؤها على معناها (^٣).\n\nقوله: (بيمين آثمة) أي: كاذبة، كما في حديث أبي أمامة: \"من حلف عند منبري هذا بيمين كاذبة يستحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه عدلًا ولا صرفًا\" (^٤)، وسميت اليمين بهذا كتسميتها فاجرة اتساعًا حيث وصفت بوصف صاحبها؛ أي: ذات إثم.\n\nقوله: (تبوأ مقعده من النار) أي: اتخذ لنفسه منزلًا في النار، يقال: تبوأ الرجل المكان: إذا اتخذه سكنًا.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على عظيم إثم من حلف على منبر رسول الله - ﷺ - كاذبًا في يمينه؛ لأن هذا المكان محل تعظيم ومحل اقتداء وتَأَسٍّ بالنبي - ﷺ -، ومحل تذكر لما كان يقوله - ﷺ - على هذا المنبر، فجاء هذا الحالف بأضداد هذه الأوصاف، فاستحق هذا الوعيد.\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب الكمال\" (٦/ ٣٤٢).\n(^٢) انظر: \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٤٣).\n(^٣) \"الاستذكار\" (٢٢/ ٨٤).\n(^٤) رواه النسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٤٣٧).","vol":"9","page":510},{"text":"• الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال بمشروعية تغليظ اليمين بالمكان، والمراد بتغليظ اليمين: أن يحلف المدعى عليه باليمين في زمان أو مكان يُعتقد أنَّه يوقع الرهبة في نفس الحالف مما يجعله لا يقدم على الحلف باليمين إلَّا إذا كان صادقًا فيما يقول:\nفالتغليظ بالمكان كأن يحلف بين الركن والمقام في مكة، أو عند منبره - ﷺ - في المدينة، وفي المسجد في غيرهما، والتغليظ بالزمان سيأتي.\nومسألة التغليظ في اليمين موضع خلاف بين أهل العلم، فمن أهل العلم من قال بتغليظ اليمين، وهم المالكية، والشَّافعية، بل نسبه ابن حجر إلى الجمهور (^١)، ونقله عنه الشوكاني (^٢)، على خلاف بينهم في المقدار الذي ينبغي أن تغلظ فيه اليمين، ودليلهم هذا الحديث، وحديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - الآتي.\nوقد ذكروا تغليظ اليمين في كل أمر عظيم خطره، مثل القصاص والطلاق واللعان.\nوذهبت الحنفية (^٣)، والحنابلة (^٤)، إلى أنَّه لا يشرع التغليظ لا في زمان ولا مكان، وهو اختيار البخاري، فقد بوب في \"صحيحه\" بقوله: (بابٌ: يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين، ولا يصرف من موضع إلى غيره)، واستدلوا بأن الأحاديث الواردة في أحكام اليمين لم تخص مكانًا دون مكان -كما يقول البخاري - مثل حديث: (اليمين على المدعى عليه)، وحديث: (شاهداك أو يمينه).\nوأجابوا عن حديث الباب بأنه ليس فيه ما يدل على جواز التغليظ بالمكان، وإنَّما يدل على تعظيم ذنب الحالف على منبره - ﷺ - كاذبًا، وكذا حديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - الآتي يدل على عظم ذنب الحالف بعد العصر لا على التغليظ في الزمان.\n_________\n(^١) \"الأم\" (٧/ ٦٣٦)، \"الاستذكار\" (٢٢/ ٨٧)، \"فتح الباري\" (٥/ ٢٨٤).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (١٥/ ٥٤٤).\n(^٣) \"بدائع الصنائع\" (٦/ ٢٢٧ - ٢٢٨).\n(^٤) \"المغني\" (١٤/ ٢٢٤).","vol":"9","page":511},{"text":"والقول الثالث: أن تغليظ اليمين راجع إلى اجتهاد القاضي (^١)، بحسب ما يراه من مصلحة القضية وحال المتخاصمين وقوة إيمانهم أو ضعفه، فإن رأى التغليظ غَلَّظَ، كأن يكون المدعى عليه رجلًا مبطلًا متهاونًا باليمين، ولو غلظ عليه لاحتمل ألا يحلف، وإن لم يحيى التغليظ فلا بأس بتركه، كما لو كان المنكر رجل صدق.\nوقد ورد عن جماعة من الصحابة - ﵃ - طلب التغليظ على خصومهم في الإيمان بالحلف بين الركن والمقام، وعلى منبره - ﷺ -، وورد عن بعضهم الامتناع من الإجابة إلى ذلك (^٢).\nلكن لو أَبى الحالف التغليظ لم يكن ناكلًا؛ لأنه قد بذل الواجب عليه، وقيل: بل يعتبر، إذ لو لم يُلْزَمْ به ما كان فيه زجر.\nوالظاهر الأول، لحديث: \"من حُلف له بالله فليرض\" (^٣)، قال الشوكاني: (الحق عدم وجوب إجابة الحالف لمن أراد تحليفه في زمان مخصوص أو مكان مخصوص أو بألفاظ مخصوصة) (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٤/ ٢٢٤).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥).\n(^٣) رواه ابن ماجة (٢١٠١)، قال البوصيري (٢/ ١٤٣): (هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات). وفيه محمد بن عجلان، وهو صدوق لا بأس به، وحَسَّنَ الحديث الحافظ في \"فتح الباري\" (١١/ ٥٣٥ - ٥٣٦) مع أن الحديث من رواية ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-، فأين أصحاب نافع عن هذا الحديث؟!.\n(^٤) \"نيل الأوطار\" (١٥/ ٥٤٧).","vol":"9","page":512},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1211>ما جاء في تغليظ اليمين الكاذبة بعد العصر</span>\n١٤٢٤/ ٧ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"ثَلَاثَةُ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ: رجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ لأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في مواضع من \"صحيحه\" ومنها: في كتاب \"الشهادات\"، باب (اليمين بعد العصر) (٢٦٧٢)، ومسلم (١٠٨) من طريق الأعمَش، عن أبي صالح، عن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - مرفوعًا، وهذا لفظ مسلم.\n\n• الوجه الثاني: في شرع ألفاظه:\n\nقوله: (ثلاثة) أي: ثلاثة أشخاص، وهو مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة إفادتها التقسيم، والخبر (لا يكلمهم الله) (^١).\n\nقوله: (لا يكلمهم الله يوم القيامة) الكلام المنفي هنا هو كلام الرضا واللطف، وهذا وعيد شديد؛ لأن الله تعالى يكلم أهل الإيمان، ونفي الكلام عن هؤلاء دليل على إثبات أصله؛ لأنه لما نفاه عن قوم دل على ثبوته\n_________\n(^١) \"عمدة القاري\" (١٠/ ٢٠٥).","vol":"9","page":513},{"text":"لغيرهم (^١)، وقد قال - ﷺ -: \"ما منكم من أحد إلَّا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان\" (^٢)، وهذا اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز.\nويحتمل أن الحديث على ظاهره وأن الله تعالى لا يكلمهم أصلًا، وأنهم يذهب بهم إلى النار بدون سؤال ولا محاسبة، وعلى هذا يكون حديث الباب مخصِّصًا لحديث: (ما منكم من أحد. ..) (^٣).\n\nقوله: (ولا ينظر إليهم) أي: نظر رحمة ولطف بهم وإحسان إليهم، وهذا ليس بتأويل، إنما التَّأويل لو قيل: (لا ينظر إليهم) أي: لا يرحمهم، وهنا أثبتنا النظر، وقصرناه على نوع، فقلنا: نظر رحمة، وهذه العبارة تثبت أصل النظر؛ لأن الله تعالى لا يحجب بصره شيء أبدًا في أي وقت كان.\n\nقوله: (ولا يزكيهم) إما بمعنى لا يثني عليهم ولا يشهد لهم بالإيمان بسبب أفعالهم؛ لأن التزكية بمعنى التوثيق والتعديل، أو لا يطهرهم من دنس الذنوب بل يَرِدُونَ يوم القيامة وهم متدنسون بالذنوب العظائم ومتلوثون بالجرائم.\n\nقوله: (ولهم عذاب الميم) أي: عقوبة شديدة موجعة؛ لأنه لما عظمت ذنوبهم عظمت عقوبتهم.\nوالتنصيص على العدد لا ينافي الزائد، فالذي ذكر من الوعيد لا ينحصر في هؤلاء الثلاثة، بل ورد في أحاديث أخرى.\n\nقوله: (رجل) بالرفع بدل من ثلاثة.\n\nقوله: (على فضل ماء) من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: على ما فاضلٍ عن كفايته، وهذا قيد لابُدَّ منه إشارة إلى أنَّه غير محتاج إليه ومع ذلك منع من هو محتاج إليه.\n_________\n(^١) \"فتح المجيد\" ص (٤٨٩)، \"القول المفيد\" (٣/ ٢٢٤).\n(^٢) رواه البخاري (١٤١٣)، ومسلم (١٠١٦).\n(^٣) \"شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري\" (٢/ ٦٢).","vol":"9","page":514},{"text":"قوله: (بالفلاة) هي الأرض الواسعة المقفرة، جمعها فلوات وفَلًا وفُلي كعُصي وعَصًا.\n\nقوله: (يمنعه من ابن السبيل) أي: المسافر، والسبيل هو الطَّرِيق سمي به لملازمته له.\n\nقوله: (بسلعة) أي: بمتاع، وهي بكسر السين، جمعها سِلَعٌ، وهو اسم لكل ما يُتَّجَرُ به.\n\nقوله: (بعد العصر) خص بعد العصر لشرف الزمان، لارتفاع الملائكة بالأعمال إلى الله تعالى، وإلَّا فاليمين الفاجرة محرمة كل وقت، أو لأن العصر هي الوسطى فلها من الخصوصية ما يؤكد على مصليها أن يظهر عليه التحفظ والاهتمام بأمور دينه ودنياه ويختم نهاره بالتسبيح والأذكار لا بالأيمان الكاذبة.\n\nقوله: (لَأَخَذَهَا) أي: لقد أخذها؛ بمعنى: اشتراها، ودخول اللام وحدها على الماضي المثبت المتصرف قليل، والغالب تصديرها باللام الجوابية وقد، وفي رواية للبخاري: \"لقد أُعطي بها كذا وكذا\" فيشمل الكذب في قيمة السلعة التي اشتراها بها، والكذب في السوم.\n\nقوله: (فصدقه) أي: المشتري، فاشترى السلعة بذلك الثمن الذي حلف أنَّه أخذها به اعتمادًا على حلفه.\n\nقوله: (وهو على غير ذلك) الضمير عائد على مصدر الفعل (أخذها) أي: والأخذ (على غير ذلك) أي: على غير ما حلف عليه.\n\nقوله: (ورجل بايع إمامًا) أصل البيع في كلام العرب المعاوضة في الأموال وغيرها، ثم سميت المعاقدة والمعاهدة مبايعة، إما لأن البيعة تكون بمد الباع وأخذ الكف، أو لما فيها من المعاوضة كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره.\nوالمراد بالإمام: الإِمام الأعظم.","vol":"9","page":515},{"text":"قوله: (لا يبايعه إلَّا للدنيا) أي: لأجل شيء يحصل له من متاع الدنيا.\n\nقوله: (فإن أعطاه) الفاء تفسيرية، تفسر مبايعته للإمام للدنيا.\n\nقوله: (وفَى) أي: أدى ما عليه من الطاعة مع أن الوفاء واجب مطلقًا.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث وعيد عظيم وزجر شديد لمن اتصف بواحدة من الصفات المذكورة بأن الله تعالى لا يكلمهم يوم القيامة كلام محبة ورضا، ولا ينظر إليهم نظر رحمة ولطف، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، فحالهم حال المغضوب عليهم لعظم جرمهم.\nوهذا وعيد، وقد يتوب الله عليهم ويرحمهم فضلًا منه ﷾، وقد يوفقهم لتوبة صادقة في الدنيا.\n\n• الوجه الرابع: استدل بعض العلماء بهذا الحديث على إثبات صفة الكلام لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته؛ لأن نفي الكلام عن هؤلاء دليل على أن الله تعالى يكلم من أطاعه، ومثل هذا في الاستدلال قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥].\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على تحريم منع الآخرين من الماء الفاضل عن حاجة الإنسان، وأنه يجب على الإنسان بذل ما فضل عن كفايته، ولا سيما إذا كان طالب الماء مسافرًا وفي أرض فلاة، قال ابن بطَّال: (فيه دلالة على أن صاحب البئر أولى من ابن السبيل عند الحاجة، فإذا أخذ حاجته لم يجز له منع ابن السبيل) (^١).\nوقد ورد في بعضى الروايات عند البخاري: \"ورجل منع فضل مائه، فيقول الله: اليومَ أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك\" (^٢)، ولا يلزم من ذلك مواجهته بهذا الكلام؛ لئلا يعارض هذا ما تقدم أول الحديث من أن الله تعالى لا يكلم هؤلاء، فيكون الكلام لله تعالى بلا مخاطبة، ويحتمل أن\n_________\n(^١) \"شرح صحيح البخاري\" (٦/ ٤٩٩)\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٧٤٤٦).","vol":"9","page":516},{"text":"يكون الكلام من الملائكة الذين يتولون عذابه أو غير ذلك (^١). أما على القول بأن الكلام المنفي هو كلام الرضا والمحبة فلا إشكال، والله أعلم.\n\n• الوجه السادس: الحديث دليل على تحريم اليمين الكاذبة التي يَقْصِدُ بها أكل مال أخيه بالباطل، بان يحلف البائع أنَّه اشتراها بكذا أو أنَّه أُعطي بها كذا، ليغر المشتري، فيشتريها منه بزيادة عن ثمنها الأصلي، ولا سيما إذا كان الحلف في زمان فاضل، فهذا قد ارتكب إثمًا عظيمًا؛ لأنه جمع بين الكذب وبين اليمين بالله تعالى وهو كاذب، وبين الحلف في زمن فاضل، وبين خداعه للمشتري وأكله مال أخيه بالباطل.\n\n• الوجه السابع: استدل بهذا الحديث من قال بمشروعية تغليظ اليمين في الزمان (^٢)، بأن يكون الحلف بعد العصر أو يوم الجمعة ونحو ذلك، وقد تقدم أن الحديث ليس فيه دلالة على ذلك، وأن الصواب أن التغليظ مرجعه إلى اجتهاد القاضي.\n\n• الوجه الثامن: تحريم مبايعة الإِمام لأجل غرض من أغراض الدنيا؛ لأنها بيعة مبنية على غرض فاسد، والواجب أن تكون البيعة لأجل مقاصد الإمامة من إقامة شعائر الله ونصرة دينه والنصح للرعية. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري\" (٢/ ٦٣ - ٦٤).\n(^٢) انظر: \"شرح السنة\" (١٠/ ١٤٣).","vol":"9","page":517},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1212>إذا تداعى اثنان شيئًا بيد أحدهما وأقاما بينة</span>\n١٤٢٥/ ٨ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ رَجُلَينِ اخْتَصَمَا في نَاقَةٍ، فَقَال كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: نُتِجَتْ عِنْدِي، وَأَقَامَا بَيِّنَةً، فَقَضى بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِمَنْ هِيَ في يَدِهِ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه الدَّارَقُطني (٤/ ٢٠٩) -كما سيذكره الحافظ مع الحديث الذي بعده- والبيهقي (١٠/ ٢٥٦) من طريق زيد (^١) بن نعيم، حدَّثنا محمد بن الحسن، حدَّثنا أَبو حنيفة، عن هيثم الصيرفي، عن الشعبي، عن جابر﵁ - أن رجلين اختصما إلى النبي - ﷺ - في ناقة، فقال كل واحد منهما: نُتجت هذه الناقة عندي وأقام بينة … الحديث.\nوهذا سند ضعيف، كما قال الحافظ؛ لأن فيه زيد بن نعيم، قال عنه الذهبي: (لا يعرف في غير هذا الحديث) ثم ساق حديثه هذا وقال: (هذا حديث غريب، أخرجه الدَّارَقُطني) (^٢).\nوأعله ابن القطان بزيد بن نعيم، وبأبي حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن (^٣).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (في ناقة) على وزن فَعَلَة بالتحريك، وهي الأنثى من الإبل، تجمع على نياق، كثمرة وثمار، أو على نُوقٍ مثل بدنة وبُدْنٍ.\n_________\n(^١) وقع في طبعة عبد الله هاشم لـ \"سنن الدَّارَقُطني\": (يزيد بن نُعيم)، والتصويب من \"السنن الكبرى\" للبيهقي، ومن طبعة دار الرسالة \"سنن الدَّارَقُطني\" (٥/ ٣٧٣).\n(^٢) \"الميزان\" (٢/ ١٠٦).\n(^٣) \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٥٥١).","vol":"9","page":518},{"text":"قوله: (نُتجت عندي) بضم النون مبني لما لم يسم فاعله، ومعناه: تولَّدت عندي، وأصل هذا الفعل من الأفعال الملازمة للبناء للمجهول.\nوعند البيهقي (فأقام كل واحد منهما البينة أنَّها دابته نَتَجَها) ونتَجَتِ الناقة: وضعت عندك.\n\nقوله: (وأقاما بينة) هكذا في نسخ \"البلوغ\" بألف الاثنين، وفي \"السنن\": \"وأقام بينة\" بدون ألف، وكذا في \"سنن البيهقي\"، ومعناها: وأقام كل واحد منهما بينة، لِتُوافِقَ الروايات، وعند البيهقي في رواية أخرى: (فأقام كل واحد منهما البينة).\n\n• الوجه الثالث: استدل الفقهاء بهذا الحديث على أنَّه إذا تداعى اثنان عينًا كدابة، وكانت العين بيد واحد منهما، وأقام كل واحد منهما بينة على أن العين له، فإن العين تكون لمن هي في يده، وهو المسمى عند الفقهاء بالداخل؛ لأنهما استويا في الدعوى وفي البينة، وللذي هي في يده سبب تقوَّى به على خصمه، حيث إن العين بيده، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم المالكية والشَّافعية (^١).\nوالقول الثاني: أن العين تكون للخارج منهما -وهو من لم تكن العين بيده- فيقضى له بها ببينة؛ لأنه مُدَّعٍ أحضر بينة، والبينة قد شرعت في حقه، وتلغى بينة الداخل، عملًا بحديث: \"البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه\"، فإنه يدل على أن بينة المدعى عليه لا تسمع بحال، وإنما عليه اليمين عند الحاجة إليها؛ ولأن الغالب أن بينة المدعى عليه تعتمد على يده ومشاهدة العين عنده، بخلاف بينة المدعي فإنها أقدمت على الإخبار بشيء خلاف الظاهر، فأُخِذَ بها إذا كانت عادلة. ومن المعلوم أن كلًّا منهما مدع، لكن يقال: إن الآخر مُدَّعٍ عليه؛ لأن العين في يده.\nوهذا مذهب الإِمام أحمد، وهو المشهور عنه، وهو من المفردات، وهو\n_________\n(^١) \"مغني المحتاج\" (٤/ ٤٨٠)، \"الفواكه الدواني\" (٢/ ٣٠٩).","vol":"9","page":519},{"text":"قول إسحاق (^١)، ورجحه الشيخ عبد العزيز بن باز، وأجابوا عن حديث الباب بأنه ضعيف.\nوذكر الموفق رواية ثانية عن أحمد: إن شهدت بينة الداخل -وهو من في يده العين- بسبب الملك، كان تقول البينة: إن الدابة -مثلًا- نُتجت في ملكه أو اشتراها قدمت؛ لأنها إذا شهدت بالسبب فقد أفادت ما لا تفيده اليد المجردة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٤/ ٢٧٨).","vol":"9","page":520},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1213>ما جاء في رد اليمين على المدعي</span>\n١٤٢٦/ ٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالبِ الْحَقِّ. رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفي إِسْنَادِهِمَا ضَعْفٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه الدَّارَقُطني (٤/ ٢١٣)، والحاكم (٤/ ١٥٠)، والبيهقي (١٠/ ١٨٤) من طريق سليمان بن عبد الرحمن، حدَّثنا محمد بن مسروق، عن إسحاق بن الفرات، عن اللَّيث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) فتعقبه الذهبي بقوله: (لا أعرف محمدًا، وأخشى أن يكون الحديث باطلًا)، فهذا الحديث سنده ضعيف؛ لأن فيه محمد بن مسروق، وقد تفرد به، كما قال الذهبي (^١)، وهو مجهول، قال ابن القطان: (لا تعرف حاله)، وذكر أَبو حاتم وغيره: أن سليمان بن عبد الرحمن -وهو ابن بنت شرحبيل الدمشقي- كان كثير الرواية عن المجاهيل (^٢). وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٣).\nوفيه -أيضًا- إسحاق بن الفرات، وهو مختلف فيه، قال أَبو حاتم: (شيخ ليس بالمشهور)، وقال أَبو سعيد بن يونس: (في أحاديثه أحاديثُ كانها مقلوبة)، وقال الذهبي في \"الكاشف\": (ثقة يُغرب)، وقال عبد الحق عقب\n_________\n(^١) \"الميزان\" (١/ ١٩٥).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٢١٩)، \"لسان الميزان\" (٧/ ٥٠٢).\n(^٣) (٩/ ٦٨).","vol":"9","page":521},{"text":"حديثه هذا: (إسحاق ضعيف)، وقال أَبو عوانة الإسفراييني: (ثقة) (^١).\nوالحديث ضعفه ابن الجوزي فقال: (فيه مجاهيل) فتعقبه الذهبي فقال: (بل هو منكر) (^٢).\n\n• الوجه الثاني: استدل الفقهاء بهذا الحديث على ثبوت رد اليمين على طالب الحق وهو المدعي، ومن ذلك: أن المدعى عليه إذا توجهت إليه اليمين وأبى أن يحلف فإن اليمين ترد على المدعى، فإذا حلف استحق ما ادعاه وقُضي له به.\nوقد تقدم أن حديث الباب ضعيف، لكن يستدل لذلك بما تقدم من قضاء النبي - ﷺ - بالشاهد واليمين، فالنبي - ﷺ - جعل اليمين في جانب المدعي إذا أقام شاهدًا واحدًا، لقوة جانبه بالشاهد؛ فلأن يحكم له باليمين مع قوة جانبه بنكول (^٣) خصمه أولى وأحرى؛ ولأنه إذا نكل المدعى عليه وأبي أن يحلف ظهر صدق المدعي وقوي جانبه، فتشرع اليمين في حقه، كالمدعى عليه قبل النكول.\nكما يستدل بحديث القسامة، ووجه الاستدلال: أن اليمين جعلت في جانب المدعي لقوة جانبه باللّوْثِ، فإذا تقوى جانب المدعي بنكول المدعى عليه شرعت اليمين في حق المدعي.\nوقد ورد عن الصحابة - ﵃ - قضايا حكموا فيها بنكول المدعى عليه من غير رد اليمين على المدعي، كما ورد عنهم الحكم برد اليمين، وهذا ليس من الاختلاف، بل هذا له موضع، وهذا له موضع، فكل موضع أمكن المدعي معرفته والعلم به، فرد المدعى عليه اليمين، فإن المدعي إن حلف استحق، وإن لم يحلف لم يحكم له بنكول المدعى عليه، ومثل ذلك لو اختلف زيد وعمرو في قدر الدين، فقال زيد: خمسة آلاف، وقال عمرو: ثلاثة، ونكل\n_________\n(^١) \"الكاشف\" (١/ ٣٨)، \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢١٥).\n(^٢) \"تنقيح التحقيق\" للذهبي (٢/ ٣٢٦).\n(^٣) النكول: امتناع المدعى عليه من اليمين إذا توجهت إليه عند عدم بينة المدعي.","vol":"9","page":522},{"text":"عمرو - المدعى عليه - عن اليمين، فترد على المدعي فإن حلف وإلا قُضي عليه.\nوأما إذا كان المدعي لا يعلم ذلك والمدعى عليه هو المنفرد بمعرفته، فإنه إذا نكل عن اليمين حُكم عليه بالنكول، ولم ترد اليمين على المدعي.\nومثال ذلك: لو باع زيد سيارة على عمرو على أنَّها سليمة، ثم تبين بها عيب، فإن زيدًا يحلف أنَّه باع السيارة وما بها عيب يعلمه، فإن امتنع من اليمين قُضي عليه بالنكول؛ لأن المدعى عليه يعلم ذلك، والمدعي لا يمكن أن يعلمه.\nوهذا التفصيل نسبه ابن القيم إلى شيخه ابن تيمية، وقال: (هذا الذي اختاره شيخنا ﵀ هو الحق في مسألة النكول ورد اليمين) (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الطرق الحكمية\" ص (١٣٣).","vol":"9","page":523},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1214>ما جاء في الحكم بقول القافة</span>\n١٤٢٧/ ١٠ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ - ذَاتَ يَوْم مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَال: \"ألَمْ تَرَي إِلَى مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ؟ نَظَرَ آنِفًا إِلَى زيدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، فَقَال: هَذِهِ أَقْدَامٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في مواضع من \"صحيحه\" ومنها في كتاب \"الفرائض\"، باب (القائف) (٦٧٧٠)، ومسلم (١٤٥٩) من طريق اللَّيث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة - ﵂ - قالت: … وذكرت الحديث.\nواعلم أن أكثر العلماء يذكرون هذا الحديث في كتاب \"اللعان\" ومنهم المجد ابن تيمية في \"المنتقى\" (^١)، وابن عبد الهادي في \"المحرر\" (^٢)، والمقدسي في \"العمدة\" (^٣)، وابن دقيق العيد في \"الإلمام\" (^٤)، وذلك من باب إثبات النسب، وأن إلحاق القافة يفيد ذلك، ولعل الحافظ ذكره في \"الدعاوى والبينات\" لبيان أن قول القائف بينة، ولما تحدث ابن القيم عن الطرق التي يحكم بها الحاكم، ذكر منها: الحكم بالقافة (^٥).\n_________\n(^١) (٢/ ٦٣٦).\n(^٢) ص (٤١٢).\n(^٣) ص (٢٢٥).\n(^٤) ص (٤٣٤).\n(^٥) \"الطرق الحكمية\" ص (٢٢٥).","vol":"9","page":524},{"text":"• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ذاتَ يومٍ) منصوب على الظرفية الزمانية، لإضافته إلى زمان، وهي ملازمة لذلك، فلا تقبل الجر بمن ولا غيره من أحوال الإعراب.\n\nقوله: (مسرورًا) حال من فاعل (دخل).\n\nقوله: (تبرق) بفتح المثناة الفوقية وضم الراء من باب نصر؛ أي: تضيء وتستنير من الفرح والسرور.\n\nقوله: (أسارير وجهه) جمع أسرار وأَسِرَّة، ومفرد أسرار: سُرٌّ -بكسر السين وضمها مع تشديد الراء-، ومفرد أَسِرَّة: سَرَرٌ بالفتح، فأسارير جمع الجمع.\nوالأسارير في الأصل خطوط الكف (^١)، ثم أطلقت على المخطوط التي في الجبهة مرادًا بها ما يظهر على وجه من سَرَّهُ أمر من الإضاءة والبريق، قال ابن الأثير: (بريق الأسارير: ما يعرض لها من البشاشة عند الفرح والاستبشار بالشيء السار) (^٢).\n\nقوله: (ألم تري) أي: ألم تعلمي، فالمراد من الرؤية هنا: الإخبار أو العلم، وفي رواية البخاري في \"المناقب\": \"ألم تسمعي ما قال المدلجي\" وهذا استفهام يراد به التقرير؛ يعني: أن هذا مما يتعين أن تعلميه فاعلمي.\n\nقوله: (إلى مجزز المدلجي) بضم الميم وفتح الجيم، ثم زاي مشددة مكسورة ثم زاي أخرى، اسم فاعل، قيل: لم يكن اسمه مجززًا، وإنما قيل له ذلك لأنه كان إذا أسر أسيرًا جَزَّ ناصيته وأطلقه، وهو مجزز بن الأعور ابن جعدة بن مدلج الكناني، قال الحافظ: (لكني لم أر من ذكر اسمه) (^٣)، وقد ذكره في \"الإصابة\" وقال: (أغفل ذكره جمهور من صنف في الصحابة،\n_________\n(^١) \"القاموس\" (٢/ ٥٤٨).\n(^٢) \"جامع الأصول\" (١٠/ ٧٣٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٥٧).","vol":"9","page":525},{"text":"لكن ذكره أَبو عمر في \"الاستيعاب\" (^١)، وذكره ابن يونس في فتوح مصر، وقال: (لا أعلم له رواية) والظاهر أنَّه كان مسلمًا وقت هذه الحادثة؛ قال الحافظ ابن حجر: لأن النبي - ﷺ - رضي بخبره وسُرَّ به، فهو دليل على أنَّه اعتمد خبره، ولو كان كافرًا لما اعتمده في حكم شرعي. والله أعلم (^٢).\nوالمدلجي: نسبة إلى بني مدلج بن مرة بن عبد مناف بن كنانة، وقد اشتهر بنو مدلج بالقيافة، وكذا بنو أسد، لكنه ليس خاصًّا بهم على الصحيح.\nوالقائف: هو الذي يعرف الشبه ويميز الأثر، سمي بذلك لأنه يقفو الأشياء؛ أي: يتبعها، فالقائف يعرف الناس بالشبه، فيلحق إنسانًا بإنسان لما يدرك من الشبه الذي يراه بينهما مما يخفى على غيره (^٣). وقد جاء عند البخاري في \"المناقب\" قول عائشة - ﵂ -: (دخل عليَّ قائف والنبي - ﷺ - شاهد. .) (^٤).\n\nقوله: (نظر آنفًا) بالمد على المشهور، ويجوز القصر؛ بمعنى قريبًا، أو بمعنى الآن، وهو ظرف زمان منصوب بالفتحة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَال آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]، وهو من استأنفت الشيء: إذا ابتدأته؛ أي: ماذا قال في أول وقت يقرب منا.\n\nقوله: (إلي زيد بن حارثة) هو زيد بن حارثة بن شراحيل، يرجع نسبه إلى القبائل القحطانية، كان قد اختُطف من أمه في الجاهلية في قصة طويلة ذكرها ابن إسحاق، واشتراه حكيم بن حزام، وأعطاه عمته خديجة بنت خويلد - ﵁ - ما بقيمة أو بهبة، ثم وهبته للنبي - ﷺ - فأعتقه وتبناه، فدعي زيد بن محمد، ثم أُلغي التبني في السنة الرابعة أو الخامسة من الهجرة بنزول سورة الأحزاب: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وفي زيد وزوجه زينب بنت\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٠/ ٢٢٣)، \"الإصابة\" (٩/ ٩٣).\n(^٢) \"الإصابة\" (٩/ ٩٤).\n(^٣) \"جامع الأصول\" (١٠/ ٧٣٧).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٣٧٣١).","vol":"9","page":526},{"text":"جحش - ﵂ - نزلت الآيات من سورة الأحزاب، ولم يُسَمَّ أحد من الصحابة - ﵃ - في القرآن غيره (^١).\nوزيد أول من أسلم بعد علي - ﵁ - على ما قاله ابن إسحاق، كان بطلًا عظيمًا وفاضلًا كريمًا، استشهد في معركة مؤتة سنة ثمان (^٢) - ﵁ -.\n\nقوله: (وأسامة بن زيد) هو أسامة بن زيد بن حارثة -﵄-، ولد سنة سبع قبل الهجرة، وأسلم قديمًا؛ لأن أباه كان من السابقين، كما تقدم، أمَّره النبي - ﷺ - على جيش عظيم إلى الروم يبلغ نحو ثلاثة آلاف، فيهم كبار المهاجرين والأنصار، فمات النبي - ﷺ - قبل أن يتوجه، فأنفذه أَبو بكر -﵁-، فكان هذا البعث آخر بعث بعثه النبي - ﷺ - وأول بعث بعثه أَبو بكر -﵁-، كان عمر - ﵁ - يجلّه ويكرمه، ويفضله في العطاء على ابنه عبد الله بن عمر، ويقول: إنه أحب إلى رسول الله - ﷺ - ..، وقد روى عنه من الصحابة أَبو هريرة وابن عبَّاس -﵄-، ومن كبار التابعين أَبو عثمان النهدي وعروة بن الزُّبَير وآخرون، اعتزل الفتن، ومات بالمدينة سنة أربع وخمسين على ما صححه ابن عبد البر (^٣).\n\nقوله: (هذه أقدام بعضها من بعض) هذه رواية مختصرة، وأوضح منها رواية سفيان، عن ابن شهاب: (فقال يا عائشة - ﵂ -: ألم تري أن مجززًا المدلجي دخل علي فرأى أسامة وزيدًا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعضًا (^٤). وفي رواية لمسلم بعد هذا: (وكان مجززٌ قائفًا).\nوكان الأولى بالحافظ أن يذكر هذه الزِّيادة المفيدة، أو يورد الحديث بهذا اللفظ، لما فيها من الدلالة على صدق القيافة، ودفع توهم من يقول: لعل هذا القائف حاباهما بذلك لما عرف من كونهم يطعنون في نسب أسامة.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٩/ ٤١٦)، \"فتح الباري\" (٨/ ٥٢٣).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٤/ ٤٧)، \"الإصابة\" (٤/ ٤٧).\n(^٣) انظر: \"الاستيعاب\" (١/ ١٤٣)، \"أسد الغابة\" (١/ ٧٩)، \"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٤٩٦)، \"الإصابة\" (١/ ٤٥).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٦٧٧١)، \"صحيح مسلم\" (١٤٥٩) (٣٩).","vol":"9","page":527},{"text":"فهذا سياق أدل على المراد وأوضح في المقصود لقوله: \"قد غطيا رؤوسهما\".\nوكان أهل الجاهلية يقدحون في نسب أسامة؛ لكونه أسود شديد السواد، وكان أَبوه زيد أبيض من القطن، كما جاء في رواية أبي داود (^١)؛ لأن أسامة جاء على أمه أم أيمن، واسمها بركة، وكانت حبشية، وأيمن ولدها من عبيد بن عمرو بن الخزرج، فولدت له أيمن، ويقال: إن عبيدًا حبشي من موالي الخزرج.\nفلما قضى هذا القائف بإلحاق نسب أسامة بأبيه زيد مع اختلاف اللون، وكانت الجاهلية تعتمد قول القائف سُرَّ النبي - ﷺ - لكون ذلك زاجرًا لهم عن الطعن في النسب.\nوقد أثار القاضي عياض -هنا- إشكالًا، فقال: لو صح أن أم أيمن كانت سوداء لم ينكروا سواد ابنها أسامة؛ لأن السوداء قد تلد من الأبيض أسود (^٢).\nقال الحافظ: (يحتمل أنَّها كانت صافية، فجاء أسامة شديد السواد، فوقع الإنكار لذلك) (^٣).\nوفي \"شرح الأُبّي\" قال: (لم أر من المؤرخين من ذكر أنَّها كانت سوداء، إلَّا أحمد بن سعيد الصيرفي، فإنه ذكر في \"تاريخه\" بسنده إلى ابن سيرين أنَّها كانت سوداء، وأُراه ليس بصحيح؛ لأنه لو صح لم ينكر الناس لونه، إذ لا يبعد أن يلد الأبيضُ الأسودَ من السوداء …) (^٤).\nوأما كونها حبشية فلا يلزم منه أنَّها سوداء، فقد يكون المعنى أنَّها من مهاجرة الحبشة، كما قال عمر - ﵁ - لأسماء بنت عميس: (آلحبشية هذه؟) (^٥).\n_________\n(^١) \"السنن\" (٢٢٦٧).\n(^٢) \"إكمال المعلم\" (٤/ ٦٥٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٥٧).\n(^٤) \"شرح الأُبي\" (٤/ ٨٣).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (٤٢٣٠).","vol":"9","page":528},{"text":"• الوجه الثالث: في الحديث دليل على جواز اضطجاع الرجل مع ولده في لحاف واحد، وهذا من قوله: \"وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما\" فإن ظاهر قوله: \"قطيفة\" أنَّه لحاف واحد.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز العمل بقول القائف في إلحاق النسب حيث يشتبه إلحاق الولد بأحد الواطئين في طهر واحد، بشرط عدم ما هو أقوى منه كالفراش، فإن وجد الفراش فالحكم به مقدم مطلقًا، ولهذا تقدم في \"اللعان\" في قصة الرجل الذي ولدت امرأته غلامًا أسود أنَّه - ﷺ - لم يمكنه من نفيه، ولا جعل للشبه ولا لعدمه أثرا لوجود الدليل القوي وهو الفراش.\nووجه الاستدلال من الحديث: إقرار النبي - ﷺ - هذا القائف على قوله: (هذه أقدامٌ بعضها من بعض) وسروره بذلك، ولا يسر النبي - ﷺ - إلَّا بحق، والإقرار حجة شرعية؛ لأنه أحد أقسام السنة.\nصحيح أن نسب أسامة كان ثابتًا بالفراش، ولكن سرور النبي - ﷺ - دليل على اعتبار قول القائف، فَسُرَّ بموافقة قوله للفراش، لا أنَّه أثبت النسب بقوله، فزالت بذلك تهمة القدح في نسبه بتلك الشهادة.\nوالقول بجواز العمل بقول القافة هو مذهب الأئمة الثلاثة مالك والشَّافعي وأحمد، وعلى هذا فالقيافة من القرائن الدالة على ثبوت النسب؛ لأنها تبين الشبه بين الولد وأصله (^١).\nوالقول الثاني: أنَّه لا يجوز العمل بقول القائف في إثبات النسب، والولد إذا ادعاه اثنان حكم به لهما، وهذا قول الحنفية، قالوا: والحكم بالقافة تعويل على مجرد الشبه والظن والتخمين، والشبه قد يوجد في الأجانب وينتفي عن الأقارب (^٢).\n_________\n(^١) \"المهذب\" (٢/ ١٥٥)، \"المغني\" (٨/ ٣٨٥).\n(^٢) \"مختصر اختلاف العلماء\" (٤/ ٤٥١).","vol":"9","page":529},{"text":"واعتذروا عن العمل بالحديث بأنه لم يقع فيه إلحاق متنازع فيه؛ لأن نسب أسامة كان ثابتًا ومعلومًا إلى زيد -﵁-، وإنَّما كان الكفار يقدحون في نسبه لاختلاف اللون، فلا يصح أن يكون الحديث دليلًا على إثبات النسب بقول القائف.\nوالقول الأول هو الراجح لأمور ثلاثة:\nالأول: أن قول القائف: (هذه أقدامٌ بعضها من بعض) هو في قوة: هذا ابن هذا.\nالثاني: أن الرسول - ﷺ - أقر هذا القائف على حكمه، وظاهره أنَّه تقرير لإلحاق بالقيافة مطلقًا، ولو كان هذا لا يجوز شرعًا لبين النبي - ﷺ - له ذلك، ولو كانت القيافة باطلة لم يحصل بذلك سرور، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\nالثالث: أن عمر وعليًّا - ﵄ - قد حكما بقول القافة، قال ابن القيم: (ولا يعرف قط في الصحابة - ﵃ - من خالف عمر وعليًّا - ﵄ - في ذلك، بل حكم عمر بهذا في المدينة، وبحضرته المهاجرون والأنصار فلم ينكره منكر …) (^١).\nوقولهم: (إن القيافة تخمين) ليس بصحيح لأمرين:\nالأول: أن القيافة لا يقبل فيها كلام كل أحد، بل هي استناد إلى ظن غالب ورأي راجح وأمارة ظاهرة بقول من هو من أهل الخبرة والمعرفة.\nالثاني: أن هذا تعليل في مقابلة نص.\nوأما اعتذارهم عن عدم العمل بالحديث بأنه لم يقع فيه إلحاق متنازع فيه، فهذا صحيح، لكن نقول: إن القيافة دليل آخر موافق لدليل الفراش -كما تقدم- وسرور النبي - ﷺ - واستبشاره لتعاضد الأدلة لإثبات النسب، لا بقول القائف وحده، ولو لم تصح القيافة دليلًا لم يسر النبي - ﷺ -، فمجرد سروره كافٍ في اعتبار قول القائف.\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٥/ ٤٢٠).","vol":"9","page":530},{"text":"ومع ترجيح العمل بقول القائف إلَّا أنَّه يمكن الاستفادة من تحليل البصمات، ومن الطب الحديث في مجال التحاليل أو البصمة المخبرية للدم، وقرينة التحليل أو البصمة أقوى وأثبت من قرينة الشبه، واحتمال الخطا فيه قليل جدًّا، لكنها تعتبر مؤيدة لحكم القافة فيما ذهبوا إليه من إلحاق النسب بالشبه (^١).\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنَّه يُكتفى بالإلحاق في القيافة بقائف واحد؛ لأنه - ﷺ - اكتفى بخبر مجزز وسُرَّ به؛ ولأن ذلك من باب الخبر؛ ولأن القائف كالطبيب والبيطار الواحد فيؤخذ بقوله إذا لم يوجد سواه. وقيل: لا بدَّ من اثنين، كالشهادة، والحكم بالمثل في جزاء الصيد.\nوالصواب الأول، قال ابن القيم: (والقائف أولى من الطبيب والبيطار؛ لأنهما أكثر وجودًا منه، فإذا اكتفي بالواحد منهما مع عدم غيره فالقائف أولى. …) (^٢).\nوقد اشترط العلماء في القائف أن يكون عدلًا مُجَرَّبًا في الإصابة؛ لأنه أمر علمي، فلابدَّ من العلم بذلك، ويكفي أن يكون مشهورًا لا سيما بالإصابة، وهذا حق، فإن الخبر لا يقبل ولا ينفذ الحكم به إلَّا ممن اتصف بهذين الوصفين: العدالة والإصابة.\n\n• الوجه السادس: استحباب الفرح والتبشير بالأخبار السارة وإشاعتها ولا سيما ما فيه إزالة ريبة أو قالة سوء؛ لأنه - ﷺ - سُرَّ بقول مجزز.\n\n• الوجه السابع: تشوُّف الشارع الحكيم إلى صحة الأنساب وإلحاقها بأصولها وعدم إضاعتها، ولهذا اكتفى في ثبوتها بأدنى الأسباب من شهادة المرأة الواحدة على الولادة، والدعوى المجردة مع الإمكان، وظاهر الفراش (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"حجية القرائن في الشريعة الإسلامية\" ص (١٥٣، ١٩٣)، \"الحكم بإثبات النسب أو نفيه بالبصمة الوراثية\" ص (٢٠١).\n(^٢) \"الطرق الحكمية\" ص (٢٤١).\n(^٣) \"الطرق الحكمية\" ص (٢٣١).","vol":"9","page":531},{"text":"• الوجه الثامن: في الحديث دليل على جواز قبول شهادة من يشهد قبل أن يُستشهد عند عدم التهمة؛ لأن مجززًا لم يطلب منه شهادة، والتهمة عنه منتفية.\n\n• الوجه التاسع: استدل العلماء بهذا الحديث على جواز الشهادة على المرأة المنتقبة والاكتفاء بمعرفتها ولو لم ير وجهها. والله تعالى أعلم.","vol":"9","page":532},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1215>كتاب العتق</span>\nالعتق لغة: يطلق على معانٍ منها: الخلوص، ومنه سمي البيت العتيق لخلوصه من أيدي الجبابرة، فلم يملكه جبار، وقال الأزهري: (هو مشتق من قولهم: عَتَقَ الفرس: إذا سبق ونجا، وَعَتَقَ الفرخ: إذا لطار واستقل؛ لأن العبد يتخلص بالعتق، ويذهب حيث شاء) (^١).\nوشرعًا: تخليص الرقبة من الرق.\nوالأصل فيه الكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما من الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وقال تعالى في بيان بعض أفعال الخير: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] أي: عتق الرقيق.\nوأما السنة فقد ورد في فضل العتق وأحكامه أحاديث كثيرة، ومنها ما ذكره الحافظ هنا.\nوأما الإجماع فقد أجمعت الأمة على صحة العتق وحصول القربة به.\nوقد حث الإسلام على عتق الرقاب، ورغَّب فيه، وجعل له أسبابًا كثيرة، منها ما هو قهري، ومنها ما هو اختياري، كما هو مدون في كتب الفقه.\nوقد ضيَّق الإسلام مورد الرق، إذ جعل الناس كلهم أحرارًا، فألغى رق السبي والنهب والسلب، كما ألغى رق الاستدانة أو الوفاء بالديون، ولم يُبْقِ إلَّا رقَّ الأسرى في الحروب، مع احترام الأسير، والحث على إطلاق سراحه\n_________\n(^١) \"الزاهر\" للأزهري ص (٥٦٠).","vol":"9","page":533},{"text":"ببدل أو بغير بدل، على حسب المصلحة التي يراها الإِمام، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤].\nوقد جعل الإسلام العتق من أفضل القُرب، واعتبره أول مرتبة في كفارة القتل، والظهار، والجماع في نهار رمضان، وفرض نصيبًا من الزكاة لعتق الرقاب.\nثم جاء بقواعد معاملة الرقيق، وهي تجمع بين العدالة والرحمة، من ضمان الغذاء والكساء لهم، مثل أوليائهم، وعدم تكليفهم ما لا يستطيعون، وحفظ كرامتهم واعتبار إنسانيتهم، حتَّى أن مَن لطَم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه، وتقدم شيء من ذلك في \"النفقات\".\nوبعد هذا الموقف العادل، والمعاملة الرحيمة، يأتي أعداء الإسلام من المستشرقين، أو الماديين الملحدين ليصفوه بأنه يُقِرُّ الرق، ويبارك مُلَّاك الرقيق، ورَوَّجوا باطلهم القائم على تصيُّد الشبهات الواهية، وتلفيق الأكاذيب، والافتراء على الله تعالى وعلى شريعته وأحكام دينه، مع أن تاريخهم يشهد أنهم هم الذين أنشأوا الرق، بل لم يكفهم استرقاق الأفراد، فعمدوا إلى استرقاق الأمم والشعوب، كما فعلت أوروبا المعاصرة عندما اتصلت بأفريقيا، وسامتها سوء العذاب.\nثم إن الرق في اليهودية والنصرانية مقرر ثابت، عن طريق التسلط والقهر، ولم يرد في الإسلام نص واحد يأمر بالاسترقاق، على حين وردت نصوص كثيرة من الكتاب والسنة تدعو إلى العتق والتحرير.\nوإذا كان الأمر كذلك فإن مثل هؤلاء لا يريدون معرفة الحق، والوصول إلى غاية سامية، بل غرضهم التشكيك وزرع الشُّبه؛ لأنه يسوؤهم انتشار الإسلام وامتداد نوره، فبسطوا ألسنتهم بالسوء، وسخَّروا أقلامهم للطعن في هذا الدين، والافتراء على تعاليمه، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.","vol":"9","page":534},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1217>ما جاء في فضل العتق</span>\n١٤٢٨/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا منه مِنَ النَّارِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n١٤٢٩/ ٢ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ، عَنْ أَبِي أُمَامَة - ﵁ -: \"أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتينِ مُسْلِمَتَينِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ\".\n١٤٣٠/ ٣ - وَلأَبي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ - ﵁ -: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنَ النَّارِ\".\n\n• الكلام عليها من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو كعب بن مرة، ويقال: مرة بن كعب البهزي السُّلمي -بضم المهملة-، قال ابن عبد البر: (الأكثر يقولون: كعب بن مرة، له صحبة) سكن البصرة ثم الأردن، له أحاديث يرويها شُرحبيل بن السِّمْط، وأَبو الأشعث الصنعاني، وأَبو صالح الخولاني وغيرهم، قال ابن عبد البر: (له أحاديث مخرجها عن أهل الكوفة، يروونها عن شرحبيل بن السمط، عن كعب بن مرة السلمي البهزي، وأهل الشام يروون تلك الأحاديث بأعيانها عن شرحبيل بن السمط، عن عمرو بن عبسة، والله أعلم)، مات - ﵁ - بالأردن سنة تسع وخمسين، وقيل: سبع وخمسين (^١).\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٩/ ٢٥٦)، \"تهذيب الكمال\" (٤٢/ ١٩٦)، \"الإصابة\" (٨/ ٣٥٦).","vol":"9","page":535},{"text":"• الوجه الثاني: في تخريجها:\nأما حديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - فقد رواه البخاري في كتاب \"العتق\"، باب (في العتق وفضله) (٢٥١٧)، ومسلم (١٥٠٩) (٢٤) من طريق واقد بن محمد قال: حدثني سعيد بن مُرجانة صاحب علي بن الحسين قال: قال لي أَبو هريرة - ﵁ -: قال النبي - ﷺ -: … وذكر الحديث، وفي آخره: قال سعيد: فانطلقت حين سمعت الحديث من أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - فذكرته لعلي بن الحسين فأعتق عبدًا له قد أعطاه به ابن جعفر عشرة آلاف درهم أو ألف دينار. وهذا لفظ مسلم.\nوأما حديث أبي أمامة - ﵁ - فقد انفرد به التِّرمِذي، فرواه في أَبواب \"النذور والأيمان\" باب (ما جاء في فضل العتق) (١٥٤٧) من طريق عمران بن عيينة - وهو أخو سفيان بن عيينة - عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي - ﷺ - ورضي الله عنهم، عن النبي - ﷺ - قال: … وذكر مثل حديث أَبي هُرَيرَةَ -﵁-، وزاد: \"وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فِكَاكه من النار، يُجزئ كل عضو منهما عضوًا منه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فِكاكها من النار يُجزئ كل عضو منها عضوًا منها\".\nقال التِّرمِذي: (هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه)، وفي سنده سالم بن أبي الجعد، وهو ثقة يرسل كثيرًا -كما في \"التقريب\" - وقد اختلف عليه في إسناده، فإنه جعله هنا من مسند أبي أمامة، ثم إنه تفرد به عمران بن عيينة، وقد قال عنه الحافظ في \"التقريب\": (صدوق له أوهام).\nوأما حديث كعب بن مرة فقد رواه أَبو داود في كتاب \"العتق\"، باب \"أي الرقاب أفضل؟) (٣٩٦٧)، والنَّسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٨)، وابن ماجة (٢٥٢٢)، وأحمد (٢٩/ ٦٠٢) من طريق عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن شُرَحْبيل بن السِّمْطِ أنَّه قال لكعب بن مرة أو مرة بن كعب: حدَّثنا حديثًا سمعته من رسول الله - ﷺ -، وذكر نحوًا من حديث أبي أمامة - ﵁ -.","vol":"9","page":536},{"text":"وهذا سند ضعيف لانقطاعه؛ لأن سالم بن أبي الجعد لم يسمع من شرحبيل، قال أَبو داود: (سالم لم يسمع من شرحبيل مات شرحبيل بصفين)، وصفين سنة سبع وثلاثين، وسالم مات سنة مائة على أحد الأقوال، ويدل لذلك قول أبي زرعة: (سالم بن أبي الجعد عن عمر وعثمان وعلي مرسل) (^١)، ومن المعلوم أن عليًّا - ﵁ - مات سنة أربعين، فمعنى هذا أن سالمًا لم يسمع من شرحبيل قطعًا لكونه مات قبل الأربعين.\nوروى هذا الحديث النَّسائي (٥/ ٧) من طريق منصور، عن سالم، عن كعب بن مرة، ولفظه: \" … وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، فهو فكاكها من النار، كل عظم منها عظمٌ منها\".\nقال الحافظ: (إسناده صحيح) (^٢). والحديث يشهد له ما قبله إن سلم الأمر من الاختلاف على سالم بن أبي الجعد؛ لأن مدار الحديثين عليه، ويؤيد هذا رواية النَّسائي، والله أعلم.\n\n• الوجه الثالث: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (أيما امرئ) هذا لفظ مسلم -كما تقدم- ولفظ البخاري: \"أيما رجل\" وأي: شرطية دخلت عليها (ما) وهي من صيغ العموم، وفي رواية من حديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ -: \"من أعتق رقبة مسلمة. . .\" (^٣)، وكل هذه صيغ عموم.\n\nقوله: (امرئ مسلم) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري خلا من هذا القيد، وهو لإخراج الكافر؛ لأنه لا يثبت الأجر للمعتق - بالكسر - إلَّا إذا كان مسلمًا، وأما العتق الصادر من الكافر فإنه وإن كان يصح وينفذ إلَّا أنَّه لا ثواب له، ولا ينجو بسببه من النار.\n\nقوله: (أعتق امرأً مسلمًا) هذا قيد في الرقبة المُعْتَقَةِ، وهو يفيد أن هذه الفضيلة لا تنال إلَّا بعتق الرقبة المسلمة، وإن كان في عتق الكافرة فضل لكنه لا يبلغ ما وعد به هنا من الأجر.\n_________\n(^١) \"المراسيل\" لابن أبي حاتم ص (٨٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٤٧).\n(^٣) رواه البخاري (٦٧١٥)، ومسلم (١٥٠٩) (٢١).","vol":"9","page":537},{"text":"قوله: (استنقذ الله) أي: وَقَى وأنقذ وخلص بكل عضو منه عضوًا منه من النار.\n\nقوله: (بكل عضو منه عضوًا منه من النار) أي: أنقذ الله عوض كل عضو من أعضاء المعتق - بالفتح - عضوًا من أعضاء المعتق - بالكسر - ونجاه من جهنم يوم القيامة، وفي رواية في \"الصحيحين\": \"من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار حتى فرجه بفرجه\" (^١).\n\nقوله: (كانتا فكاكه من النار) كتبت في جميع نسخ \"البلوغ\" بكسر الفاء، والمشهور الفتح، وكسرها لغة حكاها ابن السكيت، ومنعها الأصمعي والفراء (^٢). والمعنى: كانتا خلاص المعتق - بالكسر - من نار جهنم.\n\nقوله: (يجزئ كل عضو منها عضوًا منه) يروى بالهمز من الإجزاء، ذكره شارح (جامع التِّرمِذي) وقال: (كذا في النسخ الحاضرة)، ثم قال: (الظاهر أن نسخ التِّرمِذي مختلفة في هذا اللفظ) (^٣)، وكذا رأيته في \"الكبرى\" للنسائي مضبوطًا بالهمز (^٤). ويروى بضم الياء التحتانية وفتح الزاي غير مهموز، كذا ضبطه الشوكاني مستندًا إلى نسخة \"المنتقى\" (^٥)؛ أي: يقضي وينوب.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على فضل عتق الرقاب وتخليصها من الرق وأن هذا من أجَلِّ الطاعات وأعظم القربات، ومن أسباب العتق من النار؛ لأنه أعتق هذا الرقيق لله تعالى، فكان جزاؤه أن يعتقه الله من النار؛ لأن المجازاة قد تكون من جنس الأعمال، فجوزي المعتق للعبد بالعتق من النار (^٦)، وهذا - والله أعلم - لكون الرقيق في حكم المعدوم إذ لا تصرف له في نفسه، وإنَّما يُتصرف فيه كما يُتصرف في الدابة، فكان عتقه كإخراجه من العدم إلى الوجود؛ لما في عتقه من تخليصه من ضرر الرق، وملك نفسه ومنافعه وتكميل أحكامه وتمكنه من التصرف في نفسه وشؤون حياته على حسب إرادته واختياره في حدود الشرع.\n_________\n(^١) تقدم قبل هذه الحاشية.\n(^٢) \"المصباح\" ص (٤٧٩)، \"تحفة الأحوذي\" (٥/ ١٥٢).\n(^٣) \"تحفة الأحوذي\" (٥/ ١٥٢).\n(^٤) (٥/ ٦).\n(^٥) \"نيل الأوطار\" (١١/ ٣٩٥).\n(^٦) \"التوضيح\" (١٦/ ١٣٩).","vol":"9","page":538},{"text":"وقد دل الحديث على أن هذا الفضل العظيم إنما هو في عتق الرقبة المسلمة، لما يحصل في عتق المؤمن من المنافع العظيمة كالجهاد والشهادة والمعونة على إقامة شرائع الدين، وأما عتق الكافر فلا خلاف في جوازه من باب التطوع، وأما كونه عن كفارة فهو موضع خلاف مذكور في أَبوابه.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على أن إعتاق كامل الأعضاء أفضل من عتق ناقصها، ليحصل الاستيعاب المستفاد من قوله: (استنقذ الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار) وعلى هذا فلا ينبغي أن يكون المعتق - بالفتح - ناقصًا بعور أو شلل وشبههما، ولا معيبًا بعيب يضر بالعمل، ويخلُّ بالسعي والاكتساب (^١).\n\n• الوجه السادس: استدل الفقهاء بحديث أبي أمامة - ﵁ - على أن عتق الذكر أفضل من عتق الأنثى؛ لأن الحديث جعل عتق الأنثى على النصف من عتق الذكر، فالرجل إذا أعتق الذكر أو أعتق امرأتين كان ذلك فِكاكه من النار، وإذا أعتق امرأة واحدة كانت فكاك نصفه من النار، والمرأة إذا أعتقت الأمة كانت فكاكها من النار.\nووجه ذلك أن جنس الرجال أفضل؛ ولأن عتق الذكر فيه من المعاني والمنافع ما ليس في عتق الأنثى، من الجهاد وولاية القضاء وقبول الشهادة والإمامة وغير ذلك مما يختص بالرجال إما شرعًا وإما عادة، وهذا لا يعني الحط من قيمة المرأة، فإن نصوص الشريعة سوَّت بين الذكر والأنثى في أصل الخلق والتكليف والثواب والعقاب، وللمرأة دور كبير في المجتمع في إعداد الناشئة وتربية الأجيال، وإنَّما المراد أن ما يحصل من الرجل بعد عتقه من النفع أكثر مما يحصل من الأنثى، على أن بعض العلماء قال: إن عتق الأنثى أفضل؛ لأنه يكون ولدها حرًّا، سواء تزوجها حر أو عبد، وقال آخرون: عتق الأنثى للأنثى أفضل، وهذا رواية عن أحمد (^٢)، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"أعلام الحديث\" (٢/ ١٢٦٤ - ١٢٦٥).\n(^٢) \"الإنصاف\" (٧/ ٣٩٢).","vol":"9","page":539},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1218>ما جاء في أي الرقاب أفضل للعتق</span>\n١٤٣١/ ٤ - عَنْ أَبي ذَرٍّ - ﵁ - قَال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَال: \"إِيمَانٌ باللهِ، وَجِهَادٌ في سَبِيلِهِ\"، قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أفضَلُ؟ قَال: \"أَعْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"العتق\"، باب (أي الرقاب أفضل؟) (٢٥١٨)، ومسلم (٨٤) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي مُرَاوحٍ، عن أبي ذر - ﵁ - قال: … وذكر الحديث، وتمامه: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: \"تعين ضائعًا أو تصنع لأخرق\" قال: فإن لم أفعل؟ قال: \"تدع الناس من الشر، فإنها صدقة تَصَدَّقُ بها على نفسك\" هذا لفظ البخاري.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (فأي الرقاب أفضل) جمع رقبة، وهو الرقيق، وسمي الرقيق رقبة: لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، والمراد: الإنسان، من إطلاق البعض على الكل؛ والمعنى: أي المماليك أحب إلى الله تعالى أن يعتق.\n\nقوله: (أعلاها ثمنًا) بالعين المهملة (^١)، وهو الموافق لما في البخاري، وقد ذكر الحافظ أنَّها رواية الأكثر (^٢)، وفي بعض نسخ \"البلوغ\" بالغين المعجمة، وهو الموافق لما في طبعة الناصر لـ\"صحيح البخاري\"، وهي طبعة\n_________\n(^١) وكذا في المخطوطة التي سبق وصفها.\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٤٨).","vol":"9","page":540},{"text":"متقنة، وقد ذكر الحافظ أنَّها رواية الكُشْمِيهني والنسفي، ونقل عن ابن قُرقُول (^١) - صاحب \"المطالع\" - أن معناهما متقارب، ورواية مسلم: \"أكثرها ثمنًا\" وهي تبين المراد، كما يقول الحافظ.\n\nقوله: (وأنفسها عند أهلها) أفعل تفضيل من النفاسة، يقال: نَفُس الشيء -بضم الفاء- نفاسة: كَرُمَ، فهو نفيس؛ والمعنى: أكرمها وأكثرها رغبة عند أهلها.\n\nقوله: (ضائعًا) بالضاد المعجمة، هكذا في \"الصحيحين\"، وهو لفظ جميع رواة البخاري كما جزم به عياض وغيره، وقال النووي: الأكثر في الرواية بالمعجمة (^٢)، وصوب الدَّارَقُطني، والقرطبي (^٣) (صانعًا) بالصاد المهملة والنون، وهو الموجود في طبعة الناصر، وعلل ذلك الدَّارَقُطني بوجود المقابلة بالأخرق، وهو الذي ليس بصانع، ولا يحسن العمل، وقد فسرت رواية: (ضائعًا) -بالضاد المعجمة- بأن المراد: ذو الضياع من فقر أو عيال، فيرجع إلى الأول (^٤). وقد اقتصر ابن بطَّال على هذا المعنى، فقال: (قوله: \"تعين ضائعًا\" أي: تعين فقيرًا) (^٥).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الإيمان عمل، وأنه أفضل الأعمال، بل هو أصلها الذي تقوم عليه، ولا إشكال في تقديم الإيمان بالله ورسوله على غيره؛ لأنه أفضل ما افترض الله على عباده مطلقًا.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله تعالى، وعن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: \"إيمان بالله ورسوله\" قيل: ثم ماذا؟ قال: \"الجهاد في سبيل الله\" قيل: ثم ماذا؟ قال: \"حج مبرور\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر ترجمته: في \"وفيات الأعيان\" (١/ ٦٢)، \"الرسالة المستطرفة\" ص (١٥٧).\n(^٢) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٢/ ٤٣٤).\n(^٣) \"المفهم\" (١/ ٢٧٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٥/ ١٤٩).\n(^٥) \"شرح ابن بطَّال\" (٧/ ٣٥).\n(^٦) رواه البخاري (٢٦)، ومسلم (٨٣).","vol":"9","page":541},{"text":"قال المهلب: (إنما قرن الجهاد في سبيل الله بالإيمان به؛ لأنه كان عليهم أن يجاهدوا في سبيل الله حتَّى تكون كلمة الله هي العليا، وحتى يفشو الإسلام وينتشر، فكان الجهاد ذلك الوقت أفضل من كل عمل) (^١).\nوهذا يتمشى مع رأي القائلين إن اختلاف أجوبة النبي - ﷺ - عن أفضل الأعمال لاختلاف الأوقات، بان يكون العمل في وقت أفضل منه في غيره، فيكون تقديم الجهاد وقرنه بالإيمان بالله تعالى لعظم الحاجة إليه في إظهار الدين في أول الإسلام، أو أنَّه محمول على الجهاد الواجب وقت النفير إليه.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على أن أفضل الرقاب التي يراد إعتاقها ما كان أكثرها قيمة وأكثرها نفاسة وأحبها وأكرمها عند أهلها لحسن أخلاقها وكثرة منافعها، والقاعدة في هذا: أنَّه كلما كان العتيق أفضل في نفسه كان أفضل في العتق، سواء أكان رجلًا أم امرأة، قال القرطبي: (هذا الحديث يدل على أن المعيب ليس كالصحيح، ولا الكبير مثل الصغير، ولا القليل القيمة مثل الكثير، لتفاوت ما بينهم، ولما شهد حديث أبي أمامة وغيره بتفاوت ما بين الذكر والأنثى، لزم منه التفاوت بين من ذكرناهم في ذلك، والله تعالى أعلم) (^٢).\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطَّال\" (٧/ ٣٥).\n(^٢) \"المفهم\" (٤/ ٣٤٢).","vol":"9","page":542},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1219>ما جاء فيمن أعتق شركًا له في عبد</span>\n١٤٣٢/ ٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقًا، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n١٤٣٣/ ٦ - ولَهُمَا عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ -: \"وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيهِ وَاسْتُسْعِيَ غَيرَ مَشْقُوقٍ عَلَيهِ\"، وَقِيلَ: إِنَّ السِّعَايَةَ مُدْرَجَةٌ في الْخَبَرِ.\n\n• الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث ابن عمر - ﵄ - فقد رواه البخاري في كتاب \"العتق\"، باب (إذا أعتق عبدًا بين اثنين أو أمة بين الشركاء) (٢٥٢٢)، ومسلم (١٥٠١) من طريق نافع، عن ابن عمر - ﵄ - \"أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من أعتق شركًا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوِّم العبد عليه قيمة عدل … \" الحديث.\nوأما حديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - فقد رواه البخاري في \"العتق\"، باب (إذا أعتق نصيبًا في عبد وليس له مال، استسعي العبد غير مشقوق عليه على نحو الكتابة) (٢٥٢٧)، ومسلم (١٥٠٣) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة، عن النَّضْر بن أَنس، عن بَشِير بن نَهِيك، عن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (من أعتق نصيبًا -أو شقصًا- في مملوك فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال، وإلا قوِّم عليه …) الحديث.\nوقد تكلم الأئمة في لفظة: (واستسعي غير مشقوق عليه) هل هي من كلام النبي - ﷺ - أو أنَّها مدرجة في الخبر؟","vol":"9","page":543},{"text":"وذلك لأن الحديث قد رواه عن قَتَادة جماعة، منهم سعيد بن أبي عروبة -كما تقدم- وجرير بن حازم، وحجاج بن حجاج، وأبان العطار، وموسى بن خلف، وهؤلاء ذكروا هذه اللفظة من كلام النبي - ﷺ -.\nورواه عن قَتَادة شعبة بن الحجاج، وهشام الدستوائي، ولم يذكرا هذه اللفظة مطلقًا، لا من كلام النبي - ﷺ - ولا من كلام غيره، وشعبة وهشام أحفظ من رواه عن قَتَادة.\nورواه همام بن يحيى عن قَتَادة، وجعل هذه اللفظة من كلام قَتَادة، فقد روى الدَّارَقُطني (٤/ ١٢٧)، والبيهقي (١٠/ ٢٨٢)، والحاكم في \"معرفة علوم الحديث\" (ص ٤٠ - ٤١) من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، حدَّثنا همام، عن قَتَادة، عن النضر بن أَنس، عن بشير بن نهيك، عن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - أن رجلًا أعتق شقصًا من مملوك، فأجاز النبي - ﷺ - عتقه وغرمه بقية ثمنه، قال قَتَادة: إن لم يكن له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه.\nقال الدَّارَقُطني: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: (ما أحسن ما رواه همام وضبطه، وفصل بين قول النبي - ﷺ - وبين قول قَتَادة!).\nفالإمام أحمد وابن المنذر والدارقطني والبيهقي والخطيب والحاكم والخطابي وغيرهم جزموا بالإدراج، وأن هذه اللفظة من كلام قَتَادة (^١).\nقال الإِمام أحمد -كما في رواية الميموني-: (حديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - في الاستسعاء يرويه ابن أبي عروبة، وأما شعبة وهشام فلم يذكراه، ولا أذهب إلى الاستسعاء) (^٢).\nوقال البيهقي: (قد اجتمع شعبة مع فضل حفظه وعلمه بما سمع من قَتَادة وما لم يسمع، وهشام مع فضل حفظه، وهمام مع صحة كتابه وزيادة معرفته بما ليس من الحديث على خلاف ابن أبي عروبة ومن وافقه في إدراج\n_________\n(^١) \"العلل\" (١٠/ ٣١٧)، \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٨٢)، \"الفصل للوصل\" (١/ ٣٤٨)، \"معالم السنن\" (٤/ ٢٥٥)، \"نصب الراية\" (٣/ ٢٨٢).\n(^٢) \"شرح العلل\" لابن رجب (١/ ٤٢٢).","vol":"9","page":544},{"text":"السعاية في الحديث) (^١).\nوذهب آخرون إلى عدم الإدراج، وأن لفظة: (واستسعي العبد غير مشقوق عليه) من كلام النبي - ﷺ -، وممن قال بذلك البخاري ومسلم حيث رويا الحديث بتمامه وأدخلاه في كتابهما، وجزما برفع هذه الجملة إلى النبي - ﷺ -.\nوكذا ابن دقيق العيد في \"شرحه على العمدة\" (^٢)، وابن عبد الهادي في \"التنقيح\" (^٣)، ولما ذكر الحديث في \"المحرر\" سكت عن الإدراج (^٤)، ووجهة نظر هؤلاء أن هذه الجملة من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قَتَادة، وقد تابعه جرير بن حازم وحجاج وغيرهما -كما تقدم- وسعيد بن أبي عروبة أعرف بحديث قَتَادة من غيره، لكثرة ملازمته له وأخذه عنه، فإنه كان أكثر ملازمة لقَتَادة من همام وغيره، وهشام وشعبة وإن كانا أحفظ من سعيد لكن روايتهما في عدم ذكر هذه الجملة لا تنافي رواية سعيد؛ لأنهما اقتصرا في رواية الحديث على بعضه، وليس المجلس متحدًا حتَّى يُتوقف في زيادة سعيد؛ لأن ملازمته لقَتَادة أكثر منهما، فسمع منه ما لم يسمعه غيره، وهذا كله لو انفرد، مع أنَّه لم ينفرد؛ فإن البخاري قد روى الحديث من رواية جرير بن حازم؛ لينفي التفرد عن سعيد، ثم أشار إلى ثلاثة تابعوهما على ذكرها، فقال: (تابعه -أي: سعيد- حجاج بن حجاج، وأبان، وموسى بن خلف عن قَتَادة … اختصره شعبة)، وقوله: (اختصره شعبة) إجابة عن إشكال: وهو أنَّه إذا كان شعبة أحفظ الناس لحديث قَتَادة -كما تقدم- فكيف لم يذكر الاستسعاء؟ فأجاب: بأن شعبة اختصر الحديث، وغيره ساقه بتمامه، وهذا لا يؤثر، إضافة إلى أن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، وخلاصة ذلك أن رواية سعيد بهذه الزِّيادة قد قويت بهذه المتابعات، ورواية شعبة لا تنافيها؛ لأنها من قبيل اختصار الحديث، والعلم عند الله تعالى.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٨٢).\n(^٢) \"إحكام الأحكام\" (٤/ ٥٦٦).\n(^٣) (٥/ ٩٤).\n(^٤) ص (٣٦٥).","vol":"9","page":545},{"text":"• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (شركًا له) بكسر الشين المعجمة وسكون الراء المهملة؛ أي: حصة ونصيبًا، سواء أكان ذلك قليلًا أم كثيرًا، كان يُعْتِقَ نصفه أو ربعه أو ثلثه.\n\nقوله: (في عبد) اسم للمملوك الذكر بأصل وضعه، ومؤنثه أمة من غير لفظه، وحكي: عبد وعبدة (^١).\n\nقوله: (فكان له مال) الضمير يعود على من أعتق نصيبه.\n\nقوله: (يبلغ ثمن العبد) أي: قيمة بقية العبد، والمراد: ما لم يعتق منه.\n\nقوله: (قوم عليه قيمة عدل) الفعل مبني لما لم يسم فاعله، وهو من التقويم؛ أي: التقدير؛ والمعنى: تقدر قيمة ذلك العبد تقديرًا عادلًا فلا يزاد في قيمته ولا ينقص، فيقوم كاملًا لا عتق فيه، وتعرف قيمته، وذلك من عارف بقيمة السلع موثوق بدينه وأمانته.\n\nقوله: (فأعطى شركاءه حصصهم) أعطى: بفتح الهمزة مبنيًّا للفاعل في رواية الأكثر، وشركاءه: منصوب على المفعولية؛ أي: فيعطي ذلك المعتِق -بكسر التاء- شركاءه قيمة حصصهم من هذا العبد ويعتق عليه العبد جميعه، وروي (فأُعطي شركاؤه) بضم الهمزة مبنيًّا لما لم يسم فاعله، و(شركاؤه) بالرفع نائب فاعل.\nوهذا خبر بمعنى الأمر؛ أي: إن ذلك لازم عليه لا محيص عنه.\n\nقوله: (وعَتَقَ عليه العبد) بفتح العين والتاء؛ أي: وصار جميع العبد حرًّا، وولاؤه لمن أعتقه.\n\nقوله: (وإلَّا فقد عتق منه ما عتق) أي: وإن لم يكن للمُعْتِقِ نصيبه مال؛ فقد عتق من العبد نصيبه، وما عدا ذلك يبقى رقيقًا.\n_________\n(^١) انظر: \"المفهم\" (٤/ ٣١١)، \"فتح الباري\" (٥/ ١٥١).","vol":"9","page":546},{"text":"قوله: (وإلا قوم عليه) مبني لما لم يسم فاعله؛ والمعنى: أن المعتِق -بكسر التاء- إن لم يكن له مال يفي بقيمة الباقي؛ قدر أهل الخبرة قيمة هذا العبد وصارت دينًا على العبد.\n\nقوله: (واستسعي) مبني لما لم يسم فاعله؛ أي: أُلزم العبد اكتساب ما يفك بقية رقبته من الرق، بأن يكتسب ويعمل حتَّى يحصل قيمة أنصباء شركاء المعتق، فسمي تصرفه في كسبه سعاية، وقيل: المراد أن يخدم سيده الذي لم يعتقه بقدر ما له فيه من الرق (^١).\n\nقوله: (غير مشقوق عليه) بالنصب حال من نائب الفاعل، وهو العبد؛ أي: لا يكلف المملوك ما يشق عليه في السعاية، وعلى المعنى الثاني: أنَّه لا يكلفه سيده من الخدمة فوق ما يطيقه ولا فوق حصته من الرق.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز عتق العبد المشترك من بعض الشركاء، وأن من أعتق نصيبه من عبد مشترك بينه وبين غيره أنَّه يلزمه عتق باقيه وخلاصه كله من ماله، إذا كان غنيًّا قادرًا على دفع قيمة أنصباء شركائه الذين لم يعتقوا نصيبهم، ويصير العبد حرًّا؛ لأن تبعيض العتق يضر بالعبد ولا تتم به المصلحة.\nولا فرق في ذلك بين أن يكون ذكرًا أو أنثى على قول الجمهور، إما لأن لفظ العبد في الحديث يراد به جنس الرقيق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣]، فإنه يتناول الذكر والأنثى، وإما على طريق الإلحاق بنفي الفارق، كما هو معلوم من باب القياس في الأصول (^٢).\nومفهوم قوله: (فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال) أنَّه لا يلزم استسعاء العبد عند يسار المعتِق (^٣).\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (١٠/ ٢٨٤).\n(^٢) \"المفهم\" (١٤/ ٣١١).\n(^٣) \"الأعلام\" (١١/ ٤١٦).","vol":"9","page":547},{"text":"• الوجه الرابع: الحديث دليل على أنَّه إذا كان الذي أعتق نصيبه فقيرًا غير قادر على دفع أنصباء شركائه الذين لم يعتقوا نصيبهم فإنه يعتق من العبد ما قدر عليه، ويبقى رقيقًا فيما بقي من نصيب الشركاء ويكون مبعضًا.\n\n• الوجه الخامس: اختلف العلماء فيما إذا أعتق الشريك نصيبه من عبد بينه وبين غيره وعجز عن عتق باقيه على قولين:\nالأول: أنَّه ينفذ العتق في نصيب المعتِق -بكسر التاء- فقط، ولا يطالب المعتِق بشيء، ولا يستسعى العبد، بل يبقى نصيب الشريك رقيقًا كما كان، وهذا قول مالك والشَّافعي وأحمد وأبي عبيد (^١)، وهؤلاء يستدلون برواية: (فقد عتق منه ما عتق).\nوأجابوا عن جملة: (واستسعي العبد غير مشقوق عليه) بأنها مدرجة من كلام الراوي -كما تقدم- وعلى فرض ثبوتها فالاستسعاء باختيار العبد، لقوله: (غير مشقوق عليه) إذ لو كان ذلك لازمًا لحصل له مشقة، ومعلوم أن هذا غير لازم في الكتابة؛ لكونها غير واجبة، فهذا مثلها، وهذا قول البيهقي. أو يقال إن المراد بالاستسعاء: استمرار العبد في خدمة سيده الذي لم يعتق بقدر ما له فيه من الرق، كما تقدم.\nالقول الثاني: أن الشريك إذا أعتق نصيبه استسعي العبد وطُلب منه أن يعمل ليحصل نصيب الشريك الذي لم يعتق.\nوهذا مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وهو قول الأوزاعي وإسحاق وآخرين (^٢)، واستدلوا بما تقدم من لفظة: (واستسعي العبد غير مشقوق عليه) بناءً على ثبوت ذلك عن النبي - ﷺ -.\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (٤٥/ ٢٣١)، \"المغني\" (١٤/ ٣٥٨).\n(^٢) \"بدائع الصنائع\" (٤/ ٨٧)، \"المغني\" (١٤/ ٣٥٨)، \"الاختيارات\" ص (١٩٨)، \" مختصر تهذيب السنن\" (٥/ ٣٩٦).","vol":"9","page":548},{"text":"وأجابوا عن رواية: (فقد عتق منه ما عتق) أي: بإعتاق مالك الحصة حصته، وحصة الشريك تعتق بالسعاية ويكون الرقيق كالمكاتب، وهذا هو الذي جزم به البخاري، كما تقدم عند تخريج الحديث.\nوالذي يظهر أن قوله: (وإلا فقد عتق منه ما عتق) محمول على ما إذا كان المعتِق فقيرًا والعبد لا قدرة له على السعاية، وقوله: (واستسعي العبد غير مشقوق عليه) على ما إذا كان العبد قادرًا على السعاية (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"سبل السلام\" (٤/ ٢٨٣).","vol":"9","page":549},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1220>ما جاء في فضل عتق الوالد</span>\n١٤٣٤/ ٧ - عَنْ أبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إلا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيُعْتِقَهُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"العتق\"، باب (فضل عتق الوالد)\n(١٥١٠) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يجزي وَلَدٌ والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه\" وفي رواية: \"ولد والده\".\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا يجزي) بفتح حرف المضارعة؛ أي: لا يكافئ الولد والده على فضله عليه وإحسانه إليه.\n\nقوله: (إلَّا أن يجده مملوكًا) أي: عبدًا رقيقًا.\n\nقوله: (فيعتقه) هكذا في النسخ \"البلوغ\" والمثبت في \"الصحيح\" -كما تقدم-: (فيشتريه فيعتقه) وظاهره أن الفاء للتعقيب؛ بمعنى أن الوالد لا يعتق بمجرد الشراء، بل لا بد من الإعتاق بعده، وسيأتي ما فيه.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على عظيم حق الوالدين، وأن برهما من أعظم الواجبات، ولذا قرن الله تعالى بر الوالدين والإحسان إليهما بحقه - ﷾ - فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال","vol":"9","page":550},{"text":"تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وسيأتي لهذا مزيد في كتاب \"الجامع\" إن شاء الله.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن أفضل بر بالوالدين أو أحدهما هو أن يجد الإنسان أباه أو أمه رقيقًا مملوكًا فيشتريه ويعتقه؛ لأنه أخرجهما من أحكام العتق إلى حرية بني آدم.\n\n• الوجه الخامس: ظاهر الحديث أن الوالد الرقيق لا يعتق على ولده بمجرد شرائه وملكه له، بل لا بدَّ من إعتاقه بعد الشراء؛ لقوله: (فيعتقه)، وهذا مذهب الظاهرية، وعليه فلا يلزم العتق بالشراء بل إن أراد أن يعتقه فحسن.\nوذهب الجمهور من العلماء إلى أنَّه يعتق بمجرد الشراء (^١)، واستدلوا بأن الله تعالى أوجب علينا الإحسان إلى الأَبوين -كما تقدم- وليس من الإحسان أن يبقى والده رقيقًا في ملكه، فإذن يجب عتقه، إما لأجل الملك عملًا بالحديث، أو لأجل الاحسان عملًا بالآية (^٢).\nوأما لفظة: (فيعتقه) فإن الولد لما كان سببًا في عتق أبيه بشرائه إياه نسب الشرع العتق إليه نسبة الإيقاع منه، ويؤيد هذا حديث سمرة - ﵁ - الآتي - الدال على أن مجرد الملك سبب للعتق، فيكون قرينة لحمل لفظة: (فيعتقه) على المعنى المجازي، كلما تقدم، ويصير المعنى: فيشتريه فيعتقه بشرائه له، كما يقال: ضربه فقتله، والضرب هو القتل (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٢٤٠)، \"المغني\" (٩/ ٢٢٣ - ٢٢٤).\n(^٢) \"المفهم\" (٤/ ٣٤٤).\n(^٣) \"المغني\" (٩/ ٢٢٤)، \"المفهم\" (٤/ ٣٤٥).","vol":"9","page":551},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1221>من ملك ذا رحم مَحْرمٍ عَتَقَ عليه</span>\n١٤٣٥/ ٨ - عَنْ سَمُرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَال: \"مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَرَجَّحَ جَمْعٌ مِنَ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٣٣/ ٣٣٨ - ٣٧٧)، وأَبو داود في كتاب \"العتق\"، بابٌ (فيمن ملك ذا رحم محرم) (٣٩٤٩)، والتِّرمِذي (١٣٦٥)، والنَّسائي في \"الكبرى\" (٥/ ١٣)، وابن ماجة (٢٥٢٤) من طريق حمَّاد بن سلمة، عن قَتَادة، عن الحسن، عن سمرة - ﵁ -.\nوهذا الحديث رجال إسناده ثقات، إلَّا أنَّه أُعل بعدة علل:\nالأولى: أنَّه من رواية الحسن عن سمرة، وقد اختلف في سماعه منه، لا سيما وأن الحسن مدلس، وقد رواه بالعنعنة، وأما سماعه منه فقد قيل: إنه سمع منه، وقيل: لم يسمع منه شيئًا، وإنَّما هو كتاب، وقيل: إنه سمع منه حديث العقيقة فقط، وهذا ثابت، وأما غيره فهو محل نظر، وهذا هو الأقرب، وتقدم بيان ذلك في باب (الغسل) من كتاب \"الطهارة\".\nالثانية: أن هذا الحديث تفرد به حمَّاد بن سلمة، قال التِّرمِذي: (هذا حديث لا نعرفه مسندًا إلَّا من حديث حمَّاد بن سلمة … قال: ويروى عن قَتَادة، عن الحسن، عن عمر هذا الحديث أيضًا)، وقال في \"العلل\": (سألت محمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه عن الحسن، عن سمرة إلَّا من حديث","vol":"9","page":552},{"text":"حمَّاد بن سلمة) (^١)، وقال أَبو داود: (لم يحدث ذلك الحديث إلَّا حمَّاد بن سلمة، وقد شك فيه).\nوالمراد أنَّه شك في وصله بذكر سمرة - ﵁كما رواه أَبو داود، والبيهقي (١٠/ ٢٨٩) بسندهما عن موسى بن إسماعيل، عن حمَّاد، عن الحسن، عن سمرة فيما يحسب حمَّاد، قال البيهقي: (فكأنه كان يشك في ذكر سمرة في إسناده) (^٢)، ومما يؤيد ذلك كون الحديث جاء عن الحسن بدون ذكر سمرة به.\nوعبارة البخاري وأبي داود فيها تضعيف الحديث، ولذا قال البيهقي: (وقد أشار البخاري إلى تضعيف الحديث، وقال علي بن المديني: هذا عندي منكر) (^٣)، وقال: (غير حمَّاد يرويه عن قَتَادة، عن عمر بن الخطاب -﵁-، وعن قَتَادة، عن الحسن من قوله) (^٤).\nالثالثة: أنَّه اختلف فيه حمَّاد وشعبة، عن قَتَادة، فوصله حمَّاد -كما تقدم- وشعبة أرسله، فإنه رواه عن قَتَادة، عن الحسن مرسلًا، ذكره الزيلعي في \"نصب الراية\" والحافظ في \"التلخيص\" وقال: (شعبة أحفظ من حمَّاد) (^٥)؛ لأن حمادًا يخطئ في حديثه عن قَتَادة كثيرًا، كما قال الإِمام مسلم (^٦).\nوالمقصود أن هذا الإسناد ضعيف، للاختلاف فيه على الحسن البصري، إضافة إلى العلة الأصلية، وهي رواية الحسن بالعنعنة مع أنَّه مدلس.\nقال البيهقي: (الحديث إذا انفرد به حمَّاد بن سلمة، ثم يشك فيه، ثم يخالفه فيه من هو أحفظ منه، وجب التوقف فيه) (^٧).\nورواه ابن أبي شيبة (٦/ ٣٢)، وأَبو داود (٣٩٥١) (٣٩٥٢)، والنَّسائي في \"الكبرى\" (٥/ ١٥) من طريق سعيد بن أبي عروبة. والنَّسائي -أيضًا - (٥/ ١٤)\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" (١/ ٥٦١).\n(^٢) \"المعرفة\" (١٤/ ٤٠٦).\n(^٣) \"المعرفة\" (١٤/ ٤٠٧).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٨٩).\n(^٥) \"نصب الراية\" (٣/ ٢٧٩)، \"التلخيص\" (٦/ ٣٢٦٣).\n(^٦) \"شرح العلل\" لابن رجب (٢/ ٦٢٣).\n(^٧) \"المعرفة\" (١٤/ ٤٠٦).","vol":"9","page":553},{"text":"من طريق هشام الدستوائي كلاهما عن قَتَادة، عن الحسن قوله. وقَرَنَ قَتَادة عندهم بالحسن جابر بن زيد.\nقال أَبو داود: (وسعيد أحفظ من حمَّاد).\nوالحديث له شاهد من حديث ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا، رواه ابن ماجة (٢٥٢٥)، والنَّسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٢٣) من طريق ضمرة بن ربيعة، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من ملك ذا رحم محرم عتق\".\nقال النَّسائي: (لا نعلم أحدًا روى هذا الحديث عن سفيان، غير ضمرة، وهو حديث منكر، والله أعلم).\nورواية عمر - ﵁ - الموقوفة التي أشار إليها التِّرمِذي أخرجها أَبو داود (٣٩٥٠)، والنَّسائي في \"الكبرى\" (٥/ ١٤ - ١٥) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة، أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: \"من ملك ذا رحم محرم فهو حر\"، وقَتَادة لم يدرك عمر -﵁-، لكن روي من وجه آخر عن عمر -﵁-، رواه النَّسائي (٥/ ١٥ - ١٦) من طريق الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عمر -﵁-، وذكر الاختلاف فيه على الحكم.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من ملك) عام فيدخل فيه الملك بالشراء أو بالهبة وغير ذلك.\n\nقوله: إذا رحم) بفتح الراء وكسر الحاء، أصله موضع تكوين الولد في بطن أمه، ثم استعمل للقرابة، فيقع على كل من بينك وبينه نسب يوجب تحريم النكاح، وهو القريب الذي يحرم نكاحه لو كان أحدهما رجلًا والآخر امرأة.\n\nقوله: (محرم) بفتح الميم وسكون الحاء وفتح الراء مخففة، ويقال: محرم بالتشديد بصيغة اسم المفعول من التحريم، والمحرم: من لا يحل نكاحه من الأقارب كالأب والأخ والعم ومن في معناهم، كما سيأتي.","vol":"9","page":554},{"text":"وهو بالجر على الجوار كقولهم: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، وماءُ شَنٍّ باردٍ، وكان القياس النصب؛ لأنه صفة لـ (ذا رحم) لا نعتٌ لـ (رحم).\n\nقوله: (فهو حر) أي: ذو الرحم المحرم ذكرًا كان أم أنثى يعتق على مالكه بسبب ملكه له.\n\n• الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على أن من ملك شخصًا بينه وبينه رحم محرمة للنكاح فإنه يعتق عليه بمجرد ملكه له، ويكون حرًّا، فإذا ملك أباه أو أمه أو أخته أو عمه أو عمته أو نحوهم بشراء أو بهبة أو غنيمة أو إرث عتق عليه، ويدخل في عموم الحديث الآباء وإن علوا، والأبناء وإن نزلوا، والإخوة والأخوات وأولادهم، والأخوال والخالات، والأعمام والعمات لا أولادهم.\nوهذا قول عمر وابن مسعود -﵄-، والحسن وجابر بن زيد وعطاء وغيرهم، وهو مذهب أبي حنيفة، والمشكور من مذهب الإِمام أحمد (^١).\nوذهب الشَّافعي إلى أنَّه لا يعتق بالملك إلَّا الآباء والأبناء، أما الآباء فلحديث: \"لا يجزي ولد والده …، وأما الأبناء فبالقياس على الآباء، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد (^٢).\nوهذا مبني على عدم صحة حديث سمرة - ﵁ -.\nوقال مالك: يعتق الآباء والأبناء، والإخوة والأخوات قياسًا على الآباء (^٣).\nوقالت الظاهرية: لا يعتق أحد من الأقارب بمجرد الملك، سواء الوالد أو الولد أو غيرهما، بل لا بد من إنشاء العتق، مستدلين بحديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - المتقدم (^٤)، والراجح القول الأول؛ لأن حديث الباب يعتضد بقول الصحابة - ﵃ -. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المغني\" (٩/ ٢٢٣)، \"الإنصاف\" (٧/ ٤٠١).\n(^٢) \"المهذب\" (٢/ ٦)، \"المغني\" (٩/ ٢٢٤).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٢٤٠).\n(^٤) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٢٣٩) وقارنه بـ \"المحلى\" (٩/ ٢٠٠).","vol":"9","page":555},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1222>حكم من أعتق عبيده عند موته وهم كل ماله</span>\n١٤٣٦/ ٩ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ - ﵄ - أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيرُهُم، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَينَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَينِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَة، وَقَال لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الإيمان\"، باب (من أعتق شركًا له في عبد) (١٦٦٨) من طريق إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين - ﵄ - أن رجلًا أعتق … وذكر الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ستة مملوكين له) أي: ستة أعبد، وقد جاء في رواية أبي داود، والنَّسائي، بلفظ: \"ستة أعبد\" (^١).\n\nقوله: (عند موته) على حذف مضاف؛ أي: عند مرض موته، وظاهر هذا أنَّه نجَّز عتقهم في هذه الحال.\n\nقوله: (فدعا بهم رسول الله - ﷺ -) أي: طلب هؤلاء المماليك الستة ليحضروا إليه - ﷺ -.\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (٣٩٥٨)، \"السنن الكبرى\" للنسائي (٥/ ٣٥).","vol":"9","page":556},{"text":"قوله: (فجزأهم أثلاثًا) بتشديد الزاي المعجمة، ويجوز تخفيفها، لغتان مشهورتان؛ أي: قسمهم ثلاث حصص، كل عبدين على حدة.\n\nقوله: (ثم أقرع بينهم) أي: هيأهم للقرعة، والقرعة -بضم القاف-: استهام يتعين به نصيب الإنسان، ولها طرق كثيرة.\n\nقوله: (وأرق أربعة) بتشديد القاف، فعل ماض معدى بالهمزة، من رق الثلاثي اللازم، يقال: رَقَّ الشخص يَرِقُّ - بالكسر - من باب ضرب فهو رقيق، ويتعدى بالحركة وبالهمزة، فيقال: رقَّقته وأرقُّه من باب قتل، وأرققته فهو مرقوق (^١)؛ والمعنى هنا: أبقى حكم الرق على الأربعة.\n\nقوله: (وقال له قولًا شديدًا) أي: غلظ له بالقول والذم والوعيد كراهية لفعله وسوء تصرفه حيث زاد عتقه على الثلث، ومنع الورثة حقوقهم، وقد جاء في رواية عند أبي داود من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي زيد الأنصاري؛ بمعنى هذا الحديث وقال: -يعني: النبي - ﷺ -: \"لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين\" (^٢).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن العتق في مرض الموت يأخذ حكم الوصية، فلا ينفذ إلَّا فيما أذن فيه الشرع وهو الثلث فأقل، فإذا كان العتق لجماعة من العبيد ولم يحملهم الثلث وقد تساوت قيمتهم -ويغتفر التفاوت اليسير- وكان لهم ثلث صحيح كستة أعبد، قيمة كل اثنين منهم ثلث المال، جعلنا كل اثنين منهم ثلثًا، وأقرعنا بينهم بسهم حرية وسهمي رق، فمن وقع لهما سهم الحرية عتقا، ورقَّ الباقون، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم؛ لأن قول الراوي: (فجزأهم ثلاثًا) ظاهره أنَّه اعتبر عدد أشخاصهم دون قيمتهم، وإنما فعل ذلك لتساويهم في القيمة والعدد.\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٢٣٥).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (٣٩٦٠)، ورواه النَّسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٣٥)، وأحمد (٣٧/ ٩٧)، وهو حديث ضعيف لانقطاعه والاختلاف في سنده، ونكارة متنه، والمحفوظ ما رواه أيوب عن أبي قلابة، كما أخرجه مسلم.","vol":"9","page":557},{"text":"وذهبت الحنفية إلى أنَّه يعتق من كل عبد ثلثه، ويسعى كل واحد منهم في ثلثي قيمته للورثة (^١)، كما تقدم في حديث السعاية، قالوا: وحديث الباب مخالف للقياس، وذلك لأن السيد قد أوجب لكل واحد من عبيده الستة العتق، ولو كان له مال لنفذ العتق في الجميع بالإجماع، وإذا لم يكن له مال وجب أن ينفذ لكل واحد منهم بقدر الثلث الجائز تصرف السيد فيه.\nوالصواب الأول فإن قوله: (فأعتق اثنين وأرق أربعة) نص صريح في أنَّه لم يُعْتِقْ منهم إلَّا اثنين، وفيه رد على الحنفية القائلين يعتقون جميعًا.\nوالقول بالاستسعاء فيه ضرر كبير؛ لأن الورثة لن يحصل لهم شيء في الحال، وقد لا يحصل من السعاية شيء، أو يحصل شيء يسير لا قيمة له، ثم إن فيه ضررًا على العبيد لإلزامهم السعاية من غير اختيارهم (^٢).\nوقولهم: إن الحديث مخالف للقياس فلا يعمل به، مردود؛ لأن القياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار، ولو سلمنا أنَّه ليس بفاسد لكان القياس مع هذا الحديث كالدليلين المتعارضين، فيكون الأخذ بالحديث أولى، لكثرة الاحتمالات الواردة على القياس بخلاف النص (^٣).\n\n• الوجه الرابع: الحديث نص واضح في صحة اعتبار القرعة شرعًا لتمييز الحقوق، والقول بمشروعيتها هو قول الجمهور من أهل العلم، لدلالة الكتاب والسنة القولية والعملية على ذلك، وفعلها الصحابة -﵃-، وقد تقدم الكلام على مسألة القرعة في باب (القسم) من كتاب \"النكاح\" (^٤). والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٣٨٤).\n(^٢) \"نيل الأوطار\" (١٢/ ٢٨٨).\n(^٣) \"المفهم\" (٤/ ٣٥٧).\n(^٤) انظر: الحديث (١٠٧٠).","vol":"9","page":558},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1223>من أعتق مملوكه وشرط خدمته</span>\n١٤٣٧/ ١٠ - عَن سَفِينَةَ - ﵁ - قَال: كُنْتُ مَمْلُوكًا لأُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالت: أَعْتِقُكَ وَأَشْتَرِطُ عَلَيكَ أَنْ تَخْدُمَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَا عِشْتَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو سفينة -بفتح السين (^١) - مولى رسول الله - ﷺ - وخادمه - ﷺ -، وكنيته أَبو عبد الرحمن، واختلف في اسمه على واحد وعشرين قولًا، سردها الحافظ في \"الإصابة\"، فقيل: مهران، وقيل: مروان، وقيل غيرهما، كان أصله فارسيًّا، فاشترته أم سلمة -﵂-، ثم أعتقته واشترطت عليه ما ذكر في حديث الباب، وقال أَبو حاتم: \"كان من مولدي الأعراب، فاشتراه رسول الله - ﷺ - فأعتقه). وكان - ﵁ - رجلًا قويًّا، وقد روى الإِمام أحمد بسنده عن سعيد بن جُمْهان (^٢)، عن سفينة - ﵁ - قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فكلما أعيا بعض القوم ألقى عليَّ سيفه وترسه ورمحه، حتَّى حملت من ذلك شيئًا كثيرًا، فقال النبي - ﷺ -: \"أنت سفينة\" (^٣)، روى عن النبي - ﷺ - وأم سلمة وعلي - ﵄ - وروى عنه ابناه: عبد الله وعمر، وسالم بن عبد الله بن عمر وغيرهم (^٤).\n_________\n(^١) \"المغني\" ص ١١٢٩١.\n(^٢) بضم الجيم وسكون الميم، كما في \"المغني\" ص (٦٢).\n(^٣) \"المسند\" (٣٦/ ٢٥٣).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٣٢٠)، \"زاد المعاد\" (١/ ١١٥ - ١١٦)، \"الإصابة\" (٤/ ٢١٥).","vol":"9","page":559},{"text":"• الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٣٦/ ٢٥٥)، وأَبو داود في كتاب \"العتق\"، بابٌ (في العتق على الشرط) (٣٩٣٢)، والنَّسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٤١ - ٤٢)، وابن ماجة (٢٥٢٦)، والحاكم (٢/ ٢١٣ - ٢١٤) من طريق سعيد بن جُمْهان، عن سَفِينة قال: كنت مملوكًا لأم سلمة … وذكر الحديث، وتمامه: فقلت: إن لم تشترطي على ما فارقت رسول الله - ﷺ - ما عشت، فاعتقتني واشترطت عليَّ. وهذا لفظ أبي داود، وهذه الزِّيادة ليست عند أحمد.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، والحديث في سنده سعيد بن جُمْهان الأسلمي، وهو مختلف فيه، وقد وثقه جماعة منهم الإِمام أحمد وابن معين والنَّسائي وأَبو داود، وقال البخاري: (في حديثه عجائب)، وقال الساجي: (لا يتابع على حديثه)، وقال أَبو حاتم: (شيخ يكتب حديثه، ولا يحتج به)، وقال ابن عدي: (روى عن سفينة أحاديث لا يرويها غيره، وأرجو أنَّه لا بأس به، فإن حديثه أقل من ذلك) (^١)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق له أفراد).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على صحة اشتراط الخدمة على العبد المعتق مدة معلومة، فيقع العتق منجزًا مع اشتراط نفعه للمعتق أو اشتراط نفعه لغير المعتق، قال البغوي: (لو قال رجل لعبد: أعتقتك على أن تخدمني شهر) فقبل، عتق في الحال، وعليه خدمة شهر. . .) (^٢).\nوقد استدل الفقهاء بهذا الحديث على جواز العتق المعلق على شرط، قال ابن رشد: (اتفقوا على جواز اشتراط الخدمة على المعتَق مدة معلومة بعد العتق وقبل العتق) (^٣).\nوالظاهر - والله أعلم - أن قصة سفينة ليست من باب تعليق العتق على الشرط، وإنما هي من باب استثناء منافع العبد (^٤)، وبينهما فرق؛ لأنه على الأول لا يقع العتق إلَّا بوقوع الشرط، وعلى الثاني يقع العتق في الحال، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٣/ ٤٠٢)، \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٣).\n(^٢) \"شرح السنة\" (٩/ ٣٧٦).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٢٤٦).\n(^٤) \"توضيح الأحكام\" (٦/ ٢٠٥).","vol":"9","page":560},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1224>ما جاء في أن الولاء لمن أعتق</span>\n١٤٣٨/ ١١ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ في حَدِيثٍ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث تقدم تخريجه وشرحه في كتاب \"البيوع\" برقم (٧٩١)، وقد رواه البخاري في أكثر من عشرين موضعًا من \"صحيحه\"، ومنها في كتاب \"المكاتب\" (٢٥٦٠) من طريق يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ -.\nورواه مسلم (١٥٠٤) (٧) من عدة طرق، ومنها: عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عائشة - ﵂ -.\nوقد ذكره الحافظ في \"البيوع\" مطولًا للاستدلال به على صحة الشروط المشروعة وبطلان غيرها، وساقه هنا مختصَرًا مقتصِرًا على القدر المطلوب.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إنما) أداة قصر، تفيد قصر الولاء لمن أعتق، سواء أكان رجلًا أم امرأة، ونفيه عمن لم يعتق، وقوة هذا الكلام قوة النفي والإيجاب، فكأنه قال: لا ولاء إلا لمن أعتق.\n\nقوله: (الولاء لمن أعتق) الولاء: بالمد أصله السلطة والنصرة ويطلق على القرابة، والمراد هنا: ولاء العتاقة؛ أي: الولاء الذي سببه العتق، وهو عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق.","vol":"9","page":561},{"text":"* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الولاء لمن أعتق الرقيق لا لمن باعه ولا لغيره؛ لأن الحديث سيق مساق الحصر كما تقدم، ووجه ذلك ما تقدم من كون الرقيق في حكم المعدوم إذ لا تصرف له في نفسه، وإنما يتصرف فيه بالبيع والشراء والهبة، فكان عتقه كإخراجه من العدم إلى الوجود، لما في عتقه من تخليصه من أسر الرق وملك نفسه ومنافعه وتكميل أحكامه وتمام تصرفه، فاستحق معتقه الولاء الذي هو عُلقة وارتباط بين المعتِق والمعتَق، كعلقة وارتباط النسب، وتترتب عليها أحكام شرعية، لكنها أقل من أحكام النسب، ومنها أن المعتق يرث عتيقه ولا ينعكس، وغير ذلك من الأحكام المدونة في كتب الفقه. والله تعالى أعلم.","vol":"9","page":562},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1225>من أحكام الولاء</span>\n١٤٣٩/ ١٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الوَلاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ\". رَوَاهُ الشَّافِعيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَأَصْلُهُ في الصَّحِيحَينِ بِغَيرِ هذَا اللَّفْظِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث تقدم ذكره في باب \"الفرائض\" برقم (٩٥٨)، وقد أخرجه الشافعي (٢/ ٥٩ \"ترتيب مسنده\") ومن طريقة الحاكم (٤/ ٢٣١)، والبيهقي (١٠/ ٢٩٢) عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا.\nقال الحاكم: (صحيح الإسناد)، ورده الذهبي مشنِّعًا عليه بقوله: (قلت: بالدَّبُّوس!) (^١).\nوعلة الحديث محمد بن الحسن وهو الشيباني، ويعقوب بن إبراهيم وهو أبو يوسف القاضي، صاحبا أبي حنيفة، وهما وإن كانا فقيهين كبيرين في مذهب الحنفية إلا أنهما ليسا من الإثبات في الرواية، فقد ضعفهما غير واحد من الأئمة، وذكرهما الذهبي في \"الضعفاء\"، فقال عن محمد بن الحسن: (ضعفه النسائي وغيره)، وقال عن يعقوب: (قال البخاري: تركوه، وقال\n_________\n(^١) الدَّبُّوس: بوزن تَنُّور: واحد الدبابيس، للمقامع من حديد وغيره. انظر: \"تاج العروس\" (١٦/ ٤٩)، \"مختصر استدراك الذهبي\" لابن الملقن (٦/ ٣٠٨٤).","vol":"9","page":563},{"text":"الفلاس: كان أبو يوسف صادقًا كثير الغلط) (^١)، ثم إن الحديث فيه علة أخرى وهي تفرد أبي يوسف عن ابن دينار وهو ممن لا يحتمل تفرده.\nوالحديث أعلَّه البيهقي، فقال: (هذا اللفظ بهذا الإسناد غير محفوظ، … وروي من أوجه أُخر ضعيفة، وأصح ما روي فيه حديث هشام بن حسان، عن الحسن قال: قال رسول الله - ﷺ - … فذكره، وهذا مرسل\" (^٢).\nورواه ابن حبان (١١/ ٣٢٥ - ٣٢٦) عن أبي يعلى الموصلي، عن بشر بن الوليد، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم، عن عبيد الله بن عمر، عن ابن دينار، به.\nوفي هذا الإسناد زاد بشر بن الوليد عبيد الله بن عمر (^٣)، وبشر بن الوليد متكلم فيه، فقد أثنى عليه الإمام أحمد، وقال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه جرحًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٤)، وقال صالح جَزَرَة: (هو صدوق، ولكنه لا يعقل، كان قد خَرِفَ)، وقال الآجُري: سألت أبا داود أبشر بن الوليد ثقة؟ قال: (لا). قال البيهقي عن الإسناد الأول: (كذا رواه -يعني الشافعي- عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف، وكأنه رواه محمد بن الحسن للشافعي من حفظه فزلَّ عن ذكر عبيد الله بن عمر في إسناده …)، وقال: (هذا اللفظ بهذا الإسناد غير محفوظ، ورواه الجماعة عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الولاء وعن هبته).\nوقول الحافظ: (وأصله في \"الصحيحين\" بغير هذا اللفظ) يشير بذلك إلى\n_________\n(^١) \"الضعفاء\" ص (٣٤٦، ٤٤٥).\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة (٦/ ١٢٣). وانظر: \"معرفة السنن\" (١٤/ ٤١٠)، \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٩٢).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٤).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٣٦٩)، \"الثقات\" (٨/ ١٤٣)، \"لسان الميزان\" (٢/ ٣١٦).","vol":"9","page":564},{"text":"ما تقدم في كتاب \"البيوع\" برقم (٧٩٧) وهو حديث ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الولاء وعن هبته. رواه البخاري برقم (٢٥٣٥) من طريق شعبة، وبرقم (٦٧٥٦) من طريق سفيان، ومسلم (١٥٠٦) من طريق سليمان بن بلال، ثلاثتهم عن عبد الله بن دينار، سمعت عبد الله بن عمر - ﵄ - يقول: …\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الولاء) الولاء: بفتح الواو مع المد، لغة: السلطة والنصرة، ويطلق على القرابة، فيقال: بينهما ولاء؛ أي: قرابة، والمراد هنا: ولاء العتاقة، وهو عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق، وتقدم هذا.\n\nقوله: (لحمة كلحمة النسب) اللُّحْمة: بضم اللام وسكون الحاء، ويجوز فتح اللام، هي القرابة والعلاقة، وأصل اللَّحمة: بفتح اللام، والضم لغة: خيوط النسيج العرضية في الثوب يُلحم بها السَّدَى وهو ما يُمَدُّ طولًا؛ والمعنى: أن الولاء ارتباط وعلقة بين المعتق وعتيقه كعلقة وارتباط النسب؛ ومعنى تشبيهه بلحمة النسب: أنه يجري الولاء مجرى النسب في الميراث، كما تخالط اللحمة سَدَى الثوب حتى يصير كالشيء الواحد؛ لما بينهما من المداخلة الشديدة (^١).\n\nقوله: (لا يباع ولا يوهب) أي: لا يجوز التنازل عنه بثمن ولا بغير ثمن لشخص آخر؛ لأن هذه العصوبة أمر معنوي، كالنسب الذي لا يتأتى انتقاله من شخص إلى شخص آخر، فلو قال: يا فلان بعتك قرابتي من أخي أو وهبتك إياها؛ ما صار أخًا لهذا الشخص، فكذا ولاء العتق.\n\n* الوجه الثالث: استدل الفقهاء بهذا الحديث على النهي عن بيع الولاء وعن هبته؛ لأن الرسول - ﷺ - شبهه بالنسب، والنسب لا ينتقل بعوض ولا بغير عوض، ووجه التشبيه: أن السيد لما أعتق عبده أخرجه من حيِّز المملوكية التي\n_________\n(^١) انظر: \"النهاية\" (٤/ ٢٤٠)، \"المعجم الوجيز\" ص (٣٠٧، ٥٥٣).","vol":"9","page":565},{"text":"ساوى بها البهائم إلى حيز المالكية التي امتاز بها عن سائر ما عداه من الحيوانات والجمادات، فأشبه بذلك الولادة التي هي سبب لإخراج المولود من العلم إلى الوجود وإلى التفرغ لعبادة الله تعالى (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"العذب الفائض\" (١/ ١٩).","vol":"9","page":566},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1226>باب المُدَبَّرِ والمُكَاتَبِ وأُمِّ الوَلَدِ</span>\nالمدبر: بفتح الباء مشددةً بوزن اسم المفعول، من وقع عليه التدبير، وهو مصدر دبر العبد والأمة تدبيرًا، والتدبير في اللغة: النظر في عواقب الأمور.\nوشرعًا: تعليق العتق بالموت، سمي تدبيرًا؛ لأنه يعتق بعد ما يدبر سيده؛ أي: يموت، والممات دبر الحياة، أو لأن فاعله دبر أمر دنياه وآخرته، أما دنياه فباستمراره على الانتفاع بخدمة عبده، وأما آخرته فبتحصيل ثواب العتق، وبهذا راجع للأول (^١).\nولفظ التدبير مختص بالعتق بعد الموت، فلا يستعمل في غيره من وصية أو وقف أو غيرهما.\nوالمكاتب: بفتح التاء هو العبد الذي وقعت عليه الكتابة.\nوالكتابة لغة: اسم مصدر، بمعنى المكاتبة، يقال: كاتب السيد عبده يكاتبه مكاتبة، وأصل الكتابة: الشيء المكتوب، ثم كثر استعمالها في المكاتبة وإن لم يُكتب شيء.\nوشرعًا: شراءُ العبدِ نفسَهُ من سيده.\nوذلك بأن يقع عقد بين الرقيق وسيده على أن يدفع الرقيق له مبلغًا من المال نجومًا -أي: أقساطًا- ليصير بذلك حرًّا.\nوالأصل فيها الكتاب، والسنة، والإجماع.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٤٢١).","vol":"9","page":567},{"text":"أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ [النور: ٣٣]، وأما السنة فأحاديث الباب، وقد أجمعت الأمة على مشروعية الكتابة.\nوأما أم الولد: فهي التي ولدت من سيدها في ملكه، بأن يطأها السيد فتضع ما تبين فيه خلق إنسان، فتعتق بموته من رأس ماله، ولا خلاف في إباحة التسري ووطء الإماء.","vol":"9","page":568},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1227>حكم بيع المُدَبَّرِ</span>\n١٤٤٠/ ١ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيرُهُ، فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبيَّ - ﷺ - فَقَال: \"مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ \"، فَاشْتَرَاهُ نُعَيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بِثَمَانِمِائَةِ درهم. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَفي لَفْظٍ لِلْبُخَارِي: فَاحْتَاجَ. وَفي رِوَايَةٍ للنَّسَائِيِّ: وَكَانَ عَلَيهِ دَينٌ فَبَاعَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَأعْطَاهُ، وَقَال: \"اقْضِ دَينَكَ\".\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث تقدم مختصرًا في كتاب \"البيوع\" برقم (٧٨٧)، وقد رواه البخاري في عدة مواضع من \"صحيحه\"، ومنها في كتاب \"كفارات الأيمان\"، باب (عتق المدبر) (٦٧١٦)، ومسلم (٩٩٧) من طريق عمرو بن دينار، عن جابر - ﵁ - أن رجلًا من الأنصار دبر مملوكًا له، ولم يكن له مال غيره، فبلغ النبي - ﷺ -، فقال: \"من يشتريه مني؟ \" فاشتراه نعيم بن النَّحام بثمانمائة درهم … هذا لفظ البخاري.\nورواه البخاري في \"البيوع\"، باب (بيع المزايدة) (٢١٤١) من طريق الحسين المكتب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله - ﵄ - أن رجلًا أعتق غلامًا له عن دبر، فاحتاج، فأخذه النبي - ﷺ - فقال: \"من يشتريه مني؟ \" فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا، فدفعه إليه.\nورواه النسائي في \"الصغرى\" (٨/ ٢٤٦)، وفي \"الكبرى\" (٥/ ٤٤) من طريق محاضر بن المورِّع، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن عطاء، عن","vol":"9","page":569},{"text":"جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: أعتق رجل من الأنصار غلامًا له عن دبر وكان محتاجًا، وكان عليه دين، فباعه النبي - ﷺ - بثمانمائة درهم فأعطاه، فقال: \"اقض دينك، وأنفق على عيالك\".\nوهذا سند حسن، محاضر بن المورع تكلم فيه أبو حاتم وأحمد، وقال أبو زرعة: (صدوق)، وقال النسائي: (ليس به بأس) (^١)، وقال ابن عدي: (محاضر هذا قد روى عن الأعمش أحاديث صالحة مستقيمة … ولم أر في رواياته حديثًا منكرًا فأذكره، إذا روى عنه ثقة) (^٢)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق له أوهام).\nلكنه تفرد عن الأعمش بهذه الزيادة على ما في \"الصحيحين\"، وقد ذكر الإمام مسلم في \"التمييز\" أن المحفوظ في حديث جابر - ﵁ - هو ذكر البيع، وأن ما جاء من الزيادات كذكر الدين فَخَطَأٌ لم يحفظ (^٣). والحديث رواه البخاري (٢٢٣٠) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن سلمة بن كهيل به مختصرًا، بلفظ: أن النبي - ﷺ - باع المدبر.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (غلامًا له) أي: عبدًا، وأصل الغلام الابن الصغير، وقد يطلق على الرجل باعتبار ما كان، وهذا الغلام كان قبطيًّا اسمه يعقوب، مات في إمارة ابن الزبير.\n\nقوله: (عن دُبُر) بضم الدال والباء؛ أي: بعد موته، وأصل الدبر: خلاف القُبُل من كل شيء، ومنه يقال لآخر الأمر: دُبُر، وأصله ما أدبر عنه الإنسان، ومنه دَبَّرَ الرجل عبده تدبيرًا، إذا أعتقه بعد موته (^٤)، بأن يقول السيد لرقيقه: أنت حر بعد موتي.\n\nقوله: (نُعيم بن عبد الله) بضم النون هو نعيم بن عبد الله بن أَسيد -بفتح\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٤٧).\n(^٢) \"الكامل\" (٦/ ٤٤١)، وانظر: \"معرفة أصحاب الأعمش\" ص (١٩٥).\n(^٣) انظر: \"التمييز\" ص (١٤٦ - ١٤٩).\n(^٤) \"المصباح\" ص (١٨٨).","vol":"9","page":570},{"text":"الهمزة- القرشي العدوي المعروف بابن النَّحام (^١)، وقد وقع كذلك في رواية للبخاري (٢٢٤٨) وقال القاضي عياض: الصواب إسقاط ابن (^٢)، وتبعه النووي وآخرون، فيكون النحام لقبًا لـ (نُعيم) مستدلين بحديث: (دخلت الجنة فسمعت فيها نحمة من نُعيم)، ورجح الحافظ إثباتها؛ لأن هذا جاء في الروأيات الصحيحة، والحديث المذكور من رواية الواقدي وهو ضعيف، ولعل أباه -أيضًا- كان يقال له النحام.\nأسلم قبل عمر - ﵁ - ولكن لم يهاجر إلا قبيل فتح مكة؛ لأنه كان ينفق على أرامل بني عدي وأيتامهم، فلما أراد أن يهاجر قال له قومه: أقم على أي دين شئت، استشهد - ﵁ - بأجنادين (^٣) في آخر خلافة أبي بكر - ﵁ - سنة ثلاث عشرة، وقيل: في اليرموك (^٤) سنة خمس عشرة (^٥).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز بيع العبد المدبر قبل موت سيده، وقياسًا على بيع العبد الموصى بعتقه، فإنه جائز إجماعًا (^٦).\nوظاهر الحديث أن النبي - ﷺ - باع هذا المدبر لما علم أن صاحبه لا يملك شيئًا غيره، لما في رواية للبخاري: (أن رجلًا أعتق غلامًا له عن دبر، فاحتاج …)، وفي الرواية الأخرى: (لم يكن له مال غيره)، والقول بأنه لا يباع إلا لحاجة من دين أو نفقة هو قول الحسن وعطاء، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره ابن دقيق العيد (^٧).\n_________\n(^١) النحمة: بفتح النون وإسكان الحاء، الصوت، وقيل: السعلة، وقيل: النحنحة.\n(^٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٩٤).\n(^٣) أجنادين: بفتح الهمزة، وفتح الدال وكسر النون بصيغة التثنية، ويجوز كسر الدال وفتح النون بلفظ الجمع، موضع بالشام من نواحي فلسطين، كانت به وقعة بين المسلمين والروم. انظر: \"معجم البلدان\" (١/ ١٠٣).\n(^٤) اسم وادٍ بناحية الشام يصب في نهر الأردن، كانت به وقعة بين المسلمين والروم. انظر: \"معجم البلدان\" (٥/ ٤٣٤).\n(^٥) \"الاستيعاب\" (١٠/ ٣٢٤)، \"الإصابة\" (١٠/ ١٧٥)، \"فتح الباري\" (٥/ ١٦٦).\n(^٦) \"الإعلام\" (١٠/ ٤١٩).\n(^٧) \"إحكام الأحكام\" بحاشية الصنعاني (٤/ ٥٦٩).","vol":"9","page":571},{"text":"والقول الثاني: جواز بيعه مطلقًا، سواء باعه لحاجة أم لا، وهذا قول الشافعي، والمشهور من مذهب الإمام أحمد (^١)، قالوا: إنه لما جاز بيعه في صورة من صور البيع؛ جاز في كل صورة؛ ولأنه شبيه بالوصية التي يجوز الرجوع عنها ما دام الموصي في حال الحياة.\nوأجابوا عن قوله: (فاحتاج) بأنه لا مدخل له في الحكم، وإنما ذكره لبيان السبب في المبادرة لبيعه، ليتبين للسيد جواز البيع، ولولا الحاجة لكان عدم البيع أولى.\nوالقول الثالث: أنه لا يجوز بيع المدبر، وهو قول ابن عمر وسعيد بن المسيب والشعبي وآخرين، وهو قول أبي حنيفة ومالك (^٢)؛ لأن المدبر استحق العتق بموت سيده فأشبه أم الولد، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].\nوالقول الأول فيه وجاهة كما ترى؛ لأن فيه جمعًا بين الأدلة (^٣).\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية التدبير وصحته، وهذا أمر متفق عليه، لكن الخلاف في نفوذه، هل هو من رأس المال أو من الثلث؟ فذهب الجمهور إلى أنه يحسب من الثلث، قياسًا على الوصية بجامع النفوذ بعد الموت.\nوذهبت الظاهرية وجماعة من السلف إلى أنه يحسب من رأس المال، قياسًا على الهبة ونحوها مما يخرجه الإنسان من ماله في حياته (^٤)، والقول الأول أقوى، لقوة مأخذه.\n\n* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه ينبغي لمن ليس عنده سعة في الرزق وبسطة في المال أن يهتم بنفسه ومن يعول من زوجته وأولاده فهم\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٩/ ٢٤٤)، \"المغني\" (١٢/ ٣١٦) (١٤/ ٤١٩ - ٤٢٠).\n(^٢) \"شرح فتح القدير\" (٦/ ٤٠٦)، \"حاشية الدسوقي\" (٤/ ٣٨٣).\n(^٣) انظر: \"الأحاديث الواردة في البيوع المنهي عنها\" (١/ ١٧٠).\n(^٤) \"المغني\" (١٤/ ٤١٣)، \"سبل السلام\" (٤/ ٢٩٠).","vol":"9","page":572},{"text":"أولى من غيرهم، وقد جاء في هذا الحديث عند مسلم زيادة: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا، يقول: فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك). أما من وسع الله عليه في رزقه فعليه أن يغتنم الفرص وينفق في طرق الخير، قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠].\n\n* الوجه السادس: في نظر النبي - ﷺ - في مصلحة هذا الرجل وبيعه مدبره دليل على مشروعية نظر الإمام أو من ينيبه في مصالح رعيته وأمره إياهم بما فيه الرفق لهم وبإبطال ما يضرهم من تصرفاتهم التي يمكن فسخها (^١)، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"الإعلام\" (١٠/ ٤٢١).","vol":"9","page":573},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1228>حكم المكاتب يؤدي بعض كتابته</span>\n١٤٤١/ ٢ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"الْمُكَاتبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيهِ مِنْ مُكَاتبَتِهِ دِرْهَمٌ\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بإسْنَادٍ حَسَنٍ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالثَّلَاثةِ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في أول كتاب \"العتق\"، بابٌ (في المكاتب يؤدي بعض كتابته فيعجز أو يموت) (٣٩٢٦) من طريق إسماعيل بن عياش، حدثني سليمان بن سليم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا.\nوهذا سند حسن -كما قال الحافظ- لما تقدم في عدة مواضع من أن مرويات عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده من قبيل الحديث الحسن إذا لم ينفرد بأصل لم يروه غيره، ولم يخالف من هو أوثق منه.\nوإسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن أهل بلده، وهذه منها، وسليمان بن سليم الشامي القاضي بحمص، ثقة عابد -كما في \"التقريب\".\nوروى الحديث أحمد (١١/ ٣٣٧)، وأبو داود (٣٩٢٧) في الموضع السابق، والنسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٥٢ - ٥٣)، والحاكم (٢/ ٢١٨) كلهم من طريق همام، حدثنا عباس الجُريري، ورواه الترمذي (١٢٦٠) من طريق يحيى بن أبي أُنيسة، والنسائي (٥/ ٥٢)، وابن ماجه (٢٥١٩) من طريق حجاج، ثلاثتهم عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي - ﷺ - قال: \"أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشرة أواقٍ فهو عبد، وأيما عبد","vol":"9","page":574},{"text":"كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد\". ولفظ الترمذي وابن ماجه والنسائي في الموضع الثاني أخصر.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد) وسكت عنه الذهبي، وعباس الجُريري -بضم الجيم- ثقة، روى له الجماعة (^١)، والحجاج -وهو ابن أرطاة- مدلس، ويحيى بن أبي أُنيسة ضعيف، وقد نقل البيهقي عن الشافعي ما يدل على ضعف هذا الحديث (^٢).\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المكاتب لا يعتق ويكون له حكم الأحرار حتى يؤدي ما عليه من مال الكتابة، فإن بقي عليه شيء فهو عبد تجري عليه أحكام الرقيق، وهذا مذهب الجمهور (^٣)، وهو مروي عن عمر وزيد وابن عمر وعائشة وأم سلمة -﵃-، وجماعة من التابعين (^٤).\nومما يؤيد ذلك حديث عائشة - ﵄ - في قصة بريرة، فإن بريرة قد بيعت على عائشة - ﵂ - بعد أن كاتبت، ولو كان المكاتب يصير بنفس الكتابة حرًّا لامتنع بيعها (^٥).\nوعلى هذا فلو مات العبد قبل استكمال أداء دين الكتابة ولو قليلًا فهو رقيق، ماله الذي وراءه كله لسيده، وكذا لو قتل فهو رقيق يُضمن بقيمته (^٦). وفي المسألة خلاف تراجع له الكتب المطولة، وبعضه يأتي في الحديث الذي بعد هذا، وقد ذكر ابن القيم في المسألة ستة أقوال (^٧). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب الكمال\" (١٤/ ٢٣٨).\n(^٢) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" (١٤/ ٤٤٥)، \"التلخيص\" (٦/ ٣٢٨٢).\n(^٣) \"المغني\" (١٤/ ٤٥٢)، \"فتح الباري\" (٥/ ١٩٥).\n(^٤) \"المغني\" (١٤/ ٤٥٢).\n(^٥) \"فتح الباري\" (٥/ ١٩٥).\n(^٦) \"المغني\" (١٤/ ٤٦٥).\n(^٧) \"الاستذكار\" (٢٣/ ٢٢٩)، \"تهذيب مختصر السنن\" (٥/ ٣٨٥).","vol":"9","page":575},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1229>حكم المكاتب عنده ما يؤدي</span>\n١٤٤٢/ ٣ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا كَانَ لإِحْدَاكُن مُكَاتَبٌ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحِّحَهُ التِّرْمذِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٤٤/ ٧٣)، وأبو داود في كتاب \"العتق\"، بابٌ (في المكاتب يؤدي بعض كتابته …) (٣٩٢٨)، والترمذي (١٢٦١)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٥٤)، وابن ماجه (٢٥٢٠) من طريق الزهري، قال: حدثني نبهان مولى أم سلمة، عن أم سلمة - ﵂ - مرفوعًا.\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) وفي سنده نبهان -وهو مولى أم سلمة ومكاتبها- وهو مجهول، لم يذكروا في الرواة عنه إلا الزهري (^١)، ومحمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، مع أن الدارقطني لما ذكر في \"العلل\" طريق محمد بن عبد الرحمن عن نبهان، أفاد: أنه غير محفوظ، والمحفوظ عن الزهري (^٢)، وقال الإمام أحمد: (نبهان روى حديثين عجيبين؛ يعني: هذا الحديث، وحديث: \"أفعمياوان أنتما؟ \")، وقال ابن حزم: (لا يوثَّق)، وقال ابن عبد البر: (مجهول)، وقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٣)، وهذا من تساهله، وقال الحافظ في \"التقريب\": (مقبول)، أي: حيث يتابع وإلا فهو لين، وقد تفرد بهذا الحديث فلم يتابع.\n_________\n(^١) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (١٠/ ٣٢٧).\n(^٢) \"العلل\" (١٥/ ٢٣١ - ٢٣٢).\n(^٣) (٥/ ٤٨٦).","vol":"9","page":576},{"text":"* الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن المكاتب إذا كان معه من المال ما يفي بما عليه من دين الكتابة فإن مولاته التي كاتبته تحتجب منه؛ لأنه قد صار حرًّا، وإن لم يكن سلم هذا المال إليها، وهذا أحد الأقوال في مسألة المكاتب يؤدي بعض ما عليه، وهو أنه إذا ملك ما يؤدي عتق بنفس ملكه قبل أدائه، وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (^١)، وعلى هذا القول فلو مات بعد ملكه ما يؤدي قبل الأداء مات حرًّا، يُدفع إلى سيده مقدار كتابته والباقي لورثته، وهذا الحديث معارض لحديث عمرو بن شعيب المتقدم؛ لأن ظاهر هذا أن العبد له حكم الحر إذا كان عنده ما يؤدي به دين الكتابة، وحديث عمرو يدل على أنه رقيق ما بقي عليه درهم.\n\n* الوجه الثالث: ظاهر الأمر بالاحتجاب الوجوب.\nوالقول الثاني: أن الأمر بالاحتجاب منه للندب، والصارف له حديث عمرو بن شعيب، فإنه قد دل على أن حكم المكاتب قبل تسليم جميع مال الكتابة حكم العبد، والعبد يجوز له النظر إلى سيدته كما هو مذهب أكثر السلف (^٢).\nوالصواب أنه لا يكون حكمه حكم الأحرار بمجرد وجوده لما يؤدي، بل هو عبد ما بقي عليه درهم، فكيف إذا كان دين الكتابة كله عنده لم يؤد منه شيئًا؟!\nوحديث أم سلمة ضعيف لا يعتمد عليه لما تقدم، والمعول على حديث عمرو بن شعيب.\nومما يدل على ضعف حديث أم سلمة عمل عائشة - ﵄ - بخلافه، فقد روى ابن أبي شيبة، والبيهقي من طريق عمرو بن ميمون بن مهران، عن سليمان بن يسار، عن عائشة - ﵄ - قال: استأذنت عليها، فقالت: من هذا؟ فقلت: سليمان بن يسار، قالت: كم عليك من مكاتبتك؟ قلت: عشر أواق، قالت: ادخل، فإنك عبد ما بقي عليك درهم (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الإنصاف\" (٧/ ٤٥١).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٥٠).\n(^٣) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٦/ ١٤٧)، \"سنن البيهقي\" (١٠/ ٣٢٤) وإسناده صحيح.","vol":"9","page":577},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1230>ما جاء في دية المكاتب</span>\n١٤٤٣/ ٤ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَال: \"يُوْدَى الْمُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ دِيَةَ الْحُرِّ، وَبَقَدْرِ مَا رقَّ مِنْهُ دِيَةَ الْعَبْدِ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٣/ ٤١٥) (٤/ ١٨٦)، وأبو داود في كتاب \"الديات\"، بابٌ (في دية المكاتب) (٤٥٨١)، والنسائي (٨/ ٤٦) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ - في المكاتب: \"يعتق منه بقدر ما أدى دية الحر، وبقدر ما رق منه دية العبد\" هذا لفظ أحمد في الموضع الأول، وفي الموضع الثاني بلفظ \"البلوغ\" (^١).\nوهذا إسناد ظاهره الصحة، إلا أنه معلول؛ لأنه قد اختلف في وصله وإرساله (^٢)، فإن هذا الحديث مداره على عكرمة مولى ابن عباس -﵄-، وقد رواه عنه يحيى بن أبي كثير، وأيوب السختياني، ويحيى بن سعيد القطان، وخالد الحذاء، وفي أسانيده اختلاف كثير.\nفقد روي عن عكرمة موصولًا بذكر ابن عباس كما تقدم، وروي عن عكرمة مرسلًا ليس فيه ابن عباس، وروي عن عكرمة من قوله، كما روي عن عكرمة بذكر علي - ﵁ -، وروي عنه عن علي موقوفًا.\n_________\n(^١) انظر: \"حاشية السندي على المسند\" (٢/ ٣٠١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٥/ ١٩٥).","vol":"9","page":578},{"text":"وقد أعل البخاري رواية عكرمة، عن ابن عباس مشيرًا إلى الاختلاف، فإن الترمذي لما سأله عن هذا الإسناد، قال: (روى بعضهم هذا الحديث عن عكرمة، عن علي) (^١)، وقال البيهقي: (حديث عكرمة إذا وقع فيه الاختلاف وجب التوقف فيه (^٢)، وهذا المذهب إنما يروى عن علي بن أبي طالب - ﵁ -، وهو أنه يعتق بقدر ما أدى، وفي ثبوته عن النبي - ﷺ - نظر، والله أعلم) (^٣).\nوهذا الموقوف رواه النسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٥٢)، وابن أبي شيبة (٩/ ٣٩٦) من طريق إسماعيل بن علية، وعبد الرزاق (٨/ ٤١٢) عن معمر، كلاهما عن أيوب، عن عكرمة، عن علي - ﵁ - قال: (يُوْدَى المكاتب بقدر ما أدى) هذا لفظ إسماعيل، ولفظ معمر: (المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى).\nورواه النسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٥٢) من طريق سفيان، عن خالد، عن عكرمة، عن علي - ﵁ - قال: (إذا أدى النصف فهو غريم) (^٤)، وقد علق الترمذي رواية خالد هذه في \"جامعه\" (٢/ ٥٣٨).\nفاتفاق اثنين من أصحاب عكرمة وهما: أيوب وخالد الحذاء على وقفه على علي - ﵁ - يؤيد كلام البيهقي، لكن رواية عكرمة عن علي معلولة بالإرسال، فقد قال أبو زرعة: (عكرمة عن علي - ﵁ - مرسل) (^٥)، ومثل هذا قال البيهقي.\nلكن رواه النسائي (٨/ ٤٦) من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، عن خلاس، عن علي - ﵁ -، ورواه عبد الرزاق (٨/ ٤١٠) عن معمر، عن قتادة، أن عليًّا (^٦) قال في المكاتب: (يورث بقدر ما أدى، ويجلد الحد بقدر ما أدى، ويعتق بقدر ما أدى، وتكون ديته بقدر ما أدى)، وقال زيد بن ثابت:\n_________\n(^١) \"العلل\" (١/ ٥٠٢).\n(^٢) لعل المراد إذا لم يمكن الترجيح.\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٣٢٦).\n(^٤) أي: من الغرماء أصحاب الديون فلا يرجع إلى الرق أبدًا.\n(^٥) \"المراسيل\" ص (١٥٨).\n(^٦) في رواية معمر أسقط خلاسًا فجعله عن قتادة أن عليًّا، وهو كذلك في \"الاستذكار\" (٢٣/ ٢٣٣) وقد عزاه لعبد الرزاق.","vol":"9","page":579},{"text":"(هو عبد ما بقي عليه درهم)، وهذا السياق لعبد الرزاق، وقد تُكُلِّم في رواية حماد ومعمر عن قتادة (^١).\nوروى عبد الرزاق (٨/ ٤٠٦)، والبيهقي (١٠/ ٣٢٦) عن سفيان، عن طارق بن عبد الرحمن، عن الشعبي أن عليًّا قال في المكاتب يعجز قال: يعتق بالحساب …\nفمجيء الحديث عن علي - ﵁ - من طريق خلاس وهو ابن عمرو الهَجَري، وهو ثقة -كما في \"التقريب\"- وطريق الشعبي يؤيد رجحان الوقف على علي - ﵁ -. مما يدل على تضعيف كون الحديث مرفوعًا، كما تقدم في كلام البيهقي.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يودى) بضم الياء وسكون الواو وتخفيف الدال مضارع مبني لما لم يسم فاعله من ودى يدي دية: أي يعطى دية المكاتب.\n\nقوله: (بقدر ما عتق منه) أي: بحصة ما صار منه حرًّا بأداء بعض نجوم الكتابة.\n\nقوله: (دية الحرِّ) بالنصب على أنه مفعول ثان.\n\nقوله: (وبقدر ما رقَّ منه) أي: ويعطى المكاتب دية العبد بقدر ما بقي منه عبدًا، فإذا قتل مكاتب وقد أدى نصف كتابته، فله نصف دية الحر ونصف دية العبد.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المكاتب إذا أدى بعض أقساط دين الكتابة أنه يكون مبعضًا، بعضه حر وبعضه رقيق، ويثبت له من الحرية بقدر ما أدى، ويترتب على ذلك تبعض أحكامه، ومنها أنه إذا قتل فإن فيه دية حر ودية رقيق، بقدر ما فيه من الحرية وما بقي فيه من الرق، فمن نصفه حر ونصفه رقيق يكون على قاتله نصف دية حر ونصف قيمته.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح علل الترمذي\" (٢/ ٥٠٣).","vol":"9","page":580},{"text":"والقول بأن المكاتب إذا أدى بعض نجوم الكتابة يعتق، وتكون ديته بقدر ما أدى هو قول علي - ﵁ -، كما تقدم، وتقدم مذهب الجمهور وهو أنه لا يثبت له شيء من أحكام الأحرار لا دية ولا غيرها حتى يستكمل حريته.\nوهذا الحديث معارض لحديث عمرو بن شعيب الدال على أنه عبد ما بقي عليه درهم، مما يفيد أنه لا يتبعض لا في الدية ولا في غيرها، وعلى هذا فالأظهر البقاء على حديث عمرو بن شعيب حتى يرد دليل واضح لا شبهة فيه يقتضي التبعيض فيما لو قتل، وكذا الحد وغيره من الأحكام (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) من كلام الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀-.","vol":"9","page":581},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1231>ما جاء في أن النبي - ﷺ - لم يترك رقيقًا</span>\n١٤٤٤/ ٥ - عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ -أَخِي جُوَيرِيةَ أُمِّ الْمُؤمِنِينَ - ﵄ - قَال: مَا تَرَكَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عِنْدَ مَوْتهِ دِرْهَمًا، وَلَا دِينَارًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةً، وَلَا شَيئًا إلا بَغْلَتَهُ الْبَيضَاءَ، وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو عمرو بن الحارث بن أبي ضرار الخزاعي المصطلقي أخو جويرية بنت الحارث أم المؤمنين زوج النبي - ﷺ - و-﵄-، له ولأبيه صحبة، عداده في أهل الكوفة، وكان أبوه صهر عبد الله بن مسعود - ﵁ -، روى عن النبي - ﷺ -، وعن أبيه الحارث بن أبي ضرار، وعن أخته جويرية، وابن مسعود -﵃-، وروى عنه أبو وائل شقيق بن سلمة، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود (^١). قال الحافظ في \"التقريب\": (هو صحابي قليل الحديث بقي إلى بعد الخمسين) - ﵁ -.\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في مواضع من \"صحيحه\"، وأولها في كتاب \"الوصايا\"، باب (الوصايا وقول النبي - ﷺ -: \"وصية الرجل مكتوبة عنده\") (٢٧٣٩) من طريق زهير بن معاوية الجعفي، حدثنا أبو إسحاق، عن عمرو بن الحارث - ﵁ -.\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (٨/ ٢٩٧)، \"تهذيب الكمال\" (٢١/ ٥٦٩)، \"الإصابة\" (٧/ ٩٧).","vol":"9","page":582},{"text":"ورواه -أيضًا- في \"الجهاد\" (٢٨٧٣) من طريق يحيى، حدثنا سفيان، قال: حدثني أبو إسحاق قال: سمعت عمرو بن الحارث … الحديث.\nقال الحافظ: (وقع التصريح بسماع أبي إسحاق له من عمرو بن الحارث في الخمس من هذا الكتاب) (^١).\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أخي جويرية أم المؤمنين) أخي: بالجر عطف بيان لعمرو، وأم المؤمنين: أي في الحرمة والاحترام، ووجوب الإكرام والتوقير والإعظام (^٢). وجويرية: بالضم، هي بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن جُذيمة، وجذيمة: هو المصطلق بن عمرو، سباها النبي - ﷺ - في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق سنة خمس أو ست -كما تقدم في الجهاد- وكانت قبله تحت مسافع بن صفوان المصطلقي، فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس - ﵁ -، فكاتبها، فقضى عنها النبي - ﷺ - كتابتها، ثم أعتقها وتزوجها، وقد ثبت في \"صحيح مسلم\" من حديث ابن عباس - ﵄ - قال: كانت جويرية اسمها برة، فَحَوَّلَ رسول الله - ﷺ - اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة (^٣).\nوسيرد لها ذكر في أحاديث (الذكر والدعاء) من كتاب \"الجامع\"، ماتت في ربيع الأول سنة ست وخمسين، ولها خمس وستون سنة - ﵂ - (^٤).\n\nقوله: (ما ترك إلا بغلته البيضاء …) هذا الحصر إضافي؛ لأنه - ﷺ - قد ترك ثيابًا ومتاع بيته، لكنها لما كانت بالنسبة للمذكورات يسيرة لم تذكر.\n\nقوله: (ولا عبدًا ولا أمة) أي: ولا ترك رقيقًا باقيًا على رقه، بل جميع ما ذكر في الأخبار من أرقاء النبي - ﷺ - إما مات وإما أعتقه.\n\nقوله: (ولا شيئًا) هذا تعميم بعد تخصيص؛ أي: ولا شاة ولا بعيرًا،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٦٠).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٣٨١).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٢١٤٠).\n(^٤) \"الاستيعاب\" (١٢/ ٢٤٣)، \"الإصابة\" (١٢/ ١٨٣).","vol":"9","page":583},{"text":"ولا شيئًا مما يتمول، وفي حديث عائشة - ﵂ -: (ما ترك رسول الله - ﷺ - دينارًا ولا درهمًا، ولا شاة، ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء) (^١).\n\nقوله: (إلا بَغْلَتَهُ البيضاء) البَغْلُ: هو الحيوان المولد من فرس أنثى وحمار، وهذه البَغْلَةُ هي التي أهداها المقوقس صاحب الإسكندرية إلى النبي - ﷺ -، وهي التي كان يختص بركوبها واسمها دلدل، وكان له بغال أُخر (^٢).\n\nقوله: (وسلاحه) أي: ما خلَّفه من السلاح من درع ومغفر وسيف ونحوها مما هو مذكور في كتب السير (^٣).\n\nقوله: (وأرضًا جعلها صدقة) الضمير يعود للأرض، والجملة صفة؛ أي: جعلها صدقة حال حياته، لما جاء في رواية للبخاري في \"الجهاد\" من طريق سفيان، عن أبي إسحاق: (وأرضًا بخيبر جعلها صدقة) (^٤)، وفي رواية من طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق: (وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة) (^٥)، ولم يضف الأرض إليه كسابقيها؛ لاختصاصهما به دونها؛ لأن غلتها كانت عامة له ولغيره من عياله وفقراء المسلمين، وأراد بها أرض بني النضير أو فَدَكَ، أو سهم خيبر، أو الكل.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على ما كان عليه النبي - ﷺ - من التقلل من الدنيا والزهد فيها والرغبة عنها، ولذا توفي - ﷺ - وما عنده شيء من الدنيا إلا بغلته التي كان يركبها، وسلاحه الذي كان يقاتل به، والأرض التي جعلها صدقة، وقد جاء في هذا المعنى أحاديث كثيرة، ومنها حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لو كان لي مثل أُحد ذهبًا ما يسرني أن لا تمر علي ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيئًا أَرْصُدُهُ لدين\" (^٦). وهذا يدل على أنه - ﷺ -\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٦٣٥).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (١/ ١٣٤).\n(^٣) \"زاد المعاد\" (١/ ١٣٠).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٢٩١٢).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (٤٤٦١).\n(^٦) رواه البخاري (٦٤٤٥)، ومسلم (٩٩١).","vol":"9","page":584},{"text":"لم يكن جماعًا للدنيا، بل كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكان - ﷺ - يدخر نفقة أهله سنة، ومع ذلك ينفق منها النفقة الكثيرة حتى تنتهي قبل السنة.\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يقتسم ورثتي دينارًا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومُؤنة عاملي فهو صدقة\" (^١). وعن عائشة - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: \"لا نورث ما تركناه صدقة\" (^٢).\nوروى البخاري بسنده عن عروة، عن عائشة أن فاطمة والعباس - ﵄ - أتيا أبا بكر - ﵁ - يلتمسان ميراثهما من رسول الله - ﷺ - وهما حينئذٍ يطلبان أرضيهما من فَدَكَ وسهمهما من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال\" (^٣).\n\nالوجه الخامس: ذكر الحافظ هذا الحديث في هذا الباب للاستدلال به على أن أم الولد تعتق بموت سيدها، بناءً على أن النبي - ﷺ - توفي وخلف مارية القبطية أم إبراهيم ابن النبي - ﷺ - التي توفيت في أيام عمر - ﵁ -، فدل على أنها عتقت بوفاته - ﷺ -، وهذا ليس بصريح؛ فإنه يحتمل أنه - ﷺ - أعتقها في حياته بعد ما ولدت إبراهيم، لكن تبقى دلالة الحديث على أنه - ﷺ - كان يحرص على عتق رقيقه وتحريرهم، وأن جميع ما ذكر في الأخبار من أرقاء النبي - ﷺ - إما أن يكون قد مات قبل النبي - ﷺ -، وإما أن الرسول - ﷺ - قد أعتقه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٧٢٩)، ومسلم (١٦٧٠).\n(^٢) رواه البخاري (٦٧٢٧)، ومسلم (١٧٥٨).