{"ً":{"ٌ":706,"ٍ":"الإشارة في أصول الفقه - ط التونسية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/hadda_qora/hadda_qora.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الإشارات في أصول المالكية (مطبوع بهامش حاشية محمد الهدة السوسي على قرة العين شرح ورقات إمام الحرمين الجويني)\nالمؤلف: أبو الوليد الباجي\nالناشر: المطبعة التونسية، نهج سوق البلاط- تونس\nالطبعة: الثالثة، ١٣٥١ هـ\nعدد الصفحات: ١٦٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":360,"ٕ":11,"ٖ":1780758715,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"فاتحة الكتاب","level":1,"page":1},{"title":"باب أقسام أدلة الشرع","level":1,"page":1},{"title":"فصل الكتاب على ضربين مجاز وحقيقة","level":2,"page":2},{"title":"فصل الحقيقة كل لفظ بقي على موضوعه","level":2,"page":2},{"title":"المحتمل ما احتمل معنيين","level":3,"page":3},{"title":"فصل الظاهر ما سبق الي فهم سامعه معناه الذي وضع له","level":2,"page":4},{"title":"فصل الأمر اقتضاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء والقهر","level":2,"page":5},{"title":"فصل إذا وردت لفظة افعل بعد الحظر اقتضت الوجوب","level":2,"page":8},{"title":"فصل الامر المطلق لا يقتضي الفور","level":2,"page":9},{"title":"فصل إذا نسخ وجب الأمر جاز أن يحتج به على الجواز","level":2,"page":10},{"title":"فصل الكفار مخاطبون بالايمان","level":2,"page":14},{"title":"فصل إذا الصحابي أمرنا رسول الله صلى عليه وسلم بكذا ونهي عن ذا وجب حمله، على الوجوب","level":2,"page":15},{"title":"مسائل النهي","level":2,"page":17},{"title":"أبواب العموم واقسامه","level":1,"page":19},{"title":"فصل إذا دل الدليل على تخصيص ألفاظ العموم بقي ما يتناوله اللفظ العام بعد التخصيص على عمومه","level":2,"page":21},{"title":"فصل أقل الجمع اثنان","level":2,"page":22},{"title":"فصل قد يرد أول الخبر عاما وآخره خاصا","level":2,"page":24},{"title":"فصل اذا تعارض لفظان خاص وعام بني العام على الخاص","level":2,"page":25},{"title":"فصل يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد","level":2,"page":26},{"title":"فصل وقد يقع التخصيص بمعان من أفعال الرسول ﵇","level":2,"page":27},{"title":"فصل العام الوارد على سب","level":2,"page":28},{"title":"فصل في أحكام الاستشاء وما يتصل بالتخصيص ويجري مجراه","level":2,"page":30},{"title":"فصل الاستثناء المنفصل","level":2,"page":31},{"title":"باب حكم المطلق والمقيد","level":1,"page":32},{"title":"باب بيان حكم المجمل","level":1,"page":35},{"title":"باب بيان الأسماء العرفية وما يتصل بهذا الباب","level":1,"page":37},{"title":"فصل عرف الاستعمال يكون من ثلاثة أوجه","level":2,"page":38},{"title":"باب أحكام أفعال النبي ﷺ","level":1,"page":39},{"title":"فصل الاقرار بأن يفعل بحضرة النبي ﷺ","level":2,"page":41},{"title":"باب أحكام الأخبار","level":1,"page":43},{"title":"فصل التواتر والآحاد","level":2,"page":43},{"title":"فصل المسند والمرسل","level":2,"page":44},{"title":"فصل المرسل ما انقطع إسناده","level":2,"page":47},{"title":"فصل اذا روى الراوي الخبر فانكره المروي عنه","level":2,"page":50},{"title":"فصل رواية العدل الثبت الزيادة في الخبر معمول بها","level":2,"page":51},{"title":"فصل يجب العمل بما نقل على وجه الاجازة","level":2,"page":52},{"title":"باب احكام الناسخ والمنسوخ","level":2,"page":53},{"title":"فصل نقض بعض الجملة أو شرط من شروطها ليس نسخ","level":2,"page":54},{"title":"فصل ذهب جمهور الفقهاء إلى أن النسخ لا يدخل في الأخبار","level":2,"page":57},{"title":"فصل يجوز نسخ العبادات بمثلها بما هو اخف منها وأثقل","level":2,"page":57},{"title":"فصل إذا وردت التلاوة متضمنة حكما","level":2,"page":58},{"title":"فصل يصح أن تنسخ العبادة قبل وقت الفعل","level":2,"page":60},{"title":"فصل لا خلاف بين أهل العلم في جواز نسخ القرآن بالقرءان والخبر المتواتر بمثله وخبر الواحد بمثله","level":2,"page":61},{"title":"فصل يجوز عند جمهور الفقهاء نسخ السنة بالقرآن","level":2,"page":63},{"title":"فصل يجوز نسخ القرآن والخبر المتواتر بخبر الآحاد","level":2,"page":64},{"title":"فصل ذهبت طائفة إلى أن شريعة من قبلنا لازمة لنا إلا ما دل الدليل على نسخه","level":2,"page":65},{"title":"باب الاجماع وأحكامه","level":1,"page":65},{"title":"فصل الامة ضربان خاصة وعامة","level":2,"page":67},{"title":"فصل لا ينعقد الاجماع إلا باتفاق جميع العلماء","level":2,"page":69},{"title":"فصل اذا أجمع العلماء على حكم حادثة انعقد الاجماع وحرمت المخالفة","level":2,"page":70},{"title":"فصل قول أهل كل عصر حجة","level":2,"page":71},{"title":"فصل اجماع أهل المدينة","level":2,"page":71},{"title":"فصل إذا قال الصحابي أو الامام قولا أو حكم بحكم فإنه إجماع","level":2,"page":74},{"title":"فصل إذا اختلف الصحابة في حكم على قولين لم يجز إحداث ثالث","level":2,"page":76},{"title":"فصل ينعقد الإجماع على الحكم من جهة القياس وبقول كافة الفقهاء","level":2,"page":76},{"title":"باب الكلام على معقول الأصل","level":1,"page":77},{"title":"لحن الخطاب","level":2,"page":78},{"title":"فصل فحوى الخطاب","level":2,"page":80},{"title":"فصل الحصر","level":2,"page":80},{"title":"فصل دليل الخطاب","level":2,"page":81},{"title":"باب أحكام القياس","level":1,"page":83},{"title":"فصل إذا ثبت أن القياس دليل شرعي يصح إن يثبت به الحدود والكفارات والمقدرات والابدال","level":2,"page":94},{"title":"فصل العلة الواقعة عندنا صحيحة","level":2,"page":95},{"title":"فصل الاستحسان هو القول بأقوى الدليلين","level":2,"page":97},{"title":"فصل ذهب مالك ﵀ إلى المنع من الذرائع","level":2,"page":98},{"title":"فصل يجوز الاستدلال بالعكس","level":2,"page":102},{"title":"لا يجوز الاستدلال بالقرائن","level":2,"page":103},{"title":"باب حكم استصحاب الحال","level":2,"page":104},{"title":"فصل ليس في العقل حظر ولا إباحة","level":2,"page":106},{"title":"فصل من ادعى نفي حكم وجب عليه الدليل","level":2,"page":109},{"title":"فصل صفة المجتهد","level":2,"page":109},{"title":"باب أحكام الترجيح","level":1,"page":112},{"title":"فصل الترجيح يقع في الأخبار التي لا تتعارض ولا يمكن الجمع بينها وفيه أحد عشر وجها","level":2,"page":112},{"title":"باب ترجيح المتون وفيه أحد عشر وجها","level":1,"page":119},{"title":"باب ترجيح المعاني وفيه أحد عشر ضربا","level":1,"page":126}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,24":18,"1,25":19,"1,26":20,"1,27":21,"1,29":22,"1,30":23,"1,31":24,"1,32":25,"1,33":26,"1,35":27,"1,36":28,"1,37":29,"1,38":30,"1,39":31,"1,40":32,"1,41":33,"1,42":34,"1,43":35,"1,44":36,"1,45":37,"1,46":38,"1,47":39,"1,48":40,"1,49":41,"1,50":42,"1,51":43,"1,52":44,"1,53":45,"1,54":46,"1,55":47,"1,56":48,"1,57":49,"1,58":50,"1,59":51,"1,60":52,"1,61":53,"1,62":54,"1,63":55,"1,64":56,"1,65":57,"1,66":58,"1,67":59,"1,69":60,"1,70":61,"1,71":62,"1,72":63,"1,74":64,"1,75":65,"1,77":66,"1,78":67,"1,79":68,"1,80":69,"1,81":70,"1,82":71,"1,83":72,"1,84":73,"1,85":74,"1,86":75,"1,87":76,"1,88":77,"1,90":78,"1,91":79,"1,92":80,"1,93":81,"1,94":82,"1,95":83,"1,96":84,"1,97":85,"1,98":86,"1,99":87,"1,100":88,"1,101":89,"1,102":90,"1,103":91,"1,104":92,"1,106":93,"1,107":94,"1,110":95,"1,111":96,"1,112":97,"1,113":98,"1,114":99,"1,116":100,"1,118":101,"1,120":102,"1,121":103,"1,122":104,"1,123":105,"1,126":106,"1,129":107,"1,130":108,"1,131":109,"1,132":110,"1,135":111,"1,137":112,"1,138":113,"1,140":114,"1,141":115,"1,142":116,"1,143":117,"1,144":118,"1,145":119,"1,146":120,"1,149":121,"1,151":122,"1,152":123,"1,153":124,"1,156":125,"1,157":126,"1,158":127,"1,159":128,"1,160":129,"1,161":130},"ٜ":{"1":[5,161]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,21","1,22","1,24","1,25","1,26","1,27","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,69","1,70","1,71","1,72","1,74","1,75","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,106","1,107","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,116","1,118","1,120","1,121","1,122","1,123","1,126","1,129","1,130","1,131","1,132","1,135","1,137","1,138","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,149","1,151","1,152","1,153","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161"],"ٞ":{"1":[1,2],"2":[3,4],"3":[5],"4":[6],"5":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"14":[11],"15":[12],"17":[13],"19":[14],"21":[15],"22":[16],"24":[17],"25":[18],"26":[19],"27":[20],"28":[21],"30":[22],"31":[23],"32":[24],"35":[25],"37":[26],"38":[27],"39":[28],"41":[29],"43":[30,31],"44":[32],"47":[33],"50":[34],"51":[35],"52":[36],"53":[37],"54":[38],"57":[39,40],"58":[41],"60":[42],"61":[43],"63":[44],"64":[45],"65":[46,47],"67":[48],"69":[49],"70":[50],"71":[51,52],"74":[53],"76":[54,55],"77":[56],"78":[57],"80":[58,59],"81":[60],"83":[61],"94":[62],"95":[63],"97":[64],"98":[65],"102":[66],"103":[67],"104":[68],"106":[69],"109":[70,71],"112":[72,73],"119":[74],"126":[75]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nكتاب الإشارات لأبي الوليد الباجي\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>باب أقسام أدلة الشرع</span>\nأدلة الشرع على ثلاثة أضرب: أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال.\nفأما الأصل فهو الكتاب والسنة وإجماع الأمة.\nوأما معقول الأصل: فهو لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، ومعنى الخطاب والحصر.","vol":"1","page":5},{"text":"وأما استصحاب الحال، فهو استصحاب حال الأصل.\n(فصل)\nإذا ثبت ذلك فالكتاب على ضربين: مجاز وحقيقة.\nفأما المجاز فهو لفظ تجوُّز به عن موضوعه، فعلى أربعة أضرب:\nزيادة، كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾.\nونقصان، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾.\nوتقديم وتأخير، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾.\nواستعارة، كقوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾، وقوله ﷿: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾.\nوقال محمد بن خويز منداد من أصحابنا وداود الأصبهاني: إنه لا يصح وجود المجاز في القرآن، وقد بينا ذلك.\n(فصل)\nوأما الحقيقة فهو كل لفظ بقي على موضوعه، وهو على ضربين:","vol":"1","page":6},{"text":"مفصل ومجمل:\nفأما المفصل: فهو ما فهم المراد به من لفظه، ولم يفتقر في بيانه إلى غيره، وهو على ضربين: غير محتمل ومحتمل.\nفأما غير المحتمل فهو النص، وحده: ما رفع في بيانه إلى أبعد غاياته، نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، فهذا نص في الثلاثة، لا يحتمل غير ذلك، فإذا ورد وجب المصير إليه والعمل به إلا أن يرد ناسخ أو معارض.\n(فصل)\nوأما المحتمل فهو ما احتمل معنيين فزائدًا، وهو على ضربين:\nأحدهما أن لا يكون في أحد محتملاته أظهر منه في سائرها، نحو","vol":"1","page":7},{"text":"قولك: لون، للذي يقع على البياض والسواد وغيرهما من الألوان وقوعًا واحدًا، ليس هو في واحدٍ منهما أظهر منه في سائرها.\nفإذا قال لك من يلزمك أمره: اصبغ هذا الثوب لونًا، فإن كان ذلك على معنى التخيير فأي لون صبغت الثوب كنت ممتثلًا لأمره، وإن أراد بذلك لونًا بعينه لم يمكنك امتثال أمره إلا بعد أن يبين اللون الذي أراد.\nولا يجوز أن يتأخر البيان عن وقت الحاجة إلى امتثال الفعل.\nوالثاني: أن يكون اللفظ في أحد محتملاته أظهر منه في سائرها، كألفاظ الظاهر والعموم وغير ذلك.\n(فصل)\nفأما الظاهر فهو المعنى الذي يسبق فهم السامع من المعاني التي يحتملها اللفظ، كألفاظ الأوامر نحو قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)، (فاقتلوا المشركين) فهذا","vol":"1","page":8},{"text":"اللفظ إذا ورد وجب حمله على الأمر، وإن كان يجوز أن يراد به الإباحة نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، والتعجيز نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾، والتهديد نحو قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، والتعجب نحو قولك: أحسن بزيد، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ الآية، في الأمر أظهر منه في سائر محتملاته، فيجب أن يحمل على أنه أمر إلا أن ترد قرينة تدل على أن المراد به غير الأمر، فيعدل عن ظاهره إلى ما يدل الدليل عليه.\n(فصل)\nإذا ثبت ذلك فالأمر اقتضاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء والقهر.\nوهو على ضربين: وجوب","vol":"1","page":9},{"text":"وندب فالواجب ما كان في تركه عقاب من حيث هو ترك له على وجهٍ ما، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.\nوالندب ما كان في فعله ثواب، ولم يكن في تركه عقاب من حيث هو ترك له على وجه ما، نحو قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا","vol":"1","page":10},{"text":"وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.\nإِلَّا أن لفظ الأمر في الوجوب أظهر منه في الندب، فإذا ورد لفظ الأمر عاريًا من القرائن وجب حمله على الوجوب، إِلَّا أن يدل دليل على أن الندب مراد به، فيحمل عليه.\nوقال القاضي أبو بكر: يتوقف فيه ولا يحمل على وجوب ولا ندب حتى يدل الدليل على المراد به.\nوقال أبو الحسن بن المنتاب يحمل على الندب ولا يعدل الوجوب إِلَّا بدليل.","vol":"1","page":11},{"text":"والدليل على ما نقوله: قوله ﷿ لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾، فوبخه وعاقبه لما لم يمتثل أمره بالسجود لآدم، ولو لم يكن مقتضاه الوجوب لما عاقبه ولا وبخه على ترك ما لا يجب عليه فعله.\nفصل\nإذا وردت لفظة أفعل بعد الحظر","vol":"1","page":12},{"text":"اقتضت الوجوب أيضًا، على أصلها.\nوقال جماعة من أصحابنا: إنها تقتضي الإباحة، وبه قال بعض أصحاب الشافعي.\nوالدليل على ما نقوله: أنا إذا أجمعنا على أن لفظ الأمر بمجرده يقتضي الوجوب، وهذا لفظ الأمر مجردًا، فوجب أن يقتضي الوجوب، وتقدم الحظر على الأمر لا يخرجه عن مقتضاه، كما أن تقدم الأمر على الحظر لا يخرجه عن مقتضاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>فصل\nالأمر المطلق لا يقتضي الفور</span>، وإليه ذهب القاضي أبو بكر، وذكر محمد بن خويز منداد أنه مذهب المغاربة من المالكيين، وقال المالكيون من البغداديين: إنه يقتضي الفور.\nوالدليل على ما نقوله: أن لفظة افعل لا تتضمن الزمان إِلَّا","vol":"1","page":13},{"text":"كتضمن الإخبار عن الفعل للزمان، ولو أن مخبرًا يخبر أنه يقوم لم يكن كاذبًا إذا وجد قيامه متأخرًا، فإذا ثبت ذلك فإن للواجب على التراخي حالة يتعين وجوب الفعل فيها وهو إذا غلب على ظن المكلف فوات الفعل.\nويجري إباحة تأخير المكلف الفعل مجرى إباحة تعزير الإمام الجاني وتأديب المعلم الصبي إذا لم يغلب على الظن هلاكه، فإذا غلب على الظن هلاكه حرم ذلك.\nفصل\nإذا نسخ وجوب الأمر جاز أن يحتج به على الجواز.\nوقال بعض أصحابنا: لا يجوز ذلك.\nوالدليل على جوازه: أن الأمر الواجب يقتضي وجوب الفعل ومحال أن يكون واجبًا ويكون مع ذلك محظورًا، فثبت أن الوجوب يتضمن الجواز ومعنى الجائز في هذا الوجه ما وافق الشرع.\nفإذا نسخ","vol":"1","page":14},{"text":"وجوبه خاصة، بقي على حكمه في الجواز؛ لأن النسخ لم يتعلق بالجواز وبالله التوفيق.\nفصل\nالمسافر والمريض مأموران بالصوم مخيران بينه وبين صوم غيره.\nوقال بعض أصحابنا: المسافر مخاطب بالصوم دون المريض.\nوقال الكرخي: المسافر","vol":"1","page":15},{"text":"والمريض غير مخاطبين بالصوم.\nوالدليل على ما نقوله أن المسافر لو صام أثيب على فعله، وناب صومه عن فرضه،","vol":"1","page":16},{"text":"فلو كان غير مخاطب بصومه لما أثيب عليه كالحائض لما لم","vol":"1","page":17},{"text":"تخاطب بالصوم لم تثبت عليه في حال حيضها.\n(فصل)\nلا خلاف بين الأمة أن الكفار مخاطبون بالإيمان، والظاهر من مذهب مالك رحمه","vol":"1","page":18},{"text":"الله أنهم مخاطبون بالصوم والصلاة والزكاة وغير ذلك من شرائع الإيمان.\nقال محمد بن خويز منداد: ليسوا مخاطبين بشيء من ذلك.\nوالدليل على ما نقوله: قوله ﷿ ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ الآية، فأخبر الله تعالى أن العذاب حق بترك الإيمان والصدقة والصلاة.\n\n(فصل)\nإذا قال الصحابي: أمرنا رسول الله ﷺ بكذا ونهى عن ذا، وجب حمله على الوجوب.\nوحكي عن أبي بكر بن داود أنه قال: لا يحمل على الوجوب حتى ينقل إلينا لفظ الرسول","vol":"1","page":19},{"text":"﵇.\nوما قاله ليس بصحيح؛ لأن معرفة الأمر من غيره طريقته اللغة، وإذا كنا نحتج في اللغة والتمييز بين الأمر وغيره بقول امرئ القيس والنابغة، فلأن يحتج بقول أبي بكر وعمر أولى وأحرى؛ لكونهما","vol":"1","page":21},{"text":"من أفصح العرب، ولما يقترن بذلك من الدين والفضل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>مسائل النهي</span>\nالذي ذهب إليه أهل السنة أن الأمر بالشيء نهي عن أضداده، والنهي عن الشيء أمر بإباحة أضداده.\nوالنهي ينقسم قسمين: نهي على وجه الكراهة، ونهي على وجه التحريم.\nإِلَّا أن النهي إذا ورد وجب حمله على","vol":"1","page":22},{"text":"التحريم، إِلَّا أن تقترن به قرينة تصرفه عن ذلك إلى الكراهية.\nوالنهي إذا ورد دلَّ على فساد المنهي عنه، وبهذا قال جمهور أصحابنا، وقال","vol":"1","page":24},{"text":"القاضي أبو بكر: لا يدل على ذلك.\nوالدليل على ما نقوله: اتفاق الأمة من الصحابة فمن بعدهم على الاستدلال بمجرد النهي في القرآن والسنة على فساد عقد المنهي عنه، كاستدلالهم على فساد عقد الربا بقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾، ونهي النبي ﷺ عن بيع الذهب بالذهب متفاضلًا، واحتجاج ابن عمر في تحريم نكاح المشركات وفساده بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>أبواب العموم وأقسامه</span>\nقد ذكرنا أن المحتمل الظاهر في أحد محتملاته منه على ضربين: أوامر وعموم، وقد تكلمنا في الأوامر، والكلام هنا في العموم.