\n(^٣) رواه البخاري (٦٧٢٥)، ومسلم (١٧٥٩).","vol":"9","page":585},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1232>ما جاء في أن أم الولد تعتق بموت سيدها</span>\n١٤٤٥/ ٦ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سيِّدها فَهِيَ حرّة بَعدَ مَوْتهِ\". أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ بِإسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَرَجّحَ جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَى عُمَرَ - ﵁ -.\n\n* الكلام مع عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه ابن ماجه في كتاب \"العتق\"، باب (أمهات الأولاد) (٢٥١٥)، وأحمد (٤/ ٤٨٤)، والحاكم (٢/ ١٩) من طريق شريك، عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - قال: أيما امرأة ولدت من سيدها … الحديث. وهذا لفظ الحاكم، وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد) فتعقبه الذهبي بقوله: (قلت: حسين متروك).\nفهذا الحديث إسناده ضعيف، كما قال الحافظ، بل هو ضعيف جدًّا؛ لأن فيه حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، وقد ضعفه أكثر أصحاب الحديث -كما يقول البيهقي (^١) - قال البوصيري: (هذا إسناد ضعيف، حسين بن عبد الله تركه علي بن المديني وأحمد بن حنبل والنسائي، وضعفه أبو حاتم وأبو زرعة، وقال البخاري: يقال: إنه كان يتهم بالزندقة) (^٢)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (ضعيف جدًّا).\nوفيه -أيضًا- شريك، وهو ابن عبد الله القاضي، وهو سيء الحفظ؛\n_________\n(^١) (١٠/ ٣٤٦).\n(^٢) \"الزوائد\" (٢/ ٢٩١).","vol":"9","page":586},{"text":"لكنه لم ينفرد به، فقد توبع، فقد رواه الدارقطني (٤/ ١٣١) من طريق الفضل بن موسى، عن سفيان الثوري، عن حسين بن عبد الله به.\nوهذا يدل على أن شريكًا قد حفظه، فانحصرت العلة في حسين بن عبد الله، قال ابن عبد البر: (لا يصح من جهة الإسناد؛ لأنه انفرد به حسين بن عبد الله … وحسين هذا ضعيف متروك الحديث) (^١).\nوروى مالك في \"الموطأ\" (٢/ ١٣١) عن نافع، عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: (أيما وليدة ولدت من سيدها فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يورِّثها، وهو يستمتع بها، فإذا مات فهي حرة)، ورواه البيهقي (١٠/ ٣٤٢ - ٣٤٣) من طريق سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر -﵄-، قال البيهقي: (وغلط فيه بعض الرواة … فرفعه إلى النبي - ﷺ -، وهو وهم لا يحل ذكره) وسبقه إلى هذا الدارقطني فقال عن وقفه: (إنه هو الصواب)، وتقدم هذا في \"البيوع\" عند الحديث (٧٩٢).\nورواه البيهقي (١٠/ ٣٤١) من طريق خُصيف الجزري، عن عكرمة، عن عمر - ﵁ - بمثله، وله طرق أخرى عند الدارقطني (٤/ ١٣٤)، والبيهقي.\nوقد رجح الدارقطني والبيهقي وعبد الحق وغيرهم وقفه على عمر - ﵁ -، وكذا قال الحافظ في \"التلخيص\" (^٢).\n\nالوجه الثاني: استدل الفقهاء بهذا الحديث على أن السيد إذا وطئ أمته صارت أم ولد، بشرط أن تضع ما تبين فيه خلق آدمي سواء أكان حيًّا أم ميتًا، وتكون حرة بعد وفاة سيدها تعتق عتقًا قهريًّا من رأس المال، فهي مقدمة على كل شيء حتى الدين والوصية.\nوقد تقدم في \"البيوع\" الكلام على بيع أم الولد مستوفى، والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) \"الاستذكار\" (٢٣/ ١٥٤ - ١٥٥).\n(^٢) الذي في \"التلخيص\" (٦/ ٣٢٨٩): (والصواب أنه من قول ابن عمر) وهذا خطأ صوابه: من قول عمر. وانظر: \"الدراية\" (٢/ ٨٨).","vol":"9","page":587},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1233>ما جاء في فضل إعانة المكاتب</span>\n١٤٤٦/ ٧ - عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا في سَبِيلِ اللهِ، أَوْ غَارِمًا في عُسْرَتِهِ، أَوْ مُكاتَبًا في رَقَبَتِهِ، أَظلهُ اللهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ\". رَوَاهُ أَحمَدُ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\nالوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو سهل بن حُنيف بن واهب الأنصاري الخزرجي - ﵁ -، يكنى أبا أسعد أو أبا عبد الله، كان من السابقين، شهد بدرًا، وثبت يوم أُحد حين انكشف الناس، وبايع يومئذٍ على الموت، وشهد الخندق والمشاهد كلها، روى عنه ابناه: أبو أمامة أسعد (^١)، وعبد الله، وعبد الرحمن بن أبي ليلى وغيرهم، استخلفه علي - ﵁ - على البصرة بعد الجمل، ثم شهد معه صفين، مات بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وتقدم في \"الجنائز\" (^٢) أن عليًّا - ﵁ - صلى عليه وكبر ستًّا وقال: إنه بدري، رواه عبد الرزاق وغيره، والحديث في \"صحيح البخاري\" وليس فيه ذكر العدد (^٣).\n\n* الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٢٥/ ٣٦٢) من طريق عبد الله بن عمرو، والحاكم (٢/ ٨٩ - ٩٠، ٢١٧) من طريق زهير بن محمد، وعمرو بن ثابت،\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته عند الحديث (٩٥٤).\n(^٢) انظر: الحديث رقم (٥٦٣).\n(^٣) \"الاستيعاب\" (٤/ ٢٧٥)، \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ١٨٤)، \"الإصابة\" (٤/ ٢٧٣).","vol":"9","page":588},{"text":"ثلاثتهم عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عبد الله بن سهل بن حنيف، عن أبيه مرفوعًا.\nقال الحاكم في الموضع الثاني: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، فتعقبه الذهبي بقوله: (بل عمرو رافضي متروك).\nفهذا سند ضعيف؛ لأن مداره على عبد الله بن سهل بن حنيف، وهو في عداد المجاهيل لم يرو عنه سوى عبد الله بن عقيل، ولم يؤثر توثيقه عن أحد، قال الهيثمي: (عبد الله بن سهل بن حنيف لم أعرفه) (^١)، وكذا قال أبو زرعة العراقي (^٢).\nوعبد الله بن عقيل تقدم الكلام عليه في أكثر من موضع، وقد قال فيه الذهبي بعد أن ساق جملة من أقوال الأئمة فيه: (حديثه في مرتبة الحسن) (^٣)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق في حديثه لين، ويقال: تغير بِأَخَرَة).\n\n* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أو غارمًا) اسم فاعل من غرمت الدية والدين أغرم غُرمًا وغرامة من باب تعب: أديته (^٤)، وأصل الغرم في اللغة: اللزوم، وسمي الغارم غارمًا؛ لأن الدين قد لزمه، والغارم هو المدين إما لإصلاح ذات البين، وهذا لا تشترط عسرته، وإما غارم لنفسه، وهو من نزلت به مصيبة في المال لا يستطيع احتمالها، كوجوب دين عليه في نفقة أو زواج أو علاج أو نحو ذلك، وهذا تشترط عسرته.\n\nقوله: (أو مكاتبًا في رقبته) هذا على حذف مضاف؛ أي: في تحرير رقبته، وذلك بإعانته على سداد دين الكتابة.\n\nقوله: (أظله الله يوم لا ظل إلا ظله) هذه الإضافة للتشريف كبيت الله، وهذا ظل حقيقي فلا يمس هؤلاء حر الشمس ولا وهجها، ولا أحد يملك\n_________\n(^١) \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٢٨٣).\n(^٢) انظر: \"ذيل الكاشف\" (٧٧١).\n(^٣) \"الميزان\" (٢/ ٤٨٥).\n(^٤) \"المصباح\" ص (٤٤٦).","vol":"9","page":589},{"text":"الظل غيره - ﷾ - في ذلك اليوم، وقد مضى الكلام على ذلك في كتاب \"الزكاة\" عند الحديث (٦٣١).\n\nالوجه الرابع: يستدل الفقهاء بهذا الحديث -ومنهم فقهاء الشافعية- في باب \"الكتابة\" على فضل إعانة المكاتب على سداد ديون كتابته (^١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح يريد العفاف\" (^٢).\nوقد نص الفقهاء على أنه يستحب للسيد أن يضع عن مكاتبه ربع مال الكتابة، وهذا قول مالك، وأبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، وعللوا للاستحباب بأن الكتابة عقد معاوضة، فلا يجب فيه الإيتاء، كسائر عقود المعاوضات.\nوقال الشافعي وإسحاق بوجوب حَطِّ الربع، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (^٣)، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، وظاهر الأمر الوجوب، وقد ورد عن علي - ﵁ - أنه قال في تفسير هذه الآية: (يُحطُّ عنه الربع) (^٤).\nوظاهر الآية أن ذلك لا يتقدر بقدر معين.\nوالقول الثاني: أن المراد بالآية إعطاء المكاتب من الزكاة ما يستعين به على التحرر من الرق، وبه قال جماعة من السلف، واختاره ابن جرير (^٥).\nوأما المجاهد فقد تكاثرت الأدلة من الكتاب والسنة في فضل الإنفاق\n_________\n(^١) انظر: \"التلخيص\" (٦/ ٣٢٨١).\n(^٢) رواه الترمذي (١٦٥٥)، والنسائي (٦/ ١٥، ١٦)، وابن ماجه (٢٥١٨)، وأحمد (١٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩)، وقال الترمذي: (حديث حسن).\n(^٣) \"المغني\" (١٤/ ٤٥٨).\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٨/ ٢٥٨٧) موقوفًا، وأخرجه -أيضًا- مرفوعًا، وكذا البيهقي (١٠/ ٣٢٩)، وقال: (الصحيح موقوف)، وقال ابن كثير في \"تفسيره\" (٦/ ٥٧): (هذا حديث غريب، ورفعه منكر، والأشبه أنه موقوف على علي - ﵁ -).\n(^٥) \"تفسير ابن جرير\" (١٨/ ٩٩)، \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٥٦).","vol":"9","page":590},{"text":"في سبيل الله وإعانة الغزاة، وفي حديث زيد بن خالد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا\" (^١)، وقد تقدم في أول \"الجهاد\" الكلام على ذلك.\nوأما إعانة الغارم في عسرته فهو داخل في عموم قوله - ﷺ -: \"من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه\" (^٢). والله تعالى أعلم.\nانتهى الجزء التاسع وبليه -بعون الله وتوفيقه- الجزء العاشر وأوله: كتاب \"الجامع\"\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٨٤٣)، ومسلم (١٨٩٥).\n(^٢) رواه مسلم (٢٦٩٩). وسيأتي شرحه في باب \"البر والصلة\" من كتاب \"الجامع\" إن شاء الله تعالى.","vol":"9","page":591},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1234>كتاب الجامع</span>\n<span data-type='title' id=toc-1235>باب الأدب</span>\nهذا الكتاب عقده الحافظ المجموعة من الأبواب، ذكر تحتها مائة وواحدًا وثلاثين حديثًا في الآداب، ومساوئ الأخلاق، والبر والصلة، والزهد والورع، والذكر والدعاء.\nوذلك أن الحافظ لما جمع أحاديث الأحكام الشرعية مرتبة على الأبواب الفقهية رأى أن يلحق بذلك كتابًا جامعًا يورد فيه الأحاديث التي يحتاجها المؤمن -ولا سيما طالب العلم- في باب الآداب وتوابعه.\nوالأدب لغة: بفتح الهمزة والدال مصدر أَدِبَ الرجل -بكسر الدال وضمها لغة- إذا صار أديبًا في خلق أو علم. ومادة (أدَبَ) تؤذن بالاجتماع، ومن معانيها الدعاء وتجميع الناس إلى الطعام، والآدِب هو الداعي، وسمي الآدِبُ بهذا؛ لأنه يأَدِبُ الناس ويدعوهم إلى المحامد وينهاهم عن القبائح.\nأما في الاصطلاح: فقد تنوعت عبارة العلماء في تعريفه وهي تكاد تلتقي عند معنى واحد، قال أبو زيد الأنصاري: (الأدب يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل)، وقال ابن القيم: (حقيقة الأدب: استعمال الخلق الجميل)، وقال الحافظ ابن حجر: (استعمال ما يحمد قولًا وفعلًا) (^١).\n_________\n(^١) \"معجم مقاييس اللغة\" (١/ ٧٤)، \"المصباح المنير\" ص (٩)، \"المطلع\" ص (٣٩٦)، \"اللسان\" (١/ ٢٠٦)، \"مدارج السالكين\" (٢/ ٣٧٥، ٣٨١)، \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٠٠).","vol":"10","page":5},{"text":"ولقد أحسن الحافظ في هذا المنهج وأجاد، فإن العلماء قد اهتموا بهذا الباب اهتمامًا عظيمًا، بل أفردوه في مصنفات مستقلة مثل: \"الأدب المفرد\" للبخاري، و\"مكارم الأخلاق\" و\"مساوئ الأخلاق\" وهما للخرائطي، و\"روضة العقلاء ونزهة الفضلاء\" لابن حبان، وغيرها كثير، ووجه عناية العلماء بهذا النوع من العلم أن الأدب يحتاج إلى معرفته أو معرفة كثير منه كل مؤمن حريص على اكتساب الفضائل والبعد عن الرذائل.\nفينبغي لطالب العلم خصوصًا ولكل مؤمن عمومًا أن يأخذ بمحاسن الآداب ومكارم الأخلاق، وأن يبتعد عن مناقصها ومفاسدها، وأن يكون قدوة لغيره في المحافظة على ما جاءت به الشريعة في هذا الباب، وفي هذا تصفية السلوك، وتهذيب الأخلاق، وتقويم العادات، وإصلاح الأفراد والمجتمعات.\nيقول عبد الله بن المبارك -﵀-: (من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن، ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة) (^١). ويقول ابن القيم: (أدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبَوَاره، فما استُجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استُجلب حرمانها بمثل قلة الأدب) (^٢).\n_________\n(^١) \"مدارج السالكين\" (٢/ ٣٨).\n(^٢) \"مدارج السالكين\" (٢/ ٣٩١).","vol":"10","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1236>ما جاء في حق المسلم على أخيه</span>\n١٤٤٧/ ١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ سِتٌّ: إذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيهِ، وَإذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْهُ، وَإذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَسَمِّتْهُ، وَإذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"السلام\"، بابٌ (مِنْ حق المسلم للمسلم رَدُّ السلام) (٢١٦٢) (٥) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\nورواه البخاري (١٢٤٠)، ومسلم (٢١٦٢) (٤) من طريق سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"حق المسلم على المسلم خمس … \" وذكرها بدون: \"وإذا استنصحك فانصحه\".\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (حق المسلم) المراد بالحق هنا: الأمر المطلوب على وجه التأكيد، بحيث لا ينبغي تركه، وهو بهذا يعم وجوب العين والكفاية والندب (^١).\n\nقوله: (ست) أي: ست خصال، وهذا لا ينافي رواية الخمس، إما لأن\n_________\n(^١) \"دليل الفالحين\" (٢/ ٢٥).","vol":"10","page":7},{"text":"العدد لا مفهوم له ما لم يوجد قرينة، كما هو مقرر في الأصول؛ لأن للمسلم على أخيه حقوقًا كثيرة يجمعها قوله - ﷺ -: \"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه\" (^١)، وأحاديث أخرى.\nوإما لأن محل العمل بمفهوم العدد ما لم يعلم خلافه، فإن علم خلافه بأدلة أخرى لم يعمل به، وذلك لأن الحقوق المتأكدة كثيرة، على أنه قد يقال بترجيح رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - ﵁ - لإمامته ولاتفاق الشيخين عليها.\nواقتصر على ما ذكر، إما لأنها المشروعة إذ ذاك وما عداها شرع بعد، وإما لأنها الأنسب بحال السامعين لشدة احتياجهم إليها (^٢).\n\nقوله: (إذا لقيته فسلم عليه) أي: ابدأه بالسلام ندبًا عينيًّا إن كنت وحدك، وإلا فعلى الكفاية على ما سيأتي بيانه -إن شاء الله-.\n\nقوله: (وإذا دعاك فأجبه) أي: إذا دعاك لحضور وليمة أو غيرها فأجب دعوته، ويحتمل العموم فيشمل حتى الدعوة لمساعدته ومعاونته على حمل شيء ونحو ذلك.\n\nقوله: (وإذا استنصحك فانصحه) السين والتاء للطلب؛ أي: طلب منك النصح، وهو الدعاء إلى ما فيه صلاح المنصوح قولًا أو فعلًا (^٣).\n\nوقوله: (فانصحه) هكذا في نسخ \"البلوغ\"، والذي في \"صحيح مسلم\": (فانصح له) وهي اللغة الفصيحة التي نزل بها القرآن، قال تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وفي لغة يتعدى بنفسه، فيقال: فانصحه.\nوالنصيحة: مشتقة من نَصَحَ الرجل ثوبه: إذا خاطه، أو من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع، وسيأتي مزيد لهذا عند شرح حديث تميم الداري - ﵁ - برقم (١٥٤١).\n_________\n(^١) الحديث متفق عليه، وهذا لفظ البخاري، وسيأتي شرحه -إن شاء الله- برقم (١٤٦٧).\n(^٢) \"دليل الفالحين\" (٢/ ٢٥).\n(^٣) انظر: \"التعريفات\" ص (٣٦٠)، \"المفردات في غريب القرآن\" ص (٤٩٤).","vol":"10","page":8},{"text":"قوله: (وإذا عطس فحمد الله) بفتح الطاء في الماضي وكسرها في المضارع من باب ضرب، وفي لغة بضمها في المضارع من باب قتل.\n\nقوله: (فسمته) أمر من التسميت -بالسين المهملة- وقد وقع في بعض نسخ \"البلوغ\": (فشمته) بالشين المعجمة، والأول هو المثبت في \"صحيح مسلم\"، وهما بمعنى واحد؛ لأن معناهما: يرحمك الله، أي: أعطاك الله رحمة يرجع بها ذلك العضو إلى حاله قبل العطاس من غير تغيير. قال أبو عبيدة: (التشميت هو الدعاء، وكل داع لأحد بخير فهو مُشَمِّتٌ له .. وفي هذا الحرف لغتان: سَمَّتَ وشَمَّتَ، والشين أعلى في كلامهم وأكثر) (^١) فإن كان بالمهملة فهو مأخوذ من السمت، وهو القصد والطريق المستقيم، ويكون المعنى: رجع كل عضو إلى سمته الذي كان عليه؛ لأن العاطس ينحلُّ كل عضو في رأسه وما يتصل به، وإن كان بالمعجمة فمعناه: صان الله شوامته؛ أي: قوائمه التي بها قوام بدنه عن خروجها عن الاعتدال (^٢).\n\nقوله: (وإذا مرض فعده) أمر من العيادة، وهو من باب نصر، تقول: عدت المريض عيادة: إذا زرته، وسميت عيادة لتكررها، والمريض أعم من أن يكون معروفًا أم غير معروف، قريبًا أم بعيدًا.\n\nقوله: (وإذا مات فاتبعه) أي: امشِ خلف جنازته من منزله أو من موضع الصلاة عليه إلى المقبرة، وعليه الناس اليوم.\nوالمراد بذلك السير مع جنازة أخيك المسلم حتى يُفرغ من دفنه، وعدم التخلف عنه لأداء راتبة أو نحو ذلك مما يخل بمعنى الاتباع.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من سمات الدين الإسلامي أنه دين المحبة والمودة والتآلف بين المسلمين، ومن هنا جاء الإسلام ببيان الحقوق التي تنمي المحبة وتحقق المودة وتزيد في التآلف، وهي حقوق يسيرة\n_________\n(^١) \"غريب الحديث\" (١/ ٤٠٣ - ٤٠٤)، وانظر: \"معجم مقاييس اللغة\" (٣/ ٢١٠).\n(^٢) انظر: \"القبس\" لابن العربي، ضمن \"موسوعة شروح الموطأ\" (٢٣/ ٦٤ - ٦٥)، \"عارضة الأحوذي\" (٩/ ٢٠٦)، \"فتح الباري\" (١٠/ ٦٠١).","vol":"10","page":9},{"text":"على من يسرها الله عليه لا سيما في حق من اعتادها، ومن قام بها كان قيامه بغيرها أولى.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن السلام من محاسن الإسلام ومن أسباب المحبة والتآلف بين المسلمين، وهذا أمر مشاهد، فإن كل واحد من المتلاقيين يدعو للآخر بالسلامة من كل آفة: السلامة من الأمراض والشرور والمعاصي، والسلامة من النار، وفيه الدعاء بالرحمة والبركة الجالبة لكل خير، وفي السلام إحياء سنّة النبي - ﷺ -، وأداء حق المسلم، ولهذا ذكر العلماء أنه ينبغي لكل واحد من المتلاقيين أن يحرص على أن يبدأ بالسلام، سواء عرفه أم لم يعرفه، تحقيقًا لفوائد السلام، وتحصيلًا للفضائل المرتبة عليه، قال النبي - ﷺ -: \"لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم\" (^١)، وقال - ﷺ -: \"وخيرهما الذي يبدأ بالسلام\" (^٢)، وقال - ﷺ -: \"إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام\" (^٣).\nومما يؤسف عليه أن غالب سلام الناس -اليوم- إنما هو للمعرفة، فمن عرفه سلَّم عليه، ومن لم يعرفه لم يسلم عليه، وهذا فيه مخالفة لإرشاد النبي - ﷺ - حينما سألة رجل أيُّ الإسلام خير؟ قال: \"تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف\" (^٤)، قال النووي: (أي: لا تخص به المعارف كما يفعله بعض الناس تكبرًا أو تهاونًا، ويتضمن هذا ألا يكون بينك وبين أحد معاداة ونحوها مما يمنع في العادة عن السلام بسبب. والله أعلم) (^٥). ثم إن في تخصيص السلام بالمعرفة تفويتًا لفوائد السلام، وما رُتِّب عليه من الأجر، قال\n_________\n(^١) رواه مسلم (٩٣).\n(^٢) الحديث متفق عليه، وسيأتي شرحه -إن شاء الله- برقم (١٤٧٠).\n(^٣) رواه أبو داود (٥١٩٧)، والترمذي (٢٦٩٤)، وأحمد (٣٦/ ٥٣٠). وقال النووي في \"الأذكار\" ص (٤٠٤): (إسناده جيد)، والحديث له عدة طرق.\n(^٤) رواه البخاري (١٢)، ومسلم (٣٩).\n(^٥) \"شرح النووي على صحيح البخاري\" ص (١٢٩).","vol":"10","page":10},{"text":"عمار بن ياسر - ﵁ - (ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار) (^١). وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن من أشراط الساعة أن يسلم الرجل على الرجل لا يسلم عليه إلا للمعرفة\" (^٢).\n\n* الوجه الخامس: ظاهر الحديث أن الأمر بابتداء السلام للوجوب، وقد نقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية القول بالوجوب في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقال: ظاهر ما نقل عن الظاهرية وجوبه، لكن نقل ابن عبد البر وغيره الإجماع على أن ابتداء السلام سنّة، ورده فرض (^٣)، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]. فإن صح\n_________\n(^١) علقه البخاري. انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٨٢).\n(^٢) رواه أحمد (٦/ ٣٩٨) من طريق شريك، عن عياش العامري، عن الأسود بن هلال، عن ابن مسعود به، وهذا سند ضعيف، لضعف شريك، وهو ابن عبد الله القاضي، لكن الحديث له طرق، منها عند أحمد (٦/ ٤١٥، ٤١٦) من طريق سيَّار، عن طارق بن شهاب، قال: كنا عند عبد الله جلوسًا … وذكر الحديث بطوله، وفيه: فذكر عن النبي - ﷺ -: \"إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة … \" الحديث، وهذا سند حسن، يشهد له ما قبله، وسيار لم يتضح من هو؟ هل هو سيار أبو حمزة، أو سيار أبو الحكم؟ والأول روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٦/ ٤٢١)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (مقبول). والثاني ثقة كما قال الإمام أحمد وابن معين والنسائي. وقد نقل المزي في \"تهذيبه\" (١٢/ ٣١٦) عن الإمام أحمد وأبي داود وابن معين والدارقطني أنه سيار أبو حمزة، وليس سيارًا أبا الحكم؛ لأن أبا الحكم لم يحدث عن طارق بن شهاب بشيء، وقد جاء حديث ابن مسعود عند أحمد (٧/ ٨٩، ٩٠) مختصرًا، وفيه الجملة المذكورة، ووقع في الإسناد أنه سيار أبو الحكم، وهذا من خطأ الرواة. انظر: \"التاريخ الكبير\" (٤/ ١٦٠ - ١٦١)، \"علل الدارقطني\" (٥/ ١١٥)، \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٢٥٦ - ٢٥٧)، وانظر: \"المسند\" (٧/ ٢٦٤)، ولعل الحديث بطرقه وشواهده يرقى إلى درجة الحسن. انظر: \"السلسلة الصحيحة\" رقم (٦٤٧، ٦٤٨)، \"إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة\" (١/ ٩).\n(^٣) انظر: \"التمهيد\" (٥/ ٢٨٩)، \"الاستذكار\" (٢٧/ ١٣٥)، \"الآداب الشرعية\" (١/ ٣٣٢)، \"تفسير القرطبي\" (٥/ ٢٩٨)، \"فتح الباري\" (١١/ ٤)، \"طيب الكلام بفوائد السلام\" ص (٢٦٦).","vol":"10","page":11},{"text":"هذا الإجماع فهو القرينة الصارفة، وقد استدل ابن عبد البر على أن السلام سنّة بحديث: \"من سلِّم على قوم فقد فَضَلَهُمْ بعشر حسنات وإن ردوا عليه\" (^١)، وبحديث المتهاجرين: \"وخيرهما الذي يبدأ بالسلام\"، وسيأتي شرحه إن شاء الله.\nوصفة السلام المأمور به لها أقل ولها أكمل، فأقله: السلام عليكم، وأكمله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ولا يزاد على ذلك (^٢).\nوأما الجواب فأقله: وعليكم السلام، فإن حذف الواو وقال: عليكم السلام، أجزأ ذلك وكان جوابًا. وأكمله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، قال ابن كثير: (أي: إذا سلَّم عليكم المسلم فردّوا عليه أفضل مما سلَّم، أو رُدّوا عليه بمثل ما سلَّم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة) (^٣).\nوأما ابتداء اللقاء بمثل: صباح الخير، أو صبحك الله بالخير، أو صباح النور، أو كيف أصبحت، كيف أمسيت، حياكم الله، فليس بسلام شرعي، بل نص بعض العلماء على كراهة: صباح الخير، صباح النور، مساء الخير (^٤)، بخلاف: صبحك الله بالخير، إذا جاءت بعد السلام، وذكر النووي أن من ابتدأ اللقاء بمثل هذه الألفاظ فإنه لا يستحق جوابًا زجرًا له، عن تركه لفظ السلام، وهو التحية المأمور بها، لكن لو أجابه بالدعاء فحسن، قال ابن\n_________\n(^١) رواه العقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ٢٦٦)، وابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٤٤٧) من طريق مرجّى بن وداع الراسبي، عن غالب القطان، قال: كنا في حلقة فجاء أعرابي، فقال: حدثني أبي، عن جدي أن رسول الله - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\nوهذا سند ضعيف، فيه مرجّى بن وداع، قال عنه ابن معين: (ضعيف)، وفي رواية: (صالح الحديث)، وقال أبو حاتم: (لا بأس به). انظر: \"الميزان\" (٤/ ٨٧)، \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٧٦). ولما ساق ابن عدي حديثه هذا قال: (لم يحضرني له غير هذا). وفي الإسناد مجاهيل، كما مرَّ.\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٣٢٥).\n(^٣) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٣٢٤).\n(^٤) انظر: \"معجم المناهي اللفظية\" ص (٣٣٣) وما بعدها.","vol":"10","page":12},{"text":"علان: (هذه الألفاظ كلها لا أصل لها في التحية ولم يثبت منها شيء) (^١).\nوأما ما ذكر ابن مفلح في \"الآداب الشرعية\" من النقول عن الإمام أحمد وبعض الأحاديث الدالة على جواز الابتداء بمثل ذلك فالظاهر من نقله أن التحية بمثل هذه الألفاظ لا بأس بها عند الحنابلة، ويكتفى بها عن السلام، وإن كان السلام أفضل وأكمل، وقد نقل الحافظ ابن حجر بعض الأحاديث والآثار عن السلف في قولهم: كيف أصبحت ونحوها (^٢). والظاهر -والله أعلم- أن مثل هذه الألفاظ لا تقوم مقام السلام، وإنما هي سؤال عن الحال يؤتى بها بعد تمام السلام بصيغته الشرعية، وقد ثبت من حديث أنس - ﵁ - أنه - ﷺ - كان يمر على نسائه فيسلم على كل واحدة منهن: \"سلام عليكم، كيف أنتم يا أهل البيت؟ .. \" الحديث (^٣)، ولعل ما نقل عن أحمد أو غيره محمول على أن ذلك قيل بعد السلام، أو أن الراوي اقتصر على ما بعد السلام (^٤).\nوأما رد السلام بمثل: أهلًا، أو أهلًا ومرحبًا ونحو ذلك مما تساهل فيه الناس، فليس برد شرعي؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. ومثل هذه الجمل ليست بأحسن من لفظ السلام ولا مثله، فعلى الإنسان أن يرد السلام بمثله أو أحسن منه، ثم يردفه بما شاء من ألفاظ الترحيب.\n\n* الوجه السادس: مفهوم قوله: (إذا لقيته فسلم عليه) أنه لا يسلم عليه إذا فارقه، ولكن هذا المفهوم عارضه منطوق، وهو قوله - ﷺ -: \"إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأولى بأحقَّ من الآخرة\" (^٥).\n_________\n(^١) \"روضة الطالبين\" (١٠/ ٢٣٥)، \"الفتوحات الربانية\" (٥/ ٣٧٨).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٥٩).\n(^٣) رواه مسلم (١٤٢٨).\n(^٤) \"الآداب الشرعية\" (١/ ٣٨٠)، \"طيب الكلام بفوائد السلام\" ص (١٣٧)، \"تحية السلام في الإسلام\" (١/ ٢٧٦).\n(^٥) رواه أبو داود (٥٢٠٨)، والترمذي (٢٧٠٦)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩/ ١٤٤)، وأحمد (١٢/ ٤٧)، وسنده حسن، وله شواهد ذكرها الألباني في \"الصحيحة\" رقم (١٨٣).","vol":"10","page":13},{"text":"* الوجه السابع: الحديث دليل على وجوب إجابة الدعوة لما فيها من إكرام الداعي وجلب المودة والألفة بين الأُسر خصوصًا والمسلمين عمومًا، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن تكون الدعوة إلى وليمة عرس أو غيرها من الولائم، وأن الحضور إليها كلها واجب، وهذا مذهب عبد الله بن عمر -﵄-، وبعض التابعين، وأهل الظاهر، وبعض الشافعية، وذهب الجمهور إلى أن الإجابة سنّة مؤكدة، والقول بالوجوب قوي، وقد تقدم بحث ذلك في كتاب \"النكاح\" مع ذكر شروط حضور الدعوة (^١).\n\n* الوجه الثامن: في الحديث دليل على وجوب النصح لأخيك المسلم إذا طلب منك ذلك، وظاهر الحديث أن النصيحة لا تجب إلا إذا طلبها، أما إذا لم يأت يطلب النصح ففيه تفصيل، فإن كان عليه ضرر أو إثم فيما سيقدم عليه وجب عليك نصحه؛ لأن هذا من إزالة الضرر والمنكر عن المسلمين، وإن لم يكن فيه ضرر ولا إثم ولكنك ترى غيره أنفع له لم يجب عليك نصحه، بل يندب؛ لأنه من الدلالة على الخير والمعروف (^٢)، وسيأتي التفصيل في موضوع النصيحة في شرح حديث تميم الداري - ﵁ - المشار إليه آنفًا.\n\n* الوجه التاسع: الحديث دليل على وجوب تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى، ومفهوم الحديث أنه إذا لم يحمد فإنه لا يشمت؛ لأنه هو الذي فوت على نفسه النعمتين: نعمة الحمد لله، ونعمة دعاء أخيه له المرتب على الحمد، ومن فوائد التشميت تحصيل المودة والتآلف بين المسلمين، وتأدب العاطس بكسر النفس عن الكبر والحمل على التواضع لما في ذكر الرحمة من الإشعار بالذنب الذي لا يعرى عنه إنسان إلا من عصم الله (^٣).\nوستأتي صفة التشميت، وصفة الرد، وبعض الأحكام والفوائد المتعلقة بالعطاس عند حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي.\n_________\n(^١) انظر: (٧/ ٤١٥ - ٤٢١) من هذا الكتاب.\n(^٢) انظر: \"الفتوحات الربانية\" (٦/ ١١)، \"حقوق دعت إليها الفطرة وقررتها الشريعة\" ص (٣٤).\n(^٣) انظر: \"الفتوحات الربانية\" (٦/ ٤ - ٥).","vol":"10","page":14},{"text":"* الوجه العاشر: الحديث دليل على وجوب عيادة المريض، ولا خلاف بين أهل العلم أنها مطلوبة، وإنما الخلاف في وجوبها.\nفذهب الجمهور إلى أنها سنّة (^١)، واستدلوا بأدلة ظاهرها الوجوب، ومنها حديث الباب، وحديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أَطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني\" (^٢)، قال سفيان: والعاني: الأسير.\nقالوا: وما ورد من الأمر بها فهو محمول على زيادة الترغيب في عيادة المريض (^٣).\nالقول الثاني: أن عيادة المرض واجبة، وبه قالت الظاهرية، وهو قول البخاري، فإنه بوّب في \"صحيحه\" فقال: (باب وجوب عيادة المريض) (^٤)، واستدلوا بما ورد في الشرع من الأمر بها، والأمر للوجوب.\nالقول الثالث: أنها واجب كفائي، وبه قال بعض فقهاء الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥)، وهذا قول قوي، يتمشّى مع نصوص الأمر بها.\nواعلم أن الذين قالوا: إنها سنّة قالوا: قد تصل إلى حد الوجوب في حق ذوي الأرحام، فعيادة الأب واجبة؛ لأنها من البر المأمور به شرعًا، وعيادة الأخ واجبة من أجل صلة القرابة (^٦).\nفالقاعدة في هذا: أنه كلما كان للمريض حق عليك من قرابة، أو صحبة، أو جوار، كانت عيادته آكد.\nوظاهر الأحاديث أن العيادة عامة لكل مريض، فيدخل في ذلك المغمى عليه، ومَنْ في غرفة العناية، وإن كان لا يعلم بعائده؛ لأن مشروعية عيادة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ١١٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٣٧٣).\n(^٣) انظر: \"غذاء الألباب\" للسفاريني (٢/ ٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ١١٢).\n(^٥) \"الإنصاف\" (٣/ ٤٦١).\n(^٦) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ١١٣).","vol":"10","page":15},{"text":"المريض لا تتوقف على مجرد علم المريض بعائده، بل هناك مقاصد أخرى، منها: جَبْرُ خاطرِ أهله، والدعاء للمريض، وحصول الأجر، وغير ذلك (^١).\nوقد ورد عن جابر - ﵁ - قال: (مرضت مرضًا فأتاني رسول الله - ﷺ - وأبو بكر يعوداني ماشيين، فأغمي عليَّ، فتوضأ، ثم صب عليَّ من وضوئه، فأفقت) (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٠/ ١١٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٦٥١)، ومسلم (١٦١٦).","vol":"10","page":16},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1237>ما جاء في حث الإنسان على نظره إلى من هو دونه</span>\n١٤٤٨/ ٢ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"انْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَلا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيكُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الزهد والرقائق\" (٢٩٦٣) (٩) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكر الحديث.\nورواه البخاري (٦٤٩٠)، ومسلم (٢٩٦٣) (٨) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّلَ عليه في المال والخَلْق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه\".\nوبهذا يتبين أن عزو الحديث للمتفق عليه غير جيد، ولعل الحافظ أراد أصل الحديث، وابن عبد الهادي لما ساق هذا الحديث ومعه أحاديث أخرى قال: (متفق على هذه الأحاديث، واللفظ فيها كلها لمسلم، وبعض ألفاظه أتم من ألفاظ البخاري، فإن فيها زيادات لم يذكرها البخاري\" (^١).\n_________\n(^١) \"المحرر\" ص (٤٦٥).","vol":"10","page":17},{"text":"* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أسفل منكم) بالنصب ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (هو)، والجملة صلة الموصول، والمراد: أسفل في أمور الدنيا من جاهٍ ومسكن ومركب ودَخْلٍ مالي ونحو ذلك، بدليل الرواية الثانية، وخرج بذكر المال والخَلْقِ ما إذا نظر لمن فُضِّل عليه في العلم والدين والاجتهاد في العبادة ومعالجة النفس بدفع الأخلاق السيئة وجلب الحسنة، فهذا أمر محمود (^١).\n\nقوله: (فهو) أي: قصر النظر عمن هو فوقه.\n\nقوله: (أجدر) أفعل تفضيل بمعنى أحرى وأليق وأحق.\n\nقوله: (ألا تزدروا) أي: تحتقروا أو تعيبوا، وذلك أن الإنسان إذا نظر إلى من هو دونه قنع وشكر، وإذا نظر إلى من هو فوقه احتقر ما هو فيه من النعمة.\n\n* الوجه الثالث: اشتمل الحديث على وصية نافعة وكلمة جامعة لأنواع الخير، وبيان المنهج السليم الذي يسير عليه المسلم في هذه الحياة، ولو أن الناس أخذوا بهذه الوصية الجامعة لعاشوا صابرين شاكرين راضين، وهذا نوع من التربية الرفيعة التي لا تصلح حياة الفرد بغيره ولا تستقر بدونه؛ لأنه من أعظم الأسباب المعينة على شكر نعمة الله تعالى على عبده.\nفالوصية الأولى: أن ينظر الإنسان إلى من هو دونه وأقل منه في أمور الدنيا من مسكن ومركب وملبس ودَخْلٍ وصحة وخِلْقَةٍ ونحو ذلك؛ لأنه إن فعل ذلك استفاد فائدتين عظيمتين:\nالأولى: أنه يستعظم ويستكثر ما أعطاه الله من الخير وفضله به على غيره، ولا يحتقر ما هو فيه من نعمة وسعادة، وهذا من أقوى أسباب الشكر لله تعالى والثناء عليه، فينظر إلى من سُلب نعمة العقل فيحمد ربه على كمال العقل، وينظر إلى من ابتلي بالأمراض وأصناف الأسقام وهو معافى، ويرى من ابتلي بما هو أفظع من ذلك بانحراف الدين وفساد العقيدة والوقوع في\n_________\n(^١) \"طرح التثريب\" (٨/ ١٤٦).","vol":"10","page":18},{"text":"المعاصي، والله تعالى قد حفظه من ذلك أو من كثير منه، وينظر إلى من ابتلي بالهم والوسواس والقلق النفسي وهو قد عافاه الله تعالى، فمنّ عليه براحة القلب وسعة الصدر، وينظر إلى من ابتلي بالفقر المدقع أو الدين المفظع ويعلم ما صار إليه من السلامة من الأمرين، وهكذا ..\nالفائدة الثانية: أنه إذا نظر إلى من هو دونه ارتاح قلبه، واطمأنت نفسه، ورضي بما قسم الله له، فعاش راضيًا سعيدًا قانعًا.\nالوصية الثانية: ألا ينظر الإنسان إلى من هو فوقه في أمور الدنيا إما في منزله أو سيارته أو هيئته أو دخله ونحو ذلك؛ لأنه إن فعل ذلك وقع في ثلاثة أمور كلها مكروهة:\nالأول: أنه يستقل نعمة الله عليه ويزدريها ويحتقرها، وهذا من أكبر الصوارف عن الشكر؛ لأنه يرى أن ما أعطيه قليل، ومتى فقد الشكر ترحلت عنه النعم، وتسابقت إليه النقم، وامتحن بالغم الملازم والحزن الدائم.\nالثاني: أنه يتعب نفسه ولا يزال يعيش مهمومًا؛ لأنه يريد اللحاق بمن فضلوا عليه في متاع الدنيا، فيشغل قلبه وتكثر همومه، ويزداد تعبه في طلب اللحاق بهؤلاء، وقد تركبه الديون، وتلزمه حقوق الناس.\nالثالث: أنه قد ينشأ عنده شيء من الحقد على من فوقه أو الحسد فيتمنى زوال النعمة عنه.\n\n* الوجه الرابع: هذا الحديث خاص في أمور الدنيا كما تقدم، أما في أمور الآخرة وأحوال الدين فإنه ينبغي للموفَّق أن ينظر إلى من هو فوقه فيقتدي به ويستمر، ويتأسى بالأخيار في فعل الطاعات والمبادرة بها، والبعد عن المعاصي والحذر منها، فيستفيد من ذلك زيادات تقربه إلى مولاه، ولا ينظر إلى الكسالى الذين لا يصلحون أن يكونوا قدوة لغيرهم، قال الحسن البصري: (إذا رأيت الناس في خير فنافسهم فيه، وإذا رأيتهم في هلكة فذرهم وما اختاروا) (^١).\n_________\n(^١) \"حلية الأولياء\" (٢/ ١٥٧).","vol":"10","page":19},{"text":"وللطبري كلمة قيمة على حديث الباب نقلها عنه ابن بطال، فهو يقول: (هذا حديث جامع لمعاني الخير، وذلك أن العبد لا يكون بحال من عبادة ربه مجتهدًا فيها؛ إلا وجد من هو فوقه في ذلك، فمتى طلب نفسه باللحاق بمن هو فوقه استقصر حاله التي هو عليها، فهو أبدًا في زيادة تقربه من ربه، ولا يكون على حالة خسيسةٍ من دنياه إلا وجد من أهلها من هو أخسّ منه حالًا، فإذا تأمل ذلك وتفكره وتبين نعم الله عليه؛ علم أنها وصلت إليه ولم تصل إلى كثير من خلقه، فَضَّلَهُ الله بها من غير أمر أوجب ذلك له على خالقه، ألزم نفسه من الشكر علميها أن وفق لها ما يعظم به اغتباطه في معاده) (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ١٩٩).","vol":"10","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1238>ما جاء في تفسير البر والإثم</span>\n١٤٤٩/ ٣ - عَنِ النوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ - ﵁ - قَال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْبِرِّ والإثْم؟ فَقَال: \"الْبِرُّ: حُسْنُ الْخُلُقِ. وَالإثْمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيهِ النَّاسُ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو النواس -بفتح النون وتشديد الواو- بن سِمْعَانَ -بكسر السين وفتحها، والكسر أشهر وقد اقتصر عليه ابن الأثير- بن خالد بن عمرو الكلابي، وقد وقع في \"صحيح مسلم\" نسبته للأنصار، قال الحافظ أبو علي الجياني: (هذا وهم، وصوابه الكلابي)، وقال المازري: (المشهور في نسب النواس: الكلابي، إلا أن يكون حليفًا للأنصار)، وتبعه على هذا القاضي عياض (^١)، للنواس ولأبيه صحبة -﵄-، قال: (أقمت مع رسول الله - ﷺ - بالمدينة سنة ما يمنعني من الهجرة (^٢) إلا المسألة (^٣)، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله - ﷺ - عن شيء، قال: فسألته عن البر والإثم ..). سكن الشام، وهو معدود فيهم، وروى عنه جبير بن نفير وأبو إدريس الخولاني (^٤).\n_________\n(^١) \"المعلم\" (٢/ ١٦٢)، \"إكمال المعلم\" (٨/ ١٧).\n(^٢) أي: العود إلى وطنه.\n(^٣) أي: الأسئلة التي ترد على النبي - ﷺ - من الصحابة - ﵃ - فيجيب عليها.\n(^٤) \"الاستيعاب\" (١٠/ ٣٨٩)، \"تتمة جامع الأصول\" (٢/ ٩٤٦)، \"الإصابة\" (١٠/ ١٩٢).","vol":"10","page":21},{"text":"° الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"البر والصلة والآداب\"، باب (تفسير البر والإثم) (٢٥٥٣) من طريق معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس بن سمعان الأنصاري - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن البر والإثم … وذكر الحديث.\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (﵁) هكذا في نسخ \"البلوغ\" والأولى: عنهما؛ لأن لأبيه صحبة، كما تقدم.\n\nقوله: (البر) بكسر الباء، وفعله: بَرَّ يَبَرُّ من باب علم يعلم، وقد فسره النبي - ﷺ - بحسن الخلق، وهذا جواب جامع موجز، معناه: أن حسن الخلق أعظم خصال البر، كقوله - ﷺ -: \"الحج عرفة\" (^١)، أو أن حسن الخلق جامع لجميع أنواع البر، فيفسر حسن الخلق: بالتخلق بأخلاق الشريعة والتأدب بآداب الله التي شرعها لعباده؛ لأن البر يطلق على فعل جميع الطاعات الظاهرة والباطنة، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ …﴾ [البقرة: ١٧٧]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (لفظ البر إذا أطلق تناول جميع ما أمر الله به) (^٢).\nويطلق على ما يقابل العقوق فيفسر بالإحسان والصلة إلى الوالدين.\nوقد يأتي البر مقرونًا بالتقوى، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] فيكون المراد بالبر: معاملة الخَلْق بالإحسان، وبالتقوى معاملة الخالق بفعل طاعته واجتناب معصيته، وقد يكون المراد بالبر: فعل الواجبات، وبالتقوى: اجتناب المحرمات (^٣).\nيقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: (البر والتقوى لله: إذا أطلق أحدهما دخل فيه الآخر، فإنه اسم جامع لكل ما يحبه الله ورسوله ظاهرًا وباطنًا، وترك\n_________\n(^١) انظر: (٥/ ١٨٠) من هذا الكتاب.\n(^٢) \"مجموع الفتاوى\" (٧/ ١٦٥).\n(^٣) انظر: \"جامع العلوم والحكم\" شرح الحديث (٢٧).","vol":"10","page":22},{"text":"ما يكرهه الله ورسوله ظاهرًا وباطنًا، وإذا جُمِعَ بينهما نحو: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] فسر البر بالقيام بعقائد الإيمان وأخلاقه، وأعمال البر كلها القاصرة والمتعدية، وفسرت التقوى باتقاء ما يسخط الله من الكفر والفسوق والعصيان) (^١).\n\nقوله: (حسن الخلق) الحسن: ضد القبح، والخلق: بضم الخاء واللام، ويجوز سكون اللام، اسم لسجية الإنسان وطبيعته التي خلق عليها، قال عبد الله بن المبارك في تفسير حسن الخلق: (هو طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى) (^٢).\nوهذا حسن الخلق مع الناس، وأما حسن الخلق مع الله تعالى فهو أن يفعل ما فرض عليه طَيِّبَ النفس منشرح الصدر، وينتهي عما حرم عليه راضيًا به غير متضجر منه، ويرغب في النوافل ويترك الكثير من المباح (^٣).\n\nقوله: (والإثم) هو في الأصل: الذنب بجميع أنواعه، يقال: أثم إثمًا ومأثمًا: إذا وقع في الذنب.\n\nقوله: (ما حاك في صدرك) أي: تردد واختلج في صدرك فأثر في القلب اضطرابًا وقلقًا ونفورًا، بحيث لم ينشرح له الصدر ولم يطمئن إليه القلب، والفعل حاك يحيك يدور على معنى التأثير، ومنه قولهم: ضربته فما حاك فيه السيف؛ أي: ما أثَّر، وما يحيك كلامك في فلان؛ أي: ما يؤثر فيه (^٤).\n\nقوله: (وكرهت أن يطلع عليه الناس) المراد بالكراهة: الكراهة الدينية، والمراد بالناس: أهل العلم والدين والفضل، كما تفيده أداة التعريف، وإنما أحاله النبي - ﷺ - على هذا الإدراك القلبي لما علم من جودة فهمه، وحسن قريحته، وتنوير قلبه، وأنه يدرك ذلك من نفسه.\n_________\n(^١) \"تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن\" ص (٢٠٠).\n(^٢) رواه الترمذي (٢٠٠٥).\n(^٣) \"مختصر شعب الإيمان\" للقزويني ص (١١٦ - ١١٧).\n(^٤) \"اللسان\" (١٠/ ٤١٩).","vol":"10","page":23},{"text":"° الوجه الرابع: في الحديث ترغيب في حسن الخلق وبيان لفضله؛ لأن النبي - ﷺ - فسّر البر بحسن الخلق، ومعنى ذلك: أن جميع أنواع البر كلها في حسن الخلق، وهذا أوجز لفظ وأبلغه، وإذا أحسن العبد خُلُقَهُ أحبَّه الله وأحبَّه الناس، ومن أحبه الله تعالى فاز بجنته ورضوانه، ومن أحبه الناس ألفوه وعاش بينهم سعيدًا، ولا يكرم العبد نفسه بمثل حسن الخلق، ولا يهينها بمثل سوء الخلق، وقد روى أبو نعيم بسنده عن عكرمة أنه قال: (لكل شيء أساس، وأساس الإسلام: الخلق الحسن)، وعن ابن سيرين قال: (كانوا يرون حسن الخلق عونًا على الدِّين) (^١) وسيأتي زيادة كلام على حسن الخلق في باب \"الترغيب في مكارم الأخلاق\" إن شاء الله تعالى.\n\n° الوجه الخامس: دلَّ الحديث على أن للإثم علامتين: علامة داخلية وهي ما يتركه في النفس من قلق واضطراب وعدم اطمئنان إلى حله وإقدام على فعله، وعلامة خارجية وهي كراهية اطلاع وجوه الناس وأخيارهم عليه؛ خشية أن يذم ويلام على فعله، وهذا يدل على أن صاحب الخير الموفق للبر لا يقدم على شيء لا تطمئن نفسه إليه، بخلاف أهل الفسوق والمعاصي فإنهم لا يترددون في الآثام، بل يقدم الواحد منهم على المعصية منشرح الصدر مرتاح البال!\n\n° الوجه السادس: الحديث دليل على أن الإثم مستقبح عند ذوي الفِطَرِ السليمة والعقول النيرة، ووجه ذلك: أن النفس مجبولة على محبة اطلاع الناس على خيرها وكراهة اطلاعهم على شرها، مما يدل على أن ذا الفطرة السليمة لا يجاهر بالإثم بل يستتر به ويخفيه. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"حلية الأولياء\" (٢/ ١٧٤)، (٣/ ٣٤٠).","vol":"10","page":24},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1239>ما جاء في نهي الاثنين عن التناجي دون الثالث</span>\n١٤٥٠/ ٤ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إذَا كُنْتُمْ ثَلَاثةً، فَلَا يَتَنَاجى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ؛ مِنْ أَجْلِ أن ذلِكَ يُحْزِنُهُ\". مُتَّفَقُ عَلَيهِ، وَاللّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\n\n° الكلام عليه من وجوده:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الاستئذان\"، باب (إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارَّة والمناجاة) (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤) من طريق جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: … وذكر الحديث. ولفظ البخاري: \"أَجْلَ أن ذلك يحزنه\" بدون لفظة (من)، وفي طبعة الناصر: \"أَجْلَ أن يحزنه\" (^١)، ولفظ مسلم: \"من أجل أن يحزنه\".\nوروى البخاري (٦٢٨٨)، ومسلم (٢١٨٣) (٣٦) من طريق نافع، عن ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث\".\nولعل الحافظ أورد حديث ابن مسعود - ﵁ - لأنه أتم من حديث ابن عمر - ﵄ - حيث نص على علة النهي.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (فلا يتناجى اثنان) أصل التناجي: التحدث سرًّا، والمراد\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح البخاري\" طبعة الناصر (٨/ ٦٥)، \"أعلام الحديث\" (٣/ ٢٢٣٥)، \"فتح الباري\" (١١/ ٨٣).","vol":"10","page":25},{"text":"بالتناجي هنا: أن يتحدث شخصان سرًّا بحيث لا يسمعهما الثالث؛ أي: لا يدري ما يقولان، وإن سمع بعض الكلمات، وفي معنى ذلك: إذا تحدثا جهرًا بلغة أجنبية لا يفهمها. وهذه الجملة خبرية لفظًا إنشائية معنى؛ لأنها بمعنى النهي، بدليل ثبوت الألف المقصورة على صورة الياء، ولو كانت لا ناهية لحذفت الألف للجزم، وذكر القرطبي (^١)، وتبعه الحافظ (^٢)، أنه في بعض النسخ من \"الصحيح\" بجيم فقط على النهي \"فلا يتناجَ\".\nوخص الثلاثة بالذكر لأنه أول عدد يتصور فيه ذلك المعنى، وإلا فلو تناجى خمسة أو عشرة وتركوا واحدًا فكذلك، لوجود المعنى، بل قد يكون وجوده في العدد الكثير أمكن وأشد (^٣).\n\nقوله: (حتى تختلطوا بالناس) أي: يختلط الثلاثة بالناس بحيث يكثر العدد، ويتمكن كل واحد من وجود من يناجيه.\n\nقوله: (من أجل أن ذلك يحزنه) تعليل للنهي، وهو بضم الياء من أحزن الرباعي، والمعنى: أن حكمة النهي عن تناجي اثنين وترك الثالث هي أن الثالث يحزن، إما لاعتقاده أنهما لا يريانه أهلًا لمناجاتهما، وهذا إذا أحسن الظن بهما، أو لاعتقاده أن هذا التناجي من أجل تدبير شيء يسوءه، وهذا إذا أساء الظن بهما.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على كمال الشريعة وعنايتها بمكارم الأخلاق ورعايتها لمصالح العباد، وحرصها على كل ما ينشر المحبة بين المسلمين، والنهي عن كل ما يؤدي إلى إدخال الأذى أو الحزن على أحد من المسلمين.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على نهي الاثنين عن التناجي إذا كان في المجلس شخص ثالث، وظاهر النهي أنه للتحريم بدليل تعليله بقوله: \"من أجل أن ذلك يحزنه\" وقد أخبر الله تعالى في كتابه الكريم أن إحزان المؤمنين من\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٥/ ٥٢٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٨٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٨٣).","vol":"10","page":26},{"text":"تسويل الشيطان وتزيينه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠] أي: ليسوءهم، وقد نهينا عن اتباع طرقه ومسالكه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور: ٢١]، ثم إن هذا التناجي فيه إيذاء للمؤمن، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨]، قال ابن رجب: (تضمنت النصوص أن المسلم لا يحل إيصال الأذى إليه بوجه من الوجوه من قول أو فعل بغير حق) (^١).\nوقد نقل ابن بطال عن أشهب عن مالك أنه قال: لا يتناجى ثلاثة دون واحد؛ لأنه قد نهي أن يُتْرَكَ واحد، قال: ولا أرى ذلك ولو كانوا عشرة أن يتركوا واحدًا، قال ابن بطال: وهذا القول يستنبط من هذا الحديث؛ لأن المعنى في ترك الجماعة للواحد كترك الاثنين له (^٢). وقال القرطبي: (بل وجود المعنى في العدد الكثير أمكن وأوقع، فيكون المنع أولى) (^٣).\nولا فرق في ذلك بين الحضر والسفر لعموم الحديث، وهو قول الجمهور (^٤)، وقد يكون السفر أعظم من أجل أن الخوف فيه أغلب على المرء والوحشة إليه أسرع، وقد ورد في هذا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \" … ولا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة يتناجى اثنان دون صاحبهما\" (^٥).\n\n° الوجه الخامس: دلّ الحديث بمفهومه على أنهم إذا كانوا أربعة لم يمتنع تناجي اثنين لإمكان أن يتناجى الاثنان الآخران، وقد أفتى بذلك راوي الحديث عبد الله بن عمر -﵄-، فقد روى البخاري في \"الأدب المفرد\" من\n_________\n(^١) \"جامع العلوم والحكم\" ص (٢٩٤).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٩/ ٦٤).\n(^٣) \"المفهم\" (٥/ ٥٢٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٨٤).\n(^٥) رواه أحمد (١١/ ٢٢٧) بسند فيه ابن لهيعة، وعلى فرض صحته فهو متعلق بعلة النهي الثانية وهي تدبير أمر يسوءه، كما تقدم. \"فتح الباري\" (١١/ ٨٤).","vol":"10","page":27},{"text":"طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عمر - ﵄ - رفعه، وفيه: قال أبو صالح: فقلت لابن عمر: فأربعة؟ قال: لا يضرك (^١).\n\n° الوجه السادس: محل النهي عن تناجي اثنين دون الثالث إذا كان الثالث معهما في ابتداء النجوى، فأما إذا انفرد اثنان فتناجيا، ثم جاء ثالث أثناء تناجيهما فليس عليهما قطع التناجي لأجله، لعدم وجود المعنى الذي دلّ عليه الحديث.\n\n° الوجه السابع: ظاهر الحديث أن النهي عن التناجي إنما هو إذا تأذى به مسلم، أما إذا لم يحصل به أذية فلا بأس بالتناجي، بأن يتناجي اثنان بحضرة جماعة، أو يتناجى اثنان بعد استئذان الثالث، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الأدب المفرد\" (١١٧٠)، ورواه أبو داود (٤٨٥٢)، وابن أبي شيبة (٨/ ٥٨١)، وأحمد (٩/ ٦٦)، وابن حبان \"في صحيحه\" (٢/ ٣٤٥، ٣٤٦)، ورواه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٨٨) عن عبد الله بن دينار قال: كنت أنا وعبد الله بن عمر … وساق الحديث بأطول مما هنا. انظر: \"التمهيد\" (٥/ ٢٨٨)، \"فتح الباري\" (١١/ ٨٣).","vol":"10","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1240>ما جاء في النهي عن إقامة الإنسان من مجلسه</span>\n١٤٥١/ ٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلكِنْ تَفَسَّحُوا، وَتَوَسَّعُوا\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الاستئذان\"، باب (﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا. ..﴾ [المجادلة: ١١]) (٦٢٧)، ومسلم (٢١٧٧) (٢٨) من طريق عبيد الله، عن نافع، عن عبد الله بن عمر -﵄-، عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يقيم الرجل الرجل من مقعده. . .. \" الحديث. واللفظ لمسلم.\nولفظ البخاري: \"نهى أن يُقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر، ولكن تفسحوا وتوسعوا\". وكان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ثم يجلس مكانه.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا يقيم) بالرفع على أن (لا) نافية، وجاء في رواية مسلم من طريق الليث، عن نافع بلفظ: (لا يقيمنَّ) وهذه صيغة نهي مؤكدة بنون التوكيد، فيكون مبينًا لصيغة النفي وأنها بمعنى النهي، ولفظ البخاري: \"نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر\".\n\nقوله: (الرجل) أي: والمرأة كذلك، وذكر الرجل لكونه أشرف.\n\nقوله: (من مجلسه) بفتح الميم وكسر اللام مكان الجلوس، ولفظ مسلم: \"من مقعده\" كما تقدم.","vol":"10","page":29},{"text":"قوله: (ولكن تفسَّحوا وتوسعوا) أي: وليقل الرجل لأهل المجلس: تفسحوا وتوسعوا، وهما بمعنى واحد، فالعطف تفسيري، وقيل: لكل لفظ معنى، فمعنى الأول أن يوسعوا فيما بينهم للداخل بحيث يجد مكانًا يجلس فيه، ومعنى الثاني أن ينضم بعضهم إلى بعض حتى يفضل في آخر المجلس مكان للداخل، وهذا أحسن من القول بالترادف؛ لأنه أكثر فائدة (^١).\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا يجوز لمسلم أن يقيم غيره من مكانه ثم يجلس هو فيه، هذا ظاهر النهي في الحديث، فمن سبق إلى موضع مباح في مسجد أو غيره لصلاة أو غيرها من الطاعات فهو أحق به، ويحرم على غيره أن يقيمه منه، وليس الحديث خاصًّا بموضع الطاعة بل يشمل من سبق إلى موضع مخصوص لتجارة أو حرفة أو غيرهما فيكون أحق بهذا المكان، وليس لغيره أن يجلس فيه.\nوالحكمة من ذلك منع استنقاص حق المسلم المقتضي للضغائن والأحقاد، والحث على التواضع وأسباب التآلف والمودة، وهذا إنما يكون بجلوس الشخص انتهى به المجلس، سواء أكان ذلك في صدر المجلس أو أسفله، فإذا دخل المسجد فإنه ينتهي إلى طرف الصف أو إلى سَدِّ الفرجة إن كان في الصف فرجة ولا يقيم أحدًا، وإذا دخل المجلس انتهى حيث ينتهي الجلوس. وذلك لأن طلب القادم محلًا مخصوصًا قد سبقه إليه غيره فيقيمه منه ليجلس هو فيه أو يضغطه به بغي وعدوان وليس ذلك من شأن أهل الإيمان (^٢).\nلكن لو قام القاعد من محله لغيره فظاهر الحديث الجواز، وقد روى مسلم من طريق الزهري، عن سالم، عن ابن عمر - ﵄ - أنه كان إذا قام له رجل عن مجلسه لم يجلس فيه (^٣)، وهذا محمول من ابن عمر - ﵄ - أنه كان لا يقبل\n_________\n(^١) \"بهجة النفوس\" (٤/ ١٩٥).\n(^٢) \"دليل الفالحين\" (٣/ ٣١٠، ٣١١).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٢١٧٧) (٢٩).","vol":"10","page":30},{"text":"الإيثار تورعًا (^١)؛ لأنه يخشى أن الذي آثره كان مستحييًا ولم تطب نفسه، أو أنه آثره، والإيثار بالقرب مكروه، أو خلاف الأوْلَى، فكان ابن عمر - ﵄ - يمتنع عن ذلك؛ لئلا يرتكب أحد بسببه مكروهًا أو خلاف الأولى (^٢).\nفإذا قام لك إنسان فينبغي أن تتورع كما فعل ابن عمر -﵄-، إلا إذا علمت أن ذلك عن محبة لك وتقدير فلا بأس.\n\n° الوجه الرابع: ذكر بعض العلماء أن هذا الحديث ليس عامًّا في الناس بل هو خاص بغير المجانين ومن يحصل منه الأذى كآكل البصل والثوم النيء إذا دخل المسجد، والسفيه إذا دخل مجلس العلم، لعموم قوله - ﷺ -: \"لا ضرر ولا ضرار\" (^٣)، لكن قد يقال: إن ما ذكر من الأمور النادرة، ولو فُتح باب الاستثناء لكثر.\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه إذا دخل المجلس إنسان ولم يجد مكانًا فيه، فإن الجالسين مأمورون بأن يوسعوا فيما بينهم للداخل أن يقعد أو ينضم بعضهم إلى بعض حتى يبقى له في المجلس مكان يقعد فيه، فأي الأمرين فعلوا أصابوا السنّة، بشرط ألا يحصل ضرر على الجالسين، فإن حصل عليهم ضرر لم يلزمهم شيء من ذلك، لكن من حسن المعاملة ينبغي أن يُعتذر له حتى ينصرف وهو طيب النفس، لعموم قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] (^٤).\nوهذا دليل واضح على أن الشريعة الإسلامية شريعة شاملة لكل ما يحتاج الناس إليه في دينهم ودنياهم، حيث جاءت بهذه الآداب الكريمة والأخلاق العالية التي هي كفيلة بإنشاء مجتمع فاضل متأدب بآداب الإسلام. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح رياض الصالحين\" (٦/ ٣٥٠).\n(^٢) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (١٤/ ٤١١)، \"دليل الفالحين\" (٣/ ٣١٠). وانظر: كلامًا ماتعًا لابن القيم عن الإيثار في \"طريق الهجرتين\" (٢/ ٦٤٥).\n(^٣) انظر: \"بهجة النفوس\" (٤/ ١٩٤)، \"فتح الباري\" (١١/ ٦٣)، والحديث تقدم تخريجه في \"البيوع\" برقم (٩٢٠).\n(^٤) \"بهجة النفوس\" (٤/ ١٩٤).","vol":"10","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1241>استحباب لعق الأصابع بعد الطعام</span>\n١٤٥٢/ ٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ، حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأطعمة\"، باب (لعق الأصابع ومَصَّهَا قبل أن تُمسح بالمنديل) (٥٤٥٦)، ومسلم (٢٠٣١) من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكر الحديث.\nوهذا لفظ مسلم؛ لأن لفظة: (طعامًا) ليست عند البخاري.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا أكل أحدكم طعامًا) هذا لفظ مسلم، وفي رواية: (من طعام)، والمراد ما كان فيه رطوبة تعلق بالأصابع، بخلاف ما كان جافًا لا رطوبة فيه فلا يأتي فيه هذا النهي.\n\nقوله: (فلا يمسحْ يده) بالجزم على أن (لا) ناهية، والمعنى: لا يُزِلْ أثر الطعام بمنديل ونحوه.\n\nقوله: (حتى يَلْعَقَها) بفتح التحتية والمهملة؛ أي: يلحسها هو بلسانه، تقول: لَعِقْتُ الشيء -بالكسر- من باب تَعِبَ أَلْعَقُه -بالفتح- لَعَقًا، ويتعدى بالهمزة كما سيأتي.\n\nقوله: (أو يُلْعِقَها) أو: للتنويع، والفعل بضم التحتية وكسر المهملة من","vol":"10","page":32},{"text":"الرباعي المتعدي ألعق، وهو ينصب مفعولين، والثاني هنا محذوف؛ أي: أو يلعقها غيره كزوجته -مثلًا- إذا كانت لا تكره لعقها.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أدب من آداب الطعام وهو استحباب لعق الأصابع مما علق بها من الطعام قبل مسحها بمنديل أو نحوه، أو غسلها بالماء، وذلك من باب المحافظة على بركة الطعام والتنظيف لها.\nوالقول بالاستحباب هو مذهب الجمهور، لما ثبت من السنّة القولية، كما تقدم، والسنّة العملية، كما سيأتي.\nوذهب ابن حزم إلى أن ذلك فرض، فقال: (وما سقط من الطعام ففرض أكله، ولعق الأصابع بعد تمام الأكل فرض، ولعق الصحفة إذا تم ما فيها فرض.) (^١)، وتبعه على هذا الصنعاني (^٢).\nوقد ثبت التصريح بالعلة في هذا الإرشاد النبوي الكريم في حديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: \"إنكم لا تدرون في أيَّهِ البركة\" (^٣)، وهذه البركة شاملة لحصول التغذية بهذا الطعام وسلامة عاقبته من الأذى، والتقوي به على طاعة الله تعالى وغير ذلك.\nوفيه تربية على التواضع والمحافظة على عدم إهمال شيء من فضل الله كالمأكول والمشروب وإن كان تافهًا حقيرًا في العرف؛ لأن التنصيص على علة لا يلزم منه أنه ليس ثَمَّ علة أخرى (^٤).\nويمكن أن نضيف تطبيق السنّة والأمر بها حتى بما يعده الناس في العرف دناءة (^٥).\n\n° الوجه الرابع: في هذا الحديث رد على من كره لعق الأصابع أو الصحفة استقذارًا، فإن الاستقذار إنما يكون لو أنه لعقها أثناء الأكل ثم\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٧/ ٤٣٤، ٤٣٥).\n(^٢) \"سبل السلام\" (٨/ ١٨٢).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٢٠٣٢) (١٣٣).\n(^٤) \"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام\" (١٠/ ١٢٥).\n(^٥) \"الإعلام\" (١٠/ ١٢٦).","vol":"10","page":33},{"text":"أعادها إلى الطعام وعليها أثر ريقه، أما لعقه ما تبقى عليها بعد الأكل أو ما يبقى في الإناء فهو جزء من أجزاء ما أكله.\n\n° الوجه الخامس: استدل بعض العلماء بقوله: \"فلا يمسح يده\" على جواز الأكل بجميع أصابع اليد، لكن الأكل بثلاث أصابع - الوسطى والسبابة والإبهام - هو السنّة، كما في حديث كعب بن مالك - ﵁ - قال: (رأيت رسول الله - ﷺ - يأكل بثلاث أصابع، فإذا فرغ لعقها) (^١). وذلك لأن الأكل بهذه الصفة أدل على عدم الشره، وأقرب إلى التواضع، وفيه -كما يقول ابن القيم- راحة لآلات الطعام والمعدة فلا يشبع إلا بعد طول، لكن هذا محمول على الطعام الذي تكفي فيه ثلاثة أصابع، أما الطعام الذي لا تكفي فيه ثلاثة أصابع كالرز -مثلًا- فلا بأس بأن يأكل بأكثر.\n\n° الوجه السادس: قد يشكل على بعض الناس إلعاق الأصابع لغيره، والحق أن هذا ممكن والحمد لله، فقد يكون بين الرجل وزوجته من المحبة ما يسهل على كل واحد منهما أن يلعق أصابع الآخر، وقد يتأتى هذا من الولد لأبيه، والنبي - ﷺ - لا يقول إلا حقًّا (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٠٣٢) (١٣٢).\n(^٢) \"شرح رياض الصالحين\" لابن عثيمين (٤/ ٢٣٠).","vol":"10","page":34},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1242>بعض آداب السلام</span>\n١٤٥٣/ ٧ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لِيُسَلِّمِ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: \"وَالرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي\".\n\n° الكلام عليه من وجده:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الاستئذان\"، باب (تسليم القليل على الكثير) (٣٢٣١) من طريق همام بن منبه، وفي باب (يسلم الصغير على الكبير) (٣٢٣٤) من طريق عطاء بن يسار، ورواه البخاري (٦٢٣٢)، ومسلم (٢١٦٠) من طريق ثابت بن الأحنف مولى عبد الرحمن بن زيد، ثلاثتهم عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\nوهذا لفظ البخاري، وعزوه للمتفق عليه فيه نظر، فإن لفظة: \"ليسلم الصغير على الكبير\" ليست عند مسلم، كما نص على ذلك الحافظ نفسه (^١).\n\nوقوله: وفي رواية لمسلم: \"والراكب على الماشي\" هذا هو لفظ مسلم في الحديث بالإسناد المذكور، وهو أيضًا عند البخاري بالإسناد نفسه كما تقدم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٤).","vol":"10","page":35},{"text":"° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ليسلم) بكسر اللام وهي لام الأمر، والمضارع بعدها مجزوم بها، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، ولفظ \"الصحيحين\": (يسلم) بدون اللام، قال الحافظ: (\"يسلم\": كذا للجميع بصيغة الخبر، وهو بمعنى الأمر، وقد ورد صريحًا في رواية عبد الرزاق، عن معمر عند أحمد بلفظ: \"ليسلم\") (^١).\n\nقوله: (والمارُّ) هذا لفظ البخاري، ولهما: والماشي.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الصغير مأمور بالسلام على الكبير، وذلك لأجل حق الكبير، ولأن الصغير مأمور بتوقير الكبير والتواضع له. والصحيح من قولي أهل العلم وجوب رد البالغ إذا سلم عليه صبي (^٢)؛ لعموم: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] أي: سواء حياكم صبي أو بالغ. فإن بدأ الكبير بالسلام على الصغير حاز الفضيلة وأدرك صفة التواضع، وقد نقل النووي اتفاق العلماء على استحباب السلام على الصبيان (^٣)؛ لحديث أنس - ﵁ - أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي - ﷺ - يفعله (^٤)، وعنه: أن رسول الله - ﷺ - مرَّ على غلمان فسلم عليهم (^٥). قال ابن بطال: (في السلام على الصبيان تدريب لهم على تعليم السنن، ورياضة لهم على آداب الشريعة؛ ليبلغوا حد التكليف وهم متأدبون بآداب الإسلام) (^٦). وأضاف الحافظ: (وفيه طرح الأكابر رداءَ الكِبْرِ، وسلوك التواضع، ولين الجانب) (^٧)، وإن هذه الحكم العظيمة إضافة إلى الاقتداء بالنبي - ﷺ - وصحابته الكرام لداعية للمسلم إلى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٦).\n(^٢) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (١٣/ ٣٩٨).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) رواه البخاري (٦٢٤٧)، ومسلم (٢١٦٨).\n(^٥) رواه مسلم (٢١٦٨).\n(^٦) \"شرح ابن بطال\" (٩/ ٢٧).\n(^٧) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٣).","vol":"10","page":36},{"text":"أن يحرص على السلام على الصبيان الذي صار في هذا الزمان في عداد السنن المهجورة.\nوقد صحح النووي أنه لا يجب الرد على الصبي؛ لأنه ليس من أهل الفرض، قال: (لكن الأدب والمستحب له الجواب) (^١).\nلكن لو تعارض الصِّغَرُ المعنوي والحسي كان يكون الأصغرُ أعلمَ من الكبير، فقد ذكر الحافظ أنه لم يرَ فيه نقلًا، ثم استظهر اعتبار السن، أخذًا بظاهر الحديث من باب تقديم الحقيقة على المجاز (^٢).\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المار مأمور بالسلام على القاعد تشبيهًا له بالداخل على أهل المنزل، أو لأن القاعد على حال وقار وسكون وثبوت فله بذلك مزية على الماشي؛ لأن حاله على الضد من ذلك، أو لأن المار يكون متعليًا على القاعد فأمر بالسلام عليه.\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على أن العدد القليل مأمور بابتداء السلام على العدد الكثير، وذلك لفضيلة الجماعة، فإن لهم حقًّا على القلة.\n\n° الوجه السادس: الحديث دليل على أن الراكب مأمور بابتداء السلام على الماشي؛ لأن الراكب يكون متعليًا على الماشي، ولئلا يتكبر بركوبه، فأمر بذلك ليرجع إلى التواضع.\nقال ابن العربي: (حاصل ما في هذا الحديث أن المفضول بنوعٍ ما يبدأ الفاضل، فإذا تساوى المتلاقيان مثل راكبين أو ماشيين فكل منهما مأمور بابتداء السلام، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ليحصل على امتثال السنّة، ويحوز الفضائل المرتبة على ذلك، فإن الحرص على البدء بالسلام دليل الاهتمام بآداب الشريعة وخلوص النية والحرص على اكتساب الثواب) (^٣). أما بالنسبة\n_________\n(^١) \"الفتوحات الربانية\" (٥/ ٣١٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ١٧).\n(^٣) \"عارضة الأحوذي\" (١٠/ ١٧١).","vol":"10","page":37},{"text":"إلى رد السلام فيما لو تلاقى شخصان وسَلَّمَ كل واحد على صاحبه، فإن الرد واجب على كل واحد منهما للآخر، لكن إن وقع السلامان معًا وجب الرد؛ لعموم الأدلة، وإن سلم أحدهما بعد الآخر كفى سلام المتأخر ردًّا على سلام الأول، وبعض العلماء يشترط على المتأخر أن ينوي بسلامه الرد على صاحبه (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"روضة الطالبين\" (١٠/ ٢٢٨)، \"الآداب الشرعية\" (١/ ٣٨١)، \"فتح الباري\".","vol":"10","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1243>ما جاء في سلام الجماعة ورَدِّهِمْ</span>\n١٤٥٤/ ٨ - عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"يُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلَّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيهَقِيُّ.\n\n° الكلام عليه من وجهين:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الأدب\"، باب (ما جاء في رد الواحد عن الجماعة) (٥٢١٠)، والبيهقي (٩/ ٤٩) قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي، ثنا عبد الملك بن إبراهيم الجُدِّي، ثنا سعيد بن خالد الخزاعي قال: حدثني عبد الله بن الفضل، حدثنا عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب - ﵁ -، قال أبو داود: رفعه الحسن بن علي، قال: (يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم).\nوهذا سند ضعيف؛ لأن فيه سعيد بن خالد الخزاعي المدني، وهو ضعيف، قال البخاري: (فيه نظر)، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: (ضعيف الحديث)، وقال الدارقطني: (ليس بالقوي)، وقال ابن حبان: (كان ممن يخطئ حتى لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد) (^١).\nولما ذكر الدارقطني في \"العلل\" الاختلاف في سنده قال: (والحديث\n_________\n(^١) \"التاريخ الأوسط\" (٣/ ٥٩٨)، \"الجرح والتعديل\" (٤/ ١٦)، \"المجروحين\" (١/ ٤٠٧)، \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٩).","vol":"10","page":39},{"text":"غير ثابت، تفرد به سعيد بن خالد، عن عبد الله بن الفضل، وليس بالقوي، يعني سعيد بن خالد) (^١)، وضعفه -أيضًا- الحافظ في \"الفتح\" (^٢).\nوالحديث له شواهد كلها ضعيفة، ذكرها الألباني ثم قال: (لعل الحديث بهذه الطرق يتقوّى فيصير حسنًا، بل هذا هو الظاهر، والله أعلم) (^٣).\nوالذي يظهر أن حديث الباب ضعيف لا يحتج به، فقد تفرد به سعيد بن خالد الخزاعي، على أن ابن عبد البر قد ذكر علة ثانية، وهي أن عبد الله بن الفضل لم يسمع من عبيد الله بن أبي رافع، بينهما الأعرج في غير ما حديث (^٤).\nوشواهده كلها معلولة، لا تقوى على رفعه من الضعف إلى درجة الحسن، والله أعلم.\nوأما عزو الحافظ الحديث لأحمد فإني لم أجده في \"المسند\" ولا عزاه إليه الحافظ لا في \"أطراف المسند\" ولا في \"الفتح\" (^٥).\n\n° الوجه الثاني: يستدل العلماء بهذا الحديث على أنه يجزئ الواحد في السلام عن الجماعة، كما يجزئ الواحد في رد السلام عن الجماعة، وهذا قول الجمهور من أهل العلم (^٦)؛ لأن رد السلام من الجماعة من فروض الكفاية، إذا قام به من يكفي أجزأ عن غيرهم، لكن لو كان في الجماعة رجال وصبيان فَرَدَّ صبي، فهل يسقط الفرض عنهم بذلك؟ قولان، فمن أهل العلم من اشترط في المراد أن يكون مكلفًا، وعليه فلا يسقط الفرض برد الصبي؛ لأنه ليس أهلًا للفرض، والرد فرض، وقال آخرون: يسقط، وذكر النووي أنه أصح الوجهين عند الشافعية (^٧)، وهو قول وجيه.\n_________\n(^١) \"العلل\" (٤/ ٢١، ٢٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٧).\n(^٣) \"الإرواء\" (٣/ ٢٤٢).\n(^٤) \"التمهيد\" (٥/ ٢٩٠).\n(^٥) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٧).\n(^٦) انظر: \"الكافي\" لابن عبد البر (٢/ ١١٣٣)، \"الدر المختار\" (٥/ ٢٦٥)، \"الأذكار\" ص (٤١٥)، \"الآداب الشرعية\" (١/ ٣٧٤).\n(^٧) انظر: \"الأذكار\" ص (٤٠١)، \"الآداب الشرعية\" (١/ ٤٢٢)، \"الفتوحات الربانية\" (٥/ ٣١٥).","vol":"10","page":40},{"text":"والأفضل في الابتداء أن يسلم الجميع، لقوله - ﷺ -: \"أفشوا السلام\"، كما أن الأفضل أن يرد الجميع.\nونقل ابن عبد البر عن الطحاوي أن أبا يوسف صاحب أبي حنيفة كان ينكر الحديث الدال على أنه يرد الواحد، ويقول: لا يجزئ إلا أن يردوا جميعًا، فهو يفرق بين ابتداء السلام الذي هو سنّة، وبيّن ردّه الذي هو واجب (^١).\nوكأن الطحاوي يميل إلى هذا الرأي، ويرى أنه لم يصح في هذا الباب شيء يعتمد عليه، وهذا جيد في نظري، فإن الحديث ضعيف لا يقوى على إسقاط حكم شرعي ثابت بالأحاديث الصحيحة، وهو وجوب رد السلام، فيبقى فرض عين على كل واحد من الجماعة حتى يثبت الدليل الناقل له عن ذلك (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٥/ ٢٨٨).\n(^٢) انظر: \"تفسير القرطبي\" (٥/ ٢٩٨)، \"فتح الباري\" (١١/ ٧)، \"شرح الزرقاني على الموطأ\" (٤/ ٣٥٨).","vol":"10","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1244>النهي عن السلام على أهل الكتاب</span>\n١٤٥٥/ ٩ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ والنَّصَارَى بِالسَّلامِ، وَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُمْ إلى أَضْيَقِهِ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث تقدم تخريجه والكلام عليه في آخر \"الجهاد\" برقم (١٣١٩)، وقد رواه مسلم في كتاب \"السلام\"، باب (النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يرد عليهم؟) (٢١٦٨) من طريق عبد العزيز -يعني الدراوردي- عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nوقول الحافظ: (وعنه) هكذا في المخطوطة (^١) ونسخ \"البلوغ\"، وظاهره أنه من حديث علي - ﵁ - لأنه هو الذي قبله، وهذا وهم من الحافظ أو من النساخ؛ لأن هذا حديث أبي هريرة - ﵁ - وقد سبق في كتاب \"الجهاد\"، ثم إن الأحاديث التي بعده كلها من أحاديث أبي هريرة - ﵁ -، وقد ساقها بلفظ الإحالة على ما قبلها.\n\n° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أنه لا يجوز للمسلم أن يبتدئ أحدًا من اليهود أو النصارى بالسلام، وذلك لأن ابتداء السلام عليهم فيه مفاسد، منها:\n_________\n(^١) هذه المخطوطة سبق ذكرها في (٧/ ١٢٥)، وقد فرغ ناسخها منها في الثاني عشر من ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وثمانمائة، أي: قبل وفاة الحافظ ابن حجر بأربع سنوات.","vol":"10","page":42},{"text":"١ - الوقوع في النهي الثابت في السنّة، والأصل في النهي التحريم، وهو الصحيح عند الشافعية، وهو قول الحنابلة، ورجحه النووي (^١)، وحَمْلُهُ على الكراهة؛ لعموم أحاديث الأمر بإفشاء السلام قول ضعيف؛ لأنها مخصوصة بهذا الحديث، وذهب فريق ثالث إلى جواز ابتدائهم بالسلام لضرورة أو حاجة أو سبب، وهو قول جماعة، منهم علقمة والنخعي (^٢)، والصواب الأول؛ لأن حديث الباب نص صحيح صريح في المراد، ولا يصرف عن ظاهره إلا بدليل.\n٢ - أن السلام عليهم نوع من الإكرام والذُّلِّ لهم، وهم ليسوا أهلًا للإكرام.\n٣ - أن السلام عليهم سبب للتحاب معهم والتواد، والله تعالى قد نهى عن ذلك، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].\n٤ - أن السلام عليهم فيه إذهاب وهج الحسد من قلوبهم، وهم قد حسدونا على السلام، كما في حديث عائشة -﵄-، عن رسول الله - ﷺ - قال: \"ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدوكم على السلام والتأمين\" (^٣)، فإذا سلم عليهم أدخل السرور على أفئدتهم لتشريكهم في هذه التحية.\nوإذا نُهي المسلم عن ابتداء اليهود والنصارى بالسلام وهم أهل كتاب فغيرهم من المشركين كالهندوس والبوذيين أولى.\nومما يؤسف عليه أن من المسلمين من لم يقم لهذا النهي وما اشتمل عليه من الحكم والأسرار أي اعتبار، فتراه لا يفرق بين مسلم وكافر في التحية، فيسلم على الكافر كما يسلم على المسلم، ويظن ذلك من المحامد\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (١٤/ ٣٩٦)، \"الإنصاف\" (٤/ ٢٣٣).\n(^٢) \"شرح النووي\" (١٤/ ٣٩٦)، \"الإنصاف\" (٤/ ٢٣٣)، \"حاشية ابن عابدين\" (٥/ ٢٦٤).\n(^٣) رواه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٩٨٨)، وابن ماجه (٨٥٦)، وسنده صحيح، قاله البوصيري في \"الزوائد\" (١/ ٢٩٧). وانظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري (١/ ٢٢).","vol":"10","page":43},{"text":"والآداب المطلوبة، وسبب هذا كثرة وفود الكفار إلى ديار المسلمين واختلاطهم بهم وكثرة سفر المسلمين إلى ديارهم مما أذهب الغيرة، وأضعف واجب البراءة والعداوة للكافرين في قلوب كثير من الناس.\n\n° الوجه الثالث: مفهوم النهي عن ابتدائهم بالسلام أنه لا نهي عن ردِّ السلام عليهم، وقد ورد عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك، فقل: وعليك\" (^١). وقد نقل النووي اتفاق العلماء على الرد على أهل الكتاب إذا سلموا، لكن من الفقهاء من قال بالوجوب، ومنهم من قال بالاستحباب، ومنهم من قال: لا بأس به (^٢)، وأما صيغة الرد فإنه لا يقال: وعليكم السلام، بل يقال: عليكم أو وعليكم، -بالواو- وهو الأرجح. ويرى ابن القيم أن الذمي إذا قال: سلام عليكم، أن الذي تقتضيه الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة أن يقال له: وعليكم السلام، قال: لأن هذا من باب العدل، والله يأمر بالعدل والإحسان. وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] فندب إلى الفضل، وأوجب العدل (^٣).\n\n° الوجه الرابع: يرى بعض فقهاء الشافعية جواز ابتداء الذمي بغير لفظ السلام، مثل: كيف أصبحت، كيف أمسيت، كيف حالك؟ ونحو ذلك، وقال بهذا النووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ الألباني، والشيخ محمد العثيمين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن خاطب الذمي بكلام غير السلام مما يؤنسه به فلا بأس بذلك) (^٤) لكن منهم من أطلق، ومنهم من قيد ذلك بالحاجة إليه أو بما فيه مصلحة، كالتأليف لقلبه ونحو ذلك من المقاصد؛ لأن النهي المذكور في الحديث إنما هو عن السلام، وهو عند الإطلاق إنما يراد به\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢١٦٣)، ومسلم (١٧٩٨).\n(^٢) انظر: \"تحية السلام في الإسلام\" (٢/ ٥٤٤).\n(^٣) \"أحكام أهل الذمة\" (١/ ١٩٩)، وانظر: \"الآداب الشرعية\" (١/ ٣٦٧)، \"شرح رياض الصالحين\" (٤/ ٤٢٥).\n(^٤) \"الآداب الشرعية\" (١/ ٢٦٩).","vol":"10","page":44},{"text":"السلام المعهود المتضمن لاسم الله تعالى، ولفظ السلام فيه من الفضائل ما ليس في مثل الألفاظ المذكورة، فإن لفظ السلام يتضمن الإكرام والدعاء -كما تقدم- أما هذه الألفاظ وما شابهها فهي مجرد تحية وترحيب وسؤال (^١).\nوذهبت الحنابلة في المشهور عندهم إلى أنه لا يجوز ابتداء الذمي بمثل هذه الألفاظ؛ لأنها بمعنى السلام، فهي مقيسة عليه، لكن هذا قياس مع الفارق؛ لما تقدم.\nوقد نص الإمام أحمد على كراهة ذلك فقال -في رواية أبي داود-: (أكرهه، هذا عندي أكثر من السلام) وكأن فقهاء الحنابلة اعتمدوا على هذا (^٢).\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه لا يجوز توسعة الطريق لليهود والنصارى بل نضطرهم إلى أضيقها؛ لأن فسح الطريق لهم نوع إكوام لهم، وهم لا يستحقونه، والمراد بالحديث حال المشي على الأقدام، وأما في السيارة ونحوها فهذا غير مراد؛ لما يترتب عليه من الخطر.\n\n° الوجه السادس: الحديث دليل على أن الكتابي إذا قابل المسلم في الطريق فإن المسلم لا يفسح له؛ لأن هذا من إكرامه، بل يلجئه إلى أضيق الطريق، ويكون وسط الطريق وسعته للمسلم، إذلالًا للكتابي وإشعارًا بعزة الإسلام، وهذا مقيد عند العلماء بقيدين:\nالأول: أن هذا عند الزحام وضيق الطريق، فيركب المسلمون صدر الطريق، ويكون الذمي في أضيقه، فإن خلت الطريق من الزحام أو كانت واسعة فلا بأس.\n_________\n(^١) انظر: \"الفروع\" (٦/ ٢٧١)، \"الفتوحات الربانية\" (٥/ ٣٤٥)، \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" رقم (٧٠٤)، \"الشرح الممتع\" (٧/ ٧٣ - ٧٤)، \"شرح رياض الصالحين\" (٤/ ٤٢٦).\n(^٢) انظر: \"الآداب الشرعية\" (١/ ٢٦٨)، \"المغني\" (١٣/ ٢٥٢)، \"الإنصاف\" (٤/ ٢٣٣)، \"منار السبيل\" (١/ ٣٠٣).","vol":"10","page":45},{"text":"الثاني: أن هذا التضييق مقيد بحيث لا يقع الذمي في ضرر، كأن يقع في حفرة أو يصدمه جدار ونحوه (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (١٤/ ٣٩٨)، \"دليل الفالحين\" (٣/ ٣٤٩).","vol":"10","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1245>صفة تشميتِ العاطس وجوابهِ</span>\n١٤٥٦/ ١٠ - وَعَنْهُ، عَنِ النبي - ﷺ - قَال: \"إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ للهِ. وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَإذَا قَال لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللهُ، وَيُصْلِحُ بَالكُمْ\". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأدب\"، بابٌ (إذا عطس كيف يُشَمَّتُ؟) (٦٢٢٤) من طريق عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الحمد لله) الحمد: هو الاعتراف للمحمود بصفات الكمال مع محبته وتعظيمه، واللام للاستحقاق، بمعنى أن الله تعالى وحده هو المستحق للحمد حقيقة، و(الله) اسم الله تعالى الخاص به، ومعناه: المألوه؛ أي: المعبود محبة وتعظيمًا.\n\nقوله: (أخوه) لفظ البخاري: (وليقل له أخوه أو صاحبه) وهو شك من الراوي، والمراد بالأخوة: أخوة الإسلام، والتعبير بأحد هذين اللفظين تحريض على التشميت وحث عليه.\n\nقوله: (يرحمك الله) يحتمل أن تكون جملة خبرية لفظًا إنشائية معنى، فيكون المراد بها الدعاء بالرحمة، ويحتمل أن تكون خبرية لفظًا ومعنى، فيكون المراد بها الإخبار عن طريق البشارة، وهذه الجملة تفسير للتشميت، أو","vol":"10","page":47},{"text":"التسميت الوارد في أول أحاديث الباب \"وإذا عطس فحمد الله فَسَمِّتْهُ\".\n\nقوله: (فليقل) أي: مقابلة للدعاء بمثله ومكافأة للجميل.\n\nقوله: (يهديكم الله) أي: يرشدكم الله إلى ما يحب ويرضى، ويثبتكم ويسددكم ويعينكم.\n\nقوله: (ويصلح بالكم) البال هو الحال، تقول: ما بالك؟ أي: ما حالك؟ والمعنى: يصلح حالكم وشأنكم، وقيل: البال: القلب، تقول: خطر ببالي؛ أي: بقلبي (^١)، وقيل البال: رخاء العيش، يقال: هو رَخِيُّ البال، والمعنى الأول أنسب لعمومه ما بعده، وقد يقال: إن الثاني أنسب؛ لأنه إذا صلَح القلب صلَح الحال (^٢).\nوقد جاء إفراد الدعاء للعاطس وجمعه للمجيب ولو كان مفردًا فيهما، وهذا -والله أعلم- لأن الرحمة مدعو بها للعاطس وحده؛ لما أصابه مما تنحل به أعصابه ويضر سمته لولا الرحمة، وأما الهداية فمدعو بها لجميع المؤمنين ومنهم المخاطب، فلذا جمع الضمير (^٣).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن العاطس مأمور بحمد الله تعالى بعد عطاسه؛ لأن العطاس نعمة من الله؛ لخروج هذه الريح المحتقنة في أجزاء من بدن الإنسان، ثم النعمة الثانية بقاء أعضاء بدنه على التئامها وهيئتها (^٤). ولهذا يُحِسُّ العاطس بالخفة والنشاط بعد عطاسه. قال ابن هبيرة: (إذا عطس الإنسان استدل بذلك على صحة بدنه وجودة هضمه واستقامة قوته، فينبغي له أن يحمد الله، ولذلك أمره الرسول - ﷺ - أن يحمد الله) (^٥).\nوقد ثبت في حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"أن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا عطس فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته .. \" الحديث (^٦)؛ لأن العطاس دليل النشاط، والتثاؤب دليل الكسل، وقد\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٦٦).\n(^٢) \"الفتوحات الربانية\" (٦/ ٧).\n(^٣) \"الفتوحات الربانية\" (٦/ ١٤).\n(^٤) \"زاد المعاد\" (٢/ ٤٣٨).\n(^٥) \"الآداب الشرعية\" (٢/ ٣٣٤).\n(^٦) رواه البخاري (٦٢٢٣).","vol":"10","page":48},{"text":"نقل النووي الاتفاق على أن الحمد على العطاس مستحب (^١)، وقال شارح \"الأدب المفرد\": (ظاهر الأمر الوجوب، ولكن لم يقل به أحد) (^٢).\nوصفة الحمد: الحمد لله، أو الحمد لله رب العالمين، أو الحمد لله على كل حال، والصيغة الأولى هي الثابتة في \"الصحيحين\" وما عداها فالظاهر أنه شاذ (^٣)، على أن ابن بطال قد ذكر اختلاف السلف في ذلك، وذكر أن كل صيغة قال بها طائفة (^٤)، وصحح النووي أن العاطس مخير (^٥).\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من سمع العاطس يحمد الله فإنه مأمور بأن يقول له: يرحمك الله، قال ابن دقيق العيد: (ظاهر الأمر الوجوب) (^٦)، ويؤيد هذا قوله - ﷺ -: \"فحق على كل مسلم أن يشمته\" فوصفه بأنه حق، وأتى بـ (على) الظاهرة في الوجوب، وقد قال بالوجوب العينيِّ الظاهرية (^٧)، وبعض المالكية (^٨)، ومنهم ابن العربي، قال ابن القيم: (وهو الصواب للأحاديث الصريحة الظاهرة في الوجوب من غير معارض) (^٩).\nوالقول الثاني: أن تشميت العاطس فرض كفاية كرد السلام، وهذا قول الحنفية والحنابلة، ورجحه ابن رشد، وقال الحافظ ابن حجر: (وهو الراجح من حيث الدليل) (^١٠).\nوالقول الثالث: أنه مستحب، وهو قول الشافعي (^١١)، وبعض المالكية، حملًا للأمر على الندب والأدب (^١٢).\n_________\n(^١) \"الأذكار\" ص (٤٣٣).\n(^٢) \"فضل الله الصمد\" (٢/ ٣٧٥).\n(^٣) \"الإرواء\" (٣/ ٢٤٥).\n(^٤) \"شرح صحيح البخاري\" (١٧/ ٣٦٧).\n(^٥) \"شرح صحيح مسلم\" (١٧/ ٣٣١).\n(^٦) انظر: \"إحكام الأحكام\" (٤/ ٤٩٢).\n(^٧) \"المحلى\" (٣/ ١٤٣).\n(^٨) \"بهجة النفوس\" (٤/ ١٨٧).\n(^٩) \"عارضة الأحوذي\" (١٠/ ٢٠٠)، \"مختصر تهذيب السنن\" (٧/ ٣١٢)، \"زاد المعاد\" (٢/ ٤٣٧).\n(^١٠) \"فتح الباري\" (١٠/ ٦٠٣). وانظر: \"الفتوحات الربانية\" (٦/ ١٦) فقد ذكر احتمال وقوع تردد عند ابن العربي، والذي في \"العارضة\" هو ما تقدم.\n(^١١) \"الأذكار\" ص (٤٣٤، ٤٣٥).\n(^١٢) \"شرح ابن بطال\" (٩/ ٣٦٧).","vol":"10","page":49},{"text":"والذي يظهر -والله أعلم- هو القول الأول، فإن الأحاديث ظاهرة في أن التشميت فرض عين على كل من سمع العاطس يحمد الله. ولا يجزئ تشميت الواحد عنهم، فإن قوله: (وليقل له أخوه. ..) أمر ورد في عموم المكلفين مخاطبًا به كل فرد منهم، ومثل هذا لا يسقط إلا بفعل الجميع (^١).\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه ينبغي للعاطس أن يكافئ من دعا له بالرحمة بأن يدعو له بالهداية وإصلاح البال.\n\n° الوجه السادس: ظاهر الحديث أن تشميت العاطس مشروع إذا قال: الحمد لله، وقد جاء هذا صريحًا في حديث أنس - ﵁ - قال: عطس رجلان عند النبي - ﷺ - فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر، فقال الرجل: يا رسول الله شمت هذا ولم تشمتني، قال: (إن هذا حمد الله ولم تحمد الله\" (^٢)، وقد بوّب عليه البخاري بقوله: (بَابٌ: لا يشمَّت العاطس إذا لم يحمد الله) (^٣).\nوعن أبي موسى - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه\" (^٤).\nوعلى هذا فإذا عطس ولم يحمد فإنه لا يشمت، لقوله: \"فلا تشتموه\" واختار هذا ابن العربي، وقد نقل ابن بطال الإجماع على ذلك (^٥)، قال الحافظ: (هو منطوقه، ولكن هل النهي فيه للتحريم أو للتنزيه؟ الجمهور على الثاني) (^٦).\nوفي هذا تعزير له وحرمان لبركة الدعاء لما حرم نفسه بركة الحمد (^٧).\nوالقول الثاني: أنه يُذكّر الحمد؛ لأن هذا من باب النصيحة والأمر بالمعروف والتعاون على البر والتقوى، واختار هذا النووي (^٨).\n_________\n(^١) زاد المعاد\" (٢/ ٤٣٧).\n(^٢) رواه البخاري (٦٢٢٥)، ومسلم (٢٩٩١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٦١٠).\n(^٤) رواه مسلم (٢٩٩٢).\n(^٥) شرح ابن بطال\" (٩/ ٣٦٥)، \"عارضة الأحوذي\" (١٠/ ٢٠٤).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١٠/ ٦١٠).\n(^٧) \"زاد المعاد\" (٢/ ٤٤٢).\n(^٨) \"الأذكار\" ص (٤٣٨).","vol":"10","page":50},{"text":"والصواب الأول، لقوة مأخذه، قال ابن القيم: (وظاهر السنّة يقوّي قول ابن العربي؛ لأن النبي - ﷺ - لم يشمت الذي عطس ولم يحمد الله، ولم يذكره … ولو كان تذكيره سنّة لكان النبي - ﷺ - أولى بفعلها وتعليمها والإعانة عليها) (^١). لكن لو أخبر فيما بعد بهذا الأدب النبوي من باب التعليم لكونه جاهلًا لكان أفضل، وقد روى أبو نُعيم بسنده عن ابن حميد قال: عطس رجل عند ابن المبارك فلم يحمد الله، فقال ابن المبارك: إيش يقول العاطس إذا عطس؟ قال: يقول: الحمد لله، فقال له: يرحمك الله (^٢).\nفإن حمد الله ولم يسمعه الإنسان فإنه لا يشمته، فإن كانوا جماعة فسمعه بعضهم دون بعض فمن أهل العلم من قال: يشمته من سمعه دون غيره؛ لأنه لم يسمعه، ورجح هذا النووي (^٣)، وقال آخرون: يشمتونه؛ لأنهم عرفوا عطاسه وحمده بتشميت غيره، ورجح هذا ابن العربي، واستظهره ابن القيم فقال: (والأظهر أنه يشمته إذا تحقق أنه حمد الله، وليس المقصود سماع المشمت للحمد، وإنما المقصود نفس حمده، فمتى تحقق ترتب عليه التشميت، كما لو كان المشمَّتُ أخرسَ ورأى حركة شفتيه بالحمد، والنبي - ﷺ - قال: فإن حمد الله فشمتوه\"، هذا هو الصواب) (^٤). لكن قد يرد على كلام ابن القيم أمران:\nالأول: أن تنظيره بالأخرس فيه نظر؛ لأن الأخرس قامت إشارته مقام عبارته لعجزه عن النطق، بخلاف الناطق فإنه قادر على الكلام، فاعتبر في حق المشمت سماع حمده حتى يشمته (^٥).\nالثاني: أنه قد يكون مَنْ عند العاطس جهلة لا يفرقون في التشميت بين الحامد وغيره، والتشميت متوقف على من علم أنه حَمِدَ، فيمتنع تشميت من لم يُسمع حَمْدُهُ ولو شمته من عنده؛ لأنه لا يَعْلَمُ هل حمد أو لا (^٦).\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (٢/ ٤٤٢).\n(^٢) \"الحلية\" (٨/ ١٧٠).\n(^٣) \"الأذكار\" ص (٤٣٨).\n(^٤) انظر: \"العارضة\" (١٠/ ٢٠٠)، \"زاد المعاد\" (٢/ ٤٤٢).\n(^٥) \"الفتوحات الربانية\" (٦/ ٢٦).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١٠/ ٦١٠).","vol":"10","page":51},{"text":"° الوجه السابع: استدل العلماء بقوله بقوله - ﷺ -: \"وليقل أخوه: يرحمك الله\" على أن الكافر إذا عطس وحمد فإنه لا يدعى له بالرحمة، وإنما يقال له: يهديكم الله ويصلح بالكم، لما ورد في حديث أبي موسى - ﵁ - قال: كان اليهود يتعاطسون عند النبي - ﷺ - يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله، فيقول: \"يهديكم الله ويصلح بالكم\" (^١).\n\n° الوجه الثامن: لم يبين في هذا الحديث الحد الذي ينتهي إليه تشميت العاطس، وقد دلّت السنّة أنه يُشَمَّتُ مرة واحدة، فإن زاد عطاسه عن ذلك لم يشمت، وقد ورد في هذا حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - أنه سمع النبي - ﷺ - وعطس رجل عنده فقال: \"يرحمك الله\" ثم عطس أخرى، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"الرجل مزكوم\" (^٢). والمعنى: أنك لست ممن يُشمت بعد هذا؛ لأن هذا الذي بك زكام ومرض، لا خفة العطاس (^٣). وظاهر هذا أن العاطس لا يشمت إلا في الأولى، وفي الثانية يقال له: (أنت مزكوم)، وقد حكى ابن العربي القول بهذا عن بعض العلماء. قال ابن القيم: (وقوله: \"الرجل مزكوم\" تنبيه على الدعاء له بالعافية؛ لأن الزكمة علة، وفيه اعتذار عن ترك تشميته بعد الثلاث، وفيه تنبيه له على هذه العلة ليتداركها ولا يهملها فيصعب أمرها، فكلامه - ﷺ - كله حكمة ورحمة وعلم وهدى) (^٤).\nوقد روى أبو داود بسنده عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة - ﵁ - قال سعيد: لا أعلمه إلا أنه رفع الحديث إلى النبي - ﷺ - أنه قال: \"يُشَمَّتُ المسلم إذا عطس ثلاث مرات، فإن زاد فهو زكام\" (^٥). وظاهر\n_________\n(^١) رواه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٩٤٠)، وأبو داود (٥٠٣٨)، والترمذي (٢٧٣٩)، وأحمد (٤/ ٤٠٠). وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).\n(^٢) رواه مسلم (٢٩٩٣).\n(^٣) انظر: \"العارضة\" (١٠/ ٢٠١)، \"الفتوحات الربانية\" (٦/ ٢٥).\n(^٤) \"زاد المعاد\" (٢/ ٤٤١).\n(^٥) رواه أبو داود (٥٠٣٥)، ومن طريقه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٧/ ٣٢٧)، ورواه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٩٤٢) موقوفًا، وكذا رواه أبو داود (٥٠٣٤) من هذا =","vol":"10","page":52},{"text":"هذا أنه يشمت إلى الثلاث. قال ابن عبد البر: (وهي زيادة يجب قبولها، والقول بها أولى). وقد حكى ابن العربي القول بهذا عن بعض العلماء، واختار هذا القول، كما اختاره النووي من بعده.\nوقد ذكر ابن مفلح أنه لا يشمت أكثر من ثلاث مرات، وقال: (هذا هو المنصوص عن الإمام أحمد ومالك وغيرهم) (^١). وقال صالح بن أحمد لأبيه: تشمت العاطس في مجلسه ثلاثًا؟ قال: أكثر ما فيه ثلاث. ومثله نقله البغوي عن إبراهيم النخعي، والحسن البصري (^٢).\n\n° الوجه التاسع: ينبغي للعاطس أن يخفض صوته بالعطاس ولا يرفعه؛ لئلا يزعج أعضاءه، وعليه أن يغطي فمه ووجهه بيده أو بثوبه، أو بأي شيء آخر عند العطاس، لئلا يخرج من فمه شيء يؤذي جليسه أو يقع على ثوبه أو على طعام إن كان بحضرة طعام، أو يخرج منه شيء يفحش منظره؛ لأنه لا يملك نفسه عن العطاس، فلا يأمن ما يخرج منه. وقد ورد عن أبي هريرة - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا عطس وضع يده، أو ثوبه على جبهته، وخفض -أو غضَّ- من صوته (^٣).\nوعليه أن يحذر أن يلوي عنقه يمينًا أو شمالًا صيانة لجليسه؛ لأنه قد يتضرر بذلك، فإنه لا يأمن الالتواء (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n= الوجه موقوفًا، ولما ذكر الدارقطني الاختلاف فيه قال: (والموقوف أشبه). انظر: \"العلل\" للدارقطني (١٠/ ٣٦٥)، وقارنه بما في \"العلل\" لابن أبي حاتم (٢٣٧٦).\n(^١) \"الآداب الشرعية\" (٢/ ٣٥٣).\n(^٢) \"شرح السنّة\" (١٢/ ٢١٤).\n(^٣) رواه أبو داود (٥٠٢٩)، والترمذي (٢٧٤٥)، وأحمد (١٥/ ٤١٢) من طريق محمد بن عجلان، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا. قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).\n(^٤) انظر: \"عارضة الأحوذي\" (١٠/ ٢٠٥).","vol":"10","page":53},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1246>ما جاء في الشرب قائمًا</span>\n١٤٥٧/ ١١ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الأشربة\"، باب (كراهية الشرب قائمًا) (٢٠٢٦) من طريق عمر بن حمزة، أخبرني أبو غطفان المرِّي أنه سمع أبا هريرة - ﵁ - يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يشربن أحد منكم قائمًا فمن نسي فليستقئ.\nوعمر بن حمزة -وهو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب- وإن احتج به مسلم فقد تكلم فيه الأئمة، فقال عنه الإمام أحمد فيما نقله ابنه عبد الله: (أحاديثه أحاديث مناكير) (^١)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وضعفه ابن معين في رواية، وقال في أخرى: (صالح ليس بذاك)، وقال ابن عدي: (يكتب حديثه)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٢) وقال: (كان ممن يخطئ)، وقال الحاكم: (حديثه مستقيم) (^٣)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (ضعيف).\nوقد ذهب أبو الوليد الباجي إلى تضعيف الحديث فقال: (هذا الحديث رواه عمر بن حمزة، ولا يحتمل مثل هذا) (^٤)، وتبعه على هذا القاضي عياض فقال: (لم يدخل مالك في \"موطئه\" ولا البخاري في \"صحيحه\" أحاديث النهي\n_________\n(^١) \"العلل\" (٢/ ٥٠٦).\n(^٢) (٧/ ١٦٨).\n(^٣) \"تهذيب الكمال\" (٢١/ ٣١١).\n(^٤) \"المنتقى\" (٧/ ٢٣٧).","vol":"10","page":54},{"text":"عن الشرب قائمًا، فأدخلا إباحة ذلك من الأحاديث والأثار؛ إذ لم يصح عندهم النهي عن ذلك، والله أعلم (^١).\nوذهب آخرون إلى تصحيح الحديث، ومنهم النووي، والحافظ ابن حجر، فإنه قال في رده على القاضي عياض: (وأما تضعيفه لحديث أبي هريرة بعمر بن حمزة فهو مختلف في توثيقه، ومثله يخرج له مسلم في المتابعات، وقد تابعه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لو يعلم الذي يشرب وهو قائم ما في بطنه لاستقاء\" رواه أحمد، فالحديث بمجموع طرقه صحيح، والله أعلم) (^٢).\nلكن هذا الحديث من رواية معمر، عن الأعمش، وقد تفرد به، وهو كوفي، ورواية معمر عن أهل العراق تُكُلِّمَ فيها، فقد قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: (إذا حدثك معمر عن العراقيين فَخَفْهُ، إلا عن الزهري وابن طاوس، فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة والبصرة فلا، وما عمل في حديث الأعمش شيئًا) (^٣).\nقال الباجي: (والذي يظهر لي أن الصحيح من حديث أبي هريرة إنما هو موقوف عليه)، وتابعه القاضي عياض فنقل عن بعض الشيوخ أنه قال: (والأظهر من هذا موقوف على أبي هريرة).\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المسلم منهي عن أن يشرب وهو قائم، وقد حمل ابن حزم هذا النهي على التحريم فقال: (ولا يحل الشرب قائمًا …) (^٤)، ومال الصنعاني إلى هذا (^٥).\nوأما الجمهور فقد اختلفت كلمتهم في هذا الحديث وما في معناه،\n_________\n(^١) \"إكمال المعلم\" (٦/ ٤٩١). وفيه: (إذا لم يصح ..) ولعل الصواب ما أثبته. وانظر: \"حكم الشرب قائمًا\" للدكتور: سعد آل حُميِّد ص (١٥).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٨٣). وانظر: \"المسند\" (١٣/ ٢١٧).\n(^٣) \"تاريخ ابن أبي خيثمة\" (١/ ٣٢٥)، (٢/ ٢٥٦).\n(^٤) \"المحلى\" (٧/ ٥١٩).\n(^٥) \"سبل السلام\" (٨/ ١٩١).","vol":"10","page":55},{"text":"كحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - (^١) وما يأتي من حديث أنس - ﵁ -، وسبب ذلك أنه ورد أحاديث أخرى من السنّة الفعلية معارضة في ظاهرها لهذا النهي، ومنها حديث ابن عباس - ﵄ - قال: (شرب النبي - ﷺ - قائمًا من زمزم) (^٢). وعن النزال بن سَبْرة قال: أُتي عليٌّ - ﵁ - على باب الرحبة (^٣) بماء، فشرب قائمًا، فقال: (إن ناسًا يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإني رأيت رسول الله - ﷺ - فعل كما رأيتموني فعلت) (^٤). ومفاد ذلك جواز الشرب قائمًا، وهذا من تعارض القول والفعل عند الأصوليين.\nفمن أهل العلم من ذهب إلى النسخ، وأن أحاديث جواز الشرب قائمًا ناسخة لأحاديث النهي، بقرينة عمل بعض الصحابة من الخلفاء الراشدين وغيرهم (^٥) - ﵃ - وكذا من جاء بعدهم من التابعين بالجواز، وهذا رأي الأثرم وابن شاهين، وقد عكس ذلك ابن حزم، فادعى أن أحاديث النهي ناسخة لأحاديث الجواز متمسكًا بأن الجواز على البراءة الأصلية، وأحاديث النهي ناقلة عن البراءة مقررة لحكم الشرع (^٦)، وهذا مسلك ضعيف، فإن النسخ لا يُصار إليه مع إمكان الجمع ولو ثبت التاريخ، ولهذا عدَّ النووي القول بالنسخ غلطًا فاحشًا (^٧).\nوذهب آخرون إلى أن أحاديث الجواز خاصة بالنبي - ﷺ -؛ لأنها فعل، وأحاديث النهي عامة للأمة؛ لأنها قول، وهذا مسلك ضعيف أيضًا؛ لأن فعل علي - ﵁ - ينفي الخصوصية.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٠٢٥).\n(^٢) رواه البخاري (٥٦١٧)، ومسلم (٢٠٢٧) (١١٧).\n(^٣) بفتح الراء والمهملة الموحدة: المكان المتسع، والمراد هنا: رحبة الكوفة. \"فتح الباري\" (١٠/ ٨١).\n(^٤) رواه البخاري (٥٦١٥).\n(^٥) انظر: \"الموطأ (٢/ ٩٢٥ - ٩٢٦)، \"فتح الباري\" (١٠/ ٨٤)، \"حكم الشرب قائمًا ص (٧١).\n(^٦) انظر: \"تاريخ الحديث ومنسوخه\" للأثرم ص (٢٣٠)، \"الناسخ والمنسوخ من الحديث\" لابن شاهين، ص (٤٢٣ - ٤٢٤)، \"المحلى\" (٧/ ٥١٩).\n(^٧) \"شرح صحيح مسلم\" (١٣/ ٢٠٧).","vol":"10","page":56},{"text":"وذهب فريق ثالث إلى الجمع بين الأدلة، وهو أن أحاديث النهي محمولة على التنزيه، فهي نهي أدب وإرشاد حتى يكون تناول الماء على سكون وطمأنينة، وأحاديث شربه - ﷺ - قائمًا محمولة على الجواز، ولا يكون ذلك مكروهًا في حقه - ﷺ - أصلًا؛ لأنه - ﷺ - فعله لبيان الجواز، والبيان واجب عليه - ﷺ -، وهذا قول الخطابي وابن جرير وابن بطال والنووي وآخرين (^١)، وهذا هو الصواب؛ لأن فيه عملًا بالأحاديث كلها.\nوقد ذكر ابن القيم أن أكثر شربه - ﷺ - كان وهو قاعد، فينبغي للمسلم أن يحرص على ما كان هديًا معتادًا للنبي - ﷺ -، فإنه هو الأفضل وهو الأكمل، فإن شرب قائمًا أحيانًا أو لحاجة فلا بأس إن شاء الله.\nوأما الأكل قائمًا فلم يثبت فيه نهي، لكن ورد في حديث قتادة، عن أنس - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه نهى أن يشرب الرجل قائمًا. قال قتادة: فقلنا: فالأكل؟ فقال: ذاك أَشَرُّ أو أخبث (^٢).\nوالمعنى إنه إذا نُهي عن الشرب قائمًا فالأكل من باب أولى؛ ولعل ذلك لطول زمن الأكل بالنسبة لزمن الشرب (^٣)، والنهي فيه ليس للتحريم، بل هو لكراهة التنزيه (^٤) بدليل حديث ابن عمر - ﵁ - قال: كنا نأكل على عهد رسول الله - ﷺ - ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام (^٥).\n_________\n(^١) انظر: \"معالم السنن\" (٥/ ٢٨١)، \"شرح ابن بطال\" (٦/ ٧٢).\n(^٢) رواه مسلم (١٠٢٤) (١١٣).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٨٢).\n(^٤) انظر: \"تحفة الأحوذي\" (٦/ ٤).\n(^٥) رواه الترمذي (١٨٨٠) في \"جامعه\" وفي \"العلل الكبير\" (٢/ ٧٩١)، وابن ماجه (٣٣٠١)، وابن أبي شيبة (٧/ ١٨ - ١٨) ومن طريقه عبد الله ابن الإمام أحمد في \"زوائده\" (١٠/ ١١٣) من طريق حفص بن غياث، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -. قال الترمذي: (حديث حسن صحيح غريب) وقد نقل النووي تصحيح الترمذي في \"رياض الصالحين\" ص (٣٠٦) وأقره.\nوالحديث أعله كبار الحفاظ كابن معين وابن المديني وأحمد والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم، ورأى بعضهم أن حفص بن غياث وهم فيه، والصواب فيه حديث عمران بن حدير، عن أبي البَزَرَى يزيد بن عطارد، عن ابن عمر - ﵄ - رواه أحمد =","vol":"10","page":57},{"text":"° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من شرب قائمًا واستطاع أن يقيء فليفعل، والأمر فيه محمول على الاستحباب لا على الوجوب، وقد نقل القاضي عياض -كما تقدم- أنه لا خلاف بين أهل العلم أن من شرب قائمًا ليس عليه أن يتقيأ، وكون أهل العلم لم يوجبوا الاستقاء لا يمنع ثبوت الاستحباب، وذكر الناسي في الحديث من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه إذا أُمر الناسي بالاستقاء وهو غير مخاطب، فالعامد المخاطب المكلف أولى، وكل هذا مبني على ثبوت الحديث، وقد تقدم الكلام فيه، يقول الشيخ عبد العزيز بن باز: (الظاهر -والله أعلم- أن هذا منسوخ؛ لأن الرسول - ﷺ - شرب قائمًا مرات كثيرة ولم يستقئ، وهو - ﵊ - أكثر الناس امتثالًا، فلعله منسوخ، أو وَهْمٌ من بعض الرواة) (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n= (٨/ ٢٠٨) وغيره، وهذا سند ضعيف، يزيد بن عطارد قال عنه أبو حاتم: (لا أعلم روى عنه غير عمران بن حدير، وليس ممن يحتج بحديثه) وعلى هذا فهو مجهول، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ٥٤٧) انظر: \"التاريخ الكبير\" (١/ ١٦٥)، \"الجرح والتعديل\" (٩/ ٢٨١)، \"العلل\" لابن أبي حاتم (١٥٠٠)، \"سؤالات الآجري لأبي داود\" (٥٨٠)، \"تاريخ بغداد\" (٨/ ١٩٥ - ١٩٦).\n(^١) \"الفوائد العلمية من الدروس البازية\" (٣/ ١٢٥).","vol":"10","page":58},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1247>ما جاء في صفة الانتعال</span>\n١٤٥٨/ ١٢ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ، فإذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشَّمَالِ، وَلْتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ، وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ\".\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث ذكر الحافظ من رواه مع الحديث الذي يليه، وقد رواه البخاري في كتاب \"اللباس\"، باب (ينزع نعله اليسرى) (٥٨٥٦)، ومسلم (٢٠٩٧) (٦٨) من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، ولتكن اليمنى أولهما تنعل، وآخرهما تنزع\" وهذا لفظ البخاري.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا انتعل أحدكم) أي: لبس النعل، يقال: تنعَّل وانتعل: لبس نعله.\n\nقوله: (فإذا نزع) لفظ البخاري: (وإذا نزع)، وفي رواية عند مسلم: (وإذا خلع) أي: أراد خلع النعل.\n\nقوله: (ولتكن اليمنى) جملة مستأنفة فيها معنى التأكيد لما قبلها، أو أنها إجمال لما تقدم.\n\nقوله: (أولَهما تنعل) بضم التاء، والانتعال: لبس النعل، كما مرَّ،","vol":"10","page":59},{"text":"وجملة (تنعل) في محل نصب خبر (تكن)، وقوله: (أولهما) بالنصب ظرف لقوله: (تنعل)، و(آخرهما) بالنصب ظرف لقوله: (تنزع).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب البدء بالرَّجل اليمنى عند لبس النعل وتأخير لبس الرجل اليسرى، وذلك لأن لبس النعل كرامة للرجل والرِّجل اليمنى أحق بذلك؛ لأن السنّة استحباب الابتداء باليمين في كل ما كان من باب التكريم والزينة والنظافة.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب البدء بخلع نعل الرِّجل اليسرى وتأخير خلع اليمنى؛ لأن بقاء الرِّجل في النعل كرامة، وتقدم أنها أحق بها؛ لأن السنّة استحباب البداءة باليسار في كل ما هو ضد التكريم.\nوقد نقل القاضي عياض وغيره الإجماع على أن الأمر في هذا الحديث للاستحباب والأدب (^١)، وقال ابن عبد البر: (من مشى في نعل واحد أو خف واحدة، أو بدأ في انتعاله بشماله فقد أساء وخالف السنّة، وبئس ما صنع إذا كان بالنهي عالمًا، ولا يحرم عليه مع ذلك لُبْسُ نعله ولا خفّه، ولكن لا ينبغي له أن يعود، فالبركة والخير في اتباع أدب رسول الله وامتثال أمره - ﷺ -\" (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"إكمال المعلم\" (٦/ ٦١٦).\n(^٢) \"التمهيد\" (١٨/ ١٨٢).","vol":"10","page":60},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1248>النهي عن المشي في نعل واحدة</span>\n١٤٥٩/ ١٣ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَلْيَنْعَلْهُمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِمَا.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"اللباس\"، باب (لا يمشي في نعل واحدة\" (٥٨٥٥)، ومسلم (٢٠٩٧) (٦٨) من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يمشِ أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعًا … \" الحديث. وهذا لفظ مسلم.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا يمشِ) المضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الياء.\n\nقوله: (في نعل واحدة) النعل: مؤنثة بدليل وصفها بالمؤنث، قال ابن سيده: (النعل والنعلة: ما وَقَيْتَ به القدم من الأرض) (^١) وقال ابن الأثير: (هي التي تلبس في المشي، تسمى الآن تاسومة) (^٢)، وهذا أخص من الأول؛ لأن ابن سيده أطلق النعل على كل ما تُوقَى به القدم.\n\nقوله: (ولينعلهما) لفظ مسلم في النسخ المطبوعة بدون واو، والضمير يعود على النعلين، وقيل: على القدمين وإن لم يجر لهما ذكر؛ لأنه تقدم ذكر ما يدل عليهما وهو النعل، وهذا مشهور في لغة العرب، وهو ألا يذكر مرجع\n_________\n(^١) \"النهاية\" (٥/ ٨٢).\n(^٢) \"المحكم\" (٢/ ١١٤).","vol":"10","page":61},{"text":"للضمير، وإنما يكون ما سبق من الكلام متضمنًا له؛ كقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] فالضمير ﴿هُوَ﴾ يعود على العدل الذي تضمنه لفظ ﴿اعْدِلُوا﴾، وعود الضمير على النعلين أرجح بدليل رواية مسلم: (أو ليخلعهما) ولأنه يقال: نَعَلَ وانتعل، كما حكاه الجوهري (^١)، وعلى هذا فالضمير يعود على مذكور.\nوالفعل (ينعل) يجوز فيه ضم الياء من أنعل الرباعي، ويجوز فتحها من نعل الثلاثي، يقال: أنعل رجله ونَعَلَها: إذا ألبسها نعلًا، وهذا إن كان الضمير يعود للقدمين، فإن عاد على النعلين تعين فتح الياء (^٢)، يقال: نَعَلَ يَنْعَلُ من باب فتح: لَبِسَ النعل، وقد ذكر القاضي عياض أن هذه اللفظة بالفتح (^٣)، وهذا أحسن لقوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيكَ﴾ [طه: ١٢] ولقوله في الحديث: \"وليخلعهما\" فيكون معنى (ليَنْعلهما جميعًا) يلبس نعلهما جميعًا.\n\nقوله: (جميعًا) حال؛ أي: في آن واحد فلا يمشي في نعل واحدة.\n\nقوله: (أو ليخلعهما) أي: النعلين، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: (لِيُحْفِهِمَا أو لِيُنْعِلْهما جميعًا) وهي بالحاء المهملة والفاء من الحفاء، يقال: حَفِيَ الرِجل يَحْفَى من باب تعب حفاءً: إذا مشى بغير نعل ولا خف (^٤). قال النووي: (وكلاهما صحيح، ورواية البخاري أحسن) (^٥).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المسلم منهي عن أن يمشي بنعل واحدة أو خف واحد، بل يخلعهما جميعًا أو يلبسهما جميعًا، وهذا النهي وإن كان ظاهره التحريم لكنه محمول عند الجمهور على كراهة التنزيه، بل نقل فيه الإجماع غير واحد منهم النووي (^٦)؛ لأنه من باب الأدب والإرشاد، وخالف فيه ابن حزم الظاهري فقال: (ولا يحل المشي في خف واحد ولا نعل واحدة) (^٧) ومال الصنعاني إلى هذا (^٨).\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (٥/ ١٨٣١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٣١١).\n(^٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١١٧).\n(^٤) \"المصباح المنير\" ص (١٤٣).\n(^٥) \"شرح صحيح مسلم\" (١٣/ ٣١٩).\n(^٦) \"شرح صحيح مسلم\" (١٣/ ٣٢٠).\n(^٧) انظر: \"سبل السلام\" (٨/ ١٩٤).\n(^٨) انظر: \"المصدر السابق.","vol":"10","page":62},{"text":"وقد اختلفوا في علة هذا النهي، فقيل: لأن النعال شرعت لوقاية الرِّجل عما في الأرض من شوك أو حجر أو حرارة ونحو ذلك، فإذا انفردت إحدى الرجلين بالنعل احتاج الماشي أن يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى، فيخرج بذلك عن سجية مشيته، ولا يأمن مع ذلك العِثَار، وقيل: لأن هذا من باب العدل بين الجوارح، وقيل: لئلا يكون من باب الشهرة فترفع إليه الأبصار، وقيل: لئلا ينسب إلى اختلال الرأي وضعفه (^١)، وقيل: لأنها مشية الشيطان، وقد ورد في هذه العلة حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الشيطان يمشي بالنعل الواحدة\" (^٢). وقيل غير ذلك.\n\n° الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن هذا النهي مخصوص بحالة المشي، بخلاف ما لو وقف أو جلس وعليه نعل واحدة، وذلك لانتفاء المفاسد المذكورة أو بعضها، وقيل: ذِكْرُ المشي تمثيل، فالوقوف والجلوس كذلك لا سيما وأن النعل زينة، فيكون فيه تزيين إحدى الرجلين دون الأخرى (^٣)، وهذا ليس من العدل. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"أعلام الحديث\" (٣/ ٢١٤٩)، \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٠٩، ٣١٠).\n(^٢) رواه الطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (٣/ ٣٨٦ - ٣٨٧). وانظر: \"الصحيحة\" رقم (٣٤٨).\n(^٣) \"طرح التثريب\" (٨/ ١٣٨).","vol":"10","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1249>ما جاء من الوعيد فيمن جرّ ثوبه خيلاء</span>\n١٤٦٠/ ١٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَنْظُرُ اللهُ إلى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في أول كتاب \"اللباس\"، باب (قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢]) (٥٧٨٣)، ومسلم (٢٠٨٥) (٤٢) من طريق مالك، عن نافع وعبد الله بن دينار وزيد بن أسلم يخبرونه عن ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\nورواه البخاري (٣٦٦٥) من طريق موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من جَرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة\" فقال أبو بكر: إنَّ أحد شِقَّيْ ثوبي يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه. فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنك لست تصنع ذلك خيلاء\". ورواه مسلم بهذا التقييد (٢٠٨٥) (٤٤) وليس فيه: فقال أبو بكر.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا ينظر الله) أي: لا ينظر الله يوم القيامة نظر رحمة ولطف وإحسان، وهذا إثبات لأصل النظر وقَصْرٌ للنفي على نوع منه؛ لأن الله تعالى لا يحجب بصره شيء أبدًا في أي وقت كان، وتقدم هذا في باب \"الدعاوى\".\nوقد جاء الحديث -كما تقدم- من طريق سالم بن عبد الله، عن أبيه وفيه: (يوم القيامة) ولعل التقييد به؛ لأن يوم القيامة هو محل نظر الرحمة","vol":"10","page":64},{"text":"العظيمة المستمرة التي لا تنقطع، بخلاف رحمة الدنيا فقد تنقطع ويأتي ما يخالفها (^١).\n\nقوله: (إلى مَنْ جَرَّ ثوبه) كناية عن إطالة الثوب وإسباله؛ لأنه إذا أطاله مسَّ الأرض وإذا مشى جرّه، ويدل لهذا قوله - ﷺ -: \"ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار\" (^٢).\nومَنْ: صيغة عموم، تتناول الرجال والنساء في هذا الوعيد، وقد فهمت ذلك أم سلمة -﵄-، فقد روى الترمذي والنسائي هذا الحديث من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر وزادا: فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال: \"يرخينه شبرًا\" فقالت: إذن تنكشف أقدامهن، قال: \"فيرخينه ذراعًا ولا يزدن عليه\" (^٣)، وقد روى مسلم حديث ابن عمر من طريق أيوب، عن نافع، وكأنه أعرض عن هذه الزيادة للاختلاف فيها على نافع (^٤).\n\nقوله: (خيلاء) بضم الخاء المعجمة وكسرها مع فتح الياء فيهما والمد، هو البطر والكبر والإعجاب، يقال: خال الرجل خالًا واختال اختيالًا: إذا تكبر، وكأنه مأخوذ من التخيل وهو الظن؛ لأن المختال يظن أنه بصفة عظيمة بلباسه أو مركبه أو نحو ذلك (^٥).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم جر الإزار خيلاء وكبرًا وإعجابًا، وأن هذا من كبائر الذنوب (^٦)، لثبوت الوعيد عليه بأن الله تعالى لا ينظر لفاعله يوم القيامة؛ وذلك لأنه اجتمع في حقه أمران: الإسبال، والتكبر، ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك، إلا ما اسْتُثْني من الحرب أو ثَمَّ حاجة تدعو إليه من مرض أو غيره (^٧).\n_________\n(^١) \"طرح التثريب\" (٨/ ١٧١).\n(^٢) رواه البخاري (٥٧٨٧).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٧٣١)، \"سنن النسائي\" (٨/ ٢٠٩). قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٥٩).\n(^٥) \"طرح التثريب\" (٨/ ١٧١).\n(^٦) \"الكبائر\" للذهبي ص (٧٦).\n(^٧) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٥٧).","vol":"10","page":65},{"text":"وهذا حكم عام في الثياب والعباءات والسراويل وغيرها، وقد روى البخاري من طريق شعبة قال: لقيت محارب بن دِثَار على فرس … فسألته عن هذا الحديث، وفيه: فقلت لمحارب: أَذَكَرَ إزاره؟ قال: ما خصَّ إزارًا ولا قميصًا (^١). ومقصوده أن التعبير بالثوب يشمل الإزار وغيره، وإنما جاء الحديث بلفظ الإزار؛ لأنه كان غالب لباس القوم في ذلك الوقت، فلما لبس الناس القميص ونحوه كان حكمه حكم الإزار في النهي، والخطاب إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له كما هو مقرر في الأصول، وثَمَّ أمر آخر لتخصيص الإزار وهو كون الإزار يسترخي بسبب الحركة والمشي، فينزل إلى المرتبة المحذورة، بخلاف القميص فإنه لا يسترخي، إلا إذا كان من أصله طويلًا.\nوأما الإسبال لغير الخيلاء وإنما يفعله الإنسان مجاراةً لهواه، أو للمجتمع الذي يعيش فيه، أو تساهلًا، فهو موضع خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال بتحريمه، وهو رواية في مذهب الحنابلة، واختاره القاضي عياض، وابن العربي من المالكية، وإليه مال الحافظ ابن حجر (^٢)، وهو اختيار الشيخ الألباني، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين (^٣)، واستدلوا بحديث الباب وما جاء في معناه من الأدلة الدالة على تحريم الإسبال للخيلاء. وقالوا: إن التقييد بالخيلاء خرج مخرج الغالب، وما خرج مخرج الغالب لا يعمل بمفهومه، كما هو مقرر في الأصول، ولإن الإسبال يستلزم الخيلاء، لإنه يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء، قال ابن العربي: إلا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه، ويقول: لا أجره خيلاء؛ لأن النهي قد تناوله لفظًا، ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكمًا أن يقول: لا أمتثله؛ لأن تلك العلة ليست فِيَّ؛ فإنها دعوى غير مسلمة، بل إطالته\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٥٧٩١).\n(^٢) انظر: \"عارضة الأحوذي\" (٧/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، \"إكمال المعلم\" (٦/ ٦٠١)، \"الآداب الشرعية\" (٣/ ٥٢١)، \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٥٩)، \"الإنصاف\" (١/ ٤٧٢).\n(^٣) انظر: \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" رقم (٢٦٨٢)، \"فتاوى ابن باز\" (٦/ ٤٨٣)، \"فتاوى إسلامية\" (٤/ ٢٣٥)، \"شرح رياض الصالحين\" (٤/ ٢٨٧).","vol":"10","page":66},{"text":"ذيله دالة على تكبره) (^١).\nكما استدلوا بالأحاديث التي ورد فيها الوعيد الشديد على الإسبال من غير تفريق بين الخيلاء وغيرها، ومنها: ما تقدم من قوله - ﷺ -: \"ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار\" فثبت فيه الوعيد بهذه العقوبة العظيمة، من غير تفريق بين الخيلاء وغيرها، وهذا يدل على تعذيب هذا الجزء من البدن بالنار، وهو ما نزل من الكعب، وهو نظير قوله - ﷺ -: \"ويل للأعقاب من النار\" (^٢).\nوذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الإسبال إذا لم يكن للخيلاء فهو مكروه كراهة تنزيه لا كراهة تحريم (^٣)، واستدلواء بحديث الباب من وجهين:\nالأول: أن هذا الوعيد مقيد بالخيلاء، ومفهومه أنه إن تجرد الإسبال عن الخيلاء لم يثبت فيه الوعيد، ولا يصل إلى درجة التحريم، وتكون الأدلة المطلقة محمولة على المقيدة.\nوالوجه الثاني: أن قول النبي - ﷺ - لأبي بكر - ﵁ -: \"إنك لست تصنع ذلك خيلاء\" دليل على أن الإسبال قد يكون للخيلاء وقد يكون لغيرها، وإذا كان لغيرها فليس داخلًا في الوعيد.\nوالقول الأول أرجح، لقوة مأخذه، ثم إن في البعد عن الإسبال احتياطًا للنفس والدين، وبعدًا عن موجبات العقوبة، وملازمة لسنة النبي - ﷺ - في اللباس (^٤).\nومما يؤيد هذا الاختيار ما تقدم من قول أم سلمة - ﵂ -: (فكيف تصنع النساء بذيولهن؟) فهذا يدل على أن أم سلمة - ﵂ - فهمت الزجر عن الإسبال\n_________\n(^١) \"عارضة الأحوذي\" (٧/ ٢٣٨). وانظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٦٤).\n(^٢) رواه البخاري (٦٠)، ومسلم (٢٤١)، انظر: \"أعلام الحديث\" (٣/ ٢١٤٤).\n(^٣) انظر: \"الفتاوى الهندية\" (٥/ ٣٣٣)، \"المنتقى\" للباجي (٧/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، \"المجموع\" (٤/ ٤٥٤)، \"روضة الطالبين\" (٥٧٥ - ٥٧٦)، \"الإنصاف\" (١/ ٤٧٢).\n(^٤) انظر: \"لباس الرجل، أحكامه وضوابطه\" (١/ ٧٠٣ - ٧٣٠).","vol":"10","page":67},{"text":"مطلقًا، سواء للخيلاء أم لا، فسألت عن حكم النساء، ولو فهمت أن التحريم مختص بالخيلاء لما سألت عن حكنم النساء في جر ذيولهن لستر أقدامهن.\nوما يؤيد هذا -أيضًا- قوله - ﷺ - لبعض أصحابه: \"وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة … \" (^١) فجعل النبي - ﷺ - الإسبال كله من المخيلة.\nوأما قولهم: إن الأدلة الناهية عن الإسبال مطلقًا محمولة على الأدلة المقيدة للتحريم بالخيلاء، فمؤدى هذا حمل المطلق على المقيد، وهذا فيه نظر؛ لأن الأحاديث في هذا الباب ليست من باب حمل المطلق على المقيد؛ لإن الإسبال إن قصد به الخيلاء فعقوبته أن الله تعالى لا ينظر إلى فاعله يوم القيامة، وإن لم يقصد به الخيلاء فعقوبته أن الله تعالى يعذب فاعله بالنار بقدر ما نزل من الكعبين، وعلى هذا فهما عملان مختلفان، رتب عليهما عقوبتان مختلفتان، ومن شرط حمل المطلق على المقيد الاتفاق في الحكم والسبب أو في الحكم فقط دون السبب، وهنا قد اختلف الحكم، فيمتنع الحمل (^٢).\nوأما الاستدلال بفعل أبي بكر - ﵁ - فهو مردود من وجوه عديدة، منها:\n١ - أن أبا بكر - ﵁ - لم يقصد الإسبال، وإنما كان أحد شقي إزاره يسترخي بغير اختياره، إذا تحرك بمشي أو غيره، وفرق بين من يرخي ثوبه قصدًا، ومن يسترخي ثوبه بلا قصد، فإن كان الثوب على قدر لابسه لكنه يسترخي بدون قصد لم يحرم، كالذي وقع من أبي بكر - ﵁ -، وإن كان الثوب زائدًا على قدر لابسه بأن نزل عن الكعبين فهذا هو المحرم.\n٢ - أن أبا بكر - ﵁ - حريص على إصلاح إزاره وتعاهده بحيث لا يدعه يتجاوز الكعبين، قال الحافظ ابن حجر: \"كأن شَدَّهُ كان ينحلُّ إذا تحرك بمشي\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٤٠٧٨)، والترمذي (٢٧٢٢)، وأحمد (٣٤/ ٢٣٤). وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٥٩)، \"فتاوى ابن عثيمين\" (١٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨)، \"فتاوى إسلامية\" (٤/ ٢٣٥).","vol":"10","page":68},{"text":"أو غيره بغير اختياره، فإذا كان محافظًا عليه لا يسترخي، لأنه كلما كاد يسترخي شَدَّهُ\" (^١).\n٣ - أن الحديث دليل على تحريم الإسبال؛ وأن المسلم لا يطيل ثوبه إلى ما دون الكعبين، وقد فهم أبو بكر - ﵁ - ذلك، فسأل النبي - ﷺ - عن حاله.\n٤ - أن النبي - ﷺ - شهد لأبي بكر - ﵁ - بأنه لا يفعل ذلك خيلاء، فمن يزعم أنه نال شهادة كهذه بعد أبي بكر - ﵁ -؟! لا سيما وقد نهى النبي - ﷺ - بعض الصحابة عن الإسبال مطلقًا، وبين أنه من المخيلة! مع أن بعضهم لم تخطر الخيلاء بباله، ولكن من الناس من يبحث عن المتشابه من النصوص؛ لعله يجد ما يشهد لفعله، والواجب رد المتشابه من النصوص إلى المحكم؛ ليتضح المراد (^٢).\nولا يجوز للرجل أن يسبل ثوبه؛ مجاراة لمجتمعه الذي يكثر فيه الإسبال، ويقول: هذه عادة المجتمع، وهذا هو العرف الذي سار عليه غالب الناس؛ فإن هذه علة باطلة؛ لأن العمل بالعرف له شروط وضوابط، ومنها: ألا يخالف دليلًا من أدلة الشرع أو قاعدة من قواعده، وقد نص علماء الأصول على أنه لا عبرة بالعرف مع وجود النص.\n\n° الوجه الرابع: تحريم الإسلام الإسبال مبني على حكم عظيمة، ومصالح جَمَّة، وفيه درء المفاسد عن الناس، ومن ذلك:\n١ - أن الإسبال مظنة الخيلاء وذريعة إليها، والوسائل لها أحكام المقاصد، وقد جاءت الشريعة بسد ذرائع المحرمات، يقول الحافظ ابن حجر: (إن الإسبال يستلزم جَرَّ الثوب، وجَرُّ الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصد اللابس الخيلاء، ويؤيده ما رواه ابن عمر مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - بقوله: \" … وإياك وجَرَّ الإزار، فإن جر الإزار من المَخِيلة\") (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٥٥).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٥٥)، \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" رقم (٢٦٨٢)، \"فتاوى ابن عثيمين\" (١٢/ ٣٠٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٦٤).","vol":"10","page":69},{"text":"٢ - أن الإسبال فيه تشبه بالنساء؛ لأن المرأة هي التي أمرت أن يكون لباسها أنزل من الكعبين لستر قدميها، كما تقدم في حديث أم سلمة - ﵂ -.\n٣ - أن الإسبال فيه إسراف؛ لأن هذا الجزء من الثوب لا داعي له، فيكون داخلًا في الإسراف الذي ثبت النهي عنه في الكتاب والسنّة، قال الحافظ ابن حجر: (إن كان الثوب زائدًا على قدر لابسه فهذا قد يتجه المنع فيه من جهة الإسراف، فينتهي إلى التحريم) (^١).\n٤ - أن المسبل لا يأمن تَعَلُّقَ النجاسة بثوبه؛ لأن الثوب إذا كَثُرت ملامسته الأرض لم يؤمن أن يعلق به شيء من الأوساخ والنجاسات.\n\n* الوجه الخامس: المستفاد من الأحاديث في موضوع لباس الرجل أن طول القميص وما في معناه أربعة أقسام:\n١ - السنّة: إلى نصف الساق (^٢).\n٢ - الرخصة: وهو ما نزل من نصف الساق إلى الكعب.\n٣ - كبيرة من كبائر الذنوب: ما نزل عن الكعبين بلا خيلاء.\n٤ - من جرّ ثوبه خيلاء وهو أشد من الذي قبله.\nوبهذا يتضح أنه لا حرج في نزول الثوب عن نصف الساق إلى ما فوق الكعبين (^٣)، بل إن من فعل مثل ذلك من باب تأليف القلوب، وترغيب من حوله في تقصير الثياب إلى هذا الحدِّ، قد يكون مأجورًا بهذه النية، خاصة إذا كان في مجتمع ينتشر فيه الإسبال، ويظن أهله أن الأمر إما تشمير إلى نصف الساق أو إسبال. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٦٣).\n(^٢) انظر: رسالة \"الفرق بين حدِّ الثوب والأزرة\" للشيخ بكر أبو زيد.\n(^٣) \"شرح رياض الصالحين\" (٤/ ٢٩٥، ٣١٣).","vol":"10","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1250>الأمر بالأكل باليمين والشرب بها</span>\n١٤٦١/ ١٤ - وَعَنْهُ - ﵁ -، أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وإذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِه، فَإن الشَّيطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ ويشْرَبُ بِشِمَالِهِ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الأشربة\"، باب (آداب الطعام والشراب وأحكامهما) (٢٠٢٠) من طريق الزهري، عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن جده ابن عمر -﵄-، أن رسول الله - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المؤمن مأمور بأن يأكل بيمينه وأن يشرب بيمينه، ومنهي عن الأكل أو الشرب بشماله؛ لأن هذا من عمل الشيطان، فهو الذي يأكل بشماله ويشرب بشماله؛ لأنه لاستقذاره وخساسته يستعمل الخسيس في النفيس (^١)، والرسول - ﷺ - علل هذا النهي بأن الشيطان يفعل ذلك، ومخالفة الشيطان أمر مقصود مأمور به (^٢). وقد نهينا عن اتباع الشيطان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ﴾ [النور: ٢١].