\nوله خمسة ألفاظ: الجمع، كالمسلمين، والمؤمنين، والأبرار، والفجار.\nوألفاظ الجنس، كالحيوان، والإبل.\nوألفاظ النهي، كقوله: ما جاءني من أحد.\nوالألفاظ المبهمة، كـ (من) في من يعقل، و(ما) في ما لا يعقل،","vol":"1","page":25},{"text":"و(أي) فيهما، و(متى) في الزمان، و(أين) في المكان.\nوالاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام، نحو: الرجل والإنسان والمشرك، فهذا إذا ورد شيء من ألفاظ العموم المذكورة وجب حملها على عمومها إِلَّا أن يدل دليل على تخصيص شيء منها فيصار إلى ما يقتضيه الدليل وقال القاضي أبو بكر يتوقف فيها ولا تحمل على عموم ولا خصوص حتى يدل الدليل على المراد بها وقال أبو الحسن بن المنتاب يحمل على أقل ما تقتضيه الألفاظ والدليل على ما نقوله ما قدمناه من كونها معرفة\nوإنما تكون معرفة إذا اقتضت استغراق الجنس فيتميز ما يقع تحتها من غيره ولو لم يرد","vol":"1","page":26},{"text":"بها جميع الجنس لكانت نكرة؛ لأنه لا يتميز المراد بها من غيره، إذ قد بقي من جنسه ما يقع عليه هذا اللفظ، ولذلك قلنا: إن لفظ الجمع إذا تكرر لا يقتضي استغراق الجنس؛ لأنه لو اقتضى استغراق الجنس لكان معرفة.\n(فصل)\nفإذا دل الدليل على تخصيص ألفاظ العموم بقي ما تناوله اللفظ العام بعد التخصيص على عمومه أيضًا يحتج به كما كان يحتج به لو لم يخص شيء منه.\nوذلك نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ فإن هذا اللفظ يقتضي قتل كل مشرك، ثم قد خص ذلك بأن منع من قتل من أدى الجزية من أهل الكتاب، فبقي الباقي على ما كان عليه من وجوب القتل يحتج به في وجوب قتل المشركين غير من قد خرج بالتخصيص المذكور.\nوكذلك لو ورد تخصيص آخر لبقي باقي اللفظ","vol":"1","page":27},{"text":"العام على ما كان عليه قبل التخصيص.\nويجوز أن يرد التخصيص والبيان مع اللفظ العام، ويجوز تأخيره عنه إلى وقت فعل العبادة، ولا يجوز أن يتأخر عن ذلك الوقت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>(فصل)\nأقل الجمع اثنان </span>عند جماعة من أصحاب مالك ﵀، وحكى القاضي أبو بكر بن الطيب: إنه مذهب مالك.\nوقال بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي ثلاثة والدليل على","vol":"1","page":29},{"text":"ما ذهبنا إليه قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾، وذكر أنه مذهب الخليل وسيبويه، وأنشد في ذلك:\nمهمين يممتهما مرتين ... ظهراهما مثل ظهور الترسين\n(فصل)\nإذا ورد لفظ الجمع المذكر لم تدخل جماعة المؤنث إِلَّا بدليل؛ لأن لكل طائفة لفظًا تختص به في مقتضى اللغة.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾.\nوقال أهل اللغة: الواو في الجمع السالم تدل على خمسة أشياء على التذكير والسلامة والرفع والجمع ومن يعقل، ولا يجوز أن يقع تحته المؤنث إِلَّا بدليل، كما لا يقع","vol":"1","page":30},{"text":"تحته ما لا يعقل إِلَّا بدليل.\n(فصل)\nإذا ثبت ذلك فقد يرد أول الخبر عامًا، وآخره خاصًا، ويرد آخره عامًا وأوله خاصًا، فيجب أن يحمل كل لفظ على مقتضاه، ولا يعتبر بسواه، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وهذا عام في كل مطلقة مدخول بها ثم قال بعد ذلك: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ خاص في الرجعية.\nومما خص أوله وعم آخره قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>(فصل)\nإذا تعارض لفظان خاص وعام، بني العام على الخاص</span>، مثل: ما روي عنه ﷺ قوله: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)، فاقتضى نفى كل صلاة بعد العصر، ثم قال: (من نام عن صلاة أن نسيها فليصلها إذا ذكرها)، فأخرج بهذا اللفظ الخاص الصلاة المنسية من جملة الصلوات المنهي عنها بعد العصر، وسواء كان الخاص متأخرًا أو متقدمًا.\nوقال أبو حنيفة: إذا كان الخاص متقدمًا نسخه العام المتأخر، وإن كان العام متفقًا عليه والخاص مختلفًا فيه، قدم العام على الخاص.\nوالدليل على ما نقوله: أن الخاص يتناول الحكم على وجهٍ لا يحتمل التأويل، والعام يحتمله على وجهٍ يتناول التأويل، فكان الخاص أولى.\n(فصل)\nفإذا تعارض اللفظان لا وجهٍ لا يمكن الجمع بينهما فإن علمنا التاريخ فيهما نسخ المتقدم بالمتأخر،","vol":"1","page":32},{"text":"وإن جهل نظر في ترجيح أحدهما على الآخر بوجهٍ من وجوه الترجيح التي تأتي بعد هذا، فإن أمكن ذلك وجب المصير إلى ما ترجح، فإن تعذر الترجيح بينهما ترك النظر فيهما وعدل إلى سائر أدلة الشرع، فما دلَّ عليه الدليل أخذ به، فإن تعذر في الشرع دليل على حكم تلك الحادثة كان الناظر مخيرًا في أن يأخذ بأي اللفظين شاء الحاظر أو المبيح؛ إذ ليس في العقل حظر ولا إباحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>(فصل)\nيجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد</span>، وعليه جمهور الفقهاء.\nويجوز تخصيص عموم","vol":"1","page":33},{"text":"السنة بالقرآن، وتخصيص عموم القرآن وأخبار الآحاد بالقياس الجلي والخفي؛ لأن ذلك بين دليلين، وإذا أمكن الجمع بين دليلين كان أولى من اطراح أحدهما والأخذ بالآخر؛ لأن الأدلة إنما نصبت للأخذ بها والحكم بمقتضاها، فلا يجوز اطراح شيء منها ما أمكن استعماله.\n(فصل)\nوقد يقع التخصيص أيضًا بمعانٍ من أفعال الرسول ﷺ، وإقراره على الحكم وما جرى مجرى ذلك.\nولا يقع التخصيص بمذهب الراوي وذلك مثل ما روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا)،","vol":"1","page":35},{"text":"وقال ابن عمر التفرق بالأبدان، مذهب بعض أصحابنا الشافعية إلى أنه يقع التخصيص به، وذهب مالك ﵀ إلى أنه لا يقع به التخصيص به وهو الصحيح؛ لأن الأحكام إنما تؤخذ من قول صاحب الشرع، ولا يجوز أن يطرح قول صاحب الشرع لقول غيره.\n(فصل)\nهذا الكلام في اللفظ العام الوارد ابتداء، فأما الوارد على سبب فإنه على ضربين: مستقل بنفسه، وغير مستقل بنفسه:\nفأما المستقل بنفسه فما روي عن النبي ﷺ أنه سئل عن بئر بضاعة فقال: (الماء الطهور لا ينجسه شيء)،","vol":"1","page":36},{"text":"فمثل هذا اللفظ العام اختلف أصحابنا فيه، فروي عن مالك ﵀ أنه يقصر على سببه ولا يحمل على عمومه، وروي عنه أيضًا أنه يحمل على عمومه ولا يقصر على سببه، وإليه ذهب إسماعيل القاضي وأكثر أصحابنا.\nوالدليل على ذلك أن الأحكام متعلقة بلفظ صاحب الشرع دون السبب؛ لأن لفظ صاحب الشرع لو انفرد لتعلق به الحكم، والسبب لو انفرد لم يتعلق به حكم، فيجب أن يكون الاعتبار بما تعلق به دون ما لا يتعلق به الحكم.\nوأما ما لا يستقل بنفسه فمثل ما سئل النبي ﷺ عن بيع الرطب بالتمر فقال: (أينقص الرطب إذا جف؟) قالوا: نعم، قال: (فلا). إذا فمثل هذا","vol":"1","page":37},{"text":"الجواب يقصر على سببه، ويعتبر به في خصوصه وعمومه، ولا خلاف في ذلك نعلمه.\n\n(فصل أحكام الاستثناء وما يتصل بالتخصيص ويجري مجراه)\nالاستثناء، وهو ضربان:\nاستثناء يقع به التخصيص، واستثناء لا يقع به التخصيص.\nفأما الذي يقع به التخصيص فعلى ضربين:\nاستثناء من الجنس، واستثناء من الجملة،\nفأما الاستثناء من الجنس فقولك: رأيت الناس إلا زيدًا إلا يده، وأما الاستثناء من غير الجنس فلا يقع\nبه التخصيص لأنه لا يخرج من الجملة بعض ما يتناوله، وعندي أنه يجوز. وقال محمد ابن خويز منداد: لا يجوز.\nودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، والخطأ لا يقال فيه للمؤمن أن يفعله، ولا ليس له أن يفعله، لأنه ليس بداخل تحت التكليف، وقد قال النابغة:\nوقفت فيها أصيلًا كي أسائلها ... اعيت جوابًا وما بالربع من أحد","vol":"1","page":38},{"text":"إلا الأثافي الأيام ثوينا بها ... والنُّؤيُ كالحَوْضِ بالمَظلومَةِ الجَلَدِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>(فصل)\nالاستثناء المنفصل </span>في جمل من الكلام معطوف بعضها على بعض، يجب رجوعه إلى جميعها عند جماعة أصحابنا.\nوقال القاضي أبو بكر فيه بمذهبه بالوقف.\nوقال المتأخرون من أصحاب أبي حنيفة يرجع إلى أقرب مذكور إليه.\nومثاله قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا","vol":"1","page":39},{"text":"﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوالدليل على ذلك أن المعطوف بعضه على بعض بمنزلة المذكور جميعه باسم واحد، ولا فرق عندهم بين من قال: اضرب زيدًا وعمرًا وخالدًا، وبين من قال: اضرب هؤلاء الثلاثة.\nوإذا كان ذلك كذلك، فلو ورد الاستثناء عقيب جملة مذكورة باسم واحد لرد إلى جميعها، فكذلك إذا ورد عقيب ما عطف بعضه على بعض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>(باب حكم المطلق والمقيد)</span>\nوما [*] يتصل بالخاص والعام، المقيد والمطلق، ونحن نبين حكمها:\nالتقييد يقع بثلاثة أشياء:\nالغاية والشرط والصفة\nفأما الغاية فكقولك: اضرب زيدًا أبدًا حتى يرجع\n_________\n[*] تعليق الشاملة: أشار فركوس في طبعته أنها في نسخة «ومما». قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ولعلها أليق","vol":"1","page":40},{"text":"إلى الحق، فلولا أنه قيد الضرب بالرجوع إلى الحق لاقتضى ذلك ضربه أبدًا.\nوأما الشرط فقولك: من جاء من الناس فأعطه درهمًا، فقيد ذلك بالشرط.\nوأما الصفة فقولك: أعط القرشيين المؤمنين، فقيد بصفة الإيمان، ولولا ذلك لاقتضى اللفظ كل قرشي.\nوإذا ثبت ذلك وورد لفظ مطلق ومقيد، فلا يخلو أن يكونا من جنسين أو جنس واحد:\nفإن كانا من جنسين فلا خلاف أنه لا يحمل المطلق على المقيد؛ لأن تقييد الشهادة بالعدالة لا يقتضي تقييد رقبة العتق بالإيمان.\nوأما إن كانا من جنس واحدٍ، فلا يخلو إما أن يتعلقا بسببين مختلفين نحو أن يقيد الرقبة في القتل","vol":"1","page":41},{"text":"بالإيمان، ويطلقها في الظهار، فإنه لا يحمل المطلق على المقيد عند أكثر أصحابنا، إِلَّا بدليل يقتضي ذلك، وقال بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي: يحمل المطلق على المقيد من جهة اللغة.\nوالدليل على ما نقوله: أن الحكم المطلق غير المقيد، وإطلاق المطلق يقتضي نفي التقييد عنه، كما أن تقييد المقيد يقتضي نفي الإطلاق عنه، فلو وجب تقييد المطلق لأن من جنسه ما هو مقيد لوجب إطلاق المقيد لأن من جنسه ما هو مطلق.\nوأما إذا كانا متعلقين بسبب واحد مثل أن الزكاة في موضع واحد مقيد بالسوم، وترد في موضع آخر مطلقة، فإنه لا يجب عند أكثر أصحابنا أيضًا حمل المطلق على المقيد، ومن أصحابنا من أوجب ذلك،","vol":"1","page":42},{"text":"وهو من باب دليل الخطاب، وسيرد في موضعه الكلام عليه إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>باب بيان حكم المجمل</span>\nقد ذكرنا أن الحقيقة على ضربين: مفصل، ومجمل، وقد مر الكلام في المفصل، والكلام هاهنا في المجمل.\nوجملته أن المجمل ما لا يفهم المراد به من لفظه، ويفتقر في البيان إلى غيره، نحو قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فلا يفهم المراد بالحق من نفس اللفظ، ولا بد له من بيان يكشف عن جنس الحق وقدره.\nفإذا ورد مثل هذا وجب اعتقاد وجوبه إلى أن يرد بيانه، فيجب امتثاله.\nوقد اختلف أصحابنا في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ و﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، و﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ","vol":"1","page":43},{"text":"الرِّبَا﴾ فذهب قوم من أصحابنا إلى أنها مجملة.\nإِلَّا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، فهو عام.\nوقال محمد بن خويز منداد: كلها عامة، فيجب حملها على عمومها إِلَّا ما خصه الدليل، وهو الصحيح عندي.\nوالدليل على ذلك أن كل لفظ من هاته الألفاظ تقتضى في اللغة جنسا مخصوصًا، فالصلاة معناها الدعاء، وإذا ورد هذا اللفظ كان امثاله بكل ما يقع عليه هذا الاسم من الدعاء، إِلَّا ما خصه الدليل؛ لأن الشرع قد خص منه دعاء مخصوصًا تقترن به أفعال","vol":"1","page":44},{"text":"مخصوصة من ركوع وسجود وغير ذلك، والصوم هو الإمساك، لكن الشرع قد خص منه إمساكًا مخصوصًا عن أشياء مخصوصة في أوقات مخصوصة على وجهٍ مخصوص، والزكاة هو النماء، والحج هو القصد، وكان ذلك بمنزلة قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الذي يقتضي قتل كل مشرك، وقد خص الشرع من ذلك أنواعًا من المشركين.\n\nباب بيان الأسماء العرفية\n\nومما يتصل بهذا الباب الأسماء العرفية، ومعنى قولنا عرفية أن تكون الألفاظ موضوعة في كلام العرب لجنس ما ثم يغلب عليها عرف الاستعمال في بعض ذلك الجنس، نحو قولنا: دابة، اسم موضوع لكل","vol":"1","page":45},{"text":"ما دب، ثم غلب عليه عرف الاستعمال في نوع من الحيوان دون غيره.\nوكذلك قولنا: صلاة، هو اسم لكل دعاء في اللغة، ثم غلب عليه عرف الاستعمال في نوعٍ من الدعاء على وجهٍ مخصوص.\n(فصل)\nإذا ثبت ذلك فعرف الاستعمال يكون من ثلاثة أوجه: أحدهما اللغة، نحو قولنا: دابة.\nوالثاني: عرف الشريعة، نحو قولنا: صلاة وصوم وحج.\nوالثالث: عرف الصناعة كتسمية أهل الكتابة الديوان","vol":"1","page":46},{"text":"زمامًا، وتسمية أهل الإبل الخطام زمامًا، وغير ذلك.\nفإذا ورد شيء من الألفاظ العرفية وجب حملها على ما عرف بالاستعمال فيه، من الجهة التي وردت منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>باب أحكام أفعال النبي ﷺ</span>\nالسنة الواردة على النبي ﷺ على ثلاثة أضرب: أقوال، وأفعال، وإقرار.\nوقد تقدم القول في الأقوال، والكلام في الأفعال، وهي تنقسم قسمين:\nأحدهما: ما يفعله بيانًا للمجمل، فحكمه حكم المجمل في الوجوب أو الندب أو الإباحة.\nوالثاني: ما يفعله ابتداء، وذلك على ضربين:\nأحدهما: أن تكون فيه قربة، نحو: أن يصلي أو يصوم، فهذا قد اختلف أصحابنا فيه، فذهب ابن القصار والأبهري وغيرهما إلى أنها محمولة على الوجوب.\nوقال ابن المنتاب: هي على","vol":"1","page":47},{"text":"الندب.\nوقال القاضي أبو بكر: هي على الوقف.\nوالأول أصح.\nوالدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، والأمر يقتضي الوجوب.\nوقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، والأمر يقع على الفعل والقول، ويدل على ذلك من جهة الإجماع رجوعهم إلى قول عائشة ﵂ لما اختلفوا في وجوب الغسل من التقاء الختانين: (فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا)، وأخذ به جميع الصحابة والتزموه واجبًا.\n«فصل»\nوأما الضرب الثاني: وهو ما لا قربة فيه، نحو الأكل والشرب","vol":"1","page":48},{"text":"واللباس، فإنه يدل على الإباحة.\nوقد ذهب بعض أصحابنا إلى أنه يدل على الندب، نحو الأكل باليمين، وابتداء التنعل باليمين، وهذا غلط؛ لأن الندب هاهنا ليس في نفس الفعل، وإنما هو في صفة الفعل، وتلك قربة.\n«فصل»\nوأما الإقرار فأن يفعل بحضرة النبي صلى الله عليه","vol":"1","page":49},{"text":"وسلم فعل ولا ينكره، يدل على جوازه؛ لأنه ﷺ لا يقر على المنكر، وذلك ما روي عن النبي ﷺ أنه سلم من اثنتين فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ ولم ينكر عليه ﷺ الكلام في الصلاة لتفهم الإمام، فدل","vol":"1","page":50},{"text":"ذلك على جوازه وصحته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>باب أحكام الاخبار</span>\nالخبر هو الوصف للمخبر عنه، وهو ينقسم إلى قسمين: صدق وكذب، فالصدق هو الوصف للمخبر عنه على ما هو به، والكذب هو الوصف للمخبر عنه على ما ليس به.\n(فصل)\nإذا ثبت ذلك فإنه ينقسم إلى قسمين: تواتر وآحاد:\nفالتواتر ما وقع العلم بمخبره ضرورة من جهة الخبر، نحو الأخبار المتواترة عن وجود","vol":"1","page":51},{"text":"مكة وخراسان ومصر وظهور محمد ﷺ وكورود القول ..\nوأما أخبار الآحاد فما قصر عن التواتر، وذلك لا يقع به العلم، وإنما يغلب على ظن السامع له صحته؛ لثقة المخبر به؛ لأن","vol":"1","page":52},{"text":"المخبر وإن كان ثقة يجوز عليه الغلط والسهو، كالشاهد.\nوقال محمد بن خويز منداد: يقع العلم بخبر الواحد، والأول عليه جميع الفقهاء.\n\n(فصل)\n\nإذا ثبت ذلك فإنه على ضربين: مسند ومرسل.\nفالمسند ما اتصل إسناده، وهو يجب العمل به؛ لأن الشرع ورد بذلك.\nوأنكر العمل به جماعة من أهل البدع.\nوالدليل على ما قلناه أنه لا يمنع من جهة العقل أن يتعبدنا الباري ﷾ بالعمل بخبر من يغلب على ظننا ثقته وأمانته، وإن لم يقع لنا العلم بصدقه، كما يتعبدنا بالعمل بشهادة الشاهدين، إذا غلب على ظننا ثقتهما وإن لم يقع لنا العلم بصدقهما، ولذلك رجع كثير من الشهود عن","vol":"1","page":53},{"text":"شهادته بعد قبولها وبعد إنفاذ الحكم بها.\nومما يدل على ذلك أن النبي ﷺ كان ينفذ أمراءه إلى البلاد يعلمون الناس الدين، ويأخذون منهم الصدقات.\nومما يدل على ذلك إجماع الصحابة على وجوب العمل بأخبار الآحاد، كرجوع عمر بن الخطاب ﵁ لخبر عبد الرحمن بن عوف وأخذه","vol":"1","page":54},{"text":"جزية المجوس بخبره، ورجوع الصحابة لخبر عائشة ﵂ في الغسل من التقاء الختانين، وأخذ عثمان في السكنى بخبر فريعة بنت مالك، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة.\n(فصل)\nوأما المرسل فهو ما انقطع إسناده فأخلَّ فيه بذكر بعض رواته، ولا خلاف أنه لا يجب العمل به إذا كان المرسل غير محترز.\nفإن كان متحرزًا لا يرسل إِلَّا عن الثقات كإبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب، فإنه لا يجب العمل به عند مالك ﵀ وأبي حنيفة.\nوقال الشافعي: لا يجب","vol":"1","page":55},{"text":"العمل به إِلَّا أن يكون مرسل سعيد بن المسيب خاصة، فإني اختبرتُ مراسيله فوجدتها مسندة.\nوالدليل على ما نقوله اتفاق الصدر الأول على نقل المرسل ولو كان ذلك","vol":"1","page":56},{"text":"يبطل الحديث لما حل الإرسال.\nفممَّن أرسل وبلغنا ذلك عنه أبو هريرة وابن عباس والبراء بن عازب وابن عمر وعمر بن الخطاب وغيرهم، وأكثر التابعين، ومن بعدهم.\nقال محمد بن خويز منداد: إنكار المرسل بدعة ظهرت بعد المائتين.\nوأيضًا فإنه لا فرق بين مرسل سعيد بن المسيب وغيره، إذا كان المرسل ثقة محترزًا؛ لأن الشافعي إن كان لم يأخذ من مرسل سعيد إِلَّا بما اتصل إسناده، فلم يأخذ بمرسله، لأنه وجد منها ما يسند فهذا حكم غيره،\nومما يدل على صحة العمل بالمرسل أننا قد اتفقنا على أن التعديل يقع بقول الواحد: فلان ثقة، ولا يحتاج إذا كان من أهل العلم أن يبين معنى العدالة","vol":"1","page":57},{"text":"عنده، فإذا علم من حاله أنه لا يرسل إِلَّا عن ثقة أو أخبر بذلك عن نفسه فإرساله عنه بمنزلة أن يقول: حدثني فلان، وهو ثقة.