\nوقد ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن الأكل والشرب باليمين مندوب؛ لأن النهي فيه من باب الأدب والإرشاد؛ ولأنه من باب تكريم اليمين\n_________\n(^١) \"دليل الفالحين\" (٤/ ٤٨٧).\n(^٢) \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (١/ ٣٦٤).","vol":"10","page":71},{"text":"وتشريفها على الشمال (^١).\nوذهب جماعة من أهل العلم منهم: ابن عبد البر، وابن حزم، وابن أبي موسى، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم إلى وجوب الأكل والشرب باليمين، وتحريم الأكل والشرب بالشمال، قال ابن القيم: (وهو أحد الوجهين لأصحاب أحمد)، ولما ذكر ابن علّان الاستحباب قال: (وقيل: وجوبًا؛ لما في غيره من الشَّرَهِ ولحوق الضرر بالغير، وانتصر له السبكي، وعليه نص الشافعي في \"الرسالة\" ومواضع من \"الأم\" …) (^٢)، وهذا قول قوي؛ لأن الأدلة الواردة في هذا الباب صحيحة وصريحة في الدلالة على المراد، وذلك لما يلي:\nأولًا: أن النبي - ﷺ - نهى عن استعمال الشمال في الأكل والشرب، وبيّن أنه من عمل الشيطان، وعليه فمن أكل أو شرب بشماله فقد تشبّه بالشيطان.\nثانيًا: صيغ الأمر الواردة في هذا الباب مع صيغ النهي، ولا صارف لها عن ظاهرها الذي هو الوجوب والتحريم.\nثالثًا: حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - أن رجلًا أكل عند النبي - ﷺ - بشماله، فقال: \"كُل بيمينك\" قال: لا أستطيع، قال: \"لا استطعت، ما منعه إلا الكِبْرُ\"، قال: فما رفعها إلى فيه (^٣).\nفهذا الذي امتنع من الأكل بيمينه وأصر على الأكل بشماله كبرًا وعنادًا دعا عليه النبي - ﷺ - لأنه لم يكن له عذر، وقد أجاب الله تعالى دعاء نبيه - ﷺ - حتى شُلَّت يمينه، فلم يرفعها لفيه بعد ذلك اليوم، وهذا دليل واضح على أن هذا قد ترك واجبًا، وارتكب محرمًا، فاستحق أن يُدعى عليه لمخالفته الحكم\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٥/ ٢٩٥).\n(^٢) \"الرسالة\" ص (٣٤٩، ٣٥٣)، \"الكافي\" لابن عبد البر (٢/ ١١٣٨)، \"المحلى\" (٧/ ٤٢٤)، \"الإرشاد\" ص (٥٣٨)، \"زاد المعاد\" (٢/ ٣٩٧)، \"الآداب الشرعية\" (٣/ ١٦٨)، \"فتح الباري\" (٩/ ٥٢٢)، \"الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية\" (٥/ ١٨١، ١٨٢).\n(^٣) رواه مسلم (٢٠٢١).","vol":"10","page":72},{"text":"الشرعي، وعدم قبوله ما أمره به النبي - ﷺ -، والقول بأن الدعاء عليه ليس لامتناعه عن الأكل بيمينه، وإنما لكبره عن امتثال الأمر النبوي، واختلاقه علة هو كاذب فيها، هذا خلاف ظاهر الحديث (^١).\nومما يؤسف عليه أن الأكل والشرب بالشمال من العادات التي انتشرت بين المسلمين، وهذا من الجهل بالسنّة، أو قلة المبالاة وضعف العناية بآداب الشريعة، فينبغي الإنكار على من فعل ذلك، كما أنكر النبي - ﷺ -، والأكل باليمين أيسر وأحسن وأخف.\nوإذا كانت اليد اليمنى فيها طعام فليس هذا بعذر للشرب بالشمال، كما يفعله بعض الناس؛ لأنه بإمكانه إمساك الإناء بمعاونة اليد اليسرى، على أنه في زماننا هذا وجدت هذه الكؤوس من البلاستيك، فيمكن إمساكها باليمين ولو حصل لها شيء من التأثر؛ لأنها سترمى في الغالب ولا تستعمل مرة ثانية (^٢).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الشيطان يأكل ويشرب، والأصل حمل الكلام على حقيقته، والشيطان من عالم الغيب، ولا نعلم من أعماله وأحواله إلا ما أخبرنا به نبينا - ﷺ -، ويؤيد هذا حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط … \" الحديث (^٣)، فهذا يدل على أن له جوفًا يتغذى ويحيل الطعام والشراب، وكذا حديث ابن مسعود - ﵁ - قال: ذكر عند النبي - ﷺ - رجل فقال: ما زال نائمًا حتى أصبح، ما قام إلى الصلاة، قال: \"بال الشيطان في أذنه\" (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"دليل الفالحين\" (٤/ ٤٨٦).\n(^٢) \"الشرح الممتع\" (١٢/ ٣٦٢)، \"شرح رياض الصالحين\" (٦/ ٣٧٧).\n(^٣) رواه البخاري (٦٠٨)، ومسلم (٣٨٩).\n(^٤) رواه البخاري (١١٤٤).","vol":"10","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1251>النهي عن الإسراف والخيلاء في الأكل واللباس والصدقة</span>\n١٤٦٢/ ١٦ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"كُلْ، وَاشْرَبْ، وَالْبَسْ، وَتَصَدَّقْ فِي غَيرِ سَرَفٍ، وَلَا مَخِيلَةٍ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود الطيالسي (٤/ ١٩ - ٢٠)، والنسائي في كتاب \"الزكاة\"، باب (الاختيال في الصدقة) (٥/ ٧٩)، وابن ماجه (٣٦٠٥)، وأحمد (١١/ ٢٩٤، ٣١٢) من طريق همام، عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله - ﷺ - قال: \"كلوا، واشربوا، وتصدقوا، والبسوا، في غير مخيلة ولا سرف، إن الله يحب أن تُرى نعمته على عبده\".\nوهذا السياق لأحمد، ولأبي داود نحوه، إلا أنه لم يذكر الاستثناء، وقال: \"إن الله يحب أن يُرى أثر نعمته على عبده\".\nولفظ النسائي وابن ماجه: \"كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة\"، وقد جاء في إسناد الطيالسي: حدثنا همام عن رجل .. وهذا المبهم هو قتادة كما صرحت به بقية الروايات، وفي رواية للبيهقي في \"الشعب\" (١١/ ١٧٤ - ١٧٥): عن رجل أظنه قتادة.\nوروى الترمذي هذا الحديث (٢٨١٩) مقتصرًا على الزيادة، وعلّق أوله البخاري في \"صحيحه\" في أول كتاب \"اللباس\" بصيغة الجزم، قال الحافظ:","vol":"10","page":74},{"text":"(هذا الحديث من الأحاديث التي لا توجد في البخاري إلا معلقة، ولم يصله في مكان آخر، وقد وصله أبو داود الطيالسي …) (^١).\nوهذا الحديث سنده حسن، وعزوه لأبي داود وهم من الحافظ، إلا إن كان قصده أبا داود الطيالسي، كما تقدم في سياق كلامه من \"الفتح\" فكان عليه أن يقيده؛ لأن أبا داود إذا أُطلق فالمراد أبو داود السجستاني صاحب \"السنن\"، ثم إن الحافظ ساق الحديث بلفظ الإفراد، وهو في جميع المصادر بلفظ الجمع، كما مرَّ.\nوروى الحديث عبد الرزاق (١١/ ٢٧٠) - ومن طريقه البيهقي في \"الشعب\" (١١/ ١٧٣) - عن معمر، عن قتادة، عن النبي - ﷺ - بنحوه مرسلًا.\nورواية معمر عن قتادة متكلم فيها (^٢).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (وتصدق) الظاهر أن المراد بالصدقة هنا: صدقة التطوع؛ لأن الصدقة الواجبة المحددة المقدار كالزكاة وصدقة الفطر لا يتصور فيها الإسراف.\n\nقوله: (في غير سرف) بفتح السين والراء المهملتين وهو ضد القصد، وهو في اللغة يطلق على معان منها: مجاوزة الحد، والمراد هنا: مجاوزة الحد في كل فعل أو قول، وهو في الإنفاق أشهر (^٣).\nوالفرق بين الإسراف والتبذير: أن الإسراف أعم من التبذير؛ لأن التبذير مختص بإنفاق المال في السرف أو المعاصي، والإسراف مجاوزة الحد المشروع في كل شيء، فهو في النفقة والمال والماء والإفراط في الكلام أو القتل وغير ذلك، والتبذير أشد من الإسراف؛ لأنه مأخوذ من مادة بذر التي تدل -فيما يقول ابن فارس- على معنى واحد، وهو نثر الشيء وتفريقه، وقد\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٥٣).\n(^٢) انظر: \"شرح علل الترمذي\" (٢/ ٥٠٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٥٣).","vol":"10","page":75},{"text":"جاء عن ابن عباس وابن مسعود - ﵄ - في تفسير: ﴿الْمُبَذِّرِينَ﴾ أنهم الذين ينفقون المال في غير حقه، ولهذا قال بعض العلماء: الإسراف صرف المال فيما ينبغي زائدًا على ما ينبغي، والتبذير: صرفه فيما لا ينبغي، وقريب منه قول الماوردي: (التبذير: الجهل بمواقع الحقوق، والسرف: الجهل بمقادير الحقوق)، فالتبذير ليس في الكثرة والقلة، وإنما هو في موضع الإنفاق، ولهذا كان المبذرون إخوان الشياطين؛ لأنهم ينفقون في الحرام، ويرى آخرون أن الإسراف والتبذير معناهما واحد، والأول أرجح؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] وقال: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] وهذا فوق الأول (^١).\n\nقوله: (ولا مخيلة) بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة بوزن عظيمة مفعلة من اخقال: إذا تكبّر، فالمخيلة بمعنى التكبر والعُجب، وهي كالخيلاء.\n\n* الوجه الثالث: هذا الحديث يبين المنهج السليم الذي ينبغي للإنسان أن يسير عليه في حياته: في أكله وشربه وملبسه وصدقته؛ لأن فيه الحث على استعمال المال في الأمور النافعة في الدين والدنيا وتجنب الأمور الضارة.\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الإسراف ومجاوزة الحد، وفيه إرشاد إلى القصد والتوازن والاعتدال في كل شأن من شؤون الحياة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] ففي الآية توجيه رباني إلى القصد والاعتدال، نهي عن الإمساك والبخل ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾، ونهي عن الإسراف ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ والنهاية إن فعلت ذلك ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ أي: تلام على ما فعلت، ﴿مَحْسُورًا﴾ أي: حاسر اليد فارغها، فإذا جمعت هذه الآية مع آية سورة الفرقان -الآتية- تبين لك منهج الإسلام.\nوقد جاء ذكر الإسراف في القرآن الكريم في آيات كثيرة، ووُصِفَتْ به\n_________\n(^١) انظر: \"معجم مقاييس اللغة\" (١/ ٢١٦)، \"الكليات\" (١/ ١٧٢)، \"التعريفات\" ص (٢٣، ٢٤)، \"البحر المحيط\" (٦/ ٢٧)، \"نهاية المحتاج\" (٤/ ٣٥٠).","vol":"10","page":76},{"text":"أمم الكفر والضلال، قال تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: ٨١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣]. ونفى الله تعالى المحبة عن المسرفين، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقد وصف الله عباد الرحمن بالقصد والاعتدال في الإنفاق، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَينَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧].\nإن الإسراف إضاعة للمال، وفقر في المآل، وهو ينافي شكر الله تعالى على النعمة؛ لأن من شكر نعمة المال صرفه فيما أذن فيه من المنافع، وهو سوء تصرف ينبئ عن الأثرة والأنانية وعدم الإحساس بما عليه الفقراء والمحتاجون.\nوالإسراف يدعو إلى الترف والتنعم والتوسع في ملاذ الدنيا وشهواتها، فحيث كان السرف وكانت المخيلة كان الترف حتمًا.\nيقول الشيخ عبد الرحمن السعدي عن بعض فوائد الاعتدال في الإنفاق: (ومن فوائد ذلك: أن في الاعتدال سرَّ بركة، وما عال من اقتصد، وأنَّه يمنع العبد الندم، فإنَّ المسرف في الإنفاق إذا أملق واحتاج لعبت به الحسرات، وجعل يقول بلسان مقاله، أو لسان حاله: يا ليتني لم أفعل ذلك.\nوأما المقتصد فإنه لا يندم العاقل على نفقة وضعها في محلها، وأقام بها واجبًا من الواجبات، أو سَدَّ بها حاجة من الحاجات، فإنَّ المال لا يقصد إلا لمثل هذه الحالة.\nوأيضًا فإنَّ المسرف في النفقات، لا بد أن يكون مترفًا معتادًا أمورًا، إذا عجز عنها شق عليه الأمر مشقة كبيرة، وكبر عليه الصبر، وثقل عليه حمله بخلاف المعتدل، فإنَّه سالم من هذه الحالة.\nوأيضًا فإنَّ الاعتدال في النفقة أحد قسمي الرشد. فالرشد الذي هو معرفة تدبير الدنيا أن يعرف الطرق التي يحصلها فيها، فيسلك النافع منها، ثم","vol":"10","page":77},{"text":"إذا حصلت عرف كيف يصرفها ويبذلها، وعِلْمُ التدبير من العلوم النافعة دينًا ودنيًا، وشرعًا وعقلًا) (^١).\n\n* الوجه الخامس: الحديث دليل على إباحة الأكل والشرب من ملاذ الدنيا المباحة؛ لأن هذه بها قوام الحياة، وفيه نهي عن الإسراف والخيلاء فيهما، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾. قال ابن كثير: (لا تسرفوا في الأكل لما فيه من مضرة العقل والبدن) (^٢). قال أبو الدرداء - ﵁ -: (من فقه الرجل رفقه في معيشته «^٣).\nوقد نص الفقهاء على كراهة الأكل الكثير حتى يصاب بالتُّخمَةِ، وقال بعضهم: بالتحريم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الإسراف في الأكل مذموم) (^٤).\nوقد أجمع الأطباء على أن اكتساب الصحة في عدم الشبع، وأن الشبع يجلب الوهن في الجسم ويُسْلِمُهُ للكسل والخمول، ويقسي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف عن العبادة، ويحرك ما كَمَنَ من الأدواء، ويزيل قوة الشباب ونضارته.\n\n* الوجه السادس: الحديث دليل إباحة اللباس، وهو من نِعَم الله تعالى على عباده، يستر بدن الإنسان ويحفظه دون عاديات الجو وتقلباته، إضافة إلى أنه زينة وجمال، قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].\nوفي الحديث نهي عن الإسراف والخيلاء في اللباس، أما الخيلاء فقد تقدم الكلام فيه.\nوأما الإسراف في اللباس فهو أن يلبس الملابس ذات القيمة العالية وحالته المالية أقل من ذلك، وهذه ظاهرة موجودة لدى النساء حيث تلبس\n_________\n(^١) \"فتح الرحيم الملك العلَّام\" ص (١١٧).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٣٤٣).\n(^٣) \"الحلية\" (١/ ٢١٧).\n(^٤) \"الفتاوى\" (٣٢/ ٢١٣).","vol":"10","page":78},{"text":"بعض النساء ثوبًا غالي الثمن لا تلبسه إلا مرة واحدة، أضف إلى ذلك متابعة الموضات والمستجدات وإنفاق الأموال في اتخاذ الزينة وتجميع الأثاث، ومن الإسراف كثرة عدد ثياب الشتاء وثياب الصيف مما يزيد عن الحاجة.\n\n* الوجه السابع: الحديث دليل على أن المسلم مأمور بالصدقة إذا كان عنده شيء فاضل عن كفايته وكفاية أهله وعياله، وقد تواترت الأدلة من الكتاب والسنّة في الحث على الصدقة وإنفاق المال على الفقراء والمحتاجين، وفي مشاريع الخير وأبواب البر والإحسان، وقد مضى ذلك في \"الزكاة\".\nوفيه نهي عن الإسراف في الصدقة، ومن الإسراف في الصدقة أن ينفق أمواله ويدع ما أوجب الله عليه من سداد ديني أو نفقة أهله وأولاده ومن يمون، والواجب على المسلم أن يتحرى بالصدقة مواضعها، وأن يبدأ بمن يعول لقوله - ﷺ -: \"خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول\" وقد مضى هذا -أيضًا- في \"الزكاة\".\nوينبغي أن يُعلم أن الإسراف في المآكل والمشارب وتوابع ذلك أمر نسبي، يختلف من شخص إلى آخر، ويختلف من زمان أو مكان عن زمان ومكان آخر، والضابط لهذا أن الإسراف مجاوزة الحد. والله تعالى أعلم.","vol":"10","page":79},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1252>باب البر والصلة</span>\nالبر: بالكسر تقدم تعريفه، وأنه اسم جامع للطاعات كلها الظاهرة والباطنة، والظاهر أن المراد به هنا: برّ الوالدين، وهو ما يقابل العقوق، فيفسر بالإحسان إلى الوالدين قولًا وفعلًا.\nوالصلة: بكسر الصاد، مصدر وَصَلَهُ كوعده عدة، والصلة ضد القطيعة، والمراد بها هنا: صلة الرحم، وهي العطف والرحمة، والمراد بها: الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، والرفق بهم ورعاية أحوالهم، وإن بعدوا أو أساؤوا، فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والصهر (^١).\nوقد ذكر الحافظ هنا أحاديث تتعلق ببر الوالدين والحرص على رضاهما والحذر من عقوقهما، وأحاديث تتعلق بصلة الرحم والحذر من القطيعة، وأحاديث تتعلق بالإحسان إلى الجار وبذل المعروف، وتحريم الهجر.\n_________\n(^١) انظر: \"النهاية\" (٥/ ١٩١، ١٩٢).","vol":"10","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1253>فضل صلة الرحم وثمرتها</span>\n١٤٦٣/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيهِ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ\". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأدب\"، باب (من بُسط له في الرزق بصلة الرحم) (٥٩٨٥) من طريق محمد بن معن، قال: حدثني أبي، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من سرّه أن يبسط عليه في رزقه … \" الحديث.\nورواه مسلم (٢٥٥٧) (٢٠) من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من سرّه أن يبسط عليه رزقه، أو ينسأ في أثره فليصل رحمه\".\nورواه البخاري (٥٩٨٦)، ومسلم (٢١) من طريق عقيل بن خالد، قال: قال ابن شهاب: أخبرني أنس بن مالك - ﵁ -؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: يزمن أحب أن يبسط له في رزقه … \" الحديث.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من أحب) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: \"من سره … \" وهو عند مسلم -أيضًا- أي: من سرّه وأفرحه.","vol":"10","page":81},{"text":"قوله: (أن يبسط عليه) بضم الياء على صيغة المبني لما لم يسم فاعله؛ أي: يوسع عليه في رزقه، ويكثر ويبارك له فيه، فيكون البسط بمعنى السعة والكثرة، وبمعنى البركة.\n\nقوله: (في رزقه) أي: مأكله ومشربه ومسكنه وعلمه؛ لأن الرزق اسم لكل ما ينتفع، وهو رزق عام، وهو رزق الأبدان، ورزق خاص، وهو رزق القلوب وتغذيتها بالعلم والإيمان والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين، وهذا خاص بالمؤمنين (^١).\n\nقوله: (وأن ينسأ له) بضم الياء وسكون النون بعدها سين مهملة ثم همزة؛ أي: يؤخر له، يقال: نسأ الله في أجله وأنسأ؛ أي: أَخَّرَ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] أي: تأخير حرمة الشهر الحرام إلى غيره؛ لأن الكفار إذا احتاجوا إلى القتال في شهرٍ محرم قاتلوا فيه، وحرّموا بدله شهرًا آخر.\n\nقوله: (في أثره) أي: في أجله، وسمي الأجل أثرًا؛ لأنه يتبع العمر، فيوجد بوجوده وينقطع بانقطاعه، قال كعب بن زهير:\nوالمرءُ ما عاش ممدود له أَمَلٌ … لا ينقضي العُمْرُ حتى ينتهي الأثرُ\nوأصله من أثر مشيه على الأرض، فإن من مات لا يبقى له حركة، فلا يبقى لقدمه في الأرض أثر، وتأخير الأجل بصلة الرحم على حقيقته، كما سيأتي.\n\nقوله: (فليصل) المراد بالصلة: الإحسان إلى الأرحام، إما بالفعل وذلك بزيارتهم وتفقد أحوالهم، وإدخال السرور عليهم، وإيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر، وإما بالمال بالنفقة عليهم بشروطها، أو بالصدقة بشروطها، أو بالهدية، أو بالوصية لهم، أو الوقف عليهم على ما هو مبين في كتب الفقه.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير ابن سعدي\" ص (٩٤٧، ٩٤٨).","vol":"10","page":82},{"text":"وقد تكون الصلة بالقول بالدعاء لهم، وأمرهم بالخير ونهيهم عن الشر، والسؤال عنهم ولا سيما إذا كانوا بعيدين، فيتم ذلك عن طريق وسائل الاتصال الموجودة كالهاتف.\n\nقوله: (رحمه) الرحم: بفتح الراء وكسر الحاء المهملة هو موضع تكوين الولد في بطن أمه، والمراد بهم: الأقارب، ويقع ذلك على كل من بينك وبينه نسب وقرابة سواء أكان ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ -ويقال: مُحَرَّمٍ- أم لا (^١)، كالأم والأب والابن والبنت والعم والعمة والخال والخالة، وولد العم وولد الخال، فكل من بينك وبينه صلة من قبل أبيك أو من قبل أمك أو من قبل ابنك أو من قبل ابنتك فهو من الأرحام وسيأتي -إن شاء الله- ضابط من تجب صلته.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز محبة البسط في الرزق، خلافًا لمن كره ذلك، ووجه الاستدلال: أن الرسول - ﷺ - أرشد إلى الطريق الموصل لذلك، وأخبر أن الإنسان يسره بَسْطُ رزقه، فدل على أنه لا محذور فيه.\n\n* الوجه الرابع: في الحديث حث على صلة الرحم وعظيم أثرها على الإنسان حيث كانت سببًا في بسط الرزق وطول العمر، وهما مما يحبه الإنسان، وقد تكاثرت النصوص في وجوب الصلة، والحث عليها، ومن ذلك حديث عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - قال: \"الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله\" (^٢). وهذه فائدة ثالثة، وهي أن الله تعالى يصل من وصل رحمه برحمته ولطفه وإعانته بإحسانه ونِعَمه.\n_________\n(^١) انظر: \"الصحاح\" (٥/ ١٩٢٩)، \"معجم مقاييس اللغة\" (٢/ ٤٩٨)، \"النهاية\" (٢/ ٢١٠)، \"تفسير القرطبي\" (٣/ ١٧٠)، \"فتح الباري\" (١٠/ ٤١٤).\n(^٢) رواه البخاري (٥٩٨٨)، ومسلم (٢٥٥٥).","vol":"10","page":83},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه\" (^١)، وهذه فائدة رابعة، وهي أن صلة الرحم علامة الإيمان بالله واليوم الآخر.\nومن ثمار صلة الرحم: تقارب الأسر، وتوادهم، وعطف بعضهم على بعض، وهي في الوقت نفسه رفعة للواصل وعزة ومحبة وكرامة.\nومن حكمة الإسلام أنه لم يحدد نوعًا من أنواع الصلة، بل ترك ذلك لعادة الناس في كل زمان ومكان، ثم إن ذلك يختلف باختلاف القدرة والحاجة، فالصلة أنواع ودرجات. يقول القاضي عياض: (الصلة درجات، بعضها فوق بعض، وأدناها ترك المهاجرة، وصلتها ولو بالسلام … وهذا بحكم القدرة على الصلة وحاجتها إليه، فمنها ما يتعين ويلزم، ومنها ما يستحب ويرغب فيه، وليس من لم يبلغ أقصى الصلة يسمى قاطعًا، ولا من قصر عما ينبغي له ويقدر عليه يسمى واصلًا) (^٢).\nوقد رأيت كلامًا نفيسًا لابن بلبان يذكر صورًا كثيرة مما تحصل به الصلة، فيقول: (اعلم أن المراد بصلة الرحم موالاتهم ومحبتهم أكثر من غيرهم؛ لأجل قرابتهم، وتأكيد المبادرة إلى صلحهم عند عداوتهم، والاجتهاد في إيصالهم كفايتهم بطيب نفس عند فقرهم، والإسراع إلى مساعدتهم ومعاونتهم عند حاجتهم، ومراعاة جبر خاطرهم مع التعطف والتلطف بهم، وتقديمهم في إجابة دعوتهم، والتواضع معهم في غناه وفقرهم وقوته وضعفهم، ومداومة مودتهم ونصحهم في كل شؤونهم، والبداءة بهم في الدعوة والضيافة قبل غيرهم، وإيثارهم في الإحسان والصدقة والهدية على من سواهم؛ لأن الصدقة عليهم صدقة وصلة في معناها الهدية ونحوها، ويتأكد فعل ذلك مع الرَّحَمِ الكَاشِحِ المُبْغِضِ، عساه أن يرجع عن بغضه إلى مودة قريبه ومحبته، وفي الحديث: \"الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦١٣٨).\n(^٢) \"إكمال المعلم\" (٨/ ٢٠).","vol":"10","page":84},{"text":"اثنتان صدقة وصلة\" (^١).\n\n* الوجه الخامس: أجمع أهل العلم على وجوب صلة الرحم في الجملة، وتحريم قطعها، لكن اختلفوا في ضابط الرحم التي تجب صلتها على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الرحم التي تجب صلتها هي الرحم المَحْرَمُ، كالأباء والأمهات، والإخوة والأخوات، والأجداد والجدات، والأولاد وأولادهم، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وهذا هو المشهور عند الحنفية، وقول المالكية، وهو قول أبي الخطاب من الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها\" (^٣).\nوذلك لأن الجمع بين الزوجات يورث بينهن العداوة والبغضاء غالبًا، فنهى الشرع أن يكون التعدد بين القريبات، خشية أن يفضي ذلك إلى قطيعة الرحم التي أمر الله بصلتها، مما يفيد وجوب صلة الرحم المحرم.\nفإن كان الرحم غير محرم كأولاد الأعمام والعمات، وأولاد الأخوال والخالات لم تجب صلته، بدليل جواز الجمع في النكاح بين بنات العم وبنات الخال؛ لعدم النص بالتحريم فيهما، ولأن إحداهما تحل لها\n_________\n(^١) \"غذاء الألباب \" للسفاريني (١/ ٣٥٥ - ٣٥٦)، والحديث رواه الترمذي (٦٥٨) (٦٩٥)، وأحمد (٢٦/ ١٦٤)، وقال الترمذي: (حديث حسن) وفي الموضع الثاني: (حسن صحيح) وفيه الرّباب بنت صُليع أم الرائح، وهي مجهولة، لكن له شاهد من حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود - ﵁ -، ضمن حديث طويل، وفيه: \"لها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة\". رواه البخاري (١٤٦٦)، ومسلم (١٠٠٠)، والكاشح: العدو الذي يضمر عدواته، ويطوي عليها كشحه، أي: باطنه. \"النهاية\" (٤/ ١٧٥).\n(^٢) انظر: \"تكملة البحر الرائق\" (٩/ ٢٨٥)، \"الفواكه الدواني\" (٢/ ٣٥٣)، \"الآداب الشرعية\" (١/ ٤٥٢).\n(^٣) رواه البخاري (٥١٠٩)، ومسلم (١٤٠٨) وقد تقدم شرحه في (٧/ ٢٥٠) من هذا الكتاب.","vol":"10","page":85},{"text":"الأخرى لو كانت ذكرًا ولو وقع بينهما شيء من القطيعة، وهذا يدل على أن صلتها ليست بواجبة (^١).\nالقول الثاني: أن الرحم التي تجب صلتها هي الرحم من ذوي الميراث دون غيرهم ممن لا يرث، واختار هذا القول بعض الفقهاء، كالقاضي عياض من المالكية، والنووي من الشافعية، وغيرهما (^٢).\nواستدلوا بحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رجل يا رسول الله، من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: \"أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك\" (^٣).\nوتخصيص الرحم الواجب صلته بذوي الميراث فيه نظر من وجهين:\nالأول: أن الحديث الذي استدلوا به ليس فيه تخصيص الصلة بذوي الميراث دون غيرهم، بل ظاهره الأقرب فا لأقرب، قال القرطبي: (وقوله: \"ثم أدناك أدناك\" يعني: أنك إذا قمت ببر الأبوين تعيَّن عليك القيام بصلة رحمك، وتبدأ منهم بالأقرب إليك نسبًا فالأقرب ..) (^٤) وقال الحافظ ابن حجر: (المراد بالدنوِّ: القرب إلى البار) (^٥).\nالثاني: أنه يترتب على هذا القول عدم صلة الأخوال والخالات، لكونهم غير وارثين، وهذا يعارض حديث البراء بن عازب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الخالة بمنزلة الأم\" (^٦).\nوالقول الثالث: أن جميع الأقارب تجب صلتهم، سواء أكان يرثه أم لا، وسواء أكان ذا محرم أم لا، وهذا قول في مذهب الحنفية، وهو المشهور عند المالكية، وهو ظاهر مذهب الشافعية، ونقل ابن مفلح أن الإمام أحمد\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب الفروق\" (١/ ١٦٦)، \"تحفة الفقهاء\" (٢/ ١٦٣).\n(^٢) انظر: (إكمال المعلم) (٨/ ٢٥)، \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١٦/ ٣٤٨).\n(^٣) رواه البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨) (٢).\n(^٤) \"المفهم\" (٦/ ٥٠٩).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٠٢).\n(^٦) رواه البخاري (٢٥٥٢).","vol":"10","page":86},{"text":"نص عليه (^١).\nواستدلوا بعموم الأدلة المتقدمة في صلة الرحم والحث عليها.\nوالقول الأول أرجح -في نظري- وهو أن الرحم الذي تجب صلته هو الرحم المَحْرَمُ، وأما غير المحرم كأولاد الأعمام والعمات وأولاد الأخوال والخالات، فليست صلتهم واجبة، إنما هي مستحبة، فيصلها بما يلائمها، ومما يؤيد هذا أن أولاد الأعمام وأولاد الأخوال قد يكونون إناثًا، وقد حرم الشرع الخلوة والنظر والاختلاط بالقريبات من غير المحارم، كابنة العم وابنة الخال، وهذا ينافي الصلة التي تقتضي في غالب أحوالها الزيارة والجلوس والمحادثة، لكن تبقى صلة السؤال عنهم وتفقد أحوالهم؛ لأن الصلة أنواع ودرجات.\nأما ما استدل بها أصحاب القول الثالث من العمومات، فإن غاية ما تفيده استحباب الصلة والحث عليها، وهذا لا نزاع فيه، وما أحسن قول أبي الخطاب (ومعلوم أن الشرع لم يُرِدْ صلة كل ذي رحم وقرابة، إذ لو كان ذلك لوجب صلة جميع بني آدم، فلم يكن بُدٌّ من ضبط ذلك بقرابة تجب صلتها وإكرامها، ويحرم قطعها، وتلك قرابة الرحم المحرم) (^٢).\n\n* الوجه السادس: في الحديث دليل على أن الجزاء من جنس العمل، فكما وصل رحمه بالبر والإحسان وأدخل السرور على قلوبهم وصل الله عمره ووصله في رزقه وفتح له من أبواب الرزق وبركاته ما لا يحصل له بدون ذلك.\n\n* الوجه السابع: الحديث دليل على إثبات الأسباب وأن الله تعالى هو الخالق للأسباب ومسبباتها، وأن أسباب الخير توصل إلى الخير بإذن الله تعالى، ورَبْطُ المُسَبَّبَاتِ بالأسباب لا يقتضي خلاف علم الله تعالى السابق ولا ينافيه. يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: (كما أن الصحة وطيب الهواء\n_________\n(^١) انظر: \"حاشية ابن عابدين\" (٤/ ٥٠)، \"الآداب الشرعية\" (١/ ٤٥٢)، \"حاشية البجيرمي\" (٣/ ٢٢٩).\n(^٢) \"الآداب الشرعية\" (١/ ٤٥٢)، وانظر: \"صلة الرحم ضوابط فقهية وتطبيقات معاصرة\" للباحث: فهد النغيمشي ص (٤٤).","vol":"10","page":87},{"text":"وطيب الغذاء واستعمال الأمور المقوية للأبدان والقلوب من أسباب طول العمر فكذلك صلة الرحم جعلها الله سببًا ربانيًّا؛ فإن الأسباب التي تحصل بها المحبوبات الدنيوية قسمان: أمور محسوسة تدخل في إدراك الحواس ومدارك العقول، وأمور ربانية إلهية قدرها من هو على كل شيء قدير ومَنْ جميع الأسباب وأمور العالم منقادة لمشيئته …) (^١).\n\n* الوجه الثامن: استدل بهذا الحديث الجمهور من أهل العلم على أن العمر يزيد وينقص، فتكون الزيادة في العمر حقيقية، وهي زيادة بالنسبة لعلم الملك الموكل بالآجال، وأما ما سبق في علم الله تعالى وقضاه في الأزل فلا زيادة فيه ولا نقصان، وعليه تحمل الآيات الواردة بان الأجل لا يتقدم ولا يتأخر. وبه قال عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وأبو وائل، وكعب الأحبار، وجمع كثير وجم غفير -كما يقول الشيخ مرعي الكرمي في رسالته (^٢) - وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، والشوكاني في \"رسالته\" (^٤)، واستدلوا -أيضًا- بقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩] فإن هذه الآية عامة تتناول العمر والرزق والسعادة والشقاء وغير ذلك، ولا يجوز تخصيصها إلا بمخصص (^٥).\nكما استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١] فإن معنى الآية على ما يقتضيه ظاهرها: وما يعمر من معمر ولا ينقص من عُمُرِ ذلك المعمر إلا في كتاب، وهو اللوح المحفوظ (^٦).\nوذهب جماعة من أهل العلم -منهم ابن حبان وأبو العباس القرطبي\n_________\n(^١) \"بهجة قلوب الأبرار\" ص (٢١٣، ٢١٤).\n(^٢) انظر: \"تفسير القرطبي\" (٩/ ٣٣٠)، \"إرشاد ذوي العرفان لما للعمر من الزيادة والنقصان\" للشيخ مرعي الكرمي ص (٤١).\n(^٣) \"الفتاوى\" (٨/ ٥١٦)، (١٤/ ٤٩٠ - ٤٩٢).\n(^٤) \"تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل\".\n(^٥) انظر: \"إرشاد ذوي العرفان\" ص (٥٥)، \"تنبيه الأفاضل\" ص (١٣).\n(^٦) انظر: \"إرشاد ذوي العرفان\" ص (٤٣).","vol":"10","page":88},{"text":"والنووي- إلى أن العمر لا يزيد ولا ينقص، واستدلوا بمثل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]. وبحديث ابن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه … وفيه: ثم يبعث الله ملكًا، ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله، وشقيٌّ أو سعيد\" (^١).\nوأجابوا عن الأحاديث الواردة في الزيادة بأنها محمولة على المجاز لا على الحقيقة، على اختلاف بينهم في معنى الزيادة، والأكثرون منهم على أنها كناية عن البركة في العمر، بالتوفيق إلى الطاعة، والاستفادة من زمن الحياة فيما ينفع في الآخرة. وقد حصل بين الفريقين ردود ومناقشات، لا داعي لإيرادها خشية الإطالة، ويرجع إليها في مظانِّها (^٢).\nوالذي يظهر -والله أعلم- أن الجميع متفقون على أن الأعمار التي قدرها الله تعالى لا مجال للزيادة فيها ولا النقصان، بدلالة القرآن على ذلك، وإنما حصل الخلاف لمجيء الأحاديث التي يوهم ظاهرها خلاف هذا. والحق أن حملها على الحقيقة متعين؛ لأن هذا هو الأصل في باب دلالات الألفاظ، وأن الزيادة لمن وصل رحمه إنما هي باعتبار ما في صحف الملائكة، وهي زيادة سببها فعل العبد وكسبه، والله تعالى قد ربط بين الأسباب والمسببات، وأمر بها شرعًا، ورتب عليها جزاء قدريًّا علمه -سبحانه- وقدره في الأزل، فإن فعل العبد ما رتب عليه القضاء كان له كذا وكذا، وإن لم يفعل لم يكن شيء، وهذا هو المراد بقول تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٥٩٤)، ومسلم (٢٦٤٣).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة، \"الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم\" ص (٧٠ - ٨٨).","vol":"10","page":89},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1254>ما جاء في إثم قاطع الرحم</span>\n١٤٦٤/ ٢ - عَنْ جُبَيرِ بْنِ مُطْعِمٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ\" يَعْني: قَاطِعَ رَحِمٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأدب\"، باب (إثم القاطع) (٢٩٨٤) من طريق عُقيل بن خالد، ومسلم (٢٥٥٦) من طريق سفيان، كلاهما عن ابن شهاب، أن محمد بن جبير بن مطعم قال: إن جبير بن مطعم - ﵁ - أخبره أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: \"لا يدخل الجنة قاطع\".\nزاد مسلم: (قال سفيان: يعني قاطع الرحم)، وبهذا يتبين أن التفسير الذي ذكر الحافظ هو من أحد رواة الحديث، وهو سفيان بن عيينة.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا يدخل الجنة) هذا من نصوص الوعيد، وهي إما أن تفسر، وإما أن تُمرَّ كما جاءت، خشية القول على الله بلا علم، وهذا أبلغ في الرح والزجر والتخويف، وهذا مذهب كثير من السلف كالإمام مالك وأحمد وغيرهما، فإن فسرت فإن المراد: نفي الدخول المطلق الذي لا يسبقه عذاب، وليس نفيًا لمطلق الدخول؛ لأن القاطع ليس كافرًا تحرم عليه الجنة، بل مآله إلى الجنة قطعًا، لكنه دخول يسبقه عذاب بقدر ذنبه، ومن المقرر أن كل ما دون الشرك من المعاصي فهو تحت مشيئة الله تعالى، فإن شاء عذَّب، وإن شاء غفر، ونصوص الشرع يصدق بعضها","vol":"10","page":90},{"text":"بعضًا، ويقيد بعضها بعضًا (^١).\n\nقوله: (قاطع) هذا لفظ مجمل يحتمل عدة معانٍ، ولذا فسّره الراوي سفيان بن عيينة، وكأن قاطع الرحم لعظيم إثمه ومزيد الاعتناء به لا ينصرف هذا اللفظ إلا إليه.\nوالقاطع: اسم فاعل من مادة قطع التي تدل على صَرْمٍ وإبانة شيء من شيء، وقَطَعَ رَحِمَهُ: عقها ولم يصلها، والقطع والقطيعة: الهِجران وضد الوصل (^٢).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم قطيعة الرحم، وأن ذلك من كبائر الذنوب؛ لثبوت الوعيد على القطيعة من الكتاب والسنّة، قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيتُمْ إِنْ تَوَلَّيتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [محمد: ٢٢] والمعنى: أنكم إن أعرضتم وتوليتم أفسدتم في الأرض بالعمل بالمعاصي وقطيعة الأرحام، وعدتم إلى ما كنتم فيه من الجاهلية، تسفكون الدماء، وتقطعون الأرحام، فيصيبكم تشتت وتفرق وبغض، بعدما جمعكم الله، وألَّف بينكم، ففي الآية نهى عن الإفساد في الأرض عمومًا، وعن قطع الأرحام خصوصًا (^٣). وفي الآية عقوبة أخروية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [محمد: ٢٣] أي: أبعدهم عن رحمته، وعقوبة دنيوية: ﴿فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣] فجعلهم لا يسمعون ما ينفعهم ولا يبصرونه، فلهم آذان، ولكن لا تسمع سماع إذعان وقبول، ولهم أعين، ولكن لا يبصرون بها العبر والآيات، ولا يلتفتون بها إلى البراهين والبينات (^٤).\nوقال تعالى عن المَثَلِ الذي ضربه في الآيات التي قبل هذه الآية: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ\n_________\n(^١) انظر: \"إكمال المعلم\" (٨/ ٢٠)، \"دليل الفالحين\" (٢/ ١٨٤)، \"فتح المجيد\" ص (٣٢٠)، \"القول المفيد\" (٢/ ١١٢)، \"التعليق على صحيح مسلم\" للشيخ محمد بن عثيمين (١/ ٢١٦، ٢٦٠، ٣٢٠، ٤٣٩).\n(^٢) \"معجم مقاييس اللغة\" (٥/ ١٠١).\n(^٣) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٣٠٠).\n(^٤) \"تفسير ابن سعدي\" ص (٧٨٨).","vol":"10","page":91},{"text":"يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ [البقرة: ٢٦ - ٢٧]. فجعل من صفات الفاسقين قطع ما أمر الله بوصله، وهو قطع عام، يدخل فيه قطع الرحم، بل روى ابن جرير بسنده، عن قتادة أنه فسر الآية بقطيعة الرحم والقرابة، ورجح هذا ابن جرير، بدليل قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيتُمْ إِنْ تَوَلَّيتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ (^١) [محمد: ٢٢].\nوعن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله\" (^٢).\n\n* الوجه الرابع: لم يرد في نصوص الشريعة بيان لما تكون به القطيعة، وهي تحصل إما بالإساءة إلى الرحم، وهذا أشد أنواع القطيعة، وإما بترك الإحسان إليهم فلا يصلهم ببره ولا يمدهم بإحسانه ولا بإرشاده ونصحه، ومن برّهم زيارتهم والسلام عليهم وخدمتهم، وعيادة مريضهم وإجابة دعوتهم، وضد ذلك قطيعة.\nومن مظاهر القطيعة: تحزيب الأقارب، وتأليب بعضهم على بعض لأدنى سبب، فيترتب على ذلك تفريق كلمتهم، وتشتيت شملهم، فتظهر الأحقاد والضغائن، ويحصل التباعد، وينشأ الصغار منهم على عدم معرفة أقاربهم وأرحامهم. وهذا من الخطأ البيّن، خطأ في سماع الوشايات، وخطأ في ترتيب الأحكام عليها.\n\n* الوجه الخامس: ما جاء في نصوص الكتاب والسنّة من الوعيد هو من نتائج قطيعة الرحم ومضارها، ففي القطيعة انقطاع الصلة بالله تعالى، والبعد عن رحمته ورضاه، وقطيعة الرحم تثير العداوة، وتورث الأحقاد، وتقطع أواصر العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأُسر، وهي سبب في التشتت والتفرُّق، وهذا أمر محسوس، والله المستعان.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الطبري\" (١/ ٤١٥، ٤١٦)، \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٩٦).\n(^٢) رواه البخاري (٥٩٨٩)، ومسلم (٢٥٥٥).","vol":"10","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1255>ما جاء في تحريم عقوق الأمهات</span>\n١٤٦٥/ ١٣ - عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَال: إنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَال، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإضاعَةَ المَالِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأدب\"، باب (عقوق الوالدين من الكبائر) (٥٩٧٥)، ومسلم (٥٩٣) من طريق ورَّاد مولى المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إن الله حرم عليكم) أي: حظر ومنع على وجه الإلزام.\n\nقوله: (عقوق الأمهات) مصدر عَقَّ الولد أباه، من باب قعد: إذا عصاه وترك الإحسان إليه، فهو عاق (^١). وأصل العق: الشق، ومنه سميت العقيقة التي تذبح عن المولود على أحد القولين، وعق والده: شَقَّ عصا طاعته (^٢).\nوضابط العقوق: صدور ما يتأذى به الوالد من ولده من قول أو فعل تأذيًا ليس بالهين عرفًا، قال القرطبي: (عقوق الوالدين: مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما، كما أن برهما: موافقتهما على أغراضهما الجائزة لهما ..) (^٣).\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٤٢٢).\n(^٢) \"اللسان\" (١٠/ ٢٥٦).\n(^٣) \"المفهم\" (٦/ ٥٢٠).","vol":"10","page":93},{"text":"والأمهات: جمع أُمَّهة، وهو لفظ خاص بمن يعقل، وأما لفظ الأم فهو شامل لمن يعقل ومن لا يعقل. واقتصر على الأمهات؛ لأن أكثر العقوق إنما يقع على الأمهات لضعفهن؛ ولأن حرمتهن آكد من حرمة الآباء، وقد جاء في رواية عند مسلم: \" … وعقوق الوالدين\"، وفي حديث أبي بكرة - ﵁المتقدم في الشهادات-: \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثًا: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين .. \" الحديث.\n\nقوله: (ووأد البنات) هكذا في رواية مسلم، ورواية البخاري بتقديم ما بعده عليه.\nوالوأد: بسكون الهمزة، مصدر وَأَدَ بنته من باب وعد: دفنها حية، فهي موءودة (^١)، وخص البنات بالذكر؛ لأنه هو الواقع في عصر الجاهلية، فتوجه النهي إليه، لا لأن الحكم مخصوص بالبنات.\n\nقوله: (ومنعًا وهات) منعًا: مصدر منع، وهو منصوب على أنه مفعول به معطوف على عقوق؛ أي: وحرم عليكم منعًا وهات. وهاتِ: اسم فعل أمر بمعنى أعطني، ومعنى (منعًا) منع الإنسان ما يطلب بذله من مال أو منفعة، و(هات) طلب الإنسان ما لا حق له فيه من مال أو منفعة.\n\nقوله: (وكره لكم) قيل: إن معناها: أبغض من أفعالكم، فيكون لفظ كره على بابه، وهو ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم. وقيل: إن معناها: حرم؛ لأن الكراهة في لسان الشارع معناها التحريم، والحرام يكرهه الله ورسوله، وهذا رأي ابن القيم، ويكون هذا من باب اختلاف التعبير (^٢).\n\nقوله: (قيل وقال) بالنصب على المفعولية لقوله: (كره) وهما في الأصل فعلان ماضيان جعلا اسمين، بدليل دخول (أل) عليهما، فيقال: كثرة القيل والقال، وأُبقِيَ فتحهما؛ ليدل على ما كانا عليه، وجمع بينهما للتنبيه على منع ذلك، سواء عرف القائل أو لم يعرف.\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٦٧٤).\n(^٢) \"إعلام الموقعين\" (١/ ٤٣)، \"شرح رياض الصالحين\" (٣/ ٢١١).","vol":"10","page":94},{"text":"ومعناهما: كثرة الكلام والمجادلة فيما لا يعني، والخوض في أخبار الناس وتصرفاتهم، أو نقل الكلام بدون تثبت فيه، قال العلماء: لا يستعمل القيل والقال إلا في الشر (^١).\n\nقوله: (وكثرة السؤال) يشمل كثرة سؤال المال في حال إباحة سؤاله، وكثرة الاستفهام عما لا حاجة إليه من العلم، ويدخل في ذلك ما إذا كان على وجه إعنات المسؤول وإدخال الملل والسآمة عليه، ويشمل كثرة سؤال الإنسان عن حاله وتفاصيل أمور حياته مما يدخل في سؤال الإنسان ما لا يعنيه، وإنما حمل السؤال في الحديث على جميع ما ذكر؛ لأنه اسم جنس محلى بـ (أل) فيعم (^٢).\n\nقوله: (وإضاعة المال) يشمل بذله وإنفاقه في غير وجهه المأذون فيه شرعًا، ويشمل ترك حفظه حتى يضيع، أو يكون عرضة للسراق والضياع، وتكون إضاعة المال بتولية ناقصي العقول عليه كالصغار والسفهاء ونحوهم، وتكون بإهمال رعايته والعناية بعمارته حتى تذهب منفعته والاستفادة منه.\nوإنما نهي عن ذلك كله لأن الله تعالى جعل الأموال قيامًا لمصالح الناس الدينية والدنيوية، فإذا أضاعه فقد أفسده، والله لا يحب المفسدين، وإذا أضاعه تعرض لما في أيدي الناس بالسؤال (^٣).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم عقوق الأمهات؛ لأن الوالدين أحق الناس بالرعاية والولاية والإحسان لما لهما من فضل، وهو من كبائر الذنوب، بل هو من أكبر الكبائر، لما تقدم في حديث أبي بكرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر -ثلاثًا- قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين … \" الحديث (^٤).\nقال الذهبي: (انظر كيف قرن الإساءة إليهما وعدم البر بهما والإحسان\n_________\n(^١) \"دليل الفالحين\" (٢/ ١٨٦).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ١٨٦).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ١٨٧).\n(^٤) الحديث متفق عليه، وقد سبق شرحه في \"الشهادات\" برقم (١٤١٤).","vol":"10","page":95},{"text":"إليهما بالإشراك) (^١).\nولعقوق الوالدين مظاهر كثيرة يجمعها ما تقدم من كل قول أو فعل فيه إضرار بهما أو أذية لهما، ومن ذلك إبكاء الوالدين، أو إدخال الحزن عليهما، أو شتمهما ولعنهما، أو إغاظتهما بالمنكرات من وسائل اللهو والطرب وشرب الدخان، أو عدم احترامهما وقت الجلوس معهما أو عدم سماع كلامهما، ومن ذلك التخلي عنهما وقت الكِبَرِ الذي هو وقت الحاجة إلى برهما والقيام بمصالحهما، وكذا إيثار الزوجة وتقديمها على الوالدين، إلى غير ذلك.\nأما ما ليس فيه أذية لهما، وإنما هو هوى عندهما أو تعنت في شيء فإن مخالفتهما فيه لا يعد عقوقًا، كما لو طلبا منه ترك بعض السنن مما لا يضرهما فعله، فلا تعد مخالفتهما عقوقًا، ومثل هذا لو أمرته أمه أو أبوه بطلاق زوجته، وهي زوجة صالحة لم تؤذهما بشيء، ولكنهما لم يرضيا عنها فإنه لا يلزم طلاقها، ولا يعد عاقًّا إذا لم يطلقها، فإن آثار الطلاق ومضاره عظيمة، وعلى الولد مداراة والديه وأن يتحلى بالحكمة والصبر، ورحم الله والدًا أعان ابنه على برّه وأبعده عما يكون سببًا في عقوقه، وقد روى أبو نعيم أن كعب الأحبار سئل عن العقوق، فقال: إذا أمرك أبواك فلم تطعهما، فقد عققتهما، وإذا دعوا عليك، فقد عققتهما العقوق كله (^٢).\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم وأد البنات، وذلك بدفنهن والقضاء عليهن وهن أحياء، وهذا من كبائر الذنوب، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣] وإذا كان هذا في عامة الناس فكيف بالقرابة؟ فكيف بالمخلوق الضعيف؟! فوأد البنات إساءة ظن بالله تعالى، وقتل نفس بغير حق، وقطيعة رحم.\nوهذه عادة كانت شائعة أيام الجاهلية يفعلون هذا تخلصًا من العار أو خشية الفقر.\n_________\n(^١) \"الكبائر\" ص (٤٠).\n(^٢) \"حلية الأولياء\" (٦/ ٣٢).","vol":"10","page":96},{"text":"* الوجه الخامس: في الحديث تحذير بليغ من منع صاحب الحق حقه والمماطلة في أداء الديون والحقوق إلى أربابها، ويزداد الأمر قبحًا إذا كان الإنسان مع هذه الخصلة الذميمة يطلب ما ليس له به حق، ويحاول الاستيلاء على حق الآخرين بلا مسوغ شرعي، فهذا عين الظلم والعدوان؛ لأنه مانع للحق الذي عليه، ومغتصب لما ليس له بحق.\n\n* الوجه السادس: في الحديث حث على قلة الكلام وعدم التوسع فيه، وألا يكون الإنسان ثرثارًا مهذارًا ليس له هم إلا الخَرْطُ (^١) والكلام في الناس؛ لأن الإكثار من الكلام الذي لا فائدة فيه يقسي القلب، ويفضي إلى الكذب والخطأ وعدم التثبت، وهو سبب من أسباب تنافر القلوب والوقوع في الفتن، وهو اشتغال بما يضر ولا ينفع عما ينفع، وفيه إضاعة للأوقات التي ينبغي صرفها فيما ينفع، فينبغي للمؤمن أن يحذر ذلك كله، وألا يتكلم إلا بما فيه نفع، وألا ينقل مما يسمع إلا الكلام النافع، ويحذر أن يحدث بكل ما سمع.\n\n* الوجه السابع: في الحديث تحذير من كثرة السؤال كسؤال الدنيا من غير حاجة ولا ضرورة، أو السؤال عما لا يعني الإنسان وعما ليس منه فائدة؛ لأنه ضياع للوقت وربما أدى إلى ما لا تُحمد عقباه، والمؤمن الحق يشتغل بما يعنيه وما ينفعه ويدع ما لا يعنيه وما لا ينفعه.\n\n* الوجه الثامن: في الحديث نهي عن إضاعة المال، وذلك بصرفه في غير الوجوه الشرعية أو بإهماله وعدم العناية به، وهذا يقع ممن يكون ناظرًا على وقف قلَّ ريعه، فتراه يهمله حتى تنقطع منفعته بالكلية، وإضاعة المال ضرر اقتصادي ينبئ عن سوء التصرف.\nوفي جميع ما تقدم دليل بيّن على كمال الشريعة برعايتها لحفظ الوقت واللسان والمال والشرف وحقوق الآخرين. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"اللسان\" (٧/ ٢٨٥).","vol":"10","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1256>ما جاء في فضل رضا الوالدين</span>\n١٤٦٦/ ٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: \"رِضَا اللهِ فِي رِضَا الْوَالِدَينِ، وَسَخَطُ اللهِ فِي سَخَطِ الْوَالِدَينِ\". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِم.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه الترمذي في أبواب \"البر والصلة\"، باب (ما جاء من الفضل في رضا الوالدين) (١٨٩٩)، وابن حبان (٢/ ١٧٢) من طريق خالد بن الحارث، والحاكم (٤/ ١٥١، ١٥٢) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو -﵄-، عن النبي - ﷺ - قال: \"رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد\" هذا لفظ الحديث عند الترمذي وابن حبان والحاكم بلفظ الإفراد، وقد جاء بلفظ التثنية عند البيهقي في \"شعب الإيمان\" (١٣/ ٥٢٦، ٥٢٧).\nوقد تابع ابنَ الحارث وابنَ مهدي على رفع الحديث أبو إسحاق الفزاري، كما في \"الفوائد\" لأبي الشيخ، و\"تاريخ دمشق\" لابن عساكر (^١)، كما تابعهما آخرون، لكنها متابعات لا يُفرح بها، لأن رواتها ما بين صدوق، وذي خطأ، ومن لا يعرف.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه)\n_________\n(^١) \"الفوائد\" ص (٦٣) رقم (٢٨)، \"تاريخ دمشق\" (٤/ ٧٦). وانظر: \"الصحيحة\" رقم (٥١٦).","vol":"10","page":98},{"text":"وسكت عنه الذهبي، وهذا فيه نظر؛ فإن عطاء وهو العامري الطائفي ليس من رجال مسلم، كما يفهم من ترجمته في \"التهذيب\" وغيره (^١)، وقد ذكره البخاري في \"تاريخه، وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (^٢)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال ابن القطان: (مجهول الحال) (^٣)، وتبعه على هذا الذهبي فقال: (عطاء العامري والد يعلى عن أويس الثقفي لا يعرف إلا بابنه) (^٤). وقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٥)!.\nوفي الحديث علة أخرى وهي أن الترمذي لما رواه من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة موقوفًا على عبد الله بن عمرو ولم يرفعه. قال الترمذي: (وهذا أصح، … ولا نعلم أحدًا رفعه غير خالد بن الحارث، عن شعبة …)، وقال في \"العلل\" (^٦): (أصحاب شعبة لا يرفعون هذا الحديث، ورفعه خالد بن الحارث)، وقد تقدم متابعة ابن مهدي والفزاري لخالد بن الحارث على رفعه.\nوقد تابع محمد بن جعفر على وقفه جمع من الثقات الأثبات، منهم آدم بن أبي أياس عند البخاري في \"الأدب المفرد\" (٢) وهو ثقة، والنضر بن شُميل عند البغوي في \"شرح السنة\" (١٣/ ١١)، وسفيان الثوري، كما عند ابن وهب في \"الجامع\" (٩٢)، ومسلم بن إبراهيم الأزدي وهو ثقة مأمون، أخرج حديثه المزي في \"تهذيب الكمال\" (١٣٣/ ٢٥) فهؤلاء خمسة من الثقات رووه موقوفًا، وسادسهم هشيم بن بشير، فقد رواه عن يعلى بن عطاء موقوفًا في أصح الروايتين عنه، كما عند الخطيب في \"الجامع\" (٢/ ٢٣٠).\nوالذي يظهر -والله أعلم- قوة القول بأن الحديث موقوف، لما يلي:\n١ - أن رواة الموقوف كلهم ثقات أثبات، بينما رواة المرفوع فيهم الصدوق وذو الخطأ ومن لا يعرف.\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (٢٥/ ١٣٢).\n(^٢) \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٤٦٣)، \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٣٣٩).\n(^٣) \"بيان الوهم والإيهام\" (٤/ ١٢٠).\n(^٤) \"الميزان\" (٣/ ٧٨).\n(^٥) (٥/ ٢٠٢).\n(^٦) (٢/ ٧٩٣).","vol":"10","page":99},{"text":"٢ - أن محمد بن جعفر الذي رواه موقوفًا من أثبت الناس في شعبة، قال عبد الله بن المبارك: (إذا اختلف الناس في حديث شعبة، فكتاب غُنْدَر حكم فيما بينهم)، وكذا آدم بن أبي إياس فقد عدّه الإمام أحمد من الستة أو السبعة الذين يضبطون الحديث عن شعبة (^١)، وسفيان الثوري قرين لشعبة بل هو أثبت من شعبة.\n٣ - أن الترمذي صحح وقفه كما تقدم، وكذا البغوي (^٢).\n٤ - يبدو أن رواية الرفع لم تشتهر عن غير خالد بن الحارث إلا في أواخر القرن الثالث، وهذا مما يشكك في ثبوت الرفع عن غير خالد، فهذا الترمذي يقول عن وقفه: (وهذا أصح) والبزار يقول: (سمعت بعض أصحابنا يذكره عن سهل بن حماد، عن شعبة مرفوعًا وأنكرته عليه) بينما اشتهرت رواية الوقف عند المتقدمين وأخرجوها مثل ابن وهب، والبخاري في \"الأدب المفرد\" والترمذي.\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل بر الوالدين والعمل على رضاهما وإدخال السرور عليهما؛ لأن النبي - ﷺ - جعل رضا الرب ومحبته لعبده في رضا والديه وبرهما، وجعل غضب الرب في غضب الوالدين بسبب عقوقه لهما؛ وذلك لأن الله تعالى أمر بالإحسان إلى الوالدين، فمن أحسن إليهما فقد أطاع الله، ومن أساء إليهما فقد أغضب الله.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب برّ الوالدين، وتحريم عقوقهما؛ لأن رضاهما عن الولد لا يتم إلا ببرهما والرفق بهما والإحسان إليهما والتلطف معهما في أقواله وسكناته ونظره، وألا يتعرض لسبهما ولا لعنهما ولا سيما في حال الكبر، ومِنْ برّهما موافقتهما على أغراضهما، فإذا أمرا أو أحدهما بأمر وجبت طاعتهما ما لم يكن فيه معصية، ومن برّهما الترحم عليهما والدعاء لهما وصلة صديقهما من بعدهما.\n_________\n(^١) انظر: \"معرفة أصحاب شعبة بن الحجاج\" ص (٢٥).\n(^٢) \"شرح السنة\" (١٣/ ١١، ١٢).","vol":"10","page":100},{"text":"وقد عظم الله حق الوالدين، فأمر بعبادته وتوحيده وجعل برهما مقرونًا بذلك، كما قرن شكرهما بشكره، فقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ﴾ [لقمان: ١٤].\nولا عجب في هذا، فإن للوالدين من الفضل والمعروف ما ليس لأحد غيرهما من الخلق كائنًا من كان، فهما السبب المحسوس المباشر في وجود الولد، وقد عانيا من المشقات على ولدهما الشيء الكثير، من حمل ووضع وإرضاع من قبل الأم، ومن تربية وإنفاق وعناية في حال الطفولة من قبلهما، وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] فسوى بينهما في الوصاية، وخص الأم بما انفردت به.\n\n* الوجه الرابع: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن الأم تفضل على الأب في البر، ونقل بعضهم الإجماع على هذا؛ لأن النبي - ﷺ - جعل لها ثلاثة أرباع البر والطاعة، وجعل للأب ربعًا، كما في حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ -: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: \"أمك\" قال: ثم مَنْ؟ قال: \"أمك\" قال: ثم مَنْ؟ قال: \"أمك\" قال: ثم مَنْ؟ قال: (ثم أبوك\" (^١) قال القرطبي: (معنى ذلك: أن حقهما -وإن كان واجبًا- فالأم تستحق الحظ الأوفر من ذلك، وفائدة ذلك المبالغة في القيام بحق الأم، وأن حقها مقدم عند تزاحم حقها وحقه) (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨).\n(^٢) \"المفهم\" (٦/ ٥٠٨).","vol":"10","page":101},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1257>فضل محبة الإنسان لأخيه أو لجاره ما يحب لنفسه</span>\n١٤٦٧/ ٥ - عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، عَنِ النَّبِي - ﷺ - قَال: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتى يُحِبَّ لِجَارِهِ -أَوْ لأَخِيهِ- مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الإيمان\"، بابٌ (من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (١٣) من طريق شعبة وحسين المعلم، ومسلم (٧٢) (٤٥) من طريق حسين المعلم، كلاهما عن قتادة، عن أنس - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\nوهذا لفظ مسلم، وفي لفظ آخر من طريق شعبة سمعت قتادة يحدث عن أنس: \"لا يؤمن أحدكم … \" ولفظ البخاري: \"لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه\".\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا يؤمن عبد) هذا لفظ مسلم، وفي لفظ لهما: (أحدكم) والمراد بالإيمان: الإيمان الكامل التام، وإلا فأصل الإيمان يحصل ولو لم يكن بهذه الصفة (^١).\n\nقوله: (حتى يحب لجاره أو لأخيه) بالشك من الراوي، والمراد بالمحبة -هنا-: المودة، والمراد بـ (أخيه): المسلم، وكذا أخته المسلمة، وهذا التقييد مأخوذ من التعبير بلفظ (أخيه)، وهذا اللفظ يشمل الجار وغير الجار، أما\n_________\n(^١) \"التوضيح لشرح الجامع الصحيح\" (٢/ ٥١١).","vol":"10","page":102},{"text":"على رواية: الجاره) فهو عام في الجار المسلم والكافر، والصالح والفاسد، والقريب والأجنبي، فصار كل واحد من اللفظين أعم من الآخر من وجه، والظاهر أن المراد لفظة (أخيه) لأنها أعم؛ لأن الغالب في بلاد الإسلام أن الجار مسلم (^١). وحذف المعمول يؤذن بالعموم؛ أي: حتى يحب لجاره أو لأخيه من الطاعات والأشياء المباحات، وقد جاء التصريح بذلك في رواية عند النسائي من طريق حسين المعلم عن قتادة: (حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير) (^٢). وهذا إذا كان جاره أخًا له، فإن كان كافرًا أحبّ له الدخول في الإسلام مع ما يحب لنفسه من المنافع بشرط الإيمان.\n\nقوله: (ما يحب لنفسه) أي: مثل ما يحب لنفسه من الخير، ولم يَنُصَّ على أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه؛ لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من كمال إيمان العبد أن يحب لجاره ولأخيه المسلم ما يحب لنفسه، بحيث يسره ما يسره، ويسوءه ما يسوءه، ويعامله بما يحب أن يعامله به، يأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، ويرشده إلى ما ينفعه، ويحذره مما يضره.\nوهذا يدل على أنه ينبغي أن يكون المؤمن مع المؤمن كالنفس الواحدة، فيحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه من حيث إنها نفس واحدة، ويكره له ما يكره من الشر، وهذا يتضمن أن يُفَضِّلَ أخاه على نفسه؛ لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل من غيره، فإذا أحب لغيره ما يحب لنفسه، فقد أحب أن يكون غيره أفضل منه (^٣).\nوإلى هذا أشار الفضيل بن عياض بقوله لسفيان بن عيينة: (إن كنت تريد أن يكون الناس مثلك، فما أديت لله الكريم النصيحة، فكيف وأنت تود أنهم دونك) (^٤).\n_________\n(^١) \"التعليق على صحيح مسلم\" للشيخ محمد بن عثيمين (١/ ٢١٤).\n(^٢) رواه النسائي (٨/ ١١٥)، وأحمد (٢٠/ ٣٩٤، ٣٩٥).\n(^٣) انظر: \"المفهم\" (١/ ٢٢٧).\n(^٤) \"شعب الإيمان\" (٦/ ٣٠٣).","vol":"10","page":103},{"text":"وعن الأحنف بن قيس أنه سئل ممن تعلمت العلم؟ فقال: (من نفسي)، قيل: وكيف ذلك؟ قال: (كنت إذا كرهت شيئًا من غيري لم أفعل بأحد مثله) (^١).\nيقول الحافظ ابن رجب ﵀ في شرحه لحديث الباب: (وهذا يدل على أن المؤمن يسره ما يسر أخاه المؤمن، ويريد لأخيه المؤمن ما يريده لنفسه من الخير، وهذا كله إنما يأتي من كمال سلامة الصدر من الغِلِّ والغِشِّ والحسد، فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد أن يفوقه أحد في خير، أو يساويه فيه؛ لأنه يحب أن يمتاز عن الناس بفضائله، وينفرد بها عنهم، والإيمان يقتضي خلاف ذلك، وهو أن يشركه المؤمنون كلهم فيما أعطاه الله من الخير من غير أن ينقص عليه منه شيء) (^٢).\nوعلى هذا فمن رأى من نفسه حسدًا أو غشًّا أو غِلًّا لأحد من إخوانه أو من جيرانه فليعرف أن هذا نقص في الإيمان ودليل على عدم كماله، وما أحسن مقولة الإمام الجليل أبي محمد عبد الله بن أبي زيد إمام المالكية في زمنه: (جماع آداب الخير يتفرع من أربعة أحاديث: قول النبي - ﷺ -: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت\" وقوله - ﷺ -: \"من حسن إسلام المرء شركه ما لا يعنيه\" وقوله - ﷺ - للذي اختصر له الوصية: \"لا تغضب\".\nوقوله - ﷺ -: \"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه \") (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"التوضيح\" (٢/ ٥١٢).\n(^٢) \"جامع العلوم والحكم\" شرح الحديث (١٣).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٢/ ٣٧٩).","vol":"10","page":104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1258>عظم شأن الزنا بحليلة الجار</span>\n١٤٦٨/ ٦ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَيُّ الذنْب أَعْظَمُ؟ قَال: \"أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ\". قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَال: \"ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ؛ خَشْيَةَ أَنْ يأْكُلَ مَعَكَ\". قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَال: \"ثُمَّ أَنْ تُزَانيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في مواضع من \"صحيحه\" وأولها في كتاب \"التفسير\"، باب (قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢])، ومسلم (٨٦) من طريق أبي وائل، عن عمرو بن شُرحبيلَ، عن عبد الله -يعني ابن مسعود - ﵁ - قال: … وذكر الحديث.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أي الذنب أعظم؟) في رواية لهما: \"أي الذنب أكبر؟ \" ووجه هذا السؤال أن الذنوب متفاوتة، فبعضها أعظم من بعض، ويترتب على ذلك تفاوت العقاب.\n\nقوله: (أن تجعل لله ندًّا) قدمه لأنه أعظم الذنوب، وهو جحد التوحيد، والنِّدُّ: بكسر النون وتشديد الدال هو الشبيه والمثيل والنظير، وجعل الند لله تعالى هو صرف أنواع العبادة أو شيء منها لغير الله.\n\nقوله: (وهو خلقك) الجملة حال من (الله) أو من فاعل (تجعل) أي: والحال أنه انفرد بخلقك، وغيره مخلوق مرزوق مُدَبَّر، فهذا من أعجب العجب وأسفه السفه.","vol":"10","page":105},{"text":"قوله: (ثم أيُّ) أي: ما الذنب الذي يلي الشرك في العِظَمِ عند الله، فـ (ثم) لتراخي الرتبة؛ أي: ثم بعد الشرك، و(أيُّ) قيل: إنه منون؛ لأنه اسم معرب غير مضاف، وقيل: غير منون؛ لأنه مضاف تقديرًا، والمضاف إليه محذوف لفظًا، والتقدير: ثم أيُّ الذنب أعظم؟ وعلى هذا فيوقف عليه بدون تنوين، وهذا هو الأقرب (^١).\n\nقوله: (خشية أن يطعم معك) وفي رواية البخاري: \"تخاف أن يطعم معك\" أي: من جهة إيثار نفسك عليه عند عدم وجود ما يكفي من الطعام، أو من جهة البخل مع الوجدان، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] أي: من فقر حاصل، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] أي: خشية فقر محتمل منتظر.\n\nقوله: (ثم أن تزاني حليلة جارك) تزاني: تُفَاعِل، وهو يقتضي أن يكون هذا الفعل من الجانبين، ومعنى ذلك: أن تطاوعه المرأة على الفاحشة، فيزني بها برضاها، وذلك يقتضي الزنا وإفسادها على زوجها واستمالة قلبها إلى الزنا، وذلك أفحش.\nوحليلة الجار: زوجته، وهي فعيلة بمعنى فاعلة من حَلَّ يَحِلُّ -بالكسر- إذ كلٌّ منهما حلال للآخر، أو من حَلَّ يَحُلُّ -بالضم- لأنها تحل معه ويحل معها.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن أكبر الذنوب وأعظمها جرمًا الشرك بالله تعالى، بان يجعل لله تعالى ندًّا في العبادة من الحب والخوف والرجاء وغير ذلك من العبادات، قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] أي: أشباهًا ونظراء تصرفون لهم العبادة أو شيئًا منها وأنتم تعلمون أن هذه الأنداد ليست مماثلة لله تعالى، وتعلمون -أيضًا- أن الله ﷾ هو المستحق للعبادة.\n_________\n(^١) \"عمدة القارئ\" (١٤/ ٤٢٤)، \"دليل الفالحين\" (٢/ ١٤٦).","vol":"10","page":106},{"text":"* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الشرك من العالم بحقيقة التوحيد أقبح من غيره، لقوله: \"وهو خلقك\"، قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: وأنتم تعلمون أنه لا ربَّ لكم يرزقكم غيره، قاله ابن عباس - ﵄ - وغيره (^١).\n\n* الوجه الخامس: عظم شأن القتل بغير حق وأنه يلي الشرك، ويتضاعف الإثم والعقاب إذا كان المقتول ذا رحم من القاتل، كابنه الذي هو محبوب طبعًا مرحوم عادة، ويتضاعف مرة أخرى حينما يكون الهدف هو قطع المقتول من رزق الله تعالى الذي أُجري على يد القاتل، وهذا نهاية الشح، وغاية سوء الظن بالله تعالى، مع ما فيه من غلبة الجهل وغلظ الطبع والقسوة، فلما اجتمعت هذه الأوصاف صار هذا القتل يلي الشرك بالله تعالى.\n\n* الوجه السادس: قبح الزنا وشناعته، ويعظم إثمه إذا كانت المزني بها امرأة الجار؛ لأنه زنا، ولأنه خيانة للجار، فإن الجار يتوقع من جاره حفظه والذَّبَّ عنه وعن حريمه، فإذا قابل هذا بالزنا بزوجته كان من أقبح القبائح وأعظم صور الخيانة، وفيه -أيضًا- إبطال ما أوصى الله به من حفظ حق الجار والإحسان إليه.\nوفي قوله: \"أن تزاني\" دليل على أنها إذا لم تطاوعه فالذنب أعظم. قال النووي: (في هذا الحديث أن أكبر المعاصي الشرك، وهذا ظاهر لا خفاء فيه، وأن القتل بغير حق يليه … وأما ما سواهما من الزنا واللواط وعقوق الوالدين … وغير ذلك من الكبائر فلها تفاصيل وأحكام يعرف بها مراتبها، ويختلف أمرها باختلاف الأحوال والمفاسد المرتبة عليها، وعلى هذا يقال في كل واحدة منها هي من أكبر الكبائر …) (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٨٧).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (١/ ٤٤١) بتصرف.","vol":"10","page":107},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1259>ما جاء في أن التسبب إلى شتم الوالدين من الكبائر</span>\n١٤٦٩/ ٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄ -؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"مِنَ الْكَبَائِرِ: شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيهِ\". قِيلَ: وَهَلْ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيهِ؟ قَال: \"نَعَمْ. يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أَمَّهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه في وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأدب\"، باب (لا يسب الرجل والديه) (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠) من طريق سعد بن إبراهيم، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ … \" الحديث، وهذا لفظ مسلم.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من الكبائر) رواية البخاري: \"من كبر الكبائر\" ولا تنافي بينهما؛ لأنه لا يخرج الشتم بذلك عن كونه بعضًا منها، وقال القرطبي: (لأن شتم المسلم الذي ليس بأبٍ كبيرة، فشتم الآباء أكبر منه) (^١).\nوقد تقدم تعريف الكبيرة في \"الأيمان والنذور\" وأنها كل ذنب أطلق عليه الشرع أنه كبير أو عظيم، أو أخبر فيه بشدة العقاب عليه، أو علق عليه حدًّا،\n_________\n(^١) \"المفهم\" (١/ ٢٨٥).","vol":"10","page":108},{"text":"أو شدد النكير عليه وغلظه، وشهد بذلك كتاب أو سنَّة أو إجماع.\n\nقوله: (شتم الرجل والديه) الشتم: هو السبُّ، يقال: شتمه يَشْتِمه من باب ضرب: إذا سبّه، والاسم الشتيمة (^١). وفي رواية البخاري: \"أن يلعن الرجل والديه\" والمراد بالرجل: المكلف، ومثله المرأة المكلفة، وهذا من باب المجاز العقلي حيث أُسند الفعل إلى غير من هو له؛ لعلاقة السببية، بدليل سياق الحديث (^٢).\n\nقوله: (وهل يسب الرجل والديه) استفهام معناه الإنكار والاستبعاد أن يصدر ذلك من ذي عقل، لرواية: \"وكيف يلعن الرجل والديه؟ \".\nويَسُبُّ بضم السين، ماضيه سَبَّ من باب رَدَّ، والسب: الشتم والقطع والطعن (^٣).\n\nقوله: (قال: نعم) أي: يسب الرجل والديه، ولكن بالتسبب فيه لا بالمباشرة.\n\nقوله: (يسب أبا الرجل فيسب أباه) هذا تفسير لما قبله وبيان لصفة التسبب، والضمير في قوله: (فيسب) يعود على المسبوب أبوه، والضمير في قوله: (أباه) يعود على أبي الساب، والمعنى: يشتم الإنسان والد شخص آخر، فيشتم هذا الآخر والد الذي سب أباه، فيكون المبتدئ قد تسبب في شتم والده هو، ووقع في إثم من سب والده.\nوقد يكون تقديم الأب في الذكر أن الغالب عدم ذكر النساء حتى في مقام المدح (^٤).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على عظم حق الأبوين وأن التسبب إلى أذيتهما وشتمهما من كبائر الذنوب، وإذا كان هذا في التسبب إلى شتمهما ولعنهما فإن لعنهما مباشرة أقبح وأفحش.\n_________\n(^١) \"مختار الصحاح\" ص (٣٢٩).\n(^٢) انظر: \"دليل الفالحين\" (٢/ ١٨٣).\n(^٣) \"مختار الصحاح\" ص (٢٨١).\n(^٤) \"دليل الفالحين\" (٢/ ١٨٣).","vol":"10","page":109},{"text":"وفي قول الصحابة - ﵃ -: (وهل يسب الرجل والديه؟) دليل على ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من المبالغة في برّ الوالدين، ومن الملازمة لمكارم الأخلاق والآداب (^١)\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز العمل بالظن الغالب؛ لأن الذي يسب أبا الرجل قد لا يجازيه بالسب بل يسكت، لكن الغالب أن يجازيه فيجيبه بنحو قوله.\n\n* الوجه الخامس: استدل العلماء بهذا الحديث على قاعدة: سد الذرائع وأن من آل فعله إلى محرم حرم عليه ذلك الفعل وإن لم يقصد المحرم؛ لأن الرسول - ﷺ - نهى الرجل عن الابتداء بالسب، لئلا يؤول هذا السب إلى سبّ والديه، وهذا محرم، وإن لم يكن قصد ذلك (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المفهم\" (١/ ٢٨٥).\n(^٢) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٤٤٨)، \"المفهم\" (١/ ٢٨٥).","vol":"10","page":110},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1260>تحريم الهجر فوق ثلاث ليال</span>\n١٤٧٠/ ٨ - عَنْ أَبي أَيُّوبَ - ﵁ -؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ: يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هذَا، ويُعْرِضُ هذَا، وَخَيرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأدب\"، باب (الهجرة) (٦٠٧٧)، ومسلم (٢٥٦٠) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا يحل لمسلم) هذا من صيغ النهي؛ لأن نفي الحل دليل على التحريم، وقيده بالمسلم لأنه هو الذي يقبل خطاب الشرع وينقاد لمقتضاه.\n\nقوله: (أن يهجر) بضم الجيم، ماضيه هجر من باب قتل، ومادة هجر تعني القطيعة التي هي ضد الوصل، والتهاجر: التقاطع (^١)، والاسم: الهِجرة، والمراد هنا: أن يترك المسلم كلام أخيه المسلم إذا تلاقيا ويعرض كل واحد منهما عن صاحبه (^٢).\nوهذا مأخوذ من قوله - ﷺ -: \"فيعرض هذا ويعرض هذا\"، وأما ترك\n_________\n(^١) \"مختار الصحاح\" ص (٦٩٠)، \"لسان العرب\" (٥/ ٢٥٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٩٢).","vol":"10","page":111},{"text":"السلام فهو مأخوذ من حديث عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يحل لمسلم أن يهجر مسلمًا فوق ثلاث، فإذا لقيه سلم عليه ثلاث مرار، كل ذلك لا يرد عليه، فقد باء بإثمه\" (^١).\n\nقوله: (أخاه) في الدين، وفي التعبير بالأخوة إيماء إلى الحث على التواصل والتحذير من القطيعة.\n\nقوله: (فوق ثلاث ليال) في حديث أنس - ﵁ -: \"فوق ثلاثة أيام\" (^٢)، وهذا يفيد أن المرخص فيه ثلاثة أيام بلياليها.\n\nقوله: (يلتقيان …) جملة مستأنفة لمعنى الهجر بذكر بعض أفراده.\n\nقوله: (فيعرض هذا ويعرض هذا) أي: يوليه عُرْضَهُ -بضم العين- وهو جانبه، وهذا هو الغالب في حال المتهاجرين عند اللقاء أن كلًّا منهما يعرض عن صاحبه، وفي رواية لمسلم: \"فيصد هذا ويصد هذا\".\n\nقوله: (وخيرهما …) أي: أفضلهما عند الله من يبدأ صاحبه بالسلام؛ لأن هذا المبتدئ فعل حسنة، وتسبب إلى فعل حسنة، وهي الجواب مع ما يدل عليه الابتداء من حسن الطوية وترك ما يكرهه الشارع من الهجر والجفاء.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم هجر المسلم أخاه المسلم أكثر من ثلاث ليال، وهذا منطوق الحديث، وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا هجرة بعد ثلاث\" (^٣)، وقد ورد في تحريم الهجر أحاديث كثيرة في الصحاح والسنن وغيرها. ومفهومه إباحة الهجر في الثلاث فما دونها، مراعاةً للطباع البشرية؛ لأن الآدمي مجبول على الغضب وسوء الخُلُقِ، فعُفِيَ عن الهجر في الثلاث ليذهب ذلك العارض.\nوذلك لأن الأصل في الهجر بين المسلمين المنع، وما أبيح منه فهو لحاجة،\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٤٩١٣) وفي صنده محمد بن خالد بن عثمة، صدوق يخطئ، وعبد الله بن المنيب المدني، لا بأس به. وقد حسنه ابن مفلح في \"الآداب الشرعية\" (١/ ٢٥٣).\n(^٢) رواه البخاري (٦٠٦٥).\n(^٣) رواه مسلم (٢٥٦٢).","vol":"10","page":112},{"text":"والحاجة تقدر بقدرها، وقد جعل الإسلام الثلاث هي مقدار ما أبيح، وهذا له نظائر كالإحداد على القريب، والترخيص للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثًا في مكة، وذلك لأن الغالب أن الهجر وموجبه يزول في الثلاث أو يقل.\n\n* الوجه الرابع: حمل العلماء هذا الحديث وما في معناه على الهجر لحظ النفس لاستصلاح أمر دنيوي، قد يكون سببه التقصير في حق الصحبة وآداب المعاشرة، ومن هذا هجر الوالد لولده، والصديق لصديقه ونحو ذلك.\nأما الهجر لحق الله تعالى، فهذا من عمل أهل التقوى، وهو غير مؤقت بوقت، وإنما هو معلق بسبب يزول بزواله؛ كهجر العصاة وقرناء السوء الذين تضر صحبتهم إلا لحاجة أو مصلحة راجحة. قال ابن مفلح: (يسن هجر من جهر بالمعاصي الفعلية والقولية والاعتقادية) (^١).\nوالمقصود بهذا زجر المهجور وتأديبه وتأديب غيره ممن يفعل فعله، وهو بهذا الاعتبار من جنس الجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، وهو -أيضًا- من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقضاء على الفساد، وهذا يختلف باختلاف الحال، فإن كان في الهجر صلاح لدين الهاجر والمهجور وجب الهجر، وإن كان لا يتأدب بالهجر بل يزيد الشر أو تكون المفسدة راجحة لم يجز الهجر، بل يكون التألف لبعض الناس أنفع من الهجر، وقد يكون الهجر لآخرين أنفع، ومن أدلة ذلك هجر النبي - ﷺ - الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، كما في حديث كعب بن مالك - ﵁ -. قال ابن عبد البر: (وفي حديث كعب هذا دليل على أنه جائز أن يهجر المرء أخاه إذا بدت منه بدعة أو فاحشة، يرجو أن يكون هجرانه تأديبًا له وزجرًا عنها، والله أعلم) (^٢).\n\n* الوجه الخامس: حرم الإسلام الهجر بين المسلم وأخيه لما يترتب عليه من المفاسد والآثار السيئة، ومنها:\n_________\n(^١) \"الآداب الشرعية\" (١/ ٢٢٩)، \"جامع العلوم والحكم\" شرح الحديث (٣٥).\n(^٢) \"التمهيد\" (٦/ ١١٨).","vol":"10","page":113},{"text":"١ - أن المتهاجرين محرومان من آثار فعل الخير، فصلاتهما لا ترفع، وعملهما موقوف حتى يصطلحا، وهذه من أعظم الآثار وأشدها، وقد روى مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -: \"تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد مسلم، لا يشرك بالله إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا\" (^١).\n٢ - الهجر تعطيل للنصيحة التي حثّ عليها الإسلام واعتبرها هي الدين؛ لأن المتهاجرين لا يمكن أن يتناصحا.\n٣ - أن الهجر تعطيل لحق المسلم على أخيه مما أوجبه الإسلام وحثّ عليه، من السلام وتشييع جنازته وعيادته إذا مرض واجابة دعوته ونحو ذلك.\n٤ - أن الهجر يفضي إلى أمر قبيح مذموم وهو فرح أحدهما إذا أصاب الآخر نقمة، وغمّه إذا أصابته نعمة، وهذا بعيد عن آداب الإسلام التي تقوم على نشر المحبة وبث الألفة بين المسلمين.\n٥ - أن الهجر يفضي إلى قطع يد المساعدة عن المهجور، وهو عقوق إن كان المهجور أحد الوالدين، وقطيعة الرحم إن كان من الأقارب، والجنة لا يدخلها قاطع.\n٦ - أن الهجر يفضي إلى إطلاق اللسان بالسب والعيب وإفشاء العيوب بالصدق أو الكذب، فالأمر دائر بين الغيبة والبهتان، وكلاهما من كبائر الذنوب.\n\n* الوجه السادس: استدل أكثر العلماء بقوله - ﷺ -: \"وخيرهما الذي يبدأ بالسلام\" أن السلام يقطع الهجر ويرفع الإثم ويزيله، ووجه الاستدلال: أن حصول الخير للبادئ بالسلام دليل على انتهاء الهجران من جانبه، ويبقى جانب الآخر، إن رد السلام انتهى الهجران من جانبه، وإلا فيبقى على\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٥٦٥).","vol":"10","page":114},{"text":"إثمه (^١). وهذا يروى عن الحسن ومالك في رواية ابن وهب، وقال به طائفة من الحنابلة (^٢)، ونسبه النووي إلى الشافعية (^٣)، وقد جاء عن الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد وقد سأله رجل عن ابنة عم له تنال منه وتظلمه وتشتمه وتقذفه، فقال: (سَلِّمْ عليها إذا لقيتها، اقطع المصارمة، المصارمة شديدة)، قال ابن مفلح: (فظاهره أن السلام يقطع المصارمة مطلقًا) (^٤)، وقد يقال: إن كلام الإمام أحمد في السلام على هذه المرأة لكونها أجنبية عنه، إذ لا يمكن مجالستها ونحو ذلك مما يقطع الهجر.\nوالقول الثاني: أنه لا ينقطع الهجر إلا بعودهما إلى ما كان عليه قبل الهجر من السلام والكلام والمجالسة ونحو ذلك، واستدلوا بقوله - ﷺ -: \"فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا\" وهذا مروي عن مالك، ونسبه الحافظ إلى أحمد، وابن القاسم المالكي، قال الإمام أحمد: (لا يبرأ من الهجرة إلا بعود الحال التي كان عليها أولًا) (^٥).\nالقول الثالث: التفصيل بين الأقارب والأجانب، فالأجانب يزول الهجر بمجرد السلام، والأقارب بعود المودة السابقة لوجوب صلة الرحم.\nوالذي يظهر -والله أعلم- أن السلام لا يكفي، وليس في الحديث ما يدل على أنه يكفي، وإنما هو إثبات فضيلة من يحاول إزالة الهجر ويبدأ بالسلام، وهو أول طريق لإزالة الهجر، لكنه لا يكفي لإزالة الهجر، بل لا بد أن تعود حالهما إلى ما كانت عليه قبل الهجر، لا سيما إذا كانت من عادتهما الاجتماع والكلام والمصافحة، وما أحسن قول الإمام أحمد ﵀ في رواية\n_________\n(^١) \"تحية السلام في الإسلام\" (٢/ ٧٧٥).\n(^٢) \"التمهيد\" (٦/ ١٢٧)، \"جامع العلوم والحكم\" شرح الحديث (٣٥)، \"كشاف القناع\" (٢/ ١٥٤)، \"حاشية العدوي على كفاية الطالب\" (٢/ ٣٩٥)، \"الفواكه الدواني\" (٢/ ٣٨٨)، \"شرح ثلاثيات المسند\" (٢/ ١٠٢).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (١٦/ ٣٥٤).\n(^٤) \"الآداب الشرعية\" (١/ ٢٥٤).\n(^٥) \"التمهيد\" (٦/ ١٢٧ - ١٢٨)، \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٩٦)، \"شرح ثلاثيات المسند\" (٢/ ١٠٨).","vol":"10","page":115},{"text":"الأثرم: وسئل عن السلام يقطع الهجران؟ فقال: (قد يسلم عليه وقد صدَّ عنه) (^١)، وقال أيضًا: (ينظر في ذلك إلى ما كان عليه قبل أن يهجره، فإن كان قد علم منه مكالمته والإقبال عليه، فلا يخرجه من الهجرة إلَّا سَلَامٌ ليس معه إعراض ولا إدبار) (^٢).\nأما المكاتبة والمراسلة في حال الغيبة ففيها وجهان عند الشافعية، أحدهما: لا يزول بها الهجر؛ لأنه لم يكلمه، وأصحهما: يزول لزوال الوحشة (^٣). وفي زماننا هذا تقل قيمة الخلاف في مسألة المكاتبة لوجود وسائل الاتصال كالهاتف ونحوه. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الآداب الشرعية\" (١/ ٢٥٣).\n(^٢) \"التمهيد\" (٦/ ١٢٧ - ١٢٨).\n(^٣) شرح صحيح مسلم\" (١٦/ ٣٥٤).","vol":"10","page":116},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1261>الترغيب في بدل المعروف</span>\n١٤٧١/ ٩ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ\". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأدب\"، باب (كل معروف صدقة) (٦٠٢١) من طريق أبي غسان (^١)، قال: حدثني محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله -﵄-، عن النبي - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\nوهذا الحديث من أفراد البخاري (^٢)، ورواه مسلم (١٠٠٥) من حديث حذيفة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"كل معروف صدقة\" فاللفظ متفق عليه، وإنما اختلف صحابيه، ولهذا لم يعزه الحافظ للمتفق عليه؛ لأن اصطلاح المتفق عليه خاص بما اتحد فيه اسم الصحابي، هذا اصطلاح المحدثين كما ذكر الحافظ في \"نُكَتِهِ على كتاب ابن الصلاح\" (^٣).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كل معروف) كل: من صيغ العموم، بل هي من أبلغها، وهذا يفيد أن المعروف وإن قلَّ فهو صدقة.\nوالمعروف: اسم جامع لكل ما فيه نفع للآخرين من قول أو فعل،\n_________\n(^١) هو محمد بن مطرِّف.\n(^٢) انظر: \"علل ابن أبي حاتم\" (١١٤٦)، \"أطراف الغرائب والأفراد\" (١/ ٣١٩).\n(^٣) (١/ ٢٩٨، ٣٦٤).","vol":"10","page":117},{"text":"فيدخل في ذلك كل نفع بدني أو مالي أو عملي أو توجيه لخير ديني أو مصلحة دنيوية، مثل الكلمة الطيبة والإحسان إلى الخلق بالمال أو بالجاه أو بالمساعدة أو إرشاد الضال.\n\nقوله: (صدقة) أصل الصدقة ما يخرجه المرء من ماله لله تعالى، ويدخل في ذلك الصدقة الواجبة والمندوبة، والإخبار عن المعروف بأنه صدقة هو من باب التشبيه البليغ، والمعنى: أن فعل المعروف له أجر كأجر الصدقة.\n\n* الوجه الثالث: هذا الحديث من جوامع الكلم التي أعطيها النبي - ﷺ - فتجتمع المعاني الكثيرة والوصايا النافعة تحت ألفاظ مختصرة واضحة؛ لأن فيه حثًّا وترغيبًا في بذل المعروف وكل ما فيه نفع للآخرين من كلمة طيبة كتشميت العاطس، والبدء بالسلام ورده، والثناء على المسلم بحق ونصحه وإرشاده، ومن المعروف الشاشة عند اللقاء، والمواساة، والشفاعة الحسنة، وفيه دليل على أن الإنسان يُثاب على ذلك كما يثاب على الصدقة من ماله، وهذا يدل على أن الصدقة ليست قاصرة على بذل المال الذي قد لا يكون إلا عند أهل اليسار، بل تكون الصدقة في الأفعال وغيرها مما هو في مقدور كل أحد في غالب الأحيان، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كل سُلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة\" (^١).\nوهذا من فضل الله على عباده حيث يسر لهم أبواب الخير، ورتب عليها الأجور، وأصول ذلك ثلاثة:\n١ - عمل بدني: كالصلاة والصيام والتلاوة وطلب العلم وتعليمه.\n٢ - بذل مالي: كالزكاة والصدقة والنفقة.\n٣ - مركب منهما: وهو الحج والجهاد في سبيل الله. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٨٢٧)، ومسلم (١٠٠٩).","vol":"10","page":118},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1262>استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء</span>\n١٤٧٢/ ١٠ - عَنْ أَبي ذَرٍّ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيئًا، وَلَوْ أَن تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ\".\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث ذكر الحافظ من رواه مع الحديث الذي يليه، وقد رواه مسلم في كتاب \"البر والصلة\"، باب (استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء) (٢٦٢٦) من طريق أبي عامر -يعني الخزاز- عن أبي عمران الجَوْني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر - ﵁ - قال: قال لي النبي - ﷺ -: … وذكر الحديث.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا تحقرن) بكسر القاف، ماضيه حَقَرَ المتعدي من باب ضرب، وماضيه اللازم من باب ظَرُفَ، يقال: حَقُرَ الشيء -بالضم- حقارة: هان قدره فلا يُعبأ به فهو حقير، ويعَدَّى بالحركة فيقال: حَقَرته واحتقرته (^١).\n\nقوله: (من المعروف شيئًا) أي: أيَّ شيء مهما قلّ؛ لأنك إذا حقرته تركته مع أنه قد يكون سببًا للوصول إلى مرضاة الله تعالى، كما قال - ﷺ -: \" … وإن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات\" (^٢).\n\nقوله: (ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) لو: تفيد التقليل (^٣)، وهي داخلة\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (١٤٣).\n(^٢) رواه البخاري (٦٤٧٨).\n(^٣) \"الجنى الداني\" ص (٢٩٠).","vol":"10","page":119},{"text":"على فعل مقدر لتبقى على اختصاصها، وهو الدخول على الفعل، والتقدير: ولو كان ذلك المعروف.\n\nوقوله: (طلق) بفتح الطاء وسكون اللام، وقد اقتصر صاحب \"المختار\" على هذه اللغة، وقال في \"القاموس\": (طُلْقُ الوجهِ: مثلثة، وككَتِفٍ وأَمير …) (^١)، ومعنى هذا: أن فيه خمس لغات: طُلْقٌ: بتسكين اللام وتثليث الطاء، والرابعة: طَلِقٌ، بفتح الطاء وكسر اللام، والخامسة: طَليقٌ بزيادة ياء، وطلق الوجه: ضاحكه ومشرقه، يقال: طَلُقَ الوجه -بالضم- طلاقة إذا كان ضاحكًا مشرقًا.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب طلاقة الوجه وبشاشته عند اللقاء وأن هذا من المعروف الذي ينبغي للمسلم أن يحرص عليه؛ لما فيه من إيناس الأخ المسلم وإدخال السرور عليه ودفع الإيحاش عنه، وبهذا يحصل التآلف والتقارب بين المسلمين، ومع هذه الفائدة العظيمة فإنه لا يكلف الإنسان شيئًا، فهو فعل هين عظيم الأجر، كثير الفائدة، وهو فضل وإنعام من الله تعالى يتفضل به على من يشاء من خلقه.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يحرص على فعل المعروف ولا سيما ما كان متعلقًا بالآخرين لما يترتب عليه من المصالح العظيمة، وألا يحقر من المعروف شيئًا.\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على كمال هذه الشريعة وشمولها، وأنها جاءت بكل ما فيه صلاح الناس وتوحيد كلمتهم وجمع شملهم وإشاعة المحبة بينهم. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"مختار الصحاح\" ص (٣٩٦)، \"ترتيب القاموس\" (٣/ ٩٠).","vol":"10","page":120},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1263>الوصية بالإحسان إلى الجار ولو بالقليل</span>\n١٤٧٣/ ١١ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرانَكَ\". أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ.\n\n° الكلام عليه من تخريجه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"البر والصلة والآداب\"، باب (الوصية بالجار والإحسان إليه) (٢٦٢٥) (١٤٢) من طريق عبد العزيز بن عبد الصمد العَمِّي، حدثنا أبو عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يا أبا ذر إذا طبخت مرقة … \" الحديث.\nورواه من طريق شعبة، عن أبي عمران الجوني، ولفظه: إن خليلي أوصاني: \"إذا طبخت مرقًا فأكثر ماءه، ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف\".\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا طبخت مرقة) جمعها مَرَقٌ، والمرق هو الماء الذي طبخ فيه اللحم ونحوه، قال ابن منظور: (المرق: الذي يؤتدم به، واحدته مرقة) (^١).\nوفيه مجاز مرسل، علاقته اعتبار ما يكون، كقوله تعالى عن صاحب السجن: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] فالخمر لا تعصر لأنها سائل، وإنما الذي يعصر هو العنب، فإطلاق الخمر وإرادة العنب مجاز مرسل، علاقته اعتبار ما يكون، ومعنى الحديث: إذا طبخت ذا مرق من لحم أو\n_________\n(^١) \"لسان العرب\" (١٠/ ٣٤٠).","vol":"10","page":121},{"text":"غيره، وقد روى الإمام أحمد من حديث جابر - ﵁ - مرفوعًا: \"إذا طبختم اللحم فأكثروا المرق -أو الماء-، فإنه أوسع -أو أبلغُ- للجيران\" (^١).\n\nقوله: (فأكثر ماءها) لأنه إذا كَثُر الماء كثر الائتدام به، وهو إساغة الخبز وتليينه، أو شربه لطعمه وفائدته، والأمر بإكثار الماء فيه إشارة إلى تيسير الأمر على البخيل؛ لأن هذه الزيادة المأمور بها إنما هي فيما ليس له ثمن وهو الماء فيهون الأمر، بخلاف ما لو كان الأمر بإكثار اللحم - مثلًا - فإن هذا لا يسهل على كل أحد (^٢).\n\nقوله: (وتعاهد جيرانك) قال في \"القاموس\": (تعهده وتعاهده واعتهده: تَفقده وأحدث العهد به) (^٣). والمعنى: أعطهم منها شيئًا، والأمر للندب، للإجماع على أن الإهداء ليس بواجب، ولفظ: (تعاهد) موضوع للمشاركة في الفعل، بمعنى أن هذا مطلوب من كل الجيران مع الباقين.\nوقوله في الرواية الثانية: (بمعروف) فيه إيماء إلى أنه ينبغي أن يكون المرسل به إلى الجيران شيئًا به نفع في الائتدام، فإن لم يتيسر إلا القليل فليهده ولا يحتقره، لحديث أبي ذر المتقدم: \"لا تحقرن من المعروف شيئًا\".\n\n• الوجه الثالث: في الحديث حث على مكارم الأخلاق وإرشاد لمحاسنها لما يترتب على ذلك من المحبة والأُلفة، فالجار مأمور بالإهداء إلى جاره ولو كان ذلك شيئًا يسيرًا، ولا سيما إذا كان جاره يتأذى بقتار قدره، أو تصل إليه رائحة طعامه، وقد يكون ممن لا يقدر على التوصل لمثل ذلك، فتتعلق نفسه ونفس أطفاله بهذا الطعام، وإهداء شيء يسير منه له أعظم الأثر في إدخال السرور على جاره وعلى عياله، وهذه ظاهرة اجتماعية كانت موجودة بصورة جلية إلى زمن قريب، أما الآن فهي أقل بكثير مما مضى.\n_________\n(^١) \"المسند\" (٢٣/ ٢٧٨) وهو من رواية الأعمش قال: بلغني عن جابر - ﵁ -، وعزاه في \"إتحاف المهرة\" (٣/ ١٤٧) إلى ابن أبي شيبة، وهو في \"مسنده\" كما في \"إتحاف الخيرة المهرة\" (٥/ ٢٨٥) من رواية أبي معاوية، عن الأعمش، عن بعض أصحابه، عن جابر - ﵁ -.\n(^٢) \"المفهم\" (٦/ ٦١١ - ٦١٢).\n(^٣) \"ترتيب القاموس\" (٣/ ٣٣٥).","vol":"10","page":122},{"text":"• الوجه الرابع: يقاس على ما في الحديث كل ما ينبغي إهداؤه، ولا سيما ما قد يظهر له رائحة كبعض الفواكه والأطعمة.\n\n• الوجه الخامس: للهدية أثر كبير في بث الإخاء ونشر المودة وتوثيق الصداقة والمحبة ولا سيما بين الجيران؛ لأن الجيران قد يقع بينهم شيء من الأذى والوحشة بسبب الصبيان أو حالات الجوار، والإهداء من أسباب الألفة والتقارب وإزالة الوحشة، ولهذا رغب فيها الإسلام، وقد قالت عائشة - ﵂ - يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيِّهما أهدي؟ قال: \"إلى أقربهما منك بابًا\" (^١). فندب الإهداء إلى الأقرب، وذلك لأن الأقرب يرى ما يدخل في بيت جاره من هدية وغيرها، فيتشوف لها بخلاف الأبعد؛ ولأن الأقرب أسرع إجابة لما قد يقع لجاره من المهمات، ولا سيما في أوقات الغفلة.\nولو أهدى إلى الأبعد وترك الأقرب جاز؛ لأن الهدية في الأصل ليست بواجبة، فلا يكون الترتيب فيها واجبًا.\n\n• الوجه السادس: ينبغي للجار المهدي ألا يمنع جاره شيئًا استقلالًا له واحتقارًا له بل يجود بما تيسر.\nوينبغي للجار المُهدى إليه أن يقبل ذلك بكل سرور ويكافئ عليه ولو بالشكر والدعاء، وألا يستقل ما يأتي من جاره، فإن العدم أقل من ذلك، وقد يكون استقلالها سببًا في قطعها؛ لأن الهدية وإن كانت قليلة فهي دليل على تعلق قلب المُهدي بجاره. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٦٠).","vol":"10","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1264>ما جاء في فضل الستر والتيسير على المسلمين وقضاء حوائجهم</span>\n١٤٧٤/ ١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الذكر والدعاء\"، باب (فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر) (٢٦٩٩) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا … \" وساق الحديث، وتمامه: \"ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بَطَّأَ به عمله لم يسرع به نسبه\".\nوأخرج البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠) بعض جمله من حديث ابن عمر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة\".","vol":"10","page":124},{"text":"• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من نفّس) بفتح النون وتشديد الفاء وآخره سين؛ أي: أزال وفرّج وكشف، مأخوذ من تنفيس الخِناق -وهو ما يَعْصِرُ الحلق- أي: إرخائه حتى يأخذ له نفسًا، والمراد إزالة الضيق، ولفظ البخاري ومسلم من حديث ابن عمر: (من فرّج) وهو من التفريج، وهو أبلغ من التنفيس؛ لأنه يزيل عنه أثر الكربة بحيث يزول همه وغمه.\n\nقوله: (عن مؤمن) خصه بالذكر لمزيد شرفه وحرمته، مما يدل على أن الثواب فيما يُفعل معه من الإحسان آكد، وإلا فالذمي مثله لعموم: \"إن الله كتب الاحسان على كل شيء\" (^١) ويليه المستأمن ثم الحربي. وقد عبر هنا بالإيمان وفي الجمل الآتية بالإسلام إما للتفنن، أو لأن الكربة تتعلق بالباطن فناسب الإيمان المتعلق به أيضًا (^٢).\n\nقوله: (كربة) بضم فسكون، والجمع (كُرَب) بضم ففتح، والكربة هي الشدة العظيمة، وأصل الكربة: ما أهمَّ النفس، وغمَّ القلب، ولما كانت الكربة تقارب أن تُزهق النفس لشدة غمها، كأنها عطلت مجال التنفس منه ناسب التعبير بـ (نَفَسَ) بدل أزال وفرّج (^٣).\n\nوقوله: (من كرب يوم القيامة) ولم يقل كرب الدنيا والآخرة كما في التيسير والستر، إما لأن الكربة هي الشدة العظيمة -كما مر- وليس كل أحد يحصل له ذلك في الدنيا، بخلاف الإعسار والعورات المحتاجة إلى الستر، فإن الإنسان قد لا يخلو منهما ولو بتعسير بعض المطالب، وإما لأن كرب الدنيا ليست بشيء بالنسبة إلى كرب الآخرة، فجعل الله جزاءه تنفيس كرب الآخرة (^٤).\n_________\n(^١) تقدم شرحه في \"الصيد والذبائح\" برقم (١٣٥١).\n(^٢) \"المعين على تفهم الأربعين\" ص (٣٠٠).\n(^٣) انظر: \"الفتوحات الوهبية\" ص (٢٦٨).\n(^٤) \"جامع العلوم والحكم\" حديث (٣٦).","vol":"10","page":125},{"text":"قوله: (ومن يسر على معسر) المعسر: من أثقلته الديون وعجز عن وفائها، والتيسير عليه إما بإبراء أو هبة أو صدقة، أو بإنظار إلى ميسرة بنفسه أو بوساطته.\n\nقوله: (يسر الله عليه) فيه حذف المعمول المشعر بالعموم؛ أي: يسر الله عليه أموره ومطالبه ومقاصده، أمور دينه ودنياه.\n\nقوله: (ومن ستر مسلمًا) أي: ستر عورته الحسية بأن أعطاه ما يسترها به، والمعنوية بأن عَرَفَ منه معصية فيما مضى ولم يرفعه إلى الحاكم، وخص العلماء هذا بمن لم يعرف منه أذى أو فساد (^١).\n\nقوله: (ستره الله) أي: حفظه من الزلات في الدنيا وإن فرط منه شيء لم يفضحه في الدنيا ولم يؤاخذه في الآخرة.\n\nقوله: (والله في عون العبد) الواو: للاستئناف، وهو تذييل لما قبله لشموله لدفع المضرة وهو ما في الخصلة الأولى والثانية، وجلب النفع وهذا في الثالثة، ولهذا جاء التعبير بالجملة الاسمية دون الشرطية كما في الجمل الثلاث؛ ليقوى الحكم ببناء الخبر على المبتدأ (^٢).\nوعون الله للعبد: إعانته وتسديده على قضاء شؤونه النافعة.\n\nقوله: (ما كان العبد …) مصدرية ظرفية؛ أي: مدة دوام كون العبد في عون أخيه.\n\nقوله: (في عون أخيه) أي: إعانة أخيه بقلبه أو بدنه أو ماله أو غيره، وهذا مطلق في سائر الأحوال والأزمان، فيشمل المساعدة المادية بالمال، والمعنوية لنيل غايته وقضاء حاجته، كما يشمل الشفاعة له لدى سلطان أو غيره لقضاء حاجته أو تسهيل مهمته.\n_________\n(^١) \"جامع العلوم والحكم\" حديث (٣٦).\n(^٢) \"الفتوحات الوهبية بشرح الأربعين النووية\" ص (٢٧٠).","vol":"10","page":126},{"text":"• الوجه الثالث: هذا حديث عظيم قال عنه النووي: إنه جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب، زاد ابن علان: (والفضائل والفوائد والأحكام) (^١).\nفقد دلّ هذا الحديث على فضل التعارف والتقارب بين المسلمين؛ لأن أفراد المجتمع المسلم أعضاء من جسد واحد، وأن المسلم يشاطر أخاه فرحه وحزنه، فَيُسَرُّ لما يحظى به من فرح وسرور وما يتمتع به من صحة وسعادة، ويتألم لما فيه من ضيق وأذى وما يصيبه من مرض أو فاقة.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على فضل من نفّس عن أخيه المسلم كربة ومصيبة من مصائب الدنيا التي توقعه في غم وهم وضيق، وتفريج الكربة إما بإعطائه من ماله إن كانت كربته من حاجة كدَيْن لزمه أداؤه، أو نفقة أعسر بها، أو ببذل جاهه في طلبه له من غيره، وإما أن يكون تفريج الكربة بالسعي لإزالة مظلمة عنه بسبب ظلم وقع عليه، فيسعى في رفعها أو تخفيفها، وهذا باب واسع، وضابطه: إزالة كل ما ينزل بالعبد أو تخفيفه.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على فضل التيسير على المعسر إما بإنظاره، وهذا واجب، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وإما بأن يضع الدائن عن مدينه أو يضع جزءًا منه، أو يُعطى ما يزول به إعساره، فكل هذا من التيسير المندوب إليه، وهو داخل في تفريج الكرب، ولكنه خصه بالذكر لأنه أبلغ، وقد ثبت فيه فضل عظيم وأجر جزيل، ومن ذلك حديث حذيفة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شيئًا؟ قال: لا، قالوا: تَذَكَّرْ، قال: كنت أُداين الناس، فآمر فتياني أن يُنظروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر، قال الله ﷿: تجوزوا عنه\" (^٢). وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه:\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (١٧/ ٢٤)، \"دليل الفالحين\" (٢/ ٣٨).\n(^٢) رواه البخاري (٢٠٧٧)، ومسلم (١٥٦٠). وانظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٣٠٧).","vol":"10","page":127},{"text":"تجاوزوا عنه؛ لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه\" (^١).\n\n• الوجه السادس: الحديث دليل على فضل الستر على المسلم إذا وقع منه زلة وهو لا يُعرف بين الناس بشيء من المعاصي والفسوق وانتهاك الحرمات، وعليه أن يعظه وينصحه، أما في معصية رآه عليها وهو متلبس بها، فتجب المبادرة إلى الإنكار عليه ومنعه منها إن قدر، أو رفعه إلى ولي الأمر إذا لم يترتب على ذلك مفسدة.\nأما من كان معروفًا بالفسق مشتهرًا بالمعصية، فهذا ينبغي كشف حاله وعدم الستر عليه؛ لأن الستر عليه يشجعه على الفساد ويغريه بالإجرام، ومثل هذا لا يُشفع له إذا أُخذ ولو لم يبلغ السلطان، بل يترك حتى يقام عليه الحد أو يؤدب؛ ليكشف ستره، ويرتدع أمثاله.\n\n• الوجه السابع: الحديث دليل على فضل إعانة المسلم أخاه في أمور دينه ودنياه، وأن من كان في عون أخيه كان الله في عونه بتيسير أموره وتسهيل مطالبه، وهذا يشمل العون الحسي في العمل ونحوه، والعون المالي بمد يد المساعدة المالية بأن يسعى بجاهه لدى سلطان أو غيره في قضاء حاجة أخيه.\nوقد ثبت في \"الصحيحين\" حديث أبي موسى - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - إذا جاءه سائل أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه ثم قال: \"اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه - ﷺ - ما شاء\" (^٢).\nويؤخذ من هذا أنه ينبغي للمسلم أن يشتغل بقضاء حاجة أخيه فيقدمها على حاجة نفسه لينال من الله تعالى كمال الإعانة في حاجاته.\n\n• الوجه الثامن: في الحديث دليل على أن الجزاء من جنس العمل، وذلك بأن يجازي الله تعالى العبد من جنس فعله، وهذه سنّة الله مع خلقه شرعًا وقدرًا، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٠٧٨)، ومسلم (١٥٦٢).\n(^٢) رواه البخاري (١٤٣٢)، ومسلم (٢٦٢٧).","vol":"10","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1265>ما جاء في فضل الدلالة على الخير</span>\n١٤٧٥/ ١٣ - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ دَلَّ عَلَى خَيرٍ، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الإمارة\"، باب (فضل إعانة الغازي في سبيل الله) (١٨٩٣) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود الأنصاري - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: إني أُبْدِعَ بي فاحملني، فقال: \"ما عندي\"، فقال رجل: يا رسول الله أنا أدلّه على من يحمله، فقال رسول الله - ﷺ -: … وذكر الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أُبدع) بضم الهمزة؛ أي: هلكت دابتي وهي مركوبي، وهو رباعي مبني لما لم يسم فاعله.\n\nقوله: (من دل على خير) نكرة في سياق الشرط، فتعم كل خير ديني أو دنيوي مما لا يقع تحت الحصر، فيدخل في ذلك إرشاد الغير إلى فعل الخير، كما يدخل في ذلك الوعظ والتذكير وتأليف الكتب في العلوم النافعة.\n\nقوله: (فله مثل أجر فاعله) أي: إن للدالِّ من الثواب مثل ما للفاعل من الثواب.\n\n• الوجه الثالث: هذا حديث عظيم من جوامع الكلم، يدل على أن من أرشد غيره إلى خير أو دلّه على هدى كان له من الأجر مثل ما للفاعل، وهذا","vol":"10","page":129},{"text":"مثل حديث أبي هريرة - ﵁ -؛ أن النبي - ﷺ - قال: \"من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء\" (^١). وهذا يشمل الدعوة بالقول؛ كالتعليم والموعظة والإفتاء، والدعوة بالفعل وهي القدوة الحسنة؛ لأن الذي يُقتدى به إذا فعل شيئًا أو ترك شيئًا تبعه الناس، فكأنه بهذا الصنيع دعا الناس إلى فعله أو تركه، وقد دلَّ على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقد فهم سلف هذه الأمة من هذه الآية أن الخيرية قد حصلت للأمة لكونهم أنفع الناس للناس، وذلك بدلالة الناس على الخير، وتحذيرهم من ضده (^٢).\nوهذا فيه فوائد عظيمة، ومنها: أن هذا المرشد إلى الخير ينال من الأجر مثل أجر من أرشده، ومنها: أن الإرشاد إلى الخير تحقيق للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو مشاركة عظيمة في إصلاح المجتمعات، ومنها: التعاون على البر والتقوى، ونشر آداب الإسلام وأحكامه بين أفراد المجتمع، وهذا يحقق للمجتمع حياة السعادة والرشاد.\nومن هذه الأدلة وغيرها قرر المحققون من أهل العلم في أبواب المفاضلة بين الأعمال تفضيل الأعمال المتعدية على الأعمال القاصرة، مثل خدمة الفقراء، وتعليم العلم، والاشتغال بالتأليف والعناية بمصالح الناس وقضاء حوائجهم، ومساعدتهم بالمال والجاه والشفاعة، وذلك لما يحصل بالأعمال المتعدية من عموم النفع، ولما يحصل بها من استمرار الأجر، فإن صاحب النفع لا ينقطع عمله، ما دام نفعه الذي نُسب إليه، وهذه وظيفة الأنبياء والمرسلين، ومن اقتدى بهم من الدعاة المخلصين (^٣).\nفينبغي للمسلم ولا سيما طالب العلم أن يحرص على الدلالة على الخير\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٠١٧).\n(^٢) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٧٧).\n(^٣) انظر: \"مدارج السالكين\" (١/ ٨٧).","vol":"10","page":130},{"text":"ودعوة الناس إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وألا يحقر نفسه أو ييأس من صلاح المدعو واستقامته، بل يرشد الناس بقدر ما عنده من العلم، والتوفيقُ بيد الله تعالى، لينال بذلك الأجر العظيم، ويتأكد هذا في حق المعلم وإمام المسجد وغيرهما ممن يخاطبون عموم الأمة ولا سيما شبابها وناشئتها، وقد قال النبي - ﷺ -: \"لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمْرِ النَّعَمِ\" (^١).\nلكن ينبغي أن يعلم أن التنويه بأهمية العمل المتعدي لا يعني إغفال العمل القاصر، أو التقليل من شأنه؛ لأن هذا الفهم أدَّى إلى خللٍ عند بعض طلاب العلم، فأهمل التعبد الخاص والعناية بخاصة أهله وأولاده بحجة الانشغال بالدعوة وتعليم العلم، والتوسط هو الحق، وهو المسلك الرشيد، تأمل قوله تعالى عن أهل الجنة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] وهذا شامل لإحسانهم بعبادة ربهم، وإحسانهم إلى عباد الله (^٢)، ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٩] فسمى الله العبادة إحسانًا، وبدأ بالإحسان إلى النفس ونوَّه به في آيتين، ثم نوَّه بالاحسان إلى الغير في آية واحدة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٠٠٩)، ومسلم (٢٤٠٦) من حديث سهل بن سعد الساعدي - ﵁ -.\n(^٢) انظر: \"تفسير ابن سعدي\" ص (٨٠٩).","vol":"10","page":131},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1266>استحباب مكافأة من أسدى إليك معروفًا</span>\n١٤٧٦/ ١٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: \"مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلكُمْ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَن أَتَى إِلَيكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا، فَادْعُوا لَهُ\". أَخْرَجَهُ الْبَيهَقِيُّ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الزكاة\"، باب (عطية من سأل بالله) (١٦٧٢)، والنسائي (٥/ ٨٢)، وأحمد (٩/ ٢٦٦)، والحاكم (٢/ ٦٣ - ٦٤)، والبيهقي (٤/ ١٩٩) من طريق الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه\".\nهذا لفظ أبي داود، ونحوه للنسائي وأحمد والبيهقي، إلا أنه في رواية البيهقي قال: \"فأثنوا عليه\" بدل \"فادعوا له\"، وبهذا السياق يتبين أن الحافظ قد اختصر الحديث، وقد ذَهَلَ الحافظ فعزا الحديث للبيهقي مع أنه رواه من هو أرفع منه، كما تقدم، إلا إن كان له بهذا غرض، فالله أعلم.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه؛ للخلاف الذي بين أصحاب الأعمش فيه)، وسكت عنه الذهبي، وصححه النووي، وصححه -أيضًا- الحافظ ابن حجر في \"تخريج أحاديث الأذكار\" كما نقل ذلك ابن علان (^١)، لكن الحديث من رواية الأعمش عن\n_________\n(^١) \"رياض الصالحين\" ص (٥٤٨)، \"الفتوحات الربانية\" (٥/ ٢٥٠).","vol":"10","page":132},{"text":"مجاهد، وقد تكلم الأئمة في عدد الأحاديث التي سمعها منه وأنها ستة أو سبعة، بل قال أبو حاتم كما في \"العلل\" (٢١١٩): (إن الأعمش قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يروي عن مجاهد مدلَّس) (^١).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من استعاذكم بالله) أي: من سألكم بالله تعالى أن تدفعوا عنه شركم أو شر غيركم.\n\nقوله: (فأعيذوه) أي: أجيروه وامنعوه مما استعاذ منه وكفوه عنه تعظيمًا وإجلالًا لمن استعاذ به.\n\nقوله: (ومن سألكم بالله) أي: قال: أسألكم بالله، وحذف المعمول يؤذن بالعموم؛ أي: سألكم أيَّ شيء من جليل أو حقير، ديني أو دنيوي أو علمي.\n\nقوله: (فأعطوه) أي: أعطوه ما سأل، والأمر للوجوب مع القدرة، ما لم يسأل إثمًا، أو قطيعة رحم، أو فيه ضرر على المسؤول؛ لأن في إعطائه إجابة لحاجته، وتعظيمًا لله تعالى الذي سأله به، وقد يكون الأمر للندب إذا سأل من لا فضل عنده، فإنه يستحب أن يعطيه على قدر حال المسؤول ما لا يضره ولا يضر عائلته (^٢).\n\nقوله: (ومن دعاكم) أي: إلى طعام أو غيره كأن يدعوك لمساعدته ومعاونته.\n\nقوله: (فأجيبوه) أي: أجيبوا دعوته بحضور طعامه، أو بمساعدته على الأمر الذي طلب منكم مساعدته عليه.\n\nقوله: (ومن أتى إليكم معروفًا) هذا لفظ النسائي وأحمد والبيهقي، ولفظ أبي داود: \"ومن صنع إليكم\"، وأتى: ضبطت بالهمز بدون مد؛ أي:\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" للدارقطني (١١/ ١٨٨)، (١٢/ ٣٧٤)، \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ٧٦)، \"شرح علل الترمذي\" (٢/ ٧٤٤).\n(^٢) انظر: \"فتح المجيد\" ص (٥١١).","vol":"10","page":133},{"text":"صنع وفعل معروفًا، وبالمد (آتى) أي: أعطاكم المعروف، وهو اسم جامع لكل إحسان، كما تقدم.\n\nقوله: (فكافئوه) أي: على إحسانه بمثله أو أحسن منه.\n\nقوله: (فإن لم تجدوا) هكذا في نسخ \"البلوغ\" بحذف المفعول، وهو ثابت في جميع الروايات، كلما تقدم؛ أي: فإن لم تجدوا شيئًا تكافئون به.\n\nقوله: (فادعوا له) أي: فبالغوا في الدعاء له جهدكم، وظاهره أن الدعاء يكون بعد فعل المعروف مباشرة.\n\nقوله: (تروا) بفتح التاء بمعنى تعلموا، بدليل رواية النسائي: \"حتى تعلموا أن قد كافأتموه\" (^١)، وضبطها بعض الشراح بالضم، أي: تظنوا (^٢).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من استعاذ بالله تعالى من شخص بأن قال له: أعوذ بالله منك، وجبت إعاذته ودفع الشر عنه؛ لأنه يطلب النجاة والحماية، وقد استعاذ بعظيم حيث توسل بأعظم الوسائل وهو الله تعالى، وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا الحديث في كتاب \"التوحيد\" وبوّب عليه باب (لا يُرد من سأل بالله) قال الشارح: (أي: إعظامًا وإجلالًا لله تعالى أن يُسأل به شيء ولا يجاب السائل إلى سؤاله ومطلوبه) (^٣).\nويستثنى من ذلك ما إذا استعاذ من فعل أمر واجب ولازم له، أو استعاذ من الإقلاع عن شيء محرم فإنه لا يعاذ، فالأول كما لو استعاذ بالله من أخذ الدين الذي عليه، والثاني كما لو استعاذ بالله من إنكار ما كان يفعله، فمثل هذا لا يعاذ.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من سأل بالله تعالى فإنه يعطى ولا يرد، كأن يسأل من الزكاة وهو من أهلها، أو يسأل إعانة مالية والمسؤول قادر، أو يسأل الإنظار في دَين عليه وهو يستحق الإنظار؛ لأنه لما سأل بالله صارت إجابته من تعظيم الله تعالى مع ما فيها من قضاء حاجته.\n_________\n(^١) \"السنن\" (٥/ ٨٢).\n(^٢) انظر: \"قرة عيون الموحدين\" ص (٢٧٨).\n(^٣) \"تيسير العزيز الحميد\" ص (٦٥٦).","vol":"10","page":134},{"text":"ويستثنى من ذلك ما لو سأل إثمًا؛ كنقود يشتري بها محرمًا من خمر أو غيره، أو كان في إجابته ضرر على المسؤول، كما لو سأله عن أمر يخص أهله أو بيته فإنه لا يجاب.\n\n• الوجه الخامس: الحديث دليل على مشروعية إجابة دعوة المسلم لوليمة أو غيرها إذا لم يكن ثم مانع من الحضور مما هو مبسوط في موضعه، والإجابة من أسباب الألفة، وسلامة الصدر، وإكرام الداعي، وتوثيق المحبة بين المسلمين، وقد تقدم هذا في أول كتاب \"الجامع\".\nوظاهر الحديث وجوب الإجابة في كل دعوة سواء أكانت دعوة زواج أو غيرها، وهذا مذهب عبد الله بن عمر -﵄-، وهو قول جماعة من السلف، وهو قول الظاهرية.\nوالجمهور على أن إجابة وليمة الزواج واجبة، وما عداها فهي مستحبة، وقد مضى بسط هذه المسألة في باب (الوليمة) من كتاب \"النكاح\" (^١).\n\n• الوجه السادس: الحديث دليل على مشروعية مكافأة المحسن على معروفه عند القدرة على ذلك، سواء أكان هذا المعروف هدية ومعونة على أمر، أو قضاء حاجة أو غير ذلك؛ لأن المكافأة على المعروف من المروءة التي يحبها الله ورسوله بدلالة هذا الحديث، وهذه المكافأة لها فائدتان:\nالأولى: تشجيع ذوي المعروف والإحسان على أفعال الخير والمداومة عليها.\nالثانية: أن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، فهو إذا أحسن إليه ولم يكافئه يبقى في قلبه شيء من التعلُّق به والرقة له، فشرع قطع ذلك بالمكافأة (^٢)، ولو كان صاحب المعروف كافرًا، وهو أولى من مكافأة المسلم، إذ منّة المسلم أسلم من منّة الكافر (^٣).\n_________\n(^١) انظر: (٧/ ٤١٥) من هذا الكتاب.\n(^٢) \"تيسير العزيز الحميد\" ص (٦٥٩).\n(^٣) \"حاشية ابن قاسم على كتاب التوحيد\" ص (٣٤٨)، \"القول المفيد\" (٣/ ١١٤).","vol":"10","page":135},{"text":"أما الإعراض عمن أسدى إليك معروفًا وكأنه ما فعل شيئًا، فهذا ليس من مكارم الأخلاق ولا يهمل المكافأة على المعروف إلا اللئام من الناس. قال ابن حبان: (الواجب على المرء أن يشكر النعمة، ويحمد المعروف على حسب وسعه وطاقته، إن قدر فبالضِّعْفِ، وإلا فبالمثل، وإلا فبالمعرفة بوقوع النعمة عنده، مع بذل الجزاء له بالشكر، وقوله: جزاك الله خيرًا …) (^١).\nوقد استثنى العلماء من مشروعية المكافأة من لا تحسن مكافأته لكون العادة لم تجر بذلك، كالملك والرئيس والوزير فهذا يدعى له (^٢).\nفإن لم يجد ما يكافئ به صاحب المعروف فإنه يدعو له ويجتهد ويبالغ في الدعاء حتى يرى أنه قد كافأه؛ لأنه لما رأى في نفسه تقصيرًا في المجازاة لعدم القدرة عليها أحال ذلك إلى الله تعالى ونِعْم المجازي هو (^٣)، وهذا يفيد أن الدعاء يسمى مكافأة في حق من لا يقدر على المجازاة، فيدعو له بما يناسب المعروف أو بما يناسب المقام، ومن أبلغ الدعاء أن يقول له: جزاك الله خيرًا، وقد تقدم في هذا حديث أسامة بن زيد - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من صُنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء\" (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"روضة العقلاء\" ص (٣٥٣).\n(^٢) \"القول المفيد\" (٣/ ١١٣).\n(^٣) \"تيسير العزيز الحميد\" ص (٦٥٩).\n(^٤) تقدم في \"الأيمان والنذور\" برقم (١٣٧٨).","vol":"10","page":136},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1267>باب الزهد والورع</span>\nالزهد: مصدر زَهِدَ في الشيء، وزَهِدَ عنه يَزْهَدُ زَهَادة من باب سَلِمَ، وزُهْدًا -أيضًا- بمعنى تركه وأعرض عنه، فهو زاهد، وزَهَدَ يَزْهَدُ بفتحتين لغة (^١).\nومادة زهد تدل على القلة في كل شيء. قال ابن فارس: (الزاء والهاء والدال أصل يدل على قلة الشيء، والزهيد: الشيء القليل …) (^٢).\nوأما حقيقة الزهد فقد تنوعت عبارة السلف والعلماء الذين جاءوا من بعدهم في تفسير الزهد على أقوال كثيرة جدًّا، ومحصلها: أن الزهد انصراف عن الرغبة في الشيء إلى ما هو خير منه، وهو الزهد فيما يُشغل عن الآخرة، من الزهد في الدنيا وشؤونها والرغبة في الآخرة والإعداد لها، ويدخل في ذلك الزهد في الحرام والمكروهات وبعض المباحات التي قد تشغل عن الآخرة والقيام بالأعمال الصالحة.\nولا يمنع ذلك العمل للدنيا يَتَقَوَّى به على طاعة الله، ويستغني عما في أيدي الناس بالبيع والشراء والزراعة والصناعة ونحو ذلك، لكن بشرط ألا تشغله هذه الأمور عن الإعداد للآخرة بل يكون قلبه زاهدًا فيها راغبًا فيما عند الله.\nيقول ابن الجَلاء: (الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال؛ لتصغر في عينيك، فيسهل عليك الإعراض عنها) (^٣).\nوقال بعض السلف: (الزهد: عزوف القلب عن الدنيا بلا تكلف) (^٤).\n_________\n(^١) \"مختار الصحاح\" ص (٢٧٦)، \"المصباح المنير\" ص (٢٥٧).\n(^٢) \"معجم مقاييس اللغة\" (٣/ ٣٠).\n(^٣) \"بصائر ذوي التمييز\" (٣/ ١٣٩).\n(^٤) \"مدارج السالكين\" (٢/ ١١).","vol":"10","page":137},{"text":"وسئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهدًا؟ فقال: (نعم على شريطة ألا يفرح إذا زادت، ولا يحزن إذا نقصت) (^١).\nوقال إبراهيم بن أدهم: (الزهد ثلاثة أصناف: زهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة، فأما الزهد الفرض: فالزهد في الحرام، والزهد الفضل: الزهد في الحلال، والزهد السلامة: الزهد في الشبهات).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الزهد: ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة).\nوقال ابن القيم: (هذا من أحسن ما قيل في الزهد) (^٢).\nوالمراد بذلك فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله تعالى، أما ما ينفع في الدار الآخرة فالزهد فيه ليس من الدين، بل صاحبه داخل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] (^٣). وهو جهل وضلال؛ لقوله - ﷺ -: \"احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن\" (^٤).\nوأما الورع فهو مصدر وَرعَ يَرِعُ وَرَعًا ورِعَةً مثل: عِدة فهو وَرعٌ، وهذه المادة تدل على الكف والانقباض. قال ابن فارس: (ومنه -أي: من هذه المعنى- الوَرَعُ: العفة، وهي الكف عما لا ينبغي …) (^٥).\nوأما في الاصطلاح فقد تنوعت عبارة السلف والعلماء الذين جاءوا من بعدهم في تفسير الورع على عدة أقوال، ومحصلها: أن الورع يكون في المشتبهات التي قد يكون فيها حرام أو مكروه، فيتورع عما فيه شبهة خشية الوقوع في المحذور، ويكتفي بما اتضح له وبان وجهه حرصًا على سلامة دينه. قال سفيان الثوري: (ما رأيت أسهل من الورع ما حاك في نفسك\n_________\n(^١) \"مدارج السالكين\" (٢/ ١١).\n(^٢) \"مدارج السالكين\" (٢/ ١٠).\n(^٣) \"الفتاوى\" (١٠/ ٢١).\n(^٤) \"الفتاوى\" (١٠/ ٥١١)، والحديث المذكور سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى.\n(^٥) \"معجم مقاييس اللغة\" (٦/ ١٠٠).","vol":"10","page":138},{"text":"فاتركه\" (^١). وقال بعض السلف: (لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس). ويروى حديثًا مرفوعًا (^٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الورع المشروع ترك ما قد يضر في الدار الآخرة)، فيدخل في ذلك المحرمات والشبهات؛ لأنها قد تضر، بدليل حديث النعمان - ﵁ - الآتي، وقال: (الورع المشروع هو الورع عما قد تخاف عاقبته، وهو ما يُعلم تحريمه وما يشك في تحريمه، وليس في تركه مفسدة أعظم من فعله).\nوالمراد بذلك: ترك المحرمات والشبهات التي لا يستلزم تركها ترك ما فعله أرجح منها كالواجبات (^٣).\nمثل من يترك أخذ الشبهة ورعًا مع حاجته إليها، ويأخذ بدلها محرمًا بيّنًا تحريمه، أو يترك واجبًا تركه أعظم فسادًا من فعله مع الشبهة، كمن يكون عليه أو على أبيه ديون هو مطالب بها، وليس له وفاء إلا من مال فيه شبهة، فيتورع عنها ويدع ذمته وذمة أبيه مرتهنة (^٤).\nوتمام الورع أن يعلم الإنسان خير الخيرين وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع واجبات، ويفعل محرمات، ويرى ذلك من الورع (^٥).\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الواجبات والمستحبات لا يصلح فيها زهد ولا ورع، وأما المحرمات والمكروهات فيصلح فيها الزهد والورع، وأما المباحات فيصلح الزهد دون الورع (^٦).\n_________\n(^١) \"مدارج السالكين\" (٢/ ٢٢).\n(^٢) رواه الترمذي (٢٤٥١)، وابن ماجه (٤٢١٥)، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) وفي سنده عبد الله بن يزيد الدمشقي، وهو ضعيف. انظر: \"تهذيب الكمال\" (١٦/ ٣١٩).\n(^٣) \"الفتاوى\" (١٠/ ٢١).\n(^٤) \"الفتاوى\" (١٠/ ٥١٢).\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) \"الفتاوى\" (١٠/ ٦١٩).","vol":"10","page":139},{"text":"وبهذا يتبين أن الزهد أعلى من الورع؛ لأن الورع ترك ما يضر، والزهد ترك ما لا ينفع؛ لأن الأشياء ثلاثة أنواع: منها ما يضر في الآخرة، ومنها ما ينفع، ومنها ما لا ينفع ولا يضر، فالوَرعُ يترك ما يضره في الآخرة، والزاهد يترك ما لا ينفعه في الآخرة، والذي يضره شركه من باب أولى، وعليه فكل زاهد ورع، وليس كل ورع زاهدًا (^١).\n_________\n(^١) \"شرح رياض الصالحين\" (٣/ ٣٥٩، ٤٨٥).","vol":"10","page":140},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1268>ما جاء في فضل ترك الشبهات</span>\n١٤٧٧/ ١ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - ﵄ - قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ -وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإصْبَعَيهِ إلَى أُذُنَيهِ-: \"إن الْحَلَال بَيِّنٌ، وإنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَينَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقى الشُّبُهَاتِ، فَقَد اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهاتِ، وَقَعَ فِي الْحَرَامِ؛ كَالرَّاعِي يَرْعى حَوْلَ الْحِمى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وَإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألَا وَإنَّ حِمى اللهِ: مَحَارِمُهُ، أَلا وَإنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ: الْقَلْبُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الإيمان\"، باب (فضل من استبرأ لدينه) (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من طريق زكريا، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: … وذكر الحديث، وهذا لفظ مسلم.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (وأهوى النعمان بإصبعيه …) هذا مما انفرد به مسلم، وهو يفيد أنه سمعه من رسول الله - ﷺ -، وفي هذا رد على الواقدي ومن تبعه القائلين بأن النعمان لا يصح سماعه من رسول الله - ﷺ - (^١)؛ لأن النعمان كان عمره ثماني\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٢٦).","vol":"10","page":141},{"text":"سنوات عند وفاة الرسول - ﷺ -، وفيه دليل على صحة تحمل الصبي المميز وأن ما تحمله في حال صغره وأَدَّاهُ بعد بلوغه فهو مقبول.\n\nقوله: (إن الحلال بيِّن) أي: ظاهر لا يَحتاج إلى بيان، ويشترك في معرفته كل أحد، وهو ما نص الله ورسوله على حله، أو أجمع المسلمون على حله بعينه، كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ويدخل في هذا المأكولات والمشروبات والملبوسات التي استقر عند الناس حلها.\n\nقوله: (وإن الحرام بيِّن) أي: ظاهر، وهو ما نص الله ورسوله، أو أجمع المسلمون على حرمته بعينه، كقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ويدخل في ذلك الزنا، وشرب الخمر، والميتة، والخنزير، ونكاح المحارم، والمكاسب المحرمة كالربا والميسر، ونحو ذلك.\n\nقوله: (وبينهما مشتبهات) هذا لفظ مسلم، وهي بضم الميم وسكون الشين وكسر الباء الموحدة، جمع مشتبهة، وقد ورد لفظ المفرد عند البخاري في \"البيوع\" (^١)، ولفظ البخاري في \"الإيمان\": \"وبينهما مُشَبَّهَات\" بضم الميم وفتح الشين وتشديد الباء، وفيه روايات أخرى (^٢). وهي من اشتبه الأمر: إذا لم يتضح، والمعنى: أن بين الحلال والحرام الواضحين أمورًا مشتبهة مترددة بين الحل والحرمة؛ لأنها ليست من الحلال البيِّن ولا من الحرام البيِّن.\n\nقوله: (لا يعلمهن كثير من الناس) أي: لا يعلم كثير من الناس حكم المشتبهات من التحليل والتحريم، وليس المراد لا يعلم كثير من الناس أنها مشتبهات، وقد جاء في رواية الترمذي: \"لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام\" (^٣).\nومفهوم قوله: (كثير) أن معرفة حكمها ممكن لكن للقليل من الناس، وهم المجتهدون، فالمشتبهات على هذا في حق غيرهم، وقد دخل فيمن لا يعلم المشتبهات صنفان: من يتوقف فيها لاشتباهها عليه، ومن يعتقدها على\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٢٠٥١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٢٧).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٢٠٥).","vol":"10","page":142},{"text":"غير ما هي عليه، وقد يقع الاشتباه للمجتهد نفسه حيث لا يظهر له ترجيح أحد الدليلين.\nوالاشتباه له أسباب كثيرة، منها:\n١ - تعارض الأدلة بحيث لا يظهر للناظر فيها جمع ولا ترجيح، وهذا بالنسبة إلى المجتهد، فكل مسألة تعارضت فيها الأدلة على هذا الوجه فهي من المتشابه، لكن ينبغي أن يُعلم أن هذا أمر نسبي، فقد يحصل الاشتباه عند مجتهد، ولا يحصل عند مجتهد آخر، ومثال ذلك الأحاديث الواردة في أداء تحية المسجد التي ظاهرها أنها تُصلى كل وقت، مع أحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر والصبح، وظاهرها العموم في كل صلاة، فظاهر الأول أنها واجبة، وظاهر الثاني أن فعلها حرام، فهذه قد تكون واضحة عند شخص، وقد تكون مشتبهة عند شخص آخر.\n٢ - اختلاف العلماء في فهم الدليل بأن يكون فيه أمر أو نهي، فيختلف العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب، وفي حمل النهي على التحريم أو التنزيه، مثل الأمر بغسل الجمعة، وهذا يحصل في حق المقلد، والوَرَعُ في حقه الوقوف عند الشبهة، وهو أن يغتسل؛ لأن القائل بعدم وجوب الغسل لا يقول بعدم جوازه، بل يقول: إنه مستحب.\n٣ - خفاء النص وعدم بلوغه للمجتهد؛ لكونه لم ينقله إلا قليل من الناس، فلم يبلغ جميع حملة العلم، فتكون هذه المسألة التي لم يبلغ المجتهد فيها دليل من المشتبهات، فلا يفتي حتى يقف على دليل مانع أو مبيح (^١).\n\nقوله: (فمن اتقى الشبهات) أي: ابتعد عنها واجتنبها فجعل بينه وبينها وقاية، ووضع الظاهر موضع الضمير تفخيمًا لشأن اجتنابها والحذر منها.\n\nقوله: (فقد استبرأ لدينه وعرضه) أي: طلب البراءة أو حصل عليها\n_________\n(^١) انظر: \"جامع العلوم والحكم\" شرح الحديث (٦)، \"كشف الشبهات عن المشتبهات\" للشوكاني ص (٨) وما بعدها.","vol":"10","page":143},{"text":"لحفظ دينه من الذم الشرعي، وحفظ عرضه بصونه عن كلام الناس بما يعيبه؛ لأن من عُرف بالوقوع في الشبهات فقد دخل عليه النقص في دينه، ولا يسلم عرضه من الطعن فيه باتهامه بمواقعة المحظورات.\nوالعرض: موضع المدح والذم من الإنسان، وهو متعلق بالأمور التي بذكرها يرتفع أو يسقط، ومن جهتها يذم أو يحمد، وقال الفاكهاني: (أشبه ما يفسر به العرض هنا: النفس؛ أي: استبرأ لنفسه من أن يُلام على ما أتى، والله أعلم) (^١).\n\nقوله: (ومن وقع في الشبهات) أي: تجرأ على الشبهات وأقدم عليها، وهذا يحتمل معنيين:\nالأول: من أكثر من تعاطي الشبهات صادف الحرام وهو لا يشعر به.\nالثاني: أنه يعتاد التساهل ويتمرن عليه وَيجْسُرُ على شبهة أخرى أغلظ منها، وهكذا حتى يقع في الحرام عمدًا.\n\nقوله: (كالراعي يرعى حول الحمى) هذا تمثيل وتشبيه للأمور المعنوية بالشيء المحسوس المشاهد، وهو نوع من البيان وضرب من وسائل الإيضاح، ومفعول (يرعى) محذوف للعلم به؛ أي: يرعى مواشيه.\nوالحمى: بكسر الحاء، هو المكان المحمي، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، والمراد به: ما حُمي من الأرض لأجل الدواب، فيكون محظورًا على غير من حماه؛ لأنه ينفرد برعيه دون غيره.\n\nقوله: (يوشك أن يقع فيه) أي: يسرع ويقرب فيه بناء على تساهله في الصحافظة وجراءته على الرعي.