\nوقد أجمعنا على أنه لو قال ذلك لوجب تقليده في تعديله، فكذلك إذا أرسل عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>(فصل)\nإذا روى الراوي الخبر فأنكره المروي عنه</span>، فإن ذلك يقع على ضربين: أحدهما أن يتوقف فيه ويشك، والثاني: أن يقطع على أنه لم يخبر به.\nفأما شك المروي عنه فيه فقد ذهب جمهور أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعي ﵃ إلى وجوب العمل به.\nوالدليل على ما نقوله: أن نسيانه لا يكون أكثر من موته، وقد أجتمعنا على أن موته لا يسقط العمل به، فكذلك نسيانه.\nوأما إذا قطع","vol":"1","page":58},{"text":"بأنه لم يحدثه به فهو على ضربين: أحدهما أن يقول: هو في روايتي ولم أحدث به الراوي، فهذا لا يمنع وجوب العمل به من جهة المروي عنه.\nوأما إذا قال: لم أروه قط، فهذا ممن لا يجوز الاحتجاج به جملة؛ لأن المروي عنه إن كان كاذبًا فقد بطل الخبر من جهته، وإن كان صادقًا فقد بطل لاخباره لأنه لم يروه.\n(فصل)\nرواية العدل الثبت الزيادةَ في الخبر على رواية غيره، معمولٌ بها، خلافًا لبعض أصحاب الحديث.\nوالدليل على ما نقوله: أنه لو شهد شاهد لرجل على غريمه بألف دينار، وشهد شاهدان آخران بألف وخمسمائة لأخذ بالزيادة، فكذلك الخبر.\nولأنه لو انفرد بنقل خبر لقبل منه، فكذلك إذا انفرد بنقل زيادة في الخبر.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>(فصل)\nيجب العمل بما نقل على وجه الإجازة</span>، وبه قال علامة العلماء.\nقال أهل الظاهر: لا يجوز العمل بالإجازة إِلَّا أن تكون مناولة، وأن يكتب إليه المخبر أن الكتاب الفلاني أو الديوان الفلاني يعدد من ذلك من روايتي عن فلان، فارو ذلك عني.\nوالدليل على ما نقوله: أن من كتب إلى غيره أن ديوان الموطأ أو غيره من الكتب المعلومة رويته عن زيد، فاروه عني إذا صح عندك، يحتاج في ثبات الكتب عنده إلى نقل الثقة، ثم يحتاج في","vol":"1","page":60},{"text":"تصحيح كتاب الموطأ والعلم بأنه مماثل لأصل المخبر به إلى نقل ثقة أيضًا، فتحصل له الرواية بعد ثبات ذلك عنه من طريقين، وإذا قال له مشافهة ما صح عندك من حديثي فاروه عني لم يحتج ذلك إلى إخبار ثقة، بإن هذا الكتاب رواه المخبر له عن فلان فلا يحتاج أن يصح ذلك عنده إِلَّا من طريق واحد، ثم إذا ثبت وتقرر أن في النوع الأول تصح إجازته فلان تصح هاهنا أولى وأحرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>باب أحكام الناسخ والمنسوخ</span>\nالنسخ هو إزالة الحكم الثابت بالشرع المتقدم، بشرع متأخر عنه لولاه لكان ثابتًا.\nوذلك لأن الناسخ والمنسوخ","vol":"1","page":61},{"text":"لا بد أن يكونا حكمين شرعيين، فأما الناقل عن حكم الأصل أو الساقط بعد ثبوته وامتثال موجبه فإنه لا يسمى نسخًا.\n(فصل)\nإذا ثبت ذلك فإذا نقص بعض الجملة أو شرط من شروطها فقد ذهب أكثر الفقهاء إلى أنه ليس بنسخ، وقال بعض الناس: هو نسخ.\nوكذلك الزيادة في النقص، قال أصحاب أبي حنيفة: هو نسخ، وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي: ليست بنسخ.\nوقال أبو بكر القاضي: إن كان النقص من العبادة أو الزيادة فيها يغير حكم المزيد فيه أو المنقوص منه، حتى يجعل ما لم يكن عبادة قائمة بنفسها عبادة ثابتة مستقلة ويجعل ما كان عبادة شرعية غير شرعية فهو نسخ.","vol":"1","page":62},{"text":"نحو أن يزاد في الصلاة التي هي ركعتان ركعتان أخريتان، فهذا يكون نسخ؛ لأن الركعتين الأولتين حينئذ لا تكونان صلاة شرعية.\nوكذلك إذا ورد الأمر في الصلاة الرباعية أن تصلى ركعتين فإنه نسخ أيضًا؛ لأن الأربع ركعات حينئذ لا تكون صلاة.\nوأما إن لم تتغير الزيادة ولا النقصان حكم المزيد عليه، ولا المنقوص منه، فليس بنسخ، مثل أن يؤمر في حد شارب الخمر بأربعين ثم يؤمر بثمانين، فإن هذه الزيادة لا تبطل حكم المزيد عليه؛ لأنه لو ضرب الأربعين بعد الأمر بالثمانين لأجزت عن الأربعين، وليبن عليها إن أراد أن يتم الثمانين، والذي أمر بأربع","vol":"1","page":63},{"text":"ركعات فصلى ركعتين لا يجزيه أن يتم عليها ركعتين حتى يبتدى أربع ركعات، وكذلك لو أمر بجلد ثمانين","vol":"1","page":64},{"text":"في الخمر، ثم نقص منها فإنه لا يكون نسخًا لجميع الحد، وإنما يكون نسخًا لأربعين فقط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>(فصل)\nذهب جمهور الفقهاء إلى أن النسخ لا يدخل في الأخبار</span>.\nوقالت طائفة: يدخل النسخ في الأخبار.\nوالصحيح من ذلك أن نفس الخبر لا يدخله نسخ؛ لأن ذلك لا يكون نسخًا، وإنما يكون كذبًا، لكن إن ثبت بالخبر حكمٌ من الأحكام جاز أن يدخله نسخ.\n(فصل)\nيجوز نسخ العبادة بمثلها وبما هو أخف منها وأثقل، وعليه جمهور الفقهاء.\nومنع قوم نسخ العبادة بما هو","vol":"1","page":65},{"text":"أثقل منها.\nوالدليل على ما نقوله: أن الباري تعالى أوجب على المكلفين ما يشق عليهم وجوبه، وحرم عليهم ما يشق عليهم تحريمه، وإذا جاز أن يبتدئ التعبد بما هو أثقل عليهم من حكم الأصل، جاز أيضًا أن تنسخ عنهم العبادة بما هو أثقل عليهم منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>(فصل)\nإذا وردت التلاوة متضمنة حكمًا </span>واجبًا علينا من تحريم أو فرض أو غير ذلك من العبادات، وأمرنا بتلاوتها، فإن فيها حكمين: أحدهما ما تضمنته من العبادة، والثاني: ما ألزمناه من تلاوتها وحفظها، وذلك بمثابة ما لو تضمن الخبر حكمين أحدهما صوم والآخر صلاة، فإذا ثبت ذلك","vol":"1","page":66},{"text":"جاز نسخ الحكم مع بقاء التلاوة فمثل نسخ حكم التخيير بين الصوم أو الفدية لمن أطاق الصوم، ونسخ الوصية للوالدين والأقربين، ونسخ تقديم الصدقة عند مناجاة الرسول ﵊، وإن بقيت التلاوة بذلك كله.\nوأما بقاء الحكم ونسخ","vol":"1","page":67},{"text":"التلاوة، فما تظافر به الأخبار من نسخ تلاوة آية الرجم، ونسخ الخمس رضعات وغير ذلك مما بقي حكمه بعد تلاوته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>(فصل)\nيصح أن تنسخ العبادة قبل وقت الفعل </span>وعلى هذا أكثر الفقهاء.\nوقال أبو بكر الصيرفي وبعض أصحاب أبي حنيفة: لا يجوز نسخ العبادة قبل وقت الفعل.\nوالدليل على ما نقوله: ما أمر به إبراهيم ﵇ من ذبح ولده، ثم نسخ عنه قبل فعله.\nوأيضًا فقد ذكرنا","vol":"1","page":69},{"text":"أن النسخ إنما هو إزالة الحكم الثابت بالشرع المتقدم، وإذا خرج وقت العبادة فلا يخلو أن يكون فعلها أو لم يفعلها: فإن كان فعلها فلا يحتاج إلى النسخ؛ لأن المأمور قد امتثله، وإن كان لم يفعلها فلا يصح النسخ أيضًا؛ لأنه لا يقال له: لا تفعل أمس كذا؛ لأن الفعل فيما مضى غير داخل تحت التكليف فعله ولا تركه، فلا يصح النسخ إِلَّا وقت العبادة.\nوأما إسقاط مثل العبادة في المستقبل فليس بنسخ لنفس المأمور وإنما هو إسقاط لمثله.\n(فصل)\nلا خلاف بين أهل العلم في جواز نسخ القرآن بالقرآن والخبر المتواتر بمثله، وخبر الواحد بمثله.\nوذهب أكثر الفقهاء إلى","vol":"1","page":70},{"text":"أنه يجوز نسخ القرآن بالخبر المتواتر، ومنع من ذلك الشافعي.\nوالدليل على ذلك","vol":"1","page":71},{"text":"أن القرآن والخبر المتواتر كلاهما شرع مقطوع بصحته، فإذا جاز أن ينسخ القرآن بالقرآن، جاز أن ينسخ بالخبر المتواتر.\nومما يبين ذلك أن قوله تعالى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ منسوخ بما روي عنه ﷺ: \"قد أعطى الله كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث).\n(فصل)\nويجوز عند جمهور الفقهاء نسخ السنة بالقرآن، ومنع من ذلك الشافعي.\nوالدليل على ذلك ما ورد من القرآن لصلاة الخوف، بعد أن ثبت بالسنة تأخيرها يوم الخندق إلى أن يأمن،","vol":"1","page":72},{"text":"ونسخ التوجه إلى بيت المقدس بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ بعد أن قرر النبي ﷺ رد من جاءه من المسلمين إليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>(فصل)\n\nيجوز نسخ القرآن والخبر المتواتر بخبر الآحاد</span>.\nوقد منعت من ذلك طائفة.\nوالدليل على ذلك ما ظهر من تحول أهل قباء إلى الكعبة بخبر الآتي، وقد كانوا يعلمون استقبال بيت المقدس من دين النبي ﷺ.\nإِلَّا أنه لا يجوز ذلك بعد زمن النبي ﷺ، للإجماع على ذلك.","vol":"1","page":74},{"text":"فأما القياس فلا يصح النسخ به جملة.\n(فصل)\nذهبت طائفة من أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة والشافعي إلى أن شريعة من قبلنا لازمة لنا، إِلَّا ما دل الدليل على نسخه.\nوقال القاضي أبو بكر وجماعة من أصحابنا بالمنع من ذلك.\nوالدليل على ما نقوله: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، فأمر باتباعهم وأمرنا باتباعه.\nوقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾، إلى قوله: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾.\nومما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.\nوإنما خوطب بذلك موسى ﵇، فأخذ به نبينا محمد ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>باب الإجماع وأحكامه</span>\nإجماع الأمة","vol":"1","page":75},{"text":"على حكم الحادثة دليل شرعي، فيجب المصير إلى ما أجمعت عليه، والقطع بصحته، خلافًا للإمامية.\nوالدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ","vol":"1","page":77},{"text":"مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ الآية، فتوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، فكان ذلك أمرًا باتباع سبيلهم.