\nووجه هذا التمثيل أن الراعي يجره رعيه حول الحمى إلى وقوعه فيه، فيستحق العقاب من صاحب الحمى، فكذلك المكثر من الشبهات ينجر إلى فعل الحرام، فيستحق العقاب بسبب ذلك.\n_________\n(^١) \"رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام\" (٥/ ٣٩٤).","vol":"10","page":144},{"text":"قوله: (ألا وإن لكل ملك حمى) ألا: بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف تنبيه يفيد التوكيد، ويؤتى بها إشارة إلى أن ما بعدها أمر ينبغي التنبه له، والواو: استئنافية، والمَلِكُ: بكسر اللام الواحد من ملوك العرب، وهذا يحتمل أن الرسول - ﷺ - قاله إقرارًا، وأن الملك له أن يحمي مكانًا معينًا ترعى فيه بهائم المسلمين التي في بيت المال كإبل الصدقة وخيل الجهاد، ويحتمل أنه إخبار عن الواقع وإن لم يكن إقرارًا له، وهذا أقرب؛ لأن الظاهر من هذا المثال بيان الواقع لا بيان حكم الحمى شرعًا؛ لأن من الحمى ما يكون ظلمًا وعدوانًا (^١).\n\nقوله: (ألا وإن حمى الله محارمه) جمع محرمة: بفتح الميم وسكون الحاء وضم الراء أو فتحها وهي الحرمة التي لا يحل انتهاكها (^٢).\nوالمراد هنا: المعاصي التي حرمها الله تعالى ومنع عباده الوقوع فيها من مأمور به واجب أو وقوع في منهي عنه محرم.\n\nقوله: (ألا وإن في الجسد مضغة) مناسبة هذه الجملة لما قبلها أنه لما كان التورع والتهتك مما يتبع سلامة القلب وفساده نبّه على ذلك بهذه الجملة، وكررت (ألا) تنبيهًا على عظم شأن مدلولها وما دخلت عليه وأن هذا أمر له شأن ينبغي أن يتنبه له المخاطب، ويُستأنف الكلام لأجله.\nوالمضغة: قدر ما يمضع من الطعام، وعبّر بها هنا عن مقدار القلب في الرؤية.\n\nقوله: (إذا صلحت صَلَحَ الجسد كله) صَلَحَ ومثله فَسَدَ بفتح العين، هو أكثر وأشهر، وتضم في المضارع، وحكى الفراء الضم في صلح، والتعبير بـ (إذا) لتحقق الوقوع غالبًا (^٣).\nوالمعنى: أن هذه المضغة إذا صلحت بالإيمان والعلم صلح الجسد كله بالأعمال والإخلاص؛ لأن الجسد تابع لهذا القلب.\n_________\n(^١) \"شرح رياض الصالحين\" (٣/ ٤٩٣).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (١٣٢).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٢٨).","vol":"10","page":145},{"text":"قوله: (ألا وهي القلب) فهو الملك والأعضاء كالرعية.\n\n• الوجه الثالث: هذا حديث عظيم من أمعن النظر فيه وجده حاويًا لعلوم الشريعة، إذ هو مشتمل على الحث على فعل الحلال واجتناب الحرام والإمساك عن الشبهات والاحتياط للدين والعرض وتعظيم القلب والسعي في صلاحه.\n\n• الوجه الرابع: في هذا الحديث تقسيم الأشياء في الشريعة من حيث الحل والحرمة إلى: حلال بَيِّنٍ، وحرام بَيِّنٍ، ومشتبهٍ ليس بواضح الحل ولا الحرمة.\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن أحكام الأمور المشتبهة ليست معطلة لا تعلم، بل يعلمها بعض الناس، وهم العلماء المجتهدون لما عندهم من مزيد علم، فيعلمون ما هي عليه في حقيقة الأمر من تحليل أو تحريم، وهذا مرده إلى الاجتهاد والنظر في أحكام الشرع، وقد يرى هذا العالم حل ما يرى العالم الآخر تحريمه، بناءً على ما أداه إليه اجتهاده، وهذا يدل على فضل العلم والعلماء لعلمهم بما لم يعلمه غيرهم، وحَلِّهم ما أشكل على غيرهم.\nأما المقلد فإنه يقتدي بأفضل العَالِمَينِ المختلفين علمًا وورعًا؛ لأن مثل هذا يكون أقرب إلى الصواب في الغالب.\n\n• الوجه السادس: الحث على اتقاء الشبهات والبعد عنها، وهي ما حصل التردد في حله أو حرمته؛ لأن في ذلك احتياطًا للدين من أن يدخله نقص أو خلل، واحتياطًا للعرض من الوقوع فيه بالذم، فالأول فيما بينه وبين الله، والثاني فيما بينه وبين الناس، قال بعض السلف: (من عرَّض نفسه للتُّهم فلا يلومن من أساء الظن به) (^١).\nوهذا يفيد أنه لا بد للمسلم من المحافظة على أمور الدين ومراعاة المروءة الإنسانية، وأن طلب البراءة للعرض ممدوح كطلب البراءة للدِّين، وفي هذا فائدة عظيمة دلّت عليها رواية البخاري: (فمن ترك ما شُبِّه عليه من الإثم\n_________\n(^١) \"جامع العلوم والحكم\" شرح الحديث (٦).","vol":"10","page":146},{"text":"كان لِمَا استبان أترك …) (^١)، والمعنى: أن من ترك الإثم مع اشتباهه عليه فهو أولى بتركه إذا اتضح له أنه إثم.\nقال ابن رجب: (هذه الأمور المشتبهات: منها ما يقوى شبهه بالحرام، ومنها ما يبعد شبهه بالحرام، ومنها ما يتردد، لشبهه بين الحلال والحرام.\nفالأول: يقوى فيه التحريم، والثاني: يقوى فيه الكراهة، والثالث: يتردد فيه.\nواجتناب الكل حسن، وهو الأفضل والأولى) (^٢).\nويتأكد تأمل هذا المعنى في زماننا هذا حيث كثرت المكاسب المشبوهة في أمور البيع والشراء، وأقدم الناس على الحيل، وتهافتوا على جمع الدنيا بكل وسيلة من غير التفات إلى دين أو فضيلة أو خلق، إلا من رحم الله.\n\n• الوجه السابع: في الحديث دليل على خطر التساهل في الشبهات وأن الإقدام عليها مع كونها مشتبهة عنده سبب للوقوع في الحرام بالتدريج والتسامح، وفي هذا تعريض الإنسان دينه للنقص وعرضه للوقوع فيه، وقد نقل ابن المُنَيِّرِ عن بعض مشايخه أنه قال: (المكروه عَقَبَةٌ بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام، والمباح عقبة بينه وبين المكروه، فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه) (^٣) ويقول الحافظ ابن رجب: (من وقع في الشبهات كان جديرًا بأن يقع في الحرام بالتدريج؛ فإنه يسامح نفسه في الوقوع في الأمور المشتبهة، فتدعوه نفسه إلى مواقعة الحرام بعده؛ ولهذا جاء في رواية: \"ومن خالط الريبة يوشك أن يَجْسُرَ\" ويعني: يجسر على الوقوع في الحرام الذي لا ريب فيه) (^٤).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٢٠٥١).\n(^٢) \"شرح حديث: مثل الإسلام\" ص (٣٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٢٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" لابن رجب (١/ ٢٢٧)، والرواية المذكورة هي لأبي داود (٣٣٢٩)، والنسائي (٧/ ٢٤٣).","vol":"10","page":147},{"text":"• الوجه الثامن: عظم شأن القلب والحث على إصلاحه، وأنه بصلاحه يصلح كل شيء من الإنسان، وبفساده يفسد كل شيء، وصلاح القلب بأن يكون سليمًا ليس فيه إلا محبة الله، ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله، وخشية ما يباعد من الله، وضد ذلك فساد القلب، وهو الذي استولى عليه اتباع الهوى وطلب ما يحبه ولو كرهه الله.\nيقول الحافظ ابن رجب: (ذكر النبي - ﷺ - كلمة جامعة لصلاح حركات ابن آدم وفسادها، وأنَّ ذلك كله بحسب صلاح القلب وفساده، فإذا صلح القلب صلحت إرادته وصلحت جميع الجوارح، فلم تنبعث إلا إلى طاعة الله واجتناب سخطه، فقنعت بالحلال عن الحرام.\nوإذا فسد القلب فسدت إرادته، ففسدت الجوارح كلها وانبعثت في معاصي الله ﷿ وما فيه سخطه، ولم تقنع بالحلال، بل أسرعت في الحرام بحسب هوى القلب وميله عن الحق) (^١).\n\n• الوجه التاسع: في الحديث دليل على أن صلاح الباطن يستلزم صلاح الظاهر، وأن فساد الظاهر دليل على فساد الباطن، وقد يصلح الظاهر مع فساد الباطن كحال المنافقين والمرائين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (إذا قام بالقلب التصديق به -يعني بالله ﷿- والمحبة له؛ لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة، والأعمال الظاهرة، فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو من موجب ما في القلب ولازمه، ودليله ومعلوله. كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له -أيضًا- تأثيره فيما في القلب. فكل منهما يؤثر على الآخر. لكن ما في القلب هو الأصل، والبدن فرع له، والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه) (^٢).\n\n• الوجه العاشر: أن من طرق البيان ووسائل الإيضاح ضرب الأمثال وتشبيه المعقول بالمحسوس؛ لتقرير المعاني وترسيخها في الذهن. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فح الباري\" لابن رجب (١/ ٢٢٩).\n(^٢) \"مجموع الفتاوى\" (٧/ ٦٤٤).","vol":"10","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1269>ما جاء في ذم التعلق بالدنيا</span>\n١٤٧٨/ ٢ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالْقَطِيفَةِ، إنْ أُعْطيَ رَضِيَ، وَإنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ\". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الرقاق\"، باب (ما يُتقى من فتنة المال) (٦٤٣٥) من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي حَصِين (^١)، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة … \" الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (تَعِسَ) بفتح التاء الفوقية وكسر العين المهملة من باب تَعِبَ تَعَسًا فهو تَعِسٌ، لغة في تَعَسَ بالفتح من باب نفع تَعْسًا فهو تاعس؛ أي: أكب على وجهه (^٢)، ومعناه هنا: هلك وخاب.\n\nقوله: (عبد الدينار) أي: طالب الدينار الحريص على جمعه القائم على حفظه، يرضى إذا وجد، ويغضب إذا فقد، وخص العبد بالذكر إشارة إلى شغفه وحرصه وانغماسه في محبة الدنيا فهو كالأسير الذي لا يجد مخلصًا، ولم يقل مالك ولا جامع الدنيا لأنه لا ذم في ذلك على الإطلاق، وإنما الذم فيما زاد على الحاجة.\n_________\n(^١) بفتح أوله، هو عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي. \"فتح الباري\" (١١/ ٢٥٤).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (٧٥).","vol":"10","page":149},{"text":"قوله: (والدرهم) بالعطف على الدينار، وقد جاء عند البخاري في \"الجهاد\" من رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح التصريح بالمضاف إليه مع جميع الألفاظ: \"تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة … \" (^١).\n\nقوله: (والقطيفة) بالقاف والطاء المهملة والتحتية والفاء بوزن صحيفة، هو الدِّثَارُ الذي له خَمْلٌ، وجمعه قطائف وقُطُف -بضمتين- والدثار: ما يلقيه الإنسان عليه من كساء وغيره، والخَمْل: مثل فَلْس: الهُدْبُ (^٢).\n\nقوله: (والخميصة) بالخاء المعجمة وبالميم والصاد المهملة، هي كساء أسود معلم الطرفين، ويكون من خَزٍّ أو صوف، فإن لم يكن معلمًا فليس بخميصة (^٣).\nوهذه المذكورة هي من أقل المال، وإنما نبه النبي - ﷺ - بها على ما هو أعلى منها، وجملة (تعس) يحتمل أن تكون خبرًا من النبي - ﷺ - عن حال هذا الرجل، ويحتمل أن تكون من باب الدعاء على من هذه حاله حيث وصل به حب الدنيا إلى هذا الحال (^٤).\n\nقوله: (إن أُعطي رضي …) هذان الشرطان وجوابهما مسوقان لبيان شدة حرصه على ذلك (^٥). وهذا الإعطاء يحتمل أن يكون قدريًّا، والمعطي هو الله تعالى، والمعنى: إن قدر الله له رزقًا رضي، وإن منع سخط، فيكون فيه سخط على قضاء الله وقدره، ويحتمل أن الإعطاء شرعي، والمعنى: إن أُعطي من مالٍ يستحقه من الأموال الشرعية رضي، وإن لم يعط سخط، وكلا المعنيين حق، وهما يدلان على أن هذا الشخص لا يرضى إلا للمال ولا يسخط إلا له (^٦).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٢٨٨٧).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (١٨٢، ١٨٩، ٥٠٩).\n(^٣) \"المصباح المنير\" ص (١٨٢).\n(^٤) \"القول المفيد\" (٢/ ٢٥٠).\n(^٥) \"دليل الفالحين\" (٢/ ٤٠٥).\n(^٦) \"القول المفيد\" (٢/ ٢٤٩).","vol":"10","page":150},{"text":"• الوجه الثالث: في الحديث ذم التعلق بالدنيا، وأنه لا يليق بالمسلم الذي غايته أسمى، وهمته أعلى أن يجعل الدنيا أكبر همه وغاية قصده، فيكون همه تحصيل المال وتجميل الحال، ولا يرضى إلا للمال، ولا يسخط إلا له، فإن هذه صفة مَنْ ذمهم الله تعالى بقوله جل وعلا: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾ [التوبة: ٥٨] ومن كان بهذه الصفة استعبدت الدنيا قلبه وشغلته عن ذكر الله تعالى وعن عبادته، وصار عبدًا لما يهواه ورقيقًا له، إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته، فما استرق القلبَ واستعبده فهو عبد له، وهكذا طالب المال فإنه يستعبده ويسترقه.\nومن المال ما يحتاج إليه العبد كما يحتاج إلى طعامه وشرابه ومنكحه ومسكنه ونحو ذلك، فهذا يطلبه من الله، ويرغب إليه فيه، فيكون المال عنده يستعمله في حاجته بمنزلة حماره الذي يركبه وبساطه الذي يجلس عليه، ومنه ما لا يحتاج إليه، فهذا ينبغي له ألا يتعلق قلبه به وإلا صار مستعبدًا له، بل قد يكون معتمدًا على غير الله فيه، فهذا على خطر عظيم؛ لأن في قلبه شعبة من العبادة لغير الله وشعبة من التوكل على غير الله (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تيسير العزيز الحميد\" ص (٥٤٠، ٥٤١).","vol":"10","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1270>الحَثُّ على قِصَرِ الأمل في الدنيا</span>\n١٤٧٩/ ٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمَنْكِبِي، فَقَال: \"كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ\". وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إذَا أَمْسَيتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِسَقَمِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الرقاق\"، باب (قول النبي - ﷺ -: \"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل\") (٦٤١٦) من طريق سليمان الأعمش قال: حدثني مجاهد، عن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: … وذكر الحديث (^١). وفيه: \" … وخذ من صحتك لمرضك … \".\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (بمنكبي) بكسر الكاف والباء وتخفيف الياء التحتية على الإفراد، وهو مجمع رأس العضد والكتف، قال الحافظ: (وضُبط في بعض الأصول بالتثنية) (^٢). وعليه فهو بفتح الباء وتشديد الياء التحتية؛ لأن ياء المتكلم أدغمت في ياء التثنية، وقد ضبطت هكذا في بعض نسخ \"البلوغ\".\nوإنما فعل النبي - ﷺ - ذلك مع ابن عمر - ﵄ - ليستيقظ ويقبل بقلبه على ما\n_________\n(^١) انظر: \"شرح علل الترمذي\" (٢/ ٧٤٥)، \"فتح الباري\" (١١/ ٢٣٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٣٤).","vol":"10","page":152},{"text":"يلقيه عليه النبي - ﷺ -، مع ما فيه من التأنيس والإشعار بالمحبة؛ لأن هذا لا يفعل غالبًا إلا مع من يميل إليه الفاعل.\n\nقوله: (غريب) مأخوذة من الغربة وهي البعد عن الأهل والأوطان.\n\nقوله: (أو عابر سبيل) السبيل هو الطريق، والمراد بـ (عابر السبيل) المسافر الذي يمر بطريقه على بعض البلدان والأماكن.\nوقد حذف من هذا التشبيه وجه الشبه وهو عدم الاستقرار والتفكير بالبقاء وطول الإقامة، و(أو) للتخيير، أو للإضراب بمعنى بل، حيث شُبِّهَ الناسك السالك بالغريب الذي ليس له مأوى، ثم ترقى وأضرب عنه إلى عابر السبيل؛ لأن الغريب قد يسكن في بلد الغربة، بخلاف عابر السبيل فإن من شأنه أن يهتم بسفره ولا يقيم لحظة أو يسكن لمحة (^١).\n\nقوله: (وكان ابن عمر يقول) أي: عقب روايته لكلام النبي - ﷺ -.\n\nقوله: (إذا أمسيت) الفعل (أمسى) تام، والتاء: فاعل؛ أي: دخلت في المساء، وهو من زوال الشمس إلى نصف الليل.\n\nقوله: (فلا تنتظر الصباح) أي: لا تحدث نفسك بالبقاء إلى الصباح، بل انتظر الموت كل وقت، واجعله نصب عينيك، وقيل: فلا تنتظر بأعمال المساء الصباح؛ لأن كلّا منهما له عمل يخصه.\n\nقوله: (وإذا أصبحت) أي: دخلت في الصباح، والصباح من نصف الليل إلى الزوال (^٢).\n\nقوله: (فلا تنتظر المساء) أي: لا تحدث نفسك بالبقاء إلى المساء، بل انتظر الموت كل وقت، وقيل: فلا تنتظر بأعمال الصباح المساء، كما تقدم.\n\nقوله: (وخذ من صحتك لسقمك) هكذا في \"البلوغ\": (لسقمك) وهي ليست عند البخاري، وإنما هي عند الترمذي من طريق آخر (^٣). والسَّقَم:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٣٤).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (٣٣١).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢٣٣٣).","vol":"10","page":153},{"text":"مصدر سَقِمَ من باب تَعِبَ: طال مرضه، وسَقُمَ سُقْمًا من باب قَرُبَ فهو سَقيم (^١)، ولفظ البخاري -كما تقدم-: (وخذ من صحتك لمرضك) وهذا على حذف مضاف؛ أي: وقت صحتك، والمعنى: أن يغتنم الإنسان وقت الصحة بالأعمال الصالحة؛ لأن المرض قد يطرأ، فيعجز الإنسان عن الأعمال التي كان يعملها في حال الصحة.\n\nقوله: (ومن حياتك لموتك) أي: وخذ من زمن حياتك لموتك، وهذه الجملة إما أنها مؤكدة لما قبلها، وإما أنها مؤسسة، فيكون معناها أعم مما قبلها، وذلك بأن يراد بها الإكثار من الطاعات ولو في زمن المرض المتمكن فيه منها، فيكون فيه ترقٍّ وزيادة في التحريض على اغتنام الطاعة وعدم التواني فيها مع إمكانها ولو كان فيها نوع مشقة على النفوس لمرض أو غيره.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب اغتنام الأوقات، والحث على قِصَرِ الأمل، وتقديم التوبة والاستعداد للموت، وهذا الحديث من أبلغ الكلام في التذكير بالآخرة وعدم الاغترار بالدنيا، وذلك أن الدنيا فانية، مهما طال عمر الإنسان فيها، فهي دار ممر لا دار مقر، وكل نفس ذائقة الموت، وهذه حقيقة مشاهدة، نراها كلَّ يوم وليلة، ونحس بها كلَّ ساعة ولحظة، وإذا كان الإنسان لا يدري متى ينتهي أجله ويأتيه الموت، فعليه أن يستعد للرحيل، وأن يكون عابر سبيل، فلا يركن إلى الدنيا ولا يتعلق بها ولا يتخذها وطنًا ولا تحدثه نفسه بالبقاء فيها، فلا يتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه الذي سيفارقه مهما تكن راحته وهناؤه، وأن يكون فيها كالمسافر الذي يكتفي بسفره بالقليل الذي يساعده على بلوغ غايته وتحقيق مقصده.\nولقد أدرك الصحابي الجليل عبد الله بن عمر - ﵄ - موعظة رسول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٢٨٠).","vol":"10","page":154},{"text":"إدراكًا علميًّا وعمليًّا، وأخذ منها هذه الوصايا الثلاث العظيمة وأرشد غيره إليها:\nالأولى: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء) ومعنى ذلك: حث المؤمن على قِصَرِ الأمل في هذه الحياة، وأنه ينبغي له إذا أمسى لا ينتظر الصباح، وإذا أصبح لا ينتظر المساء، بل يظن أن أجله مدركه قبل ذلك.\nالوصية الثانية: (وخذ من صحتك لسقمك) والمعنى: أنه ينبغي للمؤمن أن يغتنم أوقات الصحة وسلامة البدن من العلل، وذلك بفعل الخير والإكثار من الطاعات، قبل أن يحول بينه وبينها السُّقْمُ، فيعجز عن الصيام والقيام وسائر الأعمال، إذا اعتراه مرض أو علة أو كِبَرٌ.\nالوصية الثالثة: (ومن حياتك لموتك) والمعنى: أنه ينبغي للمؤمن أن يغتنم زمن الحياة وساعات العمر بتقديم الزاد، ولا يفرط حتى يدركه الموت، ويحول بينه وبين الأعمال الصالحة، يقول سفيان الثوري: (من لعب بعمره ضيع أيام حرثه، ومن ضيع أيام حرثه ندم أيام حصاده) (^١).\nوقد ورد عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ\" (^٢).\nقال ابن الجوزي: (اعلم أنه قد يكون الإنسان صحيحًا ولا يكون متفرغًا للعبادة لاشتغاله بأسباب المعاش، وقد يكون متفرغًا من الأشغال ولا يكون صحيحًا، فإذا اجتمعا للعبد ثم غَلَبَ عليه الكسل عن نيل الفضائل، فذلك الغبن، كيف والدنيا سوق الرَّباح، والعمر أقصر، والعوائق أكثر) (^٣).\nويروى -أيضًا- عن ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال لرجل وهو\n_________\n(^١) \"حفظ العمر\" لابن الجوزي ص (٦٥).\n(^٢) رواه البخاري (٦٤١٢).\n(^٣) \"كشف المشكل من حديث الصحيحين\" (٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨).","vol":"10","page":155},{"text":"يعظه: \"اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك\" (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه ابن أبي الدنيا في \"قصر الأمل\" (١١١)، والحاكم (٤/ ٣٠٦) من طريق عبد الله بن المبارك، حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن أبيه، عن ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا.\nوصححه الحاكم على شرط الشيخين، وسكت عنه الذهبي.\nوقد ذكر البيهقي في \"الشعب\" (١٨/ ٢٣٢) أن هذا الحديث غلط، وإنما المعروف بهذا الإسناد حديث ابن عباس - ﵄ -: \"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس .. \" وأما هذا الحديث فقد رواه ابن المبارك في \"الزهد\" رقم (٢) - ومن طريقه النسائي في \"الكبرى\" (١٠/ ٤٠٠) - عن جعفر بن برقان، عن زياد بن الجراح، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن النبي - ﷺ - مرسلًا. ورواه وكيع في \"الزهد\" (٧) - وعنه ابن أبي شيبة (١٣/ ٢٢٣) - عن جعفر بن برقان به.","vol":"10","page":156},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1271>ما جاء في التشبه</span>\n١٤٨٠/ ٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ، فَهُوَ مِنْهُمْ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"اللباس\"، بابٌ (في لباس الشهرة) (٤٠٣١) من طريق أبي النضر، وأحمد (٩/ ١٢٣) من طريق محمد بن يزيد الواسطي، كلاهما عن عبد الرحمن بن ثابت، ثنا حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكر الحديث. وهذا لفظ أبي داود.\nوهذا الحديث في سنده أبو منيب الجرشي، ولا يعرف اسمه، وقد وثقه العجلي وغيره، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان متكلم فيه، فوثقه جماعة، وضعفه آخرون، وممن وثقه علي بن المديني وأبو حاتم، وقال أبو داود وأبو زرعة: (لا بأس به)، وقال ابن معين في رواية: (صالح الحديث)، وقال مرة: (ليس به بأس)، وقال ابن عدي: (له أحاديث صالحة، وكان رجلًا صالحًا، ويكتب حديثه على ضعفه)، وقال أبو حفص عمرو بن علي: (حديث الشاميين كلهم ضعيف، إلا نفرًا، منهم: الأوزاعي، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وذكر قومًا) (^١).\nوممن ضعفه الإمام أحمد فقال: (أحاديثه مناكير)، وقال مرة: (لم يكن\n_________\n(^١) انظر: \"الكامل\" (٤/ ٢٨١)، \"تاريخ بغداد\" (١٠/ ٢٢٤).","vol":"10","page":157},{"text":"بالقوي في الحديث)، وقال ابن معين: (ضعيف)، وقال مرة: (لا شيء)، وقال النسائي: (ضعيف) (^١)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وتغيّر بأخرة).\nوالذي يستفاد من كلام الأئمة أن عبد الرحمن بن ثوبان لا بأس به وأنه صدوق في نفسه، وهو من جملة من يكتب حديثه للاعتبار.\nوهذا الحديث رواه عنه أثبات أصحابه، ومنهم -كما تقدم-: هاشم بن القاسم أبو النضر، وهو ثقة ثبت، كما في \"التقريب\"، ومحمد بن يزيد الواسطي، وهو ثقة ثبت عابد، كما في \"التقريب\" -أيضًا-، ثم إن الترمذي قد صحح له بعض الأفراد والغرائب، مثل: حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - توضأ مرتين مرتين (^٢)، فإنه قال: (هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، وهو إسناد حسن صحيح).\nلكن قد يشكل على هذا أمران:\nالأول: مقولة الإمام أحمد: (أحاديثه مناكير) (^٣).\nالثاني: أن مثله لا يقبل تفرده، وقد يكون كلام الأئمة المتقدمين ليس فيه تعرض لما تفرد به، وهو وإن توبع في هذا الحديث لكنها متابعات معلولة، وممن تابعه الأوزاعي، عن حسان بن عطية، أخرجه الطحاوي في \"المشكل\" (١/ ٢١٣) عن أبي أمية، حدثنا محمد بن وهب بن عطية، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، عن حسان به.\nوهذا سند ضعيف؛ لتفرد الوليد بهذا الطريق؛ ولأن شيخ الطحاوي وهو أبو أمية الطرسوسي له أوهام إذا حدث من حفظه، كما ذكر ابن حبان في \"الثقات\" (٩/ ١٣٧)، وقد خالف الوليدَ في وصله عيسى بن يونس، فرواه عن\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٥/ ٢١٩)، \"الضعفاء\" للعقيلي (٢/ ٣٢٦)، \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٥٥١)، \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٣٦).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٤١).\n(^٣) انظر: \"طليعة التنكيل\" ص (٥٠).","vol":"10","page":158},{"text":"الأوزاعي، عن سعيد بن جبلة، عن طاوس، عن النبي - ﷺ - مرسلًا (^١)، رواه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٢٢)، (١٢/ ٣٤٩)، وتابع عيسى بنَ يونس ابنُ المبارك، فرواه في \"الجهاد\" (١٠٥) عن الأوزاعي، عن سعيد به. ورواه من طريق ابن المبارك القضاعي في \"مسند الشهاب\" (٣٩٠). كما تابع عيسى سفيانُ الثوري فرواه عن الأوزاعي عن سعيد به. رواه ابن أبي شيبة (١٢/ ٣٥٠).\nوهذا مرسل ضعيف، لضعف سعيد بن جبلة، فقد ترجم له ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ولم يذكر روايًا عنه سوى الأوزاعي (^٢). وقد حسن هذا الإسناد الحافظ ابن حجر (^٣)، والذي يظهر أن تفرد مثل سعيد عن مثل طاوس لا يبلغ هذا.\nثم إن صَدَقَةَ السَّمين قد أغرب فروى هذا الحديث عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا نحوه.\nرواه البزار (١٥/ ٢٠٤ - ٢٠٥)، والهروي في \"ذم الكلام\" (٤٧٤)، والذهبي في \"السير\" (١٦/ ٢٤٢) قال البزار: (هذا الحديث قد خولف صدقة في إسناده، فرواه غيره عن الأوزاعي بغير هذا الإسناد مرسلًا، ولم يتابع صدقة على روايته هذه عن الأوزاعي بهذا الإسناد) وصدقة هذا ضعفه ابن معين والإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو زرعة والنسائي وغير واحد (^٤).\nوالمقصود أن الحديث ورد له متابعات وشواهد، ولكنها لا تخلو من مقال:\nوقد ورد في عبارات بعض أهل العلم ما يدل على تقوية هذا الحديث، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إسناده جيد)، وفي موضع آخر: (حديث\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (٩٥٦).\n(^٢) انظر: \"الجرح والتعديل\" (٤/ ١٠) \"لسان الميزان\" (٤/ ٤٤).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ١١٥)، \"تغليق التعليق\" (٣/ ٤٤٦).\n(^٤) انظر: \"علل ابن أبي حاتم\" (٩٥٦)، \"علل الدارقطني\" (٩/ ٢٧٢)، \"تهذيب الكمال\" (١٣/ ١٣٣).","vol":"10","page":159},{"text":"جيد)، وذكر أن الإمام أحمد وغيره احتج بهذا الحديث (^١).\nوقال العراقي: (إسناده صحيح) (^٢)، وقال الحافظ ابن حجر: (إسناده حسن) (^٣).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من تشبّه) التشبّه في اللغة: مصدر تشبّه تشبُّهًا مثل تقدَّم تقدُّمًا، ومادة التفعُّل تدل على معنى زائد على مجرد المماثلة والمشابهة، وهو القصد والتعمد والمحاكاة.\nوأما في الاصطلاح فليس ثَمَّ فرق ظاهر بين المعنى اللغوي والاصطلاحي، ولذا لم يعرف المتقدمون التشبه، باستثناء تعريف محمد الغَزِّي الشافعي -المتوفى سنة (١٠٦١ هـ) - بقوله: (التشبه عبارة عن محاولة الإنسان أن يكون شِبْهَ المتشبَّه به وعلى هيئته وحليته ونعته ووصفه، أو هو عبارة عن تكلف ذلك وتقصده وتعلمه، وقد يعبر عن التشبه بالتشكل والتمثل والتَّزَيِّ والتحلي والتخلق) (^٤). وهذا تعريف عام، مع ما فيه من طول، وما قد يَرِدُ عليه.\nوالأحسن أن يقال في تعريفه: هو تكلف المسلم مشابهة غيره من الكفار أو المبتدعة فيما هو من خصائصهم من عبادات أو عادات.\nوهذا التعريف مختص بالتشبه بالكفار والمبتدعة؛ لأنه هو المقصود هنا بدليل سياق الحديث.\n\nقوله: (فهو منهم) أي: مثلهم في الحال والمآل، وهو يفيد العموم، فمن تشبه بالصالحين كان صالحًا وحشر معهم، ومن تشبه بالكفار أو بالفساق فهو منهم، هذا ظاهر الحديث.\n_________\n(^١) \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (١/ ٢٤٠، ٢٤١)، \"الفتاوى\" (٢٥/ ٣٣١).\n(^٢) \"تخريج الإحياء\" (٢/ ٧٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٧٠).\n(^٤) \"التدابير الواقية\" (١/ ٤٩)، وقوله: (أو هو عبارة) هكذا في المصدر المذكور، نقلًا عن الكتاب المخطوط: \"حسن التنبه لما ورد في التشبه\"، وفي \"التشبه المنهي عنه\" ص (٢٩): (وهو عبارة …).","vol":"10","page":160},{"text":"• الوجه الثالث: ظاهر الحديث دليل على أن من تكلف مشابهة أحد فهو مثله، سواء تشبه بصالح أو بفاسق أو بمبتدع أو بكافر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم -أي: الكفار- وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١])، وقال في موضع آخر: (موجب هذا تحريم التشبه بهم مطلقًا) (^١). وقال الصنعاني: (الحديث دال على أن من تشبه بالفساق كان منهم أو بالكفار أو بالمبتدعة في أي شيء مما يختصون به من ملبوس أو مركوب أو هيئة) (^٢).\nوهذا الكلام أَخْذٌ بظاهر الحديث، وقد يقال: إنه من أحاديث الوعيد التي تُمرُّ كما جاءت، ولا يتعرض لمعناها، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: (هذا من نصوص الوعيد، وقد جاء عن سفيان الثوري وأحمد كراهة تأويلها، ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر، وهو يدل على أنه ينافي كمال الإيمان الواجب) (^٣).\n\n• الوجه الرابع: جاء في القرآن آيات كثيرة تتضمن النهي عن طاعة الكفار وتبعيتهم، والتحذير منهم، وذكر بعض خصالهم التي تنفر المؤمنين منهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)﴾ [آل عمران: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الآيات في هذا الموضوع قسمان:\n١ - قسم بين أن مخالفتهم في عامة الأمور أصلح للمسلمين، وهذا تدل عليه جميع الآيات.\n٢ - وقسم بين أن مخالفتهم مطلوبة وواجبة شرعًا، وهذا تدل عليه بعض الآيات (^٤).\n_________\n(^١) \"الاقتضاء\" (١/ ٢٤١، ٤٢٦).\n(^٢) \"سبل السلام\" (٤/ ٣٤٨).\n(^٣) \"فتح المجيد\" ص (٣٦٤).\n(^٤) \"الاقتضاء\" (١/ ٩١).","vol":"10","page":161},{"text":"وورد في السنّة أحاديث في هذا المعنى، ومن ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: رأى رسول الله - ﷺ - عليَّ ثوبين معصفرين، فقال: \"أن هذه ثياب الكفار فلا تلبسها\" (^١)، وعن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"خالفوا المشركين، أحفوا الشوارب، وأرخوا اللحى\" (^٢)، وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم\" (^٣).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم\" قيل: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: \"فمن؟ \" (^٤).\nوهذا الحديث وإن كان خبرًا عن أكثر الأمة إلا أنه جاء في سياق الذم المفيد للنهي والمنع، كما ورد في غيره مما يفعله الناس بين يدي الساعة؛ كشرب الخمر، وأكل الربا، والسلام للمعرفة، وظهور الكاسيات العاريات. وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع على أن التشبه بالكفار منهي عنه (^٥).\n\n• الوجه الخامس: الضابط في موضوع التشبه هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من أن كل فعل مأخوذ من الكفار مما هو من خصائص دينهم أو عاداتهم فهو تشبه، فينهى عنه المسلم، كما نهى الرسول - ﷺ - عبد الله بن عمرو عن لبس المعصفر وقال: \"إن هذه ثياب الكفار\".\nأما بالنسبة لأمور العقائد والعبادات والأعياد، فالنهي عن التشبه بهم فيها يقتضي التحريم، وقد يصل إلى درجة الكفر إذا كان مع القصد؛ لأن القصد يجعل مثل هذه الأعمال صادرة عن اعتقاد واستحسان لما هم عليه من الباطل، وهذا يتضمن المحبة والمودة، وهذا من نواقض الإسلام.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٠٧٧).\n(^٢) رواه البخاري (٥٨٩٣)، ومسلم (٢٦١).\n(^٣) رواه البخاري (٥٨٩٩)، ومسلم (٢١٠٣).\n(^٤) رواه البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩).\n(^٥) \"الاقتضاء\" (١/ ٣٢٧).","vol":"10","page":162},{"text":"أما ما كان من قبيل العادات والأزياء فهو محرم يقتضي الحكم بفسق صاحبه، ولا يصل إلى درجة الكفر، والنبي - ﷺ - لما قال لابن عمرو: \"إن هذه ثياب الكفار فلا تلبسها\" لم يبين له أن هذا كفر، وهذا مقيد -أيضًا- بعدم القصد، وإطلاق التشبه عليه إنما هو باعتبار الصورة الظاهرة، والنهي عن هذا باعتبار سد الذريعة، وقد أطلق بعض أهل العلم الكفر على من تشبه بالكفار في عاداتهم الخاصة، ومرادهم مع وجود القصد والنية، وذلك لأن المتشبه بهم قد أخل بأحد أصلي الإيمان وهو المحبة؛ لأن المحبة لله تعالى ولدينه -والتي هي أصل كل الأعمال الشرعية- تقتضي بغض كل ما سوى الإسلام من الكفر وأعماله، وانخرامها بمحبة فعل الكفار بيّن واضح.\nأما ما كان من قبيل الأمور الدنيوية البحتة التي لا تمس العقيدة والأخلاق والسمت الخاص في اللباس ونحوه، كالعلوم والصناعات عمومًا، وصناعة الأسلحة، ومكائد الحرب والقتال، ونحو ذلك، فلا بأس من الاستفادة من تجارب الكفار وخبراتهم، إذا لم يوجد في البيئة الإسلامية الإمكانات التي تقوم بتحقيق هذه المطالب، وتسعى لتوفيرها، والنبي - ﷺ - قد أمر بحفر الخندق في غزوة الأحزاب (^١) ولم تكن العرب تعرف ذلك، وهذه الاستفادة من الكفار مشروطة بألا توقع المسلمين في الذل والصَّغَار، وألا تتعارض مع النصوص أو القواعد الشرعية.\nويكون التشبه بهم مكروهًا إذا كان في صورة فعل ثبت أصله في ديننا كما ثبت في دين الكفار، وشرعت المخالفة في وصفه وصورته، مثل صيام يوم عاشوراء فإنه شرع لليهود، وشرعه النبي - ﷺ - لأمته، لكن مع المخالفة بصيام يوم قبله، فإفراده بالصوم مكروه -على ما ذكره الفقهاء- لأنه يشبه بذلك صيام اليهود (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٣٩٢).\n(^٢) انظر: \"الاقتضاء\" (١/ ٤٢٣)، \"التشبه المنهي عنه\" ص (٨١).","vol":"10","page":163},{"text":"° الوجه السادس: ينبغي أن يعلم أن أحكام التشبه على جهة التفصيل لا يمكن الإحاطة بها؛ لأن هذا يختلف باختلاف نوع التشبه وما يتضمن من المفاسد ولا سيما في هذا الزمان، بل لا بد من عرض كل مسألة على نصوص الشريعة وقواعدها ومقاصدها، والقاعدة في هذا أن كل تشبه تضمن مفسدة فإن المسلم ممنوع منه، وتكون قوة المنع بحسب عظم هذه المفسدة.\nأما ما زال عن كونه شعارًا للكفار بسبب انتشاره بين المسلمين وزوال اختصاص الكفار به فهذا يجوز فعله ما لم يكن حرامًا لعينه، وهذا خاص بالعادات، أما العبادات وما في بابها فهو خاص بهم على كل حال.\nومن أمثلة هذا ما ذكر ابن حجر من أن الطيالسة (^١) كانت شعارًا لليهود، وقد ارتفع في زمانه ذلك، فصار لبسها داخلًا في عموم المباح، ومثل لبس البنطال عند بعض المعاصرين، فهذا قد زال اختصاص الكفار به فأصبح مباحًا على هذا القول، والنفس لا تطمئن إلى إباحته.\nلكن قد ينهى عن مثل ذلك؛ سدًّا للذريعة، ولما يترتب عليه من مفاسد، أهمها: إحساس المسلمين بالنقص والضعف، ثم الإعجاب بما عليه الكفار الذي يؤدي إلى محبتهم والثقة بهم، مع ما يلاحظ من التبعة والمسؤولية على من بادر من آحاد المسلمين، وكان سببًا في فتح الباب ونشر عادات الكفار بين المسلمين (^٢).\nويبدو أن الفقهاء المتقدمين لم يكثروا من تفصيلات الأحكام الفقهية في موضوع التشبّه بالكفار -مع كثرة النصوص في هذا الباب- ولعلّ السبب في ذلك -والله أعلم- أن التشبه لم يكن موجودًا في زمانهم بمثل ما هو عليه الآن من هذا التوسع والانتشار.\n\n° الوجه السابع: موضوع التشبه قد عمت به البلوى في هذه الأزمنة، ولا سيما في زينة المرأة ولباسها، والتبست أحكامه على كثير من الناس، ومن\n_________\n(^١) جمع طيلسان وهو نوع من اللباس يطرح على الرأس. \"كشاف القناع\" (١/ ٢٨٤).\n(^٢) \"التشبه المنهي عنه\" ص (١١١).","vol":"10","page":164},{"text":"أسباب انتشار ظاهرة التشبه الكيد للإسلام وأهله من قِبَلِ الكفار وأتباعهم من المنافقين الذين يعيشون بين المسلمين، وهم حريصون على تشبُّه المسلمين بالكفار واقتباس مناهجهم وأوضاعهم، وعاداتهم وتقاليدهم، ثم هذا الانفتاح الباهر على العالم الخارجي واختلاط المسلمين بغيرهم في ديارهم، وما تقوم به وسائل الإعلام بجميع أنواعها بنقل كل ما عند الآخرين إلى ديار المسلمين، ثم ضعف المسلمين الذي أدى بهم إلى الشعور بالضعف والانهزامية والإعجاب بما عليه الآخرون، ومن ثم غلبة الكفار عليهم، وقد عقد العلامة ابن خلدون في \"مقدمته\" فصلًا خاصًّا ذكر فيه أن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب، إضافة إلى سوء التربية وفساد التوجيه للأجيال القادمة.\nولا ريب أن هذا التشبه له آثار وخيمة وعواقب سيئة على الأفراد والمجتمعات الإسلامية، ومنها:\n١ - موالاة غير المسلمين، وذلك لأن المشابهة في الظاهر تورث مودة ومحبة وموالاة في الباطن، وهذا من أخطر آثار التشبه، وقد بيّن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية بيانًا شافيًا.\n٢ - الشعور بالنقص والصغار المؤدي إلى الضعف والانهزامية، وكون المسلم تابعًا لا متبوعًا، وهذا يؤدي إلى الإعجاب بهم واستحسان مناهجهم وأوضاعهم.\n٣ - البعد عن منهج الله تعالى وشرعه، ونسيان أخلاق الإسلام وآدابه؛ لأن الأخلاق والعادات الوافدة تزاحم الأخلاق الإسلامية وتحل محلها.\n\n° الوجه الثامن: تجتاح العالم الإسلامي -اليوم- موجة من التبعية الجارفة والتقليد الأعمى في كل شيء، ومن ذلك فصل الدين عن السياسة، واستيراد المناهج والكتب والنظم التعليمية التي وضعت في بيئة غير مسلمة، ولا تمت إلى الإسلام بأي صلة، ومن ذلك التشبه بالكفار في الأزياء واللباس وحلق اللحى وإعفاء الشوارب، والاكتفاء بالسلام بالإشارة، ووصل الشعر، والعمل بالتقويم النصراني دون التقويم الهجري، ومشابهة اليهود والنصارى في","vol":"10","page":165},{"text":"جعل العطلة الأسبوعية يوم السبت ويوم الأحد؛ لأن عطلة اليهود يوم السبت، وعطلة النصارى يوم الأحد تعظيمًا لهما، وفرض اللغة الأجنبية في مراحل التعليم على جميع الطلبة مما يؤدي إلى الضعف في اللغة العربية، والتقليد في تسمية المواليد، والأعياد الوطنية التي صارت تزداد يومًا بعد يوم بين المسلمين، وتجد من يشجع عليها وينادي بها، ثم هذا الدخيل من اللغات الأجنبية في أسماء المحلات التجارية ومعارض الألبسة ولا سيما معارض ألبسة النساء.\nبل صار المسلمون يتشبهون بالكفار حتى فيما تراجعوا عنه وأثبتوا فشله، وتحدثوا عن خطره، وكأن المسلمين يبدأون من حيث انتهى القوم، ومن ذلك المناداة بالاختلاط في التعليم في الصفوف الأُول، ليكون سلمًا لما بعده، إلى غير ذلك مما يطول تتبعه، والله تعالى أعلم.","vol":"10","page":166},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1272>ما جاء في فضل حفظ أوامر الله ونواهيه</span>\n١٤٨١/ ٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمًا، فَقَال: \"يَا غُلَامُ، احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإذَا سَأَلتَ فَاسْألِ اللهَ، وإذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَال: حَسَنٌ صَحِيحٌ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه الترمذي في أبواب (صفة القيامة، والرقائق والروع) (٢٥١٦)، وأحمد (٤/ ٤٠٩) من طرق، عن الليث بن سعد، قال: حدثني قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس - ﵄ - قال: كنت خلف رسول الله - ﷺ - يومًا، فقال: \"يا غلام، إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك … \" وذكر الحديث، وتمامه: \"واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجَفَّتِ الصحف\". هذا لفظ الترمذي، وقال: (هذا حديث حسن صحيح).\nوفي سنده قيس بن الحجاج وهو الكلاعي السُّلَفي المصري، قال عنه أبو حاتم: (صالح)، وقد روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^١)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق)، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين، غير حنش الصنعاني فهو من رجال مسلم.\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٧/ ٩٥)، \"الثقات\" (٧/ ٣٢٩)، \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٣٤٨).","vol":"10","page":167},{"text":"ورواه الفريابي في \"القدر\" (١٥٦) وعنه الآجري في \"الشريعة\" ص (١٩٨) من طريق أبي عبد السلام الشامي، عن يزيد بن أبي حبيب، عن حنش به. وأبو عبد السلام الشامي لم أعرفه (^١).\nوحديث الباب مروي عن ابن عباس - ﵄ - من عدة طرق، وفي ألفاظها اختلاف، قال ابن منده عن طريق حنش الصنعاني: (هذا إسناد مشهور، رواه ثقات، وقيس بن الحجاج مصري روى عنه جماعة، ولهذا الحديث طرق عن ابن عباس -﵄-، وهذا أصحها) (^٢). وقال ابن رجب: (أجود أسانيده من رواية حنش عن ابن عباس -﵄-، وهو إسناد حسن لا بأس به) (^٣).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كنت خلف رسول الله - ﷺ - يومًا) أي: راكبًا معه بدليل رواية أحمد: (كنت رديف النبي - ﷺ -)، وقوله هنا: (خلف) يشعر بذلك.\n\nقوله: (يا غلام) بالضم؛ لأنه نكرة مقصودة، والغلام: يطلق على الولد الصغير من زمن الفطام إلى سبع سنين، كذا قال ابن سيده، ونقل الحافظ عن الزمخشري أن الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإن قيل له بعد ذلك غلام فهو مجاز (^٤)، وإنما قال النبي - ﷺ - ذلك لابن عباس لأنه كان صغيرًا عمره نحو عشر سنين.\n\nقوله: (إني أعلمك كلمات) الغرض من هذه الجملة تهيئة ذهن ابن عباس - ﵄ - لما سيقال له؛ ليكون ذلك أوقع في نفسه، وجاء بها بصيغة القلة؛ ليؤذنه بأنها قليلة اللفظ، فيسهل حفظها، وهي وإن كانت ألفاظها قليلة، لكن معانيها كثيرة ومقاصدها غزيرة.\n\nقوله: (احفظ الله) أي: بحفظ حدوده وحقوقه، وأوامره ونواهيه، وذلك بملازمة تقواه بفعل أوامره واجتناب نواهيه.\n_________\n(^١) انظر: \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٤٠٣)، \"الميزان\" (٢/ ٢٩٥)، \"تهذيب الكمال\" (١٣/ ٤٥).\n(^٢) \"كتاب التوحيد\" لابن منده (٢/ ١٠٧).\n(^٣) \"جامع العلوم والحكم\" شرح الحديث (١٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥١).","vol":"10","page":168},{"text":"قوله: (يحفظك) هذا هو الجزاء، فمن حفظ حدود الله تعالى حفظه الله في دينه ودنياه، وحِفْظُهُ في دينه أن يحفظ عليه إيمانه من الشبهات المضلة والشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته فيتوفاه على الإيمان، ويحفظ له دنياه بحفظه في بدنه وأهله وأولاده وذريته، وحفظه في ماله، فيوفقه لاكتسابه من حِلِّه وإنفاقه في مواضعه، ومن هذا حفظه في صحة بدنه وأعضائه وسلامة فكره وقوة عقله.\n\nقوله: (احفظ الله تجده تجاهك) بضم التاء وفتح الهاء، أصله: وُجاهك بضم الواو أو كسرها، ثم قلبت تاء، ومعناها: أمامك، كما جاء في رواية عند أحمد (^١)، والمعنى: تجده يحوطك ويرعاك في أمور دينك ودنياك، يدلك على كل خير، ويذود عنك كل شر، وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها.\n\nقوله: (وإذا سألت فاسأل الله) هكذا في بعض نسخ \"البلوغ\"، ثبات الواو، وفي المخطوطة بحذفها، وهو الموافق لما في \"جامع الترمذي\"، والمعنى: إذا أردت أن تسأل شيئًا من أمور دينك أو دنياك فاسأل الله وحده دون غيره.\n\nقوله: (وإذا استعنت فاستعن بالله) أي: إذا طلبت الإعانة على أمر من أمور الدين أو الدنيا فاستعن بالله وحده؛ لأنه القادر على كل شيء، وغيره العاجز، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (الاستعانة: هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك) (^٢).\n\n• الوجه الثالث: في الحديث درس تربوي وهو التواضع للصغار وتعليمهم ما ينفعهم، ونظير هذا ما تقدم في حديث عمر بن أبي سلمة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال له: \"يا غلام سَمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك\" (^٣).\nوفي هذا دلالة بيّنة على أن النبي - ﷺ - لم يقصر عنايته بالتوجيه على\n_________\n(^١) \"المسند\" (٥/ ١٨، ١٩).\n(^٢) انظر: \"مدارج السالكين\" (١/ ٧٥)، \"تفسير ابن سعدي\" ص (٣٩).\n(^٣) الحديث متفق عليه، وقد تقدم شرحه في باب \"الوليمة\" برقم (١٠٥٥).","vol":"10","page":169},{"text":"البالغين، بل إن عنايته امتدت لتشمل الأطفال، فعلى الآباء والمربين العناية بالناشئة منذ نعومة أظفارهم؛ لينشأوا على صفاء العقيدة وعلى الأخلاق الكريمة والمُثُل العليا.\n\n• الوجه الرابع: في الحديث دليل على فضل ابن عباس - ﵄ - حيث رآه النبي - ﷺ - أهلًا لهذه الوصايا العظيمة مع صغر سنه.\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن من حفظ حدود الله تعالى وراعى حقوقه حفظه الله في دينه ودنياه؛ لأن الجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].\nأما من أضاع حدود الله تعالى وقصر في أوامر ونواهيه، فإنه لا يحصل له الحفظ من الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، قال بعض السلف: (من اتقى الله فقد حفظ نفسه، ومن ضيع تقواه فقد ضيع نفسه، والله غني عنه) (^١).\n\n• الوجه السادس: في الحديث تحقيق التوحيد بالاستغناء بالله تعالى عن خلقه، وذلك بإفراد الله تعالى بالسؤال، وهذا يتضمن النهي عن سؤال غيره من الخلق، والله تعالى قد أمر بسؤاله، فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢].\nوسؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين عقلًا وشرعًا؛ لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وهذا لا يصلح إلا لله تعالى وحده، وهذا غاية المحبة الصادقة، وهذه حقيقة العبادة؛ ولأن سؤال الله تعالى عبودية عظيمة؛ لأنها إظهار الافتقار إليه والاعتراف بقدرته على قضاء الحوائج، وفي سؤال المخلوق ظلم؛ لأن المخلوق عاجز عن جلب النفع لنفسه ودفع الضر عنها فكيف يقدر على ذلك في حق غيره، وسؤاله إقامةً له مقام من يقدر وليس بقادر.\n_________\n(^١) \"جامع العلوم والحكم\" شرح الحديث (١٩).","vol":"10","page":170},{"text":"• الوجه السابع: في الحديث تحقيق التوحيد بالاستغناء بالله تعالى عن خلقه، وذلك بإفراده بالاستعانة، قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] فلا يستعان بغيره؛ لأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ﷿، فمن أعانه الله فهو المعان ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى: لا حول ولا قوة إلا بالله، ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وَكَلَهُ الله إلى من استعان به فصار مخذولًا، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾) (^١).\nومن اضطر إلى الاستعانة بالمخلوق فعليه أن يجعل ذلك سببًا ووسيلة لا ركنًا يعتمد عليه (^٢).\n_________\n(^١) \"مدارج السالكين\" (١/ ٧٨).\n(^٢) \"جامع العلوم والحكم\" حديث (١٩)، \"شرح رياض الصالحين\" (١/ ٤٩٠).","vol":"10","page":171},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1273>فضل الزهد في الدنيا وفيما في أيدي الناس</span>\n١٤٨٢/ ٦ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - قَال: جَاءَ رَجُل إِلى النّبيِّ - ﷺ - فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّني عَلَى عَمَلٍ إذا عَمِلْتُهُ أَحَبَّني اللهُ، وَأَحَبَّنِي النَّاسُ، فَقَال: \"ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيما عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ\".\nرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَسَنَدُهُ حَسنٌ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه ابن ماجه في كتاب \"الزهد\"، باب (الزهد في الدنيا) (٤١٠٢)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ١١)، وابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ٣١)، والحاكم (٤/ ٣١٣)، وأبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٣/ ٢٥٢) (٧/ ١٣٦) كلهم من طريق خالد بن عمرو القرشي، عن سفيان الثوري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - قال: أتى النبي - ﷺ - رجل فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبوك\"، هذا لفظ ابن ماجه.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، ورده الذهبي بقوله: (خالد وضَّاع)، وحسّنه النووي في \"الأربعين\" (^١)، وفي هذا نظر، كما قال الحافظ ابن رجب، فإن الحديث مداره في هذا الإسناد على خالد بن عمرو القرشي، وقد قال فيه الإمام أحمد (منكر الحديث)، وقال مرة: (ليس بثقة، يروي أحاديث بواطيل)، وقال البخاري وأبو زرعة: (منكر الحديث)،\n_________\n(^١) برقم (٣١).","vol":"10","page":172},{"text":"وقال أبو حاتم: (متروك الحديث، ضعيف) (^١). وقد سئل الإمام أحمد عن هذا الحديث فقال: (لا إله إلا الله -تعجبًا منه- من يروي هذا أو عمن هذا؟ فقلت: خالد بن عمرو، فقال: وقعنا في خالد بن عمرو، ثم سكت) (^٢). قال ابن رجب: (مراده الإنكار على من ذكر له شيئًا من حديث خالد هذا، فإنه لا يُشتغل به) (^٣).\nوقد تابع خالدًا محمدُ بن كثير الصنعاني المصِّيصي عن الثوري مثله، رواه ابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ٣١)، قال ابن عدي: (لا أدري ما أقول في رواية ابن كثير عن الثوري لهذا الحديث، فإن ابن كثير ثقة، وهذا الحديث عن الثوري منكر). وقال أبو حاتم كما في \"العلل\" (١٨١٥) عن حديث ابن كثير هذا: (هذا حديث باطل، يعني بهذا الإسناد)، قال ابن رجب: (يشير إلى أنه لا أصل له عن محمد بن كثير، عن سفيان). وقال العقيلي: (ليس له في حديث الثوري أصل، وقد تابعه محمد بن كثير الصنعاني، ولعله أخذه عنه ودلسه؛ لأن المشهور به خالد هذا).\nوقال الدارقطني في \"الأطراف\" (١/ ٣٩٧): (لم يروه عن الثوري، عن أبي حازم غير خالد بن عمرو القرشي، ومحمد بن كثير المصيصي).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل الزهد في الدنيا وأنه سبب في محبة الله تعالى للعبد، والزهد فيها هو قطع تعلق القلب بها والركون إليها وإن عمل فيها بما أباح الله من تجارة أو زراعة أو صناعة ونحو ذلك، فهذا لا ينافي الزهد إذا كان القلب غير معلق بالدنيا وإنما، هو معلق بالآخرة والاستعداد لها.\nيقول ابن القيم: (لا يستقيم الزُّهد في الآخرة إلا بالزُّهد في الدنيا، ولا يستقيم الزُّهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين:\n_________\n(^١) \"علل أحمد\" (٣/ ٢٥٤)، \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٣٤٣)، \"تهذيب الكمال\" (٨/ ١٣٨).\n(^٢) \"المنتخب من \"العلل\" للخلال\" ص (٣٧).\n(^٣) \"جامع العلوم والحكم\" شرح الحديث (٣١).","vol":"10","page":173},{"text":"نظرٌ في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخِسَّتها، وألم المزاحمة عليها والحرص عليها، وما في ذلك من الغُصَص والنَغَص والأنكادِ، وآخِرُ ذلك الزوالُ والانقطاع، مع ما يُعقِبُ من الحسرة والأسف، فطالبها لا ينفكُّ من همٍّ قبل حصولها، وهمٍّ في حال الظَّفرِ بها، وغمٍّ وحزنٍ بعد فواتها. فهذا أحدُ النظرين.\nالنظرُ الثاني في الآخرة، إقبالها ومجيئها ولا بدَّ، ودوامها وبقائها، وشرفِ ما فيها من الخيرات والمسرات، والتفاوت الذي بينه وبين ما هاهنا؛ فهي كما قال الله سبحانه: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٧]؛ فهي خيراتٌ كاملة دائمة، وهذه خيالاتٌ ناقصةٌ منقطعةٌ مضمحلة.\nفإذا تم له هذان النظران آثر ما يقتضي العقلُ إيثارهُ، وزَهِدَ فيما يقتضي الزُّهدَ فيه) (^١).\nوقد كَثُر في القرآن الإشارة إلى مدح الزهد في الدنيا وذم الرغبة فيها، قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]، وقال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧].\nيقول أبو سليمان الداراني: (اختلفوا علينا في الزهد بالعراق، فمنهم من قال: الزهد في ترك لقاء الناس، ومنهم من قال: في ترك الشهوات، ومنهم من قال: في ترك الشبع، وكلامهم قريب بعضه من بعض، قال: وأنا أذهب إلى أن الزهد في ترك ما يشغلك عن الله ﷿)، قال الحافظ ابن رجب: (وهذا الذي قاله أبو سليمان حسن، وهو يجمع جميع معاني الزهد وأقسامه وأنواعه) (^٢). وقال رجل لمحمد بن واسع: أوصني. قال: أوصيك أن تكون مَلِكًا في الدنيا والآخرة؛ قال: كيف لي بذلك؟ قال: ازهد في الدنيا (^٣).\n_________\n(^١) \"الفوائد\" ص (١٣٦ - ١٣٧).\n(^٢) \"جامع العلوم والحكم\" شرح الحديث (٣١).\n(^٣) \"حلية الأولياء\" (٦/ ٣٠٢).","vol":"10","page":174},{"text":"• الوجه الثالث: يذكر العلماء هذا الحديث لبيان فضل زهد المرء عما في أيدي الناس والاستغناء عنهم، وأن هذا سبب لمحبة الناس إياه؛ لأن الطباع قد جبلت على استثقال من يسأل الناس، ويطمع فيما في أيديهم، فمن رغب عما في أيديهم أحبوه، وإذا أحبوه حصل له خيرهم، وسلم من شرهم، وإذا طلب ما في أيديهم كرهوا لقاءه، وكرهوا قربه، ولم يسلم من شرهم.\nقال الحسن: (لا تزال كريمًا على الناس ما لم تَعاطَ ما في أيديهم، فإذا فعلت ذلك استخفوا بك، وكرهوا حديثك، وأبغضوك) (^١).\nوقال ابن رجب: (تكاثرت الأحاديث عن النبي - ﷺ - بالأمر بالاستعفاف عن مسألة الناس والاستغناء عنهم، فمن سأل الناس ما بأيديهم كرهوه وأبغضوه؛ لأن المال محبوب لنفوس بني آدم، فمن طلب منهم ما يحبون، كرهوا ذلك) (^٢).\nولا يمنع هذا أن يسألهم ما له فيه حق كالزكاة إذا كان من أهلها وأراد أن ينبههم إلى ذلك، وكذا القرض والاستدانة، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، مع نية السداد، وقد فعل النبي - ﷺ - هذا وهو إمام الزاهدين. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"جامع العلوم والحكم\" حديث (٣١).\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"10","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1274>من أسباب محبة الله تعالى للعبد</span>\n١٤٨٣/ ٧ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِيِ وَقَّاصٍ - ﵁ - قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إن اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ، الْغَنِيَّ، الْخَفِيَّ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الزهد والرقائق\" (٢٩٦٥) من طريق أبي بكر الحنفي، حدثنا بكير بن مسمار، حدثني عامر بن سعد، قال: كان سعد بن أبي وقاص في إبله فجاءه ابنه عمر، فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فنزل، فقال له: أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم؟ فضرب سعد في صدره فقال: اسكت، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: … وذكر الحديث.\nورواه أحمد في \"المسند\" (٣/ ٥١) عن أبي بكر الحنفي به، ولفظه: (والناس يتنازعون في الملك في المدينة).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (التقي) أي: الزكي وهو الممتثل لأوامر الله تعالى المجتنب لنواهيه، وهي صفة مشبهة على وزن (فعيل) وأصله: وَقِيٌّ، فأبدلت الواو تاءً، ثم أدغمت ياء فعيل بلام الكلمة (^١).\n\nقوله: (الغني) هو المكتفي بما في يده وإن قل، فلا يطمع بما في أيدي الناس، وقال النووي: المراد بالغني غني النفس، كما في قوله - ﷺ -: \"ليس\n_________\n(^١) \"معجم مفردات الإبدال والإعلال في القرآن\" ص (٢٨٥).","vol":"10","page":176},{"text":"الغنى عن كثرة العَرَضِ ولكن الغنى غنى النفس\" (^١).\n\nقوله: (الخفي) بالخاء المعجمة، وذكر القرطبي أن جمهور الرواة قيدوه بذلك من الخفاء (^٢)، وذكر القاضي عياض أن بعض رواة مسلم رووا هذه اللفظة بالحاء المهملة (الحفي) ومعناها بالخاء المعجمة: المعتزل عن الناس الذي يخفى عليهم مكانه، وقيل: هو الخامل المنقطع إلى العبادة والاشتغال بها وبأمور نفسه التي تعنيه دينًا ودنيا (^٣).\nومعناها بالحاء المهملة: المتحفي بأهله، الوصول إليهم بماله، الساعي في حوائجهم، ويؤيد المعنى الأول فعل سعد بن أبي وقاص - ﵁ -.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على إثبات صفة المحبة لله تعالى، والمحبة من صفات الله تعالى الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، وهي محبة حقيقية تليق بالله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وأما تفسيرها بالثواب أو بالرضا ونحو ذلك، فهذا تعطيل؛ لأنه خلاف ظاهر النصوص، وخلاف طريقة السلف، وليس عليه دليل.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من أسباب محبة الله تعالى للعبد أن يتصف بهذه الصفات الثلاث:\nالأولى: أن يكون متقيًا لله تعالى قائمًا بأوامره مجتنبًا نواهيه، مستقيمًا على طاعة الله تعالى، صادقًا في قوله، مخلصًا في عمله، وسيأتي الكلام على التقوى - إن شاء الله - عند شرح الحديث (١٥٤٢).\nالثانية: أن يكون غنيًّا بالله تعالى مستغنيًا عما في أيدي الناس، راضيًا بما قسم الله له، فلا يتعلق قلبه بما في أيدي الناس ولا يتعلق بالدنيا، بل\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٤٤٦)، ومسلم (١٠٥١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وانظر: \"رياض الصالحين\" ص (٢٥٦).\n(^٢) \"المفهم\" (٧/ ١٢٠).\n(^٣) \"إكمال المعلم\" (٨/ ٥١٧)، \"اللسان\" (١٤/ ٢٣٦)، \"دليل الفالحين\" (٣/ ٤١).","vol":"10","page":177},{"text":"رزقه الله القناعة والكفاف، كما قال النبي - ﷺ -: \"قد أفطح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه\" (^١). وهذا هو الغنى حقيقة، إنه غنى النفس؛ لأن غني النفس راضٍ بقضاء الله وقدره، قد كفت نفسه عن المطامع، وصارت عزيزة لم تذلها المطامع والتطلعات إلى ما في أيدي الناس، ومثل هذا يحصل له من الثناء وعلو المكانة أكثر من الغنى بكثرة العرض (^٢).\nالثالثة: أن يكون خفيًّا، لا يتعرض للشهرة، ولا يرغب فيها، لكن لو اشتهر بدون قصد منه، اشتهر بطاعة الله وعبادته، أو اشتهر بالعلم، أو بالجاه، أو بالبذل والعطاء، أو نحو ذلك، فهذا من البشرى التي عجلت له.\n\n• الوجه الخامس: استدل العلماء بهذا الحديث على فضل اعتزال الناس على مخالطتهم إما مطلقًا أو عند فساد الناس والزمان وخوف الفتنة في الدين (^٣). قال الخطابي: (كان سعد ﵀ ممن اعتزل أيام الفتنة، فلم يكن مع أحد من الفريقين، فأرادوه على الخروج فأبى وضرب لذلك مثلًا) (^٤).\nوالعزلة عن الناس فيها فوائد، ومنها: التفرغ لعبادة الله تعالى، والتخلص من المعاصي التي يتعرض لها الإنسان بالمخالطة من الرياء والغيبة، والسلامة من قرناء السوء وعشاق الدنيا، وحفظ الوقت، وحفظ اللسان من فضول الكلام.\nوسيأتي تفصيل مسألة العزلة في آخر باب (الترغيب في مكارم الأخلاق) إن شاء الله. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٠٥٤).\n(^٢) \"المفهم\" (٣/ ٩٥).\n(^٣) انظر: \"العزلة\" للخطابي ص (٧١).\n(^٤) \"العزلة\" ص (٧١، ٧٢).","vol":"10","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1275>ما جاء في فضل ترك المرء ما لا يعنيه</span>\n١٤٨٤/ ٨ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ المَرْءِ، تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَال: حَسَنٌ.\n\n° الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه الترمذي في أبواب \"الزهد عن رسول الله - ﷺ -\" (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٩٧٦) من طريق أبي عمرو الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن المعافري، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - … وذكر الحديث.\nقال الترمذي: (هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه)، وبهذا يتبين وَهْمُ الحافظ في نقل تحسينه عن الترمذي، فإن قوله: (هذا حديث غريب) هو الذي نقله عنه المزي (^١)، وابن رجب (^٢).\nوهذا الحديث في سنده قرة بن عبد الرحمن، وهو متكلم فيه، فقد قال الإمام أحمد: (منكر الحديث جدًّا)، وقال أبو زرعة: (الأحاديث التي يرويها مناكير)، وقال أبو حاتم والنسائي: (ليس بقوي)، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: (ضعيف)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال العجلي: (يكتب\n_________\n(^١) \"تحفة الأشراف\" (١١/ ٤١).\n(^٢) \"جامع العلوم والحكم\" شرح الحديث (١٢).","vol":"10","page":179},{"text":"حديثه) (^١).\nوقد رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٠٣) - ومن طريقه الترمذي (٢٣١٨) - عن الزهري، عن علي بن حسين، عن رسول الله - ﷺ - مرسلًا.\nقال الترمذي: (هذا عندنا أصح من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة). وممن رجح إرساله أحمد وابن معين، والبخاري، والبيهقي (^٢).\nوقد تابع مالكًا في روايته عن الزهري، عن علي بن حسين مرسلًا جمع من الرواة، منهم: معمر بن راشد عند عبد الرزاق (٢٠٦١٧)، ويونس بن يزيد عند ابن وهب في \"الجامع\" (٢٩٧، ٤٤٣) وعند القضاعي في \"مسند الشهاب\" (١٩٣) وآخرون، وقد ذكر الدارقطني في \"العلل\" (٣/ ١٠٨ - ١١٠) (٨/ ٢٥ - ٢٨) (١٣/ ٢٥٨) أوجه الاختلاف في هذا الحديث، ثم قال: (والصحيح حديث الزهري عن علي بن الحسين مرسلًا). وقال ابن رجب: (قد خلط الضعفاء في إسناده على الزهري تخليطًا فاحشًا، والصحيج مرسل).\n\n• الوجه الثاني: هذا الحديث من الكلمات الجامعة النافعة؛ لأنه أصل كبير في تأديب النفس وتهذيبها، وبيان المنهج الذي ينبغي للمسلم أن يسير عليه في حياته، وهو وإن كان فيه المقال المتقدم لكنه درس تربوي لكثير من الناس، وعموماتُ الشريعة تدل على معناه، فإنه يدل على أن من حسن إسلام المرء وإيمانه إعراضه عما لا يعنيه ولا يهمه من الأقوال والأفعال في أمور الدين والدنيا؛ لأن المسلم يكفيه ما يعنيه واشتغاله بما أوجب الله عليه من الطاعات وأعمال البر والإحسان، وما يتعلق بضرورة حياته من أمور معاشه من مطعم ومشرب ومسكن، وتربية أولاده، أما تدخُّله في شؤون غيره فهذا دليل على ضعف العقل وقلة البصيرة في الدين؛ لأن مفهوم الحديث: أن من لم يترك ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال فإنه مسيء في إسلامه.\nوكما أن ترك المسلم ما لا يعنيه من حسن الإسلام وعلو الهمة؛ فإن فيه\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٧/ ٣٤٢)، \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٣٧٢).\n(^٢) \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٢٢٠، ٢٢١)، \"شعب الإيمان\" (٩/ ٢٥٨).","vol":"10","page":180},{"text":"سلامة العِرْضِ، وراحة القلب، وحفظ الوقت الذي هو حياة الإنسان ورأس ماله؛ لأن ما يعنيه شيء يسير بالنسبة إلى ما لا يعنيه، وفيه أيضًا حفظ اللسان من لغو الكلام؛ لأن هذا أكثر ما يراد بترك ما لا يعني، وقد دل على هذا نصوص كثيرة، كقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨].\nقال عمر بن عبد العزيز ﵀: (من عَدَّ كلامه من عمله قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه). قال ابن رجب: (وهو كما قال، فإن كثيرًا من الناس لا يعد كلامه من عمله، فيجازف فيه ولا يتحرى) (^١).\nوقال بعض الحكماء: (من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه، ومن لم يستغن بما يكفيه فليس في الدنيا شيء يغنيه) (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"جامع العلوم والحكم\" حديث (١٢).\n(^٢) \"العزلة\" ص (١٣٤).","vol":"10","page":181},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1276>الحث على تقليل الأكل</span>\n١٤٨٥/ ٩ - عَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَا مَلأَ ابْنُ آدَمَ وعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ\". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه الترمذي في أبواب \"الزهد عن رسول الله - ﷺ - \"، باب (ما جاء في كراهية كثرة الأكل) (٢٣٨٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦/ ٢٦٨)، وأحمد (٢٨/ ٤٢٢) من طريق يحيى بن جابر الطائي قال: سمعت المقدام بن معدي كرب الكندي قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطن، حسب ابن آدم أُكُلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعام، وثلث لشراب، وثلث لنفسه\".\nهذا لفظ أحمد، وفي سياق الإسناد عنده جاء التصريح بسماع يحيى بن جابر من المقدام، ولفظ الترمذي: \"ما ملأ آدمي وعاء شرًّا من بطن، بحسب ابن آدم أُكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه\".\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) وفي بعض النسخ: (حسن)، وهذا هو الذي اعتمده الحافظ هنا، وذكر المزي كلا الوجهين (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"تحفة الأشراف\" (٨/ ٥١٢).","vol":"10","page":182},{"text":"وقد أعلّ هذا الحديث بأن العلماء تكلموا في سماع يحيى بن جابر الطائي من المقدام، فقد قال أبو حاتم: (يحيى عن المقدام مرسل)، وهذا هو ظاهر صنيع البخاري في \"تاريخه\" وعلى هذا مشى المزي، ومن بعده الحافظ ابن حجر (^١).\nوالذين رووا الحديث كلهم قالوا: عن المقدام، إلا أحمد ففي إسناده التصريح بالسماع كما تقدم، وقد رواه الطبراني في \"الكبير\" (٢٠/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، والخطيب في \"الموضح\" (٢/ ١٢٥) من طريق أبي المغيرة وفيه: عن -وهو الذي رواه عنه أحمد- فإذا أضيف إلى هذا جزم الحفاظ بان رواية يحيى عن المقدام مرسلة تبين أن ما في \"المسند\" محل نظر.\nولهذا الحديث طرق أخرى كلها ضعيفة، وقد صحح الترمذي هذا الحديث، وكأنه لم يلتفت إلى انقطاعه، وحسّنه الحافظ في \"فتح الباري\" (^٢) مع أنه نص -كما تقدم- على انقطاعه.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (وعاء) بكسر الواو هو الظرف، والتعبير بلفظ الوعاء فيه توهين شأنه حيث جعل البطن كالأوعية التي تتخذ ظروفًا لحوائج البيت.\n\nقوله: (شرًّا من بطن) أي: أشد ضررًا عليه من ملء بطنه، وهو صفة لوعاء، وجعله شر الأوعية لأنها استعملت فيما هي له، والبطن خلق لأن يتقوم به الصلب بالطعام، وامتلاؤه يفضي إلى المضرة، فيكون شرًّا منها (^٣).\n\n• الوجه الثالث: في الحديث بيان الأدب الشرعي الذي ينبغي أن يكون عليه الآكل في مقدار أكله، وأنه يكفيه أكلات أو لقيمات يقمن صلبه، وهذا من الزهد المحمود، فإن كان لا بد من الشبع فليجعل الأكل بمقدار الثلث، والثلث الثاني للشرب، والثلث الثالث للنفس، قال ابن رجب: (هذا الحديث\n_________\n(^١) \"المراسيل\" ص (٢٤٤)، \"التاريخ الكبير\" (٨/ ٢٦٥)، \"تهذيب الكمال\" (٣١/ ٢٤٩)، \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ١٦٨).\n(^٢) (٩/ ٥٢٨).\n(^٣) \"تحفة الأحوذي\" (٧/ ٥١).","vol":"10","page":183},{"text":"أصل جامع لأصول الطب كلها) (^١).\nوالحديث وإن كان ضعيفًا لكن معناه صحيح تؤيده الأدلة، كقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. وذلك لأن المقصود من الأكل حفظ صحة البدن وقوته؛ لأن بها بقاء الحياة، وفي التقليل من الأكل مصالح عظيمة، من أهمها: خفة البدن، ونشاطه في أمور دينه ودنياه، والسلامة من الأمراض التي تكون من كثرة الأكل.\nقال ابن القيم: (مراتب الغذاء ثلاثة: أحدها: مرتبة الحاجة، والثاني: مرتبة الكفاية، والثالثة: مرتبة الفضيلة، فأخبر النبي - ﷺ - أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه … فإن تجاوزها فليأكل في ثلث بطنه … وهذا من أنفع ما للبدن والقلب) (^٢). وقال ابن رجب: (قلة الغذاء توجب رقة القلب، وقوة الفهم وانكسار النفس وضعف الهوى والغضب، وكثرة الغذاء توجب ضد ذلك) (^٣).\n\n• الوجه الرابع: في الحديث ذم الشبع والتحذير من ملء البطن، وذلك لأن الشبع وكثرة الأكل يولد العطش، فيشرب كثيرًا، فيرتخي جسده وتتخثر أعضاؤه، وفي ذلك مدعاة للكسل والفتور، والإخلاد إلى الراحة، وحب النوم، والتكاسل عن طاعة الله تعالى، وكثرة الأسقام التي تنشأ عن الشبع عاجلًا أو آجلًا ظاهرًا أو باطنًا، وربما صار يبحث عن مشروبات تكفيه مؤنة عسر الهضم الذي ابتلي به، يقول ابن رجب: (من وفَّى نفسه حظها من عيش جسده بالشهوات الحسية كالطعام والشراب، فسد قلبه وقسا، وجلب له ذلك الغفلة وكثرة النوم، فنقص حظ روحه وقلبه من طعام المناجاة وشراب المعرفة، فخسر خسرانًا بيّنًا) (^٤).\nوفي الشبع تحريك نوازع الشر في الإنسان، فكم من معصية جلبها الشبع\n_________\n(^١) \"جامع العلوم والحكم\" شرح الحديث (٤٧).\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٤/ ١٨).\n(^٣) \"جامع العلوم والحكم\" حديث (٤٧).\n(^٤) \"شرح حديث: لبيك اللهم لبيك\" ضمن \"مجموع رسائل الحافظ ابن رجب\" (١/ ١١٨).","vol":"10","page":184},{"text":"وفضول الطعام، وقد ثبت في \"الصحيحين\" من حديث ابن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: \"المؤمن يأكل في مِعًى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء\" (^١).\nقال ابن رجب: (المراد أن المؤمن يأكل بآداب الشرع فيأكل في مِعًى واحد، والكافر يأكل بمقتضى الشهوة والشره والنَّهَمِ، فيأكل في سبعة أمعاء) (^٢).\nوهذا الذم للشبع إذا كان دائمًا أو غالبًا، أما إذا كان في بعض الأحيان فلا بأس به، فقد شرب أبو هريرة - ﵁ - بحضرة النبي - ﷺ - من اللبن حتى قال: والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكًا (^٣).\nوهذا كله يتعلق بكمية الطعام التي يأكلها الإنسان، أما نوعية الطعام فينبغي للآكل أن يحرص على الغذاء الذي تتوفر فيه العناصر المهمة لإبقاء البدن قويًّا منيعًا ضد الأمراض، والخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس - اليوم - إما في كمية الطعام التي يأكلها وإدخال الطعام على الطعام، أو في عدم التوازن الغذائي بعدم العناية بالأطعمة التي تنفع البدن، وثَمَّ أمر الثالث موعد الأكل.\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على كمال هذه الشريعة حيث جاءت بما فيه صلاح الناس في دينهم ودنياهم وأبدانهم، فجاءت بهذه التوجيهات المتعلقة بحفظ الصحة، وذلك بمراعاة مقدار الطعام الذي يأكله الإنسان، ولو أخذ الناس بذلك لسلموا من الأمراض والأسقام التي تعود في الغالب إلى كثرة الطعام أو إدخاله على الطعام قبل الانهضام. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٣٩٦)، ومسلم (٢٠٦٠).\n(^٢) \"جامع العلوم والحكم\" حديث (٤٧).\n(^٣) رواه البخاري (٦٤٥٢). وانظر: \"زاد المعاد\" (٤/ ١٨)، \"فتح الباري\" (١١/ ٢٨٨).","vol":"10","page":185},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1277>ما جاء في فضل التوبة</span>\n١٤٨٦/ ١٠ - عَنْ أنسٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ\". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَاجَهْ، وَسَنَدُهُ قَويٌّ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه الترمذي في أبواب (صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله - ﷺ -) (٢٤٩٩)، وابن ماجه (٤٢٥١)، وأحمد (٢٠/ ٣٤٤) من طريق زيد بن الحُباب، حدثنا علي بن مسعدة، عن قتادة، عن أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\nزاد أحمد: \"ولو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى إليهما ثالثًا، ولا يملأ جوفَ ابنِ آدم إلا التراب\".\nقال الترمذي: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة، عن قتادة).\nوعلي بن مسعدة متكلم فيه، فقد وثقه أبو داود الطيالسي، وقال أبو حاتم: (لا بأس به)، وقال ابن معين: (صالح)، وفي رواية: (لا بأس به)، وقال البخاري: (فيه نظر)، وقال أبو داود: (ضعيف)، وقال النسائي: (ليس بالقوي) (^١).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٣٨١).","vol":"10","page":186},{"text":"ولما ساق ابن عدي هذا الحديث وحديثًا آخر في ترجمته، قال: (وله غير ما ذكرت عن قتادة، وكلها غير محفوظة) (^١).\nوحُكْمُ الترمذي عليه بالغرابة؛ يعني أن علي بن مسعدة قد تفرد به دون أصحاب قتادة، ولا يحتمل تفرده، ولهذا قال الإمام أحمد: (هذا حديث منكر) (^٢) ورواه أحمد في \"الزهد\" ص (١٢١) من طريق الخفَّاف، عن سعيد، عن قتادة .. وهذا يفيد أنه من قوله.\nوأما قول الحافظ: (وسنده قوي) فهذا فيه نظر، لما تقدم.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كل بني آدم) هذه صيغة عموم.\n\nقوله: (خَطَّاءٌ) صيغة مبالغة من الثلاثي خَطِئَ، قال أبو عبيدة: (خَطِيءَ خَطئًا من باب علم، وأخطأ بمعنى واحد لمن يذنب على غير عمد) (^٣).\nوجاء بالإفراد نظرًا إلى لفظ (كل)، وفي رواية: (خطاؤون) نظرًا إلى معنى (كل) وهو الجمع.\n\nقوله: (وخير الخطائين التوابون) جمع تواب صيغة مبالغة؛ أي: الرجاعون إلى الله تعالى بالتوبة من المعصية إلى الطاعة، والتوبة هي: الاعتراف والندم والإقلاع والعزم على ألا يعود.\n\n• الوجه الثالث: يستدل العلماء بهذا الحديث على أن من شأن ابن آدم الخطأ والوقوع في الذنب؛ لما جبل عليه هذا النوع من الخلق من الضعف، وعدم الانقياد لمولاه في فعل ما إليه دعاه، وترك ما عنه نهاه، وهذا أمر لا يسلم منه أحد من البشر، لكن منهم المقل ومنهم المكثر، ومن فضل الله ورحمته أن فتح باب التوبة لجبر هذا الخلل الذي يقع من الإنسان.\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٥/ ٢٠٧).\n(^٢) \"المنتخب من \"العلل\" للخلال\" ص (٣٧).\n(^٣) \"المصباح المنير\" ص (١٧٤).","vol":"10","page":187},{"text":"وقد جاءت الأدلة من الكتاب والسنّة في وجوب التوبة على كل مسلم وبيان فضلها وأثرها، ووصف الأنبياء بها، ومحبة الله تعالى للتائبين، ووعده بقبولها، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢].\nوروى مسلم في \"صحيحه\" عن أبي بردة - ﵁ - قال: سمعت الأَغَرَّ -وكان من أصحاب رسول الله - ﷺ - يحدث ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يا أيها الناس توبوا إلى الله؛ فإني أتوب - في اليوم - إليه مائة مرة\" (^١).\nقال القرطبي: (اتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين) (^٢)، وقال في موضع آخر: (لا خلاف بين الأمة في وجوب التوبة وأنها فرض متعين) (^٣).\nفالواجب على المؤمن إذا تلبس بمعصية أن يبادر بالتوبة والرجوع إلى الله تعالى مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه الله ظاهرًا وباطنًا، ندمًا على ما مضى، وتركًا في الحال، وعزمًا على ألا يعود (^٤)؛ لأن الإنسان لا يدري في أي لحظة يموت؛ ولأن السيئات تجر أخواتها، وإذا كانت التوبة واجبة على الفور، فإن تأخير التوبة ذنب يجب التوبة منه.\nفإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي زيد على هذه الشروط الثلاثة شرط رابع، وهو أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كان مالًا أو نحوه ردَّه إليه، وإن كان غيبة استحله منها إن لم يترتب على ذلك مفسدة، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٧٠٢) (٤٢).\n(^٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" (٥/ ٩٠).\n(^٣) \"الجامع لأحكام القرآن\" (١٢/ ٢٣٨).\n(^٤) \"فوائد قرآنية\" ص (١٠٠).","vol":"10","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1278>ما جاء في فضل الصمت</span>\n١٤٨٧/ ١١ - عَنْ أنس - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الصَّمْتُ حِكَمٌ، وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ\". أَخْرَجَهُ الْبَيهَقِيُّ في \"الشُّعَبِ\" بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. وَصَحَّحَ أنَّهُ مَوْقُوفٌ مِنْ قَوْلِ لُقْمَانَ الحَكِيم.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه ابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٦٩) ومن طريقه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٩/ ٢٨٤) من طريق إبراهيم بن غسان الغلابي، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عثمان بن سعد الكاتب، عن أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\nوهذا سند ضعيف؛ لأن فيه عثمان بن سعد الكاتب، وهو ضعيف، قال ابن معين: (ليس بذاك)، وقال أبو زرعة: (لين)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال مرة: (ليس بثقة)، وقال ابن حبان: (كان ممن لا يميز شيخه من شيخ غيره، ويحدث بما لا يدري، ويجيب عما يُسأل، فلا يجوز الاحتجاج به) (^١).\nثم إنه قد خولف في إسناده، فقد رواه ابن حبان في \"روضة العقلاء\" ص (٤١)، والحاكم (٢/ ٤٢٢، ٤٢٣)، والبيهقي في \"الشعب\" (٩/ ٢٨٣) من طريق حماد بن سلمة، حدثنا ثابت، عن أنس أن لقمان كان عند داود وهو يسرد (^٢) الدروع، فجعل يفتله هكذا بيده، فجعل لقمان يتعجب منه ويريد أن\n_________\n(^١) \"المجروحين\" (٢/ ٧٠)، \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ١٠٨).\n(^٢) سرد الدروع: نسجها وإحكامها. انظر: \"فتح القدير\" (٤/ ٣١٦).","vol":"10","page":189},{"text":"يسأله، فتمنعه حكمته أن يسأل، فلما فرغ منها صَبَّهَا على نفسه، وقال: نعم درع الحرب هذه، فقال لقمان: إن الصمت من الحكم وقليل فاعله، كنت أريد أن أسألك فسكت حتى كفيتني.\nوهذا السياق للحاكم والبيهقي، أما ابن حبان فقد ساقه مختصرًا مقتصرًا على مقولة لقمان.\nقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي.\nوقال البيهقي عن الإسناد الأول: (غلط في هذا عثمان بن سعد …)، وقال عن رواية ثابت هذه: (هذا هو الصواب عن أنس أن لقمان قال: الصمت حِكَمٌ وقليل فاعله).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الصمت) مصدر صَمَتَ يَصْمُتُ من باب قتل: إذا سكت، والصمت: هو الإمساك عن قول الباطل دون الحق.\nوبهذا يفرق بين الصمت والسكوت، فإن السكوت إمساك عن الكلام حقًّا كان أو باطلًا، أما الصمت فهو إمساك عن الكلام الباطل دون الحق.\n\nقوله: (حِكَمٌ) بكسر الحاء وفتح الكاف جمع حكمة، وقد جاءت بلفظ الجمع عند البيهقي وغيره، وهو المثبت في المخطوطة، ووقع في بعض نسخ \"البلوغ\" بلفظ المفرد، وهي التي عليها شرح المغربي، ثم الصنعاني (^١).\nوالحِكْمة مشتقة من الحَكَمَة - بالتحريك - وهي لجام الدابة التي تذللها لراكبها حتى تمنعها الجماح ونحوه، والحكمة تحفظ صاحبها من أخلاق الأرذال، وتمنعه من التكلم بما لا يعني (^٢).\n\nقوله: (وقليل فاعله) أي: قلّ من الناس من يحرص على الصمت ويتخلق به.\n_________\n(^١) انظر: \"البدر التمام\" (٥/ ٢٦٧) \"سبل السلام\" (٨/ ٢٦٦).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (١٤٥).","vol":"10","page":190},{"text":"قوله: (من قول لقمان الحكيم) لقمان: اسم أعجمي على ما ذكر الألوسي في \"تفسيره\"، وهو مختلف في نسبه، فقيل: لقمان بن عنقاء بن سدون، ويقال: لقمان بن ثاران، حكاه السهيلي، وكان في زمان بني إسرائيل، وقد قيل: إنه تولى القضاء، والمشهور أنه كان عبدًا حبشيًّا نجارًا، وورد أنه رعى الغنم، وقد نقل ابن كثير وغيره روايات عن الصحابة - ﵁ - ومن بعدهم حول شخصية لقمان.\nوقد وقع خلاف بين السلف في نبوته، والجمهور على أنه ليس بنبي، وإنما هو عبد صالح آتاه الله الحكمة، وهي الصواب في القول والعمل والفهم السليم لما يصلح الناس في دينهم ودنياهم، وقد ذكره الله تعالى في القرآن، وأثنى عليه، وحكى من كلامه فيما وعظ به ولده الذي هو أحب الخلق إليه، وهو أشفق الناس عليه (^١).\n\n• الوجه الثالث: في مقوله لقمان الحكيم بيان فضل الصمت وحفظ اللسان من اللغو والكذب والغيبة والنميمة وقول الزور وفضول الكلام وغير ذلك مما نهى عنه الشارع الحكيم.\nوقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالأمر بالصمت وحفظ اللسان، فعن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت\" (^٢). وعن أبي موسى - ﵁ - قال: سئل رسول الله - ﷺ -: أي المسلمين أفضل؟ قال: \"من سلم المسلمون من لسانه ويده\" (^٣).\nومن المأثور عن علي - ﵁ - أنه قال: (اللسان قِوام البدن، فإذا استقام اللسان استقامت الجوارح، وإذا اضطرب اللسان لم تقم له الجوارح) (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٢/ ٥٠٣)، \"تفسير القرطبي\" (١٤/ ٥٩)، \"البداية والنهاية\" (٣/ ٥)، \"روح المعاني\" (٢١/ ٨٢).\n(^٢) رواه البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧).\n(^٣) رواه البخاري (١٠)، ومسلم (٤٠)، والترمذي (٢٥٠٤)، واللفظ له.\n(^٤) \"الصمت\" لابن أبي الدنيا ص (٢٣٩).","vol":"10","page":191},{"text":"وفي الصمت فضائل عظيمة، فهو دليل كمال الإيمان، وحسن الإسلامِ، ورجاحة العقل، وحسن الخلق، وطهارة النفس، وفيه السلامة من فضول القول، والعصمة من زيغ المنطق؛ لأن الصمت قلة وزْرٍ، وخفة من الذنوب، ورحم الله امرأ قال خيرًا فغنم، أو سكت فسلم.\nوقد ذكر العلماء أن للكلام شروطًا أربعة:\n١ - أن يكون الكلام لداع يدعو إليه، إما جلب منفعة أو دفع مضرة.\n٢ - أن يكون الكلام بقدر الحاجة؛ لأن الكلام ليس له نهاية.\n٣ - أن يكون الكلام في موضعه بحيث يتوخى به إصابة غرضه.\n٤ - أن يتخير الألفاظ المناسبة للمقام (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"أدب الدنيا والدين\" ص (٢٣٧).","vol":"10","page":192},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1279>باب الرَّهَبِ من مساوئ الأخلاق</span>\nالرَّهَبُ - بالتحريك - مصدر رَهِبَ يَرْهَبُ رَهَبًا من باب تَعِبَ؛ أي: خاف، ومادة رهب -كما يقول ابن فارس - تدل على معنيين، أحدهما: الخوف، والآخر: الرقة والخفة (^١).\nوفي بعض النسخ: الترهيب، وهو مصدر رهَّبه من الشيء بمعنى أخافه خوفًا شديدًا.\nوالمساوئ: بفتح الميم جمع مساءة بمعنى سيئة، وهي القبيح من القول والفعل.\nوالمراد بمساوئ الأخلاق: الأخلاق الذميمة من الأقوال والأفعال التي نهى الشارع عنها، وحذر منها كالحسد والظلم والرياء وإخلاف الوعد والخيانة والغضب وغير ذلك.\nوقد جاءت الشريعة الإسلامية بالحث على مكارم الأخلاق، والتحذير من مساوئ الأخلاق.\nوقد أراد المؤلف بهذا الباب أن يذكر جملة من الأحاديث في مساوئ الأخلاق؛ لبيان أن من حلية طالب العلم أن يستقيم على الأخلاق الكريمة، وأن يبتعد عن الأخلاق الذميمة حتى يكون ممن استنار بنور الإيمان، واستفاد من علمه، وهذا أقرب إلى سعادته في الدنيا وفلاحه في الدار الآخرة، وانتفاع الناس بعلمه وأخلاقه. وعن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: (ليتق الرجل دناءة الأخلاق، كما يتقي الحرام) (^٢).\n_________\n(^١) \"معجم مقاييس اللغة\" (٢/ ٤٤٧).\n(^٢) \"حلية الأولياء\" (٦/ ٢٤٠).","vol":"10","page":193},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1280>التحذير من الحسد</span>\n١٤٨٨/ ١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إيَّاكُمْ وَالحَسَدَ، فَإنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الحَسَناتِ، كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ.\n١٤٨٩/ ٢ - وَلابْنِ مَاجَهْ: مِنْ حَدِيثِ أنسٍ نَحْوُهُ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما الحديث الأول فرواه أبو داود في كتاب \"الأدب\"، بابٌ (في الحسد) (٤٩٠٣) من طريق سليمان بن بلال، عن إبراهيم بن أبي أسيد (^١)، عن جده، عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: … وذكر الحديث، وفي آخره: أو قال: (العُشْبَ).\nوهذا سند ضعيف، فيه إبراهيم بن أبي أسيد المدني البرَّاد، قال أبو حاتم: (شيخ مدني، محله الصدق) (^٢)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٣)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق).\nوفيه جد إبراهيم هذا، فهو مجهول؛ لأنه لم يسمَّ، ولذا قال البخاري عن هذا الحديث: (لا يصح) (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب الكمال\" (٢/ ٥٢)، وقد ذكر ابن حبان في \"الثقات\" الوجهين: فتح الهمزة وضمها.\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٨٨).\n(^٣) (٦/ ١٠).\n(^٤) \"التاريخ الكبير\" (١/ ٢٧٣).","vol":"10","page":194},{"text":"وأما حديث أنس - ﵁ - فقد رواه ابن ماجه (٤٢١٠) من طريق عيسى بن أبي عيسى الحناط، عن أبي الزناد، عن أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب، والصدقة تطفئ الخطيئة كما بطفئ الماء النار، والصلاة نور المؤمن، والصيام جُنَّة من النار\".\nوهذا سند ضعيف جدًّا، فيه عيسى الحناط الغفاري أبو موسى ويقال: أبو محمد المدني، قال أحمد وابن معين: (ليس بشيء)، وقال أبو داود والنسائي والدارقطني: (متروك الحديث)، وقال أبو حاتم: (ليس بالقوي، مضطرب الحديث)، وقال ابن عدي: (أحاديثه لا يتابع عليها متنًا ولا سندًا) (^١).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (إياكم والحسد) هذا أسلوب تحذير، فـ (إياكم) ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف وجوبًا، والتقدير: إياكم أُحذر، والأصل: أحذركم، ثم قدم الضمير لإفادة الحصر، ولما كان ضميرًا متصلًا لا يستقل بنفسه أُتي بالضمير المنفصل الذي يفيد معناه، والحسد: الواو عاطفة، والحسدَ: مفعول به لفعل محذوف وجوبًا تقديره: احذروا الحسد، والجملة معطوفة على ما قبلها لا محل لها.\nوالحسد: هو تمني زوال النعمة عن المحسود، سواء أحصلت له أو لم تحصل، وسواء أكانت دينية أو دنيوية.\nأما تمني مثلها فهو غبطة، فإن كان في الدين كالعلم الشرعي والعبادة فهو محمود. واعتبار الحسد هو تمني زوال النعمة هو المشهور عن العلماء في تعريفه، ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن الحسد هو البغض والكراهة لما يراه من حُسْنِ حال المحسود (^٢)، وقال ابن رجب: (الحسد مركوز في طباع البشر، وهو أن الإنسان يكره أن يفوقه أحد من جنسه في شيء من الفضائل) (^٣).\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٨٩)، \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٢٠١).\n(^٢) \"مجموع الفتاوى\" (١٠/ ١١١).\n(^٣) \"جامع العلوم والحكم\" شرح الحديث (٣٥).","vol":"10","page":195},{"text":"قوله: (فإن الحسد يأكل الحسنات) أي: يذهبها، وهو تعليل للتحذير، وهذا فيه استعارة مَكْنية حيث شبه الحسد بحيوان، ثم حذف المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الأكل.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على تحريم الحسد وقبحه؛ لما فيه من الاعتراض على الله تعالى في مشيئته، ولما فيه من انطواء النفس على كراهة الخير لأخيه المسلم، ومحبة زوال النعم عنه، وهو دليل على دناءة في النفس، وسوء في الخلق.\nوقد جاءت الأدلة من الكتاب والسنّة في ذم الحسد والنهي عنه، قال تعالى في ذم اليهود: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]،، وقال النبي - ﷺ -: \"لا تحاسدوا، ولا تناجشوا … \" الحديث رواه مسلم، وسيأتي شرحه إن شاء الله.\nومن أهم أسباب الحسد: العداوة والبغضاء، وخبث النفس وشحها بالخير على عباد الله، وحب الترفع على الآخرين، وذلك حينما يظهر من المحسود فضل يعجز عنه الحاسد، فيكره تقدمه فيه. ولذا قال معاوية - ﵁ -: (كل الناس أقدر على رضاه إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها) (^١)، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (لكل نعمة حاسد على قدرها دقت أو جلَّت .. وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد، وقد قال يعقوب ليوسف - ﵇ -: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيدًا …﴾ [يوسف: ٥]) (^٢). ويقول الغزالي: (اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ولا تُدَاوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل، والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعرف تحقيقًا أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين، وأنه لا ضرر فيه على المحسود في الدنيا والدين بل ينتفع به فيهما، ومهما عرفت هذا عن بصيوة ولم تكن عدو نفسك وصديق عدوك، فارقت الحسد لا محالة.\n_________\n(^١) \"الإحياء\" (٣/ ٢٠١).\n(^٢) \"الفتاوى\" (١٥/ ١٨).","vol":"10","page":196},{"text":"أما كونه ضررًا عليك في الدين: فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى، وكرهت نعمته التي قسمها بين عباده، وعدله الذي أقدمه في ملكه … وقد انضاف إلى ذلك أنك غششت رجلًا من المؤمنين وتركت نصيحته، وفارقت أولياء الله وأنبياءه في حبهم الخير لعباده تعالى، وشاركت إبليس وسائر الكفار في محبتهم للمؤمنين البلايا وزوال النعم، وهذه خبائث في القلب تأكل حسنات القلب كما تأكل النار الحطب، وتمحوها كما يمحو الليل النهار.\nأما كونه ضررًا عليك في الدنيا: فهو أنك تتالم بحسدك في الدنيا أو تتعذب به ولا تزال في كَمَدٍ وغَمِّ؛ إذ أعداؤك لا يُخلّيهم الله تعالى عن نعم يفيضها عليهم، فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها، وتتألم بكل بلية تنصرف عنهم، فتبقى مغمومًا محرومًا متشعب القلب ضيق الصدر …\nوأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح؛ لأنّ النعمة لا تزول عنه بحسدك، بل ما قدره الله تعالى من إقبال ونعمة فلا بد أن يدوم إلى أجل غير معلوم قدره الله سبحانه، فلا حيلة في دفعه بل كل شيءٍ عنده بمقدار، ولكل أجل كتاب) (^١).\nوسيأتي - إن شاء الله - مزيد كلام عند شرح حديث أبي هريرة - ﵁ - المشار إليه. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"إحياء علوم الدين\" (٣/ ١٩٦).","vol":"10","page":197},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1281>فضل من يملك نفسه عند الغضب</span>\n١٤٩٠/ ٣ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَيسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأدب\"، باب (الحذر من الغضب) (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩) من طريق ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ليس الشديد) أي: القوي في بدنه وعضلاته.\n\nقوله: (بالصُّرَعَةِ) بضم الصاد المهملة وفتح الراء على وزن هُمَزَة، صيغة مبالغة، وهو القوي الذي يصرع الناس كثيرًا، ويطرحهم ويغلبهم لقوته وشدته.\nأما الصُّرْعَةُ بضم الصاد وسكون الراء فهو بضد المعنى المتقدم؛ لأن المراد به من يصرعه غيره كثيرًا، وكل ما جاء بهذا الوزن - بالضم والسكون - فهو وصف للمفعول به كخُدْعَةٍ وضُحْكَةٍ وغيرهما، فإن كان بالضم والفتح فهو وصف للفاعل كخُدَعَةٍ وضُحَكَةٍ وسُخَرَةٍ (^١).\n\nقوله: (إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) هذا أسلوب قصر،\n_________\n(^١) انظر: \"أدب الكاتب\" ص (٣٣٢).","vol":"10","page":198},{"text":"أداته: إنما، وفيه قصر الشدة على من يملك نفسه عند الغضب، من قصر الصفة على الموصوف.\nوالمعنى: ليس القوي الممدوح هو القوي الذي لا يصرعه الرجال ولا يغلبونه، بل يصرعهم ويطرحهم، وإنما هو الذي يملك نفسه عند الغضب؛ لأن الغضب في حكم الأعداء الكثيرين، وغَلَبَةُ النفس عما تشتهيه في حكم من هو شديد القوة في غلبة الجماعة الكثيرين فيما يريدون منه، وسرعة الغضب والانقياد له عنوان ضعف الإنسان ولو ملك السواعد القوية والجسد الصحيح.\nوالغضب: نقيض الرضا، وهو مصدر غضب يغضب غضبًا، قال ابن فارس: (الغين والضاد والباء أصل صحيح يدل على شدة وقوة، يقال: الغَضْبة: الصخرة الصلبة، قالوا: ومنه اشتق الغضب؛ لأنه اشتداد السُّخْط).\nوالغضب: ثوران دم القلب لإرادة الانتقام (^١). والفرق بينه وبين الغيظ، قيل: متلازمان، والصحيح أن بينهما فرقًا، وهو أن الغضب ما يظهر على الجوارح ويتبعه الانتقام، والغيظ فعل النفس، ولا يظهر على الجوارح (^٢).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن مجاهدة النفس عند الغضب أشد من مجاهدة العدو؛ لأنه - ﷺ - جعل الذي يملك نفسه عند الغضب أعظم الناس قوة، فهو أقوى وأكمل من الذي يصرع الناس ويطرحهم بقوته، وفي هذا دليل على أنه ينبغي لمن غضب وأرادت منه النفس المبادرة إلى الانتقام ممن أغضبه أن يجاهدها ويمنعها عما طلبت، فَيُثَبِّتُ نفسه، ويتذكر عاقبة الغضب وما يترتب عليه، ويتذكر فضل كظم الغيظ في قوله تعالى في ذكر صفات من أعدت لهم الجنة: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. وهذا أسلوب من أساليب علاج الغضب وهو العلاج بالكظم، ومعناه: إحداث مقاومة ذاتية داخلية،\n_________\n(^١) \"معجم مقاييس اللغة\" (٤/ ٤٢٨)، \"المفردات في غريب القرآن\" ص (٣٦١)، \"المصباح المنير\" ص (٤٤٨).\n(^٢) \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٣٥٨)، \"روح المعاني\" (٤/ ٥٨).","vol":"10","page":199},{"text":"تؤدي إلى إضعاف انفعال الغضب وتهدئته، وتمنع من رد الفعل أو التشفي (^١).\nوكظم الغيظ: رده في الجوف إذا كاد أن يخرج من كثرته، فضبطه ومنعه كظم له، يقال: كَظَمَ غيظه: اجترعه، وأصل الكظم: شَدُّ رأس القربة عند امتلائها (^٢).\nوليس معنى كظم الغيظ حفظه في القلب فيتحول إلى ضغينة، فخير من ذلك ألا يُكظم أصلًا وأن يُترك يتفجر، إنما المقصود ضبطه إلى أن يهدأ، وتصريفه في هدوء حتى ينتهي بالعفو عن المسيء (^٣).\nولا ريب أن الكظم وتعويد النفس على اجتراع الغضب نوع من الغلبة المتميزة والانتصار الذي لم يعهده الناس؛ لأن القوة عندهم بالغلبة في المصارعة ونحوها.\nوفي هذا تنبيه إلى أهمية الوظيفة التي يقوم بها من يكبح غضبه ويكظم غيظه، حيث إن هذه نوع من المصارعة والمواجهة مع الغضب والنفس والشيطان، يخرج فيها المرء منتصرًا على أهم أعدائه، وقد ذكر البخاري في \"صحيحه\" تعليقًا عن ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] قال: (الصبر عند الغضب، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا عصمهم الله وخضع لهم عدوهم) (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) راجع: رسالة \"الغضب\" للدكتور: عبد العزيز النغيمشي.\n(^٢) \"مختار الصحاح\" ص (٥٧٢).\n(^٣) \"دراسات قرآنية\" لمحمد قطب ص (٣٥٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٥٦).","vol":"10","page":200},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1282>الظلم ظلمات يوم القيامة</span>\n١٤٩١/ ٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"المظالم\"، باب (الظلم ظلمات يوم القيامة) (٢٤٤٧)، ومسلم (٢٥٧٩) من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة الماجِشُون، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكر الحديث، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: \"إن الظلم ظلمات … \".\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الظلم) بالضم اسم من ظَلَمَهُ ظُلْمًا بالفتح من باب ضرب، وأصل المادة تدل على أصلين، يقول ابن فارس: (الظاء واللام والميم أصلان صحيحان أحدهما: خلاف الضياء والنور، والآخر: وضع الشيء في غير موضعه تعديًا) (^١).\nوالظلم: التصرف في حق الغير بغير حق، أو مجاوزة حد الشارع، وهو بهذا يشمل جميع المعاصي، ويعم أنواع الرذائل، وصاحبه إما ظالم لنفسه، أو ظالم لغيره، فظلم النفس هو التقصير في طاعة الله تعالى، وأعظمه وأشده الشرك بالله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]\n_________\n(^١) \"معجم مقاييس اللغة\" (٣/ ٤٦٨، ٤٦٩).","vol":"10","page":201},{"text":"ثم الإخلال بحقوق النبي - ﷺ - الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وظلم الغير عبارة عن التفريط في حقه؛ كقطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وإيذاء الجار، والإخلال بحقوق الزوجة، ومن الظلم مماطلة الغني في أداء حقوق الناس من دين أو غيره.\nوالظلم: وضع الشيء في غير موضعه المخصوص به، وهو ضد العدل، فكل انحراف عن العدل فهو ظلم؛ لأن العدل وضع الشيء موضعه، والقيام بالحقوق الواجبة، حقوق الله تعالى وحقوق المخلوقين من الوالدين والأرحام والزوجين وسائر الناس.\nوظلم الناس أنواع كثيرة يجمعها قوله - ﷺ -: \"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا … \" (^١).\n\nقوله: (ظلمات يوم القيامة) جمع ظلمة، وهي شدة الظلام بحيث لا يرى الإنسان ما حوله، وهذا على ظاهره، فيكون الظلم ظلمات متوالية على صاحبه بحيث لا يهتدي يوم القيامة سبيلًا، وقيل: المراد بالظلمات: الشدائد والأهوال على حد قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣] أي: من شدائدهما، وقيل: إنها عبارة عن الأنكال والعقوبات، والصواب الأول حملًا للكلام على ظاهره.\n\n• الوجه الثالث: في هذا الحديث الموجز البليغ تحذير من الظلم، وبيان لشؤمه وسوء عاقبته يوم القيامة، حيث يفقد الظالم النور الذي يستضيء به المؤمن يوم القيامة، فيكون في ظلام دامس لا يرى طريقه بقدر ما حصل منه من ظلم، إذ لا نور يوم القيامة إلا من أعطاه الله نورًا، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]،، وسيأتي لهذا الحديث مزيد كلام في شرح حديث أبي ذر - ﵁ - إن شاء الله -. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم شرحه في \"البيوع\" برقم (٩٠٠).","vol":"10","page":202},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1283>التحذير من الشُّحّ</span>\n١٤٩٢/ ٥ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"البر والصلة والآداب\"، باب (تحريم الظلم) (٢٥٧٨) من طريق داود بن قيس، عن عبيد الله بن مِقْسَم، عن جابر بن عبد الله - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم\".\nوقد تقدم في الباب قبله حديث ابن عمر -﵄-، ولفظه: \"الظلم ظلمات يوم القيامة\".\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (اتقوا الظلم) أي: اجتنبوا الظلم، وابتعدوا عنه.\n\nقوله: (الشح) بالشين المعجمة، وهي مثلثة، والضم أعلى، يقال: شَحَّ يَشُحُّ من باب قتل، وفي لغة من بابي ضرب وتعب فهو شحيح (^١).\nيقول ابن فارس: (الشين والحاء الأصل فيه المنع، ثم يكون منعًا مع\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٣٠٦).","vol":"10","page":203},{"text":"حرص، ومن ذلك الشح، وهو البخل مع حرص) (^١).\nفالشح: هو البخل مع الحرص الشديد، وعلى هذا فالشح أشد من البخل؛ لأنه بخل مع حرص، فهو شحيح قبل حصول المال بخيل بعد حصوله، وقيل: إن الشح عام، والبخل يكون بالمال (^٢)، قال ابن رجب في تعريف الشح: (هو تشوق النفس إلى ما حرم الله ومنع منه، وعدم قناعة الإنسان بما أحلَّه الله من مال أو فرج أو غيرهما، … والبخل هو إمساك الإنسان ما في يده ..) (^٣) وقد جاء عن السلف تفسير الشح بهذا المعنى، وأنه تناول الإنسان ما ليس له ظلمًا وعدوانًا، ولم أر هذا في كتب اللغة، ولعل مراد السلف أن البخل المتناهي يبلغ بصاحبه إلى أن يأكل مال أخيه وتطمح عينه إلى ما ليس له (^٤).\nوقد مضى الكلام على الشح والبخل في باب (النفقات) (^٥).\n\nقوله: (أهلك من كان قبلكم) أي: من الأمم، ونسبة الهلاك إلى الشح من باب المجاز العقلي، لعلاقة السببية، مثل: أنبت الربيع العشب، وبنى الأمير قصرًا.\nوالمراد بالهلاك: الهلاك الحسي في الدنيا، وقيل: الهلاك في الآخرة، ويؤيد الأول تمام الحديث: \"حملهم على أن سفكوا دماءهم … \" أي: قتل بعضهم بعضًا بسبب طلب المال والحرص عليه، \"واستحلوا محارمهم\" أي: استباحوا ما حرم الله عليهم من أكل الأموال وسفك الدماء، ومن ذلك أنهم احتالوا على بيع ما حرم الله عليهم أكله؛ كالشحوم جملوها فباعوها. وهذا هلاك في الدنيا ويتبعه هلاك في الآخرة، إذ لا مانع من حمل الحديث على المعنيين.\n_________\n(^١) \"معجم مقاييس اللغة\" (٣/ ١٧٨).\n(^٢) انظر: \"الوابل الصَيِّب\" ص (٤١)، \"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام\" (١٠/ ١٤).\n(^٣) \"شرح حديث ما ذئبان جائعان\" ص (٣١). وانظر: \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ٩٧ - ٩٨).\n(^٤) انظر: \"روح المعاني\" (٢٨/ ٥٣).\n(^٥) انظر: شرح الحديث (١١٤٥).","vol":"10","page":204},{"text":"• الوجه الثالث: في الحديث تحذير من الظلم وأمر باجتنابه والابتعاد عنه؛ لأن عاقبته خطيرة كما تقدم.\n\n• الوجه الرابع: التحذير من الشح وبيان أنه إذا فشا في المجتمع فهو علامة الهلاك؛ لأنه سبب من أسباب الظلم والبغي والعدوان وسفك الدماء، فهو يحمل على القتل وأخذ المال ويحمل على السرقة والخيانة، كما يحمل على قطيعة الرحم، فلا يصل الشحيح أرحامه، ولا يحسن إليهم لحبه المال وحرصه عليه، وقد يظلمهم بالتعدي على أموالهم إما بجحدها أو سرقتها أو أخذها.\nويروى عن ابن عمر - ﵄ - أنه قال لجلسائه يومًا: أيهما أشد، البخل أو الشح؟ فاختلفوا، فقال لهم: (الشح أشد من البخل؛ لأن الشحيح يَشُحُّ على ما في يديه فيحبسه، ويشح على ما في أيدي الناس حتى يأخذه، وأما البخيل فهو يبخل على ما في يديه) (^١).\nإن الشح خصلة ذميمة تنافي كمال الإيمان، وتؤدي إلى التعدي على ما حرم الله ومنع منه من مال أو غيره، حتى قيل: إن الشح رأس المعاصي كلها، وقد عَلَّقَ الله الفلاح على الوقاية والسلامة منه، فقال عز من قائل: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].\nيقول الحافظ ابن رجب: (حصر الله الفلاح في وقاية شُحِّ نفسه، وتَطَلُّعِهَا إلى ما مُنعت منه، وحرصها على ما يضرها مما تشتهيه: من عُلُوِّ وترفع، ومالٍ وجاهٍ وأهل ومسكن، ومأكل ومشرب وملبس وغير ذلك، فإنها تتطلع إلى ذلك كله وتشتهيه، وهو عين هلاكها، ومنه ينشأ البغي والحسد والحقد، فمن وُقي شح نفسه فقد قهوها وقصرها على ما أُبيح لها وأُذن لها فيه، وذلك عين الفلاح) (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"مساوئ الأخلاق\" للخرائطي (١٤١).\n(^٢) \"شرح حديث لبيك اللهم لبيك\" ضمن رسائل ابن رجب (١/ ١٤٤).","vol":"10","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1284>ما جاء في ذم الرياء</span>\n١٤٩٣/ ٦ - عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيكُمْ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ: الرِّيَاءُ\". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٣٩/ ٣٩)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (١٢/ ٢٠١) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، قال: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكر الحديث، وتمامه: \"يقول الله ﷿ لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء\".\nوفي سند هذا الحديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، قال عنه الحافظ في \"التقريب\": (صدوق تغيّر حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهًا).\nوعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب قال عنه: (ثقة ربما وهم).\nومحمود بن لبيد مختلف في صحبته، فقد ذكر البخاري ما يدل على أن له صحبة، ونفى ذلك أبو حاتم، وقال الحافظ: (محمود بن لبيد ولد في عهد النبي - ﷺ -، ولم يثبت له منه سماع، وإن ذكره بعضهم في الصحابة فلأجل الرؤية) (^١)، وقد تقدمت ترجمته في كتاب \"الطلاق\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"الرواة المختلف في صحبتهم\" (٣/ ٣٦٣ - ٣٧٩).\n(^٢) انظر: شرح الحديث (١٠٧٨).","vol":"10","page":206},{"text":"وإذا لم يثبت سماعه من النبي - ﷺ - فحديثه من مراسيل الصحابة، ومراسيل الصحابة حجة، فالحديث حسن، وقال المنذري: (إسناده جيد) (^١)، وقال العراقي: (رجاله ثقات) (^٢).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أخوف ما أخاف عليكم) أي: أَشَدُّ خَوْفٍ أخافه عليكم، والخطاب للمسلمين، وليس لعموم الناس.\n\nقوله: (الشرك الأصغر) بالرفع خبر إن، وهو ما جاء في النصوص أنه شرك ولم يصل إلى حد الأكبر، ووجه كون الرياء من الشرك أن المرائي إذا عبد الله تعالى فهو بمراءاته الناس أشرك بتلك العبادة من يرائيهم.\n\nقوله: (الرياء) بالرفع بدل من الشرك أو عطف بيان، وهو مصدر راءاه يرائيه رياءً ومراءاة، وهو مأخوذ من الرؤية.\nواصطلاحًا: إظهار الشخص العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدونه عليها (^٣).\nوالفرق بين الرياء والسمعة: أن الرياء في الفعل، والسمعة في القول؛ كالقراءة والذكر والوعظ والإرشاد، وأبواب الرياء كثيرة. نسأل الله السلامة.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على شدة خطر الرياء، وأنه أشد ما يُخاف على المسلم، وذلك لخفائه وتطلع النفس إليه، وارتباطه بالقلب؛ إذ لا يُعلم ما في قلب صاحبه، وهو من الشرك الأصغر؛ لأنه قَصَدَ بعمله غير الله تعالى، ولهذا وردت تسميته في بعض الأحاديث بالشرك الخفي؛ لأن صاحبه يظهر أن عمله لله تعالى، ويخفي في قلبه أنه لغيره، وقد دلت النصوص على بطلان العمل الذي صاحبه رياء، قال تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ﴾\n_________\n(^١) \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٦٨، ٦٩).\n(^٢) \"تخريج الأحياء\" (٣/ ٢٩٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٤٤).","vol":"10","page":207},{"text":"صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وثبت في \"صحيح مسلم\" من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه\" (^١). وعن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من سَمَّعَ سَمَّعَ الله به، ومن راءى راءى الله به\" (^٢).\nفالرياء محبط للأعمال، مبطل ثوابها؛ لأن المرائي عابد لغير الله تعالى، وقد ذمه الله تعالى في كتابه وجعله من صفات المنافقين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢]،، والرياء يجرد الأعمال من تأثيرها الطيب على سلوك المسلم وتنعدم آثارها، ﴿فَوَيلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧].\nوليس من الرياء حَمْدُ الناسِ العبدَ على عمل الخير دون قصد منه، بل هذا من عاجل بشرى المؤمن، كما ورد في حديث أبي ذر - ﵁ - قال: قيل لرسول الله - ﷺ -: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ قال: \"تلك عاجل بشرى المؤمن\" (^٣). ومثل هذا نشاط العبد في عمل الخير عند رؤية العابدين؛ كنشاط بعض الناس في رمضان عندما يرى من يتلو القرآن، أو يصلي القيام، ونحو ذلك.\n\n• الوجه الرابع: العبادة إذا خالطها رياء فهي من حيث البطلان وعدمه قسمان:\nالأول: أن يكون الباعث على العبادة مراءاة الناس، كمن صلى لقصد رؤية الناس أنه يصلي وهو في الواقع ليس كذلك، فهذا شرك، والعبادة باطلة، كما تقدم في حديث أبي هريرة - ﵁ -، وهذه حال المنافقين في صلاتهم، أما\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٩٨٥).\n(^٢) رواه مسلم (٢٩٨٦).\n(^٣) رواه مسلم (٢٦٤٢).","vol":"10","page":208},{"text":"المؤمن فلا يكاد يصدر منه ذلك في فرض صلاة ولا صوم.\nالثاني: أن يكون الباعث على العبادة وجه الله تعالى، ثم يطرأ الرياء في أثناء العبادة، فإن دافع الرياء ولم يسكن إليه، بل أعرض عنه وكرهه، فهذا لا يؤثر مطلقًا؛ لأنه جاهد نفسه، وقد قال النبي - ﷺ -: \"إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أوتتكلم\" (^١).\nوإن استرسل مع الرياء واطمأن إليه، بطلت العبادة إذا كان آخرها مبنيًّا على أولها كالصلاة، فإن كان آخرها لا يُبنى على أولها، بطل ما فيه رياء، دون ما ليس فيه رياء، مثل: رجل عنده مائة ريال للصدقة، فتصدق بخمسين وراءاى في الخمسين الثانية، فالأولى مقبولة، والثانية غير مقبولة.\nويذكر بعض العلماء قسمًا ثالثًا: وهو أن يكون الباعث على العبادة وجه الله تعالى ثم يطرأ الرياء بعد الفراغ منها، فهذا لا يؤثر، لكن قد يكون من باب نقل العمل من السر إلى العلانية (^٢).\n\n• الوجه الخامس: شفقة النبي - ﷺ - على أمته ورحمته بهم وتحذيره مما يخاف عليهم، حيث خاف النبي - ﷺ - من وقوع الرياء في الأمة خوفًا شديدًا.\nوقد روى مسلم في \"صحيحه\" من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: \"إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدل على أمته على خبر ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما بعلمه لهم … \" الحديث (^٣).\nومعالجة الرياء تحتاج مجاهدة شديدة، وذلك بالخوف منه؛ لأن من خاف شيئًا صار منه على حذر، ثم بدفع ما يعرض من خاطر الرياء، وأن يعود المسلم نفسه على إخفاء العبادة والبعد عن الناس، ولا سيما في نوافل الطاعات، مع صدق الالتجاء إلى الله تعالى بسؤاله العافية.\n\n• الوجه السادس: في الحديث دليل على أن الشرك ينقسم إلى أكبر\n_________\n(^١) الحديث متفق عليه، انظر: شرح الحديث (١٠٨٥).\n(^٢) \"القول المفيد\" (٢/ ١١٤، ٢٢٧).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (١٨٤٤).","vol":"10","page":209},{"text":"وأصغر، فالأكبر أن يسوي غير الله تعالى بالله فيما هو من خصائص الله، وذلك بأن يجعل له ندًّا يدعوه كما يدعو الله أو يخافه أو يرجوه أو يحبه أو يصرف له نوعًا من أنواع العبادة.\nوهذا الشرك لا يُبقي مع صاحبه من التوحيد شيئًا؛ لأنه ينقل عن الملة ويحبط الأعمال وصاحبه مخلد في النار.\nأما الأصغر فهو كما تقدم: كل ما أتى في النصوص أنه شرك ولم يصل إلى حد الأكبر، ويدخل في هذا جميع الأقوال والأفعال التي يتوسل بها إلى الشرك؛ كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة؛ مثل الحلف بغير الله، ويسير الرياء ونحو ذلك، والشرك الأصغر لا ينقل عن الملة ولا يوجب الخلود في النار، ويحبط العمل الذي قارنه، كما تقدم في الرياء (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"القول السديد في مقاصد التوحيد\" ص (٢٩)، \"التعليق المختصر المفيد\" (١/ ٣١).","vol":"10","page":210},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1285>علامات النفاق</span>\n١٤٩٤/ ٧ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإذَا اؤْتُمِنَ خَانَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n١٤٩٥/ ٨ - وَلَهُمَا: مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو: \"وإذا خَاصَمَ فَجَرَ\".\n\n° الكلام عليهما من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فقد رواه البخاري في كتاب \"الإيمان\"، باب (علامة المنافق) (٣٣)، ومسلم (١٠٧) (٥٩) من طريق أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\nوأما حديث عبد الله بن عمرو فقد رواه البخاري في الباب نفسه (٣٤)، ومسلم (١٠٦) (٥٨) من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: \"أربع من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كلذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر\" هذا لفظ البخاري.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:\n\nقوله: (آية المنافق) أي: علامة المنافق، والعلامة هي ما يستدل بها","vol":"10","page":211},{"text":"على الشيء، و(أل) في المنافق للجنس، وكان القياس جمع المبتدأ (آية) ليطابق الخبر الذي هو ثلاث، وقد أجيب عن ذلك بعدة أجوبة، أحسنها: أن (الثلاث) اسم جمع، ولفظه مفرد، أو أن (آية) مفرد مضاف، فيعم، كأنه قال: آياته ثلاث (^١).\nوالمنافق: اسم فاعل من نافق الرباعي، وهو مشتق من أحد جحري اليربوع الذي يقال له: النافقاء؛ لأن اليربوع إذا حفر جحره جعل له مخرجًا يرققه ويخففه، فإذا أُتي من قبل القاصعاء الذي يظهره ويقصع منه؛ أي: يخرج، ضرب النافقاء برأسه فانتفق؛ أي: خرج، فكما أن اليربوع يكتم النافقاء، ويظهر القاصعاء، كذلك المنافق يكتم الكفر، ويظهر الإيمان.\nوالمراد بالنفاق في هذا الحديث: نفاق العمل، وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك.\n\nقوله: (إذا حدث كذب) أي: إذا تكلم مع غيره أخبر بخلاف الواقع، ومجيء (إذا) الشرطية في الجمل الثلاث فيه تنبيه على أن هذه عادة المنافق؛ لأن (إذا) تدل على تحقق الوقوع، وقال الخطابي: (كلمة \"إذا\" تقتضي تكرار الفعل) (^٢).\n\nقوله: (وإذا وعد أخلف) أي: إذا وعد بشيء في المستقبل (أخلف) أي: جعل الوعد خلافًا وذلك بأن لا يفي به، وعطف هذا على ما قبله مع أن إخلاف الوعد من الكذب؛ لأن الخلف قد يكون بالفعل وهو غير الكذب، أو للتنبيه على زيادة قبحه، فيكون من باب عطف الخاص على العام.\n\nقوله: (وإذا اؤتمن خان) بضم التاء مبنيًّا لما لم يسم فاعله، وهو من الائتمان؛ أي: وإذا جعل أمينًا على شيء خان في هذه الأمانة وتصرف فيها على خلاف الشرع، وقال ابن سيده: (الخيانة: أن يؤتمن الإنسان فلا ينصح)، وهذا أعم (^٣).\n_________\n(^١) \"عمدة القارئ\" (١/ ٢٥٢)، \"شرح القسطلاني\" (١/ ١٩٣).\n(^٢) \"أعلام الحديث\" (١/ ١٦٨)، \"عمدة القارئ\" (١/ ٢٥٣).\n(^٣) \"عمدة القارئ\" (١/ ٢٥٢).","vol":"10","page":212},{"text":"قوله: (وإذا خاصم فجر) أي: إذا خاصم شخصًا مال عن الحق واحتال في رده وإبطاله وتكلم بالباطل؛ لأن الفجور: هو الميل عن القصد.\nولا منافاة بين قوله في حديث ابن عمرو: أربع، وفي حديث أبي هريرة: ثلاث؛ لأن مفهوم العدد غير حجة ما لم توجد قرينة؛ ولأن الشيء الواحد قد يكون له علامات، فتارة يذكر بعضها، وتارة تذكر جميعها أو أكثرها، وقال القرطبي: (يحتمل أن يكون النبي - ﷺ - قد استجد له من العلم بخصال المنافقين ما لم يكن عنده، إما بالوحي، وإما بالمشاهدة لتلك منهم) (^١).\nوالمنافق له خصال أُخر مذمومة، وقد يكون تخصيص هذه الخصال بالذكر؛ لأنها أظهر عليهم من غيرها عند مخالطتهم المسلمين، أو لأنها هي التي يضرون بها المسلمين.\n\n• الوجه الثالث: شفقة النبي - ﷺ - على أمته ونصحه لهم حيث حذرهم من النفاق بذكر علامات المنافق وأوصافه، ليكون المسلم على بينة من ذلك، ويحذر أن يقع في شيء من هذه العلامات، وقد كان الصحابة - ﵁ - يخافون النفاق على أنفسهم. قال البخاري: (قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم يخاف النفاق على نفسه …) (^٢).\nومما يدل على خطر النفاق العملي أنه وسيلة وذريعة إلى النفاق الأكبر وهو نفاق الاعتقاد، كما أن المعاصي بريد الكفر، فيخشى على من أصر على خصال النفاق أن يسلب الإيمان، فيصير منافقًا خالصًا، نسأل الله السلامة.\n\n• الوجه الرابع: في الحديث دليل على تحريم الكذب في الحديث وأنه من علامات النفاق؛ لأن الكاذب في حديثه قد أساء إلى نفسه في هذا الخلق السيئ والصفة الذميمة، وأساء إلى مخاطبه حيث أوهمه أنه صادق في حديثه معه مع أنه كاذب، وأساء إلى مجتمعه حيث صار عضوًا فاسدًا بسبب هذه الخصلة.\n_________\n(^١) \"المفهم\" (١/ ٢٥١).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٠٩).","vol":"10","page":213},{"text":"• الوجه الخامس: في الحديث دليل على تحريم إخلاف الوعد وأنه من خصال المنافقين، واخلاف الوعد يصدق على من يعد ومن نيته ألا يفي بوعده، وهذا أشد من الخُلْفِ؛ لأنه جمع بين الكذب والخلف، كما يصدق على من وعد ومن نيته أن يفي لكن بدا له أن يخلف الوعد من غير عذر، أما من عزم على الوفاء ومنعه مانع فهذا غير ملوم ولا يكون منافقًا وإن جرى عليه ما هو صورة النفاق، ولكن ينبغي للمسلم أن يحترز من صورة النفاق، كما يحترز من حقيقته، ولا ينبغي أن يجعل نفسه معذورًا من غير ضرورة (^١).\nوالوفاء بالوعد من جملة الأخلاق الكريمة التي جاء بها الإسلام وحث عليها وحذر من ضدها. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ [الصف: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]. قال القرطبي عن هذه الآية: (صِدْقُ الوعد من خلق النبيين والمرسلين، وضده وهو الخُلْفُ مذموم، وذلك من أخلاق الفاسقين والمنافقين …) (^٢)، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الوفاء بالوعد، وأن إخلافه محرم إلا لعذر، قال ابن العربي: (أجلُّ من ذهب إلى هذا المذهب عمر بن عبد العزيز) وهو وجه في مذهب الإمام أحمد، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، وهو قول في مذهب المالكية، صححه ابن الشَّاط في حاشيته على \"الفروق\" (^٤).\nوما انتشرت ظاهرة إخلاف الوعد والتهاون به إلا من ضعف الالتزام بالأحكام الشرعية وعدم رعاية نصوص الشريعة، وما أمرت به من مكارم الأخلاق، وما حذرت عنه من مساوئ الأخلاق، وانظر إلى ما يترتب على إخلاف الوعد أو التأخر عن الموعد من الانتظار وإضاعة الوقت بالنسبة\n_________\n(^١) انظر: \"جامع العلوم والحكم\" حديث (٤٨)، \"التماس السعد\" ص (٨٣، ٨٤).\n(^٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" (١١/ ١١٥).\n(^٣) \"الاختيارات\" ص (٣٣١)، \"جامع العلوم والحكم\" حديث (٤٨)، \"الفروع\" (٦/ ٤١٥)، \"فتح الباري\" (٥/ ٢٩٠)، \"الإنصاف\" (١١/ ١٥٢)، \"الفتوحات الربانية\" (٦/ ٢٦٠).\n(^٤) انظر: \"الفروق\" (٤/ ٢٤).","vol":"10","page":214},{"text":"للآخرين، وحرمانهم من الاستفادة من أوقاتهم، وقد قال عبد الله بن الإمام أحمد: سمعت هارون المستملي يقول لأبي: بم تعرف الكذابين؟ قال: \"بالمواعيد أو بِخُلْفِ المواعيد\" (^١).\n\n• الوجه السادس: في الحديث دليل على تحريم الخيانة فيما يؤتمن عليه الإنسان وعدم النصح فيه، وأن الواجب عليه أن يؤدي ما اؤتمن عليه وأن يقوم به خير قيام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال: ٢٧]، ويدخل في الحديث الخيانة في الأموال، والحقوق، والأسرار، وما اؤتمن عليه المربون من ناشئة المسلمين وفلذات أكبادهم.\n\n• الوجه السابع: في الحديث دليل على تحريم الفجور في الخصومة عند القاضي أو غيره، وذلك بأن يخرج عن الحق عمدًا، ويميل إلى الباطل، فينكر ما وجب عليه أداؤه، أو يدّعي ما ليس له، ومن أعظم الفجور أن يحلف كاذبًا ليأخذ حق أخيه.\n\n• الوجه الثامن: في الحديث نوع من أنواع طرق التعليم وهو ذكر العدد قبل تفسير المعدود، وهذا عند البلاغيين من الإيضاح بعد الابهام، والغرض منه زيادة تطلع السامع وتشوقه إلى التفصيل، وهذا مما يقرر المعنى، ويثبته في الذهن. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الآداب الشرعية\" (١/ ٢٥).","vol":"10","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1286>النهي عن سباب المسلم وقتاله</span>\n١٤٩٦/ ٩ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: \"سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقتَالُهُ كُفْرٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأدب\"، باب (ما يُنهى من السباب واللعن) (٦٠٤٤)، ومسلم (٦٤) من طريق أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكر الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (سباب) بكسر السين وتخفيف الموحدة، وهو مصدر سب يَسُبُّ سبًّا وسبابًا، والسب: هو الشتم والتكلم في عرض الإنسان بما يعيبه في حضرته، فإن كان في غيبته فهو غيبة (^١)، وصيغة الفِعَالِ إما أنها على بابها؛ أي: المشاتمة بين اثنين، ويكون الإثم على البادئ كما سيأتي إن شاء الله، أو أنها للمبالغة؛ أي: سب المسلم، وعلى هذا فالسبُّ والسباب بمعنى واحد، وقيل السباب أشد من السب، وهو أن يقول في الرجل ما فيه وما ليس فيه (^٢).\n\nوقوله: (المسلم) المراد به المسلم الكامل الإسلام، ومفهومه أن سب الكافر ليس كذلك، وكذا الفاسق، كما سيأتي.\n_________\n(^١) \"التعليق على صحيح مسلم\" للشيخ محمد بن عثيمين (١/ ٢٦٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١١٢).","vol":"10","page":216},{"text":"قوله: (فسوق) مصدر فسق يفسُق بالضم من باب قعد، وبالكسر على لغة حكاها الأخفش (^١)، والفسق: الخروج عن طاعة الله ورسوله، تقول العرب: فسقت الرطبة: إذا خرجت عن قشرها. قال ابن عطية: (الفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله ﷿، فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان) (^٢). وقال الراغب: (الفسق يقع بالقليل من الذنوب والكثير، ولكن تعورف فيما كان كثيرًا) (^٣).\n\nقوله: (وقتاله) صيغة الفعال إما أنها على بابها فهي مصدر قاتله يقاتله إذا حاربه ونازله، أو أنها للمبالغة؛ أي: قتله، والقتل: إزهاق الروح بالضرب أو بغيره، والفرق بين القتال والقتل: أنه في القتال إذا كف المقاتل وجب تركه والكف عنه، بخلاف القتل، ولهذا كل من جاز قتله جاز قتاله، وليس كل من جاز قتاله جاز قتله، وقد تقدم هذا في باب (قتال الجاني) (^٤).\n\nقوله: (كُفْرٌ) أي: خروج عن الدين إذا كان مستحلًا له، فإن كان غير مستحلٍّ له لم يخرج به من الإيمان، ولكنه خصلة من خصال الكفر، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَينَ أَخَوَيكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] (^٥) فسماهم الله مؤمنين مع وجود الاقتتال، وعبر هنا بالكفر وفي الأول بالفسوق؛ لأن القتال يفضي إلى إزهاق الروح فهو أشد من السباب.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على عظم حق المسلم حيث حكم الشرع على أن سب المسلم أخاه وعيبه ووصفه بما يكره أنه فسوق وخروج عن طاعة الله ورسوله، ومفهوم الحديث أن الكافر يجوز سبه إذا كان حربيًّا؛ إذ لا حرمة له، أما المعاهد ففي سبه أذية له، وقد نُهي عن أذيته، فيكون المفهوم\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٤٧٣).\n(^٢) \"تفسير ابن عطية\" (١/ ١٥٨).\n(^٣) \"المفردات\" ص (٥٧٢).\n(^٤) انظر: (٨/ ٣٥١) من هذا الكتاب.\n(^٥) انظر: \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٢/ ٤١٤)، \"التعليق على صحيح مسلم\" للشيخ محمد العثيمين (١/ ٢٦٢).","vol":"10","page":217},{"text":"غير مراد في حقه، وأما الفاسق المعلن بفجوره فإنه يجوز سبه لبيان حاله والتحذير منه على قول الأكثرين (^١).\n\n• الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن من قاتل أخاه المسلم، فإنه يكفر كفرًا يخرجه عن الملة، ويوجب الخلود في النار إذا كان مستحلًا لذلك، أما إذا قاتله لهوى في نفسه ولم يستحل دمه، فإنه يكون كافرًا كفرًا أصغر لا يخرج من الملة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] فسماهم الله تعالى مؤمنين مع حصول الاقتتال، والكفر الأصغر هو الموجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود. قال الحافظ ابن حجر: (لم يرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملة، بل أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير) (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"سبل السلام\" (٨/ ٢٩٣، ٢٩٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١١٣).","vol":"10","page":218},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1287>التحذير من ظن السوء بالمسلم</span>\n١٤٩٧/ ١٠ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إيَّاكُمْ والظَّنَّ؛ فَإنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَديثِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n° الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في مواضع من \"صحيحه\" ومنها في كتاب \"الأدب\"، باب (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢]) (٦٠٦٦)، ومسلم (٢٥٦٣) من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: … فذكره، وتمامه: \"ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تناجشو ا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا\" وسيعيد الحافظ هذا الحديث مرة أخرى في باب (الترغيب في مكارم الأخلاق).