\n\n(فصل)\n\nفإذا ثبت ذلك، فالأمة ضربان: خاصة وعامة: فيجب اعتبار أقوال الخاصة والعامة فما كلف الخاصة والعامة معرفة الحكم فيه.\nفأما ما يتفرد الحكام والفقهاء بمعرفته من أحكام الطلاق والنكاح والبيوع والعتق والتدبير والكتابة والجنايات والرهون وغير ذلك من الأحكام التي لا علم للعامة بها، فلا اعتبار","vol":"1","page":78},{"text":"فيها بخلاف العامة، وبذلك قال عامة الفقهاء.\nوقال القاضي أبو بكر: تعتبر أقوال العامة بذلك كله.\nوالدليل على ما نقوله أن العامة يلزمهم اتباع العلماء فيما ذهبوا إليه، ولا يجوز لهم مخالفتهم، فهم في ذلك بمنزلة أهل العصر الثاني مع من","vol":"1","page":79},{"text":"تقدمهم، بل حال أهل العصر الثاني أفضل؛ لأنهم من أهل العلم والاجتهاد، ثم ثبت أنه لا اعتبار بأقوال أهل العصر الثاني مع اتفاق أقوال أهل العصر الأول، فلان لا يعتبر بأقوال العامة مع اتفاق أقوال العلماء أولى وأحرى.\n\n(فصل)\n\nلا ينعقد إجماع إِلَّا باتفاق جميع العلماء، فإن شذَّ منهم واحد لم ينعقد إجماع.\nوذهب ابن خويز منداد إلى أن الواحد والاثنين لا يعتد بهم.\nوالدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾","vol":"1","page":80},{"text":"وقد وجد الاختلاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>(فصل)\n\nإذا أجمع العلماء على حكم حادثة، انعقد الإجماع، وحرمت المخالفة</span>، ولا يعتبر في ذلك بانقراض العصر.\nوعليه أكثر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم.\nوقال أبو تمام البصري من أصحابنا، وأصحاب الشافعي: لا ينعقد الإجماع إِلَّا بانقراض العصر.\nوالدليل على ذلك أن حجة الإجماع لا تخلو أن ثبتت بالإجماع أو بانقراض أو بهما: ولا يجوز أن تبثت بانقراض العصر؛ لأنه ليس بقول ولا حجة، ولأن ذلك يوجب أن يكون الاختلاف حجة مع انقراض العصر، ولا يجوز","vol":"1","page":81},{"text":"أن يكون الانقراض واتفاق العصر جميعًا حجة؛ فبإضافته إلى الآخر لا يصير حجة، فلم يبق إِلَّا أن يكون الاتفاق حجة، وذلك موجود مع بقاء العصر.\n\n(فصل)\n\nوقول أهل كل عصر حجة، هذا قول جماعة الفقهاء، غير داود بن علي الأصبهاني، فإنه قال: إجماع عصر الصحابة حجة دون إجماع عصر المؤمنين في سائر الأعصار.\nودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ الآية.\nوإذا ثبت أن غير الصحابة يشارك الصحابة في هذا الاسم وجب أن يثبت لهم هذا الحكم، إِلَّا أن يدل دليل على اختصاص الصحابة به.\n\n(فصل)\n\nوأما إجماع أهل المدينة،","vol":"1","page":82},{"text":"على ساكنها السلام، فقد أطلق أصحابنا هذا اللفظ، وإنما عول","vol":"1","page":83},{"text":"مالك رحمه الله تعالى ومحققو أصحابه على الاجماع بذلك فيما طريقه النقل، [كمسألة الأذان] [*] والصاع وترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الفريضة وغير ذلك من المسائل التي طريقها النقل واتصل العمل بها في المدينة على وجه لا يخفى مثله، ونقل نقلًا متواترًا.\nوإنما خصت المدينة بهذه الحجة دون غيرها لوجود ذلك فيها دون غيرها من البلاد؛ لأنها كنت موضع ومستقر الخلافة والصحابة\n_________\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفين ليس بالمطبوع، واستدكته من ت فركوس","vol":"1","page":84},{"text":"بعده ﷺ، ولو تهيأ مثل ذلك في سائر البلاد لكان حكمها كذلك أيضًا.\n(فصل)\nإذا قال الصحابي أو الإمام قولًا أو حكم بحكم وظهر ذلك وانتشر انتشارًا لا يخفى مثله ولم يعلم له مخالف ولم سمع له منكر، فإنه إجماع وحجة قاطعة، وبه قال جمهور أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة والشافعي.\nوقال القاضي أبو بكر: لا يكون إجماعًا حتى ينقل قول كل واحد","vol":"1","page":85},{"text":"من الصحابة كذلك، وبه قال داوود.\nوالدليل على ما نقوله أن العادة جارية بأنه لا يجوز أن يسمع العدد الكثير والجم الغفير الذي لا يصح عليهم التواطؤ والتشاجر قولًا يعتقدون خطأه وبطلانه ثم يمسك جميعهم عن إنكاره وإظهار خلافه، بل أكثرهم يسرع إلى ذلك ويسابق إليه، فإذا ظهر قول وانتشر وبلغ أقاصي الأرض ولم يعلم له مخالف، علم أن ذلك السكوت رضىً منهم به وإقرار عليه، لما جرت به العادة.\nولو لم يصح إجماع ولا ثبت به حجة إِلَّا بعد أن","vol":"1","page":86},{"text":"يروى الاتفاق على حكم الحادثة عن كل أحد من أهل العلم في عصر الإجماع لبطل الإجماع، وبطل الاحتجاج به؛ لاستحالة وجود ذلك في مسألة من مسائل الأصول أو الفروع، لأنا لا نعلم اليوم اتفاق علماء عصرنا في جميع الآفاق على حكم حادثة من الحوادث، بل أكثر العلماء لا يعلم بوجودهم في العالم.\n\n(فصل)\n\nإذا اختلفت الصحابة في حكم على قولين لم يجز إحداث قول ثالث،\nوالدليل على ما نقوله: إنهم إذا أجمعوا على القولين فقد أجمعوا على أن ما عدا القولين خطأ، وإنما اختلفوا في تعيين الحق في أحدهما، ولم يختلفوا أن ما عداهما خطأ، فمن قال بغيرهما فقد صوب ما أجمعت الصحابة على أنه خطأ.\n\n(فصل)\n\nيصح","vol":"1","page":87},{"text":"أن ينعقد الإجماع على الحكم من جهة القياس وبقول كافة الفقهاء.\nوذهب ابن ر الحذاء إلى أن ذلك لا يصح وجوده، ولو وجد لكان دليلًا.\nوقال داوود: لا يصح ذلك، وهذا مبني عنده على أن القياس ليس بدليل، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله.\n\nباب الكلام في معقول الأصل\n\nقد ذكرنا أن أدلة الشرع على ثلاثة أضرب: أصل ومعقول أصل واستصحاب حال.\nوقدمنا الكلام في الأصل، والكلام هاهنا في معقول الأصل، وهو ينقسم أربعة أقسام: لحن","vol":"1","page":88},{"text":"الخطاب، وفحوى الخطاب، والحصر، ومعنى الخطاب.\n\nفأما<span data-type=\"title\" id=toc-57> لحن الخطاب </span>فهو الضمير الذي لا يتم الكلام إِلَّا به، مأخوذ من اللحن، وهو ما يبدو في عرض الكلام من معناه، قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾،","vol":"1","page":90},{"text":"معناه: فأفطر فعدة من أيام أخر.\nفهذا حجة يجب المصير إليها والعمل بها.\nوقد يلحق بذلك ما ليس منه، وهو ادعاء ضمير يتم الكلام دونه، نحو استدلالنا على أن العظم فيه الحياة بقوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾، فيقول الحنفي: المراد","vol":"1","page":91},{"text":"بذلك من يحيي أصحاب العظام، فمثل هذا لا يجوز فيه تقدير مضمر إِلَّا بدليل استقلال الكلام دونه.\n\n(فصل)\n\nوأما الضرب الثاني فهو فحوى الخطاب، فهو ما يفهم من نفس الخطاب من قصد المتكلم لعرف اللغة، نحو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، فهذا يفهم من جهة اللغة المنع من الضرب والشتم، ويجري مجرى النص على ذلك في وجوب العمل به والمصير إليه.\n\n(فصل)\n\nوأما الضرب الثالث وهو الحصر، فله لفظ واحد، وهو قوله ﷺ: (إنما الولاء لمن أعتق)، فظاهر هذا","vol":"1","page":92},{"text":"اللفظ يدل على أن غير المعتق لا ولاء له، وقد يرد مثل هذا اللفظ لتحقيق المنصوص عليه، لا لنفي ما سواه، نحو قولك: إنما الكريم يوسف، وإنما الشجاع عمرو، ولم يرد نفي الكرم عن غير يوسف، ولا نفي الشجاعة عن غير عمرو، وإنما أردت إثبات ذلك ليوسف ﵇، وأن يجعل له مزية في الكرم، على غيره إِلَّا أن الظاهر ما بدأنا به أولًا، فلا يعدل عنه إِلَّا بدليل.\n\n(فصل)\n\nومما يلحق بذلك ويقرب منه عند كثير من الناس دليل الخطاب، وهو أن يعلق الحكم على معنى في بعض الجنس، فيقتضي ذلك عند القائلين به نفي ذلك الحكم عمَّن لم يكن به ذلك المعنى من ذلك الجنس،","vol":"1","page":93},{"text":"نحو قوله ﷺ: (في سائمة الغنم الزكاة)، فيقتضي ذلك نفي الزكاة في غير السائمة.\nفهذا النوع من الاستدلال يسمى عند أهل النظر دليل الخطاب.\nوقد ذهب إلى القول به جماعة من أصحابنا وأصحاب الشافعي،","vol":"1","page":94},{"text":"ومنع منه جماعة من أصحابنا وأصحاب الشافعي وأبي حنيفة، وهو الصحيح؛ لأن تعليق الحكم بصفة في بعض الجنس يفيد تعليق ذلك الحكم بما وجدت فيه تلك الصفة خاصة، ويبقى الباقي في حكم المسكوت عنه، يطلب دليل حكمه في الشرع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>باب أحكام القياس</span>\nوأما الضرب الرابع من معقول الأصل، فهو معنى الخطاب، وهو القياس وحده حمل أحد المعلومين على الآخر في إثبات الحكم أو إسقاطه بأمر جامع بينهما.\nوهو دليل شرعي عند جميع العلماء.\nوقال داوود: يجوز التعبد به من جهة العقل، إِلَّا أن الشرع منع منه.\nوالدليل على ما ذهب","vol":"1","page":95},{"text":"إليه جماعة أهل العلم قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾، والاعتبار في اللغة: هو تمثيل الشيء بالشيء، وإجراء حكمه عليه، وكذلك يقال: عبرت الدنانير والدراهم، إذا قايستها بمقاديرها من الأوزان، ويقال لمفسر الرؤيا معبر، وعبرت الرؤيا حكمت لها بحكم ما يماثلها وقستها بما يشاكلها، وعبرت عن كلام فلان إذا جئت بما يطابق معانيه وتقابلها وتقاس بها.\nدليل ثان: ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، ونحن نجد أحكامًا ليس لها ذكر في القرآن ولا في سنة النبي ﷺ، مثل رجل له دينار وقع في محبرة لغيره،","vol":"1","page":96},{"text":"فلم يستطع إخراجه، ومثل: ثوب أبيض وقع في قدر لصباغ، فكمل صبغه وحسن وغير ذلك، فلا يجوز أن يراد بالآية أنه نص على حكم كل حادثة في القرآن، وإنما أراد به أنه نص فيه على بعض الأحكام وأحال على سائر الأدلة فيه، فكان ذلك بمنزلة أن ينص في القرآن على جميعها.