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إياكم والظن) تقدم إعراب هذه الجملة عند أول حديث في هذا الباب، والمراد بالظن هنا: التهمة، وهو ظن السوء بالمسلم من غير برهان واتهامه بلا بينة، كان يتهم إنسانًا بفعل سيئ من غير أن يظهر له ما يقتضيها، والدليل على هذا سياق الحديث: \"ولا تحسسوا ولا تجسسوا\".\nوأصل الظن: إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح.\n\nقوله: (فإن الظن أكذب الحديث) فيه إظهار في موضع الإضمار، وإنما كان الظن بمعنى الاتهام أكذب الحديث؛ لأن الكذب مخالفة الواقع من غير استناد","vol":"10","page":219},{"text":"إلى دليل، والظن الذي لا يستند إلى شيء يجوز الاعتماد عليه هو من الكذب؛ لأن الظان إذا اعتمد على ما لا يُعتمد عليه وجعله أصلًا وجزم به صار كاذبًا.\nوإنَّما صار الظن أشد من الكذب لأمرين:\n١ - أن الكذب مستقبح في أصله مستغنى عن ذمه، بخلاف هذا فإن صاحبه يرى بزعمه أنَّه مستند إلى شيء، فناسب وصفه بأنه أشد الكذب مبالغة في ذمه والتنفير منه.\n٢ - أن الاغترار بالظن أكثر من الاغترار بالكذب المحض، وذلك لخفائه غالبًا ووضوح الكذب.\nوسماه النبي - ﷺ - حديثًا في قوله: \"أكذب الحديث\" لأنه حديث نفس يثمر غالبًا قولًا أو فعلًا غير مطابق للواقع.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث تحذير من الظن الذي لم يُبْنَ على دليل ولا قرائن قوية وأمارات صحيحة بحيث يعتمد الإنسان على هذا الظن المجرد ويبني عليه الأحكام ويرتب عليه النتائج، وأن هذا من مساوئ الأخلاق، وأن الواجب الحمل على المحامل الحسنة إلَّا أن تقوم البينة العادلة والقرائن القوية على خلاف ذلك، وإلَّا فإن الأصل البراءة والحذر من سوء الظن بغير حق؛ لأن سوء الظن فيه مفاسد عظيمة، من إساءة الظن بالمسلم، وبغضه وعداوته، ثم إن الظان قد يقول ما لا ينبغي، أو يفعل ما لا ينبغي، ومن الظن السيئ ظن بعض الرجال بزوجته، وبناء الأحكام على أمور لا حقيقة لها ولا وجود، فيترتب على ذلك نتائج وخيمة، ومن الظن السيئ أن يتكلم أخوك بكلام فتحمله على أسوأ المحامل.\nوعلى هذا فالمراد بالحديث تحقيق الظن وتثبيته وتقريره في النفس، أما مبادئ الظنون التي لا تُملك، بحيث تعرض في النفس ولا تستقر فإنه معفو عنها؛ لقوله - ﷺ -: \"إن الله تجاوز عن أمتي ما لم تتكلم أو تعمل\" (^١)، يقول\n_________\n(^١) تقدم في باب \"الطلاق\" برقم (١٠٨٥).","vol":"10","page":220},{"text":"الخطابي: (قوله: \"إياكم والظن\" يعني تحقيق الظن والحكم بما يقع في القلب منه، كما يحكم بيقين العلم في الأمور المعلومة، وذلك أن أوائل الظنون إنما هي خواطر لا يملك دفعها، والأمر والنهي إنما يردان بتكليف الشيء المقدور عليه، دون غيره مما لا يُملك ولا يستطاع) (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"أعلام الحديث\" (٣/ ٢١٩٧).","vol":"10","page":221},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1288>ما جاء من الوعيد فيمن غَشَّ رعيته</span>\n١٤٩٨/ ١١ - عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ - ﵁ - قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ، وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتهِ، إلا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأحكام\"، باب \"من استُرعي رعية فلم ينصح) (٧١٥٠)، ومسلم (١٤٢) من طريق أبي الأشهب، عن الحسن قال: عاد عبيد الله بن زياد (^١) معقل بن يسار المزني في مرضه الذي مات فيه. قال معقل: إني محدثك حديثًا سمعته من رسول الله - ﷺ - لو علمت أن لي حياةً ما حدثتك، إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: … وذكر الحديث، واللفظ لمسلم.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يسترعيه الله) أي: يفوض إليه رعايتها، بأن يكون واليًا وأميرًا على قوم، والجملة صفة لـ (عبد).\n\nقوله: (رعية) بفتح الراء وكسر العين المهملة وتشديد الياء بمعنى مرعية، وهم عامة الناس الخاضعون لأمير.\n\nقوله: (يموت) خبر (ما)، أو أنَّه صفة ثانية لـ (عبد) والخبر محذوف.\n_________\n(^١) هو أمير البصرة في زمن معاوية وولده يزيد.","vol":"10","page":222},{"text":"قوله: (يوم يموت) بالنصب على الظرفية وهو مقدم على عامله، والمراد به: وقت خروج روحه وما قبل ذلك من حين المعاينة التي لا يقبل عندها توبة.\n\nقوله: (وهو غاش لرعيته) جملة حالية من ضمير (يموت) الأول، والغاش: بتشديد الشين بصيغة اسم الفاعل من غش الثلاثي، وهو ضد النصح، مأخوذ من الغشش وهو المشرب الكدر؛ أي: خائن لا يقوم بمصالحهم، ولا يفي بحقوقهم.\n\nقوله: (إلَّا حرم الله عليه الجنَّة) تقدم الكلام على مثل هذه الجملة عند الحديث (١٤٦٤) من هذا الجزء.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث وعيد شديد وزجر أكيد عن غش الإِمام لرعيته وعدم النصح لها وأن هذا من كبائر الذنوب؛ لأن من مات على هذه الحال فإن الله تعالى يمنعه من دخول الجنَّة.\nوغش الإِمام لرعيته يتناول أمورًا كثيرة، منها: التهاون في تطبيق شرع الله تعالى، وعدم الحكم بين الرعية بما أنزل الله، والتهاون في إقامة دين الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم الاهتمام بأمور الرعية أو مصالحها والاحتجاب عن الناس وعن رفع حوائجهم.\nومن الغش ترك المفسدين يعيثون في الأرض بإفساد الأخلاق ونهب الأموال والاعتداء على الأعراض بدون رادع من حَدٍّ أو تعزير.\nومن الغش المحاباة في المناصب وتولية من ليس كفؤًا لها من إمارة أو قضاء أو وزارة أو غير ذلك. والله تعالى أعلم.","vol":"10","page":223},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1289>ما جاء من الوعيد في إدخال المشقة على المسلمين</span>\n١٤٩٩/ ١٢ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵁ - قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيئًا، فَشَقَّ عَلَيهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيهِ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الإمارة\"، باب (فضيلة الإِمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية …) (١٨٢٨) من طريق حرملة، عن عبد الرحمن بن شُماسة قال: أتيت عائشة - ﵂ - أسألها عن شيء، فقالت: ممن أنت؟ فقلت: رجل من أهل مصر، فقالت: كيف كان صاحبكم (^١) لكم في غَزَاتِكُمْ هذه؟ فقال: ما نقمنا منه شيئًا إن كان ليموت للرجل منا البعير فيعطيه البعير، والعبد فيعطيه العبد، ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة، فقالت: أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر أخي أن أخبرك ما سمعت من رسول الله - ﷺ -، يقول في بيتي هذا: … وذكرت الحديث، وتمامه: \"ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به\".\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من أمر أمتي) من: ابتدائية، ويصح كونها بيانية لـ (شيئًا) فالجار والمجرور في محل نصب حال، وأصله صفة فلما قدم أعرب حالًا (^٢).\n\nقوله: (شيئًا) نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم، فيشمل اللفظ الولاية\n_________\n(^١) انظر: \"المفهم\" (٤/ ٢٤).\n(^٢) انظر: \"دليل الفالحين\" (٣/ ١١٩).","vol":"10","page":224},{"text":"العامة وما دونها من الولاية الخاصة؛ كالإمارة والوزارة وإدارة المدرسة وشؤون العمل ونحو ذلك.\n\nقوله: (فشق عليهم) أي: فأدخل عليهم المشقة.\n\nقوله: (فاشقق عليه) أي: أوقعه في المشاق، إما في مشاق الدنيا كتسليط الأعادي، أو بآفات في بدنه أو أهله أو في قلبه، وإما في مشاق الآخرة من شدة الحساب وأليم العذاب.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث وعيد شديد لمن ولي أمرًا من أمور المسلمين صغيرًا كان أم كبيرًا وأدخل عليهم المشقة، وذلك بدعاء الرسول - ﷺ - عليه بأن الله تعالى يجازيه من جنس ما عمل.\nوالحديث عام في كل ولاية، ففي الولاية العظمى يحذر الوالي من إدخال المشقة والمضرة على الناس في شؤون حياتهم وأمور معاشهم، وإنَّما يعمل على تيسير الأمور والرفق بالرعية ومعاملتهم باللين في كل ما يصدر من ترتيبات وتعليمات.\nوفي الولايات الصغرى يحذر كل موظف أو مسؤول من أن يسيء إلى من تحت يده من المراجعين أو ذوي الحاجات أو يدخل عليهم المشقة، أو يكون سببًا في أذية أحد منهم، فإن الأذية أمرها عظيم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨]، وإن من توفيق الله تعالى لمن ولي شيئًا من أمور المسلمين أن يكون حسن الخلق سهل التعامل، يتقرب إلى الله تعالى بعمله وبخدمته إخوانه المسلمين، ويكون رفيقًا بمراجعيه سريع الإنجاز لأعماله، يبذل وقته وجهده في قضاء الحاجات، أخلاقه مهذّبة، ألفاظه طيبة، ومثل هذا يكسب ثقة الناس ويظفر بمحبتهم ودعائهم له، وهذا من الذكر الحسن الذي تتناقله الألسن، ويقر في الأذهان. والله تعالى أعلم.","vol":"10","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1290>النهي عن ضرب الوجه</span>\n١٥٠٠/ ١٣ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ: \"إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ\" مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث تقدم تخريجه والكلام عليه في باب (حَدِّ الشارب) من كتاب \"الحدود\"، وقد رواه البخاري في كتاب \"العتق\"، باب (إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه) (٢٥٥٦) من طريق معمر، عن همام، عن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\nورواه مسلم (٢٦١٢) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا، وهذا اللفظ للبخاري، وله طرق أخرى بعدة ألفاظ.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الإنسان إذا أراد أن يضرب أحدًا فعليه أن يجتنب الضرب في الوجه، وهذا نهي عام يعم الحدود والتعزيرات، والإنسان والحيوان، وذلك لأن الوجه مجمع المحاسن، وهو لطيف، فيظهر فيه أثر الضرب، وقد يُتلف منه عضوًا كالعين أو الأذن، أو يؤثر عليها الضرب، وربما شأنه، والشين فيه لا يمكن ستره، بخلاف ما يخفى من الأعضاء. والله تعالى أعلم.","vol":"10","page":226},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1291>ما جاء فِي الحد من الغضب</span>\n١٥٠١/ ١٤ - وَعَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَال: يَا رَسُولَ اللهِ\" أَوْصِنِي. قَال: \"لَا تَغْضَبْ\"، فَرَدَّدَ مِرَارًا. قَال: \"لَا تَغْضَبْ\". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأدب\"، باب (الحذر من الغضب) (٦١١٦) من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي حَصين، عن أبي صالح، عن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - أن رجلًا … وذكر الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أوصني) أي: دلني على ما ينفعني في ديني ودنياي، وذلك بوصية جامعة لخصال الخير.\n\nقوله: (لا تغضب) أي: لا تتعرض لشيء يسبب لك الغضب، ولا تنفذ آثاره بالغير، وأما نفس الغضب فلا يتأتى النهي عنه؛ لأنه أمر غريزي وطَبْعٌ جِبِلِّيٌّ لا يمكن زواله (^١).\nوقد تقدم تعريف الغضب.\n\nقوله: (فردد مرارًا) أي: كرر السائل طلب الوصية مرارًا بقوله: أوصني، وكأن هذا السائل لم يقتنع بقول النبي - ﷺ -: \"لا تغضب\" فطلب وصية أبلغ منها، وأنفع، فلم يزده النبي الله عليها، وأعادها له ثانيًا وثالثًا؛ لبيان عظيم نفعها؛ لي فيها من جلب المصالح ودفع المفاسد.\n_________\n(^١) انظر: \"أعلام الحديث\" (٣/ ٢١٩٧).","vol":"10","page":227},{"text":"• الوجه الثالث: في الحديث دليل على حرص الصحابة - ﵃ - على الخير؛ لأن هذا الصحابي طلب من النبي - ﷺ - أن يوصيه وصية جامعة لخصال الخير؛ ليحفظها عنه ويعمل بها.\n\n• الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن معالجة الغضب تكون بقطع أسبابه وجوالبه وممهداته، وتدريب النفس على التحمل، وتخفيف الغضب بالرياضة والتمارين والاكتساب، فيبتعد عن الأسباب المثيرة للغضب؛ كالسباب والمِراءِ والمنازعات وصحبة السفهاء، وكون الإنسان يغضب لأتفه الأمور التي يراها في بيته أو من أهله أو أولاده، وعلى الإنسان أن يتدرب على حل مشكلاته التي تعترضه بدلًا من الغضب والهياج كلما صادفته مشكلة أو اعترضه عائق، وهذا التوجيه النبوي في حديث الباب هو ما يسمى عند علماء النفس بالجانب الوقائي، وهذا يُعنى بمعالجة الغضب قبل حدوثه.\nوقد تقدم عند شرح الحديث الثالث في هذا الباب معالجة الغضب أثناء حدوثه بالكظم وهو إضعاف الغضب وتهدئته، فهاتان حالتان.\nوبقيت الحالة الثالثة وهي معالجته بعد حدوثه، وذلك بالأمور الآتية:\n١ - الاستعاذة من الشيطان الرجيم؛ لأنه مصدر الغضب ومعززه، وقد ورد عن سليمان بن صرد - ﵁ - قال: استب رجلان عند النبي - ﷺ - فجعل أحدهما تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه، قال رسول الله - ﷺ -: \"إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\" فقال الرجل: وهل ترى بي من جنون؟. وفي رواية للبخاري: فانطلق إليه الرجل فأخبره بقول النبي - ﷺ - وقال: \"تعوَّذ بالله من الشيطان\"، فقال \" أَتُرى بي بأسًا؟ أمجنون أنا؟ اذهب (^١).\nفالاستعاذة وترديدها مع تذكرها والتفكر فيها علاج مباشر لسببٍ رئيسٍ لحدوث الغضب وهو الشيطان، ولكن هذا الجانب من العلاج يحتاج إلى\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٢٨٢) (٦٠٤٨)، ومسلم (٢٦١٠).","vol":"10","page":228},{"text":"استعداد وقوة وتعويد للنفس على استعماله وممارسته، ومن فقد ذلك لم يقدر على هذا العلاج، ولهذا فإن هذا الرجل لم يُبْدِ استعداده للمعالجة، ولم يدرك قيمة الاستعاذة ومعانيها الإدراك الكامل، فقال: وهل ترَى بي من جنون؟. قال النووي: (فهو كلام من لم يفقه في دين الله تعالى، ولم يتهذب بأنوار الشريعة المكرمة، وتوهم أن الاستعاذة خاصة بالمجنون، ولم يعلم أن الغضب من نزغات الشيطان … ويحتمل أن هذا القائل كان من المنافقين أو من جفاة الأعراب، والله أعلم، أوكان غلب عليه الغضب حتَّى أخرجه عن الاعتدال) (^١).\n٢ - تغيير الحالة التي هو عليها حال الغضب إلى حالة أقرب منها إلى التواضع والخضوع؛ لأن الكبر والاستعلاء قرينان للغضب، وقد أرشد إلى هذا النبي - ﷺ -، فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه، فمن أحس بشيء فليلصق بالأرض … \" (^٢)، وذلك لأنه منها خلق، وفيها يعاد مهما تكبّر وتعالى وتجبّر.\n٣ - إطفاء الغضب بالماء وذلك بالوضوء؛ لأن الغضب يثير حرارة في الجسم، والماء يخمد الحرارة، ويبرد الجسم، فيعود إلى طبعه حيث يمر الماء على الجوارح المتأثرة من الوجه والفم واليدين والرجلين، وهي الأعضاء المستعدة للحركة والبطش والانتقام، وقد دل على ذلك حديث عطية السعدي بينه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنَّما تُطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ\" (^٣).\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (١٦/ ٤٠٠).\n(^٢) رواه الترمذي (٢١٩١)، وأحمد (١٧/ ٢٢٧)، وقال التِّرمِذي: (حديث حسن) وفيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.\n(^٣) رواه أَبو داود (٤٧٨٤)، وأحمد (٢٩/ ٥٠٥) وسنده ضعيف، لكن قوله: \"الغضب من الشيطان\" يشهد له حديث سليمان بن صرد الآتي.","vol":"10","page":229},{"text":"٤ - السكوت وقطع الكلام استجابة لأمر رسول الله - ﷺ - بالسكوت في حال الغضب؛ لأن من أعظم وسائل استمرار الغضب الرغبة الشديدة في الكلام، بل إن الكلام في حال الغضب يحول مساره، فمن حيث الأسلوب يكون هَواشًا (^١) ومجادلة، ومن حيث المقدار يكون صُراخًا وهديرًا، ومن حيث الموضوع يكون سِبابًا وشتمًا، ولا يقطع ذلك كله إلَّا الالتزام بالسكوت، وقد دلَّ على ذلك حديث ابن عبَّاس - ﵄ - عن رسول الله - ﷺ - قال: \"عَلِّموا ويسِّروا ولا تعسروا، وإذا غضبت فاسكت، وإذا غضبت فاسكت، وإذا غضبت فاسكت\" (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) الهوش والهواش والهوشة؛ الفتنة والاختلاط والاضطراب.\n(^٢) رواه أحمد (٤/ ٣٩، ٣٣٨) وسنده ضعيف؛ لأن فيه ليث بن أبي سليم، وقد رمي بالاختلاط. وانظر: \"الصحيحة\" (١٣٧٥).","vol":"10","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1292>التحذير من أخذ المال بغير حق</span>\n١٥٠٢/ ١٥ - عَنْ خَوْلَةَ الأنصَارَيَّةِ - ﵂ - قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهي أم محمد خولة بنت قيس بن قَهْد - بالقاف - الأنصارية النجارية -﵂-، ويقال: خولة بنت ثامر، أسلمت وبايعت رسول الله - ﷺ -، وتزوجت حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء -﵁-، فولدت له يعلى وعُمارة وابنتين، ولما استشهد تزوجت بعده حنظلة بن النعمان بن عجلان الأنصاري الزُّرقي فولدت له محمدًا، وكانت تُكنْى به (^١).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"فرض الخمس\"، باب (قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] (٣١١٨) من طريق ابن أبي عياش -واسمه نعمان- عن خولة الأنصارية - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكرت الحديث.\n\n• الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يتخوضون) بالخاء والضاد المعجمتين، من الخوض وهو\n_________\n(^١) \"طبقات ابن سعد\" (٨/ ٤٤٤)، \"الاستيعاب\" (١٢/ ٣٠٥)، \"أسد الغابة\" (٧/ ٩٧)، \"التوضيح\" لابن الملقن (١٨/ ٤٢٤)، \"الإصابة\" (١٢/ ٢٣٧).","vol":"10","page":231},{"text":"الدخول في الماء؛ أي: يتصرفون في أموال المسلمين بالباطل بكثرة المآكل والمشارب، وجودة الشِيَاتِ والملابس والمراكب، والتعبير بالتخوض يفيد أنهم يتصرفون فيها تصرفًا غير مبني على أصول شرعية، بل هو بمجرد التشهي.\n\nقوله: (في مال الله) المال: كل ما يتموله الإنسان من عقار أو منقول، قيل: إن المراد أموال المسلمين التي تصرف في المصالح العامة، وقيل: المراد العموم في كل مال، سواء أكان ماله أم مال غيره (^١).\n\nقوله: (فلهم النار يوم القيامة) هذا حكم مرتب على الوصف المناسب وهو الخوض في مال الله، ففيه إشعار بالعِلِّيَّةِ.\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على عظم شأن المال، ووجوب صرفه في الوجوه الشرعية المباحة؛ لأن الله تعالى جعل المال قيامًا لأمور الناس الدينية والدنيوية، وفيه تحذير من بذل الأموال في غير محلها، أو أخذ الإنسان شيئًا منها وهو غير مستحق لها، أو أخذه أكثر مما يستحق. قال ابن بطَّال: (معنى حديث خولة في هذا الباب -أي: تبويب البخاري- أن من أخذ من المقاسم شيئًا بغير قسم رسول الله - ﷺ - أو الإِمام بعده فقد تخوض في مال الله بغير حق، ويأتي بما غلَّ يوم القيامة.\nوفيه ردع للولاة والأفراد أن يأخذوا من مال الله شيئًا بغير حقه، ولا يمنعوه من أهله) (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"دليل الفالحين\" (١/ ٥٤٤)، \"سبل السلام\" (٨/ ٣٠٥)، \"شرح رياض الصالحين\" (٢/ ٥٣٨).\n(^٢) \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطَّال (٥/ ٢٧٥).","vol":"10","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1293>ما جاء في تحريم الظلم</span>\n١٥٠٣/ ١٦ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِيمَا يَرْوي عَنْ رَبِّهِ - قَال: \"يَا عِبَادِي\" إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَينَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالمُوا\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"البر والصلة والآداب\"، باب (تحريم الظلم) (٢٥٧٧) من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر -﵁-، عن النبي - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\nوهو حديث طويل، جاء في آخره: قول سعيد بن عبد العزيز - وهو التنوخي الدمشقي -: كان أَبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ينبغي أن يعرف أن هذا الحديث شريف القدر عظيم المنزلة، ولهذا كان الإِمام أحمد يقول: \"هو أشرف حديث لأهل الشام، وذلك لاشتماله على قواعد عظيمة وأصول الدين وفروعه وآدابه) (^١).\nوقد اقتصر الحافظ على هذه الجملة؛ لأن مقصوده سياق ما يتعلق بالظلم؛ لكونه من مساوئ الأخلاق.\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (١٨/ ١٥٦).","vol":"10","page":233},{"text":"• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (فيما يروي عن ربه) أي: فيما يخبر به عن ربه ﵎، وهذه إحدى صيغ الحديث القدسي.\n\nقوله: (قال) أي: قال الله تعالى.\n\nقوله: (يا عبادي) جمع عبد، والمراد بالعباد هنا: جميع الثقلين مؤمنهم وكافرهم، بدليل بقية الحديث، وهذه العبودية العامة، والأضافة للتشريف. قال أَبو علي الدقاق: (ليس شيء أشرف من العبودية ولا اسم أتمَّ للمؤمن من الوصف به، ومن ثَمَّ قُرن بالإسراء في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]) (^١).\n\nقوله: (إني حرمت الظلم على نفسي) تقدم أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ومعنى: حرمته: تنزّهت عنه وتعاليت مع قدرته تعالى عليه، لكنه لا يفعله؛ لأنه سبحانه يضع الأمور في مواضعها، ولهذا وعد المؤمنين الجنَّة وتوعد الكافرين بالنار، ولا يمكن أن يعذب أحدًا بذنب غيره. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيئًا﴾ [يونس: ٤٤]، والمراد بالنفس: الذات المتصفة بصفات الكمال. قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ونفسه هي ذاته المقدسة) (^٢).\n\nقوله: (وجعلته بينكم محرمًا) أي: حكمت بتحريمه عليكم، فالمراد بالجعل هنا: الشرعي لا الكوني؛ لأن الظلم يقع بين الناس.\n\nقوله: (فلا تظالموا) بفتح التاء وتخفيف الظاء على الأشهر، وأصله: تتظالموا، فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا؛ أي: لا يظلم بعضكم بعضًا، وهذا توكيد لقوله: (وجعلته بينكم محرمًا) وزيادة في تغليظ تحريمه، ويجوز \"تظَّالموا\" بتشديد الظاء وإدغام إحدى التاءين فيها.\n_________\n(^١) \"نتائج الأفكار في شرح حديث سيد الاستغفار\" ص (٢٧٣).\n(^٢) \"مجموع الفتاوى\" (٩/ ٢٩٢، ٢٩٣) (١٤/ ١٩٦).","vol":"10","page":234},{"text":"• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الله تعالى حرم الظلم على نفسه فهو سبحانه منزَّه عنه مع قدرته عليه، ولكنه لا يفعله فضلًا منه وجودًا وكرمًا وإحسانًا إلى عباده، ويلزم من نفي الظلم إثبات ضده، وهو كمال عدله، فالله تعالى لا يظلم أحدًا، بل هو حَكَمْ عدل محسن، وحكمه وجزاؤه لعباده إما فضل لمن عمل الحسنات، فيجازي على الحسنة بعشر أمثالها، أو عدل في السيئات، فيجازي على السيئة بمثلها. قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢]، ظلمًا: بزيادةٍ في سيئاته أو معاقبته بذنب غيره، ولا هضمًا: بنقص من حسناته.\nقال ابن رجب: (وكونه خلق أفعال العباد، وفيها الظلم، لا يقتضي وصفه بالظلم -﷾-، كما أنَّه لا يوصف بسائر القبائح التي يفعلها العباد، وهي خلقه وتدبيره، فإنه لا يوصف إلَّا بأفعاله، ولا يوصف أفعال عباده، فإن أفعال عباده مخلوقاته ومفعولاته، وهو لا يوصف بشيء منها، إنما يوصف بما قام به من صفاته وأفعاله، والله أعلم) (^١).\n\n• الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الظلم وقبحه؛ لأن الله تعالى حرمه على نفسه وحرمه على عباده، فلا يجوز لعبد أن يظلم نفسه ولا يظلم غيره، فلا يظلم نفسه بالشرك أو ما دونه من المعاصي صغائرها وكبائرها، ولا يظلم غيره في مال أو دم أو عرض، ومن الظلم أخذ مال اليتيم، أو المماطلة في أداء حقوق الناس مع القدرة على الوفاء، أو ظلم المرأة حقها من صداق أو كسوة، أو ظلم الأجير بعدم إعطائه أجرته أو المماطلة في أدائه.\nقال ابن رجب: (ظلم العباد شَرٌّ مكتسب؛ لأن الحق فيه لآدمي مطبوع على الشح، فلا يترك من حقه شيئًا، لا سيما مع شدة حاجته يوم القيامة، فإن الأم تفرح يومئذ إذا كان لها حق على ولدها، لتأخذه منه. ومع هذا، فالغالب أن الظالم تعجل له العقوبة في الدنيا وإن أُمهل؛ كما قال - ﷺ -: \"إن الله ليملي\n_________\n(^١) \"جامع العلوم والحكم\" حديث (٢٤).","vol":"10","page":235},{"text":"للظالم حتَّى إذا أخذه لم يفلته\" ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢]) (^١) ومن سلم من ظلم غيره، وسلم الناس من ظلمه، فقد عُوفي وعُوفي الناس منه. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح حديث: لَبَّيكَ اللهم لَبَّيكَ\" ضمن رسائل ابن رجب (١/ ١٣٥).","vol":"10","page":236},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1294>ما جاء في الغيبة</span>\n١٥٠٤/ ١٧ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ -؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"أَتَدْرُونَ مَا الغِيبَةُ؟ \" قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال: \"ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرهُ\". قِيلَ: أفَرَأَيتَ إِنْ كَانَ فِي أخِي مَا أَقُولُ؟ قَال: \"إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ بَهَتَّهُ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"البر والصلة والآداب\"، باب (تحريم الغيبة) (٢٥٨٩) من طريق العلاء، عن أبيه، عن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أتدرون ما الغيبة) الهمزة للاستفهام، وقد خرج الاستفهام عن معناه الأصلي، وهو طلب العلم بالمجهول إلى غرض آخر، وهو التشويق إلى معرفة الشيء.\nوما: اسم استفهام خبر مقدم، والغيبة: مبتدأ مؤخر لأن الاستفهام له الصدارة، والأصل: الغيبة ما هي؟ والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب سدت مسد مفعولي (تدرون)؛ لأنه عُلق عن العمل بالاستفهام.\n\nوقوله: (ما الغيبة) أي: ما حقيقتي الشرعية.\n\nقوله: (قالوا: الله ورسوله أعلم) رَدُّوا العلم إلى الله ورسوله عملًا بالأدب ووقوفًا عند حد العلم.","vol":"10","page":237},{"text":"قوله: (قال: ذكرك أخاك …) خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هي ذكرك أخاك، والمراد بالأخ: الأخ في الدين، وهذا اللفظ يشمل الأخ الحي والميت، وهل يشمل الصغير والمجنون؟ محل بحث (^١).\nوالغيبة: هي الاسم من الفعل اغتابه اغتيابًا، وهو مأخوذ من مادة: (غَيَبَ) التي تدل على تستر الشيء عن العيون (^٢)؛ لأن الغِيبة التي هي الوقيعة في الناس لا تقال إلَّا في غَيبة الشخص.\nوأما في الاصطلاح فهي كما قال رسول الله - ﷺ -: \"ذكرك أخاك بما يكره\"، وعبر عن هذا بعض العلماء بقوله: ذكر العيب بظهر الغيب (^٣).\nوالاشتقاق اللغوي يفيد أن الغيبة مختصة بعدم حضور الإنسان في مجلس الغيبة، وبهذا جزم أهل اللغة وأكثر الأئمة.\n\nقوله: (بما يكره) ما: إما أن تكون مصدرية؛ أي: بمكروه، أو اسمًا موصولًا؛ أي: بالذي يكرهه، وبين المعنيين فرق، سواء أكان الذي يكرهه في دينه أو دنياه، وسواء كان في بدنه أو ماله أو أهله أو ولده أو ثوبه أو مركبه أو غير ذلك مما يتعلق به (^٤).\nوهذا التفسير عن النبي - ﷺ - للغيبة يعد تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]، وهذا المعنى موضع إجماع بين أهل العلم.\n\nقوله: (فقد بهته) أي: كذبت وافتريت عليه مع الغيبة، فَحُذِفَ الشق الثاني لأنه معلوم، يقال: بَهَتَ فلان فلانًا: إذا كذب عليه، وبَهِتَ وبُهِتَ: إذا تحير. يقول ابن فارس: (الباء والهاء والتاء أصل واحد، وهو كالدَّهَشِ والحيرة …) (^٥)، وعلى هذا فالبهتان: هو الكذب والافتراء الباطل الذي يُتحير منه لفظاعته.\n_________\n(^١) انظر: \"الزواجر عن اقتراف الكبائر\" (٢/ ١٥)، \"الفتوحات الربانية\" (٦/ ٣٧٧).\n(^٢) \"معجم مقاييس اللغة\" (٤/ ٤٠٣).\n(^٣) \"التوقيف على مهمات التعاريف\" ص (٢٥٤).\n(^٤) انظر: \"الأذكار\" ص (٥٣٤).\n(^٥) \"معجم مقاييس اللغة\" (١/ ٣٠٧).","vol":"10","page":238},{"text":"• الوجه الثالث: في الحديث تحذير من الغيبة وأنها من الأخلاق السيئة التي تفتح أَبوابًا من الشر، وتسبب الخصام والنفور، وتنشر العداوة والبغضاء، وتقطع أواصر المحبة بين الناس، وذلك لأن النبي - ﷺ - بيَّن حقيقتها لأجل أن تُجتنب، وهي دليل على خسة المغتاب ودناءة نفسه، وقلة ورعه، وسلاطة لسانه ..\nوقد نهى الله تعالى عن الغيبة وحذر منها أبلغ تحذير في قوله سبحانه: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ وهذا من أحسن القياس التمثيلي وأبلغه:\n١ - لأن الغيبة تمزيق العرض، كما أن أكل اللحم تمزيقه مع الجلد، وهذا أقبح.\n٢ - أن الله تعالى جعل اللحم لحم الأخ لا لحم حيوان؛ لأنه أشد كراهة.\n٣ - جَعْلُ الأخ ميتًا لكونه لا يدافع عن نفسه؛ لأن المغتاب لا يعلم بالغيبة بحيث يدافع عن نفسه، ثم إن لحم ما يُستطاب أكله يصير مستقذرًا بالموت.\n٤ - وصف ذلك بالكراهة مبالغة في التنفير عنه.\nقال ابن كثير عند هذه الآية: (الغيبة محرمة بالإجماع) (^١)، وقال القرطبي: (الإجماع على أنَّها من الكبائر، وأنه يجب التوبة منها إلى الله تعالى) (^٢)، وكأن القرطبي لم يلتفت إلى قول من قال: إنها من الصغائر لندرة القائلين بهذا، وقد نقل النووي وابن حجر ﵀ العسقلاني وابن حجر ﵀ الهيتمي والسفاريني وآخرون (^٣) الإجماع على أنَّها من الكبائر التي لا تكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الصدقة ولا غيرها من الأعمال الصالحة، لقوله - ﷺ -: وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام\" (^٤).\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٣٥٩).\n(^٢) \"تفسير القرطبي\" (١٦/ ٣٣٧).\n(^٣) \"الإحياء\" (٤/ ١٢)، \"روضة الطالبين\" (١١/ ٢٢٤)، \"الزواجر\" (٢/ ١٢ - ١٣) (غذاء الألباب\" (١/ ١١٣).\n(^٤) متفق عليه، وقد تقدم شرحه في آخر باب \"الغصب\".","vol":"10","page":239},{"text":"قال الشيخ عبد الرحمن السعدي عند الآية المذكورة: (وفي هذه الآية دليل على التحذير الشديد من الغيبة وأنها من الكبائر؛ لأن الله شبهها بأكل لحم الميت، وذلك من الكبائر) (^١).\nوالغيبة تختلف مراتبها بتفاوت الشخص المغتاب وما حصل له من الإيذاء، وما يترتب عليها من المفاسد، فغيبة العامي من سائر الناس ليست كغيبة العالم - مثلًا - لأن غيبة عامة الناس إنما تسيء إليه، لكن غيبة العالم إساءة إليه وإلى ما يحمله من علم الشريعة وإلى مكانته عند الناس (^٢).\nوللغيبة أسباب كثيرة منها:\n١ - ضعف الورع؛ لأن الإنسان إذا قل ورعه لم يبال بما يتكلم به، ولم يقم وزنًا لأحكام الشرع، ولا سيما فيما يتعلق بالأوامر والنواهي.\n٢ - الحسد.\n٣ - مجالسة الرفقاء والأصدقاء.\n٤ - إرادة الإنسان رفع نفسه بوضع غيره.\n٥ - اللعب والهزل والمفاكهة.\nوللغيبة آثار سيئة، فهي بالإضافة إلى ضررها على المغتاب بوقوعه في عرض أخيه، فهي تفتح أَبوابًا كثيرة من الشر، وتسبب العداوة والبغضاء والخصام، وهي مرض اجتماعي يقطع أواصر المحبة بين الناس، وهي دليل على خسة المغتاب ودناءة نفسه وسقوط همته.\n\n• الوجه الرابع: استدل العلماء بقوله: \"ذكرك أخاك\" على أن تحريم الغيبة مختص بالمؤمن، وأن الكافر تجوز غيبته، وهذا اختيار الصنعاني (^٣).\nوفرّق آخرون بين الكافر الحربي فتجوز غيبته، وبين الذِّمِّيُّ فهو كالمسلم؛ لأن الشرع حرم عرضه وماله ودمه، وهذا قول الغزالي والزركشي،\n_________\n(^١) \"تفسير ابن سعدي\" ص (٧٤٥).\n(^٢) \"شرح رياض الصالحين\" (٦/ ١٠٤).\n(^٣) \"سبل السلام\" (٨/ ٣٠٨).","vol":"10","page":240},{"text":"ورجحه ابن حجر ﵀ الهيتمي (^١).\nقالوا: وذكر الأخ في الآية والحديث للعطف والتذكير بالسبب الباعث على تركها، وهو الأُخُوَّةُ والإيمان.\nأما الفاسق المجاهر بالذنب أو إيذاء المسلمين بقلمه أو لسانه أو فكره، أو صاحب البدعة المجاهر ببدعته، فيجوز ذكره بما فيه، ولا يعد غيبة إذا أخلص هذا المتكلم فيه لله تعالى قاصدًا التحذير منه أو إزالة ما هو عليه من المنكر، والدليل قوله - ﷺ -: \"ائذنوا له، بئس أخو العشيرة\" (^٢). وقد استدل البخاري بهذا الحديث على جواز غيبة أهل الفساد وأهل الرِّيَبِ، وذلك لأن النصح الواجب لا يعد من الغيبة، وقد قيل للإمام أحمد: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف، أحبُّ إليك أو يتكلمُ في أهل البدع؟ قال: (إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل) (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"الزواجر عن اقتراف الكبائر\" (٢/ ١٧).\n(^٢) رواه البخاري (٦٠٥٤)، ومسلم (٢٥٩١).\n(^٣) \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٢٣١، ٢٣٢).","vol":"10","page":241},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1295>ما جاء في جملة من مساوئ الأخلاق</span>\n١٥٠٥/ ١٨ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ: لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ؛ التَّقْوَى هَاهُنَا\" وَيُشِيرُ إلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. \"بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"البر والصلة والآداب\"، باب (تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله) (٢٥٦٤) من طريق أبي سعيد مولى عامر بن كريز، عن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكر الحديث.\nوهذا الحديث له روايات وألفاظ، وهو حديث جليل ينبغي للإنسان أن يعتمده منهجًا له يسير عليه في حياته؛ لأنه جامع لكثير من مساوئ الأخلاق التي يحرص المسلم على تجنبها والبعد عنها مع إفادة الآخرين بذلك، وبهذا يحظى بأضدادها من مكارم الأخلاق.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا تحاسدوا) أي: لا يحسد بعضكم بعضًا، وأصله تتحاسدوا، فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا، وكذا الألفاظ الآتية. وتقدم تعريف الحسد،","vol":"10","page":242},{"text":"وهو أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على غيره من علم أو مال أو جاه أو غير ذلك.\n\nقوله: (ولا تناجشوا) تقدم تعريف النجش في \"البيوع\" وأنه الزِّيادة في ثمن السلعة من شخص لا يريد شراءها، وإنما لنفع البائع أو مضرة المشتري.\n\nقوله: (ولا تباغضوا) أي: لا يبغض بعضكم بعضًا، والبغض: بالضم ضد الحب، وهو النفرة من الشيء لمعنى فيه مستقبح، ويرادفه الكراهة، والبغضاء: شدة البغض، والنهي عن التباغض معناه لا تتعاطوا أسباب التباغض؛ لأن الحب والبغض من المعاني القلبية التي لا قدرة للإنسان على اكتسابها، ولا يملك التصرف فيها، وإنما تحصل بأسباب تؤدي إليها.\n\nقوله: (ولا تدابروا) التدابر: الإعراض وترك الكلام والسلام، وقيل للإعراض: تدابر؛ لأن من أبغضته أعرضت عنه، ومن أعرضت عنه وليته دبرك، وكذا يصنع هو بك، ومن أحببته أقبلت عليه بوجهك لتسره وشرك.\n\nقوله: (ولا يبع بعضكم على بيع بعض) وذلك بأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة، ونحو ذلك مما تقدم في \"البيوع\".\n\nقوله: (وكونوا عباد الله إخوانًا) عباد: منادى بحرف نداء مقدر؛ أي: يا عباد الله، ويجوز كونه خبرًا لكان، وإخوانًا: خبر على الأول، أو خبر ثانٍ على الثاني.\nومعناها: اتصفوا بما تصيرون به إخوانًا، وهذه الجملة فيها معنى التعليل لما تقدم، كأنه قال: إذا تركتم هذه المنهيات كنتم إخوانًا، ومفهومه إذا لم تتركوها تصيرون أعداء، والمراد بالعبودية هنا: العبودية الخاصة، وهي عبودية الطاعة.\n\nقوله: (ولا يخذله) بضم الذال من خذله يخذله من باب قتل: إذا ترك نصرته وإعانته وتأخر عنه.\n\nقوله: (ولا يحقره) بكسر القاف من حقره يحقره من باب ضرب: إذا أهانه واستصغره ولم يعبأ به.","vol":"10","page":243},{"text":"قوله: (التقوى هاهنا) التقوى: مصدر اتقى تقاة وتقوى على وزن فَعْلَى، وأصله وَقْيًا؛ لأنه من وقى، فأبدلت الواو أول الكلمة تاء، فأصبح تقيًّا، ثم أبدلت الياء واوًا؛ لأنه اسم على وزن فعلى لامه ياء (^١).\nوالتقوى: فعل المامور واجتناب المحظور، وقد بيّن المراد باسم الإشارة بقوله: (ويشير إلى صدره ثَلاثَ مَرَّاتٍ) أي: إن أصل التقوى وحقيقتها في القلب الذي هو في الصدر، وما يظهر على الجوارح من طاعة الله تعالى فهو أثر لها، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]، وعدل عما يقتضيه الظاهر من الإتيان بالماضي إلى الإتيان بالمضارع في قوله: (ويشير) إشارة إلى استحضار تلك الحالة، وهي الإشارة إلى الصدر؛ لأنه محل القلب.\n\nوقوله: (ثلاث مرات) هكذا في بعض نسخ \"البلوغ\"، وفي المخطوطة التي سبق وصفها، وهو الموافق لما في \"صحيح مسلم\"، وفي بعضها: (ثلاث مرارٍ).\n\nقوله: (بحسب امرئ من الشر) بسكون السين المهملة، والباء زائدة، وحسب مبتدأ؛ أي: كافيه من خلال الشر ورذائل الأخلاق.\n\nقوله: (أن يحقر أخاه المسلم) المسلم: صفة، وذكر هذا الوصف مع تقدمه فيه تأكيد لحرمة المسلم وتحذير من احتقاره، وأَنْ وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر، والمعنى: كافيه من خلال الشر وسيئ الأخلاق أحتقار أخيه المسلم، لما في ذلك من إهمال حق أخيه والإعراض عنه ورضاه عن نفسه بهذا الخلق الممقوت؛ لأنه دليل التكبر والترفع عن الآخرين.\n\nقوله: (كل المسلم على المسلم حرام) أي: محظور وممنوع.\n\nقوله: (دمه وماله وعرضه) بدل بعض من كل.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على تحريم التحاسد بين المسلمين\n_________\n(^١) \"معجم مفردات الإبدال والإعلال في القرآن\" ص (٢٨٤).","vol":"10","page":244},{"text":"بأن يحسد كل واحد من الشخصين الآخر، لما فيه من الاعتراض على الله في قسمته، ولما فيه من انطواء القلب على عدم محبة الخير وكراهته لأخيه المسلم، وإذا نُهي عن التحاسد الذي فيه معنى المكافأة والمجازاة وهو ما كان بين اثنين، فالنهي عنه من طرف واحد آكد.\n\n• الوجه الرابع: في الحديث دليل على تحريم التناجش عند البيع والشراء لما فيه من الغش والخديعة لمن يرغب شراء السلعة، وقد تقدم الكلام عليه في \"البيوع\" (^١).\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على تحريم التباغض بين المسلمين؛ لأن هذا مناف للمحبة التي أوجبها الله تعالى بين المسلم وأخيه، والبغض المنهي عنه هو ما كان في غير ذات الله تعالى، بل على أهواء النفوس أو أمور الدنيا، أما البغض في ذات الله تعالى، فهو من أوثق عرى الإيمان، وليس داخلًا في النهي؛ كبغض العصاة؛ لأن الإنسان يجتمع فيه الخير والشر والفجور والطاعة، فيستحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، ومن العداوة والعقاب بحسب ما فيه من الشر (^٢).\nوإذا نهي عن التقابل في المباغضة فالانفراد بالبغض من طرف واحد أولى.\n\n• الوجه السادس: في الحديث دليل على تحريم تعاطي أسباب البغض ووسائله والحرص على ما يسبب التآلف والاجتماع؛ لأن ما نُهي عنه يُنهى عن وسائله؛ كالغيبة، والنميمة، والإفراط في المزاح، والظنون السيئة، ولعب الميسر وغير ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَينَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١].\n\n• الوجه السابع: الحديث دليل على تحريم التدابر والتقاطع والتهاجر بين المسلمين.\n_________\n(^١) انظر: (٦/ ٨٥) من هذا الكتاب.\n(^٢) \"الفتاوى\" (٢٨/ ٢٠٩).","vol":"10","page":245},{"text":"• الوجه الثامن: في الحديث دليل على تحريم بيع المسلم على بيع أخيه، ومثله شراؤه على شرائه؛ لأن هذا من أسباب العداوة والتقاطع بين المسلمين، وقد مضى تفصيل ذلك في \"البيوع\".\n\n• الوجه التاسع: في الحديث حث للمسلمين على أن يكونوا إخوة متحابين متآلفين، وأن من تحقيق العبودية لله تعالى رعاية الأخوة الإيمانية القائمة على رابطة العقيدة ولو تباعدت الأوطان واختلفت الألسن والألوان.\n\n• الوجه العاشر: في الحديث دليل على أن ظلم المسلم لأخيه أو خذلانه أو احتقاره ينافي صدق الأخوة الإسلامية.\n\n• الوجه الحادي عشر: في الحديث دليل على أن التقوى محلها القلب، وإذا تحققت تقوى القلب ظهرت آثارها على الجوارح؛ لأنها تابعة للقلب ومنقادة له، كما قال النبي - ﷺ -: \"إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب\" (^١)، وما يظهر على الجوارح من صلاح واستقامة في القول والعمل فهو دليل على تقوى القلب، وما يظهر من فساد أو انحراف في القول والعمل فهو دليل على ضعف تقوى القلب.\nقال الإِمام النووي -﵀- في شرحه لهذا الحديث: (الأعمال الظاهرة لا يحصل بها التقوى، وإنَّما تحصل بما يقع في القلب من عظمة الله تعالى، وخشيته، ومراقبته. ومقصود الحديث أن الاعتبار في ذلك كله بالقلب) (^٢).\nوقال الحافظ ابن رجب -﵀ -: (والتقوى أصلها في القلب، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]، وإذا كان أصل التقوى في القلوب، فلا يطلع أحد على حقيقتها إلَّا الله -﷿-، كما قال النبي - ﷺ -: \"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم\" (^٣). وحينئذٍ فقد يكون كثير ممن له صورة حسنة، أو مال، أو جاه، أو رياسة في الدنيا، قلبه خرابًا من التقوى، ويكون من ليس له شيء من ذلك\n_________\n(^١) هذا الحديث تقدم تخريجه وشرحه برقم (١٤٧٧) من هذا الجزء.\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (١٦/ ٣٥٧).\n(^٣) رواه مسلم (٢٥٦٤) (٣٤).","vol":"10","page":246},{"text":"قلبه مملوءًا من التقوى، فيكون أكرم عند الله تعالى، بل ذلك هو الأكثر وقوعًا) (^١).\n\n• الوجه الثاني عشر: بيان خطورة احتقار المسلم لأخيه وأن ذلك كاف للمحتقِر من الشر، وإن لم يكن عنده شر سواه، وهذا ينافي الأخوة الإيمانية، وهو لا يصدر غالبًا إلَّا عن كبر أو جهل.\n\n• الوجه الثالث عشر: في الحديث دليل على حرمة المسلم وعظم شأنه عند الله تعالى حيث حرم دمه وماله وعرضه. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"جامع العلوم والحكم\" شرح الحديث (٣٥).","vol":"10","page":247},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1296>ما جاء في الاستعاذة من بعض المنكرات</span>\n١٥٠٦/ ١٩ - عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ - ﵁ - قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي مُنْكَرَاتِ الأخْلَاقِ، وَالأعمَالِ، والأهْوَاءِ، وَالأَدْوَاءِ\". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَاللَّفْظُ لَهُ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو قطبة -بضم القاف وإسكان الطاء- بن مالك الثعلبي من بني ثعلبة بن ذبيان، ولذا يقال له: الذبياني. قال البخاري وأَبو حاتم: له صحبة، سكن الكوفة، وروى عنه الحجاج بن أيوب مولى أبي ثعلبة، وابن أخيه زياد بن علاقة، وعبد الملك بن عمير، وقد روى له مسلم دون البخاري. ففي \"صحيح مسلم\" من طريق زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك - ﵁ - قال: (صليت وصلى بنا رسول الله - ﷺ - فقرأ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ [ق: ١]، حتَّى قرأ: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠]، قال: فجعلت أرددها، ولا أدري ما قال) (^١)، ليس له في الكتب الستة إلَّا هذان الحديثان: هذا الحديث، وحديث الباب (^٢).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه التِّرمِذي في أَبواب (الدعوات عن رسول الله - ﷺ -) (٣٥٩١) قال: حدَّثنا سفيان بن وكيع، قال: حدَّثنا أحمد بن بشير وأَبو\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٤٥٧).\n(^٢) \"الاستيعاب\" (٩/ ١٥٧)، \"تهذيب الكمال\" (٢٣/ ٦٠٨)، \"الإصابة\" (٨/ ١٦٥)، دليل الفالحين\" (٤/ ٢٩٦).","vol":"10","page":248},{"text":"أسامة، ورواه ابن حبان (٣/ ٢٤٠)، والطبراني في \"الكبير\" (١٩/ ١٩) وفي \"الدعاء\" (١٣٨٤)، والحاكم (١/ ٥٣٢) من طريق أبي أسامة، كلاهما عن مسعر، عن زياد بن علاقة، عن عمه قال: كان رسول الله - ﷺ - يقول: … وذكر الحديث، وهذا لفظ الحاكم.\nقال التِّرمِذي: (هذا حديث حسن غريب، وعَمُّ زياد بن علاقة هو قطبة بن مالك صاحب النبي - ﷺ -).\nوقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي.\nوأَبو أسامة ثقة ثبت، وقد تفرد به عن مسعر، قال أَبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٢٣٧) (غريب من حديث مسعر، تفرد به عنه أَبو أسامة …).\nوقد رواه عن أبي أسامة جمع، ولم أر أحدًا جمع بينه وبين أحمد بن بشير إلَّا شيخ التِّرمِذي وهو سفيان بن وكيع بن الجراح الرؤاسي، وهو متكلم فيه. قال البخاري: (يتكلمون فيه لأشياء لقنوه)، وضعفه أَبو زرعة والنَّسائي. وقال الآجري: (امتنع أَبو داود من التحديث عنه). وقال ابن حبان: (كان شيخًا فاضلًا صدوقًا، إلَّا أنَّه ابتلي بورَّاقٍ كان يدخل عليه الحديث) (^١)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (كان صدوقًا، إلَّا أنَّه ابتلي بورَّاقِه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنُصِحَ فلم يقبل، فسقط حديثه).\n\n• الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (جنبني) دعاء من التجنيب؛ أي: باعدني.\n\nقوله: (منكرات الأخلاق) من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الأخلاق المنكرة؛ لأن من الأخلاق ما هو حسن، ومنها ما هو منكر، والأخلاق المنكرة: هي ما ينكر من الأخلاق شرعًا وعادةً.\n_________\n(^١) \"التاريخ الأوسط\" (٤/ ١٠٥٥، ١٠٥٦)، \"المجروحين\" (١/ ٤٥٥)، \"تهذيب الكمال\" (١١/ ٢٠٢).","vol":"10","page":249},{"text":"قوله: (والأعمال) عطف على الأخلاق؛ أي: ومنكرات الأعمال، وهو -أيضًا- من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الأعمال المنكرة، والمراد بها: ما ينكر من الأعمال شرعًا وعرفًا.\nوالمراد بمنكرات الأخلاق: سوء المعاملة مع الخلق، ومنكرات الأعمال هي المعاصي، وقيل: منكرات الأخلاق هي الأعمال الباطنة؛ كالعجب والفخر والحسد والكبر والحقد ونحو ذلك، ومنكرات الأعمال هي الأفعال الظاهرة؛ كالزنا وشرب الخمر (^١).\n\nقوله: (والأهواء) عطف -أيضًا- على الأخلاق؛ أي: الأهواء المنكرة، والإضافة بيانية؛ لأن الأهواء كلها منكرة، وهي جمع هوىً، وهو ما تشتهيه النفس من غير نظر إلى مقصد يحمد عليه شرعًا.\nوقيل: إن الإضافات كلها من باب واحد، فهي من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ لأن الإنسان له أهواء، فمن الناس من يكون هواه تبعًا لما جاء به الرسول - ﷺ -، ومنهم من يكون هواه تبعًا لنفسه وما تشتهيه، وعلى هذا فما وافق الشرع فهو معروف، وضده المنكر.\n\nقوله: (والأدواء) جمع داء؛ أي: وأعوذ بك من الأدواء المنكرة، وهي منكرات الأدواء، والمراد بها: الأمراض المزمنة المستعصية أو المنفرة؛ كالسرطان والبرص والجذام.\n\n• الوجه الرابع: ذكر الحافظ هذا الحديث لبيان فضل هذا الدعاء واستحباب دعاء المؤمن بهذه الألفاظ، وهي أن الله تعالى يباعد بينه وبين منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، وهذا يفيد أن المؤمن يحرص على اجتناب الأخلاق الذميمة والأعمال المنكرة، ويحذر من اتباع الهوى والوقوع في الشهوات.\nوقد ثبت عنه - ﷺ - أنَّه دعا ربه بأن يهديه لأحسن الأخلاق وأن يصرف\n_________\n(^١) \"تحفة الأحوذي\" (١٠/ ٥٠)، \"شرح رياض الصالحين\" (٦/ ٣٩).","vol":"10","page":250},{"text":"عنها سيئها، وذلك في حديث علي - ﵁ - أنَّه - ﷺ - كان إذا قام إلى الصلاة قال: \"وجهت وجهي للذي فطر السمرات والأرض … \" وذكر الحديث إلى قوله: \"واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت … \" (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٤٥٧)، وتقدم بتمامه في أدعية الاستفتاح.","vol":"10","page":251},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1297>ما جاء في النهي عن المراء والمزاح وإخلاف الوعد</span>\n١٥٠٧/ ٢٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تُمَارِ أَخَاكَ، وَلَا تُمَازِحْهُ، وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخْلِفَهُ\". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ فيه ضَعفٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه التِّرمِذي في أَبواب \"البر والصلة\"، باب (ما جاء في المراء) (١٩٩٥) من طريق اللَّيث -وهو ابن أبي سليم- عن عبد الملك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس -﵄-، عن رسول الله - ﷺ - قال: … وذكر الحديث.\nورواه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٣٩٤) من طريق ليث به.\nقال التِّرمِذي: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وعبد الملك عندي هو ابن بشير).\nوهذا سند ضعيف، فيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، ضعفه أحمد وأَبو حاتم وابن معين وآخرون (^١).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا تمار أخاك) بضم أوله، وهو مضارع مجزوم بـ (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، والكسرة قبلها دليل عليها، وهو من المماراة، تقول: ماريته أُماريه مماراة ومِراءً: جادلته، وحقيقة المراء: طعنك\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٤١٧).","vol":"10","page":252},{"text":"في كلام غيرك لإظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله وإظهار مزيتك عليه.\nولا يكون المراء إلا اعتراضًا، بخلاف الجدال فإنه يكون ابتداء واعتراضًا (^١).\n\nقوله: (ولا تمازحه) من المُزاح -بضم الميم- اسم مصدر من مَزَحَ من باب نفع، مَزْحًا ومَزاحَةً -بالفتح- والمِزاحُ -بالكسر- مصدر مازحه ممازحة ومِزاحًا.\nوالمزاح: هو المداعبة والهزل، والمعنى: لا تمازح أخاك المسلم مزاحًا يفضي إلى إيذائه من هتك العرض ونحوه.\n\nقوله: (ولا تعده موعدًا فَتُخْلِفَهُ) بنصب المضارع (تخلفَه) بـ (أن) المضمرة وجوبًا بعد فاء السببية في جواب النهي. والمراد بالوعد: ما يشمل زمان الموعد ومكانه.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على عناية الإسلام بالألفة والمحبة بين المسلمين حيث جاء بما يزيد المحبة ويقوي الألفة، كما جاء بالنهي عما يسيء إلى هذه المحبة، ومن هذا النهيُ عن المراء والجدال الذي يفعله الإنسان مع جليسه؛ ليظهر له الخلل في كلامه أو العيب في رأيه وفكرته، فهذا خلق ذميم، يورث البغضاء والكراهية، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا لكن المعنى الذي دلّ عليه مستفاد من نصوص أخرى، قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، يقول ابن حبان: (المراء أخو الشنآن، كما أن المناقشة أخت العداوة، والمراء قليل نفعه كثير شره، ومنه يكون السباب، ومن السباب يكون القتال، ومنه يكون هراقة الدم، وما مارى أحد أحدًا إلَّا وقد غيَّر المراء قلبيهما) (^٢).\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٥٧٠).\n(^٢) \"روضة العقلاء\" ص (٧٩).","vol":"10","page":253},{"text":"وهذا كله في الجدال المذموم، وهو الذي يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب، ويكون المراد منه مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو، فإن كان المراد منه إظهار الحق وهداية الخلق فهو محمود. يقول الإِمام النووي: (اعلم أن الجدال قد يكون بحق، وقد يكون بباطل … فإن كان الجدال للوقوف على الحق وتقريره كان محمودًا، وإن كان الجدال في مدافعة الحق، أو كان جدالًا بغير علم كان مذمومًا، وعلى هذا التفصيل تنزل النصوص الواردة في إباحته وذمه) (^١).\n\n• الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن المسلم منهي عن المزاح، والمراد به ما فيه إفراط بحيث يداوم عليه صاحبه، وهذا يورث كثرة الضحك، وقسوة القلب، وإضاعة الأوقات، ويؤدي إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار، يقول عمر بن الخطاب - ﵁ -: (من كثر ضحكه قلَّت هيبته، ومن مزح استُخِفَّ به، ومن أكثر من شيء عُرف به) وقيل في منثور الحكم: (المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النار الحطب)، وقال بعض الحكماء: (من كثر مِزاحه زالت هيبته) (^٢).\nقال ابن عبد البر: (وقد كره جماعة من العلماء الخوض في المزاح، لما فيه من ذميم العاقبة، ومن التوصل إلى الأعراض، واستجلاب الضغائن، وإفساد الإخاء) (^٣).\nفإن كان مزاحًا خفيفًا لطيفًا بأدب واحترام، وفيه مؤانسة، وتطييب نفس المخاطب، وإذهاب السآمة عنه فلا بأس به إذا لم يطل زمنه.\nقال النووي: (المزاح المنهي عنه، هو الذي فيه إفراط، ويداوم عليه، فإنه يورث الضحك، وقسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله تعالى والفكر في مهمات الدين، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الحقد،\n_________\n(^١) \"الأذكار\" ص (٥٨٨).\n(^٢) \"روضة العقلاء\" ص (٨٠)، \"أدب الدنيا والدين\" ص (٢٧٠).\n(^٣) \"بهجة المجالس\" (٢/ ٥٦٩).","vol":"10","page":254},{"text":"ويسقط المهابة والوقار. فأما ما سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله - ﷺ - يفعله، فإنه - ﷺ - إنما كان يفعله في نادر من الأحوال لمصلحة، وتطييب نفس المخاطب ومؤانسته، وهذا لا منع منه قطعًا، بل هو سنّة مستحبة إذا كان بهذه الصفة، فاعتمد ما نقلناه عن العلماء، وحققناه في هذه الأحاديث، وبيان أحكامها، فإنه مما يعظم الاحتياج إليه، وبالله التوفيق) (^١).\n\n• الوجه الخامس: في الحديث نهي عن إخلاف الوعد وهو مقيد بمن هو عازم على إخلاف الوعد، وقد تقدم ذلك مبسوطًا عند شرح حديث أبي هريرة - ﵁ - رقم (١٤٩٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الأذكار\" ص (٥٢٠).","vol":"10","page":255},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1298>ما جاء في ذم البخل وسوء الخلق</span>\n١٥٠٨/ ٢١ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ: الْبُخْلُ، وسُوءُ الْخُلُقِ\". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفي سَنَدِهِ ضَعْفٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه التِّرمِذي في أَبواب \"البر والصلة\"، باب (ما جاء في البخل) (١٩٦٢)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٢٨٢) من طريق صدقة بن موسى، عن مالك بن دينار، عن عبد الله بن غالب الحُدَّاني (^١)، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكر الحديث.\nقال التِّرمِذي: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلَّا من حديث صدقة بن موسى)، وهذا الحديث تفرد به التِّرمِذي عن أصحاب الكتب الستة.\nوصدقة بن موسى ضعيف، قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: (ليس حديثه بشيء)، وقال أَبو حاتم: (لين الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به، ليس بالقوي)، وقال ابن معين -أيضًا- وأَبو داود والنَّسائي: (ضعيف). وقال ابن عدي: (ما أقرب صورته وصورة حديثه من حديث صدقة بن عبد الله الذي أمليت قبله، وبعض أحاديثه مما يتابع عليه، وبعضه لا يتابع عليه) (^٢).\n_________\n(^١) بضم الحاء وتشديد الدال نسبة إلى حُدَّان من الأزد، وعامتهم بصريون.\"الأنساب\" (٢/ ١٨٤).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٤٢٣)، \"الكامل\" (٤/ ٧٦).","vol":"10","page":256},{"text":"وقال الدَّارَقُطني: (متروك) (^١)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق له أوهام).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (خصلتان) مثنى خصلة وهي الصفة، وهي خلق في الإنسان يكون فضيلة أو رذيلة، وهو مبتدأ، والجملة بعده صفة مسوغة للابتداء بالنكرة، والخبر (البخل وسوء الخلق) وقيل: (خصلتان) خبر مقدم، و(البخل وسوء الخلق) مبتدأ مؤخر.\n\nقوله: (لا تجتمعان في مؤمن) هذا نفي بمعنى النهي؛ أي: نهي المؤمن أن يكون بخيلًا، وأن يسوء خلقه. والمراد بذلك اجتماعهما فيه مع بلوغ النهاية بحيث لا ينفك عنهما، ويوجد منه الرضا بهما، أما ما يحصل في أوقات نادرة ويندم ويلوم نفسه، أو تدعوه نفسه إلى ذلك، فينازعها فإنه بمعزل عن ذلك (^٢).\n\nقوله: (البخل) مصدر بَخُلَ -بفتح فضم- من باب قَرُبَ، ومن باب تعب، مصدره البَخَل بالفتح.\nوالبخل في الشرع: منع الواجب، وعند العرب: منع السائل مما يفضل عنده (^٣). وأشد درجات البخل أن يبخل الإنسان على نفسه مع الحاجة إليه.\n\nقوله: (وسوء الخلق) هو الوصف المضاد لحسن الخلق؛ أي: قبح السلوك والتعامل مع الآخرين من زوجة وولد وأخ وصديق وغير ذلك.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المؤمن الحق لا يتصف بهاتين الخصلتين الذميمتين، وهما: البخل وسوء الخلق وقبح التعامل مع الآخرين؛ لأن البخل لا يكون إلَّا من قلة الثقة بالله تعالى، والمؤمن واثق بربه، طامعٌ بفضله وعطائه، والبخل يجر إلى سوء الخلق، والمؤمن رحيب الصدر، حسن\n_________\n(^١) \"سؤالات البرقاني للدارقطني\" رقم (٢٢٦).\n(^٢) \"تحفة الأحوذي\" (٦/ ٩٧).\n(^٣) \"المصباح المنير\" ص (٣٨).","vol":"10","page":257},{"text":"الخُلُق، ويدل الحديث بالمفهوم على أن من اتصف بهما فقد نقص إيمانه؛ لأن من مقتضيات الإيمان أنَّه ينهى صاحبه عن سيئ الأخلاق، كما يأمره بالجود والكرم. والله تعالى أعلم.","vol":"10","page":258},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1299>ما جاء في أن إثم المتسابين على البادئ منهما</span>\n١٥٠٩/ ٢٢ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"المُسْتبَّانِ مَا قَالا، فَعَلَى الْبَادِئِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ المْظْلُومُ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"البر والصلة والآداب\"، باب (النهي عن السباب) (٢٥٨٧) من طريق العلاء، عن أبيه، عن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكره.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (المستبان) بتشديد الباء تثنية اسم الفاعل؛ أي: المتشاتمان، وهما اللذان يسب كل منهما الآخر.\nوالمستبان: مبتدأ أول، و(ما) مبتدأ ثانٍ، (فعلى البادئ) خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول، والمعنى: أن المتسابين إذا تسابا وتشاتما بكلام سيئ فإن الإثم على البادئ منهما (^١).\n\nقوله: (ما لم يعتد المظلوم) ما: مصدرية ظرفية؛ أي: مدة عدم اعتداء المظلوم، فإذا اعتدى المظلوم صار عليه الإثم، والمراد باعتدائه: تجاوزه حد الانتصار.\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أنَّه إذا وقع بين شخصين سباب\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٦/ ٥٦٦)، \"شرح رياض الصالحين\" (٦/ ٢٢١).","vol":"10","page":259},{"text":"ومشاتمة، فإن الإثم يكون على البادئ بالسباب، فيتحمل إثمه وإثم أخيه، وكل ما جرى بسببه فهو عليه، وليس على المجيب المنتصر لنفسه شيء من الإثم؛ لأنه مظلوم، والله تعالى قد أذن له في الانتصار ممن ظلمه، ومجازاة الساب بمثل ما سبّه به من غير زيادة على ذلك، كأن يقول الساب: أخزاك الله، فيقول له الآخر: بل أنت أخزاك الله … قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ [الشورى: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].\nوالأفضل من ذلك الصبر والصفح والعفو، قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. فإن زاد المجيب المنتصر في مجازاته وآذى الظالم بأكثر مما قاله صار ظالمًا ويتحمل إثم زيادته. والله تعالى أعلم.","vol":"10","page":260},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1300>التحذير من إلحاق المشقة بالمسلم أو إدخال الضرر عليه</span>\n١٥١٠/ ٢٣ - عَنْ أَبِي صِرْمَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ ضَارَّ مُسْلمًا ضَارَّهُ اللهُ، وَمَنْ شَاقَّ مُسْلِمًا شَقَّ اللهُ عَلَيهِ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو أَبو صرمة -بكسر الصاد وسكون الراء- بن أبي قيس الأنصاري المازني - من بني مازن بن النجار - مشهور بكنيته، مختلف في اسمه، فقيل: قيس بن مالك، وقيل: لبابة بن قيس، وقيل: مالك بن أسعد، وقيل غير ذلك، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد مع رسول الله - ﷺ -، روى عنه زياد بن نُعيم الحضرمي، ومحمد بن قيس المدني، ولؤلؤة مولاة الأنصار، وغيرهم، وكان شاعرًا محسنًا، ذكر ابن الأثير شيئًا من شعره (^١).\n\n• الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أَبو داود في كتاب \"الأقضية\"، (أَبواب القضاء) (٣٦٣٥)، والتِّرمِذي (١٩٤٠)، وأحمد (٢٥/ ٣٤) من طريق اللَّيث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن لؤلؤة، عن أبي صرمة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من ضارَّ ضارَّ الله به، ومن شاقَّ شاقَّ الله\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٢/ ٣)، \"أسد الغابة\" (٦/ ١٧٢)، \"تهذيب الكمال\" (٣٣/ ٤٢٦)، \"الإصابة\" (١١/ ٢٠٤)، \"فتح الباري\" (٤/ ١٥٥).","vol":"10","page":261},{"text":"عليه\"، هذا لفظ التِّرمِذي، وليس في المصادر المذكورة لفظة: (مسلمًا)، وذكر الشارح أنَّه جاء في رواية (^١).\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب)، وفي سنده: لؤلؤة، وهي مجهولة، ذكرها الحافظ الذهبي في \"المجهولات\" (^٢).\nوضعف هذا الحديث ابن القطان؛ لأنه يرى ضعف لؤلؤة؛ لتفرد محمد بن حبان بالرواية عنها، والمستور الذي يقبل خبره هو من روى عنه أكثر من واحد، أما من لم يرو عنه إلَّا واحد فلا يقبل (^٣).\n\n• الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من ضار مسلمًا) بتشديد الراء؛ أي: من أوصل ضررًا إلى مسلم وأدخل عليه مضرة في نفسه أو أهله أو ماله بغير حق، سواء أكان جارًا أم غيره.\n\nقوله: (ضارَّه الله) أي: أوقع به الضرر وجازاه من جنس ما فعل بأخيه، ومن ضاره الله ترحل عنه الخير وتوجه إليه الشر.\n\nقوله: (ومن شاق مسلمًا) بتشديد القاف؛ أي: أوصل مشقة وألحقها بمسلم من غير حق، وقيل: من المشاقة وهي المنازعة؛ أي: نازع مسلمًا ظلمًا وتعديًا.\n\nقوله: (شق الله عليه) أي: أدخل عليه ما يشق عليه.\nوالضرر والمشقة متقاربان، لكن الضرر يستعمل في إتلاف المال، والمشقة في إيصال الأذية إلى البدن؛ كتكليف عمل شاق (^٤).\n\n• الوجه الرابع: في الحديث دليل على تحريم الإيذاء وإدخال الضرر والمشقة على المسلم، سواء أكان ذلك في بدنه أو أهله أو ماله أو ولده، وأن من أدخل الضرر على المسلم فإن الله تعالى يجازيه من جنس عمله، سواء كان\n_________\n(^١) انظر: \"عون المعبود\" (١٠/ ٦٤).\n(^٢) \"الميزان\" (٤/ ٦١٠).\n(^٣) \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٥٥٠).\n(^٤) \"تحفة الأحوذي\" (٦/ ٧١).","vol":"10","page":262},{"text":"هذا الضرر بتفويت مصلحة من المصالح، أو بحصول مضرة بوجه من الوجوه، ومن ذلك التدليس والغش في المعاملات، وكتم العيوب، والخطبة على خطبة أخيه، أو خطبة الوظائف التي فيها أهل لها قائم بها.\nومن ذلك مضارة الشريك لشريكه والجار لجاره وأذيته بقول أو فعل، ومن ذلك -أيضًا- الإضرار بالزوجة إما بالميل عنها إلى الأخرى بما يضرها ويجعلها كالمعلقة، أو بمراجعتها -إن كانت مطلقة- بقصد الإضرار بها.\nوهذا الحديث وإن كان ضعيف الإسناد لكن ما يدل عليه من تحريم الإيذاء وإدخال الضرر مستفاد من أدلة أخرى ومن قواعد الشريعة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] وقال تعالى: ﴿أَوْ دَينٍ غَيرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨]، والضرر نوع من الظلم الذي حرمه الله تعالى على نفسه وجعله بين العباد محرمًا. والله تعالى أعلم.","vol":"10","page":263},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1301>ما جاء في ذم الفحش والبذاءة</span>\n١٥١١/ ٢٤ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّ اللهَ يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ\". أَخْرَجَهُ التّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه التِّرمِذي في أَبواب \"البر والصلة\"، بابٌ (في حسن الخلق) (٢٠٠٢) من طريق ابن أبي مليكة، عن يعلى بن مَمْلَكٍ، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيءَ\".\nقال التِّرمِذي: (هذا حديث حسن صحيح).\nوفي إسناده يعلى بن مملك، وقد ذكره البخاري في \"تاريخه\" ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (^١)، وقال النَّسائي: (ليس بذلك المشهور)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٢) والظاهر أنَّه في عداد المجاهيل؛ فإنه لم يُذكر في الرواة عنه غير ابن أبي مليكة، ولم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان (^٣) وقال الحافظ: (مقبول)، ومن قال عنه الحافظ: (مقبول)، فهو عند المتابعة، وقد تابعه عطاء الكيخاراني كما سيأتي - إن شاء الله - في خامس أحاديث (مكارم الأخلاق).\nوالجملة الأولى من الحديث سيذكرها الحافظ في باب (الترغيب في مكارم الأخلاق) وقد عزاها لأبي داود والتِّرمِذي، وسيأتي الكلام عليها.\n_________\n(^١) (٨/ ٤١٥).\n(^٢) (٥/ ٥٥٦)، (٧/ ٦٥٢).\n(^٣) \"الميزان\" (٤/ ٤٥٨)، \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٣٥٦).","vol":"10","page":264},{"text":"• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إن الله يبغض) هكذا في نسخ \"البلوغ\" بدون لام، وفي \"جامع التِّرمِذي\": (ليبغض) باللام، وقد ذكر الشارح أن النسخ جاءت بإثبات اللام وحذفها (^١).\nوالبغض: من صفات الله تعالى التي تُثبت لله تعالى على ما يليق بجلاله كما جاء في الكتاب والسنّة، قال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣]، والمقت أشد البغض (^٢)، وفي الحديث الصحيح: \"إن الله تعالى إذا أبغض عبدًا نادى جبريل إني أبغض فلانًا فأبغضه\" (^٣).\n\nقوله: (الفاحش) أي: ذو الفحش في كلامه وخصاله، يقال: فَحُشَ الشيء فُحْشًا مثل قبح قبحًا: إذا جاوز الحد فهو فاحش، وأفحش الرجل: أتى بالفحش، وهو الكلام السيئ فالفاحش: هو الذي يتكلم بالكلام القبيح، ويرسل لسانه بما لا ينبغي من السب والشتم والقذف والكذب وكل كلام يعد من اللغو الذي لا فائدة فيه.\n\nقوله: (البذيءَ) وصف على وزن فعيل، يقال: بذا على القوم يبذو بَذاءً - بالفتح والمد -: سَفِهَ وأفحش في منطقه وإن كان كلامه صدقًا فهو بذيٌّ، وامرأة بذية كذلك، ويجوز سكون الياء وبعدها همزة، وقد ضبطه المنذري بهذا، لكن ذكر ابن الأثير أن الهمز ليس بالكثير (^٤)، وعلى هذا المعنى فيكون تأكيدًا لما قبله، ويؤيد هذا سقوط العطف بينهما، لكن يشكل عليه الحديث الآتي.\nوقد ذهب بعض الشراح إلى أن المراد بالبذيء من لا حياء له، والذي يظهر لي - والله أعلم - أن الفحش لفظ عام يطلق على كل ما خرج عن مقداره\n_________\n(^١) \"تحفة الأحوذي\" (٦/ ١٤٠).\n(^٢) \"التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية\" ص (٨٥).\n(^٣) رواه مسلم (٢٦٣٧).\n(^٤) \"النهاية\" (١/ ١١١)، \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ٤٥٣)، \"المصباح المنير\" ص (٤١).","vol":"10","page":265},{"text":"حتَّى يُستقبح، وهذا يكون في القول والفعل والوصف، ولهذا يقولون: هو طويل فاحش الطول، واستعماله في القول أكثر، وعلى هذا فالفحش يتعلق بمقدار الكلام وزيادته عن المطلوب، والبذاءة تتعلق بالوصف وهو قبح الكلام وبذاءة اللسان.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الله تعالى يبغض من كان بهذا الوصف السيئ وهو أن يكون الإنسان فاحش القول بذيء الكلام؛ لأن هذه الصفات دليل على نقص الإيمان وعلى التساهل في الكلام وما يترتب عليه، فعلى المؤمن أن يحذر آفات اللسان، فإن اللسان صغير جِرْمُهُ عظيم طاعته وجُرْمُهُ، ومن تكلم في غير نفع ندم، ومن صمت نجا. قال يونس بن عبيد: (ما من الناس أحد يكون لسانه منه على بالٍ إلَّا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله) (^١). وقال إبراهيم النخعي: (يهلك الناس في خلتين: فضول المال، وفضول الكلام) (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الصمت\" ص (٧٠).\n(^٢) المصدر السابق ص (٩٠).","vol":"10","page":266},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1302>ما ينبغي للمؤمن أن يتنزه عنه</span>\n١٥١٢/ ٢٥ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁رَفَعَهُ-: \"لَيسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَانِ، وَلَا اللَّعَانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ\". وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقْفَهُ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه التِّرمِذي في أَبواب \"البر والصلة\"، باب (ما جاء في اللعنة) (١٩٧٧)، وأحمد (٦/ ٣٩٠)، والحاكم (١/ ١٢) من طريق محمد بن سابق، عن إسرائيل، عن الأعمَش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكر الحديث.\nقال التِّرمِذي: (هذا حديث حسن غريب، وقد روي عن عبد الله من غير هذا الوجه).\nوقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه).\nوفي إسناده محمد بن سابق التميمي مولاهم، متكلم فيه، فقد وثقه العجلي، وقال يعقوب بن سفيان: (كان شيخًا صدوقًا ثقة، وليس ممن يوصف بالضبط للحديث)، وقال النَّسائي: (لا بأس به)، وقال أَبو حاتم: (يكتب حديثه ولا يحتج به)، وقواه الإِمام أحمد، وضعفه ابن معين وابن القطان، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقد احتج به الشيخان، وذكر الحافظ أن","vol":"10","page":267},{"text":"البخاري روى له حديثًا واحدًا (^١).\nلكن في الحديث علة، فقد ضعفه أَبو بكر بن أبي شيبة فقال فيما نقله عنه الخطيب: (إن كان حفظه -يعني محمد بن سابق- فهو حديث غريب)، ثم نقل عن علي بن المديني أنَّه قال عن هذا الإسناد: (هذا منكر من حديث الأعمَش) (^٢)، ولعل التِّرمِذي بكلامه السابق يشير إلى هذا، ولما ترجم الذهبي في \"الميزان\" لابن سابق عدّ هذا الحديث مما ينكر عليه.\nوذكر الخطيب أنَّه رواه ليث بن أبي سليم، عن زبيد اليامي، عن أبي وائل، عن عبد الله إلَّا أنَّه وقفه ولم يرفعه، ولما ذكر الدَّارَقُطني الاختلاف في رفعه ووقفه قال: (الموقوف أصح) (^٣).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ليس المؤمن) أي: الكامل الإيمان، فالنفي للكمال لا لأصل الإيمان.\n\nقوله: (بالطعان) صيغة مبالغة من الطعن؛ أي: الكثير الطعن، يقال: طعنت عليه وفيه من باب قتل، ومن باب نفع لغة: قدحت وعبت، وهو طعان في أعراض الناس (^٤).\nفالطعان: هو كثير الوقوع في أعراض الناس بالذم والغيبة ونحوهما.\n\nقوله: (ولا باللعان) صيغة مبالغة من اللعن؛ أي: الكثير اللعن بحيث لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى إلَّا ويقرن ذلك باللعن.\nواللعن من الله: الطرد والإبعاد، ومن الخلق: السب والدعاء، لكن مفهوم الصيغة غير مراد؛ لأن اللعن محرم قليله وكثيره، وقد ثبت عن أبي\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٧/ ٢٨٣)، \"الثقات\" (٩/ ٦١)، \"تاريخ بغداد\" (٥/ ٣٤٠)، \"تهذيب الكمال\" (٢٥/ ٢٣٣)، \"الميزان\" (٣/ ٥٥٥)، \"هدي الساري\" ص (٤٣٩).\n(^٢) \"تاريخ بغداد\" (٥/ ٣٩٩).\n(^٣) \"العلل\" (٥/ ٩٢، ٩٣)، \"تاريخ بغداد\" (٥/ ٣٣٩).\n(^٤) \"المصباح المنير\" ص (٣٧٣).","vol":"10","page":268},{"text":"هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا ينبغي لصديق أن يكون لعانًا\" (^١). وعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة\" (^٢). وسيأتي شرحه - إن شاء الله تعالى -.\nولعل صيغة المبالغة فيها إيماء إلى أن الكامل من الناس قلّ أن يخلو عن المنقصة في الكلية؛ لأن غلبة الحال قد تحمل عليه أحيانًا.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنَّه ليس من صفات المؤمن الكامل الإيمان أن يكون كثير القدح والعيب في أعراض الناس، وليس من صفات المؤمن الكامل أن يكون كثير الشتم واللعن، بل إن قوة إيمانه تحمله على التحلي بمكارم الأخلاق، والبعد عن سيئها. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٥٩٧).\n(^٢) رواه مسلم (٢٥٩٨).","vol":"10","page":269},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1303>النهي عن سَبِّ الأموات</span>\n١٥١٣/ ٢٦ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تَسبُّوا الأمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا\". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث تقدم شرحه في \"الجنائز\" برقم (٥٩٧) وقد رواه البخاري في آخر كتاب \"الجنائز\"، باب (ما ينهى من سب الأموات) (١٣٩٣) من طريق الأعمَش، عن مجاهد، عن عائشة - ﵂ - به مرفوعًا.\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم سب الأموات والوقوع في أعراضهم، وأن هذا من مساوئ الأخلاق؛ لأن النهي في قوله: \"لا تسبوا\" للتحريم كما هو الأصل في النهي، وقد استدل بالحديث من منع سب الأموات مطلقًا، سواء أكان الميت مسلمًا أم كافرًا، عدلًا أم فاسقًا، بناءً على أن (أل) للاستغراق.\nوقال آخرون: إن الحديث مختص بأموات المسلمين، وأن (أل) في (الأموات) عهدية وليست استغراقية؛ لأن الكفار ممن يُتقرب إلى الله بسبهم، ولأنه قال: \"قد أفضوا إلى ما قدموا\" وهذا فيه إشعار بأن المراد المسلم.\nوذهب فريق ثالث إلى التفصيل في المسألة، وهو أن أموات الكفار يجوز ذكر مساوئهم بشرط ألا يتأذى به قريبه الحي المسلم، فإن كان لا يتأذى بسببه أحد، أو كان الكافر مؤذيًا للمسلمين متعرضًا لحرماتهم فلا مانع من سبه.","vol":"10","page":270},{"text":"وأما المسلم فلا يجوز سبه والوقوع في عرضه؛ لأن له حرمة، وهذا من باب الغيبة، إلَّا إن كان فاسقًا وظهرت مصلحة راجحة في سبه، فإنه يجوز ذكر مساوئه للتحذير منه والتنفير عنه، لا لقصد سب الميت، ولكن لقصد تنفير الأحياء عنه وتحذيرهم منه، وقد ورد ما يدل على ذلك كحديث أَنس الآتي.\nوقد أجمع العلماء على جواز جرح المجروحين من الرواة أحياءً أو أمواتًا؛ لأن المصلحة في حفظ السنّة تقتضي ذلك، فإن لم يكن مصلحة وجب الكف عنه؛ لأنه أفضى إلى ما قدم.\nفإن قيل: ما الجمع بين هذا الحديث وبين حديث أَنس - ﵁ - قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي - ﷺ -: \"وجبت\" ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًّا، فقال: \"وجبت\" فقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: ما وجبت؟ فقال: \"هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنَّة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض\" (^١).\nفالجواب: أن العلماء اختلفوا في هذا الإشكال على أجوبة عدة .. فقيل: إن حديث أَنس - ﵁ - محمول على ما قبل الدفن، وحديث الباب على ما بعده، وذلك ليتعظ فُسَّاق الأحياء، فإذا صار إلى قبره أُمسك عنه لإفضائه إلى ما قدم، وقيل: إن الذي أُثني عليه بالشر كان معلنًا به ولا غيبة له، وقيل: إن النهي متأخر فيكون ناسخًا، وضعفه الحافظ ابن حجر ﵀ (^٢).\n\n• الوجه الثالث: أشار الحديث إلى الحكمة التي من أجلها نهي عن سب الأموات، وهي أنهم قد أفضوا ووصلوا إلى ما عملوا من خير أو شر، فلا ينفع سبهم فيهم، كما ينفع في الحي؛ لأن الحي ينزجر ويرتدع عن المعصية إذا انْتُقد فيها ويحذر الناس منه، وأما بعد موته فقد أفضى إلى ما قدم.\nوالحكمة الثانية: أن سب الأموات قد يفضي إلى إيذاء الأحياء من\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٩٤٩).\n(^٢) انظر: \"المفهم\" (٢/ ٦٥٧)، \"فتح الباري\" (٣/ ٢٥٨).","vol":"10","page":271},{"text":"أقاربهم، كما في حديث المغيرة: \"لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء\" (^١). ولا يفهم من ذلك جواز سب الأموات عند عدم تأذي الأحياء كمن لا قرابة له، أو له قرابة ولكن لا يبلغهم ذلك؛ لأن سب الأموات منهي عنه للحكمة الأولى، فإذا أدى إلى أذية الأحياء كان محرمًا من جهتين.\nوالحكمة الثالثة: أن سب الأموات من باب الغيبة التي وردت الآيات والأحاديث بتحريمها، كما تقدم؛ لأن قوله - ﷺ -: \"الغيبة ذكرك أخاك بما يكره\" يدخل فيه الحي والميت، وقد بوَّب البخاري في كتابه \"الأدب المفرد\"، باب (الغيبة للميت) (^٢). قال ابن بطَّال: (سب الأموات يجري مجرى الغيبة في الأحياء) (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم شرحه في \"الجنائز\" برقم (٥٩٨).\n(^٢) (٢/ ٢٠٢).\n(^٣) \"شرح ابن بطَّال على صحيح البخاري\" (٣/ ٣٥٤).","vol":"10","page":272},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1304>ما جاء في التحذير من النميمة</span>\n١٥١٤/ ٢٧ - عَنْ حُذَيفَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأدب\"، باب (ما يكره من النميمة) (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥) من طريق منصور، عن إبراهيم، عن همام قال: كنا مع حذيفة -﵁-، فقيل له: إن رجلًا رفع الحديث إلى عثمان، فقال حذيفة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا يدخل الجنَّة قتات\" هذا لفظ البخاري.\nورواه مسلم -أيضًا - (١٦٨) من طريق واصل الأحدب، عن أبي وائل، عن حذيفة - ﵁ - بلفظ: \"لا يدخل الجنَّة نمّام\".\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا يدخل الجنَّة) تقدم الكلام على هذه الجملة عند الحديث و(١٤٦٤) من هذا الجزء.\n\nقوله: (قتات) بالفتح والتشديد صيغة مبالغة، وأُتي بصيغة المبالغة لعظم الوعيد، وإلا فأصل النَّمِّ منهي عنه؛ لأنه من الكبائر (^١)، كما سيأتي، والقتات من قَتَّ يَقُتُّ قتًا: إذا نمَّ، فالقتات هو النمام، كما في الرواية الأخرى (^٢).\n_________\n(^١) \"دليل الفالحين\" (٤/ ٣٧٤).\n(^٢) \"اللسان\" (٢/ ٧٠).","vol":"10","page":273},{"text":"وقال ابن الأثير: قَتَّ الحديث: إذا زوَّره وهيأه وسواه (^١). وعلى هذا فالقتات والنمام بمعنى واحد، وهو الذي ينقل الكلام من شخص إلى آخر بقصد الإفساد، وقيل: بينهما فرق لطيف، وهو أن النمام يكون مع القوم يتحدثون، فينم عليهم، ويكشف من حديثهم ما يكرهون كشفه، والقتات هو الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون به، ثم ينم وينقل حديثهم (^٢).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم النميمة وعظم شأنها وأنها من كبائر الذنوب؛ لما فيها من الإفساد وما يترتب عليها من المضار، فهي تزيل كل محبة، وتبعد كل مودة، وتقطع التآخي والتآلف، وتجلب الخصام والنفور، وتذكي نار العداوة بين المتصافيين، وتفرق المجتمعات وتفسدها، وكلما عظم أمرها واشتد خطرها، كان إثمها أعظم وجرمها أكبر، فهي بين الأقارب وذوي الأرحام والجيران أشد منها بين الناس البعيدين.\nوقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على تحريمها والوعيد في حق متعاطيها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨]، وقال تعالى: \" ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم: ١١]، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨].\nوعن ابن عبَّاس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - مر بقبرين فقال: \"إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله\" (^٣).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: إن محمدًا على قال: \"ألا أنبئكم ما العَضْهُ؟ النميمة القالة بين الناس\" (^٤). والعَضْهُ: بفتح العين وسكون الضاد بوزن الوجه على الأشهر في كتب الحديث، مصدر عَضَهَ يَعْضَهُ عَضْهًا بمعنى\n_________\n(^١) \"النهاية\" (٤/ ١١).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٧٣).\n(^٣) رواه البخاري (١٢٨٩)، ومسلم (٤٣٩).\n(^٤) رواه مسلم (٢٦٠٦).","vol":"10","page":274},{"text":"كذب وسحر ونمَّ، فالمراد بها هنا السحر، ويجوز كسر العين وفتح الضاد على وزن العِدَة - وهو الأشهر في كتب اللغة - قال الكسائي: العِضَة: الكذب والبهتان (^١).\n\nوقوله: (القالة) تفسير للنميمة؛ أي: نقل القول وإيقاع الخصومة بين الناس، وهذا يدل على أن النميمة نوع من أنواع السحر في المعنى؛ لأنها تفعل ما يفعل الساحر من التفريق بين القلوب والإفساد بين الناس، ولهذا ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا الحديث في كتاب \"التوحيد\" في باب (بيان شيء من أنواع السحر).\nوالواجب على المؤمن أن يحذر أشد الحذر من هذه الخصلة الذميمة، وألا يأذن لأحد أن يتكلم بالنميمة في مجلسه، فضلًا أن يقع فيها هو، فقد قال الحسن البصري: (من نَمَّ إليك نَمَّ عليك) (^٢)، وعليك ألا تصدق نمامًا لأنه فاسق، وأن تنهاه وتنصحه وتقبح فعله وأن تبغضه في ذات الله تعالى، وألا تظن بأخيك الغائب سوءًا، فإن الظن أكذب الحديث. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"مختار الصحاح\" ص (٤٣٩).\n(^٢) \"الإحياء\" (٣/ ١٦٦).","vol":"10","page":275},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1305>ما جاء في فضل من كَفَّ غضبه</span>\n١٥١٥/ ٢٨ - عَنْ أنَّسٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ، كَفَّ اللهُ عَنْهُ عَذَابَهُ\". أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي \"الأَوْسَطِ\".\n١٥١٦/ ٢٩ - وَلَهَ شَاهِدٌ: مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عِنْدَ ابْنِ أبِي الدُّنْيَا.\n\n• الكلام عليهما من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nحديث أَنس - ﵁ - رواه العقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ٤) والطبراني في \"الأوسط\" (١٨٩/ ٢) من طريق هلال بن بشر قال: حدَّثنا عبد السلام بن هاشم البزاز، عن خالد بن بُرْدٍ، عن قَتَادة، عن أَنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من دفع غضبه دفع الله عنه عذابه، ومن حفظ لسانه ستر الله عورته\".\nوهذا سند ضعيف جدًّا؛ لضعف خالد بن برد، ولما ذكر البخاري في \"تاريخه\" هذا الحديث في ترجمة خالد بن برد قال: (لا يتابع عليه) (^١)، وقال العقيلي: في حديثه اضطراب. وقال الذهبي: (مجهول، وعنه عبد السلام بن هاشم بخبر منكر). وقال في ترجمة عبد السلام: (الأعور، شيخ مقل، حدث بعد المائتين، قال أَبو حاتم: ليس بالقوي، وقال عمرو بن علي الفلاس: لا أقطع على أحد بالكذب إلَّا عليه) (^٢).\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١٤١).\n(^٢) \"الميزان\" (١/ ٦٢٨) (٢/ ٦١٩).","vol":"10","page":276},{"text":"ورواه العقيلي -أيضًا- من طريق سليمان بن داود والحسن بن بحر اللؤلؤي، قالا: حدَّثنا عبد السلام بن هاشم، قال: حدَّثنا خالد بن برد، عن أبيه، عن أَنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - نحوه، وزاد: \"من اعتذر إلى أخيه قبل الله معذرته\" قال العقيلي: (هذا أولى).\nورواه ابن أبي شيبة في \"مسنده\" كما في \"المطالب العالية\" (١٣/ ١٧٨)، - ومن طريقه أَبو يعلى (٤٣٣٨)، والبيهقي في \"الشعب\" (١٤/ ٤١٦ - ٤١٧) - عن زيد بن الحباب، عن الربيع بن سليم، عن أبي عمرو - وهو مولى أَنس بن مالك - أنَّه سمع أَنس بن مالك - ﵁ - يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"من خزن لسانه ستر الله عورته، ومن كف غضبه كف الله عنه عذابه، ومن اعتذر إلى الله قبل الله منه عذره\".\nوهذا سند ضعيف جدًّا، في إسناده الربيع بن سليم الكوفي، قال الأزدي: (منكر الحديث)، وقال ابن معين: (ليس بشيء)، وقال أَبو حاتم: (شيخ)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^١).\nوفيه أَبو عمرو مولى أَنس بن مالك غير معروف، ذكره ابن أبي حاتم بهذه الرواية ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (^٢). وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا الحديث فقال: (هذا حديث منكر) (^٣).\nوالحديث له طرق أخرى كلها ضعيفة، وقد ذكر ابن كثير في \"تفسيره\" وقال: (هذا حديث غريب، وفي إسناده نظر) (^٤).\nوأما حديث ابن عمر - ﵄ - فقد رواه ابن أبي الدنيا في كتاب \"الصمت وآداب اللسان\" رقم (٢١) من طريق المغيرة بن إبراهيم، عن هشام بن\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٤٦٣)، \"الثقات\" (٦/ ٢٩٩).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٤٦٣) (٩/ ٤١٠)، \"بيان الوهم والإيهام\" (٤/ ٦٢٧).\n(^٣) \"العلل\" (١٩١٩) وقد وقع في سياق الإسناد عند ابن أبي حاتم اختلاف فراجعه.\nوانظر: \"المطالب العالية\" (١٣/ ١٧٩).\n(^٤) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ١٠٠).","vol":"10","page":277},{"text":"إبراهيم، عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من كف لسانه ستر الله - ﷿ - عورته، ومن ملك فضبه وقاه الله - ﷿ - عذابه، ومن اعتذر إلى الله - ﷿ - قَبِل الله عذره\".\nوهذا سند ضعيف جدًّا، فيه هشام بن أبي إبراهيم، ولا يحتمل تفرده عن أصحاب ابن عمر - ﵄ -. وقد ترجم له البخاري في \"تاريخه\" (^١)، وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (^٢) باسم هشام بن أبي إبراهيم، وقد ذكر المحقق أنَّه في إحدى النسخ: (هشام بن إبراهيم). قال عنه أَبو حاتم: (مجهول)، وكذا قال الذهبي (^٣)، ولما عزاه العراقي في \"تخريج الإحياء\" إلى ابن أبي الدنيا قال: (إسناده حسن) (^٤)، وهذا فيه نظر؛ لما تقدم.\nوللحديث شاهد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من ملك لسانه ستر الله عورته، ومن ملك غضبه كف الله - ﷿ - عنه عذابه … \" رواه البيهقي في \"الشعب\" (١٤/ ٤١٨).\nوفيه القاسم بن مهران قال عنه الحافظ: (شيخ مستور)، وقال في \"تعجيل المنفعة\": (ليس بمشهور) (^٥)، وقال الذهبي: (لا يعرف) (^٦).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل من كف غضبه عند حدوث أسبابه ودواعيه ومنعه من الاسترسال إلى طلب الانتقام ورد الفعل والتشفي، وقد مضى الكلام في هذا. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) (٨/ ١٩٢).\n(^٢) (٩/ ٥٣).\n(^٣) \"الميزان\" (٤/ ٢٩٥).\n(^٤) \"الإحياء\" (٣/ ١١٠).\n(^٥) ص (٣٤١).\n(^٦) \"الميزان\" (٣/ ٣٨٠).","vol":"10","page":278},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1306>ما جاء في بعض مساوئ الأخلاق</span>\n١٥١٧/ ٣٠ - عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ خِبٌّ، وَلَا بَخِيلٌ، وَلَا سَيِّئ المَلَكَةِ\". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفَرَّقَهُ حَدِيثَينِ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث فرّقه التِّرمِذي في حديثين، الأول في \"أَبواب البر والصلة\"، باب (ما جاء في الإحسان إلى الخدم) (١٩٤٦) من طريق همام بن يحيى، عن فرقد السَّبَخِي، عن مرة، عن أبي بكر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يدخل الجنَّة سيئ الملكة\".\nقال التِّرمِذي: (هذا حديث غريب، وقد تكلم أيوب السختياني وغير واحد في فرقد السبخي من قبل حفظه).\nوروى الحديث الثاني في باب (ما جاء في البخل) (١٩٦٣) من طريق صدقة بن موسى، عن فرقد السبخي، عن مرة الطيب، عن أبي بكر الصديق - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يدخل الجنَّة خِبٌّ ولا منَّان ولا بخيل\".\nقال التِّرمِذي: (هذا حديث حسن غريب).\nوالحديث مداره على فرقد بن يعقوب السبخي (^١)، وقد ضعفه أيوب وابن معين والبخاري وأَبو حاتم والنَّسائي ويعقوب بن شيبة وآخرون (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (٢٣٦٧).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٢٣٦).","vol":"10","page":279},{"text":"وقال عبد الله ابن الإِمام أحمد: سألت أبي عن فرقد السبخي، فقال: ليس هو بقوي في الحديث، قلت: هو ضعيف؛ قال: هو ليس بذاك (^١). وذكر ابن عدي في \"الكامل\" هذا الحديث من مناكير فرقد (^٢)، وفي الحديث الثاني صدقة بن موسى الدقيقي أَبو المغيرة ضعيف أيضًا. قال ابن معين: (ليس حديثه بشيء). وقال التِّرمِذي: (ليس عندهم بذاك القوي)، وقال أَبو حاتم: (لين الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به، ليس بقوي). وقال ابن حبان: (كان شيخًا صالحًا إلَّا أن الحديث لم يكن من صناعته) (^٣).\nوفي الحديث علة أخرى وهي الانقطاع؛ لأن مرة الطيب لم يدرك أبا بكرٍ -﵁-، فقد قال البزار: (روايته عن أبي بكر مرسلة، ولم يدركه) وقال أَبو زرعة وأَبو حاتم: (حديثه عن عمر مرسل) (^٤). وقال أَبو حاتم مرةً: (لم يدرك عمر) (^٥). وقال العلائي: (وقد روى عن أبي بكر، فيكون مرسلًا أيضًا) (^٦).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (لا يدخل الجنَّة) تقدم الكلام على هذه الجملة عند الحديث (١٤٦٤) من هذا الجزء.\n\nقوله: (خب) بفتح الخاء وكسرها (^٧) وتشديد الباء الموحدة، هو الرجل الخداع الذي يفسد بين الناس بالخداع، وفعله خَبَّ خَبًّا من باب قتل، ورجل خَبٌّ من التسمية بالمصدر.\n\nقوله: (ولا سيئ الملكة) بفتح الميم واللام بمعنى المُلك، وهو مصدر مَلَكَهُ يَمْلِكُهُ مِلْكًا - مثلثة - ومَلَكَةً - محركة - ومَمْلُكَةً بضم اللام أو يثلث: احتواه قادرًا على الاستبداد به (^٨). قال ابن الأثير: (يقال: فلان حسن الملكة\n_________\n(^١) \"العلل ومعرفة الرجال\" (١/ ٣٨٤). وانظر: \"الموقظة\" للذهبي ص (٣٥).\n(^٢) (٦/ ٢٧).\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٤٣٢)، \"المجروحين\" (١/ ٤٧٣)، \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٦٧).\n(^٤) \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٨٠).\n(^٥) \"المراسيل\" ص (٢٠٨).\n(^٦) \"تحفة التحصيل\" ص (٢٩٩).\n(^٧) \"مختار الصحاح\" ص (١٦٧).\n(^٨) \"ترتيب القاموس\" (٤/ ٢٨١).","vol":"10","page":280},{"text":"إذا كان حسن الصنع إلى مماليكه، وسيئ الملكة؛ أي: الذي يسيء صحبة المماليك) (^١).\n\n• الوجه الثالث: في الحديث تحذير من هذه الأخلاق السيئة والصفات الذميمة.\nالصفة الأولى: أن يكون الإنسان خداعًا محتالًا، لا يعيش إلَّا بالخديعة، ولا يمشي إلَّا بالحيلة، فيأكل أموال الناس بطرق من الخداع، من الكذب والتدليس، أو يفسد بين المرء وزوجه أو بين الناس عمومًا، أو يخادع الناس بالمصاهرة منهم، فيظهر الدين والغنى والخصال المرغبة في إجابة خطبته وهو ليس كذلك.\nالثانية: أن يكون الإنسان بخيلًا، والبخل صفة ذميمة لا تجتمع مع الإيمان، وهو دليل على سوء الظن بالله تعالى، وعلى قلة العقل، وسوء التدبير، وما أحسن قول حبيش بن مُبَشِّر الثقفي الفقيه: (قعدت مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والناس متوافرون، فأجمعوا أنهم لا يعرفون رجلًا صالحًا بخيلًا) (^٢).\nالثالثة: أن يكون مسيئًا إلى مماليكه ومن تحت يده من عَمالة ونحوهم، فيكلفهم من العمل ما يشق عليهم، أو يترك الإنفاق عليهم، أو يماطلهم في القيام بحقوقهم وأداء أجرتهم، ومثل المماليك البهائم التي تحت يده، فيقصر عليها في إطعامها وسقيها، أو عدم وضعها في مكان يحميها من شدة الحر وشدة البرد، وقد مضى ما يتعلق بهذا في \"النفقات\". والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"النهاية\" (٤/ ٣٥٨).\n(^٢) \"الإحياء\" (٣/ ٢٥٦).","vol":"10","page":281},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1307>ما جاء من الوعيد في تَسَمُّعِ حديث الآخرين</span>\n١٥١٨/ ٣١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ تَسَمَّعَ حَدِيثَ قَوْمٍ، وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، صُبَّ فِي أُذُنيهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". يَعْنى: الرَّصَاصُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"التعبير\"، باب (من كذب في حُلُمِهِ) (٧٠٤٢) من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: \"من تحلم بحُلُمٍ لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون أو يفرون منه صُبَّ في أذنيه الآنك يوم القيامة، ومن صوَّر صورة عذب وكلّف أن ينفخ فيها وليس بنافخ\".\n\n• الوجه الثاني: في شرح الفاظه:\n\nقوله: (من تسمّع) هكذا في نسخ \"البلوغ، والذي في البخاري: (استمع)، ثم رأيت لفظ (تسمع) عند الإِمام أحمد في \"المسند\" (^١). وتسمع: فعل ماض من باب التفعل الذي يفيد معنى القصد والتكلف، والمعنى: من اجتهد وتكلف في استماع حديث قوم، بحيث يكون مختفيًا مسترقًا.\n\nقوله: (وهم له كارهون) جملة حالية، وصاحب الحال فاعل (تَسَمَّعَ)، ويجوز أن يكون صفة لقوم، والواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف؛ لأن الكراهة حاصلة لا محالة، وخرج بهذا الوصف من كان راضيًا فلا يأتي فيه\n_________\n(^١) (٤/ ٩٠).","vol":"10","page":282},{"text":"هذا الوعيد، أما من جهل ذلك فيمتنع حسمًا للمادة (^١).\n\nقوله: (يعني الرصاص) هذا تفسير من الحافظ إذ ليس في سياق الحديث.\n\nقوله: (صب) بضم الصاد مبنيًّا لما لم يسم فاعله؛ أي: أفرغ وألقي.\n\nقوله: (الآنك) بمد الهمزة وضم النون، هو الرصاص المذاب.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث وعيد شديد لمن يسمع حديث قوم وهم لا يحبون أن يسمع حديثهم، وأن هذا من الأخلاق السيئة التي هي من كبائر الذنوب لثبوت هذا الوعيد العظيم، ومثل هذا لا يكون إلَّا على كبيرة، والجزاء من جنس العمل؛ لأنه لما تسمع بأذنه عوقب فيها، وتعرف الكراهة بالتصريح أو بالقرائن كإغلاق الباب أو خفض الصوت.\nوهذا من أدب المجالسة ومن حماية الإسلام لحقوق الناس، والغالب أن هذا الخلق الذميم يكون في حال المفاجأة عندما يتناجى اثنان، أو يتسمع كلام الناس في وسائل الاتصال كالهاتف. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فح الباري\" (١٢/ ٤٢٨)، \"دليل الفالحين\" (٤/ ٣٨٢).","vol":"10","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1308>فضل من شغله عيبه عن عيوب الناس</span>\n١٥١٩/ ٣٢ - عَنْ أنَّسٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ\". أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بإسْنادٍ حَسَنٍ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البزار (١٢/ ٣٤٨)، وابن عدي في \"الكامل\" (٧/ ٨١) من طريق الوليد بن المهلب، ثنا النضر بن مُحْرِز الأزدي، عن محمد بن المنكدر، عن أَنس - ﵁ - قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - على ناقته العضباء، وليست بالجدعاء، فقال: \"يا أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق فيها على غيرنا قد وجب … \" وساق الحديث إلى أن قال: \"طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وتواضع لله في غير منقصة … \" وذكر تمام الحديث.\nوهذا سند ضعيف جدًّا، فيه الوليد بن المهلب الأزدي، قال عنه ابن عدي: (أحاديثه فيها بعض النكرة). وقال الذهبي: (لا يعرف، وله ما ينكر) (^١)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٢).\nوفيه النضر بن محرز، قال فيه أَبو حاتم: (مجهول). وقال ابن حبان: (منكر الحديث جدًّا، لا يجوز الاحتجاج به، وهو الذي روى عن محمد بن المنكدر عن أَنس …) وذكر الحديث (^٣). وقال الذهبي: (هذا حديث واهي\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٧/ ٨١)، \"الميزان\" (٤/ ٣٤٩)، وانظر: \"لسان الميزان\" (٨/ ٣٩١).\n(^٢) (٩/ ٢٢٦).\n(^٣) \"المجروحين\" (٢/ ٣٩٢).","vol":"10","page":284},{"text":"الإسناد، فالنضر قال أَبو حاتم: مجهول، والوليد لا يعرف، ولا يصح لهذا المتن إسناد) (^١). وقال الحافظ ابن حجر: (المتن موضوع، وهو من كلام الحسن) (^٢)، وبهذا يتبين أن حكم الحافظ عليه - هنا - بحسن الإسناد ليس في محله.\n\n• الوجه الثاني: في هذا الحديث توجيه رشيد وحث للإنسان على أن يشغل وقته بإصلاح نفسه وذلك بالتحلي بمكارم الأخلاق، والتخلي عن رذائل الذنوب والمعوقات عن السير إلى الله تعالى، والاستعداد للدار الآخرة، ولا ريب أن من تخلى عن مساوئ الأخلاق فإنه يتحلى بمكارم الأخلاق.\nهذا هو المنهج السليم والسلوك المستقيم الذي يسلم فيه الإنسان من الاشتغال بعيوب الناس وتتبّع عوراتهم. والحديث وإن كان إسناده ضعيفًا جدًّا لكن معناه صحيح، دلّت عليه عمومات الشريعة.\nولابن القيم كلمة قيمة يوضح فيها صفات السائر إلى الله وإلى الدار الآخرة فيقول: (طالب النفوذ إلى الله والدار الآخرة - بل وإلى كل علم، وصناعة، ورئاسة بحيث يكون رأسًا في ذلك، مقتدى به فيه - يحتاج أن يكون شجاعًا مقدامًا، حاكمًا على وهمه، غير مقهور على سلطان تَخَيُّله، زاهدًا في كل ما سوى مطلوبه، عاشقًا لما توجه إليه، عارفًا بطريق الوصول إليه، والطرق القواطع عنه، مقدام الهمة، ثابت الجأش، لا يثنيه عن مطلوبه لوم لائم، ولا عذل عاذل، كثير السكون، دائم الفكر، غير مائل مع لذة المدح ولا ألم الذم، قائمًا بما يحتاج إليه من أسباب معونته، لا تستفزه المعارضات، شعاره الصبر، وراحته التعب، محبًّا لمكارم الأخلاق، حافظًا لوقته، لا يخالط الناس إلَّا على حذر، كالطائر الذي يلتقط الحب بينهم، قائمًا على نفسه بالرغبة والرهبة، طامعًا في نتائج\n_________\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٥٥٧).\n(^٢) \"مختصر زوائد مسند البزار\" (٢/ ٤٥٥).","vol":"10","page":285},{"text":"الاختصاص علي بني جنسه، غير مرسلٍ شيئًا من حواسه عبثًا، ولا مسرحًا خواطره في مراتب الكون.\nوملاك ذلك هجر العوائد، وقطع العلائق الحائلة بينك وبين المطلوب) (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفوائد\" ص (٢٧٨).","vol":"10","page":286},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1309>ما جاء في ذم التكبُّر</span>\n١٥٢٠/ ٣٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ تَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ، وَاخْتَال فِي مِشْيَتِهِ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيهِ غَضْبَانُ\". أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (١٠/ ٢٠٠)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٥٤٩)، والحاكم (١/ ٦٠) من طريق يونس بن القاسم الحنفي اليمامي، سمعت عكرمة بن خالد المخزومي يقول: سمعت ابن عمر - ﵄ - يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: … وذكر الحديث.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه). أما الذهبي فقال: (على شرط مسلم)، وهذا فيه نظر، فإن يونس بن القاسم لم يخرج له الشيخان شيئًا من روايته عن عكرمة بن خالد، وإنما روى له البخاري في \"الأدب\" (^١).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من تعاظم نفسه) لفظ الحاكم: \"ما من رجل يتعاظم\" وصيغة (تفاعل) ليست على بابها، وإنَّما هي من باب فَعَلَ مثل: توانيت بمعنى وَنَيتُ مع المبالغة، فتعاظم بمعنى عَظُمَ في نفسه.\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب الكمال\" (٣٢/ ٥٣٧).","vol":"10","page":287},{"text":"وعند أحمد والبخاري في \"الأدب المفرد\": \"من تعظم\" والمعنى: من تكبّر واعتقد في نفسه أنَّه عظيم يستحق التعظيم فوق ما يستحق غيره، وهذا التعاظم منشؤه من الكبر الذي هو استعظام النفس ورؤية قدرها فوق قدر الغير، والكبر نوعان: كبر على الحق، وكبر على الخلق، كما قال النبي - ﷺ -: \"الكبر بطر الحق، وغمط الناس\" (^١).\n\nقوله: (واختال في مشيته) أي: تبختر وأظهر التكبّر.\n\n• الوجه الثالث: في الحديث ذم التكبّر والتعاظم، وأن هذا من مساوئ الأخلاق التي ينبغي للمؤمن أن يتنزّه عنها، وأن يتصف بالتواضع ولين الجانب، وأن يعرف قدر نفسه، وأن يتأمل عيوبه، والكبر خلق مذموم، جعل الله تعالى جزاءه الطرد من رحمته. قال - ﷺ -: \"لا يدخل الجنَّة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر\" (^٢)، وعن حارثة بن وَهْب - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" .. ألا أخبركم بأهل النار؛ كل عُتُلٍّ جَوَّاظ مستكبر\" (^٣) وعن أبي سعيد وأَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قالا: قال رسول الله - ﷺ -: \"العِزُّ إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته\" (^٤)، إن المتكبر بعيد عن الخير، قريب من الشر، لا ينقاد للحق، ولا يكظم الغيظ، قد تسبب في بغض الناس له وتفرقهم عنه. قال الحسن: \"من خَصَفَ نعليه ورَقَعَ ثوبه، وعفَّر وجه لله - ﷿ - فقد برئ من الكبر) (^٥). وقال محمد بن الحسين بن علي: (ما دخل قلب امرئ شيءٌ من الكبر قط إلَّا نقص من عقله بقدر ما دخل من ذلك، قلّ أو كَثُر) (^٦).\nوقال الأحنف بن قيس: (عجبًا لابن آدم يتكبر وقد خرج من مجرى البول مرتين) (^٧).\nولابن القيم كلمة قيمة في منشأ الكبر وصفات المتكبر فهو يقول: (الكبر\n_________\n(^١) رواه مسلم (٩١).\n(^٢) تقدم تخريجه في الذي قبله.\n(^٣) رواه البخاري (٤٩١٨)، ومسلم (٢٨٥٣).\n(^٤) رواه مسلم (٢٦٢٠).\n(^٥) \"التواضع\" (٢٥٦).\n(^٦) \"الإحياء\" (٣/ ٣٥٩).\n(^٧) \"التواضع\" ص (٢٥١)، \"الإحياء\" (٣/ ٣٥٨).","vol":"10","page":288},{"text":"أثر من آثار العُجْبِ والبغي من قلبٍ قد امتلأ بالجهل والظلمِ، وترحلت منه العبودية، ونزل عليه المقت، فنظره إلى الناس شَزَرٌ، ومشيه بينهم تبختر، ومعاملته لهم معاملة الاستئثار لا الإيثار ولا الإنصاف، ذاهب بنفسه تيهًا، لا يبدأ من لقيه بالسلام، وإن رد عليه رأى أنَّه قد بالغ في الإنعام عليه، لا ينطلق لهم وجهه، ولا يسعهم خلقه، ولا يرى لأحد عليه حقًّا، ويرى حقوقه على الناس، ولا يرى فضلهم عليه، ويرى فضله عليهم، ولا يزداد من الله إلَّا بعدًا، ومن الناس إلَّا صغارًا أو بغضًا) (^١).\nوبما أن الكبر ضده التواضع، فإنه سيأتي الكلام على التواضع في باب \"الترغيب في مكارم الأخلاق\" - إن شاء الله - والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الروح\" ص (٣١٦).","vol":"10","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1310>ما جاء في ذَمِّ العَجَلَةِ</span>\n١٥٢١/ ٣٤ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيطَانِ\". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَال: حَسَن.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه التِّرمِذي في أَبواب \"البر والصلة\"، باب (ما جاء في التأني والعجلة) (٢٠١٢) من طريق عبد المهيمن بن عبَّاس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الأَناةُ من الله، والعجلة من الشيطان\".\nوقد اختلفت نسخ التِّرمِذي في الحكم على هذا الحديث ففي بعضها: (حسن غريب) وهو الذي ذكره المزي (^١)، وفي بعضها: (هذا حديث غريب، وقد تكلم أهل العلم في عبد المهيمن بن عبَّاس بن سهل وضعفه من قبل حفظه).\nفالحديث ضعيف جدًّا من أجل عبد المهيمن، فقد قال البخاري وأَبو حاتم: (منكر الحديث). وقال النَّسائي: (ليس بثقة). وفي موضع آخر: (متروك الحديث). وقال الساجي: (عنده نسخة عن أبيه عن جده فيها مناكير) (^٢).\nوقد جاء معنى هذا الحديث فيما رواه أَبو يعلى (٤/ ٢٠٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٠٤) من طريق اللَّيث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب الكمال\" (٤/ ١٢٩).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٣٨٣).","vol":"10","page":290},{"text":"سعد بن سنان، عن أَنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"التأني من الله، والعجلة من الشيطان\".\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا، فيه سعد بن سنان أو سنان بن سعد متكلم فيه، فقد ضعفه الإِمام أحمد. وقال النَّسائي: (منكر الحديث). وقال ابن معين: \"ثقة)، ووثقه العجلي. وقال الإِمام أحمد: (روى خمسة عشر حديثًا منكرة كلها، ما أعرف منها واحدًا)، وقال أيضًا: (تركت حديثه، حديثه مضطرب، وقال: يشبه حديثه حديث الحسن، لا يشبه أحاديث أَنس). قال الحافظ ابن رجب: (مراده أن الأحاديث التي يرويها عن أَنس مرفوعة إنما تشبه كلام الحسن البصري أو مراسيله) (^١)، وقال الحافظ: (صدوق له أفراد).\nوروى الحديث الخرائطي في \"مكارم الأخلاق\" (٢/ ٦٨٧) من طريق يونس بن عبيد، عن الحسن، عن النبي - ﷺ -. هكذا مرسلًا.\n\n• الوجه الثاني: في الحديث ذم العجلة والتسرع في الأمور دون روية أو تثبت، وبيان أنَّها من عمل الشيطان؛ لأن الشيطان يروج شره على الإنسان عند العجلة من حيث لا يشعر، وضد العجلة الأناة والتأني والتبين، وهذه أخلاق كريمة وصفات عالية، ويكفيها شرفًا وفضلًا أن الله تعالى يحب من اتصف بها ففي \"الصحيحين\" أن النبي - ﷺ - قال لأشج عبد القيس: \"إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحِلْمُ والأَنَاةُ\" (^٢).\nإن في العجلة كثرة الزلل، والوقوع في الخطأ وما لا تُحمد عقباه، وفيها الندم على ما قد يقع على غير الوجه المطلوب حين لا ينفع الندم، والعجلة دليل السفه، وخفة الحلم، وضعف العقل.\nفعلى المؤمن أن يحذر هذا الخلق السيئ، ويعود نفسه على التأني في\n_________\n(^١) \"شرح العلل\" (٢/ ٧٥٨)، \"تهذيب الكمال\" (١٠/ ٢٦٥).\n(^٢) رواه البخاري (٨٧)، ومسلم (٢٣) (١٧)، (٢٦) (١٨).","vol":"10","page":291},{"text":"طلب الأشياء أو الحكم عليها، وما أحوج المؤمن في هذا الزمان إلى الأناة عند نقل الأخبار أو الحكم على ما يسمع، فكم من أناس زلّت أقدامهم في هذا الباب نتيجة العجلة، وعدم الروية والنظر.\nيقول ابن حبان: (إن العاجل لا يكاد يَلحق، كما أن الرافق لا يكاد يُسبق، والساكت لا يكاد يندم، ومن نطق لا يكاد يسلم، وإن العَجِلَ يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، وَيحْمَدُ قبل أن يُجَرِّبَ، ويَذُمُّ بعد ما يَحْمَدُ، يَعْزِمُ قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم، والعَجِلُ تصحبه الندامة، وتعتزله السلامة، وكانت العرب تكنِّي العجلة: أم الندامات) (^١).\nإن العجلة تؤثر على حياة الإنسان ونشاطاته في اتجاهين:\nالأول: الاتجاه المادي، حيث تفوِّت على المرء كثيرًا من المصالح، أو تؤدي به إلى أمراض ومصائب وإلى كوارث وخسائر متفاوتة في جسمه وولده وماله ومقتنياته، فالعجلة في تناول الأشياء، أو في مشيه، أو في قيادته لسيارته، أو في صنعه لطعامه أو في معاقبته لولده، أو في كلامه ومخاطبته، كل ذلك له آثار مادية بالغة مشهودة.\nالثاني: الاتجاه النفسي، حيث تفوت العجلة على الإنسان الراحة النفسية والطمأنينة والاستقرار، والعجلة دائمًا في ذاتها وفي أثرها تؤدي إلى قلق الإنسان وانزعاجه، وتورث الأسف والأسى في مشاعره وأحاسيسه، مما يقوض صحة الإنسان النفسية واستقراره الداخلي، ومن أهم الأعراض النفسية المترتبة على العجلة الندامة والأسف بعد فوات الأوان، وهو مرض يعرض لكل الناس بقلة وكثرة (^٢).\nوإذا كانت العجلة طبعًا في الإنسان وسجية له أمكن أن يغير ذلك إلى الرفق والتأني، وذلك بكفِّ النفس عن العجلة، وردعها عن السرعة، وتعويدها على التروي والأناة والاستفادة من المواقف والمناسبات في مثل ذلك، ثم\n_________\n(^١) \"روضة العقلاء\" ص (٢١٦).\n(^٢) انظر: \"العجلة\" ص (١٧).","vol":"10","page":292},{"text":"يتأمل ما في الرفق من المصالح وما في العجلة من المفاسد، ومحبةُ الله ورسوله لمن اتصف بالحلم والأناة فيها أعظم الدفع والحفز للالتزام بهما والتربي عليهما (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) المصدر السابق ص (٢٦).","vol":"10","page":293},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1311>ما جاء في ذم سوء الخلق</span>\n١٥٢٢/ ٣٥ - عَن عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الشؤْمُ: سُوءُ الخُلُقِ\". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْف.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٤١/ ٩٩)، والطبراني في \"الأوسط\" (٥/ ١٨٣) من طريق أبي بكر بن عبد الله، عن حبيب بن عبيد قال: قالت عائشة - ﵂ - قال رسول الله - ﷺ -: … وذكر الحديث.\nوهذا سند ضعيف؛ لأن فيه أبا بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني ضعيف. قال أحمد: (ليس بشيء). وقال أَبو داود: (سُرق له حلي، فأنكر عقله). وقال النَّسائي وأَبو حاتم: (ضعيف)، وقال الدَّارَقُطني: (متروك)، وفي موضع آخر: (ضعيف)، وقال ابن عدي لما ساق جملة من مناكيره ومنها حديث الباب: (ولأبي بكر بن مريم غير ما ذكرت من الحديث، والغالب على حديثه الغرائب، وقلّ ما يوافق عليه الثقات، وأحاديثه صالحة، وهو ممن لا يحتج بحديثه، ولكن يكتب حديثه) (^١).\nوفي الحديث علة أخرى وهي الانقطاع، فإن حبيب بن عبيد وهو الرحبي الحمصي لم يسمع من عائشة - ﵂ - (^٢).\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٢/ ٤٠)، \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٣٣)، \"الجامع في الجرح والتعديل\" (٣/ ٣٥٤).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ١٠٥).","vol":"10","page":294},{"text":"ورواه الخرائطي في \"مساوئ الأخلاق\" (٢) من طريق محمد بن مصعب القرقساني، عن حبيب بن عبيد - قال: حسبت أنَّه ذكر معه حكيم بن عمير - عن عائشة - ﵂ -.\nولما ذكر الدَّارَقُطني هذا الاختلاف قال: (والقول الأول أصح) (^١).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الشؤم) بضم الشين وسكون الهمزة، وقد تسهل وتبدل بالواو، ضد اليُمن والبركة.\n\nقوله: (سوء الخلق) من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الخلق السيئ، وهو من باب الحصر المجازي؛ أي: معظم الشؤم سوء الخلق، مثل: البر حسن الخلق، الحج عرفة، الدين النصيحة، على أحد الوجهين، كما سيأتي إن شاء الله.\nوسوء الخلق: هو الوصف المضاد لحسن الخلق، وسوء الخلق يقوم على أربعة أركان: الجهل والظلم والشهوة والغضب.\n\n• الوجه الثالث: هذا الحديث وإن كان ضعيفًا لكن معناه صحيح، وهو أن الخلق السيئ شؤم على صاحبه وعذاب عليه وعلى من حوله من الأهل والأولاد والجيران والأصدقاء والزملاء، فهو يضر نفسه ويضر غيره، قد كَثُر معادوه، وقلّ مصافوه. قال بعض البلغاء: (الحَسَنُ الخلق من نفسه في راحة، والناس منه في سلامة، والسعى الخلق الناس منه في بلاء، وهو من نفسه في عناء) (^٢).\nوقد يتغير حسن الخلق والوطَاءِ إلى الشراسة والبذاء لأسباب عارضة، وأمور طارئة، تجعل اللين خشونة، والوطَاءَ غلظة، والطلاقة عبوسًا، ومن هذه الأسباب:\n١ - الولاية التي تُحْدِثُ في الأخلاق تغيرًا، وعلى الخُلطاء تنكرًا، إما من لؤم طبع، وإما من ضيق الصدر.\n_________\n(^١) \"العلل\" (١٤/ ٣٢٢، ٣٢٣).\n(^٢) \"أدب الدنيا والدين\" ص (٢٠٧).","vol":"10","page":295},{"text":"٢ - العزل، فمن عُزل من عمل أو وظيفة فقد يسوء خلقه، ويضيق صدره، إما لشدة أسفٍ، أو لقلة صبر.\n٣ - الغنى، فقد تتغير به أخلاق اللئيم بطرًا، وتسوء طرائقه أشرًا.\n٤ - الفقر، فقد يتغير به الخلق، إما أنفة من ذل الاستكانة، أو أسفًا على فائت الغنى.\n٥ - الهموم التي تُذْهِلُ اللُّبَّ، وتشغل القلب، فلا تتبع الاحتمال، ولا تقوى على صبر.\n٦ - الأمراض التي يتغير بها الطبع، كما يتغير الجسم.\n٧ - علوُّ السن، وحدوث الهَمِّ لتأثيره في البدن وأخلاق النفس (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"أدب الدنيا والدين\" ص (٢٥٩ - ٢١١).","vol":"10","page":296},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1312>ما جاء في التحذير من كثرة اللعن</span>\n١٥٢٣/ ٣٦ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّ اللَّعَّانِين لَا يَكُونُونَ شُفَعَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"البر والصلة والآداب\"، باب (النهي عن لعن الدواب وغيرها) (٢٥٩٨) من طريق زيد بن أسلم وأبي حازم، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: … وذكر الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إن اللعانين) جمع لعان صيغة مبالغة، ومعناها: كثير اللعن، وذكرت هذه الصيغة دون اسم الفاعل اللاعن؛ لأن المؤمن قد يلعن من أمر الشرع بلعنه، وقد يقع منه اللعن فلتة وندرة ثم يراجع (^١).\n\nقوله: (شفعاء) جمع شفيع اسم فاعل من شفع في الأمر: إذا أعان صاحبه في تحصيل مطلبه ممن هو عنده، والمعنى: أن اللعانين لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار.\n\nقوله: (ولا شهداء) جمع شهيد بمعنى شاهد، والمعنى: أن اللعانين لا يكونون يوم القيامة شهداء على الأمم بتبليغ رسلهم لهم ما أرسلوا به.\n_________\n(^١) انظر: \"المفهم\" (٥/ ٥٨٠).","vol":"10","page":297},{"text":"قوله: (يوم القيامة) ظرف متعلق بالفعل قبله، فيدل على أن نفي الشفاعة والشهادة مراد به يوم القيامة، فإن كان متعلقًا بالشفاعة وحدها احتمل أن يراد بنفس الشهادة: الشهادة في الدنيا، بمعنى لا تقبل شهادتهم؛ لأن الإكثار من اللعن دليل على التساهل في أمور الدين، وعلى هذا يكون المراد نفي الشهادة في الدنيا والآخرة، واحتمل معنى ثالث وهو أنهم لا يرزقون الشهادة وهي القتل في سبيل الله (^١).\n\n• الوجه الثالث: في الحديث تحذير من كثرة اللعن، وبيان أن اللعانين ليس لهم منزلة عند الله تعالى يوم القيامة، فلا تقبل شفاعتهم في إخوانهم لدخول الجنَّة، ولا تقبل شهادتهم على الأمم السابقة في أن رسلهم بلغوا الرسالة.\nفعلى المؤمن أن يحذر من هذا الخلق السيئ وأن يطهر لسانه من اللعن والسب والشتم؛ لأنه قد استهان كثير من الناس بلفظ اللعن، فصار يصدر لأقل سبب، بل من الناس من يلعن الآدمي والحيوان والجماد، وكل هذا سببه اعتياد اللسان على اللعن، إما من عدم المبالاة، أو من الجهل بما يترتب عليه، وقد عظَّم النبي - ﷺ - شأن لعن المؤمن فقال: \"لعن المؤمن كقتله\" (^٢) يقول القرطبي: (وقوله: \"لعن المؤمن كقتله\" أي: في الإثم، ووجهه: أن من قال لمؤمن: لعنه الله؛ فقد تضمن قوله ذلك إبعاده عن رحمة الله تعالى التي رحم بها المسلمين، وإخراجه من جملتهم في أحكام الدنيا والآخرة، ومن كان كذلك فقد صار بمنزلة المفقود عن المسلمين بعد أن كان موجودًا فيهم، وإذا لم يُنْتَفَعُ بما انتفع به المسلمون، ولا انتفعوا به، فأشبه ذلك قتله، وعلى هذا فيكون إثم اللاعن كإثم القاتل، غير أن القاتل أدخل في الإثم؛ لأنه أفقد المقتول حسًّا ومعنًى، واللاعن أفقده معنًى، فإثمه أخف منه، لكنهما قد اشتركا في مطلق الإثم، فصدق عليه أنَّه مثله، والله أعلم) (^٣).\n_________\n(^١) \"البدر التمام\" (٥/ ٣١٥).\n(^٢) رواه البخاري (٦٦٥٢)، ومسلم (١٧٦) من حديث ثابت بن الضحاك - ﵁ -.\n(^٣) \"المفهم\" (١/ ٣١٤ - ٣١٥).","vol":"10","page":298},{"text":"وعن عمران بن حصين - ﵄ - قال: بينما رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة، فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: \"خذوا ما عليها ودعوها؛ فإنها ملعونة\" قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد (^١). فانظر كيف أَدَّبَ النبي - ﷺ - هذه المرأة وعاقبها بحرمانها من الانتفاع بناقتها لما لعنتها (^٢)، وعلل لذلك بأنها ناقة ملعونة، فما يدل على عظم هذا الأمر. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٥٩٥).\n(^٢) انظر: \"المفهم\" (٦/ ٥٨٠).","vol":"10","page":299},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1313>التحذير من عيب الشخص بذنبه</span>\n١٥٢٤/ ٣٧ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ، لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ\". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَسَنَدُهُ مُنْقَطِعٌ.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه التِّرمِذي في أَبواب \"صفة القيامة والرقائق والورع\" (٢٥٠٥) عن أحمد بن منيع قال: حدَّثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكر الحديث.\nقال التِّرمِذي: (قال أحمد: من ذنب قد تاب منه، ثم قال: هذا حديث حسن غريب، وليس إسناده بمتصل، وخالد بن معدان لم يدرك معاذ بن جبل …).\nفالحديث في سنده انقطاع كما ذكر التِّرمِذي، وصرح به الحافظ، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: (خالد بن معدان عن معاذ بن جبل مرسل، لم يسمع منه، وربما كان بينهما اثنان) (^١).\nلكن ليست علته الانقطاع فحسب، بل هو موضوع؛ لأن في سنده محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني ضعفه أحمد وأَبو حاتم. قال أحمد:\n_________\n(^١) \"المراسيل\" ص (٥٢).","vol":"10","page":300},{"text":"(ضعيف الحديث، ما أراه يُسوى شيئًا). وقال أَبو حاتم: (ليس بالقوي) (^١). وقال عنه ابن معين: (ليس بثقة)، وفي رواية: (يكذب)، وقال أَبو داود: (كذاب)، وقال النَّسائي: (متروك)، وقال الدَّارَقُطني: (لا شيء) (^٢).\nوذكره ابن الجوزي في \"الموضوعات\" وقال: (هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -، والمتهم به محمد بن الحسن) (^٣).\n\n• الوجه الثاني: هذا الحديث وإن كان بهذا الوصف لكن معناه صحيح، وهو التحذير من تعيير الناس وعيبهم بذنوبهم وما يظهر عليهم من الانحراف؛ لأنه إن كان تائبًا منه لم يجز تعييره بذنبه السابق؛ لأن من تاب تاب الله عليه، وإن كان لم يتب وجب نصحه وتوجيهه بالكلام الطيب لا بالتعيير؛ لأن التعيير يوجب العداوة والبغضاء، ولا يؤدي المقصود.\nثم إن التعيير فيه معنى العُجْبِ بالنفس، فإن الإنسان لا يعيب أحدًا بعينه إلَّا لما يجد في نفسه من العجب بسلامته من ذلك العيب، وقد يرى أن سلامته قد جاءته من قوته وإرادته لا من الله تعالى الذي عصمه من هذا الذنب.\nومن مظاهر التعيير إظهار السوء وإشاعته في قالب النصح، فهذا ليس غرضه النصح، وإنَّما غرضه التعيير والأذى بإظهار العيوب والمساوئ للناس، ولو كان غرضه النصح لما أشاع ذلك ولا أظهره؛ لأن النصيحة هي ما كانت سرًّا بين الآمر والمأمور، والناصح ليس غرضه إشاعة عيب من أراد نصحه، وإنَّما غرضه الإصلاح وإزالة المفسدة.\nقال الفضيل: (المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير) (^٤) فعلامة النصح: الستر، وعلامة التعيير: الإعلان، يقول الحافظ ابن رجب: (كان السلف يكرهون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على هذا الوجه، ويحبون أن يكون سرًّا بين الآمر والمأمور، فإن هذا من علامات النصح) (^٥). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٧/ ٢٢٥).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ١٠٥).\n(^٣) (٣/ ٨٢).\n(^٤) راجع: رسالة ابن رجب \"الفرق بين النصيحة والتعيير\".\n(^٥) المصدر السابق ص (٣٩).","vol":"10","page":301},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1314>التحذير من الكذب ليضحك الناس</span>\n١٥٢٥/ ٣٨ - عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"ويلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ، فَيَكْذِبُ؛ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيلٌ لَهُ، ثُمَّ وَيلٌ لَهُ\". أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ، وإسْنَادُهُ قَويٌّ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أَبو داود في كتاب \"الأدب\"، بابٌ (في التشديد في الكذب) (٤٩٩٠)، والتِّرمِذي (٢٣١٥)، والنَّسائي في \"الكبرى\" (١٠/ ٧٤)، وأحمد (٣٣/ ٢٢٤) من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكر الحديث.\nقال التِّرمِذي: (هذا حديث حسن).\nوقد تقدم الكلام على بهز وأبيه حكيم بن معاوية في \"الزكاة\" عند الحديث (٦٠٥) وخلاصة ما قيل فيهما: أنهما صدوقان. قال أَبو حاتم في بهز: (شيخ يكتب حديثه، ولا يحتج به). وقال ابن معين: \"ثقة\"، وقد احتج به أحمد وإسحاق وابن المديني وآخرون.\nوأما أَبوه حكيم فقد وثّقه العجلي، وقال النَّسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ويل) هي كلمة وعيد لمن اتصف بالصفة المذكورة، أو اسم واد في جهنم، وهي مبتدأ سوغ الابتداء بها دلالتها على الدعاء، مثل: (سلام عليكم)، والجار والمجرور بعده خبر.","vol":"10","page":302},{"text":"قوله: (ليضحك به القوم) بضم الياء وكسر الحاء من أضحك الرباعي المتعدي، والقوم: بالنصب مفعول به، ويجوز فتح الياء والحاء من المضارع من ضحك الثلاثي اللازم، والقوم: بالرفع فاعل، والضمير (به) يعود إلى المتحدث، فتكون الباء سببية، أو يعود إلى الكذب.\n\nقوله: (ويل له ثم ويل له) هكذاب (ثم) في نسخ \"البلوغ\"، والذي في المصادر المذكورة: (ويل له وويل له)، وفي بعضها بدون حرف العطف، وهذا التكرار فيه إيذان بشدة هلكته وعِظَمِ الأمر الذي وقع فيه؛ لأن الكذب وحده رأس كل مذموم، وجماع كل فضيحة، فإذا انضم إليه استجلاب الضحك الذي يميت القلب ويجلب النسيان ويورث الرعونة كان أقبح القبائح (^١).\n\n• الوجه الثالث: في الحديث تحذير من الكذب ووعيد بالهلاك لمن يتعاطى الكذب من أجل المزاح وإضحاك الناس، وهذا من الأخلاق السيئة التي يجب على المؤمن أن يتنزه عنها، وأن يبتعد عن الكذب، ويطهر لسانه منه في كل حال من الأحوال إلَّا ما أذن فيه الشرع.\nومن اعتاد الكذب والمزاح سهل على لسانه وتهاون به، والإسلام أباح الترويح عن النفس، ولكنه لم يرض لذلك وسيلة سوى الصدق المحض؛ لأن في الحلال مندوحة عن الحرام، وفي الحق إغناء عن الباطل، ومن الناس من لا يبالي في الكذب في مجال المزاح والتسلية، وهذا خطأ يرتكبه الإنسان؛ إما لضعف إيمانه أو لجهله بشؤم الكذب وسوء عاقبته، وبعض الناس يفعل هذا عمدًا لأجل أن يتصدر في المجالس، ويستظرفه الناس، ويستطرفوا حديثه، ويلتفتوا إليه. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فيض القدير\" (٦/ ٤٧٧).","vol":"10","page":303},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1315>كفارة الغيبة</span>\n١٥٢٦/ ٣٩ - عَنْ أنسٍ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: \"كفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ\". رَوَاهُ الحَارِثُ بْنُ أبي أُسَامَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه الحارث بن أبي أسامة، كما في \"بغية الباحث\" (٢/ ٩٧٤)، و\"المطالب العالية\" (١١/ ٧٢٦) قال: حدَّثنا رجل، حدَّثنا عنبسة بن عبد الرحمن، حدَّثنا خالد بن يزيد، عن أَنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كفارة الاغتياب أن تستغفر لمن اغتبته\".\nوهذا الحديث إسناده تالف، ومتنه باطل، أما متنه فسيأتي، وأما سنده ففيه الرجل المبهم، ويحتمل أنَّه داود بن المحبَّر؛ لأنه من شيوخ الحارث المباشرين، وقد أكثر النقل عنه، وقد ضعفه الإِمام أحمد، وقال: (شبه لا شيء، كان لا يدري الحديث)، ومثل هذا قال البخاري، وقال -أيضًا-: (منكر الحديث)، وقال الدَّارَقُطني: (متروك الحديث) (^١).\nوفيه عنبسة بن عبد الرحمن، قال البخاري: (ذاهب الحديث). وقال أبو حاتم: (كان يضع الحديث). وقال ابن حبان: (صاحب أشياء موضوعة لا يحل الاحتجاج به). وقال أَبو حاتم: (غير ثقة، ذاهب الحديث، منكر الحديث). وقال ابن المديني: (ذهب حديثه). وقال الحافظ: (متروك). وفيه خالد بن يزيد ولم أتحقق منه؛ لأن هناك أكثر من واحد مترجم في \"الجرح\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٤٢٤)، \"تهذيب الكمال\" (٨/ ٤٤٣).","vol":"10","page":304},{"text":"والتعديل\" (٣/ ٣٥٨) من طبقته، وقد يكون أحدهم، وهو دائر بين كونه مجهولًا أو مستورًا.\nوروى الحديث ابن أبي الدنيا في \"ذم الغيبة\" (٢٥٣) وفي \"الصمت\" (٢٩١) ومن طريقه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٣/ ٣٤٢)، وأخرجه أَبو الشيخ في \"التوبيخ والتنبيه\" (٢١١) وغيرهم من طريق عنبسة به.\nوبهذا يتبين أن قول الحافظ هنا: بسند ضعيف، ومثله قول العراقي في \"تخريج الإحياء\" (^١) أن هذا تسامح في النقد والحكم.\nوالحديث له طرق كلها ضعيفة، وله شواهد لا يصح منها شيء (^٢).\n\n• الوجه الثاني: يستدل العلماء بهذا الحديث على أن كفارة الغيبة أن يستغفر المغتاب لمن اغتابه؛ ليكون ذلك إحسانًا إليه في مقابلة مظلمته، ولا يلزم استحلاله ولا الاعتذار منه، وهذا القول رواية عن الإِمام أحمد، ورجح هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وابن مفلح، والسفاريني وآخرون، ونقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا قول الأكثرين (^٣).\nوأيدوا قولهم هذا بأمور ثلاثة:\nالأول: أن إعلام المغتاب لمن اغتابه مفسدة محضة؛ لأن فيه زيادة إيذاء له؛ لأن تضرر الإنسان بما علمه من شتمه أبلغ من تضرره بما لا يعلم.\nالثاني: أن إعلامه قد يكون سببًا للعداوة؛ لأن النفوس لا تقف غالبًا عند العدل والإنصاف.\nالثالث: أن في إعلامه زوال ما بينهما من كمال الألفة وقوة المحبة، فتتجدد القطيعة، ويقع التباعد بدل التقارب.\n_________\n(^١) (٣/ ١٠٥).\n(^٢) انظر: \"الموضوعات\" لابن الجوزي (٣/ ٣٤٢)، \"المطالب العالية\" (١١/ ٧٢٧).\n(^٣) \"مدارج السالكين\" (١/ ٢٩١)، \"الوابل الصيب\" ص (١٩٢)، \"الآداب الشرعية\" (١/ ٦٢)، \"غذاء الألباب\" (٢/ ٥٧٦).","vol":"10","page":305},{"text":"ولا ريب أن ما يترتب عليه هذه المفاسد أعظم من شر الغيبة، وهذا ضد مقصود الشارع من تأليف القلوب والتراحم والتعاطف، ومدار الشريعة على تعطيل المفاسد وتقليلها لا على تحصيلها وتكميلها.\nوالقول الثاني: أنَّه لا يكفي الاستغفار بل لا بد من الاستحلال ممن اغتابه لتصح توبته، وششحب للمغتاب أن يبرئ أخاه المسلم من هذا الذنب؛ ليفوز بثواب العفو ومحبة الله تعالى للعافين.\nوهذا قول الإِمام أبي حنيفة والشَّافعي ومالك، ورواية مخرجة عن الإِمام أحمد على مسألة توبة القاذف، هل يشترط فيها إعلام المقذوف والتحلل منه أم لا؟ (^١).\nورجح هذا القول الغزالي والقرطبي والنووي وآخرون (^٢).\nواستدلوا بحديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه\" (^٣).\nقالوا: ولأن الذنب حق آدمي، فلا يسقط إلَّا بإحلاله منه وإبرائه؛ ولأن في هذه الجناية حقين: حقًّا لله وحقًّا للآدمي، فالتوبة منها بتحلل الآدمي لأجل حقه، والندم فيما بينه وبين الله لأجل حقه.\nوقاسوا هذا على الحقوق المالية التي لا تتم التوبة منها إلَّا بردها إلى أربابها.\nقالوا: وحديث الباب موضوع، ومتنه باطل؛ لأن الغيبة حق آدمي فلا يسقط إلَّا بالإبراء (^٤).\nوالذي يظهر - والله أعلم - أنَّه لا بد من الاستحلال ولا سيما إذا علم\n_________\n(^١) \"مدارج السالكين\" (١/ ٢٩٠).\n(^٢) انظر: \"الإحياء\" (٣/ ١٦٣)، \"تفسير القرطبي\" (١٦/ ٣٣٧)، \"الأذكار\" ص (٥٤٨).\n(^٣) رواه البخاري (٢٤٤٩) (٦٥٣٤).\n(^٤) انظر: \"الحاوي\" للسيوطي (١/ ١٧١).","vol":"10","page":306},{"text":"أنَّه يسامحه، فقد يكون المُخْبَرُ رجلًا كريمًا يقيل العثرة، ويتجاوز عن الزلة، وينبغي أن يفهم الناس أن هذا هو الأصل. أما إذا كان يعلم أنَّه لن يسامحه بل قد يزداد حقدًا وعداوة أو أنَّه إذا أخبره بكلام مجمل طلب التفاصيل التي لو سمعها لزاد كراهية وبغضًا، فإنه يكفي والحال هذه توبته بينه وبين الله، والدعاء لمن اغتابه وذكره بخير ليكون هذا بهذا. والله تعالى أعلم.","vol":"10","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1316>التحذير من اللَّدَدِ في الخصومة</span>\n١٥٢٧/ ٤٠ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالتْ: قَال رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أَبْغَضُ الرِّجَالِ إلَى اللهِ الأَلدُّ الخَصِمُ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأحكام\"، باب (الألد الخصم وهو الدائم الخصومة) (٧١٨٨)، ومسلم (٢٦٦٨) من طريق ابن جريج، سمعت ابن أبي مليكة يحدث عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكر الحديث.\nوهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم بزيادة: (إنَّ) في أوله، وهو للبخاري -أيضًا- في \"المظالم\" (٢٤٥٧).\nوكأن الحافظ ذَهَلَ عن كون الحديث في البخاري فاقتصر في عزوه إلى مسلم.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أبغض الرجال) تقدم معنى البغض، والوجال: لفظ عام يشمل المؤمن والكافر.\n\nقوله: (الألد) بفتح الهمزة واللام وتشديد الدال هو الشديد الخصومة، وهو اسم فاعل من لدَّ يلَدُّ لدًّا من باب تعب فهو ألدُّ، والمرأة لدَّاء، والجمع لُدٌّ من باب أحمر وهم حُمْر (^١)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، وقوله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧].\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٥/ ١٨٠)، \"المصباح المنير\" ص (٥٥١).","vol":"10","page":308},{"text":"وهذا الوصف مأخوذ من اللديدين وهما جانبا الوادي؛ لأن المخاصم كلما منع من جانب جاء من جانب آخر، وقيل: لإعماله لديديه في الخصومة، وهما جانبا الفم (^١).\nوقال أَبو عبيدة: هو الشديد الخصومة الذي لا يقبل الحق ويدعي الباطل (^٢).\n\nقوله: (الخَصِمُ) بكسر الصاد، ويجوز تسكينها، فالذي بالسكون مصدر خَصَمَهُ خَصْمًا؛ أي: غلبه في الخصام، ولذا يستوي فيه المذكر والمؤنث، المفرد والمثنى والجمع، فيكون بلفظ واحد، وهذا هو الأكثر. قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ [ص: ٢١] ومن العرب من يثنيه ويجمعه، فيقول: هذان خصمان، وهؤلاء خصوم. قال تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨].\nأما الذي بكسر الصاد فهو وصف للشخص العالم بالحجة المختص بالخصومة، يقال: خَصِمَ الرجل يَخْصَمُ من باب تعب: إذا أحكم الخصومة فهو خَصِمٌ وخصيمٌ (^٣).\nوالخَصِمُ صيغة مبالغة إما بمعنى دائم الخصومة كما قال البخاري، فتكون الصيغة للكثرة، أو بمعنى شديد الخصومة فتكون الصيغة للشدة.\nولما كان الألد صفة، والخصم اسم؛ لأنه مصدر، كان في الأصل أن يكون تابعًا لخصم؛ لأنه نعت له فيقال: الخصم الألد، لكن لما كَثُر استعمال هذا الوصف عومل معاملة الأسماء، فجعل التابع متبوعًا، وحُذي به حذو قوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧]؛ [فاطر: ٢٧] والأصل: سود غرابيب (^٤).\n\n• الوجه الثالث: في الحديث تحذير من شدة الخصومة وكثرتها، وهو\n_________\n(^١) \"المفهم\" (٥/ ١٨٠).\n(^٢) \"مجاز القرآن\" (٢/ ١٣).\n(^٣) \"الأفعال\" لابن القوطية ص (٢٠٤).\n(^٤) \"المفهم\" (٥/ ١٨٠) (٦/ ٦٨٩).","vol":"10","page":309},{"text":"كون الإنسان كلما فرغ من خصومة شرع في أخرى، ولا يكاد أحد يتخلص منه، فيضر نفسه ويؤذي غيره، وهذا مما يؤدي إلى بغض الله تعالى للعبد؛ لأن الغالب في شدة الخصومة أن صاحبها لا يريد الوصول إلى الحق، وإنما يريد الظهور على خصمه وغلبته ولو بالباطل.\nوالذم في هذا الحديث مراد به من خاصم بالباطل، واستعمل الكذب والتدليس وشهادة الزور للظهور على خصمه، أما الذي يدافع عن حقه، ويستعين بالحجج الشرعية والطرق الصحيحة للوصول إلى حقه، فهذا لا يدخل في باب الخصومة المذمومة.\nوالواجب على المؤمن أن يكون بعيدًا عن كثرة الخصومات، بعيدًا عن اللدد، سمحًا طيب الكلام، وألا يكون ذا لجاجة في الخصومة فيبغضه الله ويبغضه الناس، يقول الحافظ ابن رجب: (إذا كان الرجل ذا قدرة عند الخصومة، سواء كانت خصومته في الدين أو في الدنيا على أن ينتصر للباطل، ويخيِّل للسامع أنَّه حق، ويوهن الحق، ويخرجه في صورة الباطل، كان ذلك من أقبح المحرمات وأخبث خصال النفاق) (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"جامع العلوم والحكم\" شرح الحديث (٤٨).","vol":"10","page":310},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1317>باب الترغيب في مكارم الأخلاق</span>\nالترغيب مصدر رغَّبه في الشيء ترغيبًا؛ أي: أوجد فيه الرغبة إليه، ويكون ذلك بتحسينه وتزيينه؛ لأن النفس لا ترغب إلَّا فيما فيه سعادتها وصلاح أمرها.\nوالمكارم: جمع مكرمة بضم الراء، والمكرمة: فعل الخير، والإضافة فيها من باب إضافة الصفة للموصوف؛ أي: الأخلاق الكريمة، وسر هذه الإضافة أنَّه لما كان الكرم لُباب الأخلاق الفاضلة وصفت الأخلاق به وشرفت بالانتساب إليه (^١).\nوقد ذكر المؤلف في هذا الباب جملة من الأحاديث المتعلقة بمحاسن الأخلاق؛ كالصدق وغَضِّ البصر، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والحياء، واجتناب سوء الظن، والتواضع، والعفو، وغير ذلك، وقد ذكر قبل ذلك جملة من الأحاديث في مساوئ الأخلاق.\nوقد أحسن المؤلف صنعًا وأجاد تبويبًا في هذا المنهج؛ لأن المطلوب من الإنسان أن يتخلى عن مساوئ الأخلاق وقبائحها، ليتحلى بمكارم الأخلاق ومحاسنها على قاعدة (التخلي قبل التحلي).\nوقد جاء في هذا الموضوع حديث أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق\" وفي رواية: \"مكارم الأخلاق\" (^٢) قال ابن عبد البر: (ويدخل في هذا المعنى الصلاح والخير كله،\n_________\n(^١) انظر: \"مكارم الأخلاق\" للهلالي ص (٨).\n(^٢) رواه أحمد (١٤/ ٥١٣)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٢٧٣١)، والحاكم (٢/ ٣٨١) من طريق محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا. =","vol":"10","page":311},{"text":"والدين والفضل والمروءة والإحسان والعدل، فبذلك بعث ليتمه - ﷺ - …).\nوقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (الأخلاق الكاملة والآداب السامية تجعل صاحبها مستقيم الظاهر والباطن، معتدل الأحوال، مكتمل الأوصاف الحسنة، طاهر القلب، نقيّه من كلِّ درن وآفة ونقص، قوي القلب، متوجهًا قلبه إلى أعلى الأمور وأنفعها، قائمًا بالحقوق الواجبة والمستحبة، محمودًا عند الله وعند خلقه، قد حاز الشرف والاعتبار الحقيقي، وسلم من كلِّ دنس وآفة، قد تواطأ ظاهره وباطنه على الاستقامة، وسلوكِ طريق الفلاح، وعلُوُّ مكانة المتخلق بأخلاق القرآن وآدابه لا يمتري فيه من له أدنى مُسْكَةٍ من عقل؛ لأنَّ العقل من أكبر الشواهد على حسن ما جاء به الشرع.\nولهذا ينبّه الله أولي العقول والألباب، ويوجّه إليهم الخطاب؛ لأنَّه كلَّما كمل عقل الإنسان عرف كمال ما جاء به الشرع، وأنَّه يستحيل وجود قانون أو نظام أو غيرها يقارب ما جاء به القرآن كمالًا وفضلًا، ورفعة وعلوًا ونزاهةً، ويعرف ذلك بتتبع ما جاء به القرآن) (^١).\n_________\n= وهذا سند حسن، ابن عجلان صدوق، قال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم)، وسكت عنه الذهبي، ومسلم إنما أخرج لابن عجلان مقرونًا بغيره.\nوالحديث له شاهد مرسل رواه ابن وَهْب في \"الجامع\" (٢/ ٥٨٤) قال ابن عبد البر: (هذا الحديث يتصل من طرق صحاح عن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - وغيره عن النبي - ﷺ -). \"التمهيد\" (٢٤/ ٣٣٣ - ٣٣٤).\n(^١) \"فتح الرحيم الملك العلَّام في علم العقائد والتوحيد والأخلاق المستنبطة من القرآن\" ص (١٠٤).","vol":"10","page":312},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1318>ما جاء في الحث على الصدق والنهي عن ضده</span>\n١٥٢٨/ ١ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"عَلَيكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا. وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ، وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n• الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الأدب\"، باب (قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]، وما ينهى عن الكذب) (٦٥٩٤)، ومسلم (٢٦٥٧) (١٥٥) من طريق شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكر الحديث، وهذا لفظ مسلم.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (عليكم بالصدق) أي: الزموا الصدق، وهو اسم فعل أمر مبني على السكون، والفاعل أنتم، والباء زائدة، والصدق: مفعول به لاسم الفعل، وتكثر زيادة الباء - هنا - لضعف اسم الفعل عن العمل، وقد لا تزاد كقوله تعالى: ﴿عَلَيكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].\nوالصدق لغة: القوة، قال ابن فارس: (الصاد والدال والقاف أصل يدل","vol":"10","page":313},{"text":"على قوة في الشيء قولًا وغيره، من ذلك الصدق: خلاف الكذب، سمي لقوته في نفسه؛ ولأن الكذب لا قوة له، بل هو باطل، وأصل هذا من قولهم: شيء صَدْقٌ؛ أي: صُلْب، ورُمْحٌ صَدْقٌ …) (^١).\nوالصدق في الاصطلاح: هو الإخبار على وفق الواقع، وهذا هو صدق اللسان، وهو أشهر أنواع الصدق.\nوقيل: الصدق: الإخبار بما يوافق الاعتقاد، وهذا أدق من الأول، لكن لا بد من تقييده بالصحيح، فيخرج الاعتقاد الذي لا يصح؛ كاعتقاد وجود آلهة مع الله، فقول المنافق: محمد رسول الله، هو صدق باعتبار المُخْبَرِ عنه، لكنه كذب باعتبار المتكلم؛ لمخالفته لاعتقاده، ولهذا سماهم الله كاذبين في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١].\nوقيل: الصدق: الإخبار بما يوافق الاعتقاد والمخبر عنه، وهذا أدق مما قبله (^٢).\n\nقوله: (فإن الصدق يهدي إلى البر) جملة تعليلية سيقت لبيان ثمرة الصدق وعاقبته الحميدة، ومعنى (يهدي) يرشد ويوصل، والهداية: الدلالة الموصلة إلى المطلوب.\nوالبر: اسم جامع للخير كله من فعل الحسنات وترك السيئات، ويطلق على العمل الصالح الدائم المستمر معه إلى الموت.\n\nقوله: (وإن البر يهدي إلى الجنَّة) هذا فيه بيان مآل صاحب الصدق، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ [الانفطار: ١٣].\n\nقوله: (وما يزال الرجل) أل للجنس، وذكره لأنه أشرف من المرأة في الجملة، وإلا فالمرأة مثله في ذلك.\n_________\n(^١) \"معجم مقاييس اللغة\" (٣/ ٣٣٩).\n(^٢) انظر: \"المفردات في غريب القرآن\" ص (٢٧٧).","vol":"10","page":314},{"text":"قوله: (يصدق) أي: يلازم الصدق في أقواله وأفعاله.\n\nقوله: (ويتحرى الصدق) أي: يقصده ويعتني به ويجتهد فيه.\n\nقوله: (حتَّى يكتب عند الله) أي: يحكم له بوصف الصديقين وثوابهم، وفي رواية للبخاري: \"حتَّى يكون\" والمراد إظهار ذلك للمخلوقين، إما للملأ الأعلى، وإما أن يُلقى ذلك في قلوب الناس وألسنتهم، وإلا فحكم الله له بذلك سابق.\n\nقوله: (صِدِّيقًا) الصِّدِّيق: من يتكرر منه الصدق حتَّى يصير سجية له وخلقًا، وهذا من صيغ المبالغة (^١).\n\nقوله: (وإياكم والكذب) تقدم إعرابه عند حديث \"إياكم والحسد\"، والكذب: هو الإخبار على خلاف ما في الواقع.\n\nقوله: (الفجور) أصل الفجر: الشق، والفجور: شق ستر الديانة والصلاح بفعل المعاصي واقتراف السيئات، ويطلق على الميل إلى الفساد والانبعاث في المعاصي، وهو اسم جامع للشر.\n\nقوله: (يهدي إلى النار) أي: الفجور يوصل إلى النار؛ لأن المعاصي يقود بعضها بعضًا، وهي سبب الهلاك والورود إلى النار، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٤].\n\nقوله: (كذابًا) صيغة مبالغة لمن يكثر الكذب منه ويتكرر حتَّى يعرف به.\n\n• الوجه الثالث: عناية الدين الإسلامي بالحث على الصدق وبيان ثمرته، والتحذير من الكذب وبيان عاقبته، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]، قال ابن بطَّال: (الصدق أرفع خلال المؤمنين، ألا ترى قوله ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، فجعل الصدق مقارنًا للتقوى) (^٢) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا\n_________\n(^١) انظر: \"أدب الكاتب\" لابن قتيبة ص (٣٣٠)، \"دليل الفالحين\" (١/ ٢٠٤).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٩/ ٢٨٠).","vol":"10","page":315},{"text":"سَدِيدًا (٧٠)﴾ [الأحزاب: ٧٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾ [النحل: ١٠٥].\n\n• الوجه الرابع: الحث على الصدق وملازمته وتحريه وبيان ثمرته وعاقبته الحميدة في الدنيا والآخرة، فالصدق أصل البر الذي هو الطَّرِيق إلى الجنَّة، والرجل إذا لازم الصدق كتب مع الصديقين عند الله تعالى، وفي ذلك إشعار بحسن خاتمته وإشارة إلى أنَّه يكون مأمون العاقبة.\nومن ثمرات الصدق: أن الصدق في الأقوال وسيلة للصدق في الأفعال والصلاح في الأحوال، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].\nومن ثمرات الصدق: أن الصدوق مقبول الحديث عند الناس، مقبول الشهادة عند القاضي، محبوب مجلسه، مرغوب حديثه، والكذوب بخلاف ذلك كله.\nومن ثمرات الصدق: أن الله تعالى أخبر أنَّه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلَّا صدقه، قال تعالى: ﴿قَال اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)﴾ [المائدة: ١١٩] (^١).\nقال ابن حبان: (الصدق يرفع المرء في الدارين، كما أن الكذب يهوي به في الحالين، ولو لم يكن الصدق خصلة تُحمد إلَّا أن المرء إذا عُرف به قُبل كذبه، وصار صدقًا عند من يسمعه، لكان الواجب على العاقل أن يبلغ مجهوده في رياضة لسانه حتَّى يستقيم له على الصدق ومجانبة الكذب) (^٢).\nوقد ذكر ابن القيم أن الصدق يكون في الأقوال والأعمال والأحوال، ثم بين ذلك فقال: (فالصدق في الأقوال: استواء اللسان على الأقوال، كاستواء السنبلة على ساقها.\n_________\n(^١) انظر: \"مدارج السالكين\" (٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠).\n(^٢) \"روضة العقلاء\" ص (٥٤).","vol":"10","page":316},{"text":"والصدق في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة، كاستواء الرأس على الجسد.\nوالصدق في الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص، واستفراغ الوسع، وبذل الطاقة) (^١).\n\n• الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن الصدق خلق كريم يحصل بالاكتساب والمجاهدة لقوله: \"وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق\" وكذا الكذب، فإن الإنسان إذا أكثر منه وتعوَّده صار له خلقًا وسجية.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (الرجل الصادق البار يظهر على وجهه من نور صدقه، وبهجة وجهه سيما يعرف بها، وكذلك الكاذب الفاجر، وكلما طال عمر الإنسان ظهر هذا الأثر فيه حتَّى إن الرجل يكون في صغره جميل الوجه، فإذا كان من أهل الفجور مصرًا على ذلك، يظهر عليه في آخر عمره من قبح الوجه ما أثره باطنه والعكس.\nوقد رُوي عن ابن عبَّاس - ﵄ - أنَّه قال: \"إن للحسنة لنورًا في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمة في القلب، وسوادًا في الوجه، ووهنًا في البدن، وبغضًا في قلوب الخلق\") (^٢).\n\n• الوجه السادس: بيان مضرة الكذب وشؤم عاقبته فهو أصل الفجور الذي هو طريق إلى النار، والكذب نوع من أنواع النفاق كما تقدم في حديث: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب … \"، قال ابن بطَّال: (هذه الصفة ليست صفة عِلْية المؤمنين، بل هي من صفات المنافقين وعلاماتهم) (^٣)، وقد اختلف الفقهاء في الكذب - في غير شهادة الزور، هل هو من الكبائر أو من الصغائر؛ على قولين، هما روايتان عن الإِمام أحمد، واحتج من جعله من الكبائر بأن الله تعالى جعله في كتابه من صفات شرِّ البرية، وهم الكفار والمنافقون، فلم\n_________\n(^١) \"مدارج السالكين\" (٢/ ٢٧٠).\n(^٢) \"الجواب الصحيح\" (٤/ ٣٠٦).\n(^٣) \"شرح ابن بطَّال\" (٩/ ٢٨١).","vol":"10","page":317},{"text":"يصف به إلَّا كافرًا أو منافقًا، وجعله عَلَمَ أهل النار وشعارهم، وجعل الصدق عَلَمَ أهل الجنَّة وشعارهم (^١)، وهذا الخلاف في غير الكذب على الله تعالى وعلى رسوله - ﷺ -، قال ابن حجر الهيتمي: (ولا ريب أن تعمد الكذب على الله ورسوله في تحليل حرام أو تحريم حلال كفر محض، وإنما الكلام في الكذب عليهما فيما سوى ذلك)، وكان قد ذكر أن الكذب على الله تعالى وعلى رسوله - ﷺ - من الكبائر (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩).\n(^٢) انظر: \"الزواجر\" (١/ ٩٧)، \"الكبائر\" للذهبي ص (٩٣).","vol":"10","page":318},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1319>اجتناب سوء الظن</span>\n١٥٢٩/ ٢ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ -؛ أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \"إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n• الكلام عليه من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث تقدم تخريجه في باب (الرَّهَبِ من مساوئ الأخلاق) وقد رواه البخاري (٦٠٦٦)، ومسلم (٢٥٦٣) من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -. وذكر الحديث، وتقدم سياقه بتمامه.\n\n• الوجه الثاني: تقدم هذا الحديث في باب (مساوئ الأخلاق) وذكره هنا في (مكارم الأخلاق) لأن الظن له اعتباران، فإن أخذ به الإنسان وصار يرتب عليه الأحكام والنتائج فهو من مساوئ الأخلاق، وإن تباعد المؤمن عن ذلك وترك الظنون السيئة وحمل الناس على المحامل الحسنة - ما لم يقم دليل - فهذا من مكارم الأخلاق ومن محاسنها، وبهذا يتبين دقة المؤلف حينما ذكر الحديث في الموضعين.\nولو لم يكن في حسن الظن إلَّا راحة البال وهدوء النفس لكان ذلك كافيًا في الأخذ بهذا الخلق، ولو لم يكن في سوء الظن إلَّا الهم والعناء وإشغال البال لكان ذلك كافيًا في الحذر من هذا الخلق المسمى والله أعلم.","vol":"10","page":319},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1320>الحذر من الجلوس في الطرقات إلا بحقها</span>\n١٥٣٠/ ٣ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ\". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا؛ نَتَحَدَّثُ فيهَا. قَال: \"فَأمَّا إِذَا أَبَيتُمْ، فَأعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ\". قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟. قَال: \"غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الاستئذان\"، باب (قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧]) (٦٢٢٩)، ومسلم (٢١٢١) من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"إياكم والجلوس في الطرقات\"، قالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، قال رسول الله - ﷺ -: \"فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه … \" الحديث.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إياكم والجلوس) هذا أسلوب تحذير، وقد تقدم إعرابه.\n\nقوله: (بالطرقات) هكذا في بعض نسخ البلوغ، وهو المثبت في \"صحيح البخاري\" في \"الاستئذان\" كما في طبعة الناصر، وهو الذي مشى عليه الحافظ في الشرح، وقال: (في رواية الكشميهني: \"في الطرقات\") (^١) وهي رواية\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ١٠).","vol":"10","page":320},{"text":"مسلم، وفي رواية للبخاري في \"المظالم\": \"على الطرقات\"، وهي في بعض نسخ البلوغ، والطرقات: جمع طريق، وهو يُذكَّر كما في هذه الرواية، ويؤنث كما في الرواية الآتية.\n\nقوله: (ما لنا بُدٌّ) بضم الباء الموحدة وتشديد المهملة؛ أي: لا محيد لنا عن ذلك، ولا يعرف استعمال هذه اللفظة إلا مقرونًا بالنفي (^١).\n\nقوله: (فأما إذا أبيتم) هكذا في نسخ البلوغ، والذي في \"الصحيحين\": \"فإذا أبيتم إلا المجلس\" وهو مصدر ميمي بمعنى الجلوس، وقد وقع عند البخاري في \"المظالم\": \"فإذا أتيتم إلى المجالس فأعطوا الطريق حقها\" (^٢).\n\nقوله: (فأعطوا الطريق حقه) أي: ما يطلب فيه من الآداب الكريمة والأخلاق العالية، وفي التعبير بالحق إشارة إلى تأكيد الأمور المذكورة والاهتمام بها والحرص على تطبيقها.\n\nقوله: (غض البصر) الغض هو النقص والخفض من الطرف والصوت، ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩]؛ والمراد: كَفُّهُ عن النظر إلى ما لا يحل النظر إليه بخفضه إلى الأرض أو بصرفه إلى جهة أخرى.\n\nقوله: (وكف الأذى) أي: الامتناع عن أذية المارة بالقول أو بالفعل، أما القول فهو الغيبة أو الاحتقار أو بفضول الكلام الذي يحصل من الجالسين الذين يتحدثون في شأن من يمر بهم من الناس، أو نحو ذلك، وأما الفعل فهو مضايقة الناس في طريقهم بحيث يملأ الجالسون الطريق فلا يمر أحد إلا بمشقة، ومثل هذا إيقاف سياراتهم في طريق الناس مما يكون سببًا في التضييق على المارة أو على سياراتهم.\n\nقوله: (ورد السلام) أي: إذا سلم أحد المارة، فإن الجالس يرد عليه؛ لأن هذا من حق الطريق، والظاهر أن التنبيه على هذا لكون الاجتماع مظنة\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٣٨).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٢٤٦٥).","vol":"10","page":321},{"text":"الانشغال عن أداء هذا الحق، وقد تقدم في أول \"الجامع\" حديث أبي هريرة - ﵁ - وفيه: \"يسلم المار على القاعد … \".\n\nقوله: (والأمر بالمعروف) وهو اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ورسوله من قول أو فعل أو اعتقاد.\n\nقوله: (والنهي عن المنكر) وهو اسم جامع لكل ما يكرهه الله ورسوله من قول أو فعل أو اعتقاد.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث النهي عن الجلوس في الطرقات؛ لأن الطريق إنما جعلت للمرور بها لا للجلوس فيها؛ ولأن الجالس في الطريق قد يتعرض للفتنة، وقد يحصل منه الأذى إما بالقول أو بالفعل؛ ولأن الجالس يلزم نفسه بحقوق إخوانه المسلمين وهي لا تلزمه لو جلس في بيته، وقد لا يقوم بها على وجه الكمال، والمسلم مأمور بالابتعاد عن مواطن الفتن ومأمور بألا يلزم نفسه بشيء قد لا يقوى عليه.\nوفي هذا دليل بيِّن على كمال هذا الدين ورعايته لمصالح العباد، ومن ذلك عنايته بالطرقات وصيانة حقوق المرور بها حيث نهى الناس عن الجلوس بها، ومن أبى إلا الجلوس طُلب منه القيام بالحقوق المذكورة في هذا الحديث.\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على عظم شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث طلب من الجالس في الطريق القيام به؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد تطابق على وجوبه الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة، وهو -أيضًا- من النصيحة التي هي الدين، ومصالحه جمة، ومنافعه عظيمة، ولا يسقط عن المكلف؛ لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وواجبه: الأمر والنهي، لا القبول. قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إلا الْبَلَاغُ﴾ (^١) [المائدة: ٩٩].\n\n° الوجه الخامس: استدل العلماء بهذا الحديث على قاعدة: \"دفع\n_________\n(^١) انظر: \"شرح الأربعين\" لابن العطار ص (١٦٣).","vol":"10","page":322},{"text":"المفسدة مقدم على جلب المصلحة\"؛ لأن النبي - ﷺ - حذر الصحابة - ﵃ - ومن بَعْدَهم من الجلوس في الطرقات مع ما فيه من الأجر لمن قام بحق الطريق، وذلك أن الاحتياط لطلب السلامة آكد من الطمع في زيادة الأجر (^١). قال الطبري: (فيه الدلالة على الندب إلى لزوم المنازل التي يسلم لازمها من رؤية ما يُكره رؤيته، وسماع ما لا يحل له سماعه، مما يجب عليه إنكاره، ومن معاونة مستغيثٍ يلزمه إعانته، وذلك أن الرسول - ﷺ - إنما أذن في الجلوس بالأفنية والطرق بعد نهيه عنه، إذا كان من يقوم بالمعاني التي ذكرها - ﷺ -) (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ١١٣).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (٦/ ٥٨٩ - ٥٩٠).","vol":"10","page":323},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1321>فضل الفقه في الدين</span>\n١٥٣١/ ٤ - عَنْ مُعَاويَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا، يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في مواضع من \"صحيحه\" وأولها في كتاب \"العلم\"، باب (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) (٧١)، ومسلم (١٠٣٧) من طريق الزهري، قال: قال حميد بن عبد الرحمن: سمعت معاوية خطيبًا يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم، والله معطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله\".\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من يرد الله) بضم الياء من الإرادة، والمراد بها: الإرادة الشرعية، وهي التي يلزم أن يكون المراد فيها محبوبًا لله تعالى، ولا يلزم وقوعه، وأما الكونية فهي التي يلزم فيها وقوع المراد، ولا يلزم أن يكون محبوبًا لله تعالى، فالكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة.\n\nقوله: (خيرًا) أي: منفعة، وهو نكرة في سياق الشرط، فيفيد العموم، فيشمل القليل والكثير، والتنكير للتعظيم؛ لأن المقام يقتضيه.\n\nقوله: (يفقهه في الدين) أي: يجعله عالمًا بالأحكام الشرعية ذا بصيرة فيها، والفقه في اللغة: الفهم، والمراد هنا: ما يتعلق بفهم الكتاب والسنة،","vol":"10","page":324},{"text":"وهذا يشمل الفقه في أصول الإيمان وشرائع الإسلام وحقائق الإحسان، وما يتبع ذلك من الوسائل المعينة على الفقه في الدين كعلوم العربية بأنواعها.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل العلماء على سائر الناس؛ لأنهم الذين يخشون الله تعالى، فيجتنبون معاصيه، ويديمون طاعته، لمعرفتهم بعظم النعمة والوعد والوعيد، قال الحسن البصري: (إنما الفقيه: الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه) (^١).\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على فضل التفقه في الدين على سائر العلوم، وأنه من أعظم مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وأنه لا يُعطى إلا من أراد الله به خيرًا، وهذا يفيد أن العلم النافع علامة على سعادة العبد، وأنه يرجى له بذلك حسن الخاتمة؛ لأن العلم النافع يقود إلى خشية الله تعالى وإلى طاعته وتقواه.\n\n° الوجه الخامس: يدل مفهوم الشرط في قوله: \"من يرد الله به خيرًا\" على أن من لم يتفقه في دين الله وأعرض عن العلوم النافعة مع قدرته على ذلك واحتياجه إليه أن الله لم يرد به خيرًا؛ لحرمانه الأسباب التي تُنال بها الخيرات، وتُكتسب بها السعادة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه أحمد في \"الزهد\" ص (٣٢٧)، والدارمي (١/ ٧٦)، والآجري في \"أخلاق العلماء\" ص (٨٤)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ١٤٧).","vol":"10","page":325},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1322>فضل حسن الخلق</span>\n١٥٣٢/ ٥ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَا مِنْ شَيءٍ فِي المِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث تقدم تخريجه في \"مساوئ الأخلاق\" من رواية الترمذي (٢٠٠٢) من طريق ابن أبي مليكة، عن يعلى بن مملك، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء - ﵁ - مرفوعًا.\nوقد تقدم أن يعلى بن مملك متكلم فيه، لكن لم ينفرد به، فقد تابعه عطاء الكيخاراني، فقد رواه أبو داود (٤٧٩٩)، وأحمد (٤٥/ ٥٠٩) من طريق شعبة، عن القاسم بن أبي بَزَّة، والترمذي (٢٠٠٣) من طريق مطرف بن طريف، وأحمد (٤٥/ ٤٨٧) من طريق الحسن بن مسلم، ثلاثتهم عن عطاء الكَيخَارَاني (^١)، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق\" هذا لفظ أبي داود (^٢).\nوهذا الحديث سنده صحيح، وعطاء بن نافع الكيخاراني وثقه ابن معين والنسائي (^٣).\n_________\n(^١) نسبة إلى كيخران، قرية باليمن.\n(^٢) انظر: \"العلل\" للدارقطني (٦/ ٢٢١).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ١٩٣).","vol":"10","page":326},{"text":"° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ما من شيء) ما: نافية عاملة عمل ليس، و(من) زائدة لتأكيد العموم المستفاد من (شيء)؛ لأنه نكرة في سياق النفي، و(شيء) اسم (ما) مجرور لفظًا مرفوع محلًا.\n\nقوله: (في الميزان) أي: ميزان الأعمال يوم القيامة، والميزان لغة: ما تقدر به الأشياء خفة وثقلًا، وشرعًا: ما يضعه الله يوم القيامة لوزن أعمال العباد.\n\nقوله: (أثقل) بالنصب خبر (ما) العاملة، وبالرفع خبر المبتدأ على أن (ما) غير عاملة، وتقدم الكلام على (حسن الخلق) في أول باب (الأدب).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل حسن الخلق وعظيم منزلته عند الله تعالى، وأنه من أفضل ما يكون في ميزان العبد يوم القيامة؛ لأن الله تعالى يحب حسن الخلق ويرضى عن صاحبه، وهذه إحدى الفضائل الكثيرة والفوائد العظيمة لحسن الخلق.\nفعلى العبد أن يكون حسن الخلق مع الله تعالى ومع عباده، وحسن الخلق مع الله تعالى هو الرضا بحكمه وشرعه وقضائه وتدبيره، وحسن الخلق مع عباد الله كما قال عبد الله بن المبارك في وصفه: (هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى) (^١)، وقال حبيب بن أبي ثابت: (من حسن خلق الرجل: أن يحدث صاحبه وهو يبتسم) (^٢).\nيقول الشيخ عبد الرحمن السعدي مبينًا فوائد حسن الخلق: (هذا هو مادة الأخلاق الجميلة كلِّها، وقد اتفق الشرع والعقل على حسنه، ورفعة قدره، وعلو مرتبته، ومداره على قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]؛ أي: خذ ما تيسر وعَفَى وتَسَهَّلَ من أخلاق الناس، ولا تطالبهم بما لا تقتضيه طباعهم، ولا تسمح به أخلاقهم. هذا فيما يأتيك منهم.\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٢٠٠٥)، وقد تقدم في باب \"الأدب\".\n(^٢) \"روضة العقلاء\" ص (٧٦ - ٧٧).","vol":"10","page":327},{"text":"وأما ما تأتي إليهم فالأمر بالعرف، وهو نصحهم وأمرهم بكلِّ مستحسن شرعًا، وعقلًا وفطرة، وأعرض عمن جهل عليك بقوله أو فعله، فللَّه ما أحلى هذه الأخلاق وما أجمعها لكلِّ خير، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥].\nويُمِدّه الصبرَ والحلمَ وسعةَ العقل، وفضل هذا الخلق ومرتبته فوق ما يصفه الواصف.\nومن فوائد هذا المقام الجليل: أن صاحبه مستريح القلب، مطمئن النفس قد وطَّن نفسه على ما يصيبه من الناس من الأذى، وقد وطّن نفسه أيضًا على إيصال النفع إليهم بكلِّ مقدوره، وقد تمكّن من إرضاء الكبير والصغير والنظير، وقد تحمَّل مَنْ لا تَحْمِلُهُ مِن ثقله الجبال، وقد خفت عنه الأثقال، وقد انقلب عدوه صديقًا حميمًا، وقد أمن من فلتات الجاهلين ومضرة الأعداء أجمعين، وقد سهل عليه مطلوبه من الناس، وتيسر له نصحهم وإرشادهم والاقتداء بنبيه في قوله تعالى في وصفه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]) (^١). هذا وقد مضى شيء من الكلام على حسن الخلق في أول باب \"الأدب\".\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على ثبوت الميزان الذي توزن به أعمال العباد يوم القيامة لإظهار العدل وبيان الفضل، وهو ميزان حقيقي حسي، له كفتان، وقد جاء ذكره في عديد من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة. قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨)﴾ [الأعراف: ٨]، وسيأتي في آخر الكتاب حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: \"كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم\".\n_________\n(^١) \"فتح الرحيم الملك العلام\" ص (١١٩).","vol":"10","page":328},{"text":"وظاهر الحديث أن الذي يوزن هو حسن الخلق الذي هو عمل العبد وهو وإن كان وصفًا قائمًا بغيره إلا أن الله تعالى يجعل الأعمال أجسامًا توضع في الميزان، وفي المسألة كلام ليس هذا موضع بسطه، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- مزيد بيان عند شرح حديث أبي هريرة - ﵁ - آخر الكتاب. والله تعالى أعلم (^١).\n_________\n(^١) انظر: رسالة \"تحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان\" لمرعي الحنبلي، \"التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية\" ص (٢٤١)، \"شرح العقيدة الواسطية\" لابن عثيمين (٢/ ٢٣٨).","vol":"10","page":329},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1323>ما جاء في أن الحياء من الإيمان</span>\n١٥٣٣/ ٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الْحَيَاءُ مِنَ الإيمَانِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الإيمان\"، باب (الحياء من الإيمان) (٤٤) من طريق مالك بن أنس، ومسلم (٣٦) من طريق ابن عيينة، كلاهما عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - مَرَّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله - ﷺ -: \"دعه؛ فإن الحياء من الإيمان\".\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يعظ أخاه في الحياء) أي: يعاتبه على حيائه، لما روى البخاري في \"الأدب\" (٦١١٨) من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، عن ابن شهاب بلفظ: مرَّ النبي - ﷺ - على رجل وهو يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنك لتستحي -حتى كأنه يقول: أضرَّ بك- فقال رسول الله - ﷺ -: \"دعه؛ فإن الحياء من الإيمان\".\n\nقوله: (الحياء) هو مصدر حيي منه حياءً، وهو مأخوذ من مادة (حَيِيَ) التي تدل على الاستحياء الذي هو ضد الوقاحة، قال الجوهري: (واستحياه واستحيا منه بمعنى واحد من الحياء، ويقال: استحيت، بياء واحدة) (^١).\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (٦/ ٢٣٢٤)، \"معجم مقاييس اللغة\" (٢/ ١٢٢)، \"المصباح المنير\" ص (١٦٠).","vol":"10","page":330},{"text":"والحياء شرعًا: خلق يبعث على فعل الحسن وترك القبيح.\nوفسروا الخلق بأنه تغير وانكسار، يعتري الإنسان، ويحمله على فعل ما يجمل ويزين وترك ما يدنس ويشين.\nوالحياء من الله يوجب للعبد توقي الذنوب وفعل الواجبات والمستحبات، والحياء من الناس يوجب للعبد احترامهم وإنزالهم منازلهم وألا يقابلهم بما لا ينبغي.\nقال ابن القيم: (الحياء مشتق من الحياة، والغيث يسمى (حيًّا) بالقصر؛ لأن به حياة الأرض والنبات والدواب، وكذلك بالحياء حياة الدنيا والآخرة، فمن لا حياء فيه ميت في الدنيا وشقي في الآخرة) (^١).\nوالحياء قسمان: غريزي، ومكتسب، والمكتسب هو الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلف به دون الغريزي، إذ ليس ذلك من كسبنا ولا في وسعنا، غير أن هذا الغريزي يَحْمِلُ على المكتسب ويعين عليه (^٢)، وقد يحمد الإنسان عليه إذا التزم به (^٣).\n\nقوله: (من الإيمان) أي: شعبة من شعب الإيمان؛ لقوله - ﷺ -: \"الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان\" (^٤).\nوإنما كان الحياء شعبة من الإيمان؛ لأن الحياء هو السبب الأقوى في قيام العبد بجميع شعب الإيمان، ومنهم من قال: إن المراد أن الحياء أثر من آثار الإيمان (^٥).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل الحياء وأنه من خصال الإيمان وحسن الإسلام ومكارم الأخلاق، وفي وصف النبي - ﷺ - الحياء بأنه\n_________\n(^١) \"الداء والدواء\" ص (١٧٠).\n(^٢) انظر: \"المفهم\" (١/ ٢١٨).\n(^٣) \"التعليق على صحيح مسلم\" للشيخ محمد بن عثيمين (١/ ٢٠١).\n(^٤) رواه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ٧٥).","vol":"10","page":331},{"text":"من الإيمان وبأنه خير كله دليل بيِّن على قيمة الحياء وعظيم أثره على سلوك الإنسان، فإن الحياء يكسو صاحبه ثوب الوقار والسكينة، ويكشف عن قيمة إيمان العبد ومقدار أدبه، وسمو أخلاقه، وهو أعظم الأخلاق قدرًا وأكثرها نفعًا، إن الحياء أن يتحرى الإنسان الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، وأن يبتعد عن الأخلاق السيئة، وأن يعرف للناس منازلهم، وينزلهم مراتبهم، يطهر فاه من الفحش، وينزه لسانه عن العيب، ويقتصد في حديثه، ويخجل أن يؤثر عنه سَوْأَة، أو يسمع عنه ما يخدش سمعته، وإذا رأيت الرجل يتحرج من فعل ما لا ينبغي أو ترى حمرة الخجل تصبغ وجهه إذا بدر منه ما لا يليق فاعلم أنه حيُّ الضمير، نَقِيُّ المعدن، زكي العنصر، وإذا رأيت الشخص صفيقًا بليد الشعور لا يبالي ما يفعل أو يترك، فهذا امرؤ لا خير فيه، وليس له من الحياء وازع يعصمه عن اقتراف الآثام وارتكاب الدنايا (^١).\nوقد تقدم في كلام ابن القيم أن الحياء مشتق من الحياة، فعلى حسب حياة القلب يكون خلق الحياء، وقلة الحياء من موت القلب، وكلما كان القلب حيًّا كان الحياء أتم، قال عمر - ﵁ -: (من قلَّ حياؤه قلَّ ورعه، ومن قلَّ ورعه مات قلبه) (^٢)، وقال ابن مسعود - ﵁ -: (من لا يستحي من الناس لا يستحي من الله) (^٣).\nومما يعين على هذا الخلق الكريم مراقبة الله تعالى وشكر نعمه التي لا تعد ولا تحصى، فمن علم أن الله تعالى ناظر إليه قريب منه أورثه هذا العلم الحياء منه، ومن علم أن الله تعالى هو المنعم المتفضل استحيا أن يستعين بنعمه على معاصيه (^٤).\nومن الحياء ما يُذم وهو ما يقع سببًا لترك أمر شرعي، كأن يمنع من\n_________\n(^١) انظر: \"خلق المسلم\" للغزالي ص (١٩٦).\n(^٢) \"مكارم الأخلاق\" لابن أبي الدنيا ص (٢٠).\n(^٣) \"مسائل الإمام أحمد رواية البغوي\" ص (٧٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٧٥)، \"الحياء\" للهلالي ص (٢٧).","vol":"10","page":332},{"text":"التفقه في الدين والسؤال عما يشكل أو حضور حلقات العلم، أو يمنع من الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر ونحو ذلك، فهذا ليس حياء شرعيًّا، وإنما هو ضعف وخَوَر وذلة ومهانة، قال مجاهد: (لا يتعلم العلم مُسْتَحْيٍ ولا مستكبر) (^١)، وسيأتي زيادة في الموضوع في شرح الحديث الآتي -إن شاء الله-. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) علقه البخاري. انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٢٨).","vol":"10","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1324>ما جاء في أن الحياء من تُراث الأنبياء</span>\n١٥٣٤/ ٧ - عَنِ أَبِي مَسْعُودٍ - ﵁ - قَال: قال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّ مِمَّا أَدْركَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ\". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في آخر كتاب \"أحاديث الأنبياء\" (٣٤٨٣) (٣٤٨٤) من طريق زهير بن معاوية ومن طريق شعبة، وفي كتاب \"الأدب\"، باب (إذا لم تستحي فاصنع ما شئت) (٦١٢٠) من طريق زهير، كلاهما عن منصور، عن ربعي بن حراش، حدثنا أبو مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -. . وذكر الحديث. إلا أنه في الموضع الأول ليس فيه لفظة: (الأولى) وهي ثابتة في الموضع الثاني، ويبدو أن الحافظ ابن حجر في شرحه للصحيح ذَهَلَ في الموضع الأول عن ثبوتها عند البخاري، فعزاها لأحمد وأبي داود وغيرهما (^١)، وتبعه على هذا الشراح كالمغربي، ومن بعده الصنعاني (^٢)، وكذا شراح \"الأربعين\" (^٣).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إن مما أدرك الناس) أي: مما وصل إلى الناس وظَفِرُوا به،\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٨/ ٢٩) طبعة الناصر، \"فتح الباري\" (٦/ ٥٢٣).\n(^٢) \"البدر التمام\" (٥/ ٣٣٠)، \"سبل السلام\" (٤/ ٤٠٧).\n(^٣) انظر: \"الفتوحات الوهبية\" ص (١٩٣).","vol":"10","page":334},{"text":"والجار والمجرور خبر (إن)، واسمها قوله: (إذا لم تستحي) على تقدير القول؛ أي: قولهم: إذا لم تستح أو على إرادة: هذا اللفظ.\n\nقوله: (من كلام النبوة) على حذف مضاف؛ أي: كلام أصحاب النبوة الأولى، أو ذوي النبوة الأولى، وقد يقال: إنه لا حذف وإنما جاء التعبير بالصفة وهي النبوة عن الموصوف وهم الأنبياء، وتكون إضافة الكلام إلى النبوة للإشعار بأن ذلك من نتائج الوحي وثمراته (^١).\nوالمراد بالنبوة الأولى: النبوة السابقة قبل نبينا - ﷺ -، والمعنى: أنه أمر استقر في جميع الشرائع ولم يُنسخ؛ لأنه أمر قد علم صوابه وظهر فضله.\n\nقوله: (إذا لم تستحْي) جاء في بعض نسخ \"البلوغ\" \"إذا لم تستحِ\" بحذف ياء المضارع للجازم مع كسر الحاء مخففة إذا كان من الفعل استحى، وجاء في أكثرها بإثبات الياء مخففة مع سكون الحاء، أو كسرها، وهو المثبت في \"الصحيح\"، على أنه من الفعل استحيَى، ويكون الجازم حَذَفَ الياء الثانية التي هي لام الفعل (^٢)، وذلك أنه قد تقدم أنه يقال: استحييت بيائين، ومضارعه يَسْتَحْيي، واسْتَحَيتُ بياء واحدة، ومضارعه يَسْتَحِي، وأصله: اسْتَحْيَيتُ، فَأَعَلُّوا الياء الأولى، وألقوا حركتها وهي الفتحة على الحاء، واستحيا أصله استحيَيَ على وزن استفعل، فقلبت الياء الثانية ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها.\n\nقوله: (فاصنع ما شئت) هذه رواية \"الصحيحين\" وفي رواية للبخاري: \"فافعل ما شئت\" (^٣) والصُّنْع أخص من العمل (^٤).\nوقد اختلف العلماء في معنى هذه الجملة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه أمر بمعنى التهديد والوعيد؛ والمعنى: إذا لم يكن\n_________\n(^١) انظر: \"الفتوحات الوهبية\" ص (١٩٣).\n(^٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤/ ١٧٧)، (٨/ ٢٩) طبعة الناصر، \"مصابيح الجامع\" (٧/ ١٧٧)، \"شرح الجرداني على الأربعين\" ص (٤٦).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" ص (١٩٣).\n(^٤) \"الفتوحات الوهبية\" ص (١٩٣).","vol":"10","page":335},{"text":"عندك حياء فاعمل ما شئت، فإن الله يجازيك عليه، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥]، وعلى هذا يكون الحديث تعظيمًا لأمر الحياء، وهذا التفسير اختيار أبي العباس ثعلب.\nوالقول الثاني: أنه أمر، ومعناه الخبر؛ والمعنى: أن من لم يستح صنع ما شاء؛ لأن المانع من فعل القبائح هو الحياء، فمن لم يكن له حياء انهمك في كل محظور، وهذا اختيار أبي عبيد القاسم بن سَلَّام، وابن قتيبة، ومحمد بن نصر المروزي، وغيرهم (^١).\nوالقول الثالث: أنه أمر بمعنى الإباحة والإذن؛ أي: أمر بفعل ما شاء على ظاهر لفظه؛ والمعنى: انظر إلى بها تريد أن تفعله فإن كان مما لا يستحيا منه فافعله، وإن كان مما يستحيا منه فدعه (^٢)، وهذا قول جماعة من الأئمة، منهم إسحاق المروزي الشافعي، وحُكي مثله عن الإهام أحمد (^٣).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل خلق الحياء، وأنه من مكارم الأخلاق المأثورة عن النبوات السابقة، قال الخطابي: (معناه: أن الحياء لم يزل ممدوحًا على ألسن الأنبياء الأولين ومأمورًا به، لم ينسخ فيما نسخ من الشرائع، فالأولون والآخرون فيه على منهاج واحد) (^٤)، وهذا مما يؤكد قيمة الحياء وعظيم أثره على سلوك الإنسان، ومعاملته مع الله تعالى ومع خلقه، وأنه يعصم العبد عن القبيح من الأقوال والأفعال، ومن فقد الحياء وقع في الذنوب والمعاصي ومساوئ الأخلاق، كما تقدم.\nإن الحياء خلق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والصحابة رضوان الله عليهم، والتابعين من هذه الأمة، يقول أبو سعيد الخدري - ﵁ - كان\n_________\n(^١) \"غريب الحديث\" لأبي عبيد (٢/ ٣٣٠)، \"جامع العلوم والحكم\" شرح الحديث (٢٠).\n(^٢) \"أعلام الحديث\" (٣/ ٢١٩٨ - ٢١٩٩).\n(^٣) \"جامع العلوم والحكم\" شرح الحديث (٢٠).\n(^٤) \"أعلام الحديث\" (٣/ ٢١٩٨).","vol":"10","page":336},{"text":"رسول الله - ﷺ - أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها (^١). ويقول - ﷺ -: \"إن موسى - ﵇ - كان حَيِيًّا سِتِّيرًا، لا يُرى من جلده شيء استحياءً من الله .. \" (^٢)، ويقول أبو بكر - ﵁ - وهو يخطب في الناس: (يا معشر المسلمين: استحيوا من الله، فوالذي نفسي بيده إني لَأَظَلُّ حين أذهب الغائط في الفضاء متقنعًا بثوبي استحياءً من ربي ﷿) (^٣).\nوتقدم قول عمر - ﵁ -: (من قلَّ حياؤه قل ورعه، ومن قلَّ ورعه مات قلبه).\nكما تقدم قول ابن مسعود - ﵁ -: (من لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله).\nوقال الفضيل بن عياض: (خمس من علامات الشقوة: القسوة في القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل) (^٤).\nوقد ذكر ابن القيم أن من عقوبات المعاصي: ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب، وهو أصل كل خير، وذهابه ذهاب الخير أجمع (^٥)، ثم قال: (والمقصود أن الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية، حتى إنه ربما لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه، بل كثير منهم يخبر عن حاله وقبيح ما يفعله، والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء، وإذا وصل العبد إلى هذه الحال لم يبق في صلاحه مطمع) (^٦). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦١١٩)، ومسلم (٢٣٢٠).\n(^٢) رواه البخاري (٣٤٠٤)، ومسلم (٣٣٩).\n(^٣) \"مكارم الأخلاق\" لابن أبي الدنيا ص (٢٠).\n(^٤) \"مدارج السالكين\" (٢/ ٢٦٠).\n(^٥) \"الداء والدواء\" ص (١٦٨).\n(^٦) المصدر السابق ص (١٦٩ - ١٧٠).","vol":"10","page":337},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1325>ما جاء في فضل المؤمن القوي</span>\n١٥٣٥/ ٨ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"المُؤْمِنُ الْقَويُّ خَيرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِن الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإن أَصَابَكَ شَيءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيطَانِ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"القدر\"، بابٌ (في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله) (٢٦٦٤) من طريق عبد الله بن إدريس، عن ربيعة بن عثمان، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكر الحديث.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (المؤمن القوي) أي: في إيمانه وما يقتضيه إيمانه، وهو الذي كمل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وكمل غيره بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر.\nوليس المراد قوة البدن فحسب إلا إذا كان في قوة البدن ما يزيد في إيمانه وما يقتضيه؛ لأن القوي وصف عائد على موصوف وهو المؤمن، فيكون المراد القوي في إيمانه وما يقتضيه.\n\nقوله: (خير) اسم تفضيل حذفت ألفه تخفيفًا، وهو خبر المبتدأ (المؤمن)","vol":"10","page":338},{"text":"والغرض من هذه الجملة تحريك الهمة والحث والترغيب في اكتساب أنواع القوة، من قوة البدن وقوة العلم وقوة الإيمان والعمل الصالح، وهذه الخيرية باعتبار ما تقدم من تأثيره على غيره بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر.\n\nقوله: (وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف) اسم تفضيل، وبعده المفضل عليه.\n\nقوله: (وفي كل خير) أي: وفي كل من المؤمن القوي والمؤمن الضعيف خير؛ لاشتراكهما في أصل الإيمان، و(خير) هنا مصدر لا اسم تفضيل.\nوهذا نوع من البلاغة يسمى الاحتراس؛ لئلا يتوهم القدح في المفضول، وهو المؤمن الضعيف ويُظن أنه لا خير فيه.\n\nقوله: (احرص) بكسر الراء من باب ضرب، وفتحها لغة من باب تعب، وهو من الحرص الذي هو بذل الجهد واستفراغ الوسع، وذلك بفعل الأسباب المشروعة التي تنفع العبد في دنياه وأُخراه.\n\nقوله: (على ما ينفعك) أي: من أمور دينك ودنياك، من العلم النافع والعمل الصالح وسلوك الأسباب الدنيوية اللائقة بالحال؛ لطلب المعاش الذي يستعين به على صيانة دينه وعياله.\n\nقوله: (واستعن بالله) أي: اطلب الإعانة في جميع أمورك من الله تعالى لا من غيره.\n\nقوله: (ولا تَعْجَزْ) ضبطت هذه اللفظة في بعض نسخ \"الصحيح\" بكسر الجيم، وفي بعضها بالفتح، وفي بعضها بالوجهين، والكسر هو الأفصح على أنها من باب ضرب، قال تعالى عن الجن: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢)﴾ [الجن: ١٢]، وحكي الفتح من باب تَعِبَ (^١)، وقد\n_________\n(^١) انظر: \"مختار الصحاح\" ص (٤١٣)، \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١٦/ ٤٥٥)، \"المصباح المنير\" ص (٣٩٣).","vol":"10","page":339},{"text":"قيل: إن هذا لغة لبعض قيس عيلان، ذكرها أبو زيد الأنصاري، وهي غير معروفة عندهم، قال ثعلب: سمعت ابن الأعرابي يقول: لا يقال: عَجِزَ الرجل -بالكسر- إلا إذا عظمت عَجِيزته، قال ابن القوطية: (عَجَزَ عجزًا: ضد حَزَمَ وفي \"الصحاح\": العجز: الضَّعف) (^١).\nوالمعنى: لا تفرط في طلب ما ينفعك في دينك ودنياك متكلًا على القدر، فتنسب للتقصير، وتلام على التفريط شرعًا وعادة، بل اعتمد على الله مع اتخاذ الأسباب.\n\nقوله: (وإن أصابك شيء) أي: وإن غلبك شيء من المقدورات ولم يحصل لك المقصود بعد بذل الجهد والاستطاعة.\n\nقوله: (فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا) أي: لأن هذا القول لا يجدي عنك شيئًا؛ لأنه غفلة عن حقائق الأمور وهو أن كل شيء بقدر مقدور.\n\nقوله: (كذا وكذا) كناية عن مبهم، وهي فاعل (كان) التامة، وجملة (كان) مع فاعلها جواب (لو).\n\nقوله: (ولكن قل: قَدَّرَ اللهُ …) ضُبط في نسخ البلوغ بفتح القاف والدال المفتوحة المشددة وفتح الراء على أنه فعل ماض، وما بعده مرفوع على أنه فاعل؛ أي: قَدَّرَ الله هذا الشيء وقضى، فنفذ قضاؤه وقدره، وضبطه بعضهم بفتح القاف والدال وضم الراء على أنه اسم، وهو خبر لمبتدأ محذوف، وهو مضاف لما بعده مجرور بهذا المضاف؛ أي: هذا الحاصل قدر الله وقضاؤه (^٢).\nوالقدر يطلق على التقدير الذي هو فعل الله تعالى، ويطلق على المقدور الذي وقع بتقدير الله وهو المراد هنا.\n_________\n(^١) \"الأفعال\" لابن القوطية ص (١٩)، \"الصحاح\" (٣/ ٨٨٣)، \"معجم مقاييس اللغة\" (٤/ ٣٣٢).\n(^٢) انظر: \"دليل الفالحين\" (١/ ٣١١).","vol":"10","page":340},{"text":"قوله: (وما شاء فعل) جملة شرطية؛ أي: وما شاء الله فعله؛ لأن الله تعالى لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.\n\nقوله: (فإن لو تفتح عمل الشيطان) أي: وساوس الشيطان وأوهامه التي يلقيها على الإنسان من نقص إيمانه بالقدر واعتراضه عليه، وفتح أبواب الهم والحزن المضعف للقلب.\nولو: اسم (إنَّ) قصد حكايتها؛ أي: فإن هذا اللفظ يفتح عمل الشيطان.\n\n° الوجه الثالث: إثبات صفة المحبة لله تعالى على ما يليق بجلاله، وأنها متعلقة بمحبوبات الله تعالى وبمن قام بها من عباده، وأنها تتفاضل فمحبته للمؤمن القوي أعظم من محبته للمؤمن الضعيف.\n\n° الوجه الرابع: أن الناس يتفاوتون في قوة الإيمان وضعفه، وهذا يؤيد القول الصحيح: إن الإيمان يزيد وينقص؛ لأن قوة الإيمان زيادة، وضعفه نقص.\n\n° الوجه الخامس: أن المؤمنين يتفاوتون في الخير ومحبة الله تعالى والقيام بدينه، وأن الله تعالى يحب بعض المؤمنين أكثر من بعض، وأن المؤمن وإن ضعف ففيه خير بإيمانه وطاعته.\n\n° الوجه السادس: أنه ينبغي لمن فاضل بين الأشخاص أو الأجناس أو الأعمال أن يذكر وجه التفضيل وجهة التفضيل، وألا يهمل ذكر الفضل المشترك بين الفاضل والمفضول؛ لئلا يتطرق القدح إلى المفضول (^١).\n\n° الوجه السابع: الحث على الحرص على الاجتهاد في طلب الأمور النافعة من أمور الدين وأمور الدنيا، وكمال العبد في هذين الأمرين: أن يكون حريصًا وأن يكون حرصه على ما ينتفع به؛ لأن العبد محتاج إلى الأمور الدنيوية كما هو محتاج إلى الأمور الدينية، فمتى حَرَصَ العبد على الأمور النافعة واجتهد فيها وسلك أسبابها وطرقها، واستعان بربه في حصولها\n_________\n(^١) انظر: \"بهجة قلوب الأبرار\" ص (٢٩).","vol":"10","page":341},{"text":"وتكميلها كان في ذلك كماله، وعنوان فلاحه، فإن حرص على ما لا ينفعه، أو فعل ما ينفعه بغير حرص فاته من الكمال بحسب ما فاته من ذلك (^١).\nوفي الحديث إشارة إلى أنه لا ينبغي للعاقل أن يمضي جهده ويصرف وقته فيما لا نفع فيه، كما يجب عليه الابتعاد عن كل ما فيه ضرر في العاجل والآجل؛ لأن اجتناب الضار نفع للعبد، يدل على هذا قوله: \"احرص على مما ينفعك\".\n\n° الوجه الثامن: وجوب الاستعانة بالله تعالى على أمور الدين والدنيا؛ لأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على ذلك إلا الله تعالى، والاستعانة بالله تعالى تتضمن الخضوع لله تعالى، والثقة به والاعتماد عليه.\nومناسبة أمره بالاستعانة بعد أمره بالحرص على ما ينفعه؛ أَنَّ حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله تعالى ومشيئته وتوفيقه، فأُمِرَ بالاستعانة ليجتمع له مقام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأن حرصه على ما ينفعه عبادة لله، ولا تتم إلا بمعونة الله، فأمره بأن يعبده ويستعين به (^٢).\nوهناك ملحظ آخر في هذا الأمر وهو أن الإنسان بقوته وحرصه على النافع وإدراكه ما يريد قد يغفل عن الاستعانة وتغره نفسه بأن ما حصل له إنما هو بحوله وقوته، فناسب أمره بالاستعانة بعد أمره بتحصيل ما ينفعه؛ لئلا ينسى الاستعانة بالله تعالى ولو على الشيء اليسير (^٣).\n\n° الوجه التاسع: أنه ينبغي للإنسان أن يصبر ويثابر ويحذر العجز والبطالة وتعطيل الأسباب، فالعجز مذموم شرعًا وعقلًا، قال ابن القيم: (العجز ينافي حرصه على ما ينفعه، وينافي استعانته بالله، فالحريص على ما ينفعه المستعين بالله ضد العاجز. . .) (^٤).\n_________\n(^١) \"شفاء العليل\" (١/ ٢٣٠ - ٢٣١).\n(^٢) \"شفاء العليل\" (١/ ٢٣١).\n(^٣) \"شرح رياض الصالحين\" (٢/ ٨٠).\n(^٤) \"شفاء العليل\" (١/ ٢٣١).","vol":"10","page":342},{"text":"° الوجه العاشر: إثبات القضاء والقدر وأنه لا ينافي فعل الأسباب والسعي في طلب الخيرات؛ لأن ما قدر لا بد أن يكون، فيجب الإيمان بالقدر والتسليم، وأفعالُ الله تعالى إنما تصدر عن حكمةٍ وعلم وفضل وعدل.\n\n° الوجه الحادي عشر: النهي عن قول (لو) في الأمور المقدرة التي حصلت ومضت؛ لأنها اعتراض على القدر، وفيها التسخط والندم، وضيقة الصدر، وتجدد الأحزان على النفوس، وهذا باب ينبغي إغلاقه إذ لا نفع فيه، ثم هو يخل بتوحيد العبد وقوة إيمانه؛ لأن الأمور كلها بقضاء الله وقدره، وما وقع منها فلا بد من وقوعه، ولا يمكن رده، وهذا أمر يقع فيه كثير من الناس، فيعتقد أنه يمكنه دفع المقدور لو فعل ذلك، وذلك يضعف رضاه وتسليمه وتفويضه وتصديقه بالمقدور وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن (^١).\nأما استعمالها تندمًا على فوات الطاعة وتمنيًا للخير أو في أمر مستقبل، فهذا جائز، كأن يقول: لو أَنَّ عندي مالًا لتصدقت على فلان، ومثل هذا إذا استعملت في الخبر المحض، مثل: لو حضرت الدرس لاستفدت، ومنه قوله - ﷺ -: \"لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي\" (^٢)، فأخبر النبي - ﷺ - أنه لو علم أن هذا الأمر سيكون من الصحابة - ﵃ - ما ساق الهدي ولَأحَلَّ معهم، أو أنه لو استقبل الإحرام بالحج ما ساق الهدي ولَأحْرَمَ بالعمرة. وقال آخرون: إنه من باب التمني، وهذا فيه نظر؛ لأن النبي - ﷺ - لا يتمنى شيئًا قدَّر الله خلافه (^٣).\n\n° الوجه الثاني عشر: التحذير من كيد الشيطان؛ لأن له تأثيرًا علي بني آدم، ومن ذلك إدخال الوساوس.\n\n° الوجه الثالث عشر: الإرشاد إلى الكلام الحسن، لقوله: \"ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل\". والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"إعلام الموقعين\" (٣/ ١٦٩).\n(^٢) رواه مسلم (١٢١٨)، من حديث جابر - ﵁ -.\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٢٤)، \"القول السديد\" ص (١٦٦)، \"القول المفيد\" (٣/ ١٢٤).","vol":"10","page":343},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1326>الحث على التواضع</span>\n١٥٣٦/ ٩ - عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّ اللهَ أَوْحى إِلَيَّ: أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الجنة وصفة نعيمها وأهلها\"، باب (الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار) (٢٨٦٥) (٦٤) من طريق هشام، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار المجاشعي، أن رسول الله - ﷺ - قال ذات يوم في خطبته: \"ألا أن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم .. \" الحديث، ورواه سعيد عن قتادة بهذا الإسناد ولم يذكر في حديثه: \"كل مال نحلته عبدًا حلال\".\nورواه مطر، حدثني قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار أخي بني مجاشع قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - ذات يوم خطيبًا فقال: \"إن الله أمرني … \" وساق الحديث بمثل حديث هشام عن قتادة، وزاد فيه: \"وإن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد. . .\" الحديث.\nورواه أبو داود (٤٨٩٥) من طريق الحجاج، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله، عن عياض بن حمار، مقتصرًا على اللفظ الذي ساقه الحافظ هنا.","vol":"10","page":344},{"text":"° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أوحى إليَّ) الوحي في اللغة: الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه بحيث يخفى على غيره.\nوشرعًا: إعلام الله تعالى لنبيٍّ من أنبيائه بحكم شرعي ونحوه (^١)، وهذا الوحي قد يكون وحي إلهام أو برسالة (^٢).\n\nقوله: (أن تواضعوا) أن مفسرة؛ لأنه تقدم عليها جملة فيها معنى القول دون حروفه، كقوله تعالى: ﴿إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾ [طه: ٣٨ - ٣٩]، ويجوز أن تكون مصدرية بتقدير حرف الجر؛ أي: أمرني وإياكم بالتواضع.\nوالتواضع: مصدر تواضع؛ أي: أظهر الضَّعة، وهو مأخوذ من مادة (وض ع) التي تدل على الخفض للشيء وحطه (^٣).\nوالتواضع: هو خفض الجناح وإلانة الجانب من غير خسة ولا مذلة، وهو ضد الكبر.\n\nقوله: (حتى) غائية أو تعليلية، وعندي أنه أظهر.\n\nقوله: (لا يبغي) بكسر الغين، وهو منصوب بـ (حتى)، والبغي: هو الظلم والاستطالة والتعدي على الغير، يقال: بغى على الناس بغيًا: ظلم واعتدى وعدل عن الحق (^٤).\n\nقوله: (ولا يفخر) بالنصب عطفًا على ما قبله، وهو بفتح الخاء المعجمة ماضيه فَخَرَ من باب نفع، والافتخار: هو المباهاة بالمكارم والمناقب من المال والولد والعلم والقوة والنسب وغير ذلك.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث حث على التواضع وأمر به، وهو خلق\n_________\n(^١) انظر: \"معجم مقاييس اللغة\" (٦/ ٩٣)، \"مناهل العرفان\" (١/ ٥٦).\n(^٢) انظر: \"دليل الفالحين\" (٣/ ٥٣).\n(^٣) \"معجم مقاييس اللغة\" (٦/ ١١٧).\n(^٤) \"المصباح المنير\" ص (٥٧).","vol":"10","page":345},{"text":"كريم من أخلاق المؤمنين، أوحاه الله تعالى إلى نبيه محمد - ﷺ -، وهذا دليل أهميته والعناية بشأنه، والتواضع أن يتذلل العبد ويستسلم عند أوامر الله تعالى فيمتثلها، وعند نواهيه فيجتنبها، ويتواضع فيما بينه وبين الناس. قال الحسن: (التواضع أن تخرج من منزلك ولا تلقى مسلمًا إلا رأيت له عليك فضلًا) (^١).\nوقال الجنيد بن محمد: (التواضع هو خفض الجناح ولين الجانب) (^٢).\nوللقرطبي في موضوع التواضع كلمة قيمة أنقلها بتمامها، يقول: (التواضع: الانكسار، والتذلُّل، ونقيضُه التكبُّر والترفع، والتواضعُ يقتضي متواضَعًا له؛ فإن كان المتواضَعُ له هو اللهُ تعالى، أو مَن أمر اللهُ بالتَّواضع له كالرسول، والإمام، والحاكم، والوالد، والعالم، فهو التواضعُ الواجبُ المحمودُ؛ الذي يرفع اللهُ تعالى به صاحبَه في الدنيا والآخرة، وأما التواضعُ لسائر الخلق فالأصلُ فيه: أنه محمودٌ، ومندوبٌ إليه، ومُرَغَّبٌ فيه إذا قُصِد به وَجْهُ الله، ومَن كان كذلك رفع اللهُ تعالى قدره في القلوب، وطيَّب ذِكْرَهُ في الأفواه، ورَفَع درجته في الآخرة، وأما التواضعُ لأهل الدنيا، ولأهل الظلم، فذلك هو الذلُّ الذي لا عِزَّ معه، والخِسَّةُ التي لا رفعةَ معها، بل يترتب عليها ذلُّ الآخرة، وكل صفقةٌ خاسرة -نعوذ بالله من ذلك-) (^٣).\nوقد أمر الله تعالى نبيه محمدًا - ﷺ - أن يتواضع لعباد الله المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ [الشعراء: ٢١٥] أي: ألِنْ لهم جانبك، وإطلاقُ العرب خفض الجناح كنايةً عن التواضع ولين الجانب أسلوبٌ معروف (^٤)، وقد حث النبي - ﷺ - على التواضع ورغَّب فيه بقوله وفعله، أما القول فكما في حديث الباب، وأما الفعل ففي سيرته - ﷺ - نماذج كثيرة تدل على أنه - ﷺ - أشد الناس تواضعًا، وأقربهم إلى الضعيف والمسكين، وأبعدهم عن الترفع والتكبر، فعن أنس - ﵁ - قال: كانت الأَمة من إماء أهل المدينة\n_________\n(^١) \"الإحياء\" (٣/ ٣٤٢).\n(^٢) \"مدارج السالكين\" (٢/ ٣٤٢).\n(^٣) \"المفهم\" (٦/ ٥٧٥).\n(^٤) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" (٣/ ١٨٦)، \"أضواء البيان\" (٦/ ٣٨٦).","vol":"10","page":346},{"text":"لَتأْخُذُ بيد رسول الله - ﷺ - فتنطلق به حيث شاءت (^١). وعنه -أيضًا - ﵁ - أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال: \"يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك\" فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها (^٢). وعن الأسود قال: سألت عائشة ما كان النبي - ﷺ - يصنع في أهله؟ قالت: كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة (^٣). وعن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"لو دعيت إلى ذِراع أو كُراع لأجبت، ولو أهدي إليَّ ذِراع أو كُراع لقبلت\" (^٤)، وكان - ﷺ - إذا مر بالصبيان سلَّم عليهم. روى مسلم عن سيار قال: كنت أمشي مع ثابت البناني، فمر بصبيان، فسلم عليهم، وحدّث ثابت أنه كان يمشي مع أنس فمر بصبيان فسلم عليهم، وحدّث أنس أنه كان يمشي مع رسول الله - ﷺ - فمر بصبيان فسلم عليهم (^٥).\nوإذا اتصف العبد بالتواضع خضع للحق وانقاد له، وقبله ممن قاله كائنًا من كان، والتواضع ضد الكبر، ومن تواضع فإنه لن يتكبر على أحد؛ لأن المتواضع لا يرى لنفسه مزية على غيره بحيث يتكبر عليه أو يعتدي عليه، وإنما البغي والتكبر ينشآن ممن يرى نفسه فوق الآخرين، فيحمله ذلك على الكبر.\nوالتواضع يرفع المرء قدرًا، ويزيده نُبلًا، وهو عنوان سعادة العبد ورفعته، ومحبة الناس له، وثناؤهم عليه وقد قال - ﷺ -: \"مما تواضع أحد لله إلا رفعه الله\" (^٦)، قال مصعب بن الزبير: (التواضع مصايد الشرف) وقيل في منثور الحكم: (من دام تواضعه كثر صديقه) (^٧).\n\n° الوجه الرابع: في الحديث نهي عن الافتخار والمباهاة بالمكارم\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٠٧٢) معلقًا.\n(^٢) رواه مسلم (٢٣٢٦).\n(^٣) رواه البخاري (٦٠٣٩).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٢٥٦٨).\n(^٥) \"صحيح مسلم\" (٢١٦٨) (١٥).\n(^٦) سيأتي شرحه إن شاء الله.\n(^٧) \"أدب الدنيا والدين\" ص (٢٠٧).","vol":"10","page":347},{"text":"والمناقب على سبيل الفخر والعلو على الناس، فهذا مذموم؛ لأنه ضد التواضع، وهو منشأ الكِبْرِ، والخَلْقُ من أصل واحد، والنظر إلى العَرَض الزائل ليس من شأن العاقل.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (نهى الله سبحانه على لسان رسول الله - ﷺ - عن نوعي الاستطالة على الخلق، وهي: الفخر والبغي؛ لأن المستطيل إن استطال بحق فقد افتخر، وإن كان بغير حق، فقد بغى، فلا يحل لا هذا ولا هذا) (^١).\nوليس من الفخر التحدث بنعمة الله؛ لأن المتحدث بالنعمة قاصد الثناء على المنعم والإخبار عن صفات موليها، ومحض جوده وكرمه، فهو بذلك مثنٍ على الله تعالى بإظهار النعمة، شاكر له، ناشر لجميع ما أولاه.\nوأما الفخر بالنعم فهو أن يستطيل بها على الناس، ويريهم أنه أعز منهم وأكبر، فيركب أعناقهم، ويستعبد قلوبهم، ويستميلها إليه بالتعظيم والخدمة (^٢)، فينشأ من ذلك البغي والتكبر. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (١/ ٤٠٥).\n(^٢) انظر: \"الروح\" لابن القيم ص (٣٣٤).","vol":"10","page":348},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1327>فضل الذَّبِّ عن عرض المسلم</span>\n١٥٣٧/ ١٠ - عَن أَبِي الدَّرْدَاءِ - ﵁ -؛ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَال: \"مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغَيبِ، رَدَّ اللهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ.\n١٥٣٨/ ١١ - وَلِأحْمَدَ، مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ نَحْوُهُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nهي أسماء بنت يزيد بن السَّكَنِ الأنصارية الأوسية ثم الأشهلية، أسلمت وبايعت رسول الله - ﷺ - وروت عنه، قال ابن عبد البر: (كانت من ذوات العقل والدين)، وقال الذهبي: (كانت من المبايعات المجاهدات)، وكان يقال لها: خطيبة النساء، شهدت مع الرسول - ﷺ - بعض المشاهد، وحضرت وقعة اليرموك، وقتلت يومئذٍ تسعة من الروم بعمود فسطاطها، حدث عنها مولاها مهاجر، وشهر بن حوشب، ومجاهد وآخرون، ذكر الذهبي أنها عاشت إلى دولة يزيد بن معاوية (^١).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجهما:\nأما حديث أبي الدرداء - ﵁ - فقد رواه الترمذي في أبواب \"البر والصلة\"، باب (ما جاء في الذب عن عرض المسلم) (١٩٣١)، وأحمد (٥٤/ ٥٢٨) من طريق عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر النهشلي، عن مرزوق أبي بكر\n_________\n(^١) \"الاستيعاب\" (١٢/ ٢٠٨)، \"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٢٩٦)، \"الإصابة\" (١٢/ ١٢٤).","vol":"10","page":349},{"text":"التيمي، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة\"، وليس عند الترمذي ولا أحمد لفظة: (بالغيب).\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن)، وقواه الحافظ العراقي (^١).\nوفي سنده مرزوق أبو بكر التيمي لم يذكروا في الرواة عنه سوى أبي بكر النهشلي، كما نص على هذا الذهبي (^٢)، وعلى هذا فهو مجهول العين، إلا إن كان أبا بُكير التيمي الكوفي المؤذن، وهذا ثقة (^٣).\nورواه الإمام أحمد (٤٥/ ٥٢٣ - ٥٢٤) من طريق ليث -وهو ابن أبي سليم- عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء عن النبي - ﷺ - قال: … وذكر الحديث بنحوه.\nوهذا سند ضعيف، فيه ليث، وهو ضعيف باتفاق الأئمة؛ لسوء حفظه واختلاطه، قال ابن معين: (ضعيف، إلا أنه يكتب حديثه)، وقال أحمد: (مضطرب الحديث، ولكن حدث عنه الناس)، وقال -أيضًا-: (ضعيف الحديث جدًّا) (^٤)، وقال الحافظ ابن حجر: (صدوق، اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثه فتُرك) وفيه -أيضًا- شهر بن حوشب، وهو متكلم فيه، فقد وثقه أحمد وابن معين، وقال أبو زرعة: (ليس به بأس) ونقل الترمذي عن البخاري: (شَهْرٌ حسن الحديث)، وقوَّى أمره، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال ابن حبان: (كان ممن يروي عن الثقات المعضلات وعن الأثبات المقلوبات)، وقال ابن عدي: (عامة ما يرويه من الحديث فيه من الإنكار ما فيه، وشهر هذا ليس بالقوي في الحديث، وهو ممن لا يحتج بحديثه ولا يُتدين به) (^٥)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق كثير الإرسال والأوهام).\n_________\n(^١) \"تخريج الإحياء\" (٢/ ٢٠٦).\n(^٢) \"الميزان\" (٤/ ٨٨).\n(^٣) انظر: \"تهذيب الكمال\" (٢٧/ ٣٧٤ - ٣٧٦)، \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٧٨)، \"التعليق على مسند الإمام أحمد\" (٤٥/ ٥٢٨).\n(^٤) انظر: \"تهذيب الكمال\" (٢٤/ ٢٧٩).\n(^٥) \"الكامل\" (٤/ ٤٠)، \"المجروحين\" (١/ ٤٥٨ - ٤٥٩)، \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ٥٧٨).","vol":"10","page":350},{"text":"ثم إن هذا الحديث في سنده اختلاف، فقد اختلف فيه على ليث -كما ذكر الدارقطني- ومن وجوه الاختلاف أن ابن القداح رواه عن شهر، عن أسماء -كما في الحديث الآتي- وهذا الاختلاف قد يكون من ليث ومن القداح على شهر، أو من شهر نفسه، فيكون قد اضطرب فيه، وقد توبع في روايته عن أم الدرداء، كما تقدم (^١).\nوأما حديث أسماء بنت يزيد فقد رواه أحمد (٤٥/ ٥٨٣) من طريق عبيد الله بن أبي زياد، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، عن النبي - ﷺ - قال: \"من ذبَّ عن لحم أخيه كان حقًّا على الله أن يعتقه من النار\".\nوهذا سند ضعيف -أيضًا- فيه عبيد الله بن أبي زياد -وهو القدَّاح- فيه مقال، قال أحمد: (ليس به بأس)، وقال أبو حاتم: (ليس بالقوي ولا المتين، هو صالح الحديث، يكتب حديثه)، وقال أبو داود فيما روى عنه الآجري: (أحاديثه مناكير)، وقال النسائي: (ليس به بأس)، وقال في موضع آخر: (ليس بالقوي)، وقال ابن عدي: (قد حدث عنه الثقات، ولم أر في حديثه شيئًا منكرًا) (^٢)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (ليس بالقوي)، وفيه -أيضًا- شهر بن حوشب- تقدم.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل من أنكر الغيبة ودافع عن عرض أخيه المسلم في مجلس اغتيب فيه، وأن الله تعالى يرد النار عن وجهه يوم القيامة كما رد عن عرض أخيه، وهذا من مهمات الآداب وحقوق الإسلام التي يجب على حاضر مجلس الغيبة أن يتحلى به، وذلك لأن المغتاب ظالم لأخيه آكل لحمه، والواجب هو ردع الظالم ونصرة المظلوم.\nوهذا الأدب الكريم ورد في أحاديث صحيحة من سنة النبي - ﷺ - القولية والفعلية والتقريرية.\n_________\n(^١) انظر: \"علل الدراقطني\" (٦/ ٢٢٥)، \"غاية المرام\" ص (٢٤٦).\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (١٩/ ٤١).","vol":"10","page":351},{"text":"فمن القولية حديث أبي الدرداء وحديث أسماء -﵄-، وإن كان في سندهما مقالٌ، لكن لهما ما يؤيد معناهما.\nومن ذلك حديث أبي هريرة - ﵁ - المتقدم-: (… ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة …) فهذا الحديث -كما يقول الحافظ ابن حجر- فيه إشارة إلى ترك الغيبة؛ لأن من أظهر مساوئ أخيه لم يستره (^١).\nوكذلك من ترك غيره يذكر مساوئ أخيه ولم ينكر ذلك لم يستره، ومن أنكر فقد ستر (^٢).\nوجاء في حديث عتبان بن مالك - ﵁ - الطويل: فقام رسول الله - ﷺ - فكبر، وقمنا وراءه، فصلى ركعتين ثم سلم، وحبسناه على خزيرة صنعناها له، فثاب رجال من أهل الدار حوله حتى اجتمع في البيت رجال ذوو عدد، قال قائل منهم: أين مالك بن الدُّخْشُنِ؟ فقال بعضهم: ذاك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله\"، قالوا: الله ورسوله أعلم … الحديث (^٣). قال ابن رجب: (فيه أن من رمى أحدًا بنفاق وذَكَرَ سُوءَ عمله، فإنه ينبغي أن تُرد غيبته ويُذكر صالح عمله. . .) (^٤).\nوفي حديث كعب بن مالك في قصة تخلفه عن غزوة تبوك وتوبة الله عليه أنه قال: ولم يذكرني رسول الله - ﷺ - حتى بلغ تبوك، فقال -وهو جالس في القوم بتبوك-: \"ما فعل كعب؟ \" فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه بُرْدَاهُ ونظره في عِطْفَيهِ، فقال معاذ بن جبل - ﵁ -: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمت عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله - ﷺ - (^٥).\nقال ابن علان: (قوله: \"فسكت رسول الله - ﷺ - \" أي: مقرًا لإنكار معاذ\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٥/ ٩٧).\n(^٢) انظر: \"الغيبة وما يتعلق بها من أحكام\" ص (١١٦).\n(^٣) رواه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ١٨٨).\n(^٥) رواه البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩).","vol":"10","page":352},{"text":"على من فعل الغيبة أو تلبس بها، وتشريعًا لمثله بالرد على المغتاب) (^١)، وقال في موضع آخر: (فسكت النبي - ﷺ - على رده عن كعب رضًا به، وتحريضًا على سلوك ذلك) (^٢).\nقال النووي: (اعلم أنه ينبغي لمن سمع غيبة مسلم أن يردها، ويزجر قائلها، فإن لم ينزجر بالكلام زجره بيده، فإن لم يستطع باليد ولا باللسان فارق ذلك المجلس، فإن سمع غيبة شيخه أو غيره ممن له عليه حق أو كان من أهل الفضل والصلاح كان الاعتناء بما ذكرناه أكثر) (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"دليل الفالحين\" (٤/ ٣٦٤).\n(^٢) \"الفتوحات الربانية\" (٧/ ١٩).\n(^٣) \"الأذكار\" ص (٥٤٤).","vol":"10","page":353},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1328>فضل العفو والتواضع</span>\n١٥٣٩/ ١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إلَّا رَفَعَهُ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"البر والصلة\"، باب (استحباب العفو والتواضع) (٢٥٨٨) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: … وذكر الحديث، إلا أن في آخره: \"إلا رفعه الله\".\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ما نقصت صدقة من مال) الصدقة: هي المخرج من المال تقربًا إلى الله تعالى، وهي تشمل الزكاة الواجبة وصدقة التطوع.\nوالمعنى: أن الصدقة إذا أخرجت من المال، فإنها لا تنقصه بل إنها تزيده إما كمية بأن يفتح الله للعبد أبوابًا من الرزق، وإما كيفية بأن ينزل الله تعالى البركة التي تزيد على مقدار ما أخرج منه صدقة، فيجبر النقص الصوري بالبركة الخفية (^١). قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].\n_________\n(^١) انظر: \"المفهم\" (٦/ ٥٧٤).","vol":"10","page":354},{"text":"قوله: (وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا) العفو: مصدر عفا يعفو عفوًا: إذا ترك وإذا طلب، قال الخليل: (العفو تركك إنسانًا استوجب عقوبة فعفوت عنه) (^١).\nوالعِزُّ: مصدر عَزَّ يَعِز عَزًّا من باب ضرب، والعز خلاف الذل، وهو حالة تمنع الإنسان من أن يُغلب (^٢).\nوالمعنى: أن من عرف بالعفو وترك المؤاخذة ساد وعظم في القلوب، وزاد عزة وكرامة ورفعة في الدنيا والآخرة (^٣).\n\nقوله: (وما تواضع أحد لله إلا رفعه) هكذا في أكثر نسخ \"البلوغ\" وفي المخطوطة (^٤)، وفي \"الصحيح\" (إلا رفعه الله) وثبت هذا في بعض النسخ، وقد تقدم قريبًا معنى التواضع، ويفسر هذا الحديث بمعنيين:\nالأول: التواضع لله تعالى بالعبادة والخضوع والانقياد لأمره.\nالثاني: التواضع لعباد الله من أجل الله، وكلاهما سبب الرفعة في الدنيا، بأن يرفع الله المتواضع ويجعل له منزلة عالية عند الناس ويرفعه في الآخرة فيثيبه على تواضعه بالجنة.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل الصدقة وأنها لا تنقص المال كما يتوهم الإنسان، أو يَعِدُ به الشيطان، كما قال تعالى: ﴿الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨] أي: يخوفكم الفقر، لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة الله (^٥). بل يزيد الله تعالى المال بركة وخيرًا، فعلى المؤمن أن يحرص على الصدقة وعلى البذل والإحسان.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على فضل العفو عن المسيء والحث عليه؛ لأن الله تعالى وعد العافين عن الناس بالعِزِّ، والعفو من كمال الإيمان\n_________\n(^١) \"العين\" (٢/ ٢٥٨)، \"معجم مقاييس اللغة\" (٤/ ٦١).\n(^٢) \"المفردات\" ص (٣٣٣).\n(^٣) انظر: \"المفهم\" (٦/ ٥٧٤ - ٥٧٥).\n(^٤) انظر وصفها في حاشية شرح الحديث (١٤٥٥) من هذا الجزء.\n(^٥) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٧٥).","vol":"10","page":355},{"text":"وحسن الإسلام، وهو من مظاهر حسن الخلق وسعة الصدر، وعدم الميل إلى الانتقام.\nوفي العفو سلامة القلب، ونقاؤه من الغش والغل وإرادة الشر، ومن عفا حصل له من حلاوة العفو ما تزيد لذته ومنفعته عاجلًا أو آجلًا على المنفعة الحاصلة بالانتقام أضعافًا مضاعفة.\nوالعفو دليل على سلامة التفكير؛ لأن من الناس من لا يعفو عمن أساء إليه، لظنه أنه يلحقه بذلك ذلٌّ أمام من اعتدى عليه، وأنه إذا انتقم صار عزيزًا مهابًا، ولا ريب أن هذا الفهم بمعزل عن الصواب، وهو من خداع النفس الأمارة بالسوء، فإنه ما انتقم أحد قط لنفسه إلا أورثه ذلك ذلًّا يجده في نفسه، فإذا عفا أعزه الله تعالى، ثم إن العفو يثمر ثواب الله تعالى، كما يثمر ثناء الناس على العافي، ومحبتهم له، ونظرهم إليه بعين الإجلال والإكبار، فيزداد عزًا فوق العز الذي كان يتوقعه لو أنه انتصف من ظالمه.\nثم إن الإنسان إذا اشتغلت نفسه بالانتقام، وطلب المقابلة، ضاع عليه زمانه، وتفرق عليه قلبه، وفاته من المصالح ما لا يمكن استدراكه، فإذا عفا وصفح فرغ قلبه وجسمه لمصالحه التي هي أهم عنده من الانتقام (^١).\nيقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: (من أعظم أنواع الإحسان: العفو عن المخطئين المسيئين، والإغضاء عن زلّاتهم، والعفو عن هفواتهم … فإنه إذا عفا عمن ظلمه وأساء إليه، زال أثر ذلك عن قلبه، وعلم أنه اكتسب عن ذلك من ربه أفضل جزاء وأعظم ثواب.\nوأيضًا: فمن عفا عن عباد الله عفا الله عنه، ومن سمح عنهم سامحه الله) (^٢).\n\n° الوجه الخامس: الحديث دليل على فضل التواضع، وأنه سبب لرفعة\n_________\n(^١) انظر: \"قاعدة في الصبر والشكر\" لابن تيمية ص (٤٧) ضمن: \"المجموعة العليّة\".\n(^٢) \"فتح الرحيم الملك العلَّام\" ص (١١٨).","vol":"10","page":356},{"text":"المتواضع، قال ابن حبان: (الواجب على العاقل لزوم التواضع ومجانبة التكبر، ولو لم يكن في التواضع خصلة تحمله إلا أن المرء كلما كثر تواضعه ازداد بذلك رفعة لكان الواجب عليه ألا يتزيَّا بغيره).\nويقول -أيضًا-: (لا يمتنع من التواضع أحد، والتواضع يكسب السلامة، ويورث الألفة، ويرفع الحقد، ويذهب الصَّدَّ، وثمرة التواضع المحبة، كما أن ثمرة القناعة الراحة، وإن تواضع الشريف يزيد في شرفه، كما أن تكبر الوضيع يزيد في ضعته، وكيف لا يتواضع من خُلق من نطفة مَذِرَةٍ، وآخره يعود جيفة قذرة، وهو بينهما يحمل العذرة؟) (^١).\n_________\n(^١) \"روضة العقلاء\" ص (٥٩، ٦١).","vol":"10","page":357},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1329>بعض مكارم الأخلاق</span>\n١٥٤٠/ ١٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"يَا أيّها النَّاسُ! أَفْشُوا السَّلَامَ، وَصِلُوا الأرْحَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ\". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه الترمذي في أبواب \"صفة القيامة والرقائق والورع\"، (٢٤٨٥)، وابن ماجه (١٣٣٤) (٣٢٥١)، وأحمد (٣٩/ ٢٠١)، والحاكم (٤/ ١٥٩ - ١٦٠) وغيرهم، من طريق عوف بن أبي جميلة الأعرابي، عن زرارة بن أوفى، عن عبد الله بن سلام - ﵁ -، قال: لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله - ﷺ -، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجه رسول الله - ﷺ - عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أولُ شيء تكلم به أن قال: \"يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلُّوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام\" وهذا لفظ الترمذي، وليس فيه: (وصلوا الأرحام) وإنما هي عند أحمد، وابن ماجه في الموضع الثاني، كما أن لفظة (بالليل) ليست عند الترمذي ولا أحمد، وإنما هي عند ابن ماجه، وبهذا يتبين أن اللفظ الذي ساقه الحافظ ليس هو لفظ الترمذي الذي عزا الحافظ الحديث إليه، وإنما هو لابن ماجه في الموضع الثاني.\nوهذا الحديث إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، قال الترمذي: (هذا حديث صحيح)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، وقد تُكُلِّمَ في سماع زرارة بن","vol":"10","page":358},{"text":"أوفى من عبد الله بن سلام، فأثبت سماعه منه مسلم، وأبو حاتم لا يرى أنه سمع، ولم يصرح البخاري بسماعه وإلا لذكره فيمن سمع، وقد اختلف في التصريح بالسماع في هذا الحديث، والأكثرون على عدمه (^١).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أفشوا السلام) بقطع الهمزة؛ أي: أشيعوا وأظهروا السلام على من عرفتم ومن لا تعرفون، يقال: فَشَا الشيء فَشْوًا وفُشُوًّا: ظهر وانتشر (^٢).\n\nقوله: (وصلوا الأرحام) أمرٌ مِن وصل يصل صلة ووصلًا، والوصل: ضد القطع والهجران، والمراد بذلك: الإحسان إلى الأقارب وإيصال الخير والنفع لهم بالمال أو بالخدمة أو بالزيارة أو بالسلام، أو بغير ذلك على حسب حال الواصل والموصول، وقد تقدم الكلام في ذلك.\n\nقوله: (وأطعموا الطعام) أي: ابذلوا الطعام لمن يحتاجه من فقير وضعيف وغريب.\n\nقوله: (وصلوا بالليل) أي: تهجدوا.\n\nقوله: (والناس نيام) جملة حالية من فاعل (صلوا) والمراد بذلك وقت غفلة الناس ونومهم؛ لأنه أبعد عن الرياء والسمعة، وأعظم في الأجر، وأقرب إلى الخشوع وتواطؤ القلب واللسان.\n\nقوله: (تدخلوا الجنة بسلام) بجزم المضارع بحذف النون؛ لأنه وقع جوابًا للطلب، والمعنى: تدخلوا الجنة متلبسين بالسلام من الله تعالى ومن الملائكة الكرام من مكروه أو تعب أو مشقة.\nوجاء في رواية الترمذي: (تدخلون) بثبوت النون، فيكون الفعل مرفوعًا على اعتبار أن الجملة حال من واو الجماعة، كإعرابها صفة لوقوعها بعد نكرة في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٣/ ٤٣٩)، \"الكنى والأسماء\" (١/ ٢٧١)، \"المراسيل\" لابن أبي حاتم ص (٦٣)، \"التابعون الثقات\" ص (٥٢٢).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (٤٧٣).\n(^٣) \"النحو الوافي\" (٣/ ٣٩٠ - ٣٩١).","vol":"10","page":359},{"text":"° الوجه الثالث: في الحديث أربع خصال من مكارم الأخلاق التي توجب محبة الله تعالى ومحبة الخلق لمن اتصف بها، ولهذا كانت من أسباب دخول الجنة، وهي إفشاء السلام ونشره بين الناس بحيث تسلم على كل من لقيت، سواء عرفته أم لم تعرفه، وتقدم هذا في باب \"الأدب\" أول كتاب \"الجامع\".\nوالثانية: صلة الأرحام، وذلك بإيصال ما تيسر من الخير لهم، ودفع ما أمكن من الشر عنهم، وهي تكون بالمال، وبالعون عند الحاجة، وبطلاقة الوجه، وبالدعاء، وبالسؤال عنهم، وهي تختلف باختلاف القدرة والحاجة، وتقدم تفصيل ذلك في باب (البر والصلة).\nوالثالثة: إطعام الطعام، وقد جعله الله تعالى من الأسباب الموجبة للجنة ونعيمها، المباعدة من النار وعذابها، قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٨ - ٩] إلى قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] فوصف فاكهتهم وشرابهم جزاءً لإطعامهم الطعام. وقال تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: ١١ - ١٦] وفي الحديث الصحيح أن النبي - ﷺ - قال: \"اتقوا النار ولو بشق تمرة\" (^١)، وقال - ﷺ -: \"أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفُكُّوا العاني\" (^٢)، وإطعام الطعام يحصل بإعداد الأكل وتقديمه للأسرة الفقيرة، أو الدعوة إليه، أو إعطاء الفقير أطعمة يستفيد منها في مستقبل الأيام، على أن الحديث عام في الفقير وغيره، لكن يتأكد الإطعام للجائع والجار، وللإطعام في رمضان مزية على غيره من الشهور، لشرف وقته، ومضاعفة أجره، وإعانة الصائمين على طاعتهم.\nوالرابعة: الصلاة بالليل، وهي أفضل الصلاة بعد الصلاة المفروضة،\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٤١٣)، ومسلم (١٠١٦).\n(^٢) رواه البخاري (٥٣٧٣) وتقدم أول \"الأدب\".","vol":"10","page":360},{"text":"وهي أفضل من صلاة النهار، وذلك -والله أعلم- لما فيها من صفاء المناجاة، وتواطؤ القلب واللسان، وقلة الشواغل، والإخلاص، والبعد عن الرياء؛ لأنها في وقت الراحة والسكون ومحبة النوم، فقيام الليل شاقٌّ، إلا على الخاشعين، الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون، قيام الليل كما يقول المنادي:\nيا رجالَ الليل جِدُّوا … رُبَّ داعٍ لا يُردُّ\nما يقومُ الليلَ إلا … من له عَزْمٌ وجِدُّ\nقيام الليل -ولو كان قليلًا- من أهم المولدات الإيمانية، بما يضفي على صاحبه من نور الوجه، ويقظة القلب، وحلاوة الإيمان، وهو سبب من أسباب دخول الجنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٨]، وقال تعالى في صفة عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٦، ١٧].\nفينبغي للمؤمنين أن يكون لهم نصيب من قيام الليل؛ لأن دقائق الليل غالية، فلا تُرْخَصُ بالغفلة، قال ابن عبد البر: (قيام الليل سنة مسنونة، لا ينبغي تركها، فطوبى لمن يُسِّرَ لها، وأُعينَ عليها، فإن رسول الله - ﷺ - قد عمل بها، ونَدَبَ إليها) (^١). وقد مضى الكلام على ذلك في باب (صلاة التطوع). والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (١٣/ ٢٠٩).","vol":"10","page":361},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1330>الدين النصحية</span>\n١٥٤١/ ١٤ - عَنْ تَمِيمٍ الدَّاريِّ - ﵁ - قَال: قَال - ﷺ -: \"الدِّينُ النَّصِيحَةُ\" ثَلَاثًا. قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَال: \"للهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\nالكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nوهو تميم بن أوس بن حارثة الداري، نسبة إلى الدار، وهم بطن من لَخْمٍ، ولَخْمٌ فخذ من يعرب بن قحطان، كان يكنى أبا رقية بابنة له لم يولد له غيرها، قدم تميم وأخوه نُعيم المدينة سنة تسع فأسلما، وذكر تميم للنبي - ﷺ - قصة الجساسة والدجال (^١)، فحدث النبي - ﷺ - عنه بذلك على المنبر، وعُدَّ هذا من مناقبه الشريفة - ﵁ -، ويسمى هذا عند المحدثين: رواية الأكابر عن الأصاغر، قال ابن الأثير: (كان له هيئة ولباس)، وقال الذهبي: (كان عابدًا تلَّاءً لكتاب الله)، روى ابن سعد بإسناد صحيح أنه كان يختم القرآن في سبع، وروى له الجماعة سوى البخاري، وليس له عند مسلم سوى حديث الباب. بقي في المدينة إلى مقتل عثمان - ﵁ -، ثم انتقل إلى الشام، ونزل بيت المقدس إلى أن مات قريبًا من سنة أربعين (^٢).\n_________\n(^١) يسمى حديث الجساسة، وهي الدابة التي رآها تميم في جزيرة البحر، وسميت بذلك لأنها تجس الأخبار للدجال، والقصة رواها مسلم في آخر صحيحه (٢٩٤٢).\n(^٢) \"الطبقات\" (٣/ ٥٠٠)، \"الاستيعاب\" (٢/ ٥٨ - ٥٩)، \"أسد الغابة\" (١/ ٢٥٦)، \"السير\" (٢/ ٤٤٢)، \"تهذيب الكمال\" (٤/ ٣٢٦)، \"الإصابة\" (١/ ٣٠٢).","vol":"10","page":362},{"text":"° الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الإيمان\"، باب (بيان أن الدين النصيحة) (٥٥) من طريق سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن عطاء بن يزيد، عن تميم الداري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"الدين النصيحة\" قلنا: لمن؟ قال: \"لله، ولكتابه\" … وذكر تمام الحديث.\nوهذا الحديث جعله البخاري ترجمة لأحد أبواب كتاب \"الإيمان\" (^١) تنبيهًا على صلاحيته في الجملة، ولم يخرجه في \"صحيحه\" لأنه اختلف فيه على سهيل بن أبي صالح، بل إن البخاري لم يحتج بسهيل أصلًا، وإنما روى له مقرونًا وتعليقًا (^٢).\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الدين النصيحة) هذا من باب الحصر غير الحقيقي (^٣)؛ أي: عماد الدين ومعظمه النصيحة، وهذا فيه مدح النصيحة حتى كأنها هي الدين كله، وإن كان الدين مشتملًا على خصال كثيرة غيرها (^٤)، وقيل: لا حذف بل الدين محصور فيها؛ لأن من جملتها الإيمان بالله ورسوله وطاعتهما والعمل بما جاء عنهما (^٥).\nوالنصيحة مصدر نصحت لزيد أنصح نصحًا ونصيحة، وهي مشتقة من نصح الرجل ثوبه: إذا خاطه، والنِّصَاحُ: الخيط، فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما يسدُّه من خلل الثوب وقيل: إنها مشتقة من نصحت العسل: إذا صفيته من الشمع، شبهوا تخليص القول والعمل من الغش بتخليص العسل من الخَلْط الذي فيه (^٦).\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ١٣٧).\n(^٢) انظر: \"أعلام الحديث\" (١/ ١٨٧)، \"فتح الباري\" (١/ ١٣٨).\n(^٣) انظر: \"التلخيص في علوم البلاغة\" ص (١٣٧).\n(^٤) انظر: \"أعلام الحديث\" (١/ ١٩٠).\n(^٥) انظر: \"الفتوحات الوهبية\" ص (١٢٢).\n(^٦) \"أعلام الحديث\" (١/ ١٩٠).","vol":"10","page":363},{"text":"وأما في الاصطلاح: فهي إرادة الخير للمنصوح له (^١)، وذلك بدعائه إلى ما فيه الصلاح ونهيه عما فيه الفساد. قال الخطابي: (هذه الكلمة من وجيز الأسماء، ومختصر الكلام؛ فإنه ليس في كلام العرب كلمة مفردة تُستوفى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة، حتى يُضَمَّ إليها شيء آخر) (^٢).\n\nقوله: (ثلاثًا) هذه اللفظة ليست في \"صحيح مسلم\" كما تقدم في السياق، وقد جاء في \"مستخرج أبي عوانة على صحيح مسلم\": (ثلاث مرات) (^٣)، وجاء عند الترمذي: (\"الدين النصيحة\" ثلاث مرار) (^٤)، وعند أبي داود: \"إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة\" (^٥).\n\nقوله: (لمن يا رسول الله؟) وجه هذا السؤال أن النصيحة من باب المضاف، فلهذا استفصل الصحابة - ﵃ - لمن تكون النصيحة.\n\nوقوله: (يا رسول الله) هكذا في نسخ \"البلوغ\" وليست في \"صحيح مسلم\" كما تقدم.\n\nقوله: (لله) أي: بالإيمان به وتوحيده في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته وإخلاص الدين له، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، والاعتراف بنعمه وشكره عليها قولًا وفعلًا واعتقادًا.\n\nقوله: (ولكتابه) وذلك بالإيمان بأنه منزل من عند الله، وأنه كلامه لا يشبه شيئًا من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد منهم، ثم تعظيمه، وتلاوته حق تلاوته، والوقوف عند أوامره ونواهيه، وتفهم معانيه، والذَّبُّ عنه في تأويل المحرّفين له، وطعن الطاعنين عليه.\n\nقوله: (ولرسوله) وذلك بالإيمان برسالته، وتصديقه فيما جاء به من عند الله، ومحبته، واتباعه، وإحياء طريقته وسنته، وبث دعوته، ونشر رسالته، ونفي التهمة عن جميع ما قاله ونطق به.\n_________\n(^١) \"أعلام الحديث\" (١/ ١٩٠).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) (١/ ٤٤).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (١٩٢٥).\n(^٥) \"السنن\" (٤٩٤٤).","vol":"10","page":364},{"text":"قوله: (ولأئمة المسلمين) الأئمة جمع إمام، والإمامة قسمان: إمامة الدين، وإمامة السلطة، فالإمامة في الدين هي بيد العلماء، والإمامة في السلطة هي بيد ولاة الأمور (^١).\nفالنصيحة للعلماء هي أخذ العلم عنهم ومعرفة قدرهم وفضلهم ومكانتهم في المجتمع وتنبيههم إذا وقعوا في خطأ بالحكمة والأسلوب الحسن، ومن النصح لهم أن يدافع الإنسان عن أعراضهم، وألا يتتبع زلاتهم وسقطاتهم فهم غير معصومين.\nوأما النصيحة لولاة الأمور فهي السمع والطاعة لهم بالمعروف، ومعاونتهم على الحق وأمرهم به، وعدم الخروج عليهم، وإعلامهم بما غفلوا عنه برفق ولطف، وأن يكف عن مساويهم، وألا يُغَرُّوا بالثناء الكاذب عليهم، ويدعى لهم بظهر الغيب بالصلاح والتوفيق والهداية.\n\nقوله: (وعامتهم) أي: عامة المسلمين، وهم من لم يكن أميرًا ولا عالمًا، ولم يعد اللام مرة أخرى لكونهم تبعًا لأئمتهم لا استقلال لهم، ومعنى نصيحتهم: محبة الخير لهم، وإرشادهم إلى ما يصلح دينهم ودنياهم بتعليم جاهلهم، وإرشاد ضالهم، وإعانتهم، وتَخَوُّلُهم بالموعظة الحسنة، والإحسان إليهم، وكف الأذى عنهم.\n\n° الوجه الرابع: في هذا الحديث بيان فضل النصيحة وأن الدين كله نصيحة؛ لأن النصيحة هي أساس الدين وعماده، وهي من أعظم مكارم الأخلاق، ومن أعظم خصال المؤمن، ومن الدلائل على صفاء قلبه، ومحبته الخير لإخوانه المسلمين، وببذل النصيحة تصلح المجتمعات، وتصلح الأسر، ويصلح الأفراد، وبالغفلة عنها والتساهل فيها تكثر الشرور ويعم الفساد.\nوقد عد العلماء هذا الحديث من ركائز الإسلام ومبانيه العظام، قال ابن حجر: (هذا الحديث من الأحاديث التي قيل فيها: إنها أحد أرباع الدين) (^٢)،\n_________\n(^١) \"دليل الفالحين\" (١/ ٤٦٠).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٣٨).","vol":"10","page":365},{"text":"وقال النووي: (وأما ما قاله جماعات العلماء أنه أحد أرباع الإسلام؛ أي: أحد الأحاديث الأربعة التي تجمع أمور الإسلام فليس كما قالوا، بل المدار على هذا وحده) (^١) يريد بذلك أن عماد الدين وقوامه هو النصيحة كما تقدم.\n\n° الوجه الخامس: في الحديث بيانٌ لمن تكون النصيحة وبيانٌ لمراتبهم، وكون النصيحة بأنواعها الخمسة من الدين يضفي عليها ثوب العبادة، فيتقرب بها المسلم إلى الله تعالى مع الإخلاص وسلوك الأساليب المناسبة لكل مقام.\nقال ابن بطال: (النصيحة فرض يجزئ فيه من قام به، ويسقط عن الباقين، والنصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ويطاع أمره، وأمن على نفسه المكروه، وأما إن خشي الأذى فهو في سعة فيها) (^٢).\n\n° الوجه السادس: للنصيحة شروط تستفاد من عمومات الأدلة ومقاصد الشريعة، ينبغي مراعاتها، ليتحقق الغرض المقصود، ويستفيد الناصح والمنصوح، وأهم هذه الشروط:\n١ - الإخلاص لله تعالى، وذلك بأن يكون القصد من النصيحة نفع المنصوح، وحثه على الخير وتحذيره من ضده، ومن علامة الإخلاص حرص الناصح على هداية المنصوح وإصلاحه، وترك المحاباة والمجاملة في النصيحة، وذلك بإهمال النصيحة أو التراخي فيها لقرابة أو صداقة أو نحو ذلك.\n٢ - أن يكون الناصح عاملًا بما يقول، بأن يكون ملتزمًا بما ينصح به، لا يخالف قوله فعله؛ لأن من الممقوت شرعًا وعقلًا أن ينصح الإنسان عن شيء هو واقع فيه، وقد ذم الله تعالى هذا بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣].\n_________\n(^١) \"شرح صحيح مسلم\" (١/ ٣٩٦).\n(^٢) \"شرح ابن بطال\" (١/ ١٢٩).","vol":"10","page":366},{"text":"٣ - الرفق في النصيحة، إذ لا يتصور نصح بلا رفق، وذلك بتلطيف العبارة وحسن الأسلوب، مع حسن خلق وبشاشة وجه، واحترام للشخص المنصوح، وعلى الناصح أن يتصف بالحلم ويتحلى بالصبر إن سَفِهَ عليه المنصوح أو عابه أو شتمه.\n٤ - أن تكون النصيحة مبنية على علم وإدراك لمقاصد الشريعة والتيسير على الناس وترك التشدد ومراعاة أحوال الناس في حدود النصوص الشرعية؛ لأن النصيحة إما أمر بمعروف ودعوة إلى خير، أو نهي عن منكر وتحذير عن شر، ويدل على هذا عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].\n٥ - أن تكون النصيحة سرًّا بين الناصح والمنصوح، فلا ينصحه على ملأ من الناس؛ لأن الناصح لا يقصد إشاعة عيوب من ينصح له، وإنما غرضه إزالة المفسدة التي وقع فيها.\n٦ - مراعاة الوقت المناسب والمكان الملائم للنصيحة وحال الشخص المنصوح ومعرفة منازل الناس وأقدارهم.\n٧ - التثبت قبل النصيحة، وذلك بأن يكون الناصح متثبتًا من كون المنصوح بحاجة إلى النصح، فقد يكون بريئًا مما قيل عنه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ (^١) [الإسراء: ٣٦].\n\n° الوجه السابع: للنصيحة فوائد عظيمة:\nمنها: أنَّ الدين لا يتم إلا بها، بل هي الدين كما ذكره - ﷺ -.\nومنها: أن النصيحة وظيفة شريفة، فإن عمل الناصح لله ولرسوله ولكتابه وللخلق واستعداده وتهيئته للنصيحة من أكبر الأعمال المقربة إلى رب العالمين،\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٥/ ٦٢)، \"الفرق بين النصيحة والتعيير\" ص (٣٩)،، النصيحة شروطها وآدابها\" ص (٨٧).","vol":"10","page":367},{"text":"فما تقرّب أحد إلى الله بمثل توطين النفس على النصيحة الشرعية المذكورة، فالناصح في عبادة مستمرة إن قام أو قعد، أو عمل، أو ترك العمل.\nومنها: أن من عجز عن العمل الديني إذا كان ناصحًا لله ولرسوله، ناويًا الخير إذا تيسر له، فإنَّه لا حرج عليه، ويشارك العاملين في عملهم، فإنَّما الأعمال بالنيات.\nومنها: أنَّ الله ييسر للناصح الصادق أمورًا لا تخطر له على بال، وأنَّ الساعي في نفع المسلمين إذا كان قصده النصيحة، فإنَّه يفلح وينجح، فإنْ تم ما سعى له فعلًا وهو الغالب وإلا تمَّ أجرُهُ، فمن عجز عن بعض عمل قد شرع فيه تُمّم له ذلك العمل. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠].\nومنها: السلامة من الغش، فإن من غشّ المسلمين في دينهم ودنياهم فليس منهم، والغش من أشنع الخصال القبيحة في حق القريب والبعيد، والمخالف والموافق (^١).\n\n° الوجه الثامن: الحديث دليل على حرص الصحابة - ﵁ - على تعلم أمور الدين؛ لأنهم سألوا النبي - ﷺ - لمن تكون النصيحة؟.\n\n° الوجه التاسع: في الحديث دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ لأن الرسول - ﷺ - لم يبين مواضع النصيحة حتى سأل الصحابة - ﵃ - النبي - ﷺ - لمن تكون النصيحة؟.\n\n° الوجه العاشر: في الحديث دليل على أن للعالم أن يكل فهم ما يلقيه من العلم للسامع، فلا يزيد له في البداية حتى يسأله، لتتشوَّفَ نفسه حينئذٍ إليه، فيكون أوقع في النفس وأرسخ في الذهن مما لو فهمه من أول وهلة، وفيه أنه ينبغي للمتعلم مراجعة مُعلِّمِهِ عند الإبهام والالتباس وألا يستحيي من ذلك. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الرحيم الملك العلَّام\" لابن سعدي ص (١٠٩ - ١١٠).","vol":"10","page":368},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1331>ما جاء في أن التقوى وحسن الخلق من أسباب دخول الجنة</span>\n١٥٤٢/ ١٥ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ تَقْوَى اللهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ\". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه الترمذي في أبواب \"البر والصلة\"، باب (ما جاء في حسن الخلق) (٢٠٠٤)، وابن ماجه (٤٢٤٦)، والحاكم (٤/ ٣٢٤) من طريق عبد الله بن إدريس قال: حدثني أبي، عن جدي، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن أكثر ما يدخل الجنة، فقال: \"تقوى الله وحسن الخلق\"، وسئل عن أكثر ما يدخل النار، فقال: \"الفم والفرج\".\nقال الترمذي: (هذا حديث صحيح غريب)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي.\nوعبد الله بن إدريس ثقة فقيه عابد -كما في \"التقريب\"- ووالده إدريس ثقة -كما في \"التقريب\"- أيضًا، وأما جده وهو يزيد بن عبد الرحمن الأودي، فإنه لم يوثقه إلا العجلي (^١)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٢)، وقال الذهبي: (وُثِّقَ) (^٣)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (مقبول).\n_________\n(^١) توثيق العجلي ذكره ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٣٠٢) ولم أجده في المطبوع من \"تاريخ الثقات\" للعجلي.\n(^٢) (٥/ ٥٤٢).\n(^٣) \"الكاشف\" (٢/ ٣٨٦).","vol":"10","page":369},{"text":"° الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل تقوى الله تعالى، وأنها سبب دخول الجنة، والتقوى وصية الله تعالى لجميع خلقه، ووصية النبي - ﷺ - لأمته، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّينَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦]، وقال النبي - ﷺ -: \"اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم\" (^١) بل هي دعوة الأنبياء، فكل نبي يقول لقومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٠٦]، وهي شعار الأولياء ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣].\nوقد ذكر الله تعالى التقوى في آيات كثيرة جدًّا، جَلَّى فيها صفات أهلها، وأشاد بذكرهم، وبين ما عُلِّق على التقوى من خير، وما وُعِدَ عليها من ثواب، وما ارتبط بها من بشارات.\nولهذا كان السلف الصالح يتواصون بالتقوى، ويوضحون معالمها، فعن عاصم الأحول قال: لقي بكر بن عبد الله طلق بن حبيب، فقال له بكر: صف لنا من التقوى شيئًا يسيرًا نحفظه، فقال: (اعمل بطاعة الله، على نور من الله ترجو ثواب الله، والتقوى: ترك المعاصي على نور من الله، مخافة عقاب الله) (^٢). وهذا من أحسن ما عرفت به التقوى.\nوكتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل: (أوصيك بتقوى الله: الذي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل) (^٣).\nوقال له رجل أوصني، قال: (أوصيك بتقوى الله وإيثاره تَخِفُّ عليك المؤونة، وتحسن لك من الله المعونة) (^٤) فعلى المسلم أن يحرص على تحقيق\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٥٨٧)، ومسلم (١٦٢٣) وتقدم في باب \"الهبة\".\n(^٢) رواه ابن المبارك في \"الزهد\" ص (٤٧٣ - ٤٧٤)، وابن أبي شبية (١١/ ٢٣ - ٢٤)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٦٤).\n(^٣) رواه أبو نعيم (٥/ ٢٦٧).\n(^٤) رواه أبو نعيم (٥/ ٢٦٧).","vol":"10","page":370},{"text":"هذه الخصلة العظيمة، وأن يتزود بها، فهي خير حلية، وهي خير زاد، فيتقي الله تعالى في نفسه، ويتقيه في أهله، ويتقيه في الناس أجمعين.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل حسن الخلق، وذلك بحسن المعاملة مع الخلق بالأقوال الطيبة والأفعال الحميدة ولين الجانب، وأن ذلك من أعظم أسباب دخول الجنة.\nقال بعض العلماء: (إن الأخلاق الصالحة ثمرة العقول الراجحة، فمن لقي الناس بالإحسان، وعاملهم بالأخلاق الحسان، فهو الذي يَخِفُّ عليهم جانبه، وتُحمد أنحاؤه ومذاهبه، ولن يَعْدَمَ منهم حسن الثناء، ومن الله جزيل الجزاء) (^١).\nوقد ذكر الحافظ ابن رجب أن الخلق الحسن والمعاملة الطيبة من خصال التقوى، ولا تتم التقوى إلا به، وإنما أُفرد بالذكر للحاجة إلى بيانه؛ لأن كثيرًا من الناس يظن أن التقوى هي القيام بحقوق الله تعالى، دون حقوق عباده، ثم قال ﵀: (كثيرًا ما يغلب على من يعتني بالقيام بحقوق الله، والانعكاف على محبته وخشيته وطاعته، إهمال حقوق العباد بالكلية أو التقصير فيها، والجمعُ بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيز جدًّا، لا يقوى عليه إلا الكُمَّل من الأنبياء والصديقين) (^٢).\nوبقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: (حسن الخلق وسوء الخلق: يكون مع الله ومع خلقه، فحسن الخلق مع الله القيام بعبوديته ظاهرًا وباطنًا مع قوة محبته والطمأنينة إليه واللهج بذكره وقوة الثقة به، ومع الخلق بذل الإحسان لهم ومنع الأذى عنهم واحتمال الأذى منهم، وسوء الخلق بعكس ذلك كله) (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"عين الأدب والسياسة\" ص (١٢٨).\n(^٢) \"جامع العلوم والحكم\" شرح الحديث (١٨).\n(^٣) \"تيسير اللطيف المنان\" ص (٢٠٣).","vol":"10","page":371},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1332>الحث على بسط الوجه وحسن الخلق مع الناس</span>\n١٥٤٣/ ١٦ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلكِنْ لِيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ\". أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلى، وَصَحَّحَهُ الْحَاكمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه ابن أبي شيبة (٨/ ٣٣١ - ٣٣٢) في كتاب \"الأدب\" باب (ما ذكر في حسن الخلق وكراهية الفحش)، وأبو يعلى (٦/ ٨٧) من طريق عبد الله بن سعيد المقبري، عن جده، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه\".\nورواه البزار (٢/ ١٩٢) \"مختصر زوائده\"، والحاكم (١/ ١٢٤) من طريق عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه، وحسن الخلق\".\nوبهذا يتبين أن لفظ \"البلوغ\" هو لفظ البزار والحاكم، لا لفظ أبي يعلى.\nوهذا الحديث سنده ضعيف جدًّا، من أجل عبد الله بن سعيد المقبري، قال البخاري: (لم يَصِحَّ حديث عبد الله)، وقال -أيضًا-: (قال يحيى القطان: استبان لي كذبه في مجلس)، وقال النسائي: (متروك الحديث)، وقال الدارقطني: (ضعيف الحديث)، وفي موضع آخر: (ضعيف ذاهب) (^١)، وقال\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (١٥/ ٣١).","vol":"10","page":372},{"text":"الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد) فتعقبه الذهبي بقوله: (عبد الله واهٍ).\nوقد تابع عبدَ الله بنَ سعيدٍ عبدُ الله بن إدريس الأودي، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nأخرجه البزار في \"مسنده\" (١٧/ ٩٩)، وابن أبي الدنيا في \"التواضع والخمول\" (١٩٠) من طريق أسود بن سالم، ثنا عبد الله بن إدريس، به.\nقال البزار: (لا نعلم رواه عن ابن إدريس إلا أسود بن سالم، وكان ثقة بغداديًّا).\nوجد عبد الله بن إدريس هو يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود الأودي، وقد تقدم أنه لم يوثقه إلا العجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وبقية رجال الإسناد ثقات، وذكره الحافظ في \"الفتح\" وقال: (سنده حسن) (^١).\nورواه البزار (١٦/ ١٩٣) من طريق طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nوقال البزار: (طلحة لين الحديث)، وقال أحمد والنسائي: (متروك الحديث) (^٢).\nوالحديث له شواهد تؤيد معناه، أما سنده فكما علمت، ومن شواهده حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلْقٍ\" وتقدم في باب \"البر والصلة\".\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إنكم لا تسعون الناس بأموالكم) ماضيه وَسِعَ يَسَعَ بفتح السين في المضارع، يقال: وسع الإناءُ المتاع؛ أي: استوعبه؛ والمعنى: أنه لا يتم لكم شمول الناس واستيعابهم بإعطاء المال، لكثرة الناس وقلة المال.\n\nقوله: (ولكن لِيَسَعْهم منكم بسط الوجه) اللام مكسورة وهي لام\n_________\n(^١) (١٠/ ٤٥٩).\n(^٢) \"كشف الأستار\" (٢/ ٤٠٨)، \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٢١).","vol":"10","page":373},{"text":"الأمر، والفعل بعدها مفتوح السين ساكن العين؛ والمعنى: ولكن ليشملهم ويعمهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق، وعطف حسن الخلق على بسط الوجه من عطف العام على الخاص؛ لأن بسط الوجه من حسن الخلق، قال عبد الله بن المبارك في وصف حسن الخلق: (هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكفُّ الأذى) (^١).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل بسط الوجه وطلاقته وبشاشته عند اللقاء وفضل حسن الخلق وحسن المعاشرة ومعاملة الناس بالكلام الطيب والفعل الحسن، وهذا في مقدور كل إنسان، وهو الذي يجلب المحبة ويديم الألفة بين أفراد المجتمع. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم عند شرح الحديث (١٥٣٢).","vol":"10","page":374},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1333>المؤمن مرآة أخيه</span>\n١٥٤٤/ ١٧ - وَعَنْهُ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"المُؤمِنُ مِرْآةُ المُؤْمِنِ\" أَخْرجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الأدب\"، بابٌ (في النصيحة والحياطة) (٤٩١٨)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٢٣٩)، والبيهقي (١/ ١٦٧) من طريق كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: \"المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن: يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه\".\nوهذا الحديث حسنه الحافظ العراقي في \"تخريج الإحياء\" (^١) والحافظ ابن حجر هنا.\nوفي سنده كثير بن زيد الأسلمي، وهو متكلم فيه، فقد قواه الإمام أحمد وابن معين، وضعفه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي (^٢)، وقال الحافظ: (صدوق يخطئ).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (مرآة) بكسر الميم ومد الهمزة؛ أي: آلة لإرآءة محاسن أخيه ومعايبه، وهذا من التشبيه البليغ الذي حذفت منه الأداة ووجه الشبه؛ أي: المؤمن لأخيه المؤمن كالمرآة، بجامع رؤية المحاسن والمعائب، فإذا كانت\n_________\n(^١) انظر: \"الإحياء\" (٢/ ١٨٢).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٣٧٠).","vol":"10","page":375},{"text":"المرآة يرتسم فيها ما هو مختفٍ عن صاحبه فيراه فيها، فكذا المؤمن يرشد أخاه إلى محاسن الأخلاق فيفعلها، وإلى مساوئ الأخلاق فيجتنبها.\n\n° الوجه الثالث: في الحديث دليل على موقف المؤمن من أخيه وبيان مسؤوليته تجاهه وأن المؤمن إنما يعلم عيب نفسه بإعلام أخيه له، كما يعلم خلل وجهه بالنظر في المرآة، وهذا يفيد وجوب النصح للمؤمن وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فإذا اطلع على شيء من عيوب أخيه وأخطائه نبهه عليها وأرشده إلى إصلاحها، لكن بينه وبينه؛ لأن النصيحة في الملأ فضيحة (^١).\nوقد تقدم قول الفضيل بن عياض: (المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعيِّر)، وقال مسعر بن كدام: (رحم الله من أهدى إليَّ عيوبي في سرٍّ بيني وبينه؛ فإن النصيحة في الملأ تقريع) (^٢)، فعلامة النصح الستر، وعلامة التعيير الإعلان. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"عون المعبود\" (١٣/ ٢٦١).\n(^٢) \"الآداب الشرعية\" (١/ ٢٩٠)","vol":"10","page":376},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1334>فضل المخالطة وترك العزلة</span>\n١٥٤٥/ ١٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"المُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ\". أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإسْنَادٍ حَسَنٍ. وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الصَّحَابيَّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه ابن ماجه في كتاب \"الفتن\"، باب (الصبر على البلاء) (٤٠٣٢) قال: حدثنا علي بن ميمون الرقي، ثنا عبد الواحد بن صالح، ثنا إسحاق بن يوسف، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"المؤمن الذي يخالط الناس وبصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس. . .\" الحديث.\nوهذا سند ضعيف، فيه عبد الواحد بن صالح، وهو لا يعرف إلا في هذا الإسناد بهذا الحديث، وقد ذكر الذهبي أنه تفرد بالرواية عنه علي بن ميمون، وقال: (أتى بما لا يتابع عليه عن الثقات) (^١). وقال الحافظ في \"التقريب\": (مجهول).\nوقد حسن الحافظ إسناده -هنا- وفي \"الفتح\" أيضًا\" مع أنه قال عن عبد الواحد: إنه مجهول! (^٢).\n_________\n(^١) \"الميزان\" (٢/ ٦٧٤)، \"الكاشف\" (٢/ ٦٧٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥١٢).","vol":"10","page":377},{"text":"وقد رواه الترمذي (٢٥٠٧)، وأحمد (٩/ ٦٤) من طريق شعبة، عن سليمان الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب النبي - ﷺ - أُراه عن النبي - ﷺ - قال: \"المسلم إذا كان يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس. . .\" الحديث.\nقال الترمذي: (قال ابن عدي -أحد شيوخ الترمذي فيه-: كان شعبة يرى أنه ابن عمر)، وقد مرَّ في إسناد ابن ماجه التصريح بذلك.\nورواه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٣٨٨) من طريق آدم قال: حدثنا شعبة به، إلا أنه قال: عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: \"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم\"، وهذا سند صحيح، والشك فيمن روي عنه هذا الحديث من الصحابة لا يضر، فإنهم كلهم عدول، على أنه قد ورد في بعض المصادر بلا شك (^١)، وسليمان الأعمش مدلس، لكنه صرح بالسماع من يحيى بن وثاب عند الإمام أحمد في \"المسند\"، وعند أبي داود الطيالسي (٣/ ٣٩٩) وغيرهما.\nوبهذا يتبين أن لفظ \"البلوغ\" هو لفظ البخاري في \"الأدب المفرد\" وليس لفظ ابن ماجه.\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل مخالطة الناس والاجتماع بهم وأن المؤمن الذي يداخل الناس ويجتمع بهم ويصبر على ما يصيبه من الأذى بسبب نصحهم وتوجيههم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس بل ينفرد عن مجالستهم وينزوي عنهم؛ لأنه لا يصبر على أذاهم.\nوقد اختلف العلماء في العزلة والمخالطة أيهما أفضل للمؤمن على قولين:\nالأول: استحباب العزلة، وهذا رأي سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" للدارقطني (١٣/ ٢٣٠).","vol":"10","page":378},{"text":"زيد، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض وآخرين.\nواستدلوا بالنصوص التي جاء فيها ذكر العزلة والبعد عن الناس، كقوله تعالى عن إبراهيم - ﵇ -: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨]، وبما ثبت في \"الصحيحين\" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أيُّ الناس خير؟ قال: \"رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل في شِعْبٍ يعبد ربه ويدع الناس من شره\" (^١).\nكما استدلوا بأن العزلة فيها مصالح من التفرغ للعبادة، والسلامة من المعاصي الحاصلة بالمخالطة؛ كالرياء والغيبة والنميمة والتساهل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتضييع الأوقات، وفضول الكلام.\nوالقول الثاني: استحباب المخالطة وترك العزلة، وهذا رأي سعيد بن المسيب، وابن أبي ليلى، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وسفيان بن عيينة وغيرهم (^٢).\nواستدلوا بأن الله تعالى أمر بالاجتماع وحث عليه، ونهى عن التفرق، فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وبحديث عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من سره بُحبُوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من الاثنين أبعد\" (^٣).\nوالذي يظهر -والله أعلم- أنه لا بد من التفصيل، وهو أن الإنسان إذا خاف على دينه بكثرة الشرور وانتشار الفتن وضَعُفَ عن الإنكار فالعزلة أفضل، وإلا فالأصل هو مخالطة الناس والصبر على أذاهم، ولا سيما فيمن يأمر\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٦٤٩٤)، \"صحيح مسلم\" (١٨٨٨).\n(^٢) \"الإحياء\" (٢/ ٢٢٢).\n(^٣) رواه الترمذي (٢١٦٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨/ ٢٨٦)، وأحمد (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩)، والحديث له عدة طرق، قال الترمذي: (حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه).","vol":"10","page":379},{"text":"بالمعروف وينهى عن المنكر، ويبين للناس أحكام دينهم، وهو من يكون له أثر في مجتمعه باحترامه وسماع كلمته وقبول نصحه، وإلا لو اعتزل الدعاة والمصلحون لانتشر الفساد وقوي أنصاره، ولَمَا وَجدْتَ للحق ناصرًا ولا لأهله معينًا، يقول محمد بن واسع: (لم يبق من العيش إلا ثلاث: الصلاة في الجماعة، ترزق فضلها، وتُكفى سهوها، وكفاف من معاش ليست لأحد من الناس فيه مِنَّة، ولا لله عليك فيه تبعة، وأخ محسن العشرة، إن زِغْتَ قوَّمك) (^١).\nوقد بيَّن الإمام الخطابي ضابط العزلة؛ وكأنه لا يراها بصفة دائمة، وإنما قصده الإقلال من المخالطة، وقد ذكر قول الإمام الشافعي لصاحبه: (يا يونس، الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء، فكن بين المنقبض والمنبسط) (^٢)، ثم قال الخطابي: (إن العزلة يجب أن تكون تابعة للحاجة، وجارية مع المصلحة) (^٣)، وقال -أيضًا-: (ولسنا نريد -رحمك الله- بهذه العزلة التي نختارها مفارقةَ الناس في الجماعات والجمعات، وتركَ حقوقهم في العبادات، وإفشاء السلام، وردّ التحيات، وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم، ووضائع السنن والعادات المستحسنة فيما بينهم، فإنها مستثناة بشرائطها، جارية على سُبُلها، ما لم يحل دونها حائلُ شُغلٍ، ولا يمنع عنها مانع عذر، إنما نريد بالعزلة ترك فضول الصحبة، ونبذ الزيادة منها، وحطَّ العِلاوة التي لا حاجة بك إليها، فإن من جرى في صحبة الناس والاستكثار من معرفتهم على ما يدعو إليه شَغَفُ النفوس، وإلفُ العادات، وترك الاقتصاد فيها، والاقتصار الذي تدعوه الحاجة إليه، كان جديرًا ألا يحمد غِبَّه، وأن يستوخم عاقبته، وكان سبيله في ذلك سبيل من يتناول الطعام في غير أوان جوعه، ويأخذ منه فوق قدر حاجته، فإن ذلك لا يُلْبِثُه أن يقع في أمراض مُدنِفَةٍ، وأسقام متلفة، وليس من علم كمن\n_________\n(^١) \"روضة العقلاء\" ص (٨٦).\n(^٢) \"العزلة\" ص (٨).\n(^٣) \"العزلة\" ص (٨٥).","vol":"10","page":380},{"text":"جهل، ولا من جرب وامتحن كمن بَادَهَ وخاطر. ولله درُّ أبي الدرداء حين يقول: \"وجدت الناس أُخْبُرْ تَقْلِهْ\") (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"العزلة\" ص (٥٨ - ٥٩). وقوله: (العلاوة) بالكسر أي: الزيادة، وقوله: (غِبَّه) أي: عاقبته وآخره. وقوله: (بادَهَ) أي: فاجأ الأمر، وقوله: (أخبر تقله) القِلَى: البغض، والمعنى: جرِّب الناس، فإنك إذا جربتهم قليتهم وتركتهم، لما يظهر من بواطنهم.","vol":"10","page":381},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1335>ما جاء في الدعاء بحسن الخلق</span>\n١٥٤٦/ ١٩ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"اللهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي، فَحَسِّنْ خُلُقِي\". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أحمد (٦/ ٣٧٣) من طريق محاضر بن المورِّع، وابن حبان (٣/ ٢٣٩) من طريق محمد بن فضيل، كلاهما عن عاصم الأحول، عن عوسجة بن الرَّمَّاح، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اللهم أحسنت خلقي، فأحسن خلقي\"، هذا لفظ أحمد، ولفظ ابن حبان: \"اللهم حَسَّنْتَ خلقي، فَحَسِّنْ خلقي\".\nوهذا الإسناد فيه محاضر بن المورع متكلم فيه، فقد قال النسائي: (ليس به بأس، وقال أبو زرعة: (صدوق)، وقال أحمد: (لم يكن من أصحاب الحديث، كان مغفلًا جدًّا)، وقال أبو حاتم: (ليس بالمتين) (^١).\nوفيه عوسجة بن الرماح، وثقه ابن معين، وروى له النسائي في \"عمل اليوم والليلة\"، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٢)، وقال الدارقطني: (شبه مجهول، لا يروي عنه غير عاصم، لا يحتج به، لكن يعتبر به) (^٣).\n_________\n(^١) \"العلل ومعرفة الرجال\" (٣/ ٤٩)، \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٥١).\n(^٢) (٧/ ٢٩٨). وانظر: \"تهذيب الكمال\" (٢٢/ ٤٣١).\n(^٣) \"سؤالات البرقاني\" رقم (٣٩٤).","vol":"10","page":382},{"text":"وللحديث شاهد من حديث عائشة - ﵂ - قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقول: \"اللهم أحسنت خَلْقي فأحسن خُلُقِي\".