\nفمن الأدلة التي أحال على الأحكام لها القياس؛ لأنا نجد أحكامًا كثيرة لا طريق لإثباتها إِلَّا بالقياس والرأي، فالأحكام التي ذكرنا وما شاكلها.\nومما يدل على ذلك من جهة السنة قوله ﵇ لعمر حين سأله عن غلبة الصائم: (أرأيت لو تمضمضت هل كان","vol":"1","page":97},{"text":"عليَّ جناح؟) قال: لا، قال (ففيم إذًا!).\nوقوله للخثعمية: (أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟)، قالت: نعم، قال: (فدين","vol":"1","page":98},{"text":"الله أحق أن يقضى).\nوقوله للذي أنكر لون ابنه: (هل لك من إبل؟) قال: نعم، قال: (فما ألوانها؟) قال: حمر، قال: (هل بها من أورق؟) قال: نعم، قال: (فأنى ترى ذلك؟)، قال: عرق نزع، قال: (فلعل هذا عرق نزعه)، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة.\nومما يدل على ذلك علمنا بأن الصحابة اختلفت في مسائل كثيرة","vol":"1","page":99},{"text":"جرت بينهم فيها مناظرات كثيرة ومنازعات مشهورة ومراجعات كثيرة، كاختلافهم في توريث الجد مع الأخوة، واختلافهم في الحرام والقول والظهار، فلا يخلو ذلك من ثلاثة أحوال: إما أن يكون في هذه الأحكام المختلف فيها نص لا يقبل التأويل، أو ظاهر يحتمل التأويل، أو لا يجوز ذكر لحكمها جملة.\nويستحيل أن يكون فيها نص لا يحتمل التأويل، لأنه لو كان لسرع إليه الموافق له فانقطع الخلاف وثبت الاجماع على الحق ويستحيل أن يكون فيها نص فيذهب عن جميعهم لأن ذلك إجماع منهم على الخطأ، ولا يجوز","vol":"1","page":100},{"text":"هذا ولو جاز ذلك لجاز أيضًا أن تذهب عليهم شرائع وصلوات وصيام وعبادات، قد نص عليها صاحب الشرع، وهذا باطل باتفاق المسلمين.\nويستحيل أن يكون في ذلك دليل يحتمل التأويلين، لأنه لو كان ذلك لوجب بمستقره العادة أن ينزع كل مخالف إلى الظاهر الذي نطق به، وتبين احتجاجه منه، ولا يحتج بالرأي والقياس؛ لأن المستدل والمحتج إنما يحتج بما ثبت عنده به الحكم، ولا يعدل عند المناظرةِ وقصد إثبات الحق إلى ما ليس بدليل ولا حجة عنده ولا عند","vol":"1","page":101},{"text":"خصمه.\nولما رأينا كل واحد منهم احتج في ذلك بالرأي والقياس دون منكر ولا مخالف، علمنا إجماعهم على القول بصحة القياس والرأي.\nكإجماعهم على إمامة أبي بكر بالقياس والرأي، وإجماعهم على إمامة عثمان، وغير ذلك مما أجمعوا عليه.\nومن ذلك خبر عمر بن الخطاب ﵁ إذ ذهب إلى الشام","vol":"1","page":102},{"text":"بأصحاب النبي ﷺ، فلما بلغ سرنج بلغه أن الوباء وقع بها، فاستشار المهاجرين الأولين، فاختلفوا عليه، فمنهم من قال له: أرى ألا يفر من قدر الله، ثم دعا الأنصار فاختلفوا كاختلاف المهاجرين قبلهم، ثم دعا من حضر من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فلم يختلفوا عليه، وأمروه بالرجوع، ولم يكن منهم أحد ذكر آية من كتاب الله ولا حديثًا عن رسول الله ﷺ، بل أشار كل واحد منهم برأيه، وبما أداه إليه اجتهاده إليه، ولم ينكر عليه أحد فعله، فقال عمر: إني مصبح","vol":"1","page":103},{"text":"على ظهر، فأصبحوا عليه، فقال له أبو عبيدة بن الجراح: فرارًا من قدر الله؟ فقال له عمر: لو غيرك قالها ...، نعم نفر من قدر","vol":"1","page":104},{"text":"الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لرجل إبل في واد له عدوتان: إحداهم خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعى الجدبة رعاها بقدر الله وإن رعى الخصبة رعاها بقدر الله، فاعترض عليه أبو عبيدة بالرأي، وجاوبه عمر بالرأي، ولم يحتج أحدهما في ذلك بكتاب ولا سنة ولا إجماع، ثم شاعت هذه القصة وذاعت ولم يكن في المسلمين من أنكر على أحدهم القول بالرأي.\nوما أعلم أن مسألة يدعى الإجماع","vol":"1","page":106},{"text":"أثبت في حكم الإجماع من هذه المسألة.\n\n(فصل)\n\nإذا ثبت أن القياس دليل شرعي،","vol":"1","page":107},{"text":"فإنه يصح أن يثبت به الحدود والكفارات والمقدرات والأبدال.\nوقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يثبت شيء من ذلك بالقياس، وما قاله ليس بصحيح؛ لأن الآية عامة في الأمر بالاعتبار، فلا يجوز أن يخص إِلَّا بدليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>(فصل)\n\nالعلة الواقعة عندنا صحيحة</span>، نحو علة منع التفاضل في الدنانير والدراهم؛ لأنها أصول الأثمان","vol":"1","page":110},{"text":"وقيم المتلفات.\nوقال أصحاب أبي حنيفة: ليست بصحيحة.\nوالدليل على ما نقوله أن القياس امارة شرعية، فجاز أن","vol":"1","page":111},{"text":"تكون خاصة وعامة كالخبر.\n\n(فصل)\n\nذكر ابن خويز منداد أن معنى الاستحسان الذي ذهب إليه بعض أصحاب مالك رحمه الله تعالى هو القول بأقوى الدليلين، مثل تخصيص بيع العرايا من بيع الرطب بالتمر، للسنة الواردة بذلك؛ وذلك لأنه لو لم يرد بذلك شرع في إباحة بيع العرايا بخرصها تمرًا لما جاز؛ لأنه من بيع بالرطب باليابس.\nوهذا هو الدليل وإنما سماه استحسانًا","vol":"1","page":112},{"text":"على معنى المواضعة، ولا يمتنع ذلك في عرف أهل كل صناعة.\n\n(فصل)\n\nذهب مالك رحمه الله تعالى إلى المنع من الذرائع\nوهي المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويتوصل بها إلى فعل المحظور، وذلك نحو أن يبيع السلعة بمائة إلى أجل، ثم يشتريها بخمسين نقدًا،","vol":"1","page":113},{"text":"ليتوصل بذلك إلى بيع خمسين مثقالًا نقدًا بمائة إلى أجل.\nوأباح الذرائع أبو حنيفة والشافعي.\nوالدليل على ما نقوله قوله ﷿: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ الآية، فوجه الدليل من هذه الآية أنه تعالى حرم الاصطياد يوم السبت وأباحه","vol":"1","page":114},{"text":"سائر الأيام، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم وتغيب عنهم في سائر الأيام، فكانوا يحضرون عليها إذ جاءت يوم السبت ويسدون عليها المسالك، ويقولون: إنما منعنا","vol":"1","page":116},{"text":"من الاصطياد يوم السبت فقط، وإنما نفعل الاصطياد في سائر الأيام، وهذه صورة الذرائع.\nويدل على ذلك أيضًا: ما روي عن النبي صلى الله وعليه وسلم أنه قال: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، ثم قال: (احتجبي منه يا سودة)، لما رأى من شبهه بعتبة.\nوبان ذلك إجماع الصحابة، وذلك أن عمر ﵁ قال: يا أيها الناس إن النبي صلى","vol":"1","page":118},{"text":"الله عليه وسلم قبض ولم يفسر لنا الريا والزينة.\nوقالت عائشة لما اشترى زيد ابن أرقم جارية ابن ام ولده بثمانمائة إلى العطاء وباعها منه بستمائة نقدا: أبلغني زيد ابن أرقم أنه أبطل جهاده مع النبي ﷺ إن لم يتب.\nوقال ابن عباس لما سئل عن بيع الطعام قبل أن يستوفى دراهم بدراهم والطعام مؤجل.\n\n(فصل)\n\nيصح الاستدلال بالعكس، وقال أبو حامد الإسفرائيني: لا يجوز.","vol":"1","page":120},{"text":"والدليل على قولنا: أن المعلل إذا قال: لا تحل الشعر الروح؛ لأنه لو حله لما جاز أخذه من الحيوان حال الحياة، ولما جاز أخذه منه حال الحياة علمنا أن الروح لا تحله كالريش. فهذا استدلال صحيح؛ لأنه لو حلت الحياة الشعر وجاز أخذه من الحيوان حال الحياة لانتقضت العلة.\n\n(فصل)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>لا يجوز الاستدلال بالقرائن </span>عند أكثر أصحابنا، وقال محمد بن نصر: يجوز ذلك، وبه قال [المزني] [*]\nوالدليل\n_________\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعوفين بياض بالمطبوع، وأكملته من ت فركوس، وقال: وفي م (أي الطبعة المصرية): المازني","vol":"1","page":121},{"text":"على ما نقوله: أن كل واحد من اللفظين المقترنين له حكم نفسه، ويصح أن يفرد بحكمٍ دون ما قارنه، فلا يجوز أن يجمع بينهما إِلَّا بدليل، كما لو وردا مفترقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>باب حكم استصحاب الحال</span>\nقد ذكرنا","vol":"1","page":122},{"text":"أن أدلة الشرع ثلاثة أضرب: أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال، وقد مر الكلام في الأصل ومعقول الأصل، والكلام هنا في استصحاب الحال.\nوهو على ضربين:\nأحدهما: استصحاب الفعل، وذلك إذا ادعى في المسألة أحد الخصمين حكمًا شرعيًا، وادعى الآخر البقاء على حكم العقل، وذلك مثل أن يسأل المالكي عن وجوب الوتر، فيقول: الأصل براءة الذمة، وطريق اشتغالها الشرع، فمن ادعى شرعًا يوجب ذلك فعليه الدليل، وهذه طريقة صحيحة من الاستدلال.\nوالثاني: استصحاب حال الإجماع، وذلك مثل: استدلال","vol":"1","page":123},{"text":"داوود على أن أم الولد يجوز بيعها؛ لأنا قد أجمعنا على جواز بيعها قبل الحمل، فمن أدعى المنع من ذلك فعليه الدليل.\nوهذا غير صحيح من الاستدلال؛ لأن الإجماع لا يتناول موضع الخلاف، وإنما يتناول موضع الاتفاق، وما كان حجةً فلا يصح الاحتجاج به في الموضع الذي لا يوجد فيه، كألفاظ صاحب الشرع إذا تناولت موضعًا خاصًا لم يجز الاحتجاج بها في الموضع الذي لا تتناوله.\n\n(فصل)\n\nإذا ثبت ذلك فليس في","vol":"1","page":126},{"text":"العقل حظر ولا إباحة، وإنما تثبت الإباحة أو التحريم","vol":"1","page":129},{"text":"بالشرع، والباري تعالى يحلل ما يشاء ويحرم ما يشاء، هذا قول جمهور أصحابنا.\nوقال أبو بكر الأبهري: الأشياء في الأصل","vol":"1","page":130},{"text":"على الحظر.\nوقال أبو الفرج المالكي: الأشياء في العقل على الإباحة.