\nرواه أحمد (٤٠/ ٤٥٧) من طريق عاصم بن سليمان، عن عبد الله بن الحارث، عن عائشة -﵂-، وهو حديث صحيح، لكن فيه اختلاف على عاصم بن سليمان وهو الأحول، ومن صور هذا الاختلاف روايته السابقة.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (اللهم أحسنت) في بعض نسخ البلوغ: \"اللهم كما أحسنت. .\" وهي ليست في المصادر المذكورة، ولا في المخطوطة التي سبق وصفها (^١)، وإنما هي في \"مسند الطيالسي\" (^٢) فيما وقفت عليه.\n\nقوله: (خَلْقي) بفتح الخاء وسكون اللام هي صورة الإنسان الظاهرة.\n\nقوله: (خُلُقي) بضمتين، هي الصورة الباطنة في النفس التي تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الدعاء بحسن الخُلق؛ لأن حسن الخُلق من أعظم خصال المؤمن، ومن أكبر أسباب سعادته في الدنيا وفلاحه في الآخرة، وأن العبد يتوسل إلى الله تعالى الذي أحسن صورته الظاهرة وجملها وكملها أن يحسن صورته الباطنة، وأن يهديه لمكارم الأخلاق وجميل الصفات.\nوهذا الدعاء منه - ﷺ - فيه الاعتراف بنعمة ربه عليه، وطلب استمرار ودوام هذه النعمة، وفيه تعليم للأمة، وإلا فهو - ﷺ - أشرف العباد خَلْقًا وخُلُقًا، يقول البراء بن عازب - ﵁ -: (كان رسول الله - ﷺ - أحسن الناس وجهًا وأحسنه خُلُقًا (^٣)، وليس بالطويل البائن ولا بالقصير) (^٤).\nوقد تقدم في \"صفة الصلاة\"، حديث علي - ﵁ - الطويل في دعاء\n_________\n(^١) انظر: شرح الحديث (١٥٣٩).\n(^٢) (١/ ٢٩١).\n(^٣) راجع \"فتح الباري\" (٦/ ٥٧١).\n(^٤) رواه البخاري (٣٥٤٩).","vol":"10","page":383},{"text":"الرسول - ﷺ - في أول صلاته: \". . . واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت. . .\" (^١).\nوينبغي للمؤمن إذا صار عنده شيء من سوء الخلق وسوء التعامل مع أهله وأولاده أو أفراد مجتمعه أن يضرع إلى الله تعالى ويسأله أن يهديه لأحسن الأخلاق، ثم عليه أن يجاهد نفسه ويعودها الخير؛ لأن الخلق يكتسب بالمجاهدة ورياضة النفس.\nواعلم أن الفقهاء يذكرون هذا الحديث في كتاب الطهارة عند الكلام على سنن الوضوء، ومنها: استحباب النظر في المرآة وقول ما ورد، يريدون بالقول هذا الحديث (^٢)، مع أن الحديث ليس مقيدًا بوقت النظر في المرآة، نعم ورد ذلك في بعض طرقه، ولكنه لا يصح من ذلك شيء (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: الحديث رقم (٢٧٠).\n(^٢) \"دقائق أولي النُّهى لشرح المنتهى\" (١/ ٨٥).\n(^٣) انظر: \"الإرواء\" (١/ ١١٣).","vol":"10","page":384},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1336>باب الذكر والدعاء</span>\nالذكر مصدر ذَكَرَ ذِكْرًا، وهو ما يجري على اللسان والقلب من تسبيح الله وتحميده والثناء عليه بالألفاظ التي ورد عن الشارع الترغيب في قولها والإكثار منها، كما سيأتي في هذا الباب.\nوالذكر يكون بالقلب، وذلك بتعظيم الله تعالى ومحبته، والشوق إليه، وخوفه، ورجائه، ومعرفة حقه على عبده، ويكون باللسان بالنطق بالأذكار المشروعة، ويكون بالقلب واللسان وهذا أفضل؛ لأنه عمل جارحة اللسان مع حضور الجنان في ذكر الرحمن (^١)، يقول ابن القيم: (أفضل الذكر وأنفعه ما واطأ فيه القلب اللسان، وكان من الأذكار النبوية، وشهد الذاكر معانيه ومقاصده) (^٢).\nويكون الذكر -أيضًا- بالجوارح وذلك بأن تصير مستغرقة في الطاعات، ولهذا سمى الله الصلاة ذكرًا، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] لكن يطلق عرفًا على التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل (^٣).\nوالذكر مع عظم فضله وجزيل أجره وكثرة فوائده هو من أيسر العبادات، فإن حركة اللسان أخف حركات الجوارح وأيسرها (^٤).\nوأما الدعاء فهو مصدر دعا يدعو دعاءً ودعوًا: إذا نادى، والاسم: الدعوة.\n_________\n(^١) انظر: \"الوابل الصيب\" ص (١٩٥)، \"الفتوحات الربانية\" (١/ ١٠٦).\n(^٢) \"الفوائد\" لابن القيم ص (٢٧٩).\n(^٣) \"شرح رياض الصالحين\" (٥/ ٤٨٤).\n(^٤) \"الوابل الصيب\" ص (٥٦).","vol":"10","page":385},{"text":"وشرعًا: الالتجاء إلى الله تعالى بطلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره أو دفعه (^١).\nوالدعاء نوعان:\n١ - دعاء عبادة.\n٢ - دعاء مسألة.\nفدعاء العبادة: شامل لجميع أنواع العبادة من صلاة وصوم وحج وتلاوة وذكر؛ لأن العابد يقصد بعبادته من صلاته وصومه وحجه رضا ربه ونيل ثوابه والسلامة من عقابه، وهذا دعاء، ودعاء العبادة يتضمن الثناء على الله بما هو أهله، ويكون مصحوبًا بالخوف والرجاء.\nوأما دعاء المسألة فهو طلب الداعى من ربه ما ينفعه أو كشف ما يضره أو دفعه.\nوكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة؛ لأن دعاء المسألة -كما تقدم- هو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره أو دفعه، ومن يملك الضر والنفع، فإنه هو المعبود حقًّا، والمعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضُّر (^٢).\nوقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، قال ابن القيم: (لكنه ظاهر في دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، ولهذا أَمَرَ بإخفائه وإسراره) (^٣).\n_________\n(^١) \"بدائع الفوائد\" (٣/ ٢).\n(^٢) \"بدائع الفوائد\" (٣/ ٨٣٥).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ٨٤٢).","vol":"10","page":386},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1337>ما جاء في فضل الذكر</span>\n١٥٤٧/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"يَقُولُ اللهُ تَعَالى: أنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكرنِي، وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ\". أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه ابن ماجه في كتاب \"الأدب\"، باب (فضل الذكر) (٣٧٩٢) من طريق محمد بن مصعب، وأحمد (١٦/ ٥٦٨) من طريق محمد بن مصعب، وأبو المغيرة، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله ﷿ يقول: أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه\"، هذا لفظ ابن ماجه وأحمد.\nوهذا الإسناد فيه محمد بن مصعب القرقساني، متكلم فيه، فقد ضعفه ابن معين والنسائي وأبو حاتم، قال البخاري: (كان ابن معين سيئ الرأي فيه)، وقال أبو داود سمعت أحمد يقول: (حديثه عن الأوزاعي مقارب، وأما عن حماد بن سلمة ففيه تخليط، قلت لأحمد: تحدث عنه؟ قال: نعم)، وقال في موضع آخر: (لا بأس به). وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق كثير الغلط)، وأبو المغيرة -وهو عبد القدوس بن الحجاج- ثقة (^١).\nورواه أحمد (١٦/ ٥٧١)، والبيهقي في \"الشعب\" (٢/ ٤٠٦) من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ورواه البيهقي -أيضًا- (٢/ ٤٠٥) من طريق\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب الكمال\" (١٨/ ٢٣٧)، (٢٦/ ٤٦٠).","vol":"10","page":387},{"text":"ربيعة بن يزيد، كلاهما عن إسماعيل، عن كريمة، قالت سمعت أبا هريرة. . .\nورواه ابن حبان (٣/ ٩٧) من طريق أيوب بن سويد، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن كريمة بنت الحسحاس قالت: سمعت أبا هريرة في بيت أم الدرداء يحدث عن النبي - ﷺ - قال: \"قال الله ﵎: أنا مع عبدي ما ذكرني. . .\" الحديث، وهو لفظ \"البلوغ\".\nوهذا سند لا بأس به، أيوب بن سويد، صدوق يخطئ، وكريمة بنت الحسحاس ثقة، ولما ذكر الدارقطني الاختلاف في هذا الحديث عن إسماعيل بن عبيد الله ذكر أن روايته عن إسماعيل، عن كريمة، عن أبي هريرة هي الصواب (^١)، قال البيهقي: (هكذا روياه -أي: ابن جابر وربيعة بن يزيد- عن إسماعيل، ورواه الأوزاعي عن إسماعيل، عن أم الدرداء، عن أبي هريرة موقوفًا مرة، ومرة مرفوعًا، وروايتهما أصح من رواية الأوزاعي) (^٢).\nوهذا الحديث علقه البخاري في كتاب \"التوحيد\"، باب (قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] (^٣).\nوقد جاء هذا المعنى من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: \"يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني. . .\" الحديث، رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥)، ولا أدري لماذا عدل عنه الحافظ إلى الحديث المذكور؟ ولو أشار إليه كما هي عادته في مثل هذا، لكان أولى.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أنا مع عبدي) المراد: المعية الخاصة وهي معية الإعانة والهداية والتوفيق المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨] وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]،\n_________\n(^١) \"العلل\" (٩/ ٥٠).\n(^٢) \"شعب الإيمان\" (٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧)، وانظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٠٠)، \"تغليق التعليق\" (٥/ ٣٦٢).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٩٩).","vol":"10","page":388},{"text":"وعلامتها: أن تأتي في سياق المدح أو الثناء، فإن جاءت في سياق المحاسبة والمجازاة فهي عامة، وهي معية العلم والإحاطة؛ كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] (^١).\n\nقوله: (ما ذكرني) ما: مصدرية ظرفية تؤول وما بعدها بالظرف والمصدر؛ أي: مدة ذكره إياي، وفي الرواية الأخرى: \"إذا هو ذكرني\".\n\nقوله: (وتحركت بي شفتاه) مثنى شفة وهي معروفة، ولا تكون الشفة إلا للإنسان، وأصلها شَفَهَة بدليل جمعها على شفاه، ولامها محذوفة، والهاء عوض عنها (^٢).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل الاشتغال بذكر الله تعالى، وأن ذكره سبب فوز العبد بمعية الله له وتوفيقه وإعانته، وسماع كلامه وإثابته وإجابة دعائه، وهذه المعية لا تخالف علوه واستواءه على عرشه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] فإن الله تعالى معنا حقيقة، وهو مستو على عرشه فوق خلقه حقيقة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"التنبيهات السنية\" ص (١٠٠).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (٣١٨).","vol":"10","page":389},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1338>ما جاء في أن الذكر نجاة من عذاب الله</span>\n١٥٤٨/ ٢ - عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ عَمَلًا أنْجى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ؛ مِنْ ذِكْرِ اللهِ\". أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ بإِسْنَادٍ حَسَنٍ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" في كتاب \"الدعاء\"، بابٌ (في ثواب ذكر الله ﷿) (١٠/ ٣٠٠)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٠/ ٦٦) من طريق أبي خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن معاذ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما عمل ابن آدم عملًا أنجى له من النار من ذكر الله\" قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: \"ولا الجهاد في سبيل الله، إلا أن تضرب بسيفك حتى ينقطع، ثلاث مرات\".\nوهذا سند ضعيف؛ لأن فيه انقطاعًا، فإن طاوسًا لم يسمع من معاذ - ﵁ -، كما قال علي بن المديني (^١).\nوفيه أبو الزبير وهو موصوف بالتدليس وقد عنعنه، ثم إن في سنده اختلافًا، فقد رواه عباد بن العوام، عن يحيى، عن أبي الزبير، عن معاذ، فلم يذكر فيه طاوسًا، وقد ذكر الدارقطني هذا الاختلاف، كما ذكر الاختلاف في رفعه ووقفه على معاذ - ﵁ -، وقال: (الموقوف أصح) (^٢).\n_________\n(^١) \"العلل\" لابن المديني ص (٧٣)، \"المراسيل\" ص (٩٩).\n(^٢) \"الموطأ\" (١/ ٢١١)، \"العلل\" (٦/ ٦٤)، \"نتائج الأفكار\" (١/ ٩٩).","vol":"10","page":390},{"text":"وقال في \"الأطراف\": (تفرد به أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن معاذ مسندًا) (^١).\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل ذكر الله تعالى وأنه سبب من أسباب النجاة من النار، وهذه من أعظم فضائل الذكر؛ لأن النجاة من النار هي مقصود وغاية كلِّ عبد مؤمن، وقد هيأ الله تعالى لعباده المؤمنين الأسباب التي تنال بها الجنة ويتوقى بها من النار، ومنها ذكر الله تعالى. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) (٢/ ١٣١).","vol":"10","page":391},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1339>فضل مجالس الذكر</span>\n١٥٤٩/ ٣ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَا جَلَس قَوْمٌ مَجْلِسًا يَذْكُرُونَ اللهَ إلّا حَفَّتْ بِهِمُ المَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الذكر والدعاء\"، باب (فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر) (٢٦٩٩) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة\" وساق الحديث. . وفيه: \"وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة. .\" الحديث، وروى مسلم -أيضًا- (٢٧٠٠) من طريق شعبة، سمعت أبا إسحاق، يحدث عن الأغر أبي مسلم، أنه قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري - ﵄ - أنهما شهدا على النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا يقعد قوم يذكرون الله ﷿ إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده\".\nورواه ابن ماجه (٣٧٩١) من طريق عمار بن زريق، عن أبي إسحاق به. ولفظه: \"ما جلس قوم مجلسًا يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وتغشَّتهم الرحمة، وتنزلت عليه السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده\" وبهذا يتبين أن لفظ \"البلوغ\" أقرب إلى لفظ ابن ماجه.","vol":"10","page":392},{"text":"° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (ما جلس قوم مجلسًا) لفظ (القوم) اسم جنس جمعي يصدق على ثلاثة فأكثر، وهم جماعة الرجال في الأصل دون النساء، لكن في عامة القرآن ومثل هذا الحديث يراد به العموم من الرجال والنساء، وحقيقته للرجال، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في كتاب \"القضاء\".\n\nوقوله: (مجلسًا) نكرة في سياق النفي، فيعم جميع المجالس: المساجد وغيرها، إلا أن المساجد أفضل لشرفها؛ إذ العبادة فيها أفضل من غيرها، وقد جاء التنصيص عليها في حديث أبي هريرة ﵁ الذي تقدم في باب (البر والصلة) وفيه: \"وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله. . .\" (^١)، وذكر النووي أن التقييد في هذا الحديث خرج مخرج الغالب لا سيما في الزمان الأول، فلا يكون له مفهوم يعمل به (^٢).\n\nقوله: (يذكرون الله) الذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، فيشمل الموعظة ودروس العقيدة والفقه والحديث وغيرها، وكذا المحاضرة وغيرها مما فيه ذكر الله تعالى (^٣)؛ لأن ما ذكر في الحديث من الفضائل مرتب على الاجتماع على الذكر مطلقًا، وأما ما ورد في حديث أبي هريرة المذكور من تلاوة كتاب الله فهو من باب ذكر العام ببعض أفراده، وهو لا يقتضي التخصيص كما علم في الأصول، وإنما ذلك لكمال الفضل في تلاوة القرآن ومدارسته، على أن الحافظ ابن حجر يميل إلى أن المراد بمجالس الذكر المجالس المشتملة على ذكر الله تعالى أو تلاوة كتابه والدعاء بخير الدنيا والآخرة، وأما دخول الدروس العلمية ففيه نظر (^٤)، هكذا قال، مع أن دخولها ظاهر جدًّا، والله أعلم.\n\nقوله: (إلا حَفَّتْ بهم الملائكة) هكذا في المخطوطة وفي بعض نسخ \"البلوغ\" وفي بعضها: \"حفَّتهم الملائكة\" وهو المثبت في \"الصحيح\" وهو\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٦٩٩).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٢٥/ ١٧).\n(^٣) انظر: \"المفهم\" (٧/ ١١).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٢١٢).","vol":"10","page":393},{"text":"بتشديد الفاء؛ أي: أحدقت وأحاطت وطافت بهم الملائكة يستمعون الذكر ويكونون شهداء لهم، وهم الموكلون بحضور مجالس الذكر، فتكون (أل) للعهد، ويؤيد هذا حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم. . .\" الحديث (^١).\nوفي التعبير بـ (حفتهم) إشارة إلى القرب الشديد من الذاكرين بحيث لم يدعوا للشيطان فرجة يتوصل منها، ومن ذلك: حافة الطريق وهو جانبه، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]؛ أي: مطبقين به.\n\nقوله: (وغشيتهم الرحمة) أي: عمتهم وأحاطت بهم من كل جانب.\n\nقوله: (ونزلت عليهم السكينة) قيل: إن المراد بها الرحمة، واختار هذا القاضي عياض، فإنه قال: (وهذا هو أليق الوجوه هنا) (^٢)، والقول الثاني: أن المراد بها الوقار والطمأنينة، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤]، قال النووي: (وهذا أحسن) وضعف القول بأنها الرحمة؛ لعطف الرحمة عليها (^٣).\nيقول الشيخ محمد بن عثيمين: (السكينة شيء يقذفه الله ﷿ في القلب فيطمئن ويوقن ويستقر، فلا يكون عنده قلق ولا شك ولا ارتياب. .) (^٤).\n\nقوله: (وذكرهم الله فيمن عنده) أي: أثنى عليهم لشرف عملهم فيمن عنده من الملائكة والأنبياء مباهاة بهم.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل مجالس الذكر وشرفها عند الله تعالى حيث حظي أهلها بهذه الخصال الأربع العظيمة من حَفِّ الملائكة، وغشيان الرحمة، ونزول السكينة، وذكر الله إياهم في الملأ الأعلى، وهذه خصال عظيمة ومنح جسيمة، تدل على رضا الله تعالى عنهم ومحبته لهم، وإذا\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٤٠٨)، ومسلم (٢٦٨٩).\n(^٢) \"إكمال المعلم\" (٨/ ١٩٥).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٢٥/ ١٧).\n(^٤) \"شرح رياض الصالحين\" (٥/ ٧٠٨).","vol":"10","page":394},{"text":"كانت كل خصلة من هذه الخصال العظيمة كافية في انفرادها على إثارة الرغبة والنشاط إلى مجالس الذكر فكيف باجتماعها؟! فلا ينبغي للمؤمن الموفق الحريص على نفع نفسه أن يفرط في مجالس الذكر؛ لأن مجالس الذكر هي مجالس الملائكة، وفيها اشتغال بالذكر عن الكلام الباطل من الغيبة والنميمة واللغو ومدح الناس وذمهم وغير ذلك مما فيه كسب الإثم وإضاعة الأوقات.\nوهذا يؤكد أنه ينبغي أن تكون المجالس في المساجد أو غيرها عامرة بذكر الله تعالى ودعائه واستغفاره، وألا يغلب عليها اللغو والهزل ولا سيما أن الناس في هذا الزمان كثر فراغهم وقتل أوقاتهم ووجدت الأماكن التي يقضى فيها هذا الفراغ كساعات الليل الطوال.\n\n° الوجه الرابع: الحديث دليل على وجود الملائكة وأن لهم أعمالًا يقومون بها، ومن ذلك الملائكة الموكلون بحلق الذكر، وهم زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق، ولا وظيفة لهم إلا حلق الذكر، وفي هذا دليل على محبة الملائكة بني آدم واعتنائهم بهم، كما أن فيه دليلًا على أن الأعمال الصالحة كمجالس الذكر تقرب الملائكة منا وتقربنا منهم، وفي حديث أبي هريرة المتقدم بلفظ مسلم: \"إن لله ﵎ ملائكة سيارة فُضُلًا يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر، قعدوا معهم وحَفَّ بعضهم بعضًا بأجنحتهم حتى يملؤا ما بينهم وبين السماء الدنيا. . .\". والله تعالى أعلم.","vol":"10","page":395},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1340>ما جاء في المجلس الخالي من ذكر الله والصلاة على نبيه - ﷺ </span>-\n١٥٥٠/ ٤ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، إلَّا كَانَ عَلَيهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَال: حَسَنٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه الترمذي في أبواب \"الدعوات عن رسول الله - ﷺ -\"، بابٌ (في القوم يجلسون ولا يذكرون الله) (٣٣٨٠)، وأحمد (١٥/ ٤٧٥) من طريق سفيان، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم تِرَةً، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم\" (^١).\nهذا لفظ الترمذي، وقال: (هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة - ﵁ -)، وهذا هو الذي نقله عنه المنذري، ومن بعده النووي (^٢)، ثم المزي، ثم الحافظ ابن حجر، وفي بعض النسخ: (حسن صحيح).\nوفي سنده صالح مولى التوأمة (^٣)، وهو ضعيف، لاختلاطه، وقد تميز\n_________\n(^١) انظر: \"الفتوحات الربانية\" (٦/ ١٧٥).\n(^٢) \"الترغيب والترهيب\" (٢/ ٤٠٩)، \"الأذكار\" ص (٥٢٠)، \"تحفة الأشراف\" (١٠/ ١١٥).\n(^٣) هي توأمة بنت أمية بن خلف الجمحي، صحابية، سميت بذلك لأنها ولدت مع أخت لها في بطن. \"الإصابة\" (١٢/ ١٦٦).","vol":"10","page":396},{"text":"من سمع منه قبل الاختلاط ومن سمع منه بعد الاختلاط (^١)، ورواية سفيان -وهو الثوري- عنه بعد الاختلاط (^٢).\nلكن لم ينفرد به سفيان فقد تابعه جماعة رووا عن صالح قبل اختلاطه، منهم عبد الرحمن بن أبي ذئب، رواه أحمد (١٥/ ٥٢٤)، وزياد بن سعد عند أحمد -أيضًا- (١٦/ ٢٦٥)، وعمارة بن غزية عند الطبراني (٣/ ١٦٦٣)، وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (٤٤٩)، والبيهقي في \"الشعب\" (٤/ ٢٠٢) لكن لفظ ابن أبي ذئب وزياد انتهى عند قوله: \"عليهم ترة\" ولم يذكرا ما بعده، وهذا يدل على اضطراب صالح مولى التوأمة في متنه، فإن اختلاف الثقات عنه يدل على أنه لم يتقن الحديث.\nوقد توبع -أيضًا- صالح مولى التوأمة، فقد رواه عن أبي هريرة جماعة منهم أبو صالح ذكوان السمان فيما رواه الإمام أحمد (٤٣/ ١٦) من طريق شعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا، وسنده صحيح، وليس فيه: (فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم) وفيه: (وإن دخلوا الجنة للثواب).\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه ينبغي أن تعمر المجالس بذكر الله تعالى والصلاة على النبي - ﷺ -، وذكر الله تعالى أعم من أن يكون بتلاوة القرآن أو بالأذكار المشروعة أو بتعليم العلوم النافعة، وفي هذا بيان فضل المجالس التي يذكر فيها الله تعالى ويصلى على نبيه - ﷺ -، وفيه تحذير من المجالس التي لا يذكر الله فيها ولا يصلى على نبيه - ﷺ -، وأن هذه المجالس يندم أهلها يوم القيامة حين لا ينفع الندم على ما فاتهم من هذا الخير العظيم وإن دخلوا الجنة، فإنه قد فاتهم ما فيه زيادة في الدرجات.\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"ما اجتمع قوم فتفرقوا عن غير ذكر الله إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار، وكان ذلك المجلس عليهم\n_________\n(^١) انظر: \"الكواكب النيرات\" ص (٢٦١).\n(^٢) \"الميزان\" (٢/ ٣٠٣).","vol":"10","page":397},{"text":"حسرة\" (^١).\nوهذا كله في المجالس المباحة التي ليس فيها غيبة ولا نميمة ولا لغو، فإن كانت كذلك فالأمر عظيم نسأل الله السلامة.\nإن الوقت هو حياة الإنسان، والمرء لا بد له من جليس، ولا بد له من مجالس قهرية كانت أم اختيارية، لذا يلزم العاقل الحريص على ساعات عمره أن يجالس من يستفيد منهم وينتفع بهم، ويحذر مجالسة الكسالى والفارغين الذي لا همَّ لهم إلا القيل والقال وقضاء الفراغ وقتل الأوقات، وقد يكون مع هذا لهو وطرب، وهذه المجالس كثيرة في دنيا الناس اليوم، سواء أكانت جلسات عائلية أو جلسات دورية كل أسبوع أو كل ليلة، وهي المجالس التي لا حظ للملائكة فيها. وتأمل كلام ابن القيم الموجز الشامل حيث يصور المجالس في زمانه فيقول: (الاجتماع بالإخوان قسمان:\nأحدهما: اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت؛ فهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت.\nالثاني: الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاح والتواصي بالحق والصبر؛ فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها، ولكن فيه ثلاث آفات:\nإحداها: تَزَيُّنُ بعضهم لبعض. الثانية: الكلام والخلطة أكثر من الحاجة.\nالثالثة: أن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود.\nوبالجملة فالاجتماع والخِلْطَةُ لِقَاحٌ: إما للنفس الأمارة، وإما للقلب والنفس المطمئنة، والنتيجة مستفادة من اللقاح؛ فمن طاب لقاحه طابت ثمرته. وهكذا الأرواح الطيبة لقاحها من المَلَكِ، والخبيثة لقاحها من الشيطان، وقد جعل الله سبحانه بحكمته الطيبات للطيبين والطيبين للطيبات، وعكس ذلك) (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٤٨٥٥)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٨٠٤)، وأحمد (١٥/ ٢١)، ولعله نفس حديث الأعمش السابق بلفظ آخر، فهو من طريق سهيل عن أبيه.\n(^٢) \"الفوائد\" ص (٧١).","vol":"10","page":398},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1341>فضل التهليل عشر مرات</span>\n١٥٥١/ ٥ - عَنْ أَبِي أَيُّوبَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ قَال: لَا إِلهَ إلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، عَشْرَ مَرَّاتٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُس مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الدعوات\"، باب (فضل التهليل) (٦٤٠٤)، ومسلم (٢٦٩٣) من طريق عمر بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: من قال: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل\".\nوقال عمر بن أبي زائدة: حدثنا عبد الله بن أبي السَّفَر، عن الشعبي، عن ربيع بن خثيم بمثل ذلك، قال: فقلت للربيع ممن سمعته؟ قال: من عمرو بن ميمون، قال: فأتيت عمرو بن ميمون فقلت: ممن سمعته؟ قال: سمعته من ابن أبي ليلى، قال: فأتيت ابن أبي ليلى، فقلت: ممن سمعته؟ قال: من أبي أيوب الأنصاري يحدثه عن رسول الله - ﷺ -.\nهذا السياق لمسلم، وأما البخاري فقد ساقه مختصرًا، ولفظه: \"من قال عشرًا كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل\".\nوقد تبين أن عمر بن أبي زائدة أسنده عن شيخين أحدهما: عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون موقوفًا، والثاني: عن عبد الله بن أبي السفر،","vol":"10","page":399},{"text":"عن الشعبي، عن الربيع، عن عمر بن ميمون، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيوب مرفوعًا (^١).\n\n° الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل هذا الذكر وأن من قاله عشر مرات عارفًا عاملًا بمقتضاه صار له من الأجر مثل أجر من أعتق أربعة من المماليك من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام.\nوخص ولد إسماعيل بالذكر؛ لأن إسماعيل هو أبو العرب، والعرب أشرف الناس نسبًا، وأما العجم فلهم آباء آخرون. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٢٠٢).","vol":"10","page":400},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1342>فضل التسبيح</span>\n١٥٥٢/ ٦ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ قَال: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الدعوات\"، باب (التسبيح) (٦٤٠٥)، ومسلم (٢٦٩١) من طريق مالك، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة. . .\" الحديث.\nوهذا لفظ البخاري، وهو عند مسلم بلفظ: \"من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد أفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك، ومن قال: سبحان الله وبحمده. . .\" الحديث.\nوأوله عند البخاري -أيضًا- (٦٤٠٣) لكنه جعله حديثين.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (سبحان الله وبحمده) سبحان: علم للتسبيح، وأصله اسم مصدر منصوب بفعل محذوف متروك إظهاره، تقديره: أسبح الله سبحانًا، ثم نُزِّلَ","vol":"10","page":401},{"text":"سبحان منزلة الفعل فَسَدَّ مسده، وهو لا يستعمل إلا مضافًا في الغالب (^١)، ومعناه: تنزيهًا لك يا رب عن منقص في الصفات أو في مماثلة المخلوقات.\nوبحمده: الحمد ذكر أوصاف المحمود الكاملة وأفعاله الحميدة مع محبته وتعظيمه، والواو للمعية، فيكون الذاكر جمع بين التنزيه والوصف بالكمال الذاتي والفعلي؛ أي: نزهتك تنزيهًا مقرونًا بالحمد، وقد مضى مثل هذا في \"صفة الصلاة\".\n\nقوله: (في يوم) قال بعض الشراح: إن المراد باليوم كمال الدورة لا للنهار، وعلى هذا فلو قال هذا الذكر في الليل حصل له الأجر المرتب عليه، وقال ابن علان: الأقرب أن المراد اليوم الشرعي وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، حملًا للفظ الشرعي على المتعارف عنده (^٢).\n\nقوله: (مائة مرة) مفعول مطلق منصوب، و(مرة) مضاف إليه.\n\nقوله: (حطت خطاياه) ببناء الفعل لما لم يسم فاعله، وحذف الفاعل هنا للعلم به؛ لأن من المعلوم أن هذا الفعل لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ومعنى (حطت) محيت وأزيلت، والخطايا جمع خطية بالتشديد كعطايا وعطية، والمراد بها عند جمهور أهل العلم الصغائر المتعلقة بحقوق الله تعالى (^٣).\n\nقوله: (وإن كانت مثل زيد البحر) الزبد: بالفتح ما يعلو ماء البحر من الرغوة عند تموجه واضطرابه، والمراد بالبحر: جنس البحر، إذ لا بحرَ معهود، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ [الكهف: ١٠٩] وهذا كناية عن المبالغة والكثرة.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل التسبيح بهذه الصيغة\n_________\n(^١) انظر: \"شرح المفصَّل\" لابن يعيش (١/ ١١٩ - ١٢٢)، \"اللسان\" (٢/ ٤٧١)، \"التنقيح في حديث التسبيح\" لابن ناصر الدين ص (١١٠).\n(^٢) انظر: \"الفتوحات الربانية\" (١/ ٢٠٧).\n(^٣) انظر: \"الفتوحات الربانية\" (١/ ٢١٣).","vol":"10","page":402},{"text":"(سبحان الله وبحمده) مائة مرة في اليوم، وجزاء من أتى بذلك أن الله تعالى يمحو خطاياه مهما بلغت من الكثرة ولو كان مثل زيد البحر، وهذا ثواب عظيم وعطاء جزيل من رب كريم، وهو دليل بَيِّنٌ على سعة فضل الله تعالى وكرمه.\nوظاهر إطلاق الحديث أن هذا الأجر يحصل لمن قال ذلك في كل يوم، سواء أقالها متوالية أو متفرقة في مجالس، أو بعضها أول النهار وبعضها آخره، لكن الأفضل أن يأتي بها متوالية، وقد جاء في \"صحيح مسلم\" عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه\" (^١).\n\n° الوجه الرابع: اختلف العلماء في الأذكار المقدرة بأعداد معينة هل يزاد عليها أم لا؟.\nفذهب جماعة من أهل العلم ومنهم الإمام القرافي (^٢) إلى أن الأذكار التي ورد فيها عدد مخصوص مع ثواب مخصوص لا يحصل الأجر لمن عملها إلا إذا تقيد بالعدد الوارد، فإن زاد في أعدادها أو نقص فاته الثواب؛ لأن الشرع حدد العدد، وقد يكون هذا لحكمة وخاصية تفوت بها بمجاوزة ذلك العدد، واختار هذا الصنعاني (^٣).\nوقال آخرون ومنهم النووي (^٤) والعراقي (^٥): يحصل الثواب مع الزيادة؛ لأنه لما أتى بالأصل وهو العدد المقيد حصل له الثواب، ولا تكون الزيادة مزيلة للثواب بعد حصوله، وهؤلاء يستدلون بما تقدم في حديث أبي هريرة - ﵁ -: \"ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك\".\nوالظاهر أن المانعين يحملون الزيادة في هذا الحديث على أعمال الخير، لا من نفس التهليل، واختار هذا الشوكاني (^٦).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٦٩٢).\n(^٢) \"الفروق\" (٤/ ٢٠٤).\n(^٣) انظر: \"تحفة الذاكرين\" ص (١١٢).\n(^٤) \"شرح صحيح مسلم\" (٢٠/ ١٣).\n(^٥) انظر: \"الفتوحات الربانية\" (٣/ ٤٨).\n(^٦) \"تحفة الذاكرين\" ص (١١٢).","vol":"10","page":403},{"text":"وذهب فريق ثالث إلى التفصيل وهو أنه إن زاد لنحو شَكٍّ عُذِرَ، وإن زاد لقصد التعبد فلا؛ لأنه مستدرك على الشارع، ومال إلى هذا ابن علان (^١).\nوفصل آخرون من وجه آخر وهو أن ينوي الامتثال عند الحد المخصوص، ثم يزيد فهذا يثاب، وإن زاد بغير نية بأن يكون الثواب على عشرة فيرتبه هو على مائة فيتجه عدم الثواب (^٢).\nوالذي يظهر -والله أعلم- أنه ينبغي الاقتصار على العدد الوارد في الأذكار وإلا لما كان لتخصيصها معنى، ثم إن التقيد بالعدد فيه حضور القلب والعناية بالذكر، وحديث أبي هريرة - ﵁ - معناه محتمل.\n\n° الوجه الخامس: نقل ابن بطّال عن بعض أهل العلم أن هذه الفضائل التي جاءت عن النبي - ﷺ - مثل: \"من قال سبحان الله وبحمده غفر له. . .\" وما شاكلها إنما هي لأهل الشرف في الدين والكمال والطهارة من الجرائم العظام، ولا يظن أن من فعل هذا وأصر على ما شاء من شهواته وانتهك دين الله وحرماته أنه يلحق بالسابقين المطهرين، وينال منزلتهم في ذلك بحكاية أحرف ليس معها تُقًى ولا إخلاص، ولا عمل. . .) (^٣) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الفتوحات الربانية\" (٣/ ٤٨ - ٤٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٣٠). وانظر: (١١/ ٢٠٥).\n(^٣) \"شرح صحيح البخاري\" (١٠/ ١٣٤).","vol":"10","page":404},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1343>فضل التسبيح والتحميد بهذه الصفة</span>\n١٥٥٣/ ٧ - عَنْ جُويرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ - ﵂ - قَالتْ: قَال لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِماتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِه، وَرِضَا نفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:\nتقدمت ترجمة جويرية ﵂ في كتاب \"العتق\" في شرح ألفاظ الحديث (١٤٤٤).\n\n° الوجه الثاني: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الذكر والدعاء\"، باب (التسبيح أول النهار وآخره) (٢٧٢٦) من طريق محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن كريب، عن ابن عباس - ﵄ -، عن جويرية - ﵂ - أن النبي - ﷺ - خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: \"ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ \" قالت: نعم، قال النبي - ﷺ -: \"لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات. .\" الحديث.\n\n° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (بعدك) بكسر الكاف، لأنه خطاب لجويرية ﵂؛ أي: بعد مفارقتك وخروجي من عندك، بدليل السياق.\n\nقوله: (لو وزنت بما قلت. . .) أي: لو قوبلت بما قلت من الأذكار","vol":"10","page":405},{"text":"لساوتهن في أجرهن وقابلتهن في فضلهن، وقيل: غلبتهن وزادت عليهن في الوزن، كما يقال: حاججته؛ أي: غلبته في الحجة، ويؤيد هذا ما جاء عند النسائي من حديث ابن عباس - ﵄ -: \"لقد تكلمت بأربع كلمات أعدتهن ثلاث مرات، هن أفضل مما قلت. . .\" (^١).\n\nقوله: (ثلاث مرات) منصوب على أنه مفعول مطلق نائب عن المصدر.\n\nقوله: (سبحان الله وبحمده) في رواية عند مسلم: \"سبحان الله\".\n\nقوله: (عدد خلقه) منصوب على أنه مصدر، وهو صفة لمصدر محذوف؛ أي: تسبيحًا عدد خلقه (^٢)، وكذا الباقي، وقيل: منصوب على الظرفية، وهو رأي السيوطي على تقدير: قَدْرَ عدد خلقه. . . وكذا الباقي، فلما حذف الظرف قام المضاف إليه مقامه وأعرب بإعرابه (^٣).\n\nقوله: (ورضا نفسه) أي: رضا ذاته؛ لأن النفس تطلق على الذات، قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وقد تقدم أن المراد بالنفس ذات الله تعالى المقدسة المتصفة بصفات الكمال.\nأي: وعدد من ﵃ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ورضاه عنهم لا ينقضي ولا ينقطع، وقيل: إن المعنى أنك تسبح الله وتحمده حمدًا يقع منه ﷾ موقع الرضا أو ما يرضاه لنفسه (^٤).\n\nقوله: (وزنة عرشه) أصل زنة: وِزْن، كعدة أصلها وعد بكسر الواو وسكون الزاي، فحذفت الفاء حملًا على المضارع ثم حركت العين بكسرة الفاء لتدل عليها، وجيء بتاء التأنيث عوضًا عن الفاء المحذوفة.\nوالمراد بزنة عرشه: زنة ما لا يعلم قدر وزنه إلا الله وهو العرش.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٩/ ٧١). وانظر: \"الفتوحات الربانية\" (١/ ١٩٤).\n(^٢) انظر: \"دليل الفالحين\" (٤/ ٢٣٦).\n(^٣) انظر: \"رفع السِّنة بنصب الزِّنة\" للسيوطي ضمن \"الحاوي\" (٢/ ٢٨٤).\n(^٤) \"العلم الهيِّب\" ص (١٠٩).","vol":"10","page":406},{"text":"قوله: (ومداد كلماته) بكسر الميم مصدر المد بمعنى المدد وهو ما كثرت به الشيء، والمراد: ما يكتب به كالحبر، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] أي: لو كان ماء البحر مدادًا تكتب به كلمات الله تعالى لنفد ماء البحر ولم تنفد كلمات الله؛ لأن كلمات الله لا منتهى لها.\nوالمراد بـ (كلماته) كلامه وقوله ﷾ الذي لا نفاد له؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال يتكلم بما شاء إذا شاء كيف شاء.\nوما جاء في هذا الحديث مراد به المبالغة في الكثرة؛ لأنه ذكر أولًا ما يحصره العدد الكثير من عدد الخلق، ثم زنة العرش، ثم ارتقى إلى ما هو أعظم من ذلك وهو ما لا يحصيه عدد ولا يحده مقدار وهو كلمات الله، ولذا صرح في الأولى بالعدد وفي الثالثة بالزنة، ولم يصرح في الآخرين بشيء منهما إيذانًا بأنهما لا يدخلان في جنس العدد والموزون ولا يحصرهما تقدير، فحصل الترقي من عدد الخلق إلى رضا النفس ومن زنة العرش إلى مداد الكلمات (^١).\n\n° الوجه الرابع: في الحديث دليل على فضل هذا الذكر (سبحان الله وبحمده عدد خلقه) ثلاث مرات، (سبحان الله وبحمده رضا نفسه) ثلاث مرات، (سبحان الله وبحمده زنة عرشه) ثلاث مرات، (سبحان الله وبحمده مداد كلماته) ثلاث مرات، فيكون الجميع اثنتي عشرة مرة.\nوظاهر هذا الذكر أنه مطلق لم يقيد بوقت معين، وقد ذكره النووي ضمن الأذكار غير المقيدة (^٢)، لكن ظاهر الحديث أنه في أول النهار.\n\n° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن الأجر ليس على قدر النصب، بل لله أن يأجر على العمل القليل بالأجر الجزيل، وذلك أنه ارتفع فضل التسبيح الأقل زمنًا على الأكثر زمنًا؛ لأن النبي - ﷺ - خرج من عند أم المؤمنين - ﵂ - بكرة حين صلى الصبح، ثم رجع إليها ضحى (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"دليل الفالحين\" (٤/ ٢٣٧).\n(^٢) \"الأذكار\" ص (٤٧).\n(^٣) انظر: \"دليل الفالحين\" (٤/ ٢٣٨).","vol":"10","page":407},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1344>ما جاء في تفسير الباقيات الصالحات</span>\n١٥٥٤/ ٨ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ: لَا إِله إلَّا اللهُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَاللهُ أكبَرُ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بِاللهِ\". أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَصحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه النسائي في \"الكبرى\"، كما في \"تحفة الأشراف\" (٣/ ٣٦٢)، وابن حبان (٣/ ١٢١)، والحاكم (١/ ٥١٢) من طريق ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"استكثروا من الباقيات الصالحات\"، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: \"التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إِلا بالله\" هذا لفظ ابن حبان.\nوهذا سند ضعيف، فيه دراج بن سمعان أبو السمح صدوق، لكنه ضعيف في شيخه أبي الهيثم سليمان بن عمرو العُتْواري، قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: (الشأن في دراج)، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: (حديثه منكر)، وحكى ابن عدي عن أحمد أنه قال: (أحاديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد فيها ضعف)، وقال أبو داود: (أحاديثه مستقيمة إلا ما كان عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد).","vol":"10","page":408},{"text":"وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال أبو حاتم: (في حديثه صنعة) (^١)، وقال الدارقطني: (مصري متروك)، ووثقه ابن معين في رواية عنه، وابن حبان وابن شاهين (^٢).\nوالحافظ عزا الحديث للنسائي ولم أجده في \"عمل اليوم والليلة\" المطبوع ضمن \"السنن الكبرى\" وإنما فيه حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"خذوا جُنتكم\" قالوا: يا رسول الله أَمِنْ عدو حضر؟ قال: \"لا، ولكن جُنتكم من النار، قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مجنِّبات ومعقبات، وهن الباقيات الصالحات\".\nرواه النسائي (٩/ ٣١٣) من طريق عبد العزيز بن مسلم، قال: حدثنا ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا. وهذا الحديث في سنده اختلاف، وقد أعله البخاري وأبو حاتم والدارقطني بالإرسال (^٣).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (الباقيات) أي: الكلمات التي تبقى لصاحبها من حيث الثواب.\n\nقوله: (الصالحات) أي: للتقرب بها إلى الله تعالى.\n\nقوله: (ولا حول) هذه هي الحوقلة أو الحولقة، وأصل الحول تغير الشيء وانفصاله عن غيره أو يفسر بالحيلة.، وهو ما يتوصل به إلى حالٍ ما خُفْيةً، والمعنى: لا يتوصل إلى تدبير أمر وتغيير حال إلا بمشيئتك ومعونتك، و(لا) نافية للجنس، و(حولَ) اسمها مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف تقديره: لا حول لنا أو لا حول موجود، وذكر العيني أن الجار\n_________\n(^١) قال الشيخ عبد الرحمن المعلمي ﵀ في تعليقه على \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٣١١): (يعني أنه يتصرف فيه ولا يأتي به على الوجه).\n(^٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢٠٨).\n(^٣) انظر: \"التاريخ الكبير\" (٢/ ١٢٢)، \"التاريخ الأوسط\" (٢/ ٤٢)، \"العلل\" لابن أبي حاتم (١٧٩٣)، \"العلل\" للدارقطني (٨/ ١٥٥).","vol":"10","page":409},{"text":"والمجرور هو الخبر (^١)، وقيل: لا تحول للعبد عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة له على طاعة الله إلا بتوفيق الله. قال النووي: (هي كلمة استسلام وتفويض وأن العبد لا يملك شيئًا من الأمر، وليس له حيلة في دفع شر ولا قوة في تحصيل خير إلا بإرادة الله تعالى) (^٢).\n\nقوله: (ولا قوة) بالبناء على الفتح على أن (لا) عاملة عمل (إن) كالأولى، والواو عاطفة، من باب عطف الجمل أو المفردات (^٣).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل هذا الذكر وأن هذه الألفاظ مما يبقى أثره ونفعه للمؤمن بعد موته، قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف: ٤٦]؛ أي: إن صاحبها ينتظر الثواب وينبسط أمله على خيرٍ من حال ذي المال والبنين دون عمل صالح (^٤).\nوقد جاء عن كثير من السلف تفسير الباقيات الصالحات بهذا الذكر منهم أمير المؤمنين عثمان وابن عباس وابن عمر -﵃-، وسعيد بن المسيب والحسن وقتادة ومجاهد وآخرون، وعزاه بعض المفسرين إلى الجمهور (^٥).\nوالقول الثاني: أن الباقيات الصالحات الصلوات الخمس، وهذا مروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف، كما قال ابن كثير.\nوالقول الثالث: أن الباقيات الصالحات هي الأعمال الصالحة كلها، وهذا مروي عن ابن عباس -أيضًا- وهو قول قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهذا اختيار ابن جرير (^٦)، وهذا هو الأقوى في نظري، وما جاء في حديث الباب هو فرد من أفراد الأعمال الصالحة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"العَلَمُ الهيِّب\" ص (١١٠).\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (١٧/ ٣٠ - ٣١) بتصرف، \"فتح الباري\" (١١/ ٥٠٠ - ٥٠١).\n(^٣) انظر: \"دليل السالك إلى ألفية ابن مالك\" (١/ ٢٢٦).\n(^٤) \"المحرر الوجيز\" (٥/ ٦١٥).\n(^٥) \"المحرر الوجيز\" (٥/ ١٥٧) (٥/ ٦١٥).\n(^٦) \"الدر المنثور\" (٩/ ٥٦١)، \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ١٥٧).","vol":"10","page":410},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1345>ما جاء في أحب الكلام إلى الله تعالى</span>\n١٥٥٥/ ٩ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ أَرْبَعٌ، لَا يَضُرُّكَ بَأَيِّهِنَّ بَدَأَتَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلهَ إلا اللهُ، وَاللهُ أكبَرُ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الآداب\"، باب (كراهية التسمية بالأسماء القبيحة وبنافع ونحوه) (٢١٣٧) من طريق منصور، عن هلال بن يساف، عن الربيع بن عَميلة، عن سمرة بن جندب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله كبر، لا يضرك بأيهن بدأت، ولا تسمينَّ غلامك يسارًا ولا رباحًا ولا نجيحًا ولا أفلح؛ فإنك تقول: أثَمَّ هو؟ فلا يكون، فيقول: لا، إنما هن أربع فلا تزيدُنَّ عليَّ\" (^١).\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أحب الكلام) إما أن يراد كلام البشر؛ لأن القرآن أفضل من التسبيح والتهليل المطلق، وهذا قول النووي (^٢)، أو أن المراد الكلام المتضمن للأذكار والدعاء والقُرَب، وهذا رأي القرطبي (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (١٣/ ٣٦٥).\n(^٢) المصدر السابق (١٧/ ٥٢).\n(^٣) \"المفهم\" (٥/ ٤٦١). وانظر: \"دليل الفالحين\" (٤/ ٢١٤).","vol":"10","page":411},{"text":"قوله: (أربع) أي: أربع كلمات، وإنما قال: أربع ولم يقل أربعة؛ لأن المعدود مؤنث (^١).\n\nقوله: (لا يضرك بأيهن بدأت) أي: بأي الكلمات بدأت أولًا، قال الطيبي: (قوله: \"لا يضرك\" بعد إيراد الكلمات على النسق والترتيب يشعر بأن العزيمة أن يراعى الترتيب، والعدول عنه رخصة ورفع للجناح) (^٢).\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل هذه الجمل الأربع، وأنها من أحب كلام البشر إلى الله تعالى وأحقه قبولًا وأكثره ثوابًا؛ لاشتمالها على أمور عظيمة، وهي تنزيه الله تعالى، ووصفه بكل ما يجب له من صفات الكمال، وإفراده بالوحدانية والأكبرية، وأن فضلها وحصول ثوابها لا يقتضي ترتيبها كما جاءت في الحديث، بل لا بأس بتقديم بعضها على بعض؛ لأن كل جملة منها مستقلة بمعناها عن الأخرى، لكن لو حافظ على سياق الحديث لكان أولى؛ لأن فيه تقديم التنزيه -وهو تخلية عن كل قبيح- على إثبات الحمد والوحدانية والأكبرية، وهذه تحلية بكل صفات الكمال، والتخلية -بالخاء- مقدمة على التحلية -بالحاء- لكنه لما كان ﷾ منزهًا ذاتًا عن كل قبيح لم تضر البداءة بالتحلية وتقديمها على التخلية (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"العلم الهيب\" ص (١٠٥).\n(^٢) \"شرح الطيبي على مشكاة المصابيح\" (٥/ ٧١).\n(^٣) \"الفتوحات الربانية\" (١/ ١٨٤ - ١٨٥)، \"سبل السلام\" (٨/ ٤٠٢).","vol":"10","page":412},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1346>فضل لا حول ولا قوة إلا بالله</span>\n١٥٥٦/ ١٠ - عَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيسٍ! ألا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nزَادَ النّسَائيُّ: \"وَلَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إلّا إِلَيهِ\".\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الدعوات\"، باب (الدعاء إذا علا عَقَبَةً) (٦٣٨٤)، ومسلم (٢٧٠٤) من طريق أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى - ﵁ - قال: كنا مع النبي - ﷺ - في سفر فكنا إذا علونا كبرنا. . . وساق الحديث إلى أن قال: ثم أتى عليَّ وأنا أقول في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال: \"يا عبد الله بن قيس، قل: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها كنز من كنوز الجنة\" أو قال: \"ألا أدلك على كلمة هي من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله\" هذا لفظ البخاري.\nورواه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٣٥٨) وهو ضمن \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٤٠ - ١٤١) من طريق إسرائيل، وأحمد (١٣/ ٤٤٧) من طريق معمر، كلاهما عن أبي إسحاق، عن كُميل بن زياد النخعي، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: بينا أنا أمشي مع رسول الله - ﷺ - قال: \"يا أبا هريرة ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا منجى (^١) من الله إلا إليه\".\n_________\n(^١) ذكر محقق \"عمل اليوم والليلة\" للنسائي أنه في بعض النسخ باللام (ولا ملجأ).","vol":"10","page":413},{"text":"وهذا لفظ النسائي، ورواه أحمد مطولًا، وفيه: \"ولا ملجأ. . .\" وفي ثبوت هذه الزيادة نظر؛ لأن حديث أبي هريرة له طرق أخرى، وليس فيها هذه اللفظة، ويقوي هذا عدم ثبوتها في رواية \"الصحيحين\".\nوقول الحافظ: إن هذه الزيادة من حديث أبي موسى وهم منه، فإن النسائي روى حديث أبي موسى في عشرة مواضع من \"السنن الكبرى\" (^١) وليس في واحد منها هذه الزيادة.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يا عبد الله بن قيس) هذا اسم أبي موسى الأشعري - ﵁ -.\n\nقوله: (ألا أدلك) ألا: بفتح الهمزة وتخفيف اللام، كلمة تنبيه؛ لأن المتكلم ينبه السامع على أمر عظيم الشأن، ومعنى (أدلك): أعلمك وأرشدك.\n\nقوله: (كنز من كنوز الجنة) أصل الكنز في اللغة: ما يدفن من الأموال والأمتعة، والمراد هنا: أن هذا القول يعد لقائله ويدخر له من الثواب ما يقع له في الجنة موقع الكنز في دار الدنيا، بمعنى أن قائل هذه الكلمة يحصل ثوابًا نفيسًا يدخر له في الجنة أحوج ما يكون إليه.\nوتسميتها كنزًا هو من إطلاق السبب على المسبب، وهو أنها لما كانت سببًا للثواب في الجنة المعبر عنه بالكنز أطلق عليها اسمه من باب المجاز.\n\nقوله: (ولا ملجأ من الله) أي: لا مفر ولا مهرب من قضاء الله أو من عذاب الله، وملجأ يحتمل أنه مصدر ميمي، و(من الله) متعلق به، فيكون منصوبًا على أنه اسم (لا)، ويحتمل أن يكون اسم مكان فهو مبني على الفتح، و(من الله) متعلق بمحذوف صفة له (^٢).\n\nقوله: (إلا إليه) أي: إلا بالالتجاء إليه والتحصن برضاه.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل هذه الكلمة العظيمة (لا حول\n_________\n(^١) انظر: \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٣٢) مع الحاشية.\n(^٢) \"البدر التمام\" (٥/ ٣٧٥).","vol":"10","page":414},{"text":"ولا قوة إلا بالله) وأن ثوابها مدخر لقائلها في الجنة أحوج ما يكون إليه، وذلك لأنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى وأن العبد لا يملك شيئًا من الأمر؛ لأنه ضعيف ليس له قدرة ولا تصرف إلا بالله تعالى.\nوفي هذا تحقيق التوحيد الربوبية الذي هو دليل وبرهان على توحيد العبادة وهو توحيد الألوهية، فإن من أقر بأن الله تعالى هو صاحب الحول والقوة، بيده كل شيء كان هذا داعيًا له لإفراد ربه بالعبادة، فهي كلمة عظيمة ولا سيما عند الشدائد والكروب والنوازل، فمن قالها فهو حري بأن الله تعالى يعينه وييسر له أموره.\nيقول ابن القيم عن هذه الكلمة العظيمة: (وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معاناة الأشغال الصعبة، والدخول على الملوك ومن يُخاف، وركوب الأهوال، ولها -أيضًا- تأثير في دفع الفقر) (^١).\n\n° الوجه الرابع: في الحديث رد على القدرية (^٢) القائلين إن العبد مستقل بعمله في الإرادة والقدرة، وليس لمشيئة الله تعالى وقدرته فيه أثر؛ لأن الحديث دل على أن العبد ليس له قدرة ولا تصرف إلا بالله تعالى. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الوابل الصيب\" ص (٩٨).\n(^٢) انظر: \"شفاء العليل\" (٢/ ٧١١).","vol":"10","page":415},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1347>ما جاء في أن الدعاء هو العبادة</span>\n١٥٥٧/ ١١ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -﵄-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: \"إنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ\". رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.\n١٥٥٨/ ١٢ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أنَسٍ بِلَفْظِ: \"الدُّعاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ\".\n١٥٥٩/ ١٣ - وَلهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَفَعَهُ: \"لَيسَ شَيءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ مِنَ الدُّعاءِ\". وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n° الوجه الأول: في تخريجها:\nأما حديث النعمان بن بشير - ﵄ - فقد رواه أبو داود في كتاب \"الصلاة\"، باب (الدعاء) (١٤٧٩)، والترمذي (٣٢٤٧) (٣٣٧٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠/ ٢٤٤ - ٢٤٥)، وابن ماجه (٣٨٢٨) من طريق ذر بن عبد الله المُرْهبي، عن يُسَيْع الحضرمي، عن النعمان بن بشير -﵄-، عن النبي - ﷺ - قال: \"الدعاء هو العبادة\" ثم قرأ: \" ﴿وَقَال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠] \".\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) وزاد في الموضع الثاني: (وقد رواه منصور والأعمش، عن ذر، ولا نعرفه إلا من حديث ذر، وهو ذر بن عبد الله الهَمْداني، ثقة، والد عمر بن ذر).\nوصححه النووي في \"الأذكار\"، وقال الحافظ ابن حجر: (إسناده جيد) (^١).\n_________\n(^١) \"الأذكار\"ص (٦١٤)، \"فتح الباري\" (١/ ٤٩).","vol":"10","page":416},{"text":"وأما حديث أنس - ﵁ - فقد رواه الترمذي (٣٣٧١) من طريق ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن أبان بن صالح، عن أنس بن مالك - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"الدعاء مخ العبادة\".\nقال الترمذي: (هذا حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة).\nوهذا سند ضعيف فيه ابن لهيعة وهو سيئ الحفظ وقد تفرد به، كما قال الترمذي، وضعفه الحافظ المنذري في \"الترغيب\" (^١)، حيث صدره بـ (روي) وقد ذكر في مقدمة كتابه أن من دلالة الحديث الضعيف عنده تصديره بلفظ (روي)، وعلى هذا فالظاهر أن لفظ الحديث هو اللفظ الأول وليس هذا.\nوأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فقد رواه الترمذي (٣٣٧٠)، وابن ماجه (٣٨٢٩)، وأحمد (١٤/ ٣٦٠)، وابن حبان (٣/ ١٥١ - ١٥٢)، والطبراني في \"الأوسط\" (٢٥٤٤) (٣٧١٨)، والحاكم (١/ ٤٩٠) كلهم من طريق عمران القطان، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء\".\nقال الترمذي: (هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عمران القطان)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي.\nوالحديث مداره على عمران بن دَاوَر القطان، كما قال الترمذي، وقال الطبراني: (لم يَرْو هذا الحديث عن قتادة إلا عمران القطان)، وهو متكلم فيه، فقد ضعفه ابن معين وأبو داود والنسائي، وقال الفلاس: (كان ابن مهدي يحدث عنه، وكان يحيى لا يحدث عنه، وقد ذكره يحيى يومًا فأحسن الثناء عليه) وقال أحمد: (أرجو أن يكون صالح الحديث)، وقال ابن عدي: (هو ممن يكتب حديثه)، وقال الدارقطني: (كان كثير الوهم والمخالفة) (^٢)، وقال\n_________\n(^١) (٢/ ٤٨٢).\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (٢٢/ ٣٢٨)، \"موسوعة أقوال الدارقطني\" (٢/ ٤٩٩).","vol":"10","page":417},{"text":"الحافظ في \"التقريب\": (صدوق يهم، ورُمي برأي الخوارج).\nولما رواه العقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٣٠١) قال: (لا يتابع عليه، ولا يعرف بهذا اللفظ إلا عن عمران)، ونقله عنه الحافظ (^١)، وعلى هذا فتفرد مثل عمران عن قتادة يجعل حديثه منكرًا.\n\n° الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:\n\nقوله: (إن الدعاء هو العبادة) هذا لفظ ابن ماجه، وعند الثلاثة بدون (إن)، وهذا أسلوب قصر؛ لأنه أتى بضمير الفصل مع تعريف المسند والمسند إليه؛ ليدل على الحصر في أن العبادة ليست غير الدعاء، وهذا حصر حقيقي؛ لأن العبد إذا انقطع أمله مما سوى الله وأظهر العجز والاحتياج من نفسه وأفرد ربه بالدعاء ولم يلتفت قلبه إلى غيره فقد اعترف لله تعالى بالكمال وإجابة الدعاء وأنه سميع بصير، رحيم عليم، غني كريم، على كل شيء قدير، وهذه حقيقة العبادة وخلاصة التوحيد.\nوقيل: إن الحصر غير حقيقي (^٢)، ومعناه: أن الدعاء معظم العبادة، أو أفضل العبادة (^٣)، وقد تقدم نظير هذا عند حديث: (الدين النصيحة).\n\nقوله: (الدعاء مخ العبادة) بضم الميم وتشديد الخاء المضمومة، ومخ الشيء: خالصه وما يقوم به كمخ الدماغ الذي هو نِقْيُهُ، ومخ العين: شحمها، والمعنى: أن العبادة لا تقوم إلا بالدعاء كما أن الإنسان لا يقوم إلا بالمخ، وإنما كان الدعاء مخ العبادة لأمور ثلاثة:\nالأول: أنه امتثال لأمر الله تعالى في قوله: ﴿وَقَال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فهو محض العبادة وخالصها.\nالثاني: لأن العبد إذا رأى نجاح الأمور من الله تعلق به وقطع أمله عما سواه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٩٤).\n(^٢) انظر: \"التلخيص في علوم البلاغة\" ص (١٣٧).\n(^٣) انظر: \"شأن الدعاء\" ص (٥).","vol":"10","page":418},{"text":"الثالث: أن الغرض من العبادة الثواب عليها، وهو المطلوب بالدعاء (^١).\n\nقوله: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) وذلك لأنه عبادة، والعبادة هي التي خلق الله تعالى الخلق من أجلها، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ ولأن الدعاء يدل على قدرة الله تعالى وكماله، وعجز الداعي واحتياجه، كما تقدم.\n\n° الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل الدعاء وعظيم منزلته عند الله تعالى حيث صار الدعاء هو العبادة، وذلك لأن الداعي قد أتى بأوصاف العبادة ولوازمها، فإن الدعاء يجتمع فيه من أنواع التعبد ما لا يجتمع في غيره، ففيه عبودية القلب بالقصد والرجاء والرغبة والرهبة، وفيه عبودية اللسان بالحمد، والثناء، والطلب، والابتهال، والتضرع، وفيه عبودية البدن بالانكسار والاستكانة بين يدي الله تعالى، والتذلل له (^٢).\nوفي الدعاء أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وفي الدعاء يظهر افتقار العبد وضعفه وحاجته، وفيه تتجلى قدرة الله تعالى وتعلق القلوب به، وهرب الخلائق إليه.\nوالدعاء مستحب عند جمهور العلماء، وحكى الخطابي وجوبه (^٣)، وقد أمر الله تعالى به في قوله سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وَقَال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠] وأكثر المفسرين على أن المراد بالعبادة في قوله: ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ أي: عن دعائي وتوحيدي (^٤)، فالداعي مطيع لله، مستجيب لأمره.\nقال الشوكاني: (فأفاد أن الدعاء عبادة، وأن ترك دعاء الرب سبحانه استكبار، ولا أقبح من هذا الاستكبار، وكيف يستكبر العبد عن دعاء من هو\n_________\n(^١) \"النهاية\" (٤/ ٣٠٥).\n(^٢) انظر: \"تصحيح الدعاء\" ص (١٧).\n(^٣) \"شأن الدعاء\" ص (٨).\n(^٤) \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ١٤٤).","vol":"10","page":419},{"text":"خالقه ورازقه وموجده من العدم وخالق العالم كله ورازقه ومحييه ومميته ومثيبه ومعاقبه، فلا شك أن هذا الاستكبار طرف من الجنون وشعبة من كفران النعم) (^١). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"تحفة الذاكرين\" ص (٣٣).","vol":"10","page":420},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1348>استحباب الدعاء بين الأذان والإقامة</span>\n١٥٦٠/ ١٤ - عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الدُّعَاءُ بَينَ الأذَانِ وَالإقَامَةِ لَا يُرَدُّ\". أَخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، وَغَيرُهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَغَيرهُ.\n\n* الكلام مع عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث تقدم تخريجه والكلام عليه في باب \"الأذان\" (٢٠٣)، وقد أخرجه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٦٧)، وهو في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٢)، وابن ماجه (٦٧)، وابن حبان (٣/ ٥٩٤) من طريق إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن بُريد بن أبي مريم، عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة\"، وعند ابن خزيمة في رواية: \" … فادعوا\"، وأخرجه أحمد (٢٠/ ٤١) بهذه الزيادة بهذا الإسناد، وهذا سند صحيح، رجاله ثقات، قال ابن القطان: (هذا إسناد جيد، وبُريد ثقة، فاعلمه) (^١).\nوقد مضي زيادة كلام في تخريجه في الموضع المشار إليه.\n\n* الوجه الثاني: الحديث دليل علي فضل الدعاء بين الأذان والإقامة وأن المسلم مأمور بذلك لقوله: \"فادعوا\"، كما في بعض الروايات، فيستحب الدعاء والإكثار منه في هذا الوقت؛ لأن صاحبه حري بالإجابة، فإن من أُلهم الدعاء فقد أُريد به الإجابة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾\n_________\n(^١) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٢٢٧).","vol":"10","page":421},{"text":"[غافر: ٦٠]، ويقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وهذا كله من كرم الله تعالى وفضله علي عباده.\nولعل الحكمة في استحباب الدعاء في هذا الوقت -والله أعلم- أن الإنسان ما دام ينتظر الصلاة فهو في صلاة، والصلاة موطن استجابة دعاء العبد؛ لأن العبد يناجي ربه فيها (^١).\nفينبغي للمسلم أن يبادر إلي حضور الصلاة، فإن المتقدم إلي المسجد يتابع المؤذن، ويدعو بين الأذان والإقامة، وفي ذلك ثواب عظيم، بخلاف المتأخر فقد لا يتابع المؤذن، ولا يدعو بين الأذان والإقامة؛ لغفلته أو لانشغاله، أو لغير ذلك من الصوارف، فيفوته بذلك خير كثير، والله المستعان.\n_________\n(^١) \"توضيح الأحكام\" (٦/ ٤٣٣).","vol":"10","page":422},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1349>ما جاء في رفع اليدين حال الدعاء</span>\n١٥٦١/ ١٥ - عَنْ سَلْمَانُ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّ رَبَّكُمْ حَييٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِهِ إذا رَفَعَ إِلَيهِ يَديهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا\". أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب، \"الصلاة\"، باب (الدعاء) (١٤٨٨)، والترمذي (٣٥٥٦)، وابن ماجه (٣٨٦٥)، والحاكم (١/ ٤٩٧) من طريق جعفر بن ميمون، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن ربكم ﵎ حيي كريم … \" الحديث.\nوهذا لفظ أبي داود، وعند الترمذي: \"صفرًا خائبتين، وعند ابن ماجه: \"صفرًا\" أو قال: \"خائبتين\".\nوالحديث قال عنه الترمذي: (هذا حديث حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه)، وقال الحافظ: (سنده جيد) (^١).\nوفي سنده جعفر بن ميمون التميمي بياع الأنماط، وهو متكلم فيه، قال أحمد: (ليس بقوي في الحديث)، وقال ابن معين: (ليس بذاك) وقال في موضع آخر: (صالح الحديث)، وقال مرة: (ليس بثقة)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال أبو حاتم: (صالح)، وقال البخاري: (ليس بشيء)، وقال\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٤٣).","vol":"10","page":423},{"text":"الدارقطني: (يعتبر به) (^١)، وقال الحافظ في التقريب: (صدوق يخطئ).\nوقد تابع جعفرَ بن ميمون سليمانُ التيمي، فرواه محمد بن الزبرقان عنه، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان مرفوعًا، رواه ابن حبان (٣/ ١٦٣)، والطبراني في \"الدعاء\" (١٨٠)، والحاكم (١/ ٥٣٥)، كما تابعه أبو المعلى يحيى بن ميمون، عن أبي عثمان، رواه الخطيب في \"تاريخه\" (٨/ ٣١٧) والبغوي في \"شرح السنة\" (٥/ ١٨٦).\nوقد رواه الإمام أحمد (٣٩/ ١١٩)، والحاكم (١/ ٤٩٧)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ص (٤٨٤) من طريق يزيد بن هارون، ورواه الإمام أحمد في \"الزهد\" ص (١٥١) من طريق يحيى بن سعيد، ورواه ابن أبي شيبة (١٠/ ٣٤٠) من طريق معاذ بن معاذ، ثلاثتهم عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي موقوفًا.\nوقد تابع سليمانَ التيمي علي وقفه حميدُ الطويل كما في \"حديث علي بن حجر\" (١٢٧)، وعند البيهقي ص (٩١)، ويزيد بن أبي صالح عند وكيع في \"الزهد\" (٥٠٤) وهنَّاد في \"الزهد\" -أيضًا- (١٣٦١)، كما تابعه ثابت البناني، وسعيد الجُريري، كما عند البيهقي (٩١ - ٩٢) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت وحميد وسعيد عن أبي عثمان، عن سلمان أنه قال: (أجد في التوراة: إن الله حيي كريم .. الحديث). وهذه اللفظة تفرد بها حماد.\nوبهذا يتبين أن سليمان التيمي قد اختلف عليه في رفعه ووقفه، ولعل الوقف في رواية سليمان وفي الحديث أشبه بالصواب.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (حيي) هو فعيل من الحياء؛ أي: ذو حياء، والله تعالى يوصف بالحياء على ما يليق بجلاله كسائر صفاته (^٢).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٢٤/ ٩٣).\n(^٢) راجع كتاب: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ص (٧٦٦).","vol":"10","page":424},{"text":"قوله: (كريم) هو الذي يعطي من غير سؤال، فكيف بعد السؤال؟.\n\nقوله: (يستحي) جملة مستأنفة بإعادة صفة من استؤنف عنه الحديث، يعني: حياؤه وكرمه يمنعه من أن يخيب عبده السائل (^١).\n\nقوله: (صفرًا) بكسر الصاد المهملة وسكون الفاء؛ أي: خاليتين، يقال: صَفِرَ الشيء يَصْفَرُ من باب تَعِبَ: إذا خلا، وبيت صِفْر؛ أي: خالٍ من المتاع (^٢)، والمعنى: لم يعطه ما سأله. قال الطيبي: (هذا الوصف يستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع) (^٣).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل علي ثبوت صفة الحياء لله تعالي علي ما يليق بجلاله وكماله كسائر صفاته التي ليس فيها شبيه ولا مثيل من خلقه، قال تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشوري: ١١] وقد وصف الله نفسه بالحياء، ووصفه رسوله - ﷺ -، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]. قال ابن القيم: (حياء الله تعالى لا تدركه الأفهام، ولا تكيفه العقول، فإنه حياء كرم وبِرٍّ وجود وجلال) (^٤).\n\n* الوجه الرابع: الحديث دليل علي استحباب رفع اليدين في الدعاء وأن هذا من أسباب الإجابة، وهو -أيضًا- استكانة وعبودية واستطعام، فإن العبد يتفاءل برفع يديه أن الله تعالى يجيب دعاءه، ويضع فيهما حاجته التي سأل ربه (^٥).\nوقد تواتر رفع اليدين حال الدعاء عن النبي - ﷺ - في أحاديث ومواطن كثيرة، ومن ذلك حديث أبي هريرة - ﵁ - في دعائه - ﷺ - علي الصفا والمروة (^٦)، وحديث أسامة - ﵁ - في وقوفه - ﷺ - في عرفة (^٧)، وحديث ابن عمر - ﵄ - في\n_________\n(^١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣١٣).\n(^٢) \"المصباح المنير\" ص (٣٤٢).\n(^٣) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣١٣).\n(^٤) \"مدارج السالكين\" (٢/ ٢٦١).\n(^٥) \"تصحيح الدعاء\" ص (٢٦).\n(^٦) رواه مسلم (١٧٨٠).\n(^٧) رواه النسائي (٥/ ٢٥٤)، وأحمد (٣٦/ ١٤٦)، وابن خزيمة (٢٨٢٤)، قال في \"الفتح\": (إسناده جيد) (١١/ ١٤٢).","vol":"10","page":425},{"text":"دعائه - ﷺ - بعد رمي الجمرتين (^١)، وحديث أبي هريرة - ﵁ - في دعائه - ﷺ - لقبيلة دوس (^٢)، وغير ذلك.\nورفع اليدين في الدعاء من المسائل التي تواترت فيها الأحاديث تواترًا معنويًّا، فقد ذكر السيوطي في رسالة له ما يقرب من ستين حديثًا، لكنها في مواضع مختلفة، فكل واحد منها لم يتواتر لفظًا، وإنما القدر المشترك فيها وهو الرفع تواتر باعتبار المجموع (^٣).\nفكل موضع رفع فيه النبي - ﷺ - فإننا نرفع فيه، تأسيًا به - ﷺ -، وكل موضع دعا فيه ولم يرفع، فإنه لا يشرع لنا الرفع كدعائه - ﷺ - في الطواف وأثناء السعي والدعاء بين السجدتين وآخر التشهد وبعد الفراغ من الصلاة، وهكذا في خطبة الجمعة، فإنه لم يرفع، فلا يشرع للخطيب ولا للحاضرين الرفع إلا إذا استسقى، وكذا دخول الخلاء والخروج منه، يقول العز بن عبد السلام: (لا يستحب رفع اليدين في الدعاء إلا في المواطن التي رفع فيها رسول الله - ﷺ - يديه) (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٧٥٢).\n(^٢) رواه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٦١١)، وهو في \"الصحيحين\" بدون ذكر رفع اليدين، \"صحيح البخاري\" (٦٣٩٧)، \"صحيح مسلم\" (٢٥٢٤)، وانظر: \"فتح الباري\" (١١/ ١٤٢).\n(^٣) انظر: \"نظم المتناثر\" ص (١٧٦) ورسالة السيوطي: \"فضّ الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء\".\n(^٤) \"الفتاوى\" للعز بن عبد السلام ص (٤٧).","vol":"10","page":426},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1350>ما جاء في مسح الوجه باليدين بعد الدعاء</span>\n١٥٦٢/ ١٦ - عَن عُمَرَ - ﵁ - قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا مَدَّ يَدَيهِ فِي الدُّعاءِ، لَمْ يَرُدَّهُمَا، حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ.\nوَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْهَا:\n١٥٦٣/ ١٧ - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (^١).\nوَمَجْمُوعُهَا يَقْتَضِي أنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ.\n\n* الكلام عليهما من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجهما:\nأما حديث عمر - ﵁ - فقد رواه الترمذي في أبواب \"الدعوات\"، باب (ما جاء في رفع الأيدي عند الدعاء) (٣٣٨٦) والبزار في \"مسنده\" (١/ ٢٤٣)، من طريق حماد بن عيسى الجهني، عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه.\nوفي رواية: لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه.\nهذا الحديث مداره علي حماد بن عيسى الجهني غريق الجحفة، وقد ضعفه الأئمة، قال ابن معين: (شيخ صالح)، وقال أبو حاتم وأحمد والدارقطني: (ضعيف الحديث)، وقال أبو داود: (ضعيف، روي أحاديث مناكير) (^٢).\n_________\n(^١) في بعض النسخ: (عند أبي داود وغيره) ولم أرها في المخطوطة.\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ١٦ - ١٧).","vol":"10","page":427},{"text":"قال الترمذي: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى، وقد تفرد به، وهو قليل الحديث، وقد حدث عنه الناس، وحنظلة بن أبي سفيان الجمحي هو ثقة، وثقه يحيى بن سعيد القطان)، وكلام الترمذي هذا يفيد ضعف الحديث، وقد جاء في بعض النسخ غير المعتمدة: (صحيح غريب) وهذا لا يصح، ولهذا فإن المزي لم ينقل عن الترمذي سوى قوله: (غريب) (^١)، وقال البزار: (هذا الحديث إنما رواه عن حنظلة حماد بن عيسى، وهو ليِّن الحديث، وإنما ضعف حديثه بهذا الحديث، ولم نجد بُدًّا من إخراجه؛ إذ كان لا يُروي عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه، أو من وجه دونه)، وقال أبو زرعة: (هو حديث منكر أخاف ألا يكون له أصل) (^٢)، وقال ابن الجوزي: قال يحيى بن معين: (هو حديث منكر) (^٣).\nوأما حديث ابن عباس - ﵄ - فقد رواه أبو داود (١٤٨٥) من طريق عبد الملك بن محمد بن أيمن، عن عبد الله بن يعقوب بن إسحاق، عمن حدثه، عن محمد بن كعب القرظي، حدثني عبد الله بن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تستروا الجدر، من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه، فإنما ينظر في النار، سلوا الله ﷿ ببطون كفكم ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم\".\nقال أبو داود: (روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب، كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها، وهو ضعيف أيضًا).\nوذلك أن هذا الإسناد مسلسل بالمجاهيل، فعبد الملك بن محمد بن أيمن قال عنه الحافظ: (روي له أبو داود حديثًا منقطعًا وضعفه، وقال أبو الحسن بن القطان: حاله مجهولة) (^٤)، وقال في \"التقريب\": (مجهول).\n_________\n(^١) \"تحفة الأشراف\" (٨/ ٥٨ - ٥٩).\n(^٢) \"علل ابن أبي حاتم\" (٢١٠٦).\n(^٣) \"العلل المتناهية\" (٢/ ٣٥٦).\n(^٤) \"تهذيب الكمال\" (١٨/ ٣٩٨)، \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٣٧٠).","vol":"10","page":428},{"text":"وشيخه عبد الله بن يعقوب قال عنه الذهبي: (لا أعرفه) (^١)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (مجهول).\nوشيخ عبد الله بن يعقوب لم يسمَّ فهو مبهم، وقد يكون صالح بن حسان، أو عيسى بن ميمون -كما سيأتي-، وكلاهما متروك.\nورواه ابن ماجه (٣٨٦٦) من طريق صالح بن حسان، عن محمد بن كعب به، وصالح بن حسان قال عنه البخاري: (منكر الحديث)، وقال النسائي: (متروك الحديث)، وقال ابن عدي: (هو إلي الضعف أقرب منه إلي الصدق) (^٢)، وقال ابن حبان: (كان صاحب قينات وسماع، وكان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، حتى إذا سمعها مَنِ الحديث صناعته شهد لها بالوضع) ثم ذكر له هذا الحديث (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم في \"العلل\": (سألت أبي عن حديث رواه سعيد بن محمد الوراق، عن صالح بن حسان … فقال: هذا حديث منكر) (^٤).\nوقد تابع صالحَ بنَ حسانٍ عيسى بن ميمون، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس -﵄-، رواه محمد بن نصر في \"الوتر\" (^٥)، وعيسي بن ميمون قال عنه البخاري: (منكر الحديث)، وقال النسائي: (ليس بثقة)، وقال ابن معين: (ليس حديثه بشيء)، وقال ابن حبان: (لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد) (^٦).\nوبهذا يتبين ضعف الحديثين -حديث عمر وابن عباس - ﵄ - وأنه لا يصلح تقوية أحدهما بالآخر؛ لشدة ضعفهما.\nوأما قول الحافظ: (ومجموعها يقتضي أنه حديث حسن) فلا ريب أنه\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (١٦/ ٣٣١)، \"الميزان\" (٢/ ٥٢٧).\n(^٢) \"الكامل\" (٤/ ٥١).\n(^٣) \"المجروحين\" (١/ ٤٦٧)، \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٣٦).\n(^٤) \"العلل\" (٢٥٧٢).\n(^٥) ص (١٦٩).\n(^٦) \"المجروحين\" (٢/ ١٠٢)، \"الميزان\" (٣/ ٣٢٥).","vol":"10","page":429},{"text":"يريد الحسن لغيره، لا الحسن لذاته، وهذا غير وارد هنا؛ لأن حديث ابن عباس ضعيف -كما تقدم في كلام أبي داود- بل قال عنه أبو حاتم -كما تقدم- (هذا حديث منكر) فمثله لا يصلح في باب الشواهد ولا المتابعات.\n\n* الوجه الثاني: يستدل العلماء بحديث عمر وابن عباس - ﵄ - علي مشروعية مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء، وهذا القول هو أحد الروايتين عن الإمام أحمد داخل الصلاة وخارجها، وقد ذكر المرداوي في \"الإنصاف\" أنها هي المذهب (^١)، وهو أحد الوجهين عند الشافعية (^٢)، قال ابن مفلح: (ويمسح وجهه بيديه، فعله أحمد) (^٣)، وقال الموفق بعد أن ذكر الاستحباب عن أحمد وذكر الحديث قال: (ولأنه دعاء يرفع يديه فيه، فيمسح بهما وجهه، كما لو كان خارجًا عن الصلاة، وفارق سائر الدعاء، فإنه لا يرفع يديه فيه) (^٤).\nوالقول الثاني: أنه لا يشرع مسح الوجه باليدين بعد الدعاء، وهذا مروي عن الإمام أحمد -أيضًا- فقد نقل ابن هانئ أنه رفع يديه ولم يمسح (^٥)، وقال أبو داود: (سمعت أحمد وسئل عن الرجل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ من الوتر فقال: لم أسمع فيه بشيء، ورأيت أحمد لا يفعله) (^٦).\nوقد ذكر الموفق هذه الرواية ثم قال: (ولأنه دعاء في الصلاة، فلم يستحب مسح وجهه بها كسائر دعائها) (^٧).\nوهذا القول هو الوجه الثاني في مذهب الشافعية.\nومما تقدم يتبين أن رواية ترك المسح في المذهب سندها قول أحمد وتركه له، وسند رواية المسح: فعل أحمد له، وعلى هذا فالظاهر أن تركه\n_________\n(^١) (٢/ ١٧٣).\n(^٢) \"المجموع\" (٣/ ٤٤٢).\n(^٣) \"الفروع\" (١/ ٥٤١).\n(^٤) \"المغني\" (٢/ ٥٨٥).\n(^٥) \"الفروع\" (١/ ٥٤١).\n(^٦) \"مسائل الإمام أحمد لأبي داود\" ص (٧١)، \"الوتر\" للمروزي ص (١٧٠).\n(^٧) \"المغني\" (٢/ ٥٨٥).","vol":"10","page":430},{"text":"للمسح المطابق لقوله: (لم أسمع فيه بشيء) أولى أن تكون الرواية فيه هي المذهب لا الرواية الثانية (^١).\nوقال المروزي: سئل مالك ﵀ عن الرجل يمسح بكفيه وجهه عند الدعاء فأنكر ذلك، وقال: (ما علمت) (^٢).\nوروي البيهقي بسنده إلى علي الباشاني قال: سألت عبد الله -يعني ابن المبارك-: عن الذي إذا دعا مسح وجهه، قال: (لم أجد له ثبتًا) قال علي: ولم أره يفعل ذلك، قال: وكان عبد الله يقنت بعد الركوع في الوتر، وكان يرفع يديه (^٣).\nوقال البيهقي: (فأما مسح الوجه باليدين عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظه عن أحد من السلف في دعاء القنوت، وإن كان يروي عن بعضهم في الدعاء خارجها، وقد روي فيه عن النبي - ﷺ - حديث فيه ضعف، وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة، وأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح ولا أثر ثابت ولا قياس، فالأولى ألا يفعله، ويقتصر على ما فعله السلف من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة، وبالله التوفيق) (^٤).\nوجاء في \"فتاوى العز بن عبد السلام\": (ولا يستحب رفع اليدين في الدعاء إلا في المواطن التي رفع فيها رسول الله - ﷺ - يديه، ولا يمسح وجهه بيديه عقيب الدعاء إلا جاهل) (^٥)، هكذا قال، مع أن الإمام أحمد وغيره قد فعله، كما تقدم.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما رفع النبي - ﷺ - يديه في الدعاء فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة، وأما مسح وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان لا تقوم بهما حجة، والله أعلم) (^٦).\n_________\n(^١) انظر: \"جزء في مسح الوجه باليدين بعد رفعهما للدعاء\" للشيخ بكر أبو زيد.\n(^٢) \"الوتر\" ص (١٧٠).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢١٢).\n(^٤) المصدر السابق (٢/ ٢١٢).\n(^٥) ص (٤٧).\n(^٦) \"الفتاوي\" (٢٢/ ٥١٩).","vol":"10","page":431},{"text":"قال الشيخ عبد العزيز بن باز: (الأفضل الترك، فإن فعله في بعض الأحيان فالأمر واسع، وأما القول بأنه بدعة فهو محل نظر، والأقوي والأقرب عندي أنه - ﷺ - لم يفعل هذا؛ لأنه لو فعله لنقله رواة الأخبار الصحيحة).\nوالراجح -والله أعلم- أنه لا يشرع المسح لا في الصلاة ولا خارجها، فإن عمدة القائلين بمشروعيته أن الأحاديث الواردة فيه إذا جمع بعضها إلي بعض قويت ونهضت علي الاستدلال بها، وتقدم رد هذا، والمعول على الأحاديث الصحيحة وليس فيها مسح الوجه، والله أعلم.","vol":"10","page":432},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1351>ما جاء في فضل الإكثار من الصلاة على النبي - ﷺ </span>-\n١٥٦٤/ ١٨ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً\". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\n* الكلام عليه من وجهين:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه الترمذي في أبواب \"الوتر\"، باب (ما جاء في فضل الصلاة على النبي - ﷺ -) (٤٨٤)، وابن حبان (٣/ ١٩٢) من طريق محمد بن خالد بن عثمة قال: حدثنا موسى بن يعقوب الزَّمْعِي، قال: حدثني عبد الله بن كيسان أن عبد الله بن شداد أخبره، عن ابن مسعود - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: … وذكر الحديث. وهذا لفظ ابن حبان، وليس عند الترمذي لفظة: (إن).\nوالحديث سنده ضعيف؛ لأن في إسناده عبد الله بن كيسان وهو مجهول، قال ابن القطان: (لا تعرف حاله، ولا يعرف روى عنه إلا موسى بن يعقوب الزمعي) (^١).\nوفي سنده -أيضًا- موسى بن يعقوب الزمعي متكلم فيه، وأكثر النقاد على تضعيفه، ووثقه بعضهم، فقد وثقه ابن معين، وقال أبو داود: (صالح)،\n_________\n(^١) \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ ٦١٣).","vol":"10","page":433},{"text":"وقال ابن عدي: (لا بأس به عندي)، لكنه استنكر حديثه هذا، وضعفه ابن المديني فقال: (ضعيف الحديث، منكر الحديث)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال الدارقطني: (لا يحتج به) (^١)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق سيئ الحفظ).\nثم إن في سنده اختلافًا، فقد رواه ابن حبان من طريق خالد بن مَخْلَد قال: حدثنا موسى بن يعقوب الزمعي، حدثنا عبد الله بن كيسان قال: حدثني عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أبيه … فزاد (عن أبيه)، ولما ذكر الدارقطني الاختلاف في إسناده قال: (والاضطراب فيه من موسى بن يعقوب، ولا يحتج به) (^٢).\n\n* الوجه الثاني: يستدل العلماء بهذا الحديث علي فضل الإكثار من الصلاة على النبي - ﷺ - وأن أولى الناس بالنبي - ﷺ - وأحقهم بالشفاعة وأقربهم منه منزلة يوم القيامة الذين يكثرون الصلاة عليه - ﷺ -.\nوقد روي مسلم بسنده عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من صلي عليَّ واحدة صلي الله عليه عشرًا\" (^٣).\nوهذه الصلاة من الله تعالى فسرت بالرحمة وتضعيف الأجر، كما قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقد تكون الصلاة علي حقيقتها بكلام تسمعه الملائكة تعظيمًا للمصلي وتشريفًا له، كما في حديث: \"وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم\" (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٦/ ٣٤٢)، \"العلل\" للدارقطني (٥/ ١١٣)، \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٣٧٣).\n(^٢) \"العلل\" (٥/ ١١١ - ١١٣).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٤٠٨).\n(^٤) \"إكمال المعلم\" (٢/ ٣٠٦)، \"شرح الأُبِّي علي صحيح مسلم\" (٢/ ١٦٥)، \"الفتوحات الربانية\" (٢/ ١٢١)، والحديث تقدم تخريجه في أول حديث في باب \"الذكر والدعاء\".","vol":"10","page":434},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1352>سيد الاستغفار</span>\n١٥٦٥/ ١٩ - عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ، أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إلهَ إلا أنتَ، خَلَقْتَنِي، وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي؛ فإنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أَنْتَ\". أَخْرَجَهُ الْبُخارِيُّ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الدعوات\"، باب (أفضل الاستغفار) (٦٣٠٦) من طريق الحسين بن ذكوان المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن بُشير بن كعب العدوي، قال: حدثني شداد بن أوس - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"سيد الاستغفار أن يقول: اللهم أنت ربي … \" وذكر الحديث، وتمامه: قال: \"ومن قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة\".\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (سيد الاستغفار) أي: سيد ألفاظ، قال الطيبي: (السيد هنا مستعار من الرئيس المقدم الذي يصمد إليه في الحوائج لهذا الدعاء الذي هو جامع لمعاني التوبة كلها) (^١). و(الاستغفار) مصدر استغفر، وهو مأخوذ من\n_________\n(^١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ١٠٢ - ١٠٣).","vol":"10","page":435},{"text":"مادة (غَفَرَ) التي تدل على الستر والتغطية، والاستغفار: طلب مغفرة الذنوب بسترها في الدنيا والتجاوز عنها في الآخرة (^١).\n\nقوله: (أن يقول العبد) لفظة: (العبد) ليست عند البخاري، كما تقدم في السياق، وقد ثبتت في رواية أحمد والنسائي (^٢).\n\nقوله: (اللهم) الميم المشددة عوض عن حرف النداء؛ أي: يالله، وهذه الصيغة تستعمل في الطلب، كما هنا، وفي غيره مثل: اللهم إني أصبحت أُشْهِدُك.\n\nقوله: (أنت ربي) أي: لا غيرك، واستفيد الحصر من تعريف المسند والمسند إليه.\n\nقوله: (لا إله إلا أنت) أي: ليس لي معبود ولا مألوه إلا أنت.\n\nقوله: (خلقتني) كذا في \"صحيح البخاري\"، وذكر الحافظ أنه وجد في نسخة معتمدة: (أنت خلقتني) بزيادة الضمير، وقدم ذكر التوحيد على طلب المغفرة؛ لأن التوحيد أعظم الأسباب التي تستجلب بها المغفرة، وعدمه مانع من المغفرة بالكلية (^٣).\n\nقوله: (وأنا عبدك) معطوف علي قوله: (أنت ربي) كأنه قال: اللهم أنت ربي وأنا عبدك؛ أي: تألهًا وخلقًا، وأجاز الطيبي أن تكون حالًا مؤكدة، أو حالًا مقدرة، أي: أنا عابد لك، كقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ [الصافات: ١١٢] ويؤيد هذا ما بعده (^٤).\n\nقوله: (وأنا على عهدك ووعدك) أي: أنا علي ما عاهدتك عليه من الإيمان بك وإخلاص الطاعة لك، وأنا مقيم علي حقيقة وعدك لي بالتوبة والأجر. أو أنا مقيم علي ما عهدت إليَّ من أمرك ومتمسك به، وعلي وعدك؛\n_________\n(^١) انظر: \"اللسان\" (٥/ ٢٥).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٩٩).\n(^٣) انظر: \"شرح حديث لبيك اللهم لبيك\" ضمن رسائل ابن رجب (١/ ١٤٧).\n(^٤) انظر: \"شرح الطيبي\" (٥/ ١٠٣).","vol":"10","page":436},{"text":"أي: مصدق بوعدك في المثوبة والأجر (^١).\n\nقوله: (ما استطعت) ما: مصدرية؛ أي: بحسب استطاعتي، لا بحسب ما ينبغي لك وتستحقه علي، والاستطاعة هي القدرة علي الشيء، وفي هذا إعلام من النبي - ﷺ - لأمته أن العبد لا يقدر علي الإتيان بجميع ما أُمر به، ولا الوفاء بكمال طاعة الله، ولا القيام بما يجب من شكر النعم.\n\nقوله: (أعوذ بك) أي: ألتجئ إليك وأعتصم بك، فأنت المستعاذ به.\n\nقوله: (من شر ما صنعت) أي: من شر الذي صنعته، علي أن (ما) موصول اسمي، أو من شر صنعي علي أنه موصول حرفي، وهذا هو المستعاذ منه، وخص الشر؛ لأن صنع الخير محبوب لله تعالي، والعبد مأمور بفعله عهدًا وميثاقًا ووعدًا، بخلاف الشر فإنه معاهد علي تركه واجتنابه.\n\nقوله: (أبوء لك بنعمتك عليَّ) يقال: باء يبوء: رجع وانقطع؛ أي: اعترف لك طوعًا بنعمتك عليَّ، فكأنه رجع إلي الإقرار والاعتراف، ولفظ النعمة يفيد العموم في جميع نعم الله تعالى علي عباده ظاهرها وباطنها؛ لأنه مفرد مضاف كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤].\n\nقوله: (وأبوء بذنبي) أي: أرجع علي نفسي بالإقرار والاعتراف بإثمي ومعصيتي، وقال صاحب كتاب \"الأفعال\": (باءَ بالذنب: أَقَرَّ) (^٢). وقال الخطابي: (معناه الإقرار بها -أيضًا- كالأول، ولكن فيه معنى ليس في الأول، تقول العرب: باء فلان بذنبه: إذا احتمله كرهًا، لا يستطيع دفعه عن نفسه) (^٣). ولفظ الذنب وإن كان مفردًا، فإنه يعم كل ذنب من فعل محظور أو ترك واجب؛ لأنه مفرد مضاف كالذي قبله، والمعنى: أنا معترف لك بإنعامك عليَّ الذي يستوجب عليّ حمدًا، ومعترف بذنبي الذي يستوجب مني استغفارًا.\n_________\n(^١) انظر: \"أعلام الحديث\" للخطابي (٣/ ٢٢٣٦).\n(^٢) \"الأفعال\" لابن القوطية ص (١٣٢).\n(^٣) \"معالم السنن\" (٧/ ٣٣١).","vol":"10","page":437},{"text":"قوله: (فاغفر لي) لفظ \"الصحيح\": (اغفر لي) بدون فاء، لكن جاء في طبعة الناصر لـ \"الصحيح\" ما يدل علي صحة سماعها (^١)، وقوله: (اغفر) فعل دعاء من: غفر يغفر غفرًا، من باب ضرب، وأصل الغفر: الستر والتغطية، والمغفرة من الله تعالى ستره للذنوب، ووقاية العبد آثامها، بعفوه عنها بفضله ورحمته.\n\nقوله: (فإنه لا يغفر النفوب إلا أنت) ضمير الهاء للشأن والأمر.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل علي فضل الاستغفار وأنه من أعظم أسباب مغفرة الذنوب إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع، ومن ذلك أن يسلم العبد من الإصرار علي المعصية؛ وهذا هو الاستغفار التام، أما الاستغفار مع إصرار القلب علي الذنب فهو دعاء مجرد إن شاء الله أجابه، وإن شاء رده، وقد يكون الإصرار مانعًا من الإجابة.\nوقد كثر في القرآن ذكر الاستغفار فتارة بالأمر به، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وتارة بمدح أهله، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، وتارة بالوعد بالمغفرة لمن استغفره، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠] (^٢). يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسير هذه الآية: (أي: من تجرأ علي المعاصي واقتحم علي الإثم، ثم استغفر الله استغفارًا تامًّا، يستلزم الإقرار بالذنب، والندم عليه، والإقلاع، والعزم علي ألا يعود، فهذا قد وعده من لا يخلف الميعاد بالمغفرة والرحمة، فيغفر له ما صدر منه من الذنب، ويزيل عنه ما ترتب عليه من النقص والعيب، ويعيد إليه ما تقدم من الأعمال الصالحة، ويوفقه فيما يستقبله من عمره، ولا يجعل ذنبه حائلًا عن توفيقه؛ لأنه قد غفره وإذا غفره، غفر ما يترتب عليه) (^٣).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٨/ ٦٧).\n(^٢) انظر: \"جامع العلوم والحكم\" شرح حديث (٤٢)، \"نتائج الأفكار في شرح حديث سيد الاستغفار\" ص (٣٥٠).\n(^٣) \"تفسير ابن سعدي\" ص (٢٠٠).","vol":"10","page":438},{"text":"* الوجه الرابع: الحديث دليل علي أن هذه الصيغة الواردة في هذا الحديث هي أفضل صيغ الاستغفار، وذلك لأن فيه الثناء علي الله تعالى، ثم الاعتراف بربوبيته وألوهيته وأنه لا معبود بحق غيره، وأن العبد مقيم الوعد ثابت العهد بحسب طوقه واستطاعته، ثم فيه الاستعاذة بالله سبحانه من شر ما صنع العبد من ارتكاب للآثام أو تقصير في طاعة أو شكر علي نعمة، ثم فيه الإقرار بترادف النعم وما يصيب العبد من الذنوب والمعاصي، وختمه بسؤال المغفرة من الله الذي لا يغفر الذنوب سواه، قال الحافظ ابن رجب: \"أفضل أنواع الاستغفار أن يبدأ العبد بالثناء علي ربه، ثم يثني بالاعتراف بذنبه، ثم يسأل الله المغفرة\" (^١).\n\n* الوجه الخامس: في الحديث الاعتراف بنعم الله تعالى علي عبده وترادف فضله وإحسانه، وهذا يتضمن شكر المنعم ﷾؛ لأن من أعظم الدواعي لشكر النعم تذكر النعمة والاعتراف بها، ومن مظاهر التقصير في الشكر الغفلة عن النعم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] وهذا يفيد أنهم لن يقوموا بالشكر علي الوجه المطلوب؛ لأن من لا يحصي نعمة الله عليه كيف يقوم بشكرها؟.\nوفيه الاعتراف بالذنب الذي يستدعي من العبد لزوم الاستغفار، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (متى شهد العبد هذين الأمرين استقامت له العبودية، وترقي في درجات المعرفة والإيمان، وتصاغرت إليه نفسه، وتواضع لربه، وهذا هو كمال العبودية، وبه يبرأ من العجب والكبر، وزينة العمل) (^٢).\nوقال ابن القيم: (العبد يسير إلي الله بين مَشَاهِدِ مِنَّتِهِ عليه ونعمه وحقوقه، وبين رؤية عيب نفسه وعمله وتفريطه وإضاعته، وهو يعلم أن ربه لو عذبه أشد العذاب لكان قد عدل فيه، وأن أقضيته كلها عدل فيه، وأن ما هو فيه من الخير فمجرد فضله ومنته وصدقته عليه، ولهذا كان في حديث سيد\n_________\n(^١) \"جامع العلوم والحكم\" شرح حديث (٤٢).\n(^٢) انظر: \"المجموعة العليّة من كتب ورسائل وفتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية\" ص (٥٩).","vol":"10","page":439},{"text":"الاستغفار: \"أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي\" فلا يري نفسه إلا مقصرًا مذنبًا، ولا يري ربه إلا محسنًا متفضلًا) (^١).\n\n* الوجه السادس: الحديث دليل علي إثبات قوة العبد وقدرته واستطاعته، وأنه غير مجبور علي ذلك، بل له استطاعة هي مناط الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وفي هذا رد علي القدرية المجبرة الذين يقولون: إن العبد مجبر علي عمله، وليس له فيه إرادة ولا قدرة، وإنما يعاقبه الله علي فعله هو، لا علي فعل العبد. وهذا مذهب باطل يرده الشرع والعقل والواقع أما الشرع فإن الله تعالى أثبت للعبد إرادة ومشيئة، وأضاف العمل إليه، قال الله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].\nوأما الواقع فإن كل إنسان يعلم الفرق بين أفعاله الاختيارية التي يفعلها بإرادته كالأكل والشرب والبيع والشراء، وبين ما يقع عليه بغير إرادته كالارتعاش من الحُمَّى والسقوط من السطح، فهو في الأول فاعل مختار بإرادته من غير جبر، وفي الثاني غير مختار ولا مريد لما وقع عليه (^٢). والله تعالي أعلم.\n_________\n(^١) \"شفاء العليل\" (٢/ ٧٢٢) وقد جاء فيه: (وصدقه عليه ..) والمثبت من طبعة مصرية قديمة ص (١٦٦).\n(^٢) \"المجموعة العلية\" ص (٥٦)، \"نبذة في العقيدة الإسلامية\" ص (٦٣).","vol":"10","page":440},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1353>من الأدعية الجامعة في الصباح والمساء</span>\n١٥٦٦/ ٢٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَعُ هؤلَاءِ الْكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي، وَحِينَ يُصْبِحُ: \"اللَّهُمَّ إنِّي أسْأَلكَ الْعَافِيَةَ فِي دِيني، وَدُنيَايَ، وَأَهْلِي، وَمَالِي. اللهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، واحْفَظْنِي مِنْ بَينِ يَديَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَال مِنْ تَحْتِي\". أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الأدب\"، باب (ما يقول إذا أصبح) (٥٠٧٤)، ورواه النسائي في \"الصغرى\" (٨/ ٢٨٢) وفي \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢١٠)، وابن ماجه (٣٨٧١)، وأحمد (٨/ ٤٠٣)، والحاكم (١/ ٥١٧ - ٥١٨) من طريق عُبادة بن مسلم الفَزَاري، عن جبير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم قال: سمعت ابن عمر - ﵄ - يقول: لم يكن رسول الله - ﷺ - هؤلاء الدعوات … الحديث.\nوهذا الحديث إسناده صحيح، رجاله ثقات، قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي، وقال النووي: (رويناه بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه) (^١).\n_________\n(^١) \"الأذكار\" ص (١٤٥).","vol":"10","page":441},{"text":"* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (يَدَعُ) أي: يترك، من ودع الشيء: إذا تركه، وقد زعم النحاة أن العرب أماتت ماضيَ (يَدَعُ) ومصدره واسم الفاعل مع ثبوتها (^١)، ولو عبروا بالقلة لكان أحسن، وتقدم الكلام على هذا في أول \"الجمعة\" عند الحديث (٤٤٥).\n\nقوله: (حين يمسي) أي: يدخل في المساء، وهو مضارع أمسي وهو تام، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو، ومثله (حين يصبح)، والمساء: خلاف الصباح، قال ابن القوطية: (المساء ما بين الظهر إلي المغرب)، وقال بعضهم: إلى نصف الليل (^٢)، وقال في \"القاموس\" (الصُّبْحُ: الفجر أو أول النهار، والمساء: ضد الصباح).\n\nقوله: (العافية في ديني) السلامة في ديني من المعاصي والآثام والمخالفات والبدع، وجاء عند أبي داود والنسائي وابن ماجه: \"اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي … \".\n\nقوله: (ودنياي) أي: أسألك العافية في دنياي من المصائب والشرور المكدرة، والمعيشة المنغصة، والانهماك فيها الذي يلهي عن الله تعالى وعن الدار الآخرة.\n\nقوله: (وأهلي) يطلق الأهل على الزوجة، والمراد هنا: الزوجة والأولاد؛ لأن الأهل يطلق -أيضًا- على سكان الدار، والمراد سؤال العافية لأهله من الأمراض والانحراف وسوء العشرة وألا يري فيهم ما يسوؤه.\n\nقوله: (ومالي) أي: وأسألك العافية في مالي من الآفات والشبهات المؤثرة علي سلامة الكسب.\n\nقوله: (استر عوراتي) العورة: اسم لكل ما يستحيي منه إذا ظهر من\n_________\n(^١) \"اللسان\" (٨/ ٣٨٣ - ٣٨٤) مادة: (ود ع).\n(^٢) \"الأفعال\" لابن القوطية ص (١٥٤)، \"تهذيب اللغة\" (١٣/ ١٢٢)، \"ترتيب القاموس\" (٢/ ٧٩٢)، (٤/ ٢٤٣)، \"فتح الباري\" (٣/ ٥٦٩).","vol":"10","page":442},{"text":"الذنوب والعيوب؛ أي: عيوبي وزلاتي، والدعاء بسترها يتضمن الدعاء بمغفرتها.\n\nقوله: (وآمن روعاتي) جمع روعة وهي الفزع؛ أي: فزعاتي التي تخيفني، تقول: راعني الشيء روعًا من باب ضرب: أفزعني، ويروعني مثله (^١).\nوإيراد هذا وما قبله بصيغة الجمع إشارة إلي كثرتها، وبالأمن منها يتم كمال الإنسان وخَلاصه؛ ولأنه يدخل في الحديث روعات يوم القيامة.\n\nقوله: (واحفظني من بين يدي …) إلخ، أي: ادفع عني البلاء من جهاتي الست، فلا يصيبني شر من أي جهة منها، وعمم الجهات لأن الآفات تأتي منها.\n\nقوله: (وأعوذ بعظمتك) أي: وأستجير وأتحصن بعظمتك وجلالك، والعظمة: صفة من صفات الله تعالى، وهي تعني جميع معاني العظمة والجلال؛ كالقوة والعزة وكمال القدرة وسعة العلم، وغير ذلك من أوصاف العظمة التي لا يستحقها أحد سواه.\nوبالغ في الدعاء لجهة السفل فخصها بالعظمة لعظم شأنها؛ لأن الاغتيال أمره خطير بأن تُخسف به الأرض، كما صنع الله بقارون، أو بالغرق كما صنع الله بفرعون، فالكل اغتيال من التحت.\n\nقوله: (أن أغتال من تحتي) بضم الهمزة للمتكلم، وهو مبني لما لم يسم فاعله، من الاغتيال وهو أخذ الشيء غِيلة؛ أي: خفية.\nوقد فسر جبير بن أبي سليمان -أحد رواة الحديث- الاغتيال من الجهة التحتية بالخسف، قال في \"القاموس\": (خسف الله بفلان الأرض: غيبه فيها) (^٢)، قال عُبادة بن مسلم: (فلا أدري قول النبي - ﷺ - أو قول جبير) (^٣)،\n_________\n(^١) \"المصباح المنير\" ص (٢٤٦).\n(^٢) \"ترتيب القاموس\" (٢/ ٥٥).\n(^٣) \"سنن النسائي\" (٨/ ٢٨٢).","vol":"10","page":443},{"text":"وقد فسره -بذلك أيضًا- وكيع بن الجراح، كما جاء مصرحًا به عند أبي داود.\n\n* الوجه الثالث: استحباب الدعاء بهؤلاء لكلمات الجامعة في الصباح والمساء تأسيًا بالنبي - ﷺ -، ولما في هذا الدعاء من الخير العظيم الجامع لسعادة الدنيا والآخرة؛ لأن فيه الدعاء بسلامة الإنسان في دينه ودنياه وأهله وماله من الشرور وأسبابها، وفيه الدعاء بحفظ الإنسان من جميع الجهات؛ لأن العبد بين أعدائه من شياطين الإنس والجن كالشاة بين الذئاب إذا لم يكن له حافظ من الله فما له من قوة.\nإن على العبد أن يأخذ بأسباب حفظ الله تعالى له، ويحرص عليها، وأعظمها: توحيد الله تعالى، وفعل ما يحبه، واجتناب ما يسخطه، ومن ذلك: المحافظة علي مثل هذه الأدعية الجامعة، وأذكار الصباح والمساء؛ ليحظي العبد من ربه بحفظ دينه وإيمانه من الشبهات المردية، والبدع المضلة، والشهوات المحرمة، وبحفظ دينه عند موته، فيتوفاه علي الإسلام، كما يحظي من ربه بحفظ دنياه وبدنه وولده وأهله وماله وذريته، ولا حافظ للعبد في دينه ودنياه وجميع شؤونه إلا الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ خَيرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤]، ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَي كُلِّ شَئٍ حَفِيظٌ﴾ [هود: ٥٧] ومن تخلي الله عن حفظه فإنه هالك ضائع، ولا حافظ له من بعبد الله، وعلي حسب ما عند العبد من الإيمان واليقين والتوكل يكون حفظ الله له، وتكون مدافعة الله عنه بلطفه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨].\n\n* الوجه الرابع: جاءت الأذكار والأدعية في الكتاب والسنة، منها ما هو مطلق لم يقيد بوقت، كما تقدم في بعض الأحاديث، ومنها ما هو مقيد بوقت، ومنه الصباح والمساء وما جاء في معناهما، كحديث ابن عمر - ﵄ - هذا، وحديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي، وقد جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١، ٤٢]،","vol":"10","page":444},{"text":"والبكرة: أول النهار، والأصيل: آخر النهار، ما بين العصر والمغرب (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] قال الخليل: (العَشِيُّ: آخر النهار) (^٢)، وقال الأزهري: (العَشِيُّ عند العرب: ما بين أن تزول الشمس إلي أن تغرب) (^٣) واقتصر عليه ابن جرير (^٤)، وقال الجوهري: (من صلاة المغرب إلي العَتَمَةِ) (^٥) وقال ابن فارس: (العين والشين والحرف المعتل أصل صحيح يدل علي ظلام وقلة وضوح في الشيء، ثم يُفَرَّعُ منه ما يقاربه، من ذلك العِشَاءُ، وهو أول ظلام الليل … والعَشِيُّ: آخر النهار، وقد قيل: كل ما كان بعد الزوال فهو عَشِيٌّ ..) (^٦).\nوقد فُسِّرَ التسبيح الذي جاء مقيدًا بالغداة والعشي بأن المراد به: الصلاة المكتوبة، قال به مجاهد ومقاتل (^٧)، وفي قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] قال ابن عباس - ﵄ -: (يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة) (^٨) والصلاة تسمي تسبيحًا، لأن الله يوحد فيها وينزه (^٩).\nوما ورد من ذكر المساء والصباح في الأحاديث الشريفة فقد أريد به أن يكون من أوراد طرفي النهار، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما أن طرفي النهار ما بين الصبح وطلوع الشمس، وما بين العصر والغروب، قال ابن القيم: (وهذا تفسير ما جاء في الأحاديث أن من قال كذا وكذا حين يصبح وحين يمسي، أن المراد به: قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وأن محل هذه الأذكار بعد الصبح وبعد العصر) (^١٠).\n_________\n(^١) \"الصحاح\" (٤/ ١٦٢٣).\n(^٢) \"العين\" (٢/ ١٨٨).\n(^٣) \"الزاهر\" (١٤٣).\n(^٤) \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٦٢).\n(^٥) \"الصحاح\" (٦/ ٢٤٢٦).\n(^٦) \"معجم مقاييس اللغة\" (٤/ ٣٢٢).\n(^٧) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٦٤٦)، \"زاد المسير\" (١/ ٣٨٦).\n(^٨) \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢٠٣) وسنده جيد.\n(^٩) \"التفسير البسيط\" (٥/ ٢٤٢)، (٨/ ١٦٢).\n(^١٠) \"الوابل الصيب\" ص (٢٠٠)، وانظر: \"الكلم الطيب\" ص (٣٠)، \"الفتوحات الربانية\" (٣/ ٧٣).","vol":"10","page":445},{"text":"فظهر بذلك أن وقت أذكار الصباح بعد الصبح وقبل طلوع الشمس، وأذكار المساء بعد العصر وقبل غروب الشمس.\nولعل الحكمة في هذا -والله أعلم- أن يكون مفتتح الأعمال وابتداؤها ذكر الله تعالى، فيرجي أن يكتب للعبد سائر يومه طاعةً وذكرًا؛ لأن من كان أول عمله طاعة وآخره طاعة، فهو في حكم من استغرق بالطاعة ما بين العملين (^١)، إضافة إلي ما في الأذكار من فوائد عظيمة ومصالح جمة، ذكرها العلامة ابن القيم، ومنها:\n١ - أن الأذكار سبب انشراح الصدر وسرور القلب ولذته بذكر الله تعالي.\n٢ - أن ذكر الله تعالى يوجب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده.\n٣ - أن العبد إذا تعرف إلي الله تعالى بذكره في الرخاء عرفه الله في الشدة.\n٤ - أن الذكر جلاب للنعم دافع للنقم.\n٥ - أن الذكر حرز من الشياطين يحفظ الإنسان في نفسه وأهله وولده وماله (^٢) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"شرح ابن بطال\" (١٠/ ٩١)، \"نتائج الأفكار في شرح حديث صيد الاذكار\" ص (٣٨١).\n(^٢) انظر: \"الوابل الصيب\" (٩١ - ١٨٧).","vol":"10","page":446},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1354>استحباب الاستعاذة من هذه الأربع</span>\n١٥٦٧/ ٢١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفَجْأَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام مع عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الرقائق\"، باب (أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء) (٢٧٣٩) من طريق يعقوب بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: كان من دعاء رسول الله - ﷺ -: \"اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك … \" الحديث.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أعوذ بك) أي: ألتجئ وأعتصم بك.\n\nقوله: (من زوال نعمتك) أي: ذهابها من غير بدل، والنعمة مفرد مضاف، فتعم النعم الظاهرة والباطنة، فالظاهرة هي التي تعرف كالأكل والشرب والسكن واللباس، ونعمة الجوارح وسائر النعم التي تري في الكون، والباطنة هي لا تعرف، وإنما يعرفها الإنسان من نفسه؛ كالقوة والصحة والفهم وقوة الإيمان واليقين ومحبة الله وتعظيمه وغير ذلك، وأعظم النعم نعمة الإسلام والإيمان.\n\nقوله: (وتحول عافيتك) بفتح التاء والمهملة وتشديد الواو مضمومة","vol":"10","page":447},{"text":"مصدر تحوَّل، والتحول هو الانتقال؛ أي: وانتقال عافيتك عني بحصول المرض بدل الصحة، والفقر بدل الغِنَي، والعافية: ضد المرض، أو هي السلامة من جميع مكاره الدارين، وهذا أحسن (^١).\nوالفرق بين الزوال والتحول: أن الزوال في شيء كان ثابتًا ثم فارقه، والتحول تغير الشيء وانفصاله عن غيره، فمعني زوال النعمة: ذهابها من غير بدل، وتحول العافية إبدال الصحة بالمرض والغني بالفقر (١)، وقد يكون المعنى واحدًا، وتغيير اللفظ له معنى بلاغي، وهو التفنن في التعبير.\n\nقوله: (وفجأة نقمتك) ضبطت في طبعة محمد فؤاد عبد الباقي لـ \"الصحيح\" بضم الفاء وبفتح الجيم ممدودة، ويروي بفتح الفاء وإسكان الجيم من غير مد على وزن جَلْسة (^٢). قال أهل اللغة: (فَجَأ الأمرُ، وفَجِئَ فُجَاءَةً: جاء بغتة، وفَجَأْتُهُ، وفَجِئْته: مثله) (^٣).\nوالنقمة: بكسر النون وسكون القاف بوزن النعمة اسم من الانتقام، وهو المكافأة بالعقوبة والأخذ بغتة، وخصها بالذكر لأنه أشد.\n\nقوله: (وجميع سخطك) هذا تعميم بعد تخصيص، وهو يحتمل أنه استعاذة بالله من الأسباب الموجبة لسخط الله تعالى، وإذا انتفت الأسباب المقتضية للسخط حصلت أضدادها؛ لأن الرضا ضد السخط كما في حديث: \"أعوذ برضاك من سخطك\" (^٤)، ويحتمل أن تكون الاستعاذة علي ظاهرها؛ أي: من السَّخَطِ نفسه.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل علي استحباب الدعاء بهؤلاء الكلمات\n_________\n(^١) انظر: \"الفتوحات الربانية\" (٧/ ٢٠٥).\n(^٢) انظر: \"الفتوحات الربانية\" (٧/ ٢٠٥).\n(^٣) \"الأفعال\" لابن القوطية ص (٢٩٢).\n(^٤) رواه أبو داود (٨٧٩)، والترمذي (٣٤٩٣)، والنسائي (٢/ ٢٢٢)، وابن ماجه (٣٨٤١) من حديث عائشة - ﵂ -. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) وله طرق أخرى. وانظر: \"تحفة الأشراف\" (١٢/ ٢٩٦).","vol":"10","page":448},{"text":"الجامعة؛ لاشتمالها علي المعاني السامية والمطالب العظيمة التي بها سعادة الإنسان في الدنيا وفلاحه في الآخرة.\nوقد تضمن هذا الحديث الاستعاذة من أربعة أمور:\nالأول: الاستعاذة من زوال النعم التي بها قوام الإنسان وصلاحه، وهذا يتضمن السؤال بالتوفيق لشكرها، والسلامة مما يكون سببًا في زوالها من الذنوب والمخالفات.\nالثاني: الاستعاذة من تحول العافية وانتقالها بحلول المرض بدل الصحة والفقر بدل الغني، والعافية نعمة كبري يطمح إليها الإنسان؛ ليتوج بها نفسه، ليحيا حياة سعيدة معمورة بطاعة الله تعالى، فيسأل الله تعالى أن يبقي هذه النعمة في دينه ودنياه وأهله وأولاده.\nالثالث: الاستعاذة بالله تعالى من بغتة النقمة والأخذ بالعقوبة حيث لا يكون عنده سابق تحذير أو إنذار.\nالرابع: الاستعاذة بالله تعالى من سخطه علي عبده ومن الأسباب الموجبة لذلك من الوقوع في مخالفة الشرع من ترك واجب أو فعل محرم. والله تعالى أعلم.","vol":"10","page":449},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1355>استحباب الاستعاذة من غلبة الدين</span>\n١٥٦٨/ ٢٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو - ﵄ - قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّينِ، وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ، وَشَمَاتَةِ الأعْدَاءِ\". رَوَاهُ النَّسائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه النسائي في كتاب \"الاستعاذة\"، باب (الاستعاذة من غلبة الدين) (٨/ ٢٦٥) من طريق عبد الله بن وهب، وأحمد (١١/ ١٨٩) من طريق ابن لهيعة، والحاكم (١/ ١٠٤) من طريق ابن وهب -أيضًا- كلاهما عن حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُليِّ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - كان يدعو بهؤلاء الكلمات … الحديث.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح علي شرط مسلم، ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي.\nوالحديث في إسناده ابن لهيعة عند أحمد، وهو سيئ الحفظ، ومداره على حيي بن عبد الله وهو المعافري متكلم فيه، فقد قال عنه البخاري: (فيه نظر) (^١)، وقال أحمد: (أحاديثه مناكير)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال ابن معين: (ليس به بأس)، وقال ابن عدي: (أرجو أنه لا بأس به إذا روي عنه ثقة) (^٢)، وقال الحافظ: (صدوق يهم).\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٢٦٩).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٦٣).","vol":"10","page":450},{"text":"وقول الحاكم: إنه على شرط مسلم، فيه نظر، فإن حيي بن عبد الله لم يخرج له مسلم. كما يفهم من ترجمته في \"التهذيب\" (^١).\nولبعض جمل هذا الحديث شواهد صحيحة، فقد روي البخاري (٦٣٤٧)، ومسلم (٢٧٠٧) من طريق سفيان حدثني سُمَيٌّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان يتعوذ من سوء القضاء، ومن درك الشقاء، ومن شماتة الأعداء، ومن جهد البلاء. قال سفيان: الحديث ثلاث، زدت أنا واحدة لا أدري أيتهن هي. وقد رجح الحافظ أنها: \"شماتة الأعداء\" (^٢)، وروي البخاري الحديث في \"القدر\" (٦٦١٦) بلفظ: \"تعوذوا بالله من جهد البلاء ودرك الشقاء … \" الحديث.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من غلبة اللين) بفتح الغين المعجمة واللام، والدين: بفتح الدال هو القرض وكل ما لزمك لغيرك من المال كثمن مبيع ونحوه. وغلبة الدين: ثقله وشدته بحيث يعجز الإنسان عن قضائه.\n\nقوله: (وغلبة العدو) أي: انتصاره عليَّ وقهره إياي وتحكمه فيَّ، والعدو: ضد الولي، وهو يقال للواحد والاثنين والجمع، ويقال للأنثي: عدوة، وقد يجمع على عِدًى وأعداء (^٣).\n\nقوله: (وشماتة الأعداء) الشماتة: بالفتح الفرح على ما ينزل بالمعادي ويصيبه من المصائب، والمعنى: أعوذ بك أن يفرحَ عليَّ عدوي ويسَرَّ بسبب نكبة في بدني أو أهلي أو مالي.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب الاستعاذة من الأمور المذكورة لشدة وقعها على الإنسان وعظيم أثرها؛ لأن الدين إذا كثر وعجز المدين عن القضاء وقع في الهم والغم والتعب والقلق في بدنه وقلبه وفكره،\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (٧/ ٤٨٨).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ١٤٨)، \"الفتوحات الربانية\" (٧/ ١٩٩).\n(^٣) انظر: \"الصحاح\" (٦/ ١٩٢٤)، \"المفردات في غريب القرآن\" ص (٣٢٦).","vol":"10","page":451},{"text":"وقد يقع في الكذب وإخلاف الوعد، كما قال النبي - ﷺ -: \"اللهم إني أعوذ بك من المَأْثَمِ والمَغْرَمِ\" قالت عائشة - ﵂ -: فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله، فقال: \"إن الرجل إذا غَرِمَ حدث فكذب، ووعد فأخلف\" (^١).\nوغلبة العدو سبب في الذلة والمهانة والاحتقار؛ لأن العدو إذا غلب لا يرحم ولا يشفق، بل يقسو ويعذب مما يؤدي إلي التشرد والجلاء عن الديار، أو الهلاك في الأعمار، والاستيلاء على الممتلكات والأموال والحرمات وغير ذلك مما ينتجه العدوان، نسأل الله السلامة.\nوشماتة الأعداء وقعها على النفس عظيم، فهي من أشد ما ينكأ القلب، ويبلغ في النفس أشد مبلغ، ولهذا قال هارون لأخيه موسى - ﵇ -: ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ [الأعراف: ١٥٠]، أي: لا تفرحهم بما تصيبني به من ضربٍ وإهانة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٨٣٢) (٢٣٩٧)، ومسلم (٥٨٩).","vol":"10","page":452},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1356>من أفضل صيغ الدعاء</span>\n١٥٦٩/ ٢٣ - عَن بُرَيدَةَ - ﵁ - قَال: سَمِعَ النَّبيُّ - ﷺ - رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أسَألُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لَا إِلهَ إلَّا أَنْتَ، الأحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. فَقَال: \"لَقَدْ سَأَل اللهَ باسْمِهِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَي، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ\". أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الصلاة\"، باب (الدعاء) (١٤٩٣)، والترمذي (٣٤٧٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٧/ ١٢٥ - ١٢٦)، وابن ماجه (٣٨٥٧)، وابن حبان (٣/ ١٧٣) كلهم من طريق مالك بن مِغْول، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - سمع رجلًا يقول: … وذكر الحديث.\nوهذا الحديث سنده صحيح، رجاله ثقات، ونقل المنذري عن شيخه الحافظ أبي الحسن على بن الفضل المقدسي أنه قال: (إسناده لا مطعن فيه، ولا أعلم أنه روي في هذا الباب حديث أجود إسنادًا منه) (^١)، وقد تُكُلِّمَ في سماع عبد الله بن بريدة من أبيه (^٢).\n_________\n(^١) \"الترغيب والترهيب\" (٢/ ٤٨٥).\n(^٢) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ١٣٧)، \"التابعون الثقات\" (٢/ ٤٩٧).","vol":"10","page":453},{"text":"* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أسألك بأني أشهد أنك أنت الله …) هذا قسم استعطافي؛ أي: أسألك باستحقاقك لهذه الصفات الثبوتية والسلبية (^١)، ولم يذكر المسؤول لعدم الحاجة إليه.\n\nقوله: (أنك أنت) ضمير الرفع (أنت) إما أنه ضمير فصل لا محل له، أو أنه توكيد لاسم (أن) مبني على الفتح في محل نصب على سبيل الاستعارة، ومثل هذا قوله: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨)﴾ [طه: ٦٨].\n\nقوله: (الأحد) أي: الواحد الذي لا شريك له في ذاته ولا صفاته ولا في ربوبيته وألوهيته، ولم يرد هذا الاسم في القرآن إلا مرة واحدة.\n\nقوله: (الصمد) كالذي قبله لم يرد في القرآن إلا مرة واحدة، وأصل الصمد في اللغة: القصد، ومعناه: الكامل في صفاته الذي افتقرت إليه جميع مخلوقاته، وهو الذي يُقصد في الأمور ويُصمد إليه في الحوائج والنوازل؛ لما له من الغني المطلق والكمال المطلق في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله.\n\nقوله: (الذي لم يلد) لأنه لا مثيل له؛ ولأنه مستغنٍ عن كل أحد؛ لأن الوالد محتاج إلي الولد في النفقة والخدمة وبقاء النسل.\n\nقوله: (ولم يولد) أي: ولم يسبقه عدم؛ لأنه لو ولد لكان مسبوقًا بوالد مع أنه جل وعلا هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الخالق وما سواه مخلوق، فكيف يكون مولودًا؟!\n\nقوله: (ولم يكن له كفوًا أحد) أي: وليس له أحد يماثله لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.\n\nقوله: (باسمه الذي إذا سئل به أعطي) هذا قريب من رواية ابن حبان: \"لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطي\"، ورواية أبي داود: \"باسمه العظيم\"، وعند الترمذي والنسائي وابن ماجه: \"باسمه الأعظم\".\n_________\n(^١) \"الفتوحات الربانية\" (٧/ ٢١١)، \"النحو الوافي\" (٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩).","vol":"10","page":454},{"text":"قوله: (الذي إذا سئل به أعطي وإذا دعي به أجاب) السؤال: أن يقول العبد: أعطني فيعطي، والدعاء: أن ينادي ويقول: يا رب، فيجيب الرب ﵎، ويقول: لبيك عبدي، ففي مقابلة السؤال الإعطاء، وفي مقابلة الدعاء الإجابة، وقد يذكر أحدهما مقام الآخر (^١)، والظاهر أنهما كالإسلام والإيمان، وعلي هذا الجملة الثانية غير الأولى، فإن الإجابة أبلغ من الإعطاء؛ لأن إجابة الدعاء تدل على شرف الداعي ووجاهته عند المجيب، فيتضمن -أيضًا- قضاء حاجته، بخلاف السؤال، فإنه قد يكون مذمومًا، على أن في الحديث دلالة على فضل الدعاء على السؤال (^٢)، ومنهم من قال: إنها مؤكدة للأولي.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب استفتاح الدعاء بهذا الثناء على الله تعالى المشتمل على إفراده ﷾ بالعبادة وتوحيده في ذاته وأسمائه وصفاته وربوبيته وإلهيته، وأنه هو الغني بذاته وجميع الكائنات فقيرة إليه في كل حالة من حالاتها.\nوهذا من أعظم الأسباب في إجابة الدعاء؛ لأن مثل هذا التوسل مما يحبه الله تعالى ويجيب على أثره الدعاء، يقول ابن القيم: (أخبر النبي - ﷺ - أن الدعاء يستجاب إذا تقدمه هذا الثناء والذكر، وأنه اسم الله الأعظم، فكان ذكر الله ﷿ والثناء عليه أنجح ما طلب به العبد حوائجه، وهذه فائدة أخرى من فوائد الذكر والثناء أنه يجعل الدعاء مستجابًا …) (^٣).\n\n* الوجه الرابع: استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب هو ما ذكر هنا، وهذا رأي الطيبي، وقال الحافظ ابن حجر: إن الحديث أرجح ما قيل في الاسم الأعظم من حيث السند (^٤).\nوالقول الثاني: أن اسم الله الأعظم (الحي القيوم) لحديث أبي أمامة - ﵁ -\n_________\n(^١) \"عون المعبود\" (٤/ ٣٩٢).\n(^٢) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٦٨ - ٦٩).\n(^٣) \"الوابل الصيب\" ص (١١٦ - ١١٧).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٢٥).","vol":"10","page":455},{"text":"أن رسول الله - ﷺ - قال: (اسم الله الأعظم في سور ثلاث: في البقرة، وآل عمران، وطه\" (^١). وهذا اختيار ابن القيم، فإنه قال معللًا لكون: الحي القيوم، هو الاسم الأعظم: الآن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمه لها، وصفة القيّوميَّة متضمنة لجميع صفات الأفعال، ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي هو اسم الحيُّ القيّوم) (^٢).\nالقول الثالث: أن اسم الله الأعظم هو \"الله\" وبه قال جمع من أهل العلم، ومنهم ابن المبارك، وابن منده، والطحاوي، وابن العربي، واستدل هؤلاء بأن هذا الاسم الكريم قد ورد في جميع الأحاديث التي فيها الإشارة إلى الإسم الأعظم، وبأن له من الخصائص ما ليس لغيره من الأسماء، ومن خصائصه: أن الله تعالى يضيف سائر الأسماء إليه، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، ويقال: العزيز والرحمن والكريم من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحمن (^٣)، يقول ابن منده: (فاسمه الله معرفة ذاته، منع الله ﷿ خلقه أن يتسمي به أحد من خلقه أو يدعي باسمه إله من دونه، جعله أول الإيمان، وعمود الإسلام، وكلمة الحق والإخلاص، ومخالفة الأضداد والإشراك فيه، يحتجز القائل من القتل، وبه تفتح الفرائض، وتنعقد الأيمان، ويستعاذ من الشيطان، وباسمه يفتتح ويختم الأشياء، تبارك اسمه ولا إله غيره) (^٤).\nوالمسألة خلافية، وقد ذكر الشوكاني وغيره أن الأقوال في ذلك بلغت أربعين قولًا، وهي في كثرتها كالأقوال في ساعة الجمعة وليلة القدر، بل أوصلها بعضهم إلي ستين قولًا، وذكر الحافظ ابن حجر أربعة عشر قولًا، وقد ألف السيوطي في ذلك رسالة سماها: \"الدر المنظم في الاسم الأعظم\"، وذكر\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه (٣٨٥٦)، والطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (١/ ١٦٢)، والحاكم (١/ ٥٠٥) والحديث له طرق، ولعله يصل إلي درجة الحسن بمجموعها.\n(^٢) \"زاد المعاد\" (٤/ ٢٠٤). وانظر: \"مختصر الصواعق\" للموصلي ص (١٠٠).\n(^٣) انظر: \"أسماء الله الحسني\" ص (٩٥)، \"فقه الأسماء الحسني\" ص (٧٢).\n(^٤) \"التوحيد\" (٢/ ٢١).","vol":"10","page":456},{"text":"عشرين قولًا (^١)، وكثير من هذه الأقوال ضعفه واضح، لعدم قيام الدليل عليه، بل في بعضها تكلف ظاهر، وشطط بيِّن، وبعض المتصوفة لهم في هذا الباب أباطيل كثيرة ينبغي الحذر منها (^٢).\nوالقول بتفاضل أسماء الله الحسني هو الذي عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والقول بأنها لا تتفاضل هو قول الأشاعرة ومن تبعهم (^٣)، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقول من قال: صفات الله لا تتفاضل ونحو ذلك قول لا دليل عليه …، وكما أن أسماءه وصفاته متنوعة فهي -أيضًا- متفاضلة كما دلَّ على ذلك الكتاب والسُّنَةُ والإجماع مع العقل) (^٤). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٢٤)، \"الفتوحات الربانية\" (٧/ ٢١٢)، \"تحفة الذاكرين\" ص (٨٣)، \"الحاوي\" (١/ ٣٩٤).\n(^٢) انظر: \"فقه الأسماء الحسنى\" ص (٧٢).\n(^٣) انظر: \"أسماء الله الحسنى\" ص (٨٥).\n(^٤) \"جواب أهل العمل والإيمان في أن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل: ثلث القرآن\" ص (١٩٧ - ٢٠٠).","vol":"10","page":457},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1357>من أذكار الصباح والمساء</span>\n١٥٧٠/ ٢٤ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا أَصْبَحَ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَينَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيكَ النُّشُورُ\"، وَإِذَا أَمْسَى قَال مِثْلَ ذَلِكَ؛ إلَّا أَنَّه قَال: \"وَإِلَيكَ المَصِيرُ\". أخَرَجَهُ الأَرْبَعَةُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه أبو داود في كتاب \"الأدب\"، باب (ما يقول إذا أصبح) (٥٠٦٨) من طريق وهيب، والترمذي (٣٣٩١) من طريق عبد الله بن جعفر، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" ضمن \"السنن الكبرى\" (٩/ ٨، ٢٠٩) من طريق حماد ووهيب -أيضًا-، وابن ماجه (٣٨٦٨) من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، أربعتهم عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - … وذكر الحديث. قال الترمذي: (هذا حديث حسن).\nإلا أنه عند أبي داود والنسائي من فعله - ﷺ -، وعند الترمذي وابن ماجه من قوله، ولفظه: كان رسول الله - ﷺ - يعلم أصحابه يقول: \"إذا أصبح أحدكم فليقل: … \"، وعند ابن ماجه: \"إذا أصبحتم فقولوا: … \"، ولعل هذا الاختلاف عند ابن ماجه من شيخه يعقوب بن حميد بن كاسب الراوي عن عبد العزيز بن أبي حازم؛ لأنه ضعيف، ضعفه أبو حاتم والنسائي وابن معين في رواية (^١)، وقال الحافظ في التقريب: \"صدوق ربما وهم\".\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب الكمال\" (٣٢/ ٣١٨).","vol":"10","page":458},{"text":"والحديث عند الترمذي من رواية عبد الله بن جعفر، وهو ابن نجيح السعدي، وهو ضعيف، ضعفه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وآخرون. قال ابن عدي: (عامة حديثه لا يتابعه أحد عليه، وهو مع ضعفه ممن يكتب حديثه) (^١).\nوالحديث صححه النووي (^٢)، ونقل ابن تيمية في \"الكلم الطيب\" (^٣) أن الترمذي قال: (حديث حسن صحيح)، وهذا ليس في النسخ المطبوعة، وقال الحافظ ابن حجر: (هذا حديث صحيح غريب) (^٤).\nوقد حصل في ألفاظ هذا الحديث اختلاف ظاهر، والذي وقفت عليه هو ما يلي:\n١ - ذكر الصباح، وفي آخره: (وإليك النشور) وذكر المساء وفي آخره: (وإليك المصير) وهذا عند البخاري في \"الأدب المفرد\" (١١٩٩) من طريق معلَّى، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل به، وتابع وهيبًا رَوْحُ بن القاسم، عند ابن منده في \"التوحيد\" (١/ ٢٨٥). وهذا هو لفظ \"البلوغ\" وسيتبين أن عزوه إلي الأربعة ليس في محله (^٥).\n٢ - ذكر الصباح وفي آخره: (وإليك النشور) وذكر المساء وفي آخره: (وإليك النشور) -أيضًا- وهذا عند أبي داود من طريق موسى بن إسماعيل، وعند النسائي من طريق عبد الأعلى، كلاهما عن وهيب به.\n٣ - ذكر الصباح، وفي آخره: (وإليك المصير) وذكر المساء وفي آخره: (وإليك النشور) وهذا عند الترمذي عن على بن حُجْر قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن سهيل به (^٦).\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٤/ ١٨٠)، \"تهذيب الكمال\" (١٤/ ٣٧٩).\n(^٢) \"الأذكار\" ص (١٤١).\n(^٣) ص (٣٢).