\nوالدليل على ما نقوله: أنه لو كان العقل يوجب إباحة شيء من هذه الأعيان أو حظره لاستحال أن ينقله الشرع عما يقتضيه العقل، كما يستحيل أن يرد بنفي أن الاثنين أكثر من الواحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>(فصل)\n\nمن ادعى نفي حكم وجب عليه الدليل </span>كما يجب ذلك على من أثبته.\nوقال داوود: لا دليل على النافي.\nوالدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>(فصل)\n\nصفة المجتهد </span>أن يكون عارفًا بموضع الأدلة،","vol":"1","page":131},{"text":"ومواضعها من جهة العقل، ويكون عالمًا بطريق الإيجاب وبطريق الواقعة في اللغة والشرع.\nويكون عالمًا بأصول الديانات، وأصول الفقه، عالمًا بأحكام الخطاب من العموم والأوامر والنواهي والمفصل والمجمل والنص والنسخ وحقيقة الإجماع، عالمًا بأحكام الكتاب والسنة والآثار والأخبار وطرقها والتمييز","vol":"1","page":132},{"text":"بين صحتها وسقمها، عالمًا بأحكام الفقهاء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وبما أجمعوا عليه وبما اختلفوا فيه عالمًا من النحو والعربية بما يفهم به معاني كلام العرب.\nويكون","vol":"1","page":135},{"text":"مع ذلك مأمونًا في دينه مأمونًا به في دينه موثوقًا به في فضله.\nفإذا كملت هذه الخصال كان من أهل الاجتهاد، وجاز له أن يفتي، وجاز للعامي تقليده فيما يفتيه به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>باب أحكام الترجيح</span>\nالترجيح في أخبار الآحاد يراد لقوة غلبة الظن بأحد الخبرين عند تعارضهما.\nوالدليل على صحة ذلك إجماع السلف على تقديم بعض أخبار الرواة على سائرهم ممن يظن به الضبط والحفظ والاهتمام بالحادثة.\n\n(فصل)\n\nإذا ثبت ذلك فالترجيح يقع في الأخبار التي تتعارض ولا يمكن الجمع","vol":"1","page":137},{"text":"بينها ولا يعرف المتأخر منها -فيحمل على أنه ناسخ-، في موضعين: أحدهما: الإسناد، والثاني: المتن.\nفأما الترجيح في الإسناد فعلى أوجه غير وجهه:\nالأول: أن يكون أحد الخبرين مرويًا في قصة مشهورة متداولة عند أهل النقل، ويكون المعارض له عاريًا من ذلك، فيقدم الخبر المروي في قصة مشهورة؛ لأن النفس إلى ثبوته أسكن والظن في صحته أغلب.\nوالثاني: أن يكون راوي أحد الخبرين أضبط وأحفظ، وراوي الذي يعارضه دون ذلك، وإن كانا جميعًا يحتج بحديثهما، فيقدم خبر أحفظهما وأتقنهما؛ لأن النفوس أسكن إلى","vol":"1","page":138},{"text":"روايته وأوثق بحفظه.\nوالثالث: أن يكون رواة أحد الخبرين","vol":"1","page":140},{"text":"يدخله الصدق والكذب)\nبمعنى أنه محتمل لهما لا أنهما يدخلانه جميعا واحتماله لهما بالنظر إلى ذاته أي من حيث انه خبر كقولك قام زيد.","vol":"1","page":141},{"text":"أكثر من رواة الخبر الآخر، فيقدم الخبر الكثير الرواة؛ لأن السهو والغلط أبعد عن الجماعة وأقرب إلى الواحد.\nوالرابع: أن يقول راوي أحد الخبرين: سمعت رسول الله ﷺ؛ لأن السماع من العالم أقوى من الأخذ من الوارد.\nوالخامس: أن يكون أحد الخبرين متفقًا على رفعه إلى رسول الله ﷺ، والآخر مختلفًا فيه،","vol":"1","page":142},{"text":"فيقدم المتفق عليه؛ لأنه أبعد من الخطأ والسهو.\nوالسادس: أن يكون أحد الخبرين مختلف الرواية عن راوته، فيروى عنه إثبات الحكم ونفيه، وراوي الآخر لا تختلف الرواية عنه، وإنما يروى عنه أحد الأمرين، فيقدم رواية من لم تختلف عليه؛ لأن ذلك دليل على حفظ الرواية عنه وشدة اهتمامهم بحفظ ما رواه، فكان أولى.\nوالسابع: أن يكون راوي أحد الخبرين هو صاحب القصة والمتلبس بها، وراوي الخبر الآخر أجنبيًا، فيقدم خبر صاحب القصة؛ لأنه أعلم بظاهرها وباطنها، وأشد اهتمامًا بحفظ حكمها.\nوالثامن: إطباق أهل المدينة على العمل بموجب أحد الخبرين، فيكون أولى من خبر من يخالف","vol":"1","page":143},{"text":"عمل أهل المدينة؛ لأنها موضع الرسالة ومجتمع الصحابة، فلا يتصل العمل فيها إِلَّا بأصح الروايات.\nوالتاسع: أن يكون أحد الراويتن أشد تقصيًا للحديث وأحسن نسقًا له من الآخر، فيقدم حديثه عليه؛ لأن ذلك يدل على شدة اهتمامه بحكمه وبحفظ","vol":"1","page":144},{"text":"وبحفظ جميع أمره.\nوالعاشر: أن يكون أحد الإسنادين سالمًا عن الاضطراب، والآخر مضطربًا، فيكون السالم أولى؛ لأن ذلك يدل على إتقان رواته وحفظ جملته.\nوالحادي عشر: أن يكون أحد الحديثين يوافق ظاهر الكتاب، والآخر يخالفه، فيكون الموافق لظاهر الكتاب أولى.\n\nباب ترجيح المتون\n\nقد مضى الكلام في الترجيح من جهة الإخبار، والكلام هاهنا في الترجيح من جهة المتن، وذلك على أوجه:\n(أحدهما:","vol":"1","page":145},{"text":"أن يسلم أحد المتنين من الاضطراب والاختلاف، ويكون متن الحديث الثاني المعارض له مضطربًا مختلفًا فيه، فيكون السالم من الاضطراب أولى؛","vol":"1","page":146},{"text":"لأن ذلك دليل للحفظ والإتقان.\nوالثاني: أن يكون ما تضمنه أحد الخبرين من الحكم منطوقًا به، والآخر محتملًا، فيقدم ما ينطق بحكمه؛ لأن الغرض فيه أبين والمقصود","vol":"1","page":149},{"text":"فيه أجلى.\nوالثالث: أن يكون أحد الخبرين مستقلًا بنفسه، فيكون المستقل بنفسه متعين، المراد منه بخلاف غير المستقل فإنه لا يتيعين المراد به إِلَّا بعد نظرٍ واستدلال.\nوالرابع: أن يستعمل الخبران في محل الخلاف فيكون أولى من استعمال أحدهما واطراح أحد الدليلين، واستعمالهما أولى من اطراح أحدهما.\nوالخامس: أن يكون أحد العمومين متنازعًا في تخصيصه، والآخر متفقًا على تخصيصه، فيكون المتعلق بعموم ما لم يجمع على تخصيصه أولى.\nوالسادس: أن يكون أحد","vol":"1","page":151},{"text":"الخبرين يقصد به بيان الحكم، والآخر لا يقصد به بيان الحكم، فيكون ما قصد به بيان الحكم أولى، لأنه أبعد عن الاحتمال.\nوالسابع: أن يكون أحد الخبرين مؤثرًا في الحكم، والآخر غير مؤثر فيه، فيكون المؤثر أولى.\nالثامن: أن يكون أحدهما ورد على سبب، والآخر ورد على غير سبب، فيقدم ما ورد على غير سبب على الوارد","vol":"1","page":152},{"text":"على سبب؛ لأن معارضته للخبر الآخر تدل على أنه مقصور على سببه.\nوالتاسع: أن يكون أحد الخبرين قد قضى به على الآخر، في موضع من المواضع، فيكون أولى منه في سائر المواضع.\nوالعاشر: أن يكون أحد الحديثين وارد بألفاظ متغايرة وعبارات مختلفة، فيكون أولى مما روي أخبار الآحاد بلفظ واحد؛ لأنه أبعد من الغلط والسهو والتحريف.\nوالحادي عشر: أن يكون أحد الخبرين ينفي النقص عن أصحاب رسول الله صلى الله","vol":"1","page":153},{"text":"عليه وسلم، والآخر يضيفه إليهم، فيكون النافي أولى؛ لأنه أشبه بفضلهم ودينهم وما وصفهم","vol":"1","page":156},{"text":"الله تعالى به وأثنى عليهم به.\n\nباب ترجيح المعاني\n\nقد مضى الكلام في ترجيح الأخبار، والكلام هنا في ترجيح العلل، وذلك أن قد تتعارض قياسات في حكم حادثة أو بتردد الفرع بين أصلين يصح حمله على أحدهما بعلة مستنبطة منه، ويصح حمله على الثاني بعلة مستنبطة منه، فيحتاج الناظر إلى ترجيح إحدى العلتين على الأخرى، وذلك على أحد عشر ضربًا:\nالأول: أن تكون إحدى العلتين منصوصًا عليها، والأخرى غير منصوص عليها، فيقدم المنصوص عليه؛ لأن نص صاحب الشرع عليها دليل على صحتها.\nوالثاني: أن تكون إحدى العلتين لا تعود على أصلها","vol":"1","page":157},{"text":"بالتخصيص، والثانية تعود على أصلها بالتخصيص، فالتي لا تعود على أصلها بالتخصيص أولى؛ لأن التعلق بالعموم أولى استنباطًا ونطقًا.\nوالثالث: أن تكون إحدى العلتين موافقة للفظ الأصل، والأخرى مخالفة، فتقدم الموافقة؛ لأن الأصل شاهد للفظه.\nوالرابع: أن تكون إحدى العلتين مطردة منعكسة، والأخرى غير مطردة غير منعكسة، فتقدم المطردة المنعكسة؛ لأن العلة إذا","vol":"1","page":158},{"text":"اطردت وانعكست غلب على الظن تعلق الحكم بها، لوجوده بوجودها وانعدامه بعدمها.\nوالخامس: أن تكون إحدى العلتين تشهد له أصول كثيرة، والأخرى لا يشهد لها إِلَّا أصل واحد، فما شهد لها أصول كثيرة أولى؛ لأن غلبة الظن إنما تحصل بشهادة الأصول، فكل ما كثر ما يشهد لها من","vol":"1","page":159},{"text":"الأصول غلب على الظن صحتها.\nوالسادس: أن يكون أحد القياسين رد الفرع إلى الأصل من جنسه، والآخر رد الفرع إلى الأصل من غير جنسه، فيكون من رد إلى جنسه أولى؛ لأن قياس الشيء على جنسه أولى من قياسه على مخالفه.\nوالسابع: أن تكون إحدى العلتين واقفة والأخرى متعدية، فتقدم المتعدية.\nوالثامن: أن تكون إحداهما لا تعم فروعها، والأخرى تعم فروعها، فتكون العامة أولى؛\n[والتاسع: أن تكون إحدى العلتين عامة، والأخرى خاصة، فتكون العامة أولى؛ لأن كثرة الفروع تجري مجرى شهادة الأصول لها.] [*]\nوالعاشر: أن تكون إحدى العلتين منتزعة من أصل منصوص والأخرى منتزعة من أصل لم ينص عليه، فتكون\n_________\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفين ليس بالمطبوع، واستدركته من تحقيق فركوس، وقد ذكر هناك بالهامش أنه ساقط من الطبعات التونسية","vol":"1","page":160},{"text":"المنتزعة من أصل منصوص عليه أولى.\nوالحادي عشر: أعم فروعًا، ولأن كل وصف يحتاج في إثباته إلى ضرب من الاجتهاد، وكلما استغنى الدليل على كثرة الاجتهاد كان أولى.\n* * *\nوصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله.\n\nتم كتاب الإشارات للشيخ الإمام أبي الوليد الباجي، بعون الله وقوته وتوفيقه وإحسانه وفضله، والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين.","vol":"1","page":161}]}