\n(^٤) \"نتائج الأفكار\" (٢/ ٣٥٠).\n(^٥) عزا ابن القيم هذا الحديث بهذا اللفظ إلي الترمذي في \"الوابل الصيب\" ص (١٢٢) وإلى ابن حبان في \"مختصر تهذيب السنن\" وسيتبين أن هذا خلاف الصواب.\n(^٦) عزا ابن القيم هذا اللفظ في \"مختصر تهذيب السنن\" إلي أبي داود، وهو ليس عنده -كما تقدم- ولعله سهو من الناسخ.","vol":"10","page":459},{"text":"٤ - ذكر الصباح فقط وفي آخره: (وإليك المصير) رواه ابن أبي شيبة (١٠/ ٢٤٤)، وأحمد (١٤/ ٢٩٠)، (١٦/ ٤٤٤)، وابن حبان (٣/ ٢٤٤)، من طريق حماد، ورواه ابن حبان -أيضًا- من طريق عبد الأعلى، عن وهيب، كلاهما عن سهيل به.\n٥ - ذكر الصباح فقط، وفي آخره: (وإليك النشور) وهذا عند النسائي من طريق حماد عن سهيل به.\n٦ - ذكر الصباح، وليس في آخره شيء، وذكر المساء وفي آخره (وإليك المصير) وهذا عند ابن ماجه من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن سهيل به.\nوبهذا يتبين أن وهيبًا قد اختلف عليه، والذي يظهر لي رجحان رواية معلَّى عنه؛ لأنه ثقة ثبت، ولمتابعة روح بن القاسم عن سهيل، وهو ثقة حافظ، ويؤيد ذلك من جهة المعنى، ما ذكر ابن القيم من أن الصباح والانتباه من النوم بمنزلة النشور … والمساء والصيرورة إلي النوم بمنزلة الموت والمصير إلي الله تعالى، ويدل عليه ما ثبت في \"الصحيحين\" أنه - ﷺ - إذا استيقظ قال: \"الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور\" (^١).\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (إذا أصبح) أي: دخل في وقت الصباح، وأصبح هنا: فعل ماضٍ تام، ومثله أمسى، وفاعله ضمير مستتر يعود على النبي - ﷺ -، وكذا في بقية الحديث إلا أن الفاعل هو الضمير البارز، وذكر بعض الشراح أن الفعل في قوله: \"بك أصبحنا، وبك أمسينا\" ناقص، والجار والمجرور قبله خبر مقدم (^٢).\n\nقوله: (بك أصبحنا) الباء: للاستعانة، وتقديم الجار والمجرور يفيد\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٣١٢)، (٦٣٢٥) من حديث حذيفة وأبي ذر - ﵄ - ورواه مسلم (٢٧١١) من حديث البراء - ﵁ -. وانظر: \"تهذيب مختصر السنن\" (٧/ ٣٣٠).\n(^٢) \"شرح الطيبي\" (٥/ ١٠٣)، \"دليل الفالحين\" (٤/ ٢٦٧)، \"عون المعبود\" (١٣/ ٤٠٦).","vol":"10","page":460},{"text":"الاختصاص، وقد ذكر الشراح أنه على حذف مضاف يستدعيه السياق؛ أي: بقدرتك الباهرة أصبحنا؛ أي: دخلنا في الصباح وطلع علينا النهار، وقد جاء في حديث الذكر عند النوم التصريح بهذا المضاف، فقد كان رسول الله - ﷺ - إذا أوى إلى فراشه قال: \"باسمك اللهم أموت وأحيا … \" الحديث (^١)، وتقدم تعريف الصباح والمساء ص (٤٤٢).\n\nقوله: (وبك أمسينا) أي: وبقدرتك الباهرة دخلنا في المساء وأظلم علينا الليل، وذكر هذا لحضوره في الذهن عند ذكر ضده.\n\nقوله: (وبك نحيا وبك نموت) التعبير بالمضارع لحكاية الحال المستمر؛ أي: مستمر حالنا على ذلك، والتعبير بالنون الدالة على الجمع فيه معنى التأكيد والتفخيم، والتقدير: بقدرتك وقضائك (نحيا) أي: تدب فينا الحياة، (ونموت): نفارق الحياة.\nوالمعنى: أنه يستمر حالنا على هذا في جميع الأوقات وسائر الأحوال، والمقصود من ذلك التبرؤ من الحول والقوة.\n\nقوله: (وإليك النشور) النشور: بالضم هو الرجوع، والمراد: البعث بعد الموت، يقال: نشر الله الموتى نشورًا من باب قعد: أحياهم.\n\nقوله: (وإذا أمسى قال مثل ذلك) هنا عبر بالماضي في قوله: (قال مثل ذلك) وفي أول الحديث عبر بالمضارع، ولعل هذا من باب التفنن في التعبير وإلا فالمراد من الماضي -هنا- المستقبل.\n\nقوله: (وإليك المصير) أي: إليك المرجع والمآل بالبعث.\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب ذكر الله تعالى بهذه الصيغة في الصباح والمساء، وذلك فيما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، وما بين صلاة العصر وغروب الشمس.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قبل هذا. ويحتمل أن الباء للاستعانة، وتقديم الجار والمجرور لإفادة الحصر.","vol":"10","page":461},{"text":"وهذا من الأذكار الموجزة الجامعة التي ينبغي للإنسان حفظها، فإنّ فيه الإيمان بقدرة الله تعالى على تعاقب الليل والنهار بتعاقب الإصباح والإمساء، وهما آيتان من آيات الله العظيمة، ولا غنى للإنسان عنهما، ولا ينفصل أحدهما عن الآخر، فالليل بما فيه من الظلام جعله الله سكنًا وقرارًا، والنهار بما فيه من الضياء جعله الله نشاطًا وعملًا، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾ [الفرقان: ٤٧].\nوفي هذا الذكر استحضار نعمة الحياة بعد النوم الذي هو أخو الموت، لاشتراكهما في انقطاع تعلق الروح بالبدن، وذلك قد يكون ظاهرًا وهو النوم، وباطنًا وهو الموت، وقد كان - ﷺ - إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده، ثم يقول: \"اللهم باسمك أموت وأحيا\"، وإذا استيقظ قال: \"الحمد لله الذي أحيانًا بعد ما أماتنا وإليه النشور\" (^١) وأرشد من أوى إلي فراشه أن يقول: \"باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين\" (^٢).\nوفي هذا الذكر -أيضًا- الإيمان بالبعث يوم القيامة والإحياء بعد الإماتة. وهذا من قوله: \"وإليه المصير\" في ورد المساء، وقد جاء التنبيه على هذا المعنى في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَينَا الْمَصِيرُ (٤٣)﴾ [ق: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿لَا حُجَّةَ بَينَنَا وَبَينَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَينَنَا وَإِلَيهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] أي: مرجع العباد إليه يوم القيامة، لإطلاعهم ومحاسبتهم على أعمالهم ومجازاتهم عليها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٢) رواه البخاري (٦٣٢٠)، ومسلم (٢٧١٤).","vol":"10","page":462},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1358>من جوامع الدعاء</span>\n١٥٧١/ ٢٥ - عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَال: كَانَ أَكْثرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: \"رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النّارِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الدعوات\"، باب (قول النبي - ﷺ -: \"ربنا آتنا في الدنيا حسنة\") (٦٣٨٩) من طريق عبد الوارث، ومسلم (٢٦٩٠)، (٢٦) من طريق إسماعيل ابن علية، كلاهما عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس - ﵁ - قال: كان أكثر دعاء النبي - ﷺ - … الحديث. هذا لفظ البخاري.\nولفظ مسلم من طريق عبد العزيز بن صهيب قال: سأل قتادة أنسًا: أيّ دعوة كان يدعو بها النبي - ﷺ - أكثر؟ قال: كان أكثر دعوة يدعو بها يقول: \"اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة … \" الحديث، وتمامه: قال: وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كان أكثر دعاء النبي - ﷺ -) أي: أكثر ما يداوم عليه من الدعاء.\n\nقوله: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة) هذا لفظ البخاري في \"الدعوات\"، ورواية عند مسلم من طريق ثابت، عن أنس (^١)، ورواه البخاري في \"التفسير\"\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٦٩٠)، (٢٧).","vol":"10","page":463},{"text":"من طريق ابن صهيب عن أنس بلفظ: (كان النبي - ﷺ - يقول: \"اللهم ربنا آتنا … \") (^١) وكذا عند مسلم كما تقدم. ومعني آتنا: أعطنا، والجار والمجرور (في الدنيا) متعلق بـ (آتنا) أو بمحذوف حال من (حسنة) لأنه كان في الأصل صفة لها، فلما قدم عليها صار حالًا.\nوقد اختلف العلماء من سلف هذه الأمة في تفسير حسنة الدنيا على أقوال كثيرة، فقيل: العافية والصحة وكفاف المال، قاله قتادة، وقال الحسن بن أبي الحسن: العلم والعبادة، وقيل: المرأة الحسناء.\nوالصحيح الحمل على العموم؛ لأن النكرة في سياق الدعاء عامة؛ فكأنه يقول: أعطني كل حالة حسنة في الدنيا والآخرة، أو يقال: إن الحسنة وإن كانت نكرة في سياق الإثبات وهي لا تعم إلا أنها مطلقة، فتنصرف إلي الفرد الكامل، والحسنة الكاملة في الدنيا ما يشمل جميع حسناتها، فتشمل كل مطلوب دنيوي من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسناء، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلي غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، وبيانها بشيء مخصوص -كما تقدم- ليس من باب تعيين المراد، إذ لا دلالة للمطلق على المقيد أصلًا، وإنما هو من باب التمثيل (^٢).\n\nقوله: (وفي الآخرة حسنة) الواو عطفت شيئين على شيئين متقدمين، ففي الآخرة عطف على (في الدنيا) باعتبار العامل وهو حرف الجر، وحسنة عطف على (حسنة).\nوحسنة الآخرة دخول الجنة، وأحسنها النظر إلي وجه الله الكريم -جعلنا الله من الناظرين إلي وجهه الكريم- وتوابع ذلك من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات وتيسير الحساب أو العفو من الله وغير ذلك من أمور\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٤٥٢٢).\n(^٢) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٥٥ - ٣٥٦)، \"فتح الباري\" (١١/ ١٩٢)، \"روح المعاني\" (٢/ ٩١).","vol":"10","page":464},{"text":"الآخرة (^١)، فتكون كالتي قبلها، نكرة مراد بها الإطلاق فتنصرف إلي الفرد الكامل المراد به الرحمة والإحسان (^٢).\n\nقوله: (وقنا عذاب النار) هذا تخصيص بعد تعميم، لأنه هو الفوز؛ أي: واحفظنا وأجرنا من عذاب النار وذلك بتيسير أسباب النجاة منها في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام (^٣).\n\n* الوجه الثالث: في الحديث دليل على استحباب وفضل الدعاء بهؤلاء الدعوات العظيمة؛ لأنها من جوامع الدعاء التي تتضمن خير الدنيا والآخرة، ولهذا كان النبي - ﷺ - يكثر من هذا الدعاء، وجاء من دعاء موسى - ﵇ -: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥، ١٥٦].\nوقد عمل بهذا الحديث أنس - ﵁ - فقد كان إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بذلك، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بهذه الدعوة في جملة دعائه، اقتداءً بالنبي - ﷺ - لإكثاره منها، لقلة ألفاظها وإحاطتها بخير الدارين (^٤).\nوروي أبو داود (^٥)، والنسائي (^٦)، وابن خزيمة (^٧)، وأحمد (^٨) من طريق ابن جريج، حدثني يحيى بن عبيد مولى السائب، أن أباه أخبره، أن عبد الله بن السائب أخبره، أنه سمع النبي - ﷺ - يقول فيما بين ركن بني جُمَحٍ والركن الأسود: \"ربنا آتنا في الدنيا حسنة … \" (^٩). وروي عبد الرزاق والبيهقي أن عمر - ﵁ - كان يقول في الطواف: \"ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة،\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٥٦).\n(^٢) \"روح المعاني\" (٢/ ٩١).\n(^٣) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٥٦).\n(^٤) \"دليل الفالحين\" (٤/ ٢٨٣).\n(^٥) \"السنن\" (١٨٩٢).\n(^٦) \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٢٩).\n(^٧) \"صحيح ابن خزيمة\" (٢٧٢١).\n(^٨) \"المسند\" (٢٤/ ١١٩).\n(^٩) في سنده عبيد مولى السائب بن أبي السائب، وهو مجهول، لم يرو عنه سوى ابنه يحيي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ١٣٩). انظر: \"تهذيب الكمال\" (١٩/ ٢٥٣).","vol":"10","page":465},{"text":"وقنا عذاب النار\" (^١). قال الإمام الشافعي بعد حديث عبد الله بن السائب: (وهذا من أحبِّ ما يقال في الطواف إليّ، وأحب أن يقال في مكة) (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"المصنّف\" (٥/ ٥٢)، \"السنن الكبرى\" (٥/ ٨٤).\n(^٢) \"الأم\" (٣/ ٤٣٦).","vol":"10","page":466},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1359>من جوامع الدعاء</span>\n١٥٧٢/ ٢٦ - عَنْ أَبي مُوسَى الأشْعَرِيِّ - ﵁ - قَال: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَدْعُو: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَجَهْلِي، وَإسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي، وَهَزْلِي، وَخَطَئِي، وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي. اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَي كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n* الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"الدعوات\"، باب (قول النبي - ﷺ -: \"اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت\") (٦٣٩٨)، ومسلم (٢٧١٩) من طريق أبي إسحاق، عن ابن أبي موسى، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - أنه كان يدعو بهذا الدعاء … وذكر الحديث. وهذا لفظ مسلم.\n\n* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (اللهم اغفر لي خطيئتي) أي: ذنبي، ويجوز تسهيل الهمزة فيقال: خطيَّتي بالتشديد (^١).\n\nقوله: (وجهلي) أي: عدم معرفتي؛ لأن الجهل ضد العلم، والمراد ما صدر مني من أجل جهلي.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٩٨).","vol":"10","page":467},{"text":"قوله: (وإسرافي في أمري) أي: مجاوزتي الحدَّ في كل شيء، ومن ذلك الإسراف في ارتكاب المعاصي القاصرة أو المظالم المتعدية، وفيه التعميم بعد التخصيص، والجار والمجرور (في أمري) متعلق بما قبله، أو بجميع ما تقدم.\n\nقوله: (اللهم اغفر لي جِدِّي وهزلي) بكسر الجيم ضد الهزل؛ أي: اغفر لي ما أفعله من المخالفات على طريق الجد، ووقع عند البخاري: (وجهلي وجدي) قال الحافظ: (وما في \"مسلم\" أنسب) (^١).\n\nقوله: (وخطئي وعمدي) الخطأ: ما يقع بدون قصد، والعمد: ما يقع عن قصد، وقد وقع عند البخاري: (خطاياي) بالجمع، قال الحافظ ابن حجر: (وقع في رواية الكُشْمِيهَني في طريق إسرائيل (خطئي) وكذا أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" بالسند الذي في \"الصحيح\" وهو المناسب لذكر العمد، ولكن جمهور الرواة على الأول) (^٢).\nوعلى رواية \"الصحيح\" فإن خطايا جمع خطيئة، وعطف العمد عليها من عطف الخاص على العام؛ لأن الخطيئة أعم من أن تكون عن خطأ أو عمد، أو هو من عطف أحد العامين على الآخر (^٣).\n\nقوله: (وكل ذلك عندي) أي: كل المذكور من هذه الأمور ممكن أو موجود عندي، وهو كالتذييل للسابق؛ أي: أنا متصف بهذه الأشياء فاغفرها لي.\n\nقوله: (اللهم اغفر ما قدمت وما أخرت) كناية عن التعميم.\n\nوقوله: (ما قدمت) من الذنوب.\n\nوقوله: (وما أخرت) معناه: أن يحفظه الله، فلا يقع منه ذنب بقية عمره، أو بمعنى عدم المؤاخذة بما سيقع من الذنوب المستقبلة بحيث يوفق لتوبة نصوح، وهذا أقرب.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٩٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ١٩٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ١٩٨)، \"الفتوحات الربانية\" (٧/ ٢٠٣).","vol":"10","page":468},{"text":"قوله: (وما أسررت وما أعلنت) أي: وما فعلته مخفيًا له عن أعين الناس، وما أظهرته لهم.\n\nقوله: (وما أنت أعلم به مني) أي: من المعاصي والسيئات والتقصير في الطاعات، وهذا تعميم بعد تخصيص -أيضًا-.\n\nقوله: (أنت المقدم) أي: أنت تقدم من تشاء من عبادك إلى الجنة بتوفيقه للعمل الصالح وإعانته عليه.\n\nقوله: (وأنت المؤخر) أي: لمن تريد إلى النار بالخذلان والابتعاد عن صالح الأعمال (^١).\nوالمقدم والمؤخر من أسماء الله تعالى الحسنى المتقابلة التي لا يطلق واحد بمفرده على الله تعالى إلا مقرونًا بالآخر؛ لأن الكمال في اجتماعهما.\nوهذا التقديم قد يكون كونيًّا كتقديم بعض المخلوقات على بعض وتأخير بعضها على بعض. وقد يكون شرعيًّا، كتفضيل الأنبياء على الخلق، وتفضيل بعضهم على بعض، وتفضيل بعض العباد على بعض في العلم والإيمان والعمل والأخلاق وسائر الأوصاف (^٢).\n\nقوله: (وأنت على كل شيء قدير) جملة مؤكدة لمعنى ما قبلها، وهي صيغة عموم؛ أي: مما ذكر ومن غيره، وقدير؛ أي: لا يعجزه شيء، والجار والمجرور متعلق بـ (قدير).\n\n* الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب الدعاء بهؤلاء الكلمات العظيمة المشتملة على طلب المغفرة من الله تعالى وما في هذا الطلب من التواضع والانكسار بين يدي الله تعالى، والنبي - ﷺ - الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر هو الذي يدعو بهؤلاء الدعوات ويقول: (وكل ذلك عندي) تواضعًا لربه وانكسارًا بين يديه وإظهارًا للعبودية وتعليمًا للأمة، فحري بالمسلم\n_________\n(^١) انظر: \"دليل الفالحين\" (٤/ ٢٩٢).\n(^٢) \"الحق الواضح المبين\" ص (١٠٠ - ١٠١).","vol":"10","page":469},{"text":"الذي هو أولى بأن يدعو بهذا الدعاء أن يتأسى بنبيه - ﷺ - وأن يظهر الاعتراف بذنبه والبكاء على خطيئته والانكسار بين يديه.\nوليس في الحديث -كما يقول ابن حجر- بيان محل هذا الدعاء، لكن جاء آخره في دعائه - ﷺ - في دبر الصلاة قبل السلام كما في حديث علي - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: \"اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت\" (^١)، وجاء -أيضًا- في دعاء الاستفتاح، كما في حديث ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - كان إذا قام من الليل يتهجد قال: \"اللهم لك الحمد، أنت قيوم السموات والأرض … وساق الحديث إلى أن قال: فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت\" (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٧٧١).\n(^٢) رواه البخاري (١١٢٠)، ومسلم (٧٦٩).","vol":"10","page":470},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1360>من جوامع الدعاء</span>\n١٥٧٣/ ٢٧ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِيني الّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنيَايَ الّتي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتي الّتي إِلَيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاة زِيادَةً لِي فِي كُلِّ خَيرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كلِّ شَرٍّ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه مسلم في كتاب \"الذكر والدعاء\"، باب (التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل) (٢٧٢٠) من طريق قدامة بن موسى، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يقول: … وذكر الحديث.\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (أصلح لي ديني) أي: وفقني للقيام بآدابه بأن يكون على الوجه الأكمل الأتم، فيكون خالصًا صوابًا.\n\nقوله: (الذي هو عصمة أمري) أي: رباطه وعماده، والأمر بمعنى الشأن، فمعنى (عصمة أمري) أي: أعتصم به من الشر والفتن وجميع أموري، وصلاح دين العبد هو رأس ماله وغاية أمنيته ومراده؛ لأنه إذا فسد الدين لم يصلح للإنسان دنيا ولا آخرة (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"المفهم\" (٧/ ٤٨ - ٤٩).","vol":"10","page":471},{"text":"قوله: (وأصلح لي دنياي) أي: بإعطاء الكفاف فيما يُحتاج إليه، وبأن يكون حلالًا معينًا على طاعة الله تعالى (^١).\n\nقوله: (التي فيها معاشي) أي: مكان عيشي وزمان حياتي؛ لأن الدنيا معاش يعيش فيها الإنسان ثم يتركها إلى دار القرار.\n\nقوله: (وأصلح لي آخرتي) بالتوفيق للعمل الصالح وحسن الخاتمة، ثم دخول الجنة ونجاتي من النار.\n\nقوله: (التي إليها معادي) أي: مكان عودتي أو زمان إعادتي؛ لأن كل إنسان مآله إلى الآخرة، وهو على الأول مصدر ميمي، وعلى الثاني اسم زمان.\n\nقوله: (واجعل الحياة زيادة لي في كل خير) اي: اجعل مدة بقائي في دار الدنيا زيادة لي في كل خير من العلم النافع والعمل الصالح.\n\nقوله: (واجعل الموت راحة لي من كل شر) أي: واجعل انقضاء أجلي راحة لي من كل شر من الفتن والمحن والابتلاء بالغفلة والمعصية (^٢).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على أستحباب هذا الدعاء بهذه الجمل العظيمة؛ لأن هذا من الأدعية الجامعة؛ لأن محصله أن الداعي يسأل ربه أن يجعل عمره مصروفًا فيما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وأن يجنبه الله ما يكرهه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، يقول القرطبي: (هذا دعاء عظيم جمع خير الدنيا والآخرة، والدين والدنيا، فحق على كل سامع له أن يحفظه، ويدعو به آناء الليل وآناء النهار، لعل الإنسان يوافق ساعة إجابة، فيحصل على خير الدنيا والآخرة) (^٣). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"دليل الفالحين\" (٤/ ٢٨٧).\n(^٢) انظر: \"الفتوحات الربانية\" (٧/ ٢٠٩ - ٢١٠).\n(^٣) \"المفهم\" (٧/ ٤٩).","vol":"10","page":472},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1361>الدعاء بالعلم ونفعه</span>\n١٥٧٣/ ٣٨ - عَنْ أنسٍ - ﵁ - قَال: كَان رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَارْزُقْنِي عِلْمًا يَنْفَعُنِي\". رَوَاهُ النَّسائي، وَالحَاكِمُ.\n١٥٧٤/ ٢٩ - وَللتِّرْمِذِيِّ: مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيرَةَ نَحْوُهُ، وَقَال فِي آخِرِهِ: \"وَزِدْنِي عِلْمًا، الْحَمْدُ للهِ عَلَى كلِّ حَالٍ، وَأَعُوذُ بِاللهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ\". وَإسْنَادُهُ حَسَنٌ.\n\n* الكلام عليهما من وجهين:\n\n• الوجه الأول: في تخريجهما:\nحديث أنس - ﵁ - رواه النسائي في \"الكبرى\" في كتاب \"الاستعاذة\" باب (الاستعاذة من علم لا ينفع) (٧/ ٢٠٥)، والحاكم (١/ ٥١٠) من طريق ابن وهب قال: حدثني أسامة بن زيد، أن سليمان بن موسى حدثه عن مكحول أنه دخل على أنس - ﵁ - فسمعه يذكر أن رسول الله - ﷺ - كان يدعو يقول: … وذكر الحديث، إلا أن في آخره: (علمًا تنفعني به).\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي.\nوفي إسناده أسامة بن زيد غير معين، فيحتمل أنه العدوي أو الليثي، وكلاهما روى عنه عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي (^١)، والظاهر أنه الليثي؛\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب الكمال\" (١٦/ ٢٧٧).","vol":"10","page":473},{"text":"لأن المزي ذكر في ترجمة سليمان بن موسى أن ممن روى عنه أسامة بن زيد الليثي ولم يذكر العدوي، وكلاهما ضعيف.\nوأما سليمان بن موسى فهو الأموي مولاهم أبو أيوب، وهو المعروف بالرواية عن مكحول، كما في ترجمته من \"التهذيب\" (^١)، وهو متكلم فيه، قال البخاري: (عنده مناكير)، ونقل عنه الترمذي أنه قال: (سليمان بن موسى منكر الحديث، أنا لا أروي عنه شيئًا، روى أحاديث عامتها مناكير) (^٢)، وقال أبو حاتم: (محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدًا من أصحاب مكحول أفقه ولا أثبت منه)، وقال النسائي: (أحد الفقهاء، وليس بالقوي في الحديث)، وقال في موضع آخر: (في حديثه شيء)، وقال ابن عدي: (روى أحاديث ينفرد بها يرويها ولا يرويها غيره، وهو عندي ثبت صدوق)، وقال الحافظ في \"التقريب\": (صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل).\nوأما حديث أبي هريرة - ﵁ - فقد رواه الترمذي في \"أبواب الدعوات\" (٣٥٩٩)، وابن ماجه (٢٥١، ٣٨٠٤، ٣٨٣٣) من طريق عبد الله بن نمير، عن موسى بن عُبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا، الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار\".\nوهذا سند ضعيف، قال الترمذي: (هذا حديث غريب من هذا الوجه)؛ لأن فيه محمد بن ثابت، وهو مجهول، قال ابن معين: (لا أعرفه)، وقال أبو حاتم: (لا نفهم من محمد هذا؟) (^٣).\nوفيه موسى بن عُبيدة بن نَشيط الرَّبذي ضعفه الإمام أحمد وقال: (ما تحل أو ما تنبغي الرواية عنه)، وقال: (منكر الحديث)، وكذا قال أبو حاتم، كما ضعفه ابن معين وابن المديني والترمذي والنسائي وآخرون (^٤).\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ٩٣).\n(^٢) \"العلل الكبير\" (٢/ ٦٦٦).\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" (٧/ ٢١٦).\n(^٤) \"تهذيب الكمال\" (٢٩/ ١٠٤).","vol":"10","page":474},{"text":"ويشهد لهذا الحديث ما قبله من حديث أنس - ﵁ - إلا قوله: (الحمد لله …) إلخ لما تقدم من حال الإسناد.\nولعل الحافظ ذكر حديث أبي هريرة - ﵁ - لما فيه من الزيادة على حديث أنس - ﵁ - ولا سيما قوله: (وزدني علمًا).\n\n• الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل الدعاء بهؤلاء الكلمات الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، وهي أن يسأل الله تعالى أن ينفعه بما علمه، وذلك بالعمل بمقتضى العلم، وأن يعلمه ما ينفعه في دينه ودنياه، وذلك بألا يطلب من العلم إلا النافع وأن يزيده من العلم النافع علمًا مضافًا إلى ما علمه، ثم يختم ذلك بالثناء على الله تعالى، ووصفه بصفات الكمال، مع محبته وتعظيمه، والحمد لله على كل حال من أحوال السراء والضراء، ثم يستعين بالله تعالى من حال أهل النار من الكفر والفسق في الدنيا والعذاب في الآخرة.\nوسؤال العبد ربه أن ينفعه بما علمه؛ لأن العلم الذي لا ينفع وبال على صاحبه، فلا يهذب الأخلاق، ولا ينفع في حيازة الفضل والثواب، ولهذا ثبت في \"صحيح مسلم\" من حديث زيد بن أرقم - ﵁ - قال: كان من دعاء النبي - ﷺ -: \"اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع … \" (^١). والعلم النافع له علامات، منها:\n١ - أن له ثمرة خاصة به، وهي خشية الله تعالى. كما قال﷿-: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] قال ابن القيم: (إن الآية تقتضي الحصر من الطرفين، ألا يخشاه إلا العلماء، ولا يكون عالمًا إلا من يخشاه، فلا يخشاه إلا عالم، وما من عالم إلا وهو يخشاه، فإذا انتفى العلم انتفت الخشية، وإذا انتفت الخشية دلت على انتفاء العلم) (^٢).\n٢ - ومن علامة العلم النافع المسارعة إلى طاعة الله ونيل رضاه، والبعد عما يكرهه ويسخطه، قال بعض السلف: (من خشي الله فهو عالم، ومن عصاه فهو جاهل).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٧٢٢).\n(^٢) \"شفاء العليل\" (٢/ ٩٤٩).","vol":"10","page":475},{"text":"٣ - القناعة والزهد في الدنيا، قال الحسن البصري: (إنما الفقيه: الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، المواظب على عبادة ربه) (^١).\n٤ - ومن علامة العلم النافع: التواضع وقبول الحق والانقياد له.\n٥ - ومن علامته كراهة المدح والتزكية والبعد عن الرئاسة والشهرة، فإن وقع شيء من ذلك من غير قصد واختيار كان صاحبه في خوف شديد من عاقبته.\n٦ - أن صاحب العلم النافع لا يدعي العلم ولا يفخر به على أحد، ويعترف بفضل السلف الصالح من الأئمة والعلماء ويحسن الظن بهم (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص (٣٢٥).\n(^٢) انظر: رسالة ابن رجب \"بيان فضل علم السلف على علم الخلف\".","vol":"10","page":476},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1362>من جوامع الدعاء</span>\n١٥٧٥/ ٣٠ - عَنْ عَائِشةَ - ﵂ -؛ أَن النّبِيَّ - ﷺ - عَلّمَهَا هذَا الدُّعَاءَ:\n\"اللَّهُمَّ إنِّي أَسْألكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ، عَاجِلِهِ وآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ، عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلكَ مِنْ خَيرِ مَا سَأَلكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ بِهِ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، اللهُمَّ إنِّي أَسَأَلُكَ الجَنَّةَ، وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلكَ أَنْ تَجْعَلَ كُل قَضَاءٍ قَضَيتَهُ لِي خَيرًا\". أَخْرَجَهُ ابْن ماجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه ابن ماجه في كتاب \"الدعاء\"، باب (الجوامع من الدعاء) (٣٨٤٦)، وأحمد (٤١/ ٤٧٤) من طريق عفان، ثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا جبر بن حبيب، عن أم كلثوم بنت أبي بكر، عن عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - علمها هذا الدعاء …\nوهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.\nورواه ابن حبان (٣/ ١٥٠ - ١٥١) من طريق موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن الجُريري، عن أم كلثوم به، وليس فيه ذكر جبر بن حبيب.\nورواه أبو يعلى (٤٤٥٦) عن إبراهيم، عن حماد، عن جبر والجريري","vol":"10","page":477},{"text":"به، ورواه الطبراني في \"الدعاء\" (١٣٤٧) من طريق موسى، عن حماد، عن جبر والجريري به (^١).\nوالجريري -بضم الجيم- وهو سعد بن إياس ممن سمع منه حماد بن سلمة قبل الاختلاط (^٢).\nورواه الحاكم (١/ ٥٢١ - ٥٢٢) من طريق محمد بن جعفر وآدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، عن جبر بن حبيب، عن أم كلثوم به.\nوقال: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي.\nوأم كلثوم هي أخت عائشة - ضي الله عنها -، مات أبوها أبو بكر - ﵁ - وأمها حامل بها، وقد روى لها مسلم في \"صحيحه\"، وروى عنها الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري - ﵁ -، وهو أكبر منها (^٣)، قال الحافظ في \"التقريب\": (ثقة).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (من الخير) من: بيانية؛ أي: أسألك مسؤولًا هو الخير كله، أو لابتداء الغاية؛ أي: أسألك شيئًا مبدؤه الخير.\n\nقوله: (عاجله وآجله) أي: حاضره ومستقبله، والمراد بالعاجل ما يحصل مستعجلًا، والمراد خير الدنيا، والآجل ما يحصل مؤجلًا، والمراد خير الآخرة.\n\nقوله: (من خير) من: للتبعيض.\n\nقوله: (ما عاذ) أي: تعوذ واستجار، تقول: عذت بالله واستعذت به معاذًا وعياذًا: اعتصمت.\n\nقوله: (وما قرب) بتشديد الراء المهملة؛ أي: وما يجعلني قريبًا منها.\n\nقوله: (من قول أو عمل) بيان للاسم الموصول، و(أو) للتنويع؛ أي: سواء كان بالجوارح أو بالقلب.\n_________\n(^١) انظر: \"العلل\" للدارقطني (١٤/ ٢٤٧).\n(^٢) \"الكواكب النيرات\" ص (١٨٣).\n(^٣) \"تهذيب الكمال\" (٣٥/ ٣٨٠).","vol":"10","page":478},{"text":"قوله: (وأسألك أن تجعل كل قضاء …) أي: وأدعوك وأضرع إليك أن تجعل ما قدرته عليَّ وأمضيته خيرًا لي.\n\n• الوجه الثالث: استحباب الدعاء بما ورد في هذا الحديث من الكلمات الجامعة. والمطالب النافعة الجامعة لخيري الدنيا والآخرة؛ لأنه جمع في هذا الحديث خمسة مطالب في خمس دعوات:\nالأول: سؤال الخير كله الذي يشمل منافع الدنيا والآخرة العاجل منها والآجل المعلوم للداعي وغير المعلوم مما لا يحصيه ولا يعلمه إلا الله.\nالثاني: الاستعاذة من الشر كله الذي يشمل مضار الدنيا والآخرة العاجل منها والآجل ما علمه الداعي وما جهله.\nالثالث: الترقي في العموم إلى ما هو أبلغ من ذلك وهو أن يسأل الله تعالى من خير ما سأله الرسول - ﷺ - ويستعيذ مما استعاذه منه الرسول - ﷺ -.\nالرابع: سؤال الجنة وسؤال الوسيلة التي تقرب إلى الجنة من الأقوال والأعمال، والاستعاذة من النار وما يكون سببًا في دخولها.\nالخامس: سؤال العبد ربه أن يجعل كُلَّ قضاءٍ قضاه خيرًا وأن تكون عاقبته إلى خير.\nثم ينبغي للمسلم أن يتأسى بنبيه - ﷺ - الذي علم أهله هذا الدعاء أن يعلمه زوجته وأولاده، والله تعالى أعلم.","vol":"10","page":479},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1363>فضل التسبيح مع التحميد والتعظيم</span>\n١٥٧٦/ ٣١ - وَأَخْرَجَ الشَّيخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلي الرَّحْمنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزانِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ. سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ\".\n\n* الكلام عليه من وجوه:\n\n• الوجه الأول: في تخريجه:\nهذا الحديث رواه البخاري في كتاب \"التوحيد\"، باب (قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]) (٧٥٦٣)، ومسلم (٢٦٩٤) من طريق محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة (^١)، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: … وذكر الحديث. وهذا لفظ البخاري في الباب المذكور من رواية أحمد بن إشكاب، عن محمد بن فضيل، وعنده في \"الدعوات\" (٦٤٠٦) من رواية زهير بن حرب. وفي \"الأيمان والنذور\" (٦٦٨٢) من رواية قتيبة بن سعيد، كلاهما عن ابن فضيل بلفظ: \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن .. \" وهو لفظ مسلم، وقد رواه عن محمد بن فضيل جماعة من الحفاظ عند البخاري ومسلم وغيرهما.\nوقد ختم البخاري \"صحيحه\" بهذا الحديث، مع أنه ذكره قبل ذلك، وقد جرى الحافظ على منهجه في كتابه \"البلوغ\"، ومن حسن تصرفه أنه خالف\n_________\n(^١) هو ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، مختلف في اسمه. انظر: \"تهذيب الكمال\" (٣٣/ ٣٢٣)، \"فتح الباري\" (١١/ ٢٠٨).","vol":"10","page":480},{"text":"منهجه في تأخير ذكر من أخرج الحديث إلى تمام الحديث، فقدم هنا ذكر من أخرجه؛ ليحصل الختام بهذا الذكر العظيم، وقد بدأ كتابه بالبسملة والتحميد، وختمه بالتسبيح والتحميد والتعظيم، وقد قال الله تعالى لنبيه - ﷺ - في ختام رسالته: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ٣] فما أحسن الفاتحة والخاتمة، وهذا من لطائف العلماء في العلم والتعليم (^١).\n\n• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:\n\nقوله: (كلمتان) أي: جملتان؛ لأن الكلمة تطلق عند النحاة على الجملة من إطلاق اسم البعض على الكل، مثل كلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، وهي مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة أنها وصفت، والخبر (سبحان الله) فهو في محل رفع، وقيل: (كلمتان) خبر مقدم، و(سبحان الله) مبتدأ مؤخر، والمراد لفظهما محكيًا وإلا فسبحان مصدر منصوب ملازم النصب، قالوا: والنكتة في تقديم الخبر تشويق السامع إلى المبتدأ، وكلما كثرت الصفات حسن التقديم؛ لأن هذا مما يزيد السامع شوقًا.\n\nقوله: (حبيبتان إلى الرحمن) مثنى حبيبة، فعيلة بمعنى مفعولة؛ أي: محبوبة، والمراد: محبوب قائلهما، هكذا ذكر الشراح (^٢)، والحق أنه لا داعي لصرف اللفظ عن ظاهره؛ لأن الحديث وصف الكلمتين بأنهما محبوبتان، وأما محبة قائلهما فيدخل ضمنًا إذا كان أهلًا لهذه الكرامة، والله تعالى إذا أحب العمل أحب من عمل به.\nوخص الرحمن بالذكر دون غيره من الأسماء؛ لأن المقصود من الحديث بيان سعة رحمة الله تعالى بعباده حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل.\n_________\n(^١) انظر: \"التنقيح في حديث التسبيح\" لابن ناصر الدين ص (١٧٣)، \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٤٢)، \"إتحاف الكرام\" ص (٤٧٨).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٢٠٨).","vol":"10","page":481},{"text":"قوله: (خفيفتان على اللسان) أي: سهلتان على اللسان؛ إذ ليس في حروفهما حروف متباعدة المخارج، وفي هذا مجاز بالاستعارة حيث شبه سهولة جريان هذا الكلام على اللسان بالشيء الخفيف المحمل، وصرح بالمشبه به على سبيل الاستعارة التصريحية.\n\nقوله: (ثقيلتان في الميزان) تقدم تعريف الميزان في باب \"الترغيب في مكارم الأخلاق\"، والثقل على حقيقته؛ لأن الأعمال توزن، والميزان محسوس كما تقدم عند شرح الحديث (١٥٣٢).\n\nقوله: (سبحان الله وبحمده) تقدم شرحهما عند شرح الحديث (١٥٥٢) وقد جاء عند البخاري في \"الدعوات\" عن زهير بن حرب بلفظ: \"سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده\".\n\nقوله: (سبحان الله العظيم) كرر التسبيح تأكيدًا للاعتناء بشأن التنزيه من جهة كثرة المخالفين الواصفين له بما لا يليق بجلاله، أو للإكثار من ذكره. ﷾ الذي هو من أفضل الأعمال.\nوالعظيم: اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه: الجامع لصفات العظمة والكبرياء، فهو عظيم في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وحكمته ورحمته وعدله وفضله وعطائه، فله العظمة المطلقة فلا أحد يساويه ولا أحد من الخلق يستحق أن يعظم كما يعظم الله ﷻ.\nووصفه بالعظمة، ليستحضر أنه أهل التسبيح ومستحقه دائمًا، وأن العبد لن يؤدي حقه مهما أكثر من تسبيحه وعبادته (^١).\n\n• الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل هاتين الكلمتين الخفيفتين؛ لأن الله تعالى يحبهما ويحب من عمل بهما؛ ولأنهما ثقيلتان في ميزان الأعمال؛ لعظم ثوابهما عند الله تعالى، ولاشتمالهما على تسبيح الله وتنزيهه عن كل ما لا يليق بجلاله؛ سواء في ذاته أو صفاته أو أفعاله مقرونًا هذا\n_________\n(^١) انظر: \"شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري\" (٢/ ٥٩٦).","vol":"10","page":482},{"text":"التسبيح بالحمد المطلق الذي هو وصف الله بالكمال والثناء عليه بجميع المحامد مع محبته وتعظيمه، ثم إعادة التنزيه مرة أخرى مع وصفه بالعظمة المطلقة التي لا يستحقها إلا من اتصف بصفات الكمال.\n\n• الوجه الرابع: في الحديث حث على المواظبة على هذا الذكر وترغيب في ملازمته، وتعريض بأن سائر التكاليف شاقة على النفس ثقيلة، وهذه خفيفة سهلة عليها مع أنها تثقل في الميزان ثقل غيرها من التكاليف (^١).\n\n• الوجه الخامس: أن الله تعالى يحب بعض الكلام وبعض العمل أكثر من غيره، وفي هذا دليل على إثبات المحبة لله تعالى، وهي صفة من صفاته الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف، وقد تقدم الكلام على ذلك عند شرح الحديث (١٤٨٣).\n\n• الوجه السادس: إثبات البعث والنشور والجزاء على الأعمال يوم القيامة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ لواقعة: ٤٩، ٥٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَينَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ لغاشية: ٢٥، ٢٦] وقد أجمع المسلمون على ثبوت البعث، وإثبات الحساب والجزاء على الأعمال، وهو مقتضى الحكمة (^٢).\n\n• الوجه السابع: توحيد الله تعالى الذي هو أصل الإيمان، لأن قوله: (سبحان الله) معناه تنزيه الله تعالى، وقوله: (سبحان الله العظيم) تأكيد التنزيه والطهارة والبراءة من النقائص وكل سوء.\n\n• الوجه الثامن: إثبات الميزان وأنه حق توزن فيه الحسنات والسيئات يوم القيامة، ولهذا ذكر البخاري هذا الحديث في (باب قول الله﷿-: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]) كما تقدم. وقد نقل غير واحد إجماع سلف هذه الأمة على وجوب الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وما يوضع في الميزان فهو مخلوق، وقد بلغت أحاديث ثبوته مبلغ\n_________\n(^١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٧٣).\n(^٢) انظر: \"نبذة في العقيدة الإسلامية\" ص (٤٠ - ٤٣).","vol":"10","page":483},{"text":"التواتر (^١).\n\n• الوجه التاسع: أنه يستحب لمن رغّب غيره في عمل خير أن يذكر له شيئًا من فوائده وما يحصل له إذا عمل به، ليرغب فيه وينشط للعمل به.\n\n• الوجه العاشر: أن الذكر يتفاضل، وأن فيه شيئًا أعظم من شيء، ويتبع ذلك تفاضل الأجور عند الله تعالى (^٢).\nوبهذا يتم ما يسر الله تعالى جمعه وكتابته بيدي شرحًا لهذا الكتاب النافع \"بلوغ المرام\" والله أسأل أن يجعله خالصًا لوجهه، مقرِّبًا إليه، نافعًا لعباده، وقد تم الفراغ من مراجعته صبيحة يوم الثلاثاء عاشر شهر ربيع الآخر من عام اثنين وثلاثين وأربعمائة وألف، والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) انظر: \"مجموع الفتاوى\" (٤/ ٣٠٢)، \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٣٨)، \"لوامع الأنوار البهية\"، ص (١٨٤ - ١٨٥).\n(^٢) انظر: \"التنقيح في حديث التسبيح\" ص (١٠٩).","vol":"10","page":484},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1364>المراجع</span>\n*<span data-type='title' id=toc-1365> أولًا: كتاب التفسير وعلوم القرآن:</span>\n١ - الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي، ط: البابي الحلبي بمصر، الطبعة الرابعة، ١٣٩٨ هـ.\n٢ - أحكام القرآن، لابن العربي، أبي بكر، محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، تحقيق: البجاوي، الناشر: عيسى البابي الحلبي وشركاه، مصر، الطبعة الثانية، ١٣٨٧ هـ.\n٣ - أحكام القرآن، للجصاص، أبي بكر أحمد بن علي الرازي، الناشر: دار إحياء القرآن، بيروت- لبنان، ط: سنة ١٤٠٥ هـ.\n٤ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للشنقيطي، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، ط: المطابع الاهلية، ١٤٠٣ هـ.\n٥ - البرهان في علوم القرآن، للزركشي، محمد بن عبد الله، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم، ط: دار المعرفة، بيروت.\n٦ - تفسير آيات الأحكام، لعلي السايس، مطبعة محمد علي صبيح، سنة ١٣٧٣ هـ.\n٧ - تفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد الطيب، ط: نزار الباز، ١٤١٩ هـ.\n٨ - تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السُّنَّة، د. عبد العزيز بن عبد الله الحميدي، مطبوعات جامعة أم القرى.\n٩ - تفسير البحر المحيط، محمد بن يوسف، الشهير بأبي حيان الأندلسي، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، ١٤١٣ هـ.\n١٠ - تفسير سورة النور، لابن تيمية، مراجعة: عبد العلي عبد الحميد حامد، الدار السلفية، بمباي، الهند.\n١١ - تفسير سورة النور، للمودودي، الدار السعودية للنشر.","vol":"11","page":321},{"text":"١٢ - تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل، لعلامة الشام محمد جمال الدين القاسمي، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر: دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.\n١٣ - التفسير الكبير، للإمام الفخر الرازي، الناشر: دار الكتب العلمية، طهران، إيران.\n١٤ - التفسير وأصوله، محمد بن صالح العثيمين، طبعة جامعة الإمام.\n١٥ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، نشر: مؤسسة الرسالة، ط: الأولى، سنة ١٤٢٠ هـ.\n١٦ - جامع البيان في تفسير القرآن، للطبري أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ط: البابي الحلبي بمصر.\n١٧ - الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت- لبنان.\n١٨ - الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور، للإمام عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي، نشر: دار الفكر، بيروت، ط: الثالثة، ١٤٠٤ هـ.\n١٩ - روح المعاني، للعلامة الألوسي البغدادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٢٠ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، محمد بن علي بن محمد الشوكاني، ط: البابي الحلبي بمصر.\n٢١ - الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق: د. محيي الدين رمضان، نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الثالثة، ١٤٠٤ هـ.\n٢٢ - مباحث في علوم القرآن، لمناع خليل القطان، الطبعة الثامنة، الناشر: مكتبة المعارف، الرياض.\n٢٣ - معاني القرآن وإعرابه، للزجاج أبي إسحاق إبراهيم بن السري، د. عبد الجليل عبده شلبي، دار عالم الكتب، ط: الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٢٤ - المفردات في غريب القرآن، لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، تحقيق: محمد سيد كلاني، نشر: دار مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر، الطبعة الأخيرة، ١٣٨١ هـ.","vol":"11","page":322},{"text":"٢٥ - مناهل العرفان في علوم القرآن، لمحمد بن عبد العزيز الزرقاني، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت- لبنان.\n\n*<span data-type='title' id=toc-1366> ثانيًا: كتب الحديث وشروحه وعلومه:</span>\n١ - الآحاد والمثاني، لأبي بكر بن أبي عاصم، تحقيق: باسم الجوابرة، ط: دار الراية، ١٤١١ هـ.\n٢ - إبراز الحكم من أحاديث رفع القلم، للسبكي، دار البشائر الإسلامية، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n٣ - إتحاف الكرام بالتعليق على بلوغ المرام، للشيخ صفي الرحمن المباركفوري، دار السلام، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n٤ - إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: جماعة من الباحثين، ط: مجمع الملك فهد، ١٤١٥ هـ.\n٥ - إتمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام، للعلامة محمد اللكنوي، مكتبة السوادي، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n٦ - الأجوبة، للحافظ أبي مسعود الدمشقي، دراسة وتحقيق: إبراهيم بن علي آل كليب، دار الوراق للنشر والتوزيع.\n٧ - الأحاديث التي أشار أبو داود في سننه إلى تعارض الوصل والإرسال فيها، دراسة وتخريج: تركي بن فهد الغميز، رسالة ماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤١٨ هـ.\n٨ - الأحاديث الواردة في البيوع المنهي عنها، سليمان بن صالح الثنيان، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية.\n٩ - الأحاديث الواردة في فضائل المدينة، صالح الرفاعي، ط: دار الخضيري، ١٤١٨ هـ.\n١٠ - إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد، تحقيق: علي الهندي، ط: الثانية، ١٤٠٩ هـ، المكتبة السلفية، القاهرة.\n١١ - الأحكام الوسطى، لعبد الحق، تحقيق: حمدي السلفي وصبحي السامرائي، ط: الرشد ١٤١٦ هـ.\n١٢ - أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه، لمحمد بن إسحاق الفاكهي، تحقيق: د. عبد الملك بن دهيش، الثانية، ١٤١٤ هـ، دار خضر، بيروت.\n١٣ - أخلاق النبي - ﷺ -، لأبي الشيخ الأصبهاني، تحقيق: د. صالح الونيّان، ط: دار المسلم، ١٤١٨ هـ.","vol":"11","page":323},{"text":"١٤ - الأدب المفرد، للبخاري، ط: عالم الكتب، ١٤٠٤ هـ.\n١٥ - الأذكار، يحيى بن شرف النووي، تحقيق: بشير محمد عيون، مكتبة المؤيد، الطائف، ط: الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n١٦ - إرشاد الفقيه، للحافظ إسماعيل بن كثير، تحقيق: بهجة يوسف أبو الطيب، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n١٧ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، محمد ناصر الدين الألباني، إشراف: زهير الشاويش، ط: الأولى، ١٣٩٩ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n١٨ - الاستذكار، لابن عبد البر، أبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، ط: مؤسسة الرسالة.\n١٩ - أطراف الغرائب والأفراد، للدارقطني، لمحمد بن طاهر المقدسي، ابن القيسراني، تحقيق: جابن عبد الله السريع، ط: التدمرية، الطبعة الأولى، سنة ١٤٢٨ هـ.\n٢٠ - الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، محمد بن موسى الحازمي، تحقيق: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٦ هـ.\n٢١ - أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي، تحقيق: د. محمد بن سعد آل سعود، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ، جامعة أم القرى.\n٢٢ - الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، عمر بن علي الأنصاري، المعروف بابن الملقن، تحقيق: عبد العزيز بن أحمد المشيقح، دار العاصمة، الرياض، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n٢٣ - إكمال المعلم، للقاضي عياض، تحقيق: يحيى إسماعيل، ط: دار الوفاء ومكتبة الرشد، ١٤١٩ هـ.\n٢٤ - الالزامات والتتبع، للدارقطني، تحقيق: مقبل الوادعي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ.\n٢٥ - الإمام، لابن دقيق العيد، تحقيق: سعيد الحميّد، ط: دار المحقق، ١٤٢٠ هـ.\n٢٦ - الأوسط، لابن المنذر، تحقيق: صغير حنيف، ط: دار طيبة، ١٤٠٥ - ١٤٢٠ هـ، وط: دار الفلاح.\n٢٧ - الإيمان، لابن منده، تحقيق: علي فقيهي، ط: مؤسسة الرسالة، ١٤٠٦ هـ.","vol":"11","page":324},{"text":"٢٨ - بحر الدم فيمن تكلم فيه الإمام أحمد بمدح أو ذم، ليوسف بن حسن بن عبد الهادي، تحقيق: د. وصي الله عباس، الأولى، ١٤٠٩ هـ، دار الراية، الرياض.\n٢٩ - البحر الزخار (مسند البزار)، للبزار، (١ - ٩)، تحقيق: د. محفوظ الرحمن، مؤسسة علوم القرآن، ومكتبة العلوم والحكم، ١٤٠٩ - ١٤١٨ هـ.\n٣٠ - البحر الزخار (مسند البزار)، للبزار، (١٠ - ١٧)، تحقيق: عادل سعد، ط: مؤسسة علوم القرآن ومكتبة العلوم والحكم.\n٣١ - البدر المنير، لابن الملقن، تحقيق: مجموعة محققين، ط: دار العاصمة في الرياض، ١٤٣٠ هـ.\n٣٢ - بذل المجهود في حل أبي داود، خليل أحمد السهارنفوري، تعليق: محمد الكاندهلوي، الناشر: دار اللواء للنشر والتوزيع، الرياض، السعودية.\n٣٣ - بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، لأحمد بن عبد الرحمن البنا، دار الشهاب، القاهرة.\n٣٤ - بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، طبعة ١٤٠٥ هـ، الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.\n٣٥ - بهجة النفوس وتحليها بمعرفة مالها وما عليها (شرح مختصر صحيح البخاري)، ابن أبي جمرة، الطبعة الثانية، ١٩٧٢ م، دار الجيل، بيروت.\n٣٦ - بيان مشكل أحاديث رسول الله - ﷺ - واستخراج ما فيها من الأحكام، للطحاوي، المطبوع باسم شرح مشكل الآثار، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، ط: الرسالة، ١٤١٦ هـ.\n٣٧ - بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام، لابن القطان، تحقيق: الحسين آيت سعيد، دار طيبة، ١٤١٨ هـ.\n٣٨ - تاريخ ابن أبي خيثمة، تحقيق: صلاح هلل، ط: الفاروق، ١٤٢٤ هـ.\n٣٩ - تاريخ ابن معين، برواية الدوري، تحقيق: أحمد محمد نور سيف، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، ١٣٩٩ هـ.\n٤٠ - التاريخ الأوسط، للبخاري، تحقيق: تيسير بوحميد، ط: مكتبة الرشد، ١٤٢٦ هـ.\n٤١ - تاريخ الثقات، لأحمد بن عبد الله العجلي، بترتيب نور الدين الهيثمي، تحقيق: د. عبد المعطي قلعجي، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.","vol":"11","page":325},{"text":"٤٢ - تاريخ دمشق، لابن عساكر، تحقيق: عمرو العمروي، ط: دار الفكر، ١٤١٥ - ١٤٢٢ هـ.\n٤٣ - التاريخ الكبير، للبخاري، دار الفكر.\n٤٤ - تاريخ المدينة، لابن شبة، تحقيق: عبد الله بن محمد الدويش، ط: دار العليان، ١٤١١ هـ.\n٤٥ - تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة الدينوري، تصوير دار الكتاب العربي.\n٤٦ - تبصير المنتبه بتحرير المشتبه، لابن حجر، تحقيق: علي البجاوي ومحمد نجار، تصوير المكتبة العلمية.\n٤٧ - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، لأبي العلاء محمد عبد الرحمن المباركفوري، الأولى، ١٤١٠ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٤٨ - تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، للمزي، تحقيق: عبد الصمد شرف الدين، تصوير دار الكتب العلمية، وبهامشه: النكت الظراف على الأطراف لابن حجر.\n٤٩ - تحفة التحصيل، لأبي زرعة العراقي، تحقيق: رفعت عبد المطلب ونزيه حماد وعلي مزيد، ط: مكتبة الرشد، ١٤٢٠ هـ.\n٥٠ - تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب، لابن كثير، تحقيق: عبد الغني الكبيسي، الثانية، ١٤١٦ هـ، دار ابن حزم، بيروت.\n٥١ - التحقيق في أحاديث الخلاف، لابن الجوزي، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، ١٤١٩ هـ، دار الوعي العربي، القاهرة، مكتبة ابن عبد البر حلب- دمشق.\n٥٢ - تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني، لعبد الله بن يحيى الغساني، تحقيق: أشرف عبد المقصود، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ، دار عالم الكتب، الرياض.\n٥٣ - التليس في الحديث، إعداد: د. مسفر بن غرم الله الدميني، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n٥٤ - تذكرة المؤتسي فيمن حدّث ونسي، تأليف: أبي الفضل جلال الدين السيوطي، علق عليه: صبحي البدري السامرائي، الناشر: الدار السلفية، الكويت.\n٥٥ - الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، للمنذري، تحقيق: مصطفى عمارة، ١٤٠٧ هـ، دار الريان، دار الحديث، القاهرة.\n٥٦ - تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة، لابن حجر، أحمد بن علي، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت.","vol":"11","page":326},{"text":"٥٧ - تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، لابن حجر، تحقيق: د. أحمد بن علي سير المباركي، الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٥٨ - التعليق على صحيح مسلم، محمد بن صالح بن عثيمين، الناشر: مكتبة الرشد.\n٥٩ - التعليق المغني على سنن الدارقطني، لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي تصحيح: عبد الله هاشم اليماني المدني، المدينة، ١٣٨٦ هـ، ط: دار المحاسن، القاهرة.\n٦٠ - التعيين في شرح الأربعين، للعلامة نجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي، تحقيق: أحمد حاج عثمان، مؤسسة الريان والمكتبة المكية.\n٦١ - تغليق التعليق، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: سعيد القزقي، ط: المكتب الإسلامي ودار عمار، ١٤٠٥ هـ.\n٦٢ - التقدمة للجرح والتعديل، لابن أبي حاتم، مطبوع مع \"الجرح والتعديل\" له.\n٦٣ - تقييد المهمل وتمييز المشكل، للحافظ أبي علي الحسين بن محمد الغساني، اعتنى به: علي بن محمد العمران ومحمد عزير شمس، الناشر: دار عالم الفوائد.\n٦٤ - تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، لابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، تصحيح وتعليق: عبد الله هاشم اليماني المدني، المدينة المنورة، ١٣٨٤ هـ، تلخيص: دار المعرفة، بيروت.\n٦٥ - التلخيص الحبير للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، دراسة وتحقيق: د. محمد الثاني بن عمر بن موسى، دار أضواء السلف، الرياض.\n٦٦ - تلخيص المستدرك، لأبي عبد الله، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، مطبوع بذيل المستدرك للحاكم، الناشر: دار الفكر، بيروت ١٣٩٨ هـ.\n٦٧ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر النمري، تحقيق: جماعة من العلماء، الطبعة المغربية.\n٦٨ - التمييز للإمام مسلم، تحقيق: محمد الأعظمي، مطبوع مع كتاب (منهج النقد عند المحدثين)، ط: مكتبة الكوثر، ١٤١٠ هـ، وطبعة ابن الجوزي.\n٦٩ - تنبيه الأفهام بشرح عمدة الأحكام، محمد بن صالح العثيمين، طبع جامعة الإمام.\n٧٠ - تنبيه الأفهام بشرح عمدة الأحكام، محمد بن صالح بن عثيمين، الطبعة الأولى، ١٣٩٨ هـ.","vol":"11","page":327},{"text":"٧١ - تنقيح تحقيق أحاديث التعليق، لابن عبد الهادي الحنبلي، تحقيق: أيمن صالح شعبان، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٧٢ - تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق، ابن عبد الهادي الحنبلي، تحقيق: سامي بن محمد بن جاد الله، عبد العزيز بن ناصر الخباني، دار أضواء السلف، الرياض.\n٧٣ - التنقيح في حديث التسبيح، للإمام الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي، تحقيق: محمد بن ناصر العجمي، دار البشائر الإسلامية، بيروت.\n٧٤ - التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، للعلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلّمي، المكتب الإسلامي.\n٧٥ - تهذيب الآثار، لابن جرير الطبري، تحقيق: ناصر الرشيد، وعبد القيوم عبد رب النبي، ١٤٠٢ هـ، مطابع الصفا، مكة.\n٧٦ - تهذيب الآثار، لابن جرير الطبري، قرأه وخرّج أحاديثه: محمود محمد شاكر، الناشر: مطبوعات المدني.\n٧٧ - تهذيب السنن، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية ت ٧٥١ هـ، مطبوع مع عون المعبود وشرح سنن أبي داود لمحمد شمس الحق العظيم أبادي، الناشر: محمد عبد المحسن صاحب المكتبة السلفية بالمدينة النبوية.\n٧٨ - تهديب الكمال في أسماء الرجال، للمزي، تحقيق: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، ١٤٠٠ هـ.\n٧٩ - التوضيح لشرح الجامع الصحيح، تصنيف: سراج الدين أبي حفص عمر بن علي المعروف بابن الملقن، تحقيق: دار الفلاح، إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر.\n٨٠ - الثقات، لابن حبان، ط: دار الفكر.\n٨١ - جامع الأصول في أحاديث الرسول، للمبارك ابن الأثير الجزري، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ، المكتبة التجارية، مكة المكرمة، دار الفكر، بيروت.\n٨٢ - جامع التحصيل في أحكام المراسيل، للحافظ العلائي، تحقيق: أبي المنذر محمود بن حسين مكي.\n٨٣ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم، لابن رجب، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، إبراهيم باجس، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ، الرسالة، بيروت.","vol":"11","page":328},{"text":"٨٤ - الجامع في الجرح والتعديل لأقوال البخاري ومسلم وغيرهما، جمع وترتيب: جماعة من الباحثين، عالم الكتب.\n٨٥ - الجامع لشعب الإيمان، للبيهقي، تحقيق: مختار أحمد وعبد العلي حامد، ط: الدار السلفية، ١٤٠٦ - ١٤١٦ هـ.\n٨٦ - الجامع، للترمذي، تحقيق: أحمد شاكر، وتكملة محمد فؤاد عبد الباقي، دار الحديث، القاهرة.\n٨٧ - الجامع، للترمذي، تحقيق: بشار عواد، ط: دار الغرب الإسلامي، ١٩٩٦ م.\n٨٨ - الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم، تحقيق: المعلمي، تصوير دار الكتب العلمية.\n٨٩ - جزء في الكلام على حديث: \"أفرضكم زيد\"، لابن عبد الهادي، ضمن \"مجموع رسائل ابن عبد الهادي\"، تحقيق: حسين عكاشة، ط: الفاروق، ١٤٢٧ هـ.\n٩٠ - جزء فيه تصحيح حديث القلتين، للعلائي، تحقيق: أبي إسحاق الحويني، ط: مكتبة التربية الإسلامية، ١٤١٢ هـ.\n٩١ - جزء فيه طرق حديث: \"إن لله تسعة وتسعين اسمًا\"، تأليف أبي نعيم الأصبهاني، أحمد بن عبد الله بن مهران، اعتنى به مشهور بن حسن بن سلمان، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية.\n٩٢ - جلاء الأفهام، لابن القيم، تحقيق: زائد النشيري، ط: عالم الفوائد، ١٤٢٥ هـ.\n٩٣ - الجوهر النقي، لابن التركماني، علاء الدين بن علي بن عثمان، مطبوع بذيل سنن البيهقي، ط: دائرة المعارف العثمانية، الهند، حيدر آباد الدكن، الطبعة الأولى.\n٩٤ - حاشية ابن باز على بلوغ المرام، دار الامتياز للنشر، الرياض.\n٩٥ - حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل، للسندي، إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر.\n٩٦ - خلاصة الأحكام، للنووي، تحقيق: حسين إسماعيل الجمل، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ، الرسالة، بيروت.\n٩٧ - خلاصة البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير للرافعي، لسراج الدين عمر بن علي بن الملقن، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، الناشر: دار الرشد، الرياض.","vol":"11","page":329},{"text":"٩٨ - الخلافيات، للبيهقي، تحقيق: مشهور سلمان، ط: دار الصميعي، ١٤١٤ هـ.\n٩٩ - خير الكلام في القراءة خلف الإمام، للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان.\n١٠٠ - الدراية في تخربج أحاديث الهداية، لابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، ط: مطبعة الفجالة الجديدة، القاهرة، ١٣٨٤ هـ.\n١٠١ - الدعاء، لأبي القاسم الطبراني، تحقيق: محمد سعيد البخاري، دار البشائر الإسلامية، ١٤٠٧ هـ.\n١٠٢ - دلائل النبوة، للبيهقي، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، ط: دار الكتب العلمية، ١٤٠٥ هـ.\n١٠٣ - ذكر أسماء من تُكلم فيه وهو موثّق، للإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: محمد شكور المياديني، مكتبة المنار، الأردن.\n١٠٤ - الرسالة المستطرفة، للعلامة الإمام محمد بن جعفر الكتاني، دار البشائر الإسلامية، الطبعة الرابعة، ١٤٠٦ هـ.\n١٠٥ - روايات المدلسين في صحيح البخاري، تأليف الدكتور عواد الخلف، دار البشائر الإسلامية.\n١٠٦ - روايات المدلسين في صحيح مسلم، تأليف الدكتور عواد الخلف، دار البشائر الإسلامية.\n١٠٧ - رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام، للإمام تاج الدين الفاكهاني، تحقيق: نور الدين طالب، دار النوادر.\n١٠٨ - رياض الصالحين، للإمام النووي تخريج محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ، المكتب الإسلامي.\n١٠٩ - زوائد عبد الله بن الإمام أحمد في المسند، ترتيب وتخريج: د. عامر حسن صبري، الأولى، ١٤١٠ هـ، دار البشائر الإسلامية، بيروت.\n١١٠ - سؤالات الحاكم للدارقطني، تحقيق: موفق عبد القادر، ط: مكتبة المعارف، ١٤٠٤ هـ.\n١١١ - سؤالات السُّلَمي للدارقطني في الجرح والتعديل، تحقيق: سليمان آتش، دار العلوم للطباعة والنشر، عام ١٤٠٨ هـ.\n١١٢ - سبل السلام شرح بلوغ المرام، للصنعاني، محمد بن إسماعيل الصنعاني، الناشر: دار ابن الجوزي، طبعة جامعة الإمام.","vol":"11","page":330},{"text":"١١٣ - سلسلة الأحاديث الصحيحة، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض.\n١١٤ - سلسلة الأحاديث الضعيفة، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض.\n١١٥ - السُّنَّة، لأبي بكر بن أبي عاصم، تحقيق: الألباني، ط: المكتب الإسلامي.\n١١٦ - سنن ابن ماجه، لمحمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ط: مصطفى البابي الحلبي بمصر.\n١١٧ - سنن أبي داود، لسليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء التراث العربي، بيروت- لبنان.\n١١٨ - سنن الدارقطني، لعلي بن عمر الدارقطني، الناشر: عبد الله هاشم يماني المدني، المدينة المنورة، ط: ١٣٨٦ هـ، بالقاهرة.\n١١٩ - سنن الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، تحقيق: السيد عبد الله هاشم يماني، الناشر: حديث أكاديمي باكستان ١٤٠٤ هـ.\n١٢٠ - سنن سعيد بن منصور، تحقيق: سعد الحميد، ط: دار الصميعي، ١٤١٤ هـ.\n١٢١ - السنن الكبرى، للبيهقي، أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، ط: دائرة المعارف العثمانية، الهند، حيدر آباد الدكن، الطبعة الأولى.\n١٢٢ - السنن الكبرى، للنسائي، حققه وخرّج أحاديثه: حسن عبد المنعم شلبي، مؤسسة الرسالة.\n١٢٣ - سنن النسائي، لأحمد بن شعيب النسائي، ومعه شرح جلال الدين السيوطي، وحاشية السندي، ترقيم وفهرسة عبد الفتاح أبو غدة، الطبعة الأولى، المفهرسة، ١٤٠٦ هـ، طبع دار البشائر الإسلامية، بيروت، نشر مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب.\n١٢٤ - شرح حديث ما ذئبان جائعان، أبي الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي، خرج أحاديثه وعلق عليها: بدر البدر، الطبعة الثانية، ١٣٠٤ هـ، الدار السلفية الكويت.\n١٢٥ - شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤٠١ هـ.\n١٢٦ - شرح الزرقاني على الموطأ، لمحمد الزرقاني، الناشر: دار المعرفة، بيروت ١٤٠١ هـ.","vol":"11","page":331},{"text":"١٢٧ - شرح السُّنَّة، الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، وزهير الشاويش، المكتب الإسلامي، الثانية.\n١٢٨ - شرح صحيح البخاري، لابن بطال: تحقيق: ياسر إبراهيم، ط: الرشد ١٤٢٠ هـ.\n١٢٩ - شرح الطيبي على مشاة المصابيح، المسمى بـ (الكاشف عن حقائق السنن)، محمد بن عبد الله الطيبي، تحقيق: المفتي عبد الغفار وآخرين، إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، كراتشي، باكستان، ط: الأولى، ١٤١٣ هـ.\n١٣٠ - شرح النووي على صحيح مسلم، للنووي، أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، ط: دا ر القلم، بيروت.\n١٣١ - شرح علل الترمذي، للحافظ عبد الرحمن بن رجب الحنبلي، تحقيق: نور الدين عتر، الطبعة الأولى، ١٣٩٨ هـ.\n١٣٢ - شرح معاني الآثار، لأبي جعفر الطحاوي، تحقيق: محمد زهري النجار، تصوير دار الكتب العلمية، ١٤٠٧ هـ.\n١٣٣ - الشرح والتعليل لألفاظ الجرح والتعليل، تأليف: يوسف محمد صدّيق، مكتبة ابن تيمية، الكويت.\n١٣٤ - صحائف الصحابة، إعداد: أحمد بن عبد الرحمن الصويان، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n١٣٥ - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، ط: مؤسسة الرسالة، ١٤٠٥ هـ.\n١٣٦ - صحيح ابن خزيمة، لأبي بكر، محمد بن إسحاق بن خزيمة، تحقيق: مصطفى الأعظمي، ط: المكتب الإسلامي، دمشق ١٤٠٠ هـ.\n١٣٧ - صحيح البخاري، للبخاري، أبي عبد الله محمد بن إسماعيل، تشرف بخدمته والعناية به: محمد زهير الناصر، دار طوق النجاة.\n١٣٨ - صحيح الجامع الصغير وزيادته، محمد ناصر الدين الألباني، أشرف على طبعة زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، دمشق، ط ٣، ١٤٠٨ هـ.\n١٣٩ - صحيح سنن ابن ماجه، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n١٤٠ - صحيح سنن أبي داود، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، ط ١، ١٤١٩ هـ.","vol":"11","page":332},{"text":"١٤١ - صحيح سنن الترمذي، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n١٤٢ - صحيح مسلم، لأبي الحسين، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت- لبنان، الطبعة الثانية، ١٣٩٢ هـ.\n١٤٣ - الضعفاء الصغير، للإمام البخاري، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار الباز، مكة المكرمة، دار المعرفة، بيروت.\n١٤٤ - الضعفاء للعقيلي، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، ط: دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، ١٤١٨ هـ.\n١٤٥ - الضعفاء والمتروكون، للدارقطني، تحقيق: موفق عبد القادر، ط: مكتبة المعارف، ١٤٠٤ هـ.\n١٤٦ - طرح التثريب في شرح التقريب، عبد الرحيم بن حسين العراقي، وولي الدين أبي زرعة العراقي، دار إحياء التراث العربي.\n١٤٧ - الطهور، لأبي عبيد، تحقيق: مشهور سلمان، ط: مكتبة الصحابة، ١٤٤ هـ.\n١٤٨ - عارضة الأحوذي، لأبي بكر محمد بن عبد الله الأشبيلي، المعروف بابن العربي المالكي، ت ٥٤٣ هـ، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت.\n١٤٩ - العلل (١ - ١١)، للدارقطني، تحقيق: محفوظ الرحمن السلفي، ط: دار طيبة، ١٤٠٥ هـ.\n١٥٠ - العلل، لابن المديني، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، الثانية، ١٤٠٠ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n١٥١ - علل الأحاديث، لابن عمار الشهيد، تحقيق: على عبد الحميد، ط: دار الهجرة، ١٤١٢ هـ.\n١٥٢ - علل الترمذي الكبير، تحقيق: حمزة مصطفى، ط: مكتبة الأقصى، ١٤٠٦ هـ.\n١٥٣ - علل الترمذي الكبير، تحقيق صبحي السامرائي وغيره، ط: عالم الكتب، ١٤٠٩ هـ.\n١٥٤ - علل الحديث، لابن أبي حاتم الرازي، تحقيق: محمد الدباسي، ط: مكتبة الرشد، ١٤٢٤ هـ.","vol":"11","page":333},{"text":"١٥٥ - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، لابن الجوزي، تحقيق: إرشاد الحق الأثري، الطبعة الثانية، ١٤٠١ هـ، الناشر: إدارة العلوم الأثرية، فيصل آباد، باكستان.\n١٥٦ - العلل ومعرفة الرجال، لأحمد بن حنبل- رواية ابنه عبد الله عنه -، تحقيق: وصي الله بن محمد عباس، المكتب الإسلامي ودار الخاني ١٤٠٨ هـ.\n١٥٧ - العلل، للدارقطني (١٢ - ١٥)، تحقيق: محمد الدباسي، ط: دار التدمرية.\n١٥٨ - العلم الهيب في شرح الكلم الطيب، لبدر الدين العيني، تحقيق: خالد المصري، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ، الرشد، الرياض.\n١٥٩ - علوم الحديث لابن الصلاح، أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري، تحقيق: نور الدين عتر، ١٤٠٦ هـ، دار الفكر، دمشق.\n١٦٠ - عمدة القاري شرح صحيح البخاري، محمود بن أحمد العيني، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط ١، ١٣٩٢ هـ.\n١٦١ - عمل اليوم والليلة، أحمد بن محمد الدينوري المعروف بابن السني، تحقيق: محمد بشير عيون، الناشر: مكتبة دار البيان، دمشق.\n١٦٢ - عمل اليوم والليلة، للنسائي، تحقيق فاروق حمادة، مؤسسة الرسالة، ١٤٠٧ هـ.\n١٦٣ - عون المعبود شرح سنن أبي داود، محمد شمس الحق العظيم أبادي، الناشر: محمد عبد المحسن صاحب المكتبة السلفية بالمدينة النبوية.\n١٦٤ - غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام، للشيخ: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي.\n١٦٥ - غوث المكدود، في تخريج منتقى ابن الجارود، لأبي إسحاق الحويني، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ، دار الكتاب العربي، بيروت.\n١٦٦ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر أحمد علي العسقلاني، تصحيح الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الناشر: المكتبة السلفية بإشراف محب الدين الخطيب.\n١٦٧ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، عبد الرحمن بن شهاب الدين البغدادي الشهير بابن رجب، ت ٧٩٥ هـ، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n١٦٨ - فتح الباري، لابن رجب، تحقيق: مجموعة محققين، ط: مكتبة الغرباء، ١٤١٧ هـ.","vol":"11","page":334},{"text":"١٦٩ - الفتح الرباني ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني مع شرحه بلوغ الأماني، لأحمد عبد الرحمن البنا، الناشر: دار الشهاب، القاهرة.\n١٧٠ - الفتوحات الربانية على الأذكار النووبة، محمد بن علان الصديقي ت ١٠٥٧ هـ، المكتبة الإسلامية.\n١٧١ - الفصل للوصل المدرج في النقل، للخطيب البغدادي، تحقيق: محمد مطر الزهراني، ط: دار الهجرة، ١٤١٨ هـ.\n١٧٢ - فضائل الصحابة، للإمام أحمد، تحقيق: وصي الله عباس، ط: مؤسسة الرسالة، نشر جامعة أم القرى، ١٤٠٣ هـ.\n١٧٣ - القراءة خلف الإمام، لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: محمد السعيد زغلول، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٧٤ - القول الواضح في صلا المستحاضة وغيرها من أهل العلل والجرائح، لمحمد بن علي الشوكاني، تحقيق: د. صالح السلطان، الأولى، ١٤٢٠ هـ، دار أصداء المجتمع، بريدة.\n١٧٥ - الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، لابن أبي شيبة، أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تحقيق: عامر العمري الأعظمي، الناشر: مختار أحمد الندوي السلفي، الدار السلفية، بومباي، الهند.\n١٧٦ - كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة، للهيثمي، بعناية حبيب الرحمن الأعظمي، مؤسسة الرسالة، ١٤٠٥ هـ.\n١٧٧ - كشف اللثام شرح عمدة الأحكام، للإمام محمد بن أحمد السفاريني، تحقيق: نور الدين طالب، دار النوادر.\n١٧٨ - الكنى والأسماء، للإمام مسلم بن الحجاج، تحقيق: عبد الرحيم القشقري، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ، المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية.\n١٧٩ - الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات، لابن الكيال، تحقيق: عبد القيوم عبد رب النبي، الأولى، ١٤١٠ هـ، دار المأمون للتراث، بيروت.\n١٨٠ - لسان الميزان، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: عبد الفاتح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، ١٤٢٣ هـ.\n١٨١ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للهيثمي، علي بن أبي بكر الهيثمي، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت.","vol":"11","page":335},{"text":"١٨٢ - المحرر في الحديث، لابن عبد الهادي الحنبلي، تحقيق: يوسف المرعشلي وآخرين، الثانية، ١٤١٢ هـ، دار المعرفة، بيروت.\n١٨٣ - مختصر زوائد مسند البزار على الكتب الستة، ومسند أحمد، لابن حجر، تحقيق: صبري عبد الخالق، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت.\n١٨٤ - مختصر سنن أبي داود، للمنذري، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت.\n١٨٥ - مختصر قيام الليل، وقيام رمضان، وكتاب الوتر، لأبي عبد الله، محمد بن نصر المروزي، اختصار: أحمد بن علي المقريزي ت ٨٤٥ هـ، الناشر: عالم الكتب، بيروت، ط: الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n١٨٦ - المراسيل، لأبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني مراجعة: د. يوسف عبد الرحمن المرعشلي، الناشر: دار المعرفة، بيروت، ط: الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n١٨٧ - المراسيل، لابن أبي حاتم الرازي، تحقيق: شكر الله نعمة الله قوجاني، ط: مؤسسة الرسالة، ١٤١٨ هـ.\n١٨٨ - مرويات أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، تأليف: عبد الله بن عبد الرحيم بن حسين البخاري، دار أضواء السلف المصرية.\n١٨٩ - مرويات الزهري المعلة، عبد الله دمفو، ط: مكتبة الرشد، ١٤١٩ هـ.\n١٩٠ - المسالك في شرح موطأ مالك، للقاضي أبي بكر بن العربي، قرأه وعلّق عليه: محمد بن الحسين السليماني وعائشة بنت الحسين السليماني، دار الغرب الإسلامي.\n١٩١ - مستدرك التعليل على إرواء الغليل، تأليف: د. أحمد بن محمد الخليل، الناشر: دار ابن الجوزي.\n١٩٢ - المستدرك على الصحيحين في الحديث، للحاكم، أبي عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري، الناشر: دار الفكر، بيروت ١٣٩٨ هـ.\n١٩٣ - المستفاد من مبهمات المتن والإسناد، لأبي زرعة العراقي، تحقيق: د. عبد الرحمن البر، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ، دار الوفاء، المنصورة.\n١٩٤ - مسند أبي داود الطيالسي، تحقيق: د. محمد بن عبد المحسن التركي، هجر للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.","vol":"11","page":336},{"text":"١٩٥ - مسند أبي عوانة، يعقوب بن إسحاق الإسفرائيني، تحقيق: أيمن عارف الدمشقي، دار المعرفة، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ.\n١٩٦ - مسند أبي يعلى الموصلي، أحمد بن علي المثنى، تحقيق: حسين سليم أسد، دار الثقافة العربية، دمشق، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ.\n١٩٧ - مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: أحمد شاكر، الطبعة الرابعة، ١٣٣٧١ هـ، دار المعارف بمصر.\n١٩٨ - مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: فريق من الباحثين، طبعة مؤسسة الرسالة.\n١٩٩ - مسند الشافعي، لأبي عبد الله، محمد بن إدريس الشافعي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ.\n٢٠٠ - مسند الشهاب، للقاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي، تحقيق: حمدي السلفي، الأولى، ١٤٠٥ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n٢٠١ - مصابيح السُّنَّة، للإمام محيي السُّنَّة الحسين بن مسعود الفراء البغوي، تحقيق: د. يوسع عبد الرحمن المرعشلي وزميليه، دار المعرفة، بيروت- لبنان.\n٢٠٢ - مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، أحمد بن أبي بكر البوصيري، تحقيق: موسى محمد علي وعزت علي عطية، دار الكتب الحديثة.\n٢٠٣ - مصباح الزجاجة في زوائد سنن ابن ماجه، للبوصيري، تحقيق: كمال الحوت، الأولى، ١٤٠٦ هـ، مؤسسة الكتب الثقافية.\n٢٠٤ - المصنف، لأبي بكر عبد الرازق بن همام الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظم، الناشر: المجلس العلمي، توزيع المكتب الإسلامي، ط: الأولى، عام ١٣٩١ هـ.\n٢٠٥ - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، لابن حجر العسقلاني، تنسيق: سعد الشثري، ط: دار العصمة ودار الغيث، ١٤٢٠ هـ.\n٢٠٦ - معالم السنن، للخطابي أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي، مطبوع مع مختصر المنذري.\n٢٠٧ - المعجم الأوسط، لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: محمود الطحان، الناشر: مكتبة المعارف.\n٢٠٨ - المعجم الصغير، لأبي القاسم الطبراني، توزيع عباس الباز.","vol":"11","page":337},{"text":"٢٠٩ - المعجم الكبير، لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، حققه وخرج أحاديثه: حمدي عبد المجيد السلفي، الناشر: مكتبة ابن تيمية، القاهرة.\n٢١٠ - المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، مجموعة من المستشرقين، مطبعة بريل في مدينة ليدن.\n٢١١ - معرفة الثقات، للعجلي، تحقيق: عبد العليم عبد العظيم البستوي، مكتبة الدار، ١٤٠٥ هـ.\n٢١٢ - معرفة السنن والآثار، للبيهقي، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، نشر دار قتيبة ودار الوعي ١٤١٢ هـ.\n٢١٣ - معرفة النسخ والصحف الحديثية، أبو بكر عبد الله زيد، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ، دار الراية للنشر والتوزيع.\n٢١٤ - معرفة علوم الحديث، للحاكم النيسابوري، دار إحياء العلوم، بيروت.\n٢١٥ - المعرفة والتاريخ، ليعقوب بن سفيان الفسوي، تحقيق: د. أكرم العمري، الأولى، ١٤١٠ هـ، مكتبة الدار، المدينة.\n٢١٦ - المغني في الضعفاء، للذهبي، تحقيق: أبي الزهراء القاضي، الأولى، ١٤١٨ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢١٧ - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، أحمد بن عمر القرطبي ت ٦٥٦ هـ، تحقيق: محيي الدين ديب مستو وآخرين، دار ابن كثير، ودار الكلم الطيب، دمشق، بيروت، ط ٣، ١٤١٧ هـ.\n٢١٨ - المقتنى في سرد الكنى، للذهبي، تحقيق: محمد صالح المراد، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ، المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية.\n٢١٩ - المنار المنيف في الصحيح والضعيف، لابن القيم، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب.\n٢٢٠ - المنتخب من \"العلل\"، للخلال، لابن قدامة، تحقيق: طارق عوض الله، ط: دار الراية، ١٤١٩ هـ.\n٢٢١ - المنتقى شرح الموطأ، للباجي: لأبي الوليد، سليمان بن خلف الباجي، الطبعة الأولى، عام ١٣٣٢ هـ، مطبعة السعادة، مصر.\n٢٢٢ - المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ -، لمجد الدين ابن تيمية، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت.\n٢٢٣ - منهج المتقدمين في التدليس، ناصر الفهد، ط: أضواء السلف ١٣٢٢ هـ.","vol":"11","page":338},{"text":"٢٢٤ - المنهل العذب المورود شرح سنن الإمام أبي داود، محمود محمد خطاب السبكي، مطبعة الاستقامة، مصر، ط ١، ١٣٥١ هـ.\n٢٢٥ - المهذب في اختصار السنن الكبير للبيهقي، اختصره: الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: دار المشكاة للبحث العلمي، دار الوطن للنشر.\n٢٢٦ - موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف، لمحمد السيد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٢٧ - موسوعة أقوال أبي الحسن الدارقطني في رجال الحديث وعلله، جمع وترتيب: جماعة من الباحثين، عالم الكتب.\n٢٢٨ - موسوعة أقوال الإمام أحمد بن حنبل في رجال الحديث وعلله، جمع وترتيب: بعض الباحثين، عالم الكتب.\n٢٢٩ - موسوعة شروح الموطأ، تحقيق: الدكتور عبد الله التركي، الطبعة الأولى، القاهرة، ١٤٢٦ هـ، مركز هجر.\n٢٣٠ - الموضوعات، لابن الجوزي، تحقيق: نور الدين جيلار، ط: أضواء السلف ومكتبة التدمرية، ١٤١٩ هـ.\n٢٣١ - الموطأ، للإمام مالك بن أنس، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه.\n٢٣٢ - نتائج الأفكار في شرح حديث سيد الاستغفار، للشيخ العلامة محمد السفّاريني، دار الصميعي، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n٢٣٣ - نتائج الأفكار، لابن حجر، تحقيق: حمدي السلفي، ط: دار ابن كثير، ١٤٢١ هـ.\n٢٣٤ - نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، لابن حجر، تحقيق: علي حسن عبد الحميد، الأولى، ١٤١٣ هـ، دار ابن الجوزي، الدمام.\n٢٣٥ - نصب الراية لأحاديث الهداية، للزيلعي، أبي محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي، ومعه حاشية بغية الألمعي في تخريج الزيلعي، الناشر: المجلس العلمي جوهانسبرج، كراتشي، سملك بالهند، الطبعة الثانية.\n٢٣٦ - النكت على كتاب ابن الصلاح، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: د. ربيع بن هادي عمير، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ، المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية.\n٢٣٧ - نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي -ﷺ- لابن عباس، للحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، تحقيق: محمد بن ناصر العجمي، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، مكتبة دار الأقصى، الكويت.","vol":"11","page":339},{"text":"٢٣٨ - نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، للشوكاني، محمد بن علي، ط: البابي الحلبي، وأحيانًا: طبعة ابن الجوزي.\n٢٣٩ - هدي الساري، لابن حجر العسقلاني، مطبوع مع \"فتح الباري\" له.\n٢٤٠ - الوابل الصيب، ورافع الكلم الطيب، لابن القيم، تحقيق: بشير عيون، الطبعة الثالثة، ١٤٠٩ هـ، مكتبة المؤيد، دار البيان.\n\n*<span data-type='title' id=toc-1367> ثالثًا: كتب أصول الفقه:</span>\n١ - الأحكام في أصول الأحكام للآمدي، سيف الدين علي بن أبي علي الآمدي، ط: المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٣٨٧ هـ.\n٢ - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: أحمد عزو عناية، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ٢، ١٤٢١ هـ.\n٣ - أصول الجصاص، المسمى الفصول في الأصول، أحمد بن علي الجصاص ت ٣٧٠ هـ، تحقيق: محمد تامر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٦ هـ.\n٤ - أصول السرخسي، للسرخسي، محمد بن أحمد، تحقيق: أبي الوفاء الأفغاني، الناشر: دار المعرفة، بيروت.\n٥ - الأصول من علم الأصول، للشيخ: محمد بن صالح بن عثيمين، الطبعة الأولى، طبع جامعة الإمام.\n٦ - التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، عبد الرحيم بن الحسن الإسنوي، تحقيق: محمد حسن هيتو، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢، ١٤٠١ هـ.\n٧ - روضة الناظر، لابن قدامة، أبي محمد، عبد الله بن أحمد، الناشر: دار الندوة الجديدة، بيروت.\n٨ - شرح الكوكب المنير، محمد بن أحمد الفتوحي المعروف بابن النجار، تحقيق: محمد الزحيلي ونزيه حماد، مكتبة العبيكان، الرياض، ١٤١٣ هـ.\n٩ - شرح مختصر الروضة، سليمان بن عبد القوي الطوفي، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤٠٧ هـ.\n١٠ - القواعد والفوائد الأصولية، علاء الدين بن محمد البعلي المعروف بابن اللحام، تحقيق وتصحيح: محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١١ - المحصول في علم أصول الفقه، محمد بن عمر الرازي، تحقيق: طه جابر العلواني، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٣، ١٤١٨ هـ.","vol":"11","page":340},{"text":"١٢ - مذكرة في أصول الفقه، للشنقيطي، محمد الأمين بن المختار الشنقيطي، ط: المكتبة السلفية، المدينة المنورة.\n١٣ - منهاج الأصول، عبد الله بن عمر البيضاوي، عالم الكتب، القاهرة، ١٣٤٣ هـ.\n١٤ - الموافقات في أصول الشريعة، لأبي إسحاق، إبراهيم بن موسى اللخمي، المعروف بالشاطبي، تحقيق: عبد الله دراز.\n١٥ - نهاية السول في شرح منهاج الأصول، عبد الرحيم بن الحسن الإسنوي، عالم الكتب، القاهرة، ١٣٤٣ هـ.\n\n*<span data-type='title' id=toc-1368> رابعًا: كتب الفقه:</span>\n<span data-type='title' id=toc-1369>١ - كتب الفقه الحنفي:</span>\n١ - الاختيار في تعليل المختار، للموصلي، عبد الله بن محمد بن مودود، الناشر: دار المعرفة، بيروت، ط: الثالثة، ١٣٩٥ هـ.\n٢ - البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم، زين العابدين بن إبراهيم، الناشر: دار المعرفة، بيروت، ط: الثانية.\n٣ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للكاساني، علاء الدين أبي بكر بن مسعود، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٤ - تحفة الفقهاء، لعلاء الدين السمرقندي، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٥ - تكملة حاشية رد المحتار المسماة قرة عيون الأخيار، لمحمد علاء الدين أفندي مع حاشية رد المحتار.\n٦ - تكملة فتح القدير المسماة نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار، لشمس الدين، أحمد بن قودر -قاضي زاده- الناشر: دار الفكر، بيروت.\n٧ - الدر المختار، شرح تنوير الأبصار: للحصفكي، مطبوع مع حاشية رد المحتار.\n٨ - رد المحتار على الدر المختار، لابن عابدين، محمد أمين الشهير بابن عابدين، ط: الثانية، ١٣٨٦ هـ، الناشر: مكتبة ومطبعة الحلبي بمصر.\n٩ - فتاوى قاضي خان، لحسن الأوزجندي، مطبوع بهامش الجزء الأول والثاني والثالث من الفتاوى الهندية، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: الثانية، ١٤٠٠ هـ.\n١٠ - الفتاوى الهندية، للشيخ نظام وجماعة من علماء الهند، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: الثالثة، ١٤٠٠ هـ.","vol":"11","page":341},{"text":"١١ - فتح القدير شرح الهداية، لابن همام: كمال الدين محمد بن عبد الواحد، الناشر: دار الفكر، بيروت، ط: الثانية، ١٣٩٧ هـ، ومعه شرح العناية، وحاشية المحقق سعد الدين عيسى المفتي.\n١٢ - المبسوط، للسرخسي، شمس الدين محمد بن أحمد، الناشر: دار المعرفة، بيروت، ط: الثالثة، ١٣٩٨ هـ.\n١٣ - الهداية شرح بداية المبتدي، للمرغيناني، أبي الحسين علي بن أبي بكر الراشداني، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الأخيرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1370>٢ - كتب الفقه المالكي:</span>\n١ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد، أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الأندلسي، تحقيق: محمد صبحي حلاق، الناشر: مكتبة ابن تيمية، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n٢ - جواهر الإكليل شرح مختصر خليل، لصالح بن عبد السميع الآبي الأزهري، الناشر: مصطفى البابي الحلبي.\n٣ - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، للدسوقي، محمد بن عرفة وبهامشها الشرح الكبير للدردير، الناشر: دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه.\n٤ - حاشية العدوي على شرح أبي الحسن لرسالة ابن أبي زيد، لعلي بن أحمد الصعيدي العدوي، الناشر: دار الفكر، بيروت.\n٥ - شرح الخرشي على مختصر خليل، للخرشي، الناشر: دار صادر، بيروت.\n٦ - الشرح الصغير، للدردير، أحمد بن محمد الدردير، مطبوع بلغة السالك، الناشر: دار المعارف، القاهرة.\n٧ - الشرح الكبير على مختصر خليل، للدردير، أحمد بن محمد، مطبوع بهامش حاشية الدسوقي.\n٨ - الفواكه الدواني، للنفراوي، أحمد بن غنيم، شرح رسالة أبي زيد القيرواني، الناشر: مصطفى البابي الحلبي.\n٩ - الكافي في فقه أهل المدينة، لابن عبد البر، أبي عمر يوسف بن عبد الله النمري، تحقيق: محمد أحمد أحيد ولد قاديك المريتاني، الناشر: مكتبة الرياض الحديثة، الطبعة الأولى، ١٣٩٨ هـ.","vol":"11","page":342},{"text":"١٠ - مختصر خليل، للشيخ خليل بن إسحاق المالكي، الناشر: دار الجيل، بيروت.\n١١ - المدونة الكبرى، للإمام مالك بن أنس، رواية سحنون التنوخي، الناشر: دار الفكر، بيروت.\n\n<span data-type='title' id=toc-1371>٣ - كتب الفقه الشافعي:</span>\n١ - الأم، للشافعي، أبي عبد الله محمد بن إدريس، مع مختصر المزني، الناشر: دار الوفاء، مصر، الطبعة الثانية، ١٤٢٥ هـ.\n٢ - التكملة الثانية، للمجموع، لمحمد نجيب المطيعي، الناشر: دار الفكر، بيروت.\n٣ - حاشية البجيرمي على شرح الخطيب، لسليمان البجيرمي، الناشر: دار المعرفة، بيروت.\n٤ - حاشية القليوبي على منهاج الطالبين، لشهاب الدين أحمد بن أحمد بن سلامة القليوبي، الطبعة الرابعة، الناشر: دار إحياء الكتب العربية.\n٥ - روضة الطالبين، للنووي، أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، الناشر: المكتب الإسلامي، دمشق، بيروت.\n٦ - الفتاوى، للعز بن عبد السلام، تحقيق: عبد الرحمن بن عبد الفتاح، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، الناشر: دار المعرفة، بيروت.\n٧ - المجموع شرح المهذب، للنووي، أبي زكريا محيي الدين بن شرف، ت ٦٧٦ هـ، الناشر: دار الفكر، بيروت.\n٨ - مغني المحتاج، لمحمد الشربيني الخطيب، الناشر: مكتبة البابي الحلبي، ١٣٧٧ هـ.\n٩ - المهذب للشيرازي، أبي إبراهيم بن علي الفيروز آبادي، ط: مصطفى الحلبي، الثانية، ١٣٩٦ هـ.\n١٠ - نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، للرملي، محمد بن أبي العباس أحمد الرملي، ومعه حاشية أبي الضياء الشبراملسي، مصطفى الحلبي، الأخيرة، ١٣٨٦ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1372>٤ - كتب الفقه الحنبلي:</span>\n١ - آداب المشي إلى الصلاة، للشيخ محمد بن عبد الوهاب، الناشر: مكتبة المعارف بالرياض.","vol":"11","page":343},{"text":"٢ - الاختيارات الفقهية، لابن تيمية أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، رتبها على الأبواب علي بن محمد البعلي، الناشر: مكتبة الرياض الحديثة.\n٣ - الإفصاح عن معاني الصحاح، لأبي المظفر، يحيى بن محمد بن هبيرة، ط: المؤسسة السعدية بالرياض.\n٤ - الإقناع، لموسى الحجاوي المقدسي، تحقيق: التركي، الناشر: دار هجر.\n٥ - الإنصاف، للمرداوي، علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان، تحقيق: محمد حامد فقي، ط: مطبعة السُّنَّة المحمدية، الثانية، ١٣٧٦ هـ.\n٦ - تحفة المودود بأحكام المولود، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق: عثمان بن جمعة ضميرية، دار عالم الفوائد.\n٧ - التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة، لابن باز، عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، نشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الطبعة العشرون.\n٨ - تصحيح الفروع، للمرداوي، علي بن سليمان، مطبوع بحاشية الفروع، الطبعة الثالثة، ١٤٠٢ هـ، عالم الكتب، بيروت.\n٩ - حاشية الروض المربع، لابن قاسم، عبد الرحمن بن قاسم النجدي، ط: الأولى، ١٣٩٧ هـ.\n١٠ - الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، دار القاسم، الرياض، ط ٥، ١٤١٤ هـ.\n١١ - دليل الطالب على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل، لمرعي بن يوسف الحنبلي، الطبعة الثالثة، ١٣٩٧ هـ، ط: المكتب الإسلامي.\n١٢ - زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي، تحقيق: شعيب وعبد القادر الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الثانية، ١٤٠١ هـ.\n١٣ - شرح الزركشي على مختصر الخرقي، محمد عبد الله الزركشي ت ٧٧٢ هـ، تحقيق: عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، مكتبة العبيكان، الرياض ط ١، ١٤١٣ هـ.\n١٤ - الشرح الكبير على المقنع مع الإنصاف، لأبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن قدامة المقدسي، تحقيق: عبد الله التركي، الناشر: دار هجر، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.","vol":"11","page":344},{"text":"١٥ - الشرح الممتع على زاد المستقنع، محمد بن صالح العثيمين، اعتنى به سليمان بن عبد الله أبا الخيل، خالد بن علي المشيقح، مؤسسة آسام، الرياض، ط ١، ١٤١٥ هـ، مع طبعة دار ابن الجوزي.\n١٦ - شرح منتهى الإرادات للبهوتي، منصور بن يونس البهوتي، الناشر: مؤسسة الرسالة.\n١٧ - الصلاة وحكم تاركها، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، بعناية بسام عبد الوهاب الجابي، دار ابن حزم، ط ٢، ١٤١٩ هـ.\n١٨ - الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد جميل غازي، دار المدني للطباعة والنشر، جدة.\n١٩ - العدة شرح العمدة، لبهاء الدين عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي، تحقيق: التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة.\n٢٠ - غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى، لمرعي بن يوسف الحنبلي، ط: المؤسسة السعدية بالرياض، ط: الثالثة.\n٢١ - الفتاوى الكبرى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، الناشر: دار المعرفة، بيروت- لبنان.\n٢٢ - فتاوى ورسائل، الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، جمع وترتيب محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، مطبعة الحكومة، مكة المكرمة، ط ١، ١٣٩٩ هـ.\n٢٣ - الفروع، محمد بن مفلح المقدسي، تحقيق: التركي، مؤسسة الرسالة.\n٢٤ - الفروع، محمد بن مفلح المقدسي، عالم الكتب.\n٢٥ - الكافي، لابن قدامة، أبي محمد عبد الله بن قدامة المقدسي، ط: الأولى، ١٣٨٢ هـ، المكتب الإسلامي.\n٢٦ - كشاف القناع للبهوتي، منصور بن يونس، تحقيق: لجنة متخصصة في وزارة العدل، الناشر: وزارة العدل في المملكة.\n٢٧ - كشاف القناع للبهوتي، منصور بن يونس، الناشر: مكتبة النصر الحديثة، الرياض.\n٢٨ - المبدع في شرح المقنع، لأبي إسحاق، برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح، ط: المكتب الإسلامي، ط: الأولى.\n٢٩ - مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم، وابنه محمد، ط: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف.","vol":"11","page":345},{"text":"٣٠ - المحرر في الفقه، للشيخ مجد الدين أبي البركات، ومعه النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر لابن مفلح، الناشر: مكتبة المعارف بالرياض، ط: الثانية، ١٤٠٤ هـ.\n٣١ - مختصر الخرقي في المذهب الحنبلي، لعمر بن حسين الخرقي الحنبلي، تحقيق: محمد بن ناصر العجمي، دار النودر.\n٣٢ - مختصر الفتاوى المصرية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، اختصار محمد بن علي البعلي، تصحيح وتعليق: محمد حامد الفقي، الناشر: دار نشر الكتب الإسلامية، باكستان.\n٣٣ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري، تحقيق: زهير الشاويش، ط: المكتب الإسلامي.\n٣٤ - مسائل الإمام أحمد، تأليف: أبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، قدم له: محمد رشيد رضا، الناشر: دار المعرفة، بيروت.\n٣٥ - مسائل الإمام أحمد، رواية ابن صالح، تحقيق: د. فضل الرحمن دين محمد، الناشر: الدار العلمية، دلهي الهند، الطبعة الأولى، عام ١٤٠٨ هـ.\n٣٦ - مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله، تحقيق: علي بن سليمان المهنا، الناشر: مكتبة الدار بالمدينة النبوية، الطبعة الأولى، عام ١٤٠٦ هـ.\n٣٧ - مسائل الإمام أحمد، رواية البغوي، تحقيق: محمود بن محمد الحداد، طبع: دار العاصمة بالرياض، الطبعة الأولى، عام ١٤٠٧ هـ.\n٣٨ - مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، لإسحاق بن منصور المروزي المعروف بالكوسج، تحقيق: عدد من أعضاء قسم الفقه بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، طبع: عمادة البحث العلمي بالجامعة نفسها، الطبعة الأولى، عام ١٤٢٥ هـ.\n٣٩ - مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى، لمصطفى السيوطي الرحيباني، الطبعة الأولى، ١٣٨٠ هـ، ط: المكتب الإسلامي.\n٤٠ - المغني، عبد الله بن قدامة المقدسي، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي وعبد الفتاح محمد الحلو، القاهرة، ط ٢، هجر، ١٤١٢ هـ.\n٤١ - مفردات مذهب الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الصلاة، عبد المحسن بن محمد المنيف، مطبعة سفير، الرياض، ط ١، ١٤١٤ هـ.\n٤٢ - المقنع في فقه إمام السُّنَّة أحمد بن حنبل، لابن قدامة، عبد الله بن أحمد الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت ١٣٩٩ هـ.","vol":"11","page":346},{"text":"٤٣ - الممتع في شرح المقنع، لزين الدين المنجي التنوخي، تحقيق: عبد الملك بن دهيش، طبع: دار خضر، بيروت، الطبعة الأولى، عام ١٤١٨ هـ.\n٤٤ - منار السبيل، لإبراهيم بن محمد بن سالم بن ضويان الحنبلي، الناشر: المكتب الإسلامي، الطبعة السادسة، عام ١٤٠٤ هـ.\n٤٥ - منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات، لمحمد بن أحمد الفتوحي الشهير بابن النجار، ومعه حاشية المنتهى، تحقيق: التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة.\n٤٦ - الهداية، لأبي الخطاب، محفوظ بن أحمد الكلوذاني، تحقيق: إسماعيل الأنصاري وصالح السليمان العمري، الطبعة الأولى، ١٣٩٠ هـ، مطابع القصيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1373>٥ - كتب الفقه الظاهري:</span>\n١ - المحلى، لابن حزم، علي بن أحمد بن سعيد، تحقيق: أحمد شاكر، الناشر: دار الآفاق الجديدة، بيروت.\n٢ - مراتب الإجماع، لابن حزم، أبي محمد علي بن سعيد، ويليه نقد مراتب الإجماع، لابن تيمية، الناشر: دار الآفاق الجديدة، بيروت.\n\n*<span data-type='title' id=toc-1374> خامسًا: كتب اللغة:</span>\n١ - تاج العروس من جواهر القاموس، للسيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، تحقيق: جماعة من الباحثين، إصدار المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت.\n٢ - تحرير ألفاظ التنبيه، للإمام محيي الدين يحيى بن شرف النووي، حققه: عبد الغني الدقر، الناشر: دار القلم، بيروت.\n٣ - تهذيب الأسماء واللغات، للإمام أبي زكريا محيي الدين أبي شرف النووي، دار الكتب العلمية بيروت- لبنان.\n٤ - تهذيب اللغة، لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، تحقيق: جماعة من الباحثين، المؤسسة المصرية العامة.\n٥ - الجنى الداني في حروف المعاني، تأليف الحسن بن قاسم المرادي، تحقيق: د. فخر الدين قباوة والأستاذ محمد نديم فاضل، منشورا دار الأفاق الجديدة، بيروت.\n٦ - الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي، ليوسف بن حسن بن عبد الهادي الحنبلي، إعداد رضوان مختار بن غريبة، الناشر: دار المجتمع جدة، الطبعة الأولى، عام ١٤١١ هـ.","vol":"11","page":347},{"text":"٧ - الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، لأبي منصور الأزهري، تحقيق: الدكتور عبد المنعم طوعي بشنّاتي، الطبعة الأولى، عام ١٤١٩ هـ، دار البشائر الإسلامية.\n٨ - شرح حدود ابن عرفة، لأبي عبد الله محمد الأنصاري الرصاع، تحقيق: أبو الأجفان والطاهر المعموري، الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، عام ١٤١٣ هـ.\n٩ - الصحاح، للجوهري، إسماعيل بن حماد الجوهري، الناشر: دار العلم للملايين، بيروت، ط: الثانية، ١٣٩٩ هـ.\n١٠ - طلبة الطلبة، لنجم الدين بن حفص السنفي الحنفي، تحقيق: خليل الميس، دار القلم الطبعة الأولى، عام ١٤٠٦ هـ.\n١١ - غريب الحديث، لأبي عبيد، القاسم بن سلام، تحقيق: حسين محمد شرف، ط: مجمع اللغة، ١٤٠٤ - ١٤٠٩ هـ.\n١٢ - غريب الحديث، للحربي، تحقيق: سليمان العايد، ط: جامعة أم القرى، ١٤٠٥ هـ.\n١٣ - غريب الحديث، للخطابي، تحقيق: عبد الكريم العزباوي وعبد القيوم عبد رب النبي، ط: جامعة أم القرى، ١٤٠٣ هـ.\n١٤ - فصيح ثعلب، تحقيق ودراسة: الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، الناشر: مكتبة التوحيد بدرب الجماميز، الطبعة الأولى، ١٣٦٨ هـ.\n١٥ - القاموس المحيط، لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادي، \"ترتيبه\" دار الكتب العلمية.\n١٦ - لسان العرب، لابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم بن علي، الناشر: دار صادر، بيروت.\n١٧ - مجاز القرآن، لأبي عبيدة معمر بن المثنى، تحقيق: د. فؤاد سزكين، مطبعة الخانجي، القاهرة.\n١٨ - المحكم والمحيط الأعظم في اللغة، تأليف: علي بن إسماعيل بن سيده، تحقيق: محمد بن علي النجار.\n١٩ - مختار الصحاح، لمحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، الناشر: مؤسسة علوم القرآن، طبع عام ١٤٠٥ هـ.\n٢٠ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، للرافعي، لأحمد بن علي الفيومي، الناشر: دار المعارف، القاهرة.","vol":"11","page":348},{"text":"٢١ - معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، للدكتور محمود عبد المنعم، الناشر: دار الفضيلة، القاهرة.\n٢٢ - معجم لغة الفقهاء، لمحمد رواس قلعه جي، وحامد صادق قنيبي، الناشر: دار النفائس، الطبعة الأولى، عام ١٤٠٥ هـ.\n٢٣ - معجم مفردات الإبدال والإعلال في القرآن الكريم، للدكتور أحمد محمد الخراط، دار القلم، دمشق.\n٢٤ - معجم مقاييس اللغة، لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الجيل، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n٢٥ - المعجم الوسيط، تأليف: الدكتور إبراهيم أنيس، والدكتور محمد خلف الله أحمد، طبع: دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية.\n٢٦ - المغرب في ترتيب المعرب، للمطرزي، أبي الفتح ناصر الدين المطرزي، تحقيق: محمود فخوري وعبد الحميد مختار، الطبعة الأولى، عام ١٣٩٩ هـ، الناشر: مكتبة أسامة بن زيد، حلب، سورية.\n٢٧ - مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، للإمام أبي محمد عبد الله بن هشام الأنصاري، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: دار إحياء التراث العربي.\n٢٨ - النهاية في غريب الحديث والأثر، للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري الشهير بابن الأثير، تحقيق: محمود محمد الطنّاحي، الناشر: المكتبة الإسلامية، لصاحبها الحاج رياض الشيخ.\n\n*<span data-type='title' id=toc-1375> سادسًا: كتب التاريخ والرجال والطبقات:</span>\n١ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لأبي عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، مطبوع بهامش الإصابة، الناشر: مكتبة الكليات الأزهرية، ط: الأولى.\n٢ - أسد الغابة في معرفة الصحابة، لابن الأثير، علي بن محمد الجزري، تحقيق وتعليق: محمد إبراهيم البنا وزميليه، دار الشعب.\n٣ - الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، الناشر: مكتبة الكليات الأزهرية.\n٤ - الأعلام، للزركلي، خير الدين الزركلي، الناشر: دار العلم للملايين، بيروت، ط: الخامسة ١٩٨٠ م.","vol":"11","page":349},{"text":"٥ - البداية والنهاية، لابن كثير، أبي الفداء إسماعيل بن عمر، الناشر: دار الفكر، بيروت ١٣٩٨ هـ.\n٦ - التابعون الثقات المُتكلم في سماعهم من الصحابة، جمع ودراسة: مبارك بن سيف الهاجري، مكتبة ابن القيم، الكويت.\n٧ - تاريخ بغداد، للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٨ - تقريب التهذيب، لابن حجر: أحمد بن علي العسقلاني، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، الناشر: دار المعرفة، ط: الثانية، ١٣٩٥ هـ.\n٩ - تهذيب التهذيب، لابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، الناشر: دار الفكر ١٤٠٤ هـ.\n١٠ - الجرح والتعديل، لأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي، ط: الأولى، بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، الهند ١٣٧٢ هـ.\n١١ - الجواهر والدرر، للسخاوي، تحقيق إبراهيم باجس، ط: دار ابن حزم، ١٤١٩ هـ.\n١٢ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٣ - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد سيد جاد الحق، ط: مطبعة المدني، الطبعة الثانية، ١٣٨٥ هـ، الناشر: دار الكتب الحديثة، القاهرة.\n١٤ - الرواة المختلف في صحبتهم، تأليف: الدكتور كمال الجزائري، طبعة الجامعة الإسلامية، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n١٥ - سير أعلام النبلاء للذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، الناشر: دار الرسالة، بيروت، ط: الثانية، ١٤٠٢ هـ.\n١٦ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لأبي الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت- لبنان.\n١٧ - الطبقات الكبرى، لابن سعد: محمد بن سعد بن منيع، الناشر: دار صادر، بيروت.\n١٨ - الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، لمحمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، اعتنى به: محمد عوامة وأحمد محمد الخطيب، دار القبلة ومؤسسة علوم القرآن.","vol":"11","page":350},{"text":"١٩ - الكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدي الجرجاني، تحقيق لجنة من المختصين، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ، دار الفكر، بيروت.\n٢٠ - المجروحين من المحدّثين، لابن حبّان، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، دار الصميعي، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٢١ - معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة، الناشر: مكتبة المثنى، بيروت.\n٢٢ - معرفة أصحاب الأعمش، للدكتور محمد بن تركي التركي، دار العاصمة للنشر والتوزيع.\n٢٣ - معرفة أصحاب شعبة بن الحجاج، للدكتور محمد بن تركي التركي، دار العاصمة للنشر والتوزيع.\n٢٤ - المغني في ضبط أسماء الرجال، للعلامة المحدث الشيخ محمد طاهر بن علي الهندي، دار الكتاب العربي، بيروت- لبنان.\n٢٥ - ميزان الاعتدال، للذهبي، أبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: علي محمد البجاوي، الناشر: دار المعرفة.\n\n*<span data-type='title' id=toc-1376> سابعًا: كتب وبحوث متنوعة:</span>\n١ - الآداب الشرعية والمنح المرعية، لابن مفلح، شمس الدين أبي عبد الله محمد بن مفلح المقدسي، الناشر: مؤسسة قرطبة، القاهرة.\n٢ - الإبداع في مضار الإبتداع، لعلي محفوظ، الطبعة الخامسة ١٣٧٥ هـ، الناشر: دار الإعتصام.\n٣ - إبطال الحيل، لعبيد الله بن محمد بن بطة العكبري، تحقيق: زهير الشاويش، طبع: المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، عام ١٤٠٣ هـ.\n٤ - الإجماع، لأبي بكر محمد بن المنذر النيسابوري، تحقيق: أبو حماد صغير أحمد بن محمد حنيف، الناشر: دار طيبة الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٢ هـ.\n٥ - الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة، للشيخ: عبد الرحمن السعدي، الناشر: دار المعالي ودار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٦ - الأحاديث الواردة في اللعب، رسالة دكتوراه للشيخ: صالح البهلال، مطبوعة بالحاسوب.\n٧ - الاحتكار وآثاره في الفقه الإسلامي، تأليف: قحطان عبد الرحمن الدوري، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.","vol":"11","page":351},{"text":"٨ - أحكام أهل الذمة، لابن قيم الجوزية، تحقيق: الدكتور صبحي الصالح، الناشر: دار العلم للملايين.\n٩ - أحكام الجنائز وبدعها، للألباني، محمد ناصر الدين، ط: المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، ١٤٠٤ هـ.\n١٠ - أحكام العورة والنظر بدليل النص والنظر، د. مساعد بن قاسم الفالح، مكتبة المعارف، الرياض، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n١١ - أحكام المساجد في الشريعة الإسلامية، للدكتور إبراهيم بن صالح الخضيري، الناشر دار الفضيلة.\n١٢ - أحكام المقابر في الشريعة الإسلامية، تأليف الدكتور محمد بن عمر السحيباني، الناشر دار ابن الجوزي.\n١٣ - أحكام النجاسات في الفقه الإسلامي، لعبد المجيد محمود صلاحين، الناشر: دار المجتمع جدة، الطبعة الأولى، عام ١٤١٢ هـ.\n١٤ - أحكام النظر إلى المخطوبة، للدكتور علي الحسون، دار العاصمة للنشر والتوزيع.\n١٥ - إحياء علوم الدين، لأبي حامد الغزالي، ط: عيسى البابي الحلبي، وشركاه، مصر.\n١٦ - أخبار القضاة، للقاضي وكيع بن محمد بن خلف بن حيان، الناشر: دار عالم الكتب، بيروت.\n١٧ - اختيار الأولى، في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى، للحافظ ابن رجب الحنبلي، تحقيق: جاسم الفهيد الدوسري، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، مكتبة دار الأقصى الكويت.\n١٨ - أخلاق العلماء، لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري، اعتنى به عاد مرشد، طبع: دار الأعلام عمان، الطبعة الأولى، عام ١٥٢٣ هـ.\n١٩ - أدب الدنيا والدين، لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.\n٢٠ - الأذكار النووية، للنووي: يحيى بن شرف، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، الناشر: دار الفكر، بيروت.\n٢١ - إرشاد ذوي العرفان لما للعمر من الزيادة والنقصان، للشيخ: مرعي الحنبلي، علق عليه: مشهور حسن سلمان، دار عمّار، عمّان.","vol":"11","page":352},{"text":"٢٢ - إزالة الستار عن الجواب المختار لهداية المحتار (مسائل متعددة في العقيدة تمس الواقع)، محمد بن صالح بن عثيمين، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ، دار طيبة الرياض.\n٢٣ - الاستقامة، شيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\n٢٤ - إسعاف أهل العصر بما ورد في أحكام الوتر، للدكتور فيحان بن شالي المطيري، مطابع دار المدني، الطبعة الأولى، عام ١٤٠٥ هـ.\n٢٥ - الإشراف على مذاهب أهل العلم، لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر الشافعي، الناشر: المكتبة التجارية بمكة المكرمة.\n٢٦ - الاضطرار إلى الأطعمة والأدوية المحرمة، تأليف: د. عبد الله الطريقي، مكتبة المعارف، الرياض.\n٢٧ - الأطعمة وأحكام الصيد والذبائح، للشيخ: د. صالح الفوزان، مكتبة المعارف، الرياض.\n٢٨ - الاعتصام، أبي إسحاق إبراهيم الشاطبي، بعناية: محمد رشيد رضا، المكتبة التجارية، مصر.\n٢٩ - إعلام أهل العصر بأحكام ركعتي الفجر، للمحدث أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم أبادي، الناشر مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة.\n٣٠ - إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ابن القيم الجوزية تحقيق: محمد يسد كيلاني، طباعة مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الأخيرة ١٣٨١ هـ.\n٣١ - اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، تحقيق: د. ناصر بن عبد الكريم العقل، مكتبة الرشد، الرياض، ط ٤، ١٤١٤ هـ.\n٣٢ - اقتضاء العلم العمل، أبي بكر أحمد الخطيب البغدادي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ، دار الأرقم الكويت.\n٣٣ - امتنان العلي بعدم زكاة الحلي، للشيخ فريح بن صالح البهلال، دار العاصمة، الرياض.\n٣٤ - الأموال، لأبي عبيد القاسم بن سلّام، تحقيق: محمد خليل هرّاس، الناشر: دار الكتب العلمية.\n٣٥ - أوقات النهي الخمسة، للدكتور عبد الله الجبرين، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع.","vol":"11","page":353},{"text":"٣٦ - الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان، لأبي العباس نجم الدين بن الرفعة الأنصاري، تحقيق: د. محمد الخاروف، طباعة مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى.\n٣٧ - الإيمان شيخ الإسلام ابن تيمية، خرج أحاديثه: محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ، المكتب الإسلامي.\n٣٨ - بدائع الفوائد، ابن قيم الجوزية، دار الكتاب العربي، بيروت.\n٣٩ - بدائع الفوائد، ابن القيم الجوزية، تحقيق: علي بن محمد العمران، دار عالم الفوائد.\n٤٠ - بدع القراء القديمة والمعاصرة، للدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد، الطبعة الأولى، الناشر: دار الفاروق بالطائف.\n٤١ - بُغية الأريب في مسائل القبلة والمحاريب، تأليف: فضيلة الأستاذ محمد يوسف البنوري، عني بنشره المجلس العلمي في الهند، الطبعة الثانية، ١٤٠٨ هـ.\n٤٢ - بهحة المجالس وأنس المجالس وشحذ الداهن والهاجس، يوسف بن عبد البر القرطبي، تحقيق: محمد مرسي الخولي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٤٣ - تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، لأبي الوفاء إبراهيم بن علي بن محمد بن فرحون المالكي، الناشر: المطبعة العامرة الشرفية بمصر، طبع عام ١٣٠١ هـ.\n٤٤ - تبصير أولي الألباب بما جاء في جرِّ الثياب، سعد المزعل، دار ابن حزم، بيروت، ط ٣، ١٤١١ هـ.\n٤٥ - التبيان في آداب حملة القرآن، للنووي، يحيى بن شرف، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ، الناشر: مكتبة دار البيان.\n٤٦ - التذكار في أفضل الأذكار، للقرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري، تحقيق: جماعة من العلماء، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٤٧ - التَّشبُّه المنهي عنه في الفقه الإسلامي، جميل بن حبيب اللويحق، دار الأندلس، الخضراء، جدة، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n٤٨ - التعالم وأثره على العلم والكتاب، بكر بن عبد الله أبو زيد، دار الراية.\n٤٩ - التعريفات، للجرجاني، علي بن محمد، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت.","vol":"11","page":354},{"text":"٥٠ - تمهيد الفرش في الخصال الموجبة لظل العرش، للإمام جلال الدين السيوطي، تعليق: مشهور حسن سلمان، دار المنار، الأردن.\n٥١ - تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل، الإمام محمد الشوكاني، علق عليه: مشهور حسن سلمان، دار ابن حزم.\n٥٢ - التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية، للشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد، الطبعة الثانية.\n٥٣ - تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، الطبعة السادسة، ١٤٠٥ هـ، المكتب الإسلامي.\n٥٤ - جامع الرسائل، شيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ، دار المدني جدة.\n٥٥ - جزء في زيارة النساء للقبور، بكر بن عبد الله أبو زيد، الناشر مكتبة الرشد.\n٥٦ - جزء في مسح الوجه باليدين بعد رفعهما للدعاء، بكر أبو زيد، طبع: دار الصميعي بالسعودية، الطبعة الثانية، عام ١٤١٦ هـ.\n٥٧ - الجناية على ما دون النفس، للدكتور صالح اللاحم، الناشر دار ابن الجوزي.\n٥٨ - الحجاب، أبي الأعلى المودودي، الدار السعودية للنشر والتوزيع.\n٥٩ - حد الثوب والأزرة وتحريم الإسبال ولباس الشُّهرة، د. بكر بن عبد الله أبو زيد، دار العاصمة، الرياض، ط ٢، ١٤١٥ هـ.\n٦٠ - الحدود والتعزيزات عند ابن قيِّم الجوزية، د. بكر بن عبد الله أبو زيد، دار العاصمة، الرياض، ط ٢، ١٤١٥ هـ.\n٦١ - الحضانة في الفقه الإسلامي، للدكتور سمير محمد عقبة، دار المنار للنشر والتوزيع.\n٦٢ - الحوافز التجارية التسويقية، خالد بن عبد الله المصلح، دار بن الجوزي.\n٦٣ - حياة الحيوان الكبرى، لأبي البقاء، محمد بن موسى بن عيسى الدميري الشافعي، طبع: دار إحياء التراث العربي ببيروت.\n٦٤ - الحيوان، لأبي عثمان، عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق: الأستاذ عبد السلام هارون، طبع: مطبعة مصطفى الحلبي، الطبعة الثانية، ١٣٨٤ هـ.\n٦٥ - خلاصة الوفاء بأخبار در المصطفى، لعلي بن عبد الله السمهودي، تحقيق: محمد الأمين الجكني، الطبعة الأولى، عام ١٩٩٨ م.","vol":"11","page":355},{"text":"٦٦ - الداء والدواء، لابن القيم الجوزية، حققه: محمد أجمل الإصلاحي، وخرّج أحاديثه: زايد بن أحمد النشيري، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع.\n٦٧ - الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة، للحافظ بن رجب الحنبلي، تحقيق: د. الوليد آل فريان، دار عالم الفوائد.\n٦٨ - رفع الريبة عما يجوز وما لا يجوز من الغيبة، تأليف: الإمام العلامة محمد الشوكاني، تحقيق: محمد إبراهيم الشيباني، مكتبة ابن تيمية، الكويت.\n٦٩ - الرياض الناظرة والحدائق النيرة الزاهرة في العقائد والفنون المتنوعة الفاخرة، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض.\n٧٠ - الزواج بنية الطلاق، الدكتور صالح المنصور، الناشر دار الكتاب، والسُّنَّة باكستان.\n٧١ - الزواجر عن اقتراف الكبائر، ابن حجر الهيتمي الطبعة الثانية، ١٤٢٠ هـ، المكتبة العصرية بيروت.\n٧٢ - السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، شيخ الإسلام أحمد بن عبد السلام ابن تيميَّة، ت: بشير محمد عيون، مكتبة البيان، دمشق، ط ١، ١٤٠٥ هـ.\n٧٣ - الشامل في فقه الخطيب والخطبة، للدكتور سعود الشريم، دار الوطن للنشر والتوزيع.\n٧٤ - شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العزّ الحنفي، ت: جماعة من العلماء، وتخريج: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، دمشق، ط ٨، ١٤٠٤ هـ.\n٧٥ - الصارم المسلول على شاتم الرسول، شيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، وطبعة أخرى، تحقيق ودراسة: محمد الحلواني، ومحمد شودري، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ، دار ابن حزم.\n٧٦ - عالم الملائكة الأبرار، د. عمر سليمان الأشقر، الطبعة السابعة ١٤١٥ هـ، دار النفائس، الأردن.\n٧٧ - العجلة، للدكتور عبد العزيز النغيمشي، الناشر: دار المسلم.\n٧٨ - عقوبة الإعدام، للدكتور محمد بن سعد الغامدي، مكتبة دار السلام.\n٧٩ - عين الأدب والسياسة وزين الحسب والرئاسة، لأبي الحسن علي بن عبد الرحمن بن هذيل، الطبعة الثانية، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر.","vol":"11","page":356},{"text":"٨٠ - غذاء الألباب شرح منظومة الآداب، محمد بن أحمد السفاريني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n٨١ - غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب، لمحمد السفاريني الحنبلي، الناشر: مكتبة الرياض الحديثة، الرياض.\n٨٢ - الغضب، للدكتور عبد العزيز النغيمشي، الناشر: دار المسلم.\n٨٣ - الغيبة وما يتعلق بها من أحكام، تأليف: أبي عمر أحمد بن السيد بن سلامة، دار المروة للتوزيع.\n٨٤ - فتاوى إسلامية، جمع: محمد بن عبد العزيز المسند، دار الوطن، الرياض، ط ٢، ١٤١٤ هـ.\n٨٥ - فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، تحقيق: د. الوليد بن عبد الرحمن آل فريان، دار الصميعي، الرياض، ط ١، ١٤١٥ هـ.\n٨٦ - الفروسية، أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، دار الأندلس، حائل، ط ٢، ١٤١٧ هـ.\n٨٧ - فضل علم السلف على علم الخلف، زين الدين ابن رجب، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، دار عمار، الأردن.\n٨٨ - فقه الزكاة، د. يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة.\n٨٩ - فقه زكاة الحلي، للدكتور إبراهيم الصبيحي، مطابع شركة الصفحات الذهبية.\n٩٠ - الفيض في تحقيق حكم الطلاق في الحيض، الدكتور سليمان العيسى، دار معاذ للنشر.\n٩١ - قرارات مجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، الدورات من الأولى، إلى الخامسة عشرة، والقرارات من الأول إلى الخامس والتسعين، مطابع الرابطة، مكة المكرمة.\n٩٢ - قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي في جدة، للدورات من (١ - ١٠)، والقرارات (١ - ٩٧)، طبع دار القلم، دمشق.\n٩٣ - القواعد الفقهية، علي أحمد النَّدوي، دار القلم، دمشق، ط ٢، ١٤١٢ هـ.\n٩٤ - القواعد النورانية الفقهية، شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية، تحقيق: عبد السلام محمد شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٤ هـ.\n٩٥ - القواعد والضوابط الفقهية عند ابن تيمية في فقه الأسرة، محمد بن عبد الله الصواط، مكتبة دار البيان الحديثة، الطائف، ط ١، ١٤٢٢ هـ.","vol":"11","page":357},{"text":"٩٦ - القواعد والضوابط الفقهية عند ابن تيمية في كتاب الطهارة والصلاة، د. ناصر الميمان، مركز إحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة، ط ١، ١٤١٦ هـ\n٩٧ - القول المبين في أخطاء المصلين، مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن القيم، الدمام، ط ٣، ١٤١٥ هـ.\n٩٨ - القول المفيد على كتب التوحيد، للشيخ: محمد بن صالح العثيمين، دار العاصمة للنشر والتوزيع.\n٩٩ - الكبائر، شمس الدين الذهبي، دار الجيل، بيروت، ط ١، ١٤١٠ هـ.\n١٠٠ - لباس الرجل أحكامه وضوابطه في الفقه الإسلامي، تأليف: د. ناصر بن محمد الغامدي، دار طيبة الخضراء بمكة المكرمة.\n١٠١ - مجلة البحوث الإسلامية، مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالرياض.\n١٠٢ - مجموع رسائل ابن رجب الحنبلي، لزين الدين أبي الفرج بن رجب الحنبلي، تحقيق: طلعت الحلواني، الناشر: الفاروق للطباعة والنشر بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n١٠٣ - مجموع فتاوى ورسائل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، جمع وترتيب وإشراف: الدكتور محمد بن سعد الشويعر، دار العاصمة للنشر والتوزيع.\n١٠٤ - مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن صالح العثيمين، جمع: فهد بن ناصر السليمان، دار الثريا للنشر، الرياض، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n١٠٥ - مختصر اختلاف العلماء، لأبي جعفر الطحاوي، اختصار أبي بكر أحمد بن علي الجصاص الرازي، تحقيق: د. عبد الله بن نذير أحمد، الناشر: دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n١٠٦ - مرويات دعاء ختم القرآن وحكمه داخل الصلاة وخارجها، للدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ، طبع مطابع الفرزدق التجارية، الرياض، الناشر: دار طيبة، الرياض.\n١٠٧ - معجم البلدان، لأبي عبد الله ياقوت الحموي، دار صادر، بيروت.\n١٠٨ - معجم المناهي اللفظية، د. بكر بن عبد الله أبو زيد، الناشر: دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، عام ١٤١٠ هـ.\n١٠٩ - مفيد الأنام ونور الظلام، عبد الله بن جاسر النجدي، تحقيق: سعود الغديان، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ، الطبعة الثانية، ١٤٣١ هـ.","vol":"11","page":358},{"text":"١١٠ - منسك عطاء، عادل بن عبد الشكور الزُّورقي، الناشر دار المحدث.\n١١١ - الموسوعة الفقهية الكويتية، إعداد وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت، طبع: مطابع دار الصفوة، الطبعة الأولى، عام ١٤١٨ هـ.\n١١٢ - موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول - ﷺ -، إعداد مجموعة من المختصين، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ، دار الوسيلة، جدة.\n١١٣ - الميسر والقمار، للدكتور رفيق المصري، دار القلم، دمشق، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n١١٤ - نهاية المطاف في تحقيق أحكام الطواف، للدكتور سليمان العيسى، مرام، للطباعة الإلكترونية.\n١١٥ - النيات في العبادات، د. عمر سليمان الأشقر، الطبعة الرابعة، ١٤١٨ هـ، دار النفائس، الأردن.\n١١٦ - الهجر في الكتاب والسُّنَّة، لمشهور حسن سلمان، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ، دار ابن القيم، الدمام.\n١١٧ - الوقوف من مسائل أبي عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، لأبي بكر الخلال، ت ٣١١ هـ.","vol":"11","page":359}]}